فى اصول الفقه
للفاضل التونى
المولى عبدالله بن محمد البشروى الخراسانى
المتوفى سنة 1071 ه
تحقيق
السيد محمد حسين الرضوى
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة
مجمع الفكر الاسلامى
ص . ب 3654 37185
ت 737117
الكتاب : الوافية فى اصول الفقه
المؤلف : الفاضل التونى قدس سره
المحقق : محمد حسين الرضوى الكشميرى
الناشر : مجمع الفكر الاسلامى
الطبعة : المحققة الثانية جمادى الاولى 1415 ه . ق
صف الحروف و الاخراج الفنى : كمبيوست الحوراء ( ع ) ـ قم
الالواح الحساسة : تيز هوش
المطبعة : باقرى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف الخلق محمد و آله الطاهرين .
يقدم مجمع الفكر الاسلامى للمكتبة الاسلامية عامة و للمكتبة الاصولية خاصة كتاب [( الوافية]( فى علم اصول الفقه لاحد فحول الامامية , و هو المولى عبد الله بن محمد البشروى الخراسانى المعروف بالفاضل التونى من أعلام القرن الحادى عشر الهجرى . و هو من خيرة المتون الاصولية من حيث المنهجية و صياغة المطالب و الاعتماد على مبان جديدة .
يمثل كتاب[ ( الوافية]( قمة التطور لعلم اصول الفقه فى القرن الحادى عشر لدى علماء الامامية و يمتاز بالابداع و الابتكار , كما يمتاز بالالتفات إلى كتب الاصول للمذاهب الاخرى . و قد تصدى فيه مؤلفه للمحركة المناهضة لعلم الاصول فى عصره فكان سدا منيعا أمام هذا التيار الذى كاد أن يوقف حركة الاجتهاد فى ذلك العصر .
و يمتاز[ ( الوافية]( بكونه كتابا أعده مؤلفه للتدريس و تربية الطلاب و تيسير وصولهم إلى مرتبة الاستنباط .
و قد تصدى العلامة السيد محمد حسين الرضوى الكشميرى لتحقيقه و اخراجه بأحسن وجه ممكن احياءا للتراث الاسلامى المعطاء و خدمة لشريعة سيد المرسلين . فشكر الله سعيه و تقبل منه جهده انه ولى التوفيق و هو المسدد للصواب و هو حسبنا و نعم النصير .
غرة رجب المرجب 1412 ه . ق
الاهداء
إليك
يا حجة الله
أهدى هذا المجهود المتواضع .
سيدى :
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيدنا , حبيب إله العالمين , أبى القاسم محمد , و على آله الطيبين الطاهرين .
و بعد , فان الله تعالى لما اختار لوليه الغيبة , من على الامة بطائفة نفرت للتفقه فى الدين , لتنوب منابه , و لتكون نجوما يهتدى بها .
فقد حفظ هؤلاء شرع سيد المرسلين , و حملوا أعباء الرسالة , و شيدوا علوم الدين , فهم حقا حصون الاسلام و جنوده .
و لقد وفقهم الله تعالى لما لهم من الاخلاص فى النية غاية التوفيق , فقاموا بهذه المهمة خير قيام .
و قد تمخضت جهودهم العلمية و العملية عن مصنفات قيمة , لا يدرك غورها , و لا تبلغ أطرافها . فقد خلفوا لنا تراثا ضخما واسعا رغم قساوة الظروف المحيطة بهم و قلة الامكانات المتاحة لهم .
و شمل نشاطهم مختلف العلوم الدينية , و لم يقتصر على معرفة الحلال و الحرام , بل أعطوا كل علم من علوم الشريعة حقه بما تركوه من آثار خالدة فصنفوا فى الكلام
ثم لما كانت مسائل الفقه من الطهارة الى الديات بحاجة الى مبان موحدة تقع كبرى فى قياس استنباط الحكم الشرعى , عكفوا على هذه المبانى فأسدوها عناية فائقة , و اهتماما كبيرا , فبذلوا فيها ما يناسبها من التدقيق و التأمل , و ما تستحقها من التوسع و التعمق , فعقدوا لكل منها مبحثا خاصا .
و لعمرى فانها جديرة بذلك , إذ أن النتائج المأخوذة من هذه المباحث لهى قانون كلى تبنى عليه فروع فقهية متكثرة , فقد تترتب على المبنى الواحد مئات المسائل الفقهية بأقسامها المتباينة و أبوابها المختلفة . فكون الامر حقيقة فى الوجوب مثلا , قانون ينطبق على كل أبواب الفقه من الطهارة الى الديات , و من قال بدلالة النهى على الفساد فانه يبنى عليه فى شتى مسائل الفقه .
و نظرا لهذه الاهمية : جمعوا هذه المباحث فى علم مستقل , أسموه ( أصول الفقه ) و أفردوا له مصنفات على حدة .
و لقد كان جهدهم فى هذا المجال جبارا و موفقا , حيث قد تمخض عن مصنفات رائعة و مؤلفات فائقة , فكانت ( الذريعة ) للسيد الاجل المرتضى , و ( العدة ) لشيخ الطائفة الطوسى , و ( المعارج ) للمحقق , و ( النهاية ) و ( التهذيب ) و ( المبادىء ) للعلامة , و مقدمة ( المعالم ) للشيخ أبى منصور , علاوة على ما فقد منها و أتلف فيما أتلف من التراث الاسلامى نتيجة تسلط الجهلاء و الطائفيين , و حكومتهم على رقاب المسلمين .
و فى طليعة المصنفات الاصولية يأتى كتابنا هذا فهو من خيرة التراث الامامى الزاهر , الباعث على الفخر و الاعتزاز . و سنأتى فيما بعد على بيان ميزاته و خصائصه و قيمته العلمية , بما يجعله حريا بالتحقيق و البحث , جديرا بالدراسة و التحليل .
لسنا بصدد وضع ترجمة مطولة للمصنف , فان لهذا الفن أهله و رجاله , و إنما نعرض بايجاز إلى ملامح من حياته و مكانته العلمية , مع حصر مؤلفاته , لنفرغ للكلام عن ( الوافية ) نفسها .
و قد ترجم للمصنف كل من عنى بتراجم علماء الشيعة الامامية و فقهائهم , و فى طليعتهم :
1 معاصره , المحدث , صاحب الوسائل , الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملى ( ت 1104 ه ) فى كتابه : أمل الامل القسم الثانى برقم 477 ص 163 .
2 و معاصره الاخر , الميرزا عبدالله الافندى الاصبهانى ( من أعلام القرن الثانى عشر ه ) فى كتابه : رياض العلماء و حياض الفضلاء : 3 237 238 .
3 و الميرزا محمد التنكابنى ( ت 1302 ه ) فى كتابه : قصص العلماء ص 269 270 ( فارسى ) .
4 و المولوى الميرزا محمد على الكشميرى ( ت 1309 ه ) فى كتابه : نجوم السماء فى تراجم العلماء ص 193 .
5 و الميرزا السيد محمد باقر الموسوى الخونسارى الاصبهانى ( ت 1313 ه ) فى كتابه : روضات الجنات فى أحوال العلماء و السادات : 4 244 246 .
6 و المحدث الشيخ عباس القمى ( ت 1359 ه ) فى كتابيه : الكنى و الالقاب : 2 113 و : الفوائد الرضوية فى أحوال علماء مذهب الجعفرية ص 255 .
7 و السيد محسن الامين العاملى ( ت 1371 ه ) فى كتابه : أعيان الشيعة : 8 70 .
8 و الميرزا محمد على المدرس ( ت 1373 ه ) فى كتابه : ريحانة الادب فى تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب : 1 356 ( فارسى ) .
9 و الشيخ آقا بزرگ الطهرانى ( ت 1389 ه ) فى كتابه : طبقات أعلام الشيعة القرن الحادى عشر ص 342 .
10 و عمر رضا كحالة ( ت 1408 ه ) فى كتابه : معجم المؤلفين : 6 113 .
و نجمل ما جاء عنه , تحت العناوين التالية :
عنونه الشيخ الحر العاملى ب[ : ( مولانا عبدالله بن محمد التونى البشروى]( .
و ذكره بهذا العنوان أيضا : الميرزا عبدالله الافندى , و السيد الخونسارى , و زاد الافندى[ : ( المعروف بملا عبدالله التونى]( .
و ذكره السيد الامين بعنوان[ : ( المولى عبدالله بن الحاج محمد التونى البشروى الخراسانى]( .
و عرفه التنكابنى بالفارسية ب[ : ( آخوند ملا عبد الله تونى]( .
و سماه الشيخ الطهرانى ب[ : ( عبد الله البشروئى بن محمد التونى الخراسانى , صاحب الوافية]( .
و قال المحدث القمى فى كتابه الكنى و الالقاب[ : ( التونى : إذا وصف به الفاضل , فهو : المولى عبدالله بن محمد التونى البشروى]( .
و بهذا العنوان أى : الفاضل التونى ينعت فى كتب الاصول , كما سيمر عليك .
لم يسجل مترجموه تاريخ ولادته . أما وفاته : فقد قال السيد الخونسارى[ : ( نقل عن خط الشيخ أحمد أنى المصنف أنه كتب على ظهر بعض نسخ ( الوافية ) ما هذا صورته : قد وقع فراغ المصنف , قدس الله روحه و أسكنه حضيرة القدس مع أوليائه و أحبائه , من تسويد الرسالة التى جمعت بدائع التحقيق و ودائع التدقيق ثانى عشر أول الربيعين من شهور سنة تسع و خمسين و ألف من الهجرة , و روح الله
و قال العلامة الطهرانى[ : ( توفى فى سنة 1071 هكما يظهر ذلك من النسخة التى كتبها على أصغر بن محمد حسين السبزوارى 1111 هالموجودة فى ( مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام العامة ) فى النجف الاشرف و هى منقولة عن خط أخيه أحمد بن محمد]( .
و سيأتى أنه فرغ من تصنيف هذا الكتاب سنة ( 1059 ه ) .
و قد نص الشيخ الحر العاملى ( ت 1104 ه ) على معاصرته له .
قال الميرزا الافندى[ : ( كان قدس سره أولا بأصبهان مدة , فى المدرسة المشهورة بمدرسة المولى عبدالله التسترى المرحوم , ثم سافر إلى مشهد الرضا عليه السلام , و توطن فيه مدة , ثم أراد التوجه إلى العراق لزيارة الائمة عليهم السلام بها من طريق قزوين , و أقام مدة فى قزوين مع أخيه المولى أحمد , فى أيام حياة المولى الفاضل مولانا خليل القزوينى بالتماسه , و كان بينهما صحبة و مودة , ثم توجه الى الزيارة فأدركه الموت فى الطريق بكرمانشاه , و دفن بها , و لعل وفاته بعد المراجعة فلاحظ .
و التونى : ـ بضم التاء المثناة , ثم الواو الساكنة , و آخرها نون نسبة إلى تون , و هى بلدة من بلاد قهستان بخراسان ( 1 ) , و بها قلعة الملاحدة الاسماعيلية , و أنا دخلت تلك البلدة , و كان أهلها يقولون إن هذه القلعة هى القلعة التى حبس بها الخواجه نصير الطوسى بأمر سلطان الملاحدة فلاحظ قصته .
و البشروى : بضم الباء الموحدة , و الشين المعجمة الساكنة , ثم الراء المهملة المفتوحة و آخرها الواو ثم الياء نسبة إلى ( بشرويه ) بضم الباء الموحدة , ثم الشين المعجمة الساكنه , ثم الراء المهملة المضمومة ثم الياء المثناة المفتوحة , ثم الهاء أخيرا
( 1 ) و تعرف اليوم بفردوس على ما فى بعض معاجم اللغة الفارسية .
قال الشيخ الطهرانى[ الذريعة[ : [ 230 6 : ( و عقبه فى بشرويه من محال خراسان معروفون إلى اليوم]( .
و قال السيد الخونسارى[ : ( و نقل عن خط الشيخ أحمد ـ أخى المصنف انه كتب على ظهر بعض نسخ الوافية ما هذه صورته : قد وقع فراغ المصنف . . . . و روح الله روحه فى سادس عشر ذلك الشهر بعينه من شهور سنة إحدى و سبعين و ألف فى بلدة كرمانشاهان حين توجهه إلى زيارة ساداته سلام الله عليهم أجمعين . و دفن عند القنطرة المشهورة ب ( بل شاه ) عند منتهى القبور , عن يمين الطريق , و بنى على قبره قبة ليعرف بذلك . و قد أمر بتلك القبة الحاكم العامل العادل قدوة أمراء الزمان و أسوة خوانين الدوران الشيخ على خان أيده الله سبحانه . و كتب أخوه الوحيد المنتظر لامر الله أحمد بن حاجى محمد البشروى الخراسانى حامدا مصليا مسلما . انتهى]( .
و وصفه الشيخ الحر العاملى بأنه[ ( ساكن المشهد]( و المراد بها مدينة مشهد الامام الرضا عليه السلام المعروفة باسم ( خراسان ) التى ينسب اليها المصنف أيضا .
قال عنه الشيخ الحر العاملى[ : ( صالح زاهد عابد]( .
و أكد ذلك سائر من ترجم له .
و أضاف الميرزا الافندى[ : ( و هذا المولى على ما سمعناه ممن رآه كان من أورع أهل زمانه و أتقاهم , بل كان ثانى المولى أحمد الاردبيلى رضوان الله عليه . و كذلك كان أخوه المولى أحمد التونى]( .
ثم قال فى معرض حديثه عن بلدة بشرويه[ : ( و قد دخلتها و كان أهلها ببركة هذا المولى و أخيه المولى أحمد كلهم صلحاء أتقياء عباد على أحسن ما يكون]( .
يحكى لنا التنكابنى قصة للمصنف مع سلطان عصره الشاه عباس الصفوى ,
أولا : المكانة العلمية و الاجتماعية للمصنف , و التى أهلته لان يقصده بالزيارة سلطان الوقت بنفسه . و هذا مؤشر واضح على سمو مرتبته العلمية و الاجتماعية , فان من المعلوم ان سلاطين العصر يزارون و لا يزورون . و لكن تنتقض هذه القاعدة و تخصص بالعلماء الكبار الذين يحتلون المرتبة الدينية العليا و يختصون بلقب المرجع و المقلد و المفتى , فهؤلاء يركع السلاطين على أبوابهم كرامة من الله تعالى لمن يبلغ رسالته و يقوم بأعباء حمل شريعة سيد المرسلين .
و ثانيا : تعفف المصنف عن طلب أى أمر دنيوى , مما يعكس لنا اخلاصه التام لله تعالى , و الصفاء فى النية إليه , و هذا هو شأن علماء الامامية و الطابع العام لهم قاطبة , فقد سجل التأريخ لهم سيرة منزهة عن كل أنواع التقرب و التوددإلى ملوك العصرإلا ما كان من ذلك لمصلحة الدين و حفظ بيضة الاسلام و المسلمين .
و ثالثا : اهتمام المصنف بحث المجتمع على تعلم العلوم الالهية و التفقه فى الدين الموصل الى معرفة الله و طاعته .
يقول التنكابنى[ : ( 1 ) ( ذكر أن الشاه عباس جاء يوماإلى زيارة الاخوند الملا عبدالله التونى , و كان الاخوند التونى قد شيد مدرسة دينية و لكن لم يكن قد التحق بها أحد من الطلاب بعد .
و بعد أن اطلع السلطان على تلك المدرسة و تجول فيها , سأل الملا عبدالله عن السبب فى عدم التحاق الطلاب بها و عدم توجه الناس إلى التلمذ فيها , فقال له الملا عبدالله سأجيبك على هذا السؤال فيما بعد .
ثم قام الاخوند بعد ذلك بمدة بزيارة الشاه عباس ردا له على زيارته و بعد انتهاء التشريفات و المحادثات , طلب الشاه عباس إلى الاخوند الملا عبدالله بأن يأمره بما يشاء . فرد عليه الاخوند بان ليس له من حاجة . فألح الشاه عباس عليه بذلك . فقال الاخوند اذا كان و لا بد فحاجتى أن أركب و أن تسير ماشيا بين يدى فى
( 1 ) النص مترجم عن الفارسية .
و بعد مرور مدة من الزمان قام السلطان الشاه عباس ثانية بزيارة الاخوند الملا عبدالله فى مدرسته المذكورة فرآها حاشدة بالتلاميذ . فاستفسر عن امتلائها بذلك العدد الكبير و عن خلوها قبل ذلك فأجابه الاخوند بان السبب فى خلوها من الطلاب فيما سبق يعودإلى ما كانوا عليه من الجهل بفضيلة العلم و منزلة العالم , لذا لم يتوجه أحد الى مدرستى لطلب العلم , و بعد أن رأوا منك ذلك الاحترام و التقدير للعلماء حين مشيت بين يدى و أنا راكب فى الملا العام عرفوا ذلك فانثالوا على المدرسة لنيل شرف العلم , و هذا هو الذى دعانى أن اطلب منك ذلك , و هذه هى غايتى منه , فلما أن فعلت ذلك علموا أن للعلم منزلة كبيرة فى الدنيا حتى أن السلطان يترجل بين يدى العالم .
لذا فانهم جاؤوا طلبا للعزة الدنيوية و المكانة الاجتماعية , و لكنهم بعد أن سيطوون بعض مراحل العلم و يستضيئون بنوره , ستخلص نواياهم لله تعالى , و تحصل لهم نية القربة له , التى هى الغاية الاخيرة للعلم و لجميع العبادات , كما ورد فى الخبر : [ ( اطلبوا العلم و لو لغير الله فانه يجر إلى الله]( , و يكونون مصداقا لمقولة[ : ( المجاز قنطرة الحقيقة]( .
نعته الشيخ الحر العاملى بقوله[ : ( عالم , فاضل , ماهر , فقيه]( .
و وصفه الفقيه المتبحر , المحدث الشيخ يوسف البحرانى ( صاحب الحدائق ) عند التعرض لبعض آرائه فى كتابه ( الدرر النجفية ) فى درة
و يذكره مجدد علم الاصول الشيخ الانصارى الذى لم نعهد منه السخاء فى الاطراء و اطلاق السمات العلمية إلا على آحاد العلماء بعنوان ( الفاضل التونى ) عند نقل آرائه فى موارد مختلفة من فرائده , كما سيأتى .
و بهذا اللقب يذكره أساتذة الحوزات العلمية فى مجالس تدريسهم و فى تقريرات أبحاثهم .
و سيأتى مزيد من الحديث عن مكانته العلمية .
1 شرح الارشاد , فى الفقه .
ذكره له الشيخ الحر العاملى .
قال السيد الخونسارى[ : ( لو لم يتيسر لنا إلى الان الوقوف على شرح ارشاده]( .
و أصل الكتاب : ( ارشاد الاذهان ) للعلامة الحلى .
2 رسالة فى الاصول .
ذكرها له أيضا , الشيخ الحر العاملى .
قال السيد الخونسارى[ : ( و أما رسالته الاصولية فهى كتابه الموسوم بالوافية فى أصول الفقه , و نسخه متداولة بين الطلاب]( . و لكن السيد الامين عد الرسالة كتابا آخر غير الوافية .
و هو كتابنا هذا و هو الاثر الوحيد الباقى له , و سيأتى الكلام عنه .
3 رسالة فى الجمعة .
ذكرها له الشيخ الحر العاملى أيضا .
قال الميرزا الافندى[ : ( هذا المولى أحد القائلين بالمنع من صلاة الجمعة فى زمن الغيبة , و رسالته المذكورة مؤلفة فى هذا المعنى]( . و مثله ذكر السيد الخونسارى .
ذكرها له الميرزا الافندى , و وصفها بأنها[ : ( حسنة]( .
و قال السيد الخونسارى عنها بأنها[ : ( جيدة جدا]( .
و الاصل : معالم الدين و ملاذ المجتهدين . المحتوى فى مقدمته على أبحاث علم الاصول , و تعرف ب ( اصول المعالم ) و ب : ( معالم الاصول ) , للمحقق الشيخ حسن الجبعى العاملى نجل الشهيد الثانى .
5 تعليقات على المدارك .
ذكرها له الميرزا الافندى , و السيد الخونسارى , و وصفها الاخير بأنها كحاشيته على المعالم فى الجودة .
و الاصل : مدارك الاحكام . للسيد محمد بن على الموسوى العاملى , فى شرح شرائع الاسلام للمحقق الحلى .
6 حاشية على إرشاد العلامة .
ذكرها له الميرزا الافندى , ثم قال[ : ( و الظاهر أنها بعينها شرحه المذكور]( المتقدم برقم ( 1 ) . و تابعه فى ذلك السيد الخونسارى .
7 فهرست لتهذيب الاحكام لشيخ الطائفة الطوسى .
ذكره هو لنفسه فى الوافية كتابنا هذا فى آخر البحث الثانى من المقصد الثانى من الباب الثانى , و هو مبحث جواز التمسك بالعام قبل الفحص عن مخصصه , حيث قال[ : ( و ينبغى فى فحص مخصص العام المتعلق بشىء من مسائل الطهارة ملاحظة كل واحد من أبوابها فى التهذيب , و كذا الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و غيرها , سيما باب الزيادات و النوادر فى كل منها , و الاحسن ملاحظة الابواب المناسبة فى الكتب الاخر أيضا إلى أن قال : و قد تكفل بجميع ذلك و غيره , الفهرست الذى جعلته على التهذيب , و هو من أهم الاشياء لمن يريد الفقه و الترجيح , و لم يسبقنى إليه أحد , و الحمد لله]( فلاحظ كل كلامه .
و علق على هذا السيد الخونسارى بقوله[ : ( و هو كمال قال , و فوق ما نقول]( .
الملفت للنظر فى شخصية المؤلف هو روح الابتكار لديه , و هى صفة حرية بالتقدير و الدراسة , فان الكثير من اهل العلم و المعرفة يخوض غمار المسائل التى طرحت قبله من دون أن يستطيع الخروج من الدائرة التى رسمها من تقدم عليه و يبقى نطاق تفكيره و أفق ابحاثه محصورا فى نفس تلك الخطوط العريضة المقررة عليه .
و يبقى عدد المبتكرين و النوابغ نزرا .
و نعتقد أن المصنف رحمه الله من اولئك الاحاد , وإنما خفى ذكره و لم يشتهر أمره لعدة عوامل أحدها ضياع جل مؤلفاته , لاسباب لا نعرفها , و قد تكون عامة , و هى التى أودت بالكثير من تراث المذهب الامامى الضخم على ما نقرأه فى تراجم اعلامنا , فما من علم من الاعلام إلا و قد ضاع له أكثر من كتاب .
هذا أحد العوامل , و نطوى كشحا عن سائرها .
و مما يحدو بنا الى هذا الاعتقاد هو صنعته الفهرس على التهذيب , فهو عمل جديد من نوعه بالقياس الى المرحلة الزمنية , و الثقافية التى عاشها , فقد وجدنا الكثير من المصنفين و المؤلفين على مرور أدوار علوم الفقه و الاصول و الحديث و غيرها , و لكن يأتى هذا المصنف أو ذاك و يصنف على غرار من قبله حتى ليضع عناوين الابواب و الفصول , بل حتى نص المسألة , و كأنه ينسخها ممن تقدم عليه نسخا . فى هذا الجو , و فى هذه الروح التقليدية نطالع اسم الفاضل التونى و هو يقوم بوضع ( الفهرس ) على التهذيب و يجمع شوارده , ليرجعها الى مقرها المناسب , و هو بذلك يقوم بعمل جديد من نوعه , فهو عمل تكميلى و اصلاحى للموسوعة الحديثية البارعة لشيخ الطائفة و عمادها الشيخ الطوسى قدس سره .
و لهذا الفهرس دلالة اخرى , فهو يعكس سعة باعه فى كل من الفقه و الحديث , إذا من الواضح لاهل هذا الفن ما يتطلبه هذا العمل من مؤهلات .
و المؤشر الاخر على عقليته الابتكارية هى المنهجية الجديدة التى مشى عليها
و انفرد بعدة آراء لم يسبقه اليها أحد .
و قد اشار السيد الخونسارى الى ذلك حيث قال[ : ( و له فى الاستصحاب و مباحث التعادل و التراجيح تفريعات و فوائد نادرة و تصرفات كثيرة لم يسبقه اليها أحد من الاصوليين]( .
و سنذكر طرفا آخر من ابداعاته فى الفكر الاصولى عند حديثنا عن كتابه ( الوافية ) .
ليس لدى الان الفرصة الكافية لاعطاء هذا البحث حقه , وإنما أدون ههنا ما استحضره , و ما سبق لى أن اعددته :
ينحصر طريق تقييم الفاضل التونى بكتابه الوافية بعد أن كانت بقية مصنفاته فى قائمة الكتب المفقودة .
مع أنه ليس بالاثر القليل رغم حجمه القليل .
فلقد افرغ فى كتابه هذا ثقلا علميا كبيرا , و خصه بامتيازات هامة . حتى أصبحت آراؤه المطروحة فيه مدارا للبحث و المناقشة لدى الرعيل الاول من علماء الاصول الى وقتنا الحاضر .
فقد اهتم الشيخ الانصارى بافكاره و تحقيقاته متعرضا لارائه بالمناقشة و البحث , ناقلا نص عبارته فى بعض الموارد , وإليك التفصيل :
1 تعرض الى ما استظهره من مذهب المتقدمين فى حجية خبر الواحد , فقد نقل عبارته فى الوافية , ثم علق عليها بالتعجب .
قال قدس سره فى الفرائد[ : 109 : ( بل فى الوافية أنه : لم يجد القول بالحجية صريح ممن تقدم على العلامة , و هو عجيب]( .
2 حكى استدلاله بالدليل العقلى على حجية خبر الواحد , و جعله الوجه
انظر فرائد الاصول : 171 172 .
3 تعرض رحمه الله الى ما أفاده من اشتراطه لجريان اصالة البراءة شرطين آخرين علاوة على الشروط التى ذكرها الاصوليون الاول : أن لا يكون إعمال الاصل موجبا لثبوت حكم شرعى من جهة اخرى مثل أن يقال فى أحد الانائين المشتبهين : الاصل عدم وجوب الاجتناب عنه , فانه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الاخر , أو عدم بلوغ الملاقى للنجاسة كرا , أو عدم تقدم الكرية حيث يعلم بحدوثها على ملاقاة النجاسة , فان اعمال الاصول يوجب الاجتناب عن الاناء الاخر أو الملاقى أو الماء . الثانى : أن لا يتضرر باعمالها مسلم , كما لو فتح انسان قفص طائر فطار , أو حبس شاة فمات ولدها , أو امسك رجلا فهربت دابته , فان اعمال البراءة فيها يوجب تضرر المالك , فيحتمل اندراجه فى قاعدة الاتلاف , و عموم قوله[ : ( لا ضرر و لا ضرار]( إلى آخر كلامه . فقد حكى الشيخ الانصارى نص كلامه و أشبعه تدقيقا و تحليلا و مناقشة إذ قد عقد تذنيبا خاصا بهذا الرأى .
انظر فرائد الاصول : 529 532 .
و بمناسبة استدلال الفاضل التونى بقاعدة نفى الضرر , دخل الشيخ فى هذه المسألة ليخوض غمارها و يحقق القول فيها , فجاء هذا البحث و كأنه رسالة مستقلة قاده الى وضعها ما ذكره التونى فى الشرط الثانى بل أخذ جميع الاصوليين بالبحث عنها فى هذا المورد .
و نشير الى ان للفاضل التونى رأيه الخاص بمفاد هذه القاعدة , كما سنذكر ذلك بعد قليل .
4 ناقش رحمه الله مذهبه بتخصيص مجرى أصل البراءة بما اذا لم يكن جزء عبادة .
انظر فرائد الاصول : 532 .
5 تعرض لما استظهره صاحب الوافية من عبارة شارح المختصر ( العضدى )
فرائد الاصول : 542 .
6 تعرض لاستدلاله بصحيحة زرارة الواردة فى باب الشك فى عدد ركعات الصلاة و المصطلح عليها بصحيحة زرارة الثالثة على حجية الاستصحاب . ثم تأمل فى ذلك و ناقش فيه .
فرائد الاصول : 567 .
7 تعرض رحمه الله للتفصيل الذى ابتكره و انفرد به فى باب حجية الاستصحاب , و هو رأى نال إهتمام كل الاصوليين الى يومنا الحاضر , فقد ذهب الى التفصيل بين الاحكام الوضعية يعنى نفس الاسباب و الشروط و الموانع , و الاحكام التكليفية التابعة لها , و بين غيرها من الاحكام الشرعية , فيجرى فى الاول دون الثانى ( 1 ) . فقد فصل الشيخ الانصارى القول فى هذا الرأى و استعرض استدلال الفاضل التونى عليه , ناقلا نص عبارته بطولها , ثم انهال عليه بالمناقشة فقرة فقرة مما اضطره إلى عقد بحث عن الحكم الوضعى و بسط الكلام فيه و تحقيق ما اذا كان مستقلا بالجعل , او انه تابع بالجعل للحكم التكليفى .
فرائد الاصول : 598 612 .
و بهذا ألجأ الفاضل التونى الاصوليين الى بسط الكلام عن الحكم الوضعى , و تفصيل القول فيه من بيان حقيقته و كيفية تعلق الجعل به و تحديد مصاديقه
( 1 ) أفاد بعض اساتذة العصر فى مجلس درسه عند استعراض هذا الرأى للفاضل التونى و توضيحه : أن اطلاقه ( الاحكام الوضعية ) على الاسباب و الشروط و الموانع , مسامحة منه , فان ( الاحكام الوضعية ) باصطلاح القوم هى الشرطية و السببية و المانعية .
و حاصل مسلكه هو : أن الاستصحاب حجة فى موضوعات الاحكام الوضعية , و الاحكام التكليفية المسببة عنها .
و بعبارة أخرى : ان الاستصحاب يجرى فى الاسباب و الشروط و الموانع , و فى الحكم الشرعى المترتب عليها , دون السببية و الشرطية و المانعية . أما غير هذه الموارد من الاحكام التكليفية و مطلق الاحكام الوضعية فالاستصحاب غير جار فيها .
8 أيد الشيخ الانصارى رحمه الله دعواه اشتراط بقاء الموضوع فى جريان الاستصحاب , بكلام الفاضل التونى الذى اورده لرد تمسك المشهور فى نجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية .
فرائد الاصول : 641 .
9 دعم رحمه الله دعواه عدم جواز اثبات عمرو باستصحاب الضاحك المحقق فى ضمن زيد . ثم ناقشه فى قياسه ( عدم المذبوحية ) على المثال المذكور .
فرائد الاصول : 643 .
10 استشهد رحمه الله على دعواه عدم جريان الاصل فى المسبب و تقدم الاصل فى السبب عليه و عدم امكان جريانهما معا . بكلام الفاضل التونى و نقل نص عبارته الصريحة فى ذلك .
فرائد الاصول : 742 .
و كذا وقعت آراؤه موقع الاهتمام و المناقشة لدى الاخوند الخراسانى , فقد تطرق فى الكفاية إلى مناقشة آرائه التالية :
1 اضافته الشرطين المتقدمين لجريان أصل البراءة . و فعل الاخوند ما فعله الشيخ الانصارى قبله .
كفاية الاصول : 379
2 تفسيره الضرر المنفى بقوله صلى الله عليه و آله[ ( لا ضرر و لا ضرار]( ب : الضرر غير المتدارك .
كفاية الاصول : 381 .
3 الدليل العقلى الذى أفاده لاثبات حجية خبر الواحد الموجود فى الكتب المعتمدة للشيعة .
كفاية الاصول : 305 .
4 بسط الاخوند الكلام فى تحقيق حال الاحكام الوضعية تبعا للشيخ
كفاية الاصول : 399 404
و ما زالت آراؤه محل اعتناء الاصوليين فى تصنيفاتهم , و اساتذة الدروس العالية فى مجالس تدريسهم .
وإن دل ذلك على شىء فانما يدل على أنه أحد اعلام هذا العلم , و أحد المبتكرين للنظريات الاصولية .
الوافية : من خيرة المتون الاصولية التى خلفها لنا فطاحل علماء الامامية فلقد ترك لنا أولئك مصنفات فى مختلف علوم الشريعة , من الكلام و التفسير و الفقه و الاصول و الحديث و الرجال , يمثل كل منها المرحلة التى وصل اليها ذلك العلم فى تلك البرهة .
و فيما يخص علم الاصول :
إن كانت ( الذريعة ) معبرة عن قمة ما وصل اليه هذا العلم فى عصر السيد المرتضى , و ( العدة ) فى عصر شيخ الطائفة الطوسى , و ( المعارج ) فى عصر المحقق الحلى , و ( النهاية ) و ( التهذيب ) و ( المبادىء ) فى عصر العلامة الحلى , و مقدمة ( المعالم ) فى عصر المحقق الشيخ حسن , فان ( الوافية ) تمثل القمة فى التطور الاصولى الذى ارتقى اليه فى القرن الحادى عشر الهجرى لدى الاصوليين من الامامية . فقد حباها مؤلفها الذى يصفه الشيخ الحر العاملى بالفقيه العالم الفاضل ( الماهر ) , حباها بمزايا افردتها عما صنف قبلها . فان مقارنة سريعة بينها و بين ما تقدمها ليكشف عن ذلك بوضوح .
فمن ينتقل من مراجعة ( المعالم ) إلى ( الوافية ) يشعر بتحول و تطور , و يلاحظ نقلة فى المستوى و الافق الذى يدفع بالقلم لرسم تلك السطور , و ليس مجرد تبدل فى الرأى , أو تغيير فى المبنى . و بكلمة مختصرة : يلاحظ المقارن بين الكتابين اختلافا فى المنهجية , و فى نمط التفكير , و صياغة المطالب , و الدخول إلى البحث من مسلك لم يعهد من قبل , و اعتمادا على معايير لم يلتفت إليها من سالف .
و ترى المصنف فى ( الوافية ) قوى الحجة , بعيد النظر , يختار الرأى الصائب فى المسألة , دون أن يتقيد بما ذكروه دليلا عليه بل قد لا يكتفى بما اورده الاصوليون على
و بهذا يخرج عن طور التبعية و التقليد , و يسلك مسلك التحقيق و التأسيس .
و نراه الحاذق فى المناقشة , فهو يجيد تشخيص نقاط الضعف فى ادلة خصمه , فيسدد اليها الرمية , و ينقض عليها بالنقض و الحل لتعود واهية سقيمة .
و تراه يحسن الاخذ بزمام المسائل الاصولية بعد ان ينتزعه من يد خصمه انتزاعا فنيا و يردها الى بابها كما فعل مع المحقق و العلامة و صاحب المعالم , فى مسألة دلالة النهى على الفساد فى المعاملات , فقد عرض بهم فى استدلالهم على عدم الدلالة بالدليل اللفظى , منبها على محور النزاع , و ان المتنازع فيه هو حكم العقل بالفساد أو عدمه , لا استفادة الفساد و عدمها من الدليل النقلى باحدى الدلالات اللفظية الثلاث . و نجده يعرض الافكار المستحدثة , و التحقيقات المبتكرة , فتراه يعترض على حصر سقوط التكليف بالاطاعة و العصيان , و يقول بوجود مسقط ثالث و هو حصول غرض المولى , موضحا فكرته هذه بالمثال المقنع و ها هو يستعرض فكرة الترتب عرضا واضحا على دقتها و استعصائها .
و من التفاتاته و تدقيقاته القيمة توضيحه و ابانته لمعنى بعض المصطلحات التى ادى الخلط فيها الى وقوع المخاصمات و المشاجرات الفارغة لدى كثير من السطحيين , و هو بهذا يفرق بدقة و يميز بجدارة بين النزاعات اللفظية و المشاحات الاصطلاحية و بين المناقشات العلمية , فلاحظ ذلك فى توضيحه لمصطلح ( الاجتهاد ) و ازالة الملابسات التى احيطت به , و تحديد المعنى المقصود به لدى القدماء و المتأخرين . ليجلى بذلك عن وجه الحقيقة و ينفض الغبار عنها . لتصبح المسألة مسلمة واضحة لدى الطرفين .
و تراه يؤسس الرأى و ينفرد به كما فعل ذلك فى تفصيله فى حجية الاستصحاب . و اشتراطه جريان البراءة بشروط مبتكرة و من خلال استعراض الكتاب يبدو للقارىء تسلط المصنف وإلمامه بالمعقول و هو ما يتطلبه الخوض فى غمار
و مع كل هذا الثقل العلمى الذى افرغه فى كتابه هذا , جاء هذا الكتاب حسن الاسلوب سلس العبارة , تقرؤه و يراودك الشعور بالارتياح لحسن العبارة و جزالة الالفاظ , و طراوة البيان . مما يجذب القارىء اليه و يملكه بما لا يدع له خيار مباعدة الكتاب .
و قد اتصف هذا الكتاب علاوة على هذا كله بالمزايا و الخصائص التالية :
أولى المصنف إهتماما كبيرا بالقسمة , و هى أحد الرؤوس الثمانية , المذكورة فى علم المنطق , التى يستعملها المؤلفون , ليكون الداخل الى العلم على بصيرة من أمره .
فقد قسم المصنف عمليا مسائل الاصول إلى : لفظية , و عقلية , و استعمل هذا التعبير بكثرة , خاصة فيما يرتبط بالاصول العملية , و هذا هو المتداول فيما انتهت اليه تحقيقات هذا العلم .
و اظهر المصنف ذلك بصراحة عندما تعرض لبحث ( مقدمة الواجب ) و ( مسألة الضد ) موضحا ضرورة إيرادهما فى البحوث العقلية , إذ أنهما ليسا من باب دلالة اللفظ , مشيرا الى عدم استقامة ما هو المألوف عند الاصوليين من ايرادهما فى مباحث الالفاظ , بعد أن كان واقع البحث فيهماإنما هو عن ( الملازمة ) و هى عقلية , و قد اشرنا الى هذا فيما تقدم .
و كذلك فعل المصنف فى مباحث المفاهيم حيث أوردها فى فصل التلازم بين الحكمين .
و استعمل المصنف مصطلح الحكم الواقعى و ما يقابله , و هو مبتن على هذه القسمة كما لا يخفى .
اضف الى كل هذا , استناده الى الادلة العقلية فى مناقشاته و استدلالاته بما
لقد اتسم كتاب ( الوافية ) بالموضوعية التامة فى علم الاصول , إذ قلما يلاحظ فيه الشرودإلى مسائل و أبحاث من علوم أخرى .
و قد أدى حق التمييز بين المسائل الاصولية و ما يقع فى دائرة البحث فى الكتاب منها , و بين غيرها , بدقة فائقة فى بداية الكتاب , بنحو يحدد مسار البحث فيه , فلاحظ ما ذكره فى نهاية المقصد الاول من الباب الاول , و ما ذكره فى آخر البحث الثالث من المقصد الثانى من الباب الاول .
و من حيث المصادر التى اعتمدها :
فانا نفاجأ فى هذا الكتاب بسعة مراجعته لكل مصنفات الاصول حتى شملت كتب الاصول للمذاهب المختلفة , فهو ينقل أحيانا عنها جملا و نصوصا مما يدل على مراجعته لها مباشرة , فقد حكى عن ( التمهيد ) و ( الكوكب الدرى ) للاسنوى , و ( المحصول ) للفخر الرازى , و ( شرح مختصر ابن الحاجب ) لعضد الدين , و ( الاحكام ) للامدى , و ( شرح جمع الجوامع ) للفاضل الزركشى , و غيرها .
و هذاإنما يدل على سعة افق تفكيره , و حرية الرأى عنده , و حسن اختياره , فان تأليفا مثل الوافية جامعا مانعا لا يتكون إلا بمثل هذا الاقدام الجرىء .
مضافاإلى دلالته على الموضوعية العلمية فى البحث , حيث ان هذا العلم يقع فى عداد العلوم الالية , فهو منطق الفقه , فكما ان المنطق يعتبر ميزانا لاصل التفكير , يحدد مسار الاستدلال و يقومه , فكذلك علم الاصول بالنسبة الى الفقه , لانه يحدد العناصر المؤثرة فى صحة الاستدلال الفقهى .
و لذا فان التصنيفات الاصولية لا تتفاوت فى العرض و الاستدلال و المنهج من مذهب لاخر , إلا بمقدار الاختلاف بين اللغات من حضارة الى اخرى , و هذا لا يؤثر فى اصل الهدف المرسوم لعلم الاصول .
اهتم المصنف فى هذا الكتاب بجانب تربية المتعلمين بنحو لم يسبق له مثيل فى الكتب الاصولية , فان اكثر المؤلفين لتلك الكتب إنما يهدفون لايداع ارائهم فيها و تسجيلها حرصا عليها .
و اما هذا الكتاب , فان سيرة مؤلفه فيه , تدل على أنه ألفه قاصدا به إضافة الى ذلك استفادة الطلاب منه , ليكون كتابا دراسيا و منهجا تعليميا لمادة علم الاصول .
فتراه يقول فى آخر مبحث اصالة النفى ( القسم الثالث من الباب الرابع ) .
[ ( و الغرض من نقل جملة من مواضع استعمال ( الاصل ) أن تمتحن نفسك فى المعرفة , لتشحذ ذهنك . و تحقيق ( الاصل ) على هذا الوجه مما لا تجده فى غير هذه الرسالة]( .
و نراه فى كل مسألة يوضح البحث بأمثلة موجهة إلى الطالب , ليعطيه قدرة المقارنة و التطبيق بسهولة تامة .
حتى أنه يواكب مستوى الطالب فيحاول معه امورا أولية , كما فعله فى ارشاد الطالب إلى كيفية الاستفادة من كتب الحديث فلاحظ ما ذكره فى نهاية مبحث التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص ( البحث الثانى من المقصد الثانى من الباب الثانى ) .
و كل هذاإنما يدل على مدى اهتمام المصنف بهذا العلم , و بالجانب التربوى فيه , و على شفقته على الطلاب و المحصلين ( 1 ) .
و لعل هذا الجانب التربوى و التعليمى فى هذا الكتاب هو السبب فى اهتمام
( 1 ) لاحظ فى هذا المجال ما تقدم فى هذه المقدمة تحت عنوان ( مع الشاه عباس الصفوى )
تم تأليف هذا الكتاب فى سنة ( 1059 ه ) و هى الفترة التى منى فيها علم الاصول بحركة مضادة , فكان للمصنف بكتابه هذا دور عظيم فى الابقاء على حيوية هذا العلم , و بصورة أدق و أسلم مما سبقه من المصنفات الاصولية بحيث تنقشع باسلوبه و متانته السحب التى أثارها معارضو علم الاصول , و النقود التى اوردوها على المصنفات الاصولية السابقة .
فقد أجاد المصنف فى هذا الكتاب الرد على أهم الاراء المضادة للاصول , و اكثرها تطرفا , كالقول بقطعية أخبار الكتب الاربعة , و القول بعدم الحاجة الى علم الاصول , فكان سدا منيعا أمام استفحال تلك الاراء فى منطقة خراسان و حوزتها العلمية .
و تصدى للمحدث الامين الاسترابادى , الذى أثار تلك الاراء , و ناقشه فى هذا الكتاب بمتانة و دقة و موضوعية تامة .
و بالتالى فهو يشكك فى حجية مطلق الخبر الواحد , و يلتزم بتقسيم الحديث إلى الاقسام المعروفة من الصحيح و الحسن و الموثق و الضعيف , إلا أنه ينتهى بالرأى إلى جواز العمل بأخبار الكتب الاربعة و القول بحجيتها مشترطا ذلك بشرطين دون أن يلتزم بقطعية صدورها .
و يتمسك بأصالة البراءة , و يستشهد بها فى عدة مواضع .
و قد ادى حق كل ذلك بعيدا عن التطرف إلى فئة معينة , و لذلك نراه يذهب إلى جواز تقليد الميت و لا يقول بجواز التقليد مطلقا , كما لا يبت بالذهاب إلى حجية مطلق ظواهر الكتاب , مما يدل على حرية فى التفكير , و اتباع مطلق للدليل , فهو حقا ( من أبناء الدليل , حيثما مال يميل ) .
و كتابه هذا الوحدة , دليل على أثره البارز فى إرساء قواعد علم الاصول فى الحواضر العلمية , سيما حاضرة خراسان , على مدى بعيد , و منذ تأليفه حتى عصرنا الحاضر .
لم يعلم بالتحديد التاريخ الذى بدأ فيه الفاضل التونى تدوين هذا الكتاب .
أما انتهاؤه منه : فقد جاء فى آخره على ما فى نسخة الاصل و أ و ط :
[ ( و قد وقع الفراغ منه يوم الاثنين , ثانى عشر أول الربيعين فى تاريخ سنة 1059 ه]( .
و يعضده ما ذكره السيد الخونسارى , حيث قال[ : ( نقل عن خط الشيخ أحمد أخى المصنف أنه كتب على ظهر بعض نسخ الوافية ما هذه صورته : قد وقع فراغ المصنف قدس الله روحه و اسكنه حضيرة القدس مع أوليائه و أحبائه من تسويد الرسالة التى جمعت بدائع التحقيق و ودائع التدقيق , ثانى عشر أول الربيعين , من شهور سنة تسع و خمسين و ألف من الهجرة]( . . . .
و ذكر الطهرانى كما تقدم : أن تلك النسخة موجودة فى مكتبة الامام أميرالمؤمنين ( ع ) العامة بالنجف الاشرف , و هى بخط على أصغر بن محمد حسين السبزوارى , و تأريخها 1111 ه .
مهارة المصنف كما نص عليها الشيخ الحر العاملى و كونه من المحققين كما شهد له بذلك الشيخ يوسف البحرانى أمليا على المصنف أن يضع لكتابه هذا تبويبا فنيا دقيقا , و هو أول سمات هذا الكتاب و امتيازاته . فقد وضع خارطة لمباحث الاصول , تنبىء عن تضلعه فيه , فلم يعد يستعرض مسائل الاصول دون الالفات إلى ترابطها , بل جعل كل طائفة منها تحت عنوان يجمعها و يميزها عن المجموعة
المقدمة , و تشمل أربعة مباحث , أولها : فى تعريف اصول الفقه , ثانيها : فى الحقيقة و المجاز , ثالثها : فى دوران اللفظ بين الحقيقة و المجاز و النقل و التخصيص و الاشتراك و الاضمار . رابعها : فى الاسم المشتق .
و جعله فى مقصدين , يتضمن الاول مباحث الامر , و الثانى مباحث النهى .
و جعله فى مقصدين أيضا , اشتمل الاول على مباحث العام , و الثانى على مباحث الخاص .
و جعله فى فصول :
الفصل الاول : فى الكتاب .
الفصل الثانى : فى الاجماع .
و جعلها أقساما :
القسم الاول : فيما يستقل بحكمه العقل .
القسم الثانى : استصحاب حال العقل .
القسم الثالث : أصالة النفى أو البراءة الاصلية .
القسم الرابع : الاخذ بالقدر المتيقن .
القسم الخامس : التمسك بعدم الدليل .
القسم السادس : استصحاب حال الشرع .
القسم السابع : التلازم بين الحكمين , و ادرج فيه خمسة أمور :
أ مقدمة الواجب .
ب اقتضاء الامر بالشىء النهى عن ضده .
جالمنطوق غير الصريح .
د المفاهيم .
هالقياس .
و جعله فى مباحث :
المبحث الاول : فى تعريف الاجتهاد .
المبحث الثانى : فى تجزئة الاجتهاد .
المبحث الثالث : فى العلوم التى يتوقف عليها الاجتهاد .
و هو آخر الكتاب .
وإن مقارنة سريعة بين هذا التبويب و التوزيع للمسائل , و بين ما نجده فى المصنفات الاصولية المتقدمة عليه , لتدل على ما أسلفناه , و كمثال على ذلك : مسألة مقدمة الواجب , فلاحظ موقعها عنده ثم موضعها عندهم .
و أهم من ذلك فرزه بين الادلة و الحجج مقسما لها إلى الشرعية و العقلية مدرجا كل حجة و دليل فى قائمته الخاصة به .
لما كان هذا الكتاب أحد المتون الاصولية البارزة و الهامة كما أسلفنا كان من الطبيعى أن يتتابع طلاب هذا العلم و رجاله على نسخه و اقتنائه , لذا كثرت نسخه و انتشرت بينهم .
قال السيد الخونسارى و هو يتحدث عنه[ : ( و نسخه متداولة بين الطلاب]( .
و قد حفظت المكتبات العامة و الخاصة فى كل من العراق و ايران الكثير من تلك النسخ .
و قد نال الكتاب حظ الطبع و النشر فى بومباى من حاضرة الهند عام 1309 ه و لم تعد طباعته بعد ذلك . فعاد نادر الوجود , بعيد المتناول .
عاجل المصنف الاجل .
فتوفى بكرمانشاه و لما يصل الى المراقد المقدسة و مراكز العلم و العلماء , و هو فى طريقه إليها .
و لكن !
سارت الركبان بسفره القيم هذا فأوصلته إليها , ليكون خير نائب عنه .
فاستقبله عطاشى التبحر و التحقيق , و عكفوا عليه مطالعة و مدارسة و مناقشة .
ثم رسموا ما خلصواإليه من افكار على صحائف من نور , فكانت الشروح و الحواشى التالية :
للسيد جواد العاملى , صاحب مفتاح الكرامة . المتوفى سنة 1226 ه .
قال العلامة الشيخ الطهرانى[ : ( و هو مبسوط فى مجلدين , كما ذكره سيدنا السيد حسن الصدر فى التكملة . و ذكر السيد الامين العاملى فى ترجمة الشارح المطبوعة فى آخر متاجر مفتاح الكرامة : انه تعرض فيه لاغلب كلمات الاساطين و شراح الوافية , و جميع المباحثات التى وقعت بين الشيخ الاكبر ( صاحب كشف الغطاء ) و السيد محسن الكاظمى فى إجراء أصل البراءة فى أجزاء العبادات]( .
للسيد حسن الحسينى .
قال العلامة الطهرانى[ : ( كذا ذكرته قبل خمسين عاما فى مسودة ( الذريعة ) الاولية , و فاتنى ذكر خصوصياته]( .
للسيد الاجل صدر الدين محمد بن مير محمد باقر , الرضوى القمى الهمدانى الغروى المتوفى فى عشر الستين بعد الماءة و الالف كما أرخه السيد عبدالله الجزائرى فى اجازته الكبيرة و كان من أعلام عهد الفترة بين الباقرين : المجلسى , و البهبهانى .
قال العلامة الطهرانى[ : ( و هو شرح بالقول يعنى قوله . . . أقول . . . . فى خمسة عشر الف بيت تقريبا . أوله ( الحمد لله الذى أوضح لنا منهاج الدين بمصباح
و للشارح نفسه عليه حواش كثيرة , و الخطبة من إنشاء بعض تلاميذه . و يوجد أيضا فى المكتبة الرضوية , و مكتبة الشيخ مشكور , و الشيخ هادى كاشف الغطاء , و كانت عند السيد أبى القاسم الخونسارى نسخة بخط حيدر بن محمد الخونسارى فى سنة 1196 ه , و يوجد أيضا فى مكتبة الامام على عليه السلام العامة بالنجف الاشرف]( .
و قد يسمى هذا الشرح بالحاشية .
و قد صرح فى موضع منه أنه كان مشغولا بتأليفه سنة 1141 ه .
قال الشيخ الطهرانى[ : ( كتب عليه هذا العنوان , و أوله ( قوله : الاصل ما يبتنى عليه الشىء إلخ قد جرت عادة الاصوليين بتعريف الفقه بكلا معنييه : الاضافى و العلمى ) رأيته كذلك عند السيد عبدالحسين الحجة بكربلاء . و قد كتب عليه انه للسيد مهدى , و تاريخ كتابته سنة 1243 ه . لكنه ليس هو شرح الوافية للسيد مهدى بحر العلوم لان شرحه على الوافية مقصور على بحث الحقيقة و المجاز]( كما سيأتى .
للسيد بحر العلوم , محمد مهدى بن السيد مرتضى بن السيد محمد الطباطبائى البروجردى الغروى المتوفى سنة 1212 ه .
قال العلامة الطهرانى عن هذا الشرح أنه[ ( غير تام , يقرب من نصف المعالم .
أوله بعد خطبة مختصرة : ( قوله اللفظإن استعمل فيما وضع له فحقيقة . جعل المقسم مطلق اللفظ المتناول للمفرد و المركب , لان كلا منهما ينقسم الى الحقيقة و المجاز . و لا يختص الانقسام اليهما باللفظ المفرد على ما توهمه بعض الاعلام إلى قوله : وإلا فمجاز . أقول : لا يخفى أن تعريف المجاز على هذا يدخل فيه الالفاظ المستعملة فى غير معانيها غلطا ) و أورد فيه بحث الحقيقة الشرعية , و الصحيح و الاعم , و تعارض الاحوال . رأيت نسخة منه فى كتب الشيخ عبدالحسين الطهرانى , و نسخة منه بخط الشيخ نعمة الطريحى كتبها لنفسه سنة 1236 ه . كانت عند الشيخ هادى كاشف الغطاء , و نسخة خط المولى محمد كاظم الشاهرودى كتبها فى سنة 1238 هكانت فى مكتبة الخونسارى . و رأيت نسخة منه فى مكتبة الحسينية فى النجف . و نسخة عند السيد محمد على بحر العلوم , و نسخة السيد محمد صادق بحر العلوم , و نسخة عند العلامة السماوى كتابتها 28 جمادى الثانى سنة 1222 هو هى بقلم الشيخ على بن الشيخ أحمد بن الشيخ عيسى بن الشيخ على بن نصر الله الجزائرى . و نسخة عند الشيخ نعمة الله بن عبدالله خواجه الحويزى فى كتب الشيخ مشكور تاريخها سنة 1233 ه . و نسخة تاريخها سنة 1246 هو هى بقلم السيد محمد السيد حسين الموسوى عند السيد ضياء الدين العلامة الاصفهانى .
و المشهور أن السيد بحر العلوم لما عزم لزيارة المشهد الرضوى فى الطاعون سنة 1186 هأمر تلميذه المقدس الكاظمى السيد محسن , بتتميم هذا الشرح لكنه تأدب عن التتميم , و شرحها أى الوافية مستقلا و سمى شرحه بالوافى كما سيأتى]( .
و قد يسمى هذا الشرح أيضا أعنى شرح السيد بحر العلوم بالحاشية على الوافية .
للمحقق المقدس الكاظمى , السيد محسن بن الحسن الاعرجى المتوفى 1227 ه .
قال العلامة الطهرانى[ : ( و هو شرحه الكبير فى خمسين ألف بيت . شرع فيه سنة الطاعون 1186 ه . و فرغ منه 1 رجب 1196 . أوله ( الحمدلله الواهب المنان المتبع الاحسان بالاحسان ) عناوينه : ( قوله قوله ) . توجد نسخته فى مكتبة الخونسارى و الشيخ هادى كاشف الغطاء من وقف عبدالهادى بن عيسى كبة فى مجلدين ضخمين يقرب من خمسين الف بيت . و نسخة الشيخ جواد الجزائرى كتابتها 1240 ه و نسخة مكتبة السيد خليفة نقلت عن الاصل المسودة فى الخميس 14 ذى الحجة 1196 ه بقلم بهاء الدين محمد بن أحمد]( .
له أيضا .
قال العلامة الطهرانى[ : ( أوله ( بعد الحمد لله رب العالمين . قوله . . . فيقول العبد الفقير الى الله المغنى , محسن بن الحسن]( . . . . ( . . . . .
و هو ملخص شرحه الكبير السابق الوافى و سماه بالمحصول لذلك . و اضاف الطهرانى[ : ( و هو مرتب على مقدمة ذات مطالب و فنين أولهما مباحث الالفاظ , و الفن الثانى فى مدارك الاحكام . و هو خمسة أبواب : 1 الكتاب المجيد . 2 السنة الغراء . 3إجماع الامة . 4 العقل الراجع إليهما . 5 الاجتهاد و التقليد . و هو آخر الكتاب . رأيته فى خزانة الشيخ على بن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء بالنجف , و فى خزانة سيدنا الصدر نسخة ناقصة الاخر , و فى كتب الشيخ عبدالحسين الطهرانى , و رأيت عند السيد محمد الحجة نزيل قم أوان كونه فى النجف نسخة فى مجلدين تمام الاصول إلى آخر الاجتهاد و التقليد . و عند الشيخ هادى كاشف الغطاء نسخة خط المولى محمد سليم بن الحاج مهدى . فرغ من الكتابة فى الجمعة 21 صفر 1224 هفى حياة المؤلف]( .
قال العلامة الطهرانى[ : ( و هى غير شرحيه للوافية الموسوم أحدهما بالوافى و الاخر بالمحصول بل هذه تعليقات بخطه على نسخة الوافية التى كتب بخطه فى آخرها ما صورته : بلغ قبالا و تصحيحا بحسب الجهد و الطاقة فى مجالس عديدة آخرها يوم الاحد سلخ جمادى الاولى سنة ثمان و ثمانين بعد الماءة و الالف و كتب الاقل محسن الحسينى الاعرجى]( .
راجع كل ما نقلناه عن العلامة البحاثة الشيخ الطهرانى , فى هذا المقام , كتابه : الذريعة الى تصانيف الشيعة ( 6 230 ) و ( 14 166 168 ) و ( 20 151 ) و ( 25 14 15 ) .
9 و هناك تعليقات على الوافية فى هامش نسخة الاصل , و أخرى فى هامش النسخة المطبوعة لا نعرف أصحابها .
عندما أقدمت على تحقيق هذا الكتاب , كنت أعلم أن التصدى لمثله عمل مجهد , و لكن فاتنى تقدير مبلغ الصعوبة , و أخطأت فى تحديد الوقت الذى يستغرقه . و كانت نيتى فى البدء مقتصرة على مقابلة النسخ المتوفرة منه و ضبط نصه و إخراجه إلى المكتبة الاسلامية بحلة تواكب الثقافة المعاصرة .
و عندما اشتغلت بذلك , ألزمنى الهدف مراجعة مصادر الاحاديث و النصوص و الاراء المنقولة فيه . فان تقويم النص يتعذر بدونها .
و هكذا أقحمت بمراجعة مجاميع الحديث , و كتب الاصول و اللغة , بل كتب الفقه و التفسير و غيرها أحيانا .
و بعد أن وقفت على شاطىء هذه الكتب , رأيت إسباغ العمل , فهامت بى الهمة إلى قطع اشواط اخرى فى تحقيقه تمثلت فى تخريج الايات القرآنية و الاحاديث , و النصوص , و الاراء المنقولة عن علماء الاصول , و نسبة الاقوال الى قائليها , فأبطأ ذلك بى عدة أعوام , تخللتها فترات التنقيب عن بعض المصادر البعيدة المأخذ , فبذلت فى تحقيق هذا الكتاب من الجهد و الوقت ما لم اكن اتوقعه .
فكان عملى فى الكتاب :
ذكرت فيما سلف أن لهذا السفر القيم نسخا كثيرة , و لكن قصرت يدى عن العثور على ما كان منها بخط المؤلف أو تلامذته , أو ما قرىء عليه أو على أحد من تلامذته , أو على أحد شراح هذا الكتاب , نظراإلى أن مقر مثل هذه النسخ و مكمنها هو البقاع المقدسة من أرض الرافدين التى تضم المئات من المكتبات الخاصة و العامة
و رحم الله أبا العلاء , إذ يقول :
و مع ذلك , فقد حصلت من النسخ ما يمنحنى الثقة و الاطمئنان باصابتى الهدف , بتقديم النص الصحيح إلى القارىء العزيز .
أولا : نسخة مكتبة ( آستان قدس رضوى ) المحفوظة فيها برقم ( 7409 ) . و هى بخط بهاء الدين , محمد بن ميرك موسى , الحسينى التونى , فرغ من كتابتها بتاريخ 27 ذى القعدة عام 1121 ه . تقع فى ماءة ورقة .
و هى نسخة جيدة , حسنة الخط , قليلة الخطأ , نادرة السقط , أقدم النسخ المتوفرة , و عليها حواش و تعليقات , ذيل اكثرها بعبارة[ ( منه قدس سره]( و قد اثبت هذه التعليقات فى الهامش بينما ذيل بعضها الاخر باشارات غير مفهمة . أو باسم ( أحمد ) . و تبدو الصفحة الاولى منها و كأنها بخط ناسخ آخر , مما يبعث على الظن بانها مرممة . و عليها تصويبات .
و لما لهذه النسخة من الخصائص , اسميتها ب ( الاصل ) .
ثانيا : نسخة مكتبة ( المدرسة الفيضية ) بقم , المحفوظة فيها برقم ( 1095 ) . و هى بخط محمد باقر الحسينى , ابن محمد صادق , و فى تأريخها اضطراب , للتهافت بين ما ارخ به الناسخ رقما و كتابة . فيتردد تأريخها بين سنة 1134 هو سنة 1104 ه . و الترجيح مع الاول . فلاحظ ما جاء فى آخرها . و تقع فى ( 95 ) ورقة .
و هى جيدة الخط , إلا أنها كثيرة السقط و الغلط .
و رمزت لها فى الهامش بالحرف ( أ ) .
ثالثا : نسخة مكتبة ( المدرسة الفيضية ) بقم , أيضا , المحفوظة فيها برقم ( 1094 ) . كتبها محمد على بن زين العابدين الطباطبائى الخراسانى . فرغ منها فى :
و هى حسنة الخط , غير خالية من الخطأ و السقط . و قد ترك موضع العناوين و ارقام الابحاث و المسائل فارغا مما يدل على ان الناسخ أراد كتابتها فيما بعد بمداد من لون آخر , إلا انه لم يوفق لذلك .
و رمزت لهذه فى الهامش بالحرف ( ب ) .
رابعا : النسخة المطبوعة على الحجر فى بومباى من بلاد الهند فى سنة 1309 ه فى 189 صفحة .
و تتصف هذه الطبعة بكثرة الاخطاء و السقط .
و اشير اليها فى الهامش بالحرف ( ط ) .
على أنى استعنت بنسخ أخرى أحيانا و لكنى وجدتها لا تخرج عن أحدى هذه النسخ , ففى عدة موارد من هذا الكتاب بقى فى نفسى شىء من صحة النص و استقامتة , و لكن بعد مراجعتى نسخا أخرى عاد لى الاطمئنان و الثقة بهذه النسخ المعتمدة , فعلمت أن لا حاجة الى اعتماد مزيد من النسخ . سيما و انها تفقد المواصفات المطلوبة .
و بعد مراجعة هذه النسخ و مقابلتها , قمت بما يلى :
أ نظرا لان النسخة الاولى تمتاز على بقية النسخ بالقدم , و قلة الاخطاء و السقط , فقد اتخذت منها أصلا أعتمد عليه فى عملى , و وضعت القراءآت المختلفة التى تضمنتها بقية النسخ فى الهامش , إلا اذا كان الموجود فى الاصل أقل ملاءمة مع تقويم النص و القراءة الاخرى أقرب إلى الصحة , ففى هذه الحالة ادخل القراءة الصحيحة فى المتن مع الاشارة فى الهامش الى ما كان موجودا فى الاصل .
كما انى ملات موارد السقط من هذه النسخة على قلتها بما جاء فى بقية النسخ أو بعضها مع الاشارة الى ذلك فى الهامش . فجاءت بقية النسخ مرممة للنسخة الاولى .
و أما ما حدث من سقط فى بقية النسخ و هو كثير فلم اشر فى الهامش إلا إلى ما ينبغى الاشارة إليه كى لا اثقل الهوامش بما لا ضرورة إليه متوخيا
ب اعتمدت على المصادر الحديثية المعتمدة فى إيراد الاحاديث المنقولة عنها , و هى المعروفة عند الطائفة ك : الكافى , و الفقهيه , و التهذيب , و الاستبصار , فاوردت الاحاديث كما وردت فيها , لا كما جاءت فى نسخ الكتاب نظرا الى أن هذه الكتب قد طبعت بتحقيق العلماء و الفضلاء فهى أقرب إلى الصواب , مع الاشارة إلى ما فى النسخ من الاختلاف مع المصادر المذكورة إن وجد .
جأهملت ما اختلفت فيه النسخ تنكيرا و تعريفا , و تذكيرا و تأنيثا , و ما احتوته من الاخطاء اللغوية و الاعرابية و الاملائية , فأوردت النص مطابقا لما تقتضيه القواعد الادبية .
قمت بتقطيع النص و وضع علامات الترقيم وفقا لما تمليه مواد البحث , تسهيلا لتناول المطالب , بحيث لا يجد القارىء أية مشقة فى المطالعة فقد وضعت العناوين على حدة بحروف متميزة , و وضعت فى بداية السطر العبارات التى يبدأ بها مطلب جديد , أو يبدأ بها الاستدلال , و ما أشبه ذلك , ثم افرزت العبارات عن بعضها بعلامات الترقيم التى يقتضيها المورد و يستوجبها المعنى .
3 تخريج الايات القرآنية و اثبات رقمها و اسم السورة التى وردت فيها فى الهامش .
4 تخريج الاحاديث الشريفة من مصادرها , و الاشارة فى الهامش الى موضع وجودها فى تلك المصادر .
5 تخريج النصوص و العبارات المنقولة عن الكتب الاصولية و غيرها و مقابلتها مع ما جاء فى تلك الكتب , و ضبط موارد الاختلاف بينها , مع الاشارة إلى محل تواجدها فى تلك الكتب .
و قد كلفنا هذا العمل بالخصوص الوقت الكثير , حيث أن منها ما لا يزال مخطوطا لم ينل حظ الطبع , فتتبعتها من مكتبة إلى اخرى فعثرت على اكثرها فى
و بعضها الاخر نادر الوجود , فجبت فى طلبه البلدان , و استعصى على أحدها حتى اسعفنى أحد رجال العلم فبعث إلى بنسخة مصورة منه من القاهرة , فشكر الله سعيه .
6 تخريج الاراء و الادلة المنسوبة إلى العلماء .
فقد قمت بالبحث عن هذه الاراء و الاستدلالات فى كتب أصحابها , وإلا ففى المصادر المعتمدة التى تضمنت حكاية هذه الاقوال عنهم مراعيا فى ذلك أقدم المصادر زمنا , و أقربها تاريخاإلى القائل .
و قد لا حظت أحيانا اختلافا بين المنقول فى هذا الكتاب و بين ما هو مثبت فى كتبهم , فبحثت عن سبب هذا الالتباس , حتى عثرت على من أوقع المصنف فى ذلك , و دونت كل هذه الملاحظات فى الهامش .
7 نسبة الاقوال و الادلة إلى أصحابها .
فانك تجد أن المصنف كثيرا ما يحكى أقوالا دون أن يسمى قائلها , فعندئذ أشير فى الهامش إلى القائل معتمدا على كتابه إن كان من المصنفين , وإلا فعلى المصنفات التى نصت على نسبة ذلك القول إليه مرتبا لها عند ذكرها ترتيبا تأريخيا .
8 تتبعت مسائل هذا الكتاب فى اغلب المصادر الاصولية المتقدمة عليه , فاشرت فى الهامش الى موضع وجودها فى تلك المصادر .
و فى هذا تسهيل و مساعدة للمراجع إن شاء أن يتابع البحث فى تلكم المسائل عند من تقدم على المصنف .
كما أن هذا العمل يوضح للقارىء السير التاريخى للمسائل و النظريات الاصولية . فعند ما يذكر المصنف دليلا على رأى من الاراء , فانى اشير فى الهامش إلى من وجدته ينص على ذلك الدليل و يستدل به , مرتبا المصادر ترتيبا تأريخيا يتضح من خلاله أقدم المستدلين به , و يعلم من أخذ بذلك الدليل من بعد فرضى به , أو ناقشه ورده .
و قد شمل هذا العمل المصادر الاصولية لمختلف المذاهب , و فى هذا تعريف
9 وضعت الفهارس العامة للكتاب تسهيلا لمهمة الباحثين و المراجعين .
10 اثبت فى آخر الكتاب قائمة المصادر التى اعتمدتها فى تحقيق الكتاب و مقدمته , مع ذكر تفاصيل الطبعات , و تعيين النسخ المخطوطة فيما يخص غير المطبوع منها .
هذا , و انى قد بذلت الجهد الكبير , و الوقت الكثير , فى تحقيق هذا الكتاب رغبة فى اخراجه على أحسن هيأة , و لكن العصمة لاهلها , لذا فانى استميح العذر من المصنف أولا , و من القارىء ثانيا , إن اشتمل على بعض وجوه النقص , و قد أجاد الدكتور عمر فروخ حيث قال فى مقدمة كتابه : تاريخ الفكر العربى[ : ( و لو أن مؤلفا أراد أن لا يخرج كتابه إلى الناس إلا بعد أن يخلو من كل نقص و خطأ و هفوة و هنة , لما خرج إلى الناس كتاب قط]( .
و بعد
فانى اسجل شكرى لكل من أعاننى على انجاز هذا التحقيق , و لا سيما استاذى الجليل سماحة العلامة السيد محمد رضا الحسينى الجلالى , الذى راجع الكتاب بعد تحقيقه , و ابدى عليه ملاحظات مفيدة , و اعاننى على حل ما استغلق و اشكل .
و اشكر لكل من :
العلامة الجليل الاستاذ المحقق , سماحة السيد عبدالعزيز الطباطبائى على ارشاداته و توجيهاته .
و أخينا سماحة العلامة السيد جواد الشهرستانى , و سائر اعضاء مؤسسة آل البيت عليهم السلام , لتلطفهم على فى الحصول على النسخة الخطية الاولى ( نسخة استان قدس رضوى ) , و اتاحتهم لى فرصة الاستفادة من مكتبة المؤسسة الخاصة و التى ضمت كثيرا من المصادر و المراجع التى اعتمدتها .
و حجة الاسلام و المسلمين الشيخ مجتبى العراقى , و حجة الاسلام الشيخ
السيد محمد حسين الرضوى الكشميرى
قم المقدسة
ليلة عيد الاضحى من سنة ( 1411 ه )
فى اصول الفقه
للفاضل التونى
المولى عبدالله بن محمد البشروى الخراسانى
المتوفى سنة 1071 ه
تحقيق
السيد محمد حسين الرضوى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على جزيل آلائه , و الشكر له على جميل نعمائه , و الصلاة و السلام على أشرف ( 1 ) أصفيائه , و أكرم أنبيائه , محمد و آله .
أما بعد ( 2 ) , فهذه رسالة وافية , و جملة شافية , محتوية على تحقيق المهم من المسائل الاصولية , سيما ( 3 ) مباحث الادلة العقلية , و مباحث الاجتهاد و التقليد , و باب التراجيح .
