وهناك ما يدلّ على التخيير بين المتابعة والموالاة.
أ:ما كتبه الرضا إلى المأمون، قال: «وإن قضيت فوائت شهر رمضان متفرّقاً أجزأ».(1)
وهذا الحديث لا ينافي استحباب المتابعة.
ب: ما رواه سماعة، قال: سألته عمّن يقضي شهر رمضان منقطعاً؟قال: «إذا حفظ أيّامه فلا بأس».(2)
وهو أيضاً لا ينافي استحباب المتابعة.
ج: ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري انّه سأل أبا الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان، أيقضيها متفرقة؟ قال: «لا بأس بتفرقة قضاء شهر رمضان، إنّما الصيام الذي لا يفرّق صوم كفّارة الظهار، وكفّارة الدم، وكفّارة اليمين».(3) وهو أيضاً كسابقيه لا ينافي استحباب المتابعة.
إلى هنا تمّ ما يدلّ على أفضلية المتابعة أو ما لا يخالفه.
بقي هناك ما يخالف قول المشهور، وهناك روايتان تخالفان بظاهرها قول المشهور.
الأُولى: ما رواها علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ قال: سألته عمّن كان عليه يومان من شهر رمضان كيف يقضيهما؟ قال: «يفصل بينهما بيوم، وإن كان أكثر من ذلك فليقضها متوالياً».(4)
وقد ترك الأصحاب العمل به. =
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 8: لا يجب تعيين الأيّام فلو كان عليه أيّام فصام بعددها كفى وإن لم يعيّن الأوّل والثاني وهكذا، بل لا يجب الترتيب أيضاً فلو نوى الوسط أو الأخير تعيّن ويترتّب عليه أثره.*
ــــــــــــــــــــــــ
= الثانية: ما يظهر من رواية عمّـار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل تكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال:«إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوماً، وإن كان عليه خمسة أيّام فليفطر بينها أيّاماً، وليس له أن يصوم أكثر من ستة (ثمانية) أيّام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوماً».(1)
وقد أفتى بمضمونها المفيد في مقنعته مع تصرّفات في الرواية، قال: و قد روي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، أنّه إذا كان عليه يومان فَصَلَ بينهما بيوم، وكذا إذا كان عليه خمسة أيّام وما زاد، فإن كان عليه عشرة أو أكثر تابع بين الثمانية الأيّام إن شاء ثمّ فرق الباقي.(2)
فقد أسقط المفيد الفقرة التالية: «وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيّام متوالية» كما تصرّف أيضاً في بعض فقراتها، ولكن الرواية غير صالحة للاحتجاج، لما ذكره الشيخ من أنّ الأصحاب لا يعملون بمنفردات عمّار بن موسى الساباطي لضعفه في الحفظ والتأدية.
وقال المحدّث البحراني بعد نقل هذا الحديث: إنّه غريب كما هو الحال في كثير من أخبار عمّار.(3)
* قد تقدم انّ لقضاء شهر رمضان أحكاماً:
1. الفورية وعدمها. =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 2. التتابع وعدمه.
وقد مضى الكلام فيهما مفصّلاً وبقي الكلام في حكمين آخرين، أعني:
3. وجوب تعيين الأيّام وعدمه.
4. لزوم الترتيب في القضاء وعدمه.
وهذان الحكمان لم يذكرهما المصنف في المقام، و إليك البحث فيهما.
أمّا تعيين الأيام وعدمه فهو فرع تحديد ما هو الواجب عليه، فهل وجب عليه صوم عدة أيام من شهر رمضان؟ أو وجب القضاء عن الأوّل والثاني، على نحو يكون قصده وقوعه عنهما جزء الواجب؟ فنقول:
إذا كان المكلّف به العملَ المعنون بإحدى العناوين القصدية التي لا تتحقق إلاّ بقصدها كالإتيان بأربع ركعات بما انّها صلاة ظهر أو عصر، أو الإتيان بركعتين بما انّهما نافلة أو فريضة، أو صلاة أداء أو قضاء فلا شكّ انّه يجب قصدها عند الامتثال وإلاّ فلم يمتثل المأمور به، والإتيان بأربع ركعات مشتركة بين الظهر والعصر، لا يُحسب لواحد منهما لتساوي نسبته إلى الفريضتين ، إنّما الكلام فيما إذا كان الواجب عليه صوم عدّة أيام من رمضان فقط من دون أن تُقيّد بكونه عن اليوم الأوّل والثاني و... فيكفي في ذلك، صوم يومين من ذلك الشهر قضاء، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ ما عليه ليس إلاّ «صوم عدّة أيام من شهر رمضان» فقط، دون شيء آخر، والمفروض انّه أتى به والذي يميز الصوم الأوّل عن الثاني، هو توسط الليل بين اليومين، لا تقييد كلّ منهما بزمان خاص.
وعلى ما ذكر فتعيين الأيّام في مقام القضاء وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه من قبيل «لزوم ما يلزم» إذ ليس واجباً ولا جزء الواجب، لأنّ فوت صوم اليوم الأوّل حيثية تعليلية، لا تقييدية، كعنوان المقدمة حيث إنّ كون الشيء مقدمة للواجب النفسي علة لتعلّق الوجوب بنفس المقدمة وذاتها. ومنه يظهر انّه لا وجه لقصد التعيين، لعدم كونه =
المسألة 9: لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعداً يجوز قضاء اللاّحق قبل السابق، بل إذا تضيّق اللاحق بأن صار قريباً من رمضان آخر كان الأحوط
ــــــــــــــــــــــــ
= واجباً، لا انّه لا يمكن قصده كما يظهر من الشارحين ـ قدَّس سرَّهما ـ .وهذا نظير ما إذا استدان من زيد، مرّتين، في كل مرّة درهماً فالواجب عليه أداء درهمين، من دون لزوم تعيين سبب كلّ منهما. نعم لو كان لأحد الدينين رهن دون الآخر، فلا يفك الرهن إلاّإذا نوى به أداء ما معه الرهن وإلاّفنسبته إليهما على سواء.
هذا كلّه حول التعيين.
وأمّا الأمر الثاني أي رعاية الترتيب، فذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى عدم وجوب الترتيب في قضاء الصوم بأن ينوي الأوّل فالأوّل، نعم يستحب ذلك . وقال الشهيد:«وهل يستحب الأوّل فالأوّل؟ فيه إشكال». وفي المدارك وجه الإشكال: من تساوي الأيّام في التعلّق بالدقة، مع انتفاء النص على تقديم بعضها على بعض، ومن سبق الأوّل في الذمّة فكان أولى بالمبادرة.(1) وأمّا الماتن فقد أفتى بعدم وجوبه، لكن لو نوى الوسط أو الأخير تعيّن وترتب عليه أثره.
أمّا عدم وجوبه لما عرفت من أنّ الواجب عليه «صيام عدّة أيام من شهر رمضان»، غير أنّ كل و احد من الأيّام ينفصل عن الآخر بتخلّل الليل وعليه لا يكون قصده واجباً، لما عرفت من أنّ الواجب أمر غير ملوّن بلون وغير مخصَّص بخصوصية سوى وجوب عدّة أيام من شهر رمضان.
نعم لو نذر انّه لو أخّر قضاء اليوم الثاني فعليه كذا، فلو ضاق الوقت، لزم عليه مخالفة الترتيب لأجل النذر، وهذا معنى قول المصنّف: «فلو نوى الوسط تعيّن و ترتّب الأثر».
ــــــــــــــــــــــــــــتقديم اللاّحق، ولو أطلق في نيّته انصرف إلى السابق وكذا في الأيّام.*
ــــــــــــــــــــــــ
* هنا فروع:
1. يجوز تقديم قضاء رمضان اللاحق على قضاء رمضان السابق.
2. إذا تضيّق اللاحق، الأحوط تقديم قضائه على السابق.
3. لو أطلق انصرف إلى السابق.
أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ الملاك لعدم وجوب التعيين و الترتيب هو عدم كونهما دخيلين في المكلّف به، وانّ الواجب عليه هو صوم أيّام تعادل ما فات منه في شهر رمضان فقط.
وهذا الملاك موجود بعينه بين رمضانين أيضاً، فانّ الواجب عليه صوم أيّام بمقدار أيّام رمضانين قضاءً عنهما، من دون أن يكون لكونه بدلاً من رمضان الأوّل، أو الثاني مدخلية في المكلّف به وهذا لا بمعنى انّه لا يمكن نيته رمضان الأوّل، بل لعدم كونه واجباً ولذلك لو نوى قضاء اللاحق قبل السابق صحّ، ولكنّه أشبه بلزوم ما لا يلزم، وقد عرفت ما يُحقّق التعيين في المسألة السابقة.
أمّا الثاني: فإذا تضيق اللاحق بأن صار قريباً من رمضان ثالث كان الأحوط تقديم اللاحق، لو لم يكن أقوى، وذلك لأنّ الكفّارة تعلّقت بتأخير صوم رمضان السابق سواء أصام أم لا، وأمّا رمضان الثاني فهو على مقرُبة من تعلّقها بتأخير قضائه، فالأحوط بل الأقوى تقديم اللاحق، لئلاّ تتعلّق به الكفارة حيث إنّها آية العصيان لأجل انّه تكفر الذنب، ولذلك قلنا الأقوى مكان الأحوط، وسيوافيك الكلام في المسألة الثامنة عشرة.
وأمّا الثالث: أي إذا أطلق في نيّته، انصرف إلى السابق.
المراد من الانصراف هو انّه يحسب للسابق دون اللاحق، وذلك لما عرفت من أنّ =
المسألة 10:لاترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كالكفّارة والنذر ونحوهما. نعم لا يجوز التطوّع بشيء لمن عليه صوم واجب كمامرّ.*
ــــــــــــــــــــــــ
= الواجب عليه صوم عدّة أيام تعادل أيام رمضانين قضاء عنهما، فإذا كان لأحد القضاءين أثر خاص دون الآخر، كما في المقام حيث إن ترك قضاء رمضان الثاني يوجب تعلّق الكفّارة بتأخيره دون الأوّل، فاحتسابه للثاني دون الأوّل، يحتاج إلى دليل، وإلاّفينطبق على الجامع الطبيعي الصالح للانطباق لواجد الخصوصية وفاقدها، وقد سبق انّه إذا كان لأحد الدينين رهن دون الآخر، فأدّى ما يمكن أن ينطبق على كلّ منهما بلا نيته، فلا يحسب للثاني وبالتالي لايفكّ الرهن ، لأنّ إرجاعه إلى ماله الرهن يحتاج إلى النية وإلاّينطبق على الجامع الصالح للانطباق على كلا الدينين.* هنا فرعان:
1. إذا كان عليه صوم قضاء رمضان وغيره كالنذر فلا ترتيب بينهما.
2. لا يجوز التطوع بشيء لمن عليه صوم واجب.
أمّا الأوّل فالمشهور على عدم وجوب الترتيب، لعدم الدليل على تقديم قضاء رمضان على غيره إلاّإذا ضاق وقت القضاء فيقدّمه لأجل الفرار عن العصيان والكفارة. نعم نقل العلاّمة في المختلف عن ابن أبي عقيل انّه قال: لا يجوز صوم عن نذر أو كفارة لمن عليه قضاء من شهر رمضان حتى يقضيه.(1)
وأمّا الفرع الثاني، فقد مضى الكلام فيه في المسألة الثالثة في فصل شرائط صحّة الصوم فراجع.
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 11: إذا اعتقد أنّ عليه قضاء فنواه ثمّ تبيّن بعد الفراغ فراغ ذمّته لم يقع لغيره، وأمّا لو ظهر له في الأثناء فإن كان بعد الزوال لا يجوز العدول إلى غيره وإن كان قبله فالأقوى جواز تجديد النيّة لغيره وإن كان الأحوط عدمه.*
ــــــــــــــــــــــــ
*. إذا كان عليه صوم قضاء وكفّارة فنوى الأوّل وقد تبيّن فراغ ذمته فهل يقع لغيره، أعني: الكفارة أو لا؟ للمسألة صور:
1. إذا تبيّن بعد الفراغ عن الصوم.
2. إذا تبيّن قبل الزوال.
3. إذا تبيّن بعده.
أمّا الأوّل فلا يقع عن الكفّارة، وذلك لأنّ تعدد الأمر كاشف عن أخذ قيد في المأمور به، يُميّز أحدهما على الآخر كعنواني القضاء والكفّارة، فلا يسقط إلاّ بقصد أمره الذي لا يتحقّق إلاّ بقصد العنوان المأخوذ فيه والمفروض انّه لم يقصده، وما قصده لم يكن واجباً.
نعم لو كان الصائم بصدد امتثال ما هو الواجب عليه أوّلاً وبالذات، لكنّه تخيّل انّ الواجب هوالقضاء، أو انّه أيضاً واجب لم يبعد وقوعه عن الواجب إذا كان منحصراً فيه.
2. إذا تبيّن له قبل الزوال، فقد مرّ (1) انّه يمتدّ وقت النيّة إلى الزوال في الواجب المعيّن عند الجهل والنسيان وفي غير المعيّن ، مطلقاً.
3. إذا تبيّن بعد الزوال فلا محل للعدول للواجب معيّناً كان أو غير معيّن، نعم يصح له العدول إلى الصوم المندوب لامتداد وقت نيته إلى قبيل الغروب.
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 12: إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس ومات فيه لم يجب القضاء عنه، ولكن يستحب النيابة عنه في أدائه، والأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب.*
ــــــــــــــــــــــــ
* من فاته شهر رمضان لعذر كالمرض و الحيض والنفاس، إن برأ بعد فواته وتمكّن من القضاء ولم يقضه وجب على وليّه القضاء ـ كما سيأتي ـ إنّما الكلام فيمن إذا لم يبرأ سواء مات في شهر رمضان أو استمر مرضه، فهنا فرعان:
1. سقوط وجوب القضاء عن الوليّ.
2. استحباب القضاء.
أمّا الأوّل فقال الشيخ: إذا أفطر رمضان ولم يقضه، ثمّ مات، فإن كان تأخيره لعذر، مثل استمرار المرض، أو سفر لم يجب القضاء عنه ولا الكفّارة. وبه قال الشافعي، وقال قتادة: يطعم عنه.
دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً بأنّ إيجاب ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدلّ على ذلك.(1) وكان عليه أن يضيف عليه تضافر الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على عدم وجوب القضاء على الوليّ كما هو دأبه في أكثر الموارد.
ثمّ إنّ الشيخ عطف استمرار السفر على الأعذار الثلاثة، وسيأتي الكلام فيه في المسألة الثالثة عشرة، وعلى كلّ تقدير إنّ عدم وجوب القضاء أمر اتفاقي، ولو كان كلام فإنّما هو في الفرع الثاني. ويدلّ على عدم الوجوب روايات:
1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ قال: سألته عن رجل أدركه شهر رمضان، وهو مريض فتُوفّي قبل أن يبرأ؟ قال: «ليس عليه شيء، ولكن يُقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أن يقضي».(2) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 2. موثّق سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال قال: «لا صيام عليه ولا يُقضى عنه» قلت: فامرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم، فماتت في شهر رمضان أو في شوال؟ فقال: «لا يُقضى عنها».(1) والمراد موته في شوال قبل أن يقدر بقرينة الجملة المتقدمة عليه.
3. صحيحة أبي مريم الأنصاري (عبد الغفار بن القاسم بن قيس، الثقة) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:« إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ثمّ لم يزل مريضاً حتى مات، فليس عليه شيء...».(2)
4. صحيح أبي حمزة (ثابت بن دينار الثقة الثمالي) عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يُقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(3)
إلى غير ذلك من الروايات الّتي نقلها الحرّ العاملي في الباب الثالث والعشرين، فلاحظ.
وأمّا الفرع الثاني: وهو ما أفتى به المصنِّف من استحباب النيابة عنه في أدائه، وقد نسبه في الحدائق إلى جمع من الأصحاب وانّ العلاّمة أسنده في «المنتهى» إلى الأصحاب مؤذناً بدعوى الاتّفاق عليه.(4)
وما ادّعى من الاتّفاق غير ثابت، مع ظهور النصّ في عدم المشروعية، روى الكليني في الصحيح أو الموثّق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: «هل برئت =
ــــــــــــــــــــــــــــوربما يحتمل إمكان استفادة المشروعية من دليل مشروعية القضاء بضميمة ما دلّ على مشروعية النيابة فيه. ولا تنافيه النصوص المتقدّمة الدالّة على نفي القضاء، إذ هي بين ما يدل ّعلى عدم الوجوب على الميّت و ما يدلّ على عدم الوجوب على النائب ولا تعرض فيها لنفي المشروعية، والصحيح يحتمل أن يكون المراد منه، المنع من القضاء بعنوان كونه ثابتاً عليها =
ــــــــــــــــــــــــــــيلاحظ عليه: أنّ التمسّك بأدلّة القضاء فرع إحراز اشتغال ذمّته به حتى يقال: «اقض ما فات كما فات» كما أنّ التمسّك بدليل النيابة إنّما هو فيما إذا أحرز كونه صالحاً للنيابة، وهو فرع اشتغال ذمّته بما ينوب فيه ومع الشك يكون التمسّك بهما من قبيل التمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية .
على أنّ الروايات الماضية لا تبُقي شكّاً في عدم اشتغال ذمّته للقضاء حتى ينوب عنه نائب.
وحمل قوله: «لا تقضي عنها» على المنع من القضاء بعنوان كونه ثابتاً عليها وتفريغاً لذمّتها خلاف الظاهر، فانّ الظاهر من تلك الفقرة بقرينة قوله:«كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه تعالى عليها» هو نفي الجعل والتشريع نظير قوله تعالى : (ما جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّين مِنْ حَرَج).(2)
وأضعف منه حمل قوله: «فإن اشتهيت...» على مشروعية النيابة وانّه لا بأس بأن تصوم عنها لنفسك لا بداعي وصيّتها، ذلك لأنّ الإمام بعد صرفه عن الصوم عنها، أحسّ انّ له رغبة في الصوم، ففتح أمامه طريقاً، وهو أن يصوم لنفسه وبذلك يُرضي رغبته إلى تلك العبادة.
وبذلك تبيّن انّ المتعيّن ماقاله الماتن في قوله: «والأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب» لما دلّت الأدلّة على أنّ الموتى ينتفعون بعمل الأحياء إذا أهدوا ثواب عملهم إليهم، وأمّا دلالة قوله :«فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم»على ذلك فموضع تأمّل، والأولى الاستناد إلى الأدلّة العامّة كما قلناه.
إذا فات الصوم في السفر ولم يتمكّن من القضاء حتى مات، فهل يجب على الولي القضاء عنه أو لا؟
ذهب الشيخ في «النهاية» إلى سقوط القضاء حيث قال: وكذلك (مثل المريض) إن كان قد فاته شيء من الصيام في السفر، ثمّ مات قبل أن يَقضي وكان متمكّناً من القضاء وجب على وليّه أن يصوم عنه.(3) حيث قيّد القضاء بالتمكّن منه فخرج ما لم =
ــــــــــــــــــــــــــــوقال الشهيد الثاني في شرحه:ولو بالإقامة في أثناء السفر كالمريض.(2) واستقواه في «المسالك» كما سيوافيك.
وذهب المحقّق إلى عدم سقوط القضاء وقال: ولا يقضي الولي إلاّ ما تمكّن الميت من قضائه وأهمله إلاّما يفوت بالسفر فانّه يُقضى ولو مات مسافراً على رواية.
وقال الشهيد في شرح الشرائع:ويشكل الفرق في السفر الواجب، ومن ثمّ ذهب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار التمكّن من القضاء في وجوب القضاء عنه، كغيره ولو بالإقامة في أثناء السفر، وهو الأقوى. وقد فسّر قول المحقّق «على رواية» برواية «منصور ابن حازم»(3)، فحكم بعدم صحة سندها.
الظاهر عدم وقوف القائلين بعدم الوجوب على ما دلّ على وجوبه من صحيح وموثّق، وقد غفل الشيخ عنها، كما زعم المحقّق وجود رواية واحدة، واستضعفها الشهيد كما عرفت غير انّ ما يدل على القضاء أكثر وفيه الصحيح والموثّق نظير:
1. صحيح أبي حمزة الثمالي في جواب سؤال الراوي:طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يُقضى عنها؟ قال: «أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(4)
2. موثّق محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في امرأة مرضت في شهر رمضان =
ــــــــــــــــــــــــــــ3. موثّق أبي بصير: قال سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)
4. خبر منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت؟ قال: «يقضى عنه...»(3) وفي السند محمد بن الربيع وهو لم يوثّق.
وأمّا وجه التفريق بين المرض والسفر، فلعله أنّ المرض والطمث من اللّه عزّوجل وهو أعذر لعبده . وقد قال ـ عليه السَّلام ـ : «كلّما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء»، «أو كلّما غلب اللّه فاللّه أولى بالعذر».(4) وهذا بخلاف السفر فانّه من المكلّف غالباً. وبناء الأحكام على الغالب لا على الاستيعاب.
وربما يستدلّ للقول الآخر بما ورد في صحيح أبي بصير: «لا يُقضى عنها ، فإنّ اللّه لم يجعله عليها» حيث إنّ العلّة موجودة في مورد المسافر حيث إنّه سبحانه لم يجعل الصوم عليه لما مرّ في تفسير قوله سبحانه (وَمَن كانَ مَرِيضاً أو على سَفَر فَعِدّةٌ مِنْ أيّام أُخَر).(5) من أنّ المكتوب عليهما هو الصيام في غير هذا الشهر.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على عود الضمير إلى الصوم، لكنّه خلاف الظاهر بل يرجع إلى القضاء المفهوم من قوله: «لا يقضي عنها» فيختص التعليل بالمريض، إذ لا نعلم بعدم جعله على المسافر. نعم لو رجع الضمير إلى الصوم كان للاستدلال وجه لكن المرجع بعيد و على فرض الصحّة فهو إشعار، لا يقاوم أمام الصحاح كما عرفت.
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 13: إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمرّ إلى رمضان آخر، فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصحّ وكفّر عن كلّ يوم بمدّ والأحوط مدّان ولا يجزي القضاء عن التكفير .نعم الأحوط الجمع بينهما، وإن كان العذر غير المرض كالسفر ونحوه فالأقوى وجوب القضاء، وإن كان الأحوط الجمع بينه وبين المدّ، وكذا إن كان سبب الفوت هو المرض وكان العذر في التأخير غيره مستمرّاً من حين برئه إلى رمضان آخر أو العكس فإنّه يجب القضاء أيضاً في هاتين الصورتين على الأقوى والأحوط الجمع خصوصاً في الثانية.*
ــــــــــــــــــــــــ
*هنا فروع :
1. إذا فاته شهر رمضان للمرض واستمر إلى رمضان آخر.
2. إذا فاته شهر رمضان للسفر واستمر إلى رمضان آخر.
3. إذا كان العذر ملفّقاً منهما، كما إذا مرض في شهر رمضان وبرأ وكان العذر في التأخير سفره إلى رمضان آخر.
4. عكس الصورة الثالثة: فاته شهر رمضان للسفر، و كان العذر في التأخير هو المرض إلى رمضان آخر.
وإليك البحث في كلّ واحد تلو الآخر.
أمّا الفرع الأوّل: أعني استمرار المرض من رمضان إلى رمضان آخر.
فهنا أقوال:
الأوّل: و هو المشهور سقوط القضاء ووجوب الكفّارة بمدّ. وعليه الشيخ في النهاية والمبسوط.(1) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= فقال في الأوّل : فإن فات المريض صوم شهر رمضان واستمر به المرض إلى رمضان آخر ولم يصح بينهما صام الحاضر و تصدّق عن الأوّل عن كلّ يوم بمدين من طعام.
وقد نقل هذا القول عن ابن الجنيد، و علي بن بابويه في رسالته، و ابنه في المقنع، وابن البراج ، وابن حمزة.(1) و على ذلك لا يغني القضاء عن الكفّارة كما ذكره الماتن.
الثاني: وجوب القضاء دون الصدقة. و نقل عن ابن أبي عقيل، و أبي الصلاح و ابن إدريس.(2)
الثالث: الجمع بين القضاء والكفّارة. وقد حكاه الشهيد عن ابن الجنيد في الدروس مع أنّ العلاّمة حكى عنه القول الأوّل، وعلى أيّ تقدير فقد جعله المصنّف أحوط الأقوال.
إنّ مقتضى إطلاق الآية المباركة هو وجوب القضاء سواء استمر المرض أو لا، ولكن الروايات المتضافرة دلّت على عدم وجوبه وبذلك يُخصَّص إطلاقها، وقد قلنا في محلّه بأنّ الكتاب لا يخصَّص إلاّ بخبر متواتر أو متضافر، لا بخبر الواحد. وإليك بعض ما يدلّ عليه:
1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصحّ حتى يدركه شهر رمضان آخر. قال: «يتصدّق عن الأوّل، ويصوم الثاني، فإن كان صحّ فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر =
ــــــــــــــــــــــــــــ2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال:«من أفطر شيئاً من شهر رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر وهومريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا، فإنّي صمت وتصدّقت».(2)
والصحيحة تدل على استحباب الجمع بين القضاء والصدقة بشهادة أنّه نسب الجمع إلى نفسه.
3. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ ، قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر ، قالا: «... و إن كان لم يزل مريضاً حتى أدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه وتصدّق عن الأوّل لكلّ يوم مدّعلى مسكين وليس عليه قضاؤه».(3)
4. رواية أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل؟ قال:«وإن تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكلّ يوم مسكيناً».(4)
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على ذلك، كرواية الصدوق في العلل وكتاب عيون الأخبار(5) وما رواه العياشي(6)، و الفقه الرضوي.(7)
وبذلك تبيّن انّ الواجب عليه هو التكفير وانّ الجمع بين القضاء والتكفير هوالمستحب كما يعلم من فعل الإمام. =
ــــــــــــــــــــــــــــ= وبهذه الروايات يخصص عموم الكتاب أو إطلاقه.
استدلّ للقول الثاني أي وجوب الصوم دون الكفارة برواية «أبي الصباح الكناني» حيث سأل السائل و قال:
عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل، و لمّا كان السؤال ذا صور مختلفة، لأنّه لم يذكر انّه صحّ بينهما أو مرض، بل اكتفى بأنّه عليه صوم رمضان، ولم يقض حتى أدركه رمضان آخر فعند ذلك ذكر الإمام صوره المختلفة بالنحو التالي:
1. عليه أن يصوم و أن يطعم كلّ يوم مسكيناً.
2. فإن كان مريضاً فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل، فليس عليه إلاّالصيام إن صحّ.
3. وإن تتابع المرض عليه فلم يصحّ، فعليه أن يطعم لكلّ يوم مسكيناً.
هذه هي الفقرات الثلاث للحديث، فلندرس معانيها.
أمّا الأُولى، فهي راجعة لمن لم يكن مريضاً أصلاً، أو كان ولكن برأ بين رمضانين وتوانى ولم يقض، فوجب عليه القضاء والكفّارة.
وأمّا الفقرة الثانية فبما أنّها أوجبت القضاء فقط دون الكفّارة ، فلا يصحّ حملها لمن صحّ بين رمضانين، لاستلزامه جواز الاكتفاء بالقضاء، وهو خلاف المشهور كما سيأتي في المسألة الرابعة عشرة، فلابدّ أن تحمل على مورد البحث، وهو إذا صحّ في نهاية السنة وبداية شهر رمضان القابل. وعليه يكون معنى قوله: «فليس عليه إلاّالصيام إن صحّ» هو الصحّة عند شهر رمضان الثاني أو بعده لا بين السنة. =
= وأمّا الفقرة الثالثة التي اكتفى فيها بالإطعام، فهي راجعة إلى استمرار المرض في رمضان الثاني وبعده سنتين أو أكثر.
وبذلك يعلم أنّ ما أجاب به المحقّق الخوئي من حمل الفقرة الثانية على ما إذا مرض بعض أيّام السنة لا جميعها، غير تام، لكونه مخالفاً للمجمع عليه، فإنّ من مرض بعض أيّام السنة ولم يصم يجب عليه القضاء والكفّارة.
ويمكن أن يجاب بأنّه خبر واحد لا يقاوم بالمتضافر من الروايات التي قد عرفتها. أضف إلى ذلك انّه يحتمل تطرق التحريف إلى الرواية، في نفس المضمون جاء في رواية محمد بن مسلم(1)، وهو مطابق لما عليه المشهور من كفاية الفدية دون لزوم الإتيان بالقضاء.
احتجّ للقول الثالث بموثّقة سماعة، قال: سألته عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك لم يصمه؟ فقال: «يتصدّق بدل كلّ يوم من الرمضان الذي كان عليه بمدّ من طعام، وليصم هذا الذي أدرك، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لم أصح فيهنّ ثمّ أدركت رمضان آخر فتصدّقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام، ثمّ عافاني اللّه تعالى وصُمتهنّ».(2)
ولكن الرواية محمولة على الاستحباب بقرينة عدم ورودها فيما مرّ من الروايات المتضافرة أوّلاً، وبشهادة رواية عبد اللّه بن سنان ثانياً حيث إنّ الإمام قال: «فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم، فأمّا أنا فانّي صمت وتصدّقت».(3) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= فالرواية دليل على أنّ الحكم العام هو التصدّق، وأمّا الفرد الأفضل هو الجمع. وإلاّ لم يخص الصوم لنفسه بعد كونه فريضة عامة.
هذا كلّه حول الصورة الأُولى، وقد عرفت أنّ الواجب هو التكفير والجمع بينهما هو الأفضل.
و أمّا مقدار الكفّارة فهو المدّ كما اشتملت عليه النصوص.(1)
و أمّا المدّان، فليس له سند صالح سوى ما حكي من أنّ الوارد في حديث سماعة لفظة «مدّين»، ولكن الموجود في نسخة الوسائل وغيرها هو لفظة «مدّ» مفرداً.
إذا كان العذر غير المرض كالسفر المستمر من رمضان إلى رمضان آخر، فالمرجع فيه هو الكتاب القاضي بوجوب القضاء فيمن أفطر في سفر سواء كان مستمراً أو لا، واختصاص النصوص بالمرض كما عرفت.
نعم ، روى الصدوق في العلل والعيون عن الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال:إن قال: فلِمَ إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يقو من مرضه حتّى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأوّل وسقط القضاء، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟ قيل...(2)
ولكن الاحتجاج به غير صحيح، لأنّه خبر واحد لا يجوز تخصيص الكتاب به، أضف إلى ذلك أنّ في طريق الفقيه إلى الفضل بن شاذان راويين مهملين، وهما: عبد =
ــــــــــــــــــــــــــــنعم، طريق الشيخ في التهذيبين إلى الفضل صحيح.
والعمدة في ذلك انّه خبر واحد لا يقاوم دلالة القرآن الكريم.
إذا كان سبب الفوت هو المرض وكان السبب الموجب للتأخير من لدن برئه إلى حلول رمضان آخر عذراً غيره كالسفر ونحوه، فالمرجع فيه أيضاً هو الكتاب، والنصوص مختصّة بما إذا كان المانع من القضاء هو المرض، بخلاف المقام فانّ المانع هو السفر دون المرض.
إلى هنا تبيّن انّ الواجب في الصورة الأُولى هو التكفير، وأمّا الصورة الثانية والثالثة فالواجب هو القضاء، وأمّا التكفير فليس عليه دليل، لما عرفت من عدم ورود النص في هاتين الصورتين. و أمّا القضاء فهو نتيجة إطلاق الكتاب.
والحاصل: انّه إذا كان سبب الفوت والتأخير هو السفر أو كان السبب للإفطار هو المرض والسبب للتأخير هو السفر، فالواجب هو القضاء وإن كفَّر معه فهو أفضل.
لو افترضنا انّ سبب الإفطار هو السفر، والسبب الموجب للتأخير هو المرض المستمر بين رمضانين، فهي أيضاً كالصورتين السابقتين يجب فيها القضاء دون الكفارة، لعدم ورود النص فيها وشمول إطلاق الآية بالنسبة إلى هذه الصورة في الحكم بالقضاء.
وربما يقال بأنّ إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان يشمل هذه الصورة حيث قال: «من أفطر شيئاً من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق =
فانّ العذر يعم المرض وغيره بمقتضى الإطلاق، كما أنّ ظاهرها ولو بمعونة عدم التعرض لحصول البرء في البين استمرار المرض بين الرمضانين . ومع الغض والتنزّل عن هذا الاستظهار فغايته الإطلاق لصورتي استمرار المرض وعدمه، فيقيد بما دلّ على وجوب القضاء لدى عدم الاستمرار. فلا جرم تكون الصحيحة محمولة ـ بعد التقييد ـ على صورة الاستمرار.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من العذر هو المرض الذي صار سبباً للفوت والتأخير، والدليل عليه قوله بعده: «ثمّ أدرك رمضان آخر وهو مريض»، فانّ الجملة الاسمية دالة على الثبوت والاستمرار، أي أدركه على النحو الذي أدرك الشهر الأوّل، مضافاً إلى رواية سماعة حيث إنّ الإمام يحكي مضمون ما ورد في هذا الحديث، ويقول: فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لم أصح منهنّ ثمّ أدركت رمضان آخر فتصدّقت بدل كلّ يوم بما مضى بمدّ من طعام، ثمّ عافاني اللّه تعالى وصمتهن.(2)
والرواية صريحة في أنّ عذره ـ عليه السَّلام ـ جميع السنوات الثلاث، كان هو المرض، و يكون هذا كقرينة على أنّ المراد من قوله في رواية عبد اللّه بن سنان: «من أفطر شيئاً من رمضان في عذر» هو المرض، على أنّك عرفت أنّ المحكَّم في المقام هو إطلاق الآية، وخبر الواحد لا يصلح للتخصيص أو التقييد.
فالأقوى في جميع الصور الثلاث الأخيرة هو القضاء ، وأمّا الكفّارة فلا دليل عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 14: إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمّداً في الترك ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر وجب عليه الجمع بين الكفّارة والقضاء بعد الشهر، وكذا إن فاته لعذر ولم يستمرّ ذلك العذر بل ارتفع في أثناء السنة و لم يأت به إلى رمضان آخر متعمّداً وعازماً على الترك أو متسامحاً واتّفق العذر عند الضيق فإنّه يجب حينئذ أيضاً الجمع وأمّا إن كان عازماً على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتّفق العذر عند الضيق فلا يبعد كفاية القضاء لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضاً، ولا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض أو غيره. فتحصّل ممّا ذكر في هذه المسألة وسابقتها أنّ تأخير القضاء إلى رمضان آخر إمّا يوجب الكفّارة فقط وهي الصورة الأُولى المذكورة في المسألة السابقة، وإمّا يوجب القضاء فقط وهي بقيّة الصور المذكورة فيها، وإمّا يوجب الجمع بينهما وهي الصور المذكورة في هذه المسألة، نعم الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضاً كما عرفت.*
ــــــــــــــــــــــــ
* الموضوع في هذه المسألة من لم يستمرّ به العذر، بل ارتفع أثناء السنة ولكنّه لم يأت بالقضاء . ومحور البحث، هو وجوب كفّارة تأخير القضاء وعدمه، لا القضاء ولا كفّارة الإفطار بلا عذر فانّهما خارجان عن محط البحث وله أقسام ثلاثة:
1. إذا أفطر في شهر رمضان عصياناً، ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر.
2. إذا أفطر في شهر رمضان لعذر وارتفع العذر في أثناء السنة ولم يأت به إلى رمضان آخر، عامداً أو متسامحاً واتّفق العذر عند الضيق.
3. إذا أفطر في شهر رمضان لعذر عازماً على القضاء بعد ارتفاعه لكن اتّفق العذر عند الضيق.
ظاهر كلام المصنّف وجوب الكفّارة في الفرع الأوّل في عامّة صوره حتى وإن كان عازماً على القضاء لكن اتّفق العذر عند الضيق، والتفصيل ـ فيما إذا فاته الصوم لعذر ـ بين ما إذا ترك القضاء عامداً أو متوانياً واتّفق العذر عند الضيق، وما إذا كان عازماً =
وعلى كلّ تقدير فقد ذهب ابن بابويه وابنه إلى وجوبها مطلقاً بلا تفصيل بين التواني وغيره قال الصدوق:ومتى صح بينهما، ولم يقض وجب القضاء والصدقة.(1) وهوخيرة ابن أبي عقيل.(2)
2. عدم وجوبها مطلقاً، وهو خيرة ابن إدريس قال: والذي اعتقده وأفتي به سقوط الكفارة عمّن أوجبها عليه، لأنّ الأصل براءة الذمة من العبادات والتكاليف، وإخراج الأموال إلاّ بالدليل الشرعي القاطع للأعذار. والقرآن والسنّة المتواترة خالية عن هذه الكفّارة ، والإجماع غير منعقد على وجوبها، لأنّ أكثر أصحابنا لا يذهبون إليها ولا يودونها في كتبهم مثل الفقيه سلاّر والسيد المرتضى وغيرهما، ولا يذهب إلى وجوب الكفّارة في هذه المسألة إلاّالشيخان.(3)
3. ما اختاره الشيخان، و أبو الصلاح من التفصيل(4) بين التواني، فيجب الجمع بين الكفّارة والقضاء; وعدمه، فيجب القضاء فقط، وهو خيرة المصنّف.
وتدلّ على التفصيل روايات ثلاث:
1. محمد بن مسلم قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر؟ فقالا: «إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه وتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، وإن كان لم يزل مريضاً =
ــــــــــــــــــــــــــــقال العلاّمة:وتعليق الصدقة على التواني يشعر بالعلّية، لأنّه وصف صالح و قد قارن حكماً يحسن ترتّبه عليه فكان علّة فيه ينتفي بانتفائه، و كما يدل بمضمونه على هذا الحكم، يدل بمنطوقه على إيجاب الصدقة.(2)
2. الحسين بن سعيد الأهوازي الثقة، عن القاسم بن محمد(الجوهري الذي كان واقفياً ولكن روى عنه ابن أبي عمير و صفوان) عن علي (بن أبي حمزة البطائني الواقفي) عن أبي بصير (الثقة)، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثمّ صحّ فانّما عليه لكلّ يوم أفطره فدية طعام و هو مدّلكلّ مسكين»، قال «وكذلك في كفّارة اليمين وكفّارة الظهار، مدّاً مدّاً ، وإن صحّ فيما بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام ، فإن تهاون به وقد صحّ فعليه الصدقة والصيام جميعاً لكلّ يوم مدّ إذا فرغ من ذلك الرمضان».(3)
و قد عبّر الإمام بالفدية، فيما إذا استمرّ عليه المرض وهي الواجبة الوحيدة، وبالتصدق فيما إذا صحّ ولم يفض ويجب معه القضاء.
3. مرسلة العياشي عن أبي بصير في حديث... فإن لم يصحّ حتى رمضان قابل فليتصدّق كما تصدّق كلّ مكان يوم أفطر، مدّاً مدّاً.
فإن صحّ فيما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى جاء الرمضان الآخر فانّ عليه الصوم والصدقة جميعاً، يقضي الصوم ويتصدّق من أجل انّه ضيّع ذلك =
ــــــــــــــــــــــــــــفقد عبّر في كلا الموردين بالتصدّق خلافاً للحديث السابق.
وبذلك يظهر ضعف القول الأوّل حيث قال بوجوب الصدقة مطلقاً استناداً إلى صحيح زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه و هو مريض ... قال: «...فإن كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعاً وتصدّق عن الأوّل».(2) وجه الضعف أنّ المطلق يقيّد، و العام يُخصَّص والروايات السابقة صالحة للتقييد.
كما ظهر ضعف القول الثاني، حيث طرح الروايات الدالّة على وجوب الفدية بحكم انّها أخبار آحاد وانّه لم يذهب إلى وجوب الصدقة سوى الشيخين مع أنّك قد عرفت أنّه قد سبقهما الصدوقان وعاصرهما أبو الصلاح، على أنّ الأصل الذي اعتمد عليه غير صحيح لحجية قول الثقة.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ التواني ليس بمعنى عدم العزم على القضاء، حتى يكون صحيح ابن مسلم وغيره دليلاً على التفصيل بل بمعنى عدم المبادرة إليه وهو ينطبق على العازم وغيره، و يدلّ على ذلك انّه لو كان بمعنى «عدم العزم على القضاء»، كان عليه أن يذكر في الشق الآخر المقابل، عدم التواني، مع أنّه لم يذكره في الشق الآخر وإنّما ذكر مكانه، قوله : «وإن كان لم يزل مريضاًحتى أدركه رمضان آخر» و هذا دليل على أنّ الميزان استمرار المرض من رمضان إلى آخر و عدمه، لا التواني بمعنى عدم العزم =
ــــــــــــــــــــــــــــوبذلك يعلم مفاد خبر أبي بصير، فانّ المراد هو عدم المبادرة، وإليك نصه: «وإن صحّ فيما بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام.
وإن تهاون به و قد صحّ فعليه الصدقة و الصيام جميعاً لكلّ يوم مدّ».
فالشق الأوّل يهدف إلى ما إذا صح وبادر بالقضاء، فليس عليه التكفير، وكأنّه قال: وإن صحّ بين الرمضانين فإنّما عليه أن يقضي الصيام (فإن بادر وقضى فهو) و أمّا إذا لم يبادر مع كونه صحيحاً حتى غشيه العذر عند الضيق فعليه الجمع سواء كان عازماً أم لا. و كما يُعلم بذلك مفاد خبره الآخر المروي في تفسير العياشي.
وعلى ذلك فإن لم يبادر فعليه ـ وراء القضاء ـ كفّارة التأخير مطلقاً، سواء كان التأخير مستنداً إلى العمد، أو التساهل أو العزم على القضاء لكن مرض في آخر الوقت.
والحاصل انّه إذا قورن «الشق الذي جاء فيه التواني» مع مقابله يعلم أنّ المراد منه عدم المبادرة بصورها الثلاث، لأنّ الموضوع في الشق المقابل، هو ما إذا صحّ وصام، ويكون المقابل، هو انّه إذا صحّ ولم يصم سواء كان السبب، هو العمد، أو التساهل أو طروء المرض في آخر الوقت.
وبذلك اتضح انّ ما ذكره صاحب المستند من أنّ معنى التواني، التكاسل، غير الصادق عرفاً على العزم على القضاء في السعة و طروء المانع(1). ليس بتام، وذلك لما عرفت من أنّ معناه عدم المبادرة وإن لم يكن هناك تكاسل.
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 15: إذا استمرّ المرض إلى ثلاث سنين يعني الرمضان الثالث وجبت كفّارة للأُولى وكفّارة أُخرى للثانية ويجب عليه القضاء للثالثة إذا استمر إلى آخرها ثمّ برئ وإذا استمرّ إلى أربع سنين وجبت للثالثة أيضاً ويقضي للرابعة إذا استمرّ إلى آخرها أي الرمضان الرابع وأمّا إذا أخّر قضاء السنة الأُولى إلى سنين عديدة فلا تتكرّر الكفّارة بتكرّرها بل تكفيه كفّارة واحدة.*
ــــــــــــــــــــــــ
* بقي هنا أمران:
أ: هل تتكرر الفدية إذا أخّر قضاء شهر رمضان واحد أكثر من سنة واحدة؟ الظاهر لا، لحصول الامتثال بالمرّة ولم ينقل الخلاف إلاّ من العلاّمة في التذكرة.
ب: إذا استمر المرض أكثر من رمضان واحد هذا وهذا هو الذي ذكره الماتن وانّه لا فرق في حكم الاستمرار بين الرمضان الواحد والأكثر.
قال الشيخ :وحكم ما زاد على رمضانين، حكم رمضانين سواء، وهو قول ابن الجنيد(1) ويدل عليه أمران:
1. ما ورد في موثقة سماعة حيث قال الإمام: «فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاثُ رمضانات لم اصحّ فيهن ثمّ أدركت رمضان آخر فتصدقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام».(2)
وما ورد في خبر أبي بصير الذي نقله العياشي عنه في تفسيره حيث قال: «فإن استطاع أن يصوم الرمضان الذي استقبل وإلاّ فليتربّص إلى رمضان قابل فيقضيه، فإن لم يصحّ حتى رمضان قابل فليتصدّق كما تصدّق مكان كلّ يوم أفطر، مداً».(3)
2. الاستئناس ممّا ورد فيمن استمرّ مرضه إلى رمضان ثان فقط.(4) لأنّ الإمعان فيه =
ــــــــــــــــــــــــــــ