الجامع لاحکام القرآن الجزء الاول

1
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العامل العلامة المحدث أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي رضي الله عنه : الحمد لله المبتديء بحمد نفسه قبل أن يحمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرب الصمد الواحد الحي القيوم الذي لا يموت ذو الجلال والإكرام والمواهب العظام والمتكلم بالقرآن والخالق للإنسان والمنعم عليه بالإيمان والمرسل رسوله بالبيان محمدا صلى الله عليه وسلم ما اختلف الملوان وتعاقب الجديدان أرسله بكتابه المبين الفارق بين الشك واليقين الذي أعجزت الفصحاء معارضته وأعيت الألباء مناقضته وأخرست البلغاء مشاكلته فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا جعل أمثاله عبرا لمن تدبرها وأوامره هدى لمن استبصرها وشرح فيه واجبات الأحكام وفرق فيه بين الحلال والحرام وكرر فيه المواعظ والقصص للافهام وضرب فيه الأمثال وقص فيه غيب الأخبار فقال تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء خاطب به أولياءه ففهموا وبين لهم فيه مراده فعلموا فقرءةالقرآن حملة سر الله المكنون وحفظة علمه المخزون وخلفاء أنبيائه وأمناؤه وهم أهله وخاصته وخيرته وأصفياؤه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله أهلين منا ( قالوا : يا رسول الله من هم قال : ( هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ( أخرجه ابن ماجه في سننه وأبو بكر البزار في مسنده فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه ويتذكر
2
ما شرح له فيه ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحييه فإنه قد حمل أعباء الرسل وصار شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل قال الله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ألا وأن الحجة على من علمه فأغفله أو كد منها على من قصر عنه وجهله ومن أوتى علم القرآن فلم ينتفع وزجرته نواهيه فلم يرتدع وارتكب من المآثم قبيحا ومن الجرائم فضوحا كان القرآن حجة عليه وخصما لديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القرآن حجة لك أو عليك ( خرجه مسلم فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته ويتدبر حقائق عبارته ويتفهم عجائبه ويتبين غرائبه قال الله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وقال الله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ويتدبره حق تدبره ويقوم بقسطه ويوفي بشرطه ولا يلتمس الهدى في غيره وهدانا لأعلامه الظاهرة وأحكامه القاطعة الباهرة وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة ثم جعل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا وتفسير ما كان منه مشكلا وتحقيق ما كان منه محتملا ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الإختصاص به ومنزلة التفويض إليه قال الله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على معانيه وأشار إلى أصوله ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد فيمتازوا بذلك عن غيرهم ويختصوا بثواب اجتهادهم قال الله تعالى : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه وآذاننا موارد سنن نبيه وهممنا مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما طالبين بذلك رضا رب العالمين ومتدرجين به إلى علم الملة والدين ( وبعد ) فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذي استقل به السنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض رأيت أن أشتغل به مدى عمري واستفرغ
3
فيه منتي بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات جامعا بين معانيهما ومبينا ما أشكل منهما بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف وعملته تذكرة لنفسي وذخيرة ليوم رمسي وعملا صالحا بعد موتي قال الله تعالى : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر وقال تعالى : علمت نفس ما قدمت وأخرت وقال رسول الله صلى وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا في ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ( وشرطي في هذا الكتاب : إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها فإنه يقال : من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث فبقي من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم ومعرفة ذلك على جسيم فلا يقبل منه الإحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرجه من الأئمة الأعلام والثقات المشاهير من علماء الإسلام ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب والله الموفق للصواب وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا مالابد منه ولا غنىعنه للتبيين واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها وترشد للطالب إلى مقتضاها فضمنت كل آية لتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل نبين فيها ماتحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب والحكم فإن لم لتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل هكذا إلى آخر الكتاب وسميته ب ( الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان ) جعله الله خالصا لوجهه وأن ينفعني به ووالدي ومن أراده بمنه إنه سميع الدعاء قريب مجيب آمين
4
باب ذكر جمل من فضائل القرآن والترغيب فيه وفضل طالبه وقارئه ومستعمله والعامل به
اعلم أن هذا الباب واسع كبير ألف فيه العلماء كتبا كثيرة نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه وعملوا به فأول ذلك ان يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين غير مخلوق كلام من ليس كمثله شيء وصفة من ليس له شبيه ولا ند فهو من نور ذاته جل وعز وأن القراءة أصوات القراء ونغماتهم وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في حال إيجابا في بعض العبادات وندبا في كثير من الأوقات ويزجرون عنها إذا اجتنبوا ويثابون عليها ويعاقبون على تركها وهذا مما اجمع عليه المسلمون أهل الحق ونطقت به الآنار ودل عليها المستفيض من الأخبار ولايتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من أكساب العباد على ما يأتي بيانه ولولا أنه سبحانه جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله ليتدبروه وليعتبروا به وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته وأداء حقوقه وفرائضه لضعفت ولاندكت بثقله أو لتضعضعت له وأنى تطيقه وهو يقول تعالى جده وقوله الحق : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله فأين قوة القلوب من قوة الجبال ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم فضلا منه ورحمة أما ما جاء من الآثار في هذا الباب فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن وذكرى عن مسألتي أن أعطيته أفضل ما أعطى السائلين قال : وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ( قال : هذا حديث حسن غريب وروى أبو محمد الدارمي السمرقندي في مسنده عن عبدالله قال : السبع الطول مثل التوراة والمئون مثل الإنجيل والمثاني مثل الزبور وسائر القرآن بعد فضل وأسند عن الحارث
5
عن علي رضي الله عنه وخرجه الترمذي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ستكون فتن كقطع الليل المظلم قلت يا رسول الله وما المخرج منها قال : كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن آبتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا من علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور ( الحارث رماه الشعبي بالكذب وليس بشيء ولم يبن من الحارث كذب وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله له على غيره ومن ها هنا والله أعلم كذبه الشعبي لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر وإلى أنه أول من أسلم قال أبو عمر بن عبد البر : وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني : حثني الحارث وكان أحد الكذابين وأسند أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن هذا حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من تمسك به ونجاة من اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشرة حسنات أما إني لا أقول آلم حرف ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله ( وقال أبو عبيدة في غريبه عن عبدالله قال : إن هذا القرآن مأدبة
6
الله فمن دخل فيه فهو آمن قال : وتأويل الحديث أنه مثل شبه القرآن بصنيع صنعه الله عز وجل للناس لهم فيه خير ومنافع ثم دعاهم إليه يقال : مأدبة ومأدبة فمن قال : مأدبة أراد الصنيع يصنعه الأنسان فيدعو إليه الناس ومن قال : مأدبة فإنه يذهب به إلى الأدب يجعله مفعلة من الأدب ويحتج بحديث الآخر : ( إن هذا القرآن مأدبة الله عز وجل فتعلموا من مأدبته ( وكان الأحمر يجعلهما لغتين بمعنى واحد ولم أسمع أحد يقول هذا غيره قال والتفسير الأول أعجب إلي وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر ( وفي رواية : ( مثل الفاجر ( بدل ( المنافق ( وقال البخاري : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة ( وذكر الحديث وذكر أبو بكر الأنباري : وقد أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم ح وأنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب : أن أبا عبدالرحمن
7
السلمى كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له : ياهذا اتق الله فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي عملت وروى الدارمي عن وهب الذماري قال : من آتاه الله القرآن فقام به آناه الليل وآناء النهار وعمل بما فيه ومات على الطاعة بعثه الله يوم القيامة مع السفرة والأحكام قال سعيد : السفرة الملائكة والأحكام الأنبياء وروى مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ( التتعتع : التردد في الكلام عيا وصعوبة وإنما كان له أجران من حيث التلاوة ومن حيث المشقة ودرجات الماهر فوق ذلك كله لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة والله أعلم وروى الترمذي عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ( قال : حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد روي موقوفا وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال : ( أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم ( فقلنا : يا رسول الله كلنا نحب ذلك قال : ( أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل ( وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه
8
في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ( وروى أبو داود والنسائي والدارمي والترمذي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ( قال الترمذي : حديث حسن غريب وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجيء القرآن يوم القيامة فيقول يا رب حلة فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة ( قال : حديث صحيح وروى أبو داود عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ( وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه ( وأسند أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة الحمصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أعطي ثلث القرآن فقد أعطي ثلث النبوة ومن أعطي ثلثي القرآن فقد أعطي ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله فقد أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق فيقرأ آية ويصعد درجة حتى ينجز ما معه من القرآن ثم يقال له اقبض فيقبض ثم يقال له أتدري ما في يديك فإذا في يده اليمنى الخلد وفي اليسرى النعيم ( حدثنا إدريس بن خلف حدثنا إسماعيل بن عياش عن تمام عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ أمر ثلث النبوة ومن أخذ
9
نصف القرآن وعمل به فقد أخذ أمر نصف النبوة ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ النبوة كلها ( قال : وحدثنا محمد بن يحيى المروزي أنبأنا محمد وهو ابن سعدان حدثنا الحسين بن محمد عن حفص عن كثير بن زاذان عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ القرآن وتلاه وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كل قد وجبت له النار ( وقالت أم الدرداء : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت لها : ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأه ممن دخل الجنة فقالت عائشة رضي الله عنها : إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن ذكره أبو محمد مكي وقال ابن عباس : من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول : فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس : فضمن الله لمن اتبع القرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ذكره مكي أيضا وقال الليث : يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقول الله جل ذكره : وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون و لعل من الله واجبة وفي مسند أبي داود الطيالسي وهو أول مسند ألف في الإسلام عن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ( والآثار في معنى هذا الباب كثيرة وفيما ذكرنا كفاية والله الموفق للهداية
10
باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى وما يكره منها ويحرم واختلاف الناس في ذلك
روى البخاري عن قتادة قال : سألت أنسا عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان يمد مدا [ إذا ] قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم وروى الترمذي عن أم سلمة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول : الحمد لله رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم يقف وكان يقرؤها ملك يوم الدين قال : حديث غريب وأخرجه أبو داود بنحوه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أحسن الناس صوتا من إذا قرأ رأيته يخشى الله تعالى ( وروي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له : اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال : يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه وروي عن قيس بن عباد أنه قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الذكر وممن روى عنه كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كلهم كره رفع الصوت بالقرآن والتطريب فيه روى عن سعيد بن المسيب أنه سمع عمر بن عبدالعزيز يؤم الناس فطرب في قراءته فأرسل إليه سعيد يقول : أصلحك الله إن الأئمة لا تقرأ هكذا فترك عمر التطريب بعد وروي عن القاسم بن محمد : أن رجلا قرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فطرب فأنكر ذلك القاسم وقال يقول الله عز وجل : وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الآية وروي عن مالك أنه سئل عن النبر في قراءة القرآن في الصلاة فأنكر ذلك وكرهه كراهة شديدة وأنكر رفع الصوت به وروى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة
11
فقال لا يعجبني وقال : إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به وذلك لأنه إذا حسن الصوت به كان أوقع في النفوس وأسمع في القلوب واحتجوا بقوله عليه السلام : ( زينوا القرآن بأصواتكم ( رواه البراء بن عازب أخرجه أبو داود والنسائي وبقوله عليه السلام : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( أخرجه مسلم وبقول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم : لو أعلم أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا وبما رواه عبدالله بن مغفل قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وابن المبارك والنضر بن شميل وهو اختيار أبي جعفر الطبري وأبي الحسن بن بطال والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم قلت : القول الأول أصح لما ذكرناه ويأتي وأما ما احتجوا به من الحديث الأول فليس على ظاهره وإنما هو باب المقلوب أي زينوا أصواتكم بالقرآن قال الخطابي : وكذا فسره غير واحد من أئمةالحديث : زينوا أصواتكم بالقرآن وقالوا هو من باب المقلوب كما قالوا : عرضت الحوض على الناقة وإنما هو عرضت الناقة على الحوض قال : ورواه معمر عن منصور عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن وهو الصحيح قال الخطابي : ورواه طلحة عن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( زينوا القرآن بأصواتكم ( أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم واتخذوه شعارا وزينة وقيل : معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( زينوا أصواتكم بالقرآن ( وروي عن عمر أنه قال : ( حسنوا أصواتكم بالقرآن ( قلت : وإلى هذا المعنى يرجع قوله عليه السلام : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن كذلك تأوله عبدالله بن أبي مليكة قال عبدالجبار ابن الورد : سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال عبدالله بن أبي يزيد : مر بنا أبو لبابة فاتبعناه
12
حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سقول : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( قال فقلت لابن أبي ملكية : يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال : يحسنه ما استطاع ذكره أبو داود وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لو علمت أنك تستمع لقرائتي لحسنت صوتي بالقرآن وزينته ورتلته وهذا يدل ( على ) أنه كان يهذ في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه والتحبير : التزيين والتحسين فلو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قرائته ورتلها كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك زيادة في حسن صورته بالقراءة ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه وقد قيل : إن الأمر بالتزيين اكتساب القرءات وتزينها بأصواتنا وتقدير ذلك أي زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة كما قال تعالى : وقرآن الفجر أي قراءة الفجر وقوله : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي قراءته وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : إن البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا أي قراءة وقال الشاعر في عثمان رضي الله عنه :
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي قراءة فيكمون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها على ما نبينه فيمتنع وقد قيل : إن معنى يتغنى به يستغنى به من الإستغناء الذي هو ضد الإفتقار لا من الغناء يقال : تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت وفي الصحاح : تغنى
13
الرجل بمعنى استغنى وأغناه الله وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض قال المغيرة بن حبناء التميمي :
كلانا غني عن أخيه حياته
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ورواه سفيان عن سعد بن أبي وقاص وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهوية أي يستغني به عما سواه من الأحاديث وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن اسماعيل لإتباعه الترجمة بقوله تعالى : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم والمراد الإستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم قاله أهل التأويل وقيل : إن معنى يتغنى به يتحزن به أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قرائته وتلاوته وليس من الغنية لأنه لو كان من الغنية لقال : يتغانى به ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء : منهم الأمام أبو محمد ابن حبان البستي واحتجوا بما رواه مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء الأزيز ( بزايين ) : صوت الرعد وغليان القدر قالوا : ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد بالحديث التحزن وعضدوا هذا بما رواه عن الأئمة عن عبدالله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اقرأ علي ( فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فنظرت اليه فإذا عيناه تدمعان فهذه أربع تأويلات ليس فيها مايدل على القراءة بالألحان والترجيع فيها وقال أبو سعيد بن الأعرابي في قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( قال : كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجيراهم مكان الغناء فقال : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( التأويل الخامس ما تأوله من استدل به على الترجيع والتطريب فذكر عمر بن شبة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله : ( يتغنى ( يستغنى فقال :
14
لم يصنع ابن عيينة شيئا وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء لقال : من لم يستغن ولكن لما قال ( يتغن ( علمنا انه أراد التغني قال الطبري : المعروف عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع قال الشاعر :
تغن بالشعر مهما كنت قائله
إن الغناء بهذا الشعر مضمار
قال : وأما ادعام الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ولا نعلم أحد من أهل العلم قاله وأما احتجاجه بقول الأعشى :
وكنت امرا زمنا بالعراق
عفيف المناخ طويل التغن
وزعم أنه الاستغناء فأنه غلط منه وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة من قول العرب : غني فلان بمكان كذا اي أقام ومنه قوله تعالى : كأن لم يغنوا فيها وأما استشهاده بقوله :
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
فإنه إغفال منه وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه كما يقال : تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد فغير جائز أن يقال : تغانى زيد وتضارب عمرو وكذلك غير جائز أن يقال : تغنى بمعنى استغنى قلت : ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا وذكره الهروي أيضا وأما قوله : إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضع كثيرة منها قول ابن عمر : وأنا يومئذ قد نازهت الاحتلام وتقول العرب : طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل وهو كثير فيكون تغانى منها وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام : ( يتغن ( الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الاخر بل حمله على الإستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره لأنه مروي عن
15
صحابي كبير كما ذكر سفيان وقد قال ابن وهب في حق سفيان : ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة ومعلوم أنه رأى الشافعي وعاصره وتأويل سادس وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ( قال الطبري : ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى قلنا قوله : يجهر به لا يخلو أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة أو غيره فإن كان الأول وفيه بعد فهو دليل على عدم التطريب والترجيع لأنه لم يقل : يطرب به وإنما قال : يجهر به أي يسمع نفسه ومن يليه بدليل قوله عليه السلام للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل : ( أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لستم تدعون اصم ولا غائبا ( الحديث وسيأتي وكذلك إن كان من صحابي أو غيره فلا حجة فيه على ما راموه وقد اختار هذا التأويل بعض علمائنا فقال : وهذا أشبه لأن العرب تسمي كل رفع صوته ووالي به غانيا وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه بتلحين الغناء قال : وعلى هذا فسره الصحابي وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال وقد احتج أبو الحسن بن بطال لمذهب الشافعي فقال : وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من المخاض من العقل ( قال علماؤنا : وهذا الحديث وإن صح سنده فيرده ما يعلم على القطع والبتات من أن قراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ جيلا فجيلاإلى العصر الكريم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها تلحين
16
ولا تطريب مع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفي المد والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بمدود فترجع الالف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبهة الواحدة شبهات فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لاغير إما ممدودة وإما مقصورة فإن قيل : فقد روى عبدالله بن مغفل قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع : آء آء آء ثلاث مرات قلنا : ذلك محمول على إشباع المد في موضعه ويحتمل أن يكون حكاية صوته عند هز الراحلة كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب وإذا احتمل هذا فلا حجة فيه وقد خرج أبو محمد عبدالغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عن عبدالرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال : كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحاسهلاوإلا فلا تؤذن ( أخرجه الدارقطني في سننه فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوزه في القرآن الذي حفظه الرحمن فقال وقوله الحق : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قلت : وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق كما يفعل القرآء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز ضل سعيهم وخاب
17
عملهم فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه جهلا بدينهم ومروقا عن سنة نبيهم ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم ونزوعا إلى مازين لهم الشيطان من أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فهم في غيهم يترددون وبكتاب الله يتلاعبون فإنا لله وإنا إليه راجعون لكن قد اخبر الصادق أن ذلك يكون فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم ذكر الإمام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبدالله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ( اللحون : جمع لحن وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء قال علماؤنا : ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والترجيع في القراءة : ترديد الحروف كقراءة النصارى والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل وهو المشبه بنور الأقحوان وهو المطلوب في قراءة القرآن قال الله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله عليه وسلم وصلاته فقالت : ما لكم وصلاته ( كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ) ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب
باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره
قال الله تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وقال تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا روى مسلم عن أبي هريرة
18
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه منأصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ( وقال الترمذي في هذا الحديث : ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال : ( يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ( أبو هريرة أسمه عبد لله وقيل : عبدالرحمن وقال : كنيت أبا هريرة لأني حملت هرة في كمي فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما هذه ( قلت : هرة فقال : ( يا أبا هريرة ( قال ابن عبدالبر : وهذا الحديث فيمن لم يرد بعمله وعلمه وجه الله تعالى وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من طلب العلم لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ( وخرج ابن المبارك في رقائقه عن العباس بن عبدالمطلب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي بأقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا ( ثم التفت إلى أصحابه فقال : ( هل ترون في أولئكم من خير ( قالوا : لا قال : ( أولئك منكم وألئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار ( وروي أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ( يعني ريحها قال الترمذي : حديث
19
حسن وروي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعوذوا بالله من جب الحزن ( قالوا : يا رسول الله وما جب الحزن قال : ( واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كل يوم مائة مرة ( قيل : يا رسول الله ومن يدخله قال : ( القراء المراءون بأعمالهم ( قال : هذا حديث غريب وفي كتاب أسد بن موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في جهنم لواديا إن جهنم لتتعوذ من شر ذلك الوادي كل يوم سبع مرات وإن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذان بالله من شر ذلك الجب وإن في الجب لحية وإن جهنم والوادي والجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية سبع مرات أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن الذين يعصون الله ( فيجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل لله فإن كان تقدم له شيء مما يكره فليبادر التوبة والإنابة وليبتدئ الإخلاص في الطلب وعمله فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره كما أن له من الأجر ما ليس لغيره روى الترمذي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنزل الله في بعض الكتب أو أوحى إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران ( وخرج الطبري في كتاب آداب النفوس : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا المحاربي عن عمرو بن عامر البجلي عن ابن صدقة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو من حدثه قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( لاتخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ( قالوا : يا رسول الله وكيف يخادع الله قال : ( تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره واتقوا الرياء فإنه الشرك وإن المرائي يدعى يوم القيامة على رءوس الأشهاد بأربعة أسماء ينسب إليها يا كافر يا خاسر ياغادر يا فاجر ضل عملك وبطل
20
أجرك فلا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع ( وروى علقمة عن عبدالله بن مسعود قال : كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصفير ويهرم الكبير وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شيء قيل : قد غيرت السنة قيل : متى ذلك يا أبا عبدالرحمن قال : إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم وكثر أمراؤكم وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين وقال سفيان بن عيينة : بلغنا عن ابن عباس أنه قال : لو أن حملة القرآن أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قول الله تعالى : فكبكبوا فيها هم الغاوون قال : قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى
باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه
فأول ذلك أن يخلص في طلبه لله جل وعز كما ذكرنا وأن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ونهاره في الصلاة أو في غير الصلاة لئلا ينساه روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه ( وينبغي له أن يكون لله حامدا ولنعمه شاكرا وله ذاكرا وعليه متوكلا وبه مستعينا وإليه راغبا وبه معتصما وللموت ذاكرا وله مستعدا وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه راجيا عفو ربه ويكون الخوف في صحته أغلب عليه إذ لا يعلم بما يختم له ويكون الرجاء عند حضور أجله أقوى في نفسه لحسن الظن بالله قل رسول الله صلى عليه وسلم : ( لا يؤتمن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن ( اي أنه يرحمه ويغفر له وينبغي له أن يكون عالما بأهل زمانه متحفظا من سلطانه ساعيا في خلاص نفسه ونجاة مهجته مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه مجاهدا لنفسه في ذلك ما استطاع وينبغي له أن يكون أهم أموره عنده الورع في دينه واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه
21
وقال ابن مسعود : ينبغي لقاريء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مستيقضون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخضوعه إذا الناس يختالون وبحزنه إذا الناس يفرحون وقال عبدالله بن عمرو : لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض ولا يجهل مع من يجهل ولكن بعفو ويصفح لحق القرآن لأن في جوفه كلام الله تعالى وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق الشبهات ويقل الضحك والكلام في مجالس القرآن وغيرها بما لا فائدة فيه ويأخذ نفسه بالحلم والوقار وينبغي له أن يتواضع للفقراء ويتجنب التكبر والإعجاب ويتجافى عن الدنيا وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة ويترك الجدال والمراء ويأخذ نفسه بالرفق والأدب وينبغي له أن يكون ممن يؤمن شره ويرجى خيره ويسلم من ضره وألا يسمع ممن نم عنده ويصاحب من يعاونه على الخير ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق ويزينه ولا يشينه وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو فما أقبح لحامل القرآن ان يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو فكيف يعمل بما لا يفهم معناه وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلو ولا يدريه فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا وينبغي لهو أن يعرف المكي من المدني ليفرق بذلك بين ماخاطب الله به عباده في أول الإسلام وما ندبهم إليه في آخر الإسلام وما افترض الله في أول الإسلام وما زاد عليه من الفرائض في آخره فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن ولا يمكن أن ينسخ المكي المدني لأن المنسوخ هو المتقدم في النزول قبل الناسخ له ومن كماله أن يعرف الإعراب والغريب فدلك مما يسهل عليه معرفة ما يقرأ ويزيل عنه الشك فيما يتلو وقد قال أبو جعفر الطبري سمعت الجرمي يقول : أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه قال محمد بن يزيد : وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث إذ كان كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
22
فبها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا وقد قال الضحاك في قوله تعالى : ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب قال : حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها وذكر ابن ابي الحواري قال : أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول فقال بعض القوم : إن كان خارجا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن فأمرنا قارئا فقرأ فاطلع علينا من كوة فقلنا ك السلام عليك ورحمة الله فقال : وعليكم السلام فقلنا : كيف أنت يا أبا علي وكيف حالك فقال : أنا من الله في عافية ومنكم في أذى وإن ما أنتم فيه حدث في الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون ما هكذا كنا نطلب العلم ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم فنجلس ونسترق السمع فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه وأنتم تطلبون العلم بالجهل وقد ضيعتم كتاب الله ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون قال : قلنا قد تعلمنا القرآن قال : إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم قلنا : كيف يا أبا علي قال : لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه من متشابهه وناسخه من منسوخه إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الناس قد جائتكمموعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قلت : فإذا حصلت هذه المراتب لقاريء القرآن كان ماهرا بالقرآن وعالما بالفرقان وهو قريب على من قربه عليه ولا ينتفع بشيء مما ذكرنا حتى يخلص النية فيه لله جل ذكره عند طلبه أو بعد طلبه كما تقدم فقد يبتديء الطالب للعلم يريد به المباهاة والشرف في الدنيا فلا يزال به فهم العلم حتى يتبين أنه على خطأ في اعتقاده فيتوب من ذلك ويخلص النية لله تعالى فينتفع بذلك ويحسن حاله قال الحسن : كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة وقاله سفيان الثوري وقال حبيب بن أبي ثابت : طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد
23
باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه وثواب من قرأ القرآن معربا
قال أبو بكر بن الأنباري : جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم من تفضيل إعراب القرآن والحض على تعليمه وذم اللحن وكراهيته ما وجب به على قراء القرآن أن يأخذوا أنفسهم يالاجتهاد في تعلمه من ذلك ما حدثنا يحيى بن سليمان الضبي قال حدثنا محمد يعني ابن سعيد قال حدثنا أبو معاوية عن عبدالله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ( حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم بن الهيثم قال حدثنا آدم يعني ابن أبي إياس قال حدنا أبو الطيب المرزوي قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة ( وروى جويبر عن الضحاك قال قال عبدالله بن مسعود : جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات وأعربوه فإنه عربي والله يحب أن يعرب به وعن مجاهد عن ابن عمر قال : أعربوا القرآن وعن محمد بن عبدالرحمن بن زيد قال قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما : لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه وعن الشعبي قال قال عمر رحمه الله : من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله أجر شهيد وقال مكحول : بلغني أن من قرأ بإعراب كان له من الأجر ضعفان ممن قرأ بغير إعراب وروى ابن جريج عن عطاء عن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي ( وروى سفيان عن أبي حمزة قال : قيل للحسن في قوم يتعلمون العربية قال : أحسنوا يتعلمون لغة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقيل للحسن : إن لنا إماما يلحن قال : أخروه
24
وعن ابن أبي ملكية قال : قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : من يقرئني مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : فأقرأه رجل براءة فقال : إن الله بريء من المشركين ورسوله بالجر فقال الأعرابي : أو قد برئ الله من رسوله فإن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال : يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن فسألت من يقرئني فأقرأني هذا سورة براءة فقال : إن الله بريء من المشركين ورسوله فقلت : أو قد بريء الله من رسوله إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه فقال عمر : ليس هكذا يا أعرابي قال : فكيف هي يا أمير المؤمنين قال : إن الله بريء من المشركين ورسوله فقال الأعرابي : وأنا والله أبرأ مما بريء الله ورسوله منه فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا يقريء الناس إلا عالم باللغة وأمر أبا الأسود فوضع النحو وعن علي بن الجعد قال سمعت شعبة يقول : مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية مثل الحمار عليه مخلاة لا علف فيها وقال حماد بن سلمة : من طلب الحديث ولم يتعلم النحو أو قال العربية فهو كمثل الحمار تعلق عليه مخلاة ليس فيها شعير قال ابن عطية : إعراب القرآن أصل في الشريعة لأن بذلك تقوم معانيه التي هي في الشرع قال ابن الأنباري : وجاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم رضوان الله عليهم من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بين صحة مذهب النحويين في ذلك وأوضح فساد مذهب من أنكر ذلك عليهم من ذلك ما حدثنا عبيد بن عبدالواحد بن شريك البزاز قال حدثنا ابن أبي مريم قال : أنبأنا ابن فروخ قال أخبرني أسامة قال أخبرني عكرمة ابن عباس قال : إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب وحدثنا إدريس بن عبدالكريم قال حدثنا خلف قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد بن جدعان قال سمعت سعيد بن جبير ويوسف بن مهران يقولان : سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء بالقرآن فيقول فيه هكذا وهكذا أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا وعن عكرمة
25
عن ابن عباس وسأله رجل عن قول الله جل وعز : وثيابك فطهر قال : لا تلبس ثيابك على غدر وتمثل بقول غيلان الثقفي :
فإني بحمد الله لا ثوب غادر
لبست ولا من سوءة أتقنع
وسال رجل عكرمة عن الزنيم قال : هو ولد الزنى وتمثل ببيت شعر :
زنيم ليس يعرف من أبوه
بغي الإم ذو حسب لئيم
وعنه أيضا الزنيم : الدعي الفاحش اللئيم ثم قال :
زنيم تداعاه الرجال زيادة
كما زيد في عرض الأديم الأكارع
وعنه في قوله تعالى : ذواتا أفنان قال : ذواتا ظل وأغصان الم تسمع إلى قول الشاعر :
ما هاج شوقك من هديل حمامة
تدعو على فنن الغصون حماما
تدعو أبا فرخين صادف طائرا
ذا مخلبين من الصقور قطاما
وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : فإذا هم بالساهرة قال : الأرض قاله ابن عباس وقال أمية بن أبي الصلت : عندهم لحم بحر ولحم ساهرة قال ابن الأنباري : والرواة يروون هذا البيت :
وفيها لحم ساهرة وبحر
وما فاهوا به لهم مقيم
وقال نافع بن الأزرق لابن عباس : أخبرني عن قول الله جل وعز : لا تأخذه سنة ولا نوم ما السنة قال : النعاس قال زهير بن أبي سلمى :
لا سنة في طوال الليل تأخذه
ولا ينام ولا في أمره فند

26
باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله
قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين فمن ذلك : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر جابر بن عبدالله ووصفه بالعلم فقال له رجل : جعلت فداءك تصف جابرا بالعلم وأنت أنت فقال : إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقال مجاهد : أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل وقال الحسن : والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعني بها وقال الشعبي : رحل المسروق إلى البصرة في تفسير آية فقيل له : إن الذي يفسرها رحل إلى الشام فتجهز ورحل إلى الشام حتى على تفسيرها وقال عكرمة في قوله عز وجل : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله طلبت أسم هذا الرجل ( الذي خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) أربع عشرة سنة حتى وجدته وقال ابن عبدالبر : هو ضمرة بن حبيب وسيأتي وقال ابن عباس : مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنعني إلا مهابته فسألته فقال : هي حفصة وعائشة وقال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب ومثل الذي يعرف صالتفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب
باب ما جاء في حامل القرآن
ومن هو وفيمن عاداه قال أبو عمر : روى من وجوه فيها لين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة : الإمام المقسط وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ( وقال أبو عمر : وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( القرآن أفضل من كل شيء فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن استخف بالقرآن استخف بحق الله تعالى حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المعظمون كلام الله الملبسون نور الله فمن والأهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد استخف بحق الله تعالى (
27
باب ما يلزم قاريء القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته
قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله في نوادر الأصول : فمن حرمة القرآن ألا يمسه إلا طاهرا ومن حرمته أن لا يقرأه وهو على طهارة ومن حرمته أن يستاك ويتخلل فيطيب فاه إذ هو طريقه قال يزيد بن أبي مالك : إن أفواهكم طرق من طرق القرآن فطهروها ونظفوها ما استطعتم ومن حرمته أن يتلبس كما يتلبس للدخول على الأمير لأنه مناج ومن حرمته أن يستقبل القبلة لقراءته وكان أبو العالية إذا قرأ اعتم ولبس وارتدى واستقبل القبلة ومن حرمته أن يتمضمض كلما تنخع روى شعبة بن أبي حمزة عن ابن عباس : أنه كان يكون بين يديه تور إذا تنخع مضمض ثم أخذ في الذكر وكان كلما تنخع مضمض ومن حرمته إذا تثاءب أن يمسك على القراءة لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج والتثاؤب من الشيطان قال مجاهد : إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما حتى يذهب تثاؤبك وقاله عكرمة يريد أن في ذلك الفعل إجلالا للقرآن ومن حرمته أن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إن كان ابتدأ قراءته من أول السورة أو من حيث بلغ ومن حرمته إذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة ومن حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء ومن حرمته أن يقرأه على تؤدة وترسيل وترتيل ومن حرمته أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به ومن حرمته أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه ومن حرمته أن يقف على أمثاله فيمتثلها ومن حرمته أن يلتمس غرائبه ومن حرمته أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما فإن له بكل حرف عشر حسنات ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه ويشهد بالبلاغ
28
لرسوله صلى الله عليه وسلم ويشهد على ذلك أنه حق فيقول : صدقت ربنا وبلغت رسلك ونحن على ذلك من الشاهدين اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط ثم يدعو بدعوات ومن حرمته إذا قرأه ألا يلتقط الآي من كل سورة فيقرأها فإنه روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه مر ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا فأمره أن يقرأ السورة كلها أو كما قال عليه السلام ومن حرمته إذا وضع المصحف ألا يتركه منشورا وألا يضع فوقه شيئا من الكتب حتى يكون أبدا عاليا لسائر الكتب علما كان أو غيره ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأ أو على شيء بين يديه ولا يضعه بالأرض ومن حرمته ألا يمحوه من اللوح بالبصاق ولكن يغسله بالماء ومن حرمته إذا غسله بالماء أن يتوفى النجاسات من المواضع والمواقع التي توطأ فإن لتلك الغسالة حرمة وكان من قبلنا من السلف منهم من يستشفي بغسالته ومن حرمته ألا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب فإن ذلك جفاء عظيم ولكن يمحوها بالماء ومن حرمته ألا يخلى يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة وكان أبو موسى يقول : إني لأستحي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما منه فإن العين تؤدي إلى النفس وبين النفس والصدر حجاب والقرآن في الصدر فإدا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس فإذا نظر في الخط كانت العين والأذن قد اشتركتا في الإداء وذلك اؤفر للأداء وكان قد أخذت العين حظها كالأذن روى زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطوا أعينكم حظها من العبادة ( قالوا : يا رسول الله وما حظها من العبادة قال : ( النظر في المصحف والتفكير فيه والاعتبار عند عجائبه ( وروى مكحول عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نظرا ( ومن حرمته ألا يتأوله عندما يعرض له شيء من أمر الدنيا حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي قال حدثنا هشيم بن بشير عن المغيرة عن إبراهيم قال : كان يكره أن يتأول شيء من القرآن عندما يعرض له شيء من أمر الدنيا والتأويل مثل قولك للرجل إذا جاءك : جئت على قدر
29
يا موسى ومثل قوله تعالى : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية هذا عند حضور الطعام وأشباه هذا ومن حرمته الإيقال : سورة كذا كقولك : سورة النحل وسورة البقرة وسورة النساء ولكن يقال : السورة التي يذكر فيها كذا قلت : هذا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : ( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه ( خرجه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعود ومن حرمته ألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان يلتمس بذلك أحدهم أن يرى الحذق من نفسه والمهارة فإن تلك مخالفة ومن حرمته ألا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين والمتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفا فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه عنه ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل الفسق ولا بترجيع النصارى ولا نوح الرهبانية فإن ذلك كله زيغ وقد تقدم ومن حرمته أن يجلل تخطيطه إذا خطه وعن أبي حكيمة أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة فمر علي رضي الله عنه فنظر إلى كتابته فقال له : أجل قلمك فأخذت القلم فقططته من طرفه قطا ثم كتبت وعلي رضي الله عنه قائم ينظر إلى كتابتي فقال : هكذا نوره كما نوره الله عز وجل ومن حرمته ألا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة ومن حرمته ألا يماري ولا يجادل فيه في القراءات ولا يقول لصاحبه : ليس هكذا هو ولعله أن تكون تلك القراءة صحيحة جائزة من القرآن فيكون قد جحد كتاب الله ومن حرمته ألا يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللغط واللغو ومجمع السفهاء ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بانهم إذا مروا باللغو مروا كراما هذا لمروره بنفسه فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء ومن حرمته ألا يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه ولا يرمي به إلى صاحبه إذا أراد أن يناوله ومن حرمته ألا يصغر المصحف روى الأعمش عن إبراهيم عن علي رضي الله عنه قال : لا يصغر المصحف قلت : وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى مصحفا صغيرا في يد رجل فقال : من كتبه قال : أ نا فضربه بالدرة وقال : عظموا القرآن وروي عن رسول
30
الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقال : مسيجد أو مصيحف ومن حرمته ألا يخلط فيه ما ليس منه ومن حرمته ألا يحلى بالذهب ولا يكتب بالذهب فتخلط به زينة الدنيا وروى مغيرة عن إبراهيم : أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب بالذهب أو يعلم عند رءوس الآي أو يصغر وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم ( وقال ابن عباس وقد رأى مصحفا زين بفضة : تغرون به السارق وزينته في جوفه ومن حرمته ألا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل به في المساجد المحدثة حدثنا محمد بن علي الشقيقي عن أبيه عن عبدالله بن المبارك عن سفيان عن محمد بن الزبير قال : سمعت عمر بن عبدالعزيز يحدث قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب في أرض فقال لشاب من هذيل : ( ماهذا ( قال : من كتاب الله كتبه يهودي فقال : ( لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه ( قال محمد بن الزبير : رأى عمر بن عبدالعزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه ومن حرمته أنه إذا اغتسل بكتابته مستشفيا من سقم ألا يصبه على كناسة ولا في موضع نجاسة ولا على موضع يوطأ ولكن ناحية من الأرض في بقعة لا يطؤه الناس أو يحفر حفيرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك الحفيرة ثم يكبسها أو في نهر كبير يختلط بمائه فيجري ومن حرمته أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات لئلا يكون في هيئة المهجور وروى ابن عباس قال جاء رجل فقال : يا رسول الله أي العمل أفضل قال : ( عليك بالحال المرتحل ( قال : وما الحال المرتحل قال : ( صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل ارتحل ( قلت : ويستحب له إذا ختم القرآن أن يجمع أهله ذكر أبو بكر الأنباري أنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا وكيع عن مسعر عن قتادة : أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع
31
أهله ودعا وأخبرنا إدريس حدثنا خلف حدثنا جرير عن منصور عن الحكم قال : كان مجاهد وعبدة بن قتادة بن أبي لبابة وقوم يعرضون المصاحف فإذا أرادوا أن يختموا وجهوا إلينا : أحضرونا فإن الرحمة تنزل عند ختم القرآن وأخبرنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام عن إبراهيم التيمي قال : من ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يسمى ومن ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح قال : فكانوا يستحبون أن يختموا أول الليل وأول النهار ومن حرمته ألا يكتب التعاويذ منه ثم يدخل به في الخلاء إلا أن يكون في غلاف من أدم أو فضة أو غيره فيكون كأنه في صدرك ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه فإن الله يؤتيه على قدر نيته روى ليث عن مجاهد قال : لا بأس أن تكتب القرآن ثم تسقيه المريض وعن أبي جعفر قال : من وجد في قلبه قساوة فليكتب ي س في جام بزعفران ثم يشربه قلت : ومن حرمته ألا يقال : سورة صغيرة وكره أبو العالية أن يقال : سورة صغيرة أو كبيرة وقال لمن سمعه قالها : أنت أصغر منها وأما القرآن فكله عظيم ذكره مكي رحمه الله قلت : وقد روي أبو داود ما يعارض هذا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال : ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم بها الناس في الصلاة
باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك ومراتب المفسرين
روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر من كتاب الله إلا آيابعدد علمه إياهن جبريل قال ابن عطية : ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن وتفسير مجمله ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوفيق من الله تعالى ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت قيام الساعة ونحوها مما يستقري من ألفاظه كعدد
32
النفخات في الصور وكرتبة خلق السموات والأرض روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الحديث علي إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ( وروي أيضا عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ( قال : هذا حديث غريب وأخرجه أبو داود وتكلم في أحد رواته وزاد رزين : ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد : فسر حديث ابن عباس تفسيرين : أحدهما من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله والجواب الآخر وهو أثبت القولين وأصحهما معنى : من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار ومعنى يتبوأ : ينزل ويحل قال الشاعر :
وبوئت في صميم معشرها
فتم في قومها مبوؤها
وقال في حديث جندب : فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أن الرأي معنى به الهوى من قال في القرآن قولايوافق هواه لم يأخذه عن أئمة السلف فأصاب فقد أخطأ لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه وقال ابن عطية : ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله عز وجل فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه
33
قلت : هذا صحيح هو الذي اختاره غير واحد من العلماء فإن من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطيء وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح وقال بعض العلماء : إن التفسير موقوف على السماع لقوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وهذا فاسد لأن النهي عن تفسير القرآن لا يخلو : إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الإستنباط أو المراد به أمر آخر وباطل أن يكون المراد به ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة رضي الله عنهم قد قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس وقال : ( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل ( فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك وهذا بين لا إشكال فيه وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة النساء إن شاء الله تعالى وإنما النهي يحمل على أحد وجهين : أحدهما أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل في طبعه وهواه فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه وتاره يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتمله فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويرجح دلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسر برأيه أي رأيه حمله على ذلك التفسير ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله تعالى : اذهب إلى فرعون إنه طغى ويشير إلى قلبه ويوميء إلى أنه المراد بفرعون وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع لأنه قياس في اللغة وذلك غير جائز وقد تستعمله
34
الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاأنها غير مرادة فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي الوجه الثاني أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي والنقل والسماع لابد له منه في ظاهر التفسير أولا ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل احكام الظاهر ألا ترى أن قوله تعالى : وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلوا بها معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة ولا يدري بماذا ظلموا وأنهم ظلموا غيرهم وأنفسهم فهذا من الحذف والإضمار وأمثال هذا في القرآن كثير وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي اليه والله أعلم
35
قال ابن عطية : وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون القرآن ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم قال أبو بكر الأنباري : وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله عز وجل فيحجم عن القول وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماما يبني على مذهبه ويقتفي طريقه فلعل متأخرا أن يفسر حرفا برأيه ويخطيء فيه ويقول : إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف وعن ابن أبي ملكية قال : سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير حرف من القرآن فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى قال ابن عطية وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرون القرآن وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ويتلوه عبدالله بن عباس وهو تجرد للأمر وكمله وتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي وقال ابن عباس : ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب وكان علي رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويحض على الأخذ عنه وكان ابن عباس يقول : نعم ترجمان القرآن عبدالله بن عباس وقال عنه على رضي الله عنه : ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ويتلوه عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمرو بن العاص وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن مقدم لشهودهم التنزيل ونزوله بلغتهم وعن عامر بن واثلة قال : شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب فسمعته يقول في خطبته : سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به سلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل نزلت أم في جبل فقام إليه ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا وذكر الحديث وعن المنهال بن عمرو قال قال عبدالله بن مسعود : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطي لأتيته فقال له رجل : أما لقيت علي بن أبي طالب فقال : بلى قد لقيته وعن مسروق قال : وجدت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل الإخاذ يروي الواحد والإخاذ يروي الإثنين والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم وإن عبدالله بن مسعود من تلك الآخاذ ذكر هذه المناقب أبو بكر الأنباري في كتاب الرد وقال : الإخاذ عند العرب : الموضع الذي يحبس الماء كالغدير قال أبو بكر : حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس حدثنا سلام عن
36
زيد العمى عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرحم أمتي بها أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي وأفرضهم زيد وأقرؤهم لكتاب الله عز وجل أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وأبو هريرة وعاء من العلم وسلمان بحر من علم لا يدرك وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أو قال البطحاء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ( قال ابن عطية : ومن المبرزين في التابعين الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعلقمة قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية ويتلوهم عكرمة والضحاك وإن كان لم يلق ابن عباس وإنما أخذ عن ابن جبير وأما السدي فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح لأنه كان يراهما مقصرين في النظر قلت : وقال يحيى بن معين : الكلبي ليس بشيء وعن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان قال قال الكلبي قال أبو صالح : كل ما حدثتك كذب وقال حبيب بن أبي ثابت : كنا نسميه الدروغ زن يعني أبا صالح مولى أم هانيء والدروغ زن : هو الكتاب بلغة الفرس ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف كما قال صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ( خرجه أبو عمرو وغيره قال الخطيب أبو بكر أحمد بن علي البغدادي : وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم أعلام الدين وأئمة المسلمين لحفظهم الشريعة من التحريف والانتحال للباطل ورد تأويل الأبله الجاهل وأنه يجب الرجوع إليهم والمعول في أمر الدين عليهم رضي الله عنهم
37
قال ابن عطية : وألف الناس فيه كعبدالرزاق والمفضل وعلي بن أبي طلحة والبخاري وغيرهم ثم إن محمد بن جرير رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير وقرب البعيد منها وشفي في الإسناد ومن المبرزين من المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو العباس المهدوي متقن التأليف وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله ونضر وجوههم
باب تبيين الكتاب بالسنة وما جاء في ذلك
قال الله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقال تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وقال تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وفرض طاعته في غير آية من كتابه وقرنها بطاعته عز وجل وقال تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ذكر ابن عبدالبر في كتاب العلم له عن عبدالرحمن بن يزيد : أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهى المحرم فقال : ايتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي قال : فقرأ عليه وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وعن هشام بن حجير قال : كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر فقال ابن عباس : اتركهما فقال : إنما نهي عنهما أن تتخذا سنة فقال ابن عباس : قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر لأن الله تعالى قال : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه
38
ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه ( قال الخطابي : قوله ( أوتيت الكتاب ومثله معه ( يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما أن معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ماأعطي من الظاهر المتلو والثاني أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى وأوتي من البيان مثله أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص ويزيد عليه ويشرع ما في الكتاب فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن وقوله : ( يوشك رجل شعبان ( الحديث يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القرآن ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد تضمنت بيان الكتاب قال : فتحيروا وضلوا قال والأريكة : السرير ويقال : إنه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة قال : وإنما أراد بالأريكة أصحاب الترفة والدعة الذين لزموا البيوت لم يطلبوا العلم من مظانه وقوله : ( إلا أن يستغنى عنها صاحبها ( معناه أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناء عنها كقوله : فكفروا وتولوا واستغنى الله معناه تركهم الله استغن عنهم وقوله : ( فله أن يعقبهم بمثل قراه ( هذا هو حال المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف التلف على نفسه فله أن يأخذ من ما لهم بقدر قراه عوض ما حرموه من قراه و ( يعقبهم ( يروى مشددا ومخففا من المعاقبة ومنه قوله تعالى : وإن عاقبتم أي كانت الغلبة لكم فغنمتم منهم وكذلك لهذا أن يغنم من أموالهم بقدر قراه قال : وفي الحديث دلالة على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب فإنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه قال : فأما ما رواه بعضهم أنه قال : إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإن لم يوافقه فردوه فإنه حديث باطل لا أصل له ثم البيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين : بيان لمجمل في الكتاب كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها وكبيانه لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي
39
تؤخذ منه من الأموال وبيانه لمناسك الحج قال صلى الله عليه وسلم إذ حج بالن اس : ( خذوا عني مناسككم ) وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( أخرجه البخاري وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل : إنك رجل أحمق أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم قال : أتجد هذا في كتاب الله مفسرا إن كتاب الله تعالى أبهم هذا وإن السنة تفسر هذا وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك وروى سعيد بن منصور : حدثنا عيسى ابن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال : القرآن أحوج الى السنة من السنة إلى القرآن وبه عن الاوزاعي قال قال يحيى بن أبي كثير : السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة قال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبدالله يعني أحمد بن حنبل وسئل عن هذا الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب فقال : ما أجسر على هذا ان أقوله ولكني أقول : إن السنة تفسرالكتاب وتبينه وبيان آخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع والقضاء باليمين مع الشاهد وغير ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى
باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما جاء أنه سهل على من تقدم العمل به دون حفظه
ذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فيعلمنا القرآن والعمل جميعا وذكر عبدالرزاق عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها وفي موطإ مالك : أنه بلغه أن عبدالله
40
ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ في كتابه المسمى أسماء من روي عن مالك : عن مرداس بن محمد أبي بلال الأشعري قال : حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال : تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورا وذكر أبو بكر الأنباري : حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عبيدالله بن موسى عن زياد بن أبي مسلم أبي عمرو عن زياد بن مخراق قال قال عبدالله بن مسعود : إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن مجاهد عن ابن عمر قال : كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ورزقوا العمل بالقرآن وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به حدثني حسن بن عبدالوهاب أبو محمد بن أبي العنبر حدثنا أبو بكر بن حماد المقريء قال : سمعت خلف بن هشام البزاز يقول : ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا وذلك إنا روينا أن عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة فلما حفظها نحر جزورا شكرا لله وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القرآن لا يسقط منه حرفا فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا وقال أهل العلم بالحديث : لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلا قليلا مع الليالي والأيام وممن ورد عنه ذلك من حفاظ الحديث شعبة وابن علية ومعمر قال معمر : سمعت الزهري يقول : من طلب العلم جملة فاته جملة وإنما يدرك العلم حديثا وحديثين والله أعلم وقال معاذ بن جبل : اعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا وقال ابن عبدالبر : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم
41
مثل قول معاذ من رواية عباد بن عبدالصمد وفيه زيادة : أن العلماء همتهم الدراية وأن السفهاء همتهم الرواية وروي موقوفا وهو أولى من رواية من رواه مرفوعا وعباد بن عبدالصمد ليس ممن يحتج به ولقد احسن القائل في نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة الغراء :
إن العلوم إن جلت محاسنها
فتاجها ما به الإيمان قد وجبا
هو الكتاب العزيز الله يحفظه
وبعد ذلك علم فرج الكربا
فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه
نور النبوة سن الشرع والأدبا
وبعد هذا علوم لا إنتهاء لها
فاختر لنفسك يامن آثرالطلبا
والعلم كنز تجده في معادنه
يأيها الطالب ابحث وانظرالكتبا
واتل بفهم كتاب الله فيه أتت
كل العلوم تدبره تر العجبا
واقرأ هديت حديث المصطفى وسلن
مولاك ما تشتهي يقضي لك الأربا
من ذاق طعما لعلم الدين سر به
إذا تزيد منه قال واطربا
باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه
( روى مسلم عن أبي بن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال : ( أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ( ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال : ( أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ( ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال : ( أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ( ثم جاء الرابعة فقال : إن الله يأمرك
42
أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا وروى الترمذي عنه قال : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال : ( يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتاباقط فقال لي يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ( قال هذا : حديث صحيح وثبت في الأمهات : البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم وسيأتي بكماله في آخر الباب مبينا إن شاء الله تعالى وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن السبتي نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال : الأول وهو الذي أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبدالله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم : أن المراد سبعة أوجه في المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم قال الطحاوي : وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف فقال ميكائيل : استزده فقال : اقرأ على حرفين فقال ميكائيل : استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال : اقرأ فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب واسرع وعجل وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عم مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ للذين آمنوا انظرونا : للذين آمنوا امهلونا للذين آمنوا اخرونا للذين آمنوا ارقبونا وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ كلما أضاء لهم مشوا فيه : مروا فيه سعوا فيه وفي البخاري ومسلم قال الزهري : إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في في حلال ولا حرام قال الطحال : إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات ولو رام ذلك لم يتهيأ إلا بمشقة عظيمة فوسع لهم
43
في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها قال ابن عبدالبر : فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد روى أبو داود عن أبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأبي إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل على حرفين لي على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ( وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من كلام ابن مسعود نحوه قال القاضي ابن الطيب : وإذا ثبتت هذه الرواية يريد حديث أبي حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسما لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف القول الثاني قال قوم : هي سبع لغات في القرآن في لغات العرب كلها يمنها ونزارها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهل شيئا منها وكان قد أوتي جوامع الكلم وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوزان وبعضه بلغة اليمن قال الخطابي : على أن في القرآن ما قد قريء بسبعة أوجه وهو قوله : وعبد الطاغوت وقوله : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وذكر وجوها كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف لا كله وإلى هذا القول بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف على سبعة لغات ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية قال أبو عبيد : وبعض الأحياء
44
أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض وذكر حديث ابن شهاب عن أنس أن عثمان قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف : مااختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه نزل بلغتهم ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال : نزل القرآن بلغة الكعبيين كعب قريش وكعب خزاعة قيل : وكيف ذلك قال : لأن الدار واحدة قال أبو عبيد : يعني أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه : معنى قول عثمان فإنه نزل بلسان قريش يريد معظمه وأكثره ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش وقد قال الله تعالى : إنا جعلناه قرآنا عربيا ولم يقل قريشيا وهذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب وليس لأحد أن يقول : إنه أراد قريشا من العرب دون غيرها كما أنه ليس له أن يقول : أراد لغة عدنان دون قحطان أو ربيعة دون مضر لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا وقال ابن عبدالبر : قول من قال إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب والله أعلم لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها وقريش لا تهمز وقال ابن عطية : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( أي فيه عبادة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش ومرة هذيل ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ ألا ترى أن فطر معناه عند غير قريش : أبتداء [ [ خلق الشيء وعمله ] ] فجائت في القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها قال ابن عباس : ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى فاطر السموات والأرض وقال أيضا : ما كنت أدري معنى قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك أي أحاكمك وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى أو يأخذهم على تخوف أي على تنقص لهم وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ
45
سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة : والنخل باسقات ذكره مسلم في باب [ القراءة في صلاة الفجر ] إلى غير ذلك من الأمثلة القول الثالث : أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مضر قاله قوم واحتجوا بقول عثمان : نزل القرآن بلغة مضر وقالوا : جائز أن يكون منها لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لتيم ومنها لضبة ومنها لقيس قالوا : هذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب وقد كان ابن مسعود يحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر وأنكر آخرون أن تكون كلها من مضر وقالوا : في مضر شواذ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها مثل كشكشة قيس وتمتمة تميم فأما كشكشة قيس فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في جعل ربك تحتك سريا : جعل ربش تحتش سريا وأما تمتمة تميم فيقولون في الناس : النات وفي أكياس : أكيات قالوا : وهذه لغات يرغب عن القرآن بها ولا يحفظ عن السلف فيها شيء وقال آخرون : أما إبدال الهمزة عينا وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض فمشهور عن الفصحاء وقد قرأ به الجلة واحتجوا بقراءة ابن مسعود : ليسجننه عتى حين ذكرها أبو داود وبقول ذي الرمة :
فعيناك عيناها وجيدك جيدها
ولونك إلا عنها غير طائل
يريد إلا أنها القول الرابع : ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال : تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا : منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل : هن أطهر لكم وأطهر ويضيق صدري ويضيق ومنها ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل : ربنا باعد بين أسفارنا وباعد ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف مثل قوله : ننشزها وننشرها ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه : كالعهن المنفوش وكالصوف المنفوش
46
ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل : وطلح منضود وطلع منضود ومنها بالتقديم والتأخير كقوله : وجاءت سكرة الموت بالحق وجاءت [ [ سكرة ] ] الحق بالموت ومنها بالزيادة والنقصان مثل قوله : تسع وتسعون نعجة اثنى وقوله : وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين وقوله : فإن الله من بعد إكراهن لهن غفور رحيم القول الخامس : أن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى وهي أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال قال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن هذا لا يسمى أحرفا وأيضا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حرام ولا في تغيير شيء من المعاني وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة ومنه قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك وقد قيل : إن المراد بقوله عليه السلام ( انزل القرآن على سبعة أحرف ( القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة لأنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه على ما يأتي [ فصل ] قال كثير من علمائنا كالداودي وابن صفرة وغيرهما : هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف ذكره ابن النحاس وغيره وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روي وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى فالتزمه طريقة ورواه وأقرأ به واشتهر عنه وعرف به ونسب إليه فقيل : حرف نافع وحرف ابن كثير ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر ولا أنكره بل سوغه وحوزه وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران أو أكثر وكل صحيح وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة مما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا
47
في ذلك مصنفات فاستمر الاجماع على الصواب وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب وعلى هذا الأئمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي أبي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما قال ابن عطية : ومضت الأعصار والأمصار على قراءات السبعة وبها يصلى لأنها ثبتت بالإجماع وأما شاذ القراءات فلا يصلي به لأنه لم يجمع الناس عليه أما أن المروي منه عن الصحابة رضي الله عنهم وعن علماء التابعين فلا يعتقد فيه إلا أنهم رووه وأما ما يؤثر على أبي السمال ومن قارنه فإنه لا يوثق به قال غيره : أما شاذ القراءة عن المصاحف المتواترة فليست بقرآن ولا يعمل بها على أنها منه وأحسن محاملها أن تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه كقراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات فأما لو صرح الراوي بسماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلف العلماء بذلك على قولين : النفي والإثبات وجه النفي أن الراوي لم يروه في معرض الخبر بل في معرض القرآن ولم يثبت فلا يثبت والوجه الثاني أنه وإن لم يثبت كونه قرآنا فقد ثبت كونه سنة وذلك يوجب العمل كسائر أخبار الآحاد
فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام
قال ابن عطية : أباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل عليه السلام في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الوصف ولم تقع الإباحة في قوله عليه السلام : ( فاقرءوا ما تيسر منه ( بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليوسع بها على أمته فأقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة
48
هشام بن حكيم لها وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم في كل قراءة منهما وقد اختلفا : ( هكذا أقرأني جبريل ( هل ذلك إلا أنه أقرأه مرة بهذه ومرة بهذه وعلى هدا يحمل قول أنس حين قرأ : إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا ( فقيل له : إنما نقرأ وأقوم قيلا فقال أنس : وأصوب قيلا وأقوم قيلا وأهيأ واحد فإنما معنى هذا إنها مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن يضعه لبطل معنى قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة ( الفرقان ( على غير ما أقرؤها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى أنصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرسله أقرأ ( فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هكذا أنزلت ( ثم قال لي : ( اقرأ ( فقرأت فقال : ( هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر ( قلت : وفي معنى حديث عمر هذا ما رواه مسلم عن أبي بن كعب قال : كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شانهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذا كنت في الجاهلية فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله تعالى فرقا فقال لي : ( يا أبي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي
49
فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثالثة أقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم أغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام ( قول أبي رضي الله عنه : فسقط في نفسي معناه اعترتني حيرة ودهشة أي أصابته نزعة من الشيطان ليشوش عليه حاله ويكدر عليه وقته فإنه عظم عليه من اختلاف القراءات ما ليس عظيما في نفسه وإلا فأي شيء يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات ولم يلزم ذلك والحمد لله في النسخ الذي هو أعظم فكيف بالقراءة ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أصابه من ذلك الخاطر نبهه بأن ضربه في صدره فأعقب ذلك بأن انشرح صدره وتنور باطنه حتى آل به الكشف والشرح إلى حالة المعاينة ولما ظهر له قبح ذلك الخاطر خاف من الله تعالى وفاض بالعرق استحياء من الله تعالى فكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم حين سألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : ( وقد وجدتموه ( قالوا : نعم قال : ( ذلك صريح الإيمان ( أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسيأتي الكلام عليه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى
باب ذكر جمع القرآن وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقه ما سواها وذكر من حفظ القرآن من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
كان القرآن في مدة النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا في صدور الرجال وقد كتب الناس منه في صحف وفي جريد وفي لخاف وظرر وفي خزف وغير ذلك قال الأصمعي : اللخاف : حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة والظرر : حجر له حد كحد السكين والجمع ظرار مثل رطب ورطاب وربع ورباع وظران أيضا مثل صرد وصردان فلما استحر القتل
50
بالقراء يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه وقتل منهم في ذلك اليوم فيما 3 قيل سبعمائة أشار عمر بن الخطاب على ابي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء كأبي وابن مسعود وزيد فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك فجمعه غير مرتب السور بعد تعب شديد رضى الله عنه روى البخاري عن زيد بن ثابت قال : أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لا أرى أن تجمع القرآن قال أبو بكر : فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هو والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر قال زيد : وعنده عمر جالس لا يتكلم فقال لي أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فأجمعه فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره لقد جائكم رسول من أنفسكم إلى آخرها فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر وقال الليث حدثني عبدالرحمن بن غالب عن ابن شهاب وقال : مع أبي خزيمة الأنصاري وقال أبو ثابت حدثنا إبراهيم وقال : مع خزيمة أو أبي خزيمة فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
51
وقال الترمذي في حديثه عنه : فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم قال : حديث حسن صحيح وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقال الترمذي عنه : فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فالتمستها فوجدتها عند خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة فألحقتها في سورتها قلت : فسقطت الآية الأولى من آخر براءة في الجمع الأول على ما قاله البخاري والترمذي وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة الأحزاب وحكى الطبري : أن آية براءة سقطت في الجمع الأخير والأول أصح والله أعلم فإن قيل : فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه قيل له : إن عثمان رضي الله عنه لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف ألا ترى كيف أرسل إلى حفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك على ما يأتي وإنما فعل ذلك عثمان لأن الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الأمر في ذلك وعظم اختلافهم وتشبثهم ووقع بين أهل الشام والعراق ماذكره حذيفة رضي الله عنه وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية كل طائفة بما روي لها فاختلفوا وتنازعوا وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا فأشفق حذيفة مما رأى منهم فلما قدم حذيفة المدينة فيما ذكر البخاري والترمذي دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى بيته فقال : أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك قال : فيما قال : في كتاب الله إني حضرت
52
هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق والشام والحجاز فوصف له ماتقدم وقال : إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى قلت : وهذا أدل دليل على بطلان من قال : إن المراد بالأحرف السبعة قراءات القراء السبعة لأن الحق لا يختلف فيه وقد روى سويد بن غفلة عن علي بن أبي طالب أن عثمان قال : ما ترون في المصاحف فإن الناس قد اختلفوا في القراءة حتى إن الرجل ليقول : قراءتي خير من قراءتك وقراءتي أفضل من قرائتك وهذا شبيه بالكفر قلنا : ما الرأي عندك يا أمير المؤمنين قال : الرأي عندي أن يجتمع الناس على قراءة فإنكم إذا اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا قلنا : الرأي رأيك يا أمير المؤمنين فأرسل عثمان إلى حفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاصي وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فأكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت في القراءات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واطراح ما سواها واستصوبوا رأيه وكان رأيا سديدا موفقا رحمة الله عليه وعليهم أجمعين وقال الطبري فيما روي : أن عثمان قرن بزيد أبان بن سعيد بن العاص وحده وهذا ضعيف وما ذكره البخاري والترمذي وغيرهما أصح وقال الطبري أيضا : إن الصحف التي كانت عند حفصة جعلت إماما في هذا الجمع الأخير وهذا صحيح وقال ابن شهاب : وأخبرني عبيدالله بن عبدالله أن عبدالله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال : يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل
53
والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت ولذلك قال عبدالله ابن مسعود : يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فإن الله عز وجل يقول : ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة فالقوا الله بالمصاحف خرجه الترمذي وسيأتي الكلام في هذا في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى قال أبو بكر الأنباري : ولم يكن الأختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان على عبدالله بن مسعود في جمع القرآن وعبدالله أفضل من زيد وأقدم في الإسلام وأكثر سوابق وأعظم فضائل إلا لأن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبدالله إذ وعاه كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي والذي حفظ منه عبدالله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نيف وسبعون سورة ثم تعلم الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أولى بجمع المصحف وأحق بالإيثار ولاختيار ولا ينبغي أن يظن جاهل أن في هذا طعنا على عبدالله بن مسعود لأن زيدا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبا لتقدمه عليه لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنها كان زيد أحفظ منهما للقرآن وليس هو خيرا منهما ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب قال أبو بكر : وما بدا من عبدالله بن مسعود من نكير ذلك فشيء نتجه الغضب ولا يعمل به ولا يؤخذ به ولا يشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم فالشائع الذائع المتعالم عند أهل الرواية والنقل : أن عبدالله بن مسعود تعلم بقية القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال بعض الأئمة : مات عبدالله بن مسعود قبل أن يختم القرآن قال يزيد بن هارون : المعوذتان بمنزلة البقرة وآل عمران ومن زعم أنهما ليستا من القرآن فهو كافر بالله العظيم فقيل له : فقول عبدالله بن مسعود فيهما فقال : لا خلاف بين المسلمين في أن عبدالله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القرآن كله قلت : هذا فيه نظر وسيأتي وروى إسماعيل بن إسحاق وغيره قال حماد أظنه عن أنس بن مالك قال : كانوا يختلفون في الآية فيقولون أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم
54
فلان بن فلان فعسى أن يكون من المدينة على ثلاث ليال فيرسل إليه فيجاء به فيقال : كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا فيكتبون كما يقال قال ابن شهاب : واختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد : التابوه وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص : التابوت فرفع اعترافهم إلى عثمان فقال : اكتبوه بالتاء فإنه نزل بلسان قريش أخرجه البخاري والترمذي قال ابن عطية : قرأه زيد بالهاء والقرشيون بالتاء فأثبتوا بالتاء وكتبت المصاحف على ما هو عليه غابر الدهر ونسخ منها عثمان نسخا قال غيره : قيل سبعة وقيل أربعة وهو الأكثر ووجه بها إلى الآفاق فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات فاتخذها قراء الأمصار معتد اختياراتهم ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الأختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض إشعارا بأن كل ذلك صحيح وأن القراءة بكل منها جائزة قال ابن عطية : ثم إن عثمان أمر بما سواها من المصاحف أن تحرق أو تخرق تروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى ثم تدفن ورواية الحاء غير منقوطة أحسن وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة قال : سمعت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول : يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم : حراق المصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملا منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعن عمير بن سعيد قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان قال أبو الحسن بن بطال : وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوط ء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض روي معمر عن ابن طاوس عن أبيه : أنه كان يحرق إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها
55
ذكر الله تعالى وقول من حرقها أولى بالصواب وقد فعله عثمان وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وفي فعل عثمان رضي الله عنه رد على الحلولية والحشوية القائلين بقدم الحروف والأصوات وأن القراءة والتلاوة قديمة وأن الإيمان قديم والروح قديم وقد أجمعت الأمة وكل أمة من النصارى واليهود والبراهمة بل كل ملحد وموحد أن القديم لا يفعل ولا تتعلق به قدرة قادر بوجه ولا بسبب ولا يجوز العدم على القديم وأن القديم لا يصير محدثا والمحدث لا يصير قديما وأن القديم ما لا أول لوجوده وأن المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن وهذه الطائفة خرقت إجماع العقلاء من أهل الملل وغيرهم فقالوا : يجوز أن يصير المحدث قديما وأن العبد إذا قرأ كلام الله تعالى فعل كلاما لله قديما وكذلك إذا نحت حروفا من الآجر والخشب أو صاغ أحرفا من الذهب والفضة أو نسج ثوبا فنقش عليه آية من كتاب الله فقد فعل هؤلاء كلام الله قديما وصار كلامه منسوجا قديما ومنحوتا قديما ومصوغا قديما فيقال لهم : ما تقولون في كتاب الله تعالى أيجوز أن يذاب ويمحى ويحرق فإن قالوا : نعم فارقوا الدين وإن قالوا : لا قيل لهم : فما قولكم في حروف مصورة آية من كتاب الله تعالى من شمع أو ذهب أو خشب أو كاغد فوقعت في النار فذابت واحترقت فهل تقولون : إن كلام الله احترق فإن قالوا : نعم تركوا قولهم إن قالوا : لا قيل لهم أليس قلتم : إن هذه الكتابة كلام الله وقد احترقت وقلتم : إن هذه الأحرف كلامه وقد ذابت فإن قالوا : احترقت الحروف وكلامه تعالى باق رجعوا إلى الحق والصواب ودانوا بالجواب وهو الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم منبها على ما يقول أهل الحق : ولو كان القرآن في إهاب ثم وقع في النار ما احترق وقال عز وجل : ( أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ( الحديث أخرجه مسلم فثبت بهذا
56
أن كلامه سبحانه ليس بحرف ولا يشبه الحروف والكلام في هذه المسألة يطول وتتميمها في كتاب الأصول وقد بيناها في [ الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ] فصل وقد طعن الرافظة قبحهم الله تعالى في القرآن وقالوا : إن الواحد يكفي في نقل الآية والحرف كما فعلتم فإنكم أثبتم بقول رجل واحد وهو خزيمة بن ثابت وحده آخر سورة براءة وقوله : من المؤمنين رجال فالجواب أن خزيمة رضي الله عنه لما جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة وقد كان زيد يعرفهما ولذلك قال : فقدت آيتين من آخر سورة التوبة ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئا أولا فالآية إنما ثبتت بالإجماع لا بخزيمة وحده جواب ثان إنما ثبتت بشهادة خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وأبي خزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم قال معناه المهلب وذكر أن خزيمة غير أبي خزيمة ون أبا خزيمة الذي وجدت معه آية التوبة معروف من الأنصار وقد عرف أنس وقال : نحن لا إشكال فيها ولا التباس وقال ابن عبدالبر : أبو خزيمة لا يوقف على صحة اسمه وهو مشهور بكنيته وهو أبو خزيمة بن أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار شهد بدرا وما بعدها من المشاهد وتوفي في خلافة عثمان بن عفان وهو أخو مسعود بن أوس قال ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت : وجدت آخر التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري وهو هذا وليس بينه وبين الحارث بن خزيمة أبي خزيمة نسب إلا اجتماعهما في الأنصار أحدهما أوسي والآخر خزرجي وفي مسلم والبخاري عن أنس بن مالك قال : جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل
57
وزيد بن ثابت وأبو زيد قلت لأنس : من أبو زيد قال : أحد عمومتي وفي البخاري أيضا عن أنس قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد وأبو زيد قال : ونحن ورثناه وفي أخرى قال : مات أبو زيد ولم يترك عقبا وكان بدريا واسم أبي زيد سعد بن عبيد قال ابن الطيب رضي الله عنه : لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم يحفظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال أنس بن مالك فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعلي وتميم الداري وعبادة بن الصامت وعبدالله بن عمرو بن العاص فقول أنس : لم يجمع القرآن غير أربعة يحتمل أنه لم يجمع القرآن وأخذه تلقينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير تلك الجماعة فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه من غيره وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم قلت : لم يذكر القاضي عبدالله بن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما فيما رأيت وهما ممن جمع القرآن روى جرير عن عبدالله بن يزيد الصهباني عن كميل قال قال عمر بن الخطاب : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ومن شاء الله فمررنا بعبدالله بن مسعود وهو يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من هذا الذي يقرأ القرآن ( فقيل له : هذا عبدالله بن أم عبد فقال : ( إن عبدالله يقرأ القرآن غضا كما أنزل ( الحديث قال بعض العلماء : معنى قوله : ( غضا كما أنزل ( أي إنه كان يقرأ الحرف الأول الذي أنزل عليه القرآن دون الحروف السبعة التي رخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قرائته عليها بعد معارضة جبريل عليه السلام القرآن إياه في كل رمضان وقد روى وكيع وجماعة معه عن الأعمش عن أبي ظبيان قال قال لي عبدالله بن عباس : أي القراءتين تقرأ قلت : القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد فقال لي : بل هي الآخرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه عليه مرتين فحضر ذلك عبدالله فعلم ما نسخ من
58
ذلك وما بدل وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ( قلت : هذه الأخبار تدل على أن عبدالله جمع القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما تقدم والله أعلم وقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد : حدثنا محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر عن أبي إسحاق قال قال عبدالله بن مسعود : قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنتين وسبعين سورة أو ثلاثاوسبعين سورة وقرأت عليه من البقرة إلى قوله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال أبو إسحاق : وتعلم عبدالله بقية القرآن من مجمع بن جارية الأنصاري قلت : فإن صح هذا صح الإجماع الذي ذكره يزيد بن هارون فلذلك لم يذكره القاضي أبو بكر بن الطيب مع من جمع القرآن وحفظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم قال أبو بكر الأنباري : حدثني إبراهيم بن موسى الخوزي حدثنا يوسف بن موسى حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال : سألت الأسود ما كان عبدالله يصنع بسورة الأعراف فقال : ما كان يعلمها حتى قدم الكوفة قال وقد قال بعض أهل العلم : مات عبدالله بن مسعود رحمة الله عليه قبل أن يتعلم المعوذتين فلهذه العلة لم توجد في مصحفه وقيل غير هذا على ما يأتي بيانه آخر الكتاب عند ذكر المعوذتين إن شاء الله تعالى قال أبو بكر : والحديث الذي حدثناه إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عمر بن هارون الخرساني عن ربيعة بن عثمان عن محمد بن كعب القرظي قال : كان ممن ختم القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود حديث ليس بصحيح عند أهل العلم إنما هو مقصور على محمد بن كعب فهو مقطوع لا يؤخذ به ولا يعول عليه
59
قلت : قوله عليه السلام ( خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد ( يدل على صحته ومما يبين لك ذلك أن أصحاب القراءات من أهل الحجاز والشام والعراق كل منهم عزا قراءته التي اختارها إلى رجل من الصحابة قرأها على رسول الله صلى عليه وسلم لم يستثن من جملة القرآن شيئا فأسند عاصم قراءته إلى علي وابن مسعود وأسند ابن كثير قراءته إلى أبي وكذلك أبو عمرو بن العلاء أسند قراءته إلى أبي وأما عبدالله بن عامر فأنه أسند قراءته إلى عثمان وهؤلاء كلهم يقولون : قرأنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسانيد هذه القراءات متصلة ورجالها ثقات قاله الخطابي
باب ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته وشكله ونقطه وتحزيبه وتعشيره وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآيه
قال ابن الطيب : إن قال قائل قد اختلف السلف في ترتيب سور القرآن فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها وقدم المكي على المدني ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد ومنهم من جعل في أوله : افرأ باسم ربك وهذا أول مصحف علي رضي الله عنه وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله : مالك يوم الدين ثم البقرة ثم النساء على ترتيب مختلف ومصحف أبي كان أوله : الحمد لله ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم كذلك على اختلاف شديد قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة وذكر ذلك مكي رحمه الله في تفسير سورة براءة وذكر أن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صلى الله عليه وسلم ولما لم يأمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة هذا أصح ماقيل في ذلك وسيأتي وذكر ابن وهب في جامعه قال : سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل : لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة فقال
60
ربيعة : قد قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه وقد اجتمعوا على هذا بذلك فهذا مما ننتهي إليه ولا نسأل عنه وقد ذكر سنيد قال حدثنا معتمر عن سلام بن مسكين عن قتادة قال قال ابن مسعود : من كان منكم متأسيافليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وقال قوم من أهل العلم : إن تأليف سور القرآن على ماهو عليه في مصحفنا كان على توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبدالله فإنما كان قبل العرض الأخير وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك روى يونس عن ابن وهب قال سمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد : أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا ثم فرق على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة وكانت السورة تنزل في أمر يحدث والآية جوابا لمستخبر يسأل ويوقف جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف فكله عن محمد خاتم النبيين عليه السلام عن رب العالمين فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات وغيرالحروف والكلمات ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام والأنعام نزلت قبل البقرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عنه هذا الترتيب وهو كان يقول : ( ضعوا هذه السور موضع كذا وكذا من القرآن ( وكان جبريل عليه السلام يقف على مكان الآيات حدثنا حسن بن الحباب حدثنا أبو هشام حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال : آخر ما نزل من القرآن : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة قال أبو بكر بن عياش : وأخطأ أبو إسحاق لأن محمد بن السائب حدثنا عن أبي السائب عن ابن عباس قال : آخر ما نزل من القرآن : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم
61
لا يظلمون فقال جبريل للنبي عليهما السلام : يا محمد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة قال أبو الحسن بن بطال : ومن قال بهذا القول لا يقول إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في المصحف بل إنما يجب تأليف سورة في الرسم والخط خاصة ولا يعلم أن أحد منهم قال : إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة ولا الحج قبل الكهف ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها للذي سألها : لا يضرك أية قرأت قبل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها وأما ما روي عن ابن مسعود وإن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا وقالا : ذلك منكوس القلب فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتديء من آخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ وهذا حظره الله تعالى ومنعه في القرآن لأنه إفساد لسوره ومخالفة لما قصد بها ومما يدل على أنه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله ما صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فتوضع في السورة المكية ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها : وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده تعني بالمدينة وقد قدمنا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور قال أبو بكر الإنباري : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام عن قتادة قال : نزل بالمدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنساءوالمائدة والأنفال وبراءة والرعد والنحل والحج والنور والأحزاب ومحمدوالفتح والحجرات والرحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصحفوالجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق
62
ويأيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر وإذا زلزلت وإذا جاء نصر الله هؤلاء السور نزلن بالمدينة وسائر القرآن نزل بمكة قال أبو بكر : فمن عمل على ترك الأثر والإعراض عن الإجماع ونظم السور على منازلها بمكة والمدينة لم يدر أين تقع الفاتحة لاختلاف الناس في موضع نزولها ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به ورد على محمد صلى الله عليه وسلم ما حكاه عن ربه تعالى وقد قيل إن علة تقديم المدني على المكي هو أن الله تعالى خاطبالعرببلغتها وما تعرف من أفانين خطابها ومحاورتها فلما كان فن من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر وتأخير المقدم خوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى الذي لو فقدوه من القرآن لقالوا : ما باله عري من هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلي من نظامنا قال عبيد بن الأبرص :
أن بدلت منهم وحوشا
وغيرت حالها الخطوب
عيناك دمعها س روب
كأن شأنيهما ش عيب
أراد عيناك دمعها سروب لأن تبدلت من أهلها وحوشا فقدم المؤخر وأخر المقدم ومعنى سروب : منصب على وجه الأرض ومنه السارب للذاهب على وجهه في الأرض قال الشاعر :
أني سربت وكنت غير سروب
وقوله : شانيهما الشأن واحد الشئون وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاها ومنها يجيء الدمع شعيب : متفرق
63
فصل وأما شكل المصحف ونقطه فروي أن عبدالملك بن مروان أمر به وعمله فتجرد لذلك الحجاج بواسط وجد فيه وزاد تحزيبه وأمر وهو والي العراق الحسن ويحي بن يعمر بذلك وألف إثر ذلك بواسطة كتابا في القراءات جمع فيه ما روي من اختلاف الناس فيما وافق الخط ومشى الناس على ذلك زمانا طويلا إلى أن ألف ابن مجاهد كتابه في القراءات وأسند الزبيدي في كتاب الطبقات إلى المبرد أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وذكر أيضاأن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر [ فصل ] وأما وضع الأعشار فقال ابن عطية : مر بي في بعض التواريخ أن المأمون العباسي أمر بذلك وقيل : إن الحجاج فعل ذلك وذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له عن عبدالله بن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وأنه كان يحكه وعن مجاهد أنه كره التعشير والطيب في المصحف وقال أشهب : سمعت مالكا وسئل عن العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الألوان فكره ذلك وقال : تعشير المصحف بالحبر لا بأس به وسئل عن المصاحف يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية قال : إني أكره ذلك في أمهات المصاحف أن يكتب فيها شيء أو يشكل فاما ما يتعلم به الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك بأسا قال أشهب : ثم أخرج إلينا مصحفالجده كتبه إذ كتب عثمان المصاحف فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطر ورأيته معجوم الآي بالحبر وقال قتادة : بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا وقال يحيى بن أبي كثير : كان القرآن مجردا في المصاحف فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء والثاء وقالوا : لا بأس به هو نور له ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآي ثم أحدثوا الفواتح والخواتيم وعن أبي حمزة قال : رأي إبراهيم النخعي في مصحفي فاتحة سورة كذا وكذا فقال لي : امحه فإن عبدالله بن مسعود قال : لا تخلطوا في كتاب الله ما ليس فيه وعن أبي بكر السراج قال قلت لأبي رزين : أأكتب في مصحفي سورة كذا وكذا قال : إني أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه فيظنون من القرآن
64
قال الداني رضي الله عنه : وهذه الأخبار كلها تؤذن بأن التعشير والتخميس وفواتح السور ورءوس الآي من عمل الصحابة رضي الله عنهم قادهم إلى عمله الأجتهاد وأرى أن من كره ذلك منهم ومن غيرهم إنما كره أن يعمل بالألوان كالحمرة والصفرة وغيرهما على أن المسلمين في سائر الآفاق قد أطبقوا على جواز ذلك واستعماله في الأمهات وغيرها والحرج والخطأ مرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه إن شاء الله [ فصل ] وأما عدد حروفه وأجزائه فروي سلام أبو محمد الحماني أن الحجاج بن يوسف جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال : أخبروني عن القرآن كله كم حرف هو قال : وكنت فيهم فحسبنا فأجمعنا على أن القرآن ثلثمائة ألف حرف وأربعون ألف حرف وسبعمائة حرف وأربعون حرف قال : فأخبروني إلى أي حرف ينتهي نصف القرآن فإذا هو في الكهف وليتلطف في الفاء قال : فأخبروني بأثلاثه فإذا الثلث الأول رأس مائة من براءة والثلث الثاني رأس مائة أو إحدى ومائة من طسم الشعراء والثلث الثالث مابقي من القرآن قال : فأخبروني بأسباعه على الحروف فإذا أول سبع في النساء فمنهم من آمن به ومنهم من صد في الدال ولسبع الثاني في الأعراف أولئك حبطت في التاء والسبع الثالث في الرعد أكلها دائم في الألف من آخر أكلها والسبع الرابع في الحج ولكل أمة جعلنا منسكا في الألف والسبع الخامس في الأحزاب وما كان لمؤمن ولا مؤمنة في الهاء والسبع السادس في الفتح الظانين بالله ظن السوء في الواو والسبع السابع ما بقي من القرآن قال سلام أبو محمد : علمناه في أربعة أشهر وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربعا فأول ربعه خاتمة الأنعام والربع الثاني في الكهف وليتلطف والربع الثالث خاتمة الزمر والربع الرابع ما بقي من القرآن وفي هذه الجملة خلاف مذكور في كتاب البيان لأبي عمرو الداني من أراد الوقوف عليه وجده هناك [ فصل ] وأما عدد آي القرآن في المدني الأول فقال محمد بن عيسى : جميع عدد آي القرآن في المدني الأول ستة آلاف آية قال أبو عمرو : وهو العدد الذي رواه أهل الكوفة عن أهل المدينة ولم يسموا في ذلك أحدا بعينه يسندونه إليه
65
وأما المدني الأخير فهو في قول إسماعيل بن جعفر : ستة آلاف آية ومائتا آية وأربع عشرة آية وقال الفضل : عدد آي القرآن في قول المكيين ستة آلاف آية ومائتا آية وتسع عشرة آية قال محمد بن عيسى : وجميع عدد آي القرآن في قول الكوفيين ستة آلاف آية ومائتا آية وثلاثون وست آيات وهو العدد الذي رواه سليم والكسائي عن حمزة وأسنده الكسائي إلى على رضي الله عنه قال محمد : وجميع عدد آي القرآن في عدد البصريين ستة آلاف ومائتان وأربع آيات وهو العدد الذي مضى عليه سلفهم حتى الآن وأما عدد أهل الشام فقال يحيى بن الحارث الذماري : ستة آلاف ومائتان وست وعشرون في رواية ستة آلاف ومائتان وخمس وعشرون قال ابن ذكوان : فظننت أن يحي لم يعد بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو عمرو : فهذه الأعداد التي يتداولها الناس تأليفا ويعدون بها في سائر الآفاق قديماوحديثا وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان : جميع كلمات القرآن في قول عطاء بن يسار سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وحروفه ثلثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا قلت : هذا يخالف ماتقدم عن الحماني قبل هذا وقال عبدالله بن كثير عن مجاهد قال : هذا ما أحصينا من القرآن وهو ثلثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفا وهذا يخالف ما ذكره قبل هذا عن الحمداني من عد حروفه
باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف
معنى السورة في كلام العرب الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة قال النابغة :
ألم تر أن الله أعطاك سورة
ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك وقيل : سميت بذلك لشرفها وارتفاعها كما يقال لما ارتفع من الأرض سور وقيل : سميت بذلك لأن قارئها يشرف على ما لم يكن
66
عنده كسور البناء كله بغير همز وقيل سميت بذلك لأنها قطعت من القرآن على وحدة من قول العرب للبقية : سؤر وجاء في اسآر الناس أي بقاياهم فعلى هذا يكون الأصل سؤرة بالهمزة ثم خففت فأبدلت واوا لانضمام ماقبلها وقيل : سميت بذلك لتمامها وكمالها من قول العرب للناقة التامة : سورة وجمع سورة سور بفتح الواو وقال الشاعر :
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ويجوز أن يجمع على سورات
وسورات وأما الآية فهي العلامة بمعنى أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها وانفصاله أي هي بائنة من أختها ومنفردة وتقول العرب : بيني وبين فلان آية أي علامة ومن ذلك قوله تعالى : إن آية ملكه وقال النابغة :
توهمت آيات لها فعرفتها
لستة أعوام وذا العام سابع
وقيل : سميت آية لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه كما يقال : خرج القوم بآياتهم أي بجماعتهم قال برج بن مسهر الطائي :
خرجنا من النقبين لاحي مثلنا
بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا
وقيل : سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها واختلف النحويون في أصل آية فقال سيبويه : أييه على فعلة مثل أكمة وشجرة فلما تحركت الياء وانفتح ماقبلها انقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة وقال الكسائي : أصلها آييه على وزن فاعلة مثل آمنة فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ماقبلها ثم حذفت لالتباسها بالجمع وقال الفراء : أصلها أييه بتشديد الياء الأولى فقلبت ألفا كراهة للتشديد فصارت شية وجمعها آي وآيات وآياء وأنشد أبو زيد :
لم يبق هذا الدهر من آيائه
غير أثافيه وأرمدائه

