الأمثال من الكتاب والسنة الحكيم الترمذي
13
بسم الله الرحمن الرحيم
43 عونك اللهم وحدك الحمد لله ولي الحمد وأهله والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين
قال الإمام محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله
أما بعد فإنك سألتني عن شأن الأمثال وضربها للناس فاعلم أن الله تعالى ضرب الأمثال للعباد في تنزيله لقوله تعالى ( ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) وقال جل ذكره ( وضربنا لكم الأمثال ) وقال جل ذكره ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم )
ثم اعلم بأن ضرب الأمثال لمن غاب عن الأشياء وخفيت عليه
14
الأشياء فالعباد يحتاجون إلى ضرب الأمثال لما خفيت عليهم الأشياء فضرب الله لهم مثلا من عند أنفسهم لا من عند نفسه ليدركوا ما غاب عنهم فأما من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فلا يحتاج إلى الأمثال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
فلا جرم ما ضرب الأمثال من نفسه لنفسه وكيف ولا مثل له ولا شيبه له فلذلك قال جل ذكره ( فلا تضربوا لله الأمثال )
فالأمثال نموذجات الحكمة لما غاب عن الأسماع والأبصار لتهدي النفوس بما أدركت عيانا
فمن تدبير الله لعباده أن ضرب لهم الأمثال من أنفسهم لحاجتهم إليها ليعقلوا بها فيدركوا ما غاب عن أبصارهم وأسماعهم الظاهرة فمن عقل الأمثال سماه الله تعالى في كتابه عالما لقوله تعالى ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) الأمثال مرآة الن فس
فالأمثال مرآة النفس والأنوار أنوار الصفات مرآة القلب وإن الله تعالى جعل على الأفئدة أسماعا وأبصارا وجعل في الرؤوس
15
أسماعا وأبصارا فما أدركت أسماع الرؤوس وأبصارها أيقن به القلب واستقرت النفس واتسعت في علم ذلك وانشرح صدره بذلك وما غاب عن أسماع الرؤوس وأبصارها وجاءت أخبارها عن الله وتلك الأشياء مكنونة أيقن القلب بذلك ولكن تحيرت النفس وتذبذبت
وإن النفس مستقرها في الجوف والقلب مستقره في فوق النفس فالقلب كدلو معلق في الصدر بعروقه وبما فيه من المكنون وتحته النفس وفيها الشهوات والهوى ريح من تنفس النار خرجت إلى محل الشهوات بباب النار واحتملت نسيمها وأفراحها حتى أوردتها على النفس فإذا هبت ريح اله وى بأمر وجاءت بذلك النسيم والفرح إلى النفس تحركت النفس وفارت ودب في العروق طيبها ولذتها في أسرع من اللحظة فإذا أخذت النفس في التذبذب والتمايل والاهتشاش إلى ما تصور وتمثل لها في الصدر تحرك القلب وتمايل هكذا وهكذا من وصول تلك اللذة إليه فإذا لم يكن في القل ب شيء يثقله ويسكنه مال إلى النفس فاتفقا واتسقا على تلك الشهوات فإن كانت تلك منهيا عنها فبرز إلى الأركان فعلها فصارت معصية وذنبا
وإنما يثقل القلب بالعلم الله لأن العلم بالله يورث الخشية
16
فإذا تأدت تلك الخشية إلى النفس ذبلت وتركت التردد فاستقر القلب العلم بالله يورث الحياء
والعلم بالله يورث ب فإذا تأدى ذلك الحياء إلى النفس انكسرت وخجلت فإذا جهل القلب ربه صار صفة القلب مع النفس على ما وصفنا بديا
والقلب موقن بالله تعالى بيقين التوحيد فإذا جاءت نوائب الأمور استقر القلب بذلك اليقين لأنه ليس في القلب شهوة وتذبذبت النفس وترددت بالشهوة التي فيها
فإذا ضربت لها الأمثال صار ذلك الأمر لها بذلك المثل كالمعاينة كالذي ينظر في المرآة فيبصر فيها وجهه ويبصر بها من خلفه لأن ذلك المثل قد عاينه ببصر الرأس فإذا عاين هذا أدرك ذلك الذي غاب عنه بهذا فسكنت النفس وانقادت للقلب واستقرت تحت القلب في معدنها فهي كال عماد لسطح البيت فإذا تحرك العماد تحرك السطح وانهار وتبدد العماد الأمثال من القرآن
فضرب الله الأمثال لنفوس العباد حتى يدركوا ما غاب عن
17
أسماعهم وأبصارهم الظاهرة بما عاينوا فابتدأ في تنزيله فضرب مثل المنافقين فقال جل ذكره ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة باله دى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) مثل المنافقين
قال مثل المنافق الذي تكلم بكلمة الإيمان مرائيا للناس كان له نور بمنزلة المستوقد نارا يمشي في ضوئها ما دامت تتقد ناره فإذا ترك الإيمان صار في ظلمة كمن أطفئت ناره فقام لا يهتدي ولا يبصر ذلك
18

ثم قال ذهب الله بنورهم أي بإيمانهم الذي تكلموا به وتركهم في ظلمات لا يبصرون في ضلالة لا يبصرون الهدى هذا قول مقاتل
وقال قتادة هذا مثل ضربه الله تعالى للمنافق الذي تكلم بكلمة الإيمان ظاهرا فناكح ووارث بها وحقن بها دمه وماله فلما كان عند الموت ولم يك مصدقا بها سلبت عنه فترك في كرب وظلمة فتحير فيها كما كانت معاملته في الدنيا في حق الله سبحانه وتعالى
وقال مجاهد رحمه الله أضاءت ما حوله إلى إقبالهم إلى المؤمنين وذهب بنورهم يعني ذهاب نورهم عند إقبالهم إلى المشركين فالمنافق قلبه متحدر لا يستقر فيه شيء كلما برق فيه نور الحق خرج من الجانب الآخر فقلبه كنفق اليربوع يدخل من باب 44 ويخرج من باب مثل اليهود مع النبي
وهذه الآية مثل اليهود مع نبينا مثلهم
19
كمثل رجل يكون في ضيق وتعب وشدة وظلمة ينتظر الفرج والمخرج والضياء والنور كانوا ينتظرون خروج محمد وعرفوا أنه الحق فكذبوه وحسدوه مخافة أن يذهب عنهم عزهم ومأكلتهم
ذهب الله بنورهم أي بالحلاوة التي كانت في قلوبهم عقوبة لهم بجحودهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون الهدى
وأيضا مثلهم كمثل الذي استوقد نارا في مفازة مهلكة ليأمن بها فلما أضاءت ما حوله أطفئت ناره وبقي في ظلمة فكذلك اليهود استنصروا به قبل خروجه وطلبوا خروجه ليأمنوا من سيف الفرقة فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين يعني اليهود
وبئس ما اشتروا به أنفسهم بئس ما ربحوا بعوض قليل من الدنيا وهو ما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من المأكلة في كل عام مثل المنافقين بتكذيب القرآن
وقيل ( أو كصيب من السماء ) أي مثل المنافقين في
20
القرآن مع القرآن كقوم نزلوا في فلاة ليلا فجاءهم مطر شديد وإنما شبه القرآن بالمطر لأن حياة الناس في المطر كما أن في القرآن حياة ومنفعة لمن آمن به
فمثل المنافقين بتكذيب القرآن كمثل مطر نزل من السماء ليلا قرا وفيه البرق وشدة الرعد
يقول ( فيه ظلمات ) يقول في هذا المطر ظلمات ورعد وبرق يقول يمطر في ليلة مظلمة وفي ذلك المطر رعد وبرق فمثل المطر مثل القرآن كما أن في المطر حياة كذلك في القرآن حياة لمن آمن به وحياة الآخرة بالإيمان
ومثل الظلمات مثل الكفر ومثل الرعد ما خوفوا به من الوعيد ومثل البرق الذي في المطر مثل الإيمان وهو النور الذي في القرآن يهتدي الناس ببيان القرآن كما يهتدي الناس في مثل تلك الليلة بالبرق شبه القرآن بالمطر وشبه تخويف القرآن بالرعد
مثل آخر قوله ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) أي من خوف الصوت من شدة الرعد هكذا مثل المنافق إذا سمع قراءة القرآن من محمد ختم على أذنيه كراهة له بمنزلة الذي يجعل إصبعيه في أذنيه من شدة الصاعقة حذر الموت فالمنافق يجعل إصبعيه في أذنيه ول ا يسمع إلى صوت
21
النبي مخافة أن يتعظ به وتدخل حلاوة قراءته في قلبه مثل الذين كفروا
مثل الذي كفروا أن قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قسوة ثم وصف أن من الحجارة ما قد يخرج منها الرطوبة ويهبط من خشية الله أي يخر ساجدا والقلوب القاسية لا تلين ولا ترطب ولا تخشع ولا تخر ساجدة
( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) أي لا يفهم معاني الكلام الذي يتعظ به ليس له من معاني القرآن وكلام الخير إلا دورة الكلام مثل محمد مع الكافر
يعني مثل محمد مع الكافر كمثل الراعي مع البهيمة ينعق الراعي بالبهيمة ولا تسمع إلا دعاء ونداء أي تسمع الصوت ولا تعقل ما يقال لها كذا الكافر يسمع مواعظ القرآن ولا
22
يعقل كالبهيمة لا يسمعون إلا صوتا
ثم قال صم عن الحق فلا يسمعون الهدى وبكم أي خرس عن الكلام بالحق يتباكمون فلا يتكلمون بالهدى عمي عن الحق لا يبصرون الهدى فهم لا يعقلون يعني لا يعقلون ما يقول محمد ولا يرغبون في الحق وذلك لأن النبي دعاهم إلى التوحيد ومواعظ القرآن حيت قال جل ذكره ( وإذا ق يل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) فقال جل ذكره قل أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يقرون بوحدانية الله ولا يهتدون إلى سنة النبي أفتتبعونهم
ثم ضرب لهم مثل البهيمة في قوله عز وجل ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أني يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ول نجعلك آية للناس وانظر إلى
23
العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير )
فتحيرت نفسه كيف يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ثم أمره أن ينظر إلى حماره كيف أحياه فأراه بما حضره ما غاب عنه في شأن الخليل
وقال في شأن الخليل صلوات الله عليه ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) فتحنن قلبه إلى رؤية صنع الله فأكرمه بالمعاينة لإحياء تلك الطيور وقد كان موقنا بأنه فاعل ولكنه حن قلبه إلى رؤية صنع ربوبيته فأكرمه الله بها حتى اطمأن قلبه وسكن الحنين مثل المنفق ماله في ط اعة الله
مثل المنفق ماله في طاعة الله تعالى 45 قوله تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع
24
سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) كذاك الذي يتصدق بماله لوجه الله تعالى والله يضاعف لمن يشاء أي يضاعف له ثوابه في الآخرة بالتربية من واحد إلى سبعمائة وإلى سبعمائة ألف وإلى ألفي ألف إلى ما شاء الله من الإضعاف مما لا غا ية له والله واسع يعني جواد بتلك الأضعاف وأضعاف الصدقة عليهم بما نووا فيها
ثم قال ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ) على الله ( ولا أذى ) لصاحبها أي الفقير والمن على الله ألا يرى التوفيق منه فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
ثم ذكر مثل من يمن على من يتصدق عليه بألا يرى التوفيق من الله تعالى ويؤذي الفقير فقال مثله كمثل ( الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) يعني لا يصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فهذا منفق أنفق ماله فأبطل شركه إنفاقه وصدقته كما أبطل ال من والأذى صدقة المؤمن
ثم ذكر مثل نفقة المصدق بالبعث المحتسب بالإيتاء يريد بها وجه الله تعالى من غير من ولا أذى فقال 45 و مثل الذين
25
ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ) أي تحقيقا وتصديقا من قلوبهم ( كمثل جنة بربوة ) أي بستان في بقعة مرتفعة طيبة ( فأصابها وابل ) أي المطر الشديد ( فآتت أكلها ضعفين ) أي أخرجت ثمرها ضعفين مثل المرائي والمشرك
ثم ذكر مثل المرائي والمشرك كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل المطر الشديد فلا يبقى من ذلك التراب على ذلك الصفا شيء كذلك صدقة المشرك والمرائي الذي يمن ويؤذي الفقير لا يحصل له شيء من الثواب يوم الجزاء مثل ما ينفقون في هذه الدنيا
مثل سفلة اليهود قوله تعالى ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ) يعني سفلة اليهود من الطعام والثمار على رؤسائهم وأحبارهم
26
وهم كعب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة ( مثلهم كمثل ريح فيها صر ) يعني برد شديد ( أصابت ) الريح الباردة ( حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ) فلم يبق منه شيئا كذلك أهلك الله نفقة اليهود فلم تنفعهم نفقاتهم
ويقال مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا في غير طاعة الله تعالى يعني اليهود وينفقون أموالهم في عداوة محمد ينفقون أموالهم على أحبارهم ليذبوا عن دينهم ويعادون محمد كمثل ريح فيها صر برد وهو السموم أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم لمنع حق الله عليهم فأحرقته الري ح وما ظلمهم الله بهلاك حرثهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بمنع حق الله سبحانه وتعالى عنه
ويقال هذا مثل في شأن الكفار قال مثل نفقتهم في أعمال الخير كمثل ريح فيها صر أي برد لأن قلوبهم خلت عن حرارة نور الإيمان فماتت عن الله تعالى وبردت فذلك البرد أهلك أعمالهم الحسنة فلم يقبل منها شيء لأنها صارت إلى الله بلا حرارة من نور التوحيد ونور الحياة با لإيمان
ألا ترى أن الميت إذا خرج منه الروح والنفس كيف يبرد ويجمد الذي فيه من الدم
27
وضرب فيهم مثلا آخر في سورة إبراهيم عليه السلام فقال ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) فلم يروا منه شيئا من ذلك التراب
كذا الكفار لا يقدرون على ثواب شيء مما عملوا في الدنيا ولا ينفعهم لأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة من دون الله وعملوا بأهوائهم لا بنور الإيمان فجاءت ريح الهوى فذرته في النار مثل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها
( مثل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) وذلك لأن الكلب ميت الفؤاد من بين السباع وذلك فيما روي لنا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض وسوس العدو إلى السباع إن هذا عدو لكم ف اقتلوه جاءت الوحوش فاحتوشته واجتمعوا عليه وجاء العدو فأشلى الكلب حتى ينبح فأول من حمل عليه
28
الكلب فتخوف آدم عليه السلام فنودي أن يا آدم لا تخف فأعطي العصا الذي لموسى عليه السلام فضربه بذلك فذلله وهزمه ثم أمر بأن يمسح يده على رأسه فألف به وبولده بعد التذلل ثم أشلاه على السباع فحمل عليها معاديا لها إلى يوم القيامة وصار يحرسهم ويصطاد لهم فلما وصل إليه سلطان العصا الذي جعل فيها صار الكلب ميت الفؤاد فبقي فيه اللهث إلى يوم القيامة حملت عليه أو لم تحمل فلم تزل تلك العصا في حفظ الله تتداولها الأيدي إلى وقت موسى عليه السلام
ويقال كانت تلك العصا من آس الجنة فذلك الذي آتاه الله من الكرامة ما لو أراد ان يصرفها إلى الآخرة لحصل له ذلك لقوله تعالى ( ولو شئنا لرفعناه بها ) أي لو صرفها إلى الآخرة آتيناه ذلك ولكنه أخلد إلى الأرض صرفها في وجوه الدنيا التي هي للفناء وركب الهوى وقصد إلى كليمنا كما قصد الكلب إلى صفينا فصار مثله مثل الكلب فمعنى قوله ( مثل كمثل الكلب ) أي إن هذا الذي صار كلبا وهو بلعم إن رأى آياتنا وعبرنا لم يتعظ وإن لم ير لم يتعظ لأنه انسلخ مما آتيناه
29
مثل الحياة الدنيا
وقال ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون )
فأراهم الله عاقبة أمر الدنيا وفنائها بما عاينوا من انقضاء أيام الربيع كيف تلاشت زينتها وبهجتها كذا حال زينة الدنيا
وقال في شأن الرؤيا من أمر الكواكب والشمس والقمر فهي شعبة من هذا وأريها في منامه وضرب له شأن الأخرة بالكواكب والشمس والقمر مثلا ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك )
فإذا كانت الأخبار المتقادمة فيها تثبيت للفؤاد كان فيما أراك الله ببصر رأسك وسمع أذنك ما له تثبيت للفؤاد
30

وقال في شأن داود صلى الله عليه وسلم من قول الملكين ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ) يعرفه قبح ما أتاه مثل الماء الذي جرى في الأودية
وضرب الله مثلا ليبين الحق من الباطل فقال ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يض رب الله الأمثال )
فالحق مثل الماء الذي جرى في الأودية فسالت أودية بقدرها أي اختلط الحق بالباطل لأن النفس جاءت بأباطيلها ومناها وشهواتها التي هي إلى فناء فمنتها فاغتر بها القلب والحق لا يفنى ولا يبلى فقوله ( أنزل من السماء ماء ) أي القرآن شبه القرآن بالماء لأن فيه منفعة الدين من الأحكام والشرائع كما أن في المطر منفعة الدنيا ثم
31
شبه القلوب بالأودية لأنه وجد النور في القلب منفذا ومجازا كما وجد الماء في هذه الأودية منفذا ومجازا ثم شبه القلوب بالسيل وشبه الباطل بالزبد الذي يعلو فوق الماء فكل قلب لم يتفكر ولم يعتبر ولم يرغب في الحق خذله الله تعالى ووجدت الظلمة والهوى في قلبه من فذا ومجازا كما أن السيل وجد في الأودية منفذا ومجازا فلما خذل هذا القلب احتمل الباطل كما احتمل السيل الزبد الرابي وإذا وجد القلب التوفيق فتفكر واعتبر احتمل الحق كما انتفع الناس من الماء الصافي ثم وصف الحق والباطل لصاحبهما فقال ( فأما الزبد فيذهب 46 جفاء ) يعني تذهب منفعته كذا الباطل تذهب منفعته على صاحبه في الدنيا والآخرة وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وهو الماء الصافي كذلك الحق شبه الحق بالماء الصافي لأنه تبقى منفعته لصاحبه في الدنيا والآخرة كما يبقى الماء لمن أخذه مثل الكافر إذا دعا
ومثل الكافر إذا دعا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه أي لا يستجاب دعاء الكافر كما لا يبلغ الماء الذي بسط كفيه لقوله تعالى ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) أي إلا في باطل
32
مثل كلمة طيبة
وقال ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة وهي كلمة الشهادة طابت واستنارت وتفرعت بالأعمال الصالحة وكلمة الشرك كشجرة خبيثة وهي الحنظلة ليس لها قرار ولا قائمة فهي ساقطة بالأرض مثل أعمال الكفار
وقال مثل أعمال الكفار كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف فالكفار اتخذوا أهواءهم آلهة من دون الله وعملوا بأهوائهم فجاءت ريح الأهواء فذرته في النار
33

وقال فيمن افترى على الله كذبا ( ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون )
أي إن كنتم لا ترضون لأنفسكم البنات وتؤثرون لأنفسكم البنين فكيف نسبتم إلي ما لا ترضون لأنفسكم
وقال ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) فإذا أشرك بالله فقد سقط عند الله وبريء الله منه فاختطفه العدو وهوى به ريح الهوى إلى قعر النار مثل الوثن الذي يعبدونه من دون الله
ومثل الوثن الذي يعبدونه من دون الله كمثل عبد مملوك لا يقدر على دانق ولا حبة قوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) قال فكيف
34
سويتموه بي وأنا الرازق أنفق عليكم
وضرب مثلا آخر فقال ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) كيف عدلتموه بي في العبادة وأنا لست بأبكم خلقتكم بكلمة واحدة وأقدرتكم من قدرتي على دنيا محش وة بالنعم أعولكم وأطعمكم ولا تطعموني وهذه الآية والآية التي قبلها قد ذكرنا معانيهما في موضع آخر وسطرناهما مثل ناقض العهد
وضرب الله في ناقض العهد مثلا فقال ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) فقال مثل الذي نقض العهد كمثل الغزل التي نقضت تلك ا لمرأة الحمقاء
35

كان لعمرو بن كعب بن سعد بنت تسمى ريطة وكانت إذا غزلت الصوف أو شيئا آخر نقضته لحمقها فقال ولا تنقضوا أي لا تنكثوا العهود بعد توكيدها كما نقضت تلك الحمقاء غزلها من بعد قوة من بعد إبرامه أنكاثا يعني نقضا فلا هو غزل تنتفع به ولا صوف ينتفع به فكذا الذي يعطي العهد ثم ينقضه لا هو وفى بالعهد إذا أعطاه ولا هو ترك العهد فلم يعطه
وضرب مثلا آخر لناقض العهد فقال ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) أي عهودكم بالمكر والخديعة فتزل قدم بعد ثبوتها يقول إن ناقض العهد يزل في دينه عن الطاعة كما تزل قدم الرجل بعد الاست قامة مثل لأصنام أهل مكة
وضرب مثلا لأصنام أهل مكة فقال ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذونه منه ضعف الطالب والمطلوب )
36

قال أراهم الله ضعف الذباب وعجزه عن القدرة ليعلموا عجز أصنامهم التي لا تتحرك وليس فيها حياة أنها أقل وأضعف غياثا عن الذباب فكيف تكون شريكة للقادر
وقال ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) يريهم أن الشركاء يتزاحمون ويتفاوتون بأهوائهم وإراداتهم فلو كان لي شركاء كما تزعمون لفسد التدبير ولزالتا وقال ( إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) مثل قلب المؤمن وأ عماله وقلب الكافر وأعماله
وضرب مثلا لقلب المؤمن وأعماله وقلب الكافر وأعماله فقال ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لن وره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم )
37

ضرب المثل لنوره في قلب المؤمن ليعلمه قدره ومنزلته فدله بالحاضر على ما أعد له في الآجل فنفس المؤمن مثل بيت وقلبه مثل قنديل ومعرفته مثل السراج وفمه مثل الباب ولسانه مثل المفتاح والقنديل معلق فيه دهنها من اليقين والفتيلة من الزهد وزجاجها من الرضا وعلائقها من العقل إذا فتح المؤمن لسانه بإقرار ما في قلبه فاستضاء المصباح من كوته إلى عرش الله تعالى فكلامه نور وعمله نور وظاهره نور وباطنه نور ومدخله في الأعمال نور ومخرجه منها نور ومصيره يوم القيامة إلى النور مثل أعمال الكفرة
وقال مثل أعمال الكفرة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا قدم عليه غدا أكذبه أمنيته وساقه عطشان إلى النار وهو قوله تعالى ( فوفاه حسابه ) مستعدا لعذابه ويجازيه بعمله
ظلمات بعضها فوق بعض ضرب مثل صدره وقلبه وعمله
38
بظلمة البحر والموج والسحاب فالبحر قلبه المظلم والمتحير والموج شركه والسحاب أعماله السيئة إذا أخرج يده لم يكد يراها أي لم يرها هو البتة ولم يكد أي ولم يكد أن يراها فكذا قلب الكافر مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم لا يبصر نور الإيمان ولم يرد أن يراه
ويقال سمعه ظلمة وبصره ظلمة ولسانه ظلمة وقلبه ظلمة فذلك قوله تعالى ( ظلمات بعضها فوق بعض ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) مثل بيت العنكبوت
ثم ضرب مثلا آخر للكافر فقال ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا )
قوله اتخذوا أي عبدوا من دون الله أولياء أي بالربوبية لا ينفعهم في الآخرة كما لا ينفع بيت العنكبوت العنكبوت في حر ولا قر فكذا ضعف الصنم ثم قال وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لا يستر ولا ينفع ولا يدفع حرا ولا بردا كذا كل معبود
39
دونه أي إن الكافر عار عن ستر الله يخرج إلى الله عاريا فلا يكسى وتبدو فضائحه وقبائحه على رؤوس الأشهاد مثل الشرك
وضرب مثلا آخر للشرك قال ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) معناه هل أنتم تجعلون عبيدكم شركاء فيما أعطيناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم أي تخافون من ل ائمة عبيدكم إن لم تشاركوهم في أموالكم 47 كخيفتكم أنفسكم أي كلائمة أهل الميراث من الأولاد والقرابات إن لم يعطوا الميراث
معناه لا يخاف المخلوق من شركة عبده في ماله في حياته وبعد مماته كما يخاف من أهله وأولاده وقرابته فكذا جميع الخلائق عبيده وإماؤه لا يخاف منهم الشركة في ملكه
40
مثل المشرك
وضرب مثلا آخر لأهل الشرك فقال ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )
فالموحد أسلم وجهه لله وحده والمشرك أسلم وجهه لأرباب متفرقين فكيف حاله في الدنيا في بعث عبوديته لهم وكيف حاله في الآخرة فهو وأربابه في النار مثل المنافقين
مثل المنافقين مع بني قريظة وبيعتهم إياهم كمثل الشيطان مع برصيصا إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال الشيطان له
41
إني برئ منك تبرأ منه تبايعوا مع يهود بني قريظة إنا معكم للقتال على محمد فلما آل الأمر إلى القتال تبرءوا منهم وعاقبة الكل في النار كعاقبة الذين في النار مثل الذين حملوا التوراة
وقال ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا )
شبه اليهود بالحمر لأنهم تحملوا دراسة التوراة وتركوا العمل بها فأتعبوا أبدانهم ولم ينتفعوا بها
فهذه الأمثال نموذجات ما غاب عن العين والأسماع لتدرك النفوس ما أدركت عيانا لما أنبئ الأمثال من الأخبار
وما في الأخبار من ضرب الأمثال أكثر من أن يحصى نذكر بعضها
42

قال حدثنا سفيان حدثنيه أبو الزعراء عمرو بن عمرو وسمعه ابن عمه أي الأحوص عن أبيه عن رسول الله قال ( أرأيت لو كان لك عبدان أحدهما يكذبك ويخونك ولا يصدقك والآخر لا يكذبك ولا يخونك ويصدقك أيهما أحب إليك قلت الذي لا يكذبني ولا يخونني ويصدقني قال فكذلك أنتم عبيد ربكم أرأيت لو كان لك إبل فجدعت هذه فقلت صرماء وتشق هذه وتقول بحيرة فساعد الله أشد وموساه أحد لو شاء أن يأتيك بها صرماء فعل )
عن عثمان رضي الله عنه قال قيدوا العلم قلنا وما تقييده قال تعلموه وعلموه واستنسخوه فإنه يوشك أن يذهب العلماء ويبقى القراء لا يجاوز قراءة أحدهم تراقيه مثل العالم
ومنها قال ( إنما مثل العالم كمثل ينبوع من ماء يسقي بلده ومن مر به كذا العالم ينتفع به أهل بلده ومن مر به )
43
مثل الرسول في الدعوة
ومنها قال ( مثلي في الدعوة مثل سيد بنى دارا واتخذ مأدبة وبعث داعيا يدعو إلى مأدبته في داره فالسيد هو الله تعالى والمأدبة الجنة والداعي أنا ) مثل الآدمي ومثل الموت
ومنها قال ( مثل الآدمي ومثل الموت كمثل رجل له ثلاثة من الخلان فقال أحدهم له هذا مالي فخذ منه ما شئت وأعط منه ما شئت ودع ما شئت
وقال الآخر أنا معك أحملك لي ما دمت حيا فإذا مت تركتك
وقال الثالث أنا معك أدخل معك وأخرج معك مت أو حييت
فالأول ماله والثاني عشيرته والثالث عمله حيثما كان فهو معه ) مثل القرآن
ومنها ما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ( مثل القرآن
44
مثل الإبل المعقلة إن عقلها صاحبها أمسكها عليه وإن أرسلها من عقلها ذهبت ) مثل من لعب الميسر
ومنها قوله ( مثل من لعب الميسر ثم قام يصلي كمثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم قام فصلى فيقول قد يقبل الله صلاته ) مثل قارئ القرآن
ومنها قوله ( مثل القرآن مثل جراب فيه مسك قد ربط فمه فإن فتحه فاح ريح المسك وإن تركه مربوط كان مسكا موضوعا فإن قرأت القرآن وإلا فهو في صدرك )
وقال أيضا ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها )
45
مثل المنافق القارئ للقرآن وغير القارئ له
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها مثل الكافر
ومثل الكافر كشجرة خبيثة طعمها مر خبيث لا خير ولا أصل اجتثت أي انتزعت من فوق الأرض ما لها من قرار أي من أصل بأدنى ريح تقع على وجه الأرض وتخرج من أصلها كذا كلمة الكفر مثل كلمة الشهادة
ومثل كلمة الشهادة من المؤمن ( كمثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) مثل من يقرأ القرآن وهو يعلم تفسيره أو لا يعلم
ومنها ما حدثني به عمر بن أبي عمر بإسناده عن سفيان بن
46
حسين قال قال لي إياس بن معاوية إني أراك قد لهجت بعلم القرآن فاقرأ علي سورة وفسرها حتى أنظر أين تقع فقرأت عليه سورة وفسرتها فقال يا سفيان لا علم أشرف من علم القرآن وهل تدري ما مثل من يقرأ القرآن وهو يعلم تفسيره أو لا يعلم
مثله مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا وليس عندهم مصباح فقد دخلهم بهذا الكتاب روعة لا يدرون ما فيه فهم خائفون فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه مثل من أعطي القرآن ولم يعط الإيمان
وعن علي رضي الله عنه قال أخبركم بمن أعطي القرآن ولم يعط الإيمان ومن أعطي الإيمان ولم يعط القرآن ومن أعطي القرآن والإيمان ومن لم يعط القرآن ولا الإيمان فأما من أعطي الإيمان ولم يعط القرآن فهو بمنزلة ثمرة طيبة الطعم لا ريح لها ومنزلة من أعطي القرآن ولم ي عط الإيمان منزلة الآسة طيبة الريح خبيثة الطعم ومنزلة من أعطي القرآن والإيمان بمنزلة الأترجة طيبة الطعم طيبة الريح ومنزلة من لم يعط القرآن ولا الإيمان مثل الحنظلة خبيثة الطعم خبيثة الريح
47
مثل الرسول والأنبياء
ومنها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنيانا فعجب له الناس فقالوا والله ما رأينا مثل هذا البنيان لولا موضع اللبنة فكنت أنا موضع تلك اللبنة ) مثل المنفق ومثل البخيل
ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( مثل المنفق ومثل البخيل كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا سبغت على جلده حتى تواري بنانه وتعفو أثره ) مثل الصلوات الخمس
48 ومنها ما روي عن رسول الله
48
قال ( أرأيت لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما تقولون هل يبقى من درنه شيء )
قالوا لا ( قال ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا ) مثل لموت المرأة المعجب بها زوجها
وعن القاسم بن محمد أنه قال هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها فقال لي إنه كان عالم في بني إسرائيل وكان له امرأة وكان بها معجبا فماتت فوجد عليها وجدا شديدا ولقي عليها أسفا حتى خلا في بيت وأغلق على نفسه واحتجب عن الناس فلم يكن يدخل عليه أ حد وإن امرأة سمعت به فجاءته فقالت إن لي إليه حاجة أستفتيه فيها وليس يجزيني إلا مشافهته
فذهب الناس ولزمت بابه وقالت ما لي منه بد فقال له قائل إن ها هنا امرأة أرادت أن تستفتيك وقالت إني أريد مشافهته وقد ذهب الناس وهي لا تفارق الباب قال ائذنوا لها
49

فدخلت عليه فقالت إني جئت أستفتيك في أمر قال وما هو قالت إني استعرت من جارة لي حليا فكنت ألبسه وأعيره فلبث عندي زمانا ثم إنهم أرسلوا إلي فيه افأرده عليهم قال نعم قالت إنه مكث عندي زمانا قال ذاك أحق لردك إياه عليهم حين أعاروكه فقالت أي رحمك الله أفتتأسف على ما أعارك الله تعالى ثم أخذه وهو أحق به منك
فأبصر ما هو فيه ونفعه الله تعالى بقولها الصيام جنة
ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال )
وعنه قال ( حسن الحفاظ صيام ثلاثة أيام من الشهر ) مثل من جاء مسجده
ومنها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال
50
رسول الله ( من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله تعالى ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة رجل ينظر إلى متاع غيره ) مثل الرؤيا حين تعبر
وروي عن أبي قلابة رواه قال مثل الرؤيا حين تعبر كمثل رجل أمر أن يرفع إحدى رجليه ويضع أخرى فهو ينتظر متى يؤمر بوضعها فتستقر الرؤيا على ما تعبر عليه فلا يحدث إلا عالما أو ناصحا مثلكم ومثل اليهود والنصارى
ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال ( من يعمل عملا من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ) فعملت اليهود
ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ) فعملت النصارى ثم قال ( من يعمل من صلاة العصر
51
إلى صلاة المغرب على قيراطين قيراطين ألا فأنتم )
فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر أعمالا وأقل عطاء فقال ( أظلمتكم من حقكم شيئا ) قالوا لا قال ( فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء ) الناس كإبل مائة
ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) مثل المؤمن مثل النخلة
وروي عن مجاهد رحمه الله قال صحبت ابن عمر رضي الله عنه من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله إلا هذا الحديث ( مثل المؤمن مثل النخلة إن جالسته نفعك وإن شاركته نفعك وإن شاورته نفعك وإن صاحبته نفعك وكل شيء من شأنه منافع فكذلك النخلة كل شيء من شأنه ا منافع )
52
مثل الصحابة
ومنها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله قال ( مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح ) مثل الرسول
ومنها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ( إنما مثلي ومثلكم مثل رجل أوقد نارا فهو يذب عنها أن يقع فيها الجراد والفراش وإني آخذ بحجزكم أن تقعوا في النار ) مثل المؤمنين
ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى شيء منه تداعى سائره بالحمى والسهر )
53

ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( مثل الذي استرد ما وهب مثل الكلب يقيء فيأكل قيئه ) مثل التاجر
ومنها ما روي عن علي بن الحسين رحمهم الله أنه قال إنما مثل أحدكم مثل التاجر يحسب الربح ولا يوفي رأس ماله يوفي أحدكم التطوع ولا يوفي الفريضة
ومنها ما روي عن رسول الله أنه قال ( مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل فرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان وأطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين ) مثل المنافق
ومنها قوله ( مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تتردد بينهما مرة إلى هذه ومرة إلى هذه )
ومنها قوله ( مثل المنافق مثل رجل في نهر
54
يسبح فيه فلما بلغ أن يقطعه نودي من الجانب الآخر فرجع إلى ذلك الصوت ثم نودي من ها هنا فأجاب ثم رجع فبينما هو في تردده إذ علا آذي وهو الموج فغرقه ) مثل النبي ومثل الساعة
ومنها قوله ( مثلي ومثل الساعة كفرسي رهان سبق أحدهما الآخر بأذنه )
ومنها قوله ( مثلي كمثل قوم بعثوا طليعة فرأى العدو فجاء ليخبرهم أن العدو قد هجم فلاح بثوبه مخافة أن يسبقه العدو ) خمس كلمات وأمثالها
وقال ( إن يحيى بن زكريا عليهما السلام أمره الله تعالى أن يأمر قومه بخمس كلمات وأن يضرب لهم مثلا فقال إن الله تعالىأمرني أن آمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ومثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله فذهب العبد فعمل لغيره فأيكم يحب أن يؤتى إليه ذلك
وأمرني أن آمركم بالصلاة ومثل ذلك مثل رجل دخل على
55
ملك فهو يناجيه حوائجه وهو يسمع له ويقضي له الحوائج
وأمرني أن آمركم بالصدقة ومثل ذلك مثل رجل قتل قتيلا فهرب من وطنه مخافة أن يؤخذ به فبعث 49 إلى أهله فقال ما ينفعكم إزعاجي من وطني فأنا أؤدي إليكم دية قتيلكم نجوما وأرجع إلى وطني فرضوا بذلك فما زال يؤدي نجومه حتى فك رقبته
وأمركم بالصيام ومثل ذلك كمثل رجل لقي العدو في جنة حصينة فما وجد في الجنة من خلل وصل إليه سلاح العدو
وأمركم بذكر الله ومثل ذلك كمثل رجل أتاه فوج من عدو من ناحية فهو يحاربهم ثم أتاه فوج آخر من ناحية أخرى وأتاه الفوج من كل ناحية فلما رأى ذلك ترك محاربتهم ودخل الحصن . . وأغلق الباب على نفسه وكذلك ذكر الله تعالى ) مثل المصلي الذي لا يتم ركوعه وسجوده
وروي عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي سلام الأسود رضي الله عنهم أن رسول الله رأى رجلا ينقر في صلاته لا يتم الركوع والسجود فقال ( لو مات هذا مات على
56
غير ملة محمد فإذا صليتم فأتموا الركوع والسجود فإن مثل المصلي الذي لا يتم ركوعه ولا سجوده كمثل الجائع الذي يأكل المرة والمرتين لا تغنيان عنه شيئا )
قال أبو بردة قلت لأبي سلام من حدثك بهذا عن رسول الله قال حدثني أمراء الأجناد يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة
فهذه الأمثال كلها ضربها رسول الله ليريهم ما غاب عنهم بما حضر الحكماء يضربون الأمثال
ولم يزل الحكماء يضربون الأمثال
57
مثل العلماء
مثل العلماء مثل النجوم التي يقتدى بها والأعلام التي يهتدى بها إذا تغيبت عنهم تحيروا وإذا تركوها ضلوا مثل الإمام مثل الإمام مثل عين صافية يخرج منها نهر عظيم يخوضه الناس فيكدرونه فيأتي عليها صفوة العين فيصير صافيا من تلك الكدورة فإذا كانت الكدورة م ن قبل العين فسد النهر فكيف يصفو فلم يكن من الحيلة إلا سد النهر مثل الناس والإمام
مثل الناس والإمام كمثل الفسطاط لا يقوم إلا بعمود ولا يقوم العمود إلا بالأوتاد فكلما نزع وتد ازداد العمود وهنا
58
مثل الجليس الصالح والسوء
مثل الجليس الصالح مثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ومثل جليس السوء مثل كير الحداد إذا جالسته إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه مثل القلب
مثل القلب مثل حدقة العين فإن أدنى شيء يشغل العين والقلب أيضا يشغله أدنى شيء مثل العالم
مثل العالم مثل العطار إن مررت به وجدت رائحة الطيب وإن جالسته أصابك اللطخ من العطر وإن صاحبته تناولت منه الطيب فترجع إلى أهلك بذلك مثل المؤمن المنتبه
مثل المؤمن المنتبه مثل ولد فتح عينيه من النوم فأبصر مائة ألف
59
ثدي وحجر لم يلتفت إلى واحد منها ما لم يجد ريح أمه فحينئذ يتعلق بثدييها ويدخل في حجرها لأن ريح الأم ريح الرأفة ولذلك قال الصديق لعمر رضي الله عنهما حين طلق امرأته وأراد أن يأخذ ولده منها فمنعه أبو بكر رضي الله عنه وقضى به للأم وقال ريحها ولقاحها خير له منك يا عمر
فالعاقل أيضا لما وجد رائحة رأفة الرؤوف الجواد الكريم ونظر إلى إحسانه لديه لا يلتفت إلى شيء سواه حتى يصل إليه فهذا الصادق في قول لا إله إلا الله علم أن الأشياء التي تضر وتنفع كلها من الله فلم يتعلق قلبه بشيء من أسباب الضر والنفع ورد وله قلبه في تلك الأش ياء إلى ألوهية الله تعالى لأنه عاين أن هذه الأودية كلها تتفجر من تلك العين وبقدر ما ينصب من تلك العين التي منها تسيل هذه الأودية فلم يغتر بالأودية ومن حجب عن رؤية تلك لم يجد قرارا لكثرة ملاحظته الأودية واديا واديا فمتى يستفرغ رؤية الأودية ومتى يقدر أن يت علق بشيء منها لأن كل واد يدعوه إلى نفسه فقلبه ذو شعب ونفسه غير مطمئنة إلى شيء منهم فهي كالريشة يطير مرة إلى هذا ومرة إلى هذا إلى ما لا يتناهى
60
مثل المؤمن المخطئ الغافل ومثل المؤمن المخطئ الغافل مثل رجل في خربة في فلاة من الأرض يأتيه صوت من كل جانب يدعوه ولا يدري من يجيب ولمن يجيب وإلى من يطمئن فهو أسير كل ناعق فالمؤمن من شرطه أن يطمئن إلى ربه ويفرغ في كل شيء إلى ربه ويتعلق في كل أمر بربه مثل العاقل المحق
ومثل العاقل المحق في إسلامه مثل رجل باع دارا هو ساكنها فقيل له سلم ما بعت فخرج من ساعته وترك ثقله ثمة وقال للمشتري هذا كله لك مع الدار من غير بيع ووهبت الثمن لك أيضا مثل المؤمن المخلط
ومثل المؤمن المخلط مثل من باع دارا هو فيها ساكن فلما قيل له سلم ما بعت قام من موضعه وجمع ثقله في زاوية أخرى من
61
الدار وجلس ثمة فإذا قيل له ثانيا سلم ما بعت ذهب إلى زاوية أخرى مع ثقله ولا يزال دأبه هكذا في التسليم يتحول من مكان إلى مكان ويفرغ ناحية ويشغل أخرى إلى أن يقبض الثمن ويسلم ويخرج منها فالمؤمن من شرطه تسليم النفس إلى الله تعالى في كل شيء فلو اقتحم النه ي وفرط في الأمر صار كمن سلم بعض النفس دون البعض كمن تحول من زاوية إلى زاوية لا تسخو نفسه بتسليم ما باع فالمسلم باع نفسه وماله من مولاه يقول له ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا ف ي التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) وصير تسليمه في عشر خصال مذكورة في الآية وجعل منها الجنة فكلما وفى تحصيله منها فقد سلم جزءا من المبيع ثم مع هذا يقتضي ربه الثمن فلو عقل هذا كيف
62
يستحيي من ربه اليوم إلى أن يجيء قبض الثمن مثل المصلي الساهي
مثل المصلي الذي يصلي ويكون ساهيا في قلبه كمثل رجل جنى في حق الأمير ثم ندم فاستجمع خدمه وخوله وتوجه إلى باب الملك معتذرا فلما قام بين يدي الملك بشاكريته وخدمه ووقف بهم عليه معتذرين مما كان منه ومن خدمه من سوء الأدب صفح عنه وحيي وأكرم ومن أقبل إلى الملك ثم زاغ عنه في الطريق وبعث بشاكريته وخدمه حتى وقفوا مقام الاعتذار ومحل الكرامة ولما أقبل الملك إليه ليقبل عذره ويحسن إليه أعرض عن مقام 50 الاعتذار وشغل بنهماته وترك خدمه وخوله بين يدي الملك معتذرا منه أفليس من مقالة الملك أن يقول أنت الذي جنيت في حقي وترك ت أمري وضيعت أموري وهؤلاء الخدم إنما حضروا لأجلك فأقمتهم مقام الاعتذار عنك واشتغلت بنهماتك أليس أنه ممقوت ولا يعبأ باعتذار خوله فيما هنالك مثل الدعوات دون حضور القلب
وكذا مثل دعواته التي تجري على لسانه بدون حضور القلب رغبة ورهبة كمثل سائل يقف على باب يسأل شيئا ولم يلبث ومضى
63
لسبيله فأخرج له ما طلب فلم يجدوه فيدخل في الدار مع ما أخرج له ويقول لم يمكث السائل على بابنا فلم يزل هذا دأب هذا المسكين على كل باب حتى صار محروما كذا هذا الداعي والتقريب معلوم مثل من يثني على ربه عن غفلة
ومثل من يثني على ربه عن غفلة كمثل من جنى إليك جناية فلم يعتذر حالة الإفاقة حتى شرب وسكر فجاء في حال سكره ووقف بين يديك وقبل قدميك ومدحك بمدائح السكارى أوليس من مقالتك إن هذا لا يعقل ما يقول ولا ما يعمل فلست تعبأ بقوله وفعله كذا هذا مثل من يثني ولا يع لم معنى ما نطق به
ومثل من يثني على ربه في غفلة ولا يعلم ما معنى ما نطق به كمثل رجل أتى بشعر في دفتر باب الملك فقرأه عليه من الدفتر فقال له الملك ما هذا قال هذا مدحك الذي مدحتك فقال له الملك عقلت ما أثنيت قال لا أني علمت أن هذا ثناء فقال له الملك فمن أي شيء عقلت أنه ثناء فلعله هجاء فتحير الرجل فلم يبق له شيء إلا أن يقول هذا طمع في نوال شيء
64
فجعل هذا الثناء سببا لنواله فيعطونه شيئا ويخرجونه من بابه مثل من يثني ويعقل معنى الثناء تعريفا
ومثل من يثني على ربه وهو يعقل معناه ولكن لا يعقله عقل المشاهدة كمثل شاعر أتى باب الملك بشعر يثني عليه فلما أنشده قال له الملك عرفتني بهذه الخصال أم عرفت به قال لا بل عرفت به في السوق أنك هذا
فسقطت منزلته عند الملك وأناله من معروفه على قدر انحطاط قدره وسقوط منزلته مثل من يثني ويعقل عقل مشاهدة
ومثل من عقله عقل مشاهدة بقلبه فقال عرفتك بهذه الخصال معرفة أشد من معرفتي بنفسي فإن معرفتي بك لا تصير نكرة أبدا فيقول له الملك إذا لا أجهلك علمك في ولا أجعل معرفتك لي نكرة أبدا ولا يقينك شكا ولا بصرك عمى ولا هداك حيرة وضلالة وأوفي لك بجميع ما عرفتني إن عرفتني جوادا فجودي لك وإن عرفتني رحيما فرحمتي لك وإن عرفتني كريما فكرمي لك وإن عرفتني رؤوفا فرأفتي لك وإن عرفتني لطيفا فلطفي لك وإن عرفت قدري فمحبتي لك ولك المزيد من فضلي ودوام هذه
65
الأشياء وليس يحسن بي أن تعرفني بشيء فأريك من نفسي خلاف ذلك حتى تصير معرفتك لي نكرة أنا كما عرفتني حق المعرفة وأنا أوجب لك ما عرفتني به ليكون ما عرفتني به ظاهرا مكشوفا بارزا وهو قوله ( لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال ولو خفتم الله خيفته لتعلمتم العلم الذي لا جهل معه فمن عرفه حق المعرفة عرفه بالقدرة ومن عرفه بالقدرة لم تعظم في عينه زوال الجبال عن مكانها ومن عرف كرمه حقيقة لم تعظم في عينه أن تجاب دعوته في إزالة الجبال عن مكانها ومن خافه حق الخيفة زال عنه الجهل لأن نور الخوف من الذات فإذا أشرق ذلك النور خاف حق الخيفة وطار الجهل لأن القلب حيي بالله وإنما الجهل من الموت والعلم من الحياة مثل التالي كتاب الله في غفلة
ومثل التالي كتاب الله في غفلة كمثل رجل بين يديه حقاق في كل حقة منها جوهر بعثه إليه الملك فهو في غطاء عن تلك الجواهر ففي حقة منها ياقوتة حمراء وفي أخرى منها ياقوتة صفراء وفي أخرى ياقوتة زرقاء وفي أخرى ياقوتة خضراء وفي أخرى لؤلؤة بيضاء صافية فليس له من ت لك الجواهر إلا عد الحقاق
66
وإحصاؤها وهو يعلم أنها ثمينة نفيسة ولكن لا يلتذ بها ولا يتغنى بها لأن عينه إنما تأخذ الحقاق ونفسه تحسن ما ترى عينه وعلمه بنفاستها وأثمانها علم لا يحركه ولا يبعثه ولا يهيجه إلى شيء فهو كالناعس قد أخذه ريح النوم فهو في نفسه ثقيل فإذ فتش الحقة فأبصر جو اهر تتلألأ ونظر إلى شيء ملأ نفسه سرورا وسبي قلبه بها فإذا نظر فيها فوجد اسمه مكتوبا عليها منقوشا فاشتد عجبه وتضاعف سروره وبهجته وتاه في البهجة فسروره بنفاسة تلك الجوهرة يهنيه ويهنيه في اسمه الذي وجده منقوشا على تلك الياقوتة فقال في نفسه صار لي إلى الملك محلا بعث إلي جوهرا مثل هذه واسمي منقوش عليها يعرفني ذلك محلي عنده إني قد أعددت لك هذه الجواهر وباسمك لعظيم قدرك عندي وكثرة بالي بك ورفيع محلك عندي وحبي لك فكيف يكون حال هذا العبد من الفرح والسرور ككتاب الله تعالى كلام عزيز حروف منسوقة مؤلفة ألفها رب العا لمين بحكمته البالغة ومعنى قوله البالغة أي بلغت تلك الحكمة يوم المقادير ومنها خرجت إلى العباد فصارت حكمة فقيل حكمة بالغة أي تبلغ بصاحبها علم المقادير فمن بلغ علم المقادير فقد وفر حظه من العلم كما وفر الحظ للخضر عليه السلام حتى ساح في المفاوز وخاض البحار و عبر معابر العبر بحظه من علم
67
المقادير فرأى في كل شيء ربوبية العزيز القهار فذلك تأليف عجزت عنه الملائكة والرسل والثقلان وجميع الخلق لأنه وضع في كل حرف لعباده شيئا فهو أعلم بما يحتاج إليه عباده من تلك الأشياء فألف الحروف للأشياء الموضوعة في الحروف يخاطبهم بها وهي لطائف وبشرى ووعد ووعيد ونذارة وتأديب وتحضيض وتنديب وأنباء ما مضى وأنباء ما مضى وأنباء ما هو كائن في الدارين فذلك قوله تعالى ( لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) فمن غبي فهمه عن هذا تحير فيه
ولو قال قائل كيف لا يقدرون أن يأتوا بمثله وإنما هو لسان العرب فمن شاء ساق كلاما بهذه اللغة فكيف لا يمازجه ولا يدانيه
وهذا هوس وكلام المنهوكين الذين أعينهم في غطاء عن
68
ذكره وإنما معرفتهم ربهم على ألسنتهم
وإنما عجرت الجن والإنس عن تأليف مثله لأن جميع الكلام الذي أبرزه رب العالمين للعباد إنما هو تسع وعشرون حرفا وضع في كل حرف أمرا من أموره وأعلم خواصه بذلك من الأنبياء وخاص الأولياء فمن دام على ذلك الأمر وخالصه وصفاه فاستوجب هذا النور الأعظم الذي إذا أشرق في صدره وطالع ما في حشو كل حرف من هذه الحروف فعندها يعقل تأليف رب العالمين
قال له قائل اشرح لنا شيئا نفهم به بعض ما وصفت
قال نبين ذلك في قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ففي الباء بهاؤه وفي السين سناؤه وفي الميم مجده فمن أعطي في قلبه سراجا فأنار ذلك السراج في صدره عاين فؤاده ذلك البهاء والسناء والمجد وعاين ما أجرى إليه رب العالمين من بهائه وسنائه ومجده فأوصل إليه في دينه ودنياه فإذا عاين فؤاده ذلك كان كمثل من وضع بين يديه حقة وقد علم أنه فيها جوهر ثمين نفيس يخطف الأبصار تلألأ فيضيء القلوب شغوفا به فهو في ذلك حيران لا يلتذ ولا يبهج به لأنه سكران أو نائم فالسكران والنائم لا حظ لهما من اللذة والبهجة فإذا رفع عن الحقة رأسها وتلألأ ذلك الجوهر في
69
وجهه يكاد يخطف بصره وسبى قلبه فإذا رأى اسمه منقوشا على ذلك الجوهر كاد ينصدع قلبه فرحا وسرورا بما اطلع من حاله عند الملك
قال له قائل زدنا في شرحه
قال نزل ربنا جل جلاله كلامه تنزيلا فهو كلام مؤلف محشو كل حرف بما فيه حشاه ثم تكلم به ثم أنزله فلو عقلت هذا لدهشت من قبل أن تسمو إلى حشوه مثل الناظر إلى حروف القرآن
مثل الناظر إلى حروف القرآن كمثل رجل اشتد شوقه إلى حبيب غائب فوجد له كتابا بخطه فهاج شوقه ثم نظر إلى آثار أصابعه وصنع يده فالتذ بها فسكن إلى وجود لذته ساعة وتقطع أيام شوقه فكذا المشتاق إلى لقائه إذا وقع بصره على خط الحروف وتراءى له بدو هذه الحروف من عند مليكه والمجرى من الوحي إلى صدره ومستودعه وهو الحفظ الذي قد قرن بالعقل واؤتمن عليه والتذ بها وسكن غليان شوق من لا يجد إلى ما وجد من آثار كلامه وهو تأليف تلك الحروف قولا ثم كلاما فإنه قال وتكلم
قال له قائل ما هذا
قال القول وهو ترجيع الصوت فذلك الترجيع هو القول مأخوذ من الإقالة والقيلولة والكلام هو سلطان تكلم القلب أي يؤثر
70
عليه ولذلك سميت الجراحة كلما لأنه لا بد مؤثر فيها مثل التالي كتاب الله من غير تفهم
ومثل التالي كتاب الله من غير تفهم ولا تدبر كمثل رجل جمع الحلي من أناس عارية وفيها جواهر نفيسة مثمنة فجعلها في صرة ثم علقها في عنقه كهيئة جرس البعير فذلك الصوت من الجرس كائن والجرس مثمن عظيم الثمن بجوهره فماذا له من تلك الجواهر وماذا له من ذلك الضوء إلا الإخبار بأني على الطريق مثل من يربي القرآن
ومثل من يربي القرآن كمثل رجل آوى يتيما إلى منزله وكفله وكساه وأطعمه وسقاه ونزهه ونقاه ووقاه من الآفات والأدناس وجعل حجره له حواء فهو يغسله بيده وينقيه كما لولده ويرشفه ويقوم عليه في جميع أحواله فلا يزال دأبه معه يتربى هذا اليتيم في حجره إلى أن يدرك فإذ ا أدرك فعرف تربيته فشكر له وقام له بالبنوة يحمي عنه في كل مكان ويذب عنه ويدفع عنه ويربيه في وقت ضعفه وكبر سنه
71

