ــــــــــــــــــــــــ
ذهب المشهور إلى عدم حجّية قول المنجّم في رؤية الهلال مستدلّين بأنّ النصوص تركّز على ثبوته من خلال الطرق المتقدمة من الرؤية والبيّنة والشياع وعدّالثلاثين، والثبوت بغيرها يحتاج إلى الدليل، مضافاً إلى أنّ قوله لا يفيد إلاّ الظن ولا دليل على حجّيته في المقام.
قال صاحب الحدائق: الجدول حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر واجتماعه بالشمس، ولا ريب في عدم اعتباره، لاستفاضة الروايات على أنّ الطريق إلى ثبوت دخول الشهر إمّا الرؤية، أو مضي ثلاثين يوماً من الشهر المتقدّم، وحكى الشيخ في الخلاف عن شاذ منّا العملَ بالجدول، ونقله في المنتهى عن بعض الجمهور تمسّكاً بقوله تعالى: (وَ بالنَّجْم هُمْ يَهْتَدُون) (1)، وبأنّ الكواكب والمنازل يُرجع إليها في القبلة والأوقات، وهي أُمور شرعية فكذا هنا.
ثمّ أجاب عن الاستدلال وقال: إنّ الاهتداء بالنجم يتحقّق بمعرفة الطرق و مسالك البلدان وتعرّف الأوقات، والذي يرجع إليه في الوقت والقبلة مشاهدة النجم لا ظنون أهل التنجيم الكاذبة في كثير من الأوقات، قال في التذكرة: وقد شدّد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ النهي عن سماع كلام المنجم حتى قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من صدّق كاهناً أو منجّماً فهو كافر بما أنزلاللّه على محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)=
ــــــــــــــــــــــــــــ= أقول: أمّا الاستدلال على حجّية قول المنجم بالآية المباركة فغريب جداً، فأين الاهتداء بالنجم المرئي من حدس المنجم وأخباره حسب القواعد والجداول؟!
كما أنّ الاستدلال على ردّ قوله بالحديث النبوي أيضاً من الغرابة بمكان، لأنّ الحديث ناظر إلى تصديق قوله في ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية، فأين هذا من إثبات الهلال و استنباطه؟!
فكلا الاستدلالين لا يخلوان من إفراط وتفريط، والذي يمكن أن يقال : إنّ علم النجوم في مصطلح القدماء هو العلم بآثار حلول الكواكب في البروج والدرجات وآثار مقارناتها وسائر أنوارها. والتنجيم هو الحكم بمقتضى تلك الآثار، وهذا هو الذي طرحه الفقهاء في المكاسب المحرمة، وأساسها يرجع إلى تأثير الأوضاع العلوية في الحوادث السفلية بصورها المختلفة.
وقد عرّفه صاحب جامع المقاصد، وقال: التنجيم عبارة عن الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية.
ثمّ القول بالتأثير يتصور على أقسام ستة:
أ: انّ الأفلاك و ما فيها من النجوم مؤثرات بذواتها بالاستقلال.
ب: انّها حيّة مؤثرة بذواتها بالشركة.
ج: انّها مؤثرة بكيفيتها وخاصتها.
د: انّها مؤثرة بحركاتها وأوضاعها.
هـ: أن يكون ا ستناد الأفعال إليها، بمعنى انّ اللّه تعالى أجرى عادته على أنّها إذا كانت على شكل مخصوص يفعل ما ينسب إليها ويكون الربط نفس الربط الموجود في الأدوية والأغذية. =
= و: أن يكون ربط الحركات بالحوادث من قبيل ربط الكاشف بالمكشوف.(1)
هذا هو علم النجوم في مصلح القدماء والتنجيم هو استنباط الأحكام والإخبار بها.
وأمّا علم النجوم في مصطلح اليوم فهو عبارة عن حساب حركة الشمس والإخبار عن أوائل الشهور الرومية والفارسية، ورصد حركات القمر وسائر النجوم وما شابه ذلك، فأين هذا المعنى من علم النجوم بالنسبة إلى المعنى السابق؟!
