|
الاسلام
وشبهات المستشرقين
الشيخ فؤاد
كاظم المقدادي
كلمة
المجلة
ابتلي الحق على امتداد مسيرة البشرية بالجهل، ولأن
من طبيعة الانسان أن يكون عدواً لما جهل، فإن الحق بدوره عانى من جهل الجاهلين
ومواقفهم المتزمتة الشيء الكثير، ولكن الحق هو المنتصر على طول الخط لأن الله هو
الغالب، وليس نصيب الجهل والتزمت إلاّ الاندحار والخذلان.
والاسلام العظيم رسالة خاتم الانبياء محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأرض، وهو الحق الذي ليس وراءه حق، وكيف لا
يكون كذلك وهو هدية الحق المتعال إلى عباده؟ إنه وحي السماء الذي رسمه القرآن
الكريم بكلمات من نور ليكون هدىً لا ريب فيه للعالمين ومنقذاً لهم من الضلال
والظلمات إلى الصراط الجلي المستقيم.
لقد عانت الاديان الإلهية جمعاء منذ بزوغ شمسها على
هذه الأرض ومنذ أن صدع الرسل والانبياء بها، عانت العداء السافر والمواجهات
الساخنة التي كان الجهلة يواجهون بها رسل الله تعالى وأنبياءه ورسالاتهم الحقة. إذ
لم يقف هؤلاء عند حد رفضهم لما يحييهم، بل تجاوز الأمر ذلك إلى الحرب الشرسة
بالكلمة واليد، ولم يسلم نبي قط من مثل هذه المواقف، ولم تنج رسالة من مثل هذا
العداء.
وكان الاسلام المحمدي الأصيل هدفاً لسهام الأعداء
وغرضاً لنهجهم العدائي، لا لشيء إلاّ لأن الاسلام هو الخطر الحقيقي الذي يهدد
أفكارهم ومناهجهم ويقف حائلاً منيعاً دون تحقق رغباتهم الشريرة وأطماعهم الخبيثة
في نشر الانحراف والزيغ وتمكين الطواغيت من التحكم والسيطرة اللاشرعية على خيرات
البلاد ومقدرات العباد.
وكانت الاساليب التي يستخدمها اعداء الاسلام متعددة
ووسائلهم مختلفة، وكلها تصب ـ رغم اختلافهم فيما بينهم ـ في هدف واحد هو القضاء
على الاسلام ورسالته الخالدة. فكانت الحرب النفسية والاقتصادية والفكرية والثقافية
والعسكرية في نهاية المطاف عندما تكون الظروف مواتية للأعداء لشن حربهم على
الاسلام والمسلمين، كما هو الحال في الحروب الصليبية الممتدة منذ مئات السنين
والتي لم يخمد أوارها ولم تهدأ فورتها منذ اشتعالها. وقد كانت تلك الحروب على ثلاثة
خطوط:
1 ـ الخط العسكري في المواجهة، متمثلاً بالهجوم على البلاد
الاسلامية واحتلال أراضيها وقتل أبنائها وتشريد رجالها، وغيرها من الاساليب ووسائل
المواجهة العسكرية.
2 ـ الخط الاقتصادي متمثلاً بنهب خيرات البلدان الاسلامية وفرض الحصار
عليها.
3 ـ الخط الثقافي الفكري متمثلاً بالغزو الثقافي المقيت وما يمهّد
له من خطط جهنمية هي تشويه المفاهيم الاسلامية والدس والتشكيك في مصداقيتها ونهجها
القويم.
وهذا الخط هو الذي عمل عليه أكثر المستشرقين وعبأوا
كل طاقاتهم وسخروا كل امكانياتهم من أجل إحكام خططه وتنفيذ فقراته. إذ إن هدف
هؤلاء المستشرقين هو المسلم الأصيل، وقبله المسلم العادي، فإن بذر الشك في نفسه وزعزعة
إيمانه بالمبادئ الحقة التي يعتنقها هو خير سبيل لحرفه وإبعاده عن دينه ثم السيطرة
عليه نهائياً وتحويله من عدو للكفر والفساد إلى عدو للاسلام والرشاد.
إن هؤلاء المستشرقين ببحوثهم ودراساتهم الاستشراقية
حول الاسلام والمسلمين مهدوا الطريق لزرع بذور الشك من خلال دسّهم وتشويههم
للمبادئ الاسلامية، وحققوا في نفوس بعض المسلمين قابلية الاستعمار، فأصبح البعض من
المسلمين يدعون إلى الانحراف والتبعية للغرب ويحاربون الاسلام وعقيدته جهلاً منهم
وضلالاً.
لقد تقنّع هؤلاء المستشرقون بقناع البحث العلمي
لإضفاء الصبغة العلمية على بحوثهم حتى يتمكنوا من خلالها من خداع وتضليل الجهلة
وضعاف النفوس الذين لم يدخل الايمان قلوبهم ولم تكن لهم القدرة على التمييز بين
الخطأ والصواب والغث والسمين.
والكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم يسلّط الأضواء
على واقع المستشرقين وطبيعة بحوثهم ودراساتهم وأهدافهم ومدى تأثيرهم في مسيرة الأحداث،
ويفتح أعين المسلمين على هذا الموضوع الحساس والخطير، حتى يكون المسلم على بصيرة
من أمره واعياً لما يحيكه أعداء الاسلام من مؤامرات، محصّناً بالفكر والحجّة
والدليل لردّ جميع الشبهات التي يثيرها هؤلاء المستشرقون ضد إسلامه الحنيف وعقيدته
الخالدة.
ويمتاز هذا الكتاب باُسلوبه السلس ومنهجيته العلمية
التي استندت في مناقشتها وطرحها إلى المصادر الموثوقة. وقد بذل الكاتب سماحة الشيخ
المقدادي الجهد الكثير من أجل التعرف على الاساليب والاهداف والنتائج التي وصل
إليها المستشرقون، وناقش الشبهات بروح علمية موضوعية بعيدة عن التعنّت والتعصّب.
وسيدرك القارئ الكريم عند متابعته لبحوث الكتاب هذه
الحقيقة ويعرف مدى الجهد الذي بذله الكاتب المحقق في هذا السبيل من أجل الدفاع عن
كيان الاسلام وحومة المسلمين. وقد حدّد وبيّن بصورة خاصة الكثير من الشبهات التي أثارها
اعداء الاسلام وخاصة المستشرقون منهم وردّها رداً علمياً منطقياً لا يدع مجالاً
للتردد في الاقتناع به وقبوله.
نتمنى أن تكون هذه الدراسة القيمة محلّ اهتمام
المسلمين لكي يتعرفوا على الملابسات والظروف العصيبة التي مرّ ويمرّ بها الاسلام
خصوصاً في هذه الفترة العصيبة، حيث يجتمع كلّ الأعداء شرقاً وغرباً للفتك بالاسلام
والمسلمين (والله غالب على أمره).
صدق الله العلي العظيم.
هيئة
التحرير
مجلة
رسالة الثقلين
مقدمة
للعلاّمة
الشيخ محمد علي التسخيري
الأمين
العام للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)
لقد كانت فكرة اصدار سلسلة
(كتاب الثقلين) فكرة جيدة.. يقف القارئ الكريم فيها على كل الفكرة
التي جاءت متفرقة وفي اعداد متعددة مما يعطيه صورة كاملة عن الموضوع... وما انتشر
منها لحد الان يوضح الفوائد الجمة من تحقيق هذه الفكرة.
وموضوع هذا الكتاب من اهم المواضيع التي شغلت بال
المخلصين والمفكرين من ابناء هذه الامة لعقود طويلة.. الا وهو موضوع (المستشرقين) فرغم
وجود بعض العناصر المخلصة أو المحايدة فيهم فان الغالبية العظمى منهم جاءت لتدرس
الاسلام من خلال موقف نفسي مسبق ملؤه الحقد والسعي للتشويه ـ بل والتمهيد ـ لتحقيق
هزيمة نفسية للمسلمين تسبق الحملة العسكرية المنظمة التي كان يخطط لها اولئك الذين
دفعوا هؤلاء لمثل هذه الاساليب.
وقد حاول هؤلاء تشويه التاريخ الاسلامي والتشكيك في
كل المقدسات الاسلامية، وإثارة الشبهات حول النسب السماوي للقرآن الكريم والسلوك الطاهر
لرسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) وأهل بيته
الطاهرين وصحابته المنتجبين، منتحلين الكثير من القصص ومستغلين الكثير من الفجوات الموجودة
ـ مع الاسف ـ في تواريخنا ومروياتنا لتحقيق هدفهم المشؤوم. مما دفع الكاتب الكريم
الاستاذ المقدادي لعرض هذه الشبهات والتنبيه على مكامن الخطر فيها متتبعاً نشأة
الاستشراق وعوامله ومستعرضاً بعض مدارسه المشهورة ومركزاً على ما دسوه في الانتاج الموسوعي،
ودوائر المعارف الشهيرة. ومبيناً جوانب الخلط والخطأ الفادح فيها فإلى مطالعة هذا
الكتاب الجيد ندعو القراء الاعزة راجين للاستاذ الفاضل الكاتب كل موفقية وسداد في
عمله المبارك.
محمد
علي التسخيري
المدخل
أهل
الكتاب والثقلين
منذ بزوغ فجر الإسلام، وصدوع الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة الجديدة، تنادت قوى الكفر والشرك والضلال،
وأجمعت أمرها على التصدي لها بكل ما تملك من وسائل، وحاولت جاهدة القضاء عليها في
مهدها مستهدفة ثقليها الكريمين القرآن المجيد والرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الاطهار(عليهم السلام). وكان لأهل الكتاب، ممن نكثوا العهد ونقضوا
المواثيق المأخوذة عليهم من قِبَلِ أنبيائهم بالالتحام مع الرسالة المحمدية، الدور
الأكبر والجهد الفاعل في التصدي والتآمر على شخص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الرسالة التي جاء بها.
ولعل ما يؤكد ذلك هو أن من أكثر ما تناوله القرآن
الكريم ونزلت به آيات كريمة بهذا الصدد يتعلق بأهل الكتاب، من بيان لطبيعة سلوكهم
وموقفهم من الثقلين وارشاد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما يجب أن يتخذه من موقف رسالي تجاههم.
فقد بلغت الآيات القرآنية الكريمة النازلة بهم (267
آية تقريباً)، وهذا يدلّ دلالة واضحة على أهمية دورهم وخطرهم على حركة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في تثبيت دعائم الرسالة الإسلامية وضمان مستقبلها
على صعيد حفظها من التحريف والتزوير، وتبليغها لكافة الناس، وامتداد لوائها إلى
أقصى أمصار الأرض.
ومن الواضح أن الآيات الكريمة في هذا المجال تنقسم
إلى قسمين رئيسيين، وقد يتداخـل القسمـان في الآية الـواحدة وقـد ينفصـلان، وقد
تتداخل مفردتان تفصيليتان فيها أو أكثر وقد تستقلّ بواحدة. ونستعرض كلاً منهما كالآتي:
القسم الاول:
الآيات الناظرة إلى موقف أهل الكتاب من الثقلين،
ويمكن عرضها على شكل عناوين تفصيلية تُظهر لنا أبرز مواقفهم تلك:
1 ـ كتمان الحق وتحريفه:
وهم يعلمون... ففي الآيات المبينة التالية نرى أن كل
آية منها تجري مع الخط الأساسي العريض في مجموعها وهو خط المواجهة بين أهل الكتاب
والثقلين وبها يتجلّى ما بذله هؤلاء الأعداء من جهد وحيلة ومن مكيدة وخداع ومن كذب
ولبس للحق بالباطل، وبثّ الريب والشكوك وتبييت الشرّ والضرّ لهما بلا وني ولا
انقطاع كما في قوله تعالى:(يا
أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)([1]).
وقوله تعالى: (من
الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه...)([2]).
وقوله تعالى: (وإذ
أخذ الله ميثاق الذين اُوتوا الكتاب لتبيننهُ للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء
ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً فبئس ما يشترون)([3]).
وقوله تعالى: (أفتطمعون
أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه
وهم يعلمون)([4]).
ومن المثير في موقفهم هذا أنهم كانوا ينتظرون بزوغ
فجر الدين الجديد، وكانوا يبشّرون به ويفتخرون على غيرهم من الاُمم والأديان بأن
النبي المتوقع سيكون منهم، ولكن ما إن جاءهم حتى كفروا به. قال تعالى: (ولما
جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحون على الذين كفروا
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)([5]).
ثم إنهم كانوا يعرفون النبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) باسمه وبمشخصاته، ولكن بعد أن بعثه الله سبحانه لم
يؤمنوا به، كما جاء ذلك في قوله تعالى: (الذين
آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون)([6]).
وقوله تعالى: (الذين
آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم
يعلمون)([7]).
2 ـ نقض العهود والمواثيق:
وهم لا يتقون... رغم كل ما أخذه عليهم أنبياؤهم من
مواثيق وعهود بضرورة الإيمان بالرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر به في كتبهم وبما يأتي به من كتاب الله. ومن
صريح الآيات في ذلك قوله تعالى: (الذين
عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرّة وهم لا يتقون)([8]).
وقوله تعالى: (أو
كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون)([9]).
وقوله تعالى: (وإذ
أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم
واشتروا به ثمنا قليلاً فبئس ما يشترون)([10]).
3 ـ النفاق والتضليل:
وما يضلون إلاّ أنفسهم وما يشعرون... قال تعالى: (ودّت
طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلاّ أنفسهم وما يشعرون)([11]).
وقال أيضاً: (يا
أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم
تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون
الكَلِم من بعد مواضعه يقولون إن اُوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد
الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً اُولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم
لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)([12]).
وقوله تعالى: (وقالوا
قلوبنا غُلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون)([13]).
وقوله تعالى: (أتأمرون
الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)([14]).
وبهذا الاسلوب حاول بعضهم جاهدين التوغل في صفوف
المسلمين عن طريق مؤامرة خسيسة كشفها الله سبحانه وتعالى، وأوضح خطّتها الرامية لزعزعة
الإيمان وإخراج المسلمين من عقيدتهم وهي تقوم على اساس التظاهر بالإيمان بالرسالة
ثم الانسحاب منها بحجة التوصل إلى قناعة تامّة ببطلانها وبطلان دعوى النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة، قال تعالى: (وقالت
طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي اُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره
لعلهم يرجعون)([15]).
وعلى نفس النهج يكشف الله تعالى مؤامراتهم الواحدة
تلو الأخرى كالتي يشير إليها قوله تعالى: (وإنّ
منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون
هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)([16]).
4 ـ الحسد والتعصب:
كأنّهم لا يعلمون... فقد استولت على فريق من أهل
الكتاب هذه الحالة الطاغية من الحسد والحقد والتعصب عندما حصحص الحق وبان لهم حدّه،
فراحوا يكيدون للثقلين ما وسعتهم المكائد واحتوته نفوسهم المريضة من خداع وتزييف..
ومن الآيات المحكمات التي تسوق لنا هذه الحقيقة هي قوله تعالى: (ولما
جاءهم رسول من عند الله مصدّق لما معهم نبذ فريق من الذين اُوتوا الكتاب كتاب الله
وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون)([17]).
وقوله تعالى: (ودّ
كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من
بعد ما تبين لهم الحق...)([18]).
وقوله تعالى: (ما
يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزّل عليكم من خير من ربكم
والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)([19]).
وقوله تعالى: (ولمّا
جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحون على الذين كفروا
فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)([20]).
وقوله تعالى: (وقالوا
كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملّة ابراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)([21]).
وقوله تعالى: (ألم
تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا
هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)([22]).
5 ـ التعالي والاستهزاء:
لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون.. وهذا اُسلوب آخر
تميّز به المكابرون من أهل الكتاب، فهو لغة من أعيته السُبل فراح يتخبط في وهم
أغمض فيه عينيه عن الحقائق هارباً من الحق إلى الباطل، تارة بمسلك العتوّ
والاستعلاء واُخرى بمنطق السخرية والاستهزاء كما تشير إليه آيات كريمة، منها قوله
تعالى في الذين هادوا: (...
ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليّاً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو
أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله
بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلا)([23]).
وقوله تعالى: (ومن
أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك
إلاّ مادمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاُميين سبيل ويقولون على
الله الكذب وهم يعلمون)([24]).
وقوله تعالى: (وقالت
اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممن
خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء ولله ملك السموات والارض وما بينهما وإليه
المصير)([25]).
6 ـ الحقد والعدوان:
لبئس ما كانوا يعملون... من صدٍّ عن سبيل الله
ومسارعتهم في الإثم والعدوان بعد أن رأوا دين الله يعلو وينتشر وأمر نبيه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) يذيع بين القبائل والأمم... فأعدّوا العدّة للحرب
والعدوان... بدءاً بمعركة النصارى مع المسلمين في مؤتة التي استشهد فيها جعفر بن
أبي طالب وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، فمعركة اليرموك وما بعدها... ومنه ما
كان من اليهود الذين عُرفوا بالخيانة ونقض العهود، كالذي حدث في معركة الأحزاب
عندما نقضوا العهد مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتحالفوا مع المشركين ضدّه... وكذا واقعة خيبر التي كانت فيها هزيمتهم
الماحقة على يد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقد عرضت آيات من القرآن الكريم هذه النزعة فيهم... ويظهر هذا الموقف من
خلال جملة من آيات القرآن كما في قوله تعالى: (وترى
كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون)([26]).
وقوله تعالى: (قل
يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلاّ أن آمنّا بالله وما اُنزل إلينا وما اُنزل من
قبل وأن أكثركم فاسقون)([27]).
وقوله تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا إنّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل
ويصدّون عن سبيل الله...)([28]).
وقوله تعالى: (فبظلم
من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات اُحلّت لهم وبصدّهم عن سبيل الله كثيرا)([29]).
القسم الثاني:
الآيات المرشدة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسدّدة له في اتخاذ الموقف الالهي من سلوك
ومواقف أهل الكتاب. ولعل أبرز عناوينها التي تحدد تلك المواقف الإلهية هي:
1 ـ دعوة أهل الكتاب للحق وترغيبهم فيه:
قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين... ففي الآيات
التالية حكاية وبيان بليغ لذلك. قال تعالى: (يا
أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن
كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)([30]).
وقال تعالى: (يا
أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من
بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير)([31]).
2 ـ التحاجّ إلى الحق:
فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون... وصريح هذا
الموقف الإلهي للرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم) نجده في
قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ
بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)([32]).
وقوله تعالى: (ألم
تر إلى الذين اُوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى
فريق منهم وهم معرضون)([33]).
وقوله تعالى: (أفغير
الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون
أنه منزّل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين)([34]).
وقوله تعالى: (قل
يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل اليكم من
ربكم...)([35]).
وقوله تعالى: (ها
أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم
وأنتم لا تعلمون)([36]).
وقوله تعالى: (يا
أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)([37]).
3 ـ الرد على شبهاتهم:
ثم ذرهم في خوضهم يلعبون... وآيات هذا الموقف كثيرة
منها قوله تعالى: (وما قدروا الله حق
قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى
نوراً وهدىً للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعُلّمتم ما لم تعلموا
أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون)([38]).
وقوله تعالى: (وقالت
اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف
يشاء وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً وألقينا بينهم
العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في
الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين)([39]).
وقوله تعالى: (وقالوا
لن تمسّنا النار إلاّ أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده
أم تقولون على الله ما لا تعلمون)([40]).
4 ـ كشف نواياهم وامتحان مدى صدقهم:
والله أعلم بما كانوا يكتمون... كما في قوله تعالى: (وإذا
جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون)([41]).
وقوله تعالى: (الذين
قالوا إنّ الله عهد إلينا ألاّ نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد
جاءكم رسلٌ من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين)([42]).
وكذا قوله تعالى في امتحان مدى صدقهم: (قل
يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم
صادقين)([43]).
5 ـ إنصاف طلاب الحق منهم:
أولئك لهم أجرهم عند ربهم... كما في قوله تعالى: (وإنّ
من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما اُنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا
يشترون بآيات الله ثمناً قليلا اُولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب)([44]). وغالباً ما يكون هؤلاء من المنتظرين بإخلاص وصدق
لبعثة الرسول بالرسالة الإسلامية الموعودة ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (لكن
الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما اُنزل إليك وما اُنزل من
قبلك...)([45]).
وقوله تعالى: (الذين
آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون)([46]).
6 ـ رفض ولايتهم:
ومن يتولهم منكم فإنه منهم... فقد جاء في الخطاب
الإلهي للمؤمنين قوله تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم
منكم فإنه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين)([47]) وكذلك قوله تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين اُوتوا
الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين)([48]).
وأيضاً في قوله تعالى: (ولو
كانوا يؤمنون بالله والنبي وما اُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم
فاسقون)([49]).
7 ـ احترام العهود والمواثيق معهم:
إنّ الله يحب المتقين... وبيان ذلك من خلال شمول
إطلاق المشركين لأهل الكتاب في قوله تعالى: (إلاّ
الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتمّوا
إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ الله يحب المتقين)([50]). وقوله تعالى: (...
إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب
المتقين)([51]). وكذلك في خطاب الله سبحانه لبني اسرائيل في قوله
تعالى: (يا بني إسرائيل
اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيّاي فارهبون)([52]).
8 ـ الحذر من اغوائهم وتضليلهم:
إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون... ويظهر لنا هذا
المعنى من خلال سياق آيات كريمة في قوله تعالى: (أفتطمعون
أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم
يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا
أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون
أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)([53]). وكذلك في قوله تعالى: (ولئن
أتيت الذين اُوتوا الكتاب بكلّ آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم
بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين)([54]). وأيضاً قوله تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم
كافرين)([55]).
9 ـ التهديد والوعيد للمعاندين منهم:
فإنّ الله سريع الحساب... وفي هذا نجد مجموعة من
الآيات الكريمة صريحةً في بيانها، شديدة في مدلولها، كما في قوله تعالى: (إن
الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين اُوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم
بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب)([56]). وأيضاً قوله تعالى: (إن
الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً اُولئك ما يأكلون في
بطونهم إلاّ النار ولا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم)([57]).
وقوله تعالى: (فويلٌ
للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً
فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)([58]). وقوله تعالى: (لقد
سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم
الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق)([59]).
10 ـ لعن وقتال المحاربين منهم:
حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون... وهذا صريح
مبين في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا
يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين
الحق من الذين اُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)([60]). وكذلك في قوله تعالى: (
هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا
وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم
الرعب يُخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا اُولي الأبصار)([61]).
وهكذا جاءت الآية الكريمة من قوله تعالى: (وأنزل
الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون
وتأسرون فريقاً)([62]).
العداء دائم ما دامت
علّته:
فمن قوله تعالى: (وقالوا
كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)([63]). وقوله تعالى: (ولن
ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت
أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)([64]). نعرف أن العلة الأساسية للموقف العدائي لأهل
الكتاب من ثقلي الرسالة الإسلامية «القرآن الكريم والعترة الطاهرة» قائمة دائمة في
محور المواجهة بينهما وهي عدم رضا أهل الكتاب عن المسلمين وأئمتهم حتى يتّبعوا
ملتهم، ولا ينحصر هذا العناد والعداء بمرحلة دون اُخرى بل يمتد في الأرض ما انتشر
الإسلام، ويتزامن عبر العصور مع كل قيام شوكة للمسلمين إلاّ أنه يتكيّف ويتشكل بما
يوحيه إليهم شيطانهم من مكر وخديعة وخبث ووقيعة، وفي مقدمتها المواجهة الفكرية
والإعلامية بكافة أشكالها وكيفياتها... ومنها ما اصطلح عليه مؤخراً بالاستشراق...
ويبقى موقفنا منهم متقوّماً بنفس ما أرشد إليه القرآن الكريم نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما استعرضناه في مدخل كتابنا هذا... وفي الفصول
التالية سنتناول بشيء من التفصيل هذا الشكل من المواجهة لثقلي الإسلام وعطاءاتهما
الرسالية للبشرية.
الفصل الاول
نشأة الاستشراق
o هوية الاستشراق
o النشأة والبدايات
o نشأة الاستشراق والاقتران بالتبشير
o نشأة الاستشراق بين النهج العلمي والاستعداء
التبشيري
o مبدأ الاستشراق اختراق ثقافي لدحر المسلمين في
اوربا
o الاستعراب اولاً ثم الاستشراق
o بروز نظريات الاستشراق الاستعماري
هويـة
الاستشراق
تعريف الاستشراق:
يُعرف الاستشراق اصطلاحاً بانهُ: «العلم باللغات
والآداب والعلوم الشرقية»([65]).
والعالم بها يسمى بالمستشرق والذي ينحصر مصداقهُ عادةً بالمتخصص الغربي بتلك
العلوم. ومن خلال الاستقراء الشامل لما تمخض عنهُ الاستشراق فعلاً نجد أن الغالب
على ما تناوله من الشرق هو الإسلام معارف وحضارةً، وعليه يمكن بدواً موافقة
المستشرق الفرنسي الشهير مكسيم رودنسون في تعريفه للاستشراق بأنهُ: «اتجاه علمي لدراسة
الشرق الإسلامي وحضارته»([66]).
وبما ان الاستشراق نشأ على يد الاوربيين لذلك كان متماشياً ومتناسباً مع طبيعة
الفكر الاوربي في كل مرحلة من مراحلهِ التاريخية وكذلك منسجماً مع نظرة أوربا الى
الشرق وبالخصوص الشرق الإسلامي، فعندما كانت الطبيعة التبشيرية هي السمة البارزة
للفكر والحكومات الاوربية كان الاستشراق يندفع بهذا الاتجاه، ويتأكد هذا إذا كان
المستشرق ينطلق في عمله من خلال مؤسسة تبشيرية، حينئذ سيأخذ الاستشراق مساراً وحركةً
ذات اتجاه تبشيري وليس علمياً محضاً، فيمتد عمل المستشرق ليشمل كل ما يخدم مهمة
التبشير، فهو عندما يتناول الإسلام فكراً وحضارة بالبحث والدراسة سيكون ذلك على
ضوء ما تمليه عليه طبيعة الفكر التبشيري... ويشير إلى ذلك المستشرق «درمنغهام» في معرض
بيانه عن النفي الكيفي وإثارة الشكوك في معطيات السُنّة النبوية والتاريخ الإسلامي
من قبل المستشرقين (ذوي الدوافع التبشيرية) فيقول: «من المؤسف حقاً ان غالى بعض
هؤلاء المتخصصين ـ من أمثال موير، ومرجليوث، ونولدكه، وشبرنجر، ودوري، وكيتاني،
ومارسني، وغريم، وغولدصيهر، وغودفروا، وغيرهم ـ في النقد أحياناً، فلم تزل كتبهم
عامل هدم على الخصوص، ومن المحزن أن لا تزال النتائج التي انتهى اليها المستشرقون
سلبية وناقصة، ولن تقوم سيرة على النفي، وليس من مقاصد كتابي أن يقوم على سلسلة من
المجادلات المتناقضة... ومن دواعي الأسف أن كان الأب «لامانسي» الذي هو من أشهر
المستشرقين المعاصرين ومن أشدهم تعصباً وأنهُ شوَّهَ كتبه الرائعة الدقيقة وأفسدها
بكرهه للإسلام ونبي الإسلام، فعند هذا العالم اليسوعي أن الحديث إذا وافق القرآن
كان منقولاً عن القرآن، فلا أدري كيف يمكن تأليف التاريخ إذا اقتضى تطابق الدليلين
تهادمهما بحكم الضرورة بدلاً من أن يؤيد أحدهما الآخر؟»([67]).
كما نجد ذلك واضحاً في مجموعة من المجلات
الاستشراقية كمجلة (العالم الإسلامي) التي يصدرها المستشرقون الأميركيون والتي
أنشأها «صموئيل زويمر»([68])
في سنة 1911م وتصدر الآن من هارتفورد بأميركا ورئيس تحريرها «كنيث كراج» وطابع هذه
المجلة تبشيري سافر. وللمستشرقين مجلة شبيهة بتلك المجلة في روحها واتجاهها
العدائي التبشيري وتحمل نفس الاسم (العالم الإسلامي) مع العلم أن أغلب المحررين
لمثل هذه المجلات هم من المبشرين كالقسيس «ا.ا. الدر» والقسيس «ا. بشوب» والقسيس
«ل.ل. براون» والقسيس «د.م. دونالدسون»([69]).
وهكذا عندما يكون طابع الفكر الأوربي السائد هو
الطابع الاستعماري (بالمعنى الحديث للمصطلح) فإن الاستشراق يندفع بهذا الاتجاه
ليخدم كل ما من شأنه تكريس الاستعمار، كتزويد الحكومات المستعمرة بالدراسات
والتحليلات الوافية عن الشرق والبلاد المستعمَرة، وكذلك تزيين صورة المستعمرين
وتبرير ممارساتهم وإظهارهم بمظهر المنقذ والمحرِّر وحامل راية الحرية والحضارة
مثلاً، أو قد يكون المستشرق عاملاً في إحدى مؤسسات الدول الاستعمارية بصورة رسمية،
كأن يكون مثلاً مستشاراً لوزارة المستعمرات في هذه الدول، كما هو الحال بالنسبة للمستشرق
الفرنسي «هانوتو» الذي كان يعمل مستشاراً لوزارة الاستعمار الفرنسية، نجدهُ يتجه
في دراساته الاستشراقية إلى كل ما يخدم الحركة الاستعمارية لفرنسا في الشرق، بل
يحاول توظيف رعيل من المستشرقين لهذا الغرض من خلال رسم مناهج بحثهم ودراساتهم
الاستشراقية من وحي الدوافع الاستعمارية لبلاد الشرق الإسلامي...
وهكذا يصب الجهد الاستشراقي في الاطار الاستعماري
لاوربا بشكل مباشر او غير مباشر. ومن نماذج ذلك ما كتبه «هانوتو» هذا عن المسلمين وعقيدتهم
واضعاً المقترحات الضروريّة في نظره لتوجيه سياسة فرنسا في مستعمراتها الافريقية
الإسلامية تحت عنوان «قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية»، وقد نشرت
جريدة «المؤيد» في تمام القرن التاسع عشر ترجمة لمقالتهِ هذه نورد مقاطع منها هي
قولهُ: «... في تلك البقعة الإفريقية التي أصبحت مقر ملك الإسلام، جاءت الدولة
الفرنسية لمباغتته. جاء القديس لويس ـ الذي ينتمي إلى إسبانيا بوالدته ـ ليضرم
نيران القتال في مصر وتونس، وتلاه لويس الرابع عشر في تهديده الإمارات الافريقية
الإسلامية، وعاود هذا الخاطر نابليون الاول، فلم يوفق في تحقيقه الفرنسيون إلاّ في
القرن التاسع عشر، حيث أخنوا على دولة الإسلام التي كانت لا تني في متابعة الغارات
على القارة الأوربية، فأصبحت الجزائر في أيديهم منذ سبعين عاماً، وكذلك القطر
التونسي منذ عشرين عاما».
«... إذن فقد صارت فرنسا بكل مكان في صلة مع الإسلام، بل صارت في صدر
الإسلام وكبده، حيث فتحت أراضيه وأخضعت لسطواتها شعوبهُ وقامت تجاههُ مقام رؤسائه
الاولين، وهي تدير اليوم شؤونهُ وتجبي ضرائبه، وتحشد شبابه لخدمة الجندية، وتتخذ
منهم عساكر يذبّون عنها في مواقف الطعان ومواطن القتال».
«إن شعباً جمهوري المبادئ (شعب فرنسا) يبلغ عدد نفوسه اربعين
مليوناً لا مرشد لهُ إلا نفسهُ ـ لا عائلات ملوكية فيه يتنازعن عن الحكم، ولا
رؤساء يتناولون الرئاسة بطريق الوراثة ـ هو الذي تقلد زمام إدارة شعب آخر لا يلبث أن
ينمو حتى يساويه في العدد، وهو ذلك الشعب المنتشر في الأرجاء الفسيحة والأصقاع
المجهولة، والمتبع لتقاليد وعادات غير التي نقولها ونحترمها... هو الشعب الإسلامي
السامي الاصل، الذي يحمل إليه الشعب الآري المسيحي الجمهوري الآن ملح المدنية
وروحها!!
ليس الإسلام في داخلنا فقط، بل هو خارج عنّا أيضاً...
قريب منّا في «مراكش» تلك البلاد الخفيّة الأسرار، ... قريب منّا في «طرابلس
الغرب» التي تتم بها المواصلات الاخيرة بين مركز الإسلام في البحر الابيض المتوسط
وبين الطوائف في باطن القارة الافريقية، قريب منّا في «مصر» حيث تصادمت معنا الدولة
البريطانية فصادمنا إيّاها في الأقطار الهندية، وهو موجود وشائعٌ في «آسيا» حيث لا
يزال قائماً في بيت المقدس وناشراً أعلامهُ على «مهد الانسانية مقر المسيح»، ويحسب
أنصاره وأشياعهُ في قارات الارض القديمة بالملايين وقد انبعثت منهُ شعبة في بلاد
الصين فانتشر فيها انتشاراً هائلاً حتى ذهب البعض الى القول بان العشرين مليوناً
من المسلمين الموجودين في الصين لا يلبثون أن يصيروا مائة مليون، فيقوم الدعاء لله
مقام الدعاء «لساكياموني» وليس هذا بالأمر الغريب، فإنه منتشرٌ في الآفاق...».
«لا تظنوا أن هذا الإسلام الخارجي الذي تجمعهُ جامعة فكر واحد،
غريب عن إسلامنا (في تونس والجزائر) ولا علاقة له به، لأنهُ وإن كانت البلاد (الإسلامية)
التي تحكمها شعوب مسيحية ليست في الحقيقة بـ (دار إسلام) وإنما هي دار حرب، فإنها
لا تزال عزيزة وموقّرة في قلب كل مسلم صحيح الإيمان، والغضب لا يزال يحوم حول
قلوبهم كما تحوم اُنثى الأسد حول قفص جلست فيه صغارها، وربما كانت قضبان هذا القفص
ليست متقاربة ولا بدرجة من المتانة تمنعها عن الدخول إليها من بينها».
«يؤخذ مما تقدم أن جراثيم الخطر لا تزال موجودة في ثنيات الفتوح
وعلى أفكار المقهورين الذين أتعبتهم النكبات التي حاقت بهم، ولكن لم تثبط هممهم، نعم
ليس لمقاومتهم رؤساء يشدّون هذهِ المقاومة، ولكن رابطة الإخاء الجامعة لأفراد
العالم الإسلامي بأسره كافلة بالرئاسة... ففي مسألة علاقتنا مع الإسلام تجد المسألة
الإسلامية والمسألة الدينية والمسائل الداخلية والخارجية شديدة الاتصال بعضها
ببعض، وهذا ما يجعل حلّها صعباً ومتعذراً، كما سنبينهُ».
هذا الدافع «الاستعماري» الذي تجلّى عند المستشرق
الفرنسي «هانوتو» خلق تلك النظرة إلى المسلمين في آسيا وافريقيا، وهي نفسها التي
يحملها المستعمر الفرنسي والإنجليزي والهولندي عند تعامله مَعَهم وتوجيهه إيّاهم،
وبهذا تتضح سياسة الاستعمار في الشرق الإسلامي من خلال توجيه الاستشراق كحركة وتوسيع
مفهومه من الإطار العلمي المحض الى إطار حركة الاستعمار وأهدافه.
وقد لا يكون وراء الاستشراق كحركة دافع واحد يضاف
إلى مدعى الدافع العلمي بل كثيراً ما تجتمع وراءه دوافع متعددة تنحو به باتجاه
استيعاب كل الاغراض والاهداف المشتركة للقوى الكامنة وراءه فيندفع في مرحلة
تأريخية واحدة باتجاهات متعددة هدفها تشويه وتحريف العقائد والمتبنيات الفكرية السائدة
في الدائرة التي تتناولها دراسات المستشرقين وأبحاثهم، ومثال ذلك ما ذكره لنا الكاتب
«أنور الجندي» في معرض بيانه لمخططات الاستشراق في ضرب الإسلام والوحدة الإسلامية
من خلال نظرته إلى مصدر الدين، فيقول: «حاول الاستشراق فرض مفهومه أن الدين ظاهرة
اجتماعية لم تنزل من السماء، وإنّما خرجت من الارض، كما خرجت الجماعة نفسها على
النحو الذي قال به «دوركايم»([70])
ومدرسة العلوم الاجتماعية التي يتصدر لقيادتها الاستشراق اليهودي والتي خضع لها
وخُدعَ بها الكثير من الأسماء اللامعة من الذين تلقوا تعليمهم في أوائل هذا القرن
في السوربون وغيرها وفي مقدمتهم «طه حسين» «ومحمود عزمي» وغيرهم.
وينظر الاستشراق (والمنهج الغربي كله) إلى الأديان
جميعاً من خلال مقولة مضللة تقول: إن الاديان ظاهرة اجتماعية وظاهرة مرحلية تلت
مرحلة الوثنيّة وأعقبتها مرحلة العلم التي لم يَعُد الانسان أو المجتمع خلالها في
حاجة إلى وصاية الدين، وان الأمم الراقية الآن لا تحتاج إلى الدين أصلاً.
ومن ثم فإن الاستشراق يمضي إلى التشكيك في قاعدة
(عالمية الإسلام) وختم الرسالة، ويفتح الباب واسعاً أمام دعوات البهائية
والقاديانية في الدعوة إلى وحدة الاديان كما يشير دائماً إلى ما ترمي إليه
الماسونية مما يطلق عليه دين البشرية (الهومنيزم).
وهذهِ كلّها محاولات تجتمع عليها مخططات الاستشراق
الغربي والماركسي والصهيوني، في محاولة إزاحة الإسلام والتشكيك فيه»([71]).
من كل ما سبق نخلص إلى أن الاستشراق كمفهوم ليس
اتجاهاً علمياً لدراسة الشرق الإسلامي وحضارته كما ادعاه المستشرق الفرنسي الشهير «مكسيم
رودنسون»، بل هو في حقيقته حركة واسعة الدوافع والقوى الكامنة وراءه حتى استوعب في
كثير من مراحله وأدواره أغلب التطلعات الحضارية لأوربا وحركتها الاستعمارية في
الشرق خصوصاً الإسلامي منه.
النشأة
والبدايات
يرى المتتبّع الفاحص لما احتوته الكتب والدراسات
التي تبحث في تاريخ نشوء الاستشراق، وبداياته التكوينية، والادوار التي مرّ بها،
ومن خلال مقارنة بين مضامينها أنها غالباً ما تكشف عن وحدة الرأي في طبيعة النشوء
وصبغته، من أنه نشأ وبدأ تبشيرياً في روحه وأهدافه، إلاّ أنهم يختلفون في زمان
نشأته وبدايته بالمعنى المصطلح.
فمنهم من قال: إنه نشأ في القرن التاسع الميلادي، كالدكتور
سمير سلمان([72]).
ومنهم من قال: إنه نشأ في القرن العاشر الميلادي، كبطرس البستاني([73])،
ونجيب العقيقي([74])،
ويوسف اسعد داغر([75]). ومنهم من يعتقد بأنه نشأ في القرن الثاني عشر، من
أمثال رودي بارت([76]).
أما شوقي أبو خليل استاذ الحضارة العربية الاسلامية
والاستشراق في كلية الدعوة الاسلامية (فرع دمشق) فيقول: «إن بداية الاستشراق
الفعلي كانت بعد فشل الحروب الصليبية. لقد غادر لويس التاسع في 8 أيار (مايو) عام
1250م، مدينة دمياط متجهاً إلى عكّا، وكانت صيحته بعد هزيمته: لنبدأ حرب الكلمة
فهي وحدها القادرة على تمكننا من هزيمة المسلمين»([77]).
وبهذا يكون قد وافق ما ذهب إليه محمد البهي من أن
الاستشراق قد نشأ في القرن الثالث عشر([78]). في حين قد
ذهب البعض إلى القول باقتران نشوء الاستشراق بالقرارات التي صدرت من قبل رؤوس
السلطات الكنسية التي كانت بيدها مقاليد الامور في رسم وتحديد سياسة دول أوربا في
تلك العصور. فكان اتخاذ قرار تأسيس عدد من الكراسي لتدريس اللغة العربية
واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس واكسفورد وبولونيا وأفينيون وسلامنكا
وبعض الجامعات الأوربية الاُخرى من قبل مجمع فينا الكنسي عام 1312م فاتحة لبداية
الاستشراق([79]).
ولكل من أصحاب هذه الآراء التي سقناها مستند ودليل
يعتمد عليه، إلاّ أن الأهم من كل ذلك هو اتفاق أغلب الكتّاب عن الاستشراق من
المسلمين وغيرهم على أن نشأته كانت تبشيرية في المحتوى والوسائل والاهداف.
وعليه لابد لنا من معرفة جذور هذه الصبغة لما لها من
تأثير كبير في تشخيص مسار حركة الاستشراق، وتحديد الادوار والمراحل التي مرّ بها، وإرسائها
على اُسس موضوعية من واقع النشأة والصيرورة وصولاً إلى الاهداف الحقيقية التي تصبو
لها هذه الحركة.
نشأة
الاستشراق والاقتران بالتبشير
نبدأ مسيرنا في البحث عن جذور الاستشراق من أول
ظاهرة تبشيرية (بالمعنى المصطلح) والتي قرنت فيما بعد بالاستشراق متماشين مع مدعى
بعض الكتاب المعاصرين الذين كتبوا عنه، معتمدين على الادلة التاريخية التي تثبت أن
نشأته كانت في القرن التاسع الميلادي كما أسلفنا سابقاً. وأن وطنه الام هو الاندلس
بعد الفتح الاسلامي لها واستقرار المسلمين فيها عام 711م. ولقد تزامنت هذه النشأة
مع بداية تأجج الصراع بين النصارى الاوربيين والمسلمين الاندلسيين، والذي برز على
شكل ظواهر كان أولها نشوء حركة الاستشهاد عام 850 م بقيادة بعض المسيحيين
المتطرفين ورجال الدين آنذاك من أمثال القديس «أولوخيو» أو «أولوجيوس»
و«البروقرطبي» في عهد حكم الخليفة الاموي «عبد الرحمن الاوسط» الملقب بالثاني،
الذي حكم بلاد الاندلس في الفترة ما بين (822 ـ 852م)، بعد وفاة والده الحكم الأول
ابن هشام الأول ابن «عبد الرحمن الداخل» مؤسس الدولة الاموية في الاندلس والذي
حكمها في الفترة ما بين (756 ـ 788م)([80]).
لقد كانت هذه الحركة تحكي في حقيقتها حالة التعصب
المستعر في صدور المستعربين([81])
من الذين أثارهم مدى نفوذ الاسلام وقوة تأثير الثقافة الاسلامية واللغة العربية في
واقع الشعب الاسباني، فتحركوا لمواجهة هذا النفوذ والعمل على تفريغ محتواه من نفوس
الأسبان عن طريق إذكاء حالة العداء الديني وتغذيتها بأشكال الإثارة الحادة ليتسنى
لهم دق إسفين الخلاف، ومن ثم صبّ ذلك في محور تحريضي مباشر تجاه الخلافة
الاسلامية. حتى إن بعض المغالين من الرهبان كان يصرّ على التعرض للاسلام، والطعن
في النبي محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)، والنيل
من المقدسات الاسلامية للفوز بعقوبة الموت، معتقدين بأنهم يكسبون بذلك شرف الشهادة
الذي حُرموه نتيجةً للتسامح الذي كان سمةً من سمات حكامهم المسلمين في دار الخلافة
بالاندلس.
وبالرغم من أن عدد هؤلاء المتعصبين لم يكن كبيراً،
إلاّ أن الحكومة قد خشيت آنذاك «سوء عاقبة هذه الحوادث وأوجست خيفة من أن احتقارهم
سلطانهم وعدم اكتراثهم بالقوانين التي سنّوها ضدّ من يطعن في دينهم (الاعدام) قد
يؤدي إلى استفحال روح الكراهية، وذيوع حركة العصيان بين الأهلين كافة»([82]).
فعمدت إلى القضاء على حركة الاستشهاد، مستفيدة من اعتدال الكثير من المستعربين،
وعدم تفاعلهم معها.
ولما كانت هذه الحركة عبارة عن إرهاص متشنج يحكي
حالة الرفض المتعصب بطريقة انفعالية هيمنت على أفكار غلاة المتدينين والقساوسة
الاسبان ـ كما عبر عنها «ريتشارد سوذرن» ووصفها «بأنها حركة ضد رضا العامة بالحضارة
العربية»([83])
ـ فقد خلقت أرضية لعمل فكري يهدف إلى معرفة وفهم العدو الاسلامي، ودراسة سرّ قوّته
وتميّزه، ورفع الابهام عن لغز تفوّقه وقدرته. أي بعبارة اُخرى خلقت أرضية
الاستشراق بروحه التبشيرية.
أما لماذا لم يتم هذا العمل الفكري في الفترة التي
كانت حركة الاستشهاد في أوجها؟ فيقول «سوذرن»: «إن كلاً من «أولوجيوس» و«ألبرو
قرطبي» قائدي الحركة كانا يعتقدان أن السيطرة الاسلامية هي بداية المقدمة الضرورية
لظهور المسيح الدجال المذكور في كتبهم المقدسة، وانسجم ذلك مع تأويلات خاطئة باقتراب
يوم القيامة وعلائمه التي كانت سائدة بين أوساط المجتمع الأوربي المسيحي آنذاك.
إضافة إلى أنهما لم يكونا مؤهلين للجهد الفكري المطلوب في معرفة وفهم العدو
الاسلامي، كما وإنهما ـ القائدين ـ وأتباعهما لم يكونوا يريدون أن يعرفوا شيئاً»([84])
لتشبُّع قلوبهم بالبغض والكراهية والغضب على كل ما هو مخالف لأفكارهم ومعتقداتهم
الخرافية السائدة، وتأويلاتهم المنحرفة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ولم تكن الكنيسة الكاثوليكية بأحسن حالاً من هؤلاء،
حيث لم تخرج عن دائرة هذا الجو العدائي. فقد كانت أحد العوامل الرئيسية لتأجيج
الصراع وتغذية الشعور المعادي للمسلمين، وإذكاء نار الحقد في صدور رعاياهم ضدهم
بكل ما تهيأ لها من وسائل، واُوتيت من قوة لما أدركته من تأثير الاسلام وسرعة
نفوذه وكثرة المقبلين عليه.
حيث يصف أحد المؤرخين الغربيين هذه الظاهرة فيقول:
«بأن تأثرهم بالاسلام كان بمحض إرادتهم في أغلب الاحيان»([85]).
وأخذت الكنيسة الكاثوليكية تدرك تدريجياً ومن موقع دفاعي ضرورة إعطاء النصارى
أسباباً وجيهةً ليحافظوا على إيمانهم التقليدي الخاص، ويتحصنوا داخله. إلاّ أن هذه
المساعي لم تنجح، فسرعان ما تأججت العصبيات واستفحل العداء الشديد.
وعلى هذا نرى أن بدايات الاستشراق لم تكن منفصلة عن
منظومة التنصير والتبشير، ولا عن الدوافع الدينية المتطرفة التي كانت الاساس في
نشأة الفهم الاستشراقي([86]).
فلا عجب إذن إذا رأينا الكثير من المستشرقين يجهدون في تصوير العالم الاسلامي في
كتاباتهم على أنه بشع في عاداته، قبيح في أخلاقه، مليء بالبدع والانحرافات عن
الدين السماوي الحق الذي جاء به المسيح النبي، ولا يتحرزون عن اختلاق ما يدعم
دعواهم تلك، وكل ما من شأنه زرع روح التشكيك في الاسلام وزعزعة اليقين بين أوساط
المسلمين.
نشأة
الاستشراق بين النهج العلمي والاستعداء التبشيري
إن البدايات التي سجلها الباحثون لنشأة الاستشراق لم
تكن خارجة عن نطاق الصراع الذي تربّع أبطاله على صدر الاندلس، وتركوا آثار حقدهم وتعصبهم
شاخصةً على مرّ العصور، منزلة الضربة تلو الاُخرى بالوجود الاسلامي في الاندلس.
فالحرب التي شنتها المسيحية على الاسلام حينذاك قد
نحت منحيين باتجاهين متوازيين يعضد أحدهما الآخر، ويؤديان إلى هدف واحد، ألا وهو القضاء
على الخصم الذي غزاهم وهم غارقون في سبات عميق، الاول: كان يريد تحقيق هذا الهدف
بحد السيف وإعلان الحرب المباشرة لاجتثاث جذور الوجود الاسلامي بشكل سريع ونهائي.
والثاني: كان يرى أن دراسة العدو، واستثمار معارفه وعلومه، والاطلاع على مبادئه
وأفكاره يشكل الطريق السليم لمواجهة هذا العدو من خلال امتلاك سرّ قوّته، ومعرفة
سبل اجتثاثه من داخله.
إن الاختلاف الظاهري لهذين الاتجاهين المعاديين
للاسلام والذي اُريد له أن يبرز بشكل مقصود كان يعبّئ الآخرين ويبرز ردود فعل
موسومةً بالتصلّب والتعدّي تارة، وبالمرونة وطَرقِ السبل السلمية بغطاء العلم
والمعرفة تارة اُخرى.
إن ما قام به أسقف طليطلة من اخضاع النصارى الاسبان
له إثر تعرّض العلاقات والروابط بين الكرسي البابوي من جهة، والكنيسة من جهة أخرى للضعف
والتردي أدّى إلى انفصال الاخيرة عن البابويّة، مما حدا بأسقف طليطلة إلى إخراج
ترجمات مبكرة لبعض الكتب العلمية العربية([87]). وكما ذكر
غابريلي في «تراث الاسلام»: «لقد استعربت المسيحية بسرعة لغوياً وثقافياً»([88]).
في الوقت الذي استمرت الكنيسة على تصلّبها وأبرزت تعصّباً بالغ التزمّت تجاه أي
تقارب ومهادنة أو موقف صداقة تفرضه الطبيعة العلمية، أو ظروف التقارب الثقافي الذي
قد يتخذه بعض طلاب الثقافة والمعرفة الاوربيين من الاسلام والثقافة الاسلامية.
ومن أمثلة ردود الفعل المتعصّبة التي أفرزتها طبيعة
الخلافات هذه هو ما أعلنه البابا غريغور التاسع من أن فريدريك الثاني حاكم صقلية
الذي اصبح امبراطوراً لألمانيا في عام 1220م قد خرج على الكنيسة، حيث كان فريدريك هذا
مستعرباً لغةً وثقافةً وعلوماً وعادات. وقد أهدى كتباً فلسفية تُرجمت عن العربية
إلى جامعات بولونيا وباريس. وعندما أصبح امبراطوراً أسس جامعة في نابولي سنة
1224م، وجعل منها أكاديمية لنقل المعارف الاسلامية إلى العالم الغربي([89]).
وعليه فإن نشأة التبشير في الاندلس بدأت بهدف القضاء
على الاسلام، والتبشير للمسيحية بين صفوف المسلمين الكفرة ـ كما كانوا يسمّونهم ـ
الذين قدموا من بلاد العرب وفتحوا الاندلس، أو الذين دخلوا الاسلام حديثاً والذين يطلق
عـليهم «المولـدين»([90])،
بعـد أن ثـبت لـدى أغـلب رجـال الفكر النصارى وعلمائهم أن الاسلام لا يمكن القضاء
عليه بالعمل العسكري، فدون ذلك خرط القتاد، وأن أي مواجهة سوف لن تثمر شيئاً
ومحكوم عليها بالفشل والخسران.
لذا فإن منظومة التبشير والتنصير قد تولّدت في أتون
الصراع المستعر بين الاسلام والكنيسة على الارض الاندلسية، والتي شكلت منذ القرن
التاسع عشر الميلادي الخلية الاولى في مشروع الاختراق الثقافي الاوربي للوجود
الاسلامي تمهيداً للامتداد والسيطرة الاستعمارية وبنشاط منظّم.
فالتبشير مصطلحاً ونظرية يقوم على نشر المسيحية في
جميع بقاع الارض التي تخلو منها، وهو بمعنى آخر هجوم المسيحية على الديانات الاخرى
بهدف اقتلاعها من عقول ونفوس معتنقيها، والحلول محلّها بكل وسيلة «سلميّة» ممكنة، وتطرق
في ذلك أبواباً شتّى للوصول إلى أهدافها، منها: معرفة لغة الناس المقصودين
بالتبشير، ودراسة عاداتهم وقيمهم ومعتقداتهم عن كثب، والتدخل «للمساعدة» في حل
مشاكلهم الشخصية والاجتماعية والصحية([91]). مستفيدين
من حالة الجهل والامية السائدة في أوساطهم للتشكيك في عقائدهم كمقدمة لزقّهم بالتعاليم
النصرانية عن طريق مؤسسات التربية والتعليم، كالمدارس والمعاهد والجامعات
وأمثالها.
وهكذا بدأ التبشير حركته الشاملة للقضاء على الوجود
الاسلامي متّخذاً صوراً وأشكالاً مختلفة. وكان الاستشراق أبرز صوره الفكرية. وهكذا
كان العلم والبحث العلمي الذي يفترض فيه سمو الانسان بتحصيله المتواصل للكمالات قد
استخدم اداةً من أدوات التخريب الحضاري لبلاد المسلمين، والاعتداء على تراثهم،
والطعن بالباطل في دينهم. وكانت المآرب السياسية والتعصب للدين من السمات الاساسية
للحركة الاستشراقية، ومن العناوين الخفية للوحدة والانسجام بين الاستشراق
والتبشير.
مبدأ
الاستشراق اختراق ثقافي لدحر المسلمين في أوربا
لقد كان الصراع التدميري الذي خاضته الكنيسة ومن
ورائها المستعربون المتعصبون من النصارى ضد المسلمين في الاندلس والذي برز
الاستشراق صورةً من صوره الفكرية فيما بعد قد اتخذ مسارين: الاول ديني، والثاني
فكري وسياسي.
أولاً: المسار
الديني:
يمكن تلخيص الكاشف عن المسار الأول بما يلي:
أ ـ
سعي الكنيسة الدائب لاسترداد إسبانيا من المسلمين
وإعادتها إلى سلطتها، وإن تلكّؤ مساعيها في النجاح لا يعني هزيمتها. فحروب الاسبان
«القدماء» كانت خاضعة للكرّ والفرّ، واستمرت بأشكال مختلفة، من حرب عصابات إلى
مناوشات مشحونة بالعداء الديني، إلى تأجيج العصبيات بصيغتها الدينية بين مختلف
الطوائف والقبائل، حتى استنزفت قوى الدولة الأندلسية التي ما لبث التفكك والتشرذم
أن طال كيانها الناشئ، في الوقت الذي لم تحسم فيه المواجهة بين الطرفين
المتصارعين، واستمرت تتناوب بين انكفاء وتقدم. وبدءاً بعام 756م راحت الهجمات
الاسبانية تتوالى حتى «أخذت شكلاً تكتلياً وحرباً مقدسة صليبية أناخت بآخر المعاقل
الاسلامية»([92]).
وهكذا استمر الحال حتى سقوط غرناطة بأيدي الاسبان،
ووصول الوجود الاسلامي في الاندلس إلى نهايته عام 1492م بعد أن تواصل ثمانية قرون تقريباً.
ب ـ إن من جملة أسباب تفوّق الاسبان الاوربيين في هذه
الحرب هو أنهم «استعاروا أسلوب المسلمين في الجهاد المقدّس»([93])
فأفادت المسيحية الاسبانية من عقيدة خصمها، وخاضت غمار المواجهة بأحد أمضى اسلحة
الخصم الاسلامي، وأنشأت «طوائف الفرسان الدينية في سانتياغو وكلاترافا وألكنترا، وفي
الطوائف التي ذاع صيتها في السجلات التأريخية لحروب الاسترداد»([94]).
علماً «بأن الاسلوب نفسه قد اعتمدته الحملات الصليبية أيضاً»([95]).
ج ـ
لقد ترك الصراع الذي خاضته الكنيسة ضد المسلمين في
الاندلس آثاره على مسير الكاثوليكية الاسبانية، وجنت منه فوائد كبيرة، منها تحوّل
هذا الصراع إلى عامل أساسي في بناء إسبانيا وتطوير تركيبتها الداخلية الخاصة وموقعها
العام، خصوصاً على مستوى الحس الديني المرهف الذي برز عند الاسبان أفراداً
ومجتمعاً، من خلال ما تركته العلوم والآداب الاسلامية من آثار في أعماق واُسس
الحضارة الاسبانية منذ العصور الوسطى وإلى يومنا هذا.
ثانياً: المسار
الفكري والسياسي:
إن أبرز العوامل التي بلورت هذا المسار هي:
أ ـ أن النصارى من غلاة رجال الكنيسة والمستعربين
الاوربيين الخاضعين للحكم الاسلامي كانوا ينظرون إلى المسلمين على أنهم محتلّون
برابرة كفرة. ويحرضهم على ذلك الشعور تعصّبهم الديني وجشعهم السياسي، وشهوة ملوكهم
التائقين إلى استرداد ما فقدوه بالقوة عند الفتح الاسلامي.
ب ـ أن بعض الامراء الامويين لم يعملوا على إخضاع جميع
المواقع المسيحية لحكمهم في شبه جزيرة إيبيريا، مما أعطى للاسبان فرصة سانحة في أن
ينطلقوا لإثارة الحروب والفتن.
ج ـ السياسة غير الحكيمة التي مارسها أحياناً بعض
الامراء الامويين ضد المستعربين، وضد غيرهم من طوائف المجتمع الاندلسي كالصقالبة([96])،
والبربر([97])، والمولدين، مما أدى إلى تنامي الشعور القومي
والحساسية العرقية لدى المواطنين من قدامى الاسبان، وكذلك الذين استعربوا. فكانت
مناطقهم مركزاً للمقاومة العسكرية النصرانية، مما سهل لهم لعب دور كبير لخوض حرب
إيديولوجية سياسية.
د ـ بروز أجواء متوترة ساعدت على اعتماد القمع العنصري
والقبلي من قبل الحكام كردّة فعل على الاضطرابات والاجواء المشحونة بالقلاقل والتي
كانت مدعومة أحياناً من النصارى والمستعربين والمتعصبين.
هـ ـ بروز صراعات سياسية وقبلية بين المسلمين العرب
أنفسهم، منها العصبية التي ثارت بين القيسيين واليمنيين، وأخذت العرقية القبلية
تنبض في نفوس أصحابها. فتطاحنوا «وتذابحوا وذهبت ريحهم»([98]). فانتهز
المتربصون بالحكم الاسلامي، والذين يصطادون في الماء العكر من نصارى الاسبان
الفرصة للعصيان وإشعال فتيل الفتن والاضطرابات والتهيؤ للمستقبل الذي يأملون فيه القضاء
على الحكم الاسلامي في الاندلس. فتدافعوا وجمعوا قواهم، واستعدوا.
و ـ الدعم المباشر الذي قدمه بهذا الاتجاه النصارى
الاوربيون من الفرنسيين وغيرهم بقيادة شارلمان (742 ـ 814م) المعروف بتصدّيه
التاريخي للانتشار الاسلامي في أوربا، تم بمباركة البابا «أوربانس الثاني» ـ الذي
تسبب فيما بعد بتأجيج الحروب الصليبية ـ عبر النداء الشهير الذي أطلقه في 27 تشرين
الثاني عام 1095م، ودعا فيه نصارى أوربا إلى الجهاد ضد الكفرة المسلمين، وحمل
السلاح لغزو الشرق، وهو نفسه الذي أعد حملة مؤلفة في معظمها من (فرسان جنوب فرنسا)
عام 1089م لمساعدة نصارى الاسبان في مقاتلة المسلمين في الاندلس([99]).
ز ـ الدور الذكي والمخادع الذي لعبه ألفونس الثالث (866
ـ 910م) ملك أشتوريش وليون الاسباني في العمل الجاهد لاختراق المسلمين في الداخل
ونشر الفرقة بينهم، حتى نجح في استمالة المستعربين الذين أسلموا حديثاً، مستنفراً
فيهم كوامن المذهبية والطائفية، مما حداهم إلى رفض الاسلام والتمرد على السلطة المركزية
في قرطبة «ووعدهم بمنحهم الاستقلال إذا انقلبوا في اللحظة الحاسمة ووقفوا إلى
جانبه في موعد الهجوم على ضواحي قرطبة ومناطقها الشمالية، وذلك من أجل أن يعيشوا
أحراراً في أرضهم التي انتزعها المسلمون منهم بالعنف. وإن عدم نصرتهم الملك تعني
استمرارهم كوسائل اقتصادية فقط، وكمصدر لاغناء خزينة الخلافة الاسلامية»([100]).
وهكذا كانت عملية اختراق الوجود الاسلامي من قبل
المستعربين في الاندلس قد تمت من زاويتين رئيسيتين:
الاولى:
بشرية تشكل قوة عسكرية كبيرة العدد مدعومة بالقوة
الاوربية قادرة على ترجيح الكفة من الناحية الاستراتيجية للمسيحية.
الثانية:
إيديولوجية
حضارية، وهي مدار بحثنا هذا، وهي الأهم والتي يمكن أن يلعب من خلالها المستعربون
دوراً كبيراً في تقويم أوربا الرازحة تحت وطأة التخلّف الحضاري، والخواء الثقافي،
ورفدها بالمعارف والعلوم الحيوية لنهضتها المخطط لها. ثم إن دورهم هذا هو دين
عليهم وردٌ للجميل الذي قدمته أوربا لهم بمساعدتها لضرب الحكم الاسلامي.
وقد بذلت الكنيسة ومؤسساتها كامل الجهد لاستيعاب كل
هذه الاهداف في تخطيط شامل، وبرعاية ودعم السلطة السياسية وتشكيلاتها.
وهكذا كان، فقد ابتكرت الكنيسة حرباً جديدة ومواجهة
غير مرتقبة سلاحها العلم والفكر واغتنام المفردات الحضارية للمسلمين، وتكييفها
بالشكل الذي يسد نقصهم وثغراتهم الايديولوجية، ويمنحهم القدرة للتفوق في هذا
الجانب الاساسي على العدو الاسلامي. فبعد أن كان النصارى الاسبان يتخبطون في ظلمات
جهلهم إبان الفتح الاسلامي، ضعفاء لا يملكون أسباب القوة للرد والمواجهة، أدركوا
الآن قانوناً أساسياً من قوانين مقارعة الخصم والذي يتمثل في معرفة الخصم وفهم
حقيقته، وذلك عن طريق اكتشاف عوامل كماله ونقصه، وأسباب قوته وضعفه، ومواطن ذلك في
وجوده، ومن الذي يكمن وراء تفوقه وهيمنته. وخلال دورة زمنية لم تطل كثيراً
استطاعوا باتقان أن يصلوا إلى أهدافهم، ويستحوذوا على كافة مستلزمات المواجهة
الشاملة لدحر المسلمين. وفي طليعة انجازاتهم هذه:
أ ـ ما قام به الرهبان مع بداية القرن التاسع من تعلّم
اللغة العربية الفصحى، ومن ثم الاقبال على الترجمة عنها، وذلك «بناءً على تعليمات
اساقفتهم»([101]).
كما جاء على لسان المستشرق «فرانز روزنتال» بقوله: «وبتعلم اللغة العربية باعتبارها
لغة العلوم والفلسفة والفكر آنذاك، وبالاطلاع على القرآن وترجمته إلى اللاتينية
بهدف وحيد وهو الوصول إلى فهم عميق للتفكير الديني الكلامي عند المسلمين، أملاً في
أن يصبح الرهبان أقدر على التعرف على هذا التفكير، واستغلال ما كانوا يتصورون أنه
مواطن الضعف فيه»([102]).
ب ـ قيام القساوسة والرهبان الاوربيون وكذلك الاسبان
بحملة ضخمة لترجمة الفكر والثقافة الاسلامية وعطاءاتها الحضارية الانسانية، وبذلك
تمكنوا من تأسيس أول شبكة إيديولوجية للاستشراق الغربي، مستهدفين بذلك مقاومة الاسلام
ومحاصرته سياسياً وفكرياً وعقائدياً بعيداً عن أي هدف علمي منزّه([103])،
واضعين نصب أعينهم إعادة المجد التليد، والبريق القديم الذي فقدته النصرانية هدفاً
لهم، مخططين لحملات ضخمة للتنصير، عبر منهجين متضادين ومتوازيين ظاهرياً: أحدهما
علمي يستند إلى البحث والدراسة بقصد المعرفة والكشف، والآخر سياسي تطويقي يهدف إلى
تدمير وتصفية الخصم بأي وسيلة ممكنة. وبذلك تتوظف كل الجهود العلمية والسياسية
لتحقيق الهدف التنصيري.
ويشهد على ذلك قول «رودي بارت»: «كان موقف الغرب
المسيحي في العصر الوسيط من الاسلام هو موقف الدفع والمشاحنة فحسب. صحيح أن
العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتّصلون بالمصادر الاولى في تعرّفهم على
الاسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق كبير، ولكن كل محاولة لتقويم هذه المصادر على
نحو موضوعي نوعاً ما كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن الدين المعادي للمسيحية لا
يمكن أن يكون فيه خير»([104]).
ج ـ ودعماً لهذا المخطط فقد رافقت تلك الفترة استخدام
أبشع وسائل الاضطهاد، وممارسة شتى أنواع التنكيل بالمسلمين، وارتكاب أفضع جرائم
القهر الديني والسياسي بحقهم، ومحاربتهم نفسياً واقتصادياً، وصودرت نتاجاتهم العلمية
والثقافية ونسبت إلى غيرهم من أعدائهم، وعملت الكنيسة على تأسيس محاكم التفتيش([105])
التي نكّلت بمن تبقّى من المسلمين الاندلسيين بعد سقوط الاندلس وغرناطة في أواخر
القرن الخامس عشر، واُعطيت صلاحيات استثنائية واسعة أيام فرديناند([106])،
وإيزابيلا([107])، وفيليب الثاني([108])، وشمل التقتيل والاحراق والذبح جماعة من المسلمين
الذين تنصّروا ظاهراً، وأقاموا على عقيدتهم (الاسلامية) وظلوا يمارسونها في الخفاء.
وامتدت صلاحيات هذه المؤسسة التنكيلية لتنال من مصادر الفكر الاسلامي، وإحراق
الكتب، وإتلاف كل ما يؤدي في نظر الاساقفة إلى إلحاق الضرر بالكنيسة.
وبالرغم من ذلك فقد «بقي المسلمون الذين ظلوا في
إسبانيا بعد استردادها (سقوط الاندلس) يحتفظون بكتبهم، باذلين غاية جهدهم لاخفائها
عن أعين مكاتب التفتيش. ولما اضطروا إلى مغادرة وطنهم خبأوا كتبهم في فجوات الجدران،
أو دفنوها تحت الأرض في بيوتهم المتروكة. وقد عثر في القرن الاخير مصادفة على عدة
مكتبات منها...»([109]).
واستمرت محاكم التفتيش قائمة في إسبانيا حتى حلها نابليون بونابرت عام 1792م.
الاستعراب([110]) أولاً ثم الاستشراق
نشأت ظاهرة الاستعراب نتيجة للاحتكاك المباشر الذي
حصل بين بعض الطوائف المسيحية التي كانت تقطن إسبانيا وبين المسلمين العرب فاتحي
الاندلس، والذي أدى بدوره إلى تعميق عُرى التمازج العرقي والتعايش الاجتماعي والاتصال
الثقافي فيما بينهم. وقد أفرزت هذه الحالة ظهور طبقة اجتماعية واسعة من المجتمع
الاندلسي اندمجت مع أوساط المسلمين، وتشبهت بهم في سيرتهم وسلوكهم اليومي، وقلدتهم
في إقامة مناسباتهم وشعائرهم الدينية، وحتى في دقائق وجزئيات اُمورهم الحيوية
فأقدم الكثير منهم على الاختتان وفق مراسم المسلمين، وامتنعوا عن معاقرة الخمر
وأكل لحم الخنزير وغيرها من الممارسات التي كانت مألوفة في المجتمع النصراني. وقد
اُطلق على هؤلاء «المستعربين» الذين كان جُلّهم من أبناء الاندلس القدماء الذين
انحدروا من آباء أسبان، ومن خلال البحث والاستقصاء عن أحوالهم أمكن تصنيفهم إلى
صنفين:
الاول: ويضم الذين دخلوا الاسلام أثناء الفتح (فتح
الاندلس) وحسُن إسلام الكثير منهم، فأقبلوا على دراسة الفكر الاسلامي، وتدرجوا في
شتى العلوم. فكانوا أصحاب التآليف والتصانيف، وصارت لهم مكانة علمية مرموقة تميزوا
بها عمّن سواهم، وظهر فيهم العلماء والادباء والقادة العسكريون، فحازوا إعجاب الحكام
المسلمين وأصبح قسم منهم ذوي نفوذ واسع في الحكم «ولكنهم ظلوا مع ذلك لا يجدون
أنفسهم إلا مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة»([111]).
الثاني: كان يضم أولئك الذين تشبهوا بالمسلمين ظاهرياً ولم
يدخل الايمان في قلوبهم، وكان تأثرهم سطحياً على قاعدة التمثل بالفاتحين والتشبه
بهم. كما يرى ابن خلدون ذلك «المغلوب يتشبه أبداً بالغالب». وبالرغم من إقبالهم
على تعلّم اللغة العربية ودراسة آثار المسلمين وأفكارهم، وكذلك إعجابهم بالمنجزات الحضارية
لهم، وانبهارهم بالطرح الثقافي الاسلامي الجديد. إلا أن هذا لم يكن ليصرفهم عن
عدائهم الشديد للرسالة الدينية والايديولوجية الاسلامية، ولا ليثنيهم عن رفضهم
القومي للسلطة السياسية التي يخضعون لها. ولا سيّما أن بعض الحكام آنذاك كانوا
لأغراض سياسية يستخدمون أساليب من شأنها أن تثير روح العصبية بين طبقات المجتمع
الاندلسي، كأن يقربوا طائفة على حساب طائفة أخرى، مما يؤدي إلى نشوء العداء مع
السلطة، وبالتالي محاولة الانتقام أو التقليل من شأن الرسالة والفكر الذي ينتمي
إليه هؤلاء الحكام. فمثلاً عند اشتداد الروح العصبية بين القبائل العربية
المتنافسة في عهد عبد الرحمن الداخل ويأسه من القضاء عليها وإزالتها، واتخاذها
أسلوب المواجهة والمنافسة مع الحكم، لجأ إلى تكوين طبقة الاعوان والقادة وربّاهم
بنفسه واستعان بهم على إدارة دفة الامور، واطمأن إلى إخلاصهم، و هؤلاء هم
(الصقالبة) الذين ما لبثوا حتى أخذ نفوذهم ينمو نتيجة لقربهم من الطبقة الحاكمة
حتى صاروا شركاء للخليفة في الحكم، ثم صاروا يدبرون المؤامرات لادارة الحكم
بأنفسهم([112]).
وعلى أثر ذلك تولد الصراع بين العرب والمستعربين،
ولم يكن هذا الصراع سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل كان صراعاً يلتمس مبرراته من اُطر
دينية، وينعكس على طبيعة التفكير الديني، الامر الذي نشأ عنه نمطان من التفكير:
نمط يتطرف في تمجيد العرب دينياً، وآخر يتطرف في الاتجاه المضاد. وليس إلى الشك سبيل
في أن ابتعاد الحكم العربي في الاندلس عن الاسلام كان له الأثر الكبير في إعطاء
الفرصة للمستعربين كي ينتفضوا ويترجموا رفضهم بشكل حرب اتخذت أبعاداً مختلفة، حتى
أن بعضاً منهم كان له الدور الكبير في إضرام فتنة طليطلة ضد قرطبة في بداية عهد
الأمير محمد بن عبد الرحمن التي تمخضت عن المعارك التي خاضها ابن حفصون ضد الحكم
العربي الاسلامي سنوات طوالاً بدأت من عام 268هـ وانتهت بوفاته عام 306 هـ .
وصلت قوة العداء بين الطرفين إلى الحد الذي دفع عمر
بن حفصون إلى الارتداد عن الاسلام والعودة إلى النصرانية لكي يستميل النصارى إليه
ويعينوه في قتاله ضد الحكم العربي، وذلك من خلال عملية أراد بها أن تكون انتقاماً
من هذا الحكم.
وفي هذا الخضم المتلاطم من الفتن والصراعات
والاضطرابات انتعشت الكنيسة، وبرزت الحوافز، وازدهرت الحركات الداعية إلى تقويض
أركان الإمارة الاموية، واستُنفرت القوى المضادة للاسلام، وارتفعت أصوات الغلاة من
النصارى بردود فعل متباينة كان منها اندلاع حركة الاستشهاد كما أسلفنا، وكذلك بروز
دعاوى مواجهة الوجود الاسلامي بأساليب تتعدى حدود المصادمات العسكرية والمواجهات
الدمويّة، تهدف إلى مقارعة المسلمين عن طريق الفهم العميق لإيديولوجيتهم، ومعرفة
أسباب قوتهم ومنازلتهم بمناهجهم الفكرية وقواعدهم الحضارية.
وكان للمستعربين الدور الفعلي في الاختراق البشري
والثقافي والسياسي للمجتمع الاندلسي، فوظف فعلهم هذا بقصد أو بدون قصد في بعض
الاحيان في خضم المشروع المعادي للوجود الاسلامي.