67
وأما الكلمة فهي الصورة القائمة بجمع ما يختلط بها من الشبهات أي الحروف وأطول الكلم في كتاب الله عز وجل ما بلغ عشرة أحرف نحو قوله تعالى : ليستخلفنهم و أنلزمكموها وشبههما فأما قوله : فأسقيناكموه فهو عشرة أحرف في الرسم وأحد عشر في اللفظ وأقصرهن ما كان على حرفين نحو ما ولا ولك وله وما أشبه ذلك ومن حروف المعاني ما هو على كلمة واحدة مثل همزة الإستفهام وواو العطف إلا أنه لا ينطق به مفردا وقد تكون الكلمة واحدها آية تامة نحو قوله تعالى : والفجر والضحى والعصر وكذلك الم و المص و طه و يس و حم في قول الكوفيين وذلك في فواتح السور فأما حشوهن فلا قال أبو عمر الداني : ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله في الرحمن : مدهامتان لا غير وقد أتت كلمتان متصلتان وهما آيتان وذلك في قوله : حم عسق على قول الكوفيين لا غير وقد تكون في غير هذا : الآية التامة والكلام القائم بنفسه وإن كان أكثر أو أقل قال عز وجل : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا قيل : إنما يعني بالكلمة ها هنا قوله تبارك وتعالى : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض إلى آخر الآيتين وقال عز وجل وألزمهم كلمة التقوى قال مجاهد : لا إله إلا الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقد تسمى العرب القصيدة بأسرها والقصة كلها كلمة فيقولون : قال قس في كلمته كذا أي في خطبته وقال زهير في كلمته كذا أي في قصيدته وقال فلان في كلمته يعني في رسالته فتسمى جملة الكلام كلمة إذ كانت الكلمة منها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره وكان بسبب منه مجازا واتساعا وأما الحرف فهو الشبه القائمة وحدها من الكلمة وقد يسمى الحرف كلمة والكلمة حرفا على ما بيناه من الاتساع والمجاز قال أبو عمرو الداني : فإن قيل فكيف يسمى ما جاء من
68
حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد نحو ص و ق و ن حرفاأو كلمة قلت : كلمة لا حرفا وذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه ولا ينفرد وحده في الصورة ولا ينفصل مما يختلط به وهذه الحروف مسكوت عليها منفردة منفصلة كانفراد الكلم وانفصالها فلذلك سميت كلمات لا حروفا قال أبو عمرو : وقد يكون الحرف في غير هذا : المذهب والوجه قال الله عز وجل : ومن الناس من يعبد الله على حرف أي على وجه ومذهب ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( أي سبعة أوجه من اللغات والله أعلم
باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب
أولا لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على اساليب غير العرب وأن فيه أسماء أعلامالمن لسانه غير العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط وأختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب فذهب القاضي أبو بكر الطيب وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه وأن القرآن عربي صريح وما وجد فيه من الالفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها ان تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم وذهب بعضهم إلى وجودها فيه وأن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه فالمشكاة : الكوة ونشأ : قام من الليل ومنه إن ناشئة الليل و ويؤتكم كفلين أي ضعفين و فرت من قسورة أي الأسد كله بلسان الحبشة والغساق : البارد المنتن بلسان الترك والقسطاس : الميزان بلغة الروم والسجيل : الحجارة والطين بلسان الفرس والطور الجبل واليم : البحر بالسريانية والتنور : وجه الأرض بالعجمية قال ابن عطية : فحقيقة العبارة عن هده الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام
69
وكسفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرى مجرى العربي الصحيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك قال ابن عطية : وما ذهب إليه الطبري رحمه الله من أن اللغتين اتفقتا في لفظة فذلك بعيد بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضاجواز الاتفاق قليلا شاذا قال غيره : والأول أصح وقوله : هي أصل في كلام غيرهم دخيلة في كلامهم ليس بأولى من العكس فإن العرب لا يخلو أن تكون تخاطبت بها أو لا فإن كان الأول فهي من كلامهم إذ لا معنى للغتهم وكلامهم إلا ما كان كذلك عندهم ولا يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة فإن قيل : ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه قلنا : ومن سلم لكم أنكم حصرتم أوزانهم حتى تخرجوا هذه منها فقد بحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحوية وأما إن لم تكن العرب تخاطبت بها ولا عرفتها استحال ان يخاطبهم الله بما لا يعرفون وحينئذ لا يكون القرآن عربيا مبينا ولا يكون الرسول مخاطبا لقومه بلسانهم والله أعلم
باب ذكر نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
المعجزة واحدة معجزات الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات الله عليهم وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها وشرائطها خمسة فإن أختل منها شرط لا تكون معجرة
70
فالشرط الأول من شروطها أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنه لو أتي آت في زمان يصح فيه مجيء الرسل وادعى الرسالة وجعل معجزته أن يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد لم يكن هذا الذي ادعاه معجزة له ولا دالا على صدقه لقدرة الخلق على مثله وإنما يجب أن تكون المعجزات كفلق البحر وانشقاق القمر وما شاكلها مما لا يقدر عليها البشر والشرط الثاني هو أن تخرق العادة وإنما وجب اشتراط ذلك لأنه لو قال المدعي للرسالة : آيتي مجيء الليل بعد النهار وطلوع الشمس من مشرقها لم يكن فيما ادعاه معجزة لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا الله فلم تفعل من أجله وقد كان قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه ودعواه في دلالتها على نبوته كدعوى غيره فبان أنه لا وجه له يدل على صدقه والذي يستشهد به الرسول عليه السلام له وجه يدل على صدقه وذلك أن يقول : الدليل على صدقي أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي على الرسالة فيقلب هذه العصا ثعبانا ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة أو ينبع الماء من بين أصابعي كما ينبعه من العين أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات التي ينفرد بها جبار الأرض والسموات فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه لو أسمعنا كلامه العزيز وقال : صدق أنا بعثته ومثال هذه المسألة ولله ورسوله المثل الأعلى ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه : الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل من أفعاله وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي فإذا سمع الملك كلامه لهم ودعواه فيهم ثم عمل ما استشهد به على صدقه قام ذلك مقام قوله لو قال : صدق فيما ادعاه علي فكذلك إذا عمل الله عملا لا يقدر عليه إلا هو وخرق به العادة على يد الرسول قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أسمعناه وقال : صدق عبدي في دعوة الرسالة وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا
71
والشرط الثالث هو أن يستشهد بها مدعي الرسالة على الله عز وجل فيقول : آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها : تزلزلي فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدي به الشرط الرابع هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة له وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعي للرسالة : آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذهالدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت : كذب وليس هو نبي فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي للرسالة لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه وكذلك ما يروي أن مسيلمة الكذاب لعنه الله تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء فما فعل الله سبحانه من هذا كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبيء الكذاب والشرط الخامس من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة فإن تم الأمر المتحدى به المستشهد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة دالة على نبوة من ظهرت على يده فإن أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتي به ويعمل مثل ماعمل بطل كونه نبيا وخرج عن كونه معجزاولم يدل على صدقه ولهذا قال المولى سبحانه : فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين وقال : أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات كأنه يقول : إن ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صلى الله عليه وسلم وعمله فاعملوا عشر سور من جنس نظمه فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من عمله لا يقال : إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي الصادقين وهذا المسيخ الدجال فيما رويتم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم يظهر على يديه من الآيات العظام والأمور الجسام ما هو معروف مشهور فإنا نقول : ذلك يدعي الرسالة وهذا يدعي الربوبية وبينهما من الفرقان ما بين البصراء والعميان وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق
72
إلى بعض غير ممتنعة ولا مستحيلة فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة ودلت الأدلة العقلية أيضا على أن المسيخ الدجال فيه التصوير والتغيير من حال إلى حال وثبت أن هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدثات تعالى رب البريات عن أن يشبه شيئا أو يشبه شيء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فصل إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين : الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي صلى الله عليه وسلم والثاني ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله واستفاضت بثبوته ووجوده ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة ومن شرطه أن يكون الناقلون له خلقاكثيرا وجمعاغفيرا وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علماضروريا وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب وهذه صفة نقل القرآن ونقل وجود النبي عليه الصلاة والسلام لأن الأمة رضي الله عنها لم ترل تنقل القرآن خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده بالضرورة وصدقه بالأدلة والمعجزات والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان ونقله إلينا بعدهم أهل التواترالذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلوه ويسمعونه لكثرة العدد ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به ونظير ذلك من علم الدنيا علم الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان كالبصرة والشام والعراق وخرسان والمدينة ومكة وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة المتواترة فالقرآن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم الباقية بعده إلى يوم القيامة ومعجزة كل نبي انقرضت بانقراضه أو دخلها التبديل والتغيير كالتوراة والإنجيل
73
ووجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة : ومنها : النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه : وما علمناه الشعر وما ينبغي له وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله قلت : فما يقول الناس قال يقولون : شاعر كاهن ساحر وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بهدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ح م فصلت على مايأتي بيانه هنالك فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه ومنها : الأسلوب الحالف لجميع أساليب العرب ومنها : الجزالة التي لا تصح من بحال وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها وقوله سبحانه : والأرض جميعاقبضته يوم القيامة إلى آخر السورة وكذلك قوله سبحانه : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إلى آخر السورة وكذلك فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : لمن الملك اليوم ولا أن يقول : ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء قال ابن الحصار : وهذه الثلاثة من النظم والأسلوب والجزالة لازمة كل سورة بل هي لازمة كل آية وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر وبها وقع التحدي والتعجيز ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة من غير أن
74
ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار وهي أقصر صورة في القرآن وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين : أحدهما الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من اتباع سائر الرسل والثاني الإخبار عن الوليد بن المغيرة وقد كان الأول نزول الآية ذا مال وولد على ما يقتضيه قول الحق : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده وانقطع نسله ومنها : التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه ومنها : الإخبار عن الأمور التي في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها والقرون الخالية في دهرها وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه به من قصص أهل الكهف وشأن موسى والخضر عليهما السلام وحال ذي القرنين فجاءهم وهو أمي من أمة أمية ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السافلة صحته فتحققوا صدقه قال القاضي ابن الطيب : ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم وإذا كان معروفاأنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ولا مترددا إلى المتعلم منهم ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي ومنها : الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما وعد الله سبحانه وينقسم : إلى أخباره المطلقة كوعده بنصر رسوله عليه السلام وإخراج الذين أخرجوه من وطنه وإلى وعد مقيد بشرط كقوله : ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن يؤمن بالله يهد قلبه ومن يتق الله يجعل له مخرجا إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وشبه ذلك ومنها : الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك
75
ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق الآية ففعل ذلك وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجح وكان عمر يفعل ذلك فلم يزل الفتح يتوالى شرقاوغربا براوبحرا قال الله تعالى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وقال : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقال وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وقال : الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين أو من أوقفه عليها رب العالمين فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه ومنها : ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام ومنها : الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي ومنها : التناسب في جميع ماتضمنه ظاهراوباطنامن غير اختلاف قال الله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا قلت : فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية : أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته والصرفة عند التحدي بمثله وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن وذلك أن الله تعالى صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله وهذا فاسد لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا وذلك خلاف الإجماع وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز لان فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا واختلف من قال بهذه الصرفة
76
على قولين : أحدهما أنهم صرفوا على القدرة عليه ولو تعرضوا له لعجزوا عنه الثاني أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه قال ابن عطية : وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه ووجه إعجازه : أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحاط بالكلام كله علما فعلم بأحاطته أي لفظة تصلح أن تلى الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة وبهذا النظر يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها أن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط أحد من المخلوقين ويظهر لك قصور البشر أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر والبدل وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد ومن فصاحة القرآن أن الله تعالى جل ذكره ذكر في آية واحدة أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وهو قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى أن أرضعيه الآية وكذلك فاتحة سورة المائدة : أمر بالوفاء ونهي عن النكث وحلل تحليلاعاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن حكمته وقدرته وذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وأنبأ سبحانه عن الموت وحسرة الفوت والدار الآخرة وثوابها وعقابها وفوز الفائزين وتردي المجرمين والتحذير عن الاغترار بالدنيا ووصفها بالقلة بلإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ( الآية وأنبا أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين وعواقب المهلكين في شطر آية وذلك في قوله تعالى : فمنهم من أرسلنا عليه حاصباومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم
77
من أغرقنا وأنبأ جل وعز عن أمر السفينة وإجرائها وإهلاك الكفرة واستقرار السفينة واستوائها وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض والسماء بقوله عز وجل : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إلى قوله تعالى : وقيل بعدا للقوم الظالمين إلى غير ذلك فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم تقوله أنزل الله تعالى : أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ثم أنزل تعجيزا ابلغ من ذلك فقال : أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار فقال جل ذكره : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله فأفحموا عن الجواب وتقطعت بهم الأسباب وعدلوا إلى الحروب والعناد وآثرواسبي الحريم والأولاد ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا وأبلغ في الحجة وأكثر تأثيرا هذا مع كونهم أرباب البلاغة واللحن وعنهم تؤخذ الفصاحة واللسن فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان وأرفع درجات الإيجاز والبيان بل تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ماأوتي من جوامع الكلم واختص به من غرائب الحكم إذا تأملت قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الجنان وإن كان في نهاية الإحسان وجدته منحطاعن رتبة القرآن وذلك في قوله عليه السلام : ( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( فأين ذلك من قوله عز وجل وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقوله : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين هذا أعدل وزنا وأحسن تركيبا وأعذب لفظا وأقل حروفا على أنه لا يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرف وضاق المقال عن القاصر المتكلف وبهذا قامت الحجة على العرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة عيسى عليه السلام على الاطباء ومعجزة موسى
78
عليه السلام على السحرة فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم السلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر في زمان موسى عليه السلام قد انتهى إلى غايته وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السلام والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم
باب التنبيه عن أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره
لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الأعمال قد ارتكبها جماعة كثيرة اختلف أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها فمن قوم الزنادقة مثل : المغيرة بن سعيد الكوفي ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة وغيرهما وضعوا أحاديث وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس فما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي إلا ما شاء الله ( فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة قلت : وقد ذكره ابن عبد البر في كتاب [ التمهيد ] ولم يتكلم عليه بل تأول الاستثناء على الرؤيا فالله أعلم ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب : إن هذه الأحاديث دين فانظروا ممن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا ومنهم جماعة الحديث حسبة كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي ومحمد بن عكاشة الكرماني وأحمد بن عبدالله الجويباري وغيرهم قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة فقال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة قال أبو عمرو عثمان بن
79
الصلاح في كتاب [ علوم الحديث ] له : وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة سورة وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه وإن أثر الوضع عليه لبين وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد فيضعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحاح قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد قال جعفر بن محمد الطيالسي : صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة فقام بين أيديهما قاص فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه مرجان وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد فقال : أنت حدثته بهذا فقال : والله ما سمعت به إلا هذه الساعة قال : فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه فقال له يحيى : من حدثك بهذا الحديث فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فقال أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا هذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا فقال له : أنت يحيى بن معين قال : نعم قال : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق وما علمته إلا هذه الساعة فقال له يحيى : وكيف علمت أني أحمق كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا فوضع أحمد كمه على وجهه وقال : دعه يقوم فقام كالمستهزيء بهما فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجري مجراهم يذكر أن الرشيد كان يعجبه الحمام واللهو به فأهدي إليه حمام وعنده أبو البختري
80
القاضي فقال : روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح ( فزاد : أو جناح وهي لفظة وضعها للرشيد فأعطاه جائزة سنية فلما خرج قال الرشيد : والله لقد علمت أنه كذاب وأمر بالحمام أن يذبح فقيل له : وما ذنب الحمام قال : من أجله كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته فلا يكتب العلماء حديثه بحال قلت : فلو اقتصر العلماء على ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما من المصنفات التي تداولها العلماء ورواها الائمة الفقهاء لكان لهم في ذلك غنية وخرجوا عن تحذيره صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( الحديث فتخويفه صلى الله عليه وسبلم أمته بالنار على الكذب دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه فحذار مما وضعه أعداء الدين وزنادقة المسلمين في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك وأعظمهم ضررا أقوام من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم فضلوا وأضلوا
باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان
لا خلاف بين الأمة ولا بين الأئمة أهل السنة أن القرآن اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم معجزة له على نحو ما تقدم وأنه محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف معلومة على الاضطرار سوره وآياته مبرأة من الزيادة والنقصان حروفه وكلماته فلا يحتاج في تعريفه بحد ولا في حصره بعد فمن ادعى زيادة عليه أو نقصانا منه فقد أبطل الإجماع وبهت الناس ورد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن المنزل عليه ورد قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وأبطل آية رسوله
81
عليه السلام لأنه إذ ذاك يصير القرآن مقدورا عليه حين شيب بالباطل ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية وخرج عن أن يكون معجزا فالقائل أن القرآن فيه زيادة ونقصان راد لكتاب الله ولما جاء به الرسول وكان كمن قال : الصلوات المفروضات خمسون صلاة وتزوج تسع من النساء حلال وفرض الله أياما مع شهر رمضان إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين فإذا رد هذا الإجماع كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري : ولم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته ما يوجبه الحق والإنصات والديانة وينفقون عنه قول المبطلين وتمويه الملحدين وتحريف الرائغين حتى نبع في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها ويثبت أسسها وينمي فرعها ويحرسها من معايب أولي الجنف والجور ومكايد أهل العداوة والكفر فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان بن عفان بن عفان رضي الله عنه باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها فمنها : والعصر ونوائب الدهر فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين ونوائب الدهر ومنها : حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وطن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاأو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من القرآن : وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها وذكر مما يدعى حروفا كثيرة وادعى أن عثمان والصحابة رضي الله عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه فقرأ في صلاة الفرض والناس يسمعون : الله الواحد الصمد فأسقط من القرآن قل هو وغير لفظ
82
أحد وادعى أن هذا هو الصواب والذي عليه الناس هو الباطل والمحال وقرأ في صلاة الفرض : قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون وطعن في قراءة المسلمين وادعى أن المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة منها : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فادعى أن الحكمة والعزة لا يشاكلان المغفرة وأن الصواب : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم وترامى به الغي في هذا وأشكاله حتى ادعى أن المسلمين يصحفون : وكان عند الله وجيها والصواب الذي لم يغير عنده : وكان عبدا لله وجيها وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه وشهدوه : لا تحرك به لسانك إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا نبأ به وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم سمعوه يقرأ : ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة وروي هؤلاء أيضا لنا عنه قال : هذا صراط على مستقيم وأخبرونا أنه أدخل في آية من القرآن ما لا يضاهي فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل في لسان قومه الذين قال الله عز وجل فيهم : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه فقرأ : أليس قلت للناس في موضع : أأنت قلت للناس وهذا لا يعرف في نحو المعربين ولا يحمل على مذاهب النحويين لأن العرب لم تقل : ليس قمت فأما : لست قمت بالتاء فشاذ قبيح خبيث رديء لان ليس لا تجحد الفعل الماضي ولم يوجد مثل هذا إلا في قولهم : أليس قد خلق الله مثلهم وهو لغة شاذة لا يحمل كتاب الله عليها وادعى أن عثمان رضي الله عنه لما أسند جمع القرآن إلى زيد بن ثابت لم يصب لأن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب كانا أولى بذلك من زيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أقرأ أمتي أبي بن كعب ( ولقوله عليه السلام : ( من سره أن يقرأ القرآن غضا كنا أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ( وقال هذا القائل : لي أن أخالف مصحف عثمان كما خالفه أبو عمرو بن العلا فقرأ : إن هذين فأصدق وأكون وبشر عبادي الذين بفتح الياء فما أتاني الله بفتح الياء والذي في المصحف : إن هذان بالألف
83
فأصدق وأكن بغير واو فبشر عباد فما أتان الله بغير ياءين في الموضعين وكما خالف ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي مصحف عثمان فقرءوا : كذلك حقا علينا ننج المؤمنين بإثبات نونين يفتح الثانية بعضهم ويسكنها بعضهم وفي المصحف نون واحدة وكما خالف حمزة المصحف فقرأ : أتمدون بمال بنون واحدة ووقف على الياء وفي المصحف نونان ولا ياء بعدهما وكما خالف حمزة أيضا المصحف فقرأ : ألا إن ثمودا كفروا ربهم بغير تنوين وإثبات الألف يوجب التنوين وكل هذا الذي شنع به على القراء ما يلزمهم به خلاف للمصحف قلت : قد أشرنا إلى العد فيما تقدم مما اختلف فيه المصاحف وسيأتي بيان هذه المواضع في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى قال أبو بكر : وذكر هذا الإنسان أن أبي بن كعب هو الذي قرأ كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها وذلك باطل لأن عبدالله بن كثير قرأ على مجاهد ومجاهد قرأ على ابن عباس وابن عباس قرأ القرآن على أبي بن كعب حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفص الآيات في رواية وقرأ أبي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الإسناد متصل بالرسول عليه السلام نقله أهل العدالة والصيانة وإذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لم يؤخذ بحديث يخالفه وقال يحيى بن المبارك اليزيدي : قرأت القرآن على أبي عمرو بن العلاء وقرأ أبو عمرو على مجاهد وقرأ مجاهد على ابن عباس وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ أبي على النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها فمن جحد أن هذه الزيادة أنزلها الله تعالى على نبيه عليه السلام فليس بكافر ولا آثم حدثني أبي نبأنا نصر بن داود الصاغاني نبأنا أبو عبيد قال : ما يروى من الحروف التي تخالف المصحف الذي عليه الإجماع من الحروف التي يعرف أسانيدها الخاصة دون العامة فيما نقلوا فيه عن أبي : وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها وعن ابن عباس ليس
84
عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ومما يحكون عن عمر بن الخطاب أنه قرأ : غير المغضوب عليهم وغير الضالين مع نظائر لهذه الحروف كثيرة لم ينقلها أهل العلم على أن الصلاة بها تحل ولا على أنها معارض بها مصحف عثمان لأنها حروف لو جحدها جاحد أنها من القرآن لم يكن كافرا والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له لو أنكر بعضه منكر كان كافرا حكمه حكم المرتد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وقال أبو عبيد : لم يزل صنيع عثمان رضي الله عنه في جمعه القرآن يعتد له بأنه من مناقبه العظام وقد طعن عليه فيه بعض أهل الزيغ فانكشف عوراه ووضحت فضائحه قال أبو عبيد : وقد حدثت عن يزيد بن زريع عن عمران بن جرير عن أبي مجلز قال : طعن قوم على عثمان رحمه الله بحمقهم جمع القرآن ثم قرءوا بما نسخ قال أبو عبيد : يذهب أبو مجلز إلى أن عثمان أسقط الذي أسقط بعلم كما أثبت الذي أثبت بعلم قال أبو بكر : وفي قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون دلالة على كفر هذا الأنسان لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان فإذا قرأ قاريء : تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف فقد كذب على الله جل وعلا وقوله ما لم يقل وبدل كتابه وحرفه وحاول ماقد حفظه منه ومنع من اختلاطه به وفي هذا الذي أتاه توطئة الطريق لأهل الإلحاد ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عرا الإسلام وينسبونه إلى قوم كهؤلاء القوم الذين أحالوا هذا بالأباطيل عليهم وفيه إبطال الإجماع الذي به يحرس الإسلام وبثباته تقام الصلوات وتؤدى الزكوات وتتحرى المتعبدات وفي قول الله تعالى : ال ر كتاب أحكمت آياته دلالة على بدعة هذا الإنسان وخروجه إلى الكفر لأن معنى أحكمت آياته : منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها أو ينقصوا منها أو يعارضوها بمثلها وقد وجدنا هذا الإنسان زاد فيها : وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا فقال في القرآن هجرا وذكر عليا في مكان لو سمعه يذكره فيه لأمضى عليه الحد وحكم عليه بالقتل وأسقط من كلام الله
85
قل هو وغير أحد فقرأ : الله الواحد الصمد وإسقاط ما أسقط نفي له وكفر ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله وأبطل معنى الآية لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك أمن ذهب أم من نحاس أم من صفر فقال الله جل وعز ردا عليهم : قل هو الله أحد ففي هو دلالة على موضع الرد ومكان الجواب فإذا سقط بطل معنى الآية ووضح الافتراء على الله عز وجل والتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال لهذا الإنسان ومن ينتحل نصرته : أخبرونا عن القرآن الذي نقرؤه ولا نعرف نحن ولا من كان قبلنا من أسلافنا سواه هل هو مشتمل على جميع القرآن من أوله إلى آخره صحيح الألفاظ والمعاني عار على الفساد والخلل أم هو واقع على بعض القرآن والبعض الآخر غائب عنا كما غاب عن أسلافنا والمتقدمين من أهل ملتنا فإن أجابوا بأن القرآن الذي معنا مشتمل على جميع القرآن لا يسقط منه شيء صحيح اللفظ والمعاني سليمها من كل زلل وخلل فقد قضوا على أنفسهم بالكفر حين رادوا فيه فليس له اليوم هاهنا حميم وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم فأي زيادة في القرآن أوضح من هذه وكيف تخلط بالقرآن وقد حرسه الله منها ومنع كل مفتر ومبطل من أن يلحق به مثلها تؤملت وبحث عن معناها وجدت فاسدة غير صحيحة لا تشاكل كلام الباريء تعالى ولا تخلط به ولاتوافق معناه وذلك أن بعدها لا يأكله إلا الخاطئون فكيف يؤكل الشراب والذي أتى به قبلها : فليس له اليوم ها هنا حميم وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم لا يأكله إلا الخاطئون فهذا متناقض يفسد بعضه بعضا لأن الشراب لا يؤكل ولا تقول العرب : أكلت الماء لكنهم يقولون : شربته وذقته وطعمته ومعناه فيما أنزل الله تبارك وتعالى على الصحة في القرآن الذي من خالف حرفا منه كفر ولا طعام إلا من غسلين لا يأكل الغسلين إلا الخاطئون أو لا يأكل الطعام إلا الخاطئون والغسلين : ما يخرج من أجوافهم من الشحم وما يتعلق به من الصديد وغيره فهذا طعام يؤكل عند البلية والنقمة والشراب محال أن
86
يؤكل فإن ادعى هذا الإنسان أن هذا الباطل الذي زاده من قوله من عين تجري من تحت الجحيم ليس بعدها لايأكله إلا الخاطئون ونفي هذه الآية من القرآن لتصح له زيادته فقد كفر لما جحد آية من القرآن وحسبك بهذا كله ردا لقوله وخزيا لمقاله وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا إنما ذلك على جهة البيان والتفسير لا أن ذلك قرآنا يتلى وكذلك ما نسخ لفظه وحكمه أو لفظه دون حكمه ليس بقرآن على ما يأتي بيانه عند قوله تعالى : ما ننسخ من آية إن شاء الله تعالى
القول في الاستعاذة
وفيها اثنتا عشرة مسألة : الأولى أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أي إذا أردت أن تقرأ فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر :
وإني لآتيكم لذكرى الذي مضى
من الود واستئناف ما كان في غد
أراد ما يكون في غد وقيل : في الكلام تقديم وتأخير وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم أيهما شئت كما قال تعالى : ثم دنى فتدلى المعنى فتدلى ثم دنا ومثله : اقتربت الساعة وانشق القمر وهو كثير الثانية هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة واختلفوا فيه في الصلاة حكى النقاش عن عطاء : أن الاستعاذة واجبة وكان ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة ويتمثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان الثالثة أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه وهو قول القاريء : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء في التعوذ لأنه
87
لفظ كتاب الله تعالى وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( يآبن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللوح المحفوظ عن القلم ( الرابعة روى أبو داود وابن ماجة في سننهما عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة فقال عمرو : لا أدري أي صلاة هي فقال : ( الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا ثلاثا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من نفخة ونفثة وهمزة ( قال عمرو : همزة المؤتة ونفثه الشعر ونفخه الكبر وقال ابن ماجة : المؤتة يعني الجنون والنفث : نفخ الرجل من فيه من غير أن يخرج ريقه والكبر : التيه وروي أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثم يقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول : لاإله إلا الله ثلاثا ثم يقول : الله أكبر كبيرا ثلاثا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ( ثم يقرأ وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم رحمه الله أن الاستعاذة : أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عطية : وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم : أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد ونحو هذا مما لا أقول فيه : نعمت البدعة ولا أقول : إنه لا يجوز الخامسة قال المهدوي : أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة سورة الحمد إلا حمزة فإنه أسرها وروى السدي عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالبسملة وذكر أبو الليث السمرقندي عن بعض المفسرين أن التعوذ فرض فإذا نسيه
88
القاريء وذكره في بعض الحزب قطع وتعوذ ثم أبتدأ من أوله وبعضهم يقول : يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه وبالأول قال أسانيد العراق وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر السادسة حكى الزهراوي قال : نزلت الآية في الصلاة وندبنا إلى الأستعاذة في غير الصلاة وليس بفرض قال غيره : كانت فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ثم تأسينا به السابعة روي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة وقال داود قال أبو بكر بن العربي : انتهى العي بقوم إلى أن قالوا : إذا فرغ القاريء من قراءة القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وهدا نص فإن قيل : فما الفائدة من الأستعاذة من الشيطان الرجيم وقت القراءة قلنا : فائدته امتثال الأمر وليس للشرعيات فائدة إلا القيام بحق الوفاء لها في امتثالها أمرا أو اجتنابها نهيا وقد قيل : فائدتها أمتثال الأمر بالاستعاذة من وسوسة الشيطان عند القراءة كما قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته قال ابن العربي : ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الآية : فإدا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم قال : ذلك بعد قراءة أم القرآن لمن قرأ في الصلاة وهذا قول لم يرد به أثر ولا يعضده نظر فإن كان هذا كما قال بعض الناس : إن الاستعاذة بعد القراءة كان تخصيص ذلك بقراءة أم القرآن في الصلاة دعوى عريضة ولا تشبه أصل مالك ولا فهمه فالله أعلم بسر هذه الرواية الثامنة في فضل التعوذ روى مسلم عن سليمان بن صرد قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجه وتنتفخ أوداجه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل تدري ما قال
89
رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا : ( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( فقال له الرجل : أمجنونا تراني أخرجه البخاري أيضا وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي انه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أن الشيطان حال بيني وبين صلاتي وقرائتي يلبسه علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ منه واتفل عن يسارك ثلاثا ( قال : ففعلت فاذهبه الله عني وروى ابو داود عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال : ( يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك ومن أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكني البلد ووالد وما ولد ( وروت خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من نزل منزلا ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل ( أخرجه الموطأ ومسلم والترمذي وقال : حديث حسن غريب صحيح وما يتعوذ منه كثير ثابت في الأخبار والله المستعان التاسعة معنى الاستعاذة في كلام العرب : الاستجارة والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه يقال : عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه وهو عياذي أي ملجئي وأعذت غيري به وعوذته بمعنى ويقال : عوذ بالله منك أي أعوذ بالله منك قال الراجز :
قالت وفيها حيدة وذعر
عوذ بربي منكم وحجر
والعرب تقول عند الأمر [ [ تنكره ] ] : حجرا له [ بالضم ] أي دفعا وهو أستعاذة من الأمر والعوذة والمعاذة والتعويذ كله بمعنى وأصل أعوذ : أعوذ نقلت الضمة إلى العين لاستثقالها على الواو فسكنت
90
العاشرة الشيطان واحد الشياطين على التكسير والنون أصلية لأنه من شطن إذا بعد عن الخير وشطنت داره أي بعدت قال الشاعر :
نأت بسعاد عنك نوى شطون
فبانت والفؤاد بها رهين
وبئر شطون أي بعيدة القعر والشطن : الحبل سمى به لبعد طرفيه وامتداده ووصف أعرابي فرسا [ [ لايحفى ] ] فقال : كأنه شيطان في أشطان وسمي الشيطان شيطانا لبعده عن الحق وتمرده وذلك أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان قال جرير :
أيام يدعونني الشيطان من غزل
وهن يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل : إن شيطان مأخوذ من شاط يشيط إذا هلك فالنون زائدة وشاط إذا احترق وشيط اللحم إذا دخنته ولم تنضجه واشتاط الرجل إذا احتد غضبا وناقة مشياط التي يطير فيها السمن واشتاط إذا هلك قال الأعشى :
قد نخضب العير من مكنون فائله
وقد يشيط على أرماحنا البطل
أي يهلك ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه حكى أن العرب تقول : تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشياطين فهذا بين أنه تفعيل من شطن ولو كان من شاط لقالوا : تشيط ويرد عليهم أيضا بيت أمية بن أبي الصلت :
أيما شاطن عصاه عكاه
ورماه في السجن والأغلال
فهذا شاطن من شطن لا شك فيه الحادية عشرة الرجيم أي المبعد من الخير المهان وأصل الرجم : الرمي بالحجارة وقد رجمته أرجمه فهو رجيم ومرجوم والرجم : القتل واللعن والطرد والشتم وقد قيل هذا كله في قوله تعالى : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين وقول أبي إبراهيم : لئن لم تنته لأرجمنك وسيأتي إن شاء الله تعالى
91
الثانية عشرة روى الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله قال قال علي بن أبي طالب عليه السلام : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه قلت : ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله قال : ( هذا الشيطان الرجيم ( فقلت : يا عدو الله والله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك قال : ما هذا جزائي منك قلت : وما جزاؤك مني يا عدو الله قال : والله ما أبغضك أحد قط إلا شركت أباه في رحم أمه
البسملة
فيها سبع وعشرون مسئلة : الأولى قال العلماء : بسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري و بسم الله الرحمن الرحيم مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا بعد سليمان عليه السلام وقال بعض العلماء : إن بسم الله الرحمن الرحيم تضمنت جميع الشرع لأنها تدل على الذات وعلى الصفات وهذا صحيح الثانية قال سعيد بن أبي سكينة : بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلى رجل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال له : جودها فإن رجل جودها فغفر له قال سعيد : وبلغني أن رجل نظر إلى قرطاس فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقبله ووضعه على عينيه فغفر له ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طيب اسمه ذكره القشيري وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله
92
صلى الله عليه وسلم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب ( وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى : وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا قال معناه : إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم : عليها تسعة عشر وهم يقولون في كل أفعالهم : بسم الله الرحمن الرحيم فمن هنالك هي قوتهم وببسم الله استضلعوا قال ابن عطية : ونظير هذا قولهم في ليلة القدر : إنها ليلة سبع وعشرين مراعاة للفظة هي من كلمات سورة إنا أنزلناه ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فإنها بضعة وثلاثون حرفا فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ( قال ابن عطية : وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم الثالثة روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم حتى أمر أن يكتب بسم الله فكتبها فلما نزلت : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن كتب بسم الله الرحمن فلما نزلت : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم كتبها وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة النمل الرابعة روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : البسملة تيجان السور قلت : وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها وقد اختلف العلماء في هذا
93
المعنى على ثلاثة أقوال : ( الأول ) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها وهو قول مالك ( الثاني ) أنها آية من كل سورة وهو قول عبدالله بن المبارك ( الثالث ) قال الشافعي : هي آية في الفاتحة وتردد قوله في سائر السور فمرة قال : هي آية من كل سورة ومرة قال : ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبدالحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقربي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها ( رفع هذا الحديث عبدالحميد ابن جعفر وعبدالحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وأبو حاتم يقول فيه : محله الصدق وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله قال : ( نزلت على آنفا سورة ( فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم : إنا اعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر وذكر الحديث وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى الخامسة الصحيح من هذه الأقوال قول مالك لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه قال ابن العربي : ويكفيك أنها
94
ليست من القرآن اختلاف الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها روى مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما أسأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد مالك يوم الدين قال مجدني عبدي وقال فوض إلى عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما أسأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ماسأل ( فقوله سبحانه : ( قسمت الصلاة ( يريد الفاتحة وسماها صلاة لأن الصلاة لاتصح إلا بها فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه واختص بها تبارك اسمه ولم يختلف المسلمون فيها ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات ومما يدل على أنها ثلاث قوله : ( هؤلاء لعبدي ( أخرجه مالك ولم يقل هاتان فهذا يدل على أن أنعمت عليهم آية قال ابن بكير قال مالك : أنعمت عليهم آية ثم الآية السابعة إلى آخرها فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي : ( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ( قال : فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها أن البسملة ليست بآية منها وكذا وعد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر القراء عدوا أنعمت عليهم آية وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال : الآية السادسة أنعمت عليهم وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعدو أنعمت عليهم فإن قيل : فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله كما نقلت في النمل وذلك متواتر عنهم قلنا : ما ذكرتموه صحيح ولكن لكونها قرآنا أو لكونها فاصلة بين السور
95
كما روي عن الصحابة : كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم أخرجه أبو داود أو تبركا بها كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل كل ذلك محتمل وقد قال الجريري : سئل الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم قال : في صدور الرسائل وقال الحسن أيضا : لم تنزل بسم الله الرحمن الرحيم في شيء من القرآن إلا في ط س إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم والفيصل أن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة والحمد لله فإن قيل : فقد روي جماعة قرآنيتها وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه قلنا : لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات روت عائشة في صحيح مسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين الحديث وسيأتي بكماله وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم وهو المعقول وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك ولم يقرأ أحد فيه قط بسم الله الرحمن الرحيم اتباعا للسنة وهذا يرد أحاديثكم بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل وعيه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك قال مالك : ولا بأس أن يقرأ بها النافلة ومن يعرض القرآن عرضا
96
وجملة مذهب مالك وأصحابه : أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا ويجوز أن يقرأها في النوافل هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل ولا تقرأ أول أم القرآن وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال ومن أهل المدينة من يقول : إنه لابد فيها من بسم الله الرحمن الرحيم منهم ابن عمر وابن شهاب وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وهذا يدل على أن المسألة مسيلة اجتهادية لا قطعية كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور والحمد لله وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة منهم : أبو حنيفة والثوري وروي ذلك عن عمر وعلي ان مسعود وعمار وابن الزبير وهو قول الحكم وحماد وبه قال أحمد ابن حنبل وأبو عبيد وروي الأوزاعي مثل ذلك حكاه أبو عمر بن عبدالبر في [ الاستذكار ] واحتجوا في الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وما رواه عمار بن رزيق عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قلت : هذا قول حسن وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة وقد روي عن سعيد بن جبير قال : كان المشركون يحضرون بالمسجد فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم قالوا : هذا محمد يذكر رحمان اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزل : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على
97
ذلك الرسم وإن زالت العلة كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة السادسة اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل فإن كان الكتاب ديوان شعر فروي مجالد عن الشعبي قال : أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم وقال الزهري : مضت السنة ألا يكتبوا في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين قال أبو بكر الخطيب : وهو الذي نختاره ونستحبه السابعة قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله : مبسمل وهي لغة مولدة وقد جاءت في الشعر قال عمر بن أبي ربيعة :
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها
فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
قلت : المشهور عن أهل اللغة بسمل قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة : بسمل الرجل إذا قال : بسم الله يقال : قد أكثرت من البسملة أي من قول بسم الله ومثله حوقل الرجل إذا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله وهلل إذا قال : لا إله إلا الله وسبحل إذا قال : سبحان الله وحمدل إذا قال : الحمد لله وحيصل إذا قال : حي على الصلاة وجعفل إذا قال : جعلت فداك وطبقل إذا قال : أطال الله بقاءك ودمعز إذا قال : أدام الله عزك وحيفل إذا قال : حي على الفلاح ولم يذكر المطرز : الحيصلة إذا قال حي على الصلاة وجعفل إذا قال : جعلت فداك وطبقل إذا قال : أطال الله بقاءك ودمعز إذا قال : أدام الله عزك الثامنة ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل كالأكل والشرب والنحر والجماع والطهارة وركوب البحر إلى غير ذلك من الأفعال قال الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها قال رسول الله صلى الله
98
عليه وسلم : ( أغلق بابك واذكر اسم الله واطفيء مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله ( وقال : ( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا ( وقال لعمر بن أبي سلمة : ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل ما يليك ( وقال : ( إن الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه ( وقال : ( من لم يذبح فليذبح باسم الله ( وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ( هذا كله ثابت في الصحيح وروى ابن ماجة والترمذي عن النبي صلى الله علي وسلم قال : ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله ( وروى الدارقطني عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى ثم يفرغ الماء على يديه التاسعة قال علماؤنا : وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول : إن أفعالهم مقدورة لهم وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك كما ذكرنا فمعنى بسم الله أي بالله ومعنى بالله أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى وقال بعضهم : معنى قوله بسم الله يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته وهذا تعليم من الله تعالى عباده ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز العاشرة ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن اسم صلة زائدة واستشهد بقول لبيد :
الى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

99
فذكر اسم زيادة وإنما أراد : ثم السلام عليكما وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الأسم هو المسمى وسيأتي الكلام فيه في هذا الباب وغيره إن شاء الله تعالى الحادية عشرة اختلف في معنى زيادة اسم فقال قطرب : زيدت لأجلال ذكره تعالى وتعظيمه وقال الأخفش : زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك لأن أصل الكلام : بالله الثانية عشرة اختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه هل دخلت على معنى الأمر والتقدير : ابدأ بسم الله أو على معنى الخبر والتقدير : ابتدأت بسم الله قولان : الأول للفراء والثاني للزجاج ف باسم في موضع نصب على التأويلين وقيل : المعنى ابتدائي بسم الله ف بسم الله في موضع رفع خبر الابتداء وقيل : الخبر محذوف أي ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله فإذا أظهرته كان بسم الله في موضع نصب بثابت أو مستقر وكان بمنزلة قولك : زيد في الدار وفي التنزيل فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ف عنده في موضع نصب روي هذا عن نحاة أهل البصرة وقيل : التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ثابت ف باسم في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي الثالثة عشرة بسم الله تكتب بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الإستعمال بخلاف قوله : اقر باسم ربك فإنها لم تحذف لقلة الإستعمال واختلفوا في حذفها مع الرحمن والقاهر فقال الكسائي وسعيد الأخفش : تحذف الألف وقال يحيى بن وثاب : لاتحذف إلا مع بسم الله فقط لأن الاستعمال إنما كثر فيه الرابعة عشرة واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان فقيل : ليناسب لفظها عملها وقيل : لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت بالخفض
100
الذي لا يكون إلا في الأسماء الثالث : ليفرق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسما نحو الكاف في قول الشاعر :
وروحنا بكا بن الماء يجنب وسطنا
أي بمثل ابن الماء وما كان مثله الخامسة عشرة اسم وزنه افع والذاهب منه الواو لأنه من سموت وجمعه أسماء وتصغيره سمي واختلف في تقدير أصله فقيل : فعل وقيل : فعل قال الجوهري : وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن وهو مثل جذع وأجذاع وقفل وأقفال وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع وفيه أربع لغات : اسم بالكسر واسم بالضم قال أحمد بن يحيى : من ضم الألف أخذه من سموت أسمو ومن كسر أخذه من سميت أسمي ويقال : سم وسم وينشد :
والله أسماك سما مباركا
آثرك الله به إيثاركا
وقال آخر : وعامنا أعجبنا مقدمه
يدعى أبا السمح وقرضاب سمه
مبتركا لكل عظم يلحمه
قرضب الرجل : إذا أكل شيئا يابسا فهو قرضاب سمه بالضم والكسر جميعا ومنه قول الآخر :
باسم الذي في كل سورة سمه
وسكنت السين من باسم اعتلالا على غير قياس وألفه ألف وصل وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة كقول الأحوص :
وما أنا بالمخسوس في جذم مالك
ولا من تسمى ثم يلتزم الإسما