وربما يطلق على ذلك علم الجدول، ويطلق على أهله الحُسّاب، وقد تشعب علم النجوم إلى شعب مختلفة، ومن تلك الشعب هو التعرّف على ماهيات النجوم، وكيفية تكوّنها وولادتها وانحلالها وموتها وفواصلها وهذا علم يدرس في المعاهد والكليات .
وربما يقال: بأنّ المنجمين وأصحاب الجداول لا يثبتون أوّل الشهر بمعنى جواز الرؤية، بل بمعنى تأخر القمر عن محاذاة الشمس مع اعترافهم بأنّه قد لا يمكن الرؤية.
يلاحظ عليه: أنّ الموجود ما بأيدينا من التقاويم من المنجمين لا يقتصر على تأخر القمر عن المحاذاة،بل يخبر عن خروجه عن تحت الشعاع ومقدار بعده عنها ثمّ يحكمون بإمكان الرؤية ووقوعها.
وعلى ذلك فما ورد من الروايات في ذم علم النجوم والمنجم وعدم الاعتداد بأخبارهم إنّما يرجع إلى علم النجوم في مصطلح القدماء، ولا صلة له بما يسمى بعلم النجوم في عصرنا هذا، وهو علم ذو قواعد رصينة مبنية على حسابات رياضية قلّما تخطأ، ولذلك نأخذ بها في تعيين وقت الخسوف والكسوف ودخول الأوقات ومحاذاة القبلة والعرض الجغرافي للبلد وطوله.
إذا عرفت ذلك، إذا اتّفق المنجمون في أغلب أصقاع العالم على عدم خروج =
ــــــــــــــــــــــــــــوبالجملة : إذا لم تساعد الأدلة على الأخذ بقول المنجمين في ثبوت الهلال ولكن اتّفاقهم على عدم إمكان الرؤية يصدُّنا عن الأخذ ببعض الظنون والحجج أمام اتّفاقهم على الخلاف، فما يتراءى في هذه الفترات الأخيرة رفض اتفاق علماء النجوم في عدم إمكان الرؤية والحكم بادّعاء رؤية البعض مع كون السماء غيماً في غالب البلدان أو السماء صاحية وقلّ مدّعو الرؤية، فهو على خلاف الاحتياط.
ولا بغيبوبة الشفق في اللّيلة الأُخرى.*
ــــــــــــــــــــــــ
يريد أنّ علوَّ الهلال و بقاءه في السماء إلى أن يغيب الشفق لا يكون أمارة على أنّه لليلتين، ولا غيبوبته قبل الشفق دليلاً على أنّه لليلة.
ذهب الصدوق إلى اعتبارها وقال: «واعلم أنّ الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإذا رُئي الرأس فهو لثلاث ليال.(1)
وذهب الشيخ إلى عدم اعتبارها، لأنّها تختلف باختلاف المطالع والعروض.(2)
احتجّ الصدوق بما رواه إسماعيل بن الحسن(بحر) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو ليلتين».
و رواه الكليني بسند صحيح إليالصلتالخزاز.
والروايتان ضعيفتان، لأنّ إسماعيل بن الحسن(بحر) والصلت الخزاز مجهولان، واحتمل السيد الخوئي تبعاً لنسخ الكتب الثلاثة: الكافي والفقيه والتهذيب، انّ الصحيح إسماعيل بن الحرّ مكان لفظة «بحر» في الوسائل«فلا الحسن صحيح ولا بحر».
على أنّ الرواية معارضة بصحيحة أبي علي بن راشد الصريحة في عدم العبرة بالغيبوبة.
قال: كتب إليَّ أبو الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ كتاباً وأرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم شكّ، وصام أهل =
ــــــــــــــــــــــــــــوهذه الصحيحة هي الحجّة المعتبرة دون الخبرين الماضيين، وفي صورة المعارضة يرجع إلى العمومات، وهو عدم ثبوت الهلال إلاّ من خلال الرؤية أو ما قام مقامها.
وأمّا حسب الاعتبار، فلأنّ البقاء في الأُفق طويلاً، لا يكشف عن تولّد الهلال قبل أربع وعشرين ساعة ليكون هو من الليلة السابقة، بل يكفي في ذلك تولّد الهلال قبل فترة طويلة لا حين الغروب، فيبقى في الأُفق طويلاً.
ــــــــــــــــــــــــــــولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال فلا يحكم بكون ذلك اليوم أوّل الشهر.*
ــــــــــــــــــــــــ
*3. الهلال والرؤية يوم الثلاثين قبل الزوال
قد تتفق رؤية الهلال في النهار تارة قبل الزوال وأُخرى بعده، وأمّا الرؤية قبل الغروب فكثيرة جداً، فإذا شوهد بعد الزوال فليس أمارة على أنّ اليوم أوّل الشهر، إنّما الكلام إذا رُئي قبل الزوال، فهل يكون أمارة على أنّه أوّل الشهر أو لا؟ فيه خلاف.
وقال السيّد المرتضى في المسائل الناصرية لمّا ذكر قول الناصر انّه إذا رُئي الهلال قبل الزوال، فهو للّيلة الماضية: هذا صحيح وهو مذهبنا.(1)
وقال الشيخ : إذا رُئي الهلال قبل الزوال أو بعده فهو للّيلة المستقبلة دون الماضية، وبه قال جميع الفقهاء، وذهب قوم من أصحابنا إلى أنّه ان رُُئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن رُئي بعده فهو لليلة المستقبلة، وبه قال أبو يوسف.(2)
وفصّل العلاّمة، وقال: الأقرب اعتبار ذلك في الصوم دون الفطر، محتجاً بأنّه أحوط للعبادة، فكان أولى.(3)
ومال إلى هذا القول، المحدّث الكاشاني في «الوافي» و«المفاتيح»، والفاضل الخراساني في «الذخيرة»، وتردّد المحقّق في «المعتبر» و«النافع» والمحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد ولكن المشهور بين الأصحاب عدم الاعتبار.(4)
والثبوت خيرة المحقّق الخوئي في «المستند».(5)=
ــــــــــــــــــــــــــــ= وقبل الخوض في سرد الروايات نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي:
إنّه إذا ساقتنا الأدلّة إلى الأخذ بهذا التفصيل لا يكون مخالفاً لما تضافر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ من أنّ الصوم والإفطار للرؤية الظاهرة في رؤية الهلال بالليل.
وذلك لأنّ الرؤية قبل الزوال تكون أمارة على خروج الهلال عن تحت الشعاع و تكوّنها في الليل ووجوده فيه وصلاحيته للرؤية في الليلة السابقة، فلا جرم يكون اليوم هو أوّل الشهر.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه يدل على ذلك التفصيل روايتان:
1. صحيحة حماد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال، فهو للّيلة المستقبلة».(1)
2. موثقة عبيد بن زرارة وعبد اللّه بن بكير، قالا: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رُئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رُئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان».(2)
والروايتان لا غبار عليهما في الدلالة والسند، إنّما الإشكال في وقوع الرؤية قبل الزوال، إذ لم نره طيلة عمرنا ولا سمعنا به من ثقة.
نعم يمكن رؤية الهلال قبل المغرب بساعة أو نصف ساعة، وأمّا الرؤية قبل الزوال الكاشف عن خروجه تحت الشعاع في الليلة الماضية وقت المغرب، فهو أمر نادر لم نسمع به، وعلى فرض وقوعه، فالروايتان حجتان ولم يثبت الاعراض لما وقفت من عمل الصدوق به وغيره.=
ــــــــــــــــــــــــــــ= إنّما الكلام في الروايات المعارضة، فهي على أصناف ثلاثة:
1 .ما يدل على عدم الاعتبار برؤية الهلال في النهار من غير تقييد بشيء، نظير:
أ: ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن جراح المدائني، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«من رأى هلال شوّال بنهار في شهر رمضان، فليتمّ صيامه».(1)
ب: ما رواه العياشي في تفسيره عن القاسم بن سليمان، عن جرّاح، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «قال اللّهو (أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيل)(2) يعني صوم رمضان، فمن رأى الهلال بالنهار فليتم صومه».(3)
2. ما يدل على عدم الاعتبار برؤية الهلال في وسط النهار، نظير:
أ: ما رواه الشيخ في «التهذيب» والصدوق في «من لا يحضره الفقيه» في الصحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: قال أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلاّمن وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل».(4)
ب: موثّقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: «لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه. وإذا رأيته من وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل».(5)
و سنذكر الصنف الثالث بعد دراسة هذين الصنفين. =
ــــــــــــــــــــــــــــ= أقول: إنّ الصنف الأوّل مضافاً إلى الضعف في اسنادهماـ فانّ قاسم بن سليمان وجرّاح المدائني لم يوثّقا، وإن وردا في اسناد كامل الزيارات وتفسير القمي، وذكرهما النجاشي والطوسي ولم يوثّقاهما ـ فإنّ مضمونهما مطلق يمكن تقييدها بما في الصحيحة والموثّقة، وحمل الأمر بإتمام الصوم بما إذا رُئي بعد الزوال.
وأمّا الصنف الثاني فإنّما يصح الاستدلال في صورتين:
الأُولى: أن يكون مبدأ النهار، هو الفجر وآخره غروب الشمس فيكون وسط النهار، هو الساعة الحادية عشرة والربع(15/11)، و لكن تفسير النهار بهذا المعنى لا يساعده العرف ولا اللغة حيث إنّهما جعلامبدأ النهار هو مطلع الشمس. ونهايته مغربها، و يدل ّ على ذلك انّه سبحانه وصف النهار بقوله:(مبصراً) قال: (وَالنّهارَ مُبْصِراً)(1)، و قال تعالى: (وَجَعَلْنا آيةَ النّهارِ مُبْصِرَة) (2).
الثانية: يكون المبدأ هو مطلع الشمس ولكن المراد من وسط النهار، هو المعنى العرفي الذي يُتسامح في إطلاقه فيعمُّ لما قبل الزوال بنصف ساعة أو ساعة.
وأمّا إذا حمل على المعنى الدقيق: الحدّ الوسط بين مطلع الشمس ومغربها، فيدل على عدم الثبوت إذا رُئي حين الزوال وبعده، فلا يخالف ما دلّ على ثبوته بما إذا رُئي قبل الزوال.
وأمّا الصنف الثالث، فهي رواية واحدة نقلت مضطربة حيث يصحّ بها الاستدلال على كلا القولين حسب اختلاف المضمون.
فرواه الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن عيسى بالنحو التالي:=
ــــــــــــــــــــــــــــ= قال: كتبت إليه ـ عليه السَّلام ـ ، جعلت فداك، ربما غُمَّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلالَ قبل الزوال، و ربّما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نُفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ : «تُتمّ إلى الليل، فانّه إن كان تاماً رُئي قبل الزوال».(1)
وروي هذا الخبر في الاستبصار بالنحو التالي: «ربما غُمّ علينا الهلال في شهر رمضان» .
أقول: تجب دراسة الحديث سنداً و دلالة.
أمّا السند: روى الشيخ في «التهذيب» الحديث بالسند التالي:
علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى.
والأخيران ثقتان بلا كلام، وأمّا علي بن حاتم، قال النجاشي : علي بن أبي سهل حاتم بن أبي حاتم القزويني، ثقة في نفسه، من أصحابنا، يروي عن الضعفاء، سمع فأكثر، و صنّف كتباً.
قال الطوسي: له كتب كثيرة جيدة معتمدة نحواً من ثلاثين كتاباً.
وقال في رجاله: يكنَّى أبا الحسن، ثقة ، له تصانيف. وهو من مشايخ الصدوق.
وأمّا محمد بن جعفر فهو محمد بن جعفر، المؤدِّب، المعروف بابن بطّة، قال النجاشي: كان كبير المنزلة بقم، كثير الأدب والفضل و العلم، يتساهل في الحديث ويعلّق الأسانيد بالإجازات.
وعلى كلّ تقدير فالرواية صحيحة.=
ــــــــــــــــــــــــــــ= وأمّا الدلالة: فعلى ما نقله في التهذيب(1)، يكون مفاده مطابقاً للصحيحة والموثّقة، وتدلّ على كشف الرؤية قبل الزوال، عن كون اليوم أوّل الشهر، وذلك لأنّه قال:«غُمّ علينا هلال شهر رمضان»، فيكون السؤال عن رؤية الهلال في يوم الشك من رمضان قبل الزوال، فعندئذ يجب تفسير جملتين واقعتين بعده.
الأُولى: للراوي، وهي: «فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأينا أم لا».
وهذا السؤال لا يترتب على السؤال الأوّل، لأنّه إذا كان السؤال عن هلال شهر رمضان وانّه ربما خفى عليهم بغيم فرُئي من الغد قبل الزوال...، كان الأنسب بل اللازم السؤال عن صيامه واحتسابه من رمضان لا عن إفطاره وعدمه، وهذا يدل على سقم النسخة.
وبذلك اعترف المحدّث الكاشاني في «الوافي» أيضاً، فقال بعد نقل الخبر المذكور برواية التهذيب: بيان: هكذا وجدنا الحديث في نسخ التهذيب، وفي الاستبصار«ربما غم علينا الهلال من شهر رمضان» وهو الصواب، لأنّه على نسخة التهذيب لا يستقيم المعنى إلاّ بتكلّف.(2)
الثانية : للإمام، وهي: «تتم إلى الليل، فانّه إن كان تاماً، رُئي قبل الزوال» ، فإذا كان السؤال عن هلال شهر رمضان مع قطع النظر عن عدم الانسجام السابق، يكون معناه:
إنّ هذا اليوم أوّل يوم شهر رمضان وانّ هذا الشهر تامّ ثلاثون يوماً، وذلك لأنّه إذا كان الشهر تاماً يُرى هلاله ـ مضافاً إلى رؤيته غروب أمس الدابر ـ يُرى في اليوم الأوّل قبل الزوال بخلاف ما إذا كان تسعة وعشرين يوماً، فلا يرى هلاله إلاّ بعد الزوال =
ــــــــــــــــــــــــــــوأمّا على نسخة الاستبصار انّه «ربما غمّ علينا الهلال في شهر رمضان» فيكون السؤال عن هلال شهر شوال ورؤية الهلال في يوم الشك قبل الزوال، فصحّ للراوي السؤال عن الإفطار بعد كون الحكم الشرعي ـ مع قطع النظر عن الرؤية قبل الزوال ـ هو حرمة الإفطار أخذاً بقوله: «صم للرؤية وأفطر للرؤية»، فأجاب الإمام بأنّه لا يعتدّ بتلك الرؤية ولا يجعله دليلاً على أنّ اليوم أوّل شوال، وذلك لأنّه إذا كان الشهر تاماً ربما يمكن أن يُرى هلاله قبل الزوال، أي هلال الشهر الآتي، فلا دلالة على كون اليوم، أوّل يوم من شوال. وتكون الرواية مخالفة للصحيحة والموثّقة.
إلى هنا تمّت دراسة الأصناف الثلاثة، و بقيت هنا رواية رواهاصاحب الدعائم عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إذا رأيتم الهلال أو رآه ذوا عدل منكم نهاراً فلا تفطروا حتى تغرب الشمس، كان ذلك في أوّل النهار أو في آخره. وقال: لا تفطروا إلاّ لتمام ثلاثين يوماً من رؤية الهلال أو بشهادة عدلين أنّهما رأياه».(1) فهو غير قابل للتقييد والتخصيص، ولذلك لابدّ من علاجه بوجه آخر كضعف السند إذ لا يحتج بمثله .
وصناعة الاجتهاد تقتضي تقديم الصحيحة والموثّقة لصحة سندهما وإتقان دلالتهما. وانتفاء احتمال التقية لما عرفت من اتّفاق العامة إلاّ أبا يوسف على خلاف ما ورد فيها، كما عرفت من الخلاف. وأمّا الطائفة المعارضة، فبين مطلق قابل للتقييد كالصنف الأوّل ـ مضافاً إلى ما عرفت من التساهل في راويا الحديث ـ إلى مبهم قابل للحمل إلى ما بعد الزوال، كالصنف الثاني، إلى مضطرب في المتن، لم يعلم الصحيح منه كصحيح أبي عيسى. وبذلك يرجّح الأوّليان على هذه الأصناف. وأمّا الاعراض فلم =
ــــــــــــــــــــــــــــولا بغير ذلك ممّا يفيد الظنّ ولو كان قويّاً إلاّ للأسير والمحبوس*
ــــــــــــــــــــــــ
= يثبت، لما عرفت من العامل بها بين القدماء والمتأخرين.والذي يسهل الخطب انّ رؤية الهلال قبل الزوال أمر غير واقع إلاّنادراً لم نسمع به لحد الآن في زماننا، بل انّ هذا الأمر غير محتمل عادة، فانّ الهلال الضئيل الذي يظهر في أوّل الشهر أو آخره لا يمكن أن يرى في النهار لضعف ضوئه تجاه ضوء الشمس.
فالبحث فيه، بحث في أمر نادر جداً.
*بقيت هنا أمارات ظنيّة تعرض إليها الفقهاء في كتبهم وأشار إليها المصنّف بلا تفصيل، وهي عبارة عن الأُمور التالية:
1. التطويق أمارة انّه لليلتين.
2. رؤية ظل الرأس أمارة انّه لثلاث ليال.
3.العدد و هو عدّ شعبان ناقصاً أبداً وشهر رمضان تاماً أبداً.
4. عد خمسة أيام من أوّل الهلال من السنة الماضية فجعل اليوم الخامس أوّل شهر رمضان.
5. عدُّ ستين يوماً من أوّل رجب وجعل اليوم الستين أوّل رمضان.
وإليك دراسة الكل واحداً بعد الآخر.=
التطويق عبارة عن إحاطة النور أطراف القمر كطوق محيط به، فربما يجعل أمارة على كونه لليلتين، فيحكم بأنّ السابقة هي الليلة الأُولى وإن لم يُر الهلال فيها.
وإليك توضيحه بالنحو التالي:
إنّ الهلال إذا وُجد ولم يقترب نحو التربيع كما في الليلتين: الثانية والثالثة فانّ له شكلين من النور.
الأوّل: النور الأساسي هو الذي يشكِّل الهلال نفسه، ويكون عادة منحرفاً إلى الشمال في الأسفل وزاويته إلى الأعلى، ويكون الجرم الأسود للهلال ممكن الرؤية أيضاً.
الثاني: انّ هذا الجرم الأسود محاط من الجانب الآخر لنور الهلال بخيط رفيع من النور وخفيف إلى حدّ يبدو ثمّ يختفي ثمّ يبدو ثمّ يختفي و قلّما يوجد بشكل واضح مستمر.
فهذان الشكلان من النور لو جمعنا بينهما في الفكرة كان الحاصل انّ الجرم الأسود واقع في وسط دائرة من النور تشبه الطوق حوله، ومن هنا سُمّي القمر مطوقاً وسميت الظاهرة بالتطويق.
وهناك فروق بين الشكلين:
الفرق الأوّل: انّ نور الهلال عريض نسبيّاً بينما انّ نور التطويق من فوق ضئيل جداً.
الفرق الثاني: انّ نور الهلال ثابت، ونور التطويق يختفي ثمّ يظهر باستواء غالباً.=
= الفرق الثالث: انّ نور الهلال ينمو و يزداد، بينما نور التطويق لا ينمو ولكنك تراه في الليالي المتقدمة كالخامسة والسابعة زائلاً تماماً.
الفرق الرابع: انّ نور الهلال ذو زاويتين حادّتين في جانبيه مرتفعتين عن الوسط قليلاً بينما نور التطويق خط مستقيم ليس فيه زيادة ولا نقصان، يعني ليس بعض جوانبه أكثر سمكاً من بعض.
ومن الطريف انّ هذا التطويق غير موجود في الليلة الأُولى ولكن يُبدأ وجوده من الليلة الثانية عامة، و من هنا يقال: إذا تطوّق الهلال فهو لليلتين ويستمر موجوداً لليلتين أو ثلاث.
كما أنّ التطويق لا يُرى في النهار لا من أجل سيطرة نور الشمس عليه، بل لأنّ القمر أساساً لا يبدو في النهار إلاّفي أواسط الشهر حيث يكون التطويق زائلاً.
كما أنّ من الطريف انّ هذا التطويق لا وجود له في آخر الشهر حين يعود القمر هلالاً مرة ثانية.
وهذا هو التطويق وهذه سماته وعلائمه.(1)
وعلى كلّ تقدير فقد ذهب إلى هذا القول الشيخ الصدوق في الفقيه، لأنّه أورد الحديث الدال عليه وقد أوعز في مقدمة الكتاب بأنّه ما يورد إلاّ ما يفتي به.
وجعله الشيخ أمارة على دخول الشهر فيما إذا كان في السماء علّة من غيم و ما يجري مجراه، فجاز حينئذ اعتباره، وأمّا مع زوال العلّة وكون السماء مصحية فلا تعتبر هذه الأشياء.(2)
وقد مال إليه الفاضل الخراساني في «الذخيرة» ومستند الجميع ما رواه الشيخ في=
ــــــــــــــــــــــــــــعن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن مرازم، عن أبيه، عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا تطوّق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فهو لثلاث».
وقد رواه الكليني بالسند التالي:
أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد مثل السند السابق.(1)
وسند الحديث صحيح على كلا الطريقين.
أمّا طريق الشيخ: فسعد بن عبد اللّه، ثقة جليل.
ويعقوب بن يزيد بن حماد الأنباري يصفه النجاشي، بقوله: روى عن أبي جعفر الثاني، وانتقل إلى بغداد، و كان ثقة صدوقاً، له كتب.
وأمّا محمد بن مُرازم، يقول النجاشي: الساباطي، الأزدي، ثقة.
وأمّا أبوه مُرازم بن حكيم، قال النجاشي: الأزدي المدائني، مولى، ثقة.
وأمّا سند الكليني: فيرويه عن أحمد بن إدريس، المكنَّى بأبي علي الأشعري(المتوفّى عام 306هـ) وهو يروي عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمي، أبو جعفر، قال النجاشي: كان ثقة في الحديث. وباقي السند مشترك بين السندين.
وعلى كلّ حال فالرواية صحيحة، فما في الجواهر(2) ناقلاً عن التذكرة من منع صحّة الحديث، غير صحيح.
وقد أورد على الاستدلال بوجوه:
الأوّل: إعراض الأصحاب عن الإفتاء بمضمونه، ولكنّه غير ثابت لفتوى =
ــــــــــــــــــــــــــــالثاني: انّه معارض لما دلّ على أنّ الصوم والإفطار رهن الرؤية.
يلاحظ عليه: بأنّ ما دلّ على أنّهما رهن الرؤية لا يزيد عن كونه مطلقاً قابلاً للتقييد، أو عامّاً قابلاً للتخصيص، فلا يعد مثل ذلك معارضاً.
الثالث: انّ الحديث يعارض ما دلّ على أنّ الإفطار في اليوم المشكوك فيه لا يوجب القضاء إلاّ إذا قامت البيّنة على الرؤية، و بمقتضى اعتبار التطوق انّه متى أفطر يوم الشك، ورُئي في الليلة الثانية متطوّقاً، فانّه يجب القضاء بمقتضى هذه الرواية مع أنّ الروايات الصحاح الصراح قد استفاضت بأنّه لا يقضى إلاّإذا قامت البيّنة بالرؤية وإلاّفلا.(1)
يلاحظ عليه: بمثل ما سلف، فانّ ما دلّ على أنّ القضاء بالبيّنة لا يعدو عن كونه مطلقاً أو عاماً قابلاً للتقييد والتخصيص.
الرابع: انّ ظاهر كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ في الرواية أنّه يُدلّ السامع إلى قاعدة تكوينية وليس قاعدة تشريعية، تكون كالمساعدة في استكشاف عدد الأيام ولا شكّ في كونها مساعدة في ذلك، إذ لو حصل الوثوق بالعدد نتيجة التطويق كان ذلك حجّة ، ولا صلة لها بالحكم الشرعي التعبدي.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذُكر يترتب عليه الصوم والإفطار ترتب الحكم على الموضوع وإن لم يكن الإمام بصدد بيان الحكم الشرعي.
وهذا الجواب يشبه ما ذكره صاحب المستند في المقام و نظيره(غيبوبة الهلال عند الشفق)، حيث قال: إنّ هذه الأحوال تدلّ على أنّ الليلة السابقة كانت ذات هلال و =
ــــــــــــــــــــــــــــيلاحظ عليه: أنّه احتمال ضعيف، فانّ هدف السائل والمجيب إنّما هو تعيين أوّل الشهر لأجل غايات شرعية، ومنه وجوب الصوم أو الفطر، لا غايات عرفية كحلول أجل الدين أو الإجارة.
نعم، بما انّ الرواية ظاهرة في كون التطويق أمارة على كون الهلال ابن ليلتين،يجب العمل وفقها تحت شرائط خاصة.
الأوّل: إذا لم يثبت بالمناظير عدم وجود الهلال بالمرّة في الليلة السابقة، وإلاّفلا يكون دليلاً على كون الهلال ابن ليلتين.
الثاني: أن لا يترتب عليه ما هو مخالف لما ثبت بالرؤية أو بالبيّنة، كما إذا كان التطويق دليلاً على كونه لليلتين ملازماً لاعتبار الشهر السابق ثماني وعشرين يوماً، فانّ لازم ذلك تعارض البيّنتين والأخذ بإحداهما بلا وجه.
الثالث: إنّما يؤخذ بمقتضى هذه الأمارة إذا لم تعارضه أمارة أُخرى، كما إذا كان الجو صاحياً وكثر الاستهلال ولم يره أحد، فانّه أمارة على عدم وجود الهلال في تلك الليلة، فلو خرج الهلال في الليلة القادمة مطوقاً، يقع التعارض بين العلامتين.
فخرجنا بتلك النتيجة على أنّ التطويق أمارة على وجود الهلال في الليلة الماضية إذا لم تعارضها أمارة أُخرى.
وأمّا حكم الأسير والمحبوس الذي أشار المصنّف إليهما في المقام فسيوافيك الكلام فيهما في المسألة 8، فانتظر.=
ــــــــــــــــــــــــــــمن العلائم الواردة في صحيح ابن مرازم أن يكون له ظلّ بحيث يَرى الإنسان ظلَّ رأسه فيه، فيكون دليلاً على أنّه ابن ثلاث ليال، قال: «إذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث».(1)
وهل للهلال في الليلة الثالثة مثل هذا الظلّ الذي يرى الإنسان فيه ظلَّ رأسه؟! وهل هي علامة دائمة؟ وهل الظلّ المشاهد لمجموع البدن، أو لخصوص الرأس إذا أدبر على الهلال مع انحناء رأسه إلى الامام؟ والظاهر انّه للمجموع.
ذهب الصدوق في «الفقيه» إلى أنّ شهر رمضان تامّ لا ينقص أبداً كما أنّ شهر شعبان ناقص دائماً، لنصوص دلّت على ذلك، أكثرها مروية عن حذيفة بن منصور، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص واللّه أبداً».(2)
قال الصدوق بعد نقل ما يدل عليه: مَن خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ضدها، اُتّقي كما يُتّقى العامة ولا يكلّم إلاّ بالتقية كائناً من كان ، إلاّ أن يكون مسترشداً فيرشد و يبيّن له، فانّ البدعة إنّما تماث وتبطل بترك ذكرها ولا قوة إلاّ =
ــــــــــــــــــــــــــــ