و هى مشتملة على مقدمة و أبواب :
( 1 ) زاد فى الاصل ههنا كلمة : الانبياء .
( 2 ) فى أ و ط : و بعد . و هى ساقطة من ب .
( 3 ) فى ط : لا سيما .
فى تحقيق ما ينبغى العلم به قبل الشروع فى المقصود .
و فيها أبحاث :
الاول : الاصول لغة : ما يبنى عليه ( 1 ) الشىء .
و مضافاإلى الفقه : هو العلم بجملة طرق الفقه إجمالا , و بأحوالها , و كيفية الاستدلال بها , و حال المفتى و المستفتى ( 2 ) .
الثانى : اللفظإن استعمل فيما وضع له , فهو حقيقة , وإلا فمجاز . و الاول : إن كان استفادة المعنى منه ( 3 ) بوضع الشارع , فحقيقة شرعية . وإن كان بوضع أهل اللغة , فلغوية . وإن كان بوضع طار غير الشرع , فحقيقة
( 1 ) فى أ و ب و ط : يبتنى . بدل يبنى . و فى الاصل : عليها . بدل : عليه .
( 2 ) قارن هذا التعريف بما جاء فى الذريعة : 1 7 , و المستصفى : 1 5 , و المحصول : 1 12 , و المعارج : 47 , و تهذيب الوصول : 3 . لترى إنفراده به و عدم متابعتهم فيما ذكروه من التعاريف .
( 3 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : عنه .
و لا ريب فى وجود الاخيرتين .
و أما الشرعية : ففى وجودها خلاف ( 1 ) , و الحق : وجودها .
لنا : تبادر الاركان المخصوصة من لفظ الصلاة , و القدر المخرج من المال من لفظ الزكاة , و القصد الخاص من لفظ الحج ( 2 ) , و نحو ذلك , مع أن هذه الالفاظ موضوعة فى اللغة لمعان اخر .
و التبادر من أمارات الحقيقة .
فان قلت : أردت التبادر فى كلام الشارع , أو المتشرعة أعنى الفقهاء ؟ الاول ممنوع , و الثانى مسلم , و لا يثبت به إلا الحقيقة العرفية .
قلت : إنكار التبادر فى كلام الشارع , مكابرة باللسان لما يحكم به الوجدان , فانه لا شك فى حصول هذه المعانى فى الاذهان من مجرد ( 3 ) سماع هذه الالفاظ فى أى كلام كان .
غايته أنك تقول : إن هذا التبادر لاجل المؤانسة بكلام المتفقهة .
فنقول : هذا غير معلوم , بل الظاهر أنه لكثرة استعمال الشارع هذه الالفاظ فى هذه المعانى .
و الحاصل : أنا نقول إن التبادر معلوم , و كونه لاجل أمر غير الوضع , غير معلوم , فنحكم بالحقيقة , و إلا لم تثبت أكثر الحقائق اللغوية و العرفية , إذ احتمال كون التبادر بواسطة أمر خارج ( 4 ) , جار فى الاكثر .
و اعلم : أن هذه المسألة قليلة الفائدة , إذ صيرورة هذه الالفاظ حقائق
( 1 ) الذريعة : 1 10 , المحصول : 1 119 , المنتهى : 19 , معارج الاصول : 52 , تهذيب
الوصول : 13 , معالم الدين : 34 .
( 2 ) فى أ : من لفظ الصوم و الحج .
( 3 ) فى ب : بمجرد .
( 4 ) فى ب : بواسطة امر آخر , و فى ط : بواسطة آخر .
و استقلال القرآن و الاخبار النبوية المنقولة من غير جهة الائمة عليهم السلام , بحكم مما لا يكاد يتحقق بدون نص من الائمة عليهم السلام على ذلك الحكم .
الثالث : الاصل فى اللفظ أن يكون مستعملا فيما وضع له حتى يثبت المخرج , فاذا دار اللفظ بين الحقيقة و المجاز , رجحت الحقيقة .
و كذا إذا دار بينها ( 1 ) و بين النقل , أو التخصيص , أو الاشتراك , أو الاضمار .
و لكن إن وقع التعارض بين واحد من هذه الخمسة مع آخر منها كما قيل ( 2 ) فى آية ( و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ( 3 ) حيث إن الحكم بتحريم معقودة الاب على الابن من الاية موقوف على مجازية النكاح فى الوطء , إذ على تقدير الاشتراك يجب التوقف , كما يتوقف فى حمل كل مشترك على واحد من معانيه بدون القرينة فقد قيل : بتقديم ( 4 ) المجاز على الاشتراك و غيره عدا التخصيص , و : بتقديم ( 5 ) الاشتراك على النقل , و ق يل : بالعكس , و : بتقديم ( 6 ) التخصيص على غيره , و : بتساوى الاضمار و المجاز ( 7 ) .
و الاولى : التوقف فى صورة التعارض , إلا مع أمارة خارجية أو داخلية توجب صرف اللفظإلى أمر معين , إذ مما ذكروا فى ترجيح البعض على البعض , من كثرة المؤنة ( 8 ) و قلتها , و كثرة الوقوع و قلته , و نحو ذلك , لا يحصل الظن بأن
( 1 ) فى ب : بينهما .
( 2 ) التمهيد : 190 , الابهاج : 1 329 , شرح البدخشى : 1 386 .
( 3 ) النساء 22 .
( 4 ) ( 5 ) ( 6 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : بتقدم .
( 7 ) شرح العضد : 1 50 , شرح البدخشى : 1 388 , تهذيب الوصول : 16 .
( 8 ) فى ط : المؤن .
و بعد تسليم الحصول أحيانا لا دليل على جواز الاعتماد على مثل هذه الظنون فى الاحكام الشرعية , فانها ليست من الظنون المسببة ( 1 ) عن الوضع .
الرابع : إطلاق المشتق كاسم الفاعل و المفعول و نحوهما على المتصف بمبدئه بالفعل حقيقة , إتفاقا , كالضارب لمباشر الضرب .
و قبل الاتصاف بالمبدأ ؟ المشهور : أنه مجاز , و ادعى جماعة الاتفاق عليه , و قال صاحب الكوكب الدرى[ : ( إطلاق النحاة يقتضى أنه إطلاق حقيقى]( ( 2 ) .
و أما بعد زوال المبدأ , كالضارب لمن انقضى عنه الضرب ؟ ففيه أقوال :
أولها : مجاز مطلقا .
ثانيها : حقيقة مطلقا ( 3 ) .
ثالثها : إن كان مما يمكن ( 4 ) بقاؤه فمجاز , وإلا فحقيقة ( 5 ) .
و توقف جماعة كابن الحاجب ( 6 ) و الامدى ( 7 ) .
و ذكر الرازى ( 8 ) و الامدى ( 9 ) و التبريزى فى اختصار المحصول ( 10 ) و جماعة اخرى ( 11 ) : أن محل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودى
( 1 ) فى أ : المسببية , و فى ط : المستثناة .
( 2 ) الكوكب الدرى : 233 .
( 3 ) يشعر به كلام العلامة : تهذيب الوصول : 10 , و كلام المحقق الكركى : رسائل المحقق الكركى : 2 82 .
( 4 ) فى أ : لا يمكن .
( 5 ) حكاه ابن الحاجب : المنتهى : 25 .
( 6 ) المنتهى : 25 .
( 7 ) الاحكام : 1 48 50 .
( 8 ) المحصول : 1 91 , و يفهم هذا من جوابه على ( قوله رابعا ) .
( 9 ) الاحكام : 1 50 .
( 10 ) حكاه عنه الاسنوى : التمهيد : 154 .
( 11 ) الابهاج : 1 229 .
و فى تمهيد الاصول[ : ( إن النزاع إنما هو فيما اذا كان المشتق محكوما به , كقولك : زيد مشرك ( 2 ) , أو قاتل , أو متكلم , فان كان محكوما عليه كقوله تعالى ( الزانية و الزانى فاجلدوا . . . ) ( 3 ) , ( و السارق و السارقة فاقطعوا . . . ) ( 4 ) و ( فاقتلوا المشركين . . . ) ( 5 ) و نحوه فانه حقيقة مطلقا : سواء كان للحال أو لم يكن]( ( 6 ) .
و الحق : أن إطلاق المشتق باعتبار الماضى حقيقة , إذا ( 7 ) كان إتصاف الذات بالمبدأ أكثريا , بحيث يكون عدم الاتصاف بالمبدأ مضمحلا فى جنب الاتصاف , و لم تكن الذات ( 8 ) معرضة عن المبدأ , أو راغبة عنه , سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به , و سواء طرأ الضد أم لا ( 9 ) , لانهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب القرينة , كالكاتب و الخياط و القارىء و المتعلم و المعلم و نحوها , و لو كان المحل متصفا بالضد الوجودى كالنوم و نحوه .
و القول : بأن الالفاظ المذكورة و نحوها كلها موضوعة لملكات هذه
( 1 ) يلاحظ ان المصنف قد اعتمد فى حكاية هذه الاقوال المذكورة على الاسنوى : التمهيد : 154 .
( 2 ) زاد فى أ : أو قائم .
( 3 ) النور 2 .
( 4 ) المائدة 38 .
( 5 ) التوبة 5 .
( 6 ) التمهيد : 154 .
( 7 ) فى ط : إن .
( 8 ) فى ب : بالذات .
( 9 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : أولا .
مما يأبى عنه الطبع السليم فى أكثر الامثلة , و غير موافق لمعنى مبادئها على ما فى كتب اللغة .
و قال الشارح الرضى ( 2 ) , نقلا عن أبى على و الرمانى[ : ( 3 ) ( إن اسم الفاعل مع اللام فعل فى صورة الاسم]( قال[ : ( و نقل ابن الدهان ذلك أيضا عن سيبويه , و لم يصرح سيبويه بذلك , بل قال : الضارب زيدا بمعنى ضرب]( انتهى ( 4 ) .
و الحاصل : أن استعمال اسم الفاعل بمعنى الماضى فى كلامهم أكثر من أن يحصى , و الاصل فى الاستعمال الحقيقة , و كذا غيره من المشتقات .
و من فروع المسألة ما لو قال أحد[ : ( وقفت الشىء الفلانى على سكان موضع كذا ]( فهل ( 5 ) يبطل حق الساكن بالخروج عن الموضع مدة قليلة أو كثيرة , على وجه الاعراض أو غير وجه الاعراض ؟
و قد عرفت التحقيق .
( 1 ) فى ب : الالفاظ .
( 2 ) فى أ : الشيخ الرضى .
( 3 ) فى ب : المازنى , و هو خطأ .
( 4 ) شرح الكافية : 2 201 .
( 5 ) فى أ : قيل .
و فيه مباحث :
الاول : فى أن صيغة الامر هل تقتضى الوجوب أولا ؟ .
اختلف الناس فى ذلك , فقيل : إنها للوجوب ( 1 ) , و قيل : للندب ( 2 ) , و قيل : للقدر المشترك بينهما و هو الطلب ( 3 ) , و قيل : باشتراكها بينهما لفظيا ( 4 ) , و قد تدرج الاباحة فيها ( 5 ) لفظيا أو معنويا ( 6 ) باعتبار الاذن فى الفعل , و قد يدرج
( 1 ) ذهب اليه الغزالى : المنخول : 107 , و الفخر الرازى : المحصول 1 204 , و المحقق الحلى : معارج الاصول : 64 , و العلامة الحلى : تهذيب الوصول : 21 , و البيضاوى , كما فى الابهاج : 2 22 , و ابن الحاجب : المنتهى : 91 , و شرح العضد 1 191 ( المتن ) , و المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 46 .
( 2 ) ذهب اليه ابوهاشم , كما فى : شرح العضد 1 191 .
( 3 ) ذهب اليه الجبائى . حكاه عنه فى : المنخول : 104 .
( 4 ) ذهب اليه الشافعى . حكاه عنه فى : المستصفى : 1 426 , و قال به السيد المرتضى أيضا : الذريعة : 1 53 .
( 5 ) كذا فى ط , و فى النسخ : فيهما .
حكاه الاسنوى دون أن يسمى قائله : التمهيد : 268 .
( 6 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : و معنويا .
و الحق : أنها للقدر المشترك بين الوجوب و الندب , و هو الطلب , و لكن دل الشرع على وجوب امتثال الاوامر الشرعية فيحكم بالوجوب عند التجرد عن قرائن الندب ( 5 ) , فههنا مقامان :
الاول : أنها حقيقة فى الطلب .
و الدليل عليه من وجوه :
الاول : أن المفهوم من الصيغة ليس إلا طلب الفعل , و ربما لا يخطر بالبال الترك , فضلا عن المنع عنه ( 6 ) , و لهذا عرف النحاة ( 7 ) و أهل الاصول ( 8 ) الامر بأنه : طلب الفعل على سبيل الاستعلاء أو العلو ( 9 ) .
الثانى : ضعف دليل مثبتى الفصول المميزة من الوجوب و الندب فى
( 1 ) قال الاسنوى فى التمهيد : 268 : حكاه الغزالى فى المستصفى . و لكن فى المستصفى[ : ( و قال قوم هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ العين و القرء]( : المستصفى : 1 419 .
( 2 ) فى ط : بالتوقف .
( 3 ) ذهب اليه الامدى , حيث قال[ ( و هو الاصح]( : الاحكام : 2 369 , و ابوالحسن الاشعرى , و القاضى الباقلانى , كما فى المنخول : 105 , و : شرح العضد : 1 192 .
( 4 ) اختلف فى القائل بذلك , للاختلاف فى فهم كلمات الاصوليين , و لعل المصنف أراد به قول الشافعى . انظر : الابهاج : 2 25 . و قد ذهب الشيخ الطوسى الى انها تقتضى الايجاب إن صدرت عن الحكيم : العدة 1 63 . و قد يكون هذا القول هو مراد من ذكر هذا الاحتمال و الله العالم .
( 5 ) الذريعة : 1 53 , المنخول : 108 , المنتهى : 91 .
( 6 ) فى ب : المنع من الترك .
( 7 ) شرح المفصل : 7 58 .
( 8 ) التمهيد : 265 , معارج الاصول : 62 , تهذيب الوصول : 20 .
( 9 ) عبارة ( أو العلو ) ساقطة من أ , و مع فرض وجودها تكون اشارة الى الخلاف بين الاصوليين فى اشتراط العلو , أو اشتراط الاستعلاء , أو عدم اشتراط شىء منهما . انظر تفصيل هذه الاقوال و ادلتها فى : المحصول : 1 198 199 .
الثالث : كثرة ورود الامر فى الاحاديث متعلقا بأشياء بعضها واجب و بعضها مندوب , من دون نصب قرينة فى الكلام , و هذا غير جائز لو لم يكن حقيقة فى القدر المشترك .
و كذا كثرة و روده متعلقا بالامور الواجبة و كذا بالمندوبة , من دون نصب القرينة فى الكلام .
لا يقال : على تقدير كون الصيغة حقيقة فى القدر المشترك , كيف يجوز استعمالها فى الواجب ( 1 ) أو الندب , بدون القرينة ؟ ! إذ المجاز مما لابد له من القرينة ؟ !
لانا نقول : الصيغة ليست مستعملة إلا فى الطلب , وإنما يعرف كون متعلقه ( 2 ) جائز الترك أو غير جائز الترك , من موضع آخر ( 3 ) , فليست إلا مستعملة فى معناها الحقيقى .
و القول باحتمال اقترانها بالقرينة حين الخطاب و خفائها علينا الان , مما يأبى عنه الوجدان , لبعد خفائها فى هذه المواضع على كثرتها , و لاشتراك التكاليف بيننا و بينهم ( 4 ) .
( 1 ) كذا فى النسخ , و الظاهر انه : الوجوب .
( 2 ) كذا فى أ , و فى سائر النسخ : كون متعلق الصيغة .
( 3 ) فى ط : مواضع اخر .
( 4 ) فان قلت : فالمنع من الترك و الاذن فيه مراد للشارع ليكون داخلا فيما استعمل فيه الصيغة , فيكون استعمال الصيغة فى جل المواضع مجازا .
قلت : المنع من الترك و الاذن فيه ليسا من صفات الطلب و لا الفعل المطلوب حقيقة , بل من صفات الطالب , و ظاهر انه لا يختلف معنى الصيغة باختلاف صفات المتكلم بها , بل نقول : المنع من الترك مما لا ينفك عن حقيقة صيغة الامر , غاية الامر أن المنع فى بعض المواضع تنزيهى كما فى المندوبات , و فى البعض تحريمى غير كبيرة , كما فى الواجبات التى تركها من الصغائر , و فى البعض تحريمى كبيرة , كما فى ما تركه يوجب الكفر ك ( آمن به ) و نحوه .
فلو كان كون الصيغة للطلب يوجب مجازيتها فى هذه المواضع , كان كونها للايجاب أيضا <
حجة من قال بأنها حقيقة فى الوجوب امور :
أحدها : أن السيد إذا قال لعبده : ( إفعل كذا ) و لم يكن هناك قرينة أصلا , فلم يفعل , عد عاصيا , و ذمه العقلاء لتركه الامتثال , فتكون للوجوب ( 1 ) .
و الجواب : لا نسلم تحقق العصيان و الذم على تقدير انتفاء القرينة , و القرائن فى مثل هذه المواضع لا يكاد يمكن انتفاؤها , إذ الغالب علمه بالعادة العامة , أو عادة مولاه , أو فوت منفعة مولاه , و لهذا لو أمره مولاه بما ( 2 ) يختص بمصالحه , من غير أن يعود على السيد منه نفع و لا ضرر , لما ذمه العقلاء إذا لم يفعل , و هذا ظاهر .
و الادلة الباقية : آيات قرآنية , تدل على عدم جواز ترك ما تعلق به أمر الشارع ( 3 ) , و سيجىء بعضها .
و الجواب : أن هذه الايات لا تدل على كون الصيغة حقيقة فى الوجوب , كما لا يخفى .
و حجة من قال بأنها للندب أمران :
أحدهما : قول النبى صلى الله عليه و آله و سلم [ ( إذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم]( ( 4 ) أى ما شئتم ( 5 ) .
فالحق ما عرفت من أن العقاب على ترك الفعل او حرمان الثواب عليه , أو الثواب على الفعل , ليسا مما يتعقل دخوله فى معنى الصيغة , فتأمل جدا . ( منه رحمه الله ) .
( 1 ) معارج الاصول : 64 .
( 2 ) فى أ : لما .
( 3 ) الذريعة : 1 57 58 , المحصول : 1 205 234 .
( 4 ) غوالى اللالى : 4 58 ح 206 , صحيح مسلم : 2 975 ح 1337 , مسند أحمد : 2 247 السنن الكبرى : 1 215 .
( 5 ) المنتهى : 92 .
و جوابه ظاهر , لبطلان تفسير الاستطاعة بالمشيئة .
و ثانيهما : مساواة الامر و السؤال إلا فى الرتبة , و السؤال إنما يدل على الندب , فكذا الامر ( 1 ) .
و جوابه : منع المساواة أولا , و نص أهل اللغة عليها غير ثابت , و منع دلالة السؤال على الندب ثانيا .
إن امتثال الاوامر الشرعية واجب إلا مع دليل يدل على جواز ترك الامتثال , و الدليل عليه أيضا من وجوه :
الاول : أن امتثال الامر طاعة , إذ ليس معنى الطاعة إلا الانقياد كما صرح به أرباب اللغة , و حصول الانقياد بامتثال الامر بديهى , و ترك الطاعة عصيان , لتصريح أهل اللغة بأن العصيان خلاف الطاعة ( 2 ) , و العصيان حرام , لقوله تعالى : ( و من يعص الله و رسوله فان له نار جهنم ) ( 3 ) .
الثانى : قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولى الامر منكم ) ( 4 ) مع الايات الدالة على ذم ترك الطاعة , كقوله تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) ( 5 ) و غيرها .
الثالث : قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ( 6 ) .
( 1 ) المحصول : 1 235 , منهاج الوصول : 75 .
( 2 ) المفردات فى غريب القرآن : حرف العين ص 337
( 3 ) الجن 23 .
( 4 ) النساء 59 .
( 5 ) النساء 80 .
( 6 ) النور 63 .
و التهديد على مخالفة مطلق الامر لا يصح إلا مع وجوب امتثال مطلق الامر .
الرابع : ما ذكره السيد المرتضى رحمه الله من حمل الصحابة كل أمر ورد فى القرآن أو السنة على الوجوب ( 1 ) .
و الظاهر كون باعث حملهم هو ما ذكرناه فى هذا المقام , لما مر ( 2 ) فى المقام الاول , و لاصالة عدم النقل .
و اعلم أن صاحب المعالم قال فى أواخر هذا البحث[ : ( فائدة : يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الائمة عليهم السلام , أن استعمال صيغة الامر فى الندب كان شائعا فى عرفهم , بحيث صار من المجازات الراجحة المساوى احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجى , فيشكل التعلق فى إثبات وجوب أمر بمجرد ورود الامر به منهم عليهم السلام]( ( 3 ) انتهى كلامه أعلى الله مقامه .
و أنت بعد خبرتك بما ذكرنا تعلم أن صيغة الامر فى كلام الائمة عليهم السلام ليست مستعملة إلا فيما استعملت فيه فى كلام الله تعالى ( 4 ) , و كلام جدهم صلى الله عليه و آله و سلم , و كيف يتصور عنهم نقل لفظ كثير الاستعمال عن معناه الحقيقى فى كلام جدهم صلى الله عليه و آله و سلم من غير تنبيه و إعلام لاحد : أن عرفنا فى هذا اللفظ هذا المعنى ؟ ! حاشاهم عن ذلك , بل الصيغة فى كلامهم أيضا مستعملة فى طلب مبدأ الصيغة , وإنما يعلم العقاب على الترك و عدمه من أمر خارج .
و ورودها فى كلامهم أيضا مجردة , محمولة على الوجوب المذكور , لفرض
( 1 ) الذريعة : 1 54 .
( 2 ) فى ط : لا ما مر .
( 3 ) معالم الدين : 53 .
( 4 ) فى أ : إلا فيما استعمل فيه كلام الله .
و بسنده[ ( عن أبى جعفر عليه السلام فى قول الله عز و جل : ( و آتيناهم ملكا عظيما ) ( 2 ) قال : الطاعة المفروضة ]( ( 3 ) .
و فى الصحيح : عن أبى الصباح الكنانى ,[ ( قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : نحن قوم فرض الله عز و جل طاعتنا . . . ]( الحديث ( 4 ) .
و روى الحسين بن أبى العلاء , فى الصحيح[ : ( قال : ذكرت لابى عبدالله عليه السلام قولنا فى الاوصياء : إن طاعتهم مفترضة ؟ قال : فقال : نعم , هم الذين قال الله تعالى : ( أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولى الامر منكم ) ( 5 ) و هم الذين قال الله عز و جل [ ( إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا]( ( 6 ) .
و فى الصحيح[ : ( عن معمر بن خلاد قال[ : ( سأل رجل فارسى أبا الحسن عليه السلام , فقال : طاعتك مفترضة ؟ فقال : نعم . قال : مثل طاعة على بن أبى طالب عليه السلام ؟ فقال : نعم]( ( 7 ) .
و فى الموثق[ : ( عن أبى بصير , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : سألته عن
( 1 ) الكافى : 1 186 كتاب الحجة باب فرض طاعة الائمة ح 3 .
( 2 ) النساء 54 .
( 3 ) الكافى : 1 186ح 4 .
( 4 ) الكافى : 1 186ح 6 .
( 5 ) النساء 59 .
( 6 ) المائدة 55 .
الكافى : 1 186ح 7 .
( 7 ) الكافى : 1 186ح 8 .
إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكورة فى هذا الباب و فى غيره , و لا شك أن الانقياد لمطلوبهم ( 2 ) طاعة , و طاعتهم واجبة , فامتثال أوامرهم واجب مطلقاإلا ما دل دليل على جواز عدم العمل به , و هذا ظاهر .
اختلفوا فى صيغة الامر إذا وردت بعد الحظر , على أقوال :
الوجوب ( 3 ) , و الندب , و الاباحة ( 4 ) , و تابعية ما قبل الحظر , و التوقف ( 5 ) .
و الحق : أن صيغة الامر إذا وردت بعد الحظر أو الكراهة ( 6 ) , أو فى مقام مظنة الحظر أو الكراهة , بل فى موضع تجويز السائل واحدا منهما ( 7 ) , كأن يقول العبد : هل أنام أو أخرج ؟ أو نحو ذلك , فيقول المولى له : ( إفعل ذلك ) ( 8 ) لا تدل إلا على رفع ذلك المنع التحريمى أو التنزيهى المحقق أو المحتمل ( 9 ) .
( 1 ) الكافى : 1 186 ح 9 .
( 2 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : ان انقياد مطلوبهم .
( 3 ) ذهب اليه الفخر الرازى , المحصول : 1 236 , و البيضاوى : منهاج الوصول : 76 , و العلامة الحلى : تهذيب الوصول : 21 .
( 4 ) حكاه ابن الحاجب : المنتهى : 98 , و البيضاوى : منهاج الوصول : 76 .
( 5 ) حكاه ابن الحاجب : المنتهى : 98 . و ذهب السيد المرتضى : الذريعة : 1 73 , و الشيخ الطوسى : العدة : 1 68 , و المحقق الحلى : معارج الاصول : 65 , الى أن حكم الامر الواقع بعد الحظر هو حكم الامر المبتدأ .
( 6 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : و الكراهة .
( 7 ) فى ط : منها .
( 8 ) فى ط : افعل كذا .
( 9 ) هذا قريب مما ذهب اليه الغزالى : المستصفى 1 435 .
و هو كالاذن فى الفعل , أمر مشترك بين الاباحة و الندب و الوجوب .
فالاباحة : مثل ( و اذا حللتم فاصطادوا ) ( 1 ) .
و الندب : مثل ( فاذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الارض ) ( 2 ) .
و الوجوب : مثل ( فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ( 3 ) .
لنا : تبادر رفع المنع من الفعل .
و الظاهر أنها مجاز فى هذا المعنى , و التبادر لاجل القرينة , و هى مسبوقية الصيغة بالمنع المحقق أو المحتمل , و تعليقها على زوال علة المنع فى البعض .
و أيضا : إجراء أدلة الوجوب و الندب لا يتصور فيما نحن فيه , لانه فرع فهم الطلب من ( 4 ) الصيغة , و فرديتها لمفهوم الامر , مع أنها ليست كذلك فيما نحن فيه ( 5 ) .
اختلفوا فى دلالة صيغة الامر على الوحدة و التكرار على أقوال :
ثالثها و هو الحق : عدم دلالتها على شىء منهما .
لنا : تبادر مجرد طلب الفعل من الصيغة , من غير فهم شىء من الوحدة و التكرار منها ( 6 ) , كالزمان و المكان و غيرهما من المتعلقات ( 7 ) , و المنكر مكابر .
( 1 ) المائدة 2 .
( 2 ) الجمعة 10 .
( 3 ) التوبة 5 .
( 4 ) فى ط : عن .
( 5 ) عبارة ( فيما نحن فيه ) : زيادة من ب .
( 6 ) المحصول : 1 238 .
( 7 ) الذريعة : 1 100 , معالم الدين : 53 .
و أيضا : لو دلت على التكرار لعمت الاوقات , لعدم الاولوية ( 1 ) , و هو باطل ( 2 ) للاجماع على خلافه .
و ما قيل : بأنها لو لم تكن للتكرار لما تكرر الصوم و الصلاة و غيرهما , و لما كانت مماثلة الصيغة النهى , حيث اقتضت التكرار , و لاستلزامهاإياها بالنظر إلى الضد , و تكرار اللازم يستدعى تكرار ( 3 ) الملزوم .
فهو باطل , لان تكرر ( 4 ) ما يتكرر من العبادات , إنما هو لدليل آخر , كتعليقه على موجب يتكرر .
و أيضا : التكرار على هذا النحو مما لا يتصور أن يكون مفهوما من مجرد صيغة الامر .
و أيضا : ينتقض بما لا يتكرر كالحج و نحوه .
و الثانى : قياس , و فى اللغة ( 5 ) , و مع الفارق , إذ النهى يقتضى انتفاء الحقيقة , و الامر اثباتها .
و الثالث : باطل , لما سيجىء من عدم الاستلزام .
و بعد التسليم : فالنهى هنا تابع للامر فى التكرار و عدمه , لترتبه عليه , و القائل بالمرة يتمسك هنا بتحقق الامتثال بالمرة ( 6 ) , و لا يخفى أنه لا ينافى كونها لمجرد الطلب , لاصالة براءة الذمة .
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : لعدم الاولية .
( 2 ) المحصول : 1 239 , معارج الاصول : 66 .
( 3 ) كذا فى أ . و فى سائر النسخ : تكرار .
( 4 ) كذا فى ط . و فى الاصل و ب : تكرير . و فى أ : تكرر .
( 5 ) فى ط : قياس فى اللغة .
( 6 ) عدة الاصول : 1 74 .
الحق أن الامر المعلق على شرط أو صفة , لا يتكرر يتكررهما ( 2 ) إلا اذا كانت الشرطية قضية كلية , مثل : ( كلما جاءك زيد فأكرمه ) , أو كان الشرط أو الصفة علة موجبة ( 3 ) , مثل : ( و إن كنتم جنبا فاطهروا ) ( 4 ) , ( و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما ) ( 5 ) .
و وجه الثانى ظاهر .
و لنا على الاول : أن السيدإذا قال لعبده : ( إن دخلت السوق , أو إذا دخلت السوق , فاشتر لحما ) ( 6 ) فترك الشراء فى المعاودة لا يوجب الذم , و هو ظاهر ( 7 ) .
و لكن أكثر الاوامر المعلقة الواقعة فى الاحكام مما يتكرر بتكرر الشرط لفهم العلية غالبا , و لذا توهم البعض أن ( إذا ) تقيد العموم عرفا , وإن لم تفده لغة .
اختلفوا فى دلالة صيغة الامر على الفور أو التراخى , على أقوال ( 8 ) :
( 1 ) فى أ و ط : تذييل .
( 2 ) عدة الاصول : 1 76 , المحصول : 1 243 .
( 3 ) المحصول : 1 246 , تهذيب الوصول : 22 .
( 4 ) المائدة 6 .
( 5 ) المائدة 38 .
( 6 ) فى ط : فاشتر لنا لحما .
( 7 ) الذريعة : 1 115 , المحصول : 1 243 , معارج الاصول : 67 .
( 8 ) فقد ذهب السيد المرتضى الى أن الامر المطلق مشترك بينهما : الذريعة : 1 132 . و ذهب <
ثالثها : أنها لا تدل على شىء منهما ( 1 ) و هو الحق , إلا أن الاقوى وجوب التعجيل فى الامر المجرد عن القرائن , فههنا أيضا مقامان :
ألاول : عدم الدلالة على الفور و لا على التراخى .
و لنا فيه : أن المتبادر من الامر ليس إلا طلب الفعل من غير فهم شىء من الاوقات و الازمان منه , و هو ظاهر ( 2 ) .
الثانى : وجوب المبادرة إلى امتثال الفعل المأمور به , و ليس المراد بالفور فى المقام الثانى المبادرة بالفعل فى أول أوقات الامكان , بل ما يعد به المكلف الفاعل عرفا مبادرا و معجلا , و غير متهاون و متكاسل ( 3 ) , و هذا أمر يختلف بحسب اختلاف الامر و المأمور و الفعل المأمور به , مثلا : إذا أمر المولى عبده بسقى الماء , فبتأخيره ساعة تفوت الفورية , و يعد العبد متهاونا .
وإذا أمره بالخروج إلى مصر ( 4 ) بعيد الغاية كالهند فبتأخر اسبوع بل شهر لا تفوت الفورية , و لا يعد متهاونا .
و الدليل عليه من وجوه :
الاول : أن جواز التأخير على تقديره ليس الى ( 5 ) غاية معلومة , إذ لا دلالة للصيغة على غاية معلومة , و لو استفيدت ( 6 ) الغاية من أمر خارج , يخرج عن محل
( 1 ) ذهب اليه الشافعى , كما فى : المنتهى : 94 , و اختاره الفخر الرازى : المحصول : 1 247 , و المحقق الحلى : معارج الاصول : 65 , و ابن الحاجب : المنتهى : 94 , و العلامة الحلى : تهذيب الوصول : 22 : و المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 56 .
( 2 ) انظر مصادر البحث السابق .
( 3 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : متكاهل .
( 4 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : سفر .
( 5 ) فى ط : ليس له .
( 6 ) كذا فى ط , و فى الاصل و أ : استفاد , و فى ب : استفادة .
و ما يقال من أن كل أمر على هذا يكون موقتا , فلا يجب الفور فى
شىء أصلا , لا ن الغاية هى ظن الموت , فاذا حصل ذلك الظن , تصير العبادة مضيقة .
فهو باطل :
لان ( 2 ) ظن الموت قلما يحصل .
و على تقديره : لا دليل على اعتبار هذا الظن شرعا حتى يمكن الحكم به بتضييق عبادة ثبت من الشرع توسعتها .
و على تقدير التسليم : فبعد حصول هذا الظن , قلما يتمكن المكلف من الامتثال , إذ حصول هذا الظن فى صحة من الجسم و كمال من العقل , من خوارق العادة , بل هو على تقديره إنما يكون عند شدة المرض , و حينئذ لا يتمكن الانسان من فعل ما يحتاج إلى زيادة إتعاب النفس , كالحج و الصوم و الجهاد , و نحوها , بل الصلاة أيضاإذا كانت كثيرة , فنقول فى الاستدلال : إن جواز التأخير لاإلى غاية , يفضى إلى خروج الواجب عن الوجوب فيكون منتفيا ( 3 ) فيكون الفور واجبا .
و المقدمتان فى غاية الظهور .
و ما يقال من : أن الواجب ما لا يجوز تركه على وجه ما , فلا يخرج شىء من الوجوب , إذ يصدق على كل واجب أنه بحيث لو حصل ظن المكلف بفوته , و تمكن من الفعل , فهو غير جائز الترك حينئذ .
فهو من المزخرفات , لان تحديد الوجه فى هذا التعريف , بحيث يسلم طرده من الندب بل من المباح , مما لا يكاد يمكن إلا بالتكلفات الباردة البعيدة
( 1 ) الذريعة : 1 133 , المحصول : 1 250 .
( 2 ) فى ط : لا أن .
( 3 ) فى ط : منفيا .
و أيضا : قد عرفت ما فى غائية الظن بالموت ( 1 ) .
و أيضا : كيف يتصور وصف العبادة بالوجوب باعتبار وصف نادر التحقيق فيها ؟ !
و كذا ما يقال من[ ( أن الواجب ما لا يجوز تركه لا إلى بدل]( و العزم هنا واجب , لان بدلية العزم على الاطلاق توجب إخراج الواجب عن الحتمى .
و أيضا : لا دليل على وجوب العزم , و لا على بدليته , على تقدير الوجوب .
فان قلت : هذا الدليل ينتقض بما لو صرح بجواز التأخير , و لا نزاع فى إمكانه .
قلت : جواز التأخير فى جميع أزمنة صحة الجسم و التمكن من الفعل لا نسلم أنه يمكن تصريح الحكيم ( 2 ) به , لانه سفه و مناف لغرضه .
نعم , صراحة جواز التأخير على الاطلاق , توجب أن يدخل فى زمن جواز التأخير بعض الازمنة , التى يعد التارك فيها متهاونا مضيعا , لولاها .
الثانى : أن التأخير بما ينافى الفورية المذكورة , يعد فى العرف تهاونا و معصية ( 3 ) , فيكون حراما , فيكون الفور واجبا , إذا كان الامر ممن ثبت وجوب امتثاله .
و لا يتوهم من هذا : صيرورة الفورية مدلولا لصيغة الامر , فينافى ما فى المقام الاول .
لان قضاء العرف بذلك , لا يلزم أن يكون لاجل وضع اللفظ له , و لا يلزم أن يكون جميع صفات الشىء و آثاره و أحكامه , من مدلولات لفظه .
( 1 ) فى ب : غايته , و فى ط : غائته بالموت .
( 2 ) فى أ و ط : الحكم .
( 3 ) الذريعة : 1 132 , المحصول : 1 251 .
الثالث : إدعاء ( 1 ) السيد الاجل المرتضى , الاجماع على أن الامر المطلق يحمل على الفور , حيث قال فى الذريعة , فى بحث أن الامر للوجوب , أو لا ؟[ : ( و نحن , وإن ذهبناإلى أن هذه اللفظة مشتركة فى اللغة بين الايجاب و الندب , فنحن نذهب إلى أن العرف الشرعى المتفق المستمر قد أوجب أن يحمل مطلق هذه اللفظة إذا وردت عن الله تعالى أو عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على الوجوب دون الندب , و على الفور دون التراخى , و على الاجزاء]( ( 2 ) , و احتج عليه ب[ ( أن الصحابة و التابعين , و تابعى التابعين , حملوا كل أمر ورد فى الكتاب و السنة مجردا , على الفور , و الوجوب , و الاجزاء , و لم ينكر أحد ذلك , و إذا احتج واحد بأمر عليه , لم ينكر خصمه , بل يسلم منه ذلك]( ( 3 ) ثم قال[ : ( و أما أصحابنا معشر الامامية فلا يختلفون فى هذا الحكم الذى ذكرناه , و قد مر غير مرة : أن إجماعهم حجة]( ( 4 ) انتهى .
فان قلت : الاجماع المنقول بخبر الواحد لا يفيدإلا الظن , و المسألة من المطالب الكلية , التى يجب تحصيل العلم بها .
قلت : إفادة الظن من الخبر الواحد أكثرى , و قد يفيد القطع اذا احتف بالقرائن , و الظاهر كون هذا الخبر كذلك .
و لو سلم , فلا نسلم كون المسألة من المطالب العلمية , بل هى من المطالب المتعلقة بمقتضيات الالفاظ , و قد صرحوا بالاكتفاء بالظن فيها , لعدم إمكان تحصيل القطع فيها .
و لو سلم كونها من غير تلك المطالب , فلا نسلم وجوب تحصيل القطع فى غير المعارف الالهية .
( 1 ) فى ط : ادعى .
( 2 ) الذريعة : 1 53 .
( 3 ) هذا تلخيص لكلام السيد فى الذريعة : 1 54 .
( 4 ) الذريعة : 1 55 .
و لو سلم , فلا نسلم وجوب تحصيل القطع فيما لا يمكن فيه ذلك , لانه تكليف بالمحال , و المسألة كذلك , إذ كل من القول بالفور و التراخى و الاشتراك و طلب الماهية و التوقف , مبنى على الادلة الظنية , كما لا يخفى .
و أيضا : اشتراط القطع فى الاصول مطلقا , و سيما فى أصول الفقه كعدمه مبنى ( 1 ) على الادلة الظنية , كالايات القرآنية و نحوها , و الاصل و نحوه .
فان قلت : كلام المرتضى كما فهمه بعض الاصحاب ( 2 ) دال على أن الوجوب و الفور و الاجزاء , من مدلولات الامر فى الشرع , فليس الاجماع واردا على المدعى .
قلت : لا ظهور لكلام السيد فى ذلك , إذ هو ما زاد على القول بوجوب حمل الامر عليه , و لم يذكر بأنه مما وضع له اللفظ فى العرف الشرعى , فتأمل .
الرابع : قوله تعالى : ( فاستبقوا الخيرات ) ( 3 ) , و لا شك أن فعل المأمور به من الخيرات .
و قوله تعالى : ( و سارعواإلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات و الارض ) ( 4 ) , حيث إن مسارعة العبدإلى المغفرة غير متصورة , لانها من فعل الله تعالى , فالمراد و الله أعلم سببها , و فعل المأمور به سببها , كما قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ( 5 ) .
وإضمار سبب خاص كالتوبة ترجيح بلا مرجح , لا دليل عليه .
و أيضا : حذف المفعول هنا , إنما هو ليذهب ذهن السامع كل مذهب ,
( 1 ) زاد فى ط : أيضا .
( 2 ) الظاهر انه صاحب المعالم كما يظهر ذلك مما ذكره فى الرد على استدلال السيد المرتضى : معالم الدين : 58 .
( 3 ) المائدة 48 .
( 4 ) آل عمران 133 .
( 5 ) هود 114 .
و ما قيل[ : ( 2 ) ( بأن ذلك محمول على أفضلية المسارعة و الاستباق , لا على وجوبهما , وإلا لوجب الفور , فلا تتحقق المسارعة و الاستباق , لانهما إنما يتصوران فى الموسع دون المضيق , ألا ترى أنه لا يقال لمن قيل له : ( صم غدا ) فصام : إنه سارع إليه و استبق , و الحاصل أن العرف قاض بأن الاتيان بالمأمور به , فى الوقت الذى لا يجوز تأخيره عنه , لا يسمى مسارعة و استباقا , فلا بد من حمل الامر فى الايتين على الندب , وإلا لكان مفاد الصيغة فيهما منافيا لما تقتضيه المادة , و ذلك ليس بجائز , فتأمل]( ( 3 ) انتهى كلامه بعبارته .
فوهنه و ضعفه ظاهر , لانه مبنى على اشتباه المؤقت بغيره , فانه توهم أن الواجب الفورى يصير مؤقتا مضيقا كالصوم , و ليس كذلك , إذ المؤقت موسعا كان أو مضيقا يصير قضاءا بخروج وقته , و قد يسقط به كصلاة العيد , بخلاف غير المؤقت كازالة النجاسة من المسجد , و قضاء الصلوات اليومية على المشهور , و الحج , و نحوها , فان فيه وإن حصل الاثم بالتأخير , إلا أنه أداء لازم الفعل فى كل وقت , فالاستباق و المسارعة يتصوران فى المضيق غير الموقت , و قضاء العرف بما ادعاه فيه ظاهر البطلان .
و ما توهم من منافاة مادة الامر فيها لصيغته حينئذ بناءا على أن المادة تقتضى إمكان التأخير , و صورته تقتضى المنع من التأخير فهو باطل , إذ المادة لا تقتضى إلا كون الفعل أداءا , و صحيحا على تقدير التأخير , و لا تقتضى جواز التأخير و مشروعيته ( 4 ) .
و هو فى غاية الظهور , و لا يبعد كون أمره بالتأمل , إشارة إلى ما ذكرناه .
( 1 ) الذريعة : 1 134 , المحصول : 1 249 .
( 2 ) و القائل هو صاحب المعالم تبعا لغيره . ( منه ) .
( 3 ) معالم الدين : 57 58 .
( 4 ) فى أ : و صورته تقتضى المنع من التأخير و مشروعيته . بدل قوله : و لا تقتضى الى آخره .
و احتج من قال بالدلالة على الفور , بأدلة : بعضها غير مناف لما مر , و بعضها غير صحيح , كالقياس على النهى , و على الايقاعات , و لزوم ثبوت بدل هو العزم على تقدير التراخى , من غير دليل , و نحو ذلك ( 1 ) .
و احتج من قال بالتراخى بمعنى جواز التأخير لا وجوبه , إذ لم يذهب اليه أحد على الظاهر بأن الامر المطلق لا توقيت فيه , فلو أراد وقتا معينا لبينه , فاذا فقدنا البيان , علمنا أن الاوقات متساوية فى إيقاعه ( 2 ) .
بالوفاق , إن أراد نفى الدلالة على الفور .
وإن أراد نفيه مطلقا , فنقول : البيان بعدم تساوى الاوقات , موجود فى العقل و النقل كما مر .
فى أن الامر بفعل فى وقت معين , هل يقتضى فعله فيما بعد ذلك الوقت على تقدير فوات ذلك الفعل فى وقته أو لا ؟ .
فيه مذهبان : الاقتضاء ( 3 ) , و عدمه .
و قوى الاكثر الثانى ( 4 ) , قائلين بأن القضاء لا يجب إلا بأمر مجدد , نحو :
( 1 ) تجدها فى : الذريعة : 1 132 134 , المحصول : 1 249 251 , معالم الدين : 56 58 , و قد استدل الشيخ الطوسى بالاخير منها : العدة : 1 86 .
( 2 ) حكاه فى : الذريعة : 1 141 .
( 3 ) ذهب اليه الحنابلة و بعض الفقهاء . كما فى : المنتهى : 98 .
( 4 ) الذريعة : 1 116 , العدة : 1 77 , المستصفى : 2 11 , المحصول : 1 324 , المعارج : 75 , تهذيب الوصول : 30 .
لنا : أن الامر بصورم يوم الخميس , لاإشعار فيه بوجوب صوم غير يوم الخميس , و لا يقتضيه معنى ( 3 ) لاختلاف الاوقات كالكيفيات فى المصلحة , فقد تكون العبادة فى وقت خاص لمصلحة ( 4 ) , دون غيره من الاوقات ( 5 ) .
احتجوا :
[ أ] بأن هناك مطلوبين : أحدهما الصوم , و الاخر إيقاعه فى يوم الخميس , فبفوت الثانى لا يسقط الاول , إذ ( 6 ) لا يسقط الميسور بالمعسور ( 7 ) .
و الجواب : لا نسلم تعدد المطلوب , بل هو الصوم المقيد بيوم الخميس , فلا يمكن إيقاع هذا المطلوب فى غيره .
[ ب] و بأن الدين المؤجل لا يسقط بالتأخير , فكذا المأمور به ( 8 ) .
و الجواب : أن ضرب الاجل فى الدين إنما هو لرفع الوجوب قبله , لا لرفعه بعده , و هو معلوم عادة , و العقل يحكم بأن الغرض ( 9 ) فى الدين متعلق باحقاق الحق , و لا مدخلية للاجل إلا لرفع تقاضى صاحب الحق قبله , بخلاف المأمور به .
على أنه قياس , لا نقول به .
( 1 ) فى ط : من نام فى وقت صلاة .
( 2 ) المستصفى : 2 11 , غوالى اللالى : 1 201 الفصل التاسع ح 17 .
( 3 ) المنتهى : 98 .
( 4 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : مصلحة .
( 5 ) الذريعة : 1 117 , العدة : 1 77 .
( 6 ) كذا فى ط : و فى سائر النسخ : ( و ) بدل ( اذ ) .
( 7 ) روى ابن ابى جمهور عن النبى ( ص ) مرسلا[ : ( لا يترك الميسور بالمعسور ]( غوالى اللالى : 4 58 ح 205 .
( 8 ) المستصفى : 2 11 .
( 9 ) فى ط : الفرض .
هذا , و ( 1 ) لكن التتبع يورث الظن بثبوت القضاء فى كل مؤقت , إذا كان واجبا لا مندوبا , إذ لا يكاد يوجد فى الاحكام ما تعلق به الامر فى وقت إلا و ثبت الامر بقضائه على تقدير فوته ( 2 ) , غير صلاة العيدين و الجمعة و نحوهما ( 3 ) .
فالظن يحكم بأن منشأ تعلق الامر المجدد , هو الامر الاول .
و أيضا : إلحاق الفرد المجهول بالاعم الاغلب يوجبه .
و لكن الحكم بمدركية هذا الظن للاحكام الشرعية مشكل , و الله أعلم .
على ما اخترناه من أن الامر للفور لو أخر المكلف المأمور به عن الوقت الذى يتحقق فيه الفور , فهل يجب عليه الاتيان به فيما بعد ذلك الوقت ؟ مع عدم القرينة على الاعتداد به فيه , و لا على عدمه ؟
فيه مذهبان ( 4 ) , و الاقوى وجوب الاتيان به فيما بعد .
لنا : أنا لو خلينا و ظاهر الاوامر المطلقة , نحكم بجواز الاتيان بالمأمور به فى كل وقت أداءا ( 5 ) , من دون ترتب الاثم على الاتيان به فى وقت ما , و الادلة الدالة على الفور لا تقتضى إلا ترتب الاثم على التأخير , و هو لا يوجب سقوط الفعل فيما بعد .
و الحاصل : أن الامر المطلق يقتضى بظاهره شيئين : الاول : أدائية ( 6 )
( 1 ) الواو زيادة من أ .
( 2 ) فى أ و ط : فواته .
( 3 ) كذا فى أ , و فى سائر النسخ : و نحوها .
( 4 ) الذريعة : 1 131 , معالم الدين : 59 .
( 5 ) زاد فى ب فى هذا الموضع كلمة : و قضاءا .
( 6 ) فى أ : دائمية .
و لا يتوهم جريان الدليل فى الموقت , لانه لا يقتضى الشىء الاول , بل و لا الاعتداد بالمأمور به فى كل وقت .
نعم , يبقى الاشكال فى الامر المطلق , إذا علم توقيته بوقت محدود ( 2 ) من خطاب آخر , إذ لا يبعد ( 3 ) أن يقال : إن التوقيت مطلقا ظاهر فى نفى الادائية و الاعتداد به فيما بعد .
و الفرق بين الفورية و التوقيت : أن الوقت فى التوقيت لا بد أن يكون منشأ لمصلحة الفعل , بخلاف الفورية , فان الوقت فيها ( 4 ) لا ارتباط له بالفعل , إلا لاجل أن الفعل الزمانى لابد و أن يكون فى زمان , حتى لو أمكن إيقاع الفعل لا فى زمان , لحصل ( 5 ) الامتثال .
و كذا يبقى ( 6 ) الاشكال فيما يفيد الفور بالامر الاول , كأن يقول : ( إفعل معجلا , أو بسرعة ) , فهل يجب الاتيان به فيما بعد وقت الفور حينئذ , أولا ؟ .
أو يقول : ( إفعل ) بناءا على أن الامر بنفسه يفيد الفور .
و الاقرب الثانى , لما مر فى المؤقت , إلا أنه لا يكاد يوجد فى الاحكام
( 1 ) فى أ : دفع .
( 2 ) فى ب : معلوم .
( 3 ) فى ط : و لا يبعد .
( 4 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : فيه .
( 5 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : يحصل .
( 6 ) فى ب : لا يبقى .
هذا , و قد يورد فى بعض كتب الاصول فى بحث الامر مباحث اخرى , رأينا عدم إيرادها هنا أولى :
إما لان البعض سيجىء ذكره فى مباحث الادلة العقلية , مثل : بحث مقدمة الواجب , و استلزام الامر بالشىء النهى عن الضد , و بحث المفاهيم .
وإما لكونه من المسائل الكلامية التى لا تليق بهذه الرسالة , وإن كانت من المبادىء الفقهية , مثل : صحة التكليف بفعل علم الامر انتفاء شرطه , مع جهل المأمور أو علمه أيضا , و وجود الواجب الموسع و الكفائى , و امتناع تكليف ما لا يطاق , و تعلق الامر بالمعدوم , و تكليف الغافل و المكره , و نحو ذلك مما يتعلق بمباحث العدل من علم الكلام .
و إما لقلة فائدته , مثل بحث الواجب التخييرى , و بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب , و غير ذلك .
و فيه مباحث :
اختلفوا فى مدلول صيغة النهى حقيقة , على نحو اختلافهم فى الامر ( 1 ) .
و الحق ههنا أيضا نظير ما مر ( 2 ) فى الامر , من أنها حقيقة فى طلب الترك .
و لكن تحمل نواهى الشرع على التحريم :
لما مر فى الامر .
و لقوله تعالى : ( و ما نهاكم عنه فانتهوا ) ( 3 ) , و قد مر أن أوامر الشرع
( 1 ) قال الغزالى[ : ( اعلم أن ما ذكرنا من مسائل الاوامر تتضح به أحكام النواهى إذ لكل مسألة و زان من النهى على العكس]( . المستصفى : 2 24 و انظر : الذريعة : 1 174 , المحصول : 1 338 , المنتهى : 100 , المعارج : 76 , المعالم : 90 .
( 2 ) فى ب : يظهر مما مر .
( 3 ) الحشر 7 .
و قوله تعالى فى مقام الذم و الوعيد : ( ألم ترإلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ) ( 1 ) الاية .
و غير ذلك , نحو قوله تعالى فى مقام الذم : ( و لوردوا لعادوا لما نهوا عنه ) ( 2 ) .
و قوله تعالى : ( فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( 3 ) .
الحق أن النهى الشرعى المجرد عن القرائن يجب حمله على الدوام ( 4 ) :
لان حمل النبى المطلق على حصة معينة من الاوقات , محدودة الاول و الاخر , من دون مرجح , غير معقول .
و لان العلماء لم يزالوا يستدلون على عموم التحريم بمطلق النهى .
هل يجوز تعلق الامر و النهى بشىء واحد , أولا ؟ ( 5 ) .
( 1 ) المجادلة 8 .
( 2 ) الانعام 28 .
( 3 ) الاعراف 166 .
( 4 ) الذريعة : 1 176 , معالم الدين : 92 , و نقله الفخر الرازى عن المشهور , لكنه خالف فيه : المحصول : 1 338 , و نسبه ابن الحاجب الى المحققين : المنتهى : 101 , كما خالف فى ذلك العلامة فى تهذيب الوصول : 33 , وإن وافقهم على ذلك فى كتابه نهاية الوصول على ما حكاه عنه المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 92 .
( 5 ) المحصول : 1 340 .
و الحق عدم الجواز ( 1 ) .
و اعلم أن للمسألة صورا :
الاولى : أن يتعلق الامر الايجابى العينى , و النهى التحريمى العينى , بأمر واحد شخصى .
و لا شك و لا نزاع لاحد فى امتناعه , بناءا على امتناع التكليف بما لا يطاق ( 2 ) , سواء كان منشأ تعلق الحكمين ذات ذلك الشىء أو وصفين لازمين له .
أما لو أمكن اتصافه بعرضين مفارقين , مع بقاء وحدته فى الحالين , فيجوز تعلق الامر باعتبار أحد الوصفين , و النهى باعتبار الاخر , فيجب حينئذ إيقاعه عل ى الوصف الاول , و يحرم إيقاعه موصوفا بالوصف الثانى , كلطم اليتيم تأديبا , و ظلما , و السجود لله , و لغيره , فانه يختلف بالقصد و النية .
الثانية : أن يتعلق الامر الايجابى التخييرى , و النهى التحريمى العينى بأمر شخصى , بحيث يكون منشأ الوجوب و الحرمة واحدا , أو أمرين متلازمين .
و الحق امتناعه , و الظاهر أنه لا نزاع فيه أيضا , و سيجىء ما يحققه .
الثالثة : أن يتعلق الامر الحتمى , و النهى كذلك , كل واحد بكلى , و لكن يكون بين الكليين العموم من وجه , فيختار المكلف ما يتدرج فى كل منهما , فهل يحصل الامتثال باعتبار الامر , أولا ؟ .
فيه خلاف , و قد مثل بالصلاة فى الدار المغصوبة , فان الصلاة مأمور بها , و الغصب منهى عنه , و الصلاة فى الدار المغصوبة فرد لكل منهما , أما بالنسبة إلى الصلاة فباعتبار نفسها , و أما بالنسبة إلى الغصب فباعتبار جزئها , لان القيام على أرض الغير , و السجود عليها , مع عدم رضائه أو بدون إذنه ,
( 1 ) المحصول : 1 340 .
( 2 ) المحصول : 1 341 .
و قد وقع النزاع فى صحة هذه الصلاة و بطلانها , بناءا على أنه هل تعدى الامر المتعلق ( 1 ) بمطلق الصلاة إلى هذا الفرد المتعلق ( 2 ) للنبى ؟ أو لا ؟ ( 3 ) .
و هذه الصورة فى الحقيقة ترجع إلى الصورة الثانية , لان النهى عن الكلى نهى عن جميع جزئياته , و الامر به أمر بواحد من جزئياته , فكل واحد ( 4 ) من جزئياته يصير واجبا تخييريا .
و الحق : امتناع تعلق الامر العام ( 5 ) لجميع ( 6 ) الجزئيات المحصى لها ( 7 ) بما هو فرد للمنهى عنه , و أن الدعوى بينة , غنية عن الدليل , إذ امتناع كون الشىء الواحد مرادا و لو على جهة التخيير و غير مراد بل مبغوضا لشخص واحد , فى غاية الظهور .
و تعلق الوجوب التخييرى به , يوجب الرخصة من الحكيم باختياره , مع استلزامه حينئذ ( 8 ) امتناع الاطاعة فى طرف النهى .
و أيضا : هذا ينافى اللطف , إذ المكلف حينئذ مقرب للمكلف إلى معصيته ( 9 ) , كما لا يخفى .
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : المطلق .
( 2 ) فى ط : المعين . بدل : المتعلق .
( 3 ) المحصول : 1 343 , و قد ذهب الشيخ الطوسى الى الاول : عدة الاصول : 1 100 .
( 4 ) كلمة ( واحد ) : زيادة من ب .
( 5 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : امر العالم .
( 6 ) كذا فى أ , و فى سائر النسخ : بجميع .
( 7 ) كذا فى الاصل و ب , و فى أ و ط : بها .
( 8 ) ( حينئذ ) : زيادة من أ و ط .
( 9 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل : لا معصيته , و فى ط : معصية .
و اختلاف الجهة غير مجد مع اتحاد المتعلق .
احتج المخالف بوجهين ( 1 ) :
الاول : أن السيدإذا أمر عبده بخياطة ثوب , و نهاه عن الكون فى مكان مخصوص , ثم خاطه فى ذلك المكان , فانا نقطع بأنه مطيع عاص , لجهتى الامر و النهى .
الثانى : أنه لو امتنع الجمع , لكان باعتبار اتحاد متعلق الامر و النهى إذ لا مانع سواه اتفاقا و اللازم باطل , إذ لا اتحاد فى المتعلقين ( 2 ) , فان متعلق الامر الصلاة , و متعلق النهى الغصب , و كل منهما يتعقل انفكاكه عن الاخر , و قد اختار المكلف جمعهما , مع إمكان عدمه , و ذلك لا يخرجهما عن حقيقتيهما اللتين هما متعلقا الامر و النهى ( 3 ) حتى لا تبقيا مختلفتين . و الجواب عن الاول :
أولا : بمنع حصول الاطاعة على التقدير المذكور , و السر فى توهم هذا الحصول : أن غرض الامر و فائدة الخياطة حاصلة على أى حال اتفقت الخياطة , فيشتبه ( 4 ) حصول الغرض بحصول الاطاعة .
و ثانيا : بأن المتعلق فى المثال المذكور مختلف , فان الكون ليس جزءا من الخياطة , بخلاف الصلاة , و تحقيقه : أن الخياطة أمر حاصل من الحركات , فهى بمنزلة المعدات له .
و لا يمكن أن يقال : إن الصلاة أيضا أمر حاصل من الحركات
( 1 ) حكاهما المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 94 95 .
( 2 ) فى ط : للمتعلقين .
( 3 ) عبارة ( اللتين هما متعلقا الامر و النهى ) : زيادة من ب , و هى مثبتة فى المصدر أيضا : المعالم 95 .
( 4 ) فى ب و ط : فيشبه .
للاجماع على أن القيام , و رفع الرأس من الركوع , و السجود , و ملاصقة الجبهة بالارض من أجزاء الصلاة و أركانها .
لا يقال : اختلاف المتعلق غير مجد مع التلازم , إذ تعلق النهى باللازم , و الامر بالملزوم غير جائز , و مطلق الكون من لوازم مطلق الخياطة , و الكون فى المكان المغصوب من لوازم الخياطة فيه , كالكون مع الصلاة فى الجزئية .
لانا نقول بعد تسليم أن الكون من لوازم الخياطة لا من لوازم الخياط : إنا لا نسلم أن الكون فى المكان المغصوب من لوازم الخياطة فيه , بل الكون المطلق لازم لها , و ليس لكون الخاص مدخلية فى تشخص الخياطة , بل شخص الخياطة فى المكان المغصوب يمكن حصوله فى غير ذلك المكان , بخلاف الصلاة , فان أشخاصها تتبدل بتبدل الاكوان فى الاماكن المختلفة .
و عن الثانى : أن اتحاد المتعلق لازم , بملاحظة أن التكاليف المتعلقة بالماهيات , متعلقة فى الحقيقة بجزئياتها .
الرابعة ( 2 ) : أن يتعلق الامر الايجابى الحتمى و النهى التنزيهى , بأمر واحد شخصى , و هذا أيضا غير جائز , لما مر .
الخامسة : أن يتعلق الامر الايجابى التخييرى , و النهى التنزيهى , بأمر واحد شخصى , كالصلاة فى الحمام , و نحوه من الاماكن المكروهة ( 3 ) , و هذا أيضا ممتنع , إذا كان المكروه بمعناه المعروف , و هو راجحية ( 4 ) الترك , فما تعلق به هذا النهى من العبادات , فالظاهر بطلانه ما لم يدل دليل على صحته , و ما
( 1 ) زاد فى ط فى هذا الموضع كلمة : الخاصة .
( 2 ) أى : من الصور المذكورة لاجتماع الامر و النهى .
( 3 ) الفقيه : 1 241ح 725 , الكافى : 3 390 باب الصلاة فى الكعبة . . . . ح 12 , المحاسن للبرقى : 365ح 110 .
( 4 ) فى ب : ارجحية .
و يقولون : إن الحرمة غالبا تتعلق بالذات , و الكراهة ( 2 ) بالوصف .
و هذا خلاف ظواهر النصوص , الدالة على تعلق الكراهة بنفس الفعل , مثل : ( لا تصل فى الحمام ) و نحوه .
و الحق : هو ما اشتهر من أن الكراهة فى العبادات , بمعنى كونها ( 3 ) أقل ثوابا بنسبة خاصة .
و تحقيقه : أن العبادة قد تكون بحيث لم يتعلق بها نهى و لا أمر غير الامر الذى تعلق بأصلها كالصلاة اليومية فى البيت للبعيد عن المسجد , أو عند المطر ( 4 ) , نحو ذلك .
و هذه ربما تتصف بالاباحة , بمعنى عدم مرجوحية أوصافها و أجزائها ( 5 ) , و عدم راجحيتها أيضا غير الراجحية الناشئة من راجحية أصلها فيقال : الصلاة اليومية فى البيت مثلا مباحة .
و قد تكون بحيث تعلق بها أمر آخر , باعتبار اشتمالها أو اتصافها على أمر راجح أو به .
و هذا الرجحان : قد ينتهى إلى حد الوجوب , كالصلاة فى المسجد مع نذرإيقاعها فيه , فيجتمع حينئذ وجوبان , و قد لا ينتهى إليه , كالصلاة اليومية
( 1 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : الكراهة .
( 2 ) فى ط : الكراهية .
( 3 ) فى ط : أنها .
( 4 ) الفقيه : 1 377ح 1099 .
( 5 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و أ : أو أجزائها .
و قد تكون بحيث يتعلق بها نهى بالاعتبار المذكور .
و هذه المرجوحية : قد تنتهى إلى حد التحريم , كصلاة الحائض , و الصلاة فى الدار المغصوبة , و غير ذلك , و قد مر أنها تستلزم الابطال , و قد لا تنتهى إليه , و هذه أيضا تستلزم الابطال , إن كان النهى باعتبار جزء , أو وصف لازم , لما مر فى النهى التحريمى .
فلا بد من حمل الكراهة على أقلية الثواب , بمعنى كون العبادة باعتبار الاشتمال أو الاتصاف المذكور أقل ثوابا منها نفسها لو لم تكن كذلك , بل كانت متصفة بالاباحة المذكورة , فالصلاة فى الحمام مكروهة , بمعنى أنها أقل ثوابا منها فى البيت , لا فى المسجد .
و على هذا التحقيق لا يرد ما يقال : إن الكراهة بمعنى أقلية الثواب , توجب كون الصلاة فى جميع المساجد و المواضع مكروهة , غير المسجد الحرام , لانها أقل ثوابا منها فيه .
و قد علم مما مر صورة اجتماع الامر الايجابى معه , و مع الندب , و مع الاباحة , بل صورة اجتماع الامر الندبى مع الايجاب , و الندب , و الاباحة , و الكراهة , و التحريم , فهذه ثلاث عشرة صورة .
فان قلت : كيف حكمت ببطلان العبادة , عند فرديتها للمأمور به و المنهى عنه ؟ و حكمت باستثنائها عن بقية أفراد المأمور به فى تعلق الامر , و لم لا
( 1 ) فى ط : فيجمع .
قلت : هذا الاحتمال ( 1 ) لا يخلو عن قرب , سيما ( 2 ) مع ضميمة ما دل على صحة الصلاة المذكورة , مثل قوله تعالى : ( إن الارض لله ) ( 3 ) , و ما ورد من أن الارض مهر لفاطمة الزهراء عليها السلام ( 4 ) إلا أن أصحابنا لم ينقلوا خلافا فى بطلان الصلاة المذكورة .
و لعل الوجه فيه : أن تعلق الامر بمثل العبادة المذكورة , بطريق التخيير , على ما مر , و تعلق النهى بها , بطريق الحتم و العين , فيكون استثناؤها من الامر أولى من استثنائها من النهى , إذ ظاهر ( 5 ) : أن الاهتمام بفعل فرد خاص من الواجب التخييرى , ليس مثل الاهتمام بترك الحرام العينى .
أو الوجه فيه : أن العبادة اذا صارت محتملة لكل من الوجوب و التحريم , رجح جانب التحريم , لا لما قيل و اشتهر من : أن دفع المفسدة أهم من جلب المنفعة إذ هذاإنما يتم مع تعارض الندب و التحريم , لا الواجب معه , لان ترك الواجب أيضا كفعل الحرام مفسدة بل لما ورد من التوقف عند تعارض الامر و النهى , و مصداقه الكف .
و أيضا : من تتبع ظهر عليه أن كل أمر مردد ( 6 ) بين الوجوب و التحريم ,
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : احتمال .
( 2 ) فى ب : لا سيما .
( 3 ) الاعراف 128 .
( 4 ) كشف الغمة : 1 472 , المحتضر : 133 .
( 5 ) فى ط : الظاهر .
( 6 ) كذا فى أ . و فى الاصل : أن كل مردد . و فى ط : ان كل أمر تردد . و فى ب : ان كل امر ورد .
و قال السيد فى الذريعة[ : ( و قد يصح أن تقبح من المكلف جميع أفعاله على وجه , و تحسن على وجه آخر , و على هذا الوجه يصح القول : بأن من دخل زرع غيره على سبيل الغصب أن له الخروج عنه بنية التخلص , و ليس له التصرف بنية الفساد , و كذلك من قعد على صدر حى , إذا كان انفصاله منه يؤلم ذلك الحى كقعوده , و كذلك المجامع زانيا , له الحركة بنية التخلص , و ليس له الحركة على وجه آخر]( ( 2 ) .
و قال فى موضع آخر , بعد الاستدلال على بطلان الصلاة فى الدار المغصوبة[ : ( و قد قيل فى التمييز ( 3 ) بين الصلاة و غيرها , فى هذا الحكم : إن كل عبادة ليس من شرطها أن يتولى الفعل بنفسه , بل ينوب فعل الغير مناب فعله , أو ليس من شرطها أن تقع منه بنية الوجوب , أو ليس من شرطها النية اصلا , لم يمتنع فى المعصية منها أن تقوم مقام الطاعة , و هذا قريب]( ( 4 ) انتهى .
ثم قال[ : ( و أما الضيعة المغصوبة , فالصلاة فيها مجزية , لان العادة جرت بأن صاحبها لا يحظر على أحد الصلاة فيها , و التعارف يجرى مجرى الاذن , فيجب الرجوع إليه]( .
و قال[ : ( فأما من دخل و ليس بغاصب , لكنه دخل الدار المغصوبة مختارا ( 5 ) , فيجب أن لا تفسد صلاته , لان المتعارف بين الناس أنهم يسوغون
( 1 ) كف صاحبه عن مجاوزته إلى غيره : منعه , و هو أصل المعنى . انظر : معجم الافعال المتعدية بحرف : 315 . هذا , و المناسب أن تكون العبارة كما يلى : و الوضوء بالاناءين إلى آخره , عطفا على المثال الاول .
( 2 ) الذريعة : 1 178 .
( 3 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : التميز .
( 4 ) الذريعة : 1 193 .
( 5 ) كذا فى النسخ , و لكن فى المصدر : مجتازا .
و يفهم من كلامه الاول : أن الفعل الواحد يمكن أن يتصف بالوجوب و الحرمة , سيما فى مثاله بالقعود على صدر الحى .
و كلامه الثانى ظاهر فى صحة الواجب الكفائى فى المكان المغصوب .
و اعلم أن الشهيد رحمه الله , نقل فى قواعده ( 2 ) , عن السيد المرتضى : صحة الصلاة الواقعة على جهة الرياء , و عدم ترتب الثواب عليها , لكن تسقط المؤاخذة بفعلها ( 3 ) , و هو يؤذن بتجويزه تعلق الامر و النهى بشىء واحد من جهتين , إلا أن يقول : إن الرياء أمر غير الصلاة , و فيه تأمل .
و نقل الكلينى فى كتاب الطلاق , عن الفضل بن شاذان : التصريح بصحة الصلاة فى الدار المغصوبة , حيث قال[ : ( و إنما قياس الخروج و الاخراج[ للمعتدة الرجعية من بيتها] ( 4 ) كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم , فصلى فيها , فهو عاص فى دخوله الدار , و صلاته جائزة , لان ذلك ليس من شرائط الصلاة , لانه منهى عن ذلك , صلى أو لم يصل]( ( 5 ) انتهى كلامه .
و غرضه : أن ما كانت الصلاة سببا للنهى عنه ( 6 ) , فاقترانه للصلاة مفسد لها , كالصلاة فى الثوب النجس , و ما كان النهى فيه عاما غير مختص بالصلاة , فاقترانه غير مفسد , كالصلاة فى الثوب المغصوب , و ذكر أمثلة اخرى غيرها .
ثم اعلم : أن هذه المسألة من المسائل العدلية من علم الكلام , أوردتها هنا لنفعها فى بعض مسائل هذا العلم , فهى من المبادىء التصديقية , وإيرادها
( 1 ) الذريعة : 1 194 .
( 2 ) القواعد و الفوائد : 1 79 الفائدة الثالثة .
( 3 ) الانتصار : 17 .
( 4 ) ما بين المعقوفين غير مثبت فى نسخة ط , كما ان المصدر ( الكافى ) خال منه .
( 5 ) الكافى : 6 94 كتاب الطلاق باب الفرق بين من طلق على غير السنة . . . .
( 6 ) كلمة ( عنه ) : زيادة من أ .
اختلفوا فى دلالة النهى على فساد المنهى عنه , على أقوال :
عدم الدلالة مطلقا , نقله فى المحصول عن أكثر الفقهاء ( 1 ) , و الامدى عن أكثر المحققين ( 2 ) .
