5


فصل

وإما أن لا يقروا برسالته إلى العرب ولا غيرهم بل قالوا فيه ما كان يقوله مشركو العرب من أنه شاعر أو ساحر أو مفتر كاذب ونحو ذلك فيقال لهم على هذا التقدير فدليلكم أيضا باطل ولا يجوز أن تحتجوا بتقدير تكذيبكم لمحمد صلى الله عليه وسلم بشيء من كلام الأنبياء قبله سواء صدقتم محمدا صلى الله عليه وسلم في جميع ما يقوله أو في بعضه أو كذبتموه فدليلكم باطل فيلزم بطلان دينكم على كل تقدير وما ثبت بطلانه على كل تقدير فهو باطل في نفس الأمر فيثبت أنه باطل في نفس الأمر وذلك أنكم إذا كذبتم محمدا لم يبق لكم طريق تعلمون به صدق غيره من الأنبياء فيمتنع مع تكذيبه القول بصدق غيره بل من اعتقد كذبه وصدق غيره لم يكن عالما بصدق غيره بل يكون مصدقا لهم بغير علم وإذا لم يكن عالما بصدقهم لم يجز احتجاجه قط بأقوالهم بل ذلك قول منه بلا علم ومحاجة فيما لا علم له بها فإن الدلائل الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكثر من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى ومعجزاته أعظم من معجزات غيره والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتاب الذي بعث به غيره والشريعة التي جاء بها

6

أكمل من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام وأمته أكمل في جميع الفضائل من أمة هذا وهذا ولا يوجد في التوراة والإنجيل علم نافع وعمل صالح إلا وهو في القرآن أو مثله أو منه وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصالح ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل فما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء يطعن به على محمد صلى الله عليه وسلم إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منه على موسى وعيسى وهذه جملة مبسوطة في موضع آخر لم نبسطها هنا لأن جواب كلامهم لا يحتاج إلى ذلك فيمتنع الإقرار بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام مع التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يفعل ذلك إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم أو من أعظمهم عنادا واتباعا لهواه وذلك أن هؤلاء القوم احتجوا بما نقلوه عن الأنبياء ولم يذكروا الأدلة الدالة على صدقهم بل أخذوا ذلك مسلما وطلبوا ان يحتجوا بما نقلوه عن الأنبياء قبله وبما نقلوه عنه على صحة دينهم

7

وهذه حجة داحضة سواء صدقوه أو كذبوه فإن صدقوه بطل دينهم وإن كذبوه بطل دينهم فإنهم إن صدقوه فقد علم أنه دعاهم وجميع أهل الأرض إلى الإيمان به وطاعته كما دعا المسيح وموسى وغيرهما من الرسل وأنه أبطل ما هم عليه من الاتحاد وغيره وكفرهم في غير موضع ولهذا كان مجرد التصديق بأن محمدا رسول الله ولو إلى العرب يوجب بطلان دين النصارى واليهود وكل دين يخالف دينه فإن من كان رسولا لله فإنه لا يكذب على الله ومحمد صلى الله عليه وسلم قد علم منه أنه دعا النصارى واليهود إلى الإيمان به وطاعته كما دعا غيرهم وأنه كفر من لم يؤمن به ووعده النار وهذا متواتر عنه تواترا تعلمه العامة والخاصة وفي القرآن من ذلك ما يكثر ذكره كما قال تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه

8

وقال تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد وقد ذكر كفر اليهود والنصارى في غير موضع كقوله تعالى عن النصارى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا وقال تعالى أيضا لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم

9

قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما وقال تعالى

10

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون وقال تعالى وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد فقد قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم في الموضعين وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وقال تعالى ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم

11

وقال تعالى وقالت النصارى المسيح ابن الله والنصارى قالت الأقوال الثلاثة فذكر الله عنهم هذه الأقوال لكن من الناس من يظن أن هذا قول طائفة منهم وهذا قول طائفة منهم كما ذكره طائفة من المفسرين كابن جرير الطبري والثعلبي وغيرهما ثم تارة يحكون عن اليعقوبية أن عيسى هو الله

12

وعن النسطورية أنه ابن الله وعن المريوسية أنه ثالث ثلاثة وتارة يحكون عن النسطورية انه ثالث ثلاثة وعن الملكية انه الله ويفسرون قولهم ثالث ثلاثة بالأب والإبن وروح القدس والصواب ان هذه الأقوال جميعها قول طوائف النصارى المشهورة الملكية واليعقوبية والنسطورية فإن هذه الطوائف كلها تقول بالأقانيم الثلاثة الآب والإبن وروح القدس فتقول غن الله ثالث ثلاثة وتقول عن المسيح إنه الله وتقول أنه إبن الله وهم متفقون على إتحاد اللاهوت والناسوت وأن المتحد هو الكلمة وهم متفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمن ذلك وهو قولهم نؤمن بإله واحد اب ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب

13

قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق وأما قوله تعالى ولا تقولوا ثلاثة وقوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة فقد فسروه بالتثليث المشهور عنهم المذكور في أمانتهم ومن الناس من يقول إن الله هو المسيح ابن مريم قول اليعقوبية وقولهم ثالث ثلاثة هو قول النصارى الذين يقولون بالآب والإبن والروح القدس وهم قد جعلوا الله فيها ثالث ثلاثة وسموا كل واحد من الثلاثة بالإله والرب وقد فسره طائفة بجعلهم عيسى وأمه إلهين يعبدان من دون الله قال السدي في قوله تعالى

14

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال قالت النصارى إن الله هو المسيح وأمه فذلك قوله أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله وقد قيل قول ثالث أغرب من ذلك عن أبي صخر قال لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال هو قول اليهود عزيز ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله فجعلوا الله ثالث ثلاثة وهذا ضعيف وقد ذكر سعيد بن البطريق في أخبار النصارى ان منهم طائفة يقال لهم

15

المريميون يقولون إن مريم إله وإن عيسى إله وأما الأول فمتوجه فإن النصارى المتفقين على الأمانة كلهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة والله تعالى قد نهاهم عن أن يقولوا ذلك فقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم فذكر سبحانه في هذه الآية التثليث والاتحاد ونهاهم عنهما وبين أن المسيح إنما هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وقال فآمنوا بالله ورسوله ثم قال ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم

16

لم يذكر هنا أمه وقوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قال معمر عن قتادة وكلمته ألقاها إلى مريم هو قوله كن فكان وكذلك قال قتادة ليس الكلمة صار عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى وكذلك قال الإمام أحمد في مصنفه الذي صنفه في كتابه في الرد على الجهمية وذكره عنه الخلال والقاضي أبو يعلى قال أحمد

17

ثم إن الجهم ادعى أمرا فقال إنا وجدنا في كتاب الله آية تدل على أن القرآن مخلوق قلنا أي آية قال قول الله إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته فقلنا إن الله منعكم الفهم في القرآن عيسى عليه السلام تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن لأن عيسى يجري عليه نسمة ومولود وطفل وصبي وغلام يأكل ويشرب وهو يخاطب بالأمر والنهي يجري عليه الوعد والوعيد هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال عيسى ولكن المعنى في قوله جل ثناؤه إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى ب كن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان فالكن من الله قوله وليس الكن مخلوقا وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى روح الله وكلمته لأن الكلمة مخلوقة

18

وقالت النصارى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال هذه الخرقة من هذا الثوب وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة قال أحمد وأما قوله جل ثناؤه وروح منه يقول من أمره كان الروح فيه كقوله وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقهم الله كما يقال عبدالله وسماء الله وفي نسخة روح يملكها الله خلقها الله وقال الشعبي في قوله تعالى

19

وكلمته ألقاها إلى مريم الكلمة حين قال له كن فكان عيسى ب كن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان وقال ليث عن مجاهد روح منه قال رسول منه يريد مجاهد قوله فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك

20

والمعنى أن عيسى خلق من الروح وهو جبريل روح القدس سمي روحا كما سمي كلمة لأنه خلق بالكلمة والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح القدس لأنه كذلك في الكتب المتقدمة لكن ظنوا أن روح القدس هو صفة لله وجعلوها حياته وقدرته وهو رب وهذا غلط منهم فإنه لم يسم أحد من الأنبياء حياة الله ولا قدرته ولا شيئا من صفاته روح القدس بل روح القدس في غير موضع من كلام الأنبياء عليهم السلام يراد بها ما ينزله الله على قلوب الأنبياء كالوحي والهدى والتأييد ويراد بها الملك وهكذا في تفسير ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن عيسى بن مريم استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه فلما سمع عيسى ذلك

21

قال اللهم أنت ربي وأنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي وذكر تمام الحديث وقد قال تعالى والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين وقال تعالى ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا فهذا يوافق قوله تعالى فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك والمقصود هنا أنهم سواء صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله

22

في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به وأمر بجهادهم فمن علم أنه نبي ولو إلى طائفة معينة يجب تصديقه في كل ما أخبر به وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم وإذا ثبت هذا لم يغن عنهم الاحتجاج بشيء من الكتب والمعقول بل يعلم من حيث الجملة أن كل ما يحتجون به على صحة دينهم فهو باطل وإن لم يبين فساد حججهم على التفصيل لأن الأنبياء لا يقولون إلا حقا كما أن المسيح عليه السلام لما حكم بكفر من كذبه من اليهود كان كل ما يحتج به اليهود على خلاف ذلك باطلا فكل ما عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم فهو باطل وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما مطلقا وقالوا ليس هو نبي أصلا ولا أرسل إلى أحد لا إلى العرب ولا إلى غيرهم بل كان كذابا امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى فإذا قالوا علمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا قيل لهم معجزات محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وتواترها أبلغ والكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأمته أفضل وشرائع دينه أحسن وموسى جاء بالعدل وعيسى جاء بتكميلها بالفضل وهو

23

صلى الله عليه وسلم قد جمع في شريعته بين العدل والفضل فإن ساغ لقائل أن يقول هو مع هذا كاذب مفتر كان على هذا التقدير الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك فيبطل بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم جميع ما معهم من النبوات إذ حكم أحد الشيئين حكم مثله فكيف بما هو أولى منه فلو قال قائل إن هارون ويوشع وداوود وسليمان كانوا أنبياء وموسى لم يكن نبيا أو أن داوود وسليمان ويوشع كانوا أنبياء والمسيح لم يكن نبيا أو قال ما تقوله السامرة أن يوشع كان نبيا ومن بعده كداوود وسليمان والمسيح لم يكونوا أنبياء أو قال ما يقوله اليهود إن داوود وسليمان

24

وأشعيا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء

25

والمسيح بن مريم لم يكن نبيا كان هذا قولا متناقضا معلوم البطلان فإن الذين نفى هؤلاء عنهم النبوة أحق بالنبوة وأكمل نبوة ممن أثبتوها له ودلائل نبوة الأكمل أفضل فكيف يجوز إثبات النبوة للنبي المفضول دون الفاضل وصار هذا كما لو قال قائل أن زفر وابن القاسم والمزني

26

والأثرم كانوا فقهاء وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد لم يكونوا فقهاء أو قال إن الأخفش وابن الأنباري والمبرد كانوا نحاة

27

والخليل وسيبويه والفراء لم يكونوا نحاة أو قال إن صاحب الملكي والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا أطباء وبقراط

28

وجالينوس ونحوهما لم يكونوا أطباء أو قال إن كوشيار والخرقي ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة وبطليموس ونحوه لم يكن لهم علم بالهيئة ومن قال إن داوود وسليمان ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء ومحمد بن عبدالله لم يكن نبيا فتناقضه أظهر وفساد قوله أبين من هذا جميعه بل وكذلك من قال إن موسى وعيسى رسولان والتوراة والإنجيل كتابان منزلان من عند الله ومحمد ليس برسول والقرآن

29

لم ينزل من الله فبطلان قوله في غاية الظهور والبيان لمن تدبر ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من قبله وتدبر كتابه والكتب التي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هؤلاء وشرائع دينه وشرائع دين هؤلاء وهذه الجملة مفصلة مشروحة في غير هذا الموضع لكن المقصود هنا التنبيه على مجامع جوابهم وهؤلاء القوم لم يأتوا بدليل واحد يدل على صدق من احتجوا به من الأنبياء فلو ناظرهم من يكذب بهؤلاء الأنبياء كلهم من المشركين والملاحدة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم ولا حجة لهم أيضا على المسلمين الذين يقرون بنبوة هؤلاء فإن جمهور المسلمين إنما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بإخبار محمد أنهم أنبياء فيمتنع أن يصدقوا بالفرع مع القدح في الأصل الذي به علموا صدقهم وأيضا فالطريق الذي به علمت نبوة هؤلاء بما ثبت من معجزاتهم وأخبارهم فكذلك تعلم نبوة محمد بما ثبت من معجزاته وأخباره بطريق الأولى فيمتنع أن يصدق أحد من المسلمين بنبوة واحد من هؤلاء مع تكذيبه لمحمد في كلمة مما جاء به

30


فصل

ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا من النصارى إنما يعتمدون في النبوات على بشارة الأنبياء بمن يأتي بعدهم فيقولون المسيح عليه السلام بشرت به الأنبياء قبله بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يبشر به نبي وجواب هؤلاء من وجهين أحدهما أن يقال بل البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة أعظم من البشارة بالمسيح صلى الله عليه وسلم وكما أن اليهود يتأولون البشارة بالمسيح على أنه ليس هو عيسى بن مريم بل هو آخر ينتظرونه وهم في الحقيقة إنما ينتظرون المسيح الدجال فإنه الذي يتبعه اليهود ويخرج معه سبعون ألف مطيلس من يهود أصبهان ويقتلهم المسلمون معه حتى يقول الشجر

31

والحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أيضا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ينزل عيسى بن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقتل مسيح الهدى عيسى بن مريم مسيح الضلالة الأعور الدجال على بضع عشرة خطوة من باب لد ليتبين

32

للناس أن البشر لا يكون إلها فيقتل من ادعى فيه أنه الله وهو بريء مما ادعى فيه لمن ادعى في نفسه أنه الله وهو دجال كذاب فهكذا البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة وقد يتأولها بعض أهل الكتاب على غير تأويلها كما قد بسط في موضع آخر فإن بسط الكلام في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب له موضع آخر الجواب الثاني أن يقال ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه كما أن موسى كان رسولا إلى فرعون ولم يتقدم لفرعون به بشارة وكذلك الخليل عليه السلام أرسل إلى نمرود ولم يتقدم به بشارة نبي إليه وكذلك نوح وهود وصالح وشعيب ولوط لم يتقدم هؤلاء بشارة إلى قومهم بهم مع كونهم أنبياء صادقين فإن دلائل نبوة النبي لا تنحصر في أخبار من تقدمه بل دلائل النبوة منها المعجزات ومنها غير المعجزات كما قد بسط في موضع آخر وهؤلاء النصارى إنما مستند دينهم في التثليث والاتحاد وغير ذلك هو السمع وهو دعواهم أن الكتب الإلهية جاءت بذلك ليس مستندهم فيه العقل فإذا تبين أنهم مع تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم يمتنع أن

33

تثبت نبوة غيره امتنع استدلالهم بالسمعيات وأما العقليات فإن تشبثوا ببعضها فهم معترفون بأن حجتهم فيها ضعيفة وأنها على نقيض مذهبهم أدل منها على مذهبهم وسنبين إن شاء الله تعالى أن لا حجة لهم في سمع ولا عقل بل ذلك كله حجة عليهم وأما تمثيلهم الكتاب بالوثيقة التي كتب الوفاء في ظهرها فتمثيل باطل غير مطابق لأن الإقرار بالوفاء إقرار بسقوط الدين ولا مناقضة بين ثبوت الدين أولا وسقوطه آخرا بالوفاء بل أمكن مع هذا دعواه وأما من يذكر أنه رسول الله فلا يمكن أن يقر بأنه رسول الله في بعض ما أنبأ به عن الله دون بعض ولا يمكن اتباع بعض كتابه الذي ذكر انه منزل من عند الله دون بعض فإنه إن كان صادقا في قوله إنه رسول الله كان معصوما في ما يخبر به عن الله لا يجوز أن يكذب في شيء منه لا عمدا ولا خطأ ووجب اتباع الكتاب الذي جاء به من عند الله ولم يمكن رد شيء مما ذكر أنه جاء به من الله وإن كان كاذبا في كلمة واحدة مما أخبر به عن الله فهو من الكاذبين المفترين فلا يجوز أن يحتج بشيء من دينهم ولا دين غيرهم بمجرد إخباره عن الله بل ولا بمجرد خبره وقوله وإن لم يذكر أنه خبر عن الله كما لا يجوز مثل ذلك في سائر من عرف أنه كاذب في قوله إني رسول الله كمسيلمة الحنفي والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي وبابا

34

الرومي وأمثالهم من الكذابين والواحد من المسلمين وإن كان الله لا يؤاخذه بالنسيان والخطأ بل والرسول أيضا وإن لم يكن يؤاخذ بالنسيان والخطأ في غير ما يبلغه عن الله عند السلف والأئمة وجمهور المسلمين لكن ما يبلغه عن الله لا يجوز أن يستقر فيه خطأ فإنه لو جاز أن يبلغ عن الله ما لم يقله ويستقر ذلك ويأخذه الناس عنه معتقدين أن الله قاله ولم يقله الله كان هذا مناقضا لمقصود الرسالة ولم يكن رسولا لله في ذلك بل كان كاذبا في ذلك وإن لم يتعمده وإذا بلغ عن الله ما لم يقله وصدق في ذلك كان قد صدق من قال على الله غير الحق ومن تقول عليه ما لم يقله وإن لم يكن متعمدا ويمتنع في مثل هذا أن يصدقه الله في كل ما يخبر به عنه أو أن يقيم له من الآيات والبراهين ما يدل على صدقه في كل ما يخبر به عنه مع أن الأمر ليس كذلك ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب لا عمدا ولا خطأ وهذا مما اتفق عليه جميع الناس من المسلمين واليهود والنصارى

35

وغيرهم لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر في خبره عن الله خطأ وإنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط ما يستدركه ويبينه فلا ينافي مقصود الرسالة كما نقل من ذكر تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتها لترتجى هذا فيه قولان للناس منهم من

36

يمنع ذلك أيضا وطعن في وقوع ذلك ومن هؤلاء من قال إنهم سمعوا ما لم يقله فكان الخطأ في سمعهم والشيطان ألقى في سمعهم ومن جوز ذلك قال إذا حصل البيان ونسخ ما ألقى الشيطان لم يكن في ذلك محذور وكان ذلك دليلا على صدقه وأمانته وديانته وأنه غير متبع هواه ولا مصر على غير الحق كفعل طالب الرياسة المصر على خطئه وإذا كان نسخ ما جزم بأن الله أنزله لا محذور فيه فنسخ مثل هذا أولى أن لا يكون فيه محذور واستدل على ذلك بقوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم

37

وعلى كل قول فالناس متفقون على أن من أرسله الله وأقام الآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله لم يكن ما يبلغه عنه إلا حقا وإلا كانت الآيات الدالة على صدقه دلت على صدق من ليس بصادق وبطلان مدلول الأدلة اليقينية ممتنع والصدق الذي هو مدلول آيات الأنبياء وبراهينهم هو أن يكون خبره عن الله مطابقا لمخبره لا يخالفه عمدا ولا خطأ ولو قال قائل أنا لا أسمي الخطأ كذبا أو قال إن المخطىء لا إثم عليه في خطئه قيل له هذا لا ينفع هنا فإن الآيات دلت على أن الله أرسله ليبلغ عنه رسالاته والله لا يرسل من يعلم أنه يخبر عنه بخلاف ما قال له كما لا يجوز إرسال من يتعمد عليه الكذب بل الواحد من الناس لا يرسل من يعلم أنه يبلغ خلاف ما أرسله به ولو علم أنه يقول عليه ما لم يقل وأرسله مع ذلك لكان جاهلا سفيها ليس بعليم حكيم فكيف يجوز ذلك على أعلم العالمين وأحكم الحاكمين وأيضا فإن الآيات والبراهين دلت على صدقه في كل ما يبلغه عن الله وأن الله مصدقه في كل ما يبلغه عنه فيمتنع أن لا يكون صادقا في شيء من ذلك ويمتنع أن يصدق الله في كل ذلك من لا يصدق في كل ذلك فإن تصديق من لا يصدق كذب والكذب ممتنع على الله وإذا تبين أن من ذكر أنه رسول الله إما أن يكون رسولا صادقا في

38

جميع ما يبلغه فيمتنع مع هذا تناقض أخباره لأنها كلها صادقة وإما أن يكون غير صادق ولو في كلمة فلا يكون رسولا لله فلا يحتج بشيء مما يخبر به عن الله كان تمثيل من ذكر أنه رسول الله بالمقر باستيفاء وثيقته تمثيلا باطلا فإن صاحب الوثيقة الذي أقر بوفائها بعد كانت له حجة ثم استوفاها ومن ذكر أنه رسول الله إما صادق وإما كاذب وعلى التقديرين لا يجوز أن يحتج ببعض كلامه دون بعض وإذا قال القائل مقصودي أبين أنه متناقض وأن نفس كلامه يبين أنه لم يرسل إلينا وأن ديننا حق كما أن نفس كلام الذي كان له الحق هو المقر بالوفاء قيل إن كان كلامه متناقضا فليس برسول وحينئذ فلا يجوز لك أن تحتج بشيء مما بلغه عن الله بخلاف المقر بالوفاء فإن إقراره مقبول على نفسه فإنه شاهد على نفسه بالوفاء وإقرار المقر على نفسه وشهادته على نفسه مقبولة ولو كان كافرا وفاسقا بخلاف شهادته وخبره عن الله فمن شبه إقرار المقر على نفسه بقول الذي يقول إنه رسول الله دل ذلك على غاية جهله بالقياس والاعتبار والتمثيل فإن إقرار المقر

39

على نفسه حجة عليه ولو كان فاسقا معروفا بالكذب ليس هو مثل شهادة الإنسان على غيره فإن شهادته على غيره لا تقبل إذا كان معروفا بالكذب فكيف بمن شهد على الله بأن الله أرسله فالمقر على نفسه يمكن قبول إقراره على نفسه ولا يقبل دعواه على غيره وكذلك الشاهد قد تقبل شهادته فيما ليس هو خصما فيه ولا تقبل شهادته بما ادعاه وأما من يقول إنه رسول الله فلا يمكن أن يصدق في بعض ما يخبر به عن الله ويكذب في بعض بل إن كان كاذبا في كلمة واحدة فليس هو رسولا لله فلا يحتج بكلامه وإن قدر أن الكلام في نفسه صدق لكن نسبته إلى الله أن الله أرسله به وأوحاه لا يكون صادقا فيه إذا كذب في كلمة واحدة لأن الله لا يرسل كاذبا وإن لم يكن كاذبا في كلمة واحدة وجب تصديقه في كل ما يخبر به فلا يمكن تصديقه في بعض ما يخبر به عن الله دون بعض بخلاف المقر والشاهد وإن كان المقصود بيان تناقضه كان هذا احتجاجا على أنه ليس برسول فلا ينفعهم ذلك مع أنه تبين أنه ليس بمتناقض وإن كان المقصود إلزام المسلمين به فقد بينا أنه لا يلزمهم من وجوه متعددة فهذا بيان أنهم لا يجوز لهم الاحتجاج بشيء من كلام محمد صلى الله عليه وسلم سواء صدقوه أو كذبوه

40

ثم يقال لهم ثانيا في الجواب عن التمثيل بالوثيقة إن الإقرار بالاستيفاء يناقض استيفاء الحق وأما القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس في إخباره بأنه أرسل إلى قريش ثم إلى العرب ما يناقض إخباره بأنه أرسل إلى جميع الناس أهل الكتاب وغيرهم كما أنه ليس في إخباره أنه أرسل إلى بني إسرائيل ومخاطبة الله لهم بقوله يا بني إسرائيل ما يمنعه أن يكون مرسلا إلى اليهود من غير بني إسرائيل وإلى النصارى والمشركين وهو لم يقل قط إني لم أرسل إلا إلى العرب ولا قال ما يدل على هذا بل ثبت عنه بالنقل المتواتر أنه قال إنه مرسل إلى جميع الجن والإنس إلى أهل الكتاب وغيرهم ولو قدر أنه قال إنه لم يرسل إلا إلى العرب ثم قال إني أرسلت إلى أهل الكتاب لكان قد أرسل إلى أهل الكتاب بعد إرساله إلى العرب كما قال قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير

41

وقال أيضا إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ثم إنه بعد هذا حرم الله أشياء فلم يكن بين نفي تحريمها في الزمن الأول وإثبات تحريمها في الزمن الثاني منافاة ولكن يظهر الدين إذا أوجب شيئا ثم نسخ إيجابه كما نسخ إيجاب الصدقة بين يدي النجوى ففي مثل هذا يتمسك بالنص الناسخ دون المنسوخ كما يتمسك بالإقرار بالوفاء الناسخ للإقرار بالدين

42


فصل

وقد ذكرنا أنه لا يجوز أن يحتجوا بشيء من القرآن وما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم إلا مع التصديق برسالته وأنه مع التكذيب برسالته لا يمكن الإقرار بنبوة غيره ولا الاحتجاج بشيء من كلام الأنبياء فتكذيبهم يستلزم تكذيبهم بغيره فإذا ثبتت نبوة غيره ثبتت نبوته وذلك يستلزم بطلان دينهم فكان صحة دليلهم يستلزم بطلان المدلول وفساد المدلول يستلزم فساد الدليل فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل فإن الباطل لا يقوم عليه دليل صحيح فإن كان محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله لزم بطلان دينهم وإذا بطل دينهم لم يجز أن يقوم دليل صحيح على صحته وإن لم يكن رسول الله لم يجز الاستدلال بقوله فثبت أن استدلالهم بقوله باطل على التقديرين

43

ونحن نذكر هنا أنه لا يجوز استدلالهم بقول أحد من الأنبياء أو الرسل على صحة دينهم وأيضا فإن الذين احتجوا بقولهم مثل موسى وداود والمسيح وغيرهم إما أن يكونوا عرفوا أنهم أنبياء بدليل على نبوتهم كالاستدلال بآياتهم وبراهينهم التي تسمى بالمعجزات وإما أن يكونوا قد اعتقدوا ذلك بلا علم ولا دليل وإما أن يكونوا احتجوا بذلك على المسلمين لأنهم يسلمون نبوة هؤلاء وعلى كل تقدير لا يصح استدلالهم بقولهم أما على الأول فلأنه أي طريق ثبتت بها نبوة واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام فإنه تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمثلها وأعظم منها وحينئذ فإن لم يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أن كل دليل يدل على نبوة موسى وداود وعيسى وغيرهم يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لزم أن يكونوا قد نقضوا دليلهم فجعلوه قائما مع انتفاء مدلوله وإذا انتقض الدليل بطلت دلالته فإنه إنما يدل إذا كان مستلزما للمدلول فإذا كان تارة يوجد مع المدلول وتارة لا يوجد لم يكن مستلزما له فلا يكون دليلا فإن من جعل المعجزات دليلا على نبوة نبي وقال المعجزة هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم من المعارضة ونحو ذلك مما يذكر في هذا المقام وجعلوا ذلك دليلا على نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء قيل له إن كان هذا دليلا فهو دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن دليلا لم يكن دليلا على نبوة موسى

44

وعيسى فإنه قد ثبت عن محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات ما لم يثبت مثله عن غيره ونقل معجزاته متواتر أعظم من نقل معجزات عيسى وغيره فيمتنع التصديق بآياته مع التكذيب بآيات محمد صلى الله عليه وسلم وإن قالوا معجزات محمد صلى الله عليه وسلم لم تتواتر عندنا قيل ليس من شرط التواتر أن يتواتر عند طائفة معينة بل هذا كما يقول المشركون والمجوس وغيرهم لم يتواتر عندنا معجزات موسى والمسيح عليهما السلام وإنما تتواتر أخبار كل إنسان عند من رأى المشاهدين له أو رأى من رآهم وهلم جرا ومعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين رأوه ونقلوا معجزاته أضعاف أصحاب المسيح عليه السلام والتابعون الذين نقلوا ذلك عن الصحابة كذلك فيلزم من التصديق بمعجزات المسيح عليه السلام التصديق بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم ومن التكذيب بمعجزات محمد التكذيب بمعجزات المسيح وإن قالوا عرفت نبوة المسيح ببشارات الأنبياء قبله قيل وفي الكتب المتقدمة من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل ما فيها من البشارات بالمسيح وأكثر كما سيأتي بعضها إن شاء الله تعالى

45

وإن تأولوا تلك البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يمنع دلالتها قيل لهم واليهود يتأولون بشارات المسيح بما يمنع دلالتها على المسيح فإذا قالوا تلك التأويلات باطلة من وجوه معروفة بين لهم أن هذه باطلة أيضا بمثل تلك الوجوه وأقوى فما من جنس من الأدلة يدل على نبوة موسى والمسيح إلا ودلالته على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأكثر فيلزم من ثبوت نبوة موسى والمسيح ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومن الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الطعن في نبوة موسى والمسيح وإن قالوا إن المسيح إله قيل لهم ثبوت كونه إلها لو كان ممكنا أبعد من ثبوت كونه رسولا فكيف إذا كان ممتنعا وذلك أنه ليس معهم ما يدل على إلهيته إلا ما ينقلونه من أقوال الأنبياء أو الخوارق والخوارق لا تدل على الإلهية فإن الأنبياء ما زالوا يأتون بالآيات الخارقة للعادة ولم تدل على إلهية أحد منهم وأما أقوال الأنبياء عليهم السلام فلا ريب أن دلالتها على رسالته ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم أظهر من دلالتها على إلهية المسيح فيمتنع الاحتجاج بها على إلهية المسيح دون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة المسيح ومتى ثبت أن

46

محمدا رسول الله بطلت إلهية المسيح فإنه كفر من قال إنه الله أو ابن الله بل وكذلك متى ثبت أن المسيح رسول الله بطل كونه إلها فإن كونه هو الله مع كونه رسول الله متناقض وقولهم إنه إله بلاهوته ورسول بناسوته كلام باطل من وجوه منها أن الذي كان يكلم الناس إما أن يكون هو الله أو هو رسول الله فإن كان هو الله بطل كونه رسول الله وإن كان رسول الله بطل كونه هو الله ولهذا لما كان الذي كلم موسى عليه السلام من الشجرة هو الله لم تنطق الكتب بأنه رسول الله وهذا وارد بأي وجه فسروا الاتحاد فإنه من المعلوم أن الناس كانوا يسمعون من المسيح كلاما بصوته المعروف وصوته لم يختلف ولا حاله عند الكلام تغيرت كما يختلف الإنسان وحاله عند الكلام إذا حل فيه الجني وإذا فارقه الجني فإن الجني إذا تكلم على لسان المصروع ظهر الفرق بين ذلك المصروع وبين غيره من الناس بل اختلف حال المصروع وحال كلامه وسمع منه من الكلام ما يعلم يقينا أنه لا يعرفه وغاب عقله بحيث

47

يظهر ذلك للحاضرين واختلف صوته ونغمته فكيف بمن يكون رب العالمين هو الحال فيه المتحد به المتكلم بكلامه فإنه لا بد أن يكون بين كلامه وصوته وكلام سائر البشر وصوتهم من الفرق أعظم من الفرق الذي بين المصروع وغير المصروع بما لا نسبة بينهما يبين هذا أن موسى لما سمع كلامه سمع صوتا خارقا للعادة مخالفا لما يعهد من الأصوات ورأى من الآيات الخارقة والعجائب ما يبين أن ذلك الذي سمعه لا يقدر على التكلم به إلا الله وأما المسيح فلم يكن بين كلامه وصوته مع طول عمره وكلام سائر الناس فرق يدل على أنه نبي فضلا عن أن يدل على أنه إله وإنما علم أنه نبي بأدلة منفصلة ولم يكن حاله يختلف مع أنهم يقولون أن الاتحاد ملازم له من حين خلق ناسوته في بطن أمه مريم وإلى الأبد لا يفارق اللاهوت لذلك الناسوت أبدا وحينئذ فمن المعلوم أن خطابه للناس إن كان خطاب رب العالمين لم يكن هو رسوله وإن كان خطاب رسوله لم يكن ذلك صوت رب العالمين الوجه الثاني أن خطابه خطاب رسول ونبي كما ثبت ذلك عنه في عامة المواضع

48

الثالث أن مصير الشيئين شيئا واحدا مع بقائهما على حالهما بدون الاستحالة والاختلاط ممتنع في صريح العقل وإنما المعقول مع الاتحاد أن يستحيلا ويختلطا كالماء مع الخمر واللبن فإنهما إذا صار شيئا واحدا استحالا واختلطا الرابع أنه مع الاتحاد يصير الشيئان شيئا واحدا فيكون الإله هو الرسول والرسول هو الإله إذ هذا هو هذا وإن كان الإله غير الرسول فهما شيئان ومهما مثلوا به قولهم كتشبيههم ذلك بالنار في الحديد والروح في البدن فإنه يدل على فساد قولهم فإن الحديد متى طرق أو وضع في الماء كان ذلك مصيبا للنار وكذلك البدن إذا جاع أو صلب وتألم كان ذلك الألم مصيبا للروح فيلزم أن يكون رب العالمين قد أصابه ألم الجوع والعطش وكذلك الضرب والصلب على قولهم وهذا شر من قول اليهود أنه فقير وأنه بخيل وأنه مسه اللغوب

49


فصل

وإن كان مقصودهم الاحتجاج بذلك على المسلمين قيل لهم أولا هذه حجة جدلية فما مستندكم فيما بينكم وبين الله في تصديق شخص وتكذيب آخر مع أن دلالة الصدق فيهما واحدة بل هي في الذي كذبتموه أظهر فإن كانت حقا لزم تصديق من كذبتموه وفسد دينكم وإن كانت باطلة بطل استدلالكم بها على دينكم فثبت أنهم مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم لا يستقيم لهم الاستدلال بكلام أحد من الأنبياء عليهم السلام وقيل لهم ثانيا المسلمون إنما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بما دلهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن محمد صادقا لم يعرفوا صدق هؤلاء فيبطل دليلكم وإن كان صادقا بطل دين النصارى فيبطل دليل صحته فثبت بطلان دليلهم على كل تقدير وقيل لهم ثالثا المسلمون لم يصدقوا نبوة أحد من هؤلاء إلا مع نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإن قيل أنهم عرفوا ذلك بطريق آخر فإن الدليل الذي يدل على صدق واحد منهم يدل على صدق محمد بطريق الأولى فلا يمكنهم تصديق نبي مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم

50

وقيل لهم رابعا هم إنما يصدقون موسى وعيسى اللذين بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن كانا قد بشرا به فثبتت نبوته وإن لم يكونا بشرا به فهم لا يؤمنون إلا بالمبشرين به وبالتوراة والإنجيل اللذين هو مكتوب فيهما فإن قدر عدم ذلك فهم لا يسلمون وجود موسى وعيسى وتوراة وإنجيل منزلين من الله ليس فيهما ذكره صلى الله عليه وسلم وإن قالوا نحن صدقنا هؤلاء الأنبياء بلا علم لنا بصدقهم وطريق يدل على صدقهم لأن هذا دين آبائنا وجدناهم يعظمون هؤلاء ويقولون هم أنبياء فاتبعنا آباءنا في ذلك من غير علم وهذا هو الواقع من أكثرهم قيل فإذا كان هذا قولكم في الأنبياء وفيما شهدوا به إن كانوا شهدوا فيلزم أن لا يكونوا عالمين به بل متبعين فيه لآبائهم بغير علم بطريق الأولى وبهذا يحصل المقصود وهو أن ما أنتم عليه من اعتقاد دين النصرانية لا علم لكم ولا دليل لكم على صحته بل أنتم فيه متبعون لآبائكم كاتباع اليهود والمشركين لآبائهم ولا ريب أن هذا حال النصارى ولهذا سماهم الله ضلالا في قوله ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل

51

وقال تعالى وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم وقال تعالى وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم وقال تعالى وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ولهذا كان النصارى معروفين بالجهل والضلال كما أن اليهود معروفون بالظلم والقسوة والعناد فتبين بما ذكرناه أنه لا يمكنهم مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم في كلمة واحدة الاحتجاج بقول واحد من الأنبياء على شيء من دينهم ولا دين غيرهم

52


فصل

وأما كون القرآن أنزل باللسان العربي وحده فعنه أجوبة أحدها أن يقال والتوراة إنما أنزلت باللسان العبري وحده وموسى عليه السلام لم يكن يتكلم إلا بالعبرية وكذلك المسيح لم يكن يتكلم بالتوراة والإنجيل وغيرهما إلا بالعبرية وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد بلسان الذي أنزلت عليه ولسان قومه الذين يخاطبهم أولا ثم بعد ذلك تبلغ الكتب وكلام الأنبياء لسائر الأمم إما بأن يترجم لمن لا يعرف لسان ذلك الكتاب وإما بأن يتعلم الناس لسان ذلك الكتاب فيعرفون معانيه وإما بأن يبين للمرسل إليه معاني ما أرسل به الرسول إليه بلسانه وإن لم يعرف سائر ما أرسل به وقد أخبر الله في القرآن ما قالته الرسل لقومهم وما قالوا لهم

53

وأكثرهم لم يكونوا عربا وأنزله الله باللسان العربي وحينئذ فإن شرط التكليف تمكن العباد من فهم ما أرسل به الرسول إليهم وذلك يحصل بأن يرسل بلسان يعرف به مراده ثم جميع الناس متمكنون من معرفة مراده بأن يعرفوا ذلك اللسان أو يعرفوا معنى الكتاب بترجمة من يترجم معناه وهذا مقدور للعباد ومن لم يمكنه فهم كلام الرسول إلا بتعلم اللغة التي أرسل بها وجب عليه ذلك فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف ما لا يتم الوجوب إلا به فإنه ليس بواجب ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا في الأصل ولا في التمام فلا نحتاج أن نقول مالا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب فإن ما ليس مقدورا عليه لا يكلف به العباد بل وقد يكون مقدورا عليه ولا يكلفون به فلما كانت الاستطاعة شرطا في وجوب الحج لم يجب تحصيل الاستطاعة بخلاف قطع المسافات فإنه ليس شرطا في الوجوب فلهذا يجب الحج على الإنسان من المسافة البعيدة والقريبة إذا كان مستطيعا وجمهور الناس لا يعرفون معاني الكتب الإلهية التوراة والإنجيل والقرآن إلا بمن يبينها ويفسرها لهم وإن كانوا يعرفون اللغة فهؤلاء يجب عليهم طلب علم ما يعرفون به ما أمرهم الله به ونهاهم عنه وهذا