وآخر رام تربية هذا اليتيم فأدخله بيته ساعة من نهار فأعطاه كسرة خبز وشيئا من عنب ثم أخذ بيده وأقامه على قارعة الطريق فإذا أدرك هذا اليتيم مدرك الرجال قل ما يلتفت إلى هذا وإنما يعرف له بقدر ما رأى من تلك الكسرات والعناقيد
فكذا من قرأ كلام الله عز وجل في كل يوم وردا أو جزءا ثم وضعه في ناحية من بيت ولم يقم بين يديه فالقرآن في زماننا كاليتيم الذي ليس له مأوى ملقى على قارعة الطريق لا يؤبه به ولا يتكفل أحد بتربيته فالمحسن من أهل هذا الزمان كمن أدخل اليتيم في بيته ساعة فأطعمه شيئا وسقاه ثم أعرض عنه وترك كفالته
فالقرآن إنما يلج صدورا طاهرة نقية فإذا لم يجد تلك الصدور فهو كاليتيم الذي لا يجد كفيلا ولا مأوى وقد قال جل ذكره ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين )
قال كتاب مبين من الله الحروف المؤلفة التي تضمنت المعاني والنور كسوة تلك الحروف أهداها رب العزة إلى هذه الأمة قد تضمنها الوحي حتى أوصلها إلى الرسول وتلقتها الأذهان والعقول وأخذتها منه قال جل ذكره ( وإنه لتذكرة للمتقين ) فالتذكرة كدفتر حساب يرجع إليه في كل يوم وساعة إذا أصبح ينظر فيه فيدبر أمره من التذكرة مما أحكمه ورده
72
إلى الديوان الأكبر الذي فيه جملة حساب تجارته فالمتقي ينظر فيه كل يوم يتبدر أمره فيه ومنه ويقابل أموره مما أمر الله فيه ويسويه ويتلافى ما ضاع منه وما قصر فيه ثم يؤديه إلى ديوان الله عز وجل وهو اللوح الحفوظ
ثم قال ( وإنه لحسرة على الكافرين )
فإذا رأى الكافر ما يصنع القرآن بأهله من الثناء عليهم بين يدي الله عز وجل ونظر إلى كرامة الله على أهل القرآن صار ذلك كله حسرة عليه وتقطع قلبه حسرات
ثم قال ( وإنه لحق اليقين ) أي هذا القرآن من حق اليقين أي كما أعطيتكم من نور المعرفة فاستقرت قلوبكم وأيقنت بربوبيتي وبوحدانيتي فاطمأنت نفوسكم بي وآمنت كان من حق ذلك اليقين علينا أن أنزل كلامي إليكم لتسكن به تلك الصدور التي استقر اليقين في تلك القلوب في ها ويجاوره بأحسن المجاورة فهذا حقه ويساكته في مستقره فاليقين في القلب وكلامي في الصدور وهو ساحة اليقين فذلك حق اليقين مثل من يقرأ القرآن من غير تدبر
ومثل من يقرؤه من غير تدبر كجرس على بعير فالسائق للجمال تسير من أمامه بصوت ذلك الجرس لثقالتها ليس عندهم إلا ذلك الصوت في أسماعهم
73
مثل التالي لكتاب الله
ومثل التالي لكتاب الله تعالى مثل رجل طاهر طيب له محبوب له حنين إليه أخذ حبه قلبه وهو به مشغوف يمضغ شيئا في فمه فإذا وجد ذلك الشيء في فمه كيف يلتذ به وكيف يجد حلاوته في حلقه وصدره فلا يمل من مضغه وازدراد ريقه بذلك الشيء فكذا التالي لكتاب الله تعالى إذا فكر أن هذا كلام تكلم به رب العالمين وأنزله ومكن له في صدري حتى تردد واستقر وأقدرني على استخراجه من صدري حتى اختلج به لساني مستعينا بالحنك والأسنان والشفتين فتردد كلمه المنزل الذي تكلم به وأنزله فيما بين صدري وشفتي وقرت عينه بهذه الفكرة والتدبر وابتدأ بتر ددها في فمه ولسانه وحلقه وشفتيه هذا من قبل أن يشتغل بلطائفه ومعانيه قال الله عز وجل ( إنه لقرآن كريم ) وقال ( بل هو قرآن مجيد ) وقال ( وإنه لكتاب عزيز ) ومهيمن فوصف كلامه بالكرم والمجد والعز والهيمنة
فأما كرمه فمن سهولته الممزوجة باللطف والتقريب والتعليل
74
وأما مجادته ففي الأمر والنهي وأما عزه ففي شرف الألفاظ وأما هيمنته ففي نفي الأشباه ونزاهة القلوب التمثيل والتشبيه
فإن نفر نافر من هذا فقال أليس هذا تشبيه قيل له هذا تمثيل وليس بتشبيه قال والتمثيل أن تصف شيئا غاب عنك فتمثل له في الشاهد ليقف على ما يؤدي معنى الغائب
قال مثل ماذا قال جاءنا عن رسول الله أنه قال ( لما كلم الله تعالى موسى عليه السلام يوم الطور ورجع إلى بني إسرائيل رأوا على وجهه من النور والبهاء ما لم يروه قبل ذلك فقام إليه اثنا عشر سبطا فقالوا يا موسى إنك سمعت كلام ربك فصفه لنا فقال سبحان الله إنه لا يوصف قالها ثلاث مرات قالوا فشبهه لنا فقال سبحان الله إنه لا يشبه شيئا ثلاث مرات قالوا يا موسى فبين لنا منه شيئا نفهم قال سمعت كلام ربي لا ريبة فيه ولا شبهة كأشد رعد خلقه الله في أشد صواعق خلقها الله في أحلى حلاوة منطق ما خطر على قلب بشر قط فقلت يا رب أهك ذا كلامك قال لا يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئا )
75

روي عن الحويرث أنه قال كلم الله موسى عليه السلام بقدر ما أطاق ولو كلمه بغير ذلك لم يطق فليس هذا بتشبيه فقد علم المؤمنون الذين عرفوا الله صدقا ويقينا أن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين ولكن حلاوة الكلام وبركة الكلام وذوق الكلام واصل إلى قلوب الموحدين فهيج أنوار المعرفة والتوحيد من معدنها ثم أخلص إليها من الحلاوة والبركة والذوق ولكل هيج معمل ولكل معمل ثمرة ولكل ثمرة طعم ولذة سوى المنفعة وإنما أسمع الله تعالى كلمه موسى صلوات الله عليه لاختصاصه بذلك فلو لم يكن له حلاوة ولذاذة ما نفعته هذه الخصوصية وطعمه ولذت ه
وروي في الخبر أنه قال يا موسى إني متوفيك قال موسى يا رب من يغسلني قال بحسبك طهري قال يا رب من يبكي علي قال الجن والشجر
أفلا ترى أن كلامه قد طهره ومن دون هذا نودي عملا المرأة التي في لسانها بذاء
بلغنا أن امرأة كان في لسانها بذاء فوافت رسول الله
76
وهو يمضغ اللحم فقالت أطعمني منه يا رسول الله فناولها من الذي بين يديه فقالت لا إلا الذي في فمك فأخرج من فمه وناولها فابتلعته المرأة فذهب عنها البذاء وظهرت عليها غضاضة وعفافة وحياء
فهذا من آدمي أكرمه الله تعالى وطهره فكيف بكلام تكلم به رب العزة ولذلك قال ( وشفاء لما في الصدور )
وقد قال في شأن النحل ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس )
فالذي يلعق العسل يصيبه الشفاء لأن ذلك شراب خرج من جوف من تذلل لوحي الله وسلك سبل ربه الذي سبل له فصار بذلك شفاء للبدن وحلاوة في المطعم فما ظنك بكلام رب العزة
وإنما يتحير في هذا من كان قلبه سكران عن الله يحب النفس ويحب الشهوات فأما من أفاق من سكره وحيي قلبه بالله فانتبه فهو واجد لهذا
وكما أن السكران من الشراب لا يجد طعم العسل ولذاذته إذا لعقه فكذا السكران من حب الشهوات لا يجد طعم كلام الله ولا لذاذته ولا يكون له شفاء لا في الفم ولا في الجوف ولا في
77
القلب وهو عبد آبق معاقب بإباقه قال الله عز وجل ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق )
وكل من تكبر على الله أهانه الله تعالى وذلله ورمى به في إكرام نفسه وطلب عزها ورفعتها فقد عوقب بأن صرف قلبه عن آياته حتى لا يفهمها ولا يجد حلاوتها ولا لذاذتها مثل التالي ولا يعلم التفسير
مثل التالي كتاب الله تعالى ولا يعلم تفسيره كمثل ملك كتب إلى عامله كتابا فيه أمر ونهي ووعد ووعيد على تضييع أمره فاستظهره هذا العامل فقام ببعضه في الأمور التي أوعد عليها وضيع البعض التي وعد عليها فأخذ هذا العامل في كل يوم يقرأ هذا الكتاب وكلما أتى على وع يد وتهول على النفس طرب فيه ورفع صوته كأنه يتغنى بأغاني السرور وكلما أتى على طمع ونوال وبشرى وكرامة ذبل وتكاسل وربما يتثاءب في قراءته فقرأه على تلك الهيئة كالمصروع والمجنون فإنه في القرآن أمر ونهي ووعد ووعيد وذكر أنباء القرون للطمع والتخويف وضرب الأمثال و ذكر
78
الآلآء وذكر المنن واللطائف فإذا لم يعلم هذا كله ورضي من نفسه بالقراءة فقط فكأنه العامل يقرأ كل يوم كتاب الملك ويترك ما فيه من المعاني بمنزلة رجل يسلك طريقا قفرا يستقبله عقاب يحتاج إلى قطعها وهو أثقال الصدق في أمره ونهيه ومرة يستقبله مفاوز وهو وعيده ومرة يستقبله فلاة معطشة ومجاعة وهي منازل قوم وصفها في تنزيله ومدحهم بها ومرة يستقبله فضاء من الأرض فيها رياض من خضر وهي ذكر النعم ومرة يستقبله في تلك الأرض بساتين ذات ورد وبان وياسمين وهو ذكر المنن ومرة يهجم على أغراس في تلك البساتين وهي تلك الحظوظ التي هيأ له من آلائه وتلك اللطائف المذكورة ومرة تستقبله أرض شاكة مسبعة وهي ذكر النفوس ومكايد الشيطان
فهذا القرآن كائن فيه هذه الألوان فمن قرأ القرآن لظهره مرت عليه هذه الأشياء ومر بها وهو عنها سكران أو نائم فيطرب ويظهر السرور في وقت الأحزان والانكسار ويرفع صوته في وقت الخفض والخشوع وينشط في حال الانقباض ويتحازن في وقت السرور والبهجة
79
مثل من يقرأ القرآن بألحان
فمثل ذلك مثل ملك أمر المنادي أن ينادي في الرعية بوعيد هائل يكاد أن تشيب منه الرؤوس فنادى بنداء طرب فيه وتغنى وجاء بألحان السرور أفليس يمقته الملك على ذلك ويغيظه
ولو أن رجلا تلا هذه الآية ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) أو تلا هذه الآية ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) أو تلا ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) ثم قال في آخر ذلك ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ) فهو يرى نفسه في الفرح والمرح إلى قرنه وقدمه فرجع بقراءة هذه الآيات وطرب وجاء بألحان السرور
ثم قرأ ( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ) فأخذ يتحازن ويخفض في صوته وترجيعه ويئن فيها ويخرج صوته أصوات الثكال ى وإذا قرأ قوله تعالى ( يومئذ
80
تعرضون لا تخفى منكم خافية ) يغني في صوته ولحنه وأرسل كل صوت كالمتنشط المسرور
وإذا قرأ صفة الجود ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) تمثل في تلاوته كهيئة أهل المصائب وذبل وانكسر
فلو أن عبدا من عبيد أهل الدنيا بشره مولاه بشيء أو أمله نوالا أو أطمعه في بشرى انقبض وعبس وجهه أو إذا أوعده أو وبخه في شيء انبسط وضحك في وجهه لمقته ولو أن رجلا قال في مولاه سوءا فلفظ به العبد على الجهر والتصريح لمقته فإذا تلا التالي تلك المقالات التي حك ى الله تعالى عن أعدائه من الفراعنة جهر بها وطرب بها خيف عليه المقت قراءة السلف
وروي عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه كان إذا مر بقوله ( وقالوا اتخذ الله ولدا ) خفض صوته
وروي عن بعض التابعين أنه قرأ سورة الفرقان أربعين ليلة فكان كل ليلة إذا بلغ إلى قوله ( قالوا وما الرحمن ) سقط
81
مغشيا عليه فتعاهدوا ذلك أربعين ليلة كلما بلغ هذه الآية سقط ولم يقدر أن يجاوزها
هكذا صفة المنتبه لما يتلو فمن اتبع لتلاوته وقراءته لبطنه فإذا أتى على مثل هذه الآية انقطع صوته وتراجع في حلقه وإذا أتى على العقاب أعيا وإذا قطع المفاوز عطش ونصب وإذا قطع البساتين والرياض طرب وإذا طعم الأغراس سكر لأن الأشربة الصافية الصرفة كائنة في الأغ راس فذلك وقت الوله إلى الله تعالى ولهت قلوبهم عن كل شيء سواه وإذا أتى على أرض شاكة أن وضاق عليه الطريق وإذا أتى على أرض مسبعة أرعد خوفا وإذا أتى على بلاء العدو تحير واستغاث وصرخ إلى ربه فهذه أحوال كائنة في قلوب المنتبهين الذين قرأوا القرآن لباطنه فتحولت قلوبهم على تحول معاني ما يتلون وربما هالهم في تلك الفلاة لا يحطون في تلك المواضع أثقالهم فإذا نزلوا استراحوا وذلك لطف من الله تعالى يلطف به عبده لما يرى مما حل بقلبه من النصب والتعب في قطع هذا الطريق على ما وصفنا ففتح له في بعض تلك الآيات ويشرق على قلبه من نوره فيردد تلك الآيات فربما بقي في تلك الآيات ساعات لما يتراءى له فيها فذاك مستراح قلبه وفي ذلك الوقت يحط رحله ويحل بفنائه حتى يقوى
82
في التوراة
وروي عن مالك بن دينار رحمه الله قال قرأت في التوراة لا تعجزن أن تقوم في صلاتك بين يدي باكيا فإني أنا الله الذي اقتربت لقلبك وبالغيب رأيت نوري فهذه خانات ومنازل أولئك القوم تهيأ لهم نزلا من النور حتى تتراءى لهم معاني تلك الآيات وبواطنها فيتلذذون بها ويس تريحون من التعب الذي لحقهم فيما تلوا قبل ذلك وإنما مروا بتلك الآيات بعد ذلك مرة أخرى فلم يصبهم تعب ولا نصب كما كان قبل ذلك فطمعوا في حط الرحال لما كانوا وجدوه قبل ذلك فداروا عليها ورددوها يريدون حط الرحال من غير إعياء واستراحة من غير نصب يطمعون في إشراق ذلك النور تلذذا بفناء الملك الكريم فيجدون تلك الخانات لم تهيأ لهم نزلا إنما هي أواري خالية وبيوت صفر فيرتحلون ويمضون وإذا هيئ النزل فقد وجدوا ما طلبوا فإذا رددوها تراءى للقلب شعاع ذلك فالتهب النور وتصورت تلك المعاني المندرجة فيه على قلبه فصار طربا في سمع ه فأعلمه وأبكاه
فإذا لم يعلم هذا كله ورضي من نفسه بالقراءة فقط فكان كعامل يقرأ كل يوم كتاب الملك ويترك ما فيه من المعاني
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما أنزل الله
83
تعالى كتابا إلا أحب أن يعلم تفسيره فمن قرأ القرآن ولم يعلم تفسيره فهو أمي
وقال سعيد بن جبير رحمه الله مثل من قرأ القرآن ولم يعلم تفسيره كمثل رجل جاءه كتاب من أعز الناس إليه يفرح به ويطلب من يقرؤه عليه فلم يجد وهو أمي ففرح بالكتاب ولا يدري ما فيه فهكذا مثل من يقرأ القرآن ولا يعلم تفسيره وما فيه مثل صاحب الأخلاق
مثل صاحب الأخلاق مثل 53 ملك له خزانة وقواد ومملكة فإن كانت الخزانة قليلة كنوزها وكورته صغيرة ضاق به هؤلاء القواد وقال بعضهم لبعض هذا ملك له اسم الخزانة والكنوز وليس لكنوزه مادة يجري علينا ويغنينا حتى نتخذ عدة للعدو الذي هو بمرصد منا ومن ملكنا هذا وليست له مملكة فسيحة ننتشر فيها فيأخذ كل قائد منا ناحية من المملكة فيتملك على أهل ناحيته وقوة الملوك في الخزائن الجمة وبالكنوز والجوهر والقواد وحسن التدبير في هذين فيدبر أمره أمورنا بحسن ما عنده من الكياسة فيدر علينا كنوزه وقتا وقتا وشهرا شهرا ويعد جواهره للن وائب العظام فلا نرى ها هنا عدة ولا فسحة فتعالوا ننتقل عن هذا إلى
84
ملك لمملكته فسحة ومنتشر نتسع في نواحيها ونعمل للقيادة فيعود الجند إلى ملك له كنوز جمة ولكنوزه مادة من غلات المملكة فله كنوز وأمصار وقرى وبر وبحر كملك الهند والروم والعرب ما نصنع بهذا الضعيف العاجز يطلبون ملكا بتلك الصفة ولا يثبتون مع هذا فالملك هو ا لقلب وخزانته في جوف القلب فيه كنوز المعرفة وجواهر العلم بالله والعقل وزيره والصدر فسحته وساحته ومملكته والأخلاق قواده والأركان رعيته وهي الجواهر السبع فهؤلاء القواد قد أحدقوا بالقلب في هذا الصدر وأطافوا بباب القلب بين عيني الفؤاد فإن الفؤاد هو ما ظهر من القلب والقلب ما بطن والقلب بعض في بعض والعين على الفؤاد وذلك قوله تعالى ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) وقول رسول الله ( أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة ) فوصف القلب باللين والفؤاد بالرقة
فالأخلاق في الصدر قواد الملك قيام بين عيني الفؤاد والعقل شعاعه يشرق بين عيني الفؤاد ويدبر أمر القلب والنفس في
85
الجوف رابضة في مكان مظانها والهوى بباب النفس يتلهب ويتلظى بين يدي بصيرة النفس فإذا خطرت الخاطرة في الصدر بين عيني الفؤاد نظر العقل فإن رآها حسنة وأمرا رشيدا قدر ودبر ماذا يراد و كم يراد ومتى يراد وإلى متى يراد وإن رآها سيئة وغيا نفاها عن الصدر ففي ه ذا الوقت للنفس منازعة مع القلب وللهوى مع العقل
في هذه الخاطرة النفس تشتهي والهوى يزعج النفس ويشجعها والعدو يزين بمنى ويغري فإذا جاء مدد الأخلاق بطلت زينة العدو وأمانيه وانكشف غروره وارتد الهوى قهقرى إلى معدن مهنته وجاء مدد الكنوز كنوز المعرفة ومد الملك يده إلى جوهر الخزانة فانمحقت الخاطرة وأسبابها ومعتملها وجنودها وطليعة الخاطرة النفس العدو إذا كانت خاطرة غي وإن كان رشدا كانت طليعته الخاطرة الحق فعز هذا الملك ومنعته وقوام مملكته بهذه الكنوز والقواد وكذلك عز القلب ومنعته بكنوز المعرفة بالله تعالى وجواهر العلم بالله تعالى وبهذه الأخلاق التي أحدقت با لقلب بين عيني الفؤاد
86
أصول الأخلاق
فالأخلاق أصولها في الطبع ومادتها من المعرفة والعلم بالله تعالى ومعتملها في الصدر
فالموحدون هذه صفتهم والكفار أخلاقهم أصولها في الطبع ومعتملها في الصدر ومادتها في الفرح بمدح الناس وطلب العلو والشرف والذكر قال الله تعالى ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )
فالمؤمنون تخلقوا بخلق الله تعالى وتواضعوا به لله تعالى وأرادوا به وجه الله وتقربوا به إلى الله تعالى وتحببوا به إلى الله
والكفار تخلقوا بذلك الخلق فتكبروا على الله تعالى فجاوزوا بها الحدود ولم يضعوها مواضعها بحقه وتقربوا إلى الخلق وتحببوا به أهل العلائق وتصنعوا به واتخذوا جاها
والأخلاق لها سلطان فإذا وجد الخلق تفسحا ساح في فسحته فجاوز الحدود في أموره فصار مسرفا مضيعا للحق وقد استمر به الهوى والنفس
والمؤمن يتخلق بذلك الخلق فإذا تفسح الخلق عقله العقل
87
عن المجاوزة ومنعه عن التعدي ولهذا سمي عقلا لأنه عقله عن الجهل ورده إلى العلم الذي علمه الله تعالى وكان الله تعالى أعلم بذلك الأمر كم يراد وإلى متى يراد وبأي مقدار وإلى متى فوكل به العقل حتى يهديه لذلك
ألا ترى إلى قول الله عز وجل حيث سألوا رسول الله كم تنفق من هذا المال الذي حث الله تعالى على إنفاقه وعظم فيه الثواب فنزلت قول الله تعالى ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو )
والعفو هو الفضل أي ما فضل من نفسك وعيالك الذين تعولهم
وقال رسول الله ( ابدأ بمن تعول وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى )
وقال رجل يا رسول الله عندي دينار ما أصنع به قال ( أنفقه على نفسك ) قال عندي آخر قال ( أنفقه على عيالك ووالدتك ) قال عندي آخر قال ( أنفقه في سبيل الله تعالى وذلك أدناهن )
فمن تخلق بالسخاوة فاستمر به طبعه وأعلنته نفسه
88
وملك به هواه وزين له عدوه وذهب فأنفق على أباعده وترك أقاربه وعال من لم تلزمه عيالته وضيع عياله فهذا فعل من أراد بذلك الخلق علوا في الأرض وتصنعا عند الخلق
فالعقل يكشف عن هذا الغيب وما هو أدق من هذا الأسخياء والأجواد
روى سليمان بن الحارث البصري عن أبي هلال الراسبي عن حميد بن هلال قال تفاخر رجلان رجل من بني هاشم ورجل من بني أمية فقال هذا قومي أسخى من قومك وقال ذاك بل قومي أسخى من قومك فقال سل في قومك وأسأل في قومي فافترقا على ذلك فسأل الأموي عشرة من قومه فأعطوه عشرة آلاف وجاء الهاشمي إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فسأله فأعطاه مائة ألف ثم أتى الحسن بن علي رضي الله عنهما فسأله فقال هل أتيت أحدا قبلي قال نعم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما 54 وأعطاني مائة ألف فأعطاه الحسن رضي الله عنه مائة ألف وثلاثين ألفا ثم أت ى الحسين رضي الله عنه فسأله فقال هل أتيت أحدا قبلي قال أخاك الحسن بن علي رضي الله عنهما فأعطاني مائة ألف وثلاثين ألفا فقال لو أتيتني قبل أن تأتيه لأعطيتك اكثر من ذلك ولكن لم أكن لأزيد على سيدي فأعطاه مائة ألف وثلاثين ألفا
89

فهذه سخاوة مستمرة في الطبع والنفس قد منعها العقل فزين هذا العقل من الحسين بن علي رضي الله عنهم
فالكفار كانوا يتفاخرون ويباهي أحدهم صاحبه بالأخلاق وأفعاله ويماري حتى يتعادوا من أجله مكارم الأخلاق
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لما أتانا سبايا طيء تكلمت فيه جارية جميلة نسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سرة قومي كان أبي يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضيف ويشبع الجائع ويف رج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط وأنا ابنة حاتم الطائي
فقال رسول الله ( يا جارية هذه صفة المؤمن حقا لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق )
90

فقام أبو بردة رضي الله عنه فقال يا رسول الله الله يحب مكارم الأخلاق فقال ( يا أبا بردة لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق )
حدثنا الجارود أخبرنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن القاسم قال قال عبد الله تجد الرجل فظا فإذا بحثته وجدت سريرته الإيمان وتجده حلو الخلائق فإذا بحثته لم تجد فيه من الإيمان شيئا ومن شاء الله جمع له حلاوة الدين وحلاوة الخلق الفظاظة ضد الكرم
والفظاظة ضد الكرم فمن كانت له فظاظة غلظ قلبه والكرم لين القلب وانقياده بمنزلة شجر الكرم أينما قدته انقاد ولذلك سمي جنة العنب كرما
وكذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ( أنه قال لا تقولوا للعنب كرما إنما الكرم قلب المؤمن ) وذلك لأنه لان ورطب بالرحمة التي حلت به من الله
91
تعالى وانقاد لعبوديته والكافر كز قاسي القلب يابس كالصخر لأن رحمة الله لم تنله فيبسته حرارة النفس وشهواتها وقواه التجبر والكبر فيبس وكز فإن كان فيه بعض هذه الأخلاق المحمودة فاستعملها فبجوهريته استعمل لا بمعرفة الله تعالى فيجاوز الحدود حتى أفرط وضيع و شان ما حسن منه مثل من يسبح بتسبيح غيره
ومثل من يسبح بتسبيح غيره مثل رجل عجز أن يهدي إلى الملك عل قدر ملكه وغناه فأهدى إليه من طاقته ومقدرته ثم قال له أهديت هذا من ذات يدي وأهديت إليك بقلبي هدية مثلك فعلم الملك أنه صادق في مقالته فاحتسبها منه على قدره وجعل ثوابه على ذلك
فكذلك العبد فيما بينه وبين الله تعالى إذا أثنى عليه فإنما يثني بمبلغ علم ثم علمه العبد أنه عاجز عما وراء ذلك من الثناء إذ هو فوق ما أثنى فيقول لك الحمد كما حمدت نفسك وأنت كما أثنيت ولك التسبيح كما سبحت به نفسك ولك الحمد زنة عرشك ومداد كلماتك ورضا نفسك فهذه المعجزة عن بلوغ هذه
92
الأشياء فجعل مقالته بالقلب كتلك الأشياء التي ذكرت ولا يقدر بلسانه أن يعبر إلا بمبلغ علمه فربما يقبل منه كهيئة ما أحال عليه من حمده وثنائه عليه وكما أحب ورضي لنفسه وإنما أمر العبد بالثناء لعظمته ثم يسأل الحاجة فإذا سأل الحاجة من قبل أن يثني فكأنه لم يعظم الرب ولم يؤد حق العظمة
ولو أن ملكا من ملوك الدنيا رفع الحجاب فيما بينك وبينه وسهل ذلك السبيل إلى نفسه ورفعت الحوائج إليه لكان قد عظم رتبتك ومنزلتك فكيف برب العالمين تعالى أفليس يجب عليك من ذلك الشكر وأول الشكر أن تعظمه باللسان والقلب ثم من بعد ذلك رفع الحجاب مثل النفس مثل الكرش
مثل النفس مثل الكرش الذي فيه مستنقع البول في المثانة إذا دلكته بالأرض حتى يرق ثم نفخت فيه حتى يمتلئ من الريح ثم ألقيت فيه الزئبق فإذا أصابته حرارة طار ذلك الزئبق على وجه الأرض دبيبا فإذا ألقيت فيه مع الزئبق رصاصة أمسكته فكذلك الشهوات في النفس كالزئبق ف ي تلك الجلدة الممتلئة ريحا هفافة فإذا ثقلها الإيمان على القلب سكنت النفس عن الطياشة لأن الإيمان بالرحمة ناله العبد وبرد الرحمة يطفئ نار الشهوة وإثقال العظمة
93
يسكن طياشة النفس كثقل الرصاصة سكن تلك الجلدة وألزقها بالأرض مثل التسبيح والثناء والقرآن مع التقوى
مثل التسبيح والثناء والقرآن مع التقوى كمثل عروس زينت للعرض على الزوج على رؤوس الجمع فمن شأنها أن تقلم أظفارها وتنقي شعرها وصدرها وعنقها ويديها وقدميها من الأوساخ والأدران ثم تتحلى بالحلي وتلبس ألوان الثياب زينة لها فإن لم تفعل ذلك وتركت هذه الأظفار وال درن والأوساخ على جسدها وحليت بالحلي وزينت بالثياب كان ذلك كاللعب وينسب ذلك إلى فعل الجنون والعتاهة فكذلك الذي يتدنس بالمعاصي ويتوسخ بالبطالات ويتزين لربه بالثناء والتسبيح وقراءة القرآن
ألا ترى إلى قول الله عز وجل ( إنما يتقبل الله من المتقين ) فالصادق والحاذق في أمره بدأ فتطهر وأنقى الدرن وأوساخ المعاصي والفضول ثم تحلى بالحلي وتزين بالحلل
94
فذلك فعل لبق فهو حاذق في فعله وإنما وكل الآدمي في أمر دينه برمي الفضول فأمر بنفي الشرك بقوله لا إله إلا الله وأمر باجتناب المحارم الظلم والعدوان والسرقة والزنا والخمر والكذب والغيبة وسائر الآثام فهذا كله فضول ثم أمر بالفرائض ثم السنن ليتحلى بها ثم ب التطوع ليتزين به فإذا لم يرم بالفضول وقصد قصد الزينة فهو مستهزئ بربه يسخر بنفسه مثل قلب يتردد فيه الذكر
مثل قلب يتردد فيه الذكر مثل عين لها نبعان وفيها سمك صغار فكلما توحل كثر تردد السمك فكانت ينابيع 55 ماء تلك العين أنقى وماؤها أسلس وإذا قل السمك انسدت المنابع لما يجتمع هناك من الطين لأن ماء العين وإن كان صافيا فلن يخلو عن غبار عند هبوب الرياح ولن يخلو من ممازجة الأرض فإذا انسدت تلك المنابع لم ينز الماء ولم يسل فكذلك القلب تنسد منابع الحكمة منه لما يجتمع هناك من كدورة النفس وسلطان الهوى وغباره فإنه لكل سلطان جيش وعسكر فإذا سار الجيش هاج الغبار فالهواء إذا أقبل قبل النفس أثار الشهوات فوقع في النفس هبوب رياح الشهوات فصار هناك غبار ودخان وغيم على قدر كل
95
شهوة فرب شهوة لها غيم ورب شهوة لها غبار ورب شهوة لها دخان فإذا جاءت هذه الرياح بغبارها وغيومها ودخانها انسدت ينابيع حكمة القلب لأن الحكمة منبعها من الصدق الذي هو صدق الصدق فالذي يظهر من العباد من باطن إلى ظاهر هو الصدق وصدق الصدق هو من باطن إلى باطن إنما يظهر من باطن القلب إلى ظاهر الصدر حتى تبصره بصائر النفس فمن ذلك الصدق تبدو الحكمة العليا الحكمة العليا
قال له قائل وما الحكمة العليا قال تلك حكمة الحكمة ولكل علم حكمة فكما أن العلم علمان فكذلك الحكمة حكمتان فإنما صار العلم علمين لأن علم الصفات غير علم التدبير ولكل علم حكمة فحكمة علم الصفات علم القدرة وحكمة علم التدبير علم ملك الملك وعلم الربوبية فقلب ال مؤمن خزانة الله فيها كنوز والكنز على خطر الغارة
قال له قائل وما هذا وما الكنوز الكنوز
قال إن الله تعالى أعطى الموحدين معرفته حتى وجدوه وعرفوه فالمعرفة كصرة فيها ألوان جواهر ثمينة من الدر والياقوت والزبرجد كل جوهرة ثمنها ملء الدنيا ذهبا وفضة فهذه الأشياء كلها
96
في صرة فمن تناولها فقيل له هذه لك فكم ترى ثمنها قال مائة درهم فإذا فتحها فأبصرها ازداد بها بصرا وذلك بصر العين قيل له كم ترى ثمنها قال ألف فلما أبصر بصر العلم بجوهر تلك الجواهر عجز عن الإحاطة بعلم ثمنها وقال كل واحد خير من ملء الدنيا ذهبا وفضة فعند ذلك أشفق على الصرة كل الإشفاق في إحرازها وحراستها وحفظها وإقامة الموكلين بحفظها وعندها ظهر غناه بقلبه بتلك الأشياء ومنها ظهر غنى جسده بشارته وهيئته ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه
فالمعرفة متضمنة لأسماء الله تعالى وعلم صفات القدرة فكل شعبة من ذلك العلم تملأ ما بين العرش إلى الثرى ويزيد ويفضل وكل اسم للعبد به متعلق وله إليه مستند وعليه معتمد ووسيلة يتوسل بها إلى ربه وكل اسم له شفيع إلى ربه فهذه صرة مكنونة تملأ الدنيا والآخرة وتمل أ الملكوت فوق العرش نال الموحدون هذا من جود الله وعظيم رأفته وواسع رحمته حب الله تعالى
ورأس هذا الجوهر حب الله تعالى والفرح به فإن الله تعالى لم يعطه ذلك حتى أحبه وفرح به فابتدأ خلقته من باب الفرح به فمن لقي الله قبل أن يفتح هذه الصرة ولم ينكشف له الغطاء لقيه
97
على غفلة عظيمة وكفران نعمة وضياع شكر وتهافت في الذنوب فعظم حياؤه واشتد خوفه واستقبلته أهوال القيامة وعسرة الحساب
ومن انفتحت صرته وكشف له الغطاء لقي الله على بصيرة شاكرا مؤمنا موقنا باذلا نفسه قد وفى بالعهد وأتى بالإسلام وحقائقه فقرب وأدني وأومن
فمع كل واحد صرة توحيد قد عقد عليها حياة قلبه فإن أصل الحياة في القلب والذهن مقرون بالحياة فقد عقد بحرارة حياته وحدة ذهنه على الصرة وهي المعرفة وحب الله تعالى فيها مكنون وكتاب رب العالمين فيها مكتوب وذلك قوله تعالى ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان )
قال له قائل وما ذلك الكتاب
قال إنه لما وقعت جبايته في البدو يوم المقادير على تلك القلوب قبض عليها وقال أنتم لي فصارت هذه المقالة في القبضة كتابه فاطمأنوا إليه وآمنوا به وتعلقوا به فذلك إيمانهم صار هناك مكتوبا يومئذ فلما أخرجهم من بطون الأمهات إلى الدنيا أشرق في القلوب منهم نور ا لمعرفة من الحب والرأفة والرحمة والحياء
98
وعلم الصفات وعلم الأسماء فهي مكتوبة لا يكاد صاحبها يميز ولا يعبر عنها فإذا عقل واستعمل عقله وتبحر ظهرت الأنوار في الصدر وانكشف الغطاء وحيي القلب وعمل بذكاوة الحياء فجددته وعمل بحلاوة الحب فأخذ بمجامع قلبه وسبته حتى صار أسير الحب وعملت أثقال الرأفة ف ضغطت القلب وعصرته وعملت أمطار الرحمة فلينت القلب وسكنت شعوثته واغتراره وعملت أنفة الحياء فقبضته وفترته وعمل الجود فيه فوسعه وأعتقه من رق النفس
فهذه معرفة قد انكشفت الصرة عما فيها من هذه الأسماء التي وصفتها فاستقام القلب بما أبصر فؤاده في هذا الصدر من هذه الأسماء فاستعمل بالمعروف الموصوف فلها عن كل شيء سواه فأحبه صدقا وخافه صدقا ورجاه صدقا واستحيا منه صدقا ورعى حقوقه من تلك الرأفة صدقا فما ظنك به ماذا يظهر على جوارحه من الأعمال السنية تغطية الشهوات
وآخر وضعت فيه هذه المعرفة فجاءت الشهوات فغطتها ولم يستعمل صاحبها العقل ولم يتبحر في ذلك فاستعمل الشهوات
99
فتراكمت على صدره غيومها وغبارها ودخانها فكل شهوة استعملها من حلها وللنفس نصيب الإكباب صارت غيوما وكل شهوة استعملها من حلها وللنفس فيها نصيب الغفلة فاستعمل القلب ذلك في غفلة عن الله صار غبارا في الصدر وكل شهوة استعملها بحرص وهلع وتخليط صار دخانا وكل شهوة استعملها من غير حلها صارت ظلمة كالليل فبقيت هذه المعرفة في القلب والصدر متراكمة هذه الأشياء فيه ولم تجد المعرفة مساغا إلى أن تشرق بما فيها من باب القلب إلى الصدر حتى تبصر عين الفؤاد ذلك فتقوى وتستقيم وتستمر في العبودية فصار القلب بكنوزه كالمسجون الذ ليل وصاحبه 56 فقير محزون لأن غناه بحطام الدنيا وحزنه بما يفوت من الدنيا فلا يناله ويحرص ويكد ويتعب فلا يدرك مناه والعدو منه بمرصد ينتظر متى يجد فرصة الإغارة على هذا الكنز أصحاب هذه الصفة صنفان
فأصحاب هذه الصفة صنفين فمنهم من أحاط بقلبه عسكر أعمال البر فهو يعمل دائما أعمال البر وهو في خلال ذلك يرائي بعمله ويتصنع بشمائله ويستلذ بخلائقه ويباهي في أمور الله يزل مرة ويثبت أخرى تراه مرة مستقيما ومرة مترديا
100
في آبار المعاصي واسمه في المستورين القرائين المعدلين عند الخلق في الظاهر فهذا العسكر المحيط بقلبه له عند الله قدر يستجلب منه الرحمة لصاحبه حتى لا ينقطع حبله فعامل عسكره التعبد وعامل عسكره التزهد وعامل عسكره التورع فقد صاروا أصنافا من هذا الصنف الوا حد وكلهم يرجعون إلى تحري الصدق وهم في غطاء وغفلة عظيمة عن الله تعالى فقد حرموا حلاوة التوحيد ولذاذة المعرفة ونزاهة علم المعرفة إنما يذوقون حلاوة أعمالهم من التعبد والتزهد والتورع فإذا وجدوا تلك الحلاوة حسبوا أن هذه الحلاوة والعبادة والزهد والورع إنما هي حلاوة أعمالهم تلتذ نفوسهم بها وتبطر وتأشر وتفرح بها وتطمئن إليها وتتكل عليها فإن لم يتداركهم الله برحمته ويحفظ ذلك عليهم ضربهم العجب وكبر النفس بالغطسة فرضت رؤوسهم رضا وصاروا كمن يضرب اللبن في الماء إذا نصبوا للسؤال يوم الموقف وقبول صدقهم بشكرهم
ومن تراخت به نفسه عن الصدق وخدعته نفسه بأمانيها فنالت به التودع إلى راحات الدنيا ولذاتها ونزهتها فاستعملت الشهوات وتوسعت فيها أبصر العدو من مرصده ذلك منه فعظم
101
طمعه فيه واستعد له بأسلحته فهيج منه الكبر والكبرياء وأثار الشهوات منه حتى اشتعل حريقها وحرها وأشخص آماله واستعد للحيلة عليه بنفسه فإذا وجد صدره مشحونا بهذه الأشياء التي هي أسلحته وتلك جنود الهوى حمل حملة واحدة فلما رأت الجنود التي في صدره أن سيدهم قد أقبل ثاروا من معادنهم واصطفوا بين يديه في صدر العبيد وتداعت منازل الشهوات بعضها بعضا فإذا رأى القلب حملة العدو وسلطان تلك الجنود وعلى مقدمته جيش الهوى انهزم وتخلى عن الباب فوقعت الغارة في الكنوز كنوز المعرفة حتى تركت القلب خاليا من الكنوز وبقيت المعرف ة خالية كمعلقة بأدق من الشعرة فبقي القلب متحيرا يتذبذب وقد افتقد العلم والحياء والخشية والخوف والحب وجاء الهوى وشهوات النفس فسكنوا القلب وأحاطوا بالمعرفة فدقت قوة المعرفة حتى تورده النار معه فذهبت قوة المعرفة وصارت كالمعلقة بشعرة وصار الصدر مملكة الهوى و رجع العدو فظهر على الجوارح من الحرص جمع الدنيا ومن الكبر إبطال الحقوق وظلم العباد ومن الشهوات رفض العبودية ونبذ العهد ونقض الميثاق وجاءت أعمال الفسق والفجور وخبث السريرة وحسن العلانية والنفاق وسكر العقل وولاية الهوى وإمرته وانكمن العقل وانسد الفهم
102
وحمق الذهن وانطبق الحفظ واندفن العلم وذابت المعرفة وفاض جهلا وامتلأ كذبا وخيانة وذهب الوفاء وطارت الأمانة وظهر الاستبداد وعلاه الكبر وأحاط به التجبر وامتلأت الأرض والسماء فضائح وقبائح وهو في حلم الله والعدو بمرصد ينتظر حتى يحل به سخط الله تعالى فيح مل حمله بكفر فيورده حتى يمتد ويضبط فإذا حل به السخط رفعت المعرفة وانقطع الحبل وسباه العدو وصير إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون مثل المعرفة مثل قطب الرحا
مثل المعرفة مثل قطب الرحا فالرحا تدور بالماء والقطب على حسب قوة الماء وكثرته وانحداره من مصبه يدور القطب بالرحا وقوة القطب في عمود من أسفله إلى أعلاه وقوة العمود في أجنحة فإذا انحدر الماء دفع الأجنحة فأدارها فدار القطب فأدار الرحا فكذلك القلب فالقلب رح ا وقطبه العلم والمعرفة هو الماء المنصب في حدوره فإذا لم يكن للمعرفة أجنجة لم ينفعه الماء ولا القطب
103
فالعلم هو حمله والمعرفة ذوات شعب فمن عرف الله فلمعرفته شعب فعلامة الشعب أن يقوم بتلك الشعب فهذه قطبه قد استقامت شعبه فاستدار وإذا كان القطب قد انتثرت أجنحته جرى الماء على عمود فلم يغن شيئا ولم يدر القطب ولا الرحا فذهبت منفعته فعلى قدر ما تناثر من أ جنحة القطب ذهبت قوة الرحا فما أغنت عنه كثرة الماء
كذلك العلم هو على القلب حمله والمعرفة ذات شعب فتلك الشعب تهيج الشعبة استعمالها حتى يقوى القلب ويدور برحاه حتى يخرج منه الأعمال الطاهرة النقية فيرمي بها إلى الجوارح فذلك الدقيق
قال له قائل وما تلك الشعب
قال الخوف والخشية والحب والحياء والفرح والهيبة والأنس والوداد والرغبة والرهبة والتقوى فهذه كلها شعب المعرفة كأجنحة القطب للرحا فإذا حيي القلب بالله صار عالما بالله فإذا رأت تلك الحياة شعب المعرفة وأهاجت منك الخوف والخشية والحب والحياء والفرح والوداد وا لهيبة والأنس والرغبة والرهبة والتقوى ويظهر في الجوارح صدق ما هاج منك في الباطن من أداء الفرائض واجتناب المحارم والقيام بحقوق الله تعالى دق أو جل والصفاء في الصدق والإخلاص في هذه الأمور التي ظهرت على الجوارح فبقدر ما افتقدت من هذه
104
الشعب تفتقد القوة من نفسك في هيجان هذه الأشياء في باطنك ويظهر النقص في ظاهر أعمالك من القيام بأداء الفرائض واجتناب المحارم وإقامة الحقوق والصفاء والإخلاص والصدق في الأمور كما كان فكلما تناثر من أجنحة القطب لم تغن له كثرة الماء وقوة انحداره في مصبه شيئا
فصاحب الرحا قائم على الرحا يحفظ أجنحة القطب هل تناثر منها شيء وكلما تناثر منها شيء وبطلت زيادة الماء ذهب قوة هيجان الأجنحة مثل من استعمل عقله وذهنه في أمور الدنيا
مثل من استعمل عقله وعلمه وذهنه وكياسته وروحه في أمور الدنيا لغير الله كمثل حمار تنقل عليه سرقينا من المزابل فما زلت تكده في ذلك العمل حتى إذا كان في آخر النهار حولت عليه سرجا وابتغيت منه هملجة وسيرا فكيف تجدها منه وقد ذهب الكدود والعمل بكثافة قوته وحدة مقاصده ونال الفتور منه كل شيء
105

