كتاب الرجال والدراية للأستاذ جعفر السبحاني من ص 61 ـ 90 ص

( 60 )

 


( 61 )

الدرس الثاني عشر

 

المختار و مناقشات المحدّث النوري

إنّ المحدّث النوري ناقش المختار بوجوه، نذكرها بتحليل:

الأوّل: انّ هذا التفسير ركيك خصوصاً بالنسبة إلى هؤلاء الأعلام(1) (أصحاب الإجماع).

يلاحظ عليه: أيّ ركاكة في القول بأنّ العصابة اتّفقت على تصديق هؤلاء فيما يحكون وبالتالي اتّفقوا على وثاقتهم؟! ولو كان ركيكاً، فلِمَ ارتكبها نفس الكشّي عند ذكر الطبقة الأُولى، حيث وضع مكان «تصحيح ما يصحّ عنهم» قوله: أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب الإمامين عليمها السَّلام ؟!

الثاني: لو كان المراد ما ذكروه لاقتصر الكشي بقوله «أجمعت العصابة على تصديقهم».(2)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يرد لو قدّم قوله: «وتصديقهم» على قوله: «تصحيح ما يصحّ عنهم» إذ عندئذ لا حاجة إلى الثاني، ولكنّه عكس في الذكر فجعل قوله: «وتصديقهم» توضيحاً لما تقدّم.

الثالث: انّ أئمّة فن الحديث والدراية صرّحوا بأنّ الصحّة والضعف والقوّة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المستدرك:25/23ـ 24.
2 . المستدرك:25/23ـ 24.


( 62 )
والحسن وغيرها من أوصاف متن الحديث تعرضه باعتبار اختلاف حالات رجال السند، و قد يطلق على السند مسامحة فيقولون في الصحيح عن ابن أبي عمير، وهو خروج عن الاصطلاح، فالمراد من الموصول في «ما يصحّ عنهم» هو متن الحديث لأنّه الذي يوصف بالصحة والضعف.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الصحّة سواء أفسِّرت بمعنى التمامية أم بمعنى الثبوت، يقع وصفاً للسند والمتن معاً وليس لها مصطلح خاص حتى نخصّه بالمتن دون السند.

سؤال وإجابة

إذا كان المقصود، هو تصديقهم في حكاياتهم وبالتالي توثيقهم، فلماذا خصَّت العصابةُ هؤلاء الثمانية عشر بالذكر مع أنّ هناك رواة ، اتّفقت كلمتهم على وثاقتهم؟

والجواب: انّ تخصيص هؤلاء بالذكر، لأنّهم مراجع الفقه، ومصادر علوم أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ولأجل ذلك أضاف في الطبقة الأُولى بعد قوله: «بتصديقهم»، قولَه: «وانقادوا لهم بالفقه»، كما أضاف في الطبقة الثانية قوله: «وأقرّوا لهم بالفقه والعلم»، فلم ينعقد الإجماع على مجرّد وثاقتهم بل على فقاهتهم من بين خرّيجي مدرسة الأئمّة الأربعة ـ عليهم السَّلام ـ ، فهذه المميّزات أوجبت تخصيصهم بالذكر.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . انظر: المستدرك:25/23ـ 24.


( 63 )

كلمات الأعلام حول المعنى المختار

ثمّ إنّ ما اخترناه من التفسير للموصول والتصحيح، هو خيرة عدّة من الأعلام، فنذكره حسب تاريخ حياتهم، وإليك نصوصهم:

الأوّل: قد فهم ابن شهر آشوب(488ـ 588هـ) من العبارة نفس ما ذكرنا حيث قال في بيان الطبقة الثانية:«اجتمعت العصابة على تصديق ستة من فقهائه(الإمام الصادقعليه السَّلام ) وهم: جميل بن درّاج، وعبد اللّه بن مسكان...» .

فقد فهم من عبارة الكشي اتّفاق العصابة على تصديق هؤلاء وكونهم صادقين فيما يحكون .

بشهادة انّه وضع «التصديق» مكان تصحيح ما يصحّ عنه، وهذا يعرب عن أنّ المقصود من العبارة «تصحيح ما يصحّ»، «تصديقهم».

الثاني: انّ الظاهر من كلمات العلاّمة(648ـ726هـ) في «الخلاصة» هو اختيار ذلك، حيث قال:«قال الشيخ الطوسي: عبد اللّه بن بكير، فطحي المذهب إلاّ أنّه ثقة»، وقال الكشي: «إنّ عبد اللّه بن بكير، ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه وأقرّوا له بالفقه».

فأنا أعتمد على روايته وإن كان مذهبه فاسداً».(1) فانّ الغاية من نقل كلام الكشي، إنّما هو الاعتذار عن قبول روايته مع أنّه فطحيّ المذهب.

وقد قال بمثل هذا الكلام في أبان بن عثمان الأحمر، حيث نقل عن علي بن حسن بن فضّال أنّه قال: كان أبان من الناووسية .

ولمّا كان مقتضى هذا الكلام كونه ضعيفاً، استند في توثيقه وقال: قال أبو عمرو الكشي: إنّ العصابة أجمعت على تصحيح ما يصحّ عن أبان بن عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخلاصة:106، باب عبد اللّه، برقم 24.


( 64 )
والإقرار له بالفقه; فالأقرب عندي قبول روايته وإن كان فاسد المذهب للإجماع المذكور.(1)

الثالث: انّ ابن داود(648ـ 707هـ) قد فسّـر العبارة وفق ما ذكرناه حيث قال: أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلاً، فلم يختلفوا في تعظيمهم غير انّهم يتفاوتون ثلاثة درج.(2)

نعم، دلالة العبارة على وثاقة هؤلاء دلالة التزامية; وقد عرفت أنّ المعنى المطابقي هو صحّة حكاياتهم.

الرابع: انّ المحدّث الكاشاني (المتوفّى عام 1091هـ) صاحب الوافي، فسّـر العبارة على غرار ما ذكرناه، قال في المقدمة الثانية من كتابه:إنّ ما يصحّ عنهم هو الرواية لا المروي.(3)

ومراده من الرواية هو المعنى المصدري أي الحكاية والتحديث.

الخامس: قد نقل أبو علي في رجاله عن أُستاذه صاحب الرياض(المتوفّى1231هـ) أنّه قال: المراد دعوى الإجماع على صدق الجماعة، وصحّة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقّف فيه، فإذا قال أحد الجماعة: حدّثني فلان، يكون الإجماع، منعقداً على صدق دعواه و إذا كان فلانٌ ضعيفاً أو غير معروف، لا يجديه ذلك نفعاً، وذهب إليه بعض أفاضل العصر وهو السيد مهدي الطباطبائي.(4)

وعلى هذا فنتيجة العبارة: انّ أحداً من هؤلاء إذا ثبت انّه قال: حدّثني،

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخلاصة:21ـ22، باب أبان، برقم 3.
2 . رجال ابن داود:209، خاتمة القسم الأوّل، الفصل الأوّل.
3 . الوافي: 1/27، المقدّمة الثانية، الطبعة الحديثة.
4 . انظر المستدرك:25/25; منتهى المقال:10، الطبعة الحجرية.


( 65 )
فالعصابة أجمعوا على أنّه صادق في اعتقاده.(1)

السادس: أخيرهم لا آخرهم السيد الإمام الخميني ـ قدَّس سرَّه ـ ، حيث قال: المراد تصديقهم لو أخبروا به وليس إخبارهم في الإخبار مع الواسطة إلاّ الإخبار عن قول الواسطة وتحديثه، فإذا قال ابن أبي عمير: «حدّثني زيد النَّرسِي، قال: حدّثني علي ابن مزيد، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ كذا،لا يكون إخبار ابن أبي عمير إلاّ تحديث زيد.

وهذا (المراد تصديقهم) في ما ورد في الطبقة الأُولى واضح وكذلك الحال في الطبقتين الأخيرتين، أي الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم; لأنّ ما يصحّ عنهم ليس متن الحديث في الاخبار مع الواسطة لو لم نقل مطلقاً.

فحينئذ إن كان المراد من الموصول، مطلق ما صحّ عنهم، يكون لازمه قيام الإجماع على صحّة مطلق إخبارهم سواء كان مع الواسطة أو لا، إلاّ أنّه في الإخبار مع الواسطة لا يفيد تصديقُهم، وتصحيحُ ما صحّ عنهم، بالنسبة إلى الوسائط، فلابدّ من ملاحظة حالهم ووثاقتهم وعدمها.(2)

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . مستدرك الوسائل: 25/23 .
2 . الطهارة:الجزء الثالث:245.


( 66 )

تمرينات

1. ما هو مختار المحدّث النوري في تفسير عبارة الكشي؟

2. اذكر الوجوه الثلاثة لمختاره، وجوابنا عنها.

3. إذا كان المراد من عبارة الكشي توثيق هؤلاء لا مشايخهم، فلماذا خَصّوا هؤلاء بالذكر؟

4. ما هو موقف الأعلام حيال المعنى المختار؟ اذكر بعض كلماتهم.

 


( 67 )

الدرس الثالث عشر

 

التفسير الثاني

لقولهم«تصحيح ما يصحّ عنهم»

بشقوقه الثلاثة

قد عرفت أنّ ما ذكره الكشي في اتّفاق العصابة على «تصحيح ما يصحّ عنهم» يحتمل وجهين:

أ. تصديق حكاياتهم وتحديثاتهم.

ب. تصحيح رواياتهم وأحاديثهم.

وقد مرّ الوجه الأوّل في الدرس السابق، وحان البحث في الوجه الثاني، فنقول:

إنّ اتّفاق العصابة على تصحيح مرويات هؤلاء وأحاديثهم على نحو يحتجّ بها في مجالات شتّى يمكن أن يكون لأحد أمرين:

الأمر الأوّل: احتفاف رواياتهم بالقرائن الخارجية الدالّة على صحّتها.(هذا هو الشقّ الأوّل).

الأمر الثاني: احتفاف رواياتهم بالقرائن الداخلية الدالّة على صحّتها.(هذا


( 68 )
هو الشقّ الثاني).(1)

وإليك التفاصيل:

1.الصحّة، لاحتفاف أحاديثهم بالقرائن الخارجية

إنّ هذا الاحتمال مبنيّ على القول بأنّ الصحيح عند القدماء غيره عند المتأخّرين، فالصحيح عند القدماء عبارة عن: اقتران الحديث بقرائن دالّة على صدوره من الإمام.

منها : أن يكون موافقاً لنصّ الكتاب.

ومنها: أن يكون موافقاً للسنّة المقطوع بها من جهة التواتر.

ومنها: أن يكون موافقاً لما أجمعت عليه الفرقة المحقّة.

ومنها: أن يكون الحديث مأخوذاً من أصل، أو مصنَّف معتبر، أو من كتاب عرض على الإمام، إلى غير ذلك من القرائن الخارجية التي تثبت صدور الحديث.

هذا هو الصحيح عند القدماء، وأمّا الصحيح عند المتأخّرين فهو عبارة عن: كون السند متصلاً بالمعصوم من خلال نقل الإمامي العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات. وسيوافيك في محلّه انّ الحديث عند القدماء كان ثنائيّ التقسيم (الصحيح والضعيف)، وهو عند المتأخرين رباعيّ التقسيم (الصحيح، الحسن، الموثّق، الضعيف).

وعلى ضوء هذا، فعبارة الكشّي ناظرة إلى الصحيح المصطلح في ذلك الزمان وهو الخبر المحتف بالقرائن الخارجية، فيكون مفادُها اتّفاقَ العصابة على صحّة أحاديثهم لأجل القرائن الخارجيّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . وسيوافيك الشق الثالث في الدرس الرابع عشر، وكلّها شقوق للتفسير الثاني.


( 69 )
وعلى هذا الوجه لا يترتب عليه ثمرة رجالية و هو خيرة المحقّق الداماد في رواشحه، قال: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، والإقرار لهم بالفقه والفضل والضبط والثقة، وإن كانت روايتهم بإرسال أو رفع أو عمّن يسمّونه و هو ليس بمعروف الحال ولمّة منهم في أنفسهم فاسدو العقيدة، غير مستقيمي المذهب.

إلى أن قال: مراسيل هؤلاء ومرافيعهم ومقاطيعهم ومسانيدهم إلى من يسمّونه من غير المعروفين، معدودة عند الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ من الصّحاح، من غير اكتراث منهم; لعدم صدق حدّ الصحيح على ما قد علمته من المتأخّرين عليها.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ العلم باقتران أحاديث هؤلاء بالقرائن أمر صعب للغاية، فكيف يحصل العلم بها، لأنّ العصابة حكموا بصحّة كلّ ما صحّ عن هؤلاء من غير تخصيص بكتاب أو أصل أو أحاديث معيّنة، بل حكموا بتصحيح الكلّ وما صحّ عنهم على حدّ سواء، فتحصيل العلم بالقرائن الخارجية بكلّ ما روي عنهم على الإطلاق أمر مشكل إلاّ إذا كانت أحاديثهم محصورة في كتاب، والمفروض خلافه؟ وسيوافيك تفصيله في بيان الأمر الثاني.

2. الصحة لاحتفاف رواياتهم بالقرائن الداخلية

والمراد من القرائن الداخلية وثاقتهم ووثاقة مشايخهم إلى أن تنتهي إلى الإمام، و هذا هو الذي تبنّاه نخبة من المحقّقين كما حكاه المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ) حيث قال: المشهور انّ المراد صحّة كلّ ما رواه حيث تصحّ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الرواشح السماوية:45.


( 70 )
الرواية إليه، فلا يلاحظ من بعده إلى المعصوم وإن كان فيه ضعيف.(1)

وقد اختاره المحدّث النوري وأصرّ عليه وذكر في تأييده وجوهاً نذكر منها وجهين:

الأوّل: انّ الحكم بصحّة روايات هؤلاء لو كان مستنداً إلى القرائن الداخلية كوثاقة من يروون عنه، لكان لهذه الدعوى الكلّيّة وجه، لإمكان إحراز ديدنهم على أنّهم لايروون إلاّ عن ثقة، كما هو المشهور في حقّ ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي; وأمّا لو كان الحكم بالصحّة مستنداً إلى القرائن الخارجية التي تفيد الاطمئنان بصدق الخبر، فإحراز تلك القرائن في عامّة ما يروونه من الأخبار، إنّما يصحّ إذا كانت أحاديثهم محصورة في كتاب أو عند راو سمعها منهم، يمكن معه الاطّلاع على الاقتران بالقرائن أو عدمه، وأمّا إذا لم يكن كذلك، فالحكم بصحّة كلّ ما صحّ عن هؤلاء من غير تخصيص بكتاب أو أصل أو أحاديث معيّنة، يعدّ من المحالات العادية.

وبعبارة أُخرى: يمكن إحراز ديدن جماعة خاصة والتزامهم بعدم الرواية إلاّ عن ثقة، فإذا صحّ الخبر إلى هؤلاء، يمكن الحكم بالصحّة، لوثاقة من يروون عنه، لأجل الالتزام المحرَز، وأمّا إحراز كون عامّة أخبارهم مقرونة بالقرائن حتى يصحّ الحكم بصحّة أخبارهم من هذه الجهة، فإحراز تلك القرائن مع كثرة رواياتهم، وتشتّتها في مختلف الأبواب والكتب محال عادة.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ معنى هذا الوجه هو أنّ هؤلاء كانوا ملتزمين بنقل الروايات عن الثقات دون الضعاف، ولازم ذلك انّهم كانوا يحترزون عن نقل الروايات المتواترة أو المستفيضة إذا كان رواتها ضعافاً، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تعليقة الوحيد على منهج المقال:6.


( 71 )
به، إذ لا وجه لترك الرواية المتواترة أو المستفيضة وإن كان رواتها ضعافاً أو مجاهيل، لعدم اشتراط الوثاقة فيهما.

وبذلك يبطل القول بأنّهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي يرويها الثقات فقط، كما تبطل الثمرة الرجالية المترتّبة عليها، إذ كيف يمكن الحكم بوثاقة عامّة مشايخهم بمجرّد الرواية منهم، مع أنّهم رووا عن الضعاف فيما إذا كانت الرواية متواترة أو مستفيضة، ولايمكن تفكيك المتواتر والمستفيض في أعصارنا عن الواحد حتى يحكم بوثاقة مشايخهم في الأخير دون الأوّلين، فإنّ الكلّ غالباً يتجلّـى بشكل واحد؟

وثانياً: كما أنّ حصر وجه الصحّة بالقرائن الخارجية بعيد، كذلك حصر وجهها بالقرائن الداخلية التي منها وثاقة الراوي بعيد مثله، والقول المتوسط هو الأدق، وهو أنّهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات الصحيحة، الثابت صدورها عن الإمام، إمّا من جهة القرائن الخارجية، أو من جهة القرائن الداخلية; وعندئذ لايمكن الحكم بوثاقة مشايخهم، أعني: الذين رووا عنهم إلى أن ينتهي إلى الإمام، لعدم التزامهم بخصوص وثاقة الراوي، بل كانوا يستندون إلى الأعمّ منها و من القرائن المورثة للاطمئنان بالصدور.

وثالثاً: لو كان المراد هو توثيقهم وتوثيق من بعدهم، لكان عليه أن يقول: «أجمعت العصابة على وثاقة من نقل عنه واحد من هؤلاء» أو نحو ذلك من العبارات، حتى لا يشتبه المراد.

ورابعاً: أنّ اطّلاع العصابة على جميع الأفراد الذين يروي هؤلاء الجماعة عنهم بلا واسطة أو معها بعيد للغاية، لعدم تدوين كتب الحديث والرجال في تلك الأعصار بنحو يطّلعون على أسمائهم جميعاً.

الثاني: انّ جماعة من الرواة وُصفوا في كتب الرجال «بصحّة الحديث»(1)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ في الوقوف على أسماء من وصفت أحاديثهم بالصحّة كتاب «كليات في علم الرجال»:198ـ 199.


( 72 )
ولايمكن الحكم بصحّة حديث راو على الإطلاق إلاّمن جهة وثاقته، ووثاقة من بعده إلى المعصوم، ولا فرق بينهم و بين أصحاب الإجماع إلاّ كونهم مورد اتّفاق دون هؤلاء.

يلاحظ عليه: أنّ صحّة الحديث كما تحرز عن طريق وثاقة الراوي كذلك تحرز عن طريق القرائن الخارجية، فالقول بأنّ صحّة أحاديث هؤلاء كانت مستندة إلى وثاقة مشايخهم ليس له وجه، كالقول بأنّ إحرازها كان مستنداً إلى القرائن الخارجية، بل الحقّ انّ الإحراز كان مستنداً إلى الوثاقة تارة وإلى القرائن أُخرى، ومع هذا العلم الإجمالي كيف يمكن إحراز وثاقة المشايخ بصحّة الأحاديث مع أنّها أعمّ من وثاقتهم؟!

تمرينات

1. ما هو التفسير الثاني لقولهم:«تصحيح ما يصحّ عنه»؟

2. ما هو المراد من الصحيح عند القدماء، والصحيح عند المتأخّرين؟

3. ما هي القرائن الخارجية، وهل يمكن تصحيح رواياتهم على ضوئها؟

4. ماهي القرائن الداخلية، وهل يمكن تصحيح رواياتهم على ضوئها؟

5. ما هو دليل المحدِّث النوري على أنّ المرا د من عبارة الكشي: تصحيح رواياتهم لأجل القرائن الداخلية؟

6. ما هو موقفنا حيال دليل المحدّث النوري؟

 


( 73 )

الدرس الرابع عشر

 

الشق الثالث

للتفسير الثاني

قد عرفت أنّ الكشّي ذكر اتّفاق العصابة على هؤلاء في مواطن ثلاثة، والمراد منها في عامة المواضع أمر واحد، لكن يظهر من المحقّق الشفتي التفصيل بين العبارة الأُولى وبين الثانية والثالثة، وانّ المراد من الأُولى تصحيح الحديث ومن الأخيرتين توثيقهم وتوثيق مشايخهم إلى آخر السند، ولأجل ذلك اكتفى في الطبقة الأُولى بذكر التصديق من دون إضافة قوله : تصحيح ما يصحّ، دون الأخيرتين.

وإنّما فعل ذلك، لأنّ الطبقة الأُولى يروون عن الإمام بلا واسطة، فيكون المراد هو صحّة أحاديثهم; بخلا ف المذكورين في الطبقة الثانية والثالثة، فهم يروون تارة بلا واسطةوأُخرى معها، فيكون المراد توثيق مشايخهم.

يقول المحقّق الشفتي في هذا الصدد: إنّ نشر الأحاديث لمّا كان في زمن الصادقين عليمها السَّلام وكان المذكور في الطبقة الأُولى من أصحابهما، كانت روايتهم غالباً عنهما من غير واسطة، فيكفي للحكم بصحّة الحديث تصديقهم; وأمّا المذكورون في الطبقة الثانية والثالثة، فقد كانوا من أصحاب الصادق والكاظم والرضا ـ عليهم السَّلام ـ ، وكانت رواية الطبقة الثانية عن مولانا الباقر ـ عليه السَّلام ـ مع الواسطة ، وكانت الطبقة


( 74 )
الثالثة كذلك بالنسبة إلى الصادق ـ عليه السَّلام ـ ولم يكن الحكم بتصديقهم كافياً في الحكم بصحة الحديث، ما اكتفى بذلك; ولذا قال: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم». ولمّا تحقّق رواية كلّ من في الطبقة الثانية عن مولانا الصادق ـ عليه السَّلام ـ ـ من غير واسطة، و كذلك الطبقة الثالثة عن الكاظم و الرضا عليمها السَّلام ، أتى بتصديقهم أيضاً.

والحاصل: انّ التصديق فيما إذا كانت الرواية عن الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ من غير واسطة، والتصحيح فيما إذا كانت معها.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما ذكره تفسير ذوقي لا يعتمد على دليل، ومخالف لوحدة السياق، فإنّ الظاهر انّ معقد الإجماع أمر واحد لا أمران.

وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ رواية الطبقة الأُولى كانت عن الإمام بلا واسطة غالباً، غير تام، يعرف بعد الوقوف على مشايخهم في الحديث من أصحاب الأئمّة المتقدّمين كالسجاد و من قبله.

وهذا زرارة، يروي عن ما يقرب من أربعة عشر شيخاً، و هم:

1. أبو الخطاب، 2. بكير، 3. الحسن البزّاز، 4. الحسن بن السري، 5. حُمران ابن أعين، 6. سالم بن أبي حفصة، 7. عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، 8. عبد اللّه بن عجلان، 9. عبد الملك، 10. عبد الواحد بن المختار الأنصاري، 11. عمر بن حنظلة، 12. الفضيل، 13. محمد بن مسلم، 14. اليسع.(2)

وهذا محمد بن مسلم، يروي عن ستة مشايخ، وهم:

1. أبو حمزة الثمالي، 2. أبو الصباح، 3. حمران، 4. زرارة، 5. كامل ، 6. محمد بن مسعود الطائي.(3)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . السيد الشفتي: الرسائل الرجالية:5، الطبعة الحديثة:42ـ 43.
2 . معجم رجال الحديث:7/247 برقم 4662.
3 . معجم رجال الحديث:17/233برقم 11776.


( 75 )
وهكذا غيرهم من الطبقة الأُولى.

إلى هنا تمّ توضيح المعنيين، وقد عرفت أنّ المختار هو المعنى الأوّل، وأمّا المعنى الثاني فهو بتفاسيره الثلاثة غير تام.

حجّية الإجماع الوارد في كلام الكشّي

قد ادّعى الكشّي إجماع العصابة على «تصحيح ما يصحّ عن جماعة» فيكون ما ادّعاه بالنسبة إلينا إجماعاً منقولاً، فينطوي تحت لواء الإجماع المنقول، المبحوث عنه في علم الأُصول، والمعروف فيه هو عدم حجّيته، لوجهين:

الأوّل: انّ ناقل الإجماع في الفقه، ينقل السبب عن الحس وهو اتّفاق العلماء، وينقل المسبب أي قول المعصوم عن حدس، وأدلّة خبر الواحد لاتشمله، لأنّه نقل قول المعصوم عن حدس.

وبما انّ الكشّي ليس بصدد نقل قول المعصوم، بل بصدد بيان اتفاق العصابة على «التصحيح»، لا يرد عليه ذلك الإشكال، إنّما يرد عليه الإشكال التالي.

الثاني: انّ اتّفاق العلماء إنّما يلازم قول المعصوم، شريطة أن يكون هناك تتّبع تامّ لكلماتهم جيلاً بعد جيل، والغالب في الإجماعات المنقولة، فقدان هذا النوع من التتبّع وعدم الاستيعاب لكلمات الفقهاء.

والإجماع المنقول في كلام الكشّي إجماع منقول يحتمل فيه ما يحتمل في سائر الإجماعات المنقولة; إذ ليس من البعيد أن يكتفي الكشي بكلام جماعة من العلماء فيدّعي اتّفاق العصابة، ومن المعلوم أنّ مثل هذا السبب الناقص لا يكشف عن شيء، فلا يمكن القول بأنّ اتّفاق هؤلاء يلازم وثاقتهم واقعاً.

والذي يسهّل الخطب انّ الذي توحيه عبارة الكشّي ـ في نظرنا ـ أمر ثابت


( 76 )
مع قطع النظر عن اتّفاق العصابة، لما عرفت من أنّ المراد تصديق حكاياتهم الملازمة لوثاقتهم، وهو أمر ثابت في حقّ هؤلاء الثمانية عشر، سواء أثبت اتّفاق العصابة أم لا; بخلاف التفسير الثاني بشقوقه الثلاثة، فإنّها أُمور غير ثابتة في نفسها، و إنّما تثبت من خلال دعوى الكشّي الإجماع على التصحيح، فلو كان نقل الإجماع غير مجد فلا تثبت الاحتمالات الثلاثة.

***

ثمّ إنّ هنا جماعة عرفوا بأنّهم لا يروون إلاّ عن الثقات وهم:

1. أحمد بن محمد بن عيسى.

2. بنو فضّال ـ كلّهم ـ.

3. جعفر بن بشير البجلي.

4. محمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني.

5. علي بن الحسن الطاطريّ.

6. أحمد بن علي النجاشي.

وإليك الكلام فيهم واحداً بعد آخر، في الدّرس التالي.

تمرينات

1.ما هي نظرية المحقّق الشفتي في تفسير عبارة الكشي؟

2. هل الطبقة الأُولى من تلك العصابة، لا يروون إلاّ عن الإمام المعصوم؟

3. لو ثبت الإجماع المدّعى في كلام الكشّي، فهل هو حجّة أم لا؟

4. اذكر أسماء سائر المعروفين بأنّهم لا يروون إلاّ عن ثقة.

 


( 77 )

الدرس الخامس عشر

 

مشايخ ابن عيسى، و بني فضّال، و ابن بشير

1. مشايخ أحمد بن محمد بن عيسى القمّيّ

إنّ أحمد بن محمد بن عيسى من المشايخ الأثبات، وكان رئيس المحدّثين في قم، توفّي حوالي عام 280هـ، و من آثاره الباقية نوادره المطبوعة، وقد أخرج أحمد ابن محمد بن خالد البرقي من قم لأجل روايته عن الضعاف(1) ، كماأخرج سهل بن زياد الآدمي ـ أيضاً ـ لأجل الغلوّ.(2)

وربما يستنتج منه، انّ ابن عيسى كان محترزاً عن الرواية عن الضعاف وإلاّلم يُخرج العلمين من البلد، فتكون النتيجة هي وثاقة عامّة مشايخه.

يلاحظ عليه: أنّ السبب لإخراج ابن خالد، هو كثرة روايته عن الضعاف واعتماده عليهم.

ويشهد لذلك قول الشيخ في ترجمته:وكان ثقة، غير انّه أكثر الرواية عن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخلاصة:14 برقم7.
2 . رجال النجاشي:1/417 برقم 488.


( 78 )
الضعفاء واعتمد المراسيل.(1)

وقال العلاّمة في «الخلاصة»: أصله كوفي، ثقة، غير انّه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل .

وقال ابن الغضائري: طعن عليه القمّيّون وليس الطعن فيه، وإنّما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن أخذ على طريقة أهل الأخبار.(2)

فظهر ممّا ذكرنا: انّ أحمد بن محمد بن عيسى أخذ على البرقي إكثار الرواية عن الضعفاء وهو يدل على عدم إكثاره منها لا انّه لا يروي عن ضعيف.

على أنّه روى عن عدّة من الضعفاء، نظير: محمد بن سنان (3)، علي بن حديد(4)، إسماعيل بن سهل(5)، بكر بن صالح(6)، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «كليّات في علم الرجال».(7)

2. مشايخ بني فضّال

ربما يقال بأنّ مشايخ بني فضّال كلّهم ثقات، لما قاله أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليمها السَّلام لمّا قيل له: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأ؟

فقال ـ صلوات اللّه عليه ـ: «خذوا بما رووا، و ذروا ما رأوا».(8)

وقد استند إلى تلك الرواية، الشيخ الأنصاري في صلاته عند ما تعرّض لرواية داود بن فرقد، حيث قال: هذه الرواية و إن كانت مرسلة إلاّ أنّ سندها إلى الحسن بن فضّال صحيح... وبنو فضال ممّن أُمر بالأخذ بكتبهم ورواياتهم.(9)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . فهرست الشيخ :44برقم65(وفي طبع آخر:20 برقم 55).
2 . الخلاصة: 14برقم7.
3 . الكافي: 1/33،كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث5.
4 . الكافي: 1/59، كتاب فضل العلم باب الرد إلى الكتا ب والسنّة ، الحديث 1.
5 . الكافي:2/427، كتاب الإيمان و الكفر، باب الاعتراف بالذنوب، الحديث 7.
6 . الكافي:2/101، باب حسن الخلق، الحديث 12.
7 . كلّيات في علم الرجال:276ـ 278.
8 . كتاب الغيبة، للشيخ الطوسي:389ـ 390 طبع مؤسسة المعارف الإسلامية.
9 . كتاب الصلاة، للشيخ الأنصاري:ص 1.


( 79 )
وسند الحديث كالتالي:

عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى و موسى بن جعفر بن أبي جعفر جميعاً، عن عبد اللّه بن الصلت، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن فرقد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ (1) والرواية إلى نهاية السند عن داود بن أبي يزيد ـ وهو داود بن فرقد ـ صحيحة غير أنّ في آخر السند إرسالاً، و اعتمد عليها الشيخ ، للأمر بأخذ ما في كتبهم.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالحديث المذكور على وثاقة مشايخ بني فضّال، قاصر جداً، لأنّ بني فضّال و إن كانوا فطحيّين، فاسدي المذهب، لكنّهم كانوا في أنفسهم ثقاتاً صادقين، فأمر الإمام العسكري بالأخذ برواياتهم دون آرائهم وعقائدهم، قائلاً بأن ّ فساد المذهب، لا يضرّ بالرواية إذا كان الراوي ثقة في نفسه، صادقاً لا يكذب، فخذوا برواياتهم واتركوا عقائدهم كروايات سائر الثقات صحيحي المذهب.

وعلى هذا يجري عليهم ما يجري على سائر الرواة الثقات، كما أنّه يجب التفتيش عمّن يروون عنه حتى يتبيّن الثقة عن غيره، فهكذا بنو فضّال الثقات يتفحّص عن مشايخهم. وأين هذا من القول بالأخذ بعامّة رواياتهم ومراسيلهم ومسانيدهم بلا تفتيش عن أحوال مشايخهم ومن يروون عنه كما هو المدّعى؟!

3.مشايخ جعفر بن بشير

ربما يقال(2) بأنّ كلّ من روى عنه «جعفر بن بشير» أو رووا عنه، كلّهم ثقات، والدليل على ذلك قول النجاشي في حقّه:

جعفر بن بشير البجلي الوشّاء، من زهّاد أصحابنا وعُبّادهم ونُسّاكهم، وكان

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل: الجزء3، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث7.
2 . خاتمة مستدرك الوسائل:25/109، الفائدة العاشرة.


( 80 )
ثقة، وله مسجد بالكوفة ـ إلى أن قال ـ مات جعفر رحمه اللّه بالأبواء سنة 208هـ.

كان أبو العباس بن نوح يقول: كان يلقب فقحة(1) العلم.

روى عن الثقات ورووا عنه له كتاب المشيخة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ العبارة غير ظاهرة في الحصر، بل المراد انّ جعفر بن بشير يروي عن الثقات كما تروي الثقات عنه، وأمّا انّه لا يروي عنه إلاّ الثقات أو هو لايروى إلاّ عنهم، فلا تفيده العبارة.

كيف و من المستبعد عادة أن لا يروي عنه إلاّ ثقة وهو خارج عن اختياره.

أضف إلى ذلك فقد روى جعفر بن بشير عن الضعيف أيضاً.

روى الشيخ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن صالح بن الحكم، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الصلاة في السفينة...إلى آخره.(3)

و«صالح بن الحكم» ممن ضعّفه النجاشي، وقال: صالح بن الحكم النبيلي الأحول، ضعيف.(4)

تمرينات

1.ما هو الوجه في عدّ مشايخ ابن عيسى من الثقات؟وما هو جوابه؟

2. ماذا يعني الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ من قوله في حق بني فضّال:«خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا؟».

3. ما هو الدليل على أنّ مشايخ جعفر بن بشير كلّهم ثقات؟ وما هو جوابه؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . أي زهرة العلم.
2 . رجال النجاشي:1/297برقم302.
3 . الوسائل: الجزء3، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث10.
4 . رجال النجاشي:1/444 برقم 531.


( 81 )

الدرس السادس عشر

 

مشايخ الزعفراني والطاطُري والنجاشي

4.مشايخ محمد بن إسماعيل الزعفراني

قد قيل(1) انّ مشايخ محمد بن إسماعيل ثقات، مستدلاً بما ذكره النجاشي في حقّه حيث قال: محمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني، أبو عبد اللّه، ثقة، عين، روى عن الثقات ورووا عنه، ولقي أصحاب أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .(2)

يلاحظ عليه بمثل ما مرّ في مشايخ جعفر بن بشير فلا نعيد.

5. مشايخ علي بن حسن الطاطري

ربّما يتصوّر انّ مشايخ علي بن حسن الطاطري ثقات تمسّكاً بما ذكره الشيخ في ترجمته، حيث قال: كان واقفياً شديد العناد في مذهبه، صعب العصبية على من خالفه من الإمامية، وله كتب كثيرة في نصرة مذهبه، وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم فلأجل ذلك ذكرناها.(3)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . خاتمة مستدرك الوسائل:25/110، الفائدة العاشرة.
2 . رجال النجاشي:2/238برقم 934.
3 . الفهرست:92، رقم380.


( 82 )
استدلّ بذيل كلام الشيخ على أنّ كلَّ من روى علي بن الحسن الطاطري عنه فهو ثقة، لأنّ الشيخ شهد على أنّه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يستفاد من هذه العبارة أنّ الطاطري لا يروي في كتبه إلاّ عن ثقة، وأمّا أنّه لا يروي مطلقاً إلاّ عن ثقة فلا يدلّ عليه.

وعلى ذلك كلّما بدأ الشيخ سند الحديث باسم الطاطري، فهو دليل على أنّ الرواية مأخوذة من كتبه الفقهية، فعندئذ فالسند صحيح إلى آخره، وهذا غير القول بأنّه لا يروي إلاّ عن ثقة، حتّى يحكم بصحّة كلّ سند وقع فيه الطاطري إلى أن ينتهي إلى المعصوم، على أنّه من المحتمل أن يكون كلام الشيخ محمولاً على الغالب، حيث لاحظ كتابه واطمأنّ بوثاقة كثير من رواة كتابه، فقال في حقّه ما قال، واللّه العالم.

نعم هذه التوثيقات في حقّ هؤلاء الرجال، قرائن ظنيّة على وثاقة كلّ من يروون عنه ولو انضمّت إليه القرائن الأُخر، ربّما حصل الاطمئنان على وثاقة المروي عنه.

6. أحمد بن علي النجاشي صاحب «الرجال»

إنّ لأبي العباس أحمد بن علي المعروف بالنجاشي (372ـ 450هـ) مؤلّف أحد الأُصول الرجالية، مشايخ معروفين بالوثاقة، نشير إليهم ويظهر من كلماته انّه لا ينقل إلاّ عن مشايخه الثقات، وإليك نماذج من كلماته:

1. قال في ترجمة أحمد بن محمد بن عياش الجوهري(المتوفّى عام 401هـ): «كان سمع الحديث فأكثر واضطرب في آخر عمره»; و ذكر مصنفاته، ثمّ قال:


( 83 )
«رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي وسمعت منه شيئاً كثيراً ورأيت شيوخنا يضعّفونه، فلم أرو عنه شيئاً وتجنّبته، و كان من أهل العلم والأدب القوي وطيّب الشعر وحسن الخط، رحمه اللّه وسامحه، ومات سنة 401هـ».(1)

2. وقال في ترجمة إسحاق بن الحسن بن بكران: أبو الحسين العقرائي، التمّار، كثير السماع، ضعيف في مذهبه، رأيته بالكوفة وهو مجاور، وكان يروي كتاب الكليني عنه، وكان في هذا الوقت علواً فلم أسمع منه شيئاً، له كتاب الردّعلى الغلاة، وكتاب نفي السهو عن النبي، وكتاب عدد الأئمّة.(2)

3. وقال في ترجمة أبي المفضّل محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه بن البهلول:كان سافر في طلب الحديث عمره، أصله كوفي، وكان في أوّل أمره ثبتاً، ثمّ خلط، ورأيت جلّ أصحابنا يغمزونه، له كتب ـ إلى أن قال: ـ رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً، ثمّ توقفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني و بينه.(3)

إلى غير ذلك من كلمات صريحة في أنّه لم يكن يجوِّز لنفسه الرواية عن غير الثقة من الحديث(4) ، ولأجل ذلك يمكن أن يقال: إنّ عامة مشايخه ثقات إلاّ إذا صرّح بنفسه بضعفه; وقد استخرج المحدّث النوري مشايخه في المستدرك(5) فبلغ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . رجال النجاشي:1/225 برقم 205.
2 . رجال النجاشي: 1/199برقم176.والمراد من العلوّ، هو كبر سنّه بشهادة انّه يروي كتاب الكافي عن نفس الكليني وقد ذكر النجاشي نفس هذه الكلمة في حقّ ابن الزبير وقال وكان علوّاً في الوقت . فلاحظ.
3 . رجال النجاشي:1/321برقم1060.
4 . فلاحظ رجال النجاشي، ترجمة جعفر بن محمد بن مالك برقم 311 وترجمة هبة اللّه بن أحمد بن محمد الكاتب المعروف بابن برنية برقم 1186 وترجمة عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد برقم 615.
5 . خاتمة مستدرك الوسائل:21/153، الفائدة الثالثة.


( 84 )
32، ونقل أسماءهم العلاّمة المامقاني في خاتمة التنقيح.(1)

تمرينات

1.ما هو الدليل على أنّ مشايخ الزعفراني كلّهم ثقات؟ وما هو جوابه؟

2. ما هو الدليل على أنّ مشايخ الطاطري ثقات؟ وما هو جوابه؟

3. ما هي القرائن على أنّ مشايخ النجاشي كلّهم ثقات؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . تنقيح المقال:3/90، في الفائدة السادسة.


( 85 )

الدرس السابع عشر

 

مشايخ محمد بن أحمد بن يحيى

صاحب«نوادر الحكمة»

إنّ محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القميّ من أجلاّء الأصحاب، و مؤلّف كتاب « نوادر الحكمة»، وهو يشتمل على كتب أوّلها كتاب التوحيد وآخرها كتاب القضايا والأحكام.(1)

ويعرّفه النجاشي بقوله: له كتب منها كتاب نوادر الحكمة وهو كتاب حسن كبير يعرفه القمّيّون بـ«دبّة شبيب» ، قال: وشبيب فاميٌّ، كان بقم، له دبّة ذات بيوت يعطي منها ما يُطلب منه من دهن، فشُبّهوا هذا الكتاب بذلك.(2)

ثمّ إنّه يروي عن مشايخ كثيرة منهم:

1. ابن أبي عمير (المتوفّى عام 217هـ).

2. أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي(المتوفّى عام 221هـ).

3. أحمد بن محمد بن خالد البرقي(المتوفّى عام 274هـ).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . فهرست الشيخ:170.
2 . رجال النجاشي:2/242برقم940.


( 86 )
ويروي عنه نخبة من الأعلام منهم:

1. سعد بن عبد اللّه القمي(المتوفّى عام 299 أو 301هـ).

2. أحمد بن إدريس الأشعري(المتوفّى عام 306هـ).

وعلى هذا، فشيخنا المترجم من أساتذة الحديث في النصف الثاني من القرن الثالث، ولعلّه توفّي حوالي 290هـ. هذا.

ثمّ إنّ محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد شيخ القمّيّين وفقيههم وأُستاذ الصدوق(المتوفّى عام 343هـ) قد استثنى من مشايخ محمد بن أحمد بن يحيى في «نوادر الحكمة» جماعة طُعِن فيهم، وذكر أسماءهم بالنحو التالي:

1. محمد بن موسى الهمداني.(1)

2. محمد بن يحيى المعاذي.

3. أبو عبد اللّه الرازي الجاموراني.(2)

4. أبو عبد اللّه السيّاري.(3)

5. يوسف بن سخت.

6. وهب بن منبه .

7. أبو علي النيشابوري.

8. أبو يحيى الواسطي.

9. محمد بن علي أبو سمينة.(4)

10. سهل بن زياد الآدمي.(5)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ ترجمته في رجال النجاشي:2/227 برقم 905.
2 . رجال النجاشي:2/438 برقم 1239.
3 . رجال النجاشي10/211 برقم 190.
4 . رجال النجاشي:2/216 برقم895.
5 . رجال النجاشي:1/417 برقم488.


( 87 )
11. محمد بن عيسى بن عبيد.(1)

12. أحمد بن هلال.(2)

13. محمد بن علي الهمداني.(3)

14. عبد اللّه بن محمد الشامي.

15. عبد اللّه بن أحمد الرازي.

16. أحمد بن الحسين بن سعيد.(4)

17. أحمد بن بشير الرقي.

18. محمد بن هارون.

19. ممويه بن معروف(أو معاوية بن معروف، كما في بعض النسخ).

20. محمد بن عبد اللّه بن مهران.(5)

21. الحسن بن الحسين اللؤلؤي.

22. جعفر بن محمد بن مالك.(6)

23. يوسف بن الحارث.

24. عبد اللّه بن محمد الدمشقي.

وزاد الشيخ في الفهرست شخصين آخرين وهما:

25. جعفر بن محمد الكوفي.

26. الهيثم بن علي.(7)

والظاهر انّ الأصحاب يومذاك تلقّوا هذا الاستثناء بالقبول إلاّ في حقّ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . رجال النجاشي:2/218 برقم897.
2 . رجال النجاشي:1/218 برقم197.
3 . رجال النجاشي:2/236 برقم929.
4 . رجال النجاشي:1/207 برقم181.
5 . رجال النجاشي:2/246 برقم943.
6 . رجال النجاشي:1/302 برقم311.
7 . الفهرست:170ـ 171.


( 88 )
محمد بن عيسى بن عبيد، فقد اعترض على هذا الاستثناء أبو العباس بن نوح ـ شيخ النجاشي ـ قال:

وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه و تبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه اللّه على ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة.(1)

ثمّ استدلّوا بأنّ في استثناء المذكورين وبالأخص بالنظر إلى ما ذكره ابن نوح في حقّ محمد بن عيسى بن عبيد، دلالة واضحة على وثاقة كلّ من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى ولم تُسْتَثنَ روايته.

وباختصار: قالوا باعتبار كلّ من يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى إذا لم يكن ممن استثناه ابن الوليد، فإنّ اقتصاره على ما ذكر من موارد الاستثناء يكشف عن اعتماده على جميع روايات محمد بن أحمد بن يحيى في غير الموارد المذكورة.

ثمّ الظاهر انّ التصديق والاستثناء راجعان إلى مشايخه بلا واسطة لا كلّ من جاء اسمه في اسناد ذلك الكتاب منتهياً إلى الإمام، و بما انّ ابن نوح شيخ النجاشي خالف ابن الوليد في مورد واحد، يظهر منه موافقته لابن الوليد في غيره، وعلى ذلك فالرجلان ـ أعني: ابن الوليد و ابن نوح قد حكما بوثاقة كلّ من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى إلاّما استثني، وتعديلهما حجّة سواء أكان من باب الشهادة أو من باب أهل الخبرة. وإذا أُضيف إليه موافقة الصدوق لشيخه في عامّة الموارد يبلغ عدد المعدِّلين إلى ثلاثة.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . رجال النجاشي:2/242 برقم940.


( 89 )

نقد وتحليل

ربما يقال: بأنّ اعتماد ابن الوليد أو غيره من الأعلام المتقدّمين، فضلاً عن المتأخّرين، على رواية شخص والحكم بصحّتها لا يكشف عن وثاقة الراوي أو حسنه، وذلك لاحتمال انّ الحاكم بالصحة يعتمد على أصالة العدالة، ويرى حجّية كلّ رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق، وهذا لا يفيد من يعتبر وثاقة الراوي أو حسنه في حجّية خبره.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الاحتمال لا يوافق ما نقله النجاشي عن ابن نوح، فانّه قد اعترض على ابن الوليد في استثناء محمد بن عيسى بن عبيد حيث قال: لا أدري ما رابه فيه ـ أي ما هو السبب الذي أوقعه في الريب والشكّ فيه ـ لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة. والمتبادر من العبارة انّ الباقين ممّا قد أُحرزت عدالتهم ووثاقتهم، لا أنّ عدالتهم كانت محرزة بأصالة العدالة.

وبذلك يظهر ضعف ما ذكره: «لعلّه كان يرى حجّية كلّ رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق» فانّ هذا الاحتمال لا يناسب تلك العبارة.

والذي يدلّ على أنّ ابن الوليد أحرز وثاقة الباقين بدليل لا بالأصل، ما ذكره الصدوق في موردين:

الأوّل: يقول الصدوق: كان شيخنا محمد بن الحسن لا يصحح خبر صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور فيه لمن صامه، ويقول: إنّه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان كذّاباً غير ثقة، وكلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ ـ قدس اللّه روحه ـ ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح.(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . معجم رجال الحديث:1/76; عيون أخبار الرضا ـ عليه السَّلام ـ :2/21، ح45.
2 . الفقيه:2/90، ذيل الحديث المرقم1817، طبعة جماعة المدرسين، قم.


( 90 )
الثاني: كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي اللّه عنه ـ سيّئ الرأي في محمد بن عبد اللّه المسمعي، راوي هذا الحديث، وانّي قد أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب، لأنّه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه، فلم ينكره ورواه لي.(1)

فإنّ هذه التعابير تعرب عن أنّ وصف الباقين بالوثاقة، كوصف المستثنين بالضعف، كان بالإحراز لا بالاعتماد على أصالة العدالة في كلّ راو، أو على القول بحجّية قول كلّ من لم يظهر منه فسق.

إذ لو كان المناط في صحّة الرواية هذين الأصلين، لما احتاج الصدوق في إحراز حال الراوي إلى توثيق أو تضعيف شيخه ابن الوليد، لأنّ نسبة الأصل إلى الأُستاذ والتلميذ على حدّ سواء.

فتلخص انّ كون الراوي من مشايخ مؤلّف كتا ب«نوادر الحكمة» يورث الظن أو الاطمئنان بوثاقته إذا لم يكن أحد هؤلاء المستثنين.

تمرينات

1.من هو ابن الوليد؟ وما هي عبارته في حقّ كتاب «نوادر الحكمة»؟

2. كيف يُستدلّ على أنّ مشايخ صاحب «نوادر الحكمة» كلّهم ثقات، إلاّما استثناه ابن الوليد؟

3. ما هو الإشكال على هذا الاستدلال؟ و ما هو جوابه؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . عيون أخبار الرضا:2، باب في ما جاء عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ من الأخبار المأثورة، ذيل الحديث 45.