54

هو طلب العلم المفروض على الخلق وكذلك ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من معاني الكتاب الذي أنزله الله عليه يجب على الخلق طلب علم ذلك ممن يعرفه إذا كان معرفة ذلك لا تحصل بمجرد اللسان كما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى فمن ادعى علمه فهو كاذب والله تعالى قال وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم لم يقل وما أرسلنا من رسول إلا إلى قومه لكن لم يرسله إلا بلسان قومه الذين خاطبهم أولا ليبين لقومه فإذا بين لقومه ما أراده حصل بذلك المقصود لهم ولغيرهم فإن قومه الذين بلغ إليهم أولا يمكنهم أن

55

يبلغوا عنه اللفظ ويمكنهم أن ينقلوا عنه المعنى لمن لا يعرف اللغة ويمكن غيرهم أن يتعلم منهم لسانه فيعرف مراده فالحجة تقوم على الخلق ويحصل لهم الهدى بمن ينقل عن الرسول تارة المعنى وتارة اللفظ ولهذا يجوز نقل حديثه بالمعنى والقرآن يجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق العلماء

56

وجوز بعضهم أن يقرأ بغير العربية عند العجز عن قراءته بالعربية وبعضهم جوزه مطلقا وجمهور العلماء منعوا أن يقرأ بغير العربية وإن جاز أن يترجم للتفهم بغير العربية كما يجوز تفسيره وبيان معانيه وإن كان التفسير ليس قرآنا متلوا وكذلك الترجمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه

57

وقال أيضا في الحديث الصحيح مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فنفع الله به الناس فزرعوا وسقوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من تفقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن يبلغ حديثه وإن لم يتفقه فيه وقال رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وقد كان العارفون باللغة العربية حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إنما يوجدون في جزيرة العرب وما والاها كأرض الحجاز واليمن وبعض الشام والعراق ثم انتشر فصار أكثر الساكنين في وسط المعمورة العربية حتى اليهود والنصارى الموجودون في وسط الأرض يتكلمون بالعربية كما يتكلم بها أكثر المسلمين بل

58

كثير من اليهود والنصارى يتكلمون بالعربية أجود مما يتكلم بها كثير من المسلمين وقد انتشرت هذه اللغة أكثر مما انتشرت سائر اللغات حتى أن الكتب القديمة من كتب أهل الكتاب ومن كتب الفرس والهند واليونان والقبط وغيرهم عربت بهذه اللغة ومعرفة الكتب المصنفة بالعربية والكلام العربي أيسر على جمهور الناس من معرفة الكتب المصنفة بغير العربية فإن اللسان العبري والسرياني والرومي والقبطي وغيرها وإن عرفه طائفة من الناس فالذين يعرفون اللسان العربي أكثر ممن يعرف لسانا من هذه الألسنة وأيضا فمعرفة ما أمر الله عباده أمرا عاما هو مما نقله الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا وأجمعت عليه مثل الأمر

59

بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه أرسل إلى جميع الناس أميهم وغير أميهم وإقام الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق من استطاع إليه سبيلا وإيجاب الصدق وتحريم الفواحش والظلم والأمر بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت هو ما يعرفه المسلمون معرفة عامة ولا يحتاج الإنسان في معرفة ذلك إلى أن يحفظ ا لقرآن بل يمكن الإنسان معرفة ما أمر الله به على لسان رسوله وإن لم يعرف اللغة العربية ويكفيه أن يقرأ فاتحة الكتاب وسورا معها يصلي بهن وكثير من الفرس والروم والترك والهند والحبشة والبربر وغيرهم لا يعرفون أن يتكلموا بالعربية الكلام المعتاد وقد أسلموا وصاروا من أولياء الله المتقين ومنهم من يحفظ القرآن كله وإذا كلم الناس لا يستطيع أن يكلمهم إلا بلسانه لا بالعربية وإذا خوطب بالعربية لم يفقه ما قيل له الوجه الثاني أن المسيح عليه السلام كان لسانه عبريا وكذلك ألسنة الحواريين الذين اتبعوه أولا ثم إنه أرسلهم إلى الأمم يخاطبونهم ويترجمون لهم ما قاله المسيح عليه السلام فإن قالوا إن رسل المسيح حولت ألسنتهم إلى ألسنة من أرسل إليهم قيل هذا منقول في رسل المسيح وفي رسل محمد صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم إلى الأمم ولا ريب أن رسل رسل الله

60

كرسل محمد صلى الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام إلى الأمم لا بد أن يعرفوا لسان من أرسلهم الرسول إليهم أو أن يكون عند أولئك من يفهم لسانهم ولسان الرسول ليترجم لهم فإذا لم يكن عند من أرسل المسيح إليهم من يعرف بالعربية فلا بد أن يكون رسوله ينطق بلسانهم وكذلك رسل النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم إلى الأمم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أرسل رسله إلى أهل الأرض فبعث إلى ملوك العرب باليمن والحجاز والشام والعراق وأرسل إلى ملوك النصارى بالشام ومصر قبطهم ورومهم وعربهم وغيرهم وأرسل إلى الفرس المجوس ملوك العراق وخراسان قال محمد بن سعد في الطبقات ذكر بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل بكتبه إلى الملوك وغيرهم يدعوهم وذكر ما كتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم لناس من العرب وغيرهم ثم قال أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال حدثني معمر

61

بن راشد ومحمد بن عبدالله عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال وعن الواقدي حدثنا أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة وحدثنا عبدالحميد بن جعفر عن أبيه عن جدته

62

الشفاء وحدثنا أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمي وحدثنا ابن محمد الأنصاري عن جعفر بن عمرو بن جعفر بن

63

عمرو بن أمية الضمري عن أهله عن عمرو بن أمية الضمري دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتبا فقيل يا رسول الله إن الملوك لا يقرأون كتابا إلا مختوما فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خاتما من فضة فصه منه نقشه ثلاثة أسطر محمد رسول الله وختم به الكتب فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد وذلك في المحرم سنة سبع وأصبح كل واحد منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم

64

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل دحية بن خليفة الكلبي وإلى المقوقس صاحب مصر والاسكندرية حاطب بن أبي بلتعة وإلى كسرى عبدالله بن حذافة السهمي وأرسل إلى الحارث بن أبي شمر الغساني وكان نصرانيا بظاهر دمشق فبعث إليه شجاع بن وهب الأسدي وأرسل إلى غير هؤلاء وقال أيضا أخبرنا الهيثم بن عدي قال أخبرنا دلهم بن

65

صالح وأبو بكر الهذلي عن عبدالله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال وحدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان والزهري وحدثنا الحسن بن عمارة عن فراس عن الشعبي دخل حديث بعضهم في حديث بعض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ائتوني بأجمعكم بالغداة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر يجلس في مصلاه قليلا يسبح ويدعو ثم التفت إليهم فبعث عدة إلى عدة وقال

66

صلى الله عليه وسلم انصحوا لله في أمر عباده فإن من أخبر عن شيء من أمور المسلمين ثم لم ينصح حرم الله عليه الجنة انطلقوا ولا تصنعوا كما صنعت رسل عيسى بن مريم فإنهم أتوا القريب وتركوا البعيد فأصبحوا يعني الرسل وكل منهم يعرف بلسان القوم الذين أرسل إليهم وذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا أعظم ما كان من حق الله عز وجل عليهم في أمر عباده الوجه الثالث أن النصارى فيهم عرب كثير من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكل من يفهم اللسان العربي فإنه يمكن فهمه للقرآن وإن كان أصل لسانه فارسيا أو روميا أو تركيا أو هنديا أو قبطيا وهؤلاء الذين أرسلوا هذا الكتاب من علماء النصارى قد قرأوا المصحف وفهموا منه ما فهموا وهم يفهمونه بالعربية واحتجوا بآيات من القرآن فكيف يسوغ لهم مع هذا أن يقولوا كيف تقوم الحجة علينا بكتاب لم نفهمه الوجه الرابع أن حكم أهل الكتاب في ذلك حكم المشركين ومعلوم أن المشركين فيهم عرب وفيهم عجم ترك وهند وغيرهما

67

فكما أن جميع المشركين كمشركي العرب وكذلك جميع أهل الكتاب كأهل الكتاب من العرب وفي اليهود والنصارى ممن يعرف بلسان العرب من لا يحصيه إلا الله عز وجل الوجه الخامس أنه ليس فهم كل آية من القرآن فرضا على كل مسلم وإنما يجب على المسلم أن يعلم ما أمره الله به وما نهاه عنه بأي عبارة كانت وهذا ممكن لجميع الأمم ولهذا دخل في الإسلام جميع أصناف العجم من الفرس والترك والهند والصقالبة والبربر ومن هؤلاء من يعلم اللسان العربي ومنهم من يعلم ما فرض الله عليه الترجمة وقد قدمنا أنه يجوز ترجمة القرآن في غير الصلاة والتعبير كما يجوز تفسيره باتفاق المسلمين وإنما تنازعوا هل يقرأ بغير العربية تلاوة كما يقرأ في الصلاة فجمهور العلماء منعوا من ذلك وحينئذ فإذ قرأ الأعجمي فاتحة الكتاب وسورتين معها

68

بالعربية أجزأه وكذلك التشهد وغيره من الذكر المأمور به وهذا أمر يسير أيسر من أكثر الواجبات فكيف يمتنع أن يأمر الله تبارك وتعالى عباده بذلك وأما جمل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة والزكاة والصوم والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وما حرمه الله من الشرك والفواحش والظلم وغير ذلك فهذا مما يمكن أن يعرفه كل واحد بتعريف من يعرفه إما باللسان العربي وإما بلسان آخر لا يتوقف تعريف ذلك على لسان العرب

69


فصل

وأما قوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي وقوله إنا جعلناه قرآنا عربيا فهذا يتضمن إنعام الله على عباده لأن اللسان العربي أكمل الألسنة وأحسنها بيانا للمعاني فنزول الكتاب به أعظم نعمة على الخلق من نزوله بغيره وهو إنما خوطب به أولا العرب ليفهموه ثم من يعلم لغتهم يفهمه كما فهموه ثم من لم يعلم لغتهم ترجمه له من عرف لغتهم وكان إقامة الحجة به على العرب أولا والإنعام به عليهم أولا لمعرفتهم بمعانيه قبل أن يعرفه غيرهم قال تعالى فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون

70

وقال فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا واللد جمع الألد وهو الأعوج في المناظرة الذي يروغ عن الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم وأما قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فهو كما قال تعالى وقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم قريش وبلسانهم أرسل وهو سبحانه لم يقل وما أرسلنا من رسول إلا إلى قومه بل الرسول يبعثه الله إلى قومه وغير قومه كما تقول النصارى أنه بعث المسيح عليه السلام والحواريين إلى غير بني إسرائيل وليسوا من قومه فكذلك بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قومه وغير قومه ولكن إنما يبعث بلسان قومه ليبين لهم ثم يحصل البيان لغيرهم بتوسط البيان لهم اما بلغتهم

71

ولسانهم وإما بالترجمة لهم ولو لم يتبين لقومه أولا لم يحصل مقصود الرسالة لا لهم ولا لغيرهم وإذا تبين لقومه أولا حصل البيان لهم ولغيرهم بتوسطهم وقومه إليهم بعث أولا ولهم دعا أولا وأنذر أولا وليس في هذا أنه لم يرسل إلى غيرهم لكن إذا تبين لقومه لكونه بلسانهم أمكن بعد هذا أن يعرفه غير قومه إما بتعلمه بلسانهم وإما بتعريف بلسان يفهم به والرجل يكتب كتاب علم في طب أو نحو أو حساب بلسان قومه ثم يترجم ذلك الكتاب وينقل إلى لغات أخر وينتفع به أقوام آخرون كما ترجمت كتب الطب والحساب التي صنفت بغير العربي وانتفع بها العرب وعرفوا مراد أصحابها وإن كان المصنف لها أولا إنما صنفها بلسان قومه وإذا كان هذا في بيان الأمور التي لا يتعلق بها سعادة الآخرة والنجاة من عذاب الله فكيف يمتنع في العلوم التي يتعلق بها سعادة الآخرة والنجاة من العذاب أن ينقل من لسان إلى لسان حتى يفهم أهل اللسان الثاني بها ما أراده بها المتكلم بها أولا باللسان الأول وأبناء فارس المسلمون لما كان لهم من عناية بهذا ترجموا مصاحف كثيرة فيكتبونها بالعربي ويكتبون الترجمة بالفارسية وكانوا قبل الإسلام أبعد عن المسلمين من الروم والنصارى فإذا كان الفرس المجوس قد وصل إليهم معاني القرآن بالعربي وترجمته فكيف لا يصل إلى أهل الكتاب وهم أقرب إلى المسلمين منهم وعامة الأصول التي

72

يذكرها القرآن عندهم شواهدها ونظائرها في التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من النبوات بل كل من تدبر نبوات الأنبياء وتدبر القرآن جزم يقينا بأن محمدا رسول الله حقا وأن موسى رسول الله صدقا لما يرى من تصادق الكتابين التوراة والقرآن مع العلم بأن موسى عليه السلام لم يأخذ عن محمد صلى الله عليه وسلم وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأخذ عن موسى فإن محمدا صلى الله عليه وسلم بإتفاق أهل المعرفة بحاله كان أميا من قوم أميين مقيما بمكة ولم يكن عندهم من يحفظ التوراة والإنجيل ولا الزبور ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخرج من بين ظهرانيهم ولم يسافر قط إلا سفرتين إلى الشام خرج مرة مع عمه أبي طالب قبل الإحتلام ولم يكن يفارقه ومرة أخرى مع ميسرة في تجارته وكان ابن بضع وعشرين سنة مع رفقة كانوا يعرفون جميع أحواله ولم يجتمع قط بعالم أخذ عنه شيئا لا من علماء اليهود ولا النصارى ولا من غيرهم لا بحيرى ولا غيره ولكن كان بحيرى الراهب لما رآه عرفه لما كان عنده من ذكره ونعته فأخبر أهله بذلك وأمرهم بحفظه من اليهود ولم يتعلم لا من بحيرى ولا من غيره كلمة واحدة وسنبين إن

73

شاء الله الدلائل الكثيرة على أنه لم يأخذ عن أحد من أهل الكتاب كلمة واحدة وقصة بحيرى مذكورة ذكرها أرباب السير وأصحاب المسانيد والسنن قال الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي في جامعه حدثنا الفضل أبو العباس البغدادي قال حدثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح أنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال خرج أبو طالب

74

إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش ما علمك فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدن إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غرضوف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل فقال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه عليه فقال انظروا الى فيء الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم أن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم الراهب فقال ما جاء بكم قالوا جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا

75

فقال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا قال فتابعوه وأقاموا معه قال أنشدكم الله يا معشر العرب أيكم وليه فقال أبو طالب أنا فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وزوده الراهب من الكعك والزيت قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ورواه البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث العباس بن محمد عن قراد بن نوح وقال العباس لم يحدث به يعني بهذا الإسناد غير قراد وسمعه يحيى وأحمد من قراد قال البيهقي أراد أنه لم يحدث بهذا الإسناد سوى هؤلاء فأما القصة فهي عند أهل المغازي مشهورة

76

وقال ابن سعد في الطبقات حدثنا محمد بن عمر قال حدثني محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشرة سنة خرج به أبو طالب إلى الشام في العير التي خرج فيها للتجارة فنزلوا بالراهب

77

بحيرى فقال بحيرى لأبي طالب في النبي صلى الله عليه وسلم ما قال وأمره أن يحتفظ به فرده أبو طالب معه إلى مكة وشب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها لما يريده به من كرامته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم مخالطة وأعظمهم حلما وأمانة وأصدقهم حديثا وأبعدهم من الفحش والأذى فما رؤي ملاحيا ولا مماريا أحدا حتى سماه قومه الأمين لما جمع فيه من الأمور الصالحة وقال ابن الجوزي خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام فنزل الركب ببصرى وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له وكان ذا علم بالنصرانية ولم يزل في تلك الصومعة راهب تنتهي إليه علم النصرانية صاغرا عن كابر وفيها كتب يدرسونها وكان كثيرا ما يمر الركب فلا يكلمهم حتى إذا كان في ذلك العام نزلوا منزلا قريبا من الصومعة فصنع لهم الراهب طعاما ودعاهم وإنما حمله على ذلك لشيء رآه فلما رآى بحيرى ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فحضر وأرسل إلى القوم فقال يا معشر قريش أحب أن

78

تحضروا طعامي ولا يتخلف منكم أحدا فقال وهذا شيء تكرموني فلما حضروا عنده جعل يلاحظ النبي صلى الله عليه وسلم لحظا شديدا وينظر إلى جسده وجعل أبو طالب يخاف عليه من الراهب ثم قال الراهب لأبي طالب أرجع بابن أخيك فإنه كائن له شأن عظيم فإنا نجد صفته في كتبنا ويروونه عن آبائنا فلما فرغوا من التجارة رجع أبو طالب سريعا إلى مكة فما خرج بعدها به أبو طالب خوفا عليه هذا مع أن في القرآن من الرد على أهل الكتاب في بعض ما حرفوه مثل دعواهم أن المسيح عليه السلام صلب وقول بعضهم أنه إله وقول بعضهم أنه ساحر وطعنهم على سليمان عليه السلام وقولهم أنه كان ساحرا وأمثال ذلك ما يبين أنه لم يأخذ عنهم وفي القرآن من قصص الأنبياء عليه السلام ما لا يوجد في التوراة والإنجيل مثل قصة هود وصالح وشعيب وغير ذلك

79

وفي القرآن من ذكر المعاد وتفصيله وصفة الجنة والنار والنعيم والعذاب ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل بل التوراة ليس فيها تصريح بذكر المعاد وعامة ما فيها من الوعد والوعيد فهو في الدنيا كالوعد بالرزق والنصر والعاقبة والوعيد بالقحط والأمراض والأعداء وإن كان ذكر المعاد موجودا في غير التوراة من النبوات ولهذا كان أهل الكتاب يقرون بالمعاد وقيام القيامة الكبرى وقد قيل إن ذلك مذكور في التوراة أيضا لكن لم يبسط كما بسط في غير التوراة

80


فصل

فإن قالوا إن الكتب التي عندنا من التوراة والإنجيل وغيرهما ترجمها لنا الحواريون وهم عندنا رسل معصومون وترجموها لجميع الأمم بخلاف القرآن فإنه إنما يترجمه من ليس بمعصوم فعن هذا أجوبة أحدها أن هذا كذب بين فإن من العرب من النصارى من لا يحصي عدده إلا الله تعالى وكان فيهم نصارى كثيرون تنصروا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وكان فيهم قوم على دين المسيح الذي لم يبدل وهم مؤمنون من أهل الجنة كسائر من كان على دين المسيح عليه السلام فإن كل من كان على دين المسيح الذي لم يبدل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مؤمن مسلم من أهل الجنة ومع هذا فليس على وجه الأرض توراة ولا إنجيل معرب من عهد الحواريين بل التوراة العبرية تنقل من اللسان العبري أو غيره إلى العربية وكذلك الإنجيل ينقل من اللسان الرومي أو السرياني

81

أو اليوناني أو غيرها إلى اللغة العربية فلو كان عند كل أمة من الأمم توراة وإنجيل ونبوات بلسانهم لكان نصارى العرب أحق بهذا من نصارى الحبشة والصقالبة والهند فإنهم جيران البيت المقدس وهم بنو إسماعيل عليه السلام والأناجيل عندهم أربعة وهم يدعون أن كل واحد كتبها بلسان كتبت بلسان العبري والرومي واليوناني مع أن في بعض الأناجيل ما ليس في بعض مثل قولهم عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس الذي جعلوه أصل دينهم وهذا إنما هو قوله في إنجيل متى وإذا كان كل واحد من الأربعة كتب إنجيلا بلسانه لم يكن هناك إنجيل واحد أصلي ترجع إليه الأناجيل كلها ثم هم مع هذا يدعون أنها ترجمت باثنين وسبعين لسانا وهذا فيه من الكذب والتناقض أمور سننبه إن شاء الله على بعضها لكن غاية ما يدعون أنه ترجم باثنين وسبعين لسانا ومعلوم أن الألسنة الموجودة في بني آدم في جميع المعمورة في زماننا وقبل زماننا أكثر من هذا كما يعرفه من عرف أحوال العالم بل اللسان الواحد كالعربي والفارسي والتركي جنس تحته أنواع مختلفة لا يفهم بعضهم لسان

82

بعض إلا أن يتعلمه منهم والعرب أقرب الأمم إلى بني إسحاق بني إسرائيل والعيص فإنهم بنو إسماعيل وجيرانهم فإن أهل الحجاز جيران الشام ومكة لم تزل تحج إليها العرب ولم يكن قط عند العرب توراة ولا إنجيل عربيان من عهد المسيح عليه السلام بل ولا كان بمكة لا توراة ولا إنجيل لا معرب ولا غير معرب ولهذا قال تعالى لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك فكيف يدعى أن التوراة والإنجيل ترجمها الحواريون لكل قوم من جميع بني آدم شرقا وغربا وجنوبا وشمالا بلسان يفهمونه به وهل يقول هذا إلا من هو من أكذب الناس وأجهلهم الوجه الثاني أن يقال ترجمة الكلام من لغة إلى لغة لا تحتاج إلى معصوم بل هذا أمر تعلمه الأمم فكل من عرف اللسانين أمكنه الترجمة ويحصل العلم بذلك إذا كان المترجمون كثيرين متفرقين

83

لا يتواطؤون على الكذب وبقرائن تقترن بخبر أحدهم وبغير ذلك وهذا موجود معلوم بل إذا ترجمه إثنان كل منهما لا يعرف ما يقوله الآخر ولم يتواطؤوا حصل بذلك المقصود في الغالب وهم يذكرون أن التوراة ترجمها إثنان وسبعون حبرا من اليهود ولم يكونوا معصومين وأن الملك فرقهم لئلا يتواطؤوا على الكذب واتفقوا على ترجمة واحدة وهذا كان بعد الخراب الأول فهكذا يمكن ترجمة غير التوراة وهذه التوراة في زماننا والإنجيل والزبور يترجم باللغة العربية ويعرف المقصود به بلا ريب فكيف بالقرآن الذي يفهم أهله معناه ويفسرونه ويترجمونه أكمل وأحسن مما يترجم اهل التوراة والإنجيل التوراة والإنجيل الوجه الثالث أن دعوى العصمة في كل واحد من الحواريين وأنهم رسل الله بمنزلة إبراهيم وموسى عليهما السلام دعوى ممنوعة وهي باطلة وإنما هم رسل المسيح عليه السلام بمنزلة رسل موسى ورسل إبراهيم ورسل محمد صلى الله عليه وسلم وأكثر النصارى أو كثير منهم أو كلهم يقولون هم رسل الله وليسوا بأنبياء وكل من ليس بنبي فليس برسول الله وليس بمعصوم وإن كانت له خوارق عادات كأولياء الله من المسلمين وغيرهم فإنه وإن كانت لهم كرامات من الخوارق فليسوا معصومين من الخطأ

84

والخوارق التي تجري على يدي غير الأنبياء لا تدل على أن أصحابها أولياء الله عند أكثر العلماء فضلا عن كونهم معصومين فإن ولي الله من يموت على الإيمان ومجرد الخارق لا يدل على أنه يموت على الإيمان بل قد يتغير عن ذلك الحال وإذا قطعنا بأن الرجل ولي الله كمن أخبر النبي بأنه من أهل الجنة فلا يجب الإيمان بكل ما يقوله إن لم يوافق ما قالته الأنبياء بخلاف الأنبياء عليهم السلام فإنهم معصومون لا يجوز أن يستقر فيما يبلغونه خطأ ولهذا أوجب الله الإيمان بهم ومن كفر بواحد منهم فهو كافر ومن يسب واحدا منهم وجب قتله في شرع الإسلام كما قال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير

85

وهذا مبسوط في موضع آخر

86


فصل

وأما قولهم لا يلزمنا اتباعه لأننا نحن قد أتانا رسل من قبله خاطبونا بألسنتنا وأنذرونا بديننا الذي نحن متمسكون به يومنا هذا وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلغتنا على ما يشهد لهما الكتاب الذي أتى به هذا الرجل حيث يقول في سورة إبراهيم وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقال في سورة النحل ولقد بعثنا في كل أمة رسولا فالجواب عنه من وجوه أحدها أن إثبات رسول من قبله إليكم لا يمنع إتيان رسول ثان فإن بني إسرائيل قد بعث الله إليهم موسى عليه السلام وكانوا على شريعة التوراة ثم بعث الله تبارك وتعالى إليهم المسيح عليه السلام ووجب عليهم الإيمان به ومن لم يؤمن به كان كافرا وإن قال

87

إني متمسك بالكتاب الذي أنزل إلي فكذلك إذا أرسل الله رسولا بعد المسيح وجب الإيمان به ومن لم يؤمن به كان كافرا كما أن من لم يؤمن بالمسيح من بني إسرائيل كان كافرا وبنو إسرائيل أكثر إختصاصا بموسى والتوراة من الروم وغيرهم فالمسيح والإنجيل فإنهم كانوا عبرانيين والتوراة عبرانية الوجه الثاني دعواهم أنهم متمسكون في هذا الوقت بالدين الذي نقله الحواريون عن المسيح عليه السلام كذب ظاهر بل هم عامة ما هم عليه من الدين عقائده وشرائعه كالأمانة والصلاة إلى المشرق واتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس واتخاذها وسائط والاستشفاع بأصحابها وجعل الأعياد بأسمائهم وبناء الكنائس على أسمائهم واستحلال الخنزير وترك الختان والرهبانية وجعل الصيام في الربيع وجعله خمسين يوما والصلوات والقرابين والناموس

88

لم ينقله الحواريون عن المسيح ولا هو موجود لا في التوراة ولا في الإنجيل وإنما هم متمسكون بقليل مما جاءت به الأنبياء وأما كفرياتهم وبدعهم فكثيرة جدا لم ينقل أحد عن المسيح والحواريين أنهم أمروهم أن يقولوا ما يقولونه في صلاتهم السحرية تعالوا بنا

89

نسجد للمسيح إلهنا وفي الصلاة الثانية والثالثة يا والدة الإله مريم العذراء افتحي لنا أبواب الرحمة الوجه الثالث قولهم أنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل بلغاتهم إنما يستقيم إن كان صحيحا في بعض النصارى لا في جميعهم فإن العرب من النصارى وغير العرب لم يسلم أحد إليهم توراة ولا إنجيلا بلسانهم وهذا أمر معروف ولا توجد قط توراة ولا إنجيل معرب من زمن الحواريين وإنما عربت في الأزمان المتأخرة فإذا كانت النصارى من العرب تقوم عليهم الحجة قبل محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب نزل بغير لسانهم ثم عرب لهم فكيف لا تقوم على الروم وغيرهم الحجة بكتاب نزل بغير لسانهم ثم ترجم بلسانهم الوجه الرابع أن يقال الأمة إذا غيرت دين رسولها الذي أرسل إليها وبدلته أرسل الله إليها من يدعوها إلى الدين الذي يحبه الله ويرضاه كما أن بني إسرائيل لما غيروا دين موسى وبدلوه بعث الله إليهم وإلى غيرهم المسيح بالدين الذي يحبه ويرضاه وكذلك النصارى لما بدلوا دين المسيح وغيروه بعث الله إليهم وإلى غيرهم محمدا صلى الله عليه وسلم بالدين الذي يحبه ويرضاه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا

90

من أهل الكتاب وأولئك البقايا الذين كانوا متمسكين بدين المسيح قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على دين الله عز وجل وأما من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن به فهو من أهل النار كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار الوجه الخامس أن يقال دعواهم أن الرسل سلموا إليهم التوراة والإنجيل وسائر النبوات باثنين وسبعين لسانا وأنها باقية إلى اليوم على لفظ واحد دعوى يعلم أن قائلها يتكلم بلا علم بل مفتر كذاب وذلك أن هذا يقتضي أنه الآن في الأرض هذه الكتب باثنين وسبعين لسانا كلها منقولة عن الحواريين وكلها متفقة غير مختلفة البتة فهذا أربع دعاوي أنها موجودة باثنين وسبعين لسانا وأنها متفقة وأنها كلها منقولة عن الحواريين الرابعة أنهم معصومون فيقال من الذي منكم لو قدر أن هذه الكتب التي باثنين

91

وسبعين لسانا هي عن الحواريين وهي موجودة اليوم فمن الذي يمكنه أن يشهد بموافقة بعضها بعضا وذلك لا يمكن إلا لمن يعلم الاثنين وسبعين لسانا ويكون ما عنده من الكتب يعلم أنها مأخوذة عن الحواريين ويعلم أن كل نسخة في العالم بهذا اللسان توافق النسخة التي عنده وإلا فلو جمع اثنين وسبعين نسخة باثنين وسبعين لسانا لم يعلم أن كل نسخة من هذه هي المأخوذة عن الحواريين إن قدر أنه أخذ عنهم اثنان وسبعون لسانا ولا يعلم أن كل نسخة في العالم توافق تلك النسخة فإنه من المعلوم أنه في زماننا وقبل زماننا لم تزل هذه الكتب تنقل من لسان إلى لسان كما يترجم من العبرانية إلى العربية ومن السريانية والرومية واليونانية إلى العربية وغيرها وحينئذ فإذا وجدت نسخة بالعربية لم يعلم أنها مما عربت بعد الحواريين أو هي من المأخوذ عن الحواريين إذا قدر أنه أخذ عنهم نسخة بالعربية ولا يمكن لأحد أن يجمع جميع النسخ المعربة ويقابل بينها بل وقد وجدنا النسخ المعربة يخالف بعضها بعضا في الترجمة مخالفة شديدة تمنع الثقة ببعضها وقد رأيت أنا بالزبور عدة نسخ معربة بينها من الإختلاف ما لا يكاد ينضبط وما يشهد بأنها مبدلة مغيرة لا يوثق بها ورأيت من التوراة المعربة من النسخ ما يكذب بكثير من ترجمتها طائفة من أهل الكتاب فكيف يمكنه أن يجمع جميع النسخ التي بالاثنين وسبعين لسانا ويقابل بين نسخ كل لسان حتى يكون فيها النسخة

92

القديمة المأخوذة عن الحواريين ثم يقابل بين نسخ جميع الألسنة ولا يمكن ذلك إلا لمن يكون عارفا بالاثنين وسبعين لسانا معرفة تامة وليس في بني آدم من يقدر على ذلك ولو قدر وجود ذلك فلم يعرف أن القادر على ذلك فعل ذلك وأخبرنا باتفاقها ولو وجد ذلك لكان هذا خبر واحد أو أن يترجم كل لسان من يعلم صحة ترجمته حتى تنتهي الترجمة إلى لسان واحد كالعربي مثلا ويعلم حينئذ اتفاقها وإلا فإذا ترجم هذا الكتاب بلسان أو لسانين أو أكثر وترجم الآخر كذلك لم يعلم اتفاقها إن لم يعلم أن المعنى بهذا اللسان هو المعنى بهذا اللسان وهذا لا يكون إلا ممن يعرف اللسانين أو من يترجم له اللسانين باللسان الذي يعرفه ومعلوم أن أحدا لم يترجم له الاثنان وسبعون لسانا بلسان واحد أو ألسنة يعرفها ولا يعرف أحد باثنين وسبعين لسانا وحينئذ فالجزم باتفاق جميع الكتب المكتوبة باثنين وسبعين لسانا أو الجزم بأن نسخ كل لسان متفقة جزم بما لا يعلم صحته لو لم يكن في الأرض اليوم الاثنان وسبعون لسانا منقولة عن الحواريين لم تختلط بالمترجم بعد ذلك فكيف وأكثر ما بأيدي الناس هو مما ترجم بعد ذلك بالعربي وغيره هذا إذا ثبت أن الحواريين سلموها باثنين وسبعين لسانا وأنها باقية

93

إلى اليوم وهذا أمر لا يمكن أحدا معرفته فليس اليوم توراة وإنجيل ونبوات يشهد لها أحد أنها مترجمة باللسان العربي من عهد الحواريين بل ولا بأكثر الألسنة وإلا فإذا قدر أن الحواريين سلموها باثنين وسبعين لسانا مع حصول الترجمة بعد ذلك وكثرة المترجمات أمكن وقوع التغيير في بعض المترجمات وحينئذ فالعلم بأن تلك النسخ القديمة لا تتغير فيها لا يمنع وقوع التغيير في بعض ما ترجم بعدها أو في بعض ما نسخ منها ولا سبيل إلى العلم باتفاقها مع كونها باثنين وسبعين لسانا بخلاف القرآن الذي هو بلسان العرب وخط العرب فإن العلم باتفاق ما يوجد من نسخة ممكن وهو محفوظ في الصدور ولا يحتاج إلى حفظ في الكتب فهو منقول بالتواتر لفظا وخطا الوجه السادس قولهم وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلساننا على ما يشهد لهما الكتاب الذي أتى به هذا الرجل فيقال لهم ليس في القرآن ما يشهد لكم بأن التوراة والإنجيل سلمت إليكم بلسانكم فاستشهادكم بالقرآن على هذه الدعوى من جنس استشهادكم به على أن دينكم حق ومن جنس استشهادكم بالنبوات على ما أحدثتموه وغيرتم به دين

94

المسيح عليه السلام من التثليث والاتحاد وغير ذلك وقولهم حيث يقول الله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا فيقال لا ريب أن قوم موسى عليه السلام هم بنو إسرائيل وبلسانهم نزلت التوراة وكذلك بنو إسرائيل هم قوم المسيح عليه السلام وبلسانهم كان المسيح يتكلم فلم يخاطب أحد من الرسولين أحد إلا باللسان العبراني لم يتكلم أحد منهما لا برومية ولا سريانية ولا يونانية ولا قبطية وقوله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا كلام مطلق عام كقوله وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ليس في هذا تعرض لكون التوراة والإنجيل سلمت إليهم بألسنتهم الوجه السابع أن يقال عمدتهم في هذه الحجة أنهم يقولون

95

الحواريون هم عندنا رسل الله كإبراهيم وموسى والمسيح عندنا هو الله وهو أرسل إلينا هؤلاء فيجب أن يكونوا أرسلوا إلينا بلساننا وأن يكونوا سلموا إلينا التوراة والإنجيل بلساننا فيقال لهم هب أنكم تدعون هذا وتعتقدونه ونحن سنبين إن شاء الله تعالى أن هذه دعاوي باطلة لكن أنتم في هذا المقام تذكرون ان هذا الكتاب الذي هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يشهد لكم بذلك وهذا كذب ظاهر على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه وانتم صدرتم كتابكم بأن كتابه يشهد لكم ونحن نبين كذبكم وافتراءكم عليه سواء أقررتم بنبوته أو لم تقروا بها فإنه من المعلوم يقينا عنه أنه لم يشهد للمسيح بأنه الله بل كفر من قال ذلك ولا يشهد للحواريين بأنهم رسل أرسلهم الله بل إنما شهد للحواريين بأنهم قالوا إنا مؤمنون مسلمون وأنهم قالوا نحن أنصار الله كما شهد لمن آمن به بأنهم مؤمنون مسلمون ينصرون الله ورسوله بل وأنهم أفضل من الحواريين لكون أمته خير الأمم كما قال تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون

96

وقال تعالى وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين وسيأتي الكلام على هذا مبسوطا ونبين أن الرسل المذكورين في سورة يس ليس هم الحواريين ولا كانوا رسلا للمسيح بل كان هذا الإرسال قبل المسيح وأهل القرية كذبوا أولئك الرسل فأهلكهم الله كما قال تعالى وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون والرسل المذكورون في سورة يس هم ثلاثة وكان في القرية رجل آمن بهم وهذه وإن كانت أنطاكية فكان هذا الإرسال قبل المسيح والمسيح عليه السلام ذهب إلى أنطاكية اثنان من أصحابه بعد رفعه

97

إلى السماء ولم يعززوا بثالث ولا كان حبيب النجار موجودا إذ ذاك وآمن أهل أنطاكية بالمسيح عليه السلام وهي أول مدينة آمنت به كما قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يشهد للمسيح بالألاهية ولا للحواريين بأنهم رسل الله ولا أنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل بلسانهم ولا بأنهم معصومون وما ذكروه من قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إنما يتناول رسل الله لا رسل رسل الله بل رسل رسل الله يجوز أن يبلغوا رسالات الرسل بلسان الرسل إذا كان هناك من يترجم لهم ذلك اللسان وإن لم يكن هناك من يترجم ذلك اللسان كانت رسل الرسل

98

تخاطبهم بلسانهم لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا قد كتبوا الكتب الإلهية بلسانهم بل يكفي أن يقرأوها بلسان الأنبياء عليهم السلام ثم يترجموها بلسان أولئك وهو سبحانه قال وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ولم يقل وما أرسلنا من رسول إلا إلى قومه بل محمد أرسل بلسان قومه وهم قريش وأرسل إلى قومه وغير قومه كما يذكرون ذلك عن المسيح عليه السلام

99


فصل

وأما قوله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا فحق وتمام الآية ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين وهذا كقوله تعالى في الآية الأخرى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وقوله إنما أنت منذر ولكل قوم هاد في أصح الأقوال أي ولكل قوم داع يدعوهم إلى توحيد الله

100

وعبادته كما أنت هاد أي داع لمن أرسلت إليه والهادي بمعنى الداعي المعلم المبلغ لا بمعنى الذي يجعل الهدى في القلوب كقوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وقوله وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم أنبياء بعث إليهم موسى وبعث إليهم بعده أنبياء كثيرون حتى قيل إنهم ألف نبي وكلهم يأمرون بشريعة التوراة ولا يغيرون منها شيئا ثم جاء المسيح بعد ذلك بشريعة أخرى غير فيها بعض شرع التوراة بأمر الله عز وجل فإذا كان إرسال موسى والأنبياء بعده إليهم لم يمنع إرسال المسيح إليهم فكيف يمتنع إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى ولهم من حين المسيح لم يأتهم رسول من الله كما قال تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير

101

وهذه الفترة التي كانت بين المسيح ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه وهي فيما ذكره غير واحد من العلماء كسلمان الفارسي وغيره كانت ستمائة سنة وقد قيل ستمائة سنة شمسية وهي ستمائة وعشرون أو ثمانية عشر هلالية وذلك أن كل مائة سنة شمسية تكون مائة وثلاث سنين هلالية كما قال تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا وهذه التسع وبعض العاشرة والتاريخ قد تحسب فيه التامة وتحسب فيه الناقصة فمن قال عشرين حسب الناقصة ومن قال ثمانية عشر حسب التامة فقط

102


فصل

وأما قولهم نعلم أن الله عدل وليس من عدله أن يطالب أمة يوم القيامة باتباع إنسان لم يأت إليهم ولا وقفوا له على كتاب بلسانهم ولا من جهة داع من قبله فيقال الجواب من وجوه أحدها أن هذا الكلام لا يجوز أن يقوله من كتب هذا الكتاب ولا أحد يفهم بالعربية فإن هؤلاء يفهمون هذا الكتاب بالعربية وقد قرءوه وناظروا بما فيه وإذا كانوا مع ذلك يفهمون بغير العربية كان ذلك أبلغ في قيام الحجة عليهم فإنهم يمكنهم فهم ما قال بالعربية وتفهيم ذلك لقومهم باللسان الآخر الثاني كما أنهم يفهمون ما في كتبهم الرومية والسريانية والقبطية وغيرها ويترجمونها للعرب من النصارى بالعربية فإذا قامت الحجة على عرب النصارى باللسان الرومي فلأن تقوم على الروم باللسان العربي أولى فإن اللسان العربي أكثر انتشارا في العالم من اللسان الرومي والناطقون به بعد ظهور الإسلام أكثر من الناطقين بغيره وهو أكمل بيانا وأتم تفهما

103

وحينئذ فيكون وصول المعاني به إلى غير أهل لسانه أيسر لكمال معناه ولكثرة العارفين به وهؤلاء علماء النصارى يقرءون كتب الطب والحساب والفلسفة وغير ذلك باللسان العربي مع أن مصنفيها كانوا عجما من رومي ويوناني وغير ذلك فما المانع أن يقرأ القرآن العربي وتفسيره وحديث النبي صلى الله عليه وسلم باللسان العبري مع أنه أخذ عن الرسول بالعربي فهو أولى بأن يعرف به مراد المتكلم به الوجه الثالث أن يقال الناس لهم في عدل الله ثلاثة أقوال قيل كل ما يكون مقدورا فهو عدل وقيل العدل منه نظير العدل من عباده وهما قولان ضعيفان وقيل من عدله أن يجزي المحسن بحسناته لا ينقصه شيئا منها ولا يعاقبه بلا ذنب ومعلوم أنه إذا أمر العبد بما يقدر عليه كان جائزا باتفاق طوائف أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وإن كان الفعل مكروها للإنسان فإن الجنة حفت بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقد كلفت بنو إسرائيل والنصارى من الأعمال ما هو مكروه لهم وشاق عليهم فكيف يمتنع أن يأمرهم وينهاهم بلغة يبين بعض المسلمين معناها لهم والعرب الذي نزل القرآن بلسانهم طبقوا الأرض ومنهم نصارى لا يحصون فكل من عرف بالعربية من النصارى أمكنه فهم ما يقال بالعربي ومن كان منهم روميا كان له أسوة من أسلم من سائر طوائف الأعاجم كالفرس والترك والهند والبربر والحبشة وغيرهم وهو متمكن من معرفة ما أمره الله والعمل به كما يمكن هؤلاء كلهم بل

104

الروم أقدر على ذلك من غيرهم فلأي وجه يمتنع أن يأمرهم الله بذلك وما لا يتم الواجب إلا به إذا كان مقدورا للعبد فعليه أن يفعله باتفاق أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى وإنما تنازع الناس فيه هل يسمى واجبا فقيل يسمى واجبا وقيل لا يسمى واجبا فإن الآمر لم يقصده بالأمر وقد لا يخطر بباله إذا كان الآمر مخلوقا قال هؤلاء ولأن الواجب ما يذم تاركه شرعا أو يعاقب تاركه شرعا أو ما يستحق تاركه الذم أو ما يكون تركه سببا للذم أو العقاب وقالوا وما لا يتم الواجب إلا به لا يستحق تاركه الذم والعقاب فإن الحج إذا وجب على شخصين أحدهما بعيد والآخر قريب ولم يفعلاه لم تكن عقوبة البعيد على الترك أعظم من عقوبة القريب مع أن المسافة التي لا بد لهما من قطعها أكثر وكذلك من وجب عليه قضاء دينه من غير احتياج إلى بيع شيء من ماله ليست عقوبته على الترك بأقل من عقوبة من يحتاج إلى بيع مال له ليقضي به دينه وفصل الخطاب أن مالا يتم الواجب إلا به هو من لوازم وجود الواجب ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فالمأمور به لا يمكن فعله إلا بلوازمه والمنهي عنه لا يمكن تركه إلا بترك ملزوماته لكن هذا الملزوم لزوم عقلي أو عادي فوجوبه وجوب عقلي عادي لا أن الآمر

105

نفسه قصد إيجابه والذم والعقاب على تركه وتنازع الناس هل يقال مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب سواء كان وجوبه شرعيا أو عقليا أو يحتاج أن يقال ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب فالجمهور أطلقوا العبارة الأولى وبعض المتأخرين قيدوها بالقدرة ولا حاجة إلى ذلك فإن ما لم يكن مقدورا ينتفي الوجوب مع انتفائه فيكون شرطا في الوجوب لا في فعل الواجب والجمهور قالوا ما لا يتم الواجب إلا به فإنه يجب والمقصود هنا أن الله إذا أوجب على العباد شيئا واحتاج أداء الواجب إلى تعلم شيء من العلم كان تعلمه واجبا فإذا كان معرفة العبد لما أمره الله به تتوقف على أن يعرف معنى كلام تكلم به بغير لغته وهو قادر على تعلم معنى تلك الألفاظ التي ليست بلغته أو على معرفة ترجمتها بلغته وجب عليه تعلم ذلك ولو جاءت رسالة من ملك إلى ملك بغير لسانه لطلب من يترجم مقصود الملك المرسل ولم يجز أن يقول أنت لم تبعث إلي من يخاطبني بلغتي مع قدرته على أن يفهم مراده بالترجمة فكيف يجوز أن يقال ذلك لرب العالمين ولو أمر به بعض الملوك بعض رعاياه وجنوده بلغته وهم قادرون على معرفة ما أمرهم به إما بتعلم لغته وإما

106

بمن يترجم لهم ما قاله لم يكن ذلك ظلما فكيف يكون ظلما من رب العالمين مع أنه ليس بظلم من المخلوقين ولو وجب لبعض الرعية حق على بعض أو ظلم بعضهم بعضا لوجب على الملك أن ينصف المظلوم ويرسل إلى الظالم من يأمره بالعدل والإنصاف ويعاقبه إذا لم ينصف إذا كان الظالم متمكنا من معرفة أمر الملك بالترجمة أو غيرها وهذا هو العدل ليس العدل أن يترك الناس ظالمين في حق الله وحق عباده والله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فليس لأحد ممن أرسل إليه رسول وهو قادر على معرفة ما أرسل به إليه بالترجمة أو غير الترجمة أن يمتنع من شرع الله الذي أنزله وهو القسط الذي بعث به رسوله لكون الرسول ليس لغته لغته مع قدرته على أن يعرف مراده بطرق متعددة والناس في مصالح دنياهم يتوسل أحدهم إلى معرفة مراد الآخر بالترجمة وغيرها فيتبايعون وبينهم ترجمان يبلغ بعضهم عن بعض ويتراسلون في عمارة بلادهم وأغراض نفوسهم بالتراجم الذين يترجمون لهم وأمر الدين أعظم من أمر الدنيا فكيف لا يتوسلون إلى معرفة مراد بعضهم من بعض وكيف يكون أمر الدنيا أهم من أمر الدين إلا عند من أغفل الله قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه وأعرض عن

107

ذكر ربه ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم قال تعالى فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا وقال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا الوجه الرابع أنه من العجب أن تعد النصارى مثل هذا ظلما خارجا عن العدل وهم قد نسبوا إلى الله من الظلم العظيم على هذا الأصل ما لم ينسبه إليه أحد من الأمم كما سبوه وشتموه مسبة ما سبه إياها أحد من الأمم فهم من أبعد الأمم عن توحيده وتمجيده وحمده والثناء عليه وذلك أنهم يزعمون أن آدم لما أكل من الشجرة غضب الرب عليه وعاقبه وأن تلك العقوبة بقيت في ذريته إلى أن جاء المسيح وصلب وأنه كانت الذرية في حبس إبليس فمن مات منهم ذهبت روحه إلى جهنم في حبس إبليس حتى قالوا ذلك في الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وغيرهم ومعلوم أن إبراهيم كان أبوه كافرا ولم يؤاخذه الله بذنب أبيه فكيف

108

يؤاخذه بذنب آدم وهو أبوه الأبعد هذا لو قدر أن آدم لم يتب فكيف وقد أخبر الله عنه بالتوبة ثم يزعمون أن الصلب الذي هو من أعظم الذنوب والخطايا به خلص الله آدم وذريته من عذاب الجحيم وبه عاقب إبليس مع أن إبليس ما زال عاصيا لله مستحقا للعقاب من حين امتنع من السجود لآدم ووسوس لآدم إلى حين مبعث المسيح والرب قادر على عقوبته وبنو آدم لا عقوبة عليهم في ذنب أبيهم فمن كان قولهم مثل هذه الخرافات التي هي مضاحك العقلاء والتي لا تصلح أن تضاف إلى أجهل الملوك وأظلمهم فكيف يدعون مع هذا أنهم يصفون الله بالعدل ويجعلون من عدله أنه لا يأمر الإنسان بتعلم ما يقدر على تعلمه وفيه صلاح معاشه ومعاده ويجعلون مثل هذا موجبا لتكذيب كتابه ورسله والإصرار على تبديل الكتاب الأول وتكذيب الكتاب الآخر وعلى أنه يتضمن مخالفة موسى وعيسى وسائر الأنبياء والرسل والنصارى يقولون إن المسيح الذي هو عندهم اللاهوت والناسوت جميعا إنما مكن الكفار من صلبه ليحتال بذلك على عقوبة إبليس قالوا فأخفى نفسه عن إبليس لئلا يعلم ومكن أعداءه من أخذه وضربه والبصاق في وجهه ووضع الشوك على رأسه وصلبه وأظهر الجزع من الموت وصار يقول يا إلهي لم سلطت أعدائي علي ليختفي بذلك عن إبليس فلا يعرف إبليس أنه الله أو ابن الله ويريد إبليس أن يأخذ روحه إلى الجحيم كما أخذ أرواح نوح وإبراهيم

109

وموسى وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين فيحتج عليه الرب حينئذ ويقول بماذا استحللت يا إبليس أن تأخذ روحي فيقول له إبليس بخطيئتك فيقول ناسوتي لا خطيئة له كنواسيت الأنبياء فإنه كان لهم خطايا استحقوا بها أن تؤخذ أرواحهم إلى جهنم وأنا لا خطيئة لي وقالوا فلما أقام الله الحجة على إبليس جاز للرب حينئذ أن يأخذ إبليس ويعاقبه ويخلص ذرية آدم من إذهابهم إلى الجحيم وهذا الكلام فيه من الباطل ونسبة الظلم إلى الله ما يطول وصفه فمن هذا قوله فقد قدح في علم الرب وحكمته وعدله قدحا ما قدحه فيه أحد وذلك من وجوه أحدها أن يقال إبليس إن كان أخذ الذرية بذنب أبيهم فلا فرق بين ناسوت المسيح وغيره وإن كان بخطاياهم فلم يأخذهم بذنب أبيهم وهم قالوا إنما أخذهم بذنب آدم الثاني أن يقال من خلق بعد المسيح من الذرية كمن خلق قبله فكيف جاز أن يمكن إبليس من الذرية المتقدمين دون المتأخرين وكلهم بالنسبة إلى آدم سواء وهم أيضا يخطئون أعظم من خطايا الأنبياء المتقدمين فكيف جاز تمكين إبليس من عقوبة الأنبياء المتقدمين ولم يمكن من عقوبة الكفار والجبابرة الذين كانوا بعد المسيح الوجه الثالث أن يقال أخذ إبليس لذرية آدم وإدخالهم جهنم إما أن يكون ظلما من إبليس وإما أن يكون عدلا فإن كان عدلا

110

فلا لوم على إبليس ولا يجوز أن يحتال عليه ليمتنع من العدل الذي يستحقه بل يجب تمكينه من المتأخرين والمتقدمين وإن كان ظلما فلم لا يمنعه الرب منه قبل المسيح فإن قيل لم يقدر فقد نسبوه إلى العجز وإن قيل قدر على دفع ظلم إبليس ولم يفعله فلا فرق بين دفعه في زمان دون زمان إن جاز ذلك جاز في كل زمان وإن امتنع امتنع في كل زمان الوجه الرابع أن إبليس إن كان معذورا قبل المسيح فلا حاجة إلى عقوبته ولا ملام عليه وإن لم يكن معذورا استحق العقوبة ولا حاجة إلى أن يحتال عليه بحيلة تقام بها الحجة عليه الوجه الخامس إنه بتقدير أنه لم يقم عليه الحجة قبل الصلب فلم يقم عليه حجة بالصلب فإنه يمكنه أن يقول أنا ما علمت أن هذا الناسوت هوناسوت الرب وأنت يا رب قد أذنت لي أن آخذ جميع ذرية آدم فأوديهم إلى الجحيم فهذا واحد منهم وما علمت أنك أو ابنك اتحد به ولو علمت ذلك لعظمته فأنا معذور في ذلك فلا يجوز أن تظلمني الوجه السادس أن نقول أن إبليس يقول حينئذ يا رب فهذا

111

الناسوت الواحد أخطأت في أخذ روحه لكن سائر بني آدم الذين بعده لي أن أحبس أرواحهم في جهنم كما حبست أرواح الذين كانوا قبل المسيح إما بذنب أبيهم وإما بخطاياهم أنفسهم وحينئذ فإن كان ما يقوله النصارى حقا فلا حجة لله على إبليس الوجه السابع أن يقال هب أن آدم أذنب وبنوه أذنبوا بتزيين الشيطان فعقوبة بني آدم على ذنوبهم هي إلى الله أو إلى إبليس فهل يقول عاقل أن إبليس له أن يغوي بني آدم بتزيينه لهم ثم له أن يعاقبهم جميعا بغير إذن من الله في ذلك وهل هذا القول إلا من قول المجوس الثنوية الذين يقولون إن كل ما في العالم من الشر من الذنوب والعقاب وغير ذلك هو من فعل إبليس لم يفعل الله شيئا من ذلك ولا عاقب الله أحدا على ذنب ولا ريب أن هذا القول سرى إلى النصارى من المجوس لهذا لا ينقلون هذا القول في كتاب منزل ولا عن أحد من الحواريين ولهذا كان المانوية دينهم مركبا من دين النصارى والمجوس وكان رأسهم ماني نصرانيا مجوسيا فالنسب بين النصارى والمجوس بل وسائر المشركين نسب معروف

112

الوجه الثامن أن يقال إبليس عاقب بني آدم وأدخلهم جهنم بإذن الله أو بغير إذنه إن قالوا بإذنه فلا ذنب له ولا يستحق أن يحتال عليه ليعاقب ويمتنع وإن كان بغير إذنه فهل جاز في عدل الله أن يمكنه من ذلك أم لم يجز فإن جاز ذلك في زمان جاز في جميع الأزمنة وإن لم يجز في زمان لم يجز في جميع الأزمنة فلا فرق بين ما قبل المسيح وما بعده الوجه التاسع أن يقال هل كان الله قادرا على منع إبليس وعقوبته بدون هذه الحيلة وكان ذلك عدلا منه لو فعله أم لا فإن كان ذلك مقدورا له وهو عدل منه لم يحتج أن يحتال على إبليس ولا يصلب نفسه أو إبنه ثم إن كان هذا العدل واجبا عليه وجب منع إبليس وإن لم يكن واجبا جاز تمكينه في كل زمان فلا فرق بين زمان وزمان وإن قيل لم يكن قادرا على منع إبليس فهو تعجيز للرب عن منع إبليس وهذا من أعظم الكفر باتفاق أهل الملل من جنس قول

113

الثنوية الذين يقولون لم يكن يقدر النور أن يمنع الظلمة من الشر ومن جنس قول ديمقراطيس والحنانين الذين يقولون لم يمكن واجب الوجود أن يمنع النفس من ملابسه الهيولي بل تعلقت النفس بها بغير اختياره الوجه العاشر أن ما فعله به الكفار اليهود الذين صلبوه طاعة لله أو معصية فإن كان طاعة لله استحق اليهود الذين صلبوه أن يثيبهم ويكرمهم على طاعته كما يثيب سائر المطيعين له والنصارى متفقون على أن أولئك من أعظم الناس إثما وهم من شر الخلق وهم يستحلون من دمهم ولعنتهم ما لا يستحلونه من غيرهم بل

114

يبالغون في طلب اليهود وعقوبتهم في آخر صومهم الأيام التي تشبه أيام الصليب وإن كان أولئك اليهود عصاة لله فهل كان قادرا على منعهم من هذه المعصية أم لا فإن لم يكن قادرا لم يكن قادرا على منع إبليس من ظلم الذرية في الزمن المستقبل وإن كان قادرا على منعهم من المعاصي ولم يمنعهم كان قادرا على منع إبليس بدون هذه الحيلة وإذا كان حسنا منه تمكينهم من هذه المعصية كان حسنا منه تمكين إبليس من ظلم الذرية في الماضي والمستقبل فلا حاجة إلى الحيلة عليه واعلم أن الوجوه الدالة على فساد دين النصارى كثيرة جدا وكلما تصور العاقل مذهبهم وتصور لوازمه تبين له فساده لكن المقصود هنا بيان تناقضهم في أنهم يقيمون عذر أنفسهم في ترك الإيمان بكتابه ورسوله ودينه لكونه سبحانه عدلا لا يأمر الناس بما يعجزون عنه وهو سبحانه لم يأمرهم إلا بما يقدرون عليه وقد نسبوا إليه من الظلم ما لم ينسبه إليه أحد من بني آدم يوضح هذا الوجه الحادي عشر وهو أنه إما أن يقال في الظلم بقول الجهمية المجبرة الذين يقولون يفعل ما يشاء بلا حكمة ولا سبب

115

ولا مراعاة عدل وإما أن يقال بقول القدرية أنه يجب عليه العدل الذي يجب على المخلوقين وإما أن يقال هو عادل منزه عن الظلم ولكن ليس عدله كعدل المخلوق فهذه أقوال الناس الثلاثة فإن قيل بالأول جاز أن يسلط إبليس على جميع الذرية بلا ذنب وأن يعاقبهم جميعا بلا ذنب ولا حاجة حينئذ إلى الحيلة على إبليس وإن قيل بالثاني فمعلوم أن الواحد من الناس لو علم أن بعض مماليكه أمر غيره بذنب يكرهه السيد ففعله كان العدل منه أن يعاقب الآمر والمأمور جميعا وأما تسليطه للآمر على عقوبة المأمور فليس من العدل وكذلك تسليط الآمر الظالم على جميع ذرية المأمور الذين لم يذنبوا ذنب أبيهم ليس من العدل وإن قيل بل هو إستحق أن يستعبدهم لكون أبيهم أطاعه قيل فحينئذ يستحق أن يأسر الأولين والآخرين فلا يجوز أن يمنع من حقه بالاحتيال عليه وإن قيل إنما يستحق أخذهم خطاياهم قيل فله أن يأخذ الأولين والآخرين وإن قيل هو لما طلب أخذ روح ناسوت المسيح منع بهذا الذنب قيل هذا إن كان ذنبا فهو أخف ذنوبه فإنه لم يعلم أنه ناسوت الإله وإذا إستحق الرجل أن يسترق أولاد غيره فطلب رجلا

116

ليسترقه لظنه أنه منهم ولم يكن منهم لم يكن هذا ذنبا يمنع استرقاق الباقين وإن قيل إن عدل الرب ليس كعدل المخلوقين بل من عدله أن لا ينقص أحدا من حسناته ولا يعاقبه إلا بذنبه لم يجز حينئذ أن يعاقب ذرية آدم بذنب أبيهم ولم يجز أن يعاقب الأنبياء الذين ليس لهم ذنب إلا ذنب تابوا منه بذنب غيرهم فإن الأنبياء معصومون أن يقروا على ذنب فكل من مات منهم مات وليس له ذنب يستحق عليه العقوبة فكيف يعاقبون بعد الموت بذنب أبيهم إن قدر أنه مات مصرا على الذنب مع أن هذا تقدير باطل ولو قدر أن الأنبياء لهم خطايا يستحقون بها العقوبة بعد الموت وتسليط إبليس على عقوبتهم مع أن هذا تقدير باطل فمن بعد المسيح من غير الأنبياء أولى بذلك فكيف يجوز في العدل الذي يوجب التسوية بين المتماثلين عقوبة الأنبياء ومنع عقوبة من هو دونهم بل من هو من الكفار الوجه الثاني عشر أن الرب إذا قصد بهذا دفع ظلم إبليس فهلا اتحد بناسوت بعض أولاد آدم ليحتال على إبليس فيمنعه من ظلم من تقدم فإن المنع من الشر الكثير أولى من المنع من الشر القليل أتراه ما كان يعلم أن إبليس يعمل هذا الشر كله فهذا تجهيل له أو كان يعرف وعجز عن دفعه فهذا تعجيز له ثم ما الفرق بين زمان وزمان أم كان ترك منعه عدلا منه فهو عدل في كل زمان

117


فصل

وأما تفسيرهم لقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين بأن مراده قومه كما قالوا وأما قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين يريد بحسب مقتضى العدل قومه الذين أتاهم بلغتهم لا غيرهم ممن لم يأتهم بما جاء فيه فيقال لهم من فسر مراد متكلم أي متكلم كان بما يعلم الناس أنه خلاف مراده فهو كاذب مفتر عليه وإن كان المتكلم من آحاد العامة ولو كان المتكلم من المتنبئين الكذابين فإن من عرف كذبه إذا تكلم بكلام وعرف مراده به لم يجز أن يكذب عليه فيقال أراد كذا

118

وكذا فإن الكذب حرام قبيح على كل أحد سواء كان صادقا أو كاذبا فكيف بمن يفسر مراد الله ورسوله بما يعلم كل من خبر حاله علما ضروريا أنه لم يرد ذلك بل يعلم علما ضروريا أنه أراد العموم فإن قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا صيغة عامة وصيغة من الشرطية من أبلغ صيغ العموم كقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ثم إن سياق الكلام يدل على أنه أراد أهل الكتاب وغيرهم فإن هذا في سورة آل عمران في أثناء مخاطبته لأهل الكتاب ومناظرته للنصارى فإنها نزلت لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران النصارى وروى أنهم كانوا ستين راكبا وفيهم السيد والأيهم والعاقب وقصتهم مشهورة معروفة كما تقدم ذكرها وقد قال قبل هذا الكلام بذم دين النصارى الذي ابتدعوه وغيروا به دين المسيح ولبسوا الحق الذي بعث به المسيح بالباطل الذي ابتدعوه

119

حتى صار دينهم مركبا من حق وباطل واختلط أحدهما بالآخر فلا يكاد يوجد معه من يعرف ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقره والمسيح قرر أكثر شرع التوراة وغير المعنى وعامة النصارى لا يميزون ما قرره مما غيره فلا يعرف دين المسيح قال تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون فقد بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر فمن اتخذ من دونهم أربابا كان أولى بالكفر وقد ذكر أن النصارى اتخذوا من هو دونهم أربابا بقوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ثم قال تعالى في سورة آل عمران وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين

120

قال ابن عباس وغيره من السلف ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه والآية تدل على ما قالوا فإن قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين يتناول جميع النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه وهذه اللام الأولى تسمى اللام الموطئة للقسم واللام الثانية تسمى لام جواب القسم والكلام إذا إجتمع فيه شرط وقسم وقدم القسم سد جواب القسم مسد جواب الشرط والقسم كقوله تعالى لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ومنه قوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين

121

وقوله وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها وقوله وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا وقوله وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ومنه قوله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله وقوله ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب وقوله لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين وقوله لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم

122

وقوله ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وقوله وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم وقوله ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين وقوله ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون وقوله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم وقوله ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ومثل هذا كثير وحيث لم يذكر القسم فهو محذوف مراد تقدير

123

الكلام والله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم والله ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ومن محاسن لغة العرب أنها تحذف من الكلام ما يدل المذكور عليه إختصارا وإيجازا لا سيما فيما يكثر إستعماله كالقسم وقوله لما آتيتكم من كتاب وحكمة هي ما الشرطية والتقدير أي شيء أعطيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ولا تكتفوا بما عندكم عما جاء به ولا يحملنكم ما آتيتكم من كتاب وحكمة على أن تتركوا متابعته بل عليكم أن تؤمنوا به وتنصروه وإن كان معكم من قبله من كتاب وحكمة فلا يغنيكم ما آتيتكم عما جاء به فإن ذلك لا ينجيكم من عذاب الله فدل ذلك على انه من أدرك محمدا من الأنبياء وأتباعهم وإن كان معه كتاب وحكمة فعليه أن يؤمن بمحمد وينصره كما قال لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه

124

وقد أقر الأنبياء بهذا الميثاق وشهد الله عليهم به كما قال تعالى أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ثم قال تعالى فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ثم قال تعالى أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ثم قال تعالى قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ثم قال تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين

125

قالت طائفة من السلف لما أنزل الله هذه الآية قال من قال من اليهود والنصارى نحن مسلمون فقال تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فقالوا لا نحج فقال تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين فكل من لم ير حج البيت واجبا عليه مع الاستطاعة فهو كافر باتفاق المسلمين كما دل عليه القرآن واليهود والنصارى لا يرونه واجبا عليهم فهم من الكفار حتى أنه روى في حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا

126

وهو محفوظ من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد اتفق المسلمون على أن من جحد وجوب مباني الإسلام الخمس الشهادتين والصلوات الخمس والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت فإنه كافر وأيضا فقد قال تعالى في أول السورة شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد

127

فقد أمره تعالى بعد قوله إن الدين عند الله الإسلام أن يقول أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وأن يقول للذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى والأميين وهم الذين لا كتاب لهم من العرب وغيرهم أأسلمتم فالعرب الأميون يدخلون في لفظ الأميين باتفاق الناس وأما من سواهم فإما أن يشمله هذا اللفظ أو يدخل في معناه بغيره من الألفاظ المبينة أنه أرسل إلى جميع الناس قال تعالى فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد فقد أمر أهل الكتاب بالإسلام كما أمر به الأميين وجعلهم إذا أسلموا مهتدين وإن لم يسلموا فقد قال إنما عليك البلاغ أي تبلغهم رسالات ربك إليهم والله هو الذي يحاسبهم فدل هذا كله على أنه عليه أن يبلغ أهل الكتاب ما أمرهم به من الإسلام كما يبلغ الأميين وأن الله يحاسبهم على ترك الإسلام كما يحاسب الأميين وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه إلى هرقل ملك النصارى من محمد رسول الله إلى هرقل

128

عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وأبلغ من ذلك أن الله تعالى أخبر في كتابه أن الإسلام دين الأنبياء كنوح وإبراهيم ويعقوب وأتباعهم إلى الحواريين وهذا تحقيق لقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وإن الدين عند الله الإسلام في كل زمان ومكان قال تعالى عن نوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فهذا نوح الذي غرق أهل الأرض بدعوته وجعل جميع الآدميين

129

من ذريته يذكر أنه أمر أن يكون من المسلمين وأما الخليل فقال تعالى وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون فقد أخبر تعالى أنه أمر الخليل بالإسلام وانه قال أسلمت لرب العالمين وأن إبراهيم وصى بنيه ويعقوب وصى بنيه أن لا يموتن إلا وهم مسلمون وقال تعالى ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين وقال تعالى عن يوسف الصديق بن يعقوب أنه قال

130

رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين وقال تعالى عن موسى وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال عن السحرة الذين آمنوا بموسى قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين وقالوا أيضا وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقال تعالى في قصة سليمان إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين وقال قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين وقال وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين

131

وقال عن بلقيس التي آمنت بسليمان رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وقال عن أنبياء بني إسرائيل إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وقال تعالى عن الحواريين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون وقال تعالى ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين فهؤلاء الأنبياء وأتباعهم كلهم يذكر تعالى أنهم كانوا مسلمين وهذا مما يبين أن قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وقوله إن الدين عند الله الإسلام لا يختص بمن بعث إليه محمد صلى الله عليه وسلم بل

132

هو حكم عام في الأولين والآخرين ولهذا قال تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا وقال تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

133


فصل

قولهم ثم وجدنا في هذا الكتاب من تعظيم السيد المسيح وأمه حيث يقول في سورة الأنبياء والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين وقال في سورة آل عمران وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين مع الشهادات للسيد المسيح بالمعجزات وأنه حبلت به أمه من غير مباضعة رجل لبشارة ملائكة الله لأمه وأنه تكلم في المهد وأحيا الميت وأبرأ الأكمه ونقى الأبرص وأنه خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فكان طائرا بإذن الله أي بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت ووجدنا أيضا في الكتاب أن الله رفعه إليه وقال في سورة النساء

134

وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وفي سورة آل عمران إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وقال في سورة البقرة وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس وقال في سورة الحديد وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وقال في سورة آل عمران من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ثم وجدناه يعظم إنجيلنا الجواب أما تعظيم المسيح وأمه فهو حق وكذلك مدح من كان

135

على دينه الذي لم يبدل قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم أو بقي على ذلك إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به فإن هؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون وكذلك من كان على دين موسى الذي لم يبدل إلى أن بعث المسيح فآمن به فهؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون وقد قدمنا أن المسلمين هم عدل متوسطون لا ينحرفون إلى غلو ولا إلى تقصير وأما اليهود والنصارى فهم على طرفي نقيض هؤلاء ينحرفون إلى جهة وهؤلاء إلى الجهة التي تقابلها كما ذكرنا تقابلهم في النسخ وكذلك تقابلهم في التحريم والتحليل والطهارة والنجاسة فإن اليهود حرمت عليهم الطيبات وهم يبالغون في اجتناب النجاسات

136

حتى أن الحائض لا يؤاكلونها ولا يساكنونها ولا يجامعونها وكانوا لا يرون إزالة النجاسة من الثوب بل يقرض موضعها ويستخرجون الدم من العروق إلى غير ذلك من الآصار والأغلال التي كانت عليهم وأما النصارى ففي مقابلتهم تجد عامتهم لا يرون شيئا حراما ولا نجسا إلا ما كرهه الإنسان بطبعه ويصلون مع الجنابة والحدث وحمل النجاسات ويأكلون الخبائث كالدم والميتة ولحم الخنزير إلا من كره منهم شيئا فتركه والمسلمون وسط كما قال تعالى فيهم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا أي عدلا خيارا قال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون

137

ولهذا كان من انحرف من المسلمين إلى شبه اليهود والنصارى مأمورا بترك ذلك الإنحراف واتباع الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا غير المغضوب عليهم كاليهود وغير الضالين كالنصارى وذلك مثل من يبالغ في اجتناب النجاسات فينجس ما لم ينجسه الله ورسوله ويحرم ما لم يحرمه الله ورسوله ويأخذه الوسواس في اجتناب النجاسات ويحرم طيبات أحلها الله للمسلمين مثل من يرى أن القياس أن النجاسة لا تزول لا بماء ولا بغيره أو يرى أنها وإن زالت فلم يبق لها أثر فالمحل نجس إذا لم تزل بما يشترطه هو من الماء أو غيره أو يرى أن الطيبات التي

138

أحلها الله حرام خبيثة لأنها مستحيلة عن المحرم مع أن الخل حلال وإن كان قد كان خمرا باتفاق المسلمين إذا بدا إلى حالته أو يرى أن الماء الطيب والمائعات الطيبة التي ليس فيها اثر من الخبيث حرام لكون الخبيث لاقاها أو استهلك فيها مع انها من الطيبات لا من الخبائث أو يرى تحريم ما سوى موضع الدم الذي هو أذى إلى غير ذلك من أقوال قالها بعض العلماء ولكن غيرهم نازعهم في ذلك واتبع ما دل عليه الكتاب والسنة وأعظم من ذلك من يكفر من خالفه من المسلمين ويرى نجاسة الكفار كما عليه كثير من أهل البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم فإذا أكل غيرهم من وعائهم نجسه عندهم وأما ما يفعله كثير من الناس من غير أن يقوله عالم مثل من يغسل يديه وثيابه وحصر بيته بتوهم نجاستها أو يأمر الحائض إذا طهرت أن تبدل ثيابها الأول أو تغسلها أو يمنع الجنب أن يأكل أو يشرب حتى يغتسل فهذا كثير فيمن يشبه اليهود بل يشبه سامرة اليهود وأما من يشبه النصارى فمثل من يحسن الظن بمن لا يتطهر ولا

139

يصلي من المنسوبين إلى الفقر والزهد والعبادة مثل من يكون في مواضع الشياطين والنجاسات كالحمام والأتاتين والمزابل وهو متلوث بالبول والعذرة ويعاشر الكلاب ولا يتوضأ ولا يغتسل من الجنابة بل ولا يصلي أو يصلي بلا وضوء وقد علم بالأضطرار من دين الإسلام أن الصلوات الخمس فرض على كل أحد وأن الوضوء من الحدث والاغتسال من الجنابة فرض لا يصلي إلا به مع القدرة ولا يتيمم مع القدرة فمن أنكر وجوب ذلك فهو كافر باتفاق المسلمين

140

ومن جعل الزاهد العابد الذي له نوع من الخوارق مثل نوع من الكشف والتصرف الذي يكون من الشياطين والجهال يظنون أنه من كرامات أولياء الله إذا لم يكن يصلي الصلوات الخمس ويتوضأ ويغتسل من الجنابة من المؤمنين أو من أولياء الله فهو كافر باتفاق المسلمين ومن لم يحرم الخبائث التي حرمها الله ورسوله كالبول والعذرة والدم والميتة ولحم الخنزير والخمر فهو كافر باتفاق المسلمين ومن جعل مستحل ذلك مع العلم بمخالفته لدين الرسول وليا لله فهو كافر باتفاق المسلمين وكذلك فيمن ينتحل الإسلام ويذم أهل الكتاب من يكون منافقا في الدرك الأسفل من النار ويكون كثير من اليهود والنصارى أخف عذابا في الآخرة منه قال الله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما وكذلك المسلمون وأهل السنة في المسلمين وكذلك في التوحيد فإن اليهود شبهوا الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق وهو صفات النقص الذي يجب تنزيه الرب عنها والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق فيما يختص بالخالق وهو صفات الكمال التي لا يستحقها إلا الله تبارك تعالى فقال من قال من اليهود

141

إن الله فقير ونحن أغنياء وقالوا يد الله مغلولة وهو بخيل وقالوا إنه خلق العالم فتعب فاستراح وحكى عن بعضهم أنه قال بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأنه ناح على بعض من أهلكه من عباده كما ينوح المصاب على ميته وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه ويتقدس سبحانه وتعالى وأيضا فهم يستكبرون عن عبادة الله وطاعة رسله ويعصون أمره ويتعدون حدوده ولا يجوزون له أن ينسخ ما شرعه بل يحجرون عليه والنصارى يصفون المخلوق بما يتصف به الخالق فيجعلونه رب

142

العالمين خالق كل شيء ومليكه الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون واتخذوا الملائكة والنبيين أربابا وصوروا تماثيل المخلوقات واتخذوهم شفعاء يشفعون لهم عند الله كما فعل عباد الأوثان كما قال الله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ولهذا قال تعالى وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون وقال تعالى الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع والمسلمون وسط يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل يصفونه بصفات الكمال وينزهونه عن النقائص التي تمتنع على الخالق ولا يتصف بها

143

إلا المخلوق فيصفونه بالحياة والعلم والقدرة والرحمة والعدل والإحسان وينزهونه عن الموت والنوم والجهل والعجز والظلم والفناء ويعلمون مع ذلك أنه لا مثيل له في شيء من صفات الكمال فلا أحد يعلم كعلمه ولا يقدر كقدرته ولا يرحم كرحمته ولا يسمع كسمعه ولا يبصر كبصره ولا يخلق كخلقه ولا يستوي كاستوائه ولا يأتي كإتيانه ولا ينزل كنزوله كما قال تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولا يصفون أحدا من المخلوقين بخصائص الخالق جل جلاله بل كل ما سواه من الملائكة والأنبياء وسائر الخلق فقير إليه عبد له وهو الصمد الذي يحتاج إليه كل شيء ويسأله كل أحد وهو غني بنفسه لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء كما قال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق

144

إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا وكذلك هم في المسيح فالنصارى يقولون هو الله ويقولون أيضا هو ابن الله وهو إله تام وإنسان تام واليهود يقولون هو ولد زنا وهو ابن يوسف النجار ويقولون عن مريم إنها بغى بعيسى كما قال تعالى وقولهم على مريم بهتانا عظيما ويقولون هو ساحر كذاب وأما المسلمون فيقولون هو عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه وهو وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويصفونه بما وصفه الله به في كتابه لا يغلون فيه غلو النصارى ولا يقصرون في حقه تقصير اليهود وكذلك قولهم في سائر الأنبياء والمرسلين وفي أولياء الله فاليهود قتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من

145

دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ومع هذا فقد شارك النصارى اليهود في نقص حق كثير من الأنبياء فيقولون أن سليمان لم يكن نبيا ويقولون إن الحواريين مثل موسى وإبراهيم ويقولون إن من عمل بوصايا الله من غير الأنبياء صار مثل الأنبياء وكان له أن يشرع شريعة وبعض اليهود غلوا في العزير حتى قالوا إنه ابن الله ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبدالله فقولوا عبدالله ورسوله

146

والله تعالى ذكر في القرآن في سورة ( كهيعص ) قصة ابني الخالة يحيى وعيسى ويحيى يسمونه النصارى يوحنا وهو يوحنا المعمداني عندهم فقال تعالى بعد أن ذكر قصة يحيى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا

147

ثم قال الله تعالى ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين فذكر سبحانه قصة مريم والمسيح في هذه السورة المكية التي أنزلها في أول الأمر بمكة في السور التي ذكر فيها أصول الدين المدنية التي يخاطب فيها من اتبع الانبياء من أهل الكتاب والمؤمنين لما قدم عليه نصارى نجران فكان فيها الخطاب لأهل الكتاب فقال تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مولود إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا من

148

الشيطان إلا مريم وابنها ثم يقول أبو هريرة اقرأوا إن شئتم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم قال تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم ذكر قصة زكريا ويحيى ثم قال هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون

149

أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إن متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك

150

من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين فهو سبحانه قد ذكر قصة مريم والمسيح في هاتين السورتين إحداهما مكية نزلت في أول الأمر مع السور الممهدة لأصول الدين وهي سورة ( كهيعص ) والثانية مدنية نزلت بعد أن أمر بالهجرة والجهاد ولهذا تضمنت مناظرة أهل الكتاب ومباهلتهم كما نزلت في براءة مجاهدتهم فأخبر في السورة المكية أنها لما انفردت للعبادة أرسل الله إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال أبو وائل علمت أن المتقي ذو نهية أي تقواه ينهاه عن الفاحشة وأنها خافت منه أن يكون قصده الفاحشة فقالت أعوذ

151

بالرحمن منك إن كنت تقيا أي تتقي الله وما يقول بعض الجهال من أنه كان فيهم رجل فاجر اسمه تقي فهو من نوع الهذيان وهو من الكذب الظاهر الذي لا يقوله إلا جاهل ثم قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا وفي القراءة الأخرى لأهب لك غلاما زكيا فأخبر هذا الروح الذي تمثل لها بشرا سويا أنه رسول ربها فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة بنفسها ليست صفة لغيرها

152

وأنه رسول من الله ليس صفة من صفات الله ولهذا قال جماهير العلماء أنه جبريل عليه السلام فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل وهكذا عند أهل الكتاب أنه تجسد من مريم ومن روح القدس لكن ضلالهم حيث يظنون أن روح القدس حياة الله وأنه إله يخلق ويرزق ويعبد وليس في شيء من الكتب الإلهية ولا في كلام الأنبياء أن الله سمى صفته القائمة به روح القدس ولا سمى كلامه ولا شيئا من صفاته ابنا وهذا أحد ما يثبت به ضلال النصارى وأنهم حرفوا كلام الأنبياء وتأولوه على غير ما أرادت الأنبياء فإن أصل تثليثهم مبني على ما في أحد الأناجيل من أن المسيح عليه السلام قال لهم عمدوا الناس باسم الآب والإبن وروح القدس فيقال لهم هذا إذا كان قد قاله المسيح وليس في لغة المسيح ولا لغة أحد من الأنبياء أنهم يسمون صفة الله القائمة به ولا كلمته ولا حياته لا ابنا ولا روح قدس ولا يسمون كلمته ابنا ولا يسمونه نفسه ابنا ولا روح قدس ولكن يوجد فيما ينقلونه عنهم أنهم يصفون المصطفى المكرم ابنا وهذا موجود في حق المسيح وغيره كما يذكرون أنه قال تعالى لإسرائيل أنت ابني بكري

153

أي بني إسرائيل وروح القدس يراد به الروح التي تنزل على الأنبياء كما نزلت على داود وغيره فإن في كتبهم أن روح القدس كانت في داود وغيره وأن المسيح قال لهم أبي وأبيكم وإلهي وإلهمكم فسماه أبا للجميع لم يكن المسيح مخصوصا عندهم باسم الابن ولا يوجد عندهم لفظ الابن إلا اسما للمصطفى المكرم لا اسما لشيء من صفات الله ولا في كتب الأنبياء أن صفة الله تولدت منه وإذا كان كذلك كان في هذا ما يبين أنه ليس المراد بالابن كلمة الله القديمة الأزلية التي يقولون أنها تولدت من الله عندهم مع كونها أزلية ولا بروح القدس حياة الله بل المراد بالابن ناسوت المسيح وبروح القدس ما أنزل عليه من الوحي والملك الذي نزل به فيكون قد أمرهم بالإيمان بالله وبرسوله وبما أنزله على رسوله والملك الذي نزل به وبهذا أمرت الأنبياء كلهم وليس للمسيح خاصة استحق بها أن يكون فيه شيء من اللاهوت لكن ظهر فيه نور الله وكلام الله وروح الله كما ظهر في غيره من الأنبياء والرسل فإن غيره أيضا فيما

154

ينقلونه عن الأنبياء يسمى إبنا وروح القدس حلت فيه وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن كلام الأنبياء عليهم السلام يصدق بعضه بعضا وأنه ليس مع النصارى لا حجة سمعية ولا عقلية توافق ما ابتدعوه ولكن فسروا كلام الأنبياء بما لا يدل عليه وعندهم في الإنجيل أنه قال إن الساعة لا يعلمها الملائكة ولا الإبن وإنما يعلمها الأب وحده فبين أن الإبن لا يعلم الساعة فعلم أن الإبن ليس هو القديم الأزلي وإنما هو المحدث الزماني

155


فصل

والمضاف إلى الله نوعان فإن المضاف إما أن يكون صفة لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة والكلام والحياة وإما أن يكون عينا قائمة بنفسها فالأول إضافة صفة كقوله ولا يحيطون بشيء من علمه وقوله إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وقوله أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حديث الاستخارة إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك

156

وقوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا وقوله ذلكم حكم الله يحكم بينكم وقوله ذلك أمر الله أنزله إليكم والثاني إضافة عين كقوله تعالى وطهر بيتي للطائفين وقوله ناقة الله وسقياها وقوله عينا يشرب بها عباد الله فالمضاف في الأول صفة لله قائمة به ليست مخلوقة له بائنة عنه والمضاف في الثاني مملوك لله مخلوق له بائن عنه لكنه مفضل مشرف لما خصه الله به من الصفات التي اقتضت إضافته إلى الله

157

تبارك وتعالى كما خص ناقة صالح من بين النوق وكما خص بيته بمكة من البيوت وكما خص عباده الصالحين من بين الخلق ومن هذا الباب قوله تعالى فأرسلنا إليها روحنا فإنه وصف هذا الروح بإنه تمثل لها بشرا سويا وأنها إستعاذت بالله منه إن كان تقيا وأنه قال إنما أنا رسول ربك وهذا كله يدل على أنها عين قائمة بنفسها وهي التي تسمى في اصطلاح النظار جوهرا وقد تسمى جسما إذا كانت مشارا إليها مع إختلاف الناس في الجسم هل هو مركب من الجواهر المفردة أم من المادة والصورة أم ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا وإذا كان الله قد بين أن المضاف هنا ليس من الصفات القائمة بغيرها بل من الأعيان القائمة بنفسها علم أن المضاف مملوك لله مخلوق له لكن إضافته إلى الله تدل على تخصيص الله له من الاصطفاء والإكرام بما أوجب التخصيص بالإضافة وقد ذكرت فيما كنت كتبته قبل هذا من الرد على النصارى الكلام في ذلك وغيره وبينت أن المضافات إلى الله نوعان أعيان وصفات

158

فالصفات إذا أضيفت إليه كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأن الصفة لا تقوم بنفسها فلا بد لها من موصوف تقوم به فإذا أضيفت إليه علم أنها صفة له لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها فيسمى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاما والمعلوم علما والمرحوم به رحمة كقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة وقوله تعالى فيما يروي عنه نبيه أنه قال للجنة ( أنت رحمتي أرحم بك من أشاء )

159

ويقال للمطر والسحاب هذه قدرة قادر وهذه قدرة عظيمة ويقال في الدعاء غفر الله لك علمه فيك أي معلومه وأما الأعيان إذا أضيفت إلى الله تعالى فإما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق مثل كونها مخلوقة ومملوكة له ومقدورة ونحو ذلك فهذه إضافة عامة مشتركة كقوله هذا خلق الله وقد يضاف لمعنى يختص بها يميز به المضاف عن غيره مثل بيت الله وناقة الله وعبد الله وروح الله فمن المعلوم إختصاص ناقة صالح بما تميزت به عن سائر النياق وكذلك إختصاص الكعبة وإختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره وكذلك الروح المقدسة التي إمتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح فإن المخلوقات إشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره وهذه الإضافة لا اختصاص فيها ولا فضيلة للمضاف على غيره وامتاز بعضها بأن الله يحبه ويرضاه ويصطفيه ويقربه إليه ويأمر به أو يعظمه ويحبه فهذه الإضافة يختص بها بعض المخلوقات كإضافة البيت والناقة والروح وعباد الله من هذا الباب وقد قال تعالى في سورة الأنبياء والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين

160

وقال في سورة التحريم وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين فذكر امرأة فرعون التي ربت موسى ابن عمران وجمعت بينه وبين أمه حتى أرضعته أمه عندها وذكر مريم أم المسيح التي ولدته وربته فهاتان المرأتان ربتا هذين الرسولين الكريمين فلما قال هنا فنفخنا فيها أي في المرأة وفيه أي في فرجها من روحنا

161

وقال هنا فأرسلنا إليها روحنا إلى قوله إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا دل على ان قوله روحنا ليس المراد به أنه صفة لله لا الحياة ولا غيرها ولا هو رب خالق فلا هو الرب الخالق ولا صفة الرب الخالق بل هو روح من الأرواح التي اصطفاها الله وأكرمها كما تقدم في قوله فأرسلنا إليها روحنا وأن الأكثرين على أنه جبريل وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته أصل عظيم ضل فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم فإن كتب الأنبياء التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه وأشياء على هذا الوجه فاختلف الناس في هذه الإضافة فقالت المعطلة نفاة الصفات من أهل الملل إن الجميع إضافة ملك وليس لله حياة قائمة به ولا علم قائم به ولا قدرة قائمة به ولا كلام قائم به ولا حب ولا بغض ولا غضب ولا رضى بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته وهذا أول ما ابتدعته في الإسلام الجهمية وإنما إبتدعوه بعد إنقراض عصر الصحابة وأكابر التابعين لهم بإحسان وكان مقدمهم رجل يقال له الجهم بن صفوان

162

فنسبت الجهمية إليه ونفوا الأسماء والصفات واتبعهم المعتزلة وغيرهم فنفوا الصفات دون الأسماء ووافقهم طائفة من الفلاسفة أتباع أرسطو وقالت الحلولية بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له وإن كان بائنا عنه بل قالوا هو قديم أزلي فقالوا روح الله قديمة أزلية صفة لله حتى قال كثير منهم إن أرواح بني آدم قديمة أزلية وصفة لله وقالوا إن ما يسمعه الناس من أصوات القراء ومداد المصاحف قديم أزلي وهو صفة لله وقال حذاق هؤلاء بل غضبه ورضاه وحبه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزلي وهو صفة الله وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزلي وأنه لم يزل راضيا محبا لمن علم أنه يطيعه قبل أن يخلق ولم يزل غضبانا ساخطا على من علم أنه يكفر قبل أن يخلق ولم يزل

163

ولا يزال قائلا يا آدم يا نوح يا ابراهيم قبل أن يوجدوا وبعد موتهم ولم يزل ولا يزال يقول يا معشر الجن والإنس قبل أن يخلقوا وبعد ما يدخلون الجنة والنار وأما سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم كالأربعة وغيرهم وأهل العلم بالكتاب والسنة فيفرقون بين مملوكاته وبين صفاته فيعلمون أن العباد مخلوقون وصفات العباد مخلوقة وأجسادهم وأرواحهم وكلامهم وأصواتهم بالكتب الإلهية وغيرها ومدادهم وأوراقهم والملائكة والأنبياء وغيرها ويعلمون أن صفات الله القائمة به ليست مخلوقة كعلمه وقدرته وكلامه وإرادته وحياته وسمعه وبصره ورضاه وغضبه وحبه وبغضه بل هو موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يتأولون كلام الله بغير ما أراده ولا يمثلون صفات الخالق بصفات المخلوق بل يعلمون أن الله

164

سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل هو موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص وليس له مثل في شيء من صفاته ويقولون إنه لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال لم يزل متكلما إذا شاء بمشيئته وقدرته ولم يزل عالما ولم يزل قادرا ولم يزل حيا سميعا بصيرا ولم يزل مريدا فكل كمال لا نقص فيه يمكن اتصافه به فهو موصوف به لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال والإكرام سبحانه وتعالى والنصارى من أعظم الناس اضطرابا في هذا الأصل فتارة يجعلون كلامه الذي تكلم به كالتوراة والإنجيل مخلوقا منفصلا عنه وينفون عنه الصفات وتارة يجعلون كلمته قديمة أزلية متولدة عنه لم تزل ولا تزال ثم يقولون هذه الكلمة هي ابنه ويجعلون هذه الكلمة علمه أو حكمته ويقولون إن هذه الكلمة هي إله خالق وهو الذي خلق السموات والأرض وأن هذه الكلمة هي المسيح والمسيح إله خالق العالم ويقولون مع هذا أن هذه الكلمة ليست هي الآب الذي خلق السموات والأرض فيجعلون كلمته صفة قديمة أزلية ويجعلونها ابنا له ويجعلون الصفة إلها خالقا ويجعلون المسيح هو الإله الخالق ويقولون مع هذا هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه ولهم في كلام الله وصفاته من التناقض والاضطراب ومخالفة كلام الأنبياء وتفسيره بغير ما أرادوه ومخالفة صريح المعقول

165

وصحيح المنقول ما سنذكر إن شاء الله منه ما ييسره الله سبحانه وتعالى إذ بيان فساد أقوال النصارى بالاستقصاء لا يتسع له هذا الكتاب ولما قص تعالى قصة المسيح قال ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون أي يشكون ويتمارون كتماري اليهود والنصارى ثم قال تعالى فاختلف الأحزاب من بينهم فاختلف اليهود والنصارى فيه ثم اختلفت النصارى فيه وصاروا أحزابا كثيرة جدا كالنسطوري واليعقوبية والملكية والباروبية والمريمانية والسمياطية وأمثال هذه الطوائف كما سنذكر إن شاء الله كثيرا من طوائفهم واختلافهم في مجامعهم كما حكى ذلك عنهم أحد أكابرهم سعيد بن البطريق وغيره فإنه ليس في الأمم أكثر اختلافا في رب العالمين منهم فويل للذين كفروا من هذه الطوائف كلها من مشهد يوم عظيم

166

أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا يقول تعالى ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم كالنصارى الذين ظلموا بإفكهم وشركهم في ضلال مبين ضلوا عن الحق في المسيح وقد وصف الله النصارى بالضلال في مثل قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وقال تعالى وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا لأن الغالب عليهم الجهل بالدين وأنهم يتكلمون بكلام لا يعقلون معناه ليس منقولا عن الأنبياء حتى يسلم لقائله بل هم ابتدعوه وإذا سألتهم عن معناه قالوا هذا لا يعرف بالعقول فيبتدعون كلاما يعرفون بأنهم لا يعقلونه وهو كلام متناقض ينقض أوله آخره ولهذا لا تجدهم يتفقون على قول واحد في معبودهم حتى قال بعض الناس لو اجتمع عشرة نصارى افترقوا على أحد عشر قولا وقال الربعي النصارى أشد الناس اختلافا في مذاهبهم

167

وأقلهم تحصيلا لها لا يمكن أن يعرف لهم مذهب ولو سألت قسا من أقسائهم عن مذهبهم في المسيح وسألت أباه وأمه لاختلفوا عليك الثلاثة ولقال كل واحد منهم قولا لا يشبه قول الآخر وقال بعض النظار وما من قول يقوله طائفة من العقلاء إلا إذا تأملته تصورت منه معنى معقولا وإن كان باطلا إلا قول النصارى فإنك كلما تأملته لم تتصور له حقيقة تعقل لكن غايتهم أن يحفظوا الأمانة أو غيرها وإذا طولبوا بتفسير ذلك فسره كل منهم بتفسير يكفر به الآخر كما يكفر اليعقوبية والملكانية والنسطورية بعضهم بعضا لاختلافهم في أصل التوحيد والرسالة إذ كان قولهم في التوحيد والرسالة من أفسد الأقوال وأعظمها تناقضا كما بين في موضع آخر

168


فصل

وأما قولهم فكان طيرا بإذن الله أي بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت فهذا إذا قالوه على أنه مذهبهم من غير أن يقولوا أن محمدا أراده تكلمنا معهم في ذلك وبينا فساد ذلك عقلا ونقلا وأما قولهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقول أن المراد إذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت فهذا من البهتان الظاهر على محمد صلى الله عليه وسلم وهو من جنس قولهم أن قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أراد به النصارى ومن جنس قولهم أن قوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا أراد به العرب ومن جنس قولهم لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أراد بهم الحواريين ومن جنس قولهم

169

الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين اراد به الإنجيل فهذه المواضع التي فسروا بها القرآن وزعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس ما أنزل إليهم كان يريد بما يتلوه من القرآن هذه المعاني التي ذكروها هي من الكذب الظاهر الذي يدل على غاية جهل قائلها أو غاية معاندته ولكن مثل هذا التأويل غير مستنكر من النصارى فإنهم قد فسروا مواضع كثيرة من التوراة والإنجيل والزبور والنبوات بنحو هذه التفاسير التي حرفوا فيها الكلام الذي جاءت به الأنبياء عن مواضعه تحريفا ظاهرا فبدلوا بذلك كتب الله ودين الله وضاهوا بذلك اليهود الذين حرفوا وبدلوا وإن اختلفت جهة التحريف والتبديل فتحريفهم للقرآن من جنس تحريفهم للتوراة والإنجيل وهم من الذين يدعون المحكم ويتبعون ما نشأ به منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله لكن في هذه المواضع حرفوا المحكم الذي معناه ظاهر لا يحتمل إلا معنى واحد فكانوا من الجهل والمعاندة أبعد عن الصواب ممن حرف معنى المتشابه وذلك أنه قد علم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أن المسيح عبد الله مخلوق كسائر المرسلين وأنه يكفر النصارى الذين يقولون هو الله أو ابن الله قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير

170

وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل فقد ذكر كفر النصارى في قولهم هو الله مرتين وذكر أنه ليس المسيح إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فغايته الرسالة كما قال في محمد صلى الله عليه وسلم وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل

171

وغاية أمه أن تكون صديقة ودل بهذا أنها ليست بنبية ثم قال كانا يأكلان الطعام وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية لحاجة الأكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات والرب تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

172

والنصارى يقولون إنه يلد وأنه يولد وأن له كفوا كما قد بين في موضع آخر وقد أخبر بعبودية المسيح في غير موضع كقوله تعالى ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل وأخبر تعالى أن أول شيء نطق به المسيح قوله إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وقال تعالى وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق الآيات إلى قوله شهيد وقال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم الآيات كلها فإذا كان قد علم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم وبالنقل المتواتر عنه وبإجماع أمته إجماعا يستندون فيه

173

إلى النقل عنه وبكتابه المنزل عليه وسنته المعروفة عنه أنه كان يقول أن المسيح عبد الله ورسوله ليس هو إلا رسول وأنه يكفر النصارى الذين يقولون هو الله وهو ابن الله والذين يقولون ثالث ثلاثة وأمثال ذلك كان بعد هذا تفسيرهم لقول الله الذي بلغه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيكون طيرا بإذن الله أي بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة بالناسوت كذبا ظاهرا على محمد صلى الله عليه وسلم وهذا مما يعرف كذبهم فيه على محمد صلى الله عليه وسلم جميع أهل الأرض العالم بحال محمد صلى الله عليه وسلم سواء أقروا بنبوته أو أنكروها فالمقصود في هذا المقام أن هؤلاء كذبوا على محمد صلى الله عليه وسلم كذبا ظاهرا معلوما للخلق المؤمنين به والمكذبين له ليس هو كذبا خفيا وإن قدر أن ما قالوه يكون معقولا فكيف إذا كان ممتنعا في صرائح العقول بل هو قول غير معقول أي غير معقول ثبوته في الخارج وإن كان يعقل ما يختلفون ويعلم به فساد عقولهم لمن قال سائر الأقوال المتناقضة الفاسدة التي يمتنع ثبوتها في الخارج وذلك كما قد بسط في موضع آخر فإن قولهم بإذن اللاهوت الذي هو

174

كلمة الله المتحدة في الناسوت باطل من وجوه منها أن تلك الكلمة إما أن تكون هي الله أو صفة لذاته أو لا هي ذاته ولا صفة له أو الذات والصفة جميعا فإن لم تكن هي ذات الله ولا صفته ولا الذات والصفة كانت بائنة عنه مخلوقة له ولم يكن لاهوتا بل ولا خالقه وحينئذ فلم يتحد بالمسيح لاهوت بل إن لم يتحد به إنه كان اتحد به إلا مخلوق وإن كانت الكلمة هي الذات أو الذات والصفة فهي رب العالمين وهي الآب عندهم وهم متفقون على أن المسيح ليس هو الآب ولم يتحد به الآب بل الابن وإن كانت الكلمة صفة لله عز وجل فصفة الله ليست هي الإله الخالق والمسيح عندهم هو الإله الخالق وأيضا فصفة الله قائمة بذاته لا تفارق ذاته وتحل بغيره وتتحد به وكلمة الله عندهم اتحدت بالمسيح وإن قالوا قولنا هذا كما تقول طائفة من المسلمين إن القرآن أو التوراة أو الإنجيل حل في القراء أو اتحد بهم وأن القديم حل في المخلوق أو اتحد به ونحو ذلك قيل لو كان قول هؤلاء صوابا لم يكن لهم فيه حجة فإنه على هذا التقدير لا فرق بين المسيح وبين سائر من يقرأ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وأنتم تدعون أن المسيح هو الله أو ابن الله مخصوصا بذلك دون غيره وأيضا فهؤلاء وجميع الأمم متفقون على أن قراء

175

القرآن وسائر الكتب الإلهية ليس واحد منهم هو الله ولا هو ابن الله ولا أنه خالق للعالم فإذا جعلتم قولكم مثل قول هؤلاء لزمكم أن لا يكون المسيح هو الله ولا ابن الله ولا ربا للعالم وأيضا فلم نعلم أحدا من هؤلاء قال أن اللاهوت اتحد بالناسوت ولا أن القديم اتحد بالمحدث ولا أن كلام الله صار هو والمخلوق شيئا واحدا فالاتحاد باطل باتفاق هؤلاء وغيرهم ولكن طائفة منهم أطلقت لفظ الحلول وطائفة أنكرت لفظ الحلول وقالوا إنما نقول ظهر القديم في المحدث لا حل فيه لكن قالوا ما يستلزم الحلول وسلف المسلمين وجمهورهم يخطئون هؤلاء ويبينون خطأهم عقلا ونقلا وقولهم ليس هو قول أحد من أئمة المسلمين ولا قول طائفة مشهورة من طوائف المسلمين كالمالكية والشافعية

176

والحنفية والحنبلية والثورية والداودية والإسحاقية

177

وغيرهم ولا قول طائفة من طوائف المتكلمين من المسلمين لا المنتسبين إلى السنة كالأشعرية والكرامية ولا غيرهم كالمعتزلة والشيعة وأمثالهم وإنما قال ذلك طائفة قليلة انتسبت إلى بعض علماء المسلمين مثل قليل من المالكية والشافعية والحنبلية وهؤلاء غايتهم أن يقولوا بحلول صفة من صفات الله وكذلك من قال بحلول الرب واتحاده في العبد من طوائف الغلاة المنتسبين إلى التشيع والتصوف أو غيرهم فهم ضلال كالنصارى مع أنه لا حجة للنصارى على هؤلاء إذ كان ما يقولونه لا يختص به المسيح بل هو مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء والصالحين والنصارى تدعي اختصاص المسيح بالاتحاد مع أن المتحد بالناسوت صار هو والناسوت شيئا واحدا ومع الاتحاد فيمتنع أن يكون لأحدهما فعل أو صفة خارج عن الآخر والنصارى يدعون الاتحاد ثم يتناقضون فمنهم من يقول جوهر واحد ومنهم من يقول جوهران ومنهم من يقول مشيئة واحدة ومنهم من يقول مشيئتان كما سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على ذلك

178


فصل

وأما قوله تعالى يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة فهذا حق كما أخبر الله به فمن اتبع المسيح عليه السلام جعله الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكان الذين اتبعوه على دينه الذي لم يبدل قد جعلهم الله فوق اليهود وأيضا فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة وأما المسلمون فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به بل لما بدل النصارى دينه وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين الله الذي بعث به المسيح وغيره من الأنبياء جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم القيامة كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وإن اولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي وقال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه

179

وقال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسله كان أحق بنصر الله تعالى فإن الله يقول في كتابه إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقال في كتابه ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون واليهود كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليه وسلم كما قال الله فيهم بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب فالغضب الأول بتكذيبهم المسيح والثاني بتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم والنصارى لم يكذبوا المسيح فكانوا منصورين على اليهود والمسلمون منصورون على اليهود

180

والنصارى فإنهم آمنوا بجميع كتب الله ورسله ولم يكذبوا بشيء من كتبه ولا كذبوا أحدا من رسله بل اتبعوا ما قال الله لهم حيث قال قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ولما كان المسلمون هم المتبعون لرسل الله كلهم المسيح وغيره وكان الله قد وعد أن ينصر الرسل وأتباعهم قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة وقال أيضا سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها الحديث فكان ما احتجوا به حجة عليهم لا لهم

181


فصل

وأما قوله تعالى وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس فهو حق كما أخبر الله به وقد ذكر تعالى تأييد عيسى بن مريم بروح القدس في عدة مواضع فقال تعالى في سورة البقرة ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس وقال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال تعالى يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني

182

وقال تعالى في القرآن وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق وقال تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين وقال تعالى قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله هو الروح الأمين وهو جبريل وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت أجب عني اللهم أيده بروح القدس

183

وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت اهجهم أو هاجهم وجبريل معك

184

فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين لما نافح عن الله ورسوله وهجا المشركين الذين يكذبون الرسول أيده الله بروح القدس وهو جبريل عليه السلام وأهل الأرض يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل اللاهوت متحدا بناسوت حسان بن ثابت فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح وأهل الكتاب يقرون بذلك وأن غيره من الأنبياء كان مؤيدا بروح القدس كداود وغيره بل يقولون إن الحواريين كانت فيهم روح القدس وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح بل في غير الأنبياء كما سيأتي إن شاء الله وإنما المقصود في هذا المقام بيان كذبهم على محمد صلى الله عليه وسلم وهذا التأييد نظير قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه فهذا التأييد بروح منه عام لكل من لم يحب أعداء الرسل وإن كانوا أقاربه بل يحب من يؤمن بالرسل وإن كانوا أجانب ويبغض من لم يؤمن بالرسل وإن كانوا أقارب وهذه ملة إبراهيم

185

وقال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وقال تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون وقال فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه وهذا التأييد بروح القدس لمن ينصر الرسل عام في كل من نصرهم على من خالفهم من المشركين وأهل الكتاب كما تقدم وليس في القرآن ولا في الإنجيل ولا غير ذلك من كتب الأنبياء أن روح القدس الذي أيد به المسيح هو صفة الله القائمة به وهي حياته ولا أن روح القدس رب يخلق ويرزق فليس روح القدس هي الله ولا صفة من صفات الله بل ليس في شيء من كلام الأنبياء أن صفة الله القائمة به تسمى ابنا ولا روح القدس فإذا تأول النصارى قول المسيح عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس على أن الابن صفته التي هي العلم وروح

186

القدس صفته التي هي الحياة كان هذا كذبا بينا على المسيح فلا يوجد قط في كلامه ولا كلام غيره من الأنبياء تسمية الله ولا شيئا من صفاته ابنا ولا حياته روح القدس وأيضا فهم يذكرون في الأمانة أن المسيح تجسد من مريم ومن روح القدس وهذا يوافق ما أخبر الله به من أنه أرسل روحه الذي هو جبريل وهو روح القدس فنفخ في مريم فحملت بالمسيح فكان المسيح متجسدا مخلوقا من أمه ومن ذلك الروح وهذا الروح ليس صفة لله لا حياته ولا غيرها بل روح القدس قد جاء ذكرها كثيرا في كلام الأنبياء ويراد بها إما الملك وإما ما يجعله الله في قلوب أنبيائه وأوليائه من الهدى والتأييد ونحو ذلك كما قال تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وقال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا

187

وقال تعالى ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون وقال تعالى ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق فسمى الملك روحا وسمى ما ينزل به الملك روحا وهما متلازمان والمسيح عليه السلام مؤيد بهذا وهذا ولهذا قال كثير من المفسرين إنه جبريل وقال بعضهم إنه الوحي وهذا كلفظ الناموس يراد به صاحب سر الخير كما يراد بالجاسوس صاحب سر الشر فيكون الناموس جبريل ويراد به الكتاب الذي نزل به وما فيه من الأمر والنهي والشرع ولما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى فسر الناموس بهذا وهذا وهما متلازمان

188


فصل

وأما قوله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون فهو حق كما قال تعالى وليس في ذلك مدح للرهبانية ولا لمن بدل دين المسيح وإنما فيه مدح لمن اتبعه بما جعل الله في قلوبهم من الرحمة والرأفة حيث يقول وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ثم قال ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم أي وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم وهذه الرهبانية لم يشرعها الله ولم يجعلها مشروعة لهم بل نفى جعله عنها كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام

189

وهذا الجعل المنفي عن البدع هو الجعل الذي أثبته للمشروع بقوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقوله لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فالرهبانية ابتدعوها لم يشرعها الله وللناس في قوله ورهبانية قولان أحدهما أنها منصوبة يعني ابتدعوها إما بفعل مضمر يفسره ما بعده أو يقال هذا الفعل عمل في المضمر والمظهر كما هو

190

قول الكوفيين حكاه عنهم ابن جرير وثعلب وغيرهما ونظيره قوله يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما وقوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة وعلى هذا القول فلا تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة والقول الثاني إنها معطوفة عليها فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية المبتدعة ويكون هذا جعلا

191

خلقيا كونيا والجعل الكوني يتناول الخير والشر كقوله تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية بجعلها في القلوب فثبت على التقديرين أنه ليس في القرآن مدح للرهبانية ثم قال إلا ابتغاء رضوان الله أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به لا بما يبتدع وهذا يسمى استثناء منقطعا

192

كما في قوله اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا وقوله تعالى لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وقوله تعالى فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون وقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وقوله وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ وهذا أصح الأقوال في هذه الآية كما هو مبسوط في موضع آخر

193

ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله فإن الله لا يفعل شيئا ابتغاء رضوان نفسه ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين كما قد بسط في موضع آخر وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما رعوها حق رعايتها وليس في ذلك مدح لهم بل هو ذم ثم قال تعالى فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكثير منهم فاسقون ولو أريد الذين آمنوا بالميسح أيضا فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل وإلا فكلهم يقولون إنهم مؤمنون بالمسيح وبكل حال فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل ومن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يمدح النصارى الذين بدلوا دين المسيح ولا الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن قيل قد قال بعض الناس إن قوله تعالى ورهبانية ابتدعوها عطف على رأفة ورحمة وإن المعنى أن الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية أيضا ابتدعوها وجعلوا الجعل شرعيا

194

ممدوحا قيل هذا غلظ لوجوه منها أن الرهبانية لم تكن في كل من اتبعه بل الذين صحبوه كالحواريين لم يكن فيهم راهب وإنما ابتدعت الرهبانية بعد ذلك بخلاف الرأفة والرحمة فإنها جعلت في قلب كل من اتبعه ومنها أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية بخلاف الرأفة والرحمة فإنهم لم يبتدعوها وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم فإن كان المراد هوالجعل الشرعي الديني لا الجعل الكوني القدري فلم تدخل الرهبانية في ذلك وإن كان المراد الجعل الخلقي الكوني فلا مدح للرهبانية في ذلك ومنها أن الرأفة والرحمة جعلها في القلوب والرهبانية لا تختص بالقلوب بل الرهبانية ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك وقد كان طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم هموا بالرهبانية فأنزل الله تعالى نهيهم عن ذلك بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وثبت في الصحيحين أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال آخر أما أنا

195

فأقوم لا أنام وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال آخر أما أنا فلا آكل اللحم فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما هذا قالوا هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه

196

وثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وفي السنن عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه

197

وسلم قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة قال الترمذي حديث حسن صحيح وقد بينت النصوص الصحيحة أن الرهبانية بدعة وضلالة وما كان بدعة وضلالة لم يكن هدى ولم يكن الله جعلها بمعنى أنه شرعها كما لم يجعل الله ما شرعه المشركون من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام

198

فإن قيل قد قال طائفة معناها ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وقالت طائفة ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله قيل كلا القولين خطأ والأول أظهر خطأ فإن الرهبانية لم يكتبها الله عليهم بل لم يشرعها لا إيجابا ولا استحبابا ولكن ذهبت طائفة إلى أنهم لما ابتدعوها كتب عليهم إتمامها وليس في الآية ما يدل على ذلك فإنه قال ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرهبانية ولا إتمامها ولا رعايتها بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة وأن تلك البدعة لم يرعوها حق رعايتها فإن قيل قوله تعالى فما رعوها حق رعايتها يدل على أنهم لو رعوها حق رعايتها لكانوا ممدوحين قيل ليس في الكلام ما يدل على ذلك بل يدل على أنهم مع عدم الرعاية يستحقون من الذم ما لا يستحقونه بدون ذلك فيكون ذم من ابتدع البدعة ولم يرعها حق رعايتها أعظم من ذم من رعاها وإن لم يكن واحد منهما محمودا بل مذموما مثل نصارى بني تغلب

199

ونحوهم ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم فكان كفرهم وذمهم أغلظ ممن هو أقل شرا منهم والنار دركات كما أن الجنة درجات وأيضا فالله تعالى إذا كتب شيئا على عباده لم يكتب ابتغاء رضوانه بل العباد يفعلون ما يفعلون ابتغاء رضوان الله وأيضا فتخصيص الرهبانية بأنه كتبها ابتغاء رضوان الله دون غيرها تخصيص بغير موجب فإن ما كتبه ابتداء لم يذكر أنه كتبه ابتغاء رضوانه فكيف بالرهبانية وأما قول من قال ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله فهذا المعنى لو دل عليه الكلام لم يكن في ذلك مدح للرهبانية فإن من فعل ما لم يأمر الله به بل نهاه عنه مع حسن مقصده غايته أن يثاب على قصده لا يثاب على ما نهى عنه ولا على ما ليس بواجب ولا مستحب فكيف والكلام لا يدل عليه فإن الله قال ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ولم يقل ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله ولا قال ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله ولو كان المراد ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا

200

ابتغاء رضوان الله لكان منصوبا على المفعولية ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل فيه ولا نفي الابتداع بل أثبته لهم وإنما تقدم لفظ الكتابة فعلم أن القول الذي ذكرناه هو الصواب وأنه استثناء منقطع فتقديره وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله فإن إرضاء الله واجب مكتوب على الخلق وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور لا بفعل ما لم يأمر بفعله وبترك ما لم ينه عن تركه والرهبانية فيها فعل ما لم يؤمر به وترك ما لم ينه عنه

201


فصل

وأما قوله تعالى من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين فهذه الآية لا اختصاص فيها للنصارى بل هي مذكورة بعد قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ثم قال ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة

202

ومعلوم أن الصفة المذكورة في قوله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق صفة اليهود وكذلك قوله وضربت عليهم المسكنة فقوله عقب ذلك من أهل الكتاب أمة قائمة لابد أن يكون متناولا لليهود ثم قد اتفق المسلمون والنصارى على أن اليهود مع كفرهم بالمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس فيهم مؤمن وهذا معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم والآية إذا تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود والله تعالى إنما أثنى على من آمن من أهل الكتاب كما قال تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم تمكنه الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا العمل

203

بشرائع الإسلام لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام وقد قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا فإنه لم يكن هناك من يظهر الصلاة عليه في جماعة كثيرة ظاهرة كما يصلي المسلمون على جنائزهم ولهذا جعل من أهل الكتاب مع كونه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة من يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في بلاد الحرب ولا يتمكن من الهجرة إلى دار الإسلام ولا يمكنه العمل بشرائع الإسلام الظاهرة بل يعمل ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه كما قال تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فقد يكون الرجل في الظاهر من الكفار وهو في الباطن مؤمن كما كان مؤمن آل فرعون قال تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما

204

أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال فرعون يا همان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وأني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فوعون إلا في تباب وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد

205

فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب فقد أخبر سبحانه أنه حاق بآل فرعون سوء العذاب وأخبر أنه كان من آل فرعون رجل مؤمن يكتم إيمانه وأنه خاطبهم بالخطاب الذي ذكره فهو من آل فرعون باعتبار النسب والجنس والظاهر وليس هو من آل فرعون الذين يدخلون أشد العذاب وكذلك أمرأة فرعون ليست من آل فرعون هؤلاء قال الله تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين وامرأة الرجل من آله بدليل قوله إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين وهكذا أهل الكتاب فيهم من هو في الظاهر منهم وهو في الباطن يؤمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يعمل بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه علما وعملا و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهو عاجز عن الهجرة إلى دار الإسلام كعجز النجاشي

206

وكما أن الذين يظهرون الإسلام فيهم من هم في الظاهر مسلمون وفيهم من هو منافق كافر في الباطن إما يهودي وإما نصراني وإما مشرك وإما معطل كذلك في أهل الكتاب والمشركين من هو في الظاهر منهم ومن هو في الباطن من أهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يفعل ما يقدر على علمه وعمله ويسقط ما يعجز عنه في ذلك وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال لما مات النجاشي قال النبي صلى الله عليه وسلم استغفروا لأخيكم فقال بعض القوم تأمرنا أن نستغفر لهذا العلج يموت بأرض الحبشة فنزلت وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم

207

ذكره ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم وذكره حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استغفروا لأخيكم النجاشي فذكر مثله وكذلك ذكر طائفة من المفسرين عن جابر بن عبد الله وابن عباس وأنس وقتادة أنهم قالوا نزلت هذه الآية في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال

208

رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم قالوا من هو قال النجاشي فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع وزاد بعضهم وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له وقال لأصحابه استغفروا له فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنها نزلت فيمن كان على دين المسيح عليه السلام إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فأمن به كما نقل ذلك عن عطاء وذهبت طائفة إلى أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم

209

والقول الأول أجود فإن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأظهر الإيمان به وهو من أهل دار الإسلام يعمل ما يعمله المسلمون ظاهرا وباطنا فهذا من المؤمنين وإن كان قبل ذلك مشركا بعبد الأوثان فكيف إذا كان كتابيا وهذا مثل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهما وهؤلاء لا يقال إنهم من أهل الكتاب كما لا يقال في المهاجرين والأنصار إنهم من المشركين وعباد الأوثان ولا يمكن أحد من المنافقين ولا من غيرهم من أن يصلي على واحد منهم بخلاف من هو في الظاهر منهم وفي الباطن من المؤمنين وفي بلاد النصارى من هذا النوع خلق كثير يكتمون إيمانهم إما مطلقا وإما يكتمونه عن العامة ويظهرونه لخاصتهم وهؤلاء قد

210

يتناولهم قوله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله الآية فهؤلاء لا يدعون الإيمان بكتاب الله ورسوله لأجل مال يأخذونه كما يفعل كثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله فيمنعونهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين فهذه الآية تتناول اليهود أقوى مما تتناول النصارى ونظيرها قوله تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وهذا مدح مطلق لمن تمسك بالتوراة ليس في ذلك مدح لمن كذب المسيح ولا فيها مدح لمن كذب محمدا صلى الله عليه وسلم وهذا الكلام يفسره سياق الكلام فإنه قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله

211

ثم قال تعالى ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون فقد جعلهم نوعين نوعا مؤمنين ونوعا فاسقين وهم أكثرهم وقوله تعالى منهم المؤمنون يتناول من كان منهم مؤمنا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كما يتناولهم قوله تعالى وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة إلى قوله وكثير منهم فاسقون وكذلك قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون وقوله عن إبراهيم الخليل وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ثم لما قال وأكثرهم الفاسقون قال لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون

212

وضرب الذلة عليهم أينما ثقفوا ومباؤهم بغضب الله وما ذكر معه من قتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم واعتداؤهم كان اليهود متصفين به قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في سورة البقرة وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ثم قال بعد ذلك إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فتناولت هذه الآية من كان من أهل هذه الملل الأربع متمسكا بها قبل النسخ بغير تبديل كذلك آية آل عمران لما وصف أهل

213

الكتاب بما كانوا متصفا به أكثرهم قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الكفر قال ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وهذا يتناول من كان متصفا منهم بهذا قبل النسخ فإنهم كانوا على الدين الحق الذي لم يبدل ولم ينسخ كما قال في الأعراف ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وقوله وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين وقد قال تعالى وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون فهذا خبر من الله عمن كان متصفا بهذا الوصف قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ومن أدرك من هؤلاء محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به كان له أجره مرتين

214


فصل

قالوا ثم وجدناه يعظم إنجيلنا ويقدم صوامعنا ويشرف مساجدنا ويشهد بأن اسم الله يذكر فيها كثيرا وذلك مثل قوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا والجواب أن فيها ذكر الصوامع والبيع وأما قوله يذكر فيها اسم الله كثيرا فإنما ذكره عقب ذكره المساجد والمساجد للمسلمين وليس المراد بها كنائس النصارى فإنها هي البيع ثم قوله تعالى يذكر فيها اسم الله كثيرا إما أن يكون مختصا بالمساجد فلا يكون في ذلك إخبار بأن اسم الله يذكر كثيرا في البيع والصوامع وإما أن يكون ذكر اسم الله في الجميع فلا ريب أن الصوامع والبيع قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان فيها من يتبع دين المسيح الذي لم يبدل ويذكر فيها اسم الله كثيرا وقد قيل إنها بعد النسخ والتبديل

215

يذكر فيها اسم الله كثيرا وإن الله يحب أن يذكر اسمه قال الضحاك إن الله يحب أن يذكر اسمه وإن كان يشرك به يعني أن المشرك به خير من المعطل الجاحد الذي لا يذكر اسم الله بحال وأهل الكتاب خير من المشركين وقد ذكرنا أنه لما اقتتل فارس والروم وانتصرت الفرس ساء ذلك اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهوا انتصار الفرس على النصارى لأن النصارى أقرب إلى دين الله من المجوس والرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان ودفع شر الشرين بخيرهما فهدم صوامع النصارى وبيعهم فساد إذا هدمها المجوس والمشركون وأما إذا هدمها المسلمون وجعلوا

216

أماكنها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا فهذا خير وصلاح وهذه الآية ذكرت في سياق الإذن للمسلمين بالجهاد بقوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير وهذه الآية أول آية نزلت في الجهاد ولهذا قال الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ثم قال ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض فيدفع بالمؤمنين الكفار ويدفع شر الطائفتين بخيرهما كما دفع المجوس بالروم النصارى ثم دفع النصارى بالمؤمنين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين وأما التقديم في اللفظ فإنه يكون للانتقال من الأدنى إلى الأعلى كقوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون

217

وقوله يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وقوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا ونظائره متعددة وكذلك في قوله تعالى لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا فبين سبحانه أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت مواضع العبادات وهدمها فساد إذا هدمها من لا يبدلها بخير منها وأدناها هي الصوامع فإن الصومعة تكون لواحد أو لطائفة قليلة فبدأ بأدنى المعابد وختم بأشرفها وهي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ففي الجملة حكم هذه المعابد حكم أهلها وأهلها قبل النسخ والتبديل مؤمنون مسلمون وهدم معابد المؤمنين المسلمين فساد وبعد النسخ والتبديل إذا غلب أهل الكتاب من هو شر منهم كالمجوس والمشركين وهدموا معابدهم كان ذلك فسادا وإذا هدمها من هو خير منهم كأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأبدلوها مساجد يذكر فيها

218

اسم الله كثيرا ولا يشرك به ويذكر فيها الإيمان بجميع كتبه ورسله كان ذلك صلاحا لا فسادا ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ المساجد مواضع معابد الكفار كما كان لثقيف أهل الطائف معبد يعبدون فيه اللات التي قال الله فيها أفرأيتم اللات والعزى فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدم ذلك المعبد ويتخذ مكانه المسجد الذي يعبد الله وحده فيه فإن المساجد هي

219

بيوت الله في الأرض قال تعالى قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون وقال تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وقال تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم الآية إلى قوله المهتدين وقال تعالى الله نور السماوات والأرض مثل نوره الآية إلى قوله بغير حساب ثم لما ذكر المؤمنين ذكر الكفار من أهل الكتاب والمشركين فذكر أهل الجهل المركب والبسيط فقال تعالى والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

220

فقد تبين أنه ليس لهم حجة في شيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بل ما جاء به حجة عليهم من وجوه متعددة

221


فصل

قالوا وهذا وغيره أوجب لنا التمسك بديننا وأن لا نهمل ما معنا ولا نرفض مذهبنا ولا نتبع غير السيد المسيح كلمة الله وروحه وحوارييه الذين أرسلهم إلينا والجواب إنهم احتجوا بحجتين باطلتين إحداهما أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرسل إليهم بل إلى العرب وقد تبين أن الاحتجاج بها من أعظم الكذب والافتراء على محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل قط إني لم أرسل إلى أهل الكتاب ولا قال قط إني لم أرسل إلا إلى العرب بل نصوصه المتواترة عنه وأفعاله تبين أنه مرسل إلى جميع أهل الأرض أميهم وكتابيهم والحجة الثانية قولهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على دين النصارى بعد التبديل والنسخ وهي أيضا أعظم كذبا عليه من التي قبلها كيف يثني عليهم وهو يكفرهم في غير موضع من كتابه ويأمر بجهادهم وقتالهم ويذم المتخلفين عن جهادهم غاية الذم ويصف من لم ير طاعته في قتالهم بالنفاق والكفر ويذكر أنه

222

يدخل جهنم وهذا كله يخبر به عن الله ويذكره تبليغا لرسالة ربه وإنما يضاف إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه أنشأه وابتدأه كما قال تعالى إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم وأما ثناء الله ورسوله على المسيح وأمه وعلى من اتبعه وكان على دينه الذي لم يبدل فهذا حق وهو لا ينافي وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم على من بعث إليه فلو قدر أن شريعة المسيح لم تبدل وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على كل من اتبعها وقال مع ذلك إن الله أرسلني إليكم لم يكن ذلك متناقضا وإذا كفر من لم يؤمن به لم يناقض ذلك ثناؤه عليهم قبل أن يكذبوه

223

فكيف وهو إنما مدح من اتبع دينا لم يبدل وأما الذين بدلوا دين المسيح فلم يمدحهم بل ذمهم كما قال ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون وقد قدمنا أن النصارى كفروا كما كفرت اليهود كفروا بتبديلهم ما في الكتاب الأول وكفروا بتكذيبهم بالكتاب الثاني وأما من لم يبدل الكتاب أو أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به فهؤلاء مؤمنون ومما يبين ذلك أن تعظيم المسيح للتوراة واتباعه لها وعمله بشرائعها أعظم من تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم للإنجيل ومع هذا فلم يكن ذلك مسقطا عن اليهود وجوب اتباعهم للمسيح فكيف يكون تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم للإنجيل مسقطا عن النصارى وجوب اتباعه

224


فصل

وأما قولهم وحوارييه الذين أرسلهم إلينا أنذرونا بلغتنا وسلموا لنا ديننا الذين قد عظموا في هذا الكتاب بقوله في سورة الحديد لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وقال في سورة البقرة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه فأعني بقوله أنبياءه المبشرين ورسله ينحو بذلك الحواريين الذين داروا في سبعة أقاليم العالم وبشروا بالكتاب الواحد الذي هو الإنجيل الطاهر لأنه لو عني عن إبراهيم وداود وموسى ومحمد لكان قال معهم الكتب لأن كل واحد منهم جاء بكتاب دون

225

غيره ولم يقل إلا الكتاب الواحد لأنه ما أتى جماعة مبشرين بكتاب واحد غير الحواريين الذين أتوا بالإنجيل الطاهر وجاء أيضا في الكتاب وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين يعني الحواريين لم يقل رسول إنما قال المرسلين والجواب من وجوه أحدها أنه ليس فيما ذكر ولا في غيره ما يوجب تكذيب الرسول الذي أرسل إليكم وإلى غيركم وتمسككم بدين مبدل منسوخ كما أنه ليس فيما يعظم به موسى والتوراة ومن اتبع موسى ما يوجب لليهود تكذيب الرسول الذي أرسل إليهم وتمسكهم بدين مبدل منسوخ الثاني أن قولهم ولا نتبع غير المسيح وحوارييه قول باطل فإنهم ليسوا متبعين لا للمسيح ولا لحوارييه لوجهين أحدهما أن دينهم مبدل ليس كله عن المسيح والحواريين بل أكثر شرائعهم أو كثير منها ليست عن المسيح والحواريين الثاني أن المسيح بشر بأحمد كما قال تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد

226

فإذا لم يتبعوا أحمد كانوا مكذبين للمسيح وعندهم من البشارات عن المسيح وغيره من الأنبياء بأحمد ما هو مبسوط في موضع آخر كما سيأتي إن شاء الله وإنما المقصود هنا منع احتجاجهم بشيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وبيان أنه حجة عليهم لا لهم إذ زعموا أن في بعضه حجة لهم الثالث أن قولهم عن الحواريين أنهم الرسل الذين عظموا في هذا الكتاب قول باطل فسروا به القرآن تفسيرا باطلا من جنس تفسيرهم الذين أنعمت عليهم بالنصارى وتفسيرهم بإذني أي ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت وتفسيرهم الم ذلك الكتاب بالإنجيل وتفسيرهم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون هم النصارى وتفسيرهم قوله ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن هم النصارى

227

إلا الذين ظلموا هم اليهود وأمثال ذلك من تفسيرهم القرآن مثل ما يفسرون به التوراة والإنجيل والزبور من التفاسير التي هي من تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله والكذب على أنبيائه بما يظهر أنه كذب على الأنبياء لكل من تدبر ذلك وبطلان ذلك يظهر من وجوه أحدها أن الله قال لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز وقوله تعالى لقد أرسلنا رسلنا اسم جمع مضاف يعم جميع من أرسله الله تعالى الثاني أن أحق الرسل بهذا الحكم الذين سماهم في القرآن كما قال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما

228

وقال في سورة الشعراء كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون وقوله كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وقوله كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وقوله

229

كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وقوله كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وقال تعالى إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا وقال تعالى كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وقال تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون

230

وذكر قصته ثم قال بعد ذلك ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ثم لما قضى قصته قال تعالى ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فذكر إرسال رسله تترى أي متواترة ثم ذكر إرسال موسى وهارون وإرسال موسى وهارون قبل المسيح بمدة طويلة وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين فهذا إخبار منه سبحانه وتعالى بأنه بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده وقال تعالى في المسيح صلوات الله عليه

231

ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة فأخبر أن المسيح رسول من هؤلاء الرسل قد خلت من قبله الرسل وقبله قد بعث في كل أمة رسولا وقد روي في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء مائة ألف نبي وأن الرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر وبعض الناس يصحح هذا الحديث وبعضهم يضعفه فإن

232

كان صحيحا فالرسل ثلثمائة وثلاثة عشر وإن لم تعرف صحته أمكن أن يكونوا بقدر ذلك وأن يكونوا أكثر كما يمكن أن يكونوا أقل فإن الله تعالى أخبر أنه بعث في كل أمة رسولا وقال تعالى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنتم توفون سبعين أمة أنتم أكرمها وأفضلها على الله وهو حديث جيد وقد قال تعالى في سورة الزمر وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين

233

وقال تعالى في سورة تبارك وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير فهذا إخبار منه بأن كل فوج يلقى في النار وقد جاءهم نذير كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقد قال تعالى ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين

234

فقد أرسل الله قبل المسيح رسلا كثيرين إلى جميع الأمم فكيف يجوز أن يدعي أن المراد بقوله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات هم الحواريون فقط الذين أرسلهم المسيح مع أن الحواريين رسل المسيح بمنزلة رسل موسى وإبراهيم ورسل محمد صلى الله عليه وسلم ومن أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت طاعته على الناس فيما يبلغه عن رسول الله كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني فبين أن أميره إنما تجب طاعته في المعروف الذي أمر الله به ورسوله لا في كل ما يأمر به ففي الصحيحين عن علي أن

235

رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر عليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا ويطيعوا فأغضبوه فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا له ثم قال أوقدوا نارا فأوقدوا نارا ثم قال ألم يأمركم رسول الله أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا إنما فررنا إلى رسول الله من النار فكانوا كذلك حتى سكن غضبه فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا وقال لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع وطاعة

236

وفي مسلم عن أم الحصين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول ولو استعمل عليكم عبد أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى له من سامع وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي

237

صلى الله عليه وسلم أنه قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار

238

وفي السنن عنه أنه قال نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه فالحواريون في تبليغهم عن المسيح كسائر أصحاب الأنبياء في تبليغهم عنهم وقال الله تعالى في كتابه يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا وأولوا الأمر هم العلماء والأمراء فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله وجبت طاعتهم وإن تنازع الناس في شيء وجب رده إلى الله والرسول لا يرد إلى أحد دون الرسل الذين أرسلهم الله كما قال في الآية الأخرى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

239

والكتاب اسم جنس لكل كتاب أنزله الله ليس المراد به كتابا معينا كما قال تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ولم يرد بهذا أن يؤمن بكتاب معين واحد بل وهذا يتضمن الإيمان بالتوراة والإنجيل والقرآن وكل ما أنزله الله من كتاب كما قال في سورة الشورى فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم فأمره الله تعالى أن يؤمن بكل ما أنزله الله من كتاب وأن يعدل بين من بلغتهم رسالته كما قال لأنذركم به ومن بلغ فكل من بلغه القرآن فهو مخاطب به يتناوله خطاب القرآن وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بلغوا عني ولو آية

240

وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وفي القراءة الأخرى وكتابه ورسله وكلا القراءتين موافقة للأخرى وقوله تعالى كان الناس أمة واحدة أي فاختلفوا بعد ذلك كما قال في السورة الأخرى وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا فلما اختلف بنو آدم بعث النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب وذلك يتناول كل كتاب أنزله الله ليحكم الله ويحكم كتابه بين الناس بالحق فالحاكم بين الناس هو الله تعالى وحكمه في كتبه المنزلة فلهذا أمر الله المؤمنين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه فأمرهم بالرد إلى كتابه ورسوله وقد ذم تعالى من لم يتحاكم إلى كتابه ورسوله فقال تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

241

فقد تبين أن الرسل الذين ذكرهم الله في قوله لقد أرسلنا رسلنا بالبينات يتناول الرسل الذين أرسلهم الله تعالى كلهم ومن احقهم بذلك الرسل الذين أخبر في القرآن أنه أرسلهم إلى عباده فظهر بطلان قولهم أنهم الحواريون الوجه الثالث أنه قال لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز فذكر أنه أنزل الحديد أيضا ليتبين من يجاهد في سبيل الله بالحديد

242

والنصارى يزعمون أن الحواريين والنصارى لم يؤمروا بقتال أحد بالحديد الوجه الرابع أنه قال بعد ذلك ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة وإخباره بإرسال نوح وإبراهيم بعد قوله لقد أرسلنا رسلنا بالبينات من باب ذكر الخاص بعد العام وبيان ما اختص به الخاص من الأحكام التي امتاز بها عن غيره مما دخل في العام كما يأمر السلطان العسكر بالجهاد ويأمر فلانا وفلانا بأن يفعلوا كذا وكذا ومثل أن يقال أرسل رسله إلى فلان وأرسل إليهم فلانا وأمره بكذا وكذا قال تعالى ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فنوح هو أبو الآدميين الذين حدثوا بعد الطوفان فإن الله أغرق ولد آدم إلا أهل السفينة وقال في نوح وجعلنا ذريته هم الباقين

243

وإبراهيم جعل الأنبياء بعده من ذريته كما قال تعالى في إبراهيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم قال بعد أن ذكر إرسال نوح وإبراهيم وأنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل فأخبر أنه قفى على آثارهم برسله وقفى بعيسى بن مريم وآتاه الإنجيل وهؤلاء رسل قبل المسيح وآخرهم المسيح ولم يذكر أنه أرسل أحدا من أتباع المسيح بل أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة فكيف يجوز أن يقال أن مراده بالرسل الذين أرسلهم بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان هم الحواريون دون الرسل الذين ذكرهم وأرسلهم قبل المسيح

244

الوجه الخامس أنه ليس في القرآن آية تنطق بأن الحواريين رسل الله بل ولا صرح في القرآن بأنه أرسلهم لكن قال في سورة يس واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون فهذا كلام الله ليس فيه ذكر أن هؤلاء المرسلين كانوا من الحواريين ولا أن الذين أرسلوا إليهم آمنوا بهم وفيه أن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم هؤلاء الثلاثة أنزل الله عليهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون

245

وقد ذكر طائفة من المفسرين أن هؤلاء كانوا من الحواريين وأن القرية أنطاكية وأن هذا الرجل اسمه حبيب النجار ثم إن بعضهم يقول إن المسيح أرسلهم في حياته لكن المعروف عند النصارى أن أهل إنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم لم يهلك الله أهل إنطاكية والقرآن يدل على أن الله أهلك قوم هذا الرجل الذي آمن بالرسل وأيضا فالنصارى يقولون إنما جاءوا إلى أهل إنطاكية بعد رفع المسيح وأن الذين جاءوا كانوا اثنين لم يكن لهما ثالث قيل أحدهما شمعون الصفا والآخر بولص ويقولون إن أهل إنطاكية آمنوا بهم ولا يذكرون حبيب النجار ولا مجيء رجل من أقصى المدينة بل يقولون إن شمعون وبولص دعوا الله حتى أحيا ابن الملك فالأمر المنقول عند النصارى أن هؤلاء المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريين وهذا أصح القولين عند علماء

246

المسلمين وأئمة المفسرين وذكروا أن المذكورين في القرآن في سورة يس ليسوا من الحواريين بل كانوا قبل المسيح وسموهم بأسماء غير الحواريين كما ذكر محمد بن إسحاق قال سلمة بن الفضل كان من حديث صاحب يس فيما حدثني محمد بن إسحاق عن ابن عباس وعن كعب وعن وهب بن منبه أنه كان رجلا من أهل إنطاكية وكان اسمه حبيبا وكان يعمل الحرير وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند باب من أبواب المدينة

247

يتاجر وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين فيطعم نصفه عياله ويتصدق بنصفه وكان بالمدينة التي هو بها مدينة إنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له إنطخس بن إنطنخس يعبد الأصنام صاحب شرك فبعث الله إليه المرسلين وهم ثلاثة صادق وصدوق وشلوم فقدم الله إليه وإلى أهل المدينة منهم اثنين فكذبوهما ثم عزز الله بالثالث وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث لكي تكون الحجة عليهم أشد فأتوا أهل القرية فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له فكذبوهم فأتوا على رجل في ناحية القرية في زرع له فسألهم الرجل ما أنتم قالوا نحن رسل رب العالمين

248

ارسلنا إلى أهل هذه القرية ندعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له قال لهم أتسألون على ذلك أجرا قالوا لا قال فألقى ما في يده ثم أتى أهل المدينة فقال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وهذا القول هو الصواب وأن هؤلاء المرسلين كانوا رسلا لله قبل المسيح وأنهم كانوا قد أرسلوا إلى إنطاكية وآمن بهم حبيب النجار فهم كانوا قبل المسيح ولم تؤمن أهل المدينة بالرسل بل أهلكهم الله تعالى كما أخبر في القرآن ثم بعد هذا عمرت إنطاكية وكان أهلها مشركين حتى جاءهم من جاءهم من الحواريين فآمنوا بالمسيح على أيديهم ودخلوا دين المسيح ويقال إن إنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح عليه السلام وذلك بعد رفعه إلى السماء ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المذكورين في القرآن هم رسل المسيح وهم من

249

الحواريين وهذا غلط لوجوه منها أن الله قد ذكر في كتابه أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل وأهل إنطاكية لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا ومنها أن الرسل في القرآن ثلاثة وجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى والذين جاءوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ولم يأتهم رجل يسعى لا حبيب ولا غيره ومنها أن هؤلاء جاءوا بعد المسيح فلم يكن الله أرسلهم وهذا كما أن الله ذكر في القرآن أنه أهلك أهل مدين بالظلة لما جاءهم شعيب وذكر في القرآن أن موسى أتاها وتزوج ببنت واحد منها فظن بعض الناس أنه شعيب النبي وهذا غلط عند علماء المسلمين مثل ابن عباس والحسن البصري وابن جريج وغيرهم كلهم ذكروا أن الذي صاهره موسى ليس هو شعيبا النبي وحكى أنه شعيب عمن لا يعرف من العلماء ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين كما بسطناه في موضعه

250

وأهل الكتاب يقرون بأن الذي صاهره موسى ليس هو شعيبا بل رجل من أهل مدين ومنهم من يقول إنها غير مدين التي أهلك الله أهلها والله أعلم وكذلك ذكر المفسرون في المرسلين هل أرسلهم الله أو أرسلهم المسيح قولين أحدهما أن الله هو الذي أرسلهم قال أبو الفرج ابن الجوزي وهذا ظاهر القرآن وهو مروي عن ابن عباس وكعب ووهب بن منبه قال وقال المفسرون في قوله

251

إن كانت إلا صيحة واحدة أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا أطفئت وذلك قوله فإذا هم خامدون أي ساكنون كهيئة الرماد الخامد ومعلوم عند الناس أن أهل إنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح بل آمنوا قبل أن يبدل دينه وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه إلى أن تبدل دينه بعد ذلك ومما يبين ذلك أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام وأيضا فإن الله لم يذكر في القرآن رسولا

252

أرسله غيره وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو وأيضا فإنه قال إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فأخبر أنه أرسلهم كما أخبر أنه أرسل نوحا وموسى وغيرهما وفي الآية قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء

253

ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي لا لمن جاء رسولا من عند رسول وقد قال بعد هذا يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون ) وهذا إنما هو في الرسل الذين جاءوهم من عند الله لا من عند رسله وأيضا فإن الله ضرب هذا مثلا لمن أرسل إليه محمدا صلى الله عليه وسلم يحذرهم أن ينتقم الله منهم كما انتقم من هؤلاء ومحمد إنما يضرب له المثل برسول نظيره لا بمن أصحابه أفضل منهم فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ولم يبعث الله بعد المسيح رسولا بل جعل ذلك الزمان زمان فترة كقوله يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل وأيضا فإنه قال تعالى إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو كانوا رسل رسول لكان التكذيب لمن أرسلهم ولم يكن في قولهم إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة فإن أحدا لا ينكر أن يكون رسل رسل الله بشرا وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرا وأيضا فلو كان

254

التكذيب لهما وهما رسل الرسول لأمكنهما أن يقولا فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى اصحابه فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه بخلاف ما إذا كانا رسل الله وأيضا فقوله إذ أرسلنا إليهم اثنين صريح في أن الله هو المرسل ومن أرسلهم غيره إنما أرسلهم ذلك لم يرسلهم الله كما لا يقال لمن أرسله محمد بن عبدالله أنهم رسل الله فلا يقال لدحية بن خليفة الكلبي أن الله أرسله ولا يقال ذلك للمغيرة بن شعبة وعبدالله بن حذافة وأمثالهما ممن أرسلهم الرسول وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسله إلى ملوك الأرض كما أرسل دحية بن خليفة إلى قيصر وأرسل عبدالله بن حذافة إلى كسرى وأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس كما تقدم ذكر ذلك ومعلوم أنه لا يقال في هؤلاء إن الله أرسلهم ولا يسمون عند المسلمين رسل الله ولا يجوز باتفاق المسلمين أن يقال هؤلاء داخلون في قوله لقد أرسلنا رسلنا بالبينات فإذا كانت رسل محمد صلى الله عليه وسلم لم يتناولهم اسم رسل الله في الكتاب الذي جاء به فكيف يجوز أن يقال إن هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره والمقصود هنا بيان معاني القرآن وما أراده الله تبارك وتعالى بقوله إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين

255

هل مراد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أرسلهم الله أو من أرسلهم رسوله وقد علم يقينا أن محمد صلى الله عليه وسلم لم يدخل في مثل هذا فمن قال إن محمدا صلى الله عليه وسلم أراد بذلك من أرسله رسول فقد كذب على محمد صلى الله عليه وسلم عمدا أو خطأ

256


فصل

وقد تبين بما ذكرناه فساد قولهم في تفسير آية البقرة فإنهم قالوا وقال في سورة البقرة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه قالوا فأعني بقوله أنبياءه المبشرين ورسله ينحو بذلك عن الحواريين الذين داروا في سبعة أقاليم العالم وبشروا بالكتاب الذي هو الإنجيل الطاهر لأنه لو كان أعني عن إبراهيم وموسى وداود ومحمد لكان قال ومعهم الكتب لأن كل واحد منهم جاء بكتاب دون غيره ولم يقل إلا الكتاب الواحد لأنه ما أتي جماعة مبشرين بكتاب واحد غير الحواريين الذين أتوا بالإنجيل الطاهر فيقال لهم قد تقدم بعض ما يدل على فساد هذا التفسير وأيضا فإنه قال تعالى كان الناس أمة واحدة أي فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين والحواريون ليسوا من النبيين وإن كان المسيح أرسلهم ولا يلزم من إرساله لهم أن يكونوا أنبياء كمن أرسلهم موسى ومحمد وغيرهما ولهذا تسميهم عامة النصارى رسلا ولا يسمونهم أنبياء

257

وأيضا فإنه قال وأنزل معهم الكتاب والحواريون لم ينزل معهم الكتاب إنما أنزل الكتاب مع المسيح ولكن الأنبياء أنزل معهم جنس الكتاب فإن الكتاب اسم جنس فيدخل فيه الكتب المنزلة كلها كما في قوله ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وفي قوله كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وفي القراءة الأخرى ( وكتابه ورسله ) وكذلك قوله عن مريم وصدقت بكلمات ربها وكتبه وفي القراءة الأخرى ( وكتابه ) وأيضا قال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين

258

وقال تعالى في سورة يونس وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا وهذا يدل أنه لما اختلفت بنو آدم بعث الله النبيين واختلافهم كان قبل المسيح بل قبل موسى بل قبل الخليل بل قبل نوح كما قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم حدث فيهم الشرك والاختلاف على وجهين تارة يختلفون فيؤمن بعضهم ويكفر بعضهم كما قال تعالى ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر وقال تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم يعني أهل الإيمان والكفر وقد يكون المختلفون كلهم على باطل كقوله

259

وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد وقوله ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك وأيضا فالإنجيل ليس فيه حكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بل عامته مواعظ ووصايا وأخبار المسيح بخلاف التوراة والقرآن فإن فيهما من الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ما ليس في الإنجيل وأيضا فإنه قال وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وذلك يقتضي أن الله هدى الذين آمنوا بعد اختلاف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم لما اختلفوا فيه من الحق وهذا ذم لمن اوتوا الكتاب فاختلفوا والنصارى داخلون في هذا الذم ولو كان المراد الإنجيل لكانوا هم المذمومين دون غيرهم وليس كذلك بل اليهود وغيرهم من المختلفين مذمومون أيضا وإنما الممدوح هم المؤمنون الذين هداهم الله لما اختلف أولئك فيه من الحق بإذنه

260

وهذا يتناول أمة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا وقد يتناول كل من آمن من الأمم المتقدمة كالذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم الخليل كما قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله هداهم لما اختلف فيه الأمم قبلهم من الحق بإذنه وهذا بين فإنهم على الحق والعدل الوسط بين طرفي الباطل وهذا ظاهر في اتباعهم الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى في التوحيد والأنبياء والأخبار والتشريع والنسخ والحلال والحرام والتصديق والتكذيب وغير ذلك أما التوحيد فإن اليهود شبهوا الخالق بالمخلوق فوصفوا الرب سبحانه بصفات النقص الذي يختص بها المخلوق فقالوا إن الله فقير وبخيل وإنه يتعب وغير ذلك والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق صفات الكمال الذي يختص بها الخالق فقالوا عن المسيح إنه خالق السموات والأرض القديم الأزلي علام الغيوب القادر على كل شيء و

261

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله الآية والمسلمون هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق فلم يشبهوا الخالق بالمخلوق ولا المخلوق بالخالق بل أثبتوا لله ما يستحقه من صفات الكمال ونزهوه عن النقائص وأقروا بأنه أحد ليس كمثله شيء وليس له كفوا أحد في شيء من صفات الكمال فنزهوه عن النقائص خلافا لليهود وعن مماثلة المخلوق له خلافا للنصارى وأما الأنبياء عليهم السلام فإن اليهود قتلوا بعضا وكذبوا بعضا كما قال تعالى أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون والنصارى أشركوا بهم وبمن هو دونهم فعبدوا المسيح بل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وجعلوا الحواريين رسلا لله وزعموا أن الإنسان يصير بطاعته بمنزلة الأنبياء وصوروا تماثيل الأنبياء والصالحين وصاروا يدعونهم ويستشفعون بهم بعد موتهم وإذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تماثيلهم وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له كنيسة

262

بأرض الحبشة وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة وأما المسلمون فهداهم الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه فآمنوا بأنبياء الله كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم ولم يغلوا فيهم غلو النصارى ولا قصروا في حقهم تقصير اليهود وكذلك قتل اليهود الذين يأمرون بالقسط من الناس والنصارى يطيعون من يأمر بالشرك وإن الشرك لظلم عظيم ويطيعون من يحرم الحلال ويحلل الحرام والمسلمون يطيعون من يأمر بطاعة الله ولا يطيعون من يأمر بمعصية الله والنصارى فيهم الشرك بالله واليهود فيهم الاستكبار عن عبادة الله كما قال تعالى في النصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون وقال في اليهود أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون والإسلام هو أن يستسلم العبد لله وحده فيعبده وحده بما أمره به فمن استسلم له ولغيره كان مشركا والله لا يغفر أن يشرك به ومن

263

لم يستسلم له بل استكبر عن عبادته كان ممن قيل فيه ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين فلهذا كان جميع الأنبياء وأممهم مسلمين لله يعبدونه وحده بما أمرهم به وإن تنوعت شرائعهم فالمسيح لم يزل مسلما لما كان متبعا لشرع التوراة ولما نسخ الله له نسخة منها ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يزل مسلما لما كان يصلي إلى بيت المقدس ثم لما صلى إلى الكعبة ولما بعثه الله إلى الخلق كانوا كلهم مأمورين بطاعته وكانت عبادة الله طاعته فمن لم يطعه لم يكن عابدا لله فلم يكن مسلما وأما التشريع فإن اليهود زعموا أن ما أمر الله به يمتنع منه أن ينسخه والنصارى زعموا أن ما أمر الله به يسوغ لأكابرهم أن ينسخوه فهدى الله المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق فقالوا إن الله سبحانه له أن ينسخ ما شرعه خلافا لليهود وليس للمخلوق أن يغير شيئا من شرع الخالق خلافا للنصارى وأما الحلال والحرام والطهارة والنجاسة فإن اليهود حرمت عليهم الطيبات وشددت عليهم من أمر النجاسات حتى منعوا من

264

مؤاكلة الحائض والجلوس معها في بيت ومن إزالة النجاسة وحرم عليهم شحم الثرب والكليتين وكل ذي ظفر وغير ذلك والمسيح عليه السلام أحل لهم بعض الذي حرم عليهم فقابلهم النصارى فقالوا ليس شيء محرم لا الخنزير ولا غيره بل ولا شيء نجس لا البول ولا غيره وزعموا أن بعض أكابرهم رأى ملاءة صور له فيها صور الحيوان وقيل له كل ما طابت نفسك ودع ما تكره وأنه أبيح لهم جميع الحيوان ونسخوا شرع التوراة بمجرد ذلك فالحلال عندهم ما اشتهته أنفسهم والحرام عندهم ما كرهته أنفسهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق فأحل لهم الله الطيبات وحرم عليهم الخبائث وأزال عنهم الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل خلافا لليهود وأمرهم بالطهارة طهارة الحدث والخبث خلافا للنصارى والمسيح عليه السلام جعلته اليهود ولد زنا كذابا ساحرا وجعلته النصارى هو الله خالق السموات والأرض فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه

265

فشهدوا أنه عبدالله مخلوق خلافا للنصارى وأنه رسول وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين خلافا لليهود وأما التصديق والتكذيب فإن اليهود من شأنهم التكذيب بالحق والنصارى من شأنهم التصديق بالباطل فإن اليهود كذبوا من كذبوه من الأنبياء وقد جاءوا بالحق كما قال تعالى أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون والنصارى يصدقون بمحالات العقول والشرائع كما صدقوا بالتثليث والاتحاد ونحوهما من الممتنعات

266


فصل

ثم قالوا عن القرآن أنه يشهد لهم أنهم أنصار الله حيث يقول كما قال عيسى بن مريم من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين فيقال هذا حق والحواريون مؤمنون مسلمون وهم أنصار الله لكن ليس في هذا أنهم رسل الله ولا في هذا أن كل ما أنتم عليه من الدين مأخوذ عنهم ولا في هذا أن الواحد من الحواريين معصوم من الغلط بل أمر الله المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا أنصار الله كما طلب المسيح ذلك بقوله ( من أنصاري إلى الله ) وقد وصل الله المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة النبوية بأنهم أنصار الله بقوله تعالى

267

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه والمهاجرون أفضل من الأنصار وهم أيضا من أنصار الله نصروه كما نصره الأنصار لكن لما كان لهم اسم يخصهم وهو المهاجرون وهو أفضل الاسمين خص الأنصار بهذا الاسم والمهاجرون والأنصار أفضل ممن آمن بموسى ومن آمن بعيسى عند المسلمين ومع هذا فليس فيهم عندهم نبي ولا رسول لله ولكن فيهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما

268


فصل

قالوا وأما تعظيمه لإنجيلنا وكتبنا التي بأيدينا فيقول وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وقال في سورة آل عمران الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وقال في سورة البقرة الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون فأعني بالكتاب الإنجيل والذين يؤمنون بالغيب نحن

269

النصارى الذين آمنا بالمسيح وما رأيناه ثم اتبع بالقول والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك فأعني بهم المسلمين الذين آمنوا بما أتى به وما أتى من قبله وقال في سورة المائدة وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وقال في سورة آل عمران فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير فأعني أيضا بالكتاب المنير الذي هو الإنجيل المقدس وقال أيضا فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين فثبت بهذا ما معنا ونفي عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التهم والتبديل والتغيير لما فيها بتصديقه إياها

270

والجواب بعد أن تعرف أن لفظ الآية الأولى من سورة المائدة وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه أن يقال أما تصديق خاتم الرسل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله قبله من الكتب ولمن جاء قبله من الأنبياء فهذا معلوم بالاضطرار من دينه متواترا تواترا ظاهرا كتواتر إرساله إلى الخلق كلهم وهذا من أصول الإيمان قال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وقال تعالى قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين

271

وقال ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين وتصديقه للتوراة والإنجيل مذكور في مواضع من القرآن وقد قال وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه

272

وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني وقال نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن فبين أنه أنزل هذا القرآن مهيمنا على ما بين يديه من الكتب والمهيمن الشاهد المؤتمن الحاكم يشهد بما فيها من الحق وينفي ما حرف فيها ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها وينسخ ما نسخه الله منها وهو مؤتمن في ذلك عليها وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص وهذا يتضمن أنه كل من كان متمسكا بالتوراة قبل النسخ من غير تبديل شيء من أحكامها فإنه من أهل الإيمان والهدى وكذلك من كان متمسكا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ فهو من أهل الإيمان والهدى وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل فضلا عمن تمسك بشرع منسوخ ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل وما أنزل إليه من الكتب بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول وبترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في غير موضع وأما تأويلهم قوله ذلك الكتاب إنه الإنجيل و الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون

273

عنى بهم النصارى فهو من تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل كلام الله كما فعلوه في قوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا وفي قوله بإذني أي باللاهوت وفي قوله اهدنا الصراط المستقيم وفي غير ذلك مما ذكروه وتأولوه من القرآن على غير المعنى الذي أراد الله به وهذا مما يؤيد أنهم فعلوا كذلك بالتوراة والإنجيل فإنه إذا كان القرآن الذي قد عرف تفسيره والمراد به العام والخاص ونقل ذلك عن الرسول نقلا متواترا حتى عرف معناه علما يقينا اضطراريا فيبدلون معناه ويحرفون الكلم عن مواضعه فماذا يصنعون بالتوراة والإنجيل ولم ينقل لفظ ذلك ومعناه كما نقل القرآن وليس في أهل تلك الكتب من يذب عن لفظها ومعناها كما يذب المسلمون عن لفظ القرآن ومعناه وهؤلاء غرهم قوله ذلك الكتاب فظنوا أن لفظ ذلك لما كان يشار بها إلى الغائب أشير بها إلى الإنجيل فيقال لهم هذا كقوله ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم وأشار بذلك إلى ما تلاه قبل هذه الآية وقوله واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم

274

وقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومثله قوله تعالى بعد أن ذكر خبر يوسف الصديق ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وقال أيضا لما ذكر خبر مريم ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم كما قال لما ذكر آيات يخبر فيها عن نوح تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك وقال الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وتلك في المؤنث مثل ذلك في المذكر ومع هذا فأشار إلى

275

القرآن ومنه قوله الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين وقوله طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين ومنه قوله طسم تلك آيات الكتاب المبين ومنه قوله حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم وقوله وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا وقوله المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق الآية ومثل هذا كثير وذلك أنه لما أنزل قوله ذلك الكتاب تلك آيات الكتاب ونحو ذلك لم يكن الكتاب المشار إليه قد أنزل تلك الساعة وإنما كان قد أنزل قبل ذلك فصار كالغائب الذي يشار إليه كما يشار إلى الغائب وهو باعتبار حضوره عند النبي صلى الله عليه وسلم يشار إليه كما يشار إلى الحاضر كما قال تعالى وهذا ذكر مبارك أنزلناه

276

ولهذا قال غير واحد من السلف ذلك الكتاب أي هذا الكتاب يقولون المراد هذا الكتاب وإن كانت الإشارة تكون تارة إشارة غائب وتارة إشارة حاضر وقد قال هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب وقد وصف النصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وأنهم كافرون ظالمون فكيف يجعلهم المتقين الذين يؤمنون بالغيب قال تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وأول التقوى تقوى الشرك وقد وصف النصارى بالشرك في قوله

277

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون وقال تعالى لما ذكر المسيح فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ونهى عن موالاتهم فقال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم وقد أخبر أن الله ولي المتقين فقال ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين

278

فلو كانوا من المتقين فضلا عن أن يكونوا هم المتقين لكان الله وليهم ولكانت موالاتهم واجبة على المؤمنين وهو قد نهى عن موالاتهم وجعل من يتولاهم ظالما وجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم أولياء بعض ولهذا لما قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين الكافرين قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم واتفق المسلمون على أن اليهودي والنصراني لا يرث مسلما ولو كان ابنه وأباه لأن الله قطع الموالاة بينهما وقد قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وأيضا فإنه قال تعالى الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة

279

وهي الصلاة التي أمر بها في قوله أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور والنصارى يصلون بغير طهور وقال صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وهم لا يقرؤونها والصلاة التي فرضها وأثنى عليها مشتملة

280

على استقبال الكعبة وعلى ركوع وسجدتين في كل ركعة وغير ذلك مما لا يفعله النصارى فكيف يمدحهم بإقامة الصلاة وهم لا يقيمون الصلاة التي أمر بإقامتها ثم لو قال اليهودي المراد بقوله ذلك الكتاب التوراة و بالمتقين اليهود لكان هذا مع بطلانه أقرب من قول القائل أن المراد بالكتاب الإنجيل لأن التوراة أحق بذلك من الإنجيل فإنها الأصل والله تعالى يقرن بينها وبين القرآن في غير موضع كقوله أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وقوله تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقد قالت الجن لما سمعت القرآن قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم وقال النجاشي لما سمع القرآن إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة وكذلك ورقة بن نوفل قال هذا

281

هو الناموس الذي كان ينزل على موسى بن عمران وقال تعالى قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا أي التوراة والقرآن وقالوا ساحران تظاهرا أي موسى ومحمد وقالوا إنا بكل كافرون قال الله قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فقد بين انه لم يأت من عند الله كتاب أهدى من التوراة والقرآن وقال تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون

282

وأما قوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك فهي صفة ثانية للذين يؤمنون بالغيب مجملا ثم وصفهم بإيمان مفصل بما أنزل إليك وما أنزل من قبله والعطف بالواو يكون لتغاير الذوات ويكون لتغاير الصفات كقوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى والذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى وهو الذي أخرج المرعى وكذلك قوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ومثله قوله قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون

283

فهم صنف واحد وصفهم بهذه الصفات بحرف الواو وكذلك في قوله إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون وقد فسر قبل قوله يؤمنون بالغيب صفة المؤمنين من غير أهل الكتاب كمشركي العرب والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك صفة من آمن به من أهل الكتاب وعلى هذا القول هؤلاء غير هؤلاء لكن هذا ضعيف فإنه لا بد في المؤمنين من غير أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله ولا بد في مؤمن أهل الكتاب أن يؤمن بالغيب فكل من الإيمانين

284

واجب على كل واحد ولا يكون أحد على هدى من ربه مفلحا إلا بهذا وهذا وأما قول النصارى نحن الذين آمنا بالسيد المسيح وما رأيناه فهكذا اليهود آمنوا بموسى عليه السلام وما رأوه والمسلمون آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما رأوه بل المسلمون آمنوا بموسى وعيسى وسائر النبيين وما رأوهم بخلاف اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ثم الغيب ليس المراد به صورة النبي عليه السلام فإن صورة النبي ليست من الغيب فإن الناس يرونها وليس في رؤيتها ما يوجب إيمانا ولا كفرا ولكن الغيب ما غاب عن مشاهدة الخلق وهو ما أخبرت به الأنبياء من الغيب فيدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وهو الإيمان بأنهم رسل الله وسواء رؤيت أبدانهم أو لم تر فقد يراهم من لم يؤمن برسالتهم وقد يؤمن برسالتهم من لم يرهم والمقصود الإيمان برسالتهم لا بنفس صورهم حتى يقول القائل آمنا بنبي ولم نره وقد يعلم من دلائل نبوته وأعلام رسالته من لم يره أكثر مما يعلمها من رآه

285


فصل

وأما قوله في سورة المائدة وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون فهذا ثناء منه على المسيح والإنجيل وأمر للنصارى بالحكم بما أنزل فيه كما أثنى على موسى والتوراة بأعظم مما عظم به المسيح والإنجيل فقال تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي قائلون للكذب مصدقون مستجيبون مطيعون لقوم آخرين

286

لم يأتوك فهم مصدقون للكذب مطيعون لمن يخالفك وأنت رسول الله فكل من تصديق الكذب والطاعة لمن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الذنوب ولفظ السميع يراد به الإحساس بالصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به قبوله فيقال فلان سمع ما يقول فلان أي يصدقه أو يطيعه ويقبل منه فقوله سماعون للكذب أي مصدقون به وإلا مجرد سماع صوت الكاذب وفهم كلامه ليس مذموما على الإطلاق وكذلك سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي مستجيبون لهم مطيعون كما قال في حق المنافقين وفيكم سماعون لهم أي مستجيبون مطيعون لهم ومن قال إن المراد به الجاسوس فهو غالط كغلط من قال سماعون لهم هم الجواسيس فإن الجاسوس إنما ينقل خبر القوم إلى من لا يعرفه ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يذكره ويأمر به ويفعله يراه ويسمعه كل من بالمدينة مؤمنهم ومنافقهم ولم يكن يقصد أن يكتم يهود المدينة ما يقوله ويفعله خلاف من كان يأتيه من اليهود وهم يصدقون الكذب ويطيعون لليهود

287

الآخرين الذين لم يأتوه والله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحزنه المسارعون في الكفر من هاتين الطائفتين المنافقتين الذين أظهروا الإيمان به ولم تؤمن قلوبهم ومن أهل الكتاب الذين يطلبون أن يحكم بينهم وليس مقصودهم أن يطيعوه ويتبعوا حكمه بل إن حكم بما يهوونه قبلوه وإن حكم بخلاف ذلك لم يقبلوه لكونهم مطيعين لقوم آخرين لم يأتوه قال تعالى سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين أي لم يأتك أولئك القوم الآخرون يقولون أي يقول السماعون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم والحكم يفتقر إلى الصدق والعدل فلا بد أن يكون الشاهد صادقا والحاكم عادلا وهؤلاء يصدقون الكاذبين من الشهود ويتبعون حكم المخالفين للرسل الذين يحكمون بغير ما أنزل الله وإذا لم يكن قصدهم اتباع الصدق والعدل فليس عليك أن تحكم بينهم بل إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فلا تحكم

288

ولكن إذا حكمت فلا تحكم إلا بما أنزل الله إليك إذ هو العدل قال تعالى سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ثم قال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون فهذا ثناؤه على التوراة وإخباره أن فيها حكم الله وأنه أنزل التوراة وفيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وقال عقب ذكرها ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون

289

وهذا أعظم مما ذكره في الإنجيل فإنه قال في الإنجيل وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور وقال فيه وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وقال في التوراة يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وقال عقب ذكرها ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فهو سبحانه مع إخباره بإنزال الكتابين يصف التوراة بأعظم مما يصف به الإنجيل كما قال تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وإذا كان ما ذكره من مدح موسى والتوراة لم يوجب ذلك مدح اليهود الذين كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليه وسلم

290

وليس فيه ثناء على دين اليهود المبدل المنسوخ باتفاق المسلمين والنصارى فكذلك أيضا ما ذكره من مدح المسيح والإنجيل ليس فيه مدح النصارى الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وبدلوا أحكام التوراة والإنجيل واتبعوا المبدل المنسوخ واليهود توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح للنصارى والنصارى توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح لليهود بعد النسخ والتبديل فعلم اتفاق أهل الملل كلها المسلمون واليهود والنصارى على أنه ليس فيما ذكر في القرآن من ذكر التوراة والإنجيل وموسى وعيسى مدح لأهل الكتاب الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا مدح لدينهم المبدل قبل مبعثه فليس في ذلك مدح لمن تمسك بدين مبدل ولا بدين منسوخ فكيف بمن تمسك بدين مبدل منسوخ

291


فصل

وهنا أصل لا بد من بيانه وهو أنه قد دلت النصوص على أن الله لا يعذب إلا من أرسل إليه رسولا تقوم به الحجة عليه قال تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى عن أهل النار كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء وقال وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين

292

وقال تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وقال تعالى وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وقال تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا إلى قوله فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون

293

وقال تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب وقوله يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير وإذا كان كذلك فمعلوم أن الحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه كقوله لأنذركم به ومن بلغ فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه دون ما لم يبلغه فإذا اشتبه معنى بعض الآيات وتنازع الناس في تأويل الآية وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله فإذا اجتهد الناس في فهم ما أراده الرسول فالمصيب له أجران والمخطىء له أجر فلا يمنع أن يقال ذلك في أهل الكتاب قبلنا فمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب قبلنا لم تقم عليه الحجة إلا بما بلغه وما خفي عليهم معناه منه فاجتهد في معرفته فإن

294

أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وخطأه محطوط عنه فأما من تعمد تحريف الكتاب لفظه أو معناه وعرف ما جاء به الرسول فعانده فهذا مستحق للعقاب وكذلك من فرط في طلب الحق واتباعه متبعا لهواه مشتغلا عن ذلك بدنياه وعلى هذا فإذا كان بعض أهل الكتاب قد حرفوا بعض الكتاب وفيهم آخرون لم يعلموا ذلك فهم مجتهدون في اتباع ما جاء به الرسول لم يجب أن يجعل هؤلاء من المستوجبين للوعيد وإذا جاز أن يكون في أهل الكتاب من لم يعرف جميع ما جاء به المسيح بل خفي عليه بعض ما جاء به أو بعض معانيه فاجتهد لم يعاقب على ما لم يبلغه وقد تحمل أخبار اليهود الذين كانوا مع تبع والذين كانوا ينتظرون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة كابن التيهان وغيره على هذا وإنهم لم يكونوا مكذبين للمسيح تكذيب غيرهم من اليهود

295

وقد تنازع الناس هل يمكن مع الاجتهاد واستفراغ الوسع أن لا يبين للناظر المستدل صدق الرسول أم لا وإذا لم يبين له ذلك هل يستحق العقوبة في الآخرة أم لا وتنازع بعض الناس في المقلد منهم أيضا والكلام في مقامين المقام الأول في بيان خطأ المخالف للحق وضلاله وهذا مما يعلم بطرق متعددة عقلية وسمعية وقد يعرف الخطأ في أقوال كثيرة من أهل القبلة المخالفين للحق وغير أهل القبلة بأنواع متعددة من الدلائل والمقام الثاني الكلام في كفرهم واستحقاقهم الوعيد في الآخرة فهذا فيه ثلاثة أقوال للناس من أصحاب الأئمة المشهورين مالك

296

والشافعي وأحمد لهم الأقوال الثلاثة قيل إنه يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسل إليه رسول لقيام الحجة عليه بالعقل وهذا قول كثير ممن يقول بالحكم العقلي من أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم وهو اختيار أبي الخطاب وقيل لا حجة عليه بالعقل بل لا يجوز أن يعذب من لم يقم عليه حجة لا بالشرع ولا بالعقل وهذا قول من يجوز تعذيب أطفال الكفار ومجانينهم وهذا قول كثير من أهل الكلام كالجهم وأبي الحسن الأشعري وأصحابه والقاضي

297

أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم والقول الثالث وعليه السلف والأئمة إنه لا يعذب إلا من بلغته الرسالة ولا يعذب إلا من خالف الرسل كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وإذا كان كذلك فنحن فيما نناظر فيه أهل الكتاب متقدميهم ومتأخريهم تارة نتكلم في المقام الأول وهو بيان مخالفتهم للحق وجهلهم وضلالهم فهذا تنبيه لجميع الأدلة الشرعية والعقلية وتارة نبين كفرهم الذي يستحقون به العذاب في الدنيا والآخرة فهذا

298

أمره إلى الله ورسوله لا يتكلم فيه إلا بما أخبرت به الرسل كما أنا أيضا لا نشهد بالإيمان والجنة إلا لمن شهدت له الرسل ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة فيبعث الله إليهم من يأمرهم بطاعته فإن أطاعوه استحقوا الثواب وإن عصوه استحقوا العقاب

301

وإذا كان كذلك فنحن نشهد لمن كان مؤمنا بموسى متبعا له أنه مؤمن مسلم مستحق للثواب وكذلك من كان مؤمنا بالمسيح متبعا له ونشهد لمن قامت عليه الحجة بموسى فلم يتبعه كآل فرعون أنهم من أهل النار وكذلك من قامت عليه الحجة بالمسيح الذين قال الله فيهم قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين والذين قال فيهم يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين وأما من بعد عهده بالمسيح وبلغته بعض أخباره دون بعض أو بموسى وبلغه أخباره دون بعض فهؤلاء قامت عليهم الحجة بما بلغهم من أخبارهم دون ما لم يبلغهم من أخبارهم وإذا اختلفوا في تأويل بعض التوراة والإنجيل فمن قصد الحق واجتهد في طلبه لم يجب

302

أن يعذب وإن كان مخطئا للحق جاهلا به ضالا عنه كالمجتهد في طلب الحق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فإذا قيل أن الحواريين أو بعضهم أو كثيرا من أهل الكتاب أو أكثرهم كانوا يعتقدون أن المسيح نفسه صلب كانوا مخطئين في ذلك ولم يكن هذا الخطأ مما يقدح في إيمانهم بالمسيح إذا آمنوا بما جاء به ولا يوجب لهم النار فإن الأناجيل التي بأيدي أهل الكتاب فيها ذكر صلب المسيح وعندهم أنها مأخوذة عن الأربعة مرقس ولوقا ويوحنا

303

ومتى ولم يكن في الأربعة من شهد صلب المسيح ولا من الحواريين بل ولا في أتباعه من شهد صلبه وإنما الذين شهدوا الصلب طائفة من اليهود فمن الناس من يقول أنهم علموا أن المصلوب غيره وتعمدوا الكذب في أنهم صلبوه وشبه صلبه على من أخبروهم وهذا قول طائفة من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهو قول ابن حزم

304

وغيره ومنهم من يقول بل اشتبه على الذين صلبوه وهذا قول أكثر الناس والأولون يقولون أن قوله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم أي شبه للناس الذين أخبرهم أولئك بصلبه الجمهور يقولون بل شبه للذين يقولون صلبوه كما قد ذكرت القصة في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن الناس في هذا المقام على طرفين ووسط

305

أما الطرف الواحد فهم الغلاة من النصارى الذين يدعون أن الحواريين كانوا معصومين فيما يقولونه ويروونه ويرونه وكذلك يقولون بتصويب علماء النصارى فيما يقولونه من تأويل الإنجيل والطرف الآخر يقول بل كل من غلط وأخطأ في شيء من ذلك فإنه مستحق للوعيد بل كافر والثالث الوسط أنهم لا يعصمون ولا يؤثمون بل قد يكونون مخطئين خطأ مغفورا لهم إذا كانوا مجتهدين في معرفة الحق واتباعه بحسب وسعهم وطاقتهم وعلى هذا تدل الأدلة الصحيحة وكتب الله تدل على ذم الضال والجاحد ومقته مع أنه لا يعاقب إلا بعد إنذاره وقد ثبت في الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي

306

صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فأخبر أنه مقتهم إلا هؤلاء البقايا والمقت هو البغض بل أشد البغض ومع هذا فقد أخبر في القرآن أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا فقال وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى فدل ذلك على أن المقتضي لعذابهم قائم ولكن شرط العذاب هو بلوغ الرسالة ولهذا قال لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وفي رواية من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين

307

وما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وما أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقد تنازع الناس في حسن الأفعال وقبحها كحسن العدل والتوحيد والصدق وقبح الظلم والشرك والكذب هل يعلم بالعقل أم لا يعلم إلا بالسمع وإذا قيل أنه يعلم بالعقل فهل يعاقب من

308

فعل ذلك قبل أن يأتيه رسول على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة وغيرهم وهي ثلاثة أقوال لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم فقالت طائفة لا يعرف ذلك إلا بالشرع لا بالعقل وهذا قول نظار المجبرة كالجهم بن صفوان وأمثاله وهو قول أبي الحسن الأشعري وأتباعه من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأبي عبدالله بن حامد والقضي أبي يعلى وأبي المعالي

309

وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم وقيل بل قد يعلم حسن الأفعال وقبحها بالعقل قال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة نفسه وعليه عامة أصحابه وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث كأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب وأبي بكر القفال وأبي نصر

310

السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وهو قول الكرامية وغيرهم من نظار المثبتة للقدر وهو قول المعتزلة وغيرهم

311

من نظار القدرية ثم هؤلاء على قولين منهم من يقول يستحقون عذاب الآخرة بمجرد مخالفتهم للعقل كقول المعتزلة والحنفية وأبي الخطاب وقول هؤلاء مخالف للكتاب والسنة ومنهم من يقول بل لا يعذبون حتى يبعث إليهم رسول كما دل عليه الكتاب والسنة لكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوتة يذمها الله ويبغضها ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله ويبغضه وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كما تقدم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وإن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم قلت إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة قال إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق أنفق عليك وقال إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به

312

سلطانا وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كل مولود يولد على الفطرة وفي رواية على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه اقرءوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها قيل يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير قال الله أعلم بما كانوا عاملين ومع

313

مقت الله لهم فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا وهذا يدل على إبطال قول من قال أنهم لم يكونوا مسيئين ولا مرتكبين لقبيح حتى جاء السمع وقول من قال أنهم كانوا معذبين بدون السمع إما لقيام الحجة بالعقل كما يقوله من يقوله من القدرية وإما لمحض المشيئة كما يقوله المجبرة قال تعالى وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وقال تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين

314

وقال تعالى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولا وبين أنهم قبل الرسول كانوا قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة

315


فصل

ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء أحدها الفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليلا على ذلك والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوضوها وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين والثاني خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين وهذا مما ضل به كثير من الضلال المشركين وغيرهم مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها للناس ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة ولا بد لهم مع ذلك من كذب ومثل تصرفات تقع من الشياطين والثالث أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب وإلا فليس مع النصارى ولا غيرهم من أهل الضلال على باطلهم لا معقول

316

صريح ولا منقول صحيح ولا آية من آيات الأنبياء بل إن تكلموا بمعقول تكلموا بألفاظ متشابهة مجملة فإذا استفسروا عن معاني تلك الكلمات وفرق بين حقها وباطلها تبين ما فيها من التلبيس والاشتباه وإن تكلموا بمنقول فإما أن يكون صحيحا لكن لا يدل على باطلهم وإما أن يكون غير صحيح ثابت بل مكذوب وكذلك ما يذكرونه من خوارق العادات إما أن يكون صحيحا قد ظهر على يد نبي كمعجزات المسيح ومن قبله كإلياس واليسع وغيرهما من الأنبياء وكمعجزات موسى صلى الله عليه وسلم فهذه حق وإما أن تكون قد ظهرت على يد بعض الصالحين كالحواريين وذلك لا يستلزم أن يكونوا معصومين كالأنبياء فإن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه لا يتصور أن يقولوا على الله إلا الحق ولا يستقر في كلامهم باطل لا عمدا ولا خطأ وأما الصالحون فقد يغلط أحدهم ويخطىء مع ظهور الخوارق على يديه وذلك لا يخرجه عن كونه رجلا صالحا ولا يوجب أن يكون معصوما إذا كان هو لم يدع العصمة ولم يأت بالآيات دالة على ذلك

317

ولو ادعى العصمة وليس بنبي لكان كاذبا لا بد أن يظهر كذبه وتقترن به الشياطين فتضله ويدخل في قوله تعالى هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم والنصارى عندهم منقول في الأناجيل ان الذي صلب ودفن في القبر رآه بعض الحواريين وغيرهم بعد أن دفن قام من قبره رأوه مرتين أو ثلاثا وأراهم موضع المسامير وقال لا تظنوا إني شيطان

318

وهذا إذا كان صحيحا فذاك شيطان ادعى أنه المسيح والتبس على أولئك ومثل هذا قد جرى لخلق عظيم في زماننا وقبل زماننا كناس كانوا بتدمر فرأوا شخصا عظيما طائرا في الهواء وظهر لهم مرات بأنواع من اللباس وقال لهم أنا المسيح ابن مريم وأمرهم بأمور يمتنع أن يأمر بها المسيح عليه السلام وحضروا إلى عند الناس وبينوا لهم أن ذلك هو شيطان أراد أن يضلهم وآخرون يأتي أحدهم إلى قبر من يعظمه ويحسن به الظن من الصالحين وغيرهم فتارة يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان على صورة ذلك الرجل وتارة يرى ذلك الإنسان قد دخل في القبر وتارة يراه إما راكبا وإما ماشيا داخلا إلى مكان ذلك الميت كالقبة المبنية على القبر وتارة يراه خارجا من ذلك المكان ويظن أن ذلك هو ذلك الرجل الصالح وقد يظن أن قوما استغاثوا به فذهب إليهم ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته وهذا جرى لغير واحد ممن أعرفهم وتارة يستغيث

319

أقوام بشخص يحسنون به الظن إما ميت وإما غائب فيرونه بعيونهم قد جاء وقد يكلمهم وقد يقضي بعض حاجاتهم فيظنونه ذلك الشخص الميت وإنما هو شيطان زعم أنه هو وليس هو إياه وكثيرا ما يأتي الشخص بعد الموت في صورة الميت فيحدثهم ويقضي ديونا ويرد ودائع ويخبرهم عن الموتى ويظنون أنه هو الميت نفسه قد جاء إليهم وإنما هو شيطان تصور بصورته وهذا كثير جدا لا سيما في بلاد الشرك كبلاد الهند ونحوها ومن هؤلاء من تراه أنت تحت سريره آخذ بيد ابنه في الجنازة ومنهم من يقول إذا مت فلا تدعوا أحدا يغلسني فأنا آتي من هذه الناحية أغسل نفسي فيأتي بعد الموت شخص في الهواء على صورته يغسله هو والذي أوصاه ويظن ذلك أنه جاء وإنما هو شيطان تصور بصورته وتارة يرى أحدهم شخصا إما طائرا في الهواء وإما عظيم الخلقة وإما أن يخبره بأشياء غائبة ونحو ذلك ويقول له أنا الخضر ويكون ذلك شيطانا كذب على ذلك الشخص وقد يكون

320

الرائي من أهل الدين والزهد والعبادة وقد جرى هذا لغير واحد وتارة يرى عند قبر نبي أو غيره أن الميت قد خرج إما من حجرته وإما من قبره وعانق ذلك الزائر وسلم عليه ويكون شيطانا تصور بصورته وتارة يجيء من يجيء إلى عند قبر ذلك الشخص فيستأذنه في أشياء ويسأله عن أمور فيخاطبه شخص يراه أو يسمع صوتا ولا يرى

321

شخصا ويكون ذلك شيطانا أضله وقد يرى أشخاصا في اليقظة إما ركبانا وإما غير ركبان ويقولون هذا فلان النبي إما إبراهيم وإما المسيح وإما محمد وهذا فلان الصديق إما أبو بكر وإما عمر وإما بعض الحواريين وهذا فلان لبعض من يعتقد فيه الصلاح إما جرجس أو غيره ممن تعظمه النصارى وإما بعض شيوخ المسلمين ويكون ذلك شيطانا ادعى أنه ذلك النبي أو ذلك الشيخ أو الصديق أو القديس ومثل هذا يجري كثيرا لكثير من المشركين والنصارى وكثير من المسلمين ويرى أحدهم شيخا يحسن به الظن ويقول أنا الشيخ فلان ويكون شيطانا وأعرف من هذا شيئا كثيرا وأعرف غير واحد ممن يستغيث ببعض الشيوخ الغائبين والموتى يراه قد أتاه في اليقظة وأعانه وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه ذكر غير واحد أنه

322

استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته ومنهم من قال رأيتك راكبا بلباسك وصورتك ومنهم من قال رأيتك على جبل ومنهم من قال غير ذلك فأخبرتهم أني لم أغثهم وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله وكذلك غير واحد ممن أعرفه من أصحابنا استغاث به بعض من يحسن به الظن فرآه قد جاءه وقضى حاجته قال صاحبي وأنا لا أعلم بذلك ومن هؤلاء الشيوخ من يقول إنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به ويجيبه وتكون الشياطين أسمعته صوتا يشبه صوت الشيخ المستغيث له فأجابه الشيخ بصوته فأسمعت المستغيث صوتا يشبه صوت الشيخ فيظن أنه صوت الشيخ وهذا جرى لمن أعرفه واخبر بذلك عن نفسه وقال بقي

323

الجني الذي يحدثني يبلغني مثل صوت المستغيثين بي ويبلغهم مثل صوتي ويريني في شيء أبيض نظير ما أسأل عنه فأخبر به الناس أني رأيته وأنه سيأتي ولا أكون قد رأيته وإنما رأيت شبيهه وهكذا تفعل الجن بمن يعزم عليهم ويقسم عليهم وكذلك ما رآه قسطنطين من الصليب الذي رآه من نجوم والصليب الذي رآه مرة أخرى هو مما مثله الشياطين وأراهم ذلك ليضلهم به كما فعلت الشياطين ما هو أعظم من ذلك بعباد الأوثان

324

وكذلك من ذكر أن المسيح جاءه في اليقظة وخاطبه بأمور كما يذكر عن بولس فإنه إذا كان صادقا كان ذلك الذي رآه في اليقظة وقال إنه المسيح شيطانا من الشياطين كما جرى مثل ذلك لغير واحد والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس أو بصورة من يستغيث به النصارى من أكابر دينهم إما بعض البطاركة وإما بعض المطارنة وإما بعض الرهبان ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ كما تمثل لجماعة ممن أعرفهم في صورتي وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك ويتمثل كثيرا في صورة

325

بعض الموتى تارة يقول أنا الشيخ عبدالقادر وتارة يقول أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري وتارة يقول أنا الشيخ عدي وتارة يقول أنا احمد بن الرفاعي وتارة يقول أنا أبو مدين

326

المغربي وإذا كان يقول أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد فغيرهم بطريق الأولى والنبي صلى الله عليه وسلم قال من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي وفي رواية في صورة الأنبياء فرؤيا الأنبياء في المنام حق وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته وبعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ وبعضهم يقول هي رفيقه وكثير من هؤلاء يرى يقوم من مكانه ويدع في مكانه صورة

327

مثل صورته وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يقول يرى في مكانين ويرى واقفا بعرفات وهو في بلده لم يذهب فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين والصادقون قد رأوا ذلك عيانا لا يشكون فيه ولهذا يقع النزاع كثيرا بين هؤلاء وهؤلاء كما قد جرى ذلك غير مرة وهذا صادق فيما رأى وشاهد وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح لكن ذلك المرئي كان جنيا تمثل بصورة الإنسان والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير وهذا القسم المشهود في الخارج غير ما يتخيله الإنسان في نفسه فإن هذا يعرفه جميع الناس ويصوبه جميع العقلاء يتخيلون أشياء في انفسهم كما يتخيله النائم في منامه وتكون تلك الصورة موجودة في الخيال لا في الخارج

328

والفلاسفة وسائر العقلاء يعترفون بهذا لكن كثير من الفلاسفة يظن أن ما رأته الأنبياء من الملائكة وما سمعته من الكلام كان من هذا النوع ويظنون أن ما يرى من الجن هو من هذا النوع وهؤلاء جهال غالطون في هذا كما جهلوا وغلطوا في ظنهم أن خوارق العادات سببها قوى نفسانية أو طبيعية أو قوى فلكية وأن الفرق بي النبي والساحر إنما هو حسن قصد هذا وفساد قصد الآخر وإلا فكلاهما خوارق سببها قوى نفسانية أو فلكية وهذا النفي باطل كما قد بسطنا الكلام عليه وبينا جهل هؤلاء وضلالهم في غير هذا الموضع والذين شاهدوا ذلك في الخارج وثبت عندهم بالأخبار الصادقة المتواترة وجود ذلك في الخارج يعلمون أن هؤلاء جاهلون ضالون ويعلمون أن الملائكة تظهر في صورة البشر كما ظهرت لإبراهيم

329

ولوط ومريم في صورة البشر وكما كان جبريل يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة دحية الكلبي وتارة في صورة أعرابي ويراه كثير من الناس عيانا وما في خيال الإنسان لا يراه غيره وكذلك كما ظهر إبليس للمشركين في صورة الشيخ النجدي وظهر لهم يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما رأى الملائكة هرب

330

قال تعالى وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب وروي عن ابن عباس وغيره قال تبدى إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرا هو وشيعته فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك لنا جار فقال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب

331

قال ابن عباس وذلك لما رأى الملائكة قال الضحاك سار الشيطان معهم برايته وجنوده وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دينكم ودين آبائكم وكثير من الناس تحمله الجن إلى مكان بعيد فتحمل كثيرا من الناس إلى عرفات وغير عرفات وإذا رأى واحد من هؤلاء في غير بلده يكون تارة محمولا قد حملته الجن وتارة تصورت على صورته

332

ولا يكون هذا من أولياء الله المتقين الذين لهم كرامات بل قد يكون من الكافرين أوالفاسقين وأعرف من ذلك قضايا كثيرة ليس هذا موضع تفصيلها وعند المشركين والنصارى من ذلك شيء كثير يظنونه من جنس الآيات التي للأنبياء إنما هي من جنس ما للسحرة والكهان ومن لم يفرق بين أولياءالرحمن وأولياء الشيطان ويفرق بين معجزات لأنبياء وكرامات الصالحين وبين خوارق السحرة والكهان ومن تقترن بهم الشياطين وإلا التبس عليه الحق بالباطل فأما أن يكذب بالحق الذي جاء به الأنبياء الصادقون وأما أن يصدق بالباطل الذي يقوله الكاذبون والغالطون وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر والمقصود هنا التنبيه على هذا الأصل وعلماء النصارى يسلمون هذا وعندهم من ذلك أخبار كثيرة من حكايات أولياء الشيطان الذين عارضهم أولياء الرحمن وأبطلوا أحوالهم كما أبطل موسى صلوات الله عليه ما عارضته به

333

السحرة من الخوارق كما ذكر ذلك في التوراة وكما يذكرونه عن فلان وفلان مثل حكاية سيمون الساحر مع الحواريين وغير ذلك وإذا كان هذا معلوما كان ما يذكرونه من هذاالجنس إذا كان مخالفا لما ثبت عن الأنبياء من الشيطان فلا يجوز أن يحتج به على ما يخالف شرائع الأنبياء الثابتة عنهم بل هؤلاء من جنس الدجال الكبير الذي انذرت به الأنبياء كلهم حتى نوح أنذر قومه وقال خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا قد أنذر أمته حتى نوح أنذر

334

قومه وسأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لأمته إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر ( ك ف ر ) يقرؤه كل مؤمن قارىء وغير قارىء وقال واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت وقد أخبر أن المسيح عيسى بن مريم مسيح الهدى ينزل إلى الأرض على المنارة البيضاء شرقي دمشق فيقتل مسيح الضلالة وهذا هو الذي تنتظره اليهود ويجحدون المسيح عيسى بن مريم ويقولون هذا هو الذي بشرت به الأنبياء ويتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفا مطيلسين ويقتلهم المسلمون مع عيسى بن مريم شر قتلة حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال

335

اقتله وكل هذا ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا أمر أمته أن يستعيذوا بالله من فتنته فقال إذا قعد أحدكم في التشهد في الصلاة فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال والأنبياء كلهم أنذروا بالكذابين الذين يتشبهون بالأنبياء لكن من الناس من يتعمد الكذب وكثير منهم لا يتعمد بل يلتبس عليه فيغلط فيخبر بما يظنه حقا ولا يكون كذلك ويرى في اليقظة ما يظنه فلانا الولي أو النبي أو الخضر ولا يكون كذلك والغلط جائز على كل أحد إلا الأنبياء عليهم السلام فإنهم معصومون لا يقرون على خطأ فمن لم يزن علونه وأعماله وأقواله وأفعاله بالمعلوم عن الأنبياء وإلا كان ضالا فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

336

والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على إثبات مسيحين مسيح هدى من ولد داود ومسيح ضلال يقول أهل الكتاب إنه من ولد يوسف ومتفقون على أن مسيح الهدى سوف يأتي كما يأتي مسيح الضلالة لكن المسلمون والنصارى يقولون مسيح الهدى هو عيسى بن مريم وإن الله أرسله ثم يأتي مرة ثانية لكن المسلمون يقولون إنه ينزل قبل يوم القيامة فيقتل مسيح الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يبقى دين إلا دين الإسلام ويؤمن به أهل الكتاب اليهود والنصارى

337

كما قال تعالى وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته والقول الصحيح الذي عليه الجمهور قبل موت المسيح وقال تعالى وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها وأما النصارى فتظن أنه الله وأنه يأتي يوم القيامة لحساب الخلائق وجزائهم وهذا مما ضلوا فيه واليهود تعترف بمجيء مسيح هدى يأتي لكن يزعمون أن عيسى عليه السلام لم يكن مسيح هدى لظنهم أنه جاء بدين النصارى المبدل ومن جاء به فهو كاذب وهم ينتظرون المسيحين

338


فصل

والخوارق التي تضل بها الشياطين لبني آدم مثل تصور الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك ضل بها خلق كثير من الناس من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم وهم بنو ذلك على مقدمتين إحداهما أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي لله وبلغة النصارى هو قديس عظيم الثانية أن من يكون كذلك فهو معصوم فكل ما يخبر به فهو حق وكل ما يأمر به فهو عدل وقد لا يكون ظهرت على يديه خوارق لا رحمانية ولا شيطانية ولكن صنع حيلة من حيل أهل الكذب والفجور وحيل أهل الكذب والفجور كثيرة جدا فيظن أن ذلك من العجائب الخارقة للعادة ولا يكون كذلك مثل الحيل المذكورة عن الرهبان

339

وقد صنف بعض الناس مصنفا في حيل الرهبان مثل الحيلة المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتا بأن يكون الزيت في جوف منارة فإذا نقص صب فيها ماء فيطفو الزيت على الماء فيظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيتا ومثل الحيلة المحكية عنهم في ارتفاع النخلة وهو أن بعضهم مر بدير راهب وأسفل منه نخلة فأراه النخلة صعدت شيئا شيئا حتى حاذت الدير فأخذ من رطبها ثم نزلت حتى عادت كما كانت فكشف الرجل الحيلة فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض إذا أرسل عليه الماء امتلأ حتى تصعد السفينة وإذا صرف الماء إلى موضع آخر هبطت السفينة ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة يضعون كحلا في ماء متحرك حركة لطيفة فيسيل حتى ينزل من تلك الصورة فيخرج من عينها فيظن أنه دموع ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها القونة

340

بصيدنايا وهي أعظم مزاراتهم بعد القمامة وبيت لحم حيث ولد المسيح وحيث قبر فإن هذه صورة السيدة مريم وأصلها خشبة نخلة سقيت بالأدهان حتى تنعمت وصار الدهن يخرج منها دهنا مصنوعا يظن أنه من بركة الصورة ومن حيلهم الكثيرة النار التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى ورأوها بعيونهم أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم يظنون أنها نزلت من السماء ويتبركون بها وإنما هي صنعة صاحب محال وتلبيس ومثل ذلك كثير من حيل النصارى فجميع ما عند النصارى المبدلين لدين المسيح من الخوارق إما حال شيطاني وإما محال

341

بهتاني ليس فيه شيء من كرامات الصالحين وكذلك أهل الإلحاد المبدلين لدين محمد صلى الله عليه وسلم الذين يتخذون دينا لم يشرعه الله ورسوله ويجعلونه طريقا إلى الله وقد يختارونه على الطريق التي شرعها الله ورسوله مثل أن يختاروا سماع الدفوف والشبابات على سماع كتاب الله تعالى فقد يحصل لأحدهم من الوجد والغرام الشيطاني ما يلبسه معه الشيطان حتى يتكلم على لسان أحدهم بكلام لا يعرفه ذلك الشخص إذا أفاق كما يتكلم الجني على لسان المصروع وقد يخبر بعض الحاضرين بما في نفسه ويكون ذلك من الشيطان فإذا فارق الشيطان ذلك الشخص لم يدر ما قال ومنهم من يحمله الشيطان ويصعد به قدام الناس في الهواء ومنهم من يشير إلى بعض الحاضرين فيموت أو يمرض أو يصير مثل الخشبة ومنهم من يشير إلى بعض الحاضرين فيلبسه الشيطان ويزول عقله حتى يبقى دائرا زمانا طويلا بغير إختياره

342

ومنهم من يدخل النار ويأكلها ويبقى لهبها في بدنه وشعره ومنهم من تحضر له الشياطين طعاما أو شيئا من لادن أو سكر أو زعفران أو ماء ورد ومنهم من تأتيه بدراهم تسرقها الشياطين من بعض المواضع ثم من هؤلاء من إذا فرق الدراهم على الحاضرين أخذت منهم فلا يمكنون من التصرف فيها إلى أمور يطول وصفها وآخرون ليس لهم من يعينهم على ذلك من الشياطين فيصنعون حيلا ومخاريق فالملحدون المبدلون لدين الرسل دين المسيح أو دين محمد صلى الله عليهما وسلم هم كأمثالهم من أهل الإلحاد

343

والضلال الكفار المرتدين والمشركين ونحوهم كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والحارث الدمشقي وبابا الرومي وغيرهم ممن لهم خوارق شيطانية وأما أهل الحيل فيكثرون وهؤلاء ليسوا أولياء الله بل خوارقهم إذا كانت شيطانية من جنس خوارق الكهنة والسحرة لم يكن لهم حال شيطاني بل محال بهتاني فهم متعمدون للكذب والتلبيس بخلاف من تقترن به الشياطين فإن فيهم من يلتبس عليه فيظن أن هذا من جنس كرامات الصالحين كما أن فيهم من يعرف أن ذلك من الشياطين ويفعله لتحصيل أغراضه فالمقصود أنه كثير من الخوارق ما يكون من الشياطين أو يكون حيلا ومخاريق ويظن أنها من كرامات الصالحين فإن ما يكون شبيه الشرك أو الفجور إنما يكون من الشيطان مثل أن يشرك الرجل بالله فيدعو الكواكب أو يدعو مخلوقا من البشر ميتا أو غائبا أو يعزم ويقسم بأسماء مجهولة لا يعرف معناها أو يعرف أنها أسماء الشياطين أو يستعين بالفواحش والظلم فإن ما كان هذا سببه من الخوارق فهو من الشيطان كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

344

والصالحون لهم كرامات مثل كرامات صالحي هذه الأمة ومثل كرامات الحواريين وغيرهم ممن كان على دين المسيح لكن وجود الكرامات على أيدي الصالحين لا توجب أن يكونوا معصومين كالأنبياء لكن يكون الرجل صالحا وليا لله وله كرامات ومع هذا فقد يغلط ويخطىء فيما يظنه أو فيما يسمعه ويرويه أو فيما يراه أو فيما يفهمه من الكتب ولهذا كان كل من سوى الأنبياء يؤخذ من قولهم ويترك بخلاف الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فإنه يجب تصديقهم في كل ما أخبروا به من الغيب وطاعتهم في كل ما أمروا به ولهذا أوجب الله الإيمان بما أوتوه ولم يوجب الإيمان بجميع ما يأتي به غيرهم قال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون وقال تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ولهذا اتفق المسلمون على أن من كذب نبيا معلوم النبوة فهو كافر مرتد ومن سب نبيا وجب قتله بل يجب الإيمان بجميع ما أوتيه النبيون

345

كلهم وأن لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض قال تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا وليس هذا لأحد غير الأنبياء ولو كان من رسل الأنبياء وكانوا من أعظم الصديقين المقدمين فضلال الضلال من هؤلاء مبني على مقدمتين إحداهما أن هذا له كرامة فيكون وليا لله والثانية أن ولي الله لا يجوز أن يخطىء بل يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر وليس لأحد من البشر أن يصدق في كل ما أخبر به ويطاع في كل أمر إلا أن يكون نبيا والمقدمتان المذكورتان قد تكون إحداهما باطلة وقد يكون كلاهما باطلا فالرجل المعين قد لا يكون من أولياء الله تكون خوارقه من الشياطين وقد يكون من أولياء الله ولكن ليس بمعصوم بل يجوز عليه الخطأ وقد لا يكون من أولياء الله ولا يكون له خوارق ولكن له محالات وأكاذيب

346


فصل

قالوا وقال في سورة آل عمران فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير فأعني أيضا بالكتاب المنير الذي هو الإنجيل المقدس فيقال قد تقدم أن الرسل تتناول قطعا الرسل الذين ذكرهم الله في القرآن لا سيما أولو العزم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم فإن هؤلاء مع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين صلوات الله عليهم وسلامه خصهم الله وفضلهم بقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما

347

وفي قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه فالدين دين رسل الله دين واحد كما بينه الله في كتابه وكما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وأن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي ويتناول أيضا اسم الرسل من لم يسمهم بأعيانهم في القرآن قال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما

348

وقال تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وأما الحواريون فإن الله تعالى ذكرهم في القرآن ووصفهم بالإسلام واتباع الرسول وبالإيمان بالله كما أنزل في قوله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين وقال تعالى وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين

349

ولم يذكر الله تعالى في القرآن أنه أرسلهم البتة بل ذكر أنه ألهمهم الإيمان به وبرسوله وأنهم أمروا باتباع رسوله وقوله وإذ أوحيت إلى الحواريين لا يدل على النبوة فإنه قال تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وأم موسى لم تكن نبية بل ليس في النساء نبية كما تقوله عامة النصارى والمسلمين وقد ذكر إجماعهم على ذلك غير واحد مثل القاضيين أبي بكر بن الطيب وابي يعلى ابن أبي الفراء والأستاذ أبي المعالى الجويني وغيرهم ويدل على ذلك قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى وقوله تعالى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة فجعل غاية مريم الصديقية كما جعل غاية المسيح الرسالة

350

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم يعني من نساء الأمم قبلنا وهذا يدل على أن أم موسى ليست ممن كمل من النساء فكيف تكون نبية وقوله تعالى جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير والكتاب اسم جنس كما تقدم يتناول كل كتاب أنزله الله تعالى وقال تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وقوله ولا كتاب منير نكرة في سياق المعنى فيعم كل كتاب منير ولو لم يكن إلا الإنجيل لقيل ولا الكتاب المنير وأيضا

351

فالتوراة أعظم من الإنجيل وقد بين الله أنه لم ينزل كتابا أهدى من التوراة والقرآن فقال تعالى قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين وهذا تعجيز لهم أن يأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما كقوله أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وهذا يبين أنه ليس الإنجيل ولا الزبور أهدى من التوراة والقرآن فكيف يجعل الكتاب المنير هو الإنجيل دون التوراة والزبور وأيضا فإن الله تعالى إنما يخص بالذكر من الكتب المتقدمة التوراة دون غيرها فهي التي يقرنها بالقرآن كقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون

352

وقد وصف التوراة بأن فيها نورا وهدى للناس فكيف يجعل النور في الإنجيل دونها وقال تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين فقد ذكر التوراة والقرآن وقولهم أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا فبين أن الكتاب اسم جنس يتناول هنا التوراة والإنجيل كقوله تعالى يا أهل الكتاب وقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فذكر الكتاب بلفظ المنفرد ومعلوم أنه أراد بالذين أوتوا الكتاب من قبلنا اليهود والنصارى لا يختص ذلك بالنصارى كما قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا

353

وقد تبين بطلان قول هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويفسرون كلام الله ورسوله بما يعلم كل من عرف حاله من مؤمن وكافر أنه لم يرده وبين أن الله لم يرد بالكتاب الإنجيل وحده كما لم يرد بالرسل الحواريين بل أراد بالكتاب المنير ما أنزله الله من الكتب كالتوراة والإنجيل كما أراد بالرسل من أرسله الله مطلقا كنوح وإبراهيم وموسى والمسيح ابن مريم صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين

354


فصل

قالوا وقال أيضا فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين فيقال لهم من المعلوم بالاضطرار أنه ليس المراد بهذا النصارى فقط كما تقدم بل اليهود يقرؤون الكتاب من قبلنا والنصارى يقرؤون الكتاب من قبلنا والكتاب اسم جنس كما تقدم نظائره في قوله أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقوله وطعام الذين أوتوا الكتاب وقوله يا أهل الكتاب في غير موضع وقوله لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين وقوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد

355

وقد قال تعالى يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا وتناول لفظ أهل الكتاب هنا لليهود أظهر من تناوله للنصارى لذكره لعنة أصحاب السبت وكذلك قوله تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون فهذا خبر عن طائفة من اليهود قالوا ذلك وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين

356

وسبب نزولها أنه أراد طائفة من اليهود إلقاء الفتنة بين المسلمين فهم داخلون قطعا وإن كان الخطاب مطلقا يتناول الطائفتين وأمره تعالى بسؤال الذين يقرؤون الكتاب من قبله على تقدير الشك لا يقتضي أن يكون الرسول شك ولا سأل إن قيل الخطاب له وإن قيل لغيره فهو أولى وأحرى فإن تعليق الحكم بالشرط لا يدل على تحقيق الشرط بل قد يعلق بشرط ممتنع لبيان حكمه قال تعالى ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين فأخبر أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون مع انتفاء

357

الشرك عنهم بل مع امتناعه لأنهم قد ماتوا لأن الأنبياء معصومون من الشرك به وقال تعالى قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين فهذا خطاب للجميع وذكر هنا لفظ إن لأنه خطاب لموجود وهناك خبر عن ميت وكذلك قوله فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل لا يدل على وقوع الشك ولا السؤال بل النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا ولا سأل أحدا منهم بل روي عنه أنه قال والله لا أشك ولا أسأل

358

ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون كما قال تعالى في الآية الأخرى قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وقال تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقال تعالى أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين وقال إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا

359

وقال تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وقال تعالى لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وقال تعالى وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فالمقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون وذلك من وجوه أحدها أن الكتب المتقدمة تنطق بأن موسى وغيره دعوا إلى عبادة الله وحده ونهوا عن الشرك فكان في هذا حجة على من ظن أن الشرك دين ومثل هذا قوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون

360

وقوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقوله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين الوجه الثاني أن أهل الكتاب يعلمون أن الله إنما أرسل إلى الناس بشرا مثلهم لم يرسل إليهم ملكا فإن من الكفار من كان يزعم أن الله لا يرسل إلا ملكا أو بشرا معه ملك ويتعجبون من إرسال بشر ليس معه ملك ظاهر كما قال تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا وقال تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين

361

وقال تعالى كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر وكذلك قال الذين من بعدهم ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون وكذلك قال قوم فرعون لموسى وهارون أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون وقال فرعون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين وكذلك قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال

362

تعالى الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين وقال تعالى وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون فبين سبحانه أنكم لا تطيقون التلقي عن الملك فلو أنزلناه ملكا لجعلناه في صورة بشر وحينئذ كنتم تظنونه بشرا فيحصل اللبس عليكم فأمر الله تعالى بسؤال أهل الكتاب عمن أرسل إليهم أكان بشرا أم كان ملكا ليقيم الحجة بذلك على من أنكر إرسال بشر كما قال تعالى وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين وأهل الذكر هم أهل الذكر الذي أنزله الله تعالى

363

الوجه الثالث أنهم يسألون أهل الكتاب عما جرى للرسل مع أممهم وكيف كان عاقبة المؤمنين بهم وعاقبة المكذبين لهم الوجه الرابع يسألون أهل الكتاب عن الدين الذي بعث الله به رسله وهو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل كالأمر بالتوحيد والصدق والعدل وبر الوالدين وصلة الأرحام والنهي عن الشرك والظلم والفواحش الوجه الخامس يسألونهم عما وصفت به الرسل ربهم هل هو موافق لما وصفه به محمد أم لا وهذه الأمور المسؤول عنها متواترة عند أهل الكتاب معلومة لهم ليست مما يشكون فيه وليس إذا كان مثل هذا معلوما لهم بالتواتر فيسألون عنه يجب أن يكون كل ما يقولونه معلوما لهم بالتواتر وأيضا فإنهم يسألون أيضا عما عندهم من الشهادات والبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الله بذلك في القرآن فقال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم

364

وقال تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين فقد أخبر عن عيسى أنه صدق بالرسول والكتاب الذي قبله وهو التوراة وبشر بالرسول الذي يأتي بعده وهو أحمد قال تعالى فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون إلى قوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال تعالى وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وقال تعالى عن من أثنى عليه من النصارى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا

365

وقال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا وقال تعالى أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وقال تعالى ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وقال تعالى في سورة الأنعام الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون

366

وقال تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم وكان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم تجري حروب وقتال بين العرب وبين أهل الكتاب فتقول أهل الكتاب قد قرب مبعث هذا النبي الأمي الذي يبعث بدين إبراهيم فإذا ظهر اتبعناه وقتلناهم معه شر قتلة فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان منهم من آمن به ومنهم من كفر به فقال تعالى وكانوا من قبل يستفتحون أي يستنصرون بمحمد صلى الله عليه وسلم على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه لأهل الكتاب يقول لهم والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني

367

رسول الله وكذلك من أسلم منهم كعبدالله بن سلام كان يقول لغيره من أهل الكتاب والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وهذا أمر معروف في الأحاديث الصحاح المخرجة في الصحيحين وغيرهما فظهر بما ذكرناه تحريف هؤلاء لكلام الله وأنه لا حجة لهم فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم نظائر ذلك

368


فصل

قالوا فثبت بهذا ما معنا نعم ونفى عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التهم والتبديل لها والتغيير لما فيها بتصديقه إياها فيقال كلامكم الذي تحتجون به في هذا الموضع وغيره إما أن يكون باطلا محضا وإما أن يكون مما لبستم فيه الحق بالباطل فإن قولكم بتصديقه إياها إن أردتم أنه صدق التوراة والإنجيل والزبور التي أنزلها الله على أنبيائه فهذا لا ريب فيه فإن هذا مذكور في القرآن في غير موضع وقد أوجب على عباده أن يؤمنوا بكل كتاب أنزله وكل نبي من الأنبياء مع إخباره أنه أنزل هذه الكتب قبل القرآن وأنزل القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وقال تعالى الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان وقال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه

369

وقال تعالى يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وقال وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وقال والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير وقال ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون وقال تعالى آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم وقد أوجب على عباده أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله وحكم بكفر

370

من آمن ببعض وكفر ببعض فقال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقال تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما فذم المفرق بينهم بأن يؤمن ببعض دون بعض وبين أنه فضل بعضهم على بعض فقال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض

371

فبين أنه فضل بعضهم على بعض وقال تعالى ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وقد اتفق المسلمون على ما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وهو أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وبجميع ما أنزله الله من الكتب فمن كفر بنبي واحد تعلم نبوته مثل إبراهيم ولوط وموسى وداود وسليمان ويونس وعيسى فهو كافر عند جميع المسلمين حكمه حكم الكفار وإن كان مرتدا استتيب فإن تاب وإلا قتل ومن سب نبيا واحدا من الأنبياء قتل أيضا باتفاق المسلمين وما علم المسلمون أن نبيا من الأنبياء أخبر به فعليهم التصديق به كما يصدقون بما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أن أخبار الأنبياء لا تتناقض ولا تختلف وما لم يعلموا أن النبي أخبر به فهو كما لم يعلموا أن محمدا أخبر به صلى الله عليهم أجمعين ولكن لا يكذبون إلا بما علموا أنه كذب كما لا يجوز أن يصدقوا إلا بما علموا أنه صدق وما لم يعلموا أنه كذب ولا صدق لم يصدقوا به ولم يكذبوا به كما أمرهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا أمرهم

372

المسيح عليه السلام فقال الأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين غيه فاجتنبوه وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه

373


فصل

وإن أرادوا بتصديقه كتبهم أنه صدق ما هم عليه من العقائد والشرائع التي ابتدعوها بغير إذن من الله وخالفوا بها ما تقدمه من شرائع المسلمين أو خالفوا بها الشرع الذي بعث به مثل القول بالتثليث والأقانيم والقول بالحلول والاتحاد بين اللاهوت والناسوت وقولهم أن المسيح هو الله وابن الله وما هم عليه من إنكار ما يجب الإيمان به من الإيمان بالله واليوم الآخر ومن تحليل ما حرمه الله ورسله كالخنزير وغيره وبين أنهم لا يدينون بدين الحق الذي أنزل به كتابه وأرسل به رسوله بل بدين مبتدع ابتدعه لهم أكابرهم كما قال تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم

374

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لعدي بن حاتم وكان نصرانيا لما جاءه ليؤمن به وقد آمن به عدي وكان من خيار الصحابة فسمعه يقرأ هذه الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون قال عدي قلت يا رسول الله ما عبدوهم قال إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم

375

فإن أرادوا بتصديقهم في هذه الأمور أو أن محمدا صلى الله عليه وسلم صدق ما عندهم مما لم يأت به الأنبياء عن الله فقد كذبوا على محمد صلى الله عليه وسلم كذبا ظاهرا معلوما بالاضطرار من دينه وإنما صدق ما جاءت به الأنبياء قبله وأما ما أحدثوه وابتدعوه فلم يصدقوه كما أنه لم يشرع لهم أن يستمروا على ما هم عليه من الشرع الأول ولو لم يكن مبدلا بل دعاهم وجميع الإنس والجن إلى الإيمان به وبما جاء به واتباع ما بعث به من الكتاب والحكمة وحكم بكفر كل من لم يتبع كتابه المنزل عليه وأوجب مع خلودهم في عذاب الآخرة جهادهم في الدنيا حتى يكون الدين كله لله وحتى تكون كلمة الله هي العليا وقد دعا أهل الكتاب من اليهود والنصارى عموما ثم كلا من الطائفتين خصوصا في غير موضع مع دعائه الناس كلهم أهل الكتاب وغيرهم كقوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون

376

وقال تعالى يخاطب النصارى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا

377

وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون اخبر سبحانه أن النصارى تركوا حظا مما ذكرهم به وبسبب ذلك أغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فعلم أنه سبحانه بين أنهم تركوا بعض ما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء واستحقوا لذلك أن يغري بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقال تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل فنهاهم عن الغلو في دينهم وعن اتباع أهواء الذين ابتدعوا بدعا غيروا بها شرع المسيح فضلوا من قبل هؤلاء الأتباع وأضلوا كثيرا من هؤلاء الأتباع وغيرهم وضلوا عن سواء السبيل وهو وسط السبيل بين الضلال وقيده بعد أن أطلقه وأجمله

378

وقال تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم بنفسه عام تبوك واستنفر لقتالهم جميع المؤمنين ولم يأذن لأحد من القادرين على الغزو في التخلف ومن تخلف لأنه لم ير قتالهم واجبا كان كافرا وإن أظهر الإسلام كان منافقا ملعونا بين الله أنه لا يغفر لهم ونهى نبيه عن الصلاة عليهم وأنزل في ذلك جمهور سورة براءة بالنقل المتواتر حتى بين كفر الذين استأذنوه في ترك الخروج معه لقتال النصارى قال تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون

379



380


فصل

فتبين أن قولهم فثبت بهذا ما معنا نعم ونفي عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التهم والتبديل لها والتغيير لما فيها بتصديقه إياها إن أرادوا به أنه ثبت ما جاءت الأنبياء قبله عن الله فهذا حق وإن أرادوا به أنه ثبت ما هم عليه بعد مبعثه من الشرع الذي خالف شرعه أو ما ابتدعوه مما لم يأت به الأنبياء عليهم السلام قبله فهذا باطل وإن أرادوا بذلك أنه صدق ألفاظ الكتب التي بأيدينا أي التوراة والإنجيل فهذا مما يسلمه لهم بعض المسلمين وينازعهم فيه أكثر المسلمين وإن كان أكثر ذلك مما يسلمه أكثر المسلمين فأما تحريف معاني الكتب بالتفسير والتأويل وتبديل أحكامها

381

فجميع المسلمين واليهود والنصارى يشهدون عليهم بتحريفها وتبديلها كما يشهدون هم والمسلمون على اليهود بتحريف كثير من معاني التوراة وتبديل أحكامها وإن كانوا هم واليهود يقولون إن التوراة لم تحرف ألفاظها وحينئذ فلا ينفعهم بقاء حروف الكتب عندهم مع تحريف معانيها إلا كما ينفع اليهود بقاء حروف التوراة والنبوات عندهم مع تحريف معانيها بل جميع النبوات التي يقرون بها هي عند اليهود وهم مع اليهود ينفون عنها التهم والتبديل لألفاظها مع أن اليهود عندهم من أعظم الخلق كفرا واستحقاقا لعذاب الله في الدنيا والآخرة وهم عند النصارى الذين يكفرون المسلمين أكثر من هؤلاء وشر منهم فإن النصارى متفقون على أن المسلمين خير من اليهود وكذلك اليهود متفقون على أن المسلمين خير من النصارى بل جميع الأمم المخالفين للمسلمين يشهدون أن المسلمين خير من سائر الأمم والطوائف إلا أنفسهم وشهادتهم لأنفسهم لا تقبل فصار هذا اتفاق أهل الأرض على تفضيل دين الإسلام فعلم أن بقاء حروف الكتاب مع الإعراض عن اتباع معانيها وتحريفها لا يوجب إيمان أصحابها ولا يمنع كفرهم وحينئذ فليس شهادة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته للمسيح عليه السلام ولما أنزل عليه من الإنجيل في تثبيت ما عند النصارى بأعظم من شهادة المسيح عليه السلام والحواريين وسائر من اتبعه لموسى ولما أنزل عليه من التوراة في تثبيت ما عند

382

اليهود فإن المسيح أمر أتباعه باتباع التوراة إلا القدر اليسير الذي نسخه منها وأما محمد صلى الله عليه وسلم فبعث بكتاب مستقل وشرع مستقل كامل تام لم يحتج معه إلى شرع سابق تتعلمه أمته من غيره ولا إلى شرع لاحق يكمل شرعه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر فجزم أن من كان قبله كان فيهم محدثون وعلق الأمر في أمته وإن كان هذا المعلق قد تحقق لأن أمته لا تحتاج بعده إلى نبي آخر فلأن لا تحتاج معه إلى محدث ملهم أولى وأحرى

383

وأما من كان قبله فكانوا يحتاجون إلى نبي بعد نبي فأمكن حاجتهم إلى المحدثين الملهمين ولهذا إذا نزل المسيح بن مريم في أمته لم يحكم فيهم إلا بشرع محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان مع هذا فشهادة المسيح والحواريين وكل من آمن بالمسيح للتوراة بأنها حق ولموسى بأنه رسول لا يمنع كفر اليهود لكونهم بدلوا شرع التوراة وكذبوا بالمسيح والإنجيل فكيف تكون شهادة محمد وأمته للإنجيل بأنه منزل من عند الله وللمسيح بأنه رسول الله مانعة من كفر النصارى مع تبديلهم شرع الإنجيل وتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرع القرآن وأما إيمان من يؤمن منهم بأن محمدا رسول الله إلى العرب أو بكثير مما جاء به القرآن فلا يمنع كفرهم إذا كفروا ببعض ما جاء به بل من كذب بشيء مما جاءت به الرسل عن الله فهو كافر وإن آمن بأكثر ما جاءت به الرسل كما قال تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا وقال تعالى أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون

384

وقد صرح بكفر النصارى في غير موضع وأمر بجهادهم وقتالهم وحكم بكفر من لا يوجب جهادهم وقتالهم أو لا يرى ذلك عبادة لله وطاعة له كما تقدم التنبيه على ذلك فإذا كان من لا يرى جهادهم عبادة لله كافرا عند محمد صلى الله عليه وسلم فكيف حالهم عنده صلى الله عليه وسلم

385


فصل

وإذا تبين للخاصة والعامة ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن كفر به أنه كان مصدقا لما بين يديه من الكتب والأنبياء مصدقا للتوراة والإنجيل شاهدا بأن موسى عليه السلام ومن كان متبعا له على الحق وأن المسيح عليه السلام ومن اتبعه على الحق وإن كان يكفر جميع اليهود والنصارى وغيرهم ممن بلغته رسالته ولم يؤمن به وشهد عليهم بأنهم حرفوا كثيرا من معاني التوراة والإنجيل قبل نبوته وأن أهل الكتاب كلهم مع المسلمين يشهدون أيضا بأن كثيرا من معاني التوراة والإنجيل حرفها كثير من أهل الكتاب لم يجز لأحد من أهل الكتاب أن يحتج بقول محمد صلى الله عليه وسلم على صحة دينهم الذي شهد محمد صلى الله عليه وسلم بأنه باطل مبدل منسوخ وأهله من أهل النار كما تقدم بسطه وإذا قالوا نحن نذكر ذلك لنبين تناقضه حيث صدقها وهي تناقض بعض ما أخبر به أو لنبين أن ما أخبرت به الأنبياء قبله يناقض خبره فيكون ذلك قدحا فيما جاء به

386

أجاب المسلمون عن هذا بعدة طرق أحدها أن يقولوا أما مناقضة بعض خبره لبعض كما يزعمه هؤلاء من أن كتابه يمدح أهل الكتاب مرة ويذمهم أخرى وأنه يصدق الكتب المنزلة تارة ويذمها أخرى فهذا قد ظهر بطلانه فإنه إنما مدح من اتبع موسى والمسيح على الدين الذي لم يبدل ولم ينسخ وأما من اتبع الدين المبدل المنسوخ فقد كفره فأما دعواهم مناقضة خبره لخبر غيره فيقال هو مصدق للأنبياء فما أخبروا به وأما ما بدل من ألفاظهم أو غيرها بالترجمة أو فسر بغير مرادهم فلم يصدقه ويقال أيضا إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تثبت بمثل ما تثبت به نبوات الأنبياء قبله وبأعظم من ذلك كما قد بسط في موضع آخر وبين أن التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع التصديق بنبوة غيره في غاية التناقض والفساد وانه ما من طريق يعلم بها نبوة غيره إلا ونبوته تعلم بمثل تلك الطريق وبأعظم منها فلو لم تكن نبوته وطريق ثبوتها إلا

387

مثل نبوة غيره وطريق ثبوتها لوجب التصديق بنبوته كما وجب التصديق بنبوة غيره ولكان تكذيبه كتكذيب ابراهيم وموسى وغيرهما من الرسل فكيف إذا كان ذلك أعظم من وجوه متعددة وحينئذ فالأنبياء كلهم صادقون مصدقون معصومون فيما يخبرون به عن الله لا يجوز أن يثبت في خبرهم عن الله خبر باطل لا عمدا ولا خطأ فلا يجوز أن يخبر أحدهم بخلاف ما أخبر به غيره بل ولا يفترقون في الدين الجامع كما قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون وإنما يقع النسخ في بعض الشرائع كما يقع النسخ في شريعة الرسول الواحد وحينئذ فيعلم أن كل ما ينقل عن الأنبياء المتقدمين مما يناقض ما علم من أخبار محمد صلى الله عليه وسلم فهو باطل سواء كان اللفظ نفسه باطلا لم يقله ذلك النبي أو قد قال لفظا وغلط

388

المترجمون له من لغة إلى لغة أو كان اللفظ وترجمته صحيحين لكن وقع الغلط في معرفة مراد ذلك النبي بذلك الكلام فإن كل ما يحتج به من الألفاظ المنقولة عن الأنبياء أنبياء بني إسرائيل وغيرهم ممن أرسل بغير اللغة العربية لا بد في الاحتجاج بألفاظه من هذه المقدمات أن يعلم اللفظ الذي قاله ويعلم ترجمته ويعلم مراده بذلك اللفظ والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على وقوع الغلط في تفسير بعض الألفاظ وبيان مراد الأنبياء بها وفي ترجمة بعضها فإنك تجد بالتوراة عدة نسخ مترجمة وبينها فروق يختلف بها المعنى المفهوم وكذلك في الإنجيل وغيره فهذا الطريق في الجواب طريق عام لكل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وشهد أنه رسول الله باطنا وظاهرا يخاطب به كل يهودي ونصراني على وجه الأرض وإن لم يكن عارفا بما عند اهل الكتاب فإنه لا يقدر أحد من أهل الأرض يقيم دليلا صحيحا على نبوة موسى وعيسى وبطلان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا ممتنع لذاته بل ولا يمكنه أن يقيم دليلا صحيحا على نبوة أحدهما إلا وإقامة مثل ذلك الدليل أو أعظم منه على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أولى وحينئذ فلا يمكن أحدا من أهل

389

الكتاب أن يحتج بشيء من المنقولات عن الأنبياء المخالفة لما ثبت عن محمد صلى الله عليه وسلم سواء أقر بنبوته أو أنكرها بل إن احتج بشيء مما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم بين له بطلان احتجاجه به وأنه حجة عليه لا له وإن احتج بشيء من المنقول عن غيره من الأنبياء عليهم السلام طولب بتقدير نبوة ذلك النبي مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وإلا فبتقدير أن ينقل عن اثنين ادعيا النبوة وأتيا بالآيات التي تثبت بها النبوات خبران مناقضان لا يجوز تصديق هذا وتكذيب ذاك إن لم يتبين ما يدل على صدق هذا وكذب هذا وكذلك إذا عورض أحدهما بجنس ما يعارض الآخر وهذا لا يرد على المسلمين إذا ردوا ما يحتج به أهل الكتاب مما ينقلونه عن الأنبياء مخالفا لخبر محمد صلى الله عليه وسلم فإن المسلمين لا يطعنون في نبوة أحد من الأنبياء المعروفين وإنما يطعنون في أنهم أخبروا بما يخالف خبر محمد صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يثبت أي لم يثبت اللفظ والترجمة وتفسير اللفظ وهذه المقدمات يمتنع أن تقوم على شيء يخالف خبر محمد صلى الله عليه وسلم لا جملة ولا تفصيلا فأهل الكتاب يطالبون فيما يعارضون به بثلاث مقدمات أحدها تقدير أن أولئك صادقون ومحمد صلى الله عليه وسلم كاذب

390

والثاني ثبوت ما أتوا به لفظا والثالث معرفة المراد باللفظ ترجمة وتفسيرا وإن قال الكتابي للمسلم أنت توافقني على نبوة هؤلاء المتقدمين إجابة المسلم بوجوه منها أن يقول إني لم أوافقك على نبوة واحد منهم مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم بل دين المسلمين كلهم أنه من آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض فهو كافر فكيف بمن كفر بمن هو عند المسلمين أفضل الأنبياء وخاتمهم بل قد يقول له أكثر المسلمين نحن لم نعلم نبوة أولئك إلا بأخبار محمد أنهم أنبياء فلو قدحنا في الأصل الذي قد علمنا به نبوتهم لزم القدح في نبوتهم والفرع إذا قدح في أصله دل على فساده في نفسه سواء قدر اصله صحيحا أو فاسدا فإنه إن كان أصله فاسدا فسد هو وإن كان أصله صحيحا وهو يناقضه بطل هو فإنه إن كان أصله فاسدا فسد هو وإن كان أصله صحيحا وهو يناقضه بطل هو فهو إذا ناقض أصله باطل على كل تقدير وكذلك إذا قال له الكتابي قد اتفقنا على تصديق موسى والتوراة والمسيح والإنجيل قال له المسلم إنما وافقتك على تصديق موسى وعيسى الذين

391

بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما أخبرنا به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله حيث قال الله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر الآية وقال تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد إلى أمثال ذلك فأما الإيمان بموسى الذي ذكر أن شريعته مؤيدة لا ينسخ منها شيءأو بمسيح ادعى أنه الله أو أن الله اتحد به أو حل فيه ونحو ذلك مما يدعيه أهل الكتاب في الرسولين والكتابين ويخالفهم فيه المسلمون فهذا من موارد النزاع لا من مواقع الإجماع فليس لأحد من أهل الكتاب أن يحتج على احد من المسلمين بموافقته له على ذلك ومن تمام ذلك أن يقول المسلم نعم أنا أقر بنبوة موسى والمسيح وإن التوراة والإنجيل كلام الله لكن يمتنع عقلا الإقرار بنبوة واحد من هؤلاء دون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن

392

البراهين والآيات والأدلة الدالة على صدق موسى والمسيح تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى فلو انتقضت تلك الأدلة لزم فسادها وأن لا أصدق بأحد من الأنبياء وإن كانت حقا لزم تصديقهم كلهم فلزم إما أن نصدقهم كلهم وإما أن نكذبهم كلهم ولهذا كان من آمن ببعض وكذب ببعض كافرا ومن الأجوبة للمسلمين أن يقولوا نحن نصدق الأنبياء المتقدمين في كل ما أخبروا به لكن من نقل عنهم أنهم أخبروا بما يناقض خبر محمد صلى الله عليه وسلم فلا بد له من مقدمتين ثبوت ذلك اللفظ عن الأنبياء والعلم بمعناه الذي يعلم أنه مناقض للمعنى الذي علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم عناه ثم العلم باللفظ يحتاج مع الخطاب بغير ألسن الأنبياء العربية سواء كانت عربية أو رومية أو سريانية أو قبطية إلى أن يعرف أن هذا اللفظ الذي ترجم به لفظه مطابق للفظه ويمتنع ثبوت المقدمتين لأن في ثبوتهما تناقض الأدلة العلمية والأدلة العلمية لا تتناقض الطريق الثاني أن يقول المسلمون ما تذكرونه من المنقول عن الأنبياء مناقضة لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم أمور لم تعلم صحتها فلا يجوز اعتقاد ثبوتها والجزم بها ولو لم يعلم

393

أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر بخلافها فكيف إذا علم أنه أخبر بخلافها وذلك أن العلم بثبوتها مبني على مقدمات أحدها العلم بنبوتهم وهذا ممتنع مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والثانية أنهم قالوا هذه الألفاظ وهذا يحتاج إلى إثبات تواتر هذه الألفاظ عن الأنبياء ولم يثبت أنها تواترت عنهم والثالثة أن معناها هو المعنى المناقض لخبر محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعلم ذلك وكل واحدة من هذه المقدمات تمنع العلم بثبوت هذه المعاني المناقضة لخبر محمد صلى الله عليه وسلم فكيف إذا اجتمعت وهي تمنع العلم بصحتها ولو لم تناقض خبر محمد صلى الله عليه وسلم فكيف إذا ناقضته الطريق الثالث طريق من يبين أن ألفاظ هذه الكتب لم تتواتر ويثبتون ذلك بانقطاع تواتر التوراة لما خرب بيت المقدس وانقطاع تواتر الإنجيل في أول الأمر الطريق الرابع طريق من يبين أن بعض ألفاظ الكتب حرفت

394

ويقيم الأدلة الشرعية والعقلية على تبديل بعض ألفاظها الطريق الخامس أن يبين أن الألفاظ التي بأيديهم لا تناقض ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم بل تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويتكلم على تفسير تلك الألفاظ بأعيانها وهذه الطريق يسلكها من لا ينازع في ثبوت الألفاظ من المسلمين وأما الجمهور الذين يقولون بتبديل هذه الألفاظ فيسلكون هذه الطريق ويسلكون ايضا بيان عدم تواتر الألفاظ بل بيان التبديل في الفاظها

395


فصل

ومن حجة الجمهور الذين يمنعون أن تكون جميع ألفاظ هذه الكتب المتقدمة الموجودة عند أهل الكتاب منزلة من عند الله لم يقع فيها تبديل ويقولون إنه وقع التبديل في بعض ألفاظها ويقولون إنه لم يعلم أن ألفاظها منزلة من عند الله فلا يجوز أن يحتج بما فيها من الألفاظ في معارضة ما علم ثبوته أنهم قالوا التوراة والإنجيل الموجودة اليوم بيد أهل الكتاب لم تتواتر عن موسى وعيسى عليهما السلام أما التوراة فإن نقلها انقطع لما خرب بيت المقدس أولا وأجلى منه بنو إسرائيل ثم ذكروا أن الذي أملاها عليهم بعد ذلك شخص واحد يقال له عزرا وزعموا أنه نبي

396

ومن الناس من يقول إنه لم يكن نبيا وإنها قوبلت بنسخة وجدت عتيقة وقد قيل إنه أحضرت نسخة كانت بالمغرب وهذا كله لا يوجب تواتر جميع ألفاظها ولا يمنع وقوع الغلط في بعضها كما يجري مثل ذلك في الكتب التي يلي نسخها ومقابلتها وحفظها القليل الاثنان والثلاثة

397

وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح عليه السلام ولا أملاه على من كتبه وإنما أملوه بعد رفع المسيح متى و يوحنا وكانا قد صحبا المسيح ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر و مرقس و لوقا وهما لم يريا المسيح عليه السلام وقد ذكر هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح وبعض أخباره وأنهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله ونقل اثنين وثلاثة وأربعة يجوز عليه الغلط لا سيما وقد غلطوا في المسيح نفسه حتى اشتبه عليهم بالمصلوب ولكن النصارى يزعمون أن الحواريين رسل الله مثل عيسى بن مريم وموسى عليهما السلام وأنهم معصومون وأنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل وأن لهم معجزات وقالوا لهم هذه التوراة وهذا الإنجيل ويقرون مع هذا بأنهم ليسوا بأنبياء فإذا لم يكونوا أنبياء فمن ليس بنبي ليس بمعصوم من الخطأ ولو كان من أعظم أولياء الله ولو كان له خوارق عادات فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من أفاضل الصحابة عند المسلمين أفضل من الحواريين ولا معصوم عندهم إلا من كان نبيا ودعوى أنهم رسل الله مع كونهم ليسوا بأنبياء تناقض وكونهم رسل الله هو مبني على كون المسيح هو الله فإنهم رسل المسيح وهذا

398

الأصل باطل ولكن في طريق المناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن نمنعهم في هذا المقام ونطالبهم بالدليل على أنهم رسل الله وليس لهم على ذلك دليل فإنه لا يثبت أنهم رسل الله إن لم يثبت أن المسيح هو الله وإثباتهم أن المسيح هو الله إما أن يكون بالعقل أو بالسمع والعقل لا يثبت ذلك بل يحيله وهم لا يدعون ثبوت ذلك بالعقل بل غاية ما يدعون إثبات إمكانه بالعقل لا إثبات وجوده مع أن ذلك أيضا باطل وإنما يدعون ثبوت وجوده بالسمع وهو ما ينقلونه عن الأنبياء من ألفاظ يدعون ثبوتها عن الأنبياء ودلالتها على أن المسيح هو الله كسائر من يحتج بالحجة السمعية فإن عامة بيان صحة الإسناد دون بيان دلالة المتن وكلا المقدمتين باطلة ولكن يقال لهم في هذا المقام أنتم لا يمكنكم إثبات كون المسيح هو الله إلا بهذه الكتب ولا يمكنكم تصحيح هذه الكتب إلا بإثبات أن الحواريين رسل الله معصومون ولا يمكنكم إثبات أنهم رسل الله إلا بإثبات أن المسيح هو الله فصار ذلك دورا ممتنعا

399

فإنه لا تعلم إلهية المسيح إلا بثبوت هذه الكتب ولا تثبت هذه الكتب إلا بثبوت أنهم رسل الله ولا يثبت ذلك إلا بثبوت أنه الله فصار ثبوت الإلهية متوقفا على ثبوت إلهيته وثبوت كونهم رسل الله متوقفا على كونهم رسل الله فصار ذلك دورا ممتنعا قد يدعون عصمة الحواريين وعصمة أهل المجامع بعد الحواريين كأهل المجمع الأول الذي كان بحضرة قسطنطين الذي حضره ثلاثمائة وثمانية عشر ووضعوا لهم الأمانة التي هي عقيدة النصارى التي لا يصح لهم قربان إلا بها فيزعمون أن الحواريين

400

أو هؤلاء جرت علي أيديهم خوارق وقد يذكرون أن منهم من جرى إحياء الموتى على يديه وهذا إذا كان صحيحا مع ان صاحبه لم يذكر أنه نبي لا يدل على عصمته فإن أولياء الله من الصحابة والتابعين بعدهم بإحسان وسائر أولياء الله من هذه الأمة وغيرها لهم من خوارق العادات ما يطول وصفه وليس فيهم معصوم يجب قبول كل ما يقول بل يجوز الغلط على كل واحد منهم وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الأنبياء عليهم السلام ولهذا أوجب الله الإيمان بما أوتيه الأنبياء ولم يجب الإيمان

401

بكل ما يقوله كل ولي لله قال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ولهذا وجب الإيمان بالأنبياء جميعهم وما أوتوه كلهم ومن كذب نبيا واحدا تعلم نبوته فهو كافر باتفاق المسلمين ومن سبه وجب قتله كذلك بخلاف من ليس بنبي فإنه لا يكفر أحد بمخالفته ولا يقتل بمجرد سبه إلا أن يقترن بالسب ما يكون مبيحا للدم والذي عليه سلف الأمة كالصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين وجماهير المسلمين أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وليس بعد الأنبياء أفضل منهما وهذه الأمة أفضل الأمم وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قد كان قبلكم في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر والمحدث الملهم المخاطب

402

وكان عمر قد جعل الله الحق على قلبه ولسانه وما كان يقول لشيء إني لأراه كذا وكذا إلا كان كما يقول وكانت السكينة تنطق على لسانه ومع هذا فلم يكن لا هو ولا غيره ممن ليس بنبي معصوما من الغلط ولا يجب على المسلم قبول ما يقوله إن لم يدل عليه الكتاب والسنة ولا كان يجوز له العمل بما يلقى في قلبه إن لم يعرضه على الكتاب والسنة فإن وافق ذلك قبله وإن خالف ذلك رده وعند المسلمين أنه ليس في أتباع المسيح عليه السلام مثل أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما فإذا قالوا عن الحواريين أنهم ليسوا معصومين فهم يقولون ذلك فيمن هو عندهم أفضل من الحواريين كما أنهم إذا قالوا عن المسيح أنه عبد مخلوق ليس بإله فهم يقولون ذلك فيمن هو عندهم أفضل من المسيح كمحمد وإبراهيم عليهما أفضل الصلاة والسلام وفي الملاحدة المنتسبين إلى الأمة من فيه بدع من الغلو يشبه غلو النصارى كمن يدعي الإلهية

403

من الإسماعيلية كبني عبيد القداح

404

كالحاكم وغيره ويدعي الإلهية في علي بن أبي طالب أو غيره كدعوى النصيرية وهؤلاء كفار عند المسلمين وكذلك من يدعي الإلهية في بعض المشايخ كغلاة العدوية والحلاجية واليونسية وغيرهم وكذلك من يدعي عصمة بني عبيد او عصمة الإثني عشر أو عصمة بعض المشايخ فإن النصارى يدعون عصمة الحواريين الإثني عشر وهؤلاء يدعون عصمة الأئمة الإثني عشر

405

وهؤلاء يسندون أصل دينهم إلى قول الحواريين المعصومين عندهم ويقولون أنهم معصومون في النقل عن المسيح وفي الفتيا وإن ما قالوه فقد قاله المسيح عليه الصلاة والسلام وهؤلاء يقولون عن أولئك إنهم معصومون في النقل والفتيا وإن ما قالوه فقد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا مبسوط في موضع آخر والمقصود هنا أنه ليس مع النصارى نقل متواتر عن المسيح بألفاظ هذه الأناجيل ولا نقل لا متواتر ولا آحاد بأكثر ما هم عليه من الشرائع ولا عندهم ولا عند اليهود نقل متواتر بألفاظ التوراة ونبوات

406

الأنبياء كما عند المسلمين نقل متواتر بالقرآن وبالشرائع الظاهرة المعروفة للعامة والخاصة وهذا مثل الأمانة التي هي أصل دينهم وصلاتهم إلى المشرق وإحلال الخنزير وترك الختان وتعظيم الصليب واتخاد الصور في الكنائس وغير ذلك من شرائعهم ليست منقولة عن المسيح ولا لها ذكر في الأناجيل التي ينقلونها عنه وهم متفقون على أن الأمانة التي جعلوها اصل دينهم وأساس إعتقادهم ليست ألفاظها موجودة في الأناجيل ولا هي مأثورة عن الحواريين وهم متفقون على أن الذين وضعوها أهل المجمع الأول الذين كانوا عند قسطنطين الذي حضره ثلاثمائة وثمانية عشر وخالفوا عبد الله بن أريوس الذي جعل المسيح عبدا لله كما يقول المسلمون ووضعوا هذه الأمانة وهذا المجمع كان بعد المسيح بمدة طويلة تزيد على ثلاثمائة سنة وبسط هذا له موضع آخر وإنما المقصود هنا الجواب عن قولهم إن محمدا صلى الله عليه وسلم ثبت ما معهم وأنه نفى عن إنجيلهم وكتبهم التي بأيديهم التهم والتبديل لها والتغيير لما فيها بتصديقه إياها

407

وقد تبين ان محمدا صلى الله عليه وسلم لم يصدق شيئا من دينهم المبدل والمنسوخ ولكن صدق الأنبياء قبله وما جاؤوا به وأثنى على من اتبعهم لا على من خالفهم أو كذب نبيا من الأنبياء وإن كفر النصارى من جنس كفر اليهود فإن اليهود بدلوا معاني الكتاب الأول وكذبوا بالكتاب الثاني وهو الإنجيل وكذلك النصارى بدلوا معاني الكتاب الأول التوراة والإنجيل وكذبوا بالكتاب الثاني وهو القرآن وأنهم ادعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم صدق بجميع ألفاظ الكتب التي عندهم فجمهور المسلمين يمنعون هذا ويقولون إن بعض ألفاظها بدل كما قد بدل كثير من معانيها ومن المسلمين من يقول التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها وهذا القول يقر به عامة اليهود والنصارى وعلى القولين فلا حجة لهم في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لما هم عليه من الدين الباطل فإن الكتب الإلهية التي بأيديهم لا تدل على صحة ما كفرهم به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته مثل التثليث والاتحاد والحلول وتغيير شريعة المسيح وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فليس في الكتب التي بأيديهم ما يدل لا نصا ولا ظاهرا على الأمانة التي هي أصل دينهم وما في ذلك من التثليث والاتحاد والحلول ولا فيها ما يدل على أكثر شرائعهم

408

كالصلاة إلى الشرق واستحلال المحرمات من الخنزير والميتة ونحو ذلك كما قد بسط في موضع آخر ويقال لهم أين ما معكم عن محمد صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن ألفاظ الكتب التي بأيديكم لم يغير فيها شيء ومعلوم أن المسلمين وغيرهم إذا إختلفوا لم يكن قول فريق حجة على الفريق الآخر فإذا كان المسلمون قد إختلفوا في تبديل بعض ألفاظ الكتب المتقدمة لم يكن قول فريق حجة على الأخرى ولا يجوز لأحد من المسلمين ولا منكم أن يضيف إلى الرسول قولا إلا بدليل فأين في القرآن والسنة الثابتة عن محمد صلى الله عليه وسلم أن جميع ما بأيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل والزبور ونبوات الأنبياء لم تبدل بشيء من ألفاظها حتى يقولوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم نفى عن كتبهم ذلك وهؤلاء بنوا كلامهم على أن ألفاظ كتبهم تدل على صحة دينهم الذي هم عليه بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبعد تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يبدل شيء من ألفاظها

409

وقد تبين فساد ذلك من وجوه متعددة ثم زعموا أن المسلمين يدعون أن ألفاظ هذه الكتب حرفت كلها بجميع لغاتها بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وهذا القول لم يقله أحد من المسلمين فيما أعلم وظنوا أنهم بالجواب عن هذا يكونون قد أجابوا المسلمين

410


فصل

فقال الحاكي عنهم فقلت لهم إن قال قائل إن التبديل والتغيير يجوز أن يكون بعد هذا القول فقالوا إنا نعجب من هؤلاء القوم على علمهم وذكائهم ومعرفتهم كيف يحتجون علينا بمثل هذا القول وذلك أنا أيضا إذا إحتججنا عليهم بمثل هذا القول وقلنا إن الكتاب الذي في أيديهم يومنا هذا قد غيروه وبدلوه وكتبوا فيه ما أرادوا واشتهوا هل كانوا يجوزون كلامنا قال الحاكي عنهم فقلت لهم هذا مما لا يجوز ولا يمكن أحدا أن يقوله ولا يمكن أن يتغير منه إلى آخر الفصل وسيأتي بألفاظ بعد هذا والجواب أن هذا السائل النصراني الذي ذكر عن المسلمين سؤالا لا يقولونه وعن علماء النصارى جوابه هو وهم بنوا كلامهم على أصلين فاسدين أحدهما أن الرسول ثبت ما معهم ونفى عن كتبهم التي بين أيديهم التهم والتبديل والتغيير لها ومقصودهم بذلك لا يتم إلا إذا نفى التبديل عن لفظها ومعناها وهذا مما يعلم كل عاقل أن الرسول لم ينفه عنها بل النقل المتواتر عنه بنقيض ذلك وهم أيضا وكل عاقل

411

يعلم أن الكتب التي بأيديهم في تفسيرها من الاختلاف والاضطراب بين فرق النصارى وبين النصارى واليهود ما يوجب القطع بأن كثيرا من ذلك مبدل محرف وكذلك وقع في تغيير شرائع هذه الكتب فإن الكتب تضمنت أصلين الإخبار والأمر والإيمان بها لا يتم إلا بتصديقها فيما أخبرت وإيجاب طاعتها فيما أوجبته وأهل الكتاب يكذبون بكثير مما أخبرت ولا يوجبون طاعتها في كثير مما أوجبته وأمرت به وكل فرقة منهم تشهد على الفرقة الأخرى بمثل ذلك والنصارى لهم سبع مجامع مشهورة عندهم وهم في كل

412

مجمع يلعنون طائفة منهم كبيرة ويكفرونهم ويقولون عنهم إنهم كذبوا ببعض ما في تلك الكتب ولم يوجبوا طاعة بعض أمرها وتلك الطائفة تشهد على الأخرى بأنها كذبت ببعض ما فيها ثم فرقهم الثلاثة المشهورة النسطورية والملكية واليعقوبية كل طائفة تكفر الأخرى وتلعنها وتشهد عليها أنها مكذبة ببعض ما في النبوات غير موجبة لطاعة بعض ما فيها بل اختلافهم في نفس التوحيد والرسالة فزعم كل فريق منهم أن المسيح جاء بما هم عليه والمسيح عليه السلام وجميع الرسل بريئون من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وبريئون ممن يقول على الله غير الحق أو يقول على الله ما لا يعلم وبريئون من كل قول باطل يقال على الله عز وجل وإن كان قائله مخطئا لم يتعمد الكذب وفي مقالات النصارى من هذه الأنواع ما يطول وصفه وقد بسط في غير هذا الموضع

413

وإذا عرفت أن جميع الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى يشهدون أنه قد وقع في هذه الكتب تحريف وتبديل في معانيها وتفاسيرها وشرائعها فهذا القدر كاف وهم من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم صار كل من لم يؤمن به كافرا بخلاف حال النصارى قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان فيهم من هو متبع لدين المسيح والمسلمون وإن كان فيهم من حرف الدين وبدله فجمهورهم خالفوا هؤلاء فلا يزال فيهم طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم وخذلهم حتى تقوم الساعة بخلاف النصارى فإنهم كفروا جميعهم كما كفرت اليهود بتكذيب المسيح والمسلمون يثبتون بالدلائل الكثيرة أنهم بدلوا معاني التوراة والإنجيل والزبور وغيرهم من نبوات الأنبياء وابتدعوا شرعا لم يأت به المسيح ولا غيره ولا يقول عاقل مثل زعمهم أن جميع بني آدم من الأنبياء والرسل وغيرهم كانوا في الجحيم في حبس الشيطان لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح

414

فإن هذا الكلام لو نقله ناقل عن بعض الأنبياء لقطعنا بكذبه عليهم فكيف وهذا الكلام ليس منقولا عندهم عن أحد من الأنبياء وإنما ينقلونه عمن ليس قوله حجة لازمة فإن كثيرا من دينهم مأخوذ عن رؤوسهم الذين ليسوا بأنبياء فإذا قطعنا بكذب من ينقله عن الأنبياء فكيف إذا لم ينقله عنهم وذلك أن الأنبياء عليهم السلام يخبرون الناس بما تقصر عقولهم عن معرفته لا بما يعرفون أنه باطل ممتنع فيخبرونهم

415

بمحيرات العقول لا محالات العقول وآدم عليه السلام وإن كان أكل من الشجرة فقد تاب الله عليه واجتباه وهداه قال تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وقال تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم وليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفي توبته وإنما قد يقول قائلهم إنا لا نعلم أنه تاب أو ليس عندنا توبته وعدم العلم بشيء ليس علما بعدمه وعدم وجود الشيء في كتاب من كتب الله لا ينفي أن يكون في كتاب آخر ففي التوراة ما ليس في الإنجيل وفيهما ما ليس في الزبور وفي الإنجيل والزبور ما ليس في التوراة وفي سائر النبوات ما لا يوجد في هذه الكتب والقرآن لو كان دون التوراة والإنجيل والزبور والنبوات أو كان مثلها لأمكن أن يكون فيه ما ليس فيها فكيف إذا كان أفضل وأشرف وفيه من العلم أعظم مما في التوراة والإنجيل وقد بين الله تعالى فضله عليهما في غير موضع كقوله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه

416

وقال تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وقال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وسواء تاب آدم أو لم يتب فكيف يجوز أن يكون رسل الله الذين هم أفضل منه محبوسين في حبس الشيطان في جهنم بذنبه وإبراهيم خليل الرحمن كان أبوه كافرا ولم يؤاخذه الله بذنبه فكيف يجعله في جهنم في حبس الشيطان بسبب ذنب أبيه الأقصى آدم مع أنه كان نبيا ونوح عليه السلام قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأغرق الله أهل الأرض بدعوته وجعل ذريته هم الباقين فكيف يكون في جهنم في حبس الشيطان لأجل ذنب آدم وموسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما وأظهر على يديه من البراهين والآيات ما لم يظهر مثله على يدي المسيح وقتل نفسا لم يؤمر بقتلها فغفر الله له ذلك وله من المنزلة عند الله والكرامة ما لا يقدر قدره فكيف يكون في جهنم في حبس الشيطان ثم أي مناسبة بين الصلب الذي هو من أعظم الذنوب سواء

417

صلبوا المسيح أو المشبه به وبين تخليص هؤلاء من الشيطان فإن الشيطان إن فعل ذلك بالذرية كان ظالما معتديا والله عز وجل قادر على منعه من ظلمهم بل وعلى عقوبته إذا لم ينته عن ظلمهم فلماذا أخر منعه من ظلمهم إلى زمن المسيح وهو سبحانه ولي المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم وهم رسله الذين نصرهم على من عاداهم بل أهلك أعداءهم الذين هم جند الشيطان فكيف لا يمنع الشيطان بعد موتهم أن يظلمهم ويجعل أرواحهم في جهنم هذا إن قدر أن الشيطان كان قادرا على ذلك وكيف يجوز أن يجعل الشيطان بعد موت أنبيائه وأوليائه وسقوط التكليف عنهم واستحقاقهم كرامته وإحسانه وجنته بحكم وعده ومقتضى حكمته فجعله مسلطا على حبسهم في جهنم وإن قالوا الرب عز وجل ما كان يقدر على تخليصهم من الشيطان مع علمه بأنه ظالم معتد عليهم بعد الموت إلا بأن يحتال عليه بإخفاء نفسه ليتمكن الشيطان منه كما يزعمون فهذا مع ما فيه من الكفر العظيم وجعل الرب سبحانه عاجزا كما جعلوه أولا ظالما فيه من التناقض ما يقتضي عظيم جهلهم الذي جعلوا به الرب جاهلا فإنهم يقولون إنه إحتال على الشيطان ليأخذه بعدل كما إحتال الشيطان على آدم بالحية فاختفى منه لئلا يعلم أنه ناسوت الإله

418

وناسوت الإله لم يعمل خطيئة قط بخلاف غيره فلما أراد الشيطان أخذ روحه ليحبسه في جهنم كسائر من مضى وهو لم يعمل خطيئة استحق الشيطان أن يأخذه الرب ويخلص الذرية من حبسه وهذا تجهيل منهم للرب سبحانه وتعالى عما يقولون مع تعجيزه وتظليمه فإنه إن كان هو سلط الشيطان على بني آدم كما يقولون فلا فرق بين ناسوت المسيح وغيره إذ الجميع بني آدم وأيضا فإذا قدر أن الناسوت يدفع الشيطان عن نفسه بحق فإنهم يقولون إنه دخل الجحيم وأخرج منه ذرية آدم فيقال إن كان تسلط الشيطان على حبسهم في الجحيم بحق لأجل ذنوبهم مع ذنب أبيهم لم يجز إخراجهم لأجل سلامة ناسوت المسيح من الذنب وإن كانوا مظلومين مع الشيطان وجب تخليصهم قبل صلب الناسوت ولم يجز تأخير ذلك فليس في مجرد سلامة المسيح من الذنوب ما يوجب سلامة غيره وإن قالوا انه كان بدون تسلطه على صلبه عاجزا عن دفعه فهو مع تسلطه على صلبه أعجز وأعجز الأصل الثاني الفاسد الذي بنوا عليه سؤالهم الذي جعلوه من جهة المسلمين وجوابهم ظنهم أن المسلمين يقولون إن هذه الكتب حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة منها بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم

419

وهذا مما لا يقوله المسلمون ولكن قد يقول بعضهم إنه حرف بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ألفاظ بعض النسخ فإن الجمهور الذين يقولون إن بعض ألفاظها حرفت منهم من يقول كان هذا قبل المبعث ومنهم من يقول كان بعده ومنهم من يثبت الأمرين أو يجوزهما ولكن لا يقول إنه حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة في مشارق الأرض ومغاربها كما حكاه هذا الحاكي عنهم ولكن علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب متفقون على وقوع التحريف في المعاني والتفسير وإن كانت كل طائفة تزعم أن الأخرى هي التي حرفت المعاني وأما ألفاظ الكتب فقد ذهبت طائفة من علماء المسلمين إلى أن ألفاظها لم تبدل كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكتاب وذهب كثير من علماء المسلمين وأهل الكتاب إلى أنه بدل بعض ألفاظها وهذا مشهور عند كثير من علماء المسلمين وقاله ايضا كثير من علماء اهل الكتاب حتى في صلب المسيح ذهبت طائفة من النصارى إلى أنه إنما

420

صلب الذي شبه بالمسيح كما اخبر به القرآن وإن الذين أخبروا بصلبه كانوا قد أخبروا بظاهر الأمر فإنه لما ألقى شبهه على المصلوب ظنوا أنه هو المسيح أو تعمدوا الكذب ثم هؤلاء منهم الذين يقولون إن في ألفاظ الكتب ما هو مبدل وفيهم من يجعل المبدل من التوراة والإنجيل كثيرا منهما وربما جعل بعضهم المبدل أكثرهما لا سيما الإنجيل فإن الطعن فيه أكثر وأظهر منه في التوراة ومن هؤلاء من يسرف حتى يقول أنه لا حرمة لشيء منهما بل يجوز الاستنجاء بهما ومنهم من يقول الذي بدلت ألفاظه قليل منهما وهذا أظهر والتبديل في الإنجيل أظهر بل كثير من الناس يقول هذه الأناجيل ليس فيها من كلام الله إلا القليل والإنجيل الذي هو كلام الله ليس هو هذه الأناجيل

421

والصحيح أن هذه التوراة الذي بأيدي اهل الكتاب فيها ما هو حكم الله وإن كان قد بدل وغير بعض ألفاظهما كقوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم

422

الى قوله وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله فعلم أن التوراة التي كانت موجودة بعد خراب بيت المقدس وبعد مجيء بختنصر وبعد مبعث المسيح وبعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فيها حكم الله والتوراة التي كانت عند يهود المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قيل أنه غير بعض ألفاظها بعد مبعثه فلا نشهد على كل نسخة في العالم بمثل ذلك فإن هذا غير معلوم لنا وهو أيضا متعذر بل يمكن تغيير كثير من النسخ وإشاعة ذلك عند الأتباع حتى لا يوجد عند كثير من الناس إلا ما غير بعد ذلك ومع هذا فكثير من نسخ التوراة والإنجيل متفقة في الغالب إنما تختلف في اليسير من ألفاظها فتبديل ألفاظ اليسير من النسخ بعد مبعث الرسول ممكن لا يمكن أحد أن يجزم بنفيه ولا يقدر أحد من اليهود والنصارى أن يشهد بأن كل نسخة في العالم بالكاتبين متفقة الألفاظ إذ هذا لا سبيل لأحد إلى علمه والاختلاف اليسير في ألفاظ هذه الكتب

423

موجود في الكثير من النسخ كما قد تختلف نسخ بعض كتب الحديث أو تبدل بعض ألفاظ بعض النسخ وهذا خلاف القرآن المجيد الذي حفظت ألفاظه في الصدور بالنقل المتواتر لا يحتاج أن يحفظ في كتاب كما قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وذلك أن اليهود قبل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهده وبعده منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها وعندهم نسخ كثيرة من التوراة وكذلك النصارى عندهم نسخ كثيرة من التوراة ولم يتمكن أحد من جمع هذه النسخ وتبديلها ولو كان ذلك ممكنا لكان هذا من الوقائع العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها وكذلك في الإنجيل قال تعالى وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه فعلم أن في هذا الإنجيل حكما أنزله الله تعالى لكن

424

الحكم هو من باب الأمر والنهي وذلك لا يمنع أن يكون التغيير في باب الإخبار وهو الذي وقع فيه التبديل لفظا وأما الأحكام التي في التوراة فما يكاد أحد يدعي التبديل في ألفاظها وقد ذكر طائفة من العلماء ان قوله تعالى في الإنجيل وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه هو خطاب لمن كان على دين المسيح قبل النسخ والتبديل لا الموجودين بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وهذا القول يناسب مناسبة ظاهرة لقراءة من قرأ وليحكم أهل الإنجيل بكسر اللام كقراءة حمزة فإن هذه لام كي فإنه تعالى قال وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون

425

فإذا قرىء وليحكم كان المعنى وأتيناه الإنجيل لكذا وكذا وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه وهذا يوجب الحكم بما أنزل الله في الإنجيل الحق لا يدل على أن الإنجيل الموجود في زمن الرسول هو ذلك الإنجيل وأما قراءة الجمهور وليحكم أهل الإنجيل فهو أمر بذلك فمن العلماء من قال هو أمر لمن كان الإنجيل الحق موجودا عندهم أن يحكموا بما أنزل الله فيه وعلى هذا يكون قوله تعالى وليحكم أمر لهم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وقال آخرون لا حاجة إلى هذا التكلف فإن القول في الإنجيل كالقول في التوراة وقد قال تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل

426

فهذا قد صرح بأن أولئك الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود عندهم التوراة فيها حكم الله ثم تولوا عن حكم الله وقال بعد ذلك وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه وهذه لام الأمر وهو أمر من الله أنزله على لسان محمد وأمر من مات قبل هذا الخطاب ممتنع وإنما يكون الأمر أمرا لمن آمن

427

به من بعد خطاب الله لعباده بالأمر فعلم أنه أمر لمن كان موجودا حينئذ أن يحكموا بما أنزل الله في الإنجيل والله أنزل في الإنجيل الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر به في التوراة فليحكموا بما أنزل الله في الإنجيل مما لم ينسخه محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر أهل التوراة أن يحكموا بما أنزله مما لم ينسخه المسيح وما نسخه فقد أمروا فيها باتباع المسيح وقد أمروا في الإنجيل باتباع محمد صلى الله عليه وسلم فمن حكم من أهل الكتاب بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل لم يحكم بما يخالف حكم محمد صلى الله عليه وسلم إذ كانوا مأمورين في التوراة والإنجيل باتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وقال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق

428

فجعل القرآن مهيمنا والمهيمن الشاهد الحاكم المؤتمن فهو يحكم بما فيها مما لم ينسخه الله ويشهد بتصديق ما فيها مما لم يبدل ولهذا قال لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقد ثبت في الصحاح والسنن والمساند هذا في الصحيحين عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم قالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبدالله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوارة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبدالله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما

429

وأخرج البخاري عن عبدالله بن عمر أنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا فانطلق حتى جاء يهود فقال ما تجدون في التوراة على من زنى قالوا نسود وجوههما ويطاف بهما قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قال فجاءوا بها فقرأوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها فقال عبدالله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليرفع يده فرفعها فإذا تحتها آية الرجم قالوا صدق فيها آية الرجم ولكننا نتكاتمه بيننا وأن أحبارنا أحدثوا التحميم والتجبية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما فرجما وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا نعم فدعى رجلا من علمائهم فقال أنشدك الله الذي أنزل التوراة على

430

موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قال لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم فأنزل الله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم إلى قوله فأولئك هم الكافرون إلى الظالمون إلى الفاسقون قال هي في الكفار كلها وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ورجلا

431

من اليهود وأما السنن ففي سنن أبي داود عن زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال أئتوني التوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها وقال آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال ائتوني بأعلمكم فأتي بشاب ثم ذكر قصة الرجم

432

وأخرج أيضا أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله فقلنا نبي من أنبيائك قالوا فأتوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن قالوا نحممه ونجبيه ونجلده والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال وسكت شاب منهم فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ساكتا أنشده فقال اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال زنى ذو قرابة ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس

433

فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما قال الزهري فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم وأيضا فقد تحاكموا إليه في القود الذي كان بين بني قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل بعض إحدى القبيلتين قتيلا من الأخرى فيقتلونه ولم يضعفوا الدية وإذا قتل من القبيلة الشريفة قتلوا به وأضعفوا الدية قال أبو داود سليمان بن الأشعث في سننه حدثنا محمد بن

434

العلاء حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال كان قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي ماية وسق من تمر فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه إلينا نقتله فقالوا بيننا وبينكم محمد فأتوه فنزلت

435

وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط والقسط النفس بالنفس ثم نزلت أفحكم الجاهلية يبغون قال أبو داود قريظة والنضير من ولد هارون وبسط هذا له موضع آخر وعلى كل قول فقد أخبر الله عز وجل أن في التوراة الموجودة بعد المسيح عليه السلام حكم الله وأن أهل الكتاب اليهود تركوا حكم الله الذي في التوراة مع كفرهم بالمسيح وهذا ذم من الله لهم على ما تركوه من حكمه الذي جاء به الكتاب الأول ولم ينسخه الرسول الثاني وهذا من التبديل الثاني الذي ذموا عليه ودل ذلك على أن في التوراة الموجودة بعد مبعث المسيح حكما أنزله الله أمروا أن يحكموا به وهكذا يمكن أن يقال في الإنجيل

436

ومعلوم أن الحكم الذي أمروا أن يحكموا به من أحكام التوراة ولم ينسخه الإنجيل ولا القرآن فكذلك ما أمروا أن يحكموا به من أحكام الإنجيل هو مما لم ينسخه القرآن وذلك أن الدين الجامع أن يعبد الله وحده ويأمر بما أمر الله به ويحكم بما أنزله الله في أي كتاب أنزله ولم ينسخه فإنه يحكم به ولهذا كان مذهب جماهير السلف والأئمة أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ومن حكم بالشرع المنسوخ فلم يحكم

437

بما أنزل الله كما أن الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكموا بما أنزل الله في القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ فهكذا القول في جنس الكتب المنزلة قال تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون

438

فقد أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما أنزل الله إليه وحذره اتباع أهوائهم وبين أن المخالف لحكمه هو حكم الجاهلية حيث قال تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وأخبره تعالى أنه جعل لكل من أهل التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاجا وأمره تعالى بالحكم بما أنزل الله أمر عام لأهل التوراة والإنجيل والقرآن ليس لأحد في وقت من الأوقات أن يحكم بغير ما أنزل الله والذي أنزله الله هو دين واحد اتفقت عليه الكتب والرسل وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة وإن تنوعوا في الشرعة والمنهاج بين ناسخ ومنسوخ فهو شبيه بتنوع حال الكتاب الواحد فإن المسلمين كانوا أولا مأمورين بالصلاة لبيت المقدس ثم أمروا أن يصلوا إلى المسجد الحرام وفي كلا الأمرين إنما اتبعوا ما أنزل الله عز وجل

439

وكذلك موسى عليه السلام كان مأمورا بالسبت محرما عليه ما حرمه الله في التوراة وهو متبع ما أنزله الله عز وجل والمسيح صلى الله عليه وسلم أحل بعض ما حرمه الله في التوراة وهو متبع ما أنزل الله عز وجل فليس في أمر الله لأهل التوراة والإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله أمر بما نسخ كما أنه ليس في أمر أهل القرآن أن يحكموا بما أنزل الله أمر بما نسخ بل إذا كان ناسخ ومنسوخ فالذي انزل الله هو الحكم بالناسخ دون المنسوخ فمن حكم بالمنسوخ فقد حكم بغير ما أنزل الله عز وجل ومما يوضح هذا قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين فإن هذا يبين أن هذا أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب الذي بعث إليهم إنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم فدل ذلك على أنهم عندهم ما يعلم أنه منزل من الله وأنهم مأمورون بإقامته إذ كان ذلك مما

440

قرره محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينسخه ومعلوم أن كل ما أمر الله به على لسان نبي ولم ينسخه النبي الثاني بل أقره كان الله آمرا به على لسان نبي بعد نبي ولم يكن في بعثة الثاني ما يسقط وجوب اتباع ما أمر به النبي الأول وقرره النبي الثاني ولا يجوز أن يقال إن الله ينسخ بالكتاب الثاني جميع ما شرعه بالكتاب الأول وإنما المنسوخ قليل بالنسبة إلى ما اتفقت عليه الكتب والشرائع وأيضا ففي التوراة والإنجيل ما دل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإذا حكم أهل التوراة والإنجيل بما أنزل الله فيهما حكموا بما أوجب عليهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن في التوراة والإنجيل ما يعلمون أن الله أنزله إذ لا يؤمرون أن يحكموا بما أنزل الله ولا يعلمون ما أنزل الله والحكم إنما يكون في الأمر والنهي والعلم ببعض معاني الكتب لا ينافي عدم العلم ببعضها وهذا متفق عليه في المعاني فإن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وأنه أرسل إلى الخلق رسلا من البشر وأنه أوجب العدل وحرم الظلم والفواحش والشرك وأمثال ذلك من الشرائع

441

الكلية وأن فيها الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب بل هم متفقون على الإيمان باليوم الآخر وقد تنازعوا في بعض معانيها واختلفوا في تفسير ذلك كما اختلفت اليهود والنصارى في المسيح المبشر به النبوات هل هو المسيح بن مريم عليه السلام أو مسيح آخر ينتظر

442

والمسلمون يعلمون أن الصواب في هذا مع النصارى لكن لا يوافقونهم على ما أحدثوا فيه من الإفك والشرك وكذلك يقال إذا بدل قليل من ألفاظها الخبرية لم يمنع ذلك أن يكون أكثر ألفاظها لم يبدل لا سيما إذا كان في نفس الكتاب ما يدل على المبدل وقد يقال أن ما بدل من ألفاظ التوراة والإنجيل ففي نفس التوراة والإنجيل ما يدل على تبديله فبهذا يحصل الجواب عن شبهة من يقول إنه لم يبدل شيء من ألفاظها فإنهم يقولون إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة والإنجيل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلم الحق من الباطل فسقط الاحتجاج بهما ووجوب العمل بهما على أهل الكتاب فلا يذمون حينئذ على ترك اتباعهما والقرآن قد ذمهم على ترك الحكم بما فيهما واستشهد بهما في مواضع وجواب ذلك أن ما وقع من التبديل قليل والأكثر لم يبدل والذي لم يبدل فيه ألفاظ صريحة تبين بها المقصود من غلط ما خالفها ولها شواهد ونظائر متعددة يصدق بعضها بعضا بخلاف المبدل فإنه ألفاظ قليلة وسائر نصوص الكتب يناقضها وصار هذا بمنزلة كتب الحديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إذا وقع في سنن أبي داود والترمذي أو غيرهما أحاديث قليلة ضعيفة كان في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين ضعف تلك

443

بل وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ قليلة غلط وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها مثل ما روي أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبدالرحمن بن

444

مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط وأنه ليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار كما قد بسط في موضعه والقرآن يدل على

445

غلط هذا ويبين أن الخلق في ستة أيام وثبت في الصحيح أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فيكون أول الخلق يوم الأحد وكذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف

446

بركوعين أو ثلاثة فإن الثابت المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عباس وعبدالله بن عمرو وغيرهم أنه صلى كل ركعة بركوعين ولهذا لم يخرج

447

البخاري إلا ذلك وضعف الشافعي والبخاري واحمد في أحد الروايتين عنه وغيرهم حديث الثلاث والأربع فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى الكسوف مرة واحدة وفي حديث الثلاث والأربع أنه صلاها يوم مات إبراهيم ابنه وأحاديث الركوعين كانت ذلك اليوم فمثل هذا الغلط إذا وقع كان في نفس الأحاديث الصحيحة ما يبين أنه غلط والبخاري إذا روى الحديث بطرق في بعضها غلط في بعض الألفاظ ذكر معه الطرق التي تبين ذلك الغلط كما قد بسطنا الكلام على ذلك في موضعه فكذلك إذا قيل أنه وقع تبديل في بعض ألفاظ الكتب المتقدمة كان في الكتب ما يبين لك الغلط وقد قدمنا أن المسلمين لا يدعون أن كل نسخة في العالم من زمن محمد صلى الله عليه وسلم بكل لسان من التوراة والإنجيل والزبور بدلت ألفاظها فإن هذا لا أعرف

448

أحدا من السلف قاله وإن كان من المتأخرين من قد يقول ذلك كما في بعض المتأخرين من يجوز الاستنجاء بكل ما في العالم من نسخ التوراة والإنجيل فليست هذه الأقوال ونحوها من أقوال سلف الأمة وأئمتها وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التوراة قال يا كعب إن كنت تعلم أن هذه هي التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها فعلق الأمر

449

على ما يمتنع العلم به ولم يجزم عمر رضي الله عنه بأن ألفاظ تلك مبدلة لما لم يتأمل كل ما فيها والقرآن والسنة المتواترة يدلان على أن التوراة والإنجيل الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما ما أنزله الله عز وجل والجزم بتبديل ذلك في جميع النسخ التي في العالم متعذر ولا حاجة بنا إلى ذكره ولا علم لنا بذلك ولا يمكن أحدا من أهل الكتاب أن يدعي أن كل نسخة في العالم بجميع الألسنة من الكتب متفقة على لفظ واحد فإن هذا مما لا يمكن أحدا من البشر أن يعرفه باختباره وامتحانه وإنما يعلم مثل هذا بالوحي وإلا فلا يمكن أحدا

450

من البشر أن يقابل كل نسخة موجودة في العالم بكل نسخة من جميع الألسنة بالكتب الأربعة والعشرين وقد رأيناها مختلفة في الألفاظ اختلافا بينا والتوراة هي أصح الكتب وأشهرها عند اليهود والنصارى ومع هذا فنسخة السامرة مخالفة لنسخة اليهود والنصارى حتى في نفس الكلمات العشر ذكر في نسخة السامرة منها من أمر استقبال الطور ما ليس في نسخة اليهود والنصارى وهذا مما يبين أن التبديل وقع في كثير من نسخ هذه الكتب فإن عند السامرة نسخا متعددة

451

وكذلك رأينا في الزبور نسخا متعددة تخالف بعضها بعضا مخالفة كثيرة في كثير من الألفاظ والمعاني يقطع من رآها أن كثيرا منها كذب على زبور داود عليه السلام وأما الأناجيل فالاضطراب فيها أعظم منه في التوراة فإن قيل فإذا كانت الكتب المتقدمة منسوخة فلماذا ذم أهل الكتاب على ترك الحكم بما أنزل الله منها قيل النسخ لم يقع إلا في قليل من الشرائع وإلا فالإخبار عن الله وعن اليوم الآخر وغير ذلك لا نسخ فيه وكذلك الدين الجامع والشرائع الكلية لا نسخ فيها وهو سبحانه ذمهم على ترك اتباع الكتاب الأول لأن أهل الكتاب كفروا من وجهين من جهة تبديلهم الكتاب الأول وترك الإيمان والعمل ببعضه ومن جهة تكذيبهم بالكتاب الثاني وهو القرآن كما قال تعالى وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين فبين أنهم كفروا قبل مبعثه بما أنزل عليهم وقتلوا الأنبياء كما

452

كفروا حين مبعثه بما أنزل عليه وقال تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين وقال تعالى فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير وقال تعالى فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين وإذا كان الأمر كذلك فهو سبحانه يذمهم على ترك اتباع ما أنزله في التوراة والإنجيل وعلى ترك اتباع ما أنزله في القرآن ويبين كفرهم بالكتاب الأول وبالكتاب الثاني وليس في شيء من ذلك أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ من الكتاب الأول كما ليس فيه أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ في الكتاب الثاني