و الدلالة مطلقا ( 3 ) , و اختاره ابن الحاجب من العامة ( 4 ) , و السيد المرتضى منا لكن قال : إن دلالته على الفساد شرعا لا لغة ( 5 ) , و اختاره الشهيد فى قواعده ( 6 ) , و المحقق الشيخ على فى شرح القواعد ( 7 ) , بشرط عدم رجوع النهى إلى وصف غير لازم .
[ ( و اختاره بهذا الشرط الفخر الرازى فى المعالم , و نقله فى الوجيز , عن الشافعى , و نقله الامدى عن أكثر أصحاب الشافعى , و اختاره هو]( ( 8 ) .
( 1 ) المحصول : 1 344 .
( 2 ) الاحكام : 2 407 , التمهيد : 292 .
( 3 ) العدة : 1 101 ـ 102 .
( 4 ) كذا حكى الاسنوى فى التمهيد : 292 , ولكن ابن الحاجب قد فصل بين النهى عن الشىء لعينه فيدل على الفساد شرعا لا لغة , و بين النهى عن الشىء لوصفه . و حكم فى هذه الصورة بالفساد مطلقا : المنتهى : 100 ـ 101 , و شرح العضد على المختصر : 1 209 ( المتن ) .
( 5 ) الذريعة : 1 180 .
( 6 ) القواعد و الفوائد : 1 99 قاعدة 57 .
( 7 ) المسمى ب : جامع المقاصد : 2 116 .
( 8 ) ما بين القوسين نص عبارة الاسنوى فى التمهيد : 293 .
و القول الثالث : التفصيل , و هو الدلالة ( 1 ) فى العبادات , لا فى المعاملات , و هو مختار المحصول منهم ( 2 ) , و العلامة ( 3 ) , و المحقق ( 4 ) , و كثير من المتأخرين منا ( 5 ) .
و الحق : أن النهى يقتضى فساد المنهى عنه مطلقا , فههنا مقامان :
الاول : أن النهى يقتضى فساد ما تعلق به من العبادات .
و الدليل عليه : أن المنهى عنه لا يكون مرادا و مطلوبا للمكلف , و العبادة الصحيحة ـ واجبة او مندوبة ـ تكون مرادة و مطلوبة للمكلف , فلا يكون المنهى عنه عبادة صحيحة , و هو ظاهر .
و اعلم أن النهى :
قد يرجع إلى نفس العبادة , كالنهى عن صلاة الحائض .
و قد يرجع إلى جزئها , كالنهى عن قراءة العزائم فى اليومية , بناءا على جزئية السورة .
و قد يرجع إلى وصف لازم , كالنهى عن الجهر فى الفرائض النهارية .
و قد يرجع إلى ( 6 ) أمر مقارن غير لازم , كالنهى عن قول ( آمين ) بعد الحمد , و عن التكفير و هو وضع اليمين على الشمال فى الصلاة و نحو ذلك .
و اقتضاء النهى الفساد فى الثلاثة الاول ظاهر , إذ صحة الكل و الملزوم , مع فساد الجزء و اللازم ( 7 ) , ظاهر الفساد .
و أما القسم الاخير : فقد وقع الخلاف فيه بين فقهائنا :
( 1 ) زاد فى ط كلمة ( مطلقا ) فى هذا الموضع .
( 2 ) المحصول : 1 344 .
( 3 ) تهذيب الوصول : 33 .
( 4 ) معارج الاصول : 77 .
( 5 ) معالم الدين : 96 .
( 6 ) زاد فى ب فى هذا الموضع كلمة : وصف .
( 7 ) حرف العطف ساقط من أ و ب .
فبعضهم يقول : إن النهى عن مثل ( 1 ) هذه الامور , لا يوجب فساد العبادة الواقعة هى فيها , أو المتصفة بها , إذ هذه امور خارجة ( 2 ) و مغايرة للعبادة , و لا دليل على استلزام فسادها الفساد العبادة , و الامر يقتضى الاجزاء إجماعا ممن يعتد به .
و بعضهم يقول بفساد العبادة بفسادها , و كأن الوجه فيه : أنه يفهم من النهى أن عدم المنهى عنه من شرائط تحقق العبادة الشرعية , و وجوده مانع منه , فلا يمكن تحقق العبادة مع وجوده .
و الحق أن يقال : إن العبادة إذا كانت بحيث قد علم من دليل شرعى جميع أجزائها و شرائطها و موانعها , و لا يكون هذا المنهى عنه شيئا منها , فالنهى حينئذ لا يقتضى فساد العبادة المقارنة للمنهى عنه , لما مر , و أما مع عدم ذلك فالظاهر أن المنهى عنه من موانع حقيقة العبادة شرعا , إذ جميع أجزاء العبادة و شرائطها و موانعها , إنما يعلم من الاوامر و النواهى , فليس لاحد أن يقول : إن النهى إنما يدل على حرمة المنهى عنه , و هو لا يستلزم فساد العبادة .
كما أنه ليس له أن يقول : إن الامر إنما يدل على وجوب المأمور به فى العبادة ( 3 ) , و لا دلالة له ( 4 ) على جزئيته للعبادة , أو شرطيته .
و لو صح هذا القول , لا نسد طريق الاستدلال على بطلان الصلاة و الصوم و غيرهما , بترك جل أجزائها و شرائطها كما لا يكاد ( 5 ) يخفى .
ثم لا يخفى عليك : أن مانعية المنهى عنه , إنما هو على تقدير اختصاص النهى بالعبادة , فلو علم أن النهى عن الشىء فى عبادة إنما هو لاجل حرمة ذلك
( 1 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل و ط : ان نهى مثل .
( 2 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : خارجية .
( 3 ) فى الاصل : و العبادة . و ما اثبتناه مطابق لسائر النسخ .
( 4 ) كلمة ( له ) : زيادة من أ .
( 5 ) كلمة ( يكاد ) : زيادة من ط .
المقام الثانى : أن النهى يقتضى فساد ما تعلق به من المعاملات , كأقسام البيوع و الانكحة و الطلاق و غيرها , سواء كان النهى يرجع إلى نفس الصيغة , كلفظ التحليل فى النكاح , و الكنايات فى الطلاق , و نحو ذلك , أوإلى أحد العوضين , كبيع الميتة و الخمر و نكاح المحرمات , أوإلى وصف لازم , كبيع الملامسة و المنابذة و الربا و نكاح الشغار و نحو ذلك , و يمكن إدخال كثير من هذه فى الاولين .
و الدليل على اقتضاء النهى الفساد فى هذا القسم من وجهين :
الاول : استدلال العلماء :
فان علماء الامصار فى الاعصار , لم يزالوا يستدلون على الفساد بالنهى , فى أبواب الربا , و الانكحة و البيوع و غيرها ( 1 ) .
و ليس الفساد مدلولا للفظ النهى ( 2 ) , إذ لا يفهم سلب ( 3 ) الاحكام من النهى المتعلق بشىء , و لا تلازم بين التحريم و سلب الاحكام , إذ لا بعد ( 4 ) فى أن تكون المصلحة فى عدم شىء , و لكن بعد وجوده تكون المصلحة فى ترتب آثاره عليه ( 5 ) , و لهذا حكم شرعا بالتطهيرإذا وقعت إزالة النجاسة بالماء المغصوب , و يترتب على الوطء فى الحيض آثاره من لحوق الولد , و وجوب المهر , و التحليل للزوج الاول , و نحو ذلك .
( 1 ) فى ب : و نحوها .
( 2 ) هذا تعريض بالمحقق الحلى , و العلامة الحلى , و الشيخ حسن حيث استدلوا على عدم دلالة النهى على الفساد فى هذا القسم بعدم الدلالة اللفظية عليه : معارج الاصول : 77 , تهذيب الوصول : 34 , معالم الدين : 96 97 .
( 3 ) فى أ : سبب .
( 4 ) فى أ : يبعد .
( 5 ) هذا رد على دعوى المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 97 .
بل الفساد مما يحكم به العقل فى المعاملات من ظاهر حال الناهى .
و قد وقع فى الروايات ما يدل على اقتضاء النهى الفساد :
روى الشيخ فى التهذيب , فى الصحيح[ : ( عن محمد بن مسلم , عن أحدهما عليهما السلام , أنه قال : لو لم يحرم على الناس أزواج النبى صلى الله عليه و آله و سلم , لقول الله عز و جل ( و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) ( 1 ) حرم على الحسن و الحسين عليهماالسلام , لقوله عز و جل : ( و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ( 2 ) .
و روى فى الموثق[ : ( عن الحسن بن الجهم , قال : قال أبوالحسن الرضا عليه السلام : يا أبا محمد , ما تقول فى رجل تزوج بنصرانية على مسلمة ؟
قلت : جعلت فداك , و ما قولى بين يديك ؟ !
قال : لتقولن , فان ذلك يعلم ( 3 ) به قولى .
قلت : لا يجوز تزويج النصرانية على المسلمة , و لا على غير مسلمة .
قال : لم ؟
قلت : لقول الله عز و جل : ( و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) ( 4 ) .
قال : فما تقول فى هذه الاية : ( و المحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ) ( 5 ) ؟
فقلت : قوله تعالى : ( و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) ( 6 ) نسخت هذه الاية , فتبسم ثم سكت]( ( 7 ) .
( 1 ) الاحزاب 53 .
( 2 ) النساء 22 , و الحديث فى : التهذيب : 7 281ح 1190 .
( 3 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : تعلم .
( 4 ) البقرة 221 .
( 5 ) المائدة 5 .
( 6 ) البقرة 221 .
( 7 ) التهذيب : 7 297ح 1243 .
و روى[ : ( عن زرارة بن أعين , عن أبى جعفر عليه السلام , قال : لا ينبغى نكاح أهل الكتاب .
قلت : جعلت فداك , و أين تحريمه ؟
قال : قوله : ( و لا تمسكوا بعصم الكوافر ) ]( ( 1 ) .
و فى الحسن بإبراهيم بن هاشم[ : ( عن زرارة بن أعين , قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( و المحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ) ( 2 ) ؟
فقال : هى منسوخة بقوله : ( و لا تمسكوا بعصم الكوافر ) ]( ( 3 ) .
فان الامام عليه السلام استدل بالنهى على التحريم , و معلوم أن المراد من التحريم فى هذه الصور بطلان النكاح , كما فى قوله تعالى : ( حرمت عليكم امهاتكم و بناتكم و أخواتكم . . ) ( 4 ) الاية .
و روى فى الحسن به[ : ( عن زرارة , عن أبى جعفر عليه السلام , قال : سألته عن مملوك تزوج بغيرإذن سيده ؟ فقال : إن ذلك إلى سيده , إن شاء أجازه , و إن شاء فرق بينهما .
فقلت : أصلحك الله , إن الحكم بن عتيبة ( 5 ) , وإبراهيم النخعى , و أصحابهما , يقولون : إن أصل النكاح باطل , فلا تحل إجازة السيد له .
فقال أبوجعفر عليه السلام : إنه لم يعص الله , إنما عصى سيده , فاذا أجازه فهو له جائز ]( ( 6 ) .
( 1 ) الممتحنة 10 , و الحديث فى : التهذيب : 7 297ح 1244 .
( 2 ) المائدة 5 .
( 3 ) التهذيب : 7 298ح 1245 .
( 4 ) النساء 23 .
( 5 ) فى أ : عيينة . و هو تصحيف .
( 6 ) التهذيب : 7 351ح 1432 .
و فى حديث آخر عنه أيضا[ : ( فقلت لابى جعفر عليه السلام فان أصل النكاح كان عصيانا ( 1 ) .
فقال أبو جعفر عليه السلام : إنما أتى شيئا حلالا , و ليس بعاص لله , و إنما عصى سيده , و لم يعص الله , إن ذلك ليس كاتيان ما حرم الله عليه من نكاح فى عدة و أشباهه ]( ( 2 ) .
فانهما يدلان على فساد النكاح إذا كان معصية لله تعالى .
و فى الحسن : عن[ ( محمد بن مسلم , قال : قال أبوجعفر عليه السلام : من طلق ثلاثا فى مجلس على غير طهر , لم يكن شيئا , إنما الطلاق : الذى أمر الله عز وجل به , فمن خالف لم يكن له طلاق ]( ( 3 ) .
وجه الدلالة : أن الطلاق إذا كان منهيا عنه كان مخالفا لما أمر الله عز وجل به .
و الروايات فيما يدل على المطلوب أكثر من أن تعد و تحصى , فتدبرها ( 4 ) .
الثانى : أن لزوم الاثار و الاحكام للمعاملات ليس عقليا , بل هو بمجرد جعل الشارع , من قبيل الاحكام الوضعية الناقلة عن الاصل , فلا يحكم به إلا مع العلم , أو الظن الشرعى , و مع تعلق النهى بمعاملة لا يحصل العلم و لا الظن بأن الشارع جعل تلك المعاملة المنهى عنها سببا و معرفا لشىء من الاحكام , نعم إن علم فى معاملة أن الشارع جعلها معرفا لاحكام مخصوصة مطلقا سواء أكانت منهيا عنها لنفسها أو لجزئها أو لوصفها أو لم تكن أمكن الحكم بترتب آثارها عليها مع حرمتها , بأحد الوجوه المذكورة , لكن الظاهر أن مثل ذلك ليس واقعا فى أحكامنا .
( 1 ) كذا فى النسخ , و فى المصدر : عاصيا .
( 2 ) التهذيب : 7 351ح 1431 .
( 3 ) التهذيب : 8 47ح 146 .
( 4 ) كذا فى أ , و فى سائر النسخ : فليتدبرها .
هذا , و لو رجع النهى فى المعاملة إلى أمر مقارن , كالنهى عن البيع وقت النداء , فهل يوجب الفساد أو لا ؟
و الحق فيه أيضا : مثل ما مر فى مثله فى النهى فى العبادات , بأن يقال مع اختصاص النهى , و عدم العلم بعدم مانعية المنهى عنه فى صحة المعاملة : الظاهر كون المنهى عنه مانعا من ترتب أحكامها عليها , و يجرى فيه الدليل المذكور , فتأمل .
العام : هو اللفظ المستغرق لما يصلح له بوضع واحد , و قد وقع الخلاف فى أن العام هل له صيغة تخصه ؟ بحيث إذا استعملت فى الخصوص كانت مجازا , أولا ؟
و الاكثر منا : على أن له صيغة كذلك ( 1 ) .
و أنكر السيد المرتضى ذلك , و ذهب إلى الاشتراك اللفظى بحسب اللغة , و وافقهم بحسب الشرع ( 2 ) .
و الجمهور من العامة أيضا : على أن له صيغة كذلك ( 3 ) .
( 1 ) عدة الاصول : 1 103 و ما بعدها , معارج الاصول : 81 , تهذيب الوصول : 35 , و قد نسبه المحقق الشيخ حسن الى جمهور المحققين بعد أن صرح باختياره : معالم الدين : 102 .
( 2 ) الذريعة : 1 198 , 201 .
( 3 ) المستصفى : 2 48 , المحصول : 1 356 , المنتهى : 102 103 , منهاج الوصول : 81 ـ 82 .
و عكس جمع منهم , و القاضى منهم كالمرتضى ( 1 ) .
و نقل عن الامدى : التوقف ( 2 ) .
[ و قيل : بالتوقف] فى الاخبار و الوعد و الوعيد , دون الامر و النهى ( 3 ) .
و الحق : المشهور .
و الصيغة الموضوعة ( 4 ) له عند المحققين هى هذه :
( من ) و ( ما ) للشرط و الموصول و الاستفهام .
و ( مهما ) و ( أينما ) للشرط .
و ( متى ) للزمان .
و ( كل ) و ( جميع ) , مع عدم إرادة الهيئة الاجتماعية .
و النكرة فى سياق النفى ب ( لا ) أو ( ليس ) أو ( لن ) أو ( بما ) على المشهور .
و ألحق البعض : النكرة فى سياق الشرط , كأن يقول : ( إن ولدت ولدا , فأنت على كظهر أمى ) فيحصل الظهار بتوليد ولدين أو أكثر أيضا .
و ألحق آخر النكرة فى سياق الاثبات , إذا كانت للامتنان , نحو : ( فيهما فاكهة و نخل و رمان ) ( 5 ) و ابتنى عليه الاستدلال على العموم فى قوله تعالى : ( و ينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ) ( 6 ) .
و آخر : فى سياق الامر , نحو : ( اعتق رقبة ) .
( 1 ) ( 2 ) ( 3 ) حكى هذه الاقوال الاسنوى , و الظاهر اعتماد المصنف عليه فى نسبة هذه الاقوال , و ما بين المعقوفين أخذناه من عبارة الاسنوى و قد خلت نسخ كتابنا هذا منه . انظر : التمهيد : 297 .
( 4 ) فى ب : المخصوصة .
( 5 ) الرحمن 68 .
( 6 ) الانفال 11 .
و منها : الجمع المعرف باللام , أو بالاضافة , و المفرد كذلك عند الاكثر ( 1 ) , نقله الامدى عن الشافعى و الاكثر ( 2 ) و اختاره هو ( 3 ) , و نقله الرازى عن الفقهاء و المبرد ( 4 ) , و يظهر من الشارح الرضى عدم الخلاف فيه ( 5 ) , و فى شرح العضدى نقله عن المحققين , من غير إشعار بخلاف فيه بينهم , إلا المنكر لاصل صيغة العموم ( 6 ) .
و قد ألحق بالعموم : الجمع بصيغة الامر , نحو ( أكرموا زيدا ) ( 7 ) .
و الدليل على العموم فى جميع ذلك : تبادره من الصيغ المذكورة , عند التجرد عن القرائن , و هو علامة الحقيقة .
و بعض من أنكر عموم المفرد , اعترف به فى الاحكام الشرعية , معللا :
بأن تعيين البعض غير معلوم , و الحكم على البعض غير المعين غير معقول إذ لا معنى لتحليل بيع من البيوع , و تحريم فرد من الربا , و عدم تنجيس مقدار ( 8 ) الكر من بعض الماء , فى : ( و أحل الله البيع و حرم الربا ) ( 9 ) , و[ : ( إذا بلغ الماء قدر ( 10 ) كر لم ينجسه شىء]( ( 11 ) فتعين إرادة الجميع .
( 1 ) اختاره الغزالى فى المستصفى : 2 89 .
( 2 ) كما فى التمهيد : 327 .
( 3 ) الاحكام : 2 421 422 .
( 4 ) المحصول : 1 382 . و زاد فيه : و الجبائى . و لكن الرازى نفسه اختار عدم افادته العموم .
( 5 ) شرح الكافية : 2 129 .
( 6 ) شرح العضد : 1 215 216 .
( 7 ) ذكره فى المحصول : 1 381 .
( 8 ) فى ب و ط زيادة كلمة ( من ) فى هذا الموضع .
( 9 ) البقرة 275 .
( 10 ) كلمة ( قدر ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من باقى النسخ .
( 11 ) كذا الحديث فى النسخ , و لكن المروى هو[ : ( اذا كان الماء . . . . الى آخره]( الكافى : 3 2 ـ كتاب الطهارة باب الماء الذى لا ينجسه شىء ح 1 . التهذيب : 1 39 40 ح 107 ـ 109 . و فى غوالى اللالى : 1 76 و 2 6 [ :( إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا]( .
و أيضا : صحة الاستثناء دليل العموم , إذ الاستثناء عند الاكثر : إخراج ما لولاه لوجب الدخول ( 1 ) , و لا يكفى الصلوح , و لهذا لا يجوز : ( رأيت رجالا ( 2 ) إلا زيدا ) .
و ليست صيغ العموم منحصرة فيما أوردناه , فلتعلم ( 3 ) .
و اعلم : أن الجمع المنكر لا يدل على العموم إلا فى موضع يجرى فيه ما ذكره المعترف فى عموم المفرد فى الاحكام , لعدم فهم العموم منه , وإفادة المعرف العموم , إنما هى مع عدم تساوى احتمالى العهد و الجنس , وإلا فالعهد أظهر , كما ذكره الاكثر , و لا يتساوى الاحتمالان إلا مع تقدم ( 4 ) أمر يرجع إليه , كقوله تعالى : ( فعصى فرعون الرسول ) ( 5 ) .
قيل[ : ( ترك الاستفصال فى حكاية الحال مع قيام الاحتمال , ينزل منزلة
( 1 ) كذا فى ط , و قد اسقط الضمير من الاصل , و فى أ و ب : ما لولا الاخراج لوجب الدخول .
( 2 ) فى ط : رجلا .
( 3 ) هناك صيغ أخرى تفيد العموم , و ان وقع فى كثير منها الخلاف ك ( سائر ) و ( معشر ) و ( معاشر ) و ( عامة ) و ( كافة ) و ( قاطبة ) و ( ما ) الزمانية نحو ( إلا ما دمت عليه قائما ) و كذا المصدرية مع الفعل المستقبل , مثل ( يعجبنى ما تصنع ) و ( أى ) فى الشرط و الاستفهام و ان اتصل بها ( ما ) , و ( متى ) و ( حيث ) و ( إن ) و ( كيف ) و ( اذا ) الشرطية اذا اتصلت بواحد منها ( ما ) , و ( ايان ) و ( إذ ما ) و ( كم ) الاستفهامية , و اسم الجمع ك ( الناس ) , و ( الرهط ) و ( القوم ) , و الاسماء الموصولة ك ( الذى ) و ( التى ) , و تثنيتهما و جمعهما , و اسماء الاشارة المجموعة مثل ( اولئك ) و ( هؤلاء ) و النكرة فى سياق الاستفهام الانكارى مثل ( هل تعلم له سميا ) , و اذا اكد الكلام ب ( الابد ) او ( الدوام ) او ( دهر الداهرين ) أو ( عوض ) أو ( قط ) فى النفى , افاد العموم فى الزمان , و اسماء القبائل مثل ( ربيعة ) و ( مضر ) و ( الاوس ) و ( الخروج ) ( منه رحمه الله ) .
( 4 ) فى أ و ب : مع تقدمه .
( 5 ) المزمل 16 .
و قيل : بل حكايات الاحوال إذا تطرق اليها الاحتمال كساها ثوب الاجمال , و سقط بها الاستدلال ( 2 ) , و اختاره العلامة فى التهذيب ( 3 ) .
و الحق أن يقال : إنه أقسام :
الاول : أن يسأل عن واقعة دخلت فى الوجود , و النبى صلى الله عليه و آله و سلم , أو الامام عليه السلام , مطلع عليها .
و الحق فيه : عدم اقتضاء العموم , لان الجواب ينصرف إلى الجهة الخاصة للواقعة المخصوصة , و لا يتناول غيرها .
الثانى : أن يسأل عنها بعينها , مع احتمال اطلاعه عليه السلام على جهتها .
و الحق فيه : القول الثانى , مع عدم مرجح لاحد الاحتمالين .
الثالث : أن يسأل عن الواقعة لا باعتبار وقوعها .
و الحق فيه ( 4 ) أن يقال : إن الواقعة إن كانت لها جهة شائعة تقع غالبا عليها , فالجواب إنما ينصرف إليها , فلا يستدل به على غيرها .
و إن كانت جهات وقوعها و احتمالاته متساوية , لا مرجح لشىء منها فى عصرهم عليهم السلام , فالظاهر : العموم , إذ عدم الانصراف إلى شىء منها يوجب إلغاء ( 5 ) الدليل , و الصرف إلى إلبعض ترجيح بلا مرجح , فينصرف إلى
( 1 ) القائل هو الشافعى و اللفظ له . حكاه عنه الفخر الرازى فى : المحصول : 1 392 , ثم قال : مثاله أن ابن غيلان اسلم على عشر نسوة , فقال عليه الصلاة و السلام : [ ( أمسك أربعا , و فارق سائرهن]( و لم يسأله عن كيفية ورود عقده عليهن فى الجمع , أو الترتيب , فكان اطلاقه القول دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق تلك العقود معا و على الترتيب .
( 2 ) المستصفى : 2 60 , المحصول : 1 393 .
( 3 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : و اختار الاول العلامة . و هو خطأ , فان العلامة تنظر فى الاول بعد ما ذكره : تهذيب الوصول : 38 : فتأمل .
( 4 ) فى أ : فيها .
( 5 ) فى أ : القاء .
و الظاهر من المرتضى رحمه الله فى الذريعة : القول بالعموم بترك الاستفصال , فانه قال[ : ( إذا سئل عليه السلام عن حكم المفطر , فلا يخلو جوابه من ثلاثة أقسام :
إما أن يكون عام اللفظ , نحو أن يقول : كل مفطر فعليه الكفارة .
و القسم الثانى : أن يكون الجواب فى المعنى عاما , نحو أن يسأل عليه السلام عن رجل أفطر , فيدع الاستكشاف عما به أفطر , و يقول عليه السلام : عليه الكفارة , فكأنه عليه السلام قال : من أفطر فعليه الكفارة .
و القسم الثالث : أن يكون السؤال خاصا , و الجواب مثله , فيحل ( 2 ) محل الفعل]( ( 3 ) .
فكلامه يدل على أن ترك الاستكشاف بمنزلة العموم , إلا أن مثاله فى تنقيح المناط , و الظاهر أنه لا خلاف فى العموم حينئذ , كما سيجىء فى بحث الادلة العقلية إن شاء الله تعالى و تقدس .
تخصيص حكم العام بمبين , لا يخرجه عن الحجية ( 4 ) فى الباقى , سواء خص بمتصل أو بمنفصل , عقل أو نقل , و سواء قلنا بأن ذلك العام حينئذ حقيقة كما هو الحق فى أغلب صور التخصيص بالمتصل أو قلناإنه مجاز ,
( 1 ) فى ط : مقتضى .
( 2 ) فى أ : فيحمل . و فى ب : فجعل .
( 3 ) الذريعة : 1 292 .
( 4 ) فى ط : الحجة .
و عند البلخى : إن خص بمتصل ( 3 ) .
و البصرى : إن أنبأ لفظ العموم عنه قبل التخصيص , لا مثل ( و السارق و السارقة . . . . ) ( 4 ) غير المنبىء عن النصاب و الحرز ( 5 ) .
و عبد الجبار : إن كان منبئا[ عنه] ( قبل التخصيص , لا مثل : ( و أقيموا الصلاة ) ( 6 ) المفتقرإلى البيان قبل إخراج مثل الحائض ( 7 ) .
و قيل بحجيته ( 8 ) فى أقل الجمع ( 9 ) .
و قال أبوثور : ليس بحجة مطلقا ( 10 ) .
الاول : تبادر كل الباقى من ( 11 ) العام المخصص ( 12 ) , و ظهوره فيه
( 1 ) عدة الاصول : 2 4 , معارج الاصول : 97 , تهذيب الوصول : 39 , معالم الدين : 116 .
( 2 ) المستصفى : 2 57 , المنخول : 153 , المحصول : 1 402 , المنتهى : 107 , منهاج الوصول : 86 , التمهيد : 414 .
( 3 ) المنتهى : 107 , الابهاج : 2 139 .
( 4 ) المائدة 38 .
( 5 ) المنتهى : 107 , الابهاج : 2 139 .
[ ( ) عنه] : اضافة اثبتناها للتوضيح , أخذناها من : المنتهى : 107 .
( 6 ) البقرة 43 .
( 7 ) المنتهى : 107 , الابهاج : 2 140 .
( 8 ) فى أ : الحجية , و فى : ط : بحجية .
( 9 ) و هو قول الشيخ صفى الدين الهندى الارموى . كما فى الابهاج : 2 140 .
( 10 ) الابهاج 2 138 , المنتهى 107 , و زاد فيه : و أبان .
( 11 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : عن . بدل : من .
( 12 ) هذا الدليل عبارة عن تطوير فنى دقيق لما استدل به المحقق , فقد استعاض بمصطلح التبادر عن قول المحقق[ : ( لنا أن اللفظ متناول الى آخره]( : معارج الاصول : 97 .
الثانى : أنه إذا قال : ( أكرم بنى تميم , و أما فلان فلا تكرمه ) , فترك إكرام غير المخرج , عد عاصيا , و لو لا الظهور لما عصى به ( 2 ) .
الثالث : استدلال العلماء قديما و حديثا بالعامات المخصوصة من غير نكير ( 3 ) , و قد وقع فى كلام أهل البيت عليهم السلام , فليطلب .
الاول : أن متعلق الحكم ليس هو المعنى الحقيقى للعام , لانه المفروض , و المجازات كثيرة , و كل منها محتمل ( 4 ) , و تمام الباقى أحد المجازات , فلا يحمل عليه إلا بقرينة , و بدونها يبقى مجملا ( 5 ) .
و الجواب : منع احتمال كل واحد من المجازات , بل المتبادر , و الظاهر , و الاقرب إلى الحقيقة , هو : كل الباقى , كما ذكرنا .
الثانى : أنه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهرا , و ما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة ( 6 ) .
( 1 ) فى ط : تبادر كل الباقى بعد التخصيص الى آخره .
( 2 ) المنتهى : 108 , معالم الدين : 117 .
( 3 ) ذكر هذا الاستدلال فى : المستصفى : 2 57 , المحصول : 1 403 , 404 مع زيادة : بل الصحابة أيضا .
( 4 ) فى أ : يحتمل .
( 5 ) المستصفى : 2 56 , المحصول : 1 404 , المنتهى : 108 , معالم الدين : 117 .
( 6 ) معالم الدين : 117 .
و جوابه : منع عدم ظهوره , بل هو ظاهر فى الباقى , بعد ملاحظة المخصص ( 1 ) .
و المذاهب المذكورة , كلها اعتقادات فاسدة , مبتنية ( 2 ) على خيالات واهية , تنحل شبههم بأدنى تأمل , بعد ملاحظة ما مر .
الحق أن الخطابات الواردة بصيغة النداء , و كلمة الخطاب كالكاف و التاء , و غير ذلك مما خلقه الله تعالى فى الملك , و نحوه , و أمره ( 3 ) بانزاله إلى السماء الدنيا فى مدة , أو فى ليلة القدر , و منهاإلى النبى صلى الله عليه و آله و سلم فى مدة مديدة بالتدريج , ليبلغ هو و أوصياؤه من عترته صلوات الله عليهم أجمعين إلى امته , إلى يوم القيامة ليست مختصة بالموجودين فى زمن الوحى , بحيث يكون كل خطاب منها مختصا بمن استجمع شرائط التكليف فى حين نزوله , و ( 4 ) لا يكون شاملا لمن تأخر , كالخطابات المكية لمن تولد حين توطن النبى صلى الله عليه و آله و سلم بالمدينة .
و لا مختصة بحاضرى مجلس النبى صلى الله عليه و آله و سلم حين قراءتها ( 5 ) .
خلافا للاكثر ممن صنف فى الاصول من الشيعة ( 6 ) , و النواصب ( 7 ) ,
( 1 ) معالم الدين : 117 .
( 2 ) فى أ و ب و ط : مبنية .
( 3 ) فى ط : فأمره .
( 4 ) الواو اضافة من ط و ب .
( 5 ) وفاقا للحنابلة حيث ذهبوا الى عمومها فى الجميع , كما فى : المنتهى : 117 .
( 6 ) تهذيب الوصول : 38 , معالم الدين : 108 .
( 7 ) المستصفى : 2 83 , المحصول : 1 393 394 .
لنا : مساعدة الظواهر من غير معارض , إلا الشبهة ( 1 ) الواهية للخصم و هى ( 2 ) أمور :
الاول : احتجاج العلماء قديما و حديثا حتى الائمة ( عليهم السلام ) بتلك الخطابات , من غير ذكرإجماع أو نص أو قياس على الاشتراك , مع أن الخصم معترف بعدم ظهور مستند الشركة و لذا اختلفوا , فقيل : مستنده الاجماع , و قيل : بل القياس و لو لم تعم تلك الخطابات , لم يصح ذلك إلا بعدإيراد ما هو العمدة من الاجماع أو القياس .
و دعوى : ظهور المستند بحيث يعلمه كل أحد من الخصوم ( 3 ) .
مما تحكم البديهة ( 4 ) بفساده , و كيف يخفى هذا الخفاء ما كان ظاهرا هذا الظهور ؟ ! و كيف يجوز على الله تعالى إخفاء مستند كل تكاليف من وجد بعد النبى صلى الله عليه و آله و سلم ؟ ! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
الثانى : ورود الروايات فى كثير من تلك الخطابات بأنها نزلت فى جماعة نشأوا بعد زمان النبى صلى الله عليه و آله و سلم .
الثالث : و رودها فى كثير منها بأنها نزلت فى الائمة عليهم السلام , و أن الخطاب إليهم ( 5 ) .
( 1 ) كذا فى ط , و فى الاصل و أ و ب : الشبه . و الصواب ما اثبتناه فى المتن , لانها شبهة واحدة سيأتى المصنف على ذكرها فيما بعد فى قوله[ : ( احتج الخصم ]( الى آخره .
( 2 ) فيه اضطراب , حيث جعل الخامس منها الظواهر , فلاحظ .
( 3 ) الدعوى للمحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 109 .
( 4 ) فى ب : البديهية , و فى ط : البداهة .
( 5 ) كقوله تعالى : ( و لتكن منكم أمة يدعون الى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ) رواه <
الرابع : ورود الامر بقول : ( لبيك ربنا ) عند قراءة قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) , و قول : ( لا بشىء من آلاء ربى أكذب ) عند قراءة قوله تعالى : ( فبأى آلاء ربكما تكذبان ) , و غير ذلك مما هو مذكور فى محله ( 1 ) .
الخامس : الظواهر , و هى كثيرة :
منها : قوله تعالى : ( لا نذركم به و من بلغ ) ( 2 ) .
و منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلم فى خبر الغدير : [ ( فليبلغ الشاهد منكم ( 3 ) الغائب]( ( 4 ) .
و منها : ما رواه ابن بابويه فى العيون , بسنده[ ( عن الرضا عليه السلام , عن أبيه عليه السلام : أن رجلا سأل أبا عبدالله عليه السلام : ما بال القرآن لا يزداد على النشر و الدرس إلا غضاضة ؟ فقال : لان الله تبارك و تعالى لم ينزله ( 5 ) لزمان دون زمان , و لا لناس ( 6 ) دون ناس , فهو فى كل زمان جديد , و عند كل قوم غض , إلى يوم القيامة]( ( 7 ) .
و منها : ما رواه الكلينى , بسنده[ ( عن أبى بصير , قال : قلت لابى عبدالله عليه السلام : ( إنما أنت منذر و لكل قوم هاد . . . ) ( 8 ) ؟ . . . . إلى أن قال عليه السلام : يا أبا محمد , لو كانت إذا نزلت آية على رجل , ثم مات ذلك الرجل ,
( 1 ) عيون أخبار الرضا : 2 183 , الكافى : 3 429 كتاب الصلاة باب نوادر الجمعة ح 6 .
( 2 ) الانعام 19 .
( 3 ) كلمة ( منكم ) : زيادة من ط .
( 4 ) الكافى : 1 289 , 291 كتاب الحجة الباب 64 ح 4 , 6 .
( 5 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : لم يجعله .
( 6 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : و لناس .
( 7 ) عيون اخبار الرضا : 2 87ح 32 .
( 8 ) الرعد 7 .
و منها : ما رواه فى الصحيح[ : ( عن أبى جعفر عليه السلام , قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : أوصى الشاهد من امتى , و الغائب منهم , و من فى أصلاب الرجال و أرحام النساءإلى يوم القيامة أن يصل الرحم . . . ]( ( 2 ) الحديث .
و غير ذلك من الروايات .
احتج الخصم : بأنا نعلم بديهة ( 3 ) أنه لا يقال للمعدومين : ( يا أيها الناس ) و نحوه , بل للصبى و المجنون ( 4 ) .
و الجواب :
أولا : تسليم ذلك فى المعدومين فقط , لا فى ( 5 ) المخلوط من الموجودين و المعدومين , و لهذا قبح خطاب الغائبين فقط بمثل : ( يا أيها الناس ) دون المركب من الغائبين و الحاضرين , كما فى أكثر خطابات الرؤساء و الحكام و غيرهم .
و ثانيا : تسليم ذلك فيما إذا تكلم المخاطب مشافهة , لا فيماإذا أنزل الخطابات ( 6 ) بصورة المشافهة , و أمر جماعة واحدا بعد واحد بتبليغ ذلك إلى مكلفى زمانهم , و يكون ذلك محفوظا فى الكتب , يرجع إليه من يريد , و لهذا تجوز الوصية بالاوامر و النواهى , مكتوبة فى طومار إلى من انتسب إلى الموصى
( 1 ) الكافى : 1 192 كتاب الحجة باب أن الائمة هم الهداة ح 3 .
( 2 ) الكافى : 2 151 كتاب الايمان و الكفر باب صلة الرحم ح 5 .
( 3 ) فى أ و ط : بديهية .
( 4 ) المنتهى : 117 , معالم الدين : 108 .
( 5 ) كلمة ( فى ) : زيادة من أ .
( 6 ) فى أ : انزل الخطاب , و فى ب : نزل الخطاب , و فى ط : نزلت الخطابات .
و فى الصبى و المجنون أيضا نقول : إنه يجوز خطابهم فى جماعة بخطاب ( 2 ) يفهمونه عند استجماعهم لشرائط الخطاب , إذا علم المخاطب أنهم يصيرون بهذه المنزلة , و يعلم بقاء خطابه .
و لا شك و لا شبهة فى جواز أن يكتب الانسان كتابا , فيه خطابات و أوامر و نواه , و يدفعه إلى إنسان و يقول له : إن هذه الخطابات و الاوامر و النواهى لكل من اطلع على كتابى , و ينبغى لك أن تبلغها إلى الناس , ثم من بعدك ولدك , ثم ولد ولدك , و هكذا , و لا يتوقف العقل فى أن المخاطب حينئذ هو كل من اطلع عليها , موجودا كان وقت تصنيف الكتاب أو معدوما , بل نقول : لا فرق بين خطاب الغائب و المعدوم .
مع أن خطابات الكتب و المراسيل كلها من قبيل خطاب الغائب كما لا يخفى , و نحن نقول : إن خطابات القرآن من هذا القبيل , لما مر .
و يؤيده : حديث الصحف الاثنى عشر المنزلة على النبى صلى الله عليه و آله و سلم , للائمة الاثنى عشر عليهم السلام ( 3 ) , إذ فى كل منها أوامر و نواه لامام من الائمة .
و أيضا : خطابات المصنفين مثل قولهم : ( إعلم ) و : ( تأمل ) و : ( تدبر )
( 1 ) الكافى : 7 49 كتاب الوصايا باب صدقات النبى ( ص ) و فاطمة ( ع ) و الائمة ( ع ) و وصاياهم ح 7 .
( 2 ) فى أ : فى جماعة الخطاب بخطاب الى آخره .
( 3 ) الكافى : 1 279 كتاب الحجة باب أن الائمة ( ع ) لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل , و أمر منه لا يتجاوزونه . و : الامامة و التبصرة من الحيرة : ص 166 باب فى أن الامامة عهد من الله تعالى ح 20 . و قد ورد هذا الحديث فى مصادر عديدة , انظر مجموع طرقه و متونه فى بحار الانوار : 36 192 و ما بعدها الباب 40 باب نصوص الله عليهم من خبر اللوح و الخواتيم و ما نص به عليهم فى الكتب السالفة و غيرها .
و اعلم : أن الغرض من هذه المسألة و ذكرها , بيان الحق فيها , وإلا فالحق أنه لا يترتب عليها أثر , إذ الظاهر تحقق الاجماع على مساواة كل الامة فى التكاليف , و ورد بها النصوص , و قد قال الصادق عليه السلام فى رواية أبى عمرو الزبيرى , فى الجهاد : [ ( لان حكم الله عز وجل فى الاولين و الاخرين , و فرائضه عليهم , سواء , إلا من علة , أو حادث يكون , و الاولون و الاخرون أيضا فى منع الحوادث شركاء و الفرائض عليهم واحدة , يسأل الاخرون عن أداء الفرائض كما يسأل عنه الاولون , و يحاسبون به كما يحاسبون]( . . . الحديث ( 1 ) .
( 1 ) التهذيب : 6 127ح 224 .
و فيه مباحث :
الاول : الحق جواز تخصيص العام إلى أى مرتبة كانت , ما لم يستلزم استدراكا فى الكلام , حتى إلى الواحد , بعد نصب القرينة على مرتبة التخصيص ( 1 ) , فلا يجوز طرح نص شرعى كان العام الواقع فيه مخصصاإلى الواحد , بعد تحقق المخصص المخصوص , المانع من إرادة الاكثر من الواحد بلا معارض أصلا , إلا أن الظاهر عدم وقوع تخصيص العام إلى الواحد فى الشرعيات .
و المفرد المحلى باللام المستعمل فى الواحد : الظاهر أن لامه للعهد , أو استعماله للتعظيم , و هو كثير فى الحقيقة , كما حقق .
لنا : أصالة الجواز من غير مانع .
( 1 ) و هو اختيار السيد المرتضى : الذريعة : 1 297 , و الشيخ الطوسى : عدة الاصول : 1 149 , و حكاه فى المعالم عن السيد ابن زهرة : معالم الدين : 110 , و للعلامة تفصيل فى المقام انظره فى : تهذيب الوصول : 39 .
و تحقق العلاقة بين المعنى الحقيقى للعام و هو الافراد بالاسر و بين الواحد و الاثنين و الثلاثة من تلك الافراد , و هى الجزئية .
احتج من ذهب إلى أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام : بقبح قول القائل : ( أكلت كل رمانة فى البستان ) و فيه آلاف و قد أكل واحدة أو ثلاثة ( 1 ) , و قوله : ( أخذت كل ما فى الصندوق من الذهب ) و فيه ألف , و قد أخذ دينارا إلى ثلاثة ( 2 ) , و كذا قوله : ( كل من دخل دارى فهو حر ) , أو : ( كل من جاءك فأكرمه ) , و فسر بواحد أو ثلاثة ( 3 ) .
و الجواب :
أولا : منع القبح الذى ادعاه , مع نصب القرينة , نعم يقبح بدون نصب القرينة , كما يصح قول القائل : ( له على ( 4 ) عشرة إلا تسعة ) و : ( أكرم الناس إلا الجهال ) و إن كان العالم واحدا , اتفاقا , من غير نقل خلاف من أحد , مع أنه لا يصح أن يقول : ( له على عشرة ) و : ( أكرم الناس ) , و فسر العشرة بواحد , و الناس بزيد مثلا .
و ثانيا : بأنا لا ندعى صحة استعمال العام فى واحد مخصوص من أفراده , أو فى اثنين أو فى ( 5 ) ثلاثة أو نحو ذلك , بل المراد بالتخصيص إلى الواحد و الاثنين و نحو ذلك : أن يكون العام مستعملا فى المعنى الكلى , و لكن يكون الحكم المتعلق بالعام متعلقا بواحد من أفراده أو إثنين أو نحو ذلك , بسبب المخصص .
و الفرق ظاهر بين استعمال العام فى الواحد المخصوص , و بين تعلق الحكم
( 1 ) المستصفى : 2 91 , المحصول : 1 400 , المنتهى : 120 .
( 2 ) معارج الاصول : 90 .
( 3 ) معالم الدين : 110 . و العبارة فيه : و فسره .
( 4 ) كلمة ( على ) : ساقطة من الاصل , اثبتناها من باقى النسخ .
( 5 ) كلمة ( فى ) : زيادة من ط .
و كذا يصح لو قال ( 1 ) : ( أخذت كل ما فى الصندوق من الذهب إلا الدمشقيات ) و يكون غير الدمشقى دينارا واحدا .
و كذا الحال فى باقى المخصصات , من الشرط و الصفة و غيرهما .
ثم لا يخفى ما فى مذهب من منع من التخصيص إلى الواحد , فان ثمرة هذه المسألة ( 2 ) إنما تظهر : إذا ورد نص عام , له مخصص يخصصه إلى الواحد , و يكون مستجمعا لشرائط جواز العمل , و حينئذ : فكيف يجوز للمانع طرح هذا النص لاجل ما ذكره من الاعتبارات الواهية ؟ ! .
و لو كان هذا النص بحيث لا يوجب مخصصه تخصيصه إلى الواحد , بل يحتمل الاكثر , فظاهر عدم جواز القول بأنه مخصص إلى الواحد , لان التخصيص خلاف الاصل , فلا يجوزإلا بقدر الضرورة .
ثم لا يخفى عليك مما مر : أن الاستدلال على المطلوب بتصحيح علاقة المجاز كما مر كان مماشاة و على طريق التنزل ( 3 ) , وإلا : فالحق أن العام المخصوص إنما هو مستعمل فى معناه الحقيقى الذى هو العموم , و المخصص إنما أخرج البعض عن الحكم المتعلق به سواء خص بمتصل ( 4 ) : من شرط , أو صفة , أو غاية , أو إستثن اء , أو نحوها , أو بمنفصل : لفظى أو عقلى لعدم الدليل ( 5 ) على المجازية , مثلا قولنا : ( أكرم بنى تميم إلى الليل ) أو : ( إن دخلوا
( 1 ) فى ط : ما لو قال .
( 2 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : المسألتان .
( 3 ) فى ط : التنزيل .
( 4 ) فى ط : لمتصل .
( 5 ) فى ط : الدلالة .
و كذا الحال فى المنفصل , مثل : ( أكرم بنى تميم ) , ثم يقول : ( لا تكرم الجهال من بنى تميم ) معناه : أكرم علماء بنى تميم .
و لا بد فى المنفصل ( 2 ) أن تكون فى الكلام الاول , أو معه قرينة مقالية , أو حالية , بها يطلع المخاطب على مراد المتكلم , و لا يكفى المخصص إلا مع اتحاد المجلس , أو عدم لزوم إفهام المخاطب قبل ( 3 ) وقت الحاجة و العمل .
إذا عرفت هذا , فاعلم أن العام المخصص : لا بد أن يكون الحكم فيه متعلقا بالامر الكلى , إلا أنه لا يمتنع أن يكون هذا الكلى منحصرا فى فرد أو فردين أو نحو ذلك , فلذا حسن أن يقول : ( أكلت كل رمانة إلا الحامض ) و يكون الحلو منحصرا فى واحد , و قبح أن يقوله , و يقول : إن المراد ب ( كل رمانة ) : رمانة واحدة , فلا تغفل .
اختلف فى جواز التمسك بالعام قبل البحث عن مخصصه ( 4 ) , و فى مبلغ
( 1 ) كذا فى ط , و فى أ و ب : و ان دخلوا الدار , و الاصل هنا مشوش .
( 2 ) قوله ( فى المنفصل ) : زيادة من ط .
( 3 ) فى ط : بعد .
( 4 ) فقد ذهب البيضاوى الى جواز الاستدلال بالعام ما لم يظهر المخصص , و لم يوجب طلبه : <
فقيل : يجب البحث حتى يحصل الظن بعدمه ( 1 ) .
و قيل : حتى يحصل القطع ( 2 ) .
و الاكثر على عدم الجواز ( 3 ) , حتى أنه نقل الاجماع عليه ( 4 ) , و ما استدلوا به عليه غير منقح .
و الاولى الاستدلال عليه : بأن إطاعة الله , و رسوله , و الائمة عليهم السلام , و اتباعهم لا تتحقق إلا بالعمل بمرادهم , فلا بد من العلم أو الظن بمرادهم , و لا يحصل فى العام قبل البحث عن مخصصه ( 5 ) , بل الظن بالتخصيص حاصل , لشيوع التخصيص . و الحاصل : أنه لا دليل على وجوب العمل بمدلولات الالفاظ بدون العلم أو الظن بأنها المراد , و الاطاعة الواجبة و نحوها لا تتحقق بدونهما , و لا أقل من الشك فى صدق الاطاعة و الانقياد على
و قال العلامة الحلى[ : ( و لا يجب فى الاستدلال بالعام استقصاء البحث فى طلب المخصص]( : تهذيب الوصول : 40 , و قد فهم من كلامه هذا أنه يرى جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص مطلقا : معالم الدين : 119 , و لكن يظهر مما ذكره فى الرد على ابن سريج أن ذلك مشروط عنده بالظن بعدم المخصص , على انه صرح فى ( نهاية الوصول ) باختيار عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص : نهاية الوصول ورقة 100 أ ( مصورة ) .
( 1 ) نسب ابن الحاجب هذا القول الى الاكثر , و اختاره هو : المنتهى : 144 .
( 2 ) و هو قول القاضى أبى بكر الباقلانى , كما فى المستصفى : 2 159 , المنتهى : 144 .
( 3 ) فقد ذهب الى ذلك الشيخ الطوسى : عدة الاصول : 2 19 . و المحقق الحلى و المحقق الشيخ حسن مالم يحصل الظن الغالب بعدم المخصص : معارج الاصول : 113 , معالم الدين : 119 .
( 4 ) حكى الاجماع الغزالى : المستصفى : 2 157 , و ابن الحاجب : المنتهى : 144 .
( 5 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : مخصص .
و فيه نظر , لمنع عدم حصول الظن فى كل فرد , و لا ينافيه ظن أصل المخصص , لقلة المخرج غالبا بالنسبة إلى الباقى , و حال الاجماع عندنا فى مثل هذه المسائل غير خفى .
و يمكن الاستدلال على الجواز : بأن علماء الامصار فى جميع الاعصار لم يزالوا يستدلون فى المسائل بالعمومات , من غير ذكر ضميمة نفى المخصص , و لو لم يصح التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص , لكان للخصم أن يقول : العام لا يكفى فى إثبات هذه المسألة , و لا علم لى ببحثك عن المخصص , الذى يوجب انتفاؤه دخول هذا الفرد المتنازع فيه , فيفحم المستدل عن إثباته على الخصم .
و أيضا : الاصول الاربعماءة ( 2 ) التى كانت معتمد أصحاب الائمة عليهم السلام لم تكن موجودة عند أكثر أصحابهم , بل كان عند بعضهم واحد , و عند البعض الاثنان , و الثلاثة , و الاربعة , و الخمسة , و نحو ذلك , و الائمة عليهم السلام كانوا يعلمون أن كل واحد من أصحابهم , يعمل فى الاغلب بما عنده من الاصول , و معلوم أن البحث عن المخصص , لا يتم بدون تحصيل جميع تلك الاصول , فلو كان واجبا , لورد من الائمة عليهم السلام أمر بتحصيل كل تلك الاصول , و نهى عن العمل ببعضها , إذ معلوم أن جل الاحكام من قبيل العمومات و المطلقات المحتملة للتقييد .
فالمسألة محل التوقف .
و اعلم : أنه على تقدير وجوب الفحص عن المخصص , إلى أن يحصل القطع بعدمه لا يجوز العمل بشىء من العمومات و المطلقات , المجوزة
( 1 ) أى تقدير عدم العلم و الظن . ( منه رحمه الله ) .
( 2 ) اقرأ بحثا موسعا عن ( الاصول الاربعماءة ) فى : دائرة المعارف الشيعية للسيد حسن الامين .
و على تقدير الاكتفاء بالظن : يكفى ملاحظة الكتب الاربعة , بل يكفى ملاحظة التهذيب و الكافى , بل لا يبعد الاكتفاء بالتهذيب , لندرة وجود خبر مخصص فى غير التهذيب مع تحقق عامه فيه , و لا يكفى ملاحظة الكافى فقط ( 2 ) .
و ينبغى فى فحص مخصص العام المتعلق بشىء من مسائل الطهارة ملاحظة كل واحد من أبوابها فى التهذيب , و كذا الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و غيرها , سيما أبواب ( 3 ) الزيادات و النوادر فى كل منها , و الاحسن ملاحظة الابواب المناسبة فى الكتب الاخر , أيضا , فان :
فى كتاب الطهارة : ما يتعلق بالنكاح , و بالمكاسب , و بالصلاة , و بالصوم , و بالطلاق , و بالحج .
و فى الصلاة : ما يتعلق برمضان , و بالصوم , و بالطهارة , و الاطعمة , و المكاسب , و النذر , و الميراث , و الزكاة , و الديات .
و فى الزكاة : ما يتعلق بالصلاة , و الصوم , و الميراث , و المكاسب ,
( 1 ) فى أ : نقيس .
( 2 ) لقد صنفت بعد عصر المؤلف مجاميع حديثية كبرى تحملت أعباء هذه المهمة , و كفت الفقهاء مؤنة الفحص هذه , كوسائل الشيعة للشيخ الحر العاملى , ثم المستدرك عليه للشيخ النورى , و الوافى للفيض الكاشانى , و جامع احاديث الشيعة للسيد البروجردى , حيث جمع فى هذه المصنفات شتات جميع الاحاديث فى محل واحد , تحت عناوين الابواب المناسبة .
( 3 ) كذا فى أ . و فى سائر النسخ : باب .
و فى الصوم : ما يتعلق بالصلاة , و النذر , و الطهارة , و الحج , و الحدود , و الكفارات , و الطلاق .
و فى الحج : من الزكاة , و الجهاد , و الصلاة , و الصوم , و الطهارة , و المكاسب , و الذبائح , و العقيقة , و الاجارة .
و فى المزار : من الطهارة , و الصوم , و الصلاة , و الاطعمة .
و فى الجهاد : من الجزية , و الزكاة .
و فى الديون و توابعه : من الزكاة , و الوصية , و المكاسب , و الاقرار , و الشهادة , و الميراث , و النكاح .
و فى القضايا : من الصلاة , و الصلح , و الطلاق , و الضمان , و الحدود .
و فى المكاسب : من الحج , و الخمس , و الطهارة , و القضايا , و الجزية , و الوصايا , و النكاح , و الضمان .
و فى النكاح : من الميراث , و الطلاق , و النذر , و الاطعمة , و المكاسب , و التدبير , و القضايا , و العتق , و الطهارة , و الحدود , و الجزية .
و فى الطلاق : من الصوم , و العتق , و المكاسب , و الشهادة , و الوصية , و النكاح , و اليمين , و الديات , و الميراث , و الحدود .
و فى العتق و توابعه : من المكاسب , و الطلاق , و الميراث , و الزكاة , و النذر , و الصلاة , و النكاح , و الوصية , و الشهادة , و الاقرار , و القضاء , و الديون , و الضمان , و الحجر .
و فى الايمان و توابعه : من العتق , و الصدقة , و الطلاق , و الكفارات , و الحج , و النكاح , و الصوم , و الجهاد , و القضايا .
و فى الصيد و الذباحة : من الطهارة , و الصلاة , و الزكاة , و المكاسب , و النكاح , و الديات , و الشهادة .
و فى الوقوف : من المكاسب , و القضاء , و التدبير .
و فى الوصية : من الاقرار , و القضايا , و الديون , و الضمان , و النكاح , و العتق , و الزكاة , و الحج , و الطهارة , و الصوم , و الذباحة , و المكاسب , و الميراث .
و فى الفرائض : من الديات , و النكاح , و القضايا , و الوصايا ( 1 ) , و الطلاق , و الحدود , و العتق , و القصاص , و الزكاة , و الخمس , و الكفارة , و الضمان .
و فى الحدود : من القضايا , و الطلاق , و النكاح , و الايمان , و الديات , و الاطعمة , و المكاسب , و الطهارة , و الاشربة , و الذبائح , و الاقرار , و الزكاة , و الديون .
و فى الديات : من القضايا , و الجزية , و الميراث , و العتق , و الصلاة , و الكفارات , و الصوم , و الضمان , و النكاح , و المكاسب .
و قد تكفل بجميع ذلك و غيره , الفهرست الذى جعلته على التهذيب , و هو من أهم الاشياء لمن يريد الفقه و الترجيح , و لم يسبقنى اليه أحد , و الحمد لله
إذا ورد عام و خاص متنافيا الظاهر , فاما أن يكونا من الكتاب , أو من السنة , أو العام من الكتاب و الخاص من السنة , أو بالعكس , فهذه أربعة أقسام .
و على كل تقدير : فاما أن يكونا قطعيين , أو ظنيين , أو العام قطعيا و الخاص ظنيا , أو بالعكس , فهذه ستة عشر قسما .
و على كل تقدير : فالقطعية و الظنية : إما بحسب المتن فيهما , أو بحسب
( 1 ) فى ب : و الربا . بدل : و الوصايا .
و على كل تقدير , فالتنافى : إما بين منطوقيهما , أو مفهوميهما , أو منطوق العام و مفهوم الخاص , أو بالعكس , فهذه ماءتان و ستة و خمسون قسما .
و على كل تقدير : فاما أن يكون العام و الخاص مقترنين , أو العام مقدما و الخاص مؤخرا , أو بالعكس , أو كلاهما مجهولى التاريخ , أو العام فقط , أو الخاص فقط , فهذه ألف و خمسماءة و ستة و ثلاثون قسما .
و الخاص المؤخر : إما بعد وقت العمل , أو قبله , فهذه ألف و سبع ماءة و إثنان و تسعون قسما .
و قد وقع الخلاف فى كثير من هذه الاقسام , فى جواز مقاومة الخاص للعام , و فى كونه مبينا أو ناسخا .
و تحقيق الحق فى كل واحد ( 1 ) على التفصيل , مما يفضى إلى غاية التطويل ( 2 ) , فنقول : المراد بالظنى : ما دل الدليل على حجيته ( 3 ) شرعا , كخبر العدل , و كذا المفهوم , المراد به ههنا : ما دل الدليل على اعتباره , و سيجىء تفصيله إن شاء الله تعالى .
إذا عرفت هذا , فاعلم أن كل خاص , علم وروده بعد وقت العمل بالعام فى الكتاب و الاخبار النبوية , فالظاهر : أنه ناسخ لحكم ( 4 ) العام فى مورد ذلك الخاص , لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة من غير داع أصلا .
( 1 ) فى أ و ب : فى كل واحد واحد .
( 2 ) انظر تفصيل بعض هذه الابحاث فى : الذريعة : 1 315 323 , عدة الاصول : 1 153 , المستصفى : 2 137 152 , المحصول : 1 440 447 , معارج الاصول : 98 99 , نهاية الوصول ورقة 109 ب 111 ب ( مصورة ) , تهذيب الوصول : 45 46 , معالم الدين : 142 147 .
( 3 ) فى أ : حجته .
( 4 ) فى ط : بحكم .
أللهم , إلا أن يكون المتكلم عالما بتعذر حكم هذا العام فى مورد ذلك الخاص , فان الظاهر حينئذ أن الخاص مبين ( 1 ) كما فى صورة تقديمه مطلقا و هذا ( 2 ) هو الوجه فى اختصاص التقسيم إلى ما بعد وقت العمل , و ما قبله بالخاص المتأخر فى قولنا : ( و الخاص المؤخر : إما بعد وقت العمل أو قبله ) .
و ما عدا ذلك : فالظاهر بيانية ( 3 ) الخاص للعام , و تخصيص العام بالخاص فى أى قسم كان من الاقسام المذكورة .
و منع السيد المرتضى ( 4 ) , و الشيخ ( 5 ) , و جماعة من أصحابنا ( 6 ) , و من العامة ( 7 ) : تخصيص الكتاب بخبر الواحد مطلقا ( 8 ) .
و توقف بعضهم ( 9 ) , وإليه يميل المحقق , بناءا على عدم ثبوت حجية خبر الواحد على الاطلاق ( 10 ) .
و فصل بعضهم فى كل خاص ظنى عارض عاما قطعيا , فقال : إن
( 1 ) فى أ : بين .
( 2 ) كلمة ( هذا ) : زيادة من ط .
( 3 ) فى أ : مباينة .
( 4 ) الذريعة : 1 281 , حيث قال[ : ( على أنا لو سلمنا ان العمل بها لا على وجه التخصيص واجب قد ورد الشرع به , لم يكن فى ذلك دلالة على جواز التخصيص بها]( .
( 5 ) عدة الاصول : 1 135 .
( 6 ) فهو مذهب كل من منع حجية خبر الواحد . و قد تقدم من المصنف التنصيص عليهم فى ص 158 .
( 7 ) و هو قول المعتزلة . كما فى المنخول : 174 , و جماعة من المتكلمين كما فى : معارج الاصول : 96 .
( 8 ) و أكثر العامة على جوازه[ ( فالمنقول عن الائمة الاربعة الجواز مطلقا , و اختاره الامام أى الغزالى و اتباعه , منهم البيضاوى و به قال امام الحرمين و طوائف و تبعه الامدى]( , كما فى الابهاج : 2 171 و بذلك صرح الغزالى فى ص 174 من المنخول , و اليه أيضا ذهب الفخر الرازى : المحصول : 1 432 , و ابن الحاجب : المنتهى : 131 , و اختار الجواز منا العلامة الحلى مصرحا بوقوعه : تهذيب الوصول : 44 45 , و المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 140 .
( 9 ) و هو القاضى ابوبكر الباقلانى , كما فى : المنخول : 174 , و المنتهى : 131 .
( 10 ) معارج الاصول : 96 .
و الاولى : التوقف فى تخصيص القرآن بخبر الواحد , للشك فى وجوب اتباع ما يفهم من ظاهر القرآن على الاطلاق , و حجية خبر الواحد على الاطلاق .
أما القرآن فلامور :
الاول : تجويزنا كون عمومات القرآن حين نزولها ـ مقترنة بقرائن يظهر المقصود بها للمخاطبين فى ذلك الوقت , و مع ذلك التجويز , فلا يعلم حجية تلك الظواهر بالنسبة إلينا .
الثانى : لزوم طرح أكثر الاخبار المروية فى كتبنا الاخبارية , مما ورد ( 3 ) فى تفسير الايات و فى الاحكام , يظهر ذلك لمن تتبع الكتب الاربعة و غيرها , سيما الكافى و تفسير على بن إبراهيم و عيون أخبار الرضا , فان ثلثيها ( 4 ) بل أربعة أخماسها مما يخالف الظاهر الذى يفهم بحسب الوضع اللغوى , كما فسر ( الشمس ) ب : النبى صلى الله عليه و آله و سلم , و ( النهار ) ب : على بن أبى طالب عليه السلام , و ( الليل ) ب : فلان ( 5 ) , و فسر ( السكارى ) ب : سكر النوم ( 6 ) , و غير
( 1 ) و هو قول عيسى بن أبان . كما فى : المحصول : 1 432 , و المنتهى : 131 .
( 2 ) و قال الكرخى : ان كان قد خص بدليل منفصل صار مجازا , فيجوز ذلك : و ان خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز . كذا ذكر فى المحصول : 1 432 .
( 3 ) فى ط : مما يورد .
( 4 ) فى أ : ثلثها .
( 5 ) انظر الاحاديث بذلك فى : الكافى : 8 50ح 12 , و تفسير فرات بن ابراهيم الكوفى : 212 ـ 213 , و تأويل الايات الظاهرة : 777 .
( 6 ) الكافى : 3 299ح 1 , و فى ص 371ح 15 , التهذيب : 3 258ح 722 .
الثالث : الروايات التى تدل على حصر علم القرآن فى النبى صلى الله عليه و آله و سلم و الائمة عليهم السلام :
منها : ما رواه الكلينى , عن الصادق عليه السلام : [ ( إنما يعرف القرآن من خوطب به]( ( 2 ) .
و منها : ما رواه فى كتاب الروضة , بسنده عن أبى عبدالله عليه السلام , فى حديث طويل : [ ( و اعلموا أنه ليس من علم الله , و لا من أمره : أن يأخذ أحد من خلق الله فى دينه بهوى , و لا رأى , و لا مقائيس , قد أنزل الله القرآن و جعل فيه تبيان كل شىء , و جعل للقرآن , و لتعلم القرآن , أهلا , لا يسع أهل علم القرآن , الذين آتاهم الله علمه , أن يأخذوا فيه بهوى , و لا رأى , و لا مقائيس , أغناهم الله تعالى عن ذلك بما آتاهم من علمه , و خصهم به , و وضعه عندهم , كرامة من الله أكرمهم بها , و هم أهل الذكر , الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم]( الحديث ( 3 ) .
و منها : ما رواه فى الاصول , بسنده[ ( عن الصادق عليه السلام , قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : من عمل بالمقائيس , فقد هلك و أهلك , و من أفتى الناس بغير علم و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك ]( ( 4 ) و اختصاص علم ذلك فى الائمة عليهم السلام , ظاهر .
و الظاهر : أن ( المحكم ) ما أريد منه ظاهره , و ( المتشابه ) ما أريد منه غير ظاهره لا ما ذكروه فى كتب الاصول ( 5 ) من : أن ( المحكم ) ما له ظاهر , و
( 1 ) فى أ و ط : من أن يعد و يحصى .
( 2 ) الكافى : 8 312ح 485 كذا ورد الحديث فى الكافى , و لكن فى نسخ كتابنا هذا[ : ( انما يعلم القرآن الى آخره]( .
( 3 ) الكافى : 8 5 6 .
( 4 ) الكافى : 1 43 باب النهى عن القول بغير علم ح 9 .
( 5 ) المستصفى : 1 106 , المنتهى : 47 .
و منها : ما رواه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام فى حديث طويل , يدعى فيه اختصاص العلم بالاحكام به : [ ( فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم آية من القرآن إلا أقرأنيها , و أملاها على , فكتبتها بخطى , و علمنى تأويلها , و تفسيرها , و ناسخها , و منسوخها , و محكمها , و متشابهها , و خاصها , و عامها , و دعا الله أن يعطينى فهمها , و حفظها]( . . . الحديث ( 2 ) .
و منها : ما رواه بسنده ( 3 ) عن بريد بن معاوية ( 4 ) , عن أحدهما عليهما السلام , فى قوله تعالى : ( و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون فى العلم ) ( 5 ) فرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أفضل الراسخين فى العلم , قد علمه الله عز و جل جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل , و ما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله , و أوصياؤه من بعده يعلمونه كله . و الذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم , فأجابهم الله تعالى بقوله : ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ( 6 ) و القرآن خاص و عام , و محكم و متشابه , و ناسخ و منسوخ , فالراسخون فى العلم يعلمونه]( ( 7 ) .
و منها : ما رواه[ ( عن سلمة بن محرز , قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام
( 1 ) آل عمران 7 .
( 2 ) الكافى : 1 64 باب اختلاف الحديث ح 1 , و رواه الصدوق أيضا فى إكمال الدين و اتمام النعمة : 284 285 .
( 3 ) فى ط : باسناده .
( 4 ) كذا فى المصدر ( الكافى ) . و فى النسخ : عن معاوية بن عمار . بدل : بريد بن معاوية .
( 5 ) آل عمران 7 .
( 6 ) آل عمران 7 .
( 7 ) الكافى : 1 213 كتاب الحجة باب ان الراسخين فى العلم هم الائمة ( ع ) ح 2 .
و منها : ما رواه , عن الصادق عليه السلام فى حديث طويل : [ ( أماإنه شر عليكم أن تقولوا بشىء ما لم تسمعوه منا]( . . . . الحديث ( 2 ) .
و منها : ما رواه فى تفسير : ( إنا أنزلناه ) ( 3 ) عن أبى جعفر عليه السلام , قال : فكذلك لم يمت محمد إلا و له بعيث و نذير , قال : فان قلت : لا , فقد ضيع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من فى أصلاب الرجال من أمته , قال : و ما يكفيهم القرآن ؟ قال : بلى , إن وجدوا له مفسرا , قال : و ما فسره رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ؟ قال : بلى , قد فسره لرجل واحد , و فسر للامة شأن ذلك الرجل , و هو على بن أبى طالب . . ]( . . الحديث ( 4 ) .
و منها : ما رواه الشيخ , بسنده عن على عليه السلام قال : [ ( يا أيها الناس اتقوا الله و لا تفتوا الناس بما لا تعلمون , فان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قد قال قولا آل منه إلى غيره , و قد قال قولا من وضعه[ فى] ( 5 ) غير موضعه كذب عليه .
فقام عبيدة , و علقمة , و الاسود , و أناس منهم , فقالوا : يا أمير المؤمنين , فما نصنع بما قد خبرنا به فى المصحف ؟
قال : يسأل عن ذلك علماء آل محمد عليهم السلام]( ( 6 ) .
و منها : ما ورد ( 7 ) أن تفسير القرآن بالرأى غير جائز , حتى قال الطبرسى
( 1 ) الكافى : 1 229 كتاب الحجة باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الائمة ( ع ) ح 3 .
( 2 ) الكافى : 2 402 كتاب الايمان و الكفر باب الضلال ذيل الحديث الاول .
( 3 ) القدر 1 .
( 4 ) الكافى : 1 250 كتاب الحجة باب فى شأن[ ( انا انزلناه فى ليلة القدر]( ح 6 .
( 5 ) كلمة ( فى ) : وردت فى كل النسخ , إلا أن المصدر خال منها .
( 6 ) التهذيب : 6 295ح 823 .
( 7 ) فى أ : رواه .
و أما الشك فى حجية خبر الواحد على الاطلاق :
فلان ( 2 ) عمدة أدلة حجيته : الاجماع , و الاجماع فيما نحن فيه غير متحقق , لما عرفت من الاختلاف .
و لو رود الروايات بطرح ( 3 ) ما خالف القرآن :
كرواية السكونى[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : إن على كل حق حقيقة , و على كل صواب نورا , فما وافق كتاب الله فخذوه , و ما خالف كتاب الله فدعوه]( ( 4 ) .
و رواية عبدالله بن أبى يعفور[ : ( قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن اختلاف الحديث , يرويه من نثق به , و منهم من لا نثق به ؟ قال إذا ورد عليكم حديث , فوجدتم له شاهدا من كتاب الله عز وجل , أو من قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم , وإلا فالذى جاءكم به أولى به]( ( 5 ) .
و صحيحة أيوب بن الحر[ : ( قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : كل شىء مردود إلى الكتاب و السنة , و كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو
( 1 ) مجمع البيان : 1 13 الفن الثالث .
( 2 ) فى ط : فان .
( 3 ) فى ط : بترك .
( 4 ) الكافى : 1 69 كتاب فضل العلم باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب ح 1 .
( 5 ) الكافى : 1 69 ح 2 .
و صحيحة هشام بن الحكم , و غيره[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال خطب النبى صلى الله عليه و آله و سلم بمنى , فقال : أيها الناس , ما جاءكم عنى يوافق كتاب الله فأنا قلته , و ما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ]( ( 2 ) .
و مؤثقة أيوب بن راشد[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف ]( ( 3 ) .
و يمكن الجمع :
بحمل هذه الاخبار على الاخبار النبوية ( 4 ) التى روتها ( 5 ) العامة .
أو حمل المخالفة على ما إذا كان مضمون الخبر مبطلا لحكم القرآن بالكلية , و التخصيص بيان لا مخالفة ( 6 ) .
أو المراد بطلان الخبر المخالف للقرآن , إذا علم تفسير القرآن بالاثر الصحيح , إذ لا شك فى بطلان المخصص إذا كان إرادة العموم من القرآن معلوما بالنص الصريح , و المخالفة بدون ذلك غير معلومة لما عرفت .
و إن كان تأويل الاخبار الاولة ايضا ممكنا , بأن العلم بكل القرآن منحصر فى الائمة عليه السلام لكن الظاهر : أنه خلاف ما اعتقده علماؤنا الاولون , قال ابن بابويه ـ فى كتاب معانى الاخبار فى باب معنى العصمة[ : ( قال أبو جعفر مصنف هذا الكتاب : الدليل على عصمة الامام[ : أنه] لما كان كل كلام ينقل عن قائله , يحتمل وجوها من التأويل , و[ كان] أكثر القرآن
( 1 ) الكافى : 1 69ح 3 .
( 2 ) الكافى : 1 69ح 5 .
( 3 ) الكافى : 1 69ح 4 .
( 4 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : على النبوية .
( 5 ) فى ب : دونها .
( 6 ) فى ط : لا مخالف للقرآن .
و روى الكلينى فى الصحيح[ : ( عن منصور بن حازم , قال : قلت لابى عبدالله عليه السلام : إن الله أجل و أكرم من أن يعرف بخلقه , بل الخلق يعرفون بالله , قال : صدقت . قلت : إن من عرف أن له ربا , فقد ينبغى له أن يعرف أن لذلك الرب رضا و سخطا , و أنه لا يعرف رضاه و سخطه إلا بوحى أو رسول , فمن لم يأته الوحى فقد ينبغى له أن يطلب الرسل , فاذا لقيهم عرف أنهم الحجة , و أن لهم الطاعة المفترضة و قلت للناس أليس تعلمون أن رسول
( 1 ) كذا فى أ و ب و المصدر , و فى الاصل و ط : اجتمعت .
( 2 ) فى ب و ط : معنى . بدل : مع . و لعله الاولى .
( 3 ) ( 4 ) كذا . فى المصدر . و فى النسخ : من .
( 5 ) فى ط : سنة . و فى المصدر : سننه .
( 6 ) معانى الاخبار : 133 134 . و ما وضعناه من هذا النص بين معقوفين فهو اضافة من المصدر لم ترد فى متن كتابنا هذا .
و أيضا : فان الظن الحاصل بعموم الالفاظ المعدودة فى ألفاظ العموم , مما يشكل طرح خبر الواحد به .
و يضعف ظن عمومها كثرة الاختلاف الواقع فيها , حيث ذهب بعضهم إلى أنه لم يوضع للعموم لفظ أصلا ( 2 ) و ذهب بعضهم إلى اشتراكها لفظا , و بعضهم معنى , و توقف بعضهم ( 3 ) , كما مر .
و حينئذ , فطرح خبر الواحد ( 4 ) الذى يجب العمل به لو لا المخالفة , بمجرد ظن ضعيف حاصل من الاعتبارات و الاستقراءات الناقصة , فى غاية الجرأة .
( 1 ) الكافى : 1 168 169 كتاب الحجة باب الاضطرار الى الحجة ح 2 , و أورده أيضا فى باب فرض طاعة الائمة ( ع ) . ح 15 ص 188 189 باختلاف يسير .
( 2 ) انظر ادلتهم و مناقشتها فى : المستصفى : 2 45 .
( 3 ) المستصفى : 2 36 37 و 46 , المنتهى : 103 .
( 4 ) فى أ و ب و ط : الخبر الواحد .
و احتج من ذهب إلى عدم تخصيص القرآن بخبر الواحد[ : أ] بأن القرآن قطعى , و خبر الواحد ظنى , و الظنى لا يعارض القطعى ( 1 ) .
و يرد عليه :
أولا : أن التخصيص إنما هو فى الدلالة , و قطعية المتن غير مجد , و الدلالة ظنية , كما مر ( 2 ) .
و ثانيا : بمنع ظنية خبر الواحد , بل هو أيضا قطعى من جهة الدلالة .
و ثالثا : بمنع أن الظنى لا يعارض القطعى , إذا كان الدليل الدال على حجية ذلك الظنى قطعيا .
[ ب] و باستلزام امتناع النسخ بخبر الواحد امتناع التخصيص به , للاشتراك فى مطلق التخصيص ( 3 ) .
و الجواب : منع علية المطلق للجواز , بل هى التخصيص الخاص الافرادى , لا الازمانى ( 4 ) , و السر : أن الاول مبين , لا الثانى .
و احتج الذاهب إلى تقديم الخبر : بأن فيه جمعا بين الدليلين , بخلاف العمل بالعام فانه يوجب إلغاء ( 5 ) الخاص بالمرة ( 6 ) .
و الجواب :
أولا : منع حجية الخبر حينئذ .
و ثانيا : بمنع وجوب الجمع بين الدليلين , أو أولويته , إذا كان الجمع مخرجا للدليل القطعى عن معناه الحقيقى .
( 1 ) عدة الاصول : 1 135 , المستصفى : 2 115 , المحصول : 1 434 , المنتهى : 131 .
( 2 ) معالم الدين : 141 , و قريب منه فى : معارج الاصول : 96 .
( 3 ) المحصول : 1 434 .
( 4 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : لا الزمانى .
( 5 ) فى أ : القاء .
( 6 ) المحصول : 1 432 , معالم الدين : 141 .
و وجوب اتباعه , و العمل به , متواتر و مجمع عليه , و قد أشبعنا الكلام فيه ( 1 ) فى البحث المتقدم .
و قد وقع الخلاف فى تغييره :
فقيل : إن فيه زيادة و نقصانا , و به روايات كثيرة , رواها الكلينى ( 2 ) , و على بن إبراهيم فى تفسيره ( 3 ) .
و المشهور : أنه محفوظ و مضبوط كما أنزل , لم يتبدل و لم يتغير , حفظه
( 1 ) فى ط : عليه .
( 2 ) الكافى : 8 50ح 11 , و ص 183ح 208 , و ص 290ح 437 و 438 و 439 و 440 , و ص 377 ح 568 , و ص 378ح 569 و 570 و 571 .
( 3 ) تفسير على بن ابراهيم القمى المجلد الثانى ص 295 , حديث أبى بصير فى تفسير الاية 29 الجاثية , و كذا فى ص 349 حديث أبى عبدالرحمن السلمى , و حديث أبى بصير , فى تفسير الاية 56 الواقعة , و كذا فى ص 367 حديث ابن أبى يعفور فى تفسير الاية 11 الجمعة , و فى ص[ : 451 ( قال رسول الله : لو أن الناس قرأوا القرآن كما انزل الله ما اختلف اثنان]( .
و لكن هذه الروايات و نظائرها ساقطة إما سندا وإما دلالة , انظر تفصيل القول فى ابطالها و عدم دلالتها على وقوع التحريف فى القرآن : البيان فى تفسير القرآن : 245 254 .
و الحق : أنه لا أثر لهذا الاختلاف , إذ الظاهر تحقق الاجماع على وجوب العمل بما فى أيدينا , سواء كان مغيرا أولا , و فى بعض الاخبار تصريح بوجوب العمل به إلى ظهور القائم من آل محمد عليهم السلام ( 2 ) .
ثم اعلم أيضا أنه وقعت اختلافات كثيرة بين القرأء , و هم جماعة كثيرة , و قدماء العامة اتفقوا على عدم جواز العمل بقراءة غير السبعة أو العشرة المشهورة ( 3 ) , و تبعهم من تكلم فى هذا المقام من الشيعة أيضا ( 4 ) , و لكن لم ينقل دليل , يعتد به على وجوب العمل بقراءة هؤلاء دون من عداهم .
و تعلق بعضهم فى القراءات السبع , بما رواه الصدوق فى الخصال , بسنده عن [( حماد بن عثمان , قال : قلت لابى عبدالله عليه السلام : إن الاحاديث تختلف عنكم ؟ قال : فقال : إن القرآن نزل على سبعة أحرف , و أدنى ما للامام أن يفتى على سبعة وجوه , ثم قال : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) ]( ( 5 ) .
و لا يخفى عدم الدلالة على القراءات السبع المشهورة , مع أنه قد روى الكلينى , فى كتاب فضل القرآن , روايات منافية لها :
منها : رواية زرارة , عن أبى جعفر عليه السلام , قال : [ ( إن القرآن واحد ,
( 1 ) الحجر 9 .
( 2 ) ما عثرنا عليه فى هذا الصدد من الاخبار المغياة بظهور القائم ( ع ) انما هو ما يتعلق بالقراءة , كالحديث الاتى[ : ( فقال ابو عبدالله ( ع ) كف عن هذه القراءة , إقرأ كما يقرء الناس حتى يقوم القائم]( . . . . , و غيره : الكافى : 2 633 ـ كتاب فضل القرآن باب النوادر ح 23 .
( 3 ) الاتقان : 1 258 النوع 22 , التهميد : 141 , فواتح الرحموت ( بهامش المستصفى : 2 15 ) .
( 4 ) التبيان : 1 7 , و : مجمع البيان المقدمة الفن الثانى , و : التذكرة : 1 115 , و منتهى المطلب : 1 273 , و الذكرى : 187 فى التفريع على المسألة الخامسة .
( 5 ) الخصال : 2 358ح 43 . و الاية من سورة : ص 39 .
و صحيحة الفضيل بن يسار ,[ : ( قال : قلت لابى عبدالله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف , فقال : كذبوا , أعداء الله , و لكنه نزل على حرف واحد , من عند الواحد ]( ( 2 ) .
و لا بحث لنا فى الاختلاف الذى لا يختلف به الحكم الشرعى .
و أما فيما يختلف به الحكم الشرعى :
فالمشهور : التخيير بين العمل بأى قراءة شاء العامل ( 3 ) .
و ذهب العلامة إلى رجحان قراءة عاصم بطريق أبى بكر , و قراءة حمزة ( 4 ) .
و لم أقف لهم و له على مستند يمكن الاعتماد عليه شرعا .
فالاولى : الرجوع فيه إلى تفسير حملة الذكر , و حفظة القرآن , صلوات الله عليهم أجمعين , إن أمكن , و إلا فالتوقف , كما قال أبوالحسن عليه السلام[ : ( ما علمته فقل , و ما لم تعلمه فها و أهوى بيده الى فيه]( ( 5 ) , و الامر فيه سهل ( 6 ) , لعدم تحقق محل التوقف .
( 1 ) الكافى : 2 630 كتاب فضل القرآن باب النوادر ح 12 .
( 2 ) الكافى : 2 630ح 13 .
( 3 ) تقدم ذكر مصادر ذلك آنفا .
( 4 ) منتهى المطلب : 1 273 كتاب الصلاة البحث الرابع فى القراءة مسألة[ : ( و تبطل الصلاة لو أخل بحرف واحد]( . . . الفرع السادس .
( 5 ) المحاسن للبرقى : 213 , الكافى : 1 57 كتاب فضل العلم باب البدع و الرأى و المقاييس ح 13 .
( 6 ) فى ط : العمل .
و فيه أبحاث :
الاول : الاجماع لغة : الاتفاق .
و اصطلاحا عندنا : إتفاق جمع يعلم به أن المتفق عليه ( 1 ) , صادر عن رئيس الامة , و سيدها , و سنامها , صلوات الله عليه .
و الحق : إمكان وقوعه , و العلم به , و حجيته ( 2 ) .
و قد اختلف فى كل من المواضع الثلاثة , و ركاكة حججهم تمنع من ( 3 ) التعرض لها ( 4 ) .
و سبب حجيته ظاهر بما مر من التعريف , و هو اشتماله على قول الامام المعصوم الذى لا يقول إلا عن وحى إلهى ( 5 ) .
( 1 ) كلمة ( عليه ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) معالم الدين : 172 .
( 3 ) كلمة ( من ) : زيادة من ط .
( 4 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : لهم .
( 5 ) الذريعة : 2 605 , 630 , معارج الاصول : 126 , تهذيب الوصول : 65 , معالم الدين : 173 .
و ليس سبب حجيته انضمام الاقوال و اجتماعها , كما يقول المخالفون ( 1 ) , حيث احتالوا فى إطفاء نور الله , فجعلوا اجتماع أقوال الامة حجة , واجب الاتباع , كالقرآن , و الحديث , و أدلتهم بعد تمامها لا تدل على مطلوبهم .
فالاجماع عندنا ليس أمرا غير السنة .
الاجماع يطلق على معنيين :
أحدهما : اتفاق جمع على أمر , يقطع بأن أحد المجمعين هو المعصوم , و لكن لا يتميز شخصه ( 2 ) .
و هذا القسم من الاجماع مما لا يكاد يتحقق ( 3 ) , لان الامام عليه السلام قبل وقوع الغيبة : كان ظاهرا مشهورا عند الشيعة فى كل عصر , يعرفه كل منهم , و بعد الغيبة : يمتنع حصول العلم بمثل هذا الاتفاق .
و ما يقال : من أنه إذا وقع إجماع علماء الرعية على الباطل , يجب على الامام أن يظهر و يباحثهم , حتى يردهم إلى الحق , لئلا يضل الناس ( 4 ) .
فهو مما لا ينبغى أن يصغى إليه , لان جل الاحكام بل كلها معطل , كالامر بالمعروف و النهى عن المنكر , وإقامة الحدود , و غير ذلك , و مع ذلك فهو لا يظهر .
( 1 ) المستصفى : 1 175 , المحصول : 2 37 , المنتهى : 52 .
( 2 ) الذريعة : 2 624 , معارج الاصول : 132 .
( 3 ) معالم الدين : 175 .
( 4 ) عدة الاصول : 2 76 . و قد حكى عن الميرداماد أيضا ذهابه الى ذلك أو ما يقرب منه فى مجلس درسه . انظر : فرائد الاصول : 86 .
و أيضا : إجماعهم إنما يوجب ضلالة الناس , إذا كان واجب الاتباع بدون العلم بدخول الامام عليه السلام فيهم , و ليس كذلك كما عرفت .
و ثانيهما : اتفاق جماعة على أمر , لا يقطع بدخول الامام عليه السلام فيهم , بل قد يقطع بخروجه عنهم , إلا أن هؤلاء المجمعين كانوا ممن لا يجوز العقل اجتماعهم على الافتاء من دون سماعهم لتلك الفتوى عن قدوتهم و إمامهم عليه السلام .
و عدم ذلك التجويز لا يتم إلا بعد التتبع عن أحوال هؤلاء المجمعين , و الاطلاع على تقواهم و ديانتهم , فهو مختلف باعتبار خصوص المجمعين , فقد يحصل باثنين , بل بواحد , و قد لا يحصل بعشرة , بل بعشرين .
الحق إمكان الاطلاع على الاجماع بالمعنى الثانى من غير جهة النقل فى زمان وقوع الغيبة , إلى حين انقراض الكتب المعتمدة , و الاصول الاربعماءة المتداولة , كزمان المحقق و العلامة و ما ضاهاه ( 1 ) , و لكنه بعيد .
أماإمكانه : فلان كتب أصحاب الائمة عليهم السلام , كانت موجودة مشهورة , كفتاوى المتفقهة المتأخرين عندنا , و فتاواهم كانت مودعة فى كتبهم , فقد يحصل العلم بقول الامام عليه السلام , إذا حصل العلم بفتاوى عدة منهم , كزرارة , و محمد بن مسلم , و الفضيل , و أبى بصير المرادى , و من يحذو حذوهم , وإنكار ذلك مكابرة .
و أصحاب الائمة عليهم السلام كانت لهم فتاوى مشهورة , و قد نقل
( 1 ) فى أ و ط : و ما ضاهاهما .
و نقل الشيخ فى التهذيب , فى باب الخلع ( 5 ) : فتيا جعفر بن سماعة , و الحسن بن سماعة , و على بن رباط , و ابن حذيفة , و على بن الحسين .
و فى باب عدة النساء ( 6 ) : مذهب الحسن بن سماعة , و على بن إبراهيم ابن هاشم , و جعفر بن سماعة , و معاوية بن حكيم , و غيرهم .
و فى باب ميراث المجوس ( 7 ) : اختلاف أئمة الحديث , و عملهم .
و فى باب المرتد و المرتدة ( 8 ) : فتوى جميل بن دراج , و غير ذلك مما ( 9 ) يطلع عليه بعد التتبع ( 10 ) .
و أما بعده : فلان من تتبع أحوال أئمة الحديث , يحصل له العلم العادى بأنهم إذا سمعوا شيئا من الامام عليه السلام , يسندونه اليه , و لا يقتصرون على مجرد ( 11 ) فتواهم , و ما أسندوه إلى الامام عليه السلام فى الفروع من الامور المهمة
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : رئيس الطائفة . لكن فى هامش الاصل : ( المحدثين خ ل ) .
( 2 ) الفقيه : 4 267 و 270 و 276 و 286 و 293 و 295 و 320 .
( 3 ) لم اعثر على ذلك .
( 4 ) الكافى : 6 94 .
( 5 ) التهذيب : 8 97 .
( 6 ) التهذيب : 8 124 125 .
( 7 ) التهذيب : 9 364 .
( 8 ) التهذيب : 10 137 .
( 9 ) فى ط : ممن .
( 10 ) فى أ : بعد السعى .
( 11 ) فى ط : جرد .
فعلى هذا , يشكل الاعتماد على الاجماعات المنقولة , سيما فى غير العبادات , و سيماإذا لم تكن فتاوى أصحاب الائمة فيه معلومة , و لم يكن ورد فيه نص أصلا .
نعم , لا يبعد جواز الاعتماد على الاجماع فى مادة وردت فيها نصوص مخالفة لذلك الاجماع , إذا علم عدم غفلتهم عن هذه النصوص , و تواترها عندهم , فان من هذا الاجماع المخالف لتلك النصوص , يحصل العلم بوصول دليل يقطع العذرإليهم , لكنه بعيد الوقوع , إذ الغالب حينئذ تحقق النص , بل النصوص الموافقة أيضا للاجماع .
الحق التوقف فى الاجماع المنقول بخبر الواحد ( 3 ) لما عرفت .
و لاختلاف الاصطلاحات فى الاجماع , فان الظاهر من حال القدماء كالسيد المرتضى و الشيخ و غيرهما ( 4 ) إطلاق الاجماع على ما هو المصطلح عند العامة , من اتفاق الفرقة غير المبتدعة و لو فى زمان الغيبة على أمر .
و حينئذ , فكيف الوثوق بالاجماعات الواقعة فى كلامهم ؟ !
( 1 ) كذا فى أ و ط و ب , و فى الاصل : نقله نقلة الحديث .
( 2 ) فى أ و ط : كالمحدثين .
( 3 ) خلافا للمحقق الشيخ حسن منا : معالم الدين : 180 , و للفخر الرازى : المحصول : 2 73 , و ابن الحاجب : المنتهى : 64 , و البيضاوى : منهاج الوصول : 136 , و وفاقا للغزالى : المستصفى : 1 215 , و لبعض الحنفية . كما حكاه عنهم فى المنتهى : 64 .
( 4 ) فى أ و ط : غيرهم .
و زعم بعض علماءنا ( 1 ) أن علماءنا فى زمان ( 2 ) الغيبة إذا اتفقوا على أمر , و كانوا مخطئين , يجب على الامام أن يظهر لهم و لو بنحو لا يعرفونه و يباحث معهم , حتى يردهم إلى الحق .
و بطلان هذا مما لا يحتاج إلى البيان , بعد ملاحظة تعطل أكثر الاحكام و الامور .
( 1 ) انظر ما تقدم فى الهامش ( 4 ) من ص 152 .
( 2 ) فى أ و ط : زمن .
و فيه أبحاث :
الاول : السنة : هى قول النبى صلى الله عليه و آله و سلم , أو الامام , أو فعلهما أو تقريرهما على وجه .
و لما كان المهم منها هو القول , فلنتكلم فيه .
و يسمى : حديثا , و : خبرا .
و الخبر ينقسم إلى : متواتر , و آحاد .
و المتواتر : هو خبر جماعة , بلغوا فى الكثرة مبلغا , أحالت العادة تواطأهم على الكذب , كالمخبرين عن وجود مكة و اسكندر , و نحوهما .
و الظاهر : قلة الخبر المتواتر باللفظ فى زماننا , فنسكت عنه .
و خبر الواحد : هو ما لم يفد العلم , باعتبار كثرة المخبرين , و قد يفيد العلم بالقرائن , و هو ضرورى , وإنكاره مكابرة ظاهرة .
اختلف العلماء فى حجية خبر الواحد , العارى عن قرائن القطع .
فالاكثر من علمائنا الباحثين فى الاصول : على أنه ليس بحجة , كالسيد المرتضى ( 1 ) , و ابن زهرة ( 2 ) , و ابن البراج ( 3 ) , و ابن إدريس ( 4 ) , و هو الظاهر من ابن بابويه فى كتاب الغيبة ( 5 ) , و الظاهر من كلام المحقق ( 6 ) , بل الشيخ الطوسى أيضا ( 7 ) .
بل نحن لم نجد قائلا صريحا بحجية خبر الواحد ممن تقدم على العلامة ( 8 ) .
و السيد المرتضى يدعى الاجماع من الشيعة على إنكاره ( 9 ) , كالقياس , من غير فرق بينهما أصلا ( 10 ) .
( 1 ) الذريعة : 2 528 .
( 2 ) غنية النزوع : 475 ( تسلسل الجوامع الفقهية ) .
( 3 ) حكاه عنه المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 189 .
( 4 ) السرائر : 1 51 .
( 5 ) للشيخ الصدوق فى الغيبة كتاب و رسائل ثلاث , و نسخها مفقودة فى عصرنا هذا .
( 6 ) معارج الاصول : 142 147 , يظهر ذلك من مناقشته أدلة القائلين بحجيته .
( 7 ) فقد قال المحقق الحلى[ : ( ذهب شيخنا أبوجعفر الى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا , لكن لفظه و ان كان مطلقا فعند التحقيق تبين انه لا يعمل بالخبر مطلقا , بل بهذه الاخبار التى رويت عن الائمة ( ع ) و دونها الاصحاب , لا أن كل خبر يرويه الامامى يجب العمل به]( . معارج الاصول : 147 .
( 8 ) علق الشيخ الانصارى على هذه العبارة بعد ايرادها فى فرائده بقوله[ ( و هو عجيب]( : فرائد الاصول : 109 .
( 9 ) رسائل السيد المرتضى : 1 24 .
( 10 ) رسائل السيد المرتضى : 3 309 .
و لكن الحق : أنه حجة كما اختاره المتأخرون منا ( 1 ) , و جمهور العامة ( 2 ) , لوجوه :
الاول : أنا نقطع ببقاء التكاليف إلى يوم القيامة , سيما بالاصول الضرورية كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و المتاجر و الانكحة و نحوها , مع أن جل أجزائها , و شرائطها , و موانعها , و ما يتعلق بها , إنما يثبت بالخبر غير القطعى , بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الامور عن كونها هذه الامور عند ترك العمل بخبر الواحد , و من أنكر ذلك , فانما ينكر باللسان , و قلبه مطمئن بالايمان .
الثانى : أنا نقطع بعمل أصحاب الائمة عليهم السلام , و غيرهم ممن عاصرهم بأخبار الاحاد , بحيث لم يبق للمتتبع شك فى ذلك , و نقطع بعلم الائمة عليهم السلام بذلك , و العادة قاضية بوجوب تواتر ( 3 ) المنع عنهم عليهم السلام لو كان العمل بها فى الشريعة ممنوعا , مع أنه لم ينقل عنهم عليهم السلام خبر واحد فى المنع , بل ظاهر كثير من الاخبار جواز العمل بها , كما ستقف عليه عن قريب إن شاء الله .
و يؤيده : إطباق العلماء على رواية أخبار الاحاد , و تدوينها , و الاعتناء بحال الرواة , و التفحص عن المقبول و المردود .
قال العلامة فى النهاية[ : ( أما الامامية : فالاخباريون منهم , لم يعولوا فى أصول الدين و فروعه إلا على أخبار الاحاد , المروية عن الائمة عليهم السلام , و الاصوليون منهم كأبى جعفر الطوسى و غيره وافقوا على قبول خبر الواحد ,
( 1 ) تهذيب الوصول : 76 , معالم الدين : 189 .
( 2 ) المنخول : 253 , المحصول : 2 170 , المنتهى : 74 , الابهاج : 2 300 .
( 3 ) فى ط : توارد .
و الحق : أنه لا يظهر ( 3 ) من كلام الشيخ أنه يعمل بخبر الواحد , العارى عن القرائن المفيدة للقطع ( 4 ) , نعم , هو قسم القرائن , و ذكر فيها أمورا , لا يمكن إثبات قطعيتها .
الثالث : ظواهر الروايات , و هى كثيرة :
منها : ما رواه الكلينى , بسنده[ ( عن المفضل بن عمر , قال : قال لى أبو عبدالله عليه السلام : أكتب , و بث علمك فى إخوانك , فان مت فأورث كتبك بنيك , فانه يأتى على الناس زمان هرج , لا يأنسون فيه إلا بكتبهم]( ( 5 ) .
فان ظاهرها : جواز العمل بما فى الكتب من الاخبار , و هى آحاد , فان تواترها , و احتفافها بالقرائن المفيدة للقطع , بعيد جدا .
و منها : ما رواه فى الصحيح[ ( عن محمد بن الحسن ابن أبى خالد شينولة , قال : قلت لابى جعفر الثانى عليه السلام : جعلت فداك , إن مشايخنا رووا عن أبى جعفر , و أبى عبدالله عليهما السلام , و كانت التقية شديدة , فكتموا كتبهم , و لم ترو عنهم , فلما ماتوا صارت الكتب إلينا , فقال : حدثوا بها , فإنها حق]( ( 6 ) .
و منها : ما رواه فى الصحيح أيضا[ ( عن سماعة بن مهران , عن أبى الحسن موسى عليه السلام , قال : قلت : أصلحك الله , إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا ,
( 1 ) كلمة ( أحد ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) نهاية الوصول ورقة 209 أ ( مصورة ) و قد أورد هذه العبارة بلفظها الفخر الرازى المتقدم على العلامة فى : المحصول : 2 188 .
( 3 ) فى ط : لم يظهر .
( 4 ) كما استظهر ذلك المحقق الحلى و قد تقدم نقل كلامه .
( 5 ) الكافى : 1 52 كتاب فضل العلم باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسك بالكتب ح 11 .
( 6 ) الكافى 1 52ح 15 .
و فيه تقرير منه عليه السلام فى العمل و الفتوى بالكتاب , مع أنه غالبا يكون من قبيل أخبار الاحاد .
و منها : ما رواه فى الصحيح , عن عبدالله بن أبى يعفور[ ( قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام , عن اختلاف الحديث , يرويه من نثق به , و منهم من لا نثق به ؟ قال : إذا ورد عليكم حديث , فوجدتم له شاهدا من كتاب الله , أو من قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم , وإلا فالذى جاءكم به أولى به]( ( 3 ) .
و ظاهر : أن السائل سأل عن أخبار الاحاد , إذ لا دخل للوثوق بالراوى ( 4 ) , و عدمه فى القطعى من الاخبار .
و نحوها : الاخبار الواردة فى حكم اختلاف الاخبار ( 5 ) , كما سيجىء فى آخر الكتاب إن شاء الله , و هى تدل على حجية خبر الواحد , بشرط اعتضاده بالقرآن , أو سنة الرسول ( 6 ) .
( 1 ) ورد فى هامش الكافى ما يلى[ : ( فى بعض النسخ : مسطور , و فى بعضها : مستطر]( .
( 2 ) الكافى : 1 57 كتاب فضل العلم باب البدع و الرأى و المقائيس ح 13 . و مثله ما رواه البرقى باسناده عن محمد بن حكيم : المحاسن : 213 .
( 3 ) الكافى : 1 69 كتاب فضل العلم باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب ح 2 .
( 4 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل : للموثق بالراوى , و فى ط : بالوثوق للراوى .
( 5 ) الكافى : 1 62 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 7 , 8 , 9 , و غيرها .
( 6 ) لا يقال : اشتراط اعتضاده بالقرآن و السنة يدل على عدم حجية خبر الواحد . لانا نقول : شهادة القرآن و السنة لا توجب انتهاءة الى حد القطع , فاجماله ( ع ) يدل على حجية الخبر المظنون المعتضد بالقرآن او السنة , فتأمل جدا ( منه رحمه الله ) .
و نحوها : ما رواه فى الموثق بعبدالله بن بكير , عن رجل عن أبى جعفر عليه السلام إلى أن قال[ : ( وإذا جاءكم عنا حديث , فوجدتم عليه شاهدا , أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به , وإلا فقفوا عنده , ثم ردوه إلينا , حتى يستبين لكم]( ( 1 ) .
و منها : الروايات الواردة فى الامر بابلاغ الحديث إلى الناس , مثل ما رواه فى الصحيح[ ( عن خيثمة , قال : قال لى أبوجعفر عليه السلام : أبلغ شيعتنا أنه لن ينال ما عندالله إلا بعمل , و أبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا , ثم يخالفه إلى غيره]( ( 2 ) .
إذ لا شك فى علمهم عليهم السلام بعدم انتهائها إلى حد القطع .
و قد يحتج على هذا المطلب بالايات :
كقوله تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) ( 3 ) .
حيث يدل على وجوب الحذر , بانذار الطائفة من الفرقة , و هى تصدق على واحد ك ( الفرقة ) على الثلاثة فيفيد وجوب ابتاع قول الواحد , و هو المطلوب .
و قوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ( 4 ) .
حيث يدل بمفهومه ( 5 ) على انتفاء التبين و التثبت عند خبر العدل , فاما : الرد , أو : القبول ( 6 ) , و الاول : يوجب كون العدل أسوء حالا من الفاسق , و هو
( 1 ) الكافى : 2 222 كتاب الايمان و الكفر باب الكتمان ح 4 .
( 2 ) الكافى : 2 300 كتاب الايمان و الكفر باب من وصف عدلا و عمل بغيره ح 5 .
( 3 ) المستصفى : 1 152 , و الاية من سورة التوبة 122 .
( 4 ) المحصول : 2 178 , و الاية من سورة : الحجرات 6 .
( 5 ) فى أ : يدل المفهوم , و فى ط : دل المفهوم .
( 6 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : فإما الرد أو لا أو القبول .
و الاولى : ترك الاستدلال بهذه الايات , فانه :
يرد على الاستدلال بالاولى :
أن المتبادر ( 2 ) من ( الطائفة ) الزيادة على الاثنين , فالظاهر أن المراد ب ( الفرقة ) ممن ذكره الله تعالى أهل كل حشم حشم , و قرية قرية .
و أيضا : على تقدير خروج واحد من كل ثلاثة فالظاهر حينئذ : بلوغ المخبرين عدد التواتر , لان الغالب فى الاحشام و القرى , الكثرة العظيمة , و يندر توطن ثلاثة أنفس من الرجال و النساء و الصبيان فى موضع , لا يكون لهم رابع بل عاشر .
وأيضا : يحتمل كون الانذار بطريق الفتوى بمعنى الروايات ( 3 ) , و لا نزاع لاحد فى قبوله , و يسمونه فتوى المجتهد .
و أيضا : إطلاق الانذار على نقل روايات الاحكام الشرعية , غير متعارف , فيحتمل كون المراد التخويف على ترك أو فعل ما ثبت بطريق القطع , و هذا مما تتأثر النفس بسماعه , و يحصل به للنفس خوف , يوجب اهتمامه بالواجبات و ترك المحرمات , وإن لم يكن خبر الواحد حجة .
و أيضا : يحتمل أن يقال : إن خبر الواحد المشتمل على الانذار حجة , لقضاء العقل بمثل هذه الاحتياطات دون غيره , و الاجماع على عدم الفصل , غير معلوم .
و أيضا : يحتمل أن يكون ضمير ( ليتفقهوا ) راجعاإلى الباقى من الفرقة مع العالم , دون من نفر منهم .
و غير ذلك من الاعتراضات .
( 1 ) المحصول : 2 179 180 .
( 2 ) فى أ و ط : التبادر .
( 3 ) فى ط : لا بمعنى الروايات .
و على الاية الثانية :
بأنه استدلال بمفهوم الصفة على أصل علمى , و حاله معلوم ( 1 ) .
و أيضا : الاية واردة فى شخص خاص , و ذكر ( فاسق ) إنما هو ( 2 ) لاعلام الصحابة بفسق ذلك الشخص الخاص , و تبيين حاله , لا لانتفاء هذا الحكم عند انتفاء هذا الوصف .
احتج المنكرون : بأن العمل بخبر الواحد , اتباع للظن , و قول على الله بغير علم , و هو غير جائز ( 3 ) .
أما الصغرى : فلان خبر الواحد لا يفيد العلم , و أيضا : النزاع إنما هو فيما لا يفيده , وإنما غايته أن يفيد الظن .
و أما الكبرى : فللايات الكثيرة :
كقوله تعالى فى مقام الذم : ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) ( 4 ) .
و قوله تعالى : ( إن هم إلا يظنون ) ( 5 ) .
و قوله تعالى : ( و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) ( 6 ) .
و نحو ذلك .
و قوله تعالى فى الايات الكثيرة : ( و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( 7 ) .
( 1 ) المنتهى : 75 , لكن الفخر الرازى قرب الاستدلال بها بمفهوم الشرط : المحصول : 1 179 ـ 180 .
( 2 ) فى ط : إما انه .
( 3 ) عدة الاصول : 1 44 , الذريعة : 2 523 , المستصفى : 1 154 , المحصول : 2 192 , المنتهى : 76 .
( 4 ) النجم 28 .
( 5 ) الجاثية 24 .
( 6 ) يونس 36 .
( 7 ) البقرة 169 و كذا : الاعراف 33 .
و قوله تعالى : ( و لا تقف ما ليس لك به علم ) ( 1 ) .
و الجواب :
أولا : منع الصغرى :
فان اتباع الظن : هو أن يكون مناط العمل هو الظن من حيث هو هو , و ههنا ليس كذلك , وإنما مناط العمل هو كلام اصحاب العصمة المنقول عنهم , و أخبار مهابط الوحى الالهى , صلوات الله عليهم , بشرط عدم المخالفة للكتاب و السنة , و عدم المعارضة , و نحو ذلك , على ما سيأتى إن شاء الله , سواء أفاد الظن أو لا .
و على تقدير القول باشتراط جواز العمل به بافادته الظن أيضا لا يلزم كون مناط العمل هو الظن , بل هو الخبر الخاص المشترط بالظن , و لهذا لو حصل الظن بحكم شرعى , لا من دليل شرعى , لا يجوز العمل به إتفاقا منا , بل و من غيرنا أيضا , فعلم الفرق بين اتباع الظن , و اتباع الخبر الخاص بشرط الظن , فلا تغفل .
و أيضا : فان العمل بخبر الواحد , إنما هو اتباع للدليل ( 2 ) القطعى , الدال على حجية خبر الواحد , فهو اتباع للقطع .
و ثانيا : بمنع الكبرى :
فان سياق الايات يقتضى اختصاصها باصول الدين .
و أيضا : فان المطلق يقيد , و العام يخص , إذا وجد الدليل , و نحن قد دللنا على حجية خبر الواحد .
( 1 ) الاسراء 36 .
( 2 ) فى أ و ط : الدليل .
للعمل بخبر الواحد فى هذا الزمان شرائط , يجمعها :
وجود الخبر فى الكتب المعتمدة للشيعة , كالكافى , و الفقيه , و التهذيب , و نحوها .
مع عمل جمع منهم به , من غير رد ظاهر .
و لا معارضة لما هو أقوى منه .
سواء كان الراوى عدلا أم لا , و سواء كانت الرواية مسندة صحيحة , أو حسنة , أو موثقة , أو ضعيفة بحسب الاصطلاح أو مرسلة , أو مرفوعة , أو موقوفة , أو منقطع ة , أو معضلة ( 1 ) , أو معنعنة , أو منكرة ( 2 ) أو معللة , أو مضطربة , أو مدرجة , أو معلقة , أو مشهورة , أو غريبة , أو عزيزة , أو مسلسلة , أو مقطوعة , إلى غير ذلك من الاصطلاحات .
و القوة : تكون باعتبار العدالة , و الورع , و الشهرة , و عمل الاكثر , و نحو ذلك , مما سيجىء التنبيه عليه إن شاء الله تعالى .
تعرف عدالة الراوى , فى هذا الزمان و ما ضاهاه , و كذا أعدليته , و ورعه , و أورعيته بتزكية العدل المشهور , و قد انحصر المزكى و الجارح فى : الشيخ الطوسى , و الكشى , و النجاشى , و ابن الغضائرى , و ابن طاوس ,
( 1 ) فى ط : منفصلة .
( 2 ) فى ط : مكررة .
و الظاهر : الاكتفاء بالواحد فى الجرح و التعديل , و لو لم يذكر السبب , و إلا لم يوجد خبر صحيح بالاصطلاح المشهور , و سيجىء فيه مزيد تحقيق .
و مع تعارض الجرح و التعديل :
فقد قيل ( 1 ) : بتقديم الجرح , لانه به يحصل الجمع بينهما .
و الظاهر : الترجيح بالقرائن , إن أمكن , وإلا فالتوقف .
و بقى هنا مباحث اخر , تركناها لقلة فائدتها , كمباحث المطلق و المقيد , و المجمل و المبين , و الناسخ و المنسوخ , و مباحث المنطوق و المفهوم سيجىء ما يعتد به منهاإن شاء الله تعالى .
( 1 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : فقيل .
الاول : ما يستقل بحكمه العقل , كوجوب قضاء الدين , ورد الوديعة , و حرمة الظلم , و استحباب الاحسان , و نحو ذلك . كذا ذكره المحقق فى المعتبر ( 1 ) , و الشهيد فى الذكرى ( 2 ) , و غيرهما .
و حجية هذه الطريقة : مبنية على الحسن و القبح العقليين ( 3 ) .
و الحق ثبوتهما , لقضاء الضرورة بهما ( 4 ) فى الجملة , و لكن فى إثبات الحكم الشرعى كالوجوب و الحرمة الشرعيين بهما ( 5 ) , نظر و تأمل .
و الواجب العقلى : ما يستحق فاعله المدح , و تاركه الذم .
و الشرعى : ما يستحق فاعله الثواب , و تاركه العقاب .
و عكسه : الحرام فيهما .
و وجه النظر أمور :
( 1 ) المعتبر : 1 32 .
( 2 ) الذكرى : 5 المقدمة الاصل الرابع القسم الاول .
( 3 ) كذا فى : أ و ب و ط , و فى الاصل : العقلى .
( 4 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : به .
( 5 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : بها .
الاول : أن قوله تعالى : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ( 1 ) ظاهر فى أن العقاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسول ( 2 ) فلا وجوب ( 3 ) و لا تحريم إلا و هو مستفاد من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .
فان قلت : يجوز أن يستحق العقاب , و لكن لا يعاقبه الله تعالى إلا بعد بيان الرسول أيضا , ليتعاضد ( 4 ) العقل و النقل , لطفا منه تعالى .
قلت : ظاهر أن الواجب شرعا مثلا ما يجوز المكلف العقاب على تركه , فلا يتصور وجوب شرعى مثلا عند الجزم بسبب إخبار الله تعالى بعدم العقاب , و لا يكون ( 5 ) حينئذإلا ( 6 ) الوجوب العقلى .
الثانى : ما ورد من الاخبار :
كما رواه الكلينى عن[ : ( عدة من أصحابنا , عن أحمد بن محمد بن خالد , عن على بن الحكم , عن أبان الاحمر , عن حمزة ابن الطيار , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : قال لى : اكتب , فأملى على : أن من قولنا أن الله يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم , ثم أرسل إليهم رسولا , و أنزل عليهم الكتاب , فأمر فيه و نهى أمر فيه بالصلاة و الصيام]( . . . . ( 7 ) الحديث .
و التطبيق : كما مر .
و أيضا : قد نقل تواتر الاخبار بأنه لم يتعلق بأحد تكليف إلا بعد بعث ( 8 )
( 1 ) الاسراء 15 .
( 2 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : الرسل .
( 3 ) فى أ و ط : و لا وجوب .
( 4 ) فى أ : لتعاضد .
( 5 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : بل لا يكون .
( 6 ) كلمة ( إلا ) : ساقطة من ط .
( 7 ) الكافى : 1 164 كتاب التوحيد باب حجج الله على خلقه ح 4 .
( 8 ) فى ط : بعثة .
و الظاهر منها : حصر العلم بهما فى ذلك , و بأن أهل الفترة و أشباههم معذورون , و يكون تكليفهم يوم الحشر ( 2 ) .
و أيضا : قد ورد[ : ( كل شىء مطلق , حتى يرد فيه نهى]( رواه ابن بابويه فى الفقيه , فى تجويز القنوت بالفارسية ( 3 ) .
فيفهم دخول غير المنصوص ( 4 ) فى المباح .
الثالث : ما عليه أصحابنا ( 5 ) , و المعتزلة ( 6 ) , من أن التكليف فيما يستقل به العقل لطف , و العقاب بدون اللطف قبيح , فلا يجوز العقاب على ما لم يرد فيه من الشرع نص , لعدم اللطف فيه حينئذ .
و أيضا : العقل يحكم بأنه يبعد من الله تعالى توكيل ( 7 ) بعض أحكامه ( 8 )
( 1 ) الانفال 42 .
( 2 ) روى ابن بابويه فى كتاب الخصال بسنده[ ( عن زرارة , عن أبى جعفر ( ع ) , قال : إذا كان يوم القيامة احتج الله عز وجل على خمسة : على الطفل , و الذى مات بين النبيين , و الذى ادرك النبى و هو لا يعقل , و الابله , و المجنون الذى لا يعقل , و الاصم و الابكم . فكل واحد منهم يحتج على الله عز وجل , قال : فيبعث الله عز وجل اليهم رسولا , فيؤجج لهم نارا فيقول لهم : ربكم يأمركم أن تثبوا فيها , فمن وثب فيها كانت عليه بردا و سلاما , و من عصى سيق الى النار . ( منه رحمه الله ) .
الخصال : 283 باب الخمسة ح 31 .
( 3 ) الفقيه : 1 317ح 937 .
( 4 ) فى ط : الخصوص .
( 5 ) الذريعة : 2 701 702 , تقريب المعارف : 77 , كشف المراد : 319 و 324 و 327 .
( 6 ) المواقف : 323 بضميمة ما فى ص 328 , حاشية السيالكوتى على شرح المواقف : 393 399 .
( 7 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : و كول .
( 8 ) فى أ و ط : احكام .
فعلى ما ذكرنا , يشكل التعلق بهذه الطريقة فى إثبات الاحكام الشرعية غير المنصوصة .
لكن الظاهر : أنه لا يكاد يوجد شىء يندرج فى هذه الطريقة إلا و هو منصوص من الشرع , ففائدة هذا الخلاف نادرة , و الله أعلم .
الرابع : ما رواه الكلينى فى الصحيح[ : ( عن زرارة , عن أبى جعفر عليه السلام , قال : بنى الاسلام على خمسة أشياءإلى أن قال = أما لو أن رجلا قام ليله , و صام نهاره , و تصدق بجميع ماله , و حج جميع دهره , و لم يعرف ولاية ولى الله فيواليه , و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ( 2 ) , ما كان له على الله حق فى ثوابه , و لا كان من أهل الايمان]( ( 3 ) و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
و هذا الخبر ( 4 ) إنما يدل على أن الاحكام العملية ( 5 ) تتوقف على الشرع , و كأنه هو الحق , للنصوص المطلقة الدالة على تعذيب الكفار بشركهم و كفرهم , الشاملة لاهل الفترة و غيرهم , فلو كانت المعارف الفطرية موقوفة على الشرع من حيث الوجوب , لم يثبت تعذيب الوثنى من أهل الفترة .
فان قلت : الواجب العقلى : هو ما يكون تاركه مذموما عند كل عاقل و حكيم , و الحرام العقلى ما يكون فاعله مذموما كذلك , فالحرام العقلى مثلا
( 1 ) فى أ : الاختلافات .
( 2 ) هذا محل الشاهد من الخبر , إذ لو كان للعقل دلالة لم يوجب اخذ جميع الاعمال بدلالة الامام ( هامش نسخة ط ) .
( 3 ) الكافى : 2 18 كتاب الايمان و الكفر باب دعائم الاسلام ح 4 .
( 4 ) فى أ : الاخير .
( 5 ) فى أ و ط : العلمية .
قلت : الحرام الشرعى : ما يجوز المكلف العقاب عليه , و لا يكفى مجرد الاستحقاق , و إن علم انتفاؤه بسبب ما , كإخباره بذلك .
و أيضا : بداهة استلزام المكروهية عند الله تعالى لاستحقاق عقابه , محل نظر و منع .
فان قلت : فاذا كان الامر على ما ذكرت , فلم لم تحكم بعدم حجية هذه الطريقة على البت ؟ ! بل جعلت حجيتها محل التأمل , المشعر بالشك و التردد .
قلت : وجه التردد مما مر , و من : أن إخباره تعالى بنفى التعذيب , فيما هو مذموم و مكروه عنده إغراء منه تعالى للمكلف على هذا المذموم , و هو قبيح ( 1 ) , و نقض للغرض , و حينئذ لا يكون ما يتدرج فى هذه الطريقة مندرجا فى قوله تعالى : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ( 2 ) و حينئذ , فيبقى ( 3 ) الكلام فى صحة الملازمة المذكورة , و عدمها .
و قد قال السيد المرتضى رحمه الله فى الذريعة[ : ( و أما حد المحظور : فهو القبيح الذى قد اعلم المكلف , أو دله على ذلك من حاله]( ( 4 ) .
و ذهب الفاضل الزركشى فى شرح جمع الجوامع ( 5 ) إلى : أن الحسن و القبح ذاتيان , و الوجوب و الحرمة شرعيان , و أنه لا ملازمة بينهما , فقال[ : ( تنبيهات :
الاول : أن المعتزلة لا ينكرون أن الله تعالى هو الشارع للاحكام , إنما
( 1 ) فى ط : قبح .
( 2 ) الاسراء 15 .
( 3 ) فى أ : فبقى .
( 4 ) الذريعة 2 808 , لكن فيه : أو دل .
( 5 ) المسمى ب : تشنيف المسامع بجمع الجوامع .
و الثانى : ما اقتصر عليه المصنف من حكاية قولين ( 4 ) , هو المشهور , و توسط قوم , فقالوا : قبحها ثابت بالعقل , و العقاب يتوقف على الشرع , و هو الذى ذكره أسعد بن على الزنجانى من أصحابنا , و أبوالخطاب من الحنابلة , و ذكره الحنفية , و حكوه عن أبى حنيفة نصا , و هو المنصور , لقوته من حيث الفطرة , و آيات القرآن المجيد , و سلامته من الوهن و التناقض , فههنا أمران : الاول إدراك العقل حسن الاشياء و قبحها , الثانى , أن ذلك كاف فى الثواب و العقاب , وإن لم يرد شرع , و لا تلازم ( 5 ) بين الامرين , بدليل ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) أى : بقبيح فعلهم ( 6 ) ( و أهلها غافلون ) ( 7 ) أى : لم تأتهم الرسل و الشرائع , و مثله : ( و لو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) أى : من القبائح ( فيقولوا ربنا
( 1 ) كذا فى المصدر المنقول عنه النص , و فى النسخ كما يلى : فهما عندهم مؤديان الى العلم بالحكم ( بالاحكام خ ل ) .
( 2 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : بمعنى .
( 3 ) كذا فى المصدر , و زاد فى النسخ فى هذا الموضع كلمة : ظاهر .
( 4 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : قولهم .
( 5 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : و لا ملازمة .
( 6 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : أى بقبح فعلهم ( افعالهم خ ل ) .
( 7 ) الانعام 131 .
و ليس الغرض من نقل هذا الكلام الاحتجاج به , بل التنبيه ( 3 ) على أن الملازمة المذكورة مما قد تكلم عليه جماعة من أهل البحث و النظر .
و اعلم أن المحقق الطوسى , ذكر فى بعض تصانيفه[ : ( أن القبيح العقلى ما ينفر الحكيم عنه , و ينسب فاعله إلى السفه]( ( 4 ) .
و قال بعض المتأخرين من أصحابنا[ : ( 5 ) ( لا يقال قوله عليه السلام[ ( كل شىء مطلق حتى يرد فيه نهى]( يبطل الحسن و القبح الذاتيين . لانا نقول : ههنا مسألتان : الاولى الحسن و القبح الذاتيان , و الاخرى الوجوب و الحرمة الذاتيان , و الذى يلزم من ذلك بطلان الثانية لا الاولى , و بينهما بون بعيد , ألا ترى أن كثيرا من القبائح العقلية ليس بحرام فى الشريعة , و نقيضه ( 6 ) ليس بواجب ) ) إنتهى كلامه .
و فى آخر كلامه نظر ظاهر .
و قال السيد أيضا فى الذريعة فى إثبات إباحة ما لم يرد به شرع , بعد ادعاء انتفاء المضرة العاجلة[ : ( و أما المضرة الاجلة : فهى العقاب , وإنما يعلم انتفاء ذلك , لفقد السمع الذى يجب أن يرد به لو كان ثابتا , لان الله تعالى لابد أن يعلمنا ما علينا من المضار الاجلة التى هى العقاب , الذى يقتضيه قبح الفعل ( 7 ) , وإذا فقدنا هذا الاعلام , قطعنا على انتفاء المضرة الاجلة أيضا]( ( 8 )
( 1 ) القصص 47 .
( 2 ) تشنيف المسامع : 1 133 139 .
( 3 ) فى ط : للتنبيه .
( 4 ) حكاه عنه فى : الفوائد المدنية : 161 .
( 5 ) و هو المحدث الامين الاسترآبادى : الفوائد المدنية : 161 .
( 6 ) فى أ و ط : فنقيضه .
( 7 ) كذا فى المصدر المنقول عنه النص , و فى النسخ : العقل .
( 8 ) الذريعة : 2 811 812 .
القسم الثانى : استصحاب حال العقل , أى : الحال السابقة , و هى عدم شغل الذمة عند عدم دليل أو أمارة عليه , و التمسك به أن ( 1 ) يقال : إن الذمة لم تكن مشغولة بهذا الحكم فى الزمن السابق , أو الحالة الاولى , فلا تكون مشغولة فى الزمن اللاحق أو الحالة الاخرى , و هذا إنما يصح إذا لم يتجدد ما يوجب شغل الذمة فى الزمن ( 2 ) الثانى .
و وجه حجيته حينئذ ظاهر , إذ التكليف بالشىء مع عدم الاعلام به , تكليف الغافل , و تكليف بما لا يطاق .
و يدل عليه ( 3 ) الاخبار أيضا , كما سيجىء مع ما فيه .
القسم الثالث : أصالة النفى , و هو البراءة الاصلية .
قال المحقق الحلى رحمه الله[ : ( اعلم أن الاصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية , فاذا ادعى مدع حكما شرعيا , جاز لخصمه أن يتمسك فى انتفائه بالبراءة الاصلية , فيقول : لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية , لكن ليس كذلك فيجب نفيه .
و لا يتم هذا الدليل إلا ببيان مقدمتين :
الاولى : أنه لا دلالة عليه ( 4 ) شرعا , بأن يضبط طرق الاستدلالات الشرعية و يبين عدم دلالتها عليه .
و الثانية : أن يبين أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه إحدى تلك
( 1 ) كذا فى أ , و فى سائر النسخ : بأن .
( 2 ) فى أ و ب : الزمان .
( 3 ) فى أ و ب و ط : عليها .
( 4 ) فى ط : لا دليل .
و لا يخفى أن بيان هاتين المقدمتين مما لا سبيل إليه إلا فيما تعم به البلوى :
أما الاول : و هو عدم السبيل إلى البيان فيما لا تعم به البلوى فلان جل أحكامنا معاشر ( 2 ) الشيعة بل كلها , متلقاة من الائمة الطاهرة , صلوات الله عليهم اجمعين , و ظاهر أنهم عليهم السلام لم يتمكنوا من إظهار جميع الاحكام , و ما أظهروه لم يتمكنوا من إظهاره على ما هو عليه فى نفس الامر , للتقية على أنفسهم و على شيعتهم من الحكام الظلمة و الحسدة الكفرة ( 3 ) .
نعم , هذا إنما ( 4 ) يتم عند المخالفين , القائلين : بأن النبى صلى الله عليه و آله و سلم أظهر كل ما جاء به عند أصحابه , و توفرت الدواعى على أخذه و نشره , و لم تقع بعده فتنة أوجبت إخفاء بعضه , و يجوز خلو بعض الوقائع عن الحكم الشرعى , فحينئذ : إذا تتبع الفقيه و لم يجد دليلا على واقعة , علم ( 5 ) انتفاء الحكم الشرعى فيها فى نفس الامر .
و هذا عندنا باطل , لان النبى صلى الله عليه و آله و سلم أودع كل ما جاء به عند عترته الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين مما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة ,
( 1 ) المسمى ب : معارج الاصول , راجع ص 212 213 منه .
( 2 ) فى أ و ب و ط : معشر .
( 3 ) فى ط : و الكفرة .
( 4 ) كلمة ( انما ) : اضافة من أ و ط .
( 5 ) فى ط : جزم على انتفاء الى آخره .
نعم , يعلم عدم تكليف المكلف , إذا لم يجد الدليل بعد التتبع , بما فى نفس الامر , لانه تكليف بما لا يطاق , و يدل عليه الاخبار الكثيرة :
روى ابن بابويه فى ( من لا يحضره الفقيه ) فى بحث جواز القنوت بالفارسية , , عن الصادق عليه السلام , قال : [ ( كل شىء مطلق حتى يرد فيه نهى]( ( 2 ) .
و فى باب الاستطاعة من كتاب التوحيد , فى الصحيح[ : ( عن حريز بن عبدالله , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : رفع عن امتى تسعة : الخطأ , و النسيان , و ما استكرهوا عليه , و ما لا يطيقون , و ما لا يعلمون , و ما اضطروا إليه , و الحسد , و الطيرة , و التفكر فى الوسوسة فى الخلق , ما لم ينطقوا بشفة]( ( 3 ) .
و هذا الحديث مذكور فى أوائل ( من لا يحضره الفقيه ) أيضا ( 4 ) .
و لا يخفى أن ما نحن فيه من قبيل[ : ( ما لا يعلمون]( .
و ذكر فى باب التعريف و الحجة و البيان[ : ( حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار , عن أحمد بن محمد بن عيسى , عن ابن فضال , عن داود بن فرقد , عن ابى الحسن زكريا بن يحيى , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ]( ( 5 ) .
( 1 ) زاد فى ب فى هذا الموضع : لانه تكليف بما لا يطاق .
( 2 ) الفقيه : 1 317ح 937 .
( 3 ) التوحيد : 353 ح 24 .
( 4 ) الفقيه : 1 59ح 132 , باختلاف يسير .
( 5 ) التوحيد : 413ح 9 .
و هذه الرواية فى الكافى , فى باب حجج الله على خلقه ( 1 ) .
و روى ابن بابويه أيضا , بسنده[ : ( عن حفص بن غياث القاضى , قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : من عمل بما علم كفى ما لم يعلم]( ( 2 ) .
و فى النوادر من المعيشة من الكافى , بسنده[ : ( عن عبدالله بن سنان , عن ابى عبدالله عليه السلام , قال : كل شىء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ]( ( 3 ) .
و بمعناه رواية أخرى عنه أيضا عليه السلام ( 4 ) .
و نقل عن كتاب المحاسن للبرقى : أنه روى عن[ ( أبيه[ عن النضر بن سويد] ( 5 ) , عن درست ابن أبى منصور , عن محمد بن حكيم , قال : قال أبو الحسن عليه السلام : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا , وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها و وضع يده على فيه ( 6 ) فقلت : و لم ذاك ( 7 ) ؟ قال : لان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده , و ما يحتاجون إليه[ من بعده] ( 8 ) إليه إلى يوم القيامة]( ( 9 ) .
و قد يتوهم منافاة هذه الرواية للروايات السابقة , و الحق عدمها , لانها
( 1 ) الكافى : 1 164 كتاب التوحيد باب حجج الله على خلقه ح 3 لكن باستبدال ( أحمد بن محمد بن يحيى العطار ) ب ( محمد بن يحيى ) , و باسقاط كلمة ( علمه ) من المتن .
( 2 ) التوحيد : 416 ح 17 .
( 3 ) الكافى : 5 313ح 39 .
( 4 ) و هى رواية مسعدة بن صدقة : نفس المصدر ح 40 .
( 5 ) ما بين المعقوفين زيادة من المصدر .
( 6 ) فى المصدر : فمه .
( 7 ) فى ط : ذلك .
( 8 ) ما بين المعقوفين اضافة من المصدر .
( 9 ) المحاسن للبرقى : 213ح 91 الباب ( 7 ) باب المقائيس و الرأى من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن . و روى مثله الكلينى باسناد آخر : الكافى : 1 57 كتاب فضل العلم باب البدع و الرأى و المقائيس ح 13 .
و فى كتاب التوحيد لرئيس المحدثين ابن بابويه[ : ( حدثنا أبى رحمه الله , قال : حدثنا عبدالله بن جعفر الحميرى , عن أحمد بن محمد بن عيسى , عن الحجال , عن ثعلبة بن ميمون , عن عبدالاعلى بن أعين , قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عمن لم يعرف شيئا , هل عليه شىء ؟ قال : لا]( ( 2 ) .
و أما الثانى : و هو السبيل إلى بيان المقدمتين المذكورتين , و إمكانه فيما تعم به البلوى , كنجاسة أرض ( 3 ) الحمام , و نجاسة الغسالة , و وجوب قصد السورة المعينة عند البسملة , و وجوب نية الخروج , و نحو ذلك :
فالحق : إمكان بيان المقدمتين المذكورتين ( 4 ) , فان ( 5 ) المحدث الماهر , إذا تتبع الاحاديث المروية عنهم عليهم السلام فى مسألة لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر , لعموم البلوى بها و لم يظفر ( 6 ) بحديث يدل على ذلك الحكم , يحصل له الظن الغالب بعدمه ( 7 ) , لان جما غفيرا من العلماء أربعة آلاف منهم تلامذة الامام الصادق عليه السلام , كما نقله فى المعتبر ( 8 ) كانوا ملازمين لائمتنا فى مدة تزيد على ثلاثماءة سنة , و كان همهم و هم الائمة عليهم السلام إظهار الدين
( 1 ) فى ط : و على .
( 2 ) التوحيد : 412 الباب 64 ح 8 , و رواه الكلينى باسناد آخر : الكافى 1 164 كتاب التوحيد باب حجج الله على خلقه ح 2 . لكن فيه ( من ) بدل ( عمن ) .
( 3 ) فى ط : ماء .
( 4 ) قوله : ( فالحق امكان بيان المقدمتين المذكورتين ) : ساقط من الاصل و ب , و قد اثبتناه من نسختى أ و ط .
( 5 ) فى الاصل : فلان . و ما اثبتناه مطابق لسائر النسخ .
( 6 ) فى أ : و لم يظهر .
( 7 ) فى ط : به . و فى هامشها : بعدمه خ ل .
( 8 ) المعتبر : 1 26 .
و الفرق بين هذا القسم و القسم الثانى : أن بناء الاستدلال فى القسم الثانى على انتفاء الحكم فى الزمان السابق وإجرائه ( 1 ) فى اللاحق بالاستصحاب , فيرد عليه ما يرد على حجية الاستصحاب فى نفس الحكم الشرعى , و لهذا اعترضت الشافعية على الحنفية بأن قولكم بالاستصحاب فى نفى الحكم الشرعى دون نفسه تحكم ( 2 ) .
و بناؤه فى هذا القسم على انتفاء الدليل على ثبوت الحكم فى الحال , سواء وجد فى السابق أو لا .
نعم , لما اعتبر فى القسم الثانى عدم العلم بتجدد ما يوجب ثبوت الحكم فى الزمان اللاحق بعد الفحص المعتبر فى الحكم ببراءة الذمة , كان كل موضع يصح فيه الاستدلال بالقسم الثانى , يصح بهذا القسم أيضا , فلذا لم يفرق جماعة بينهما , و عدوهما واحدا .
و اعلم أن الشهيد الثانى رحمه الله ذكر فى تمهيد القواعد ( 3 ) : أن الاصل يطلق على معان :
الاول : الدليل , و منه قولهم[ : ( الاصل فى هذه المسألة الكتاب و السنة]( .
الثانى : الراجح , و منه قولهم[ : ( الاصل فى الكلام الحقيقة]( .
الثالث : الاستصحاب , و منه قولهم[ : ( إذا تعارض الاصل و الظاهر ,
( 1 ) فى النسخ : و اجراؤه ( بالضم ) و الصواب ما اثبتناه , و هو مطابق لما جاء فى حكاية المحدث البحرانى لهذه العبارة : الدرر النجفية درة فى الاستصحاب ص 35 .
( 2 ) تجد رأى الاحناف هذا فى : المحصول : 2 549 , شرح البدخشى : 3 176 , و انظر الاعتراض على هذا التفصيل فى : المستصفى : 1 217 و ما بعدها , شرح العضد : 2 453 , الاحكام : 4 367 .
( 3 ) هذا ليس عبارته بل ظاهر كلامه . ( منه رحمه الله ) .
الرابع : القاعدة , و منه قولهم[ : ( لنا أصل]( , و منه قولهم[ : ( الاصل فى البيع اللزوم]( , و[ : ( الاصل فى تصرفات المسلم الصحة]( أى : القاعدة التى وضع عليها البيع بالذات , و حكم المسلم بالذات : اللزوم فى بيعه , و الصحة فى تصرفاته , لان وضع البيع شرعا لنقل مال كل من المتبايعين إلى الاخر ( 3 ) .
و المراد بالراجح : ما يترجح إذا خلى الشىء و نفسه , مثلا : إذا خلى الكلام و نفسه , يحمله ( 4 ) المخاطب على المعنى الحقيقى , لانه راجح حينئذ .
و المراد من الاصل فى قولهم[ : ( الاصل براءة الذمة]( هذا المعنى .
و أما قولهم[ : ( الاصل فى كل ممكن عدمه]( فيمكن حمله على الحالة الراجحة , حتى يكون من القسم الثالث , و يمكن حمله على الحالة السابقة , حتى يكون من القسم الثانى .
إذا عرفت هذا , فالاصل بالمعنى الاول لا شك فى حجيته .
و كذا بالمعنى الثانى , إذا كان فى براءة الذمة , مع عدم المخرج عنه , أو كان الرجحان من نص شرعى .
و بالمعنى الثالث سيجىء الكلام فيه .
و أما بالمعنى الرابع أى : القاعدة فان كانت تلك القاعدة مستفادة من نص شرعى , أو جماع كذلك , فظاهر أنه حجة , وإلا فلا .
فقولهم[ : ( الاصل فى الاشياء الطهارة]( أصل مستفاد من الشرع , لان[ ( الطاهر هو : ما أبيح ملابسته فى الصلاة اختيارا . و النجاسة : ما حرم استعماله
( 1 ) كنجاسة ارض الحمام . ( منه رحمه الله ) .
( 2 ) انظر : القواعد و الفوائد : 1 137 141 الفائدة الثانية و الثالثة من فوائد القاعدة الثالثة ( قاعدة اليقين ) .
( 3 ) تمهيد القواعد : 2 فى قوله[ ( قاعدة : الاصل لغة ما يبنى عليه الشىء . . . الى آخره]( .
( 4 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : يحمل .
فالشارع لما أمر بالصلاة مستقبلا , طاهرا , ساترا للعورة ( 3 ) , تحصل هذه الماهية بأى فرد كان , و البدن متلطخا بأى شىء كان , و كذا الثوب متلطخا بأى شىء كان , فاذا خرج ( 4 ) بعض الاشياء , و هو النجاسات , بقى الباقى على عدم مانعيته من الصلاة و تتحقق ( 5 ) الصلاة معه , و هو معنى الطهارة , فتكون طهارة الاشياء مستفادة من الامر بالصلاة مع الساتر , ساكتا عما عدى النجاسات , إذا كانت فى البدن أو الثوب .
و كذا قولهم[ : ( الاصل فى الاشياء الحل]( لقوله تعالى : ( خلق لكم ما فى الارض جميعا ) ( 6 ) فان ( ما ) ظاهرة فى العموم , و كذا يفهم عموم أنواع الانتفاع أيضا , فانه لو كان المرادإباحة انتفاع خاص معين غير معلوم للمكلفين , لم يكن هناك امتنان , إذ العقل يحكم بوجوب اجتناب ما تساوى فيه احتمال النفع و المضرة .
و أيضا : يدل عليه قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله ) ( 7 ) و قوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا و عملوا
( 1 ) دخل به الخمر و العصير , فانهما غير مستقذرين , و لكن الحكم بنجاستهما يزيدهما إبعادا من النفس لانها مطلوبة بالفرار عنهما , و بالنجاسة يزداد الفرار . ( منه رحمه الله ) . أقول : هذا من كلام الشهيد أيضا .
فى أ و ط : أو التوصل . . . الى آخره .
( 2 ) القواعد و الفوائد : 2 85 قاعدة : 175 .
( 3 ) فى ط : العورة .
( 4 ) فى أ و ب و ط : اخرج .
( 5 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : تحقق .
( 6 ) البقرة 29 .
( 7 ) البقرة 173 .
و كذا قولهم : ( الاصل فى الافعال ( 4 ) الاباحة ) لما مر من قوله عليه السلام : [( كل شىء مطلق حتى يرد فيه نهى]( , و ما بعده من الاخبار الكثيرة , المذكورة فى هذا القسم .
و اعلم أيضا : أن ههنا قسما من الاصل , كثيرا ما يستعمله الفقهاء , و هو أصالة عدم الشىء , و أصالة عدم تقدم الحادث , بل هما قسمان .
و التحقيق : أن الاستدلال بالاصل بمعنى النفى و العدم إنما يصح على نفى الحكم الشرعى , بمعنى : عدم ثبوت التكليف , لا على إثبات الحكم الشرعى , و لهذا لم يذكره الاصوليون فى الادلة الشرعية , و هذا يشترك فيه جميع أقسام الاصل المذكورة .
مثلا : إذا كانت أصالة براءة الذمة مستلزمة لشغل الذمة من جهة أخرى , فحينئذ لا يصح الاستدلال بها , كما إذا علم نجاسة ( 5 ) أحد الاناءين مثلا بعينه , و اشتبه بالاخر , فان الاستدلال بأصالة عدم وجوب الاجتناب من
( 1 ) المائدة 93 .
( 2 ) البقرة 168 .
( 3 ) الانعام 145 .
( 4 ) فى ط : الاشياء .
( 5 ) فى ب : بنجاسة .
و كذا فى الثوبين المشتبه طاهرهما , بنجسهما , و الزوجة المشتبهة بالاجنبية , و الحلال المشتبه بالحرام المحصور , و نحو ذلك .
و كذا أصالة العدم , كأن يقال : الاصل عدم نجاسة هذا الماء , و هذا الثوب , فلا يجب الاجتناب عنه , لاإذا كان شاغلا للذمة , كأن يقال فى الماء الملاقى للنجاسة المشكوك فى كريته : الاصل عدم بلوغه كرا فيجب الاجتناب عنه .
و كذا فى أصالة عدم تقدم الحادث , فيصح أن يقال فى الماء الذى وجد فيه نجاسة بعد الاستعمال , و لم يعلم هل وقعت النجاسة قبل الاستعمال ؟ أو بعده ؟ : الاصل عدم تقدم النجاسة , فلا يجب غسل ما لا قى ذلك الماء قبل رؤية النجاسة , و لا يصح إذا كان شاغلا للذمة , كماإذا استعملنا ماءا , ثم ظهر أن ذلك ( 2 ) الماء كان قبل ذلك الوقت ( 3 ) نجسا , ثم طهر بالقاء كر عليه دفعة و لم يعلم أن الاستعمال هل كان قبل التطهير ؟ أو بعده ؟ فلا يصح أن يقال : الاصل عدم تقدم تطهيره , فيجب ( 4 ) إعادة غسل ما لاقى ذلك الماء فى ذلك الاستعمال , لانه إثبات حكم بلا دليل , فان حجية الاصل فى النفى باعتبار قبح تكليف الغافل , و وجوب إعلام المكلف بالتكليف , فلذا يحكم ببراءة الذمة عند عدم الدليل , فلو ثبت حكم شرعى بالاصل , يلزم إثبات حكم من غير دليل , و هو باطل إجماعا .
فان قلت : لم لا يكون اللازم ( 5 ) فيما لم يدل عليه دليل التوقف ؟ ! .
( 1 ) فى ط : فى أحديهما .
( 2 ) فى أ و ط : لان ذلك .
( 3 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : فى وقت .
( 4 ) زاد فى أ فى هذا الموضع كلمة : عليه .
( 5 ) فى أ : الامر .
لما روى الشيخ السعيد , قطب الدين الراوندى[ : ( عن ابن بابويه , قال : اخبرنا أبى , قال : أخبرنا سعد ( 1 ) بن عبدالله , عن يعقوب بن يزيد , عن محمد ابن أبى عمير , عن جميل بن دراج , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام فى الهلكة , إن على كل حق حقيقة , و على كل صواب نورا , فما وافق كتاب الله فخذوه , و ما خالف كتاب الله فدعوه]( ( 2 ) .
و فى الكافى , فى باب اختلاف الحديث , فى الموثق[ : ( عن سماعة , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه فى أمر , كلاهما يرويه , أحدهما يأمر بأخذه , و الاخر ينهاه عنه , كيف يصنع ؟ قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره , فهو فى سعة حتى يلقاه]( ( 3 ) .
و فى رواية اخرى[ : ( بأيهما أخذت من باب التسليم و سعك]( ( 3 ) .
و فى آخر حديث عمر بن حنظلة , عن الصادق عليه السلام : [ ( قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : حلال بين , و حرام بين , و شبهات بين ذلك , فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات , و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم]( .
و فى آخره أيضا , بعد بيان وجوه الترجيح فى الخبرين المختلفين , قال[ : ( إذا كان كذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك , فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام فى الهلكات]( ( 4 ) .
( 1 ) فى أ و ط : سعيد .
( 2 ) نقل الحر العاملى أيضا هذا الحديث عن الراوندى من رسالة له , قال عنها انه[ ( ألفها فى احوال احاديث اصحابنا و اثبات صحتها]( انظر هذا الحديث فى الوسائل : 18 86 كتاب القضاء باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة ح 35 . و لم نوفق للعثور على نسخة من هذه الرسالة .