101
السادسة عشرة تقول العرب في النسب إلى الاسم : سموي وإن شئت اسمي تركته على حاله وجمعه أسماء وجمع الأسماء أسام وحكى الفراء : أعذيك بأسماوات الله السابعة عشرة اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين فقال البصريون : هو مشتق من السمو وهو العلو والرفعة فقيل : اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به وقيل : لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره وقيل : إنما سمي الاسم اسما لأنه علا بقوته على قسمى الكلام : الحرف والفعل والاسم أقوى منهما بالاجماع لأنه الأصل فلعلوه عليهما سمي اسما فهذه ثلاثة أقوال وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة والعلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له فأصل اسم على هذا وسم والأول أصح لأنه يقال في التصغير سمي وفي الجمع أسماء والجمع والتصغير سمي وفي الجمع أسماء والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها فلا يقال : وسيم ولا أوسام ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي : الثامنة عشرة فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول : لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم ولا تأثير في أسمائه ولا صفاته وهذا قول أهل السنة ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول : كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات فإذا أفناهم بقي بلا اسم و صفة وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما اجتمعت عليه الأمة وهو أعظم في الخطأ من قولهم : إن كلامه مخلوق تعالى الله عن ذلك وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى وهي : التاسعة عشرة فذهب أهل الحق فيما نقل القاضي أبو بكر الطيب إلى أن الاسم هو المسمى وارتضاه ابن فورك وهو قول ابي عبيدة وسيبويه فإذا قال قائل : الله عالم فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما فالاسم كونه عالما وهو المسمى بعينه وكذلك إذا قال : الله خالق فالخالق هو الرب وهو بعينه الاسم فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل
102
قال ابن الحصار : من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا للذات ولذلك يقولون : الاسم غير المسمى ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلولات هي أوصاف الذات وهي غير العبارت وهي الاسماء عندهم وسيأتي لهذه مزيد بيان في البقرة و الأعراف إن شاء الله تعالى الموفية عشرين قوله : الله هذا الأسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها حتى قال بعض العلماء : إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع وهو أحد تأويلي قوله تعالى : هل تعلم له سميا أي من تسمى بأسمه الذي هو الله فالله أسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه وقيل : معناه الذي يستحق أن يعبد وقيل : معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال والمعنى واحد الحادية والعشرون واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم واختلفوا في اشتقاقه وأصله فروي سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة قال سيبويه : مثل الناس أصله أناس وقيل : أصل الكلمة لاه وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه وأنشد :
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني ولا أنت دياني فتخزوني
كذا الرواية : فتخزوني بالخاء المعجمة ومعناه : تسوسني وقال الكسائي والفراء : معنى بسم الله بسم الإله فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة كما قال عز وجل : لكنا هو الله ربي ومعناه : لكن أنا كذلك قرأها الحسن ثم قيل : هو مشتق من وله إذا تحير والوله : ذهاب العقل يقال : رجل واله وامرأة والهة وواله وماء موله : أرسل في الصحاري فالله سبحانه تتحير
103
الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته فعلى هذا أصل إلاه ولاه وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح وإسادة ووسادة وروي عن الخليل وروي عن الضحاك أنه قال : إنما سمي الله إلها لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم ويتضرعون إليه عند شدائدهم وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال : لأن الخلق يأهلون إليه [ بنصب اللام ] ويأهلون أيضا [ بكسرها ] وهما لغتان وقيل : إنه مشتق من الارتفاع فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع : لاها فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس : لاهت وقيل : هو مشتق من أله الرجل إذا تعبد وتأله إذا تنسك ومن ذلك قوله تعالى : ويذرك وإلاهتك على هذه القراءة فإن ابن عباس وغيره قالوا : وعبادتك قالوا : فاسم الله مشتق من هذا فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة ومنه قول الموحدين : لا إله إلا الله معناه لامعبود غير الله و إلا في الكلمة بمعنى غير لا بمعنى الاستثناء وزعم بعضهم أن للأصل فيه الهاء التي هي الكناية عن الغائب وذلك أنهم أثبتوه موجودا في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار له ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما القول الثاني : ذهب إليه جماعة من العلماء أيضا منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم وروي عن الخليل وسيبويه : أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه قال الخطابي : والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الأسم ولم يدخلا للتعريف : دخول حرف النداء عليه كقولك : يا الله وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف الا ترى أنك لا تقول : يا الرحمن ولا يا الرحيم كما تقول : يا الله فدل على أنهما من بنية الاسم والله أعلم الثانية والعشرون واختلفوا أيضا في اشتقاق اسمه الرحمن فقال بعضهم : لا اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم فجاز أن يقال : الله رحمن بعباده كما يقال : رحيم بعباده وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة
104
لم تنكره العرب حين سمعوه إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم وقد قال الله عز وجل : وإذا قيل اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن الآية ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم ولكن أكتب ما نعرف : باسمك اللهم الحديث قال ابن العربي : إنما جهلوا الصفة دون الموصوف واستدل على ذلك بقولهم : وما الرحمن ولم يقولوا : ومن الرحمن قال ابن الحصار : وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى : وهم يكفرون بالرحمن وذهب جمهور من الناس إلى أن الرحمن مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع قال ابن الحصار : ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ( وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق وإنكار العرب له لجهلهم بالله وما وجب له الثالثة والعشرون زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب الزاهر له : أن الرحمن اسم عبراني فجاء معه ب الرحيم وأنشد :
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم
بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا
أو تتركون إلى القسين هجرتكم
ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن : وقال أحمد بن يحيى : الرحيم عربي و الرحمان عبراني فلهذا جمع بينهما وهذا القول مرغوب عنه وقال أبو العباس : النعت قد يقع للمدح كما تقول : قال جرير الشاعر وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل : بسم الله الرحمن الرحيم قال : مدح نفسه قال أبو إسحاق :
105
وهذا قول حسن وقال قطرب : يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد قال أبو إسحاق : وهذا قول حسن وفي التوكيد أعظم الفائدة وهو كثير في كلام العرب ويستغنى عن الاستشهاد والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد : إنه تفضل بعد تفضل وإنعام بعد إنعام وتقوية لمطامع الراغبين ووعد لا يخيب آمله الرابعة والعشرون واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين فقيل : هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيدة وقيل : ليس بناء فعلان كفعيل فإن فعلان لايقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك : رجل غضبان للمتلئ غضبا وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول قال عملس :
فأما إذا عضت بك الحرب عضة
فإنك معطوف عليك رحيم
ف الرحمن خاص الاسم الاسم عام الفعل و الرحيم عام الاسم خاص الفعل هذا قول الجمهور قال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختصر به الله والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين كما قال تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما وقال العزمي : الرحمن بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة و الرحيم بالمؤمنين في الهداية لهم واللطف بهم وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سئل أعطى و الرحيم إذا لم يسأل غضب وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ( لفظ الترمذي وقال ابن ماجة : ( من لم يدع الله سبحانه غضب عليه ( وقال : سألت أبا زرعة عن أبي صالح هذا فقال : هو الذي يقال له : الفارسي وهو خوزي ولا أعرف اسمه وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال :
106
الله يغضب إن تركت سؤاله
وبني آدم حين يسأل يغضب
وقال ابن عباس : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة قال الخطابي : وهذا مشكل لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله تعالى وقال الحسين بن الفضل البجلي : هذا وهم من الراوي لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر والرفق من صفات الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ( الخامسة والعشرون أكثر العلماء على أن الرحمن مختص بالله عز وجل لايجوز أن يسمى به غيره ألا تراه قال : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وقال : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون فأخبر أن الرحمن هو المستحق للعبادة جل وعز وقد تجاسر مسيلمة الكذاب لعنه الله فتسمى برحمان اليمامة ولم يتسمى به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك وإن كان كل كافر كاذبا فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به ألزمه الله إياه وقد قيل في اسمه الرحمن : إنه اسم الله الاعظم ذكره ابن العربي السادسة والعشرون الرحيم صفة مطلقة للمخلوقين ولما في الرحمن من العموم قدم في كلامنا على الرحيم مع موافقة التنزيل قاله المهدوي وقيل : إن معنى الرحيم أي بالرحيم وصلتهم إلى الله والى الرحيم ف الرحيم نعت محمد صلى الله عليه وسلم وقد نعته تعالى بذلك فقال : رءوف رحيم فكأن المعنى أن يقول : بسم الله الرحمن وبالرحيم أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم وصلتهم إلي أي بآتباعه وبما جاء به وصلتهم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي والله أعلم
107
السابعة والعشرون روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله بسم الله : إنه شفاء من كل داء وعون على كل دواء وأما الرحمن فهو عون لكل من آمن به وهو اسم لم يسم به غيره وأما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا وقد فسره بعضهم على الحروف فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال : ( أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة ( وروي عن كعب الأحبار أنه قال : الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شيء قدير فلا شيء يعازه وقد قيل : إن كل حرف هو افتتاح اسم من اسمائه فالباء مفتاح اسمه بصير والسين مفتاح اسمه سميع والميم مفتاح اسمه مليك والالف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والهاء مفتاح اسمه هادي والراء مفتاح اسمه رزاق والحاء مفتاح اسمه حليم والنون مفتاح اسمه نور ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل شيء الثامنة والعشرون واختلف في وصل الرحيم ب الحمد لله فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم : الرحيم ألحمد يسكن الميم ويقف عليها ويبتدئ بألف مقطوعة وقرأ به قوم من الكوفيين وقرأ جمهور الناس : الرحيم الحمد تعرب الرحيم بالخفض وبوصل الألف من الحمد وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ الرحيم الحمد بفتح الميم وصلة الألف كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت قال ابن عطية : ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى : الم الله
108
تفسير سورة الفاتحة
( بحول الله وكرمه ( وفيها أربعة أبواب :
الباب الأول في فضائلها وأسمائها
وفيه سبع مسائل الأولى روى الترمذي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ( أخرج مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب : أن أبا سعيد مولى [ [ عبد الله بن ] ] عامر بن كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي فذكر الحديث قال بن عبد البر : أبو سعيد لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل المدينة روايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل وقد روى هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه أيضا رواه عنه حفص بن عاصم وعبيد بن حنين قلت : كذا قال في التمهيد : لا يوقف له على اسم وذكر في كتاب الصحابة الاختلاف في اسمه والحديث خرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلي فقال : ( ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ( ثم قال ( إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ( ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قال : ( الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ( قال بن عبد البر وغيره : أبو سعيد بن المعلى
109
من جلة الأنصار وسادات الأنصار تفرد به البخاري واسمه رافع ويقال : الحارث بن نفيع بن المعلى ويقال : أوس بن المعلي ويقال : أبو سعيد بن أوس بن المعلي توفي سنة أربع وسبعين وهو بن اربع وستين [ [ سنة ] ] وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت وسيأتي وقد أسند حديث أبي يزيد بن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي فذكر الحديث بمعناه وذكر بن الأنباري في كتاب الرد له : حدثني أبي حدثني أبو عبيد الله الوراق حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال : إن إبليس لعنه الله رن أربع رنات : حين لعن وحين أهبط من الجنة وحين بعث محمد صلى الله عليه وسلم وحين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة الثانية اختلف العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض فقال قوم : لا فضل لبعض على بعض لأن الكل كلام الله وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الطيب وأبو حاتم محمد بن حبان البستي وجماعة من الفقهاء وروي معناه عن مالك قال يحيى بن يحيى : تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها وقال عن مالك في قول الله تعالى : نأت بخير منها أو مثلها قال : محكمة مكان منسوخة وروى بن كنانة مثل ذلك كله عن مالك واحتج هؤلاء بأن قالوا : إن الأفضل يشعر بنقص المفضول والذاتية في الكل واحدة وهي كلام الله وكلام الله تعالى لا نقص فيه قال البستي : ومعنى هذه اللفظة ( ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ( : أن الله تعالى لا يعطي لقاريء التوراة والإنجيل من الثواب مثل
110
ما يعطى لقاريء أم القرآن إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطي غيرها من الفضل على قراءة كلامه وهو فضل منه لهذه الأمة قال ومعنى قوله : ( أعظم سورة ( أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في تبت يدا أبي لهب المسد وما كان مثلها والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة وهذا هو الحق وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهوية وغيره من العلماء والمتكلمين وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وبن الحصار لحديث أبي سعيد بن المعلي وحديث أبي بن كعب أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبي أي آية معك في كتاب الله أعظم ( قال فقلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال فضرب في صدري وقال : ( ليهنك العلم يا أبا المنذر ( أخرجه البخاري ومسلم قال بن الحصار : عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص وقال بن العربي : قوله : ( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ( وسكت عن سائر الكتب كالصحف المنزلة والزبور وغيرها لأن هذه المذكورة أفضلها وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكل كقولك : زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل : إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده ولا تصح القربة إلا بها ولا يلحق عمل بثوابها وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم
111
كما صارت قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن إذ القرآن توحيد وأحكام ووعظ وقل هو الله أحد فيها التوحيد كله وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لأبي ( أي آية في القرآن أعظم ( قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله : ( أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ( أفضل الذكر لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى الثالثة روى على بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله أنه لا إله إلا هو وقل اللهم مالك الملك هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب ( أسنده أبو عمرو الداني في كتاب البيان له الرابعة في أسمائها وهي اثنا عشر اسما : [ الأول ] الصلاة قال الله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ( الحديث وقد تقدم [ الثاني ] [ [ سورة ] ] الحمد لأن فيها ذكر الحمد كما يقال : سورة الأعراف والأنفال والتوبة ونحوها [ [ الثالث ] فاتحة الكتاب من غير خلاف بين العلماء وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا وتفتتح بها الصلوات [ [ الرابع ] ] أم الكتاب وفي هذا الأسم خلاف جوزه الجمهور وكرهه أنس والحسن وبن سيرين قال الحسن : أم الكتاب الحلال والحرام قال الله تعالى : آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وقال أنس وبن سيرين : أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ قال الله تعالى : وإنه في أم الكتاب
112
( الخامس ] أم القرآن واختلف فيه أيضا فجوزه الجمهور وكرهه أنس وبن سيرين والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ( قال : هذا حديث حسن صحيح وفي البخاري قال : وسميت أم الكتاب لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة وقال يحيى بن يعمر : أم القرى : مكة وأم خراسان : مرو وأم القرآن : سورة الحمد وقيل : سميت أم القرآن لأنها أوله ومتضمنة لجميع علومه وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض ومنها دحيت ومنه سميت الأم أما لأنها أصل النسل والأرض أما في قول أمية بن أبي الصلت :
فالأرض معقلنا وكانت أمنا
فيها مقابرنا وفيها نولد
ويقال لراية الحرب : أم لتقدمها واتباع الجيش لها وأصل أم أمهة ولذلك تجمع على أمهات قال الله تعالى : وأمهاتكم ويقال أمات بغير هاء قال :
فرجت الظلام بأماتكا
وقيل : إن أمهات في الناس وأمات في البهائم حكاه بن فارس في المجمل [ [ السادس ] ] المثاني سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة وقيل : سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها [ السابع ] ] القرآن العظيم سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن وذلك أنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين وعلى بيانه عاقبة الجاحدين [ [ الثامن ] ] الشفاء روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب شفاء من كل سم
113
[ [ التاسع ] ] الرقية ثبت ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي رقى سيد الحي : ( ما أدراك أنها رقية ( فقال : يا رسول الله شيء ألقي في روعي الحديث خرجه الأئمة وسيأتي بتمامه [ [ العاشر ] ] الأساس شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة فقال : عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب سمعت بن عباس يقول : لكل شيء أساس وأساس الدنيا مكة لأنها منها دحيت وأساس السماوات عريبا وهي السماء السابعة وأساس الأرض عجيبا وهي الأرض السابعة السفلى وأساس الجنان جنة عدن وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة وأساس النار جهنم وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات وأساس الخلق آدم وأساس الأنبياء نوح وأساس بني أسرائيل يعقوب وأساس الكتب القرآن وأساس القرآن الفاتحة وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى [ [ الحادي عشر ] ] الوافية قاله سفيان بن عيينة لانها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز [ [ الثاني عشر ] ] الكافية قال يحيى بن أبي : كثير : لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الاسكندراني قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا ( الخامسة قال المهلب : إن موضع الرقية منها إنما هو إياك نعبد وإياك نستعين وقيل : السورة كلها رقية لقوله عليه السلام للرجل لما أخبره : ( وما أدراك أنها رقية ( ولم يقل : أن فيها رقية فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ومتضمنة لجميع علومه كما تقدم والله أعلم
114
السادسة ليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها بذلك قال الله عز وجل : كتابا متشابها مثاني فأطلق على كتابه : مثاني لأن الأخبار تثنى فيه وقد سميت السبع الطول أيضا مثاني لأن الفرائض والقصص تثنى فيها قال بن عباس : أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني قال السبع الطول ذكره النسائي وهي من البقرة إلى الأعراف ست واختلفوا في السابعة فقيل : يونس وقيل : الأنفال والتوبة وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وقال أعشى همدان :
فلجوا المسجد وادعوا ربكم
وادرسوا هذي المثاني والطول
وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة الحجر إن شاء الله تعالى السابعة المثاني جمع مثنى وهي التي جاءت بعد الأولى والطول جمع أطول وقد سميت الأنفال من المثاني لأنها تتلو الطول في القدر وقيل : هي التي تزيد اياتها على المفضل وتنقص عن المئين والمئون : هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية
الباب الثاني في نزولها وأحكامها وفيه عشرون مسألة
الأولى أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي : أنها ست وهذا شاذ وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل إياك نعبد آية وهي على عده ثماني آيات وهذا شاذ وقوله تعالى : ولقد اتيناك سبعا من المثاني وقوله : ( قسمت الصلاة ( الحديث يرد هذين القولين وأجمعت الأمة أيضا على أنها من القرآن فإن قيل : لو كانت قرآنا لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن كالمعوذتين عنده فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباري قال : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا سليمان أبن الاشعث حدثنا بن أبي قدامة حدثنا جرير عن الأعمش قال : أظنه عن أبراهيم قال
115
قيل لعبد الله بن مسعود : لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك قال : لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة قال أبو بكر : يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها فقال أختصرت بإسقاطها ووثقت بحفظ المسلمين لها ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة إذ كانت تتقدمها في الصلاة الثانية اختلفوا أهي مكية أم مدنية فقال بن عباس وقتادة وأبو العالية الرياحي واسمه رفيع وغيرهم هي مكية وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم : هي مدنية ويقال : نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن أبراهيم السمرقندي في تفسيره والأول أصح لقوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم الحجر والحجر مكية بإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ أنه كان في الأسلام قط صلاة بغير الحمد لله رب العالمين يدل على هذا قوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ( وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء والله أعلم وقد ذكر القاضي بن الطيب اختلاف الناس في أول ما نزل من القرآن فقيل : المدثر وقيل : أقرأ وقيل : الفاتحة وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة : ( إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا ( قالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله أنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت خديجة حديثه له قالت : يا عتيق أذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده فقال : انطلق بنا إلى ورقة فقال : ( ومن أخبرك ( قال : خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال : ( إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض ( فقال : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه : يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
116
حتى بلغ ولا الضالين قل : لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفى ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني ( يعني ورقة قال البيهقي رضي الله عنه : هذا منقطع يعني هذا الحديث فإن كان محفوظا فيحتمل ان يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزل عليه أقرأ باسم ربك ويأيها المدثر الثالثة قال بن عطية : ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل بسورة الحمد لما رواه مسلم عن بن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته قال بن عطية : وليس كما ظن فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام تقدم الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلما به وبما ينزل معه وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها والله أعلم قلت : الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك وقد بينا أن نزولها كان بمكة نزل بها جبريل عليه السلام لقوله تعالى : نزل به الروح الأمين وهذا يقتضي جميع القرآن فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة ونزل الملك بثوابها بالمدينة والله أعلم وقد قيل : إنها مكية مدنية نزل بها جبريل مرتين حكاه الثعلبي وما ذكرناه أولى فإنه جمع بين القرآن والسنة ولله الحمد والمنة
117
الرابعة قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح وأذا ثبت ذلك فحكم المصلي إذا كبر أن يصله بالفاتحة ولا يسكت ولا يذكر توجيها ولا تسبيحا لحديث عائشة وأنس المتقدمين وغيرهما وقد جاءت أحاديث بالتوجيه والتسبيح والسكوت قال بها جماعة من العلماء فروى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان إذا أفتتحا الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وبه قال سفيان وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وكان الشافعي يقول بالذي روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أفتتح الصلاة كبر ثم قال : ( وجهت وجهي ( الحديث ذكره مسلم وسيأتي بتمامه في آخر سورة الأنعام وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفي إن شاء الله قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ يقول : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ( واستعمل ذلك أبو هريرة وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : للإمام سكتتان فأغتنموا فيهما القراءة وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب الخامسة واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة فقال مالك وأصحابه : هي متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة قال بن خويز منداد البصري المالكي : لم يختلف قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية فقال مرة : يعيد الصلاة وقال مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو وهي رواية بن عبد الحكم وغيره عن مالك قال بن خويز منداد وقد قيل : إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام قال بن عبد البر الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا منها كمن
118
أسقط سجدة سهوا وهو اختيار بن القاسم وقال الحسن البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني : إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن وهي تامة لقوله عليه السلام : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ( وهذا قد قرأ بها قلت : ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة وهو الصحيح على ما يأتي ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات وهذا هو سبب الخلاف والله أعلم وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أقله ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين وعن محمد بن الحسن أيضا قال : أسوغ الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة نحو : الحمد لله ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما وقال الطبري : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها قال بن عبد البر : وهذا لا معنى له لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادات السادسة وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعا فالإمام يحمل عنه القراءة لإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أنه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا وإن أدركه قائما فإنه يقرأ وهي المسألة : السابعة ولا ينبغي لأحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه عند مالك وأصحابه وأما إذا جهر الأمام وهي المسألة : الثامنة فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك لقول الله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما لي أنازع القرآن ( وقوله في الإمام : ( إذا قرأ فأنصتوا ( وقوله : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة
119
وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل : لا تجزئ أحدا صلاة حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة إماما كان أو مأموما جهر إمامه أو أسر وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم : يقرأ إذا أسر ولا يقرأ إذا جهر كمشهور مذهب مالك وقال بمصر : فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة قولان : أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه ألا يقرأ ويكتفي بقراءة الإمام حكاه بن المنذر وقال بن وهب وأشهب وبن عبد الحكم وبن حبيب والكوفيون : لا يقرأ المأموم شيئا جهر إمامه أو أسر لقوله عليه السلام : ( فقراءة الإمام له قراءة ( وهذا عام ولقول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام التاسعة الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ( وقوله : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ( ثلاثا وقال أبو هريرة : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه : ( لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد ( أخرجه أبو داود كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها وبه قال عبد الله بن عون وأيوب السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداود بن علي وروي مثله عن الأوزاعي وبه قال مكحول وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وهو قول بن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي فهؤلاء الصحابة بهم القدوة وفيهم الأسوة كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال فقال : حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل ح وحدثنا سويد بن سعيد
120
حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال للذي علمه الصلاة : ( وافعل ذلك في صلاتك كلها ( وسيأتي ومن الحجة في ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال : أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم وأبو نعيم يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن فلما انصرف قلت لعبادة : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر قال : أجل صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال : ( هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة ( فقال بعضنا : إنا نصنع ذلك قال : ( فلا وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن ( وهذا نص صريح في المأموم وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق بمعناه وقال : حديث حسن والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وهو قول مالك بن أنس وبن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام وأخرجه أيضا الدارقطني وقال : هذا إسناد حسن ورجاله كلهم ثقات وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن أيلياء وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت المقدس وقال أبو محمد عبد الحق : ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في تاريخه ولا بن أبي حاتم ولا أخرج له البخاري ومسلم شيئا وقال فيه أبو عمر : مجهول وذكر الدارقطني عن يزيد بن شريك قال : سألت عمر عن القراءة خلف الإمام فأمرني أن أقرأ قلت : وإن كنت أنت قال : وإن كنت أنا قلت : وإن جهرت قال : وإن جهرت قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح وروي عن جابر بن عبد الله
121
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا ( قال أبو حاتم : هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الإمام وبهذا أفتى ابو هريرة الفارسي أن يقرأ بها في نفسه حين قال له : إني أحيانا أكون وراء الإمام ثم استدل بقوله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقرؤوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين ( الحديث العاشرة أما ما استدل به الأولون بقوله عليه السلام : ( وإذا قرأ فأنصتوا ( أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري وقال : وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة ( وإذا قرأ فأنصتوا ( قال الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم يذكروها منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة قال الدارقطني : فإجماعهم يدل على وهمه وقد روي عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي ولكن ليس هو بالقوي تركه القطان وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديث أبي هريرة وقال : هذه الزيادة ( إذا قرأ فأنصتوا ( ليست بمحفوظة وذكر أبو محمد عبد الحق : أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال : هو عندي صحيح قلت : ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن كانت مما لم يجمعوا عليها وقد صححها الإمام أحمد بن حنبل وبن المنذر وأما قوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فإنه نزل بمكة وتحريم الكلام في الصلاة نزل بالمدينة كما قال زيد بن أرقم فلا حجة فيها فإن المقصود كان المشركين على ما قال سعيد بن المسيب وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وقال : عبد الله بن عامر ضعيف وأما قوله عليه السلام : ( ما لي أنازع القرآن ( فأخرجه مالك عن بن شهاب عن بن أكيمة الليثي واسمه فيما قال مالك : عمرو
122
وغيره يقول عامر وقيل يزيد وقيل عمارة وقيل عباد يكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو بن تسع وسبعين سنة لم يرو عنه الزهري إلا هذا الحديث الواحد وهو ثقة وروي عنه محمد بن عمرو وغيره والمعنى في حديثه : لا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج اقرؤوا في أنفسكم يبينه حديث عبادة وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين فلو فهم المنع جملة من قوله : ( ما لي أنازع القرآن ( لما أفتى بخلافه وقول الزهري في حديث بن أكيمة : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد بالحمد على ما بينا وبالله توفيقنا وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ( فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك وأبو حنيفة وهو ضعيف كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر أخرجه الدارقطني وقال : رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب وأما قول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام فرواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله قال بن عبد البر : ورواه يحيى بن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن وهو يشهد لصحة ما ذهب إليه بن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وفيه أيضا أن الإمام قراءته لمن خلفه قراءة وهذا مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره
123
الحادية عشرة قال بن العربي : لما قال صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ( واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال أو على الإجزاء اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم كان الأقوى من رواية مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة فمن تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( افعل ذلك في صلاتك كلها ( لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود والله أعلم الثانية عشرة ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين وأنها وغيرها من آي القرآن سواء وقد عينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما ذكرناه وهو المبين على الله تعالى مراده في قوله : وأقيموا الصلاة وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر فدل هذا الحديث على أن قوله عليه السلام للاعرابي : ( اقرأ ما تيسر معك من القرآن ( ما زاد على الفاتحة وهو تفسير قوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر منه وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن زاد في رواية فصاعدا ( وقوله عليه السلام : ( هي خداج ثلاثا غير تمام ( أي غير مجزئة بالأدلة المذكورة والخداج : النقص والفساد قال الأخفش : خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة لأنها صلاة لم تتم ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر على حسب حكمها ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ولا سبيل إليه من وجه يلزم والله أعلم الثالثة عشرة روي عن مالك أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة وكذلك كان الشافعي يقول بالعراق فيمن نسيها ثم رجع عن هذا بمصر فقال : لا تجزئ صلاة من يحسن فاتحة الكتاب إلا بها ولا يجزئه أن ينقص حرفا منها فإن لم يقرأها أو نقص منها حرفا أعاد صلاته وإن قرأ بغيرها وهذا هو الصحيح في المسألة وأما ما روي عن عمر رحمه الله أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها فذكر ذلك له فقال كيف كان الركوع والسجود قالوا حسن قال لا بأس إذا فحديث منكر اللفظ منقطع الإسناد لأنه يرويه إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر وكلاهما منقطع لا حجة فيه وقد ذكره مالك في الموطأ وهو عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة وقال ليس عليه العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة وهو الصحيح عنه روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد بهم الصلاة قال بن عبد البر وهذا حديث متصل شهده همام من عمر روي ذلك من وجوه وروى أشهب عن مالك قال سئل مالك عن الذي نسي القراءة أيعجبك ما قال عمر فقال أنا أنكر أن يكون عمر فعله وأنكر الحديث وقال يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا الرابعة عشرة أجمع العلماء على أن لا صلاة إلا بقراءة على ما تقدم من أصولهم في ذلك وأجمعوا على أن لا توقيت في ذلك بعد فاتحة الكتاب إلا أنهم يستحبون ألا يقرأ مع فاتحة الكتاب إلا سورة واحدة لأنه الأكثر مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مالك وسنة القراءة أن يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب وقال الأوزاعي يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم القرآن وقرأ بغيرها أجزأه وقال وإن نسي أن يقرأ في ثلاث ركعات أعاد وقال الثوري يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ويسبح في الأخريين إن شاء وإن شاء قرأ وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت
125
صلاته وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين قال بن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : اقرأ في الأوليين وسبح في الآخريين وبه قال النخعي قال سفيان : فإن لم يقرأ في ثلاث ركعات أعاد الصلاة لأنه لا تجزئه قراءة ركعة قال : وكذلك إن نسي أن يقرأ في ركعة من صلاة الفجر وقال أبو ثور : لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة كقول الشافعي المصري وعليه جماعة أصحاب الشافعي وكذلك قال بن خويز منداد المالكي قال : قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة وهذا هو الصحيح في المسألة روى مسلم عن أبي قتادة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية وكذلك في الصبح وفي رواية : ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وهذا نص صريح وحديث صحيح لما ذهب إليه مالك ونص في تعين الفاتحة في كل ركعة خلافا لمن أبى ذلك والحجة في السنة لا فيما خالفها الخامسة عشرة ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس بواجب لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : في كل صلاة قراءة فما أسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى منا أخفينا منكم فمن قرأ بأم القرآن فقد أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل وفي البخاري : وإن زدت فهو خير وقد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة منهم عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وبن عمر وبن عباس وغيرهم قالوا : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن فمنهم من حد آيتين ومنهم من حد آية ومنهم من لم يحد وقال : شيء من القرآن معها وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن على كل حال مع فاتحة الكتاب لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما وفي المدونة : وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال : حدثني من سمع عمر بن الخطاب يقول : لا تجزئ صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال : سنة فضيلة واجبة
126
السادسة عشرة من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شيء من القرآن ولا علق منه بشيء لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الإمام فقد روى أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال : ( قل سبحان الله والحمد لله ولا إله ألا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ( قال : يا رسول الله هذا لله فما لي قال : ( قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني ( السابعة عشرة فإن عجز عن أصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله وعليه أبدا أن يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله الثامنة عشرة من لم يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجميين وغيرهم ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته فإن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى التاسعة عشرة لا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول الجمهور وقال أبو حنيفة : تجزئه القراءة بالفارسية وإن أحسن العربية لإن المقصود إصابة المعنى قال بن المنذر : لا يجزئه ذلك لأنه خلاف ما أمر الله به وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف جماعات المسلمين ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال الموفية عشرين من افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة ويتصور ذلك بإن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فلا يستأنف الصلاة لإنه أدى ما مضى على حسب ما أمر به فلا وجه لإبطاله قاله في كتاب بن سحنون
127
الباب الثالث في التأمين وفيه ثمان مسائل الأولى
ويسن لقاريء القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون ولا الضالين : آمين ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن الثانية ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث الأولى : تأمين الإمام الثانية : تأمين من خلفه الثالثة : تأمين الملائكة الرابعة : موافقة التأمين قيل في الإجابة وقيل في الزمن وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء لقوله عليه السلام : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ( الثالثة روى أبو داود عن أبي مصبح المقرائي قال : كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة فيحدث أحسن الحديث فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال : اختمه بآمين فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة قال أبو زهير : ألا أخبركم عن ذلك خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوجب إن ختم ( فقال له رجل من القوم : بأي شيء يختم قال : ( بآمين فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب ( فانصرف الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الرجل فقال له : اختم يا فلان وأبشر قال بن عبد البر : أبو زهير النميري اسمه يحيى بن نفير روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم ( وقال وهب بن منبه : آمين أربعة أحرف يخلق الله من كل حرف ملكا يقول : اللهم اغفر لكل من قال آمين وفي الخبر ( لقنني جبريل آمين عند
128
فراغي من فاتحة الكتاب وقال إنه كالخاتم على الكتاب ( وفي حديث آخر : ( إمين خاتم رب العالمين ( قال الهروي قال أبو بكر : معناه أنه طابع الله على عباده لإنه يدفع [ [ به عنهم ] ] الآفات والبلايا فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من إفساده وإظهار ما فيه وفي حديث آخر : ( آمين درجة في الجنة ( قال أبو بكر معناه : أنه حرف يكتسب به قائله درجة في الجنة الرابعة معنى آمين عند أكثر أهل العلم : اللهم استجب لنا وضع موضع الدعاء وقال قوم : هو اسم من أسماء الله روي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف ورواه بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح قاله بن العربي وقيل معنى آمين : كذلك فليكن قاله الجوهري وروى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين قال : ( رب افعل ( وقال مقاتل : هو قوة للدعاء واستنزال للبركة وقال الترمذي : معناه لا تخيب رجاءنا الخامسة وفي آمين لغتان : المد على وزن فاعيل كياسين والقصر على وزن يمين قال الشاعر في المد :
يا رب لا تسلبني حبها أبدا
ويرحم الله عبدا قال آمينا
وقال آخر :
آمين آمين لا أرضى بواحدة
حتى أبلغها ألفين آمينا
وقال آخر في القصر :
تباعد مني فطحل إذ سألته
أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وتشديد الميم خطأ قاله الجوهري وقد روى عن الحسن وجعفر الصادق التشديد وهو قول الحسين بن الفضل من أم إذا قصد أي نحن قاصدون نحوك ومنه قوله : ولا آمين
129
البيت الحرام حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري قال الجوهري : وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف لاجتماع الساكنين وتقول منه : أمن فلان تأمينا السادسة اختلف العلماء هل يقولها الإمام وهل يجهر بها فذهب الشافعي ومالك في رواية المدنيين إلى ذلك وقال الكوفيون وبعض المدنيين : لا يجهر بها وهو قول الطبري وبه قال بن حبيب من علمائنا وقال بن بكير : هو مخير وروى بن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه وهو قول بن القاسم والمصريين من أصحاب مالك وحجتهم حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال : ( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله ( وذكر الحديث أخرجه مسلم ومثله حديث سمي عن أبي هريرة وأخرجه مالك والصحيح الأول لحديث وائل بن حجر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال : آمين يرفع بها صوته أخرجه أبو داود والدارقطني وزاد قال أبو بكر : هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة هذا صحيح والذي بعده وترجم البخاري باب جهر الإمام بالتأمين وقال عطاء : آمين دعاء أمن بن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة قال الترمذي : وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وفي الموطأ والصحيحين قال بن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين وفي سنن بن ماجة عن أبي هريرة قال : ترك الناس آمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد وأما حديث أبي موسى وسمي فمعناهما التعريف بالموضع الذي يقال فيه آمين وهو إذا قال الإمام : ولا الضالين ليكون قولهما معا ولا يتقدموه بقول : آمين
130
لما ذكرناه والله أعلم ولقوله عليه السلام : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ( وقال بن نافع في كتاب بن الحارث : لا يقولها المأموم إلا أن يسمع الإمام يقول : ولا الضالين وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل وقال بن عبدوس : يتحرى قدر القراءة ويقول : آمين السابعة قال أصحاب أبي حنيفة : الإخفاء بآمين أولى من الجهر بها لأنه دعاء وقد قال الله تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية قالوا : والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى : قد أجيبت دعوتكما قال : كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين الجواب : أن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه وهذا بين الثامنة كلمة آمين لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام ذكر الترمذي الحكيم في [ نوادر الأصول ] : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن حسان قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهو تحية اهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ( قال أبو عبد الله : معناه أن موسى دعا على فرعون وأمن هارون فقال الله تبارك اسمه عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله : قد أجيبت دعوتكما ولم يذكر مقالة هارون وقال موسى : ربنا فكان من هارون التأمين فسماه داعيا في تنزيله إذ صير ذلك منه دعوة وقد قيل : إن آمين خاص لهذه الأمة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين ( أخرجه بن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث وأخرج أيضا من
131
حديث بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما حسدنا أهل الكتاب لأن أولها حمد لله وثناء عليه ثم خضوع له واستكانة ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين
الباب الرابع فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين
وفيه ست وثلاثون مسألة الأولى قوله سبحانه وتعالى :
( الفاتحه 1 )
روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي ( وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ( وقال الحسن : ما من نعمة إلا والحمد لله افضل منها وروى بن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ ( وفي [ نوادر الأصول ] عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك ( قال أبو عبد الله : معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم اعطى على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية هي من الباقيات الصالحات قال [ [ الله تعالى : والباقيات الصالحات ] ] خير عند ربك ثوابا وخير أملا وقيل في بعض الروايات : لكان ما أعطي أكثر مما أخذ فصير الكلمة إعطاء من العبد والدنيا أخذا من الله فهذا
132
في التدبير كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد والدنيا من الله وكلاهما من الله في الأصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة وروى بن ماجة عن بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم : ( أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ( قال أهل اللغة : أعضل الأمر : اشتد واستغلق والمعضلات [ بتشديد الضاد ] : الشدائد وعضلت المرأة والشاة : إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه بتشديد الضاد أيضا فعلى هذا يكون : أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء والله اعلم وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ( وذكر الحديث الثانية اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد : الحمد لله رب العالمين أو قول لا إله إلا الله فقالت طائفة : قوله الحمد لله رب العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله ففي قوله توحيد وحمد وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط وقالت طائفة : لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك وعليها يقاتل الخلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( واختار هذا القول بن عطية قال : والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له
133
الثالثة أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم الله به الإيمان فدل على أن الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله : رب العالمين والعالمون جملة المخلوقات ومن جملتها الإيمان لا كما قال القدرية : إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه الرابعة الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر :
وأبلج محمود الثناء خصصته
بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي
فالحمد نقيض الذم تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد ابلغ من الحمد والحمد أعم من الشكر والمحمد : الذي كثرت خصاله المحمودة قال الشاعر :
إلى الماجد القرم الجواد المحمد
وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الشاعر :
فشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمد
والمحمدة : خلاف المذمة وأحمد الرجل : صار أمره إلى الحمد وأحمدته : وجدته محمودا تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته أي صادفته محمودا موافقا وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه ورجل حمدة مثل همزة يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها وحمدة النار بالتحريك : صوت التهابها الخامسة ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس بمرضى وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب الحقائق له عن جعفر الصادق وبن عطاء قال بن عطاء : معناه الشكر لله إذ كان منه الإمتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك : الحمد لله شكرا قال بن عطية : وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا إنما خصصت به الحمد لأنه على نعمة من النعم وقال بعض العلماء : إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح
134
والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة وقيل : الحمد أعم لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح وهو أعم من الشكر لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد وروي عن بن عباس أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر وإن آدم عليه السلام قال حين عطس : الحمد لله وقال الله لنوح عليه السلام : فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقال إبراهيم عليه السلام : الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق وقال في قصة داود وسليمان : وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا وقال أهل الجنة : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فهي كلمة كل شاكر قلت : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال : بلوته فحمدته أي رضيته ومنه قوله تعالى : مقاما محمودا وقال عليه السلام : ( أحمد إليكم غسل الإحليل ( أي أرضاه لكم ويذكر عن جعفر الصادق في قوله الحمد لله : من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد لأن الحمد حاء وميم ودال فالحاء من الوحدانية والميم من الملك والدال من الديمومية فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه وهذا هو حقيقة الحمد لله وقال شقيق بن ابراهيم في تفسير الحمد لله قال : هو على ثلاثة أوجه : أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك والثاني أن ترضى بما أعطاك والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه فهذه شرائط الحمد
135
السادسة أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى النجم وقال عليه السلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب ( رواه المقداد وسيأتي القول فيه في النساء إن شاء الله تعالى فمعنى الحمد لله رب العالمين : أي سبق الحمد مني لنفسي قبل ان يحمدني أحد من العالمين وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة وحمدي الخلق مشوب بالعلل قال علماؤنا : فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار وقيل : لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو محل العجز عن حمده ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله : ( لا أحصي ثناء عليك ( وأنشدوا :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح
فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وقيل : حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم لتكون النعمة أهنأ لديهم حيث أسقط عنهم به ثقل المنة السابعة وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من الحمد لله وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج : الحمد لله بنصب الدال وهذا على إضمار فعل ويقال : الحمد لله بالرفع مبتدأ وخبر وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا فالجواب أن سيبويه قال : إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك : حمدت الله حمدا إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله وقال غير سيبويه إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال وفي الحديث : ( من شغل بذكرى عن مسألتي أعطيته افضل ما أعطي السائلين ( وقيل : إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا : قولوا الحمد لله قال الطبري : الحمد لله
136
ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا الحمد لله وعلى هذا يجيء قولوا إياك وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه كما قال الشاعر :
وأعلم أنني سأكون رمسا
إذا سار النواعج لا يسير
فقال السائلون لمن حفرتم
فقال القائلون لهم وزير
المعنى : المحفور له وزير فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه وهذا كثير وروي عن بن أبي عبلة : الحمد لله بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول وليتجانس اللفظ وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم نحو : أجوءك وهو منحدر من الجبل بضم الدال والجيم قال :
اضرب الساقين أمك هابل
بضم النون لأجل ضم الهمزة وفي قراءة لإهل مكة مردفين بضم الراء إتباعا للميم وعلى ذلك مقتلين بضم القاف وقالوا : لإمك فكسروا الهمزة اتباعا للام وأنشد للنعمان بن بشير :
ويل امها في هواء الجو طالبة
ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
الأصل : ويل لأمها فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للام ثم أتبع اللام الميم وروى عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي : الحمد لله بكسر الدال على إتباع الأول الثاني الثامنة قوله تعالى :
( الفاتحه 2 )
أي مالكهم وكل من ملك شيئا فهو ربه فالرب : المالك وفي الصحاح : والرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حلزة : وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء
137
والرب : السيد ومنه قوله تعالى : اذكرني عند ربك وفي الحديث : ( أن تلد الأمة ربتها أي سيدتها وقد بيناه في كتاب [ التذكرة ] والرب : المصلح والمدبر والقائم قال الهروي وغيره : يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه : قد ربه يربه فهو رب له وراب ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب وفي الحديث : ( هل لك من نعمة تربها عليه ( أي تقوم بها وتصلحها والرب : المعبود ومنه قول الشاعر :
أرب يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ويقال على التكثير : رباه ورببه وربته حكاه النحاس وفي الصحاح : ورب فلان ولده يربه ربا ورببه وترببه بمعنى أي رباه والمربوب : المربي التاسعة قال بعض العلماء : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر آل عمران وسورة إبراهيم وغيرهما ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال واختلف في اشتقاقه فقيل : إنه مشتق من التربية فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم ومنه قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل وعلى أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات العاشرة متى أدخلت الألف واللام على رب اختص الله تعالى به لأنها للعهد وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده فيقال : الله رب العباد وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك المالك والمملوك وهو خالق ذلك ورازقه وكل رب سواه غير خالق ولا رازق وكل مملوك فمملك بعد أن لم يكن ومنتزع ذلك من يده وإنما
138
يملك شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين الحادية عشرة قوله تعالى : العالمين اختلف اهل التأويل في العالمين اختلافا كثيرا فقال قتادة : العالمون جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم وقيل : أهل كل زمان عالم قاله الحسين بن الفضل لقوله تعالى : أتأتون الذكران من العالمين أي من الناس وقال العجاج :
فحندف هامة هذا العالم
وقال جرير بن الخطفى :
تنصفه البرية وهو سام
ويضحى العالمون له عيالا
وقال بن عباس : العالمون الجن والإنس دليله قوله تعالى : ليكون للعالمين نذيرا ولم يكن نذيرا للبهائم وقال الفراء وأبو عبيدة : العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم : الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم : عالم لإن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة قال الأعشى :
ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا
وقال زيد بن أسلم : هم المرتزقون ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء : هم الروحانيون وهو معنى قول بن عباس أيضا : كل ذي روح دب على وجه الأرض وقال وهب بن منبه : إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها وقال أبو سعيد الخدري : إن لله أربعين ألف عالم الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد وقال مقاتل : العالمون ثمانون الف عالم أربعون ألف عالم في البر وأربعون ألف عالم في البحر وروى الربيع بن انس عن أبي العالية قال : الجن عالم والإنس عالم وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته
139
قلت : والقول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق وموجود دليله قوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزجاج قال : العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة وقال الخليل : العلم والعلامة والمعلم : ما دل على الشيء فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا وهذا واضح وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد : الحمد لله فقال له : اتمها كما قال الله قل : رب العالمين فقال الرجل : ومن العالمين حتى تذكر مع الحق قال : قل يا أخي فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر الثانية عشرة يجوز الرفع والنصب في رب فالنصب على المدح والرفع على القطع أي هو رب العالمين الثالثة عشرة قوله تعالى :
( الفاتحه 3 )
وصف نفسه تعالى بعد رب العالمين بأنه الرحمن الرحيم لأنه لما كان في اتصافه ب رب العالمين ترهيب قرنه ب الرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال : نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وقال : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ( وقد تقدم ما في هذين الأسمين من المعاني فلا معنى لإعادته الرابعة عشرة قوله تعالى :
( الفاتحه 4 )
قرأ محمد بن السميقع بنصب مالك وفيه أربع لغات : مالك وملك وملك مخففة من ملك ومليك قال الشاعر :
وأيام لنا غر طوال
عصينا الملك فيها أن ندينا

140
وقال آخر :
فاقنع بما قسم المليك فإنما
قسم الخلائق بيننا علامها
الخلائق : الطبائع التي جبل الإنسان عليها وروي عن نافع إشباع الكسرة في ملك فيقرأ ملكي على لغة من يشبع الحركات وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره الخامسة عشرة اختلف العلماء أيما أبلغ : ملك أو مالك والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ذكرهما الترمذي فقيل : ملك أعم وأبلغ من مالك إذ كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف ألا عن تدبير الملك قاله أبو عبيدة والمبرد وقيل : مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم إذ إليه إجراء قوانين الشرع ثم عنده زيادة التملك وقال أبو علي : حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب ملك وأن الله سبحانه قد وصف نفسه بانه مالك كل شيء بقوله : رب العالمين فلا فائدة في قراءة من قرأ مالك لأنها تكرار قال أبو علي : ولا حجة في هذا لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله : هو الله الخالق الباريء المصور فالخالق يعم وذكر المصور لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة وكما قال تعالى : وبالآخرة هم يوقنون بعد قوله : الذين يؤمنون بالغيب والغيب يعم الآخرة وغيرها ولكن ذكرها لعظمها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها وكما قال : الرحمن الرحيم فذكر الرحمن الذي هو عام وذكر الرحيم بعده لتخصيص المؤمنين به في قوله : وكان بالمؤمنين رحيما وقال أبو حاتم : إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من ملك وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة
141
أوجه الأول : إنك تضيفه إلى الخاص والعام فتقول : مالك الدار والأرض والثوب كما تقول : مالك الملوك الثاني : إنه يطلق على مالك القليل والكثير وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا والثالث : إنك تقول : مالك الملك ولا تقول : ملك الملك قال بن الحصار : إنما كان ذلك لأن المراد من مالك الدلالة على الملك بكسر الميم وهو لا يتضمن الملك بضم الميم وملك يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة ويتضمن ايضا الكمال ولذلك استحق الملك على من دونه ألا ترى إلى قوله تعالى : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ولهذا قال عليه السلام : ( الإمامة في قريش ( وقريش أفضل قبائل العرب والعرب أفضل من العجم وأشرف ويتضمن الاقتدار والاختيار وذلك أمر ضروري في الملك إن لم يكن قادرا مختارا نافذا حكمه وأمره قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته ويتضمن البطش والامر والنهي والوعد والوعيد ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام : ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا إلى غير ذلك من الامور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك قلت : وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لأن فيه زيادة حرف فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك قلت : هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى وقد ثبتت القراءة بملك وفيه من المعنى ما ليس في مالك على ما بينا والله أعلم السادسة عشرة لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الأسم ولا يدعى به إلا الله تعالى روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ( وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الاملاك زاد مسلم لا مالك إلا الله عز وجل ( قال سفيان : مثل : شاهان شاه وقال
142
أحمد بن حنبل : سالت أبا عمرو الشيباني عن أخنع فقال : أوضع وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل [ [ كان ] ] يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه ( قال بن الحصار : وكذلك ملك يوم الدين ومالك يوم الدين لا ينبغي أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الأملاك سواء وأما الوصف بمالك وملك وهي : السابعة عشرة فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما قال الله العظيم : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا وقال صلى الله عليه وسلم : ( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة ( الثامنة عشرة إن قال قائل : كيف قال مالك يوم الدين ويوم الدين لم يوجد بعد فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده قيل له : إعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا كقولك : هذا ضارب زيد غدا أي سيضرب زيدا وكذلك : هذا حاج بيت الله في العام المقبل تأويله سيحج في العام المقبل أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد وإنما أريد به الإستقبال فكذلك قوله عز وجل : مالك يوم الدين على تأويل الإستقبال أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر ووجه ثان : أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة أي أنه قادر في يوم الدين أو على يوم الدين وإحداثه لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته لا يمتنع عليه منها شيء والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها قاله أبو القاسم الزجاجي
143
ووجه ثالث : فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره قيل له : لأن في الدنيا كانوا منازعين في الملك مثل فرعون ونمروذ وغيرهما وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه وكلهم خضعوا له كما قال تعالى : لمن الملك اليوم فأجاب جميع الخلق : لله الواحد القهار فلذلك قال : مالك يوم الدين أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره سبحانه لا إله إلا هو التاسعة عشرة إن وصف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله الموفية العشرين اليوم : عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما وقد يطلق اليوم على الساعة منه قال الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم وربما عبروا عن الشدة باليوم يقال : يوم ايوم كما يقال : ليلة ليلاء قال الراجز : نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي وهو مقلوب منه أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا كما قالوا : أدل في جمع دلو الحادية والعشرون الدين : الجزاء على الأعمال والحساب بها كذلك قال بن عباس وبن مسعود وبن جريج وقتادة وغيرهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله تعالى : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق أي حسابهم وقال : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت واليوم تجزون ما كنتم تعملون وقال : أئنا لمدينون أي مجزيون محاسبون وقال لبيد
144
حصادك يوما ما زرعت وإنما
يدان الفتى يوما كما هو دائن
وقال آخر :
إذا ما رمونا رميناهم
ودناهم مثل ما يقرضونا
وقال آخر :
واعلم يقينا أن ملكك زائل
واعلم بأن كما تدين تدان
وحكى أهل اللغة : دنته بفعله دينا [ بفتح الدال ] ودينا [ بكسرها ] جزيته ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي وفي الحديث : ( الكيس من دان نفسه ( أي حاسب وقيل القضاء روي عن بن عباس أيضا ومنه قول طرفة :
لعمرك ما كانت حمولة معبد
على جدها حربا لدينك من مضر
ومعاني هذه الثلاثة متقاربة والدين أيضا : الطاعة ومنه قول عمرو بن كلثوم :
وأيام لنا غر طوال
عصينا الملك فيها أن ندينا
فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي : الثانية والعشرون : قال ثعلب : دان الرجل إذا أطاع ودان إذا عصى ودان إذا عز ودان إذا ذل ودان إذا قهر فهو من الاضداد ويطلق الدين على العادة والشأن كما قال :
كدينك من أم الحويرث قبلها
وقال المثقب [ [ يذكر ناقته ] ] : تقول
إذا درأت لها وضيني
أهذا دينه أبدا وديني

145
والدين : سيرة الملك قال زهير :
لئن حللت بجو في بني أسد
في دين عمرو وحالت بيننا فدك
أراد في موضع طاعة عمرو والدين : الداء عن اللحياني وأنشد :
يا دين قلبك من سلمى وقد دينا
الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( إياك نعبد ) رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين لأن من أول السورة إلى ها هنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه كقوله : وسقاهم ربهم شرابا طهورا الإنسان ثم قال : إن هذا كان لكم جزأء وعكسه : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم على ما يأتي ونعبد ) معناه نطيع والعبادة الطاعة والتذلل وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين قاله الهروي ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك ( وإياك نستعين ) أي نطلب العون والتأييد والتوفيق قال السلمي في حقائقه : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقر ب إياك نعبد وإياك نستعين فقد بريء من الجبر والقدر الرابعة والعشرون إن قيل : لم قدم المفعول على الفعل قيل له : قدم اهتماما وشأن العرب تقديم الأهم يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه فقال له الساب : إياك أعني : فقال له الآخر : وعنك أعرض فقدما الأهم وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود فلا يجوز نعبدك ونستعينك ولا نعبد إياك ونستعين إياك فيقدم الفعل على كناية المفعول وإنما يتبع لفظ القرآن وقال العجاج :
إياك أدعو فتقبل ملقي
واغفر خطاياي وكثر ورقي

146
ويروى : وثمر وأما قول الشاعر :
إليك حتى بلغت إياكا
فشاذ لا يقاس عليه والورق
بكسر الراء من الدراهم وبفتحها المال وكرر الأسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك الخامسة والعشرون الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من إياك في الموضعين وقرأ عمرو بن فائد : إياك بكسر الهمزة وتخفيف الياء وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها وهذه قراءة مرغوب عنها فإن المعنى يصير : شمسك نعبد أو ضوءك وإياة الشمس [ بكسر الهمزة ] : ضوءها وقد تفتح وقال :
سقته إياة الشمس إلا لثاته
أسف فلم تكدم عليه بإثمد
فإن أسقطت الهاء مددت ويقال : الإياة للشمس كالهالة للقمر وهي الدارة حولها وقرأ الفضل الرقاشي أياك : بفتح الهمزة وهي لغة مشهورة وقرأ أبو السوار الغنوي : هياك في الموضعين وهي لغة قال :
فهياك والأمر الذي إن توسعت
موارده ضاقت عليك مصادره
السادسة والعشرون
( الفاتحه 5 )
عطف جملة على جملة وقرأ يحيى بن وثاب والاعمش : نستعين بكسر النون وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة ليدل على أنه من استعان فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل وأصل نستعين نستعون قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء والمصدر
147
استعانة والأصل استعوان قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة وقيل الأولى لأن الثانية للمعنى ولزمت الهاء عوضا السابعة والعشرون قوله تعالى :
( الفاتحه 6 )
إهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب والمعنى : دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك قال بعض العلماء : فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة نصفها فيه مجمع الثناء ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به [ [ الداعي ] ] لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به وفي الحديث : ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ( وقيل المعنى : أرشدنا باستعمال السنن في إداء فرائضك وقيل : الأصل فيه الإمالة ومنه قوله تعالى : إنا هدنا إليك أي ملنا وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين أي يتمايل ومنه الهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك ومنه الهدى للحيوان الذي يساق إلى الحرم فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق وقال الفضيل بن عياض : الصراط المستقيم طريق الحج وهذا خاص والعموم أولى قال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل اهدنا الصراط المستقيم : هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وقال عاصم الأحول عن أبي العالية : الصراط المستقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده قال عاصم فقلت للحسن : إن أبا العالية يقول : الصراط المستقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه قال : صدق ونصح الثامنة والعشرون أصل الصراط في كلام العرب الطريق قال عامر بن الطفيل :
شحنا أرضهم بالخيل حتى
تركناهم أذل من الصراط
وقال جرير :
أمير المؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
وقال آخر :
فصد عن نهج الصراط الواضح

148
وحكى النقاش : الصراط الطريق بلغة الروم قال بن عطية : وهذا ضعيف جدا وقريء : السراط [ بالسين ] من الاستراط بمعنى الابتلاع كأن الطريق يسترط من يسلكه وقريء بين الزاي والصاد وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل وحكى سلمة عن الفراء قال : الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين قال : وهؤلاء يقولون [ في أصدق ] : أزدق وقد قالوا : الأزد والأسد ولسق به ولصق به والصراط نصب على المفعول الثاني لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر قال الله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم وبغير حرف كما في هذه الآية المستقيم صفة ل لصراط وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ومنه قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الأنعام وأصله مستقوم نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ماقبلها التاسعة والعشرون صراط الذين أنعمت عليهم صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء كقولك : جاءني زيد أبوك ومعناه : أدم هدايتنا فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به وقيل : هو صراط آخر ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه قاله جعفر بن محمد ولغة القرآن الذين في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول : اللذون في الرفع ومن العرب من يقول : اللذو ومنهم من يقول : الذي وسيأتي وفي عليهم عشر لغات قرئ بعامتها : عليهم بضم الهاء وإسكان الميم وعليهم بكسر الهاء وإسكان الميم وعليهمي بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة وعليهمو بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة وعليهمو بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم وعليهم بضم الهاء والميم من غير زيادة واو وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء
149
عليهمي بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم حكاها الحسن البصري عن العرب وعليهم بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء وعليهم بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو وعليهم بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم وكلها صواب قاله بن الأنباري الموفية الثلاثين قرأ عمر بن الخطاب وبن الزبير رضي الله عنهما صراط من أنعمت عليهم واختلف الناس في المنعم عليهم فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وانتزعوا ذلك من قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم وهو المطلوب في آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان الحادية الثلاثون في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه طاعة كانت أو معصية لأن الإنسان عندهم خالق لإفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم فلو كان الأمر إليهم والأختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا : صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم وكذلك يدعون فيقولون : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا الآية الثانية والثلاثون
( الفاتحه 7 )
أختلف في المغضوب عليهم والضالين من هم فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والترمذي في جامعه وشهد لهذا التفسير
150
أيضا قوله سبحانه في اليهود : وباءوا بغضب من الله وقال : وغضب الله عليهم الفتح وقال في النصارى : قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وقيل : المغضوب عليهم المشركون والضالين المنافقون وقيل : المغضوب عليهم هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة والضالين عن بركة قراءتها حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس بشيء قال الماوردي : وهذا وجه مردود لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم وقيل : المغضوب عليهم باتباع البدع والضالين عن سنن الهدى قلت : وهذا حسن وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن وعليهم في موضع رفع لأن المعنى غضب عليهم والغضب في اللغة الشدة ورجل غضوب أي شديد الخلق والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها والغضبة : الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة فهو صفة ذات وإرادة الله تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث : ( إن الصدقة لتطفيء غضب الرب ( فهو صفة فعل الثالثة والثلاثون ( ولا الضالين ) الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب ومنه : أئذا ضللنا في الأرض أي غبنا بالموت وصرنا ترابا قال :
ألم تسأل فتخبرك الديار
عن الحي المضلل أين ساروا
والضلضلة : حجر أملس يردده الماء في الوادي وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه قال :
أو غضبة في هضبة ما أمنعنا
الرابعة والثلاثون قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب غير المغضوب عليهم وغير الضالين وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين فالخفض على البدل من الذين
151
أو من الهاء والميم في عليهم أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن غير تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما كما تقول : الحي غير الميت والساكن غير المتحرك والقائم غير القاعد قولان : الأول للفارسي والثاني للزمخشري والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين أو من الهاء والميم في عليهم كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم أو على الإستثناء كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم ويجوز النصب بأعنى وحكى عن الخليل الخامسة والثلاثون لا في قوله ولا الضالين اختلف فيها فقيل هي زائدة قاله الطبري ومنه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين حكاه مكي والمهدوي وقال الكوفيون : لا بمعنى غير وهي قراءة عمر وأبي وقد تقدم السادسة والثلاثون الأصل في الضالين : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة وقرأ أيوب السختياني : ولا الضالين بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين وهي لغة حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة قال أبو الفتح : وعلى هذه اللغة قول كثير :
إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت
نجز تفسير سورة الحمد ولله الحمد والمنة
152
تفسير سورة البقرة
بحول الله لا رب سواه وأول مبدوء به الكلام في نزولها وفضلها وما جاء فيها وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك فنقول : سورة البقرة مدنيه نزلت في مدد شتى وقيل : هي أول سورة نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنه آخر آية نزلت من السماء ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم ويقال لها : فسطاط القرآن قاله خالد أبن معدان وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها وتعلمها عمر رضى الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في أثنتى عشرة سنة وأبنه عبد الله في ثماني سنين كما تقدم قال أبن العربي : سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقره وقال له : ( أذهب فأنت أميرهم ( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه وروى مسلم عن أبي أمامه الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ( قال معاوية : بلغني أن البطلة : السحرة وروى أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ( وروى الدارمى عن عبد الله قال : ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله صراط وقال إن لكل شيء سناما وأن سنام القرآن سورة البقرة وإن لكل شيء لبابا وأن لباب القرآن المفصل قال أبو محمد الدارمى : اللباب : الخالص وفي صحيح البستى
153
عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام ( قال أبو حاتم البستى : قوله صلى الله عليه وسلم : ( لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام ( أراد : مردة الشياطين وروى الدارمى في مسنده عن الشعبى قال قال عبد الله : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح أربعا من أولها وآية الكرسى وآيتين بعدها وثلاثا خواتيمها أولها : لله ما في السماوات وعن الشعبى عنه : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق وقال المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله : لم ينس القرآن وقال إسحاق بن عيسى : لم ينس ما قد حفظ قال أبو محمد الدارمى : منهم من يقول : المغيرة بن سميع وفي كتاب الأستيعاب لأبن عبد البر : وكان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر أبن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام وسأله عمر في خلافته عن شعره وأستنشده فقرأ سورة البقرة فقال : إنما سألتك عن شعرك فقال : ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمنى الله البقرة وآل عمران فأعجب عمر قوله وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائه وقد قال كثير من أهل الأخبار : إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم وقال بعضهم : لم يقل في الإسلام إلا قوله : الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى أكتسيت من الإسلام سربالا قال بن عبد البر : وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولى وهو أصح عندى وقال غيره : بل البيت الذي قاله في الإسلام : ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح وسيأتي ما ورد في آية الكرسى وخواتيم البقرة ويأتي في أول سورة آل عمران زيادة بيان لفضل هذه السورة إن شاء الله تعالى
154
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن
( البقره 1 : 2 )
أختلف أهل التأويل في الحروف التى في أوائل السور فقال عامر الشعبى وسفيان الثورى وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن ولله في كل كتاب من كتبه سر فهي من المتشابه الذي أنفرد الله تعالى بعلمه ولا يجب أن يتكلم فيها ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت وروى هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضى الله عنهما وذكر أبو الليث السمرقندى عن عمر وعثمان وأبن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذى لا يفسر وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور ولا ندرى ما أراد الله جل وعز بها قلت ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الانباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطى عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فآستأثر منه بعلم ما شاء وأطلعكم على ما شاء فأما ما أستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به وما بكل القرآن تعلمون ولا بكل ما تعلمون تعملون قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم أختبارا من الله عز وجل وأمتحانا فمن آمن بها أثيب وسعد ومن كفر وشك أثم وبعد حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبى بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب
155
قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في آل عمران إن شاء الله تعالى وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها وأختلفوا في ذلك على أقوال عديدة فروي عن أبن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن أسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي أشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم أذ لم يخرج عن كلامهم قال قطرب : كانوا ينفرون عند أستماع القرآن فلما سمعوا : الم والمص أستنكروا هذا اللفظ فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها كقول أبن عباس وغيره : الالف من الله واللام من جبريل والميم من محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الالف مفتاح أسمه الله واللام مفتاح أسمه لطيف والميم مفتاح أسمه مجيد وروي أبو الضحى عن أبن عباس في قوله : الم قال : أنا الله أعلم الر أنا الله أرى المص أنا الله أفصل فالألف تؤدي عن معنى أنا واللام تؤدي عن أسم الله والميم تؤدي عن معنى أعلم وأختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها كقوله :
فقلت لها قفي فقالت قاف
أراد : قالت وقفت وقال زهير :
بالخير خيرات وإن شرافا
ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد : وإن شرا فشر وأراد : إلا أن تشاء
156
وقال آخر :
نادوهم ألا الجموا ألا تا
قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون قالوا : ألا فأركبوا وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ( قال شقيق : هو أن يقول في أقتل : أق كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ( معناه شافيا وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه عن أبن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يمينا والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : لا ريب فيه فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه لكان الكلام سديدا وتكون لا جواب القسم فثبت أن قول الكلبي وما روي عن أبن عباس سديد صحيح فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق ومكذب فالمصدق يصدق بغير قسم والمكذب لا يصدق مع القسم قيل له : القرآن نزل بلغة العرب والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه والله تعالى أراد أن يوكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده وقال بعضهم : الم أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ وقال قتادة في قوله : الم قال أسم من أسماء القرآن وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس وقيل غير هذا من الأقوال فالله أعلم والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها وأختلف : هل لها محل من الإعراب فقيل : لا لأنها ليست أسماء متمكنة ولا أفعالا مضارعة وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية هذا مذهب الخليل وسيبويه
157
ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر أبتداء مضمر أي هذه الم كما تقول : هذه سورة البقرة أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك كما تقول : زيد ذلك الرجل وقال بن كيسان النحوي : الم في موضع نصب كما تقول : أقرأ الم أو عليك الم وقيل : في موضع خفض بالقسم لقول أبن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها قوله تعالى : ( ذلك الكتاب ) قيل : المعنى هذا الكتاب وذلك قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز : ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ومنه قول خفاف بن ندبة :
أقول له والرمح يأطر متنه
تأمل خفافا إنني أنا ذلكا
أي أنا هذا ف ذلك إشارة إلى القرآن موضوع موضع هذا تلخيصه : الم هذا الكتاب لا ريب فيه وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ومنه قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق أي هذه لكنها لما أنقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك وفي البخاري وقال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن ( هدى للمتقين ) بيان ودلالة كقوله : ذلكم حكم الله يحكم بينكم الممتحنة هذا حكم الله قلت : وقد جاء هذا بمعنى ذلك ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : ( يركبون ثبج هذا البحر ( أي ذلك البحر والله أعلم وقيل : هو على بابه أشارة إلى غائب وأختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة فقيل ذلك الكتاب أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه أي لا مبدل له وقيل : ذلك الكتاب أي الذي كتبت على نفسي في الأزل ( أن رحمتي سبقت غضبي ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي ( في رواية : ( سبقت ( وقيل
158
إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ( الحديث وقيل : الأشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة وقيل : إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة : إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل فلما أنزل عليه بالمدينة : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه اليك بمكة وقيل : إن ذلك أشارة إلى ما في التوراة والأنجيل والم أسم للقرآن والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والأنجيل يعني أن التوراة والأنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما وقيل : إن ذلك الكتاب إشارة إلى التوراة والأنجيل كليهما والمعنى : الم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين أي هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين فعبر ب ذلك عن الأثنين بشاهد من القرآن قال الله تبارك وتعالى : إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي عوان بين تينك : الفارض والبكر وسيأتي وقيل : إن ذلك إشارة إلى اللوح المحفوظ وقال الكسائي : ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا فالإشارة إلى ذلك الوعد قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا وقيل : إلى حروف المعجم في قول من قال : الم الحروف التي تحديتكم بالنظم منها والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع ومنه قيل : كتيبة لأجتماعها وتكتبت الخيل صارت كتائب وكتبت البغلة : إذا جمعت بين شفرى رحمها بحلقة أو سير قال :
لا تأمنن فزاريا حللت به
على قلوصك وأكتبها بأسيار