وإذا كان الاستشراق علماً يختص بلغات الشرق،
وبالانجازات الحضارية المعبر عنها بتلك اللغة، وبأديانهم وقيمهم وثقافتهم. وإذا
كان قد فتح أمام الغرب والاوربيين بصورة عامة أبواب الفكر الاسلامي، وآفاق نظامه
الدقيق بهدف فهم الاطروحة الاسلامية التي غزت العالم وغيرت الكثير من الثقافات
السائدة والنظم المنحرفة عن الفطرة الانسانية، وتداعت أمامها أغلب النظريات
المهترئة، كان لابد من استطلاع دواعي هذه الاطروحة بل والمعايشة المباشرة والشاملة
للوضع الجديد الذي طرأ على العالم إزاء التحولات الخطيرة التي حصلت بفعل الاسلام
والمسلمين.
وعليه فلابد للباحث المتتبع للوقائع التاريخية من
الاعتقاد بأن بدء تكوّن الاستشراق قد حدث بعد انتهاء عمليات الفتح الاسلامي لشبه
الجزيرة الايبيرية، أي بعد سنة 715م وبدء استيطان العرب للمناطق المفتوحة، وأن
ظاهرة الاستعراب الثقافي والاجتماعي والتشبه بالفاتحين في عاداتهم وممارساتهم لا
يمكن فصلها عن تطور حركة الاستشراق وشروطها، والاوليات الاجتماعية لتكونها.
بالاضافة إلى هذا فقد برز طرح آخر كان له الدور
الكبير في بلورة الاستشراق، كان أبطاله وأدوات تنفيذه اليهود الذين وجدوا في
المسلمين الفاتحين طريقاً للخلاص من الاضطهاد القوطي([113])،
وظلم الكاثوليكية. فتعاونوا معهم وحالفوهم وتغلغلوا في قنواتهم الثقافية
والاقتصادية، ولم يكن موقف اليهود هذا حباً للاسلام وحرصاً على المسلمين، وانما
كان استراتيجية جديدة تؤهّلهم لتغيير مسار الأحداث لصالحهم، وهذا هو ديدنهم أينما
وجدوا. فبالرغم من القضاء المبكر عليهم أيام الدولة الاسلامية الاولى على عهد
الرسول(صلى الله عليه
وآله) فانهم استطاعوا الظهور
ثانية في أدوار مختلفة استهدفت هدم الاسلام من داخله، حتى أن بعضهم اعتنق الاسلام
نفاقاً من أجل ذلك.
وعندما رأى اليهود أن موازين القوى في الاندلس اختلت
لمصلحة المستعربين ونصارى الشمال وحلفائهم الاوربيين، ومع بداية اُفول نجم الدولة الاسلامية
ظهروا بصورتهم الحقيقية وكشروا عن أنيابهم، وبدت نواياهم السيئة، فنقلوا ولاءهم
إلى إسبانيا المسيحية، ونزحوا إلى المناطق الاسبانية المستردة من سيطرة الدولة
الاسلامية. ملتحقين بمن سبقهم من إخوانهم الذين كانوا قد باشروا بإغراء وتشجيع من
أعيان الكنيسة العمل في ترجمة التراث الثقافي الاسلامي على نطاق واسع خدمة للمشروع
الكاثوليكي الاوربي الذي نجح في مناغمة الهوية العنصرية الاسبانية بالمشاعر
الدينية المتطرفة لمقاومة أعداء المسيحية. فكان اليهود أكفأ المساهمين وأنشطهم لما
ملكوا من «مشاركة في التراث العربي الاسلامي استلهاماً واقتباساً ومحاكاةً
ومنافسةً»([114]).
إضافة إلى إتقانهم للغات عدة بحكم كثرة تنقّلهم، وتبدل مواطنهم، وتوزعهم
الديمغرافي، مما أهّلهم للقيام بدور اساسي في حركة الترجمة والنقل عن العربية إلى
العبرية، وعنهما إلى اللاتينية.
ولعله من غير المبالغة القول: إن اليهود هم
«المستشرقون» و«المستعربون» التاريخيون أينما حلّوا. ومن هذا يمكن أن نفسر تغلغل
الاسرائيليات ودخولها ضمن تراثنا الفكري الاسلامي، وأثرها في تفسير القرآن، وما
خلفته من موروثات ثقافية دينية محرفة ساهمت في إبعاد المسلمين عن الفهم الصحيح للقرآن
والسنّة النبوية. وبهذا كان لهم الدور المؤثر في انحراف المجتمع الاسلامي في الاندلس
عن مساره، وذلك من خلال ما ابتدعوه من فرق هدّامة تنتهي بجذورها إلى لون من ألوان
العمل الثقافي اليهودي.
ان الانتماءات القومية المختلفة التي كانت قد شكلت
الهيكل العام للمجتمع الاسلامي في الاندلس، لم تكن سداً أمام حصول التداخل
الاجتماعي والالتقاط الثقافي بين تلك القوميات، وهذا التداخل والالتقاط أفرز حالة
جديدة من أبرز سماتها تبلور أفكار وعقائد وإيديولوجيات مختلفة. وعلى هذا فقد أصبحت
الاندلس ولأول مرة في التأريخ حالة حضارية فريدة من نوعها بين الشرق والغرب، حيث
أن التناقضات الدينية والفكرية والسياسية جعلتها أرضاً خصبة لولادة ثقافة أوربية
حديثة كانت نواتها الطرح الاسلامي الجديد الوافد من الشرق، لكنها رفضته ديناً
وعقيدة لها من خلال رفضها لمظهره المتمثل بالمسلمين، إلاّ أنها عملت على تمثل
ثقافتهم وعلومهم للالتفاف عليهم والسعي إلى إحباط الجهود الحضارية والفكرية
والعلمية لهم.
في هذا المناخ المركّب الذي تحالفت فيه قوى وامكانات
الكنيسة الكاثوليكية والاسبان المهاجرين من الاندلس الاسلامية والمستعربين، بتسهيل
من الجهود الثقافية لليهود لاحقاً، وعلى أساس مشروع استرداد إسبانيا للنصرانية
الاوربية نمت «قابلية الوجود» الاستشراقي بدءاً بالأندلس، ثم تطورت بلبوس متنوع،
إلاّ أن هذه القابلية اقتصرت في أولياتها على الاتصال والتعرف والاطلاع والتعايش
الفاعل مع الفاتحين. وبشكل إقبال مشوب بالحذر على تعلم اللغة العربية وعلومها.
وعليه فمن المستبعد تصديق زعم البعض من أن
«الاستشراق قد نشأ حقاً في منتصف القرن الثامن الميلادي في الاندلس»([115]).
إذ إن المسلمين الذين لم يكن قد مضى على دخولهم «إيبيريا» أكثر من أربعين سنة، وهم
في غالبيتهم من العسكر البربري، لم يكونوا بعد متهيئين لعرض أفكارهم وثقافتهم
المدونة على أهل البلاد المفتوحة، لأن دورهم قد اتخذ منحىً عسكرياً في المرحلة
الاُولى من استقرارهم في الاندلس. أما دورهم كروّاد ثقافة وحملة فكر فأغلب الظن
أنه تأخر عن منتصف القرن الثامن نصف قرن على الاقل، لأن المرحلة تستدعي بالضرورة
مدىً زمنياً كافياً ليتسنّى لهم إتمام عملية الاستيطان والاستقرار في عالمهم
الجديد، قبل طرح أنفسهم على أنهم دعاة ثقافة وفكر وحضارة. وعليه فلا يمكننا الحديث
عن حالة ثقافية مزدهرة وحقيقية في الاندلس إلاّ مع «بداية النصف الأول من القرن
التاسع الميلادي، وبتأثير مباشر من الحضارة العربية (الاسلامية) في المشرق
والمعاصرة للعباسيين»([116])
في عهد الحكم الأول (796 ـ 822م)، حفيد عبد الرحمن الداخل، وعهد عبد الرحمن الاوسط
(822 ـ 852م) ابن الحكم الأول. فليس من الممكن ـ منطقياً ـ أن تنتقل إلى
المستعربين وغيرهم من العناصر المكونة للمجتمع الاندلسي حالة ثقافية لم تكن متيسرة
أصلاً للعرب والمسلمين الاندلسيين الآخرين أنفسهم. وهم لا يزالون منهمكين في تأسيس
دولتهم وتحصينها والتأقلم مع خصوصيات الوطن الجديد.
ففي تلك الفترة التي أشرنا إليها بدأ البحث التأريخي
يكتشف وجود مدونات إسبانية محملة بتأثيرات عربية واضحة في مضمونها، مما يثبت أن
مؤلفيها قد أخذوا مادتهم التاريخية من مصادر عربية. ومن تلك المدونات «مخطوطات مختلفة
وجدت في (اُوبيط) وهي محفوظة في مكتبة الاسكوريال، وقد احتفظ بها القديس
(أولوجيوس) القرطبي (توفي سنة 859م) ونقلت إلى (أوبيط) عام 884م»([117]).
إن حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية وغيرها من
الأنشطة الثقافية والعلمية كالاقتباس والنقل والاستنباط والاستيحاء من قبل
المستعربين والاوربيين وإن كانت لأغراض عقائدية كما أشرنا، إلا أنها لم تتحول إلى
حالة ثقافية شاملة إلا في القرن التاسع الميلادي، بعد أن خَبَر النصارى الاسبان
عمق الثقافة الاسلامية وتعرفوا عليها، أي بعد مرور مائة سنة ونيف على انتهاء عمليات
الفتح الاسلامي للاندلس، وبعد اكتمال شروط التفاعل والتمازج بين شرائح المجتمع
الاندلسي المختلفة، وبالتالي بروز مشروعين متقابلين كانا يمثلان طرفي الصراع:
أحدهما يؤكد على استعادة مجد المسيحية بكل توجهاته الإيديولوجية والسياسية
والثقافية والعسكرية، والانتقام من المسلمين، والعمل على عودة إسبانيا إلى الحضيرة
الاوربية المسيحية. والآخر كان يؤكد على اشاعة روح التغيير في البلاد والتشبث
لتعميق الروح الاسلامية مستفيداً من عظيم تراثه، ومتانة فكره وثقافته، وأصالة
حضارته القائمة على العدل والتوازن.
هكذا نشأ الاستشراق وانتقل مروراً بالاستعراب من طور
القابلية إلى طور التحقق الفعلي كحالة ثقافية ليبدأ بالتكرس والتحول إلى مؤسسة
وصرح وفق خطط وأهداف استراتيجية. وابتدأ من القرن العاشر الميلادي يوم غدت الاندلس
مركزاً لانتقال الازدهار الحضاري الاسلامي والانساني إلى قلب أوربا. فكانت إسبانيا
والاسبانيون الاكثر انفعالاً وتأثراً بالحضارة الاسلامية، لأن الاسلام عاش بين
ظهرانيهم ثمانية قرون وانتشر منهم إلى بقية المناطق الاوربية شمال إيبيريا.
وبالرغم من أن أغلب النظريات الاستشراقية العامة وتطوراتها التاريخية قد وقعت خارج
إسبانيا، إلاّ أن أغلب اُطروحات الاوربيين ومعلوماتهم وأخبارهم عن الاسلام
والمسلمين كانت محاكاةً للظروف والتناقضات السياسية والاجتماعية والعقائدية التي
عاشها المسلمون في الاندلس، وموسومة بالصبغة الاندلسية من حيث النشأة والتوجه
والحركة.
بروز
نظريات الاستشراق الاستعماري
إن تجربة الاندلس وما تمخضت عنه من أحداث وتغيرات
تركت آثارها على المجتمع الاوربي، قد أفرزت إحساساً لدى الاوربيين بالخطر الداهم
الذي ينتظرهم، ومن ورائه الضعف والخواء الذي يكتنف ثقافتهم واُصولهم الفكرية، وبالتالي
انهيار بنائهم الحضاري المتهافت، مما دعاهم ـ بردود فعل شديدة ـ للتصدي بمختلف
الوسائل وبشكل مدروس ومنظم للحيولة دون اتساع دائرة التأثر بإشعاعات المد الاسلامي
الذي غمر إسبانيا. وقد شجعهم على ذلك دافع ذو بعد ديني وهو أنهم «مسيحيون يجاهدون
ضد أعداء المسيحية»([118]).
وعلى هذا كان الاستشراق أحد ردود الفعل، ولعله
الأبرز في معادلة الصراع الحضاري بأشكاله الدينية والسياسية والفكرية، ولا سيّما
أن الغرب والاوربيين بشكل خاص ينظرون آنذاك إلى كون المشرق الاسلامي «ملكاً للامبراطورية
الرومانية»([119])
يجب استرداده من أيدي المسلمين وارجاعه إلى حضيرة الامبراطورية الرومانية
المتهرئة. فانعكس هذا التفكير على متبنياتهم الاستراتيجية للمواجهة كإحدى الثوابت
التي يؤمنون بها، ويعملون لتحقيقها. وقد وظّف الاستشراق في هذا السبيل لخدمة نوايا
استرداد العالم الاسلامي الذي سيتخذ فيما بعد اُطراً وأشكالاً حديثة تنسجم وطبيعة
مراحل الصراع. وليس من المستبعد أن تكون حركة الكشوف الجغرافية حول شواطئ العالم
الاسلامي قد جاءت بهدف السيطرة على المنطقة خدمة للمصالح الاوربية الاستعمارية،
ووفق هذه الرؤية يمكن تفسير أعمال «هنري الملاح» أو «ماركو بولو» أو «كريستوفر كولومبس»
على أنها حلقة من حلقات المؤامرة التي حبكت لاستعمار المشرق الاسلامي. ومما يؤكد
ظهور هذا التوجه بشكل واضح ما حصل «في أواسط القرن الثامن عشر عندما أخذت أوربا
تتحفز لاستعمار الشرق أخذ علماؤها يبحثون في تأليف جمعيات لهذه الغاية فاُنشئت منذ
ذلك العهد في أوربا وأميركا عدة جمعيات للمستشرقين، وأقدمها عهداً الجمعية
الآسيوية في باريس التي اُسست سنة 1822م بمعرفة شيخ المستشرقين من الفرنسيين
«سلفستر دي ساس» ثم اُنشئت معاهد للغات الشرقية في جميع الدول تابعة لوزارة
المستعمرات أو لوزارة الخارجية المشرفة على الشؤون السياسية»([120]).
إلاّ أن الكثير من المحاولات لم تحقق غاياتها الاساسية «فقد أوقفتها القوة
الاسلامية العثمانية النامية واستطاعت أن تقضي عليها»([121]).
ولكن هذا القضاء كان مؤقتا حيث استأنفت من جديد مع مطلع القرن التاسع عشر الخطط
الاستعمارية الخبيثة لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه قبل قرون، أي منذ استرداد إسبانيا
من أيدي المسلمين، وقد نجحت نجاحاً كبيراً في إقامة صرح الاستشراق، وتطوير حركته
بما يخدم سعيها نحو بسط سلطتها على عموم الشرق والشرق الاسلامي منه خاصة.
الفصل الثاني
المراحل والادوار
التي مرّت بها الحركة
الاستشراقية
o المرحلة الاولى:مرحلة
الانفتاح لاحتواءالحضارة الاسلامية
o المرحلة الثانية: مرحلة الفرز لاستلاب الحضارة
الاسلامية.
o المرحلة الثالثة: مرحلة تغريب افرازات الحضارة
الاسلامية
المستلبة
o المرحلة الرابعة: مرحلة استعمار الشرق وتـطبيعه
على
الحضارة المغربة
المرحلة
الاولى
مرحلة
الانفتاح لاحتواء الحضارة الاسلامية
ويؤرخ لهذهِ المرحلة منذ بدايات الفتح الاسلامي
لاسبانيا وتأسيس دولة الاندلس، وبحكم التعايش الذي حصل بين القوميات المختلفة التي
كانت تحمل بصمات افكارها برز الفكر الاسلامي والحضارة الاسلامية قوةً مؤثرة وجديدة
في حياة الاندلسيين، خصوصاً وأن الاسلام قد دخل عليهم بشكل مفاجئ. من هنا بدأت
مقدمات الاستشراق وذلك بانفتاح الاسبانيين والمستعربين على المسلمين والفكر
الاسلامي وبشكل مُدبّر ومدروس وذو اهداف ومرام بعيدة المدى، وهذا ما استقرأناه من
كتب التاريخ التي تؤرخ لتلك المرحلة([122])، حيث تم في
ذلك الوقت ترجمة امهات الكتب الاسلامية من العربية إلى الاسبانية والعبرية
واللاتينية، وانصب الجهد على هذه المترجمات لدراستها واستيعابها. وبحكم وجود
اليهود وصراعهم المستمر مع المسلمين منذ العهد المدني لرسول الله(صلى الله عليه وآله) كان لهم القسط الأوفر في هذا الاتجاه في سبيل خدمة
مصالحهم وطمس هوية العلوم الاسلامية، عن طريق نسبتها لهم وانها ليست من الحضارة
الاسلامية والفكر الاسلامي في شيء، ومن هنا وضعت المخططات لترجمة القرآن الكريم
ترجمة اتخذت من الاسرائيليات والاساطير الملفقة اطاراً مرجعياً لها. وامتدت هذهِ
المخططات لتشمل ترجمة كتب الحديث والتفسير وكذلك دراسة اللغة العربية ووضع المعاجم
لها. وبهذا فقد أخذت اوربا الظمأى تعبُّ من منهل الشرق الاسلامي ولا ترتوي على مدى
عشرة قرون متعاقبة ابتدأت من عام 711م تاريخ فتح الاندلس الى نهاية القرن السابع
عشر، وما العصر الذي سمته اوربا عصر النهضة أو «عصر الإيديولوجية العقلانية
العلمانية»([123])،
إلاّ عصر امتلاء وتضخم بطن اوربا بعطاءات الاسلام الحضارية التي تحولت فيما بعد
إلى «نقطة حراسة امامية للغرب»([124]).
ويمكن القول: إن بعض الباحثين قد اخطأوا في تحديد
هذه المرحلة حينما اعتقدوا بأن اول اتصال جاد وفاعل بين الثقافة الاسلامية والتلقي
الاوربي قد حدث نتيجة للحروب الصليبية التي «عينت (في رأيهم) في المقام الاول
والمقام الاهم موقف اوربا من الاسلام لبضعة قرون تتلو»([125])،
واتفقت مع بزوغ فجر المدنية الاوربية([126])، وقيام
«عصر النهضة ذي الروح الجديدة والوعي الجديد بالعالم»([127]).
في مقابل هذا كان المسلمون الاندلسيون باعتبارهم
حملة رسالة تدعو الى التسامح والتقارب والتثاقف والانفتاح الفكري والعلمي وحرية
الفكر، قد فتحوا خزائن معارفهم وعلومهم لكل طالب ثقافة وعلم مهما يكن معتقده
الديني وانتماؤه العرقي([128])،
فغصت الجامعات الاسلامية في طليطلة وقرطبة، مدينة الثلاثة آلاف والثمانمائة
والثلاثة والسبعين مسجداً([129])
بما يعنيه المسجد باعتباره مؤسسة متعددة الاهتمامات والخدمات، بطلاب العلم الاوربيين
«فتلقوا العلم مجاناً مع تقديم الطعام والمسكن احيانا، وهذا مثال يحمل في طياته
اعظم مبادئ الرقي والتسامح والتمدن. كما ان الجامعات الاوربية انما نشأت تقليداً
للجامعات العربية في اسبانيا»([130]).
المرحلة
الثانية
مرحلة
الفرز لاستلاب الحضارة الاسلامية
وبها يتم الانتقاء المدروس للعلوم والنظريات الفكرية
لغرض تمثل ما يخدم النهضة الاوربية وبناء ركائزها وتمهيداً لاستعمار الشرق فيما
بعد. ويؤرخ لهذهِ المرحلة بالنصف الاخير من القرن الثالث عشر الميلادي وذلك عندما
استطاع، بعد عدة اخفاقات، اقناع المجمع الكنسي العام في فيينا عام 1311م بإصدار القانون
العام رقم (11) والذي يقضي بتدريس اللغات الشرقية في خمس جامعات اوربية، وقد صدر
هذا القانون مع تحديد مدرسين كاثوليكيين لكل جامعة ليقوما بتدريس هذه اللغات وعلى
رأسها اللغة العربية([131]).
وفي هذهِ المرحلة بذل كبار رجال الاستشراق جهدهم من
أجل استثمار الحضارة الاسلامية والفكر الانساني الاسلامي في بناء الفكر والحضارة
الاوربية والغربية، وقد استخدموا الكثير من الاساليب لخدمة هذا الغرض، منها رد
الفكر الانساني عموماً الى الفكر اليوناني دون الرجوع إلى الفكر الاسلامي. ولعل جذور
هذهِ المرحلة يعود إلى ادراك الاوربيين لضرورة فهم الحضارة الاسلامية ودراستها
للوقوف في وجهها وصدها عن الامتداد ولا سيما انهم أحسوا بخطر تأثير المبادئ
والافكار الحضارية التي أتى بها الدين الاسلامي وأثرها على المجتمع الاوربي آنذاك،
وقد تجلى ذلك في اقوال بعض المستشرقين منهم فرانز دوزنتال حين يقول: «ان الهدف هو
الوصول الى فهم عميق للتفكير الديني الكلامي عند المسلمين املاً ان يصبح الاوربيون
أقدر على التعرف على هذا التفكير واستغلال ما كانوا يتصورون أنه مواطن الضعف فيه»([132]).
ولعل الإيديولوجية الاستعمارية تمتد بجذورها الى تلك
المرحلة حيث مورست ابشع وسائل المصادرة والاستغنام العلميين عن طريق فرز النظريات الانسانية
والعلمية التي جاء بها المسلمون، وانتحال ما يرونه مناسباً منها ومحاولة ابرازها
على انها من امهات الفكر الاوربي ومن نتاجاتهم العلمية، وكما يقول الباحث الكاتب
(د. ياسين عريبي): «ان بهذه المرحلة دخلت اوربا عصر النهضة وخرجت من العصر الوسيط
المتخلف حيث تم فيما بعد تعميم الدراسات الشرقية والاسلامية والتحكم في علومها
بتوظيفها في بناء الحضارة الاوربية»([133]).المرحلة
الثالثة
مرحلة
تغريب افرازات الحضارة الاسلامية المستلبة
في هذهِ المرحلة ـ التي يمكننا ان نسميها بعصر
النهضة الحقيقية لأوربا ـ ازدهرت تجربة الاستشراق وتطورت وانتقلت الى محاولة تغريب
الثقافة الاسلامية والعربية والثقافات الانسانية المقربة والمؤسلمة، لاستثمارها من
قبل الغرب ليعمر بها اسس نهضته ويشيد مدنيته التي يصبو اليها، وفيها سرق النموذج الثقافي
والحضاري الاسلامي في الحرية الفكرية والاخلاقية العلمية والبحث النزيه والتسامح
الديني استناداً إلى منهج توحيدي انساني، ومقارنة بسيطة بين الحالة الثقافية
والحضارية المتخلفة لأوربا قبل هذهِ المرحلة وحالتها اللاحقة تكشف عن مدى التغيير
الهائل كمياً وكيفياً في هذا الاتجاه.
ولعل الارهاصات الاولية لهذا التغريب بدأت في العصور
الوسطى على يد البابا «سلفستر الثاني» والقديس «أنسلم» وغيرهما.
ومن ابرز نماذج هذا التغريب ما امتد إلى الفكر
الفلسفي وإلى النظريات الكلامية ما ظهر على يد «ديكارت»([134])
حيث حاول استيعاب النظرية السينوية في شموليتها محاولاً التعتيم عليها من خلال
التركيب مع المذاهب الكلامية دون أن يذكر مفكراً اسلامياً على الاطلاق، ومنها قيام
لايبنيتز([135])
من بعده بعملية تركيب اوسع وأشمل ليكمل ما اهمله «ديكارت» وهكذا من بعده امثال
مالبرانش وفولف وكروزيوس...
وقد اعترف «لايبنيتز» باغترافه من معين المعرفة في
الفكر الاسلامي خاصة علم الكلام، فانه أي «لايبنيتز» يصف هذا العلم بأنه وجده كذهب
مكنوز في التراب المتبربر،([136])
بل انه لا يكتفي بوصف المسلمين بالمتوحشين بل يخطط في
المرحلة الرابعة
مرحلة
استعمار الشرق وتطبيعه على الحضارة المغربة
في هذهِ المرحلة التي غالباً ما كانت متداخلة
ومصاحبة لمراحل الاستشراق وتطوره، عمل الاستشراق على التعاون والامتزاج مع الحركة
الاستعمارية للبلدان الاسلامية، وبالذات في النصف الاخير من القرن التاسع عشر
والنصف الاول من القرن العشرين، حيث تمكن الاستعمار من تطبيع الثقافة المغربة
وضخها إلى البلدان التي يريد استعمارها وتعميمها في كافة مرافق الحياة بحيث تكون
هذه الثقافة المغربة متزامنة مع نمو المد الاستعماري لهذهِ البلدان، كذلك عند
استقرائنا للتاريخ الحديث الذي يؤرخ للاستعمار العسكري للبلدان الاسلامية، نرى ان كثيراً
من المستشرقين كان لهم الدور الكبير في مساعدة الدول الاوربية المستعمرة، حتى أن
قسماً منهم قد عمل في نفس وزارة المستعمرات لتلك البلدان كما أسلفنا سابقاً،
وعندما كان الشرقيون وخاصة المسلمين منهم في تلك الفترة يشكون العزلة الفكرية
والحصار الحضاري والافتقار إلى أبسط وسائل التعليم والانتشار الثقافي التي فرضتها
حالة السلطات المتحكمة فيهم، بعد ان كانوا متربعين كاساتذة واساطين على عرش العلم
والحضارة الانسانية في أنحاء المعمورة، أخذ الاوربي المستعمر يجهز جيشه المسلح من
جهة وعلماءه ومثقفيه من جهة اخرى لكي يغزو العالم الاسلامي عسكرياً وفكرياً، وحتى
عندما انتهى عهد الاستعمار العسكري ـ شكلياً ـ بقي أثره واضحاً في استمرار الحركة
الاستعمارية الفكرية والمنهجية التي غزت العالم الاسلامي متمثلة بالنظريات المادية
والاتجاهات القومية التي صيغت باشكال براقة وجذابة اتخذت طابعاً تحررياً وسياسياً
يناغي العواطف الساذجة للمسلمين. بهذا نرى أن تطبيع بلاد المسلمين على التغريب كان
لهُ دور كبير في تأكيد التسلط الاستعماري على الشرق، ولعل آثاره ونتائجه ومصاديقه
واضحة وجلية إلى يومنا هذا.
الفصل الثالث
المدارس الاستشراقية
o خلفيات المستشرقين.
o المدارس الاستشراقية.
o النموذج: المدرسة الاستشراقية الفرنسية.
l المميزات الاساسية للمدرسة الاستشراقية
الفرنسية.
l نشأة المدرسة الاستشراقية الفرنسية وعوامل نموها
وتطورها.
l مناطق نفوذ المدرسة الاستشراقية الفرنسية.
l صـيغ واسـاليـب المـدرسة الاستشراقيـة الفرنسيـة
وتشكيلاتها.
l أثـر المـدرسة الاستشراقيـة الفرنسيـة على الفكر
الاستشراقي العام.
خلفيات
المستشرقين
لقد أصبح من الواضح لدينا أن حقيقة الاستشراق
والتعريف الدقيق له هو: أنّه حركة ذات جذور ودوافع أوسع وأعمق من المدّعى المعلن
له من أنه: عمل علمي محض يُعنى باللغات والآداب والعلوم الشرقية، أو أنّه اتّجاه
علمي لدراسة الشرق الاسلامي وحضارته. بل إن هذا الادّعاء لا يعدو كونه ظاهراً
يُخفي تحته أهدافاً غير معلنة هي الواقع الحقيقي من ورائه. وقد تجلّت هذه الاهداف
شيئاً فشيئاً في القرنين الاخيرين حتى بان ـ بشكل لا يدع مجالاً للشك والتردد ـ أن
الاستشراق قد استوعب في حركته أغلب التطلّعات الحضارية لأوربا، ومهّد لحركتها
الاستعمارية في الشرق.
وتأكّد هذا المعنى عند استعراضنا لنشأة الاستشراق
وتبلوره ضمن مسير حركته الاُولى، وسيتأكّد لنا أكثر عند تقييمنا للجهد الاستشراقي
المطروح ضمن مراحل تكوّنه وصيرورته إلى عصرنا الحاضر. وتمهيداً لذلك نعرض عدّة خلفيّات
في واقع المستشرقين استُلّت من خلال ما سبق لنسلّط من خلالها الضوء على منهجيّة
التقويم والمراحل التي مرّ بها:
الخلفيّة الاُولى:
بلحاظ نشأة الاستشراق واقترانه بالتبشير بصبغته
الاستعدائية التي بدأ بها بهدف اختراق المسلمين ثقافيّاً، لدحرهم باستلاب مواطن
قوّتهم وإخمادها في واقعهم، نجد أنّ أوائل المستشرقين كانوا مبشّرين نصارى، وكان
طابع احتقار الاسلام والمسلمين السمة البارزة في اتّجاهاتهم الفكرية والثقافية،
مما انعكس بشكل كبير على ما استهدفوا دراسته من الاسلام وواقع المسلمين، فجاءت تلك
الدراسات والأبحاث مشوّهةً ناقصةً مليئة بالمثالب والافتراءات التي لا تستند إلى
دليل، فهم لا يرون لغير مذهبهم فضلاً وحقاً في الوجود. يقول هنري جيسب المستشرق
والمبشّر الاميركي: «المسلمون لا يفهمون الأديان ولا يقدّرونها قدرها... إنهم
لصوص، وقتلة، ومتأخّرون، وإن التبشير سيعمل على تمدينهم»([137]).
إن هذا المعنى الذي أشرنا إليه يعتبر جزءاً اساسياً من التفكير الأوربي، وغريزةً موروثةً،
وانطباعاً راسخاً فيهم منذ سقوط الأندلس.
وقد اتّخذت المواجهة للاسلام شكلاً جديداً بعد
الحروب الصليبية، حيث انتهجت اُسلوب الغزو الفكري المبرمج للمسلمين بهدف فصلهم عن
الاُسس والمضامين الحيّة لدينهم، والتي يكمن فيها سرّ قوتهم، مما خلّف تأثيرات
بالغةً في عقول الأوربيين استثمرتها المؤسسات السياسية، ووظفتها في عمليّة خلق الأرضية
الفكرية والثقافية للقيام بغزو شامل للشرق وإحكام السيطرة الاستعمارية عليه.
الخلفيّة الثانية:
إن المستشرقين الذين كرّسوا حياتهم لدراسة كل ما
يتعلّق بالاسلام ببُعديه الإيديولوجي والحضاري قد تركّز في أذهانهم اعتقاد ثابت
بأن الاسلام الأصيل يشكّل خطراً حقيقيّاً يقف سدّاً منيعاً أمام كل التطلّعات
الاستعمارية ـ لدولهم الاُوربية ـ في الشرق، بل إنه يحمل في واقعه النقيض الشامل
لمدارسهم الفكرية وكيانهم الحضاري، ويهدّد بالزوال كلّ وجودهم القائم على اساسها
لما يملكه من عمق وواقعية وشمولية منحته وتمنحه القدرة الفائقة على التغيير
والامتداد إلى اي مجتمع إنساني يجد طريقاً للنفوذ إليه. وإلى هذا يشير لورانس
براون بصراحة في كتابه الذي أصدره عام 1944م قائلاً: «إن الخطر الحقيقي كامن في
نظام الاسلام وفي قدرته على التوسّع والاخضاع وفي حيويّته. إنه الجدار الوحيد في
وجه الاستعمار الأوربي». ويضيف براون في مناسبة اُخرى قائلاً: «إذا اتّحد المسلمون
في امبراطوريّة أمكن ان يصبحوا لعنةً على العالم وخطراً، ... أما إذا بقوا
متفرّقين فإنهم يظلّون حينئذ بلا وزن وتأثير»([138]).
وبنفس المضمون نشرت مجلة العالم الاسلامي
The Muslim World
ـ الاستشراقية التي تصدر في لندن ـ في عددها المؤرّخ في حزيران
سنة 1930م ما نصّه: «إن شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا
الخوف أسبابا منها: انّ الاسلام منذ أن ظهر في مكّة لم يضعف عددياً، بل هو دائماً
في ازدياد واتّساع، ثم إنّ الاسلام ليس ديناً فحسب([139])،
بل إنّ من أركانه الجهاد. ولم يتّفق قطّ أنّ شعباً دخل في الإسلام ثمّ عاد
نصرانياً»([140]). ولعلّ المستشرق الألماني كارل بيكر كان أكثر صراحة حينما قال:
«إن هناك عداءً من النصرانية للاسلام، بسبب أن الاسلام عندما انتشر في العصور
الوسطى أقام سدّاً منيعاً في وجه انتشار النصرانية ثم امتدّ إلى البلاد التي كانت
خاضعةً لصولجانها»([141]).
الخلفية الثالثة:
إنّ منهجية البحث الاستشراقي ومنطقه عبارة عن محاكاة
الماديّة الوضعيّة ومنهج العلمانية الضاربة في صميم الوجود الغربي، وإن رؤيته
منتزعة من بيئة تلك المنهجيّة الغربيّة. لذلك فقد كانت الدراسات الاستشراقية بعيدة
كل البعد عن المسلك الإلهي والمنطق العقلي الذي تتميّز به المدرسة الاسلامية، إن
لم نقل إنها جاءت مشبّعة بالروح الماديّة التي تتحكّم في طريقة تفكير تلك
المجتمعات، وبهذا الصدد يرى دينيه([142]) مثلاً:
«إنه من المتعذّر إن لم يكن من المستحيل أن يتجرّد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم
ونزعاتهم المختلفة...، وإنهم لذلك قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغاً
يُخشى على صورتها الحقيقية من شدّة التحريف فيها. ورغم ما يزعمون من اتّباعهم
لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجادّ فإننا نلمس من خلال كتاباتهم
محمّداً(صلى الله عليه
وآله وسلم) يتحدّث
بلهجة ألمانية إذا كان المؤلف ألمانياً، وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطالياً،
وهكذا تتغيّر صورة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بتغيّر جنسية الكاتب. وإذا بحثنا في هذه السيرة عن الصورة الصحيحة فإننا
لا نكاد نجد لها من أثر. إنّ المستشرقين يقدّمون لنا صوراً خياليةً هي أبعد ما
تكون عن الحقيقة. إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التأريخية التي يؤلّفها
أمثال «وولتر سكوت»([143])،
و«الكسندر دوماس»([144]). وذلك أن هؤلاء يصورون أشخاصها من أبناء قومهم،
فليس عليهم إلاّ أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة. أما المستشرقون فلم يُمكنهم أن
يلبسوا الصورة الحقيقية لأشخاص السيرة، فصوّروهم حسب منطقهم الغربي وخيالهم
العصري»([145]).
إنّ من الاُمور التي باتت واضحة اليوم هي ارتباط
المنهج ـ كرؤية فكرية وطريقة للعمل ـ بالموقف الفكري والثقافي من حيث الانتماء
والهويّة، وهذه العلاقة لا تستثنى في حقل دون حقل، ولا في طريقة دون اُخرى.
فخلاصة الخلفيات السالفة الذكر هي: أن جهود
المستشرقين وثمرات حركتهم تصدر جميعاً وفق أهداف مشخّصة سلفاً، وتقع ـ عند التأمّل
ـ على نسق واحد يتمثّل في موقفهم الفكري والثقافي وما يلزمه من دفاع عن الهويّة
الاُوربية بصورة عامة. ولهذا السبب نجدهم قد جانبوا الحق، فأوقعوا الكذب والاختلاف
في دراساتهم، فكانت اساليبهم لا تنبئ عن أمانتهم وصدقهم في مجالات البحث العلمي
مترسّمين هدفهم الراسخ أوّلاً وقبل كل شيء وهو: تمهيد الأرضية لعالميّة أوربا
وسيطرتها كقاعدة تأسّست عليها الحركة الاستشراقية العالميّة.
المدارس
الاستشراقية
عندما نريد أن نشخّص الاهداف الحقيقية للاستشراق
كحركة لها مراحلها وأدوارها، لابدّ من استقراء الواقع الميداني الفعلي لها ضمن
خلفياته التاريخية ومناطق نموّه التي وُلد وترعرع في أحضانها. وعليه فقد ارتأينا
أن نصنّف الاستشراق إلى مدارس تعتمد أوّلاً على جنسية المستشرق وانتمائه إلى وطنه
الاُم. وثانياً على مراكز التنظير والجهد الاستشراقي، وذلك لما لهما من تأثير على
الطرح الاستشراقي للمدرسة المعنية. وسوف ينعكس تقويمنا للجهد الاستشراقي من خلال:
1 ـ استعراض ابرز الشخصيات التي عملت في هذا الحقل، وكانت بحق من الروّاد
الحقيقيين لتلك المدرسة.
2 ـ المصبّات الموضوعية الأساسية التي وقع الجهد الاستشراقي عليها.
3 ـ نماذج مختارة من الجهد الموسوعي للمستشرقين، التي تعتبر من
المصادر العلمية المهمّة عند الكثير من الباحثين المؤرّخين. مع أننا سوف نبيّن
الخلط والابتعاد عن الروح العلمية في أغلب الموارد التي تعرّضت لها هذه الموسوعات.
ويمكن أن نقسّم المدارس الاستشراقية إلى نوعين:
الأول: المدارس الرئيسية ذات التأثير المستقل الفاعل على
الدراسات والبحوث الاستشراقية العالمية، والتي لم تكن انشطتها تقتصر على الجوانب العلمية
فحسب، بل امتدّت لتشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورسمت الكثير من
الخطوات على طريق الأحداث والتغييرات السياسية وملحقاتها في العالم.
الثاني: المدارس الثانوية التي لم يكن لها الثقل المهم في
مجمل الحركة الاستشراقية، أو التي انحصرت انشطتها في فترات زمنية محدودة، أو كانت
لها انشطة مشتركة مع إحدى المدارس الرئيسية، بحيث كانت تأثيراتها تصبّ ضمن أهداف
تلك المدرسة.
وفي مجال الإحاطة بالاهداف العامة للمدارس
الاستشراقية، يمكننا اعتبار المدرسة الاستشراقية الفرنسية نموذجاً محققاً لها،
لأنها تجسّد لنا بشكل شمولي ونوعي، من خلال ملاحظتها ودراستها، كافة الابعاد
الاساسية للجهد الاستشراقي لجميع المدارس الاستشراقية الاخرى، مما يجعل انتخابها
وافرادها بالدراسة قائم على اساس الضرورة الموضوعية التي تبرز الأهم والأخطر والأكثر
عمقاً من بين غيرها من المدارس، مما سيساهم بدرجة كبيرة في تسليط الضوء على الهدف
من دراسة الاستشراق، وهو كشف دوره في حركة الاستعمار الأوربي للشرق الاسلامي،
ببعديه الفكري والميداني، وتزامنه مع حركة الاستعمار العسكري وغزوه الحضاري لهذه
المنطقة، والذي من أبرز معالمه جملة من النظريات والاطروحات المستحدثة التي تلبّست
بالقومية أو الوطنية تارةً، وبالتمدّن والتحديث تارةً اُخرى، وبالدفاع عن حق
الشعوب تارة ثالثة. وعلى الرأس من هذه وتلك زرعُ الكيان الصهيوني الغاصب في قلب
العالم الاسلامي، وجعله بؤرةً للقلق والاضطراب في المنطقة، ومركزاً لتحقيق الأطماع
الاستعمارية والطموحات الاستكبارية.
النموذج:
المدرسة الاستشراقية الفرنسية
يمكن القول إن المعالم الرئيسية للمدرسة الاستشراقية
الفرنسية قد بدت واضحةً بعد فشل الحروب الصليبية التي شنّها الغرب المسيحي على
المسلمين، والتي كان لفرنسا الحظ الأوفر في اندلاعها وقيادتها قرابة ثلاثة قرون
انتهت بطرد الافرنج تماماً من الأراضي العربية الاسلامية على يد المماليك في أواخر
القرن الثالث عشر.
ولعل ما نادى به لويس التاسع([146])
بعد فشله في إحدى الحملات الصليبية دليل على أنها كانت أرضاً خصبة لنمو الاستشراق
مما ساعد على تأسيس مدرسة كان لها الدور الكبير في رفد الحركة الاستشراقية
العالميّة. وليس من باب المصادفة أن تكون أول ترجمة للقرآن الكريم قد تمّت في
فرنسا، وبقيت محفوظة في دير كلوني بجنوبي فرنسا حتى سنة 1543م، ولا بدون قصد أن
تبدأ مرحلة التنظيم الفعلي لحركة الاستشراق من فرنسا في مطلع القرن الثامن عشر،
وأن يعقد أول مـؤتمر عالمي للمستشرقين في باريس عام 1783م. كما أنّ أول جمعية للمستشرقين
تأسست في باريس باسم جمعية باريس الآسيوية
Sociote Asiatique De Parisفي سنة 1821م، التي أصدرت دوريّتها تحت اسم «المجلة الآسيوية»
Asiatique
Journal في سنة 1822م.
المميزات
الأساسية للمدرسة الاستشراقية الفرنسية
من الواضح لمتتبعي شؤون الحضارات الإنسانية أن
لأوربا حضارة خاصة تتميّز بها عبر تأريخها الطويل، إلاّ أن الذي نريد أن نضيفه هنا
أو نؤكد عليه هو أن لبعض الشعوب الأوربية ـ خصوصاً الكبيرة منها ـ بعض الخصائص
الحضارية التي تتميّز بها عن غيرها من شعوب أوربا تدفعنا لأخذها بنظر الاعتبار ضمن
المؤثّرات الإيديولوجيه على موضوع دراستنا للاستشراق، وبعبارة اُخرى: إن منهج
دراستنا للمدارس الاستشراقيّة التي برزت على سطح الواقع الميداني سيتمّ على ضوء
تشخيصنا المسبق للخصائص الإضافية لبلد ومجتمع المدرسة الاستشراقية التي نشأت فيه
وترعرعت في أجوائه الحضارية. إذن فالتمييز بين مدرسة استشراقية واُخرى سوف لا يلحظ
في جانبه الميداني جغرافياً فقط، بل يلحظ في جانبه الميداني حضارياً أيضاً،
والمدرسة الفرنسية للاستشراق مما ينالها نصيب بارز من هذا اللحاظ. وباستقرائنا
للنماذج البارزة من المستشرقين الفرنسيين في إطار التأريخ الفرنسي يمكننا استخلاص
المميزات الاساسية التالية لهذه المدرسة:
1 ـ العداء والحقد للإسلام ديناً وللحضارة الاسلامية بمختلف
معطياتها وانعكاساتها وامتداداتها الزمانية والمكانية: ويعزى ذلك إلى الصراع الطويل
الذي كان محتدماً بين الطرفين إثر استيقاظ فرنسا بشكل خاص، وأوربا بشكل عام على
صوت الإسلام والدعوة الإسلامية، حيث كانت غارقةً في وحشيّة القرون الوسطى والحروب
القبلية، والصراعات بين الاُمراء والنبلاء والملوك، وحيث تحكم الكنيسة بأفكارها
الخرافية وسيطرتها على مراكز القرار، وابتداع أساليب الظلم والجور باسم الدين
المسيحي. في هذه الفترة المظلمة جاء الإسلام بمثابة حافز ومنّبه عظيم لإيقاظ
الفرنسيين بالخصوص، لأن الدولة الإسلامية أصبحت قريبة ومجاورة للجسد الاوربي «في
إسبانيا والبحر الأبيض المتوسط وجنوبه» وهي تحمل فكراً جديداً وعقيدة ساطعة. فلم
يكن من الكنيسة وملوك فرنسا إلا أن يشحنوا الفرنسيين بالعداء للمسلمين على أنهم
كفرة برابرة يجب مواجهتهم بعنف دموي وسحقهم وإبادتهم. وابتدأت المعارك فكانت «بلاط
الشهداء» المعركة الاولى عام 732م التي مهّدت للحروب الصليبية، حتى تمكّن الفرنسيون
عام 1099م من دخول القدس بقيادة «غودفري دي بويون»([147]).
ولم تكن هذه هي المعركة الوحيدة التي خاضها الفرنسيون ضد المسلمين، فقد قاد الفرنسيون
وحدهم خمس حملات صليبية كان آخرها الحملة الصليبية الثامنة عام 1270م، التي قادها
لويس التاسع، وقد مُنيت بالفشل الذريع.
إن هذا الصراع المرير قد انعكس على كافة الجوانب
الحيوية للفرنسيين، حتى امتدّ إلى الحياة الأدبية والثقافية، وألقت بظلالها
الثقيلة على الدراسات والبحوث التي تعالج قضايا الشرق عموماً، والإسلام بشكل خاص.
فجاء العديد من الدراسات محمّلاً بالتشويه المتعمّد لصورة الإسلام وشخصيّة النبي
الأكرم محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)، كما في
كتاب «تاريخ فرنسا» للمستشرق الفرنسي «جوليمين» حيث جاء: «إنّ محمّداً مؤسس دين
المسلمين قد أمر أتباعه أن يُخضعوا العالم، وأن يُبدّلوا جميع الأديان بدينه هو،
ما أعظم الفرق بين هؤلاء الوثنيين «المسلمين» وبين النصارى؟ إن هؤلاء العرب قد
فرضوا دينهم بالقوة وقالوا للناس أسلموا أو موتوا، بينما أتباع المسيح ربحوا
النفوس ببرّهم وإحسانهم. ماذا كان حال العالم لو أن العرب انتصروا علينا؟ إذن
لكنّا مسلمين كالجزائريين والمراكشيين»([148]).
وعندما نلاحظ كتابات الفرنسيين نراهم يضعون أنفسهم
في أوربا ثم ينظرون منها، فيعكسون وجهة نظر الغرب إلى الشرق الإسلامي، كما جاء في الدراسة
التي أعدّها المستشرق الفرنسي اليهودي الأصل «مكسيم رودنسون» تحت عنوان «الصورة
الغربية والدراسات الغربية الاسلامية»، نختار منها المقاطع التالية مصداقاً لما
أشرنا إليه: «كان المسلمون يشكّلون تهديداً للعالم المسيحي الغربي قبل أن يصبحوا
مشكلة بزمن طويل. فقد حدث ـ في نظر الأوربيين ـ تحوّل في القوى في الأقسام البعيدة
من الشرق، وقام شعب هائج هم «العرب أو السراسنة»([149]).
عرف بالسلب والنهب، وهو علاوة على ذلك شعب غير مسيحي، فاجتاح وخرّب أراضي واسعة،
وانتزعها من قبضة المسيحية... ولقد وصلت الكارثة أخيراً إلى إسبانياً والشواطئ
الايطالية وبلاد الغال، وكانت موجة البرابرة الغزاة ذاتها هي دائماً المسؤولة»([150]).
2 ـ الروح الصليبية النصرانية كانت غالبة على معظم كتابات
المستشرقين الفرنسيين: حتى ليمكن القول: إن المدرسة الفرنسية قد نصبت نفسها حامية للنصارى،
رافعة شعار الدفاع عن الشرقيين منهم، مستخدمة بذلك شتّى الوسائل والأساليب لتحقيق
هذا الهدف، وهذا يفسّر لنا سرّ الإسفاف والسقوط في الافتراء الذي مارسه المستشرقون
الفرنسيون لتشويه الحقائق الإسلامية.
ومما يحكي هذه الحقيقة بل هو دليل صريح عليها ما جاء
في كتابات المستشرق الفرنسي رودنسون ما نصّه: «لقد برزت صورة الإسلام، ليس كما قال
البعض بنتيجة الحروب الصليبية، بقدر ما برزت بنتيجة الوحدة الإيديولوجية التي
تكوّنت ببطء في العالم المسيحي اللاتيني. وقد أدّت هذه الوحدة إلى رؤية أوضح
لمعالم العدو، كما أدّت إلى تضافر الجهود نحو الحروب الصليبية، وفي القرن الحادي
عشر وبنتيجة زيارات الحجّاج المتزايدة في العدد وفي التنظيم للأرض المقدسة «في
فلسطين» والتي كانت قد تحوّلت إلى هجمات مسلّحة ضد (البدو أصحاب السلب والنهب)
«المسلمين»، توطّد لدى الأوربيين المثل الذي يمكن أن يُحتذى للدخول إلى الأرض
المقدّسة. كما أن القيمة الاُخروية للقدس وللقبر المقدّس الذي دنّسه وجود الكفّار،
والقيمة التطهيرية للحج، والفكرة القائلة بأنه من الواجب تقديم العون للمسيحيين
الشرقيين الذين اُذِلّوا، كانت كلها من الاُمور التي أدّت إلى جعل الحملة على
الأرض المقدّسة واجباً مقدّساً يوضع نصب أعين المؤمنين (المسيحيين)»([151]).
3 ـ تعميق الروح العنصرية للثقافة الفرنسية في الدراسات الاستشراقية
وإبراز التراث والتاريخ الفرنسي بشكل مبالغ به، والتمجيد بحضارة الاغريق التي تنتمي
لها فرنسا، والحط من قيمة الحضارة الاسلامية والعربية، والتقليل من شأن اللغة
العربية «لغة القرآن الكريم».
وهنا لابدّ من الاشارة إلى نقطة جوهرية وهي: أن
الثقافة الفرنسية المعدّة للتصدير، والتي سرت إلى تنظيرات الدراسات الاستشراقية،
هي ثقافة نصرانية خالصة، بل هي تجهّز وتُعدّ إعداداً خاصاً للتصدير إلى الأمة
الإسلامية.
تقول جريدة «لاستامبا» الايطالية النصرانية عن ذلك:
«إنّ وطنيّة الرهبانيات الفرنسية في المشرق هي وطنية نقية وغيورة، والثقافة التي
تنشرها هي ثقافة مسيحية خالصة وفرنسية واضحة، إنّها قبل كل شيء ثقافة فرنسية، ومن
ثم مسيحية، لقد أصبحت فرنسا سيدة...»([152]). وقد ذكر
ذلك الشاعر الباكستاني المعروف محمد إقبال، حيث قال: «إن سحر الافرنج أو فنّه ـ
ثقافته ـ أذاب الصخور وأسالها ماء»([153]).
والشواهد كثيرة لبيان تأثير التعصّب للثقافة
الفرنسية على المدرسة الاستشراقية الفرنسية، منها كتاب «مجد الاسلام» للمستشرق
الفرنسي «جاستون فييت».
والذي يلفت النظر في أغلب كتب المستشرقين هذه هو:
العناوين البرّاقة لكتبهم والتي تخالف المضمون الحقيقي لها بشكل كامل، ولعلّها
إحدى الأساليب لخداع القرّاء المسلمين، حيث أن العنوان المتحقق يخفي بين طياته
سموما تعمل عملها في نفسيّة القرّاء وأذهانهم. فكتاب «مجد الاسلام» مثلاً الذي
أشرنا إليه يبدأ من فصله الأوّل حتى نهايته بترديد أفكار مشوّهة عن الإسلام، وعن
الرسول محمّد(صلى الله
عليه وآله وسلم)، وعن
التاريخ الإسلامي، طالما قد تكرّرت في كثير من كتب المستشرقين.
فمثلاً عندما يتحدّث الكاتب عن التاريخ الإسلامي لا
يذكر إلاّ الوقائع والحروب فقط، وقيام الدولة الإسلامية وسقوطها، وقد فاته أن
للمسلمين تأريخاً آخر غير هذه السلسلة الطويلة من الوقائع والحروب، فاته تاريخ
المجتمع الإسلامي كيف نشأ وكيف قام، وكيف تطوّر وشيّد حضارة امتدّ إشعاعها إلى أوربا
بالذات، في وقت كانت غارقة في ظلمات الجهل والانحطاط. كما لا يتناول تاريخ اللغة
العربية، وكيف سارت من الخليج إلى المحيط. فليس بين فصول الكتاب ذكر لنواحي
حضارتنا الإسلامية، أو أثر لتراثنا ودوره العلمي في انتشار الإسلام. وكل ما هناك
هو أنه يقف في نهاية الكتاب ـ وهو بيت القصيد ـ فيقول: «إن الحضارة الإسلامية ركدت
لأنها لم تقم على أساس حضارة اليونان»([154]).
وسنشير فيما بعد إلى أمثال هذه النماذج عند الدخول
في تفصيل دراسة الجهد الاستشراقي إن شاء الله.
4 ـ نزعة التعصّب الاستكباري التي نجدها مهيمنة على أغلب الدراسات الاستشراقية
للمدرسة الفرنسية. وقد أشرنا إلى هذا المعنى سابقاً في باب «هوية الاستشراق» بما
كتبه المستشرق الفرنسي «هانوتو» الذي كان يعمل مستشاراً لوزارة المستعمرات
الفرنسية حيث قال: «إن شعباً جمهوري المبادئ «شعب فرنسا» يبلغ عدد نفوسه أربعين
مليوناً لا مرشد له إلاّ نفسه، لا عائلات ملوكية فيه يتنازعن الحكم، ولا رؤساء
يتناولون الرئاسة بطريق الوراثة، هو الذي تقلّد زمام إدارة شعب آخر لا يلبث أن
ينمو حتى يساويه في العدد، وهو ذلك الشعب المنتشر في الأرجاء الفسيحة والأصقاع
المجهولة، والمتّبع لتقاليد وعادات غير التي نعنو لها ونحترمها... وهو الشعب
الإسلامي السامي الأصل، الذي يحمل إليه الشعب الآري المسيحي الجمهوري الآن ملح
المدنيّة وروحها»([155]).
ويمكن أن نستطلع رأي مستشرق فرنسي آخر وهو «مكسيم
رودنسون» الذي يعتبر أحد أركان مدرسة الاستشراق الفرنسية، والذي يتجلّى بالبزّة العنصرية
الاستكبارية بشكل لا يقبل الشك حيث يقول: «وهكذا بعد أن أصبح القتال أكثر تركيزاً
وتوجيهاً، كان لابدّ من إعطاء العدو صفات أوضح وأدق، وكان لابدّ من تبسيط صورته
وإعطائها طابعاً نمطيّاً. كان «السراسنة» ـ يقصد بهم المسلمين ـ
بالنسبة للحجّاج ـ المسيحيين ـ مجرّد أعداد زائدة لا وجود لها، ومجرّد كفّار
تافهين، حكّام بحكم الأمر الواقع، يتحرك المرء بينهم بلا مبالاة... وفي الواقع لم
تكن لدى أوربا المسيحية صورة واحدة عن العالم المعادي الذي كانت في صدام معه، بل
كانت لديها عدة صور...»([156]).
إن الاستكبار الأوربي لعب دوراً كبيراً في تحديد
طبيعة النظرة الأوربية إلى الشرق الاسلامي، وخصوصاً بعد منتصف القرن التاسع عشر.
يقول المستشرق رودنسون: «لقد كان التفوّق الأوربي من النواحي الاقتصادية والفنية
والعسكرية والسياسية والثقافية طاغياً، في الوقت الذي كان فيه الشرق يغرق في
التخلّف، وأصبحت إيران والإمبراطورية العثمانية ـ عمليّاً ـ محميّتين أوربيتين»([157]).
لقد أرادت فرنسا أن تكون حاملة للواء العظمة
الأوربية في العالم، وانعكست هذه الإرادة على الثقافة الاجتماعية والرأي العام
للمجتمعات الشرقية، فأصبح كل ما من شأنه أن يفتح نافذة التطلّع نحو الإسلام أو
العودة إلى تحكيمه، أو دراسة منهجه الأصيل وتأثيره في العالم الإسلامي ضرباً من
الجمود والتحجّر، ونزوعاً نحو الرجعية والتخلّف والتعصب. وهذه هي صورة التطلّعات
الإسلامية في نظر المستشرقين الفرنسيين، أو هكذا يصوّرونها للآخرين من خلال
كتاباتهم ومناهج عملهم.
فمثلاً، عندما تأسست «حركة الجامعة الإسلامية»([158])
في القرن التاسع عشر كردّة فعل للاستعمار الأوربي، وازدياد نفوذ دوله على حساب
الدول الإسلامية، تعالت صرخات الغرب والأوربيين بشكل خاص في وجه هذه الحركة. وبفعل
الوسائل الإعلامية والثقافية كالصحافة والأدب والفنون الاُخرى استطاعت هذه الدول
الاستعمارية توجيه المجتمع الأوربي ورأيه العام ضد هذه الحركة. وقد كتب أحـد
المستشرقين الفـرنسيين في ذلك قائلاً: «كـانت حركة الجامعة الاسلامية (Pan - Islamism) هي الغول المرعب في ذلك العصر، على نفس الطريقة وفي نفس الزمن
اللذين انتشر الرعب فيهما من «الخطر الأصفر»([159])، وكانت هذه
الكلمة ـ حركة الجامعة الاسلامية ـ نفسها توحي بالتطلّع الإسلامي للسيطرة وبإيديولوجية
عدوانية، وبمؤامرة على نطاق عالمي»([160]).
نشأة
المدرسة الاستشراقية الفرنسية وعوامل نموّها وتطوّرها
إن تاريخ نشوء المدرسة الفرنسية للاستشراق يرجع في
بداياته الاُولى إلى الفترة الزمنية التي بدأت بها فرنسا الاحتكاك بالشرق الإسلامي
مع بداية ظهور الاسلام في شمال إفريقيا، ثم أعقبته المداخلة الميدانية في إسبانيا
بعد إسقاط الدولة البيزنطية وتأسيس دولة الأندلس في نفس الفترة الزمنيّة التي
ابتدأ بها القساوسة والرهبان الأوربيون يتّجهون صوب دراسة وترجمة الفكر والثقافة
الإسلامية، مجنّدين لهذا الهدف العديد من العلماء والمفكرين الأوربيين، كالذي قام
به بطرس الموقّر رئيس رهبان كلوني([161]) (1094 ـ
1156) من أجل الحصول على معرفة علمية موضوعية عن الفكر الاسلامي منطلقاً من موطنه
فرنسا لنقل هذه المعرفة إلى كل أوربا، تلك المعرفة التي حصل عليها بطرس الموقّر
بصورة مباشرة أو غير مباشرة قد تأتّت من خلال نشاطاته وزياراته لأديرةِ رهبنتهِ في
إسبانيا ـ عندما كانت تحت الحكم الإسلامي ـ عن القضايا الإسلامية ونشاط التراجمة.
ومما زاد من تشبّثه بمشروعه هو اهتمامه بمحاربة الهرطقات «حسب رأيه» المتمثّلة باليهودية
والإسلام «وإن يكن ذلك بجدّية ومحبة إزاء الأفراد «الضالين» بما ينسجم مع شخصية
رئيس رهبان كلوني»([162]).
وبسبب أنه كان مدركاً بعمق الأخطار التي كانت تواجهها الكنيسة في عصر تميّز
بالاضطراب الفكري والانشقاق، لذلك فقد رغب أن يسلّح الكنيسة ضدّ هذه الأخطار
منطلقاً من اعتقاده الشخصي أنه رئيس لرهبنة مكرّسة لهذا الهدف. ويبيّن بطرس
الموقّر الهدف من مشروعه ـ الاستشراقي ـ الذي كرّسه ضد الإسلام في معرض ردّه على بعض
من اقترح عليه عدم جدوى عمله حيث يقول: «إذا كان عملي يبدو عديم الفائدة لأن العدو
يبقى منيعاً ضد مثل هذه الأسلحة، فإني اُجيب أنه في بلاد ملك عظيم تكون بعض
الاشياء من أجل الحماية، واُخرى للزينة، واُخرى أيضاً للغرضين معاً. لقد صنع
سليمان المسالم أسلحة للحماية، لم تكن هناك حاجة إليها في أيّامه، وقام داود
بإعداد الزينة للمعبد، وإن كان استعمالها متعذّراً في أيامه... وهذا العمل كما
أراه لا يمكن أن يقال إنه عديم الفائدة. فإذا تعذّر هداية المسلمين «الضالّين» به
فإنّ العلماء الذين يغارون على العدالة يجب أن لا يفوتهم تحذير اُولئك الضعفاء من
أفراد الكنيسة الذين يروَّعون أن يثأروا عن غير ما قصد بالقضايا التافهة»([163]).
وامتدّت نشاطات الموقّر من فرنسا إلى إسبانيا حيث
شكّل جماعة من التراجمة يعملون تحت إشرافه، وترجموا القرآن الكريم عام 1143م،
ومجموعة من النصوص العربية الاُخرى وأعدّوا مؤلّفاً لتعليمات بطرس الموقّر نفسه.
على أن هناك قولاً آخر يؤرّخ النشوء مع بدايات
الصراع العسكري الصليبي، والحملات الصليبية ضد المسلمين، وبخاصة بعد الصرخات
المعادية التي أطلقها لويس التاسع سنة 1250م. ورغم ما يمكن أن يقال من أن هذه
البدايات والظواهر لا تختص بالمدرسة الفرنسية وحدها، بل هي بدايات وظواهر مشتركة في
قيام جميع المدارس الاستشراقية ونشوئها، إلاّ أنه يمكننا أن نجعل الخصوصية هنا
للمدرسة الفرنسيّة في أن أول كرسي للعربية تأسّس عام 1539م، واقترن بأوج ما وصلت
إليه الحروب الصليبية، كان في «الكالج دو فرانس» في باريس، التي كانت قد تأسست
حديثاً، وشغل هذا الكرسي المستشرق الفرنسي غليوم بوستل([164])،
العالم المستنير ـ حسب وصف رودنسون ـ الذي درّب تلاميذ عديدين من أمثال «سكاليجر»
الذي كانت مكانته في مجال الاستشراق لا يستهان بها([165]).
إن الحروب الصليبية وتأثيرات التحريض الكنسي
العنصري، بالإضافة إلى التطلعات الاستكبارية الفرنسية، وانهيار الدولة الاسلامية ـ
لأسباب كثيرة كان أهمها تعرّضها لتلك الهجمات الوحشية التي قادتها أوربا وخصوصاً
فرنسا ـ أدّت إلى ظهور الاستشراق الفرنسي بصورته الحقيقية العنصرية، وبمواقفه
العدائية تجاه العالم الإسلامي. حتى أنه كان في بعض الفترات ـ إن لم نقل في معظمها
ـ يداً قوية للاستعمار الفرنسي، كما سيتوضّح ذلك في محلّه إن شاء الله.
لقد أفادت المدرسة الاستشراقية الفرنسية من الحروب
الصليبية أيّما فائدة، حيث أنّ الثمار الايجابية لأوربا وفرنسا التي تمخضت عن هذه
الحروب أعطت دفعاً وزخماً للاستشراق الفرنسي، لأن دور هذه الحروب لم يقتصر فقط على
ساحات القتال، بل تجاوز إلى ميادين اُخرى ثقافية وتبشيرية وأخلاقية على طريق
الكثير من المؤسسات والجامعات التي مارست نشاطاً استشراقياً واضحاً، ولا سيما أن
الحروب الصليبية كانت تمرّ في بعض الأوقات بفترات هدنة وسلام كانت فرصة مواتية
استثمرها الفرنسيون لصالحهم بقصد تدمير البناء الإسلامي من الداخل، وتخريب المجتمع
الإسلامي بزرع الخلافات وإذكاء اُوار الصراعات الداخلية التي أخذت تنهش في أوصاله.
إن الدراسات الشرقية التي شاعت في أوربا زوّدت
الفرنسيين بكنوز من المعلومات سُخّرت لخدمة المصالح الفرنسية، فكان كل شخص في
أوربا يرغب في التعرّف بشكل واف على لغات المشرق الأدنى وحضاراته يتوجّه إلى مدرسة
اللغات الشرقية الحيّة في باريس التي أسّستها حكومة المؤتمر الثورية «الكونفانسيون»
في مارس سنة 1795م بإيعاز من المستشرق «لانجليز»([166]).
إن المدرسة الفرنسية بلغت أوج عظمتها في بعض
الفترات، فلمع فيها بعض الشخصيات الاستشراقية التي كان لها دور كبير في تطوير
الاستشراق الأوربي، فأصبحت باريس القبلة التي يؤمّها جميع المستشرقين الأوربيين
الذين يرغبون في التخصّص بدراسة الشرق الأوسط، ومن هذه الشخصيات «سلفستر دو ساسي» الذي
لُقّب باُستاذ جميع المستشرقين الأوربيين في زمانه، وبقي اُسلوبه في العمل حتى
يومنا هذا هو الاُسلوب نفسه الذي يتّبعه عدد كبير من المستشرقين. وفي عهده كانت
مدرسة باريس للغات الشرقية ـ التي أشرنا إليها والتي قامت في أوج حماسة فرنسا الثورية
ـ النموذج لمؤسسة الاستشراق العلمي والعلماني. ومن جرّاء ذلك ظهرت كلمة مستشرق
Orientoiliste
في فرنسا عام 1799م. واُدرجت كلمة الاستشراق
Orientoile
في قاموس
الأكاديمية الفرنسية عام 1838م. وأخذت فكرة إيجاد فرع متخصّص من فروع المعرفة
لدراسة الشرق تلقى المزيد من التأييد. ولم يكن هناك حتى ذلك الوقت مختصون بأعداد
تكفي لتأسيس مجلاّت أو جمعيّات تهتم حصراً ببلد واحد أو بشعب واحد أو منطقة واحدة
في الشرق. وبدلاً من ذلك كان نطاق المجلاّت والجمعيات يمتد ليشمل عدّة مجالات، وإن
لم تحظ جميعها بدرجة العمق نفسها في البحث([167]).
ويمكن أن نقول: إن الاستشراق الفرنسي بشكل خاص قد
نما وترعرع عندما جاءت مبادرته الميدانية نتيجة للأحداث المتعلّقة بالشرق
الإسلامي، من حيث التغيّرات السياسية والنظرة الأوربية التي كانت تعتبر الشرق
الإسلامي من المشاكل العظمى التي تواجه السياسة الأوربية بالخصوص في القرن التاسع
عشر.
مناطق
نفوذ المدرسة الاستشراقية الفرنسية
إن الاقتران الذي أكدناه في حركة الاستشراق بالتبشير
والاستعمار يحتم علينا جدلاً أن نجعل من مناطق النفوذ السياسي والثقافي لفرنسا
مجالاً أسياسياً للاستشراق الفرنسي على نحو التمهيد أو الترسيخ لتلك الحركة
السياسية والثقافية، سواء أكانت على شكل عمل تبشيري بكافة أبعاده الثقافية
والدينية، أو نفوذ اقتصادي أو استعمار عسكري مباشر. ومن خلال استعراض الجغرافية
السياسية لمناطق النفوذ الفرنسي نجدها تحتل رقعة واسعة ومهمة من مناطق الوطن الاسلامي
ابتداءً من سواحل شمال افريقيا (الجزائر، المغرب، تونس، مصر) إلى وسطها الذي يسمى
بالسودان الفرنسي بما فيها جيبوتي والسنغال وموريتانيا وتشاد ومالي وغينيا والنيجر
وكانم البرتو والغور والحوصة وسنغاي ومن غرب آسيا المتمثل ببلاد الشام «سوريا
ولبنان الى شبه القارة الهندية».
وقد بدأ الاستشراق الفرنسي عمله الميداني المباشر
عندما اكتُشف رأس الرجاء الصالح عام 1488م، فتدفّق المستشرقون بعناوينهم المتعدّدة
علماء ومنقبين عن الآثار ومبشرين للنصرانية. وقد سبق هذا الانتشار افتتاح مراكز للتبشير
في إفريقيا السوداء، كان أولها في الكونغو عام 1491م، فعملت على التعرّف على هذه
القارة، والتمهيد بالتعاون مع عصابات تجار الرقيق لدخول فرنسا بوصفها اكبر قوّة
غازية ثقافيّاً واقتصادياً وعسكرياً لهذه القارة([168]).
وممن انتحل صفة الاستكشاف والبحث والتنقيب
الكاردينال لافيجري([169])الذي
عمل بشكل فاضح وصريح لتكريس الوجود الاستعماري الفرنسي من خلال عمله. وقد أعلن عن
ذلك في معرض حديثه عن إفريقيا، وأبدى أسفه الشديد من عدم تمكّنه من نشر النصرانية
بين المسلمين وخصوصاً الجزائريين بقوله: إنه أراد أن يحبّب فرنسا إلى الناس باسم
المسيح([170]).
وقد تبلورت وتحددت مناطق النفوذ الفرنسي خصوصاً في
القارة الافريقية، وقد بدأت عملية الإخضاع العسكري المباشر للنفوذ الفرنسي
بالجزائر عام 1830م، ثم تونس عام 1881م، ودخلوا السنغال عام 1851م، اما بنين (داهومي
سابقاً) فقد احتلتها فرنسا عام 1894م. ومنذ عام 1854م خاض الاستكبار الفرنسي من
خلال السنغال عدة محاولات لاحتلال موريتانيا حتى تم له احتلالها في عام 1903م، أما
احتلال بلاد الشام (سوريا ولبنان) فقد تم في مطلع هذا القرن([171]).
كما امتد النفوذ الفرنسي وثبّت أقدامه في مسقط وزنجبار عام 1884م عندما عقدت فرنسا
معاهدة مع سعيد بن سلطان، حاكم هاتين المنطقتين، كما حصلت في عام 1899م على تنازل
من سلطان مسقط تحصل بموجبه على مستودع للوقود بطريقة الإيجار في ميناء الجصة([172])،
وقد نافس الفرنسيون الانجليز على شبه القارة الهندية واشتبكوا معهم في صراع
اقتصادي سياسي عنيف حتى اضطروا لتأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية في «بندر عباس»
في نفس العام في مقابل شركة الهند الشرقية البريطانية([173]).
على ضوء مقررات مؤتمر برلين الذي انعقد في عام 1878م والتي وضعت اسس هذا النفوذ
وحاولت أن تخفف من أسباب الصراع بين الدول الاُوربية، وخصوصاً بين فرنسا وانجلترا
حول القارة الافريقية([174]).
وبعد وضوح حدود النفوذ الفرنسي في افريقيا بدأت حركة واسعة لإخضاع شعوبها إلى
الثقافة الفرنسية وبشتى الصيغ والأساليب. ففي عام 1898م كتب الباباليون الثالث عشر
إلى الكاردينال لانجينو ما يلي: «لقد علمنا برضا كامل... بأن تفكير شخصيات بارزة
يتجه نحو تكوين لجنة وطنيّة في فرنسا للحفاظ على الحماية الفرنسيّة في الأراضي
المقدّسة والدفاع عنها... فعسى ان تضمن هذه الجهود المتحدة وجوداً مستقراً للكنيسة
الكاثوليكية في الشرق لكي تعمل بنجاح على نشر الايمان الحقيقي ولعودة الرعايا
الضالين إلى حضيرة المراعي الكنسي الأوحد والاعلى»([175]).
صيغ
وأساليب المدرسة الاستشراقية الفرنسية وتشكيلاتها
إن من أبرز وأهم الأساليب والتشكيلات التي اعتمدتها
هذه المدرسة في عملها الاستشراقي والتي أثرت في النتائج اثراً بليغاً حقق أغلب
الأهداف والمرامي المتوخاة منه هي:
أ ـ
تسخير المبشرين والأقليات النصرانية واليهودية
المتواجدة في البلدان الاسلامية لتجميع المعلومات الأولية والدراسات الميدانية عن
الإسلام والمسلمين في بلدانهم لتكون مادة اولية بين يدي المستشرقين لينطلقوا منها
ويتابعوا تفصيلاتها ويخضعوها للبحث والتحليل ضمن الخطط الموضوعة لذلك من قبلهم، وقد
تمّ ربط النصارى من مواطني البلدان بالتشكيلات التي اعتمدتها فرنسا عن طريق الحصول
على امتيازات خاصّة بحجة «حماية المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية». ويشير إلى
ذلك G.
Bouchadأحد مسؤولي
البعثات الفرنسية حيث قال: «... في هذا القرن ]القرن التاسع عشر[
دخلت اوربا في عصر جديد من التوسع العسكري والسياسي بدأ مع
الثورة الصناعية التي قلبت الأوضاع الاجتماعية والفكريَّة داخل اوربا وأدت إلى
ولادة الرأسمالية، وخروج اوربا من حدودها لمواجهة الكتلة الإسلامية الضخمة
المتمثلة في «الإمبراطورية العثمانية» المترامية الاطراف وكانت الامتيازات التي
حصلت عليها دول اوربا «لحماية المسيحيين» داخل «الامبراطورية» حجة وجسراً عبرت
عليه البعثات المختلفة إلى الطوائف المسيحية والأقليات الدينية، تحميها شرعيّة
القنصليات والسفارات، أو القوة العسكرية المباشرة، فأسست مدارسها الخاصة بها،
وأرست اسس نظام تعليمي يستلهم الثقافة الاوربية ويبشر بها»([176]).
ولم يكتفوا بذلك بل أخذوا باعداد وتربية مبشرين
محليين من خلال مدارس اكليركية يتخرج منها ما يسمى بالاكليروس المحلي، خصوصاً وان
عامل اللغة يعدّ اساساً في اداء الدور الأمثل لهؤلاء المبشّرين المحليين، وفي هذا
الصدد يركز مؤرخو تلك الفترة: ان اليسوعيين لجأوا بعد سنوات من العمل المتواصل والدؤوب
الى إعداد «الدعاة المحليين» أملاً في تثبيت مستقبل العمل التبشيري في المشرق،
وسعياً لتجاوز عائق اللغة الذي كان يقلق مرسليهم ويعرقل صلتهم اليومية بالذين
يتوجهون اليهم، لأن المبشرين لا يعرفون العربية لغة السكان في هذه المناطق. هذه
الحاجة الماسة والمتناهية لهؤلاء «الدعاة» يعبر عنها أحد الآباء المسؤولين في دمشق
عام 1860م بقوله:
لا اكليروس محلي بدون مدرسة اكليركية، ولا مستقبل
للارساليات في المشرق في غياب الأكليروس المحلي. ان إرسال البعثات مفيد ولا شك، خاصة
وسط هذه الامم الجاهلة والكسولة. لكن المؤسسة الاوربية ليست مؤسسة صلبة بشكل كاف،
لأن جذورها لا توجد في البلد نفسه... والسبب الذي يدعونا لتكوين اكليروس محلي هو
عينه الذي يدفعنا لإعداد اساتذة محليين أيضاً.. إن المعلم والمعلمة العربيين
يستطيعان الذهاب، وكل بمفرده، إلى أية قرية، فهما متكيفان مع اللغة والمناخ
والعادات والغذاء مع بؤس البلد. كما يكفي الواحد منهما مئة فرنك في السنة([177]).