( 3 ) الكافى : 1 66 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 7 .
( 4 ) الكافى : 1 68 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 10 , لكن فيه : ذلك . بدل : كذلك . كما أن فيه ( فأرجه ) , لكنا ضبطناها كما جاءت فى نسخة الوسائل : 18 76 .
و فى باب النهى عن القول بغير علم , بسنده[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : أنهاك عن خصلتين , فيهما هلاك الرجال : أنهاك أن تدين الله بالباطل , و تفتى الناس بما لا تعلم]( ( 1 ) .
و فى الصحيح[ : ( عن عبد الرحمن بن الحجاج , قال : قال لى أبو عبد الله عليه السلام : إياك و خصلتين , ففيهما هلك من هلك : إياك أن تفتى الناس برأيك , أو تدين بما لا تعلم]( ( 2 ) .
و بمضمونهما روايات اخر , مذكورة فى هذا الباب و الذى بعده .
أو يكون الحكم حينئذ العمل بالاحتياط ؟ !
لما رواه الشيخ فى التهذيب عن[ ( على بن السندى , عن صفوان , عن عبد الرحمن بن الحجاج , قال : سألت أبا الحسن عليه السلام , عن رجلين أصابا صيدا , و هما محرمان , الجزاء بينهما ؟ أم على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال : لا , بل عليهما جميعا , و يجزى عن كل واحد منهما الصيد , فقلت , إن بعض أصحابنا سألنى عن ذلك فلم أدر ما عليه ؟ فقال : إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا , فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا]( ( 3 ) .
و الامر بالاحتياط يدل على عدم جواز العمل بالبراءة الاصلية , و إلا لقال : فعليكم ( 4 ) بالبراءة الاصلية .
و روى أيضا , فى بحث المواقيت[ ( عن الحسن بن محمد بن سماعة , عن سليمان بن داود , عن عبدالله بن وضاح , قال : كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام : يتوارى القرص , و يقبل الليل , ثم يزيد الليل ارتفاعا , و تستتر عنا
( 1 ) الكافى : 1 42 كتاب فضل العلم باب النهى عن القول بغير علم ح 1 . كذا الحديث فى الكافى . و فى النسخ : هلك بدل : هلاك .
( 2 ) الكافى : 1 42 ح 2 من الباب المذكور .
( 3 ) التهذيب : 5 466 ح 1631 .
( 4 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : عليكم .
و لا يخفى أنه صريح فى طلب الاحتياط .
و نقل عن محمد بن جمهور الاحسائى , فى كتاب غوالى اللالى , أنه قال[ : ( روى العلامة مرفوعا إلى زرارة بن أعين , قال : سألت الباقر عليه السلام , فقلت : جعلت فداك , يأتى عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان , فبأيهما آخذ ؟ فقال : عليه السلام : يا زرارة , خذ بما اشتهر بين أصحابك , و دع الشاذ النادر , إلى أن قال : إذن , فخذ بما فيه الحائطة ( 2 ) لدينك , و اترك ما خالف الاحتياط]( الحديث ( 3 ) .
قلت : الجواب :
أما عن أدلة التوقف :
فأولا : بمنع ( 4 ) أن ما لم يدل عليه دليل , و لم يرد , و لم يبلغنا فيه , نص شرعى داخل فى الشبهة , إذ أدلة التوقف واردة فيما ورد فيه من الشرع نصان متعارضان , فالحاق غير المنصوص به قياس , باطل عند العاملين بالقياس أيضا , لا نتفاء الجامع بين الاصل و الفرع .
و ثانيا : بأن قولهم عليهم السلام : [ ( كل شىء مطلق حتى يرد فيه نهى]( , و[ : ( ما حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم]( , و غير ذلك من الاخبار التى مر بعضها ـ أخرج ما لا نص فيه عن حكم الشبهة ( 5 ) على تقدير تسليم شمول أحاديث التوقف له , و كونه شبهة .
( 1 ) التهذيب : 2 259 ح 1031 , الاستبصار : 1 264 ح 952 .
( 2 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : الحائط .
( 3 ) غوالى اللالى : 4 133 ح 229 .
( 4 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : منع .
( 5 ) و هو وجوب التوقف . ( منه رحمه الله ) .
و ثالثا : بأن الاخبار الدالة على التوقف عند تعارض الامارتين , معارضة بما دل على التخيير عند التعارض , كما لا يخفى , ففى تعيين وجوب التوقف فى الشبهة المذكورة , أيضا نظر ظاهر .
و رابعا : بأن المحرم : ما يجب اجتنابه , و هذه الاخبار كالصريحة فى أن ( 1 ) الشبهة ليست من المحرمات , فلا يكون اجتنابها واجبا , بل لما كانت مما قد ينجر و يفضى إلى ارتكاب الحرام , يكون اجتنابها مستحبا , و ارتكابها مكروها , و لهذا وقع طلب ترك ارتكاب الشبهة فى هذه الروايات بطريق النصيحة و الموعظة , لا بطريق صيغة النهى الظاهر فى الالزام , فتأمل .
و أما عن أدلة الاحتياط :
فعن الرواية الاولى :
أولا : بمنع أنه من قبيل ما نحن فيه , لان بإصابة الصيد علم اشتغال ذمة كل من الرجلين , فيجب العلم ببراءة الذمة , و لا يحصل إلا بجزاء تام من كل واحد منهما , فلا يجوز التمسك فيه بأصالة براءة الذمة .
و الحاصل : أنه إذا قطع باشتغال الذمه بشىء , و يكون لذلك الشىء فردان : بأحدهما تحصل البراءة قطعا , و بالاخر يشك فى حصول براءة الذمة , فأنه حينئذ لا أعلم خلافا فى وجوب الاتيان بما يحصل به يقين براءة الذمة , لقولهم عليهم السلام : [ ( لا يرفع اليقين إلا يقين مثله]( ( 2 ) . و غير ذلك , و نحن نجوز التمسك بالاصل فيما لم يقطع باشتغال الذمة , و هذا ظاهر .
و ثانيا : بتسليم عدم جواز العمل بالاصل مع التمكن من الرد إلى الائمة عليهم السلام , و السؤال منهم ( 3 ) عليهم صلوات الله و سلامه , لان العمل بالاصل مع
( 1 ) فى ط : كالصريحة بأن .
( 2 ) فى ب و ط : بيقين . و لم نعثر ع لى حديث بهذا اللفظ , نعم وردت بهذا المضمون أحاديث متعددة سيأتى ذكرها فى ص 203 ـ 207 . و الظاهران المصنف أراد بهذا مضمون تلك الاخبار
( 3 ) كذا الظاهر . و فى النسخ : عنهم .
و عن الرواية الثانية :
أولا : بمثل الاول عن الاولى , فان اشتغال الذمة بالصلاة معلوم , و لا يحصل يقين البراءة إلا بالتأخير حتى تذهب الحمرة .
و ثانيا : بأن الظاهر من قوله عليه السلام[ : ( أرى لك إلى آخره]( الاستحباب , لا الوجوب , و حينئذ يكون دالا على حصول البراءة بالتقديم أيضا .
و عن الرواية الثالثة : بعد الاغماض عن سندها :
فأولا : بأنه ليس من قبيل ما نحن فيه , لانه منصوص , و لكن ورد فيه نصان متعارضان ( 1 ) , فالحاق غير المنصوص , به قياس , كما مر .
و ثانيا : بأنه معارض للاخبار ( 2 ) الدالة على التخيير , و جواز العمل بكل من الخبرين .
و ثالثا : بأنه معارض للاخبار ( 3 ) الدالة على التوقف , لان التوقف عبارة عن : ترك الامر المحتمل للحرمة و حكم آخر من الاحكام الخمسة , و الاحتياط : عبارة عن ارتكاب الامر المحتمل للوجوب و حكم آخر ما عدا التحريم , كما هو ظاهر موارد التوقف و الاحتياط , و من توهم أن التوقف هو الاحتياط فقد سها و غفل .
و رابعا : باحتمال أن يكون المراد بالاخذ ب[ ( ما فيه الحائطة ( 4 ) لدينك]( الاخذ بما وافق كتاب الله , و ترك ما خالف كتاب الله , إذ ليس هذا الوجه من
( 1 ) فى ط : بانه ليس مما نحن فيه , لا نها ورد فيما ورد فيه نصان متعارضان .
( 2 ) ( 3 ) فى ط , و ب : بالاخبار .
( 4 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل و ط : الحائط .
و خامسا : بإمكان الحمل على الاستحباب .
و يشعر باستحباب الاحتياط فى ترك ما يحتمل التحريم : صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ,[ ( عن أبى إبراهيم عليه السلام , قال : سألته عن الرجل يتزوج المرأة فى عدتها بجهالة , أهى ممن لا تحل له أبدا ؟ فقال : لا , أماإذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضى عدتها , و قد يعذر الناس فى الجهالة بما هو أعظم من ذلك . فقلت : بأى الجهالتين أعذر ؟ بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه ؟ أم بجهالته أنها فى عدة ؟ فقال : إحدى الجهالتين أهون من الاخرى , الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه , و ذلك لانه لا يقدر على الاحتياط معها . فقلت : فهو فى الاخرى معذور ؟ قال : نعم , إذا انقضت عدتها فهو معذور فى أن يتزوجها]( الحديث ( 1 ) .
و لا يخفى أنه يظهر من الرواية قدرته على الاحتياط مع العلم بالتحريم فى العدة و الجهل بأنها فى العدة , و يظهر منها أنه معذور فى ترك هذا الاحتياط , و لفظ[ ( أهون]( فيه إشعار باستحباب الاحتياط مع العلم بالتحريم فى العدة و الجهل بالعدة ( 2 ) .
و اعلم : أن لجواز التمسك بأصالة براءة الذمة , و بأصالة العدم , و بأصالة عدم تقدم الحادث شروطا :
أحدها : ما مر من عدم استلزامه لثبوت حكم شرعى من جهة أخرى .
و ثانيها : أن لا يتضرر بسبب التمسك به مسلم , أو من فى حكمه .
مثلا : إذا فتح إنسان قفصا لطائر , فطار , أو حبس شاة , فمات ولدها ,
( 1 ) الكافى : 5 427ح 3 , الاستبصار : 3 186ح 676 , التهذيب : 7 306ح 1274 لكن فيه : عن أبى عبدالله ( ع ) .
( 2 ) فى ط : و الجهل بانها لعدة .
و الحاصل : أن فى مثل هذه الصور لا يحصل العلم , بل و لا الظن , بأن الواقعة غير منصوصة , و قد عرفت أن شرط التمسك بالاصل فقدان النص , بل يحصل القطع حينئذ بتعلق حكم شرعى بالضار , و لكن لا يعلم أنه مجرد التعزير , أو الضمان , أو هما معا , فينبغى للضار أن يحصل العلم ببراءة ذمته بالصلح , و للمفتى الكف عن تعيين حكم , لان جواز التمسك بأصالة براءة الذمة , و الحال هذه , غير معلوم .
و قد روى البرقى , فى كتاب المحاسن[ : ( عن أبيه ,[ عن النضر بن سويد] , عن درست ابن أبى منصور , عن محمد بن حكيم , قال : قال : أبو الحسن عليه السلام : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا , وإذا جاءكم ما لا تعلمون , فها و وضع يده على فيه فقلت : و لم ذاك ؟ فقال : لان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده , و ما يحتاجون إليه من بعده , إلى يوم القيامة ]( ( 3 ) .
( 1 ) الفقيه : 4 334 باب ميراث أهل الملل ح 5718 . و لهذا الحديث مصادر كثيرة و لكنها بلفظ آخر .
فى ط : ضرار . بدل : اضرار .
( 2 ) التهذيب : 7 215ح 943 ( صحيحة أبى ولاد ) , دعائم الاسلام : 2 424ح 1476 .
( 3 ) المحاسن للبرقى : 213 , و ما بين المعقوفين زيادة من المصدر , مع استبدال كلمة ( فيه ب : <
فان قلت : هذه الرواية كما تدل على حكم ماإذا حصل الضرر , تدل على حكم ( 1 ) غيره أيضا .
قلت : لا نسلم فانا ندعى أنه ليس داخلا فى[ ( ما لا تعلمون]( , فان قبح تكليف الغافل معلوم , و موضوعية[ ( ما حجب علمه عن العباد]( معلوم , و اباحة [ ( ما لم يرد فيه نهى]( معلوم , للاخبار المذكورة .
و أما فى صورة الضرر : فكون التكليف حينئذ تكليف الغافل غير معلوم , إذ الضار يعلم أنه صار سببا لاتلاف مال محترم , و اشتغال الذمة حينئذ فى الجملة مما هو مركوز فى الطبائع , و كذا الكلام فى كونه من[ ( ما حجب علمه عن العباد ]( , و من[ ( ما لم يرد فيه نهى]( .
و ثالثها : أن لا يكون الامر المتمسك فيه بالاصل جزء عبادة مركبة , فلا يجوز التمسك به لو وقع الاختلاف فى صلاة , هل هى ركعتان أو أكثر ؟ أو أقل ؟ فى نفى الزائد , و على هذا القياس .
بل ! كل نص بين فيه أجزاء ذلك المركب , كان دالا على عدم جزئية ما لم يذكر فيه , فيكون نفى ذلك المختلف فيه حينئذ منصوصا , لا معلوما بالاصل , كما لا يخفى .
ثم اعلم أن جماعة من الفقهاء , كثيرا ما يستعملون الاصل المحمول عليه العدم , و بعد التأمل يظهر رجوعه إلى ادعاء أصالة الوجود , كما قالوا[ : ( الاصل عدم تداخل الاسباب]( يعنى : إذا تحقق أمارتان لشىء , فالاصل عدم الاكتفاء بفعل ذلك الشىء ( 2 ) مرة واحدة , بل يلزم فعله متعددا بحسب تعدد سببه .
( 1 ) كلمة ( حكم ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) فى أ و ط : عدم الاكتفاء بذلك الشىء .
و كذا كثيرا ما يستعملون لفظ ( الاصل ) فى مواضع لا ترجع إلى الاصل المذكور أنه حجة , و لاإلى القاعدة المستفادة من الشرع , و الشهيد الاول فى القواعد استعمل لفظ الاصل فى مواضع , منها صحيح , و منها لا يظهر له وجه .
قال[ : ( الاصل عدم اجزاء كل من الواجب و الندب عن الاخر]( ( 1 ) .
و قال[ : ( الاصل أن النية فعل المكلف , و لا أثر لنية غيره]( ( 2 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم بلوغ الماء كرا]( ( 3 ) .
و قال[ : ( قد يتعارض الاصلان , كدخول المأموم فى صلاة , و شك هل كان الامام راكعا ؟ أو رافعا ؟ و لكن يؤيد الثانى بالاحتياط]( ( 4 ) .
و قال[ : ( الاصل صحة البيع]( ( 5 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم القبض الصحيح]( يعنى للمبيع ( 6 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم معرفة المشترى بصفة المبيع]( ( 7 ) .
و قال[ : ( قد يتعارض الاصل و الظاهر]( ( 8 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم تقدم الاسلام]( ( 9 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم صحة العقد]( ( 10 ) .
و قال[ : ( الاصل السلامة من العلة]( ( 11 ) .
و قال[ : ( الاصل فى اللفظ الحمل على الحقيقة الواحدة]( ( 12 ) .
و قال[ : ( الاصل فى الكلام الحقيقة]( ( 13 ) .
( 1 ) القواعد و الفوائد : 1 83 الفائدة السادسة .
( 2 ) القواعد و الفوائد : 1 122 الفائدة 31 .
( 3 ) القواعد و الفوائد : 1 133 القاعدة الثالثة .
( 4 ) القواعد و الفوائد : 1 134 القاعدة الثالثة . و فيه : يتأيد .
( 5 ) ( 6 ) ( 7 ) ( 8 ) ( 9 ) ( 10 ) ( 11 ) القواعد و الفوائد : 1 135 139 القاعدة الثالثة .
( 12 ) القواعد و الفوائد : 1 152 قاعدة 40 .
( 13 ) القواعد و الفوائد : 1 154 قاعدة 41 . و لكن فيه : الاصل فى الاطلاق الحقيقة .
و قال[ : ( الاصل يقتضى قصر الحكم على مدلول اللفظ , و أنه لا يسرى الى غير مدلوله]( ( 1 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم تحمل الانسان عن غيره , ما لم يأذن له]( ( 2 ) .
و قال[ : ( الاصل أن كل واحد لا يملك إجبار غيره]( ( 3 ) .
و قال[ : ( الاصل فى الاحكام التابعة لمسميات : أن تناط ( 4 ) بحصول تمام المسمى]( ( 5 ) .
و قال[ : ( الاصل عدم تداخل الاسباب]( ( 6 ) .
و قال[ : ( الاصل فى البيع اللزوم]( ( 7 ) .
و قال[ : ( الاصل فى العقود الحلول]( ( 8 ) .
و قال[ : ( الاصل فى الميراث النسبى : التولد , و فى السببى : الانعام بالعتق ]( ( 9 ) .
و قال[ : ( الاصل فى هيأت المستحب : أن تكون مستحبة , لامتناع زيادة الوصف على الاصل ( 10 ) فى الاكثر]( ( 11 ) و أخرج مواضع من الاصل الذى ذكر ( 12 ) .
( 1 ) القواعد و الفوائد : 1 323 قاعدة 116 .
( 2 ) القواعد و الفوائد : 1 353 قاعدة 135 .
( 3 ) القواعد و الفوائد : 1 356 قاعدة 136 .
( 4 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : ارتباطه . بدل : أن تناط .
( 5 ) القواعد و الفوائد : 1 358 قاعدة 139 .
( 6 ) القواعد و الفوائد : 2 223 قاعدة 229 .
( 7 ) القواعد و الفوائد : 2 242 قاعدة 243 .
( 8 ) القواعد و الفوائد : 2 261 قاعدة 254 .
( 9 ) القواعد و الفوائد : 2 286 قاعدة 275 .
( 10 ) القواعد و الفوائد : 2 303 قاعدة 288 .
( 11 ) و قد خولف فى مواضع , منها : الترتيب فى الاذان , و منها : رفع اليدين بالتكبيرات , عند المرتضى , و : وجوب الطهارة للصلاة المندوبة . ( منه رحمه الله ) .
( 12 ) كذا العبارة فى أ و ط , و لكنها فى الاصل و ب كما يلى , و فى الاكثر أخرج إلى آخره .
و أنت بعد ما أحطت بشرائط العمل بالاصل , تتمكن من معرفة الصحيح منها من غيره , بعد اطلاعك فى الجملة على الفروع الفقهية .
مثلا : قوله[ ( الاصل فى البيع اللزوم]( ليس له وجه , لان خيار المجلس مما يعم أقسام البيع , و هكذا .
و الغرض من نقل جملة من مواضع استعمال الاصل , أن تمتحن نفسك فى المعرفة , لتشحذ ذهنك , و تحقيق الاصل على هذا الوجه مما لا تجده فى غير هذه الرسالة و الله أعلم .
الاخذ بالاقل عند فقد الدليل على الاكثر , كما يقول بعض الاصحاب[ : ( فى عين الدابة : نصف قيمتها]( , و يقول الاخر[ : ( ربع قيمتها]( , فيقول المستدل : ثبت الربع اجماعا , فينتفى الزائد , نظرا إلى البراءة الاصلية .
و عد صاحب المعتبر هذا القسم من البراءة الاصلية ( 1 ) و ذكر فى الذكرى : أنه راجع إليها ( 2 ) .
و الحق : أنه قسم من أقسام أصالة البراءة ( 3 ) , و لا وجه لعده قسما على حدة , إلا أنى التزمت أن اورد كل ما عد فى أدلة العقل , ثم أذكر ما هو الحق فيه .
و اعلم : أن التمسك بهذا القسم , لا يكاد يصح إلا أن يعلم تحقق إجماع شرعى , أو دليل آخر على ثبوت الاقل , و إلا فشغل الذمة معلوم , فيجب تحصيل العلم ببراء ة الذمة , و لا يعلم بالاقل , و قد عرفت ما فى حجية الاصل , اذا كان من هذا القبيل .
( 1 ) المعتبر : 1 32 .
( 2 ) الذكرى : 5 المقدمة الاصل الرابع القسم الرابع .
( 3 ) فى ط : اصل البراءة .
التمسك بعدم الدليل , فيقال : عدم الدليل على كذا , فيجب انتفاؤه .
قال فى المعتبر[ : ( و هذا يصح فيما علم أنه لو كان هناك دليل لظفر به , أما لا مع ذلك : فيجب التوقف , و لا يكون ذلك الاستدلال حجة]( ( 1 ) .
و كلامه فى غاية الجودة , ففيما تعم به البلوى : يمكن التمسك بهذه الطريقة , و أما فى غيره فيحتاج إلى المقدمتين المذكورتين , و لا يتم إلا ببيانهما , مع استحالته عندنا , لما عرفت , فلا نعيده .
قال فى الذكرى[ : ( و مرجع هذا القسم إلى أصالة البراءة]( ( 2 ) .
و الظاهر : أن الفقهاء يستدلون بهذه الطريقة على نفى الحكم الواقعى , و بأصالة البراءة على عدم تعلق التكليف , و إن كان هناك حكم فى نفس الامر , فلذا عدا قسمين .
و اختلاف العامة فى : أن عدم المدرك , هل هو مدرك شرعى لعدم الحكم ؟ أو لا ؟ ( 3 ) .
و قد عرفت مما مر جلية الحال .
و الحق عندنا : أنه لا توجد واقعة إلا و لها مدرك شرعى , ببركات أئمة الهدى عليهم السلام , و لا أقل من اندراجها فى : [ ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم]( , و فى : [( كل شىء مطلق حتى يرد فيه نهى]( , و فى : اخبار التوقف , و غير ذلك مما مر , فلا تغفل ( 4 ) .
( 1 ) المعتبر : 1 32 .
( 2 ) الذكرى : 5 المقدمة الاصل الرابع القسم الثالث .
( 3 ) المحصول : 2 581 .
( 4 ) تقدم تخريج هذه الاحاديث فلاحظ .
استصحاب حال الشرع , و هو التمسك بثبوت ما ثبت فى وقت , أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت , و فى غير تلك الحال , فيقال : إن الامر الفلانى قد كان , و لم يعلم عدمه , و كل ما هو كذلك فهو باق .
و قد اختلف فيه العامة بينهم , فنفته جماعة و أثبتته اخرى ( 1 ) , و اختاره منا العلامة رحمه الله ( 2 ) , و نسب اختياره إلى الشيخ المفيد أيضا ( 3 ) و سيجىء , و أنكره المرتضى ( 4 ) , و الاكثر .
حجة المثبتين : أن ما تحقق وجوده , و لم يظن طرو مزيل له , فانه يحصل الظن ببقائه و بأنه ثبت الاجماع على اعتباره فى بعض المسائل , فيكون حجة .
و فيه : أنه بناء على حجية مطلق الظن , و هو عندنا غير ثابت , و المسائل التى ذكروها ليست مما نحن فيه , كما ستطلع عليه .
و حجة النافين : أن الاحكام الشرعية لا تثبت إلا بالادلة المنصوبة ( 5 ) من قبل الشارع , و الاستصحاب ليس منها .
و لتحقيق المقام لابد من إيراد كلام يتضح به حقيقة الحال فنقول :
الاحكام الشرعية تنقسم إلى ستة أقسام :
( 1 ) فهو حجة عند الشافعى و المزنى و الصيرفى و الغزالى و الامدى و البيضاوى , خلافا للحنفية و جماعة من المتكلمين كأبى الحسين و غيره , فانه لا يثبت به حكم شرعى عندهم , نعم تمسكوا به فى النفى الاصلى . انظر : المستصفى : 1 217 , الاحكام : 4 367 , شرح العضد : 2 453 , الابهاج : 3 168 , شرح البدخشى : 3 176 .
( 2 ) تهذيب الوصول : 105 .
( 3 ) معالم الدين : 231 .
( 4 ) الذريعة : 2 829 832 .
( 5 ) فى ط : المنصوصة .
الاول و الثانى : الاحكام الاقتضائية المطلوب فيها الفعل , و هى الواجب و المندوب .
و الثالث و الرابع : الاقتضائية المطلوب فيها الكف و الترك , و هى الحرام و المكروه .
و الخامس : الاحكام التخييرية الدالة على الاباحة .
و السادس : الاحكام الوضعية , كالحكم على الشىء بأنه سبب لامر , أو شرط له أو مانع عنه . و المضايقة بمنع أن الخطاب الوضعى داخل فى الحكم الشرعى مما لا يضر فيما نحن بصدده .
إذا عرفت هذا ! فاذا ورد أمر بطلب شىء , فلا يخلوإما أن يكون موقتا , أو لا .
و على الاول : يكون وجوب ذلك الشىء أو ندبه فى كل جزء من أجزاء ذلك الوقت , ثابتا بذلك الامر , فالتمسك حينئذ فى ثبوت ذلك الحكم فى الزمان الثانى بالنص , لا بالثبوت فى الزمان الاول , حتى يكون استصحابا , و هو ظاهر .
و على الثانى : أيضا كذلك , إن قلنا بإفادة الامر التكرار , و إلا فذمة المكلف مشغولة حتى يأتى به فى أى زمان كان , و نسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة فى كونه أداءا فى كل جزء منها , سواء قلنا بأن الامر للفور , أو لا .
و التوهم بأن الامر إذا كان للفور , يكون من قبيل المؤقت المضيق , اشتباه غير مخفى على المتأمل .
فهذا أيضا ليس من الاستصحاب فى شىء .
و لا يمكن أن يقال : بأن إثبات الحكم فى القسم الاول فيما بعد وقته من الاستصحاب , فان هذا لم يقل به أحد , و لا يجوزإجماعا .
و كذا الكلام فى النهى , بل هو أولى بعدم توهم الاستصحاب فيه , لان مطلقه لا يفيد التكرار .
و التخييرى أيضا كذلك .
فالاحكام ( 1 ) الخمسة : المجردة عن الاحكام الوضعية لا يتصور فيها الاستدلال بالاستصحاب .
و أما الاحكام الوضعية : فاذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الاحكام الخمسة كالدلوك لوجوب الظهر , و الكسوف لوجوب صلاته , و الزلزلة لصلاتها , و الايجاب و القبول لاباحة التصرفات و الاستمتاعات فى الملك و النكاح , و فيه لتحريم أم الزوجة ( 2 ) , و الحيض و النفاس لتحريم الصوم و الصلاة , إلى غير ذلك فينبغى أن ينظرإلى كيفية سببية السبب , هل هى على الاطلاق ؟ كما فى الايجاب و القبول , فان سببيته على نحو خاص , و هو الدوام إلى أن يتحقق مزيل , و كذا الزلزلة , أو فى وقت معين , كالدلوك و نحوه مما لم يكن السبب وقتا , و كالكسوف و الحيض و نحو هما مما يكون السبب وقتا للحكم , فان السببية فى هذه الاشياء على نحو آخر , فانها أسباب للحكم فى أوقات معينة , و جميع ذلك ليس من الاستصحاب فى شىء , فان ثبوت الحكم فى شىء من أجزاء الزمان الثابت فيه الحكم ليس تابعا للثبوت فى جزء آخر , بل نسبة السبب فى اقتضاء الحكم فى كل جزء نسبة واحدة .
و كذا الكلام فى الشرط و المانع .
فظهر مما مر : أن الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلا فى الاحكام الوضعية أعنى : الاسباب , و الشرائط , و الموانع , للاحكام الخمسة من حيث أنها كذلك ( 3 ) , و وقوعه فى الاحكام الخمسة إنما هو بتبيعتها , كما يقال فى الماء الكر المتغير بالنجاسة , إذا زال تغيره من قبل نفسه : بأنه يجب الاجتناب
( 1 ) فى أ و ط : و الاحكام , و فى ب : فان الاحكام .
( 2 ) فى ط : و كذا الايجاب و القبول لتحريم ام الزوجة .
( 3 ) قيد الحيثية لجواز ان يكون حكم من الاحكام الخمسة سببا أو شرطا أو مانعا لاخر منها . ( منه رحمه الله ) .
فالحق مع قطع النظر عن الروايات : عدم حجية الاستصحاب , لان العلم بوجود السبب أو الشرط أو المانع فى وقت , لا يقتضى العلم بل و لا الظن بوجوده فى غير ذلك الوقت , كما لا يخفى , فكيف يكون الحكم المعلق عليه ثابتا فى غير ذلك الوقت ؟ ! فالذى يقتضيه النظر , بدون ملاحظة الروايات : أنه إذا علم تحقق العلامة الوضعية , تعلق الحكم بالمكلف , وإذا زال ذلك العلم , بطرو شك بل و ظن أيضا ( 2 ) يتوقف عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أولا .
إلا أن الظاهر من الاخبار : أنه إذا علم وجود شىء , فانه يحكم به , حتى يعلم زواله .
روى زرارة , فى الصحيح , عن الباقر عليه السلام[ : ( قال : قلت له : الرجل ينام و هو على وضوء , أتوجب الخفقة , و الخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة , قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن , فاذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء .
قلت : فان حرك إلى جنبه شىء و لم يعلم به ؟ قال : لا , حتى يستيقن أنه قد نام , حتى يجىء من ذلك أمر بين , وإلا فانه على يقين من وضوئه , و لا ينقض اليقين أبدا بالشك , و لكن ينقضه بيقين آخر]( ( 3 ) .
( 1 ) كذا فى أ , و فى سائر النسخ : منه .
( 2 ) فى ط : بطرو ظن بل شك أيضا .
( 3 ) التهذيب : 1 8ح 11 .
فان اليقين و الشك عام , أو مطلق ينصرف إلى العموم , فى مثل هذه المواضع , بل صرح الشارح الرضى رحمه الله : بأن الجنس المعرف باللام ( 1 ) أو الاضافة للعموم , و ادرجه ابن الحاجب فى مختصره ( 2 ) فى ألفاظ العموم من غير نقل خلاف فيه , ثم ذكر ألفاظا أختلف فى عمومها .
و مع التنزل عن ذلك , فالظاهر هنا العموم , فانه عليه السلام استدل على أن الوضوء اليقينى لا ينقض بشك النوم , بقوله : [ ( و لا تنقض اليقين أبدا بالشك]( , و لو كان مراده أن لا ينقض يقين الوضوء أبدا بشك النوم , كان عينا للمقدمة الاولى , فقانون الاستدلال يقتضى أن يكون عاما .
و أيضا : فان حمل المعرف باللام هنا على العهد , يحتاج إلى قرينة مانعة عن الحمل على الجنس , و ليست متحققة .
قال الرضى , فى أوائل بحث المعرفة و النكرة[ : ( فكل اسم دخله اللام لا يكون فيه علامة كونه بعضا من كل فينظر ذلك الاسم , فان لم تكن معه قرينة حالية و لا مقالية دالة على أنه بعض مجهول من كل كقرينة الشراء الدالة على أن المشترى بعض فى قولك ( اشتر اللحم ) , و لا دلالة على أنه بعض معين كما فى قوله تعالى : ( أو أجد على النار هدى ) ( 3 ) فهى اللام التى جىء بها للتعريف اللفظى , و الاسم المحلى بها لاستغراق الجنس]( ثم شرع فى الاستدلال على وجوب حمله على الاستغراق , ثم قال[ : ( فعلى هذا , قوله عليه السلام[ ( الماء طاهر]( أى ( 4 ) : كل الماء , و[ ( النوم حدث]( أى : كل النوم , إذ ليس فى الكلام قرينة البعضية , لا مطلقة و لا معينة ثم ذكر قوله تعالى : ( إن
( 1 ) شرح الكافية : 2 129 .
( 2 ) شرح العضد : 1 215 ( لاحظ المتن ) .
( 3 ) سورة طه 10 .
( 4 ) كلمة ( أى ) : ساقطة من الاصل , و اثبتناها من سائر النسخ .
و قال العلامة التفتازانى فى المطول , فى بحث تعريف المسندإليه باللام[ : ( اللفظإذا دل على الحقيقة باعتبار وجودها فى الخارج , فاما أن يكون لجميع الافراد , أو لبعضها , إذ لا واسطة بينهما فى الخارج , فاذا لم يكن للبعضية , لعدم دليلها , وجب أن يكون للجميع , وإلى هذا ينظر صاحب الكشاف , حيث يطلق لام الجنس على ما يفيد الاستغراق , كما ذكر فى قوله تعالى : ( إن الانسان لفى خسر ) أنه للجنس , و قال فى قوله : ( إن الله يجب المحسنين ) ( 3 ) : إن اللام للجنس , فيتناول كل محسن]( ( 4 ) .
و لا يخفى : أن قوله[ ( لعدم دليلها]( صريح فى أن حمل لام الجنس على البعض يحتاج إلى الدليل , دون حمله على الجميع .
ثم لا يخفى : أن ( اليقين ) و ( الشك ) مما لا يمكن اجتماعهما فى وقت واحد , فالمراد أنه إذا تيقن وجود أمر , يجب الحكم بوجوده , إلى أن يتحقق يقين آخر يعارضه .
و صحيحة اخرى لزرارة أيضا , و فى آخرها[ : ( قلت : فان ظننت أنه قد أصابه , و لم أتيقن ذلك , فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه ؟ قال : تغسله و لا تعيد الصلاة . قلت : لم ذلك ؟ قال : لانك كنت على يقين من طهارتك , ثم شككت , فليس ينبغى لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا . قلت : فانى قد علمت أنه قد أصابه , و لم أدر أين هو , فأغسله ؟ قال : تغسل من ثوبك الناحية التى ترى أنه قد أصابها , حتى تكون على يقين من طهارتك](
( 1 ) العصر 2 .
( 2 ) شرح الكافية : 2 129 . كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : أى إلا كل واحد منهم .
( 3 ) البقرة 195 , و المائدة 13 .
( 4 ) المطول : 81 .
و ههنا أيضا : لا يمكن حمل ( اليقين ) على يقين طهارة الثوب , و ( الشك ) على الشك فى نجاسة الثوب , بلا معارض أصلا , لما مر .
و فى الكافى , فى باب السهو فى الثلاث و الاربع ( 2 ) , فى الصحيح[ : ( عن زرارة , عن أحدهما عليهما السلام , قال : قلت له : من لم يدر فى أربع هو , أم فى ثنتين , و قد أحرز الثنتين , قال : يركع ركعتين إلى أن قال : و لا ينقض اليقين بالشك , و لا يدخل الشك فى اليقين , و لا يخلط أحدهما بالاخر , و لكنه ينقض الشك باليقين , و يتم على اليقين , فيبنى عليه , و لا يعتد بالشك فى حال من الحالات ]( ( 3 ) .
و دلالته على العموم غير خفية .
و فى التهذيب[ : ( عن بكير , قال : قال لى أبو عبدالله عليه السلام : إذا استيقنت أنك قد توضأت , فاياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت ]( ( 4 ) .
و روى عمار فى الموثق[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : كل شىء طاهر , حتى تعلم أنه قذر , فاذا علمت فقد قذر , و ما لم تعلم فليس عليك ]( ( 5 ) .
و روى عبدالله بن سنان , فى الصحيح[ : ( قال سأل رجل أبا عبدالله عليه السلام , و أنا حاضر : إنى اعير الذمى ثوبى , و أنا أعلم أنه يشرب الخمر , و يأكل لحم الخنزير , فيرده على , فأغسله قبل أن اصلى فيه ؟ فقال أبو عبدالله عليه
( 1 ) التهذيب : 1 421ح 1335 , الاستبصار : 1 183ح 641 .
( 2 ) فى النسخ[ : ( باب السهو فى الفجر و المغرب و الجمعة]( و هو سهو .
( 3 ) الكافى : 3 351 باب السهو فى الثلاث و الاربع ح 3 .
( 4 ) التهذيب : 1 102ح 268 .
( 5 ) التهذيب : 1 284 285ح 832 . لكن فيه : نظيف . بدل : طاهر .
و روى ضريس , فى الصحيح[ : ( قال : سألت أبا جعفر عليه السلام , عن السمن و الجبن نجده فى أرض المشركين بالروم , أنأكله ؟ فقال : أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام , فلا تأكل , و أما ما لم تعلم فكله , حتى تعلم أنه حرام ]( ( 2 ) .
و روى عبدالله بن سنان , فى الصحيح[ : ( قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : كل شىء يكون فيه حرام و حلال , فهو لك حلال أبدا , حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ]( ( 3 ) .
و روى مسعدة بن صدقة , فى الموثق[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : سمعته يقول : كل شىء هو لك حلال , حتى تعلم أنه حرام بعينه , فتدعه من قبل نفسك , و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته , و هو سرقة , أو المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه , أو خدع فبيع , أو قهر , أوإمرأة تحتك و هى أختك أو رضيعتك . و الاشياء كلها على هذا , حتى يستبين لك غير ذلك , أو تقوم به البينة ]( ( 4 ) .
و روى بعدة طرق , عن الصادق عليه السلام : [ ( كل ماء طاهر حتى يستيقن أنه قذر]( ( 5 ) .
لا يقال : هذه الاخبار الاخيرة إنما تدل على حجية الاستصحاب فى
( 1 ) التهذيب : 2 361ح 1495 . لكن فيه : ابى . بدل : رجل .
( 2 ) التهذيب : 9 79ح 336 .
( 3 ) الكافى : 5 313 كتاب المعيشة باب النوادر ح 39 , التهذيب : 7 226 ح 988 , و 9 79 ح 337 .
( 4 ) الكافى : 5 313 كتاب المعيشة باب النوادر ح 40 , التهذيب : 7 226ح 989 .
( 5 ) المروى فى الكافى : 3 1ح 2 , 3 , و التهذيب : 1 215ح 619 هو[ : ( الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر]( .
لانا نقول : الحال على ما ذكرت من ورودها ( 1 ) فى موارد مخصوصة , إلا أن العقل يحكم من بعض الاخبار الدالة على حجيته مطلقا , و من حكم الشارع به ( 2 ) فى مواضع مخصوصة كثيرة كحكمه باستصحاب الملك , و جواز الشهادة به , حتى يعلم الرافع ( 3 ) , و البناء على الاستصحاب فى بقاء الليل و النهار , و عدم جواز قسمة تركة الغائب و لو مضى زمان يظن عدم بقائه , و عدم تزويج زوجاته , و جواز عتق العبد الابق من ( 4 ) الكفارة , إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة بأن الحكم فى خصوص هذه المواضع بالبناء على الحالة السابقة ليس لخصوص هذه الموانع , بل لان اليقين لا يرفعه إلا يقين مثله .
الاول : أن لا يكون هناك دليل شرعى آخر , يوجب انتفاء الحكم الثابت أولا فى الوقت الثانى , و إلا فيتعين العمل بذلك الدليل إجماعا .
الثانى : أن لا يحدث فى الوقت الثانى أمر يوجب انتفاء الحكم الاول , فالعامل بالاستصحاب ينبغى له غاية الملاحظة فى هذا الشرط .
مثلا : فى مسألة من دخل فى الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء فى أثناء الصلاة , ينبغى للقائل بالبناء على تيممه وإتمام الصلاة للاستصحاب , ملاحظة النص الدال على أن التمكن من استعمال الماء ناقض للتيمم , هل هو مطلق ؟ أو عام ؟ بحيث يشمل هذه الصورة ؟ أو لا ؟ فان كان الاول ,
( 1 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : من أن ورودها .
( 2 ) كلمة ( به ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط . و فى الاصل : الواقع .
( 4 ) كذا فى النسخ . و لعلها تصحيف : عن .
و فى مسألة من طلق زوجته المرضعة , ثم تزوجت بعد العدة بزوج آخر , و حملت منه , و لم ينقطع بعد لبنها , فالحكم بأن اللبن للزوج الاول للاستصحاب , كما فعله المحقق فى الشرائع ( 1 ) و غيره يتوقف على ملاحظة ما دل على أن لبن المرأة , الحاصل ( 2 ) من الذى حملت منه , هل يشمل هذه الصورة ؟ أو لا ؟ فعلى الاول لا يصح الاستصحاب , لانه إما أن يتعين الحكم بالثانى , أو يصير من قبيل تعادل ( 3 ) الامارتين , فيحتاج إلى الترجيح , و على الثانى يصح .
الثالث : أن لا يكون هناك استصحاب آخر معارض له , يوجب نفى الحكم الاول فى الثانى .
مثلا : فى مسألة الجلد المطروح , قد استدل جماعة على نجاسته باستصحاب عدم الذبح , فان فى وقت حياة ذلك الحيوان يصدق عليه أنه غير مذبوح , و لم يعلم زوال عدم المذبوحية , لا حتمال الموت حتف أنفه , فيكون نجسا لان الطهارة حينئذ لا تكون ( 4 ) إلا مع الذبح , فان هذا الاستصحاب معارض باستصحاب طهارة الجلد الثابتة فى حال حياته , إذ لم يعلم زوالها , لاحتمال الذبح , و باستصحاب عدم الموت حتف أنفه أو نحوه الثابت أولا , كعدم المذبوحية .
و استدل بعض آخر على النجاسة : بأن للذبح أسبابا حادثة , و الاصل عدم الحادث , فيكون نجسا .
و قد عرفت أيضا : أن أصالة العدم أيضا مشروطة بشروط , منها أن لا يكون
( 1 ) شرائع الاسلام : 2 282 .
( 2 ) كذا فى ط , و فى الاصل و أ و ب : الحامل .
( 3 ) فى ط : تعارض .
( 4 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : لا يمكن .
الرابع : أن يكون الحكم الشرعى المترتب على الامر الوضعى المستصحب ثابتا فى الوقت الاول , إذ ثبوت الحكم فى الوقت الثانى , فرع لثبوت الحكم فى الاول , فاذا لم يثبت فى الزمان الاول , فكيف يمكن إثباته فى الزمان الثانى ؟ !
مثلا : باستصحاب عدم المذبوحية فى المسألة المذكورة , لا يجوز الحكم بالنجاسة , لان النجاسة لم تكن ثابتة ( 1 ) فى الوقت الاول , و هو وقت الحياة ( 2 ) .
و السر فيه : أن عدم المذبوحية لازم لامرين : الحياة , و الموت حتف أنفه , و الموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو هو , بل ملزومه الثانى , أعنى : الموت , فعدم المذبوحية لازم أعم لموجب النجاسة , فعدم المذبوحية العارض للحياة مغاير لعدم المذبوحية العارض للموت حتف أنفه , و المعلوم ثبوته فى الزمان الاول هو الاول , لا الثانى , و ظاهر أنه غير باق فى الوقت الثانى .
ففى الحقيقة : تخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب , إذ شرطه بقاء الموضوع , و عدمه هنا معلوم .
و ليس مثل المتمسك ( 3 ) بهذا الاستصحاب , إلا مثل من تمسك على وجود عمرو فى الدار فى الوقت الثانى , باستصحاب بقاء الضاحك المتحقق بوجود زيد فى الدار فى الوقت الاول , و فساده غنى عن البيان .
الخامس : أن لا يكون هناك استصحاب آخر فى أمر ملزوم لعدم ذلك المستصحب .
( 1 ) فى أ و ط : بثابتة .
( 2 ) كأن نظر من حكم بنجاسة الجلد المطروح على انه غير جائز الاكل لعدم العلم بالتذكية , و هو حكم بانه ميتة , و هو يستلزم الحكم بالنجاسة , و فى صحة هذه المقدمات بحث و نظر , فتأمل . ( منه رحمه الله ) .
( 3 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : التمسك .
مثلا : إذا ثبت فى الشرع أن الحكم بكون الحيوان ميتة , يستلزم الحكم بنجاسة المائع القليل الواقع ذلك الحيوان فيه ـ لا يجوز الحكم باستصحاب طهارة الماء , و لا نجاسة الحيوان فى مسألة من رمى صيدا فغاب , ثم وجده ( 1 ) فى ماء قليل , يمكن استناد موته إلى الرمى و إلى الماء .
و أنكر بعض الاصحاب ثبوت هذا التلازم , و حكم بكلا الاصلين : نجاسة الصيد , و طهارة الماء , و لكن قد عرفت سابقا أن طهارة الاشياء ليست بالاستصحاب فى وقت , بل بالاصل , بمعنى : القاعدة المستفادة من الشرع , و كذا النجاسة قبل ثبوت الرافع الشرعى , لان الحكم وقع فى الاخبار فى بيان تطهير ( 2 ) النجس بالغسل , فى الثوب و البدن و الاناء , وإعادة الصلاة قبله , و هو صريح فى بقاء النجاسة إلى حين الغسل , فيكون بقاء النجاسة إلى حين الغسل مدلولا للاخبار , فلا يكون بالاستصحاب .
و كذا وقع الامر باهراق الماء القليل النجس , و النهى الظاهر فى الدوام عن التوضى و الشرب من الماء النجس ( 3 ) , و هو كالصريح فى استمرار النجاسة , و ورد الامر فى حق المربية للصبى بغسل قميصها فى اليوم مرة ( 4 ) , و ورد ( 5 ) النهى عن الصلاة فى الثوب المشترى من النصرانى قبل غسله ( 6 ) , و تعجبه عليه السلام فى صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع , حين سأله عن[ : ( الارض و السطح , يصيبه البول أو ما أشبهه , هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال : كيف تطهر من غير ماء ؟]( ! ( 7 ) إلى غير ذلك , مما يدل على بقاء
( 1 ) كذا فى ط , و فى الاصل و أ و ب : وجد .
( 2 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : تطهر .
( 3 ) الكافى : 3 10 كتاب الطهارة باب الوضوء من سؤر الدواب و السباع و الطير ح 6 .
( 4 ) التهذيب : 1 250ح 719 , الفقيه : 1 70ح 161 .
( 5 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : و ورود .
( 6 ) التهذيب : 1 263ح 766 , قرب الاسناد : 96 .
( 7 ) التهذيب : 1 273ح 805 .
و إذا كان بقاء النجاسة إلى حين المطهر الشرعى منصوصا من الروايات , فكيف يمكن القول بأنه بالاستصحاب ( 1 ) ؟ !
ففى بعض الامثلة المذكورة : فى شرائط الاستصحاب قد انضم إليه أمر آخر من الادلة , و هو الاصل , بمعنى : القاعدة , فالامثلة للتوضيح .
و قد يمكن اشتراط شروط اخر غير ما ذكرنا , لكن الجميع فى الحقيقة يرجع إلى انتفاء المعارض و عدم العلم و الظن بالانتفاء .
قال المدقق الاسترآبادى فى القوائد المكية ( 2 ) , بعد إيراد الاخبار الدالة على الاستصحاب المذكور[ : ( 3 ) ( لا يقال : هذه القاعدة تقتضى جواز العمل باستصحاب أحكام الله تعالى , كما ذهب اليه المفيد و العلامة من أصحابنا , و الشافعية قاطبة , و تقتضى بطلان قول أكثر علمائنا و الحنفية , بعدم جواز العمل به , لانا نقول : هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الاصوليين و الفقهاء , و قد أجبنا عنها فى الفوائد المدنية ( 4 ) :
تارة بما ملخصه : أن صور الاستصحاب المختلف فيها عند النظر الدقيق و التحقيق , راجعة إلى : أنه : إذا ثبت حكم بخطاب شرعى فى موضوع فى حال من حالاته , نجريه ( 5 ) فى ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة , و حدوث نقيضها فيه , و من المعلوم أنه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد , اختلف موضوع المسألتين , فالذى سموه استصحابا , راجع
( 1 ) زاد فى أ فى هذا الموضع : قد انضم اليه .
( 2 ) هذا الكتاب جزء من التراث المفقود فى العصر الحاضر , و قد ذكره العلامة المجلسى فى عداد مصادر كتابه : بحار الانوار : 1 20 .
( 3 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : المذكورة .
( 4 ) لاحظ ذلك فى بحث الاستصحاب من الفوائد المدنية : ص 16 , 17 , 141 و ما بعدها , و فى بحث البراءة الاصلية منه ص 137 .
( 5 ) كذا فى أ , و فى الاصل و ب : بجريه , و فى ط : تجريه .
و تارة : بأن استصحاب الحكم الشرعى , و كذا الاصل , أى : الحالة التى إذا خلى الشىء و نفسه كان عليها , إنما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما , و قد ظهر فى محال النزاع . بيان ذلك : أنه تواترت الاخبار عنهم عليهم السلام , بأن كل ما يحتاج اليه الامة إلى يوم القيامة , ورد فيه خطاب و حكم , حتى أرش الخدش , و كثير مما ورد مخزون عند أهل الذكر عليهم السلام ( 1 ) , فعلم أنه ورد فى محال ( 2 ) النزاع أحكام نحن لا نعلمها بعينها , و تواترت الاخبار عنهم عليهم السلام بحصر المسائل فى ثلاث : بين رشده , و بين غيه , أى : مقطوع به لا ريب فيه , و ما ليس هذا و لا ذاك , و بوجوب ( 3 ) التوقف فى الثالث]( ( 4 ) انتهى كلامه بألفاظه .
و لا يخفى عليك ضعف هذين الجوابين :
أما الاول : فلانه ظاهر أن مورد الروايات بعدم نقض الشك لليقين , إنما هو إذا تغير وصف الموضوع , بأن يعرض له أمر يجوز العقل رفعه به , كالخفقة و الخفقتين للوضوء , و ظن إصابة النجاسة لطهارة الثوب فى ليس الذمى الثوب , و نحو ذلك , فان سلم تبدل وصف الموضوع فى هذه المواضع , تكون الاخبار المذكورة حجة عليه , و إلا فنحن لا نتمسك بالاستصحاب , إلا فيما علم وجود أمر فى وقت , و تجدد فى وقت آخر أمر يجوز العقل أن يكون رافعا
( 1 ) الكافى : 1 238 242 كتاب الحجة باب فيه ذكر الصحيفة و الجفر و الجامعة و مصحف فاطمة ( ع ) .
( 2 ) فى أ : محل .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : فبوجوب .
( 4 ) كما فى مقبولة عمر بن حنظلة : الكافى : 1 68ح 10 .
و أما الثانى : فلانا لا نسلم أنه داخل فى الشبهة , بل هو داخل فى ال ( بين رشده ) , لان الاخبار ناطقة بأن الحكم السابق باق إلى أن يعلم زواله , و لا يزول بسبب الشك . و هذا أظهر .
و قال هذا الفاضل فى الفوائد المدنية , فى أغلاط المتأخرين من الفقهاء ـ بزعمه[ : ( من جملتها : أن كثيرا منهم , زعموا أن قوله عليه السلام : [ ( لا ينقض اليقين بالشك أبدا , و إنما تنقضه بيقين آخر]( جار فى نفس أحكامه تعالى ( 1 ) , و من جملتها : أن بعضهم توهم أن قوله عليه السلام : [ ( كل شىء طاهر , حتى تستيقن أنه قذر]( يعم صورة الجهل بحكم الله تعالى , فاذا لم نعلم أن نطفة الغنم طاهرة أو نجسة , نحكم بطهارتها , و من المعلوم أن مرادهم عليهم السلام , أن كل صنف فيه طاهر و فيه نجس , كالدم و البول و اللحم و الماء و اللبن و الجبن , مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة , فهو طاهر , حتى تعلم أنه نجس , و كذلك كل صنف فيه حلال و حرام , مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة , فهو لك حلال , حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه]( انتهى كلامه ( 2 ) .
( 1 ) قال المحدث البحرانى فى معرض رده على ما افاده الامين الاسترآبادى من بطلان القول بالاستصحاب[ : ( السادس : قوله و من القسم الثانى من الاختلاف ذهاب شيخنا المفيد قدس سره الى جواز العمل بالاستصحاب الى آخره فان فيه : انه و ان كرر ذلك فى غير موضع من هذا الكتاب يعنى به الفوائد المدنية و شنع به على من عمل به من الاصحاب إلا انه وقع فيما شنع به , و من عاب استعاب , كما وقفت عليه من كلامه فى حاشية[ حاشيته ظ] على شرح المدارك وإن تستر ببعض التمويهات و التشبيهات التى هى أوهن من بيت العنكبوت , و قد نقلنا كلامه المشار اليه فى درة الاستصحاب , فارجع اليه يظهر لك ما فيه من العجب العجاب و الله الهادى الى جادة الصواب]( . الدرر النجفية : 92 , و لا حظ : درة الاستصحاب فى ص 73 منه .
( 2 ) الفوائد المدنية : 148 .
و لا يخفى عليك ما فى كلامه , فان قوله عليه السلام[ : ( كل شىء طاهر حتى تستيقن أنه قذر]( عام شامل , لماإذا كان الجهل بوصول النجاسة , أو بأنه فى الشرع هل هو طاهر ؟ أو نجس ؟ .
مع أن الاول يستلزم الثانى للجاهل , فان المسلم إذا أعار ثوبه للذمى الذى يشرب الخمر و يأكل لحكم الخنزير , ثم رده عليه , فهو جاهل بأن مثل هذا الثوب الذى هو مظنة النجاسة , هل هو مما يجب التنزه عنه فى الصلاة , و غيرها مما يشترط بالطهارة ؟ أو لا ؟ فهو جاهل بالحكم الشرعى , مع أنه عليه السلام قرر فى الجواب قاعدة كلية , بأن ما لم تعلم نجاسته , فهو طاهر , و الفرق بين الجهل بحكم الله تعالى إذا كان تابعا للجهل بوصول النجاسة , و بينه إذا لم يكن كذلك , كالجهل بنجاسة نطفة الغنم , مما لا يمكن إقامة دليل عليه .
و أيضا : قد عرفت مما مر فى القسم الثالث , أن الطهارة فى جميع ما لم يظهر مخرج عنها قاعدة مستفادة من الشرع .
و أيضا : فرقه بين نطفة الغنم , و بين البول و الدم و اللحم و غيرها , تحكم ظاهر , فان النطفة أيضا منها طاهرة , كنطفة غير ذى النفس , و منها نجسة .
و من العجب حكمه بالطهارة فيماإذا وقع الشك فى بول الفرس هل هو طاهر ؟ أو نجس ؟ و حكمه بنجاسة نطفة الغنم عند الشك ! .
و كذا الكلام فى الحلال و الحرام .
فان قلت : قوله عليه السلام[ : ( كل شىء طاهر , حتى تستيقن أنه قذر]( ظاهر فى جواز البناء فى جميع الاشياء على الطهارة , حتى يعلم بالنجاسة , من غير فحص عن ( 1 ) المعارض , مع أن البناء على أصل الطهارة فى نفس الاحكام ( 2 ) من المسائل الاجتهادية , التى يحتاج ترجيحها إلى الفحص عن عدم المعارض .
( 1 ) كلمة ( عن ) : اضافة من ب .
( 2 ) فى أ و ط : الحكم .
و أيضا : على هذا يلزم معذورية من صلى مع البول مثلا , عالما بأنه بول غير المأكول , إذا جهل نجاسة البول .
فيجب أن يكون المراد من الحديث معذورية الجاهل باصابة النجاسة لثوبه أو بدنه أو نحو ذلك , لا معذورية الجاهل مطلقا .
قلت :
أولا : بامكان التزام معذورية الجاهل بالنجاسة مطلقا , من غير فحص لهذه الروايات .
و ثانيا : بالتزام معذورية الجاهل بالنجاسة مطلقا , إذا كان غافلا عن الحكم بالكلية , و عدم معذورية من سمع الحكم مثل نجاسة البول , وإن لم يصدق به , بل حينئذ يلزم التفحص حتى يظهر عليه الحكم الواقعى , و لو بعدم الاطلاع على النجاسة بعد الفحص , فان مقتضاه الحكم بالطهارة .
و ثالثا : بأن ظاهر هذا الحديث , و إن اقتضى عدم وجوب الفحص مطلقا , إلا أنه مخصص بما دل على لزوم الفحص عن المعارض , فى حق المجتهد فى نفس الحكم , حتى يجوز له الحكم بالطهارة .
و رابعا : بالتزام لزوم الفحص , سواء جهل بأصل النجاسة , أو باصابتها , إذا كان موجبا للجهل بحكم الله , لانه من قبيل الاجتهاد , فمن علم أن ظن النجاسة لا اعتبار به شرعا , لا يلزمه الفحص عن ثوبه , هل أصابته النجاسة ؟ أو لا ؟ و قد دل عليه بعض الروايات , و من لم يعلم ذلك , و ظن نجاسة ثوبه , لا يبعد أن يقال : إنه يلزمه السؤال إن كان عاميا , و الفحص عن أنه هل ورد الشرع باجتناب مثل ذلك ؟ أو لا ؟ إن كان مجتهدا .
و اعلم : أن الشهيد الاول قال فى قواعده[ : ( البناء على الاصل , و هو استصحاب ما سبق , أربعة أقسام :
أحدها : استصحاب النفى فى الحكم الشرعى , إلى أن يرد دليل , و هو المعبر عنه بالبراءة الاصلية .
و ثانيها : استصحاب حكم العموم إلى ورود مخصص , و حكم النص إلى ورود ناسخ , و هو إنما يتم بعد استقصاء البحث عن المخصص و الناسخ .
و ثالثها : استصحاب حكم ثبت شرعا كالملك عند ورود سببه ( 1 ) , و شغل الذمة عندإتلاف مال أو التزام إلى أن يثبت ( 2 ) رافعه .
و رابعها : استصحاب حكم الاجماع فى مواضع النزاع , كما نقول : الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء , للاجماع على أنه متطهر قبل هذا الخارج , فيستصحب , إذ الاصل فى كل متحقق دوامه , حتى يثبت معارض , و الاصل عدمه]( ( 3 ) .
و مثله قال الشهيد الثانى فى كتاب تمهيد القواعد ( 4 ) .
و لا يخفى عليك الحال فى القسم الاول , فانه قد مر مفصلا .
و عرفت أيضا أن الثانى ليس من الاستصحاب .
و أما الثالث : فهو من الاستصحاب , و لكن الفائدة فى قوله[ : ( استصحاب حكم ثبت شرعا]( و تقييد الثبوت بالشرع , غير ظاهرة , لعموم أدلة الاستصحاب على ما مر , فتأمل .
و أما الرابع : فيجرى فيه ما يجرى فى الثانى , من خروجه عن الاستصحاب إن كان المجمع عليه الثبوت مطلقا , وإلا فلا يجوز الاستصحاب .
و ما قد يستدل فى بعض المسائل , بأن هذا الحكم ثابت بالاجماع , و الاجماع إنما هو إلى هذا الوقت الخاص , فلا دليل عليه فيما بعده , فلم يكن
( 1 ) فى ط : عند ثبوت سببه . و فى المصدر : عند وجود سببه .
( 2 ) كذا فى أ و ط و المصدر . و فى الاصل و ب : ثبت .
( 3 ) القواعد و الفوائد : 1 132 133 القاعدة الثالثة .
( 4 ) تمهيد القواعد : 37 المقصد الخامس قاعدة : استصحاب الحال حجة . . . الى آخره .
ثم اعلم : أن حجية الاستصحاب و العمل به , ليس مذهبا للمفيد و العلامة فقط من أصحابنا , بل الظاهر أنه مذهب الاكثر , فان من تتبع كتب الفروع , سيما فى أبواب العقود ( 3 ) و الايقاعات , يظهر عليه أن مدارهم فى الاغلب على الاستصحاب .
يشهد بذلك شرح الشرائع للشهيد الثانى رحمه الله ( 4 ) .
و قد صرح الشهيد الاول فى قواعده باختياره فى مواضع , منها فى قاعدة اليقين ( 5 ) .
و نسب الشهيد الثانى اختياره فى تمهيد القواعدإلى أكثر المحققين , حيث قال [ :( قاعدة : استصحاب الحال حجة عند أكثر المحققين , و قد يعبر عنه بأن الاصل فى كل حادث تقديره فى أقرب زمان , و بأن الاصل بقاء ما كان على ما كان]( ( 6 ) .
التلازم بين الحكمين , فانه إذا ثبت تلازم حكمين , و تحقق أحدهما ,
( 1 ) كذا فى أ و ط . و فى الاصل و ب : فانه .
( 2 ) فى ط : وإلا فلا يجدى . . . . الى آخره .
( 3 ) فى أ : كتب الفروع سيما فى العقود , و فى ط : كتب الفروع فى أبواب العقود .
( 4 ) المسالك : 1 6 كتاب الطهارة احكام الوضوء فى شرح قوله[ : ( أو تيقنهما]( .
( 5 ) القواعد و الفوائد : 1 132 141 القاعدة الثالثة : قاعدة اليقين .
( 6 ) تمهيد القواعد : 37 .
و التلازم قد يكون مستفادا من الشرع , كتلازم القصر فى الصلاة و الافطار فى الصوم فى السفر , المستفاد من قوله عليه السلام[ : ( إذا قصرت أفطرت , وإذا أفطرت قصرت]( ( 1 ) .
و قد يكون مستفادا من حكم العقل , كما يقال : إن الامر بالشىء فى وقت معين لا يزيد عليه , يستلزم عدم الامر بضده فى ذلك الوقت بعينه , و إلا لزم التكليف بما لا يطاق , و هو قبيح عقلا , مع قطع النظر عن كونه منصوصا أيضا .
و هذا القسم مما يتوقف ( 2 ) حكم العقل فيه على ورود الخطاب الشرعى و يندرج فيه امور بحسب الظاهر , فنحن نذكرها , و نبين ما هو الحق فى كل منها .
و قد وقع الخلاف فى أن وجوب الشىء هل يستلزم وجوب مقدمته ؟ أى : ما يتوقف عليه ذلك الشىء , أو لا ؟
فقيل : بالتلازم مطلقا .
و قيل : لا , مطلقا .
و قيل : به إذا كانت المقدمة سببا لا غير .
و قيل : به إذا كانت شرطا شرعيا لا غير .
و الاول : مذهب أكثر القدماء و المحققين ( 3 ) , و لكن أدلتهم المنقولة مما لا
( 1 ) الفقيه : 1 437ح 1269 .
( 2 ) وضع ناسخ الاصل كلمة ( لا ) فى الهامش و وضع عليها الرمز ( ظ ) . اشارة الى استظهار ان الصواب فى العبارة هو : مما لا يتوقف . و لكن هذا الاستظهار كما ترى .
( 3 ) فقد قال السيد المرتضى[ : ( اعلم أن كل من تكلم فى هذا الباب اطلق القول بأن الامر بالشىء <
و الجواب : أن هذا الواجب لا يخلو : إما أن يكون مؤقتا ؟ أو لا ؟
و على الاول : فان تضيق الوقت , بحيث لو أتى بالمقدمة , لا يمكن الاتيان بذى المقدمة إلا فيما بعد وقته , كالحج فى المحرم مثلا , فنختار عدم بقاء التكليف .
قوله[ : ( يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا]( .
قلنا : نعم , يلزم أن لا يكون الواجب المؤقت واجبا بعد وقته , و لا فساد فيه , فان الحج مثلا فى غير ذى الحجة ليس واجبا .
فان قلت : نحن نقول : من استطاع الحج ( 2 ) , و ترك المشى إليه بغير عذر , و طلع عليه هلال ذى الحجة , و هو فى بلدة بعيدة لا يمكنه إدراك الحج فى هذه السنة إن وجب عليه الحج فى هذه السنة , يلزم تكليفه بالمحال عادة , وإلا يلزم خروج الواجب فى وقته عن الوجوب .
قلت : لما كان وقوع الحج فى هذه السنة فى وقته محالا , عادة , فالتكليف به حينئذ ينصرف ( 3 ) إلى التكليف بإيقاعه فيما بعد وقته , فنختار عدم بقاء التكليف حينئذ , و ليس إلا خروج الواجب بعد وقته عن الوجوب , و لا استحالة فيه , بل يتحقق ( 4 ) الاثم حينئذ .
( 1 ) حكى هذا الدليل المحقق الشيخ حسن ثم رده : معالم الدين : 62 .
( 2 ) كذا فى ب و ط . و فى الاصل : الى الحج . و فى أ : للحج .
( 3 ) فى ط : يؤول .
( 4 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل و ط : تحقق .
و إن كان الوقت متسعا , أو لم يكن الواجب مؤقتا , فنختار بقاء التكليف , و ليس تكليفا بالمحال , لانه يمكن الاتيان بالمقدمة بعد .
على : أنه يمكن جريان هذا ( 1 ) الدليل على تقدير وجوب المقدمة أيضا , إذا تركها المكلف , فتأمل .
و استدل ابن الحاجب على وجوب الشرط الشرعى : بأنه لو لم يجب لكان الاتى بالمشروط فقط آتيا بجميع ما امر به , فيجب أن يكون صحيحا , فيلزم خروج الشرط الشرعى عن كونه شرطا ( 2 ) .
و الجواب : منع الشرطية , لان المتأخر عن الشرط لا يتأتى إلا بفعل الشرط , فليس آتيا بجميع ما امر به على تقدير عدم الاتيان بالشرط , لفوت وصف التأخر فى المشروط ( 3 ) حينئذ .
و هذه المسألة بأدلتها من الطرفين مذكورة فى كتب الاصول , كالمعالم , و غيره , و المعترض مستظهر من الجانبين , إلا أن المتتبع بعد الاطلاع على المدح و الذم الواردين فى الاخبار و الايات القرآنية على فعل مقدمة الواجب و تركها يحصل له ظن قوى بوجوب مقدمة الواجب مطلقا .
و اعلم : أنه قد تطلق المقدمة على امور , يكون الاتيان بالواجب حاصلا فى ضمن الاتيان بها , و كأنه ( 4 ) لا خلاف فى وجوب هذا القسم من المقدمة , لانه عين الاتيان بالواجب , بل هو منصوص فى بعض الموارد , كالصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة ( 5 ) , و الصلاة فى كل من الثوبين عند اشتباه
( 1 ) كلمة ( هذا ) : زيادة من أ و ب و ط .
( 2 ) المنتهى : 36 , شرح العضد : 1 90 91 ( لاحظ المتن ) .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط . و فى الاصل : الشروط .
( 4 ) كذا فى أ و ب و ط . و فى الاصل : فكأنه .
( 5 ) الفقيه : 1 278ح 854 .
و لما[ ظهر] ضعف أدلتهم المذكورة على وجوب مقدمة الواجب , فلا فائدة فى التعرض لحال ( 2 ) مقدمة المندوب و الحرام و المكروه .
و قد اختلف فى أن الامر بالشىء , هل يستلزم النهى عن ضده الخاص ؟ أو لا ؟ بعد الاتفاق على النهى عن الضد العام , أى : ترك الواجب .
و أدلة الاستلزام ضعيفة , كما لا يخفى على من له أدنى تدبر , فلا فائدة فى ذكرها .
و الحق : عدم الاستلزام , للاصل , و لانه لو كان كذلك لتواتر , لانه من الامور العامة البلوى , على ما قال الشهيد الثانى[ من] أنه لو كان كذلك لم يتحقق إباحة السفر إلا لاوحدى الناس ( 3 ) , لتضاده غالبا لتحصيل العلوم الواجبة , بل قلما ينفك الانسان عن شغل الذمة بشىء من الواجبات الفورية , مع أنه على ذلك التقدير موجب لبطلان الصلاة الموسعة فى غير آخر وقتها , و لبطلان النوافل اليومية و غيرها .
فلو كان الامر بالشىء مستلزما للنهى عن ضده الخاص , لتواتر عنهم عليهم السلام النهى عن أضداد الواجبات , من حيث هى كذلك , و التالى ( 4 ) باطل .
( 1 ) التهذيب : 2 225ح 887 , الفقيه : 1 249ح 756 .
( 2 ) فى أ و ب : بحال .
( 3 ) روض الجنان : 388 باب سفر المعصية كتاب الصلاة . و قد صرح الشهيد الثانى بعدم اقتضاء الامر بالشىء النهى عن ضده الخاص فى : تمهيد القواعد : 17 , و قد بنى على ذلك فى الفقه , انظر : روض الجنان : 120 مسألة ما لو كان على بدن المحدث او ثوبه نجاسة و لم يجد من الماءإلا ما يكفيه لازالة النجاسة خاصة , و ص 204 منه مسألة الصلاة فى الثوب المغصوب , و ص 339 منه , و المسالك : 1 25 مسألة وجوب رد السلام على المصلى .
( 4 ) فى ط : و الثانى .
على أنه لم ينقل آحادا أيضا .
و بعض المتأخرين غير العبارة فى المدعى ( 1 ) , و قال : الامر بالشىء يستلزم عدم الامر بضده , وإلا لزم التكليف بالمحال , فيبطل الضدإذا كان عبادة .
و فيه أيضا نظر , ينكشف مما سنتلو عليك .
فاعلم : أن الواجب إما مؤقت أو غير مؤقت , و كل منهما إما مضيق أو لا , فالاقسام أربعة :
المؤقت الموسع , كالظهر مثلا .
و المؤقت المضيق , كالصوم .
و غير المؤقت الموسع , كالنذر المطلق على المشهور , و غيره مما وقته العمر .
و غير المؤقت المضيق , كازالة النجاسة عن المسجد , و أداء الدين و الحج و غيرها من الواجبات الفورية .
فنقول : قوله[ : ( الامر بالشىء يستلزم عدم الامر بضده]( غير صحيح فى الواجبين الموسعين مطلقا , إذ لا يتوهم فيه أنه تكليف بالمحال , و هو ظاهر .
و أما فى المؤقتين المضيقين فالمدعى حق , إلا أنه لم يرد فى الشرع شىء من هذا القبيل , إلا ما تضيق بسبب تأخير المكلف , كما إذا أخر المكلف الواجبين الموسعين إلى أن يبقى من الوقت بقدر فعل أحدهما .
و لكن لا يخفى أنه حينئذ لا يمكن الاستدلال على بطلان أحدهما , لتعلق الامر بكل منهما , و لا يتفاوت كون أحدهما أهم من الاخر , بل الحق حينئذ التخيير , و تحقق الاثم إن كان التأخير بسبب تقصيره , بل لا يبعد أن يقال بوجوب كل منهما فى هذا الوقت أيضا , و لا يلزم التكليف بالمحال , لان حتمية فعلهما فى هذا الوقت , إنما هى بالنظرإلى ما بعد ذلك الوقت , لا بالنظرإلى ما
( 1 ) انظر : زبدة الاصول : 82 83 . و قد لمح الشهيد الثانى الى ذلك حيث قال [ :( وإرادة أحد الضدين يستلزم عدم إرادة الاخر]( المسالك : 1 55 .
فان قلت : إذا قصر المكلف , و أخر الواجبين الموسعين حتى لا يبقى من وقتهما إلا بمقدار فعل أحدهما , فحينئذإن وجب كل منهما معا فى هذا الوقت , يكون تكليفا بالمحال , و لا يجدى إمكان إيقاعهما قبل هذا الوقت , لان الفرض أنه فات .
قلت : وجوبهما فى هذا الوقت بالايجاب السابق , الذى نسبته إلى اول الوقت و وسطه و آخره نسبة واحدة , فكما لا يتوهم التكليف بالمحال فى الاولين , فكذا فى الاخر .
و أما فى المضيقين غير المؤقتين كازالة النجاسة من المسجد , و أداء الذين مثلاإذا تضادا فنقول :
أول وقت وجوبهما , قبل أن يمضى زمان يمكن فعل أحدهما فيه , لا يجوز أن يكون كلاهما واجبا عينيا , للزوم التكليف بالمحال , بل يكون وجوبهما حينئذ تخييريا ( 2 ) إن لم يكن بينهما ترتيب , و لا يمكن الاستدلال على النهى عن ( 3 ) أحدهما بسبب الامر بالاخر , لما عرفت , تساويا فى الاهمية أو لا .
و أماإذا مضى من أول وقت وجوبهما بقدر فعل أحدهما , ففيه الاحتمالان المذكوران :
( 1 ) كلمة ( عدم ) : ساقطة من الاصل , و اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : بل يكون وجوبهما تخييرا .
( 3 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : من .
كون وجوبهما فى كل جزء من الزمان تخييريا ( 1 ) , لكن مع تحقق الاثم على ترك ما تركه منهما , بسبب تقصيره فى التأخير مع إمكان فعله سابقا .
و كون وجوبهما فى كل جزء منه حتميا بالنظر إلى ما بعده , أعنى : عدم جواز تأخيرهما , لا بالنظر ( 2 ) إلى ما قبله , لامكان فعلهما قبله .
و على أى تقدير , فلا يمكن الاستدلال على النهى عن ( 3 ) أحدهما بسبب الامر بالاخر :
أما على الاول : فلان الامر بأحدهما على التخيير لا بهما معا , حتى يتوهم التكليف بالمحال لكن مع تحقق الاثم بترك ما تركه , لتقصيره بتأخيره .
و أما على الثانى : فلما عرفت , فتأمل .
و أما فى الموسع مطلقا و المؤقت المضيق : فقد يتوهم أن هذا الوقت المضيق , لما ( 4 ) صار متعينا لوقوع هذا الواجب المضيق فيه , خرج عن ( 5 ) أن يكون وقتا لهذا الواجب الموسع , فلم يتحقق الامر فيه بالواجب الموسع , فاذا فعل فيه يكون باطلا , و فيه بحث , لان خروجه عن وقتية ( 6 ) الموسع ممنوع .
فان قلت : فما الفائدة فى جعل هذا الوقت المضيق , الذى ليس إلا بقدر الواجب المضيق , وقتا له على التعيين , و للموسع على التخيير ؟ .
قلت : الفائدة فيه أنه لو عصى المكلف و ترك فيه الواجب المضيق , و لكن أتى فيه بالموسع , يكون مؤديا للموسع غير فايت له ( 7 ) , و كذا الكلام فى الموسع
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : تخييرا .
( 2 ) اسقط حرف النفى من ط .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : من .
( 4 ) كلمة ( لما ) ساقطة من الاصل , و اثبتناها من سائر النسخ .
( 5 ) فى ط : من .
( 6 ) فى أ و ط : وقته .
( 7 ) كذا فى النسخ . و المراد : مفوت . و قد اتفق للمصنف رحمه الله امثال هذه المسامحات اللفظية فى مواضع اخر من كتابنا هذا فلاحظ . و يحتمل ان يكون فى المقام محذوف , و التقدير : فالموسع <
إذا عرفت هذا , عرفت أن القول بأن الامر بالشىء يستلزم عدم الامر بضده غير صحيح , إلا فى المضيقين المؤقتين , و أما فيهما ( 1 ) فهو صحيح , لكن لم يقع من هذا القبيل شىء فى الشرع , و لو وقع يكون محمولا على الوجوب التخييرى , فلا يمكن الاستدلال فيه أيضا على بطلان أحدهما .
ثم نقول : و هل الامر بالشىء يستلزم عدم طلب ضده على طريق الاستحباب ؟ أو لا ؟ الاظهر عدم الاستلزام فيه أيضا .
و تظهر الفائدة فيمن صلى نافلة الزوال فى وقت الكسوف , قبل صلاة الكسوف , بحيث يفوته الفرض , فان قلنا بالاستلزام , تكون النافلة باطلة , و يحتاج إلى الاعادة , و إلا فلا .
و الحق الثانى , إذ لا تناقض فى إيجاب عبادة فى وقت خاص , و استحباب اخرى فيه بعينه , و لا شك فى صحة التصريح به , من غير توهم تناقض , بأن يقول : أوجبت عليك الفعل الفلانى فى الوقت الفلانى , و ندبت عليك الفعل الفلانى فى هذا الوقت بعينه , بحيث لو عصيت و تركت الفعل الذى أوجبته عليك فيه و أتيت بما ندبت عليك فيه , كنت مذموما لتركك الواجب , و ممدوحا لفعلك المندوب , و لو كان وجوب الشىء فى وقت منافيا لاستحباب آخر فيه , لكان هذا الكلام مشتملا على التناقض , مع أنه ليس كذلك ضرورة .
و لا يجرى هذا فى الواجبين المؤقتين المضيقين , لانه لا يمكن للمكلف بهما الخلاص من الاثم على هذا التقدير , بخلاف ما نحن فيه , لانه يمكنه ترك النافلة .
فان قلت : إذا علم الشارع أن فعل هذه النافلة مما لا ينفك عن
( 1 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : و فيه .
قلت : الموجب للعصيان هوإرادة ترك الواجب , و استحباب هذه النافلة إنما هو على تقدير تحقق هذه الارادة , فكأنه قال : إن اخترت إرادة هذا الواجب فلا أطلب منك شيئا غيره , و إن اخترت عدم فعل هذا الواجب , فقد عصيت , و لكن حينئذ أطلب منك هذا المندوب .
فان قلت : هذا ( 1 ) يرفع كون التكليف بهما معا فى حال واحدة .
قلت : نحن ننزل الخطاب الوجوبى و الاستحبابى لو وردا على هذا المعنى , فلا يمكن الاستدلال على بطلان المستحب , بسبب الخطاب الوجوبى , على أنه على تقدير إرادة عدم الواجب يقع التكليف بهما معا , فتأمل .
إذا عرفت هذا : فاستحباب شىء فى وقت , يكون بعض ذلك الوقت وقتا لواجب مضيق , يكون جائزا بالطريق الاولى , إذ يمكن حينئذ انفكاك الفعل المستحب عن العصيان , بخلاف الاول , فانه لا ينفك عن العصيان , وإن لم يكن هو الموجب له , بل الموجب سوء الاختيار .
و اعلم ( 2 ) : أن من قال بأن الامر بالشىء يستلزم النهى عن ضده , إنما يقول به فى الواجب المضيق , كما صرح به جماعة , إذ لا يقول عاقل بأنه إذا زالت الشمس مثلا , حرم الاكل و الشرب و النوم و غيرها من أضداد الصلاة , قبل فعل الصلاة .
ثم اعلم : أن إيراد مقدمة الواجب و النهى عن الضد فى هذا القسم إنما هوإذا لم يكن وجوب المقدمة و تحريم الضد , على القول به , من باب دلالة اللفظ , كما قيل به , و لكنه بعيد على هذا القول أيضا .
و لما كانت أدلة اقتضاء الامر بالشىء النهى عن الضد ضعيفة , فالاولى عدم التعرض ل :
( 1 ) كذا فى ط , و فى الاصل و أ و ب : فهذا .
( 2 ) كلمة ( و اعلم ) : ساقطة من الاصل و قد اثبتناها من سائر النسخ .
أن النهى عن الشىء هل يقتضى الامر بضده ؟ أو لا ؟
و هل استحباب الشىء يقتضى كراهة ضده و بالعكس ؟ أو لا ؟
و هو ما لم يوضع له اللفظ , بل يكون مما يلزم لما وضع له اللفظ , و هو أقسام :
الاول : ما يتوقف صدق المعنى , أو صحته عليه , و يسمى بدلالة الاقتضاء .
فالصدق : نحو[ : ( رفع عن امتى : الخطأ , و النسيان]( ( 1 ) فان صدقه يتوقف على تقدير المؤاخذة , لوقوعهما من ( 2 ) غير المعصوم عليه السلام .
و الصحة : نحو ( و اسأل القرية ) ( 3 ) .
و حجية هذا القسم ظاهرة , إذا كان الموقوف عليه مقطوعا به .
الثانى : ما يقترن بحكم على وجه , يفهم منه أنه علة لذلك الحكم , فيلزمه ( 4 ) جريان هذا الحكم فى غير هذا المورد , مما اقترنت به , و يسمى بدلالة التنبيه و الايماء , نحو قوله عليه السلام[ : ( أعتق رقبة]( حين قال له الاعرابى : واقعت أهلى فى شهر رمضان ( 5 ) , فانه يفهم ( 6 ) منه أن علة وجوب العتق هى المواقعة , فيجب فى كل موضع تحققت .
و هو حجة إذا علم العلية , و عدم مدخلية خصوص الواقعة ( 7 ) , فان مدار
( 1 ) الكافى : 2 462 كتاب الايمان و الكفر باب ما رفع عن الامة ح 2 , الفقيه : 1 59ح 132 ( لكن فيهما : وضع . بدل : رفع ) الخصال : 2 417 باب التسعة .
( 2 ) فى أ و ط : عن .
( 3 ) يوسف 82 .
( 4 ) فى ط : فيلزم .
( 5 ) الفقيه : 2 115ح 1885 .
( 6 ) فى أ و ط : يعلم .
( 7 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : المواقعة .
الثالث : ما لم يقصد عرفا من الكلام , و لكن يلزم المقصود , نحو قوله تعالى : ( و حمله و فصاله ثلاثون شهرا ) ( 2 ) مع قوله تعالى : ( و فصاله فى عامين ) ( 3 ) علم منهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر , فان المقصود ( 4 ) فى الاولى بيان حق الوالدة و تعبها , و فى الثانية بيان مدة الفصال , فلزم منهما : العلم بأقل مدة الحمل , و يسمى بدلالة الاشارة , و حجيته ظاهرة إذا كان اللازم قطعيا .
و ينقسم إلى موافقة و مخالفة , لان حكم غير المذكور : إما موافق لحكم المذكور نفيا وإثباتا , أو لا , و الاول , و الثانى الثانى .
و الاول : يسمى بفحوى الخطاب , و لحن الخطاب , و ضرب له أمثلة .
منها : قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف , و لا تنهرهما ) ( 5 ) فإنه يعلم من حال التأفيف و هو محل النطق حال الضرب , و هو غير محل النطق , و هما متفقان فى الحرمة .
و منها : قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ( 6 ) .
و منها : قوله تعالى : ( و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يوده إليك
( 1 ) نص المحقق الحلى على هذا فى : معارج الاصول : 185 .
( 2 ) الاحقاف 15 .
( 3 ) لقمان 14 .
( 4 ) فى ب و ط : المراد
( 5 ) الاسراء 23 .
( 6 ) الزلزلة 7 , 8 .
فانه يعلم منه ( 2 ) مجازاة ما فوق الذرة فى الاول , و تأدية ما دون القنطار فى الثانى , و عدم ما فوقه فى الثالث , فهو تنبيه بالادنى أى : الاقل مناسبة على الاعلى , أى : الاكثر مناسبة .
و هو حجة إذا كان قطعيا , أى : كون ( 3 ) التعليل بالمعنى المناسب كالاكرام فى منع التأفيف , و عدم تضييع الاحسان , و الاساءة فى الجزاء , و الامانة فى أداء القنطار , و عدمها فى أداء الدينار ـ و كونه أشد مناسبة للفرع , قطعيين , كالامثلة المذكورة .
و أماإذا كانا طنيين : فهو مما يرجع إلى القياس المنهى عنه ( 4 ) , كما يقال : ( يكره جلوس المجبوب الصائم فى الماء , لاجل ثبوت كراهة جلوس المرأة الصائمة فى الماء ) , و يقال : ( إذا كان اليمين غير الغموس توجب الكفارة , فالغموس أولى ) , لعدم تيقن كون العلة فى الاول جذب الماء بالفرج , و فى الثانى الزجر .
( 1 ) آل عمران 75 .
( 2 ) كلمه ( منه ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 3 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : يكون .
( 4 ) و يدل على بطلان هذا القسم من القياس ما رواه ابن بابويه فى الصحيح[ ( عن عبدالرحمن بن الحجاج , عن أبان بن تغلب , قال : قلت لأبى عبدالله ( ع ) : ما تقول فى رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة , كم فيها ؟ قال : عشرة من الابل . قلت : قطع اثنتين ؟ قال : عشرون . قلت : قطع ثلاثا ؟ قال ثلاثون . قلت : قطع أربعا ؟ قال : عشرون . قلت سبحان الله ! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون و يقطع اربعا فيكون عليه عشرون ! إن هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممن قاله , و نقول : الذى قاله شيطان . فقال : مهلا يا أبان , هكذا حكم رسول الله ( ص ) . إن المرأة تعاقل الرجل الى ثلث الدية , فاذا بلغت رجعت المرأة الى النصف , يا أبان انك اخذتنى بالقياس , و السنة اذا قيست محق الدين]( . ( منه رحمه الله ) .
و الثانى أقسام :
الاول : مفهوم الصفة , نحو قوله[ : ( 1 ) ( فى الغنم السائمة زكاة]( ( 2 ) و مفهومه : نفى الزكاة عن المعلوفة .
الثانى : مفهوم الشرط , نحو[ : ( إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا]( ( 3 ) مفهومه : نجاسة الماء القليل .
الثالث : مفهوم الغاية , مثل : ( فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) ( 4 ) مفهومه : أنهاإذا نكحت زوجا غيره تحل .
الرابع : مفهوم العدد الخاص , مثل : ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ( 5 ) مفهومه : عدم وجوب الزائد على الثمانين .
الخامس : مفهوم الحصر , مثل : ( المنطلق زيد ) مفهومه : نفى الانطلاق عن غيره .
و عد بعضهم مفهوم الاستثناء , و مفهوم ( إنما ) .
و الحق : أن دلالتهما على ما يفهم منهما من المنطوق , على تقدير ثبوت أن ( إنما ) بمعنى : ( ما ) و ( إلا ) .
و على تقدير كونه بمعنى : ( إن ) التأكيدية و ( ما ) الزائدة , فلا مفهوم له أصلا , و ذلك لان المنطوق ما دل عليه اللفظ فى محل النطق , أى : يكون حكما للمذكور , و حالا من أحواله , سواء ذكر ذلك الحكم و نطق به أو لا , و المفهوم بخلافه , و لا يخفى أناإذا قلنا : ( ما جاء القوم إلا زيد ) فنفى الحيأة ( 6 ) عما عدا
( 1 ) كلمة ( قوله ) : اضافة من ب .
( 2 ) مثل به السيد فى الذريعة : 1 399 , و الغزالى فى المستصفى : 2 191 , و غيرهما .
( 3 ) غوالى اللالى : 1 76 و 612 .
( 4 ) البقرة 230 .
( 5 ) النور 4 .
( 6 ) فى أ و ط : المجيأة .
السادس : مفهوم الزمان و المكان , مثل : ( أفعله ( 1 ) فى هذا اليوم ) أو : ( فى هذا المكان ) و مفهومه : نفى الفعل فى غير ذلك الزمان و المكان .
و قد وقع الخلاف فى حجية المفهوم بأقسامه ( 2 ) :
فالسيد المرتضى ( 3 ) , و جماعة من العامة أيضا ( 4 ) : أنكروا حجية جميع أقسامه .
و الشيخ الطوسى رحمه الله : قال بحجية مفهوم الصفة ( 5 ) , و مال إليه الشهيد ( 6 ) , و به قال أكثر العامة ( 7 ) .
و الظاهر : أن من قال بمفهوم الصفة , يعترف بحجية : مفهوم الشرط , و الغاية , و الزمان , و المكان , لان الاولين أولى منه , و الاخيرين فى معناه .
و مختار المرتضى رحمه الله قوى .
و لما كان حجية مفهوم الغاية أقوى من باقى الاقسام , فنحن نتكلم فيه و يظهر منه حال البواقى , من غير تأمل , فنقول :
( 1 ) فى ب : فعله : و فى ط : افعل .
( 2 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل و ط : باقسام .
( 3 ) الذريعة : 1 392 .
( 4 ) فقد انكره ابو حنيفه , كما فى المنخول : 209 , و هو مذهب الاحناف و القاضى أبى بكر و أبى العباس بن سريج و القفال الشاشى و الغزالى , كما فى الابهاج : 1 371 , و قوم من المتكلمين , كما فى التبصرة : 218 , و الامدى , كما فى التمهيد : 245 , 253 .
( 5 ) لم نجد فى العدة ما يدل على صحة هذه النسبة , بل قال الشيخ بعد نقله كلاما مبسوطا للسيد المرتضى فى الاستدلال على عدم حجية مفهوم الوصف قال : ولى فى هذه المسألة نظر . عدة الاصول 2 25 .
( 6 ) الذكرى : 5 المقدمة الاشارة السادسة الاصل الرابع القسم الثانى قوله خامسا .
( 7 ) فقد ذهب الى ذلك الشافعى و الجمهور , كما فى التمهيد : 245 , 253 , و ابو الحسن و ابو عبيدة معمر بن المثنى , و جمع كثير من الفقهاء و المتكلمين , كما فى الابهاج 1 371 , و الشيرازى فى التبصرة : 218 .
لنا : أن قول القائل : ( صومواإلى الليل ) لا يدل على نفى وجوب صوم الليل بوجه , أما المطابقة و التضمن : فظاهر , و أما الالتزام : فلانه لا ملازمة بين وجوب صوم النهار و عدم وجوب صوم الليل , و هو ظاهر .
فان قلت : نحن ندعى أن مفهوم الغاية و غيره ( 1 ) مما يلزم المنطوق لزوما غير بين , كوجوب مقدمة الواجب و نحوه , و لهذا أدرجناه فى الادلة العقلية .
قلت : ليس ههنا ما يوجب القول بالمفهوم , كما ستعرف من ضعف أدلة الخصم .
احتج الخصم بوجوه ضعيفة , أقواها : أن التعليق على الغاية و الشرط و الصفة و غيرها , يجب أن يكون لفائدة , و الفائدة هى مخالفة حكم المذكور للمسكوت عنه , لان الاصل عدم غيرها من الفوائد , و هى أمور :
الاول : أن يكون قد خرج مخرج الاغلب , مثل : ( و ربائبكم اللاتى فى حجوركم ) ( 2 ) , فان الغالب كون الربائب فى الحجور , فقيد لذلك , لا لان حكم اللاتى لسن فى الحجور بخلافه .
الثانى : أن يكون لسؤال سائل عن المذكور , أو لحادثة مخصوصة به , مثل أن يسأل : هل فى الغنم السائمة زكاة ؟ فيقول : فى الغنم السائمة زكاة . أو يكون الغرض بيان ذلك لمن له السائمة دون المعلوفة .
الثالث : أن تكون المصلحة فى السكوت عن المسكوت عنه , و عدم إعلام حاله .
و غير ذلك من الفوائد المذكورة فى المطولات .
و المخالفة مما لا يحتاج إلى القرينة , بخلاف الفوائد الاخر , فانها محتاجة إلى القرائن الخارجة ( 3 ) , فيصير عند عدم القرينة من قبيل اللفظ المردد بين
( 1 ) فى ط : و نحوه .
( 2 ) النساء 23 .
( 3 ) فى ط : الخارجية .
و الجواب : أن هذه الفوائد كلها متساوية ( 1 ) فى الاحتياج إلى القرينة و ليس للمخالفة المذكورة رجحان على غيرها من الفوائد , ليحمل عليه عند عدم ظهور القرينة , بل يمكن أن يقال : إن الفائدة الثالثة , و هى المصلحة فى عدم الاعلام , راجحة على غيرها , سيما فى كلام الائمة صلوات الله عليهم .
فظهر بطلان ادعاء اللزوم غير البين بين المفهوم و المنطوق .
و احتج صاحب المعالم على الدلالة الالتزامية فى مفهوم الغاية ب : أن قول القائل : ( صوموا إلى الليل ) معناه : آخر وجوب الصوم مجىء الليل , فلو فرض ثبوت الوجوب بعد مجيئه , لم يكن الليل آخرا , و هو خلاف المنطوق ( 2 ) و قريب منه استدلال ابن الحاجب فى مختصره ( 3 ) و قال بعد ذلك فى جواب السيد : اللزوم هنا ظاهر , إذ لا ينفك تصور الصوم المقيد بكون آخره الليل مثلا , عن عدمه فى الليل ( 4 ) .
و الجواب : لا نسلم أن معناه ذلك , بل معناه : أريد منكم الامساك الخاص فى زمان أوله طلوع الفجر , و آخره الليل . و ظاهر : أن مطلوبية الامساك فى القطعة الخاصة من الزمان , لا تستلزم عدم مطلوبيته فيما بعد تلك القطعة , بل يجوز أن يكون فيما بعدها أيضا مطلوبا موسعا , لكن سكت عنه لمصلحة اقتضت ذلك , فقول القائل : ( صومواإلى الليل ) يستفاد منه أن الصوم الواجب بذلك الخطاب انتهاؤه الليل , و هذا لا يجدى الخصم .
و قوله فى بيان اللزوم[ : ( إذ لا ينفك تصور الصوم المقيد بكون آخره الليل
( 1 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : مساوية .
( 2 ) معالم الدين : 81 .
( 3 ) شرح العضد : 2 320 ( لا حظ المتن ) .
( 4 ) معالم الدين : 82 .
و احتج أيضا على حجية مفهوم الشرط ب : أن قول القائل : ( أعط زيدا درهماإن أكرمك ) يجرى فى العرف مجرى قولنا : الشرط فى إعطائه إكرامك . و المتبادر من هذا : انتفاء الاعطاء عند انتفاء الاكرام قطعا , فيكون الاول أيضا هكذا ( 2 ) .
و لا يخفى ما فيه , إذ لا يلزم أن يكون ما يتبادر من لفظ الشرط متبادرا من ( إن ) المسماة فى العرف بحرف الشرط , بل هو قياس لكلام على كلام آخر من غير بيان الجامع , مع أن ادعاء التبادر من الثانى أيضا منظور فيه , فتأمل .
ثم لا يذهب عليك : أن ثمرة الخلاف إنما تظهرإذا كان المفهوم مخالفا للاصل , نحو : ( ليس فى الغنم المعلوفة زكاة ) أو : ( ليس فى الغنم زكاة إذا كانت معلوفة ) أو : ( ليس فى الغنم زكاة إلى أن تسوم ) فهل يجوز بمجرد هذا مثلا , القول بوجوب الزكاة فى السائمة ؟ أو لا ؟ فأنكره المرتضى ( 3 ) , و قد عرفت حقيقة الحال .
و أماإذا كان موافقا للاصل : نحو : ( فى الغنم السائمة زكاة ) , فان نفى الزكاة عن المعلوفة هو المقتضى لبراءة الذمة , فلا يظهر للخلاف فيه ثمرة يعتد بها .
و كأن المفهوم فى هذا القسم لما كان مركوزا فى العقول , بسبب موافقة
( 1 ) أى : عدم الصوم فى الليل . ( منه رحمه الله ) .
( 2 ) معالم الدين : 77 78 .
( 3 ) الذريعة : 1 394 و 406 و 407 .
و احتج بعضهم على حجية مفهوم الشرط و الصفة , بأن هذا النحو من التعليق يشعر بالعلية , و العلة منتفية فى المفهوم بحسب الفرض , و الاصل عدم علة اخرى , فينتفى فيه حكم المنطوق ( 1 ) .
و الجواب : بعد تسليم اعتبار ( 2 ) مطلق العلة منصوصة كانت أو مستنبطة أن هذا النحو من الاستدلال صحيح , لرجوعه إلى أصالة براءة الذمة كما عرفت , و لا مدخلية للمنطوق فيه , مثلا : لو لم يكن النص الدال على وجوب الزكاة فى السائمة متحققا , أمكن إجراء هذا الاستدلال على نفى الزكاة فى المعلوفة , بأن يقال : الاصل عدم تحقق علل وجوب الزكاة فى المعلوفة , فينتفى وجوب الزكاة فيها .
و هو : إثبات الحكم فى محل , بعلة , لثبوته فى محل آخر بتلك العلة .
و اختلف فى حجيته ( 3 ) , و لا خلاف بين الشيعة فى عدم حجيته , ما لم ينص على العلة ( 4 ) مثل أن يقول : ( حرمت الخمر ) , فلا يجوز بمجرد هذا القول , الحكم بتحريم غيره من المسكرات , بسبب ظن أن علة حرمة الخمر هى الاسكار , و هو متحقق فى غيره إلا ما نقل عن ابن الجنيد : أنه كان يقول به ( 5 ) ثم رجع ( 6 ) .
( 1 ) المحصول : 1 266 ( الثالث ) , المنتهى : 152 . و تقرير الدليل للمصنف .
( 2 ) فى ب : اختيار .
( 3 ) المستصفى : 2 234 , المحصول : 2 245 , المنتهى : 186 , 188 .
( 4 ) الذريعة : 2 697 , عدة الاصول : 2 90 , معارج الاصول : 187 .
( 5 ) الفهرست : 134 ترجمة رقم 590 , و : رجال النجاشى : 388 ترجمة رقم 1047 .
( 6 ) لم نجد من نص على ذلك , حتى نسب فى الفوائد المدنية ( ص 135 ) رجوعه عنه الى القيل .
بل إنكار القياس قد صار متواترا عندنا .
و اختلف أصحابنا فى حجية القياس المنصوص العلة , مثل أن يقول : ( حرمت الخمر لاسكاره ) , فهل يجوز القول بتحريم غيره من المسكرات بمجرد ذلك ؟ أو لا ؟
فأنكره السيد المرتضى ( 1 ) .
و قال به العلامة ( 2 ) و جماعة ( 3 ) .
و الحق أن يقال : إذا حصل القطع بأن الامر الفلانى علة لحكم خاص , من غير مدخلية شىء آخر فى العلية , و علم وجود تلك العلة فى محل آخر , لا بالظن بل بالعلم , فانه حينئذ يلزم القول بذلك الحكم فى هذا المحل الاخر , لان الاصل حينئذ يصير من قبيل النص على حكم كل ما فيه تلك العلة , فيخرج فى الحقيقة عن القياس . و هذا مختار المحقق أيضا ( 4 ) .
و لكن هذا فى الحقيقة قول بنفى حجية القياس المنصوص العلة , إذ حصول هذين القطعين ( 5 ) مما يكاد ينخرط فى سلك المحالات , إلا فى تنقيح المناط , على ما مر .
و اعلم : أن للعلم بالعلة عند القايسين طرقا :
منها : النص عليها , و له مراتب :
صريح , و هو : ما دل وضعا , مثل : ( لعلة كذا ) أو ( 6 ) : ( لاجل كذا ) أو : ( كى يكون كذا ) أو : ( إذن يكون كذا ) أو : ( لكذا ) أو : ( بكذا ) إذا كانت
( 1 ) الذريعة : 2 684 .
( 2 ) تهذيب الوصول : 84 85 .
( 3 ) معالم الدين : 229 .
( 4 ) معارج الاصول : 185 المسألة الرابعة .
( 5 ) بل الاول . ( منه رحمه الله ) .
( 6 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : و .
و تنبيه وإيماء , و هو : ما لزم مدلول اللفظ , و ضابطه : كل اقتران بوصف , لو لم يكن للتعليل لكان بعيدا , مثل ما مر من قصة الاعرابى ( 2 ) , فكأنه عليه السلام فى جوابه قال : واقعت فكفر .
و هذا القسم قد ( 3 ) يصير قطعيا , فانه إذا علم عدم مدخلية بعض الاوصاف , فحذف , و علل بالباقى , سمى تنقيح المناط القطعى , كما يقال : إن كونه أعرابيا لا مدخل له فى العلية , إذ الهندى و الاعرابى حكمهما واحد فى الشرع , و كذا كون المحل أهلا , فان الزنا أجدر به , و عند الحنفية : لا مدخلية لكونه وقاعا , فيكون الاكل و غيره من مفسدات الصوم كذلك ( 4 ) .
و قد يكون ظنيا , محتملا لعدم قصد الجواب , كما يقول العبد : ( طلعت الشمس ) فيقول السيد : ( إسقنى ماءا ) .
و من الايماء : ما روى من قوله عليه السلام , حين قالت له الخثعمية[ : ( إن أبى أدركته الوفاة و عليه فريضة الحج , فان حجحت عنه , أينفعه ذلك ؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم : أرأيت لو كان على أبيك دين , فقضيته , أكان ينفعه ذلك ؟ قالت : نعم . قال : فدين الله أحق أن يقضى]( ( 5 ) .
و منه : أن يفرق بين حكمين بوصفين , مثل[ : ( للراجل سهم , و للفارس سهمان]( ( 6 ) .
( 1 ) وردت هذه الجملة فى نسخة أ كما يلى : مثل لعلة كذا , و لاجل كذا , و كى يكون كذا , و لكذا , أو بكذا , اذا كانت الباء للسببية . و فى ط : مثل للعلة كذا , أو لاجل كذا , أو كى يكون كذا , او اذن يكون كذا , و لكذا , و بكذا , اذا كانت الباء للسببية .
( 2 ) انظر ص 228 .
( 3 ) كلمة ( قد ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 4 ) اصول السرخسى : 1 244 245 , 2 153 154 .
( 5 ) دعائم الاسلام : 1 336 .
( 6 ) الكافى : 5 44 كتاب الجهاد باب قسمة الغنيمة ح 2 .
و منه : تعليق الحكم على الوصف المناسب , مثل ( أكرم العلماء ) .
و منها : السبر و التقسيم , و هو : حصر الاوصاف الموجودة فى الاصل الصالحة للتعليل فى عدد , ثم إبطال بعضها , و هو ما سوى الذى يدعى أنه العلة , كما يقال فى قياس الذرة على البر فى الربوية : إن الاوصاف الصالحة للعلية فى البر ليس إلا القوت و الطعم و الكيل , لكن القوت و الطعم لا يصلح للعلية , فتعين الكيل .
و منها : تخريج المناط , و هو : تعيين العلة فى الاصل بمجرد المناسبة بينها و بين الحكم فى الاصل , لا بالنص و لا بغيره , كالاسكار للتحريم , فان النظر فى المسكر و حكمه و وصفه , يوجب العلم بكون الاسكار مناسبا لشرع التحريم , و كالقتل العمد العدوان , فانه بالنظرإلى ذاته مناسب لشرع القصاص .
و المناسب اصطلاحا : وصف ظاهر منضبط , يحصل من ترتب الحكم على ( 1 ) ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء : من حصول مصلحة , أو دفع مفسدة . و فى هذه الطريقة لا يحتاج إلى السبر .
و يرد على القياس بعد الايرادات المذكورة فى المطولات : أنه قد لا تكون علة الحكم فى الشىء شيئا من أوصاف ذلك الشىء , كما يدل عليه قوله تعالى : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم ) الاية ( 2 ) , و فى آية اخرى : ( و على الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر و من البقر و الغنم حرمنا عليهم شحومهماإلا ما حملت ظهورهما ) الاية ( 3 ) , فانه يدل على أن علة تحريم هذه الاشياء عصيانهم , لا أوصاف تلك الاشياء , فتأمل .
( 1 ) كذا الصواب , و فى النسخ : عليه . بدل : على .
( 2 ) النساء 160 .
( 3 ) الانعام 146 .
الاجتهاد فى اللغة : تحمل الجهد , و هو : المشقة ( 1 ) .
و فى الاصطلاح :
المشهور : أنه استفراغ الوسع من الفقيه , فى تحصيل الظن بحكم شرعى ( 2 ) .
و عندى أن الاولى فى تعريفه : أنه صرف العالم بالمدارك و أحكامها نظره فى ترجيح ( 3 ) الاحكام الشرعية الفرعية .
فدخل القطعيات النظرية .
و خرج الشرعية الاصلية .
و لم يستعمل فيه ( الفقيه ) مع خفاء معناه ههنا ( 4 ) .
( 1 ) المصباح المنير مادة : جهد .
( 2 ) المنتهى : 209 , معالم الدين : 238 .
( 3 ) لفظة ( ترجيح ) ساقطة من ب .
( 4 ) لاحظ تفصيل هذه الدعوى فى : الفوائد المدنية : 93 الوجه الثامن .
و المدارك : قد علم كميتها و حقيقتها سابقا .
و المراد ب ( أحكامها ) : أحوال التعادل و الترجيح و سيجىءإن شاء الله تعالى .
و سيجىء تحقيق ما يحصل بسببه العلم بالمدارك .
فى أن الاجتهاد هل يقبل التجزية ؟ أو لا ؟ بمعنى : جريانه فى بعض المسائل دون بعض , و ذلك بأن يحصل للعالم ما هو مناط الاجتهاد فى بعض المسائل , دون بعض آخر , و قد اختلف فيه , فالاكثر على أنه يقبل التجزية , و قيل بعدمه .
و الحق الاول لوجوه :
الاول : أنه إذا اطلع على دليل مسألة بالاستقصاء , فقد ساوى المجتهد المطلق فى تلك المسألة , و عدم علمه بأدلة غيرها لا مدخل له فيها .
فان قلت : لا يمكن العلم بعدم المعارض ( 1 ) و المخصص بدون الاحاطة بجميع مدارك الاحكام , فبطل التساوى .
قلت : إنكار حصول الظن بعدم المعارض مكابرة , بل قد يحصل العلم من العادة بالعدم , فان المسائل التى وقع فيها الخلاف , و أوردها جمع كثير من الفقهاء فى كتبهم الاستدلالية , و استدلوا عليها نفيا وإثباتا , مما تحكم العادة بأن ليس لها مدارك غير ما ذكروه , و لا أقل من حصول ظن قوى متاخم من العلم .
فان قلت : التمسك فى جواز اعتماد المتجزى على استنباطه , بمساواته للمجتهد المطلق , قياس غير معلوم العلة , فيكون باطلا .
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : المعارضة .
مع أنه : يمكن أن تكون العلة فى المجتهد المطلق , هى : قدرته على استنباط المسائل كلها , فإن القوة الكاملة أبعد عن احتمال الخطأ من الناقصة .
قلت : البديهة تحكم بالمساواة حينئذ , بمعنى : أن كل ما دل على جواز اعتماد المجتهد المطلق على ظنه , دل على الجواز فى المتجزى أيضا , كما سيجىء فى آخر هذا البحث .
و قوله بأن قوة الاول كاملة دون الثانى :
إن أراد ب ( الكمال ) الشمول و العموم , فالعقل يحكم بأنه لا يصلح للعلية , إذ العلة يجب أن تكون مناسبة , و ظاهر أن الظن بأن المتعة ( 1 ) مثلا ترث أو لا ترث ؟ أو الرضاع الناشر للحرمة خمس عشرة أو عشر ؟ لا دخل له فى جواز الاعتماد على الظن بوجوب السورة مثلا فى الصلاة , و المنكر مكابر مقتضى عقله .
وإن أراد أن ظن العالم بالكل بوجوب السورة مثلا , يكون أقوى من ظن المتجزى بوجوب السورة , وإن اطلع على جميع أدلة وجوب السورة فهذا مجرد دعوى يحكم أول النظر ببطلانها .
الثانى : أن التقليد مذموم , و خلاف الاصل أيضا , فان الاصل عدم وجوب اتباع غير المعصوم , خرج عنه العامى الصرف , لدليل دل على وجوب التقليد فى حقه , فيبقى المتجزى و المطلق , لعدم المخرج فى حقهما .
فان قلت : نحن نقلب هذا الدليل فى المتجزى , فنقول : اتباع الظن مذموم , بل و خلاف الاصل أيضا , إذ الاصل عدم وجوب اتباع غير القطع , خرج عنه المجتهد المطلق , لدليل أخرجه , فبقى المتجزى , لعدم المخرج فيه .
قلت : المخرج فيه متحقق , فانه ليس له بد من اتباع الظن : إما الظن
( 1 ) أى : المتمتع بها , و هى المنكوحة بالعقد المنقطع . و : المتعة : اسم التمتع كما فى المصباح ـ فاطلاقه على المتمتع بها مسامحة منه .
و تقرير الدليل بعبارة اخرى : جواز التقليد مشروط بعدم جواز العمل بالدليل أى : الاجتهاد فما لم يحصل القطع بعدم جواز الاجتهاد , لم يحصل القطع بجواز التقليد و كذا الظن على تقدير الاكتفاء به فى الاصول و لا دليل على عدم جواز عمل ( 1 ) المتجزى بالادلة الشرعية , حتى يحصل القطع أو الظن بالشرط , فينتفى العلم أو الظن ( 2 ) بجواز تقليد المتجزى , وإذا كان هناك أمران , أحدهما مرتب ( 3 ) على الاخر , فلا يعدل من الاصل إلى الفرع إلا مع القطع أو الظن بوجوب العدول .
و الثالث : أن أوامر وجوب العمل بأوامر الرسول و نواهيه و كذا خلفاؤه عام , خرج عنه العامى الصرف إجماعا , لعدم إمكان العمل فى حقه , فيبقى المتجزى .
و الوجهان متقاربا المأخذ .
قال فى الذكرى : و عليه أى على صحة التجزى نبه فى مشهور أبى خديجة , عن الصادق عليه السلام[ : ( انظروا إلى رجل منكم , يعلم شيئا من قضايانا , فاجعلوه بينكم قاضيا , فانى قد جعلته قاضيا عليكم]( ( 4 ) .
قال فى المعالم بعد إيراد تحقيق له قد ظهر مما مر جوابه[ : ( لكن التعويل فى اعتماد ظن المجتهد المطلق , إنما هو على دليل قطعى و هوإجماع الامه عليه , و قضاء الضرورة به , و أقصى ما يتصور فى موضع النزاع أن يحصل دليل ظنى يدل على مساواة التجزى للاجتهاد المطلق , و اعتماد المتجزى عليه يفضى إلى
( 1 ) كلمة ( عمل ) : ساقطة من الاصل و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : و الظن .
( 3 ) فى ط : مترتب .
( 4 ) الذكرى : 3 المقدمة الاشار الثالثة ذيل الامر الثالث عشر .
و فيه بحث من وجوه :
الاول : أن قوله[ : ( التعويل فى اعتماد ظن المجتهد المطلق , إنما هو على دليل قطعى , و هوإجماع الامة , و قضاء الضرورة به]( غير صحيح , إذ ظاهر : أن هذه المسألة مما لم يسأل عنها الامام عليه السلام , و ظاهر : أن العمل بالروايات فى عصر الائمة عليهم السلام , للرواة , بل و غيرهم , لم يكن موقوفا على إحاطتهم بمدارك كل الاحكام , و القوة القوية على الاستنباط , بل يظهر بطلانه بأدنى اطلاع على حقيقة أحوال ( 3 ) قدماء الاصحاب .
و الحاصل : أن العلم بالاجماع الذى يقطع بدخول المعصوم عليه السلام فى هذه المسألة , بل و فى غيرها من المسائل التى لم يوجد فيها نص شرعى مما لا يكاد يمكن .
و قوله[ : ( و قضاء الضرورة به]( :
إن أراد : حكم بديهة العقل به من غير ملاحظة أمر خارج , فظاهر البطلان , إذ العمل بالظن و نحو ذلك , ليس من البديهيات الصرفة .
وإن أراد : حكم العقل به , بسبب أنه إذا احتاج المكلف إلى العمل , و انحصر طريقه فى الاجتهاد و التقليد , فالبديهة تحكم بتقديم العمل بالحجة
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط و المصدر , و فى الاصل : لافضائه .
( 2 ) معالم الدين : 239 .
( 3 ) فى ط : طريقة . بدل : حقيقة احوال .
و الحاصل : أن دليل عمل المجتهد المطلق بالادلة الشرعية , هو ما ذكرنا , لا ما ذكره من الاجماع , إذ انتفاء الاجماع القطعى هنا من أجلى الامور .
الثانى : أن قوله[ : ( و أقصى ما يتصور]( إلخ أيضا غير صحيح , لان الادلة التى ذكرناها , توجب القطع بجواز عمل المتجزى بالادلة الشرعية .
الثالث : أن قوله[ : ( و اعتماد المتجزى عليه يفضى إلى الدور]( أيضا غير صحيح , لانه على تقدير جواز الاعتماد فى الاصول على الظن , لا يختص ذلك بالمجتهد , فمن حصل له الظن من دليل أو أمارة بشىء من المطالب الاصولية يجوز الاعتماد عليه على ذلك التقدير , مجتهدا كان أو مقلدا , و على تقدير عدم جواز الاعتماد على الظن فى الاصول , فهذه المسألة لا بد فيها من الاعتماد على الظن , بناءا على عدم تحقق دليل قطعى على جواز التجزى , إذ عدم تحقق دليل قطعى دال على جواز التقليد لذلك الشخص أظهر ( 1 ) .
( 1 ) استدل فى حواشى العدة على تعذر المجتهد المطلق بادلة , ثانيها : انه لو أمكن تحقق المجتهد المطلق فعلمه أو ظنه بامارة بأنه مجتهد مطلق غير ممكن عادة , فان المجتهدين كانوا لا يدرون الجواب فى كثير من المسائل و ليس لهم طريق الى ان يعلموا أو يظنوا بامارة أنهم قادرون بعد الفكر و المراجعة على الاجتهاد فيه , فيلزم انه لا يجوز لاحد العمل باجتهاده . و ثالثها : أنه لا يمكن للمقلد العامى او المتجزى أن يعلم أو يظن بامارة اجتهاد غيره بالاجتهاد المطلق بطريق اولى , فيلزم ان لا يجوز للعامى او المتجزى الرجوع الى المجتهد . و رابعها : انه لو لم يجز للمتجزى العمل بظنه لم يمكن له العلم بجواز عمله , لان استدلال المتجزى على وجوب الاستفتاء من المجتهد المطلق بظاهر قوله ( فاسألوا اهل الذكر ) غير ممكن , لانه لو علم المتجزى جواز عمله بالظاهر فى مسائل الاصول فعلمه بجوازه فى الفروع اولى , و يناقض هذا توقفه فى التجزى او نفيه له . و لو ادعى الاجماع على وجوب عمل المتجزى بهذا الظاهر , و هذا الظن دون الظواهر و الظنون الاخرى فى الاصول او الاجماع على رجوع المتجزى الى المجتهد المطلق توجه المنع , و كذا لو ادعى رجوع المتجزى فى مسألة جواز عمله بظنه الى المجتهد المطلق كما احتمله صاحب المعالم . كيف و هى مسألة اصلية و لا يجرى هنا التقليد للمجتهد و بعد <
فان قلت : يجوز أن يقلد فى جواز التقليد .
قلت : الادلة الدالة على ذم التقليد مطلقا , و فى الاصول خاصة لكثرتها غير قابلة للتأويل , فاذا كان صحة تقليده مبنيا على صحة التقليد فى الاصول كاد أن يحصل القطع ببطلانه , و على تقدير التسليم , و القول بصحة تقليده فى الاصول , فيجوز حينئذ ( 1 ) له العمل بظنه فى الفروع , بعد اعتقاده الحاصل من التقليد فى جواز اعتماده على ظنه .
و قوله[ : ( إنه خلاف الفرض ( 2 ) و مستبعد , للزوم الواسطة]( لا يخفى ما فيه , فانه على تقدير جواز التقليد فى الاصول , لا يتصور ههنا مانع للعمل بظنه , بعد تقليده فى مسألة التجزى و الله يعلم .
ثم لا يخفى : أن حصول ملكة العلم بكل الاحكام الواقعية للمجتهد ممتنع عندنا , لان الائمة عليهم السلام لم يتمكنوا من إظهار كل الاحكام , نعم يمكن العلم بالاحكام الظاهرية المتعلقة بعمله فى نفسه .
بل الظاهر : أن القول بنفى التجزى إنما هو على طريقة جمع من العامة القائلين بأن النبى صلى الله عليه و آله و سلم أظهر جميع الاحكام بين يدى أصحابه , و توفر الدواعى على نقله , فما لم يوجد فيه مدرك , فعدم المدرك فيه , مدرك لعدم الحكم فيه فى الواقع , فحكمه التخيير , و قد عرفت بطلانه عندنا , فان الائمة عليهم السلام , كثيرا ما يتقون على أنفسهم و على أصحابهم فى بيان الاحكام , بل ربما يحكمون على شخص معين بحكم معين , لمدخلية بعض خصوصيات ذلك الشخص فى ذلك الحكم كما روى ابن بابويه فى الفقيه , فى أواخر باب ( ما يجوز للمحرم إتيانه و ما لا يجوز ) عن خالد بياع القلانس , أنه قال[ : ( سألت أبا
( 1 ) كلمة ( حينئذ ) : زيادة من أ و ب و ط .
( 2 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : الغرض .
فيما يحتاج إليه المجتهد من العلوم , و هو تسعة , ثلاثة من العلوم الادبية , و ثلاثة من المعقولات , و ثلاثة من المنقولات .
فالاول من الاول : علم اللغة .
و الاحتياج إليه : ظاهر , إذ الكتاب و السنة عربيان , و معانى مفردات اللغة إنما تبين ( 3 ) فى علم اللغة .
و الثانى : علم الصرف .
و الاحتياج إليه : لان تغير المعانى بتصريف المصدر المبين معناه فى علم اللغة إلى الماضى و المضارع و الامر و النهى و نحوها , إنما يعلم فى الصرف .
و الثالث : علم النحو .
و الاحتياج إليه : أظهر , لان معانى المركبات من الكلام إنما يعلم به .
( 1 ) الفقيه : 2 363ح 2716 .
( 2 ) حيث أن العلم بعدم المزية شرط فى تعدية الحكم الى المساوى , فان احتمل وجودها لم تجز التعدية , كما صرح به المحقق فى معارج الاصول : 85 المسألة الرابعة .
( 3 ) كذا فى ط و ب , و فى الاصل : يبين , و فى أ : يتبين .
و الاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة إنما هو لمن لم يكن مطلعا على عرف النبى صلى الله عليه و آله و سلم و الائمة عليهم السلام , كالعجم مطلقا , و العرب أيضا فى هذه الازمنة , لا مثل الرواة , و من قرب زمانه منهم , على أن الاحتياج فى هذه الازمنة أيضا , متفاوت بالنسبة إلى الاصناف كالعرب و العجم .
و الاول من الثانى : علم الاصول .
و الاحتياج إليه : لان المطالب الاصولية مما يتوقف عليه استنباط الاحكام , مثلا : كثير من المسائل يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية و نفيها , و تحقيقها إنما هو فى الاصول , و كذا على كون الامر للوجوب أو لا ؟ و كذا الوحدة و التكرار ؟ و الفور و التراخى ؟ و أن الامر بالشىء هل يقتضى النهى عن ضده الخاص أو لا ؟ و كذا وجوب مقدمة الواجب , و ظاهر أنها لا تعلم من اللغة و غيرها , و ليس أحد الشقين فى هذه المذكورات بديهيا حتى يستغنى عن تدوينها و عن النظر فيها , و كذا ليست هذه المذكورات مما لا يتوقف عليه العمل , و كذا الحال فى مباحث النواهى , و حكم ورود العام و الخاص , و المطلق و المقيد , و المجمل و المبين , و القياس مطلقا , أو منصوص العلة , و وجوب العمل بخبر الواحد و عدمه , وإن أمكن ادعاء ثبوت وجوب العمل بالمتواتر , من علم الكلام , و هكذا بقية المطالب .
و الثانى : علم الكلام .
و وجه الاحتياج إليه : أن العلم بالاحكام يتوقف على أن الله تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه , و لا بما يريد خلاف ظاهره , من غير بيان , و هذاإنما يتم إن لو عرف ( 1 ) أنه تعالى حكيم مستغن عن القبيح , و كذا يتوقف على العلم بصدق الرسول و الائمة عليهم السلام .
( 1 ) كذا فى النسخ , و الظاهر زيادة أحد حرفى الشرط , او ان تكون العبارة بالنحو التالى : و هذان انما يتمان لو عرف .
و الحق : أن الاحتياج إليه , إنما هو لتصحيح الاعتقاد , لا للاحكام بخصوصها .
و الثالث : علم المنطق .
و الاحتياج إليه : إنما هو لتصحيح المسائل الخلافية و غيرها , من العلوم المذكورة , إذ لا يكفى التقليد سيما فى الخلافيات , مع إمكان الترجيح , و كذا لرد الفروع الغريبة إلى اصولها , لانه محتاج إلى إقامة الدليل , و تصحيح الدليل لا يتم بدون المنطق إلا للنفوس القدسية .
و اعلم : أن العلوم المذكورة , ليس جميع مسائلها المدونة , مما يتوقف عليه الاجتهاد , بل و لا أكثرها على الظاهر , و القدر المحتاج إليه , مما لا يمكن تعيينه إلا بعد ملاحظة جميع الاحكام , و يكفى لصاحب الملكة ( 1 ) الرجوع إلى ما يحتاج إليه عند الاحتياج , كما لا يخفى .
و الظاهر الاستغناء عن المنطق فى العمل بالمنطوقات , و كذا المفهومات الظاهرة .
فان قلت : لا حاجة إلى علم الاصول , لوجهين :
الاول : أن علم الاصول قد حدث تدوينه بعد عصر الائمة عليهم السلام , و أنا نقطع بأن قدماءنا , و رواة أحاديثنا , و من يليهم لم يكونوا عالمين بعلم الاصول , مع أنهم كانوا عاملين بهذه الاحاديث الموجودة , و لم ينقل عن أحد من الائمة عليهم السلام إنكارهم , بل المعلوم تقريرهم لهم , و كان ذلك الطريق مستمرا عند الشيعة إلى زمان القديمين : الحسن بن أبى عقيل , و أبى على أحمد بن الجنيد , ثم حدث تدوين الاصول بين الشيعة أيضا ( 2 ) , فلا يكون العمل بهذه الاحاديث موقوفا على العلم بمسائل علم الاصول .
( 1 ) أى : فى العلوم المذكورة ( منه رحمه الله ) .
( 2 ) كلمة ( أيضا ) : ساقطة من ط .
الثانى : أن البديهة حاكمة بوجوب العمل ( 1 ) بأوامر الشرع و نواهيه , و من علم العلوم الثلاثة الاول : فهو ممن يفهم الاوامر و النواهى , فالحكم عليه بوجوب التقليد المنهى عنه , بمجرد جهله بمسائل الاصول , مما لا دليل عليه , بل لا عذر له فى التقليد , و ليس مثله مع التقليد إلا مثل شخص حكمه ملك على ناحية , و عهد إليه : أنه متى أخبره ثقة بأن الملك أمرك بكذا , أو نهاك عن كذا , فعليك بالطاعة و العمل بالامر و النهى , و بين له المخلص عند تعارض الاخبار , فهو يترك العمل بما سمع من الاوامر و النواهى من الثقاة , معللا بجهله بمسائل الاصول أو المنطق , فان استحقاقه للذم حينئذ مما لا ريب فيه .
قلت : اعلم أولا : أن مباحث علم الاصول قسمان :
الاول : ما يتعلق بتحقيق معانى الالفاظ , مثل : أن الحقيقة الشرعية ثابتة أو لا ؟ و أن الامر للوجوب ؟ و المرة ؟ و الفور ؟ أو لا ؟ و كذا النهى ؟ و أن المفرد المعرف باللام , و الجمع المنكر , للعموم ؟ أو لا ؟ و المخصص المتعقب للجمل المتعاطفة كالاستثناء , و الشرط , و نحوهما يرجع إلى الجملة الاخيرة فقط ؟ أوإلى الجميع ؟ إلى غير ذلك من المسائل المودعة فى مواضعها .
و الثانى : ما ليس كذلك , مثل : أن الامر بالشىء هل يقتضى وجوب مقدمته ؟ و تحريم ضده الخاص ؟ أو لا ؟ و هل يجوز تعلق الامر و النهى بشىء واحد ؟ أو لا ؟ و هل يجوز التكليف بالشىء مع علم الامر بانتفاء شرطه ؟ أو لا ؟ و هل العام المخصص حجة فى الباقى ؟ أو لا ؟ و هل العمل بالعام مشروط باستقصاء البحث عن المخصص ؟ أو لا ؟ و هل المفهومات حجة ؟ أو لا ؟ و خبر الواحد هل هو حجة ؟ أو لا ؟ إلى غير ذلك من المسائل .
إذا عرفت هذا , فنقول : ما كان من القسم الاول , فهو لم يكن فى عصر الائمة عليهم السلام و ما شابهه محتاجا إليه , لان معانى الالفاظ و حقائقها كانت
( 1 ) فى ط : العلم .
فان قلت : يمكن العلم بهذه المطالب الاصولية من علم العربية .
قلت : ليس شىء من هذه المباحث مبينا بحيث يشفى العليل و يروى الغليل فى غير الاصول , كما هو ظاهر للمتتبع . و بعد التسليم , فهى محتاج إليها , و ليس الغرض إلا هذا .
و قد ظهر الجواب بما مر عن كلا الوجهين فى هذا القسم , أما الاول : فظاهر , و أما الثانى : فلانا لا نسلم حصول الفهم بدون العلم بهذا القسم من المطالب .
و أما القسم الثانى : فلا شك فى الاحتياج إليه للعلم بالفروع المتفرعة عليه , مثلا : إذا اريد العلم بحال الصلاة فى الدار المغصوبة , هل هى صحيحة ؟ أو باطلة ؟ فلا بد من تحقيق حال ( تعلق الامر و النهى بشىء واحد ) هل هو جائز ؟ أو لا ؟ إذ ليس لهذه المسألة مدرك غير هذه المسألة الاصولية , على ما هو الظاهر من الكتب الاستدلالية , و كذا العلم بحال الصلاة فى أول الوقت مع شغل الذمة بحق مضيق ؟ أو جواز السفر بعد الصبح من يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة إذا وجبت ؟ أو صحة الصلاة فى موضع يخاف فى الوقوف فيه هلاك النفس ؟ أو صحة النافلة فى وقت الفريضة , أو صحة استيجار العبادة لمن فى ذمته مثلها من عبادة نفسه ؟ أو لمن يقلد الميت ؟ على المشهور ؟ أو لمن استأجر نفسه قبل ذلك بمثلها , مع الاطلاق فى عقدى الاجارة ؟ أو
و كذا الحال فى بقية المسائل , سيما حجية خبر الواحد , و الاحتياج إلى العلم بمثل هذه الفروع المذكورة مما لا يعتريه شك .
و القائل بالاستغناء عن علم الاصول يلزمه : إما القول ببداهة أحد طرفى هذه المسائل , أو : بعدم الاحتياج إلى العلم بهذه المسائل , و كلاهما بديهى البطلان .
و السر فى عدم احتياج القدماءإلى تحقيق هذا القسم على تقديره : أن بعض هذا القسم كان لهم غنى عن تحقيق حاله , مثل حجية خبر الواحد و ما يتعلق به , فان حصول العلم لهم بسبب المشافهة من المعصوم عليه السلام , و بالتواتر ( 1 ) , و بالقرائن المفيدة للعلم , بسبب قرب زمانهم أغناهم عن النظر فى خبر الواحد و ما يتعلق به , و لهذا ترى أكثر القدماء ينكرون خبر الواحد , كابن بابويه فى أول كتاب الغيبة , و السيد المرتضى , و ابن زهرة , و ابن ادريس , بل الشيخ الطوسى , كما لا يخفى على المتأمل , و غيرهم ( 2 ) .
و بعض آخر منه : من عاداتهم و عرفهم يعلمونه , كالقسم الاول , مثل : مقدمة الواجب , و المفهومات , و العام المخصص , و نحوها , بل يمكن إدراجها فى القسم الاول أيضا .
و بعض آخر : مما لم يخطر فى بالهم , و لو خطر ببالهم لسألوا عنه إمام زمانهم عليه السلام , مثل : احتمال بطلان الصلاة مع سعة الوقت , لمن عليه حق
( 1 ) كذا فى أ و ط , و فى ب : أو بالتواتر , و فى الاصل , أسقط حرف العطف .
( 2 ) راجع ذلك فيما اوردناه فى هوامش ص 158 .
نعم من أنكر التجزى , يلزمه القول بعدم العلم بشىء من الاحكام حينئذ , بدون العلم بهذه المسائل الاصولية . لكن على ما مر من التحقيق : يمكن الاجتهاد و العلم بكثير من الاحكام , مع الجهل بكثير من مسائل القسم الثانى , فلا تغفل .
ولى كلام فى قولهم : لا يجوز العمل بالعام قبل فحص المخصص و المعارض , لعلى اورده فى موضعه فى هذه الرسالة إن شاء الله تبارك و تعالى .
و الاول من الثالث : العلم بتفسير الايات المتعلقة بالاحكام , و بمواقعها من القرآن , أو من الكتب الاستدلالية , بحيث يتمكن من الرجوع إليها عند الحاجة .
و المشهور : أن الايات المتعلقة بالاحكام نحو من خمسماءة آية , و لم أطلع عل ى خلاف فى ذلك .
و روى الكلينى , فى باب النوادر من كتاب فضل القرآن , عن الاصبغ ابن نباتة , قال[ : ( سمعت أمير المؤمنين عليه السلام , يقول : نزل القرآن أثلاثا : ثلث فينا و فى عدونا , و ثلث سنن و أمثال , و ثلث فرائض و أحكام ]( ( 1 ) .
و فى الصحيح[ : ( عن أبى بصير , عن أبى جعفر عليه السلام , قال : نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا , و ربع فى عدونا , و ربع سنن و أمثال , و ربع فرائض و أحكام ]( ( 2 ) .
و فى رواية اخرى[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : إن القرآن نزل
( 1 ) الكافى : 2 627 كتاب فضل القرآن باب النوادر ح 2 .
( 2 ) الكافى : 2 627ح 4 من الباب المذكور .
و وجه الاحتياج إليه : أن استنباط الاحكام من الايات الاحكامية , يتوقف على العلم بها , و ذلك ظاهر .
فان قلت : قد ورد فى الاخبار أن القرآن إنما يعلمه من خوطب به ( 2 ) , و أنه لا يجوز تفسير القرآن بالرأى ( 3 ) , كما ( 4 ) رواه الطبرسى ( 5 ) و غيره , و يدل على مضمونه : ما رواه الكلينى فى باب اختلاف الحديث ( 6 ) . و فى التفسير المنسوب إلى سيدنا و مولانا أبى محمد الحسن بن على العسكرى : [ ( فأما من قال فى القرآن برأيه فان اتفق له مصادفة صواب , فقد جهل فى أخذه عن ( 7 ) غير أهله]( ( 8 ) و الحديث طويل .
و قال فى مجمع البيان[ : ( و اعلم : أن الخبر قد صح عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم , و عن الائمة عليهم السلام القائمين مقامه : أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالاثر الصحيح , و النص الصريح]( ( 9 ) انتهى .
( 1 ) الكافى : 2 627ح 3 من الباب المذكور .
( 2 ) ذيل رواية زيد الشحام . الكافى : 8 311ح 485 و بمعناه روايات اخر أوردها فى ( باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الائمة عليهم السلام و إنهم يعلمون علمه كله ) سيما الحديث الثانى و الخامس و السادس منه . الكافى : 1 228 .
( 3 ) تفسير العياشى : 1 17 18 , عيون اخبار الرضا ( ع ) : 1 59 الباب 11ح 4 , امالى الصدوق : 155 ح 3 , التوحيد : 905 ح 5 .
( 4 ) كلمة ( كما ) : زيادة من ط .
( 5 ) مجمع البيان : 1 13 ـ الفن الثالث .
( 6 ) الكافى : 1 62 .
( 7 ) فى أ و ب و ط : من .
( 8 ) التفسير المنسوب الى الامام العسكرى : 14 .
( 9 ) مجمع البيان : 1 13 الفن الثالث .
و أيضا : قد روى الكلينى ( 1 ) , و على بن إبراهيم ( 2 ) , و غيرهما , روايات كثيرة , دالة على أن فى القرآن تغييرا و تبديلا كثيرا .
و على هذين الاحتمالين , فلا يصح التمسك بالقرآن فى الاحكام الشرعية ما لم يكن هناك نص , و هو مغن , فلا يكون العلم بالكتاب مما يتوقف عليه الاجتهاد .
قلت : الجواب من وجوه :
الاول : أن المراد بانحصار علم القرآن و تفسيره , فى الائمة عليهم السلام , ما كان من حمل الكلام على خلاف المدلولات الظاهرة .
و أما المدلولات الظاهرة : فلا شك فى حصول العلم بها من الكلام , مثلا : لا شك فى حصول العلم بالتوحيد من آية : ( قل هو الله أحد ) ( 3 ) , و ( إنما إلهكم إله واحد ) ( 4 ) , و فى حصول العلم بطلب الصلاة من آية : ( و اقيموا الصلاة ) ( 5 ) وإن كانت الصلاة مما يحتاج إلى البيان , و فى العلم بأن نصيب الذكر ضعف الانثى فى الميراث فى شريفة : ( يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ) ( 6 ) , و فى الربع للزوج مع الولد , و النصف مع عدمه ,
( 1 ) الكافى : 8 50 ح 11 , و ص 183ح 208 , و ص 290ح 437 و 438 و 439 و 440 و ص 377ح 568 , و ص 378 ح 569 و 570 و 571 .
( 2 ) تفسير على بن ابراهيم القمى المجلد الثانى : 295 حديث أبى بصير فى تفسير الاية 29 الجاثية , و كذا فى ص 349 حديثا أبى عبدالرحمن السلمى , و أبى بصير فى تفسير الاية 56 الواقعة , و كذا فى ص 367 حديث ابن أبى يعفور فى تفسير الاية : 11 الجمعة , و فى ص[ : 451 ( قال رسول الله[ ص] لو أن الناس قرأوا القرآن كما انزل الله ما اختلف اثنان ]( . انظر ما اوردناه فيما تقدم فى الهامش ( 3 ) من صفحة 147 .
( 3 ) التوحيد 1 .
( 4 ) الكهف 110 , و الانبياء 108 .
( 5 ) البقرة 43 , 83 , 110 , و النساء 77 , و النور 56 , و المزمل 20 .
( 6 ) النساء 11 .
و يؤيد هذا الوجه :
ما ذكره الطبرسى[ : من[ [ ( أن التفسير : كشف المراد عن اللفظ المشكل]( ( 1 ) .
و : أن الفقهاء فى جميع الاعصار كانوا يستدلون بالايات القرآنية , و كتاب ( من لا يحضره الفقيه ) مملوء منه , سيما كتاب المواريث و غيره ( 2 ) , و استدلالات الائمة عليهم السلام لاصحابهم الشيعة و لغيرهم بالايات , مما لا يعد و لا يحصى .
و حمل الطبرسى التفسير بالرأى على عدم مراعاة شواهد الالفاظ , و فيه بعد .
الثانى : أن المراد انحصار العلم بكل القرآن فى الائمة عليهم السلام . و يؤيده : ما رواه الكلينى , فى كتاب فضل القرآن : أن القرآن اسم للمجموع ( 3 ) , و ما رواه فى باب الرد إلى الكتاب و السنة , أو باب آخر قريب منه من أنه[ : ( لا يدعى العلم بجميع القرآن غيرنا إلا كذاب]( ( 4 ) .
الثالث : أن ههنا أخبارا معارضة للاخبار الاولة , كحديث عرض الحديث على كتاب الله , و الاخذ بالموافق و طرح المخالف خلف الحائط ( 5 ) . و فى هذا المضمون أخبار كثيرة بالغة حد التواتر , فلو فرض أن العلم بالقرآن لا يحصل إلا بالحديث , لم يكن للعرض فائدة .
و فى هذا الوجه دلالة على صحة الاعتماد على الاصل و ظاهر الحال , من
( 1 ) مجمع البيان : 1 13 الفن الثالث .
( 2 ) يكفى لصدق هذا المقال ملاحظة خطبة كتاب الكافى للكلينى ( منه رحمه الله ) .
( 3 ) الكافى : 2 630 كتاب فضل القرآن باب النوادرح 11 .
( 4 ) الكافى : 1 228 كتاب الحجة باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الائمة ( ع ) ح 1 و غيره .
( 5 ) الكافى : 1 69 كتاب فضل العلم باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب . ذكر بعضها الكلينى فى خطبة الكافى ( منه رحمه الله ) , مجمع البيان : 1 13 المقدمة الفن الثالث .
و على هذا , يسقط ما يتوهم من أنه على تقدير العلم بمضمون الاية , فالعلم ببقاء التكليف بمضمونه غير حاصل لنا , لاحتمال النسخ و التخصيص , وإذا حصل المتعارض فيجب على تقدير التكافؤ ـ حمل الاخبار الاولة على المتشابهات , كما لا يخفى .
و أما حديث التغيير فى القرآن : فهو مما نفاه الاكثر , و بالغ فيه السيد الاجل المرتضى فى جواب المسائل الطرابلسيات , و قد نقل كلامه الشيخ الطبرسى فى أوائل كتاب مجمع البيان ( 1 ) .
و على تقدير التسليم , فقد روى أيضا جواز العمل بهذا القرآن الموجود , حتى يقوم قائم آل محمد عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام ( 2 ) .
و اعلم : أنه يتصور فى حق المتجزى استغناؤه عن التفسير , كما لا يخفى , فتأمل .
و الثانى من القسم الثالث : العلم بالاحاديث المتعلقة بالاحكام , بأن يكون عنده من الاصول المصححة ما يجمعها , و يعرف موقع كل باب , بحيث يتمكن من الرجوع إليها .
و يتصور فى حق المتجزى الغناء عنها , ببعض الكتب الاستدلالية , كما لا يخفى .
و الثالث من الثالث : العلم بأحوال ( 3 ) الرواة فى الجرح و التعديل , و لو بالمراجعة إلى كتب الرجال .
( 1 ) مجمع البيان : 1 15 الفن الخامس .
( 2 ) انظر ما تقدم فى الهامش ( 2 ) من ص 148 .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : حال .
و وجه الاحتياج إليه : أن الاجتهاد بدون التمسك بالاحاديث غير متصور , و ليس كل حديث مما يجوز العمل به , إذ كثير من الرواة نقلوا فى حقهم أنهم من الكذابين المشهورين , فلا شك فى وجود رواية الكذب ( 1 ) , و ربما لا يمكن التمييز بغير الاطلاع على حال الراوى .
الاول : و هو ما ذهب إليه الفاضل مولانا محمد أمين الاسترآبادى أن العلم بأحوال الرواة غير محتاج إليه للعمل بأحاديث الاحكام ( 2 ) , لان أحاديثنا كلها قطعية الصدور عن المعصوم , و ما كان كذلك فلا يحتاج إلى ملاحظة سنده , أما الكبرى : فظاهرة , و أما الصغرى : فلان أحاديثنا محفوفة بقرائن مفيدة للقطع بصدورها عن المعصوم عليه السلام .
[ ( فمن جملة القرائن : أنه كثيرا ما نقطع بالقرائن الحالية أو المقالية , بأن الراوى كان ثقة فى الرواية , لم يرض بالافتراء , و لا برواية ما لم يكن بينا واضحا عنده , وإن كان فاسد المذهب أو فاسقا بجوارحه , و هذا النوع من القرينة وافرة فى أحاديث كتب أصحابنا .
و منها : تعاضد بعضها ببعض .
و منها : نقل الثقة العالم الورع فى كتابه الذى ألفه لهداية الناس , و لان يكون مرجع الشيعة أصل رجل أو روايته , مع تمكنه من استعلام حال ذلك الاصل , أو تلك الرواية , و أخذ الاحكام بطريق القطع عنهم عليهم السلام .
و منها : تمسكه بأحاديث ذلك الاصل , أو بتلك الرواية , مع تمكنه من أن يتمسك بروايات اخر صحيحة .
و منها : أن يكون راويه أحد من الجماعة التى أجمعت العصابة على
( 1 ) كذا فى النسخ . و لعله تصحيف : الكذاب .
( 2 ) الفوائد المدنية : 30 ( فى انكاره لما نقله عن العلامة الحلى ) و انظر أيضا : ص 40 و 53 و 56
و منها : أن يكون راويه من الجماعة التى ورد فى شأنهم من بعض الائمة عليهم السلام : [ ( أنهم ثقاة مأمونون]( أو : [ ( خذوا عنهم ( 1 ) معالم دينكم]( أو : [ ( هؤلاء أمناء الله فى أرضه]( , و نحو ذلك .
و منها : وجوده فى أحد كتابى الشيخ , و فى الكافى , و فى ( من لا يحضره الفقيه ) , لاجتماع شهاداتهم على صحة أحاديث كتبهم , أو على أنها مأخوذة من تلك الاصول المجمع على صحتها]( انتهى كلامه ( 2 ) .
و ذكر فى بيان شهاداتهم[ : ( أن ابن بابويه رحمه الله , ذكر فى أول كتابه : [( إنى لا اورد فى هذا الكتاب إلا ما افتى به , و أحكم بصحته , و هو حجة بينى و بين ربى]( ( 3 ) .
و قال محمد بن يعقوب فى أول الكافى , مخاطبا لمن سأله تصنيفه[ : ( و قلت : إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين , ما يكتفى به المتعلم , و يرجع إلى المسترشد , و يأخذ عنه من يريد علم الدين , و العمل به , بالاثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام , فاعلم يا أخى أرشدك الله تعالى : أنه لا يسع أحدا تمييز شىء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه , إلا ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام : [ ( اعرضوها على كتاب الله , فما وافق كتاب الله فخذوه , و ما خالف كتاب الله فردوه]( , و قوله عليه السلام : [ ( دعوا ما وافق القوم , فان الرشد فى خلافهم]( و قوله عليه السلام : [ ( خذوا بالمجمع عليه , فان المجمع عليه لا ريب فيه]( , و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله , و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه
( 1 ) كلمة ( عنهم ) : ساقطة من الاصل , و اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) الفوائد المدنية : 89 و كرر دعوى اجتماع شهاداتهم على صحة أحاديث كتبهم فى ص 176 منه .
( 3 ) الفقيه : 1 3 .
قال[ : ( إن كلامه قدس سره صريح فى أنه قصد بذلك التأليف إزالة حيرة السائل , و من المعلوم أنه لو لفق كتابه هذا مما ثبت وروده عن أصحاب العصمة صلوات الله عليهم و مما لم يثبت , لزاد السائل حيرة وإشكالا , فعلم أن أحاديث كتابه كلها صحيحة]( ( 3 ) .
و قال الشيخ الطوسى فى أول الاستبصار ( 4 ) ما حاصله[ : ( إن الحديث على خمسة أقسام , لانه : إما متواتر , أو لا . و الثانى : إما محفوف بالقرائن المفيدة للقطع , أو لا , و الثانى : إما لا يعارضه خبر آخر , أو يعارضه . و الثانى : إما إن لم يتحقق ( 5 ) الاجماع على صحة أحد الخبرين , أو على إبطال الاخر , أو لم يكن كذلك]( .
و جعل الاقسام كلها قطعية إلا الاخير , أما الاول و هو المتواتر : فظاهر . و أما المحفوف بالقرائن الموجبة للعلم : فظاهر أيضا , فانه صرح بأنه
( 1 ) فى النسخ و الكافى فى خطبته ـ : بأيما . و ما اثبتناه مطابق لما جاء فى ص 66 من المجلد الاول من الكافى .
( 2 ) الكافى : 1 8 9 خطبة الكتاب .
( 3 ) الفوائد المدنية : 50 و 272 الفائدة الاولى .
( 4 ) الاستبصار : 1 3 4 ( بتصرف فى اللفظ ) .
( 5 ) كذا فى الاصل , و أ . و فى ب أسقط : إن . و فى ط أسقط : اما . و لعل الصواب : اما أن لا يتحقق .
و قال أيضا[ : ( و أنت إذا فكرت فى هذه الجملة , وجدت الاخبار كلها لا تخلو من قسم من هذه الاقسام و وجدت أيضا ما عملنا عليه فى هذا الكتاب و فى غيره من كتبنا فى الفتاوى فى الحلال و الحرام لا يخلو من واحد من هذه الاقسام]( . و يفهم منه أن كل حديث عمل هو به فهو عنده صحيح ( 1 ) .
و قال فى أول التهذيب[ : ( و أذكر مسألة مسألة , فأستدل عليها , إما من ظاهر القرآن , أو من صريحه , أو فحواه , أو دليله , أو معناه , و إما من السنة المقطوع بها : من الاخبار المتواترة , أو الاخبار التى تقترن إليها القرائن التى تدل على صحتها , و إما من إجماع المسلمين , إن كان فيها , أوإجماع الفرقة المحقة , ثم أذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا المشهورة فى ذلك , و أنظر فيما ورد بعد ذلك مما ينافيها و يضادها , و ابين الوجه فيها , إما بتأويل أجمع بينها و بينها , أو أذكر وجه الفساد فيها , إما من ضعف إسنادها , أو عمل العصابة بخلاف متضمنها]( ( 2 ) .
( 1 ) اشار الاسترآبادى الى ذلك باستشهاده بكلام شيخ الطائفة : الفوائد المدنية : 50 و 67 .
( 2 ) التهذيب : 1 3 المقدمة .
و هذا الكلام صريح فى أن ما لم يتعرض لتأويله أو طرحه , فهوإما من المتواتر , أو من المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع , أو من الاحاديث المشهورة عند أرباب الحديث . فالاولان : ظاهر أنهما من قبيل القطعى , و أما الثالث : فهو أيضا كذلك , إذ شهرة الحديث عند أربابه , أيضا مما يفيد القطع بصدوره عن المعصوم .
و بيان شهادة الشيخ الطوسى رحمه الله بهذا الوجه الذى ذكرته فى هذه الرسالة , مما لم أجده فى كلام هذا القائل , بل هو نقل أن الشيخ فى كتاب العدة , ذكر : [( أن ما عملت به من الاخبار فهو صحيح]( ( 1 ) , و لكنى تصفحت العدة , فما رأيت هذا الكلام فيه .
و ذكر أيضا[ : ( أن الشيخ كغيره , كان متمكنا من إيراد الاخبار الصحيحة , من الكتب القطعية الاخبار فلا وجه لتلفيقه الاخبار الصحيحة و الضعيفة , بل هذا مما يقطع العقل بسبب العادة بامتناعه .
و يمكن أن يكون قوله[ : ( لاجتماع شهاداتهم على صحة أحاديث كتبهم]( إشارة إلى كلام الكلينى , و ابن بابويه رحمهما الله تعالى .
و قوله[ : ( أو على أنها مأخوذة من تلك الاصول , المجمع على صحتها]( إشارة إلى كلام الشيخ الطوسى فى العدة , حيث قال : فى بيان جواز العمل بخبر الواحد , الوارد من طريق أصحابنا الامامية , المروى عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم , و الائمة عليهم السلام , إذا كان الراوى ممن لا يطعن فى روايته , و يكون سديدا فى نقله[ ( و الذى يدل على ذلك : إجماع الفرقة المحقة , فانى
( 1 ) فقد قال الاسترآبادى[ : ( ان رئيس الطائفة صرح فى كتاب العدة و فى أول الاستبصار بان كل حديث عمل به مأخوذ من الاصول المجمع على صحة نقلها , و نحن نقطع عادة بانه ما كذب]( الفوائد المدنية : 183 . و ذكر مثل ذلك أو قريبا منه فى ص 41 و 49 و 67 و 177 و 193 و مواضع اخر من الكتاب المذكور .
و الجواب عن هذا الشك : منع كون أخبارنا كلها قطعية , ليلزم الاستغناء عن النظر فى أحوال الرجال , و ما ذكره من القرائن , لا يدل شىء منها على المدعى .
أما الاول : فلان العلم بكون الراوى ثقة لا يرضى بالافتراء . . . إلى آخره لا يحصل إلا بالنظر فى أحوال الرجال , و هو ظاهر .
مع : أن حصول هذا العلم مطلقا ممنوع , و سيما مع العلم بكون الراوى فاسد المذهب , أو فاسقا بجوارحه , غايته حصول الظن .
و أيضا : و فور هذا النوع من القرينة ممنوع , إذ ظاهر : أن خبرا , تكون سلسلة سنده كلها , رجالا يحصل فى كل منهم العلم بعدم افترائه و غلطه و سهوه ـ فى غاية الندرة .
و أما الثانى : فلان تعاضد البعض بالبعض , لا يوجب حصول القطع بالحديث .
مع : أن الاخبار المتعاضدة , المتحدة المعانى , التى لا تكون مشتركة فى شىء من رجال السند قليلة الوجود , فلا توجب الاستغناء المذكور .
و أما الثالث : فلان نقل الثقة لا يوجب القطع .
و أيضا : قوله[ : ( مع تمكنه من أخذ الاحكام بطريق القطع]( ممنوع , إذ
( 1 ) كذا فى أ و ب و المصدر . و فى الاصل و ط : مجتمعة .
( 2 ) عدة الاصول : 1 47 .
و لو سلم إمكان القطع فى بعض الاحكام بالنسبة إليهم , فهذا لا يوجب اقتصارهم على إيراد القطعيات , و ترك غيرها , بل عليهم إيراد الجميع , مع ذكر ما يحصل به التمييز ( 1 ) بين المعتمد و غيره , من ذكر رجال أسانيد الاخبار , و قد فعلوا ذلك , و سيجىء بقية الكلام فيه إن شاء الله تعالى .
و أما الرابع : فلان الجماعة التى نقل الاتفاق على العمل بحديثهم , فى غاية القلة .
مع : أنه لا يحصل العلم بأنه منهم إلا بمعرفة الرجال .
و أيضا : هذا الاجماع ظنى , لانه منقول من طريق الاحاد ( 2 ) , فلا يوجب القطع بالحديث , بل لا يوجبه لو كان متواترا أيضا , لانه فرع عدم جواز العمل بغير القطعى ( 3 ) , وإلا فيجوز أن يكون عمل العصابة بحديثه , و ( 4 ) وصف حديثه بالصحة , لكونه ثقة يحصل الظن بحديثه .
و أيضا : لا يكاد يوجد حديث , يكون جميع رجال السند ممن أجمعت العصابة على تصحيح حديثه , و هو فى غاية الظهور .
و أما الخامس : فالكلام فيه كالرابع .
و أما السادس : فلان شهادة المشايخ الثلاثة , بل إخبارهم بصحة أخبار ( 5 ) كتبهم , لا يستلزم قطعيتها عندهم , فضلا عن قطعيتها عندنا , فانه كما أن اتصاف الحديث بالصحة عند المتأخرين , لا يستلزم قطعيته , فكذا عند
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : التميز .
( 2 ) كلمة ( الاحاد ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 3 ) فى أ , و ط : القطع .
( 4 ) الواو : ساقطة من الاصل و ب و ط , و قد اثبتناها من نسخة أ .
( 5 ) كلمة ( اخبار ) : ساقطة من الاصل و قد اثبتناها من سائر النسخ .
قال الشيخ الفقيه بهاء الملة و الدين فى فواتح كتاب مشرق الشمسين[ : ( كان المتعارف بين القدماء إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضى اعتمادهم عليه , أو اقترن بما يوجب الوثوق به و الركون إليه , و ذلك بأمور :
منها : وجوده فى كثير من الاصول الاربعماءة , التى نقلوها عن مشايخهم , بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة سلام الله عليهم , و كانت متداولة لديهم فى تلك الاعصار , مشتهرة بينهم اشتهار الشمس فى رائعة النهار .
و منها : تكرره فى أصل واحد , أو أصلين منها فصاعدا , بطرق مختلفة و أسانيد عديدة معتبرة .
و منها : وجوده فى أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم , كزرارة , و محمد بن مسلم , و الفضيل ( 1 ) بن يسار , أو على تصحيح ما يصح عنهم , كصفوان بن يحيى , و يونس بن عبدالرحمن , و أحمد بن محمد ابن أبى نصر , أو على العمل بروايتهم , كعمار الساباطى , و نظرائه , ممن عدهم شيخ الطائفة فى كتاب العدة , كما نقله عنه المحقق فى بحث التراوح من المعتبر ( 2 ) .
و منها : اندراجه فى أحد الكتب , التى عرضت على أحد الائمة عليهم السلام , فأثنوا على مؤلفها , ككتاب عبيدالله بن على الحلبى , الذى عرض على الصادق عليه السلام , و كتابى : يونس بن عبدالرحمن , و الفضل بن شاذان , المعروضين على العسكرى عليه السلام .
و منها : أخذه من أحد الكتب التى شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد
( 1 ) فى ط : الفضل .
( 2 ) المعتبر : 1 60 .
و قد جرى ثقة الاسلام , رئيس المحدثين , محمد ابن بابويه قدس الله روحه على متعارف القدماء , من إطلاق الصحيح على ما يركن إليه و يعتمد عليه , فحكم بصحة جميع ( 2 ) ما أورده من الاحاديث فى كتاب من لا يحضره الفقيه , و ذكر أنه استخرجها من كتب مشهورة , عليها المعول وإليها المرجع]( انتهى كلامه أعلى الله مقامه ( 3 ) .
و إذا كانت الاحاديث ظنية , فيجب الفحص عن أحوال أسانيدها , حتى يعلم أن هذا الظن مما يجوز التعويل عليه ( 4 ) :
لعموم النهى عن اتباع الظن .
و لقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ( 5 ) أو فتثبتوا ( 6 ) .
فان قلت : إخبار العدل بصحة خبر الفاسق , يخرج الخبر عن كونه خبرا للفاسق , و يدخله فى خبر العدل , فلا دلالة فى الاية حينئذ على منع العمل به .
قلت : لا نسلم ذلك , بل الجائى بالنبأإنما هو الفاسق , و خبر العدل ليس هو الحديث , بل صحة خبر الفاسق .
( 1 ) فى ط : أبى , و فى المصدر المنقول عنه النص : ( بنى خ ل ) .
( 2 ) كلمة ( جميع ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ , و هى مثبتة فى المصدر أيضا .
( 3 ) مشرق الشمسين : الصفحة الثانية ( المرقمة ب 269 من مجموعة طبعت باسم : رسائل الشيخ بهاء الدين ) .
( 4 ) كلمة ( عليه ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 5 ) الحجرات 6 .
( 6 ) اشارة الى القراءة الاخرى فى الاية . لاحظ : مجمع البيان ذيل الاية المباركة . و فى ط : أى . بدل : أو .
و لا أقل : يحصل التعارض , وإثبات شىء من التكاليف يحتاج إلى دليل , فتأمل .
و أيضا : فالظاهر أن إخبار ابن بابوبه رحمه الله بصحة أخبار كتابه , ليس من حيث علمه بصحة خصوصية كل خبر منها , بل لاجل صحة الكتب التى أخذ الاخبار منها .
مع : أنه كثيرا ما يرد الاخبار المأخوذة من هذه الكتب بالقدح فى أسانيدها , و كثيرا ما يرد الرواية بأنه تفرد فلان بها , و يذكر اسم رجل هو ثقة صاحب كتاب معتمد , كما قال فى أول باب وجوب الجمعة و فضلها , فى رواية حريز عن زرارة [ :( تفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة , و الذى أستعمله و افتى به كذا . . . ]( إلى آخره ( 1 ) . فلو كان كتاب زرارة أو حريز عنده قطعيا , لم يكن تفرد حريز ضارا , كما لا يخفى , و قال فى كتاب الحج , فى باب إحرام الحائض و المستحاضة , بعد نقل رواية محمد بن مسلم عن أحدهما[ : ( و بهذا الحديث افتى , دون الحديث الذى رواه محمد بن مسكان , عن إبراهيم بن إسحاق , عمن سأل أبا عبدالله عليه السلام . . . الحديث , لان هذا الحديث إسناده منقطع , و الحديث الاول رخصة و رحمة , وإسناده متصل]( ( 2 ) . و أمثال ذلك فى هذا الكتاب كثير .
و الحاصل : أن تعرضه لقبول الحديث و لرده ( 3 ) بسبب الاسناد كثير , مع وحدة الكتاب المأخوذ منه , و هذا ينافى قطعية الكتاب عنده .
و أيضا : تعرضه لذكر المشيخة على هذا عبث , بل ينبغى على هذا أن يقول : إنى أخذت الاخبار من الكتب القطعية , و الاحاديث قطعية , لا يحتاج إلى الاطلاع على رواتها , و على طريقى إليهم .
( 1 ) الفقيه : 1 411 فى تعليقه على الحديث 1219 .
( 2 ) الفقيه : 2 383ح 2766 , 2767 .
( 3 ) فى ط : و كذا رده .
و كذا الكلام على الكلينى ( 1 ) .
مع : أن ابن بابوبه كثيرا ما يطرح الروايات المذكورة فى الكافى :
قال فى باب ( الرجل يوصى إلى رجلين ) بعد ما ذكر توقيعا من التوقيعات , الواردة من الناحية المقدسة[ : ( هذا التوقيع عندى بخط أبى محمد الحسن بن على عليهما السلام , و فى كتاب محمد بن يعقوب الكلينى رحمه الله رواية ( 2 ) خلاف ذلك التوقيع , عن الصادق عليه السلام]( , ثم قال[ : ( لست افتى بهذا الحديث مشيراإلى رواية محمد بن يعقوب بل افتى بما عندى بخط الحسن ابن على عليهما السلام , و لو صح الخبران جميعا لكان الواجب الاخذ بقول الاخير , كما أمر به الصادق عليه السلام , و ذلك أن الاخبار لها وجوده و معان , و كل إمام أعلم بزمانه و أحكامه , من غيره من الناس]( ( 3 ) .
و قال فى باب ( الوصى يمنع الوارث ) بعد نقل حديث[ : ( ما وجدت هذا الحديث إلا فى كتاب محمد بن يعقوب الكلينى رضى الله عنه , و ما رويته إلا من طريقه , حدثنى به غير واحد , منهم محمد بن محمد بن عصام الكلينى , عن محمد بن يعقوب الكلينى]( ( 4 ) .
و طرح الشيخ الطوسى لاحاديث الفقيه , و الكافى , و كذا السيد المرتضى , و غيرهما أكثر من أن يحصى , و هذا يدل على أن هذه الاخبار لم تكن قطعية عند قدماء أصحابنا .
هذا , و الاقوى فى هذا الزمان : جواز العمل بالاخبار المودعة فى الكتب الثلاثة , لمن له أهلية العمل بالحديث , من دون ملاحظة الاسانيد , بشرط :
عدم المعارض .
( 1 ) كلمة ( الكلينى ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) كلمة ( رواية ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 3 ) الفقيه : 4 203 فى تعليقه على الحديث 5471 , 5472 .
( 4 ) الفقيه : 4 223 معلقا بذلك على الحديث 5526 .
و عدم كون مضمونه مخالفا لعمل المشاهير من فقهائنا .
و سيجىء تحقيق حكم صورة التعارض فى بحث التراجيح , إن شاء الله تعالى .
الشك الثانى : شك اعتبار مطلق الظن , و هو مما اختاره بعض الفضلاء ( 1 ) , و صورته أن يقال : قد حصل لنا من تتبع آثار العلماء , أنهم كانوا يعملون بكل ما حصل لهم الظن بأنه مراد المعصوم , سواء كان منشأ حصول هذا الظن رواية صحيحة أو لا , مسندة أو لا , مرسلة أو لا , إلى غير ذلك .
و يلزم على هذا : أن لا يكون العلم بأحوال الرواة محتاجاإليه , إذ ربما يحصل هذا الظن من رواية من هو فى غاية الضعف , و لا يحصل من رواية من هو فى غاية الثقة .
و الجواب : لا نسلم عمل العلماء بكل ما حصل لهم الظن به , بل الظاهر من أحوال القدماء عدم عملهم إلا بالقطعيات , و كلام السيد المرتضى , و ابن إدريس , و ابن زهرة , ينادى بأعلى صوته بمنع العمل بالظنيات , كما لا يخفى على من له أدنى تتبع , و أكثر هذه الاخبار الضعيفة باصطلاح المتأخرين , كان صحيحا عند القدماء .
و أيضا : لا يجوز أن يكون الظن من حيث هو ظن مناطا للاحكام الشرعية , ما لم يكن ناشئا عما ثبت اعتباره شرعا , إذ كثيرا ما يحصل هذا الظن بأسباب اخر , مثل : هوى النفس , أو التعصب , أو الحسد , أو نحو ذلك , كما هو محسوس مشاهد , و على هذا , فيحصل الهرج و المرج فى الدين , لاختلاف الناس فى هذه الاسباب , فيجب أن يكون الظن الذى يجوز العمل به مضبوطا , بأن يكون ناشئا من الكتاب المجيد ( 2 ) , أو الحديث الصحيح , أو
( 1 ) هو المحقق الشيخ حسن فى : معالم الدين : 192 قوله : ( الرابع ان باب العلم القطعى بالاحكام الشرعية إلى آخره ) . و تقرير الدليل للمصنف .
( 2 ) كلمة ( المجيد ) : زيادة من أ و ب و ط .
بل الحق : أن العمل بهذه الادلة ليس عملا بالظن , بل عمل بكلام من يجب اتباعه , غاية الامر الاكتفاء بالظن الخاص فى نسبة هذا الكلام إلى من يجب اتباعه .
الشك الثالث : أنه وقع الاختلاف فى أسباب الجرح . فقيل : الكبائر سبع . و قيل : أكثر . و قيل : بأنها إضافية . و على هذا , لا يمكن الاعتماد على تعديل المعدل و جرحه , إلا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل , و هذا العلم مما لا يكاد يمكن حصوله , إذ المعدلين و الجارحين و هم : الكشى , و النجاشى , و الشيخ الطوسى , و ابن طاوس , و ابن الغضائرى , و غيرهم ليس مذهبهم فى عدد الكبائر معلوما , بل صرح الشيخ بتوثيق المتحرز عن الكذب وإن كان فاسقا فى ( 1 ) أفعال جوارحه , و توثيق بعض المتأخرين , كالعلامة , و ابن داود , مبنى على توثيق القدماء .
و أيضا : اعتبر بعض العلماء ( 2 ) فى الجرح و التعديل شهادة إثنين , و على هذا : لا يوجد حديث صحيح , يكون جميع رجال سنده معدلا بتعديل عدلين .
و أيضا : تعديل هؤلاء المعدلين مبنى على غيرهم , مع عدم معلومية
( 1 ) زاد فى أ فى هذا الموضع كلمة : جميع .
( 2 ) كالمحقق الحلى : معارج الاصول : 150 .
و المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 204 , و : منتقى الجمان : 1 16 الفائدة الثانية .
و الشيخ بهاء الدين العاملى : مشرق الشمسين : 4 ( المرقمة ب 471 تسلسل رسائل الشيخ بهاء الدين ) حيث ورد فى الهامش : ( و الحاصل انى أشترط فى الرواية اخبار ثلاثة : واحد بها , و اثنين بعدالة راويها , و اشترط فى التزكية إخبار اثنين لا غير . منه طاب ثراه ) . و لكن يظهر من المتن خلاف ذلك .
و المحدث الاسترآبادى : الفوائد المدنية : 256 قوله[ ( فائدة : يفهم من هذين الحديثين الشريفين الى آخره]( .
و هذا الشك مما أورده الشيخ الفقيه بهاء الملة والدين فقال[ : ( من المشكلات أنا نعلم مذهب الشيخ الطوسى رحمه الله فى العدالة , و أنه يخالف مذهب العلامة رحمه الله , و كذا لا نعلم مذهب بقية أصحاب الرجال , كالكشى , و النجاشى , و غيرهم , ثم نقبل تعديل العلامة رحمه الله فى التعديل على تعديل أولئك . و أيضا : كثير من الرجال , ينقل عنه أنه كان على خلاف المذهب ثم رجع و حسن إيمانه , و القوم يجعلون روايته من الصحاح , مع أنهم غير عالمين بأن أداء الرواية متى وقع ؟ أبعد التوبة ؟ أم قبلها ؟ و هذان المشكلان لا أعلم أن أحدا قبلى , تنبه لشىء منهما]( انتهى كلامه ( 1 ) .
و أيضا : العدالة بمعنى الملكة المخصوصة التى ذهب إليها المتأخرون , مما لا يجوز إثباته بالشهادة , لان الشهادة و خبر الواحد ليس حجة إلا فى المحسوسات , و العدالة بمعنى الملكة المخصوصة ليست محسوسة , كالعصمة , فلا تقبل فيها الشهادة , فلا يعتمد على تعديل المعدلين بناءا على طريقة المتأخرين , و هذا مما أورده الفاضل الاسترآبادى ( 2 ) .
و أيضا : قد تقرر فى محله أن شهادة فرع الفرع غير مسموعة , و لا تقبل
( 1 ) لم نعثر على هذا النص فيما طبع من آثار و مصنفات الشيخ بهاء الدين , كالزبدة و الوجيزة و الحبل المتين و مشرق الشمسين و ما عليها من حواشيه و تعليقاته , و غيرها , و أما مصنفاته التى لم تطبع الى الان فلم نعثر على نسخها الخطية رغم البحث عنها كحواشيه على القواعد للشهيد الاول , و حواشيه على شرح العضد . هذا و قد نقل النص المذكور اعلاه المحدث البحرانى أيضا فى : الحدائق الناضرة المقدمة : 1 24 ( فى الهامش ) .
( 2 ) قد يتصيد هذا المطلب من مواضع متعددة من كلام الاسترآبادى فى الفوائد المدنية منها ما ذكره فى ص 247 و 253 فان كلماته تلوح بذلك , و لكن للمحدث الاسترآبادى مصنفات اخرى لعل المصنف ينقل هذا النص منها , كالفوائد المكية الذى سبق ذكره عند المصنف بالاسم فى ص 212 و نقل منه بعض كلام الاسترآبادى و كتعليقاته على المدارك التى وقف عليها المحدث البحرانى و نقل منها كلام الاسترآبادى بلفظه فى : الدرر النجفية درة فى الاستصحاب ص 34 .
و أيضا : قلما يخلو اسم عن اشتراكه بين جماعة بعضهم غير معدل , و كثيرا ما لا يحصل العلم بأن الشخص الواقع فى سند الرواية المخصوصة هو ذلك الثقة أو غيره , و قلما يحصل بكثرة التتبع ظن ضعيف بأنه هو الثقة لا غير , و اعتبار مثل هذا الظن فى الشرع , بحيث يعتمد عليه فى الاحكام الشرعية , مما لا دليل عليه , فلا يتحقق للتعديل فائدة يعتد بها , حتى يكون علم الرجال محتاجاإليه .
و أيضا : على تقدير العلم بأن رجال الرواية الفلانية ثقات , لا يحصل العلم بعدم سقوط جماعة من رجال السند من البين , فلا يمكن حصول العلم بصحة الحديث بالاصطلاح المشهور , و حينئذ فلا يحصل أيضا للتعديل فائدة لنا يعتد بها .
و قد ذكر صاحب منتقى الجمان[ : ( أن فى كثير من روايات الشيخ الطوسى , عن موسى بن القاسم البجلى , فى كتاب الحج علة , و ذلك أن الشيخ أخذ الحديث من كتاب موسى بن القاسم , و هو قد أخذ الحديث من كتب جماعة , و ذكر أول السند فى أول رواياته , ثم بعد ذلك ذكر صاحب
( 1 ) كلمة ( الكشى ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مؤلفات الاسترآبادى , نعم فى ص 251 من الفوائد المدنية ما يناسبه .
و ذكر أيضا[ : ( أن الكلينى قد لا يذكر أول سنده , اعتمادا على إسناد سابق قريب , والشيخ رحمه الله ربما غفل عن المراعاة , فأورد الاسناد من الكافى بصورة وصله بطريق الكلينى , من غير ذكر الواسطة المتروكة , فيصير الاسناد فى رواية الشيخ له منقطعا , و لكن مراجعة الكافى تفيد وصله]( انتهى كلامه ( 2 ) .
و لا يخفى : أنه لا يؤمن وقوع مثل ذلك من الشيخ رحمه الله فيما نقله من غير الكافى من كتب الحديث أيضا , و كذا فى حق غيره كما عرفت .
و أيضا : كثيرا ما يذكر جماعة من الرواة بعطف بعضهم على بعض , و بعد التتبع يعلم أن العطف سهو , و الواجب نقل البعض عن البعض , و كذا الحال فى عكس ذلك .
قال فى المنتفى[ : ( و من المواضع التى اتفق فيها هذا الغلط مكررا , رواية الشيخ , عن سعد بن عبدالله , عن أحمد بن محمد بن عيسى , عن عبدالرحمن ابن ابى نجران , و على بن حديد , و الحسين بن سعيد , فقد وقع فى خط الشيخ رحمه الله فى عدة مواضع منها , إبدال إحدى واوى العطف بكلمة ( عن ) و قد اجتمع الغلط بالنقيصة و بالزيادة فى رواية سعد عن الجماعة المذكورة بخط الشيخ رحمه الله فى إسناد حديث زرارة[ : ( عن أبى جعفر عليه السلام فيمن صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر و هو بمكة , أو غيرها , أنه قال : يصلى ركعتين]( فان
( 1 ) منتفى الجمان المقدمة الفائدة الثالثة : 1 25 .
( 2 ) منتفى الجمان المقدمة الفائدة الثالثة : 1 24
و أيضا : حكم الحاكم بتعديل المعدلين و جرح الجارحين , حكم بشهادة الميت , و هو ظاهر .
و الجواب عن جميع هذه الشكوك العشرة المذكورة هههنا بعد إمكان الاجوبة الجدلية عن كل منها هو : أن أحاديث الكتب الاربعة , أعنى , الكافى , و الفقيه , و التهذيب , و الاستبصار , مأخوذة من اصول و كتب معتمدة معول عليها , كان مدار العمل عليها عند الشيعة , و كان عدة من الائمة عليهم السلام عالمين ( 2 ) بأن شيعتهم يعملون بها فى الاقطار و الامصار , و كان مدار مقابلة الحديث و سماعه فى زمن العسكريين عليهما السلام , بل بعد زمن الصادق عليه السلام , على هذه الكتب , و لم ينكر أحد من الائمة عليهم السلام على أحد من الشيعة فى ذلك , بل قد عرض عدة من الكتب عليهم , ككتاب الحلبى , و كتاب حريز ( 3 ) و كتاب سليم بن قيس الهلالى , و غير ذلك , و العلم بأخذ الكتب الاربعة من هذه الاصول المعتمدة , يحصل من إخبار المحمدين الثلاثة رحمهم الله , على ما مر مفصلا , و من شهادة القرائن بأن تمكنهم من أخذ الاخبار من هذه الكتب المعتمدة , يمنعهم من أخذها من الكتب التى لا يجوز العمل بها , و العادة شاهدة بأن من صنف كتابا , و تمكن من إيراد ما هو الحق عنده , لا يرضى بايراد المشتبهات و المشكوكات .
إذا عرفت هذا , فنقول : إنا لما حصل لنا علم عادى بأن أخبار الكتب
( 1 ) منتقى الجمان المقدمة الفائدة الثالثة : 1 26 .
( 2 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : عالما .
( 3 ) عبارة ( و كتاب حريز ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
فان قلت : فعلى هذا تكون أخبار الكتب الاربعة قطعية الصدور من المعصوم , كما قال به المورد المذكور .
قلت : لا يلزم من كون جواز العمل بهذه الكتب قطعيا , كون أخبارها قطعية الصدور من المعصوم , إذ يجوز من المعصوم عليه السلام تجويز العمل بكتاب مشتمل على الاخبار الكثيرة , بحيث يعلم عدم صدور بعضها منه و من غيره من الائمة , لعدم تمكنه من تمييز ( 1 ) الصحيح من غيره , لتقية , أو ضيق وقت , أو نحو ذلك , و هذا غير خفى .
فان قلت : فاذا جاز العمل بما فى هذه الكتب , فلا يحتاج فى العمل إلى العلم بأحوال الرجال عند التعارض أيضا , إذ يصير من قبيل تعارض القطعيين , و حكمه : العرضان , أو التخيير , أو التوقف , أو الاحتياط , كما سيجىءإن شاء الله تعالى .
قلت : قد عرفت أن قطعية العمل لا تقتضى قطعية الحديث , و نحن قد حصل لنا القطع بجواز العمل فى صورة عدم التعارض , و لهذا ترى جل الفقهاء بل كلهم يستدلون على المطالب بالاخبار الضعيفة السند , و يكفى فى ذلك ملاحظة الكتب الاستدلالية للشيخ , و السيد المرتضى , و العلامة ,
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : تميز .
و الحاصل : أن المعلوم هو جواز العمل بهذه الاخبار عند عدم التعارض , و أما فى صورة التعارض فجواز العمل بأحدهما مع إمكان ترجيح أحدهما على الاخر بملاحظة حال الراوى , أو نحوه غير معلوم , بل المعلوم من حال السلف عدم العمل بدون التفتيش , فيحتاج إلى التفتيش ( 1 ) عن حال الرواة , لانه من جملة ما يحصل به الترجيح ضرورة .
على : أن الشكوك المذكورة مصادمة للضرورة , إذ ربما يحصل من التفتيش العلم العادى بعدالة بعض الرواة و ضبطه و ديانته , فانا بعد التفتيش حصل لنا القطع بثقة مثل سلمان الفارسى رضى الله عنه , و المقداد , و أبى ذر , و عمار , رضى الله عنهم , و نظرائهم , و زرارة , و بريد ( 2 ) , و أبى بصير المرادى , و الفضيل , و نظرائهم , و جميل بن دراج , و صفوان , و ابن أبى عمير , و البزنطى , و نظرائهم , وإنكار ذلك مكابرة .
و ربما نحكم بعدالة شخص لم نره , و لم يشهد عندنا من نعتمد على قوله , بل بمجرد الاطلاع على أحواله و سيرته , و علمنا بعدالة مثل الشيخ أبى جعفر الطوسى , و السيد المرتضى , و المحقق , و أمثالهم من هذا القبيل , فانا قبل ملاحظة كتب الرجال كان هذا العلم حاصلا لنا من تقديم العلماءإياهم و الاقتداء بهم , إلى غير ذلك من القرائن , فلا يلزم من الشكوك المذكورة سد باب الاحتياج إلى علم الرجال و التفتيش عن أحوالهم .
نعم هذا العلم لا يحصل إلا فى قليل من الرواة غير أصحاب الاصول .
( 1 ) قوله ( فيحتاج الى التفتيش ) : ساقط من الاصل و ب , و اثبتناه من نسختى أ و ط .
( 2 ) فى أ و ط : يزيد .
و أما أصحاب الاصول : فيمكن تحصيل هذا العلم فى كثير منهم .
ثم تحصيل العلم بأن الرجال الذين بينهم و بين مصنفى الكتب الاربعة , من شيوخ الاجازة , فلا يضر عدم عدالتهم فى صحة الحديث .
و أيضا : فان بعض الرواة قد وردت الاخبار من الائمة الاطهار بلعنهم , و ذمهم , و الاجتناب عنهم , و بأنهم من الكذابين و المفترين , مثل : فارس بن حاتم القزوينى , و أبى الخطاب محمد ابن أبى زينب , و المغيرة بن سعيد , و نظرائهم , و يشكل جواز العمل بروايات هؤلاء الملعونين الكذابين , وإن كانت موجودة فى الكتب الاربعة , إلا أن تكون معتضدة باحدى القرائن المذكورة , لانا لا نعلم أن قدماءنا كانوا يعملون بأخبار هؤلاء , و إن كانت مودعة فى الاصول المعتمدة , فيحتاج إلى معرفة الرجال ليتميز ( 1 ) من نص بعدم جواز العمل بروايتهم عن غيرهم .
و اعلم : أن ههنا أشياء اخر , سوى العلوم المذكورة , لها مدخلية فى الاجتهاد , إما بالشرطية , أو المكملية :
و لم يذكره الاكثر فى العلوم الاجتهادية , و جعله بعضهم من المكملات , و عده بعض العامة من الشرائط ( 2 ) , و هو المنقول عن السيد الاجل المرتضى فى الذريعة ( 3 ) , و عن الشهيد الثانى فى كتاب آداب العالم و المتعلم ( 4 ) , و عن الشيخ
( 1 ) كذا فى ب , و فى الاصل و ط : لتميز و فى أ : لتمييز .
( 2 ) لم أعثر على مأخذ ذلك فى ما لدى من المصادر .
( 3 ) لم يزد السيد فى الذريعة على القول بأن ( الذى يجب أن يكون عليه المفتى هو أن يعلم الاصول كلها على سبيل التفصيل و يهتدى الى حل كل شبهة تعترض فى شىء منها , و يكون أيضا عالما بطريقة استخراج الاحكام من الكتاب و السنة و عارفا من اللغة و العربية بما يحتاج اليه فى ذلك ) : الذريعة : 2 800 .
( 4 ) المسمى ب : منية المريد فى آداب المفيد و المستفيد : الخاتمة المطلب الاول الفصل الثانى ص 225 .
و لم يفرق أحد بينه و بين علم المعانى فى الشرطية و المكملية إلا ابن جمهور ( 2 ) , فانه عد علم المعانى من المكملات , و سكت عن البيان و علل ب : أن أحوال الاسناد الخبرى , إنما يعلم فيه , و هو من المكملات للعلوم العربية .
و لم أجد أحدا ذكره إلا ما نقل عن الشهيد الثانى فى الكتاب المذكور ( 3 ) , و صاحب كفاية الطالبين ( 4 ) , فانهما عدا العلوم الثلاثة أجمع فى شرائط الاجتهاد .
و الحق : عدم توقف الاجتهاد على العلوم الثلاثة , أما على تقدير صحة التجزى : فظاهر , و أما على تقدير عدم صحة التجزى : فلان فهم معانى العبارات لا يحتاج فيه إلى هذه العلوم , لان فى هذه يبحث عن الزائد على أصل المراد .
فان المعانى : علم يبحث فيه عن الاحوال التى بها يطابق الكلام لمقتضى الحال , كأحوال الاسناد الخبرى , و المسندإليه و المسند و متعلقات الفعل , و القصر و الانشاء , و الفصل و الوصل , و الايجاز و الاطناب و المساواة . و بعض مباحث القصر و الانشاء المحتاج إليه يذكر فى كتب الاصول .
و البيان : علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة . و ما يتعلق
( 1 ) كفاية الطالبين ص 38 من مخطوطة محفوظة برقم 2805 , و : الصفحة قبل الاخيرة من مخطوطة اخرى محفوظة برقم 7212 , و : الصفحة قبل الاخيرة أيضا من مخطوطة ثالثة محفوظة برقم 2538 , ثلاثتها من نفائس مكتبة ( آستان قدس رضوى ) فى مشهد ايران .
( 2 ) كاشفة الحال عن احوال الاستدلال ورقة 8 أ من مخطوطة محفوظة برقم 4700 فى مكتبة آية الله العظمى النجفى المرعشى العامة بقم ايران , و : ورقة 4 أ من مخطوطة اخرى محفوظة ضمن مجموعة برقم 6322 فى المكتبة المذكورة .
( 3 ) منية المريد : 225 .
( 4 ) اشرنا الى المأخذ آنفا .
و البديع : علم يعرف به وجوه محسنات الكلام . و ليس شىء من مباحثه مما يتوقف عليه الفقه .
نعم , لو ثبت تقدم الفصيح على غيره , و الافصح على الفصيح , فى باب التراجيح أمكن القول بالاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة لغير المتجزى , و له فى بعض الاحيان إذ فصاحة الكلام و أفصحيته مما لا يعلم فى مثل هذا الزمان إلا بهذه العلوم الثلاثة , و كذا على تقدير تقدم الكلام الذى فيه تاكيد أو مبالغة على غيره , و سيجىء الكلام على هذه الامور فى باب التراجيح إن شاء الله تعالى , و لكن لا شك فى مكملية هذه العلوم الثلاثة للمجتهد .
الرابع : بعض مباحث علم الحساب , كالاربعة المتناسبة , و الخطأين و الجبر و المقابلة ( 1 ) , و هو أيضا مكمل و ليس شرطا , أما فى المتجزى : فظاهر , و أما فى غيره : فلانه ليس على الفقيه إلا الحكم باتصال الشرطيات , و أما تحقيق أطراف الشرطية فليس فى ذمته , مثلا : عليه أن يحكم بأن من أقر بشىء فهو مؤاخذ به , و ليس عليه بيان كمية المقربه فى قوله : ( لزيد على ستة إلا نصف ما لعمرو , ولعمرو على ستة إلا نصف ما لزيد ) مثلا , فتأمل .
الخامس : بعض مسائل علم الهيأة , مثل ما يتعلق , بكروية الارض , للعلم بتقارب مطالع بعض البلاد مع بعض أو تباعدهما , و كذا لبعض مسائل الصوم , مثل : تجويز كون الشهر ثمانية و عشرين يوما بالنسبة إلى بعض الاشخاص .
السادس : بعض مسائل الهندسة , كما لو باع بشكل العروس مثلا ( 2 ) .
( 1 ) تجد توضيح هذه المصطلحات فى : مفتاح السعادة : 1 370 , و : ابجد العلوم : 2 263 .
( 2 ) شكل العروس عند القدماء من علماء الهندسة عبارة عن : كل مثلث قائم الزواية , فان مربع وتر زاويته القائمة يساوى مربعى ضلعيها و إنما سمى به لحسنه و جماله . انظر : كشاف اصطلاحات الفنون : 1 785 .
السابع : بعض مسائل الطب , كما لو احتاج إلى تحقيق ( القرن ) و نحوه .
و ليست هذه العلوم محتاجاإليها , لما عرفت , و إلا لزم الاحتياج إلى بعض الصنائع , كالعلم بالغبن , و العيوب , و نحو ذلك .
و لم يذكره الاكثر فى الشرائط .
و الحق : أنه لا يكاد يحصل العلم بحل الاحاديث و محاملها بدون ممارسة فروع الفقه .
التاسع : العلم بمواقع الاجماع و الخلاف , لئلا يخالف الاجماع .
و هذا شرط لا يستغنى غير المتجزى عنه , و هذا العلم إنما يحصل فى هذا الزمان بمطالعة الكتب الاستدلالية الفقهية , ككتب الشيخ , و العلامة , و نحوها .
العاشر : أن تكون له ملكة قوية , و طبيعة مستقيمة , يتمكن بها من رد الجزئيات إلى قواعدها الكلية , و اقتناص ( 1 ) الفروع من الاصول , و ليس هذا الشرط مذكورا فى كلام جماعة من الاصوليين .
و تحقيق المقام : أن الدليل النقلى إذا كان ظاهرا أو نصا فى معناه , و لم يكن له معارض , و لا لازم غير بين , و لا فرد غير بين الفردية , فلا يحتاج الحكم بمعناه و العمل به إلى هذا الشرط , بل تكفى الشرائط السابقة , مثلا : فى العلم بأن الكر من الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة , من قوله عليه السلام[ : ( إذا بلغ الماء قدر كر ( 2 ) لم ينجسه شىء]( ( 3 ) لا يحتاج إلى أكثر من العلم بمعانى
( 1 ) فى ب : اقتباس .
( 2 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : كرا . بدل : قدر كر .
( 3 ) كذا الحديث فى النسخ , و المروى[ : ( إذا كان الماء . . . . الى آخره ]( الكافى : 3 2 كتاب الطهارة باب الماء الذى لا ينجسه شىء ح 1 . التهذيب : 1 39 40 ح 107 109 . نعم روى فى غوالى اللالى : 1 76 و[ : 6 2 : ( اذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا]( .
و أما عند وجود المعارض : فيحتاج إلى الملكة المذكورة للترجيح , و كذا للعلم باللوازم غير البينة , كالحكم بوجوب المقدمة , و النهى عن الاضداد عند الامر بالشىء , و بمفهوم الموافقة و المخالفة , و نحوها , و ربما يحتمل كفاية العلم بالمطالب الاصولية لهذا القسم .
و العمدة فى الاحتياج إلى الملكة إنما هو للحكم بفردية ما هو غير بين الفردية للكلى المذكور فى الدليل , أو لمعارضه , أو لمقدمته , أو لضده , أو نحو ذلك .
مثلا : للعلم باندراج الكر الملفق من نصفين نجسين مع عدم التغير فى الحديث المذكور , حتى يحكم بصيرورته طاهرا , أو بعدم اندراجه فيه , فيحكم ببقائه على النجاسة , يحتاج إلى تأمل تام و فهم ذكى ( 1 ) .
و كذا فى اندراج من عنده من الماء ما لا يكفيه للوضوءإلا مع مزجه بمضاف لا يسلبه الاطلاق , فى : ( غير الواجد للماء ) فيصح تيممه , أو فى نقيضه : و هو ( الواجد للماء ) فيبطل تيممه .
و كذا فى اندراج الخارج من بيته للسفر قبل حد الترخص فى ( الحاضر ) فيتم الصلاة , أو فى ( المسافر ) فيقصر .
و كذا فى اندراج حاج فى طريقه عدو , لا يندفع إلا بمال , و هو يقدر على ذلك المال فى ( المستطيع ) فيجب عليه الحج , أو عدم اندراجه فيه فلا يجب .
و هذا القسم من الكثرة بحيث لا يعد و لا يحصى , و معظم الخلافات بين الفقهاء يرجع إلى هذا , و لا شك فى أن العلم ( 2 ) بهذا القسم ليعمل لنفسه ,
( 1 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : زكى .
( 2 ) فى الاصل : للعلم , و ما اثبتناه مطابق لسائر النسخ .
و يجب الاجتناب فى الحكم بأن هذا الشىء الجزئى فرد لهذا الكلى و مندرج فيه عن الاعتماد على الظنون الضعيفه و الناشئة عن الهوى النفسانى , و ينبغى أن يختبر نفسه فى الاستقامة بمجالسة العلماء , و مذاكرتهم , و تصديق جماعة منهم باستقامة طبعه , بحيث يحصل له الجزم بسببه بعدم اعوجاجه فى الاغلب , و إلا فلا يعتمد على اعتقاداته فى الاحكام التى من هذا القبيل , و ربما قيل : بجواز الاعتماد على شهادة عدلين خبيرين ( 2 ) بذلك , و هو محل تأمل مع عدم حصول الجزم من شهادتهما بانتفاء القرائن .
فان قلت : اعتبار هذا الشرط يستلزم عدم العلم بوجود المجتهد , و التالى باطل , فكذا المقدم .
أما بيان الملازمة : فلان الملكة المذكورة أمر غير منضبط ( 3 ) , لانه لا يكاد يتفق إثنان فيها , لاختلاف الطبائع غاية الاختلاف فليس ههنا مرتبة معينة يمكن أن يقال : إن ( 4 ) من له هذه المرتبة مجتهد دون من هو دونها فلا يمكن تحصيل العلم باجتهاد أحد .
و أما بطلان التالى : فلانه لا تتم التكاليف فى مثل هذا الزمان بدون العلم بالاجتهاد , إذ غير المجتهد لا يجوز له العمل باعتقاداته , و لا يجوز لغيره العمل بقوله , لما مر من الادلة على اعتبار كل شرط من الشرائط المذكورة للعمل بالاحكام الشرعية .
و أيضا : اعتبار هذا الشرط يستلزم عدم وجوب الاجتهاد كفاية , و التالى باطل .
( 1 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : زكى .
( 2 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : خيرين .
( 3 ) ذهب الى ذلك المحدث الاسترآبادى : الفوائد المدنية : 93 الوجه الثامن .
( 4 ) كلمة ( إن ) : زيادة من ط .
بيان الملازمة : أن هذه الملكة أمر موهبى من الله تعالى , لا يمكن اكتسابه , و إن أمكن تقويته فى الجملة بالكسب , فانا نرى جماعة لا يمكنهم تحصيل مسائل لها عراقة فى النظرية فى الجملة , و إن صرفوا أعمارهم فى تحصيلها , بل نشاهد جماعة لا يمكنهم إلا تحصيل قليل من النظريات بعد الكد التام و السعى البليغ , فعلم أن هذه الملكة مما لا تحقق لها فى أكثر الناس , فلم يكن الاجتهاد واجبا عليهم , وإلا لزم التكليف بما لا يطاق .
و أما بطلان التالى : فلانهم بين قائل بوجوبه العينى , كما نقله الشهيد فى الذكرى عن قدماء أصحابنا و فقهاء حلب ( 1 ) , و بين قائل بوجوبه الكفائى , و من خواص الواجب الكفائى إثم الكل بتركه .
لا يقال : الاجتهاد ليس واجبا كفائيا بالنسبة إلى كل المكلفين , بل بالنسبة إلى صاحبى الملكة , فعلى تقدير انتفائه لا يلزم إلا إثم صاحبى الملكة المذكورة .
لانا نقول : شرط التكليف إعلام المكلف , و قبل ( 2 ) الاجتهاد لا يتميز صاحب الملكة عن غيره , فلا يعلم أحد أنه مكلف بالاجتهاد ( 3 ) , لعدم علمه بأنه صاحب الملكة .
و أيضا : يلزم تأثيم ( غير المعين ) وإنه غير معقول , كما صرحوا به فى تحقيق الواجب الكفائى .
و أيضا : هذا الجواب خلاف ما صرحوا به من تأثيم الكل بترك الاجتهاد .
و الجواب الحق عن كلا البحثين : أنا ما أدعينا اعتبار الملكة المذكورة فى مطلق المجتهد بل اعتبرناها فى المجتهد المطلق , لما عرفت أن العلم بمعانى الادلة
( 1 ) الذكرى : 2 المقدمة الاشارة الثانية . لكن فيه : بعض قدماء الامامية .
( 2 ) فى الاصل : و قيل . و ما اثبتناه مطابق لسائر النسخ .
( 3 ) فى الاصل : الاجتهاد . و ما اثبتناه مطابق لسائر النسخ .
فان أراد المعترض بالاستغناء عن الملكة : الاستغناء فى القسم الاول , فنعم الوفاق .
و إن أراد : الاستغناء فى هذه الاقسام الاخر , فلا يخلو : إماإن أراد عدم الاحتياج إلى استعلام هذه الاقسام , أو أراد عدم الاحتياج فى استعلام هذه الاقسام إلى الملكة المذكورة .
فان أراد الاول , فبطلانه ظاهر , فانه كثيرا ما يقع الاحتياج إلى العلم بحال هذه الاقسام , مثلا :
ربما نحتاج إلى أن نعلم أن نصفى كر من الماء كل منهما نجس هل يطهران بمزجهما ؟ أو لا ؟ و هذا العلم لا يحصل إلا بأن نعلم هل هو مندرج فى قوله عليه السلام[ : ( إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا]( ( 1 ) ؟ أو لا ؟ و هو يحتاج إلى الملكة المذكورة .
و كذا نحتاج إلى أن نعلم : أن الحاج متى كان فى طريقه عدو لا يندفع إلا بمال , و هو يقدر على إعطاء ذلك المال هل هو داخل فى ( المستطيع إلى الحج ) ؟ أو لا ؟
و كذا نحتاج إلى أن ( 2 ) نعلم : هل الدين المضيق يبطل الصلاة فى أول الوقت ؟ أو لا ؟ إذ ظاهر : أن القول ببطلانها , يتوقف على إتمام الدليل الدال على أن الامر بالشىء يستلزم النهى عن الضد الخاص . و القول بصحتها يتوقف على القدح فى الدليل المذكور , و كلاهما لا يتم بدون الملكة .
( 1 ) غوالى اللالى 1 76 و 2 6 .
( 2 ) كلمة ( أن ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
و مثل هذه المسائل المحتاج إليها أكثر من أن يحصى .
و إن أراد الثانى أى : عدم الاحتياج لاستعلام مثل هذه المسائل إلى الملكة المذكورة فبطلانه من أجلى البديهيات , لانا لا نعنى بالملكة إلا حالة بها يتمكن من ترجيح أحد طرفى هذه المسائل , فلا يتصور العلم بالنفى أو الاثبات فى هذه المسائل إلا بالملكة , فعلم أن الدليل على الاستغناء فى هذه الاقسام شبهة فى مقابل الامر القطعى .
و تفصيل الجواب عن الاعتراض الاول : منع استلزام اعتبار الملكة المذكورة فى الاجتهاد المطلق , عدم العلم بوجود المجتهد :
أما فى الاجتهاد و العلم بالاحكام التى هى من قبيل القسم الاول من القسمين المذكورين : فظاهر , لانا لم نعتبرها فيه .
و أما فى القسم الثانى : فلان الاطلاع على هذه الملكة ليس بمتعذر , بل و لا بمتعسر غاية التعسر , بل يمكن :
بالمعاشرة .
و باخبار الجماعة .
و بشهادة العدلين المطلعين على قوله ( 1 ) .
و بنصب نفسه متعرضا للفتوى بمجمع خلق كثير على ما قيل .
و بعرض ترجيحاته المخترعة على ترجيحات من هو معلوم أنه صاحب الملكة .
و بنحو ذلك , كما سيجىءإن شاء الله فى مسألة على حدة .
و عدم انضباط الملكة المذكورة بمعنى : أن لها مراتب مختلفة لا يوجب عدم العلم بها , لان المراد بها : حالة يتمكن بها من رد الفروع إلى الاصول , بحيث لا يقع الغلط منه غالبا , و لها مراتب كثيرة , المتصف بكل منها ممن يتعلق
( 1 ) كذا فى ب , و فى سائر النسخ : قول .
و عن الاعتراض الثانى : أيضا منع الملازمة , و البيان الذى ذكره لم يكن دالا على نفى الوجوب الكفائى عن مطلق الاجتهاد , إذ ( 1 ) قد عرفت مرارا عدم اعتبار الملكة المذكورة فى العلم بالاحكام التى هى من قبيل القسم الاول من القسمين المذكورين آنفا .
فان قلت : فهل الاجتهاد فى الاحكام التى هى من قبيل القسم الثانى واجب ؟ أو لا ؟
قلت : يمكن أن يقال : إنه واجب كفائى بالنسبة إلى صاحب الملكة ( 2 ) .
قوله[ : ( شرط التكليف إعلام المكلف , و قبل الاجتهاد لا يتميز صاحب الملكة عن غيره]( إلى آخره .
قلنا : قبل الاجتهاد فى القسم الثانى من الاحكام , و بعد الاجتهاد فى القسم الاول يتميز صاحب الملكة عن غيره باحدى الطرق المذكورة سابقا , و لا يلزم تأثيم غير المعين , لان عدم التعيين قبل الاجتهاد فى القسم الاول من الاحكام مستندإلى تقصيرهم من ترك الاجتهاد بالكلية , و بعده يتحقق التعيين لو لم يقصروا بترك الفحص عن حالهم . و تصريحهم إنما هو بتأثيم الكل بعدم الاجتهاد بالكلية , فتأمل .
و قال مولانا محمد أمين الاسترآبادى[ : ( الذى ظهر لى من الروايات : أن طلب العلم فريضة على كل مسلم فى كل وقت , بقدر ما يحتاج إليه فى ذلك الوقت , و لا يجب كفاية طلب العلم بكل ما تحتاج إليه الامة كما قالته العامة لانه غير منضبط بالنسبة إلى الرعية , و التكليف بغير المنضبط محال , كما تقرر فى الاصول فى مبحث علة القياس , بل يفهم من الروايات : أن علم الرعية
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : و إذ .
( 2 ) فى أ و ط : صاحبى الملكة .
قد بالغ مولانا المدقق محمد أمين الاسترآبادى فى أنكار الاجتهاد , و زعم أن المجتهد فيه لا يكون إلا ظنيا , و أحكامنا كلها قطعية , لما مر من أن ( 3 ) القرآن و السنة النبوية , لا يجوز العمل بهما إلا بعد تحقق ما يوافقهما فى كلام العترة الطاهرة , و أخبار العترة الطاهرة كلها قطعية , لما مر من الوجوه ( 4 ) .
أولا : أن اشتراط كون المجتهد فيه ظنيا , ليس إلا فى كلام العامة و العلامة و قليل من أصحابنا . و الاكثر منا : لم يذكروا الظن فى تعريف الاجتهاد فقطعية الاحكام لا تنافى صحة الاجتهاد , مع أنه فى الحقيقة راجع إلى نزاع لفظى .
و ثانيا : أنا لا نسلم قطعية صدور أحاديثنا ( 5 ) كلها من المعصوم , و قد مر الكلام فيه .
و بعد التسليم : لا يلزم قطعية الحكم , بل قلما تبلغ دلالة الاخبار على
( 1 ) الفوائد المدنية : 241 .
( 2 ) فى ط : تذنيب . بدل : و هم و تنبيه .
( 3 ) كلمة ( أن ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 4 ) هذا هو خلاصة ما افاده المحدث الاسترآبادى فى الفوائد المدنية فى موارد متعددة , انظر : ص 28 و 40 و 47 و 49 و 63 و 91 و 135 136 و 164 و 253 منه .
( 5 ) فى ط : قطعية أخبارنا .
و أيضا : شنع المذكور ( 1 ) على أكثر فقهائنا قدس الله ارواحهم , بأنهم كانوا يفتون بمجرد آرائهم من غير دليل ( 2 ) .
و أنت قد عرفت : أن كثيرا من الاحكام من قبيل اللوازم ( 3 ) غير البينة إلا بالتأمل و الدليل , و من قبيل الجزئيات و الافراد غير البينة الفردية , و نحو ذلك .
و لما كان العلم باندراج هذه الفروع فى اصولها , يحتاج إلى طبيعة و قادة , و قريحة نقادة ( 4 ) , تحصل للبعض دون البعض لا يحسن لمن لا تحصل له , الطعن على من حصلت فيه بأنه أفتى فى الحكم الفلانى من غير دليل .
مثلا : ربما يتوهم أن القول بوجوب القصد بالبسملة إلى سورة معينة فى الصلاة , قول بالحكم الشرعى من غير دليل , إذ لا نص يدل على ذلك الوجوب .
و هو باطل , لان من قال به , يقول : إنه قد وردت النصوص بوجوب قراءة سورة كاملة , و لا تتحقق السورة الكاملة إلا مع القصد المذكور , لان البسملة لما كانت مشتركة , لا تصير جزءا إلا بالقصد .
و الغرض : أن فتاوى الفقهاء كلها راجعة إلى أحد من الادلة التى هى واجبة الاتباع عندهم , و لا أقول بامتناع الغلط و الخطأ عليهم , إذ غير المعصوم لا ينفك عن السهو و الخطأ , إذ أحد من العقلاء لم يجوز القول فى الاحكام الشرعية من غير دليل , و معلوم : أن أدلة الشرع منحصرة عند فقهاء الشيعة كلهم , كما صرحوا به فى جميع كتبهم الاصولية فى : القرآن , و الحديث الصحيح , و الاجماع الذى علم دخول المعصوم فيه , و الدلالة العقلية التى قد
( 1 ) كلمة ( المذكور ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 2 ) الفوائد المدنية : 178 180 الفصل الثامن السؤال الحادى و العشرون .
( 3 ) فى الاصل : اللزوم , و ما اثبتناه مطابق لسائر النسخ .
( 4 ) فى ط : نفاده .
و الفتاوى الراجعة إلى الادلة العقلية و هى : الاستصحاب , و أقسام المفهوم قلي لة فى كلامهم , و المعظم من قبيل الجزئيات المندرجة تحت اصولها التى لا يمكن إرجاعها إلى أحد من الادلة العقلية .
و الادلة عند معظم العامة : أيضا منحصرة فى أشياء مخصوصة , نعم قليل من أصحاب أبى حنيفة . . . . , كانوا يعملون بالرأى , و يسمون بأصحاب الرأى , و الظاهر : أنه إما العمل بالاستحسان , أو المصالح المرسلة , إذ لا يتصور غيرهما ( 1 ) .
و كيف يتوهم من له أدنى شائبة من العقل أن معظم فقهائنا كالمفيد , و المرتضى , و الشيخ الطوسى , و تلامذتهم , و المحقق , و العلامة , و جميع المتأخرين كانوا يعملون فى الاحكام الشرعية بما لم يعمل به أكثر العامة أيضا , فان الفتاوى المذكورة فى كتب العلامة , و المحقق , و غيرهما من المتأخرين شذما يخلو عنها كتب الشيخ الطوسى و نظرائه , مثل : ابن أبى عقيل , و ابن الجنيد , و المفيد , و المرتضى , و غيرهم , كما هو مذكور فى كتب الاستدلال .
و قد نقل أغلاطا عن ( 2 ) العلامة , يعلم بأدنى تأمل , أنه هو الغالط فيها , و ذكر : أن الشهيد الثانى رحمه الله نقل فى شرح الشرائع عن العلامة أنه قال فى القواعد فى مسألة[ : ( أفتيت بهذا بمجرد رأيى و لم أجد فيه نصا و أثرا]( ( 3 ) .
و أنا أقول : حاشا ثم حاشا مثل ذلك من مثل العلامة رحمه الله , بل ممن له أدنى فضل و ورع , و قد تصفحت من أول شرح الشرائع إلى أول كتاب الميراث , فما وجدت مما نقله عينا و لا أثرا , و هذا القواعد حاضر , كيف و العلامة ينادى فى كتبه الاصولية بانحصار الادلة فى : الكتاب , و السنة , و الاجماع , و القياس المنصوص العلة , و الاستصحاب , ثم يفتى بالرأى الذى لم يعمل به
( 1 ) شرح اللمع : 2 969 .
( 2 ) كذا فى ب و ط , و فى الاصل و أ : من .
( 3 ) الفوائد المدنية : 178 .
نعم , نقل الشهيد فى الشرح , فى كتاب الصلح ( 2 ) , عن التذكرة ( 3 ) : أنه قال فى مسألة[ : ( و لست أعرف فى هذه المسألة بالخصوصية , نصا من الخاصة , و لا من العامة , وإنما صرت إلى ما قلت عن اجتهاد]( انتهى , و ظاهر : أن مراده بالاجتهاد هو : الاستدلال بالعمومات , فانه استدل على فتواه فى هذه المسألة , بجواز تصرف الانسان فى ملكه كيف شاء , و دلالة العمومات عليه ظاهرة .
و قد وجدت مواضع مما عده من أغلاط العلامة , غير موافق لعبارة الكتاب الذى نقله عنه .
فان قال : لا يجوز رد الفروع و الجزئيات إلى اصولها .
قلنا : لا شك أنا إذا علمنا أن هذا الحكم متعلق بهذا الكلى , و علمنا أن هذا الشىء الخاص فرد لهذا الكلى , يحصل لنا العلم بأن ذلك الحكم متعلق بذلك الشىء الخاص .
فان قال : إن فردية الفرد لا بد أن تكون قطعية حتى يصح الحكم , مع أن الفقهاء يحكمون بمجرد الظن .
قلنا : الذى ذكره الفقهاء الحكم على الاشياء بالادلة الظنية التى ثبتت حجيتها فى الشرع , و لا يعلم من ذلك أنهم كانوا يكتفون فى فردية الفرد , و اندراج الجزئى بالظن , حتى يصح الطعن .
مع : أنه يمكن الاستدلال على الاعتماد على هذا الظن أيضا بما يستدل به على حجية خبر الواحد , كما لا يخفى .
( 1 ) لا حظ التعليقة المذكورة برقم ( 1 ) فى الصفحة السابقة .
( 2 ) المسالك : 1 214 كتاب الصلح فى شرح قول المحقق[ : ( المسألة الاولى يجوز اخراج الرواشن و الاجنحة . . . الى آخره]( .
( 3 ) التذكرة : 2 182 كتاب الصلح الفصل الثالث مسألة[ ( اذا أخرج جناحا او روشنا فى الشارع النافذ فقد بينا أنه]( . . . .
و أيضا : إنه أورد فى بحث صحة أحاديثنا : أن الفاضل المدقق محمد بن إدريس الحلى رحمه الله , أخذ أحاديث من اصول قدمائنا التى كانت عنده , و ذكرها فى باب هو آخر أبواب السرائر , و أورد حديثين عن جامع البزنطى , صاحب الرضا عليه السلام :
أحدهما : عنه , عن هشام بن سالم , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال[ : ( إنما علينا أن نلقى اليكم ( 1 ) الاصول , و عليكم أن تفرعوا]( .
و الثانى : أحمد بن محمد ابن أبى نصر , عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال : [( علينا إلقاء الاصول إليكم ( 2 ) , و عليكم التفريع]( ( 3 ) .
فان هذين الحديثين الصحيحين : يدلان على لزوم رد الفروع إلى الاصول , و ظاهر : أنه لا معنى للتفريع إلاإجراء حكم الاصول و الكليات إلى الجزئيات و الافراد مطلقا , بل لا يخفى صدق التفريع المأمور به فى الاجراء إلى الافراد المظنونة الفردية , و لكنه محل تأمل .
و اعلم : أن الاجتهاد كما يطلق على استعلام الاحكام من الادلة الشرعية , كذلك يطلق على العمل بالرأى و بالقياس , و هذا الاطلاق كان شائعا فى القديم ( 4 ) .
قال الشيخ الطوسى , فى بحث شرائط المفتى , من كتاب العدة[ : ( إن جمعا من المخالفين عدوا منها : العلم بالقياس , و بالاجتهاد , و بأخبار الاحاد , و بوجوه العلل , و المقاييس , و بما يوجب غلبة الظن]( ثم قال[ : ( إنا بينا فساد ذلك , و ذكرنا أنها ليست من أدلة الشرع]( ( 5 ) و ظاهر : أن الاجتهاد الذى ذكر أنه
( 1 ) و ( 2 ) فى ط : عليكم .
( 3 ) الفوائد المدنية : 154 .
( 4 ) كانت نقطة التحول فى اصطلاح الاجتهاد على يد المحقق الحلى إذ عرف الاجتهاد ببذل الجهد فى استخراج الاحكام الشرعية ( معارج الاصول : 179 ) بعد ان كان عبارة عن أحد الادلة الشرعية و واقعا فى عرضها كما سيوضحه المصنف فيما بعد .
( 5 ) عدة الاصول : 2 115 .
و السيد المرتضى فى كتاب الذريعة , ذكر : أن الاجتهاد[ ( عبارة عن إثبات الاحكام الشرعية بغير النصوص و الادلة , أو إثبات الاحكام الشرعية بما طريقه الامارات و الظنون]( ( 2 ) و قال فى موضع آخر منه[ : ( و فى الفقهاء من فرق بين القياس و الاجتهاد , و جعل القياس ما له أصل يقاس عليه , و جعل الاجتهاد ما لم يتعين له أصل , كالاجتهاد فى طلب القبلة , و فى قيمة المتلفات , و اروش الجنايات , و منهم من عد القياس من الاجتهاد , و جعل الاجتهاد أعم منه]( ( 3 ) .
قال : و أما الرأى , فالصحيح عندنا : أنه عبارة عن المذهب و الاعتقاد الحاصل من الادلة , غير الحاصل من الامارات و الظنون ( 4 ) . هذا حاصل كلامه .
و ظاهر أيضا : أن ( الاجتهاد ) فى كلامه ليس بمعناه المعروف , و قد ورد ذم الاجتهاد فى بعض الاخبار , و هو بهذا المعنى الثانى , و كأن هذا هو الباعث لانكار الاجتهاد للقائل المذكور , و هو غلط ناش من الاشتراك اللفظى . و إنكاره الاجتهاد , مستندا بغلط جماعة من المجتهدين , شبيه باستدلال عوام العامة على عدم حقيقة مذهب الشيعة بتركهم لصلاة الجماعة , و استدلال جماعة من جهلة العوام على ذم العلم بأن جل علماء هذا الزمان حريصون على الدنيا , و هو مذموم , إذ عمل بعض من المجتهدين بمجرد رأيه , أو غلطه فى بعض الاحكام على تقدير تسليمه لا يوجب بطلان الاجتهاد , أى : العلم
( 1 ) كذا فى أ و ب , و فى الاصل و ط : لا يحمل .
( 2 ) الذريعة : 2 792 .
( 3 ) الذريعة : 2 672 .
( 4 ) الذريعة : 2 673 . و العبارة فيها كما يلى[ : ( فأما الرأى , فالصحيح عندنا أنه : عبارة عن المذهب و الاعتقاد , و إن استند إلى الادلة , دون الامارات و الظنون]( .
و ربما يستدل له : بأنا لا ننكر الاجتهاد , إلا بمعنى : أن العمل بالادلة و الاحاديث يتوقف على الملكة المذكورة , إذ ظاهر : أن هذه الاحاديث و الاخبار , كان يعمل بها فى عصر الائمة عليهم السلام , كل من سمعها من الشيعة من العوام و العلماء , وإنكار ذلك مكابرة , و لم ينقل عن أحد من الائمة عليهم السلام الانكار على أحد من الشيعة , و هذا مما يوجب القطع بجواز العمل بها لكل من فهمها , من غير توقف على أمر آخر .
و جوابه : أنك قد عرفت وجه الاحتياج إلى الشرائط المذكورة , فى هذه الاعصار دون عصر الائمة عليهم السلام , و عرفت : أن الاحتياج إلى الملكة المذكورة إنما هو للعمل باللوازم غير البينة اللزوم , و بالافراد غير البينة الفردية , و نحو ذلك , لا للعمل بمناطيق الاخبار و مدلولاتها الصريحة , و الذى هو معلوم من حال السلف , هو عملهم بهذه الاخبار و مدلولاتها الصريحة . و أما العمل باللوازم , و الافراد غير البينة , فلا يعلم من حالهم العمل بها بدون الملكة بل هو بديهى البطلان .
فان قلت : فعلى ما ذكرت يلزم الاستغناء عن الملكة للعمل بالمدلولات الصريحة للاخبار , و لو كان لها معارض , و قد مر خلافه .
قلت : المعلوم من حال السلف , العمل بما سمعوه من الاخبار المعتمدة من غير الفحص عن المعارض , و لا يلزم منه الاستغناء عن الملكة بعد الاطلاع على المعارض . و سيجىء لهذا زيادة بيان فى بحث التراجيح إن شاء الله تعالى .
فان قلت : لا يجوز العمل إلا بالمدلولات الصريحة , لان اللوازم , و الافراد غير البينة :
إن كانت ظنية : فلا يجوز العمل بها للادلة الدالة على النهى عن العمل بالظن , و لقوله عليه السلام[ : ( ما تعلمون فقولوا , و ما لا تعلمون فها . و أهوى
وإن كانت قطعية : فلا يجوز أيضا , لاحتمال قصر الحكم على ما لا يحتاج فى الحكم بلزومه أو بفرديته إلى دليل و نظر , فان وجوب العمل بالاخبار , عام لمن تمكن من إقامة الدليل , و لمن لم يتمكن , مثلا : أهل الاجتهاد يقولون : يجب على الولى منع الطفل عن مس كتابة القرآن ولو كان مميزا متوضئا , لقوله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون ) ( 2 ) , و الطفل لما لم يكن وضوؤه شرعيا , لم يكن رافعا للحدث , فهو محدث , و المحدث لا يجوز له مس كتابة القرآن , فيجب من باب الحسبة منعه , و المنع فى الطفل يتعلق بوليه . فنقول بعد قطعية جميع المقدمات : لم لا يكون المنع مقصورا على من علم كونه محدثا , من غير نظر و دليل ؟ ! و الطفل المتوضى ليس كذلك , و العرف قاض بذلك .
قلت : قد مر أنه يحصل القطع بتعلق الحكم بالافراد , و اللوازم غير البينة , إذا قطع باللزوم ( 3 ) و الفردية .
و أيضا : الخبران المذكوران المنقولان عن السرائر , يدلان على ذلك .
و أيضا : لم يزل العلماء فى عصر الائمة عليهم السلام , يجرون حكم الكلى على أفراده , كزرارة , و محمد بن مسلم , و هشام بن الحكم , و يونس بن عبدالرحمن , و الفضل بن شاذان , و نظرائهم من أهل النظر و الاستدلال .
و أيضا : كان الائمة كثيرا ما يستدلون على حكم باية , و يستدلون على الاندراج , كما لا يخفى على المتتبع , فلا يكون الحكم مقصورا على اللوازم البينة اللزوم , و الافراد البينة الفردية , فتأمل .
( 1 ) تقدم من المصنف الاستشهاد بهذا الحديث مكررا , و قد رواه كل من البرقى فى المحاسن : 213 و الكلينى فى الكافى : 1 57 على ما تقدم .
( 2 ) الواقعة 79 .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : اللزوم .
و قد يستدل الخصم ( 1 ) أيضا : بان مصنفى الكتب الاربعة , مصرحون بجواز العمل بالاحاديث , من غير توقف على ملكة أو غيرها , سوى فهم الحديث , فيكون الاجتهاد باطلا . أما الاول :
فلان أبا جعفر ابن بابويه , صرح فى أول كتاب من لا يحضره الفقيه : بأن وضع هذا الكتاب , إنما هو لان يرجع إليه و يعمل بما فيه من لم يكن الفقيه عنده ( 2 ) . و هو صريح فى أن المقلد الذى عليه الاستفتاء , على تقدير حضور الفقيه و المجتهد عنده عليه العمل بأخبار هذا الكتاب عند عدم حضور الفقيه ( 3 ) .
و كذا ثقة الاسلام , صرح فى أول الكافى بأنه[ : ( كتاب يكتفى به المتعلم , و يرجع إليه المسترشد , و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به]( ( 4 ) .
و هذا ظاهر فى جواز رجوع كل متعلم و مريد لعلم الدين إلى هذا الكتاب , من غير توقف على شرط .
و كذا رئيس الطائفة , ذكر فى أول الاستبصار[ : ( 5 ) ( أن تهذيبه : كتاب يصلح أن يكون مذخورا يلجأ ( 6 ) إليه المبتدى فى تفقهه , و المنتهى فى تذكره , و المتوسط فى تبحره]( .
و قال فى أول التهذيب ( 7 ) أيضا[ : ( لما فيه أى : فى الكتاب المذكور من
( 1 ) فى أ و ط : للخصم .
( 2 ) الفقيه : 1 2 .
( 3 ) قوله[ ( و المجتهد عنده عليه العمل باخبار هذا الكتاب عند عدم حضور الفقيه]( ساقط من الاصل , و قد اثبتناه من سائر النسخ .
( 4 ) الكافى : 1 8 .
( 5 ) الاستبصار : 1 2 .
( 6 ) فى ط : يرجع .
( 7 ) التهذيب : 1 3 .
قلت : غاية ما يلزم من كلامك , تصريحهم بجواز العمل بمناطيق الاخبار و مدلولاتها الصريحة لكل فاهم للحديث , سواء كان مستجمعا للشرائط الاخر أو لا , و لا يلزم منه عدم اعتبار الشرائط الاخر , و الملكة , فى العمل بالقسم الثانى من القسمين المذكورين للاحكام الشرعية , و الله أعلم .
و هو : قبول قول من يجوز عليه الخطأ من غير حجة و لا ( 1 ) دليل .
يعتبر فى المفتى الذى يستفتى منه بعد الشرائط المذكورة , على النحو المذكور أن يكون مؤمنا , ثقة .
و يكون حصول هذه الشرائط فيه معلوما للمقلد بالمخالطة المطلقة إن أمكن الاطلاق فى حقه أو بالاخبار المتواترة , أو بالقرائن الكثيرة المفيدة للعلم , أو بشهادة العدلين العارفين على قول .
و لا يشترط المشافهة , بل يجوز العمل بالرواية عنه .
و فى جواز العمل بالرواية عن المجتهد الميت خلاف , على ما نقل .
قال الشهيد الثانى , فى كتاب آداب العالم و المتعلم[ : ( و فى جواز تقليد المجتهد الميت , مع وجود الحى , أو لا معه ؟ للجمهور أقوال :
أصحها عندهم : جوازه مطلقا , لان المذاهب لا تموت بموت أصحابها و لهذا يعتد بها بعدهم فى الاجماع و الخلاف و لان موت الشاهد قبل الحكم لا
( 1 ) حرف النفى زيادة من ط .
و قد نص الغزالى على أصل التعريف : المستصفى : 2 387 لكن قيده المصنف ليخرج بذلك قبول قول المعصوم عن التقليد .
و الثانى : لا يجوز مطلقا , لفوات أهليته بالموت , و هذا هو المشهور بين أصحابنا ( 1 ) , خصوصا المتأخرين منهم , بل لا نعلم قائلا بخلافه ممن يعتد بقوله .
و الثالث : المنع منه مع وجود الحى , لا مع عدمه]( ( 2 ) .
و نقل الشهيد الاول فى الذكرى ( 3 ) القول بجواز تقليد الميت , و لم يصرح باسم قائله .
و نقل المحقق الشيخ على , فى حواشى الشرائع ( 4 ) , عن الشيخ السعيد فخر الدين , عن والده العلامة : جواز ( 5 ) تقليد الميت إذا خلا العصر عن المجتهد الحى , و استبعده , و حمل كلامه على الاستعانة بكتب المتقدمين فى معرفة صور المسائل و الاحكام مع انتفاء المرجع .
و قال فخر المحققين فى كتاب إرشاد المسترشدين و هداية الطالبين ( 6 ) , على ما نقل عنه أنه قال : فى وجه الاقتصار على الاصول الكلامية[ : ( و اقتصرت على هذه الاصول , و لم أذكر العبادات السمعية , لان والدى جمال الدين الحسن بن يوسف[ بن] ( 7 ) المطهر قدس الله سرهم ( 8 ) ذكر ما أجمع
( 1 ) و ذهب اليه بعض العامة أيضا كالفخر الرازى فى المحصول : 2 526 .
( 2 ) منية المريد : 167 . باختصار .
( 3 ) الذكرى : 3 المقدمة الاشارة الخامسة .
( 4 ) حاشية المحقق الشيخ على الكركى على الشرائع الصفحة الاخيرة من مخطوطة محفوظة برقم 1418 فى مكتبة المدرسة الفيضية بقم ايران و الصفحة 639 من مخطوطة اخرى محفوظة برقم 1964 فى المكتبة المذكورة .
( 5 ) كلمة ( جواز ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 6 ) ارشاد المسترشدين و هداية الطالبين الخاتمة الصفحة الاخيرة من مخطوطة محفوظة برقم 454 فى مكتبة آية الله المرعشى النجفى العامة بقم ايران .
( 7 ) ما بين المعقوفين زيادة من المصدر قد خلت منها النسخ .
( 8 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : ذكره .
احتج المحقق الشيخ على , فى حواشى كتاب الجهاد من الشرائع ( 2 ) , على المنع بوجوه :
الاول : أن المجتهد إذا مات سقط اعتبار قوله , و لهذا ينعقد الاجماع على خلافه .
و ضعف هذا الوجه ظاهر , لانه بعد عدم صحته على اصولنا ينتقض بمعروف النسب , مع أنهم اعتبروا شهادة الميت فى الجرح و التعديل , و هو يستلزم الاعتداد بقوله فى عدد الكبائر , فتأمل .
الثانى : أنه لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته , لا متنع فى زماننا , للاجماع على وجوب تقليد الاعلم و الاورع من المجتهدين , و الوقوف على الاعلم و الاورع بالنسبة إلى الاعصار السابقة فى هذا العصر غير ممكن .
( 1 ) هو من مصنفات العلامة قدس سره فى اصول الدين . انظر : الذريعة : 25 4 .
( 2 ) حاشية المحقق الكركى على شرائع الاسلام ص 635 638 من مخطوطة محفوظة برقم 1964 فى مكتبة المدرسة الفيضية بقم ايران و الصفحة قبل الاخيرة من مخطوطة اخرى محفوظة برقم 1418 فى المكتبة المذكورة . ( بتصرف ) .
و قد ذكر المحقق الكركى ذلك فى كتاب الامر بالمعروف و النهى عن المنكر تعقيبا على قول المحقق الحلى فى الشرائع[ : ( و لا يجوز أن يتعرض لاقامة الحدود و لا للحكم بين الناس إلا عارف بالاحكام مطلع على ماخذها]( . . . شرائع الاسلام : 1 344 .
و فيه ـ بعد تسليم هذا الاجماع ـ : أنه يمكن الاطلاع على الاورع و الاعلم , بالاثار و الاخبار و التصانيف و نحو ذلك , و هذا فى غاية الظهور .
الثالث : أن المجتهد إذا تغير اجتهاده , وجب العمل باجتهاده الاخير , و لا يتميز فى الميت فتواه الاولى و الاخيرة .
و فيه : أنه يمكن العلم بتقديم الفتوى و تأخيرها فى الميت من كتبه , و أنه لا يتم إلا فى ميت تغيرت فتواه فى مسألة واحدة , و احتمال التغير ينتقض بالحى .
الرابع : أن دلائل الفقه لما كانت ظنية , لم تكن حجيتها إلا باعتبار الظن الحاصل معها ( 1 ) , و هذا الظن يمتنع بقاؤه بعد الموت , فيبقى الحكم خاليا عن السند , فيخرج عن كونه معتبرا شرعا .
و أورد هذا الوجه الفاضل المدقق مير محمد باقر الداماد , فى كتابه شارع النجاة ( 2 ) , بتغيير ما , و زاد : أنه بعد موته يمكن ظهور ( 3 ) خطأ ظنه , فلا يمكن القول بأصالة لزوم اتباع ظنه كما فى حال الحياة ( 4 ) , إذ بقاء الموضوع معتبر فى الاستصحاب .
و الجواب : ـ بعد تسليم زوال الاعتقادات و العلوم القائمة بالنفس الناطقة بعد الموت ـ منع خلو الحكم عن السند , و هل هذا إلا عين ( 5 ) المتنازع فيه ؟!
فإنا نقول : إذا حصل للمجتهد العلم أو الظن بالحكم الشرعى , من دليل اقترن به علمه أو ظنه , فلم لا يجوز العمل بذلك الحكم ـ الذى أفتى به
( 1 ) فى ط : بها .
( 2 ) شارع النجاة ( فارسى ) : 10 ـ 1 1 .
( 3 ) كلمة ( ظهور ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 4 ) فى ط : حياته .
( 5 ) فى أ و ط : غير . و هو خطأ , لان مراد المصنف ان الاستدلال المذكور مصادرة إذ انه عين المدعى .
و دعوى لزوم بقاء ظن المجتهد إلى حين عمل المقلد , أول المسألة , غايته لزوم عدم العلم بتغير اعتقاده , و هو حاصل ههنا بحسب الفرض .
و احتمال ظهور خطأ الظن غير مضر , كما فى الحى .
و لضعف هذه الوجوه قال صاحب المعالم[ : ( و الحجة المذكورة للمنع فى كلام الاصحاب على ما وصل إلينا ردية جدا , لا تستحق أن تذكر]( .
ثم قال[ : ( و يمكن الاحتجاج له ب : أن التقليدإنما ساغ :
للاجماع المنقول سابقا .
و للزوم الحرج الشديد و العسر بتكليف الخلق بالاجتهاد .
و كلا الوجهين لا يصلح دليلا فى محل النزاع :
لان صورة حكاية الاجماع صريحة فى الاختصاص بتقليد الاحياء , و الحرج و العسر يندفعان بتسويغ التقليد فى الجملة .
على أن القول بالجواز قليل الجدوى على اصولنا , لان المسألة اجتهادية , و فرض العامى فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد , و حينئذ فالقائل بالجواز :
إن كان ميتا : فالرجوع إلى فتواه فيها دور ظاهر .
وإن كان حيا : فاتباعه فيها , و العمل بفتاوى الموتى فى غيرها بعيد عن الاعتبار غالبا , مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحى , بل قد حكى الاجماع فيه صريحا بعض الاصحاب]( انتهى كلامه , أعلى الله مقامه ( 1 ) .
( 1 ) معالم الدين : 247 248 .
الاول : منع عموم النهى عن التقليد و اتباع الظن , بل هو مختص بالاصول .
الثانى : أن المسوغ لجواز تقليد الحى , ليس إلا الوجه الاخير من الوجهين اللذين ذكرهما , و كيف يمكن دعوى الاجماع مع مخالفة كثير من الاصحاب ؟ !
و قد نسب المنع من التقليد مطلقا , الشهيد فى الذكرى ( 1 ) إلى قدماء أصحابنا و فقهاء حلب .
و كلام الكلينى فى أول الكافى ( 2 ) , ظاهر فى منع التقليد مطلقا , حيث جعل التكليف منوطا بالعلم و اليقين , و نهى عن التقليد و الاستحسان .
و صرح ابن[ زهرة فى كتاب غنية النزوع] ( 3 ) بعينية الاجتهاد , و عدم جواز التقليد , و جعل فائدة رجوع العامى إلى العلماء الاطلاع على مواضع الاجماع ليعمل به ( 4 ) .
و أيضا : العلم بدخول قول المعصوم أو تقريره فى مثل هذه المسائل الاصولية , التى علم عدم الكلام عنها فى عصر المعصوم غير ممكن الحصول , فان هذه المسائل غير مذكورة فى كتب قدمائنا , بل غير مذكورة إلا فى كتب العلامة و من تأخر عنه , فكيف يمكن العلم بالاجماع الذى يكون حجة عندنا ؟ !
( 1 ) الذكرى : 2 المقدمة الاشارة الثانية . لكن فيه : بعض قدماء الامامية .
( 2 ) الكافى : 1 8 المقدمة .
( 3 ) فى النسخ : و صرح ابن حمزة فى كتاب غنية ( عتبة ط ) الدروع . و الصواب ما اثبتناه .
( 4 ) غنية النزوع : 485 486 ( تسلسل الجوامع الفقهية ) .
مع : أنه روى الكشى فى ترجمة يونس بن عبدالرحمن بسنده[ : ( عن الفضل بن شاذان , عن أبيه , عن أحمد بن أبى خلف , قال : كنت مريضا , فدخل على أبوجعفر عليه السلام يعودنى فى مرضى , فاذا عند رأسى كتاب ( يوم و ليلة ) فجعل يتصفحه ورقة ورقة , حتى أتى عليه من أوله إلى آخره , و جعل يقول : رحم الله يونس , رحم الله يونس , رحم الله يونس]( ( 1 ) .
و الظاهر : أن الكتاب كان كتاب الفتوى , فحصل تقرير الامام عليه السلام على تقليد يونس بعد موته .
و أيضا : روى بسنده[ ( عن داود بن القاسم : أن أبا جعفر الجعفرى , قال : أدخلت كتاب ( يوم و ليلة ) الذى ألفه يونس بن عبدالرحمن , على أبى الحسن العسكرى عليه السلام , فنظر فيه , و تصفحه كله , ثم قال : هذا دينى و دين آبائى , و هو الحق كله]( ( 2 ) فلو لم يجز العمل بقول الميت , لانكر عليه السلام العمل به قبل عرضه عليه .
و أيضا : ابن بابويه صرح بجواز العمل بما فى : من لا يحضره الفقيه , مع أنه كثيرا ما ينقل فتاوى أبيه , و هو صريح فى تجويزه العمل بفتاوى أبيه بعد موته , وإنكاره مكابرة .
نعم , الوجه الاخير و هو لزوم الحرج يدل على جواز التقليد .
و كذا : ما ورد من الاخبار , من رجوع الناس بأمر الائمة عليهم السلام إلى : محمد بن مسلم , و يونس بن عبدالرحمن , و الفضل بن شاذان , و أمثالهم فى أحكامهم , و الامر بأخذ معالم الدين عنهم , على ما ذكره الكشى فى ترجمتهم ( 3 ) .
( 1 ) رجال الكشى : 484 الترجمة : 913 .
( 2 ) رجال الكشى : 484 الترجمة 915 .
( 3 ) رجال الكشى : 161 الترجمة : 273 , و ص 483 الترجمة : 910 , و ص 542 الترجمة : 1027 .
لكن تخصيص الحى وإخراج الميت , يحتاج إلى دليل .
و لا يكفى اندفاع العسر بتقليد الاحياء , للاندفاع بتقليد الميت أيضا .
الثالث : أن قوله[ : ( لان المسألة اجتهادية , و فرض العامى , الرجوع فيها إلى المجتهد]( ممنوع , لان المسألة أصولية , يمكن تحصيل القطع فيها , فان الانسان اذا علم أن جوازإستفتاء المقلد عن المجتهد , إنما هو لانه مخبر عن أحكام الله تعالى , يحصل له القطع بأن حياة المجتهد و موته , مما لا يحتمل أن يكون مؤثرا فى ذلك .
و على تقدير عدم إمكان تحصيل القطع : فلا شك فى الاكتفاء بالظن , إذ اشتراط القطع فى الاصول مبنى على إمكانه , كما صرحوا به , و تحكم به البديهة . و ليس اعتماد المقلد على ظنه فى المطالب الاصولية التى يعتمد فيها على الظن مشروطا بشىء , كالاعتماد على الظن فى الفروع , حيث إنه مشترط بثبوت الاجتهاد .
و على تقدير تسليم كون المسألة اجتهادية : فلا نسلم أن فرض العامى الرجوع فيهاإلى المجتهد , فانه مبنى على ما أشارإليه بقوله[ : ( على أصولنا]( من عدم صحة تجزى الاجتهاد , و قد عرفت بطلانه .
و حينئذ : فيمكن الاجتهاد فى هذه المسألة , ثم الرجوع إلى فتاوى الاموات فى بقية أحكامه .
الرابع : أن قوله[ : ( و حينئذ , فالقائل بالجواز : إن كان ميتا , فالرجوع إلى فتواه فيها دور ظاهر , وإن كان حيا , فاتباعه فيها و العمل بفتاوى الموتى فى غيرها , بعيد عن الاعتبار غالبا]( . . . إلى آخره غير صحيح , إذا لا بعد فى تقليد مجتهد حى فى هذه المسألة , و تقليد الموتى فى غيرها , و لا معنى لادعاء البعد فى مثل هذه المقامات البرهانية .
الخامس : أن قوله[ : ( مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا]( . . . إلى آخره فيه : أنه لو تحقق اجماع شرعى على منع تقليد الميت مع وجود الحى , لاستغنى
و أقول : الذى يختلج فى الخاطر فى هذه المسألة , أن من علم من حاله أنه لا يفتى فى المسائل إلا بمنطوقات الادلة , و مدلولاتها الصريحة كابنى بابويه , و غيرهما من القدماء يجوز تقليده حيا كان أو ميتا , و لا تتفاوت حياته و موته فى فتاواه .
و أما من لا يعلم من حاله ذلك , كمن يعمل باللوازم غير البينة , و الافراد الخفية ( 1 ) , و الجزئيات غير البينة الاندراج فيشكل تقليده حيا كان أو ميتا , فان من تتبع , و ظهر عليه كثرة اختلاف الفقهاء فى هذه الاحكام , يعلم أن قليل الغلط فى هذه الاحكام قليل , مع أن شرط صحة التقليد : ندرة الغلط .
و السر فيه : أن مقدمات هذه الاحكام , لما لم يوجد فيها نص صريح , كثيرا ما يشتبه فيها الظنى بالقطعى , و ربما يشتبه الحال فيتوهم جواز الاعتماد على مطلق الظن ( 2 ) , فيكثر فيها الاختلاف , و لهذا قلما يوجد فى مقدمات هذا القسم , مقدمة غير قابلة للمنع , بل مقدمة لم يذهب أحدإلى منعها و بطلانها . بخلاف الاختلاف الواقع فى القسم الاول , فانه يرجع إلى اختلاف الاخبار ( 3 ) .
فان قلت : فعلى هذا يبطل جواز اعتماد المجتهد أيضا على اعتقاده فى هذا القسم الثانى .
( 1 ) كلمة ( الخفية ) : زيادة من ب .
( 2 ) فى ط : فيتوهم جواز العمل على الظن .
( 3 ) فى الكافى[ 1 56ح] 11 فى باب البدع و الرأى و المقاييس : فى الصحيح[ ( عن أبى بصير , قال : قلت لابى عبدالله ( ع ) ترد علينا أشياء ليس نعرفها فى كتاب و لا سنة , فننظر فيها ؟ فقال : لا , أما إنك إن اصبت لم تؤجر , وإن اخطأت كذبت على الله عز وجل]( . ( منه رحمه الله ) .
إذا عرفت هذا : فالاولى و الاحوط للمقلد المتمكن من فهم العبارات : أن لا يعتمد على فتوى القسم الثانى من الفقهاءإلا بعد العرض على الاحاديث , بل لو عكس أيضا كان أحوط ( 1 ) .
حكم جماعة من متأخرى أصحابنا , ببطلان صلاة من لم يكن مجتهدا و لا مقلدا لمن يجوز تقليده , و كذا غير الصلاة من العبادات ( 3 ) , و لا أرى لاطلاق ذلك وجها , بل لا يصح ذلك الحكم فى صور :
الاولى : من احتاط فى العبادة , بحيث تحصل الصحة على كل تقدير , فحينئذ لا وجه للقول ببطلان تلك العبادة , كمن صام و كف عن جميع ما يحتمل أن يكون مبطلا , و يتأتى ذلك فى الصلاة أيضا , كالاتيان بجميع ما يحتمل أن يكون تركه مبطلا , و ترك جميع ما يحتمل أن يكون فعله مبطلا , بحيث يحصل له القطع بصحة صلاته على كل تقدير .
فان قلت : هذا لا يتأتى فى الصلاة , لان الافعال المحتملة للوجوب و الندب كالسورة , و التسليم , و نحوهما إن وقعت على وجه الوجوب , أبطلت الصلاة على تقدير ندبيتها , و كذا العكس .
( 1 ) فى الكافى[ 1 53ح] 3 فى باب التقليد : فى الصحيح[ ( عن أبى بصير , عن أبى عبدالله ( ع ) فى قول الله عز وجل : ( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله ) فقال : و الله , ما صاموا لهم , و لا صلوا لهم , و لكن أحلوا لهم حراما , و حرموا عليهم حلالا , فاتبعوهم]( . ( منه ) .
( 2 ) فى ط : تذنيب .
( 3 ) المقاصد العلية : 32 , روض الجنان : 248 .
قلت : لا نسلم بطلان ذلك أى : بطلان الصلاة بايقاع بعض أجزائها الواجبة على وج ه الندب , و بالعكس إذا تحققت نية القربة , غايته كونه آثما فى اعتقاده ( 1 ) خلاف الواقع , و ليس النهى متعلقا بنفس الصلاة , أو بشىء من أجزائها , بل و لا بصفاتها اللازمة , كما لا يخفى .
و على تقدير التسليم : فيمكن عدم نية الوجه فى مثل تلك الافعال , بل الاقتصار على قصد القربة , و كونه مشغولا بالصلاة , إذ لا دليل على تعيين نية الوجه فى تفاصيل أجزاء الصلاة , و لهذا لم يذهب إليه أحد من العلماء و إن ذهب البعض إلى البطلان مع نية الوجه المخالف للواقع و لذا لم يذهب أحد إلى بطلان صلاة الذاهل عن الوجه فى أجزاء الصلاة .
مع : أنه لا يتم القول بالبطلان بوجه على تقدير صحة تجزى الاجتهاد , فان من اجتهد فى أمر النية و ظهر عليه أنه لا يعتبر نية الوجه فى أجزاء الصلاة , ثم أتى بالصلاة على الوجه المذكور ( 2 ) , فحينئذ لا يتصور القول ببطلان صلاته بوجه .
الثانية : لو وقعت العبادة موافقة لحكم الشرع فى نفس الامر , و اقترنت بنية القربة : مثلا : من صلى و ترك قراءة السورة فى الصلاة , بمجرد تقليد مثله من العوام , فلا يمكن للمجتهد المعتقد استحباب السورة , الحكم ببطلان تلك الصلاة , إذ ليس النهى عنده متعلقا بصلاة ذلك المصلى , بل بتقليده لمثله كما مر .
و على هذا , فلا يمكن الحكم ببطلان صلاة من كانت صلاته موافقة لشىء من أخبار الائمة عليهم السلام المعمول به , أو لقول من أقوال الفقهاء المعتمدين شرعا , و إن لم يكن ذلك المصلى إلا مقلدا لمثله , بمجرد حسن الظن
( 1 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : اعتقاد .
( 2 ) أى : الاتيان بجميع ما يحتمل ان يكون تركه مبطلا . ( منه رحمه الله ) .
قال الفاضل الورع المحقق مولانا أحمد الاردبيلى فى شرح قول العلامة فى الارشاد [ :( و يجب معرفة واجب أفعال الصلاة]( . . . إلى آخره[ : ( إعلم : أن الذى تقتضيه الشرعية السهلة , و الاصل , عدم الوجوب على التفصيل و التحقيق المذكور فى الشرح و غيره , و أظن : أنه يكفى الفعل على ما هو المأمور به ( 1 ) , و فى الاخبار إشارة إليه , كما مر البعض و ستقف على أمثاله أيضا , خصوصا فى مسائل الحج , إذ الظاهر : أن الغرض إيقاعه على شرائطه المستفادة من الادلة , و أما كونه على وجه الوجوب فلا , و غير معلوم أنه داخل فى الوجه المأمور به ( 2 ) , بل الظاهر عدمه , فلا يتم الدليل بأن فعل الواجب على الوجه المأمور به موقوف على المعرفة و العلم , فبدونه ما أتى بالمأمور به على وجهه , فيبقى فى عهدة التكليف . و على تقدير تسليم الوجوب : لا نسلم البطلان على تقدير عدمه , خصوصا عن الجاهل و الغافل عن وجوبه , و عن الذى أخذه بدليل , مع كون ( 3 ) وظيفته ذلك , و كذا المقلد لمن لا يجوز تقليده , و لا خفاء فى صعوبة العلم الذى اعتبروه سيما بالنسبة إلى النساء و الاطفال فى أوائل البلوغ , فانهم كيف يعرفون المجتهد , و عدالته , و عدالة المقلد , و الوسائط ؟ ! مع أنهم ما يعرفون العدالة , و معرفتهم إياها و أخذهم عنهم فرع العلم بعدالتهم . و معرفة العدالة ما تحصل غالباإلا بمعرفة المحرمات و الواجبات , فهم ( 4 ) الان ما حصلوا شيئا , و ليس بمعلوم لهم العمل بالشياع بأن فلانا ( 5 ) عدل , مع عدم معرفتهم حقيقة العدالة , بل و لا بالعدلين , و لا بالمعاشرة . و تحقيقهم ذلك كله
( 1 ) كلمة ( به ) : اضافة من ب و من المصدر .
( 2 ) كلمة ( به ) : اضافة من ب و ط و من المصدر .
( 3 ) فى ط و المصدر : عدم . بدل : كون .
( 4 ) فى أ و ب و ط : و هم . و فى المصدر : و هم الى الان .
( 5 ) كذا فى المصدر , و فى الاصل و ب : الفلان , و فى أ و ط : الفلانى .
و الحاصل : أنه لا دليل يصلح , إلا أن يكون إجماعا , و هو أيضا غير معلوم لى , بل ظنى : أنه يكفى فى الاصول الوصول إلى المطلوب كيف كان , بدليل ضعيف باطل , و تقليد كذلك , كما مرإليه الاشارة , و عدم نقل الايجاب عن[ النبى صلى الله عليه و آله و سلم و الائمة و] ( 1 ) السلف , بل كانوا يكتفون بمجرد الاعتقاد و فعل صورة الواجبات ( 2 ) , و مثل تعليم النبى صلى الله عليه و آله و سلم الاعراب , مع أن الصلاة معلوم اشتمالها على ما لا يحصى كثرة من الواجبات و ترك المحرمات و المندوبات , و كذا سكوتهم عليهم السلام عن أصحابهم فى ذلك .
و بالجملة : لى ظن قوى على ذلك من الامور الكثيرة , و إن لم يكن كل واحد منها دليلا , فالمجموع مفيد له , و إن لم يحضرنى الان كله , و إن أمكن الوجوب على العالم المتمكن من العلم على الوجه المشروط . على أن دليلهم لو تم , لدل على وجوب القصد حين الفعل , وإنه غير واجب إجماعا , و لكن ظنى لا يغنى من الحق ( 3 ) شيئا , فعليك طلب الحق و الاحتياط ما استطعت]( انتهى كلامه , أعلى الله مقامه ( 4 ) .
و ذكر أيضا فى مسألة الشك بين الاثنين و الثلاث و الاربع[ : ( أنه يكفى فى الاصول مجرد الوصول إلى الحق , و أنه يكفى ذلك لصحة العبادة المشترطة بالقربة , من غير اشتراط البرهان و الحجة على ثبوت الواجب , و جميع الصفات الثبوتية و السلبية , و النبوة , و الامامة , و جميع أحوال القبر , و يوم القيامة , بل
( 1 ) ما بين المعقوفين زيادة من المصدر .
( 2 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : الايجاب .
( 3 ) كذا فى ط , و فى الاصل و أ و ب و المصدر : العلم .
( 4 ) مجمع الفائدة و البرهان : 2 182 .
و مما يؤيده : الشريعة السهلة السمحة ,[ و] ( 2 ) أن البنت التى ما رأت أحدا إلا والديها , مع فرضهما متعبدين ( 3 ) بالدين الحق , فكيف بالغير ( 4 ) ؟ ! إذا بلغت تسعا يجب عليها جميع ما يجب على غيرها من المكلفين , على ما هو المشهور عند الاصحاب , مع أنها ما تعرف شيئا , فكيف يمكنها تعلم كل الاصول بالدليل و الفروع من أهلها , على التفصيل المذكور , قبل العبادة مثل الصلاة ؟ ! على : أن تحقيقها العدالة فى غاية الاشكال كما مر , و قد لا يمكن لها فهم الاصول بالتقليد , فكيف بالدليل ؟ ! و على ما ترى , أنه قد صعب على أكثر الناس من الرجال و النساء جدا , فهم شىء من المسائل على ما هى إلا بعد المداومة .
و بالجملة : هذا ظنى , و لكنه لا يغنى من شىء , و لعلى لا أعاقب به إن شاء الله تعالى , و قد استبعدت ما ذكره بعض الاصحاب , سيما ما فى الرسالة الالفية , مع قوله فى الذكرى بصحة صلاة العامة , و قد أشار الشراح إليه أيضا ,
( 1 ) كذا فى أ و المصدر , و فى الاصل و ب و ط : حقيقة .
( 2 ) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ , و قد اثبتناه من المصدر المنقول عنه النص .
( 3 ) كذا فى أ و ب و ط و المصدر , و لكن فى الاصل : متقيدين .
( 4 ) كذا فى أ و ط , و فى الاصل و ب : الغير .
و قال فى بحث وجوب العلم بدخول وقت الصلاة[ : ( و بالجملة : كل من فعل ما هو فى نفس الامر و إن لم يعرف كونه كذلك , ما لم يكن عالما بنهيه وقت الفعل , حتى لو أخذ المسائل عن غير أهله , بل لو لم يأخذ من أحد ( 2 ) فظنها كذلك و فعل فانه يصح ما فعله , و كذا فى الاعتقادات , وإن لم يأخذها عن أدلتها , فانه يكفى ما اعتقده دليلا و أوصله إلى المطلوب , و لو كان تقليدا , كذا يفهم من كلام منسوب إلى المحقق نصير الملة و الدين قدس سره العزيز , و فى كلام الشارع إشارات إليه , مثل مدحه جماعة للطهارة بالحجر و الماء مع عدم العلم بحسنها , و صحة حج من مر بالموقف , و مثل قوله صلى الله عليه و آله و سلم لعمار حين غلط فى التيمم قال[ : ( ألا فعلت كذا]( فانه يدل على أنه لو فعل كذا لصح ( 3 ) , مع أنه ما كان يعرف , و فى تصحيح من نسى ركعة ففعلها , و استحسنه عليه السلام مع عدم العلم , و الشريعة السمحة السهلة تقتضيه , و ما وقع فى أوائل الاسلام من فعله صلى الله عليه و آله و سلم مع الكفار من الاكتفاء بمجرد قولهم بالشهادة , و كذا فعل الائمة عليهم السلام مع من قال بهم مما يفيد اليقين , فتأمل . و كذا جميع أحكام الصوم , و القصر و الاتمام ( 4 ) , و جميع المسائل , فلو أعطى زكاته للمؤمن مع عدم العلم , لصح , فتأمل و احتط]( انتهى كلامه قدس سره ( 5 ) .
و قال فى شرح قوله[ : ( و يجب غسل موضع البول بالماء خاصة[ : [( ( و اعلم : أن الرواية التى نقلت هنا فى سبب نزول الاية الدالة على الازالة بالماء
( 1 ) مجمع الفائدة و البرهان : 3 189 190 .
( 2 ) كلمة ( أحد ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ و المصدر .
( 3 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : يصح .
( 4 ) كذا فى المصدر و فى النسخ : التمام .
( 5 ) مجمع الفائدة و البرهان : 2 54 55 .
هذا , و لكن روى الكلينى فى باب المسألة فى القبر : عن[ ( محمد بن يحيى , عن أحمد بن محمد , عن الحسين بن سعيد , عن إبراهيم ابن أبى البلاد , عن بعض أصحابه , عن أبى الحسن موسى عليه السلام , قال : يقال للمؤمن فى قبره : من ربك ؟ قال : فيقول : الله . فيقال له : ما دينك ؟ فيقول : الاسلام . فيقال له : من نبيك ؟ فيقول : محمد . فيقال : من إمامك ؟ فيقول : فلان . فيقال : كيف علمت بذلك ؟ فيقول : أمر هدانى الله له و ثبتنى عليه . فيقال له : نم نومة لا حلم فيها , نومة العروس , ثم يفتح له باب إلى الجنة , فيدخل عليه من روحها و ريحانها , فيقول : يارب عجل قيام الساعة , لعلى أرجع إلى أهلى و مالى . و يقال للكافر : من ربك ؟ فيقول : الله . فيقال : من نبيك ؟ فيقول : محمد . فيقال : ما دينك ؟ فيقول : الاسلام . فيقال : من أين علمت ذلك ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون فقلته . فيضربانه بمرزبة , لو اجتمع عليها الثقلان : الانس , و الجن , لم يطيقوها . قال : فيذوب كما يذوب الرصاص]( الحديث ( 3 ) .
( 1 ) البقرة 222 .
( 2 ) مجمع الفائدة و البرهان : 1 93 .
( 3 ) الكافى : 3 238 ح 11 من الباب المذكور . المرزبة : عصية من حديد . و : المطرقة الكبيرة تكسر بها الحجارة , ج : مرازب ( لا روس ) . و فى نسخة ب : بمضربة .
و هذه الرواية دالة على أن هذه الاصول لا يكفى فيها تقليد الناس .
و الحق : أن الاولى و الاحوط للمكلف , أن يكون جميع ما يعتقده من الاصول و الفروع مما يكون معروضا على كلام أئمة الهدى , و خزنة علم الله , و أبواب مدينة العلم صلى الله عليه و آله و سلم , و مستنداإليهم .
روى الكلينى رحمه الله فى الكافى ( 1 ) فى الصحيح[ : ( عن أبى بصير , قال : قلت لابى عبدالله عليه السلام : ترد علينا أشياء و ليس نعرفها فى كتاب و لا سنة فننظر فيها ؟ فقال : لا , أماإنك إن أصبت لم تؤجر , وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل]( ( 2 ) .
فان الظاهر من كلامهم عليهم السلام : أن المخطىء حينئذ لا يكون معذورا , و المصيب لا مع ذلك غير مؤجر , بل الاولى : أن تكون مقدمات المعارف النظرية مأخوذة من كلامهم . و ما سكتوا عنه , أو لم يبلغنا فيه منهم شىء , فالاحوط السكوت فيه . و من تتبع الاخبار الواردة فى ذلك كالروايات الواردة فى النهى عن الكلام , مرة على الاطلاق , و مرة على غير المأخوذ منهم عليهم السلام حصل له الجزم بذلك . و يفهم من كثير من الروايات و الخطب أن أصل التصديق بالله تعالى مما فطر عليه جميع العقول , و أن قلب ذى الجحود مقر بما أنكر ( 3 ) بلسانه , بل إن البهائم أيضا لم تبهم عن أربع , أحدها معرفة الرب و فى بعض الروايات : معرفة الله , بدل : معرفة الرب قال الله تعالى : ( أفى الله شك فاطر السموات و الارض ) الاية ( 4 ) .
و هذا مذهب النظام , و كثير من المتكلمين ( 5 ) , كما نقله فى المواقف ( 6 ) ,
( 1 ) الكافى : 1 56ح 11 .
( 2 ) قوله : ( روى الكلينى ) الى هذا الموضع : ساقط من الاصل و ب و ط , و قد اثبتناه من نسخة أ .
( 3 ) فى أ و ط : انكره .
( 4 ) ابراهيم 10 .
( 5 ) شرح المواقف : 1 77 , حاشية الچلبى على شرح المواقف : 51 .
( 6 ) المواقف : 28 . إلا انه لم ينص على رأى النظام .
و اعلم : أنه قد مر أن الاحوط للمقلد , عرض فتاوى الفقهاء على الروايات و إنما قلنا : إنه أحوط , لا أنه متعين , لان الظاهر من الروايات جواز اعتماد العامى على من كان ثقة عارفا بروايات الائمة , كالامر بأخذ معالم الدين عن محمد بن مسلم الثقفى , و الفضيل بن يسار , و يونس بن عبدالرحمن , و غيرهم , على ما ذكره الكشى ( 1 ) , و غيره , فى ترجمتهم , و كالروايات الواردة فى فضل العلماء بأنهم يسددون قلوب شيعتنا .
و روى ابن جمهور , فى غوالى اللالى , بطرقه المذكورة فيه[ : ( عن الامام الحسن العسكرى عليه السلام , قال : حدثنى أبى , عن آبائه , عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم , قال : أشد من يتم اليتيم الذى انقطع من أبيه , يتم يتيم انقطع عن إمامه , و لا يقدر على الوصول إليه , و لا يدرى كيف حكمه فيما يبتلى من شرائع دينه , ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا , و هدى الجاهل بشريعتنا , كان معنا فى الرفيق الاعلى]( ( 2 ) .
و باسناده[ : ( عن على بن محمد عليه السلام , قال : لو لا من يبقى بعد غيبة الامام من العلماء الداعين اليه , و الدالين عليه , و الذابين عنه و عن دينه بحجج الله , المنقذين للضعفاء من عباد الله , من شباك إبليس و مردته , لما بقى أحدإلا ارتد]( الحديث ( 3 ) .
و غير ذلك من الروايات .
و الحاصل : أن المفهوم جواز اعتماد ضعفاء الناس و العوام على العلماء , من غير تقييده ( 4 ) بلزوم عرض فتاواهم على كلام الائمة عليهم السلام , فيكون
( 1 ) رجال الكشى : 161 ترجمة رقم 273 و ص 212 رقم 377 381 و ص 483 رقم 910 .
( 2 ) غوالى اللالى : 1 16ح 1 .
( 3 ) غوالى اللالى : 1 19 ح 8 .
( 4 ) فى أ و ب و ط : تقييد .
( 1 ) فى ط : الترجيح .
اعلم : أن التعارض الواقع فى الادلة الشرعية , يكون بحسب الاحتمالات العقلية منحصرا فى أقسام :
الاول : بين الايتين من الكتاب .
فان كان فى إحداهماإطلاق أو عموم , بحيث يمكن تقييدها أو تخصيصها أو نحو ذلك :
فالمشهور : لزوم ذلك .
وإلا فالمتأخر ناسخ , إن علم التأريخ .
وإلا فالتوقف , أو التخييرإن أمكن .
و الاحوط : الرجوع إلى الاخبار الواردة عن الائمة عليهم السلام إن وجدت فى ذلك وإلا فالتوقف , أو الاحتياطإن أمكن ( 1 ) .
الثانى : بين الكتاب و السنة المتواترة .
فان كانت من النبى صلى الله عليه و آله و سلم : فحكمه ما مر , مع احتمال تقديم السنة .
و كذاإن كانت من الائمة عليهم السلام , مع احتمال تقديم الكتاب
( 1 ) فى ط : و الاحتياط . و قوله : إن امكن : ساقط من أ و ط .
الثالث : بين الكتاب و الظنى من أخبار الاحاد .
و المشهور : تقديم الكتاب مع عدم إمكان الجمع بوجه , بل معه أيضا على قول الشيخ و جماعة , و حديث العرض مقتض له ( 1 ) .
و الاخبار الواردة فى حصر العلم بالقرآن على الائمة عليهم السلام و أنه بحسب عقولهم لا بحسب عقول الرعية يقتضى تقديم الخبر , كما لا يخفى و الله أعلم .
الرابع : بين الكتاب و الاجماع المقطوع , أو المظنون .
و الظاهر : أن حكمه كالثانى و الثالث فى الاول , و الثانى من قسميه .
الخامس : بين الكتاب و الاستصحاب , بناءا على حجيته .
و يبعد تقديم الثانى مطلقا .
السادس : بين السنة المتواترة و خبر الواحد .
و لا شك فى تقديم الخبر المتواتر , و كذا المحفوف بما يفيد القطع , على خبر الواحد , إذا كان كل منهما عن الائمة عليهم السلام , أو النبى صلى الله عليه و آله و سلم . و كذاإذا كان أحدهما عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم فقط على الظاهر , و هذا مع عدم إمكان الجمع .
السابع : بين السنة المقطوع بها بقسميها ( 2 ) مع مثلها .
( 1 ) روى الكلينى فى باب الاخذ بالسنة , فى الصحيح[ : ( عن هشام بن الحكم و غيره , عن أبى عبدالله ( ع ) قال : خطب النبى ( ص ) بمنى , فقال : أيها الناس ما جاءكم عنى يوافق كتاب الله فأنا قلته , و ما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله [ . [( و] روى بمضمونه اخبارا كثيرة ( منه رحمه الله ) . الكافى : 1 69ح 5 .
( 2 ) كذا الظاهر , و فى الاصل : بقسميه . و هى ساقطة من أ و ب و ط . و على نسخة الاصل يكون <
و يظهر حكمه مما سيجىءإن شاء الله تعالى .
الثامن : بين السنة المقطوع بها و الاجماع بقسميه .
و حكمه : كالسادس و السابع .
التاسع : بينها و بين الاستصحاب .
و حكمه : كالخامس .
العاشر : بين الخبرين من أخبار الاحاد .
و هذا هو الذى ذكره الاكثر فى كتبهم , و اقتصروا عليه , و ذكروا فيه أقساما من وجوه الترجيح :
بعضها : بحسب السند ( 1 ) , ككثرة رواة أحدهما , أو ورع راوى أحدهما , أو أضبطيته , أو نحو ذلك من الاوصاف , أو علو الاسناد فى أحدهما .
و بعضها : بحسب الرواية , كترجيح المروى بلفظ المعصوم , على المروى بالمعنى .
و بعضها : بحسب المتن , كالفصاحة و الافصحية على قول , أو تأكد الدلالة , أو كون المدلول فى أحدهما حقيقيا دون الاخر , أو كون دلالة أحدهما غير موقوفة على توسط أمر بخلاف الاخر , أو العام الذى لم يخصص و المطلق الذى لم يقيد على المخصص و المقيد .
و بعضها : بالامور الخارجية , كاعتضاد أحدهما بدليل آخر , أو بعمل السلف , أو بموافقة الاصل على قول , أو بمخالفته ( 2 ) على قول آخر , أو بمخالفته لاهل الخلاف , بخلاف الاخر .
و هذه الوجوه مفصلة فى كتب الاصول , و أنا لم أبسط القول فيها , لان
( 1 ) فى ط : الراوى .
( 2 ) كذا فى ط , و فى سائر النسخ : و بمخالفته .
و الاولى : الرجوع فى الترجيح إلى ما ورد به , و هو روايات :
الاولى : ما رواه الشيخ الجليل الطبرسى فى كتاب الاحتجاج , فى احتجاج أبى عبدالله الصادق عليه السلام[ : ( عن الحارث بن المغيرة , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : إذا سمعت من أصحابك الحديث , و كلهم ثقة , فموسع عليك حتى ترى القائم عليه السلام , فترد ( 1 ) إليه ]( ( 2 ) .
الثانية : ما رواه عن الحسن بن الجهم , عن الرضا عليه السلام , و فى آخره : [( قلت : يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة , بحديثين مختلفين , فلا نعلم ( 3 ) أيهما الحق , قال : إذا لم تعلم , فموسع عليك بأيهما أخذت]( ( 4 ) .
الثالثة : ما رواه أيضا , فى جواب مكاتبة محمد بن عبدالله الحميرى , إلى صاحب الزمان عليه السلام[ : ( يسألنى بعض الفقهاء عن المصلى , اذا قام من التشهد الاول إلى الركعة الثالثة , هل يجب عليه أن يكبر ؟ فان بعض أصحابنا قال : لا يجب عليه تكبيرة , و يجزيه أن يقول : بحول الله و قوته أقوم و أقعد .
فى الجواب عن ذلك حديثان , أما أحدهما : فانه إذا انتقل من حالة إلى اخرى , فعليه التكبير , و أما الحديث الاخر : فانه روى إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبر , ثم جلس , ثم قام , فليس عليه فى القيام بعد القعود تكبير , و كذلك التشهد الاول يجرى هذا المجرى . و بأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا]( ( 5 ) .
( 1 ) كذا فى النسخ . و فى المصدر : على ما فى النسخة المطبوعة منه فترده . و يؤيد المتن نسخة الوسائل : 18 87 88 .
( 2 ) الاحتجاج : 357 .
( 3 ) كذا فى المصدر , و فى النسخ : فلم نعلم . و فى نسخة الوسائل : و لا نعلم : الوسائل : 18 87 .
( 4 ) الاحتجاج : 357 .
( 5 ) الاحتجاج : 483 . باختلاف يسير .
الرابعة : ما رواه على بن مهزيار , فى الصحيح , قال : قرأت فى كتاب لعبدالل ه بن محمد , إلى أبى الحسن عليه السلام[ : ( اختلف أصحابنا فى رواياتهم عن أبى عبدالله عليه السلام فى ركعتى الفجر فى السفر , فروى بعضهم : أن صلهما فى المحمل , و روى بعضهم : أن لا تصلهما إلا على الارض , فأعلمنى كيف تصنع أنت ؟ لاقتدى بك فى ذلك .
فوقع عليه السلام : موسع عليك بأية عملت]( ( 1 ) .
و فى دلالة هذه الرواية على ما نحن فيه نظر ظاهر .
و روى الكلينى فى الكافى , قال : و فى رواية[ : ( بأيهما أخذت من باب التسليم و سعك]( ( 2 ) , و رواها فى خطبة الكافى عن العالم عليه السلام ( 3 ) .
و هذه الاخبار دالة على أن المكلف مخير فى العمل بأى الخبرين شاء , و اختاره الكلينى فى خطبة الكافى , كما مر نقل عبارته ( 4 ) .
الخامسة : ما نقل عن احتجاج الطبرسى أنه روى[ : ( عن سماعة بن مهران , قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام , قلت : يرد علينا حديثان , واحد يأمرنا بالاخذ به , و الاخر ينهانا عنه ؟ قال : لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى ( 5 ) صاحبك فتسأله عنه , قال : قلت : لابد أن نعمل بأحدهما ؟ قال : خذ بما فيه خلاف العامة]( ( 6 ) .
السادسة : ما رواه الشيخ قطب الدين الراوندى , فى رسالة ألفها فى بيان أحوال أحاديث أصحابنا ( 7 ) , بسنده[ : ( عن ابن بابويه , عن محمد بن الحسن
( 1 ) التهذيب : 3 228ح 583 .
( 2 ) الكافى : 1 66 باب اختلاف الحديث ح 7 .
( 3 ) الكافى : 1 9 .
( 4 ) كذا الظاهر , و فى النسخ : و نقل عبارته .
( 5 ) كذا فى المصدر و الوسائل ( 18 88 ) , و لكن فى النسخ : حتى يأتى .
( 6 ) الاحتجاج : ص 357 358 .
( 7 ) هذه الرسالة من المفقودات فى عصرنا هذا , و قد نقل هذه الاحاديث الثلاثة ( 6 , 7 , 8 ) <
السابعة : و روى أيضا عن[ : ( ابن بابويه , عن محمد بن موسى بن المتوكل , عن على بن الحسين السعدآبادى , عن أحمد ابن أبى عبدالله البرقى , عن ابن فضال , عن الحسن بن الجهم , قال : قلت للعبد الصالح عليه السلام , هل يسعنا فيما يرد ( 2 ) علينا منكم إلا التسليم لكم ؟ فقال : لا والله , لا يسعكم إلا التسليم لنا . قلت : فيروى عن أبى عبدالله عليه السلام شىء , و يروى عنه خلافه , فبأيهما نأخ ذ ؟ فقال : خذ بما خالف القوم , و ما وافق القوم فاجتنبه]( .
الثامنة[ : و] روى بهذا الاسناد[ : ( عن أحمد بن أبى عبدالله البرقى , عن أبيه , عن محمد بن عبدالله ( 3 ) , قال : قلت لابى الحسن الرضا عليه السلام : كيف نصنع بالخبرين المختلفين ؟ فقال : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان , فانظروا ما يخالف منهما العامة فخذوه , و انظروا ما يوافق أخبارهم فدعوه]( .
و روى الشيخ فى باب الخلع[ : ( عن الحسن بن سماعة , عن الحسن بن أيوب , عن ابن بكير , عن عبيد بن زرارة , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : ما سمعت منى يشبه قول الناس , فيه التقية , و ما سمعت منى لا يشبه قول الناس , فلا تقية فيه]( ( 4 ) .
و هذه الاخبار الخمسة , دالة على أن المتعين عند اختلاف الاخبار ,
( 1 ) كذا الظاهر , و فى النسخ و الوسائل و الفوائد المدنية : الحسين بن السرى . و لكن لم يرد هذا الاسم فى كتب الرجال .
( 2 ) فى نسخة الوسائل : فيما ورد .
( 3 ) فى نسخة الفوائد المدنية : عبيدالله .
( 4 ) التهذيب : 8 98 ح 330 .
التاسعة : ما رواه الكلينى , فى باب اختلاف الحديث من الكافى , فى الصحيح عن[ : ( عمر بن حنظلة , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا , بينهما منازعة إلى أن قال و كلاهما اختلفا فى حديثكم ؟
قال : الحكم ما حكم به أعدلهما , وافقههما , و أصدقهما فى الحديث , و أورعهما , و لا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر .
قال : قلت : فانهما عدلان مرضيان عند أصحابنا , لا يفضل واحد منهما على صاحبه ؟
قال : فقال عليه السلام : ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا , فى ذلك الذى حكما به , المجمع عليه من أصحابك , فيؤخذ به من حكمنا , و يترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند أصحابك , فان المجمع عليه لا ريب فيه . و إنما الامور ثلاثة , أمر بين رشده فيتبع , و أمر بين غيه فيجتنب , و أمر مشكل يرد علمه إلى الله و إلى رسوله , قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : حلال بين , و حرام بين , و شبهات بين ذلك , فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات . و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم .
قلت : فان كان الخبران عنكم ( 1 ) مشهورين , قد رواهما الثقاة عنكم ؟
قال : ينظر , فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة , و خالف العامة , فيؤخذ به , و يترك ما خالف . حكمه حكم الكتاب و السنة , و وافق العامة .
قلت : جعلت فداك , أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب
( 1 ) فى النسخة المطبوعة المحققة من الكافى : عنكما . و فسرها فى مرآة العقول بالصادق و الباقر ( ع ) كما فى هامش الكافى , و ما اثبتناه مطابق لنسخة الوسائل : 18 76 كتاب القضاء باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة و كيفية العمل بهاح 1 .
قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد .
قلت : جعلت فداك , فان وافقهما الخبران جميعا ؟
قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم و قضاتهم , فيترك , و يؤخذ بالاخر .
قلت : فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟
قال : إذا كان كذلك , فأرجه حتى تلقى إمامك , فان الوقوف عند الشبهات , خير من الاقتحام فى الهلكات]( ( 1 ) . و هذه الرواية تدل على أن الترجيح ب : أعدلية الراوى , و أفقهيته , و أورعيته و أصدقيته , و مع التساوى : بالشهرة , و مع التساوى فيها أيضا : فبالعرض على الكتاب و السنة و مذهب العامة .
و ظاهرها : لزوم العرض على الجميع , و يحتمل أن تكون ( الواو ) بمعنى ( أو ) فاللازم العرض على أحدها , و لكن قوله[ : ( أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة]( . . . . إلى آخره , يؤيد الاول , إلا أنه عليه السلام جوز الترجيح بالعرض على مذهب العامة فقط , و على عمل حكامهم فى جوابه لهذا القول , و مع عدم إمكان هذا النحو من الترجيح , فمقتضى هذه الرواية لزوم التوقف , و لم يجوز فى هذه الرواية التخيير .
و حمل بعضهم ( 2 ) روايات التخيير على العبادات المحضة , و روايات الارجاء و التوقف على ما ليس كذلك , كالدين و الميراث و نحوهما , و هو غير
( 1 ) الكافى : 1 67 , 68 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 10 .
( 2 ) و هو الامين الاسترآبادى : الفوائد المدنية : 192 الفائدة الرابعة , و كذا فى ص 273 . كما ذهب الى هذا الجمع الحر العاملى : الوسائل : 18 77 .
العاشرة : ما رواه محمد بن إبراهيم ابن أبى جمهور الاحسائى , فى كتاب غوالى اللالى[ : ( 2 ) ( عن العلامة , مرفوعا إلى زرارة بن أعين .
قال : سألت الباقر عليه السلام , فقلت : جعلت فداك , يأتى عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان , فبأيهما آخذ ؟
فقال عليه السلام : يا زرارة , خذ بما اشتهر بين أصحابك , و دع الشاذ النادر .
فقلت : يا سيدى , إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟
فقال عليه السلام : خذ بما يقول أعدلهما عندك , و أوثقهما فى نفسك .
فقلت : إنهما معا عدلان مرضيان موثقان ؟
فقال : انظرإلى ما وافق منهما مذهب العامة , فاتركه , و خذ بما خالفهم , فان الحق فيما خالفهم .
فقلت : ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع ؟
فقال : إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك , و اترك ما خالف الاحتياط .
فقلت : إنهما معا موافقين للاحتياط , أو مخالفين له , فكيف أصنع ؟
فقال عليه السلام : إذن , فتخير أحدهما فتأخذ به , و تدع الاخر .
و فى رواية : أنه عليه السلام قال : إذن , فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله]( ( 3 ) انتهى كلامه ( 4 )
( 1 ) لعل وجه التأمل هو[ ( ان تقييد اطلاق جملة الاخبار الواردة بذلك لا يخلو من اشكال , فانها ليست نصا فى التخصيص , بل و لا ظاهرة فيه , حتى يمكن ارتكاب التخصيص بها]( : الحدائق الناظرة 1 101 المقدمة السادسة .
( 2 ) فى الاصل : اللحساوى فى كتاب عوالى بالمهملة .
( 3 ) قوله ( و فى رواية انه ( ع]( إلى آخره : ساقط من الاصل , و قد اثبتناه من سائر النسخ .
( 4 ) غوالى اللالى : 4 133 ح 229 لكن فيه : بقول : بدل : بما يقول .
الحادية عشرة : ما رواه الشيخ قطب الدين الراوندى بسنده[ : ( عن ابن بابويه , عن أبيه , عن سعد بن عبدالله , عن أيوب بن نوح , عن محمد ابن أبى عمير , عن عبدالرحمن ابن أبى عبدالله , عن الصادق عليه السلام , قال[ : ( إذا ورد عليكم حديثان مختلفان , فاعرضوهما على كتاب الله , فما وافق كتاب الله فخذوه , و ما خالف كتاب الله فذروه , فان لم تجدوهما فى كتاب الله , فاعرضوهما على أخبار العامة , فما وافق أخبارهم فخذروه , و ما خالف أخبارهم فخذوه]( ( 1 )
الثانية عشرة : ما رواه[ : ( الحسن بن الجهم ( 2 ) , عن الرضا عليه السلام ثم قال قلت للرضا : تجيئنى الاحاديث عنكم مختلفة ؟ قال : ما جاءك ( 3 ) عنا اعرضه على كتاب الله و أحاديثنا , فان كان ذلك يشبههما فهو منا , وإن لم يكن يشبههما فليس منا , قلت : يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين , فلا نعلم ( 4 ) أيهما الحق ؟ قال : إذا لم تعلم , فموسع عليك بأيهما أخذت]( ( 5 ) .
الثالثة عشرة : ما رواه الكلينى , فى باب اختلاف الحديث , فى الصحيح عن : [( سماعة , عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه فى أمر كلاهما يرويه , أحدهما يأمر بأخذه , و الاخر ينهاه عنه , كيف يصنع ؟ قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره , فهو فى سعة حتى يلقاه .
و فى رواية اخرى : بأيهما أخذت من باب التسليم و سعك]( ( 6 ) .
الرابعة عشرة : ما رواه أيضا , فى الباب المذكور , بسنده[ : ( عن أبى عبدالله عليه السلام , قال : أرأيتك لو حدثتك بحديث العام , ثم جئتنى من
( 1 ) تقدم ان هذه الرسالة من المفقودات , و قد روى هذا الحديث عنها أيضا : المحدث الاسترآبادى فى الفوائد المدنية : 186 , و الحر العاملى فى وسائل الشيعة : 18 84ح 29 باختلاف يسير .
( 2 ) كلمة ( الجهم ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من أ و ب و ط و المصدر .
( 3 ) كذا فى أ , و فى الاصل ب و ط و المصدر : جاءكم .
( 4 ) كذا فى المصدر . و فى النسخ : فلم نعلم , و فى نسخة الوسائل : و لا نعلم : الوسائل : 18 77 .
( 5 ) الاحتجاج : 357 .
( 6 ) الكافى : 1 66 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 7 .
الخامسة عشرة : ما رواه باسناده عن[ : ( المعلى بن خنيس , قال : قلت لابى عبدالله عليه السلام : إذا جاء حديث عن أولكم , و حديث عن آخركم , بأيهما نأخذ ؟ فقال : خذوا به حتى يبلغكم عن الحى , فان بلغكم عن الحى فخذوا بقوله ]( الحديث .
و فى حديث آخر[ : ( خذوا بالاحدث]( ( 2 ) .
و هذه الروايات الثلاثة دالة على أن الواجب الاخذ بالرواية الاخيرة , و لا أعلم أحدا عمل بها غير ابن بابويه فى الفقيه فى باب ( الرجل يوصى إلى رجلين ) حيث نقل خبرين مختلفين , ثم قال[ : ( لو صح الخبران جميعا , لكان الواجب الاخذ بقول الاخير , كما أمر به الصادق عليه السلام , و ذلك أن الاخبار لها وجوه و معان , و كل إمام أعلم بزمانه و أحكامه من غيره من الناس]( انتهى ( 3 ) .
السادسة عشرة : ما رواه الكلينى أيضا , فى باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب , فى الصحيح أو الموثق , عن[ : ( عبدالله بن أبى يعفور , قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن اختلاف الحديث , يرويه من نثق به , و منهم من لا تثق به ؟ قال : إذا ورد عليكم حديث , فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم , و إلا فالذى جاءكم به أولى به]( ( 4 ) .
السابعة عشرة : قال ابن بابويه فى كتاب الاعتقادات[ : ( اعتقادنا فى الحديث المفسر أنه يحكم على المجمل , كما قال الصادق عليه السلام]( ( 5 ) و راعى
( 1 ) الكافى : 1 67 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 8 .
( 2 ) الكافى : 1 67ح 9 من الباب المذكور .
( 3 ) الفقيه : 4 203 هامش الحديث 5472 .
( 4 ) الكافى : 1 69 ـ كتاب فضل العلم باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب ح 2 .
( 5 ) كتاب الاعتقادات للشيخ الصدوق باب الاعتقاد فى الاخبار المفسرة و المجملة . ط حجرى <
و الظاهر : أنه اراد بالمفسر : المخصص , و المقيد , و المبين , و المفصل , و نحوها , و بالمجمل : خلافها .
و هذه الروايات تدل على أنواع من العمل عند تعارض الاخبار :
الاول : الترجيح باعتبار السند , فترجح رواية الثقة , و الاوثق , و الافقه , و الاصدق , و الاورع , على من ليس كذلك . و هذا تدل عليه : الرواية التاسعة , و العاشرة .
الثانى : الترجيح بشهرة الرواية : و نقل الاكثر إياها , و ندرة الاخرى , و تدل عليه أيضا : التاسعة , و العاشرة .
الثالث : العرض على كتاب الله , و العمل بالموافق , و طرح المخالف . و هذا تدل عليه : التاسعة , و الحادية عشرة , و الثانية عشرة , و السادسة عشرة .
الرابع : العرض على سنة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم . و تدل عليه : الرواية التاسعة , و السادسة عشرة .
و لفظة ( أو ) فى الاخيرة مؤيدة لكون ( الواو ) فى الاولى بمعنى ( أو ) .
الخامس : العرض على مذهب العامة , أو رواياتهم , أو عمل حكامهم , و الاخذ بالمخالف , و تدل عليه : الرواية الخامسة , و السادسة , و السابعة , و الثامنة , و التاسعة , و العاشرة , و الحادية عشرة .
السادس : الاخذ بالاحدث , و تدل عليه : الرابعة عشرة , و الخامسة عشرة , مع رواية اخرى مذكورة فيها .
السابع : التخيير فى العمل بأيهما شاء المكلف , و تدل عليه : الاربعة الاول , و العاشرة , و الثانية عشرة , و الثالثة عشرة .
الثامن : التوقف , و عدم العمل بشىء منهما . و تدل عليه : الخامسة ,
التاسع : العمل بالاحوط منهما . و تدل عليه : الرواية العاشرة .
العاشر : العمل بالحديث المفسر , و حمل المجمل عليه , كما تدل عليه الرواية الاخيرة , و لكن هذا ضرب آخر من العمل , ليس فيه طرح أحد الخبرين .
و اعلم : أن ظاهر الرواية التاسعة أن الترجيح باعتبار السند , من اوثقية الراوى و نحوها و كثرته , مقدم على العرض على كتاب الله .
و على هذا , فاذا تعارض حديثان , و يكون راوى أحدهما أوثق و أفقه و أورع من راوى الاخر ( 1 ) يكون العمل بالاول متعينا , وإن كان مخالفا للقرآن .
و ( 2 ) لكن ظاهر كثير من الروايات : أن العرض على كتاب الله مقدم على جميع أقسام التراجيح , بل روى الكلينى فى باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب ( 3 ) , أخبارا كثيرة دالة على أن الخبر غير الموافق لكتاب الله فهو زخرف , و غير مقول للنبى صلى الله عليه و آله و سلم , و يلزم طرحه , وإن لم يكن له معارض أصلا .
و على هذا , فإذا تعارض حديثان :
ينبغى عرضهما على القرآن أو السنة المقطوع بها , و العمل بالموافق لهما .
و إن لم تعلم الموافقة و المخالفة لهما , فالترجيح : باعتبار الصفات المذكورة للراوى .
و مع التساوى فيها , فالترجيح : بكثرة الراوى , و شهرة الرواية .
و مع التساوى , ف : بالعرض على روايات العامة , أو مذاهبهم , أو
( 1 ) كذا فى أ و ب و ط , و فى الاصل : الاخير .
( 2 ) حرف العطف ساقط من الاصل , و قد اثبتناه من سائر النسخ .
( 3 ) الكافى 1 69 .
و إن لم تعلم الموافقة أو المخالفة للعامة , ف : العمل بالاحوط منهما , للرواية العاشرة , و للروايات الاخر الدالة على الاحتياط مع عدم العلم , كصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج , فى كفارة الصيد , عن أبى الحسن عليه السلام , و فى آخرها : [ ( إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا , فعليكم بالاحتياط]( ( 1 ) و قوله عليه السلام فى مكاتبة عبدالله بن وضاح[ : ( أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة , و تأخذ بالحائطة لدينك]( ( 2 ) رواهما الشيخ فى التهذيب , و غير ذلك من الروايات الدالة على الاخذ بالجزم .
و الاحتياطإنما يتأتى فيما لو ( 3 ) لم يكن أحد احتمالية التحريم . و أما فى المردد بين التحريم و حكم آخر فلا احتياط .
فان لم يتيسر العمل بالاحوط , ف : التوقف , و عدم العمل بشىء منهما , إن أمكن ذلك , لما فى الروايات الدالة على التوقف عند فقد المرجح .
فان لم يكن بدإلا العمل بواحد منهما , فالحكم : التخيير , لانه عليه السلام جعل التوقف فى الرواية الخامسة مقدما على العرض على مذهب العامة , و هو مقدم على التخيير على ما فى كثير من الروايات , و فيه نظر . و تقديم التوقف على التخيير , و كذا عكسه , محل تأمل .
و جعل بعضهم ( 4 ) التخيير مخصوصا بالعبادات المحضة , و التوقف بغيرها
( 1 ) التهذيب : 5 466 ح 1631 .
( 2 ) التهذيب : 2 259 ح 1031 .
( 3 ) كلمة ( لو ) : زيادة من ط .
( 4 ) هو الامين الاسترآبادى : الفوائد المدنية : 192 الفائدة الرابعة , و كذا فى ص 273 , و ذهب الى هذا الجمع أيضا الحر العاملى فى الوسائل : 18 77 . و قد تقدمت الاشارة الى ذلك .
و العمل بالروايات الدالة على العمل بالاحدث فى الاحاديث النبوية قريب , لما ورد من أن الاحاديث ينسخ بعضها بعضا ( 1 ) . و أما فى أخبار الائمة عليهم السلام بالنسبة إلى مكلفى هذه الاعصار فمشكل غاية الاشكال .
و الحادى عشر من أقسام الادلة : التعارض بين خبر الواحد و الاجماع .
فان كان قطعيا : فتقديمه ظاهر .
وإن كان ظنيا : فيحتمل تقديم الخبر , لان النسبة إلى المعصوم عليه السلام فيه أظهر و أصرح , و يحتمل تقديم الاجماع , لبعد التقية فيه , و كونه بمنزلة رواية كثرت رواتها ( 2 ) , و يحتمل كونه كتعارض الخبرين الواحدين فى الحكم , و قد مر .
الثانى عشر : بين خبر الواحد و الاستصحاب , فان كان أصل الاستصحاب ثابتا بخبر الواحد , فالظاهر : تقديم الخبر , و إلا فمحل تأمل .
و حكم القياس ـ على تقدير حجيته ـ و كذا المفاهيم , لا يزيد على حكم الاستصحاب فيما ذكرنا .
الثالث عشر : بين الاجماعين .
و الحكم مع الاختلاف فى القطعية و الظنية : ظاهر و مع التماثل : فحكمه ما مر فى تعارض الخبرين من أخبار الاحاد .
و توهم كثير من الاصوليين , أنه لا يمكن تعارض اجماعين قطعيين .
و هو باطل , لان مرادنا بالاجماع , هو اتفاق جماعة على حكم , علم من حالهم و عادتهم أنهم لا يتفقون إلا لما بلغهم من إمامهم عليه السلام . فاذا حصل
( 1 ) الكافى : 1 64 كتاب فضل العلم باب اختلاف الحديث ح 1 , 2 .
( 2 ) فى ط : روايتها .
و القول بأن أصحاب الائمة عليهم السلام لم يكن لهم الفتاوى , بل كتبهم منحصرة فى الروايات قول تخمينى , فان فى كتب الروايات كثيرا ما تذكر الفتاوى عن زرارة , و ابن أبى عمير , و يونس بن عبدالرحمن , و غيرهم , و فى كتاب الفرائض , من كتاب من لا يحضره الفقيه , أورد كثيرا من فتاوى يونس و الفضل بن شاذان ( 3 ) , و كيف لنا بمجرد هذا ( 4 ) التخمين , نسبة الغلط إلى كثير من فحول العلماء ؟ ! كالسيد , و الشيخ , و المحقق , و العلامة , و غيرهم , مع قطعنا بأن الكتب التى كانت عندهم ليست موجودة فى هذا الزمان , بل هذا من بعض الظن !
الرابع عشر : بين الاجماع و الاستصحاب .
و حكمه : يعلم مما سبق بأدنى تأمل .
( 1 ) فى ط : زمن الشهيدين .
( 2 ) كلمة ( الغلط ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
( 3 ) الفقيه : 4 267 , 270 , 276 , 286 , 295 , 320 .
( 4 ) كلمة ( هذا ) : ساقطة من الاصل , و قد اثبتناها من سائر النسخ .
الخامس عشر : بين الاستصحابين .
و الحكم : التوقف , و عدم العمل بشىء منهما , إن أمكن , وإلا فيعمل بما وافق الاصل , لعدم العلم بالناقل عنه .
و لا يبعد ترجيح ما أصله راجح , باحدى المرجحات المذكورة .
و عليك بامعان النظر فى المرجحات المذكورة فى كتب الاصول , فما رجع إلى أحد من المرجحات المنصوصة , أو قام عليه دليل قطعى , فهو مقبول , وإلا فعدم الالتفات إليه أحوط و أولى .
و العلم عندالله , و التكلان فى المهمات على الله , و هو حسبى و نعم الوكيل , و صلى الله على محمد و أهل بيته الطيبين الطاهرين .
هذا آخر ما اختصرناه ( 1 ) من المطالب الاصولية , المبرهنة بالنصوص و الادلة القطعية ( 2 ) . و أنا العبد المذنب الراجى : عبدالله بن حاجى محمد البشروى الخراسانى . و قد وقع الفراغ منه يوم الاثنين , ثانى عشر أول الربيعين فى تاريخ سنة ( 1059 ) .
( 1 ) فى ط : اقتصرنا .
( 2 ) فى ب : العقلية .
جاء فى نهاية نسخة الاصل ما يلى :
وقع الفراغ من كتابة هذه الرسالة الشريفة على يد العبد المفتقرإلى الله الغنى , بهاء الدين محمد بن ميرك موسى الحسينى التونى , فى سابع و عشرين شهر ذى القعدة الحرام , المنخرط فى شهورإحدى و عشرين و ماءة بعد الالف من الهجرة النبوية . على هاجرها ألف سلام و تحية .
رب وفقنى للعمل فى يومى لغدى قبل أن يخرج الامر من يدى آمين . و جاء فى نهاية نسخة أما يلى :
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله . تمت الرسالة الموسومة بالوافية فى علم الاصول التى هى من تصانيف العلامة المحقق و الحبر المدقق خلاصة العلماء المتأخرين و محيى آثار الائمة المعصومين مولانا عبدالله الشهير بالتونى حشره الله مع أوليائه و ادخله فى قرب احبائه محمد و آله الطاهرين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين . فى ظهيرة يوم السبت من العشر الثانى من الشهر الثامن من السنة الرابعة من الماءة الثانية من الالف الثانى على يد احوج المربوبين الى الله الغنى المغنى ابن محمد صادق محمد باقر الحسينى
قد فرغت من تسويد هذه النسخة الشريفة فى يوم الخامس من شهر شوال المكرم فى سنة 1256 . و أنا العبد الاقل المحتاج الى رحمة الله الغنى محمد على بن زين العابدين الطباطبائى الخراسانى .