159
والكتبة بضم الكاف : الخرزة والجمع كتب والكتب : الخرز قال ذو الرمة :
وفراء غرفية أثاى خوارزها
مشلشل ضيعته بينها الكتب
والكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة وسمى كتابا وأن كان مكتوبا كما قال الشاعر :
تؤمل رجعة مني وفيها
كتاب مثل ما لصق الغراء
والكتاب : الفرض والحكم والقدر قال الجعدى :
يا بنة عمى كتاب الله أخرجنى
عنكم وهل أمنعن الله مفعلا
قوله تعالى : ( لا ريب ) نفى عام ولذلك نصب الريب به وفي الريب ثلاثة معان : أحدها الشك قال عبد الله بن الزبعرى :
ليس في الحق يا أميمة ريب
إنما الريب ما يقول الجهول
وثانيها التهمة قال جميل :
بثينة قالت يا جميل أربتنى
فقلت كلانا يا بثين مريب
وثالثها الحاجة قال :
قضينا من تهامة كل ريب
وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا أرتياب والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله وصفة من صفاته غير مخلوق ولا محدث وإن وقع ريب للكفار وقيل : هو خبر ومعناه النهى أى لا ترتابوا وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا وتقول : رابنى هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا وأراب : صار ذا ريبة فهو مريب ورابنى أمره وريب الدهر : صروفه قوله تعالى : ( فيه هدى للمتقين ) فيه ست مسائل
160
الأولى قوله تعالى : ( فيه ) الهاء في فيه فى موضع خفض بفى وفيه خمسة أوجه أجودها : فيه هدى ويليه فيه هدى بضم الهاء بغير واو وهى قراءة الزهري وسلام أبى المنذر ويليه فيهى هدى بإثبات الياء وهى قراءة أبن كثير ويجوز فيهو هدى بالواو ويجوز فيه هدى مدغما وأرتفع هدى على الإبتداء والخبر فيه والهدى فى كلام العرب معناه الرشد والبيان أى فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى الثانية الهدى هديان : هدى دلالة وهو الذى تقدر عليه الرسل وأتباعهم قال الله تعالى : ولكل قوم هاد الرعد وقال : وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم فأثبت لهم الهدى الذى معناه الدلالة والدعوة والتنبيه وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنك لا تهدى من أحببت فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ومنه قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم وقوله : ويهدى من يشاء والهدى : الاهتداء ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت قال أبو المعالى : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية اليها من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : فلن يضل أعمالهم سيهديهم محمد ومنه قوله تعالى : فأهدوهم إلى صراط الجحيم معناه فأسلكوهم إليها الثالثة الهدى لفظ مؤنث قال الفراء : بعض بنى أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة وقال اللحيانى : هو مذكر ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى فى الفاتحة تقول : هديته الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار أى عرفته الأولى لغة أهل الحجاز والثانية حكاها الأخفش وفى التنزيل : إهدنا الصراط المستقيم والحمد لله الذي هدانا لهذا وقيل : إن الهدى أسم من أسماء النهار لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآربهم ومنه قول أبن مقبل
161
حتى أستبنت الهدى والبيد هاجمة
يخشعن فى الآل غلفا أو يصلينا
الرابعة قوله تعالى : ( للمتقين ) خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه وروي عن أبى روق أنه قال : هدى للمتقين أي كرامة لهم يعنى أنما أضاف اليهم أجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم وأصل للمتقين : للموتقيين بياءين مخففتين حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لألتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في أجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين الخامسة التقوى يقال أصلها فى اللغة قلة الكلام حكاه أبن فارس قلت : ومنه الحديث : ( التقى ملجم والمتقى فوق المؤمن والطائع ( وهو الذى يتقى بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه كما قال النابغة :
سقط النصيف ولم ترد أسقاطه
فتناولته وأتقتنا باليد
وقال آخر :
فألقت قناعا دونه الشمس وأتقت
بأحسن موصولين كف ومعصم
وخرج أبو محمد عبد الغنى الحافظ من حديث سعيد بن زربى أبى عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبن مسعود قال قال يوما لأبن أخيه : يا بن أخى ترى الناس ما أكثرهم قال : نعم قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال : يا بن أخى ترى الناس ما أكثرهم قلت : بلى قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم وقال أبو يزيد البسطامى : المتقى من إذا قال قال لله ومن إذا عمل عمل لله وقال أبو سليمان الدارانى : المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات وقيل : المتقى الذى أتقى الشرك وبرئ من النفاق قال أبن عطية : وهذا فاسد لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق وسأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبيا عن التقوى فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك قال : نعم
162
قال : فما عملت فيه قال : تشمرت وحذرت قال : فذاك التقوى وأخذ هذا المعنى أبن المعتز فنظمه :
خل الذنوب صغيرها
وكبيرها ذاك التقى
وأصنع كماش فوق أر ض
الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة
إن الجبال من الحصى
السادسة التقوى فيها جماع الخير كله وهى وصية الله فى الأولين والآخرين وهى خير ما يستفيده الإنسان كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء فقال :
يريد المرء أن يؤتى مناه
ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتى ومالى
وتقوى الله أفضل ما أستفادا
وروى أبن ماجه فى سننه عن أبى أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( ما أستفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله ( والأصل فى التقوى : وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أى منعته ورجل تقى أى خائف أصله وقى وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة كما قالوا : تجاه وتراث والأصل وجاه ووراث
( البقره 3 )
فيها ست وعشرون مسألة : الأولى قوله ( الذين ) فى موضع خفض نعت للمتقين ويجوز الرفع على القطع أى هم الذين ويجوز النصب على المدح ( يؤمنون ) يصدقون والإيمان في اللغة : التصديق وفى التنزيل : وما أنت بمؤمن لنا أى بمصدق ويتعدى بالباء واللام كما قال : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فما آمن لموسى وروى حجاج بن حجاج
163
الأحول ويلقب بزق العسل قال سمعت قتادة يقول : يا بن آدم إن كنت لا تريد أن تأتى الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السامة والفترة والملة ولكن المؤمن هو المتحامل والمؤمن هو المتقوى والمؤمن هو المتشدد وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله الليل والنهار والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا ربنا في السر والعلانية حتى أستجاب لهم في السر والعلانيه الثانية قوله تعالى ( بالغيب ) الغيب في كلام العرب : كل ما غاب عنك وهو من ذوات الياء يقال منه : غابت الشمس تغيب والغيبة معروفة وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها ووقعنا فى غيبة وغيابة أى هبطة من الأرض والغيابة : الأجمة وهى جماع الشجر يغاب فيها ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب لأنه غاب عن البصر الثالثة وأختلف المفسرون فى تأويل الغيب هنا فقالت فرقة : الغيب فى هذه الآية : الله سبحانه وضعفه أبن العربى وقال آخرون : القضاء والقدر وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدى إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار قال أبن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها قلت : وهذا هو الأيمان الشرعى المشار إليه فى حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبى صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الأيمان قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ( قال : صدقت وذكر الحديث وقال عبد الله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب قلت : وفى التنزيل : وما كنا غائبين وقال : الذين يخشون ربهم بالغيب فهو سبحانه غائب عن الأبصار غير مرئى فى هذه الدار غير غائب بالنظر والأستدلال
164
فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازى على الأعمال فهم يخشونه فى سرائرهم وخلواتهم التى يغيبون فيها عن الناس لعلمهم بأطلاعه عليهم وعلى هذا تتفق الآى ولا تتعارض والحمد لله وقيل : بالغيب أى بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين وهذا قول حسن وقال الشاعر :
وبالغيب آمنا وقد كان قومنا
يصلون للأوثان قبل محمد
الرابعة قوله تعالى ( ويقيمون الصلاة ) معطوف جملة على جملة وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها فى أوقاتها على ما يأتى بيانه يقال : قام الشيء أى دام وثبت وليس من القيام على الرجل وإنما هو من قولك : قام الحق أى ظهر وثبت قال الشاعر :
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال آخر :
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا
حتى تقيم الخيل سوق طعان
وقيل : يقيمون يديمون وأقامه أى أدامه وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع الخامسة إقامة الصلاة معروفة وهى سنة عند الجمهور وأنه لا إعادة على تاركها وعند الأوزاعى وعطاء ومجاهد وأبن أبى ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة وبه قال أهل الظاهر وروي عن مالك وأختاره أبن العربى قال : لأن في حديث الأعرابى ( وأقم ( فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والأستقبال والوضوء قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتى مالك الموافقة للحديث وهى أن الإقامة فرض قال بن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتحريمها التكبير ( دليل على أنه لم يدخل فى الصلاة من لم يحرم فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للاجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لأستوى سهوها وعمدها وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن والله أعلم
165
السادسة وأختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : ( إذا إقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ( رواه أبو هريرة أخرجه مسلم وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت وأقض ما سبقك ( وهذا نص ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع أنبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها وذهب جماعة من السلف منهم أبن عمر وأبن مسعود على أختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة وروي عن مالك نحوه وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشى والراكب لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشى قلت وأستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل حال أولى فيمشى كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار لأنه فى صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشى حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة وما خرجه الدارمى فى مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبرى عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك فى صلاة ( فمنع صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلى وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : فأسعوا إلى ذكر الله وأنه ليس المراد به الأشتداد على الأقدام وإنما عنى العمل والفعل هكذا فسره مالك وهو الصواب فى ذلك والله أعلم
166
السابعة وأختلف العلماء فى تأويل قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ( وقوله : ( وأقض ما سبقك ( هل هما بمعنى واحد أو لا فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام قال الله تعالى : فإذا قضيت الصلاة وقال : فإذا قضيتم مناسككم وقيل : معناهما مختلف وهو الصحيح ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك منهم أبن القاسم ولكنه يقضى ما فاته بالحمد وسورة فيكون بانيا فى الأفعال قاضيا فى الأقوال قال بن عبد البر : وهو المشهور من المذهب وقال أبن خويز منداد : وهو الذى عليه أصحابنا وهو قول الأوزاعى والشافعى ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبرى وداود أبن على وروى أشهب وهو الذى ذكره بن عبد الحكم عن مالك ورواه عيسى عن أبن القاسم عن مالك أن ما أدرك فهو آخر صلاته وأنه يكون قاضيا فى الأفعال والأقوال وهو قول الكوفيين قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك قال بن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام لأنه لا يكون إلا فى أول الصلاة والتشهد والتسليم لا يكون إلا فى آخرها فمن ها هنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته مع ما ورد فى ذلك من السنة من قوله : ( فأتموا ( والتمام هو الآخر وأحتج الآخرون بقوله : ( فأقضوا ( والذى يقضيه هو الفائت إلا أن رواية من روى فأتموا أكثر وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد إلا ما قاله عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون والمزنى وأسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها فهؤلاء أطرد على أصلهم قولهم وفعلهم رضى الله عنهم الثامنة الإقامة تمنع من أبتداء صلاة نافلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ( خرجه مسلم وغيره فأما إذا شرع في نافلة
167
فلا يقطعها لقوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم محمد وخاصة إذا صلى ركعة منها وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك والله أعلم التاسعة وأختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد التي تصلى فيها الجمعة اللاصقة بالمسجد وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلى وأفضل من تركهما وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الاوزاعي إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الاخيرة وقال الثورى : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وأن كان قد دخل المسجد وقال الحسن بن حي ويقال أبن حيان : إذا أخذ المقيم فى الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكى عن مالك وهو الصحيح في ذلك لقوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ( وركعتا الفجر إما سنة وإما فضيلة وإما رغيبة والحجة عند التنازع حجة السنة ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن أبن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما فى حجرة حفصة ثم أنه صلى مع الإمام ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضى الله عنهما قالوا : وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن
168
المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد روى مسلم عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم فقال : ( أتصلي الصبح أربعا ( وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك والله أعلم العاشرة الصلاة أصلها في اللغة الدعاء مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا ومنه قوله عليه السلام : ( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل ( أي فليدع وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة فيصلي ركعتين وينصرف والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت أسماء : ثم مسحه وصلى عليه أي دعا له وقال تعالى : وصل عليهم أي أدع لهم وقال الأعشى :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا
يا رب جنب أبى الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي
نوما فأن لجنب المرء مضطجعا
وقال الأعشى أيضا :
وقابلها الريح في دنها
وصلى على دنها وأرتسم
أرتسم الرجل : كبر ودعا قاله في الصحاح وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه ومنه أخذ المصلى في سبق الخيل لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق فأشتقت الصلاة منه إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى من الخيل وإما لأن الراكع تثنى صلواه والصلا : مغرز الذنب من الفرس
169
والأثنان صلوان والمصلى : تالي السابق لأن رأسه عند صلاه وقال علي رضى الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر وقيل : هي مأخوذة من اللزوم ومنه صلى بالنار إذا لزمها ومنه تصلى نارا حامية الغاشية وقال الحارث بن عباد :
لم أكن من جناتها علم الله
وأنى بحرها اليوم صال
أي ملازم لحرها وكأن المعنى 4 على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود فإن فتحت الصاد قصرت فقلت صلا النار فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع قال الخارزنجي :
فلا تعجل بأمرك وأستدمه
فما صلى عصاك كمستديم
والصلاة : الدعاء والصلاة : الرحمة ومنه : ( اللهم صل على محمد ( الحديث والصلاة : العبادة ومنه قوله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت الآية أي عبادتهم والصلاة : النافلة ومنه قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة والصلاة التسبيح ومنه قوله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي من المصلين ومنه سبحة الضحى وقد قيل في تأويل نسبح بحمدك : نصلي والصلاة : القراءة ومنه قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك فهي لفظ مشترك والصلاة : بيت يصلي فيه قاله أبن فارس وقد قيل إن الصلاة أسم علم وضع لهذه العبادة فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع ولم يخل شرع من صلاة حكاه أبو نصر القشيري قلت : فعلى هذا القول لا أشتقاق لها وعلى قول الجمهور وهي : الحادية عشرة أختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الأبتدائي وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام أو هل
170
تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الأبتدائي من قبل الشرع هنا أختلافهم والأول أصح لأن الشريعة ثبتت بالعربية والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين ولكن للعرب تحكم في الأسماء كالدابة وضعت لكل ما يدب ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء والله أعلم الثانية عشرة وأختلف في المراد بالصلاة هنا فقيل : الفرائض وقيل الفرائض والنوافل معا وهو الصحيح لأن اللفظ عام والمتقى يأتي بهما الثالثة عشرة الصلاة سبب للرزق قال الله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة الآية على ما يأتي بيانه في طه إن شاء الله تعالى وشفاء من وجع البطن وغيره روي أبن ماجة عن أبي هريرة قال : هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست فألتفت الي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أشكمت درده ( قلت : نعم يا رسول الله قال : ( قم فصل فإن في الصلاة شفاء ( في رواية ( أشكمت درد ( يعني تشتكي بطنك بالفارسية وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع الىالصلاة الرابعة عشرة الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض فمن شروطها : الطهارة وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة وستر العورة يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى وأما فروضها : فاستقبال القبلة والنية وتكبيرة الإحرام والقيام لها وقراءة أم القرآن والقيام لها والركوع والطمأنينة فيه ورفع الرأس من الركوع والأعتدال فيه والسجود والطمأنينة فيه ورفع الرأس من السجود والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه والسجود الثاني والطمأنينة فيه والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لما أخل بها فقال له : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم أستقبل القبلة ثم كبر ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم أركع حتى تطمئن راكعا ثم أرفع
171
حتى تعتدل قائما ثم أسجد حتى تطمئن ساجدا ثم أرفع حتى تطمئن جالسا ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها ( خرجه مسلم ومثله حديث رفاعة بن رافع أخرجه الدارقطنى وغيره قال علماؤنا : فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الأنتقالات وعن التسبيح في الركوع والسجود وعن الجلسة الوسطى وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة وهو قول الحميدي ورواية عن الأوزاعي وأحتجوا بقوله عليه السلام : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( أخرجه البخاري قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل لأنه المبلغ عن الله مراده وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور وكان أبن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام وإن لم يسجد بطلت صلاته وإن نسي تكبيرة واحدة أو أثنتين سجد أيضا للسهو فإن لم يفعل فلا شيء عليه وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض وأن اليسير منه متجاوز عنه وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام فإن تركه ساهيا سجد للسهو فإن لم يسجد فلا شيء عليه ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا لأنه سنه من سنن الصلاة فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية قلت : هذا هو الصحيح وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب أبن القاسم وقد ترجم البخاري
172
رحمه الله باب أتمام التكبير في الركوع والسجود وساق حديث مطرف بن عبد الله قال : صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم وحديث عكرمة قال : رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت أبن عباس فقال : أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم روي أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود قال أبو موسى : فإما نسيناها وأما تركناها عمدا قلت : أتراهم أعادوا الصلاة فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه وبالله التوفيق الخامسة عشرة وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور وأوجبه إسحاق بن راهويه وأن من تركه أعاد الصلاة لقوله عليه السلام : ( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( السادسة عشرة وأما الجلوس والتشهد فأختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة والقراض من الإجارات وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا وأحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان
173
العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة أحتج من لم يوجبه بأن قال : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتى به كما لو ترك سجدة أو ركعة ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما وفي حديث عبد الله بن بحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم وأختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك وهي : السابعة عشرة على خمسة أقوال : أحدها إن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة وبه قال داود قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد وأحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض لأن اصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب وإنما ذلك كله سنه مسنونه هذا قول بعض البصريين وإليه ذهب إبراهيم بن علية وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى فخالف الجمهور وشذ إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته ( وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر وقد بيناه في كتاب المقتبس وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس
174
القول الثالث : إن الجلوس مقدار التشهد فرض وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين وأحتجوا بحديث أبن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته ( قال أبن العربي : وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس :
ويرى الخروج من الصلاة بضرطة
أين الضراط من السلام عليكم
قال أبن العربي : وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين أما أحدهما : فروي عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه وهذا مذهب أهل العراق بعينه وأما الثاني : فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقبل السلام أنه يجزئ من خلفه وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى وإن عمرت به المجالس للذكرى القول الرابع : أن الجلوس فرض والسلام فرض وليس التشهد بواجب وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية وأحتجوا بأن قالوا : ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن القول الخامس : أن التشهد والجلوس واجبان وليس السلام بواجب قاله جماعه منهم إسحاق بن راهويه وأحتج إسحاق بحديث أبن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له : ( إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك ( قال الدارقطني : قوله ( إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك ( أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام أبن مسعود وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وشبابة ثقة وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك جعل آخر الحديث من كلام أبن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
175
الثامنة عشرة وأختلف العلماء في السلام فقيل : واجب وقيل : ليس بواجب والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ( وهذا الحديث أصل في أيجاب التكبير والتسليم وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها بأتفاق قال عبد الرحمن بن مهدي : لو أفتتح رجل صلاته بسبعين أسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي وهو أمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمة وحسبك به وقد أختلف العلماء في وجوب التكبير عند الأفتتاح وهي : التاسعة عشرة فقال أبن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول والصحيح من مذهبه أيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة وهو الصواب وعليه الجمهور وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة الموفية عشرين وأختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء : لا يجزئ إلا التكبير لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين ولا يجزئ عند مالك إلا الله أكبر لا غير ذلك وكذلك قال الشافعي وزاد : ويجزئ الله الأكبر والله الكبير والحجة لمالك حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب الحمد لله رب العالمين وحديث علي : وتحريمها التكبير وحديث الأعرابي : فكبر وفي سنن أبن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا : حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي
176
يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة أستقبل القبلة ورفع يديه وقال : الله أكبر وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير قال الشاعر :
رأيت الله أكبر كل شيء
محاولة وأعظمه جنودا
ثم إنه يتضمن القدم وليس يتضمنه كبير ولا عظيم فكان أبلغ في المعنى والله أعلم وقال أبو حنيفة : إن أفتتح بلا إله إلا الله يجزيه وإن قال : اللهم أغفر لي لم يجزه وبه قال محمد بن الحسن وقال أبو يوسف : لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير وكان الحكم أبن عتيبة يقول : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزاه قال أبن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها وقال أبو حنيفة : يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية قال أبن المنذر : لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال والله أعلم الحادية والعشرون وأتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتى الكلام عليه في آية الطهارة وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه قال أبن العربي : والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوى بها أو قبل ذلك بشرط أستصحابها فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعباده في تلك الحالة لم يعتد بها كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في أقترانها بأوله قال أبن العربي : وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان : سمعت إمام الحرمين يقول : يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبؤات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة قال : ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة لأن
177
تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل وتذكارها يكون في لحظة ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون : رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها فقلت له ما هذا فقال : عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها قلت : فهذه جملة من أحكام الصلاة وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات وبعض صلاة الخوف في هذه السورة ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف في النساء والأوقات في هود وسبحان والروم وصلاة الليل في المزمل وسجود التلاوة في الأعراف وسجود الشكر في ص كل في موضعه إن شاء الله تعالى الثانية والعشرون قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ينفقون ) رزقناهم : أعطيناهم والرزق عند أهل السنة ما صح الأنتفاع به حلالا كان أو حراما خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك قالوا : فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصا ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا وهذا فاسد والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا ولا البهائم التي ترتع في الصحراء ولا السخال من البهائم لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال ولما أجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون
178
وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق : هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض وقال : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات وقال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وهذا قاطع فالله تعالى رازق حقيقة وأبن آدم رازق تجوزا لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما وجميع ذلك رزق وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى : كلوا من رزق ربكم وأشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ) الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا فالرزق بالفتح المصدر وبالكسر الأسم وجمعه أرزاق والرزق : العطاء والرازقية : ثياب كتان بيض وأرتزق الجند : أخذوا أرزاقهم والرزقة : المرة الواحدة هكذا قال أهل اللغة وقال أبن السكيت : الرزق بلغة أزدشنوءة : الشكر وهو قوله عز وجل : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الواقعة أي شكركم التكذيب ويقول : رزقني أي شكرني الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( ينفقون ) ينفقون : يخرجون والإنفاق : إخراج المال من اليد ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري ونفقت الدابة : خرجت روحها ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى ومنه المنافق لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها ونفق الزاد : فنى وأنفقه صاحبه وأنفق القوم : فنى زادهم ومنه قوله تعالى : إذا لأمسكتم خشية الإنفاق
179
الخامسة والعشرون وأختلف العلماء في المراد بالنفقة ها هنا فقيل الزكاة المفروضة روي عن أبن عباس لمقارنتها الصلاة وقيل : نفقة الرجل على أهله روي عن أبن مسعود لأن ذلك أفضل النفقة روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ( وروي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ( قال أبو قلابة : وبدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة : وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم وقيل : المراد صدقة التطوع روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة أحتملت الفرض والتطوع فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع قال الضحاك : كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في براءة وقيل : إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها وقيل : هو عام وهو الصحيح لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا وذلك لا يكون إلا من الحلال أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه وقيل : الإيمان بالغيب حظ القلب وإقام الصلاة حظ البدن ومما رزقناهم ينفقون حظ المال وهذا ظاهر وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون أي مما علمناهم يعلمون حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري
180
( البقره 4 )
قيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وفيه نزلت ونزلت الأولى في مؤمني العرب وقيل : الآيتان جميعا في المؤمنين وعليه فإعراب الذين خفض على العطف ويصح أن يكون رفعا على الأستئناف أي وهم الذين ومن جعلها في صنفين فإعراب الذين رفع بالأبتداء وخبره أولئك على هدى ويحتمل الخفض عطفا قوله تعالى : ( بما أنزل إليك ) يعني القرآن ( وما أنزل من قبلك ) يعني الكتب السالفة بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا الآية ويقال : لما نزلت هذه الآية : الذين يؤمنون بالغيب قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب فلما قال : ويقيمون الصلاة قالوا : نحن نقيم الصلاة فلما قال ومما رزقناهم ينفقون قالوا : نحن ننفق ونتصدق فلما قال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك نفروا من ذلك وفي حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله كم كتابا أنزل الله قال : ( مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة وعلى أبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ( الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي وهنا مسألة إن قال قائل : كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها قيل له فيه جوابان : أحدهما أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع الثاني أن الإيمان بما لم ينسخ منها وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وبالآخرة هم يوقنون ) أي وبالبعث والنشر هم عالمون واليقين : العلم دون الشك يقال منه : يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت وأستيقنت وتيقنت كله بمعنى
181
وأنا على يقين منه وإنما صارت الياء واوا في قولك : موقن للضمة قبلها وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع وربما عبروا باليقين عن الظن ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو : هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه قال الشاعر :
تحسب هواس وأيقن أنني
بها مفتد من واحد لا أغامره
يقول : تشمم الأسد ناقتي يظن أنني مفتد بها منه وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير وسيأتي والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها كما أن الدنيا مشتقة من الدنو على ما يأتي
( البقره 5 )
قال النحاس أهل نجد يقولون : ألاك وبعضهم يقول : ألالك والكاف للخطاب قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك ومن قال ألاك فواحده ذاك وألالك مثل أولئك وأنشد أبن السكيت :
ألالك قومي لم يكونوا أشابة
وهل يعظ الضليل إلا ألالكا
وربما قالوا : أولئك في غير العقلاء قال الشاعر :
ذم المنازل بعد منزلة اللوى
والعيش بعد أولئك الأيام
وقال تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا الإسراء وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى : من ربهم ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال : من أنفسهم وقد تقدم الكلام فيه وفي الهدى فلا معنى لإعادة ذلك ( وأولئك هم المفلحون ) هم يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره المفلحون والثاني وخبره خبر الأول ويجوز أن تكون هم زائدة يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا والمفلحون خبر أولئك
182
والفلح أصله في اللغة الشق والقطع قال الشاعر :
إن الحديد بالحديد يفلح
أي يشق ومنه فلاحة الأرضين
إنما هو شقها للحرث قاله أبو عبيد ولذلك سمي الأكار فلاحا ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح وهو بين الفلحة فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضا في اللغة ومنه قول الرجل لأمرأته : أستفلحي بأمرك معناه فوزى بأمرك وقال الشاعر :
لو كان حي مدرك الفلاح
أدركه ملاعب الرماح
وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء :
لكل هم من الهموم سعة
والمسى والصبح لا فلاح معه
يقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء وقال آخر :
نحل بلادا كلها حل قبلنا
ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير
أي البقاء وقال عبيد :
أفلح بما شئت فقد يدرك بالض عف
وقد يخدع الأريب أي أبق بما شئت من كيس وحمق
فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل فمعنى وأولئك هم المفلحون : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها وقال أبن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا والمعنى واحد وقد أستعمل الفلاح في السحور ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : وما الفلاح قال : السحور أخرجه أبو داود فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا والفلاح ( بتشديد اللام ) : المكاري في قول القائل :
لها رطل تكيل الزيت فيه
وفلاح يسوق لها حمارا
ثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب
183
مسألة إن قال قائل كيف قرأ حمزة : عليهم وإليهم ولديهم ولم يقرأ من ربهم ولا فيهم ولا جنتيهم فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم ووافقه الكسائي في عليهم الذلة وإليهم أثنين على ما هو معروف من القراءة عنهما
( البقره 6 )
لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم والكفر ضد الإيمان وهو المراد في الآية وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف : ( ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء ( قيل بم يا رسول الله قال : ( بكفرهن ( قيل أيكفرن بالله قال : ( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط ( أخرجه البخاري وغيره وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية ومنه قول الشاعر :
في ليلة كفر النجوم غمامها
أي سترها ومنه سمي الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر :
فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما
ألقت ذكاء يمينها في كافر ذكاء
( بضم الذال والمد ) : أسم للشمس ومنه قول الآخر :
فوردت قبل أنبلاج الفجر
وأبن ذكاء كامن في كفر
أي في ليل والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم والكافر : الزارع والجمع كفار قال الله تعالى : كمثل غيث أعجب الكفار نباته يعني الزراع لأنهم يغطون الحب ورماد
184
مكفور : سفت الريح عليه التراب والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور ويقال الكفور : القري قوله تعالى : ( سواء عليهم ) معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه أي سواء عليهم هذا وجيء بالأستفهام من أجل التسوية ومثله قوله تعالى : سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين وقال الشاعر :
وليل يقول الناس من ظلماته
سواء صحيحات العيون وعورها
قوله تعالى : ( أأنذرتهم ) الإنذار الإبلاغ والإعلام ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا قال الشاعر :
أنذرت عمرا وهو في مهل
قبل الصباح فقد عصى عمرو
وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا وأختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب وسبق في علم الله أنه يموت على كفره أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا وقال أبن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب أبن الأشرف ونظراؤهما وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب والأول أصح فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر وذلك داخل في ضمن الآية قوله تعالى : ( لا يؤمنون ) موضعه رفع خبر إن أي إن الذين كفروا لا يؤمنون وقيل : خبر إن سواء وما بعده يقوم مقام الصلة قاله بن كيسان وقال محمد بن يزيد : سواء رفع بالأبتداء أأنذرتهم أم لم تنذرهم الخبر والجملة خبر إن قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا وأختلف القراء في قراءة أأنذرتهم فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو
185
والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق : آنذرتهم بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وأختارها الخليل وسيبويه وهي لغة قريش وسعد بن بكر وعليها قول الشاعر :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل
وبين النقا آنت أم أم سالم
هجاء آنت ألف واحدة وقال آخر :
تطاللت فأستشرفته فعرفته
فقلت له آنت زيد الأرانب
وروي عن أبن محيصن أنه قرأ : أنذرتهم أم لم تنذرهم بهمزة لا ألف بعدها فحذف لألتقاء الهمزتين أو لأن أم تدل على الأستفهام كما قال الشاعر :
تروح من الحي أم تبتكر
وماذا يضيرك لو تنتظر
أراد : أتروح فأكتفى بأم من الألف وروي عن أبن أبي إسحاق أنه قرأ : أأنذرتهم فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين : أأنذرتهم وهو اختيار أبي عبيد وذلك بعيد عند الخليل وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضننوا قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك رديء لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال وبعد حصول الواحدة قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا فهذه سبعة أوجه من القراءات ووجه ثامن يجوز في غير القرآن لأنه مخالف للسواد قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم كما يقال هياك وإياك وقال الأخفش في قوله تعالى : ها أنتم إنما هو أاأنتم قوله تعالى :
( البقره 7 )
فيها عشر مسائل : الأولى قوله تعالى ( ختم الله ) بين سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله ختم الله والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم شدد للمبالغة ومعناه
186
التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء ومنه : ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه ولا يوضع فيه غير ما فيه وقال اهل المعاني : وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف : بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار فقال في الإنكار : قلوبهم منكرة وهم مستكبرون وقال في الحمية : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية الفتح وقال في الانصراف : ثم أنصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون التوبة وقال في القساوة : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله وقال : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك وقال في الموت : أو من كان ميتا فأحييناه وقال إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله وقال في الرين : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال في المرض : في قلوبهم مرض محمد وقال في الضيق : ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وقال في الطبع : فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وقال : بل طبع الله عليها بكفرهم وقال في الختم : ختم الله على قلوبهم وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى الثانية الختم يكون محسوسا كما بينا ومعنى كما في هذه الآية فالختم على القلوب : عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته وعلى السمع : عدم فهمهم للقرآن إذا تلى عليهم أو دعوا إلى وحدانيته وعلى الأبصار : عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته هذا معنى قول أبن عباس وأبن مسعود وقتادة وغيرهم الثالثة في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال والكفر والإيمان فأعتبروا أيها السامعون وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا
187
وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة فمتى يهتدون أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم ومن يضلل الله فما له من هاد وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم فإن قالوا : إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون لا الفعل قلنا : هذا فاسد لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم ألا ترى أنه إذا قيل : فلان طبع الكتاب وختمه كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما لا التسمية والحكم هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم النساء وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما أمتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون ويحكمون عليهم بذلك فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به دليله قوله تعالى : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه أي لئلا يفقهوه وما كان مثله الرابعة قوله : ( على قلوبهم ) فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح والقلب للإنسان وغيره وخالص كل شيء وأشرفه قلبه فالقلب موضع الفكر وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته وقلبت الإناء : رددته على وجهه ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل :
ما سمي القلب إلا من تقلبه
فأحذر على القلب من قلب وتحويل

188
ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه تفريقا بينه وبين أصله روى أبن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة ( ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك ( فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك أقتداء به قال الله تعالى : وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وسيأتي الخامسة الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب وإن كان رئيسها وملكها بأعمالها للأرتباط الذي بين الظاهر والباطن قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسود قلبه ( وروي الترمذي وصححه عن أبي هريرة : ( أن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه ( قال : وهو الرين الذي ذكره الله في القرآن في قوله : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال مجاهد : القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع ثم يطبع قلت : وفي قول مجاهد هذا وقوله عليه السلام : ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ( دليل على أن الختم يكون حقيقيا والله أعلم وقد قيل : إن القلب يشبه الصنوبرة وهو يعضد قول مجاهد والله أعلم وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر : حدثنا ( أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ( ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال : ( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن
189
في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى على زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا ( ففي قوله : ( الوكت ( وهو الأثر اليسير ويقال للبسر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب : قد وكت فهو موكت وقوله : ( المجل ( وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( كجمر دحرجته ( أي دورته على رجلك فنفط ( فتراه منتبرا ( أي مرتفعا ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه وكذلك الختم والطبع والله أعلم وفي حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ( وذكر الحديث ( مجخيا ( : يعني مائلا السادسة القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر قال الله تعالى : كذلك لنثبت به فؤادك وقال : ألم نشرح لك صدرك الشرح يعني في الموضعين قلبك وقد يعبر به عن العقل قال الله تعالى : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ق أي عقل لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين والفؤاد محل القلب والصدر محل الفؤاد والله أعلم السابعة قوله تعالى : ( وعلى سمعهم ) أستدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه وقال تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وقال : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قال : والسمع يدرك به من الجهات الست وفي النور والظلمة ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة وبواسطة من ضياء وشعاع وقال أكثر المتكلمين
190
بتفضيل البصر على السمع لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها قالوا : فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست الثامنة إن قال قائل : لم جمع الأبصار ووحد السمع قيل له : إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال : سمعت الشيء أسمعه سمعا وسماعا فالسمع مصدر سمعت والسمع أيضا أسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر وقيل : إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة كما قال الشاعر :
بها جيف الحسرى فأما عظامها
فبيض وأما جلدها فصليب إنما يريد جلودها فوحد لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد وقال آخر في مثله :
لا تنكر القتل وقد سبينا
في حلقكم عظم وقد شجينا
يريد في حلوقكم ومثله قول الآخر :
كأنه وجه تركيين قد غضبا
مستهدف لطعان غير تذبيب
وإنما يريد وجهين فقال وجه تركيين لأنه قد علم أنه لا يكون للأثنين وجه واحد ومثله كثير جدا وقريء : وعلى أسماعهم ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم لأن السمع لا يختم وأنما يختم موضع السمع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقد يكون السمع بمعنى الأستماع يقال : سمعك حديثي أي أستماعك إلى حديثي يعجبني ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب :
وقد توجس ركزا مقفر ندس
بنبأة الصوت ما في سمعه كذب

191
أي ما في أستماعه كذب أي هو صادق الأستماع والندس : الحاذق والنبأة : الصوت الخفي وكذلك الركز والسمع بكسر السين وإسكان الميم : ذكر الإنسان بالجميل يقال : ذهب سمعه في الناس أي ذكره والسمع أيضا : ولد الذئب من الضبع والوقف هنا : وعلى سمعهم وغشاوة رفع على الأبتداء وما قبله خبر والضمائر في قلوبهم وما عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش وقيل من المنافقين وقيل من اليهود وقيل من الجميع وهو أصوب لأنه يعم فالختم على القلوب والأسماع والغشاوة على الأبصار والغشاء : الغطاء وهي : التاسعة ومنه غاشية السرج وغشيت الشيء أغشيه قال النابغة :
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي
إذا الدخان تغشى الأشمط البرما
وقال آخر :
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة
فلما أنجلت قطعت نفسي ألومها
قال أبن كيسان : فإن جمعت غشاوة قلت : غشاء بحذف الهاء وحكى الفراء : غشاوى مثل أداوى وقريء : غشاوة بالنصب على معنى وجعل فيكون من باب قوله :
علفتها تبنا وماء باردا
وقول الآخر :
يا ليت زوجك قد غدا
متقلدا سيفا ورمحا
المعنى وأسقيتها ماء وحاملا رمحا لأن الرمح لا يتقلد قال الفارسي : ولا تكاد تجد هذا الأستعمال في حال سعة وأختيار فقراءة الرفع أحسن وتكون الواو عاطفة جملة على جملة قال : ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا بالواو وقال بعض المفسرين : الغشاوة على الأسماع والأبصار والوقف على قلوبهم وقال آخرون : الختم في الجميع والغشاوة هي الختم فالوقف على هذا على غشاوة وقرأ الحسن غشاوة بضم الغين وقرأ أبو حيوة بفتحها وروي عن
192
أبي عمرو : غشوة رده إلى أصل المصدر قال بن كيسان : ويجوز غشوة وغشوة وأجودها غشاوة كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشيء نحو عمامة وكنانة وقلادة وعصابة وغير ذلك العاشرة قوله تعالى : ( ولهم ) أي للكافرين المكذبين ( عذاب عظيم ) نعته والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان وفي التنزيل : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وهو مشتق من الحبس والمنع يقال في اللغة : أعذبه عن كذا أي أحبسه وأمنعه ومنه سمي عذوبة الماء لأنها قد أعذبت وأستعذب بالحبس في الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه ومنه قول علي رضي الله عنه : أعذبوا نساءكم عن الخروج أي أحبسوهن وعنه رضي الله عنه وقد شيع سرية فقال : أعذبوا عن ذكر النساء أنفسكم فإن ذلك يكسركم عن الغزو وكل من منعته شيئا فقد أعذبته وفي المثل : لألجمنك لجاما معذبا أي مانعا عن ركوب الناس ويقال : أعذب أي أمتنع وأعذب غيره فهو لازم ومتعد فسمي العذاب عذابا لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها
( البقره 8 )
فيه سبع مسائل : الأولى روي أبن جريج عن مجاهد قال : نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين وأثنتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين وروى أسباط عن السدي في قوله : ومن الناس قال : هم المنافقون وقال علماء الصوفية : الناس أسم جنس وأسم الجنس لا يخاطب به الأولياء الثانية وأختلف النحاة في لفظ الناس فقيل : هو أسم من أسماء الجموع جمع أنسان وإنسانة على غير اللفظ وتصغيره نويس فالناس من النوس وهو الحركة يقال : ناس ينوس أي تحرك ومنه حديث أم زرع : أناس من حلى أذنى وقيل أصله : من نسى فأصل
193
ناس نسى قلب فصار نيس تحركت الياء فأنفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ثم دخلت الالف واللام فقيل : الناس قال أبن عباس : نسى آدم عهد الله فسمي إنسانا وقال عليه السلام : ( نسى آدم فنسيت ذريته ( وفي التنزيل : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى وسيأتي وعلى هذا فالهمزة زائدة قال الشاعر :
لا تنسين تلك العهود فإنما
سميت إنسانا لأنك ناسي
وقال آخر :
فإن نسيت عهودا منك سالفة
فأغفر فأول ناس أول الناس
وقيل : سمي إنسانا لأنسه بحواء وقيل : لأنسه بربه فالهمزة أصلية قال الشاعر :
وما سمي الإنسان إلا لأنسه
ولا القلب إلا أنه يتقلب
الثالثة لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم ذكر الكافرين في مقابلتهم إذ الكفر والإيمان طرفان ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق : وما هم بمؤمنين ففي هذا رد على الكرامية حيث قالوا : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب وأحتجوا بقوله تعالى : فأثابهم اللهبما قالوا ولم يقل : بما قالوا وما أضمروا وبقوله عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم ( وهذا منهم قصور وجمود وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والأعتقاد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ( أخرجه أبن ماجه في سننه فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الأعتقاد الرابعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : المؤمن ضربان : مؤمن يحبه الله ويواليه ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه بل يبغضه ويعاديه فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان فالله محب له موال له راض عنه وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر فالله مبغض له ساخط
194
عليه معاد له لا لأجل إيمانه ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به والكافر ضربان : كافر يعاقب لا محالة وكافر لا يعاقب فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر فالله ساخط عليه معاد له والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له بل محب له موال لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به فلا يجوز أن يطلق القول وهي : الخامسة بأن المؤمن يستحق الثواب والكافر يستحق العقاب بل يجب تقييده بالموافاة ولأجل هذا قلنا : إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام ومريد لثوابه ودخوله الجنة لا لعبادته الصنم لكن لإيمانه الموافي به وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته لكفره الموافي به وخالفت القدرية في هذا وقالت : إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم وهذا فاسد لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله وبما يوافي به عمر رضى الله عنه فيما لم يزل فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار بل هو ساخط عليه وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( ولهذا قال علماء الصوفية : ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا لكن الإيمان جرى السعادة في سوابق الأزل وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا وربما يكون حقيقة قلت : هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ( فإن قيل وهي
195
السادسة فقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة وهو محمد بن أبي قيس عن سليمان بن موسى وهو الأشدق عن مجاهد بن جبر عن أبن عباس أخبرنا أبو رزين العقيلي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه ( قال قلت : كيف يحيي الله الموتى قال : ( أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة ( قلت : بلى قال : ( كذلك النشور ( قال قلت : كيف لي أن أعلم أني مؤمن قال : ( ليس أحد من هذه الأمة قال بن أبي قيس : أو قال من أمتي عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن ( قلت : وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث أبن مسعود فإن ذلك موقوف على الخاتمة كما قال عليه السلام : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال والله أعلم السابعة قال علماء اللغة : إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر تشبيها باليربوع له جحر يقال له : النافقاء وآخر يقال له : القاصعاء وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب وباطنه حفر وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر وقد تقدم هذا المعنى
( البقره 9 )
قال علماؤنا : معنى يخادعون الله أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم وقيل : قال ذلك لعملهم عمل المخادع وقيل : في الكلام حذف تقديره : يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن وغيره وجعل خداعهم لرسوله خداعا له لأنه دعاهم برسالته وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله ومخادعتهم : ما أظهروه من الإيمان
196
خلاف ما أبطنوه من الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا قاله جماعة من المتأولين وقال أهل اللغة : أصل الخدع في كلام العرب الفساد حكاه ثعلب عن أبن الأعرابي وأنشد :
أبيض اللون لذيذ طعمه
طيب الريق إذا الريق خدع
قلت : ف يخادعون الله على هذا أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي وفي التنزيل : يراءون الناس وقيل : أصله الإخفاء ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء حكاه أبن فارس وغيره وتقول العرب : أنخدع الضب في جحره قوله تعالى : ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) نفي وأيجاب أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم ومن كلامهم : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه وهذا صحيح لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال : ( لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ( قالوا : يا رسول الله وكيف يخادع الله قال : ( تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره ( وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى : الله يستهزئ بهم وقرأ نافع وأبن كثير وأبو عمرو : يخادعون في الموضعين ليتجانس اللفظان وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وأبن عامر : يخدعون الثاني والمصدر خدع بكسر الخاء وخديعه حكى ذلك أبو زيد وقرأ مورق العجلى : يخدعون الله بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال على التكثير وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر كما قال تعالى : وأختار موسى قومه أي من قومه
197
قوله تعالى : ( وما يشعرون ) أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا وإنما ذلك في الدنيا وفي الآخرة يقال لهم : أرجعوا وراءكم فألتمسوا نورا على ما يأتي قال أهل اللغة : شعرت بالشيء أي فطنت له ومنه الشاعر لفطنته لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعانى ومنه قولهم : ليت شعري أي ليتني علمت قوله تعالى :
( البقره 10 )
قوله تعالى : ( في قلوبهم مرض ) إبتداء وخبر والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا وإما جحدا وتكذيبا والمعنى : قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد قال أبن فارس اللغوي : المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر والقراء مجمعون على فتح الراء من مرض إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء قوله تعالى : ( فزادهم الله مرضا ) قيل : هو دعاء عليهم ويكون معنى الكلام : زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الأنتصار وعجزا عن القدرة كما قال الشاعر :
يا مرسل الريح جنوبا وصبا
إذ غضبت زيد فزدها غضبا
أي لا تهدها على الأنتصار فيما غضبت منه وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لأنهم شر خلق الله وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم كما قال في آية أخرى : فزادتهم رجسا إلى رجسهم وقال أرباب المعاني : في قلوبهم مرض أي بسكونهم ألى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها وقوله : فزادهم الله مرضا أي وكلهم إلى أنفسهم وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى أهتمام بالدين ولهم عذاب أليم بما يفنى عما يبقى وقال الجنيد : علل القلوب من أتباع الهوى كما أن علل الجوارح من مرض البدن
198
قوله تعالى : ( ولهم عذاب أليم ) أليم في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع مثل السميع بمعنى المسمع قال ذو الرمة يصف إبلا :
ونرفع من صدور شمردلات
يصك وجوهها وهج اليم وآلم
إذا أوجع والإيلام : الإيجاع والألم : الوجع وقد ألم يألم ألما والتألم : التوجع ويجمع أليم على الماء مثل كريم وكرماء وآلام مثل أشراف قوله تعالى : ( بما كانوا يكذبون ) م مصدرية أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته قاله أبو حاتم وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين مسألة وأختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال : القول الأول قال بعض العلماء : إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه وقد أتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإنما أختلفوا في سائر الأحكام قال أبن العربي : وهذا منتقض فقد قتل بالمجذر بن زياد الحارث بن سويد بن الصامت لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله فأخبر به جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقتله به لأن قتله كان غيلة وقتل الغيلة حد من حدود الله قلت : وهذه غفله من هذا الإمام لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأنقطاع الوحي وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحى فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع والله أعلم
199
القول الثاني قال أصحاب الشافعي : إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل قال أبن العربي : وهذا وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد ولا يقول أحد إن أستتابه الزنديق واجبة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع علمه بهم فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال : إن أستتابه الزنديق جائزة قال قولا لم يصح لأحد القول الثالث إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر : ( معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابي ( أخرجه البخاري ومسلم وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء أعتقادهم تألفا وهذا هو قول علمائنا وغيرهم قال أبن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وأبن الماجشون وأحتج بقوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض إلى قوله وقتلوا تقتيلا قال قتادة : معناه إذا هم أعلنوا النفاق قال مالك رحمه الله : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون أستتابة وهو أحد قولي الشافعي قال مالك : وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين قال القاضي إسماعيل : لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر : السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد
200
وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم قال الشافعي وأصحابه : وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله وقال الطبري : جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله ظاهرهم في قوله : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون قال أبن عطية : ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول : لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا قلت : هذا الأنفصال فيه نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بأعلام الله تعالى إياه وكان حذيفة يعلم ذلك بأخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضى الله عنه يقول له : يا حذيفة هل أنا منهم فيقول له : لا القول الرابع وهو إن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر وليس كذلك اليوم لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا
( البقره 11 )
إذا في موضع نصب على الظرف والعامل فيها قالوا وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر قال الجوهري : إذا أسم يدل على زمان مستقبل ولم تستعمل إلا مضافة إلى
201
جملة تقول أجيئك إذا أحمر البسر وإذا قدم فلان والذي يدل على أنها أسم وقوعها موقع قولك : آتيك يوم يقدم فلان فهي ظرف وفيها معنى المجازاة وجزاء الشرط ثلاثة : الفعل والفاء وإذا فالفعل قولك : إن تأتني آتك والفاء : إن تأتني فأنا أحسن إليك وإذا كقوله تعالى : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخطيم :
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها
خطانا إلى أعدائنا فنضارب
فعطف فنضارب بالجزم على كان لأنه مجزوم ولو لم يكن مجزوما لقال فنضارب بالنصب وقد تزاد على إذا ما تأكيدا فيجزم بها أيضا ومنه قول الفرزدق :
فقام أبو ليلى إليه أبن ظالم
وكان إذا ما يسلل السيف يضرب
قال سيبويه : والجيد ما قال كعب بن زهير :
وإذا ما تشاء تبعث منها
مغرب الشمس ناشطا مذعورا
يعني أن الجيد ألا يجزم بإذا كما لم يجزم في هذا البيت وحكى عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة : خرجت فأذا زيد ظرف مكان لأنها تضمنت جثة وهذا مردود لأن المعنى خرجت فإذا حضور زيد فإنما تضمنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف الزمان ومنه قولهم : اليوم خمر وغدا أمر فمعناه وجود خمر ووقوع أمر قوله : ( قيل ) من القول وأصله قول نقلت كسرة الواو إلى القاف فأنقلبت الواو ياء ويجوز : قيل لهم بإدغام اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين لأن الياء حرف مد ولين قال الأخفش : ويجوز قيل بضم القاف والياء وقال الكسائي : ويجوز إشمام القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله وهي لغة قيس وكذلك جيء وغيض وحيل وسيق وسيء
202
وسيئت وكذلك روى هشام عن أبن عباس ورويس عن يعقوب وأشم منها نافع سيء وسيئت خاصة وزاد أبن ذكوان : حيل وسيق وكسر الباقون في الجميع فإما هذيل وبنو دبير من أسد وبني فقعس فيقولون : قول بواو ساكنة قوله : ( لا تفسدوا ) لا نهي والفساد ضد الصلاح وحقيقته العدول عن الإستقامة إلى ضدها فسد الشيء يفسد فسادا وفسودا وهو فاسد وفسيد والمعنى في الآية : لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل : كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفساد ويفعل فيها بالمعاصي فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أرتفع الفساد وصلحت الأرض فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها كما قال في آية أخرى : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قوله : ( في الأرض ) الأرض مؤنثة وهي أسم جنس وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة ولكنهم لم يقولوا والجمع أرضات لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم : عرسات ثم قالوا أرضون فجمعوا بالواو والنون والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة وظبة ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم الألف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها وربما سكنت وقد تجمع على أروض وزعم أبو الخطاب إنهم يقولون : أرض وآراض كما قالوا : أهل وآهال والأراضي أيضا على غير قياس كأنهم جمعوا أرضا وكل ما سفل فهو أرض وأرض أريضة أي زكية بينة الأراضة وقد أرضت بالضم أي زكت قال أبو عمرو : نزلنا أرضا أريضة أي معجبة للعين ويقال : لا أرض لك كما يقال : لا أم لك والأرض : أسفل قوائم الدابة قال حميد يصف فرسا :
ولم يقلب أرضها البيطار
ولا لحبليه بها حبار

203
أي أثر والأرض : النفضة والرعدة روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله بن الحارث قال : زلزلت الأرض بالبصرة فقال أبن عباس : والله ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرض أي أم بي رعدة وقال ذو الرمة يصف صائدا :
إذا توجس ركزا من سنابكها
أو كان صاحب أرض أو به الموم
والأرض : الزكام وقد أرضه الله أيراضا أي أزكمه فهو مأروض وفسيل مستأرض وودية مستأرضة بكسر الراء وهو أن يكون له عرق في الأرض فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب والإراض بالكسر : بساط ضخم من صوف أو وبر ورجل أريض أي متواضع خليق للخير قال الأصمعي يقال : هو أرضهم أن يفعل ذلك أي أخلقهم وشيء عريض أريض إتباع له وبعضهم يفرده ويقول : جدي أريض أي سمين قوله : ( نحن ) أصل نحن نحن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء قاله هشام بن معاوية النحوي وقال الزجاج : نحن لجماعة ومن علامة الجماعة الواو والضمة من جنس الواو فلما أضطروا إلى حركة نحن لألتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة قال : لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل : أولئك الذين أشتروا الضلالة وقال محمد أبن يزيد : نحن مثل قبل وبعد لأنها متعلقة بالإخبار عن إثنين وأكثر ف أنا للواحد ونحن للتثنية والجمع وقد يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله : نحن قمنا قال الله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر تقول المرأة : قمت وذهبت وقمنا وذهبنا وأنا فعلت ذاك ونحن فعلنا هذا كلام العرب فأعلم قوله تعالى : ( مصلحون ) أسم فاعل من أصلح والصلاح : ضد الفساد وصلح الشيء بضم اللام وفتحها لغتان قال بن السكيت والصلوح بضم الصاد مصدر صلح بضم اللام قال الشاعر
204
فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني
وما بعد شتم الوالدين صلوح
وصلاح من أسماء مكة والصلح بكسر الصاد : نهر وإنما قالوا ذلك على ظنهم لأن إفسادهم عندهم إصلاح أي أن ممالأتنا للكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين قال بن عباس وغيره
( البقره 12 )
قوله عز وجل : ( ألا إنهم هم المفسدون ) ردا عليهم وتكذيبا لقولهم قال أرباب المعاني : من أظهر الدعوى كذب ألا ترى أن الله عز وجل يقول : ألا إنهم هم المفسدون وهذا صحيح وكسرت إن لأنها مبتدأة قاله النحاس وقال علي بن سليمان يجوز فتحها كما أجاز سيبويه : حقا إنك منطلق بمعنى ألا وهم يجوز أن يكون مبتدأ والمفسدون خبره والمبتدأ وخبره خبر إن ويجوز أن تكون هم توكيدا للهاء والميم في إنهم ويجوز أن تكون فاصلة والكوفيون يقولون عمادا والمفسدون خبر إن والتقدير ألا إنهم المفسدون كما تقدم في قوله : وأولئك هم المفلحون قوله تعالى : ( ولكن لا يشعرون ) قال أبن كيسان يقال : ما على من لم يعلم إنه مفسد من الذم إنما يذم إذا علم إنه مفسد ثم أفسد على علم قال : ففيه جوابان : أحدهما إنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم والوجه الآخر : أن يكون فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق وأتباعه ولكن حرف تأكيد وأستدراك ولا بد فيه من نفي وإثبات إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفي ولا يجوز الأقتصار بعده على أسم واحد إذا تقدم الإيجاب ولكنك تذكر جملة
205
مضادة لما قبلها كما في هذه الآية وقولك : جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت لأنهم قد أستغنوا ببل في مثل هذا الموضع عن لكن وإنما يجوز ذلك إذا تقدم النفي كقولك : ما جاءني زيد لكن عمرو
( البقره 13 )
قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ) يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره ( آمنوا كما آمن الناس ) أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه كما صدق المهاجرون والمحققون من أهل يثرب وألف آمنوا ألف قطع لأنك تقول : يؤمن والكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف أي أيمانا كأيمان الناس ) يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن أبن عباس وعنه أيضا : مؤمنو أهل الكتاب وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء وأستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفة لهم وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم وروى الكلبي عن أبي صالح عن أبن عباس أنها نزلت في شأن اليهود أي وإذا قيل لهم يعني اليهود آمنوا كما آمن الناس : عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء يعني الجهال والخرقاء وأصل السفة في كلام العرب : الخفة والرقة يقال : ثوب سفية إذا كان رديء النسج خفيفة أو كان باليا رقيقا وتسفهت الريح الشجر : مالت به قال ذو الرمة :
مشين كما أهتزت رماح تسفهت
أعاليها مر الرياح النواسم

206
وتسفهت الشيء : أستحقرته والسفة : ضد الحلم ويقال : إن السفة أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروي ويجوز في همزتي السفهاء أربعة أوجه أجودها أن تحقق الأولى وتقلب الثانية واوا خالصة وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو وإن شئت خففتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والواو وجعلت الثانية واوا خالصة وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية وإن شئت حققتهما جميعا قوله تعالى : ( ولكن لا يعلمون ) مثل ولكن لا يشعرون وقد تقدم والعلم معرفة المعلوم على ما هو به تقول : علمت الشيء أعلمه علما عرفته وعالمت الرجل فعلمته أعلمه بالضم في المستقبل : غلبته بالعلم
( البقره 14 )
قوله تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين أصل لقوا : لقيوا نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لألتقاء الساكنين وقرأ محمد بن السميقع اليماني : لاقوا الذين آمنوا والأصل لاقيوا تحركت الياء وقبلها فتحة أنقلبت ألفا أجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الألف لألتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم وإن قيل : لم ضمت الواو في لاقوا في الإدراج وحذفت من لقوا فالجواب : أن قبل الواو التي في لقوا ضمة فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها وحركت في لاقوا لأن قبلها فتحة قال تعالى : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ) إن قيل : لم وصلت خلوا ب إلى وعرفها أن توصل بالباء قيل له : خلوا هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا ومنه قول الفرزدق :
كيف تراني قالبا مجني
أضرب أمري ظهره لبطن
قد قتل الله زيادا عنى

207
لما أنزله منزلة صرف وقال قوم : إلى بمعنى مع وفيه ضعف وقال قوم : إلى بمعنى الباء وهذا يأباه الخليل وسيبويه وقيل المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ف إلى على بابها والشياطين جمع شيطان على التكسير وقد تقدم القول في أشتقاقه ومعناه في الأستعاذه وأختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا فقال أبن عباس والسدي : هم رؤساء الكفر وقال الكلبي : هم شياطين الجن وقال جمع من المفسرين : هم الكهان ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر والله أعلم قوله تعالى : ( إنما نحن مستهزئون ) أي مكذبون بما ندعى إليه وقيل ساخرون والهزء : السخرية واللعب يقال هزئ به وأستهزأ قال الراجز :
قد هزئت مني أم طيسلة
قالت أراه معدما لا مال له
وقيل أصل الأستهزاء : الأنتقام كما قال الآخر :
قد أستهزءوا منهم بألفي مدجج
سراتهم وسط الصحاصح جثم
( البقره 15 )
قوله تعالى : ( الله يستهزيء بهم ) أي ينتقم منهم ويعاقبهم ويسخر بهم ويجازيهم على أستهزائهم فسمى العقوبة بأسم الذنب هذا قول الجمهور من العلماء والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم من ذلك قول عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى أنتصاره جهلا والجهل لا يفتخر به ذو عقل وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه وعلى ذلك جاء القرآن والسنة وقال
208
الله عز وجل : وجزاء سيئة سيئة مثلها وقال : فمن أعتدى عليكم فأعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم والجزاء لا يكون سيئة والقصاص لا يكون أعتداء لأنه حق وجب ومثله : ومكروا ومكر الله وإنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا الطارق وإنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا كيد إنما هو جزاء لمكرهم وأستهزائهم وجزاء كيدهم وكذلك يخادعون الله وهو خادعهم فيسخرون منهم سخر الله منهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا ( قيل : حتى بمعنى الواو أي وتملوا وقيل المعنى وأنتم تملون وقيل : المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل وقال قوم : إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر حسب ما روي : ( إن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم ( وروى الكلبي عن أبي صالح عن أبن عباس في قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا هم منافقو أهل الكتاب فذكرهم وذكر أستهزاءهم وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر على ما تقدم قالوا : إنا معكم على دينكم إنما نحن مستهزئون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الله يستهزئ بهم في الآخرة يفتح لهم باب جهنم من الجنة ثم يقال لهم : تعالوا فيقبلون يسبحون في النار والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون اليهم فإذا أنتهوا إلى الباب سد عنهم فيضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله عز وجل : الله يستهزئ بهم أي في الآخرة ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب فذلك قوله تعالى : فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون إلى أهل النار هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون وقال قوم : الخداع من الله والأستهزاء هو أستدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر عنهم من عذاب الآخرة فيظنون أنه راض عنهم وهو تعالى
209
قد حتم عذابهم فهذا على تأمل البشر كأنه أستهزاء ومكر وخداع ودل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه أستدراج ( ثم نزع بهذه الآية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وقال بعض العلماء في قوله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الأعراف : كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة قوله تعالى : ( ويمدهم ) أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم كما قال إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وأصله الزيادة قال يونس بن حبيب : يقال مد لهم في الشر وأمد في الخير قال الله تعالى : وأمددناكم بأموال وبنين وقال : وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون وحكى عن الأخفش : مددت له إذا تركته وأمددته إذا أعطيته وعن الفراء واللحياني : مددت فيما كانت زيادته من مثله يقال : مد النهر النهر وفي التنزيل : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر لقمان وأمددت فيما كانت زيادته من غيره كقولك : أمددت الجيش بمدد ومنه : يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة وأمد الجرح لأن المدة من غيره أي صارت فيه مدة قوله تعالى : ( في طغيانهم ) كفرهم وضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى : إنا لما طغى الماء أي أرتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخزان وقوله في فرعون : إنه طغى أي أسرف في الدعوى حيث قال : أنا ربكم الأعلى والمعنى في الآية : يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم قوله تعالى ( يعمهون ) يعمون وقال مجاهد : أي يترددون متحيرين في الكفر وحكى أهل اللغة : عمه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار ويقال رجل عامه
210
وعمه : حائر متردد وجمعه عمه وذهبت إبله العمهي إذا لم يدر أين ذهبت والعمى في العين والعمه في القلب وفي التنزيل : فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
( البقره 16 )
قوله تعالى : ( أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى ) قال سيبويه : ضمت الواو في أشتروا فرقا بينها وبين الواو الأصلية نحو : وأن لو أستقاموا على الطريقة الجن وقال بن كيسان : الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها وقال الزجاج : حركت بالضم كما فعل في نحن وقرأ أبن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل ألتقاء الساكنين وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان ما قبلها مفتوحا وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدور وأشتروا : من الشراء والشراء هنا مستعار والمعنى أستحبوا الكفر على الإيمان كما قال : فأستحبوا العمى على الهدى فعبر عنه بالشراء لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون أيمانهم وقال أبن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى ومعناه أستبدلوا وأختاروا الكفر على الإيمان وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الأستبدال والعرب تستعمل ذلك في كل من أستبدل شيئا بشيء قال أبو ذؤيب :
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم
فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

211
وأصل الضلالة : الحيرة ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة قال جل وعز : فعلتها إذا وأنا من الضالين أي الناسين ويسمى الهلاك ضلالة كما قال عز وجل : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض قال تعالى : ( فما ربحت تجارتهم ) أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك وخسرت صفقتك وقولهم : ليل قائم ونهار صائم والمعنى : ربحت وخسرت في بيعك وقمت في ليلك وصمت في نهارك أي فما ربحوا في تجارتهم وقال الشاعر :
نهارك هائم وليلك نائم
كذلك في الدنيا تعيش البهائم
بن كيسان : ويجوز تجارة وتجائر وضلالة وضلائل قوله تعالى : ( وما كانوا مهتدين ) في أشترائهم الضلالة وقيل : في سابق علم الله والأهتداء ضد الضلال وقد تقدم
( البقره 17 )
قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا ) فمثلهم رفع بالأبتداء والخبر في الكاف فهي أسم كما هي في قول الأعشى :
أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
وقول امرئ القيس :
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا
تصوب فيه العين طورا وترتقي

212
أراد مثل الطعن وبمثل أبن الماء ويجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره مثلهم مستقر كمثل فالكاف على هذا حرف والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه والمتماثلان : المتشابهان هكذا قال أهل اللغة قوله ( الذي ) يقع للواحد والجمع قال أبن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد كما قال :
وأن الذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا أم خالد
وقيل في قول الله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون : إنه بهذه اللغة وكذلك قوله : مثلهم كمثل الذي قيل : المعنى كمثل الذين أستوقدوا ولذلك قال : ذهب الله بنورهم فحمل أول الكلام على الواحد وآخره على الجمع فأما قوله تعالى : وخضتم كالذي خاضوا التوبة فإن الذي ها هنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا وقيل : إنما وحد الذي وأستوقد لأن المستوقد كان واحدا من جماعة تولى الإيقاد لهم فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال بنورهم وأستوقد بمعنى أوقد مثل أستجاب بمعنى أجاب فالسين والتاء زائدتان قاله الأخفش ومنه قول الشاعر :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي يجبه
وأختلف النحاة في جواب لما وفي عود الضمير من نورهم فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت والضمير في نورهم على هذا للمنافقين والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة كما قال تعالى : فضرب بينهم بسور له باب وقيل : جوابه ذهب والضمير في نورهم عائد على الذي وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين
213
وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فأستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا فكذلك المنافقون لما آمنوا أغتروا بكلمة الإسلام ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم كما أخبر التنزيل : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ويذهب نورهم ولهذا يقولون : انظرونا نقتبس من نوركم وقيل : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار وأنصرافهم عن مودتهم وأرتكاسهم عندهم كذهابها وقيل غير هذا قوله : ( نارا ) النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق وهي من الواو لأنك تقول في التصغير : نويرة وفي الجمع نور وأنوار ونيران أنقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها وضاءت وأضاءت لغتان يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء يكون لازما ومتعديا وقرأ محمد بن السميقع : ضاءت بغير ألف والعامة بالألف قال الشاعر :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم
دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
( ما حوله ) ما زائدة مؤكدة وقيل : مفعولة بأضاءت وحوله ظرف مكان والهاء في موضع خفض بأضافته إليها و ( ذهب ) وأذهب لغتان من الذهاب وهو زوال الشيء ( وتركهم ) أي أبقاهم ( في ظلمات ) جمع ظلمة وقرأ الأعمش : ظلمات بإسكان اللام على الأصل ومن قرأها بالضم فللفرق بين الأسم والنعت وقرأ أشهب العقيلي : ظلمات بفتح اللام قال البصريون : أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف وقال الكسائي : ظلمات جمع الجمع جمع ظلم ( لا يبصرون ) فعل مستقبل في موضع الحال كأنه قال : غير مبصرين فلا يجوز الوقف على هذا على ظلمات
( البقره 18 )

214
قوله تعالى : ( صم بكم عمي ) صم أي هم صم فهو خبر أبتداء مضمر وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة : صما بكما عميا فيجوز النصب على الذم كما قال تعالى : ملعونين أينما ثقفوا وكما قال : وأمرأته حمالة الحطب المسد وكما قال الشاعر :
سقوني الخمر ثم تكنفوني
عداة الله من كذب وزور
فنصب عداة الله على الذم فالوقف على يبصرون على هذا المذهب صواب حسن ويجوز أن ينصب صما ب تركهم كأنه قال : وتركهم صما بكما عميا فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على يبصرون والصمم في كلام العرب : الأنسداد يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة وصممت القارورة إذا سددتها فالأصم : من أنسدت خروق مسامعه والأبكم : الذي لا ينطق ولا يفهم فإذا فهم فهو الأخرس وقيل : الأخرس والأبكم واحد ويقال : رجل أبكم وبكيم أي أخرس بين الخرس والبكم قال :
فليت لساني كان نصفين منهما
بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
والعمى : ذهاب البصر وقد عمي فهو أعمى وقوم عمي وأعماه الله وتعامى الرجل : أرى ذلك من نفسه وعمي عليه الأمر إذا التبس ومنه قوله تعالى : فعميت عليهم الأنباء يومئذ وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة وإنما الغرض نفيها من جهة ما تقول : فلان أصم عن الخنا ولقد أحسن الشاعر حيث قال :
أصم عما ساءه سميع
وقال آخر :
وعوراء الكلام صممت عنها
ولو أنى أشاء بها سميع
وقال الدارمي :
أعمى إذا ما جارتي خرجت
حتى يوارى جارتي الجدر

215
وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك :
أدخل إذا ما دخلت أعمى
وأخرج إذا ما خرجت أخرس
وقال قتادة : صم عن أستماع الحق بكم عن التكلم به عمي عن الإبصار له قلت وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولاة آخر الزمان في حديث جبريل ( وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ( والله أعلم قوله تعالى : ( فهم لا يرجعون ) أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم يقال : رجع بنفسه رجوعا ورجعه غيره وهذيل تقول : أرجعه غيره وقوله تعالى : يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يتلاومون فيما بينهم حسب ما بينه التنزيل في سورة سبأ
( البقره 19 )
قوله تعالى : ( أوكصيب من السماء ) قال الطبري : أو بمعنى الواو وقاله الفراء وأنشد :
وقد زعمت ليلى بأنى فاجر
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقال آخر :
نال الخلافة أو كانت له قدرا
كما أتى ربه موسى على قدر
أي وكانت وقيل : أو للتخيير أي مثلوهم بهذا أو بهذا لا على الأقتصار على أحد الأمرين والمعنى أو كأصحاب صيب والصيب : المطر وأشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل قال علقمة :
فلا تعدلي بيني وبين مغمر
سقتك روايا المزن حيث تصوب

216
وأصله : صيوب إجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين وقال بعض الكوفيين : أصله صويب على مثال فعيل قال النحاس : لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز أدغام طويل وجمع صيب صيايب والتقدير في العربية : مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا أو كمثل صيب قوله تعالى : ( من السماء ) السماء تذكر وتؤنث وتجمع على أسمية وسموات وسمى على فعول قال العجاج :
تلفه الرياح والسمى
والسماء : كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف البيت : سماء والسماء : المطر سمي به لنزوله من السماء قال حسان بن ثابت :
ديار من بني الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء
وقال آخر :
إذا سقط السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا
ويسمى الطين والكلا أيضا سماء يقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم يريدون الكلأ والطين ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه قال :
وأحمر كالديباج أما سماؤه
فريا وأما أرضه فمحول والسماء
: ما علا والأرض : ما سفل على ما تقدم قوله تعالى : ( فيه ظلمات ) أبتداء وخبر ( ورعد وبرق ) معطوف عليه وقال : ظلمات بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن وهو الغيم ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت وقد مضى ما فيه من اللغات فلا معنى للإعادة وكذا كل ما تقدم إن شاء الله تعالى
217
وأختلف العلماء في الرعد ففي الترمذي عن أبن عباس قال : سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو قال : ( ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله ( فقالوا : فما هذا الصوت الذي نسمع قال : ( زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله ( قالوا : صدقت الحديث بطوله وعلى هذا التفسير أكثر العلماء فالرعد : أسم الصوت المسموع وقاله علي رضى الله عنه وهو المعلوم في لغة العرب وقد قال لبيد في جاهليته :
فجعني الرعد والصواعق بال فارس
يوم الكريهة النجد
وروي عن أبن عباس أنه قال : الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت وأختلفوا في البرق فروي عن علي وأبن مسعود وأبن عباس رضوان الله عليهم : البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب قلت : وهو الظاهر من حديث الترمذي وعن أبن عباس أيضا هو سوط من نور بيد الملك يزجر به السحاب وعنه أيضا : البرق ملك يتراءى وقالت الفلاسفة : الرعد صوت أصطكاك أجرام السحاب والبرق ما ينقدح من أصطكاكها وهذا مردود لا يصح به نقل والله أعلم ويقال : أصل الرعد من الحركة ومنه الرعديد للجبان وأرتعد : أضطرب ومنه الحديث : ( فجيء بهما ترعد فرائصهما ( الحديث أخرجه أبو داود والبرق أصله من البريق والضوء ومنه البراق : دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وركبها الأنبياء عليهم السلام قبله ورعدت السماء من الرعد وبرقت من البرق ورعدت المرأة وبرقت : تحسنت وتزينت ورعد الرجل وبرق : تهدد وأوعد قال أبن أحمر :
يا جل ما بعدت عليك بلادنا
وطلابنا فأبرق بأرضك وأرعد

218
وأرعد القوم وأبرقوا : أصابهم رعد وبرق وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو : أرعدت السماء وأبرقت وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد وأنكره الأصمعي وأحتج عليه بقول الكميت :
أبرق وأرعد يا يزي د
فما وعيدك لي بضائر
فقال ليس الكميت بحجة فائدة روى أبن عباس قال : كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار قال : فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد وفرق الناس قال فقال لي كعب : إنه من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق قال : فقلتها أنا وكعب فلما أصبحنا وأجتمع الناس قلت لعمر : يا أمير المؤمنين كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس قال : وما ذاك قال : فحدثته حديث كعب قال : سبحان الله أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم في رواية فإذا بردة قد أصابت أنف عمر فأثرت به وستأتي هذه الرواية في سورة الرعد إن شاء الله ذكر الروايتين أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين وعن أبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال : ( اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ( قوله تعالى : ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام وذلك عندهم كفر والكفر موت وفي واحد الأصابع خمس لغات : إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء وأصبع بفتح الهمزة وكسر الباء ويقال بفتحهما جميعا وضمهما جميعا وبكسرهما جميعا وهي مؤنثه وكذلك الأذن وتخفف وتثقل وتصغر فيقال : أذينة ولو سميت بها رجلا ثم صغرته قلت : أذين فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر فأما قولهم : أذينه في الأسم العلم فإنما سمي به مصغرا والجمع آذان وتقول : أذنته إذا ضربت أذنه ورجل أذن إذا كان يسمع كلام كل أحد يستوي فيه الواحد
219
والجمع وأذاني : عظيم الأذنين ونعجة أذناء وكبش آذن وأذنت النعل وغيرها تأذينا : إذا جعلت لها أذنا وأذنت الصبي : عركت أذنه قوله تعالى : ( من الصواعق ) أي من أجل الصواعق والصواعق جمع صاعقة قال أبن عباس ومجاهد وغيرهما : إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق وكذا قال الخليل قال : هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه وقال أبو زيد : الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد وحكى الخليل عن قوم : الساعقة ( بالسين ) وقال أبو بكر النقاش : يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد وقرأ الحسن : من الصواقع ( بتقديم القاف ) ومنه قول أبي النجم :
يحكون بالمصقولة القواطع
تشقق البرق عن الصواقع
قال النحاس : وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة ويقال : صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة والصاعقة أيضا صيحة العذاب قال الله عز وجل : فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ويقال : صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه ومنه قوله تعالى : وخر موسى صعقا فأصعقه غيره قال أبن مقبل :
ترى النعرات الزرق تحت لبانه
أحاد ومثنى أصعقتها صواهله
وقوله تعالى : فصعق من في السماوات ومن في الأرض الزمر أي مات وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر والرعد والبرق مثل لما يخوفون به وقيل : مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلمات وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق والصواعق
220
مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل وقيل : الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما قوله : ( حذر الموت ) حذر وحذار بمعنى وقرئ بهما قال سيبويه : هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله وحقيقته أنه مصدر وأنشد سيبويه :
وأغفر عوراء الكريم أدخاره
وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
وقال الفراء : هو منصوب على التمييز والموت : ضد الحياة وقد مات يموت ويمات أيضا قال الراجز :
بنيتي سيدة البنات
عيشي ولا يؤمن أن تماتي
فهو ميت وميت وقوم موتى وأموات وميتون وميتون والموات ( بالضم ) : الموت والموات ( بالفتح ) : ما لا روح فيه والموات أيضا : الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد والموتان ( بالتحريك ) : خلاف الحيوان يقال : أشتر الموتان ولا تشتر الحيوان أي أشتر الأرضين والدور ولا تشتر الرقيق والدواب والموتان ( بالضم ) : موت يقع في الماشية يقال : وقع في المال موتان وأماته الله وموته شدد للمبالغة وقال :
فعروة مات موتا مستريحا
فهأنذا أموت كل يوم
وأماتت الناقة إذا مات ولدها فهي مميت ومميتة قال أبو عبيد : وكذلك المرأة وجمعها مماويت قال أبن السكيت : أمات فلان إذا مات له أبن أو بنون والمتماوت من صفة الناسك المرائي وموت مائت كقولك ليل لائل يؤخذ من لفظه ما يؤكد به والمستميت للأمر : المسترسل له قال
رؤبة
221
وزبد البحر له كتيت
والليل فوق الماء مستميت
المستميت أيضا : المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت وفي الحديث : ( أرى القوم مستميتين ( وهم الذين يقاتلون على الموت والموتة ( بالضم ) : جنس من الجنون والصرع يعترى الإنسان فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران ومؤتة ( بضم الميم وهمز الواو ) : أسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام قوله تعالى : ( والله محيط بالكافرين ) أبتداء وخبر أي لا يفوتونه يقال : أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة قال الشاعر :
أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا
بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم
ومنه قوله تعالى : وأحيط بثمره وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات أي هي في قبضته وتحت قهره كما قال : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة وقيل : محيط بالكافرين أي عالم بهم دليله : وإن الله قد أحاط بكل شيء علما وقيل : مهلكهم وجامعهم دليله قوله تعالى : إلا أن يحاط بكم أي إلا أن تهلكوا جميعا وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم في الآية والله أعلم
( البقره 20 )

222
قوله تعالى : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) يكاد معناه يقارب يقال : كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل ويجوز في غير القرآن : يكاد أن يفعل كما قال رؤبة :
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
مشتق من المصح وهو الدرس والأجود
أن تكون بغير أن لآنها لمقاربة الحال وأن تصرف الكلام إلى الأستقبال وهذا متناف قال الله عز وجل : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ومن كلام العرب : كاد النعام يطير وكاد العروس يكون أميرا لقربهما من تلك الحال وكاد فعل متصرف على فعل يفعل وقد جاء خبره بالأسم وهو قليل قال : وما كدت آئبا ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق في كون خبرها بغير أن قال الله عز وجل : وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة والحال لا يكون معها أن فأعلم قوله تعالى : ( يخطف أبصارهم ) الخطف : الأخذ بسرعة ومنه سمي الطير خطافا لسرعته فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم ويخطف ويخطف لغتان قرئ بهما وقد خطفه بالكسر يخطفه خطفا وهي اللغة الجيدة واللغة الأخرى حكاها الأخفش : خطف يخطف الجوهري : وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم وقال النحاس : في يخطف سبعة أوجه القراءة الفصيحة : يخطف وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب : يخطف بكسر الطاء قال سعيد الأخفش : هي لغة وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء قال الفراء : وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء قال الكسائي والأخفش والفراء : يجوز يخطف بكسر الياء والخاء والطاء فهذه ستة أوجه موافقة للخط
223
والسابعة حكاها عبد الوارث قال : رأيت في مصحف أبي بن كعب يتخطف وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ يخطف بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف ثم أدغم التاء في الطاء فألتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين قال سيبويه : ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها وقال الكسائي : ومن كسر الياء فلأن الألف في أختطف مكسورة فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من أسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز لأنه جمع بين ساكنين قاله النحاس وغيره قلت : وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء يخطف قال أبن مجاهد : وأظنه غلطا وأستدل على ذلك بأن خطف الخطفة لم يقرأه أحد بالفتح ( أبصارهم ) جمع بصر وهي حاسة الرؤية والمعنى : تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم ومن جعل البرق مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم قوله تعالى : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) كلما منصوب لأنه ظرف وإذا كان كلما بمعنى إذا فهي موصولة والعامل فيه مشوا وهو جوابه ولا يعمل فيه أضاء لأنه في صلة ما والمفعول في قول المبرد محذوف التقدير عنده : كلما أضاء لهم البرق الطريق وقيل : يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى كسكت وأسكت فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول قال الفراء : يقال ضاء وأضاء وقد تقدم والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم عن أبن عباس وقيل : المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا : دين محمد دين مبارك وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم عن أبن مسعود وقتادة قال النحاس : وهذا قول حسن ويدل على صحته : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة أنقلب على وجهه وقال علماء الصوفية هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا فأرتقى من
224
تلك الأحوال بالدعاوي إلى أحوال الأكابر كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاوية لا يبصر طريق الخروج منها وروي عن أبن عباس أن المراد اليهود لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا : هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية فلما نكب بأحد أرتدوا وشكوا وهذا ضعيف والآية في المنافقين وهذا أصح عن أبن عباس والمعنى يتناول الجميع قوله تعالى ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) لو حرف تمن وفيه معنى الجزاء وجوابه اللام والمعنى : ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالإستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا أو لأنهما أشرف ما في الأنسان وقرئ بأسماعهم على الجمع وقد تقدم الكلام في هذا قوله تعالى : ( إن الله على كل شيء قدير ) عموم ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه وأجمعت الامة على تسمية الله تعالى بالقدير فهو سبحانه قدير قادر مقتدر والقدير أبلغ في الوصف من القادر قاله الزجاجي وقال الهروي : والقدير والقادر بمعنى واحد يقال : قدرت على الشيء أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا أي قدرة والأقتدار على الشيء : القدرة عليه فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه وأختياره ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة وأنه غير مستبد بقدرته وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك والله أعلم فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين أربع آيات في وصف المؤمنين ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين وبقيتها في المنافقين وقد تقدمت الرواية فيها عن بن جريج وقاله مجاهد أيضا
225
( البقره 21 )
قوله سبحانه وتعالى : ( يأيها الناس أعبدوا ربكم ) قال علقمة ومجاهد : كل آية أولها يأيها الناس فإنما نزلت بمكة وكل آية أولها يأيها الذين آمنوا فإنما نزلت بالمدينة قلت : وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يأيها الناس وأما قولهما في يأيها الذين آمنوا فصحيح وقال عروة بن الزبير : ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة وهذا واضح ويا في قوله : يأيها حرف نداء أي منادى مفرد مبني على الضم لأنه منادى في اللفظ وها للتنبيه الناس مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في : يا هذا الرجل وقيل : ضمت أي كما ضم المقصود المفرد وجاءوا ب ها عوضا عن ياء أخرى وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاؤوا بها حتى يبقى الكلام متصلا قال سيبويه : كأنك كررت يا مرتين وصار الأسم بينهما كما قالوا : ها هو ذا وقيل : لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادى مجرد عن حرف تعريف وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء وألتزموا رفعه لأنه المقصود بالنداء فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادى فأعلمه واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما الكفار الذين لم يعبدوه يدل عليه قوله : وإن كنتم في ريب الثاني أنه عام في جميع الناس فيكون خطابه للمؤمنين بأستدامة العبادة وللكافرين بأبتدائها وهذا حسن قوله تعالى : ( أعبدوا ) أمر بالعبادة له والعبادة هنا عبارة عن توحيده وألتزام شرائع دينه وأصل العبادة الخضوع والتذلل يقال طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام
226
قال طرفة :
وظيفا وظيفا فوق مور معبد
والعبادة : الطاعة والتعبد : التنسك وعبدت فلانا : أتخذته عبدا قوله تعالى : ( الذي خاقكم ) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم وقيل : ليذكرهم بذلك نعمته عليهم وفي أصل الخلق وجهان : أحدهما التقدير يقال : خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع قال الشاعر :
ولأنت تفري ما خلقت وبع ض
القوم يخلق ثم لا يفري
وقال الحجاج : ما خلقت إلا فريت ولا وعدت إلا وفيت الثاني : الإنشاء والأختراع والإبداع قال الله تعالى : وتخلقون إفكا قوله تعالى : ( والذين من قبلكم ) فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم فالجواب : أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك وليعلموا أنهم يبتلون كما أبتلوا والله أعلم قوله تعالى : ( لعلكم تتقون ) لعل متصلة بأعبدوا لا بخلقكم لأن من ذرأة الله لجهنم لم يخلقه ليتقي وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله : لعلكم تعقلون لعلكم تشكرون لعلكم تذكرون لعلكم تهتدون فيه ثلاث تأويلات
227
الأول أن لعل على بابها من الترجي والتوقع والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر فكأنه قيل لهم أفعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل : إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى طه قال معناه : إذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى وأختار هذا القول أبو المعالي الثاني أن العرب أستعملت لعل مجردة من الشك بمعنى لام كي فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا وعلى ذلك يدل قول الشاعر :
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا
نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم
كلمع سراب في الملا متألق
المعنى : كفوا الحروب لنكف ولو كانت لعل هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق وهذا القول عن قطرب والطبري الثالث أن تكون لعل بمعنى التعرض للشيء كأنه قيل : أفعلوا ذلك متعرضين لأن تعقلوا أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا والمعنى في قوله لعلكم تتقون : أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار وهذا من قول العرب : أتقاه بحقه إذا أستقبله به فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة ومنه قول علي رضى الله عنه : كنا إذا أحمر البأس أتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم أي جعلناه وقاية لنا من العدو وقال عنترة :
ولقد كررت المهر يدمى نحره
حتى أتقتني الخيل بأبنى حذيم
( البقره 22 )

228
قوله تعالى : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الذي جعل ) معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين ويأتي بمعنى خلق ومنه قوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة وقوله : وجعل الظلمات والنور ويأتي بمعنى سمى ومنه قوله تعالى : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا وقوله : وجعلوا له من عباده جزءا وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أي سموهم ويأتي بمعنى أخذ كما قال الشاعر :
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة
لضغمهما ها يقرع العظم نابها
وقد تأتي زائدة كما قال الآخر :
وقد جعلت أرى الأثنين أربعة
والواحد أثنين لما هدني الكبر
وقد قيل في قوله تعالى وجعل الظلمات والنور إنها زائدة وجعل وأجتعل بمعنى واحد قال الشاعر
ناط أمر الضعاف وأجتعل اللي ل
كحبل العادية الممدود ( فراشا )
أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها لأن الجبال كالأوتاد كما قال : ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا النبأ والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس الثانية قال أصحاب الشافعي : لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفا
229
وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين فإن عدم ذلك فالعرف الثالثة قوله تعالى : ( والسماء بناء ) السماء للأرض كالسقف للبيت ولهذا قال وقوله الحق : وجعلنا السماء سقفا محفوظا وكل ما علا فأظل قيل له سماء وقد تقدم القول فيه والوقف على بناء أحسن منه على تتقون لأن قوله : الذي جعل لكم الأرض فراشا نعت للرب ويقال : بنى فلان بيتا وبنى على أهله بناء فيهما أي زفها والعامة تقول : بنى بأهله وهو خطأ وكأن الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها فقيل لكل داخل بأهله بان : وبنى مقصورا شدد للكثرة وأبتنى دارا وبنى بمعنى ومنه بنيان الحائط وأصله وضع لبنه على أخرى حتى تثبت وأصل الماء موه قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت ماه فألتقى حرفان خفيان فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد وهي بالألف أشبه فقلت : ماء الألف الأولى عين الفعل وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين قال أبو الحسن : لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين وإن شئت بثلاث فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الأصل فقالوا : مويه وأمواه ومياه مثل جمال وأجمال الرابعة قوله تعالى ( فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) الثمرات جمع ثمرة ويقال : ثمر مثل شجر ويقال ثمر مثل خشب ويقال : ثمر مثل بدن وثمار مثل إكام جمع ثمر وسيأتي لهذا مزيد بيان في الأنعام إن شاء الله وثمار السياط : عقد أطرافها والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات وأنواعا من النبات ( رزقا ) طعاما لكم وعلفا لدوابكم وقد بين هذا قوله تعالى : إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم عبس وقد مضى الكلام في الرزق مستوفي والحمد لله
230
فإن قيل : كيف أطلق أسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك قيل له : لأنها معدة لأن تملك ويصح بها الأنتفاع فهي رزق الخامسة قلت : ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الأنسان عن كل مخلوق ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى : ( والله لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه ( أخرجه مسلم ويدخل في معنى الأحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا وقال علماء الصوفية : أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء والماء طيبا والكلأ طعاما ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا فإن الله عز وجل قد أتاح لك ما لا بد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك وقال نوف البكالي : رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال : يا نوف أراقد أنت أم رامق قلت : بل رامق يا أمير المؤمنين قال : طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة أولئك قوم أتخذوا الأرض بساطا وترابها فراشا وماءها طيبا والقرآن والدعاء دثارا وشعارا فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام وذكر باقي الخبر وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى : أجيب دعوة الداع ) إن شاء الله تعالى السادسة قوله تعالى : ( فلا تجعلوا ) نهي ( لله أندادا ) أي أكفاء وأمثالا ونظراء واحدها ند وكذلك قرأ محمد بن السميقع ندا قال الشاعر :
نحمد الله ولا ند له
عنده الخير وما شاء فعل
وقال حسان :
أتهجوه ولست له بند
فشركما لخيركما الفداء

231
ويقال ندونديد ونديدة على المبالغة قال لبيد :
لكيلا يكون السندري نديدتي
وأجعل أقواما عموما عماعما
وقال أبو عبيدة : أندادا أضدادا النحاس : أندادا مفعول أول ولله في موضع الثاني الجوهري : والند بفتح النون : التل المرتفع في السماء والند من الطيب ليس بعربي وند البعير يند ندا وندادا وندودا : نفر وذهب على وجهه ومنه قرأ بعضهم يوم التناد وندد به أي شهره وسمع به السابعة قوله تعالى : ( وأنتم تعلمون ) أبتداء وخبر والجملة في موضع الحال والخطاب للكافرين والمنافقين عن أبن عباس فإن قيل : كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى فالجواب من وجهين : أحدهما وأنتم تعلمون يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الأنداد الثاني أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم والله أعلم وفي هذا دليل على الأمر بأستعمال حجج العقول وإبطال التقليد وقال أبن فورك : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد
( البقره 23 )
قوله تعالى : ( وإن كنتم في ريب ) أي في شك ( مما نزلنا ) يعني القرآن والمراد المشركون الذين تحدوا فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا : ما يشبه هذا كلام الله
232
وإنا لفي شك منه فنزلت الآية ووجه أتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الأولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده قوله : ( على عبدنا ) يعني محمد صلى الله عليه وسلم والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل فسمي المملوك من جنس ما يفعله عبدا لتذلله لمولاه قال طرفة :
إلى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعبر المعبد
أي المذلل قال بعضهم : لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط سمى نبيه عبدا وأنشدوا :
يا قوم قلبي عند زهراء
يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلا بيا عبدها
فإنه أشرف أسمائي ( فأتوا بسورة ) الفاء
جواب الشرط إئتوا مقصور لانه من باب المجيء قاله بن كيسان وهو أمر معناه التعجيز لأنه تعالى علم عجزهم عنه والسورة واحدة السور وقد تقدم الكلام فيها وفي إعجاز القرآن فلا معنى للإعادة ومن في قوله ( من مثله ) زائدة كما قال : فأتوا بسورة مثله والضمير في مثله عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء كقتادة ومجاهد وغيرهما وقيل : يعود على التوراة والإنجيل فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه وقيل : يعود على النبي صلى الله عليه وسلم المعنى : من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ فمن على هذين التأويلين للتبعيض والوقف على مثله ليس بتام لأن وأدعوا نسق عليه قوله تعالى : ( وأدعوا شهداءكم ) معناه أعوانكم ونصراءكم الفراء : آلهتكم وقال بن كيسان : فإن قيل كيف ذكر الشهداء ها هنا وإنما يكون الشهداء ليشهدوا أمرا أو ليخبروا بأمر شهدوه وإنما قيل لهم : فأتوا بسورة من مثله فالجواب : أن
233
المعنى أستعينوا بمن وجدتموه من علمائكم وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم قلت : هذا هو معنى قول مجاهد قال مجاهد : معنى وأدعوا شهداءكم أي أدعوا ناسا يشهدون لكم أي يشهدون أنكم عارضتموه النحاس : شهداءكم نصب بالفعل جمع شهيد يقال : شاهد وشهيد مثل قادر وقدير وقوله : ( من دون الله ) أي من غيره ودون نقيض فوق وهو تقصير عن الغاية ويكون ظرفا والدون : الحقير الخسيس قال :
إذا ما علا المرء رام العلاء
ويقنع بالدون من كان دونا
ولا يشتق منه فعل وبعضهم يقول منه : دان يدون دونا ويقال : هذا دون ذاك أي أقرب منه ويقال في الإغراء بالشيء : دونكه قالت تميم للحجاج : أقبرنا صالحا وكان قد صلبه فقال : دونكموه قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة لقولهم في آية أخرى : لو نشاء لقلنا مثل هذا والصدق : خلاف الكذب وقد صدق في الحديث والصدق : الصلب من الرماح ويقال : صدقوهم القتال والصديق : الملازم للصدق ويقال : رجل صدق كما يقال : نعم الرجل والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود
( البقره 24 )
قوله تعالى : ( فإن لم تفعلوا ) يعني فيما مضى ( ولن تفعلوا ) أي تطيقوا ذلك فيما يأتي والوقف على هذا على صادقين تام وقال جماعة من المفسرين : معنى الآية وأدعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فأتقوا النار فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على صادقين
234
فإن قيل : كيف دخلت أن على لم ولا يدخل عامل على عامل فالجواب أن إن ها هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على لم كما تدخل على الماضي لأنها لا تعمل في لم كما لا تعمل في الماضي فمعنى إن لم تفعلوا : إن تركتم الفعل قوله تعالى : ( ولن تفعلوا ) نصب بلن ومن العرب من يجزم بها ذكره أبو عبيدة ومنه بيت النابغة :
فلن أعرض أبيت اللعن بالصفد
وفي حديث أبن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه : فقيل لي لن ترع هذا على تلك اللغة وفي قوله : ولن تفعلوا إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها وقال أبن كيسان : ولن تفعلوا توقيفا لهم على أنه الحق وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب وأنه مفترى وأنه سحر وأنه شعر وأنه أساطير الأولين وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله وقوله ( فأتقوا النار ) جواب فإن لم تفعلوا أي أتقوا النار بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى وقد تقدم معنى التقوى فلا معنى لإعادتها ويقال : إن لغة تميم وأسد فتقوا النار وحكى سيبويه : تقى يتقي مثل قضى يقضي النار مفعولة التي من نعتها وفيها ثلاث لغات : التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها وهي أسم مبهم للمؤنث وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منها للتنكير ولا تتم إلا بصلة وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضا : اللتان واللتا بحذف النون واللتان بتشديد النون وفي جمعها خمس لغات
235
اللاتي وهي لغة القرآن واللات بكسر التاء بلا ياء واللواتي واللوات بلا ياء وأنشد أبو عبيدة :
من اللواتي واللتي واللاتي
زعمن أن قد كبرت لداتي
واللوا بإسقاط التاء هذا ما حكاه الجوهري وزاد أبن الشجري : اللائي بالهمز وإثبات الياء واللاء بكسر الهمزة وحذف الياء واللا بحذف الهمزة فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي : وفي اللائي : اللوائي قال الجوهري : وتصغير التي اللتيا ( بالفتح والتشديد ) قال الراجز :
بعد اللتيا واللتيا والتي
إذا علتها أنفس تردت وبعض الشعراء أدخل على التي حرف النداء وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله وحده فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها وقال :
من أجلك يا التي تيمت قلبي
وأنت بخيلة بالود عني
ويقال : وقع فلان في اللتيا والتي وهما أسمان من أسماء الداهية والوقود بالفتح : الحطب وبالضم : التوقد والناس عموم ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها أجارنا الله منها والحجارة هي حجارة الكبريت الأسود عن أبن مسعود والفراء وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الأتقاد نتن الرائحة كثرة الدخان شدة الألتصاق بالأبدان قوة حرها إذا حميت وليس في قوله تعالى : وقودها الناس والحجارة دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة بدليل ما ذكره في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها وقيل : المراد بالحجارة الأصنام لقوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أي حطب جهنم وعليه فتكون الحجارة والناس وقودا للنار وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس
236
وعلى التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل مؤذ في النار ( وفي تأويله وجهان : أحدهما أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار الثاني أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار معد لعقوبة أهل النار وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة والله أعلم روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت : يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك قال : ( نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح في رواية ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ( وقودها مبتدأ الناس خبره والحجارة عطف عليهم وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف : وقودها بضم الواو وقرأ عبيد بن عمير : وقيدها الناس قال الكسائي والأخفش : الوقود بفتح الواو : الحطب وبالضم : الفعل يقال : وقدت النار تقد وقودا بالضم ووقدا وقدة ووقيدا ووقدا ووقدانا أي توقدت وأوقدتها أنا وأستوقدتها أيضا والأتقاد مثل التوقد والموضع موقد مثل مجلس والنار موقدة والوقدة : شدة الحر وهي عشرة أيام أو نصف شهر قال النحاس : يجب على هذا ألا يقرأ إلا وقودها بفتح الواو لأن المعنى حطبها إلا أن الأخفش قال : وحكي أن بعض العرب يجعل الوقود والوقود بمعنى الحطب والمصدر قال النحاس : وذهب إلى أن الأول أكثر قال : كما أن الوضوء الماء والوضوء المصدر قوله تعالى : ( أعدت للكافرين ) ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالاحاديث الثابتة في الشفاعة على ما يأتي وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة خلافا للمبتدعة في قولهم : إنها لم تخلق حتى الآن وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع وجبة
237
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تدرون ما هذا ( قال قلنا : الله ورسوله أعلم قال : ( هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى أنتهى إلى قعرها ( وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عز وجل لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها ( وأخرجه مسلم بمعناه يقال : أحتجت بمعنى تحتج للحديث المتقدم حديث أبن مسعود ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهما في صلاة الكسوف ورآهما أيضا في إسرائه ودخل الجنة فلا معنى لما خالف ذلك وبالله التوفيق و ( أعدت ) يجوز أن يكون حالا للنار على معنى معدة وأضمرت معه قد كما قال : أو جاءوكم حصرت صدورهم النساء فمعناه قد حصرت صدورهم فمع حصرت قد مضمرة لأن الماضي لا يكون حالا إلا مع قد فعلى هذا لا يتم الوقف على الحجارة ويجوز أن يكون كلاما منقطعا عما قبله كما قال : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم وقال السجستاني : أعدت للكافرين من صلة التي كما قال في آل عمران : وأتقوا النار التي أعدت للكافرين آل عمران بن الأنباري : وهذا غلط لأن التي في سورة البقرة قد وصلت بقوله : وقودها الناس فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية وفي آل عمران ليس لها صلة غير أعدت
( البقره 25 )

238
قوله تعالى : ( وبشر الذين آمنوا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر يرد عليك ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به وغير مقيد أيضا ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر المبشر به قال الله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم الإنشقاق ويقال بشرته وبشرته مخفف ومشدد بشارة بكسر الباء فأبشر وأستبشر وبشر يبشر إذا فرح ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة بفتح الباء والبشرى : ما يعطاه المبشر وتباشير الشيء : أوله الثانيه أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال : من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني وأختلفوا إذا قال : من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول فقال أصحاب الشافعي : نعم لأن كل واحد منهم مخبر وقال علماؤنا : لا لأن المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة وذلك يختص بالأول وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه وفرق محمد أبن الحسن بين قوله : أخبرني أو حدثني فقال : إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني بكذا أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر ولا نية له فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فأن الغلام يعتق لأن هذا خبر وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق لأنه قال : أي غلام أخبرني فهو حر ولو أخبروه كلهم عتقوا وإن كان عنى حين حلف بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر قال : وإذا قال أي غلام لي حدثني فهذا على المشافهة لا يعتق واحد منهم الثالثة قوله تعالى : ( وعملوا الصالحات ) رد على من يقول : إن الإيمان بمجرده يقتضي الطاعات لأنه لو كان ذلك ما أعادها فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح وقيل : الجنة تنال بالإيمان والدرجات تستحق بالأعمال الصالحات والله أعلم
239
( أن لهم ) في موضع نصب ب بشر والمعنى وبشر الذين آمنوا بأن لهم أو لأن لهم فلما سقط الخافض عمل الفعل وقال الكسائي وجماعة من البصريين : أن في موضع خفض بإضمار الباء ( جنات ) في موضع نصب أسم أن وأن وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني والجنات : البساتين وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها ومنه : المجن والجنين والجنة ( تجري ) في موضع النعت لجنات وهو مرفوع لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة من الياء لثقلها معها ( من تحتها ) أي من تحت أشجارها ولم يجر لها ذكر لأن الجنات دالة عليها ( الأنهار ) أي ماء الأنهار فنسب الجري إلى الأنهار توسعا وإنما يجري الماء وحده فحذف أختصارا كما قال تعالى : واسأل القرية أي أهلها وقال الشاعر :
نبئت أن النار بعدك أوقدت
وأستب بعدك يا كليب المجلس
أراد : أهل المجلس فحذف والنهر : مأخوذ من أنهرت أي وسعت ومنه قول قيس أبن الخطيم :
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها
يرى قائم من دونها ما وراءها
أي وسعتها يصف طعنة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنهر الدم وذكر أسم الله عليه فكلوه ( معناه : ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر وجمع النهر : نهر وأنهار ونهر نهر : كثير الماء قال أبو ذؤيب :
أقامت به فأبتنت خيمة
على قصب وفرات نهر

240
وروي : أن أنهار الجنة ليست في أخاديد إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها والوقف على الأنهار حسن وليس بتام لأن قوله : كلما رزقوا منها من ثمرة من وصف الجنات ( رزقا ) مصدره وقد تقدم القول في الرزق ومعنى ( من قبل ) يعني في الدنيا وفيه وجهان : أحدهما أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا والثاني هذا الذي رزقنا في الدنيا لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل : من قبل يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل يعني أطعمنا في أول النهار لأن لونه يشبه ذلك فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول ( وأتوا ) فعلوا من أتيت وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء وقرأ هارون الأعور وأتوا بفتح الهمزة والتاء فالضمير في القراءة الأولى لأهل الجنة وفي الثانية للخدام ( به متشابها ) حال من الضمير في به أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم قاله أبن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم وقال عكرمة : يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات أبن عباس : هذا على وجه التعجب وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها وقال قتادة : خيارا لا رذل فيه كقوله تعالى : كتابا متشابها وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه لأن فيها خيارا وغير خيار ( ولهم فيها أزواج ) إبتداء وخبر وأزواج : جمع زوج والمرأة : زوج الرجل والرجل زوج المرأة قال الأصمعي : ولا تكاد العرب تقول زوجة وحكى الفراء أنه يقال : زوجة وأنشد الفرزدق :
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
كساع إلى أسد الشرى يستبيلها

241
وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها : والله أني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله أبتلاكم ذكره البخاري وأختاره الكسائي ( مطهرة ) نعت للأزواج ومطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ ومعنى هذه الطهارة من الحيض والبصاق وسائر أقذار الآدميات ذكر عبد الرزاق قال أخبرني الثوري عن بن أبي نجيح عن مجاهد : مطهرة قال : لا يبلن ولا يتغوطن ولا يلدن ولا يحضن ولا يمنين ولا يبصقن وقد أتينا على هذا كله في وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة والحمد لله ( وهم فيها خالدون ) هم مبتدأ خالدون خبره والظرف ملغى ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال والخلود : البقاء ومنه جنة الخلد وقد تستعمل مجازا فيما يطول ومنه قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه أي طوله قال زهير :
ألا لا أرى على الحوادث باقيا
ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا
وأما الذي في الآية فهو أبدى حقيقة
( البقره 26 )
قوله تعالى : ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ) قال أبن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا وقوله : أو كصيب من السماء قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية وفي رواية عطاء عن أبن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال : وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه وذكر كيد الآلهة
242
فجعله كبيت العنكبوت قالوا أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد أي شيء يصنع فأنزل الله الآية وقال الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله فأنزل الله الآية و ( يستحي ) أصله يستحيي عينه ولامه حرفا علة أعلت اللام منه بأن أستثقلت الضمة على الياء فسكنت وأسم الفاعل على هذا : مستحى والجمع مستحيون ومستحيين وقرأ أبن محيصن يستحي بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة وروي عن أبن كثير وهي لغة تميم وبكر أبن وائل نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم أستثقلت الضمة على الثانية فسكنت فحذفت إحداهما للالتقاء وأسم الفاعل مستح والجمع مستحون ومستحين قاله الجوهري وأختلف المتأولون في معنى يستحيي في هذه الآية فقيل : لا يخشى ورجحه الطبري وفي التنزيل : وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه بمعنى تستحي وقال غيره : لا يترك وقيل : لا يمتنع وأصل الأستحياء الأنقباض عن الشيء والأمتناع منه خوفا من مواقعة القبيح وهذا محال على الله تعالى وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضى الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق المعنى لا يأمر بالحياء فيه ولا يمتنع من ذكره قوله تعالى ( أن يضرب مثلا ما ) يضرب معناه يبين وأن مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من مثلا منصوب بيضرب بعوضة في نصبها أربعة أوجه : الأول تكون ما زائدة وبعوضة بدلا من مثلا الثاني تكون ما نكرة في موضع نصب على البدل من قوله : مثلا وبعوضة نعت لما فوصفت ما بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل قاله الفراء والزجاج وثعلب
243
الثالث نصبت على تقدير إسقاط الجار المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فحذفت بين وأعربت بعوضة بإعرابها والفاء بمعنى إلى أي إلى ما فوقها وهذا قول الكسائي والفراء أيضا وأنشد أبو العباس :
يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم
ولا حبال محب واصل تصل أراد ما بين قرن
فلما أسقط بين نصب الرابع أن يكون يضرب بمعنى يجعل فتكون بعوضة المفعول الثاني وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج بعوضة بالرفع وهي لغة تميم قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن ما أسم بمنزلة الذي وبعوضة رفع على إضمار المبتدأ التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ ومثله قراءة بعضهم : تماما على الذي أحسن أي على الذي هو أحسن وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا أي هو قائل قال النحاس : والحذف في ما أقبح منه في الذي لأن الذي إنما له وجه واحد والأسم معه أطول ويقال : إن معنى ضربت له مثلا مثلت له مثلا وهذه الأبنية على ضرب واحد وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع والبعوضة : فعولة من بعض إذا قطع اللحم يقال : ويقال : بضع وبعض بمعنى وقد بعضته تبعيضا أي جزأته فتبعض والبعوض : البق الواحدة بعوضة سميت بذلك لصغرها قاله الجوهري وغيره قوله تعالى : ( فما فوقها ) قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ومن جعل ما الأولى صلة زائدة ف ما الثانية عطف عليها وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى فما فوقها والله أعلم ما دونها أي إنها فوقها في الصغر قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا فيقول القائل : أو فوق ذلك أي هو أقصر مما ترى وقال قتادة وبن جريج : المعنى في الكبر والضمير في أنه عائد على المثل أي إن المثل حق
244
والحق خلاف الباطل والحق : واحد الحقوق والحقة بفتح الحاء أخص منه يقال هذه حقتي أي حقي قوله تعالى : ( وأما الذين كفروا ) لغة بني تميم وبني عامر في أما أيما يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة :
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت
فيضحى وأيما بالعشي فيخصر
قوله تعالى : فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا أختلف النحويون في ماذا فقيل : هي بمنزلة أسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله فيكون في موضع نصب ب أراد قال بن كيسان : وهو الجيد وقيل : ما أسم تام في موضع رفع بالأبتداء وذا بمعنى الذي وهو خبر الأبتداء ويكون التقدير : ماذا أراد الله بهذا مثلا ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الأستفهام ومثلا منصوب على القطع التقدير : أراد مثلا قاله ثعلب وقال أبن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال قوله تعالى ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) قيل : هو من قول الكافرين أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى وقيل : بل هو خبر من الله عز وجل وهو أشبه لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا أي يوفق ويخذل وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى قالوا : ومعنى يضل به كثيرا التسمية هنا أي يسميه ضالا كما يقال : فسقت فلانا يعني سميته فاسقا لأن الله تعالى لا يضل أحدا هذا طريقهم في الإضلال وهو خلاف أقاويل المفسرين وهو غير محتمل في اللغة لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم ولا خلاف أن قوله
245
( وما يضل به إلا الفاسقين ) إنه من قول الله تعالى والفاسقين نصب بوقوع الفعل عليهم والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم ولا يجوز أن تنصبهم على الأستثناء لأن الأستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام وقال نوف البكالى : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء قال فقيل : يا عزير أعرض عن هذا لتعرضن عن هذا أو لأمحونك من النبوة إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون والضلال أصله الهلاك يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا أستهلك ومنه قوله تعالى : أئذا ضللنا في الأرض وقد تقدم في الفاتحة والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها والفأرة من جحرها والفويسقة : الفأرة وفي الحديث : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ( روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم وفي رواية ( العقرب ( مكان ( الحية ( فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها أسم الفسق لأذيتها على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا عن الأخفش فسقا وفسوقا أي فجر فأما قوله تعالى : ففسق عن أمر ربه فمعناه خرج وزعم أبن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق قال : وهذا عجب وهو كلام عربي حكاه عنه أبن فارس والجوهري قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الزاهر له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :
يذهبن في نجد وغورا غائرا
فواسقا عن قصدها جوائرا

246
والفسيق : الدائم الفسق ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث يريد : يأيها الفاسق ويأيها الخبيث والفسق في عرف الأستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان
( البقره 27 )
فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الذين ) الذين في موضع نصب على النعت للفاسقين وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر أبتداء محذوف أي هم الذين وقد تقدم ) النقض : إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد والنقاضة ما نقض من حبل الشعر والمناقضة في القول : أن تتكلم بما تناقض معناه والنقيضة في الشعر : ما ينقض به والنقض : المنقوض وأختلف الناس في تعيين هذا العهد فقيل : هو الذي أخذه الله على بني آدم حين أستخرجهم من ظهره وقيل : هو وصية الله تعالى إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله ونقضهم ذلك ترك العمل به وقيل : بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد ونقضهم ترك النظر في ذلك وقيل : هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره فالآية على هذا في أهل الكتاب قال أبو إسحاق الزجاج : عهده جل وعز ما أخذه على النبيين ومن أتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله تعالى : وأخذتم على ذلكم إصري أي عهدي قلت : وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في الكفار فهذه خمسة أقوال والقول الثاني يجمعها
247
الثالثة قوله تعالى : ( من بعد ميثاقه ) الميثاق : العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة والمعاهدة وهي الشدة في العقد والربط ونحوه والجمع المواثيق على الأصل لأن أصل ميثاق موثاق صارت الواو ياء لأنكسار ما قبلها والمياثق والمياثيق أيضا وأنشد أبن الأعرابي :
حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا
ولا نسأل الأقوام عهد المياثق
والموثق : الميثاق والمواثقة : المعاهدة ومنه قوله تعالى : وميثاقه الذي واثقكم به الرابعة قوله تعالى : ( ويقطعون ) القطع معروف والمصدر في الرحم القطيعة يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة مثال همزة وقطعت الحبل قطعا وقطعت النهر قطوعا وقطعت الطير قطوعا وقطاعا وقطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد وأصاب الناس قطعة : إذا قلت مياههم ورجل به قطع : أي أنبهار الخامسة قوله تعالى ( ما أمر الله به أن يوصل ) م ا في موضع نصب ب يقطعون وأن إن شئت كانت بدلا من ما وإن شئت من الهاء في به وهو أحسن ويجوز أن يكون لئلا يوصل أي كراهة أن يوصل وأختلف ما الشيء الذي أمر بوصله فقيل : صلة الأرحام وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا وقيل : أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم وقيل : الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل هذا قول الجمهور والرحم جزء من هذا السادسة قوله تعالى : ( ويفسدون في الأرض ) أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الأفعال إذ هي بحسب شهواتهم وهذا غاية الفساد
248
( أولئك هم الخاسرون ) إبتداء وخبر وهم زائدة ويجوز أن تكون هم أبتداء ثان الخاسرون خبره والثاني وخبره خبر الأول كما تقدم والخاسر : الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز والخسران : النقصان كان في ميزان أو غيره قال جرير :
إن سليطا في الخسار إنه
أولاد قوم خلقوا أقنه
يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم قال الجوهري : وخسرت الشيء بالفتح وأخسرته نقصته والخسار والخسارة والخيسرى : الضلال والهلاك فقيل للهالك : خاسر لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة السابعة في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد وألتزامه وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره لذم الله تعالى من نقض عهده وقد قال : أوفوا بالعقود وقد قال لنبيه عليه السلام : وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على سواء فنهاه عن الغدر وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى
( البقره 28 )
كيف سؤال عن الحال وهي أسم في موضع نصب ب تكفرون وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها معنى الأستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف وأختير لها الفتح لخفته أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد
249
أشركوا لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد وقيل : كيف لفظه لفظ الأستفهام وليس به بل هو تقرير وتوبيخ أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية قوله تعالى : وكنتم أمواتا هذه الواو واو الحال وقد مضمرة قال الزجاج : التقدير وقد كنتم ثم حذفت قد وقال الفراء : أمواتا خبر كنتم ( فأحياكم ثم يميتكم ) هذا وقف التمام كذا قال أبو حاتم ثم قال : ( ثم يحييكم ) وأختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين وكم من موته وحياة للأنسان فقال أبن عباس وأبن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند أنقضاء آجالكم ثم يحييكم يوم القيامة قال أبن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للأحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الأحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم وقيل : كنتم أمواتا أي نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم في القبر للمسألة ثم يميتكم في القبر ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر وهي الحياة التي ليس بعدها موت قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث إحياءات وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء فعلى هذا تجيء أربع موتات واربع إحياءات وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات وموتة سادسة
250
للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار لحديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما إذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ( فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية أخرجه مسلم قلت : فقوله ( فأماتهم الله ( حقيقة في الموت لأنه أكده بالمصدر وذلك تكريما لهم وقيل : يجوز أن يكون ( أماتهم ( عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة والأول أصح وقد أجمع النحويون على انك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا وإنما هو على الحقيقة ومثله : وكلم الله موسى تكليما على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم ثم يميتكم فيموت ذكركم ثم يحييكم للبعث قوله تعالى : ( ثم إليه ترجعون ) أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة كما قال تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده فإعادتهم كأبتدائهم فهو رجوع وترجعون قراءة الجماعة ويحيى أبن يعمر وأبن أبي إسحاق ومجاهد وأبن محيصن وسلام أبن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت
( البقره 29 )

251
قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) فيه عشر مسائل : الأولى ( خلق ) معناه أخترع وأوجد من العدم وقد يقال في الإنسان : خلق عند إنشائه شيئا ومنه قول الشاعر :
من كان يخلق ما يقول
فحيلتي فيه قليلة وقد تقدم
هذا المعنى وقال أبن كسيان : خلق لكم أي من أجلكم وقيل : المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم وقيل : إنه دليل على التوحيد والأعتبار قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه ويجوز أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء الثانية : أستدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها كقوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه الآية حتى يقوم الدليل على الحظر وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا فلا بد لها من منفعة وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته فهي راجعة إلينا ومنفعتنا إما في نيل لذتها أو في أجتنابها لنختبر بذلك أو في أعتبارنا بها ولا يحصل شيء في تلك الأمور إلا بذوقها فلزم أن تكون مباحة وهذا فاسد لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة بل هو الموجب ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ولا معين قبل ورود الشرع فتعين الوقوف إلى ورود الشرع وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكيه والصيرفي في هذه
252
المسألة القول بالوقف ومعناه عندهم أنه لا حكم فيها في تلك الحال وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه قال أبن عطية : وحكى أبن فورك عن أبن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع أو لها تعلق به أو لها حال تستصحب قال : فينبغي أن يعتمد على هذا ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف الثالثة الصحيح في معنى قوله تعالى : ( خلق لكم ما في الأرض ) الأعتبار يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء ولإماتة والخلق والأستواء إلى السماء وتسويتها أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السماوات والأرض لا تبعد منه القدرة على الإعادة فإن قيل : إن معنى لكم الأنتفاع أي لتنتفعوا بجميع ذلك قلنا : المراد بالأنتفاع الأعتبار لما ذكرنا فإن قيل : وأي أعتبار في العقارب والحيات قلنا : قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك المعاصي وذلك أعظم الأعتبار قال أبن العربي : وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة ولا وقفا وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته وقال أرباب المعاني في قوله : ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) لتتقوا به على طاعته لا لتصرفوه في وجوه معصيته وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك فقد أبتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد الرابعة روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما عندي شيء ولكن أبتع على فإذا جاء شيء قضينا ( فقال له عمر : هذا أعطيت إذا كان
253
عندك فما كلفك الله ما لا تقدر فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله
أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بذلك أمرت ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الإقلال من سوء الظن بالله لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم وقال في تنزيله : خلق لكم ما في الأرض جميعا وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه ليكون له عبدا كما خلقه عبدا فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه كما قال تعالى : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقال : فإن ربي غني كريم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( سبقت رحمتي غضبي يا أبن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملأى سحا لا يغيضها شيء الليل والنهار ( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ( وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله فمن أستنار صدره وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا وأجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته وأنقطعت مشيئته لنفسه فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنفحي أو أنضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعى عليك ( وروى النسائي عن عائشة قالت : دخل علي
254
سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك ( قلت : نعم قال : ( مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك ( الخامسة قوله تعالى : ( ثم أستوى ) ثم لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه والأستواء في اللغة : الأرتفاع والعلو على الشيء قال الله تعالى : فإذا أستويت أنت ومن معك على الفلك وقال لتستووا على ظهوره وقال الشاعر :
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة
وقد حلق النجم اليماني فأستوى
أي أرتفع وعلا وأستوت الشمس على رأسي وأستوت الطير على قمة رأسي بمعنى علا وهذه الآية من المشكلات والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى : الرحمن على العرش أستوى قال مالك : الأستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأراك رجل سوء أخرجوه وقال بعضهم نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها وقال الفراء في قوله عز وجل : ( ثم أستوى إلى السماء فسواهن ) قال : الأستواء في كلام العرب على وجهين أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أو يستوي عن أعوجاج فهذان وجهان ووجه ثالث أن تقول : كان فلان مقبلا على فلان ثم أستوى على وإلى يشاتمني على معنى أقبل إلي وعلي فهذا معنى قوله : ثم أستوى إلى السماء والله أعلم قال وقد قال أبن عباس : ثم أستوى إلى السماء صعد وهذا كقولك : كان قاعدا فأستوى قائما وكان قائما فأستوى قاعدا وكل ذلك في كلام العرب جائز وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله
255
أستوى بمعنى أقبل صحيح لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات الله تعالى ولفظة ثم تتعلق بالخلق لا بالإرادة وأما ما حكي عن أبن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي والكلبي ضعيف وقال سفيان بن عيينة وبن كيسان في قوله ثم أستوى إلى السماء : قصد إليها أي بخلقه وإختراعه فهذا قول وقيل : على دون تكييف ولا تحديد وأختاره الطبري ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : أستوى بمعنى أنه أرتفع قال البيهقي : ومراده من ذلك والله أعلم أرتفاع أمره وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء وقيل : إن المستوى الدخان وقال أبن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام وقيل : المعنى أستولى كما قال الشاعر :
قد أستوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
قال أبن عطية : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى : الرحمن على العرش أستوى قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة السادسة يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء وكذلك في حم السجدة وقال في النازعات : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها فوصف خلقها ثم قال : والأرض بعد ذلك دحاها فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض وقال تعالى : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولا حكاه عنه الطبري وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فأرتفع فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك وكانت إذ خلقها غير مدحوة
256
قلت : وقول قتادة : يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الأرض ثم أستوى إلى السماء وهي دخان فسواها ثم دحا الأرض بعد ذلك ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن أبن عباس وعن مرة الهمداني عن أبن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم أستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فأرتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والأثنين فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله : ن والقلم القلم والحوت في الماء والماء على صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على الصخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان : ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فأضطرب فتزلزلت الأرض فأرسل عليها الجبال فقرت فالجبال تفخر على الأرض وذلك قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين يقول : من سأل فهكذا الأمر ثم أستوى إلى السماء وهي دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع
257
فيه خلق السماوات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب أستوى على العرش قال فذلك حين يقول : خلق السماوات والأرض في ستة أيام ويقول : كانتا رتقا ففتقناهما وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى وروى وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن أبن عباس قال : إن أول ما خلق الله عز وجل من شيء القلم فقال له أكتب فقال : يا رب وما أكتب قال : أكتب القدر فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة قال : ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فأرتفع بخار الماء ففتق منه السماوات وأضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل أرتفاع بخار الماء الذي هو الدخان خلاف الرواية الأولى والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى لقوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها والله أعلم بما فعل فقد أختلفت فيه الأقاويل وليس للأجتهاد فيه مدخل وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها فألقى في قلبه فقال : هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع قال : فهم لوثيا بفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت في منخره فعج إلى الله منها فخرجت قال كعب : والذي نفسي بيده إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت السابعة أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه أبن ماجة في سننه وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال قلت : يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني أنبئني عن كل شيء قال : ( كل شيء خلق من الماء ( فقلت : أخبرني عن
258
شيء إذا عملت به دخلت الجنة قال : ( أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام ( قال أبو حاتم قول أبي هريرة : أنبئني عن كل شيء أراد به عن كل شيء خلق من الماء والدليل على صحة هذا جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال : ( كل شيء خلق من الماء ( وإن لم يكن مخلوقا وروى سعيد بن جبير عن بن عباس إنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون ( ويروى ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا قال البيهقي : وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش القلم وذلك بين في حديث عمران بن حصين ثم خلق السماوات والأرض وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله : مم خلق الخلق قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل : فمم خلق هؤلاء قال : لا أدري قال : ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو قال : فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله فقال : مم خلق الخلق قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل : فمم خلق هؤلاء فتلا عبد الله بن عباس : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : أراد أن مصدر الجميع منه أي من خلقه وأبداعه وإختراعه خلق الماء أولا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلا لما خلق بعد فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه سبحانه جل وعز الثامنة قوله تعالى : ( فسواهن سبع سماوات ) ذكر تعالى أن السماوات سبع ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى : ومن الأرض مثلهن وقد أختلف فيه فقيل : ومن الأرض مثلهن أي في العدد لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والإخبار فتعين العدد وقيل : ومن الأرض مثلهن أي في غلظهن
259
وما بينهن وقيل : هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض قاله الداودي والصحيح الأول وإنها سبع كالسموات سبع روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين ( وعن عائشة رضى الله عنها مثله إلا أن فيه من بدل إلى ومن حديث أبي هريرة : ( لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة ( وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ( وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تدرون ما هذا ( فقالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه قال هل تدرون ما فوقكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم بينكم وبينها ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة ( ثم قال كذلك حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض ثم قال : ( هل تدرون ما فوق ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال ( فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ثم قال : هل تدرون ما الذي تحتكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإنها الأرض ثم قال : هل تدرون ما تحت ذلك ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( فإن تحتها الأرض الأخرى
260
بينهما مسيرة خمسمائة سنة ( حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال : ( والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ( قال أبو عيسى : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد : لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه قال : هذا حديث غريب والحسن لم يسمع من أبي هريرة والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة وفيما ذكرنا كفاية وقد روى أبو الضحى وأسمه مسلم عن أبن عباس أنه قال : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى قال البيهقي : إسناد هذا عن أبن عباس صحيح وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحا عليه دليلا والله أعلم التاسعة قوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض ) أبتداء وخبر ما في موضع نصب ( جميعا ) عند سيبويه نصب على الحال ( ثم أستوى ) أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء وأهل الحجاز يفخمون ( سبع ) منصوب على البدل من الهاء والنون أي فسوى سبع سماوات ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوى بينهن سبع سماوات كما قال الله جل وعز : وأختار موسى قومه سبعين رجلا أي من قومه قاله النحاس وقال الأخفش : أنتصب على الحال ( وهو بكل شيء عليم ) أبتداء وخبر والأصل في هو تحريك الهاء والإسكان أستخفاف والسماء تكون واحدة مؤنثة مثل عنان وتذكيرها شاذ وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش وسماءة في قول الزجاج وجمع الجمع سماوات وسماءات فجاء سواهن إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد أسم جنس ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالإملاس وقيل : جعلهن سواء
261
العاشرة قوله تعالى : ( وهو بكل شيء عليم ) أي بما خلق وهو خالق كل شيء فوجب أن يكون عالما بكل شيء وقد قال : ألا يعلم من خلق الملك فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية وقالت الجهمية : عالم بعلم قائم لا في محل تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات والرد على هؤلاء في كتب الديانات وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال : أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وقال : فأعلموا أنما أنزل بعلم الله وقال : فلنقصن عليهم بعلم وقال : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقال : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إن شاء الله تعالى وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من : هو وهي إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثم وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من أن يمل هو والباقون بالتحريك
( البقره 30 )
قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة ) إذ وإذا حرفا توقيت فإذ للماضي وإذا للمستقبل وقد توضع إحداهما موضع الأخرى وقال المبرد : إذا جاء إذ مع مستقبل كان معناه ماضيا نحو قوله : وإذ يمكر بك وإذ تقول للذي أنعم الله عليه معناه إذ مكروا وإذ قلت وإذا جاء إذا مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله تعالى : فإذا جاءت الطامة فإذا جاءت الصاخة عبس وإذا جاء نصر الله النصر
262
أي يجيء وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة : إذ زائدة والتقدير : وقال ربك وأستشهد بقول الأسود بن يعفر :
فإذ وذلك لا مهاة لذكره
والدهر يعقب صالحا بفساد
وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين قال النحاس : وهذا خطأ لأن إذ أسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد وقال الزجاج : هذا أجترام من أبي عبيدة ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام كما قال :
فإن المنية من يخشها
فسوف تصادفه أينما يريد أينما
ذهب ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره وأذكر إذ قال وقيل : هو مردود إلى قوله تعالى : أعبدوا ربكم الذي خلقكم فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو الذي أرتضاه أبو المعالي وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر وقد تقدم بيانه الثانية قوله تعالى : ( للملائكة ) الملائكة واحدها ملك قال بن كيسان وغيره وزن ملك فعل من الملك وقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك إذا أرسل والألوكة والمالكة والمألكة : الرسالة قال لبيد :
وغلام أرسلته أمه
بألوك فبذلنا ما سأل
وقال آخر :
أبلغ النعمان عني مألكا
إنني قد طال حبسي وأنتظاري

263
ويقال : ألكني أي أرسلني فأصله على هذا مألك الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا : ملاك ثم سهلوه فقالوا ملك وقيل أصله ملاك من ملك يملك نحو شمأل من شمل فالهمزة زائدة عن بن كيسان أيضا وقد تأتي في الشعر على الأصل قال الشاعر :
فلست لإنسي ولكن لملاك
تنزل من جو السماء يصوب
وقال النضر بن شميل لا أشتقاق للملك عند العرب والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع ومثله الصلادمة والصلادم : الخيل الشداد وأحدها صلدم وقيل : هي للمبالغة كعلامة ونسابة وقال أرباب المعاني : خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لأستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس ثم ردهم إلى قيمتهم فقال عز وجل : أسجدوا لآدم الثالثة قوله تعالى : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) جاعل هنا بمعنى خالق ذكره الطبري عن أبي روق ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد وقد تقدم والأرض قيل إنها مكة روي أبن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( دحيت الأرض من مكة ( ولذلك سميت أم القرى قال : وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام وخليفة يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي ويجوز أن يكون خليفة بمعنى مفعول أي مخلف كما يقال : ذبيحة بمعنى مفعولة والخلف بالتحريك من الصالحين وبتسكينها من الطالحين هذا هو المعروف وسيأتي له مزيد بيان في الأعراف إن شاء الله وخليفة بالفاء قراءة الجماعة إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ خليقة بالقاف والمعنى بالخليفة هنا في قول أبن مسعود وأبن عباس وجميع أهل التأويل آدم عليه السلام وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول إلى الأرض كما في حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله أنبيا كان مرسلا قال : ( نعم ( الحديث ويقال : لمن كان رسولا ولم يكن
264
في الأرض أحد فيقال : كان رسولا إلى ولده وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى وتوالدوا حتى كثروا كما قال الله تعالى : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وعاش تسعمائة وثلاثين سنة هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة والله أعلم الرابعة هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله وأتبعه على رأيه ومذهبه قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك ودليلنا قول الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة وقوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض وقال : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد أختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضى الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ولم يقل له أحد هذا أمر غير
265
واجب علينا ولا عليك فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل وهذا فاسد لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل وهذا واضح فإن قيل وهي : الخامسة إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم أم من جهة أختيار أهل الحل والعقد له أم بكمال خصال الأئمة فيه ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه فالجواب أن يقال : أختلف الناس في هذا الباب فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للأختيار فيه وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام وإجماع أهل الأجتهاد طريق أيضا إليه وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والأجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا وأبطلوا القياس أصلا وفرعا ثم أختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر وفرقة تدعي النص على العباس وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضى الله عنهم والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو أستدلالا أو يكون من أخبار الآحاد ولا يجوز أن يكون
266
طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات وصوم رمضان وحج البيت ونحوها ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة فبطلت هذه الدعوى وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لأستحالة وقوع العلم به وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في أمامته وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد على ما يأتي بيانه كذلك الواحد إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الإختيار والأجتهاد فإن تعسف متعسف وأدعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص وهم الخلق الكثير والجم الغفير والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما السادسة في رد الأحاديث التي أحتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه وأن الأمة كفرت بهذا النص وأرتدت وخالفت أمر الرسول عنادا منها قوله عليه السلام : ( من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ( قالوا : والمولى في اللغة بمعنى أولى فلما قال : ( فعلى مولاه ( بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله مولى أنه أحق وأولى فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة وقوله عليه السلام لعلي : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ( قالوا : ومنزلة هارون معروفة وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي وكان خليفة فعلم أن المراد به الخلافة إلى غير ذلك مما أحتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى
267
والجواب عن الحديث الأول : أنه ليس بمتواتر وقد أختلف في صحته وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي وأستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله ( قالوا : فلو كان قد قال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ( لكان أحد الخبرين كذبا جواب ثان وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته وإنما يدل على فضيلته وذلك أن المولى بمعنى الولي فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه قال الله تعالى : فإن الله هو مولاه أي وليه وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه وذلك فضيلة عظيمة لعلي جواب ثالث وهو أن هذا الخبر ورد على سبب وذلك أن أسامة وعليا أختصما فقال علي لأسامة : أنت مولاي فقال : لست مولاك بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ( جواب رابع وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك في عائشة رضى الله عنها : النساء سواها كثير شق ذلك عليها فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه السلام وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة المائدة وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون فلو أراد بقوله : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا وإنما أراد أنى أستخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة
268
ربه وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك أستخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه فأرجف به أهل النفاق وقالوا : إنما خلفه بغضا وقلي له فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال : ( كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون ( وقال : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ( وإذا ثبت أنه أراد الأستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أستخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه منهم : أبن أم مكتوم ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر فقال : ( إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس ( وقال : ( هما وزيراي في أهل الأرض ( وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى ( وهذا الخبر ورد أبتداء وخبر علي ورد على سبب فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة والله أعلم السابعة وأختلف فيما يكون به الإمام إماما وذلك في ثلاث طرق أحدها : النص وقد تقدم الخلاف فيه وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر أبن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالإشارة وأبو بكر على عمر فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق أو على جماعة كما فعل عمر وهو الطريق الثاني ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضى الله عنهم في تعيين عثمان بن عفان رضى الله عنه الطريق الثالث : إجماع أهل الحل والعقد وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا أستخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم أجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن الإمام معلنا بالفسق والفساد لأنها دعوة
269
محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من أختلاف الكلمة وفساد ذات البين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة ( الثامنة فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ودليلنا أن عمر رضى الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود قال الإمام أبو المعالي : من أنعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر قال : وهذا مجمع عليه التاسعة فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا وقد سئل سهل بن عبد الله التستري : ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام قال : تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه ولا تنكر فعاله ولا تفر منه وإذا أئتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه وقال بن خويز منداد : ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا أختيار وبايع له الناس تمت له البيعة والله أعلم العاشرة وأختلف في الشهادة على عقد الإمامة فقال بعض أصحابنا : إنه لا يفتقر إلى الشهود لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع وليس ها هنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة ومنهم من قال : يفتقر إلى شهود فمن قال بهذا أحتج بأن قال : لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعى كل مدع أنه عقد له سرا ويؤدي إلى الهرج والفتنة فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان خلافا للجبائي حيث قال بأعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك ودليلنا أنه لا خلاف بيننا
270
وبينه أن شهادة الأثنين معتبرة وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر الحادية عشرة في شرائط الإمام وهي أحد عشر : الأول أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الأئمة من قريش ( وقد أختلف في هذا الثاني أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الأستفتاء في الحوادث وهذا متفق عليه الثالث أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والأنتقام من الظالم والأخذ للمظلوم الرابع أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضى الله عنهم لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام وله أن يباشر الفصل والحكم ويتفحص أمور خلفائه وقضاته ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به والله أعلم الخامس أن يكون حرا ولا خفاء بأشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس السابع أن يكون ذكرا سليم الأعضاء وهو الثامن وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن أختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه التاسع والعاشر أن يكون بالغا عاقلا ولا خلاف في ذلك الحادي عشر أن يكون عدلا لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم لقوله عليه السلام : ( أئمتكم شفعاؤكم فأنظروا
271
بمن تستشفعون ( وفي التنزيل في وصف طالوت : إن الله أصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء وقوله : أصطفاه معناه أختاره وهذا يدل على شرط النسب وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ ولا عالما بالغيب ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش فإن الإجماع قد أنعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم الثانية عشرة يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل وأستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك وأجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم والله أعلم الثالثة عشرة الإمام إذا نصب ثم فسق بعد أنبرام العقد فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لأقامة الحدود وأستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى أبطال ما أقيم لأجله ألا ترى في الأبتداء أنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى أبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله وقال آخرون : لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة لقوله عليه السلام في حديث عبادة : ( وألا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان
272
وفي حديث عوف بن مالك : ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة ( الحديث أخرجهما مسلم وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد بريء ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع قالوا : يا رسول الله ألا نقاتلهم قال : لا ما صلوا ( أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه أخرجه أيضا مسلم الرابعة عشرة ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره أختلف الناس فيه فمنهم من قال : ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته ومنهم من قال : له أن يفعل ذلك والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه أنعزل قول أبي بكر الصديق رضى الله عنه : أقيلوني أقيلوني وقول الصحابة : لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له : ليس لك أن تقول هذا وليس لك أن تفعله فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم والوكيل إذا عزل نفسه فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها ولما أتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه كذلك الأمام يجب أن يكون مثله والله أعلم الخامسة عشرة إذا أنعقدت الإمامة بإتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر لئلا تفترق كلمة المسلمين وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر وأختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته والأول أظهر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ( رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم
273
وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول : ( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن أستطاع فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر ( رواه مسلم أيضا ومن حديث عرفجة : ( فأضربوه بالسيف كائنا من كان ( وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السادسة عشرة لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده فإن كان الإمام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر السابعة عشرة فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا قال الإمام أبو المعالي : ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم ثم قالوا : لو أتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين أمرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر قال : والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف غير جائز وقد حصل الإجماع عليه فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الأمامين شسوع النوى فللأحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في أقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين قالوا : وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ولأنه
274
لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه لقوله : ( فأقتلوا الآخر منهما ( ولأن الأمة عليه وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما أدعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما ولا قال أحدهما أني إمام ومخالفي إمام فإن قالوا : العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه قلنا : أقوى السمع الإجماع وقد وجد على المنع قوله تعالى : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول وذلك عام في جميع الملائكة لأن قوله : لا يسبقونه بالقول خرج على جهة المدح لهم فكيف قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها فقيل : المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم : إني أعلم وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء وكشف لهم عن مكنون علمه وقيل : إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورءوس الجبال فمن حينئذ دخلته العزة فجاء قولهم : أتجعل فيها على جهة الإستفهام المحض : هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا قاله أحمد بن يحيى ثعلب وقال أبن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقالوا لذلك هذه المقالة إما على طريق التعجب من أستخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك وإما على طريق الأستعظام والإكبار للفصلين جميعا : الأستخلاف والعصيان وقال قتادة : كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء فسألوا حين قال تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة أهو الذي أعلمهم أم غيره
275
وهذا قول حسن رواه عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أتجعل فيها من يفسد فيها قال : كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء فلذلك قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها وفي الكلام حذف على مذهبه والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا فقالوا : أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره والقول الأول أيضا حسن جدا لأن فيه أستخراج العلم وإستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء وما بين القولين حسن فتأمله وقد قيل : إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله : ( كيف تركتم عبادي ( على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أتجعل فيها وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون قوله : ( من يفسد فيها ) من في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه فيها يفسد على اللفظ ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى وفي التنزيل : ومنهم من يستمع إليك على اللفظ ومنهم من يستمعون على المعنى ( ويسفك ) عطف عليه ويجوز فيه الوجهان وروي أسيد عن الأعرج أنه قرأ : ويسفك الدماء بالنصب يجعله جواب الأستفهام بالواو كما قال :
ألم أك جاركم وتكون بيني
وبينكم المودة والإخاء
والسفك : الصب سفكت الدم أسفكه سفكا : صببته وكذلك الدمع حكاه أبن فارس والجوهري والسفاك : السفاح وهو القادر على الكلام قال المهدوي : ولا يستعمل السفك إلا في الدم وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره وواحد الدماء دم محذوف اللام وقيل : أصله دمي وقيل : دمي ولا يكون أسم على حرفين إلا وقد حذف منه والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل قال الشاعر :
فلو أنا على حجر ذبحنا
جرى الدميان بالخبر اليقين

276
قوله تعالى : ( ونحن نسبح بحمدك ) أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ومنه قول أعشى بني ثعلبة :
أقول لما جاءني فخره
سبحان من علقمه الفاخر
أي براءة من علقمة وروى طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء ( وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب قال الله تعالى : إن لك في النهار سبحا طويلا فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء وقد تقدم الكلام في نحن ولا يجوز أدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان مسألة : وأختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة فقال أبن مسعود وأبن عباس : تسبيحهم صلاتهم ومنه قول الله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي المصلين وقيل : تسبيحهم رفع الصوت بالذكر قاله المفضل وأستشهد بقول جرير :
قبح الإله وجوه تغلب كلما
سبح الحجيج وكبروا إهلالا
وقال قتادة : تسبيحهم : سبحان الله على عرفه في اللغة وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل قال : ( ما أصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده ( أخرجه مسلم وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلا : سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ذكره البيهقي
277
قوله تعالى : ( بحمدك ) أي وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به والحمد : الثناء وقد تقدم ويحتمل أن يكون قولهم : بحمدك أعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا : ونحن نسبح ونقدس ثم أعترضوا على جهة التسليم أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك والله أعلم قوله تعالى : ( ونقدس لك ) أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما وقال الضحاك وغيره : المعنى نطهر أنفسنا لك أبتغاء مرضاتك وقال قوم منهم قتادة : نقدس لك معناه نصلي والتقديس : الصلاة قال أبن عطية : وهذا ضعيف قلت : بل معناه صحيح فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ( روته عائشة أخرجه مسلم وبناء قدس كيفما تصرف فإن معناه التطهير ومنه قوله تعالى : أدخلوا الأرض المقدسة أي المطهرة وقال : الملك القدوس الحشر يعني الطاهر ومثله : بالواد المقدس طوى وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر ومنه قيل للسطل : قدس لأنه يتوضأ فيه ويتطهر ومنه القادوس وفي الحديث : ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها ( يريد لا طهرها الله أخرجه أبن ماجه في سننه فالقدس : الطهر من غير خلاف وقال الشاعر :
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا
كما شبرق الولدان ثوب المقدس
أي المطهر فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال والله أعلم
278
قوله تعالى : ( أني أعلم ما لا تعلمون ) أعلم فيه تأويلان قيل : إنه فعل مستقبل وقيل : إنه أسم بمعنى فاعل كما يقال : الله أكبر بمعنى كبير وكما قال :
لعمرك ما أدري وأني لأوجل
على أينا تعدو المنية أول فعلى
أنه فعل تكون ما في موضع نصب بأعلم ويجوز إدغام الميم في الميم وإن جعلته أسما بمعنى عالم تكون ما في موضع خفض بالإضافة قال أبن عطية : ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة فسيبويه والخليل لا يصرفانه والأخفش يصرفه قال المهدوي : يجوز أن تقدر التنوين في أعلم إذا قدرته بمعنى عالم وتنصب ما به فيكون مثل حواج بيت الله قال الجوهري : ونسوة حواج بيت الله بالإضافة إذا كن قد حججن وإن لم يكن حججن قلت : حواج بيت الله فتنصب البيت لأنك تريد التنوين في حواج قوله تعالى : ( ما لا تعلمون ) أختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى : ما لا تعلمون فقال أبن عباس : كان إبليس لعنه الله قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه فأعتقد أن ذلك لمزية له فأستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام وقالت الملائكة : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهي لا تعلم أن في نفس أبليس خلاف ذلك فقال الله تعالى لهم : إني أعلم ما لا تعلمون وقال قتادة : لما قالت الملائكة أتجعل فيها وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم إني أعلم ما لا تعلمون قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن فهو عام
279
( البقره 31 )
فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) علم معناه عرف وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه السلام على ما يأتي وقرئ : وعلم غير مسمى الفاعل والأول أظهر على ما يأتي قال علماء الصوفية : علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه لأن وكله فيه إلى نفسه فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وقال أبن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها وهذا واضح وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر وقيل : أبا محمد كنى بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم قاله السهيلي وقيل : كنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر وأصله بهمزتين لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية فإذا أحتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت : أوادم في الجمع لأنه ليس لها أصل في الياء معروف فجعلت الغالب عليها الواو عن الأخفش وأختلف في أشتقاقه فقيل : هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها فسمي بما خلق منه قاله أبن عباس وقيل إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة وأختلفوا في الأدمة فزعم الضحاك أنها السمرة وزعم النضر أنها البياض وأن آدم عليه السلام كان أبيض مأخوذ من قولهم : ناقة أدماء إذا كانت بيضاء وعلى هذا الأشتقاق جمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر ولا ينصرف بوجه وعلى أنه مشتق من الأدمة جمعه آدمون ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه قلت : الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض قال سعيد بن جبير : إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وإنما سمي إنسانا لأنه نسي ذكره بن سعد في الطبقات وروى
280
السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن أبن عباس وعن مرة الهمداني عن أبن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال : فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال : يا رب إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ولذلك سمى آدم لأنه أخذ من أديم الأرض فصعد به فقال الله تعالى له : ( أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك ( فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها فقال : ( أنت تصلح لقبض أرواح ولده ( فبل التراب حتى عاد طينا لازبا اللازب : هو الذي يلتصق بعضه ببعض ثم ترك حتى أنتن فذلك حيث يقول : من حمإ مسنون قال : منتن ثم قال للملائكة : إني خالق بشرا من طين فإذأ سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه يقول : أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك حين يقول : من صلصال كالفخار ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فمه وخرج من دبره فقال إبليس للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه ويقال : إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول : أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون قالوا : نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح
281
قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت له الملائكة : قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال الله له : رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه أشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول : خلق الأنسان من عجل فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وذكر القصة وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح أديم : جمع أدم قال الشاعر :
الناس أخياف وشتى في الشيم
وكلهم يجمعهم وجه الأدم
فآدم مشتق من الأديم والأدم لا من الأدمة والله أعلم ويحتمل أن يكون منهما جميعا وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في الأنعام وغيرها إن شاء الله تعالى وآدم لا ينصرف قال أبو جعفر النحاس : آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين لأنه على أفعل وهو معرفة ولا يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلا لعلتين فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه وصرفه الأخفش سعيد لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل فإذا لم يكن نعتا صرفه قال أبو إسحاق الزجاج : القول قول سيبويه ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه الثانية قوله تعالى : ( الأسماء كلها ) الأسماء هنا بمعنى العبارات فإن الأسم قد يطلق ويراد به المسمى كقولك : زيد قائم والأسد شجاع وقد يراد به التسمية ذاتها كقولك : أسد ثلاثة أحرف ففي الأول يقال : الأسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى وفي الثاني لا يراد به المسمى وقد يجري أسم في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من
282
أستعمالها ومنه قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها على أشهر التأويلات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لله تسعة وتسعين أسما ( ويجري مجرى الذات يقال : ذات ونفس وعين وأسم بمعنى وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى : سبح أسم ربك الأعلى الأعلى تبارك أسم ربك إن هي إلا أسماء سميتموها الثالثة وأختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم عليه السلام فقال أبن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وأبن جبير : علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال : كنت جالسا عند بن عباس فذكروا أسم الآنية وأسم السوط قال أبن عباس : وعلم آدم الأسماء كلها قلت : وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي وهو الذي يقتضيه لفظ كلها إذ هو أسم موضوع للإحاطة والعموم وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو أستشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ( الحديث قال أبن خويز منداد : في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا وكذلك قال أبن عباس : علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب وروي شيبان عن قتادة قال : علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة وسمى كل شيء بأسمه وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه قال النحاس : وهذا أحسن ما روي في هذا والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها هذا كذا وهو يصلح لكذا وقال الطبري : علمه أسماء الملائكة وذريته وأختار هذا ورجحه بقوله : ( ثم عرضهم على الملائكة ) وقال أبن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم الربيع بن خثيم : أسماء الملائكة خاصة القتى : أسماء ما خلق في الأرض وقيل : أسماء الأجناس والأنواع قلت : القول الأول أصح لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء الله تعالى
283
الرابعة وأختلف المتأولون أيضا هل عرض على الملائكة اسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص فقال أبن مسعود وغيره : عرض الأشخاص لقوله تعالى : عرضهم وقوله : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) وتقول العرب : عرضت الشيء فأعرض أي أظهرته فظهر ومنه : عرضت الشيء للبيع وفي الحديث ( إنه عرضهم أمثال الذر ( وقال أبن عباس وغيره : عرض الأسماء وفي حرف أبن مسعود : عرضهن فأعاد على الأسماء دون الأشخاص لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث وفي حرف أبي : عرضها مجاهد : أصحاب الأسماء فمن قال في الأسماء إنها التسميات فأستقام على قراءة أبي عرضها وتقول في قراءة من قرأ عرضهم : إن لفظ الأسماء يدل على أشخاص فلذلك ساغ ان يقال للأسماء : عرضهم وقال في هؤلاء المراد بالأشارة : إلى أشخاص الأسماء لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها قال أبن عطية : والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها ثم إن آدم قال لهم : هذا أسمه كذا وهذا أسمه كذا وقال الماوردي : وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين ثم في زمن عرضهم قولان : أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم الثاني أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم الخامسة وأختلف في أول من تكلم باللسان العربي فروي عن كعب الأحبار : أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها وتكلم بالألسنة كلها آدم عليه السلام وقاله غير كعب الأحبار فإن قيل : قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال : أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان أبنه سام ورواه ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن كعب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو أبن عشر سنين ( وقد روي أيضا : أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان وقد روي غير ذلك قلنا : الصحيح أن
284
أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام والقرآن يشهد له قال الله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة قال صلى الله عليه وسلم : ( وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة ( وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد أبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل على ما تقدم والله أعلم قوله تعالى : ( هؤلاء ) لفظ مبني على الكسر ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر قال الأعشى :
هؤلا ثم هؤلا كلا أعطي ت
نعالا محذوة بمثال
ومن العرب من يقول : هؤلاء فيحذف الألف والهمزة السادسة قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) شرط والجواب محذوف تقديره : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني قاله المبرد ومعنى صادقين عالمين ولذلك لم يسغ للملائكة الأجتهاد وقالوا : سبحانك حكاه النقاش قال : ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الأجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له : كم لبثت فلم يشترط عليه الإصابة فقال ولم يصب ولم يعنف وهذا بين لا خفاء فيه وحكى الطبري وأبو عبيد : أن بعض المفسرين قال إن معنى إن كنتم : إذ كنتم وقالا : هذا خطأ وأنبئوني معناه أخبروني والنبأ : الخبر ومنه النبيء بالهمز وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة قال بعض العلماء : يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون وقال المحققون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليف وإنما
285
هو على جهة التقرير والتوقيف وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق هل وقع التكليف به أم لا في آخر السورة إن شاء الله تعالى
( البقره 32 )
قوله تعالى : ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( سبحانك ) أي تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك وهذا جوابهم عن قوله : أنبئوني فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا وما في ما علمتنا بمعنى الذي أي إلا الذي علمتنا ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا الثانية الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم : الله أعلم ولا أدري أقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون وأما ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروي البستي في المسند الصحيح له عن أبن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي البقاع شر قال : ( لا أدري حتى أسأل جبريل ( فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال : خير البقاع المساجد وشرها الأسواق وقال الصديق للجدة : أرجعي حتى أسأل الناس وكان علي يقول : وأبردها على الكبد ثلاث مرات قالوا وما ذلك يا أمير المؤمنين قال : أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم وسأل أبن عمر رجل عن مسألة فقال : لا علم لي بها فلما أدبر الرجل قال أبن عمر : نعم ما قال بن عمر سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به ذكره الدارمي في مسنده وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل
286
يحيى بن المتوكل صاحب بهية قال : كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج فقال له القاسم : وعم ذاك قال : لأنك أبن إمامي هدى : أبن أبي بكر وعمر قال يقول له القاسم : أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة فسكت فما أجابه وقال مالك بن أنس : سمعت أبن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري وذكر الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري قلت : ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم قال بن عبد البر : من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم روى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت أبن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول : ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف قلت : هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى أين هذا مما روي عن عمر رضى الله عنه وقد قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال فقامت أمرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس فقالت : ما ذلك لك
287
قال : ولم قالت لأن الله عز وجل يقول : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر : أمرأة أصابت ورجل أخطأ وروى وكيع عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة فقال فيها فقال الرجل : ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا فقال علي : أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال : لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر أبن حماد حديث مسدد ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما أنصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي النمار ( فقال : إنما هو مجتابي الثمار فقلت إنما هو مجتابي النمار هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق فقال لي : بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا ثم قال لي : قم بنا إلى ذلك الشيخ لشيخ كان في المسجد فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال : إنما هو مجتابي النمار كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه : رغم أنفي للحق رغم أنفي للحق وأنصرف وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن :
إذا ما تحدثت في مجلس
تناهى حديثي إلى ما علمت
ولم أعد علمي إلى غيره
وكان إذا ما تناهى سكت
الثانية قوله تعالى : ( سبحانك ) سبحان منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه ويؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا وقال الكسائي : هو منصوب على أنه نداء مضاف و ( العليم ) فعيل للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى و ( الحكيم ) معناه الحاكم وبينهما مزيد المبالغة وقيل معناه المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل صرف عن مفعل إلى فعيل كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم قاله أبن
288
الأنباري وقال قوم : الحكيم المانع من الفساد ومنه سميت حكمة اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد قال جرير :
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي أمنعوهم من الفساد وقال زهير :
القائد الخيل منكوبا دوابرها
قد أحكمت حكمات القد والأبقا
القد : الجلد والأبق : القنب والعرب تقول : أحكم اليتيم عن كذا وكذا يريدون منعه والسورة المحكمة : الممنوعة من التغيير وكل التبديل وأن يلحق بها ما يخرج عنها ويزاد عليها ما ليس منها والحكمة من هذا لأنها تمنع صاحبها من الجهل ويقال : أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد فهو محكم وحكيم على التكثير
( البقره 33 )
قوله تعالى : ( قل يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أنبئهم بأسمائهم ) أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له مختصا بالعلم الثانية في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ( أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة
289
من بين سائر عيال الله لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ورضى منهم بالطلب له والشغل به هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم إنه ذو فضل عظيم الثالثة أختلف العلماء من هذا الباب أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل أحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وقوله : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك وفي البخاري : يقول الله عز وجل : ( من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ( وهذا نص أحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة بالهمزة من برأ الله الخلق وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ( الحديث أخرجه أبو داود وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ولا يباهي إلا بالأفضل والله أعلم وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ولا القطع بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ثم إن الأنبياء خير من الكعبة بأتفاق الأمة ولا خلاف أن السجود
290
لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد وهذا واضح وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا الرابعة قوله تعالى : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة وسيأتي بيان هذا في الأنعام إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الخامسة قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون ) أي من قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها حكاه مكي والماوردي وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم ( وما كنتم تكتمون ) قال أبن عباس وأبن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية قال أبن عطية : وجاء تكتمون للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب وأتساعها كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا أي منكم فاعله وهذا مع قصد تعنيف ومنه قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وإنما ناداه منهم عيينة وقيل الأقرع وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا وكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم فقالوا : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه وما في قوله : ما تبدون يجوز أن ينتصب ب أعلم على أنه فعل ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به ما فيكون مثل حواج بيت الله وقد تقدم
291
( البقره 34 )
فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قلنا ) أي وأذكر وأما قول أبي عبيدة : إن إذ زائدة فليس بجائز لأن إذ ظرف وقد تقدم وقال : قلنا ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره والملائكة جمع ملك وقد تقدم وتقدم القول أيضا في آدم وأشتقاقه فلا معنى لإعادته وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في أسجدوا ونظيره الحمد لله الثانية قوله تعالى : ( أسجدوا ) السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع قال الشاعر :
بجمع تضل البلق في حجراته
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
الأكم : الجبال الصغار جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها وعين ساجدة أي فاترة عن النظر وغايته وضع الوجه بالأرض قال أبن فارس : سجد إذا تطامن وكل ما سجد فقد ذل والإسجاد : إدامة النظر قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه قال :
فضول أزمتها أسجدت
سجود النصارى لأحبارها
قال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد :
وقلن له أسجد لليلى فأسجدا
يعني البعير إذا طأطأ رأسه ودراهم
الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها قال :
وافى بها كدراهم الإسجاد

292
الثالثة أستدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة : أسجدوا لآدم قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم والجواب أن معنى أسجدوا لآدم أسجدوا لي مستقبلين وجه آدم وهو كقوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس أي عند دلوك الشمس وكقوله : ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم أستغناءه عنهم وعن عبادتهم وقال بعضهم : عيروا آدم وأستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها لما قال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا فقال لهم : إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن فإن قيل : فقد أستدل أبن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وأمنه من العذاب بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح وقال للملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه فلم يقل : لعمري وأقسم بالسماء والأرض ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع وأقسم بالتين والزيتون وأما قوله سبحانه : ومن يقل منهم إني إله من دونه فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فليس فيه إذا دلالة والله أعلم
293
الرابعة وأختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد أتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض كالسجود المعتاد في الصلاة لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله وطاعة لله تعالى وكان آدم كالقبلة لنا ومعنى لآدم : إلى آدم كما يقال صلى للقبلة أي إلى القبلة وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة فهو من التذلل والأنقياد أي أخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل ( فسجدوا ) أي أمتثلوا ما أمروا به وأختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام لقوله تعالى : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد فقال لهم : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ( روى أبن ماجة في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ( فقال : يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك قال : ( فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ( لفظ البستي ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة
294
قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد أتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم وأستغفارهم فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم الخامسة قوله : ( إلأ إبليس ) نصب على الاستثناء المتصل لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : أبن عباس وأبن مسعود وأبن جريج وأبن المسيب وقتادة وغيرهم وهو أختيار الشيخ أبي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر الآية قال بن عباس : وكان أسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد روى سماك أبن حرب عن عكرمة عن أبن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم وخلق سائر الملائكة من نور وقال أبن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا وروي نحوه عن أبن عباس وقال : أسمه الحارث وقال شهر أبن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب وحكاه الطبري عن أبن مسعود والأستثناء على هذا منقطع مثل قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وقوله : إلا ما ذكيتم في أحد القولين وقال الشاعر :
ليس عليك عطش ولا جوع
إلا الرقاد والرقاد ممنوع
وأحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن والجن غير الملائكة أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه لا يسأل عما يفعل وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي
295
فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة حكاه المهدوي وغيره وحكى الثعلبي عن أبن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الملائكة من نور وكان أسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحارث وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض وكان من أشد الملائكة أجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه وإن كانت خطيئته في معصية فآرجه وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية وخطيئة إبليس كبرا والملائكة قد تسمى جنا لأستتارها وفي التنزيل : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام :
وسخر من جن الملائك تسعة
قياما لديه يعملون بلا أجر
وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فأشتق أسمه من أسمها والله أعلم وإبليس وزنه إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية قاله أبو عبيدة وغيره وقيل : هو أعجمي لا أشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف قاله الزجاج وغيره السادسة قوله تعالى : ( أبى ) معناه أمتنع من فعل ما أمر به ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قرأ أبن آدم السجدة فسجد أعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية : يا ويلي أمر أبن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ( خرجه مسلم يقال : أبى يأبى إباء وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول
296
عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روي عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف السابعة قوله تعالى : ( وأستكبر ) الأستكبار : الأستعظام فكأنه كره السجود في حقه وأستعظمه في حق آدم فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ( وفي رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ( أخرجه مسلم ومعنى بطر الحق : تسفيهه وإبطاله وغمط الناس : الأحتقار لهم والأزدراء بهم ويروى : وغمص بالصاد المهملة والمعنى واحد يقال : غمصه يغمصه غمصا وأغتمصه أي أستصغره ولم يره شيئا وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها وغمصت عليه قولا قاله أي عبته عليه وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين أأسجد لمن خلقت طينا لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون فكفره الله بذلك فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه وهذا ما لا خلاف فيه وروى أبن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر حسد إبليس آدم وشح آدم في أكله من الشجرة وقال قتادة : حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني وكان بدء الذنوب الكبر ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ثم الحسد إذ حسد بن آدم أخاه الثامنة قوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) قيل : كان هنا بمعنى صار ومنه قوله تعالى : فكان من المغرقين وقال الشاعر :
بتيهاء قفر والمطي كأنها
قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها

297
أي صارت وقال أبن فورك كان هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول وقال جمهور المتأولين : المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة قلت : وهذا صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الإستدراج كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم وكما أعطي بلعام الأسم الأعظم على طرف لسانه فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن قال أبن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده فلذلك قال : أنا خير منه ولذلك قال الله عز وجل : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين أي أستكبرت ولا كبر لك ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال : وكان من الكافرين وكان أصل خلقته من نار العزة ولذلك حلف بالعزة فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان ولما أتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان علم أن ذلك ليس
298
يدل على ولايته لله قالوا : ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة أبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم العاشرة وأختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا فقيل : لا وإن إبليس أول من كفر وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض وأختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال إنه كفر جهلا قال : إنه سلب العلم عند كفره ومن قال كفر عنادا قال : كفر ومعه علمه قال أبن عطية : والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء
( البقره 35 )
فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا يا آدم أسكن ) لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد إخراجه قال لآدم : أسكن أي لازم الإقامة وأتخذها مسكنا وهو محل السكون وسكن إليه يسكن سكونا والسكن : النار قال الشاعر :
قد قومت بسكن وأدهان
والسكن : كل ما سكن إليه والسكين معروف سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته وسكان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الأضطراب
299
الثانية في قوله تعالى : ( أسكن ) تنبيه على الخروج لأن السكنى لا تكون ملكا ولهذا قال بعض العارفين : السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة قلت : وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء : إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى وأن له أن يخرجه إذا أنقضت مدة الإسكان وكان الشعبي يقول : إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حتى يموت فهو له حياته وموته وإذا قال داري هذه أسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات ونحو من السكنى العمرى إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى وسيأتي الكلام في العمرى في هود إن شاء الله تعالى قال الحربي : سمعت أبن الأعرابي يقول : لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمرى والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى والإطراق وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والعمرى : هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره ومثله الرقبى : وهو أن يقول : إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك وهي من المراقبة والمراقبة : أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه ولذلك أختلفوا في إجازتها ومنعها فأجازها أبو يوسف والشافعي وكأنها وصية عندهم ومنعها مالك والكوفيون لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما أبن ماجة في سننه الأول رواه جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبي جائزة لمن أرقبها ( ففي هذا الحديث التسوية بين العمري والرقبى في الحكم الثاني رواه أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته ( قال : والرقبى أن
300
يقول هو للآخر : مني ومنك موتا فقوله : ( لا رقبى ( نهي يدل على المنع وقوله : ( من أرقب شيئا فهو له ( يدل على الجواز وأخرجهما أيضا النسائي وذكر عن أبن عباس قال : العمري والرقبى سواء وقال أبن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها ( فقد صحح الحديث أبن المنذر وهو حجة لمن قال بأن العمري والرقبي سواء وروي عن علي وبه قال الثوري وأحمد وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا وبه قال إسحاق وقال طاوس : من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث والإفقار مأخوذ من فقار الظهر أفقرتك ناقتي : أعرتك فقارها لتركبها وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه ومثله الإخبال يقال : أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه قال زهير :
هنالك أن يستخبلوا المال يخبلوا
وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
والمنحة : العطية والمنحة : منحة اللبن والمنيحة : الناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم ( رواه أبو أمامة أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما وهو صحيح والإطراق : إعارة الفحل أستطرق فلان فلانا فحله : إذا طلبه ليضرب في إبله فأطرقه إياه ويقال : أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في أبلي وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها وطروقة الفحل : أنثاه يقال : ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل الثالثة قوله : ( أنت وزوجك ) أنت تأكيد للمضمر الذي في الفعل ومثله فأذهب أنت وربك ولا يجوز أسكن وزوجك ولا أذهب وربك إلا في ضرورة الشعر كما قال :
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى
كنعاج الملا تعسفن رملا

301
ف زهر معطوف على المضمر في أقبلت ولم يؤكد ذلك المضمر ويجوز في غير القرآن على بعد : قم وزيد الرابعة قوله تعالى : ( وزوجك ) لغة القرآن زوج بغيرها وقد تقدم القول فيه وقد جاء في صحيح مسلم : زوجة حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال : ( يا فلان هذه زوجتي فلانة ( : فقال يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ( وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على أمرأته فلما أنتبه قيل له : من هذه قال : أمرأة قيل : وما أسمها قال : حواء قيل : ولم سميت أمرأة قال : لأنها من المرء أخذت قيل : ولم سميت حواء قال : لآنها خلقت من حي روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم قال : نعم قالوا لحواء : أتحبينه ياحواء قالت : لا وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه قالوا : فلو صدقت أمرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء وقال أبن مسعود وأبن عباس : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها فلما أنتبه رأها فقال : من أنت قالت : أمرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها قال العلماء : ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المرأة خلقت من ضلع في رواية : وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه لن تستقيم
302
لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها أستمعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ( وقال الشاعر :
هي الضلع العوجاء لست تقيمها
ألا إن تقويم الضلوع أنكسارها
أتجمع ضعفا وأقتدارا على الفتى
أليس عجيبا ضعفها وأقتدارها
ومن هذا الباب أستدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال من اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل روي ذلك عن علي رضي الله عنه لخلق حواء من أحد أضلاعه وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( الجنة ) الجنة : البستان وقد تقدم القول فيها ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن وأستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس فإن الله يقول : لا لغو فيها ولا تأثيم وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا النبأ وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما الواقعة وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله : وما هم منها بمخرجين وأيضا فأن جنة الخلد هي دار القدس قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها وقد لغا فيها إبليس وكذب وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام ومن قال : أسأل الله الجنة لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد
303
المعروفة فلم ينكر ذلك آدم ولو كانت غيرها لرد على موسى فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها وأما ما أحتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم أنتزعت منه بعد المعصية وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام فلا معنى لقول من خالفهم وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا على ما قال أبو أمامة على ما يأتي السادسة قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ) قراءة الجمهور رغدا بفتح الغين وقرأ النخعي وأبن ثابت بسكونها والرغد : العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه قال :
بينما المرء تراه ناعما
يأمن الأحداث في عيش رغد
ويقال : رغد عيشهم ورغد ( بضم الغين وكسرها ) وأرغد القوم : أخصبوا وصاروا في رغد من العيش وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف وحيث وحيث وحيث وحوث وحوث وحاث كلها لغات ذكرها النحاس وغيره
304
السابعة قوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) أي لا تقرباها بأكل لأن الإباحة فيه وقعت قال أبن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقول : إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل وإذا كان بضم الراء فإن معناه لا تدن منه وفي الصحاح : قرب الشيء يقرب قربا أي دنا وقربته بالكسر أقربه قربانا أي دنوت منه وقربت أقرب قرابة مثل كتبت أكتب كتابة إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة والأسم القرب قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما القرب فقال : سير الليل لورد الغد وقال أبن عطية قال بعض الحذاق : إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعوا إليه العرب وهو القرب قال أبن عطية : وهذا مثال بين في سد الذرائع وقال بعض أرباب المعاني قوله : ولا تقربا إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة وأن سكناه فيها لا يدوم لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فدل على خروجه منها الثامنة قوله تعالى : ( هذه الشجرة ) الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لاغير كقولك : مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة وقرأ أبن محيصن : هذي الشجرة بالياء وهو الأصل لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك أنكسر ما قبلها وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها وذلك لأن أصلها الياء
305
والشجرة والشجرة والشيرة ثلاث لغات وقرئ الشجرة بكسر الشين والشجرة والشجرة : ما كان على ساق من نبات الأرض وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة الأشجار وواد شجير ولا يقال : واد أشجر وواحد الشجراء شجرة ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة : شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء : حلفة بكسر اللام مخالفة لأخواتها وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء والمشجرة : موضع الأشجار وأرض مشجرة وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجرا قاله الجوهري التاسعة وأختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها فقال أبن مسعود وأبن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة : هي الكرم ولذلك حرمت علينا الخمر وقال أبن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة : هي السنبلة والحبة منها ككلي البقر أحلى من العسل وألين من الزبد قاله وهب بن منبه ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه وقال أبن جريج عن بعض الصحابة : هي شجرة التين وكذا روي سعيد عن قتادة ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها ذكره السهيلي قال أبن عطية : وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها وقال القشيري أبو نصر : وكان الإمام والدي رحمه الله يقول : يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة العاشرة وأختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى : فتكونا من الظالمين فقال قوم : أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر قال أبن العربي : وهي أول معصية عصى الله بها على هذا القول قال : وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا : لا حنث فيه وقال
306
مالك وأصحابه : إن أقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه وإن أقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهى عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها فحمل القول على اللفظ دون المعنى وقد أختلف علماؤنا في فرع من هذا وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على قولين قال في الكتاب : يحنث لأنها هكذا تؤكل وقال أبن المواز : لا شيء عليه لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الأسم والصفة ولو قال في يمينه : لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها وفيما أشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف وقال آخرون : تأولا النهي على الندب قال أبن العربي : وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا لقوله : فتكونا من الظالمين فقرن النهي بالوعيد وكذلك قوله سبحانه : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وقال أبن المسيب : إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله وكذلك قال يزيد بن قسيط وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل قال أبن العربي : وهذا فاسد نقلا وعقلا أما النقل فلم يصح بحال وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال : لا فيها غول وأما العقل فلأن الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض وأقتحام الجرائم قلت : قد أستنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى : فلما أنبأهم بأسمائهم فأمره الله تعالى أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله جل وعز وقيل : أكلها ناسيا ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد قلت : وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا أي مخالفا قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تعالى : ولم نجد له عزما
307
قلت : قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم وقد يحتمل أن يخص من ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء والله أعلم قلت : والقول الأول أيضا حسن فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : ( هذان حرامان على ذكور أمتي ( وقال في خبر آخر : ( هذان مهلكان أمتي ( وإنما أراد الجنس لا العين الحادية عشرة يقال : إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها على ما يأتي بيانه وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء فقال : ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد فأتاهما من حيث أحبا حبك الشيء يعمي ويصم فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد فألح على حواء وألحت حواء على آدم إلى أن قالت : أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت أنت فأكلت فلم يضرها فأتت آدم فقالت : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب لقول الله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة فجمعهما في النهي فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهى عنه منهما جميعا وخفيت على آدم هذه المسألة ولهذا قال بعض العلماء : إن من قال لزوجتيه أو أمتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حرتان إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما وقد إختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال قال أبن القاسم : لا تطلقان ولا تعتقان إلا بأجتماعهما في الدخول حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ وقاله سحنون وقال أبن القاسم مرة أخرى : تطلقان جميعا وتعتقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما لأن بعض الحنث حنث كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما وقال أشهب : تعتق وتطلق التي دخلت وحدها لأن دخول
308
كل واحدة منهما شرط في طلاقها أو عتقها قال أبن العربي : وهذا بعيد لأن بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا قلت : الصحيح الأول وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما لأنك إذا قلت : لا تدخلا الدار فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة منهما لأن قول الله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة نهي لهما فتكونا من الظالمين جوابه فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا فلما أكلت لم يصبها شيء لأن المنهي عنه ما وجد كاملا وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم وهو معنى قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى وقيل : نسى قوله : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى والله أعلم الثانية عشرة وأختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا بعد أتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رزيلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغائر منهم خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصومون من جميع ذلك وأحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث وهذا ظاهر لا خفاء فيه وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها لأنا أمرنا بأتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الأقتداء بهم إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ولا يصح أن يؤمر المرء بأمتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين قال
309
الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني : وأختلفوا في الصغائر والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم وصار بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول : الذي ينبغي أن يقال أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة قال : وهذا هو الحق ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم بل قد تلافاهم وأجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم وأختارهم وأصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فتكونا من الظالمين ) الظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه والأرض المظلومة : التي لم تحفر قط ثم حفرت قال النابغة
وقفت فيها أصيلالا أسائلها
عيت جوابا وما بالربع
من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها
والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
0 ويسمى ذلك التراب الظلم قال الشاعر :
فأصبح في غبراء بعد إشاحة
على العيش مردود عليها ظليمها

310
وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم ومنه : ظلامون للجزر ويقال : سقانا ظليمة طيبة إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه وقد ظلم وطبه إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده واللبن مظلوم وظليم قال :
وقائلة ظلمت لكم سقائي
وهل يخفى على العكد الظليم
ورجل ظليم : شديد الظلم والظلم : الشرك قال الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا ) حذفت النون من كلا لأنه أمر وحذفت الهمزة لكثرة الأستعمال وحذفها شاذ قال سيبويه : من العرب من يقول أؤكل فيتم يقال منه : أكلت الطعام أكلا ومأكلا والأكلة بالفتح : المرة الواحدة حتى تشبع والأكلة بالضم : اللقمة تقول : أكلت أكلة واحدة أي لقمة وهي القرصة أيضا وهذا الشيء أكلة لك أي طعمة لك والأكل أيضاما أكل ويقال : فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع ( رغدا ) نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا قال أبن كسيان : ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال وقال مجاهد : رغدا أي لاحساب عليهم والرغد في اللغة : الكثير الذي لا يعنيك ويقال : أرغد القوم إذا وقعوا في خصب وسعة وقد تقدم هذا المعنى و ( حيث ) مبنية على الضم لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لاتضاف فأشبهت قبل وبعد إذا أفردنا فضمت قال الكسائي : لغة قيس وكنانة الضم ولغة تميم الفتح قال الكسائي : وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب قال الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لايعلمون وتضم وتفتح ( ولا تقربا هذه الشجرة ) الهاء من هذه بدل من ياء الأصل لأن الأصل هذى قال النحاس : ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها
311
إلا ها هذه ومن العرب من يقول : هاتا هند ومنهم من يقول : هاتي هند وحكى سيبويه : هذه هند بإسكان الهاء وحكى الكسائي عن العرب : ولا تقربا هذي الشجرة وعن شبل بن عباد قال : كان أبن كثير وأبن محيصن لا يثبتان الهاء في هذه في جميع القرآن وقراءة الجماعة رغدا بفتح الغين وروي عن أبن وثاب والنخعي أنهما سكنا الغين وحكى سلمى عن الفراء قال يقال : هذه فعلت وهذي فعلت بإثبات ياء بعد الذال وهذ فعلت بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا هاء وهاتان فعلت قال هشام ويقال : تأفعلت وأنشد :
خليلي لولا ساكن الدار لم أقم
بتا الدار إلا عابر أبن سبيل
قال أبن الأنباري : وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه وقد قال الفراء : من قال هذ قامت لا يسقط ها لأن الأسم لا يكون على ذال واحدة ( فتكونا ) عطف على تقربا فلذلك حذفت النون وزعم الجرمي أن الفاء هي الناصبة وكلاهما جائز
( البقره 36 )
قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها ) قرأ الجماعة فأزلهما بغير ألف من الزلة وهي الخطيئة أي أستزلهما وأوقعهما فيها وقرأ حمزة فأزالهما بألف من التنحية أي نحاهما يقال : أزلته فزال قال أبن كسيان : فأزلهما من الزوال أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه : أزللته فزل ودل على هذا قوله تعالى : إنما أستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقوله
312
فوسوس لهما الشيطان والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان إنما قدرته على إدخاله في الزلل فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان يذنبه وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال قال أمرؤ القيس :
يزل الغلام الخف عن صهواته
ويلوى بأثواب العنيف المثقل
وقال أيضا :
كميت يزل اللبد عن حال متنه
كما زلت الصفواء بالمتنزل
الثانية قوله تعالى : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله : فأخرجهما تأكيد وبيان للزوال إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة وليس كذلك وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض لأنهما خلقا منها وليكون آدم خليفة في الأرض ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل أزداد سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن قال الله جل ثناؤه : ثم أجتباه ربه فتاب عليه وهدى فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره فكم بين الخليفة والجار صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى إبليس لأنه كان بسببه وإغوائه ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم وأختلف في الكيفية فقال أبن مسعود وأبن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ودليل ذلك قوله تعالى : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين والمقاسمة ظاهرها المشافهة وقال بعضهم وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض
313
نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : أنظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها ثم أغوى آدم وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل منها فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه : أين أنت فقال : أنا هذا يا رب قال : ألا تخرج قال أستحي منك يا رب قال : أهبط إلى الأرض التي خلقت منها ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ولذلك أمرنا بقتلها على ما يأتي بيانه وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوي بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من أبن آدم مجرى الدم ( والله أعلم وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية فرحمته شجرة التين فأخذ من ورقه فأستتر به فبلي بالعري دون الشجر والله أعلم وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا الثالثة يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك روى أبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس يقتلهن المحرم ( فذكر الحية فيهن وروي أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي فكان أبن عباس يقول : أخفروا ذمة إبليس وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت
314
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ( قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ( أخرجه مسلم وغيره الرابعة روى أبن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقتلوها ( فسبقتنا إلى جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا ( قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى قالوا : فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار وقال : هو مثلة قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل على الأثر الذي جاء : ( لا تعذبوا بعذاب الله ( فكان على هذا سبيل العمل عنده فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : والمرسلات عرفا فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية فقال : ( أقتلوها ( فأبتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ( فلم يضرم نارا ولا أحتال في قتلها قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان والله أعلم وقوله : ( وقاها الله شركم ( أي قتلكم إياها ( كما وقاكم شرها ( أي لسعها
315
الخامسة الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله لقوله : ( أقتلوا الحيات وأقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل ( فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ولأن نوع الحيات غالبه الضرر فيستصحب ذلك فيه ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ( فشجع على قتلها وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا : ( أقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني ( والله أعلم السادسة ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله عليه السلام : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ( وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا قاله أبن نافع وقال مالك : نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد وهو الصحيح لأن الله عز وجل قال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الأحقاف الآية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ( وفيه : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة الحديث وسيأتي بكماله في سورة الجن إن شاء الله تعالى وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى
316
السابعة روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال : فوجدته يصلي فجلست انتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت فألتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست فلما أنصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت فقلت نعم فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فأستأذنه يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة ( فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا أمرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت له : أكفف عليك رمحك وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فأنتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فأضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له وقلنا : أدع الله يحييه لنا فقال : ( أستغفروا لأخيكم ثم قال : إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فأقتلوه فإنما هو شيطان ( وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فأقتلوه فإنه كافر وقال لهم : أذهبوا فأدفنوا صاحبكم ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه فالأولى
317
أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وأنتقاما وقد قتلت سعد أبن عبادة رضي الله عنه وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا : قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ( ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما فقالت : لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك فأصبحت فأمرت بأثنى عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله وفي رواية : ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي وعن علقمة نحوه الثامنة في صفة الإنذار قال مالك : أحب إلى أن ينذروا ثلاثة أيام وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارا ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام وقيل : يكفي ثلاث مرار لقوله عليه السلام : ( فليؤذنه ثلاثا ( وقوله : ( حرجوا عليه ثلاثا ( ولأن ثلاثا للعدد المؤنث فظهر أن المراد ثلاث مرات وقول مالك أولى لقوله عليه السلام : ( ثلاثة أيام ( وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث قال مالك : ويكفي في الإنذار أن يقول : أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح
318
عليه السلام وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فأقتلوه قلت : وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الإذن مرة واحدة والحديث يرده والله أعلم وقد حكى أبن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : ( أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا التاسعة روى جبير عن نفير عن أبي ثعلبة الخشني وأسمه جرثوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون ( وروى أبو الدرداء وأسمه عويمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ( العاشرة ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل أبتداء لأجل إذايته من غير خلاف كالحية والعقرب والفأر والوزغ وشبهه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ( وذكر الحديث فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به وقال لها إبليس أنت في ذمتي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال : ( أقتلوها ولو كنتم في الصلاة ( يعني الحية والعقرب والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت وهذا من نوع ما يروى في الحية وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قتل وزغة فكأنما
319
قتل كافرا ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك ( وفي رواية أنه قال : ( في أول ضربة سبعون حسنة ( والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها وروي عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور والفويسقة ( وأستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة هذا كله في معنى الحية فلذلك ذكرناه وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا ) حذفت الألف من أهبطوا في اللفظ لأنها ألف وصل وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها وروى محمد بن مصفى عن أبي حيوة ضم الباء في أهبطوا وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان في قول أبن عباس وقال الحسن : آدم وحواء والوسوسة وقال مجاهد والحسن أيضا : بنو آدم وبنو إبليس والهبوط : النزول من فوق إلى أسفل فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له بوذ ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فأمتلأ ما هناك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع فأورث ولده الصلع وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خلق الله آدم
320
وطوله ستون ذراعا ( الحديث وأخرجه مسلم وسيأتي وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة والحية ببيسان وقيل : بسجستان وسجستان أكثر بلاد الله حيات ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ذكره أبو الحسن المسعودي الثانية قوله تعالى : ( بعضكم لبعض عدو ) بعضكم مبتدأ عدو خبره والجملة في موضع نصب على الحال والتقدير وهذه حالكم وحذفت الواو من وبعضكم لأن في الكلام عائدا كما يقال : رأيت السماء تمطر عليك والعدو : خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم وذئب عدوان : يعدو على الناس والعدوان : الظلم الصراح وقيل : هو مأخوذ من المجاوزة من قولك : لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك وعداه إذا جاوزه فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشئ والمعنيان متقاربان فإن من ظلم فقد تجاوز قلت : وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى : بعضكم لبعض عدو على الإنسان نفسه وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى يدل عليه قوله عليه السلام : ( إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه أتق الله فينا فإنك إذا إستقمت أستقمنا وإن أعوججت أعوججنا ( فإن قيل : كيف قال عدو ولم يقل أعداء ففيه جوابان أحدهما : أن بعضا وكلا يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى وذلك في القرآن قال الله تعالى : وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا على اللفظ وقال تعالى : وكل أتوه داخرين على المعنى والجواب الآخر : أن عدوا يفرد في موضع الجمع قال الله عز وجل : وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا بمعنى أعداء وقال تعالى : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو وقال بن فارس : العدو أسم جامع للواحد والأثنين والثلاثة والتأنيث وقد يجمع
321
الثالثة لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال : إني جاعل في الأرض خليفة وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع إنه خلق من الأرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية : قلنا أهبطوا وسيأتي الرابعة قوله تعالى : ( ولكم في الأرض مستقر ) أبتداء وخبر أي موضع استقرار قاله أبو العالية وأبن زيد وقال السدي : مستقر يعني القبور قلت : وقول الله تعالى : جعل لكم الأرض قرارا يحتمل المعنيين والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( ومتاع ) المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك ومنه سميت متعه النكاح لأنها يتمتع بها وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر أبنه أيوب إثر دفنه : وقفت على قبر غريب بقفرة
متاع قليل من حبيب مفاق
السادسة قوله تعالى : ( إلى حين ) أختلف المتأولون في الحين على أقوال فقالت فرقة : إلى الموت وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا وقيل : إلى قيام الساعة وهذا قول من يقول : المستقر هو القبور وقال الربيع : إلى حين إلى أجل والحين : الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن قال خويلد :
كابي الرماد عظيم القدر جفنته
حين الشتاء كحوض المنهل اللقف
لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو وجزة :
العاطفون تحين ما من عاطف
والمطعمون زمان أين المطعم

322
والحين أيضا : المدة ومنه قوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر الإنسان والحين : الساعة قال الله تعالى : أو تقول حين ترى العذاب قال أبن عرفة : الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله : فذرهم في غمرتهم حتى حين أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين أي كل سنة وقيل : بل كل ستة أشهر وقيل : بل غدوة وعشيا قال الأزهري : الحين أسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة قال : والحين يوم القيامة والحين : الغدوة والعشية قال الله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ويقال : عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان : إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب قالت بثينة :
وأن سلوى عن جميل لساعة
من الدهر ما حانت ولا حان حينها
السابعة لما أختلف أهل اللسان في الحين أختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم فقال الفراء : الحين حينان : حين لا يوقف على حده والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ستة أشهر قال أبن العربي : الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف وأكثر المعلوم سنة ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الإسماء والأزمنة والشافعي يرى الأقل وأبو حنيفة توسط فقال : ستة أشهر ولا معنى لقوله لأن المقدورات عنده لا تثبت قياسا وليس فيه نص عن صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة فمن نذر أن يصلي حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة قياسا على ركعة الوتر وقال مالك وأصحابه : أقل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعل وذكر أبن خويز منداد في أحكامه : أن من حلف ألا يكلم فلانا حينا أو لا يفعل كذا حينا أن الحين سنة قال : وأتفقوا في الأحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حينا أو لا يكلم فلانا حينا أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه
323
قلت : هذا الأتفاق إنما هو في المذهب قال مالك رحمه الله : من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر فذلك كله سنة وقال عنه أبن وهب : إنه شك في الدهر أن يكون سنة وحكى أبن المنذر عن يعقوب وأبن الحسن : أن الدهر ستة أشهر وعن أبن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها أنه ستة أشهر وقال الأوزاعي وأبو عبيد : الحين ستة أشهر وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا وقال : لا نحنثه أبدأ والورع أن يقضيه قبل أنقضاء يوم وقال أبو ثور وغيره : الحين والزمان على ما تحتمله اللغة يقال : قد جئت من حين ولعله لم يجئ من نصف يوم قال الكيا الطبري الشافعي : وبالجملة الحين له مصارف ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين وقال بعض العلماء في قوله تعالى : إلى حين فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب والله أعلم
( البقره 37 )
قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) تلقى قيل معناه : فهم وفطن وقيل : قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه تقول : خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم وقيل : معنى تلقى تلقن وهذا في المعنى صحيح ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا مثل تظنى من تظنن وتقصى من تقصص ومثله تسريت من تسررت وأمليت من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال : تقبى من تقبل ولا تلقى من تلقن فأعلم وحكى مكي أنه ألهمها فأنتفع بها وقال الحسن : قبولها تعلمه لها وعمله بها
324
الثانية وأختلف أهل التأويل في الكلمات فقال أبن عباس والحسن وسعيد أبن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وعن مجاهد أيضا : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فأغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم وقالت طائفة : رأي مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع بذلك فهي الكلمات وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيل : الندم والأستغفار والحزن قال أبن عطية : وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الأستغفار المعهود وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال : يقول ما قاله أبواه : ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقال موسى : رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي وقال يونس : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وعن أبن عباس ووهب بن منبه : أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فأغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وقال محمد بن كعب هي قوله : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أرحم الراحمين وقيل : الكلمات قوله حين عطس : الحمد لله والكلمات : جمع كلمة والكلمة تقع على القليل والكثير وقد تقدم : الثالثة قوله تعالى : ( فتاب عليه ) أي قبل توبته أو وفقه للتوبة وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وتاب العبد : رجع إلى طاعة ربه وعبد تواب : كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع يقال
325
تاب وثاب وآب وأناب : رجع الرابعة إن قيل : لم قال عليه ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال : ولا تقربا هذه الشجرة وقالا ربنا ظلمنا أنفسنا فالجواب : أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله : أسكن خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : وعصى آدم ربه فغوى وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى في قوله : ألم أقل لك وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن وقيل : إنه مثل قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا إليها أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب وقال الشاعر :
رماني بأمر كنت منه ووالدي
بريئا ومن فوق الطوى رماني
وفي التنزيل : والله ورسوله أحق أن يرضوه فحذف إيجازا وأختصارا الخامسة قوله تعالى : ( إنه هو التواب الرحيم ) وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ومنكرا وأسما وفعلا وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال أبن العربي : ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة اقوال أحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة وقال آخرون : توبة الله على العبد قبوله توبته وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى : قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الأنابة والرجوع في قلب المسئ وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة
326
السادسة لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب أسم فاعل من تاب يتوب لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين وإن كان في اللغة محتملا جائزا هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى قال الله تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وقال : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وإنما قيل لله عز وجل : تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه السابعة اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ومن قال بقولهم وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه قال علماؤنا : وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله جل وعز وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه أفتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين الثامنة قرأ أبن كثير : فتلقى آدم من ربه كلمات والباقون برفع آدم ونصب كلمات والقراءتان ترجعان إلى معنى لأن آدم إذا تلقى الكلمات فقد تلقته وقيل : لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة وكأن الأصل على هذه القراءة فتلقت آدم من ربه كلمات لكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التانيث وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة ومنه قولهم : حضر القاضي اليوم أمرأة وقيل : إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر وقرأ الأعمش : آدم من ربه مدغما وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب : أنه بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر الباقون على الأستئناف وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم وقيل : لا يجوز
327
لأن بينهما واوا في اللفظ لا في الخط قال النحاس : أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد :
له زجل كأنه صوت حاد
إذا طلب الوسيقة أو زمير
فعلى هذا يجوز الإدغام وهو رفع بالأبتداء التواب خبره والجملة خبر إن ويجوز أن يكون هو توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة على ما تقدم وقال سعيد بن جبير : لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البر والحوت في البحر فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده فلما رأى النسر آدم قال : يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه فقال الحوت : لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجي ولا لك في البر منه مخلص
( البقره 38 )
قوله تعالى : ( قلنا أهبطوا ) كرر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده كما تقول لرجل : قم قم وقيل : كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى وقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة كما دل عليه حديث الإسراء على ما يأتي ( جميعا ) نصب على الحال وقال وهب بن منبه : لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع : إن هذا عدو لكم فأهلكوه فأجتمعوا وولوا أمرهم إلى الكلب
328
وقالوا : أنت أشجعنا وجعلوه رئيسا فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ذلك فجاءه جبريل عليه السلام وقال له : أمسح يدك على رأس الكلب ففعل فلما رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا وأستأمنه الكلب فأمنه آدم فبقي معه ومع أولاده وقال الترمذي الحكيم نحو هذا وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه الكلب فاميت فؤاده فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فآطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم وبموت فؤاده يفزع من الآدميين فلو رمى بمدر ولى هاربا ثم يعود آلفا لهم ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام فهو بشعبة إبليس ينبح ويهر ويعدو على الآدمي وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وأنقاد وألف به وبولده يحرسهم ولهثة على كل أحواله من موت فؤاده ولذلك شبه الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما يأتي بيانه في الأعراف إن شاء الله تعالى ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى فكان يطرد بها السباع عن نفسه قوله تعالى : ( فإما يأتينكم مني هدى ) أختلف في معنى قوله : هدى فقيل : كتاب الله قاله السدي وقيل : التوفيق للهداية وقالت فرقة : الهدى الرسل وهي إلى آدم من الملائكة والى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر وخرجه الآجري وفي قوله : مني إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية وغيرهم كما تقدم وقرأ الجحدري هدى وهو لغة هذيل يقولون : هدى وعصى ومحي وأنشد النحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه :
سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم
فتخرموا ولكل جنب مصرع

329
قال النحاس : وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن يكسر ماقبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت وما في قوله : إما زائدة على إن التي للشرط وجواب الشرط الفاء مع الشرط الثاني في قوله : فمن تبع ومن في موضع رفع بالإبتداء وتبع في موضع جزم بالشرط فلا خوف جوابه قال سيبويه : الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول وقال الكسائي : فلا خوف عليهم جواب الشرطين جميعا قوله تعالى : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه والتخوف : التنقص ومنه قوله تعالى : أو يأخذهم على تخوف وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن عمر وأبن أبي إسحاق ويعقوب : فلا خوف بفتح الفاء على التبرئة والأختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الإبتداء لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن لا لا تعمل في معرفة فأختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد ويجوز أن تكون لا في قولك : فلا خوف بمعنى ليس والحزن والحزن : ضد السرور ولا يكون إلا على ماض وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني عليه قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما وأحتزن وتحزن بمعنى والمعنى في الآية : فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا وقيل : ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا والله أعلم
( البقره 39 )

330
قوله تعالى : ( والذين كفروا ) أي أشركوا لقوله : ( وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار ) هم فيها خالدون الصحبة : الأقتران بالشيء في حالة ما في زمان ما فإن كانت الملازمة والخلطة فهي كمال الصحبة وهكذا هي صحبة أهل النار لها وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة على ما نبينه في براءة إن شاء الله وباقي ألفاظ الآية تقدم معناها والحمد لله
( البقره 40 )
قوله تعالى : ( يا بني إسرائيل ) نداء مضاف علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة الواحد أبن والأصل فيه بني وقيل : بنو فمن قال : المحذوف منه واو أحتج بقولهم : البنوة وهذا لا حجة فيه لأنهم قد قالوا : الفتوة وأصله الياء وقال الزجاج : المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت الأخفش : أختار أن يكون المحذوف منه الواو لأن حذفها أكثر لثقلها ويقال : أبن بين البنوة والتصغير بني قال الفراء : يقال : يا بني ويا بني لغتان مثل يا أبت وياأبت وقرئ بهما وهو مشتق من البناء وهو وضع الشيء على الشيء والأبن فرع للأب وهو موضوع عليه وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال أبو الفرج الجوزي : وليس في الأنبياء من له أسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب فهوم الآثار له قلت : وقد قيل في المسيح إنه أسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق وقد سماه الله روحا وكلمة وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين ذكره الجوهري في الصحاح وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن الخليل بن أحمد : خمسة من الأنبياء ذوو أسمين محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم
331
قلت : ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة بيانها في مواضعها وإسرائيل : أسم أعجمي ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة وفيه سبع لغات : إسرائيل وهي لغة القرآن وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش وإسرائيل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد وإسرائيل بغير ياء بهمزة مكسورة وإسراءل بهمزة مفتوحة وتميم يقولون : إسرائين بالنون ومعنى إسرائيل : عبد الله قال أبن عباس : إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو الله وقيل : إسرا هو صفوة الله وإيل هو الله وقيل : إسرا من الشد فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه ذكره المهدوي وقال السهيلي : سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمى إسرائيل أي أسرى إلى الله ونحو هذا فيكون بعض الأسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب والله أعلم قوله تعالى : ( أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) الذكر أسم مشترك فالذكر بالقلب ضد النسيان والذكر باللسان ضد الإنصات وذكرت الشئ بلساني وقلبي ذكرا وأجعله منك على ذكر ( بضم الذال ) أي لا تنسه قال الكسائي : ما كان بالضمير فهو مضموم الذال وما كان باللسان فهو مكسور الذال وقال غيره : هما لغتان يقال : ذكر وذكر ومعناهما واحد والذكر بفتح الذال خلاف الأنثى والذكر أيضا الشرف ومنه قوله : وإنه لذكر لك ولقومك قال أبن الأنباري : والمعنى في الآية أذكروا شكر نعمتي فحذف الشكر أكتفاء بذكر النعمة وقيل إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها وهو حسن والنعمة هنا أسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال الله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي نعمه ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى وفجر لهم
332
من الحجر الماء إلى ما أستودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون بشرف آبائهم تنبيه قال أرباب المعاني : ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره فقال : أذكروني أذكركم ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة قوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) أمر وجوابه وقرأ الزهري : أوف بفتح الواو وشد الفاء للتكثير وأختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن : عهده قوله : خذوا ما آتيناكم بقوة وقوله : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم أثني عشر نقيبا وقيل هو قوله : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه آل عمران وقال الزجاج : أوفوا بعهدي الذي عهدت اليكم في التوراة من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوف بعهدكم بما ضمنت لكم على ذلك إن أوفيتم به فلكم الجنة وقيل : أوفوا بعهدي في أداء الفرائض على السنة والإخلاص أوف بقبولها منكم ومجاراتكم عليها وقال بعضهم : أوفوا بعهدي في العبادات أوف بعهدكم أي أوصلكم إلى منازل الرعايات وقيل : أوفوا بعهدي في حفظ آداب الظواهر أوف بعهدكم بتزيين سرائركم وقيل : هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره هذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة قلت : وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى : أوفوا بالعقود أوفوا بعهد الله وهو كثير ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه عليهم قوله تعالى : ( وإياي فأرهبون ) أي خافون والرهب والرهب والرهبة : الخوف ويتضمن الأمر به معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية وقرأ أبن
333
أبي إسحاق : فارهبوني بالياء وكذا فاتقوني على الأصل وإياي منصوب بإضمار فعل وكذا الأختيار في الأمر والنهي والأستفهام التقدير : وإياي ارهبوا فآرهبون ويجوز في الكلام وأنا فأرهبون على الأبتداء والخبر وكون فأرهبون الخبر على تقدير الحذف المعنى وأنا ربكم فأرهبون
( البقره 41 )
قوله تعالى : ( وآمنوا بما أنزلت ) أي صدقوا يعني القرآن ( مصدقا ) حال من الضمير في أنزلت التقدير بما أنزلته مصدقا والعامل فيه أنزلت ويجوز أن يكون حالا من ما والعامل فيه آمنوا التقدير آمنوا بالقرآن مصدقا ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا بإنزال ( لما معكم ) يعني من التوراة قوله تعالى : ( ولا تكونوا أول كافر به ) الضمير في به قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم قاله أبو العالية وقال بن جريج : هو عائد على القرآن إذ تضمنه قوله : بما أنزلت وقيل : على التوراة إذ تضمنها قوله : لما معكم فإن قيل : كيف قال كافر ولم يقل كافرين قيل : التقدير ولا تكونوا أول فريق كافر به وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل لأن المعنى أول من كفر به وحكى سيبويه : هو أظرف الفتيان وأجمله وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله وقال : أول كافر به وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب إذ هم منظور إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم علم وأول عند سيبويه نصب على خبر كان وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل عينه وفاؤه واو وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين : العين والفاء وهذا مذهب البصريين وقال الكوفيون : هو من وأل إذا نجا فأصله أوأل ثم خففت الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت
334
فقيل أول كما تخفف همزة خطيئة قال الجوهري : والجمع الأوائل والأوالى أيضا على القلب وقال قوم : أصله وول على فوعل فقلبت الواو الأولى همزة وإنما لم يجمع على أواول لأستثقالهم أجتماع الواوين بينهما ألف الجمع وقيل : هو أفعل من آل يؤول فأصله أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم مسألة لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب وهم الكوفيون ومن وافقهم لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا وخص الأول بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا وهذا واضح قوله تعالى : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى ( ولا تشتروا ) معطوف على قوله : ولا تكونوا نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشى وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه قاله قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره وقيل : كانت لهم مآكل يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك وقيل : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك وفي كتبهم : يا بن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة قاله أبو العالية وقيل : المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا لأنهم جعلوه عوضا فأنطلق عليه أسم الثمن وإن لم يكن ثمنا وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر :
إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به
فما أصبت بترك الحج من ثمن
قلت : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو أمتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه
335
وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية والله أعلم وقد روي أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ( يعني ريحها الثانية وقد أختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان في معناها فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وروي أبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين ( وروي أبو هريرة قال : قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال : ( درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء ( وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت : ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فأقبلها ( وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه السلام في حديث أبن عباس حديث الرقية : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ( أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه وأما ما أحتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن قال أبن المنذر : وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة
336
وأما الجواب عن الآية فالمراد بها بنو إسرائيل وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا فيه خلاف وهو لا يقول به جواب ثان وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال : ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل أما حديث أبن عباس فرواه سعيد بن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك الحديث أيضا وهو حديث لا أصل له وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكنه له مناكير هذا منها قاله أبو عمر ثم قال : وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن بن مسعود وهو منقطع وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خير الناس وخير من يمشي على وجه الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار
337
الثالثة وأختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من أستؤجر في رمضان يقوم للناس فقال أرجو ألا يكون به بأس وهو أشد كراهة له في الفريضة وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور : لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه وقال الأوزاعي : لا صلاة له وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم قال أبن عبدالبر : وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد قلت : ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في براءة إن شاء الله تعالى وكره أبن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو وقال أبن حبيب : لا بأس بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء قال أبو الحسن اللخمي : ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتبه ويجيز بيع كتبه وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال الرابعة روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد أبن عمر بن الكميت قال حدثنا على بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال : مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال : هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له : أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال أبو حازم : يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني قال : أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني قال : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك قال : فألتفت إلى محمد أبن شهاب الزهري فقال : أصاب الشيخ وأخطأت قال سليمان : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت قال : لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال : أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال : ليت شعري ما لنا عند الله قال : أعرض عملك على كتاب الله قال : وأي مكان أجده قال
338
إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم الانفطار قال سليمان : فأين رحمة الله يا أبا حازم قال أبو حازم : رحمة الله قريب من المحسنين قال له سليمان : يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم قال : أولو المروءة والنهي قال له سليمان : فأي الأعمال أفضل قال أبو حازم : أداء الفرائض مع أجتناب المحارم قال سليمان : فأي الدعاء أسمع قال : دعاء المحسن إليه للمحسن فقال : أي الصدقة أفضل قال : للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى قال : فأي القول أعدل قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه قال : فأي المؤمنين أكيس قال : رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال : فأي المؤمنين أحمق قال : رجل أنحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال له سليمان : أصبت فما تقول فيما نحن فيه قال : يا أمير المؤمنين أوتعفيني قال له سليمان : لا ولكن نصيحة تلقيها إلى قال : يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد أرتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه : بئس ما قلت يا أبا حازم قال أبو حازم : كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان : فكيف لنا أن نصلح قال : تدعون الصلف وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان فكيف لنا بالمأخذ به قال أبو حازم تأخذه من حله وتضعه في أهله قال له سليمان : هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك قال : أعوذ بالله قال له سليمان : ولم ذاك قال : أخشى أن أركن اليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له سليمان : أرفع إلينا حوائجك قال : تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان : ليس ذاك إلي قال أبو حازم : فما لي إليك حاجة غيرها قال : فأدع لي قال أبو حازم : اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان : قط قال أبو حازم : قد أوجزت وأكثرت
339
إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال له سليمان : أوصني : قال : سأوصيك وأوجز : عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال : فردها عليه وكتب إليه : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسألهما فقالتا : لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام : هذا رجل جائع فقال لإحداهما : اذهبي فأدعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجرما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت أجر ما سقيت لنا ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض مرة أخرى فلما عيل صبره ناداها : يا أمة الله كوني خلفي وأريني السمت بقولك فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب : أجلس يا شاب فتعش فقال له موسى عليه السلام : أعوذ بالله فقال له شعيب : لم أما أنت جائع قال : بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا فقال له شعيب : لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي : نقرئ الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الأضطرار أحل من هذه وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة
340
قلت : هكذا يكون الأقتداء بالكتاب والأنبياء أنظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان ( وفي التنزيل : يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم قوله تعالى : ( وإياي فأتقون ) قد تقدم معنى التقوى وقرئ فأتقوني بالياء وقد تقدم وقال سهل بن عبد الله : قوله وإياي فأتقون قال : موضع علمي السابق فيكم وإياي فأرهبون قال : موضع المكر والإستدراج لقول الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وقوله : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون الأعراف فما أستثنى نبيا ولا صديقا
( البقره 42 )
قوله تعالى : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) اللبس : الخلط لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى : وللبسنا عليهم ما يلبسون وفي الأمر لبسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط : يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله وقالت الخنساء :
ترى الجليس يقول الحق تحسبه
رشدا وهيهات فأنظر ما به التبسا
صدق مقالته وأحذر عداوته
وألبس عليه أمورا مثل ما لبسا

341
وقال العجاج :
لما لبسن الحق بالتجني
غنين وأستبدلن زيدا مني
روى سعيد عن قتادة في قوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل يقول : لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزئ إلا به الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله والظاهر من قول عنترة :
وكتيبة لبستها بكتيبة
أنه من هذا المعنى
ويحتمل أن يكون من اللباس وقد قيل هذا في معنى الآية أي لا تغطوا ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها قال الجعدي :
إذا ما الضجيع ثنى جيدها
تثنت عليه فكانت لباسا
وقال الأخطل :
وقد لبست لهذا الأمر أعصره
حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا
واللبوس : كل ما يلبس من ثياب ودرع قال الله تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم الأنبياء ولابست فلانا حتى عرفت باطنه وفي فلان ملبس أي مستمتع قال :
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة
وبعد المشيب طول عمر وملبسا
ولبس الكعبة والهودج : ما عليهما من لباس بكسر اللام قوله تعالى : ( بالباطل ) الباطل في كلام العرب خلاف الحق ومعناه الزائل قال لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا ذهب ضياعا وخسرا وأبطله غيره ويقال : ذهب دمه بطلا أي هدرا والباطل : الشيطان والبطل : الشجاع سمي بذلك لأنه يبطل شجاعة صاحبه قال النابغة :
لهم لواء بأيدي ماجد بطل
لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي

342
والمرأة بطلة وقد بطل الرجل بالضم يبطل بطولة وبطالة أي صار شجاعا وبطل الأجير بالفتح بطالة أي تعطل فهو باطل وأختلف أهل التأويل في المراد بقوله : الحق بالباطل فروي عن أبن عباس وغيره : لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل وهو التغيير والتبديل وقال أبو العالية : قالت اليهود : محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل وقال أبن زيد : المراد بالحق التوراة والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام وغيره وقال مجاهد : لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقاله قتادة وقد تقدم قلت : وقول أبن عباس أصوب لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال والله المستعان قوله تعالى ( وتكتموا الحق ) يجوز أن يكون معطوفا على تلبسوا فيكون مجزوما ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن التقدير : لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه أي وأن تكتموه قال أبن عباس : يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه وقال محمد بن سيرين : نزل عصابة من ولد هارون يثرب لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم وهم مؤمنون مصدقون بنبوته فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه وهو معنى قوله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به قوله تعالى : ( وأنتم تعلمون ) جملة في موضع الحال أي أن محمدا عليه السلام حق فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى لهم بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر الآية
( البقره 43 )
فيه أربع وثلاثون مسألة :
343
الأولى قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة ) أمر معناه الوجوب ولا خلاف فيه وقد تقدم القول في معنى إقامة الصلاة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها والحمد لله الثانية قوله تعالى : ( وآتوا الزكاة ) أمر أيضا يقتضي الوجوب والإيتاء : الإعطاء آتيته : أعطيته قال الله تعالى : لئن آتانا من فضله لنصدقن وأتيته بالقصر من غير مد جئته فإذا كان المجيء بمعنى الإستقبال مد ومنه الحديث : ( ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ( وسيأتي الثالثة الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد يقال : زكا الزرع والمال يزكوا إذا كثر وزاد ورجل زكي أي زائد الخير وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكى ويقال : زرع زاك بين الزكاء وزكأت الناقة بولدها تزكأ به : إذا رمت به من بين رجليها وزكا الفرد : إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعا قال الشاعر :
كانوا خسا أو زكا من دون أربعة
لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج
جمع جد وهو الحظ والبخت تعتلج أي ترتفع أعتلجت الأرض : طال نباتها فخسا : الفرد وزكا : الزوج وقيل : أصلها الثناء الجميل ومنه زكي القاضي الشاهد فكأن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل وقيل : الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال : زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها الرابعة وأختلف في المراد بالزكاة هنا فقيل : الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة وقيل : صدقة الفطر قاله مالك في سماع أبن القاسم
344
قلت : فعلى الأول وهو قول أكثر العلماء فالزكاة في الكتاب مجملة بينها النبي صلى الله عليه وسلم فروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة وقال البخاري : ( خمس أواق من الورق ( وروى البخاري عن أبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر ( وسيأتي بيان هذا الباب في الأنعام إن شاء الله تعالى ويأتي في براءة زكاة العين والماشية وبيان المال الذي لا يؤخذ منه زكاة عند قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا وقوله تعالى : قد أفلح من تزكى وذكر أسم ربه فصلى الأعلى والمفسرون يذكرون الكلام عليها في سورة الأعلى ورأيت الكلام عليها في هذه السورة عند كلامنا على آي الصيام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر في رمضان الحديث وسيأتي فأضافها إلى رمضان الخامسة قوله تعالى : ( وأركعوا ) الركوع في اللغة الانحناء بالشخص وكل منحن راكع قال لبيد :
أخبر أخبار القرون التي مضت
أدب كأنى كلما قمت راكع
وقال أبن دريد : الركعة الهوة في الأرض لغة يمانية وقيل : الانحناء يعم الركوع والسجود ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة قال :
ولا تعاد الضعيف علك أن
تركع يوما والدهر قد رفعه

345
السادسة وأختلف الناس في تخصيص الركوع بالذكر فقال قوم : جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة قلت : وهذا ليس مختصا بالركوع وحده فقد جعل الشرع القراءة عبارة عن الصلاة والسجود عبارة عن الركعة بكمالها فقال : وقرآن الفجر أي صلاة الفجر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ( وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة وقيل : إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع وقيل : لأنه كان أثقل على القوم في الجاهلية حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن حصين للنبي صلى الله عليه وسلم : على ألا أخر إلا قائما فمن تأويله على ألا أركع فلما تمكن الإسلام من قلبه اطمأنت بذلك نفسه وامتثل ما أمر به من الركوع السابعة الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعا يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره الحديث الثامنة الركوع فرض قرآنا وسنة وكذلك السجود لقوله تعالى في آخر الحج : أركعوا وأسجدوا وزادت السنة الطمأنينة فيهما والفصل بينهما وقد تقدم القول في ذلك وبينا صفة الركوع آنفا وأما السجود فقد جاء مبينا من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وروى مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه
346
انبساط الكلب ( وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سجدت فضع كفيك وأرفع مرفقيك ( وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى بيديه يعني جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه وإذا قعد أطمأن على فخذه اليسرى التاسعة وأختلف العلماء فيمن وضع جبهته في السجود دون أنفه أو أنفه دون جبهته فقال مالك : يسجد على جبهته وأنفه وبه قال الثوري وأحمد وهو قول النخعي قال أحمد : لا يجزئه السجود على أحدهما دون الآخر وبه قال أبو خيثمة وأبن أبي شيبة قال إسحاق : إن سجد على أحدهما دون الآخر فصلاته فاسدة وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وروي عن أبن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على الأنف وقالت طائفة : يجزئ أن يسجد على جبهته دون أنفه هذا قول عطاء وطاوس وعكرمة وأبن سيرين والحسن البصري وبه قال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد قال أبن المنذر : وقال قائل : إن وضع جبهته ولم يضع أنفه أو وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلاته تامة هذا قول النعمان قال أبن المنذر : ولا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه قلت : الصحيح في السجود وضع الجبهة والأنف لحديث أبي حميد وقد تقدم وروى البخاري عن أبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر ( وهذا كله بيان لمجمل الصلاة فتعين القول به والله أعلم وروي عن مالك أنه يجزيه أن يسجد على جبهته دون أنفه كقول عطاء والشافعي والمختار عندنا قوله الأول ولا يجزئ عند مالك إذا لم يسجد على جبهته
347
العاشرة ويكره السجود على كور العمامة وإن كان طاقة أو طاقتين مثل الثياب التي تستر الركب والقدمين فلا بأس والأفضل مباشرة الأرض أو ما يسجد عليه فإن كان هناك ما يؤذيه أزاله قبل دخوله في الصلاة فإن لم يفعل فليمسحه مسحة واحدة وروى مسلم عن معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : ( إن كنت فاعلا فواحدة ( وروي عن أنس بن مالك قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه الحادية عشرة لما قال تعالى : اركعوا واسجدوا قال بعض علمائنا وغيرهم : يكفي منها ما يسمى ركوعا وسجودا وكذلك من القيام ولم يشترطوا الطمأنينة في ذلك فأخذوا بأقل الأسم في ذلك وكأنهم لم يسمعوا الأحاديث الثابتة في إلغاء الصلاة قال بن عبد البر : ولا يجزئ ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا وهوالصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر وهي رواية أبن وهب وأبي مصعب عن مالك وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد تكاثرت الرواية عن أبن القاسم وغيره بوجوب الفصل وسقوط الطمأنينة وهو وهم عظيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وعلمها فإن كان لأبن القاسم عذر أن كان لم يطلع عليها فما لكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع قال : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلى فلما قضى الصلاة جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ارجع فصل فإنك لم تصل ( وجعل الرجل يصلي وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها فلما جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك أرجع فصل فإنك لم تصل ( قال همام : فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثا فقال له الرجل
348
ما ألوت فلا أدري ما عبت علي من صلاتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) ) أنه لا تتم صلاة احدكم حتى يسبغ الوضوء كما امره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله تعالى ويثنى عليه ثم يقرأ أم القران وما أذن له فيه وتيسر ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ويستوي قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخده ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه قال همام : وربما قال : جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعده ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ ثم قال : لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك ومثله حديث أبي هريرة خرجه مسلم وقد تقدم قلت : فهذا بيان الصلاة المجملة في الكتاب بتعليم النبي عليه السلام وتبليغه أياها جميع الأنام فمن لم يقف عند هذا البيان وأخل بما فرض عليه الرحمن ولم يمتثل ما بلغه عن نبيه عليه السلام كان من جملة من دخل في قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى روى البخاري عن زيد بن وهب قال : رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال : ما صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم الثانية عشرة قوله تعالى : ( مع الراكعين ) مع تقتضي المعية والجمعية ولهذا قال جماعة من اهل التأويل بالقرآن : إن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة فأمرهم بقوله مع شهود الجماعة وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين فالذي عليه الجمهور أن ذلك من السنن المؤكدة ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير عذر العقوبة وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية قال بن عبد البر : وهذا قول صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة لقوله عليه السلام : ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ( أخرجه مسلم من حديث أبن عمرو وروي عن أبي هريرة رضي الله
349
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا ( وقال داود : الصلاة في الجماعة فرض على كل أحد في خاصته كالجمعة وأحتج بقوله عليه السلام : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ( خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد الحق وهو قول عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم وقال الشافعي : لا أرخص لمن قدر على الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر حكاه أبن المنذر وروى مسلم عن أبي هريرة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال : ( هل تسمع النداء بالصلاة ( قال نعم قال : ( فأجب ( وقال أبو داود في هذا الحديث : ( لا أجد لك رخصة ( خرجه من حديث بن أم مكتوم وذكر أنه كان هو السائل وروي عن أبن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سمع النداء فلم يمنعه من إتيانه عذر قالوا : وما العذر قال : خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى ( قال أبو محمد عبد الحق : هذا يرويه مغراء العبدي والصحيح موقوف على أبن عباس : ( من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له ( على أن قاسم بن أصبغ ذكره في كتابه فقال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن بن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ( وحسبك بهذا الإسناد صحة ومغراء العبدي روي عنه أبو إسحاق وقال أبن مسعود : ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق وقال عليه السلام : ( بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما ( قال بن المنذر : ولقد روينا عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : ( من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له ( منهم بن مسعود وأبو موسى الأشعري وروى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول
350
الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست لهم علة فأحرقها عليهم ( هذا ما احتج به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضا وهي ظاهرة في الوجوب وحملها الجمهور على تأكيد أمر شهود الصلوات في الجماعة بدليل حديث أبن عمر وأبي هريرة وحملوا قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه ( لا صلاة له ( على الكمال والفضل وكذلك قوله عليه السلام لابن أم مكتوم : ( فأجب ( على الندب وقوله عليه السلام : ( لقد هممت ( لا يدل على الوجوب الحتم لأنه هم ولم يفعل وإنما مخرجه مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة يبين هذا المعنى ما رواه مسلم عن عبد الله قال : ( من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ( فبين رضى الله عنه في حديثه أن الاجتماع سنة من سنن الهدى وتركه ضلال ولهذا قال القاضي أبو الفضل عياض : أختلف في التمالؤ على ترك ظاهر السنن هل يقاتل عليها أو لا والصحيح قتالهم لأن في التمالؤ عليها إماتتها قلت : فعلى هذا إذا أقيمت السنة وظهرت جازت صلاة المنفرد وصحت روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة
351
وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه ( قيل لأبي هريرة : ما يحدث قال : يفسو أو يضرط الثالثة عشرة واختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة هل لأجل الجماعة فقط حيث كانت أو إنما يكون ذلك الفضل للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد كما جاء في الحديث قولان والأول أظهر لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم والله أعلم وما كان من إكثار الخطا إلى المساجد وقصد الإتيان إليها والمكث فيها فذلك زيادة ثواب خارج عن فضل الجماعة والله أعلم الرابعة عشرة وأختلفوا أيضا هل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام فقال مالك : لا وقال بن حبيب : نعم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله ( رواه أبي بن كعب وأخرجه أبو داود وفي إسناده لين الخامسة عشرة واختلفوا أيضا فيمن صلى في جماعة هل يعيد صلاته تلك في جماعة أخرى فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم : إنما يعيد الصلاة في جماعة مع الإمام من صلى وحده في بيته وأهله أو في غير بيته وأما من صلى في جماعة وإن قلت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منها ولا أقل وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي : جائز لمن صلى في جماعة ووجد جماعة أخرى في تلك الصلاة أن يعيدها معهم إن شاء لأنها نافلة وسنة وروي ذلك عن حذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وصلة بن زفر والشعبي والنخعي وبه قال حماد بن زيد وسليمان بن حرب أحتج مالك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصلي صلاة في يوم مرتين ( ومنهم من يقول : لا تصلوا رواه سليمان بن يسار عن أبن عمر وأتفق أحمد وإسحاق على أن معنى
352
هذا الحديث أن يصلي الإنسان الفريضة ثم يقوم فيصليها ثانية ينوي بها الفرض مرة أخرى فأما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنة أو تطوع فليس بإعادة الصلاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أمرهم بإعادة الصلاة في جماعة : ( إنها لكم نافلة ( من حديث أبي ذر وغيره السادسة عشرة روى مسلم عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه ( وفي رواية ( سنا ( مكان ( سلما ( وأخرجه أبو داود وقال : قال شعبة : فقلت لإسماعيل ما تكرمته قال : فراشه وأخرجه الترمذي وقال : حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم قالوا : أحق الناس بالإمامة اقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة وقالوا : صاحب المنزل أحق بالإمامة وقال بعضهم : إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به وكرهه بعضهم وقالوا : السنة أن يصلي صاحب البيت قال أبن المنذر : روينا عن الأشعث أبن قيس أنه قدم غلاما وقال : إنما أقدم القرآن وممن قال : يؤم القوم أقرؤهم بن سيرين والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي قال بن المنذر : بهذا نقول لأنه موافق للسنة وقال مالك : يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة وإن للسن حقا وقال الأوزاعي : يؤمهم أفقههم وكذلك قال الشافعي وأبو ثور إذا كان يقرأ القرآن وذلك لأن الفقيه أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة وتأولوا الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان الأفقه لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن وقد كان من عرفهم الغالب تسميتهم الفقهاء بالقراء واستدلوا بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أبا بكر لفضله وعلمه وقال إسحاق إنما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم ليدل على أنه خليفته بعده ذكره أبو عمر في التمهيد وروى أبو بكر البزار بإسناد حسن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله
353
عليه وسلم : ( إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم وإذا أمكم فهو أميركم ( قال : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد قلت : إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئا ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال : كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ماهذا الرجل فيقولون : يزعم أن الله أرسله أوحى إليه كذا أوحى إليه كذا فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يقر في صدري وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون : أتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال : جئتكم والله من عند نبي الله حقا قال : ( صلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا ( فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنا لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا بن ست أوسبع سنين وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي : ألا تغطون عنا است قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشئ فرحي بذلك القميص وممن أجاز إمامة الصبي غير البالغ الحسن البصري وإسحاق بن راهوية واختاره بن المنذر إذا عقل الصلاة وقام بها لدخوله في جملة قوله صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ( ولم يستثن ولحديث عمرو بن سلمة وقال الشافعي في أحد قوليه : يؤم في سائر الصلوات ولا يؤم في يوم الجمعة وقد كان قبل يقول : ومن أجزأت إمامته في المكتوبة إجزأت إمامته في الأعياد غير أني أكره فيها إمامة غير الوالي وقال الأوزاعي : لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم إلا أن يكون قوم ليس معهم من القرآن شيء فإنه يؤمهم الغلام المراهق وقال الزهري : إن اضطروا إليه أمهم ومنع ذلك جملة مالك والثوري وأصحاب الرأي السابعة عشرة الائتمام بكل إمام بالغ مسلم حر على استقامة جائز من غير خلاف إذا كان يعلم حدود الصلاة ولم يكن يلحن في أم القرآن لحنا يخل بالمعنى مثل أن يكسر الكاف
354
من إياك نعبد الفاتحة ويضم التاء في أنعمت ومنهم من راعى تفريق الطاء من الضاد وإن لم يفرق بينهما لا تصح إمامته لأن معناهما يختلف ومنهم من رخص في ذلك كله إذا كان جاهلا بالقراءة وأم مثله ولا يجوز الائتمام بامرأة ولا خنثى مشكل ولا كافر ولا مجنون ولا أمي ولا يكون واحد من هؤلاء إماما بحال من الأحوال عند أكثر العلماء على ما يأتي ذكره إلا الأمي لمثله قال علماؤنا : لا تصح إمامة الأمي الذي لا يحسن القراءة مع حضور القارئ له ولا لغيره وكذلك قال الشافعي فإن أم أميا مثله صحت صلاتهم عندنا وعند الشافعي وقال أبو حنيفة : إذا صلى الأمي بقوم يقرؤون وبقوم أميين فصلاتهم كلهم فاسدة وخالفه أبو يوسف فقال : صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة وقالت فرقة : صلاتهم كلهم جائزة لان كلا مؤد فرضه وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين بالماء والمصلي قاعدا يصلي بقوم قيام صلاتهم مجزئة في قول من خالفنا لأن كلا مؤد فرض نفسه قلت : وقد يحتج لهذا القول بقوله عليه السلام : ( ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه ( أخرجه مسلم وإن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام والله أعلم وكان عطاء بن أبي رباح يقول : إذا كانت امرأته تقرأ كبر هو وتقرأ هي فإذا فرغت من القراءة كبر وركع وسجد وهي خلفه تصلي وروي هذا المعنى عن قتادة الثامنة عشرة ولا بأس بإمامة الأعمى والأعرج والأشل والأقطع والخصي والعبد إذا كان كل واحد منهم عالما بالصلاة وقال بن وهب : لا أرى أن يؤم الأقطع والأشل لأنه منتقص عن درجة الكمال وكرهت إمامته لأجل النقص وخالفه جمهور أصحابه وهو الصحيح لأنه عضو لا يمنع فقده فرضا من فروض الصلاة فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعين وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف بن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى وكذا الأعرج والأقطع والأشل والخصي قياسا ونظرا والله أعلم وقد روي عن أنس بن مالك أنه قال في الأعمى : وما حاجتهم إليه وكان بن عباس وعتبان بن مالك يؤمان وكلاهما أعمى وعليه عامة العلماء
355
التاسعة عشرة واختلفوا في إمامة ولد الزنى فقال مالك : أكره أن يكون إماما راتبا وكره ذلك عمر بن عبد العزيز وكان عطاء بن أبي رباح يقول : له أن يؤم إذا كان مرضيا وهو قول الحسن البصري والزهري والنخعي وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وتجزئ الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي وغيره أحب إليهم وقال الشافعي : أكره أن ينصب إماما راتبا من لا يعرف أبوه ومن صلى خلفه أجزأه وقال عيسى بن دينار : لا أقول بقول مالك في إمامة ولد الزنى وليس عليه من ذنب أبويه شيء ونحوه قال بن عبد الحكم إذا كان في نفسه أهلا للإمامة قال بن المنذر : يؤم لدخوله في جملة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ( وقال أبو عمر : ليس في شيء من الآثار الواردة في شرط الإمامة ما يدل على مراعاة نسب وإنما فيها الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدين الوفية عشرين وأما العبد فروى البخاري عن بن عمر قال : لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا وعنه قال : كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء فهم أبو بكر وعمر وزيد وعامر بن ربيعة وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف قال بن المنذر : وأم أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد نفرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حذيفة وأبو مسعود ورخص في إمامة العبد النخعي والشعبي والحسن البصري والحكم والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز وقال مالك : لا يؤمهم إلا أن يكون العبد قارئا ومن معه من الأحرار لايقرءون إلا أن يكون في عيد أو جمعة فإن العبد لا يؤمهم فيها ويجزئ عند الأوزاعي إن صلوا وراءه قال بن المنذر : العبد داخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ( الحادية والعشرون وأما المرأة فروي البخاري عن أبي بكرة قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال : ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم
356
امرأة ( وذكر أبو داود عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها قال : وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن : فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا قال بن المنذر : والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف المرأة وقال أبو ثور : لا إعادة عليهم وهذا قياس قول المزنى قلت وقال علماؤنا لا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء وروى بن أيمن جواز إمامتها للنساء وأما الخنثى المشكل فقال الشافعي : لا يؤم الرجال ويؤم النساء وقال مالك : لا يكون إماما بحال وهو قول أكثر الفقهاء الثانية والعشرون الكافر المخالف للشرع كاليهودي والنصراني يؤم المسلمين وهم لا يعلمون بكفره وكان الشافعي وأحمد يقولان : لا يجزئهم ويعيدون وقاله مالك وأصحابه لأنه ليس من أهل القربة وقال الأوزاعي : يعاقب وقال أبو ثور والمزنى لا إعادة على من صلى خلفه ولا يكون بصلاته مسلما عند الشافعي وأبي ثور وقال أحمد : يجبر على الإسلام الثالثة والعشرون وأما أهل البدع من أهل الأهواء كالمعتزلة والجهمية وغيرهما فذكر البخاري عن الحسن : صل وعليه بدعته وقال أحمد : لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه وقال مالك : ويصلي خلف أئمة الجور ولا يصلي خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم وقال بن المنذر : كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز الصلاة خلفه ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة ولا يجوز تقديم من هذه صفته الرابعة والعشرون وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ونحو ذلك فاختلف المذهب فيه فقال بن حبيب : من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة فلا إعادة على من صلى خلفه إلا أن يكون حينئذ سكران قاله
357
من لقيت من أصحاب مالك وروي من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر : ( لا تؤمن امراة رجلا ولا يؤمن اعرابي مهاجرا ولا يؤمن فاجر برا إلا أن يكون ذلك ذا سلطان ( قال أبو محمد عبد الحق : هذا يرويه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب والأكثر يضعف علي بن زيد وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن سركم ان تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم ( في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي وهو ضعيف قاله الدارقطني وقال فيه أبو أحمد بن عدي : كان يضع الحديث على ثقات المسلمين وحديثه هذا يرويه عن بن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وذكر الدارقطني عن سلام بن سليمان عن عمر عن محمد بن واسع عن سعيد بن جبير عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين الله ( قال الدارقطني : عمر هذا هو عندي عمر بن يزيد قاضي المدائن وسلام بن سليمان أيضا مدائني ليس بالقوى قاله عبدالحق الخامسة والعشرون روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ( وقد اختلف العلماء فيمن ركع أو خفض قبل الإمام عامدا على قولين : أحدهما أن صلاته فاسدة إن فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرها وهو قول أهل الظاهر وروي عن بن عمر ذكر سنيد قال حدثنا بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الورد الأنصاري قال : صليت إلى جنب بن عمر فجعلت أرفع قبل الإمام وأضع قبله فلما سلم الإمام أخذ بن عمر بيدي فلواني وجذبني فقلت : مالك قال : من أنت قلت : فلان بن فلان قال : أنت من أهل بيت صدق فما يمنعك أن تصلي قلت : أو ما رأيتني إلى جنبك قال : قد رأيتك ترفع قبل الإمام وتضع قبله وإنه لا صلاة لمن خالف الإمام وقال الحسن بن حي فيمن ركع أو سجد قبل الإمام ثم رفع من ركوعه أو سجوده قبل أن يركع الإمام أو يسجد
358
لم يعتد بذلك ولم يجزه وقال أكثر الفقهاء : من فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد صلاته لأن الأصل في صلاة الجماعة والأئتمام فيها بالأئمة سنة حسنة فمن خالفها بعد أن أدى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه إعادتها وإن أسقط بعض سننها لأنه لو شاء أن ينفرد فصلى قبل إمامه تلك الصلاة أجزأت عنه وبئس ما فعل في تركه الجماعة قالوا : ومن دخل في صلاة الإمام فركع بركوعه وسجد بسجوده ولم يكن في ركعة وإمامه في أخرى فقد اقتدى وإن كان يرفع قبله ويخفض قبله لأنه بركوعه يركع وبسجوده يسجد ويرفع وهو في ذلك تبع له إلا أنه مسيء في فعله ذلك لخلافه سنة المأموم المجتمع عليها قلت : ماحكاه بن عبد البر عن الجمهور ينبئ على أن صلاة المأموم عندهم غير مرتبطة بصلاة الإمام لأن الإتباع الحسي والشرعي مفقود وليس الأمر هكذا عند أكثرهم والصحيح في الأثر والنظر القول الأول فإن الإمام إنما جعل ليؤتم به ويقتدى به بأفعاله ومنه قوله تعالى : إني جاعلك للناس إماما أي يأتمون بك على ما يأتي بيانه هذه حقيقة الإمام لغة وشرعا فمن خالف إمامه لم يتبعه ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين فقال : ( إذا كبر فكبروا ( الحديث فأتى بالفاء التي توجب التعقيب وهو المبين عن الله مراده ثم أوعد من رفع أو ركع قبل وعيدا شديدا فقال : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار ( أخرجه الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم وقال أبو هريرة : إنما ناصيته بيد شيطان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ( يعني مردود فمن تعمد خلاف إمامه عالما بأنه مأمور بإتباعه منهي عن مخالفته فقد استخف بصلاته وخالف ما أمر به فواجب ألا تجزي عنه صلاته تلك والله أعلم السادسة والعشرون فإن رفع رأسه ساهيا قبل الإمام فقال مالك رحمه الله : السنة فيمن سها ففعل ذلك في ركوع أو في سجود أن يرجع راكعا أو ساجدا وينتظر الإمام وذلك خطأ ممن فعله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به
359
فلا تختلفوا عليه ( قال بن عبد البر : ظاهر قول مالك هذا لا يوجب الإعادة على من فعله عامدا لقوله : وذلك خطأ ممن فعله لأن الساهي الإثم عنه موضوع السابعة والعشرون وهذا الخلاف إنما هو فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام أما السلام فقد تقدم القول فيه وأما تكبيرة الإحرام فالجمهور على أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام إلا ما روي عن الشافعي في أحد قوليه : أنه إن كبر قبل إمامه تكبيرة الإحرام أجزأت عنه لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى الصلاة فلما كبر انصرف وأومأ إليهم أي كما أنتم ثم خرج ثم جاء ورأسه تقطر فصلى بهم فلما انصرف قال : ( إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل ( ومن حديث أنس فكبر وكبرنا معه وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى : ولا جنبا في النساء إن شاء الله تعالى الثامنة والعشرون وروى مسلم عن أبي مسعود قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : ( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا زاد من حديث عبد الله : ( وإياكم وهيشات الأسواق ( وقوله : ( أستووا ( أمر بتسوية الصفوف وخاصة الصف الأول وهو الذي يلي الإمام على ما يأتي بيانه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى وهناك يأتي الكلام على معنى هذا الحديث بحول الله تعالى التاسعة والعشرون واختلف العلماء في كيفية الجلوس في الصلاة لاختلاف الآثار في ذلك فقال مالك وأصحابه : يفضي المصلي بأليتيه إلى الارض وينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى لما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك
360
قلت : وهذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا وكان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهي عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم قلت : ولهذا الحديث والله أعلم قال بن عمر : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي : ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى لحديث وائل بن حجر وكذلك قال الشافعي وأحمد وإسحاق في الجلسة الوسطى وقالوا في الآخرة من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء كقول مالك لحديث أبي حميد الساعدي رواه البخاري قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع استوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته قال الطبري : إن فعل هذا فحسن كل ذلك قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الموفية الثلاثين مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي أنه قال : رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة فلما انصرف نهاني فقال : اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قلت وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قال : كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه
361
كلها وأشار بأصبعه التي تلى الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وقال : هكذا كان يفعل قال بن عبد البر : وما وصفه بن عمر من وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده تلك كلها إلا السبابة منها فإنه يشير بها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الأصابع كل ذلك سنة في الجلوس في الصلاة مجمع عليه لا خلاف علمته بين العلماء فيها وحسبك بهذا إلا أنهم اختلفوا في تحريك أصبعه السبابة فمنهم من رأى تحريكها ومنهم من لم يره وكل ذلك مروي في الآثار الصحاح المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميعه مباح والحمد لله وروى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيه : قال سفيان : وكان يحيى بن سعيد حدثناه عن مسلم ثم لقيته فسمعته منه وزادني فيه : قال : ( هي مذبة الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه ويقول هكذا ( قلت : روى أبو داود في حديث بن الزبير أنه عليه السلام كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها وإلى هذا ذهب بعض العراقيين فمنع من تحريكها وبعض علمائنا رأوا أن مدها إشارة إلى دوام التوحيد وذهب أكثر العلماء من أصحاب مالك وغيرهم إلى تحريكها إلا أنهم اختلفوا في الموالاة بالتحريك على قولين تأول من والاه بأن قال : إن ذلك يذكر بموالاة الحضور في الصلاة وبأنها مقمعة ومدفعة للشيطان على ما روى سفيان ومن لم يوال رأى تحريكها عند التلفظ بكلمتي الشهادة وتأول في الحركة كأنها نطق بتلك الجارحة بالتوحيد والله أعلم الحادية والثلاثون واختلفوا في جلوس المرأة في الصلاة فقال مالك : هي كالرجل ولا تخالفه فيما بعد الإحرام إلا في اللباس والجهر وقال الثوري : تسدل المرأة جلبابها من جانب واحد ورواه عن إبراهيم النخعي وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجلس المرأة كأيسر ما يكون لها وهو قول الشعبي : تقعد كيف تيسر لها وقال الشافعي : تجلس بأستر ما يكون لها
362
الثانية والثلاثون روى مسلم عن طاوس قال : قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال : هي السنة فقلنا له إنا لنراه جفاء بالرجل فقال بن عباس : بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وقد اختلف العلماء في صفة الإقعاء ما هو فقال أبو عبيد : الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع قال بن عبد البر : وهذا إقعاء مجتمع عليه لا يختلف العلماء فيه وهذا تفسير أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه وقال أبو عبيد : وأما أهل الحديث فإنهم يجعلون الإقعاء أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين قال القاضي عياض : والأشبه عندي في تأويل الإقعاء الذي قال فيه بن عباس إنه من السنة الذي فسر به الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين وكذا جاء مفسرا عن بن عباس : من السنة أن تمس عقبك أليتك رواه إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عنه ذكره أبو عمر قال القاضي : وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونه ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار وسموه إقعاء ذكر عبد الرزاق عن معمر عن بن طاوس عن أبيه أنه رأى بن عمر وبن عباس وبن الزبير يقعون بين السجدتين الثالثة والثلاثون لم يختلف من قال من العلماء بوجوب التسليم وبعدم وجوبه أن التسليمة الثانية ليست بفرض إلا ما روي عن الحسن بن حي أنه أوجب التسليمتين معا قال أبو جعفر الطحاوي : لم نجد عن أحد من أهل العلم الذين ذهبوا إلى التسليمتين أن الثانية من فرائضها غيره قال بن عبد البر : من حجة الحسن بن صالح في إيجابه التسليمتين جميعا وقوله : إن من أحدث بعد الأولى وقبل الثانية فسدت صلاته قوله صلى الله عليه وسلم : ( تحليلها التسليم ( ثم بين كيف التسليم فكان يسلم عن يمينه وعن يساره ومن حجة من أوجب التسليمة الواحدة دون الثانية قوله صلى الله عليه وسلم : ( تحليلها التسليم ( قالوا : والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم
363
قلت : هذه المسألة مبنية على الأخذ بأقل الأسم أو بآخره ولما كان الدخول في الصلاة بتكبيرة واحدة بإجماع فكذلك الخروج منها بتسليمة واحدة إلا أنه تواردت السنن الثابتة من حديث بن مسعود وهو أكثرها تواترا ومن حديث وائل بن حجر الحضرمي وحديث عمار وحديث البراء بن عازب وحديث بن عمر وحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين روى بن جريج وسليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن عمرو بن يحيى المازني عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال قلت لابن عمر : حدثني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت فذكر التكبير كلما رفع رأسه وكلما خفضه وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله عن يساره قال بن عبد البر : وهذا إسناد مدني صحيح والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر ومثله يصح فيه الإحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين ومتوارث عندهم أيضا وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان وكذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندهم معروف وحديث التسليمة الواحدة رواه سعد بن أبي وقاص وعائشة وأنس إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث الرابعة والثلاثون روى الدارقطني عن بن مسعود أنه قال : من السنة أن يخفي التشهد واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو : التحيات لله الزكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واختار الشافعي وأصحابه والليث بن سعد تشهد بن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول : ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات
364
لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ( واختار الثوري والكوفيون وأكثر أهل الحديث تشهد بن مسعود الذي رواه مسلم أيضا قال : كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم : السلام على الله السلام على فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : ( إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء ( وبه قال أحمد وإسحاق وداود وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليه وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا وموقوفا نحو تشهد بن مسعود وهذا كله اختلاف في مباح ليس شيء منه على الوجوب والحمد لله وحده فهذه جملة من أحكام الإمام والمأموم تضمنها قوله جل وعز : واركعوا مع الراكعين وسيأتي القول في القيام في الصلاة عند قوله تعالى : وقوموا لله قانتين ويأتي هناك حكم الإمام المريض وغيره من أحكام الصلاة ويأتي في آل عمران حكم صلاة المريض غير الإمام ويأتي في النساء في صلاة الخوف حكم المفترض خلف المتنفل ويأتي في سورة مريم حكم الإمام يصلي أرفع من المأموم إلى غير ذلك من الأوقات والأذان والمساجد وهذا كله بيان لقوله تعالى : وأقيموا الصلاة وقد تقدم في أول السورة جملة من أحكامها والحمد لله على ذلك
( البقره 44 )
فيه تسع مسائل :
365
الأولى قوله تعالى : ( أتأمرون الناتس بالبر ) هذا استفهام معناه التوبيخ والمراد في قول أهل التأويل علماء اليهود قال بن عباس : كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين : اثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أمره حق فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه وعن بن عباس أيضا : كان الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقال بن جريج : كان الأحبار يحضون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون والمعنى متقارب وقال بعض أهل الإشارات : المعنى أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالفون عن ظواهر رسومها الثانية في شدة عذاب من هذه صفته روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ( وروى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا ( قلت : وهذا الحديث وإن كان فيه لين لأن في سنده الخصيب بن جحدر كان الإمام أحمد يستضعفه وكذلك بن معين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي وأبو غالب هو فيما حكى يحيى بن معين حزور القرشي مولى خالد بن عبد الله بن أسيد وقيل : مولى باهلة وقيل مولى عبد الرحمن الحضرمي كان يختلف إلى
366
الشام في تجارته قال يحيى بن معين : هو صالح الحديث فقد رواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحي فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ( القصب بضم القاف : المعي وجمعه أقصاب والأقتاب : الأمعاء واحدها قتب ومعنى فتندلق : فتخرج بسرعة وروينا فتنفلق قلت : فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ( أخرجه بن ماجه في سننه الثالثة اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال : أتأمرون الناس بالبر الآية وقال منصور الفقيه فأحسن :
إن قوما يأمرونا
بالذي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم
لم يكونوا يصرعونا
وقال أبو العتاهية :
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى
وريح الخطايا من ثيابك تسطع

367
وقال أبو الأسود الدؤلي :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى
بالقول منك وينفع التعليم
وقال أبو عمرو بن مطر : حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس : ترى أن تقول في سكوتك شيئا فأنشأ يقول :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي والطبيب مريض
قال : فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج الرابعة قال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر الآية وقوله : لم تقولون ما لا تفعلون الصف وقوله : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه وقال سلم بن عمرو :
ما أقبح التزهيد من واعظ
يزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقا
أضحى وأمسى بيته المسجد
إن رفض الدنيا فما باله
يستمنح الناس ويسترفد
والرزق مقسوم على من ترى
يناله الأبيض والأسود
وقال الحسن لمطرف بن عبد الله : عظ أصحابك فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل قال : يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر
368
أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك : وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء الخامسة قوله تعالى : ( بالبر ) البر هنا الطاعة والعمل الصالح والبر : الصدق والبر : ولد الثعلب والبر : سوق الغنم ومنه قولهم : لا يعرف هرا من بر أي لا يعرف دعاء الغنم من سوقها فهو مشترك وقال الشاعر :
لا هم رب إن بكرا دونكا
يبرك الناس ويفجرونكا
أراد بقوله يبرك الناس : أي يطيعونك ويقال : إن البر الفؤاد في قوله :
أكون مكان البر منه ودونه
وأجعل ما لي دونه وأوامره
والبر بضم الباء معروف وبفتحها الإجلال والتعظيم ومنه ولد بر وبار أي يعظم والديه ويكرمهما السادسة قوله تعالى : ( وتنسون أنفسكم ) أي تتركون والنسيان بكسر النون يكون بمعنى الترك وهو المراد هنا وفي قوله تعالى : نسوا الله فنسيهم وقوله : فلما نسوا ما ذكروا به وقوله : ولا تنسوا الفضل بينكم ويكون خلاف الذكر والحفظ ومنه الحديث : ( نسي آدم فنسيت ذريته ( وسيأتي يقال : رجل نسيان بفتح النون : كثير النسيان للشيء وقد نسيت الشيء نسيانا ولا تقل نسيانا بالتحريك لأن النسيان إنما هو تثنية نسا العرق وأنفس : جمع نفس جمع قلة والنفس : الروح يقال : خرجت نفسه قال أبو خراش :
نجا سالم والنفس منه بشدقه
ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا
أي بجفن سيف ومئزر ومن الدليل على أن النفس الروح قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها يريد الأرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي وذلك
369
بين في قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث بن شهاب : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك وقوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم : ( إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ( رواهما مالك وهو أولى ما يقال به والنفس أيضا الدم يقال : سالت نفسه قال الشاعر :
تسيل على حد السيوف نفوسنا
وليست على غير الظبات تسيل
وقال إبراهيم النخعي : ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس أيضا الجسد قال الشاعر :
نبئت أن بني سحيم أدخلوا
أبياتهم تامور نفس المنذر
والتامور أيضا : الدم السابعة قوله تعالى : ( وأنتم تتلون الكتاب ) توبيخ عظيم لمن فهم وتتلون : تقرؤون الكتاب : التوراة وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم وأصل التلاوة الإتباع ولذلك استعمل في القراءة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على نسقه يقال : تلوته إذا تبعته تلوا وتلوت القرآن تلاوة وتلوت الرجل تلوا إذا خذلته والتلية والتلاوة بضم التاء : البقية يقال : تليت لي من حقي تلاوة وتلية أي بقيت وأتليت : أبقيت وتتليت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه قال أبو زيد : تلى الرجل إذا كان بآخر رمق الثامنة قوله تعالى : ( أفلا تعقلون ) أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم والعقل : المنع ومنه عقال البعير لأنه يمنع عن الحركة ومنه العقل للدية لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني ومنه اعتقال البطن واللسان ومنه يقال للحصن : معقل والعقل نقيض الجهل والعقل : ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تغشى به الهوادج قال علقمة :
عقلا ورقما تكاد الطير تخطفه
كأنه من دم الأجواف مدموم

370
المدموم بالدال المهملة : الأحمر وهو المراد هنا والمدموم : الممتلئ شحما من البعير وغيره ويقال : هما ضربان من البرود قال بن فارس : والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طولا وما كان نقشه مستديرا فهو الرقم وقال الزجاج : العاقل من عمل بما أوجب الله عليه فمن لم يعمل فهو جاهل التاسعة أتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم لأنه لو كان معدوما لما أختص بالانصاف به بعض الذوات دون بعض وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها إن شاء الله تعالى وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ثم منهم من صار إلى أنه جوهر لطيف في البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت يفصل به بين حقائق المعلومات ومنهم من قال : إنه جوهر بسيط أي غير مركب ثم اختلفوا في محله فقالت طائفة منهم : محله الدماغ لأن الدماغ محل الحس وقالت طائفة أخرى : محله القلب لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد من حيث إن الجواهر متماثلة فلو كان جوهر عقلا لكان كل جوهر عقلا وقيل : إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحي والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذا ومشتهيا وقال الشيخ أبو الحسن الاشعري والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني وغيرهما من المحققين : العقل هو العلم بدليل أنه لا يقال : عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت وقال القاضي أبو بكر : العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات وهو اختيار أبي المعالي في الإرشاد واختار في البرهان أنه صفة يتأتى بها درك العلوم واعترض على مذهب القاضي واستدل على فساد مذهبه وحكى في البرهان عن المحاسبي أنه قال : العقل غريزة وحكى الأستاذ
371
أبو بكر عن الشافعي وأبي عبد الله بن مجاهد انهما قالا : العقل آلة التمييز وحكى عن أبي العباس القلانسي أنه قال : العقل قوة التمييز وحكى عن المحاسبي أنه قال : العقل أنوار وبصائر ثم رتب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال : والأولى ألا يصح هذا النقل عن الشافعي ولا عن بن مجاهد فإن الآلة إنما تستعمل في الآلة المثبتة واستعمالها في الأعراض مجاز وكذلك قول من قال : إنه قوة فإنه لا يعقل من القوة إلا القدرة والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارات وكذلك المحاسبي والعقل ليس بصورة ولا نور ولكن تستفاد به الأنوار والبصائر وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية التوحيد إن شاء الله تعالى
( البقره 45 )
فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) الصبر : الحبس في اللغة وقتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف وصبرت نفسي على الشيء : حبستها والمصبورة التي نهى عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت وهي المجثمة وقال عنترة :
فصبرت عارفة لذلك حرة
ترسو إذا نفس الجبان تطلع
الثانية أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال : واصبروا يقال : فلان صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة هذا أصح ما قيل قال النحاس : ولا يقال لمن صبر على المصيبة : صابر إنما يقال : صابر على كذا فإذا قلت : صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا قال الله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الثالثة قوله تعالى : ( والصلاة ) خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها وكان عليه السلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله
372
بن عباس نعي له أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سفر فاسترجع وقال : عورة سترها الله ومئونة كفاها الله وأجر ساقه الله ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ : واستعينوا بالصبر والصلاة فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية وقال قوم : هي الدعاء على عرفها في اللغة فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله لأن الثبات هو الصبر والذكر هو الدعاء وقول ثالث قال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم ومنه قيل لرمضان : شهر الصبر فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهد في الدنيا والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة والله أعلم الرابعة الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان : الصبر ألا تتمنى حالة سوى مارزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك وقال الشعبي : قال علي رضي الله عنه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد قال الطبري : وصدق علي رضي الله عنه وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به الخامسة وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدا فقال : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة الآية وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وقال : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور وقد قيل : إن المراد بالصابرين في قوله : إنما يوفى الصابرون أي الصائمون لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الصيام لي وأنا أجزي به ( فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر والله أعلم
373
السادسة من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله تعالى إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم ( أخرجه البخاري قال علماؤنا : وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قاله بن فورك وغيره وجاء في أسمائه الصبور للمبالغة في الحلم عمن عصاه السابعة قوله تعالى : ( وإنها لكبيرة ) اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله : وإنها فقيل : على الصلاة وحدها خاصة لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم والصبر هنا : الصوم فالصلاة فيها سجن النفوس والصوم إنما فيه منع الشهوة فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق فيتسلى بتلك الأشياء عما منع والمصلي يمتنع من جميع ذلك فجوارحه كلها مقيدة بالصلاة عن جميع الشهوات وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعب على النفس ومكابدتها أشد فلذلك قال : وإنها لكبيرة وقيل : عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة كقوله : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وقوله : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها فرد الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم والى التجارة لأنها الأفضل والأهم وقيل : إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال : والله ورسوله أحق أن يرضوه ولم يقل : يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز ومنه قول الشاعر :
إن شرخ الشباب والشعر الأسود
ما لم يعاص كان جنونا

374
ولم يقل يعاصيا رد إلى الشباب لأن الشعر داخل فيه وقيل : رد الكناية إلى كل واحد منهما لكن حذف اختصارا قال الله تعالى : وجعلنا بن مريم وأمه آية ولم يقل آيتين ومنه قول الشاعر :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله
فإني وقيار بها لغريب
وقال آخر :
لكل هم من الهموم سعة
والصبح والمسي لا فلاح معه
أراد : لغريبان لا فلاح معهما وقيل : على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة وقيل : على المصدر وهي الإستعانة التي يقتضيها قوله : واستعينوا وقيل : على إجابة محمد عليه السلام لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه وقيل : على الكعبة لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها وكبيرة معناه ثقيلة شاقة خبر إن ويجوز في غير القرآن : وإنه لكبيرة إلا على الخاشعين فإنها خفيفة عليهم قال أرباب المعاني : إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى الثامنة قوله تعالى : ( على الخاشعين ) الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع والخشوع : هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع وقال قتادة : الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل قال النابغة :
رماد ككحل العين لأيا أبينه
ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
ومكان خاشع : لا يهتدى له وخشعت الأصوات أي سكنت وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا وخشع ببصره إذا غضه والخشعة : قطعة من الأرض رخوة وفي الحديث : ( كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد ( وبلدة خاشعة : مغبرة لا منزل
375
بها قال سفيان الثوري : سألت الأعمش عن الخشوع فقال : يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال : أعيمش تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنئ في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال : يا هذا ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب وقال علي بن أبي طالب : الخشوع في القلب وأن تلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في صلاتك وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله : تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق قال سهل بن عبد الله : لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى : تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم قلت : هذا هو الخشوع المحمود لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا وروى بن أبي نجيح عن مجاهد قال : الخاشعون هم المؤمنون حقا
( البقره 46 )
قوله تعالى : ( الذين يظنون ) الذين في موضع خفض على النعت للخاشعين ويجوز الرفع على القطع والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى : إني ظننت أني ملاق حسابيه وقوله : فظنوا أنهم مواقعوها قال دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد

376
وقال أبو داود :
رب هم فرجته بغريم
وغيوب كشفتها بظنون
وقد قيل : إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه ويضمر في الكلام بذنوبهم فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين ذكر المهدوي والماوردي قال بن عطية : وهذا تعسف وزعم الفراء أن الظن قد يقع بمعنى الكذب ولا يعرف ذلك البصريون وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه وقد يوقع موقع اليقين كما في هذه الآية وغيرها لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر : أظن هذا إنسانا وإنما تجد الإستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد كهذه الآية والشعر وكقوله تعالى : فظنوا أنهم مواقعوها وقد يجيء اليقين بمعنى الظن وقد تقدم بيانه أول السورة وتقول : سؤت به ظنا وأسأت به الظن يدخلون الألف إذا جاؤوا بالألف واللام ومعنى ( ملاقوا ربهم ) جزاء ربهم وقيل : جاء على المفاعلة وهو من واحد مثل عافاه الله ( وأنهم ) بفتح الهمزة عطف على الأول ويجوز وإنهم بكسرها على القطع ( إليه ) أي إلى ربهم وقيل إلى جزائه ( راجعون ) إقرار بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى
( البقره 47 )
قوله تعالى : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) تقدم ( وأني فضلتكم على العالمين ) يريد على عالمي زمانهم وأهل كل زمان عالم وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم
( البقره 48 )

377
قوله تعالى : ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) أمر معناه الوعيد وقد مضى الكلام في التقوى يوما يريد عذابه وهوله وهو يوم القيامة وانتصب على المفعول ب اتقوا ويجوز في غير القرآن يوم لا تجزي على الإضافة وفي الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف قال البصريون : التقدير يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ثم حذف فيه كما قال :
ويوما شهدناه سليما وعامرا
أي شهدنا فيه وقال الكسائي : هذا خطأ لا يجوز حذف فيه ولكن التقدير : واتقوا يوما لا تجزيه نفس ثم حذف الهاء وإنما يجوز حذف الهاء لأن الظروف عنده لا يجوز حذفها قال : لا يجوز أن تقول : هذا رجلا قصدت ولا رأيت رجلا أرغب وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه قال : ولو جاز ذلك لجاز : الذي تكلمت زيد بمعنى تكلمت فيه زيد وقال الفراء : يجوز أن تحذف الهاء وفيه وحكى المهدوي أن الوجهين جائزان عند سيبويه والاخفش والزجاج ومعنى لا تجزي نفس عن نفس شيئا : أي لا تواخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئا تقول : جزى عني هذا الأمر يجزئ كما تقول : قضى عني واجترأت بالشيء أجتزاء إذا اكتفيت به قال الشاعر :
فإن الغدر في الأقوام عار
وأن الحر يجزأ بالكراع
أي يكتفي بها وفي حديث عمر : ( إذا أجريت الماء على الماء جزى عنك ( يريد إذا صببت الماء على البول في الأرض فجرى عليه طهر المكان ولا حاجة بك إلى غسل ذلك الموضع وتنشيف الماء بخرقه أو غيرها كما يفعل كثير من الناس وفي صحيح الحديث عن أبي بردة بن نيار في الأضحية : ( لن تجزي عن أحد بعدك ( أي لن تغني فمعنى لا تجزئ : لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شيء فإن كان فإنها تجزئ وتقضي وتغني
378
بغير اختيارها من حسناتها ماعليها من الحقوق كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ( خرجه البخاري ومثله حديثه الآخر في المفلس وقد ذكرناه في التذكرة خرجه مسلم وقرئ تجزئ بضم التاء والهمز ويقال : جزى وأجزى بمعنى واحد وقد فرق بينهما قوم فقالوا : جزى بمعنى قضى وكافأ وأجزى بمعنى أغنى وكفى أجزاني الشيء يجزئني أي كفاني قال الشاعر :
وأجزأت أمر العالمين ولم يكن
ليجزئ إلا كامل وبن كامل
الثالثة قوله تعالى : ( ول ايقبل منها شفاعة ) الشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان تقول : كان وترا فشفعته شفعا والشفعة منه لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك والشفيع : صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة وناقة شافع : إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها تقول منه : شفعت الناقة شفعا وناقة شفوع وهي التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة واستشفعته إلى فلان : سألته أن يشفع لي إليه وتشفعت إليه في فلان فشفعني فيه فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعته للمشفوع الرابعة مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب والاخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين وقد تمسك القاضي عليهم في الرد بشيئين : أحدهما الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى والثاني : الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول ولم يبد من
379
أحد منهم في عصر من الأعصار نكير فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة فإن قالوا : قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع قالوا : وأصحاب الكبائر ظالمون وقال : ومن يعمل سوءا يجز به ولا يقبل منها شفاعة قلنا : ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم والعموم لا صيغة له فلا تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس وإنما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك وأيضا فإن الله تعالى أثبت شفاعة لأقوام ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين : فما تنفعهم شفاعة الشافعين المدثر وقال : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقال : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة النفس الكافرة لا كل نفس ونحن وإن قلنا بعموم العذاب لكل ظالم عاص فلا نقول : إنهم مخلدون فيها بدليل الأخبار التي رويناها وبدليل قوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقوله : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون يوسف فإن قالوا : فقد قال تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى والفاسق غير مرتضى قلنا : لم يقل لمن لا يرضى وإنما قال : لمن ارتضى ومن ارتضاه الله للشفاعة هم الموحدون بدليل قوله : لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما عهد الله مع خلقه قال : ( أن يؤمنوا ولا يشركوا به شيئا ( وقال المفسرون : إلا من قال لا إله إلا الله فإن قالوا : المرتضى هو التائب الذي اتخذ عند الله عهدا بالإنابة إليه بدليل أن الملائكة استغفروا لهم وقال : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وكذلك شفاعة الانبياء عليهم السلام إنما هي لأهل التوبة دون أهل الكبائر قلنا : عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة
380
فإذا قبل الله توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار وأجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله : فاغفر للذين تابوا أي من الشرك واتبعوا سبيلك أي سبيل المؤمنين سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ما دون الشرك من ذنوبهم كما قال تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فإن قالوا : جميع الأمة يرغبون في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت لأهل الكبائر خاصة بطل سؤالهم قلنا : إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى فقيل : ولا أنت يا رسول الله فقال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ( الخامسة قوله تعالى : ( ولا يقبل ) قرأ بن كثير وأبو عمرو تقبل بالتاء لأن الشفاعة مؤنثة وقرأ الباقون بالياء على التذكير لأنها بمعنى الشفيع وقال الأخفش : حسن التذكير لأنك قد فرقت كما تقدم في قوله : فتلقى آدم من ربه كلمات السادسة قوله تعالى : ( ولا يؤخذ منها عدل ) أي فداء والعدل بفتح العين : الفداء وبكسرها : المثل يقال : عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن والقدر ويقال : عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه والعدل بالكسر : هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه وحكى الطبري : أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير قوله تعالى : ( ولا هم ينصرون ) أي يعانون والنصر : العون والأنصار : الأعوان ومنه قوله : من أنصاري إلى الله أي من يضم نصرته إلى نصرتي وانتصر الرجل : انتقم والنصر : الإتيان يقال : نصرت أرض بني فلان : أتيتها قال الشاعر
381
إذا دخل الشهر الحرام فودعي
بلاد تميم وانصري أرض عامر
والنصر : المطر يقال : نصرت الأرض : مطرت والنصر العطاء قال :
إني وأسطار سطرن سطرا
لقائل يا نصر نصرا نصرا
وكان سبب هذه الآية فيما ذكروا أن بني إسرائيل قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا أباؤنا فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات ولا يؤخذ فيه فدية وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى
( البقره 49 )
فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( وإذ نجيناكم من آل فرعون ) إذ في موضع نصب عطف على اذكروا نعمتي وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم والخطاب للموجودين والمراد من سلف من الآباء كما قال : إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية أي حملنا آباءكم وقيل : إنما قال نجيناكم لأن نجاة الآباء كانت سببا لنجاة هؤلاء الموجودين ومعنى نجيناكم ألقيناكم على نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها هذا هو الأصل ثم سمى كل فائز ناجيا فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة وقرئ : وإذ نجيتكم على التوحيد الثانية قوله تعالى : ( من آل فرعون ) آل فرعون قومه وأتباعه وأهل دينه وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافا للرافضة حيث قالت : إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة
382
والحسن والحسين فقط دليلنا قوله تعالى : وأغرقنا آل فرعون أدخلوا آل فرعون أشد العذاب أي آل دينه إذ لم يكن له بن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبا له ولأجل هذا يقال : إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل هذا قال الله تعالى في بن نوح : إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول : ( ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين ( وقالت طائفة : آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك قال : ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ( رواه مسلم وقالت طائفة من أهل العلم : الأهل معلوم والآل : الاتباع والأول أصح لما ذكرناه ولحديث عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : ( اللهم صل عليهم ( فأتاه أبي بصدقته فقال : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ( الثالثة اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا فقال الكسائي : إنما يقال آل فلان وآل فلانة ولا يقال في البلدان هو من آل حمص ولا من آل المدينة قال الأخفش : إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد صلى الله عليه وسلم وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة قال : وقد سمعناه في البلدان قالوا : أهل المدينة وآل المدينة
383
الرابعة واختلف النحاة أيضا هل يضاف الآل إلى المضمر أولا فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائي فلا يقال إلا اللهم صل على محمد وآل محمد ولا يقال وآله والصواب أن يقال : أهله وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال منهم بن السيد وهو الصواب لأن السماع الصحيح يعضده فإنه قد جاء في قول عبد المطلب :
لا هم إن العبد يمنع
رحله فامنع حلالك
وانصر على آل الصليب
وعابديه اليوم آلك
وقال ندبة :
أنا الفارس الحامي حقيقة والدي
وآلي كما تحمي حقيقة آلكا
الحقيقة بقافين : ما يحق على الإنسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته الخامسة واختلفوا أيضا في أصل آل فقال النحاس : أصله أهل ثم أبدل من الهاء ألفا فإن صغرته رددته إلى أصله فقلت : أهيل وقال المهدوي : أصله أول وقيل : أهل قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا وجمعه آلون وتصغيره أويل فيما حكى الكسائي وحكى غيره أهيل وقد ذكرناه عن النحاس وقال أبو الحسن بن كيسان : إذا جمعت آلا قلت آلون فإن جمعت آلا الذي هو السراب قلت آوال مثل مال وأموال السادسة قوله تعالى : ( فرعون ) فرعون قيل : إنه اسم ذلك الملك بعينه وقيل إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة وإن اسم فرعون موسى : قابوس في قول أهل الكتاب وقال وهب : اسمه الوليد بن مصعب بن الريان ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قال السهيلي : وكل من ولي القبط ومصر فهو فرعون وكان فارسيا من أهل اصطخر قال المسعودي : لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية قال الجوهري : فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة : الفراعنة وقد تفرعن
384
وهو ذو فرعنه أي دهاء ونكر وفي الحديث : ( أخذنا فرعون هذه الأمة ( وفرعون في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته السابعة قوله تعالى : ( يسومونكم ) قيل : معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه وقال أبو عبيدة : يولونكم يقال : سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ومنه قول عمرو بن كلثوم :
إذا ما الملك سام الناس خسفا
أبينا أن نقر الخسف فينا
وقيل : يديمون تعذيبكم والسوم : الدوام ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي قال الأخفش : وهو في موضع رفع على الإبتداء وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم الثامنة قوله تعالى : ( سوء العذاب ) مفعول ثان ل يسومونكم ومعناه أشد العذاب ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب وقد يجوز أن يكون نعتا بمعنى سوما سيئا فروي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يتخدمون وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال ضربت عليه الجزية فذلك سوء العذاب التاسعة قوله تعالى : ( يذبحون أبناءكم ) يذبحون بغير واو على البدل من قوله : يسومونكم كما قال أنشده سيبويه :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
قال الفراء وغيره : يذبحون بغير واو على التفسير لقوله : يسومونكم سوء العذاب كما تقول : أتاني القوم زيد وعمرو فلا تحتاج إلى الواو في زيد ونظيره : ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب وفي سورة إبراهيم : ويذبحون بالواو لأن المعنى
385
يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح فقوله : ويذبحون أبناءكم جنس آخر من العذاب لا تفسير لما قبله والله أعلم قلت : قد يحتمل أن يقال : إن الواو زائدة بدليل سورة البقرة والواو قد تزاد كما قال :
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
أي قد انتحى وقال آخر :
إلى الملك القرم وبن الهمام
وليث الكتيبة في المزدحم
أراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة وهو كثير العاشرة قوله تعالى : ( يذبحون ) قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير وقرأ بن محيصن يذبحون بفتح الباء والذبح : الشق والذبح : المذبوح والذباح : تشقق في أصول الأصابع وذبحت الدن : بزلته أي كشفته وسعد الذابح : أحد السعود والمذابح : المحاريب والمذابح : جمع مذبح وهو إذا جاء السيل فخد في الأرض فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحا فكان فرعون يذبح الأطفال ويبقي البنات وعبر عنهم باسم النساء بالمال وقالت طائفة : يذبحون أبنائكم يعني الرجال وسموا أبناء لما كانوا كذلك واستدل هذا القائل بقوله : نساءكم والأول أصح لأنه الأظهر والله أعلم الحادية عشرة نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله قال الطبري : ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به قلت : وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : يقتلان جميعا هذا بأمره والمأمور بمباشرته هكذا قال النخعي وقاله الشافعي ومالك في تفصيل لهما قال الشافعي : إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود كقاتلين معا وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على الإمام القود وفي المأمور
386
قولان : أحدهما أن عليه القود والآخر لا قود عليه وعليه نصف الدية حكاه بن المنذر وقال علماؤنا : لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره كالسلطان والسيد لعبده فالقود في ذلك لازم لهما أو يكون ممن لا يلزمه ذلك فيقتل المباشر وحده دون الآمر وذلك كالأب يأمر ولده أو المعلم يعض صبيانه أو الصانع يعض متعلميه إذا كان محتلما فإن كان غير محتلم فالقتل على الآمر وعلى عاقلة الصبي نصف الدية وقال بن نافع : لا يقتل السيد إذا أمر عبده وإن كان أعجميا بقتل إنسان قال بن حبيب : وبقول بن القاسم أقول إن القتل عليهما فأما أمر من لا خوف على المأمور في مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه بل يقتل المأمور دون الآمر ويضرب الآمر ويحبس وقال أحمد في السيد يأمر عبده أن يقتل رجلا : يقتل السيد وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال علي : ويستودع العبد السجن وقال أحمد : ويحبس العبد ويضرب ويؤدب وقال الثوري : يعزر السيد وقال الحكم وحماد : يقتل العبد وقال قتادة : يقتلان جميعا وقال الشافعي : إن كان العبد فصيحا يعقل قتل العبد وعوقب السيد وإن كان العبد أعجميا فعلى السيد القود وقال سليمان بن موسى : لا يقتل الآمر ولكن تقطع يديه ثم يعاقب ويحبس وهو القول الثاني ويقتل المأمور للمباشرة وكذلك قال عطاء والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق في الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل وذكره بن المنذر وقال زفر : لا يقتل واحد منهما وهو القول الثالث حكاه أبو المعالي في البرهان ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقلا في القود فلذلك لا يقتل واحد منهما عنده والله أعلم الثانية عشرة قرأ الجمهور يذبحون بالتشديد على المبالغة وقرأ بن محيصن يذبحون بالتخفيف والأولى أرجح إذ الذبح متكرر وكان فرعون على ما روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه : أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه وقيل غير هذا والمعنى متقارب
387
الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وفي ذلكم ) إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء أي امتحان واختبار ( بلاء ) نعمة ومنه قوله تعالى : وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا قال أبو الهيثم : البلاء يكون حسنا ويكون سيئا وأصله المحنة والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره فقيل للحسن بلاء وللسئ بلاء حكاه الهروي وقال قوم : الإشارة ب ذلكم إلى التنجية فيكون البلاء على هذا في الخير أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه والبلاء هنا في الشر والمعنى : وفي الذبح مكروه وامتحان وقال بن كيسان : ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه وأنشد :
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
فجمع بين اللغتين والأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته وفي الإختبار أبتليته وبلوته قاله النحاس
( البقره 50 )
قوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ) إذ في موضع نصب وفرقنا فقلنا فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم وأصل الفرق الفصل ومنه فرق الشعر ومنه الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل ومنه : فالفارقات فرقا يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل ومنه : يوم الفرقان يعني يوم بدر كان فيه فرق بين الحق والباطل ومنه : وقرآنا فرقناه أي فصلناه وأحكمناه وقرأ الزهري : فرقنا بتشديد الراء أي جعلناه فرقا ومعنى بكم أي لكم فالباء بمعنى اللام وقيل : الباء في مكانها أي فرقنا البحر بدخولكم إياه أي صاروا بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه فانفلق
388
قوله تعالى : ( البحر ) البحر معروف سمي بذلك لأتساعه ويقال : فرس بحر إذا كان واسع الجري أي كثيره ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مندوب فرس أبي طلحة : ( وإن وجدناه لبحرا ( والبحر : الماء الملح ويقال : أبحر الماء : ملح قال نصيب :
وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني
إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب
والبحر : البلدة يقال : هذه بحرتنا أي بلدتنا قاله الأموي والبحر : السلال يصيب الإنسان ويقولون : لقيته صحرة بحرة أي بارزا مكشوفا وفي الخبر عن كعب الأحبار قال : إن لله ملكا يقال له : صندفاييل البحار كلها في نقرة إبهامه ذكره أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب قوله تعالى : ( فأنجيناكم ) أي أخرجناكم منه يقال : نجوت من كذا نجاء ممدود ونجاة مقصور والصدق منجاة وأنجيت غيري ونجيته وقرئ بهما وإذ نجيناكم فأنجيناكم قوله تعالى : ( وأغرقنا آل فرعون ) يقال : غرق في الماء غرقا فهو غرق وغارق أيضا ومنه قول أبي النجم :
من بين مقتول وطاف غارق
وأغرقه غيره وغرقه فهو مغرق
وغريق ولجام مغرق بالفضة أي محلى والتغريق : القتل قال الأعشى :
ألا ليت قيسا غرقته القوابل
وذلك أن القابلة كانت تغرق المولود في ماء السلى عام القحط ذكرا كان أو أنثى حتى يموت ثم جعل كل قتل تغريقا ومنه قول ذي الرمة
389
إذا غرقت أرباضها ثنى بكرة { بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبها والأرباض : الحبال والبكرة : الناقة الفتية وثنيها : بطنها الثاني وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيل فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحى إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فأعلم فرعون فقال : لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين كما قال تعالى : فأتبعوهم مشرقين وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف وقيل : إن فرعون اتبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث وقيل : دخل إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده وولد ولده فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ستمائة ألف من القبط قال فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له افرق فقال له البحر : لقد استكبرت يا موسى وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك قال : ومع موسى رجل على حصان له قال : فقال له ذلك الرجل : اين أمرت يا نبي الله قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه قال : فأقحم فرسه فسبح فخرج فقال أين أمرت يا نبي الله قال ما أمرت
390
إلا بهذا الوجه قال : والله ما كذبت ولا كذبت ثم اقتحم الثانية فسبح به حتى خرج فقال : أين أمرت يا نبي الله فقال : ما أمرت إلا بهذا الوجه قال : والله ما كذبت ولا كذبت قال فأوحى الله إليه : إن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثني عشر سبطا لكل سبط طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقانا وشبابيك يرى منها بعضهم بعضا فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم ويذكر أن البحر هو بحر القلزم وأن الرجل الذي كان مع موسى على الفرس هو فتاة يوشع بن نون وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب البحر وكناه أبا خالد ذكره بن أبي شيبة أيضا وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى وما ذكرناه كاف وسيأتي في سورة يونس والشعراء زيادة بيان إن شاء الله تعالى فصل ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه فروي مسلم عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا اليوم الذي تصومونه ( فقالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فنحن أحق وأولى بموسى منكم ( فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وأخرجه البخاري ايضا عن بن عباس وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( أنتم أحق بموسى منهم فصوموا ( مسألة ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صام عاشوراء وأمر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبره به اليهود وليس كذلك لما روته عائشة رضي الله عنها قالت : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه أخرجه البخاري ومسلم
391
فإن قيل : يحتمل أن تكون قريش إنما صامته بإخبار اليهود لها لأنهم كانوا يسمعون منهم لأنهم كانوا عندهم أهل علم فصامه النبي عليه السلام كذلك في الجاهلية أي بمكة فلما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه قال : ( نحن أحق وأولى بموسى منكم ( فصامه اتباعا لموسى وأمر بصيامه أي أوجبه وأكد أمره حتى كانوا يصومونه الصغار قلنا : هذه شبهة من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لعله كان متعبدا بشريعة موسى وليس كذلك على ما يأتي بيانه في الأنعام عند قوله تعالى : فبهداهم اقتده مسألة اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر فذهب الشافعي إلى أنه التاسع لحديث الحكم بن الأعرج قال : انتهيت إلى بن عباس رضى الله عنهما وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له : أخبرني عن صوم عاشوراء فقال : إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت : هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم خرجه مسلم وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر وذكر الترمذي في حديث الحكم ولم يصفه بصحة ولا حسن ثم أردفه : أنبأنا قتيبة أنبأنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن بن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر قال أبو عيسى : حديث بن عباس حديث حسن صحيح قال الترمذي : وروي عن بن عباس أنه قال : صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق قال غيره : وقول بن عباس للسائل : فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر بل وعد أن يصوم التاسع مضافا إلى العاشر قالوا : فصيام اليومين جمع بين الأحاديث وقول بن عباس للحكم لما قال له : هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه قال : نعم معناه أن لو عاش وإلا فما كان النبي صلى الله عليه وسلم صام التاسع قط يبينه ما خرجه بن ماجة في سننه ومسلم في صحيحه عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع
392
فضيلة روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ( أخرجه مسلم والترمذي وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال : ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ( إلا في حديث أبي قتادة قوله تعالى : ( وأنتم تنظرون ) جملة في موضع الحال ومعناه بأبصاركم فيقال إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا اليهم يغرقون والى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة وقد قيل : إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم فهذه منة بعد منة وقيل : المعنى وأنتم تنظرون أي ببصائركم الاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار وقيل : المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر كما تقول : هذا الأمر منك بمرأى ومسمع أي بحال تراه وتسمعه إن شئت وهذا القول والأول أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالي عدم الإعتبار فيما صدر من بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرق عدوهم قالوا : يا موسى إن قلوبنا لا تطمئن إن فرعون قد غرق حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت : ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا قال : فلما أن سمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى وقال : أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين أي عالمي زمانه ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال فقالوا : أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا قال : يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم إلى قوله قاعدون حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى وبالغمام على ما يأتي بيانه ثم سار موسى إلى طور سيناء
393
ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل على ما يأتي بيانه ثم قيل لهم : قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة على ما يأتي بيانه وكان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا : إنه آدر فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل وموسى على أثره عريان وهو يقول : يا حجر ثوبي فذلك قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا على ما يأتي بيانه ثم لما مات هارون قالوا له : أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه وسيأتي في المائدة ثم سالوه أن يعلموا آية في قبول قربانهم فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم ثم سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من أذنب ذنبا أصبح على بابه مكتوب : عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك يسميه له ومن أصابه بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه ثم بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم واشتروا به عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم وسيأتي بيان كل فصل من هذه الفصول مستوفى في موضعه إن شاء الله تعالى وقال الطبري : وفي أخبار القرآن على لسان محمد عليه السلام بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
( البقره 51 )
فيه ست مسائل :
394
الأولى قوله تعالى : ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) قرأ أبو عمرو وعدنا بغير ألف واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر واعدنا قال : لأن المواعدة إنما تكون من البشر فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد على هذا وجدنا القرآن كقوله عز وجل : وعدكم وعد الحق وقوله : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات الفتح وقوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم قال مكي : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى وليس فيه وعد من موسى فوجب حمله على الواحد لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر وبه قرأ قتادة وبن أبي إسحاق قال أبو حاتم : قراءة العامة عندنا وعدنا بغير ألف لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين كل واحد منهما يعد صاحبه قال الجوهري : الميعاد : المواعدة والوقت والموضع قال مكي : المواعدة أصلها من اثنين وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب قالوا : طارقت النعل وداويت العليل وعاقبت اللص والفعل من واحد فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا فتكون القراءتان بمعنى واحد والاختيار واعدنا بالألف لآنه بمعنى وعدنا في أحد معنييه ولأنه لا بد لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة قال النحاس : وقراءة واعدنا بالألف أجود وأحسن وهي قراءة مجاهد والأعرج وبن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي وليس قوله عز وجل : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من هذا في شيء لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء وإنما هو من قولك : موعدك يوم الجمعة وموعدك موضع كذا والفصيح في هذا أن يقال : واعدته قال أبو إسحاق الزجاج : واعدنا ها هنا بالألف جيد لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة فمن الله جل وعز وعد ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة قال بن عطية ورجح أبو عبيدة وعدنا وليس بصحيح لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة
395
الثانية قوله تعالى : ( موسى ) موسى اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف والقبط على ما يروي يقولون للماء : مو وللشجر : شا فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر سمى موسى قال السدي : لما خافت عليه أمه جعلته في التابوت وألقته في اليم كما أوحى الله إليها فألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه فسمي بأسم المكان وذكر النقاش وغيره : ان اسم الذي التقطته صابوث قال بن إسحاق : وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام الثالثة قوله تعالى : ( أربعين ليلة ) أربعين نصب على المفعول الثاني وفي الكلام حذف قال الأخفش : التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما قال : واسأل القرية والأربعون كلها داخلة في الميعاد والأربعون في قول أكثر المفسرين : ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا فيما ذكر المفسرين عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده فاتخذوا العجل وقال لهم السامري : هذا إلهكم وإله موسى فاطمئنوا إلى قوله ونهاهم هارون وقال : يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا فيما روي في الخبر وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون وأحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة
396
وورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى فقتل بعضهم بعضا لا يسئل والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا : يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله فقبل توبة من بقى وجعل من قتل في الشهداء على ما يأتي الرابعة إن قيل : لم خص الليالي بالذكر دون الأيام قيل له : لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها الخامسة قال النقاش : في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم لأنه تعالى لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها قال بن عطية : سمعت أبي يقول : سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه الله يعظ الناس في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول : أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم : آتنا غداءنا الكهف قلت : وبهذا استدل علماء الصوفية على الوصال وأن أفضله أربعون يوما وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام من هذه السورة إن شاء الله تعالى ويأتي في الأعراف زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ويأتي لقصة العجل بيان في كيفيته وخواره هناك وفي طه إن شاء الله تعالى السادسة قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل من بعده أي اتخذتموه إلها من بعد موسى وأصل اتخذتم ائتخذتم من الأخذ ووزنه افعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في موتخذ
397
فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى : قل اتخذتم عند الله عهدا فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر :
أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا
أم راجع القلب من أطرابه
طرب ونحوه في القرآن : أطلع الغيب أصطفى البنات أستكبرت أم كنت ومذهب أبى علي الفارسي أن اتخذتم من تخذ لا من أخذ ( وأنتم ظالمون ) جملة في موضع الحال وقد تقدم معنى الظلم والحمد الله
( البقره 52 )
فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ثم عفونا عنكم ) العفو : عفو الله جل وعز عن خلقه وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه فالعفو : محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك : عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء : كثر فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى : حتى عفوا الثانية قوله تعالى : ( من بعد ذلك ) أي من بعد عبادتكم العجل وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته والله أعلم والعجل : ولد البقرة والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة عن أبي الجراح الثالثة قوله تعالى : ( لعلكم تشكرون ) كي تشكروا عفوا الله عنكم وقد تقدم معنى لعل وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قوله : دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه كما تقدم
398
في الفاتحة قال الجوهري : الشكر : الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال : شكرته وشكرت له وباللام أفصح والشكران : خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ( قال الخطابي : هذا الكلام يتأول على معنيين : أحدهما أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذ كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر الرابعة في عبارات العلماء في معنى الشكر فقال سهل بن عبد الله : الشكر : الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية وقالت فرقة أخرى : الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ولذلك قال تعالى : اعملوا آل داود شكرا فقال داود : كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك قال : الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال يا رب : فأرني أخفي نعمك علي قال : يا داود تنفس فتنفس داود فقال الله تعالى : من يحصي هذه النعمة الليل والنهار وقال موسى عليه السلام : كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله فأوحى الله إليه : يا موسى الآن شكرتني وقال الجنيد : حقيقة الشكر العجز عن الشكر وعنه قال : كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا بن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام ما الشكر فقلت : ألا يعصي الله بنعمه فقال لي : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك قال الجنيد : فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي وقال الشبلي : الشكر : التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسموات وقال ذو النون المصري أبو الفيض : الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال
399
( البقره 53 )
إذ اسم للوقت الماضي وإذا اسم للوقت المستقبل وآتينا : أعطينا وقد تقدم جميع هذا والكتاب : التوراة بإجماع من المتأولين واختلف في الفرقان فقال الفراء وقطرب : المعنى آتينا موسى التوراة ومحمدا عليه السلام الفرقان قال النحاس : هذا خطأ في الإعراب والمعنى أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه وأما المعنى فقد قال تعالى : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان قال أبو إسحاق الزجاج : يكون الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره بأسمين تأكيدا وحكى عن الفراء ومنه قول الشاعر :
وقدمت الأديم لراهشية
وألفى قولها كذبا ومينا
وقال آخر :
ألا حبذا هند وأرض بها هند
وهند أتى من دونها الناي
والبعد فنسق البعد على الناي والمين على الكذب لاختلاف اللفظين تأكيدا ومنه قول عنتره :
حييت من طلل تقادم عهده
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
قال النحاس : وهذا إنما يجيء في الشعر وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد : فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه إياه وقال بن زيد : الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا فعبروا وقيل : الفرقان الفرج من الكرب لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط ومنه قوله تعالى : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أي فرجا ومخرجا وقيل : إنه الحجة والبيان قاله بن بحر وقيل : الواو صلة والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان والواو قد تزاد في النعوت كقولهم : فلان حسن وطويل وأنشد :
إلى الملك القرم وبن الهمام
وليث الكتيبة في المزدحم

400
أراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة ودليل هذا التأويل قوله عز وجل : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد وغير ذلك وقيل : الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون أنجي هؤلاء وأغرق أولئك ونظيره : يوم الفرقان فقيل : يعني به يوم بدر نصر الله فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهلك أبا جهل وأصحابه ( لعلكم تهتدون ) لكي تهتدوا من الضلالة وقد تقدم
( البقره 54 )
قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه ) القوم : الجماعة الرجال دون النساء قال الله تعالى : لا يسخر قوم من قوم ثم قال : ولا نساء من نساء وقال زهير :
وما أدري وسوف إخال أدري
أقوم آل حصن أم نساء
وقال تعالى : ولوطا إذ قال لقومه أراد الرجال دون النساء وقد يقع القوم على الرجال والنساء قال الله تعالى : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه نوح وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا قوله تعالى : ( يا قوم ) منادى مضاف وحذفت الياء في يا قوم لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول : يا قومي لأنها اسم وهي في موضع خفض وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء فقلت : يا قومية وإن شئت أبدلت منها ألفا لأنها أخف فقلت : يا قوما وإن شئت قلت : يا قوم بمعنى يأيها القوم وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت وواحد القوم امرؤ على غير اللفظ وتقول : قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع والمراد هنا بالقوم عبدة العجل وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى
401
قوله تعالى : ( إنكم ظلمتم أنفسكم ) استغنس بالجمع القليل عن الكثير والكثير نفوس وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة والقليل موضع الكثرة قال الله تعالى : ثلاثة قروء وقال : وفيها ما تشتهيه الأنفس ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره : إنما إسأت إلى نفسك وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه ثم قال تعالى : ( باتخاذكم العجل ) قال بعض أرباب المعاني : عجل كل إنسان نفسه فمن أسقطه وخالف مراده فقد بريء من ظلمه والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل والحمد لله قوله تعالى : ( فتوبوا إلى بارئكم ) لما قال لهم : فتوبوا إلى بارئكم قالوا : كيف قال : ( فاقتلوا أنفسكم ) قال أرباب الخواطر : ذللوها بالطاعات وكفوها عن الشهوات والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا والقتل : إماتة الحركة وقتلت الخمر : كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة : التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال الزهري : لما قيل لهم : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم : كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما تقدم وقال بعض المفسرين : أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك وقيل : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم وقيل : قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا إذ لم يعبدوا العجل من عبد العجل ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال : ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم يعني من قتل وأقبل الرجل يقتل من يليه ذكره النحاس وغيره وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من قوم يعمل فيهم
402
بالمعاصي هم اعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب ( اخرجه بن ماجه في سننه وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله بن عباس وعلي رضي الله عنهما وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة وقرأ قتادة : فأقيلوا أنفسكم من الإقالة أي استقبلوها من العثرة بالقتل قوله تعالى : ( بارئكم ) الباريء : الخالق وبينهما فرق وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال والبرية : الخلق وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز وقرأ أبو عمرو بارئكم بسكون الهمزة ويشعركم وينصركم ويأمركم واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل وذلك في الشعر وقال أبو العباس المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا في شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال النحاس وغيره : وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا :
إذا اعوججن قلت صاحب قوم
بالدو أمثال السفين العوم
وقال امرؤ القيس :
فاليوم أشرب غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل
وقال آخر :
قالت سليمى اشتر لنا سويقا
وقال الآخر :
رحت وفي رجليك ما فيهما
وقد بدأ هنك من المئزر

403
فمن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب قال أبو علي : وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات وأصل برأ من تبرى الشيء من الشيء وهو انفصاله منه فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود ومنه برأت من المرض برءا بالفتح كذا يقول أهل الحجاز وغيرهم يقول : برئت من المرض برءا بالضم وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة ومنه المبارأة للمرأة وقد بارأ شريكه وامرأته قوله تعالى : ( تاب عليكم ) في الكلام حذف تقديره ففعلتم فتاب عليكم أي فتجاوز عنكم أي على الباقين منكم ( إنه هو التواب الرحيم ) تقدم معناه والحمد لله
( البقره 55 : 56 )
فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قلتم ) معطوف ( يا موسى ) نداء مفرد ( لن نؤمن لك ) أي نصدقك ( حتى نرى الله جهرة ) قيل : هم السبعون الذين اختارهم موسى وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك : لن نؤمن لك والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم فأرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم وستأتي قصة السبعين في الأعراف إن شاء الله تعالى قال بن فورك : يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى : أرنا الله جهرة وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام وقد اختلف في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة فعلى هذا لم يطلبوا من الرؤية
404
محالا وقد سألها موسى عليه السلام وسيأتي الكلام في الرؤية في الأنعام والأعراف إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( جهرة ) مصدر في موضع الحال ومعناه علانية وقيل عيانا قاله بن عباس وأصل الجهر الظهور ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها والمجاهرة بالمعاصي : المظاهرة بها ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء وقرأ بن عباس جهرة بفتح الهاء وهما لغتان مثل زهرة وزهرة وفي الجهر وجهان : أحدهما أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا فيكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : وإذ قلتم جهرة يا موسى الثاني أنه صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام على نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير وأكد بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية المنام الثالثة قوله تعالى : ( فأخذتكم الصاعقة ) قد تقدم في أول السورة معنى الصاعقة وقرأ عمر وعثمان وعلي الصعقة وهي قراءة بن محيصن في جميع القرآن ( وأنتم تنظرون ) جملة في موضع الحال ويقال : كيف يموتون وهم ينظرون فالجواب أن العرب تقول : دور آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا وقيل : المعنى تنظرون أي إلى حالكم وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة الرابعة قوله تعالى : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم ) أي أحييناكم قال قتادة : ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم قال النحاس : وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا والمعنى ( لعلكم تشكرون ) ما فعل بكم من البعث بعد الموت وقيل : ماتوا موت همود يعتبر به الغير ثم أرسلوا وأصل البعث الإرسال وقيل : بل أصله إثارة الشيء من محله يقال : بعثت الناقة : أثرتها أي حركتها قال أمرؤ القيس
405
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة
فقاموا جميعا بين عاث ونشوان
وقال عنترة :
وصحابة شم الأنوف بعثتهم
ليلا وقد مال الكرى بطلاها
وقال بعضهم : بعثناكم من بعد موتكم علمناكم من بعد جهلكم قلت : والأول أصح لأن الأصل الحقيقة وكان موت عقوبة ومنه قوله تعالى : ألم تر ألى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم على ما يأتي الخامسة قال الماوردي : واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين : أحدهما بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبد الثاني : سقوط تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار قلت : والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس ومحال أن يكونوا غير مكلفين والله أعلم
( البقره 57 )
فيه ثماني مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وظللنا عليكم الغمام ) أي جعلناه عليكم كالظلة والغمام جمع غمامة كسحابة وسحاب قاله الأخفش سعيد قال الفراء : ويجوز غمائم وهي السحاب لأنها تغم السماء أي تسترها وكل مغطى فهو مغموم ومنه المغموم على عقله وغم الهلال
406
إذا غطاه الغيم والغين مثل الغيم ومنه قوله عليه السلام : ( إنه ليغان على قلبي ( قال صاحب العين : غين عليه : غطي عليه والغين : شجر ملتف وقال السدي : الغمام السحاب الأبيض وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس وإذ كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى : من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا : من لنا من حر الشمس فظلل عليهم الغمام قالوا : فبم نستصبح فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم وذكر مكي : عمود من نار قالوا : من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر قالوا : من لنا باللباس فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن وأن تنموا صغارها حسب نمو الصبيان والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) اختلف في المن ما هو وتعيينه على أقوال فقيل : الترنجبين بتشديد الراء وتسكين النون ذكره النحاس ويقال : الطرنجبين بالطاء وعلى هذا أكثر المفسرين وقيل : صمغة حلوة وقيل عسل : وقيل شراب حلو وقيل : خبز الرقاق عن وهب بن منبه وقيل : المن مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ( الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين ( في رواية ( من المن الذي أنزل الله على موسى ( رواه مسلم قال علماؤنا : وهذا الحديث يدل على أن الكمأة مما أنزل الله على بني إسرائيل أي مما خلقه الله لهم في التيه قال أبو عبيد : إنما شبهها بالمن لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج فهي منه أي من جنس من
407
بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف روي أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه فإن ادخر منه شيئا فسد عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم لأن يوم السبت يوم عبادة وما كان ينزل عليهم يوم السبت شيء الثالثة لما نص عليه السلام على أن ماء الكمأة شفاء للعين قال بعض أهل العلم بالطب : اما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة وأما لغير ذلك فمركبة مع غيرها وذهب أبو هريرة رضي الله عنه إلى استعمالها بحتا في جميع مرض العين وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض كلها حتى في الكحل على ما يأتي بيانه في سورة النحل إن شاء الله تعالى وقال أهل اللغة : الكمء واحد وكمآن اثنان وأكمؤ ثلاثة فإذا زادوا قالوا : كمأة بالتاء على عكس شجرة وشجر والمن اسم جنس لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر قاله الأخفش الرابعة قوله تعالى : ( والسلوى ) اختلف في السلوى فقيل : هو السماني بعينه قاله الضحاك قال بن عطية : السلوى طير بإجماع المفسرين وقد غلط الهذلي فقال :
وقاسمها بالله جهدا لأنتم
ألذ من السلوى إذا ما نشورها
ظن السلوى العسل قلت : ما ادعاه من الإجماع لايصح وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير : إنه العسل واستدل ببيت الهذلي وذكر أنه كذلك بلغة كنانة سمي به لأنه يسلي به ومنه عين السلوان وأنشد :
لو أشرب السلوان ما سليت
ما بي غنى عنك وإن غنيت

408
وقال الجوهري : والسلوى العسل وذكر بيت الهذلي :
ألذ من السلوى إذا ما نشورها
ولم يذكر غلطا والسلوانة
بالضم : خزرة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق قال :
شربت على سلوانة ماء مزنة
فلا وجديد العيش يا مي
ما أسلو واسم ذلك الماء السلوان وقال بعضهم : السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المفرح يقال : سليت وسلوت لغتان وهو في سلوى من العيش أي في رغد عن أبي زيد الخامسة واختلف في السلوى هل هو جمع أو مفرد فقال الأخفش : جمع لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا : دفلى للواحد والجماعة وسماني وشكاعى في الواحد والجميع وقال الخليل : واحد سلواة وأنشد :
وإني لتعروني لذكرك هزة
كما انتفض السلواة من بلل القطر
وقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعه سلاوي السادسة السلوى عطف على المن ولم يظهر فيه الإعراب لأنه مقصور ووجب هذا في القصور كله لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف قال الخليل : والألف حرف هوائي لا مستقر له فأشبه الحركة فاستحالت حركته وقال الفراء : لو حركت الألف صارت همزة السابعة قوله تعالى : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) كلوا فيه حذف تقديره وقلنا كلوا فحذف اختصار لدلالة الظاهر عليه والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ
409
الثامنة قوله تعالى : ( وما ظلمونا ) يقدر قبله فعصوا ولم يقابلوا النعم والشكر ( ولكن كانوا انفسهم يظلمون ) لمقابلتهم النعم بالمعاصي
( البقره 58 )
فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) حذفت الألف من قلنا لسكونها وسكون الدال بعدها والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنه من يدخل الثانية قوله تعالى : ( هذه القرية ) أي المدينة سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف مقصور وكذلك ما قرئ به الضيف قاله الجوهري والمقراة للحوض والقرئ لمسيل الماء والقرا للظهر ومنه قوله :
لاحق بطن بقرا سمين
والمقاري : الجفان الكبار قال :
عظام المقاريء ضيفهم لا يفزع
وواحد المقاري مقراة وكله بمعنى الجمع غير مهموز والقرية بكسر القاف لغة اليمن واختلف في تعيينها فقال الجمهور : هي بيت المقدس وقيل : أريحاء من بيت المقدس قال عمر بن شبة : كانت قاعدة ومسكن ملوك بن كيسان : الشام الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين وتدمر وهذه نعمة أخرى وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه
410
الثالثة قوله تعالى : ( فكلوا ) إباحة و ( رغدا ) كثيرا واسعا وهو نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة فلذلك قال : رغدا الرابعة قوله تعالى : ( وادخلوا الباب سجدا ) الباب يجمع أبوابا وقد قالوا : أبوبة للازدواج قال الشاعر :
هتاك أخبية ولاج أبوبة
يخلط بالبر منه الجد واللينا
ولو أفرده لم يجز ومثله قوله عليه السلام : ( مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى ( وتبوبت بوابا اتخذته وأبواب مبوبة كما قالوا : أصناف مصنفة وهذا شيء من بابتك أي يصلح لك وقد تقدم معنى السجود فلا معنى لإعادته والحمد لله والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب باب حطة عن مجاهد وغيره وقيل باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل وسجدا قال بن عباس : منحنين ركوعا وقيل : متواضعين خضوعا لا على هيئة متعينة الخامسة قوله تعالى : ( وقولوا ) عطف على ادخلوا و ( حطة ) بالرفع قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ أي مسئلتنا حطة أو يكون حكاية قال الأخفش : وقرئت حطة بالنصب على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة قال النحاس : الحديث عن بن عباس أنه قيل لهم : قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه قيل لهم : قولوا مغفرة تفسير للنصب أي قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال : قل خيرا والأئمة من القراء على الرفع وهو أولى في اللغة لما حكى عن العرب في معنى بدل قال أحمد بن يحيى : يقال بدلته أي غيرته ولم أزل عينه وأبدلته أزلت عينه وشخصه كما قال :
عزل الأمير للأمير المبدل

411
وقال الله عز وجل : قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله وحديث بن مسعود قالوا : حطة تفسير على الرفع هذا كله قول النحاس وقال الحسن وعكرمة : حطة بمعنى حط ذنوبنا أمروا أن يقولوا : لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم وقال بن جبير : معناه الاستغفار أبان بن تغلب : التوبة قال الشاعر :
فاز بالحطة التي جعل الله
بها ذنب عبده مغفورا
وقال بن فارس في المجمل : حطة كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطت أوزارهم وقاله الجوهري ايضا في الصحاح قلت يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه وهو الظاهر من الحديث روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة ( وأخرجه البخاري وقال : ( فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة ( في غير الصحيحين : حنطة في شعر وقيل : قالوا هطا سمهاثا وهي لفظة عبرانية تفسيرها : حنطة حمراء حكاها بن قتيبة وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا وتمردوا واستهزءوا فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب وقال بن زيد : كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على استاههم والله أعلم السادس ة استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه
412
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فحكى عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله وهو قول الجمهور ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم بن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وقال مجاهد : انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ولا يغيرونه وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال قال عمر بن الخطاب : من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم وروى نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ وذلك هو الأحوط في الدين والاتقى والأولى ولكن أكثر العلماء على خلافه والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال : ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم حسبكم المعنى وقال قتادة عن زرارة بن أوفى : لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا علي في اللفظ واجتمعوا في المعنى وكان النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني وقال الحسن : إذا أصبت المعنى أجزأك وقال سفيان الثوري رحمه الله : إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى وقال وكيع رحمه الله : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم وذلك هو النقل بالمعنى وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاء
413
والزيادة والنقصان وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها ( وذكر الحديث وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه : ( آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ( فقال الرجل : ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ونبيك الذي أرسلت ( قالوا : أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال : ( فأداها كما سمعها ( قيل لهم : أما قوله ( فأداها كما سمعها ( فالمراد حكمها لا لفظها لان اللفظ غير معتد به ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله : ( فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة وذلك أدل دليل على الجواز وأما رده عليه السلام الرجل من قوله : ( ورسولك إلى قوله ونبيك ( لأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة فلما قال : ( ونبيك ( جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله : ( الذي أرسلت ( وأيضا فإن نقله من قوله : ( ورسولك إلى قوله ونبيك ( ليجمع بين النبوة والرسالة ومستقبح في الكلام أن تقول : هذا رسول فلان الذي أرسله وهذا قتيل زيد الذي قتله لأنك تجتزئ بقولك : رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول وإنما يحسن أن تقول : هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا والله ولي التوفيق
414
فإن قيل : إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها قيل له : الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا فإن عدمت لم يجز قال بن العربي : الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق والله أعلم قال بعض علمائنا : لقد تعاجم بن العربي رحمه الله فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل نعم لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم السابعة قوله تعالى : ( نغفر لكم خطاياكم ) قراءة نافع بالياء مع ضمها وبن عامر بالتاء مع ضمها وهي قراءة مجاهد وقرأها الباقون بالنون مع نصبها وهي أبينها لأن قبلها وإذ قلنا ادخلوا فجرى نغفر لكم على الإخبار عن الله تعالى والتقدير وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر ولأن بعده وسنزيد بالنون وخطاياكم اتباعا للسواد وأنه على بابه ووجه من قرأ بالتاء أنه أنث لتأنيث لفظ الخطايا لأنها جمع خطيئة على التكسير ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله : فتلقى آدم من ربه كلمات وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله : وإذ قلنا لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى فاستغنى عن النون ورد الفعل إلى الخطايا بالمغفرة الثامنة واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة فقال الخليل : الأصل في خطايا أن يقول : خطائي ثم قلب فقيل : خطائي بهمزة بعدها ياء ثم تبدل من الياء ألفا بدلا لازما فتقول : خطاءا فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات فأبدلت من الهمزة ياء فقلت : خطايا وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأول خطائي ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول
415
خطائئ ولا تجتمع همزتان في كلمة فأبدلت من الثانية ياء فقلت : خطائي ثم عملت كما عملت في الأول وقال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همز كما تقول : هدية وهدايا قال الفراء : ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت : خطاءا وقال الكسائي : لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت : دواب التاسعة قوله تعالى : ( وسنزيد المحسنين ) أي في إحسان من لم يعبد العجل ويقال : يغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد ويقال : يغفر خطايا من هو عاص وسيزيد في إحسان من هو محسن أي نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدم عندهم وهو اسم فاعل من أحسن والمحسن : من صحح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على إداء فرائضه وكفى المسلمين شره وفي حديث جبريل عليه السلام : ( ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت ( وذكر الحديث خرجه مسلم
( البقره 59 )
فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فبدل الذين ظلموا قولا ) الذين في موضع رفع أي فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم وذلك أنه قيل لهم : قولوا حطة فقالوا حنطة على ما تقدم فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين والأبتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود هذا والقول أنقص من العمل فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل الثانية قوله تعالى : ( فبدل ) تقدم معنى بدل وأبدل وقرئ عسى ربنا أن يبدلنا على الوجهين قال الجوهري : وأبدلت الشيء بغيره وبدله الله من الخوف
416
أمنا وتبديل الشيء أيضا تغييره وإن لم يأت ببدل واستبدل الشيء بغيره وتبدله به إذا أخذه مكانه والمبادلة التبادل والأبدال : قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر قال بن دريد : الواحد بديل والبديل : البدل وبدل الشيء : غيره يقال : بدل وبدل لغتان مثل : شبه وشبه ومثل ومثل ونكل ونكل قال أبو عبيد : لم يسمع في فعل وفعل غير هذه الأربعة الأحرف والبدل : وجع يكون في اليدين والرجلين وقد بدل بالكسر يبدل بدلا الثالثة قوله تعالى : ( فأنزلنا على الذين ظلموا ) كرر لفظ ظلموا ولم يضمره تعظيما للأمر والتكرير يكون على ضربين أحدهما : استعماله بعد تمام الكلام كما في هذه الآية وقوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم قال بعد : فويل لهم مما كتبت أيديهم ولم يقل : مما كتبوا وكرر الويل تغليظا لفعلهم ومنه قول الخنساء :
تعرقني الدهر نهسا وحزا
وأوجعني الدهر قرعا وغمزا
أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها والضرب الثاني : مجيء تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة الحاقة الآية والقارعة ما القارعة القارعة الآية كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم : الحاقة ما هي والقارعة ما هي ومثله : فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة كرر أصحاب الميمنة تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ أصحاب المشأمة لما ينالهم من أليم العذاب ومن هذا الضرب قول الشاعر :
ليت الغراب غداة ينعب دائبا
كان الغراب مقطع الأوداج
وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال
417
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
نغص الموت ذا الغني والفقيرا
فكرر لفظ الموت ثلاثا وهو من الضرب الأول ومنه قول الآخر :
ألا حبذا هند وأرض بها هند
وهند أتي من دونها الناي
والبعد فكرر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها الرابعة قوله تعالى : ( رجزا ) قراءة الجماعة رجزا بكسر الراء وبن محيصن بضم الراء والرجز : العذاب بالزاي وبالسين : النتن والقذر ومنه قوله تعالى : فزادتهم رجسا إلى رجسهم أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي وقال الفراء : الرجز هو الرجس قال أبو عبيد : كما يقال السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى قال الفراء : وذكر بعضهم أن الرجز بالضم : اسم صنم كانوا يعبدونه وقرئ بذلك في قوله تعالى : والرجز فاهجر والرجز بفتح الراء والجيم : نوع من الشعر وأنكر الخليل أن يكون شعرا وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ارتعشت أفخادها ( بما كانوا يفسقون ) أي بفسقهم والفسق الخروج وقد تقدم وقرأ بن وثاب والنخعي : يفسقون بكسر السين
( البقره 60 )
فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ استسقى موسى لقومه ) كسرت الذال لالتقاء الساكنين والسين سين السؤال مثل : استعلم واستخبر واستنصر ونحو ذلك أي طلب وسأل السقى لقومه والعرب تقول : سقيته وأسقيته لغتان بمعنى قال
418
سقى قومي بني مجد وأسقى
نميرا والقبائل من هلال
وقيل : سقيته من سقى الشفة وأسقيته دللته على الماء الثانية الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح وقد استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد فأنى نسقى لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث بن عمر : ( ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ( الحديث وسيأتي بكماله إن شاء الله الثالثة سنة الإستسقاء الخروج إلى المصلى على الصفة التي ذكرنا والخطبة والصلاة وبهذا قال جمهور العلماء وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج وإنما هو دعاء لا غير واحتج بحديث أنس الصحيح أخرجه البخاري ومسلم ولا حجة له فيه فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته فاكتفى به عما سواه ولم يقصد بذلك بيان سنة ولما قصد البيان بين بفعله حسب ما رواه عبد الله بن زيد المازني قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ركعتين رواه مسلم وسيأتي من أحكام الإستسقاء زيادة في سورة هود إن شاء الله الرابعة قوله تعالى : ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر ) العصا : معروف وهو اسم مقصور مؤنث وألفه منقلبة عن واو قال على : عصويها سابري مشبرق
419
والجمع عصي وعصي وهو فعول وإنما كسرت العين لما بعدها من الكسرة وأعص أيضا مثله مثل زمن وأزمن وفي المثل : العصا من العصية أي بعض الأمر من بعض وقولهم : ألقى عصاه أي أقام وترك الأسفار وهو مثل قال :
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر
وفي التنزيل : وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وهناك يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى قال الفراء : أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي وقد يعبر بالعصا عن الإجتماع والافتراق ومنه يقال في الخوارج : قد شقوا عصا المسلمين أي اجتماعهم وائتلافهم وانشقت العصا أي وقع الخلاف قال الشاعر :
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا
فحسبك والضحاك سيف مهند
أي يكفيك ويكفي الضحاك وقولهم : لا ترفع عصاك عن أهلك يراد به الأدب والله أعلم والحجر معروف وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار وفي الكثير حجار وحجارة والحجارة نادر وهو كقولنا : جمل وجمالة وذكر وذكارة كذا قال بن فارس والجوهري قلت : وفي القرآن فهي كالحجارة وإن من الحجارة قل كونوا حجارة ترميهم بحجارة الفيل وأمطرنا عليهم حجارة فكيف يكون نادرا إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الإستعمال فصيح والله أعلم قوله تعالى : ( فانفجرت ) في الكلام حذف تقديره فضرب فانفجرت وقد كان تعالى قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد والانفجار : الانشقاق ومنه انشق الفجر وانفجر الماء انفجارا : انفتح والفجرة : موضع تفجير الماء والانبجاس أضيق من الانفجار لأنه يكون انبجاسا ثم يصير انفجارا وقيل : انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره
420
الخامسة قوله تعالى : ( اثنتا عشرة عينا ) اثنتا في موضع رفع ب انفجرت وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها لأن التثنية معربة ابدا لصحة معناها عينا نصب على البيان وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى عشرة بكسر الشين وهي لغة بني تميم وهذا من لغتهم نادر لأن سبيلهم التخفيف ولغة أهل الحجاز عشرة وسبيلهم التثقيل قال جميعه النحاس والعين من الأسماء المشتركة يقال : عين الماء وعين الإنسان وعين الركبة وعين الشمس والعين : سحابة تقبل من ناحية القبلة والعين : مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع وبلد قليل العين : أي قليل الناس وما بها عين محركة الياء والعين : الثقب في المزادة والعين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان وقيل : لما كان عين الحيوان اشرف ما فيه شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض السادسة لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا قيل : مربعا طوريا من الطور على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى وهذا أعظم في الآية والإعجاز وقيل : إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء وهذا أبلغ في الإعجاز وقيل : إن الله تعالى امره أن يضرب حجرا بعينه بينه لموسى عليه السلام ولذلك ذكر بلفظ التعريف قال سعيد بن جبير : هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه قال بن عطية : ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون
421
قلت : ما أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم يخرج الماء من بين لحم ودم روى الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء فأتي بتور فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول : ( حي على الطهور ( قال الأعمش : فحدثني سالم بن أبي الجعد قال قلت لجابر : كم كنتم يومئذ قال : ألفا وخمسمائة لفظ النسائي السابعة قوله تعالى : ( قد علم كل أناس مشربهم ) يعني أن لكل سبط منهم عينا قد عرفها لا يشرب من غيرها والمشرب : موضع الشرب : وقيل : المشروب والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها قال عطاء : كان للحجر أربعة أوجه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين لا يخالطهم سواهم وبلغنا انه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم قال عطاء : كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق أولا ثم يسيل الثامنة قوله تعالى : ( كلوا واشربوا ) في الكلام حذف تقديره وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل ( ولا تعثوا ) أي لا تفسدوا والعيث : شدة الفساد نهاهم عن ذلك يقال : عثى يعثي عثيا وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا والأول لغة القرآن ويقال : عث يعث في المضاعف : أفسد ومنه العثة وهي السوسة التي تلحس الصوف و ( مفسدين ) حال وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف اللفظ وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها والتقدم في المعاصي والنهي عنها
422
( البقره 61 )
قوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ) كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى وتذكروا عيشهم الأول بمصر قال الحسن : كانوا نتاني أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا : لن نصبر على طعام واحد وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فلذلك قالوا : طعام واحد وقيل : لتكرارهما في كل يوم غذاء كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة : هو على أمر واحد لملازمته لذلك وقيل : المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد منا بنفسه وكذلك كانوا فهم أول من اتخذ العبيد والخدم قوله تعالى : ( على طعام ) الطعام يطلق على ما يطعم ويشرب قال الله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني وقال : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا أي ما شربوه من الخمر على ما يأتي بيانه وإن كان السلوى العسل كما حكى المؤرج فهو مشروب أيضا وربما خص بالطعام البر والتمر كما في حديث أبي سعيد الخدري قال : كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من
423
شعير الحديث والعرف جار بأن القائل : ذهبت إلى سوق الطعام فليس يفهم منه إلا موضع بيعه دون غيره مما يؤكل أو يشرب والطعم بالفتح : هو ما يؤديه الذوق يقال : طعمه مر والطعم أيضا : ما يشتهي منه يقال : ليس له طعم وما فلان بذي طعم : إذا كان غثا والطعم بالضم : الطعام قال أبو خراش :
أرد شجاع البطن لو تعلمينه
وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فانتهى
إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أراد بالأول الطعام وبالثاني ما يشتهي منه وقد طعم يطعم فهو طاعم إذا أكل وذاق ومنه قوله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني أي من لم يذقه وقال : فإذا طعمتم فانتشروا أي أكلتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم : ( إنها طعام طعم وشفاء سقم ( واستطعمني فلان الحديث إذا أراد أن تحدثه وفي الحديث : ( إذا استطعمكم الإمام فأطعموه ( يقول : إذا استفتح فافتحوا عليه وفلان ما يطعم النوم إلا قائما وقال الشاعر :
نعاما بوجرة صفر الخدو
دما تطعم النوم إلا صياما
قوله تعالى : ( فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ) لغة بني عامر فادع بكسر العين لالتقاء الساكنين يجرون المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف ويخرج مجزوم على معنى سله وقل له : أخرج يخرج وقيل : هو على معنى الدعاء على تقدير حذف
424
اللام وضعفه الزجاج ومن في قوله مما زائدة في قول الأخفش وغير زائدة في قول سيبويه لأن الكلام موجب قال النحاس : وإنما دعا الأخفش إلى هذا لأنه لم يجد مفعولا ل يخرج فأراد أن يجعل ما مفعولا والأولى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام التقدير : يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولا ف من الأولى على هذا للتبعيض والثانية للتخصيص و ( من قبلها ) بدل من ما بإعادة الحرف ( وقثائها ) عطف عليه وكذا ما بعده فاعلمه والبقل معروف وهو كل نبات ليس له ساق والشجر : ما له ساق والقثاء أيضا معروف وقد تضم قافه وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف لغتان والكسر أكثر وقيل في جمع قثاء : قثائي مثل علباء وعلابي إلا أن قثاء من ذوات الواو تقول : أقثأت القوم أي أطعمتهم ذلك وفثأت القدر سكنت غليانها بالماء قال الجعدي :
تفور علينا قدرهم فنديمها
ونفثؤها إذا حميها غلا
وفثأت الرجل إذا كسرته عنك بقول أو غيره وسكنت غضبه وعدا حتى أفثأ أي أعيا وانبهر وأفثأ الحر أي سكن وفتر ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم : إن الرثيئة تفثأ في الغضب وأصله أن رجلا كان غضب على قوم وكان مع غضبه جائعا فسقوه رثيئة فسكن غضبه وكف عنهم الرثيئة : اللبن المحلوب على الحامض ليخثر رثأت اللبن رثأ إذا حلبته على حامض فخثر والاسم الرثيئة وارتثأ اللبن خثر وروى بن ماجة حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة وهذا إسناد صحيح
425
قوله تعالى : ( وفومها ) اختلف في الفوم فقيل : هو الثوم لأنه المشاكل للبصل رواه جويبر عن الضحاك والثاء تبدل من الفاء كما قالوا : مغافير ومغاثير وجدث وجدف للقبر وقرأ بن مسعود ثومها بالثاء المثلثة وروي ذلك عن بن عباس وقال امية بن أبي الصلت :
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة
فيها الفراديس والفومان والبصل
الفراديس : واحدها فرديس وكرم مفردس أي معرش وقال حسان :
وأنتم أناس لئام الأصول
طعامكم الفوم والحوقل
يعني الثوم والبصل وهو قول الكسائي والنضر بن شميل وقيل : الفوم الحنطة روي عن بن عباس أيضا وأكثر المفسرين واختاره النحاس قال : وهو أولى ومن قال به أعلى وأسانيده صحاح وليس جويبر بنظير لروايته وإن كان الكسائي والفراء قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء والإبدال لا يقاس عليه وليس ذلك بكثير في كلام العرب وأنشد بن عباس لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة قول أحيحة بن الجلاح :
قد كنت أغني الناس شخصا واجدا
ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال أبو إسحاق الزجاج : وكيف يطلب القوم طعاما لا بر فيه والبر أصل الغذاء وقال الجوهري أبو نصر : الفوم الحنطة وأنشد الأخفش :
قد كنت أحسبني كأغنى واجد
نزل المدينة عن زراعة فوم
وقال بن دريد : الفومة السنبلة وأنشد :
وقال ربيئهم لما أتانا
بكفه فومة أو فومتان

426
والهاء في كفه غير مشبعة وقال بعضهم : الفوم : الحمص لغة شامية وبائعه فامي مغير عن فومى لأنهم قد يغيرون في النسب كما قالوا : سهلي ودهري ويقال : فوموا لنا أي اختبزوا قال الفراء : هي لغة قديمة وقال عطاء وقتادة : الفوم كل حب يختبز مسألة اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك للأحاديث الثابتة في ذلك وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا إلى المنع وقالوا : كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة والله عز وجل قد وصف نبيه عليه السلام بأنه يحرم الخبائث ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ببدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا قال : فاخبر بما فيها من البقول فقال : ( قربوها ( إلى بعض أصحابه كان معه فلما رآه كره أكلها قال : ( كل فإني أناجي من لا تناجي ( أخرجه مسلم وأبو داود فهذا بين في الخصوص له والإباحة لغيره وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فيه ثوم فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : لم يأكل ففزع وصعد إليه فقال : أحرام هو قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ولكني أكرهه ( قال : فإني أكره ما تكره أو ما كرهت قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى يعني يأتيه الوحي فهذا نص على عدم التحريم وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها : ( أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة اكره ريحها ( فهذه الأحاديث تشعر بأن الحكم خاص به إذ هو المخصوص بمناجاة الملك لكن قد علمنا هذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم حيث قال : ( من أكل من هذه البقلة الثوم وقال مرة : من أكل البصل والثوم
427
والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ( وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طول : إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا خرجه مسلم قوله تعالى : ( وعدسها وبصلها ) العدس معروف والعدسة : بثرة تخرج بالإنسان وربما قتلت وعدس : زجر للبغال قال :
عدس ما لعباد عليك إمارة
نجوت وهذا تحملين طليق
والعدس : شدة الوطء والكدح أيضا يقال : عدسه وعدس في الأرض : ذهب فيها وعدست إليه المنية أي سارت قال الكميت :
أكلفها هول الظلام ولم أزل
أخا الليل معدوسا إلى وعادسا
أي يسار إلي بالليل وعدس : لغة في حدس قاله الجوهري ويؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث على أنه قال : ( عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس وإنه يرق القلب ويكثر الدمعة فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى بن مريم ( ذكره الثعلبي وغيره وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ويوما بلحم ويوما بعدس قال الحليمي : والعدس والزيت طعام الصالحين ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم عليه السلام في مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم والحنطة من جملة الحبوب وهي الفوم على الصحيح والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم عليه السلام فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين عليهما السلام فضيلة وقد روي أن النبي صلى الله
428
عليه وسلم لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل قوله تعالى : ( قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) الاستبدال : وضع الشيء موضع الآخر ومنه البدل وقد تقدم وأدنى مأخوذ عند الزجاج من الدنو أي القرب في القيمة من قولهم : ثوب مقارب أي قليل الثمن وقال علي بن سليمان : هو مهموز من الدنيء البين الدناءة بمعنى الأخس إلا أنه خفف همزته وقيل : هو مأخوذ من الدون أي الأحط فأصله أدون أفعل قلب فجاء أفلع وحولت الواو ألفا لتطرفها وقرئ في الشواذ أدنى ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهي خمسة : الأول أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل قاله الزجاج الثاني لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة والذي طلبوه عار من هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه الثالث لما كان ما من الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه كان ما سألوه أدنى في هذا الوجه لا محالة الرابع لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب كان أدنى الخامس لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حلة وخلوصة لنزوله من عند الله والحبوب والارض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه كانت أدنى من هذا الوجه
429
مسألة في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ويشرب الماء البارد العذب وسيأتي هذا المعنى في المائدة والنحل إن شاء الله مستوفى قوله تعالى : ( اهبطوا مصرا ) تقدم معنى الهبوط وهذا أمر معناه التعجيز كقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديدا لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم وقيل : إنهم أعطوا ما طلبوه ومصرا بالتنوين منكرا قراءة الجمهور وهو خط المصحف قال مجاهد وغيره : فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين وروى عكرمة عن بن عباس في قوله : اهبطوا مصرا قال : مصرا من هذه الأمصار وقالت طائفة ممن صرفها أيضا : أراد مصر فرعون بعينها استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه واستدل الآخرون بما في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم وأجازوا صرفها قال الأخفش والكسائي : لخفتها وشبهها بهند ودعد وأنشد :
لم تتلفع بفضل مئزرها
دعد ولم تسق دعد في العلب
فجمع بين اللغتين وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف وقال غير الأخفش : أراد المكان فصرف وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة : مصر بترك الصرف وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب وقراءة بن مسعود وقالوا : هي مصر فرعون قال أشهب قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ذكره بن عطية والمصر أصله في اللغة الحد ومصر الدار : حدودها قال بن فارس ويقال : إن أهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى فلان الدار بمصورها أي حدودها قال عدي :
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به
بين النهار وبين الليل قد فصلا

430
قوله تعالى : ( فإن لكم ما سألتم ) ما نصب بأن وقرأ بن وثاب والنخعي سألتم بكسر السين يقال : سألت وسلت بغير همز وهو من ذوات الواو بدليل قولهم يتساولان ومعنى ( ضربت عليهم الذلة والمسكنة ) أي ألزموهما وقضي عليهم بهما مأخوذ من ضرب القباب قال الفرزدق في جرير :
ضربت عليك العنكبوت بنسجها
وقضي عليك به الكتاب المنزل
وضرب الحاكم على اليد أي حمل وألزم والذلة : الذل والصغار والمسكنة : الفقر فلا يوجد يهودي وإن كان غنيا خاليا من زي الفقر وخضوعه ومهانته وقيل : الذلة فرض الجزية عن الحسن وقتادة والمسكنة الخضوع وهي مأخوذة من السكون أي قلل الفقر حركته قاله الزجاج وقال أبو عبيدة : الذلة الصغار والمسكنة مصدر المسكين وروى الضحاك بن مزاحم عن بن عباس : وضربت عليهم الذلة والمسكنة قال : هم أصحاب القبالات قوله تعالى : ( وباءوا ) أي انقلبوا ورجعوا أي لزمهم ذلك ومنه قوله عليه السلام في دعائه ومناجاته : ( أبوء بنعمتك علي ( أي أقر بها وألزمها نفسي وأصله في اللغة الرجوع يقال باء بكذا أي رجع به وباء إلى المباءة وهي المنزل أي رجع والبواء : الرجوع بالقود وهم في هذا الأمر بواء أي سواء يرجعون فيه إلى معنى واحد وقال الشاعر :
ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي
محارمنا لا يبوء الدم بالدم
أي لا يرجع الدم بالدم في القود وقال :
فآبوا بالنهاب وبالسبايا
وأبنا بالملوك مصفدينا
أي رجعوا ورجعنا وقد تقدم معنى الغضب في الفاتحة
431
قوله تعالى : ( ذلك ) ذلك تعليل ( بأنهم كانوا يكفرون ) أي يكذبون ( بآيات الله ) أي بكتابه ومعجزات أنبيائه كعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم السلام ( ويقتلون النبيين ) معطوف على يكفرون وروى عن الحسن يقتلون وعنه أيضا كالجماعة وقرأ نافع النبيئين بالهمز حيث وقع في القرآن إلا في موضعين : في سورة الأحزاب : إن وهبت نفسها للنبي أن أراد الأحزاب ولا تدخلوا بيوت النبي إلا فإنه قرأ بلا مد ولا همز وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين وترك الهمز في جميع ذلك الباقون فأما من همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر واسم فاعله منبئ ويجمع نبيء أنبياء وقد جاء في جمع نبي نبآء قال العباس بن مرداس السلمى يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :
يا خاتم النبآء إنك مرسل
بالحق كل هدى السبيل هداكا
هذا معنى قراءة الهمز واختلف القائلون بترك الهمز فمنهم من اشتق اشتقاق من همز ثم سهل الهمز ومنهم من قال : هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر فالنبي من النبوة وهو الارتفاع فمنزلة النبي رفيعة والنبي بترك الهمز أيضا الطريق فسمي الرسول نبيا لاهتداء الخلق به كالطريق قال الشاعر :
لأصبح رتما دقاق الحصى
مكان النبي من الكاثب
رتمت الشيء : كسرته يقال : رتم أنفه ورثمه بالتاء والثاء جميعا والرتم أيضا المرتوم اي المكسور والكاثب اسم جبل فالأنبياء لنا كالسبل في الأرض ويروى ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : السلام عليك يا نبيء الله وهمز فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لست بنبئ الله وهمز ولكني نبي الله ( ولم يهمز قال أبو علي : ضعف سند هذا الحديث ومما يقوي ضعفه أنه عليه السلام قد أنشده المادح : يا خاتم النبآء ولم يؤثر في ذلك إنكار
432
قوله تعالى : ( بغير الحق ) تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه فإن قيل : هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به قيل له : ليس كذلك وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق فكان هذا تعظيما للشنعة عليهم ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق ولكن يقتل على الحق فصرح قوله : بغير الحق عن شنعة الذنب ووضوحه ولم يأت نبي قط بشئ يوجب قتله فإن قيل : كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء قيل : ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين وليس ذلك بخذلان لهم قال بن عباس والحسن : لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال وكل من أمر بقتال نصره قوله تعالى : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ذلك رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه والباء في بما باء السبب قال الأخفش : أي بعصيانهم والعصيان : خلاف الطاعة واعتصت النواة إذا اشتدت والاعتداء : تجاوز الحد في كل شيء وعرف في الظلم والمعاصي
( البقره 62 )
فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ) أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال سفيان : المراد المنافقون كأنه قال : الذين آمنوا في ظاهر أمرهم فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم الثانية قوله تعالى : ( والذين هادوا ) معناه صاروا يهودا نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام فقلبت العرب الذال دالا لأن الأعجمية إذا عربت غيرت
433
عن لفظها وقيل : سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل هاد : تاب والهائد : التائب قال الشاعر :
إني امرؤ من حبه هائد
أي تائب وفي التنزيل : إنا هدنا إليك أي تبنا وهاد القوم يهودون هودا وهيادة إذا تابوا وقال بن عرفة : هدنا إليك أي سكنا إلى أمرك والهوادة السكون والموادعة قال : ومنه قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا وقرأ أبو السمال : هادوا بفتح الدال الثالثة قوله تعالى : ( والنصارى ) جمع واحده نصراني وقيل : نصران بإسقاط الياء وهذا قول سيبويه والأنثى نصرانة كندمان وندمانة وهو نكرة يعرف بالألف واللام قال الشاعر :
صدت كما صد عما لا يحل له
ساقي نصارى قبيل الفصح صوام
فوصفه بالنكرة وقال الخليل : واحد النصارى نصرى كمهرى ومهارى وأنشد سيبويه شاهدا على قوله :
تراه إذا دار العشا متحنفا
ويضحى لديه وهو نصران شامس
وأنشد :
فكلتاهما خرت وأسجد رأسها
كما أسجدت نصرانة لم تحنف
يقال : أسجد إذا مال ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب لأنهم قالوا : رجل نصراني وامرأة نصرانية ونصره : جعله نصرانيا وفي الحديث : ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه ( وقال عليه السلام : ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني
434
ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ( وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها وقياسه النصرانيون ثم قيل : سموا بذلك لقرية تسمى ناصرة كان ينزلها عيسى عليه السلام فنسب اليها فقيل : عيسى الناصري فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى قاله بن عباس وقتادة وقال الجوهري : ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى ويقال ناصرة وقيل : سموا بذلك لنصرة بعضهم بعضا قال الشاعر :
لما رأيت نبطا أنصارا
شمرت عن ركبتي الإزارا
كنت لهم من النصارى جارا
وقيل : سموا بذلك لقوله : من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله الرابعة قوله تعالى : والصابئين جمع صابئ وقيل : صاب ولذلك أختلفوا في همزه وهمزه الجمهور إلا نافعا فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال فالصابئ في اللغة : من خرج ومال من دين إلى دين ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب الخامسة لا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم وأكل طعامهم على ما يأتي بيانه في المائدة وضرب الجزية عليهم على ما يأتي في سورة براءة إن شاء الله واختلف في الصابئين فقال السدي : هم فرقة من أهل الكتاب وقاله إسحاق بن راهوية قال بن المنذر وقال إسحاق : لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب وقال أبو حنيفة : لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وقال مجاهد والحسن وبن أبي نجيح : هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية لا تؤكل ذبائحهم بن عباس : ولا تنكح نساؤهم وقال الحسن أيضا وقتادة هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور ويصلون الخمس رآهم زياد
435
بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض علمائنا أنهم موحدون معتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة ولهذا افتى أبو سعيد الإصطخري القادر بالله بكفرهم حين سأله عنهم السادسة قوله تعالى : ( من آمن ) أي صدق ومن في قوله : من آمن في موضع نصب بدل من الذين والفاء في قوله فلهم داخلة بسبب الإبهام الذي في من ولهم أجرهم ابتداء وخبر في موضع خبر إن ويحسن أن يكون من في موضع رفع بالابتداء ومعناها الشرط وآمن في موضع جزم بالشرط والفاء الجواب ولهم أجرهم خبر من والجملة كلها خبر إن والعائد على الذين محذوف تقديره من آمن منهم بالله وفي الأيمان بالله واليوم الآخر اندراج الإيمان بالرسل والكتب والبعث السابعة إن قال قائل : لم جمع الضمير في قوله تعالى : لهم أجرهم وآمن لفظ مفرد ليس بجمع وإنما كان يستقيم لو قال : له أجره فالجواب أن من يقع على الواحد والتثنية والجمع فجائز ان يرجع الضمير مفردا ومثنى ومجموعا قال الله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك على المعنى وقال : ومنهم من يستمع إليك على اللفظ وقال الشاعر :
ألما بسلمى عنكما إن عرضتما
وقولا لها عوجى على من تخلفوا
وقال الفرزدق :
تعال فإن عاهدتني لا تخونني
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فحمل على المعنى ولو حمل على اللفظ لقال : يصطحب وتخلف وقال تعالى : ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات فحمل على اللفظ ثم قال : خالدين فحمل على المعنى ولو راعى اللفظ لقال : خالدا فيها وإذا جرى ما بعد من على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية وإذا جرى ما بعدها على المعنى لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ لأن الإلباس يدخل في الكلام وقد مضى الكلام في قوله تعالى : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) والحمد لله
436
الثامنة روى عن بن عباس أن قوله : إن الذين آمنوا والذين هادو الحج الآية منسوخ بقوله تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه الآية وقال غيره : ليست بمنسوخة وهي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام
( البقره 63 : 64 )
قوله تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) هذه الآية تفسر معنى قوله تعالى : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كانه ظلةالأعراف قال أبو عبيدة : المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه قال : وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته وقيل : نتقناه رفعناه قال بن الأعرابي : الناتق الرافع والناتق الباسط والناتق الفاتق وامرأة ناتق ومنتاق : كثيرة الولد وقال القتبي : أخذ ذلك من نتق السقاء وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه قال وقوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة قال : قلع من أصله واختلف في الطور فقيل الطور اسم للجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره رواه بن جريج عن بن عباس وروى الضحاك عنه أن الطور ما أنبت من الجبال خاصة دون ما لم ينبت وقال مجاهد وقتادة : أي جبل كان إلا أن مجاهدا قال : هو اسم لكل جبل بالسريانية وقاله أبو العالية وقد مضى الكلام هل وقع في القرآن الفاظ مفردة غير معربة من غير كلام العرب في مقدمة الكتاب والحمد لله وزعم البكري أنه سمي بطور بن إسماعيل عليه السلام والله تعالى أعلم
القول في سبب رفع الطور
وذلك أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم : خذوها والتزموها فقالوا : لا إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك فصعقوا ثم أحيوا فقال لهم : خذوها فقالوا لا فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله
437
فرسخ في مثله وكذلك كان عسكرهم فجعل عليهم مثل الظلة وأتوا ببحر من خلفهم ونار من قبل وجوههم وقيل لهم : خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق قال الطبري عن بعض العلماء : لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق وكان سجودهم على شق لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا فلما رحمهم الله قالوا : لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها عباده فأمروا سجودهم على شق واحد قال بن عطية : والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم لا أنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك قوله تعالى : ( خذوا ) أي فقلنا خذوا فحذف ( ما آتيناكم ) أعطيناكم ( بقوة ) أي بجد واجتهاد قاله بن عباس وقتادة والسدي وقيل : بنية وإخلاص مجاهد : القوة العمل بما فيه وقيل : بقوة بكثرة درس ( واذكروا ما فيه ) أي تدبروه واحتفظوا أوامره ووعيده ولا تنسوه ولا تضيعوه قلت : هذا هو المقصود من الكتب العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فإن ذلك نبد لها على ما قاله الشعبي وبن عيينة وسيأتي قولهما عند قوله تعالى : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شيء منه ( فبين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بينا وقال مالك : قد يقرأ القرآن من لا خير فيه فما لزم إذا من قبلنا وأخذ عليهم لازم لنا وواجب علينا قال الله تعالى : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم الزمر فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقتضاه لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود والنصارى وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة الجهل وطلب الرياسة واتباع الأهواء روى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : ( هذا أوان
438
يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء ( فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا فقال : ( ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم ( وذكر الحديث وسيأتي وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزياد : ( ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ( وفي الموطأ عن عبد الله بن مسعود قال لإنسان : إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا وقد قال يحيى : سألت بن نافع عن قوله : يبدءون أهواءهم قبل أعمالهم قال يقول : يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي افترض عليهم وتقدم القول في معنى قوله تعالى : لعلكم تتقون فلا معنى لإعادته وقوله تعالى : ( ثم توليتم ) تولى تفعل وأصله الإعراض والإدبار عن الشئ بالجسم ثم استعمل في الإعراض عن الاوامر والأديان والمعتقدات إتساعا ومجازا وقوله : ( من بعد ذلك ) أي من بعد البرهان وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل وقوله : ( فلولا فضل الله عليكم ) فضل مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يجوز إظهاره لأن العرب استغنت عن إظهاره إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره جاؤوا بأن فإن جاؤوا بها لم يحذفوا الخبر والتقدير فلولا فضل الله تدارككم ( ورحمته ) عطف على فضل أي
439
لطفه وإمهاله ( لكنتم ) جواب لولا ( من الخاسرين ) خبر كنتم والخسران : النقصان وقد تقدم وقيل : فضله قبول التوبة ورحمته العفو والفضل : الزيادة على ما وجب والإفضال : فعل ما لم يجب قال بن فارس في المجمل : الفضل الزيادة والخير والإفضال : الإحسان :
( البقرة 65 )
الأولى قوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) علمتم معناه عرفتم اعيانهم وقيل : علمتم أحكامهم والفرق بينهما أن المعرفة متوجهة إلى ذات المسمى والعلم متوجه إلى أحوال المسمى فإذا قلت : عرفت زيدا فالمراد شخصه وإذا قلت : علمت زيدا فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص فعلى الأول يتعدى الفعل إلى مفعول واحد وهو قول سيبويه : علمتم بمعنى عرفتم وعلى الثاني إلى مفعولين وحكى الأخفش : ولقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه وفي التنزيل : لا تعلمونهم الله يعلمهم كل هذا بمعنى المعرفة فاعلم الذين اعتدوا منكم في السبت صلة الذين والاعتداء التجاوز وقد تقدم الثانية روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي فقال له صفوان : لاتقل نبي لو سمعك فإن له أربعة أعين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات فقال لهم : ( لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا يوم الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت ( فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي قال : ( فما
440
يمنعكم أن تتبعوني ( قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وسيأتي لفظه في سورة سبحان إن شاء الله تعالى الثالثة ( في السبت ) معناه في يوم السبت ويحتمل أن يريد في حكم السبت والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الأستحلال وروى أشهب عن مالك قال : زعم بن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة وألقاها في ذنب الحوت وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق وأعلن الفسقة بصيده فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت ويقال إن الناهين قالوا : لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا : إن للناس لشأن فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولايعرف الإنس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول : ألم ننهكم فتقول برأسها نعم قال قتادة : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم وسيأتي في الأعراف قول من قال : إنهم كانوا ثلاث فرق وهو أصح من قول من قال : إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين والله أعلم والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع فقيل إن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها وقيل : هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين قال الزجاج : قال قوم يجوز أن تكون هذه القردة منهم واختاره القاضي أبو بكر بن العربي وقال الجمهور : الممسوخ لا ينسل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك والذين قد مسخهم الله قد هلكوا
441
ولم يبق لهم نسل لأنه قد أصابهم السخط والعذاب فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام قال بن عباس : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل قال بن عطية : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام قلت : هذا هو الصحيح من القولين وأما ما احتج به بن العربي وغيره على صحة القول الأول من قوله صلى الله عليه وسلم : ( فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته ( رواه أبو هريرة أخرجه مسلم وبحديث الضب رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر قال جابر : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ( فمتأول على ما يأتي قال أبن العربي : وفي البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال : رأيت في الجاهلية قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها وثبت في نص الحديث قد زنت وسقط هذا اللفظ عند بعضهم قال بن العربي : فإن قيل : وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو قلنا : نعم كذلك كان لأن اليهود غيروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم حتى يكون أبلغ في الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيروه حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ويحصى ما يبدلون وما يغيرون ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون وينصر نبيه عليه السلام وهم لا ينصرون قلت : هذا كلامه في الأحكام ولا حجة في شيء منه وأما ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين : حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأودي في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة
442
فرجموها فرجمتها معهم كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من كتابه فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها فذكر في كتاب أيام الجاهلية وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في القردة ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري في التاريخ الكبير : قال لي نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم وليس فيه قد زنت فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية وذكر أبو عمر في الإستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد الله معدود في كبار التابعين من الكوفيين وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك لأن رواته مجهولون وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي مختصرا قال : رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها يعني القردة فرجمتها معهم ورواه عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا وأما القصة بطولها فإنها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان وليسا ممن يحتج بهما وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلف وإقامة الحدود في البهائم ولو صح لكانوا من الجن لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما ( وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة : ( ولا أراها إلا الفأر ( وفي الضب : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ( وما كان مثله فإنما كان ظنا وخوفا لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير : هي مما مسخ فقال : ( إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ( وهذا نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود أخرجه مسلم في كتاب القدر وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر
443
فدل على صحة ما ذكرنا وبالله توفيقنا وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردت أفهامهم كأفهام القردة ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم والله أعلم قوله تعالى : ( فقلنا لهم كونوا قردة ) قردة خبر كان ( خاسئين نعت وإن شئت جعلته خبرا ثانيا لكان أو حالا من الضمير في كونوا ومعناه مبعدين يقال : خسأنه فخسأ وخسئ وانخسأ أي أبعدته فبعد وقوله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئا الملك أي مبعدا وقوله : اخسئوا فيها أي تباعدوا تباعد سخط قال الكسائي : خسأ الرجل خسوءا وخسأته خسأ ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القمئ يقال : قمؤ الرجل قماء وقماءة صار قميئا وهو الصاغر الذليل وأقمأته : صغرته وذللته فهو قميء على فعيل
( البقره 66 )
قوله تعالى : ( فجعلناها نكالا ) نصب على المفعول الثاني وفي المجعول نكالا أقاويل قيل : العقوبة وقيل : القرية إذ معنى الكلام يقتضيها وقيل : الأمة التي مسخت وقيل : الحيتان وفيه بعد والنكال : الزجر والعقاب والنكل والأنكال : القيود وسميت القيود أنكالا لأنها ينكل بها أي يمنع ويقال للجام الثقيل : نكل ونكل لأن الدابة تمنع به ونكل عن الأمر ينكل ونكل ينكل إذا امتنع والتنكيل : إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم أي تجبنهم وقال الأزهري : النكال العقوبة بن دريد : والمنكل : الشيء الذي ينكل بالإنسان قال :
فارم على أقفائهم بمنكل

444
قوله : ( لما بين يديها ) قال بن عباس والسدي : لما بين يدي المسخة ما قبلها من ذنوب القوم ( وما خلفها ) لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب قال الفراء : جعلت المسخة نكالا لما مضى من الذنوب ولما يعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم قال بن عطية : وهذا قول جيد والضميران للعقوبة وروى الحكم عن مجاهد عن بن عباس : لمن حضر معهم ولمن يأتي بعدهم واختاره النحاس قال : وهو أشبه بالمعنى والله أعلم وعن بن عباس ايضا : لما بين يديها وما خلفها من القرى وقال قتادة : لما بين يديها من ذنوبهم وما خلفها من صيد الحيتان قوله تعالى : ( وموعظة للمتقين ) عطف على نكال ووزنها مفعلة من الإتعاظ والإنزجار والوعظ : التخويف والعظة الاسم قال الخليل : الوعظ التذكير بالخير فيما يرق له القلب قال الماوردي : وخص المتقين وإن كانت موعظة للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين قال بن عطية : واللفظ يعم كل متق من كل أمة وقال الزجاج : وموعظة للمتقين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهكوا من حرم الله جل وعز ما نهاهم عنه فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم
( البقره 67 )
قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الله يأمركم ) حكي عن أبي عمرو أنه قرأ يأمركم بالسكون وحذف الضمة من الراء لثقلها قال أبو العباس المبرد : لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة ( أن تذبحوا ) في موضع نصب ب يأمركم أي بأن تذبحوا ( بقرة ) نصب ب تذبحوا وقد تقدم معنى الذبح فلا معنى لإعادته
445
الثانية قوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة مقدم في التلاوة وقوله : قتلتم نفسا مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة ويجوز أن يكون قوله : قتلتم في النزول مقدما والأمر بالذبح مؤخرا ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل فأمروا أن يضربوه ببعضها ويكون وإذ قتلتم مقدما في المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا لأن الواو لا توجب الترتيب ونظيره في التنزيل في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين إلى قوله إلا قليل فذكر إهلاك من أهلك منهم ثم عطف عليه بقوله : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها فذكر الركوب متأخرا في الخطاب ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك وكذلك قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما وتقديره : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ومثله في القرآن كثير الثالثة لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم والنحر أولى في الإبل والتخير في البقر وقيل : الذبح أولى لأنه الذي ذكره الله ولقرب المنحر من المذبح قال بن المنذر : لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح أو ذبح مما ينحر وكره مالك ذلك وقد يكره المرء الشئ ولا يحرمه وسيأتي في سورة المائدة أحكام الذبح والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى : إلا ما ذكيتم المائدة مستوفى إن شاء الله تعالى قال الماوردي : وإنما أمروا والله أعلم بذبح بقرة دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه من تعظيمه وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته وهذا المعنى علة في ذبح البقرة وليس بعلة في جواب السائل ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حي فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها الرابعة قوله تعالى : ( بقرة ) البقرة اسم للأنثى والثور اسم للذكر مثل ناقة وجمل وامرأة ورجل وقيل : البقرة واحد البقر الأنثى والذكر سواء وأصله من قولك
446
بقر بطنه أي شقه فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن على زين العابدين لأنه بقر العلم وعرف أصله أي شقه والبقيرة : ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كمين وفي حديث بن عباس في شأن الهدهد ( فبقر الأرض ( قال شمر : بقر نظر موضع الماء فرأى الماء تحت الأرض قال الأزهري : البقر اسم للجنس وجمعه باقر بن عرفة : يقال بقير وباقر وبيقور وقرأ عكرمة وبن يعمر إن الباقر والثور : واحد الثيران والثور : السيد من الرجال والثور القطعة من الأقط والثور : الطحلب وثور : جبل وثور : قبيلة من العرب وفي الحديث : ( ووقت العشاء ما لم يغب ثور الشفق ( يعني انتشاره يقال ثار يثور ثورا وثورانا إذا انتشر في الأفق وفي الحديث : ( من أراد العلم فليثور القرآن ( قال شمر : تثوير القرآن قراءته ومفاتشة العلماء به قوله تعالى : ( قالوا أتتخذنا هزوا ) هذا جواب منهم لموسى عليه السلام لما قال لهم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وذلك أنهم وجدوا قتيلا بين أظهرهم قيل : اسمه عاميل واشتبه أمر قاتله عليهم ووقع بينهم خلاف فقالوا : نقتتل ورسول الله بين أظهرنا فأتوه وسألوه البيان وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعوا الله فسأل موسى عليه السلام ربه السلام فأمرهم بذبح بقرة فلما سمعوا ذلك من موسى وليس في ظاهره جواب عما سألوه عنه واحتكموا فيه عنده قالوا : أتتخذنا هزؤا والهزء : اللعب والسخرية وقد تقدم وقرأ الجحدري أيتخذنا بالياء أي قال ذلك بعضهم لبعض فأجابهم موسى عليه السلام بقوله : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل فاستعاذ منه عليه السلام لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء والجهل نقيض العلم فاستعاذ من الجهل كما جهلوا في قولهم : أتتخذنا هزؤا
447
لمن يخبرهم عن الله تعالى وظاهر هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله ولا يصح إيمان من قال لنبي قد ظهرت معجزته وقال : إن الله يأمرك بكذا : أتتخذنا هزؤا ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية على نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وكما قال له الآخر : اعدل يا محمد وفي هذا كله أدل دليل على قبح الجهل وأنه مفسد للدين قوله تعالى : ( هزوا ) مفعول ثان ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو والهمزة وجعلها حفص واوا مفتوحة لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري على البدل كقوله : السفهاء ولكن ويجوز حذف الضمة من الزاي كما تحذفها من عضد فتقول : هزؤا كما قرأ أهل الكوفة وكذلك ولم يكن له كفوا أحد وحكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان : التخفيف والتثقيل نحو العسر واليسر والهزء ومثله ما كان من الجمع على فعل ككتب وكتب ورسل ورسل وعون وعون وأما قوله تعالى : وجعلوا له من عباده جزءا فليس مثل هزء وكفء لأنه على فعل من الأصل على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى مسألة في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده قال أبن خويز منداد : وقد بلغنا أن رجلا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد الله فقال : جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش فقال له : لا تجهل أيها القاضي فقال له عبيد الله : وأين وجدت المزاح جهلا فتلا عليه هذه الآية فأعرض عنه عبيد الله لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزح من الاستهزاء وليس احدهما من الآخر بسبيل
448
( البقره 68 )
قوله تعالى : ( قالوا ادع لنا ربك ) هذا تعنيت منهم وقلة طواعية ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أي بقرة كانت لحصل المقصود لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم قاله بن عباس وأبو العالية وغيرهما ونحو ذلك روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم ولغة بني عامر ادع وقد تقدم و ( يبين ) مجزوم على جواب الأمر ( ما هي ) ابتداء وخبر وماهية الشيء : حقيقته وذاته التي هو عليها قوله تعالى : ( قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ) في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل لأنه لما أمر ببقرة اقتضى أي بقرة كانت فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول بغيره كما لو قال : في ثلاثين من الإبل بنت مخاض ثم نسخه بابنة لبون أو حقه وكذلك ها هنا لما عين الصفة صار ذلك نسخا للحكم المتقدم والفارض : المسنة وقد فرضت تفرض فروضا أي أسنت ويقال للشيء القديم فارض قال الراجز :
شيب أصداغي فرأسي أبيض
محامل فيها رجال فرض يعني هرمي
قال آخر :
لعمرك قد أعطيت جارك فارضا
تساق إليه ما تقوم على رجل أي قديما
وقال آخر :
يا رب ذي ضغن على فارض
له قروء كقروء الحائض

449
أي قديم ولا فارض رفع على الصفة لبقرة ولا بكر عطف وقيل : لا فارض خبر مبتدأ مضمر أي لا هي فارض وكذا لا ذلول وكذلك لا تسقي الحرث وكذلك مسلمة فاعلمه وقيل : الفارض التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك لأن معنى الفارض في اللغة الواسع قاله بعض المتأخرين والبكر : الصغيرة التي لم تحمل وحكى القتبي أنها التي ولدت والبكر : الأول من الأولاد قال :
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد
أصبحت مني كذراع من عضد
والبكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم : ما لم يفتحله الفحل وهي مكسورة الباء وبفتحها الفتي من الإبل والعوان : النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه بخلاف الخيل قال الشاعر يصف فرسا :
كميت بهيم اللون ليس بفارض
ولا بعوان ذات لون مخصف فرس
أخصف : إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه وقال مجاهد : العوان من البقر هي التي قد ولدت مرة بعد مرة وحكاه أهل اللغة ويقال : إن العوان النخلة الطويلة وهي فيما زعموا لغة يمانية وحرب عوان : إذا كان قبلها حرب بكر قال زهير :
إذا لقحت حرب عوان مضرة
ضروس تهر الناس أنيابها عصل
أي لا هي صغيرة ولا هي مسنة أي هي عوان وجمعها عون بضم العين وسكون الواو وسمع عون بضم الواو كرسل وقد تقدم وحكى الفراء من العوان عونت تعوينا قوله تعالى : ( فافعلوا ما تؤمرون ) يجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت فما تركوه وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه وعلى أن الأمر على الفور وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضا ويدل على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمروا به فقال
450
فذبحوها وما كادوا يفعلون وقيل : لا بل على التراخي لأنه لم يعنفهم على التأخير والمراجعة في الخطاب قاله بن خويز منداد
( البقره 69 )
قوله تعالى : ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ) ما استفهام مبتدأة ولونها الخبر ويجوز نصب لونها ب يبين وتكون ما زائدة واللون واحد الألوان وهو هيئة كالسواد والبياض والحمرة واللون : النوع وفلان متلون إذا كان لا يثبت على خلق واحد وحال واحد قال :
كل يوم تتلون
غير هذا بك أجمل
ولون البسر تلوينا : إذا بدا فيه أثر النضج واللون : الدقل وهو ضرب من النخل قال الأخفش : هو جماعة واحدها لينة قوله : ( صفراء ) جمهور المفسرين أنها صفراء اللون من الصفرة المعروفة قال مكي عن بعضهم : حتى القرن والظلف وقال الحسن وأبن جبير : كانت صفراء القرن والظلف فقط وعن الحسن أيضا : صفراء معناه سوداء قال الشاعر :
تلك خيلي منه وتلك ركابي
هن صفر أولادها كالزبيب
قلت : والأول أصح لأنه الظاهر وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل قال الله تعالى : كأنه جمالة صفر وذلك أن السود من الإبل سوادها صفرة ولو أراد السواد لما أكده بالفقوع وذلك نعت مختص بالصفرة وليس يوصف السواد بذلك تقول العرب : أسود حالك وحلكوك وحلكوك ودجوجي وغربيب وأحمر قانئ وأبيض ناصع ولهق ولهاق ويقق وأخضر ناضر وأصفر فاقع هكذا نص نقلة اللغة عن العرب قال
451
الكسائي : يقال فقع لونها يفقع فقوعا إذا خلصت صفرته والإفقاع : سوء الحال وفواقع الدهر بوائقه : وفقع بأصابعه إذا صوت ومنه حديث بن عباس : نهى عن التفقيع في الصلاة وهي الفرقعة وهي غمز الأصابع حتى تنقض ولم ينصرف صفراء في معرفة ولا نكرة لأن فيها ألف التأنيث وهي ملازمة فخالفت الهاء لأن ما فيه الهاء ينصرف في النكرة كفاطمة وعائشة قوله تعالى : ( فاقع لونها ) يريد خالصا لونها لا لون فيها سوى لون جلدها ( تسر الناظرين ) قال وهب : كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها ولهذا قال بن عباس : الصفرة تسر النفس وحض على لباس النعال الصفر حكاه عنه النقاش وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : من لبس نعلى جلد أصفر قل همه لأن الله تعالى يقول : صفراء فاقع لونها تسر الناظرين حكاه عنه الثعلبي ونهى بن الزبير ومحمد بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها تهم ومعنى تسر تعجب وقال أبو العالية : معناه في سمتها ومنظرها فهي ذات وصفين والله أعلم
( البقره 70 )
قوله تعالى : ( إن البقر تشابه علينا ) سألوا سؤالا رابعا ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان وذكر البقر لأنه بمعنى الجمع ولذلك قال : إن البقر تشابه علينا فذكره للفظ تذكير البقر قال قطرب : جمع البقرة باقر وباقور وبقر وقال الأصمعي : الباقر جمع باقرة قال : ويجمع بقر على باقورة حكاه النحاس وقال الزجاج : المعنى إن جنس البقر وقرأ الحسن فيما ذكر النحاس والأعرج فيما ذكر الثعلبي إن البقر تشابه بالتاء وشد الشين جعله فعلا مستقبلا وأنثه والأصل تتشابه ثم أدغم التاء في الشين وقرأ مجاهد تشبه كقراءتهما
452
إلا أنه بغير ألف وفي مصحف أبي تشابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم : وهو غلط لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلا في المضارعة وقرأ يحيى بن يعمر إن الباقر يشابه جعله فعلا مستقبلا وذكر البقر وأدغم ويجوز إن البقر تشابه بتخفيف الشين وضم الهاء وحكاها الثعلبي عن الحسن النحاس : ولا يجوز يشابه بتخفيف الشين والياء وإنما جاز في التاء لأن الأصل تتشابه فحذفت لاجتماع التائين والبقر والباقر والبيقور والبقير لغات بمعنى والعرب تذكره وتؤنثه والى ذلك ترجع معاني القراءات في تشابه وقيل : إنما قالوا : إن البقر تشابه علينا لأن وجوه البقر تتشابه ومنه حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ( فتنا كقطع الليل تأتي كوجوه البقر ( يريد أنها يشبه بعضها بعضا ووجوه البقر تتشابه ولذلك قالت بنو إسرائيل : إن البقر تشابه علينا قوله تعالى : وإنا إن شاء الله لمهتدون استثناء منهم وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد ودليل ندم على عدم موافقة الأمر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدا ( وتقدير الكلام وإنا لمهتدون إن شاء الله فقدم على ذكر الإهتمام اهتماما به وشاء في موضع جزم بالشرط وجوابه عند سيبويه الجملة إن وما عملت فيه وعند أبي العباس المبرد محذوف
( البقره 71 )
قوله تعالى : ( قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ) قرأ الجمهور لا ذلول بالرفع على الصفة لبقرة قال الأخفش : لا ذلول نعته ولا يجوز نصبه وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي لا ذلول بالنصب على النفي والخبر مضمر ويجوز لا هي ذلول لا هي تسقي الحرث هي مسلمة ومعنى لا ذلول لم يذللها العمل يقال : بقرة مذللة بينة الذل بكسر الذال ورجل ذليل بين الذل بضم الذال أي هي بقرة صعبة غير ريضة لم تذلل بالعمل
453
قوله تعالى : ( تثير الأرض ) تثير في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي بقرة لا ذلول مثيرة قال الحسن : وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث أي لا يسنى بها لسقي الزرع ولا يسقى عليها والوقف ها هنا حسن وقال قوم : تثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقي والوقف على هذا التأويل لا ذلول والقول الأول أصح لوجهين : أحدهما ما ذكره النحاس عن علي بن سليمان أنه قال : لا يجوز أن يكون تثير مستأنفا لأن بعده ولا تسقي الحرث فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو ولا الثاني أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله : لا ذلول قلت : ويحتمل أن تكون تثير الأرض في غير العمل مرحا ونشاطا كما قال امرؤ القيس :
يهيل ويذري تربه ويثيره
إثارة نباث الهواجر مخمس
فعلى هذا يكون تثير مستأنفا ولا تسقي معطوف عليه فتأمله وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها ومنه الحديث : ( أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين ( وفي رواية أخرى : ( من أراد العلم فليثور القرآن ( وقد تقدم وفي التنزيل : وأثاروا الأرض أي قلبوها للزراعة والحرث : ما حرث وزرع وسيأتي مسألة في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السلم فيه وبه قال مالك وأصحابه والاوزاعي والليث والشافعي وكذلك كل ما يضبط بالصفة لوصف الله تعالى البقرة في كتابه وصفا يقوم مقام التعيين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ( أخرجه مسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصفة تقوم مقام الرؤية وجعل صلى الله عليه وسلم دية الخطأ في ذمة من أوجبها عليه دينا إلى أجل ولم يجعلها على الحلول وهو يرد قول
454
الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح حيث قالوا : لا يجوز السلم في الحيوان وروي عن بن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة لأن الحيوان لا يوقف على حقيقة صفته من مشي وحركة وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته وسيأتي حكم السلم وشروطه في آخر السورة في آية الدين إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( مسلمة ) أي هي مسلمة ويجوز أن يكون وصفا أي أنها بقرة مسلمة من العرج وسائر العيوب قاله قتادة وأبو العالية ولا يقال : مسلمة من العمل لنفي الله العمل عنها وقال الحسن : يعني سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل قوله تعالى : ( لاشية فيها ) أي ليس فيها لون يخالف معظم لونها هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد كما قال : فاقع لونها وأصل شية وشي حذفت الواو كما حذفت من يشي والأصل يوشي ونظيره الزنة والعدة والصلة والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين وثور موشى : في وجهه وقوائمه سواد قال بن عرفة : الشية اللون ولا يقال لمن نم : واش حتى يغير الكلام ويلونه فيجعله ضروبا ويزين منه ما شاء والوشي : الكثرة ووشي بنو فلان : كثروا ويقال : فرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وغراب أبقع وثور أشيه كل ذلك بمعنى البلقة هكذا نص أهل اللغة وهذه الأوصاف في البقرة سببها في أنهم شددوا فشدد الله عليهم ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم نسأل الله العافية وروي في قصص هذه البقرة روايات تلخيصها : أن رجلا من بني إسرائيل ولد له بن وكانت له عجلة فأرسلها في غيضة وقال : اللهم إني أستودعك هذه العجلة لهذا الصبي ومات الرجل فلما كبر الصبي قالت له أمه وكان برا بها : إن أباك استودع الله عجلة لك فاذهب فخذها فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحشة فجعل يقودها نحو أمه فلقيه بنو إسرائيل ووجدوا بقرة على الصفة التي أمروا بها فساموه فاشتط عليهم وكان قيمتها على
455
ما روي عن عكرمة ثلاثة دنانير فأتوا به موسى عليه السلام وقالوا : إن هذا اشتط علينا فقال لهم : أرضوه في ملكه فاشتروها منه بوزنها مرة قاله عبيدة السدي : بوزنها عشر مرات وقيل : بملء مسكها دنانير وذكر مكي : أن هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض فالله أعلم قوله تعالى : ( قالوا الآن جئت بالحق ) أي بينت الحق قاله قتادة وحكى الأخفش : قالوا الآن قطع ألف الوصل كما يقال : يا ألله وحكى وجها آخر قالوا لان بإثبات الواو نظيره قراءة أهل المدينة وأبي عمرو عادا لولى وقرأ الكوفيون قالوا الآن بالهمز وقراءة أهل المدينة قال لان بتخفيف الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين قال الزجاج : الآن مبني على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد تقول : أنت إلى الآن هنا فالمعنى إلى هذا الوقت فبنيت كما بني هذا وفتحت النون لالتقاء الساكنين وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل قوله تعالى : ( وما كادوا يفعلون ) أجاز سيبويه : كاد أن يفعل تشبيها بعسى وقد تقدم أول السورة وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله وقال القرظي محمد بن كعب : لغلاء ثمنها وقيل : خوفا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم قاله وهب بن منبه
( البقره 72 )
وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ماكنتم تكتمون ) قوله تعالى : ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ) هذا الكلام مقدم على أول القصة التقدير : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقال موسى : إن الله يأمركم بكذا وهذا كقوله : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما أي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ومثله كثير وقد بيناه أول القصة
456
وفي سبب قتله قولان : أحدهما لابنة له حسناء أحب أن يتزوجها بن عمها فمنعه عمه فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك وقيل : ألقاه بين قريتين الثاني قتله طلبا لميراثه فإنه كان فقيرا وادعى قتله على بعض الأسباط قال عكرمة : كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا لكل باب قوم يدخلون منه فوجدوا قتيلا في سبط من الأسباط فادعى هؤلاء على هؤلاء وادعى هؤلاء على هؤلاء ثم أتوا موسى يختصمون إليه فقال : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة الآية ومعنى ادارأتم : اختلفتم وتنازعتم قاله مجاهد وأصله تدارأتم ثم أدغمت التاء في الدال ولا يجوز الابتداء بالمدغم لأنه ساكن فزيد ألف الوصل ( والله مخرج ) ابتداء وخبر ( ما كنتم ) في موضع نصب ب مخرج ويجوز حذف التنوين على الإضافة ( تكتمون ) جملة في موضع خبر كان والعائد محذوف التقدير تكتمونه وعلى القول بأنه قتله طلبا لميراثه لم يرث قاتل عمد من حينئذ قاله عبيدة السلماني قال بن عباس : قتل هذا الرجل عمه ليرثه قال بن عطية : وبمثله جاء شرعنا وحكى مالك رحمه الله في موطئه أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي كانت سبب ألا يرث قاتل ثم ثبت ذلك الأسلام كما ثبت كثيرا من نوازل الجاهلية ولا خلاف بين العلماء انه لا يرث قاتل العمد من الدية ولا من المال إلا فرقة شذت عن الجمهور كلهم أهل بدع ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية في قول مالك والأوزاعي وأبي ثور والشافعي لأنه لا يهتم على أنه قتله ليرثه ويأخذ ماله وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في قول له آخر : لا يرث القاتل عمدا ولا خطأ شيئا من المال ولا من الدية وهو قول شريح وطاوس والشعبي والنخعي ورواه الشعبي عن عمر وعلي وزيد قالوا : لا يرث القاتل عمدا ولا خطأ شيئا وروي عن مجاهد القولان جميعا وقالت طائفة من البصريين : يرث قاتل الخطأ من الدية ومن المال جميعا حكاه أبو عمر وقول مالك أصح على ما يأتي بيانه في آية المواريث إن شاء الله تعالى
457
( البقره 73 )
قوله تعالى : ( فقلنا اضربوا ببعضها ) قيل : باللسان لأنه آلة الكلام وقيل : بعجب الذنب إذ فيه يركب خلق الإنسان وقيل : بالفخذ وقيل : بعظم من عظامها والمقطوع به عضو من أعضائها فلما ضرب به حي وأخبر بقاتله ثم عاد ميتا كما كان مسألة استدل مالك رحمه الله في رواية بن وهب وبن القاسم على صحة القول بالقسامة بقول المقتول : دمي عند فلان أو فلان قتلني ومنعه الشافعي وجمهور العلماء قالوا : وهو الصحيح لأن قول المقتول : دمى عند فلان أو فلان قتلني خبر يحتمل الصدق والكذب ولا خلاف أن دم المدعى عليه معصوم ممنوع إباحته إلا بيقين ولا يقين مع الاحتمال فبطل اعتبار قول المقتول دمى عند فلان وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرا جزما لا يدخله احتمال فافترقا قال بن العربي : المعجزة كانت في إحيائه فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه فلعله أمرهم بالقسامة معه واستبعد ذلك البخاري والشافعي وجماعة من العلماء فقالوا : كيف يقبل قوله في الدم وهو لا يقبل قوله في درهم مسألة اختلف العلماء في الحكم بالقسامة فروي عن سالم وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عيينة التوقف في الحكم بها وإليه مال البخاري لأنه أتى بحديث القسامة في غير موضعه وقال الجمهور : الحكم بالقسامة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم اختلفوا في كيفية الحكم بها فقالت طائفة : يبدأ فيها المدعون بالإيمان فإن حلفوا استحقوا وإن نكلوا حلف المدعي عليهم خمسين يمينا وبرءوا هذا قول أهل المدينة والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور وهو مقتضى حديث حويصة ومحيصة خرجه الأئمة مالك وغيره وذهبت
458
طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدعى عليهم فيحلفون ويبرءون روي هذا عن عمر بن الخطاب والشعبي والنخعي وبه قال الثوري والكوفيون واحتجوا بحديث شعبة بن عبيد عن بشير بن يسار وفيه : فبدأ بالأيمان المدعى عليهم وهم اليهود وبما رواه أبو داود عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم : ( أيحلف منكم خمسون رجلا ( فأبوا فقال للأنصار : ( استحقوا ( فقالوا : نحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية على يهود لأنه وجد بين أظهرهم وبقوله عليه السلام : ( ولكن اليمين على المدعى عليه ( فعينوا قالوا : وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوى الذي نبه الشرع على حكمته بقوله عليه السلام : ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ( رد عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : حديث سعيد بن عبيد في تبدية اليهود وهم عند أهل الحديث وقد أخرجه النسائي وقال : ولم يتابع سعيد في هذه الرواية فيما أعلم وقد أسند حديث بشير عن سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدعين يحيى بن سعيد وبن عيينة وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وعيسى بن حماد وبشر بن المفضل فهؤلاء سبعة وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد قال أبو محمد الأصيلي : فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة مع أن سعيد بن عبيد قال في حديثه : فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من أبل الصدقة والصدقة لا تعطى في الديات ولا يصالح بها عن غير أهلها وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض به الأحاديث الصحاح المتصلة وأجابوا عن التمسك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدماء قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه والحكم بظاهر ذلك يجب إلا أن يخص الله ذلك في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حكما في شيء من الاشياء فيستثنى من جملة هذا الخبر فمما دل عليه الكتاب إلزام القاذف حد المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء يشهدون له على صدق ما رمى به المقذوف وخص
459
من رمى زوجته بأن أسقط عنه الحد إذا شهد أربع شهادات ومما خصته السنة حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة وقد روي بن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ( خرجه الدارقطني وقد احتج مالك لهذه المسألة في موطئه بما فيه كفاية فتأمله هناك مسألة واختلفوا أيضا في وجوب القود بالقسامة فأوجبت طائفة القود بها وهو قول مالك والليث وأحمد وأبي ثور لقوله عليه السلام لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : ( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ( وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلا بالقسامة من بني نضر بن مالك قال الدارقطني : نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة وكذلك أبو عمر بن عبد البر يصحح حديث عمرو بن شعيب ويحتج به وقال البخاري : رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهوية يحتجون به قاله الدارقطني في السنن وقالت طائفة : لا قود بالقسامة وإنما توجب الدية روي هذا عن عمر وبن عباس وهو قول النخعي والحسن وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي وإسحاق واحتجوا بما رواه مالك عن بن ابي ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار : ( إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب ( قالوا : وهذا يدل على الدية لا على القود قالوا : ومعنى قوله عليه السلام : ( وتستحقون دم صاحبكم ( دية دم قتيلكم لأن اليهود ليسوا بأصحاب لهم ومن استحق دية صاحبه فقد استحق دمه لأن الدية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك استحقاقا للدم مسألة الموجب للقسامة اللوث ولا بد منه واللوث : أمارة تغلب على الظن صدق مدعي القتل كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل أو يرى المقتول يتشحط في دمه والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل وقد اختلف في اللوث والقول به فقال مالك : هو قول المقتول دمي عند فلان والشاهد العدل لوث كذا في رواية بن القاسم عنه
460
وروي عن أشهب عن مالك أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة وروى بن وهب أن شهادة النساء لوث وذكر محمد عن بن القاسم أن شهادة المرأتين لوث دون شهادة المرأة الواحدة قال القاضي أبو بكر بن العربي : اختلف في اللوث اختلافا كثيرا مشهور المذهب أنه الشاهد العدل وقال محمد : هو أحب إلي قال : وأخذ به بن القاسم وبن عبد الحكم وروي عن عبد الملك بن مروان : أن المجروح أو المضروب إذا قال دمي عند فلان ومات كانت القسامة وبه قال مالك والليث بن سعد واحتج مالك بقتيل بني إسرائيل أنه قال : قتلنى فلان وقال الشافعي : اللوث الشاهد العدل أو يأتي ببينة وإن لم يكونوا عدولا وأوجب الثوري والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط واستغنوا عن مراعاة قول المقتول وعن الشاهد قالوا : إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر حلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عقله عليهم وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شيء إلا أن تقوم البينة على واحد وقال سفيان : وهذا مما أجمع عليه عندنا وهو قول ضعيف خالفوا فيه أهل العلم ولا سلف لهم فيه وهو مخالف للقرآن والسنة ولأن فيه إلزام العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ولا إقرار منهم وذهب مالك والشافعي إلى أن القتيل إذا وجد في محلة قوم أنه هدر لا يؤخذ به أقرب الناس دارا لأن القتيل قد يقتل ثم يلقى على باب قوم ليلطخوا به فلا يؤاخذ بمثل ذلك حتى تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب القسامة وقد قال عمر بن عبد العزيز : هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي الله فيه يوم القيامة مسألة قال القاسم بن مسعدة قلت للنسائي : لا يقول مالك بالقسامة إلا باللوث فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه قال النسائي : أنزل مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث وأنزل اللوث أو قول الميت بمنزلة العداوة قال بن أبي زيد : وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله الذي ضرب ببعض البقرة فقال : قتلني فلان وبأن العداوة لوث قال الشافعي : ولا نرى قول المقتول لوثا كما تقدم قال الشافعي
461
إذا كان بين قوم وقوم عداوة ظاهرة كالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود ووجد قتيل في أحد الفريقين ولا يخالطهم غيرهم وجبت القسامة فيه مسألة واختلفوا في القتيل يوجد في المحلة التي أكراها أربابها فقال أصحاب الرأي : هو على أهل الخطة وليس على السكان شيء فإن باعوا دورهم ثم وجد قتيل فالدية على المشتري وليس على السكان شيء وإن كان أرباب الدور غيبا وقد أكروا دورهم فالقسامة والدية على أرباب الدور والغيب وليس على السكان الذين وجد القتيل بين أظهرهم شيء ثم رجع يعقوب من بينهم عن هذا القول فقال : القسامة والدية على السكان في الدور وحكى هذا القول عن بن أبي ليلى واحتج بأن أهل خيبر كانوا عمالا سكانا يعملون فوجد القتيل فيهم قال الثوري ونحن نقول : هو على أصحاب الأصل يعني أهل الدور وقال أحمد : القول قول بن أبي ليلى في القسامة لا في الدية وقال الشافعي : وذلك كله سواء ولا عقل ولا قود إلا ببينة تقوم أو ما يوجب القسامة فيقسم الأولياء قال بن المنذر : وهذا أصح مسألة ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينا لقوله عليه السلام في حديث حويصة ومحيصة : ( يقسم خمسين منكم على رجل منهم ( فإن كان المستحقون خمسين حلف كل واحد منهم يمينا واحدة فان كانوا أقل من ذلك أو نكل منهم من لا يجوز عفوه ردت الأيمان عليهم بحسب عددهم ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال لا يحلف فيه الواحد من الرجال ولا النساء يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينا هذا مذهب مالك والليث والثوري والأوزاعي وأحمد وداود وروى مطرف عن مالك أنه لا يحلف مع المدعي عليه أحد ويحلف هم أنفسهم كما لو كانوا واحدا فأكثر خمسين يمينا يبرئون بها أنفسهم وهو قول الشافعي قال الشافعي : لا يقسم إلا وارث كان القتل عمدا أو خطأ ولا يحلف على مال ويستحقه إلا من له الملك لنفسه أو من جعل الله له الملك من الورثة والورثة يقسمون على قدر مواريثهم وبه قال أبو ثور واختاره بن المنذر وهو الصحيح لأن من لم يدع عليه لم يكن له سبب يتوجه عليه فيه يمين ثم مقصود هذه
462
الأيمان البراءة من الدعوى ومن لم يدع عليه بريء وقال مالك في الخطأ : يحلف فيها الواحد من الرجال والنساء فمهما كملت خمسين يمينا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه ومن نكل لم يستحق شيئا فإن جاء من غاب حلف من الإيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه هذا قول مالك المشهور عنه وقد روي عنه أنه لا يرى في الخطأ قسامة وتتميم مسائل القسامة وفروعها وأحكامها مذكور في كتب الفقه والخلاف وفيما ذكرناه كفاية والله الموفق مسألة في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا وقال به طوائف من المتكلمين وقوم من الفقهاء واختاره الكرخي ونص عليه بن بكير القاضي من علمائنا وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : هو الذي تقتضيه أصول مالك ومنازعه في كتبه وإليه مال الشافعي وقد قال الله : فبهداهم اقتده على ما يأتي إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( كذلك يحي الله الموتى ) أي كما أحيا هذا بعد موته كذلك يحيي الله كل من مات فالكاف في موضع نصب لأنه نعت لمصدر محذوف ( ويريكم آياته ) أي علاماته وقدرته ( لعلكم تعقلون ) كي تعقلوا وقد تقدم أي تمتنعون من عصيانه وعقلت نفسي عن كذا أي منعتها منه والمعاقل : الحصون
( البقره 74 )
قوله تعالى : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) القسوة : الصلابة والشدة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى قال أبو العالية وقتادة وغيرهما
463
المراد قلوب جميع بني إسرائيل وقال بن عباس : المراد قلوب ورثة القتيل لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله وقالوا : كذب بعد ما رأوا هذه الآية العظمى فلم يكونوا قط أعمى قلوبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك لكن نفذ حكم الله بقتله روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ( وفي مسند البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( أربعة من الشقاء جمود العين وقساء القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا ( قوله تعالى : ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) أو قيل : هي بمعنى الواو كما قال : آثما أو كفورا الإنسان عذرا أو نذرا وقال الشاعر :
نال الخلافة أو كانت له قدرا
أي وكانت وقيل : هي بمعنى بل كقوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون المعنى بل يزيدون وقال الشاعر :
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
وصورتها أو أنت في العين أملح
أي بل أنت وقيل : معناها الإبهام على المخاطب ومنه قول أبي الأسود الدؤلي :
أحب محمدا حبا شديدا
وعباسا وحمزة أو عليا
فإن يك حبهم رشدا أصبه
ولست بمخطئ إن كان غيا
ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر وإنما قصد الإبهام وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شككت قال : كلا ثم استشهد بقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وقال : أو كان شاكا من أخبر بهذا وقيل : معناها التخيير أي شبهوها بالحجارة
464
تصيبوا أو بأشد من الحجارة تصيبوا وهذا كقول القائل : جالس الحسن أو بن سيرين وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو وقيل : بل هي على بابها من الشك ومعناها عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم : أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى إلى مائة ألف أو يزيدون وقالت فرقة : إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر وفيهم من قلبه أشد من الحجر فالمعنى : هم فرقتان قوله تعالى : ( أو أشد ) أشد مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله كالحجارة لأن المعنى فهي مثل الحجارة أو أشد ويجوز أو أشد بالفتح عطف على الحجارة وقسوة نصب على التمييز وقرأ أبو حيوة قساوة والمعنى واحد قوله تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ) قد تقدم معنى الإنفجار ويشقق أصله يتشقق أدغمت التاء في الشين وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا أو عن الحجارة التي تتشقق وإن لم يجر ماء منفسح وقرأ بن مصرف ينشقق بالنون وقرأ لما يتفجر لما يتشقق بتشديد لما في الموضعين وهي قراءة غير متجهة وقرأ مالك بن دينار ينفجر بالنون وكسر الجيم قال قتادة : عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم قال أبو حاتم : يجوز لما تتفجر بالتاء ولا يجوز لما تتشقق بالتاء لأنه إذا قال تتفجر أنثه بتأنيث الأنهار وهذا لا يكون في تشقق قال النحاس : يجوز ما أنكره على المعنى لأن المعنى وإن منها لحجارة تتشقق وأما يشقق فمحمول على لفظ ما والشق واحد الشقوق فهو في الأصل مصدر تقول : بيد فلان ورجليه شقوق ولا تقل : شقاق إنما الشقاق داء يكون بالدواب وهو تشقق يصيب أرساغها وربما ارتفع إلى وظيفها عن يعقوب والشق : الصبح وما في قوله
465
لما يتفجر في موضع نصب لأنها اسم إن واللام للتأكيد منه على لفظ ما ويجوز منها على المعنى وكذلك وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وقرأ قتادة وإن في الموضعين مخففة من القيلة قوله تعالى : ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) يقول : إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم لخروج الماء منها وترديها قال مجاهد : ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله نزل بذلك القرآن الكريم ومثله عن بن جريج وقال بعض المتكلمين في قوله : وإن منها لما يهبط من خشية الله : البرد الهابط من السحاب وقيل لفظة الهبوط مجاز وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها وتخشع بالنظر إليها أضيف تواضع الناظر إليها كما قالت العرب : ناقة تاجرة أي تبعث من يراها على شرائها وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله : يريد أن ينقض وكما قال زيد الخيل :
لما أتى خبر الزبير تواضعت
سور المدينة والجبال الخشع
وذكر بن بحر أن الضمير في قوله تعالى : وإن منها راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة أي من القلوب لما يخضع من خشية الله قلت : كل ما قيل يحتمله اللفظ والأول صحيح فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب فلما تحول عنه حن وثبت عنه أنه قال : ( إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية
466
إني لأعرفه الآن ( وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قال لي ثبير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله ( فناداه حراء : إلي يا رسول الله وفي التنزيل : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية وقال : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله الحشر يعني تذللا وخضوعا وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة سبحان إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وما الله بغافل عما تعملون ) بغافل في موضع نصب على لغة أهل الحجاز وعلى لغة تميم في موضع رفع والياء توكيد عما تعملون أي عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة ولا تحتاج ما إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي فيحذف العائد لطول الاسم أي عن الذي تعملونه وقرأ بن كثير يعملون بالياء والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام