المسألة 16:يجوز إعطاء كفّارة أيّام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد فلا يجب إعطاء كلّ فقير مدّاً واحداً ليوم واحد.*
المسألة 17: لاتجب كفّارة العبد على سيّده من غير فرق بين كفّارة التأخير وكفّارة الإفطار ففي الأُولى إن كان له مال وأذن له السيّد أعطى من ماله وإلاّ استغفر بدلاً عنها، وفي كفّارة الإفطار يجب عليه اختيار صوم شهرين مع عدم المال والإذن من السيّد، وإن عجز فصوم ثمانية عشر يوماً، وإن عجز فالاستغفار.*
ــــــــــــــــــــــــ
= يعطي انّ الإفطار لعذر كالمرض واستمراره إلى رمضان آخر، سبب مستقل لسقوط القضاء، ووجوب الكفارة، وعندئذ لا فرق بين استمرار سنة أو أكثر* لإطلاق الدليل في كفارة التأخير، وتقييده بستين مسكيناً في كفارة الإفطار، كما مرّ.
*أمّا عدم وجوبها على المولى فلعدم كونها من النفقة ، ثمّ إذا كان له مال و قلنا بأنّه يملك و إن كان لا يتصرف في ماله إلاّ بإذن مولاه فيعطي إذا أذن، و إلاّفينتقل إلى بدله أي الاستغفار.
ويحتمل عدم الحاجة إلى الإذن فيما إذا كان له مال لانصراف الأدلّة عمّا إذا وجب عليه الإعطاء شرعاً.
هذا كلّه حول كفّارة التأخير.
وأمّا كفّارة الإفطار فلوكان له مال وأذن السيد أو قلنا بعدم الحاجة إلى الإذن في الواجب التعييني فيقضي من ماله، وإلاّفيختار صوم ستين يوماً لعدم استلزامه التصرّف في ماله.
وإذا عجز عن صوم ستين يوماً، فهل ينتقل إلى صوم ثمانية عشر يوماً كالمظاهر =
المسألة 18: الأحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع التمكّن عمداً وإن كان لا دليل على حرمته.*
ــــــــــــــــــــــــ
= أو لا؟ يحتمل الوجه الثاني لاختصاص ما دلّ على وجوب ثمانية عشر يوماً لمن عجز عن صوم ستين يوماً، بمن تعيّن في حقّه صوم تلك الأيام كالمظاهر، دون المخيّر بعينه و بين العتق والإطعام كما في المقام، وقد مرّ الكلام فيه فلاحظ.(1)* وقد عرفت أنّ تأخير قضاء رمضان من سنة إلى سنة أُخرى يوجب الفدية، وهل التأخير حرام يوجب التكفير، أو جائز والفدية لجبر ما فاته من الصوم ، وعدم جبره بالتعجيل؟
يظهر من المحقّق وجوب المبادرة إلى القضاء قبل انقضاء السنة حيث استدلّ على نفي القضاء مع استمرار العذر «باستيعاب وقتي الأداء و القضاء».(2)
ويظهر ذلك من العلاّمة في مسألة استمرار المرض قال: وأمّا استيعاب وقت القضاء، فلأنّ وقته فيما بين الرمضانين إذ لا يجوز له التأخير عنه.(3)
وقال الشهيد في الدروس: لا يجوز تأخير قضاء رمضان عن عام الفوات اختياراً و يستحبّ المبادرة.(4)
واختاره صاحب الحدائق ورتّب عليه:عدم مشروعية السفر المباح أو المستحب إذا ضاق الوقت وقد تمكّن وأخلّ به.(5)
ذهب صاحب المستند ـ وتبعه المصنّف وأكثر المعلّقين على العروة ـ إلى جواز التأخير وعدم حرمته قائلاً بأنّه لا دليل على حرمته، وانّ إيجاب الكفارة لترك القضاء في =
ــــــــــــــــــــــــــــيلاحظ عليه: أنّ ارتكاز المتشرعة في موارد تعلّق الكفارة، هو خلاف ذلك وانّه صدر من المكلّف أمر مبغوض لا يكفره ولا يستره إلاّ الفدية والصدقة، كما هو الحال في كفارة الإفطار، وكفارة حنث اليمين والنذر، وبذلك يُصبح الإفتاء بالحلّية أمراً غير سهل، وأمّا لسان الروايات فقد ورد فيها الألفاظ التالية:
1. التواني في صحيحة ابن مسلم.(2)
2. التهاون في خبر أبي بصير.(3)
3. التضييع في خبري أبي بصير(4) و فضل بن شاذان.(5)
4. الفدية في خبر أبي بصير.(6)
5. التصدق في صحيح ابن مسلم(7) و زرارة.(8)
6. مضافاً إلى ما ورد في رواية الفضل بن شاذان ، من تعليل عدم وجوب القضاء«من أنّه دخل الشهر وهو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره ولا في سنته للمرض الذي كان فيه ووجب عليه الفداء، لأنّه بمنزلة من وجب عليه الصوم فلم يستطع أداءه ووجب عليه الفداء...» ومعناه أنّ غيره يجب عليه الصوم في مجموع السنة إمّا أداءً أو قضاءً.
والخدشة في دلالة بعض وسند آخر و إن كان ممكناً، ولكن المجموع مضافاً إلى ارتكاز المتشرّعة، والشهرة بين العلماء كاف في إيجاب الاحتياط لو لم نقل بأنّ عدم الجواز هو الأقوى.
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 19: يجب على وليّ الميّت قضاء ما فاته من الصوم لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما لا ما تركه عمداً أو أتى به وكان باطلاً من جهة التقصير في أخذ المسائل، وإن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه وإن كان من جهة الترك عمداً. نعم يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكّن في حال حياته من القضاء وأهمل وإلاّ فلا يجب لسقوط القضاء حينئذ كما عرفت سابقاً ولا فرق في الميّت بين الأب والأُمّ على الأقوى، وكذا لا فرق بين ما إذا ترك الميّت ما يمكن التصدّق به عنه وعدمه وإن كان الأحوط في الأوّل الصدقة عنه برضا الوارث مع القضاء والمراد بالوليّ هو الولد الأكبر وإن كان طفلاً أو مجنوناً حين الموت بل وإن كان حملاً.*
ــــــــــــــــــــــــ
*هنا فروع:
1. يجب على الولي قضاء ما فات .
2.اختصاص الوجوب بما إذا مات لعذر لا ما فاته عمداً أو جهلاً بالحكم.
3. يشترط في وجوب القضاء على الولي، تمكن الميّت من القضاء وإهماله .
4. لا فرق في الميّت بين الأب والأُمّ.
5. لا فرق بين ما ترك الميّت مالاً، يُتصدق به عنه وعدمه.
6. المراد من الولي، الولد الأكبر وإن كان طفلاً أو حملاً.
المشهور عندنا هو وجوب القضاء عن الميت لا التصدّق عنه، قال الشيخ :فإن أخّر قضاءه لغير عذر ولم يصم ثمّ مات فانّه يصام عندنا.
وقال الشافعي: يُطعم عنه و لا يصام عنه . و به قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه. =
= وقال أحمد وإسحاق: إن كان صومه نذراً فانّه يصوم عنه وليّه، وإن لم يكن نذراً أطعم عنه وليّه.
وقال أبو ثور: يصوم عنه نذراً كان أو غيره.
ثمّ استدل ّبحديث عائشة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه». و روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحقّ أن يُقضى».(1)
وقال العلاّمة في المختلف: ذهب إلى وجوب القضاء الشيخان، و ابن با بويه والسيد المرتضى، وابن الجنيد، و ابن البراج، و ابن حمزة وابن إدريس.
وقال ابن أبي عقيل:وقد روي عنهم ـ عليهم السَّلام ـ في بعض الأحاديث أنّ من مات، و عليه قضاء من شهر رمضان، صام عنه أقرب الناس إليه من أوليائه... وقد روي انّه من مات وعليه صوم من رمضان تصدّق عنه من كلّ يوم بمدّ من طعام، و بهذا تواترت الأخبار عنهم ـ عليهم السَّلام ـ . والقول الأوّل مطرح، لأنّه شاذ.(2)
ويدل على القول المشهور أخبار:
1. صحيح حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه». قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة ؟ قال: «لا إلاّالرجال».(3)
2. و بهذا المضمون مرسلة حماد بن عثمان.(4)
3. مرسلة عبد اللّه بن بكير، عن أصحابنا، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث«... =
ــــــــــــــــــــــــــــ4. وموثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)إلى غير ذلك من الروايات التي تمرّ عليك في الفروع الآتية.
احتج لابن أبي عقيل بروايتين :
1. صحيحة أبي مريم الأنصاري (عبد الغفار بن القاسم الثقة) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ثمّ لم يزل مريضاً حتى مات فليس عليه شيء(قضاء) و إن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه».[على رواية الكليني و الصدوق] (3) «وإن لم يكن له مال تصدّق عنه وليه». [على رواية الشيخ في التهذيب].(4)
2. ما رواه في الفقيه وقال: روي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: رجل مات وعليه صوم ،يصام عنه أو يتصدق؟ قال: «يتصدق عنه أفضل».(5)
وقد نبّه بهذه الرواية صاحب الحدائق.(6) حيث لم ينقلها صاحب الوسائل في الباب المختص بالمسألة.=
ــــــــــــــــــــــــــــ= أقول: إنّ الرواية الأُولى على كلتا النسختين، لا تدلّ على مذهب ابن أبي عقيل، فانّه أوجب التصدّق فقط ومنصرفه إذا كان للميّت مال، وأمّا الرواية فعلى نسخة الكليني والصدوق فالواجب هو التصدق أوّلاً إذا كان له مال، وإلاّ فالصوم عنه ثانياً. وأين هو من القول بالتصدّق فقط؟!
وأمّا على ما رواه الشيخ فقد أوجب التصدّق من مال الميت إذا كان له مال، و إلاّفمن مال الوليّ، وهو غير مذهبه المقتصر على التصدّق من مال الميّت.
وربما يقال: بأنّ نسخة الشيخ لا تنافي المذهب المشهور من وجوب الصوم عنه، و ذلك لأنّ إيجاب الصدقة من مال الميت من جهة التأخير وإلاّ فمن ماله، زيادة على القضاء، إذ لا دلالة في الرواية على نفي القضاء بوجه.(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
1. انّ ظاهر المقابلة في الرواية بين الصورتين، أعني:
...لم يزل مريضاً حتى مات فليس عليه شيء(القضاء).
... وإن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه....
هو انّ تمام الواجب في الصورة الثانية هو التصدّق من ماله أو مال وليّه فقط، وهو ينافي ما عليه المشهور من وجوب الصوم عنه.
2. انّ الكفّارة التي أُشيرت إليها ليست إلاّ كفّارة التأخير، وليس في الرواية ما يشعر بالتأخير لو لم يكن ظاهراً انّه مات بين رمضانين، فليس لكفّارة التأخير موضوع.
وما ربما يقال من أنّ وجوب الكفّارة من جهة التواني، لأنّه صحّ ولم يقض اختياراً كما ترى، إذ ليست الصحة وترك الصوم موضوعاً لوجوب الكفّارة، بل يحتاج إلى =
ــــــــــــــــــــــــــــثمّ إنّ صاحب الجواهر رجّح رواية الكليني والصدوق على نسخة الشيخ لكونهما أضبط منه(1) وما ذكره و إن كان صحيحاً كبروياً، لكن المورد ليس من مصاديقها، لأنّ مورد القاعدة ما إذا كانت هناك رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين فيرجح ما أثبته الكليني أو الصدوق على ما نقله الشيخ، وأمّا المقام فقد شاركهما الشيخ في نقل الرواية الأُولى، ثمّ اختص بنقل الثانية فليس المقام من موارد القاعدة.
وعلى كلّ تقدير فالرواية غير صالحة للاحتجاج، لتعارضها مع الروايات المتضافرة أوّلاً، وموافقتها لمذهب العامّة ثانياً، وعدم ثبوت النقل الصحيح ثالثاً.
وأمّا الرواية الثانية أعني: ما رواه الصدوق في الفقيه، فلا يصلح للاحتجاج لكونه خبر واحد في مقابل الروايات المتضافرة على أنّها موافقة للعامة كما عرفت.
هل يختص الوجوب بما إذا فات لعذر، أو يعمّ ما ترك عمداً أيضاً؟ ذهب المحقّق في جواب المسائل البغدادية التي طرحها جمال الدين حاتم المشغري، إلى الأوّل، وتبعه عميد الدين ابن أُخت العلاّمة، وأيّده الشهيد في الذكرى قائلاً: إنّ الروايات تحمل على الغالب من الترك وهو ما يكون الترك على هذا الوجه.(2) وهو خيرة السيد صاحب المدارك، والفاضل الخراساني في «الذخيرة» وصاحب الحدائق.(3)
ويظهر من صاحب الجواهر، الميل إلى القول الثاني من دون أن يستدل بشيء، و =
ــــــــــــــــــــــــــــوالذي يمكن أن يقال: إنّ مورد الروايات في المسلم الذي لا يفوت منه الصلاة إلاّ لعذر والتفويت عن عمد أو جهل لا يعذر، خلاف مقتضى حال المسلم، وعلى ذلك فمنصرف الروايات مع ملاحظة حال المسلم هو غير تينك الصورتين(الترك عمداً أو فساد الصلاة للجهل بالحكم الشرعي) فيكون المحكَّم في موردهما هو البراءة.
نعم الأحوط هو قضاء جميع ما فات.
هل يجب على الولي قضاء كلّ ما فات عن الميت سواء تمكن من القضاء أو لا؟
لا شكّ انّه إذا كان السبب هو المرض يشترط فيه التمكّن من القضاء لصحيح محمد بن مسلم:«ولكن يُقضى عن الذي يبرأ، ثمّ يموت قبل أن يقضي».(2)و صحيح أبي بصير المشعرين بعدم شرعية القضاء.(3)
وهل هو كذلك في عامة الأسباب حتى السفر أو يختص بالمرض، وأمّا السفر فيقضى عنه مطلقاً وإن لم يتمكّن؟ فيه قولان:
الأوّل: يقضي مطلقاً وهو خيرة الصدوق في المقنع(4)، و الشيخ في التهذيب(5) و ابن سعيد في الجامع(6)، ونسبه المحقّق(7) إلى رواية، وقال: ولا يقضي الولي إلاّ ما تمكّن الميّت =
ــــــــــــــــــــــــــــالثاني: يقضي بشرط التمكّن من القضاء. وهو خيرة الشيخ في النهاية،(1) وخيرة العلاّمة في المختلف.(2)
أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو شرطية التمكّن من القضاء، وذلك لما استظهرناه من الآية انّ المكتوب على المريض والمسافر هو الصوم في غير شهر رمضان فإذا مات في السفر أو في الحضر مع عدم التمكّن من القضاء فلم يفت منه شيء حتى يقضي عنه الولي.
نعم لو دلّ الدليل على لزوم القضاء إذا مات في السفر مع عدم التمكّن من القضاء، فلابدّ من القول بأنّّ إيجاب القضاء لأجل تدارك فوت مصلحة ملزمة كما هو الحال في إيجاب قضاء الصلاة للنائم.
إنّما الكلام في الأحاديث التي استدل بها صاحب الحدائق على عدم الاشتراط، وإليك سردها:
1. صحيحة أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(3)
2. موثّقة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان، هل يقضى عنها؟ فقال: «أمّا الطمث والمرض فلا وأمّا السفر فنعم».(4) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 3. ما رواه منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال:« يُقضى عنه».(1)
4. صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)
ولكن الاستدلال بهذه الأحاديث ضعيف إلاّ الأخير، لأنّ الإمعان فيها يثبت انّ مورد السؤال هو جواز القضاء وعدمه، فأجيب بالجواز لمن أراد أن يقضي عنه سواء أكان ولياً أم لا، وأين هو من وجوب القضاء على الولي؟!
والباعث على السؤال هو ما قرع سمع الراوي من أنّه سبحانه لم يجعله عليه، فكيف يُقضى عنه، كما ورد نظيره في مورد المريض في رواية أبي بصير.(3)
وهذا صار سبباً للسؤال عن شرعية القضاء. وانّ هناك فرقاً بين المريض فلا يُقضى عنه بل هو بدعة، و المسافر فيُقضى عنه. وقد ذكرنا انّ إيجاب القضاء للمسافر لأجل تدارك فوت مصلحة ملزمة لا تتدارك إلاّ بالقضاء.
نعم، موثقة أبي بصير ظاهرة في جوازه على الولي، بل وجوبه عليه حيث قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(4)
ولكنّه ليس ظاهراً في عدم التمكّن من القضاء فانّ قوله: «فأدركه الموت قبل أن يقضيه» يعمّ المتمكّن وغيره وليس ظاهراً في الثاني.
مضافاً إلى أنّ الحكم على خلاف القاعدة فإثباته بحديث واحد أمر مشكل، وحمله على ما يدلّ على الاستحباب أفضل من حمله على الوجوب. =
ــــــــــــــــــــــــــــذهب الشيخ في «النهاية»(1) و «المبسوط»(2) إلى عموم الحكم للرجل و المرأة، وتبعه ابن البراج في «المهذب»(3)، و تردّد المحقّق حيث قال: وهل يُقضى عن المرأة ما فاتها؟ فيه تردد.(4) واختاره العلاّمة في «المختلف».(5)
وذهب ابن إدريس إلى اختصاص الحكم بالوالد، لأنّ إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج إلى دليل، وإنّما انعقد الإجماع على الوالد حيث يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام و يصير ذلك تكليفاً للولد، وليس العموم مذهباً لأحد من أصحابنا و إنّما أورده الشيخ إيراداً لا اعتقاداً .(6)
ثمّ استدل بأن ّالغالب تساوي الذكور و الإناث في الأحكام الشرعية.
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ سعة الحكم لا يختص بالشيخ بل هو مذهب جماعة كما عرفت.
وثانياً: أنّ مورد القاعدة عبارة عمّا إذا اتّخذ الرجل موضوعاً لحكم شرعي كما إذا قيل رجل شكّ بين الثلاث والأربع، فحينئذ يحكم بسعة الجواب وعدم اختصاصه بالرجل; و أمّا إذا كان الرجل بنفسه موضوعاً لحكم متعلّق بشخص آخر، كما إذا قيل يجوز الاقتداء بالرجل الثقة، فانّه لا وجه للتعدّي، وتعميم الحكم، والمقام من هذا =
ــــــــــــــــــــــــــــنعم يمكن الاحتجاج في بادئ النظر على سعة الحكم بصحيحة وموثقة.
أمّا الأُولى فهي صحيحة أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أوسافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(1)
وأمّا الموثّقة فهي موثّقة محمد بن مسلم(2) التي هي بنفس مضمون الصحيحة.
ولكنّك عرفت عدم صحة الاستدلال بهما في الفرع السابق على عدم شرطية التمكّن، و منه يظهر عدم صحة التمسّك بهما في هذا الفرع أيضاً أي عموم الحكم للمرأة، وذلك لأنّ وجه السؤال هو شرعية القضاء وعدمه حيث إنّ المغروس في ذهن الراوي هو عدم وجوبه على المنوب عنه، لافتراض انّها ماتت قبل خروج شهر رمضان، فإذا لم يكن مكتوباً عليه فأولى أن لا يجوز القضاء عنها، فوافاه الجواب بالفرق بين المرض و الطمث وبين السفر، فلا يقضى في الأوّلين دون الثالث، وهذه هي مهمة الرواية وأمّا وجوبه على الولي إذا ماتت المرأة فليس مطروحاً في الرواية.
لا فرق في وجوب القضاء عن الميت بين أن يترك مالاً يُتصدق به أو لا، خلافاً للسيد المرتضى حيث اعتبر في وجوب القضاء على الوليّ أن لا يُخلف الميت ما يتصدّق =
ــــــــــــــــــــــــــــولكن المشهور هو وجوب القضاء مطلقاً سواء ترك الميّت مالاً يُتصدّق به أو لا . ويدلّ على قول المشهور إطلاق الروايات من دون تقييد القضاء بعدم مال يتصدق عنه.
نعم يدلّ على قول المرتضى، رواية أبي مريم الأنصاري الماضية وقد جاء فيها:
«وكان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه».(2)
والحديث ينطبق على نظر المرتضى تماماً.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تقييد الإطلاقات المتضافرة بالحديث الذي نقل على وجهين كما تقدّم أمر مشكل، وقد عرفت أنّ الشيخ نقل هذا المتن أيضاً كما نقل متناً آخر و هو: «وكان له مال، تصدّق عنه مكان كل يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال، تصدّق عنه وليّه».
وثانياً: أنّ تقييد الإطلاقات بعدم مال للميت يستلزم حملها على الفرد النادر، إذ قلّما يتفق عدم مال للميت يتصدّق به.
ولأجل ذلك ذهب المشهور إلى الأخذ بالإطلاقات دون تقييدها بهذه الرواية.
فإن قلت: إنّ الرواية على كلا النقلين اتّفقت على وجوب التصدّق، غير انّهما يختلفان في الشق الثاني، أعني : إذا لم يكن له مال، فعلى النقل الأوّل يصوم الولي ، و على النقل الثاني يتصدّق الولي، والاختلاف في الذيل لا يضر الاتفاق على الصدر، فعلى ذلك يجب أن تقيّد الإطلاقات بالصدقة،بمعنى الالتزام بوجوب الأمرين معاً لعدم التنافي =
ــــــــــــــــــــــــــــقلت: إنّ حديث الإطلاق والتقييد إنّما يجري فيما إذا كان المطلق على نحو «لا بشرط» والمقيد «بشرط شيء» كما في قولك: أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة، ومن الواضح انّ الثاني يقدّم على الأوّل لدلالته على مالا يدلّ عليه الأوّل.
وأمّا إذا كانت النسبة بينهما بشكل آخر بأن يكون المقيد «بشرط لا» و المطلق «لا بشرط» كما في المقام، فإنّ رواية أبي مريم تدلّ على أنّ الواجب عند مَن كان له مال، هو التصدّق فقط لا غير على نحو ينفي القضاء، فكيف يمكن الجمع بينه و بين ما يوجب القضاء ولو بنحو لا بشرط؟!
ولأجل ذلك ترك المشهور العمل بالرواية بكلا النقلين خصوصاً انّه تستشم منه موافقة العامّة على ما عرفت من أقوالهم.
المشهور عند الأصحاب انّ المراد من الولي هو الولد الأكبر.
وقد خصّصه جماعة بأكبر الأولاد الذكور.
1. قال الشيخ : هو أكبر أولاده الذكور ، فإن كانوا جماعة في سنّواحد وجب القضاء بالحصص، أو يقوم به بعض فيسقط عن الباقين، وإن كانوا إناثاً لم يلزمهن القضاء وكان الواجب الفدية.(1) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 2. وقال ابن حمزة: يلزم وليّه القضاء عنه وجوباً، والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن كان له جماعة أولاد في سن واحد قضوا عنه بالحصص، وإن خلف البنت وترك مالاً فدت عنه بما ذكرنا.(1)
3. قال ابن إدريس : وإنّما إجماعنا منعقد على الوالد يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام، ويصير ذلك تكليفاً لذلك، وكذلك ما يفوته من صلاة مرضته التي توفّي فيها يجب على الولد الأكبر قضاء ذلك.(2)
4. وقال المحقّق :والولي هو أكبر أولاده الذكور، ولو كان الأكبر أُنثى لم يجب عليها القضاء، ولو كان له وليّان أو أولياء متساوون تساووا في القضاء وفيه تردد، ولو تبرّع بالقضاء بعض، سقط.(3)
5. واستقربه العلاّمة في المختلف.(4)
6. قال المفيد: ... فإنّه ينبغي للأكبر من ولده من الرجال أن يقضي عنه بقية الصيام، فإن لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله وأولاهم به، وإن لم يكن له إلاّ من النساء.(5)
وقد فسر العلاّمة كلام المفيد وقال: وفي هذا الكلام حكمان: الأوّل: انّ الولاية لا تختص بالأولاد، الثاني: انّ مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.(6)
7. وقال علي بن بابويه: من مات وعليه صوم شهر رمضان، فعلى وليّه أن يقضي =
ــــــــــــــــــــــــــــ8. وقال بمثله ولده الصدوق في المقنع.(2)
وهؤلاء المشايخ الثلاثة ، لا يُحصرون الولاية بالأولاد أوّلاً، وانّه مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.
قال ابن البراج: على ولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من ذلك ومن الصلاة أيضاً، فإن لم يكن له ذكر فالأولى به من النساء.(3)
وهو يتفق مع قول الشيخ المفيد في الحكم الثاني، دون الأوّل.
هذه ما وقفت عليها من الأقوال بعد الفحص عن مظانّها، وقد استقر رأي المشايخ في الأعصار المتأخرة كالمصنّف والمعلّقين عليها على القول الأوّل والمهم في المقام هو دراسة الروايات التي تفسر الوليّ فنقول:
إنّ العناوين الواردة في الروايات عبارة عن:
1. روى حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:«... يقضي عنه أولى الناس بميراثه». قلت: إن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: «لا، إلاّ الرجال».(4)
2. روى حماد بن عثمان مرسلاًعن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث... من يقضي عنه؟ قال: «أولى الناس به»، قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: «لا، إلاّ الرجال».(5) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 3. ما رواه محمد بن أبي عمير مرسلاً عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم؟ قال: «يقضيه أولى الناس به».(1)
4. روى أبو بصير في حديث عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ... قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)
5. وفي مكاتبة الصفار، وقع ـ عليه السَّلام ـ : «يقضي عنه أكبر وليّيه،عشرة أيام ولاءً» كما سيوافيك نصّه.(3)
فالمهم من هذه العناوين ما يلي:
أ. أولى الناس بميراثه.
ب.أفضل أهل بيته.
والكلام فيما هو المراد في «أولى الناس بالميراث» و قد فسّره في المستند بالأولوية على ترتيب الطبقات في الإرث، فمع الأب والابن لا وليّ غيرهما، ومع فقدهما تنتقل الولاية إلى الطبقة الثانية، وهكذا إلاّ النساء فلا تنتقل إليهنّ أبداً.(4)
يلاحظ عليه: أنّ لازم ما ذكره من التفسير هو وجوب القضاء على الأولاد والأبوين أوّلاً، والإخوة و الأجداد ثانياً، والأعمام والأخوال ثالثاً; وعلى المتقرّبين بالولاء، كولاء العتق، ثمّ ولاء ضمان الجريرة، ثمّ ولاء ضمان الإمام ثالثاً. وهذا ممّا لم يلتزم به أحد. ولا أظن أن يلتزم به قائله.
والظاهر اختصاصه بالأولاد، ويدلّ عليه قوله في موثّقة أبي بصير: «يقضيه أفضل أهل بيته»، ومن المعلوم انّ الوالد لا يعد من أهل بيت الولد بل الولد من أهل بيت =
ــــــــــــــــــــــــــــهذا من جانب، ومن جانب آخر دلّت صحيحة حفص بن البختري(1) على خروج النساء. ومثله مرسلة حماد بن عثمان.(2)
فبفضل هذه الروايات ظهر انّ المحكوم بالقضاء عبارة عن أولاده الذكور، وأمّا تقدّم الأكبر على غيره، فلما في مكاتبة الصفار، قال: كتبت إليه: رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، وله وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً خمسة أيّام أحد الوليّين، وخمسة أيام الآخر؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّه».(3)
قال الصدوق: هذا التوقيع عندي مع توقيعاته إلى محمد بن الحسن الصفار بخطه ـ عليه السَّلام ـ .
فتلخّص بذلك انّ المسألة وإن كانت من حيث الأقوال متشتتة ولسان الروايات غير واضح، ولكن يمكن من ضم بعض إلى بعض كشف الحقيقة، وحل المشكل يكمن في الإمعان في قوله: «يقضيه أفضل أهل بيته» حيث يخرج بذلك كلّ من يرث منه على ترتيب الطبقات إلاّ الأولاد والزوجة.
كما أنّ بفضل بعض الروايات خرجت الزوجة فانحصر الموضوع في الأولاد، وقد علمت أنّ المكاتبة تقدم الأكبر على غيره.
وأمّا قوله : أولى الناس بميراثه، فلا يخلو من إجمال، وربّما يفسر بالنحو التالي: المراد هو الأولى من جميع الناس بالميراث بقول مطلق و على نحو القضية الحقيقية أي من كلّ من يفرض في الوجود، سواء أكان موجوداً بالفعل أم معدوماً. وهذا ينحصر =
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 20: لو لم يكن للميّت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة وإن كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه.*
المسألة 21:لو تعدّد الوليّ اشتركا وإن تحمّل أحدهما كفى عن الآخر كما أنّه لو تبرّع أجنبيّ سقط عن الوليّ.*
ــــــــــــــــــــــــ
= مصداقه في الولد الأكبر فانّه الأولى بميراث الميت من جميع البشر، حتى ممّن هو في طبقته في الإرث كالأبوين، فإنّ لكلّ واحد منهما السدس، وكالبنات لأنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين، وكسائر الأولاد الذكور لمكان اختصاص الأكبر بالحبوة، بناء على ما هو الصحيح من عدم احتسابها من الإرث، فهو الأوفر نصيباً من الكلّ ولأجله كان هو الأولى بالميراث من جميع الناس بتمام معنى الكلمة.يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التفسير المزبور مبني على أنّ المراد من الأولوية، هو الأكثرية وعلى ذلك يقدم أكبر أولاده الذكور على غيره لكن الوارد هو الأولى لا الأكثر.
ثانياً: أنّ الظاهر انّ المراد هو أولى الناس بالميراث بالفعل، فلو كان هناك أولاد فهم أولى الناس به، وأمّا مع فقده فالأولى غيره، وعلى ذلك لا ينحصر الوليّ بأكبر الذكور بل يتعدّى إلى من هو الأكثر فالأكثر وما ذكره من التفسير لا يخلو من دقة عقليّة، والظاهر انّ ما سلكناه في تفسير الوليّ أوضح ممّا بيّنه.
*. وجهه واضح لما عرفت من تعلّق الوجوب بأكبر أولاده الذكور.
* هذا كما إذا كان له ولدان ولدا في ساعة واحدة من زوجتين، فيصدق على كلّ واحد أفضل أهل بيته، فيُخاطَب كلّ بالقضاء، فيُشبه أن يكون من قبيل الواجب الكفائي، فلو قام واحد بالجميع لسقط الوجوب عن الآخر.
كما أنّه لو تبرّع أجنبي سقط عنهما شأن كلّ واجب كفائي.
المسألة 22:يجوز للوليّ أن يستأجر من يصوم عن الميّت وأن يأتي به مباشرة وإذا استأجر ولم يأت به المؤجر أو أتى به باطلاً لم يسقط عن الوليّ.*
ــــــــــــــــــــــــ
* هنا فرعان:
1. جواز الاستئجار مكان الإتيان به مباشرة.
2. عدم سقوطه عن الولي إذا لم يأت الأجير.
أمّا الأوّل: لما تقدّم في الفرع السابق من أنّ خطاب الوليّين بالقضاء آية انّه واجب كفائي، أضف إلى ذلك انّ الغاية من الإيجاب هو تفريغ ذمّة الميّت من الدين وأولى الناس بميراثه أولى بأن يقضيه، ويتحمّل جهد القضاء، والمتبادر من مثله، هو عدم اعتبار المباشرة كما مرّ.
ويظهر ذلك ممّا رواه الشيخ في الخلاف عن ابن عباس ، قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها؟»، قال: نعم . قال :« فدَيْنُ اللّه أحق أن يُقضى».(1)
فإذا كان المقام من مقولة الدين فيسقط بفعل الولي، والأجير والمتبرع.هذا كلّه على القول بصحّة الإجارة في المقام وأمّا على القول ببطلانها فيه فالأمر في الإجارة مشكل نعم لو أتى به سقط عن الوليّ.
وأمّا التمسّك في سقوطه بعمل الأجير، بعموم أدلّة الإجارة بعد كون متعلّقها في المقام عملاً مشروعاً سائغاً حسب الفرض.(2) فهو كماترى لما قلنا في محله: من أنّ أدلّة المعاملات كلّها، أدلة إمضائيّة لما بيد العرف وليس في الشرع معاملة تأسيسيّة ، شرّعها الشارع وأمر بتنفيذها فإذاً تجب ملاحظه ما بيد العقلاء، فهل عندهم عقد إجارة على =
ــــــــــــــــــــــــــــوما ذكر من المحاولات لأخذ الأجرة لو صحت، لا يكون سبباً لشمول أدلّتها للمقام بعد وجود التنافي بين الإجارة وموردها.
وأمّا النيابة في مورد الحجّ، فهوخارج عن التأجير للعبادات، لأنّ الحج عبادة يتوقف على الزاد والراحلة، فمن يريد الحجّ عن والده، فعليه أن يبذلهما ليتمكن المتبرّع عن النيابة ولا يقاس عليه سائر العبادات ولذلك، صار الاستئجار عندنا للأُمور العباديّة أمراً مشكلاً إلاّ إذا كان مماثلاً للنيابة في الحج، و قد أوضحنا حاله في محاضراتنا.(2)
هذا و ممّا يقضى منه العجب ما ذكره المحقّق النراقي ـ قدَّس سرَّه ـ في المقام من عدم سقوطه عن الولي، بعد قيام المتبرع أو الأجير به قال: الحقّ عدم السقوط عن الولي بتبرع الغير ولا باستئجاره أو وصية الميت بالاستئجار للأصل.
فان قيل بفعل الغير تُبرأ ذمّة الميت ولا صوم عليه فلا معنى لقضاء الولي عنه.
قلت: ما أرى مانعاً من قضاء متعدد من واحد، ولا ضير في أن تشتغل ذمة أحد بشيء يجوز لمائة أداؤه عنه ولو بالتعاقب.(3)
أقول: إنّ معنى ذلك اشتراط المباشرة في القضاء عن الميّت، وقد عرفت أنّ =
ــــــــــــــــــــــــــــالمسألة 23: إذا شك الوليّ في اشتغال ذمّة الميّت وعدمه لم يجب عليه شيء ولو علم به إجمالاً وتردّد بين الأقلّ والأكثر جاز له الاقتصار على الأقلّ.*
المسألة 24: إذا أوصى الميّت باستيجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الوليّ بشرط أداء الأجير صحيحاً وإلاّ وجب عليه.*
ــــــــــــــــــــــــ
= المتبادر من أمثال المقام هو أداء ما على الميّت وليس على الميت إلاّصوم واحد فيسقط بفعل واحد منهم فلا يبقى موضوع للآخر.وأمّا الفرع الثاني، فلأنّ الواجب هو تفريغ ذمة الميت عن الصوم . والاستئجار طريق إليه والمفروض انّه لم يحصل، نعم لو كان الواجب عليه أحد الأمرين:الإتيان بالصوم مباشرة، أو الاستئجار، فبما انّه قام بأحد الشقين من الواجب التخييري، سقط الوجوب، لكنّه خلاف الفرض.
* ربما يحتمل الاشتغال بجريان أصالة عدم إتيان الميّت بالواجب .
يلاحظ عليه بما ذكرناه سابقاً من عدم جريانه إلاّ فيما إذا كان ظرف الوجوب أوسع من ظرف الفعل كصلاة الظهر عند دلوك الشمس، و أمّا إذا كانا متساويين، فالمتيقن هو عدم الإتيان بالنفي التام قبل دخول ظرف الواجب، والموضوع للقضاء ، هو عدم الإتيان بالمعنى الناقص وبعد دخول ظرفه واستصحاب الأول، لغاية إثبات الثاني من أوضح مصاديق الأُصول المثبتة فلاحظ وقد بيّناه في محاضراتنا الأُصولية.
والأولى: التمسك بأصل البراءة ، للشك في الاشتغال، و منه يظهر الحال فيما إذا تردّد بين الأقل والأكثر ومعه لا حاجة إلى استصحاب البراءة لكونه حاكماً عليه، لأنّ الأول يكفي فيه مجرّد الشكّ بخلاف الثاني فهو رهن لحاظ الحالة السابقة وجرّها، والأقل مؤنة يقدّم على الأكثر.
*قد عرفت أنّ الواجب هو تفريغ ذمّة الميّت، فلو أوصى وأدّى الأجير حصلت =
المسألة 25: إنّما يجب على الوليّ قضاء ما علم اشتغال ذمّة الميّت به أو شهدت به البيّنة أو أقرّ به عند موته وأمّا لو علم أنّه كان عليه القضاء وشكّ في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمّته فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه نعم لو شكّ هو في حال حياته وأجرى الاستصحاب أو قاعدة الشغل ولم يأت به حتّى مات فالظاهر وجوبه على الوليّ.*
ــــــــــــــــــــــــ
= الغاية المتوخّاة، فلم يبق موضوع للقضاء ، نعم لو لم يؤدِّ أو أدَّى غيرَ صحيح فلا يسقط عن الوليّ، لأنّ وجوب القضاء على الولي حكم شرعي لا يسقط بالإيصاء وليس من الحقوق القابلة له، وسقوطه عن ذمّة الولي بعد قيام الأجير به، لأجل عدم الموضوع لا لكون الإيصاء مسقطاً للحكم الشرعي.* هنا فروع ثلاثة:
1. يجب القضاء على الولي إذا علم اشتغال ذمّة الميّت، أو قيام البيّنة عليه، أو أقرّ به الميّت.
2. إذا علم الوليّ بالاشتغال لكن بعد مرور زمان ـ يحتمل قيام الأب بالواجب ـ شكّ في بقاء اشتغال ذمّته، فهل يجب عليه الإتيان؟
3. لو كانت ذمّته مشغولة وشكّ نفسُ الميّت في الإتيان ولم يأت ومات يجب على الولي القضاء.
أمّا الفرع الأوّل: فلا إشكال في ثبوته بالأوّلين وإنّما الإشكال في ثبوته بالإقرار، لأنّه ليس إقراراً على نفسه إذ ليس له أثر بالإضافة إلى المقرّ بل إلى الغير أي الولد الأكبر، ومن المعلوم انّ إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، لا على غيرهم، ولا يقاس الإقرار بالصوم، بالإقرار بالدين فانّه مستلزم حرمان الورثة، أوّلاً، و مؤثر في نفسه ثانياً إذ بعد الإقرار يُطالب .
لكن للتأمّل فيه مجال: وذلك لأنّه إذا كان الموضوع ممّا لا يعلم إلاّ من قبل =
أمّا الفرع الثاني: أعني: إذا علم الولي اشتغال ذمته بالقضاء ولكن شكّ في إتيان الميّت به حال حياته أو بقاء شغل ذمّته، والفرق بين هذا الفرع والفرع الآتي بعد اشتراكهما في العلم بالاشتغال والشك في البقاء وتفريغ الذمّة، هو انّه تارة يكون اليقين والشك من الولي، من دون العلم بحال الميّت وانّه هل مات متيقّناً بالاشتغال، أو بالبراءة ، أو شاكاً وهذا هوالفرع الذي نحن فيه وأُخرى يكون الشكّ من نفس الميّت حال حياته فيشك في أنّه هل أتى ما كان عليه أو لا؟ وهذا هو الفرع الآتي، فإليك الكلام في الأوّل.
إذا علم الولي باشتغال ذمة الوالد بالصوم وشكّ في إتيانه حال حياته، فقد استظهر المصنف عدم الوجوب عليه، وخالفه غالب المعلّقين عليه فاستظهروا خلافه وصحةَ التمسك باستصحاب البقاء.
وجه عدم الوجوب، هو انّ المرجع أصالة البراءة النافية لوجوب القضاء، وأمّا استصحاب بقاء الاشتغال فليس بحجّة، وذلك لأنّه ليس بأقوى من قيام البيّنة على الميّت حيث لا تكون حجّة في إثبات الدعوى عليه مالم تقترن باليمين، فانّ استصحاب بقاء الاشتغال نوع ادّعاءعلى الميّت فلا يكون كافياً في المقام.
قال المحقّق: ولا يستحلف المدّعي مع البيّنة إلاّ أن تكون الشهادة على ميّت فيُستخلف على بقاء الحقّ في ذمته استظهاراً.(1)
ويدل عليه، خبر عبدالرحمن البصري:«وإن كان المطلوب بالحق قد مات، فأُقيمت عليه البيّنة، فعلى المدّعي، اليمين باللّه الذي لاإله إلاّهو، لقد مات فلان وانّ =
ــــــــــــــــــــــــــــو مكاتبة محمد بن الحسن الصفار،إلى أبي محمد الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ :هل تُقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ :« إذا أشهد معه آخر عدل، فعلى المدّعي اليمين».(2)
يلاحظ عليه: أنّ مورد الروايتين هو ما إذا أُقيمت الدعوى على الميّت، بحيث لو ثبتت لتضرّر الوراث، وأين هو من استصحاب الولي الذي لو صحّ لكان عليه القيام بالقضاء لا غير؟!
والحاصل: انّه لا مانع من جريان الاستصحاب الذي تمّ أركانه عند الولي حيث أيقن وشكّ وأمر الشارع بعدم نقض يقينه بالشك فصار كالمتيقن «بأنّ الميت مات وعليه صيام» فيكون الاستصحاب منقحاً لموضوع الدليل الاجتهادي.
وأمّا الفرع الثالث، أعني: ما إذا كان الميّت نفسه هو المتيقّن بالاشتغال والشاك في فراغ ذمّته فقط، فاستظهر المصنّف وجوب القضاء على الوليّ والمفروض اختصاص الميّت باليقين والشك، لا الولي، وإلاّفلو كان هو أيضاً في حال حياته، متيقّناً وشاكّاً، يدخل في الفرع الأوّل.
وذهب السيد الحكيم إلى عدم جريانه، لأنّ المدار في الوجوب على الوليّ قيام الحجّة عنده على فوات الواجب،لا قيامها عند الميت.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان قيام الحجة عند الميّت مبدأ لقيام الحجّة على الوليّ، يكون داخلاً في المدار المزبور، وذلك لأنّ الميت بإجراء الاستصحاب في حياته صار =
ــــــــــــــــــــــــــــ