فكذلك هذا العلم والعقل والذهن والكياسة والفهم والفطنة والروح لكل حد وسلطان وقوة تعمل في هذا الجسد فإذا استعملهم في أمور الدنيا التي لا تصعد إلى الله تعالى من باب السماء انفتر منه كل شيء على حدته وذهبت قوته وظهر العجز مثل الذي يختلف إلى مجالس العلم
مثل الذي يختلف إلى مجالس أهل العلم كمثل رجل دخل السوق ولا يدري ما يشتري فما استقبله من شيء رجا فيه الربح اشترى فكم من شيء اشتراه فخسر عليه ولم ينل أمله
وآخر دخل السوق يشتري منافعه فقيل له ما تريد قال متاعا فقيل له أي متاع تريد فإن ها هنا ألوان الأمتعة من القطن والكتان والإبريسم وها هنا أمتعة الذهب والفضة والصفر والنحاس والحديد فلم يدر ما يشتري فدخل من أعلاها وخرج من أسفلها صفر اليدين
وآخر دخل السوق لحوائجه قد رأى ما يشتري فقصد الحوائج فاشترى في الصيف ما يحتاج إليه في الشتاء وترك ما
106
يحتاج إليه في يومه وليلته فرجع إلى المنزل معه حوائج الشتاء فبات جائعا بائسا
ودخل آخر السوق قد لزت به الحاجة وألحت يعملون الطاعات على طريق الثواب والعقاب
ومثلهم في ذلك كالذي يخوض النهر فما جرى به الماء فوجده على ظهر الماء أخذه مثل البردي والحطب وأصول الأشاء والقثاء وليس لهم غوص وأهل الانتباه يعملون الطاعات على طريق العبودية عارفين موقنين مثل الذي يغوص في البحر والأنهار
ومثلهم في ذلك كالذي يغوص في البحر والأنهار فيضرب بيده ضربة يقع فيها على جوهرة لا يحاط بثمنها فأولئك الأولون يجمعون حركات الجوارح بتلك الطاعة فليس لهم من ذلك إلا عملهم الظاهر وعليه يثابون الجنة وهؤلاء المنتبهون يدخلون في الطاعة بحركات الجوارح وفي قلوبهم عجائب تعجب لهم الملائكة إذا رفعت تلك الطاعات وفي حشوها تلك الأنوار فأهل الغفلة حشو طاعاتهم التوحيد ونور الصدق وهؤلاء الآخرون حشو طاعاتهم نور
107
الحب والحياء والشوق والحنين والتضرع والملق والحزن والسرور والبهجة والشكر والذكر الصافي والإقبال والإنابة والخضوع والخشوع والتسليم والتبري من الحول والقوة هؤلاء غواصون يغوصون في كل طاعة في بحور المعرفة في صدورهم في الطاعات من هذه الأشياء ويستخرجون م نها الدرر والجواهر لأن القلوب خزائن الله فيها كنوزه فإذا طهر العبد ساحة الخزانة وهو الصدر ظهرت في تلك الساحة من باب الخزائن في وقت كل طاعة يدخل فيها لا توصف من الجواهر والدرر
والطاعات ذوات صور وكل طاعة لها صورة وفي كل صورة يرائي نعمها فيرائي بها ربه ويتزين عنده بتلك الصورة وما فيها من الجواهر التي ذكرنا مثل المتعرف إليك باختلافه إليك
مثل مضروب رجل تعرف إليك باختلافه إليك وذهابه وجيئته وعوده على بدئه عرفكه فحل في قلبك محل المعروفين بالوجه ثم مع هذا الاختلاف من بعد ذلك تعرف إليك بالسلام عليك والسؤال عن أحوالك ومهماتك صدقا فتعرف إليك بالاهتمام فحل من
108
قلبك محل المهتمين لك المبالين بك وبأمورك ثم أبدى صدق ذلك السؤال فعلا حتى شاركك في محبوبك ومكروهك ففرح بمفروحك وسر بمسرورك وحزن لمصائبك وتوجع بفجائعك فتعرف إليك بالإخلاص حتى حل من قلبك محل المخلصين ثم تخطى من هذه الدرجة إلى أن فداك بنفسه وماله فبذل عند الشدائد نفسه وفي ذلك لا يبالي ما ناله في نفسه وماله من النقصان والمكروه في جنبك فأعطاك كله فحل من قلبك محلا أحببته كل الحب وصار واحدك من بين الناس وصرت له واحدا فأفشيت أسرارك بين يديه وأطلقت يده في مملكتك وأنفذت أمانيه وحكمه في أمورك فعامل الله بما ي عاملك عبد من عبيده بهذه الصفة مثل الحب من بين الأشياء
مثل الحب بين الأشياء كمثل شجرة لها قلب وأغصان فالقلب من الساق والأغصان فروع الشجرة منها الثمرة ولكن أصل الثمرة من القلب فالمعرفة هي الشجرة والحب هو قلب المعرفة والخوف والرجاء والحياء والخشية والرضا والقناعة وسائر الأشياء أغصانها ومنها تتولد الثمرة وهي الطاعات وإنما جاد عليك ربك بالمعرفة فمن بها عليك بعد أن قسم لك حظا من معرفته
109
محبته وأخرج إليك محبته من باب الرأفة والرحمة فنلت حظا من المحبة والرأفة والرحمة حتى ظفرت بالمعرفة فلما عرفته خفته ورجوته وخشيته ورهبته واطمأننت إليه واعتقدت بقلبك عبوديته وتسليمك نفسك إليه في أمر ونهيه هذا كله في عقدة المعرفة وهي كالأغصان من الشجرة فإنما أعطيت الشجرة بأغصانها والثمرة من بعد ذلك كسبك الطاعة الحب سر الله في العباد
فالحب سر الله تعالى في العباد يفتح لهم من ذلك على أقدارهم بمشيئته بما سبق لهم من الأقدار منه وهو قوله تبارك وتعالى ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ) مبعدون أي عن النار ثم لا يسمعون حسيسها كأنه أجازهم الصراط وهم لا يشعرون بها
فالحب سر في الإيمان والإيمان بارز ظاهر وهو قوله تعالى ( واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون )
110

فالله تعالى عرف نفسه أهل منته بالمنة وخوفهم من عظمته ورجاهم من كرمه وأخشاهم من ربوبيته فنالوا هذه الأشياء من المعرفة المشحونة بهذه الأشياء
وأما الحب فإنهم نالوا حبهم له من حبه لهم الفرح بتوبة العبد
كان بدء أمرهم من حبه لهم والفرح بهم ألا ترى إلى قول رسول الله ( لله أفرح بتوبة العبد من فرح رجل أضل راحلته في مفازة مهلكة عليها زاده وحمولته فهو يضرب يمينا وشمالا في طلبها حتى أيس منها وأشرف على الهلكة فقال في نفسه أرجع إلى حيث افتقدته فأموت هناك فرجع فوجد بعيره عليه زاده وحمولته فجعل يهلك من الفرح فيقول لله تعالى أنت ربي وأنا عبدك ثلاثا ) قالوا يا رسول الله هل بهذا فرحا فقال رسول الله ( والذي نفسي بيده لله أفرح بتوبة العبد من هذا ببعيره )
فبدء شأن المؤمن فرح الله به وحبه له من ها هنا خرج وظهر
111
أمره في البدء فهذا سر الله فيما بينه وبين عبده وضعه في باطن معرفته فهو يحبه ويخافه ويرجوه ويخشاه فهذا كله نظام واحد عند العامة ولكن خاصة الناس لما اختصهم بالرحمة التي اختص بها الموحدين حتى نالوا توحيده ثم أولج الخاصة بباب الرحمة حتى دخلوها فوصلوا إ لى الرحمة العظمى التي خرجت منها هذه المائة الرحمة التي كتبها على نفسه لعباده وفي تلك الرحمة حبه فلما دخلوها ووصلوا إلى تلك الرحمة العظيمة غرقوا فيها وفيها حبه ومشيئته ففتح لهم باب المشيئة وأنالهم من حبه فلما فتح لهم باب حبه علقت قلوبهم وولهت قلوبهم عن كل شيء سواه وتشبثت النفس بتلك الحلاوة التي نالت فعندها انقطعت الأسباب والعلائق وتطهروا من أدناسها بوصولهم إلى مقامهم في القرب فلما تطهروا تقدسوا بقدس قربة القدوس فلما تقدسوا خلصوا إلى فردانيته فانفردوا به فعندها جاز لهم أن يقولوا يا واحدي فإذا قال صدق وأجي ب وكان من أهل القبضة المفردون
أولئك الذين وصفهم رسول الله في
112
قوله ( سيروا سبق المفردون ) قالوا يا رسول الله ما المفردون قال ( الذين أهتروا في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا )
فالخوف أن تخافه من عظمته والرجاء أن ترجوه من رحمته والخشية أن تخشاه من مهابته والحب هو أحبك فأعطاك من حبه لك حتى أحببته فهذا مباين للخوف والرجاء والخشية في الأصل فالخوف والرجاء والخشية هاج من نفسك لعظمته والحب منه بدا فوضع فيك حتى هاج له حب الرجاء من ذ لك الوضع فيك والذي وضع فيك من الحب سر منظوم في نور المعرفة ونور التوحيد ونور التوحيد كشيء في شيء فالمعرفة ظاهرة والحب فيها باطن كلب الشيء ولذلك قلنا إنه من الشجرة بمنزلة قلب الشجرة فعظم قوة الشجرة من قلب الشجرة فمن اختص من العباد فتح عليه باب حبه حتى هاج ما في قلبه يسمو إلى الذي عند ربه فلا يزال قلبه في السير وحب الله في مزيد وهيج العبد في مزيد حى يصير العبد هائما به فكما كان هذا في الأصل يسر فحقيق على العبد أن
113
يسر ذلك فيما بينه وبين ربه ولا يبديه حتى يكون ذلك مصونا فيما بينه وبينه ويجتهد ألا يشتهر فينسب إلى ذلك فيقتضى غدا صدق ذلك وحقائقه ووفارته فيستحي من ذلك
ألا ترى إلى أصحاب رسول الله لما ذكروا منة الله عليهم بالإسلام طابت نفوسهم فقالوا إنا لنحب ربنا فلو علمنا ماذا يحب لأتينا محبوبه فابتلوا بهذه الكلمة فأنزل الله عز وجل ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم )
وامتحن دعوتهم لمحبتهم إياه بقوله ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص )
فاقتضاهم قتالا بهذه الصفة من الثبات ليبرز حقائق حبهم فلما خرجوا إلى القتال فمنهم من وفى بذلك ومنهم من لم يف بذلك فأنزل الله تعالى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون )
114

وروي عن رسول الله ( أنه قال إذا قال العبد اغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ضحك الرب من قول العبد ) مثل رجل له عبد رباه بين يديه
فمثل ذلك كمثل رجل له عبد تليد رباه بين يديه وله عليه رأفة الأمومة وعطف الأبوة فهو يحب أن يكون بين يديه لا يبرح حتى يكون في رعايته وكلاءته وهذا العبد يجول ويتردد فإذا خرج من المأمن نالته نكبة من عثرة إذا اشتد في سعيه فردده وربما شاكته شوكة وربما خدشته ا لسباع بالبراثن والأنياب والسيد قد حذره ذلك فإذا لم يأخذ حذره نالته هذه الأشياء ففزع إلى الأدوية والمراهم يداوي نكباته وفزع إلى منقاش ينزع شوكته فهو يتردد في طلب هذه الأشياء للتداوي بها وهذا كله موجود عند سيده وهو أعلم بدائه وأرفق بمداواته وألطف فيتركه ال سيد في التردد حتى يعيا ويعجز ويأيس فإذا أيس من هذه الأشياء فزع إلى سيده طالبا من عنده دواءه وعلاجه فإذا صار إلى سيده بتلك الحال ضحك منه كأنه يقول جئتني بعدما اقتدرت وترددت في الاقتدار كالمستغني بما
115
عندك فلما عجزت وأيست جئتني شئت أو أبيت وسيده جواد كريم حسن الخلق واسع الصدر وليس بكز ولا لئيم فيضحك إلى عبده بجهله وقلته وضعفه وعجزه وفقره
فكذلك العبد أمره ربه أن يكون واقفا بين يديه مراقبا لمشيئاته فيه ساعيا في أمره يسعى العبد خائفا لمساخطه معظما لأموره شاكرا لأنعمه عارفا لمنته عالما بإحسانه لاحظا إلى فضله واثقا بما تكفل له من رزقه فذهب العبد فبرح من المقام وأعرض عن المراقبة وأقبل على نه مات نفسه حتى ضيع أمره وذهب في مساخطه كالدابة الحرون الجموح حرن على ربه في جميع أمره ونهيه فاستخف بحقه واستهان بأمره وعظم نفسه وتكبر بأحواله وكفر بنعمه وأنكر منته وجهل إحسانه وعمي عن فضله وتذبذب عقله في شأن ما تكفل له به ثم ذهب 59 يتردد في الصلاة والصوم و الصدقة والحج والجهاد وأنواع أعمال البر يريد أن يأخذ نفسه من ربه وينجيها من عذابه بهذه الأشياء فأي خائب أخيب من هذا حيث يعمل مثل هذه الأشياء فلا يكون مفزعه إلى رحمته وافتقاره إلى مغفرته فهذا أحمق جاهل بربه أخاف أن يكله الله إلى عمله حتى يفضحه على رؤوس الأ شهاد
116

وقد قال رسول الله فيما روي عنه ( أن ليس أحد منكم ينجيه عمله ) قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته )
والعاقل المنتبه عقل هذا الباب فعمل جميع أعمال البر ورمى بها خلف ظهره ولسانه لا يفتر عن الدعاء والنداء عند التضرع وعينا قلبه شاخصتان إلى الله تعالى يغسله بماء الرحمة فيصلح حينئذ للمغفرة فعندها إذا قال اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ضحك الرب تبارك و تعالى اسمه كأنه يقول عبدي كان بين يدي فترك المقام فأذنب ثم ندم فجال وتردد فلم يجد عند أحد فرجا فأيس من الجميع ثم عاد إلي علم أنه لا يقدر أن يداويه من هذا إلا أنا لأني لم أجعل المغفرة بيد غيري وإذا ضحك إلى عبده لم يحاسبه
وروي عن رسول الله أنه قال ( أفضل الشهداء عند الله تعالى الذين يلقون في الصف ولا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف الأعلى من الجنة
117
يضحك إليهم الرب ) إن الرب إذا ضحك إلى قوم فلا حساب عليهم والمغفرة حجاب الرحمة فإذا ستر ذنب عبد وتخطى بذلك الستر فقد نجا من العذاب لأن الرأفة قد استكملت والعرض والحساب باق على العبد فإذا ضحك الله اليه نجا من العرض والحساب لأن الضحك من الجود فإذا است عمل على العبد جوده نجا وكأنه لم يذنب مثل الهوى في الآدمي
ومثل الهوى في الآدمي كالسحاب المطبق على الأرض كلها قد أحاط بالأفق ومن وراء السحاب شمس فإذا انكسفت الشمس صار النهار كالليل فإذا انجلت عن الكسوف في سحاب فذاك نهار مقيم ذو غبار وغيم فإذا انقشع منها مثل روزنة حتى بدا منها بمقدار ذلك فأشرق نورها في الأرض أض اءت الأرض كلها بقدر ما أشرق في تلك الروزنة فلا تزال تتقشع وتتسع تلك الروزنة حتى تتقشع كلها وتفضي في جميع نواحي الأفق فتصير السماء مصحية والشمس بارزة مشرقة بكمالها على جميع الأرض في التل والجبل فالأوادية والأمصار والقرى والبيوتات والكوى فبقدر ما ينقشع
118
السحاب تشرق الأرض بنورها ثم بقدر ما يبقى فإشراقها منكمن وهي محتجبة بذلك الباقي من الغنم فكذلك الهوى في الآدمي مطبق على الفؤاد في الصدر والنور في القلب كالشمس المنكمنة في السحاب فلا ينتفع بحرها وإشراقها وإذا غره العدو حتى أشرك بالله فقد انكشفت شمسه وصارت معرفته في كفره والكفر الغطاء فصار صدره كالليل المظلم وهو عالم بأن الله خالقه ورازقه ومميته ومالكه والعلم المنكمن في تلك الظلمة لا مستنير لعيني فؤاده وهو يقول ربي الله ثم لا يستقيم قال الله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن الع زيز العليم )
ومن يدبر الأمور ومن يرزقك ومن يملك السمع والأبصار ومن بيده ملكوت كل شيء فسيقولن الله ثم أشركوا به قال الله تعالى لنبيه قل ( أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال )
وإنما حملهم على الشرك الهوى لأن الهوى يطلب الضر والنفع والتجأ من أجل المضرة والمنفعة إلى الأوثان وذلك قوله
119
تعالى ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )
وقال ( أم اتخذوا من دونه شفعاء )
وقال ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا )
فإذا من الله على عبد فتح روزنة من هذا الهواء المطبق بالنور الذي لاقى هذا الطبق فخرقه وخلص إلى قلبه إشراقه فقد خرجت شمسه من الكسوف وأشرق الصدر بنور الله فاستقر القلب وأمن
فهذا عبد ممنون عليه بالإيمان حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه والذي لم يمن عليه بذلك فقلبه في غلاف وذلك الغلاف هو الهوى المطبق وذلك قوله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) أي على بصر فؤاده غشاوة وتلك الغشاوة هو الهوى ( فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون )
120

وذلك قوله عز وجل ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) وهو الغطاء وذلك الهوى فإذا من الله عليه بهذا النور خرق ذلك الهوى فاستقر إشراقه في مكان الهوى ورحل الهوى عن موضعه فولج ذلك الإشراق في الصدر فأضاء واستنار فزكا
وقال الله تعالى ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) أي دس تلك الروزنة بظلمة الهوى وظلمة الشرك فالخائب خاب عن الحظ لأنه غاب يوم القسمة عن المقسم يوم المقادير قبل خلق السموات والأرض والعرش والكرسي واللوح فلم يحتظ من ذلك النور غاب وخاب وذلك قوله تعالى ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور )
وقال لمن شهد المقسم يوم المقادير ( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس )
وقال ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه )
121

فهذا عبد قد من الله عليه حتى فتح من هذا الهوى المطبق روزنته حتى أشرق فيها نور المعرفة في الصدر فوجد ربه واستقام له وذلك قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الآخرون مثل العنكبوت
والآخرون قالوا ( ربنا الله ) لما وضع فيهم من العلم به ثم زاغوا وقالوا بأفواههم طلبا للمنافع وهربا من المضار فلم يستقيموا واتخذوا من دونه أولياء يحتلبونهم ويستدرون منافعهم منهم ويستظهرون بهم ويتخذونهم من دون الله وليجة يأمنون في تلك الوليجة فمثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ولا يستر ولا يدفع حرا ولا بردا ولا يأتي بخير ما في خطبة له
وروي عن رسول الله أنه قال في خطبته ( إن الله يقول جعلت عبادي كلهم حنفاء فأمرتهم ألا يشركوا بي شيئا فأتتهم الشياطين فأحالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي
122

فهؤلاء صنف لم يمن الله عليهم بنور الهداية ومن هداه حبب إليه الإيمان بحبه وزينه في قلبه بالعقل الذي هدى إليه فثبت على التوحيد ووفى بلا إله إلا الله ثم اقتضاه الطاعة في الأمر والنهي
فكلما وفى العبد بهذه الطاعة في جميع متقلبه ووقع عليه الجهد والتعب واجتهد واحتمل التعب كان إنما يعمل في اتساع هذه الروزنة وانقشاع هذا الهوى فلا يزال يوسعها حتى تغيب في نواحي صدره إلى جوفه فيبقى هناك مسجونا فيموت في الغم غم الجوف لأنه لما جاءه النور الأو ل حتى خرق تلك الروزنة كان ذلك من المنة فقبل أمر الله في أن يطيعه في كل أموره كهيئة العبيد فيعبده بالطاعة فابتلاه بالأمر والنهي لينظر كيف وفاؤه بما أمر وقبل فكلما أطاع في أمر أمد من ذلك النور فلا يزال في مزيد من المدد فكلما صعد إلى الله منه طاعة أمده الله بمدد من ذلك النور فإذا جاء النور الزائد وقع على الهوى فرحله عن مكانه واستقر في موضعه فلا يزال هذا دأب العبد في الطاعة وشأن الله تعالى في المزيد حتى يطبق الصدر بالنور ويغيب الهوى كله من نواحي الصدر إلى الجوف لأن الهوى مظلم فإذا جاء مدد النور ومزيده أشرق ذلك المكان وغابت ظلمة الهوى حتى يمتلئ الصدر نورا كما كان ممتلئا من الهوى وتشرق الشمس بكاملها من قلبه في صدره فإذا لاحظ بنور تلك الشمس ملك العظمة سبى قلبه حب الله وإذا
123
لاحظ ملك الجلال أحاطت به الخشية ولزمه الخوف ووقفه مكان الهيبة فعلى المحبة قرار القلب في الباطن والهيبة غشاء الحب حتى لا يضطرب القلب وتسكن هشاشة النفس في تلك الهيبة وتصديق ما قلنا في شأن المدد في قول الله تعالى ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقوا هم )
فكلما عمل العبد طاعة فإنما يعملها من الاهتداء فيزيده الله هدى أي نورا يورثه التقوى ولا تكون التقوى إلا من الخوف والخشية السلام للأمة من إبراهيم
وقول إبراهيم لمحمد ليلة أسري به فلقيه في السماء السابعة فقال له أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم بأن الجنة قيعان طيبة التربة عذبة الماء وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مثل رجل غرس غرسا
فمثل ذلك كمثل رجل غرس غرسا في بستانه وكان بذره ألوانا
124
من الرياحين ألوانا ومن الثمار ألوانا فنبت على هيئة ما بذر فكذلك بذر التسيبح غير بذر الحمد ولكل كلمة بذر سوى بذر الأخرى فمنبته من بذره وكل بذر له جوهر وطعم وريح وثمرة فكذلك هذه الكلمات لكل كلمة جوهر وطعم وثمرة فجوهر سبحان الله الطهر والنزاهة وطعمه ا لسعة والغنى وريحه الروح وثمرته التقوى
وجوهر الحمد الحب وطعمه الحنين والشوق والحلاوة وريحه الفرح وثمرته نفاذ مشيئته في الحكم والقسم
وجوهر التهليل الوله بآلهيته وطعمه الامتلاء والغنى وريحه البصر وثمرته الحرية والخروج من الرق والاعتزاز بالله
وجوهر التكبير الكبر والاحتشاء وطعمه السماحة والنزاهة وثمرته القوة في أمر الله تعالى فإذا بذر نبت هناك على تراب وقد خرج ذلك التراب من الرضوان فأرضه لبقة والماء من الحياة والرحمة والبذر من الصفات فما ظنك بنبات أصله من الرضوان والحياة والصفات كيف تكون تلك الرياحين وتلك الثمار فكل يكون نبته وثمرته على قدر ما خرجت منه الكلمة يقينا ومعرفة وعلما وهو
125
قوله تعالى ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا )
فحسن الكلمة من حسن الخروج منه وحسن الخروج منه على هذه المعادن بحسن المعرفة والعلم واليقين والعقل فعلى حسب ذلك يزاد له في الجنة حسن المساكن والأزواج والكسوة والثمار والبساتين والأفراح والوجوه والأجساد والخدم فقسم الله تعالى حسن الجنة في الدرجات على قدر حسن أعمالهم وعبوديتهم فبالعلم والمعرفة والعقل تحسن الأشياء من الأفعال والأقوال وبالنفس تطيب وتثبت وتدوم مثل القلب والنفس
مثل القلب والنفس مثل أمير ولي بلدة وولي بندرتها آخر فالأمير يصلي بالناس وتتحول الناس بالمواعظ في الخطب ويقيم الحدود ويؤدب الرعية ويقيم أودهم بالتعليم مرة وبالتعزيز والحبس مرة ومرة بالجوائز والخلع والحملان والطعام على موائده والبندار يجمع المال والخراج والعشور والصدقات وهو
126
موكل بأرزاق الجند فالسلطان للأمير وبيت المال للبندار
فالقلب أمير وله سلطان المعرفة بمطالعة الملكوت ومقامه من الجلال والعظمة وملك الهيبة فهو الذي يقف في مقامه بين يدي الله تعالى في الملكوت ويقيم أود الجوارح ويؤدبهم ويسير بهم بسيرة الطاعة والنفس بندار يجمع الأموال كلها بباب الشكر وباب الصبر وتقوم بجميع الف رائض فتؤديها إلى الحق وتمنع عن أدناس الآثام تورعا وتقدسا وتتمسكن وتتخشع لربها فما دام الأمير محافظا على إمرته ضابطا لها مشرفا على أدب الرعية واقفا بين يدي الملك الأجل في مقامه يراقب أموره وما يخرج له من التوقيع له بالباب وصائنا لسلطانه وفي رعيته مهيبا فأ مره مستو وولايته عزيزة وما دام البندار مشرفا على أمور ديوانه محصنا لأبواب الأموال مستقصيا في جمعه ضابطا له فأمره قوي وخزائنه محشوة بالأموال فمتى دعاهما الملك فوجدهما على هذه الصفة أكرمهما وقربهما ورضي عنهما وحلا محل الخاصة في جواز الأمر ونفاذ القول
127

فإذا ذهب البندار يختان ويحجز من الأموال لنفسه الذخائر وأشغل نفسه بالملاهي وملاذ النعم وترك الإشراف على أموره والاستقصاء في اقتضاء حق بيت المال حتى ضاع كثير من المال وما صار بيده من ذلك سرق بعضا فاحتجنه لنفسه ثم لم يقنعه هذا الذي فعل حتى قصد لخدع الأمير 61 واستمالته إلى نفسه ليشاركه في أموره وليأمن ناحيته وطمع أن يجعله عونا لنفسه وتحت يده حتى لا يكون لأحد في هذه البلدة سلطان ولا أمر ولا نهي إلا له فصير الأمير تابعا له في لهوه ولعبه وفساده كبعض عبيده حتى قوي عليه قوة أخذ منه إمرته وولايته فمتى ما دعا به ما الملك وجدهما بهذه الصفة ما يقول لهذا الأمير كيف يعاقبه وماذا يقول للبندار وبأية عقوبة يعاقبه فإن عقوبة الأمير حيث انخدع للبندار أعظم فعقوبة الأمير أن يعزله ثم يقتضيه الأموال ويخاف ألا يوليه أبدا وعقوبة البندار أن يحبسه ثم يقتضيه الأموال ورفع الحساب مح كما فالبندار مسجون بالأموال إذا جاء بها خلى عنه والأمير معزول مطرود مهان مسلوب مشرف على ضرب العنق فكذلك النفس ضيعت الفرائض وتوثبت في المحارم وخانت الأمانة والوفاء بالعهد الذي رفع إليه يوم الميثاق فضيع البندكية وحل وثاق
128
الجوارح الذي أوثق يوم الميثاق وأخلى بيت المال من الأموال وأجاع الجند وأظمأهم وأعراهم وسلكهم في البوادي بلا ماء حتى عطشوا شغل جوارحه عن الطاعات في ارتكاب الحرامات وشغل سمعه عن المواعظ باللغو والأباطيل وبصره عن الاعتبار بالملاهي واللذات والزينة ونسي المقابر والبلى ولها عن ذكر المعاد وسها عن المبدإ والمنتهى من أين وإلى أين ثم لم يقنعها ذلك حتى استمالت القلب فلم تزل تخادعه حتى أسرته وصيرته تابعا لها وتحت يدها مقهورا ذليلا تقود بخطامه حيث شاءت وذهب سلطان المعرفة ووقعت الغارة في كنوز القلب فإذا قدما على الله طولبت النفس بالفرائض والغرامات والجنايات وما ضيعت من الأمانات واشتملت عليه من الظلم للعبيد وسجنت وطولب القلب بالعهد واللواء فإذا لم يوجد معه ضربت عنقه فصار مع الأعداء وخرج اسمه من الأولياء والعهد في باطن إيمانه واللواء على طرف لسانه وهي الكلمة العل يا مثل من سار إلى الله حتى وصل إلى محل القربة
مثل من سار بقلبه إلى الله عز وجل حتى وصل إلى محل القربة وأعطي سراجا يمشي به في أموره ليكون على بصيرة مثل رجل سار في ليلة مظلمة في طريق فهو يتعسفه فوجد سراجا
129
يستضيء به فإن لم يكن معه ما يكن سراجه من الريح فهاجت ريح لم يأمن من انطفائه فليس هذا بأمر محكم ولا وثيق فكذلك من سار إلى الله فوصل إلى محل القربة فأعطي سراجا يمشي به في أموره ليكون على بصيرة فهو على خطر عظيم لأنه إذا وجد السراج ونفسه حية بعد والهوى منه بمرصد مع العدو فطالع بذلك السراج سعة أموره وعرفه بصفاته وأشرق في صدره نور ذلك الجمال ونور البهاء ونور البهجة فامتلأ صدره فرجا وطالع كرمه وجوده ومجده فهاجت رياح الشهوات منه لعوارض الدنيا التي يلوح له بها العدو ويرجو بذلك سقطته فتحيرت نفسه وتشجعت على الأمور فرمت به في أودية المهالك فإذا كاس العبد واستعمل الكياسة تجنب أسباب الآفات وأبقى على عطاياه التي أعطي في محل القربة إبقاء رجل لبس ثوبا خطيرا ذا ثمن فصانه أن يلبسه في وقت هيجان الرياح واغبرار الهواء اتقاء على ذهاب طراوته وحاسب نفسه على الدقيق والجلي ل وكبح بلجام النفس على التجري والتجشع ولزم الدعاء والتضرع وألح في طلب الثبات ولم يدخل في أمر من الأمور إلا بإذن وأودع الله نفسه ودينه وأمانته فإذا كان هكذا رفع من هذه المرتبة إلى القبضة فإذا وقع في القبضة وقع في الثبات والحرز والحفظ والمأمن وصار به يسمع
130
ويبصر وينطق وبه يعقل ويبطش وبه يمشي فقد وقع سراجه في الكن ولا تقدر الريح أن تطفئه مثل الذي يترك مجاهدة النفس
ومثل الذي يستولي عليه العجز حتى يترك مجاهدة النفس وحتى يدع الإخلاص في الأمور وطلب الصدق حتى يصير متصنعا مرائيا مداهنا مخلطا يخضع للملوك ويتملق للأغنياء ويتصنع عند العامة كمثل رجل معدود اسمه في الرجال فلما عري وجد خنثى فاسمه اسم الرجال وهيئته هيئة الرجا ل وفعله فعل الإناث فإذا كان هذا وضيعا من الخلق دنيا خطرا شخصه فكيف يكون غدا هذا المتصنع المرائي الملق للأغنياء المتبصص للملوك خضوعا وطمعا مثل من ترك المجاهدة في وقت طاعة النفس
ومثل من ترك المجاهدة في وقت طاعة النفس كمثل رجل خرج محاربا بسلاح تام ودابة فارهة وجميع ما يحتاج إليه فلما صار
131
إلى مصاف العدو ونشبت الحرب ذهب هذا فدفن سلاحه في التراب وخلى دابته كي لا يقال تقدم إلى القتال فخاب عن الزحمة إذ تشبه بالمجاهدين وليس منهم كما فعل جد بن قيس السلمي يوم بيعة الرضوان وذلك يوم الحديبية ورسول الله محرم ممنوع عن البيت والطواف به والهدي م حبوس عن بلوغ محله ووجه عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولا إلى أهل مكة فلما أبطأ وقع الخبر في العسكر أن عثمان رضي الله عنه قتل فارتج العسكر بما هاج وقعد رسول الله تحت الشجرة وبايعه الناس على أن يدخلوا مكة ويحاربوا فبايعوه عل الموت يعني أن يقاتلوا ولا يفروا حتى يموتوا وكانوا ألفا وثمانمائة فبايعوه كلهم إلا جد بن قيس فإنه أقام بعيره واختبأ تحت إبط بعيره فأنزل الله تعالى ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )
والخائب عن رحمة الله في سابق العلم خائب في كل وقت مثل من يقصر في الفرائض
مثل من يقصر في الفرائض مثل عبد يؤدي ضريبة مولاه شهرا
132
شهرا فالعبد السوء يؤخر أداءه ويماطل مولاه حتى يطعن في الشهر الثاني فيتوسطه فإذا أداها خلط بها زيوفا وبهرجة فهذا المولى في كرمه وسهولة أمره ومعاملته يقبل ذلك من عبده ولكنه عنده 62 في المنزلة في أدنى المراتب مستخفا به وبأحواله مثل من يضيع حقوق الله
ومثل من يضيع حقوق الله تعالى مثل عبد وكله مولاه بأمواله وعبيده فطالع عمله فوجده إنما همته بطنه وفرجه فإذا شبع وقضى نهمته من فرجه واكتسى رفع البال عن عمل مولاه وعبيده فهذا عبد ساقط المنزلة مثل من قرأ القرآن بغير فهم
ومثل من قرأ القرآن بغير فهم مثل رجل أعطي جواهر بالعراق فقيل له انقلها إلى خراسان بكراء مائة درهم وعامل بها هناك فإن عاملت بها هناك فلك ربحها وربحها ملء البيوتات ذهبا وفضة
133