لذا وتثبيتاً لمستقبل هذه الارساليات، ضم اليسوعيون
مساعدين لهم من أهل البلاد، بعد اختيارهم بدقة وعناية، لأن بامكانهم ممارسة نفوذ
وتأثير يعجز عنه الاجانب غالباً.
«لقد كان ذلك تطبيقاً للقاعدة الحكيمة التي طالما نادى بها البابا
ليون الثالث عشر وهي اغواء الشرق بواسطة الشرقيين أنفسهم»([178]).
واتسعت فكرة استثمار النصارى والأقليات المذهبية
الاخرى من أبناء الشرق لتشمل اليهود، خصوصاً في بعض المناطق التي كانت لهم فيها
طموحات دينية وتاريخية كفلسطين، حيث ذهب بعضهم إلى: «ان المبشرين كانوا مقتنعين جداً
بأن جمع اليهود في فلسطين يسهّل لهم مهمتهم في الوصول إلى المسلمين، من اجل ذلك
ارادوا أن يفتحوا أبواب فلسطين على مصاريعها لهجرة اليهود»([179]).
«فليس من المستغرب إذن أن تجد سبعاً وعشرين جمعية تبشيرية مختلفة الجنسيات
كانت تعمل بلا مَلل في فلسطين»([180]).
ب ـ
اعتماد اسلوب ضخ اكبر عدد من المستشرقين الفرنسيين
من ذوي الاختصاصات التبشيرية الى بلدان الشرق الاسلامي.
لقد أعدت فرنسا جيشاً من المبشرين والمستشرقين الذي
ينتشرون في افريقيا ولبنان، ويذكر مالك بن نبي: «أن المستشرق الفرنسي (ماسنيون) قد
تفرغ آخر حياته للتبشير ومدّ وزارة الخارجية الفرنسية بالمعلومات والتوصيات حول البلاد
الاسلامية وتهيئة العملاء والكتاب»([181]).
ويكفي أن نشير إلى الرقم الآتي ليعبر عن مدى العمق
الرابط الوثيق بين الصليبية والرهبانية الفرنسية وبين الاستشراق والاستكبار، فقبل
الحرب العالمية الاولى بلغ عدد المبشرين المرتبطين بالمقام البابوي 73000 مبشراً،
كان ثلاثة أرباع هؤلاء من التابعية الفرنسية الذين توجهوا إلى سوريا في مجال
التعليم.
أما «مؤسسة الدّعاية»، وهي منظمة صليبية تبشيرية
فرنسية، فقد أصدرت عام 1888م هذا التعميم: «إننا نعلم بأن الحماية الفرنسية قائمة
في المشرق منذ عدة قرون، ولقد تأكدت هذه الحماية من خلال المعاهدات الموقعة بين الحكومات،
لذلك يجب أن لا يتم اي تغيير على الاطلاق بخصوص هذه النقطة. يجب الحافظ دينياً على
هذه الحماية أينما كانت سارية، كما يجب أن تعلم البعثات التبشيرية بان تلجأ عند
الحاجة ـ لأي عون ـ إلى قناصل وممثلي الامة الفرنسية»([182]).
ج ـ توجيه المبشرين الفرنسيين للتخصص في الاستشراق ورسم
مناهجه بما يخدم الأهداف الثقافية والسياسية للاستكبار الفرنسي.
فقد تلبّس المبشرون بجميع المظاهر حتى في ثوب
المستكشفين الذين ظهروا أمام العالم علماء أعلاماً، بل ان نابليون حوّر وطوّر من
أساليب الاحتواء الاستشراقي لمصر قبل وبعد احتلالها باستخدام ادوات المعرفة والقوة
الغربيتين. ومنذ ذلك التاريخ تغيرت لغة الاستشراق ذاتها تغيراً جذريّاً، فقد ارتقت
واقعيتها الوصفية وغدت لا مجرّد اسلوب للتمثيل، بل لغة، بل بالأحرى وسيلة للخلق([183]).
لقد اصبح المستشرقون، خلال القرنين التاسع عشر
والعشرين، جماعة اكثر جدية، لان ابعاد الجغرافيا التخيليّة والواقعية كانت بهذا
الوقت قد تقلصت، إذ إن العلاقة الشرقية الاوربية كانت قد تحددت بتوسع اوربي لا
يُصدّ، بحثاً عن الاسواق والمصادر الطبيعية والمستعمرات. واخيراً لأن الاستشراق
كان قد أنجز تقمُّصَه وتحوّله من انشاء بحثيّ إلى مؤسسة إمبريالية([184]).
ولقد اصبحت باريس فترة تنوف على النصف الاول من
القرن التاسع عشر عاصمة للاستشراق (وعاصمة القرن التاسع عشر نفسه، كما يرى فالتر بنجمن)([185]).
وتكفي للاحاطة بهذه الحقيقة المراجعة لكتاب جُول مول
«سبعة وعشرون عاماً من تاريخ الدراسات الشرقية»([186]).
د ـ
خلق ارضية الارتباط الروحي والمعنوي بفرنسا والعمل
على تشويه الثقافة الاسلامية وإثارة الشبهات حول الاسلام والحركات الاسلامية
باعتبارها عقبة اساسيّة امام ترسيخ اتجاهات الفكر الاستكباري. وهذا ما يؤكده المتخصصون
في دراسة الاستشراق، فعند المقارنة والتمييز بين المدرسة الاستشراقية الفرنسية
والمدرسة الاستشراقية البريطانية مثلاً يقولون: «... في عرف بريس ـ موريس بريس
مؤلف كتاب «اكتناه بلدان شرق المتوسط» وهو سجل لرحلة عبر الشرق الادنى عام 1914م ـ
ان الحضور الفرنسي يُرى بافضل صورة في المدارس الفرنسية... وإذا كانت فرنسا لا
تمتلك مستعمرات في الشرق فعلياً، فانها ليست دون ممتلكات بصورة مطلقة... ثمة في الشرق
شعور حول فرنسا هو من الدينيّة والقوة بحيث انه قادر على أن يتمثل، ويصالح بين
تطلعاتنا الأكثر اختلافاً وتنوعاً. ففي الشرق نمثل نحن الروحانية، والعدالة،
وفُصْلَةَ المثالي... نحن نمتلك الأرواح الشرقية... كيف نستطيع ان نشكل لأنفسنا
نخبة فكرية نقدر على العمل معها، تتألف من شرقيين لن يكونوا قد اقتلعوا من جذورهم،
شرقيين يستمرون في الارتقاء تبعاً لمعاييرهم الخاصة، وتظل تخترقهم تقاليد العائلة،
ويشكلون، هكذا، رباطاً بيننا وبين جماهير السكان الأصليين؟ كيف سنخلق علاقات بهدف
تمهيد الطريق لاتفاقيات ومعاهدات ستكون هي الشكل المرغوب فيه لمستقبلنا السياسي
«في الشرق»؟ هذه الاشياء جميعاً في النهاية ذات مدار واحد، هو تنمية ذوق
استمراء لدى هذه الشعوب الغربية للبقاء على اتصال بذكائنا، رغم ان هذا الذوق قد
ينبع في الواقع من حسّهم الخاص بمصيرهم القومي»([187]).
ويؤكد هذه الميزة أيضاً منهج السياسة الفرنسية في
التعامل مع الشرق التي تتمثل بمقولة: «إذا كان لفرنسا أن تستمر في منع «عودة
الاسلام» فقد كان من الخير لها أن تحتلَّ الشرق، وكانت هذه منظومة طرحها كريساني
وثنّى عليها السيناتور بول دومر. وقد كُرِّرت هذه الآراء في مناسبات كثيرة،
وبالفعل فقد نجحت فرنسا بمفردها في شمال افريقيا بعد الحرب العالمية الاولى»([188]).
ويحذر الكاردينال لافيجيري من خطر قوة الاسلام
وتهديدها للتطلّعات الفرنسية في الشرق فيقول: «وبينما كان الاسلام على وشك ان
ينهار في اوربا مع عرش السلاطين «من آل عثمان» كان لا يزال ناشطاً في تقدمه وفتوحه
على ابواب مملكتنا الافريقية»([189]).
ولا يجد هؤلاء مناصاً من الامعان في تشويه الاسلام
تحقيقاً للهدف الاساسي في إضعاف قوته وردم سدوده امام غزوهم الثقافي واستعمارهم السياسي
والعسكري، حتى وصل بهم الامر إلى ان يقول احدهم: «إن الاسلام مقلد، وإن أحسن ما
فيه مأخوذ من النصرانية، وسائر ما فيه اُخذ من الوثنية كما هو أو مع شيء من
التبديل»([190])،
ويبلغ التدجيل ذروته بجون ثاكلي أن يقول عن المسلمين: «يجب ان نستخدم كتابهم
]أي القرآن
الكريم[، وهو اقصى سلاح في الاسلام،
ضد الاسلام نفسه لنقضي عليه تماماً. يجب ان نري هؤلاء الناس ان الصحيح في القرآن
ليس جديداً، وان الجديد فيه ليس صحيحاً»([191]).
وفي معرض اثارتهم للشبهات حول الحركات الاسلامية كتب
يوليوس رشتر عن ثورة المهدي على الانجليز في السودان قائلاً في وصفها: «... هذا التعصب
الاسلامي الضيق الاُفق بكل ما فيه من بغض للثقافة»([192]).
هـ ـ الدعوة إلى تطوير الاسلام كاسلوب للدس فيه وتشويه
معالمه. فمن انجازات المستشرقين الكبيرة ـ وفي مقدمتهم المستشرقون الفرنسيون ـ
انهم اثاروا في قلوب قادة العالم الاسلامي اليوم وزعمائه ـ ممن تثقفوا في مراكز
الغرب الثقافية الكبرى أو درسوا الاسلام بلغات الغرب ـ شبهات حول الاسلام والمصادر
الاسلامية، وأحدثوا في نفوسهم بأساً كبيراً في الحث على نعرة «إصلاح الديانة»
و «إصلاح القانون الاسلامي»([193]).
ومن ابرز هؤلاء المستشرقين الذين بذلوا عناية خاصة
بهذه الدعوة هو المستشرق الفرنسي ماسينيون، فقد كان له حضور رئيسي في العلاقات
الإسلامية الفرنسية، في السياسة كما في الثقافة، وكان بوضوح رجلاً ذا شبوب
انفعالي. آمن بان عالم الاسلام يمكن اختراقه لا عن طريق البحث، حصرياً، بل عن طريق
تكريس النفس لجميع اوجه نشاطاته، التي لم يكن اقلها عالم المسيحية الشرقية المنضوية
ضمن الاسلام والتي تلقت احدى جماعاتها الفرعية، الجمعية الخيرية البدلية، تشجيعاً
حاراً من قبل ماسنيون([194]).
ويؤكد هذه الدعوة، التي اخذت اتجاهاً عاماً في اغلب
الدراسات الاستشراقية، التركيز والاهتمام الشديد الذي اولاه المستشرقون الفرنسيون بالدراسات
الاسلامية، وهذا نابع من روحهم الصليبية وغرضهم الرئيسي، وهو تحديد نقاط ضعف
المسلمين ومحاولاتهم فهم الاسلام لكي ينفذوا الى المجتمع الاسلامي عن طريق ذلك
ولهذا تجد ان «كريساني» ومن بعده السيناتور «پول دومر» قد طرحا منظومة مفادها ان
من الخير لفرنسا إذ كانت مستمرة في منع عودة الاسلام ان تحتلَّ الشرق. وقد كرر
هذان المستشرقان هذه الآراء في مناسبات كثيرة، وبالفعل فقد نجحت فرنسا بمفردها في
شمال افريقيا وسوريا بعد الحرب العالمية الاولى([195]).
و ـ توقيت حركة المستشرقين الفرنسيين وتغلغلهم في البلاد
الاسلامية بما يمهد لمقدمات الغزو الفرنسي لهذه البلدان، وتحكيم السياسة الفرنسية
فيها. ومن الارقام الكاشفة عن هذه الحقيقة أن عدداً كبيراً من مترجمي نابليون
كانوا تلاميذ «سلفستر دو ساسي» الذي كان ـ بدءاً من حزيران عام 1796م ـ المدرس
الأول والأوحد للعربية في المدرسة الأهلية للغات الشرقية. واصبح ساسي فيما بعد
تقريباً معلماً لكل مستشرق بارز في اوربا، حيث سيطر تلاميذه على هذا الحقل ما
يقارب ثلاثة ارباع القرن. وكان كثيرون منهم نافعين سياسياً، بالطرق التي كان بها
عدد آخر نافعاً لنابليون في مصر([196]).
بل إن دور المستشرقين أخذ مدى اكبر من ذلك عندما
اصبح التنافس الاستكباري يدفع بالمستكبرين إلى ادخال دول الشرق بمنظورهم
الاستعماري في مجال الاستشراق فقد «كان قدر كبير من الحمى التوسعية في فرنسا خلال الثلث
الاخير من القرن التاسع عشر وليد رغبة صريحة للتعويض عن النصر البروسي في 1870م ـ
1871م، وإلى حد لا يقل اهمية وليد رغبة لمضاهاة الانجازات الامبريالية البريطانية
ولقد كانت الرغبة الأخيرة من القوة، كما كانت نابعة من تراث طويل من المنافسة
الانكلو ـ فرنسية في الشرق، بحيث أن فرنسا بدت حرفياً مشبوحة ببريطانيا، حريصة في
كل ما يتعلق بالشرق على اللحاق بالبريطانيين ومحاكاتهم. وحين صاغت الجمعية للهند
الصينية في أواخر عام 1870م أهدافها وجدت مهماً أن «تدخل الهند الصينية في مجال
الاستشراق» لماذا؟ من أجل أن تحيل صين كوشين إلى «هند فرنسية»!
وقد عزا العسكريون إلى عدم وجود ممتلكات استعمارية
كبيرة لفرنسا، ذلك المزيجَ من الضعف العسكري والتجاري اثناء الحرب ضد بروسيا، كي
لا تقول شيئاً عن الشعور العريق والصريح بالنقص، استعمارياً، بالمقارنة مع
بريطانيا.
وقد طرح جغرافي بارز هو «لارونسيير لو نوري» منظومة
تقول: إن قوّة توسع العروق الاوربية واسبابه وعناصره وتأثيراته على المصائر
البشرية ستشكل مادة دراسة جميلة للمؤرخين في المستقبل»([197]). ولهذا تجد أن «أكثر الارساليات مساهمةً في تحقيق انتداب فرنسا
على سوريا ولبنان هي الإرساليّات الفرنسيّة»، «لأن من بين الاثني عشر ألفاً من
طلابهم، كما يقول الأب لوروا، سبعة كانوا وزراء او سكرتيري دولة في مصر.. وان
مدراء الخدمات الرسمية في لبنان وسوريا وفي دولة العلويين آنذاك كانوا جميعاً من
طلاب العازاريين»([198]).
كما «لم تحمل البعثات الفرنسية والتبشيرية التي توافدت إلى سوريا ولبنان مشاريع مستقلة
عن السياسة الفرنسية فيها، انما اقتصر أمر التمايز والاختلاف على المرحلة الاولى
من عمل اليسوعيين التي احتلت موقع الصدارة بين البعثات جميعاً»([199]).
والطريف المثير ذكره هنا أنه «في الحرب العالمية
الاولى ترك المبشرون عملهم التبشيري وجعلوا يطوفون في المناطق ويجمعون المتطوعين لجيوش
دولهم»([200]).
ز ـ
استعانة المستشرقين الفرنسيين، ضمن برامج المؤسسات
السياسية الفرنسية، بالاقليات النصرانية واليهودية وامثالها القاطنة في البلدان
الاسلامية، كمصدر للمعلومات الميدانية والرؤى المباشرة للواقع، وكسند سياسي
واقتصادي بل وعسكري للاستعمار الفرنسي. ويميط اللثام عن هذا الأمر ما اشار إليه
كتاب السياسة الدولية في الشرق العربي حيث جاء فيه: «كانت بلاد الشام محطة نموذجية
لنشاط البعثات واطماع الدول الاوربية وتنافسها»([201])
ولانتشار المدارس التي رافقت عمل المبشرين، بحيث تحولت الخصوصيات الاجتماعية
والطائفية الى صراعات وولاءات ثقافية وسياسية تحتضنها الارساليات ويدعمها القناصل والتجار.
وتحول الهدف الأساسي لتعليم المرسلين، بعد أن تداخل مع السياسة والتجارة، إلى
اعداد «لعقول» تتلاءم مع الأوضاع الجديدة، و«نخب» ستتربع على رأس كيانات التجزئة
التي فُرضت قسراً.
وكان لجبل لبنان، قبل أن تلحق به اقضية ومناطق في
سوريا، ويتحول إلى «دولة لبنان الكبير» عام1920م، وبعد ذلك أيضاً; حصة وفيرة من
نشاط البعثات وأهدافها. لا بل نقطة جذب قوية لها بسبب كاثوليكيتها من جهة، والحضور
الفرنسي السياسي والعسكري والاقتصادي من جهة اخرى. وهي عوامل أدّت إلى إلحاق سكان
الجبل المسيحيين بفرنسا على جميع المستويات([202]).
وفي اجواء هذه التحولات الاقتصادية السياسية والتدخل
في شؤون الطوائف المحلية انتشرت بعثات التبشير والتعليم اليسوعية لتجعل لتلك
التحولات ولذلك التدخل اُسساً فكرية «وجذوراً تاريخية»، «ففتحت نفوس الأهالي على الأفكار
الفرنسية، وعلى العواطف الفرنسية، واصبحوا فرنسيين نوعاً ما... هذه السياسة تؤدي
إلى فتح بلد بواسطة اللغة»([203]).
وهكذا حتى أصبح الموارنة، مثلاً، في منتصف القرن
التاسع عشر مركزاً لتلقي التأثيرات الثقافية والاقتصادية والسياسية الفرنسية. خاصة
وان فرنسا أصبحت صاحبة «الحق» في «حماية مسيحيي الشرق» فتداخل آنذاك هذا الموقع المتقدم
لفرنسا، قياساً إلى الدول الاوربية الاخرى، مع علاقاتها التاريخية مع الموارنة
التي يعرب كل طرف عن شدة تمسكه بها وفقاً للظروف السياسية والدولية([204]).
وتختلف الروايات التاريخية في تحديد هذه العلاقة، ما بين الدعم العسكري المتبادل
أو الحماية المعنوية فيقول بوديكور مثلاً: «عندما انطلق ملكنا سان لويس في حربه
الصليبية، توقف في قبرص حيث لاقاه دعم 35 ألف ماروني خاض معهم معركة مصر..»([205])،
«كما أرسل اليهم بونابرت مبعوثه قائلاً لهم: «اعترف أن الموارنة فرنسيين منذ
الأزل»([206]). ووجه ملك فرنسا إلى أمير الموارنة الرسالة التالية: «.. نحن
مقتنعين بأن هذه الامة التي تنتسب إلى القديس مارون هي جزء من الامة الفرنسية»([207]).
كما كتب وزير البحرية الفرنسية عام 1750م إلى القناصل الفرنسيين في الدولة
العثمانية: «إن الرهبان الموارنة الذين يؤلفون رهبنة مارانطونيوس في جبل لبنان قد
شملهم الملك بحمايته الخاصة في كل وقت، وقد توسطوا إلى جلالته أن يجدّد تلك
الحماية ويثبتها لهم، فتنازل جلالته واستجاب طلبهم وأوصاني أن أكتب إليكم أن
تعاملوهم كما تعاملون المرسلين الفرنسيين الموجودين في الشرق من قبل جلالته..»([208]).
وتزداد هذه الحقيقة وضوحاً إذا عرفنا «إن فرنسا
تعتبر نفسها مسؤولة عن حماية مسيحيي المشرق أمام الباب العالي، وإن هذه المسؤولية
تشكل دعماً أساسياً لقوتها في المشرق، ولا يمكن لرجال الدين الذين ترسلهم روما أن يتجاوزوا
هذه الحماية القانونية والعملية»([209]).
ولم يقتصر الامر على الطوائف المسيحية، بل استخدم
اليهود في الشرق كرتل خامس ورجال المعلومات الخاصة. فمثلاً «عندما قامت الثورة
الفرنسية التي لعبت اليهودية الفرنسية فيها دوراً خطيراً، قامت اليهودية العالمية
بخدمات جليلة لحساب نابليون بونابرت، حيث تحول اليهود في اوربا وفي الشرق العربي إلى
طابور خامس يعمل لحساب جيوش بونابرت، وتقديراً لتلك الخدمات التي تبلغ مرتبة
الخيانة العظمى لشعوب دول روسيا القيصرية، أعلن نابليون هيئة السنهدريون، وكوّن
فرقة من اليهود لاعادتهم إلى فلسطين، إلاّ ان المشروع لم يتحقق لظروف لم تكن مواتية»([210]).
ح ـ توصية المستشرقين الفرنسيين لحكوماتهم المتعاقبة
على اعتماد اسلوب التجزئة للبلاد الاسلامية، وتدمير البُنى الاساسية لها ثقافياً
واجتماعياً واقتصادياً، وتركهم ضعفاء لا يملكون القدرة على مواجهة تيار العلمانية
الفرنسية الجديد. ولعل من ابرز من كان لهم الدور الاساسي في تنظير هذه التوصيات هو
ماسنيون احد اكبر أئمة المدرسة الاستشراقية الفرنسية خصوصاً عندما اصبح مستشاراً لوزارة
المستعمرات الفرنسية، وتدلنا الوثائق العديدة التي نشرت وما زالت تنشر أن فرنسا،
قبل وبعد دخولها إلى الشام، قد قامت من خلال الاستعانة بالمستشرقين وتوصياتهم بعدة
دراسات عن الوضع الاجتماعي والطائفي والاقتصادي.. وانها قد صممت سياسة فرنسية خاصة
بها تقوم على تصورات دقيقة ومتعددة، منها ما يخص تصميم البنية السياسية، وبناء
الدولة وإقامة الأنظمة الطائفية، أو تسليط طبقة معينة من النصارى على المؤسسات
السياسية والثقافية والاقتصادية الحساسة.. وهذه كلها تهدف إلى نقطة جوهرية وأساسية
هي ضمان إبعاد الاسلام عن مسرح الحياة والنشاط السياسي والثقافي، وخلق انظمة
علمانية وإعداد الكوادر والقيادات السياسية المواكبة لها([211]).
كما جاء أيضاً في تقرير «ديبوسك» إلى وزارة الخارجية الفرنسية: «لقد تسنى لي في
القاهرة وبيروت ودمشق أن أطلع على الآراء الحميمة التي باح لي بها بعض المسلمين
الذين يحتلون مراكز مرموقة، فلقد صرح لي هؤلاء ببساطة أن الوفاق مع المسيحيين يبدو
في نظرهم ضرورياً، لأن المسيحيين هم اذكى منهم، وخصوصاً اكثر ثقافة منهم، وبالتالي
فهم اجدر في اظهار مطالباتهم الخاصة، ومن جهتهم فلقد صرح لي مسيحيون أعضاء في
المجالس ـ يقصد مجالس اللجان العربية ـ بأنهم لا يرتجون عن طريق انضمامهم إلى صفوف
المسلمين سوى تدخّل فرنسا، وفضلاً عن ذلك فانهم ـ أي المسيحيين ـ خلافاً لما
يعتقده المسلمون، يرون أنه ليس بامكان سورية أن تحكم نفسها بنفسها، إلاّ انهم
يتجنبون مواجهة المسلمين بذلك»([212]).
وبنفس الاتجاه يوصي القس سيمون حكومته الفرنسية
قائلاً: «إن الوحدة الاسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التخلص من
السيطرة الاوربية».. ولذا «قالوا يجب أن تحوّل بالتبشير مجاري التفكير في الوحدة الاسلامية»([213]).
وعلى ضوء ذلك فقد قام الاستعمار الفرنسي بانشاء
كيانات مجزأة سياسياً واقتصادياً وسكانياً وفقا للنماذج والأشكال القومية الغربية
والعلمانية، وبذلك يتمكن الاستعمار الفرنسي وشركاؤه أن يطمئنوا إلى أنّ البلاد
الإسلامية أصبحت لا تشكل خطراً على نفوذهم ومصالحهم حاضراً ولا مستقبلاً، فالمسلم
في «تشاد» هو «تشادي» لا علاقة له بما يجري في «المغرب» أو «تونس» لان الآخرين «مغاربة»
أو «تونسيون» ... وهكذا الامر في كافة انحاء العالم الاسلامي([214]).
ط ـ
اعتماد اسلوب تربية وإعداد قادة ومفكرين للعالم
الاسلامي على النهج العلماني من خلال الجامعات الفرنسية التي يشرف عليها كبار رجال
الاستشراق الفرنسي المتميزين بقدرتهم على الدس في الاسلام وتشويه صورة مجتمعاته الاسلامية.
وكان على رأس اساتذة ومنظري هذه الاطروحة هو المشرف الروحي للكنائس المسيحية
البروتستانتية الفرنسية لما وراء البحار والمستشرق الشهير ماسنيون، الذي تعهد
مجموعة من انبغ رجال الشرق ـ كما يصفهم ـ حتى قال بشأن احدهم وهو «ميشيل عفلق»
مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ظل يلعب دوراً اساسياً في قيادة بعض الانظمة
العلمانية في الشرق الاوسط طيلة الفترة بعد الحرب العالمية الثانية: «إنه أنبغ
وأعز تلميذ في حياتي»([215]).
ويتحدث الباحث الفرنسي دانيال لوغاك في كتابه «باسم
فلسطين» عن دور فرنسا أيام الاحتلال في تنمية ورعاية حزب البعث فيقول: «إن ميشيل عفلق،
وبدرجة اقل من صلاح الدين البيطار «الابوين المؤسسين للبعث» مدينان جزئياً لفرنسا
بتأليف الحزب الاكثر تماسكاً والأكثر تأثيراً في العالم العربي بأسره»([216]).
وكان لابد من التمهيد لهذا الامر عن طريق تشويه صورة
الاسلام في كتب وبرامج التعليم المعتمدة في المدارس والجامعات المؤسسة بهدف صياغة
وإعداد الكوادر والقادة السياسيين على الطريقة العلمانية الفرنسية، فقد جاء في كتاب
«البحث عن الدين الحقيقي»، الذي صدر عن مؤسسات التعليم الفرنسي في باريس وعاش هذا
الكتاب في المدارس النصرانية في الشرق والغرب حتى اليوم: «إن الاسلام عدو للمسيحية
وإنه اُسس بقوة السيف، وقام على أشد انواع التعصب... ويؤكد هذا الكتاب ـ أيضاً ـ
أن الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم)قد سمح
لاتباعه بالفجور والسلب»([217]).
وقد حملت مؤسسات اليسوعيين على تنوعها، أهدافاً
تتكامل فيما بينها، من نشر الثقافة الفرنسية، وسيطرة لغتها وافكارها، إلى اعداد
«النخبة القائدة» التي تمثل الهدف الرئيسي بينها، «لأن إعداد النخبة المسيحية..
يسمح لهذه الجماعة التي أثقل كاهله النير الاسلامي، أن تتحضر شيئاً فشيئاً. وقد
أعد المرسلون لساعة الحرية، طبقة وسطى قادرة على انتزاع الفائدة، ونخبة ذكيّة،
مثقفة ومؤهلة لقيادة الامم المحررة.. انه لواجب على المرسلين ان يطوروا النخبة
الأهلية ويضاعفوها، وذلك بانتظار اليوم الذي ستترك فيه سوريا ولبنان، لكن هناك شيء
يجب الانتباه والاشارة إليه، ذلك إن النخبة لا تبقى كذلك إلاّ إذا سيطرت، وإذا
أردنا توسيع هذه النخبة، فيجب الاّ نخفض مستواها بأن نفتح المجال أمام الجميع
لتولي المراكز والمسؤوليات، وذلك تفادياً للاخلال بالتوازن والانسجام الاجتماعي في
البلد»([218]).
ويرى بعضهم أن «المدارس قوة لجعل الناشئين تحت تأثير التعليم المسيحي اكثر من كل
قوة اُخرى، ثم ان هذا التأثير يستمر حتى يشمل اولئك الذين سيصبحون يوماً ما قادة
في اوطانهم»([219])،
ويؤكد آخرون على أنه «كان للمبشرين غاية من التعليم العالي، هي أن يؤثروا في قادة
الرأي في البلاد، وفي الجيل الناشئ في الشرق الأدنى خاصة، ذلك التأثير الذي لا
يمكن أن يتحقق إذا لم يكن ثمة تعليم عال»([220]). وعلى هذا
الاساس اوجد المبشرون البروتستانت كلية في بيروت عام 1862م وجعلوا على رأسها
المحترم «دانيال بلس». هذه الكلية اصبحت فيما بعد: الكلية السورية الانجيلية ثم هي
اليوم الجامعة الاميركية في بيروت.
ومن رأي المبشرين أن تؤسس الكليات في المراكز
الاسلامية، ولذلك لم يكتفوا ببيروت بل أرادوا ان تكون ثمة كلية في القاهرة نفسها
إلى جانب الأزهر.. ولم يكن رأي المبشرين الفرنسيين مخالفاً لذلك فأنشأوا كلية لهم
في مدينة لاهور، وهي مدينة من المدن الاسلامية الكبرى([221]).
ي ـ
انتهاج طريقة احياء الفكر القومي والطائفي، والدعوة
إلى تنظيم الحركات القومية العلمانية والطائفية على اساسه، لتكون الاساس في حركة
المجتمع الاسلامي السياسية. ولا تنفرد المدرسة الاستشراقية الفرنسية بهذه الميزة
نظرياً بل أنّها تمثل رؤية عامة لدى كافة المدارس الاستشراقية. فهذا المبشر الشهير
«صموئيل زويمر» أحد كبار المستشرقين يقول: «إن أول ما يجب عمله للقضاء على الإسلام
ايجاد القوميات»([222])،
وعلى ضوء ذلك «ولدت فكرة القومية اللبنانية المسيحية. هذه الفكرة التي شجعتها
الأوساط السياسية الدينية الفرنسية، ميّزت تلك الفترة من تاريخ لبنان»([223])،
ولابدّ لأجل تحقيق هذا الهدف الكبير من توفير المستلزمات الأساسية لذلك خصوصاً على
أرض الشرق وفي وسط مجتمعاته، فعمدوا إلى انشاء المدارس والجامعات التي تقوم اساساً
على التنظير للفكر القومي والطائفي، وتتعهد طلابها بالاعداد والتربية وفق منهج ذلك
الفكر واساليب التعليم الغربية المتبعة في اوربا، ومن ابرز امثلة ذلك هو «قيامهم
في عام 1865م بانشاء الكليّة السوريّة الانجيلية
]الجامعة الاميركية حالياً[
في بيروت والتي وصفت جريدة «الديار» ـ في عددها المرقم 1911
الصادر في 10 تموز 1949م ـ طلابها بأنهم ]رسل القومية العربية إلى انحاء الشرق العربي[»([224]).
وكان اول ثمرة لهذا التخطيط المدروس «عصبة العمل
القومي» وهي أول منظمة قومية ولدت في ظروف التصارع بين أطراف الاستكبار العالمي
حينذاك، وخصوصا بين الفرنسيين والانجليز.. وكانت فرنسا قد ثبّتت نفوذها في لبنان وسوريا
وأوجدت لها قواعد فكرية وسياسية، وامتلكت العديد من المؤسسات الثقافية كالجامعات
والمدارس ونحوها، التي اصبحت فيما بعد بمثابة مراكز لتخريج كوادر سياسية وفكرية
مدربة لصالح فرنسا([225]).
ك ـ
إنشاء الكليات والمعاهد العلمية والثقافية في البلاد
الاسلامية تحت اشراف وادارة المستشرقين الفرنسيين واعتمادها وسيلةً لنشر الفكر
العلماني المعادي للاسلام. وباستقراء لنماذج مختارة من المشاريع التعليمية لفرنسا
في الشرق يظهر بوضوح الهدف التخريبي المعادي للاسلام من إنشائها. منها إنشاء اول
بعثة يسوعية في سوريا عام 1626م وهي التي كانت تدار من قبل المشرف العام في «فرنسا
ـ ليون»، والتي نقلت إلى بيروت سنة 1875م، فانها بعد ذلك تحولت إلى ما يسمى بـ
«جامعة القديس يوسف»، وفي عام 1881م، اعترف البابا «ليون الثالث عشر» بالصفة
الجامعية لهذه المؤسسة، الذي أنشأ بأمر كنسي «كلية الفلسفة والعلوم الدينية
للدراسات الشرقية» ]اي الاستشراقية[([226]). وقد توسعت هذه المؤسسات التعليمية بعد ذلك توسعاً
كبيراً في لبنان وسوريا وشمال افريقيا، وشكّلت عنصراً أساسياً في الكيان
الاستكباري الفرنسي لما تمثلته من أهداف كبرى له، فقد «كان لابدّ من انشاء طبقة
حاكمة لهذا الشعب المسيحي المستعبد والمنهك من قبل المشركين، كان لابدّ من تشكيل
طبقة وسطى. يضاف إلى ذلك إن مجمل هذا الجزء من الشرق الأدنى كان بحكم الواقع ومن
خلال علاقاته الطبيعية قد انجر وراء حضارة الغرب الماديّة، وبدل الوقوف ضد تيار لا
يقاوم فضّل السير معه. والاكثر من ذلك هو أن اليسوعيين في سوريا كانوا يسعون إلى
تصدير هذا التيار لكي يتسنى لهم قيادته»([227]). وحينما
فرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان عام 1919م فرض معه منهاج التعليم الرسمي
الذي كان يساعد المبشرين في اعمالهم([228])، «وكانت
مدارس الارساليات الكاثوليكية تحبب فرنسا الى التلاميذ النصارى»([229]).
يقول ساطع الحصري وزير التربية السوري في عهد فيصل:
«إن النظم العديدة التي وضعت في سوريا، في عهد الانتداب الفرنسي، انّما كانت
تنفيذاً لسياسة مرسومة بوضوح واتقان، ونستطيع أن نقول إن غاية هذه السياسة كانت تأمين
سيطرة الثقافة الفرنسية والنظم الفرنسية على معارف البلاد سيطرة مطلقة من غير
التفات الى ما تتطلبه اصول التربية السليمة والعلم الصحيح. انها كانت «تعطي للغة
الفرنسية وللشهادات الفرنسية امتيازات مهمة، وتتحيز للمعاهد التعليمية الفرنسية
تحيّزاً مفرطاً، يجعلها احياناً ليست صاحبة امتياز فحسب، بل صاحبة انحصار واحتكار
أيضاً»([230]).
ومن تلك النماذج أيضاً انشاء كلية الطب في سوريا
والتي عبّر عنها السفير الفرنسي في القسطنطينية بالاشادة بـ «غامبيثا» والكاردينال
«لافيجري» صاحبي فكرة الكلية ]كلية الطب[
اللذين أرادا إيجاد مدرسة فرنسية في سوريا يؤمّها شبان البلد من
أجل العلوم الطبية، والتعمق في دراسة لغتنا، كي ينتشروا فيما بعد في انحاء الشرق
كافة كأصدقاء لنفوذنا وحضارتنا([231]).
وفي عام 1889م اُلحق بكلية الطب كلية الصيدلة. ومنذ
ذلك الحين اُلغي التمييز بين الدبلوم الفرنسي وبين الدبلوم المعطى في بيروت. كما
اُلحقت كلية الطب في بيروت بكلية الطب في ليون واُتْبعت مالياً للمساعدات
الحكومية. وهكذا غدت مع كلية الصيدلة «أرضاً رائعة للتوسع الفرنسي، تخرج منها
حوالي 535 طبيباً، يحملون الدبلوم الفرنسي، ويبشرون بنفوذنا، وبفعالية طرائقنا
العلمية لا في سوريا فقط، بل في الامبراطورية العثمانية بأسرها، وحتى في فارس
ومصر...»([232]).
ويؤكد الهدف غير العلمي لمثل هذه المعاهد والكليات
تحديد أحد المسؤولين الفرنسيين لأهداف كلية الطب اليسوعية في بيروت قائلاً: «إن
غاية المؤسِّسين ]غامبيثا والكاردينال لافيجري[
الأولى، أن يجعلا من هذه الكليّة فكرة سياسية ومؤسسة دعائية..»([233]).
والذي يؤكّد هذه السياسة الفرنسية الوثائق الدامغة
المتمثّلة في مراسلات القناصل السياسية الفرنسية، نشير إلى نماذج منها:
1 ـ وثيقة رقم (1):
تركيا ـ بيروت مجلد رقم ( 2 ) 1840 ـ 1841م.
بيروت 18 كانون الثاني (يناير) 1841م.
من ج. بريتون إلى الوزير غيزو سكرتير الدولة في
وزارة الشؤون الخارجية.
.. كنت قد قدمت في شهر أيار عام 1840م إلى حضرة وزير الشؤون الخارجية،
بعض الملاحظات حول انشاء كلية في سوريا. وكانت الموافقة قد تمت على تصميم المشروع
في روما في بداية 1839م ... هذه المؤسسة ستؤثر بشكل ايجابي جداً على مصالح فرنسا
راهناً ومستقبلاً، لأنها ستلبي حاجة ملحة لدى المسيحيين، وستنشر بينهم، تحت الاشراف
الفرنسي، المعارف الأخلاقية، والعلمية، والصناعية... إن مسيحيي لبنان وسوريا
بأكملها يتمنون افتتاح كلية آسيوية لانهم يشعرون بأنها ستكون نواة انبعاثهم
الاجتماعي... حين ننشر في هذا البلد بواسطة اللغة الفرنسية، التعليم، والاخلاق،
والفنون المفيدة، والزراعة، فإننا سنسيطر على الشعب، وسيكون لفرنسا هنا في كل وقت
جيش متفان.
2 ـ وثيقة رقم (14): مراسلات القناصل السياسية تركيا ـ بيروت ـ
مجلد رقم (2).
إن الامبراطورية العثمانية تتلاشى، لكن سوريا
بموقعها الجغرافي بين آسيا الصغرى ومصر، تعتبر مركز هذه الامبراطورية، لا بل
قلبها، كما تملك في الوقت نفسه امكانية لإعادة الحياة التي انحسرت عن اطراف هذا
الجسم الكبير.
اما أمر ذلك فمنوط بفرنسا، بأن تؤسس وسط الشعب
السوري كلية كبيرة دينيّة، مدنيّة، وزراعيّة، يكون هدفها إدخال الحضارة الفرنسية
إلى سوريا، وتعميم اللغة الفرنسية فيها، وتأمين هيمنة بلدنا على منطقة خصبة ومنتجة
وفي خلال علاقاتنا المزدوجة، السياسية والتجارية مع هذا البلد، يمكن أن نجني اكثر العلاقات
نفعاً...
إن انشاء مؤسسة تكون في الوقت نفسه كليّة دينيّة،
ومزرعة نموذجية، ومدرسة للفنون والمهن، ليس خرافة، فقد وافق الأب القديس «غريغور
السادس عشر» على تصميم المشروع وأمر بتنفيذه، والأساتذة حاضرون. إنهم رجال كرام من
جمعية يسوع تطوّعوا بملء إرادتهم لهذا العمل... هكذا نجعل من سوريا حليفاً أكثر
أهمية من مستعمرة، لانها ستكون منتجة لنا دون أيّ تضحية في المال والأنفس.
إذن يجب ألاّ نناقش مسألة إرسال اليسوعيين إلى
سوريا، بل علينا أن نعمل لجعل وجودهم في هذا البلد مفيداً لمصالح فرنسا. على أيّ
حال، يجب الاعتراف بأن اليسوعيين هم خير العاملين.
«دون توقيع ودون تاريخ ومن المحتمل انها كتبت بين عامي 1840 ـ 1844
نسبة إلى وثائق اخرى»([234]).
3 ـ الوثيقة رقم (9): سفارة فرنسا لدى الباب العالي.
الادارة السياسية رقم 217.
18 ت1 (اكتوبر) 1898م، سعادة الوزير
Delcassإ وزير الشؤون
الخارجية في باريس.
حول كلية الطب في بيروت:
تعود فكرة تأسيس هذه الكليّة إلى «غامبيثا»
والكاردينال «لافيجري». والهدف من الفكرة ايجاد كلية فرنسية كبيرة في سوريا يأتي
اليها شبان هذا البلد ليتعلموا فيها العلوم الطبيّة، ويتمكنوا من دراسة لغتنا، كي
ينتشروا في المشرق، فيما بعد، على غرار الكثير من اصدقاء نفوذنا وحضارتنا.
ان الغاية الاُولى للمؤسسين ان يجعلا من هذه الكلية
فكرة سياسية ومؤسسة دعائية.
«التوقيع غير واضح»
ل ـ
تبنّي العمل الاستشراقي وتزويده بكل عوامل القدرة
والحركة بهدف أن تكون فرنسا كعبة للاستشراق ومدارسه، وجعل اللغة الفرنسية بديلاً
اساسياً عن اللغة العربية. ولهذا نجد ان العلاقة على مستوى التخطيط والتنظير بين الاستشراق
والتبشير من جهة والتوجهات الاستعمارية الفرنسية من جهة اُخرى، علاقة موضوعية
مترابطة، كعلاقة اجزاء الشيء الواحد ببعضها، وتنعكس هذه العلاقة على الواقع العملي
لتكشف بشكل اوضح، عند المتتبع الهادف، الترابط الميداني بين هذا الثالوث المبرمج،
بشكل لا يمكن فصل احدها عن الآخر، وإلاّ اختلّت المعادلة وتخلفت النتائج الحقيقية
المستهدفة عن التحقق في الواقع، وهذا يفسّر لنا كيف أن فرنسا تريد أن تصبح قبلة
الاستشراق والتبشير العالمي لتضمن لنفسها حركة استعمارية واسعة وفاعلة في عمق
الشرق وبأكبر مدى زماني ممكن.
ويؤكد ذلك «ان الدراسات الشرقية التي شاعت مجدداً
والتي بدت بالفعل وكأنها عصر نهضة، زودت الرومانتيكيين بكنوز من المعلومات. ومع
ذلك فإن جذور الاستشراق العلمي ترجع الى اهتمامات حركة التنوير. وكان كل شخص في اوربا
يرغب في التعرف بطريقة وافية على لغات الشرق الادنى وحضاراته يتوجه الى مدرسة
اللغات الشرقية الحيّة في باريس التي اسستها حكومة المؤتمر الثورية (الكونتانسيون)
في مارس 1795م بإيعاز من لانغليز. وقد أصرّ هذا الاخير بصورة خاصة على عنصر
الفائدة العملية، ولكنه أكّد أيضاً ما يمكن أن تسهم به اللغات الشرقية في تقدم
الأدب والعلم»([235]).
ومن المفارقات أن يكون الرائد الكبير في هذا المجال
هو «سلفستر دو ساسي»، الذي أصبح استاذ جميع المستشرقين الاوربيين، وأصبحت باريس الكعبة
التي يؤمّها جميع الذين يرغبون في التخصص بدراسة الشرق الادنى([236]).. وبقي اسلوبه في العمل حتى يومنا هذا هو الاسلوب الذي يتبعه عدد
كبير من المستشرقين([237]).
وفي سعيهم الهادف الى جعل اللغة الفرنسية بديلاً
أساسياً عن اللغة العربية كتب المستعمرون الفرنسيون في أحد التقارير التي وضعت سنة
1848م: «إن الجزائر لن تصبح فرنسية إلاّ عندما تصبح لغتنا الفرنسية لغة قومية
فيها. والعمل الجبار الذي يتحتم علينا انجازه هو السعي وراء جعل الفرنسية اللغة
الدارجة بين الاهالي إلى أن تقوم مقام العربية، وهذا هو السبيل لاستمالتهم إلينا،
وتمثّلهم بنا، واندماجهم، وجعلهم فرنسيين»([238]).
م ـ
الدعوة الى بعث الحضارات القديمة وإحياء اللغة
العامية مقابل اللغة العربية الفصحى. ولا يخفى ان الهدف من وراء هذا الاسلوب هو
اعادة الشرقيين إلى اصولهم الجاهلية قبل الاسلام، وإبعادهم عن اصول ومصادر دينهم
الحنيف. يقول المستشرق الشهير «جب»: «.. وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الاسلامي
تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها
المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي اندونيسيا وفي
العراق وفي ايران، وقد تكون اهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لاوربا، ولكن
من الممكن أن يلعب في المستقبل دوراً مهماً في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم
مقوماتها»([239]).
وفي سبيل احياء اللغة العامية مقابل اللغة العربية
الفصحى يقول المستشرقون وتلاميذهم بكل قوة: «إن لغة القرآن الفصحى إنما هي لا
تساير حاجات العصر، فيجب أن تعم اللغة العاميّة حتى تصبح لغة الجرائد والمؤلفات»([240]).
وقد تكررت منهم هذه الدعوة بصورة شائقة جذّابة كسبت تأييد المثقفين في مصر
وأوقفتهم بجانبها، وقد عنيت حكومات الاحتلال وبعيدو النظر من الولاة والمستعمرين
والمفكرين الغربيين بهذا الموضوع عناية فائقة، ونشطوا في تحبيب هذه الفكرة
وترويجها، وقد كان لهذه الدعوة دوي في مصر في فجر هذا القرن أفزع كثيراً من
المحبين للاسلام والغيارى على اللغة العربية([241]).
اثر
المدرسة الاستشراقية الفرنسية على الفكر الاستشراقي العام
خلال السنوات الاولى من القرن العشرين، كان بإمكان
رجال مثل بلفور وكرومر أن يقولوا ما قالوه، وبالطريقة التي بها قالوه، لأن تراثا
من الاستشراق، أقدم من تراث القرن التاسع عشر، زوّدهم بمفردات وصور، وبلاغة،
ومجازات ليقولوه بها. ومع ذلك فإن الاستشراق عَزّز وعُزّز بالمعرفة الاكيدة لكون
اوربا أو الغرب تسيطر، بمعنى الكلمة الحرفي، على الجزء الاعظم من سطح الارض. ذلك
أن مرحلة التقدم الضخم في مؤسسات الاستشراق وفي مضمونه تواكبت تماماً مع مرحلة
التوسع الاوربي الفريد. فمن 1815م إلى 1914م اتسع مجال السيطرة الاوربية
الاستعمارية المباشرة من حوالي 35 % من سطح الارض الى حوالي 85 % منه.
وقد تأثرت بهذا التوسع جميع القارات، وبشكل خاص افريقيا وآسيا. وكانت
الامبراطوريتان العظميان الامبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية، اللتان
كانتا حليفتين وشريكتين في بعض الاشياء، ومتنافستين ومتعاديتين في اشياء اخرى;
وكانت ممتلكاتهما المستعمرة ومجالات نفوذهما الامبراطورية في الشرق، من شواطئ
المتوسط الشرقية إلى الهند الصينية، والملايو، متلاصقةً، واحياناً كثيرةً،
متداخلةً; وكثيراً ما دارت حولها الحروب، غير أن الشرق الادنى أو بلدان الشرق
الادنى والعربي ـ حيث كان الاسلام قد حدّد الخصائص الثقافية والعرقية ـ كان المجال
الذي واجه فيه البريطانيون والفرنسيون احدهما الآخر، و«الشرق» باكثر درجات الحدّة
والتوتر، والالفة، والتعقيد. وطوال معظم القرن التاسع عشر، كما قال لورد ـ الزبري
عام 1881م، كانت وجهة نظرهما المشتركة للشرق إشكالية بصورة معقدة: «حين يكون لديك...
حليف وفيٌّ مصمّم على أن يتدخل في بلد أنت عميق الاهتمام به، فإن أمامك ثلاث
سبل للتصرف; فقد تشجب، أو تحتكر، أو تشارك. أما الشجب فإنه كان سيؤدي إلى وضع
الفرنسيين عبر طيقنا إلى الهند; والاحتكار كان سيعني الاقتراب جداً من المخاطرة
بالحرب. وهكذا عقدنا العزم على المشاركة»([242]).
«وقد شاركوا فعلاً... إلاّ أن ما شاركوا به لم يكن ارضاً أو
أرباحاً أو حكماً وحسب، بل كان القوة الفكريّة التي ما فتئتُ اسميها الاستشراق.
وبمعنى ما، كان الاستشراق مكتبة أو سجل حفظ (أرشيفاً) من المعلومات المشتركة، وفي
بعض جوانبها، الممتلكة بصورة جماعية، وكان ما يضم هذا الملف إلى بعضه بعضاً أسرة من
الافكار، وطقماً من القيم الموحدة برهن بطرق مختلفة أنها فعّالة»([243]).
إن المبادرة والسبق الذي تميزت به المدرسة
الاستشراقية الفرنسية وتبنيها لمنهج يتناول اساسيات العمل الاستشراقي جعل من باريس
كعبة لجميع المستشرقين الاوربيين، الامر الذي أثّر على مجمل المدارس الاستشراقية الأوربية
في الطريقة والاسلوب، وفي المنهج والاهداف.. ويثبت هذه ما قاله كل من شاخت وبوزورث
وهما يسردان اصول وآثار الاستشراق الفرنسي على عموم الاستشراق الاوربي: قائلين:
«وكان كل شخص في اوربا يرغب في
التعريف بطريقة وافية على لغات الشرق الادنى
وحضاراته يتوجه إلى مدرسة اللغات الشرقية الحيّة في باريس، التي اسستها حكومة
المؤتمر الثورية (الكونفانسيون) في مارس 1795م بايعاز من لانغليز... ومن المفارقات
ان يكون الرائد الكبير في هذا المجال هو (سلفستردو ساسي) الذي اصبح استاذ جميع المستشرقين
الاوربيين، واصبحت باريس الكعبة التي يؤمها جميع الذين يرغبون في التخصص بدراسة
الشرق الادنى... وبقي اسلوبه في العمل حتى يومنا هذا هو الاسلوب نفسه الذي يتبعه عدد
كبير من المستشرقين»([244]).
الفصل الرابعنمـاذج من ابرز
الموضوعات التي ركّز
عليها المستشرقون
دسهم وتشويههم
o القرآن الكريم.
l اعجاز القرآن الكريم.l الوحي القرآني.l ترجمة القرآن للغات
الاخرى.o سيرة الرسول (ص) واهل بيته(ع).
لما كانت اغلب دوافع الاستشراق ـ كما ذكرنا سابقاً ـ
اما تبشيرية أو استعمارية، أو انها مستوحاة منهما وتصب في غاياتهما، فإن أبرز
الموضوعات التي سيتناولها المستشرقون ستكون موضوعات الدين الاسلامي الذي حل محل النصرانية
في اغلب بلدان الشرق، ووقف في طريق امتدادها وامتداد دولها في تلك البلدان، بل انه
ظل على مدى التاريخ المقارع والمنافس الرئيسي لها بين الشعوب، واستطاع ان يغزوها
في عقر دارها، كما حصل في غرب اوربا مستولياً على اسبانيا إلى حدود فرنسا، وما حصل
في شرق اوربا إلى حدود الصين، وكذلك في وسطها إلى حدود النمسا.
وبهذا الصدد قال أحدهم وهو المستشرق الالماني
«بيكر»: «... ان هناك عداءً في النصرانية للاسلام بسبب ان الاسلام عندما انتشر في
العصور الوسطى اقام سداً منيعاً في وجه انتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي
كانت خاضعة لصولجانها». ويقول آخر وهو «لورانس براون»: «ان الخطر الحقيقي كامن في نظامه
]الاسلام[ وفي قدرته على التوسع والاخضاع
وفي حيويتهِ. انه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الاوربي»([245]).
ولا شك في أن اول اساس يقوم عليه الاسلام والثقل الاكبر فيه وفي ارتباط المسلمين
به، عقيدةً وديناً، هو القرآن الكريم، باعتباره كلام الله ووحيه لرسوله محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وثاني هذه الاسس والمقومات هي سيرة رسول الاسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته الطاهرين(عليهم السلام). وبمرور سريع على كتابات المستشرقين تتأكد دعوانا
هذه، فنجد ان اكثر ما تناولوه بالدس والتشويه وركزوا شبهاتهم عليه في كتاباتهم هما
هذان الأساسان، فلنرَ ماذا كتبوا عنهما؟ على اننا سنتناول اهم تفاصيل الدس
والتشويه وبيان مغالطاتهم فيها، وكذلك الرد على أهم شبهاتهم المثارة حول هذين
الاساسين في الفصل القادم.
القرآن
الكريم
من خلال استعراض كتابات جميع المستشرقين واعمالهم
التي تناولوا فيها القرآن، نجدها مليئة بالشبهات وإثارات التشكيك والتشويه حول
جوانب اساسية هي المقوم الرئيسي له بصفته كتاباً سماوياً كريماً ـ على اختلاف في
درجات ومستويات التشكيك والشبهة والتشويه ـ ومن ابرزها هي:
إعجاز
القرآن الكريم
الهدف الاساسي من وراء التشكيك ونفي إعجاز القرآن
الكريم، في اسلوبه البلاغي وإخباراته الغيبية وحقائقه العلمية واضح، وهو اسقاط
الدليل الذي يثبت سماويته وخلوده بخلود جوانب اعجازه من جهة، وإسقاط دعوى نبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وارساله من قبل الله تعالى للعالمين من جهة اخرى،
وبذلك يفقد القرآن الكريم والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قدسيتهما لدى المسلمين، تلك القدسية القائمة على اساس أن القرآن الكريم
كلام الله أوحاه لنبيه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وعندها يصبح شأن القرآن لديهم شأن اي كتاب بشري يطاله التغيير والتعديل
أو الاهمال، وما «محمد» إلاّ رجلٌ متميز بذكاء وقدرة اجتماعية استطاع من خلالها ان
يهيمن على قومه ويقنعهم بأساليبه النفسية، انه نبيٌ ورسول لهم من الله بهذا
القرآن. وفي مقدمة من اورد الشبهات وأثار التشكيكات في هذا الجانب من المستشرقين
هو المستشرق الانجليزي «دافيد صموئيل مرجليوث» الذي سبقت منا ترجمة مختصرة له، والذي
ركز شبهاته على إثارة الشك برواية الشعر العربي الجاهلي، فلعلّ في الشعر الجاهلي
الذي لم يروَ ما هو أبلغ من القرآن.
وذلك لمنزلة الشعر الجاهلي باعتباره أمارة وعلامة
على بلاغة القرآن وفصاحته. وهذا القول يطوي تحته تشكيكا في الاعجاز البلاغي للقرآن
الكريم.
وممّن في المقدمة أيضاً المستشرقان «كارل فلرِّس»([246])،
و«پاول كراوس»([247])
اللذان يدعيان ان القرآن لم يكن معرباً، وان اللغويين هم الذين حذوه على مثال لغة
الشعر العربي الذي يتميز بوجود الاعراب في مقابل اللهجة المكية التي كانت على
زعمهما غير معربة([248]).
ويمكن تلخيص محاولتهم هنا بلحاظ وجهين رئيسيين([249]):
الوجه الاول: محاولة ابراز النقص والخطأ في الاسلوب والمحتوى
القرآني، من خلال ثلاث شبهات:
الشبهة الاولى: بما ان المرتكز الرئيسي للاعجاز القرآني هو الفصاحة
والبلاغة القرآنية، ولما كنا نجد في القرآن الكريم بعض الآيات التي لا تنسجم مع قواعد
واُسس الفصاحة والبلاغة والنطق التي وضعها العرب، بل انها تخالفها، اذن يمكننا
]والقول
للمستشرقين [الادعاء بأن القرآن الكريم ليس معجزاً، لأنه لم يسر على نهج القواعد
العربية واصولها.
الشبهة الثانية: بالمقارنة بين القرآن والكتب الدينية الاخرى
كالتوراة والانجيل، نجده يختلف عنها عندما يتحدث عن قصص الانبياء، في حوادث كثيرة ينسبها
إلى الانبياء واممهم، وهذا يدعونا للشك في ان يكون مصدر القرآن هو الوحي الالهي،
وذلك لان الكتب الدينية الاخرى هي من الوحي الالهي باعتراف القرآن، فكيف يناقض
الوحي نفسه في الاخبار عن حوادث تاريخية واقعية؟ ثم ان هذهِ الكتب الدينية لازالت
تتداولها امم هؤلاء الانبياء، وهم بطبيعة ارتباطهم الديني والاجتماعي بانبيائهم
ادق اطلاعاً على احوالهم من القرآن الذي جاء في امة ومجتمع منفصلين عن تاريخ هؤلاء
الانبياء.
الشبهة الثالثة: ان اسلوب القرآن في تناول الافكار والمفاهيم وعرضها
لا ينسجم مع اساليب البلاغة العربية، ولا يسير على الطريقة العلمية في المنهج والعرض،
وذلك لأنه يجعل المواضيع المتعددة متشابكة بعضها مع بعض، فهو حين يتحدث في التاريخ
ينتقل إلى موضوع آخر من الوعد والوعيد والحكم والامثال والاحكام وغير ذلك من
الجهات، فلا يجعل القارئ قادراً على الإلمام بالافكار القرآنية.
الوجه الثاني: محاولة اثبات ان القرآن الكريم ليس معجزة، لقدرة
البشر على الاتيان بمثله، وتمثلت محاولاتهم بالشبهات التالية:
الشبهة الاولى: اننا لا نشك في ان يتمكن ذوو القدرة والمعرفة
باللغة العربية من الاتيان بمثل بعض الكلمات القرآنية، فحين تتوفر هذه القدرة في
بعض الكلمات فمن المعقول أن تتوفر أيضاً في كلمات اخرى، وهذا ينتهي بنا إلى ان
نجزم بوجود القدرة على الاتيان بسورة أو اكثر من القرآن الكريم لدى امثال هؤلاء، لأن
من يقدر على بعض القرآن يمكن ان نتصور فيه القدرة على الباقي بشكل معقول.
الشبهة الثانية: ان العرب الذين عاصروا الدعوة أو تأخروا عنها بزمن قليل
لم يعارضوا القرآن الكريم، لا لعدم قدرتهم على ذلك، بل خوفاً على أنفسهم واموالهم
من المعارضة بسبب سيطرة المسلمين الدينية على الحكم، ومحاربتهم كل من يعادي
الاسلام أو يظهر الخلاف معهُ. وحين انتهت السلطة إلى الامويين ـ الذين
لم يكونوا مهتمين بالحفاظ على الاسلام والالتزام به، الامر الذي كان يفسح المجال
لمن يريد أن يعارض القرآن الكريم أن يظهر معارضته ـ انصرف الناس عن التفكير
بمعارضته لأنه اصبح من المرتكزات الموروثة لديهم، ولأن القرآن كان في ذلك الحين قد
أصبح أمراً معروفاً ومألوفاً في حياة الامة، باسلوبه وطريقة عرضه، بسبب رشاقة
الفاظه ومتانة معانيه.
الشبهة الثالثة: ان المعجزة لا يكفي فيها ان تكون معجزة لجميع البشر
عن الاتيان بمثلها، بل لابدّ ان تكون صالحة لان يتعرف جميع الناس على جوانب التحدي
فيها، لانها الدليل الذي بواسطته تثبت النبوة. والقرآن ليس كذلك، لان اعجازه في
الاسلوب البلاغي لا يكفي فيه عجز الناس عن الاتيان بمثله، بل لابدّ من معرفة جوانب
التحدي والاعجاز فيه من بلاغته وسمو التعبير فيه، وهذه المعرفة لا تتوفر إلاّ
للخاصة من الناس، الذين يمارسون الكلام العربي البليغ، ويعرفون دقائق تركيبه
وميزاته.
الوحي
القرآني
ان موضوع الوحي مرتبط بشكل وثيق ببحث اعجاز القرآن،
لأننا بإثباته نثبت ان القرآن ليس ظاهرة بشرية، فهو اذن ليس من صنع «محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»، وان السر في كل ما فيه من جوانب تحدّ ناشئ من
ارتباطه بعالم الغيب، وأية محاولة لنفي الوحي تعني فصل الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن الكريم عن عالم الغيب، فلو اثبتنا اعجاز
القرآن لكان دليلاً حاسماً على ارتباطهما بالغيب. وقد انقسمت محاولات المستشرقين
إلى قسمين: قسم منهما حاول نفي الاعجاز لينفي بذلك دليل الوحي الكاشف عن الارتباط
بالغيب، والقسم الثاني حاول ابراز شخصية الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) على انها شخصية ذات ملكات وقابليات نادرة، كان ما
ابدعه من قرآن وحديث وسيرة علامة بارزة على عبقريته الفريدة، وبذلك طووا مسألة الاعجاز
ليؤكدوا على ان القرآن ظاهرة بشرية من صنع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما يتراءى من انهُ اعجاز ليس إلاّ نتاج عبقري
بُهرَ الناس به. وبذلك تتكامل المحاولتان لضرب اساس الدين الاسلامي، وبالتالي
انهيار عقيدة المسلمين، فينفتح الطريق امام اوربا النصرانية لتغزو الشرق الاسلامي
فكرياً وحضارياً. وتدرجت محاولات المستشرقين في مسألة نفي الوحي القرآني فمنها ما
كان بصيغة النفي المتعصب الذي لا يلبث ان يكشف عن خطله العلمي، ومنها ما ارتقى الى
المحاولات المتقنة بأساليب التنظير العلمي والاستدلال البرهاني. ولنأخذ نماذج من
ذلك ثم نختم الموضوع بخلاصة جامعة لمقولاتهم.
فمثلاً يقول المستشرق البريطاني «مونتغمري وات»: «ان
زيارة محمد لحراء، وهو جبل قريب من مكة، بصحبة عائلته أو بدونها ليست مستحيلة، ويمكن
ان يكون ذلك للفرار من اتون المدينة خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه الى
الطائف»([250]).
ويحاول المستشرق «كازانوفا»([251]) في كتابه «محمد ونهاية العالم» ان يثبت أن القرآن
قد اضيف الى الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، وانه لم يكن وحياً من الله، وانما دعت الحاجة في نظر ابي بكر
وعمر الى نسبته إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
اما المستشرقون «بول ديك» و«نولدكه»([252])
و«بور»([253]) و«جونت» فقد ادعوا أن فواتح السور ليست من القرآن
في شيء، واختلفوا في نسبتها، فالاول قال: انها رموز لمجموعات الصحف، التي كانت عند
المسلمين قبل ان يوجد المصحف العثماني. والثاني ادعى ان الحروف المقطّعة في أوائل
بعض السور ما هي إلاّ اختصارات لأسماء مالكي النسخ التي استخدمها زيد بن ثابت لجمع
القرآن في مصحف واحد. اما الأخيران فزعما انها اختصارات للاسماء القديمة لسور
القرآن، وحاولا ترقيع هذهِ الاختصارات في اكثر من سورة واحدة. اما المستشرقان «ابراهام
جيجر» و«رودي باريت» فقد ادعيا ان النبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) قد استقى الكثير من تعاليم القرآن الكريم من كتب الاديان
السابقة، فقال الاول منهما: «ان النبي قرأ كتب اليهود المختلفة، من التوراة
والمكتوبات والأنبياء، و«المشناو» و«الجمارا»([254])
وهي من كتب التلمود و«المدراش»([255]) و«الترجوم» وضمّن تعاليمها في القرآن الكريم». اما
الثاني فقال: «ان النبي قد تأثر في قرآنه بتعاليم النصرانية والبوذية، وعلى الاخص
دعوة التوحيد والايمان بالبعث والنشور، فالاولى في نظره من خصائص اليهودية،
والثانية من تعاليم النصرانية».
ولعل من اخبث اساليب اثارة الشبهة حول الوحي هو
الاسلوب القائل بما سمي بالوحي النفسي، الذي حاول أن يضفي على النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، صفات الصدق والامانة والاخلاص والذكاء، الامر الذي
ادى به ان يتخيل نفسه انه ممن يوحى إليهم. فان هذا الاسلوب يحاول ان يستر دوافعه
المغرضة بمظاهر الانصاف والمحبة والاعجاب. وأبرز من فصّل في هذه الشبهة هو المستشرق
الانجليزي «جب»([256])،
وكذلك المستشرق «أميل درمنغام»([257]) على ضوء ما
اجملهُ سابقهُ «مونتيه»([258]). ومن خلال ما اثارهُ المستشرق «جب» والمقدمات العشر
التي ساقها «درمنغام»، ورتب عليها مقولة الوحي النفسي([259])،
نستطيع ان نصوغ الشبهة بالخلاصة التالية: «ان محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)قد ادرك بقوة عقلهِ الذاتية وبما تمتّع به من نقاء
وصفاء روحي ونفسي بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الاصنام، كما ادرك ذلك أيضاً
أفراد آخرون من قومه. وان فطرته الزكية ـ بالاضافة الى بعض الظروف الموضوعية كالفقر
ـ حالت دون ان يمارس اساليب الظلم الاجتماعي من الاضطهاد، واكل المال بالباطل، أو
الانغماس بالشهوات وارتكاب الفواحش، كالاستمتاع بالسكر والتسرّي وعزف القيان وغير ذلك
من القبائح. وإنه طال تفكيره من اجل انقاذهم من ذلك الشرك القبيح وتطهيرهم من تلك
الفواحش والمنكرات.
وقد استفاد من النصارى الذين لقيهم في اسفاره أو في
مكة نفسها كثيراً من المعلومات عن الانبياء والمرسلين، ممن بعثهم الله في بني
إسرائيل وغيرهم، فأخرجوهم من الظلمات إلى النور، كما انه لم يقبل جميع المعلومات
التي وصلت إليه من هؤلاء النصارى كألوهية المسيح وامه، وغير ذلك. وانه كان قد سمع
أن الله سيبعث نبياً، مثل اولئك الانبياء، من عرب الحجاز بشّر بهِ عيسى المسيح
وغيرهُ من الانبياء، وتولد في نفسه امل ورجاء في ان يكون هو ذلك النبي الذي آن
أوانه. وأخذ يتوسل الى تحقيق هذا الامل بالانقطاع إلى عبادة الله تعالى في خلوته
بغار حراء. وهنالك قوي ايمانه وسما وجدانه، فاتسع محيط تفكيره، وتضاعف نور بصيرته،
فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات والدلائل البيّنة في السماء والارض، على وحدانية
الله سبحانهُ وتعالى خالق الكون ومدبر اموره. وبذلك اصبح اهلاً لهداية الناس
واخراجهم من الظلمات الى النور. ثم ما زال يفكر ويتأمل ويتقلب بين الآلام والآمال
حتى تكوّن في نفسه يقين انه هو النبي المنتظر الذي يبعثه الله لهداية البشرية،
وتجلى له هذا الاعتقاد في الرؤى المنامية، ثم قوي حتى صار يتصور ان الملك يتمثل له
ليلقنه الوحي في اليقظة. واما المعلومات التي جاءته من هذا الوحي، فهي مستمدة في
الاصل من تلك المعلومات التي حصل عليها من اليهود والنصارى، ومما هداه إليه عقله
وتفكيره في التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح. ولكنها كانت تتجلى وكأنها وحي
السماء، وخطاب الخالق عزوجل، يأتيه بها الناموس الاكبر، الذي كان ينزل على موسى بن
عمران وعيسى بن مريم، وغيرهما من النبيين(عليهم السلام)».
ولم يكتف هؤلاء المستشرقون بطرح شبهاتهم هذهِ عن
القرآن الكريم سواء في مسألة الاعجاز أو مسألة الوحي، بل راحوا يدخلونها فقرات في
المناهج والبرامج الدراسية لبعض الجامعات، وتبنّوا مجموعة من الطلبة المسلمين
لاستئناف دراسات وابحاث في هذين الموضوعين، ادراكاً منهم أن حساسية المسلمين تجاه ما
يصدر عن غير المسلمين، خصوصاً ما يتعلق بمعتقداتهم ومقدساتهم، سيشكل عقبة رئيسية
في التأثير والتسليم بما يدعيه هؤلاء المستشرقون، اضافة إلى ان استئناف دراسة وبحث
مثل هذهِ المسائل ذات العلاقة الموضوعية الوثيقة بتراث الاسلام والمسلمين، وخصوصاً
العرب ولغتهم العربية، سيثري الشبهات المطروحة من قبلهم، ويعمق مطالبها من الناحية
العلمية، باعتبار ان هؤلاء المسلمين العرب هم أعرف بدقائق لغتهم ومعتقداتهم.
وفعلاً نجحوا في ذلك واستطاعوا من خلال امثال الدكتور طه حسين([260])
الذي فصّلَ كثيراً فيما ادعوه بشأن الشعر العربي الجاهلي، وكذلك امين الخولي([261])
وتلميذه الدكتور «خلف الله»، أن يصلوا إلى مآربهم، خصوصاً فيما تناولوه بشأن
الاسلوب الفني للقصص والاخبار القرآنية، بدعوى انها لا يُلتزم فيها الصدق وتحري
الواقع، وانما يعطي فيها القاص لنفسهِ الحرية فيغير ويبدل ويزيد ويُنقص، وبهذا
يحاولون أن يشككوا فيما جاء في القرآن من قصص الانبياء والرسل والامم، ويحاولون الادعاء
بأن القرآن المعتمد على التمثيل والتشبيه لا ينظر إلى الواقع، وبذلك يفقد المسلمون
ثقتهم بجانب اخباراته الغيبية كأحد ادلة إعجازه وكونه وحياً من الله لا يأتيه
الباطل ولا يطرأ عليه التبديل.
ترجمة
القرآن للغات الأخرى
في هذا الجانب تبرز بشكل واضح النزعات العدائية
للمستشرقين، ويتفاقم خطر الشذوذ الاستشراقي لديهم،إضافة إلى السبب الذي يعود إلى
عدم ايمانهم بالنص القرآني وعدم تقديسهم للأمانة العلمية في الترجمة، فتكون
النتيجة مليئة بالمغالطات الكبيرة. وقد كانت أغلب ترجمات القرآن إلى اللغات
الشرقية والغربية هي ما تم على يد المستشرقين، حيث تُرجم ترجمة كاملة إلى 79 لغة، وترجمة
ناقصة إلى 49 لغة. وابرز ما يؤخذ على هذهِ الترجمات هي:
1 ـ انها ترجمات مصوغة صياغةً تساعد على استنباط مبادئ مغايرة للنظريات
الاسلامية الصحيحة، كالذي قام به المستشرقان «جولد صيهر» و«الفريد غيوم».
2 ـ أنها ترجمات حرة غير ملتزمة، وموافقة لأهوائهم من حيث التصرف بالنصوص
عن طريق التقديم والتأخير والإهمال والتحوير. من قبيل ترجمتهم لقوله تعالى من سورة
النساء: (ولا تنكحوا ما نكح
آباؤكم من النساءِ الا ما قد سلف...)، فقد
ترجمها «سافاري آب» كالآتي: «لا تتزوجوا النساء اللاتي كنَّ زوجات لآبائكم، تلك
جريمة، انه طريق الضياع، ولكن إذا كان الشر قد حدث فاحتفظوا بهن»، وترجم «ماكس
هانتج» لفظة «الابل» إلى الالمانية في قوله تعالى من سورة الغاشية: (أفلا
ينظرون إلى الابل كيف خُلقت) بكلمة
«فولكن Wolken» أي سحاب.
اما «جورج سيل»([262])
فقد ترجم خطاب «يا أيها الناس» إلى «يا أهل مكة» وذلك بناءً على ادعائه أن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يريد اصلاح بني جلدته وتقدمهم اقتصادياً
وسياسياً، ولم يقصد إلى مخاطبة البشر كلهم([263]).
3 ـ محاولة البحث عن القراءات الشاذة واتخاذها ذريعة لإيجاد الشك
في وثاقة ومصدرية القرآن.
4 ـ كانت بعض عمليات الترجمة لدحض المبادئ الاسلامية وتغييرها.
5 ـ نشر الترجمات المضلّلة التي تنطوي على الحقد والتعصب الاعمى.
6 ـ استخدام كلمات قديمة بائدة بحيث لا يفهمها المثقفون الجدد.
7 ـ الترجمة قامت في كثير من الاحيان بأسماء مستعارة وفيها التضليل
الكثير.
8 ـ حاولوا من خلال ترجماتهم ـ خصوصاً الفرنسية منها ـ أن يبثوا في
الروع أن القرآن من وضع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وانه كتاب متناقض وليس بكتاب يوحى به من الله تعالى.
9 ـ حاول بعض اليهود، ومنهم المستشرق (ابراهام جيجر) اثبات نظريته الشريرة
القائلة بأن النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) اطلع على
كتب اليهود بلغاتها المختلفة، وأخذ منهم كلَّ ما يهمه.
10 ـ عند متابعة المقدمات التي وضعت قبل الترجمات نجد التشهير بالاسلام
وبالمسلمين وبالنبي بشكل يأباه العلم والباحثون المنصفون.
11 ـ حاولوا إثارة ترجمة القرآن حسب النزول لإيجاد حالة التشكيك والتردد
لدى المسلمين العاديين والمثقفين المتأثرين بالثقافة الغربية.
هذهِ خلاصة لنماذج هي ابرز ما طالته يد المستشرقين
للنيل من قدسية القرآن الكريم ومقامه باعتباره كتاباً إلهياً، وقد جاءت معبرة عن
غاية خبثهم وعمق دوافعهم المعادية للاسلام وللامة الاسلامية لتمهيد الطريق أمام
حضارة أوربا الاستعمارية.
سيرة
الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم)
واهل بيته(عليهم
السلام)
لما كان الثقل الثاني من الدين الاسلامي بعد القرآن
الكريم هم أهل البيت(عليهم
السلام)، وأصلهم البارز
ومبدأهم الاول وعمود نورهم المقوّم هو الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان ثاني ما اهتم به المستشرقون من موضوعات هذا
الدين. فتناول الكثير منهم شخصياتهم وسيرتهم بطريقة مليئة بالشيطنة والخبث
والتزوير مستترين بستار البحث والنقد العلميين، خصوصاً ان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، واهل بيته(عليهم السلام) رسموا تاريخ هذا الدين وترجموه في الواقع حركة
تغييرية شاملة عملت على استئصال جذور الجاهلية والظلم والانحراف، واماطت اللثام
عنها، وكشفت مواطن الحق من الباطل، وما هو لله منه وما هو للشيطان... لتميز
البشرية طريق الهدى من طريق الضلال، لا من خلال المفاهيم والنظريات فحسب، لانها قد
لا تسلم من التحريف والتلبيس عند التطبيق، بل من خلال المصاديق المعصومة التي تكشف
عن الارادة الحقيقية لله سبحانه وتعالى في خطابه للبشرية وتشريعاته لنظم حياتهم
وترشيد مسيرتهم نحو السعادة والكمال المطلق. وكان محور محاولات المستشرقين في
تناول السيرة النبوية هو اسقاط هذا الثقل في واقع المسلمين منضماً إلى الثقل الاول
وهو القرآن الكريم، وبذلك ينهار البناء الاسلامي بكل ابعاده الفكرية والسياسية...
ومن اجل ذلك راحوا يتتبعون مفردات التاريخ الاسلامي لاستقصاء موارد الشذوذ ومواطن
التزوير في السيرة النبوية، التي احدثها وعاظ السلاطين ومرتزقة الحكام المنحرفين،
كخلفاء بني امية وخلفاء بني العباس، وتسليط الضوء عليها واظهارها على انها السيرة
الفعلية للرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، ثم يبدأ استثمار ذلك عند تأسيس بحث نقدي لشخصية
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)لتحقيق
هدفين: الاول: ابراز تهافت وتناقض في سيرته وصولاً لنفي نبوته وعالميته، وتقرير
انه ليس إلاّ رجل اصلاح قومي استثمر النصرانية واليهودية وامثالهما واضاف اليها من
عنده لتنسجم مع مجتمعه وظرفه الزماني والمكاني. والثاني: وصمُ السنّة النبوية
بالاختلاق والوضع، ومن ثم الدعوة إلى عدم حجّيتها كمصدر اساسي من مصادر التشريع في
الاسلام، ولم تكن هذه المعطيات جزافاً، بل هي افراز طبيعي للصراع المحتدم بين
الاسلام والصليبية، وقد كان للنتائج التي تمخضت عنها الحروب الصليبية طعم العلقم
في حلوق الاوربيين لا ينسونه أبداً.
ويتحدث الكاتب المسلم «ليوبولد فايس» ـ (محمد أسد) ـ
عن التجربة المرّة التي استحالت معضلة في مناهجهم يصعب تجاوزها، فيقول: «فيما
يتعلق بالاسلام فان الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم
العلمية، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين اوربا والعالم الاسلامي ـ منذ
الحروب الصليبية ـ غير معقود فوقه جسر، ثم اصبح احتقار الاسلام جزءاً اساسياً في
التفكير الاوربي، والواقع ان المستشرقين الاوائل في الاعصر الحديثة كانوا مبشرين
نصارى يعملون في البلاد الاسلامية، اما تحامل المستشرقين على الاسلام فغريزة موروثة
وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية بكل ما لها من ذيول
في عقول الاوربيين».
لقد كشفت اقلام الكثير من المستشرقين عن الحقد
والغريزة العدائية الموروثة تجاه الاسلام والمسلمين ونبيهم نبي الرحمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى كالوا من الشتائم ما يربأ قلمنا عن تناوله،
لولا اننا بصدد تعريتهم وكشف مخططاتهم الخبيثة التي تنسج تحت ستار العلم والمعرفة.
فهذا (المونيسنيور كولي) يقول في كتابه (البحث عن الدين الحق): «برز في الشرق عدو
جديد هو الاسلام الذي اُسس على القوة وقام على أشد انواع التعصب، ولقد وضع محمد
السيف في ايدي الذين تبعوه وتساهل في أقدس قوانين الاخلاق، ثم سمح لأتباعه بالفجور
والسلب، ووعد الذين يهلكون في القتال بالاستمتاع الدائم بالملذات في الجنة، وبعد
قليل اصبحت آسيا الصغرى وافريقيا واسبانيا فريسة له، حتى ايطاليا هدّدها الخطر وتناول
الاجتياح نصف فرنسا، لقد اصيبت المدنية... ولكن انظر: ها هي النصرانية تضع بسيف
شارل مارتل سداً في وجه سيل الاسلام المنتصر عند بوابات «بواتييه» ثم تعمل الحروب
الصليبية في مدى قرنين تقريباً (1099 ـ 1254م) في سبيل الدين فتدجّج اوربا بالسلاح
وتنمّي النصرانية.
وهكذا تقهقرت قوة الهلال أمام راية الصليب، وانتصر
الانجيل على القرآن، وعلى ما فيه من قوانين الاخلاق الساذجة».
أما «المسيو كيمون» فيقول في كتابه (ميثولوجيا
الاسلام): «ان الديانة المحمدية جذام نشأ بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعاً، بل
هو مرض مروع وشلل عام وجنون ذهولي يبعث الانسان على الخمول والكسل، ولا يوقظهُ
منهما الا ليسفك الدماء ويدمن معاقرة الخمور ويجمح في القبائح. وما قبر محمد في مكة]![([264]) إلاّ عمود كهربائي يبث الجنون في رؤوس المسلمين
ويُلجئهم إلى الاتيان بمظاهر الصرع ]الهستريا[ والذهول
العقلي، وتكرار لفظ (الله ... الله....) إلى ما لا نهاية وتعوّد عادات تنقلب إلى
طباع أصيلة ككراهية لحم الخنزير والنبيذ والموسيقى وترتيب ما يستنبط من أفكار
القسوة والفجور في الملذات».
وتستمر اقلام الحقد الاستشراقي المشبع بالدوافع
التبشيرية والاستعمارية تسطر جزافاً اوصافاً ومقولات رخيصة بحق الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)دون مراعاة لاي حقيقة تاريخية أو قاعدة من قواعد
الطرح العلمي، فقد كتب الدكتور «غلاوو» في نهاية الباب الرابع من كتابه (تقدم
التبشير العالمي) الذي نشره في نيويورك سنة 1960م: «إن سيف محمد والقرآن أشد عدو
وأكبر معاند للحضارة والحرية والحق، ومن العوامل الهدامة التي اطلع عليها العالم
إلى الآن». ويستمر في نقدهِ الوضيع لشخصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول: «كان محمد حاكماً مطلقاً، وكان يعتقد أن من
حق الملك على الشعب أن يتبع هواه ويفعل ما يشاء، وكان مجبولاً على هذهِ الفكرة،
فقد كان عازماً على ان يقطع عنق كل من لا يوافقه في هواه، أما جيشه العربي فكان
يتعطش للتهديم والتغلب، وقد أرشدهم رسولهم أن يقتلوا كل من يرفض اتباعهم ويبعد عن
طريقهم»!. أما «سفاري» الذي ترجم معاني القرآن سنة (1752م)، فيعتقد «ان محمداً لجأ
الى السلطة الالهية لكي يدفع الناس إلى قبول هذهِ العقيدة، ومن هنا طالب بالايمان
به كرسول الله، وقد كان هذا اعتقاداً مزيفاً أملته الحاجة العقلية....». وبنفس
المنطق يقول «جويليان» في كتابه (تاريخ فرنسا): «إن محمداً، مؤسس دين المسلمين، قد
أمر اتباعه أن يخضعوا العالم وأن يبدلوا جميع الاديان بدينه هو، .... ماذا كان حال
العالم لو أن العرب انتصروا علينا؟ اذن لكنا مسلمين كالجزائريين والمراكشيين».
وعلى نفس المنوال كانت كتاباتهم عن أئمة أهل بيت
النبوة(عليهم السلام)، نذكر ادناه نماذج منها: منها ما اورده المستشرق
«تسترشتين K. V.
Zetterstإen» عن «ابن تيمية» في دائرة المعارف الاسلامية تحت
مادة «ابن تيمية» طعناً في عصمة الامام علي(عليه السلام)، من «أن علي بن أبي طالب أخطأ ثلثمائة مرة»([265]).
وبهدف الانتقاص والنيل من شخصية ومقام الامام الحسن(عليه السلام)توالت افتراءات العديد من المستشرقين في اتهام
الامام الحسن(عليه
السلام)واختلاق الاكاذيب حول
أخلاقه الشخصية وسيرته ومواقفه الرسالية وعلى رأسها إبرام الشبهات حول حقيقة صلحه
مع معاوية بن ابي سفيان. وكان في مقدمة هؤلاء المستشرقين «بروكلمان» و «راويت
رونلدسن» و«هوكلي» و «ساكيس». على أن اكثرهم افتراءً ودساً وتحاملاً حاقداً فيما
قال هو المستشرق «لامنس H.
Lammens» المعروف بعدائه للاسلام وحقده على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)واهل بيته الطاهرين(عليهم السلام). ومن مفترياته المليئة بالعبارات التجديفية الكاشفة
عن سقوط منهجه العلمي إلى حضيض السب والشتائم الرخيصة ما جاء تحت مادة «الحسن» بن
علي بن أبي طالب، الذي خالف فيه بشكل فاضح المعقول والمنقول من ثوابت التاريخ الاسلامي
في حق الامام الحسن(عليه
السلام)، كقوله: «... ان
الصفات الجوهرية التي كان يتصف بها الحسن هي الميل إلى الشهوات والافتقار إلى
النشاط والذكاء. ولم يكن الحسن على وفاق مع ابيه وإخوته. وقد انفق خير سني شبابه
في الزواج والطلاق فأحصي له حوالي المائة زيجة عدّاً، وألصقت به هذه الأخلاق
السائبة لقب المطلاق وأوقعت عليا في خصومات عنيفة. وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر كثير
السرف، فقد اختص كلا من زوجاته بمسكن ذي خدم وحشم. وهكذا ترى كيف كان يبعثر المال
ايام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر. وشهد يوم صفين دون ان تكون له فيها مشاركة
ايجابية. ثم هو إلى ذلك لم يهتم أي اهتمام بالشؤون العامة في حياة أبيه.
وبويع الحسن بالخلافة في العراق بعد مقتل علي فحاول
أنصاره أن يقنعوه بالعودة إلى قتال أهل الشام، وقلب هذا الالحاح من جانبهم خطط
الحسن القعيد الهمة فلم يعد يفكر إلاّ في التفاهم مع معاوية كما أدى إلى وقوع
الفرقة بينه وبين اهل العراق، وانتهى بهم الأمر إلى إثخان إمامهم اسماً لا فعلاً
بالجراح. فتملكت الحسن منذ ذلك الوقت فكرة واحدة هي الوصول إلى اتفاق مع
الاُمويين. وترك له معاوية ان يحدد ما يطلبه جزاء تنازله عن الخلافة، ولم يكتف
الحسن بالمليوني درهم التي طلبها معاشاً لأخيه الحسين بل طلب لنفسه خمسة ملايين
درهم أخرى ودخل كورة في فارس طيلة حياته. وعارض اهل العراق بعد ذلك في تنفيذ
الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق، بيد أنه أجيب إلى كل ما سأله حتى أن حفيد النبي
اجترأ فجاهر بالندم على انه لم يضاعف طلبه. وترك العراق مشيعاً بسخط الناس عليه ليقبع
في المدينة.
وهناك عاد إلى حياة اللهو واستسلم للّذات ووافق
معاوية على ان يدفع نفقاته ولم يطلب في مقابل ذلك إلا أمراً واحداً هو ألا يخل
الحسن بأمن الدولة، وكان قد اجبره من قبل على الجهر بتنازله عن الخلافة في اجتماع
عقد في «اذرح» ولم يعد معاوية يشغل باله به، ذلك انه كان واثقاً من قعود همته
وايثاره للدعة. ومع هذا فقد استمر الانقسام في البيت العلوي، ولم يكن الحسن على وفاق
مع الحسين وإن اجتمعا على مناهضة ابن الحنفية وغيره من أبناء علي.
وتوفي الحسن في المدينة بذات الرئة. ولعل إفراطه في
الملذات هو الذي عجل بمنيته. وقد بذلت محاولة لإلقاء تبعة موته على رأس معاوية،
وكان الغرض من هذا الاتهام وصم الأمويين بهذا العار، وتبرير لقب الشهيد أو «سيد
الشهداء» الذي خلع على ابن فاطمة هذا...([266]). ولم يجرؤ
على القول بهذا الاتهام الشنيع جهرة سوى المؤلفين من الشيعة أو أولئك الذين كان
هواهم مع العلوية بنوع خاص. وقد أعطى هذا الاتهام في الوقت نفسه فرصة للايقاع
بأسرة الأشعث بن قيس المبغضة من الشيعة، لما كان لها من شأن في الانقلاب الذي حدث
يوم صفين. وما كان معاوية بالرجل الذي يقترف إثماً لا مبرر له.
كما أن الحسن كان قد أصبح مسالماً منذ أمد طويل،
وكانت حياته عبئاً على بيت المال الذي أبهظته مطالبه المتكررة، ومن اليسير أن نعلل
ارتياح معاوية وتنفسه الصعداء عندما سمع بمرض الحسن»([267]).
ومن اقوالهم وآرائهم الجزافية التي تكشف عن سطحية
معلوماتهم وعدم استقصائهم لحقائق تاريخ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ما أورده «تسترشتين K. V.Zetterstإen» في دائرة المعارف الاسلامية
تحت مادة «جعفر» بقوله: «جعفر بن محمد، ويلقب أيضاً بالصادق: سادس الأئمة الاثني
عشرية .. وخلف في الامامة أباه محمداً الباقر، ولم يكن له شأن في عالم السياسة،
ولكنه عرف بدرايته الواسعة بالحديث، ويقال أيضاً إنه اشتغل بالتنجيم والكيمياء
وغيرهما من العلوم الخفية، أما المؤلفات التي تحمل اسمه فقد دست عليه فيما بعد...»([268]).
بهذا المنهج وبهذه الروح المتعصبة تناولوا شخصية
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)واهل بيته(عليهم السلام) وسيرتهم فكانت المعطيات رؤى واستنتاجات ما أنزل
الله بها من سلطان، يصورونها وكانها حقائق ثابتة ويقين راسخ، رغم انها بُنيت
أساساً على الوهم الذي تستحيل معهُ رؤية الحقائق بحجمها الطبيعي، لانها انبثقت عن
زاوية ضيقة مترعة بالتعصب، ونظر اليها من خلال خلفية سلبية مسبقة، جعلت منهم ينتقون
لبناء نظريتهم عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، واهل بيته(عليهم
السلام) الشاذ الغريب مما
نُقل عنهم صلوات الله عليهم، بل واختلاق الاكاذيب والافتراءات عليهم. ويمكننا وضع
اليد على الكثير من مصاديق ذلك في كتاباتهم ومؤلفاتهم، ونكتفي بالاشارة لأهم انماط
هذه المصاديق المنحرفة التي تضمنتها نظريتهم عن الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)واهل بيته(عليهم السلام):
أولاً: تتبع الشاذ والضعيف من الاخبار الواردة عن رسول
الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) واهل بيته(عليهم السلام) وعن سيرتهم وتاريخهم: وهذه الاخبار غالباً ما تكون
من تلك التي عرفت بالاسرائيليات أو من الموضوعات في ظل الحكومات التي كانت تعادي اهل
بيت النبوة(عليهم
السلام)، وبابرازها دون
المشهور والموثوق منها لكي يتم لهم الاساس الذي يبنون عليه نظريتهم عن سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته(عليهم السلام). وبهذا الصدد يقول «جواد علي» في كتابه (تاريخ
العرب في الاسلام): «لقد أخذ المستشرقون بالخبر الضعيف والموضوع في بعض الاحيان
وحكموا بموجبه واستعانوا بالشاذ والغريب، فقدموه على المعروف والمشهور»([269]).
وقد مهد لذلك قيام بعضهم بإصدار كتب عن السنة النبوية ومعاجم مفهرسة لالفاظ الحديث
دسّت فيها الاخبار والتقارير الشاذة والمردودة ضمن سياق الصحيح لتسوغ معها ويختلط امرها
فيعتمد القارئ أو الباحث عليها على انها من السنة النبوية، كما فعلهُ المستشرق
«فينسنك» في كتابه (كنوز السنة) ومعجمهِ المفهرس لألفاظ الحديث.
ومن ذلك نقلهم للروايات الكاذبة حول زوجات الامام
الحسن بن علي بن ابي طالب(عليهما السلام) كرواية «السبعين والتسعين وغيرها من الروايات التي تصف الامام الحسن(عليه السلام) بأنه مطلاق، وأن والده كان يقول: لا تزوجوا ولدي
الحسن فإنه مطلاق، فلا مصدر لها إلا المدائني وأمثاله من الكذبة كما يبدو من
أسانيدها، والمدائني والواقدي وغيرهما من المؤرخين القدامى قد كتبوا التاريخ في ظل
الحكومات التي كانت تناهض أهل البيت وتعمل بكل ما لديها من الوسائل على تشويه
واقعهم وانتقاصهم، ولم يكن حكام الدولة العباسية بأقل سوءاً وتعصباً من أسلافهم
الأمويين، فقد شاركوهم في وضع الأحاديث التي تسيء إلى العلويين، وكانوا يحقدون على
الحسنيين بصورة خاصة لأن أكثر الثائرين على الظلم كانوا من أولاد الحسن وأحفاده.
وعلى ما يبدو أن الذين الصقوا بالحسن كثرة الزواج
والطلاق هؤلاء الثلاثة: المدائني والشبلنجي وأبو طالب المكي في قوت القلوب، وعنهم
أخذ المستشرقون، أما علي بن عبدالله البصري المعروف بالمدائني والمعاصر للعباسيين فهو
من المتهمين بالكذب في الحديث. وجاء في ميزان الاعتدال للذهبي أن مسلما في صحيحه
قد امتنع عن الرواية عنه، وأن ابن عدي قد ضعفه، وقال له الاصمعي: والله لتتركن
الاسلام وراء ظهرك، وكان من خاصة أبي اسحاق الموصلي، وقد تبعه لثرائه، ويروي عن
عوانة بن الحكم المتوفى سنة 158 والمعروف بولائه لعثمان والأمويين.
ونص ابن حجر في لسان الميزان أن عوانة كان يضع
الأخبار لبني أمية، وجاء في معجم الأدباء أنه كان مولى لسمرة بن حبيب الأموي، أما
صاحب لسان الميزان فقد قال: إنه كان مولى لعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب الأموي، هذا
بالاضافة إلى أن أكثر رواياته من نوع المراسيل، كل ذلك مما يبعث على الاطمئنان بأن
رواية السبعين التي لم يروها غير المدائني من موضوعاته لمصلحة الحاكمين اعداء
العلويين.
أما رواية التسعين فقد أرسلها الشبلنجي في كتابه نور
الابصار ولم ينسبها لأحد، والشبلنجي في كتابه المذكور لم يتحر الصحيح في مروياته
وأخباره كما يبدو ذلك للمتتبع فيه، والمرسل إذا لم يكن مدعوما بشاهد من الخارج أو
الداخل لا يصلح للاستدلال، في حين أن الشواهد والقرائن ترجّح بأنه من صنع الحاقدين
على أهل البيت.
وأما رواية المكي في قوت القلوب فهي اقرب إلى
الأساطير من غيرها لأنها لم ترد على لسان أحد من الرواة، وأبو طالب المكي كان
مصابا بالهستيريا كما نص على ذلك معاصروه، وحينما وفد على بغداد وجد البغداديون في
حديثه هذياناً وخروجاً عن ميزان الاعتدال والاستقامة»([270]).
ومثله ما ألصقوه، على اساس الروايات الشاذة
والمختلقة، من تهم شنيعة وشبهات ظالمة للإمام الحسن(عليه السلام) حول صلحه مع معاوية بن ابي سفيان. وقد ردّ عليها
علماءُ مدرسة اهل البيت(عليهم السلام) وكثير من المفكرين الاسلاميين والمنصفين من اهل العلم والتخصص، ومن
ابرزهم العلامة المحقق الامام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي في مقدمته لكتاب
صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين، التي جاء فيها: «.. نشط معاوية في عهد الخليفتين
الثاني والثالث، بإمارته على الشام عشرين سنة، تمكن بها في أجهزة الدولة، وصانع
الناس فيها وأطمعهم به فكانت الخاصة في الشام كلها من أعوانه، وعظم خطره في
الاسلام، وعرف في سائر الاقطار بكونه من قريش ـ أسرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وأنه من أصحابه، حتى كان في هذا أشهر من كثير من
السابقين الاولين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، كأبي ذر وعمار والمقداد
وأضرابهم».
هكذا نشأت «الاموية» مرة أخرى، تغالب الهاشمية باسم
الهاشمية في علنها، وتكيد لها كيدها في سرها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامة
بدهائها، وتشتري الخاصة بما تغدقه عليهم من أموال الامة، وبما تؤثرهم به من
الوظائف التي ما جعلها الله للخونة من أمثالهم، وتستغل مظاهر الفتح واحراز الرضا
من الخلفاء.
حتى إذا استتب أمر «الاموية» بدهاء معاوية، انسلت
إلى احكام الدين انسلال الشياطين، تدس فيها دسها، وتفسد افسادها، راجعة بالحياة
إلى جاهلية تبعث الاستهتار والزندقة، وفق نهج جاهلي، وخطة نفعية، ترجوها «الاموية»
لاستيفاء منافعها، وتسخرها لحفظ امتيازاتها.
والناس ـ عامة ـ لا يفطنون لشيء من هذا، فان القاعدة
المعمول بها في الاسلام ـ أعني قولهم: الاسلام يجبّ ما قبله ـ القت على فظائع
«الاموية» ستراً حجبها، ولا سيما بعد أن عفا عنها رسول الله وتألفها، وبعد أن
قربها الخلفاء منهم، واصطفوها بالولايات على المسلمين، وأعطوها من الصلاحيات ما لم
يعطوا غيرها من ولاتهم. فسارت في الشام سيرتها عشرين عاما (لا
يتناهون عن منكر فعلوه) ولا
ينهون.
وهذا ما أطغى معاوية، وأرهف عزمه على تنفيذ خططه
«الاموية». وقد وقف الحسن والحسين من دهائه ومكره ازاء خطر فظيع، يهدد الاسلام
باسم الاسلام، ويطغى على نور الحق باسم الحق، فكانا في دفع هذا الخطر أمام امرين
لا ثالث لهما: اما المقاومة، واما المسالمة. وقد رأيا أن المقاومة في دور الحسن
تؤدي لا محالة إلى فناء هذا الصف المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى الله
عزّوجل، وإلى صراطه المستقيم. إذ لو غامر الحسن يومئذ بنفسه وبالهاشمين وأوليائهم،
فواجه بهم القوة التي لا قبل لهم بها مصمما على التضحية، تصميم أخيه يوم «الطف» لانكشفت
المعركة عن قتلهم جميعاً، ولانتصرت «الاموية» بذلك نصرا تعجز عنه امكانياتها، ولا
تنحسر عن مثله أحلامها وأمنياتها. إذ يخلو بعدهم لها الميدان، تمعن في تيهها كل
امعان، وبهذا يكون الحسن ـ وحاشاه ـ قد وقع فيما فر منه على أقبح الوجوه، ولا يكون
لتضحيته أثر لدى الرأي العام الا التنديد والتفنيد، لأن معاوية كان يطلب الصلح
ملحا على الحسن بذلك، وكان يبذل له من الشروط لله تعالى وللامة كل ما يشاء، يناشده
الله في حقن دماء أمة جده، وقد أعلن طلبه هذا فعلمه المعسكران، مع ان الغلبة كانت
في جانبه لو استمر القتال، يعلم ذلك الحسن ومعاوية وجنودهما، فلو أصر الحسن ـ
والحال هذه ـ على القتال، ثم كانت العاقبة عليه لعذله العاذلون وقالوا فيه ما
يشاؤون.
ولو اعتذر الحسن يومئذ بأن معاوية لا يفي بشرط، ولا
هو بمأمون على الدين ولا على الامة، لما قبل العامة يومئذ عذره، إذ كانت مغرورة
بمعاوية كما اوضحناه. ولم تكن الاموية يومئذ سافرة بعيوبها سفورا بينا بما يؤيد
الحسن أو يخذل معاوية لاغترار الناس بمعاوية وبمكانته من أولي الأمر الأولين، لكن انكشف
الغطاء، في دور سيد الشهداء فكان لتضحيته(عليه السلام) من نصرة الحق وأوليائه آثاره الخالدة.
ومن هنا رأى الحسن(عليه السلام) أن يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنه بما يصبو إليه من
الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح، أن لا يعدو الكتاب والسنة في شيء من سيرته
وسيرة أعوانه ومقوية سلطانه، وأن لا يطلب أحدا من الشيعة بذنب أذنبه مع الاموية،
وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأن، وأن، وأن. إلى
غير ذلك من الشروط التي كان الحسن عالما بأن معاوية لا يفي له بشيء منها وأنه
سيقوم بنقائضها.
هذا ما أعده(عليه السلام) لرفع الغطاء عن الوجه «الاموي» المموّه، ولصهر
الطلاء عن مظاهر معاوية الزائفة، ليبرز حينئذ هو وسائر أبطال «الاموية» كما هم جاهليين،
لم تخفق صدورهم بروح الاسلام لحظة، ثأريين لم تنسهم مواهب الاسلام ومراحمه شيئاً
من أحقاد بدر وأحد والاحزاب.
وبالجملة فان هذه الخطة ثورة عاصفة في سلم لم يكن
منه بد، أملاه ظرف الحسن، إذ التبس فيه الحق بالباطل، وتسنى للطغيان فيه سيطرة
مسلحة ضارية.
وما كان الحسن ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها، بل
أخذها فيما أخذه من ارثه، وتركها مع ما تركه من ميراثه. فهو كغيره من أئمة هذا
البيت، يسترشد الرسالة في إقدامه وفي إحجامه. امتحن بهذه الخطة فرضخ لها صابرا
محتسبا وخرج منها ظافرا طاهراً، لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسه من مدلهمات
ثيابها.
أخذ هذه الخطة من صلح «الحديبية» فيما أثر من سياسة
جده(صلى الله عليه
وآله وسلم)، وله فيه أسوة
حسنة، إذ أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه كما أنكر على الحسن صلح «ساباط» بعض
الخاصة من أوليائه، فلم يهن بذلك عزمه، ولا ضاق به ذرعه.
تهيأ للحسن بهذا الصلح أن يغرس في طريق معاوية كمينا
من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنى له به أن يلغم نصر الاموية ببارود
الاموية نفسها. فيجعل نصرها جفاء، وريحا هباء.
لم يطل الوقت حتى انفجرت اولى القنابل المغروسة في
شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، إذ انضم جيش العراق الى لوائه
في النخيلة، فقال ـ وقد قام خطيبا فيهم ـ : «يا أهل العراق، اني والله لم أقاتلكم لتصلّوا
ولا لتصوموا، ولا لتزكوا، ولا لتحجوا، وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني
الله ذلك وانتم كارهون. ألا وان كل شيء اعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدميَّ
هاتين!».
فلما تمت له البيعة خطب فذكر علياً فنال منه، ونال
من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فقال له الحسن:
«على رسلك يا أخي». ثم قام(عليه السلام) فقال:
«أيها
الذاكر علياً! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي
رسول الله وجدك عتبة، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا
حسبا، وشرنا قديما، وأقدمنا كفرا ونفاقا!» فقالت طوائف من أهل المسجد: «آمين».
ثم تتابعت سياسة معاوية، تتفجر بكل ما يخالف الكتاب
والسنة من كل منكر في الاسلام، قتلا للأبرار، وهتكا للأعراض، وسلبا للأموال، وسجنا
للأحرار، وتشريدا للمصلحين، وتأييدا للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته، كابن
العاص، وابن شعبة، وابن سعيد، وابن ارطاة، وابن جندب، وابن السمط، وابن الحكم،
وابن مرجانة، وابن عقبة، وابن سمية الذي نفاه عن ابيه الشرعي عبيد، وألحقه
بالمسافح أبيه أبي سفيان ليجعله بذلك أخاه، يسلطه على الشيعة في العراق، يسومهم
سوء العذاب، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويفرقهم عباديد، تحت كل كوكب، ويحرق
بيوتهم، ويصطفي أموالهم، لا يألو جهدا في ظلمهم بكل طريق.
ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعه المهتوك على رقاب
المسلمين، يعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطف، ويوم الحرة،
ويوم مكة اذ نصب عليها العرادات والمجانيق!.
هذه خاتمة أعمال معاوية، وانها لتلائم كل الملاءمة
فاتحة أعماله القاتمة.
ومهما يكن من أمر، فالمهم أن الحوادث جاءت تفسر خطة
الحسن وتجلوها، وكان أهم ما يرمي إليه سلام الله عليه، أن يرفع اللثام عن هؤلاء
الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يبيتون لرسالة جده من الكيد.
وقد تم له كل ما أراد، حتى برح الخفاء، وآذن أمر
الاموية بالجلاء.
وبهذا استتب لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي
أوضح الله بها الكتاب، وجعله فيها عبرة لأولي الالباب.
وقد كانا(عليهما السلام) وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها،
يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها.
فالحسن لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسين أسخى منه بها
في سبيل الله، وانما صان نفسه، يجندها في جهاد صامت، فلما حان الوقت كانت شهادة
كربلاء شهادة حسنية، قبل ان تكون حسينية.
وكانا(عليهما السلام) كأنهما متفقان على تصميم الخطة: أن يكون للحسن منها دور الصابر الحكيم،
وللحسين دور الثائر الكريم، لتتألف من الدورين خطة كاملة ذات غرض واحد.
وقد وقف الناس ـ بعد حادثتي ساباط والطف ـ يمعنون في
الاحداث فيرون في هؤلاء الامويين عصبة جاهلية منكرة، بحيث لو مثلت العصبيات الجلفة
النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الاسلام وأهله.
نعم أدرك الرأي العام بفضل الحسن والحسين وحكمة
تدبيرهما كل خافية من أمر «الاموية» وأمور مسددي سهمها على نحو واضح.
أدرك ـ فيما يتصل بالامويين ـ أن العلاقة بينهم وبين
الاسلام انما هي علاقة عداء مستحكم، ضرورة أنه إذا كان الملك هو ما تهدف إليه
الاموية، فقد بلغه معاوية، وأتاحه له الحسن، فما بالها تلاحقه بالسم وأنواع الظلم
والهضم، وتتقصى الاحرار الابرار من أوليائه لتستأصل شأفتهم وتقتلع بذرتهم؟!..
وإذا كان الملك وحده هو ما تهدف إليه الاموية، فقد
أزيح الحسين من الطريق، وتم ليزيد ما يريد، فما بالها لا تكف ولا ترعوي، وانما
تسرف اقسى ما يكون الاسراف والاجحاف في حركة من حركات الافناء على نمط من الاستهتار،
لا يعهد في تاريخ الجزارين والبرابرة؟؟..»([271]).
ثانياً: رد سيرة الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعطياتها إلى اصول نصرانية أو يهودية: فقد كتب
المستشرق «درمنغهام» في ذلك قائلاً: «إنه](صلى الله عليه وآله وسلم)[
في احدى الرحلات الى الشام، التقى بالراهب بحيرى في جوار مدينة
بصرى، وإن الراهب رأى فيه علامات النبوة على ما تدله عليه أنباء الكتب الدينية.
وفي الشام عرفَ محمد أخبار الروم ونصرانيتهم وكتابهم ومناوأة الفرس من عبّاد النار
لهم وانتظار الوقيعة بهم».
ويستطرد درمنغهام في محاولته لإثبات تأثير النصرانية
على سيرة الرسول محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم) فيقول:
«... لم تكن المضاربات الجدلية لتصرفه](صلى
الله عليه وآله وسلم)[ عن التأثر
بغير الحوادث ودروسها، وحوادث اليمة ـ كوفاة أبنائه ـ جديرة بأن تستوقف تفكيرهُ، وأن
تصرفه كل واحدة منها إلى ما كانت خديجة تتقرب به إلى أصنام الكعبة، وتنحر لهُبل
واللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، تريد ان تفتدي نفسها من ألم الثكل، فلا يفيد
القربان ولا تجدي النحور... لا ريب ان كانت عبادة الاصنام قد بدأت تتزعزع في
النفوس تحت ضغط النصرانية الآتية من الشام منحدرة اليها من الروم، ومن اليمن،
متخطية اليها من خليج العرب (البحر الاحمر) من بلاد الحبشة». ويستمر درمنغهام في
نظريته لتنصير سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في قومه فيقول: «... فلما كانت سنة 610م او نحوها كانت الحالة النفسية
التي يعانيها محمد على أشدها، فقد أبهظت عاتقهُ العقيدة بأن امراً جوهرياً ينقصهُ
وينقص قومه، وان الناس نسوا هذا الامر الجوهري، وتشبث كلٌ بصنم قومهِ وقبيلته،
وخشي الناس الجن والاشباح والبوارح، وأهملوا الحقيقة العليا، ولعلهم لم ينكروها،
ولكنهم نسوها نسياناً هو موت الروح... ولقد عرف أن المسيحيين في الشام ومكة لهم
دين أوحي به (!) وأن اقواماً غيرهم نزلت عليهم كلمة الله، وانهم عرفوا الحق ووعوه
أن جاءهم علم من انبياء اوحي اليهم به، وكلما ضل الناس بعثت السماء اليهم نبياً يهديهم
إلى الصراط المستقيم ويذكرهم بالحقيقة الخالدة.
وهذا الدين الذي جاء بهِ الانبياء في كل الازمان دين
واحد، فكلما افسدهُ الناس جاءهم رسول من السماء يقوّم عوجهم، وقد كان الشعب العربي
يومئذ في أشد تيهاء الضلال. أما آن لرحمة الله ان تظهر فيهم مرة اخرى وأن تهديهم
إلى الحق؟»([272]).
ويتحدث عن هذا التزوير للحقائق التاريخية الاستاذ
جواد علي قائلاً: «إن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين، أو ممن تخرج
من كليات اللاهوت، وهم عندما يتطرقون إلى الموضوعات الحساسة من الاسلام يحاولون جهد
امكانهم ردها إلى أصل نصراني. وطائفة المستشرقين من اليهود يجهدون انفسهم لرد كل
ما هو اسلامي وعربي لاصل يهودي، وكلتا الطائفتين في هذا الباب تبع لسلطان العواطف
والاهواء»([273]).
وفي كتاب آخر عمل مستشرق وهو قسيس انجليكاني على عقد عدة مقارنات ليظهر ان الاسلام
كان حقاً صورة غير محكمة أو مشوهة للنصرانية([274]).
ثالثاً: اعتماد منهج كيفي مناقض للمنهج العلمي في تناول
السيرة الشريفة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته(عليهم
السلام): وإلى ذلك اشار
الدكتور جواد علي من أن «كيناني» وهو من كبار المستشرقين الاوائل الذين كتبوا عن
حياة محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)، كان
يعتمد منهجاً معكوساً في البحث يذكرنا بكثير من المختصين الجدد في حقل التاريخ الاسلامي،
والذين يعملون وفق منهج خاطئ من أساسه، إذ انهم يتبنون فكرة مُسبقة ثم يجيئون إلى
وقائع التاريخ لكي يستلوا منها مايؤيد فكرتهم ويستبعدوا ما دون ذلك، فلقد كان
«كيناني» «ذا رأي وفكرة.... وضع رأيه وكونه في السيرة قبل الشروع في تدوينها. فلما
شرع فيها استعان بكل خبر من الاخبار ظفر به، ضعيفها وقويها، وتمسك بها كلها ولا
سيما ما يلائم رأيه. لم يبال بالخبر الضعيف بل قوّاه وسنده وعدّه حجة وبنى حكمه
عليه، ومن يدري فلعله كان يعلم بسلاسل الكذب المشهورة والمعروفة عند العلماء،
ولكنه عفا عنها وغضَ نظره عن أقوال اولئك العلماء فيها، لانه صاحب فكرة يريد
إثباتها بأية طريقة كانت، وكيف يتمكن من إثباتها وإظهارها وتدوينها إذا ترك تلك
الروايات وعالجها معالجة نقد وجرح وتعديل على اساليب البحث الحديث؟»([275]).
وأشار أيضاً (إيتين القيّم) إلى بعض الآراء حول هذا
المنهج قائلاً: «لقد اصاب الدكتور سنوك هرمزونيه بقوله: (إن سيرة محمد الحديثة تدل
على أن البحوث التاريخية مقضي عليها بالعقم إذا سُخرت لأيه نظرية أو رأي سابق).
هذه حقيقة يجمل بمستشرقي العصر جميعاً أن يضعوها نصب اعينهم، فإنها تشفيهم من داء
الأحكام السابقة التي تكلفهم من الجهود ما يجاوز حد الطاقة فيصلون إلى نتائج لا شك
خاطئة، فقد يحتاجون في تأييد رأي من الآراء إلى هدم بعض الاخبار وليس هذا بالامر
الهين، ثم إلى بناء اخبار تقوم مقام ما هدموا، وهذا امرٌ لا ريب مستحيل. إن العالم
في القرن العشرين يحتاج إلى معرفة كثير من العوامل الجوهرية، كالزمن والبيئة
والاقليم والعادات والحاجات والمطامع والميول إلى آخره، لا سيما إدراك تلك القوى
الباطنة التي لا تقع تحت مقاييس المعقول والتي يعمل بتأثيرها الافراد والجماعات»([276]).
وهناك المئات من مفردات المنهج الكيفي والتفسير على
ضوء المسبقات والخلفيات الخاصة للنصوص التاريخية في العديد من مؤلفات وكتابات المستشرقين
خصوصاً الأوائل منهم. فمثلاً «برو كلمان»([277])، لا يشير
إلى دور اليهود في تأليب الاحزاب على المدينة ولا إلى نقض بني قريظة عهدها مع
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)، في أشد
ساعات محنته، لكنهُ يقول: «ثم هاجم المسلمون بني قريظة الذين كان سلوكهم غامضاً
على كل حال»([278])...
اما «اسرائيل ولفنسون» فيتغاضى عن حادثة نعيم بن مسعود في معركة الخندق، كسبب في
انعدام الثقة بين المشركين واليهود.
رابعاً: تصوير مواقف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من اليهود وقبائل العرب الجاهلية على انها ظلم
وتعسف. ومن امثلة ذلك ما اشار إليه المستشرق (اسرائيل ولفنسون) بصدد مهاجمة يهود
بني النضير، حيث انه لا يقر بما قاله مؤرخو الاسلام من أن سبب اعلان الحرب على
يهود بني النضير هو محاولتهم اغتيال الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقول: «... لكن المستشرقين ينكرون صحة هذه
الرواية ويستدلون على كذبها بعدم وجود ذكر لها في سورة الحشر التي نزلت بعد اجلاء
بني النضير. والذي يظهر لكل ذي عينين أن بني النضير لم يكونوا ينوون الغدر بالنبي
واغتياله على مثل هذه الصورة، لانهم كانوا يخشون عاقبة فعلهم من أنصاره، ولو أنهم
كانوا ينوون اغتياله غدراً لما كانت هناك ضرورة لالقاء الصخرة عليه من فوق الحائط،
كان في استطاعتهم أن يفاجئوه وهو يحادثهم إذ لم يكن معه غير قليل من أصحابه»([279]).
اما المستشرق (فلهاوزن) فيقول: «لم يبق الاسلام على تسامحه بعد بدر بل شرع في الاخذ
بسياسة الارهاب في داخل المدينة، وكانت اثارة مشكلة المنافقين علامة على ذلك
التحول... أما اليهود فقد حاول ان يظهرهم بمظهر المعتدين الناكثين للعهد، وفي غضون
سنوات قليلة أخرج كل الجماعات اليهودية أو قضى عليها في الواحات المحيطة بالمدينة،
حيث كانوا يكوّنون جماعات متماسكة كالقبائل العربية، وقد التمس لذلك أسباباً
واهية...»([280])،
ويتعاطف المستشرق «مرجليوث» مع اليهود، ويرى أن اقتحام خيبر محض ظلم نزل باليهود
لا مبرر له على الاطلاق([281])..
ويؤاخذ المستشرق «نولدكه» القبائل العربية على عدم تحالفهم الدقيق في مواجهة
الرسول محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم) ويتمنى
«لو ان القبائل العربية استطاعت ان تعقد بينها محالفات عربية دقيقة ضد محمد للدفاع
عن طقوسهم وشعائرهم الدينية، والذود عن استقلالهم، إذن لأصبح جهاد محمد جندهم غير
مجد، إلاّ أن عجز العربي عن أن يجمع شتات القبائل المتفرقة قد سمح له ان يخضعهم
لدينه، القبيلة تلو الاخرى، وأن ينتصر عليهم بكل وسيلة. فتارة بالقوة وتارة
بالمحالفات الودية والوسائل السلمية»([282]).
خامساً: تصوير سيرة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) على انها نتاج بيئته: يقول المستشرق «جب»: «إن
محمداً ككل شخصية مبدعة، قد تأثرت بضرورات الظروف الخارجية عنه المحيطة به، من جهة
أخرى قد شق طريقاً جديداً بين الافكار والعقائد السائدة في زمانه، والدائرة في
المكان الذي نشأ فيه... وقليل ما هو معروف ـ على سبيل التأكيد ـ عن حياته وظروفه المبكرة...
ولكن الشيء الذي يصح أن يُبحث ماضيه الاجتماعي .... لقد كان أحد سكان (مدينة) غير
رئيسية... وليس هناك ما يصح أن يصوره بأكثر من أنه (بدوي)، شارك في الفكرة والنظرة
في الحياة التي كانت للبدو الرُحل من الناس. و(مكة) في ذات الوقت لم تكن خلاء بعيداً
عن صخب العالم، وعن حركته في التعامل... بل كانت مدينة ذات ثروة اقتصادية، ولها
حركة دائبة كمركز للتوزيع التجاري بين المحيط الهندي والبحر الابيض المتوسط،
و(سكانها) مع احتفاظهم بطابع البساطة العربية الاولية في سلوكهم ومنشآتهم، اكتسبوا
معارف واسعة بالانسان والمدن... عن طريق تبادلهم الاقتصادي والسياسي مع العرب
الرحل، ومع الرسميين من رجال الامبراطورية الرومانية، وهذه التجارب قد كونت في
زعماء مكة ملكات عقلية، وضروباً من الفطنة وضبط النفس لم تكن موجودة عند كثير من
العرب. ثم ان (السيادة الروحية) التي اكتسبها المكّيون من قديم الزمان على العرب
الرحل، زادت قوة ونمواً بفضل الاشراف على عدد من «المقدسات الدينية» التي وجدت
داخل مكة وبالقرب منها، وانطباع هذا الماضي الممتاز لـ (مكة)، يمكن أن نقف على
اثرهِ واضحاً في كل ادوار حياة محمد... وبتعبير إنساني: إن محمداً نجح لأنه كان
واحداً من المكيين!... ولكن بجانب هذا الازدهار في (مكة)، كانت هناك ناحية اخرى مظلمة
خلّفتها تلك الشرور المعروفة لجماعة اقتصادية ثرية، فيها فجوات واسعة من الغنى
والفقر! هذه الناحية، هي ناحية الاجرام الانساني الذي تمثل في الارقّاء والخدم وفي
الحواجز الاجتماعية... وواضح من دعوة محمد الصارخة إلى مكافحة الظلم الاجتماعي، أن
هذه الناحية كانت سبباً من الاسباب العميقة لثورته الداخلية (النفسية)»([283])!
ويستطرد «جب» في محاولته لاثبات ان الاتجاه الديني
للرسول محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم)وسعيه
لانشاء حكومة دينية وجماعة دينية انما كان بتأثير الطابع القدسي الديني لمكة
وزعامتها الدينية لباقي المدن العربية الاخرى وارتباط وضعها الاقتصادي بهذه
الزعامة الدينية، الذي ادى إلى وقوع الصراع بينهم وبين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل ذلك فيقول «جب»: «ولكن نواة هذه الثورة
النفسية لم تظهر في صورة (اصلاح اجتماعي)، بل بدلاً من ذلك دفعته إلى (اتجاه ديني)
أعلنه في اعتقاد ثابت لا يتأرجح: بأنه رسول من الله، لينذر أتباعه بإنذار الرسل
الساميين القديم: توبوا، فجزاء الله حق!!. وكل ما وجد بعد ذلك كان نتيجة منتظرة
للتصادم بين هذا الاعتقاد (بانه رسول) وبين الكفر به، ومعارضته من فريق بعد
فريق....
وهناك حقيقة واحدة مؤكدة (في تاريخه) وهي: أن الدافع
له كان (دينياً) على الاطلاق، فمن بدء حياته كداع كانت نظرته الى الاشخاص والاحداث
وحكمه عليها نظرة تأثر فيها بما عنده من صورة عن الحكومة الدينية وأغراضها في عالم
الانسان!!... ومحمد في البداية، لم يكن نفسه على علم بانه صاحب دعوة الى دين جديد!
بل كانت معارضة المكيين له، وخصومتهم له من مرحلة الى اخرى هي التي قادته أخيراً
وهو بالمدينة ـ بعد أن هاجر، اليها ـ الى اعلان الاسلام كجماعة دينية جديدة،
بايمانها الخاص، وبمنشآتها الخاصة.
... ويبدو أن معارضة المكيين له لم تكن محافظتهم وتمسكهم بالقديم،
أو بسبب عدم رغبتهم في الايمان... بل ترجع اكثر ما ترجع إلى أسباب سياسية واقتصادية،
لقد تملّكهم الخوف من آثار دعوته التي تؤثر على ازدهارهم الاقتصادي وبالاخص تلك
الآثار التي يجوز أن تلحق ضرراً بالقيمة الاقتصادية لمقدساتهم... وبالاضافة إلى
ذلك، فان المكيين قد تصوروا ـ أسرع مما تصور محمد نفسه ـ أن قبولهم لتعاليمه ربّما
يمهد لنوع معقد من السلطة السياسية داخل جماعتهم، التي كانت تحكمها فئة قليلة حتى
ذلك الوقت»([284]).
سادساً: يقول الدكتور «رشدي فكار»: إن محاولة المستشرقين
تحقيق مخططاتهم بالنفاذ من باب السيرة النبوية والتعامل معها كتراث بشري دنيوي لا كمعتبر
لوحي السماء. وقد قام المستشرق «جولد صيهر» بدور رئيس في التشكيك بصدق السنة
النبوية، حيث ادعى هو وغيره انها جمعت بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بوقت طويل، وهذا يفقدها الكثير من مصداقيتها، بل
راح إلى ابعد من ذلك، فادعى ان الحديث النبوي هو نتيجة لتطور المسلمين. اما المستشرق
«الفريد غيوم» في كتابه (الحديث في الاسلام) والمستشرق «تريثون» في كتابه (الاسلام
عقيدة وعمل)، فقد حاول كل منهما الطعن في طرق جمع السنة المطهرة، زاعمين ان السنة
النبوية الصحيحة لم يكتب لها البقاء، لانها لم تدون، بل كانت تُتناقل شفاهة بين
الافراد لمدة قرنين من الزمان([285]). ويشير
المستشرق «درمنغهام» إلى هذه الادعاءات، ويذكر لنا نمطاً آخر منها فيقول: «من المؤسف
حقاً ان غالى بعض هؤلاء المتخصصين ـ من أمثال «موبر» و«مرجليوث» و«نولدكه»
و«سبرنجر» و«دوزي» و«كيتاني» و«مارسين» و«غريم» و«جولد صيهر» و«غود فروا» وغيرهم ـ
في النقد احياناً، فلم تزل كتبهم عامل هدم على الخصوص ومن المحزن ألاّ تزال
النتائج التي انتهى اليها المستشرقون سلبية ناقصة... ومن دواعي الاسف أن كان الاب
«لامانس»، الذي هو من أشهر المستشرقين المعاصرين من أشدهم تعصباً. وانه شوه كتبه
الرائعة الدقيقة وأفسدها بكرهه للاسلام ونبي الاسلام، فعند هذا العالم اليسوعي أن
الحديث إذا وافق القرآن كان منقولاً عن القرآن، فلا ادري كيف يمكن تأليف التاريخ
إذا اقتضى تطابق الدليلين تهادمهما بحكم الضرورة بدلاً من أن يؤيد احدهما الاخر؟»([286]).
والاكثر غرابة هو موقف بعض المستشرقين من القرآن
كمصدر اساسي من مصادر السيرة النبوية، فهم ينفون الكثير من وقائع السيرة إذا لم
تكن واردة في القرآن الكريم، وهم، بعبارة اخرى، يريدون أن يوهموا بهذه الحجة أن
عملية انتقائهم المغرضة لبعض وقائع السيرة وترك البعض الاخر ـ بهدف هدم هذه السيرة
ونفيها ـ لم يكن جزافاً، بل كان على اساس الاتكاء على المصدر الفيصل لدى المسلمين
في بيان حقائق دينهم ونبيهم. ومن الامثلة على ذلك ما يدعيه المستشرق «شبنغلر»([287])
من ان اسم النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) ورد في
اربع سور من القرآن هي آل عمران والاحزاب ومحمد والفتح، وكلها سور مدنية، ومن ثم
فان لفظة «محمد» لم تكن اسم علم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة، وانما اتخذه بتأثير قراءته للانجيل واتصاله بالنصارى([288])،
ومن الامثلة أيضاً ما اشار إليه المستشرق «اسرائيل ولفنسون» ـ الذي مرّ
ذكره ـ بصدد مهاجمة يهود بني النضير من أن مؤرخي المسلمين يذكرون سبباً آخر لاعلان
الحرب على هذه الطائفة اليهودية ذلك هو محاولتهم اغتيال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). ويدعي «ولفنسون» ان المستشرقين يقولون بغير ذلك
فيقول: «لكن المستشرقين ينكرون صحة هذه الرواية ويستدلون على كذبها بعدم وجود ذكر
لها في سورة الحشر التي نزلت بعد اجلاء بني النضير»([289]).
ويُعتبر ما ذكره «مونتغمري وات» ـ بصدد تثبيت الشبهات
وتكريس الشكوك حول معطيات السيرة النبوية ومصداقيتها القدسية على اساس الدليل والحجة
القاطعة ـ قناعاً يقنع به ذلك المنهج الاعتباطي المغرض، لانه هو نفسه لم يلتزم بما
قاله، وكشف من خلال كتاباته زيف ادعائه وحقيقة منهجه الكيفي مما يجعلنا نتحفظ من
قوله: «إذا اردنا أن نصحح الاغلاط المكتسبة من الماضي بصدد «محمد» فيجب علينا في
كل حالة من الحالات لا يقوم الدليل القاطع على ضدها ان نتمسك بصلابة بصدقه، ويجب
ان لا ننسى أيضاً أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكناً، وأنه في مثل
هذا الموضوع يصعب الحصول عليه»([290]).
سابعاً: الانطلاق من المنطق الوضعي العلماني، وطريقة
التفكير الاوربية في تناول السيرة الشريفة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته(عليهم السلام): حاول المستشرقون أن يخترقوا السيرة النبوية
ويخضعوا حياة نبي الاسلام «محمد»(صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته(عليهم
السلام) لعلوم الغربيين
في التربية والسيكولوجيا([291]).
إن المنطق الوضعي العلماني والرؤية الاوربية في منهج
البحث التاريخي أدى إلى أن تقع مجموعة من المستشرقين في تزوير وتحريف الحقائق
التاريخية، منها قولهم: «ان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يخطو خطوة واحدة، وهو يعلم مسبقاً ما الذي يليها...» أي انه كان
يتحرك وفق ما تمليه عليه الظروف الراهنة من متطلبات ولوازم، دونما أي تخطيط شمولي
واُفق عالمي، كما هو وارد في القرآن الكريم ومتواتر فيما نقل من السيرة النبوية،
ومن ابرز من تبنى هذه المقولة هو المستشرق «فلهاوزن» ومجموعته الاستشراقية، إذ
قالوا بإقليمية دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)للاسلام في عصرها المكي، وانه لم ينتقل إلى المرحلة العالمية ـ في العصر
المدني ـ إلاّ بعد ان اتاحت له الظروف ذلك، ولم يكن ليفكر بذلك من قبل. وقد أشار المستشرق
«سير توماس أرنولد» إلى هذه الرؤية الخاطئة لدى زملائهِ بقوله: «من الغريب أن ينكر
بعض المؤرخين أن الاسلام قد قصد به مؤسسه في بادئ الامر أن يكون ديناً عالمياً
برغم هذه الآيات البينات»([292]).
وقد سبقت الاشارة إلى أن المستشرق الفرنسي «دينيه»
الذي أعلن اسلامه قال في هذا الصدد أيضاً: «انه من المتعذر ان لم يكن من المستحيل،
أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة، وانهم لذلك قد بلغ
تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغاً يُخشى على صورتها الحقيقية من شدة التحريف
فيها، ورغم ما يزعمون من اتباعهم لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجاد،
فإنا نلمس من خلال كتاباتهم محمداً](صلى
الله عليه وآله وسلم)[ يتحدث بلهجة
ألمانية إذا كان المؤلف ألمانياً، وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطالياً. وهكذا
تتغيّر صورة محمد](صلى
الله عليه وآله وسلم)[ بتغير جنسية
الكاتب. وإذا بحثنا في هذهِ السيرة عن الصورة الصحيحة فانا لا نكاد نجد لها من
اثر. إن المستشرقين يقدمون لنا صوراً خيالية هي ابعد ما تكون عن الحقيقة. إنها
أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التأريخية التي يؤلفها أمثال «وولتر سكوت»
و«الكسندر دوماس».
وذلك أن هؤلاء يصوّرون اشخاصاً من ابناء قومهم، فليس
عليهم إلاّ أن يحسبوا حساب اختلاف الازمنة، أما المستشرقون فلم يمكنهم أن يلبسوا
الصورة الحقيقية لاشخاص السيرة فصوروهم حسب منطقهم الغربي وخيالهم العصري...».
ولتقريب الفكرة يضرب «دينيه» مثلاً عكسياً، فيقول:
«ما رأي الاوربيين في عالم من أقصى الصين يتناول المتناقضات التي تكثر عن مؤرخي
الفرنسيين ويمحصها بمنطقه الشرقي البعيد ثم يهدم قصة (الكاردينال ريشيليو)([293])
كما نعرفها ليعيد الينا ريشيليو آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين وسماته وطباعه؟ إن
مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق برسمهم الحديث لسيرة
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم). ويخيل
الينا أننا نسمع محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث في مؤلفاتهم إما باللهجة الالمانية أو الانجليزية أو الفرنسية، ولا
نتمثلهُ قط بهذه العقلية والطباع التي الصقت به، يحدّثُ عرباً باللغة العربية»،
ويختم هذا المستشرق المسلم كلامه بالقول: «إن صورة نبينا الجليلة التي خلفها
المنقول الاسلامي تبدو أجمل واسمى إذا قيست بهذه الصورة المصطنعة الضئيلة التي
صيغت في ظلال المكاتب بجهد جهيد»([294]) واخيراً
فان هذا النمط من انماط النماذج المختارة في العقليات الاستشراقية والمصبات
الموضوعية التي وقع الجهد الاستشراقي عليها، يكشف لنا بوضوح مدى التعصب والمنهجية
المغرضة، والدوافع التبشيرية والاستعمارية في واقع الحركة الاستشراقية واعمال
المستشرقين، فكانت النتائج التي تمخضت والمعطيات التي أفرزت ذات ثلاثة ابعاد
اساسية:
الاول: كان بمثابة مسح ميداني للشرق الاسلامي فكرياً
وحضارياً.
الثاني: التشويه الموضوعي للفكر الاسلامي والحضارة
القائمة عليه بهدف منع تأثّر المجتمع الاوربي به، اضافة إلى تكوين ارتكاز ذهني عن
تخلف المسلمين وجهلهم المركب ليكون مبرراً لاستعمارهم.
الثالث: النيل من العقائد الاسلامية (في القرآن وفي
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)...الخ) وتشويه
حقائقها بهدف نفي قدسيتها من نفوس المسلمين، وبذلك يمكن فك الارتباط بينهم وبين
معتقداتهم ليتم الجانب السلبي من عملية التغيير للمجتمعات الاسلامية.
وبهذه الابعاد أو قل المقدمات الثلاث تتهيأ الارضية
المناسبة لقيام اوربا بالغزو التبشيري والاستعماري للشرق الاسلامي فكرياً وسياسياً
وعسكرياً، فيبرز الجانب الايجابي من عملية التغيير للمجتمعات الاسلامية إلى
الواقع.
الفصل الخامسنماذج من كبار
المستشرقين في منهج
تناولهم للشرق
الاسلامي
o أرندجان فنسنك Arandjan Wensink
o صموئيل زويمرSamual
Zwemer
o لويس ماسنيونLouis Massignon
طيلة قرون وحتى فترة متأخرة من القرن العشرين لم
تتعرف الشعوب الغربية على الشرق الإسلامي من خلال مصادره الخاصة وتراثه المباشر،
وإنّما عرفوه من خلال رجال متخصّصين، وعلى رأسهم المستشرقون الذين جالوا بلدان
الشرق الإسلامي، وسجّلوا مشاهداتهم الحسيّة من الواقع، ونقلوا إلى جامعاتهم
ومعاهدهم الآلاف من الكتب والمصادر والوثائق وأخضعوها للدرس والتحليل. وعلى أساس
من خلفيّاتهم الغربية ومنطقهم العلماني وشعورهم الاستعدائي لكل ما ينتمي للإسلام
فكراً ومجتمعاً، واستهدافهم المتناغم مع التطلعات الاستعمارية لدول الغرب، صوّروا
الإسلام ومجتمعه للغربيين، بل طرحوه لاُمم العالم وشعوبه بثوب جديد نسجته عقولهم
على ضوء نظريتهم وخلفياتهم تلك، فخرج مشوّهاً في حقيقته، مزيّناً بأثواب التحديث
وبريق التقدم الزائف، حتى أصبحت كتبهم ومؤلّفاتهم عن الشرق الإسلامي هي المصادر الأساسيّة
ومراجع التعريف والدراسة الوحيدة تقريباً للشرق الإسلامي في جميع معاهد وجامعات
الغرب، بل وأغلب الجامعات التي اُنشئت على المنهج الغربي في أنحاء العالم. وفي
سبيل تسليط الضوء على هذه الحقيقة رأينا أن ندرس منهج تفكير وطريقة تناول نماذج من
رجال الغرب تعتبر من أكبر من تصدّى لدراسة الشرق الإسلامي وتعريفه والعمل على أرضه
وفي وسط مجتمعاته. ولا يمكننا أن نخرج عن دائرة المستشرقين في هذه النماذج لأنّهم
هم وحدهم الذين تتوفّر فيهم خصائص الشمولية والتخصص في مثل هذه الدراسات، خصوصاً
وأنّ كبارهم هم أصحاب مدارس متميّزة ورائدة في مجال دراسة الشرق الإسلامي
إيديولوجياً واجتماعياً.إنّ انتقاءنا لنماذج من كبار رجال الاستشراق سيكون منسجماً
مع هدفنا في تشخيص وتقويم منهج دراسة الغربيين للشرق الإسلامي وتعريفه، كما انّ الأساس
الذي اعتمدناه في هذا الانتقاء هو الدور الخطير فكرياً وميدانياً لهؤلاء الرجال،
والذي سيكشف لنا عن الأثر السلبي الكبير الذي تركوه على الذهنيّة الغربية في فهم
الإسلام ومجتمعاته من جهة، وعن التخريب الفكري والاجتماعي الذي أحدثوه في
المجتمعات الإسلامية عن طريق صياغة ايديولوجيات وبرامج تغيير لحرف توجهات هذه
المجتمعات عن مسارها الإسلامي ومحق هويتها الدينيّة من جهة اُخرى، وبذلك استغنى
الاستعمار الغربي عن الاسلوب العسكري المباشر في السيطرة على الشرق الإسلامي،
واكتفى بالاستعمار الفكري والمنهجي المتمثل بجملة من المبادئ والاطروحات الحديثة
التي اُلبست ثوب القوميّة أو الوطنيّة تارة، وثوب التمدّن والتحديث تارة اُخرى،
وثوب الدفاع عن حق الشعوب وحريتها الفكرية تارة ثالثة.وفيما يلي ثلاثة نماذج رائدة
في هذا المجال نتناولها تباعاً:
أرندجان
فنسنك
Arendjan
wensink (1299 ـ 1358هـ ،
1882
ـ 1939م)
هو مستشرق هولندي كان استاذ اللغة العربية في جامعة
ليدن من سنة 1927م الى مماته، وقام برحلات الى مصر وسوريا وغيرها من بلاد العرب.
اهتمّ بالحديث النبوي، وتولّى الإشراف على تحرير معظم موضوعات «دائرة المعارف الإسلامية»
سنة 1925م بلغاتها الثلاث، فأتمّ منها أربعة مجلّدات وخمس ملازم، وكتب مقالات كثيرة
في مجالات مختلفة، وله كتب بالإنجليزية عن الإسلام والمسلمين([295]).رُشّح
فنسنك لعضوية مجمع اللغة العربية في مصر، ولشدّة تعصّبه ضدّ الإسلام تعرّض لهجوم
من قبل الدكتور حسين الهواري مؤلّف كتاب «المستشرقون والإسلام» الذي صدر سنة 1936م
مما أحدث أزمة معه كانت نتيجتها أن اُخرج فنسنك من عضوية المجمع، وكان السبب في
هذا الهجوم قيامه بنشر رأيه في القرآن والرسول، مدّعياً أنّ الرسول ألّف القرآن من
خلاصة الكتب الدينيّة والفلسفيّة التي سبقته([296]).ولهذا عُرف
بأنّه عدو لدود للإسلام ونبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومتعصّب بكتاباته كما في كتابه «عقيدة الإسلام» الذي صدر في سنة 1932م([297]).
ولما كانت مدينة (ليدن) وجامعتها في هولندا قد اشتهرت بغزارة انتاجها الاستشراقي،
فقد ترأس فنسنك الذي كان يدرّس فيها مجموعة من زملائه للقيام بعملين كبيرين:أولهما:
دائرة المعارف الإسلامية، وصدر الجزء الأوّل منها عام 1913م، التي ضمّنها أخطر
آرائه، منها ما ورد في كلمة «إبراهيم» وفي كلمة «كعبة». فقد أشار تحت لفظ
«إبراهيم» إلى أنّ الآيات المكيّة ليس فيها ذكر لنسب اسماعيل لإبراهيم، ويقول:
إنّه لا يعرف شيئاً عن شعور محمد نحو الكعبة في شبابه، وإنّ ما لديه من تاريخ
حياته لا يصحّ أن يؤخذ أساساً تاريخيّاً. وينسب فنسنك الى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لم يشذ عن الجماعة في العبادة المكيّة، أي
بعبارة أكثر وضوحاً أنّه كان وثنياً قبل البعثة. ويفتري فنسنك حين يصرّح أنّ كلمة
ابراهيم اخترعت اختراعاً، ويزعم أنّ محمداً أراد بهذا الاختراع أن يتصل بإبراهيم([298]).ويطرح
رأيه هذا ليؤكّد نفس المقولة التي رددها أسلافه اليهود والنصارى عندما بُعث النبيّ
محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم) بالإسلام،
والتي ردّدها القرآن الكريم بقوله تعالى: (ما
كانَ إبْراهيمُ يَهوديّاً وَلا نَصْرانيّاً وَلكِنْ كانَ حَنيفاً مُسْلِماً)([299]).ويستمر فنسنك في افتراءاته فيشارك كل من المستشرقين
«سبرنجر» و«سنوك» في ترجمة النبي ابراهيم(عليه السلام) ضمن دائرة المعارف الإسلامية قائلاً: إنّ القرآن لم
يحفل بإبراهيم، ولم يذكر اُبوّته لإسماعيل ولا اُبوّته للإسلام، إلاّ في السور المدنيّة،
وسرّ هذا الاختلاف أنّ محمداً اعتمد على اليهود في مكّة، فلما اتخذوا حياله العداء
لم يجد بداً من أن يلتمس غيرهم ناصراً. هناك هداه ذكاء شديد الى شأن جديد لأبي
العرب إبراهيم، وبذلك استطاع أن يتخلّص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم،
تلك اليهودية التي كانت ممهدة للإسلام([300]).ثانيهما:
في مجال فهرست السنّة أصدر كتابين: أحدهما: معجم بالإنجليزية للألفاظ الواردة في
أربعة عشر كتاباً من كتب السنن والسيرة. نقله الى العربية الاُستاذ محمد فؤاد عبد
الباقي، وسماه (مفتاح كنوز السنّة). والآخر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي
الذي نشره بالعربية وتوفّي قبل إتمامه([301]).وقد حقق
فنسنك بهذا المشروع الضخم هدفين أساسيين كان يسعى إليهما أغلب المستشرقين في
أعمالهم الاستشراقيّة في هذا الباب العلمي. الهدف الأوّل: هو تيسير العمل أمام
المستشرقين لتناول السيرة النبوية بشكل تفصيلي دقيق يمكّنهم من استقصاء ما يمكن أن
يكون ـ بعد العلاج ـ مورداً للنقض والتشكيك والنيل من الإسلام ونبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم). والهدف الثاني: تحويل توجّه الكتّاب والباحثين عن
السنّة النبوية الى المراجع الاستشراقية، خصوصاً إذا لوحظ امتيازها الفنّي والموسوعي،
مما يجعلها في الصدارة والمجال الأوّل بين مراجع المسلمين، فيعتمدون عليها ويكتفون
بها رغم ما فيها من خلط وتحريف وافتراء، وينسون مع تقدّم الزمان مراجعهم الأصلية.
وفي هذا المجال يقول الشيخ محمد حسام الدين: وكان أخطر عملهم في مادة (حديث) ومادة
(سنّة)، لنجد فيها ما يجرح الإسلام وما يُفسد الحقيقة، وانّهم يقدّمون الشبهات في
أساليب يعجز عنها الشيطان، وذلك ما رمى إليه «فنسنك» وهو الطعن على وجه أشدّ في
المصدر الثاني بعد كتاب الله وهو السنّة النبوية، بل بوصفها البيان لكتاب الله
تعالى، فإذا جرى الاعتماد على مراجعهم كان هذا شديد الخطر على الإسلام والأجيال
القادمة([302]).وقد
أدخل فنسنك بكتابيه «كنوز السنّة» و«المعجم المفهرس لألفاظ الحديث» أخبار وتقارير
شاذّة وواهية مردودة نثرها في الكتابين، ودسّها في سياق الصحيح لتسوغ معه وتشتبه
به، وليستقر في ذهن القارئ أنـّها من الثوابت الواردة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضه يصل الى درجة الشناعة وتبرأ منه السنّة الشريفة.
وإنّ اعتماد المنهج العقلي والعلمي يقتضي التنويه ـ ولو إجمالاً ـ إلى أنّ الأخبار
والروايات المنسوبة الى السنّة الشريفة فيها الصحيح الموثّق، وفيها الضعيف والمرسل
والمتروك، ويُطلب من القارئ ـ على الأقلّ ـ مراجعة المصادر الخاصة ببيان قواعدها
وطرق التثبّت منها.
صموئيل
زويمر
Samuel
Zwemer (1867 ـ 1952م)
من أبرز المستشرقين الأميركيين الذين خاضوا عملهم
ميدانياً في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً جنوب العراق ودول الخليج العربية، وهو
المحرر للمجلة الإنجليزية الاستشراقية الشهيرة «عالم الاسلام» وقد اشتهر بدوره
التبشيري وعدائه الشديد للإسلام. له مؤلفات عديدة عن الإسلام في العالم، وعن
العلاقات بين المسيحيّة والإسلام، منها كتاب «يسوع في إحياء الغزالي» وكتاب
«الإسلام تحد لعقيدة» صدر سنة 1908م. وكتاب «الإسلام» وهو مجموعة مقالات قدّمت للمؤتمر
التبشيري الثاني سنة 1911م بمدينة «لكناو» في الهند. ويعتبر زويمر من أكثر
المستشرقين توجّهاً نحو التنصير، وتقديراً لجهوده التبشيرية أنشأ الأميركيون وقفاً
باسمه على دراسة اللاهوت وإعداد المبشرين([303]).وكانت
اُولى أعماله الميدانية اختياره عضواً في الإرسالية الأميركية العربية عام 1889م([304])،
وهي إرسالية أميركية بروتستانتية ذات أهداف تبشيرية في منطقة الخليج العربية وشبه
الجزيرة العربية (الحجاز). وقد كانت المهمة الرئيسيّة للإرسالية هي التبشير
والتعليم الديني وتقديم الخدمات الطبية والصحية من خلال الواجهة التبشيرية. وكانت
عملياتهم اليومية تدار من قبل لجان مشكّلة لهذا الغرض محلياً، وذلك وفق خطة عمل
الإرسالية تحويل أهالي الجزيرة العربية الى الديانة المسيحيّة حيث تقول «آن
هاريسون»: لقد اُرسلنا لتحويل الناس الى المسيحيّة والدعوة الى قدرة الله([305]).وهكذا
فإنّ هدف صموئيل زويمر ـ الذي كان من أبرز رفاقه في الإرسالية نشاطاً واندفاعاً
(الدكتور لانسننج) ـ دفع جميع بني الإنسانية ليصبحوا أتباعاً للسيد المسيح(عليه السلام)، وكانت خطة الإرسالية تجسيداً لهذه الأفكار. وقد
عمل «زويمر» وصحبه كل ما بوسعهم لإرساء دعائم هذه الإرسالية.ولمعرفة طريقة ومنهج
تفكير وعمل زويمر يُطرح السؤال التالي: لماذا اختاروا اسم «الإرسالية العربية»
لهذه المنظمة التبشيرية؟ وجوابه نجده في متن الخطة([306])
التي وضعها زويمر ورفاقه وهي:1 ـ إنّ الهدف الأساسي لهذه المنظمة كان العمل
التبشيري في البلاد العربية، وبشكل أساسي شبه الجزيرة العربية، التي هي موطن العرب
والدين الإسلامي.2 ـ إنّهم أرادوا أن تكون هذه الإرسالية مختلفة ومميزة عن غيرها
من الإرساليات المسيحية لكي تستطيع أن تلفت الانتباه لهذا الميدان الجديد الذي كانوا
يعتقدون أنّه مهيّأ لاستقبال أمثال هذه الدعوة.3 ـ إنّ اختيار الاسم يهدف الى
التغلّب على الشكوك التي يحملها العرب نحو أنشطة الأجانب. وهذه الشكوك كانت طبيعية
جداً، خصوصاً في ذلك الوقت عندما كان الصراع الأجنبي على أشدّه في منطقة الخليج
العربية بشكل خاص. وقد وضعت الاُصول العامة لنشاط الإرسالية في المرحلة المقبلة
واختيرت الجزيرة العربية هدفاً لها.وعن الأسباب التي دعت لاختيار الجزيرة العربية
هدفاً للارساليّة يقول صموئيل زويمر: إنّ من بين الدوافع للعمل في (الجزيرة
العربية) أولاً: الأسباب التاريخيّة. إنّ للمسيح حقاً في استرجاع الجزيرة العربية،
وقد أكّدت الدلائل التي تجمعت لدينا في الخمسين سنة الأخيرة على أنّ المسيحية كانت
منتشرة في هذه البلاد في بداية عهدها. وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة
المسيحية هناك، ولهذا فإنّ من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة الى أحضان المسيحية([307]).والسبب
الثاني هو أنّ النجاح المسيحي في الجزيرة العربية سيكون نقطة تحوّل في العمل
التبشيري المسيحي، وهذه الفكرة كانت تفترض أن نجاحهم سيكون منطلقاً لفتح أبواب
المنطقة بأكملها أمام التبشير المسيحي. إنّ أهمّ ما قامت به الإرسالية أنّها قدّمت
للمبشّرين الأميركيين مساعدات قيمة، وأهم هذه المساعدات ما يتعلّق بتقديم
المعلومات عن أحوال المنطقة وخصوصاً الجغرافية والاجتماعية والدينيّة، بالإضافة
الى هذا، فإنّ الإرسالية العربية حصلت على تعاون المنظّمات المشابهة في العراق
كالإرسالية المتحدة في العراق، والمجلس المسيحي للشرق الأوسط، وجمعية الكنيسة
التبشيرية. وكانت اُولى محطات العمل الميداني لهذه الإرسالية هي البصرة التي أصبحت
فيما بعد مركزاً وقاعدة لعملياتهم في منطقة الخليج العربية، وهي من بين المناطق
الهامة التي كانوا يخططون لاحتلالها([308]).وكان
الرائد الأوّل للعمل في هذه المحطة هو المستشرق «صموئيل زويمر» الذي كان يحظى
بحماية القنصلية الأميركية في البصرة من ردود فعل المواطنين وقياداتهم الدينيّة
التي كان يواجههما بالإضافة الى سلطات الدولة العثمانية.ومن البصرة بدأ عمل
الإرسالية بقيادة «زويمر» لتغطية معظم أراضي الخليج وبعض أجزاء شبه الجزيرة
العربية ممهّدين لذلك برحلات استكشافية لدراسة الأوضاع الجغرافية والسياسية بشكل
مباشر، ثمّ على ضوئها يتم التخطيط للامتداد في المناطق المناسبة، ويبدأ العمل
تدريجياً حتى تثبت أقدامهم في تلك المناطق. وقد استطاعوا أن يستقرّوا في البحرين
ثمّ في مسقط وهكذا في الكويت وقطر، ثمّ تلتها المحطات الفرعية كالعمارة والناصرية
في العراق، وميناء مطرح في مسقط.وقد اشتهر «زويمر» هذا بأنـّه كان يلقّب نفسه بـ
«ضيف الله» عند تردّده بين البصرة والبحرين والاحساء، وكان عملياً جداً بحيث أنّ
أول أعماله ضمن الإرسالية الأميركية العربية فتحه حانوتاً في السوق لبيع الكتب
المختلفة، ثمّ تخصص بالتدريج في بيع الكتب التي تفرّق بين الأديان، ثمّ باشر بنفسه
تأسيس مدرسة ومستشفى صغير للتنصير. ثمّ استقدم عدداً من المراسلين والدعاة للتنصير
من النساء والرجال الأميركيين الى دول الخليج، وخصوصاً البحرين، وقد عرف بجرأته
حتى أنّه استطاع أن يقتحم الأزهر ويوزّع منشوره المعروف تحت عنوان «ارجع الى
القبلة القديمة» ولعلّ هذا أحد قرائن ولائه الصهيوني الذي عُرف عنه مؤخّراً.لقد
رأس زويمر عدداً من مؤتمرات التنصير العالمية التي عقدت في القاهرة والهند والقدس
وأدلى فيها بتقارير ضافية عن الخطوات التي حققتها محاولته في (تنصير المسلمين).
وقد كشف هذا المستشرق في أخطر مؤتمراته عن فشل مغامرة التنصير خلال ربع قرن،
وتراجع عن دعوته فقال: إنّه لا يدعو لإدخال المسلم في النصرانيّة، وإنّما يدعو الى
إخراجه من الإسلام ويقول: لقد صرفنا من الوقت شيئاً كثيراً وأنفقنا من الذهب
قناطير مقنطرة، وألّفنا ما استطعنا أن نؤلّف وخطبنا، ومع ذلك كله فإننا لم ننقل من
الإسلام إلاّ عاشقاً بنى دينه الجديد على أساس الهوى، فالذي نحاوله من نقل
المسلمين من دينهم هو باللعب أشبه منه بالجد... وعندي أننا يجب أن نعمل حتى يصبح
المسلمون غير مسلمين. إنّ عملية الهدم أسهل من البناء في كل شيء إلاّ في موضوعنا
هذا، لأنّ الهدم للإسلام في نفس المسلم معناه هدم الدين على العموم([309]).
وقد دعا زويمر الى توسيع نطاق التعليم التنصيري تحت أسماء اُخرى لخداع المسلمين،
ودعا الى توحيد هيئات التنصير.لقد كان زويمر متطرّفاً شديد التعصّب ضد الإسلام
والمسلمين، وقد بلغ به الأمر الى أن يحذّر من أي تقارب وتوافق مع المسلمين «فقد
هاله أن يرى نفراً من النصارى يدعون الى مصادقة المسلمين في الصين، لأنّ هذه
الصداقة في نظره تخلق في نفس النصارى جبناً عن التبشير»([310]).ونلاحظ
من خلال ما تقدّم عن هذا المستشرق المبشّر أن جوهر عمله هو تحقيق غاية الدول
الغربية الطامحة الى السيطرة والاستعمار، ولم يكن يخفي في نفسه ذلك، بل إنّه يعتبر
أن دوره ودور نظرائه لا ينتهي عند حد استعمار الشرق، بل لابدّ أن يستمر لاستدامة
هذا الاستعمار وتركيز أرضيّته، فيقول في المؤتمر التبشيري الذي عقد في عام 1911م
في لكناو بالهند: إنّ خمسة وتسعين مليوناً على أقلّ تقدير من أتباع نبي مكّة
يتمتّعون اليوم بنعمة الحكم البريطاني([311]). وكذلك
يؤكّد ماقلناه عنه من رأيه الصريح الذي يفصح عنه بقوله: إنّ الأبواب المفتوحة التي
تؤدّي فعلاً الى الإسلام انّما هي المستعمرات التي يعيش فيها المسلمون تحت حكم
مسيحي أو حكم وثني أيضاً (في إفريقيا والهند مثلاً)([312]).
ويقصد بذلك انّ عملهم يجب أن يبدأ بمرحلته الثانية عندما يستعمرون هذه البلاد ولا
يتركون للإسلام فرصة حياة ووجوداً في واقع المسلمين.وعندما أخذ المؤتمرون في مؤتمر
«لكناو» بالهند يتدارسون الأحوال السياسية في العالم الإسلامي، خطب زويمر وقال:
إنّ الانقسام السياسي الحاضر في العالم الإسلامي دليل بالغ على عمل يد الله في
التاريخ، واستثارة للديانة المسيحية (لكي تقوم بعمل) إذ إنّ ذلك يشير الى كثرة
الأبواب التي أصبحت مفتّحة في العالم الإسلامي على مصاريعها. إنّ ثلاثة أرباع
العالم الإسلامي يجب أن تعتبر الآن سهلة الاقتحام على الإرساليات التبشيرية. إنّ
في الإمبراطورية العثمانية اليوم وفي غربي جزيرة العرب وفي ايران والتركستان
والأفغان وطرابلس الغرب ومراكش سدوداً في وجه التبشير، ولكن هناك مائة وأربعون مليوناً
من المسلمين في الهند وجاوة والصين ومصر وتونس والجزائر يمكن أن يصل إليهم التبشير
المسيحي بشيء من السهولة([313]).وهكذا
نجد زويمر يقوم بدوره الميداني ممهّداً ومنظّراً لحركة الاستعمار في الشرق، حتى
وصل به الأمر أن ينصح بريطانيا العظمى أن تبدّل سياستها المهادنة في مصر تبديلاً
أساسياً، وأن تشعر المصريين بقوة بريطانيا وبنعمها عليهم([314]).
وهذا بكلمة اخرى ترسيخ الاستعمار بالقوة والقهر.ولم يهمل زويمر اُسلوب الإغراء
مستفيداً مما يعتبر أحد الأساليب الناجعة التي مارسها المسلمون لكسب الناس الى
الدين الإسلامي، فقد كتب في المجلّة الاستشراقية التي يحررها «العالم الإسلامي»
مقالاً عنوانه «استخدام الصدقات لاكتساب الصابئين» الذي يبحث فيه كيف أنّ الإسلام
على عهد الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم)أجاز إعطاء
الزكاة للمؤلّفة قلوبهم، أي اُولئك الذين دخلوا في الإسلام وكانوا ذوي حاجة وذوي
اتجاه مادي([315]).
ويقصد بذلك أنّ استخدام الإحسان المادي من الأساليب المؤثّرة في طريق التبشير
المسيحي وتحويل الناس نحو النصرانيّة.وهكذا وفي خاتمة الحديث عن هذا المستشرق
الفعّال يمكننا القول: إن ما وضعه من خطط وبرامج تبشيرية واستعمارية مايزال العمل
بها سارياً حتى اليوم، خصوصاً من خلال مناهج التعليم والتربية والثقافة في أغلب
البلاد الإسلامية.
لويس
ماسينيون
Louis
Massignon (1883 ـ 1963م)
من أكبر مستشرقي فرنسا، تسنّم مناصب حسّاسة كان لها
الدور الكبير في توجّهاته الاستشراقية، فقد شغل منصب مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية
في شؤون شمال إفريقيا. وكذلك الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر،
ولعل العمل الذي شغله ماسينيون قد تناسب مع دور فرنسا في تشويه الفكر الإسلامي
مقدمةً وطريقاً لإزالة العقبات عن حركتها الاستعمارية للشرق الإسلامي، ولهذا
اشتهرت بأنّها من أبرز دول أوربا الغربية في مجال إعداد جيش من المبشرين
والمستشرقين، مدرّبين على أحدث وسائل التنصير والتبشير، انتشروا في إفريقيا ودول
الشرق الأوسط([316]).وهذا
هو الذي دفع رئيس المجمع العلمي
العربي بدمشق «محمد كرد علي» للقول: إننا نرى من واجبنا أن يشكّ كل عربي وكلّ مسلم
في أكثر ما يصدر من الأحكام من الفرنسيين على الإسلام والمسلمين، وذلك لأنّه ثبت
أن من الفرنسيين من لا ينظرون إلى كل أمر إلاّ بمنظار الاستعمار([317]).
ويؤكّد الكاتب الإسلامي «مالك بن نبي» هذه الحقيقة في دور ماسينيون قائلاً: إنّ
ماسينيون قد تفرّغ آخر حياته للتبشير، وقد مدّ وزارة الخارجية الفرنسية بالمعلومات
والتوصيات حول البلاد الإسلامية، وتهيئة العملاء والكتّاب([318]).
ويساعد على ماذكرناه الوضع الميداني لماسينيون، فقد زار العالم الإسلامي أكثر من
مرة، وخدم بالجيش الفرنسي خمس سنوات في الحرب العالمية الاولى، وكان عضواً بالمجمع
اللغوي المصري، وكذلك عضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق، و«تعاون مع النظام
الاستعماري الفرنسي في المغرب، وعبّر عن مواقفه الاستعمارية علانية»([319]).أمّا
التوجهات العلمية لماسينيون في العلوم الاستشراقية فقد تعلم اللغات العربية
والفارسية والتركية والالمانية والانجليزية، وعني بالآثار القديمة، وأدّت مشاركته
في التنقيب عنها بالعراق (1907 ـ 1908م) إلى اكتشاف قصر الاخيضر. درّس تاريخ
الاصطلاحات الفلسفيّة بالعربية في الجامعة المصرية القديمة (1913م) واستهواه
التصوّف الإسلامي فكتب عن «مصطلحات الصوفيّة» و«أخبار الحلاّج» ونشر «ديوان
الحلاّج» مع ترجمته الى الفرنسية، وكذلك نشر «الطواسين» للحلاّج، وكتب عن «ابن
سبعين» الصوفي الأندلسي، وعن «سلمان الفارسي» وتظاهر بالدعوة الى فكرة توحيد الديانات
الكتابية الثلاث.نشر «منتخبات من نصوص عربية خاصة بتاريخ الصوفية في الإسلام» وتولّى
تحرير «مجلة العالم الإسلامي» الفرنسية التي سميت فيما بعد بـ «مجلة الدراسات
الإسلامية» وأصدر بالفرنسية أيضاً «حوليات العالم الإسلامي» من سنة 1923م الى سنة
1954م، وكتب كثيراً في «دائرة المعارف الإسلامية» عن القرامطة والنصيرية والكندي
وفلسفة ابن سينا وأمثال ذلك. وكتب كذلك «تاريخ العلم عند العرب» في «دائرة المعارف
الممتازة» التي صدرت بباريس (المجلّد الأول سنة 1957م)([320]).
وممن تأثّر به ماسينيون تأثراً كبيراً هو المستشرق اليهودي النمساوي «أغناس
غولدصيهر» الذي حاول أن يثبت أنّ الحديث النبوي كلّه موضوع في عهود لاحقة لعهد
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)، وذلك في
كتابه «دراسات إسلامية» كما اعتبر الدين الإسلامي نسخة مشوهة للديانة اليهودية
والمسيحية، حيث عبّر عن ذلك بوضوح في قوله: لا يهمّنا من وجهة نظر التاريخ الثقافي
أن لا تكون تعاليم محمد ناتجة عن ابداع عبقريته التي جعلته نبياً لدى شعبه، وإنّما
المهم أنـّه أخذ جميع تعاليمه من اليهودية والمسيحيّة([321]).
وبالتالي فإنّ ماسينيون أخذ كثيراً من تعاليم هذا المستشرق اليهودي، وبدت واضحة
على كتاباته وشروحه التي نشرها في أكثر من كتاب، فمثلاً كان ماسينيون يركز على
المعارف الفلسفية والصوفية الشاذّة والسيّئة كالتي كتبها في دائرة المعارف
الإسلامية تحت مادة (الشطح) كقول البسطامي: (سبحاني، سبحاني، إنّ لوائي أعظم من
لواء محمد، طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك)([322]).إنّ
ماسينيون قد وضع ووظّف جُلّ معارفه الاستشراقية في خدمة الأهداف الاستعمارية وفي
مقدّمتها التبشير للنصرانية، ويتّضح هذا في أكثر من دليل، منها زعمه أنّ المسلمين
يعتقدون في شأن عيسى بن مريم على ما جاء في القرآن، ومن أجل ذلك يرجو أن توجّه
الجهود الى جعلهم يعتقدون بعيسى بن مريم نفسه، ولكن باسمه المسيحي([323]).ولا
شكّ في أنّ ماسينيون يدرك جيداً أن نظر المسلمين ونظر النصارى الى عيسى بن مريم
مختلفان، إلاّ أنّه كان يريد أن يغري المبشّرين لاستثمار أي تشابه يمكن أن يكون
مدخلاً للتأثير على المسلمين وتحويلهم الى النصرانية، أو على الأقل القبول
ببرامجها التثقيفيّة ومناهجها التعليميّة التي تكون طريقاً لربط المسلمين
بالايديولوجية الاستعمارية لأوربا النصرانية. ومما تميّز به ماسينيون هو عدم
اكتفائه بطبقة المتعلّمين في التبشير، بل راح يُنظّر لطريقة التبشير في وسط الاُمّيين،
ومارس ذلك بنفسه رغم أنه اُستاذ جامعة في باريس ومستشار وزارة المستعمرات
الفرنسية، وخلاصة طريقته كانت الاتصال المباشر بالاُمّيين وطرح الأفكار والمفاهيم
المسيحية من خلال الإشارات الكليّة الواردة في القرآن الكريم، أو من خلال مفاهيم
الإسلام المرتكزة في الوسط العام للاميين. فمثلاً كان يدعو في إحدى مقالاته أن
يعود الاعتقاد الإسلامي في رجوع عيسى بن مريم فيتّفق مع الحادث الثاني للمسيح
النصراني الذي يعمل المهدي العربي على انتصاره([324]).
ويقصد بذلك أنّه مادام لدى المسلمين أخبار برجوع المسيح عيسى بن مريم، فلماذا لا
يكون هذا المسيح الراجع هو المسيح الذي يعتقد به النصارى اليوم؟ وبعبارة اخرى أن
يعود المسلمون عن قولهم عيسى بن مريم، الى القول عيسى ابن الله، إذن فليؤمن به
المسلمون ويتحوّلوا الى عقيدة النصارى. وكانت هذه الطريقة أحد أساليبه التي اعتقد
بأنـّها ستكون فعّالة لتحويل المسلمين عن دينهم، وبالتالي يسهل استعمارهم على دول
أوربا.ومن أساليب «ماسينيون» التي دبّج لها المقالات الطوال هي ضرورة تشجيع
الشرقيّين للدراسة في أوربا وأميركا، وذلك للتأثير عليهم عن طريق ضخّهم في أجواء
وأساليب الحياة الأوربية في التفكير والعلم والسلوك ليكون ذلك أرضية مناسبة
لتطويعهم للفكر الاستعماري الأوربي، وبالتالي توظيفهم في خدمة أهدافهم في تطويع
بلدانهم الشرقية لأوربا المستعمرة، وفي هذا يقول ماسينيون لنظرائه الأوربيين: إنّ
الطلاب الشرقيّين الذين يأتون الى فرنسا يجب أن يلوّنوا بالمدنيّة المسيحيّة([325]).ولعلّ
من أبرز مصاديق هذا التوجّه لدى ماسينيون هو عنايته الفائقة ببعض هؤلاء الطلبة مثل
«ميشيل عفلق» مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي ومنظّره الفكري الذي قال عنه
ماسينيون: إنّه أنبغ وأعزّ تلميذ في حياتي([326]). وقد أظهرت
عناية ماسينيون بميشيل عفلق بوضوح آراء التلميذ الفلسفية ومواقفه الخاصة ومدى
انتمائه للفكر الأوربي الصليبي، وترجمته الحرفية لتعاليم الدين الكنيسي ومضامينه
الفلسفية، ولعلّ أبرز وأخطر ماطرحه «عفلق» وأسّس عليه فكر حزب البعث العربي
الاشتراكي هو مقولته المعروفة([327]): «الإيمان
قبل المعرفة»([328]).
وهي مقولة نصرانية محضة أفرزتها المدرسة الكنيسية، وتوصّل إليها عقلها اللاهوتي
بناءً على قواعد واُسس القدّيس أوغسطين، التي جاءت لسدّ الثغرة الفكرية القائمة
بين فكرهم اللاهوتي والعقل المتمثلة بمسألة التعقيد والنقص في إدراك الثالوث
المقدس([329]).وينظّر
عفلق مقولة: «الإيمان قبل المعرفة» التي استقاها من استاذه ماسينيون مكوّنا منها
الفكر القومي الذي بنى عليه إيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي فيقول: «...
إننا نريد أن نعرف مَن قَبِل بنا ويؤثر على غيرنا من مجرد سماع نبرات صوتنا
ومشاهدة حركتنا العادية وسلوكنا اليومي، نريد أن نعرف الذين يدركوننا بالغريزة،
أيّ هواء صاف نستنشق، أي جوّ نزيه نحيا، دون أن نحتاج للبراهين والعلم والإثبات
والأرقام...»([330]).ومما
عُرف عن ماسينيون أنّه كان زعيم الحركة الرامية إلى الكتابة بالعاميّة وبالحرف
اللاتيني التي تبنّاها الفرنسيون في الشرق الإسلامي، وركّز بدعوته هذه على المغرب
ومصر وسوريا ولبنان، وممن استجاب لدعوته في هذا المجال الأب «رافائيل نخلة» حيث
ألّف كتاباً تحت عنوان «قواعد اللهجة اللبنانيّة السورية» وهو موضوع باللغة
الفرنسية، والنصوص العربية منسوخة بالحرف اللاتيني، واستجاب أيضاً لهذه الدعوة
«شكري الخوري» الذي ألّف كتاب «التحفة العاميّة في قصة فنيانوس» التي نشرها الأب
لاي اليسوعي، واستجاب كذلك «الخوري مارون غصن» أحد المدرسين في مدرسة «عين طور» في
لبنان، وقد ألّف كتاباً ذا عنوانين ومضمون عامي تحت اسم «في متلو هلكتاب»([331]).
أي (هل يوجد مثل هذا الكتاب) وأمثال هؤلاء كثيرون. والهدف من هذه الدعوة واضح، حيث
أنّ ضياع اللغة الفصحى وحصر دائرة تداولها سوف يساهم في الحجر على مفاهيم القرآن
اللغوية وبياناته البلاغية. وكذا الحديث الشريف وكتب المعارف الإسلامية وتراثنا
العلمي الثر، وبدون اللغة العربية الفصحى تُفقد لغة العلم والمعرفة الإسلامية لتحل
محلّها تدريجياً اللغة اللاتينيّة التي تكون مدخلاً للمعارف الأوربية
الانتاج الموسوعي
للمستشرقين
o دوائر المعارف
(البريـطانية، الأميركـية،
لاروس
الفرنسية).o الموسوعة العربية
الميسّرة.
o قاموس المنجد.
o الموسوعة الاسلامية الميسّرة.
o دائرة المعارف الاسلامية.
l هوية وخلفية أبرز كتّابها.
l الدس والتشويه في موادها (شبهات وردود).
* ذكاء محمد(ص) وخياله عماد دعوته.
* تناقض القرآن والتردد في بعض آياته.
* تأثر محمد(ص) باليهودية والنصرانية والجاهلية واستقاؤه
منها في
صياغة قرآنه ودينه الجديد.
* شعائر الاسلام وليدة ابداعات وتأثيرات متنوعة.
* غموض العديد من مقولات النبي محمد(ص) القرآنية.
* ادعاء النبي محمد(ص) وابتكاره واصطناعه وتأثره بمن حوله.
إنّ تأسيس ثقافة الشرق وتنظير الرؤى العلميّة عنها
في مختلف مجالات المعرفة الإنسانيّة على اُسس منهجيّة تخدم أهداف الغرب وحركته
الاستعماريّة في الشرق الإسلامي من أبرز ما اهتمّ به المستشرقون، خصوصاً في
إنتاجهم الموسوعي، وقد تفنّنوا في ذلك بأساليب مختلفة، فهم في الوقت الذي أضفوا
على ظاهر دراساتهم الموسوعيّة تلك الصبغة العلميّة والمنهجيّة التحقيقيّة، انتهجوا
سبيل الدسّ الخفيّ والتركيز على المنقولات الشاذّة والمقولات الغريبة، وتجميع ما من
شأنه تشويه الحقائق وتحريف الواقع في موارد أساسيّة وحسّاسة من شأنها أن تشكّك في
اُصول الدين الإسلامي وتاريخ المسلمين وسيرة نبيّهم الكريم. هذا إضافة إلى أنّ
المنطق العلماني وخلفيّتهم العدائيّة للإسلام وكلّ ما ينتمي له من مجتمعات وتاريخ
وتراث حضاري سوف تتحكّم في كتاباتهم وتنظيراتهم تلك. وهم بذلك يرمون إلى تحقيق
هدفين رئيسيين:الأوّل: تأسيس ثقافة الشرق الإسلامي على ضوء النظرة
الغربيّة الهادفة إلى تركيز الاتّجاه العلماني ومنطقه في تناول المعارف والعلوم
الإنسانيّة، وبالتعبير الاصطلاحي تغريب ثقافة الشرق الإسلامي، وهم بذلك يجرّدون
المعارف الإسلاميّة وثقافة المسلمين وتراثهم الحضاري من خصوصيّاته الذاتيّة وصبغته
الخاصّة المعبّرة عن انتمائه للوحي والرسالة الإلهيّة.الثاني:
خلق الأرضيّة وتشييد اُسس وعوامل علمنة الشرق
الإسلامي ثقافيّاً ومنهجيّاً، واستعماره سياسيّاً وحضاريّاً من خلال اعتماد
الثقافة والمناهج المغرّبة في الجامعات والمعاهد المؤسّسة بهدف تربية جيل
المثقّفين وساسة الشرق المرتقبين لقيادة و إدارة الحكم في بلدانهم، على أساس
المنهج الغربي وطريقته في احتواء الشعوب والمجتمعات، وبالتالي تحقيق أعلى رتب
الاستعمار الحضاري للشرق الإسلامي.وللسير الحثيث نحو هذين الهدفين وتحقيقهما على
أرض الواقع، بشكل جذري ومؤثّر، عمدوا إلى التعظيم العلمي والمبالغة الإعلاميّة
بقيمة انتاجاتهم الموسوعيّة، وطرحوها على أنـّها المصادر الوحيدة في التناول
الشّمولي والمنهجة العلميّة للمعارف الإسلاميّة على اُسس الاستقصاء الموثّق
والتحقيق الممنهج، وبذلك صرفوا أنظار طلاّب المعرفة والثقافة المعاصرين عن الاُصول
التقليديّة والمصادر الأوليّة التي زخرت بها مكتبات الشرق الإسلامي واحتوتها
خزانات التراث العلمي للمسلمين، حتّى أصبحت هذه الاُصول والمصادر ـ في نظر هؤلاء الطلاّب
ـ جزءاً من أحجار المتاحف وآثار التاريخ التي لا تعدو أن تكون تعبيراً عن الماضي
الذي طوي وطويت معه قيمته المقترنة به.. وقد أدّى هذا الإعلام والتعظيم إلى اعتماد
هذه الموسوعات مراجعَ علميّةً وثقافيّةً للدراسات الجامعيّة الحديثة ولمناهج
دروسها المقرّرة.ومن أبرز نماذج موسوعات المستشرقين التي استُهدفت فيها حقائق الإسلام
بالدسّ والتشويه وتاريخ المسلمين وسيرة النبي الكريم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بالتحريف هي:
دوائر
المعارف (البريطانيّة، الأميركيّة، لاروس الفرنسية)
وهي من دوائر المعارف الغربيّة المترجمة إلى اللغة
العربيّة، والتي تعتبر من أخطر أعمال التغريب والغزو الثقافي، التي قامت على أساس
معطيات الجهد الاستشراقي والتبشيري اللذين سارا معاً في خدمة هدف واحد وهو القضاء
على الإسلام عن طريق تشويه معالمه وحرف مفاهيمه بالشكل الذي يناسب أهدافهم الخبيثة،
والدسّ فيه بما يخالف الواقع والحقائق من روايات كاذبة وشخصيات مزيّفة لا وجود
لها، والتهجّم والافتراء على الشخصيّات المقدّسة والرموز العظيمة من رجالات
الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك هو عندما تقدّم هذهِ الدوائر للقارئ مادّة (إسلام)
ومادّة (محمّد) ومادّة (قرآن)، حسب التصنيف لهذه المفردات الّتي تتّبعها هذه
الدوائر، تقدّمه على النحو الذي قدّمته دوائر الاستشراق والتبشير في القرن التاسع
عشر، ولم تتحوّل عنه رغم التغييرات الإيجابيّة التي طرأت على الفكر الغربي في
نظرتهِ إلى الإسلام ومفاهيمه الحقيقية، ورغم العديد من الدراسات والكتابات التي
صحّحت بعض الشيء أفكار ومقولات المستشرقين والمبشّرين القائمة على التعصّب الديني
والحقد ضدّ الإسلام والمسلمين والتي كانت سائدة لديهم ومعتمدة عندهم طيلة القرون
المنصرمة، ككتابات برناردشو، وداربر، وغوستاف لوبون.. وغيرهم.أمّا نماذج نصوص تلك
المواد فمنها ما أوردتهُ دائرة المعارف البريطانيّة عن مادّة ( إسلام) حيث
تدّعي فيها أنّ الإسلام مأخوذ من المسيحيّة واليهوديّة، وأنّ الرسول لم يهاجر
ولكنّهُ هرب من مكّة.. وأمثال هذهِ الافتراءات الّتي يحاولون من خلال طرحها إفراغ
فكرة النبوّة والرّسالة الّتي يؤمن بها المسلمون من مفهوم ارتباطها بالغيب والوحي
الإلهي، أو الانتقاص من مقام الرسول وقدسيّته على الأقل. وهم بذلك يوهمون من يقرأ
ويراجع هذهِ الدوائر بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما يتصرّف بوحي ذاته، وليس هناك ارتباط بينهُ وبين السماء عن طريق
الوحي، وأنّه شخص عادي لا يتميّز في خصاله وملكاته عن غيره. وللأسف فقد تسلّلت هذهِ
المفاهيم المحرّفة إلى دراسات المسلمين أنفسهم وكتاباتهم، فأخذ بعضهم يردّد عند
بحثه للتاريخ الإسلامي، وبالخصوص مقاطع حياة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نفس ما يردّدهُ المستشرقون والمبشّرون من روايات
كاذبة ومقولات مدسوسة، رغم أن هذهِ الافتراءات والدسائس تتناقض بشكل صارخ،
والثوابت التأريخيّة الّتي أقرّتها الدراسات الأوربيّة وأقلام مفكّريها دفعت بعضهم
مؤخّراً إلى الاعتراف بالإسلام كدين سماوي.ومن الملاحظ على المصادر التي اعتمدتها
هذهِ الدوائر في معارفها أنـّها مصادر متأخّرة زمنيّاً عن زمن الوقائع التأريخيّة،
وأنـّها ضعيفة ومهملة بلحاظ القيمة العلميّة لها، إضافة إلى مجهوليّة نصوصها
وانقطاع سندها، وهي بذلك لا تعبّر إلاّ عن الرأي الاستشراقي الأوربي بالنسبة لهذهِ
المواد، خصوصاً المفردات المتعلّقة بالإسلام (عقيدة وحضارة)، فإنّ للاستشراق موقفاً
من ذلك يتمثّل «بمحاكمة الإسلام إلى مفهوم الدين في الفكر الأوربي»
(Belgon) ذلك المفهوم المفرَغ من أهمّ المعاني
والمبادئ الأساسيّة للدين، وهو المفهوم العلماني للدين في أوربا، والذي يعني ـ
عندهم ـ الطقوس والعبادة الكهنوتيّة، فالدين في المفهوم العلماني الأوربي علاقة
بين الله وذات الإنسان فقط، وحتى هذهِ العلاقة لم تسلم من التحريف ولم تؤخذ مأخذاً
حقيقيّاً ينعكس على أخلاقهم وسلوكهم وطريقة تعاملهم. وليس كذلك مفهوم الدين في
الإسلام الجامع للعلاقتين بين الله والإنسان، والإنسان والإنسان، في السلوك الفردي
والاجتماعي وعلى صعيد الحكم والدولة. وهذا مغمزٌ أساسي آخر من مغامز هذا البحث
يحول دون استيعاب جوانب الإسلام المختلفة على حقيقتها.وقد عُرف عن أغلب المستشرقين
خصوصاً الكتّاب في دوائر المعارف الغربيّة والعاملين فيها تعصّبهم لوجهة نظر
مزودجة:الاُولى: وجهة نظرهم إلى الدين النصراني الذي يدّعون الإيمان
به، وعليه فهم لا يُقرّون بوجود دين غيره أو بعده، رغم أنّ بعض دراساتهم تضمّنت
إقراراً بذلك، كما صرّحَ بهِ بعضهم من خلال اعترافِه بالإسلام وتدوينه ديناً
سماويّاً خاتماً للأديان في بعض الكتب الغربية، مثل ترجمة معاني القرآن لـ «مونتيه»،
والتي تتميّز بأنـّها قريبة إلى الصحّة، و إن كانت لا تخلو من الشوائب وبعض
الأخطاء.الثانية:
النزعة
الاستعلائيّة (الاستكباريّة) من زاوية المفهوم الاجتماعي والسياسي الذي يحكم فلسفة
الحضارة الأوربيّة كلّها، والنفوذ الاستعماري الأوربي في بلاد الإسلام، وكلّها
عوامل تمنع من الإقرار والاعتراف بالإسلام بعيداً عن التعصّب الديني والعداء
السياسي. لذا، ومن خلال هذا التعصّب والعداء والفهم الناقص والنظرة العمياء، نرى
أن مادّة (الإسلام) في دائرة المعارف البريطانيّة لعام (1980م) قد جاءت مليئة
بالافتراءات والأخطاء عن سوء الفهم المقصود أو عن الجهل المركّب. ونفس الملاحظة
نجدها في عرضهم لسيرة النبي الكريم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أنّهم يردّدون ما ردّدهُ الاستشراق والتبشير خصوصاً ذلك الذي ثبُتت
صلتهُ الواضحة بمصدريه الخطيرين، الكنيسة ووزارة المستعمرات في الدول المستعمِرة
للعالم الإسلامي (بريطانيا، فرنسا، هولندا)، وكذلك ما ردّدهُ الاستشراق الصهيوني
والماركسي، كما في كتابات «اللورد كرومر» والوزير الفرنسي «هانوتو»([332]).هذهِ
الكتابات والمؤلّفات مليئة بالأخطاء وهادفة إلى تصوير الدين الإسلامي والحضارة
الإسلاميّة على أنّها غير قادرة على إثبات وجودها واستعادة مكانتها الحقّة. لهذا
نجد أنّ دوائر المعارف هذهِ لا تفرّق بين مفهوم التوحيد والنبوّة كما هو في
الإسلام والأديان الاُخرى. ولا تفرّق بين الاُلوهيّة والنبوّة وبين الرسل
والصحابة، كما نجدهم عاجزين عن فهم المعجزات وفلسفتها وفهم فكرة وحدة الأديان
وتدرّجها الهادف نحو الكمال. ونجدهم يُخضعون النظريّة الشموليّة للإسلام التي تجمع
بين المادة والروح في نظرتها للحياة والإنسان لمنهج تفسيرهم المادّي المحض للحياة
والإنسان. فهم بذلك يبدأون عند تناولهم للإسلام من فكرة مسبقة ينظرون من خلالها في
أبحاثهم ودراساتهم ويحاولون اقتناص النصوص والروايات الّتي تؤيّد فكرتهم تلك،
و إن كانت غير مُسندة وساقطة عن الاعتبار، أو ضعيفة معروض عنها، أو شاذّة
مهملة، ويُعرضون عن تلك التي تخالفها و إن كانت متواترة أو موثوقة الأسناد
ومعتبرة.
الموسوعة
العربيّة الميسّرة
وهي الترجمة الحرفيـّة لدائرة معارف جامعة كولومبيا
التي وضعت تحت إشراف علماء صهاينة وترجمها شفيق غربال وكوكبة من الباحثين([333])،
وأضافوا إليها المواد الإسلاميّة العربيّة، وقد ترجمت واُعدّت دون تقدير للتاريخ
الإسلامي وحقائقهِ. ولو تتبّعنا محتويات هذه الموسوعة بنظرة علميّة فاحصة لوجدنا بوضوح
سلبيات أساسيّة في منهجها وموادّها، ويمكننا إجمالها في جانبين:الجانب الأوّل:
بُعدها عن ثوابت التاريخ الإسلامي، وعدم أمانتها في
نقل الكثير من حقائقه ومقولاته المعتبرة، حيث نجدها كثيرة الخلط فيما تورده من معلومات
مغرضة في اعتمادها على الشاذّ الساقط من الروايات والمصادر.الجانب الثاني: عدم انطلاقها في تناول الموضوعات وتنظيم المعلومات
من حاجة الكتّاب والباحثين الإسلاميين، لعدم اعتنائها بوجهة النظر الإسلاميّة.ومن
الأمثلة الواضحة على وجود هذين الجانبين السلبيين في منهجها ومادّتها ما يلي:1 ـ
تنكّرها و إسقاطها للسنة الهجريّة والتاريخ الهجري في كلّ ما تتناوله من
موادّ ومفردات خصوصاً ما يتعلّق منها بعصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وما بعده من العصور.2 ـ طريقة ومستوى عرضها للمواد
والمفردات الإسلاميّة جاء ضعيفاً للغاية، حيث نجده بسيطاً عاديّاً إلى أبعد
الحدود، فاقداً للدقة والسعة والعمق المطلوب في تلك المواد والمفردات، مما يسلبها
الحيويّة الموضوعية والقيمة العلميّة. ففي عرضهم للموادّ الخاصّة بالإسلام نجدهم
يصوّرونها بشكل مدرسي بدائي، وبمستوى سطحي ساذج وغير دقيق لا يخرج القارئ منه
بنتيجة ذات قيمة علميّة وإحاطة واقعيّة، كما في مادة «صلاة» ومادّة «صوم» ومادّة
«شريعة»، حيث اقتصر في الأخيرة مثلاً على ثلاثة أسطر مقتضبة جاء فيها: «اطلقت
قديماً على كل ما يشتمل عليه الإسلام من عقائد وأحكام عملية، وخصصت الآن بمجموعة الأحكام
الشرعيّة العمليّة المستنبطة من الكتاب والسنّة أو الرأي والإجماع». وفي مادّة
«الإسلام» نجده يخلط كثيراً ويتجاوز الواقع والحقائق، فمثلاً يقرّر فيها ان المذاهب
الإسلاميّة لم يبق منها اليوم إلاّ أربعة ويعزو سبب ذلك إلى القصور العلمي
للمسلمين، فقد جاء في احد مقاطع المادّة ما نصّه: «... وما هو إلاّ قليل حتى ظهرت
المذاهب التي تعدّ بالعشرات في الفقه الإسلامي واُصوله، و إذا كان قد بقي
منها أربعة، فما ذلك إلاّ لكثرة اتباعها وانتشار زعمائها في أرجاء الأرض، وكذلك
لتقصير المسلمين في النظر وقصورهم عن اللحاق بشأو الأقدمين في العلم». وفي
مواطن اُخرى من نفس المادّة يحاول بشكل أو آخر أن يعطي للبعد القومي الدور الأساسي
في الفتوحات الإسلاميّة، وما انتشار الإسلام إلاّ أثر عرضي لها، كما في المقاطع
التالية: «.. وفي موجة تالية زحفت الجيوش العربية إلى جنوب فرنسا (غاليا)، ولكن
توقفت الفتوح عند مدينة تور ـ پواتيه.. صاحب هذا التوسع العربي السريع ظاهرة
انتشار الإسلام في الأقطار المفتوحة، وانتقال اللغة العربية إليها.. وفي الوقت
الذي كان فيه العرب ينسحبون من الاندلس، استولى العثمانيون (بعد تأسيس دولتهم
القويّة بآسيا الصغرى) على ملك البيزنطيين في أوربا... وفي أثناء الحكم العثماني
للبلدان الاوربية التي سقطت بأيديهم، اعتنق كثير من السكان الدين الإسلامي...».هذا
في حين نجده في موادّ ومفردات عامّة اُخرى يتوسّع ويتعمّق بشكل متميّز ومتكلّف
أحياناً. فلو قارنّا بين مادة (مسجد) ذات الخصوصيّة الإسلاميّة ومادّة (مسرح)
كمادّة عامّة، نجد أنّ مادّة (مسجد) قد كتب عنها خمسة عشر سطراً فقط، أمّا مادّة
(مسرح) فقد كتب عنها مائة وسبعين سطراً.أمّا لو كانت المواد والمفردات مما تخدم
أغراضهم وأهدافهم الخاصّة فيبذلون عناية فائقة في إبراز وجهات نظرهم بها،
و إن خالفت حقائق ثابتة يقول بها غيرهم، كما في الموادّ التي تتعلّق بفلسطين
وتاريخ الأديان، حيث جاءت تفصيلاتها مفعمة بوجهة النظر اليهوديّة والتبشيريّة([334]).3
ـ تعرض الموسوعة، وبكلّ صراحة، وجهة نظر اليهود في مختلف المسائل والموادّ خصوصاً
في تلك التي تتميّز بالطبيعة الدينيّة الحسّاسة، بل نجدها تحمّل القارئ فيها وجهات
نظرهم تلك دون أن تعرض إلى جانبها وجهات النظر الاُخرى، كما في المسائل والمواد
التي تتعلّق بفلسطين، فهي تفرض فيها مفاهيم خطيرة لا تتّفق والحقائق التاريخيّة،
فمثلاً تُصوّر أن عصور ازدهار فلسطين وتوحي بأنّ حريّة الحجّ المسيحي لها إنّما
كان في ظلّ سيطرة الصليبيين، فيقول في مقطع من مادّة فلسطين: «... ولما
اعتلى قسطنطين الأوّل العرش صارت فلسطين كعبة يحج إليها المسيحيّون، وازدهرت
البلاد في عهد يوستنيان». وفي مواضع اُخرى من نفس المادّة تضع العرب والأتراك
كأقوام وليس كمسلمين قبال المسيحيّين واليهود، وتنسب المواقف والأحداث إليهم
بعنوانهم القومي لا الإسلامي، ومن نافلة القول بيان الهدف السياسي من وراء ذلك،
ومن امثلة ذلك ما جاء في المقاطع التالية: «.. وفي القرن السابع دخلت في حكم
العرب، وفي القرن التاسع امتلكها الفاطميّون... خلّص العرب الأماكن المقدّسة من
أيدي الصليبيّين، وحكموا فلسطين حتى 1516م حينما وقعت في قبضة سليم الأوّل سلطان
تركيا... وفي 1920م استولى البريطانيون ـ الّذين كانت فلسطين قد وقعت في قبضتهم في
الحرب العالميّة الاُولى ـ على البلاد، وأعلنوا عزمهم على تخصيصها لإقامة وطن قومي
لليهود. فجرت اشتباكات بين العرب واليهود في الفترة (1920 ـ 1939م) من جرّاء مقاومة
الوطنيين العرب لسيطرة اليهود على بلادهم، وشرائهم أراضيهم.» وهكذا في مقاطع
اُخرى. والشيء نفسه نجده في مادّة «يهود» و«يهوديّة» حيث تعتمد هذه الموسوعة في
بيان هذه المادّة وعرضها على الإسرائيليّات والروايات الّتي توردها المصادر غير
المعتمدة والكتب غير العلميّة.4 ـ ومن عجائب هذه الموسوعة هو أن باب الأديان
والعقائد المليء بالخلط والتزوير، تمّ تحريره تحت إشراف أسماء كتّاب وباحثين عرب،
كالدكتور إبراهيم مدكور والدكتور أحمد فؤاد الأهواني وغيرهما، إمعاناً في التشويش
على القارئ، في حين نجد كتّاباً مسلمين وعرباً حرّروا فصولاً اُخرى من الموسوعة لم
تُذكر أسماؤهم في المقدّمة.وفي ختام هذا الاستعراض الإجمالي السريع للأخطاء
والتشويش الذي احتوته هذه الموسوعة نشير إلى أن الاُستاذ علي جواد الطاهر قد أحصى
على موادّها (370) خطأً تاريخياً، يَجده مفصّلاً من أراد التوسعة في بحث شامل نشره
في مجلّة المجمع العلمي بدمشق عام 1969م.
قاموس
المنجد
اشتمل هذا القاموس ـ أوّل صدوره ـ على قسمين أو قلْ
قاموسين: الأوّل هو قاموس للألفاظ اللغويّة، وهذا عليه مآخذ كثيرة أهمّها عدم
اعتماده على الشواهد والدّلالات اللغويّة الواردة في القرآن الكريم إلاّ نادراً،
باعتباره أبرز مصدر يعتمد لُغويّو العرب عليه، لكونه جاء بأبلغ وأفصح لغتهم في ظرف
بلغوا القمّة في ذلك. والثاني هو قاموس اُطلق عليه «معجم الآداب» إعداد «فردينال نوكل»
وهو القاموس الحافل بالأخطاء والشبهات والذي عرضَ له العديد من الباحثين وكشفوا عن
أخطائه، حتّى أن أحدهم([335])
أحصى فيه أربعمائة خطأ شائع ـ تاريخي وعلمي ـ وأحصى آخر([336])
مائة خطأ ـ تاريخي وجغرافي ـ من الأخطاء الصارخة، وعند استقصاء المصادر التي اعتمد
عليها مؤلّف القاموس المنجد نجدها عبارة عن دائرة المعارف الإسلاميّة التي سنشير
اليها عند دراستنا للنموذج الخامس. ومن المصادر التي اعتمد عليها أيضاً كتاب
التمدّن الإسلامي لـ «جرجي زيدان» وكتاب تاريخ الشعوب الإسلاميّة لـ «بروكلمان»
الذي مُلئ بالافتراءات والتشويه للحقائق الإسلاميّة، وكمثال على ذلك ما ورد في
فقرة «معركة اُحد» من اظهار للرسول بمظهر المعتدي على اليهود وأن القرآن الكريم قد
أشاد بالخمر عطيّةً من عطايا الله الكبرى إضافة إلى اختلاق علل لتشريع حرمة الخمر
ما أنزل الله بها من سلطان، وغيرها من الافتراءات. ونقتطع النصّ التالي من الفقرة
المذكورة نموذجاً لذلك: «.. ولكنها
]معركة اُحد [أثّرت في مركزه ]النبي[ ومكانته عند
البدو المحليين. وإنّما يظهر ذلك، مثلاً، في مقتل أربعين من رسله في ربوع قبيلة
هوازن. وكان على محمد أن يعوّض هذه الخسارة التي اصابت مجده العسكري من طريق آخر،
ففكر في القضاء على اليهود، فهاجم بني النضير لسبب واه وحاصرهم في حيّهم. وإذ لم
يجرؤ اخوانهم في الدّين، من بني قريظة، على أن يسعفوهم، فقد اضطرّوا إلى الاستسلام
بعد حصار دام بضعة أسابيع. ثم إنّهم هاجروا إلى واحة خيبر، التي تقع على مسافة
عشرين ميلاً شمالي المدينة، والتي كانت تنزل فيها جالية كبيرة من اليهود. ووزّع
النبي أراضي بني النضير على المهاجرين.وعقب ذلك بقليل، حُرّمت على المسلمين الخمر،
وكانت بعض الآيات (سورة 16 : 69) قد اشادت بها كعطيّة من عطايا الله الكبرى.
وحُرّم الميسر، أو القمار على لحم الابل، وكان سبباً في إفقار كثير من البدو.
والواقع أنّ تحريم الخمر (سورة 2 : 216 وسورة 5 : 92) كان يهدف إلى تقييد الشعراء
الذين كانوا كثيراً ما يتغنون بمجالسهم الخمريّة المعربدة، هذه المجالس الّتي كانت
خليقة بأن تفسد روح النظام العسكري الصارم الّذي أراده محمّد لأتباعه. ولكن بعض
المسلمين لم يلبث أن خرج على القانون، فعاقر الخمرة».ومن نماذج الافتراءات
والتزوير في قاموس المنجد ـ التي تكشف عباراتها وشروحها عن تعصّب وحقد وفساد في
المنهج وبعد كبير عن العلميّة والإنصاف ـ ما جاء تحت مادّة «محمّد»(صلى الله عليه وآله وسلم) بالنص التالي: «محمد نبيّ المسلمين من بني هاشم، تزوّجَ
من خديجة ورُزق منها فاطمة، دعا الأعراب إلى الإسلام وانتصر على المكّيين في بدر،
ولكنّهم غلبوه في اُحد، فحاربهم في حنين ودخل مكّة ظافراً»، وهذا كلام ناقص مشوب
بتجاوز الحقائق، حاقد لا يمثّل الحقائق التاريخيّة الثابتة.ولا نشكّ في أنّ قاموس
المنجد من أخطر القواميس التي انتشرت في دائرة واسعة وتناولته الأيدي في كل مكان،
وذلك لما يحملهُ من أخطاء وافتراءات وتزوير حاقد، خصوصاً فيما حقّقهُ من إدخال
كثير من المصطلحات الكنسيّة والطائفيّة واللاهوتيّة إلى الألفاظ العربيّة، علماً
بأنّ هذه المصطلحات ليست عربيّة أصلاً. فضلاً عن تفسيرها من قبلهم تفسيراً لا
يتّفق مع مفاهيم الإسلام. ونحن عندما نراجع الجانب اللّغوي والتاريخي لهذا القاموس
نجده يُقحم تعابير واصطلاحات خاصّة بالكهّان النصارى كمصطلح: كهنوتي وقدس وقدّاس..
وغير ذلك، في المفردات اللغويّة ومعانيها.. وهكذا في الحقائق والمعارف التاريخيّة.وتتجلّى
النظرة الواقعيّة لهذا القاموس لو طالعنا المصادر التي أشرنا إليها والّتي اعتمد
عليها المؤلّف، وهي جميعها مصادر غير أصيلة، لأنـّها تتراوح بين مصادر أجنبيّة
متّهمة في دوافع مؤلّفيها، ومصادر حديثة كدائرة المعارف الإسلاميّة ومجاني الأدب
للأب «شيخو اليسوعي» ومؤلّفات جرجي زيدان وبروكلمان([337]).
وقد ملأت المطاعن في نزاهة وموضوعيّة هذه المراجع وقيمتها العلميّة الآفاق، وأصبح
عدم الوثوق بها أمراً قطعيّاً. كما أنّنا لا نجد بين هذهِ المصادر أيّ مرجع أصلي
من الكتب العربيّة المعتمدة في كثير من المواد التي يشتمل عليها هذا القاموس،
إضافة إلى أن الترجمة من المصادر الأجنبيّة كثيراً ما يُغيّر فيها لفظ الشيء
المترجم، خصوصاً إذا كان المترجَم له ليس عَلَماً بل اسم محلّ أو شخص غريب، فلا
ينفع في هذهِ الحالة إلاّ الرجوع للمصادر الأصلية التي تورده على وجههِ. وقد أشار
بعض الباحثين إلى أنّ من أكبر الأخطاء المتعمّدة والدسّ والتلبيس في هذا القاموس
هو سكوته عن بعض الحقائق الثابتة تاريخيّاً عند المسلمين، كموقفه من مسيلمة
الكذّاب الذي ادّعى النبوّة، حيث يقول عنهُ: «مسيلمة من بني حنيفة من اليمامة
عاصرَ محمّداً وعرض عليه أن يشاركهُ النبوّة فقتل في موقعة عقرباء» ولم يذكر شيئاً
آخر وسكت، وهنا يلاحظ القارئ مدى تمويههم للحقائق عن طريق التلاعب بالعبارات،
إضافة إلى أن عدم ذكر اُكذوبة نبوّة مسيلمة ستجعل القارئ يتخيّل أو يحتمل أنّ
مسألة النبوّة كانت أمراً يُتنافس عليه أو ـ على الأقلّ ـ تصوّر إمكان صدق دعوى
مسيلمة بالنبوّة في مقابل دعوى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).
الموسوعة
الإسلاميّة الميسرة
هذه الموسوعة هي خلاصة دائرة المعارف الإسلاميّة،
اُعدّت تحت إشراف اثنين من كبار المستشرقين وهما: الانجليزي «جب»([338])
والهولندي «كريمرز»([339])،
وقد كتبت باللغة الإنجليزية، وتقع في مجلّد واحد، وترجمت إلى اللّغة العربيّة تحت إشراف
الدكتور راشد البراوي، وطبعتها مكتبة «الانجلو» في القاهرة وصدرت في مجلّدين
بتعداد 1256 صفحة من القطع الكبير([340]).وفي معرض
بيان اتّجاه وطبيعة هذه الموسوعة يقول الدكتور سالم اليافعي: «إنّ الموسوعة
الإسلاميّة الميسّرة هي خلاصة الفكر الغربي خلال القرون الأربعة الأخيرة،
وإنّ الذين اشتركوا في إعدادها تصل قائمة اسمائهم إلى أربعمائة اسم»، وفي مهرجان
طبّي كبير في تركيا قام الدكتور اليافعي بحرق غلاف الموسوعة الإسلاميّة الميسّرة
إعلاناً منه بأنّ الاُمّة الإسلاميّة قد وصلت على حدّ تعبيره إلى مرحلة (انفصام)
العقل العربي الإسلامي عن (لبان) الحضارة النصرانيّة اليهوديّة والعقل الاستشراقي
الغربي، وهي في نفس الوقت دعوة للعودة إلى المنابع الإسلاميّة ممثّلة في القرآن
الكريم وعلومه الإنسانيّة الكبرى وتراثنا الحضاري الشامخ من علم وطبّ وتاريخ وفقه
وسياسة واقتصاد.ويمكننا القول: إن هذه الموسوعة تمثّل عصارة الجهد الاستشراقي في
النيل من الإسلام والغضّ من شأنه من خلال ما يقارب ألف كتاب اعتمدت عليها مصادر
لها، كانت قد اُلّفت خلال أكثر من أربعمائة عام.والمثير في الأمر أنّ الانطلاقة
التي بدأها المستشرقون في توجّههم هذا كان له سابقة في أوربا، وهي ما قام به
الطبيب «باراسلوس» عام 1527م في مدينة بازل بسويسرا حيث أحرق كتب الطبيب المسلم
ابن سينا في الميدان العام بمدينة بازل، مسجّلاً بذلك نهاية تبعيّة أوربا للحضارة
الإسلاميّة، وبداية الهيمنة الثقافيّة والحضاريّة لأوربا على الشرق الإسلامي.أمّا
مفردات الدسّ والتشويه التي حوتها هذه الموسوعة فلا تنحصر بزاوية واحدة، بل إنّها
ضمن مناقشتها للقضايا الأساسيّة تشمل الجوانب المتّصلة بالعقيدة، كالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن الكريم والسنّة الشريفة، وكذلك ما هو متّصل
بأركان وفروع التشريع الإسلامي، كالصلاة والحجّ وغيرها، هذا إضافة إلى تناولها
لجوانب من التاريخ الإسلامي وسيرة كبار رجال الإسلام وقادته. وبملاحظة نقديّة
أوليّة نستجلي ما دُفن فيها من تحريف وتشويه، وتزكم أنوفنا رائحة السموم التي
دُسّت في موادّها بأيدي مستشرقين يهود ونصارى بهدف تشويه معالم الفكر الإسلامي
الأصيل وإثارة الشبهات حول تاريخه الناصع وشخصياته القياديّة.. ويمكننا سوق نماذج
عن ذلك كالآتي:1 ـ في جانب السيرة النبويّة وتحت مادّة (محمّد)(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومادّة (قرآن) نجدهما مليئتين بالدسّ اليهودي
والتحريف النصراني والشبهات المفتعلة حول أحداث السيرة الشريفة وحقيقة القرآن
الكريم، كما نجدهما قد كُتبتا بطريقة نكراء تثير الاستغراب وتفتقر إلى المنهج
العلمي السليم والأمانة التاريخيّة المطلوبة، ويزول منّا هذا الاستغراب إذا عرفنا
أن كاتبهما هو المستشرق الشهير (بوهل) الذي امتلأت مؤلّفاته بإثارة الشبهات والدسّ
والتشويه، والذي يعدّ من أكثر المستشرقين حقداً على الإسلام وعلى نبيّه الكريم
محمّد(صلى الله عليه
وآله وسلم).ففي مادّة
«سيرة» مثلاً عند بيان أصل السيرة وطبيعتها يدرك القارئ لها مدى الغمز ـ وفي مواضع
متعدّدة ـ بأخلاق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وما عرف عنه من أمانة وصدق سواءٌ في سلوكه الخاص أو في دعوته لرسالته،
كما في المقاطع التالية من هذه المادّة: «إنّ فكرة جمع قصة حياة النبي من مولده
إلى وفاته في رواية متتابعة محكمة ليست فكرة قديمة في الجماعة الإسلاميّة ولا هي
بالفكرة التي جاءت عفو الخاطر ... هذا الاهتمام أبعد ما يكون عن طبيعة
التاريخ بالمعنى الذي نفهمه من هذه الكلمة، و إنما انصرف إلى تخليد ذكر
المغازي على غرار ما كان يفعل العرب في الجاهليّة، تلك المغازي التي اشترك فيها
المسلمون تحت راية قائدهم الذي كان جلّ أتباعه ينظرون إليه نظرتهم إلى أمير... وإن
كان ]النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم)[ لا يختلف في
خُلقه اختلافاً مشهوداً عن اُمراء الجاهليّة. وقد كان الحافز الأوّل إلى هذا
الاهتمام هو الذي دفع القوم، كما نعلم، إلى إقامة السُنّة في تلك الصورة المأثورة
من الحديث المروي... فليست هذه المغازي إلاّ استمراراً أو تطوّراً لأيّام العرب...
هذه السيرة يرجع أصلها إلى التحوّل الذي طرأ على شخصيّة محمد في ضمير المسلمين الديني...
و إلى شيء آخر فوق هذا كلّه، وهو أنّ احتكاك المسلمين باليهوديّة والمسيحيّة
ورغبتهم في أن يضعوا مُنشئ الإسلام في كفّة مُنشئي هذين الدّينين قد شجعاهم على
وضع تلك القصص التي أحاطوا بها شخص النبي والتي أحدثت هذا التحوّل الشامل في طبيعة
شخصيّته من مولده (بل قبل مولده) إلى وفاته».2 ـ في جانب التاريخ الإسلامي وسيرة
الشخصيّات البارزة فيه قُلبت الكثير من الحقائق ودُسّت الكثير من السموم والشبهات،
حتّى لكأنـّك تقرأ تاريخاً وسيرةً اُخرى لا تمتّ للإسلام والمسلمين بصلة. ومن
الشخصيّات التي طالتها الشبهات ودُسّت في سيرتها السموم بعض صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كحمزة بن عبدالمطلب والعباس بن عبدالمطلب، وبلال
الحبشي، ومصعب بن عمير، وكذلك بعض اُمّهات المؤمنين. بل طالت أيضاً بعض الأنبياء
السابقين الّذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم كنبي الله صالح(عليه السلام)، ونبي الله شعيب(عليه السلام).فمثلاً من صور التشويه لسيرة حمزة بن عبدالمطلب عمّ
النبي والحطّ من شخصيّته ومصداقيّة انتمائه المبدئي للإسلام ما يقوله المستشرق
«لامنس» في مادّة «حمزة» من أنّه: «عمّ النبي، وتزيد الروايات أنّه أخوه في
الرضاعة سعياً منها إلى تمجيد هذا البطل من أبطال الإسلام في عهده الأوّل، ولا
نعرف عن حمزة فيما عدا ذلك إلاّ القليل، ويزعم الجهّال من مادحيه أيضاً انه اشترك
في حرب الفجار... وفي أوّل الأمر وقف حمزة من الدّين الجديد موقف العداء شأنه في ذلك
شأن سائر بني هاشم، على أن لجاج أبي جهل في خصومة النبي استثاره، ومن ثم يُقال انه
دخل في الإسلام بعد نزول الوحي على محمد بسنتين، أو بست في روايات اُخرى. ثم هاجر
معه إلى المدينة وعاش فيها أول الأمر عيشة المغمور البائس حتّى لقد بلغ من أمره أن
خرج عن وعيه في يوم من الأيّام تحت تأثير الإفراط من الشراب وحمل بسيفه على جمال
لعلي».3 ـ في جانب آخر من التاريخ الإسلامي أبرزت الموسوعة اهتماماً كبيراً بأصنام
العرب قبل الإسلام، وما أسمته بطقوس الحجّ التي حاولت أن تخلط فيها بين طقوس الحجّ
قبل الإسلام وما شرّعه الإسلام من فرائض عبادة الحجّ.هذه إلمامة إجماليّة سريعة عن
مفردات الدسّ والتشويه الذي تضمّنته هذه الموسوعة، ومن المؤسف أن نجد أن الأهداف
الخبيثة التي استهدفتها هذه الموسوعة وأمثالها قد أثمرت من خلال انخداع الكثير من
أبناء الإسلام بها، خصوصاً أبناء الجيل الحديث من مثقّفي وخرّيجي المدارس
والجامعات العربيّة، حيث جعلوها مصدر إلهامهم الرئيسي لمعرفة دينهم وحضارتهم
وتاريخهم الإسلامي. ونتيجة للخطر الذي استشعره بعض الكتّاب والمتتبعين لخطط
المستشرقين في تشويه معالم الدين الإسلامي وتاريخه وحضارته من خلال هذه الموسوعات
عمدوا إلى تقديم البديل عنها، وتوجيه أبناء الإسلام لاستقاء معارف دينهم وتاريخهم
وحضارتهم منها، ومن هؤلاء الكتّاب الاُستاذ أحمد عطية الله الذي قام بتأليف
«القاموس الإسلامي» بديلاً عن الموسوعة الإسلاميّة الميسّرة، الذي حرص فيه على تصحيح
جميع ما فيها من أخطاء، إلاّ أنّه توفّي قبل أن يتمّه. كما قامت جامعة البنجاب في
الهند بمحاولة اُخرى في مجال تقديم البديل، فعمدت إلى رفع جميع الموادّ المحرّفة
والمشبوهة التي وردت في دائرة المعارف الإسلاميّة وخلاصتها المتمثّلة بالموسوعة
الإسلاميّة الميسّرة، وقدّمت البديل الإسلامي عنها بأقلام علماء مسلمين، ثم ترجمت
هذه الدائرة بشكلها المصحّح إلى لغة الاُردو. وقامت مؤسّسة مكتب التربية العربي
لدول الخليج بإصدار كتاب في مجلّدين ضمّ أكثر من 30 بحثاً بالردّ على بعض الكتب
الاستشراقيّة المشهورة الطافحة بالتشويه والمليئة بالدسّ والسموم.ولعلّ معالم الصحوة
والوعي الإسلامي الذي برز في اُفق الأمّة الإسلاميّة، والمدد الإلهي الذي يشعّ من
مراكزها العلميّة الرائدة هيّأت أرضيّة خصبة وخلقت توجّهاً كبيراً لمحاكمة كلّ ما
كتبه الغرب عن الإسلام والمسلمين، سواءٌ كان بأقلام المستشرقين والمبشّرين أنفسهم
أو بأقلام خرّيجي مدارسهم من أبناء الشرق، وبدأت هذه المحاكمة على شكل أبحاث شاملة
ودراسات موسوعيّة باُسلوب علمي ومنهج هادف على شكل كتب أخذت مكانتها في المكتبة الإسلاميّة
أو على صفحات المجلاّت المتداولة، مما يجعلنا نطمئن إلى أن ما حاكه الاستكبار
الغربي على يد من يسمّيهم بالمستشرقين قد بدأ عدّه التنازلي واُفوله في عالم العلم
والمعرفة.
دائرة
المعارف الاسلامية
لقد كُتبت دائرة المعارف الاسلامية ـ وهي اوسع انتاج
موسوعي استشراقي ـ من قبل مجموعة كبيرة من المستشرقين من جنسيات أوربية مختلفة. وكان
المشرف على معظم موادها هو المستشرق «فنسنك» أو «ونسنك»([341])المعروف
بأنهُ من أكبر المتعصّبين ضد الاسلام، والذي يدّعي أن الرسول(صلى الله عليه وآله) ألّف القرآن من خلاصة الكتب الدينية والفلسفية التي
سبقته([342])،
وقد نشرت هذه الدائرة باللغة العربية مرتين، الاولى عام 1932م الى حد الحرف (ع)
والمرة الثانية في السبعينات دون أي تغيير في موادها.ولغرض الإحاطة العلمية بأهم
جوانب التشويه والدس الذي اشتملت عليه هذه الدائرة، والأغراض والأهداف الكامنة خلف
ذلك لا بدّ لنا أن نتناولها من جانبين رئيسيين:الجانب الأول:
وهو التعرّف على هوية وخلفية أبرز العقول والأقلام
التي تصدّت لكتابتها، والهدف من ذلك هو تسليط الضوء على منهج تفكير محرّري هذه
الدائرة، ومدى قربهم وبعدهم عن الموضوعيّة والأمانة العلمية في النقل والتدوين
والاستنتاج، واكتشاف الأغراض والأهداف غير العلمية ـ إن وجدت ـ التي
تكمن وراء ما يقع بين أيدينا من صور ومفردات التشويه والدس، التي تظهر لنا أثناء
التتبع والملاحظة العلمية النقدية لمواد وفصول هذه الدائرة.الجانب الثاني:
وهو مادة الدائرة ومطالبها العلمية، ويتمّ ذلك من
خلال التتبع التفصيلي بروح علميّة منطقية لمواد وفصول هذه الدائرة، واكتشاف موارد الدس
والتشويه فيها بعيداً عن التحميل والاختلاق، وتسليط الضوء على طبيعتها ودرجة
أهميتها، لتكون عاملاً مساعداً في نجاح محاولتنا لاكتشاف أهداف وأغراض هذا التشويه
والدس.
هوية
وخلفية أبرز كتّابها
وفي هذا الجانب نورد ترجمة مختصرة لنماذج من
المستشرقين الذين شاركوا «فنسنك» في تحرير دائرة المعارف هذهِ وهم:1 ـ لويس
ماسينيون Louis
Massignon(1299 ـ 1382هـ ، 1883 ـ 1962م)([343]):
أكبر مستشرقي فرنسا المتأخرين، وصفهُ الدكتور محمد البهي في كتابه «الفكر الاسلامي
الحديث وصلتُه بالاستعمار الغربي» بأنه من المستشرقين الخطرين. عمل موظفاً في
وزارة المستعمرات الفرنسية في شبابه، ثم مستشاراً لها بقية حياته. الراعي الروحي
للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر. زار العالم الاسلامي اكثر من مرة، وخدم
بالجيش الفرنسي خمس سنوات في الحرب العالمية الاولى. كانَ عضواً بالمجمع اللغوي
المصري والمجمع العربي العلمي في دمشق. متخصص في الفلسفة والتصوف الاسلامي([344]).2
ـ يوسف شخت Joseph Schakhet
(1320 ـ 1390هـ ، 1902 ـ 1970م):
مستشرق هولندي من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق. ولد في مدينة راتييور
بألمانيا. درس اللغات الشرقية وتخصص بالعربية، ونال الدكتوراه في الفلسفة عام
(1923م)، ودرّس اللغات الشرقية بجامعة فراييورغ (1927م)، وانتقل إلى جامعة
كونكسيرج (1932م)، وفي عام (1934م) عُين اُستاذاً لتدريس اللغات الشرقية في
الجامعة المصرية، وعمل في وزارة الاستعلامات البريطانية (1939 ـ 1945م)، وتجنّس
بالجنسية البريطانية. ودرّس في جامعة اكسفورد، وجامعة الجزائر، فجامعة ليدن بـ
(هولندة) عام (1954 ـ 1959م)، ثم في جامعة كولومبيا بـ (نيويورك). عُرفَ
بتعصّبه ضدّ الإسلام والمسلمين.من أعمالِه تصحيح كتب للخصاف ولمحمد بن الحسن
الشيباني وللقزويني، وجزأين من «الشروط» الكبير للطحاوي، وكتاب جالينوس في
«الأسماء الطبية» من ترجمة حنين، وكتب اُخرى في الفقه والفلسفة والطب. ولهُ
مؤلّفات باللغات الألمانية والانجليزية والفرنسية في «تاريخ الأدب العربي» و«الفقه
الإسلامي»، وله في مجلة المشرق ثلاث محاضرات بالعربية في «تاريخ الفقه الإسلامي»([345]).3
ـ هنري لامنس اليسوعي H. Lommens(1278 ـ 1356هـ ، 1862 ـ 1937م):
مستشرق بلجيكي المولد، فرنسي الجنسية، من علماء الرهبان اليسوعيين. تعلّم في
«لوفان» وفي «فينا»، وتلقى علم اللاهوت في انجلترا. وكانَ استاذاً للاسفار القديمة
في كلّية «روما». استقر في «بيروت» فتولّى إدارة جريدة «البشير» مدة من الزمن،
وكذلك إدارة مجلة «المشرق»، ودرس في الكلية اليسوعية. شديد التعصب ضد الاسلام
والحقد عليه، مفرط في عدائه وافتراءاتهِ لدرجة أقلقت بعض المستشرقين أنفسهم. (انظر
ص15 ـ 16 من العدد1، من المجلد9 يناير سنة 1925م من «مجلة جمعية الدراسات الشرقية»
الأميركية). اشتهر بأبحاثه عن عرب الجاهلية والعهد الاموي، وصنّف كتباً عن العرب والإسلام
بالفرنسية، وكتباً بالعربية، منها: «مهد الاسلام»، «مكّة قبيل الهجرة»، «الطائف
قبيل الهجرة»، «الجزيرة العربية الغربية قبيل الهجرة»، «الإسلام»، «خلافة معاوية»،
«خلافة يزيد»، «تاريخ سوريا»، «فرائد اللغة»، «المذكرات الجغرافية في الاقطار
السورية»، «تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار» جزءان، «الألفاظ الفرنسية
المشتقة من العربية»، «مختارات للترجمة من العربية الى الفرنسية وبالعكس»، مات في
بيروت([346]).4
ـ رينولد ألين نيكلسن Reynold Allen Nicholson(1285 ـ 1364هـ ، 1868 ـ
1945م): من أكبر مستشرقي انجلترا المتأخرين. تخصص في التصوّف الإسلامي والفلسفة.
تعلّم في كمبردج وغيرها، ودرس العربية والفارسية ودرّسهما في جامعة كمبردج. كان
عضواً بالمجمع اللغوي المصري، وهو من المنكرين على الاسلام أنهُ دين روحي، ويصفهُ
بالمادية وعدم السموّ الانساني، اشترك في نشر «تذكرة الأولياء» للعطّار، و«اللمع»
للسرّاج، و«ترجمان الأشواق» مقالات في التصوّف لابن عربي. ولهُ كتب بالانجليزية
منها: «تاريخ الآداب العربية» صدر سنة 1930م، و«متصوّفو الإسلام» صدر سنة 1910م، و«دراسات
في التصوّف الإسلامي» ترجمهُ الى العربية أبو العلا عفيفي، ونشر بها، و«ترجمات من
الشعر والنثر» عن العربية والفارسية، وترجم وحلّل كتاب «المثنوي والمعنوي»
لجلال الدين الرومي([347]).5
ـ دافيد صموئيل مرجليوث Davide Samuel Margoliouth(1274 ـ 1359هـ ، 1858 ـ 1940م):
وهو ابن حزقيال الانجليزي البروتستانتي، متعصّب ضدّ الاسلام، ومن كبار المستشرقين،
من أعضاء المجمع العلمي العربي بـ «دمشق». كان عضواً بالمجمع
اللغوي المصري، والمجمع اللغوي البريطاني، وجمعية المستشرقين الالمانية.
مولده ووفاته بـ (لندن). تعلّم في جامعة اكسفورد، وعين اُستاذاً للعربية فيها
سنة 1899م. وعمل في مجلة الجمعية الآسيوية الانجليزية، ترأس تحريرها، ونشر فيها
بحوثاً، منها «فهارس» لديوان أبي تمام، وزار الشرق الاوسط مراراً. ومما يذكر أنه
صحب الكولونيل «بلفور» في زيارة لـ (بغداد) لمساعدة القيادة العسكرية البريطانية
العامة في بعض الامور([348]).وفي
إحدى الاجتماعات التي افتتحها بلفور قدّم للحاضرين «مرجليوث»، وقام هذا المستشرق
فأخذ يخطب باللغة العربية، ومن جملة ما قاله لهم: «إن العراق قدتعوّد على حكم
الاجانب منذُ القديم، فقد حكمه المغول، وحكمه الاتراك، وحكمه الإيرانيون، وهو لا
يستطيع أن يحكم نفسه، وعلى هذا يجب على العراقيين أن يختاروا الانجليز أوصياء
عليهم، أو تحت انتدابهم أو حمايتهم»([349]).من مؤلفاته
بالعربية كتاب «آثار عربية شعرية»، وامتاز بكثرة ما نشره من مؤلّفات العرب، «كمعجم
ياقوت» و«إرشاد الأريب» و«الأنساب»، للسمعاني، و«ديوان ابن التعاويذي» و«حماسة
البحتري» و«نشوار المحاضرة» للتنوخي و«رسائل أبي العلاء المعري» مع ترجمتها الى
الانجليزية. وله في لغته كتب عن الاسلام والمسلمين، لم يكن فيها مخلصاً للعلم على
الرغم من توسّعه في معرفة المسلمين وأدبهم، منها «نشأة الإسلام الاُولى» صدر في
سنة 1913م، و«محمد وظهور الإسلام» صدر في سنة 1905م، و«الجامعة الإسلامية» صدر في
سنة 1912م([350]).6
ـ دانكن بلاك ماكدانلد Duncan Black Macdonald
(.....1362هـ ، ......1943م): مستشرق أميركي من أشد المتعصّبين ضدّ
الاسلام. يصدر في كتاباته عن روح تبشيرية متأصّلة. من أوسع المستشرقين اطلاعاً على
الدين الإسلامي، ومن كبار محرري «دائرة المعارف الاسلامية»، ومن كتبه: «تطور علم الكلام
والفقه والنظرية الدستورية في الاسلام» صدر سنة 1908م. تعلّم العربية والعبرية
والسريانية. وله محاضرات ومقالات كثيرة بالانجليزية عن الثقافة الإسلامية في أكثر
نواحيها. ونشر بالانجليزية «فهرس المخطوطات العربية والتركية في مكتبة نيوبري
بشيكاغو»، وعني بكتاب «ألف ليلة وليلة» فجمع منه نسخاً لا توجد عند غيره([351]).7
ـ إجناس كولد صيهر Ignaz
Gold ziher (1266 ـ 1340هـ ، 1850 ـ 1921م): مستشرق مجري
موسوعي. عرف بعدائهِ للإسلام وبخطورة كتاباته عنه، تعلّم في «بودابست وبرلين
وليبسيك». ورحل الى سوريا سنة 1873م، وانتقل الى فلسطين، فمصر. وعيّن استاذاً في
جامعة «بودابست» (عاصمة المجر) وتوفي بها. له تصانيف باللغات الألمانية
والإنجليزية والفرنسية في الإسلام والفقه الاسلامي والادب العربي، ترجم بعضها الى
العربية، ونشرت مدرسة اللغات الشرقية بـ «باريس» كتاباً بالفرنسية في
مؤلّفاته وآثاره. ومما نشره بالعربية «ديوان الحطيئة»، وجزء كبير من كتاب «فضائح
الباطنية» المعروف بالمستظهري، للغزالي. وترجم الى الألمانية كتاب «توجيه النظر
الى علم الأثر» لطاهر الجزائري، وكتاب «المعمّرين» للسجستاني، وغيرهما. وترجم الى
العربية من كتبه «العقيدة والشريعة في الإسلام»، كتب عن القرآن والحديث، ومن كتبه
في ذلك «تاريخ مذاهب التفسير الاسلامي» المترجم الى العربية تحت نفس العنوان([352]).8
ـ أ. ج. أربري A.J.
Arburry
: مستشرق انجليزي معروف بالتعصّب ضد الاسلام
والمسلمين. عمل استاذاً بجامعة كمبردج. ومن المؤسف أنه استاذ لكثير من المصريين
الذين تخرّجوا في الدراسات الاسلامية واللغوية في انجلترا. ومن كتبه: «الاسلام
اليوم» صدر عام 1943م، و«مقدمة لتاريخ التصوّف» صدر عام 1947م، و«التصوف» صدر عام
1950م و«ترجمة القرآن» صدر عام 1950م([353]).9 ـ كارل
بروكلمان Carl Brockelmann
(1285 ـ 1375هـ ، 1868 ـ 1956م):
مستشرق ألماني يعتبر أحد أبرز المستشرقين في العصر الحديث، عالم بتاريخ الادب
العربي. ولد في «رستوك» بـ «ألمانيا» ونال شهادة «الدكتوراه» في الفلسفة
واللاهوت. وأخذ العربية واللغات السامية عن «نولدكه» وآخرين. درّس في عدة جامعات
ألمانية، وكانت ذاكرته قوية يكاد يحفظ كل ما يقرأ. ودرّس العربية في معهد اللغات
الشرقية بـ «برلين»عام 1900م، وتنقل في التدريس، وتقاعد سنة 1935م. عمل
في الجامعة متعاقداً سنة 1937م، ثم كان سنة 1945م أميناً لمكتبة الجمعية
الألمانية للمستشرقين، وأمضى أعوامهُ الأخيرة في مدينة «هالة»، وكان من أعضاء
المجمع العلمي العربي في دمشق، وكثير من المجامع والجمعيات العلمية في ألمانيا
وغيرها. صنف بالالمانية «تاريخ الادب العربي» في مجلدين، وأتبعهما بملحق في ثلاثة
مجلدات، وكلّفته جامعة الدول العربية أن يُدخل الملحق في الاصل، وينقلها الى
العربية، ولبروكلمان «تاريخ الشعوب الاسلامية» ترجم الى العربية في بيروت وطبع بها
في خمسة أجزاء صغيرة، وفهرسان لخزانتي برسلاو وهامبورغ، يُعرِّفان بمخطوطاتهما
العربية، وكتاب في «نحو اللغة العربية» بالألمانية، و«معجم للغة السريانية»
و«قواعد السريانية»، و«ترجمة ديوان لغات الترك» للكاشغري، إلى الألمانية، وكلّها
مطبوعة.ومما نشر بالعربية قسم كبير من «عيون الأخبار» لابن قتيبة، ورسالة «تلقيح
مفهوم أهل الآثار» لابن الجوزي، وجزء من ««طبقات ابن سعد»، ورسالة «ما تلحن فيه
العوام» للكسائي، وقد أشارت لبعض اخطائهِ التاريخية والعلمية مجلة «الإسلام»
AL - ISLAMالتي تصدر بالإنجليزية في «كراتشي» باكستان ص141 من
العدد الاول ـ مايو ـ سنة 1958م([354]).10 ـ
كرستيان سنوك هرخرونيه Christian Snouck Hurgronje(1273 ـ 1355هـ
، 1857 ـ 1936م): مستشرق هولندي. ولد في «استرهوت»، وتعلم بـ «ليدن»
و«ستراسبورج». وأقام في «جدة» بالحجاز سنة (1884م) سبعة أشهر، يقول إنه دخل «مكة»
متسمياً باسم عبدالغفار، ومكث بها في «سوق الليل» خمسة أشهر، واضطرّ الى مغادرتها
فجأة قبل حلول موسم الحج، لانكشاف أمرهِ لكلمات فاه بها وكيل قنصل فرنسا
بـ «جدة» في بعض المجالس. رحل الى بلاد «الجاوي» فأقام 17 سنة. وعيّن استاذاً
للعربية في «جامعة ليدن» سنة 1906م، ثم كان مستشاراً في الامور الإسلامية والعربية
بوزارة المستعمرات الهولندية، له عدة كتب بالألمانية عن الإسلام والمسلمين حاربهما
بها، أشهرها كتابه «مكّة في القرن التاسع عشر» في مجلّدين، نشره سنة 1889م،
ومجموعة في ستة مجلدات، طبعها سنة (1923 ـ 1927م) في «الاسلام وتاريخه» و«الشريعة الاسلامية»
و«بلاد العرب وتركيا» و«الاسلام في المهاجر الهولندية» و«اللغة والأدب» و«ملاحظات
في الكتب» ذكر فيه بعض المخطوطات وتواريخ كتابتها، و«فهارس الاجزاء المتقدمة»([355]).11
ـ جودفروا ديمومبين Gaudefroy Demombynes(1278 ـ 1376هـ ، 1862 ـ
1957م): مستشرق فرنسي، كان استاذ العربية في مدرسة اللغات الشرقية بـ «باريس».
صنّف كتباً عن العرب وبلادهم وأدبهم بالفرنسيّة. وترجم إليها «رحلة ابن جبير»،
وألّف متعاوناً مع «بلاشير» «قواعد العربية الفصحى». لهُ كتاب عن «الحج» فيه كثير
من الخلط والتشويه. (انظر ص13 من العدد1 من المجلد9،يناير سنة 1925م من مجلة جمعية
الدراسات الشرقية)([356]).12
ـ توماس وُوكر آرنلد Thomas Walker Arnold
(1280 ـ 1349هـ ، 1864 ـ 1930م): مستشرق إنجليزي من
أهل «لندن»، تعلم في «كمبردج» وعُين مدرساً في كلية «عليكره» بالهند سنة 1888م،
فاستاذاً للفلسفة في «لاهور»، فرئيساً للكلية الشرقية في جامعة البنجاب، وعاد إلى
«لندن» فعيّن استاذاً للعربية في جامعتها سنة 1904م، فمديراً لمعهد الدراسات
الشرقية، وزار مصر قبيل وفاته، له كتب «تعاليم الاسلام» و«المعتزلة» و«الخلافة»
بالانجليزية وقد ترجم الاخير الى العربية وطبع. ولهُ كتب بالانجليزية أيضاً في
الفن والرسم الإسلاميين، ساعده فيها «لوي بنيون» من رسامي الفنون الشرقية، وقد قال
في شأنهِ المستشرق «اربري»: كان آرنلد مرجعاً في الشؤون الاسلامية([357]).13
ـ رينيه باسيه Ren'e
Basset
:
(1271 ـ 1342هـ ، 1855 ـ 1924م): مستشرق فرنسي، من أعضاء المجمع العلمي العربي.
ولد في لونيفيل وتعلّم في ناتسي ثم في مدرسة اللغات الشرقية بـ «باريس». وعين
مدرساً للعربية في مدرسة الجزائر العليا سنة 1882م، ثم تولّى إدارتها. واختير
«عضواً» في كثير من المجامع العلمية، ترأس مؤتمر المستشرقين بالجزائر سنة 1910م.نشر
بالعربية «تحفة الزمان» لعرب فقيه، في فتوح الحبشة، مع ترجمة فرنسية، و«الخزرجية»
في العروض، و«تاريخ بلاد ندرومة وترارة بعد خروج الموحّدين منها» وله بالفرنسية
مقالات في المجلات الشرقية في فرنسا والجزائر وتونس، وله تصانيف أيضاً، توفي
بالجزائر، ألّف في تاريخ البربر والاحباش والآداب العربية([358]).14
ـ إيفارست ليفي بروفنسال L'evi - Provencal Evariste(1311 ـ 1376هـ ، 1894 ـ
1955م): مستعرب فرنسي الأصل، كثير الاشتغال بتصحيح المخطوطات العربية ونشرها، ولد
وتعلم في الجزائر. وحضر حرب الدردنيل في الجيش الفرنسي، فجرح، ونُقل الى مصر، ثم
اُعيد الى فرنسا. عُيّن سنة 1920م مدرساً في معهد العلوم العليا المغربية في
الرباط، فمديراً له (سنة 1926 ـ 1935م) وانتدب من خلال ذلك سنة (1928م) لتدريس
تاريخ العرب والحضارة الاسلامية في كلية الآداب بالجزائر، كما انتُدبَ لتدريس
تاريخ العرب وكتاباتهم بمعهد الدراسات الاسلامية في السوربون بـ «باريس»،
واستقال من ادارة معهد الرباط (سنة 1935م)، ودُعي لالقاء محاضرات في جامعة القاهرة
(سنة 1938م)، وألحقهُ وزير التربية الفرنسية بديوانه في باريس (سنة 1945م) وعين في
السنة ذاتها استاذاً للغة العربية والحضارة الاسلامية في كلية الآداب بـ «باريس»،
ووكيلاً لمعهد الدراسات الساميّة في جامعتها. كان من اعضاء المجمعين: العلمي
العربي بدمشق، واللغوي بالقاهرة، مات بـ «باريس» (سنة 1955م) تعاون مع
محمد بن أبي شنب على تصنيف «المخطوطات العربية في خزانة الرباط» ومما نشر: «كتابات
عربية في اسبانيا» و«نص جديد للتاريخ المريني» و«اسبانيا المسلمة في القرن العاشر»
و«الحضارة العربية في اسبانيا» و«وثائق غير منشورة عن تاريخ الموحدين» و«منتخبات
من مؤرخي العرب في مراكش» و«البيان المغرب» لابن عذاري، و«مقتطفات تاريخية عن
برابرة القرون الوسطى» و«أعمال الأعلام، القسم الثاني، في اخبار الجزيرة
الاندلسية» لابن الخطيب، و«مذكرات الامير عبدالله آخر ملوك غرناطة» و«صفة جزيرة الاندلس»
اختزلهُ من الروض المعطار، و«سبع وثلاثون رسالة رسمية لديوان الموحدين» و«جمهرة
انساب العرب» لابن حزم، و«نسب قريش» للزبيري([359]).15 ـ كارل
فلهلم سترستين Karl
Vilhelm Zetterstee'n(1283 ـ 1372هـ ، 1866 ـ
1953م): مستشرق سويدي، من العلماء، من اعضاء جمعيات علمية كثيرة، منها المجمع
العلمي العربي. ولد في «أورسته» بالسويد. وتخرج «دكتوراً» في الفلسفة بجامعة
أوبساله سنة 1895م وعين فيها استاذاً للغات الساميّة، قام برحلات متعددة، وزار مصر
والشام وتونس أكثر من مرة. تولى تحرير مجلة «العالم الشرقي»، وحضر عدّة مؤتمرات
للمستشرقين. ترجم «القرآن» الى اللغة السويدية سنة 1917م، وصنف بلغتهِ كتاب
«اللغات الشرقية» و «تاريخ حياة محمد» و«سياحة في شرق بلاد الفرس»، ومن أهم ما
حققهُ ونشرهُ بالعربية «تهذيب اللغة» للأزهري، والجزآن الخامس والسادس من «طبقات
ابن سعد» و«طرفة الاصحاب» للأشرف الرسولي، و«شمس العلوم» لنشوان الحميري، نشرَ منهُ
جزأين وعهد الى الاستاذ «س. ديدرينغ» بإتمامه، و«تاريخ لسلاطين مصر والشام» لم
يعرف مصنفهُ، و«معارج الانوار النبوية من صحاح الاخبار المصطفوية» و«ألفية ابن
مُعط الزواوي» في النحو، وغير ذلك. وكان يمضي مقالاته احياناً باسم «عبدالرحمن»
وعلى الاكثر بحروف اسمه الثلاثة K. V. Z.أما اسم أبيه فهو «الكسندر موريس سترستين»([360]).16
ـ جورجيو ليفي دلا فيدا G. Levi, Della Vida(1303 ـ 1387هـ ، 1886 ـ
1967م): من كبار المستشرقين الايطاليين، مولدهُ ووفاته بـ «روما». كان اُستاذ
العربية واللغات السامية المقارنة في جامعتها، عمل في فهرست كتب الفاتيكان، وقد
عُهد اليه في اعوامه الاخيرة بالكتابة عن المخطوطات النصرانية. ولما بلغ السبعين
من عمره احتفل به العلماء وصنّفوا في تكريمه «كتاب الدراسات الشرقية» بالايطالية
في مجلدين كبيرين. له كتابات كثيرة في دائرة المعارف الاسلامية والمجلات العلمية.
ومما حققهُ للنشر «طبقات الشعراء» لابن سلام و«شعر يزيد الاول» و«نسب فحول الخيل»
لابن الكلبي، ومن تآليفه «فهرس المخطوطات العربية الاسلامية في مكتبة الفاتيكان»
الجزء الأول بالايطالية، ولم يكمله([361]).17 ـ كارل
فلّرس Karl
Vollers(1273 ـ 1327هـ ، 1857 ـ 1909م): مستشرق الماني،
تولى إدارة المكتبة الخديوية (دار الكتب المصرية) مدة. وكان من أساتذة جامعة «نيا»
في المانيا، نشر بالعربية ديوان «المتلمس» مع ترجمة له ألمانية، وكتب بالألمانية
«العربية العاميّة عند قدماء العرب» و«اللهجة العربية في مصر» ووصف
«المخطوطات الشرقية التي بمكتبة لايبسيك» في مجلد ضخم([362]).
عُرف بافترائه أن القرآن الكريم لم يكن معرباً وأن اللغويين هم الذين حذوه على مثال
لغة الشعر العربي الذي يتميز بوجود الاعراب.18 ـ فرانتس بول (بوهل)
Frantz Buhl(1266 ـ 1351هـ ، 1850 ـ 1932م): مستشرق دانمركي. من اعضاء
المجمع العلمي العربي. ولد وتوفي في كوبنهاكن. كان استاذ اللغات الساميّة في
جامعتها. كتب في دائرة المعارف الاسلامية فصولاً في تراجم بعض اعلام المسلمين، وله
كتاب في «جغرافية فلسطين القديمة» باللغتين الدانمركية والالمانية. وكتاب «حياة
محمد» كتبه باللغة الدانمركية، وترجم الى الالمانية، وكان واسع الاطلاع بأدب
الجاهلية العربية وتاريخها([363]).19
ـ جاكب بارت Jacob
Barth(1267 ـ 1332هـ ، 1851 ـ 1914م): مستشرق
الماني، كان يدرّس العربية في الكلية الاكليركية، في جامعة برلين. من كتبه
بالالمانية «ابحاث في الشعر العربي القديم»، وكتاب في «الآداب العربية والعبرية»،
ونشر في العربية «ديوان القطامي» و«فصيح ثعلب»([364]).20
ـ ج. هـ . كريمرز J.
H. Kramers : مستشرق هولندي كثير الطعن في الاسلام وصاحب ميول
تبشيرية سافرة([365]).21
ـ أدوين كالفرلي E.
Calverley : مستشرق أميركي متعصب، رئيس تحرير مجلة «العالم
الاسلامي» The
Muslim Worldالاميركية
فترة من الزمن، من الذين باشروا التدريس في الجامعة الاميركية بالقاهرة عدة مرات،
معروف باتجاهات تبشيرية سافرة([366]).22 ـ پاول
كراوس Paul
Kraus(1904 ـ 1944م): مستشرق ألماني، من أصل
تشيكوسلوفاكي، تعلم في جامعة براغ. وتلقى العلوم الشرقية بجامعة برلين، وعين في
معهد التاريخ للعلوم بـ «برلين»، ثم مدرساً بجامعتها (سنة 1923م) وانتدب للتدريس
في السوربون بـ «باريس»، ثم استاذاً للغات الساميّة في جامعة فؤاد الاول (بمصر)
سنة 1936م، فأقام الى أن مات منتحراً، عُرف بكيده للاسلام خصوصاً في ما يتعلّق
بادعائه ان القرآن كان غير معرب، وان الذين حذوه على مثال لغة الشعر العربي المعرب
هم اللغويون. له «رسالة في تاريخ الافكار العلمية في الاسلام» ثلاثة اجزاء، وله
أيضاً «رسالة في فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي لابي الريحان البيروني» نص
وتعليق، وساعد ماسينيون على نشر «أخبار الحلاج»، وله في دائرة المعارف الاسلامية
دراسات عن المستنصر والرازي وابن الراوندي وابن جبير، وفي مجلة الثقافة بمصر (سنة
1944م) له مقالات عنوانها «من منبر الشرق» وغير ذلك([367]).بعد
هذا الاستعراض السريع لأبرز المستشرقين، الذين تصدّوا أو ساهموا تحت إشراف
المستشرق «فنسنك» في كتابة وتحرير مواد دائرة المعارف الاسلامية، نلحظ بوضوح أن
الجامع فيما بين توجهاتهم وأبرز الخلفيات التي تتحكّم في عقولهم وأقلامهم هي
معاداة الاسلام، والتعصب ضده باعتباره ديناً سماوياً، لذا فان بعضهم ينكر بصراحة
أصل سماوية الدين الاسلامي، والبعض الآخر يحاول نسف الأساس الذي يقوم عليه القول
بسماويته. وبذلك نستطيع أن نخرج برؤية كلّية عن كتّاب ومحرّري هذه الدائرة، مفادها
أنهم يفتقدون النزاهة والموضوعية في تناول اُمهات القضايا الاسلامية، خصوصاً
مايمتّ الى اُصوله العقائدية بصلة، وأنهم في طريقة تناولهم لها يهدفون الى زرع
الشكّ بصحة سماوية الدين الاسلامي، وصحة نزول الوحي الإلهي فيه على النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ما نجده طافحاً في الكثير من مواد ومطالب
دائرة المعارف الاسلامية عند تناولنا للجانب التالي من دراستنا لها.ودعماً لما
ألمحنا له في بيان هوية وخلفيّة كتّاب هذه الدائرة والمشرفين على تحريرها، نشير
إلى أن الكثير من الباحثين المنصفين والمحققين المتخصصين قد تصدّى لدراسة دائرة
المعارف الاسلامية، وأشاروا الى أنها تحوي مجموعة من الاخطاء والدسائس الناشئة عن
التعصّب الأوربي، وأن أغلب كتّابها قساوسة مبشرون لا يهمهم سوى الافتراء على
الاسلام وتشويه حقيقتهِ. وقد اجمعت آراؤهم على أن دائرة المعارف الاسلامية تضم
مجموعة من المحاذير التي يجب التنبه لها والتصدي للرد عليها وكشف اهدافها وهي:1 ـ
سيطرة البدع الدخيلة في الدين الاسلامي على مواد الموسوعة باستفاضة مثيرة،
وباستخدام اساليب الكذب المتقنة، حتى ليظن الباحث انها من اصول الاسلام، وقد امعن
مؤلفو الدائرة في تسجيلها وشرحها وكأنها حقائق ثابتة ومن الاصول المقررة والمسلم
بها وليسَ من الدخائل.2 ـ القصد المتعمد في الجمع بين اساطير البدع التي ما انزل
الله بها من سلطان وحقائق الشريعة.3 ـ جمعت دائرة المعارف هذهِ خلاصة ما كُتبَ عن
الاسلام في الكتب التي ألّفها المستشرقون، والتي كانت السمة الغالبة عليها الهجوم
بشراسة على الاسلام خلال السنوات الطويلة، وكانت متفرقة في هذهِ المؤلفات التي لم
يكن يقرأها إلاّ بعض الغربيين الذين يُختارون للعمل في البلاد الاسلامية، ثم جاءت
الدائرة لتظمّ هذا كلهُ وتجعل منهُ مصدراً اسلامياً يرجع اليه بسهولة ويُسر بعدَ
ان تُرجم أغلبها الى العربية.4 ـ اصرار القائمين على هذهِ الدائرة على عدم التصحيح
ـ ولو بالتعليق الهامشي ـ للاخطاء والمطاعن التي انكشف أمرها جلياً، وهذا اكثر
ضرراً من أشرّ كتب المبشرين والمستشرقين وصحفهم، لأنّ هذهِ كلّها لا تخدع أحداً من
أهل
الحقيقة والمعرفة، إنّما خطر تلك يكمن في نشوء جيل
من المتعلمين يعتبرها مراجع موسوعية أساسية تظافرت عليها جهود عشرات العلماء
والمفكرين، فيستقي منها ويعتمد عليها دون أن يفرق بين الحق والباطل فيها، أو يعلم
أن مؤلفي هذهِ الدائرة من ألدّ خصوم الاسلام والمسلمين.
الدس
والتشويه في موادها
(
شبهات وردود )
في الجانب الثاني من جانبي التقويم الرئيسيين لدائرة
المعارف الاسلامية والخاص باكتشاف موارد الدسّ والتشويه الذي احتوته الدائرة
المذكورة توجد عدّة أقسام ينقسم اليها هذا الجانب، يختصّ كل قسم منها بمورد أساسي
من الموارد الاسلامية التي طالتها يد الدس والتشويه الاستشراقي، وسنذكرها تباعاً
حسب أهميتها من خلال تتبّعنا التفصيلي لمواد وفصول هذه الدائرة، محاولين بمقدار ما
تدلّ عليه النصوص والمقولات المتضمّنة في تلك المواد والفصول اكتشاف موارد الدسّ
والتشويه، وما يكمن وراءها من اهداف ومقاصد، أمّا كيف ستتم لنا معالجة هذه الدسائس
والتشويهات وردّ ما تحكيه من شبهات كليّة فهذا ما سننهج له منهجين:
المنهج الاول: وهو المنهج التفصيلي الذي سنحاول من خلاله رد
ومعالجة كل مفردة من مفردات الدسّ والتشويه بحسبها دون الخوض في الكليات الاساسية
الجامعة لها والحاكية عنها، وسَنُضمّن هذه الردود والمعالجات في سياق تفصيلات الدس
والتشويه التي نوردها ونؤشر لها في اطار تبويبات بحثنا هذا.
المنهج الثاني: وهو المنهج الكلي، وفيه نقوم بانتزاع عنوان كلّي
عن كل مجموعة تفصيلات معبّرة عن شبهة اساسية معينة، ويتم ردّها وبيان الحق في مقابلها
ضمن بحث مستقل بها. وهذا المنهج سوف نُرجئ أمره الى ما بعد سوقنا لكافة النماذج
التفصيلية للدس والتشويه التي قام بها المستشرقون في دائرة المعارف الاسلامية
وساوقهم بها غيرهم من المبشّرين والعلمانيين في كتاباتهم المختلفة عن الاسلام
والمسلمين.
وأدناه نشرع ببيان عمدة نماذج الدس والتشويه في
دائرة المعارف الاسلامية وهي عبارة عن ادعاءات ومقولات مدسوسة ومشوّهة تهدف الى الطعن
بإلهية القرآن الكريم ورسالة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بالاسلام.
وقد صيغت هذه الادعاءات والمقولات بأشكال مختلفة،
بعضها جاء صريحاً، وبعضها الآخر يدلّ بالدلالة الالتزامية على الطعن والتكذيب،
ويمكننا تنظيمها وتحديدها بما يلي:
ذكاء
محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)
وخياله عماد دعوته
وهو دس وتشويه يهدف الى القول بأن ذكاء محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وخياله المتوقد هما اللذان كانا وراء ما جاء به من
دعوة. ونجد مصاديق هذه الشبهة في عدة موارد، منها ما جاء تحت مادة «ابراهيم». ففي
معرض بيان دعوى «سنوك هجروينيه» بأن شخصية ابراهيم مرّت بأطوار متناقضة في القرآن
الكريم، والاشارة الى السر في هذا الاختلاف يقول «فنسنك
A. J. Wensinck»: «إنَّ محمداً كان قد اعتمد على
اليهود في مكّة، فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطّة عداء، فلم يكن له بدٌّ من ان يلتمس
غيرهم ناصراً. هناك هداه ذكاء مسدّد الى شأن جديد لأبي العرب ابراهيم، وبذلك
استطاع أن يخلص من يهوديّة عصره ليصل حبله بيهوديّة ابراهيم»([368]).
ومنها ما جاء تحت مادة «الله» الفقرة «ج»: الله في
ذاته لذاته، يقول «ماكدونالد D. B. Macdonald»: «وقد استطاع محمد بفضل
خياله المتوقد ان يصف الله بصفات واضحة معينة، مثل الأول والآخر، والظاهر والباطن
«سورة الحديد ـ الآية 3»، وأنه القيّوم «سورة البقرة ـ الآية 256»، «سورة آل عمران
ـ الآية 1» »([369]).
وفي معرض الرد والمعالجة لهذه النصوص من الدس
والتشويه نؤشر أولاً الى ان الأساس في مثل هذا الدس والتشويه والهدف من وراء ارجاع
النجاح في خطوات دعوة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ومواقفه الرسالية الى ذكائه مثلاً أو خياله المتوقّد ـ كما يعبّرون ـ هو
إنكارهم الوحي الالهي للنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمر ردّ هذه الشبهة بعنوانها الكلّي وإثبات الوحي الإلهي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) سنقوم ببحثه في فصل مستقل يستوعب جميع جوانب
الإثارات التي ذكرناها عن المستشرقين، أو ما سيأتي منها في موارد وأبواب اخرى،
وبصيغ وزوايا مختلفة.
أمّا ردّنا وعلاجنا لموارد الدسّ والتشويه
التفصيليّة التي أوردناها في هذه الفقرة فنرتبه كالآتي:
1 ـ قول «فنسنك
A. J. Wensinck» أن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد اعتمد على اليهود في مكّة، فهذا ما لم يقله
ولم ينقله لنا أيّ مؤرخ، سواء كان من المسلمين أم من غيرهم. بل الذي ورد هو العكس،
حيث أن اليهود كانوا أوّل وأشدّ مَنْ نصب العداء ومارس تأليب مشركي قريش والتآمر
على رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) ودعوته الاسلامية،
حتى نزل في ذلك قرآن كريمٌ قال فيه الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ
أشدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلّذينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالّذينَ أشْرَكُوا
وَلَتَجِدَنَّ أقرَبَهُمْ مَوَدّةً لِلّذينَ آمَنُوا الّذينَ قالُوا إنّا نصارى)([370]).
أمّا قوله: «وبذلك استطاع ان يخلص من يهوديّة عصره
ليصل حبله بيهودية ابراهيم» ففيه:
أولاً: ان اليهودية المدعاة التي كانت على عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هي انحراف عن الدين الحق الذي بعث الله تعالى به
انبياء بني اسرائيل وعلى رأسهم موسى(عليه السلام)، وفي ذلك قال الله تعالى في محكم قرآنه الكريم: (مِنَ
الّذينَ هادُوا يُحَرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ...)([371])، وقوله تعالى ايضا: (أفَتَطْمَعُونَ
أنْ يُؤمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَريقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ
يُحَرّفُونَهُ منْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)([372]).
ثانياً: ان الرسول محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بحاجة لان يصل حبله باليهودية المدعاة، لأن
الأصل في الاديان هو الاسلام، وقد توالى بعث الرسل والانبياء من الله تعالى
للتبشير به وردّ التحريف عنه والدعوة له قبل خاتمهم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا النصرانية واليهودية المدعَيتان فما هي الاّ
انحراف عن الاصل الاسلامي، وبدعة أملتها عليهم أهواؤهم ودنياهم الرخيصة، وفي ذلك
قول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَإذْ
أخَذَ اللهُ ميثاقَ الّذينَ أوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا
تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَروْا بِهِ ثَمَناً قَليلاً
فَبِئْسَ ما يَشْتَرُون)([373]). وهذه هي العقيدة التي دعا لها النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكرها الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: (شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالّذي أوْحَيْنا إلَيْكَ وَما
وَصّيْنا بِهِ إبْراهيمَ وَمُوسى وَعيسى أنْ أقيمُوا الّدينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا
فيهِ كَبُرَ على الْمُشْرِكينَ ما تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إلَيْهِ
مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي إلَيْهِ مَنْ يُنيبُ * وَما تَفَرَّقُوا إلاّ مِنْ بَعْدِ ما
جاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
إلى أجَل مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الّذينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ
بَعْدِهِمْ لَفي شَكّ مِنْهُ مُريب * فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما اُمِرْتَ
وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتاب
وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُم اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أعْمالُنا
وَلَكُمْ أعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُم اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإلَيْهِ
الْمَصيرُ)([374]).
ثالثاً:
ان نبي الله ابراهيم(عليه السلام) لم يكن يهودياً، لما قلنا من ان الأصل في الاديان
المبشّر بها هو الاسلام، وكيف يكون ابراهيم(عليه السلام)يهودياً أو نصرانياً حسب دعواهم وقد نزلت التوراة
والانجيل من بعده بزمن مديد؟ وهو قول الله تعالى في قرآنه الكريم: (يا
أهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهيمَ وَما أُنْزِلَت التّوراةُ وَالإنْجيلُ
إلاّ مِنْ بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ * ها أنْتُمْ هؤلاءِ حاجَجْتُمْ فيما لَكُمْ
بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ
وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)([375]).
ثم ينفي الله عزّوجلّ اليهودية والنصرانية المدعيتين
عن ابراهيم(عليه
السلام)ويثبت كونه حنيفاً
مسلماً لا غير، وذلك قوله عزّ من قائل في الكتاب الكريم: (ما
كانَ إبْراهيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرانِيّاً وَلكِنْ كانَ حَنيفاً مُسْلِماً
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكين)([376]).
إذن فلو كانت هناك وصلة للنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بابراهيم(عليه السلام) فهي وصلة الاسلام، ذلك الدين الحق الذي قال فيه الله تعالى في قرآنه
المجيد: (هُوَ الّذي أرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الّدينِ كُلّهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)([377]).
2 ـ قول «ماكدونالد
D. B. Macdonald»: «وقد استطاع محمد بفضل خياله
المتوقّد ان يصف الله بصفات واضحة معينة، ...» الى آخر القول، ففيه ما في قول
سابقه «فنسنك» من أنه يوحي بان الرسول محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن قد أُوحي له من الله تعالى، انما هو الذكاء
أو الخيال المتوقد، رغم أن لفظهم لم يكن صريحاً في ذلك وسنؤجّل ردّه ـ كما اشرنا
سلفاً ـ الى بحث مستقل لاحق يستوعب الاثارات التي سيأتي ذكرها تباعاً في هذه
الشبهة. والظريف ان «ماكدونالد» هذا قد اعترف بوضوح الصفات وجلاء معانيها رغم
تناقضه في مقاطع اخرى من أقواله في ذلك، يذكرها تحت نفس مادة «الله» وسنأتي على
بيانها تباعاً ان شاء الله.
تناقض
القرآن والتردد في بعض آياته
وقد تضمنت هذه المقولة على دس وتشويه يهدف الى اثارة
شبهة أنَّ في القرآن تناقضاً وفي بعض آياته تردداً. منها ما جاء تحت مادة
«ابراهيم»، يقول «فنسنك»: «كان سبرنجر ـ Leben : Sprenger und Lehredes Mohammad، ج3، ص276 وما بعدها ـ أوّل من لاحظ ان شخصية ابراهيم كما في
القرآن مرّت بأطوار قبل ان تصبح في نهاية الأمر مؤسِّسَةً للكعبة. وجاء «سنوك
هجروينيه» (ص20 وما بعدها) بعد ذلك بزمن فتوسّع في بسط هذه الدعوى، فقال: ان
ابراهيم في أَقدم ما نزل من الوحي «الذاريات ـ آية 24 وما بعدها، الحجر ـ آية 5
وما بعدها، الصافات ـ آية 81 وما بعدها، الانعام ـ آية 74 وما بعدها، هود ـ آية 72
وما بعدها، مريم ـ آية 42 وما بعدها، الانبياء ـ آية 52 وما بعدها، العنكبوت ـ آية
15 وما بعدها» وهو رسول من الله أنذر قومه كما تنذر الرسل، ولم تُذكر لاسماعيل صلة
به، وإلى جانب هذا يشار إلى ان الله لم يرسل من قبل الى العرب نذيراً «السجدة ـ
آية 2، سبأ ـ آية 43، يس ـ آية 5» ولم يُذكر قط ان ابراهيم هو واضع البيت، ولا أنه
أول المسلمين، اما السور المدنية فالأمر فيها على غير ذلك، فابراهيم يُدعى حنيفاً
مسلماً، وهو واضع ملّة ابراهيم، رفع مع اسماعيل قواعد بيتها المحـرم ـ الكعبـة ـ
«البقرة ـ آية 118 وما بعدهـا، آل عمران ـ آية 60، 84 ...الخ» ولما أخذت مكة تشغل
جل تفكير الرسول أصبح إبراهيم ايضاً المشيّد لبيت هذه المدينة المقدّس»([378]).
وفي مورد آخر وتحت مادة «اسرائيل» يدّعي «سنوك»
تناقضاً آخر في نسبة يعقوب لابراهيم، فيقول: «ويظهر أن محمداً كان أول الأمر يعتبر
يعقوب ابناً لابراهيم فعندما زُفَّت البشرى لسارة يقول: (فَبَشَّرْناها
بِاسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ)الآية ـ 71 من سورة هود. سنوك هجروينيه، ص32»([379]).
وتحت مادة «صالح» يقول «بول
Fr. Buhl»: «ومما يستلفت النظر بالاضافة
إلى ذلك ان قصتي صالح وهود (انظر هذه المادة) تناقضان الدعوة المألوفة التي أتى
بها محمد في سور العهد المكي من حيث أنه قال إنه لم يرسل من قبله نبي الى العرب
(سورة القصص، الآية 46; سورة السجدة، الآية 2; سورة سبأ، الآية 43; سورة يس، الآية
5).»([380]).
وحول الناسخ والمنسوخ كانت عباراتهم صريحةً ومباشرة
في ادّعاء التناقض في آيات القرآن حيث يقول «نولدكه ldeke Sc. hwally™N» تحت مادة «اصول»: «وكان همّ المفسرين المتأخّرين
التخلّص من المتناقضات العديدة الواردة في القرآن والتي تصوّر لنا تدرّج محمد في
نبوته، إمّا بما عمدوا اليه من التوفيق فيما بينها، واما بالاعتراف بأن الآيات
المتأخرة تنسخ ما قبلها، وذلك في الآيات التي يشتدُّ فيها التناقض بين تلك الآيات»([381]).
وجاء في موضع آخر تحت مادة «عقيدة محمد في الله»:
«وقد عرّف محمد الله بأنه الملك، المنتقم الغيور، وأنه سيحاسب الناس من غير شك
ويعاقبهم في اليوم الآخر، وبذا تحوّلت تلك الفكرة الغامضة عن الله الى ذات لها خطر
عظيم. وينبغي لنا الآن أن نتبسّط في الكلام على هذه الذات كما تصوّرها محمد، ومن
حسن التوفيق ان لوازم السجع حملته على وصف الله بعدة صفات يتردد ذكرها كثيراً في القرآن
«سورة الاعراف ـ الآية 179، سورة بني اسرائيل ـ الآية 110، سورة طه ـ الآية 7،
سورة الحشر ـ الآية 24» وتبيّن شغف محمد بهذه الصفات وشدّة تمسكه بها. وكانت الفطرة
السليمة هي التي دفعت المسلمين بعد محمد الى جمع هذه الصفات وتقديسها، وهذه الصفات
تعبّر عن حقيقة إله محمد أحسن مما تعبر عنها الصفات التي ذكرها علماء الكلام في
القرون الوسطى، وهي تعيننا كثيراً في فهم وتحديد عبارات محمد، المبعثرة المتناقضة»([382]).
وفي موضع آخر يسوق «كارادي فو
B. Carrade Vaux» دعوى تناقض القرآن بصياغة
وجود تردد فيه كما في المقطع التالي تحت مادة «جهنم»: «الظاهر ان القرآن قد تردد
بعض التردد في مسألة خلود العذاب في جهنم، فالآيات التي تشير الى ذلك لا تتفق تمام
الاتفاق، ولعل هذا التردد إنما يرجع الى ان النبي محمداً لم يكن من الفلاسفة
المتفكرين، فلم يستطع أن يعرض بوضوح المشكلة كمشكلةِ الخلود يدخل فيها مثل هذا
التصوّر المجرّد»([383]).
كما تأتي دعوى التردد على سبيل الملازمة بين القرآن
والتغييرات التي تحصل في توجّهات النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يقول «فنسنك» تحت مادة «الخمر»: «ولم يكن
تحريم الخمر في برنامج النبي منذ البداية، بل نحن نجد في الآية 67 من سورة النحل
مدحاً في الخمر بوصفها آية من آيات الله للناس وهذا نصها: (وَمِنْ
ثَمَراتِ النَّخيلِ وَالأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً
حَسَناً...) بيد أنه قيل ان عواقب السكر قد ظهرت على الصورة
التي بيّنا، فدفع ذلك النبي الى ان يغيّر من اتجاهه. وأول ما نزل من الوحي مبيّناً
هذا الاتجاه هو الآية 216([384])
من سورة البقرة ونصها:
(يَسْألُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إثْمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإثْمُهُما
أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما...) على ان
هذه الآية لم تعد تحريماً. ولم يغيّر الناس من عاداتهم وحدث ان اضطرب نظام الصلاة
فنزلت آية اُخرى هي الآية 46([385]) من سورة
النساء:
(يا أيُّها الّذينَ
آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وَأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
...) ومع ذلك فإن هذه الآية ايضاً لم تعد تحريماً مطلقاً
للخمر حتى نزلت الآية 92([386])
من سورة المائدة فوضعت حدّاً للخمر:
(يا
أيُّها الّذينَ آمَنُوا إنَّما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصابُ وَالأزْلامُ
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)»([387]).
ان الدس والتشويه الذي يوحي بشبهة أن في القرآن
تناقضاً وفي بعض آياته تردداً فيه مغالطة فاضحة من جهة وجهل او تجاهل بطبيعة
القرآن الكريم من جهة اُخرى، وتوضيح ذلك بما يأتي:
1 ـ إن التطوّر المدّعى او بتعبير أدق التدرج الذي نجده في القرآن
الكريم، سواء في آيات الارشاد العقلي للجانب العقائدي أو آيات الاحكام الخاصة بالتشريع
الاسلامي أو آيات الاخلاق والتربية لإعداد الفرد المؤمن والأمة المؤمنة إنما هو
أمر طبيعي اقتضته طبيعة الحكمة في الطرح الرسالي الهادف الى توفير وإعداد عوامل
الدعوة والبناء للانسان والمجتمع، وليس كتاباً أكاديمياً مدرسياً يصنّف موضوعاته
بفصول وأبواب تستوعب موضوعاتها مرة واحدة، وحتى الكتب المدرسية تخضع لمنهج التدرّج
في طرح الحقائق والمعلومات، فتبدأ بالاوّليات والإجماليات وتترقى الى الرتب الاعلى
في العمق والتفصيل العلمي، فهذه الشبهة المدعاة مغالطة فاضحة مردودة على أصحابها
من رجال الاستشراق ومَنْ سار على نهجهم ورأيهم المتهافت.
2 ـ ان القرآن الكريم نزل نجوماً فهو إضافة لكونه كتاب تربية
وإعداد للرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم) والأمة
المؤمنة كما ذكرنا اعلاه، هو ايضاً كتاب حركة وارشاد وإحكام لقيادة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لدعوته الناس للاسلام، فجاءت آياته بشكل يرتبط
بالزمان والمكان طبقاً للظروف والأحوال والمستجدات التي تفرزها طبيعة حركة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته سواء في الموضوع أو المنهج أو الاسلوب،
لهذا نجد أن لكل آية من آيات القرآن الكريم شأناً وسبباً للنزول له مدخليّة
اساسيّة في تحديد ما تتضمنه الآية من طبيعة للموضوع ومنهجيّة لعرضه واُسلوب
لبيانه، كما أن له دوراً اساسياً في تأويل معاني الآيات ومداليلها، فأصحاب الشبهة
من المستشرقين وأربّائهم يتجاهلون هذه الحقيقة أو يجهلونها على اقل تقدير لو أحسنا
الظن بهم. وهكذا نميّز بين المركوز لديهم عن الكتاب الاكاديمي المدرسي وبين القرآن
الكريم باعتباره كتاب تربية ودعوة وحركة ارتبط بالزمان والمكان لدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وحركته في المجتمع آنذاك.
3 ـ وعلى ضوء الحقيقتين الآنفتين، فمن الطبيعي ان تجد قصص الانبياء(عليهم السلام)والامم السالفة خاضعة لتلكما الحقيقتين، فالأطوار
التي اشار لها المستشرق «سبرنجر» وامثاله في عرض ما يتعلق بالنبي ابراهيم(عليه السلام) والنبي اسماعيل(عليه السلام) ومكة المكرمة مرتبط بتلكما الحقيقتين، حيث يجمل
تارة ويفصّل اخرى، ويعرض الحقائق من زاوية معينة مرةً وبتفاصيل جديدة مرةً اخرى،
وهكذا حسب مناسبات الموضوع وارتباطه بدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وحركته التغييرية في الأمة آنذاك.
فلا غرابة ولا تردد ولا تناقض في آيات القرآن
الكريم، بل الغرابة كلها فيما يخرصون.
4 ـ أمّا قول المستشرق «سنوك» تحت مادة «اسرائيل»: «ويظهر ان
محمداً كان اوّل الأمر يعتبر يعقوب ابناً لابراهيم فعندما زُفّت البشرى لسارة
يقول: (فَبشّرناها باسحاقَ
ومنْ وراءِ اسحاقَ يعقوبَ)»([388])،
فمردّه الى قصور هؤلاء المستشرقين عن فهم لغة القرآن العربية فعلى كل الأقوال
اللغوية في هذه الآية يكون التقدير هو: «فبشرناها باسحاق ويعقوب من وراء اسحاق»
وقد فهم المفسرون من مجيء هذه الجملة فـي هذا الموضع انها كانت لبيان أن ابراهيم
سيبقى عقبه فهو سيولد له ويولد لولده أيضاً بدليل قوله تعالى:
(واللهُ
جَعَل لَكمْ مِـن أنْفسِكُمْ أزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِن أزْواجِكُمْ بَنِينَ
وَحَفدة...)([389]). وهكذا نجد أن هذه الآية توافق جميع الآيات التي
تنقل لنا هذه الحقيقة. كما يرد على قولهم ان محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)كان اول الأمر يعتبر يعقـوب ابناً لابراهيم فـي
الآيات المكيّة، في حين ان الآيات المكيّة التي ذكرت هذا الامر بما فيها الآية
اعلاه ـ التي أوضحنا مدلولها ـ على خلاف ذلك المدّعى. فالآية «6» من
سورة يوسف المكيّة جاء في آخرها: (...
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آل يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ
مِنْ قَبْلُ إبْراهيمَ وَإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَليمٌ حَكيم) وهي بيان أن يعقوب ابن اسحاق وحفيد ابراهيم، وايضاً في الآية «39» من
سورة ابراهيم المكيّة ورد: (الحمد
لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق إنَّ ربّي لسميع الدعاء) ولم يقل اسماعيل واسحاق ويعقوب، وفي مسألة البشرى لسارة ورد في الآية
«28» من سورة الذاريات المكية ذكر لولد واحـد فقط: (فَأوْجَسَ
مِنْهُمْ خيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوه بِغُلام عَليم). فأين التردد وأين التناقض في آيات القرآن الكريم، فما لكم كيف تحكمون؟.
5 ـ وقول «بول
Fr. Buhl»: «ان قصتي صالح وهود تناقضان الدعوة المألوفة التي
أتى بها محمد في سور العهد المكي من حيث انه قال انه لم يرسل من قبله نبي الى
العرب...» الى آخره، فهي كسابقاتها تمحّل غريب، وذلك لما يأتي:
أ ـ ان الآيات([390]) التي استدل
بها «بول» هذا هي: الآية «46» من سورة القصص التي جاء فيها:
(لِتُنْذِرَ
قَوْماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذير مِنْ قَبْلِكَ ...)، والآية «2» من سورة السجدة التي جاء فيها: (لِتُنْذِرَ
قَوْماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذير مِنْ قَبْلِك)، والآية «43» من سورة سبأ والتي جاء فيها: (وَما
آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُب يَدْرُسونَها وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
نَذير)، والآية «5» من سورة يس التي جاء فيها: (لِتُنْذِرَ
قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ)، حيث ان الكاتب قد استدل بها على عدم ارسال الرسل وبعث الانبياء قبل
الرسول محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)الى العرب،
وبهذا ادّعى اكتشاف تناقض بين هذه الآيات والآيات التي اوردت قصتي صالح وهود،
وانهما نبيّان اُرسلا الى عاد وثمود وهما من العرب.
وجواب ذلك واضح لمن يتأمّل في الآيات الاُولى، حيث
انها لم تقصد بالقوم «العرب» عمومهم منذ البدء والى عصر دعوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما كانت تقصد ذلك الجيل الذي يستوعب قوم العرب
المعاصرين لنبوّة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وآباءهم القريبين، وهذا هو الواقع حقاً، حيث انقطع الوحي الالهي فترة من
الزمن، ولم يُرسل رسول لهم او يظهر نبي بينهم، فلا تناقض بين الآيات الاولى
والثانية.
ب ـ قول «بول Fr. Buhl» في دعواه هذه من ان عدم
ارسال الرسل وبعث الانبياء للعرب مألوف في سور العهد المكي، والواقع خلاف ذلك
فهناك آيات مكية تصرّح ببعث الانبياء وإرسال الرسل إلى العرب وكل الاقوام والامم،
منها قوله تعالى: (إنّا أرْسَلْناكَ
بِالْحَقِّ بَشيراً وَنَذيراً وَإنْ مِنْ اُمَّة إلاّ خَلا فيها نَذير)([391])، ومنها الآيات المكية التي تتحدث عن قصتي النبيين
صالح وهود(عليهما
السلام)، منها قوله تعالى: (وإلى ثَمُودَ
أخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ قَدْ
جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها
تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوء فَيَأخُذَكُمْ عَذابٌ أليمٌ...)([392]).
وقوله تعالى: (وإلى
ثَمُودَ أخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إله
غَيْرُهُ هُوَ أنْشَأكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ
ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ ربّي قَريبٌ مُجيب...)([393])، وقوله تعالى: (والى
عاد أخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ
إنْ أنْتُمْ إلاّ مُفْتَرُونَ ...)([394])، وقوله تعالى: (كَذَّبَتْ
ثَمُود الْمُرْسَلينَ * إذْ قالَ لَهُمْ أخُوهُمْ صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ * إنّي
لَكُمْ رَسُولٌ أمينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأطيعُونِ...)([395])، وقوله تعالى: (كذَّبَتْ
ثَمُود بِالنُّذُرِ ...)([396])، وقوله تعالى: (كَذَّبَتْ
ثَمُود وَعاد بِالقارِعَةِ...)([397]) والمثير للاستغراب ان «بول» نفسه قال: «وقد وردت
قصتا هذين النبيين في أقدم السور المكية، مثل سورة النجم الآية «51» وما بعدها،
وسورة البروج الآية «17» وما بعدها، وسورة الفجر الآية «8»، وسورة الشمس الآية
«11» وما بعدها، كما ترد كثيراً في السور التي تليها»([398]).
ثم أليست هذه الآيات قيوداً صريحة تشير الى ارسال الرسل وبعث الانبياء للعرب لتنفي
بذلك العموم المدّعى وتخصصه بما قلناه أولاً من أنه ينحصر بالمعاصرين والآباء
القريبين؟ فمن الذي وقع في التناقض؟ هل هو القرآن الكريم؟ وقد أثبتنا بوضوح عدمه،
أم هو «بول» واضرابه من المستشرقين من الذين تكلفوا العلم وتمحّلوا دعوى المعرفة
وما هم الاّ يجهلون؟
6 ـ قول «نولدكه
N ldeke Sc. hwally» تحت مادة «اصول»: «وكان همّ المفسرين
التخلّص من المتناقضات العديدة الواردة في القرآن». وقوله ايضاً: «والتي تصوّر لنا
تدرّج محمد في نبوته» إلى آخر مقولته في دعوى تناقض آيات القرآن الكريم، وفيه:
أ ـ أن «نولدكه» هذا ونظائره نتيجة قصورهم عن فهم
كثير من مسائل علوم القرآن ومنها مسألة الناسخ والمنسوخ هي التي دفعتهم لادّعاء
وجود تناقض في آيات القرآن الكريم دون تأمّل ورجوع الى المتخصصين في علم تفسير
القرآن الكريم، بل ذهبوا كثيراً في الافتراء والتهمة عند صياغتهم لهذا الادعاء باتهامهم
المفسرين المتأخرين بأن همّهم كان التخلّص من المتناقضات العديدة الواردة في
القرآن، وكأن هذه التناقضات حقيقة واقعة لا مفرّ منها. وعليه فلا بد لنا من ايضاح
مختصر لحقيقة النسخ في القرآن الكريم.
النسخ في القرآن
الكريم:
النسخ لغة: النقل والإزالة والإبطال، وأنسب المعاني
اللغوية التي تنسجم مع فكرة النسخ هي الازالة لقول أهل اللغة: نسخ الشيب الشباب
اذا أزاله وحلّ محله([399])،
ويدعم ذلك قوله تعالى:
(ما
نَنْسَخ مِنْ آيَة أوْ نُنْسِها نَأتِ بِخَيْر مِنْها أوْ مِثْلِها)([400])، وقوله تعالى: (يَمْحُو
اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أمُّ الْكِتابِ)([401])، وقوله تعالى: (وَإذا
بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَة وَاللهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ
مُفْتَر بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)([402]).
والذي ينسجم مع المحوِ والتبديل الوارد في هذه
الآيات الكريمة هو معنى الإزالة. اما اصطلاحاً فقد عرّفه السيد الخوئي(قدس سره) بأنه: «رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه، سواء أكان
ذلك الامر المرتفع من الاحكام التكليفية ـ كالوجوب والحرمة ـ أم من الاحكام
الوضعية كالصحة والبطلان. وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الامور
التي ترجع الى الله تعالى بما انه شارع»([403]). وهذا
التعريف يخرج من النسخ كل صور المخالفة في الظهور اللفظي بين الآيات سواء أكانت
على نحو العموم والخصوص من وجه أو العموم المطلق، أو كانت إحداها مطلقة والاخرى
مقيّدة، التي تقوم بدور تفسير بعضها البعض الآخر. وقد كان المفسرون المتقدمون
يدخلونها تحت عنوان النسخ مجازاً. وبيان جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعاً هو ان
العقلاء من المسلمين وغيرهم اثبتوا جواز النسخ عقلاً، وخالفهم في ذلك بعض اليهود
والنصارى محاولة منهم للطعن بإلهية الدين الاسلامي، وتمسكاً بدوام الديانتين
اليهودية والمسيحية، والشبهة التي يدّعيها المستشرق «نولدكه» وأمثاله تتأسس على
نفس الرؤية والشبهة التي طرحها ذلك البعض من اليهود والنصارى، وجامع صياغتهم
للشبهة هو قولهم إن التناقض في القرآن ثابت لعدم جواز النسخ عقلاً وعدم وقوعه شرعاً.
فعدم جوازه عقلاً قائم على أساس استلزامه أحد أمرين باطلين: الاول البداء المستلزم
للجهل والنقص، والثاني العبث. لأن النسخ إما ان يكون بسبب حكمة ظهرت للناسخ بعد أن
كانت خفية لديه، أو ان يكون لغير مصلحة وحكمة. وكلا هذين الأمرين باطل بالنسبة الى
الله سبحانه، ذلك أن تشريع الحكم من الحكيم المطلق وهو الله سبحانه لا بد ان يكون
بسبب مصلحة يستهدفها ذلك الحكم فتقتضي تشريعه، حيث أن تشريع الحكم بشكل جزافي
يتنافى وحكمة الشارع، وحينئذ فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه بسبب المصلحة إمّا ان
يكون مع بقاء حاله على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها، وهـذا ينافـي حكمة
الجاعل وهو العبث نفسه، وإمّا ان يكون مـن جهة جهله بواقع المصلحة والحكمة وانكشاف
الخلاف لديه على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين الوضعية، وعلى كلا الفرضين
يكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً لأنه يستلزم المحال، إما الجهل أو العبث وهما
محالان على الله سبحانه لأنهما نقص ولا يتصف بهما.
وفي الجواب عن هذه الشبهة لا بد لنا من بيان مقدمة
وهي أن الحكم المجعول من قبل الشارع ينقسم الى قسمين:
الأول ـ الحكم المجعول الذي لا يكون وراءه بعث وزجر
حقيقيّان، كالأوامر والنواهي التي تُجعل ويقصد بها الامتحان ودرجة الاستجابة. وهذا
ما نسمّيه بالحكم الامتحاني.
الثاني ـ الحكم المجعول الذي يكون بداع حقيقي من البعث
والزجر حيث يقصد منه تحقيق متعلّقه بحسب الخارج، وهذا ما نسميه بالحكم الحقيقي.
ونجد من السهل الالتزام بالنسخ في القسم الاول من الحكم، إذ لا مانع من رفع هذا
الحكم بعد إثباته بعد أن كانت الحكمة في نفس إتيانه ورفعه، لأن دوره ينتهي
بالامتحان نفسه، فيرتفع حين ينتهي الامتحان ولحصول فائدته وغرضه. والنسخ في هذا النوع
من الحكم لا يلزم منه العبث ولا ينشأ منه الجهل والنقص الذي يستحيل في حقه تعالى.
وأما القسم الثاني من الحكم فإننا يمكن ان نلتزم
بالنسخ فيه دون ان يستلزم ذلك شيئاً من الجهل أو العبث، حيث يمكن أن نضيف فرضاً
ثالثاً الى الفرضين اللذين ذكرتهما الشبهة. وهذا الفرض هو ان يكون النسخ لحكمة
كانت معلومة لله سبحانه من أوّل الامر ولم تكن خافية عليه، وإن كانت مجهولة عند الناس
غير معلومة لديهم، فلا يكون هناك بداء بالمعنى الذي يستلزم الجهل والنقص لأنه ليس
في النسخ من جديد على الله لعلمه سبحانه بالحكمة مسبقاً، كما انه لا يكون عبثاً
لوجود الحكمة في متعلّق الحكم الناسخ وزوالها في متعلّق الحكم المنسوخ، وليس هناك
ما يشكل عقبة في طريق تعقّل النسخ هذا إلاّ الوهم الذي يأبى تصور ارتباط مصلحة
الحكم بزمان معين بحيث تنتهي عنده، وإلاّ الوهم الذي يرى في كتمان هذا الزمان
المعين عن الناس جهلاً من الله بذلك الزمان. وهذا الوهم يزول حين نلاحظ بعض
النظائر الاجتماعية التي نرى فيها شيئاً اعتيادياً ليس فيه من المحال أثر ولا من
العبث والجهل.
فالطبيب حين يعالج مريضاً ويرى أن مرحلة من مراحل
المرض التي يجتازها المريض يصلح لها دواء معين فيصف له هذا الدواء لمدة معينة ثم
يستبدله بدواء آخر يصلح لمرحلة اُخرى لا يوصف عمله بالعبث والجهل، مع أنه قام بوضع
أحكام معينة لهذا المريض في زمان محدود ثم رفعها عنه بعد مدة من الزمن. وحين وضع
الحكم كانت هناك مصلحة تقتضيه، كما انه حين رفع الحكم كانت هناك مصلحة تقتضي هذا
الرفع، وهو في كل من الحالين كان يعلم المدة التي يستمر بها الحكم والحكمة التي
تقتضي رفعه. ونظير هذا يمكن ان نتصوره في النسخ، فإن الله سبحانه حين وضع الحكم
المنسوخ وضعه من أجل مصلحة تقتضيه، وهو سبحانه يعلم الزمان الذي سوف ينتهي فيه
الحكم، وتتحقق المصلحة التي من أجلها شرع، كما انه حين يستبدل الحكم المنسوخ
بالحكم الناسخ يستبدله من أجل مصلحة معينة تقتضيه، فكلٌّ من وضع الحكم ورفعه كان
من اجل حكمة هي معلومة عند جعل الحكم المنسوخ. فليس هناك جهل، كما أنه ليس هناك
عبث لتوفّر عنصر العلم والحكمة في الجعل والرفع.
نعم هناك جهل الناس بواقع جعل الحكم المنسوخ، حيث
كان يبدو استمرار الحكم نتيجة للاطلاق في البيان الذي وضع الحكم فيه، ولكن النسخ
إنما يكون كشفاً عن هذا الواقع الذي كان معلوماً لله سبحانه من أول الأمر. أما
وقوع النسخ شرعاً فانه يتحقق في موارد عديدة سواء في الشريعة الموسوية أو الشريعة المسيحية
أو الشريعة الاسلامية. فقد جاءت نصوص في التوراة والانجيل وفي الشريعة الاسلامية
تتضمن النسخ ورفع ما هو ثابت في نفس الشريعة أو في غيرها من الشرائع السابقة، منها:
1 ـ تحريم اليهود العمل الدنيوي يوم السبت مع الاعتراف بأن هذا
الحكم لم يكن ثابتاً في الشرائع السابقة، وإنما كان يجوز العمل في يوم السبت كغيره
من أيام الاسبوع([404]).
2 ـ أمر الله سبحانه بني اسرائيل قتل انفسم بعد عبادتهم العجل ثم
رفعه لهذا الحكم عنهم بعد ذلك([405]).
3 ـ الأمر ببدء الخدمة في خيمة الاجتماع في سن الثلاثين ثم رفع هذا
الحكم وإبداله بسن خمس وعشرين سنة ثم رفعه بعد ذلك وإبداله بسنِّ العشرين([406]).
4 ـ النهي عن الحلف بالله في الشريعة المسيحية مع ثبوته في الشريعة
الموسوية والالزام بما التزم به في النذر او اليمين([407]).
5 ـ الامر بالقصاص في الشريعة الموسوية([408]).
ثم نسخ هذا الحكم في الشريعة المسيحية ونهي عن القصاص([409]).
6 ـ تحليل الطلاق في الشريعة الموسوية([410]).
ونسخ هذا الحكم في الشريعة المسيحية([411]).
أما النسخ في الشريعة الاسلامية فهو أمر ثابت لا
يكاد يشكّ فيه أحد من علماء المسلمين سواء في ذلك ما كان نسخاً لأحكام الشرائع
السابقة او ما كان نسخاً لبعض احكام الشريعة الاسلامية نفسها. ومن هذا النسخ ما
صرح به القرآن الكريم كنسخه حكم التوجه في الصلاة الى القبلة الاولى «المسجد الأقصى»،
القبلة الثانية في الشريعة الموسوية، وأمره بالتوجه شطر المسجد الحرام([412]).
ب ـ ان قول «نولدكه»، في تفسير المتناقضات التي يدعي
ورودها في القرآن من أنها تصوّر لناتدرّج محمد في نبوته، تشويه فاضح يفتقر الى
المنطق السليم والموضوعية العلمية ويكشف عن روح التحامل، إذ انه لا يستفرغ الوسع في
البحث العلمي عن الحقائق، انما يطويه سريعاً لينتقل الى ما يحكيه اليه ميلهُ من تفسير
وتعليل فيغمز في نبوة محمد ابتداءً ويصورها على انها كانت متدرجة، بدليل ان الآيات
القرآنية بدأت متناقضة لان نبوة محمد بدواً لم تتحقق، وهكذا يترك قارئه في دوّامة
الشك والتردد. وقد أوضحنا في الفقرة السابقة ما هو ثابت من حقيقة النسخ في القرآن
الكريم كما هو في الشرائع السماوية السابقة، وما هي المصلحة فيه، فلا متناقضات في
القرآن، وبالتالي تبطل شبهة «نولدكه» واحتمالاته في تدرّج نبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
7 ـ قولهم تحت مادة «عقيدة محمد في الله»، بعد كلام لهم في تعريف محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)لصفات الله سبحانه: «... وهي تعيننا
] الصفات[ كثيراً في
فهم وتحديد عبارات محمد المبعثرة المتناقضة»، هي صورة جديدة من صور دعوى التناقض في
القرآن الكريم غير تلك التي تناولنا الجواب عنها في مسألة النسخ في القرآن، وفي
الرد عليهم نقول:
أ ـ انكم لم تبيّنوا لنا موارد التناقض في صفات الله
الواردة في القرآن الكريم، فدعواكم هذه مجملة وغامضة لا وضوح فيها.
ب ـ إذا كان قصدكم من التناقض هو ما بين الصفات
الكمالية المتقابلة معنىً لله سبحانه كالغفور الرحيم والمنتقم شديد العقاب،
فجوابه، انكم أولاً: يجب ان تحيطوا بحقيقة عقيدة التوحيد والعدل الإلهي التي ارشد
اليها القرآن الكريم في آيات الارشاد العقائدي والتي تعتبر صفات الله الكمالية عين
ذاته لا شيئاً خارجاً عنها موصوفاً سبحانه وتعالى بها (سُبْحانَهُ
وَتَعالى عَمّا يَصِفُون)([413])، فيها تتجلّى معرفة الكمال المطلق الذي يسعى
الانسان للتكامل في طريقه المستقيم. وثانياً: إن هذه الصفات المتقابلة ليست
متناقضة، لأنها تختلف باختلاف متعلّقها، فالله سبحانه وتعالى غفورٌ رحيمٌ لمن
اقتضى لطفه وحكمته رحمته والمغفرة له، وهو منتقم شديد العقاب لمن اقتضى عدله
وحكمته الانتقام منه وتشديد العقاب عليه، وهكذا شأن الصفات الكمالية الأخرى. فلا
تناقض فيها ولا غموض (سُبْحانَ رَبِّكَ
رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلى الْمُرْسَلينَ * وَالْحَمْدُ
للهِ رَبِّ الْعالَمين)([414]).
8 ـ قول «كارادي فو
B. Carrade Vaux» تحت مادة «جهنم»: «الظاهر ان
القرآن قد تردد بعض التردد في مسألة خلود العذاب في جهنم، فالآيات التي تشير الى
ذلك لا تتفق تمام الاتفاق، ولعلّ هذا التردد إنما يرجع الى ان النبي محمداً لم يكن
من الفلاسفة المتفكرين... الخ» فيه ما يلي:
أ ـ ان المقطع الاول الذي يشير الى دعوى تردد بعض
آيات القرآن الكريم في مسألة خلود العذاب في جهنم جاء ناقصاً لا يتضمن دليلاً او
مثالاً على التردد المدعى فهو قول جزافي لا قيمة علمية له.
ب ـ ان العذاب الإلهي في الآخرة له درجات تتناسب
ومستوى الجريمة التي ارتكبها الانسان في الدنيا، فهي تتدرج من المعاصي والمفاسد
على اختلاف خطرها وعظمها، الى الشرك والكفر والطغيان جحوداً بالله وإنكاراً
لاُلوهيته والاستكبار والعلو في الارض دونه سبحانه وتعالى.
ولهذا جاءت آيات القرآن الكريم لتؤكد الخلود والشدّة
في العذاب لدرجات القسم الثاني ودون ذلك في القسم الأول، وهنا يأتي دور تفسير بعض الآيات
للبعض الآخر تخصيصاً لعمومها وتقييداً لاطلاقها إنْ كان هناك مخصص او مقيّد
لموردها، فيمتاز بعضها بالقول بالخلود في العذاب وبعضها الآخر بما دون ذلك، فلا
تردد ولا تناقض عند اولي الالباب.
ج ـ ان تعليل «كارادي فو» دعواه بتردد القرآن في
مسألة خلود العذاب في جهنم بأنه يرجع الى ان النبي محمداً لم يكن من الفلاسفة
المتفكّرين، فيه: اولاً: غمزٌ بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ما أجلنا الحديث فيه الى فصل مستقل إن شاء
الله. وثانياً: لما قلنا سابقاً من أن القرآن الكريم ليس كتاباً مدرسياً ولا
مؤلفاً أكاديمياً يعرض المسائل بطريقة تحليلية متسلسلة وبلغة مدرسية ومنهج اكاديمي
مقرر، انما هو كتاب دعوة وتربية للانسان والاُمة وارشاد وقيادة لحركة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)الميدانية عند بعثته وطيلة حياته الرسالية وفهم
القرآن واستنباط الحقائق والاحكام والتعليمات منه يحتاج الى الاحاطة بجملة مقدمات
وقواعد تسمى بعلم تفسير القرآن الكريم، الذي يتناول علوماً فرعية متعددة تحقق
القدرة على التفسير والتأويل للقرآن، منها علوم اللغة وعلوم القرآن، وعلم الحديث،
وأمثال ذلك، وإنما اضطررنا لهذه العلوم لابتعادنا عن زمن التنزيل، حيث ان وجود الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) كان يغني المسلمين آنذاك عن الإحاطة التفصيليّة
بهذه العلوم; فقد كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم
السلام) تراجمة القرآن
وعلماء حقائقه ودقائقه، ثم ان بلاغة القرآن وبيانه كانت واضحة لدى المسلمين في عصر
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم) لتذوّقهم
الفطري لها، كما ان معاصرتهم للحوادث والوقائع التي تشكل شأن وأسباب النزول كانت
تغنيهم عن البحث والاستقصاء عنها لمعرفة مدلول الآيات النازلة بشأنها، وهذا أمرٌ
يدركه العقلاء ويلتزمون بلوازمه. فيبطل التعليل كما تبطل الدعوى.
9 ـ قول «فنسنك» تحت مادة «الخمر»: «ولم يكن تحريم الخمر في برنامج
النبي منذ البداية، بل نحن نجد في الآية 67 من سورة النحل مدحاً في الخمر بوصفها آية
من آيات الله للناس...، بيد ان عواقب السكر قد ظهرت على الصورة التي بيّنا، فدفع
ذلك النبي الى ان يغيّر من اتجاهه»، فيه ما يلي:
أ ـ غمزٌ بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وبصدق الوحي الإلهي له([415])،
وإلاّ فليس القرآن الكريم كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليبرمجه حسب رأيه، إنما هو كلام الله أنزله نجوماً على رسوله محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة الوحي حسب مقتضيات الحكمة الإلهية ومناسبات حركة
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم) ودعوته
للاسلام، فبرنامج التحريم للخمر ـ حسب قول «فنسنك» ـ ليس إلاّ تدرجاً في طريقة
ومستوى البيان للحكم الشرعي، من تقبيح وتحريم له مرّةً وبيان لاشتماله على الاثم ـ
وهو محرّم ـ أخرى، والزجر عن تناوله لحرمته ثالثة...، ولا تعارض بين الآيات التي
تناولت الخمر، فكلّها تحرّمه بصيغ بيانية متنوعة اقتضتها تلك الحكمة الإلهية
والمناسبات الواقعية، شأنها في ذلك شأن كثير من الظواهر الاجتماعية الفاسدة التي
تستلزم تدرّجاً زمنياً في طريقة ومستوى بيان الموقف الشرعي الكامل منها، وبالشكل
الذي يتناسب وقابلية التلقّي الذهني والنفسي لمجتمع الدعوة والرسالة لهذا التشريع
أو ذاك، ليتحقق الهدف الإلهي في إدراك الناس له وتحصيل الاستعداد للتسليم به، وهذه
سنّة الله في رسالاته وشرائعه للامم السالفة «كاليهودية والنصرانية» والتي ألمحنا لأمثلتها
في بحث النسخ في القرآن الكريم في الفقرات السابقة من هذا البحث([416]).
ب ـ أمّا قوله: «ان في الآية 67 من سورة النحل مدحاً
في الخمر بوصفها آية من آيات الله للناس...» فليس كذلك، ولعل السبب في سوء الفهم
هذا هو روح التحامل على الاسلام من جهة ـ خصوصاً عند «فنسنك» المعروف بذلك ـ وعدم الاحاطة
باللغة العربية من جهة اخرى. فالآية الكريمة مكيّة وهي تخاطب المشركين وتجيبهم في
سياق الظواهر الطبيعية التي يعايشونها في حياتهم الاعتيادية، عن سؤالهم المقدّر
وهو: ما هي ثمرات انزال الماء من السماء؟ فكون اتخاذ المشركين السُكْر من ثمرات
النخيل والاعناب لا يعني تحسينه لهم، خصوصاً وان الآية الكريمة تنسب السكر إليهم
وانه من صنعهم، وليس هو إلاّ إشارة الى ثمرة طبيعية مألوفة لديهم، بل هناك قرينة
واضحة في الآية تدل على نوع من تقبيح السُكْر من جهة مقابلته بالرزق الحسن، فلو
كان السكر حسناً لما ميّزته الآية الكريمة عن الرزق الحسن.
في
صياغة قرآنه ودينه الجديد
ولإبراز هذه الشبهة، دسّ العديد من محرري دائرة
المعارف الاسلامية ادعاءات ومقولات متنوعة:
منها: ما جاء تحت مادة «جبريل» حيث يقول «كارادي فو
CarradeVaux»: «وقد اصطنع النبي القصة التي تقول بأَن هذا الرسول السماوي
يتحدث إلى الأنبياء واعتقد أنه تلقّى رسالته ووحيه منه... والظاهر أن النبي عرف
جبريل من خبر البشارة الوارد في الإنجيل ولكنه لم يكن في مقدوره ان يعرف الانجيل
من غير وساطة، ولعلّه سمع ذلك الخبر من أفواه بعض الفلاسفة أو الباحثين في الأديان
أو من احد الحنفية وقد وصلهم الخبر مشوّهاً. وفي رأي النبي أن الله بعث بروحه إلى
مريم فتمثّل لها بشراً سوياً (سورة مريم الآية 19)»([417]).
وتحت مادة «سحر» يقول «هيك
T. W. Haig»: «... ان اصول الاسلام نفسها
قد تأثرت تأثراً عميقاً بمعتقدات أناس غرباء عن الاسلام كلية»([418]).
وتحت مادة «اُمّة» يقول «ر. پاريه
R. Paret»: «هي الكلمة التي وردت في القرآن
للدلالة على شعب أو جماعة، وهي ليست مشتقة من الكلمة العربية «أمّ»، بل هي كلمة
دخيلة مأخوذة من العبرية «أُمَّا» أو من الآرامية «أُمِّثا»، .. وقد تكون الكلمة
الاجنبية دخلت لغة العرب في زمن متقدم بعض الشيء. ومهما يكن من شيء فإن محمداً أخذ
هذه الكلمة واستعملها وصارت منذ ذلك الحين لفظاً إسلامياً أصيلاً»([419]).
وتحت مادة «السامرة» يقول «كاسترM. Gaster
»: «... على انني لا اتردد في
القول بأن مقارنة أصول العقيدة السامرية بأصول العقيدة الاسلامية سيبين أن السامرة
قد أثّروا أثراً عميقاً في تكييف الدين الذي جاء به محمد وإظهاره في الصورة التي
تجلّى بها. وكان السامرة أبعد من أن يتأثّروا بمحمد، ولكن السامرة أنفسهم هم الذين
أثروا فيه»([420]).
وتحت مادة «السامرة» أيضاً يقول «كاستر»: «... زد
على ذلك أن اول عبارة في القرآن هي باسم الله، ولهذه العبارة شأن خاص، فقد جرى
المسلمون على استعمالها في كل أمر من امور دينهم، والحق ان كل شعيرة من شعائر
الاسلام تبدأ بها، وليست هذه العبارة ابتهالاً مباشراً إلى الله، ولكنها دعوة
باسمه القوي القدير، وهي جزء من الصوفيّة اليهودية والسامرية، وهي أيضاً الأصل في
معظم التكهنات السحرية عند القدماء. وما كانت هذه المعرفة لتتيسّر للنبي إلاّ عن طريق
اليهود أو النصارى عامة، والسامرة خاصة، ثم استعمل هذه العبارة على النحو الذي
عرفنا، وافتتح بها أول آية من آيات القرآن... على انها تصبح مفهومة إذا ما قارناها
بالدعاء السامري الذي يناظرها: «بسم الله نبدأ ونختم» أو في رواية اخرى: «باسم
الله نبدأ أو نُقبل» وهذه الصيغة هي التي يستعملها السامرة دائماً، وهي ترد في
مستهل الـ «كينوش» الذي يجمع بين دفتيه أقدم الصلوات والتراتيل، وفي مستهل الحجاب
القديم لليهود، كما ترد في بداية كل شيء. واختصرت هذه العبارة بتمامها بمرور الزمن
من كثرة الاستعمال، وبلغت محمداً بهذه الصيغة التي حُذِفَ منها جزؤها الثاني لأنه
اصبح معروفاً ومفهوماً حق الفهم، ولكنها كانت في الحق بداية صيغة ليس لها معنى إذا
لم تتم، ومع ذلك فإنها تعتمد على نظرية كانت جديدة على العالم الاسلامي، ونعني بها
الطبيعة الصوفية لاسم الله»([421]).
وتحت نفس المادة يقول كاستر: «... قال ابو الفتح: ان
ثلاثة حكماء من اهل التنجيم تنبأوا بظهور محمد ونجاح رسالته، وكان احدهم يهودياً،
والثاني مسيحياً، والثالث سامرياً. وقد ذهبوا جميعاً إلى محمد لينبئوه بما سيكون
له من شأن عظيم، وتأثر النبي بمقالهم وقبل نبوءاتهم شاكراً، واستطاع ان يهدي اليهود
والنصارى إلى دينه. أمّا اليهودي فكان «كعب الاحبار» المشهور، واما النصراني فكان
«آب سَمْلِيَهْ»، على ان السامري أبى ان يدخل في الدين الجديد، وإن كان قد استطاع
أن يؤثر في النبي اكثر من صاحبيه... وهؤلاء الحكماء الثلاثة يمثلون خير تمثيل الاديان
الثلاثة التي كان لها شأن في تكييف الاسلام»([422])، ويستمر
كاستر في ادّعاءاته فيقول: «إنا لنتساءل إلى أي حد أثر السامرة في الاسلام؟ الواقع
ان هذه الدعوى التي نطرحها الآن بالنسبة للسامرة دعوى جديدة وحسبنا ان نختار وجوهاً
قليلة منها، وهي الوجوه التي تستطيع ان تجد الدليل على وجود اصل سامري لها...»([423]).
ويستطرد كاستر في اختيار الوجوه تلك، منها قوله:
«... وإني لأبدأ بالشهادة المعروفة في الاسلام: «لا اله إلاّ الله»، وهذه الشهادة
تنطبق بقدر ما تحتمل العقائد الدينية على العبارة التي كان يرددها مراراً وتكراراً
«مَرْقح» ومعاصروه «عَمْرام درا» و«نانا»: «ليت اله الا إماد»... ومعناها ليس إله
الا أحد، وكانت وحدانية الله في نظر السامري كما كانت في نظر اليهودي وفي نظر محمد
أيضاً ركن دينه الركين»([424]).
وفي مادة «تميم الداري» يقول «ليفي دلافيدا
G. Levi Dellvida»: «... وكان تميم نصرانياً كغالب عرب الشام فاستطاع ان يخبر النبي
بتفاصيل العبادات التي استعارها من النصارى... ويقال إنَّ تميماً كان أوّل من روى
القصص الديني... وقد أخبر بها تميم النبي فأخذ بروايته وأذاعها في الناس»([425]).
وعن دعوى استقاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من التوراة يقول «هورفتز
J.Horovitz» تحت مادة «التوراة»: «وفي
القرآن الى جانب مثل هذه الاشارات البيّنة الى التوراة قصص وأحكام استقاها منها
ورددها في مواضع كثيرة دون أن يذكر المصدر الذي نقل عنه، وقد ساق اغلب هذا القصص
في صيغته الهجاديّة([426])وحوّر
بعضه بحيث يلائم اغراض محمد الخاصة»([427]).
وتحت مادة «جهنم» يحاول «كارادي فو
B. Carrade Vaux» من خلال تعريفه لها ان يطعن بإلهية القرآن الكريم ورسالة النبي
محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم)بالاسلام
فيقول: «جهنم: وهي كلمة مشتقة من اللفظ العبري «جيحنّون» أو «وادي هنوم» (انظر سفر
يوشع، الاصحاح الخامس عشر، الفقرة 8) وكان وادياً بالقرب من بيت المقدس تقدّم فيه
القرابين الى مولك في ايام العقوق، وكلمة جهنّام بالف بعد النون معناها البئر
العميق. وقد تردد ذكر جهنم وفكرة جهنم كثيراً في القرآن اما لأن محمداً نفسه قد
بدهته هذه الفكرة وامّا لأنه رأى انه من المفيد ان يلحّ في ذكرها لتفعل فعلها في
مشاعر السامعين»([428]).
وتحت مادة «دنيا» يحاول «كارادي فو» مرة اُخرى أن
يطعن بإلهية القرآن الكريم ويؤكّد أن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) استقى آيات قرآنه من اليهوديّة والمسيحيّة، فيقول: «...
واُسلوب محمد في استعمال هذه الكلمة يذكّرنا تماماً باُسلوب وعّاظ النصارى: (اُولئِكَ
الّذينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم
الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) «سورة
البقرة ـ الآية 80»([429])،
وجاء في القرآن أيضاً «سورة الأعلى، الآيات من 16 ـ 19»:
(بَلْ
تُؤثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقى * إنَّ هذا لَفي
الصُّحُفِ الاُولى * صُحُفِ إبْراهيمَ وَمُوسى)، ونحن نستدلّ من هذه الآيات أن محمداً لم يدّعِ أنّه أتى بجديد وهو يلقي
بمواعظ من هذا القبيل، على ان الشيء الذي ينسب لليهودية يجب أن ينسب إلى المسيحية»([430]).
وتحت مادة «السكينة» يحاول «جويل
B. Joel» من خلال دعوى استعارة هذه
الكلمة من العبريّة واقترانها بتصوّرات من العقائد الوثنيّة في الجن أن يوحي بأن
القرآن هو كلام النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وليس كلام الله، فيقول: «السكينة: كلمة مستعارة من العبريّة «شكينا» وهي
تدلّ في هذه اللغة على حضرة الله بالمعنى الروحي الخالص، وتتجلى هذه الحضرة
أحياناً بعلامة كنار او سحابة أو نور مما يستطاع إدراكه بالحواس. ومن الواضح ان
النبي](صلى الله عليه وآله وسلم)[ لم يتبين بجلاء المعنى الحق لهذه
الكلمة، إذ يقول: إن السكينة هي وبعض الآثار كانت مودعة في تابوت بني اسرائيل
المقدّس، ولعلّه قرن هذه الكلمة العبرية المستعارة بتصوّرات استقاها من العقائد
الوثنية في الجن»([431]).
وتحت مادة «السحر» يرسل «هيك» دعواه بتأثير المسيحية
واليهودية في هذا الدين إرسال المسلّمات وبصياغة صريحة من أنه من مؤلفات هاتين الديانتين،
بالإضافة الى غيرهما مما هو سائد في جزيرة العرب آنذاك، فيقول: «وهكذا نجد أن عالم
الأرواح في جزيرة العرب، مهد الاسلام، على ايام محمد](صلى الله عليه وآله وسلم)[، كان يتألّف ـ بصرف النظر عن الآثار المسيحية واليهودية التي في هذا
الدين ـ من الله ومن الآلهة القبليّة والجن، وكان الكهّان والسحرة والعرّافون والشعراء
والمجذوبون صلة الوصل بين الناس وبين هذا العالم»([432]).
وتحت مادة «داود» ومن خلال بحثه عن مصدر معلومات
النبي محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)عن النبي
داود(عليه السلام) يحاول «كارادي فو» إثبات أنَّ محمداً استقى قصة
النبي داود في قرآنه من التوراة، فيقول: «وقد ورد ذكره ] داود[
في التوراة.
وفي القرآن عدة آيات تشير الى قصة الملك النبي داود، خليفة الله «سورة ص ـ الآية
25»، وقد حُرّفت هذه القصة شأن غيرها من قصص الأنبياء بعض التحريف، ويظهر فيها أثر
من مذهب الربانيين، أو قل انه يبدو فيها أثر السعي الى تفسير بعض آيات من التوراة
لم تعرف على وجهها الصحيح. فقد كان محمد يعلم أن داود قتل جالوت «القرآن، سورة
البقرة ـ الآية 250 وما بعدها» وأن الله آتاه الزبور، والزبور سفر من الأسفار
الأربعة التي عرفها محمد من التوراة»([433]).
وتحت مادة «الجنّة» كما في غيرها من المواد المشابهة
يكرّس «كارادي فو» دعواه بأنَّ محمداً أو من كان وراءه قد تأثروا بالمسيحية،
فيقول: «ولا بدَّ من أن يكون محمد أو معلّموه المجهولون قد رأوا بعض التصاوير أو
بعض قطع الفسيفساء المسيحية التي تصوّر حدائق الفردوس، وأوّلوا صورَ الملائكة كما
لو كانت صورَ الولدان والحور»([434]).
وللايحاء بدعوى أنَّ النبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخذ من الأديان السابقة وتأثر بها في صياغة دينه
الجديد يقول «كاستر» تحت مادة «الأدب السامري»: «والتشابه بين أصل الحديث وبين
السنّة السامريّة الشفوية أوثق من التشابه بين الحديث وبين السنّة اليهودية أو
المسيحية»([435]).
ويحاول «جوينبل Th. W. Juynboll» أن يؤكّد هذه الشبهة فيدّعي
أن الإقامة أخذت من اليهود والنصارى، حيث يقول تحت مادة «إقامة»: «إن المسلمين
استعاروا عبارات الإقامة من البركات التي تتلى في صلاة اليهود، في حين يقول «بيكر
Geschichtedes،Zur:
C. H. Becker ص3، ص389 Islamischen Kultuse Der Islam»: إنها نشأت من الأذان الذي نسج على منوال القدّاس عند النصارى»([436]).
وهكذا ينساق كتّاب دائرة المعارف الاسلامية مع هذه
الدعوى ويردّدون نفس الشبهة في موادها الاُخرى، منها ما في مادة «الجمعة» التي
يقول فيها «جوينبل»: «ويصحّ أن نذهب الى أن النبي نفسه جرى على إقامة صلاة عامة وإلقاء
خطبة على طريقة اليهود في فناء داره بالمدينة في أيام الجمعة، ولعلّه قد جرى على
إقامة الصلاة تتبعها الخطبة كما كانت عليه الحال لدى الجماعات المماثلة في الأزمنة
السابقة له، إذ كانت الصلاة العامة تسبق أداء الأعمال الاُخرى»([437]).
وتحت مادة «الخطبة» يحاول «فنسنك
A. J. Wensinck» أن ينفي الوحي الإلهي للنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وتشريعه لنظام عبادة الصلاة الإسلامية فيقول:
«ومهما يكن من أمر الشكّ في هذه الأحاديث، فلسنا نبتعد عن القصد إذا ذهبنا إلى أن النظام
المحدّد للصلاة يوم الجمعة والعيدين إنما نشأ بعد وفاة النبي. وهذا النظام يعتمد
على ثلاثة عناصر: الخطبة الجاهلية والسنّة، والمثل المستقاة من اليهود والنصارى.
وقد حاول «بيكر G.
H. Becker» في دراسته لتاريخ العبادات الاسلامية أن يعقد صلة
وثيقة بين صلاة الجمعة والعيدين من ناحية، والقدّاس من ناحية اُخرى والخصائص
الأساسية لرأيه هي: أن الخطبة الاولى تطابق الجزء الأوّل من القدّاس (Vormesse) والأذان والخطبة صدى
للعبادات التي تدور بين الشماس والقسيس الذي يتلو القداس. والتلاوة الواجبة لآيات
القرآن تطابق القراءة من الكتاب المقدّس، وهو يقول عن الخطبتين: إن هذه الثنائية
محل لاختلاف الفقهاء، انتقلت إلى صلاة العيدين عن طريق صلاة الجمعة.
اما الخطبة الثانية فتطابق العظة والصلاة الجامعة
عند النصارى. وقد عارض هذا الرأي «متفوخ Mittwoch» الذي وجد في القدّاس اليهودي
سمات تماثل الأذان والإقامة، وتماثل «الحمدلة» و«التلاوة» من التوراة «الخطبة
الاولى» و«التلاوة» من سفر الأنبياء «الخطبة الثانية». وربما كان من المستحيل أن
نأتي بالقول الفصل في هذا الموضوع. ولعلّ المثل المستقى من الشعائر اليهودية والمسيحية
كان ذا تأثير في الهيكل الذي استقرّت عليه الصلاة عند المسلمين»([438]).
ونفس الدعوى تتكرّر في مادة «صوم» التي كتبها «بيرك
G. G. Berg» كما في المقاطع التالية:
«أمّا «الصوم» ]بمعنى الامساك عن الطعام والشراب [فيجوز أن يكون مأخوذاً عن الاستعمال اللغوي اليهودي
ـ الآرامي ـ لما عرف محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو في المدينة شعيرة الصوم عن كثب»([439]).
ويستمر في هذه الدعوى فيقول في موضع آخر من نفس
المادة: «ويدل على ظهور الصيام باعتباره رياضة اختيارية غايتها قهر الشهوات بين
المسلمين الأولين في مكة ما يغلب على الظن من أن محمداً](صلى الله عليه وآله وسلم)[، وهو في أسفاره الكثيرة، لاحظ هذه العبادة عند اليهود والنصارى»([440]).
ويقول ايضاً في نفس المادة: «... لكن محمدا](صلى الله عليه وآله وسلم)[
لم يكن على كل حال عارفاً بالتفصيلات لانه لم يأمر بصوم يوم
عاشوراء إلاّ بعد الهجرة لما رأى اليهود يصومونه»([441]).
ويذهب «بيرك» الى اكثر من ذلك في ادعائه هذا، فينقل
آراء آخرين تحت نفس المادة فيقول: «وفيما يتعلّق بمسألة السبب الذي من أجله اختار
محمد](صلى الله عليه وآله وسلم) [شهر رمضان
بالذات والمصدر الذي أُخذت عنه شعيرة الصوم الاسلامية، قيلت آراء عديدة، ويقول
الاسلام انه هو الصوم الذي فرضه الله على اليهود والنصارى لكنهم أفسدوه، فأعاده
محمد](صلى الله عليه وآله وسلم)[ الى صورته الصحيحة، ويذهب «سپرنكر
Sprenger» الى انه تقليد للصوم الاربعين عند النصارى; و «نولدكه وشفالي
Noldeke - Schwally» يشيران الى مشابهة الصوم الاسلامي لنوع الصوم عند المانوية»([442]).
أما «فير T. H. Weir» فيساهم هو الآخر في طرح هذه
الشبهة والإيحاء بأن العديد من العبادات التي جاء بها النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ما هي الاّ موروثات متأصلة لدى العرب زمن الجاهلية
حيث يقول تحت مادة «الجاهلية»: «... ولكنه ]محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) [وجد الحج الى الأماكن المقدسة متأصّلاً في نفوس
العرب لا يستطيع له دفعاً. وكان قصاراه أَلاّ يُبقي من بيوت العبادة إلاّ على بيت
واحد جعله بيت الله الواحد»([443]).
ويقول «فنسنك Wensinck» في نفس الاتجاه تحت مادة
«أصل الحج في الاسلام»: «لم تكن نظرة النبي الى الحج واحدة على الدوام، فلا بد أنه
اشترك كثيراً في مناسكه وهو حدث، أمّا بعد دعوته فقد كانت عنايته قليلة أول الأمر بالحج.
فلم يرد ذكر الحج في السور القديمة. ولا يبدو من المصادر الاُخرى أن النبي اتخذ خطة
محددة حيال هذه العادة الوثنية الأصل»([444]).
ويفصّل «فنسنك» أكثر في دعمه لهذه الشبهة فيقول تحت
نفس المادة: «ان الوقوف في سهل عرفات من أهم مناسك الحج، فالحج بدون الوقوف باطل
في الاسلام، وإنما يفسّر هذا الأمر بأنه أثر لفكرة جاهلية، وقد وازن «هوتسما
Houtsma» بين الوقوف وبين إقامة بني
اسرائيل على جبل سينا. فهؤلاء يعدّون أنفسهم لهذه الإقامة بالامتناع عن النساء
وبغسل ثيابهم، وبذلك يقفون أمام الرب، وعلى هذا النحو لا يقرب المسلمون النساء
ويرتدون ثياب الإحرام ويقفون أمام الخالق في سفح جبل مقدّس»([445]).
وينساق «فنسنك» تحت مادة «إحرام» مع هذه الدعوى
قائلاً: «ونلاحظ أن ثوب الإحرام ربما كان الثوب المقدّس عند قدماء الساميين، إذْ
إنَّ الجزء الاعلى من الثوب الذي كان يرتديه الكاهن الأعظم في «العهد القديم» كان
غير مخيط.. ويرتدي كهنة اليهود الأفود «الصُّدرة» حول الحرقفتين والمَيل حول
الكتفين. ونجد لهذا نظيراً في الاسلام عند الصلاة وفي تكفين الميت. وكان العرب في جاهليتهم
عند الكهانة يلبسون رداءً ومئزراً، كما كان الزهاد المتأخرون يرتدون مثل هذا
الثوب. يضاف إلى ذلك ان اللون الابيض يعدُّ مقدساً في كثير من الأديان... فلباس
الإحرام والحالة هذه قديم جداً ولا يرجع أصله للاسلام. زد على ذلك أن لبس الحذاء
محرمٌ كذلك... وهذه عادة سامية قديمة كذلك... ويجب كذلك على المحرم ان لا يغطّي
رأسه، وربما كانت هذه عادة من عادات الحزن قبل الاسلام»([446]).
وينقل «فنسنك» رأي «سنوك هجروينيه» في هذا الموضوع،
الذي صوّر هذه الشبهة مرةً بأنها نظريات يراها النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ليتفادى بها الصورة القاسية التي كانت تمارس بها هذه
العبادات في الجاهلية، ومرةً اُخرى يصوّرها بأنّها ممارسات مشتملة على قذارات كانت
على عهد الجاهلية، ومنها ما كان على عهد الديانات السامية أيضاً كاليهود فيقول في
مادة «إحرام»: «إن محرّمات الاحرام قد غدت قاسية في نظر النبي، لذلك نجده أثناء
مكثه في مكة قبل الحج يتحلّل من هذه المحرّمات،... وعلى ذلك فإن ما تراءى للنبي
ومعاصريه أنه إهمال يستوجب التكفير قد غدا في نظر الاجيال اللاحقة أمراً مباحاً...
وقد منع الشرع الُمحْرِم من جملة اُمور: النكاح والتطيّب وإراقة الدم والصيد، كما
حرّم اقتلاع النبات. ونلاحظ بهذه المناسبة أن بعض الاديان الساميّة يحرّم النكاح
في حالات اُخرى، ونخصّ بالذكر من هذه الأديان ما يقول بالتوحيد. وكان إهمال
العناية بالبدن ظاهرة معروفة بين الشعوب الساميّة في الاحوال الدينية، وتصوّر لنا
الروايات ان النادبات في الجاهلية كنّ قذرات ذوات شعر أشعث. ويمتنع اليهود مدّة
حدادهم عن الاستحمام وتقليم الأظافر. ويذكرون أن الحجّاج في الجاهلية وفي عصر
النبي كانوا يضمّخون شعورهم بالادهان وقت الاحرام تخفيفاً لوطأة القذارة»([447]).
كما ويصرّح «بول Fr. Buhl» بالشبهة دون تردّد، فيقول
تحت مادة «الجمرة»: «ورمي الجمرات شعيرة أخذها الاسلام عن الوثنية فلم ينصّ عليها صراحة
في القرآن، ولكنها ذكرت في سير النبي وفي الحديث»([448]).
ويسلك «شاخت Josephj Schacht» نفس نهج أضرابه فيقول تحت
مادة «زكاة»: «إن النبي](صلى
الله عليه وآله وسلم)[ استعملها
بمعنى أوسع من ذلك بكثير، أخذاً عن استعمالها عند اليهود (في اليهودية ـ الآرامية:
زاكوت)... ولما كان النبي محمد](صلى
الله عليه وآله وسلم) [قد عرّف التقوى من هذا الوجه على انها من مميزات
الأديان المنزَّلة، فانه من اول الأمر قد اعتبر البرّ من الفضائل الكبرى التي
يتحلّى بها المؤمن الحق (انظر سورة الرعد، آية 22، سورة فاطر، آية 29)»([449]).
ويضيف «شاخت» قائلاً: «وترد كلمة صدقة مرادفة لكلمة
زكاة تقريباً، ولا ريب أن النبي](صلى
الله عليه وآله وسلم)[
قد عرف ذلك
من يهود المدينة معرفة أدق. ولم يلبث معنى الزكاة ان تأثّر في المدينة أيضاً
بتغيّر الأحوال»([450]).
وينقل شاخت حديثه الى مادة «زنى» ليردّد نفس الشبهة
فيقول: «أمّا في القرآن فقد جاء النهي عن الزنا وان العفّة من صفات المؤمنين،
ويظهر أن ذلك كان تحت تأثير اليهودية أو النصرانية»([451]).
أما «هفننج Heffening» فيردّد نفس الشبهة في مادة
«التجارة» فيقول: «لكن محمداً قد رفع في الوقت نفسه صوته محذّراً من الشرور التي
بدأت تقترن بالتجارة، فقال: إن التجارة ينبغي أن تكون على مقتضى الشرع والعدل. وقد
جاء في سورة المطففين: (وَيْلٌ
لِلمُطَفِّفينَ * الّذينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإذا
كالُوهُمْ أوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)، (انظر سورة الرحمن، الآيات 7 الى 9، ومن العهد المكّي الثالث سورة
الانعام، الآية 152، سورة الاعراف الآية84). وقد تغيّرت نظرة النبي بعد ذلك
تغيّراً معيناً يجب أن نردّه الى العهد المكّي، ولو انه ليس في القرآن شواهد على
ذلك إلاّ في سور العهد المدني، إذ تحوّلت نظرته الى التجارة بفعل آراء الزهّاد من
النصارى. وهو لم يحرّمها، وإنما رأى فيها ما قد يعوق المؤمنين عن عبادة الله،
ويصرفهم عن الصلاة، ويظهر هذا بأجلى بيان في وصف الأديار الذي ورد في سورة النور
المدنية الآية37: (رِجالٌ لا
تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَـنْ ذِكْرِ اللهِ...)، ومهما يكن من شيء فإنّ المحصّل من هذه الآية أن النبي كان يدرك إدراكاً
تاماً ما للتجارة من آثار سيئة في الحياة الدينية. وكان من نتيجة تسلسل هذه
الافكار أن التجارة حرّمت في السور المدنية تحريماً باتاً إذا نودي للصلاة من يوم
الجمعة. وشاهد ذلك سورة الجمعة، الآيات من 9 الى 11. ومن جهة اُخرى أحلّ الرسول في
أواخر العهد المدني البيع إبان الحج (سورة البقرة، آية 397)([452])»([453]).
ويساهم «هـ . هـ . بروى H. H. Brجu» أيضاً في ترديد هذه الشبهة
فيقول تحت مادة «أمية بن أبي الصلت»: «والآراء الدينية في كلام اُمية مطابقة لما
جاء في القرآن الى حدٍّ كبير. ويكاد الاتفاق يقع كلمة كلمة في كثير من الأقوال،
ولهذا اُثيرت بالطبع مسألة اعتماد أحد القولين على الآخر. فيذهب «هيوار» الى ان أشعار
اُمية بن أبي الصلت ـ التي تتضمّن قصصاً من قصص التوراة مذكورة عند المقدسي في
«كتاب البدء»، وهو الكتاب الذي نُسبَ خطأ إلى البلخي ـ هي من المصادر الصحيحة التي
استمدَّ منها القرآن رأساً»([454]). ويضيف
أيضاً في نفس المادة: «... ويمكن أن نعلل مشابهة قصائد اُمية لما جاء في القرآن
بحقيقة لا تَحتمل شكاً هي: أنه في أيام البعثة المحمدية، وقبلها بقليل من الزمان،
انتشرت نزعات فكرية شبيهة بآراء الحنيفية، واستهوت الكثيرين من أهل الحضر، وخصوصاً
في مكة والطائف، وكانت تغذّيها وتنشّطها تفاسير اليهود للتوراة، وأساطير المسيحيين،
مما كان معروفاً ومتداولاً في تلك البقاع وجنوبي الجزيرة في جهات متفرقة منعزلة...
ومحمد واُمية وغيرهما من الرجال المتدينين كزيد بن عمرو وورقة ومسلمة اقتبسوا
جميعاً من مصادر واحدة، سواء أكانت مدونة كما يرى «Schulthess» أم مروية كما يذهب إليه « Nخldeke»([455])».
هذه خلاصة لأهم موارد الدسّ والتشويه الاستشراقي،
تستهدف تكوين الشبهة المدعاة بأن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) تأثر واستقى من اليهودية والنصرانية أو الجاهلية في صياغة آيات قرآنه
ومفردات وأحكام دينه الجديد، وهي في مجملها تحاول اختلاق وصياغة شبهة أساسية طالما
بذلوا جهدهم لدعمها وتأكيدها، وهي أفكار الوحي الإلهي للنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن ما جاء به لا يعدو أن يكون تلفيقاً بين ما اقتبسه
من اليهود والنصارى، ومن مفردات ومؤثّرات بيئته الجاهلية آنذاك.
ونكتفي في هذه الفقرة ببيان الرد والعلاج للمفردات
التفصيلية لموارد الدسّ والتشويه هذه، محيلين أمر الرد على أصل شبهة إنكار الوحي
الإلهي للنبي(صلى الله
عليه وآله وسلم)الى بحث مستقل
سيأتي في فصل قادم إن شاء الله:
1 ـ قول «كارادي فو» تحت مادة «جبريل»: فيه انسياق واضح مع إنكار الوحي
الإلهي للرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم)، ويشهد
لذلك أيضاً تعبيره عن الآية 19 من سورة مريم في آخر قوله المذكور أعلاه بأنها رأي
النبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) وليس قول
الله في قرآنه الكريم. وجوابه نحيله الى محلّه، على أنه لم يأت لنا بدليل أو حتى
شاهد أو قرينة على استظهاره أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عرف جبريل من خبر البشارة الوارد في الإنجيل، ولا على احتماله سماعه ذلك
الخبر من أفواه بعض الفلاسفة أو الباحثين في الأديان، وغير ذلك من الاحتمالات، فأي
قيمة لهذا الاستظهار وتلك الاحتمالات؟
2 ـ قول «هيك» تحت مادة «سحر»: وأمر هذين القولين كسابقهما، وهنا
لم يسق إلينا القائل دليلاً واحداً ولا شاهداً على مدّعاه. إلاّ أنه لا يعدم وجود تقارب
والتقاء في بعض المفاهيم والعقائد والأحكام الإسلامية مع الأديان السابقة
كالمسيحية واليهودية، لأن الاسلام لا ينكر تلك الأديان، ولا ينكر الرسل الذين
أرسلهم الله سبحانه بها، ولا الكتب المنزّلة من لدنه تعالى عليهم، كالتوراة والانجيل،
بل يصرّح بأنه خاتم الأديان وأكملها، وأن القرآن المجيد خاتم الكتب والرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)خاتم الانبياء وأكملهم، إلاّ أنه يعتقد بأن يد
التحريف قد طالت هذه الأديان والكتب، كما يعتقد ان النسخ حصل للعديد من الاحكام التشريعية([456])
الواردة فيها، وما تبقّى من الصحيح وغير المنسوخ منها يقارب ويلتقي عادة مع ما جاء
به الاسلام، لانه من سراج ومصدر واحد.
3 ـ قول «ر. پاريه» تحت مادة «أمّة»، وقول «كارادي فو» تحت مادة «جهنّم»
وتحت مادة «دنيا»، وقول «جويل» تحت مادة «السكينة»: فيه أن طريقة الاستدلال على
كون كلمة «أمة» وأمثالها من الكلمات المذكورة في أقوال الآخرين دخيلة ومأخوذة من
العبرية مثلاً لمجرد وجود شبه لفظي في حرف أو حرفين بين الكلمة العربية وكلمة
بمعناها في العبرية متكلّفة لا تخلو من تمحّل ومغالطة، إذ بهذه الطريقة سوف نهدم
الكثير من صيغ الوضع اللفظي للغات، إلاّ إذا ساق المدّعي دليلاً أو قرينة معتبرة
على مدّعاه.
ويمكن ردّ هذا الادّعاء أيضاً بقولنا: إن كلمة «أمة»
لها معان متعددة في اللغة العربية، منها: الشِّرعة والدين، القَرْن من الناس،
الرجل لا نظير له، الحين، وقد وردت هذه الكلمة في هذه المعاني في الشعر العربي
الجاهلي، منه قول النابغة الذبياني:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً***وهل يأثمن ذو اُمة وهو
طائع
ويريد بها هنا أهل الدين والشرعة.
ومنها أيضاً قول الشاعر:
وهل يستوي ذو اُمة وكفور
أي ذو دين وذو نحلة([457]).
كما أنه لو كانت هذه الكلمة دخيلة من العبرية
لاستقلّت بمعناها المدّعى في العبرية، وهو شعب أو جماعة، على أن هناك قولاً بأن
اللغة العربية أسبق وجوداً في الجزيرة العربية من العبرية. ولو سلّمنا وصحّ هذا
الادّعاء فلا يثبت منه قول «پاريه»: «فإن محمداً أخذ هذه الكلمة واستعملها، وصارت
منذ ذلك الحين لفظاً إسلامياً أصيلاً» إذ إنها ـ حسب الدعوى ـ قد أصبحت جزءاً من
اللغة العربية واستعمالها في المراد المعنوي لها سواء في القرآن الكريم او في
السنة الشريفة استعمال مألوف وليس قائماً على قصد الاستقاء من العبرية، هذا مضافاً
إلى ان القرآن الكريم كلام الله عزوجل وليس كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ إذا أنكر «پاريه» ذلك، فعندها يأتي كلامنا
الآنف ان شاء الله في صدق الوحي الإلهي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
4 ـ قول «كاستر» تحت مادة «السامرة» عليه نفس ما أوردناه على قول «هيك»
السالف تحت مادة «سحر»، ونضيف إليه ردّاً على قوله: «قال أبو الفتح...» أن اليهودي
«كعب الأحبار» المشهور لم ير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قط ولم يأت المدينة إلاّ بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنه أسلم وقدم الى المدينة في عهد أبي بكر أو
عمر، كما هو ثابت في تاريخنا الاسلامي([458]). وأمّا
النصراني الذي يسمّيه «آب سمليه» فلا نعرف من هو، ولم تذكر لنا كتب التاريخ شخصاً
بهذا الاسم، على أن الثالث وهو السامري مُنكرٌ تماماً، إذ لم يذكر لنا اسمه ولا
علامة عليه، رغم ادعائه أنه استطاع أن يؤثّر في النبي أكثر من صاحبيه.
5 ـ قول «ليفي دلافيدا» تحت مادة «تميم الداري» فيه إضافة الى ما
سبق منّا أن تميماً الداري هذا لم ينقل لنا التاريخ أنه التقى برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بعثته وبعدها حتى اسلامه، ولهذا تجد عبارة
«ليفي دلافيدا» مجملة بأن تميماً كان نصرانياً كغالب عرب الشام، ثم يفرّع عليه
إخباره للرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم). ثم إنه
كان قد أسلم في السنة التاسعة بعد الهجرة، أي بعد أن نزلت أغلب آيات القرآن
الكريم، وعلّم النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم)المسلمين
أغلب أحكام الشريعة الاسلامية، سواء في العبادات أو المعاملات، بحيث استوسقت معالم
الدين وبانت ملامحه التفصيلية، خصوصاً في الجانب العبادي منه الذي كان بيان رسول
الله(صلى الله عليه
وآله وسلم)لأغلب
مفرداته أسبق من بيانه لمفردات جانب المعاملات، فما الذي بقي منها ليقوم تميم
الداري بإخبار النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم)به لتتم
الاستعارة المدعاة لتفاصيل العبادات من النصارى؟ على أننا كما قلنا سلفاً لا يعدم وجود
نوع من التشابه في بعضها من التي لم تُحرّف من الديانات السماوية السالفة، ولم
يطلها النسخ الذي سيق منّا بيان مختصر عن حقيقته.
6 ـ قول «هورفتر» تحت مادة «التوراة» وقول «كارادي فو» تحت مادة «داود»
وتحت مادة «الجنة» فيه نفس ما أوردناه على قول «هيك» السالف تحت مادة «سحر» فراجع،
مضافاً إلى أن عبارتيهما تشيران الى أن الأصل ـ في عقيدتهما ـ هو ما ورد في
التوراة، وهو الصحيح الذي لا تحريف فيه، وأن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي حرّف بعضه ليلائم أغراضه الخاصة، ويقصد من
ذلك أن القرآن من صنع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه حرّف ما في التوراة ليميّز دعوته ويظهرها بثوب جديد.
والكلام نفسه يرد على قوله تحت مادة «الجنة»: «ولا
بد من أن يكون محمد ومعلّموه المجهولون...» على أنه لم يسق أدنى دليل أو قرينة على
أن النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) كان قد
رأى كنائس ليشاهد فيها مثل هذه الصور، أو أن له معلمين مجهولين، إذ ليس في مثل هذه
الأقوال إلاّ التمحّل والتعبير عن الخلفية المتعصبة بهذه الافتراءات.
وهكذا يرد على قول «كاستر» تحت مادة «الأدب
السامري»: «التشابه بين أصل الحديث وبين السنّة السامرية الشفوية...» الى آخره، فكلها
دعاوى جزافية لا وزن لها في معايير البحث العلمي.
7 ـ قول «جوينبل» تحت مادة «إقامة»: «إن المسلمين استعاروا عبارات الاقامة
من البركات التي تتلى في صلاة اليهود» وكذلك وجه الشبهة بين الأذان والقدّاس عند
النصارى لتترتب عليهما دعوى الاستعارة والنسج الواحد، فيه أن الثابت فيما ورد عن
أهل البيت(عليهم
السلام) أن الإقامة
والأذان وحيٌ إلهي لرسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقد روى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن
ابن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن زرارة أو الفضيل عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:
«لمّا
أُسري برسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم)
الى السماء فبلغ البيت المعمور، وحضرت الصلاة فأذّن جبرئيل وأقام، فتقدّم رسول
الله(صلى الله
عليه وآله وسلم)
وصَفَّ الملائكة والنبيّون خلف محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»([459]).
وعنه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن منصور بن
حازم عن أبي عبدالله(عليه
السلام) قال:
«لمّا هبط جبرئيل(عليه السلام) بالأذان على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان رأسه في حجر
علي(عليه السلام) فأذّن جبرئيل
وأقام، فلما انتبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
قال: يا عليّ سمعت؟ قال: نعم، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: ادع لي بلالاً فعلّمه،
فدعا علي(عليه
السلام)
بلالاً فعلّمه».
ورواه
الصدوق باسناده عن منصور بن حازم، ورواه الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم مثله([460]).
وفي معرض استنكار الامام الصادق(عليه السلام) ولعنه لمن يدّعي أنه أخذ الأذان عن غير طريق الوحي
الإلهي نقل محمد بن مكّي الشهيد في «الذكرى» عن ابن أبي عقيل عن الصادق(عليه السلام): أنه لعن قوماً زعموا أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ الأذان من عبدالله بن زيد، فقال:
«ينزل الوحي على
نبيكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبدالله بن زيد؟!»([461]). على أن لازم كلامهما السالف هو إنكار الوحي الإلهي
لرسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم)وردّنا
عليه في محله إن شاء الله.
أما قوله تحت مادة «الجمعة»: «ويصح أن نذهب إلى أن
النبي نفسه جرى على إقامة صلاة عامة وإلقاء خطبة على طريقة اليهود..» إلى آخره،
فإضافة الى ما فيه من إيحاء بإنكار الوحي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيه أيضاً أن افتراض وجود تشابه ما في كلّيات
عبادة معينة في مفرداتها الكثير من الاختلافات التفصيلية شكلاً ومضموناً لا تنهض
دليلاً، بل ولا حتى قرينة على وحدة الطريقة في تلك العبادة، فكيف يفرّع عليها
تبعية احداهما للاخرى؟
ثم إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقيم صلاة الجمعة في المسجد لا في فناء داره، لعدم
وجود مثل هذا الفناء أساساً، كما هو ثابت تاريخياً، ولعلّ «جوينبل» هذا توهّم أن
المسجد هو فناء دار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لأن بيوت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) كانت متصلة وملحقة بالمسجد، ولها أبواب خاصة توصلها به.
أمّا قوله: «... ولعلّه ]الرسول[ قد جرى على
إقامة الصلاة تتبعها الخطبة...» الى آخره، فهو قول لا صحة له، لأن الروايات بلغت
شهرة عظيمة عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)، وما عليه سيرة المتشرعة من عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الى يومنا هذا في أن صلاة الجمعة تبدأ بخطبتين يجلس
بينهما الخطيب جلسةً خفيفة ثم يصلي ركعتي صلاة الجمعة، ولم يُروَ قط أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بدأ بصلاة الجمعة قبل الخطبة، وعلى هذا انعقد إجماع
فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم. ومما روي في ذلك ما عن محمد بن الحسين باسناده
عن عليّ بن مهزيار عن عثمان بن عيسى عن أبي مريم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أَقَبْلَ الصلاة أو بعدها؟ قال:
«قبل الصلاة ثم
يصلّي». وروى
الكليني عن الحسين بن محمد عن عبدالله بن عامر عن عليّ بن مهزيار مثله، إلاّ أنه
قال:
«يخطب
ثم يصلّي»([462]). وقال صاحب جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام في
وقت الخطبة من صلاة الجمعة ما نصّه: والمشهور نقلاً وتحصيلاً أنه يجب أن تكون
الخطبة مقدمة على الصلاة شهرة عظيمة لا بأس بدعوى الإجماع معها، بل في كشف اللثام استظهار
دعواه، كما في المحكي عن المنتهى نفي العلم بالمخالف فيه، بل عن مجرى البرهان نفي
الخلاف للسيرة القطعية والتأسّي بفعل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المعلوم بالنصوص والسيرة القطعية على وجه يقتضي
الوجوب... الى آخر قوله([463]).
أما قول «فنسنك» تحت مادة «خطبة»: «إن النظام المحدد
للصلاة يوم الجمعة والعيدين إنما نشأ بعد وفاة النبي»، «وهذا النظام يعتمد على
ثلاثة عناصر: الخطبة الجاهلية، والسنّة، والمثل المستقاة من اليهود والنصارى»، وما
نقله عن «بيكر» و«متفوخ» تحت نفس المادة يرد عليه ما أوردناه أعلاه على قول «جوينبل»
تحت مادتي «إقامة» و«الجمعة». ويضاف إليه أن ادعاء «فنسنك» الصلة الوثيقة بين صلاة
الجمعة والعيدين من ناحية والقدّاس من ناحية اُخرى غريب، إذ لا وجه للتشابه بينهما
لا شكلاً ولا مضموناً، فكيف تدّعى الصلة الوثيقة؟ فالقدّاس عند النصارى هو ذبيحة
جسد ودم السيّد المسيح يقدّمان على الهيكل تحت شكلي الخبز والخمر للمصلّين بواسطة
القسيس، ويعاونه الشماس ضمن طقوس وتلاوات تدور بين القسيس والشماس من الكتاب
المقدّس([464])
فأين هذا من خطبتي صلاة الجمعة والعيدين اللتين يجلس بينهما الخطيب جلسة خفيفة، ثم
يصلّي ركعتي صلاة الجمعة أو العيدين بالمأمومين؟
8 ـ قول «بيرك» تحت مادة «صوم»: «أما الصوم، بمعنى الامساك عن الطعام
والشراب، فيجوز أن يكون مأخوذاً عن الاستعمال اللغوي اليهودي...» إلى آخره، يرد
عليه ما أوردناه على قول «ر. پاريه» تحت مادة «أمة». وما أوردناه على قول «هيك»
تحت مادة «سحر».
أما قوله تحت نفس المادة: «... لكن محمداً](صلى الله عليه وآله وسلم)[
لم يكن على كل حال عارفاً بالتفصيلات لأنه لم يأمر بصوم يوم
عاشوراء إلاّ بعد الهجرة لما رأى اليهود يصومونه» ففيه:
أ ـ أن عاشوراء على وزن فاعولاء، مختومة بالألف
الممدودة، وتصحّ بالألف المقصورة بلا همزة: عاشورى([465])،
فهي صفة مؤنثة لليلة العاشر من الشهر القمري العربي، وغلب إطلاقها على الليلة
العاشرة من أوّل تلك الشهور وهو محرم الحرام، ولا يوصف بها اليوم، فلا يقال: اليوم
العاشوراء. وقد اشتهر استعمال هذه الكلمة في ليلة العاشر من محرم الحرام، ذكرى
شهادة الامام الثالث من أئمة أهل بيت النبوة الطاهرة(عليهم السلام) الحسين بن علي(عليهما السلام) . مـع العلم أن اللغويين قد نصّوا على أنّ هذه الكلمة «اسم إسلامي»([466])
«لم يعرف في الجاهلية»([467]). وعلى هذا فمن أين جاءت دعوى وجود يوم باسم يوم
عاشوراء لدى اليهود وأنهم كانوا يصومونه؟
ب ـ لعل دعوى «بيرك» بوجود مثل هذا اليوم لدى اليهود
وأنهم كانوا يصومونه، قد استندت على بعض الروايات الضعيفة سنداً، والمتناقضة دلالة
والتي وردت في بعض كتب الحديث، وأدناه نستعرض مجموعتين منها مع الإشارة الكلية إلى
ظروف وملابسات اختلاف هذه الأحاديث ونسبتها كذباً الى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
المجموعة الأولى:
1 ـ عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول
الله(صلى الله عليه
وآله وسلم)يصومه في
الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك يوم عاشوراء،
فمن شاء صامه ومن شاء تركه([468]).
2 ـ عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما
نزل رمضان، كان رمضان الفريضة. وترك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه([469]).
3 ـ عنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل ان يُفرض رمضان، وكان يوماً
تستر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه([470]).
فكيف التوفيق بين هذا وبين ما مرّ من نصوص اللغويين
على أن اسم عاشوراء اسم اسلامي لم يُعرف في الجاهلية؟ وإذا كانوا يصومونه لأنه كان
يوماً تُستر فيه الكعبة، فلماذا أضيف الى وصف الليلة «عاشوراء» كما مرّ؟ ولم تكن الكعبة
تُستر في الليل طبعاً قطعاً. وهل وصفوا اليوم المذكّر بصفة التأنيث؟ فالعجب من
العرب كيف غاب عنهم هذا؟!
وهنا نتساءل:
بما أن الجاهلية هي عهد ما قبل الاسلام، فإذا كان
النبي يصوم يوم عاشوراء في الجاهلية فلماذا تركه بعد الاسلام؟ فلو كان تركه
لمخالفة المشركين فلماذا رجع إليه بعد الهجرة؟
المجموعة الثانية:
1 ـ عن ابن عباس قال: قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما
هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى. قال:
أنا احقُّ بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه([471]).
2 ـ عنه قال: إن النبي لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوماً (يعني
يوم عاشوراء) فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجّى الله فيه موسى وأغرق آل فرعون، فصام
موسى شاكراً لله. فقال: أنا أولى بموسى منهم. فصامه وأمر بصيامه.([472]).
3 ـ عنه قال: لما قدم النبيّ المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء فسُئلوا
عن ذلك فقالوا: هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني اسرائيل على فرعون،
ونحن نصومه تعظيماً له. فقال رسول الله: ونحن أولى بموسى منكم. فأمر بصومه([473]).
4 ـ عنه قال: قدم النبي المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا
يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا([474]).
5 ـ عنه قال: لما قدم رسول الله المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم،
فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبيّ: نحن أولى بموسى منهم([475]).
6 ـ عن أبي موسى الأشعري قال: دخل النبي المدينة وإذا اُناس من
اليهود يعظّمون عاشوراء ويصومونه، فقال النبي: نحن أحق بصومه، فأمر بصومه([476]).
7 ـ عنه قال: كان يوم عاشوراء تعدّه اليهود عيداً، فقال النبي:
فصوموه أنتم([477]).
وهذه المرويات عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري لا نجد
فيها أن اليهود كانوا يسمونه عاشوراء، أمّا ما هي حقيقته عند اليهود؟ فهذا ما
تبينه لنا دائرة المعارف البريطانية بالانجليزية والفرنسية والألمانية حيث جاء
فيها:
إن احتفال اليهود بنجاة موسى وبني اسرائيل يمتدّ
سبعة أيام لا يوماً واحداً فقط.
أمّا صوم اليهود فهو في اليوم العاشر، ولكنه ليس
العاشر من المحرم، بل من شهرهم الأول: تشري، ويسمّونه يوم «كيپور»، أي يوم
«الكفّارة» وهو اليوم الذي تلقّى فيه الاسرائيليون اللوح الثاني من ألواح الشريعة
العشرة، ولم يكن ذلك يوم نجاتهم من فرعون، بل بعد نجاتهم من فرعون، وميقات موسى(عليه السلام)وابتلائهم بعبادة العجل إلهاً لهم، ورجوع موسى من
الميقات إليهم، وإعلان اشتراط قبول توبتهم بقتل بعضهم لبعض، وبحصولهم على العفو من
رفقائهم، ولذلك فقد خُصّص اليوم قبل «كيپور» بتبادل العفو فيما بينهم، وخُصص يوم «كيپور»
للصيام والصلاة والتأمّل كأقدس أيام اليهود.
والتقويم اليهودي المستعمل اليوم عندهم شهوره قمرية،
ولذلك فعدد أيام السنة في السنوات العادية 355 أو 354 أو 353، ولكنهم جعلوا
سنواتهم شمسية بشهور قمرية، ولذلك فلهم سنوات كبيسة، ففي كل سنة كبيسة يضاف شهر
بعد آذار الشهر السادس باسم آذار الثاني فيكون الشهر السابع، ويكون نيسان الشهر
الثامن، وعليه تكون أيام السنة الكبيسة 385 أو 384 أو 383.
مناقشة ما ورد في
روايات المجموعتين:
أ ـ يلاحظ بخصوص خبري أبي موسى الأشعري:
أنه في الأول يقول: «وإذا اُناس من اليهود يعظّمون
عاشوراء ويصومونه، فقال النبي: نحن أحق بصومه. فأمر بصومه» بلا ذكر لوجه تعظيمهم
ليوم عاشوراء وصومه، ولا ذكر لوجه أحقيّة المسلمين بصومه.
وفي الثاني يقول: «كان يوم عاشوراء تعدّه اليهود
عيداً. قال النبي: فصوموه أنتم» بلا ذكر لوجه كون يوم عاشوراء عيداً عندهم، ولا
ذكر لوجه أمره(صلى الله
عليه وآله وسلم)بصومه،
وكأنه يقابل بين الأمرين: بين صوم المسلمين فيه وعدّه اليهود عيداً، دون الأولوية.
ب ـ يلاحظ في الخبرين أيضاً:
أنه قال في الأول: «وإذا اُناس من اليهود يعظّمون
عاشوراء» وقال في الثاني: «كان يوم عاشوراء تعدّه اليهود عيداً» فعلّق وصف العيد
وتعظيم اليهود على يوم عاشوراء، ولا وجه لذلك. وقد مرّ نص اللغويين على أنه اسم
إسلامي لم يُعرف في الجاهلية أي قبل الاسلام، وعليه فكيف عرف اليهود عاشوراء قبل الاسلام؟!
وقال في الثاني: «قال النبي: فصوموه أنتم» وقال في
الأول: «فقال النبي: نحن أحق بصومه. فأمر بصومه» وجوباً أم استحباباً؟ وظاهر الأمر
الوجوب كما قالوا، وعليه فيخلو الخبر عن ذكر مدى هذا الأمر الى متى كان أو يكون؟
وكذلك تخلو منه أخبار ابن عباس.
ج ـ وذكرت المدى أخبار عائشة: «فلما فرض الله رمضان
قال رسول الله: من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه».
وقد ذكروا بلا خلاف أنّ فرْض الله صيام شهر رمضان
كان بنزول القرآن به لمنتصف السنة الثانية للهجرة، أي أنه لم يكن بين هجرته وبين
نزول القرآن بفرض رمضان غير عاشوراء واحد، واذا كان قد أمر بصيامه مواساة لموسى(عليه السلام)شكراً لنجاته على قول يهود المدينة له بعد هجرته
جواباً عن سؤاله عن صومهم يوم عاشوراء، إذن فعاشوراء الاُولى قد مضت ولم تأت
الثانية ليصوموا يومها حتى نزل القرآن بفرض رمضان فما معنى «كانوا يصومون عاشوراء
قبل أن يُفرض رمضان»؟ وكذلك ما عن عائشة أيضاً قالت: كان عاشوراء يُصام قبل رمضان،
فلما نزل رمضان من شاء صام ومن شاء أفطر([478]).
وعنها قالت: كان رسول الله أمر بصيام عاشوراء، فلما
فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر([479]). وكأنه أمر
بالصيام فقط ولم يصوموه.
د ـ وهناك خبر آخر عن حميد بن عبدالرحمن أنه سمع
معاوية بن أبي سفيان على منبر يوم عاشوراء عام حجّ يقول: يا أهل المدينة، أين
علماؤكم؟ سمعت رسول الله يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا
صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر([480]).
فهذا يتضمن تنكّراً لصيام قريش في الجاهلية، ولصيام
اليهود كذلك، وينص من أول يوم على الندب والاستحباب دون الوجوب. ولكن يلاحظ عليه أمران:
الأول: أنه يتضمن اعترافاً بعدم علم علماء أهل المدينة
بالحديث عن رسول الله.
الثاني: أفكان هذا قبل الهجرة؟ أم بعدها؟ أم بعد فتح مكة؟
فمتى سمعه معاوية؟ وإذا كان لليهود تقويم عبري يخصّهم يختلف تمام الاختلاف عن
التاريخ العربي القمري، وإذا لم يكن يوم عاشوراء يوم نجاة موسى(عليه السلام) وبني إسرائيل من فرعون، فلا يصحّ ما جاء في بعض كتب
الحديث مما نسب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أخبار في عاشوراء تتضمن أنه يوم نجاة موسى وبني إسرائيل من الفراعنة
فهو يوم عيد الخلاص. وإلى جانبه ذكريات أخرى منها: أنه يوم خلق الأرض والجنة وآدم(عليه السلام) فهو عيد الخلق، وهو يوم نجاة نوح من الغرق، ونجاة
إبراهيم من الحرق([481]).
أما علّة وضع هذه الأحاديث فقد روى الشيخ الفقيه أبو
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، مسنداً عن جبلة المكية قالت:
سمعت ميثم التمّار يقول: «والله لتقتلنّ هذه الامة ابن نبيّها في المحرم لعشر مضين
منه، وليتخذنّ أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وإن ذلك لكائن قد سبق في علم الله
تعالى ذكره، أعلم بذلك بعهد عهده إليّ مولاي أمير المؤمنين(صلى الله عليه وآله وسلم).
قالت جبلة: فقلت: يا ميثم، وكيف يتّخذ الناس ذلك
اليوم الذي يُقتل فيه الحسين بن علي(عليهما السلام) يوم بركة؟!
فبكى ميثم، ثم قال: سيزعمون ـ بحديث يضعونه ـ أنه
اليوم الذي تاب الله فيه على آدم(عليه السلام) وإنما تاب الله على آدم في ذي الحجة. ويزعمون أنه اليوم الذي استوت فيه
سفينة نوح على الجودي، وإنما استوت على الجودي يوم الثامن عشر من ذي الحجة.
ويزعمون أنه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني
اسرائيل. وإنما كان ذلك في شهر ربيع الأول([482]).
ويزعمون أنه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود،
وإنما قبل الله توبته في ذي الحجة. ويزعمون أنه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من
بطن الحوت، وإنما أخرجه الله من بطن الحوت في ذي القعدة.
ثم قال ميثم: يا جبلة إذا نظرت إلى الشمس حمراء
كأنها دم عبيط فاعلمي ان سيدك الحسين(عليه السلام) قد قتل»([483]).
أما قول «بيرك» تحت نفس المادة وكذلك قول «سبرنجر»
وقول «نولدكه وشفالي» فهي مجرد فرضيات وادعاءات احتمالية لم يسوقوا أي دليل أو
قرينة عليها، ويرد عليها ما أوردناه على قول «هيك» تحت مادة «سحر» فراجع. على أن
قول «بيرك»: «وفيما يتعلّق بمسألة السبب الذي من أجله اختار محمد](صلى الله عليه وآله وسلم) [شهر رمضان بالذات... قيلت آراء عديدة» لا مورد له،
لأن الله سبحانه قد أظهر سرّ عظمة هذا الشهر في قوله تعالى: (شهر
رمضان الذي اُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان)([484]) فجعل أداء هذه الفريضة العظيمة في الشهر العظيم
فقال سبحانه: (فمن شهد منكم الشهر
فليصمه)([485]).
9 ـ قول «فير» تحت مادة «الجاهلية» وقول «فنسنك» تحت مادة «أصل الحج
في الإسلام»، وقوله أيضاً تحت مادة «إحرام» وما نقله عن «سنوك هجروينيه» تحت نفس
المادة، وقول «بول» تحت مادة «الجمرة» وقول «شاخت» تحت مادة «زكاة» وقوله أيضاً
تحت مادة «زنى» وقول «هفننج» تحت مادة «التجارة»، يرد عليها جميعاً ما أوردناه
سابقاً على قول «هيك» تحت مادة «سحر». يضاف الى ذلك ان هذه الأقوال فيها روح
الإنكار للوحي الإلهي للرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وخصوصاً ما هو تحت مادة «الجاهلية» ومادة «أصل الحج في الاسلام» ومادة
«إحرام»،إذ يكفيها جواباً أن القرآن الكريم يصرّح في أكثر من آية كريمة أن بيت الله
الحرام هو واحد، وقد أقام قواعده نبي الله إبراهيم(عليه السلام)وولده نبي الله إسماعيل(عليه السلام) وذلك في قوله تعالى: (وإذ
يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبل منّا إنّك أنت السميع العليم)([486])، ثم أمر الله سبحانه نبيّه إبراهيم(عليه السلام) أن يطهر هذا البيت لأداء عبادة الحج الإلهي، حيث
جاء في القرآن الكريم عن ذلك: (وإذ
بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهّر بيتي للطائفين والقائمين
والركّع السجود * وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل
فجٍّ عميق)([487])، وقوله تعالى أيضا: (وإذ
جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا الى إبراهيم
وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود)([488]). واستمر الحال زمناً طويلاً حتى أفسد أهل الجاهلية
هذا الحج الإبراهيمي، وحرّفوه عن شرعته الإلهية باتخاذهم الأصنام في بيت الله
وشعائر الحج الاخرى شركاء لله سبحانه يتقربون إليها دونه تعالى، ومحقوا صورته
الاولى التي شرّعها الله لنبيه إبراهيم(عليه السلام)، واستبدلوها بالدجل والهراء، حتى وصفهم القرآن الكريم بقوله: (وما
كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاءً وتصدية)([489])، فأمر الله تعالى نبيه الكريم محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)بإعادة عبادة الحج الإلهي إلى صورته الاُولى إمضاءً
لشريعة إبراهيم(عليه
السلام) فيها، حيث قال في
قرآنه المجيد: (إن أول بيت وضع
للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين * فيه آيات بيّنات مقامُ إبراهيمَ ومن
دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً ومن كفر فإن الله
غني عن العالمين)([490]).
كما أن قول «بول» تحت مادة «الجمرة»: جهل منه أو
تجاهل، فإن كثيراً من مفردات الشريعة الإسلامية جاءت كليات في القرآن الكريم ثم
فصّلها الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم)في حديثه
وسيرته الشريفة بوحي وإلهام من الله سبحانه وتعالى.
10 ـ قول «هـ . هـ . بروى» تحت مادة «اُميّة بن أبي الصلت» صارخ في
إنكار الوحي الإلهي للرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يردد بذلك دعوى أسلافه من اليهود والنصارى من الذين ابتدعوا هذه
الاشعار، ونسبوها الى أمية كيداً للاسلام ونبيه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد ذكرت لنا كتب التاريخ ان اُمية بن الصلت هذا كان
من أعدى اعداء الاسلام ونبيه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك ما جاء في تاريخ الادب العربي في ترجمة اُمية بن الصلت ما نصه:
«كان اُمية تاجراً من أهل الطائف ينتقل بتجارته بين الشام واليمن. ومال اُمية من
اول أمره إلى التحنف، هجر عبادة الاوثان وترك شرب الخمر واعتقد بوجود الله من غير
أن يكون له فروض معينة في العبادة. وكاد اُمية أن يسلم لما جاء الاسلام، ولكن موقف
قومه ثقيف من الاسلام أملى عليه العداء للرسول وللمسلمين، فكان يُحرّض على قتال
الرسول. ولما انتصر المسلمون على مشركي مكة في غزوة بدر، في رمضان من سنة 2
للهجرة، رثى اُمية الذين قُتلوا من المشركين في تلك الغزوة... ضاع القسم الأوفر من
شعر اُمية، ولم يثبت له على القطع سوى قصيدته في رثاء قتلى بدر من المشركين. وكان
اُمية يحكي في شعره قصص الانبياء على ما جاء في التوراة ويذكر الله والحشر ويأتي
بالالفاظ والتعابير على غير مألوف العرب، ولذلك كان اللغويون لا يحتجون بشعره.
وشعره كثير التكلّف ضعيف البناء قليل الرونق قلق الالفاظ. أما أغراضه في شعره
الباقي بين أيدينا ـ صحيحاً ومنحولاً ـ فهي المدح والهجاء والرثاء وشيء من الحكمة وكثير
من الزهد والتزهيد ومن الكلام في الله والآخرة»([491]).
ومن ذلك نستنتج ما يلي:
1 ـ انه كان عدوّاً للاسلام ولرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نُقل انه: «لمّا ظهر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قيل له: هذا الذي كنت تستريب وتقول فيه. فحسده عدوّ
الله وقال: إنّما كنت أرجو أن أكونَه، فأنزل الله تعالى فيه: (واتْلُ
عليهم نَبَأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) ]الاعراف: 175[. وكان يحرّض قريشاً بعد وقعة
بدر»([492])،
وهذه قرينة على وجود تنافر بينه وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مما يبعد مقولة وجود صلة واستقاء منه خصوصاً بعد
البعثة النبوية.
2 ـ انه كان يحكي في شعره بعض ما جاء في التوراة من قصص الانبياء وذكر
الله والحشر ويأتي بالالفاظ والتعابير على غير مألوف العرب. وعليه فلو أراد الرسول
ان يستقي هذه الامور لاستقاها من التوراة مباشرة دون الحاجة الى أشعار اُمية
خصوصاً وان شعره متكلف ضعيف البناء قليل الرونق قلق الالفاظ لا يؤدي الى المراد
بالدقة المطلوبة، ويؤيد ذلك ما ذكره المؤرخون بقولهم: «ولذلك كان اللغويون لا
يحتجون بشعره».
3 ـ ان البيان والبلاغة الاعجازية لآيات القرآن الكريم تأبى
وتتنافى ودعوى الأخذ من اشعار اُمية المتكلفة الضعيفة القلقة القليلة الرونق.
وقد أشار القرآن إلى هذه الافتراءات وما فيها من
مفارقات صارخة، وأفحمهم بالبرهان الساطع الذي يثبت به ـ بما لا يقبل الشك والترديد
ـ البون المطلق بين ما يدّعى مصدراً لضعفه وهبوط بيانه، وبين البيان الإعجازي
للقرآن الكريم وهو قوله تعالى: (ولقد
نعلم أنهم يقولون إنّما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسانٌ عربي
مبين)([493])، ثم أشار الى حقيقة أخرى تدفع هذه الدعوى أيضاً إذ
قال: (تلك من أنباء الغيب
نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين)([494])، وبذلك أثبت أن المشركين آنذاك لا يعلمون مما جاء
في القرآن شيئاً ولو كانت أشعار اُمية مطابقة أو مشابهة لما ورد في القرآن الكريم
إذن لكانت خير دليل عندهم على دحض نبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنكار الوحي والتنزيل الإلهي له(صلى الله عليه وآله وسلم).
ونضيف الى ذلك ردّنا السابق على قول «هيك» تحت مادة
«سحر» في اننا لا نعدم وجود مشتركات وتشابه بين بعض المفردات في الاسلام والقرآن
الكريم ومفردات في اليهودية والنصرانية وكتابيهما التوراة والانجيل في الموارد التي
لم يطلها التحريف خصوصاً في كلّيات الاعتقادات وقصص الانبياء لعدم شمول النسخ لها
كما ذكرنا سابقاً، فراجع.
شعائر
الاسلام وليدة ابداعات وتأثيرات متنوعة
وفيها يحاول بعض كتّاب هذه الدائرة اختلاق ودعم شبهة
أن شعائر الاسلام جاءت من خلال إبداعات خاصة أو تأثيرات متنوعة: «كالصحابة، الجاهلية،
اليهودية، النصرانية، الفارسية، و...».
ومن نماذج الدسّ والتشويه في صيغة هذه الشبهة ما جاء
تحت مادة «أذان» التي يقول فيها «جوينبل Th. Juynboll»: «وتقول الرواية الاسلامية
ان النبي تشاور مع أصحابه بعد دخوله المدينة مباشرة في العام الأول أو الثاني
للهجرة في خير الطرق لتنبيه المؤمنين إلى وقت الصلاة، فاقترح بعضهم أن يوقدوا لذلك
ناراً أو ينفخوا في بوق أو يدقّوا ناقوساً (مثل قطعة طويلة من الخشب تضرب بقطعة اُخرى
وكان يستعمله المسيحيون في الشرق للتنبيه إلى الصلاة) ولكن واحداً من المسلمين هو
عبدالله بن زيد أخبر أنه رأى في المنام رجلاً يدعو المسلمين إلى الصلاة من سقف
المسجد، وامتدح عمر هذه الطريقة في الدعوة إلى الصلاة، ولما اتفق رأي الجماعة على
هذا الأذان أمر النبي باتباعه، ومن ذلك الوقت أخذ بلال ينادي المؤمنين إلى الصلاة
بهذا الأذان الذي يستعمله العالم الإسلامي إلى وقتنا هذا»([495]).
وتحت باب «بلال» يقول «Fr. Buhl»: «وأدخل النبي الأذان بعد أن
أبدى شيئاً من التردّد (انظر مادة أذان) وجعل بلالاً مؤذناً له»([496]).
ويسفّ «كاستر M. Gaster» اكثر فيقول عن «القبلة» تحت
باب «السامرة»: «وقد ورد في الإنصرة أيضاً كلمة القبلة، أي التوجّه في الصلاة إلى الجبل
المقدّس. والحق في ان الاتجاه إلى المعبد معروف أيضاً عند اليهود... ويجوز أن
محمداً أخذ هذه الشعيرة من السامرة. وقد صبغها مثلهم بصبغة دينية خاصة أقوى وأشدّ
مما يفعل اليهود، وكذلك غيّر محمد وجهة الصلاة عندما اختلف مع اليهود، وبذلك أفصح
عن الأهمية التي كان ينسبها إلى القبلة»([497]).
أمّا «فنسنك A. J. Wensink» فينقل هذه الشبهة إلى أهم
شعائر الاسلام على الإطلاق وهي الصلاة فيقول تحت مادتها: «ويبدو أن كلمة صلاة لم
تظهر في الآثار الأدبية السابقة على القرآن، وقد اتّخذها محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كما اتّخذ الشعيرة من اليهود والمسيحيين في بلاد
العرب»([498]).
ويستمر «فنسنك» في ابرام شبهته هذه فيقول تحت المادة
نفسها: «واشتقاق كلمة (صلوطا) الآرامية واضح كل الوضوح، فالأصل «صلأ» في الآرامية
يعني الانحناء والانثناء والقيام... وتستعمل في كثير من اللهجات الآرامية للدلالة
على الصلاة الشرعية... وقد نقل محمد كلمة الصلاة بهذا المعنى من جيرانه.
ويكشف نظام الصلاة عند المسلمين عن تشابه كبير بصلاة
اليهود والمسيحيين... ومن البيّن أن محمداً لم تكن بين يديه أول الأمر المادة
الوافية لهذه الشعيرة; ولقد كانت تعوزه النصوص التي يتلوها ويرتّلها اليهود
والمسيحيون في صلاتهم»([499]).
ويستمر «فنسنك» تحت المادة نفسها قائلاً: «ومن ثمّ
فنحن نجد فجأةً الصلاة الوسطى تظهر في السورة المدنية وهي البقرة، الآية 237.
ولابد إذن أن تكون هذه الصلاة قد اُضيفت في المدينة الى الصلاتين المعتادتين،
ويرجّح أن يكون ذلك قد تمّ محاكاة لليهود الذين كانوا يقيمون أيضاً صلاتهم (ثقلاه)
ثلاث مرات كل يوم»([500]).
ويقول أيضاً: إن «جولد صيهر «Gold Ziher» وفي معرض ردّه على «هوتسما»
في كيفية تقرير الصلوات الخمس يرى عكس ما يراه الأخير ويذهب إلى القول بوجود اثر
فارسي في تقرير الصلوات الخمس([501]).
وعن عدد الركعات في الصلوات الخمس يقول «فنسنك» تحت
مادة «الصلاة»: «... ان الحديث ]النبوي[
يقول أيضاً
إن الصلاة كانت في الأصل من ركعتين وإن هذا العدد نفسه عمل به في صلاة السفر...
ويفترض «متفوخ» وجود التأثير اليهودي في الاختيار الأصلي للركعتين»([502]).
وردّنا على مفردات هذه الصياغة من الدس والتشويه
واختلاف الشبهات كالآتي:
أ ـ
قول «جوينبل» تحت مادة «أذان» وقول «بول» تحت مادة
«بلال» يرد عليه: ان مثل هذه الرواية التي ادّعاها «جوينبل» ولم يذكر لنا مصدرها
لا شك انها من المختلقات الاسرائيلية التي اشتهر أمرها وحذّر العلماء وأهل الحديث والرواية
منها. أما الروايات الصحيحة التي وردت عن أئمة أهل بيت النبوة والعصمة(عليهم السلام) فهي على خلاف ذلك، حيث تنصّ على أن الاذان كان من
الله بواسطة الوحي «جبرئيل»، بل ان بعضاً منها تضمّن استنكاراً وزجراً ولعناً لمن زعموا
أن النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) أخذ
الأذان عن عبد الله بن زيد.
ومن هذه الروايات ما عن محمد بن يعقوب عن أبيه عن
ابن أبي عمير عن حمّاد عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال:
«لمّا
هبط جبرئيل(عليه
السلام)
بالأذان على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
كان رأسه في حجر علي(عليه السلام)
فأذّن جبرئيل وأقام، فلمّا انتبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا علي، سمعت؟
قال: نعم، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: ادع بلالاً فعلّمه، فدعا علي(عليه السلام) بلالاً فعلّمه».
ورواه الصدوق باسناده عن منصور بن حازم. وروى الشيخ
بإسناده عن علي بن ابراهيم مثله.
وعن محمد بن مكي الشهيد في الذكرى: عن ابن ابي عقيل
عن الصادق(عليه
السلام)أنّه «لعن قوماً
زعموا أن النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) أخذ
الأذان من عبدالله بن زيد، فقال:
ينزل الوحي على نبيّكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبدالله بن زيد؟!»([503]).
ب ـ
قول «كاستر» فيما يتعلق بالقبلة تحت باب (السامرة)
فيه: ما أوردناه على قول «هيك» تحت مادة «سحر» وقول «ر. پاريه» تحت مادة «أمة»
فراجع.
على ان قضية القبلة لم تكن بالشكل الذي عرضه «كاستر»
هذا من أن الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم) غيّر
القبلة عندما اختلف مع اليهود، بل كان أمراً إلهياً للرد على دعوى اليهود التي
رددها «كاستر» في قوله السالف من تبعية الاسلام ورسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم بدليل اتخاذه «بيت المقدس» التي هي قبلة اليهود
قبلة للمسلمين، وبهذا الأمر الإلهي تميّز المسلمون عن اليهود بجعل الكعبة المشرّفة
قبلتهم دون سواهم.
وفي بيان هذه الحقيقة روى علي بن ابراهيم باسناده عن
الامام الصادق(عليه
السلام)قال:
«تحوّلت القبلة الى
الكعبة بعدما صلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
بمكة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس وبعد مهاجرته الى المدينة صلّى إلى بيت المقدس
سبعه أشهر، قال: ثم وجهه الله إلى الكعبة، وذلك أن اليهود كانوا يعيّرون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون له: أنت
تابع لنا، تصلي إلى قبلتنا، فاغتمَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك غمَّاً
شديداً، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء، ينتظر من الله تعالى في ذلك
أمراً، فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلّى من الظهر
ركعتين، فنزل جبرئيل(عليه السلام)
فأخذ بعضديه وحوّله إلى الكعبة، وأنزل عليه:
(قد
نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فَولِّ وجهك شطر المسجد الحرام)
وكان صلّى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، فقالت اليهود والسفهاء:
(ما
ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها)»([504]).
ج ـ
أقوال «فنسنك» المتعددة تحت مادة «الصلاة» يرد عليها
جميعاً ما أوردناه على «هيك» تحت مادة «سحر» فراجع. ونضيف إليه:
1 ـ قوله: «ويبدو أن كلمة صلاة لم تظهر في الآثار الأدبية السابقة
على القرآن...» فيرد عليه ما أوردناه على «ر. پاريه» تحت مادة «أمة»، مع تأكيدنا على
بطلان ما ادعاه، فإن كلمة صلاة وردت في الشعر العربي الجاهلي قبل نزول القرآن الكريم،
كما في قول أعشى قيس:
يراوح في صلواته لمليك***طوراً سجوداً وطوراً جوار
ومعنى الصلاة لغة الدعاء والاستغفار; فقد قال الأعشى
أيضاً:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها***فإن ذبحت صلى عليها
وزمزما
أي دعا لها، وقال أيضاً:
وقابلها الريح في دنّها***وصلى على دنّها وارتسم
أي دعا لها ان لا تحمض ولا تفسدَ. والصلاة من الله
تعالى: الرحمة، قال عدي بن الرقاع:
صلّى الإله على امرئ ودّعتُه***وأتمّ نعمته عليه
وزادها
وقال:
صلّى على عزّة الرحمن وابنتها***ليلى،وصلّى على
جاراتها الأُخر([505])
وأصل الاشتقاق في الصلاة من اللزوم من قوله: تصلى
ناراً حامية، والمصدر الصلا، ومنه اصطلى بالنار إذا لزمها، والمصلِّي الذي يجيء في
أثر السابق للزوم أثره، ويقال للعظم الذي في العجز صلاً، وهما صلوان.
أمّا في اصطلاح الشريعة الاسلامية فهي عبارة عن
العبادة الخاصة التي شرعها الاسلام والمشتملة على الركوع والسجود على وجه مخصوص
وأركان وأذكار مخصوصة.
وقيل انها سمّيت صلاة لأن المصلي متعرّض لاستنجاح
طلبته من ثواب الله ونعمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته([506]).
2 ـ قوله: إن نظام الصلاة عند المسلمين يشابه بدرجة كبيرة صلاة
اليهود والمسيحيين... وإن الصلاة الوسطى ظهرت فجأة في سورة البقرة المدنية، وإنها اُضيفت
إلى الصلاتين المعتادتين فأصبحت ثلاثة، ثم يفرع عليها رجحان ان ذلك قد تمَّ محاكاة
لصلاة اليهود (ثقلاه)([507])
التي تقام ثلاث مرات كل يوم.
يرد عليها ان التشابه يكون مرة بعدد الصلوات، وأخرى
بشكلية الصلاة من قيام وركوع وسجود وامثالها، وثالثة بمضامين الصلاة من قراءات
وأذكار، اما الجانب الأوّل فان الصلاة التي شرعها الاسلام هي خمس صلوات وليس ثلاث صلوات
كما لدى اليهود حسب قول «فنسنك» نفسه، وليست سبعاً كما لدى المسيحيين وهي «صلاة
البكور وصلاة الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشرة والثانية عشرة ثم
صلاة منتصف الليل»([508]).
والصلوات الاسلامية الخمسة هذه محددة أوقاتها بموجب آيتين قرآنيتين نزلتا على
الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم) في مكة المكرمة
وليس في المدينة المنوّرة، وهما في سورة الاسراء في قوله تعالى: (أقم
الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إنَّ قرآن الفجر كان مشهوداً)([509])، وفي سورة هود في قوله تعالى: (وأقم
الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل...)([510]).
وفي بيان دلالة هاتين الآيتين، روي عن زرارة مسنداً
قال: «سألت أبا جعفر(عليه
السلام) عمّا فرض الله
عزّوجل من الصلاة، فقال:
خمس
صلوات في الليل والنهار، فقلت: هل سمّاهنّ الله وبيّنهن في كتابه؟ قال:
نعم، قال الله تعالى
لنبيّه(صلى الله عليه
وآله وسلم):
(أقم الصلاة لدلوك
الشمس إلى غسق الليل)
ودلوكها زوالها، وفيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات، سماهنّ الله
وبيّنهنّ ووقّتهنّ، وغسق الليل هو انتصافه، ثم قال تبارك وتعالى:
(وقرآن
الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً)
فهذه الخامسة، وقال تبارك وتعالى في ذلك:
(أقم
الصلاة طرفي النهار)
وطرفاه: المغرب والغداة
(وزلفاً
من الليل) وهي صلاة العشاء الآخرة...»([511]).
وفي تفسير الآية الأولى قال ابن عباس والحسن ومجاهد
وقتادة: «دلوكها زوالها، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام)... وقال الجبائي: غسق الليل ظلمته، وهو وقت
العشاء... وقال الحسن: «لدلوك الشمس» لزوالها: صلاة الظهر، وصلاة العصر إلى «غسق
الليل» صلاة المغرب والعشاء الآخرة، كأنه يقول من ذلك الوقت إلى هذا الوقت على ما
يبين لك من حال الصلوات الأربع، ثم صلاة الفجر، فأفردت بالذكر»([512]).
أمّا الصلاة الوسطى الواردة في سورة البقرة (حافظوا
على الصلوات والصلاة الوسطى)([513]) فقد جاء في معنى الآية: الحث على مراعاة الصلوات، ومواقيتهن،
وألاّ يقع فيها تضييع وتفريط([514]).
وجاء في روايات متعددة ان الصلاة الوسطى هي صلاة
الظهر، منها ما روي مسنداً عن أبي جعفر(عليه السلام) (في حديث) قال:
«وقال
تعالى:
(حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى) وهي صلاة الظهر»([515]).
وعليه فلا يضر ان تكون هذه الآية مدنية لانها لم تكن
بصدد اصل تشريع الصلوات الخمس، بل جاءت للحث على مراعاة الصلوات ومواقيتهن وخصوصاً
الصلاة الوسطى منهن والتي سبق تشريعها في الآيات المكية السالفة الذكر، وبهذا تبطل
دعوى فنسنك بأنها اُضيفت في المدينة إلى الصلاتين المعتادتين، ويبطل ايضاً قوله
بأنها ثلاث صلوات أو ثلاث مرات والتي يفرع عليها دعوى محاكاتها لصلاة اليهود
«ثقلاه»، كما يبطل مشابهتها لصلوات المسيحيين من هذه الناحية لثبوت ان الصلوات
المشرعة هي خمس وليست ثلاثاً كما عند اليهود، وليست سبعاً كما لدى المسيحيين كما
أسلفنا.
أمّا الجانبان الثاني والثالث من التشابه المدّعى
ففيه: أنه ورد «أن الأصل في جميع صلوات المسيحيين انما هو الصلاة الربانية التي
علّمها السيد المسيح، والأصل في تلاوتها ان يتلوها المصلي ساجداً. وقد تكون الصلاة
لفظية، بأن تتلى بألفاظ منقولة أو مرتجلة، وتكون عقلية بأن تنوى الألفاظ ويكون
الابتهال قلبياً محضاً»([516]).
ثم يحكي لنا مصدر آخر كيفية تطوّر صلواتهم قائلا:
«نشر ]الرهبان [الفرنسسكان عادة (طريق الصليب) أو (مواضعه) وهي التي تقضي بأن يتلو المتعبّد
صلوات امام صورة أو لوحة من لوحات أو صور اربع عشرة تمثّل كل منها مرحلة من مراحل
آلام المسيح; فكان القساوسة والرهبان والراهبات وبعض العلمانيين ينشدون أو يتلون
أدعية الساعات القانونية وهي: أدعية، وقراءات، ومزامير، وترانيم صاغها البندكتيون
وغيرهم وجمعها «ألكوين Alcuin» و (جريجوري السابع) في كتاب موجز.
وكانت هذه الأدعية تطرق أبواب السماء... كل يوم
وليلة في فترات، بين كل واحدة والتي تليها ثلاث ساعات»([517]).
وعن مضامينها يقول المصدر نفسه: «وأقدم الصلوات
المسيحية هما: الصلاة التي مطلعها «أبانا الذي في السماوات» والتي مطلعها «نؤمن
بإله واحد»، وقبل ان ينتهي القرن الثاني عشر بدأت الصلاة التي مطلعها: «السلام لك
يا مريم» تتخذ صيغتها المعروفة. وكانت هناك غير الصلوات أوراد شعرية من الثناء والتضرع،
... وكثيراً ما كانت الصلوات الرسمية التي تُتلى في الكنائس توجَّه إلى الله الأب،
وكان عدد قليل منها يوجّه إلى الروح القدس; ولكن صلوات الشعب كانت توجّه في الأغلب
الى عيسى ومريم، والقديسين»([518]).
أمّا صلاة اليهود فقد ورد عنها القول: «أما اليهود
فليس في التوراة ما يدل دلالةً صريحة على كيفية إقامة الصلاة عندهم، والظاهر أنهم
إنما كانوا يتلونها وقوفاً إلاّ في الاحتفالات الكبرى، حيث كانوا يسجدون، وكان لها
ثلاثة أوقات قانونية: الصبح والظهر والمساء»([519]).
أما الصلوات في الاسلام فقد ذكر الفقهاء كيفيتها
استناداً على الادلّة الشرعيّة من القرآن الكريم والسنة الشريفة فقالوا: «... فهي
تتكون من ركعات، والحد الأقصى من الركعات في الصلاة أربعة، كصلاة العشاء مثلاً،
والحد الأدنى من الركعات في الصلوات الواجبة ركعتان كصلاة الصبح، وفي الصلوات
المندوبة ركعة واحدة وهي ركعة الوتر.
وعلى العموم فالركعات هي: الوحدات والأجزاء الاساسية
التي تتكون منها الصلاة، ويستثنى من ذلك الصلاة على الأموات، فإنها مكوّنة من
تكبيرات لا من ركعات، وليست هي صلاة إلاّ بالاسم فقط»([520]).
وهناك شروط يجب توافرها في كل صلاة وهي على قسمين:
أحدهما شروط للمصلي، والآخر شروط لنفس الصلاة، وأهمها ان يكون المصلي على ضوء وطهارة
وأن يكون بدنه طاهراً وكذلك ثيابه وأن يستقبل القبلة (وهي الكعبة المشرفة) وان
يقصد بالصلاة القربة إلى الله تعالى([521]).
وقد وردت روايات كثيرة عن الكيفية وعن مضامينها
وأجزائها وشروطها، ذكرتها كتب الحديث في باب الصلاة([522]).
بعد هذا الاستعراض نرى بالمقارنة بين الصلوات لدى
اليهود ولدى المسيحيين وبين الصلوات في الاسلام وجود اختلاف اساسي بينها في العدد
وفي الأوقات وفي شكلياتها ومضامينها. فمن أين استنتج «فنسنك» التشابه الكبير بينها
ومحاكاة بعضها لبعض وأمثال ذلك في المقولات والدعوات الجزافية التي لا دليل ولا
شاهد عليها؟ هذا مع العلم اننا نلحظ من خلال سوقنا لما نقل عن صلاة اليهود وصلوات
المسيحيين أن يد التغيير البشرية قد طالت الأصل وأحدثت فيه الشيء الكثير، إذ نجد
ان مفرداتها ـ وخصوصاً صلوات المسيحيين ـ غدت مشبّعة بمبدأ التثليث الذي هو من
مقولات الشرك بالله سبحانه وتعالى، بخلاف مبدأ التوحيد والإخلاص لله وحده لا شريك
له في العبادات الاسلامية الذي تعبر عنه جميع مفرداتها وخصوصاً الصلاة منها التي
يشترط فيها كما أسلفنا نيّة التقرّب لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم
يولد ولم يكن له كفواً أحد، وهذا ما يؤكد حقيقة التحريف في الديانتين اليهودية
والمسيحية وفي كتابيهما التوراة والانجيل، والتي لا نعدم وجود تشابه في اُصولهما
قبل التحريف بين الأحكام الواردة فيهما والتي لم تنسخ، وبين نظائرها من الأحكام
الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة لأنها من سراج واحد كما اسلفنا.
غموض
العديد من مقولات النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)
القرآنية
وتهدف هذه الشبهة إلى تكوين دليل على نفي الوحي
بالقرآن، وأنّه إما من مخترعات النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أنّه اقتبسه من الغير.
وتتركز هذه الصياغة للشبهة على مجموعة من الصفات
الإلهية والأسماء والمصطلحات الخاصة الواردة في القرآن الكريم، منها ما ادّعاه
«ماكدونالد D.B. Macdonald» تحت مادة («الله» ج ـ الله
في ذاته ولذاته) قائلاً: «وصفة القدّوس وحدها من أسماء الله الحسنى، ولكنها لا ترد
إلاّ مع كلمة ملك، ولسنا نعرف على وجه التحقيق المعنى الذي يريده محمد من كلمة
قدّوس...»([523]).
ويقول أيضاً في المادة نفسها: «ومن اسمائه أيضاً
السلام (سورة الحشر، الآية 23). وهذه الصفة لم ترد إلاّ في الآية 23 من سورة
الحشر. ومعناها شديد الغموض، ونكاد نقطع بأنها لا تعني «السلم». ويرى المفسّرون ان
معناها «السلامة» أي البراءة من النقائص والعيوب، وهو تفسير محتمل، وقد تكون هذه الصفة
كلمة بقيت في ذاكرة محمد من العبارات التي تتلى في صلوات النصارى»([524]).
ويقول أيضاً: (... أمّا صفاته المعنوية فقد وردت في
قلّة يشوبها الغموض، فانه يصعب علينا معرفة ما يقصده محمد من صفات «القدوس»
و«السلام» و«النور». وهناك مجال للشك فيما إذا كان محمد قد رأى من المناسب أن يطلق
على الله صفة «العدل»)([525]).
أمّا تحت مادة («الله» د ـ صلة الخالق بخلقه) فيقول:
«ومن الواضح أن صفة البارئ قد أخذها محمد من العبرية واستعملت دون أن يُقصد منها
معنىً خاص»([526]).
وتحت مادة «بسم الله» يقول «كارادي فو
B. Carrde Vaux»: «وتساءل بعض المستشرقين عمّا إذا كانت صيغتا الرحمن والرحيم من
اسماء آلهة الجاهلية التي بقيت إلى جانب اسم الله ثم أصبحتا مجرّد صفات»([527]).
وتحت مادة «الأنصار» يقول «ركندوف
Reckendorf»: «ويظهر أن محمداً استغلّ
التشابه الموجود بين لفظ أنصار ونصارى فجعل عيسى يطلق على الحواريين «انصار الله»
(سورة آل عمران، آية 52; سورة الصف، آية 14)»([528]).
وتحت مادة «بَعْل» يقول «ماكدونالد
D.B.Macdonald»: «ولا يزال بين كلمة «بَعْل» التي تدل على إله وبين «بَعِلَ»
معناها دهِش أو فَرِق ومشتقاتها صلة ضئيلة، وليس لهذين الاشتقاقين الآن وجود...
ودخلت ]بَعل[ إلى العربية
تفسيراً لآية في القرآن، وقد أشار القرآن (سورة الصافات، الآيات 123 ـ 132) إلى قصة
إلياس وقال على لسانه:
(أَتَدْعُونَ
بعلاً وَتَذَرُونَ أحسنَ الخالِقينَ)، ومن المرجّح
أن محمداً قصد بـ (بَعْل) «بَعَل» كما سمعها في قصة من قصص التوراة (سفر الملوك
الأول، الاصحاح 18)»([529]).
أمّا «بول F. Buhl» فيقول تحت مادة «سورة»: «أما
من أين أتى النبي بهذه الكلمة فأمرٌ لا يزال غير ثابت على الرغم من المحاولات التي
بذلت لتتبع أصلها. ويذهب «نولدكه» إلى أن «سورة» هي الكلمة العبرية الحديثة «شورا»
ومعناها الترتيب أو السلسلة، ولو قد أمكن تفسيرها بأنها «السطر» لما قادنا ذلك إلى
المعنى الأصلي للكلمة...»([530]).
إنَّ جميع مفردات هذه الشبهة تعود في الحقيقة إلى
جهل المستشرقين أو تجاهلهم لمعاني الفاظ عربية وردت في القرآن الكريم، فافترضوا،
بعد تشكيل مقدمة باطلة من معان وهمية ادّعوها لتلك الألفاظ، أنها استعيرت من صلوات
النصارى مرة أو أُخِذَت من العبرية مرةً أخرى، أو أنها من الاسماء الجاهلية ثالثة،
أو استقيت من قصص التوراة رابعة، أو أنها ألفاظ شديدة الغموض، أو لا معنى لها خامسة،
وهكذا... ويبقى الهدف الحقيقي وراء هذه التمحلات هو إنكار الوحي الإلهي للرسول
محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم) الذي
سنعالج أمره في الشبهة اللاحقة ان شاء الله، كما يرد عليها ما أوردناه على «ر.
پاريه» تحت مادة «أمة».
أمّا اهم الألفاظ التي أنكروا الأصالة العربية
لبعضها، وجهلوا أو تجاهلوا استعمالها في معانيها العربية الأصيلة في آيات القرآن
الكريم فهي كالآتي حسب تسلسل ورودها في الشبهة السالفة الذكر:
1 ـ قدّوس: على وزن فُعُّول من القُدْس. وفي التهذيب: القُدْسُ
تنزيه الله تعالى، والقدّوس: من أسماء الله تعالى، قال الأزهري: القدّوس هو الطاهر
المنزّه عن العيوب والنقائص، وقال ابن الكلبي: القدّوس الطاهر، وحكى ابن الاعرابي:
والمقدّس المبارك.
ويقال أرض مقدّسة أي مباركة، وهو قول العجاج:
قد عَلِمَ القُدُّوس مولى القُدْس***أَنَّ أبا
العباس أولى نفسِ
بِمَعْدن المُلْك القديم الكرْسي
يعني بالقدّوس هنا الله سبحانه وتعالى وبالقُدْس
الأرض المباركة([531]).
وقد طابق قول المفسرين المعنى اللغوي في تفسير كلمة
«قدّوس»، فذكر الطباطبائي في تفسير الميزان أن القدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة
والطهارة([532]).
وقال الطوسي في تفسير التبيان: «القدوس» معناه
المطهر فتطهر صفاته عن ان يدخل فيها صفة نقص([533]).
فكيف يدّعي «ماكدونالد» عدم معرفة المعنى المراد من
هذه الكلمة في القرآن الكريم؟!
2 ـ السَّلام: ورد في معنى السَّلام والسلامة: البراءة. وتسلّمَ
منه: تبرأ. وقال ابن الاعرابي: السلامة العافية. والتسليم: مشتق من السلام اسم
الله تعالى لسلامته من العيب والنقص. والسلامُ: البراءة من العيوب في قول اُمية:
سَلامك رَبَّنا في كل فجر***بريئاً ما تعنّتكَ
الذُّمُومُ
والذُّموم: العيوب، أي ما تَلزقُ بك ولا تُنسب اليك([534]).
وهنا أيضاً جاء قول المفسرين مطابقاً للمعنى اللغوي
من أن السلام هو الذي يسلم عباده من ظلمه([535])، وان
السلام من يلاقيك بالسلامة والعافية من غير شرٍّ وضرّ([536]).
فأين شدة الغموض الذي يدّعيه «ماكدونالد» في المعنى
الواضح لهذه الكلمة القرآنية؟!
3 ـ النور: جاء في قواميس اللغة ان من اسماء الله تعالى النور; قال
ابن الاثير: هو الذي يُبصر بنوره ذو العماية ويَرْشدُ بهداه ذو الغَوايَةِ، وقيل:
هو الظاهر الذي به كل ظهور، والظاهر في نفسه المظْهِر لغيره يسمى نوراً. قال أبو منصور:
والنور من صفات الله عزوجل، قال عزوجل: (الله
نور السماوات والأرض)([537]). وقد ورد في تفسير هذه الآية الكريمة: ان النور
معروف وهو ظاهر مكشوف لنا بنفس ذاته فهو الظاهر بذاته المظهر لغيره من المحسوسات
للبصر، هذا أوّل ما وضع عليه لفظ النور ثم عُمّم لكل ما ينكشف به شيء من المحسوسات
على نحو الاستعارة أو الحقيقة الثانية، فعُدَّ كل من الحواس نوراً أو ذا نور يظهر
به محسوساته كالسمع والشم والذوق واللمس. ثم عمم لغير المحسوس فعدّ العقل نوراً
يظهر به المعقولات كل ذلك بتحليل معنى النور المبصر إلى الظاهر بذاته المظهر
لغيره... فقد تحصّل ان المراد بالنور في الآية الكريمة الذي يستنير به كل شيء وهو
مساو لوجود كلّ شيء وظهوره في نفسه ولغيره وهي الرحمة العامة([538]).
بعد هذا البيان كيف يدّعي «ماكدونالد» صعوبة معرفة
المقصود من وصف الله تعالى بالنور؟!
4 ـ العدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور. وفي اسماء
الله سبحانه: العَدْل، هو الذي لا يَميلُ به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل
مصدر سُمِّي به فوُضِعَ موضع العادل، وهو أبلغ منه لأنه جُعِلَ المُسَمّى نفسه
عَدلاً([539]).
وكلمة العدل وان لم ترد كصفة أو اسم من اسماء الله
سبحانه في القرآن الكريم إلاّ انها جاءت كذلك في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)([540]).
5 ـ البارئ: من برأ، وهي من أسماء الله عزوجلّ، والله البارئ: الذي
خَلَقَ لا عن مثال([541]).
وبهذا المعنى جاءت في الآية الكريمة:
(هو
الله الخالق البارئ المصوّر) أي المحدث
المُنشئ للاشياء ممتازاً بعضها عن بعض([542]).
فكلمة البارئ لفظ عربي أصيل استعمل في المعنى الخاص
الذي أشرنا إليه خلافاً لما ادّعاه «ماكدونالد» من انها استقيت من العبرية ولم
يقصد من استعمالها معنىً خاصاً.
6 ـ بَعْل: يقال للرجل، هو بَعْلُ المرأة، ويقال للمرأة، هي
بَعْلُه وبَعْلتُه. وباعَلت المرأةُ: اتخذت بعلاً، وباعل القوم قوماً آخرين
مُباعَلة وبِعالاً: تزوّج بعضهم إلى بعض، والانثى بَعْل وبَعْلة مثل زوج وزوجة;
قال الراجز:
شَرُّ قرين للكبير بَعلتُه***تُولغ كلباً سُؤرَه أو
تكْفِتُه
وبَعَل يَبْعَل بُعولة وهو بَعْل: صار بَعْلاً وقال:
يا رُبَّ بَعْل ساء ما كان بَعَل.
وبَعْلُ الشيء: رَبُّه ومالكهُ. وفي حديث الايمان:
وأن تَلِدَ الأمة بَعْلَها; المراد بالبعل ههنا المالك يعني كثرة السبي والتسرّي،
فإذا استولد المسلم جارية كان ولدها بمنزلة ربها.
وبَعْلٌ والبَعْل جميعاً: صَنَم، سمي بذلك لعبادتهم
إياه كأنه ربهم. وقوله عزوجل: (أتدعون
بعلاً وتذرون أحسن الخالقين) يقال: أنا
بَعْلُ هذا الشيء أي رَبُّه ومالكه، كأنه يقول: أتدعون ربّاً سوى الله؟ وروي عن
ابن عباس: أن ضالَّة اُنشدَت فجاء صاحبها فقال: أنا بعلُها، يريد ربها، فقال ابن
عباس: هو من قوله أتدعون بعلاً أي رَبّاً. وورد أن ابن عباس مرَّ برجلين يختصمان
في ناقة وأحدهما يقول: أنا والله بعلُها، أي مالكها وربّها. وقولهم: مَنْ بعلُ هذه
الناقة؟ أي مَنْ رَبُّها وصاحبها([543]).
وجاء في كتب التفسير ما يطابق المعاني اللغوية التي
ذكرناها، منها في تفسير الآية (أتدعون
بَعْلاً...)، قال الحسن والضحّاك وابن زيد: المراد بالبعل ـ ههنا
ـ صنم كانوا يعبدونه، والبعل في لغة أهل اليمن هو الرب، يقولون: مَنْ بَعْل هذا
الثوب أي مَنْ ربّه ـ وهو قول عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي ـ ويقولون: هو بعل هذه
الدابة أي ربها([544]).
وعليه فكيف يدّعي «ماكدونالد» أن هذه الكلمة دخلت
الى العربية تفسيراً لآية في القرآن الكريم؟
7 ـ سورة. السورة: المَنْزِلَة، والجمع سُوَرٌ، والسُّورَةُ من
البناء: ما حَسُنَ وطال. قال الجوهري: والسُّوْرُ جمع سُورَة مثل بُسْرَة وبُسْر،
وهي كل منزلة من البناء; ومنه سُورَة القرآن لأنها منزلةٌ بعد منزلة مقطوعة عن
الاخرى، والجمع سُوَرٌ بفتح الواو; قال الراعي:
هُنَّ الحرائرُ لا رَبّاتُ أَخْمِرَة***سُودُ
الَمحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
وقال ابن سيده: سميت السُّورَةُ من القرآن سُورَةً
لأنها درجة إلى غيرها، وروى الأزهري بسنده عن أبي الهيثم قال: أمّا سورة القرآن
فان الله جلَّ ثناؤه جعلها سُوَراً مثل غُرْفَة وغُرَف ورُتْبَة ورُتَب وزُلْفَة
وزُلَف([545]).
بعد هذا البيان للمعنى اللغوي الأصل لكلمة «سورة» في
اللغة العربية واستعمالها بهذا المعنى في القرآن الكريم، كيف يوجه «بول» استفهامه
عن مصدر هذه الكلمة وأصالتها؟ وكيف يدّعي «نولدكه» انها عبارة عن الكلمة العبرية الحديثة
«شورا»؟
ادعاء
النبي محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)
وابتكاره واصطناعه وتأثره بمن حوله
وهذه الشبهة تعني بعبارة أخرى أنه ليس وراء محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وحي إلهي ولا تنزيل سماوي. فمثلاً تصوّر بعث النبي
لجيش أسامة على أنّها لأجل الثأر لأبيه زيد وليس لها بعد رسالي كما أُعطيت إليه
فيما بعد، وتجد ذلك تحت مادة «أسامة» حيث يقول «V. Vacca»: «بعث النبي أسامة على رأس
جيش ليثأر لأبيه زيد الذي قُتل في غزوة مؤتة. وبالرغم من الطعن بحداثة سنّه...»([546]).
وتصوّر التشريعات الاسلامية على انها بدوافع مادية كان النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)يخضع لها، منها ما جاء تحت مادة «اصول» والتي يقول
فيها «يوسف شاخت Joseph
Schacht»: «.. ولم يكن قصد محمد خلق نظام يضبط به حياة
أتباعه، أو وضع اصول هذا النظام على الأقل، بل ظل القانون العرفي العربي القديم
الذي تضمّن كثيراً من العناصر الدخيلة من روميّة إقليمية وبابلية ويمنيّة، يسير في
الاسلام سيره الطبيعي، ودخلت عليه بعض التغييرات لتلائم بينه وبين الظروف
الاقليميّة للبدو وأهل مكة وهي مدينة تجاريّة، وأهل المدينة وهي مركز زراعي، وكان
همُّ محمد في التشريع قاصراً على تصحيح بعض المسائل مدفوعاً الى ذلك باعتبارات
دينية. وذلك لأن الأحكام التي تمسّ الحياة الاجتماعية تقوم أيضاً على أساس ديني.
وفي مثل هذه المسائل كانت الحوادث الخارجية هي الدافع الى معالجة أكثرها»([547]).
وأنه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبتكر ويقع تحت تأثير عوامل مختلفة، منها ما قاله «ماكدونالد
D. B. Macdonald» تحت مادة («الله» هـ ـ صلة الله بالانسان): «... وكان محمد في
وقت ما يستعمل صفة «الرحمن» كاسم علم مرادف للكلمة «الله». واعتبر اهل مكة ذلك من
مبتكراته (انظر خبر صلح الحديبية وما جاء فيه من ان اهل مكّة رفضوا الصيغة التي
تضمنت الرحمن الرحيم، وتمسّكوا بالصيغة المكيّة القديمة «باسمك اللهم»)... ويظهر
ان محمداً قد أخذ هذه الصيغة عن جنوبي بلاد العرب»([548]).
وتحت مادة «اهل الكتاب» يقول «جولد صيهر
Gold Ziher»: «يسمّي محمد اليهود
والنصارى بهذا الاسم تمييزاً لهم عن عبدة الأوثان... على انه رغم نزعة التعصب التي
كان يعبّر عنها بعبارات شديدة...»([549]).
وتحت مادة «جبرائيل» يقول «كارادي فو
Carrade Vaux»: «ولجبرئيل شأن هام في القرآن. وقد اصطنع النبي القصة التي تقول
بأن هذا الرسول السماوي يتحدث الى الانبياء، واعتقد انه تلقّى رسالته ووحيه منه»([550]).
ويقول أيضاً تحت مادة «الجنة»: «وقد ذُكرت مرة واحدة
في القرآن بالاسم الفارسي «فردوس»... وقد عرف أن فكرة محمد عن الجنة مادة حسية،
وقد صورت هذه الفكرة في سور كثيرة تتصل بالفترة الاولى من دعوته مثال ذلك (سورة
محمد، الآيات 16، 17)»([551]).
ويحاول الطعن في بلاغة القرآن جهلاً منه باُصولها
فيقول تحت نفس المادة: «وفي سورة الرحمن، الآية 55، وهي السورة التي صيغت في قالب
اُنشودة لها لازمة، يتحدّث محمد عن الجنّتين... وهو يذكر في السورة نفسها «الآيات
16 ـ 19» المشرقين والمغربين والبحرين. وليس تفسير هذه الإثنينيّة يسيراً إلاّ إذا
كانت من أجل البحرين، وقد يُقال إن النبي قد التزم في هذا المقام صيغة المثنى لأنها
أوقع في السمع»([552]).
وتحت مادة «جهنم» يقول «كارادي فو
B. Carrade Vaux»: « ولم يكن لدى النبي محمد إلاّ فكرة اولية عن بناء جهنم، فهو
يتحدث عن ابوابها ويحدد عددها بسبعة (سورة لقمان، الآية 71، سورة الحجر، الآيتان
43، 44)»([553]).
وتحت مادة «الحديبية» يقول «لامنس
H. Lammen»: «ولم يستطع النبي أن يعدَّ
نفسه قابضاً على ناصية الحال إلاّ في الشهور الأخيرة من العام السادس للهجرة بعد
أن قضى على العشائر اليهودية وأذلّ المنافقين في المدينة، ومن ثم رأى أن الوقت قد
حان للتظاهر ضد مكة رداً على حصار الخندق. وهو الحصار الذي حاولته قريش، وقد اتّخذ
النبي كل الأهبة لهذا التظاهر بفضل السياسة التي التزمها، ولم يحد عنها، فقد دأب
على تركيز اهتمام قومه بمكّة ام البلاد، فكان تغييره للقبلة واصطناعه لاُسطورة
إبراهيم، وتصويره بأنه باني الكعبة، وفرضه الحج وإيجابه في ذلك الوقت على كافّة
المسلمين، يخدم هذا الغرض دون سواه. ويبدو أن النبي فكّر اول الأمر في القيام
بمظاهرة عسكرية، فقد كان المفروض أن يسير في عدد يتفاوت بين 1400 و 1600 من الرجال
المسلمين، ولكنه عدّل خطته وأعلن أنه انتوى العمرة، وما كان الهدي الذي أخذه معه
إلاّ استكمالاً للخدعة»([554]).
وتحت مادة «سارق» يقول «هيفيننك
Heffening»: «السرقة وجزاؤها قطع اليد
بنص القرآن «سورة المائدة، الآية 38»، وكان هذا الجزاء من ابتكار الرسول، إلاّ أنه
ورد في أدب الأوائل أن وليد بن المغيرة ابتدعه أيّام الجاهلية، وقد يكون هذا النوع
من العقوبة من أصل فارسي»([555]).
وتحت مادة «السفينة» يقول «كندرمان
H. Kindermann»: «والشيء الذي أثار هذه المسألة في بادئ الأمر هي الأوصاف التي
ذكرها القرآن عن البحر. فقد تساءل «بارتولد W. Barthold» بحق، كيف تأتت للنبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الصور الواضحة عن البحر وعواصفه ومن أين
استقاها؟»([556]).
ويستمر تحت نفس المادة قائلاً: «على ان لامنس يعترف
بأن الاشارات الكثيرة في القرآن والسيرة إلى الملاحة توحي بأن العرب كانوا على
دراية وثيقة بالبحر...»([557]).
وتحت مادة «شيطان» يقول «ترتون
A. S. Tritton»: «وكلمة شيطان شائعة في القرآن، ولكنها لا ترد في سور العهد
المكي إلاّ مرة منكّرة بصيغة المفرد فحسب، ولم ترد في صيغتها المحددة إلاّ في
العهد الثاني موحية ان النبي قد وجد أو تذكّر فكرة اُخرى عن الشيطان»([558]).
وتحت مادة «صالح» يقول «بول
Fr. Buhl»: «... ولكننا لا نستطيع ان نتحقق
من المصدر الذي استقى منه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) اسم صالح وقصة الناقة»([559]).
وعن دعوى وقوع النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت تأثير عوامل ماديّة مختلفة عند تشريعه للاحكام
أو اتخاذه للقرارات يقول «شاخت J. Schaht»: «أمّا فيما يتعلّق بالمصادر الماديّة للشريعة
الاسلامية فإن عناصر كثيرة مختلفة جداً في أصلها (من آراء عربية قديمة وبدوية:
قانون التعامل بمدينة مكّة التي كانت مدينة تجارية، وقانون الملكية في واحة
المدينة، والقانون العرفي الذي كان في البلاد المفتوحة، وهو قانون روماني إقليمي
إلى حدٍّ ما، وقانون هندي) قد احتفظ بها الاسلام وأخذ بها من غير تحرّج، لكنها بعد
ذلك اُخضعت لذلك التقييم الديني الذي شمل كل شيء وأنتج من جانبه أيضاً عدداً
كبيراً من المبتكرات الفقهية»([560]).
وتحت مادة «زيد بن حارثة» يقول «فكاV. Vacca
»: «وكان زيد يصغر محمداً بنحو
عشر سنوات، وهو من السابقين إلى الاسلام، إن لم يكن أوّلهم جميعاً، وزيد ينحدر من
قبيلة كانت تضرب قرب دومة الجندل، وكان عدد المعتنقين النصرانية هناك كثيراً، كما
كان أثر اليهودية واضحاً، وربما كان أثر زيد في تطوّر تفكير النبي كبيراً»([561]).
ويضيف «فنسنك» إلى تأثير العوامل الماديّة المختلفة
على النبي محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)في تشريعه
للأحكام واتخاذه للقرارات أنه كان يقع تحت طائلة الخدعة، فيقول تحت مادة «الحج»:
«وقد ثار اهتمام النبي بالحج أول مرة في المدينة، ويرجع اهتمامه الى عدّة اسباب
بيّنها Mekkandns
في كتابهShouck Hargrnonye Chefeest
، فقد دعاه نجاحه الباهر في
غزوة بدر الى التفكير في فتح مكّة، وطبيعي أن التجهّز لهذا الفتح يكون اكثر
توفيقاً إذا أثار النبي اهتمام صحابته بالامور الدينية والدنيوية جميعاً، فقد خدع
النبي فيما كان يعقده من آمال على جماعة اليهود بالمدينة، وأدّت خلافاته معهم إلى
قيام شقاق ديني بينه وبينهم لم يكن عنه محيص، والى هذا العهد يرد أصل نظرية دين
ابراهيم»([562]).
وعن دعوى أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقع في أخطاء في مواقفه وإبهام في آرائه يقول
«بول Fr. Buhl» تحت مادة «تحريف»: «... والذي حدا بالمسلمين إلى الاشتغال بهذه
الفكرة ]التحريف[
هو ما جاء
بالقرآن من آيات اتّهم فيها محمد اليهود بتغيير ما أنزل اليهم من كتب وبخاصة
«التوراة» مستعملاً التعبير «حرفوا» (انظر مادة القرآن). وكان هذا الاتهام في
الواقع الطريقة الوحيدة لاخراج محمد من مأزق خطير حين احتك في المدينة باليهود.
فقد سعى منذ بدء رسالته الى الحصول على تأييد أهل الكتاب يهوداً ونصارى لاقتناعه
بأن ما جاء في العهدين القديم والجديد يتّفق وما دعا إليه مما انزل عليه. ولكن
عرضه للوقائع والشرائع التي جاءت في التوراة انطوى على ادراك خاطئ أثار عليه النقد
والسخرية من جانب اليهود، فكان في نظرهم مبطلاً. ولو أن ما استعرضه من الآراء كان
مناقضاً لما اُنزل في الكتب المقدّسة القديمة لانتفت دعواه فيما يؤكّد من أنه صاحب
رسالة إلهية. ولما كان اعتقاده أنه رسول موحى إليه قوياً لا يتزعزع لم يبق له غير
مخرج واحد، ذلك ان اليهود عمدوا آثمين إلى تحريف الكتاب، وأنه هو الذي أتى بالنص الصحيح;
وهي دعوى جريئة يسّرها عليه أن هذه الكتب كانت مجهولة تماماً من أتباعه المؤمنين
بصدق كلماته»([563]).
ويضيف «بول» أيضاً تحت نفس المادة: «وكان من نتيجة
الطريقة المبهمة التي تحدّث بها محمد في القرآن عن تحريف الذين اُوتوا الكتاب
للتوراة والانجيل أن ذهب علماء المسلمين مذاهب شتى في تقديرهم للحقائق التي يقوم
عليها هذا الاتهام»([564]).
إن هذه الصياغة لمقولات الطعن بإلهية القرآن الكريم
ورسالة النبي محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم)بالاسلام
تبرز لنا شبهة إنكار الوحي الإلهي من خلال نماذج مفرداتها التي سقناها بصراحة
ووضوح اشدّ من الصياغات السابقة. هذه الشبهة التي طالما بذل الكثير من المستشرقين
وأمثالهم الجهد الكبير لتركيزها وإطلاق الادعاءات وسوق الأدلّة المتكلفة لاثباتها.
وعليه لابدّ لنا من أن نعقد بحثاً يستوعب أبلغ ما يمكن استلاله من جملة مفردات
أدلّتهم ودعواتهم المختلفة التي ذكرت في المقام ليكون جواباً شاملاً وشافياً لجميع
ما استقصيناه في هذه الصياغة والصياغات الاخرى أو لم نستقصه من مفردات هذه الشبهة.
على اننا نجد ان منهج تناولهم لهذه الشبهة سلك
طريقين: الطريق الأول شبهات حول إعجاز القرآن، والطريق الثاني شبهات حول الوحي
الإلهي للرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم). وللترابط
الموضوعي الوثيق بين إعجاز القرآن والوحي الإلهي سنتناول كلا هذين الطريقين
بالبيان والرد كالآتي:
الطريق الأول:
شبهات حول إعجاز القرآن الكريم: وتقوم هذه الشبهات على
تأكيد بشرية القرآن الكريم، ولكون الاسلوب البلاغي للقرآن الكريم هو أحد الأسرار
الأساسية لإثبات إعجازه وكونه وحياً إلهياً تحدّى البشر بأن يأتوا بمثله أو بعشر
سور مثله بل بسورة من مثله، وأن يدعوا من استطاعوا لذلك من دون الله إن كانوا
صادقين، كان مطعنهم الأول موجّه لها لنفيها كأساس لذلك الإعجاز، وبتتبع تفصيلي
لمفردات هذه الشبهات يمكننا ان نقسمها الى قسمين: قسم يحاول أن يبرز نقصاً أو خطأً
في الاُسلوب البلاغي والمحتوى البياني للقرآن الكريم، ويمكننا ملاحظة النماذج التي
سقناها سابقاً في هذا السياق. ولا نجد حاجة لتتبع المزيد من تفصيلات ذلك مفردةً
بعد أخرى والرد عليها على ضوء القواعد العربية لاستلزامه الإطالة من جهة ولوجود من
كفانا مؤنتها من جهة اخرى([565]).
وقسم آخر يحاول ان يقيم الدليل على كون القرآن
الكريم ليس بمعجزة في جانبه البلاغي لقدرة البشر على أن يأتوا بمثله وهذا القسم
يشتمل على ما يلي:
الشبهة الاولى: لما كانت الفصاحة والبلاغة القرآنية هي الأساس
الأول في الإعجاز القرآني، ولما كان للعرب قواعد واُسس لتلك الفصاحة والبلاغة تشكل
المقياس الرئيسي لديهم في تمييز ما هو بليغ وفصيح عن غيره، نجد أن بعض آيات القرآن
الكريم تأتي خلافاً لتلك القواعد أو لا تنطبق عليها تمام الانطباق، وعليه فإن
القرآن الكريم يفتقد لنهج الفصاحة والبلاغة على الاُصول والقواعد العربية، فهو إذن
ليس معجزاً ببلاغته.
وهنا سوف نكتفي بمناقشة أصل الفكرة والأساس الذي
تقوم عليه هذه الشبهة ونفي إمكان الاعتماد على هذا الأساس في الطعن بإعجاز القرآن
فنقول:
1 ـ من خلال مراجعة تاريخ تأسيس قواعد اللغة العربية نجد أنها ظهرت
في زمن لاحق لنزول القرآن الكريم، وذلك عندما بدرت الحاجة إلى هذه القواعد خوفاً
على اللغة العربية والنص القرآني الذي نزل على نسقها من الاختلاط والضياع نتيجة
اتساع نطاق الدعوة الاسلامية، وامتداد رقعة دولتها، وتداخل العرب بغيرهم من الشعوب
الأعجمية. ولم يثبت لنا التاريخ مبادرة قبل مبادرة أبي الاسود الدؤلي تحت إشراف
وإرشاد الامام علي بن أبي طالب(عليه السلام)أيام خلافته.
على أن عملية وضع قواعد اللغة العربية كانت عبارة عن
اكتشاف قام به بعض المهتمين بشؤون اللغة العربية على اساس ما كان يتبعه العرب من
أساليب في البيان والنطق خلال كلامهم، وليس اختراعاً أولياً من قبل واضعي اللغة
العربية. إذاً فكلام العربي الأصيل هو المصدر الاساسي في بناء القاعدة اللغوية
وصياغة تفصيلاتها، والقرآن الكريم كان في مقدمة تلك المصادر المعبّرة عن الكلام
العربي الأصيل، بل أوثقه وأبلغه على الاطلاق. لذا نجد أن جميع ما وصلنا من صياغات لقواعد
اللغة العربية كانت تجعل القرآن الكريم مقياساً يحكم عليها بالصحة أو الخطأ. وهذا
هو الذي يجب ان ننحوه في لحاظ قواعد اللغة العربية وليس العكس.
2 ـ يضاف إلى ذلك اننا لم نجد ما بين نزول القرآن الكريم وحتى
اكتشاف وتدوين قواعد اللغة العربية أن التاريخ قد نقل لنا نقداً أو مطعناً في
بلاغة القرآن وبيانه صدر من العرب المعاصرين لنزوله، وهم أهل البلاغة والفصاحة
وذوو الخبرة والمعرفة المحيطة باللغة العربية، رغم شدة عداء العديد منهم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وتكذيبهم لنزول الوحي الإلهي عليه بالقرآن الكريم.
بل نجدهم على العكس من ذلك، فقد اذعنوا لعظمة بلاغة القرآن الكريم واستسلموا لجمال
بيانه الساحر حتى وصفه بعضهم لشدة تأثره به بأنه سحر، كناية عن مدى إيمانه بدقة
انسيابه البياني وانسياقه التعبيري، بشكل يفوق مطلقاً ما هو مألوف لديهم من صيغ
البلاغة والبيان والتعبير.
الشبهة الثانية: إن المتميزين والعارفين من أهل اللغة العربية
قادرون على الإتيان بمثل الكلمات القرآنية أو بعضها. وهذا يعني أنهم قادرون على
الاتيان بكلمات قرآنية، لأن حكم الامثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، وهكذا يصبح
من المعقول ـ بل المجزوم به ـ أن هذه القدرة يمكنها أن تمتد للإتيان بسورة أو بعدة
سور أو قل بمثل القرآن كله.
وفي معرض ردّ هذه الشبهة نقول: إن الاعجاز القرآني
لا يكمن في كلمات متناثرة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر، إنما هو في التركيب
البياني بين الكلمات والاُسلوب الصياغي لها وفي المحتوى والمضمون للمعاني والافكار
التي يُعبر عنها ذلك التركيب والاسلوب في سياقات متعانقة الصلة منسجمة الحلقات. فشتّان
بين افتراض القدرة على الاتيان بكلمات متناثرة مهما كان عددها وبين القدرة على
نظمها على نسق الصياغات البلاغية في تركيب جمالي معبّر، ولا يحتاج هذا التمييز بين
القدرتين الى برهان، فهو أمر وجداني يحسّه كل عاقل ملتفت، حيث نجد ان الكثيرين قد
يملكون قابلية النطق بكلمات عربية عديدة ولكنهم لا يستطيعون ان ينظموا منها شعراً
أو مقطوعة ادبية بليغة، أو يصوغوا منها خطاباً فصيحاً شأنهم في ذلك شأن من يقوم
بتوفير المواد الانشائية وانجاز اعمال محدودة وبسيطة منها، إلاّ انهم لا يستطيعون
ان يشيّدوا أبنية ومشاريع هندسية دقيقة وضخمة رغم اشتمالها على تلك الاعمال
المحدودة والبسيطة. ونفس الكلام يأتي في المحتوى والمضمون، فمن نتصور فيه القدرة
على تقديم فكرة أو فكرتين لا نتصور فيه القدرة على تقديم هذا الكم الكبير
والمتناسق من الأفكار المتنوعة والمفاهيم المترابطة خصوصاً إذا أخذنا بنظر
الاعتبار نفس الظروف الموضوعية والذاتية التي نزل فيها القرآن الكريم والتحدي الذي
كان فيها.
الشبهة الثالثة: إن تحدي القرآن للعرب عدة مرات قد اكتنفته عوامل وظروف
منعت العرب آنذاك من معارضة القرآن وإظهار قدرتهم على الإتيان بمثله، فهم لم
يعارضوه لأنه معجز بل بسبب تلك العوامل والظروف المانعة. ويمكننا تحديد مرحلتين
تاريخيتين تميّزت كل مرحلة منهما بعوامل وظروف مانعة اختصت بها وهما:
المرحلة الاولى: مرحلة التنزيل القرآني، حيث اتسمت
بسيطرة المسلمين وسطوتهم على الواقع السياسي والاجتماعي للحاضرة العربية،
ومحاربتهم لكل من يظهر العداء للاسلام أو يتحداه، مما أبرز عوامل الخوف والرهبة في
نفوس العرب المعاصرين فاحجموا عن المعارضة والتحدي للقرآن حفاظاً على أنفسهم وأموالهم
من سطوة المسلمين.
المرحلة الثانية: مرحلة الخلافة الاُموية وما بعدها
والتي أعقبت سلطة الخلفاء الأربعة الأُوَل. وقد عرف عن الاُمويين أن خلافتهم لم
تقم على اساس الحفاظ على الاسلام والالتزام به والدعوة إليه، فكان من الممكن إظهار
المعارضة والتحدي للقرآن، إلاّ ان الانس الذهني بمعانيه المتينة والألفة النفسية
لألفاظه الجميلة جعلته من المرتكزات التي يتوارثونها جيلاً بعد آخر فانصرفوا
نفسياً وذهنياً عن التفكير بمعارضته وتحديه.
ورد هذه الشبهة يكمن بملاحظة ما يلي:
1 ـ ان أول تحدٍّ بالقرآن الكريم للمشركين وطلب معارضته ولو بسورة
من مثله جاء في سورتي يونس وهود وهما مكيّتان، أي في اول مراحل الدعوة الاسلامية
حين كان المسلمون مضطهدين ومطاردين، وكان المشركون في أوج قدرتهم، ومع كل ذلك لم
يستطع أيٌّ من بلغائهم أن يقابل التحدي بالمعارضة، مع العلم ان شوكة وسلطة
المسلمين لم تظهر إلاّ بعد الهجرة الى المدينة المنورة، وانحصرت بحدودها الى ان
تمَّ النصر بفتح مكة أو آخر عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2 ـ ان ظهور شوكة المسلمين وامتداد سلطانهم في الجزيرة العربية
أواخر عصر النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) وعصر الخلفاء
الاربعة بعده لم يلغ وجود الكفار، ولم يمنعهم من إظهار كفرهم، خصوصاً إذا كان على
مستوى الاحتجاج وقبول التحدي بالمعارضة، والدليل على ذلك بقاء مجموعات عديدة من
المشركين على دياناتهم كما هو شأن أهل الكتاب، وقد أقرّهم الاسلام على ذلك، ورعى
مصالحهم الانسانية والاجتماعية في ظل الدولة الاسلامية، شأنهم في ذلك شأن
المسلمين، ومع كل ذلك لم نجد من تصدّى لمعارضة القرآن الكريم وادّعى القدرة على
الاتيان بمثله، رغم انهم كانوا يحاولون الاجتهاد بمحاججات مختلفة اخرى انتصاراً لدياناتهم
على الاسلام.
3 ـ لو سلّمنا أن فرضية وجود الخوف من معارضة القرآن الكريم بسبب السيطرة
الاسلامية إنما منعت المشركين من إظهار هذه المعارضة والتجاهر بها، إلاّ أن
معارضتهم السرية كانت ممكنة في إطار تجمعاتهم الخاصة، ولو ثبتت مثل هذه المعارضة
لأظهروها في الفرص السانحة، ولنقلت الينا كما نقلت نصوص أهل الكتاب الدينية فيما
بعد وخصوصاً قصص العهدين الخرافية المعارضة للقرآن الكريم.
4 ـ من الطبيعي فيما عهد في الكلام البليغ وإن علت رتبته أنه يفقد
رونقه ويتضاءل وقعه الجميل على الحس البشري كلما تكرر على المسامع، ويتحول بالتدريج
الى كلام عادي في شدّه وتحريكه البلاغي. فنرى الجديد من المقطوعات الأدبية أو
القصائد البليغة يشدّ ويحرّك السامع اكثر من المكرور وإن كان اقل منه بلاغةً
وبياناً، ويتركز هذا الحس كلما تعدد التكرار، ولو طبقنا هذا الأمر على القرآن
الكريم لوجدناه على العكس من ذلك، حيث يجمع اهل اللغة وأرباب البلاغة العربية ان
حسهم وتذوقهم لبلاغة القرآن الكريم ومعانيه الجميلة المتناسقة تزداد شدةً وحسناً
كلما اكثروا من قراءته وترديد آياته، ثم اننا لا نجد ذلك منحصراً بهم بل يعم
عادة الناطقين باللغة العربية على اختلاف مستوياتهم وحسهم الادبي. وهذا يؤكد
الاعجاز البلاغي للقرآن الكريم لا ان يكون نقصاً عليه.
ولو سلمنا وافترضنا ان التكرار يوجب الانس الذهني
والالفة النفسية بالقرآن وبالتالي الانصراف عن معارضته، فهذا انما يتم عند
المسلمين المؤمنين به والتالين له بشوق وعقيدة، أما غيرهم من بلغاء العرب وفصحائهم
فليسوا كذلك، فهم متربصون به، وبامكانهم قبول التحدي ومعارضته لو استطاعوا الى ذلك
سبيلاً.
الشبهة الرابعة: من خلال عقد مقارنة بين ما جاء في القرآن من قصص الأنبياء
وما جاء في كتب العهدين المتداولة «التوراة والانجيل» نجد أن ما جاء في القرآن
يختلف كثيراً في تفصيلات الحوادث ونسبتها الى الانبياء واُممهم السالفة عمّا جاء
في تلك الكتب. ولما كانت هذه الكتب مما يعترف القرآن بها انها من الوحي الالهي،
وكان هو وحياً إلهياً أيضاً فكيف يخالفها في ذلك؟ وهل يمكن ان يناقض الوحي الإلهي
نفسه في الإخبار عن الأحداث والوقائع التاريخية؟
ثم ان القرآن جاء في مجتمع وامة منفصلة عن تاريخ
انبياء تلك الكتب السماوية واُممهم، في حين ان تلك الكتب بقيت متداولة جيلاً بعد
آخر في أمم هؤلاء الأنبياء، وهذا يعني انهم أدق معرفة واطلاعاً بأوضاع هؤلاء
الانبياء وما جرى لهم مع آبائهم وأجدادهم، فيكون ذلك دليلاً على صدق ما جاء في كتب
العهدين دون ما جاء في القرآن، وعليه يدل القرآن على صدق نبوة مَنْ جاء به.
ودفع هذه الشبهة يتم بلحاظ ما يلي:
1 ـ إن ادعاء بقاء كتب العهدين متداولة، كما انزلت على انبيائها في
اُممهم جيلاً بعد آخر هو اول الكلام، إذ ان الصلة بين اجيال تلك الامم لا تشكّل
دليلاً على بقاء تلك الكتب سليمة وبعيدة عن يدِ التحريف والتزوير، خصوصاً إذا عرفنا
أن انفصالاً تاريخياً قد وقع بين تلك الامم وانبيائهم، مما افقد تلك الامم القدرة
على الاحتفاظ باصول كتب العهدين كما انزلت على هؤلاءِ الانبياء، فكثرت في نصوصها
الاجتهادات وطالتها يد التحريف والتزوير جيلاً بعد آخر، ويؤكد القرآن الكريم هذه
الحقيقة في معرض بيانه لواقع أمم هؤلاء الانبياء التي نزلت فيهم تلك الكتب([566]).
2 ـ ان عقد المقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم من قصص الأنبياء
وما جاء في كتب العهدين المتداولة والتعرف على مواطن الاختلاف يدعو بنفسه الى تصديق
القرآن الكريم دون كتب العهدين وليس العكس، وذلك لأن تفاصيل قصص هؤلاء الانبياء في
القرآن الكريم جاءت دقيقة ومتطابقة تمام الانطباق مع الاصول العقلية والثوابت
العقائدية لواقع الأنبياء وصفاتهم الاساسية، في حين اننا نجد خلاف ذلك في التوراة
والانجيل، فهما يذكران العديد من الخرافات والاباطيل، وينسبان الى انبياء تلك
الفترة مواقف لا تتفق والصفات الواقعية للانبياء، وسلوكيات لا تليق برسل الله
وامنائه على ارضه ودينه([567]).
بل انها تتنافى مع صفات اصل الصلاح والاصلاح من عامة الناس.
وعليه فان العرض القرآني لقصص الأنبياء ووقائعهم
يظهر لنا جانباً مهماً من اعجاز القرآن الكريم لانسجامه وائتلافه مع طبيعة الصفات
الواقعية للانبياء والرسل التي أرشدت اليها العقول وأقرتها العقائد الدينية، ويؤكد
يقيننا بأن مصدرها الوحي الإلهي وليس كتب العهدين وامثالها كما يدّعون.
هذه خلاصة لما يرد على ما استللناه من شبهات مبثوثة
إجمالاً وتفصيلاً في طيات دس وتشويه المستشرقين خصوصاً في دائرة المعارف
الاسلامية، على اننا أجبنا عن غير هذه الشبهات سلفاً([568]).
الطريق الثاني: شبهات حول الوحي الالهي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): ويمكن عموماً ارجاع هذه الشبهات الى شبهة أساسية
هي ان الوحي القرآني لا علاقة له بالسماء، إنما هو وحي نفسي نابع من ذات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم). على ان اصول بعض هذه الشبهات ليس جديداً في
موضوعه، فلطالما أثارها المعاندون من اهل الكتاب وامثالهم بعد بعثة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول الوحي القرآني عليه، وما فعله بعض المستشرقين
فيما بعد هو مجرد ترديد لتلك الشبهات وتطوير لها، واضافة بعض الجديد عليها،
وإخراجه بطابع البحث العلمي وشكلية الدراسة الموضوعية، ولقد أشار القرآن الكريم
الى مجموعة من هذه الشبهات في موارد مختلفة من آياته الكريمة، منها قوله تعالى: (أنّى
لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا مُعَلّم مجنون)([569])، وقوله تعالى: (وقال
الذين كفروا إن هذا إلاّ إفكٌ افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً
وزوراً * وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرةً وأصيلاً)([570])، وقوله تعالى: (ولقد
نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين)([571])، وقوله تعالى: (بل
قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون)([572]).
وفي الرد على هذه الشبهات سوف نكتفي بمناقشة الشبهة
الأساسية التي أشرنا إلى انها مرجع كل تلك الشبهات، ونمهد لذلك ببيان معنى الوحي
بشكل واضح ليتسنى لنا تحديد موضوع الشبهة بدقة اكثر.
ولتحديد معنى الوحي الالهي اصطلاحاً نجده لا يخرج من
جوهره عن المعنى اللغوي لكلمة الوحي، وهو الاعلام في خفاء([573]).
وهو أصل يدل على القاء علم في إخفاء أو غيره، وكل ما ألقيته الى غيرك حتى عَلِمَهُ
فهو وحي كيف كان([574]).
فهو على ضوء ذلك مركب ينحل الى معرفة تُدرك، وادراك عقلي لها، وواسطة تنقلها،
ومصدر تصدر عنه. وفي ما نحن فيه من معنى الوحي الالهي الذي اختص به الله سبحانه
انبياءه ورسله من بني الانسان وكان القرآن الكريم ابرز مصاديقه، نجد أن شعور
الانسان المدرك يختلف تجاه مصدر افكاره وواسطة ايصالها إليه، ويمكننا حصر انحاء
شعوره هذا في ثلاثة:
1 ـ شعوره بأن هذه المعرفة هي من بنات تفكيره الخاص، فهي نابعة من ذاته،
وحصيلة جهده الفكري الخاص وتعقله الشخصي. وهذا ما يتعلق عادة بأفكارنا ومعارفنا
العادية، ونحسه في حالات الادراك الاعتيادية. وهو يحصل لمطلق الانسان العاقل، غاية
الأمر ان المؤمن بالله سبحانه وتعالى يعتقد بأن جميع افكاره تنتهي الى الله الخالق
الواهب المدبّر المهيمن على جميع عوالم الوجود، بما في ذلك قدرتنا على التفكير
والادراك. فهو يعتقد بأن هذه الافكار والمعارف العادية هي ثمرة تلك القدرة العقلية
التي وهبها الله له، ومكّنه من تفعيلها في ذات نفسه فكانت واسطته في تحصيلها.
2 ـ ان يشعر الانسان بأن الفكرة أو المعرفة التي وعاها بادراكه
العقلي جاءته وخطرت إليه من خارج ذاته ونفسه ويشعر بوضوح كامل انها القيت إليه من
ذات عُليا منفصلة عن ذاته تمام الانفصال، إلاّ انه لا يحس احساساً واضحاً بالواسطة
والطريقة التي تحققت فيها عملية الالقاء والاخطار في نفسه من تلك الذات العليا.
وهذا النحو من الشعور والاحساس تجاه الفكرة أو المعرفة المدركة هو الذي يحصل فيما
يسمّى عند المؤمنين بالله سبحانه بحالة الالهام الالهي.
3 ـ ان يقترن بالشعور الحسي تجاه الفكرة أو المعرفة المشار اليها
في الفقرة الثانية اعلاه شعور حسي آخر بالواسطة والطريقة التي تقوم بعملية الإلقاء
والاخطار وتشكل همزة الوصل بين الذات العليا الملقية وذات الانسان المتلقي. ويكون
هذا الشعور والاحساس واضحاً جلياً وضوح احساسنا وادراكنا للاشياء بحواسنا العادية.
وهذا ما يسمّيه المؤمنون بالله سبحانه بالوحي الالهي، وهذا الوحي مختص بالانبياء،
وهو الذي حدث في وحي القرآن الكريم الى نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
وعليه فان هناك ثلاث صور من الادراك يمكن أن تحصل
للانسان بشروط معينة يختلف احدها عن الآخر، فالادراك نتيجة الموهبة غيره في
الالهام وغيرهما في الوحي.
شبهة المستشرقين حول
الوحي:
لقد أصبح واضحاً لدينا، بعد معالجة أهم الشبهات التي
أثيرت حول اعجاز القرآن، ان القرآن ليس ظاهرةً بشرية وليس من ابداعات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل انه، ومن خلال جوانب اعجازه التي تحدّى بها كل
البشر مرتبط بالغيب المطلق وهو وحي من الله سبحانه وتعالى الى نبيّه.
وهنا تأتي شبهة المستشرقين ومن تأثر بهم حول مدى صدق
الوحي الالهي بالقرآن الكريم الى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فينكرون الوحي الالهي إليه، ويرجعونه الى نوع من الادراك الوهمي الذي جعل
من محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم)يتخيل،
بسبب صفاء نفسه وصدقه وامانته وتوقده الذهني، انه يوحى إليه من الله سبحانه. وهو
في اعتقاد المستشرقين ليس إلاّ وحياً نفسياً يتفرد به من يملك تلك الصفات التي
امتاز بها محمد(صلى الله
عليه وآله وسلم).
ولإحكام صورة هذه الشبهة يذهب المستشرقون الى تصوير
العوامل التي أثرت في محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) واذكت فطرته الزكيّة ودفعته للتفكير في انقاذ قومه من ذلك الواقع المرير
والعقائد الفاسدة وتطهيرهم من الفواحش والمنكرات.
وكان أبلغ ما جاء به محررو دائرة المعارف الاسلامية
في تأسيس هذه الشبهة قد استقي مما كتبه «أميل درمنغام» الذي فصّل ما أجمله
«مونتيه» في مقدمات عشرة، وخلاصة ذلك انهم استعرضوا ما كان عليه العرب من الشرك بالله
وعبادة الاصنام والظلم الاجتماعي والفقر الاقتصادي وارتكاب الفواحش والانغماس في
الشهوات وأكل المال بالباطل وتفشي المفاسد كشرب الخمر والزنى وغيرها من القبائح.
ثم يدعون أن محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) أدرك، كما ادرك افراد آخرون من قومه بقوة عقولهم
الذاتية، هذا الواقع الفاسد، إلاّ ان تميّزه عن الآخرين بشدة نقائه وصفائه الروحي
والنفسي وتوقّد ذهنه وقوة عقله وطول تفكيره وتأمله وسعيه الحثيث من اجل انقاذ قومه
مما هم فيه من الشرك والظلم وتزكيتهم من المفاسد والشهوات وتطهيرهم من الفواحش
والمنكرات هو الذي أوجد له مثل هذا الوحي النفسي.
ويذهب المستشرقون اكثر من ذلك في دسّهم وتشويههم، فيدعون
ـ كما اسلفنا بنماذج منه ـ ان محمداً قد استقى من اليهود والنصارى خلال لقاءاته
بهم في اسفاره الى الشام، أو ممن كان منهم في مكة الكثير من قصص الانبياء والرسل، وخصوصاً
انبياء بني إسرائيل ورسلهم. ولاعتقاده بأن البدع قد طالت العديد من المعارف
والمعلومات التي حصل عليها من هؤلاء اليهود والنصارى، واندساس الكثير من
الانحرافات والأفكار الوثنية فيها كالقول باُلوهية المسيح وأمّه، فقد رفض الكثير
من تلك المعارف والمعلومات.
كما أنه عرف من تلك اللقاءات أن بعض الأنبياء ومنهم
نبي الله عيسى(عليه
السلام)قد بشّروا ببعثة نبي
مثلهم من عرب الحجاز، فخلقت هذه المعرفة في نفس محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)أملاً كبيراً ورجاءً شديداً في ان يكون ذلك النبي
الموعود، وان بعثته قد حان أوانها، فانقطع الى مناجاة الله وعبادته، واختلى لذلك
في غار حراء سعياً منه الى تحقيق هذا الأمل الذي استقطب كل وجوده.
وباستمراره في خلواته العبادية هذه تأصّل إيمانه
وقوي يقينه وتسامت نفسه، فتألق تفكيره واشتد نور بصيرته، فاستشرف بعقله الكبير
آيات ودلائل وبينات ربه في السماوات والارض.
واهتدى الى وحدانية الله سبحانه في الخلق والتدبير،
فتأهل بذلك لمهمة دعوة الناس وهدايتهم الى الحق واليقين والنور الذي اهتدى إليه.
وامتزج تفكيره وتأمله بالمعاناة التي يعيشها في قومه
والآمال التي نشأت في نفسه، فارتكز لديه اليقين بأنه هو النبي الموعود الذي بشّر
الانبياء السابقون بأن الله سيبعثه لهداية الناس.
وتجلت عقيدته هذه في الرؤى التي تكررت لديه في
المنام وقويت الى الدرجة التي تحولت الى اعتقاد بانه قد بُعث نبياً لهذه الامة وان
ملكاً اخذ يتمثل له ويلقّنه الوحي في اليقظة كما يوحي له في المنام.
أما مصدر المعلومات التي نسجها له هذا الوحي فهي
مستقاة في الأصل مما حصل عليه من اليهود والنصارى، وأعمل فيه عقله وتفكيره، فاهتدى
إلى التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، كل ذلك كان يتجلى له وكأنه وحي الله له
وخطابه إليه يأتيه بواسطة «الناموس الاكبر» الذي نزل على موسى بن عمران وعيسى بن مريم
وغيرهما من الانبياء(عليهم
السلام).
إن مراجعة نقدية لهذه الدعوى «نظرية الوحي النفسي»
نجدها تتهافت في ادلتها وتتداعى قوائمها، ولا تصمد أمام المناقشة العلمية. ويمكننا
الاجهاز عليها من جوانب ثلاثة:
الجانب الاول: الأدلة والوقائع التاريخية تناقض نظرية الوحي
النفسي.
وخلاصة هذا الجانب يمكننا حصرها في مايلي:
أ ـ
أن أغلب الأدلّة التاريخية التي اتخذت مقدمات للقول
بالوحي النفسي وأُسست النظرية على أساسها ليس لها واقع في التاريخ الصحيح المنقول
إلينا، إنما جاءت وفق منهج معكوس، حيث افترضوا رؤية مسبقة تقول إن الوحي القرآني ليس
وحياً منفصلاً عن ذات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم ساقوا حوادث وأخباراً نسجتها خيالاتهم الخصبة أو اختلقتها ذهنيات
جهلهم المركب في تأويل بعض الوقائع التاريخية وتشويه حقيقتها بالدس والتحميل بما
لا تتحمل لتكتمل لديهم حلقات وأجزاء الصورة المفترضة.
ومن أمثلة ذلك: ادعاؤهم أن خبر غلب الفرس وانتصارهم
على الروم وان الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك الوارد في سورة مريم، قد سمعه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) من نصارى الشام. وهذا مما تكذبه الوقائع التاريخية
المنقولة الينا، حيث إن غلبة الفرس على الروم كانت في سنة «610م»، أي بعد رحلة
محمد الأخيرة الى الشام بأربع عشرة سنة وقبل بدء الوحي الإلهي بسنة، ثم ان التاريخ
يحدثنا أن امبراطورية الروم آنذاك كانت متداعية الأركان خائرة القوى، فطبيعة
الاشياء ومنطق الظواهر يحكي لنا عدم قدرتهم على الظهور والانتصار على الفرس، حتى ان
أهل مكة عندما سمعوا ما قرأه عليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من الخبر في القرآن الكريم هزئوا به.
ومن الامثلة أيضاً افتراضهم أحاديث دينية معضلة
وفلسفية معقّدة فيما زعموه من لقاء الراهب بحيرى مع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بصحبة عمّه أبي طالب، ولم ينقل لنا التاريخ مثل
هذه الأحاديث، مما يؤكّد لنا أنهم نسجوا واختلقوا ذلك لدعم رؤيتهم المسبقة في
الوحي النفسي.
ويدّعون أيضاً في مسألة احاطة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأخبار عاد وثمود وتفاصيلها انه حصل عليها وعرفها
عند مروره بأرض الأحقاف، على ان التاريخ لم ينبئنا أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد مرَّ بتلك الأرض، خصوصاً وأن هذه الارض لا
تقع على الطريق المتعارف لمرور القوافل التجاريّة.
ب ـ
لو كان زعمهم أن النبي محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تعلم من نصارى الشام ومن غيرهم صحيحاً لاحتجّ به
المشركون وأعلنوه، ولما وقعوا في الحيرة والتردد من أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته، خصوصاً وأنهم كانوا يتتبعون أخباره ويرصدون
تحركاته ومواقفه، ولم يتركوا شيئاً من سفراته ورحلاته وغيرها من شؤون حياته العامة
إلاّ وأحاطوا بها، فكيف تفوتهم مثل هذه اللقاءات والعلاقات المهمة لو كانت واقعاً؟
رغم أنهم بذلوا الكثير في سبيل اختلاق التهم وإطلاق الأباطيل والاراجيف حول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته، كما في اتهامهم إيّاه انه تعلّم وتلقّى ما يدعيه
وحياً من أشخاص تعرّف عليهم، كالحداد الرومي صانع السيوف في مكّة. هذه التهمة التي
نزل في ردّها وتكذيبها قوله تعالى: (ولقد
نعلم انهم يقولون انّما يعلِّمه بشرٌ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسانٌ عربي
مبين)([575]).
ج ـ
لم ينقل لنا التاريخ أيّ شاهد على ان الرسول محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمل أن يكون النبي المنتظر ويترقب الوحي في
أية لحظة... لينمو هذا الأمل ـ وفق زعمهم ـ ويتكامل في نفسه، ويشتد
ترقبه للوحي ويستحكم ليخلق ذلك الواقع النفسي المفترض. ونحن نعلم ان كتب السيرة
النبوية الشريفة قد نقلت لنا أدق الأحداث والوقائع واستقصت تفصيلات الحياة الشخصية
للرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم)، ولم تشر لنا
من قريب أو بعيد الى مثل هذا الزعم.
د ـ
ان من مفروضات هذه النظرية ان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تدرّج في تكامله العقلي والنفسي ضمن مراحل طويلة
مليئة بالمعاناة من واقع قومه الفاسد والتفكير المتواصل بعقائدهم الباطلة في الشرك
بالله وعبادة الاصنام والتأمل في طريقة انقاذهم من ذلك ومن الظلم الاجتماعي الذي رزحوا فيه، وانه لم يعلن نبوته إلاّ
في مرحلة عليا من هذا التكامل وتلك المعاناة وذلك التفكير.. فهو اذن في أعلى درجات
الفهم والادراك لما يجب ان يطرحه من مفاهيم وأفكار ومناهج عن الكون وجميع جوانب
الحياة والانسان، وهذا يعني ان اطروحة دعوته في خطواتها الاولى ولحظاتها الاولية
يجب ان تشتمل على تلك المفاهيم والافكار والمناهج.. في حين ان التاريخ يؤكد لنا
خلاف ذلك. فالبداية تخللها اضطراب وخوف ثم جاءه الوحي بآيات التوحيد متدرجاً في
بيان ادلته واستئصال جذور الشرك وتسخيف عبادة الاوثان والرد على اباطيل المنحرفين
والضالين من أهل الأديان السابقة، مذكراً بالعبر وضارباً الامثال بسنن الله في
الماضين من الانبياء والرسل. ثم انقطع الوحي ثلاث سنين لم يحدثنا التاريخ ان
الرسول ادّعى شيئاً جديداً من الوحي فيها، ليعود بعد ذلك الانقطاع فيوحي للنبي
الكريم آيات ربّه الاخرى.. ومن الواضح ان هذا يناقض القول بتكامل مفاهيم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأفكاره واستعداده العقلي والنفسي لطرحها في اولى
مراحل اعلان نبوته.
الجانب الثاني: نظرية الوحي النفسي تناقض محتوى الوحي القرآني:
وفي هذا الجانب يقف الناقد الموضوعي إزاء نظرية
الوحي النفسي موقف التشكيك بل الرد والرفض، لأنه لا يستطيع التوفيق اطلاقاً بين ما
تفترضه هذه النظرية من مصادر في طبيعتها ومحدوديتها وبين السعة والشمولية التي
اتسم بها المحتوى الداخلي للوحي القرآني.
ويمكننا توضيح ذلك من خلال ملاحظة الامور التالية:
أ ـ إن موقف الوحي القرآني من الاديان السماوية السابقة
وخصوصاً الديانتين اليهودية والمسيحية له صورتان: الصورة الاُولى، هي التصديق بأصل
هاتين الديانتين والاقرار بأن الله تعالى قد بعث رسلاً بهما مبشرين ومنذرين. والصورة
الثانية، هي اتخاذه موقع المهيمن عليهما جملةً وتفصيلاً فهو حاكم على تشريعاتها
نسخاً وإمضاءً، ورقيباً على ما طرأ عليها من انحرافات ومادُسَّ فيها من ضلالات
ليظهر الحق ويدحض الباطل. وذلك في قوله تعالى: (وأنزلنا
اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ...)([576])، وقوله تعالى: (ألم
تر الى الذين اُوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون ان تضلوا السبيل *
... من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه)([577])، وقوله أيضاً: (فبما
نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظّاً
مما ذكّروا به .... * ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظّاً ممّا
ذكّروا به)([578]).
واتصفت هذه الرقابة بالشمولية والدقّة التامة، فقد
استوعبت كل المفاهيم والأحكام والوقائع التاريخية، وجعلت للصحيح منها مقياساً
أظهرت فيه الحق وردت الباطل. وهو مفاد قوله تعالى: (يا
أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن
كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم)([579]).
فمع هذه الرقابة الشاملة والدقيقة والتصريح القاطع
بكل يقين ورسوخ بجهل أهل الكتاب ونسيانهم وتحريفهم الكلم وتبديله، كيف يمكننا
القبول بدعوى أخذ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أهل الكتاب؟ وبماذا نفسّر هذا التتبع الدقيق والشامل لتفاصيل ما اختلفوا
فيه أو خالفوا ما نزل عليهم من الدين الصحيح، والبيان المحكم لما هو الحق والصواب
منه بلا تناقض ولا تخلف ولا اختلاف فيه؟ وليس للمنطق جواب إلاّ التصديق بأن كل ذلك
قد تلقّاه الرسول(صلى الله
عليه وآله وسلم) وحياً
إلهياً مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليه.
ب ـ لو كان ما يزعمون من الوحي النفسي صحيحاً وأن
مصادره التي استقى منها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هما التوراة والانجيل، لكان الاولى أن يُجمل في كثير من الموارد أو يغض
الطرف عنها أو عن بعضها، لئلا يقع مثل هذا التعارض والاصطدام بهما، إلاّ أننا نجد
العكس من ذلك، فقد جاء محتوى الوحي القرآني بلسان التأكيد والاصرار على بيان
الحقائق بكل قوة، وإظهار مخالفته للتوراة والانجيل في بعض الوقائع التاريخية بكل وضوح
ودون أي تردد أو إجمال. ومن نماذج ذلك ما في قصة موسى حيث يخالف القرآن الكريم ما
جاء في سفر الخروج من أن التي كفلت موسى هي ابنة فرعون، في حين يؤكد القرآن انها
كانت امرأته في قوله تعالى: (وقالت
امرأة فرعون قرّت عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا
يشعرون)([580])، وفي نموذج آخر نجد التوراة تذكر غرق فرعون بإجمال
وإبهام، في حين نجد القرآن الكريم يشير الى غرق فرعون وكيفيته بشكل دقيق وواضح،
بما في ذلك بيان مسألة نجاة بدن فرعون من الغرق رغم موته وهلاكه، وكذلك بيان
الحكمة من ذلك، وهو قوله تعالى: (فاليوم
ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون)([581]).
ومثال آخر هو عزو التوراة صنع العجل الذي عبده بنو
اسرائيل الى هارون(عليه
السلام) في حين يصرّح
القرآن خلاف ذلك ويعزوه الى السامري ويثبت إنكار هارون(عليه السلام) عليهم في ذلك. ونفس الأمر يرد في قصة ولادة مريم
للمسيح(عليهما السلام)، وغيرها من القضايا.
وعليه فلا نتصور في محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يعترفون بحقّه انه الصادق الأمين الفطن أن
يأتي بمثل هذه التفاصيل ويعارض بها التوراة والإنجيل دون أن يكون ذلك قد تلقّاه من
لدن العليم الخبير عن طريق وحيه الأمين، ويتحمّل الكثير من أذى أهل الكتاب في
الثبات عليها وعدم مخالفتها.
ج ـ
إن استيعاب الوحي القرآني في جانب كبير من محتواه
الداخلي لتفاصيل التشريع الاسلامي بكل دقّة وعمق، وبشمولية وسِعَتْ كافة مجالات الحياة
المختلفة وجوانب الانسان ووجوده، لا تجد فيما بينها إلاّ الانسجام التام والتناسق
الفريد، ليس إلاّ برهاناً ساطعاً على تلقيه كل ذلك عن طريق الوحي الالهي، ولا
يمكننا ان نتصور معه ان انساناً كمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الأمي الذي كان يعيش ذلك العصر المظلم بالجهل والخرافات، والذي قضى
أغلب أدوار حياته الرسالية في خوض صراع اجتماعي مرير، ان يقع له ما يزعمونه من
الوحي النفسي، ويحقق عن طريقه ذلك الكمال الإعجازي في مسائل التشريع الاسلامي.
الجانب الثالث: سلوك النبي تجاه الوحي القرآني يأبى نظرية الوحي النفسي:
قبل ان ندخل في تفاصيل طبيعة سلوك النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) تجاه الوحي القرآني الذي يكشف عن ادراكه الواضح
للانفصام التام بين ذاته المتلقية والذات الالهية الملقية من عليائها بواسطة
الوحي، نشير باختصار الى أنحاء هذا الوحي الرسالي الذي تلقّاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والذي يثبت حقيقته وادراكه الكامل له، وهي في قوله
تعالى: (وما كان لبشر ان
يكلّمه الله الا وحياً) أي
إلهاماً وإلقاءً في روعه يدركه الموحى إليه ويحسّه وكأنما قد كتب في صفحة ضميره
بوضوح وجلاء، أو رؤيا في منام، وهذا هو النحو الأول للوحي الرسالي، والنحو الآخر
في قوله تعالى: (أو من وراء حجاب) أي يكلمه تكليماً يسمع صوته وهو محتجب عنه لعلوه تعالى شأنه وكماله وتدني
الموحى إليه ونقصه، وذلك بخلق الصوت المتضمن للكلام في الفضاء المحيط بالمخاطب
فيخرق مسامعه، ويأتيه من كل مكان حوله، كما كلّم موسى(عليه السلام)وكلّم نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج.
أمّا النحو الثالث فهو في قوله تعالى: (أو
يرسل رسولاً) أي ملكاً من الملائكة يتمثّل على شكل رجل (فيوحي
باذنه ما يشاء إنه عليٌّ حكيم * وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما
الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنّك لتهدي الى
صراط مستقيم)([582]).
وقد بيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك للمسلمين تكراراً وفي مناسبات عديدة، منها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) اشارة إلى الوحي القرآني:
«أحياناً يأتيني مثل
صلصلة الجرس وهو أشدّه علي فينفصم عني وقد وعيت ما قال. وأحياناً يتمثل لي الملك
رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول»([583]).
أما طبيعة سلوك النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يأبى مقولة وحيه النفسي، ويعكس وعيه الكامل
وادراكه التام بالانفصال في الوحي القرآني بين الذات العليا الملقية للخطاب وذاته
الخاضعة المتلقية، فله حالات عديدة نشير الى ثلاث صور منها هي:
الصورة الاولى: وهي التي يتمثل سلوك النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها تجاه الوحي القرآني كعبد ضعيف مفتقر الى الله
تعالى، يتخضع بين يَدَي ربه، ويبتهل إليه، ويخشى أن يحول بينه وبين قلبه، فيستمد
منه العون والهداية، ويطلب منه المغفرة والرحمة، ويتمثل اوامره ونواهيه ويصدع بها،
ويتلقى منه بكل خشوع مختلف درجات العتاب وأنواعه.
ولقد طفحت آيات قرآنية عديدة بوصف النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) انه ذلك العبد المطيع الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا
ضراً إلاّ بإذن ربه، يخافه إن هو عصاه، ويرجو رحمته، ولا يخرج عن حدوده التي رسمها
له، فهو لله وهو إليه يرجع، ولا حول ولا قوة له إلاّ به سبحانه، فهو مقرٌّ بالعجز
المطلق امام أمر الله وارادته، وليس بقادر على ان يبدّل حرفاً واحداً من القرآن
الكريم.
ومن أمثلة تلك الآيات الكريمة قوله تعالى: (واذا
تتلى عليه آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتِ بقرآن غير هذا أو بدّله قل
ما يكون لي أن اُبدّله من تلقاء نفسي إنْ أتبع الاّ ما يوحى إليَّ إني أخاف إنْ
عصيتُ ربّي عذابَ يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد
لبثتُ فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون)([584]).
وقوله تعالى: (قل
لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلاّ ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من
الخير وما مسني السوء)([585]).
ثم تؤكد وتكرر آيات قرآنية اخرى الفارق بين صفات
الذات الالهية الملقية وصفات الذات المحمدية المتلقية من أنه بشر مثل سائر البشر،
ليس عليه إلاّ البلاغ، ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب، ولا يزعم انه ملك، بل
هو مخلوق يتبع ما يوحى إليه من ربه.
ومن تلك الآيات قوله تعالى: (قل
إنما انا بشر مثلكم يوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد)([586]).
وقوله تعالى: (قل
لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن اتبع الاّ ما
يوحى اليّ)([587]).
ومن المعاني اللطيفة في البلاغة القرآنية هو مدلول
عبارة «قل» التي تؤكد على معنى المغايرة بين المُلقي والمتلقي، وان الخطاب الالهي
كان يُلقى على الرسول إلقاءً، وانه كان يُعلَّم ما ينبغي له ان يقوله، تصديقاً
لامتثال ما يوحى إليه وعدم نطقه عن هواه، لهذا نجد أن عبارة «قل» قد تكررت في
القرآن الكريم اكثر من ثلاثمائة مرة ليدرك مَنْ يقرأ القرآن ان محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطب يلقى إليه الخطاب إلقاءً، وليس متكلماً ينطق
به عن هواه وما يجول في نفسه. كما نجد ان الفرق يتجلى اكثر ويزداد وضوحاً بين ذات الله وصفاته كونه المتكلم والمنزِّل للوحي وبين ذات نبيه وصفاته كونه المخاطَب والمتلقي للوحي، وذلك في آيات العتاب الالهي لرسوله وإنذاره وتهديده، وتختلف درجات هذا العتاب والانذار، فمنه ما يكون خفيفاً مشوباً بالعفو والغفران على تفويته الأَوْلى كما في قوله تعالى لرسوله في شأن من أذن لهم بالعفو عن القتال في غزوة تبوك: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذ |