ــــــــــــــــــــــــ
= ولكنّه رواه في الاستبصار نحو «أو تشهد عليه بيّنة عدول».(1) وعليه نسخة الوسائل. وفي رواية زيد الشحام: «إلاّ أن يشهد بيّنة عدول».(2)
وبذلك لا يمكن الاعتماد على مثل الحديث، على أنّه يمكن أن يقال انّ المراد من العدل هو الأعم من الواحد والكثير، وقد نقل العلاّمة في المختلف عن أهل اللغة بأنّه يطلق على الواحد والكثير.(3)
على أنّ تضافر الروايات على شهادة عدلين حجّة بلا إشكال، وهو الأكثر عدداً وأشهر عند الأصحاب.
ومنه يظهر عدم ثبوتها بشاهد واحد مع ضم اليمين، لأنّه لا يثبت باليمين إلاّ الدعاوي المالية كما هو محقّق في محلّه.(4)
* هل يثبت الهلال بحكم الحاكم إذا استند إلى مستند صحيح كالبيّنة أو التواتر أوالشياع المفيد للعلم و الرؤية أو لا؟ فيه خلاف.
قال في الحدائق: ظاهر الأصحاب هو الحجّية، بل زاد بعضهم الاكتفاء برؤية الحاكم الشرعي، ويظهر من بعض أفاضل متأخري المتأخرين العدم، وانّه لابدّللمفطر من سماعه من الشاهدين، وانّه لا يجب على المكلف العمل بما ثبت عند الحاكم الشرعي =
ــــــــــــــــــــــــــــومال هو أيضاً إلى القول بعدم الحجّية، وقوّاه النراقي في مستنده(2)، وإليك البيان. لا شكّ انّ قول الحاكم حجّة في الأحكام الشرعية، كما هو حجّة في القضاء في الخصومات، ومثلهما الحقوق الإلهية، إلى غير ذلك من الموارد التي اتّفق المشهور على حجّية قول الحاكم فيها على اختلافهم في سعة ولايته كالإمام المعصوم أو ضيقها.
إنّما الكلام في حجّية قوله في الموضوعات، فهل يثبت به أو لا؟ مثلاً لو ثبت عند الحاكم بالبيّنة نجاسة الماء أو حرمة اللحم، أو غصبية الماء، أو دخول الوقت في زمان معين ولم يثبت عند المكلّف لعدم سماعه البيّنة، فهل يجب على العامي الأخذ بحكم الحاكم بنجاسة الماء وحرمة اللحم وغصبية الماء ودخول الوقت أو لا؟ الظاهر عدم الحجّية في مطلق الموضوعات لعدم الدليل عليها، وأمّا ثبوت الهلال بخصوصه من بين الموضوعات ففيه قولان:
الأوّل: عدم الحجّية، وهو الذي استند إليه بعض المتأخرين، وقال: إنّ الأدلّة الدالّة على الفطر أو الصيام من الأخبار، أمّا رؤية المكلّف نفسه أو ثبوتها بالتواتر أو بالشياع المفيد للعلم أو السماع من رجلين عدلين أو مضي ثلاثين يوماًمن شعبان أو من رمضان.
وأمّا ثبوته بأمر سادس وهو حكم الحاكم، فلم نجد له ما يعتمد عليه ويركن إليه.
وعليه اعتمد وركن المحقّق النراقي في ترجيح عدم الحجّية، وقال: =
ــــــــــــــــــــــــــــ= والأخبار المعلّقة للصوم والفطر على الرؤية أو مضي الثلاثين، والناهية عن اتّباع الشك والظن في أمر الهلال، وقول الحاكم لا يفيد أزيد من الظن.(1)
يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يكون عدم ذكر الإمام ـ عليه السَّلام ـ حكم الحاكم، لأجل أنّ المخاطبين بهذه الروايات هم الشيعة الذين كانوا متفرقين في البلاد، ولم يكن لهم آنذاك في بلدانهم حاكم شيعي يُرجع إليه في هذا الأمر ونحوه، ولذلك اكتفى بالأُمور المذكورة، وإلاّفلو كان الأمر بغير هذه الصورة ربما ذكره. وبذلك لا يكون عدم الذكر دليلاً قطعياً على عدم حجّية حكم الحاكم.
الثاني: الحجية، فالواجب دراسة أدلّة القائلين بحجّية قول الحاكم في الموضوعات في خصوص الهلال.
استدل على هذا القول بوجوه:
قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فانّما تحاكم إلى الطاغوت» ـ إلى أن قال: ـ قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم ممّن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فانّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه، وعلينا ردّ، والرادّ علينا، الرادّ على اللّه».(2) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= وجه الاستدلال: انّ مقتضى إطلاق التنزيل، ترتيب جميع وظائف القضاة والحكام على المنوب من جانبهم، فالحاكم الشيعي يقوم مقام الحاكم الآخر في كلّ ما كانوا يمارسونه ويتولّونه، ومنه مسألة الهلال، إذ لم يكن بناء المسلمين، الاكتفاء بالطرق الأربعة: الرؤية والبيّنة والتواتر والشياع العلمي، بل كانوا يرجعون إلى ولاة الأمر من الحكام والقضاة ، فإذا حكموا، أفطروا أو صاموا.
أقول: الاستدلال يتوقف على تمامية السند والدلالة.
أمّا السند فرجاله كلّهم ثقات، غير الراوي الأخير أي عمر بن حنظلة، فانّه لم يرد في حقّه، أيّ توثيق في كلمات الرجاليين، لكن يمكن الاعتماد عليه لأجل رواية الأجلاّء عنه كزرارة، وصفوان بن يحيى، وعبد اللّه بن مسكان، وعبد اللّه بن بكير، وله أكثر من 70 رواية، وقد حاول الشهيد الثاني إثبات وثاقته بوجوه غير تامّة في نفسها ،(1) لكن المجموع مضافاً إلى رواية الأجلاّء كاف في الاعتماد عليه.
نفترض انّه لم تثبت وثاقته، لكن هذه الرواية من بين رواياته مما تلقّاها الأصحاب بالقبول، ولذلك سمّيت مقبولة، ورواها أصحاب الجوامع الأربعة مضافاً إلى أنّ فقراتها تشبه كلمات الأئمة ويعضدها بعض الروايات الواردة في كتاب القضاء وغيره، وقد قلنا في محلّه: إنّ الحجّة هو الخبر الموثوق به، لا الرواية الصحيحة التي تدور على كون الراوي ثقة، فالمناقشة في سند الراوية غير صحيح.
أمّا الدلالة فالمهم هو ثبوت إطلاق التنزيل حيث نزله الإمام منزلة الحاكم الذي كان الناس يفزعون إليه، ومن الأُمور التي كان الحكام يوم ذاك يمارسونها، هو مسألة الهلال خصوصاً في شهر رمضان وشوال، فمقتضى عمومها هو جواز حكم الحاكم في الهلال، غرار ثبوته بحكم الحاكم الآخر.=
ــــــــــــــــــــــــــــ= وأورد على عموم التنزيل بوجهين:
1. انّ النصب في الرواية خاص بمورد التنازع والترافع المذكور في صدر الحديث، فكلّ أمر وقع مورد التخاصم، فالمرجع فيه هو الحاكم الشرعي حتى الهلال بشرط أن يقع مورده، كما إذا اختلفا المستأجر والموجر في انقضاء الشهر برؤية الهلال وعدمه وترافعا إليه، وحكم الحاكم بالهلال، فيكون حكمه حجّة بملاك وجود الترافع فيه، وأمّا إذا لم يكن كذلك بل كان مجرّد شك بين الناس، فحجية حكمه عندئذ خارج عن مصب الرواية.(1)
2. انّ الاستدلال مبني على أنّ القضاة كانوا يتولّون أمر الهلال وكان الناس يعملون على حكمهم فيه بلا ريب، ولكنّه غير واضح، فانّ مجرّد تصدّي قضاء العامّة لأمر الهلال خارجاً لا يكشف عن كونه من وظائف القضاء في الشريعة المقدسة حتى يدل نصب الفقيه قاضياً على كون حكمه نافذاً في الهلال، ولعلّهم ابتدعوا هذا المنصب لأنفسهم.
يلاحظ على الأوّل: أنّ من قرأ الرواية وأمعن فيها يقف على أنّ الإمام بصدد ردع الشيعة من الرجوع إلى أبواب الطواغيت، وذلك بإيجاد حلول تغنيهم عن الرجوع إليهم، وذلك بنصب الفقيه حاكماً يفزع إليه، ومثل ذلك يقتضي عموم المنزلة لا تخصيصها بالمرافعات وتركهم في غيرها حيارى وأمرهم فوضى لا يعرفون وظائفهم ولا يدرون إلى أين يرجعون. وما ذكرناه وإن لم يكن أمراً قطعياً لكنّه يكفي في ردّالقطع بأنّها وردت حول الدعاوي والمرافعات فقط.
ووجود حلول أُخرى في خصوص مورد الهلال، من الرؤية وشهادة العدلين والتواتر و الشياع العلمي، لا يرفع الحيرة مع عدم التمكن من الرؤية فيما إذا كانت =
ــــــــــــــــــــــــــــيلاحظ على الثاني: بأنّ من سبر الروايات الواردة حول الهلال يقف على وجود السيرة في عصر أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ . روى الصدوق بسند صحيح عن عيسى بن أبي منصور انّه قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في اليوم الذي يشك فيه، فقال:« يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا؟» فذهب ثمّ عاد فقال: لا،، فدعا بالغداء فتغدّينا.(1)
ووروده مورد التقية ـ على فرض الصحة ـ لا يضرّ بالمقصود، إذ هو على أيّ تقدير كاشف عن أنّ الحكام كانوا يمارسون أمر الهلال. واحتمال انّه لم يكن من مناصب القضاة والحكام وإنّما تبنّوه لأنفسهم كما ترى، لأنّ الناس بطبعهم يرجعون فيما يبتلي به العامة، إلى رؤسائهم وفي الأُمور الدينية إلى زعمائهم في ذلك المجال.
روى الشيخ باسناده ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ إلى أصحابنا، فقال: «قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء، أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».(2)
والاستدلال بالحديث يتوقف على صحة السند أوّلاً ، وتمامية الدلالة ثانياً . أمّا =
ــــــــــــــــــــــــــــوقد أشكل على السند بوجهين:
1. انّ بين الحسين بن سعيد الأهوازي و أبي الجهم سقطاً، لأنّ الثاني توفّي في عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ الذي توفّي عام 148 هـ ، ولكن الأوّل ممن يروي عن الإمام الجواد (المتوفّي عام 220هـ) والإمام الهادي (المتوفّى عام 254هـ)، فكيف يمكن أن يروي عن بكير بلا واسطة؟!
ولكن يمكن أن تستظهر الواسطة بفضل سائر الروايات التي روى فيها الحسين بن سعيد عن بكير بن أعين بواسطة أو وسائط.
فيروي عنه على النحو التالي:
أ: يروي عن محمد بن خالد، عن أبي الجهم.(2)
ب: حريز بن عبد اللّه، عن بكير.(3)
ج: ابن أبي عمير ،عن عمر بن أُذينة، عن بكير.(4)
ج: حماد بن عيسى، عن حريز، عن عبد اللّه عن بكير.(5) =
ــــــــــــــــــــــــــــ= د: صفوان، عن عبد اللّه بن بكير، عن أبيه بكير بن أعين.(1)
هـ: حماد بن عيسى، عن عمر بن أُذينة، عن بكير.(2)
وهؤلاء كلّهم ثقات.
وربما يتخيّل انّ المكنّى بأبي الجهم غير بكير، وانّ المراد هو: ثوير بن أبي فاختة الذي هو من أصحاب الإمام السجاد والباقر والصادق ـ عليهم السَّلام ـ ، ولكنّه ضعيف، إذ ليس لحسين بن سعيد أيّ رواية عنه. وإن احتمل المعلّق على التهذيب أن يكون هو المراد في بعض الموارد.
2. انّه(3) اختلفت كلمات الرجاليين في حقّ أبي خديجة الذي اسمه سالم بن مُكرَم (بالفتح) الذي وثّقه النجاشي والكشي. قال النجاشي: سالم بن مكرَم، أبو خديجة، ويقال: أبو سلمة، يقال: كنيته كانت أبا خديجة، وانّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ كنّاه أبا سلمة، ثقة، ثقة.(4)
فعلى ما ذكره النجاشي اسمه: سالم، واسم أبيه: مكرم، وله كنيتان: أبو خديجة، وأبو سلمة، فهو ثقة، ثقة. وذكر نحوه الكشي في رجاله.(5)
وعدّه البرقي من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، قائلاً: أبو خديجة، ويكنّى أبا سلمة ابن مكرم . وعلى هذا فهو مقبول الرواية. =
ــــــــــــــــــــــــــــ= ثمّ إنّ سالم بن مكرم المكنّى بكنيتين غير سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني الذي وصف النجاشي حديثه، بقوله: ليس بالنقي، وانّه لا نعرف منه إلاّخيراً.(1) كما ضعّفه ابن الغضائري أيضاً، وقال: ضعيف جداً.(2) والفرق بين المترجمين انّ الأوّل يكنى بكنيتين، وكلاهما كنيتان لسالم، وأمّا الآخر فإنّما يكنّى والده بـ «أبي سلمة»، فربما خلط الشيخ بينهما، فضعف الأوّل ظناً منه اتحادهما. وانّ سالم بن مكرم هو سالم بن أبي سلمة، فأصبحت الرواية ـ بحمد اللّه ـ صالحة للاستناد.
وأمّا كيفية الاستدلال فعلى النحو الذي ذكرناه في مقبولة عمر بن حنظلة.
روى الصدوق في الفقيه باسناده عن أحمد بن عائذ أبي حبيب الأحمسي البجلي الثقة، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال، قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السَّلام ـ : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، فتحاكموا إليه».(3) ورواه في الكافي غير انّه قال: مكان «قضايانا» قض(4)ائنا.
والرواية صحيحة وسند الصدوق إلى أحمد بن عائذ صحيح، وأمّا أحمد بن عائذ فيكفي في وثاقته قول النجاشي في حقّه: مولى، ثقة، كان صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه وعرف به.=
ــــــــــــــــــــــــــــ= وكيفية الاستدلال بالنحو السابق في مقبولة عمر بن حنظلة فلا نطيل.
روى الصدوق في كمال الدين، عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أُشكلَت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان ـ عليه السَّلام ـ :«أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبتَّك ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانّهم حجّتي عليكم، وأنا حجة اللّه».(1)
والاستدلال يتوقف على ثبوته سنداً ودلالة.
أمّا السند فقد رواه الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام وهو أيضاً كليني، من مشايخ الصدوق وتلاميذ الكليني، وقد ترضّى عليه الشيخ الصدوق في المشيخة، وقال: وما كان فيه عن محمد بن يعقوب فقد رويته عن محمد بن محمد بن عصام الكليني وعلي بن أحمد بن موسى ومحمد بن أحمد الشيباني ـ رضي اللّه عنهم ـ و ذلك آية الوثاقة.
وأمّا إسحاق بن يعقوب، فهو أخو الكليني، وقد ورد السلام عليه في التوقيع، لكنه ليس بحجّة، لأنّ الراوي له هو نفسه، ولم يوثّق لكن من البعيد جداً أن يروي الكليني توقيعاً لأخيه بلا تحقيق، فالرواية صالحة للاحتجاج.
وأمّا الدلالة ففي قوله: «الحوادث الواقعة» احتمالات:
1. الموضوعات التي لا يعلمون حكمها لكي يعلموا. =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 2. المرافعات التي تحدث بينهم فيرجع إليهم لكي تحسم.
3. المشاكل الدينية لكي تحل عقدتها، كتكليف أموال الغُيَّب والقُصَّر وما شاكلهما .
والأوّل بعيد، لأنّه توضيح للواضح يومذاك، لأنّ الشيعة لم تزل ترجع في تعلّم الأحكام إلى تلاميذ الأئمّة الذين كانوا رواة الأحاديث.
وأمّا الثاني فهو و إن كان أقرب من الأوّل، لكن يبعده قوله: «فارجعوا فيها»، إذ لو كان المراد هو المرافعات، فالأنسب أن يقول فارجعوها إلى رواة أحاديثنا، واحملوها إليهم.
فتعيّن الثالث وهو المشاكل التي ربما تواجهها الشيعة وليست لها جهة معينة يرجع إليها، ولا يبعد أن يكون منها ثبوت الهلال، لأنّها معضلة دينية لا تحل عقدتها إلاّبيد العارف بالأحكام.
ويؤيد ذلك انّ قوله: «فهو حجّتي عليكم» بمعنى انّه حجّة في كلّ ما أنا حجّة فيه، فإذا كان حكم الإمام حجّة في ثبوت الهلال، فيكون هو أيضاً حجّة حجة اللّه في ذلك.
إلى هنا تمّ استعراض الروايات العامة التي استدل بها على حجّية حكم الحاكم في ثبوت الهلال.
روى الصدوق بسند صحيح، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا شهد عند الإمام شاهدان انّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً، أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك =
تدل الصحيحة على أنّ الإفطار يجب بأمر الإمام سواء أثبت قبل الزوال أم بعده، غير انّه يفترق عن إقامة الصلاة إذا ثبت بعد الزوال، حيث إنّها لا تُشرع بعده ومن ثمّ تؤخر إلى الغد.
والسند نقيّ جداً، وقد نوقش في الدلالة، فقال صاحب الحدائق: فانّ المراد من الإمام هو إمام الأصل، أو ما هو الأعم منه و من أئمة الجور المتولين لأُمور المسلمين، وليس ثبوته للأوّل دليلاً على ثبوته لنائبه، لعدم الدليل على هذه النيابة الكلية لظهور اختصاص بعض الأُمور بالإمام دون نائبه.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره أشبه «بقسمة ضيزى» ، إذ كيف يجب على الشيعة، إطاعة الحاكم الجائر في ذلك الموضع، دون الحاكم الحقّ الذي يقتفي ظل الإمام ولا يعدل عنه قيد شعرة. اللّهمّ إلاّ إذا كانت إطاعته بملاك التقيّة؟!
وأورد عليه السيد الحكيم بأنّ الحديث مختص بالإمام، الظاهر في إمام الحق، ولا يجدي فيما نحن فيه إلاّأن يقوم ما يدل على أنّ الحاكم الشرعي بحكم الإمام وله كلّ ما هو وظيفته.(3)
يلاحظ عليه: ان أراد من «إمام الحق» هو الإمام المعصوم كما هوالمتبادر من كلامه، فيرد عليه، انّ المراد من الإمام في تلك المقامات، هو الأعم من المعصوم وغيره ، بل استعماله في كلماتهم في الحاكم كثير، وقد جمعنا لفيفاً من هذه الروايات ما يناهز ثلاثين مورداً في كتابنا مفاهيم القرآن.(4) ونذكر منها ما يلي: =
ــــــــــــــــــــــــــــ= 1. لما حجّ إسماعيل بن علي بالناس سنة أربعين ومائة، فسقط أبو عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن بغلته، فوقف عليه إسماعيل، فقال له الصادق ـ عليه السَّلام ـ «سِرْ الإمام لا يقف».(1) والمراد من «إسماعيل » هو إسماعيل بن عبد اللّه بن عباس وكان أمير الحج.
2. قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في مسؤولية الحاكم:«يجب على الإمام أن يُحبس الفسّاق من العلماء، والجهّال من الأطباء، والمفاليس من الأكرياء»(2)والمراد منه مطلق الحاكم لا خصوص الإمام المعصوم، وذلك لأنّ الإمام المعصوم أعرف بوظيفته فلا يحتاج إلى البيان.
3. قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في مسؤولية الحاكم في أمر المسجونين:«على الإمام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد، فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد، ردّهم الى السجن».(3)
4. قال الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «المغرم إذا تدين أو استدان من حق، أُجّل سنة، فان اتسع، وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال».(4)
5. وقال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «على الإمام أن يعلّم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان».(5)
إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في مطلق الإمام ، ومنها رواية محمد بن قيس، إذ لو كان المراد من الإمام هو الإمام المعصوم، فهو أعرف بالحكم لا يحتاج إلى البيان، وإنّما المحتاج هو الإمام الذي يستمدّ كلّ ما له من الشؤون من إمامة الإمام المعصوم.
و أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الرواية ليست بصدد بيان ثبوت الهلال بحكم =
ــــــــــــــــــــــــــــالّذي لم يعلم خطؤه ولا خطأ مستنده كما إذا استند إلى الشياع الظنّي.*
ــــــــــــــــــــــــ
= الحاكم الذي يحتاج إلى الانشاء، بل بصدد بيان لزوم طاعة أمره وانّه متى أمر بالإفطار يفطر عملاً بمقتضى قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (1) من غير صدور حكم، كما هو ظاهر الحديث، وهذا ثابت للأئمة ولم ينهض دليل ما يتكفل لإثباته لغيرهم من الفقهاء.(2)يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان اختلاف حكم الإفطار مع الصلاة إذا ثبت عند الإمام بالبيّنة، وانّه يفطر على كلّ تقدير، ولا يصلّي إلاّإذا ثبت قبل الزوال وإلاّفيؤخر الصلاة لغد، وأين هذا من ظهورها في وجوب إطاعة الإمام وانّها من شؤون الأئمّة؟!
وأمّا عدم اشتمال الرواية على الحكم صريحاً، فقد استغنى عن ذكره بالأمر بالإفطار، وعدم ذكره يعرب إمّا عن إنشائه قبل الأمر، أو انّه يكفي في إنشاء الحكم ما يدل عليه بالدلالة الالتزامية، كالأمر بالإفطار وليس للفظ«حكمت» خصوصية.
أضف إلى ما ذكر انّه سبحانه اهتمّ بشهر رمضان وجعل له أحكاماً تدور على ثبوت الهلال صوماً وإفطاراً، فلو حُوِّل ذلك إلى رؤية الإنسان أو قيام البيّنة فقط يلزم الهرج والمرج، فمن صائم عاكف في المسجد، إلى مفطر يأكل و يشرب، إلى بلد رافع أعلام السرور وألوية العيد، إلى آخر مقبل على صومه ودعائه، وهذا ممّا لا يرضى به الشارع كما هو ملموس، فلابدّ أن يكون هنا مرجع يكون قوله حاسماً، وأمره نافذاً، وهو الحاكم بالحق.
* لا شكّ انّ حكم الحاكم لا يُغيِّر الواقع، فلو تبيّن انّ حكمه على خلافه لا يجوز اتّباعه، فلو ذهب لفيف من أهل السنّة إلى التصويب وانقلاب الواقع وفقَ =
ــــــــــــــــــــــــــــهذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الغاية من القضاء هو حسم مادة الخلاف وفضّ النزاع ونشر السلام في المجتمع، وهذا رهن نفوذ قضاء الحاكم في حقّ المترافعين وغيرهم ممّا له صلة بموضوع الترافع، فلو قضى الحاكم في واقعة حسب اجتهاده وكان مخالفاً لرأي المجتهد الآخر، فليس له أن ينقضه، وإلاّلبطلت الغاية المنشودة من جهاز القضاء.
ومع الاعتراف بهذين الأمرين، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز نقض حكم الحاكم في موارد، نذكر منها ماله صلة بالمقام ، أعني: رؤية الهلال.
الأوّل: إذا علمنا قطعاً انّ حكمه على خلاف الواقع، كما إذا حكم بثبوت الهلال في ليلة التاسع والعشرين غفلةً فلا يُتبع حكمه لكونه على خلاف الواقع بلا ريب.
الثاني: إذا احتملنا إصابة قضائه للواقع، ولكن نعلم فساد اجتهاده، كما إذا حكم بالهلال من خلال شهادة النساء، أو بشهادة واحد مع ضم اليمين، فلا يُتّبع لاتفاق الجميع على عدم ثبوته بهما، حتى القاضي لو نبهه أحد على خطئه في قضائه.
الثالث: فساد مستنده، كما إذا شهد بشهادة شاهدين نعلم فسقهما وكذبهما في هذه الشهادة مع احتمال إصابة الواقع، وإن كانا مزكّيين عند الحاكم، ففي هذه الموارد لا يجوز اتّباعه فيما حكم به.
نعم لو استند إلى دليل اختلفت الأنظار فيه، كالشياع الظني حيث ذهب العلاّمة في التذكرة والشهيد الثاني في المسالك(1) إلى حجّيته مستدلين بأنّ الظن الحاصل =
ــــــــــــــــــــــــــــوبهذا يعلم انّ ما ذكره المصنّف من جواز المخالفة إذا كان الشياع الظني أساساً للحكم، غير صحيح، وإلاّ يجوز الخلاف في عامة الموارد الّتي يختلف فيها القاضي مع غيره في النظر والفتوى.