فلما وافى خراسان اجتزأ بالكراء وترك المعاملة فأعطي الكراء مائة درهم على حمله وصرفت المعاملة إلى غيره
فكذلك من قرأ القرآن ولم يعامل الله بتلك الجواهر التي تعطى فيه له أجر تعبه وعنائه في قراءته وفاتته المعاملة وأرباح المعاملة مثل الواعظ الناصح
مثل الواعظ الناصح مثل عبد للملك وللملك عبيد آخرون سواه من بين راع وحراث وصانع وتاجر وكل واحد منهم قد وكل بعمل من الأعمال يطالبون بالقيام بذلك وأداء الغلة وكل واحد منهم يدعي أنه يحب مولاه وينصحه ويطيعه في أمره مقبل على أمره الذي وكل به موفيا لوظيفته الت ي وظفت عليه من العمل وكان هذا العبد الواحد من بينهم يوفر على الملك وظيفته من العمل ومع ذلك يطوف على هؤلاء العبيد ويحث كل واحد منهم على القيام بعمل الملك وبتوفير ما وظف عليه والإشفاق على أعماله ويجل بصدورهم أعماله ويصف لهم قدر الملك وغناه وسعته وقوته ويؤم لهم كرمه وجوده وحسن خلقه وجميل معاملته ومحاسن ما أتى إليهم وعطف عليهم ويحثهم على النصيحة لهذا في رعي أغنامه ولهذا في صناعته ولهذا في تجارته ويعينهم على ذلك
134
لا يحمله على ذلك إلا حب الملك وتعظيم أمره وتوقير شأنه وأن تقع الأمور منه مسارة والملك مطلع على ذلك منه وعلى سائر هؤلاء العبيد كل واحد إنما باله . . . وبال هذا الواحد بقربه ومولاه قد صرف همته أجمع عن نفسه وجمع همومه أجمع فجعلها هما واحدا لربه
فهذا عبد ناصح الله فنصحه الله وأحب الله فأحبه الله وتولى الله فتولاه الله فهو ولي الله والله وليه
فما ظنك بالله يوم يدعو هؤلاء العبيد وتدعوه فيجزيهم على أعمالهم على قدر عقولهم ماذا يكون جزاء العبد الناصح وإنما أدرك النصيحة بفضل عقل فيه عقل آلهه وعقل عنه تدبيره وأموره ولذلك قال رسول الله ( يعملون ويعلمون الناس الخير ويعطون أجورهم على قدر عقولهم )
أنبأنا صالح بن محمد رحمه الله بإسناده قال أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى إنما أجزي الناس على قدر عقولهم
وروي عن النبي أنه قال ( العقل ثلاثة
135
أجزاء حسن المعرفة لله وحسن الطاعة لله وحسن الصبر لله )
وروي عن رسول الله فيما يروى عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى أنه قال ( ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي وإنه ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه وما يتقرب إلي عبد بمثل النصح فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله وفؤاده فبي يسمع وبي يبصر وبي يمشي وب ي يبطش وبي يعقل )
وكانت مشية رسول الله تكفيا كما تكفى السفينة فإنما كان ذلك لامتلائه من عظمة الله تعالى وكان يميل به جلال الله هكذا وهكذا لأن الجلال لا يسكن
وروي عن رسول الله عن الله تعالى ( أحب ما تعبد لي به عبدي النصح لي )
وكذلك ما روي عن رسول الله أنه قال ( إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم قال أيما عبد وجدتموه طلب فإن تحرى العدل فطيبوا ويسروا وإن تعدى إلى غير ذلك فخلوا بينه وبين ذلك ثم لا ينال فوق الدرجة التي كتبتها له )
فقد ذكر في هذا الحديث أن من جمع همومه فجعلها هما واحدا ضمن الخالق رزقه وكفى
136
مثل من أعطي نور الهداية
مثل من أعطي نور الهداية واستنار قلبه ثم أضاء صدره من نور القلب مثل رجل في بيت مظلم لا يهتدي لما فيه وفي البيت جواهر وألوان من النعمة ناحية منه وفي الناحية الأخرى مزبلة وجرف يتردى فيها وعقارب وشوك وهو في تلك الظلمة سكران لا يفيق بجوهر ونعمة ولا لقذارة م زبلة وتردي جرف ولدغة عقرب ووخزة شوكة من سكره فأعطي سراجا فأفاق من سكره فأضاءت له جدران البيت من ضوء ذلك السراج فمن قام خلفه فإنما يعلم بحاله وهيئته ونعته مما يتراءى له من الظل على ذلك الجدار المضيء الذي هو أمامه فإذا كان ذا جثة عرف ذلك بما وقع من الظل عل ى ذلك الجدار وعرف صورته بما وقع له النعت بذلك الظل على الجدار وإن أشار بأصابعه من خلفه وقع ظل إشارته على الجدار فعلم عدد الأصابع وما ينقص منها وما يزيد فصارت له رؤية ذلك الظل كأنك التفت إليه فرأيته بعينك فإذا أثرت في ذلك البيت من دقاق التراب حتى يثور غبا ره فيمتلئ البيت أو أحرقت تبنا حتى ارتفع وهاج دخانه فامتلأ البيت حجب ذلك الغبار والدخان عينيك
137
عن رؤية ما كنت تراه على الجدار أمامك وغاب ذلك الظل الذي كنت تراه في ذلك الغبار والدخان بغلبتهما عليه
فكذا الذي أضاء صدره من نور قلبه كلما ذكر في شيء من أمور الآخرة وشأن القيامة والدارين تصورت صورة تلك الأشياء لعيني فؤاده لأن ذكر تلك الأشياء إذا تصورت صارت الصور ظلا في الصدر قبالة عيني الفؤاد لأن الضوء من نور الله في صدره فإذا جاءت صور الأشياء وقع للصو ر ظل في ذلك الطور لأنه عليه النور ولكن حجبت صور الأشياء عيني الفؤاد عن رؤية النور بمقدار ما تصور
ألا ترى أنه إذا انتقل من فكر المخلوقين إلى فكرة جلال الله وعظمته ازداد الضوء ولم تقع لتلك الفكرة صورة لأن ضوء هذه الفكرة زيادة في ذلك الضوء لأنه منه فكر ومنه 63 حدث الضوء ثم عاد إلى ما حدث منه ولم يكن له ظل
وإذا فكر في أمر الجنة والنار والقيامة وكل شيء مخلوق صارت تلك الصور التي تصورت بالفكر حجبا لعيني الفؤاد عن ذلك النور بمقدار الصور فلذلك سميناه ظلا فإذا عاين ذلك الظل على تلك الصور صار كأنه يشاهد بعيني فؤاده ما يعاين غدا بعيني رأسه في الآخرة وإذا لحظ إلى عظمة الله وجلاله أشرق الصدر وصار ذا شعاع كله فهو في ذلك الوقت كأنه يشاهد بعيني فؤاده ما يشاهد من الوقوف بين يديه والنظر إلى جلاله وإذا خلا من النفس وشهواتها ثار دخانها إلى الصدر فامتلأ هذا الصدر دخانا وغبارا الدخان
138
لحريق الشهوات والغبار للتجبر الذي في النفس من الكبر فغاب ذلك الظل بتلك الصور التي صورت له أمور الآخرة لأنه اختلط الضوء بالغبار والدخان وافتقدت عينا الفؤاد تلك الصور
فإذا ذهب يتفكر لم يقدر أن يفكر لأن بصره لا ينفذ في ذلك الغبار والدخان إلى صور تلك الأشياء وقد ذهبت الصور وتصير تلك الفكر الآن حولها فهو يحدث نفسه ويحسب أنه فكر وإنما الفكرة توهم والتوهم في الشيء المضيء لصور الأشياء لك وإذا دام ذلك فهو فكرة ويقال للتوهم بالأعجمية انديشة وللفكرة اسكالسن فالتوهم أصل والفكرة فرع ممدود فبالتوهم يتصور ويتفرع ما تصور ويمتد باستقبال القلب ذلك حتى يمتد ويثمر فتلك فكرة وإنما صارت عامة أعمال العامة فاسدة لهذا الذي وصفنا لأن الأعمال تصدر عن عيني الفؤاد وأن تدبير القلب مع العقل هن اك يتراءى لعيني الفؤاد صور الأمور ويزين العقل فيها ما حسن لعيني الفؤاد حتى يدبر الفؤاد ويمضيه تسمية القلب قلبا
والقلب والفؤاد هو بضعة في بضعة فما بطن فالنور فيه فهو القلب سمي قلبا لأنه بين إصبعين من أصابع الرحمن الخالق وإذا أراد الله أن يهديه بسطه فاستقام وإذا أراد أن يضله نكسه فنور
139
القلب يتأدى إلى بصر الفؤاد فيستنير ويضيء منه الصدر فإن شاء الرحمن قلبه كيف شاء على ما مضى من الصدر فالفؤاد هي البضعة الظاهرة التي في جوفها هذه وعلى الفؤاد عينان فسمي كله قلبا لاتصالهما ولأن أحدهما في جوف الآخر كاللؤلؤة في الزجاجة وهو قول الله تعالى ( ما كذب الفؤاد ما رأى )
وقال الله تعالى في التقليب ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة )
فقلب الكافر منكوس وبصر فؤاده من أسفل وقلب المؤمن مبسوط منتصب ووجهه إلى الله تعالى وذلك قول الله تعالى ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة والوثقى وإلى الله عاقبة الأمور )
ولما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله ( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإذا أراد الله أن يهديه بسطه فاستقام وإذا أراد الله أن يضله نكسه )
فنور القلب يتأدى إلى بصر الفؤاد فيستنير ويضيء منه
140
الصدر وإذا غشى الصدر والفؤاد دخان الشهوات صار كبيت فيه سراج قد غاب ضوءه في ذلك الدخان وأيضا صار دخانا لأن الشهوات لها حريق جاء من الشهوات المحفوفة بباب النار وإنما خلقت من النار وبباب النار وضعت وفي جوف كل آدمي منها ريح تلك النار ولها اهتدت في العر وق إذا هاجت حتى تأخذ جميع الجوارح لأن العروق قد التفت على الجسد كله فلذلك إذا هاجت شهوة شيء منك أخذت في تلك السرعة من القرن إلى القدم لأنها هاجت في العروق في سرعة تلك الريح الجامحة فاشتملت على الجسد كله
وقول النبي ( أتاكم أهل اليمن ألين قلوبا وأرق أفئدة ) فإنما وصف القلب باللين لأن القلب إنما يلين بالرحمة لأنه بالرحمة ترطب الأشياء فكلما كان القلب أوفر حظا من الرحمة كان ألين ثم يخاف عليه من اللين العجز عن أمر الله لأن اللبن يؤدي إلى كسل النفس فإذا وفر الله تعالى عليه الرحمة فلينه ثم فتح عليه من نور العظمة انكشف ذلك النور من رطوبةالرحمة فاستدر الرحمة وعلاه نور الجلال والهيبة فصلب القلب
141
فذاك محبوب الله تعالى في قلوب العباد أن يكون رحيما صلبا ففي وقت يستعمل الرحمة وفي وقت يستعمل الصلابة
ولذلك ما روي عن رسول الله أنه قال ( ما رزق عبد شيئا أفضل من إيمان صلب ) رواه أبي عن صالح بن محمد عن النضر بن شميل عن عوف عن أبي السليل
ألا ترى أن قوما رقت قلوبهم عند إقامة الحدود فنزل قوله الله تعالى ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) صلابة الإيمان
فحقيقة الإيمان البالغ أن يعمل نور العظمة في قلبك حتى يصلب القلب لأن هذا الاسم اسم العظمة العظمى فتوله القلب إليه بعلمك في هذه الآية أن إيمانك بالله يصلب قلبك في ذاته حتى تغيب الرأفة في ذلك الوقت في تلك الصلابة من قلبك
وذلك مثل ما قاله النبي حيث كلم في تلك المخزومية القرشية حيث سرقت فغضب رسول الله وقال ( والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها ثم نزل فقطعها )
142
رقة الفؤاد
وأما رقة الفؤاد التي وصف بها رسول الله أهل اليمن فإن هذه البضعة الظاهرة هي وعاء لتلك البضعة الباطنة فإذا كانت رقيقة تأدى ذلك النور الذي في القلب إلى الصدر فنفذ البضعة الظاهرة والقلب بمنزلة المشكاة التي في جوف القنديل والنور في المشكاة والفؤاد هي الزجاج ة التي فيها المشكاة والمشكاة وسط الزجاجة فكلما كانت الزجاجة أرق وأصفى كان ضوء السراج أنفذ إلى الصدر وكلما كانت أكثف وأقل صفاء كان ضوءه أقل 64 فإنما مدحهم النبي بلين القلب لوفارة حظهم من الرحمة وبرقة الفؤاد لإضاءة الصدر منهم من أجل الرقة
فأما الذي وصفنا بالصلابة فهو الكامل لما روي عن رسول الله أنه قال ( إن لله تعالى أواني في الأرض ألا وهي القلوب وأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها أرقها للإخوان وأصفاها من الذنوب وأصلبها في ذات الله تعالى ) مثل انقياد النفس
مثل انقياد النفس في أعمال البر مثل رجل قيل له في ليلة
143
شاتية مظلمة احمل هذه الحمولة إلى موضع كذا فهاله ذلك جدا وثقل عليه وهاله شأنها وأظهر العجز والضعف والوهن من نفسه
فإن قيل له احملها ولك ألف درهم أو دنانير فثار فيه فرح تلك الدنانير حتى أخذ من قرنه إلى قدمه بما رجا نواله فوجد من القوة من قلبه فاحتملها مسرعا في السير وأظهر من نفسه قوة فإنما قواه على ذلك فرح الدنانير فهذا مثل عبد حمل رجاء الثواب والنوال
ولو لم يقل له لك دنانير ترجو نوالها ولكن قال له احملها وإلا ضربتك بالسيف فوجد من القوة ما احتملها واستخف بها من خوف السيف فهذا عبد عمل على خوف الوعيد والعقاب
ولو لم يكن هناك طمع ولا خوف ولكن قيل له احملها فتلكأ وحرن وأظهر العجز عنها فقيل له أتدري أن هذه الحمولة لمن قال لا فقيل هي لفلان فذكر رجل أعز الخلق عليه وأحبهم إليه فهاج من حبه في قلبه ما نسى الدنانير والسيف وأخذته من الحرمة لذلك الرجل والحياء ما لا يج د من نفسه ترك حمولته
144
على قارعة الطريق حتى تضيع فاحتملها بقوة أشد من الأولين ونشاط وسرور ما لم يعلم أنه عليه شيء من الحمولة فهذا عبد عمل على حب الله تعالى فبحبه الله أحب صاحب الحمولة فلا يترك نصحا في ذلك العمل إلا بذله وأشفق إشفاقا يصونه عن الإنكسار وعن صدوم الآفة لحب ص احبها
فالأول يحملها طمعا لتلك الدنانير فلا يكون له شفقة على تلك الحمولة أن يبلغ بها الموضع الذي أشير له إليه وكذا الذي خوف بالسيف إنما باله أن يبلغ بالحمولة المكان الذي أمر ثم إن أصابها في الطريق عثائر من صدمة أو تغير حال لا يبالي إنما بالى بحملها مخافة من ا لسيف
فالأول إنما باله الوصول إلى ما طمع فيه من النوال وهذا الذي عرف لمن هذه الحمولة أخذته الشفقة على تلك الحمولة فالأخير حملها محبة لصاحبها حتى احتملها إلى أن يتوقاها من الآفات وإبلاغها إلى الأصل
والثاني إنما باله إبلاغها إلى الأصل للثواب والنجاة
وكذا عمال الله تعالى منهم من يعمل على الكسل والعجز على
145
التجويز والشايذبوذ فإذا انتبه للوعد والنوال جد واجتهد فعند الإنتباه إنما باله الوصول إلى ما أطمع وليس له شفقة على المحمل
والثالث عمل على الحرمة والشفقة على حقوقه فوقاه العثار وصدمات النفس وعمله على الهشاشة والسماحة والانطلاق حال المشفق
قال له قائل صف لنا حال المشفق في أموره قد عرفنا الصنفين فمن هذا الثالث قال هذا عبد محب لربه فهو يتحرى مسراته في الأمر كما روي عن الله تعالى أنه قال يا عيسى أنزلني من نفسك كهمك وتحر مسرتي في الأمور
فالمحب لربه إنما باله من الأمور طلب مسراته ماذا يحب ربي من هذا الأمر وماذا يسره فرح الله بتوبة العبد
ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله أنه قال ( لله أفرح بتوبة العبد من أحدكم ضلت راحلته عليها زاده
146
وطعامه وشرابه في فلاة من الأرض فضرب يمينا وشمالا في طلبها فلم يجدها فوطن نفسه على الموت وقال أذهب إلى ذلك المكان الذي ضلت فيه راحلتي فرجع إليها فوجدها قائمة هناك
ومن السرور بعباده يباهي بعمل الآدمي للملائكة ويفتخر به فيهم فيقول يا ملائكتي انظروا إلى عبدي فهو لفرحه بتوبة العبد وبأعماله يباهي به الملائكة
وما جاء أنه يباهي بأهل عرفات ويقول عبادي جاؤوني شعثا غبرا من كل فج عميق
فحق على من عقل هذا أن يطلب في الأمور بجهده مسراته فيطلب زينة الأمور فإن لكل شيء زينة وكسوة وقد يرى الأشياء العارف كيف يتضاعف حسنها إذا كسيت وزينت وطيبت والمحب لربه لا يرضى أن يعمل له على خبث النفس والكراهة والعسر والتثاقل والنكر والعبوس بل يتوخى في كل أمر التسارع والخفة والسبق والهشاشة والسماحة والانطلاق واليسر فإن لم يجد هذا في وقت عظمت عليه المصيبة في ذلك الوقت وعده نقصا عظيما
147
دخل عليه فينظر من أين جاء هذا فيحتال أن ينحيه وينفيه
ألا ترى إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما حيث جاء المؤذن فقال الصلاة فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن لنا شواء في التنور فإن تنتظر لنا وإلا فاذهب فصل
فهذا عين ما قلنا كره ابن عباس رضي الله عنهما وعظم عليه أن يجيب المؤذن إلى الصلاة ومعه شهوة الشواء فيدخل في الصلاة ومعه شهوة الشواء فتخبث عليه نفسه في حال القيام بين يدي الله تعالى ومناجاته والعرض عليه وتسليم النفس إليه والاعتذار إليه من التقصير والهفوا ت فعظم عنده أن تكون نفسه في ذلك الوقت تزاحمه في شهواتها التي قد أحست بنوالها وأشرفت عليها فكان الأمر عنده أن يسكنها بما استشرفت له من الأكل حتى يقوم بين يدي الله تعالى وليس هناك منازع ولا مدعى شغله عن أمره فهذه صدمة النفس
وكذلك روي لنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يتعشى في ربض قبل المغرب فإنما حمله على ذلك فيما نرى ما وصفنا لئلا يدخل الصلاة ونفسه تنازعه إلى العشاء
وكذلك الذي فعل ابن عباس رضي الله عنهما حيث اشترى رداء
148
بألف درهم فكان يصلي فيه توخيا بذلك 65 أن يخف عليه الولاء كي لا تعجز النفس عن الحمل الثقيل على النفس
وكذلك قيل للزبير رضي الله عنه ما بالكم يا أصحاب محمد أخف الناس صلاة قال إنا نبادر الوسواس كان رسول الله من أوجز الناس صلاة في تمام حدثنا بذلك صالح بن محمد أخبرنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله
فهذا شأن أعمال المحبين لله تعالى في كل أمر مع الزينة والبهاء يطلب فيه محاب الله تعالى في كل وقت من ذلك الفعل لأنه في كل أمر له حقوق كثيرة فهو إنما يشفق على تلك الحقوق لئلا يستخف بها فيعمله على التعظيم له وعلى السماحة بنفسه وعلى السعة وعلى توقي دخول الخ لل وعلى الوفارة وتلكئ الإتمام ومع هذا كله قلبه إلى موافقته هل وافق مسرته وهل رضي بذلك ومع ذلك يعلم إن وافق ورضي به أنه مع التقصير جدا يستحي منه جدا وأنه عاجز أن يبلغ مدى ما هو أهله من ذلك ولا يلتفت إلى ثواب في ذلك أبدا وربما فتح عليه باب محبته لا أعني مح بة العبد ولكن
149
محبة الله تعالى فإذا فتح لك ذلك الباب كان في ذلك العمل كالسابح في البحر الذي قد تراءى له الساحل وقرت عينه فهو يسبح في نشاط وسرور بالساحل وهو يضطرب في ذلك الماء الصافي
فهذا العبد إذا هاجت منه تلك المحبة التي فتح له بابها صار يتقد كالنار جوفه فصب عليه الرحمة صبا فهو يتقلب في برد الرحمة قد أصابه روحها ورطوبتها ولينها وهو يسبح فيها وقد شم رياحين الياسمين والبساتين التي على الساحل لأنه يسبح إليها فيتلقاها فيشمها مثل عم ال الله
مثل عمال الله تعالى مثل ملك قطع قطيعة من الأرض وأمر الفعلة أن يبنوا له قصرا ذا بيوتات مساكن ومجالس وبساتين ومتنزهات وجداول يطرد فيها الماء في تلك المجالس والمتنزهات فمن شأن هؤلاء أن يكون لهم فيما بينهم مدبر لأمر هذا القصر ومقدر لكل شيء منه فيرفع فيها ب يوتات للصيف ومساكن للشتاء ومجالس للربيع وبساتين للنزهة والجداول المطردة في خلال هذه المجالس والنزه وهذا أستاذهم ومن بعده من يهتدي للبناء
150
فيبني ومن بعده تلامذة يقتفون أثره ويعملون على إشاراته ومن بعده النقلة إليه من الطين واللبن وما يحتاج إليه
فإذا استوى خرج إلى المدبر آخر يومه عشرون درهما وإلى الثاني الأستاذ عشرة وإلى التلامذة خمسة خمسة وإلى من ينقل الطين على عاتقه درهمان وإلى الآخرين درهما درهما
فأهل التعب والنصب وشدة الأعمال أجرهم درهمان ونحوه والمشير برأسه ويده أجره عشرة دراهم والمقدر المدبر أجره عشرون درهما ولولا المدبر لبطل العمل كله ولولا الثاني الأستاذ لنقص أمر المدبر لأن هؤلاء الآخرين لا يتوجهون للبناء وإن دبر لهم وقدر لهم فهؤلاء أجورهم أكثر وأوفر وتعبهم أقل بساط الربوبية وبساط العبودية
وكذلك عمال الله بسط لهم من باب القدرة بساط الربوبية وبساط العبودية فأعلمهم بشأن هذين البساطين فأكثرهم مطالعة وملاحظة أعظمهم قدرا عند الله تعالى وأقربهم إلى الله تعالى وسيلة وأعظمهم أجرا الأنبياء أعظم أجرا
ولذلك صارت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعظم قدرا وأوفر
151
حظا وأجرا ثم الأولياء من بعدهم وكل نبي أعلم بما ذكرنا فهو أقرب إليه وأكرم عليه وأحب إليه وأعظم أجرا وكذلك كل ولي من بعده لأنه بالعلم والعقل يعظم أمره ويعرف أقدار الأمور ويعرف الأوقات فإن الله تعالى خلق هذا الآدمي فأحياه بالروح وفضله على هؤلاء المسخ رين له من الدواب والبهائم والطيور والوحوش بهذا الروح تفضيل الموحدين
ثم فضل الموحدين من بينهم بمنه العظيم بنور التوحيد فأحيا قلوبهم بالحياة حتى عرفوه ووجدوه فأوفرهم حظا من الحياة ومن علم التوحيد أعلمهم بالعبودية وأكيسهم فيها وأشدهم قياما على الساق وأصغاهم أذنا إلى أمره وأكثرهم ملاحظة إلى تقديره وتدبيره وأجهلهم به أعجزهم عن ذلك القلب يدعو إلى الله والنفس تدعو إلى الشهوات
فالقلب بما فيه من كنوز المعرفة يدعو إلى الله وطلب رضوانه
152
والنفس بما فيها من الهوى تدعو إلى الشهوات ولذات الدنيا وهي الفانية التي توجب عليك غدا الحساب الثقيل والحبس الطويل والسؤال المهيل فمن قلت كنوزه استولت النفس على قلبه ووهنت إمرته وأخذت بعنانه فسبته فبينما هو أمير إذ هو أسير في يدي الخارجي فعندها يعطل التدبير وخربت الكورة وضاعت الرعية فبان العلم
وإن النفس محتاجة إذ كانت بهذه الحال والقلب قليل الكنوز وإذا قلت الكنوز قلت الجنود وتفرق الحراس وضاعت السياسة فالنفس محتاجة إلى أن تشتغل بالأعمال المتعبة الشاغلة لها حتى لا تصل إلى الفساد
فلو أن هذا الأمير عرف أن هذا الخارجي ممن لا يؤمن خروجه عليه وهو في جواره وبلدته فأخذ الأمر بالحزم فعمد إلى كل من يجالسه ويثق به ويستظهر به فحا بينه وبينه وعمد إلى أسلحته فأخذها منه وقلده أمورا أتعبه فيها وشغله عن الفكر في ذلك الأمر الذي يتخوف منه فكذلك عامل الله إذا لم يفتح له الباب فيطالع فيكثر كنوزه ويجم علمه بالله وخاف نفسه أن تخرج
153
عليه كما وصفنا من أمر الخارجي الذي يشتهي الإمرة
فمن الحزم أن يقطع عنه الشهوات وأن ينظر إلى كل شيء من أمور الآخرة يحمل عنه الهوى أن ينتقل عنه إلى ضده مما ليس له فيه هوى لأن الطاعات كثيرة فرب طاعة تملكه حلاوتها فتصير هوى فينتقل إلى ما يتعب فيه وليس له فيه هوى وأن يتعبه بالغموم والهموم حتى ينغص عليه عي شه الذي استطابته نفسه بلهوها ولعبها وبطالتها فإن فتح له صار ملكا من الملوك الذين بالكنوز والهدايا والفوائد التي تأتيه من رب العالمين وإن لم يفتح له فأجر تعبه عند الملي الوفي الواحد الواحد بعشرة والواحد بسبعمائة والواحد بالأضعاف الكثيرة ونفسه ذليلة مقهورة في ذلك التعب والنصب 66
فبنوا إسرائيل حظوظهم من الله تعالى كثيرة وهذه الأمة أوفر حظا وذلك قوله تعالى ( قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم )
وروي عن رسول الله أنه قال ( ما أعطيت أمة من الأمم من اليقين ما أعطيت أمتي )
وكذلك عن عيسى عليه السلام أنه قال في هذه الأمة فلذلك
154
صارت بنو إسرائيل في شدة من الأعمال وتعب من الأذكار فكانوا يلبسون المسوح ويجيعون البطون ويلزق أحدهم الترقوة فيشدها بسلسلة إلى سارية يتعبد لله وإذا أذنب أحدهم أصبح مكتوبا على بابه عقوبة خطيئتك أن تقطع أذنك أو عضوا من أعضائك وإذا أصاب أحدهم بول أو نجا سة لم يطهر حتى يقرضه بالمقراض وصدقتهم تقبل بنار القربان وعليهم من الآصار والأغلال والتحريم ما تقشعر منه الذوائب والشعور وقتل النفوس عند عبادة العجل
وهذه الأمة توفرت كنوزها وجمت علومها بالله تعالى بفضل يقينها فخفف عنهم الآصار وأطلقوا من أغلال كثيرة اكتفي من العامة بالاستغفار وستر عليها الذنوب وجعلت التوبة منهم إلى الله لا إلى عقوبة الأجساد فقال لأولئك توبتكم إلى بارئكم من عبادة العجل أن تقتلوا أنفس كم وقال لهذه الأمة ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) وقال للنصارى وهم من أولئك الصنف حين قالوا المسيح ابن الله والثالث ثلاثة ( أفلا
155
يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم )
فجعل توبتهم بافترائهم عليه الاستغفار لأنه في وقت نبي الله محمد وفي زمانه فلم يقبل ذلك منهم في ذلك الوقت عندما عبدوا العجل إلا قتل النفس وقبل في هذا الزمان الاستغفار منهم من عبادتهم عزيرا وعبادة النصارى المسيح لأن هذا وقت إقبال الله على هذه الأمة وتفضيل هم باليقين والعلم بالله
وقال رسول الله لمعاذ رضي الله عنه ( أخلص يكفك القليل من العمل )
فإنما دعاه إلى الإخلاص لله قلبا وقولا وفعلا فقليل العمل من مثل هذا يأتي على جميع العمال من سواه ولذلك قال ( يا حبذا يوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى وصيامهم ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل عند الله من أمثال الجبال عبادة من الآخرين ) عمل ه ذه الأمة
فهذه الأمة بالقلوب تعبد ربها وتأخذ أجرها
عن سفيان عن وكيع قال أخبرنا عبد الوهاب أخبرنا جنادة عن رسول الله قال ( مثلكم ومثل اليهود
156
والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ألا فعملت اليهود )
ثم قال ( من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ألا فعملت النصارى )
ثم قال ( من يعمل لي من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين ألا فأنتم ألا فأنتم )
فغضبت اليهود والنصارى فقالت نحن أكثر عملا وأقل عطاء
فقال ( ظلمتكم من حقكم شيئا ) فقالوا لا قال ( إنما هو فضلي أوتيه من أشاء )
وروي عن رسول الله أنه قال ( وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى )
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال وهو مسند ظهره إلى الكعبة ( فأمتي توفى سبعين في أجرها وخيرها ) مثل الحمد للموحدين
مثل الحمد للموحدين مثل رجل يأخذ من حريفه من حانوته
157
الشيء بعد الشيء فإذا اجتمع شيء أدى وأخذ بعد ذلك حتى تخف عنه أثقال الدين فإذا لم يؤد واجتمع المأخوذ وتراكم عليه الدين واقتضى فلم يوجد يوشك أن يقطع عنه ما كان يعطى ويقول صاحب الحانوت أد ما اجتمع وخذ ما بقي فيرده خائبا ويقطع عنه
فأسبغ الله تعالى النعم فلو ذهبنا نعد نعمه لم نحصها ولذلك قال الله تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ثم قال ( إن الله لغفور رحيم )
فأهل رحمته هم الذين عصمهم الله من الاختلاف وقصدوا بقلوبهم عبادة خالقهم وربهم ولم يلتفتوا إلى معبود غيره قال الله تعالى ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم )
قوله خلقهم أي خلقهم للرحمة
158

فلما خلقهم للرحمة أعطاهم ثمن النعمة وهو الاعتراف بأن النعم كلها من الله تعالى وذلك كلمة الحمد فصير توحيده في كلمة لا إله إلا الله وتنزيهه في سبحان الله وتعظيمه في الله أكبر وشكر نعمه في الحمد لله
حدثنا سليمان بن العباس الهاشمي أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ( رأس الشكر الحمد لله وما شكر الله عبده إلا بحمده ) فالشكر أصله في القلب ومعرفة العبد بربه أنه لا شريك له وفرعه على اللسان وهو كلمة لا إله إلا الله وتحقيقه في الطاعات فمن أكثر قول لا إله إلا الله فإنه يحط خطاياه ومن أكثر من قول الحمد لله فإنه يحط عن نفسه أثقال الشكر فعلمنا ربنا هذه الكلمة فنرددها على الألسنة حتى نكون في مثال ما مر بنا من المثل فنكون بمنزلة من يأخذ من حريفه الشيء بعد الشيء فإذا اجتمع أدى قليلا قليلا ثم يترك الأداء بغفلة حتى يركبه الدين ويثقل عليه فيعجز عن الأداء كما كان ها هنا إذا اجتمع عليه الحساب وتراكم فلم يقض انقطع ولم يعط النعم فإذا تراكمت ولم يواتر العبد بكلمة الحمد لم يأمن انقطاع النعم فرحم
159
الله العباد فأعطاهم هذه الكلمة ليخففوا عن أنفسهم أثقال النعم ثم وضعت لهم هذه الكلمة في صلاتهم عند رفع الرؤوس من الركوع فيقول سمع الله لمن حمده فصار هذا دعاء من قائل هذا القول لنفسه ولجميع الموحدين لأن كل مصل من الموحدين يقول هذا في صلاته من المفروض وغير المفروض فليست هذه كلمة يخص بها نفسه وإنما هي 67 لكل من حمده
فأول من نطق بهذا الرسول عن تعليم جبريل عليه السلام إياه
وروي عن رسول الله ( أنه إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد فإن الله تعالى قال ذلك على لسان نبيه )
وكان النبي إذا قال ( سمع الله ) لمن حمده قال ( اللهم ربنا لك الحمد ) كي لا يخلي نفسه من مقالة الحمد حتى يدخل في ذلك الدعاء
واعلم أن هذه الكلمة قول الله تعالى فما ظن من عقل هذا أن الله تبارك اسمه يدعو لعبده أين محل هذا الدعاء وماذا يخرج للعبد من هذا الدعاء ودعاء الرب أن يسأل بنفسه من نفسه للعبد وهو كقوله إن الله تعالى يصلى على العباد وقال الله تعالى في
160
تنزيله ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) فإذا قال سمع الله لمن حمده ثم حمده العبد فقد سبقت دعوته للعبد وسمع ذلك له فقد أوجب للعبد
فهذه كلمة دقيقة خرجت من الله تعالى للعباد ثم خرجت من الرسول مقالته للعباد ثم خرجت من الجميع بعض لبعض فإذا قال العبد الواحد الحمد لله ثم ذكر في هذا وجد الله قد قال له سمع الله له ووجد الرسول قد قال ( سمع الله ) ووجد جميع الموحدين قد قالوا فعظم شأن هذه ا لكلمة مثل عبد دعاه مولاه فوكله بعمل له
مثل عبد دعاه مولاه فوكله بكرم له أن يحفظه عليه ويغرسه ويسرقنه ويقضب قضبانه وفي وقت الثمر يورقه ويدعمه
161
وأعطاه كل ما يحتاج إليه من القوائم والدعائم والهراوي من البردي والأباء والقصب والكعب وأداة العمل وأمهله في ذلك ما يمهل في مثله ثم طالع أمره عند انقضاء المهلة فوجد القضبان ساقطة بالأرض والدعائم مسروقة والقوائم منجدلة والثمار بعضها محترقة من كثرة الو رق وبعضها عفنة من سقوطها بالأرض وقد ترك الآلة والأداة وأمهل نوبتها في السقي حتى عطشت وترك تقضيبها حتى ذهبت قوتها فمولاه إذا رأى الكرم هكذا فماذا يلقاه من الجناية وماذا يتوقع من العقوبة التي أوجب على نفسه
فالتعريش القيام بأداء الفرائض والحفظ عليها ليكون ذلك بوضوء سابغ وحفظ الحدود والأوقات وكذلك في الصوم في كف السمع والبصر والجوارح السبع
والسرقنة سنن النبي على أثر الفرائض تقوية لها والسعي العلم الذي يهديه الأشياء وتقضيبه رمي الفضول من الكلام والطعام والحطام وتوريقه ترك الالتفات إلى الأعمال وتدعيمه كثرة الذكر وقوائمه حسن النية والصدق في المقاصد
162
مثل قوي القلب في الأعمال والأقوال وملكها
ومثل قوي القلب في الأعمال والأقوال وملكها كمثل هؤلاء الملوك فملك له سلطان على قرية وعلى قدر ذلك كنوزه وجنوده وعدته ونفاذ أمره وجواز قوله وهيبته
وملك له سلطان على خراسان أجمع على قدر كنوزه وجنوده وهيبته وخوف شاكريته ورعيته منه
وملك ملك المشرق والمغرب فملوك الأرض كلهم تحت يده وعلى قدر مملكته سلطانه وكنوزه وجنوده وهيبته وخوف شاكريته والناس منه فنلحظه تضرب بأمره الأعناق وتسفك دماء
فالقلب ملك على الجوارح له كنوز وجنود وسلطان ومهابة ونفاذ أمر فأعظمهم مملكة أهيبهم وأحرزهم قولا ونفاذا وإنما تملك القلوب نفوسها وهي دنياها العريضة فإذا ملك القلب بعض النفس ولم يملكها كلها كان صاحبها مع تخليط تزل قدم وتثبت أخرى وإذا ملكها كلها كان بمنزلة من ملك الدنيا شرقها وغربها وخضعت له الملوك وصاروا من تحت يده فالقلب إذا كثرت كنوزه كثرت جنوده فكنوزه العلم بالله والمعرفة لله وجنوده الخوف من الله والخشية لله والحياء من الله والتعظيم لله والتسليم لأمر الله والانقياد لحكم الله والثقة بالله وحسن الظن بال له والتوكل على الله والطمأنينه إلى الله وحب الله قد استولى عل جميع
163
هذه الأشياء فهذه كلها جنود القلب اجتمعت على عسكره في صدره من العلم به فالمعرفة كنز القلب والنفس سفينة الكنز في بحر الله الأعظم فإذا أثنى العبد على ربه أو مدحه أو دعاه باسم من أسمائه فإنما يخرج كلمته من فيه على قدر سلطانه من القلب ومملكة القلب
وكذلك أعمال أركانه فإنما يصعد ما يخرج منه إلى الله على قدر قوته في مملكته وسلطانه مثل الهوى إذا مازج العقل في أمر واحد
مثل الهوى إذا مازج العقل في أمر واحد كمثل ماء صاف كالطل في الصفاء مازجه ماء من مياه الأنهار ففي ذلك الماء ترى الأشياء كلها كالمرآة إذا نظرت فيها وفي ماء الأنهار لا يرى إلا الخيال أمير بسط عدله في رعيته ودبر سلطانه فأعد سجنا وعقوبات لمن خلع يده عن الطاع ة وفرق أعماله بين عماله وأعد حاجبا وخليفة ومرتزقة وأظهر كنوزه وقوته وأمر ونهى وأعلم الرعية أن من ائتمر بأمره فهو الوجيه عنده والخطير لديه المثاب على ذلك المقضي عنده حوائجه المتخذ لنفسه عنده قدرا حتى تظهر عنده مرتبته ومن لم يأتمر بأمره وركب هواه خلق وجهه عنده
164
وبخس حظه وحرم ثوابه وحط قدره وبطلت رتبته فظهر في رعيته إنجاز وعده ووصول وعيده إلى من استحق ذلك وفي هذه الرعية طبقة مؤتمرون بأمره زائدون على ما وظف عليهم من أمره ناصحون له قد شغفوا به حبا وأعينهم مادة إلى ما يأمر وإلى ما يقضي وإلى ما يدبر لهم حتى يت لقوا تدبيره بالهشاشة ووجوه متطلقة وأفعال سمحة ويتلقوا أمره بالتعظيم ومع ذلك ينصحونه في رعيته فينشرون محاسنه وأفعاله وأخلاقه وحسن معاملته بالرحمة ويخبرون عن ملكه وجنوده وكنوزه وغناه ويحثون الرعية على طاعته والحمية له والجد في أموره والشفقة 68 على أودائه ف هذه الطبقة أوجههم عند الأمير وأعظمهم قدرا لما أظهروا من النصيحة والحب له شأن الآدميين مع الله
فكذلك شأن الآدميين مع الله كان أوجههم عند الله تعالى أشكرهم له وأكثرهم نشرا لمحاسن أفعاله وأخلاقه وأعلمهم بصفاته وأغزرهم معرفة به وأوثقهم به وإن الله تعالى أظهر ملكه وخلق في ملكه خلقه ثم آتى كل ذي روح يتحرك في السموات ويدب في الأرض على قدره من ملكه بتل ك الحياة التي جعل فيه فمن سار فيما أوتي من الملك بسيرته التي مثل له فقد تواضع لملكه ووضع نفسه لملكه فإذا دعي يوم المقدم عليه قدم
165
على نزل مهيا ومهاد كريم وتحية رب العالمين وذلك قول الله تعالى ( تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما ) من سار سيرة هواه
ومن سار فيما أوتي من الملك بسيرة هواه الذي يهوي به في الشهوات واللذات يمينا وشمالا فقد تكبر على ملكه والتكبر هو المكابرة فما ظنك بعبد مخلوق من ماء مهين في ظلمات الأرحام بين اللحوم والدماء مخرجه منها من طريق الأحداث والمبالات والحيض والنفاس يكابر ربه في كبريائه ويعظم نفسه ويهين حقه فإذا دعي يوم المقدم قدم على نزل معه قد أعده مالك ومهد الأمهاد فيه ومقته رب العالمين العاقل والأحمق
فالعاقل الذي أحيا الله قلبه نظر ما أوتي من الملك على الذي وضع بين يديه من الجوارح ومن دنياه التي ملك عليها ومن الأحوال فلم يستعمله إلا فيما أمر
والأحمق الذي قد أماتت زينة الشهوات وفتنتها قلبه نظر إلى ما
166
قد أوتي من الملك فاستعمله في نهماته فيما هويت نفسه فخاب عن وعده وخسر مهلته وعمره الذي أعطي
فالكيس من جند الأمير يقول للأمير أنا أسعى خلفك سعي العبيد فإن أعطاه حمولة فقال اركب معي هاب ذلك وقال ما لي وللركوب ينبغي أن أسعى خلفه
فإن قال له اركب بأمري وانظر ألا تركض ركبا تتقدمني فإن فعل ذلك أهانه الملك وأنزله ورده إلى السعي على قدميه وإن حفظ وصيته وركب وكان في آخر الناس فلم يزل يتخطى المراتب بأدبه وكياسته وظرافته حتى وصل إلى قرب الأمير في المركب فقال له الأمير الزم هذا المكان ف ي المركب مني كن على قفاي على أثر مركبي فهذا رجل وجيه ذو مكانة عند الأمير حتى إذا أعطي المكان في المركب
فالكيس من عمال الله تعالى من سعى في الطاعات سعي العبيد فلقي تعبا وأذى كثيرا ومقاساة في جنب المولى واستقل ذلك له فأعطاه نورا حتى صار قلبه فارسا من فرسان الله تعالى ومركبه ذلك النور العطائي فلم يزل في مزيد من ربه نورا على نور حتى لحق وهو وصول العبد إلى م لك الملك بين يديه باب القدرة
167
مثل اثبات الرزق في اللوح
مثل إثبات الرزق في اللوح مثل أمير أعطاك خطة بصك صكه على نفسه في شأن أرزاقك فركنت إلى ذلك منه فإن كانت أقلام رب العالمين جرت على قضيتك في اللوح بالكائن وبأرزاقك على صفاتها التي تظهر لك في دنياك ألا كان الأحق والأولى أن يكون ركوبك إلى ما جرت به أقلام رب العالمين مثل الراغب في الدنيا
مثل الراغب في الدنيا المنكمش فيها المتناول من كل تخليط وغث وسمين مثل البقرة الجلالة تركت المراعي الطيبة وأقبلت على الجلة في المزابل فإذا كان لبن تلك البقرة مكروها على ألسنة العلماء ومعافى على ألسن الشاربين فما ظنك مثل القلب والنفس
مثل القلب والنفس مثل ثورين في نير يجرهما إليك
168
وأحدهما له سماحة في التخطي ونزع في المشي يعطي من نفسه القوة الوافرة والآخر له بلادة في التخطي وانتكاص في المشي وتراجع القهقري لا يعطي من نفسه القوة التي فيه فصاحبه مبتلى به إذ هما شريكان في العمل فإنما ثقل الآخر وتبلد أنه محب للراحة والتخلية في الم رعى فيثقل لمفارقة الشهوة واللذة والوقوع في التعب والنصب
فمثل هذه النفس كمثل هذا الثور البليد الثقيل والقلب خال من الشهوات والنفس معدن الشهوات واللذات والقلب يطلب ربه والنفس تطلب شهواتها ولذاتها فمثل النفس كسفينة مشحونة في نهر شديد الجرية والسفينة في صعود تجر جرا فكلما أوقرت السفينة كان جرها أصعب وأثقل
فمن أحب أن يخف عليه جرها فليخل سفينته من الأشجان بكل ما يقدر عليه حتى يتركها خالية من الأشجان والأثقال فعندها تخف على من جرها مصعدة
169

فالنفس تجري في أمر الله مع القلب فيما تهوى النفس وتشتهي وتلتذ فالسفينة المشحونة منحدرة فإذا جاءها أمر لم تهو ولم تشته صارت كسفينة موقرة مشحونة مصعدة فهي تجر جرا بالرجال مع الأنين والأعناق والأيدي المكدودة حتى تبلغ المصعد مثل الدنيا وانخداع الأحمق بها
مثل الدنيا وانخداع الأحمق بها كمثل الصبي في المهد ترضعه أمه وتسدل عليه ذلك الغطاء وترجحه وتنغمه بأنواع الكلام حتى يذهب به النوم فكذلك الدنيا ترضعه حلاوتها ولذاتها وتطبق عليها الهوى وتتابع عليها الأماني وتطول له في الأمل حتى ينام عن الآخرة فكلما ازداد أ مله طولا كان أثقل نوما ثم سقته شربة في نومه من ذلك السم الناقع وهو حب الدنيا وشغوفه بها حتى يسكر من حلاوة ذلك الحب فعندها يغلي حرصه فهو هلاك دينه كما تسقي هذه المرضعة ولدها من هذا الأفيون حتى يثقل نومه ويكون كالسكران فإذا لم تطبخه بالسمن وتمزجه بسائر
170
الأدوية يقتل الصبي
ولذلك قال رسول الله ( حبك الشيء يعمي ويصم )
فما ظنك بمن أعماه حب الدنيا وأصمه عن الله تعالى وعن مواعظه
وروي عن رسول 69 الله أنه قال ( ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء في المال والشرف لدينه ) مثل من يخلط أعمال السوء بأعمال البر
مثل من يخلط أعمال السوء بأعمال البر مثل من أهدى إلى الملك مائدة عليها ألوان من الأطعمة من الطرف من المأكول
171
والملبوس وفي خلال ذلك عظم الميتة وخرق المزابل ورجيع الدواب ونحوها فلما وصل إلى الملك رفع الحاجب المنديل فرآها بهذه الصفة فحجبه عن الملك ووضعه في الخزانة حتى يأتي الوقت الذي يدعو بها الملك ليخزنها فإذا الحاجب أخرج وتوضع بين يدي الملك فكم من حياء يست حي وكم من خوف يخاف
ومثله أيضا من يهدي للملك قلادة فيها يواقيت وجواهر وذهب ولآلئ وزبرجد وفي خلالها بلورة وعظام الميتة والزجاج أليس أنه قد أذهب بهاء جواهره ولآلئه كذلك هذا مثل من يقوم بأمر الله مخلصا أو غير مخلص
ومثل من يقوم بأمر الله وحقوقه في الظاهر على هواه وباطنه منعزل ومن يقوم بأمر الله لأمر الله كمثل عبدين دعاهما المولى فوجههما إلى كرم له ليسقياه ويصلحاه ويقوما بمصلحة هذا الكرم فذهبا لذلك الأمر مسرعين كالسهم وفعلا ذلك فمن رآهما نظر إليهما بعين الطاعة وصح ة العبودة فأراد المولى امتحانهما ليبلو
172
باطنهما فحضر الكرم فوجدهما في ظلال بين الثمار والأعناب والوقت وقت الظهيرة فبعثهما إلى الحصاد والدياس فمر أحدهما من ساعته مسرعا ممتثلا أمره والآخر أخذ في التلكؤ والتغافل فعلم من رأيهما بعد الامتحان أن ذلك الأول ممن أطاع مولاه على الصفاء والإخلاص وال آخر على هوى نفسه فلما استقبله خلاف هواه ترك طاعته وتأنى بالكسل والتثاقل فهذا تابع هواه
فكذلك العبيد عند الله تعالى من عبد الله تعالى للهوى وللنفس فيه نصيب يمر فيه وإذا أتاه أمر يثقل عليه هرب منه وضيع الحق فإذا أتاه محبوب سارع إليه فلا يكون هذا من المحقين أبدا مثل موسرين ينفق أحدهما فيما يهوى وينفق الآخر في وجوه الخير
مثل الموسرين أحدهما ينفق ماله في هوى نفسه والآخر ينفق ماله في وجوه الخير من إطعام الطعام وصلة الأرحام ومصارف الحق وأشباه ذلك مثل رجلين دعاهما الملك فأودع كل واحد منهما خزانة فقال أمسكا واحفظا فمن جاءكما برقعتي فأعطياه ما في الرقعة مقدارها وها هنا عسكرا ن عسكري وعسكر العدو فإياكما أن تصرفا شيئا من هذا المال إلى عسكر العدو
173

فذهب أحدهما واستعفاه من قبوله فلم يعفه منه فقبله على ضرورة وهو ثقيل عليه فكل من أتاه برقعته أدر عليه ما تضمنته الرقعة مغتنما لحقه حتى صدروا إلى الملك حامدين له شاكرين بباب الملك مثنين عليه ناشرين عنه جميلا ثم عمد إلى صرته فأنفق على ما فيه قوة عسكر المل ك فإذا قدم للحساب قرت عينه بأداء الأمانة والامتثال لأمره
وأما الآخر فإنه لما قبل الوديعة ذهب يفتخر بها ويتطاول على نظرائه ويباهي بها أشكاله ثم أخذ يصرفها إلى ملاهيه وهواه وقبيح عمله وأنفذها إلى عسكر العدو فكل من عقل أمره تعجب منه وبهت في أمره بغفلته وبلاهته وقبح عمله فإذا جاءته رقعة الملك دافع وسوف حتى رجع أ صحاب الرقاع إلى الملك بها ذامين له متذمرين لفعله ثم لما صرفها في الوجوه عمد إلى أسلحة ودواب فأنفذها إلى عسكر العدو فإذا قدم إلى الحساب سأله ما صنعت في وديعتنا وأموالنا ومواثيقنا لم يكن له جواب إلا
174
أن يقول صرفت أصحاب الرقاع بحرمان تسويفا ومدافعة وصرفت المال في الأسلحة والدواب لعسكر عدوك فما له من الحساب مثل من يعظ القلوب الخربة
مثل من يعظ القلوب الخربة مثل رجل عمد إلى خراب قد تلزق عليه الدخان والغبار واسود من كثرة ذلك فكلما طينه لم يلزق به الطين وتساقط فهو بين أمرين إما أن يحكه أو يغسله حتى زال عنه ذلك الغبار والدخان حتى يلزق به الطين فإن عجز عن ذلك وإلا تابع الطين عليه فكلما تساقط ضربه بآخر مرة بعد أخرى إلى أن يلزق فلا يزال يردد عليه ذلك حتى يزيل جميع ما كان عليه من الدخان بتتابع الطين مرة بعد مرة
فكذلك القلوب التي قد رانت من كثرة الذنوب إذا لاقت الموعظة تهافتت عنها بمنزلة الجدار الذي مثلناه فإذا تاب العبد وفزع من المعاصي واستغفر فلاقته الموعظة قبل القلب ذلك وأقبل على الطاعة ثم أقبل بعد ذلك على حسن الطاعة فعبد الله كأنه يراه فذلك منه الإحسان الذ ي وصفه رسول الله لجبريل صلوات الله عليه حيث سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان
175
فقال الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه
فهذا القلب كجدار غسل وطين ثم جصص فصار أبيض ثم ينقش ويطيب فصار مطيبا منقوشا
فالقلب التزق عليه دخان الذنوب وغبارها لقوله سبحانه وتعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )
وقال النبي ( إذا أذنب العبد ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا عاد نكتت أخرى فلا يزال كذلك حتى يسود القلب ثم قرأ قوله تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) فإذا تاب صقل القلب وأضاء فإذا لاقته الموعظة لاقت قلبا مصقولا فصارت المواعظ له عيانا كأ نه يشاهدها بعيني الفؤاد ما يوصف له فصار كالمرآة إذا رينت فما رآه فيها أبصره كالخيال فإذا صقلت أبصر فيها كل ما قابلها من شيء خلف ظهره وبين يديه وأبصر مثال وجهه فيها فإذا قابلها بعين الشمس وقع ضوء الشمس في البيت الذي ليس للشمس فيه موضع إشراق وذلك لأن النور ين إذا اجتمعا والتقيا نور الشمس ونور المرآة تولد من 70 بينهما نور فوقع في البيت المظلم فأضاء
176

فكذلك القلب الذي عليه رين الذنوب بمنزلة المرآة التي قد صدئت فإذا فكرت شيئا من أمور الآخرة لم يتراء لك فإذا صقل قلبك بالتوبة والاستغفار صار كالمرآة المجلاة فإذا فكرت في سالف الذنوب وتراءى لك قبحها فاشتد عليك وإذا فكرت فيما أعده الله لأهل المعاصي ذكرتك و أرعبت قلبك بتعظيم ما تمثل لك من عقابه
وإذا فكرت في دار المطيعين برمت بالحياة شوقا إلى تعظيم ما تمثل لك من كراماته لعبده
وإذا فكرت في العرض الأكبر هالك شأنه وأخذك القلق وعمل فيك الحياء من ربك
وإذا فكرت في أمر الملكوت عظم شأن العبودة عندك فإذا لاحظت جلاله وعظمته صار صدرك بمنزلة البيت الذي وقع فيه نور الشمس حيث قابلتها بتلك المرآة فصار الصدر منك ممتلئا نورا قد غاب عنك في ذلك النور جميع ما تراءى لك قبل ذلك في وقت فكرتك في أمر الجنة والنار وأمر الذنوب وكل شيء سواه ولها قلبك
177
عن ذلك كله ووقع قلبك في بحار العظمة فتقع في الوله إلى الله فإذا صار هذا القلب كجدار غسل وطين ثم جصص فصار أبيض ثم نقش وطيب فصار مطيبا منقوشا فحينئذ أقبل إلى الإحسان وعلى حسن الطاعة بأن يعبد الله كأنه يراه فذاك منه الإحسان الذي وصفه رسول الله حين سأل ه جبريل عليه السلام مثل الدنيا مثل بحر عميق
مثل الدنيا مثل بحر عميق كل من دخله غرق فيه لأنه لا يرى ساحله فإلى كم يسبح فهو في السباحة حتى يعيا فيلقي نفسه في التهلكة وربما هاج الموج فيغرق في تلك الأمواج
فالكيس من يجانب البحر فهو في سلامة ومأمن من الآفات إذا لزم السواحل والفرضة ومن له حمق دخلها من قلة المبالاة وترك السواحل فإذا هو هالك
ومن كان قويا في ذات يده هنيئا مريئا بآلاته وأدواته ورجاله وشرعه وديدبانه وهيأ السفينة فركب البحر في مركب لم
178
يضره لأن سفينته بعرض البحر وطوله قد طبقت البحر فإن سكنت الريح أرساها وإن هاجت أجراها فالآدمي بحره حرصه الذي في جوفه فليس لحرصه نهاية كالبحر الذي لا يرى أطرافه وهو قول رسول الله ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لا بتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب )
أخبر أن صاحب هذا كلما ازداد تناولا من الدنيا لم يدعه ما في جوفه حتى يطلب مزيدا وذلك حرصه الذي غرق فيه قلبه فأهلكه
ثم قال في آخره ويتوب الله على من تاب فالتوبة من العبد إقباله إلى الله بقلبه والتوبة من الله على العبد إقباله على العبد بوجهه الكريم فتلك سفينته وكما أن السفينة بلا أداة وآلة ورجال لا تغني عنه شيئا فكذا التوبة لها شعب حتى تأتي بالشعب كلها وهو أن يعرض بق لبه عن جميع الشهوات والهوى فذاك الإقبال كل
179
الإقبال فقد أمن الغرق لأنه قد وقع قلبه في بحار العظمة فامتلأ قلبه وصدره حتى شبع وروي وغاب الحرص عن صدره ودانت نفسه فصارت كسفينة قد طبقت عرض البحر فإذا هاج البحر فإنهما هو بحر العظمة جرت سفينته بريح طيب وشراعها حب الله تعالى وذكره وريحها شوق العبد ف لو أخذ الدنيا كلها بكفه لقوي عليها ولم يضره لأن الحرص مفقود وإنما أخذها لله ثم ردها إلى الله فهو كالخازن يأخذها بحق ويمسكها بحق ويصرفها في حق ليست له في ذلك شهوة ولا نهمة مثل الشهوات وترددها في الصدور
مثل الشهوات وترددها في الصدر بين عيني الفؤاد مثل ذبان تطير بين عيني الرأس وإنما يجتمع الذبان حيث يكون الشيء الحلو من الأشربة والأطعمة وكذا إذا اجتمعت الشهوات في صدر المؤمن وحلاوة الدنيا ولذاتها فلقيته مستقرا لها بترددهن فما دام الحر كائنا فذلك شأنهن فإ ذا جاء البرد لم يكن لها بقاء
فكذا صاحب الشهوات إذا جاءته من الله رحمة برد قلبه عن الشهوات فإن نور الرحمة يبرد الأشياء ويخمدها فإن برد الرحمة
180
يطفيء حر النار عن المؤمن عند الجواز على الصراط
وكذا ها هنا من نال رحمة من الله برد قلبه عن جميع الشهوات ثم بعد ذلك جاءت أنوار على القلب واشتعلت نيرانها في القلب حتى صار سعيه كله له بعد أن كانت حرارة الشهوات موجودة في صدره وكان سعيه لها
وقد قال الله تعالى في وصف الشهوات وشأنها ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب )
فقد اجتمع في الآدمي ثلاثة أشياء زينة وحب وشهوة لهذه الأشياء التي عد في هذه الآية
181

والشهوة خلقت من النار وهي محفوفة بها لقوله ( حفت النار بالشهوات ) فتلك زينة ونعيم وأفراح خلقت من النار والنار خلقت لها ففي جوف كل نفس موضوع فيها بقدره وحريقها موجود عند هيجانه
وللحب حرارة وللزينة فرح وللفرح حرارة فكلما ازداد العبد من هذا الفرح تباعدت عنه الرحمة لأن الله تعالى لا يحب الفرحين
فإذا توقى عن هذه الأفراح فمثله كمثل رجل دخل بيتا فيه ذبان كثيرة فسد الكوة وذب الذبان إلى الباب ليخرج فسد الباب حتى أظلم البيت فذهبت قوة طيران ما بقي في البيت فبقي في ناحية من البيت وراح من في البيت
182

فمن لم ينل تلك الرحمة التي تبرد قلبه عن الشهوات وتخمد نفسه فيها فالحيلة فيه أن يختار لنفسه العزلة ويسد أبواب الشهوات على نفسه
قال قائل مثل ماذا
قال مثل رجل أراد أن يسد باب فضول الكلام حتى تنقطع عنه شهوة فضول الكلام ويبرد على 71 قلبه ذلك 1 اجتناب أبواب الكلام
فعليه أن يجتنب أبواب الكلام على كانونه مع عياله وعلى بابه عند مجمع الجيران في الحارة وعند مجامع الطرق والأسواق فهذه كلها أبواب الكلام فإذا عرفها تجنبها فإذا هو قد سد على نفسه وحسم الباب فإذا تعشى قام إلى مصلاه وإذا رأى مجمع الجيران سلم ومر فكل مجامع في ها فضول من الكلام جانب عنها كما فعل أبو مسلم الخولاني رحمه الله حيث رأى جماعة في المسجد فمال إليهم ليجلس معهم وظن أنهم في ذكر الله تعالى فوجدهم في ذكر الدنيا فقال أنتم في سوق الدنيا وحسبت أنكم في سوق الآخرة وأعرض عنهم
183

فمن كان لسانه منه على بال ورد شهوة الكلام عن نفسه فقد نجا من أمر عظيم
وكذا في سائر الجوارح يسد على كل جارحة أبواب فضولها حتى تهدأ جوارحه فصار كمن سد الكوة ورد الباب فسكنت الذبان عنه فكلما فتح الكوة والباب عدن إلى الطيران فهذا دأبه إلى يوم الموت
فهذا شأن أهل العزلة حسموا أبواب الشهوات بالعزلة عن الخلق حتى هدأت الجوارح وبقوا في الزوايا فمن من الله عليه بالنعمة العظمى وبالحرمة التي إذا ورد على القلب نورها خمدت جميع حرارة الشهوات وذبلت وتهافتت بمنزلة البرد الذي هجم على مكان الذباب فتهافتت فإذا بر د القلب بخمود النفس وخلا الصدر من حرارة الشهوات وصورهن على عيني الفؤاد في صدره صار الصدر كمفازة جرداء وطهر من أدناس الشهوات فعندها جلبت عليه الرحمة تلك الأنوار الملكوتية فاشتعل في قلبه حريقها فاستنار الصدر بها حتى حمي الصدر وصار بمنزلة التنور الخالي من
184
النار بارد فكلما ألزق به رغيفا تهافت ولم يلزق فإذا سجر التزق الخبز به
فكذا القلب إذا حمي بتلك الأنوار فكلما لاقته موعظة التزق الوعظ به ونجع فيه واتعظ به وإلا تهافت كالخبز من التنور البارد مثل رياضة النفس
مثل رياضة النفس مثل دابة سالمة لم تربط إلى آري فكانت ترتع في البراري تذهب حيث شاءت إلى نهماتها لا تعرف مالكها ولا تعلم سيرها فإذا أراد أن يجعلها مركبا أخذها الرابض بالوهق والحبل ثم قيدها حتى أمكنته من اللجام والسرج ثم ركبها فاضطربت بنفسها إلى الأرض فلا تزال هكذا حتى انقادت
185
للركوب عليها واعتادت اللجام و السرج فاستغنى عن القيد ثم كانت تسير ولا تعلم السير فلم تزل تؤدب لتعلم السير وتترك مرادها فردها من مرادها ومن نهمتها وسيرها إلى مراد نفسه ثم لما صارت إلى الأنهار والحفائر وثب بها لتعتاد العبور عليها ولم يجرها على القنطر ة فتعتاد الجري على القنطرة فليس على كل نهر توجد قنطرة ثم سار بها في جلب الأسواق في النجارين والحدادين ونحوهما ليعودها الجلبة كي لا تنفر ولا تترك سيرها عند كل جلبة تستقبلها فلا يزال يرد بها هكذا حتى يأخذ بمجامع قلبها وتترك أذنيها مصغية إلى هذه الرياضة فهي تسير بهذا اللجام فإن مد عنانها بإصبع وقفت وإن عطفت بإصبع انعطفت وإن تحامل بركابيها وأرخى عنانها طارت وإن كبح لجامها في ذلك الطيران بإصبع هدأت وسكنت وإن نزل عنها ووقفها امتنعت من أن تروث وتبول حتى تصير إلى موضعها وإن استقبلتها جلبة لم تلتفت إلى ذلك ودأبت في سيرها وإن استقبلها نهر لم تلتفت إلى قنطرة ووثبت وثبة من رفع البال عن نفسها
فهذه دابة قد صلحت للملك فعرضت عليه فاستحلاها واتخذها لنفسه مركبا فربطت إلى آرية وأعلفت من أطايب
186
الأعلاف وغلا في ثمنها وجللت وبرقعت وأريحت فمن بين الأيام ينشط الملك مرة للركوب عليها
فكذا النفس أولا تراض بحفظ الحدود فهذا سرجها ولجامها والركوب هو الفرائض ولجامها الحدود التي حرم الله تعالى ثم تراض فتؤخذ بالصدق والإخلاص في الأعمال وحسن الأخلاق كما أمرت الدابة بحسن السير وبالعطف في المعاطف والطيران عند التحامل عليها وذلك السبق بالأعمال من العبد والمسارعة في الخيرات ثم يؤخذ عليه بقول الحق وألا يخاف في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أخذت الدابة بالوثب حيث لا قنطرة ولا مجاز للماء ثم يؤخذ عليه بالمعاداة لأهل المنكر والمعاصي والحب لله والبغض في الله كما أخذ على الدابة تقلبها في العبور والأسواق
فهذا بذل النفس لله فإذا قد استكمل الأدب وأخذ الله بقلبه فصار صغو أذني فؤاده إلى الله تعالى وشخصت عينا فؤاده تنظران إلى الله تعالى وإلى تدبير الله جل وعلا في خلقه فهذا ولي الله قد أدبه واصطفاه لنفسه واتخذه حبيبا
187
مثل الإيمان والأعمال الصالحة
مثل الإيمان والأعمال الصالحة مثل بيت وضع فيه غصن من الورد والياسمين والسوسن مما يفوح ريحه فيطيب البيت ما دام البيت مرشوشا ذا روح والغصن طري بمائه فريحه فائح فإذا هب الروح من البيت وتمكن فيه الحر ذبل الغصن وذهبت طراوته وافتقد طيبه
فكذا الإيمان في قلبه طري نزه بنزاهة القلب فإذا نالته حرارة شهوات النفس وفوران الهوى وحدة حرارة الحرص وطلب العلو وحب العز والرياسة فأحاطت هذه الأشياء بالقلب ذبلت شجرة الإيمان وذهبت طراوتها ونزاهتها مثل طيب الإيمان على القلب
مثل طيب الإيمان على القلب مثل عود ألقيته على جمرة ليتوقد ويتبخر به المسجد فإذا كانت الجمرة ذات توقد فاح ريح البخور وانتفع القوم به وإذا كانت الجمرة منطفئة قد علاها الرماد بقي العود مكانه ولم يكن له بخور
188
مثل الإيمان في القلب
مثل الإيمان في القلب مثل غراسة غرستها في الأرض عودا كالسواك فالتفت عليها الأرض فأن أنت سقيتها وأمددتها بالتراب وأضحيتها للشمس فعن قريب تصير شجرة باسقة في السماء غلظ ساقها وكثر فروعها وتمكنت من الأرض 72 عروقها وزكت ثمرتها
فإن قصرت في السقي والتراب وسطحت فوقها فلم تدركها الشمس تكون عويدة كما غرستها ثم عن قريب تيبس وتقلع ويرمى بها في النار
فكذا نور الإيمان إذا دخل القلب فسقيه العلم بالله فكلما ازددت بالله علما ازداد القلب بالله حياة وازداد كشفا ووضوحا بربوبيته
ومدده أعمال البر وهي أداء الفرائض واجتناب المحارم فكلما عملت برا كان نور ذلك العمل راجعا إلى نور المعرفة فيزداد
189
قوة بنور المعرفة لأنه إذا رفع عمله إلى الله تعالى نظر الله إليه فاشتغل بذلك فذلك العمل النور وأصله في القلب وفرعه عند الله تعالى فإذا اشتعل الفرع نورا بنظر الله تعالى إليه تأدى ذلك النور إلى الأصل فاختلط بنور المعرفة فتزكى وإضحاؤها للشمس رفع العلائ ق وهو ركوب الهوى في الشهوات فإذا زال الهوى عن القلب كان بمنزلة بيت رفع سقفه حتى خلص إلى الشجر حر الشمس فعندها يغلظ ساقه وتكثر فروعه وتزكو ثمرته كعود غرسته في وعاء مثل الحب وفي أصل الحب تراب فلم يزل هذا العود ينمو بسقي الماء وإشراق الشمس حتى صار ذا ساق غل يظ امتلأ من غلظه هذا الحب حتى لم يبق فيه موضع ظفر فإذا امتلأ لم يكن لشيء غيره مساغ فيه أن يدخله
فكذلك المعرفة إذا تمكنت في القلب عروقها لا يزال يربو على ازدياد العلم بالله وبأسمائه وبربوبيته وتدبيره وعلى أعمال البر وقطع العلائق حتى يمتلئ القلب منه فكان بدؤه نور المعرفة فلحقت به هذه الأنوار نور المعرفة وأنوار العمل فامتلأ القلب نورا حتى لم يبق في القلب موضع رأس إبرة خاليا عن النور فكيف تدخله ظلمة الهوى والنفس فإذا لم يربه بهذه الأنوار بقي القلب
190
خاليا إلا بمقدار ذلك النور الذي حل به من نور المعرفة وما حوله من القلب خال فتدخل عليه ظلمات الهوى فتختلط به ويجاوره بجوار السوء حتى يذوب ذلك النور وينتقص فيوشك صاحب هذا أن يسلب حتى لا يبقى معه شيء نعوذ بالله من تلك الحال
وحكى أن إبراهيم بن جنيد رحمهما الله قال كان يقال همة الزهاد والعباد مخالفة الأهواء عن الشهوات وهمة العقلاء والأولياء ترك الذنوب وإصلاح القلوب مثل الإيمان
مثل الإيمان مثل الضيف الكريم بعثه الملك إليك ضيفا وأمرك بالإحسان إليه فإن تركك على ذلك وقعت في الجهد والمعالجة والاستدانة والحور تنفق عليه وتحسن فإن أعطاك الملك بدرة من الدنانير وقال أنفق على هذا الضيف ولا تقتر وأحسن إليه ولا تقصر فقد استرحت فإن كنت تر كت الضيف ضائعا وتنفق الدنانير على أهلك وولدك فقد خنت وخسرت
191

فالمؤمن أعطي المعرفة وقيل له تبحر في علم هذه المعرفة وانظر إلى ما ظهر لك من عظمته وقدرته وجلاله وملكه وانظر إلى تدبيره وحكمته وصنائعه وانظر إلى مجده وإحسانه فذهب بهذا النظر بما أعطى من النور إلى أشغال النفس وأمور الدنيا فخاب وخسر
وإن ذهب بهذا النظر إلى ما ذكرنا بما أظهر ربنا تبارك وتعالى من أموره ازداد يقينا وخشية وخوفا وحياء وازداد حسن الظن بالله تعالى واستغنى به عن جميع خلقه ولذلك قال رسول الله ( إن يوما لا أزداد فيه علما بقربي إلى الله تعالى لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم )
وروي لنا أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال يا رسول الله علمني غرائب العلم قال ( ما صنعت في رأس العلم ) فقال له ( هل عرفت ربك ) قال نعم فقال ( ما صنعت في حقه ) قال ما شاء الله قال ( هل عرفت الموت ) قال نعم قال ( فما أعددت له ) قال ما شاء الله قال ( فاذهب ف تعلم رأس العلم ثم تعال حتى أعلمك غرائب العلم )
فإنما دله رسول الله على العلم بالله ليقوم بحقه
ألا ترى أنه سأله عن حقه ليعلم أن من ضيع حقه وجهل
192
حقه ثم ادعى علما به فهو كاذب في مقالته فإنما ذاك علم سمعه بأذنه وأودعه حفظه وليس في قلبه منه إلا الإيمان به
فهذه البدرة التي أعطاك الملك لتنفق منها وأعطاك ربك جل جلاله هذا الذهن والعقل فمن استعمل عقله في التفكر في أمر الله فقد وضع النفقة موضعها وقد أنفق على الضيف لأن المعرفة موضعها القلب وحولها بحور العلم بالله فذلك كله ثبات المعرفة واستقامتها لئلا تصير المع رفة نكرة بينما أنك تعرف ربك بالجود والكرم والوفاء ثم تصير معرفتك نكرة فتتملق إلى عبيده في النوائب وتتعلق بهم وتتخذهم من دونه وكيلا ووليا فتعرف ربك بالكفاية وتستظهر بمن دونه حتى تقع في آبار المهالك وتصير مداهنا ومتصنعا ومرائيا تتزين لخلقه وتترضاهم بالقبائ ح والمشاين فيما بينك وبين ربك ونعوذ بالله من ذلك مثل الإيمان وصحته وسقمه
مثل الإيمان وصحته وسقمه مثل رجل يريد أن يشترى عبدا
193
فيتخير من بين العبيد من له زيادة بسطة في الجسم غليظ الرقبة يقدر بالأحمال الثقيلة على رقبته وسبق على العبيد بالشخص والبطش فاشتراه بالثمن الغالي وأقامه بالخدمة بين يديه وصير له مقاما معلوما فإذا يكون قد سقم فما زال السقم حتى أثر في بدنه فزال عنه قوة البطش والحمل ورق عظمه وصارت قدماه من الرعشة والرجفة حتى عجز عن القيام بين يدي سيده وعجز عن الخدمة فتراجعت قيمته وصار أمره على خطر الموت
فالمؤمن لما جاءه نور الهداية استقام قلبه لله عبودة مؤمنا بقلبه مسلما بأركانه فقد استقرت قدما قلبه بين يدي الله تعالى للخدمة فاذا جاءته الشهوات مع هبوب ريحها فرجفت بقلبه ومازجت حلاوة الشهوات ولذات الهوى حلاوة الحب الذي في إيمانه وضعف قلبه وصارت تلك الحل اوة واللذة التي جاءت من قبل الشهوة مرضا للقلب فضعف القلب لأن قوته كانت من حرارة ذلك الحب وحلاوته وقوة 73 الفرح الذي في ذلك الحب فرجفت قدماه وارتعشت فإذا جاءته المكروهات ضعف قدمه عن احتمالها ودقت رقبته وذهبت قوة بطشه بقلبه وعجز عن القيام بين يدي الله تعال ى لأن هواه وشهواته تردانه إلى المنى
194

فالإيمان هو استقرار القلب بين يدي الله تعالى وطمأنينة النفس بين يدي الله تعالى بالعبودة فإنما دخل عليه السقم من مخالطة حلاوة الشهوات ولذة الهوى فذهبت قوته فلذلك قال رسول الله ( الإيمان حلو نزه فنزهوه )
فحلاوته من الحب الذي تضمنه ونزاهته من نور التوحيد فإذا مازجته حلاوة الشهوات مررته وإذا خالطته أسباب الهوى ذهبت نزاهته فتكدر الإيمان وتدنس ومن كدورته ودنسه سقم القلب
قال له قائل وكيف يتدنس الإيمان ويتكدر
قال إن الإيمان عطاء الله تعالى وهو استقرار قلب العبد به فإذا استقر قلبه بربه صار عارفا له مطمئنا إليه فذاك منه إيمان بالله تعالى وهو عطاؤه للعبد يقال آمن يؤمن إيمانا
وأما النور الذي منه استقرار القلب فهو نور الإيمان فيجوز أن يسمى إيمانا في اللغة كما نسبت البيت إلى الدار والدار إلى البيت فالدار تسمى دارا لتدوير الخطة والبيت يسمى بيتا لأنه نبيت فيه
195
مثل الإيمان
مثل الإيمان مثل الضيف بعث الملك إليك ضيفا وقال أحسن إليه فإنه ضيف كريم وهو من خاصتي وصنه صيانة مثله فلو تركك على ذلك وقعت في جهد عظيم واستدانة ومؤونة عظيمة لتنفق عليه وتحسن إليه في العاقبة ومع ذلك تعجز عن الصيانة والإحسان إليه لفقرك وخفة ذات يدك فإن أع طاك بدرة من الدراهم لتنفق عليه فقد أقدرك على الإحسان إليه وكنت واصلا إلى إحسانه على السعة والبسطة لسعة المال الذي نلته
والأول ناله التعب لضيق النفقة ولكن أنت بعد في تعب من ذلك لأنك تحتاج إلى التقدير في كل شيء والتقدير تعب لأنك تحتاج إلى محافظة المقادير فإذا جاءت المحافظة على التقدير ضاع بعض الإحسان لقلة العدة فإذا بعث إليك بدرة أخرى مكان الدراهم من الدنانير وقال أنفق ع ليه اتسع في النفقة وخرج عن تعب التقدير ومحافظته فوصل إلى الإحسان كله ومع ذلك بقي شيء من الإحسان لم يصل إليه
قال له قائل وما تلك البقية
196

قال بهاء الإحسان وزينته
قال وبماذا يصل إلى ذلك
قال بأن بعث إليه بدرة أخرى مكان الدنانير من الجواهر قيمة كل جوهر منها بيوت من الدنانير قد اتسع الآن في النفقة اتساعا فحينئذ يصل إلى بهاء الإحسان وزينته
قال له قائل ضربت المثل فقابل الشيء بالشيء حتى نفهمه
قال نعم الملك ربك الأعلى والضيف الكريم وخاصته المعرفة الذي آمنت به فأوصاك بالإحسان إليه وصيانته بقوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ) وقال أيضا جل ذكره ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )
قال له قائل هذه الآية نزلت في الجهاد وفي النفقة فيه
فقال هذا الذي تحكيه تفسير العجم من الكتب الموضوعة لهم على الشايذبوذ أفترى ما أنزل الله في شأن قوم لم يعم الخلق
197
ذلك فقد نزلت آية الخمر وآية الربا في شأن قوم فعمت الخلق كلهم ولم يقل أحد من المؤمنين إنما نزلت هذه في شأن كذا وفي قوم كذا فهذا لهم دوننا فإذا قال الله تعالى ( اتقوا الله ) فقد عم الخلق كلهم أن يتقوه وعم المواضع كلها فإذا قال ( واعلموا أن الله مع المتقين ) فقد اقتضاهم كلهم أن يعلموا ذلك
وقوله ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . . . ) الآية فسبيل القلوب إلى العرش إلى مظهره الذي ظهر للعباد وهناك سبيل الأركان والجوارح إلى أمره ونهيه فالإنفاق في سبيل القلوب من هذه البدرة التي كنزها في الصدور والإنفاق في قلوب المؤمنين ف الكنز في القلب وموضع الإنفاق على الضيف في الصدر والإنفاق في سبيل الأركان والجوارح من الأمر والنهي الذي رسمه في التنزيل فيأتمر بأمره وينتهي عن نهيه فكلاهما في سبيل الله تعالى إلا أن أحد السبيلين للقلب إلى العرش وسبيل آخر للنفس إلى طاعة الله تعالى ثم إلى ا لجنة
وإنما يستكمل في سبيل الطاعة بالسبيل إلى العرش ثم قال ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فيدعو مجاهدة النفس ورد الهوى من حيث جاء وبما جاء من باب النار ثم قال ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) أي أحسنوا مجاورة معرفتي في قلوبكم فإن
198
معرفتي وعلمي وتكلمي أنوار لا تحتمل الأدناس ومجاورة الأنتان والمزابل وقد علمتم أن الغل والغش والمكر والحسد وحب الدنيا واتباع الهوى كلها أنتان ومزابل وظلمة وأدناس وأنجاس وأرجاس
فإذا وجدتم في صدوركم سلطان هذه الأشياء عاملا فيها فكيف يكون حال هذا الضيف عندكم وأين إكرامكم إياي ووصيتي إياكم بالإحسان إليه
ثم قال فيما روي عنه في بعض الكتب إني أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري
فإكرام الله تعالى أن تكرم معرفته التي وضعها فيك وتصونها من الأدناس والأنتان والمزابل التي ذكرناها
وقد قال ( الإيمان حلو نزه فنزهوه ) فحلاوة الإيمان الحب الذي وضع فيه ونزاهته أن تنزهه عن هذه الأشياء
ثم قال الله تعالى ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) أي أحسنوا إلى هذا الضيف وأحسنوا مجاورته فإذا قال أحسنوا فإنما يقع الإحسان على كل شيء كما قال ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وليحد
199
أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )
وقال جل ذكره ( وبالوالدين إحسانا ) وقال جل ذكره ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) وقال الله عز وجل ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )
فأحسن إلى من أحسن إليه وأعظم شأنه وأكرم مجاورته وطهر مكانه 74 وهو نور الله تعالى في قلب المؤمن وجه تشبيه القلب بالكعبة
وقد عظم الله تعالى شأن الكعبة وطهرها وسماها بيته ولم يملكها أحدا من خلقه وجعل حولها حرما آمنا يلوذ به الخائفون ويمتنعون به من الآفات ويتطهرون بالطواف بهذا البيت من أدناس الذنوب ويرجعون في وقت الصدور عنه مغفورين فنور الله أعظم شأنا وحرمة من الكعبة
وقلب المؤمن خزانة الله تعالى فيه كنوز المعرفة وكنوز العلم بآلائه ولم يملكه أحدا ولم يطلع عليه أحدا ولم يكله إلى
200
أحد فهو في قبضته وبين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء
كذا روي لنا عن رسول الله وسمي بهذا الاسم ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك )
وكان هذا الاسم هجيري رسول الله وكان عامة دعائه بهذا الاسم وعامة حاجته في الثبات قالت عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله إنك لتكثر هذا الدعاء ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك ) فقال لي ( يا عائشة إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه ا كيف يشاء ) ثم قرأ قول الله سبحانه ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب )
الروايات لهذا الحديث من غير وجه واحد ولا اثنين ولا أربعة ولا
201
خمسة كلهم يروون هذا الحديث عن رسول الله فجعل الله قلب المؤمن خزانته وفيها كنوزه وهو ممسكه وجعل صدره حرما
فإذا كان الحرم له من الحرمة أنه لا يصاد صيده ولا يقطع شجره ولا تلتقط لقطته ولا يخاف من دخله وصيره مأمنا ومهبط رحمته وموضع نظره من بين جميع الأرض فقلب المؤمن أعظم شأنا من الحرم وما فيه أعظم من الكعبة فإن كانت الكعبة بيته فهذا نوره في خزانته وإن كانت الك عبة لا يملكها غيره فهذا القلب أيضا في قبضته لا يملكه غيره وإن كان ما حوله حرما فالصدر حول القلب حرم لهذه الخزانة ولما فيها فكما قال رسول الله ( من أحدث في الحرم حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل )
فهذا المحدث هو خارجي يخرج بالجور والباطل على إمام عدل محق فهو المحدث ومن أعانه أو آواه فقد استوجب اللعنة فكذلك من أحدث في هذا الصدر حدثا من هوى أو بدعة استوجب اللعنة ولم
202
يقبل منه صرف ولا عدل ولا توبة لأنه خرب الدين ورام أن يأخذ ولاية القلب بالتوحيد فإن القلب أمير على النفس والإمرة بالكنوز والجنود حتى يمضي سلطانه على الجوارح في الأمر والنهي وقوة كنوز المعرفة وعلم التوحيد فهؤلاء الجبرية والقدرية والمرجئة والمجسمة وال معطلة عليهم لعائن الله تترى قد أحدثوا في الحرم على خزانة الله أكثر وأعظم ممن أحدث في الحرم على بيت المال
وكما لا يصاد صيد الحرم فكذلك ما تطاير في الصدر من الخواطر من صفات الله تعالى فليس تصاد تلك الخواطر فيدخل قلبه مداخل الفكر لكيفيته فإنه ليس لتلك الصفات كيفية ولا منتهى ولا ملاحظة فاستغفر الله كما تكفر أول صيد تأخذه
203

ثم قال الله تعالى ( ومن عاد فينتقم الله منه ) أي يعاقبه
وحذرك الكفر فإنه ينتقم منك إذا اتبعت الخواطر ففكرت
وقال رسول الله ( تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه )
وكما لا تقطع أشجار الحرم فتذهب نزهته وخضرته لا تسقط حرمة أشجاره أيضا لأنها في المأمن
وروي عن رسول الله أنه قال ما ( صيد من مصيد ولا قطعت شجرة إلا لغفلة عن التسبيح )
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أتى بغراب وافر الجناحين فمسحه بيده وقال الحمد لله رب العالمين سمعت رسول الله يقول ( ما صيد من مصيد ولا قطعت شجرة إلا لغفلة عن الصلاة والتسبيح )
فإذا كانت الأشجار إنما يسلط الآدمي عليها في وقت غفلتها
204
عن التسبيح لأنها على قطعها صارت معاقبة بترك التسبيح وجعلت شجرة للآدميين فيكون تسبيحها مكان تسبيح الممتنعين عن التسبيح بشركهم وكفرهم لتتماسك الأرض بتسبيح المسبحين الموحدين ومن لحق تسبيحهم من الجبال والأشجار والخلق والخليقة فإنما يسلط على قطعها بتركه ا التسبيح وغفلتها فإذا كانت الشجرة في الحرم فهي في المأمن مأمن بيت الله تعالى
وقال الله تعالى ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا )
وإن غفلت عن التسبيح لم تصل إليها عقوبة القطع فمنع الخلق عن قطعها فإن قطعها قاطع فتلك جناية فإن غرم في الدنيا كان قد افتدى نفسه بتلك الغرامة والصدقة على المساكين بقيمتها وأدى إلى الحرم حقه وخرج من جنايته على شجر الحرم وإن لم يغرم في الدنيا موحد كان أو م شرك فلا فوت على الله من أخذ حقه لحقه وحق حرمه فإذا كان هذا شأن أشجار الحرم فما ظنك بمن قطع أشجار حرم القلب التي في الصدر
قال تدبير الله تعالى في إبراز أسمائه وعلم أسمائه وما خرج من أسمائه إلى الخلق فخرج باسم العرش وباسم الكرسي وباسم الجنة وباسم النار وباسم الملائكة وباسم آدم
205
عليه السلام والآدميين وباسم المسخرين وباسم الليل والنهار وباسم الذي ختم الأسماء محمد فهذه الأسماء كلها تدبيره وهذا الخلق الذي منه خرج تدبيره فهذه أشجار فمن اعترض تدبيره فعارض اسما باستخفاف أو جهالة فقد قطع شجرة ومن اعترض تدبيره فعارض حقا من حقوقه ف ي خلقه فقد قطع أغصان الشجرة وأصل الشجرة باق فإن تاب وأرضى الخلق عادت الأغصان اليابسة رطبة
فإذا كانت أشجار الحرم حرم الكعبة هذا محل صاحبها وهذا شأنها فكيف بأشجار حرم الصدر ما ظنك بمن عارض تدبير الله تعالى أليس هو مناصب لله عز وجل من حيث لا يعلم استبدادا وتورعا عن أشياء 75 على المراءاة وتماوتا عند الخلق وتخشعا بخشوع النفاق وجوفه ممتلئ من الحس د والحقد والرغبة والشح والبخل والأمل وسوء الظن والغل والغش والمكر وأنواع الخيانات والاستخفاف بأهل ملته وقلة الرحمة والعطف وقطيعة الرحم والتعزز والتكبر والتجبر والمراءاة والتنزين
206
والتصنع والمداهنة وتعظيم الدنيا والعون في غير ذات الله تعالى على الضر والنفع والبطر بأنعم الله تعالى والكبرياء على عباد الله تعالى والفخر في عطية الله تعالى وخوف الفقر والفرح بالدنيا وبأحوال النفس والحزن على فوتها والتملك في أمر الله والاقتدار والس خط للمقدور وقلة الأمن للرزق والاستبداد في أمر الله تعالى والتهاون بالمؤمن فقد حشا جوفه وزوايا بيته من هذه الأشياء وملأ صدره من دخانها وظلمتها وأنتانها وأدناسها لأن هذا كله من أغصان الكفر والشرك والخروج على الله والمضاهاة بطلب عزه وكبره في أرضه بدنيا دنية وشهوة ردية ويتجبر في حقوقه ويتزين لعبيده كمن لا يؤمن بالله ويداهن في أمره كمن لا يعرف ربه ويعظم دنياه التي حقرها كمن يناصب ربه ويعين في غير ذاته كمن يريد خراب ما عمره الله تعالى ويبطر بأنعمه كمن لا يبالي بها ولا يستحي من المنعم ويسخط في مقدوره ويتجبر في أموره كأنه هو المدبر للأمور فأية حرمة بقيت لهذا الحرم وأية معرفة بقيت لصاحب هذا وقد أغار العدو على كنوزه فبددها وطمسها بما جاء به من هذه الأشياء وهزم العقل حتى انكمن في رأسه وحتى ذهب علمه وإشراقه في الصدر
207

قال له قائل قد ذكرت أنه لا تلتقط لقطته فايش لقطته
قال سر القدر والعلوم التي حجب الخلق عن إدراكها فذاك لقطته لا يعرف بيتها ولا وليها ولا يملكها أحد سواه وهي موضوعة في طريق التوحيد ومدرجة العقول إلى التوحيد بلوى للعباد فأهل الزيغ طالبوت لها وباحثون عنها ويفتشون لها ولن يزدادوا بذلك التفتيش إلا غما وحيرة لأنه علم لا يدرك منتهاه بمنزلة بحر عميق مظلم لا يدرك حده ولا نهايته فالسابح فيه كمن سبح في البحر فلا بد له من الغرق والهلك
فهذه اللقطة في الصدر حرم القلب فلا تلتقط لحرمة التوحيد لأن من شرط التوحيد الا تطمع للعباد فيما توحيد الله تعالى به وتفرد
ويحق على العاقل أن يعقل فيقول إذا قلت الله واحد أحد فرد فأي علم في الأحدية والفردية إنما العلم في الصفات صفات القدرة فإذا انتهيت إلى أحديته وفرديته فأي علم هناك تطمع في معرفته وقد انقطعت الصفات وكيف تصف علما ولا صفة له
وقوله لا يخاف آمنها فالحق إذا وجد في القلب والنفس مأمنا فقد اعتزل الخيانة وظهر مكانه الأمن فصار صاحبه محقا فعندها
208
يكون الحق مستعمله وإذا لم يجد في الصدر مأمنا فقد نفرفلم يأمن خيانة النفس وميل القلب فصاحبه في طلبه وهو ماض عنه
وقولنا مهبط رحمته وموضع نظره فهي معروفة فإذا كانت الكعبة مهبط الرحمة فكذلك قلب المؤمن مهبط حب الله تعالى ورأفته ومهبط جوده وكرمه وعين الله ترعاه وموضع نظره أيضا
الخبر ( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله تعالى عليه فإذا تحنن عليه رعاه وصيره في قبضته )
الخبر الذي قال ( كنت سمعه ) وقال رسول الله ( ألا إن التقوى ها هنا ثلاثا وأشار إلى الصدر في كل مرة )
وأعظم التقوى ما اتقى في الحرم فإذا اتقى فإنما يتقي على الصيد والشجر واللقطة فإذا كان ذلك كذلك فالتقوى الذي أشار إليها صاحب الشرع فهي على كنوز المعرفة وعلى أشجارها في الصدر وعلى لقطتها وعلى من التجأ إليه مأمنا فأوفر الناس حظا في الكعبة
209
من عظم شأنها واتقى على حرمها وأكثر الطواف بها وإنما يفعل ذلك من شم رائحة الكعبة ونظر إليها بعين الصحة لا بعين السقم من قلب لا سقم فيه من شهوات النفس وإرادات الهوى فنظر بعين ذلك القلب إلى بهاء الكعبة وإلى ذلك الشيء الذي به صارت الكعبة كعبة لا إلى تل ك الأحجار لأنها قد كانت كعبة ولا أحجار وكانت الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين تحجها فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام ولا أحجار ثمة
فأوفر الناس حظا من خزانة الله التي في قلب المؤمن من عظم شأنها واتقى على صدره وأكثر الطواف حول الخزانة حتى يدر عليه ولي الخزانة من الكنوز كما يدر الضرع على حالبه من اللبن فإن البقرة والشاة تدر من ضرعها على ولدهما لترضعهما بالرأفة والرحمة التي وضعت فيها ولولا تلك الرحمة لولدها ما در لبنها
ألا ترى أن الحالب يقدم عند الحلب ولدها إليها أولا حتى ترسل اللبن ثم يفطم ولدها عنها ويحلبها ولو مات ولدها مثل لها مثال ولدها بأن يحشى جلد ولدها تبنا ويوضع بين يديها لتنخدع بذلك فتدر لبنها
فأراك هذا رب البقرة من خلقه وعرفك أن الذي تصيب من عندي فتدر عليك رحمتي
210

قال له قائل وما يدر عليه من الخزانة من تلك الكنوز
قال يدر بالرحمة كما وصفت من شأن الضرع والدر من الكنوز وعلم المعرفة علم المعرفة
قال له القائل وما علم المعرفة
قال عرفت الرب قال نعم قال بأي شيء عرفته فانقطع قال عرفني نفسه من الصفات قال فما احتظيت من هذه الصفات قال الإيمان به فكان ذلك حظك منها أم علم مشرق مستنير أم مطالعة ببصائر الهدى فإن علم المعرفة للعامة الإيمان به وهو الظالم لنفسه ما زال يظلم نفسه باتباع ا لهوى والشهوات حتى احتجبت المعرفة عنه فصاحبه عالم جاهل مؤمن به يعثر مرة في طريقه ويقوم أخرى ويزل مرة وينعش أخرى فهو بين طاعة ومعصية حتى يقدم على ربه بهذه الحالة
وعلم المعرفة للصادقين مشرق نير واضح وهو المقتصد يشير إلى الله تعالى على مدرجة الصدق في الفعل جهدا وحذرا وحراسة 76 باكيا على نفسه يقتضي منها الصدق في الفعل
211
جهدا في كل حركة وفعل وقول
وعلم المعرفة للصديقين مطالعة البراذين ومشاهدة المعادن وذلك باليقين وهو علم السابقين المقربين قال الله جل ذكره ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم )
فبعلم اليقين وبقوة نوره يرى عين اليقين بالبراذين والمعادن التي تظهر منها الصفات وربوبية الرب
فذلك العلم النافذ ببصر قلبه إلى نور روحه المتوقد في عينه الظاهرة التي في رأسه فإذا نظر إلى الأشياء أبصر آية القدرة في الأشياء كلها وآثار الربوبية فلا تقدر زينة الأشياء وبهجتها وحلاوتها أن تغره عن الله حتى يتعلق قلبه بشيء دون الله تعالى فيحجبه عن الله ت عالى فيصير فتنة عليه فيعمى بصر قلبه ويبقى في ظلمات النفس وحب الشهوات ويتكدر روحه ويسلب قلبه الإمرة ويغلب الخارجي
فإذا لم يكن له هذا العلم في صدره على صفة السابق المقرب وإنما كان علمه على صفة المقتصد فهو مشغول يقينه بوهج
212
الحروب ومحاربة الأبطال حيث التقيا فمرة منصور ومرة مخذول فمتى يقدر أن يلاحظ آثار القدرة والربوبية وليس لبصره نور أن ينفذ إلى رؤية ذلك وهو بعيد منه
ومن كان علمه علم الظالم لنفسه فذلك علم اللسان قد تلقنه من أفواه الرجال سمعا ومن الكتب نظرا فأودعه حفظه حتى يبرزه الحفظ من صدره في وقت الحاجة وليس له قوة ما يجاهد به نفسه فيحاربها ويهزمها
وتلك حجة الله تعالى عليه يقول ويهدي الناس إليه فإذا صار إلى إقامته بنفسه صار أضل من الأنعام يغلبه الهوى في الشهوات قال الله جل ذكره ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) أي في وقت محمد العلم علمان
قال رسول الله ( العلم علمان علم في القلب فذاك العلم النافع وعلم في اللسان فذاك حجة الله تعالى على ابن آدم )
213

فالعلم النافع هو علم السابق وعلم الحجة الذي يخنق صاحبه في البرزخ وفي المحشر هو علم الظالم لنفسه أعاذنا الله وإياكم برحمته
قال له قائل فهذا الملك الذي بعث الضيف ومعه نفقة وقد تفاوتت النفقات فنفقة هي دراهم ونفقة هي دنانير ونفقة هي جواهر ما هذا
قال فالذي ذكرنا من النفقات الثلاث من الأصناف هي العلوم وهو علم واحد صارت علوما والعلم لا يدركه القلب إلا بالحياة لأن هذا كله علم الغيب ألا ترى أن النفس إذا نامت أو ماتت ذهبت حياتها وذهب علم القلب فهو ميت لا يدري وحي نائم لا يدري شيئا
فقد بان لك من أن علم الظاهر قد غاب عنه بالنوم والموت لزوال الحياة فيهما فكذا إذا ذهبت حياة القلب بالله فقد غاب عنه علم الغيوب فإذا أعطي القلب حياة العلم بالله عرف ربه وعلمه
214

وقد قال جل ذكره ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون )
فهذا كان قلبا ميتا عن الله تعالى أعطاه نور العقل والعلم فعرف ربه وإنما عقل العلم بنور الحياة فلما عرفه اطمأن إليه وأسلم نفسه إليه عبودة فلزمه الاسمان مؤمن ومسلم الإيمان من جهة استقرار القلب والإسلام من جهة تسليم النفس إليه عبودة بالأمر والنهي فهما في ع قد واحد عرف ربا فاطمأن إليه وعرف نفسه عنده فسلم إليه نفسه فهذه معرفة واحدة إذا لحظ إلى ربه عرفه ربا وإذا لحظ إلى نفسه عرفه عبدا وإنما يعرف هذا بحياة القلب أدرك بها هذه المعرفة ثم دعاه إلى العبودة الأمر والنهي فجاءته الشهوات الموضوعة في نفسه فثقلته وجمحت به في نهيه فإذا جاهد في ذات الله حق جهاده شكر الله له ذلك وزاده في الحياة ليخفف أوامره ويكبح بلجامه في وقت جموحه في المناهي وذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )
فأعلمه بعد حياة الإيمان أن يحييه بالطاعات فإذا أطاع الله في
215
الأمر والنهي شكر له ذلك فزاده حياة ليقطع قلبه عن العلائق وهوى النفس شكرا له وهو قول الله عز وجل ( والله شكور حليم )
وقد قال مالك بن دينار رحمه الله وجدت في بعض الكتب إن سرك أن تحيا وتبلغ اليقين فاحتل في كل خير أن تغلب شهوات الدنيا فإنه من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظله
فإذا حيي القلب حياة تبلغ علم اليقين صار من السابقين المقربين فهناك يحيا بالله فعاين ببصر قلبه آثار القدرة وآثار الربوبية وبهاء الدين وزينة العبودية وبهجة المنة وتربط بلحظه إلى مجالس النجوى وبهجة المرعي بين يديه فحياة الأول حياة الفضة وحياة الثاني حياة الذهب وحياة الثالث حياة الجوهر
والفضة إنما بريقها من حياتها وبريق الذهب من حياته أقوى من الفضة وأشد بريقا وبريق الجوهر من حياته وهي أقوى من الذهب فكل واحد من هذه الأشياء قد احتظى من الحياة ولكن كل واحد أقوى من الآخر
216

فالجوهر يضيء البيت من نوره والذهب والفضة ليس لهما ذلك فمن كانت نفقته في ضيافة المعرفة من الدراهم فصيانتها والإحسان إليها لا تخلو من الدنس والأوساخ والتضييع والتفريط
ومن كانت نفسه في ضيافة المعرفة من الدنانير يسلم من الأوساخ والأدناس ولكن لا يخلو من الغبار
ومن كانت نفقته في ضيافة المعرفة من الجوهر سلم من الغبار وجميع ما يتقى منه ويصان عنه ولم يزل طريا نقيا لأن قلبه حيي بالله بحياة الجوهر فذلك قول رسول الله ( الإيمان حلو نزه فنزهوه ) أحب القلوب إلى الله
وعنه ( إن لله تعالى أواني في الأرض ألا وهي القلوب وأحب القلوب إلى الله تعالى أصفاها وأرقها وأصلبها )
فأصفاها لله تعالى وأصلبها في ذات الله تعالى 77 وأرقها للإخوان
وقال فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى ( ولست أسكن البيوت وأي بيت يسعني والسموات حشو كرسي وإني في قلب الوادع الضعيف لين القلب )
فحياة القلب من هذا الذي ذكره إني في ذلك القلب
217
مثل التقوى
مثل التقوى مثل رجل أصاب جوهرة نفيسة قيمتها بيوت من الدنانير أو ثوبا قيمته ألف دينار أو جارية لها ثمن غال شخصت إليها الأبصار منظرا ومخبرا أو صرة مسك ذكي الريح أو بازي طير أبيض تام الجثة مقدار الدرهم التام أهداه إليه ملك عال
فأنت تبقي على الجوهرة مخافة السراق ولا تعرضها إلا على من عنده من فنون الأموال مخافة أن يدلسها فيقبض منه الجوهرة ويبدلها بالزجاج شبهة ولا يعرف هو الجوهر من الزجاج فهي عندك مكنونة في اللفائف والحقة والدرج وتقيها من الغبار ومن كل آفة ونحوها
وكذا تتقي على الثوب اتقاء مثله من اللف والطي ووضعه في الصندوق وربطه فيما بين اللوحين
وتتقي على صرة المسك فلا تفتحها لئلا يذهب ريحها ولا يصل إليها غدار فتعوض من كبد الضأن وغيره
218

وتتقي على الجارية فتحبسها وتصونها وتلبسها لباس مثلها وتطعمها طعام مثلها وتمنعها عن الخروج والبروز لئلا يطلع عليها أحد أو يحبها ظالم فيخرجها من يدك ويبقى قلبك معلقا بها مع الصراخ والعويل
وتتقي على البازي من كل آفة لئلا ينكسر جناحه فيعجز عن الطيران وإن قصرت في بعض تربيته ومداراته لا يألف وترك الإلف ويطير ويتركك خاليا فلا تراه أبدا
فانظر كيف تتقي على الأشياء وكيف حذرك وحراستك لهذه الأشياء وتلطفك بها وصيانتك لما تخوف عليهم من الآفات وضيعت حراسة أعظم الأشياء قدرا وأنفسها خطرا وهو مخ التقوى فقد عظمت حجة الله عليك لأن هذا القلب خزانة الله تعالى وضع فيها جوهرا نفيسا لا يحاط بمبلغ ثمنه وهي المعرفة
فإن نظرت إلى نفاستها وقدرها لم تقدر أن تحيط بثمنها علما ولا ائتمنت عليها أحدا
وإن نظرت إلى بهائها ونورها اتقيت عليها من كل دخان من الشهوات لئلا يلج الخزانة فيدنسها
219

وإن نظرت إلى رقتها اتقيت عليها من كل صدمة من قبل النفس أن تصدمها
وإن نظرت إلى طيب ريحها اتقيت عليها من كل شيء من المعاصي
وإن نظرت إلى اصطبارها الطاعات فتشتئ قلوبهم بالدعاء إلى الله تعالى اتقيت عليها من كل تضييع تربيها وتعاهدها بما يتعاهد مثلها تربية مثلها لئلا تطير عنك فلا يبقى معك سوى معرفة الفطرة معرفة الكفار
فمن الله تعالى على الموحدين بمنة عظيمة أن أعطاهم نور الهداية حتى وجدوه ونطقوا بكلمة الشهادة وأمرهم بأن يتقوه على ما أعطاهم وهو النور الذي أشرق في قلوبهم ثم من قلوبهم إلى صدورهم فيجعلونه في وقاية الحراسة لئلا يصل إليه ما ليس له بأهل فإن المعرفة قد أيدت بالعقل والعلم والفهم والفطنة والحفظ والذكر والذهن . . .
فهذه الأشياء حولها قطع الله بذلك ألسنة الآدميين عن نفسه لئلا يكون لأحد عليه حجة لإتيان معاصيه أو سوء ما يأتيه فبقوة هذه الأشياء يحرس معرفته ويذب عنها مكر النفس ودواهيها وكيد العدو حتى تصير المعرفة في وقاية منها
220

وأمر بالتقوى لقوله سبحانه وتعالى ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) التقوى على سبع جوارح
ففهموا بهذه الأشياء أن التقوى على سبع جوارح العينان والأذنان واليد واللسان والرجل والبطن والفرج فلا يستعمل واحدا منهم إلا بما أطلق له وأذن له فيه
فأقبلوا إلى حفظها فوجدوا أنفسهم بين أمرين بين أمر هو طاعة وبين أمر هو معصية وفيه عيب لأنه عمل على غفلة فيما لم يؤذن له فيه فله فيه عقوبة ولو أتى بما أذن له ولكن على غفلة بلا حسبة ولا نية رمي بها على وجهه وخاب عن ثوابه وجزائه
وقد أمر بأن يتقى حق تقاته قال الله تعالى ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) ففهم العباد عنه أن حق تقاته أن يطيع الله فلا يعصي ويتقي عن المعاصي وعن كل عمل على غفلة بلا حسبة ولا نية فصار التقوى على ضربين ضرب منها التقوى عن المعاصي وضرب منها التقو ى عن عمل على غفلة بلا حسبة ولا نية فذا تقوى الظاهر وذي تقوى الباطن فالعباد أكثرهم أقبلوا على
221
تقوى الظاهر حتى أحكموه وكفوا جوارحهم عن المناهي فلما صاروا إلى تقوى الباطن وهو ألا يعملوا شيئا مما أذن لهم فيه على غفلة حتى يكون لهم نية وحسبة اشتد عليهم ذلك وعجزوا عنه لأنهم في غطاء عن ذلك
وقد قال الله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ) أي في الفرائض فبقيت العامة على هذا التقوى الظاهر وهو حفظ الجوارح السبع وعمله الذي أذن له فيه في غفلة ففي كل عمل عيوب موجودة وزينة الأعمال
222
مفقودا ومع فقد الزينة العيوب موجودة ووجدت طائفة من العامة وجدا شديدا أن رأوا عامة أعمارهم من الأكل والشرب واللبس والكلام والسكوت والمشي والذهاب والنظر والاستماع بلا نية ولا حسبة فلا يجدون غدا في ميزان الحق منه شيئا فيثابون عليه ولذلك قال رسول الله ( الأعمال بالنيات )
وقال أيضا ( لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له ) فحزن المؤمنون على تعطيل العمر على هذا الوجه فرحمهم الله على ذلك فقال جل ذكره ( يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )
فقال أهل التفسير أي مخرجا ولكن هذه كلمة مبهمة ولم
223
يفسروا ما المخرج من أين وإلى أين وإنما المخرج من ظلمة ودخان الشهوات بالأنوار التي يعطى
وقال جل ذكره في موضع آخر ( يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته 78 ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما )
ولما أقبلوا على التقوى الظاهر وهو حفظ الجوارح عن المناهي وأحكموا هذه التقوى ثم ذكروا ذكرا كثيرا عند كل نعمة وبؤس وسبحوه بكرة وأصيلا ليعمروا ما خرب منهم وليتداركوا بذلك التسبيح أدناس العيوب ويتطهروا وصلت عليهم الملائكة وصلاة الملائكة أن تستغفر لهم من ال عيوب وصلى عليهم الرب جل وعلا وجعل لهم مخرجا
فأما صلاة الرب جل جلاله فأن يسأل لهم بنفسه من نفسه نور الفرقان حتى أوجب لهم ذلك وهو نور الفرقان فعندها أخرجهم من ظلمات النفس إلى نور الله تعالى وإنما سمي نور الفرقان بهذا لأنه نور يفرق بين الحق والباطل وقد ذهبت الغفلة وإنما الغفلة حجاب أصله من شهوات ال نفس وهي كالدخان في الصدر فهي ظلمات تحجب عيني الفؤاد عن معاينة الحق حتى ينفي الباطل الذي
224
يجيء من النفس إلى الصدر فيتراءى لعيني الفؤاد يريد أن يمده بذلك إلى نفسه فإذا هو باطل لا يثاب عليه غدا فإذا أخرجه الله تعالى من هذه الظلمات بصلاته عليه وإيجابه له هذا النور واستغفرت له الملائكة لتك العيوب حتى إذا ولج هذا النور فوجد مكانا طاهرا مقدسا فأشرق النور واستقر في الصدر فعندها استوى له الأمران ونال كلا التقويين الظاهر والباطن فلا يعمل شيئا إلا على ذكر ونية وحسبة دق ذلك الشيء أو جل فأدرك ذلك النور القلب من الصدر في أسرع من اللحظة لعظم ذلك النور حتى يرتقي من القلب إلى محله من العلياء حتى تصير الأشياء كلها له وبه وهم أصحاب القبضة فيه ينطق وبه يبصر وبه يسمع وبه يبطش وبه يعقل وهو قول الله جل ذكره ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
ثم وصفهم من هم وما عملوا فقال ( الذين آمنوا وكانوا يتقون )
فهؤلاء طبقة آمنوا به حقا فاطمأنت قلوبهم بأحكامه عليهم من المحبوب والمكروه رضوا به ربا ورضوا بأحكامه عليهم حكما وذلوا لربوبيته خشعا وآثروه على أنفسهم حياء وبذلوا له نفوسهم
225
جودا وسمحا وكان تقواهم على المشاهد كما ذكر في أول الآية من قوله عز وجل ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) فصارت شهادته عند كل عمل يفيضون فيه معاينة القلب فهابوا الله هيبة ماتت لها نفوسهم مو تا وأحبوا الله حبا حييت قلوبهم به حياة وعبودة في كل لحظة فصارت أنفاسهم ولحظاتهم عبادة وكل حركة منهم طاعة ووجدوها غدا في ميزان الحق فهذا تقوى الباطن تقوى الأولياء مثل عمال الله
مثل عمال الله تعالى مثل ملك دعا خياطا فقال له اقطع هذا الثوب وخطه بين يدي فلم يأل هذا الخياط جهدا في إظهار حذقه وخفة يده فلما غاب عنه ترك خفة اليد وحسن الابتداء ووجازة الفعل ولكن أحكم الخياطة وأتقنها وزينها لأنه ذاكر للعرض عليه
والآخر رجل دعاه الملك فقال اذهب بهذا الثوب فاقطعه وخطه وأنفذه إلى فلان الراعي فإذا غاب عنه رفع عنه باله فكيفما قطعه وخاطه جوزه لأنه لم يشعر برؤية الملك ولا ذكر العرض
226
عليه وإنما به ارتفاع العمل فيقول قد عملت وآخذ الأجرة
وإنما جرأه على ذلك غفلته عن رؤية الملك وعن العرض عليه
فكذا عمال الله تعالى على ثلاث طبقات فعامل يعمل لله كأنه يراه وعامل كأنه يراه الله وهو قوله حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )
فقال جبريل صلوات الله عليه فإذا فعلت هذا فأنا محسن قال نعم قال صدقت فهي درجة المحسنين
فالأول يعمل لله كأنه يرى ربه مشاهدة والآخر يعمل كأنه يراه ربه
فالأول قد أخذته رؤيته ربه والثاني قد أخذته رؤية ربه إياه
فالأول أعلى من الثاني لأنه قد كشف له الغطاء ورفع الحجاب فيما بينه وبين ربه وهو قول ابن عمر رضي الله عنه حين كلمه عروة بن الزبير رضي الله عنهما في الطواف فلم يجبه إلى أن قال ما قال فلما خرج قال إنك قد كلمتني وإنا كنا نتخايل الله بين أعيننا
وروي عن مالك بن دينار رحمه الله أنه قال مكتوب في
227
التوراة يا ابن آدم لا تعجزن أن تقوم بين يدي في صلاتك باكيا فإني أنا الله الذي اقتربت لقلبك وبالغيب رأيت نوري
فهذا لمن رفع له الحجاب حتى رأى نوره وهو أعلى
والثاني رفع الحجاب له بقدر ما رأى أنه ينظر إليه ويراه ولم يعد
وأما سوى الروية وهو قوله ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) فهذا الثاني يعمل وقلبه إلى العرض الأكبر وهو قوله تعالى ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) فيجهد لهذه وليس له زينة العمل وإنما له إحكامه فهذا صادق والأول صديق هذا محجوب والأول من وراء الحجاب قد ان كشف له الغطاء فبه يعمل من يعمل على الغفلة
وعامل ثالث يعمل على الغفلة ليس على قلبه ذكر المشاهدة ولا ذكر العرض إنما هي عادة النفس تعمل بأعمال البر على العادة والجزاف وعلى ترائي الثواب من غير تصحيح ولا طهارة القلب ولا تتوقى فأعماله توضع في الخزائن ليحصل ما في صدره يوم العرض فإن الله تعالى كان شاه دا عليه في وقت عمله لا يخفى
228
عليه شيء فقد قال الله جل ذكره ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير )
والصادق يعرض على الله تعالى حين ينظر إليه فإذا وقعت نظرته إليه أشرق لنظرته نور العمل فازداد نورا وازداد قلب العامل في الأرض نورا لأن الأعمال ترفع إلى الله تعالى والنية فيه باقية وهي أصل العمل التي منها بدأ العمل فمضى العمل إلى الله تعالى
وأصل العمل باق في القلب متصل بالعمل 79 فإذا وقعت نظرة الله على العمل فأشرق وازداد نورا خالصا وتأدى ذلك إلى هذا الأصل فأشرق القلب بما تأدى من النور وهي النية فهذا شأن الصديقين والصادقين وهذا تفسير القبول
وإنما قيل قبول لأنه عرض على الله فيكون في قبالة وجهه الكريم حيث نظر إليه وما لم يعرض عليه ووضع في الخزائن فذاك لتخليط فيه حتى يحصل يوم القيامة وإنما يظهر قبوله ورده يوم القيامة وهذا الذي عرض قبالة وجهه ظهر قبوله في الحال
229
مثل الواعظ
مثل الواعظ مثل رجل ينفخ في كير له فعلى قدر قوة المنفخ وقوة الريح التي فيه تصل النفخة إلى تلك الجمرات حتى تتوقد تلك النار وتحمي جدرانه من حول تلك النار ويتلظى ويضيء ذلك البيت ويذوب ما في الكور ذهبا كان أو فضة أو نحاسا أو حديدا حتى يزول عنه خبثه وتبقى صف وته فإن كانت المنفخة صغيرة لم يكن لنفخه قوة تؤدي إلى الجمرة فالجمرة بحالها مع الرماد والخمود وإن كانت المنفخة كبيرة ولكن فيها خروق فكلما مدها حتى تمتلئ من الريح فإذا عصرها خرجت الريح من تلك الخروق ولم يتأد إلى الجمرة منه إلا قليل فهي بحالها جامدة ذات رما د لا تتلظى ولا تضيء البيت فإذا لم يكن بها خروق والمنفخة كبيرة والنافخ ذا قوة وصلت النفخة إلى الجمرة فتوقدت وأضاءت البيت وحميت الجدران واستحر الوقود واستمد وذاب ما في الكور ورمى بخبثه وصفى الباقي
230
الذهب والفضة فصارت نقرة صافية تصلح للدراهم والدنانير فإذا ضربت كل شيء يروج في الأسواق
فالواعظ إذا وعظ من قلب عالم لكن لم يكن لعلمه سلطان لم تصل إلى القلوب نفخته والإيمان في القلوب مثل الجمرة والجمرة إذا بقيت في الشهوات علاها غبار الشهوات ورمادها فإذا لم يصل إلى القلب نفخة سلطان الوعظ مثل النفخ إذا لم يصل إلى الجمرة بقيت ذات رماد ولم تتو قد وإنما يستمع إلى ذلك أذن القلب واتعظ به ساعة من النهار ثم يدرس ذكره ويعطل لأن القلب لم يعه لأنه لم يكن له سلطان فتنفذ الأذن إلى باطنه فتمتزج بنور الإيمان فيشتمل عليه الإيمان فذاك وعاء القلب للموعظة
فإذا كان لعلمه سلطان ولكن لم يكن لقلبه سلطان فوعظ به ونظر إلى نفسه في ذلك الوعظ فرأى نفسه فوعظها بمنزلة المنفخ الكبير الذي فيه خروق فخرج الريح من تلك الخروق ولا يصل إلى الجمرة إلا قليل منه والغبار والرماد باق على الجمرة والبيت مظلم ولا تحمي الجدران ولا يذوب ما في الكور فلا يزايل الخبث من ذلك الذهب والفضة
فإذا كان علم الواعظ ذا سلطان وعن قلب ذي سلطان ناظرا بنور ذلك السلطان إلى جلال الله الذي منه بدا ذلك السلطان في قلبه طارت عن عيني فؤاده رؤية نفسه وقطعه شغله بجلال الله عن
231
الالتفات إلى النفس وزينها في ذلك يقينها فأدت ذلك الوعظ مع سلطانه إلى القلوب ورمى كل غبار ورماد على جمرة الإيمان لأن الشهوات لا بقاء لها مع السلطان
وإذا أورد القلب سلطانه على الصدر خافت النفس فسكنت عن تلظيها فانقطع دخانها وانكشفت الجمرة عن غطائها وغبارها فتلظت وأضاء الصدر واستحر القلب فأبصرت أعين فؤاد السامعين الذي خلصت إلى قلوبهم النفخة صورة تلك الأشياء التي وصفها الواعظ فصارت أمور الآخرة معاينة على تلك القلوب فأجابت القلوب منهم والنفوس إلى ما دعوا إليه من الصدق والوفاء لله تعالى فما دام الواعظ بهذه الصفة فإجابة القلوب له خوفا وإلقاء باليدين سلما لأنه وصل إلى قلوبهم خوف السلطان الذي كان في قلب الواعظ فصار كالنافخ بالكير بالمنفخ الكبير الذي ليس ف يه خروق ولكن مع هذا لا يؤمن عليهم الارتداد على العقبين والرجوع عن هذه الأحاديث إلى إجابة النفوس إذا سكن عنهم الخوف دعتهم إلى فتنة تعرض لهم من الشهوات بشيء
فإذا انتقل الواعظ عن هذه الدرجة إلى درجة أعلى من هذه حتى ولج منازل المحبين ووصل إلى الملك واحتظى من مجالس ملك الملك وشرب من الكأس الأوفى من شراب خالقه وهو
232
شراب المحبة وهو حب الله له لا حبه لله صار علمه ذا سلطان لأنه يعاين بفؤاده عما ينطق به فتلك الأنوار سلطان عليها فإذا وعظ كان وعظه رياح منافخه من ملك الألوهة ومن ملك الحب ومن ملك الله
وإذا وصلت إلى القلوب صارت موعظته قيدا للقلوب وليس لهذا العبد التفات إلى النفس ولا للنفس مهرب أيضا
فالأول رياح منافخه من ملك الجلال فخافت القلوب ووجلت وخمدت شهوات النفس من الخوف
فإذا كان حدث أو فترة درس هول الخوف فأطلعت النفس رأسها لأن الخوف يسكن النفس ويخمد الشهوات ولا يقيد
والحب يقيد الشهوات عن طبائعها فتتضاعف كل شهوة من اللذة أضعافا بحلاوة الحب فيتعلق القلب بتلك الحلاوة ويشتمل عليه والتزقت النفس بالقلب لما وجدت من اللذة وما يحيط به من نور العظمة حارسا للحب حتى لا يحدث من النفس فتترك الأدب وصار القلب مقيدا بحلاوة المحبة
233
مثل المدعو إلى دار السلام
مثل المدعو إلى دار السلام فأجاب مثل رجل دعي إلى عرس فأجاب فلما نظر إلى نفسه رأى في نفسه هيئة فعلم أن ليس له مع هذه الهيئة مكان في ذلك العرس ولا يترك للدخول ثمة لأنه نظر إلى شعر وسخ ملتف برأسه ولحيته غيرها الدخان حتى اصفرت وإلى أظافير قد طالت وبراجم قد توسخت ودرنت وثياب دنسة وخلقان ورائحة منكرة ومع هذا كله قد بات في المزابل فانقطع طمعه من أن يترك للدخول في تلك الدار بهذه الهيئة فكيف يطمع أن يدخل دار السلام ودار الجلال مع أوساخ الذنوب وأدناس العيوب ودرن الخطايا ونتن 80 المعاصي وأقذار السيئات وهو يعلم أن ه حين يدعى إلى عرس الدنيا أنه يأخذ من شعره وينقي من درنه ويغسل رأسه ولحيته ويقلم أظافيره ويغسل ثيابه ويتطيب وينزين فإذا نظروا إليه مع هذه الهيئة أخذوا بيده وأدخلوه وأجلسوه على الصدر ورقوا به على معالي الوسائد وصاحب العرس عالم بما كان فيه من هيئة بالأمس ف يعلم
234
أن هذا إنما هيأ لعرسه فيكرمه غاية الكرامة
فهذا مثل عبد تائب قد أزال عن نفسه الفضول من كل شيء لم يطلق له الشرع وهي المعاصي وتأدب بأدب الإسلام وتزين بالزهادة والتقوى وتطيب بصدق الباطن من صحة النية وإخلاص العبودية وبذل النفس لله ومحاسن الأخلاق وكان وليا من أولياء الله تعالى على ربه وقد سبقت هذه ا لمحامد مذموماته فغفر له مغفرة لا يبدي له شيئا من سالف سيئاته وجاد عليه بفضله الذي سهل له سبيل الشفاعة في عدد كثير من خلقه
فالذي صار إلى ذلك العرس بتلك الهيئة القبيحة منع في الطريق عن أن يأتي الباب وجلس هنالك ليأخذ من شعره ونشره وكل فضول أتي به فاذا أزال من نفسه تلك الفضول أتي به بعده في المجلس والمائدة فالذي صار إلى العرضة مع هذه الهيئة السيئة منع عن دار السلام وبقي في مج لس الصراط حتى تأخذ النار من شعره ونشره أكلا أكلا وحرقا حرقا كلما احترق عاد كما يرى له حتى يأخذ الحق منه ما وجب له عليه ثم تدركه الرحمة من أرحم الراحمين فيتخلص فيكسى ويطيب فيذهب إلى دار السلام
235
مثل الذي ينطق بأسماء الله ويدعوه بها ويتلو كتاب الله وليس له نور تلك الأشياء
مثل الذي ينطق بأسماء الله تعالى ويدعوه بها ويتلو كتاب الله تعالى وليس له نور تلك الأشياء في صدره كمثل شرر الحديدة المحماة إذا ضربت بالمطرقتين فرمت بالشرر ثم ينطفئ من ساعته وليس له لهبان ولا حرارة ولا ضوء يضيء بها
كذا الناطق بهذه الأسماء والتالي لكتاب الله تعالى إذا أخرج الكلمات من صدر تلطخ بالشهوات لا يكون لكلماته من النور ما ينفذ شعاعه فيسطع ضوءه
فالناطق الذي له نور في قلبه كمثل نفاط رمى بنفط وكحريق اشتعل نارا فأحرق ما حوله وسطع ضوءه فأضاء كل شيء وإن لكل حرف من كلامه نورا وما أنزل على عبده فإنما أنزل مع النور فإذا دنا من الصدر استقبلته أدناس الشهوات وظلمة الهوى والحرص والرغبة والكبر والحمية وال حسد والبغي والتجير والتعزز والتملق والاقتدار والعلو والتيه والتعظيم رجع النور كأنه يقول هذا ليس بمكاني إنما أحل بصدر طهر عن هذه الظلمات والأقذار فهناك محله ومعدني يقف خارجا يلتمس صدرا بريئا من
236
هذه الأشياء فمن احتمل علم هذه الأشياء علم الحروف ثم أخذها بالصوت بكلمات فذاك العالم العلم علمان
أترى ما قاله ( العلم علمان فعلم على اللسان وذاك حجة الله تعالى على خلقه وعلم على القلب فذاك العلم النافع )
فمن احتمل في صدره علم هذه الأشياء بلا نور فهذا علم الذهن تلقاه تعلما وتحفظا فهو على لسانه ولطائف الحروف ومعانيها هو محجوب عنها ومستورة عنه فإذا لفظتها شفتاه وهو الحروف فهو كالشرر يخمد وينطفئ من ساعته فلا يرتفع ولا يضيء الصدور ولا يحرق الشهوات ولا رين ا لذنوب من خوفه والذي راض نفسه حتى تطهر من تلك الأدناس وزايلته تلك الظلمات فخلا صدره من ذلك فطاب وطرب وطهر فجاء النور فوجد مكانا قد طاب وطهر وطهارته من تقواه من هذه الأشياء في تقواه وطيبه من حياة القربة وذلك أن العبد كلما ازداد طهارة من هذه الأشياء ازداد ق ربة وكلما ازداد قربة ازداد حياة قلبه لأنه إنما يحيا قلبه بالحي الذي لا يموت
فصاحب هذا إذا وجد ذلك النور مثل هذا الصدر ولج فيه نور
237
ذلك الكلام فإذا نطق به خرج منه الشعاع الساطع فأحرق ما في الجوف فأضاء البيت بمنزلة ذلك الحريق الذي أحرق ما حوله وأضاء الفضاء فذاك العلم النافع الذي قاله آدم لما أهبط إلى الأرض
وروي في الحديث أن آدم صلوات الله عليه لما أهبط إلى الأرض ابتلي بالحرث والنسج فقال يا رب شغلتني بهذا وقد كنت أسمع تسبيح الملائكة ومحامدهم فأوحى الله تعالى إليه أن قل الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فإنك إذا قلت هذا غلبت جميع الخلق في المحامد والت سبيح دواوين ثلاثة
وإنما غلب الخلق لأن العبد في أثقال النعم ولا ينفك منها إلا بالحمد فيحتاج لكل نعمة إلى حمد ليتخلص منها
و النعم غير وديوان الحساب غير وديوان السيئات غير وديوان مظالم العباد غير فينشر على العبد يوم الحساب دواوين ثلاثة كذا جاءنا عن رسول الله
فكان العبد محتاجا عند كل نعمة إلى حمد فتفضل الله عليه وأعطاه كلمة جامعة تتشعب تلك الكلمة وتتجزأ عدد كل نعمة لله عليه حتى تذهب إلى كل نعمة فتلزمها حتى إذا وقف غدا بين يدي
238
الله تعالى وينشر عليه ديوان النعمة وجد عند كل نعمة نورا قد لزمها وهو وذلك نور الشكر نطق بحمده ها هنا جملة فتوزع وانقسم بأجزائها على جميع النعم فكأنه يقول جل ذكره على وجه المباهاة ملائكتي هذا عبد خلقته من تراب فبلغ من معرفته إياي أن شكرني على كل نعم ة فيرى الملائكة نعمه مع كل نعمة نور قد لزمها وهو نور شكر العبد من تلك النعمة التي قد نطق بها فيقول الله تعالى فهذا للنعمة التي وجهت إلى عبدي وهذا النور الذي وجهه عبدي إلي لما توجهت إليه فعلموا بذلك للعبد على رؤوس الخلائق يومئذ بتلك المباهاة لأنه قال الحم د لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده أوفى حمده نعمه فلقي كل نعمة جزء من ذلك الحمد وبقي للمزيد أجزاؤه حتى يكافئه بها يوم المزيد والزيادة فإذا لقيه العبد لقي من نوره وكذا لقيه الحمد ولقيه بأجزاء المكافأة وهو حبه لأن العبد لا يقدر أن يكافئ ربه 81 عن رؤيته وال نظر إليه بشيء إلا بحبه إياه فإنما حمده العبد بهذا الحمد الذي له من نور الحب ما يتجزأ فيلحق كل جزء منه كل نعمة من الله تعالى عليه فتلزمها ويلحق أجزاء المزيد فيقوم حتى إذا برز للخلق يوم الزيادة ولقيه العبد بحبه مكافئا لما صنع الرب من رفع الحجاب وإظهار جلال ه على عبده فهذه كلمة قد ملأت الدنيا والآخرة فلذلك قال لآدم عليه السلام إذا قلت هذا فقد غلبت جميع ما خلقت فإنما عظم ذلك لأن الكلام حين جاءه جاء مع النور وولج صدره مع
239
نور الكلام فلما نطق به خرج من النور والشعاع ما وسع النعم أجزاؤه وبقي المكافأة يوم المزيد ما يكون كفاءه والذي لم يتطهر من هذه الأدناس فإنما في صدره من علم الحروف المؤلفة فتلك الكلمة والصوت الذي يبرزها به فإنه قوة لتلك الحروف حتى تتجزأ فيلحق كل نعمة ويلزمها وإنما ثبات العبد على النطق فإنه قد أعمل العبد جوارحه في الطاعات وأثقال النعم والشكر باقية عليه نشر ديوان النعم
فإذا وقف بين يدي الله تعالى ونشر ديوان النعم وجدت النعم خالية من أنوار الشكر فاستحيى من لهوه وغفلته وبطالته فيبقى في شكر النعمة والنعمة تقتضي شكره فحينئذ إما معذب وإما مغفور فأعطى الله المؤمنين جمل الكلام وأعطاهم شكر النعم كلمة فلحق نورها جميع النعم بأ جزائها فصارت كل كلمة مقرونة بها شكر العبد كلمات أعطاها الله العبد
فأعطاهم لنفي الشك كلمة صارت مقرونة بكل شيء خلقه الله تعالى للعباد نافية للشك عنه وهي كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله
240

وأعطاهم لتنزيهه كلمة سبحان الله فصارت مقرونة بكل مديح إليه فإذا سبحه بحمده فقد أتى بجميع المحامد
وأعطاهم لذلة العبودة كلمة وهي قول الله أكبر فإذا كبره فقد تواضع وألقى بيديه سلما
وأعطاهم للقوة على هذه الأشياء كلمة وهي قول العبد لا حول ولا قوة إلا بالله فإنما تخرج هذه الكلمة من العبد مع نور الكلمة حتى يعمل بعملها ويبلغ مبلغها فإذا قال العبد الحمد لله فإنما هي كلمة جملة فإذا شرط وأشار إلى شيء موصوف فقال حمدا يوافي نعمه خرجت الكلم ة بنورها
فمن كان له ذلك النور فتوزعت وانقسمت على جميع نعم الله تعالى فلحقت كل نعمة قسطها فلزمتها فيتخلص من أثقال النعم لأن الله تعالى قال في تنزيله ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )
فإذا عجز العبد عن عد النعم لم يحصها فعلمه كلمة تلحق بأجزائها كل نعمة على حدتها فوافاها حتى اقترنا كل نعمة وشكر العبد مقرون بها لما نطق بهذه الكلمة
وهذا الكلام إنما يخرج من هذه الأفواه حروفا مؤلفة والأنوار
241
كسوتها معها نزلت للعباد من السماء والعباد متفاوتون في النطق بهذه الكلمة كالشأن في الأنوار مثل ذلك مثل الخواتيم
ومثل ذلك مثل الخواتيم فليس بين خواتيم الناس كثير تفاوت فإن أكثرها فيما بين مثقال ومثقالين فعامة أوزانها بهذا القدر من الفضة أو من الذهب إنما الشأن في الفصوص التي تباينت جواهرها فرب جوهر فص لخاتم لا يساوي درهما ورب فص تبلغ قيمته آلافا من الدراهم والدنان ير فكذا النطق بهذه الكلمات متفاوت في إبرازها لفظا وقراءة ودعاء ولكن التفاوت في المعادن التي فيها هذه الأنوار وعلم هذا الكلام
وتفاوت هذا أكثر من تفاوت الفصوص أضعافا فكلمة تخرج من قلب معدن ذلك القلب الدنيا فذاك يبغى به الثواب وكلمة تخرج من قلب معدن ذلك القلب العقبى وكلمة تخرج من قلب معدن ذلك القلب الملكوت وكلمة تخرج من قلب معدن ذلك القلب مالك الملك بين يديه فإنما استنار قلبه ب ذلك النور وكل كلام يخرج منه من ذلك النور
242
مثل الغافل عن الله تعالى
مثل الغافل عن الله تعالى مثل رجل أخذ الملك بيده فطاف به في قصوره وبساتينه ومتنزهاته حتى عاين ما فيها ثم أدخله في خزانته فطاف به فأراه جميع ما في خزانته ثم أفشى إليه أسراره التي تكون في عداد الثواب والدرجات وأسرار تدبير الملك أراد بذلك أن يتعلق قلبه به وتطمئن إليه نفسه ويكون من خواص خدمه بين يديه لا يبرح من الخدمة فتعلق به قلبه واندس في أموره ولزم باب الملك ونسي أحوال نفسه فلو وسع عليه بعد ذلك أو ضيق أو بره أو منعه بره لم يبرح الباب لما اطلع عليه من أسراره لأنه عرفه معرفة لا تتهمه في المنع والضيق
وآخر فتح له الباب فوقف به على الباب ولم يطف به ولا أطلعه على أسراره وبقي على الباب ليس له دخول على الملك ولا معه سر ولا شيء فإذا هذا الشيء أحله هذا المحل خرج من الباب وقام مع ذلك الذي لا يؤذن لهم بهذه الكرامات فأعجب العقلاء من فعل هذا أن الملك اختارك م ن الجميع وعطف عليك وأظهر عليك محبته وعليك بسط رأفته وشفقته وآثرك على هذا الملإ الكثير فأخذ بيدك من جملتهم واستخرجك وخلصك من بينهم ليطوف بك في قصوره وليطلعك على أسراره واختارك لكشف
243
أسراره عليك في تدبير المملكة فتركت ما هنالك ووليت معرضا لم تر شيئا وأقبلت على فهم نفسك تتشبه في سيرتك وآدابك وأعمالك بهذا المخذول المطرود المحروم على الباب الذي لم يعبأ به كأن جميع ذلك عندك لا شيء وتركهم كأنهم في مفازة حيارى ثم لم يزالوا في أعمالهم حتى أوقعهم في أرض شاكة ملتفة أشجارها حديدة شوكها فهم في فياف جياع عطاش جرحى من ذلك الشوك والحسك فما الذي يؤمنك أن يرمي بك الملك لتشبهك بهم في آدابهم وسيرتهم فينحيك إلى الباب ويسده عنك حتى تقع في مفازة الحيرة والأرض الشاكة
فربنا جل جلاله خلق دارا فحشاها بالرحمة وملأها بساتين ونعيما ورياضا وقصورا وأعدها لعباده وخلق سجنا فحشاها بسلطانه وغضبه وملأها بعذابه وأعدها للذاهبين برقابهم وأظهر من ملكه في ملكوت عرشه ولا حاجة له إلى شيء من ذلك إنما فعل هذا كله من أجل الآدميين منة 82 فاختار من كل ألف من عباده واحدا ففتح الباب له حتى عاين هذه الأشياء وترك الباقين في مفازة الحيرة الشاكة وهي المعاصي فتردوا في آبار الكبائر وجرف الجبابرة ويرتعون في القاذورات والكناسات فإذا كان هذا الواحد
244
المختار المفتوح له الباب والمقبول في الدار والمطلع على الخزائن والأسرار أحمق لها عن فتح الباب وعما اطلع عليه ورجا فيه خرج من الدار وأقبل على ظلمات نفسه الخائنة وغرة العدو وأخرجه رويدا رويدا من الباب الذي فتح له فولجه فأبصره بالاستلذاذ وقضاء النهمات والأماني الكاذبة نفسية وشهوانية قد أجلب له حتى تأشر نفسه وتبطر ويمتليء من لذتها والفرح بها فيورثه الأشر والبطر حتى يخرجه إلى ما لم يطلق له من ذلك النوع الذي أحل له ويتعدى حدود الله فيه حتى أشر وبطر وتعدى حدود الله فيها وتجاوزها فقد ظلم نفسه حتى يصير عاد يا يسترق من الله نفسه وجوارحه ويعدو هاربا فسماه عاديا في تنزيله بفعله قال الله تبارك وتعالى ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون )
فلا يزال العدو يسوقه في مفاوز الحياة حتى يرمي به إلى النار سوق الحمار الدبر الجوال في أفنية الدور يرتعي في
245
كناسهم حتى يرمي به إلى الشاكة الملتفة أشجارها وشوكها فسجنه فيها حتى لا يقدر أن يخرج منها كلما اضطرب لزمته حدة الشوك وأوجعته جراحتها وهي الكبائر من الدماء والأموال والبغي والعلو والجرأة على الله تعالى
فكل ما ذكرنا عاين في تلك الفسحة والتفت إليها التفت من بعد وذلك لبعد قلبه فعاين ذلك كالجبال من البعد الذي تباعد فالقلب قلب الموحدين واللسان لسان الموحدين والنفس نفس الكافرين بما تشبه بهم في الأعمال والسيرة
وهذا جزاء من رفع الله لقلبه علما فأعرض عنه وهذا جزاء من أقبل على نفسه بعد كرامة الله تعالى إياه حتى يبقى في العذاب غدا وفي دار الهوان دهرا لا يدري كم أمد ذلك الدهر المرارات
فذاق مرارة الحياة وذاق مرارة الموت وذاق مرارة القبر وذاق مرارة فتاني القبر وذاق مرارة عرض المعاصي والسؤال والنشور وضيق المقام والصراط والصحف ووزن الأعمال حتى تدركه رحمته يوما أو يكون رجلا قد غلب عليه الشقاء لكفرانه نعم الله تعالى
246

فمن فتح له الباب فكفر النعمة واستخف المنة وآثر الشهوة ومرضاة النفس فبدل نعمة الله كفرا فأحل قومه دار البوار جهنم يصلونها فبئس القرار
فانقلب فيه منكوسا وسلب ما أعطي وأخرج من الباب إلى الآبار المتردية المنكوسة فيها بلا يد ولا رجل فبقي فيها أبدا فلا داعي ولا مجيب لا يدعوه الله أبدا إلى نفسه ولا يجيبه إن دعاه اعتمال العقل
ومن رزق عقلا فاعتمل عقله فيما فتح له من الباب فعقد قلبه على طاعة الناصح الرشيد وهو العقل الدال على الله تعالى وعلى مراشد أموره فلم يزل العقل يمهد له ويزين له ويدبره بالأخلاق الكريمة والأعمال السنية والأفعال المرضية والأقوال البهية والإشارات الشهية والم راتب العلية حتى وقفه على حد الأمانة فصار أمين الله تعالى في أرضه يلع سره ومحل
247
نجواه ومعدن حكمته وخزانة جوهره علت في المرتبة وأقام بالباب يلازم الليل والنهار ولا يبرح مكانه وأخذ من الحظوظ حظا صار عند الملك وجيها كلما شاء دخل عليه بلا إذن وأينما شاء قعد في مجالسه من الاقتراب والدنو فائتمنه على خزانته ووضع عنده تدبيره وأسراره و نفذ حكمه في ملكه فيقسم عليه فيبر قسمه ويتمنى فيسعفه بمناه ويشاء ويريد فيمضي مشيئاته وإراداته وهذا في دار الدنيا حتى إذا قدم عليه فيا له من مقدم لا يحاط بوصفه من سروره بلقاء الله تعالى وتمكنه من معالي الدرجات والمصير إليه في الفردوس الأعلى زائرا لا يحجب ف ي النظر ولا يؤخر ولهذا قال رسول الله ( لا يعجبنكم إسلام أحد حتى تعلموا ما عقدة عقله ) فالإسلام ظاهر وعقده العقل باطن مستور عن الخلق فمن اعتبر بما رأى من ظاهر الإسلام من نفسه أو من غيره فهو مغبون حتى يعلم على أي شيء عقده العقل فواحد قد فتح له الباب ورزقه العقل فاطلع مطلعه وقيل ما عرض عليه ثم ولا يظهره وأقبل على نفسه مكبا على
248
وجهه لقضاء الشهوات في عاجل الدنيا فصارت عقدة عقله طلب النهمات وأحوال النفس يخادع الله ويعمل في العبودة بالجزاف والغفلة والشايذبوذ على التجويز ويتمنى الكرامات على الله تعالى ومعالي الدرجات ويعد تلك الأماني من نفسه رجاء ويقول أرجو ربي وأحسن الظن به و إنما هو أماني وليس برجاء وقال الله جل ذكره ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) مثل معرفة العامة
مثل معرفة العامة مثل رجل في يديه جوهرة فهو متحير في شأنها لا يدري ما قيمتها فمرة يخيل إليه أنها لا تساوي إلا درهما فلا يجد في قلبه كبير فرح ولا في نفسه غناء ومرة يأمل أكثر من ذلك فإذا قيل له إن هذه جوهرة مما يصاب بها وقر من الدنانير امتلأ سرورا وفرحا و انبسطت جوارحه واستغنت نفسه حتى وجد قوة بالغناء في جميع جسده من قبل أن يملك الدنانير ومن قبل أن
249
ينكشف له الغطاء عن شأنها ماذا يصيب بها كان في قلبه تحير وفي نفسه غائلة وجوارحه منقبضة قلوب العامة في معرفة ربهم
فكذا قلوب العامة في معرفة ربهم يزعمون أنهم يعرفون ربهم وتلك معرفة التوحيد يوحدونه ولا يشركون به شيئا وهم في عمى من وراء ذلك ولذلك قدر الشيطان أن يهزهم هزا عن الاستقامة في أحوال النفوس ولهوا عن الواحد الذي وحدوه ربا
ومن عرفه معرفة الآلاء ومعرفة المعروفات امتلأ قلبه فرحا ونفسه غنى بمنزلة من دخل بيتا مظلما ممتلئا دنانير فهو في تلك الظلمة متحير ضعيف فلما أضاء البيت أبصر تلك الدنانير التي في البيت واستغنى استغناء بحيث لا يضره ما فاته 83 وما أصيب منه من الضرر والمصائب
قال له قائل وما معروفاته معروفات الله جل جلاله
قال جلاله وجماله وعظمته وبهاؤه وبهجته ورحمته وسلطانه ومجده ومننه وعطفه وغناه وسعته وكرمه ورأفته فمن
250
عرف ربه بهذه المعرفة امتلأ قلبه فرحا ونفسه غنى وقويت جوارحه وفسح أمله وعظم رجاؤه واستغنى بغنى الله وتوسع في سعة الله واجتمعت هممه وصلب إيمانه واستقام هداه وثبت ركنه ووفى إسلامه وصدقت عبودته وشرف ذكره في العلا ونبل جاهه وكان من المختصين برحمته المهد يين بولاية الله تعالى
وهذه المعروفات كلها في حظ النفس فمتى لم تعرف النفس ربها بهذه الصفات فهي متحيرة فقيرة خاملة مغترة ذابلة مثل موت واحد من المؤمنين
مثل موت واحد من المؤمنين مثل شهود شهدوا عند الحاكم فنقص من عددهم واحد إما برجوع أو بغيبة منها وإما برجوعه عنها فكلما نقص منهم واحد زاد الوهن في ذلك الأمر وذلك أن الله تبارك اسمه خلق الآدمي وأحله محلا لم يحله لأحد من خلقه وسخر له ما في السموات وما في ال أرض وسماهم باسمين في تنزيله دل الإسمان على محله أحدهما الآدمي والآخر حبيب
فأما آدم فهو الوصل يقال في اللغة آدمني أي وصلني وكذا سمي الإدام إداما أي يوصل ذلك الخبز
250

وروي أن النبي أخذ كسرة خبز بيمينه وتمرا بشماله فأكلهما وقال هذه إدام هذه أي هذه التمرة وصلة بهذه الكسرة
فآدم عليه السلام خلقه الله بيده وقربه بباء الوصلة فقال خلقت بيدي والباء للوصل وسماه آدم في تنزيله وسمى أولاده آدميين بهذا الاسم فقال ( يا بني آدم ) ثم سماه إنسانا وسمى أولاده الناس فقال ( لقد خلقنا الإنسان ) لأنه لما خلق من الطين أنس به وبقربه فبقيت تلك الأنسية فينا فليس أحد من أولاده بر ولا فاجر إلا يأنس بربه في المنافع والمضار وإليه يلجأ وإليه يفزع وبذكره يأنس في جميع أحواله وأموره إلا أنه إذا وجد بغيته وأدرك نهمته من حاله اشتغل بالحاجة والبغية ولها عنه إلا عصابة من الموحدين أولياء الله تعالى
وهم أولياء الله الذين عجن طينتهم بحبه فأشربت قلوبهم
252
حبه فهم الذين بغيتهم في الدارين مولاهم وخالقهم ومليكهم قد ملك حبه قلوبهم ولا يقدر شيء دونه أن يملكهم طائفة أخرى
فأما من دونهم من المؤمنين فطائفة منهم أقرت بتوحيده وقبلت العبودة صدقا من قلوبهم ثم ملكتهم نفوسهم الشهوانية حتى خلطوا العبودة فمرة تزل قدمه ومرة تثبت فتراه في جميع أمره مرة مطيعا ومرة عاصيا مرة لاهيا ومرة مقبلا وطائفة نافرة
وطائفة منهم نفرت نفرة منكرة وأدبرت عن عبادته وأقبلت على عبادة من دونه من الشمس والقمر وسائر المخلوقين وأشركوا بالله تعالى في ملكه الثابت على التوحيد
فمن ثبت على توحيده وقبل ما جاء به الرسول سماه مؤمنا ومسلما وتائبا وعابدا وحامدا وصائما وراكعا وساجدا وشاكرا وصابرا ومحتسبا وخالصا ووليا
253
المدبر الذي ركب بعض شهواته
ومن أدبر بالكلية سماه مفسدا وكافرا
ومن ركب بعض شهواته وقلبه معه سماه ظالما لنفسه مخلطا ثم ذكر في تنزيله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب المتقين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المحسنين والله ولي المؤمنين
وقال في حق المدبرين إن الله لا يحب الكافرين لا يحب الظالمين لا يحب المفسدين
فسمانا في تنزيله أحباء مع جميع هذه الأسماء التي هي محاسن الأخلاق منا فخلق هذا الخلق كله علوا وسفلا وخلقنا من قبضة من تراب فوضعنا فيما بين هذين سبعة أطباق من فوق وسبعة أطباق من تحت والأطباق المرفوعة من فوق معلقة بالرحمة والأطباق من تحت موضوعة على الهباء في بيان الهباء
قال له قائل ما الهباء قال غبار الثرى
254

وجعل الطبق الأعلى الذي نحن عليه لنا بساطا وزين لنا هذا البساط بألوان الزينة من الذهب والفضة من الجبال والجواهر والبحار والنبات من القفار ذات ألوان من المطاعم والمشارب والملابس والمشام وسائر المنافع والدواب وسائر الحيوان ثم بسط على هذا البساط بساط العبو دة من الذكر والقيام والركوع والسجود والصيام والصدقة والحج والجهاد وسائر أعمال البر والطاعات ثم بسط على هذين البساطين بساطا آخر وهو بساط الربوبية والتدبير ثم أقامنا معاشر ولد آدم على بساط الهباء ودعانا إلى دار ملكه ودار السلام في جواره ودار القرار ودار ال سكون ودار السرور وقد نشر بساط العبودة على بساط الزينة فكلما قطعنا من بساط العبودة شبرا وتخطيناه وطويناه حتى ننتهي إلى الأجل الذي أجل لنا والوقت الذي وقت لنا فدعانا اسما اسما دعوة لا يقدر أحد منا أن يمتنع من الإجابة وقد طوى من بساط العبودة ما طوى فتلقى ال له تعالى به في تلك العرضة يوم الموقف بين يديه من أراد الله به خيرا
فمن أراد الله به خيرا قذف في قلبه نورا أحيا قلبه به ففتح عيني فؤاده في صدره ثم أشرق فيه نور التوحيد حتى أنار قلبه وأضاء ثم أعطاه نور العقل حتى بان له أمر العبودة فقبلها عن ربه إنما يأتمر بجميع ما يأتيه عن الله وينتهي عن جميع ما نهاه
255
الله تعالى عنه ثم اقتضاه الوفاء بذلك فوقع العبد في كد ومجاهدة النفس الشهوانية والعدو الحاسد والهوى المردي فلم يزل العبد يتشمر لذلك ويجتهد ويداوم على ذلك ويقاسي غمومه وعسره ويتضرع إلى الله تعالى ويستغيث به حتى يرحمه فأجاب دعوته فأيده بروح منه
فلما جاءت تلك الأنوار على قلبه سقط عنه الجهد واستراح من المجاهدة وذلك قوله تعالى ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض )
فجعله وليا من أولياء وخليفة من خلفاء أرضه وإماما من أئمة الهدى وحبيبا من أحبائه وذلك قوله تعالى ( إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي )
فالمرحوم صفته ما ذكرنا ومن سقط عن هذه الصفة فهو مرحوم أيضا بالتوحيد حيت أنقذه من الشرك ومن عليه بهداية التوحيد وقال ( يهدي الله لنوره من يشاء )
فلما خلق الله تعالى 84 هذا الخلق ابتدأ خلق هذه القبضة
256
من تراب شهد بنفسه لنفسه أنه لا إله إلا هو وشهدت الملائكة بذلك وشهد أولو العلم من الآدميين بذلك ثم أنار شهادته في قلوب الموحدين حتى شهدوا على شهادته عالمين بالشهادة موقنين به عالمين بالمشهود له وذلك قوله تعالى ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) فهم بأ جمعهم أهل رحمته وأهل رأفته وأحبابه سابقهم ومقتصدهم وظالمهم السابق والمقتصد والظالم
فمن مات منهم ظالما كان أو مقتصدا أو سابقا فكلهم حبيب الله ومأثوره ومختاره ومرحومه ومرؤوفه وموحده وشاهده في الأرض فمتى مات واحد منهم فقد نقص من أهل شهادته شاهد فقد حل بعقدة الوهن في أهل السموات والأرض والجبال والبحار والشجر والدواب والخلق والخليقة والكل إنما استقر
257
على الأرض بتوحيد الموحدين وذلك قول الله تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين )
وروي في الخبر ( أن الله تعالى قال يا موسى لولا من يوحدني لسيلت جهنم على الكافرين سيلا )
وإنما دخل الوهن عليهم لأن كل مؤمن رفع من الأرض انقطعت حصته من الرحمة وانقطع مدده من البركة
فإذا افتقدت السموات والأرض الرحمة الدارة من العلي إلى العبد والبركة المنتشرة في أحوال العبد وأموره بكت السموات والأرض
وإذا افتقدت العبودة السموات والأرض ومن عبده على وجه الأرض وأنوار الطاعات المنتشرة من العبد إلى الله تعالى في جو السماء بكتا لفقده مثل المتكل على ماله
مثل المتكل على ماله مثل عبد أعطاه مولاه رأس مال ليتصرف ويتجر والريح للعبد فضرب العبد بهذا المال يمينا وشمالا
258
وتصرف في أنواع التجارات والبضائع فباع واشترى فصار هذا المال كله نسيئة وإذا نظر في الديوان رأى أن على فلان كذا وعلى فلان كذا وعلى فلان كذا فتجمع ألوف أضعاف رأس المال كلها نسيئة فإذا كان أحمق طابت نفسه بالآلاف التي يحصيها واتكل عليها ولا ينظر إلى ما تحصل له في يده فكم من غريم بايعته على الوفاء وهو عندك ملي فإذا أتى على ذلك مدة ظهر إفلاسه ولوى ما عليه فلم يحصل له منه إلا كتابة اسمه في ديوانك وتقدير ما عليه حسابا وربما يحصل منه شيء وذهب بشيء فأنت على غير ثقة من غرمائك حتى تقبض منه وتنقد بعض القبض وتست يقن بأنها خيار تنفق في كل سوق إلا في سوق الوضح التي لا تباع ولا تشترى إلا بالدراهم الوضح
فالعبد المؤمن قد أعطاه الله تعالى رأس المال وهو الإيمان والتوحيد وأمره أن يتجر بأنواع من الطاعات وأعمال البر والأرباح لك لتنفق على نفسك يوم فقرك فإذا اتجر وربح من الصوم والصلاة والزكاة والحج وسائر أعمال البر فهذه الأعمال كلها كأولئك الغرماء
259
الذين يرجو أرباحهم التي ربح على رأس ماله أي أعمال الطاعات كلها ربح التوحيد والتوحيد رأس المال لا يقبل عمل إلا به ومنه يخرج ربح المؤمن لإنه لم يتبين القبول فهو على غرر منه فإذا اتكل على هذه وحوسب يوم الحساب وحصل ما في الصدور وطولب بالصدق والإخلاص من ها فلم يوجد في كثير منها الصدق والإخلاص فرضي بذلك العمل فكان كهذا الغريم الذي ظهر هاهنا إفلاسه فلم ينل منه ربحا وخيف على رأس ماله أيضا لأنه عمل لغير الله تعالى واستهزأ بأمر الله تعالى وآثر دنياه وهوى نفسه على محبوب الله تعالى ومختاره فهذا كهؤلاء الغرماء الذي ظهر هاهنا إفلاسهم فلم يبق في أيديهم إلا ديوان الكتبة
فالعبد إن كان كيسا يبيع ويشتري نقدا بربح يسير لأن اليسير من الربح مع قيام رأس المال خير من الربح الكثير مع هلاك رأس المال أو إذا باع نسيئة يأخذ بالثقة وعامل الغرماء بالوثائق إما الرهن أو الكفالة على مليء واستقصى النظر ثم لم يقنعه ذلك فهو أبدا خائف من أ ن يضيع رأس المال وربما غرق في الربح للنسيئة ومع ذلك الخطر باق وذلك لأنه ربما يهلك الرهن فيهلك
260
بما فيه من الدين أو يموت الكفيل أو يغيب غيبة منقطعة فيهلك ماله
فكذا من عامل في الطاعات ووقع في الأهواء مثل القدرية والجبرية والمعطلة والمشبهة فغرق رأس مالهم في أرباحهم فصارت كلها نسيئة من غير ثقة ولا ملاء
فالكيس لما رأى ذلك قال إني لا أبايع ولا أتاجر أحدا إلا برهينة وكفيل ووثائق فالقليل من الربح مع وفارة رأس المال خير من كثير الأرباح مع تضييع رأس المال فإذا المال والأرباح قد ذهبت كلها لأنها صارت في غير ملاءة ولا ثقة فإن هذه الأرباح كلها على خطر فينبغي أ ن يكون كفيله ثقة مجانب الأهواء
وكن على حذر وتقوى من الاستماع إلى كلامهم فإنه كله هلاك وتوى والزم السواد الأعظم الذي أشار إليه صاحب الشرع واتبع سبيله فقد أمرنا الله تعالى في تنزيله بذلك فقال جل ذكره ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )
261

فالأسوة الحسنة اتباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله وسنن خلفائه الراشدين المهديين الذين قضوا بالحق وبه يعدلون
وقد قال في خطبته ( إنكم سترون من بعدي اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي عضوا عليها بالنواجذ )
فاتكال الكيس على رحمة الله تعالى الذي أعطى منها رأس المال فتلك رهينته ووثيقته وحسن ظنهم بالله تعالى كفيله فأوفرهم من حسن الظن به أقواهم كفيلا وأملؤهم أداء ومقتضيه من غرمائه دعواته وتضرعه إلى الله تعالى
فعليك بحفظ الرهن لئلا يهلك فتذهب بدينك واحبس الكفيل لئلا يغيب فيذهب بما عليه وعليك بالتقاضي كل يوم بالدعاء والتضرع والبكاء بالنيات الخالصة لتجاب مثل حركات المؤمن
مثل حركات المؤمن مع الحفظة مثل رجل له حرفاء في
262
السوق ينفق ماله فيما يظهر فيه حاجة من السوق يأخذ من الخباز الخبز ومن القصاب اللحم ومن البقال الحوائج ومن الآخر الفواكه 85 ومن البزاز ما يحتاج إليه فهم يكتبون حسابهم فإذا أهل الهلال وأخرجوا عليه حسابا جما وديوانا طويلا فإن قضى ما عليه على رأس كل شهر تخف عليه المؤونة وهنئت له النعمة وإن تغافل عن ذلك حتى توالت عليه وظائف الشهور والسنين غرق في الدين
كذا العبد بين نعم كثيرة وديون كثيرة والحق يقتضيه شكر كل نعمة والعدل يقتضيه الاستغفار والإنابة من كل خطيئة فإذا كان العبد منتبها حيي القلب أخذ لكل نعمة حمدا ولكل خطيئة توبة واستغفارا حتى تخف عنه السيئات وأثقال النعم ويمحي ما في الديوان
وإن تغافل عن ذلك وحمد حمد الغافلين واستغفر استغفار السكارى على العادة خرج الحمد والاستغفار منه ولم يجد
263
مساغا لأنه ليس بقلبه طريق إلى الله تعالى والطريق مسدود بالهوى والشهوات رجع الحمد والاستغفار إلى فمه وتراكمت أثقال النعم وأدناس الذنوب على القلب فغرقته فصار القلب غريقا في الذنوب كالذي ضربنا له في المثل وكالذي يغرق في الماء ولم يجد متعلقا به ولا تخل صا يحصل به الخلاص فيغرق ويهلك فيرجع إلى أنفاسه لا يجد متنفسا فيموت غرقا ومن كان لقلبه طريق إلى الله تعالى وجد حمده واستغفاره مساغا إلى محل الحمد والاستغفار فوقعت في محله ومرتبته فخفت عليه الأثقال وصار كنهر وجد مساغا فجرى بسلاسة وإن لم يجد مساغا تراجع الم اء فصار بحرا يغرق فيه صاحبه مثل العمال بطاعة الله تعالى
مثل العمال بطاعة الله تعالى مثل ملك له عبيد اختارهم للخدمة بين يديه على مرأى العين فمن استحلى منهم خدمته يظهر ذلك في حليته وكسوته فواحد بين يديه في قرطق واحد ومنطقه وغيره يدرج بين يديه على قدميه
264

وآخر مع قراطق كثيرة بعضها على بعض من بين ديباج وحرير وساج وكتان لون على لون ومنطقة ذهب فيها فصوص وجواهر كل فص له ثمن نفيس وإكليل كمثلها وبيده ضبائر الريحان من كل لون من الورد والبان والياسمين يفوح منه ريح المسك
فعين هذا الملك على مثل هذا الخادم فإذا سار بين يديه سار على موكبه بحرسه ولوائه
فإنما نال هذه الرتبة والمحل والتمكين لأنه استحلى صورته وخلقته وهيئته وخدمته وأدبه وكياسته وظرفه ومحاسن أفعاله وطهارة خلقه ولو كان دميما في خلقته سمجا أبله في أخلاقه سيء الخلق كسلان الخدمة لم ينل من هذه المرتبة شيئا إلا ما يقيه من الحر والبرد ويستر عورت ه ويشبع بطنه
فكذا العمال بطاعة الله تعالى إنما يعملون بإذن ربهم فمن كان طاهر الخلق كيس الذهن فطن الفهم عاقل اللب ذا حظ من الحكمة كان الإذن له بين يدي الملك أوسع وأكبر وكان كالعبد الذي تلونت كسوته وزينته بين يدي الملك فإنما كساه الملك بهذه الألوان لأنه وجده بحيث يلي ق به هذه الألوان كلها وأعطاه ضبائر
265
الريحان لنزاهته وطيبه وكياسته فهذا العبد بطهارة خلقه وصفاء قلبه ووقارة عقله وإدراك حكمته سقاه الملك الأعلى شربة من كأس حبه حتى سكر عقله عن جميع أحوال النفس حتى صار كل أموره من المحبوب والمكروه عنده حلوا يجد ثمرة الحب فبكياسة ذهنه أدرك دقائق الحكمة وبفهمه وفطنته بلغ محل الخدمة وعرف أوقات الملك وأوقات الأشياء فإن الخدمة ذات ألوان وفنون وبعقله ولبه عظم أمرها وصانها وبحكمته أمسكها الله تعالى فهذا الكيس الفطن الذي إذا نال الحكمة نظر إلى عمل من أعمال البر فيقول ما هذا ففهم أن هذا محبوب الله تعالى قام إل ى ذلك محتسبا
قال له قائل بين واحد من هذا حتى نفهم
قال إن الله تعالى أمرنا بالصلاة والصوم وغيرهما فإذا نظر الكيس بنور الحكمة أن في الصلاة أمره وفيها قيام بين يديه ودله عليه علم بفهمه وحكمته أنها محبوب الله تعالى فهل أحب قيامي بين يديه إلا من أجل أنه أحبني فبحبه إياي أعطاني موطن القيام بين يديه فاطلع بف همه على أمر عظيم يستدل بذلك على أنه حبيبه ومن حبه أحب كونه بين يديه فإذا فهم هذا كانت صلاته قرة عينه وخروجه عنها مصيبة عظيمة وكذا في كل نوع من أنواع البر هذا
266
مثل الثناء والتسبيح
مثل الثناء والتسبيح لله تعالى مثل ملك بين يديه خدم استقبله أمر فوجههم إلى عمل لا ينفك في ذلك العمل فوجه عبيده وعسكره إلى ذلك الأمر فذهبوا عجالا فأتموا ذلك الأمر ورجعوا إلى مقام الخدمة منتصبين فما من أحد منهم رجع عن طريقه إلا أخذه من غبار الطريق
ولما أرادوا الدخول بين يدي الملك فأولا نفضوا الغبار عن رؤوسهم وثيابهم حتى يدخلوا على الملك على هيئتهم التي كانت لهم قبل ذلك بين يديه مع الطراوة والنقاوة
فكذا العباد المؤمنون إذا مارسوا أمور الدنيا وخالطوا الخلق لم يخلوا من الغبار والأدناس الذي حل بهم وإن اجتهدوا في الصدق والتقوى والتدبر فيرجعون إلى ربهم بالثناء والتسبيح ليكون ذلك نفضا لما لحقهم من الأدناس ونالهم من الغبار والدخان ليتطهروا فيصيرون أهلا للدخول بين يدي مليكهم مثل المجتمعين على ذكر الله بكرة وعشيا
مثل المجتمعين على ذكر الله بكرة وعشية فذكروه ثم رفعوا
267
إليه أيديهم مرتقبين فسألوه الرغائب مثل قوم من الفقراء والمساكين لهم وارنبد بالأعجمية كلهم على عصى اجتمعوا وأخذ كل واحد منهم بيد صاحبه حتى صاروا كلهم كواحد ثم اجتمعوا على باب وباب وباب منهم من يركض برجله ركضا ومنهم برأسه هزا ومنهم بالأيدي شدا ومنهم بالألسن لحنا وبالأصوات لحنا وغناء وبالعيون لحظا فلهم دنو من كل باب على تلك الحال فيخرج لهم من كل باب شيء فمن باب ثياب ومن باب طعام ومن باب شراب ومن باب فواكه ومن باب لحم ومن باب إدام
فكذا المجتمعون على ذكر الله إذا طاب ذكرهم وسقوا بالكأس الأوفى فطربوا وملكتهم بهجة الحبيب ودب فيهم سكر الكأس وطارت عقولهم إلى ولي الكأس فسقوا هناك 86 صرفا فاعتماد أولهم وقائدهم على محل النجوى وتحفة التحية لهم دوران وطواف على الأبواب لا سيما ولهم من كل ب اب اسم تحفه ونوال على قدر حظه من ذلك الاسم وعلى ما تضمن ذلك الاسم
268
مثل أسماء الله تعالى
مثل أسماء الله تعالى مثل ملك له بستان أحاطه بحائط وله غرس وأشجار ذات ألوان من الفواكه وفنون النعم فساق إلى عبيده كلوا من هذه الثمار واشربوا من هذه الأنهار فهذا معاشكم ومأواكم ولكن شأنكم مرمة هذا البستان من جري النهر وحفظ البساتين من منابت السوء فإنكم ل و قصرتم في هذا الأمر فعن قريب انكبس النهر ويبست الأشجار ونبتت منابت السوء من القت وغيرها فتتغير الألوان ولا تتورد
فانظروا إلى نزاهة هذه الثمار والأوراد والرياحين فمن لم يسمن على أكل هذه الثمار وشرب هذا الماء فعلى أي شيء يسمن فالماء أصله واحد في في الصفاء والعذوبة فإذا نظرت إلى ثمرة كل شجرة وجدت إحداها حلوا وأخرى حامضا وأخرى مرا وأخرى باردا وأخرى حارا وأخرى بين الح موضة والحلاوة فكل شيء له نفع دون صاحبه
فكذا الله تعالى هيأ لعباده بستانا وأحاط له حائطا وشق نهرا وأجرى الماء وأنبت الأشجار وأخرج من كل شجرة لونا من الثمرة فالحائط ملكه والنهر لصقه والماء ماء الحياة أجرى ماء
269
الحياة في نهر اللطف إلى هذه الأشجار وهو أسماؤه الحسنى وأجرى إلى العباد كل اسم حلوا وحامضا وعذبا ومرا وباردا وحارا فمن اسمه الرزاق رزقهم ومن اسمه التواب تاب عليهم ومن اسمه الغفار غفر لهم ومن اسمه العزيز جاد عليهم ومن اسمه الرؤوف رؤف بهم ومن اسمه الر حمن رحمهم في دينهم ومن اسمه الرحيم رحمهم في الدنيا والآخرة ومن اسمه الوكيل توكل بهم ومن اسمه الكفيل تكفل لهم ومن اسمه العظيم أغناهم ومن اسمه الجليل أعزهم ومن اسمه الكريم أكرمهم ومن اسمه المنان من عليهم بالرحمة العظمى فهداهم ومن اسمه الله اجتباهم ووله قلو بهم وعلق فمن كل اسم أهدى إليهم ما وضع في ذلك الاسم لأنه من أجلهم أخرج الأسماء إليهم فمن كان أشد محافظة لهم وإكبابا عليهم وأدوم قياما على نفسه كانت فوهة نهره أوسع والماء فيه أكثر ووجدنا أن هذه الثمرة إنما يسيغها آكلها بالماء الذي في قبو حنكه ويجد لذة الأش ياء بذلك في ذلك الموضع فبتلك القوة ينتفع بهذه الثمار
فكذا القلب إذا لم تكن فيه تلك المحبة اللذيذة التي يجد حلاوتها في قلبه لم يجد حلاوة هذه الأسماء فبالحب ينال طعم ما في هذه الأسماء من هذه المعاني التي في الاسم فلكل اسم بما فيه من معناه أكلا يسمن عليه كما يسمن صاحب الأشجار من أكل تلك الثمار التي أثمرت هذ ه الأشجار فالأسماء ثمرتها معانيها وسقياها
270
ماء الحياة فإذا لم يكن القلب حيا لم تكن له تلك المحبة التي من الحياة العطائية فإذا هذه الأسماء له كالأشجار التي قد انقطع ماؤها فلم تثمر ولم تتورق ولم تتورد ويبست الأشجار فلا تصلح إلا للحرق
وإذا أجرى ماء الحياة وانتبه القلب وحيي بالله جاءت المحبة
فبحلاوة المحبة تحلو الأسماء ويجد القلب لذة تلك الحلاوة ويرطب بذلك اللطف لأن في الأسماء صفات المحبوب ولطفه وآلاءه وأخلاقه وكرمه ورحمته وأفضاله فعلى قدر محبته له يجد حلاوة الصفات واللطف والآلاء والأخلاق والعطف والكرم وتعظم أفعاله عندك ويأخذ من قلبك سلطان ذلك الفعل فإذا أثنى على ربه أو مدحه أو دعاه باسم من أسمائه فإنه يخرج كلمته من فيه على قدر سلطانه من القلب ومملكة القلب من الحياة والمحبة مثل من يردد ذكر الله في قلبه
مثل من يردد ذكر الله في قلبه ولسانه مثل ماء راكد في موضع
271
قد أحاط به زبد وغثاء فإذا هاجت الريح فضربت الماء يذهب ذلك الغثاء والزبد إلى ناحية من الماء وبقي الماء صافيا فكلما ازداد هيجان الريح ازداد اضطراب الماء فازدادت صفوة الماء حتى يأتي بمحض الماء الذي في وسطه
فكذا كلما تردد الذكر وتتابع ازداد قوة في قلبه وصفوة في ذكره حتى تملأ من نور ذكره السموات والأرض
وكذا جاءنا عن رسول الله أنه قال ( إن العبد إذا قال الحمد لله ملأ نوره ما بين السموات والأرض وإذا قالها ثانيا ملأ ما بين العرش إلى الثرى )
ففي أول دفعة قالها صفت المجرى وذهب الغثاء المحيط على الصدر فظهر الصفاء فإذا قالها ثانيا فإنما قالها من صفاء العلم بالله فازداد طريق مجراها صفاء فأخرجها من محض القلب عن عيش الحمد لأن علم هذه الكلمة في قلبه فكلما انكشف الغطاء عن العلم كان أصفى وأنور وأعظ م أجرا حتى ملأ ما بين الخافقين ومن العرش إلى الثرى من نور الكلمة من فيه
272
مثل من يعبد الله بلا علم
مثل من يعبد الله بلا علم مثل من يتجر بلا بصر في السلع ولا علم بأسعارها ولا بجواهرها ولا بقيمتها ولا بنقد الأثمان فإذا اشترى اشترى بغلاء وإن باع باع بوكس وإن اقتضى اقتضى زيوفا وبهرجة على عمى ودلسة مثل من يتعلم العلم ولا يعمل به ولا يعلمه الناس
مثل من يتعلم العلم ولا يعمل به ولا يعلمه الناس مثل رجل رزقه الله مالا كثيرا فكنزه تحت الأرض فلا ينفق منه على نفسه ولا يصل الناس به فلا ينتفع به هو ولا غيره وصار وبالا عليه في المعاد
ومثله أيضا مثل الكلب اتخذ مأوى في معلف فيه تبن كثير لا يعتلف هو ولا يدع غيره ليعلف به دوابه فكل من قصد ذلك نبح ودفعه عنه
273

فهذا أيضا لا يعمل به فينفعه في الدارين ولا يعلم غيره لا يسلك به طريق الجنة هو بنفسه ولا يرشد غيره مثل من يتعلم العلم ويعمل به ولا يعلم غيره
ومثل الذي يتعلم العلم فيعمل به ولا يعلم غيره مثل رجل رزقه الله مالا جما فانتفع به وتنعم به آناء الليل والنهار ولا يعطف بشيء منه على الجيران والأقارب والمسلمين مثل من يتعلم العلم ويعمل به
ومثل من يتعلم العلم فيعمل به مثل رجل رزقه الله مالا طيبا فانتفع به وتنعم به وأنفق على الجيران والأقارب والمسلمين مثل من يتعلم العلم ولا يعمل به ويعلمه الناس
ومثل من يتعلم العلم ولا يعمل به ويعلمه الناس مثل رجل 87 رزقه الله مالا كثيرا فكل من أخذ منه أو سرق منه لا يبالي به ولا ينفق على نفسه وعلى عياله شيئا وتموت عياله جوعا وعريا
274
وهو أيضا في بؤس وفاقة من المطعم والمشرب لا يطيق أن يأكل منه شيئا بنفسه أو ينفق على عياله فقد خسر هو في الدنيا والآخرة
ومثل من يتعلم العلم ولا يعمل به ويبذله للناس للمباهاة والرفعة في الدنيا مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه
ومثله أيضا مثل رجل وضع السراج على طرف سطحه فانتفع به المارون وهو في بيت مظلم لم ينتفع به وهو محتاج لذلك
ومثل من يطلب العلوم الكثيرة وجمعها ولم يعمل بها ولا يرى أثر ذلك عليه فيجمع العلوم والكتب دائما ولا يشبع من طلبها مثل من يجمع كل يوم وساعة طعاما كثيرا في بيته من فنون الأطعمة والأشربة والفواكه والطير مما يتسارع إليه الفساد ولا يطعم منه شيئا وهو جائع غرث ان فكل يوم يأكل مقدار رغيف من ذلك مما قد يبس وتكرج وينظر إلى ألوان الأشياء ويبخل على نفسه ولا يشبع من جمعه كل يوم إلى يوم موته فينتن بيته وفسدت الأشياء فتلقى ولا يأكلها أحد وقد مضى
275
مثل من يبتغي نزول الرحمة قبل التوبة
مثل من يبتغي نزول الرحمة من الله تعالى قبل التوبة مثل ساكن في بيت قد آذاه الحر والغم والذبان فكلما دخله يتصبب فيه عرقا ويتقلب في غمه ويتأذى بالذبان فإذا أراد أن يتزوج فيه ويتنعم بالجلوس والنوم والقرار فأولا ينبغي أن يخرج ما في البيت من القماشات والأطعم ة التي فيها مجمع الذبان فذهب فاحتال له فرشه فلا يزال يديم الرش بالماء حتى يبرد ويبرد الماء فكلما دخله استقبله روح ذلك الرش وطيب ذلك الروح فأول فعله أن يبتدئ في كنسه فإن في ذلك البيت قماش ونثار الطعام ومجمع الذبان وثفل الفواكه وما يرمى به فليس من شأن هذا الذي يريد روحه أن يترك هذا البيت شبه كناسة ويرشه بالماء ليروح عنه مغتمه فإن هذا يزيده رائحة منكرة ونتنا ولكن يكنسه مرة ثم أخرى بالمكنسة الثقيلة ثم يكنسه بالمكنسة اللينة ثم يرشه بالماء رشا بعد رش فإذا دخله وجد روح ذلك الرش فإن في الماء رطوبة وبرودة فيرش ا لماء في كل مرة حتى تنشف الأرض الماء ويكنسه أخرى ويرش الماء ثم يبسط الحصير حتى يطيب وتزول عنه الرائحة
276
المنكرة فإذا انتشفت الأرض رطوبة الماء بقي روح البرودة هناك وذهبت الحرارة والغمة فحينئذ إذا دخل يجد الروح والراحة فافترق الذبان
فكذلك صدر الآدمي وقلبه فإن الشهوات في قلبه فنفس الآدمي كالأتون الذي يتلظى لهب ناره من الشهوات والهوى وشعلها متأدية إلى جوارحه فشعلة منها تتأدى إلى العين فكلما رمى ببصره بقوة تلك الشعلة إلى شيء من زينة الدنيا رجعت إلى النفس بلذة يسكر عقله بها لأن تلك ال لذة سرى حبها في نفسه فتأدى بذلك الحب إلى الصدر فسكر العقل من ذلك وتدنس فانكمن في الدماغ وامتنع من الإشراق وافتقد الصدر شعاعه الذي كان يرمي إلى الصدر فيشرق على الصدر ويستنير منه بمنزلة شمس شعاعها تضيء به الأرض فيحول بينها وبين الأرض سحابة سوداء قامت بإزاء ها فذهب ضوؤها فيصير البيت مظلما كالليل أو شبهه
وشعلة منها تتأدى إلى السمع فكلما ألقى سمعه إلى شيء تلذذ به السمع فتأدت اللذة إلى النفس فثار دخانها إلى الصدر
277

وشعلة منها تتأدى إلى اللسان وشعلة إلى الحلق وشعلة إلى الفرج وشعلة إلى اليد للبطش والتناول والبذل وشعلة إلى الرجل
فهذا الصدر كمزبلة وفيه فوران هذه الشهوات والبطن كالأتون الذي يطبخ فيه اللبن قد احتدت حرارته وحميانه فصار اللبن فيه أجزاء يقال بالأعجمية بخته فلا يزال يمضر اللبن ويذوب حتى يصير كزبرة الحديد فكذا الشهوات في البطن حتى صارت بتلك الصفة فمتى يفلح هذا وكيف يع بد ربه تطهير الصدور
قال الإمام أبو عبد الله رحمه الله فمن شائه أن يبتدئ في كنس هذا الصدر أن يقمه حتى يخلي صدره من كناسة الذنوب وقماشات العيوب والفضول التي فيها فإذا جاهد في هذا حق جهاده كما أمره الله في تنزيله ( جاهدوا في الله حق جهاده ) فإذا فعل ذلك فحينئذ أمطر الله في قلبه مطر الرحمة فرش صدره بماء الرحمة فثارت البرودة إلى الجوف فأطفأت نيران الشهوات فبرد الأتون وصار الصدر مروحا ببرد الرحمة التي أمطرت عليه
فمن أراد أن يتعرف هذا من نفسه أنه هل وصل إليه مطر الرحمة
278
فلينظر إلى هذه الشهوات التي ذكرناها التي في جوفه هل سكن تلظيها وانقطع لهبها عن الجوراح وهل سكنت حدة بصره بالنظر وحدة سمعه بالاستماع وحدة حلقه عند المضغ والتلمظ وحدة لسانه حتى ينطق في وقت دوران العرقين بذلك اللسان وحدة يده حين تناول وحدة وركيه حين ي ضطربان باختلاف القدمين وتخطي الركبتين فإذا افتقد الحدة في هذه المواضع فقد استيقن أن التلظي قد سكن في الجوف وأن القوة قوة الشهوة قد ضعفت فعندها يعلم أن مطر الرحمة من الماجد الكريم العزيز الوهاب قد حلت به وأمطرت على صدره وقلبه حتى طفئت نار الشهوات في نفسه وبرد الأتون
فالكيس هاهنا فهم وأدرك أمره فقال في نفسه لم يزل ربي ماجدا رحيما جوادا فكيف احتبست عني رحمته حتى عملت هذه النيران في جوفي ما عملت حتى فضحني عند ربي وعند ملائكته الكتبة وعند سمائه وأرضه ثم رجع إلى عقله فبصره عقله أن هذه الرحمة امتنعت عنك لأنك تحتاج إلى غ سل بيتك حتى تطهره من الأدناس والأوساخ فأقبل إلى الازدياد كنسا بعد كنس حتى صار بهيئة من كثرة تفقده ألا تسخو نفسه أن يترك فيها تبنة أو أدق من التبنة في ذلك البيت حتى يرفعها 88 فكلما ازداد من ذلك توقيا
279
وتفقدا ازداد روح قلب وطيب نفس للروح والقلب فالنفس الدنية إذا شعرت برحمة الله تعالى وعلمت بذلك تنزهت في ساحات رياضها ومرحت في جنانها وأشرت وبطرت فإذا كان القلب أبله غتما وأعطي علم الرحمة أن الله تعالى رحيم نقل ذلك العلم الى النفس حتى تأشر وتبطر وتست روح وتركض في فسحة اللذات وتستروح إلى ذلك العلم أن الله تعالى رؤوف رحيم يتردى بذلك في آبار الهلاك
فإذا كان القلب كيسا نقل ذلك العلم إلى العقل فيبصر العقل وقال له هل يستحق الموصوف بالرحمة أن تبذل نفسك وتقوم له بأمره على أشفار عينيك وتضع أموره على رأسك من التعظيم فإن الرحمة مديحه والممدوح بالرحمة من عبيده في دار الدنيا تسمو إليه الأبصار وتهتش إليه ال نفوس بهذه الخصلة الموجودة فيه
وكذا كل خصلة من خصال الكرم من الحسن والبهاء تجدها في عبد من عبيده فإذا عرفته بتلك الخصلة أحببته عليها حبا يأخذ
280
بقلبك ويسبي نفسك فربك الممدوح بهذه المدائح الموصوف بهذه الصفات أحق وأقمن أن تأخذ مدائحه قلبك وتسبي نفسك فإذا علمت أنه رحيم فزد في تعظيمه وتوقيره بأنبيائه وأحبائه وشغوفا بكلامه ونصائحه ومواعظه لك شفقة عليك ورأفة بك
فهذا العقل يدل هذا القلب الكيس على هذا
فإذا كان أبله مال إلى النفس وقارنها بالفرح بهذه الرحمة أن ربنا ملك كريم رحيم فتعال حتى نركض في هذه الشهوات والنهمات ننتظر بها ونستقصي في نهماتها فإذا علمه في هذا بأن ربنا رحيم قد سود وجهه وأحرق جسده ونكس قلبه ولذلك كان رسول الله يتعوذ دبر كل صلاة ( الل هم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ودعاء لا يسمع ) لأنه قلب أبله جاهل بربه فهو وإن علم أن ربه رؤوف رحيم فهو جاهل بالرحمة لا يدري ما الرحمة إلا علم اللسان فعلمه بالرحمة مقدار ما أن يقول في نفسه إنه إذا رحم فقد نجا من النار ولا يعلم بجهله بنفسه وبر به أن لله تعالى نقمات وسطوات يتمنى العبد أن يصرف به إلى النار العار والخزي بين يدي الله
حدثني أحمد بن مخلد حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي
281
عن المعتمر بن سليمان عن خاله فضل بن مؤمل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله ( والذي نفس محمد بيده إن العار والتخزية ليبلغان بالعبد في الموقف بين يدي الله تعالى ما يتمنى أن ينصرف به وقد علم أنما ينصرف به إل ى النار )
فالعار والخزي بين يدي الله تعالى وجعه على الأكباد والقلوب وعلى الأرواح ووجع الأرواح والقلوب والأكباد يضعف على وجع الأجساد أضعافا لا تحصى لأن الروح بحياته يألم والجسد بالروح يجد الألم فإذا خلص إلى الجسد شيء ألم الروح منه وإذا خلص إلى الروح شيء تضاعف الأ لم للحياة التي في الروح وشدة شعوره بالألم المعذب من الموحدين
فالمعذب من الموحدين إذا ألقي في النار أميت إماتة حتى تحرق النار جسده ثم يحيا بعد ذلك هكذا روي لنا عن رسول الله قال رسول الله في قوله
283
تعالى ( فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ) قال ( أما الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون ولا يحيون وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تميته إماتة ثم يقوم ويشفع )
معناه عندنا أن الذين لا يموتون فيها ولا يحيون ليست لهم تلك الحياة التي في الجنة لأن حياة أهل الجنة من قدس الحياة تحت العرش فبنسيمها يحيا أهل الجنة حياة أهل النار
وحياة أهل النار من غسالة أهل الجنة حين يشربون من ماء الحياة على باب الجنة حتى تزول عنهم أدناس الآدمية وأسقامها وأثقالها وأذاها فتجري تلك الغسالة إلى باب النار فتسقي أهل النار حتى يحيوا بتلك الغسالة ولا يتهنون بها فتلك حياة يجدون بها ألم الحياة ولا يجدو ن طيب الحياة فلا حياة ولا موت فهذا الموقوف بين يدي الله تعالى في العار والتخزية أشد عذابا في ذلك الخوف والهول والحياء من الذي أميت في النار والنار تحرق جسده والرحمة من الله تعالى محيطة به لا يزال يقتضي بها نجاته وخلاصه حتى يخلصه الله تعالى ثم يرمى به إلى الجنة طاهرا مثل من يحشر في الموقف على تلون الأحوال
مثل من يحشر الى الموقف غدا على تلون الأحوال مثل عسكر
283
نودي فيهم بالرحيل حين انفجار الصبح ففتح باب المدينة فخرجوا فراكب على هملاج بلغ المنزل ضحوة قبل أن يناله حر النهار فوجد المنزل خاليا فنزل على مختاره في ألطف مكان وأنزهه وأكثره مرفقا ووجد الأعلاف مهيأة والسوق مزينا خاليا والمياه صافية والمساقي نظيفة طيبة فينال من كل شيء على منيته واختياره حتى إذا انتصف النهار جاءت الركبان على دواب الحمر مع الأثقال وازدحموا على المنازل في المنازل ومالوا على الأعلاف والأسواق حتى تضايقت الأمكنة والأعلاف وأقبلوا على سقي الدواب على الازدحام فإذا كان آخر النهار جاءت أصحاب الدواب القطف فوجدوا بقية الماء والأعلاف ولم يجدوا مكانا في المنزل فنزلوا في الصحراء وهم بعد في ضوء النهار يبصرون أن ينزلوا ويجدوا شيئا من العلف والماء وما يحتاجون إليه حتى إذا أمسوا جاءت الرجالة فنزلوا حول المنزل بالبعد من المرافق ولم يجدوا شيئا من المي اه والأعلاف إلا بقية ومن المساقي الماء مع الكدورة والطين حتى إذا جن الليل جاءت الرجالة الزمنى والأعرجون والعميان ونحوهم يتخبطون الطريق ولا يجدون موضع
284
نزول الا في الخرابات والأرض الشاكة و الكناسات والمتغوط في ظلمة الليل وهجوم البرد والرياح والأنداء من الثلوج وغيرها فلا مكان ولا علف 89 ولا مرفق ولا كن ولا مستقر فهم يتمنون انكشاف الليل وانفجار الصبح ولا صبح
فهذا مثل أهل الحشر غدا الى الله تعالى وذلك قول الله تعالى ( ونفخ في الصور فجمعناهم جميعا ) وقال الله جل جلاله ( ونفخ في الصور فاذا هم من الأجداث الى ربهم ينسلون ) يحشر الناس ركبانا ورجالة وعلى وجوههم
وقد قال رسول الله ( يحشر الناس أثلاثا ثلث ركبان وثلث رجالة وثلث على وجوههم ) ركبانهم قول الله تعالى ( يوم تحشر المتقين الى الرحمن وفدا ) قال علي رضي الله عنه نجائب
وانما تلون حشرهم لأن المراكب متفاوتة كما ضربنا في المثل
285
من فارس وراكب حمار وصاحب قطوف وراجل ومن دونه من الزمنى وغيرهم فيصل إلى الموقف على قدر مركبه ومركبه معرفة الله تعالى فذاك مركب قلبه إلى الله تعالى بقدر معرفته لله تعالى وعلمه بالله تعالى يصل إلى الله تعالى بنيته في الأعمال ففرسانهم السابقون المقربون وتفاوت سبقهم في الأعمال بتلك القلوب الفوارس على قدر تفاوت مراكبهم كتفاوت الخيول ها هنا في دار الدنيا فرب فرس تبلغ قيمته وثمنه ألفا من الدراهم ورب فرس ألف من الدنانير ثم من بعدهم المقتصدون وهم على قطف الدواب والأثقال والحمولات ثم من بعدهم أصحاب الحمر يفت رون مرة ويقومون أخرى مرة ركبانا ومرة مشاة يسوقون حمرهم بالعناء والعجز حتى بلغوا المنزل ثم من بعدهم الرجالة حفاة وأصحاب كارات على ظهورهم وأعناقهم قد حفيت أقدامهم ونكبت أكتافهم وانعقرت من الحمولات التي على أعناقهم ومن تلك الكارات فهم رجالة الدين ليس لهم ني ات ولا تقوى ولا تقية يختبطون الطريق في الدين تخبطا على العادة والشايذبوذ يعملون على العادة والتجويز فهؤلاء هم أهل العامة في أسواقهم يستترون بالوضوء والصلاة والصوم والصدقة والشرائع وقلوبهم مشحونة
286
بحب الدنيا ومفتونة بالشهوات قد ضيعوا أحكام الفرائض وتوثبوا في الحدود ويعملون أعمال البر على العادة بالجزاف والتخبط قد نسوا المعاد وخلوا من ذكر الموت وخشية الله تعالى في السر وأهملوا الورع فهم سراق الأسواق في مكايلهم وموازينهم وتضيع أماناتهم
ثم من بعدهم هؤلاء المتهوكون المفتونون في الدنيا حيارى سكارى فهم عرج وزمنى وعمي لا يصلون إلى المنزل إلا بعد أهوال وشدائد وعجائب ثم بقوا في ظلمة الصراط ونفخات النار ودخان الحريق صفة فارس من السابقين
قال له قائل صف لنا فارسا من السابقين ما صفته
قال ذاك فارس ركب مركبا من مراكب المعرفة يطير قلبه إلى الله تعالى في كل وقت وأمر وحكم حتى لو استقبلته نعمة طار قلبه إلى المنعم ولها عن النعمة وإذا استقبلته شدة طار قلبه إلى المقدر ووقف بباب القدرة ينظر إلى تقديره له ذلك قبل اللوح والقلم وخلق العرش والكر سي والجنة والنار فهاب أن يلاحظ غير ذلك الذي قدرت له نفسه بشهواتها وأمنيتها وإن ذكر الرزق طار
287
قلبه إليه وإن ذكر أمر الرزق طار قلبه إلى الرازق فوجد الأمر مفروغا منه وأنه قد ضمن له ذلك وأبرز ضمانه في اللوح وإن نابته نائبة طار قلبه إلى ما نابه عنه فنزل منازل الواثقين بكرمه وأحسن الظن به ووثق به وسكن في محله لربه مطمئن القلب والنفس وإن أعوزه أم ر وأزعجه طار قلبه إلى المدبر فتعلق به مضطرا إليه مفتقرا إلى ما أمله ورجاه فهذا راكب نال مركبا سريا بهيا هنيا ما أسرع ما يبلغ به يوم المحشر إذا بعث من قبره فيجد مكانا في ظل العرش من قبل أن تجيء الرحمة وقد نال أهل المحشر في الموقف من العطش والجوع والحر
حدثني محمد بن يحيى بن أكرم بن حزم القطعي حدثني بشر بن عمر الزهراني حدثني ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله أنه قال ( طوبى للسابقين إلى ظل الله تعالى ) قيل من هم يا رسول الله قال ( الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوا بذلوه والذين يحكمون للناس بحكمهم لأنفسهم )
فصاحب هذه الصفة قلبه حي بالله ونفسه سخية منقادة لله قد ذلت بحدة الحياة لله واقفا عقله بعدل الله يحكم لخلقه بحكمه لنفسه فمركبه من أعلى المراكب وأجود الحيوان
288
مثل العامل يعمل أعمال البر
مثل العامل الذي يعمل أعمال البر على طريق الثواب والعقاب مثل نهر اجتمع في موضع فيه من البردي والحطب وأصول الأباء ونحوها فخاض فيه إنسان ففي كل موضع وصلت يده يقع في يده شيء من تلك الأشياء وبعضها على ظهره ورأسه وبطنه فيخرج من النهر متلوثا بها
فأهل الغفلة يجمعون حركات الجوارح بأعمال البر وليس لهم من ذلك إلا الظاهر في مقاصدهم ونياتهم إلا الثواب الذي وعد الله لعماله بذلك فعلى قدر طهارتهم وصدقهم يثابون من الجنة أجور عمالتهم وتعب أجسادهم وتلك الطاعة تنال من أنوار الإيمان وتلك نيات أنوار الإيمان الذي اعتقدوه فقط
فأما أهل الانتباه فيعملون الأعمال عبودة لله عارفين موقنين عالمين بالله فمثلهم كمثل من يغوص في البحر والأنهار فيضرب بيده في غوصه فبلغ في يده جوهرة لا يحيط بثمنها علم من نفاستها وصفائها فهم يدخلون في الطاعات بحركات الجوارح ولكن في قلوبهم من العجائب ما تع جب الملائكة إذا رفعت إلى الله تلك الحركات في حشوها من الأنوار ما يملأ الأفق الأعلى
وأهل الغفلة حشو حركاتهم في الطاعات أنوار نياتهم
289
ومقاصدهم وتلك من نور الإيمان الذي اعتقدوه
وأهل الانتباه حشو حركاتهم في الطاعات لأن في حركات جوارحهم نور الحب ونور الحياء ونور الشوق والحنين والتضرع والقلق والسرور والبهجة والشكر والذكر الصافي 90 والإقبال على الله والإنابة والخشية والخضوع والتسليم ورؤية المنة والتبري من الحول والقوة فهؤلاء غواص ون يغوصون في كل حركة في بحور المعرفة في وقت مرورهم في استعمال الجوارح ومضيهم فيها بقلوبهم ويستخرجون من غوصهم الدر اليتيم والجوهر النفيس لأن القلب خزانة الله تعالى وفيها نوره فإذا طهر العبد ساحة الخزانة وهي الصدر ظهرت في تلك الساحة من باب الخزائن في وقت ع مل يعمله عجائب لا توصف من هذه الجواهر والدرر وحركات الطاعات ذات صور فكل طاعة لها صورة ومثال وفي كل صورة يعملها ثواب فيرائي بها ربه ويتزين العبد بتلك الصورة لما فيها من الجواهر لمعبوده فهذا عبد يتزين بجواهره من كنوزه حتى إذا جاز هذه الخطة ووصل إلى فرديته فكان هذا عبدا تزين لله بالله وكان الله مستعمله في قبضته وهي دعوة أجل العباد واحد من السبعة الذين لقيهم يونس
290
صلوات الله عليه وكان يدعو ويقول اللهم بك أتزين فاجعل اليقين شعاري والصبر دثاري فهذا عبد تزين بالله لله مثل من وثق بالله في ضمان رزقه
مثل من وثق بالله في ضمان رزقه وكفايته ومواعيده مثل من ضاف ملكا من الملوك فدعاه الملك فخاف من دعوته وامتنع واحتال لنفسه هربا وامتناعا لقلة ثقته به لأنه لا يدري ما له عند الملك في الغيب فعلم الملك بحاله فوجه إليه ولدا من أولاده رهينا عنده وقال هذا ولدي ع ندك وثيقة فاحضر إلي فإني أفي لك بالأمان والوفاء بكل ما وعدتك
فسكن الخائف بذلك الرهين واطمأنت نفسه وعلم أن الرهان لطمأنينة القلب والأمان ولا محالة يفي له بذلك
فالمؤمن وضع الله تعالى في قلبه نوره ثم ضمن له الرزق والكفاية وأمره بالعبودة ودعاه إلى طاعته ووعده حسن المآب فكلما نظر المؤمن إلى هذا الرهين الذي عنده اطمأن وحسن ظنه به وقال في نفسه لو لم يرد بي خيرا ما وضع مثل هذا الجوهر
291
النفيس في وثيقة ورهنا فبذل نفسه له وألقى بيده وارتفعت التهمة وسوء الظن وخوف الرزق مثل أهل الثبات في الأعمال
مثل أهل الثبات في الأعمال مثل ملك له ثلاثة أعبد فأعطى كل واحد منهم قضيب كرم ليغرسه ويعمره ويثمره ويحمل شراب عصيره إليه فعمد أحدهم إلى كرمه فجعله مربى له وقام بعمارته في السقي وتقليب الأرض يكريه ويسرقنه ويشده وما يصلح لها حتى أدرك وأثمر فإذا جاء أوان عص يره فعصره فملأ زقا صافيا صرفا من العصير
وعمد الآخر إلى قضيبه فسقاه سقيا دون سقي ولم يثمره ولم يقم بعمارته مثل الأول فأدرك الكرم ولكن ليس لشجرة نزاهة وطراوة ولا لعنبه من الحلاوة ما يكون لمثله فعصر وملأ زقه ممزوجا بالماء
وعمد الثالث إلى قضيبه فسقاه واحدة ولها عنه ولم يثمره
292
ولم يقم بعمارته بشيء حتى أدرك عنبه كله حامض ليس فيه من الطراوة والماء شيء فعصره كذلك فلم يملأ الزق فنفخ فيه حتى امتلأ ريحا فصار في رأي العين كالممتلئ
يحمل كل واحد زقه إلى الملك فرأى الملك كلها في رأي عينه ممتلئ فحل من الأول وكاءه فذاقه فرآه شرابا صرفا لذيذا فأعجب الملك بذلك وقبله واستحلاه ووافقه وأعد له جزيلا وأكرمه وخلع عليه خلعة بهية فحل وكاء الثاني فذاقه فوجده ممزوجا بالماء ولم يجد له كثير حلاوة فرمى به وجهه وأخرجه من بين يديه
فلما حل وكاء الثالث خرجت الريح فبقي في الزق شيء قليل فلما ذاقه وجده حامضا غير مدرك فضرب بالزق على رأسه وأخرجه من بين يديه وسقطت الجلدة بين يديه عمال الله تعالى على ثلاثة أصناف
فعمال الله تعالى ثلاثة أصناف فعامل تصدر أعمال بره من قلب سقيم فصدره مغيم بسقم قلبه من أمراض الذنوب وغيمه من دخان الشهوات وقضاء المنى فقوة عمله إنما هي من نور التوحيد
293
فقط فإذا خرج عمله حشو نوره الذي بدر من التوحيد فالأعمال قوالب وحشوها الأنوار فصاحب هذه الصفة كصاحب زق منفوخ فيه حين حل وكاؤه خرجت الريح وبقي في أسفله شيء يسير قليل وتساقط الزق فإذا رفع عمل هذا إلى الله تعالى لم يظهر منه من النور إلا بمقدار النور ال ذي ذكرنا وسائرها حركات الجوارح بلا نور
والثاني خرج عمله إلى الله تعالى ممتلئا نورا ممزوجا بنور الرجاء والنوال من الله تعالى فطمع نواله أذهب حلاوة عمله
والثالث خرج عمله إلى الله تعالى ممتلئا نورا من نور القربة حشو ذلك النور حب الله تعالى لم يبتغ به غير وجهه الكريم من غير أن يلتفت إلى نفس ولا طمع فلما رفع إلى الله تعالى ظهر منه من النور ما أحاط بالمعرض من العرش وانتشر في جوانبه وملأ الخزائن فهذا عمل ال مقربين والثاني عمل المقتصدين والثالث عمل المخلصين الظالمين لأنفسهم مثل الطاعات في الزينة
مثل الطاعات في الزينة مثل زينة الثوب المنسوج المنقوش بألوان النقوش فكل من نظر إليه في هذه الزينة ذهل عقله من حسنه
294
وبهائه وسبى قلبه بهجته فالناظرون إلى زينة الأعمال أحق أن تسبي منهم قلوبهم بزينتها وبهائها وبهجتها
قال له قائل ما زينة الأعمال
قال زينتها في لبقها فمن احتظى من اللبق زينها فزينة الثياب إنما ازدادت باجتماع الألوان المنسوجة بعضها ببعض فإذا تلونت على العيون على اختلاف ألوانها ونقوشها التذت بتأليفها فزينة الأعمال في لبقها فمن احتظى من اللبق رأى زينتها
قال له قائل ضربت المثل بشيء فأفهمنا به فبين لنا نوعا من ذلك نفهم
قال فانظر إلى الصلاة فإنما هي قيام ثم انتصاب ثم تكبير ثم وقوف ثم ثناء ثم تلاوة ثم ركوع ثم سجود ثم جثو ثم ارتغاب ثم تسليم فهذه أفعال مختلفة وأقوال متباينة ولكل فعل زينة ولكل زينة بهاء وبهاؤه من أصله الذي منه بدأ وإليه يعود
فإذا اجتمعت هذه الأنواع على التفاوت بعضها في بعض تلونت 91 وازدانت والتذت القلوب بتلك الأفعال والأقوال ثم المتلذون بها على درجاتهم في الترائي فطائفة منهم تلحظ في
295
أعمالهم إلى حركاتهم فيها على الخضوع والذلة يتذللون لمليكهم بتلك الحركات عبودة وأسرا
وطائفة تلحظ إلى حركاتهم فيها إلى فرح الله بفعل العبيد فهم يتقلبون ويتصرفون فيها التذاذا بفرح الله تعالى ومسراته بتلك الأفعال وقوله لعيسى عليه السلام يا عيسى تحر مسرتي وهو قوله ( لله أفرح بتوبة العبد من أن يضل أحدكم راحلته في أرض فلاة عليها زاده ومتاعه فيضرب يمينا وشمالا فلا يجد فيقول في نفسه أرجع إلى ذلك الموضع فأموت فيه فوطن نفسه على ذلك فإذا رجع إلى ذلك الموضع وجد راحلته قائمة هناك عليها زاده وشرابه ومتاعه )
وكذلك الصوم إنما هو دعوة القلب النفس إلى ترك الشهوات ليومه الذي يريد أن يصبح فيه والنفس تتثاقل وتنفر عن ذلك النفرة التي تنفر وتتثاقل عن تركها حتى إذا أجابت القلب إلى ذلك ارتحل القلب إلى الله تعالى بانقياد النفس له ومتابعتها إياه وقبول القلب من الله تعا لى ذلك الترك والكف عن الشهوات من الطعام والشراب والنساء والحفظ للسمع والبصر واللسان عما لا يحل ثم إلى النفس عازما فذاك الارتجاع زينة عمله في العزيمة عند الرجوع إلى النفس وقبوله من الله تعالى فجاء بذلك القبول فأحاط بالنفس فتلك
296
الإحاطة عزيمة القلب وانقياد النفس وثاقه إياها فربضت النفس ساكنة
هذا مبتدأ الصوم فمن مبتدا هذا اليوم إلى آخره في صدره خواطر وعلى ظاهر جوارحه عوارض تحتاج النفس إلى أن تتجرع مرارة تلك الشهوات خاطرة كانت أو عارضة فكلما خطر بباله في صدره بين عيني فؤاده خطرة هاج البال واشتهت النفوس لتلك الشهوة وسكنها القلب فريضت كان لها بكل خاطرة وعارضة تتجرع النفس مرارة الترك جزاء عند الله تعالى فمن يحصي هذه الخطرات والعوارض إلا الله تعالى
ولذلك قال الصوم لي وأنا أجزي به لأن النفس تجرعت مرارة الترك لله تعالى والقلب وفى بما قبل من الله تعالى فالثواب يتجرع المرارة والجزاء للقلب بالوفاء
فطبقة منهم في هذه الخطرات والعوارض في درجة ملاحظة الثواب والعقاب
وطائفة منهم في درجة ملاحظة حب الله تعالى فتلاشت المرارات بحلاوة حبه
وطبقة منهم في درجة ملاحظة مسرات الله تعالى وقرة العين
297
فيفتقدون المرارات لا بتهاج نفوسهم بمسرات الله تعالى مثل المعرفة التي لم تضء
مثل المعرفة التي لم تضء مثل لؤلؤة بيضاء صافية نقية ثم تجدها قد دخلتها صفرة بطول استعمالها من العرق والحر والبرد وأدناس الجسد وغيرها وترى ياقوتة أيضا بمائها وصفاء لونها قد ذهب صفاؤها وتغير لونها بطول لبسها فأصحاب الجواهر أبصر بما يغسلون تلك اللؤلؤة لتزو ل صفرتها وتعود إلى حالها
وكذا الياقوتة تعالج حتى تعود إلى مائها وصفائها
فكذا المعرفة تجدها حلوة نزهة نيرة فعلى طول مجاورتها بشهوات النفس وملامستها إياها تجدها متغيرة قد افتقدت حلاوتها ونزاهتها وطيبها لأنها قد تدنست بأدناس الشهوات فيجب أن يحتال لأمرها حتى تعود كما كانت
قال له قائل فكيف يكون ذلك
قال أليس هذه الياقوتة واللؤلؤة جوهرها قائم وإنما افتقد صفاؤها وماؤها لما لزق بها من الدنس وتغيب عنها صفاؤها فبالمعالجة زال عنها ما كان لزق بها وعادت إلى حالها وظهر صفاؤها فكذا المعرفة قائمة إلا أن أدناس الشهوات حجبت عنك إشراقها لما حلت في عين فؤادك في صدرك فصارت كشمس
298
انكسفت فذهب ضوؤها وإشراقها فإذا انجلت عن الكسوف عاد إليها مضيئا
فكذا المعرفة إذا غشيتها الكبائر فقد انكسفت شمسك فصرت في ليل دامس فلو اجتنبت الكبائر دون الصغائر وهي السيئات فأنت في نهارك في سحاب وغيوم فلو دام هذا الغيم والسحاب لم ينعقد لك حبة من حبوب الأرض ولا نضجت ثمرة من أثمار أشجارك ووجدت الآدمي مقسوما على ثلاثة أجزاء
قلب بما فيه من الإيمان وروح بما فيه من الطاعة ونفس بما فيها من الشهوة والقلب يقتضي الإيمان والروح تقتضي الطاعة والنفس تقتضي شكر النعم والعبد مقصر في الثلاث كلها فحبه لربه يوفي تقصيراته فكلما كان حبه أوفر كان أثمر لتوفير تقصيراته لأن أصل المعرفة قائمة ل كنها متغيمة فإذا أحببتها كلها عملت بلا تقصير فلا تحتاج إلى التوفير
ومثل ذلك مثل عبدين لك اقتضيتهما الإقرار لك بالعبودة والاستقامة بين يديك واقتضيتهما ما وظفت عليهما من الخراج واقتضيتهما شكرك فقصرا في جميع ذلك وكان أحدهما أظهر حبا لك من الآخر فإن كان أحدهما أكثر عملا والآخر أقل فنظرت إلى قلته وقلت في نفسك وهذا يحبنا فن حن نقبل منه بحبه إيانا موفرا
299
مثل الائتمار بأمر الله
عن زيد بن أسلم رحمه الله أنه قال لي حديثان أحدث بهما إذا خلوت
مثل الائتمار بأمر الله تعالى ومثل القلوب مثل أمير ولي على كورة فوردها فوجد الكورة غياضا ومروجا وآجاما فيها الخنازير والسباع ومياه النز فلما نظر اليها رجع ناكصا على عقبيه فقال : ليس مع هذا النز قوام ولا مع هذه الخنازير عيش ولا إمرة
وولي آخر على كورة أخرى فوجدها ذات قصور وبساتين وأنهار جارية وأشجار ومساكن نزهة وسكان كثيرة وأسواق مزينة فيها ألوان المتجر فحل بهم واستقر قراره وملكهم وتأمر عليهم ففتح باب خزائنه وقسم كنوزه فيما بينهم 92 حتى أغناهم وقواهم
فأمر الله تعالى عباده بأمور ونهاهم عن أشياء لا لجر نفع ولا لدفع ضر لكن رحمة منه عليهم ورأفة بهم فمن وافاه أمره
300
فوجد صدره مشحونا بأشغال أحوال النفس وقلبه مشغوفا بحب الدنيا ونفسه مفتونة بالشهوات والمنى وعقله معتوها بالهوى رجع الأمير قهقرى ولا يجد محلا ولا مستقرا لأن في هذا القلب من العتاهة وفي هذه النفس من النهمات والشهوات وفي هذا الصدر من الأماني والفتن والم كر والغل والحسد والخيانة وأشغال وسواس العبد ما هو أقبح لأن هذه الأشياء أقبح من الخنازير ومن الهوى ما هو أكثر ضررا من النز فكيف يقدر الأمير أن يملك هذا القلب ويحل بهذا الصدر ويتملك على هذه النفس وكيف يقتضي العقل القيام بها
ومن وافى إمرته فوجد قلبا مشحونا بحب الله تعالى وصدرا مشرقا بنور الله تعالى ونفسا مزينة بنزهة بساتين الله تعالى وعقلا مشحونا بنور وجه الله تعالى حل به الأمير فشرب القلب حلاوة الأمر وطعمت النفس لبابه وازداد العقل بالرأفة التي تضمنت الأمر وظهر العمل على ا لأركان على حسب ما وصفنا من الباطن
وهذا لما ذكرنا أن الله تعالى لم يأمر عباده أمرا لجر منفعة ولا نهاهم لدفع مضرة ولكن أمرهم رأفة بهم ورحمة عليهم ولما فيه مصالحهم ودفع المضار عنهم
301
أمر الله على نوعين
فأمره على نوعين فأمر منه موافق طبعه كقوله ( كلوا واشربوا . . . ) الآية فتهتش إليه النفس وتسر به
وأمر يتثاقل عليه ويتباطأ كقوله صم عن الأكل والشرب فمن ساكن قلبه حب الله تعالى وعظمته وجلالته فشرب قلبه حلاوة الأمر لأن حلاوة الحب تحليه وعظمته تعظمه وجلاله يجله فتعمل الأركان على ما في الصدر والقلب فإن كان هذا الأمر محبوبا فهذه صفته وإن كان مكروها لاحظ ت عين فؤاده رحمة الله ورأفته عليه فمر في ذلك الأمر كالسهم وهانت عليه أثقالها ورأى أن أباه إذا أقعده بين يدي الختان ليختنه أو بين يدي الحجام ليحجمه أو بين يدي الطبيب ليشربه دواء من الأدوية المرة البشعة فلم يخل من وجع وألم وأذى ولكن لم يتهم والده في ذلك لم ا علم من رأفته وشفقته عليه فكذا لما رأى من رأفة الله ورحمته وشفقته عليه لا يتهمه بهذا الأمر وإن كان غير موافق طبعه فقبله مسرعا وقام به على الاهتشاش
فهذا أمير وافى قلبا غنيا وصدرا عامرا ونفسا طيبة نزهة ومن كان بخلاف تلك الصفة فقد وافى أمره قلبا خربا وصدرا ذا مروج وخنازير ونفسا بطالة شرهة وعقلا معتوها بالهوى فأمر الله جلا وعلا على هذه الأركان كما كان أمر الله على المنافقين الذين كانوا
302
مع أصحاب رسول الله ورضي عنهم لهم مقارنة معهم في مغازيه ومجمع الصلاة والصيام والجمع والأعياد وقلوبهم حزبة فقد مضت تلك الصفة ولا يزال في كل قرن منهم يزداد ويكثر حتى امتلأت الأرض منهم وغلبت وقل أهل الصدق
وكذلك روي عن رسول الله أنه قال ( يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه ومساجدهم عامرة من أبدانهم وقلوبهم حزبة من الهدى أولئك شر من تظل السماء منهم تخرج الفتنة وعليهم تعود ) الأجساد قوالب
ثم إن الله تعالى خلقنا فجعل أجسادنا قوالب للقلوب ونفوسنا معدنا للشهوات ورؤوسنا معدنا للعقل وصدورنا معدنا للعلم وقلوبنا معدنا لكنوز المعرفة وأكبادنا موضعا للقوة ومجمعا للعروق التي تجري فيها القوة مع الدم وطحالنا معدن الرأفة وجعل فينا روحا حيا اشتمل على الجميع منا فظهرت الحركات بتلك الحياة في جميعنا وأشرق في قلوبنا نور المحبة لتحيا قلوبنا بالله وكتم فيها نور الهداية لنهتدي في تلك الحركات بهدى الله الذي هدى به أحباءه وجعل المعرفة أميرا على العقل وخلق الهوى وجعله قرين العدو وجعل لهما سبيلا إليه حتى يوسوس العدو وجعل للهوى سلطانا حتى يقهر بسلطانه العقل ويطمس العلم ويحسم باب
303
الكبر ويغلب الروح ويخدع النفس ويجعلها أميرا فإذا ذاقت النفس طعم الإمارة وعزها انخدعت ومرت معه فتظاهرا وخرجا على القلب فأخذاه بمنزلة خارجي متغلب خرج على والي الكورة فأخذه وقيده وسجنه وأوثقه وأغار على كنوزه وفرق جنوده وقعد أميرا فخرب الكورة وأفسد الر عية
فأمرنا ربنا جل وعلا بأمور ونهانا عما يفسد تدبيره فينا وهو المعاصي وذلك دواؤنا وشفاؤنا وصحة النفس من الأسقام أسقام الدين
ثم ينصحنا كما ينصح الطبيب الرفيق بشفاء الدواء
ثم حذرك عن أشياء وأمرك بالحماية عنها فحذرنا ربنا اتباع الهوى وزينة الدنيا ومكايدة العدو وإجابة دعوته وأيدك بالعلم والعقل والمعرفة والحفظ والذهن والفطنة وأيدك بكلامه المهيمن على الكتب نورا وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة وأيدك بأسمائه تسعة وتسعين الدعا ء لم يكن لسائر الأمم
وفتح لك باب الدعاء ما لم يكن لسائر الأمم يقول الله تعالى ( ادعوني أستجب لكم )
304

وإنما كانت للأنبياء خاصة دونهم حتى إذا نابهم نائبة فزعوا إلى الأنبياء ليدعوا لهم فلذلك كثرت أنبياؤهم لحاجتهم إلى ذلك حتى كان لكل محلة نبي ونبيان وثلاثة وأربعة وأكثر لحاجة العبد في ذلك الموقف العظيم
قال له ربه أعطيتك ثلاثة من الأمراء ما من أمير إلا وله سلطان وجند ونفاذ أمر أفما كان لأمرائك من العدة والقوة ما يغلبون هواك بلى قد كان ولكنك قد ملت إلى هواك ووضعت يدك في يده حتى أسرك وضيعت أمرا لي والمحاربة للنفس مع أمرائي وقد أمرتك بالمجاهدة وقلت ( وج اهدوا في الله حق جهاده ) وأعطيتك الأمراء مع الجنود لمجاهدة نفسك وهواك فملت إلى النفس والهوى وأعرضت عن الأمراء والجنود وألقيت نفسك أسيرا بين يدي الهوى حتى وضعك في يد العدو وفضحك 93 فخرجت إلى هذا المجمع بين يدي الرحمن والأنبياء والأولياء والملائكة مع هذه ا لأعمال القبيحة والفضائح اللسان لسان الأولياء والأعمال أعمال الأعداء أف لعبد أحمق وزبون أبله أين كان علمك حتى تبلهت وأين كان عقلك حتى تحمقت وأين كان ذهنك حتى أعرضت عن الله تعالى وأقبلت على نفسك وتصاممت عن
305
أدب الله تعالى وكلامه ومواعظه وأصغيت إلى وساوس شيطانك اتهمت مصالح الله وانخدعت لعدوك وعدك عدوك الفقر وأمرك بالفحشاء والله وعدك مغفرة منه وفضلا فآثرت وعده وأمره على وعد ربك ومغفرته وفضله وإنما أوتي العبد هذا من قبل رق النفس لأن النفس إذا ملكها الهوى صارت رقيقا للهوى مملوكة ذليلة تنقاد للهوى حيثما قادها حتى يهوي بها في النار التي منها خرج إلى النفس
فالهوى هو نفس النار فإذا تنفست فإنما لها لهبان ونفسان نفس من السموم ونفس من الزمهرير فكلاهما في الهوى برد الزمهرير وحرارة السموم فإذا خلص إلى القلب برد زمهرير الهوى خمدت حرارة حياة القلب فإذا ذهبت الحرارة مات القلب وجمد الدم
ألا ترى إذا خرج الروح جمد الدم ثم النفس وبقي دم العروق على حاله وتلك دماء الطبيعة
في قلب المؤمن حياتان
ففي قلب المؤمن حياتان حياة الريح وحياة المعرفة وفيهما الحرارة فإذا جاء الهوى ببرده خمدت الحرارة التي في القلب فبرد القلب عن أمر الله تعالى وعن دار الآخرة وجاء العدو بزينة الدنيا على أثر الدنيا حتى سبى قلبه بتلك الزينة ويغويه عن أمر الله تعالى
306
والغي حول القلب عن الرشد وبالرشد لازمت المعرفة القلب فهي ملازمته أبدا وبالرشد ثبات المعرفة والغي ضد الرشد الرشد سر الله في قلب المؤمن
قال الله تبارك وتعالى في تنزيله حيث بعث رسوله ( قد تبين الرشد من الغي ) والرشد سر الله تعالى في قلوب المؤمنين لا يطلع عليه إلا الأنبياء عليهم السلام والأولياء فمن دونهم عجزوا عن معرفة كنهه فالرق برد القلب وخموده عن حرارة حياة القلب بالله تعالى وموت ال قلب عن الله تعالى وبرد النفس وخمودها عن التحلل للأركان في أمر الله تعالى فظهر على القلب الجمود والعجز وعلى النفس القهر وذهاب القوة والكسل
فكل من ملكه هواه فقلبه مقهور ذليل لا يعتز بأمر الله ولا يهتز له لأن أمر الله تعالى ملكه وسلطانه وزينته وبهاؤه وحلاوته فإذا وافى قلبه مأسورا وصدرا مظلما بأشغال الدنيا قد خربه الهوى وصير صدره مروجا وغياضا وآجاما يخوض فيها الخنازير وتتردد فيها الذئاب والس باع والأسد والثعالب لم يبق هناك للأمير سلطان فإذا لم يكن للأمير مملكة ولا سلطان فلم تبرز زينته وبهاؤه ولم توجد حلاوته فلذلك لا يجد صاحب الهوى طعم أمر الله تعالى وحلاوته ولا يرى بهاءه وسناءه وزينته فإذا عمل ذلك الأمر كان كالمكره
307
الذي لا يجد بدا أو كالذي يجر برجليه على موائد النعم وبساتين النزهة كما تجر جيف الميتة لترمى ولا يجد طعم ما حل بالموائد ولا يشم رياحين البساتين ولا يلتذ بنزهتها
ومن خلص من رق الهوى فيوسم سمة الأحرار قعد على موائد النعم ونزهة السنن فكانت الأعمال موائد غراسه والذكر بساتينه و نزهته فالرق يدنس القلب ويقهره فإذا صار حرا تطهر القلب من الأدناس وخرج من قهر الهوى فاعتز بالله واستغنى بالله مثل أعمال البر في الجسد
مثل أعمال البر في الجسد مثل أيام الربيع إذا هاج الحر من تحت الأرض وذهب البرد من الجو فإذا غشي الحر بزور الأرض وعروق الأشجار انفطرت الأرض واهتزت وربت وتوردت الأشجار والأوراد واخضرت الزروع والنبات في الأودية والجبال والبراري فهاجت ريح كل شيء فطاب الهواء فإذا طاب الهواء من انفطار هذه الأشياء ووصل نسيم الأوراد والرياحين إلى الخياشيم فصارت شفاء لأجسامهم وصلاحا
308
لطبائعهم ومرمة لأعضائهم وذهبت عنهم زهومة الشتاء والدخان والأدناس
فكذا الأعمال السيئة كدرت أحوال المؤمنين ودنست جوارحهم وثقلت أركانهم ووهنت أعضاءهم فإذا خالطتها الأعمال الصالحة صارت شفاء للقلوب وقوة للأركان كأيام الربيع وطيب الهواء للأجساد التي وصفنا وحييت القلوب بالأعمال الصالحة التي ماتت من تعاطي الشهوات كالأرض حيي ت بالأمطار في الربيع من مياه الحياة وكذا قال جل جلاله ( يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) أي إن الله تعالى دعاكم إليه طاعته فأجيبوه ووفوا له بما دعاكم إلى تحيى قلوبكم به مثل القلب والنفس
مثل القلب والنفس مثل القوس أعلاها أوسع من أسفلها فإذا غفل عنها صاحبها أخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى قليلا قليلا حتى يصير الأعلى ضيقا والأسفل واسعا فلا تخرج الرمية عن قوة ولا تبلغ المقصد
فكذلك القلب هو في غناه وسعته وقوته متمكن في التدبير
309
وهذه الجوارح والنفس في ضيقها وفقرها وحاجتها فلا تزال تأخذ من سعة القلب ومن قوته حتى يضعف القلب ويقل غناه ويضيق فلا تخرج رميته مستوية ولا عن قوة فلا يصل إلى المقصود
قال له قائل ما الرمية
قال النية الصادقة فالنية من القلب إذا خالطه علائق النفس ضعفت النية وخرج الفعل غير مستو ولا صاف
قيل مثل ماذا
قال بيانه رجل أخرج شطر ماله ليتصدق به ابتغاء وجه الله تعالى فهذه نية صادقة خرجت من قلب صاف صادق ثم قال أين أضعها فحدثته نفسه أن ضعها في غريمك فلان لك عليه دراهم ليرد عليك قضاء مالك عليه أو ضعها في تابعي من خدمك فهذه علائق خالطت الصدق الذي ادعى أنه يريد به وجه الله تعالى أراد به غير 94 وجه الله تعالى عرضا من عرض الدنيا فزاغ قلبه عن الاستواء إلى الميل إلى شيء عن اليمين إلى الشمال وعن الأعلى إلى الأسفل كالقوس إذا جعلت بيت أسفله أعلاه وأعلاه أسفله فإذا وجدت النفس إلى ذلك سبيلا اعتادت ذلك فمرة أخرى
310
أخذت القوة من القلب
ثم أخرج من ماله شطرا آخر لينفقه في سبيل الله تعالى فقال أين أضعه فطمعت نفسه أن يتصدق به على ملأ من الناس فتحمدك الناس على ذلك ويقال إنه سخي خير فقد زال عن الاستواء إلى أن بطلت رميته حتى خرجت من القوس فسقطت بالأرض ولم يصل إلى مقصوده من الرمية
ثم أخرج درهما آخر فقال أين أضعه فذهب فوضعه في معصية فهذه رمية لم يعمل القوس فيها فالقوس معطلة والوتر منقطع والسهم معوج والرمية غير مسددة مثل المحق والمبطل
مثل المحق والمبطل مثل رجل بيده اليمنى كوز مملوء من ماء عذب بارد صاف هني مري يجد عذوبته في لهاته وبرده في فيه وحلاوته في حلقه وهناءته ومراءته في جوفه وبيده اليسرى كوز فيه بول قذر منتن وتراه يؤثر هذا على الماء الصافي العذب ويشرب من هذا الرجس فمن نظر إلى فعله أليس يقضي عليه بأحد الحالين إما جنون أو سكر
311

قال فإنما مثلتهما بكوزين لأن الكوز وعاء للماء والأعمال وعاء الحق والباطل فعمل رضي الله به وأمرك به وأحبه فالحق فيه وذلك العمل وعاء ذلك الحق فأي ماء أعذب وأبرد وأصفى وأهنأ وأمرى من الحق
وفعل آخر زجر الله تعالى عنه وسخطه وأبغضه ونهاك عنه ومقت فاعله فالباطل فيه وذلك وعاء ذلك الباطل فمثلهما كمثل الكوزين في يدي ذلك على ما وصفنا أخذهما رجل بيده على ما وصفنا فمن آثر كوز البول على كوز الماء العذب الهنيء المريء لم يوضع أمره إلا على الجنون أو السكر فمن آثر الباطل على الحق لدنيا يصيبها أو لنفس يغرها ويباهي بها فإنما هو لأحد أمرين إما أن تكون المعرفة قد اختبأت فيه فهو منافق شاك في ربه أو مما يشرب صرفا من حلاوة حب الدنيا فأسكرته ولذلك قال رسول الله ( حبك الشيء يعمي ويصم ) فإذا أصمه وأعماه نافق ف إذا آثر الباطل انمحق الباطل وزهق وإن الباطل كان زهوقا وتلاشت الدنيا عنه وبطل ملكه بها وانتقلت إلى غيره ونفسه الطالبة للعز والجاه عادت جيفة منتنة ملأ بطنه صديد وديدان
312
مثل العارف المنتبه
مثل العارف المنتبه قبل الانتباه مثل عبد له مولى ولكن لا يعلم من مولاه وكان في جمع عظيم وكلهم موالي العبيد فقال أيهم مولاي من بين هؤلاء فأشاروا له إلى واحد منهم إن هذا مولاك وسيدك فنظر إليه بعين الرضا فوجده أجملهم وجها وأغناهم مالا وأحسنهم خلقا وأطهرهم سيرة وأجودهم كفا وأحلاهم منطقا وأنفذهم قولا وأفرسهم فارسا وأعلمهم علما وأبهاهم زينة وأرفعهم كسوة وأوسعهم ملكا وأعظمهم رحمة وتحننا وأشكرهم لعبده فامتلأ هذا العبد فرحا لما وجد مولاه على هذه الصفة واستطال به على سائر العبيد من نظرائه واختال وافتخر به ووجد ا لقوة في ظهره كل القوة والسرور في قلبه ورأى نفسه لهذا المولى الذي وجده بهذه الصفات أنه ليس له كفوا من أشكاله من العبيد بما وجد مولى مثل هذا
فهذا حال العارف إذا انتبه من رقدته وعرف أن له ربا بتلك الصفات التي كانت له تسعة وتسعين اسما ووجد في أسمائه تسعة وتسعين صفة فكل اسم إذا دعاه به عرف أن هذا اسمه على الحقيقة لا على الاستعارة وعلم أن الصفة من وراء الاسم قد أعد له ما وضع من تلك الصفات لعبده فمتى يسع هذا العبد في الدنيا وفي
313
العقبى متى وجد سيده بهذه الصفات مثل العلم مثل الماء
مثل العلم مثل الماء فإن فيه حياة الأرض فالماء يخرج به النبات ويشتد نباتها بالتراب الملقى فيها فبه تتقوى الأرض ويشتد نباتها فلو أن رجلا غرس أغراسا ثم لها عنها فلم يلق فيها التراب ولم يسقها بالماء يبست الأغراس وبطل عمله
فكذا العلم فيه حياة القلوب يحيا القلب بالعلم ويقوى ويشتد باستعمال العلم بالعمل
فلو أن رجلا تعلم العلم ثم لها عنه فلم يعمل في انكشاف الغطاء عنه حتى يصير العلم له معاينة ويتصور في صدره لأن مرآته في صدره فالذي يسمع بأذني رأسه يتأدى في أذن فؤاده وبصر فؤاده ففي أذني فؤاده وقر من رياح الشهوات وأهويتها فضل سمعه فتلاشى ما سمع بأذني الرأس وعمي بصر فؤاده عن صورة ما يتصور من ذلك العلم في قلبه فتراكم دخان الشهوات وفوران حريقها المتأدي من جوفه إلى صدره فأظلم عليه إشراق نور شمس
314
المعرفة عن صدره فبقي على لسانه كلام ذلك العلم وذلك الكلام وذاك عبارة العلم
فأما العلم فقد احتجب وغاب في ظلمة ذلك الدخان والفوران فذهب عنه استعماله فلم يبق علم ولا عمل إنما بقيت عبارة اللسان وتلك حجة الله على ابن آدم
فهذا بمنزلة غارس غرس أشجارا ثم لها عن سقيها وتربيتها حتى يبس وبطل عمله وهو في الآخرة من الخاسرين مثل التائب
مثل التائب مثل عبد للملك أبق منه فصار إلى بلد من البلدان فوجد الملك عليه وجدا شديدا بكفرانه بنعيمه وذهابه بالرقبة وإيثاره النهمة على الكون بين يديه من الخدمة وسقط من عينه
فلما افتقد العبد عز القربة وشرف الخدمة وحلاوة القيام وافتقد مرافقه وغلبه العجز والشهوته والكدرة والعناء في طلب المعيشة وحالة البؤس والفقر من تلك المرافق ورخاء العيش ندم على ما كان منه لما حل به ولم يدع شقاوة نفسه أن
315
يرجع بنفسه إلى مولاه
وقد علم الملك بما أصابه وبما ندم فبعث إليه بكسوة وراحلة وكتب كتابا أن ارجع إلينا فلك عندنا ما كان لك
فارتحل عن وطنه ذلك راجعا إلى الملك فكلما مر بمصر وقرية فيها نزهة مكث أياما وقضى نهمه 95 ثم يرتحل فيهجم على أخرى مثلها فمكث هناك ثم يرتحل والملك ينتظر وصوله وهو يتباطأ إلى اقتضاء الأوطار والمنى
فبينما هو كذلك إذ بعث الملك قاصدا فأخذه وقيده وسجنه هناك في بعض السجون إلى يوم يدعوه للمعاتبة والحساب يوم موقت بذهاب العلة
وعبد آخر قصته هذه القصة فلما ارتحل من مبتدإ أمره لا يسرع إلا إلى ما لا بد له منه وقطع البلدان والمفاوز والبحور والجبال والآكام لا ينام ولا ينيم كلما ازداد قربا بحضرة الملك اهتاج سيرا وجدا حتى وصل باب الملك فأقيم بالباب فنزل وأشير له إلى مكان يحط رحله ف فعل وبقي هناك مدة ليتزين ويتأدب ويعتاد ويتوقر ولتزول عنه الخفة والاستبداد والعجلة ويلبس أثواب الخدم ويتهيأ للخدمة تهيؤا يصلح له بين يدي الملك فلا يزال هكذا في مدة طويلة حتى يرفع الستر ويؤذن له بالدخول بين يديه
316
فهو ما دام يفكر ما فعل يأخذه بما صنع بالإباق حتى لا يدري ما يصنع من الحياء
فإذا علم الملك من حاله أنه يستحي من ذلك بسط له بسطا وبره برا ولم يذكر له شيئا مما صنع وقبله وولاه ولاية سنية وخلع عليه خلعا يظهر عنده أن الملك ممن قد رضي عنه رضا لا يسخط بعده وعاد كما كان في محله ومرتبته وذلك قول رسول الله صاحب الشرع ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) مثل الخاشي
مثل الخاشي مثل رجل وقع في مفازة لا يرى فيها أشياء ولا عمران ولا نبات فقد امتلأ خشية من ضلال الطريق ومن الظلماء ومن قلة القوت
وكمثل رجل وقع في غياض ومروج قد سبق إليه العلم بأن المروج مواضع الأسد فالخشية من الأسد كائنة فيه مثل الخائف
ومثل الخائف كمثل رجل رأى في هذه المروج آثار خطاه ومأواه الذي يأوي إلى أشباله
317
مثل العارف
ومثل العارف كمثل من عاين الأسد ونظر إلى شخصه في ذلك المرج فأخذت هيبة الأسد بمجامع قلبه وركبت أهواله نفسه وصار كثوب بال وحلس ملقى من روع القلب وفزع النفس مثل أهل الإرادة
مثل أهل الإرادة في درجاتهم مثل خدم الملك كل واحد منهم قد اتخذ على رأسه إكليلا وبارقة في يده ليلقى بها الملك يوم العرض فعمد أحدهم إلى الذهب الأحمر الصافي فصاغه ثم عمد إلى جواهر ثمينة من اللآلئ والياقوت والزمرد فركبها فصوصا فبلغت قيمة إكليله مائة ألف وزي ادة
وآخر عمد إلى ذهب معمول مغشوش فصاغه وركب فيه من الفصوص ما يباع بثمن يسير من الأخزاف ونحوه وعظام صدف فإذا كان يوم العرض ولقيهم الملك فأنفذهم إلى سوقه
318
ليعطي كل واحد منهم ثمنه من الخزانة فعندها يظهر الأسف والندم على ما فرط في ذلك
فعمال الله تعالى في هذه المراتب على إرادتهم فمن عمل على طريق الحب والتحنن فعمله كتلك الجواهر الثمينة والذهب الخالص فأوفرهم حبا له أعلاهم ثمنا لجوهره وأصفى في ذهبه فالذهب الخالص صدقه والفصوص المركبة حبه لمولاه
فعمال الله تعالى هكذا صفتهم فعامل يخلط ويشوب فهو كالذهب المعمول الذي شابه ذلك النحاس والصفر والأدوية مع التخليط إذا صفت إرادته بجهده لم يتفكر في العلاقة فعمله مع طلب الثواب والنجاة من العقاب فهذه فصوص ليس لها كثير أثمان لأنها ليست بجواهر وكيف تكون جواه ر وقد شانها طلب نجاة النفس وثوابها فبال النفس قائم بين يدي مولاه وقلبه حجاب كثيف يحجبه عن مولاه
وأصحاب الجواهر في أعمالهم من عمل لربه بلا علاقة وصدق الله في ذلك العمل بالمجاهدة بطلب الصدق وخرج العمل منه من نار الحب وفورانه فصعد إلى الله تعالى فلا ينتهي حتى يصير إلى محل الحب فهناك يعرض وهناك يقبل وهناك يثاب
وأعمال هؤلاء الآخرين منتهاها إلى العرض على العرش
319
أعمال هذه الأمة على ثلاث مراتب
فصارت أعمال هذه الأمة على ثلاث مراتب صنف منهم يرفع عملهم إلى الخزائن ويربى هناك بالرحمة فيصير الواحد عشرة وهو عمل المخلصين وذلك قول الله جل ذكره ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها )
وصنف آخر يرفع عمله إلى عليين إلى السدرة التي أصلها في الجنة ورأسها بباب الله فيربى هناك بالرأفة فيصير الواحد سبعمائة وهو عمل الصادقين وذلك قول الله تعالى جل ذكره ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة )
وصنف يرفع عمله إلى الله تعالى حتى يقبل الله عليه فينظر الله إليه فرباه هناك بنصرته فيصير الواحد آلاف ألف ولا يحصي عددها إلا الله تعالى وذلك قول الله تعالى ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة )
وإنما كان كذلك لأن هذه الأمة أبرزت باليقين فاستقرت قلوبهم إلى حكم الله تعالى وأنفذت إلى حب الله تعالى فوقعت أعمالهم في تربية الله تعالى
320
مثل العمال في إخلاصهم في العمل
مثل العمال في إخلاصهم في العمل مثل عبد دفع إليه مولاه ثوبا منسوجا مختلف السدى فطاقة منه كتان وطاقة منه صوف وطاقة منه شعر وطاقة منه إبريسم فقال مولاه في ظلمة الليل استخرج طاقة الإبريسم من هذه الطاقات ليمتحن حذاقته فإذا قدر على ذلك عظم شأنه عند مولاه وصا ر أمره بين العبيد عجبا
فكذا المؤمن إذا أخلص الطاعة من بين شهوات النفس وإعجابها وعلائقها من الرغبة والرهبة والحرص والشره والغدر والعلو والكبر والحسد والغل والغش والمكر والخيانة أخلص طاعة من بين هذه الشهوات الدنيئة الرجسة الدنسة ثم خرج بها إلى الله تعالى عظم شأنه وصار أمره بين الملائكة عجبا كيف قدر على مثل هذا وإنما هو لحم ودم وطين وتراب وشهوات ولا تعلم الملائكة بما أعطاه الله من القوة في سر أسره من الجميع فبتلك على مثل هذا مثل الأعمال في زينتها
مثل الأعمال في زينتها وبهائها مثل الأثواب من الديابيج
321
والوشايش فالوشايش فيها بألوان والأعمال 96 أنواع فثوب منها أبيض ليس فيه شيء من الألوان والنقوش ومع ذلك خشن ليس بجوهري لأنه مغشوش في أصله فهذا غير ثمين وإن كان فيكون قليلا نموذج شيء من الثياب فلا يشترك الإباق ووكس الثمن فهذا عمل من صاحب تخليط وخلق سي ء وخشونة روح فلا يعبأ بعمله بشيء
وثوب ليس له جوهر إلا أنه خالص ولا نقش له فهذا مما يشترى ويرغب فيه
فهذا الصادق المريد يطلب مرضاته الذي قد لانت جوارحه للين نفسه وخشعة قلبه
وثوب جوهري خالص كذلك ذو ألوان من النقوش ولكن ليس له طراوة ولن تؤخذ العيون بحلاوته فهذا صديق صار إلى الله بجهده فجهده نصب عينيه كلما عمل عملا رأى نفسه في ذلك العمل فأعجبه ذلك فهو يعمل على التعظيم ويجتهد في العمل ونيته ولكن ليس له لبق
وثوب جيد جوهري خالص الغزل من الإبريسم محكم
322
النسج ملون النقوش بفنون الأشياء من الأشجار والطيور والتماثيل والتصاوير فيزداد بثمنه عشرة أضعاف كل مرة تأخذه العيون بحلاوة لبقه
فهذا عمل أهل المحبة وهم أهل اللبق في أعمالهم قد زايلتهم الأهواء والنفس والالتفات إلى شيء سوى العبودة والفرح بشيء سواه فأعمالهم بالسكينة والوقار والتعظيم والإجلال وحشوها حب الله تعالى مثل عمل الذي لا لبق له
مثل عمل الذي لا لبق له مثل تلك النقوش التي تنقش على الحيطان والعيدان بألوان النقوش ولا تلتذ العيون برؤيتها ولا تذوق حلاوتها حتى تذهب بالذهب فحينئذ صار لها بريق وإشراق فعندها تلتذ العيون بحلاوة زينتها
فكذا الأعمال وإن صدرت لا لبق لها إلا بحلاوة لبقها وهو حب الله تعالى الذي هو أقوى الأنوار وأنورها وأعلاها وأسناها فهو جوهري محكم وإن طال استعماله وابتذاله فهو طري النقوش حسن الهيئة كالثوب الجوهري المحكم على ما وصفنا
وإذا كان خشنا لا جوهر له فبقليل الابتذال والاستعمال درست
323
تلك النقوش وتهافتت وبرزت قيمته إلى ثوب أبيض خلق
فكذا العامل الذي قام به واجتهد في طلب الصدق مع خشونة وأخلاق سيئة لا تدعه فقد نقش عمله وزينه ولكن إذا طالت المدة وكبرت سنه تهافتت عنه تلك النقوش والزينة لأنه كلما كبر ازداد سوء خلقه وضيق صدره وخشونته فتعود حاله وقدره عند الله تعالى كما عاد ذلك الثوب الذ ي قد درس وصار ثوبا خلقا لا نقوش فيه وتراجعت قيمته إلى قيمة ثوب أبيض خلق مثل من يجاوب الذاكرين
مثل من يجاوب الذاكرين والمؤذنين عند التهليل على طريق المساعدة بلا روية ولا استعمال عمل مثل رجل يلقي في زرعه من التراب والعلف ليقويه ثم امتنع من سقيه فما يزيده ذلك إلا يبسا ويلقي عنه النبت ومن سقاه سقيا مترادفا مرتين أو ثلاثا استخرج الماء قوة ذلك الملقي فأداها إلى الزرع فنبت وقوي واشتد ساقه وسنبل وتفرع حتى أدرك الزرع وقوي
324

فكذا من جاوب المهلل بدون حياة القلب ولا يفعل ما يقول فذلك كالتراب الذي يلقى في الزرع ومنع سقياه لم يزدد إلا ثقلا لأنه إنما اقتضي التهليل في جميع عمره مرة واحدة وهو الإقرار بتوحيده وما سواه تجديد الوله فهذه الكلمة إنما تقتضي منه وله القلب إليه فإذا لم ي وله قلبه إليه لم يقبل ذلك منه لأنه لما آمن اطمأنت نفسه ووله بالواحد فكلما ذهب من وله قلبه عنه إلى شيء غيره فإنما يذهب سهوا لا عمدا فإذا سها عن ذكر الصانع واشتغل بالمصنوع لغلبة حلاوة المصنوع على قلبه وحدة شهوته له في نفسه فإذا بقي فيه خرب قلبه وأظلم صدره فإذا هلل فإنما يجدد الوله ويرجع إلى الله تعالى فيربط القلب وتعود النفس طرية
فهذا المجاوب إذا سمع تهليله فجاوبه على طريق المساعدة والغفلة فهو كالتراب الملقى على ذلك الزرع بلا سقي فلا يزيده ذلك إلا ثقلا كذا هذا المجاوب لا يزيده من ذلك إلا خسارا وحجة
ومن نطق به على كشف الغطاء كان كمن سقى زرعه بعد إلقاء التراب فيه فرطب ذلك التراب وتأدت قوته إلى الزرع فقوي واشتد ساقه وأعجب الزراع ليغيظ به عدوه الكافر ووعد الله عز وجل أولئك بالمغفرة والأجر العظيم لقول الله سبحانه وتعالى
325
( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) مثل من يستمع قلبه إلى حديث نفسه
مثل من يستمع قلبه إلى حديث نفسه فيقبل منها ويستشيرها في أموره ويقبل ما تشير عليه مثل رجل معروف بالعقل والعلم ذي خطر وجاه يستشيره الناس في أمورهم أقبل على صبي من خلقان وأدناس وبزاق ومخاط يلعب بالتراب لعب الصبيان فهو يستشيره في الأمور ويستمع مقالاته ويقب ل منه فكل من نظر إليه من العقلاء تحير في أمره وتعجب من فعله
فكذا النفس في جوف الآدمي بهذه الصفة نهمتها اللعب والبطالة من الشهوات والنهمات مع خلقان الأعمال وأدناس الذنوب وبزاق الغضب ومخاط البكاء جزعا على فوات الدنيا ومصائب أحوالها
فإذا ذهب القلب الذي أكرمه الله تعالى بمعرفته وزينه بالعقل وشرفه بعلم أسمائه وعلم القرآن فأعرض عن هذه العطايا والهدايا وأقبل على حديث النفس وإشاراتها وإلى ما تدعو إليه فقبل منها واستفاد بها فهذا شأن عجيب ومن نظر إليه فيه حيره
326
مثل عمال الله تعالى على طريق الرجاء والثواب
مثل عمال الله تعالى على طريق الرجاء والثواب مثل بعير الرحا يشد على عصاري حجر الرحا وأخذ بعينيه فهو يدور على ذلك القطب والبكرة في أرض عشرة أذرع لا يبرح من تلك البقعة في شهره ودهره ولا يعرف سوى ذلك شيئا فالرحا الأعمال الثقال وتعب الأركان فيها وطحنها الذي ترمي به تلك الأنوار التي تصعد إلى السماء من تلك الأعمال والقطب الذي تدور عليه أعمالهم نياتهم ومقاصدهم يبتغون بها 97 الثواب من الله تعالى فهم الشهر والدهر مشاغيل في الأعمال ودوران قلوبهم على طلب ذلك النوال لا يبتغون غير ذلك مثل الصديقين العارفين في الأ عمال
ومثل الصديقين العارفين في الأعمال مثل أرحية الماء جاء الماء منحدرا جدا ودار القطب بما فيه من الأجنحة فالماء علمهم بتدبير الله وعلمهم بالله
327
مثل خاص الأولياء
مثل خاص الأولياء مثل أرحية الريح جاءت الريح فتحمل ذلك الرحا فهو في رأي العين يدور كالطائر يطير وسبب دورانه منكمن فهؤلاء المستعملون في القبضة أسباب أمورهم قد انقطعت عن أسباب أهل الدنيا وخفيت لأنها من عند الله تعالى مثل المؤمن والكافر والمنافق
مثل المؤمن والكافر والمنافق مثل ثلاثة نفر أتوا نهرا عظيما في مفازة فوقع واحد منهم في النهر فسبح سبحا وخرج ووقع الثاني فكلما كاد ان يصل إلى شط النهر ناداه الثالث الذي لم يدخل بعد في النهر أن يا فلان هلم إلي إلي فإن الطريق مخوف فتهلك ارجع إلي فإني أعلم ب طريق آخر يعبر بالسلامة على القنطرة والذي خرج يناديه أن إلي إلي فإن الطريق آمن وعندي من النعيم ما لا يوصف فما زال يذهب إلى هذا وإلى ذاك حتى يغرق في الماء ويهلك
قال قتادة رحمه الله فالأول الذي عبر مؤمن مخلص والذي لم يعبر بعد كافر والذي دخل منافق يدعوه المسلم من ورائه والكافر يدعوه من خلفه وهو متردد متذبذب حتى يأتيه الموت
328
فيموت منافقا فيبقى في قعر جهنم في أسفل السافلين
ومصداق هذا قول الله سبحانه وتعالى ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا )
ومثلهم أيضا مثل أهل بلدة بقوا في جدوبة وقحط وشدة ويبوسة وعسر وضيق وفقر فجاء رجل بهي سخي كريم جواد رؤوف رحيم وقال لهم أنا لكم ناصح أمين وإنكم بقيتم في هذه البقعة في هذه الشدة والمحنة فإني أدلكم على أرض فيها خصب وسعة وخضرة وماء ونعيم فارتحلوا إليها تنجوا من هذه المحنة فقوم قبلوا نصيحته وارتحلوا إلى تلك البقعة فوجدوا ما أخبروا وزيادة وقوم لم يصدقوه ولم يلتفتوا إلى كلامه وبقوا في أرضهم في القحط والشدة وجازوا ذلك فنزلوا فيها واطمأنوا بها فرحين بها معجبين بها وأرسلوا إلى هؤلاء القوم الذين بقوا في ديارهم وأخ بروهم بذلك إنا وجدنا ما وعدنا الرجل وزيادة تعالوا معنا تنجون من هذه الشدة فلم يقبلوا ولم يخرجوا فلما لبثت تلك الطائفة في تلك الأرض زمانا وشهورا وسنينا متنعمين جاء الرجل ثانيا وقال إن في موضع آخر أرضا أحسن من هذه ونعيمها ومياهها وأشجارها وثمارها أضعاف من هذا فارتحلوا إلى هنالك
فصدق بعض منهم وارتحلوا فوجدوا هنالك أكثر وأطيب مما وعدهم الرجل فمكثوا ثمة وأخذوا في التنعم وبقوا في
329
الرفاهية وبعثوا إلى أولئك القوم الذين كانوا معهم في الأرض الأولى في النعيم أن وجدنا ما وعدنا الرجل الأول وزيادة هلموا إلينا نعيش ونتنعم فأبوا وقالوا لا نعطي الموجود بالمفقود ولا نبدل فإذا سحابة جاءت من السماء فضربت الأشجار فيبست بساتينهم ومياههم وم ا عندهم حتى هلكوا جميعا
فالناس كلهم في ظلمة الكفر وشدة الشرك والقحط والضيق في مفاوز الكفر حيارى في عسر وضيق فجاءهم الرسول الكريم وبين لهم الهدى ونصحهم وبين لهم طريق الحق والصراط المستقيم فآمن به بعضهم ونجوا من ظلمة الكفر والبؤس والفاقة وأخرجوا أنفسهم من ظلمة الكفر وتبين لهم ط ريق الرشد من الغي
وقوم لم يقبلوا نصيحة وهم الكفار فبقوا في مفازة الكفر في أرض القحط والجدوبة والضيق والضنك
ثم إن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون بدلوا ما عندهم إلى دار القرار ونعيم الآخرة بما عندهم من نعيم الدنيا وارتحلوا إلى دار الآخرة
330

والمنافقون قالوا لا نعطي الموجود بالمفقود فخابوا وخسروا ذهب الموجود من أيديهم ولم يصلوا إلى الآخرة فبقوا في نفاقهم وشكهم
وأما المؤمنون فخرجوا إلى الأرض الثالثة وهم الصادقون كما قال الله تعالى في وصفهم ( أولئك هم الصادقون ) بقبولهم دار الآخرة خالصا لأن إيمانهم كان خالصا مخلصا قال الله تعالى ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلا غا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )