5
فصل
ومما يبين به فضل أمته على جميع الأمم وذلك مستلزم لكونه رسولا صادقا كما تقدم وهو آية وبرهان على نبوته فإن كل ملزوم فإنه دليل على لازمه إن الأمم نوعان نوع لهم كتاب منزل من عند الله كاليهود والنصارى ونوع لا كتاب لهم كالهند واليونان والترك وكالعرب قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وما من أمة إلا ولا بد لها من علم وعمل بحسبهم ويقوم به ما يقوم من مصالح دنياهم وهذا من الهداية العامة التي جعلها الله لكل إنسان بل لكل حي كما يهدي الحيوان لجلب ما ينفعه بالأكل والشرب ودفع ما يضره باللباس والكن وقد خلق الله فيه حبا لهذا وبغضا لهذا قال تعالى
سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى
6
وقال موسى
ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال في أول ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم
اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وقال تعالى
ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ثم الأمم متفاضلون في معرفة الخالق تعالى وفي الإقرار بالمعاد بعد الموت إما للأرواح فقط وإما للأبدان فقط وإما لمجموعهما كما هو قول سلف الأمة المسلمين وأئمتهم وعامتهم أهل السنة والجماعة ومتفاضلون فيما يحمدونه ويستحسنونه من الأفعال والصفات وما يذمونه ويستقبحونه من ذلك
7
لكن عامة بني آدم على أن العدل خير من الظلم والصدق خير من الكذب والعلم خير من الجهل فإن المحسن إلى الناس خير من الذي لا يحسن إليهم وأما المعاد فهو إما للأرواح أو للأبدان وإن الناس بعد الموت يكونون سعداء أو أشقياء فيقر به كثير من الأمم غير أهل الكتاب وإن كان على وجه قاصر كحكماء الهند واليونان والمجوس وغيرهم وذلك أن أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال أحدها وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار وهو إثبات معاد الأواح والأبدان جميعا وأن الإنسان إذا مات كانت روحه منعمة أو معذبة ثم تعاد روحه إلى بدنه عند القيامة الكبرى ولهذا يذكر الله في كثير من السور أمر القيامتين القيامة الصغرى بالموت والقيامة الكبرى حين يقوم الناس من قبورهم وتعاد أرواحهم إلى ابدانهم كما ذكر الله القيامتين في سورة الواقعة حيث قال في أولها
إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون
8
ثم ذكر سبحانه حال الأصناف الثلاثة في القيامة الكبرى وقال في آخر السورة
فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم وكذلك في سورة القيامة
9
لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر فذكر القيامة الكبرى ثم قال في آخر السورة
كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق ولبسط هذا موضع آخر فإن ذكر ما ينال الروح عند فراق البدن من النعيم والعذاب كثير في النصوص النبوية
10
وأما وصف القيامة الكبرى في الكتاب والسنة فكثير جدا لأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وقد بعث بين يدي الساعة فلذلك وصف القيامة بما لم يصفها به غيره كما ذكر المسيح في صفته فقال إنه يخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للرب والقول الثاني قول من يثبت معاد الأبدان فقط كما يقول ذلك كثير من المتكلمين الجهمية والمعتزلة المبتدعين من هذه الأمة وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين أو جمهور المسلمين وذلك غلط فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا هو قول جمهور نظارهم بل هو قول طائفة من متكلميهم المبتدعة الذين ذمهم السلف والأئمة والقول الثالث المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط وأن الأبدان لا تعاد وهذا لم يقله أحد من أهل الملل لا المسلمين ولا اليهود ولا النصارى بل هؤلاء كلهم متفقون على إعادة الأبدان وعلى القيامة الكبرى ولكن من تفلسف من هؤلاء فوافق سلفه من الصابئة والفلاسفة المشركين على ان المعاد للروح وحده فإنه يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان وإن لم يكن له حقيقة وخاطبوهم بإثبات الصفات لله وليس له حقيقة وأن الأنبياء لم يظهروا الحقائق للخلق
11
وأنه لا يستفاد من أخبارهم معرفة شيء من صفات الله ولا معرفة شيء من أمر المعاد وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة وهؤلاء ملاحدة كفار عند المتبعين للأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى وإن كان هؤلاء كثيرين موجودين فيمن يتظاهر بأنه من أهل الملل لظهور أديانهم وهو في الباطن على هذا الرأي وهؤلاء القائلون بمعاد الأرواح فقط منهم من يقول بأن الأرواح تتناسخ أما في أبدان الآدميين أو أبدان الحيوان مطلقا أو في موضع الأجسام النامية ومنهم من يقول بالتناسخ للأنفس الشقية فقط وكثير من محققيهم ينكر التناسخ والقول الرابع إنكار المعادين جميعا كما هو قول أهل الكفر من العرب واليونان والهند والترك وغيرهم والمتفلسفة أتباع أرسطو كالفارابي وأتباعه لهم في معاد الأرواح ثلاثة أقوال قيل بالمعاد للنفس العالمة والجاهلة وقيل بالمعاد للعالمة دون الجاهلة وقيل بإنكار الاثنين والفارابي نفسه قد قال الأقوال الثلاثة وبسط الكلام على هذه الأمور له موضع آخر إذ المقصود
12
هنا أن كل ما عند أهل الكتاب بل وسائر أهل الأرض من علم نافع وعمل صالح فهو عند المسلمين وعند المسلمين ما ليس عند غيرهم في جميع المطالب التي تنال بها السعادة والنجاة وعقلاء جميع الأمم تأمر بالعدل ومكارم الأخلاق وتنهى عن الظلم والفواحش ولهم علوم إليهة وعبادات بحسبهم ويعظمون أهل العلم والدين منهم والهند واليونان والفرس في ذلك أكمل من كفار الترك والبربر ونحوهم مع أن هؤلاء أيضا فيهم قسط من ذلك ومعلوم عند الاعتبار أن الأمم الذين لهم كتاب كاليهود والنصارى أكمل من الأمم الذين لا كتاب لهم في الفضائل العلمية والعملية فإن ما لم يأخذه الناس عن الأنبياء يعلم بالعقل والاعتبار أو بالمنام والإلهام وأخبار الجن ونحو ذلك من طرق الأمم وكل طريق صحيح من الطرق العقلية والإلهامية وغيرها شارك
13
أهل الكتاب فيه من لا كتاب له ويمتاز أهل الكتاب بعلوم وأعمال أخذوها عن الأنبياء ليس في قوة من ليس بنبي ان يعلمها وهذا ظاهر في الأخلاق والسياسات المزلية فإن جنس أهل الكتاب ولو كان منسوخا مبدلا أحسن حال لا كتاب له وأما في العبادات والإيمان بالله واليوم الآخر فرجحانهم فيه ظاهر واما علوم وأعمال يكون ضررها راجحا كالسحر والطلسمات وما يتوسل به من الشرك إلى إستخدام الشياطين ونحو ذلك فهذا وإن كان غير أهل الكتاب أقوم به فإنما ذاك لاستغناء أهل الكتاب بما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة ولهذا لما ذكر الله سبحانه في قصة سليمان براءته عن
14
ذلك وكانت الشياطين قد كتبت كتب كفر وسحر ودفنتها تحت كرسي سليمان فلما مات أظهروا ذلك وقالوا إنما كان يسخر الجن بهذه الأسماء والعزائم فصدقهم فريقان فريق قدحوا في سليمان بل كفروه من أهل الكتاب وقال من فعل ذلك فهو كافر وفريق قالوا نحن نقتدي بسليمان ونفعل كما كان يفعل وهم أهل العزائم والطلاسم التي يستخدمون بها الجن ويقولون إن سليمان كان يستخدمهم بها حتى يقولوا إن هذه الأسماء كانت مكتوبة على تاجه وهذا صورة خاتمه وهذا كلام آصف بن برخيا إلى امثال ذلك مما يضيفونه إليه وهو كذب على سليمان وقد ذكر ذلك علماء المسلمين في تفسير قوله تعالى سورة البقرة الآيتان 101 103
15
فذم سبحانه من عدل عن اتباع كتاب الله ورسله واتبع ما تتلوه الشياطين على عهد سليمان وبين سبحانه أن سليمان لم يكفر ولكن الشياطين كفروا وأنهم يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل وأن الملكين هاروت وماروت ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر وأخبر سبحانه أنهم لا يضرون به احدا إلا بإذن الله
16
وأنهم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ثم قال
ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق أي من نصيب أي هؤلاء يعلمون أن صاحبه لا نصيب له في الآخرة وإنما يطلبون أنهم يقضون به أغراضهم الدنيوية لما لهم في ذلك من الهوى وذلك ضار لهم لا نافع كما قال في المشرك
يدعو لمن ضره أقرب من نفعه قال تعالى
ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون فبين سبحانه أنه بالإيمان والتقوى يحصل من ثواب الله ما هو خير لهم من هذا فإنهم إنما يطلبونه لما يرجون به من الخير لهم وهذا خير لهم وهذا كقوله
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم
17
فإن ما تطلبه النفوس فيه لها لذة يجعل خيرا بذلك الاعتبار لكن إذا كان الألم زائدا على اللذة كان شره أعظم من خيره والشرائع جاء بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فهي تأمر بما تترجح مصلحته وإن كان فيه مفسدة مرجوحة كالجهاد وتنهى عما ترجحت مفسدته وإن كان فيه مصلحة مرجوحة كتناول المحرمات من الخمر وغيره ولهذا أمر تعالى أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا فالأحسن إما واجب وإما مستحب قال تعالى
فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها وقال
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم فأمر باتباع الأحسن والأخذ به وقال تعالى
فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله فاقتضى أن غيرهم لم يهده وهذا يقتضي وجوب الأخذ بالأحسن وهو مشكل وقد تكلم الناس فيه ونظيره قوله تعالى
18
وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم وقوله تعالى
ادفع بالتي هي أحسن السيئة مع قوله تعالى في موضع آخر
ويدرؤون بالحسنة السيئة وقال تعالى
وجادلهم بالتي هي أحسن وقال
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقال تعالى
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في موضعين
19
وقد يقال هذا نظير قوله تعالى
فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم وقوله تعالى
آلله خير أما يشركون وقوله تعالى
تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وقوله
والله خير وأبقى وقوله
والآخرة خير وأبقى وقوله
فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا
20
وقوله
أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وقوله تعالى
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا وقوله تعالى
اعدلوا هو أقرب للتقوى وقوله
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ونظائر هذا كثيرة مما يذكر فيه أن المأمور به خير وأحسن من المنهي عنه وإن كان الأول واجبا والثاني محرما وذلك لأن المأمور به قد يشتمل على مفسدة مرجوحة والمنهي عنه يشتمل على مصلحة مرجوحة فيكون باعتبار ذلك في
21
هذا خير وحسن وفي هذا شر وسيىء لكن هذا خير وأحسن وإن كان واجبا فقوله تعالى
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم هو أمر بالأحسن من فعل المأمور أو ترك المحظور وهو يتناول الأمر بالواجب والمستحب فإن كلاهما أحسن من المحرم والمكروه لكن يكون الأمر أمر إيجاب وأمر استحباب كما امر بالإحسان في قوله تعالى
وأحسنوا إن الله يحب المحسنين والإحسان منه واجب ومنه مستحب
22
فصل
وإذا كان جنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن لا كتاب له فمعلوم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل من طائفتي أهل الكتاب اليهود والنصارى وأعدل وقد جمع لهم محاسن ما في التوراة وما في الإنجيل فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل منهم فيها فأما العلوم فهم أحذق في جميع العلوم من جميع الأمم حتى العلوم التي ليست بنبوية ولا أخروية كعلم الطب مثلا والحساب ونحو ذلك هم أحذق فيها من الأمتين ومصنفاتهم فيها أكمل من مصنفات الأمتين بل أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين منبوز بنفاق وإلحاد ولا قدر له عندهم لكن حصل له بما يعلمه من
23
المسلمين من العقل والبيان ما اعانه على الحذق في تلك العلوم فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لهذه العلوم من اولئك المتقدمين وأما العلوم الإلهية والمعارف الربانية وما أخبرت به الأنبياء من الغيب كالعرش والملائكة والجن والجنة والنار وتفاصيل المعاد فكل من نظر في كلام المسلمين فيها وكلام علماء اليهود والنصارى وجد كلام المسلمين فيها اكمل وأتم ومعلوم أن علم أهل الكتاب والملل بذلك أتم من علم غيرهم وأما العبادة والزهد والأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية فالكلام فيها مبني على أصل وهو معرفة المقصود بها وما به يحصل المقصود فنقول للناس في مقصود العبادات مذاهب منهم من يقول المقصود بها تهذيب أخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك للعلم وليست هي مقصودة في نفسها ويجعلونها من قسم الأخلاق وهذا قول متفلسفة اليونان وقول من اتبعهم من الملاحدة والإسماعيلية وغيرهم من المتفلسفة الإسلاميين
24
كالفارابي وابن سينا وغيرهما ومن سلك طريقهم من متكلم ومتصوف ومتفقه كما يوجد مثل ذلك في كتب أبي حامد والسهروردي المقتول وابن رشد الحفيد وابن عربي وابن سبعين لكن أبو حامد يختلف كلامه تارة يوافقهم وتارة يخالفهم وهذا القدر فعله ابن سينا وأمثاله ممن رام الجمع بين ما جاءت به الأنبياء وبين فلسفة المشائين أرسطو وأمثاله ولهذا تكلموا في الآيات وخوارق العادات وجعلوا لها ثلاثة أسباب القوى الفلكية والقوى النفسانية والطبيعية إذ كانت هذه هي المؤثرات في هذا العالم عندهم وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات وما للسحرة من العجائب هو من قوى النفس لكن الفرق بينهما أن ذلك قصده الخير هذا قصده الشر وهذا المذهب من افسد مذاهب العقلاء كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر فإنه مبني على إنكار الملائكة وإنكار الجن وعلى أن الله لا يعلم الجزئيات ولا يخلق بمشيئته وقدرته ولا يقدر على تغيير العالم ثم أن هؤلاء لا يقرون من المعجزات إلابما جرى على هذا
25
الأصل وأمكن أن يقال فيه هذا مثل نزول المطر وتسخير السباع وإمراض الغير وقتله ونحو ذلك وأما قلب العصا حية وإحياء الموتى وإخراج الناقة من الهضبة وانشقاق القمر وأمثال ذلك فلا يقرون به وقد علم بطرق متعددة ما يكون من الخوارق بسبب افعال الجن وبسبب افعال الملائكة وأحوال الجن معلومة عند عامة الأمم مسلمهم وكافرهم لا يجحد ذلك إلا من هو من أجهل الناس وكذلك من فسرها بقوى النفس وهذا غير إخبار الله عنهم فيما أنزله من الكتب وأما الملائكة فأمرهم أجل وهم رسل الله في تدبير العالم كما قال تعالى
فالمدبرات أمرا وقال
فالمقسمات أمرا وقد ذكر الله تعالى في كتبه من أخبارهم وأصنافهم
26
ما يطول وصفه وآثارهم موجودة في العالم يعرف ذلك بالاعتبار كما قد بسط في موضعه إذ المقصود هنا ذكر مذاهب الناس في العبادات وهؤلاء غاية ما عندهم في العبادات والأخلاق والحكمة العملية أنهم رأوا النفس فيها شهوة وغضب من حيث القوة العملية ولها نظر من جهة القوة العلمية فقالوا كمال الشهوة في العفة وكما الغضب في الحلم والشجاعة وكما القوة النظرية في العلم والتوسط في جميع ذلك بين الإفراط والتفريط هو العدل وما ذكروه من العمل متعلق بالندب لم يثبتوا خاصية النفس التي هي محبة الله وتوحيده بل ولا عرفوا ذلك كما لم يكن عندهم من العلم بالله إلا قليل مع كثير من الباطل كما بسط الكلام عنهم في موضعه ومحبة الله وتوحيده هو الغاية التي فيها صلاح للنفس وهو عبادة الله وحده لا شريك له فلا صلاح للنفس ولا كمال لها إلا في ذلك وبدون ذلك تكون فاسدة لا صلاح لها كما قد بسط الكلام على ذلك
27
في موضع آخر ولهذا كان هذا هو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل قال الله تعالى
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال
وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وقال تعالى
واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى
يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون
28
وقال لما ذكر قصص الأنبياء
إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون وقال تعالى
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال تعالى
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون
29
وقد قال تعالى
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده وهي حقيقة قول القائل لا إله إلا الله ولهذا بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب ولا تصلح النفس وتزكو وتكمل إلا بهذا كما قال تعالى
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد والإيمان وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة كما قال تعالى
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء
30
في موضعين من كتابه وهذا أول الكلمات العشر التي أنزلها الله على موسى حيث قال أنا الله لا إله إلا انا آلهك الذي أخرجتك من أرض مصر من التعبد لا يكون لك إله غيري لا تتخذ صورا ولا تمثالا ما في السموات من فوق ومن في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن إني إنا ربك العزيز وقد شهد المسيح عليه السلام أن هذا هو أعظم وصية في الناموس فعبادة الله وحده لا شريك له وان يكون الله احب إلى العبد من كل ما سواه هو أعظم وصية وكلمة جاء بها المرسلون كموسى والمسيح ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين وضد هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى قال تعالى
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله
31
وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن النفس ليس لها نجاة ولا سعادة ولا كمال إلا بأن يكون الله معبودها ومحبوبها الذي لا أحب إليها منه ولهذا كثر في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب فلا بد أن يكون العابد محبا للإله المعبود كمال الحب ولا بد أن يكون ذليلا له كمال الذل فمن احب شيئا ولم يذل له لم يعبده ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده وكمال الحب والذل لا يصلح إلا لله وحده فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا هو وذلك يتضمن كمال الحب والذل والإجلال والإكرام والتوكل والعبادة فالنفوس محتاجة إلى الله من حيث هو معبودها ومنتهى مرادها وبغيتها ومن حيث هو ربها وخالقها فمن آمن بالله رب كل شيء وخالقه ولم يعبد إلا الله وحده بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه وأخشى عنده من كل ما سواه وأعظم عنده من كل ما سواه وأرجى عنده من كل ما سواه بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه مثل ما يحب الله ويخشاه مثل ما يخشى الله ويرجوه مثل ما يرجو الله ويدعوه مثل ما يدعوه فهو
32
مشرك الشرك الذي لا يغفره الله ولو كان مع ذلك عفيفا في طعامه ونكاحه وكان حكيما شجاعا فما ذكره المتفلسفة من الحكمة العملية ليس فيها من الأعمال ما تسعد به النفوس وتنجو من العذاب كما أن ما ذكروه من الحكمة النظرية ليس فيها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فليس عندهم من العلم ما تهتدي به النفوس ولا من الأخلاق ما هو دين حق ولهذا لم يكونوا داخلين في أهل السعادة في الآخرة المذكورين في قوله تعالى
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذه الفضائل الاربع التي ذكرها المتفلسفة لا بد منها في كمال النفس وصلاحها وتزكيتها والمتفلسفة لم يحدوا ما يحتاج إليه بحد يبين مقدار ما تحصل به
33
النجاة والسعادة ولكن الأنبياء بينوا ذلك وقد قال سبحانه
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فهذه الأنواع الأربعة هي التي حرمها تحريما مطلقا لم يبح منها شيئا لأحد من الخلق ولا في حال من الاحوال بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وغير ذلك فإنه يحرم في حال وياح في حال وأما الأربعة فهي محرمة مطلقا فالفواحش متعلقة بالشهوة والبغي بغير الحق يتعلق بالغضب والشرك بالله فساد أصل العدل فإن الشرك ظلم عظيم والقول على الله بلا علم فساد في العلم فقد حرم سبحانه هذه الأربعة وهي فساد الشهوة والغضب وفساد العدل والعلم وقوله
وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا يتضمن تحريم أصل الظلم في حق الله وذلك يستلزم إيجاب العدل في حق الله تعالى وهو عبادته وحده لا شريك له فإن
34
النفس لها القوتان العلمية والعملية وعمل الإنسان عمل اختياري والعمل الاختياري إنما يكون بإرادة العبد وكل إنسان له إرادة وعمل بإرادته فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الأسماء الحارث وهمام والإرادة لا بد لها من مراد وكل مراد فأما أن يراد لنفسه وأما أن يراد لغيره والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه فالقوة العملية تستلزم أن يكون للإنسان مراد وذلك المراد لنفسه هو علة فاعلة للعلة الفاعلة ولهذا قيل العامة تقول
35
قيمة كل امرىء ما يحسنه والعارفون يقولون قيمة كل امرىء ما يطلب وفي بعض الكتب المتقدمة إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته وهؤلاء المتفلسفة لم يذكروا هذا في كمال النفس وإنما جعلوا كمالها العملي في تعديل الشهوة والغضب بالعفة والحلم وهذا غايته ترك الإسراف في الشهوة والغضب والشهوة هي جلب ما ينفع البدن ويبقي النوع والغضب دفع ما يضر البدن ولم يتعرضوا لمراد الروح الذي يحبه لذاته مع أنهم إنما تكلموا فيما يعود إلى البدن وجعلوا ذلك إصلاحا للبدن الذي هو آلة للنفس وجعلوا كمال النفس في مجرد العلم وقد بسطنا غلطهم في هذا الأصل من وجوه في غير هذا الموضع وبينا أن النفس لها كمال في العمل والإرادة كما أن لها
36
كمالا في العلم وأن العلم المجرد ليس كمالا لها ولا صلاحا ولو كان كمالا لم يكن ما عندهم من العلم ما هو كمال النفس وبينا غلط الجهمية الذين قالوا الإيمان هو مجرد العلم وأن الصواب قول السلف والأئمة إن الإيمان قول وعمل أصله قول القلب وعمل القلب المتضمن علم القلب وإرادته وإذا كان لا بد للنفس من مراد محبوب لذاته لا تصلح إلا به ولا تكمل إلا به وذلك هو إلهها فليس لها إله يكون به صلاحا إلا الله ولهذا قال الله تعالى
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وليس ذلك للإنسان فقط بل للملائكة الجن فإنهم كلهم أحياء عقلاء ناطقون لهم علم وعمل اختياري ولا صلاح لهم إلا بمرادهم المحبوب لذاته وهو معبودهم ولا يجوز أن يكون معبودا محبوبا لنفسه إلا الله فلو كان في السموات والأرض إله إلاالله لفسدتا فلهذا كان دين جميع الرسل عبادة الله وحده لاشريك له
37
وهؤلاء المتفلسفة لا يعرفون ذلك فليس عندهم من صلاح النفس وكمالها في العلم والعمل ما تنجو به من الشقاء فضلا عما تسعد به ومما يبين ذلك أن أرسطو معلمهم الأول هو وأتباعه إنما أثبتوا العلة الأولى بالحركة الفلكية فقالوا الحركة الدورية حركة اختيارية نفسانية فقوامه بحركته الاختيارية وفساده بعدمها وقوام حركته بما يتحرك لأجله فإن الفاعل بالاختيار إنما قوامه بعلته الغائية التي يتحرك لأجلها وغايته التي يتحرك لأجلها هو العلة الأولى فإنه يتحرك للتشبه بها فجعلوا قوام العالم كله بالعلة الأولى من حيث هو متشبه به لأن المتحرك باختياره لا بد له من مراد ومعلوم أن الحركة الإرادية تطلب مرادا محبوبا لنفسها وتستلزم ذلك اعظم من استلزامها مشبها به فإن كل متحرك بإرادة لابد له من مراد محبوب لنفسه فإن الإرادة لا بد لها من مراد والمراد يكون إما مرادا لنفسه وإما لغيره والمراد لغيره إنما يراد لذلك الغير بد أن يكون ذلك الغير مرادا لنفسه أو منتهى إلى مراد لنفسه وإلا لزم التسلسل في العلل الغائبة وذلك باطل كبطلان التسلسل في العلل الفاعلية بصريح
38
العقل واتفاق العقلاء وبسط هذا له موضع آخر وإذا كان الفاعل باختيار يستلزم مرادا لنفسه محبوبا فلابد أن يكون لما يتحرك في السموات بإرادته سواء كان هؤلاء الملائكة أو ما يسمونه هم نفسا من محبوب مراد لذاته يكون هو الإله المعبود المراد بتلك الحركات وكذلك نفس الإنسان حركتها بالإرادة من لوازم ذاتها فلا بد لها من محبوب مراد لذاته وهو الإله وهذا المحبوب المراد لذاته هو الله تعالى ويمتنع أن يكون غيره كما قد بسط هذا في موضع آخر وبين أن يمتنع أن يكون موجودا بغيره بل هو واجب الوجود بنفسه فيمتنع أنه يكون مرادا لغيره بل مراد لنفسه وكما يمتنع أن يكون للعالم ربان قادران يمتنع أن يكون للعالم إلهان معبودان فإن كون أحدهما قادرا يناقض كون الآخر قادرا لامتناع اجتماع القادرين على مقدور واحد وامتناع كون أحدهما قادرا على الفعل حين يكون الأخر قادرا عليه وامتناع ارتفاع قدرة أحدهما بقدرة الآخر مع التكافؤ
39
كذلك يمتنع أن يكون إلهان معبودان محبوبان لذاتهما لأن كون أحدهما هو المعبود لذاته يناقضه أن يكون غيره معبودا لذاته فإن ذلك يستلزم أن يكون بعض المحبة والعمل لهذا وبعض ذلك لهذا وذلك يناقض كون الحب والعمل كله لهذا فإن الشركة نقص في الحب فلا تكون حركة المتحرك بإرادته له فلا يكون أحدهما معبودا معمولا له إلا إذا لم يكن الآخر كذلك فإن العمل لهذا يناقض أن يكون له شريك فضلا عن أن يكون لغيره وكل من أحب شيئين فإنما يحبهما لثالث غيرهما وإلا فيمتنع أن يكون كل منهما محبوبا لذاته إذ المحبوب لذاته هو الذي تريده النفس وتطلبه وتطمئن إليه بحيث لا يبقى لها مراد غيره وهذا يناقض أن يكون له شريك والقول الثاني قول من يقول إن الله عوض الناس بالتكليف بالعبادات ليثيبهم على ذلك بعد الموت فإن الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف لما فيه من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف كما يقول ذلك القدرية من المسلمين وغيرهم
40
وهؤلاء قد يجعلون الواجبات الشرعية لطفا في الواجبات العقلية وقد يقولون إن الغاية المقصودة التي بها يحصل الثواب هو العمل والعلم ذريعة إليه حتى يقولوا مثل ذلك في معرفة الله تعالى يقولون إنما وجبت لأنها لطف في أداء الواجبات العقلية العملية والقول الثالث قول من يقول بل الله أمر بذلك لا لحكمة مطلوبة ولا بسبب بل لمحض المشيئة وهذا قول الجبرية المقابلين للقدرية كالجهم والأشعري وخلق كثير من
41
المتكلمين والفقهاء والصوفية وغيرهم القول الرابع قول سلف الأمة وأئمتها وهو أن نفس معرفة الله تعالى ومحبته مقصودة لذاتها وأن الله سبحانه محبوب مستحق للعبادة لذاته لا إله إلا هو ولا يجوز أن يكون غيره محبوبا معبودا لذاته وأنه سبحانه يحب عباده الذين يحبونه ويرضى عنهم ويفرح بتوبة التائب ويبغض الكافرين ويمقتهم ويغضب عليهم ويذمهم وأن في ذلك من الحكم البالغة وكذلك من الأسباب ما يطول وصفه في هذا الخطاب كما قد بسط في موضعه إذ المقصود هنا التنبيه على ان المسلمين في هذا أكمل من غيرهم في العلوم النافعة والأعمال الصالحة وإذا عرف مذاهب الناس في مقاصد العبادات فهم أيضا مختلفون في صفاتها فمن الناس من يظن أن كل ما كان أشق على النفس وأشد إماتة لشهوتها فهو أفضل وهذا مذهب كثير من
42
المشركين الهند وغيرهم وكثير من أهل الكتاب اليهود والنصارى وكثير من مبتدعة المسلمين والثاني قول من يقول إن أفضلها ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية والثالث قول من يقول فضل بعضها على بعض لا علة له بل يرجع إلى محض المشيئة والرابع وهو الصواب أن أفضلها ما كان لله أطوع وللعبد أنفع فما كان صاحبه أكثر انتفاعا به وكان صاحبه أطوع لله به من غيره فهو أفضل كما جاء في الحديث خير العمل أنفعه وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل من عبادات غيرهم أما عن الأول فأولئك يقولون كلما كانت الأعمال اشق على النفس فهي أفضل ثم هؤلاء قد يفضلون الجوع والسهر والصمت والخلوة ونحو ذلك كما يفعل ذلك من يفعله من المشركين الهند وغيرهم ومن النصارى ومبتدعة هذه الأمة ولكن يقال لهم الجهاد أعظم مشقة من
43
هذا كله فإنه بذل النفس وتعريضها للموت ففيه غاية الزهد المتضمن لترك الدنيا كلها وفيه جهاد النفس في الباطن وجهاد العدو في الظاهر ومعلوم ان المسلمين أعظم جهادا من اليهود والنصارى فإن اليهود خالفوا موسى في الجهاد وعصوه والنصارى لا يجاهدون على دين وأما على قول من يجعل العبادات الشرعية لطفا في الواجبات العقلية فلاريب أن عبادات المسلمين كصلاتهم وصيامهم وحجهم أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم التي ابتدعوها فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل وأما على قول نفاة التعليل ورد ذلك إلى مشيئة الله فيكون الأمر في ذلك راجعا إلى محض مشيئة الله وتعبده للخلق وحينئذ فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله الذي جاء به الرسل يكون متعبدا بما أمر الله به بخلاف من تكون عباداته قد ابتدعها أكابرهم من غير أن يأتيهم بها رسول الله من عند الله وأما على القول الرابع فإن علم أن الله أمر به يتضمن طاعة الله وهذا إنما يكون في عبادات أمر الله بها وهي عبادات المسلمين
44
دون من ابتدع كثيرا من عباداتهم أكابرهم وأما انتفاع العباد بها فهذا يعرف بثمراتها ونتائجها وفوائدها ومن ذلك آثارها في صلاح القلوب فليتدبر الإنسان عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم يظهر له الفرق بينهم وبين غيرهم ثم صفات عباداتهم فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف والركوع والسجود واستقبال بيت إبراهيم الذي هو إمام الخلائق والإمساك فيها عن الكلام وما فيها من الخشوع وتلاوة القرآن واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره من الكتب لكل متدبر منصف إلى أمثال ذلك من الأمور التي يظهر بها فضل عبادات المسلمين على عبادات غيرهم وأما حكم المسلمين في الحدود والحقوق فلايخفى على عاقل فضله حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشرع المسلمين إذ لم يكن لهم شرع يحكم به الناس وليس في الإنجيل حكم عام بل عامته وإنما فيه الأمر بالزهد ومكارم الأخلاق وهو مما يأمر به المسلمون أيضا وقد ذكرنا في كون المسلمين معتدلين متوسطين بين اليهود
45
والنصارى في التوحيد والنبوات والحلال والحرام وغير ذلك مما يبين أنهم أفضل من الأمتين مع أن دلائل هذا كثيرة جدا وإنما المقصود التنبيه على ذلك وحينئذ ففضل الأمة يستلزم فضل متبوعها
46
فصل
ومما يبين أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن من دعا إلى مثل ما دعا إليه لا يخلو من ثلاثة أقسام إما ان يكون نبيا صادقا مرسلا من الله كما أخبر عن نفسه بمنزلة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى سورة النساء الآيات 162 166 وإما أن يكون ملكا مسلما عادلا وضع ناموسا سياسيا
47
وقانونا عدليا ينفع به الخلق ويحملهم به على السيرة العادلة بمبلغ علمه كان ان للأمم من يضع لهم النواميس مثل واضعي النواميس من اليونان والهند والفرس وغيرهم وإن كان واضع الناموس مختصا بقوة قدسية ينال بها العلم بسهولة وقوة نفسية يتصرف فيها تصرفات خارجة عن العادة ويكون له قوة تخييلية تمثل له في نفسه أشكالا نورانية وأصواتا يسمعها في داخل نفسه فإن هذه الخواص الثلاثة هي التي يقول ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة إنها خواص النبي ومن قامت به كان نبيا والنبوة مكتسبة عندهم ولكن لما كانت هذه موجودة لكثير من الخلق ولم يصل بها إلى قريب من درجة الصديقين أتباع الأنبياء كالخلفاء الراشدين وحواريي عيسى واصحاب موسى جعلناها من هذا القسم إذ صاحب هذا قد يكون فيه عدل وسياسة بحسب ما معه من العلم والعدل فهذا القسم الثاني وإما ان يكون رجلا كاذبا فاجرا أفاكا أثيما يتعمد الكذب والظلم أو يتكلم بلا علم فيخطىء خطأ من يتكلم بلا علم ومن يظن الكذب صدقا والباطل حقا والضلال هدى والغي
48
رشدا والظلم عدلا والفساد صلاحا وكل من دعا الخلق إلى متابعته وطاعته على سبيل الحتم والإيجاب بأن يصدقوه بما اخبر ويطيعوه فيما أمر به وأوجبه باطنا وظاهرا من غير أن يخير أحدا في اتباعه وتصديقه وطاعته ولا يسوغ له مخالفته بوجه من الوجوه لا في الباطن ولا في الظاهر لم يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة وذلك لأنه إما أن يكون قصده الإثم والعدوان أو قصده البر والعدل فإن كان قصده الأول فهو ظالم فاجر ومثل هذا لا يكون إلا كاذبا عمدا أو خطأ وإن كان قصده البر والعدل فلايخلو مع ذلك إما أن يكون عالما بكل ما يخبر به من الغيوب جازما بصدق نفسه جزما لا يحتمل النقيض عالما بأن ما يأمر به عدل لا يجوز لمن أمره أن يعصيه بوجه من الوجوه وإما ان لا يكون جازما بذلك فإن كان جازما بذلك كان هذا هو النبي المعصوم الذي لا يخبر إلا بحق ولا يأمر إلا بعدل
وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم بخلاف القسم الذي يتحرى العدل والصدق باجتهاده ورأيه فإن
49
هذا قد يأمر بأشياء يجوز ان تكون المصلحة والعدل والصدق في خلافها ويخبر بأشياء باجتهاده يحوز أن يكون الأمر فيها بخلاف ذلك ولا بد ان يغلط في بعض ما يخبر به من العلميات وما يأمرهم به من العمليات فإنه لا معصوم إلا الأنبياء ولهذا لم يجب الإيمان بكل ما يقوله بشر إلا أن يكون نبيا فإن الإيمان واجب بكل ما يأتي به النبي قال تعالى
قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون وقال تعالى
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وإذا كان الأمر كذلك فمعلوم بالتواتر أن محمدا ذكر أنه رسول
50
كإبراهيم وموسى وعيسى بل اخبر أنه سيد ولد آدم وأن آدم فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة وأنه لما اسري به وعرج إلى ربه علا على الأنبياء كلهم على إبراهيم وموسى وهرون ويحيى وعيسى وغيرهم وأخبر أنه لا نبي بعده وأن امته هم الآخرون في الخلق السابقون يوم القيامة وأن الكتاب الذي انزل إليه أحسن الحديث وأنه مهيمن على ما بين يديه من الكتب مع تصديقه لذلك وحينئذ فإن كان عالما بصدق نفسه فهو نبي رسول ومن قال هذا القول وهو يعلم أنه كاذب فهو من أظلم الناس وأفجرهم
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء وإن كان يظن صدق نفسه وليس كذلك فهو مخطىء غالط ملبوس عليه وإذا كان كذلك فلابد ان يخطىء فيما يخبر به من الغيوب ويظلم فيما يأمر به من العدل ولا يتصور استمراره على هذا بل لا بد ان يتبين له ولغيره أنه صادق أو كاذب فإن من ظن صدق نفسه في مثل هذه الدعوى وليس بصادق
51
يكون من أجهل الناس وأظلمهم وأبعدهم عن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب والخير والشر فإن هذا بمنزلة من اشتبه عليه النبي الصادق بالمتنبي الكذاب وهذا من أجهل الناس وإذا اشتبه عليه حال غيره فكيف بمن اشتبه عليه حال نفسه ولم يعلم ما يقوله أصدق هو أم كذب ومن كان جاهلا مع هذه الدعوى العظيمة التي لم يدع بشر مثلها ومع كثرة ما يخبر به من الغيوب الماضية والمستقبلة ويأمر به وينهى عنه من الأمور الكلية والسنن العامة والشرائع والنواميس فلا بد أن يكون فيها من الضلال والغي ما يبين لأكثر الخلق فإذا كانت أخباره عن الماضي والمستقبل يصدق بعضها بعضا والذي يأمر به هو الطريق الأقوم والكتاب الذي جاء به كتاب متشابه مثاني يشبه بعضه بعضا في الصدق قال تعالى
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
52
فإنه لو كان من عند غير الله لوجب أن يكون فيه تناقض لامتناع قدرة البشر على أن تخبر بهذه الأخبار وما فيها من الغيوب ويأمر بهذه الأوامر مع سلامة ذلك من التناقض ولهذا لا يوجد بشر غير نبي يسلم من ذلك وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد علم بالاضطرار من سيرته أنه كان يتحرى الصدق والعدل وأنه ما جربت عليه كذبة قط وعلم أنه كان جازما بما يخبر به مع عظم الأخبار وكثرتها وهو وحده قام يدعو الناس إلى ما جاء به ومن عادة طالب الملك والرياسة ولو كان عادلا أن يستعين بمن يعينه كأقاربه وأصدقائه ونحوهم وأن يبذل للنفوس من العاجل ما يرغبها به كالمال والرياسة ويرهب من خالفه ومحمد صلى الله عليه وسلم دعا الناس وحده وهو بمكة فآمن به المهاجرون فتعين أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير من النصارى ثم آمن به أهل البحرين ولم يعط أحدا منهم درهما ولا كان معه ما يخيفهم به لا سيف ولا غيره بل مكث بمكة بضع عشرة سنة هو والمؤمنون به مستضعفين لم يكن له مال يبذله لهم ولا سيف يخيفهم به
53
وكان أعظم من آمن به أبو بكر الصديق مع كمال عقله وخلقه ودينه في قومه ومحبتهم له وعلو قدره فيهم أنفق ماله كله في سبيل الله حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما تركت لأهلك قال تركت لهم الله ورسوله ولم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم درهما واحدا يخصه به ثم تولى الأمر بعده وترك ما كان معه للمسلمين وتولى بعده عمر بن الخطاب وفتح أعظم ممالك العالم مملكة فارس والروم فقهر الروم على بلاد الشام والجزيرة ومصر وأميره الكبير أبو عبيدة أزهد الخلق في الأموال وأعبدهم للخالق وأرحمهم للمخلوق وأبعدهم عن هوى النفس ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه إن لكل أمة أمينا وأمين هذه
54
الأمة أبو عبيدة بن الجراح وأميره على فارس سعد بن أبي وقاص الذي كان مستجاب الدعوة وكان من أزهد الناس وكان آخر من بقي من أهل الشورى والناس يتنازعون في الولاية وهو معتزل في قصره بالعقيق لا يزاحم أحدا فقال له ابنه عمر تركت الناس يتنازعون الملك وجلست ههنا فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني النقي الخفي
55
فصل
ومن آيات محمد صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته التي في القرآن قصة الفيل قال تعالى
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول وقد تواترت قصة أصحاب الفيل وأن أهل الحبشة النصارى ساروا بجيش عظيم معهم فيل ليهدموا الكعبة لما أهان بعض العرب كنيستهم التي باليمن فقصدوا إهانة الكعبة وتعظيم كنايسهم فارسل الله عليهم طيرا أهلكهم وكان ذلك عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان ودين النصارى خير من دينهم
56
فعلم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ بل كانت لأجل البيت أو لأجل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ولد به في ذلك العام عند البيت أو لمجموعهما وأي ذلك كان فهو من دلائل نبوته فإنه إذا قيل إنما كانت آية للبيت وحفظا له وذبا عنه لأنه بيت الله الذي بناه إبراهيم الخليل فقد علم أنه ليس من أهل الملل من يحج إلى هذا البيت ويصلى إليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد هو الذي فرض حجه والصلاة إليه فإذا كان هذا البيت عند أهل الكنائس لما ارادوا تعظيم الكنائس وإهانة البيت علم أن دين أهل هذا البيت خير من دين النصارى والمشركون ليسوا خيرا من النصارى فتعين أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير من النصارى وذلك يستلزم أن نبيهم صادق وإلا فمن كانوا متبعين لنبي كاذب فليسوا خيرا من النصارى بل هم شرار الخلق كأتباع مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهما وقال في القرآن
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل
57
والأبابيل جماعات في تفرقة فوج بعد فوج
ترميهم بحجارة من سجيل أي من طين مستحجر
فجعلهم كعصف مأكول كالتبن الذي أكل وقوله
ألم تر إستفهام في معنى التقرير وهذا يقتضي أن هذا قد وقع وعلم به الناس ورأوه وقد قررهم على ذلك لما فيه من الدلالة والبيان والإنعام على الخلق ومن آيته الظاهرة التي في القرآن ما ذكره من أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا بخلاف ما كانت العادة جارية به قال تعالى
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا
58
إلى قوله
وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا وقال تعالى
وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون وهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤه على الناس وهم يقرؤنه ولم ينكره أحد ولا ارتاب به مؤمن ولا احتج به عليه كافر فدل أن الناس علموا صدق ما أخبرت به الجن من أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا وانهم لم يتمكنوا حينئذ مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك من الاستماع ومعلوم ان هذا أمر يراه الناس بأبصارهم فإن امتلأ السماء بالشهب أمر يراه الناس كلهم فلو لم يكن كذلك لكان الناس يكذبون بهذا مؤمنهم وكافرهم فإن الجماعة العظيمة الذين لم يتواطئوا يمتنع اتفاقهم على الكذب وعلى التصديق بما يعلمون أنه كذب وعلى كتمان ما يعلمونه وعلى ترك إنكار ما يعلمون أنه كذب
59
وقد سمع القرآن ألوف مؤلفة أدركوا مبعثه وشاهدوا أحوال السماء فلو لم يكن هذا كان موجودا مع أن عامتهم كانوا مكذبين لهو لما آمنوا كانوا طوائف متباينين يمتنع اتفاقهم على كذب أو كتمان أو سكوت فلما لم ينكر ذلك أحد بل تظاهرت الأخبار بمثل ما أخبر به القرآن من الرمي العظيم بالشهب الذي لم يعهده مثله حتى صاروا يشكون هل ذلك في الكواكب التي في الفلك أو في غيرها وقالوا إن كان في كواكب الأفلاك فهو خراب العالم فلما رواه فيما دونها علموا أنه لأمر حدث ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا وبين السماء أرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فانطلقوا يضربون
60
مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهي بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومم فقالوا يا قومنا
إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن وفي لفظ البخاري بنخلة قريبا من مكة وهو الصواب
61
وقد ظن بعض الناس أن الشهب لم يكن يرمي بها قبل ذلك بحال والصواب أنه كان الرمي بها كما هو الآن أحيانا كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ورواه أيضا أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال لهم ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية قالوا كنا نقول حين رأيناها يرمي بها مات ملك ولد مولود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله إذا قضى في خلقه أمرا يسمعه أهل العرش فيسبحون فيسبح من تحتهم بتسبيحهم فيسبح من تحت ذلك فلم يزل التسنبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا حتى يقول بعضهم لبعض لم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم فيقولون ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا فيسألونهم فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى سماء الدنيا فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم فيخطئون ويصيبون فيحدث الكهان وفي الصحيحين عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن
62
الكهان قد كانوا يحدثوننا بالشيء فيكون حقا قال تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيزيد فيها اكثر من مائة كذبة وروى البخاري في صحيحه عن عائشة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي هريرة قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قضى الله الأمرا في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على
63
صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذ قال ربكم قالوا للذي قال
الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقوا السمع ومسترقوا السمع هكذا بعضهم فوق بعض فيسمع الكلمة فيلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل ان يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا الكلمة التي سمعت من السماء فيصدق بتلك الكلمة الي سمعت من السماء ورواه محمد ابن إسحاق عن الزهري وقال في آخره ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم فانقطعت الكهانة فلا كهانة ورواه معمر عن الزهري وقال فقلت للزهري أو كان يرمي بها في الجاهلية قال نعم قلت يقول الله
وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع الآية قال غلظت واشتد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه
64
وسلم وروى الطبري عن داود ثنا عاصم بن علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي وكان الوحي إذا أوحي سمعت الملائكة كهيئة الحديدة رمى بها على الصفوان فإذا سمعت الملائكة صلصلة الوحي خر لجباههم من في السماء
65
من الملائكة فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي قالوا ماذا قال ربكم قال فينادون قال ربكم
الحق وهو العلي الكبير قال فإذا نزل إلى السماء الدنيا قالوا يكون في الأرض كذا وكذا موتا وكذا وكذا حياة وكذا وكذا جدوبة وكذا وكذا خصبا وما يريد أن يصنع وما يريد أن يبتدي تبارك وتعالى فنزلت الجن فأوحوا إلى أوليائهم من الإنس ما يكون في الأرض فبينما هم كذلك إذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم فزجرت الشياطين ورموهم بالكواكب فمنعوا فجعل لا يصعد احد إلا احترق وفزع أهل الأرض لما رأوا في الكواكب ولم يكن قبل ذلك فقالوا هلك من في السماء وكان أهل الطائف أول من فزع فينطلق الرجل إلى إبله فينحر كل يوم بعيرا لآلهتهم فينطلق صاحب الغنم فيذبح كل يوم شاة فينطلق صاحب البقر فيذبح كل يوم بقرة فقال لهم رجل ويلكم لا تهلكوا أموالكم فإن معالمكم من
66
الكواكب التي تهتدون بها لم يسقط منها شيء فأقلعوا وقد اسرعوا في أموالهم وقال إبليس حدث في الأرض حدث فأتوني من كل مكان في الأرض بتربة فجعل لا يؤتى بتربة أرض إلا شمها فلما أتى بتربة تهامة قال ههنا حدث الحدث فصرف الله إليه نفرا من الجن وهو يقرأ القرآن فقالوا
إنا سمعنا قرآنا عجبا حتى ختم الآية فولوا
إلى قومهم منذرين
67
ورواه أبو زرعة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عطاء بنحوه ورواه البيهقي من طرق عن حماد بن سلمة عن عطاء ايضا فقد تبين انه لما كان في زمن المبعث ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا وقبل ذلك لم يكن الحرس شديدا ولا كانت السماء مملؤة حرسا وشهبا كما هي الآن يرمى بها أحيانا وكانوا يقعدون بها مقاعد للسمع أي يسترق أحدهم ما يسمعه كما يستمع المستمع إلى حديث غيره مختفيا بسماعه مسترقا له فكانت الشياطين تسترق أي تستمع ما تقوله الملائكة فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم صار أحدهم إذا سمع وجد الشهاب قد ارصد له فلم يستطع أن يقعد ويستمع كما كان قبل ذلك
68
فصل
وقد ذكرنا بعض آياته التي في القرآن لأن من أهل الكتاب من يقول لا نصدق إلا بما في القرآن كما في التوراة والإنجيل من آيات موسى والمسيح إذ كان نقل القرآن عنه متواترا لا يستريب فيه احد فنبهنا على بعض ما في القرآن مع أن آياته التي ليست في القرآن كثيرة جدا وليس من شرط المنقول المتواتر أن يكون في القرآن بل كما تواتر عنه في شريعته ما ليس في القرآن وهو من الحكمة التي أنزلها الله عليه كذلك وتواتر عنه من دلائل نبوته ما ليس في القرآن وهو من براهينه وآياته وقد قال عتعالى في غير موضع
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة فالحكمة نزلت عليه وهي منقولة في غير القرآن وقد تواتر عنه كون الصلوات خمسا والفجر ركعتين
69
والمغرب ثلاثا والباقي اربعا اربعا والرباعية في السفر ركعتان وتواتر عنه سجود السهو كذلك متواتر عنه أنواع من المعجزات والأخبار المتواترة في أصناف آياته وبراهينه كثيرة جدا لا يمكن إحصاؤها وهي مشتملة على جنسي العلم والقدرة على انواع من الإخبار بالغيوب المستقبلة مفصلة كأنما رآها بعينه لم يأت منها خبر إلا كما أخبر به وهذا أمر لم يكن قط إلا لنبي اما الكاهن والمنجم ونحو هؤلاء فيكذبون كثيرا كما يصدقون أحيانا ويخبرون بجمل غير مفصلة وأما أهل الولاة والصلاح فأعظمهم كشفا يخبر عن ذلك بأمور قليلة لا تبلغ عشر معشار ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ولايخبرون بها مفصلة كخبره وعلى انواع من القدرة والتصرف الخارق للعادة والآيات إما من باب العلم والخبر والمكاشفة وإما من باب القدرة والتأثير والتصرف
70
وفي القرآن من الإخبار بالمستقبلات شيء كثير كقوله تعالى
الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد فغلبت الروم فارس في بضع سنين وقد ذكرنا تفصيل ذلك فيما مضى وكقوله تعالى
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا وكان كما أخبر وروى الدارمي
71
عن أبي بن كعب قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل فنزلت
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات إلى آخر الآية وكان كذلك استخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن لهم دينهم في مشارق الأرض ومغاربها وقال تعالى
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا
72
وكان كما أخبر ووعد وقال تعالى
قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله وكان كما أخبر وقال تعالى
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله إلى قواه
فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين فأخبر أنهم لن يفعلوا وكان كما أخبر وأخبر أنه قال للمسيح
وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكان كما أخبر وأنزل في مكة
73
سيهزم الجمع ويولون الدبر وقال
ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا فكان كما أخبر وقال
ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وكانوا كما أخبر وقال
وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله
74
وكان كما أخبر وقال
لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون وقال
ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار
75
وقال
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وكان كذلك فلم يقاتلوهم بعد نزول الآية إلا انتصر عليهم المسلمون وما زال الإسلام في عز وظهور حتى ظهر على اهل المشرق والمغرب وقال تعالى خطابا لليهود
قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا وقال
قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين
76
فأخبر عن اليهود أنهم لن يتمنوا الموت أبدا وكان كما أخبر فلا يتمنى اليهود الموت ابدا وهذا دليل من وجهين من جهة إخباره بأنه لا يكون أبدا ومن جهة صرف الله لدواعي اليهود عن تمني الموت مع أن ذلك مقدور لهم وهذا من أعجب الأمور الخارقة للعادة وهم مع حرصهم على تكذيبه لم تنبعث دواعيهم لإظهار تكذيبه بإظهار تمني الموت وقال في سورة المدثر
ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا إلى قواه
سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر وقال عن أبي لهب عمه
تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وكان كما أخبر به مات الوليد كفارا ومات أبو لهب كافرا
77
وقال في سورة الفتح
وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين وقال
لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا وقال
قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما وهذا كله وقع كما أخبر فحصلت لهم الغنائم الكثيرة ودخلوا المسجد الحرام آمنين ودعيت الأعراب إلى قتال الروم والفرس يقاتلونهم أو يسملون فلا بد من القتال أو الإسلام ليس هناك هدنة بلا قتال كما كان يكون قبل نزول الآية
78
وقال تعالى
إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا فدخل الناس في دين الله أفواجا بعد الفتح فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام وقال تعالى عن المنافقين
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون وكذلك كان فروى أهل التفسير والمغازي والسير أن هذه الآية نزلت في المنافقين كعبد الله بن أبي وعبد الله
79
بن نبتل ورفاعة بن تابوت ونحوهم كانوا يقولون لبني النضير وهم اليهود حلفاؤهم
لئن أخرجتم لنخرجن معكم الآية فأخبر الله عنهم انهم لن يفعلوا ذلك وكذلك كان وضرب الله لهم مثلا بالشيطان
إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين كذلك المنافقون وبنو النضير
80
فصل
وآياته صلى الله عليه وسلم قد استوعبت جميع أنواع الآيات الخبرية والفعلية وإخباره عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل بأمور باهرة لا يوجد مثلها لأحد من النبيين قبله فضلا عن غير النبيين ففي القرآن من إخباره عن الغيوب شيء كثير كما تقدم بعض ذلك وكذلك في الأحاديث الصحيحة مما أخبر بوقوعه فكان كما أخبر ففي الصحيحين عن حذيفة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فاراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه
81
وفي صحيح مسلم عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى بنا ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى بنا ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس قال وأخبرنا بما كان وما هو كائن فأحفظنا اعلمنا وفي صحيح البخاري عن عدي بن حاتم قال بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فشكى إليه الفاقة ثم أتى آخر فشكى إليه قطع السبيل فقال يا عدي هل رأيت الحيرة فقلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال فإن طالت
82
بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله قال قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله عنه فلا يجد أحدا يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فليقولن له الم أبعث إليك رسولا فيبلغك فيقول بلى فيقول ألم اعطك مالا وأفضل عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
83
اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج الرجل ملء كفه قلت وهذا الذي أخبر به من خروج الرجل بملء كفه من ذهب أو فضة فلا يجد من يقبله ظهر كما أخبر في زمن عمر بن عبد العزيز
84
وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة عن نافع بن عتبة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قوم من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف فوافقوه عند أكمة فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد قال فقالت لي نفسي أئتهم فقم بينهم لا يغتالونه قال ثم قلت لعله نجي معهم فأتيتهم فقمت بينهم وبينه قال فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي قال تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله ثم فارس فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها الله ثم تغزون الدجال فيفتحه الله
85
وروى البخاري عن عوف بن مالك قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة آدم فقال أعدد ستا بين يدي الساعة موتى ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية كل غاية إثنا عشر الفا
86
قلت ففتح بيت المقدس بعد موته في خلافة عمر بن الخطاب ثم بعد ذلك وقع الطاعون العظيم بالشام طاعون عمواس في خلافة عمر أيضا ومات فيه معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وخلق كثير وكان ذلك أول طاعون وقع في الإسلام فكان ما أخبر به حيث اخذهم طاعون كعقاص الغنم ثم استفاض المال في خلافة عثمان بن عفان حتى كان أحدهم يعطى مائة دينار فيسخطها وكثر المال حتى كانت الفرس تشتري بوزنها ثم وقعت الفتنة العامة التي لم يبق بيت من العرب إلا دخلته لما قتل عثمان ووقعت الفتنة بين المسلمين أو الملوك
87
يوم الجمل ويوم صفين وفي الصحيحين عن خباب بن الارت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا ألا تدعو الله لنا الا تستنصر لنا قال فجلس محمرا وجهه ثم قال والله إن من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويؤخذ فتحفر له الحفرة فيوضع المنشار على رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل
88
أو الذئب على غنمه ولكنكم تعجلون وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنف كأن وجوههم المجان المطرقة ولا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوما نعالهم الشعر قلت وهؤلاء الطوائف كلهم قاتلهم المسلمون كما أخبر صلى الله عليه وسلم وامر هذه الطوائف معروف فإن قتال الترك
89
من التتار وغيرهم الذين هذه صفتهم معروف مشهور وحديثهم في أكثر من عشرة آلاف نسخة كبار وصغار من كتب المسلمين قبل قتال هؤلاء الذي ظهروا من ناحية المشرق الذين هذه صفتهم التي لو كلف من رآهم بعينه ان يصفهم لم يحسن مثل هذه الصفة وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى وقد ظهرت هذه النار سنة بضع وخمسين وستماية ورآها الناس ورأوا أعناق الإبل قد أضاءت ببصرى وكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم وفي الصحيحين عن أبي سعيد وأسماء أن رسول الله
90
صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله وفي الصحيحين عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله
91
وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لتفتحن عصابة من المسلمين أو قال المؤمنين كنز آل كسرى الذي في الأبيض والأبيض قصر كان لكسرى وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الحسن إن ابني هذا سيد
92
وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين قلت فوقع هذا كما أخبر به بعد موت الرسول بنحو ثلاثين سنة وهو سنة أربعين من الهجرة لما أصلح الله بالحسن بين الفئتين العظيمتين اللتين كانت متحاربتين بصفين عسكر علي وعسكر معاوية وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رأيت الليلة في
93
المنام ظلة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم فمنهم المستكثر والمستقل ثم إذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت ثم اخذ به رجل بعدك فعلا ثم اخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل له فعلا قال أبو بكر يا رسول الله بأبي أنت وأمي لتدعني فلأعبره فقال اعبر فقال أبو بكر أما الظلة فظلة الإسلام وأما الذي تنطف من السمن والعسل فهو القرآن حلاوته ولينه وأما ما يتكفف فالمستكثر من القرآن والمستقل وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي انت عليه فأخذت به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو ثم يأخذ به رجل فيعلو ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به فأخبرني يا رسول الله أصبت أم أخطأت فقال أصبت بعضا وأخطأت بعضا قال فوالله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت قال لا تقسم
94
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم ار عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن وفي رواية فاستحالت الدلو غربا في يد عمر قال الشافعي رؤيا
95
الأنبياء وحي وقوله في نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب مع أهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته وفي الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فأمرها أن ترجع إليه فقالت أرأيت إن جئت فلم أجدك يا رسول الله قال أي كأنها تعني الموت قال إن لم تجديني فائتي أبا بكر وروى أبو داود الطيالسي عن أبي ثعلبة الخشني وعن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه
96
وسلم قال إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة وكائنا خلافة ورحمة وكائنا ملكا عضوضا وكائنا عنوة وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله عز وجل وروى أبو داود عن سمرة بن جندب ان رجلا قال يا رسول الله إني رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر
97
فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منه شيء وفي السنن عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا فكان هذا
98
العام تمام الثلاثين سنة من موته ودخل في ذلك خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال زويت لي الأرض مشارتها ومغاربها وسيبلغ ملك امتي ما زوي لي منها وفي صحيح مسلم إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وأن ربي قال لي يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد
99
وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وهذا اخبر به في أول الأمر وأصحابه في غاية القلة قبل فتح مكة وكان كما أخبر فإن ملك أمته انتشر في الشرق والغرب ولم ينتشر في الجنوب والشمال كانتشاره في الشرق والغرب إذ كانت أمته اعدل الأمم فانتشرت دعوته في الأقاليم التي هي وسط المعمور من الأرض كالثالث والرابع والخامس وقد تقدم قوله
100
هلك كسرى فلا يكون كسرى بعده وذاك كسرى بن هرمز آخر الأكاسرة المملكين ثم ولي بعده ولاة متضعفون فكان آخرهم يزدجرد وإليه الإشارة باللفظ الآخر إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لنتفقن كنوزهما في سبيل الله وهذا أخبر به وملك كسرى وقيصر أعز ملك في الأرض فصدق الله خبره في خلافة عمر وعثمان فهلك كسرى وهو آخر الأكاسرة في خلافة عثمان بأرض فارس ولم يبق بعده كسرى ولم يبق
101
للمجوس والفرس ملك وهلك قيصر الذي بأرض الشام وغيرها ولم يبق بعده من هو ملك على الشام ولامصر ولا الجزيرة من النصارى وهو الذي يدعى قيصر قال الشافعي كانت قريش تنتاب الشام انتيابا كثيرا وكان كثير من معاشها منه وتأتي العراق فيقال لما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام فقال مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام النبي صلى الله عليه وسلم إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده فلم يبق بأرض العراق كسرى يثبت له أمر بعده وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده فلم يكن بأرض الشام قيصر فأجابهم على ما قالوا وكان كما قال قطع الله الأكاسرة عن
102
العراق وفارس وقيصر عن الشام وقال في كسرى مزق الله ملكه فلم يبق للأكاسرة ملك وقال في قيصر ثبت ملكه فثبت ملكهم ببلاد الروم وتنحى
103
عن الشام وكل هذا يصدق بعضه بعضا وفي الصحيحين عن سفيان بن أبي زهير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ثم تفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وفي رواية فيخرج من المدينة فاخبر صلى الله عليه وسلم بفتح اليمن والشام والعراق قبل أن يكون وأخبر أنه يخرج من المدينة أقوام يتحملون بأهليهم ومن
104
اطاعهم إلى هذه الأمصار ويطلبون الريف وسعة الرزق قال والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ستفتح مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا وفي رواية فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على موضع لبنة فأخرج منها
105
فمر ابو ذر بعد فتح مصر بمدة بابني شرحبيل بن حسنة وهما يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها وفي صحيح البخاري عن سليمان بن صرد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلي الأحزاب عنه الآن نغزوهم ولا يغزونا وكذلك كان وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم وأنتم قال عبد الرحمن بن
106
عوف نقول كما أمرنا الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه لما أنزل الله
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الآخرين فقال لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس وفي لفظ لو كان الإيمان وفي لفظ العلم وكان كما أخبر فإنه حصل في التابعين وتابعيهم وهلم جرا من أبناء فارس مثل الحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر وأضعاف هؤلاء من نالوا ذلك ولما نزل قوله تعالى
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
107
108
سئل عنهم فقال هم قوم هذا وأشار إلى أبي موسى الأشعري وقال إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن وفي الصحيحين عنه أنه قال أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا وألين أفئدة الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية
109
فلما أرتد من ارتد عن الإسلام أتى الله بهؤلاء الذين يحبهم ويحبونه فقاتل الصديق بهم أهل الردة وغلب بهم أبو بكر وعمر كسرى وقيصر وقال لعثمان إن الله مقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه وفي الصحيحين عن أبي موسى قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط من حوائط المدينة وهو متكئ يركز بعود
110
في الماء والطين إذ استفتح رجل فقال له افتح وبشره بالجنة فإذا هو أبو بكر ففتحت له وبشرته بالجنة ثم استفتح رجل آخر فقال له افتح له وبشره بالجنة فذهبت فإذا هو عمر ففتحت له وبشرته بالجنة ثم استفتح رجل آخر فقال له افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فذهبت فإذا هو عثمان ففتحت له وبشرته بالجنة فقلت له الذي قال فقال اللهم صبرا والله المستعان وفي الصحيحين حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن التي تموج موج البحر وقال لعمر إن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك ذلك الباب أن يكسر فسأله مسروق من الباب
111
فقال عمر وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستكون الفتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به ورواه أبو بكرة وقال فيه فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق
112
بأرضه قال فقال رجل يا رسول الله ارأيت إن لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض قال يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت فقال رجل يا رسول الله أرأيت إن كرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني قال يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار وفي صحيح أبي حاتم قال النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب من شر قد اقترب او فتنة عمياء صماء بكماء القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي ويل للساعي فيها من الله يوم القيامة
113
وفي الصحيحين عنه أنه قال إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر وفي الصحيحين من غير وجه أنه لما قال له ذو الخويصرة يا محمد أعدل فإنك لم تعدل فقال ويحك قد خبت وخسرت إن لم اعدل فقال بعض اصحابه دعني اضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يخرج من ضئضيء هذا أقوام يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم
114
يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليد على عضده مثل البضعة من اللحم تدردر عليها شعرات وفي رواية في الصحيحين تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق وهؤلاء ظهروا بعد موته ببضع وعشرين سنة في أواخر خلافة علي لما افترق المسلمون وكانت الفئة بين عسكر علي وعسكر معاوية وقتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه وهم أدنى الطائفتين إلى الحق والطائفة الأخرى قتلوا عمار بن ياسر وهي الطائفة
115
الباغية وكان علي قد أخبرهم بهذا الحديث وبعلامتهم فطلبوا هذا المخدج فلم يجدوه حتى قام علي بنفسه ففتش عليه فوجده مقتولا فسجد شكرا لله وفي الصحيح عنه أنه قال ستكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة وهؤلاء ظهروا بعده بمدة فكانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر ويؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس وفي الصحيحين عنه أنه قال إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا
116
حتى تقلوني على الحوض فلقوا بعده من استأثر عليهم ولم يعطهم حقهم وفي الصحيحين عنه انه قال ستكون بعدي امراء يطلبون منكم حقهم ويمنعونكم حقكم قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال ادوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم وفي الصحيحين عنه أنه سار فاطمة فقال لها وهو في مرضه الذي توفي فيه إني أقبض في مرضي هذا ثم اخبرها أنها أول أهله لحوقا به وفي رواية وأخبرها أنها سيدة نساء المؤمنين وفي الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا قالت فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها
117
وتصدق وفي صحيح البخاري وغيره عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم وفي صحيح البخاري عن أم حرام أيضا
118
قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت يا رسول الله أنا فيهم قال أنت فيهم قالت ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم فقلت يا رسول الله أنا فيهم قال لا وغزاها المسلمون في خلافة معاوية وكان يزيد أميرهم وكان في العسكر أبو ايوب الأنصاري الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته لما قدم المدينة مهاجرا ومات ودفن تحت سورها وذكروا أنهم كانوا إذا أجدبوا كشفوا عن قبره فيسقون
119
ثم غزاها المسلمون مرة ثانية في خلافة عبد الملك غزاها ابنه مسلمة وحصروها عدة سنين وبنوا فيها مسجدا وفي الصحيحين عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك فقالت مم تضحك فقال عرض علي ناس من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة فقالت أم حرام ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك فقالت مم تضحك فقال
120
عرض علي ناس من أمتي كما قال في الأولى فقالت يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين قال أنس فركبت البحر زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها لما خرجت من البحر فماتت وهذا كان في خلافة عثمان ومعاوية نائبه وكان المسلمون في خلافة عمر لم يغزوا في البحر وأول ما غزوا البحر في خلافة عثمان وفتحوا جزيرة قبرص وجاؤا بسبيها إلى دمشق وكان أبو الدرداء حيا بدمشق فجعل يبكي فقيل له ما يبكيك يا أبا الدرداء هذا يوم قد أعز الله فيه الإسلام فقال إنما أبكى أني رأيت هذه الأمة كانت قاهرة ظاهرة فأضاعت أمر الله فيه فأصارها الله إلى ما ترون ما أهون العباد على الله إذا ضيعوا أمره وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته ان لا يسلط
121
على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة وهذا أخبر به حين كانت أمته أقل الأمم فانتشرت الأمة في مشارق الأرض ومغاربها وكان كما أخبر به فإن هذه الأمة ولله الحمد والمنة لم يزل فيها طائفة ظاهرة بالعلم والدين والسيف لم يصبها ما أصاب من قبلها من بني إسرائيل وغيرهم حيث كانوا مقهورين مع الأعداء بل إن غلبت طائفة في قطر من الأرض كانت
122
في القطر الآخر امة ظاهرة منصورة ولم يسلط على مجموعها عدوا من غيرهم ولكن وقع بينهم اختلاف وفتن وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صنفان من أهل النار لم ارهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولايجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا وهؤلاء ظهروا بعده بمدة طويلة وظهر النسوة بعد ذلك بسنين كثيرة وعلى رؤسهن عمائم كأسنمة الجمال البخاتي يسمون العمامة سنام الجمل وفي حديث مسلم عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سيكون في ثقيف كذاب ومبير
123
وظهر الكذاب من ثقيف وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي أظهر التشيع والانتصار للحسين وقتل عبيد الله بن زياد وغيره من قتلة الحسين ثم أظهر أنه يوحى إليه وأنه ينزل عليه حتى قيل لابن عمر
124
وابن عباس عنه قيل لأحدهما أنه يوحى إليه وللآخر إنه ينزل عليه فقال أحدهما
وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم وقال الآخر
هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم وأما المبير فكان هو الحجاج بن يوسف الثقفي وكان مبيرا سفاكا للدماء بغير حق انتصارا لملك عبد الملك بن مروان الذي استنابه وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي فيجمعه إلى صدره فإنه لن ينسى شيئا سمعه فبسطت بردة علي حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا سمعته منه وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لايزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر
125
خليفة كلهم من قريش وفي لفظ إلى اثني عشر أميرا وفي رواية لأبي داود الطيالسي كلهم يجتمع عليهم الأمة وفي رواية فقالوا ثم يكون ماذا قال ثم يكون الهرج قال أبو بكر البيهقي وفي الرواية الأولى بيان العدد وفي الأخرى بيان المراد بالعدد وقد بين وقوع الهرج وهو القتل بعدهم وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد
126
ابن عبد الملك ثم وقع الهرج والفتنة العظمى وأنما يزيدون على العدد المذكور إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عد معهم من كان بعد الهرج وفي الصحيحين عن جابر قال قال لي رسول الله صلى الله عليم وسلم هل لك من أنماط قلت يا رسول الله وأني يكون لي أنماط فأنا أقول اليوم لامرأتي نحي عنك أنماطك فتقول ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون لكم أنماط وفي الصحيحين عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم اريت أنه وضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما فكرهتهما فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين
127
يخرجان بعدي قال عبيد الله أحدهما العنسي الذي قتله فيروز ياليمين والآخر مسيلمة وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مستقبل المشرق ها إن الفتنة ها هنا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان وفي بعض طرق البخاري قام خطيبا فأشار بيده نحو مسكن عائشة فقال وذكر الحديث فالمشرق عن مدينته فيه البحرين ومنها خرج مسيلمة
128
الكذاب الذي ادعى النبوة وهو أول حادث حدث بعده واتبعه خلائق وقاتله خليفته الصديق وروى أبو حاتم في صحيحيه عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن بين يدي الساعة كذابين منهم صاحب اليمامة ومنهم صاحب صنعاء العنسي ومنهم صاحب حمير ومنهم الدجال وهو أعظمهم فتنة وصاحب اليمامة هو مسيلمة قال وقال أصحابي قال هو قريب من ثلاثين كذابا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله وحتى يفيض الما وتظهر الفتن ويكثر
129
الهرج قالوا وما الهرج يا رسول الله قال القتل القتل وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر قال ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا واردفني خلفه ثم قال يا ابا ذر اين أنت إن أصاب الناس جوع شديد حتى لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع فقال الله ورسوله أعلم قال تعفف قال يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد حتى يكون البيت بالعبد كيف تصنع قال الله ورسوله أعلم قال اصبر يا أبا ذر ارايت إن قتل الناس بعضهم بعضا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع قال الله ورسوله أعلم قال اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك فقال أرأيت إن لم اترك قال فأت من أنت منه فكن فيهم قال فآخذ سلاحي قال إذا
130
تشاركهم فيه ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فأطلق طرف ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه وفيه عن ابن مسعود قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من ادم فيها أربعون رجلا فقال إنكم مفتوحون ومنصورون فمن أدرك ذلك الزمان منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر ومن كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار وأما الفتوح التي فتحت عليهم والنصرة التي نصروا فقد أخبر به في أوائل مبعثه كما تقدم ذكره ووقع ما أخبر به وروى أبو حاتم في صحيحه عن ابن عباس قال مرض أبو طالب فأتته قريش وأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده وعند رأسه مقعد رجل فقام أبو جهل فقعد فيه فشكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابي طالب فقالوا إن ابن أخيك يقع في آلهتنا قال ما شأن قومك يشكونك يا ابن أخي قال يا عم
131
إنما أردتهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية فقال وما هي قال لا إله إلا الله فقاموا فقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا قال ونزلت
ص والقرآن ذي الذكر إلى قوله
إن هذا لشيء عجاب وفي صحيح ابن حبان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال لما اقبلت عائشة قربت ببعض مياه
132
بني عامر طرقتهم ليلا فسمعت نباح الكلاب فقالت أي ماء هذا قالوا ماء الحوأب قالت ما أظنني رافعة قالوا مهلا يرحمك الله تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله بك قالت ما أظنني رافعة أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كيف بإحداكن ينبح عليها كلاب الحوأب وفيه أيضا عن ابن أبي طالب قال قال لي عبد الله بن سلام وقد وضعت رجلي في الغرز وأنا اريد العراق لا تأت
133
العراق فإنك إن تأتهم أصابك ذنب السيف قال علي وايم الله لقد قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو الأسود فقلت في نفسي ما رأيت كاليوم رجلا محاربا يحدث الناس بمثل هذا وهذا وأمثاله مما أخبر به صلى الله عليه وسلم من المستقبلات فوقع بعده كما أخبر ورأى الناس ذلك وأما ما أخبر به مما لم يقع إلى الآن فكثير وقد أخبر بأشياء من المغيبات ووقعت في زمانه ووجدت كما أخبر كما في الصحيحين عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر
134
لأعطين هذه الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فكان كذلك وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فقال لرجل ممن يدعي الإسلام هذا من أهل النار فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت له آنفا إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى النار فكاد بعض المسلمين أن يرتاب فبينا هم على ذلك إذ قيل فإنه لم يمت ولكن به جرحا شديدا فلم كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ثم أمر بلالا فنادى في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ورواه سهل بن
135
سعد وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام والمقداد وكلنا فارس فقال إنطلقوا حتى تأتوا روضة ناخ
136
فإن بها إمرأة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فأدركناها تسير على بعير لها خبب فقلنا لها أين الكتاب فقالت ما معي كتاب قال فأنخنا بها فالتمسنا الكتاب في رحلها فلم نر كتابا قال قلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك قال فلما رأت أني أهويت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء أخرجت الكتاب من عقاصها فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا قال لا تعجل علي إني كنت أمرأ
137
ملصقا في قريش ولم اكن من أنفسها وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم إن أتخذ يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضاء بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فكان في هذا الكتاب إخبار المشركين بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد يغزوهم فأعلمه الله بذلك وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج إلى المصلى وكبر اربع تكبيرات وفي رواية عن جابر قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي وفي لفظ من رواية أبي هريرة قال قد مات اليوم عبد الله
138
صالح أصحمة فأمنا وصلى عليه وفي رواية عمران بن حصين قال إن أخاكم قد مات فصلوا عليه يعني النجاشي وروى موسى بن عقبة عن ابن شهاب ورواها عروة بن الزبير ومحمد بن إسحاق بمعناه قال ثم إن المشركين اشتدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كأشد ما كانوا حتى بلغ بالمسلمين الجهد واشتد عليهم البلاء وأجمعت قريش في مكرها ان يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم فمنهم من فعله حمية ومنهم من فعله
139
إيمانا ويقينا فلما عرفت قريش ان القوم قد منعوا الرسول صلى الله عليه وسلم واجتمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلم يتركوا طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد ابن إسحاق في روايته قال حتى كان يسمع صوت صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع وعدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم وعظمت الفتنة وزلزلوا
140
زلزالا شديدا قال موسى بن عقبة في تمام حديثه وكان أبو طالب إذا اخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله فإذا نوم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصي ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء بني هاشم ورأوا انهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه وبعث الله عز جل على صحيفتهم التي فيها المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق ويقال كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك
141
إسما لله عز وجل فيها إلا لحسته وبقي ما فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب فقال أبو طالب لا والثواقب ما كذبني فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش فلما رأوهم عامدين بجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم أخرجوا من شدة البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بينكم وبيننا صلح وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في صحيفتهم قبل أن يأتوا بها فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم فوضعوها بينهم وقالوا قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة
142
قومكم وعشيرتكم وفسادهم فقال أبو طالب إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا فيه نصف فإن ابن اخي أخبرني ولم يكذبني ان الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم هو له فيها وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا فوالله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه قالوا قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد اخبر خبرها فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا والله إن
143
كان هذا إلا سحر من صاحبكم فارتكسوا وعادوا لشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وعلى رهطه والقيام بما تعاهدوا عليه فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب إن أولى بالسحر والكذب غيرنا فكيف ترون فإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس الله ما كان فيها من اسم وما كان فيها من بغي تركه أفنحن السحرة أم أنتم فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي
144
وزهير بن أبي أمية ابن المغيرة وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو وكانت الصحيفة عنده وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من اشرافهم ووجهوهم نحن براء مما في هذه الصحيفة فقال أبو جهل هذا أمر قد قضي بليل وأنشأ أبو طالب يقول في ذلك الشعر في شأن صحيفتهم ويمتدح النفر الذين تبرؤا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي قال موسى بن عقبة فلما افسد الله صحيفة مكرهم خرج
145
النبي صلى الله عليه وسلم فعاشوا وخالطوا الناس وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود قال انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان وكان أمية بن خلف إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ فقال لأمية انظر لي ساعة خلوة لعلي أن اطوف بالبيت قال انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت قال فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال يا أبا صفوان من هذا معك قال هذا سعد فقال أبو جهل الا أراك تطوف
146
بالبيت آمنا وقد أويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا انك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما فقال له سعد وقد رفع صوته عليه لئن منعتني من هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة قال فقال له امية لا ترفع صوتك على أبي الحكم سيد أهل الوادي فقال سعد دعنا منك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه قاتلك قال بمكة قال لا أدري ففزع لذلك أمية فزعا شديدا وقال والله ما يكذب محمد فلما رجع أمية إلى أهله قال يا أم صفوان الم تري إلى ما قال لي سعد قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم انه قاتلي فقلت له بمكة فقال لا أدري فقالت والله ما يكذب محمد فقال امية والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر استنصر ابو جهل الناس فقال أدركوا عيركم قال فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد اهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل ابو جهل حتى قال إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة قال يا ام صفوان
147
جهزيني فقالت له يا أبا صفوان قد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي قال لا وما اريد أن أجوز معهم إلا قريبا قال فلما خرج امية جعل لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر وعن كعب بن مالك قال كان أبي بن خلف أخو بني جمع قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل انا أقتله إن شاء الله عز وجل فأقبل أبي مقنعا في الحديد وهو يقول لا نجوت إن نجا محمد فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد
148
قته فاستقبله مصعب بن عمير من بني عبد الدار يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بحربته فوقع ابي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا الله ما أجزعك إنما هو خدش فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا ثم قال والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون
149
فمات إلى النار ورواه موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب وذكره الواقدي بإسناده وهذا لفظه وهو مما ذكره عروة بن الزبير في مغازيه وابن إسحاق وغيره وذكر موسى بن عقبة في مغازيه ان عمير بن وهب الجمحي لما رجع فل المشركين إلى مكة وقد قتل الله من قتل منهم اقبل عمير
150
حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحجر فقال صفوان قبح الله العيش بعد قتلى بدر قال أجل والله ما في العيش خير بعدهم ولولا دين علي لا أجد له قضاء وعيال لا أدع لهم شيئا لرحلت إلى محمد فقتلته إن ملأت عيني منه فإن لي عنده علة أعتل بها أقول قدمت على ابني أفدي هذا الأسير ففرح صفوان بقوله وقال له علي دينك وعيالك أسوة عيالي في النفقة فحمله صفوان وجهزه وأمر بسيف عمير فصقل وسم فأقبل عمير حتى قدم المدينة فنزل بباب المسجد وعقل راحلته وأخذ السيف فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر عمر بن الخطاب إليه وهو في نفر من الأنصار يتحدثون فقال عمر عندكم الكلب هذا عدو الله الذي حرش بيننا
151
يوم بدر وحزرنا للقوم ثم قام عمر حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أقدمك قال أسيري عندكم ففادونا في اسرائنا فإنكم العشيرة والأهل قال فما بال السيف في عنقك قال عمير قبحها الله من سيوف فهل أغنت عنا شيئا إنما نسيته في عنقي حين نزلت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اصدقني ما أقدمك قال ما قدمت إلا في أسيري قال فماذا شرطت لصفوان بن أمية في الحجر ففزع عمير وقال ماذا شرطت قال تحملت له بقتلي على ان يعول بيتك ويقضي دينك والله حائل بينك وبين ذلك فقال عمير أشهد أنك رسول الله وان لا إله إلا الله كنا نكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء وهذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر لم يطلع عليه احد غيري وغيره فأخبرك الله به وذكر بقية الحديث
152
وفي صحيح البخاري عن أنس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا كنتم مني قريبا فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أومأوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه قال فزت ورب الكعبة ثم مالوا
153
على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجل أعرج صعد الجبل وآخر معه فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد لقوا ربهم فرضي الله عنهم وأرضاهم فكنا نقرأ أن بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ فدعا عليهم أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله وكان في هؤلاء عامر بن فهيرة
154
قال عنه عامر بن الطفيل لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى أني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض وفي الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة فقال رسول الله صلى الله عليه
155
وسلم أخرصوها فخرصناها وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق قال أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى فانطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال النبي صلى الله عليه وسلم ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال كان الذي أسر العباس بن عبد المطلب ابو اليسر بن عمرو وهو كعب بن عمرو أحد
156
بني سلمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف اسرته يا ابا اليسر فقال لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل هيئته كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اعانك عليه ملك كريم وقال للعباس يا عباس أفد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن جحدم أخو بني الحارث بن فهر قال فإني قد كنت مسلما
157
قبل ذلك وإنما استكرهوني قال الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقا فالله يجزيك بذلك واما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية ذهب فقال يا رسول الله أحسبها لي من فداي قال لا ذلك شيء أعطانا الله منك قال فإنه ليس لي مال قال فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل وليس معك احد غيركما فقلت إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولقثم كذا ولعبد الله كذا قال فوالذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها وأني أعلم أنك لرسول الله
158
وفي صحيح البخاري لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الجيش في غزوة مؤتة وأمر عليهم زيد بن الحارثة وقال إن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة فروى البخاري عن أنس بن مالك قال نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل ان يأتيهم خبرهم فقال اخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان ثم اخذها خالد بن الوليد سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم
159
فصل
و آياته صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير أنواع الأول منها ما هو في العالم العلوي كانشقاق القمر وحراسة السماء بالشهب الحراسة التامة لما بعث كمعراجه إلى السماء فقد ذكر الله انشقاق القمر وبين ان الله فعله وأخبر به لحكمتين عظيمتين أحدهما كونه من آيات النبوة لما سأله المشركون آية فأراهم انشقاق القمر والثانية أنه دلالة عل جواز انشقاق الفلك وأن ذلك دليل على ما أخبرت به الأنبياء من انشقاق السموات ولهذا قال تعالى
اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر
160
فذكر اقتراب الساعة وانشقاق القمر وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر فيه الانشقاق لكل من يراه ظهورا لا يتمارى فيه وأنه نفسه إذا قبل الانشاق فقبول محله أولى بذلك وقد عاينه الناس وشاهدوه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار مثل صلاة الجمعة والعيدين ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار بما فيها وكل الناس يقر بذلك ولاينكره فعلم أن انشقاق القمر كان معلوما عند الناس عامة وفي صحيح مسلم ان عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي
161
ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر فقال كان يقرأ فيهما ب قاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر ومعلوم بالضرورة في مطرد العادة أنه لو لم يكن انشق لأسرع المؤمنون به إلى تكذيب ذلك فضلا عن أعدائه الكفار والمنافقين ومعلوم أنه كان من أحرص الناس على تصديق الخلق له واتباعهم إياه فو لم يكن انشق لما كان يخبر به ويقرؤه على جميع الناس ويستدل به ويجعله آية له وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال إن أهل مكة سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين
162
وعنه قال إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فانشق القمر فرقتين ورواه الترمذي وزاد فيه فنزلت
اقتربت الساعة وانشق القمر إلى قوله تعالى
سحر مستمر يقول ذاهب وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا
163
وعن ابن مسعود أيضا قال رأيت القمر منشقا شقتين بمكة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم شقة على جبل أبي قبيس وشقة على السويداء فقال كفار قريش اهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة انظروا السفار فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق وإن لم يكونوا رأوا مثل ما رأيتم فهو سحر قال فسئل السفار وقدموا من كل وجه فقالوا رأينا رواه والبخاري ومسلم
164
وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال انشق القمر على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى مسلم عن ابن عمر في قوله تعالى
اقتربت الساعة وانشق القمر قال قد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق القمر فلقتين فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد وعن جبير بن مطعم قال انشق القمر ونحن بمكة حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل فقال الناس سحرنا محمد قال رجل إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم رواه
165
الترمذي وكذلك صعدوه ليلة المعراج إلى ما فوق السموات وهذا مما تواترت به الأحاديث وأخبر به القرآن أخبر بمسراه ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس وفي موضع آخر بصعوده إلى السموات فقال تعالى
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير فأخبر هنا بمسراه ليلا بين المسجدين وأخبر أنه فعل ذلك ليريه من آياته ومعلوم أن الأرض قد رأى سائر الناس ما فيها من الآيات فعلم أن ذلك ليريه آيات لم يرها عموم الناس كما قال في السورة الأخرى
أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى
166
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله تعالى
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به فكان في إخباره بالمسرى لنريه من آياتنا بيان أنه رأى من آياته ما لم يره الناس وقد بين ذلك في السورة الأخرى فإنه رأى جبريل عند سدرة المنتهى
عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى
167
وانه رأى بالبصر آيات ربه الكبرى وذكر في تلك السورة المسرى لأنه أمكنه أن يقيم عليه برهانا فإنه لما أخبرهم به فكذبه من كذبه وتعجبوا من ذلك سألوه عن نعته وصفته فنعته لهم لم يخرم من النعت شيئا وأخبر خبر عيرهم التي كانت في الطريق فظهر لهم صدقه وكان صدقه في هذا آية على صدقه فيما غاب عنهم وكان قطع المسافة البعيدة في الزمان اليسير لأجل ما أراه من الآيات التي تختص برؤيتها الأنبياء وبهذا تميز عمن يقطع المسافة كرامة لولي أو بتسخير الجن كما في قصة بلقيس حيث
قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك
168
فإن قطع الجسم للمسافة البعيدة أنما كان لما أوتيه سليمان من الملك كما كانت الريح
تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد وهذا تسخير ملكي وقطع محمد صلى الله عليه وسلم كان لما أراه الله من الآيات التي ميزه بها على سائر النبيين وكان ذلك فتنة أي محنة وابتلاء للناس ليتبين من يؤمن به ممن يكذبه وأحاديث المعراج وصعوده إلى ما فوق السموات وفرض الرب عليه الصلوات الخمس حينئذ ورؤيته لما رآه من الآيات والجنة والنار والملائكة والأنبياء في السموات والبيت المعمور وسدرة المنتهى وغير ذلك معروف
169
متواتر في الأحاديث وهذا النوع لم يكن لغيره من الأنبياء مثله يظهر به تحقيق قوله تعالى
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس فالدرجات التي رفعها محمد ليلة المعراج وسيرفعها في الآخرة في المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون الذي ليس لغيره مثله ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة وأبي ذر ومن رواية ابن عباس وأبي حبة الأنصاري وغيرهم
170
فروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى بصره قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه قال ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وبعث إليه قال قد بعث إليه قال ففتح لنا فإذا أنا بانبي الخالة عيسى ويحيى بن زكريا عليهما السلام فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه
171
وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحسن قال فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا انا بإدريس صلى الله عليه وسلم فرحب ودعا لي بخير قال الله عز وجل
ورفعناه مكانا عليا ثم عرج بنا إلي السماء الخامسة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد
172
صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا انا بهارون صلى الله عليه وسلم فرحب ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل أوقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا انا بموسى عليه السلام فرحب ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسند ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله إلي
173
ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى عليه السلام فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلي ربي فقلت رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى عليه السلام فقلت حط عني خمس قال فإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال لي يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وللية لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى عليه السلام فأخبرته قال إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه وفي رواية قال فأتيت فانطلق بي إلى زمزم فشرح عن
174
صدري ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت طست من ذهب مملوءة حكما وإيمانا فحشى بها صدري وفي رواية فشق من النحر إلى مراق البطن وقال عن البيت المعمور فقلت ما هذا قال بناء بناه الله لملائكته يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك يقدسون الله ويسبحونه لا يعودون إليه وفي حديث أبي ذر فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم اخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن سماء الدنيا افتح قال من هذا قال جبريل قال هل معك احد قال نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم فلما علونا السماء فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة
175
والأسودة التي عن شماله أهل النار قال الزهري وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وابا حبة الأنصاري يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع منه صريف الأقلام وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال
إذ يغشى السدرة ما يغشى
176
قال فراش من ذهب قال فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات وعنه في قوله عز وجل
فكان قاب قوسين أو أدنى قال إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله
177
عليه وسلم قال لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط قال فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وصعود الأدمي ببدنه إلى السماء قد ثبت في أمر المسيح
178
عيسى بن مريم عليه السلام فإنه صعد إلى السماء وسوف ينزل إلى الأرض وهذا مما يوافق النصارى عليه المسلمين فإنهم يقولون إن المسيح صعد إلى السماء ببدنه وروحه كما يقوله المسلمون ويقولون إنه سوف ينزل إلى الأرض أيضا كما يقوله المسلمون وكما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة لكن كثيرا من النصارى يقولون إنه صعد بعد أن صلب وأنه قام من القبر وكثير من اليهود يقولون إنه صلب ولم يصعد ولم يقم من قبره وأما المسلمون وكثير من النصارى فيقولون إنه لم يصلب ولكن صعد إلى السماء بلا صلب والمسلمون ومن وافقهم من النصارى يقولون إنه ينزل إلى الأرض قبل القيامة وأن نزوله من أشراط الساعة كما دل على ذلك الكتاب والسنة وكثير من النصارى يقولون إن نزوله هو يوم القيامة وإنه هو الله الذي يحاسب الخلق وكذلك إدريس صعد إلى السماء ببدنه وكذلك عند أهل الكتاب أن إلياس صعد إلى السماء ببدنه ومن أنكر صعود بدن إلى السماء من المتفلسفة فعمدته شيئا أحدهما أن الجسم الثقيل لا يصعد وهذا في غاية الضعف
179
فإن صعود الأجسام الثقيلة إلى الهواء مما تواترت به الأخبار في أمور متعددة مثل عرش بلقيس الذي حمل من اليمن إلى الشام في لحظة ولما قال سليمان
يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ومثل حمل الريح لسليمان عليه السلام وعسكره لما كان يحمل البساط في الهواء وهو جالس عليه بأصحابه ومثل حمل قرى قوم لوط ثم إلقائها في الهواء ومثل المسرى إلى بيت المقدس الذي ظهر صدق الرسول بخبره وبهذا يظهر جوابهم عن انكارهم انشقاق القمر فإن عمدتهم فيه
180
أن الفلك لا يقبل الانشقاق وقد عرف فسد ذلك عقلا وسمعا وتواتر عن الأنبياء أنهم أخبروا بانشقاق السموات وإيضاح الرد على هؤلاء أن ما يثبتونه من أن الحركة لا بد لها من جهة ومحدد يحدد الجهات إنما يدل على الافتقار إلى جنس المحدد لا يدل على الاحتياج إلى محدد معين فإذا قدر أنه خلق وراء المحدد محددا آخر وخرق الأول حصل به المقصود وهكذا عامة أدلتهم أنما تدل على شيء مطلق لكن يعينونه بلا حجة فيغلطون في التعيين كدليلهم على دوام الفاعلية أو الحركة أو زمانها فإن ذلك لا يدل على الحركة الفلكية وأن الزمان هو مقدار الحركة بل إذا كان الله قد خلق السموات والأرض وما بينهما في سنة أيام كما أخبرت به الرسل لم تكن تلك الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض هي مقدار حركة الشمس التي هي مما خلق في تلك الأيام بل وقد أخبر الله تعالى أنه كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وأخبر أنه خلق السموات من دخان وهو بخار الماء فإذا كان قبل هذه الحركا المشهودة حركات أخر لأجسام غير هذه الأجسام المشهودة لم يكن هذا مناقضا لما دل عليه العقل
181
ورجال كثير في زماننا وغير زماننا يحملون من مكان إلى مكان في الهواء وهذا مما تواتر عندنا وعند من يعرف ذلك وايضا فمعلوم أن النار والهواء الخفيف تحرك حركة قسرية فيهبط والتراب والماء الثقيلان يحركان حركة قسرية فيصعد وهذا مما جرت به العادة والشبهة الثانية ظن بعض المتفلسفة كأرسطو وشيعته أن الأفلاك لا تقبل الانشقاق وحجتهم على ذلك في غاية الضعف فإنهم قالوا لو كانت تقبل الانشقاق لكان المحدد للأفلاك المحرك لها يتحرك حركة مستقيمة والحركة المستقيمة تحتاج إلى خلاء خارج العالم ولا خلاء هناك وهذه الحجة فاسدة من وجوه منها انها تدل على ذلك في الفلك الأعلى لا فيما دونه كفلك القمر وغيره وهذا مما أجابهم به الرازي وغيره ومنها أن وجود أجسام خارج الفلك كوجود الفلك في حيزه يحتاج إلى خلاء وقوله بنفي الخلاء خارجه كقوله بنفي الخلاء عن
182
حيزه فإن كان الخلاء عدما محضا فهو منتف في الجانبين وإن قيل إنه أمر وجودي لزم أن يحتاج إليه في الموضعين وحينئذ فيبطل القول بنفيه وكذلك ما يذكرونه في قدم العالم فليس مع القوم دليل واحد عقلي صحيح يناقض ما أخبرت به الرسل ولكن قد تناقض ما يظنه بعض أهل الكلام من دين الرسل كما قد بسط في غير هذا الموضع والنوع الثاني آيات الجو كاستسقائه صلى الله عليه وسلم واستصحائه وطاعة السحاب له ونزول المطر بدعائه صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد في
183
يوم جممة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا من قزعة وأن السماء لمثل الزجاجة وما بيننا وبين سلع من دار فوالذي نفسي بيده ما وضع يديه حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته وفي رواية أخرى فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم
184
أمطرت قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتا قال ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون لأودية ومنابت الشجر قال فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجيء أحد من ناحية إلا أخبر بجود ومن هذا الباب نصر الله بالريح التي قال الله فيها
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا
185
قال مجاهد يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم وجنودا لم تروها يعني الملائكة وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وفي المغازي والسير قصة الأحزاب وكيف أرسلت عليهم الريح والملائكة وانهزموا بغير قتال معروف والنوع الثالث تصرفه في الحيوان الإنس والجن والبهائم
186
فروي عن عبد الله بن جعفر قال أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس قال وكان أحب ما استتر به هدف أو حائش نخل فدخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه وذفراه فسكن قال لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال هو لي يا رسول الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه روى مسلم بعضه
187
وبعضه على شرطه ورواه أبو داود وغيره وروى أحمد والدارمي وغيرهما عن جابر قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاء واضعا مشفره إلى الأرض حتى برك بين يديه قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم هاتوا خطامه فخطمه ودفعه إلى صاحبه قال ثم التفت إلى الناس فقال
188
إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس وروى الطبراني عن جابر قال خرجنا في غزوة ذات الرقاع حتى إذا كنا بحرة واقم عرضت امرأة بدوية بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان قال فأدنيه مني فأدنته فقال افتحي فمه فبصق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
189
وقال اخسأ عدو الله وأنا رسول الله ثلاث مرات ثم قال شأنك بابنك ليس عليه بأس فلن يعود إليه شيء مما كان يصيبه وذكر قصة الشجرتين إلى أن قال فنزلنا في واد من أودية بني محارب فعرض له رجل من بني محارب يقال له غورث بن الحارث والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه فقال يا محمد اعطني سيفك هذا فسله فناوله إياه ونظر إليه ساعة ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد من يمنعك
190
مني فارتعدت يده حتى سقط السيف من يده فتناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا غورث من يمنعك مني قال لا أحد قال ثم أقبلنا راجعين فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعش طير يحمله وفيه فراخ وأبواه يتبعانه ويقعان على يد الرجل فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على من كان معه فقال أتعجبون بفعل هذا الطير وبفراخهما زاد في رواية فربكم ارحم بكم من هذا الطير بفراخه ثم اقبلنا راجعين حتى إذا كنا بحرة واقم عرضت لنا المرأة التي جاءت بابنها بوطب من لبن وشاة فأهدته له فقال ما فعل ابنك هل أصابه شيء مما كان يصيبه قالت لا والذي بعثك بالحق ما أصابه شيء مما كان يصيبه وقبل هديتها ثم أقبلنا راجعين حتى إذا كنا بمهبط من الحرة أقبل جمل يرقل فقال أتدرون ما قال هذا الجمل قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا جمل جاءني يستعدي على سيده
191
يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين حتى أذا اجربه وأعجفه وكبر سنه اراد نحره اذهب معه يا جابر إلى صاحبه فائت به فقلت ما أعرف صاحبه يا رسول الله قال إنه سيدلك عليه قال فخرج بين يدي معنقا حتى وقف بي في مجلس بني خطمة فقلت أين رب هذا الجمل قالوا فلان فجئته فقلت اجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معي حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جملك هذا يستعدي عليك يزعم أنك حرثت عليه زمانا حتى أجربته وأعجفته وكبر سنه ثم اردت نحره قال والذي
192
بعثك بالحق إن ذلك كذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنيه قال نعم يا رسول الله فابتاعه منه ثم سيبه في الشجر حتى نصب سناما فكان إذا اعتل على بعض المهاجرين والأنصار من نواضحهم شيء أعطاه أياه فمكث بذلك زمانا وهذا الحديث له شواهد أخرج أهل الصحيح منه قصة الشجرتين وقصة الذي شهر السيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة الطير
193
رواها أبو داود الطيالسي وقصة الصبي ذكرها غير واحد وروى الإمام أحمد في مسنده عن يعلى بن مرة الثقفي قال ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه بالأرض فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أين صاحب هذا البعير فجاء فقال بعينه فقال بل
194
نهبه لك وهو لأهل بيت ما لهم معيشة غيره فقال أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه يشتكي إلي كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه وفي رواية أنهم أرادوا نحره ثم سرنا فنزلنا منزلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنطلق إلى هاتين الشجرتين فقل لهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكما أن تجتمعا فانطلقت فقلت لهما ذلك فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها فنزلت كل واحدة إلى صاحبتها فالتفتا جميعا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته من ورائهما ثم لما فرغ عادت كل واحدة منهما مكانها بأمره وأتته امرأة بصبي لها به لمم فقالت يا رسول الله إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه في كل يوم مرتين فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في فيه وقال أخرج عدو الله أنا رسول الله فبرىء فلما رجعنا جاءت أم الغلام بكبشين وشيء من أقط قالت والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك فأخذ أحد الكبشين والأقط ورد الكبش الآخر
195
وروى هذه القصة أبو يعلى الموصلي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ورواه الحاكم في صحيحه قال سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت منه عجبا وذكر الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمرأة لما أخرج الشيطان من ابنها إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع ورواه الدارمي أيضا وروى الدارمي عن ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثغ ثغة خرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي وروى أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال كنا مع رسول الله
196
صلى الله عليه وسلم في سفر فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيضة حمرة فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال أيكم فجع هذه فقال رجل من القوم أنا أخذت بيضتها فقال رده رحمة لها وروى الحاكم في صحيحه عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ركبنا البحر في سفينة فانكسرت السفينة فركبت لوحا من ألواحها فطرحني في أجمة فيها أسد فلم يرعني إلا به
197
فقلت يا ابا الحارث انا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطأطأ رأسه وغمز بمنكبه شقي فما زال يغمزني ويهديني الطريق حتى وضعني على الطريق فلما وضعني على الطريق همهم فظننت أنه يودعني وروى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة قالت كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد ولعب وأقبل وأدبر فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض فلم يترمرم كراهية ان يؤذيه ورواه أبو نعيم
198
وروى عنها أحمد أيضا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر فنحن أحق أن نسجد لك فقال لو كنت آمرا احدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل اسود ومن جبل أسود إلى جبل ابيض كان ينبغي لها أن تفعله رواه أحمد عن عفان وابن ماجه عن ابن أبي شيبة عن
199
عفان قال ثنا حماد بن سلمة ثنا أبي علي بن زيد ثنا سعيد عن عائشة وقصة هذا الجمل رواها جماعة وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى
200
الذئب على ذنبه فقال ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس فقال الذئب الا أخبرك بأعجب من ذلك محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي الصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي أخبرهم فأخبرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه ما أحدث أهله بعده وروى الترمذي آخره وصححه قال البيهقي إسناده
201
صحيح وله شاهد من وجه آخر ورواه أحمد عن أبي هريرة قال وكان الراعي يهوديا فأسلم وقال فيه اعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم وفي الصحيحين عن أنس قال كان بالمدينة فزع فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة وكان يقطف فلما رجع قال وجدنا فرسكم هذا بحرا وكان بعد ذلك لا يجارى وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع وسهل بن سعد عن
202
النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر انه أرسل إلى علي وهو ارمد العين فقال لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه فبصق في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع قط وأعطاه الراية فقال علي يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا قال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه قتادة بن النعمان أنه
203
أصيبت عينه يوم بدر فسألت على وجنته فأرادوا ان يقطعوها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا ودعاه وغمز حدقته براحته فكان لا يدري أي عينيه أصيبت فكانت أحسن عينيه وأحدهما وفي رواية فرفع حدقته حتى وضعها موضعها ثم غمزها براحته وقال اللهم أكسبه جمالا فمات وما يدري من لقيه أي عينيه أصيبت رواه عنه أهل المغازي
204
وانشد ولده بحضرة عمر بن عبد العزيز وهو خليفة أقره من حضر ولم ينكروه
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه
وردت بكف المصطفى أيما رد
فلولا أنه كان معروفا عند التابعين لم يقروه وهم إنما تلقوا هذا عن الصحابة وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار
205
وأمر عليهم عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس قال عبد الله لأصحابه اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أدخل قال وأقبل حتى دنا من الباب وذكر قصة قتله إلى أن
206
قال ثم وضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعلمت أنني قد قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي ثم انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت لا أبرح حتى اعلم أقتلته أم لا فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال أنعي ابا رافع قال فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجا قد قتل الله أبا رافع قال فانتهينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثناه فقال ابسط رجلك فبسطها فمسحها فكأنما لم اشتكها قط
207
وفي البخاري عن يزيد بن أبي عبيد قال رأيت في ساق سلمة بن الأكوع أثر ضربة فقلت يا ابا مسلم ما هذه الضربة قال هذه ضربة اصابتني يوم خيبر فقال الناس اصيب سلمة قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت منها حتى الساعة وفي الترمذي وغيره عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله تعالى ان يعافيني قال إن شئت صبرت فهو خير لك وإن شئت دعوت الله قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء اللهم إني اسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى
208
ربي في حاجتي هذه فتقضيها لي اللهم فشفعه في وفي رواية قال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي وذكر الحديث فقال عثمان والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط قال الترمذي حديث صحيح النوع الثالث آثاره في الأشجار والخشب ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال كان المسجد مسقوفا على جذوع النخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع المنبر فكان عليه سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي صلى الله عليه
209
وسلم فوضع يده عليها فسكنت وفي رواية فصاحت النخلة صياح الصبي وفي الصحيح عن جابر ان امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله الا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال إن شئت فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له فصاحت النخلة التي كان يخطب عليها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت
210
وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئا يستتر به فإذا شجرتان بشاطىء الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصنين من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف فيما بينهما فلأم بينهما حتى جمع بينهما فقال التئما علي بإذن الله تعالى فالتأمتا عليه فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله
211
صلى الله عليه وسلم بقربي فيتباعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق وذكر الحديث وعن ابن عباس قال جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإنني من أطب الناس قال ألا أريك آية قال بلى فنظر إلى نخلة فقال ادع ذلك العذق فجاءه ينقز حتى قام بين يديه فقال له ارجع فرجع
212
وفي رواية الترمذي جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بم أعرف أنك نبي قال إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله قال نعم فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ارجع فعاد فأسلم الأعرابي وروى الدارمي عن عبد الله بن عمر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له النبي صلى الله عليه وسلم أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك في خير قال ما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقال ومن يشهد على ما تقول قال هذه السلمة فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطىء الوادي فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت ثلاثا أنه كما قال ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي
213
إليه فقال أن اتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت فكنت معك ورواه الدارمي أيضا قال فيه فجاءت النخلة تنقز بين يديه ثم قال لها ارجعي فعادت إلى مكانها وفي الصحيحين عن معن بن عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول سألت مسروقا من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن فقال حدثني أبوك يعني ابن مسعود أنه قال آذنته بهم شجرة وفي الترمذي عن علي قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه
214
وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله رواه الحاكم في صحيحه وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء ضربه بعض أهل مكة فقال له ما لك قال فقال فعل هؤلاء وفعلوا فقال له جبريل أتحب أني أريك آية فقال نعم فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال أدع تلك الشجرة فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه فقال مرها فلترجع إلى مكانها فقال لها ارجعي فرجعت حتى عادت إلى مكانها فقال النبي صلى الله عليه وسلم حسبي ورواه أبو يعلى االموصلي في مسنده
215
فصل
والنوع الرابع الماء والطعام والثمار الذي كان يكثر ببركته فوق العادة وهذا باب واسع نذكر منه ما تيسر أما الماء ففي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤن قال فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين وفي رواية عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في بعض مخارجه ومعه أناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون فحضرت الصلاة فلم يجدوا ما يتوضؤن به فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح فيه ماء يسير فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم
216
قال قوموا فتوضؤا وكانوا سبعين أو نحوه وفيهما عن أنس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالزوراء والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد ثمة دعا بقدح فيه ماء فوضع فيه كفه فجعل ينبع بين أصابعه فتوضأ جميع أصحابه وفي الصحيحين عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤا منه قال فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤا من عند آخرهم
217
وفي الصحيحين عن جابر قال قد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حضرت صلاة العصر وليس معنا ماء غير فضلة فجعل في إناء فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل يده فيه وفرج أصابعه وقال حي على الوضوء والبركة من الله فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه فتوضأ الناس وشربوا فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه فعلمت أنه بركة قلت لجابر كم كنتم يومئذ قال ألفا وأربعمائة وفي صحيح البخاري عن جابر أيضا قال عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ فجهش الناس نحوه قال ما لكم قالوا ليس عندنا ما نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة
218
وفي البخاري عن البراء بن عازب قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا وكنا ألفا وأربعمائة أو أكثر من ذلك وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة أو أكثر من ذلك وعليها خمسون شاة لا ترويها فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية فإما دعا وإما بصق فيها قال فجاشت فسقينا واستقينا
219
وعن ابن عباس قال ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فطلب بلال الماء ثم جاء فقال لا والله ما وجدت الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهل من شن فأتاه بشن فبسط كفيه فيها فانبعثت من يده عين قال فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ وعن جابر بن عبد الله قال غزونا أو سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن يومئذ بضع عشرة ومائتين فحضرت الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل في القوم من طهور فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء وليس في القوم ماء غيره فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فركب الناس ذلك القدح وقالوا تمسحوا تمسحوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الماء والقدح فقال بسم الله
220
ثم قال أسبغوا الطهور فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه فلم يرفعها حتى توضؤا أجمعون رواهما الدارمي في مسنده وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود قال كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال اطلبوا فضلة من ماء فجاؤا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال حي على الوضوء المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل وروى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا حتى إذا كان يوم آخر الصلاة ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال
221
إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسيتما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع شيء قال وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه ثم اعاده فيها فجرت العين بماء منهمر أو قال غزير فسقى الناس ثم قال يوشك يا معاذ إن طالت بك الحياة أن ترى ما ها هنا قد ملىء جنانا
222
وفي صحيح مسلم حديث جابر الذي رواه عبادة بن الوليد وقد تقدم أوله في قصة الشجرتين وانقيادهما ثم افتراقهما ووضع الغصن على القبرين وقال في آخره فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر ناد بوضوء فقال ألا وضوء ألا وضوء قال قلت يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له فقال لي انطلق إلى فلان فانظر هل في أشجابه من شيء قال فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب لو أني أفرغه لشربه يابسه
223
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب لو أني أفرغه لشربه يابسه قال اذهب فأتني به فأتيته به فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو ويغمزه بيده ثم أعطانيه ثم قال يا جابر ناد بجفنة الركب فقلت يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في الجفنة فقال خذ يا جابر فصب علي وقل بسم الله فصببت عليه وقلت بسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا قال فقلت هل بقي أحد له حاجة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان
224
وجه الصبح عرسنا فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس فكان أول من استيقظ منا أبو بكر الصديق وكنا لا نوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه حتى يكون هو الذي يستيقظ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ثم استيقظ عمر فجعل يكبر حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال ارتحلوا فسار بنا حتى ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تصلي معنا قال أصابتني جنابة ولا ماء قال له عليك بالصعيد فإنه يكفيك فتيمم بالصعيد فصلى ثم عجلني في ركب بين يديه يطلب الماء وقد عطشنا عطشا شديدا فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها أين الماء فقالت إيهاه إيهاه لا ماء لكم فقلت كم بين أهلك وبين الماء قالت مسيرة يوم وليلة قلنا انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وما رسول الله فلم نملكها من أمرها شيئا حتى انطلقنا بها واستقبلنا بها رسول الله
225
صلى الله عليه وسلم فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا وأخبرته أنها موتمة لها صبيان أيتام فأمر براويتها فأنيخت فمج في العزلاوين العلياوين ثم بعث براويتها فشربنا ونحن أربعون رجلا عطاشا حتى روينا وملأنا كل راوية وملأنا كل قربة معنا وإداوة وغسلنا صاحبنا غير أنا لم نسق بعيرا وهي تكاد تتضرج من الماء يعني المزادتين ثم قال هاتوا ما عندكم فجمعنا لها من كسر وتمر وصرلها صرة وقال اذهبي فأطعمي عيالك واعلمي أنا لم نرزأ من مائك شيئا فلما أتت أهلها قالت لقد رأيت أسحر البشر أو أنه النبي كما زعم كان من أمره ذيت وذيت فهدى الله عز وجل ذلك القوم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا
226
وفي الصحيحين عن أبي قتادة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء غدا إن شاء الله فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد وذكر حديث النوم في الوادي فقال ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءا دون وضوء وبقي فيها شيء من ماء ثم قال لأبي قتادة احفط علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ ثم قال أصبح الناس فقدوا نبيهم فقال أبو بكر وعمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدكم لم يكن ليخلفكم وقال الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديكم فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا قال فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء وهم يقولون يا رسول الله هلكنا عطشا فقال
227
لا هلك عليكم ثم قال أطلقوا لي غمري قال ودعا بالميضاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وابو قتادة يسقيهم فلم يعد ان رأى الناس ما في الميضأة تكابوا عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنوا الملاء كلكم سيروى قال ففعلوا فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب فقال لي اشرب فقلت لا أشرب حتى يشرب رسول الله قال إن ساقي القوم آخرهم شربا فشربت وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأتى الناس الماء جامين رواء قال عبد الله بن رباح إني لأحدث بهذا الحديث في مسجد
228
الجامع إذ قال لي عمران بن حصين انظر كيف يحدث فأنا أحد الركب تلك الليلة فقلت أنت أعلم فقال ممن أنت قلت من الأنصار قال أنتم أعلم بحديثكم قال عمران لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدا حفظه كما حفظته وفي مسند الإمام أحمد ورواه أبو يعلى الموصلي عن البراء بن عازب قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتينا على ركي ذمة قال فنزل ستة أنا سابعهم او سبعة أنا ثامنهم قال فأدليت إلي دلو ورسول الله صلى الله عليه وسلم على شفة الركي فجعلنا فيها نصفها أو قريب ثلثيها فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكدت بإنائي أجد سقيا اجعله في حلقي فما وجدت قال فغمس رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فيها وقال ما شاء الله أن يقول فأعيدت إلينا الدلو وما فيها قال
229
فرأيت آخرنا أخرج بثوب مخافة الغرق قال وساحت وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابو داود وابن ماجه طرف منه عن زياد بن الحارث الصداي قال في آخره ثم قلنا يا نبي الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا وقد أسلمنا وكل من حولنا عدو فادع الله في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرق فدعا بسبع حصيات فعركهن في يده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيت البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله عز وجل قال الصداي ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها
230
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وليس في العسكر ماء فأتاه رجل فقال يا رسول الله ليس في العسكر ماء قال هل عندك شيء قال نعم قال فأتني به قال فأتاه بإناء فيه شيء من ماء قليل قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم اصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه قال فانفجرت من بين أصابعه عيون وأمر بلالا فقال ناد في الناس الوضوء المبارك
231
فصل
وأما تكثير الطعام ففي الصحيحين عن جابر قال لما حفر الخندق رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا فانكفأت إلى امرأتي فقلت لها هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن قال فذبحت وطحنت ففرغت إلى فراغي فقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه قال فجئت فساورته فقلت يا رسول الله إنا
232
دبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير عندنا فتعال أنت ونفر معك فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحي هلا بكم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمم الناس حتى جئت امرأتي فقالت بك وبك قال قد فعلت الذي قلت لي فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك ثم قال ادع لي خابزة فلتخبز معي واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو
233
وفي رواية قال جابر إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت فقال أنا نازل فقام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثا لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل فقلت يا رسول الله أئذن لي إلى البيت فقلت لامرأتي رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما في ذلك صبر قالت عندي شعير وعناق فذبحت
234
العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج فقلت طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال كم هو فذكرت له قال كثير طيب قال قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي قال قوموا فقام المهاجرون والأنصار فلما دخل على امرأته قال ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم إلى أن قال فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال كل هذا وأهد فإن الناس أصباتهم مجاعة وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال قال أبو طلحة لأم
235
سليم قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت به فوجدته جالسا في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك ابو طلحة فقلت نعم فقال بالطعام فقلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا قال فانطلق وانطلقت معهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقال الله ورسوله أعلم قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلمي يا أم سليم ما عندك فأتت بذلك الخبز ففت وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن
236
لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلا أو ثمانون وفي طريق البخاري ثمانون وقال في رواية ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنس وفضل فضلة فأهديناها لجيراننا وفي صحيح مسلم عن سلمة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا يعنى من التمر فبسط ناطعا فنثرنا عليه أزوادنا قال فتمطيت وتطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة ونحن أربع عشرة مائة قال فأكلنا ثم تطاولت فنظرته فحزرته كربضة الشاة وفي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد وسلمة بن الأكوع واللفظ لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
237
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير قال فنفذت أزواد القوم حتى هموا بنحر بعض حمائلهم قال فقال عمر يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها قال ففعل فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره وذو النوى بنواه قيل وما كانوا يصنعون بالنوى قال يمصونه ويشربون عليه الماء قال فدعا عليها حتى ملأ القوم أزوادهم قال فقال عند ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها إلا دخل الجنة وفي لفظ آخر قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا قال فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر وفي رواية ما بقاؤهم
238
بعد إبلهم ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم قال فجعل الرجل يجيء بكف ذرة وجعل الآخر يجيء بكف تمر وجعل يجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال خذوا في أوعيتكم قال فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملاؤه قال فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة الحديث وروى البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا فأمرنا نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم على النطع قال
239
فتطاولت لأحزره كم هو فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة قال فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم هل من وضوء قال فجاء رجل بإدواة فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا هل من طهور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغ الوضوء وفي صحيح مسلم عن جابر أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي
240
صلى الله عليه وسلم فتجد فيها سمنا قال فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال عصرتيها فقالت نعم قال لو تركتيها ما زال قائما وروى مسلم في صحيحه عن جابر أيضا قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب فدخل بأهله قال فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور من حجارة فقالت يا انس اذهب
241
بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثت بهذا أمي إليك وهي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل يا رسول الله قال فذهبت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن أمي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل فقال ضعه ثم قال اذهب فادع فلانا وفلانا وفلانا ومن لقيت وسمى رجالا قال فدعوت من سمى ومن لقيت قال الجعد وهو الراوي عن أنس عدد كم كانوا قال كانوا زهاء ثلاثمائة وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس هات التور قال فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه قال فأكلوا حتى شبعوا قال فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم فقال يا أنس إرفع فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت قال وجلس طوائف منهم يتحدثون وذكر نزول آية الحجاب
242
وروى البخاري عن أنس أيضا إن أم سليم عمدت إلى مد من شعير جشته وجعلت منه خطيفة وعصرت عكة عندها ثم بعثتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو في أصحابه فدعوته قال ومن معي فجئت فقلت إنه يقول ومن معي فخرج إليه أبو طلحة فقال يا رسول الله أنما هو شيء صنعته أم سليم فدخل فجيء به وقال أدخل عشرة حتى عد أربعين ثم اكل النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام فجعلت أنظر هل نقص منها شيء وعن سمرة بن جندب قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتداول قصعة من غدوة إلى الليل يقوم عشرة ويقعد عشرة فقلنا ما كان يمد قال فمن أي شيء تعجب ما كانت
243
تمد إلا من ههنا وأشار بيده إلى السماء رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه الدارمي والحاكم في صحيحه وفي البخاري عن أبي هريرة أنه كان يقول والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي أبو القاسم
244
صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي وما في نفسي ثم قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق ومضى فاتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخلت فوجد لبنا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا هداه لك فلان أو فلانة قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال إذا اتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم واصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاؤا أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت فقال يا ابا هر قلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى ثم يرد علي
245
القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل مع أحد منكم طعام فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ثم جاء رجل مشعان طويل بغنم
246
يسوقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبيعا أم عطية أو قال هبة قال بل بيع فاشترى منه شاة فصنعت وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوي وأيم الله ما في الثلاثين ومائة إلا من قد حز له النبي صلى الله عليه وسلم حزة من سواد بطنها إن كان شاهدا أعطاه وأن كان غائبا خبأ له فجعل منها قصعة فأكلوا أجمعون وشبعنا ففضلت القصعتان فحملناها على البعير أو كما قال
247
فصل
وأما تكثير الثمار ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن أباه استشهد وترك دينا وترك ست بنات فلما حضر جداد النخل قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أحد وترك دينا كثيرا وإني أحب أن يراك الغرماء قال اذهب فبيدر كل تمر على ناحية ففعلت ثم دعوته فلما نظروا إليه كأنهم أغروا بي تلك الساعة فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه ثم قال لي ادع لي أصحابك فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي امانته وأنا أرضى أن يؤدي الله عن والدي أمانته ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة
248
فسلم الله البيادر كلها حتى إني لأنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم كأنها لم تنقص تمرة واحدة وفي رواية أن أباه ترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع إليه فجاءه وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل فمشى فيها ثم قال لجابر جد له فأوف له فجد له بعد ما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا وفضل له سبعة عشر وسقا فجاء جابر ليخبره بالذي كان فوجده يصلي العصر فلما انصرف أخبره بالفضل فقال أخبر بذلك ابن الخطاب فذهب جابر إلى عمر فأخبره فقال عمر لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليباركن فيها وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما حديث مزود أبي
249
هريرة قال أحمد ثنا يونس ثنا حماد بن زيد عن المهاجر عن أبي العالية عن أبي هريرة قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات وقلت ادع الله لي فيهن بالبركة قال فصفهن بين يديه قال ثم دعا فقال لي اجعلهن في مزودك فأدخل يدك ولا تنثره قال فجعلت منه كذا وكذا وسقا في سبيل الله ونأكل ونطعم وكان لا يفارق حقوي فلما قتل عثمان انقطع من حقوي فسقط رواه الترمذي عن عمران بن موسى القزاز عن
250
حماد بنحوه وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه ورواه الحافظ عبد الغني وغيره من طريق أخرى عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال يا ابا هريرة عندك شيء قلت شيء من التمر في مزود لي قال جىء به فجئت بالمزود وقال هات نطعا فجئت بالنطع فبسطه فأدخل يده فقبض على التمر فإذا هو إحدى وعشرين تمرة قال ثم قال بسم الله فجعل يضع كل تمرة ويسمي حتى أتى على التمر فقال به هكذا فجمعه فقال ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا ثم قال ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا قال وفضل تمر قال فقال لي اقعد فقعدت فأكل وأكلت قال وفضل تمر فأخذه فأدخله في المزود فقال يا أبا هريرة إذا أردت شيئا فأدخل
251
يدك ولا تكفأ فيكفأ عليك قال ما فكنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه خمسين وسقا في سبيل الله عز وجل وكان معلقا خلف ظهري فوقع زمان عثمان فذهب ورواه من طريق يزيد بن أبي منصور عن أبيه عن أبي هريرة قال أصبت بثلاث بموت النبي صلى الله عليه وسلم وكنت صويحبه وخويدمه وبقتل عثمان والمزود وما المزود كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من شيء يا ابا هريرة فقلت نعم شيء من تمر في مزود قال فأتيني به فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبض فبسطا ثم قال ادع لي عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم أدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ثم قال ادع لي عشرة فما زال يصنع كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا ثم قال خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض ولا
252
تكفه قال أبو هريرة فقبضت على اكثر مما جئت به ثم قال أبو هريرة ألا أحدثكم عما أكلت منه أكلت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمت وحياة أبي بكر وأطعمت وحياة عمر واطعمت وحياة عثمان وأطعمت فلما قتل عثمان انتهب بيتي وذهب المزود وروى الإمام أحمد في مسنده ثنا يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل عن قيس عن دكين بن سعيد المزني قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأربعمائة نسأله الطعام فقال لعمر إذهب فأطعمهم فقال يا رسول الله ما بقي إلا
253
آصع من تمر ما أراه يقيظني قال قال فأطعمهم قال سمع وطاعة قال فأخرج عمر المفتاح من حجزته ففتح الباب فإذا شبه الفصيل الرابض من تمر فقال لنا خذوا فأخذ كل رجل منا ما أحب ثم التفت وكنت من آخر القوم وكأنا لم نرزأ تمرة ورواه أبو داود عن عبد الرحيم بن مطرف عن
254
عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن دكين قال أبو عبد الله المقدسي وإسناده على شرط الصحيح
255
فصل
وأما النوع الخامس تأثيره في الأحجار وتصرفه فيها وتسخيرها له ففي صحيح البخاري عن أنس قال صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل فقال اسكن وضربه برجله فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن وفي الترمذي عن علي قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله ورواه الحاكم في صحيحه
256
وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما واجهنا العدو تقدمته فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فولى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وارجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأى
257
ابن الأكوع فزعا فلما غشوا النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من الأرض واستقبل به وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار
258
ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال العباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها وابو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرادة أن لا تسرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عباس ناد أصحاب الشجرة فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على اولادها يا لبيك يا لبيك قال فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرع فنظر رسول الله
259
صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حين حمى الوطيس ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى وجوه الكفار ثم قال انهزموا ورب الكعبة قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا حتى هزمهم الله وقد قال الله تعالى عن يوم بدر
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
260
وروى ابن إسحاق عن جماعة منهم عروة والزهري وعاصم بن عمر وغيرهم قالوا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش هو وأبو بكر ما معهما غيرهما وقد تدانى القوم بعضهم من بعض فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من نصره ويقول اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد وأبو بكر يقول بعض مناشدتك ربك يا رسول الله فإن الله سينجز لك ما وعدك من نصره وخفق رسول الله
261
صلى الله عليه وسلم خفقة ثم هب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله عز وجل هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع يقول الغبار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبأ اصحابه وهيأهم وقال لا يعجلن رجل منكم بقتال حتى نؤذنه فإذا أكثبكم القوم يقول قربوا منكم فانضحوهم عنكم بالنبل ثم تزاحم الناس فلما تدانى بعضهم من بعض خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من حصباء ثم استقبل بها قريشا فنفخ بها وجوههم وقال شاهت الوجوه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احملوا عليهم يا معشر المسلمين فحمل المسلمون
262
وهزم الله قريشا وقتل من قتل من أشرافهم وأسر من أسر منهم وفي حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فقال له جبريل خذ قبضة من تراب فأخذ قبضة من تراب ورمى بها وجوههم فما في المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين
263
فصل
النوع السادس من آياته صلى الله عليه وسلم تأييد الله له بملائكته قال الله تعالى
إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين الآية وقال تعالى
إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال تعالى في الخندق
264
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا وقال تعالى في حنين
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين وقال تعالى في الهجرة
ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا وقال تعالى في بدر
إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس عن عمر ابن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه
265
وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى أسقط رداءه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل
إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة قال أبو زميل فحدثني ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين امامه إذ سمع ضربة
266
سوط فوقه وصوت الفارس يقول اقدم حيزرم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة بالسوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين وذكر الحديث وذكر البخاري في هذا الحديث فخرج يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول
سيهزم الجمع ويولون الدبر وقال ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن
267
بعض بني ساعدة قال سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعدما أصيب بصره يقول لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم
أني معكم فثبتوا الذين آمنوا وتثبيتهم أن الملائكة تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه وتقول له أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا
268
عليهم فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال
إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه على موعد من محمد وأصحابه ثم قال واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهم ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده ويعني جبرائيل وميكائيل عليهما السلام وفي الصحيحين عن عائشة قالت أصيب سعد يوم الخندق
269
رماه رجل من قريش ابن العرقة رماه في الأكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد يعوده من قريب فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح فاغتسل فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض عن رأسه الغبار فقال وضعت السلاح والله ما وضعناه اخرج إليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين فأشار إلى بني قريظة فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد قال إني أحكم فيهم أن يقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية والنساء وتقسم أموالهم وفي بعض طرق البخاري فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار
270
وروى البخاري عن أنس قال كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل صلوات الله عليه حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وفي المغازي من غير طريق أن الصحابة رأوا جبريل في صورة دحية الكلبي وأنه معتم بعمامة أرخى طرفها بين كتفيه وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويلقي الرعب في قلوبهم وروى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه
271
وسلم يا رسول الله هل أتى عليك يوم كأن أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك ما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن
272
يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا
273
فصل
النوع السابع في كفاية الله له أعداءه وعصمته له من الناس وهذا فيه آية لنبوته من وجوه منها أن ذلك تصديق لقوله تعالى
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون فهذا إخبار الله بأنه يكفيه المشركين المستهزئين وأخبر أنه يكفيه أهل الكتاب بقوله
قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم
274
فأخبره الله أنه يكفيه هؤلاء الشاقين له من أهل الكتاب وأخبره أنه يعصمه من جميع الناس بقوله تعالى
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس فهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس فكل من هذه الأخبار الثلاثة العامة قد وقع كما أخبز وفي هذا عدة آيات منها أنه كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة ومنها أنه نصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم وأنه كان وحده جاهرا بمعاداتهم وسب آبائهم وشتم آلهتهم وتسفيه أحلامهم والطعن في دينهم وهذا من الأمور الخارقة للعادة والمستهزئون كانوا من أعظم سادات قريش وعظماء العرب وكان أهل مكة أهل الحرم أعز الناس وأشرفهم يعظمهم جميع الأمم أما العرب فكانوا يدينون لهم وأما غيرهم من الامم فكانوا
275
يعظمونهم به لا سيما من حين ما جرى لأهل الفيل ما جرى كما كانت الأمم تعظم بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الآيات ما ظهر وهؤلاء بنو إسرائيل ابن خليل الله وهؤلاء بنو إسحاق ابن خليل الله وكلاهما ممن وعد الله إبراهيم في التوراة فيهم بما وعده من إنعام الله عليه النعمة التي لم ينعم الله بها على غيرهم فكان أهل مكة معظمين لأنهم جيران البيت ولأنهم أشرف بني إسماعيل فإن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشم من قريش واصطفى محمدا من بني هاشم وكان قد عاداه أشراف هؤلاء كما عادى المسيح أشراف بني إسرائيل وبدل هؤلاء وهؤلاء نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار وكفى الله رسوله المسيح من عاداه منهم ولم ينفعهم نسبهم ولا فضل مدينتهم وكذلك كفى الله محمدا من عاداه وانتقم منهم ولم ينفعهم أنسابهم ولا فضل مدينتهم فإن الله إنما يثبت بالإيمان والتقوى لا بالبلد والنسب وقال تعالى
276
وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وقال
وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم وقال
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون وقد سمى أهل العلم بعض من كفاه الله إياه من المستهزئين وكانوا معروفين مشهورين عند الصحابة بالرياسة والعظمة في الدنيا فذكروهم ليعرف هذا الأمر العظيم الذي أكرم الله نبيه به
277
ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قيل نعم قال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له مالك قال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهو لا وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وأنزل الله تعالى
أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب
278
وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكر من مكة إلى المدينة قال فيه واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم ونحن في جدد من الأرض فقلت يا رسول الله أتينا فقال لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتطمت فرسه إلى بطنها فقال إني قد علمت أنكما دعوتما علي فادعوا لي والله لكما أن
279
أرد عنكما الطلب فدعا الله فنجا فرجع لا يلقى أحدا إلا قال قد كفيتم ها ههنا فلا يلقى أحدا إلا رده وفي لفظ فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه ووثب عنه فقال يا محمد قد علمت أن هذا علك فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه ولك علي لأعمين على من ورائي وفي الصحيحين عن ابن شهاب من رواية سراقة نفسه قال جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو اسره فبينما أنا جالس في مجلس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل
280
أراهما محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا ثم لبثت ساعة ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم وعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام
281
فاستقسمت بها فخرج الذي اكره فركبت وعصيت الأزلام فقربت بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر تمام الحديث
282
وفي الصحيحين عن جابر قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القائلة وفي واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي والسيف صلتا في يده فقال من
283
يمنعك مني قلت الله فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ملك قومه فانصرف حين عفا عنه فقال لا اكون في قوم هم حرب لك وفي صحيح الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال كان فلان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم اختلج بوجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم كن كذلك فلم يزل يختلج حتى مات
284
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد نصرانيا فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أجعله آية فأماته الله فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا مثل الأول فحفروا له وأعمقوا فلفظته الثالثة فعلموا أنه ليس من فعل الناس فتركوه منبوذا وروى الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق قال حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته قال حضرتهم وقد اجتمع
285
أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط قد سفه احلامنا وشتم آبائنا وعاب ديننا وفرق جماعاتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول قال فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى فلما مر الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى أنه ليقول انصرف يا أبا
286
القاسم انصرف راشدا فوالله ما كنت جهولا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا الذي أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه وقام أبو بكر دونه يقول وهو يبكي
أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه وذكر البخاري بعد حديث عروة عن عبد الله بن عمرو قال وقال عبدة
287
عن هشام عن أبيه قيل لعمرو بن العاص وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى
إنا كفيناك المستهزئين قال والمستهزؤن الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن
288
عبد العزى والحارث بن عيطل السهمي والعاص بن وائل فأومأ جبريل إلى أكحل الوليد بن المغيرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعت قال كفيته وأومأ إلى الأسود بن المطلب إلى عينيه فقال ما صنعت فقال كفيته وأومأ إلى رأس الأسود بن عبد يغوث فقال ما صنعت قال كفيته وأومأ إلى الحارث السهمي إلى بطنه فقال وما صنعت قال كفيته وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فقال ما صنعت قال كفيته فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبله فأصاب أكحله
289
فقطعها وأما الأسود بن المطلب فعمي فمنهم من يقول عمي هكذا ومنهم من يقول نزل تحت سمرة فجعل يقول يا بني ألا تدفعون عني ويقولون ما نرى شيئا فجعل يقول هلكت ها هو ذا أطعن في عيني بالشوك فجعلوا يقولون ما نرى شيئا فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه وأما الأسود فخرج في رأسه قروح فمات منها وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات وأما العاص بن وائل فركب إلى الطائف على حمار فربض به في شبرقة يعني شوكة فدخلت في أخمص قدمه فمات وقيل دخلت في رأسه شبرقة فمات رواه ابن أبي حاتم في تفسيره قال ثنا يونس بن
290
حبيب ثنا أبو داود ثنا أبو عوانة ثنا أبو بشر عن سعيد وروى بإسناده عن الربيع بن أنس قال أراد صاحب اليمن أن يؤي النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه الوليد فزعم أن محمدا ساحر وأتاه العاص بن وائل فأخبره أن محمدا تعلم أساطير الأولين وأتاه آخر فزعم أنه كاهن وآخر زعم أنه شاعر وآخر قال إنه مجنون فأهلكهم الله كل منهم أصابه عذاب سوى عذاب صاحبه وذكر تفصيل عذابهم وروى مثله عن عكرمة
291
وقال محمد بن إسحاق ثنا يزيد بن رومان عن عروة وغيره من العلماء أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهم يطفون بالبيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبه فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات منها ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح بأسفل كعبه كان أصابه لما مر برجل يريش نبله فخدش رجله وليس بشيء فانتقض فمات ومر به العاص بن وائل فأشار إلى إخمص قدمه فذكر مثل ما تقدم من رواية ابن عباس ورواه أبو زرعة من طرق كثيرة عن جماعة من التابعين ومن المشهور عند أصحاب السير وغيرهم دعوته على عتيبة بن أبي لهب وكان أبو لهب لما عادى النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنيه أن يطلقا ابنتي النبي صلى الله عليه
292
وسلم رقية وام كلثوم قبل الدخول وقال عتيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كفرت بدينك وفارقت ابنتك لا تحبني ولا أحبك ثم تسلط عليه بالأذى وشق قميصه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فخرج في نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ليلا فأطاف بهم الأسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول يا ويل أخي هو والله آكلي كما دعا محمد علي قتلني وهو بمكة
293
وأنا بالشام فعدا عليه الأسد من بين القوم واخذ برأسه فذبحه وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه قال لما طاف الأسد بهم تلك الليلة وانصرف عنهم قاموا وجعلوا عتيبة في وسطهم فأقبل الأسد يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل أيكم يقوم إلى سلى جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي صلى الله عليه
294
وسلم وضعه بين كتفيه قال فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم انظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما رفع رأسه حتى انطلق انسان إلى فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته ثم اقبلت عليهم تسبهم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا ثم قال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ثم قال اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وذكر السابع لم أحفظه فوالذي بعث محمدا بالحق لقد رأيت الذي سمى صرعى
295
يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر وعنه قال استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ودعى على ستة نفر فذكره وفي رواية غير أن أمية بن خلف كان رجلا ضخما فقطعت أوصاله فلم يلق في البئر وقال غيرتهم الشمس وكان يوما حارا ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذم دينه بأنواع من العقوبات وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة التي تبين كلاءة الله لعرضه وقيامه بنصره وتعظيمه لقدره
296
ورفعه لذكره وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولي الألباب ومن المعروف المشهور المجرب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يسب العدو الرسول صلى الله عليه وسلم فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو فإنه يكون ذلك قريبا كما قد جربه المسلمون غير مرة تحقيقا لقوله تعالى
إن شانئك هو الأبتر ولما مزق كسرى كتابة مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه بقي لهم لمكهم النوع الثامن في إجابة دعوته وإجابة الدعاء منه ما تكون إجابته معتادة لكثير من عباد الله كالإغناء والعافية ونحو ذلك ومنه ما يكون المدعو به من خوارق العادات كتكثير الطعام والشراب كثرة خارجة عن العادة وإطعام النخل في العام مرتين مع أن العادة في
297
مثله مرة ورد بصر الذي عمي ونحو ذلك مما يأتي وما تقدم من أدعيته ومعلوم أن من عوده الله إجابة دعائه لا يكون إلا مع صلاحه ودينه ومن ادعى النبوة لا يكون إلا من أبر الناس إن كان صادقا أو من أفرجهم إن كان كاذبا وإذا عوده الله إجابة دعائه لم يكن فاجرا بل برا وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا برا تعين أن يكون نبيا صادقا فإن هذا يمتنع أن يتعمد الكذب ويمتنع أن يكون ضالا يظن أنه نبي وأن الذي يأتيه ملك ويكون ضالا في ذلك والذي يأتيه الشيطان فإن هذا حال من هو جاهل بحال نفسه وحال من يأتيه ومثل هذا لا يكون أضل منه ولا أجهل منه لأن الله تعالى جعل بين الملائكة والشياطين وبين الأنبياء الصادقين وبين المتشبهين بهم من الكذابين من الفرق ما لا يحصيه غيره من الفروق بل جعل بين الأبرار والفجار من الفروق أعظم مما بين الليل والنهار ولأن ما يأتي به الأنبياء من الأخبار والأوامر مخالف من كل وجه لما يأتي به الشيطان ومن استقرأ أحوال الرسل وأتباعهم وحال الكهان والسحرة تبين له ما يحقق ذلك
298
والشيطان الذي يقول لمن ليس بنبي إنك نبي صادق والله أرسلني إليك يكون من أعظم الناس كذبا والكذب يستلزم الفجور فلا بد أن يأمره بما ليس برا بل إثما ويخبره بما ليس صدقا بل كذبا كما هو الواقع ممن تضله الشياطين من جهلة العباد وممن يزين له أنه نبي أو أنه المهدي أو خاتم الأولياء وكل هؤلاء لا بد أن تأمره الشياطين بإثم ولا بد أن يكذب في بعض ما تخبره به تحقيقا لقوله تعالى
هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم وحينئذ فمثل هذا لا يكون مع دعوى النبوة من الأبرار الذين عودهم الله إجابة دعائهم إجابة خارجة عن العادات بل لا يكون مع دعوى النبوة إلا من الأفاكين الفجار وإذا كان صادقا في دعوى النبوة عالما بأنه صادق ثبت أنه نبي والأنبياء معصومون من الإقرار على الخطأ فيما يبلغونه عن الله باتفاق الناس وحنيئذ فكل ما يبلغه عن الله فهو حق وهو
299
المطلوب ومن كان يأتيه صادق وكاذب مثل ابن صياد ومثل كثير
300
من العباد الذين لهم إلهام من الملك وسواس من الشيطان بأنه نبي ويقول أنا أرسلني الله فلا بد أن يتبين كذبه ولو ببعض الوجوه مثل أن يخبره بكذب فإن مثل هذا الشيطان الذي قال له أنه نبي لا بد أن يكذب فيما يخبره به ومثل إخبار الصادق له بأن هذا كذب فإذا أتاه الشيطان بالكذب لا بد أن يخبره الصادق الذي يأتيه بما يخالف ذلك بخلاف الإخبار بأمور جزئية إذ إخباره بأنه نبي صادق مع أنه ليس كذلك يهلكه هلاكا عظيما ويفسد على الصادق جميع ما يأتيه به لأن ذلك يستلزم أن يصدق ذلك الكاذب في كل ما يخبره به إذ قد اعتقد أنه نبي وحينئذ فلا يكون عنده كاذبا ولا يعرف أنه كاذب فلا يكون مثل ابن صيد ونحوه ممن يعرف أنه يأتيه صادق وكاذب بل أضل من هؤلاء يظن أن كل ما يأتيه فهو صادق ولهذا كل من كان يأتيه إخبار ملكي صادق وإخبار شيطاني كاذب فلا بد أن يعرف أنه يأتيه كاذب لأنه تبين له الكذب فيما يخبره به الشيطان الكاذب كما هو الواقع
301
ولهذا يوجد الكهان يعرفون كذب من يخبرهم كثيرا وكذل العباد الذين لهم خطابات وكاشفات بعضها شيطاني وبعضها ملكي يتبين لهم الكذب فيما يأتيهم به الشيطان كما هو الواقع فلا يوجد شيخ عابد له حال شيطاني إلا ولا بد أن يخبره بكذب يظهر له أنه كذب وحينئذ فإذا صدق هذا الكاذب في إخباره النبوة كان مصدقا للكاذب ولأن الصادق الذي يأتيه مخبرا له بالصدق ناصحا له لا بد أن يبين له ذلك فلا يصر على اعتقاد أن من يأتيه صادق وهو في نفس الأمر كاذب ولا يعلم أنه كاذب إلا من هو أفاك أثيم والله تعالى يقول
هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم فتنزلها على الأفاك الأثيم وأما نزول الشيطان مرة أومرتين فقد يكون على من ليس بأفاك أثيم فإن من لم يكن مدعيا للنبوة لم يكن من هذا الباب وإن كان مدعيا للنبوة فيمتنع أن يقره الصادق الذي يأتيه على ذلك بل لا بد أن يبين له هذا إن جوز ذلك فإن الناس تنازعوا هل يجوز أن يلقي الشيطان على لسان النبي
302
ما ينسخه الله ويمحاه أم لا يجوز ذلك وعلى كل حال يمتنع أن يقر على خطأ والمقصود هنا ذكر بعض أدعية النبي صلى الله عليه وسلم التي شوهد إجابتها وقد تقدم ذكر بعض أدعيته مثل دعائه على الملإ من قريش فقتلوا يوم بدر وألقوا في القليب ومثل دعائه على عتيبة بن أبي لهب ومثل دعائه على الذي كذب عليه بأن يجعله آية ومثل دعائه لما قل الزاد وجمعوه على نطع فكثره الله ببركة دعوته حتى كفى الجيش العظيم في غزوة تبوك ومثل دعائه في غزوة الخندق فكفى الطعام وهو صاع من شعير لألف نفر وكذلك دعاؤه لما نزحت بئر الحديبية فكثر ماؤها حتى كفى الركب وهم ألف وخمسمائة وركابهم وقد تقدم دعاؤه للذي ذهب بصره فأبصر ودعاؤه في الاستسقاء فما رد يديه إلا والسماء قد أمطرت ودعاؤه في الاستصحاء وإشارته إلى السحاب فتقطع من ساعته ودعوته على سراقة بن جعشم لما تبعهم في الهجرة فغاصت فرسه في الأرض ودعاؤه يوم بدر ويوم حنين وقال الله له يوم بدر
إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين
303
وامثال ذلك وفي الصحيحين عن جابر قال لما نزل
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك
أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك
أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال هاتان أهون أو أيسر وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها فلن
304
يزال الهرج إلى يوم القيامة وفي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال جعل عمي يرتجز ويقول
تا الله لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
305
ونحن من فضلك ما استغنيا
فثبت الأقدام أن لاقينا
وأنزل سكينة علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا قالوا عامر قال غفر لك ربك قال وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد قال فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا متعتنا بعامر قال فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال وبرز له عمي عامر فقال
قد علمت خيبر أني عامر
شاكي السلاح بطل مغامر
306
قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسل سيفه فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله وكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت في نفر من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقلت يا رسول الله بطل عمل عامر قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قال ذلك قلت ناس من أصحابك قال كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال قالت أم سليم يا رسول الله خادمك أنس أدع الله له فقال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته وروى البخاري قال دخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه ثم قام إلى ناحية البيت فصلى غير مكتوبة فدعى لأم سليم وأهل بيتها فقالت أم سليم يا رسول الله إن
307
لي خويصة فقال ما هي قالت خادمك أنس قال فما ترك آخرة ولا دنيا إلا دعا به اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه فإني أكثر الأنصار مالا وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة وفي رواية لمسلم دعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين وأنا أرجو الثالثة في الآخرة وفي الترمذي وحسنه عن أبي خلدة قال قلت لأبي العالية سمع أنس من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خدمه عشر سنين ودعا له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين وكان
308
فيها ريحان يجيء منه ريح المسك وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا أبكي فقلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام وتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب فقالت يا ابا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأتيته وأنا أبكي من الفرح فقلت يا رسول الله أبشر فقد
309
استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وقال خيرا فقلت يا رسول الله أدع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حبب عبدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهما المؤمنين فما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال ما هذا قال يا رسول الله إني تزوجت امرأة قال كم سقت إليها قال وزن نواة من ذهب قال فبارك الله لك أولم ولو بشاة وفي الصحيحين أنه لما قدم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه سعد أن يناصفه أهله وماله فقال له عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك
310
ومالك دلني على السوق فظهرت بركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ من مال عبد الرحمن ما قاله الزهري أنه تصدق بأربعمائة ألف دينار وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة بعير في سبيل الله قال وكان عامة ماله من التجارة وقال محمد بن سيرين اقتسم نساء عبد الرحمن بن عوف ثمنهن فكان ثلاثمائة وعشرين الفا وقال الزهري أوصى عبد الرحمن لمن شهد بدرا فوجدوا مائة لكل رجل منهم أربعمائة دينار وقال عبد الله بن جعفر
311
حدثتني أم بكر بنت المسور ان عبد الرحمن باع أرضا بأربعين ألف دينار فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة ان عبد الرحمن أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة فقومت مائة ألف وفي الترمذي
312
وصححه ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم اعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فكان عمر بن الخطاب أحبهما إلى الله فأسلم عمر وروى أن الدعوة كانت في يوم الأربعاء فأسلم يوم الخميس وأعز الله به الإسلام قال عبد الله بن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر رواه البخاري وظهر من عز الإسلام في إمارته شرقا وغربا وفتح الشام والعراق ومصر وكسر عساكر كسرى وقيصر ما تحقق به إجابة الدعوة وفي الصحيحين ان ابن عباس وضع للنبي صلى الله عليه وسلم لما أتى الخلاء وضوءا فقال لما خرج من وضع هذا فقيل ابن عباس فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل
313
وفي رواية قال ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال اللهم علمه الكتاب وفي رواية الحكمة وظهرت إجابة دعوته حتى كان يسمى البحر وقال فيه ابن مسعود لو ادرك ابن عباس أسناننا لما عشره منا أحد وكان عمر يقدمه ويدخله مع كبراء الصحابة وعلم ابن عباس مشهور في الأمة وفي الصحيحين عن جابر قال كنت أسير على جمل قد
314
أعيا واردت أن أسيبه قال فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه ودعا له فسار سيرا لم يسر مثله وفي رواية فقال لي ما لبعيرك فقلت عليل قال فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره فدعا له فما زال يسير بين يدي الإبل قدامها فقال كيف ترى بعيرك قلت بخير قد اصابته بركتك قال فتبعنيه وذكر الحديث وفي الترمذي وغيره قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم استجب لسعد إذا دعاك وفي لفظ اللهم أجب دعوته
315
وسدد رميته فكان سعد لا يرمي إلا يصيب ولا يدعو إلا أجيب وروى الحاكم في صحيحه عن علي رضي الله عنه قال مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني وإن كان متأخرا فارفعني وإن كان بلاء فصبرني فقال اللهم اشفه اللهم عافه ثم قال لي قم فقمت فما عاد إلي ذلك الوجع بعد وفي الصحيحين عن أم خالد قالت أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة فقال
316
من ترون نكسوه هذه الخميصة فسكت القوم فقال ائتوني بأم خالد فأتي بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألبسنيها فقال أبلي وأخلقي مرتين فجعل ينظر إلى علم الخميصة ويشير بيده إلي ويقول يا أم خالد هذا سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن فبقيت حتى دكن وعن أبي يزيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ادن مني فمسح بيده على رأسي ولحيتي ثم قال اللهم جمله وأدم جماله
317
قال الراوي عنه فبلغ بضعا وثمانين سنة وما في لحيته بياض إلا نزر يسير ولقد كان منبسط الوجه ولم يتقبض وجهه حتى مات رواه الإمام أحمد وقال البيهقي إسناده صحيح ورواه الترمذي وقال مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجهي فدعا لي قال عزرة إنه عاش مائة وعشرين سنة وليس في رأسه إلا شعرات بيض وقال حديث حسن وقال البخاري في تاريخه ثنا يعقوب بن إسحاق عن حنظلة بن حنيفة بن حذيم قال حذيم يا رسول الله إني رجل ذو
318
سن وهذا أصغر بني فسمت عليه قال تعالى يا غلام فأخذ بيدي ومسح برأسي وقال بارك الله فيك أو بورك فيك فرأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم فيمسح بيده ويقول بسم الله فيذهب الورم وفي رواية والشاة والبعير ويذكر عن ابي سفيان واسمه مدلولك أنه ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ومسح رأسه بيده ودعا له بالبركة فكان مقدم رأسه موضع يد النبي صلى الله عليه وسلم أسود وسائره أبيض ذكره أيضا البخاري في تاريخه
319
وروى أحمد في مسنده بإسناده عن أبي العلا قال كنت عند قتادة بن ملحان في مرضه الذي مات فيه فمر رجل في مؤخر الدار فرأيته في وجه قتادة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح وجهه قال وكنت قبل ما رأيته إلا ورأيته كان على وجهه الدهان وفي مسند الإمام أحمد عن عروة بن أبي الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال أي عروة ائت الجلب فاشتر شاة فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما فلقيني رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار فجئت بالدينار وجئت بالشاة فقلت
320
يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم قال وصنعت كيف فحدثته الحديث فقال اللهم بارك له في صفقة يمينه فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل ان أصل إلى أهلي ورواه الإمام أحمد وفي لفظ فكان لو اشترى التراب لربح فيه رواه البخاري عن أهل داود عنه
321
وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع ان رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال له كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت ما منعه إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه وروى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله السلمي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني أنمار قال جابر فبينما أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هلم يا رسول الله إلى الظل قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر فقمت إلى غرارة لنا فالتمست فيها فوجدت فيها جرو قثا
322
فكسرته ثم قربته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من اين لكم هذا قلنا خرجنا به من المدينة قال وعندنا صاحب لنا نجهزه يذهب يرعى ظهرنا قال فجهزته ثم ادبر يذهب إلى الظهر وعليه ثوبان له قد خلقا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما له ثوبان غير هذين فقلت بلى يا رسول الله ثوبان في العيبة كسوته إياهما قال ادعه فليلبسهما ثم ولى يذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله ضرب الله عنقه أليس هذا خير له فسمعه الرجل فقال يا رسول الله في سبيل الله فقال في سبيل الله فقتل الرجل في سبيل الله ورواه أبو زرعة عن سعيد بن سليمان عن الليث عن هشام بن سعيد
323
عن زيد بن اسلم عن عطاء عن جابر
324
فصل
في الطرق التي تبين بها أن هذه الأخبار تفيد العلم وهذه الأخبار منها ما هو في القرآن ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة كنبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام وحنين الجذع ونحو ذلك فإن كلا من ذلك تواترت به الأخبار واستفاضت ونقلته الأمة جيلا بعد جيل وخلفا عن سلف فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه الآيات منقولة مشهورة مستفيضة فيها ينقلها أكثر ممن ينقل كثيرا من القرآن وقد نقلها وسمعها من الأمة أكثر ممن سمع ونقل كثيرا من آيات القرآن وأكثر ممن سمع ونقل أنه كان يسجد في الصلاة سجدتي السهو وممن سمع ونقل نصب الزكاة وفرائضها بل مواقيت الصلاة وأعدادها إنما شاع نقلها للعمل الدائم بها وأما هذه الآيات فنقلها أكثر ممن نقل مواقيت الصلاة من جهة الأخبار المعينة وذلك أن آيات الرسول كان كثيرا منها يكون بمشهد من الخلق العظيم فيشاهدون تلك الآيات كما شاهد أهل الحديبية وهم ألف وخمسمائة نبع الماء من بين أصابعه وظهور الماء
325
الكثير من بئر الحديبية لما نزحوها ولم يتركوا فيها قطرة فكثر حتى روى العسكر وكما شاهد العسكر في غزوة ذات الرقاع الماء اليسير لما صبه جابر في الجفنة وامتلأت وملأ منها جميع العسكر وكما شاهد الجيش في رجوعهم من غزوة خيبر المزادتين مع المرأة وقد ملؤوا كل وعاء معهم وشربوا وهي ملأى كما هي وكما شاهد أهل خيبر وهم الف وخمسمائة الطعام الذي كان كربضة الشاة فأشبع الجيش كلهم وكما شاهد الجيش العظيم وهم نحو ثلاثين ألفا في تبوك العين لما كانت قليلة الماء فكثر ماؤها حتى كفاهم وشاهدوا الطعام الذي جمعوه على نطع فأخذوا منه حتى كفاهم وكما شاهد أهل الخندق وهم أكثر من ألف كثرة الطعام في بيت جابر بعد أن كان صاعا من شعير وعناقا فأكلوا كلهم بعد الجوع حتى شبعوا وفضلت فضلة وكما شاهد الثمانون نفسا كثرة الطعام لما أكلوا في بيت أبي طلحة وكما شاهد الثلاثمائة كثرة الماء لما توضؤوا من قدح والماء ينبع من بين أصابعه حتى كفاهم للوضوء وكذلك وليمة زينب كانوا ثلاثمائة فأكلوا من طعام في تور من حجارة وهو
326
باق فظن أنس أنه أزيد مما كان وكانوا يتداولون قصعة من غدوة إلى الليل يقوم عشرة ويقعد عشرة كما في حديث سمرة بن جندب وأهل الصفة لما شربوا كلهم من اللبن القليل وكفاهم وفضل وكانوا ينقلون ذلك بينهم وهو مشهور ينقله بعض من شاهده إلى من غاب عنه فكان استفاضة آياته وشهرتها وتواترها في الأمة أعظم من تواتر سجود السهو في الصلاة فإن هذا إنما كان مرات قليلة ولم يحضره إلا المصلون خلفه لتلك الصلاة وكذلك نقلهم لنصب الزكاة وفرائضها فإن هذا إنما سمعه منه طائفة قليلة ونقلوه وكذلك حكمه بالشفعة فيما لا يقسم وقضاؤه بأن دية الخطأ على العاقلة وقضاؤه بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر ونهيه عن نكاح الشغار وتحريمه لطلاق الحائض وطلاق الموطوءة قبل أن يتبين حملها وأن المعتقة تحت عبد يثبت لها الخيار وتوريث
327
الجدة السدس ونهيه أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها وقوله فيما سقت السماء العشر وما سقى بالدوالي والنواضح نصف العشر وأمثال ذلك إنما سمعها طائفة من الأمة هم أقل بكثير ممن شاهدوا آياته ثم إن الأمة متفقة على نقل ذلك وهذه الأحكام متواترة عنه معلومة بالاضطرار من دينه فإذا كان مثل هذه الأمور تواتر في الأمة واتفقت على نقله فكيف بما كان أشهر وأظهر عند من عاينه وكان علم الذين رأوه به أظهر من علمهم بهذه الأحكام وقد نقلوا ذلك إلى من غاب عنهم فإنه قطعا يجب أن يكون تواتر هذه الآيات في الأمة أعظم وأظهر ولهذا لا يكاد يوجد مسلم إلا وقد عرف كثيرا من هذه الآيات وسمعها ونقلها إلى غيره بخلاف كثير من الأحكام المتواترة عنه المتفق على نقلها عند العلماء فإن كثيرا من الناس لا يعرفها ولا سمعها وإذا قال القائل هذه مما تتوفر الهمم والدواعي على نقلها فلو كانت موجودة لتوفرت الهمم والدواعي على نقلها ولو كان كذلك لتواترت قلنا وكذلك هو ولله الحمد توفرت الهمم و الدواعي
328
على نقلها أكثر مما توفرت الهمم والدواعي على نقل أكثر آيات الأنبياء قبله وأكثر مما توفرت الهمم والدواعي على نقل الأخبار العجيبة من سير الملوك والخلفاء فإن من تدبر نقل هذه الآيات وجد شهرتها في كل زمان وظهور الأخبار بها أعظم من شهرة ما نقل من أخبار الأنبياء وسير الملوك والدول التي جرت العادة بتوفر الهمم والدواعي على نقلها فإن مثل هذا لا يجب في كونه متواترا أن يتواتر عند كل أحد من الناس فإن أكثر ما تواتر عند كل أمة من أحوال متقدميها قد لا يسمعه كثير من الأمم من غيرهم فضلا عن تواتره عندهم حتى أن كثيرا من الأمم الذين لا يعرفون الأنبياء قد لا يكونوا قد سمعوا بأسماء الأنبياء ولا بأخبارهم فضلا عن تواترها عندهم وأكثر أتباع الأنبياء لم يتواتر عندهم من أخبار الملوك وسيرهم ما تواتر عند غيرهم حتى أن أكثر المسلمين لم يسمعوا بأسماء خلفاء بني أمية وبني العباس وأسماء وزرائهم ونوابهم وقوادهم
329
وبالحروب التي جرت بينهم ولا يعرفون الوقائع العظيمة من الحروب التي كانت بين المسلمين وأعدائهم مثل يوم أجنادين ويوم مرج الصفر ويوم فحل ومثل يوم الحرة ويوم مرج راهط وفتنة
330
ابن المهلب وفتنة ابن الأشعث والقراء مع الحجاج وحرب مصعب بن الزبير مع المختار بن أبي عبيد وفتنة
331
المنصور مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بالمدينة ومع أخيه إبراهيم بالبصرة ومثل جسر أبي عبيد ويوم اليرموك ويوم
332
القادسية ولا يعرفون أن المسلمين فتحوا قبرص ولا غزوا القسطنطينية مرتين مرة في زمن معاوية ومرة في زمن بني مروان وكذلك الفتن التي كانت بين المسلمين لا بل اكثر العامة لم يسمعوا بأبي مسلم صاحب الدعوة وبعبد الله بن علي بن
333
عبد الله بن عباس وما جرى لهما من الحروب مع عساكر مروان آخر خلفاء بني أمية ولم يسمعوا أيضا بدخول عبد الرحمن بن هشام إلى الأندلس وما جرى له فيها ولا بالفتنة التي بين ابني الرشيد الأمين
334
والمأمون مع ان هذه الأمور هي متواترة عند أهل العلم بالسير وأخبار الناس والتواريخ وظهور هذه الآيات التي هي دلائل النبوة وأعلامها مشهورة بين الأمة عامتها وخاصتها في كل زمان أعظم من ظهور هذه الأخبار المتواترة فهي احق أن تجعل متواترة من هذه ونقلة هذه الآيات من الخاصة اهل العلم وكتب الحديث والتفسير والمغازي والسير وكتب الأصول والفقه التي توجد فيها هذه الأخبار أصح نقلا باتفاق أهل العقل والعلم من كتب التواريخ المرسلة فإن تلك كثير من أخبارها منقطع الإسناد وفيها من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله وإن كان أصل القصة قد يكون متواترا وهذه الآيات المشهورة في الأمة كثير من أجناسها متواتر عند أهل العلم وكثير من آحادها متواتر عند الخاصة
335
بل وكثير من الفقهاء والمتكلمين أو أكثرهم لا يعرفون عدد مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها أعداءه وهي وقائع مشهورة كل منها متواتر تواترا ظاهرا عند أهل العلم مثل يوم بدر ويوم أحد ويوم الخندق وغزوة بني المصطلق وغزوة خيبر وفتح مكة ويوم حنين وحصار الطائف فكثير من أهل العلم فضلا عن العامة وإن كانوا سمعوا بهذه الأسماء أو بعضها فلا يعرفون أيها كان قبل الآخر ولا يعرفون بأي بقعة كانت تلك الغزاة بل ولا يعرفون من كان العدو فيها ولا كيف كانت بل أكثر العامة لا يميزون بين بدر وحنين بل يقول قائلهم يوم بدر وحنين ويظنون أن ذلك يوم واحد وانها غزاة واحدة ولا يعرفون أنهما غزاتان بينهما نحن ست سنين كانت بدر في السنة الثانية من
336
الهجرة وكانت حنين في السنة الثامنة بعد فتح مكة وأن بدرا مكان بين مكة والمدينة شامي مكة ويماني المدينة وحنين واد قريب من الطائف شرقي مكة وإنما قرن بينهما في الإسم لأن الله أنزل فيهما الملائكة وأيد بها نبيه والمؤمنين حتى غلبوا عدوهم مع قوة العدو في بدر ومع هزيمة أكثر المسلمين أولا بحنين وأمتن الله بذلك في كتابه في قوله
ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون وفي قوله
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها حتى بعض أكابر أئمة الفتيا المشهورين قال له صاحبه لما انكر عليه طلب السير تسكت وإلا سألتك قدام الناس أيهما كانت قبل بدر أو أحد فإني أعلم أنك لا تعلمه مع أنه من المتواتر الذي لا يستريب فيه من له أدنى معرفة بالأخبار أن أحدا
337
كانت بعد بدر وفي بدر انتصر المسلمون على الكفار ويوم أحد استظهر الكفار بل وكثير من علماء المسلمين الأكابر لا يعلمون ما هو متواتر عند أهل الكتاب بل وعند غيرهم من علماء المسلمين مثل خراب بيت المقدس مرتين ومجيء بخت نصر إلى بيت المقدس والله سبحانه قد ذكر في القرآن المرتين فقال
وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا
338
وكانت الأولى بعد سليمان وكانت الثانية بعد زكريا ويحيى والمسيح لما قتلوا يحيى بن زكريا الذي يسميه أهل الكتاب يوحنا المعمداني وكثير من المذكورين بالعلم يظن أن بخت نصر هو الذي قدم الشام لما قتل يحيى بن زكريا وهذا عند أهل العلم من أهل الكتاب وعند من له خبرة من علماء المسلمين باطل والمتواتر أن بخت نصر هو الذي قدم في المرة الأولى وكذلك كون شعيب النبي كان حمو موسى عليه السلام كما تقوله طائفة من الجهال والمتواتر عند أهل الكتاب وعندالمسلمين من الصحابة والتابعين وغيرهم خلاف ذلك وعند النصارى من أخبارهم وأخبار علمائهم وملوكهم المتواترة ما لا يعرفه المسلمون واليهود وعند
339
المسلمين من أخبار علمائهم وملوكهم المتواترة ما لا يعرفه أكثر الأمم بل عند كل طائفة من المسلمين من أخبار شيوخهم وأمرائهم وبلادهم المتواترة ما لم تسمع من غيرهم وليس هذا بمنزلة من ادعى خبرا لم يكن يعرف في الذين شاهدوا تلك القضية كما لو ادعى مدع أن النبي صلى الله عليه وسلم حج بعد الهجرة أكثر من حجة وأنه كان يصوم شهر رمضان بمكة وانه كان بمكة أذان أو أنه كان في عساكره وعساكر خلفائه دبادب وبوقات او أنه كان يؤذن للعيدين او كان يخطب للعيدين قبل الصلاة او أنه كان يصلي بالمدينة أكثر من عيد أو أنه كان يصلي في السفر أربعا أو أنه صلى بمنى صلاة عيد النحر أو أنه نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو غيره بالخلافة نصا ظاهرا مشهورا أو أنه عزل أبا بكر عن الإمارة في الحجة وولى عليا أو أنه صلى في مرض موته غير أبي بكر ونحو ذلك من الأخبار التي يعرف أنها كذب باطل لتواتر
340
نقيضها ولأنها لو كانت صحيحة لكانت مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله واشتهاره ومع أنه لم يكن له ذكر في الزمن المتقدم وكذلك ما ينقله كثير من أهل الجهل مثل ما يجعلونه من معجزات الرسول أو غيره ولا يوجد منقولا عند أهل العلم بأحواله بل يكذبون ناقله مثل قول كثير من العامة أن الغمام كان يظله دائما فهذا لا يوجد في شيء من كتب المسلمين المعروفة عند علمائهم ولا نقله عالم من علمائهم بل هو كذب عندهم وغإ كان كثير من الناس ينقله وإنما نقل أن الغمامة أظلته لما كان صغيرا فقدم مع عمه إلى الشام تاجرا ورآه بحيرا الراهب ومع هذا فهذا لا يجزم بصحته وكذلك ما ينقله بعضهم من أنه كان إذا وطيء أثر قدمه في الحجر وفي الرمل لم يكن يؤثر فهذا لم ينقله أهل العلم بأحواله ولا واحد منهم بل هو كذب عليه وكذلك ما ينقله طائفة من الناس من كثرة القتل بحروبه أو المغازي الكثيرة الذي يذكر مثلها صاحب الكتاب الذي سماه
341
بنقلات الأنوار ويقال له البكري فهذه لما كان أكثرها لا يوجد في كتب المسلمين المعروفة ولا نقلها علماؤهم بل قد تواتر ما يخالفها كانت كذبا ظاهرا عند أهل العلم بأحواله وإن كان كثير من الناس الجهال بأحواله قد يصدق بها ومثل ما ينقله طائفة أنه كان في غزوة خيبر نصب علي بن أبي طالب يده ليمر الجيش عليها وأن البغلة مرت عليها فقال قطع الله نسلك فانقطع نسلها فهذا ليس في شيء من كتب أهل العلم بأحواله ولا نقل ذلك واحد منهم وإنما ينقل ذلك من هو معروف بالكذب او جاهل ولهذا كان هذا من الكذب الذي يقطع بكذبه علماء المسلمين ويعلمون أنه تواتر نقيضه وأنه لم يكن في غزوة خيبر بغلة واحدة ولم يكن بالمدينة ولا بمكة بغلة إلا بغلته التي أهداها له المقوقس النصراني ملك مصر والإسكندرية وإنما أهداها له بعد فتح خيبر لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى
342
ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام وهو إنما أرسل إلى ملوك الطوائف بعد الحديبية وخيبر لما رجع من خيبر ويعلمون أن البغلة لم تزل مقطوعة النسل لم يكن لها نسل قط وكذلك ما ينقله بعض الكذابين من أن طائفة من أهل البيت سبوا فأركبوا جمالا فنبت لها سنامان وأنها البخاتي فهذا مما اتفق أهل المعرفة بالأخبار على أنه كذب لم يسب المسلمون قط في وقت من الأوقات أحدا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا في خلافة بني أمية ولا في خلافة بني العباس والجمال البخاتي مازالت هكذا لم يتجدد لها السنام في الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر ما يحدث النساء بعده قال على رؤوسهن كأسنمة البخت وكذلك ما نقله طائفة من أهل العلم من أن الشمس ردت لما فاتت عليا صلاة العصر لكون النبي صلى الله عليه وسلم نام في حجره وجعل بعضهم هذا من المعجزات وليس هذا الحديث في شيء من كتب المسلمين التي يعتمدون على ما فيها من المنقولات
343
لا الصحاح ولا المساند ولا المغازي والسير ولا غير ذلك بل بين أهل العلم بالحديث أن هذا كذب وليس له إسناد واحد صحيح متصل بل غايته أن يروى عمن لا يعرف صدقه ولم يروه إلا هو مع توفر الهمم والدواعي على نقله فعلموا أنه كذب وهذا باب واسع يبين أن علماء المسلمين يميزون المنقولات بين الصدق والكذب فيردون الكذب وإن كان فيه من فضائل نبيهم وأعلامه وفضائل أصحابه وأمته ما هو عظيم ويقبلون الصدق وإن كان فيه شبهة أشكال وقد يحتج به المنازعون لهم وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم ومن ذلك مغازي حمزة الشائعة بين كثير من جهال الترك وغيرهم لا يوجد في شيء من كتب العلم بل قد تواتر عند أهل العلم أن حمزة لم يشهد غزوة إلا
344
غزوة بدر ثم غزوة أحد وقتل يوم أحد شهيدا قتله وحشي بن حرب وهذا متواتر عند أهل العلم وما كان من هذه الآيات في الصحاح بل وكثير مما لم يخرجه البخاري ومسلم فهذه عامتها مما يقطع أهل العلم بالحديث بصحتها ويتيقنون ذلك وهذا عندهم مستفيض متواتر وإن كان بعض ذلك قد لا يتواتر ويستفيض عند غيرهم فإن الأخبار قد تتواتر وتستفيض عند قوم دون قوم بحسب عنايتهم وبها وطلبهم لها وعلمهم بمن أخبر بها وصفاتهم ومقاديرهم وما دل من الدلائل على صدقهم وأهل العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وسيرته وأسباب نزول القرآن ومعانيه وغير ذلك لهم بهذا من العلم وعندهم به من اليقين ما لا يوجد مثله لغيرهم كما أن أصحاب مالك والشافعي واحمد بن حنبل وأبي حنيفة وداود وغيرهم عند كل طائفة من أقوال متبوعهم ونصوصه وأخباره ما يقطعون به وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك والأطباء عندهم من كلام أبقراط وجالينوس ومحمد بن
345
زكريا وأمثالهم ما يقطعون به وغيرهم لا يعلم ذلك وأهل الهيئة عندهم من كلام بطليموس والرصد الممتحن المأموني وثابت بن قرة وأبي الحسين الصوفي ما يعلمونه هم وغيرهم لا يعلم ذلك بحيث يجزم هؤلاء وهؤلاء بكثير من مذاهب أهل الطب والحساب وتجارب الأطباء وأرصاد أهل الحساب وغيرهم لا يعلم ذلك وعند أهل الكتاب كاليهود من أخبار هلال وسمابي وغيرهما
346
من شيوخهم ما لا يعلمه غيرهم وعند النصارى من أخبار الحواريين ومن أخبار قسطنطين والمجمع الأول بنيقية والمجمع الثاني والثالث والرابع والخامس وغير ذلك من مجامعهم وأخبارهم ما يقطع به علماؤهم وإن كان غيرهم لا يعلمون ذلك وأهل العلم بأيام الإسلام يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر وعثمان ومغازيهم كوقعة أجنادين ومرج الصفر وغيرهما في خلافة أبي بكر وكوقعة اليرموك وخبر أبي عبيدة
347
وهزيمة الفرس وفتح مصر وغير ذلك مما كان في زمن عمر بن الخطاب ما يقطعون به وإن كان غيرهم لا يعرفون ذلك وكذلك ما كان بعد هؤلاء من سير الملوك وحوادث الوجود بل أهل العلم بالرجال يعلمون من حال آحاد الصحابة والتابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعلقمة والأسود وغير هؤلاء ما لا يعلمه غيرهم وأهل العلم بالنحو يعلمون من حال سيبويه والأخفش والمبرد والزجاج والفراء
348
والكسائي ما لا يعلمه غيرهم والقراء يعلمون من قراءة أبي عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وابن عامر ويعقوب بن إسحاق والأعمش
349
وخلف بن هشام وأبي جعفر ما لايعلمه غيرهم فإذا كان آحاد أهل العلم من أهل الفقه أو الطب أو الحساب أو النحو أو القراءات بل وآحاد الملوك يعلم الخاصة من أمورهم ما لا يعلمه غيرهم ويقطعون بذلك فكيف بمن هو عند أتباعه أعلا قدرا من كل عالم وأرفع منزلة من كل ملك وهم أرغب الخلق في معرفة أحواله واعظم تحريا للصدق فيها ولرد الكذب منها حتى قد صنفوا الكتب الكثيرة في أخبار جميع من روى شيئا من أخباره وذكروا فيها أحوال نقلة حديثه وما يتصل بذلك من جرح وتعديل ودققوا في ذلك وبالغوا مبالغة لا يوجد مثلها لأحد من الأمم ولا لأحد من هذه الأمة إلا لأهل الحديث فهذا يعطي أنهم أعلم بحال نبيهم من كل أحد بحال متبوعهم وأنهم أعلم بصدق الناقل وكذبه من كل أحد بصدق من نقل عن متبوعهم وكذبه
350
فإذا كان أولئك فيما ينقلونه عن متبوعهم متفقين عليه جازمين بتصديقه لا يكون إلا صدقا فهؤلاء مع جزمهم بالصدق واتفاقهم على التصديق اولى أن لا يكون ما جزموا بصدقه إلا صدقا وعامة أخبار الصحيحين مما اتفق علماء الحديث على التصديق بها وجزموا بذلك وإنما تنازعوا في أحاديث قليلة منها وعامة ما ذكرناه من آيات النبي صلى الله عليه وسلم التي في الصحاح هي من موارد إجماعهم المستفيضة عندهم التي يجزمون بصدقها ليست من موارد نزاعهم فهذا طريق يسلكه من عرفه من العلماء ويعلم خيرة أهله من كان خبيرا بهم فهذه طريقان في تصديق هذه الآيات التواتر العام والتواتر الخاص الطريق الثالث التواتر المعنوي وهذا مما اتفق على معرفته عامة الطوائف فإن الناس قد يسمعون أخبار متفرقة بحكايات يشترك مجموعها في أمر واحد كما سمعوا أخبارا متفرقة تتضمن شجاعة عنترة وخالد بن الوليد وأمثالهما وتتضمن سخاء حاتم
351
ومعن بن زائدة وأمثالهما وتتضمن حلم الأحنف بن قيس ومعاوية بن أبي سفيان وأمثالهما وتتضمن شعر امرىء القيس والنابغة ولبيد وأمثالهم من المتقدمين وشعر الفرزدق وجرير
352
وعمر بن أبي ربيعة وأمثالهم من المولدين وشعر أبي نواس والمتنبي وأبي تمام وأمثالهم من المحدثين بل وسمعوا أقوالا وفتاوي متفرقة تتضمن فقه مالك والثوري والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من العلماء وأخبارا متفرقة تتضمن العدل وحسن السيرة من عمر بن
353
الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما من ولاة الأمور وسمعوا أخبارا متفرقة تتضمن الزهد عن مثل الحسن البصري والفضيل بن عياض ومالك بن دينار وإبراهيم بن أدهم وغيرهم من الزهاد وسمعوا أخبارا متفرقة تتضمن معرفة أبقراط وجالينوس ونحوهما بالطب فيحصل بمجموع الأخبار علم ضروري بأن الشخص موصوف بذلك النعت وإن كان كل من الأخبار لو تجرد وحده لم يفد العلم وإن كان كل من الحكايات ليست وحدها منقولة بالتواتر ومن هذا الباب العلم القطعي بالإيمان والموت ونحو ذلك مما يحصل به استقامة موجب العلم القطعي كعلم الناس بأن خديجة وعائشة ونحوهما من أمهات المؤمنين وأن فاطمة وزينب من
354
بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأن عائشة بنت أبي بكر وأن أبا بكر وعمر وعثمان تولوا الخلافة بعده وأن أبا بكر وعمر دفنا في حجرته وإذا عرف هذا فهذه الأحاديث وأضعاف وأضعاف هي أضعاف أضعاف ما ينقل عن الواحد من هؤلاء ونقلتها أجل وأكثر وأفضل من نقلة أخبار هؤلاء وهي كاملة تتضمن أن محمدا بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان يجري على يديه من الآيات الخارقة للعادة والعجائب العظيمة ما لا يعرف نظيره عن أحد من الناس وعلم المسلمين بهذا اعظم من علم أهل الكتاب بما ينقلونه من آيات موسى وعيسى وغيرهما فإن نقلة آيات محمد صلى الله عليه وسلم غير القرآن أضعاف أضعاف نقلة التوراة والإنجيل فضلا عن غيرهما من أخبار الأنبياء فإن التوراة لم تكن جميعها محفوظة لعموم بني إسرائيل كما يحفظ القرآن عامة المسلمين وعند خراب بيت المقدس قل من يحفظها جدا حتى تنازع الناس في تواتر نقلها وكذلك الإنجيل نقلته أقل بكثير من نقلة آيات محمد
355
صلى الله عليه وسلم وإذا قال النصارى هؤلاء كانوا صالحين وكان لهم آيات كما يذكرونه من آيات الحواريين فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوهم صالحون ولهم من الآيات أعظم مما للحواريين وغيرهم من الأمم وفيهم من كان يحمل العسكر على الماء ومن كان يشرب السموم القاتلة ومن يحيي الله الموتى بدعوته ومن يكثر الطعام والشراب وكتب كرامات الأولياء فيها من ذلك اعظم مما عند أهل الكتاب وهم ينقلون أخبار الأنبياء والصالحين من كتب عندهم مثل كتاب أخبار الحواريين وكتاب سفر الملوك ونحو ذلك وما يذكرون من حجة في صحة نقلها إلا وحجة المسلمين فيما ينقلونه عن نبيهم وأصحابه والتابعين أظهر وأقوى الطريق الرابع أن يقال هذه الآيات التي ذكرنا بعضها كانت تكون بمحضر من الخلق الكثير كتكثير الطعام يوم الخندق فإنه كان أهل الخندق رجالهم ونساؤهم ألوفا وكذلك نبع الماء من بين أصابعه وفيضان البئر بالماء يوم الحديبية وكانوا يومئذ ألفا وخمسمائة وكلهم صالحون من أهل
356
الجنة لا يعرف فيهم من تعمد كذبة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك تكثير الماء والطعام في غزوة خيبر كانوا ألفا وخمسمائة وفي تبوك كانوا ألوفا مؤلفة وكان بعض من حضر هذه المشاهد نقل هذه الآيات قدام آخرين ممن حضرها وينقلها لأقوام فيذهب أولئك فيخبرون بها أولئك ويصدق بعضهم بعضا ويحكي هذا مثل ما حكى هذا من غير تواطىء وتشاعر وأدنى أحواله أن يقره ولا ينكر عليه روايتها ونحن نعلم بموجب العادة الفطرية التي جبل الله عليها عباده وبموجب ما كان عليه سلف الأمة من اعتقاد الصدق وتحريه واعتقادهم أن ذلك واجب ومن شدة توقيهم الكذب على نبيهم وتعظيمهم ذلك إذ قد تواتر عندهم عنه أنه قال من كذب علي متعمدا فليتبوأ معقده من النار فنحن نعلم أنهم لم يكونوا يقرون من يعلمون أنه يكذب عليه ومن أخبر عنه بما كانوا مشاهدين له وكذب عليه فقد علموا انه كذب
357
عليه فلما اتفقوا على الإقرار على ذلك وعلى تناقله بينهم من غير إنكار أحد منهم لذلك علم قطعا أن القوم كانوا متفقين على نقل ذلك كما هم متفقون على نقل القرآن والشريعة المتواترة وإن كان جمهورهم ليس منتصبا لتلقين القرآن بل هذا يلقنه وهذا يسمعه من هذا المتلقن لا ينكر بعضهم على بعض القراءة وهذا يعلم هذا الصلاة أن الظهر في الحضر أربع ركعات والمغرب ثلاثا والفجر ركعتان وهذا يقر هذا فلما كان بعضهم يقر بعضا على نقل ذلك علم اتفاقهم على نقل ذلك وهذا غاية التواتر وكذلك ما نقلوه من شرائعه ومن آياته وبراهينه يبين ذلك أن ما أنكره بعضهم رده على الآخر ولم يوافقه وإن كانوا متأخرين عن زمن الصحابة فكيف بالمتقدمين كتنازعهم هل كان يجهر بالبسملة ام لا يجهر بها وهل كان يداوم على القنوت في الفجر ام كان يقنت أحيانا للنوازل أم قنت مرة ثم تركه فهذا من أهون الأمور وأيسرها إذ كلهم متفقون على صحة صلاة من قنت وعلى صحة صلاة من لم يقنت ومن جهر ومن خافت ولكن لما تنازعوا فيما فعله الرسول تنازعوا في الحكم فعلم بذلك ان ما كان مشهورا في الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره أحد من علمائها كانت الأمة متفقة على نقله كنقلهم للقرآن وللشرائع الظاهرة
358
المشهورة وإن نقل ذلك أعظم من نقل سائر أخبار الأنبياء والعلماء والملوك والزهاد وكذلك حجة فإنهم كلهم متفقون على ما تواتر عنه من أنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وهي التي تسمى حجة الوداع وإنما عاش بعدها نحوا من ثلاثة أشهر وأنه لما حج أمر أصحابه كلهم إلا من ساق الهدى منهم إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل من عمرته وأنه لم يعتمر هو ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه بعد الحج إلا عائشة وحدها وأنه هو نفسه لم يحل من حجته ولا أحد ممن ساق الهدي معه وإنما اشتبه على بعضهم بعض ألفاظه او بعض الأمور التي تخفى على أكثر الناس وكان الصحابة ينقلون تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرادهم بالتمتع أنه قرن بين العمرة والحج فظن بعض الناس أنهم أرادوا أنه أخر الإحرام بالحج إلى ان قضى العمرة وقال بعض الصحابة إنه أفرد بالحج فظن بعض الناس انه حج واعتمر بعد الحج وهذا لم ينقله أحد من العلماء بل اتفقوا على أنه لم يعتمر بعد الحج وروى بعض الصحابة أنه قرن فظن بعض الناس أنه طاف طوافين وسعى سعيين وهذا لم ينقله أحد عنه وكان من أسباب غلط كثير من الناس أنهم كانوا يستعملون تلك الألفاظ في معان غير ما استعملته فيها الصحابة فغلط بعض الناس على بعض الصحابة وأما ما فعله في الحج مشهورا فهو
359
متواتر لم يختلف فيه النقل ولا علماء النقل ومن تدبر هذه الطريق أفادته علما يقينيا قطعيا بصحة هذه الآيات عن محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك الطرق المتقدمة فإنا قد ذكرنا أن ما كان الناس أحوج إلى معرفته يسر الله دلائله للناس اعظم من تيسير غيره وحاجة الخلق إلى تصديق الرسول أشد من حاجتهم إلى جميع الأشياء إذ بذلك تحصل سعادتهم في الآخرة ونجاتهم من العذاب وبه يحصل صلاح العباد في المعاد والمعاش الطريق الخامس أن ما من صنف من أصناف العلماء إلا وقد تواتر عندهم من الآيات ما فيه كفاية فكتب التفسير مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها وكتب الحديث مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها وكتب السير والمغازي والتواريخ مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها وكتب الفقه مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها وإن لم يكن هذا مقصودا منها وإنما المقصود الأحكام لكنهم في ضمن ما يروونه من الأحكام يروون فيها من الآيات ما هو متواتر عندهم وكتب الأصول والكلام مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها ونقل كل طائفة من هذه الطوائف يفيد العلم اليقيني فكيف بما ينقله كل طائفة من هذه الطوائف وهذه الطريق وغيرها مثل طريق الإقرار والتصديق وطريق التواتر المعنوي وطريق تصديق أهل العلم بالحديث بها وغير ذلك يستدل بها تارة على تواتر الجنس العام للآيات الخارقة للعادة وهذا أقل ما يكون ويستدل بها على تواتر جنس جنس منها كتواتر تكثير الطعام وتواتر تكثير الطهور
360
والشراب وعلى تواتر نوع نوع منها كتواتر نبع الماء من بين أصابعه وتواتر إشباع الخلق العظيم من الطعام القليل وتواتر شخص شخص منها كتواتر حنين الجذع إليه وأمثال ذلك وكلما أمعن الإنسان في ذلك النظر واعتبر ذلك وبأمثاله واعتبر وأعطاه حقه من النظر والاستدلال ازداد بذلك علما ويقينا وتبين له أن العلم بذلك اظهر من جميع ما يطلب من العلم بالأخبار المتواترة فليس في الدنيا علم مطلوب بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات الرسول وشرائع دينه أظهر من ذلك وما من حال احد من الأنبياء والملوك والعلماء والمشايخ المتقدمين وأقواله وأفعاله وسيرته إلا والعلم بأحوال محمد صلى الله عليه وسلم أظهر من العلم به وما من علم يعلم بالتواتر مما هو موجود الآن كالعلم بالبلاد البعيدة كعلم أهل الشام بالعراق وخراسان والهند والصين والأندلس وعلم أهل المغرب بالشام والعراق وخراسان والهند وعلم أهل خراسان بالشام والعراق ومصر وعلم أهل الهند بالعراق والشام وأمثال ذلك من علم أهل البلاد بعضهم بحال بعض إلا وعلم الإنسان بحال المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها وما هم عليه من الدين وما ينقلونه عن نبيهم من آياته وشرائعه أظهر من علمه بهذا كله وهذا مما يبين أنه ليس في الوجود أمر يعلم بالنقول المتواترة إلا وآيات الرسول وشرائعه تعلم بالنقول المتواترة أعظم مما يعلم ذلك
361
الأمر تحقيقا لقوله تعالى
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وظهوره على الدين كله بالعلم والحجة والبيان إنما هو بما يظهره من آياته وبراهينه وذلك إنما يتم بالعلم بما ينقل عن محمد من آياته التي هي الأدلة وشرائعه التي هي المدلول المقصود بالأدلة فهذا قد أظهره الله علما وحجة وبيانا على كل دين كما أظهره قوة ونصرا وتأييدا على كل دين والحمد لله رب العالمين كما أنه ما من دليل يستدل به على مدلول إلا والأدلة على آيات الرب أكبر وأكثر الطريق السادس ان العلماء قد صنفوا مصنفات كثيرة في ذكر آياته وبراهينه المنقولة في الأخبار وجردوا لذلك كتبا مثل كتاب دلائل النبوة للفقيه الحافظ أبي بكر البيهقي وقبله دلائل النبوة
362
للشيخ أبي نعيم الأصبهاني وقبله دلائل النبوة لأبي الشيخ الأصبهاني ولأبي القاسم الطبراني وقبلهما دلائل النبوة للإمام الحافظ أبي زرعة الرازي والشيخ المصنف أبي بكر عبد الله بن أبي الدينا وللمصنف الحافظ الإمام أبي إسحاق إبراهيم
363
الحربي وأبي بكر جعفر الفريابي وما صنفه الشيخ العالم أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المسمى بالوفا في فضائل المصطفى وما صنفه الحافظ أبو عبد الله المقدسي من دلائل النبوة وهؤلاء وغيرهم يذكرون ما يذكرون من الأسانيد المعروفة والطرق المتعددة الكثيرة المتواترة وهؤلاء منهم من يميز ما يذكره من الأحاديث بين ما في صحيحي البخاري ومسلم وما في غيرهما وإن كان صحيحا
364
أيضا كالبيهقي وابن الجوزي والمقدسي ومنهم من يذكر ذلك جميعه بأسانيده وقد يتكلم على الأسانيد والطرق ويذكر تعددها من غير احتياج منه أن يذكر ما رواه البخاري ومسلم كأبي زرعة شيخ مسلم وأبي الشيخ وأبي نعيم وغيرهم وآخرون يذكرونه معزوا مسندا إلى من رواه وإن لم يذكروا إسناده كما يفعله القاضي عياض السبتي في كتابه المسمى بالشفا بتعريف حقوق المصطفى ومنهم من يقرر ذلك بشهرة ذلك وطرق أخرى من صحته كما يفعله كثير من النظار كالقاضي عبد الجبار
365
والجاحظ والماوردي القاضي وسليم الرازي الفقيه وغيرهم وهذه الكتب فيها من الأحاديث المتضمنة لآيات نبوته وبراهين رسالته أضعاف اضعاف الأحاديث المأثورة فيما هو متواتر عنه مثل حجة الوداع وعمرة الحديبية وصد المشركين له ومصالحته
366
إياهم وحله هو وأصحابه بالحديبية ورجوعهم ذلك العام وفتح خيبر وعمرة القضية وعمرة الجعرانة ومثل حصاره لأهل الطائف وفتح مكة قبل ذلك ومثل غزوة النصارى عام تبوك وإرساله جيشا لغزوهم بمؤتة من مشارف الشام قريبا من الحصن المسمى بالكرك ومثل
367
غزوة لليهود بخيبر وغزوة لليهود قبل ذلك لمن كان عند المدينة مثل بني قينقاع والنضير وقريظة ومثل إرساله أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع ونبذه العهود ومناداته أن لا يحج بعد العام مشرك ولايطوف بالبيت عريان ومثل هجرته مع أبي بكر وعامر بن فهيرة ورجل ثالث كان دليلا لهم ومثل ما تواتر عنه أنه كان يصلي بالمسلمين في العيدين بالمصلى خارج المدينة لم يكن يصلي العيد في مسجده إلا مرة نقل أنه صلى في المسجد لأجل المطر ولم يكن على عهده يصلي أحد بالمدينة صلاة العيد إلا خلفه لم يكن يصلي صلاتي عيد على عهده وعهد أبي بكر وعمر وعثمان وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب لما كثر الناس وضعف أقوام عن الخروج إلى الصحراء استخلف من يصلي
368
بهم في المسجد وكما تواتر عنه أنه كان يصلي الجمعة بأذان وإقامة لا يؤذن لها إلا إذا قعد على المنبر وكذلك كان الأمر على عهد أبي بكر وعمر فلما كان في أثناء خلافة عثمان كثر الناس فأمر بالنداء الثالث على دار قريبة من المسجد من جهة المشرق يقال لها الزوراء وكما تواتر أن مسجده كان باللبن وسقفه كان من جذوع النخل وكانت حجر أزواجه قبلي المسجد وشرقيه فلما كثر الناس زاد فيه عمر ثم زاد فيه عثمان وبناه بالقصة والحجارة ثم في إمارة الوليد أمر نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد فدخلت حجرة عائشة التي دفن فيها هو وأبو بكر وعمر في المسجد من حينئذ وإنما كانت في حياته خارجة عن المسجد إلى سنة إحدى وتسعين وقال في مرض موته
369
لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وكما تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها وتواتر عنه أنه كان يضحي في عيد الأضحى بل تواتر عند أهل العلم بأحواله تروكه المشهورة كما تواترت أفعاله المشهورة فتواتر عنه أنه لم يكن يؤذن للعيدين ولا الكسوف ولا الاستسقاء وأنه صلى الكسوف بركوعين في كل ركعة صلاة طويلة وتواتر عنه كان يطوف بالبيت سبعا ويصلي ركعتين بعد الطواف ولم يكن يصلي بعد السعي بالصفا والمروة ركعتين وتواتر أنه كان يواصل ونهى
370
أصحابه عن الوصال ويقول إني لست كهيأتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وأنه لم يفرض صوما إلا صوم شهر رمضان ولم يفرض الحج على المستطيع إلا مرة وأنه فرض الصوات الخمس على كل بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء وأنه منع الحائض والنفساء من الصوم والصلاة وكان الحيض يؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة وأنه أمر بالاغتسال من الجنابة للصلاة وأمر بالوضوء عند الصلاة لمن بال أو تغوط أو خرج منه ريح أو مذي وأنه رخص في الاستجمار بثلاثة أحجار ونهى عن الاستنجاء باليمين ونهى عن الاستجمار بالعظم والبعر وقال إنها زاد إخوانكم من الجن وأنه لم يكن يجمع المسلمين على سماع كف ولا دف ولا رقص
371
ولا صعق لا هو ولا أصحابه عند سماع القرآن بل كانوا توجل قلوبهم وتقشعر جلودهم وتدمع عيونهم وأنه لم يكن على عهده وعهد خلفائه تعاد امرأة مطلقة إلى زوجها بنكاح يقصد به التحليل بل لعن المحلل والمحلل له لأن ذلك ربما فعل سرا وأنه أمر بعيادة المريض وتشييع الجنازة وإفشاء السلام وإجابة الدعوة وأنه كان يصلي على الميت ويكبر أربع تكبيرات وقد كان أحيانا يكبر خمسا وسبعا وأمر بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وأنه حرم كل مسكر وحرم بيع الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين والصاع بالصاعين من الحنطة والشعير والتمر والزبيب وأنه أمر بصدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لما كان أهل المدينة يقتاتون التمر والشعير وأنه أباح الدواء وقال تداووا عباد الله فإنه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا السام والسام
372
الموت وأنه كان يتداوى بالحجامة وغيرها وكذلك ما تواتر عنه من أحاديث سوى ما في القرآن من صفة الجنة والنار وذكر العرش والملائكة والجن وإرساله إلى الثقلين وما ذكره من أسماء الله وصفاته وما أخبر به من فتنة الإنسان في قبره ومن عذاب القبر ونعيمه ومن دخول من يدخل النار من أهل الكبائر من أمته وخروجهم من النار بشفاعته وشفاعة غيره ومن ذكر حوضه وما أخبر به من رؤية الله يوم القيامة ومحاسبة الله للعباد وغير ذلك وما تواتر عنه من أنه كان يرسل رسلا إلى الملوك يدعوهم إلى الإيمان بالله وبما جاء به كما أرسل إلى ملوك اليمن وإلى ملوك الشام ومصر والعراق وإلى ملوك المشركين واليهود والنصارى والمجوس بعد ما حارب اليهود مرة بعد مرة وما تواتر عنه أنه كان يركب الخيل والإبل والبغال والحمير وأنه رجم الزاني المحصن مرة بعد مرة وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر وأنه كان يصلي في السفر الرباعية ركعتين ركعتين وأنه جمع بين الصلاتين الظهر والعصر بعرفة وفي مزدلفة جمع بين المغرب والعشاء وأنه كان يصلي بمنى ركعتين ركعتين وأمر
373
المسلمين في حجة الوداع أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقى على إحرامه وانه هو لم يحل من إحرامه ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد ممن حج معه إلا عائشة لكونها كانت حائضا وأن شهجر رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة فصام تسع رمضانات وأنه كان له أربع بنات وثلاثة بنين وكان يكنى بأكبر أولاده القاسم فيدعى أبا القاسم وأنه تزوج بنتي أبي بكر وعمر وزوج عثمان ابنتيه وزوج عليا بنتا وأنه آمن به من أعمامه حمزة والعباس ولم يؤمن أبو لهب ولا أبو طالب مع أن أبا طالب كان يحوطه ويذب عنه وأنه استخلف أبا بكر ليصلي بالناس لما مرض وثقل عن الصلاة لم يصل أحد بإذنه مع حضوره غير أبي بكر في مرضه ولما ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف وأنه كان من خواص أصحابه العشرة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن
374
أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وغير هؤلاء كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأبي طلحة وأبي أيوب وأسيد بن حضير وأضعاف هؤلاء وأنه بايعه تحت الشجرة ألف وأربعمائة وهم الذين أنزل الله فيهم
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة وأنه لما قدم المدينة بنى مسجده وكان في شماليه صفة ينزلها العزباء وأن المهاجرين والأنصار كلهم أسلموا طوعا بلا رغبة ولا
375
رهبة وأن المهاجرين آذاهم الكفار إيذاء عظيما حتى هاجر منهم طائفة إلى الحبشة عند النجاشي وأن النجاشي آمن به وأنه لما مات أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموته يوم مات وأنه صلى عليه بأصحابه في المصلى كما يصلي على الميت الحاضر وأنه كان يخطب يوم الجمعة قبل الصلاة ويخطب في العيد بعد الصلاة وكان يؤذن للجمعة وللصلوات الخمس ولا يؤذن للعيدين ولا غير الصلوات الخمس وأن بلالا كان يؤذن له بالمدينة هو وابن أم مكتوم الأعمى وكان سعد القرظ يؤذن لأهل قباء وأبو محذورة يؤذن لأهل مكة وكما تواتر عنه وعن خلفائه أنهم
376
لم يكونوا بمنى يصلون صلاة عيد بل يرمون جمرة العقبة وينحرون كما أمر أهل الأمصار أن يصلوا ثم ينحروا إلى أمثال هذه الأمور مما هو متواتر عند كل من كان عالما بأحواله ومنها ما هو متواتر عند جميع الأمة ومنها ما هو متواتر عند جمهورها وليس منها شيء إلا وتواترت آياته وبراهينه صلى الله فيها عليه وسلم التي لم تذكر في القرآن أعظم من تواتر هذه الأمور والكتب المصنفة في آياته وبراهينه الخارجة عن القرآن فيها من الأحاديث أضعاف أضعاف ما يوجد من الأحاديث في مثل هذه الأمور بل في كل صنف من أصناف آياته من الأحاديث أضعاف ما يوجد في مثل ذلك كتواتر إخباره بالغيوب المستقبلة وتواتر تكثيره للطعام والشراب مرات متعددة وتكثيره الطهور إما بنبع الماء بين أصابعه وإما بفيضان الينبوع الذي يضع فيه بعض آثاره وإما
377
بفيضان الماء من الوعاءالذي برك فيه والماء باق بحاله لم ينقص فالأحاديث المتواترة في مثل هذه الأنواع أكثر من الأحاديث المتواترة في مثل تلك الأمور التي هي متواترة ولهذا كان شهرة هذه الأمور في الأمة وفي أهل العلم بأحواله أعظم من شهرة كثير من تلك الأمور والمقصود هنا أن تواتر آياته المستفيضة في الأحاديث أعظم من تواتر أمور كثيرة هي متواترة عند الأمة أو عند علمائها وعلماء أهل الحديث وهذا غير الآيات والبراهين المستفادة بالقرآن فإن تلك قد تجرد لها طوائف من المسلمين ذكروا من أنواعها وصفاتها ما هو مبسوط في غير هذا الموضع حتى بينوا أن ما في القرآن من الآيات يزيد على عشرات ألوف من الآيات وهذا غير ما في كتب أهل الكتاب من الإخبار به وهذه الأجناس الثلاثة غير ما في شريعته التي بعث بها وغير صفات أمته وغير ما يدل من المعرفة بسيرته وأخلاقه وصفاته وأحواله وهذا كله غير نصر الله وإكرامه لمن آمن به وعقوبته وانتقامه ممن كفر به كما فعل بالأنبياء المتقدمين فإن تعداد أعيان دلائل النبوة
378
مما لا يمكن بشرا الإحاطة به إذ كان الإيمان به واجبا على كل أحد فيبين الله لكل قوم بل لكل شخص من الآيات والبراهين ما لا يبين لقوم آخرين كما أن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كل دليل على كل مدلول ولكل قوم بل ولكل إنسان من الدلائل المعينة التي يريه الله إياها في نفسه وفي الآفاق ما لا يعرف أعيانها قوم آخرون قال تعال
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والضمير في ذلك عائد إلى القرآن عند المفسرين والسلف وعامة العلماء كما يدل على ذلك القرآن بقوله
قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق وقد قيل إن الضمير عائد إلى الله والصواب الأول كما قال
قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به
379
وهذا هو القرآن ثم قال بعد ذلك
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ثم قال
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فأخبر أنه سيري الناس في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات العيانية المشهورة المعقولة ما يبين أن الآيات القرآنية المسموعة المتلوة حق فيتطابق العقل والسمع ويتفق العيان والقرآن وتصدق المعاينة للخبر وإذا كان القرآن حقا لزم كون الرسول الذي جاء به صادقا وأن الله تعالى أنزله وأنه يجب التصديق بما أخبر به والطاعة لما أوجبه وأمر به وذلك يتضمن إثبات الصانع وتوحيده وأسماءه وصفاته وإثبات النبوات وإثبات المعاد وهذه هي أصول العلم والإيمان التي علقت بها السعادة والنجاة
380
فصل
وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبيل مولده وبعد مماته لا تختص بحياته فضلا عن أن تختص بحال دعوى النبوة أو حال التحدي كما ظنه بعض أهل الكلام بل لا بد من آيات في حياته تدل على صدقه تقوم بها الحجة وتظهر بها المحجة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي اوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة وقد قال تعالى في سورة إبراهيم
الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد
381
إلى قوله
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور إلى قوله
ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى الآيات فأخبر سبحانه أن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله أتتهم رسلهم بالبينات فعلم أنهم جاءوا بالبينات وقال
فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير
382
وقال تعالى
وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا فأخبر أنه سبحانه ضرب الأمثال لجميع هؤلاء الذين أرسل إليهم وأهلكهم فلم يعاقبهم إلا بعد ان أقام عليهم الحجة وقال تعالى
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فأخبر أنه لم يرسل إلا رجالا يوحى إليهم لم يرسل إليهم ملائكة ولا نساء وأنه أرسلهم بالبينات والزبر والزبر جمع زبور وهي الكتب فإن منهم من أنزل عليه
383
كتاب ومنهم من أرسل بتجديد الكتاب الذي قبله وقال تعالى
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير أخبر أنه ليس أمة من الأمم إلا خلا فيها نذير كما قال
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ثم أخبر أن الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير وهذا من عطف الخاص على العام لاختصاصه بوصف يختص به كقوله
384
وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الزبر من البينات والكتاب المنير من الزبر وهو كقوله
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير فإن الهدى من العلم والكتاب المنير من الهدى وبين أنه أخذ الذين كفروا بهم وهذا أنزله ليبين عاقبة المكذبين ولهذا بنى الفعل للفاعل فقال
فقد كذب الذين من قبلهم وهذه السورة مكية ثم أنزل في آل عمران وهي مدنية في سياق الآيات التي فيها تسلية الرسول والمؤمنين به وتثبيتهم وتعزيتهم لما أصابهم من المكذبين يوم احد وغيره فقال
الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين
385
أي يخوفكم أولياءه كما قاله جمهور العلماء ثم قال
ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا وسياق الكلام في بيان أن الكفار لا يضرون الله ولا عباده المؤمنين بل ضررهم على أنفسهم وأن ما حصل لهم من نعمة إنما هو استدراج وإملاء إلى أن قال
لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين بين سبحانه أن هذا القول منهم مع أنه كذب فلم يقولوه إلا دفعا للحق لا ليؤمنوا بمن جاءهم بذلك إذ قد جاءهم رسل من
386
قبله بالآيات البينات والقربان الذي تأكله النار ومع هذا قتلوهم والكلام في مثل هذا الجنس الذي يوالي بعضهم بعضا ويتبع بعضهم بعضا كاليهود الذين هم على دين سلفهم الذين فعلوا ذلك ولهذا يذمهم بصيغة الخطاب كقوله
وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون إلى قوله
وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فالخطاب لجنس بني إسرائيل وإن كان الذين عاينوا ذلك ماتوا ثم قال
فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير فحذف هنا الفاعل وبنى الفعل للمفعول إذ المقصود هنا تسلية الرسول وتعزيته لا ذكر عقوبة المذكبين فلهذا كانت هذه أخص من تلك
387
فصل
ومن آيات الأنبياء إهلاك الله لمكذبيهم ونصره للمؤمنين بهم فهذا من أعلام نبوتهم ودلائل صدقهم كإغراق الله قوم نوح لما كذبوه وكإهلاكه قوم عاد بالريح الصرصر وإهلاك قوم صالح بالصيحة وإهلاك قوم شعيب بالظلة وإهلاك قوم لوط بإقلاب مداينهم ورجمهم بالحجارة وكإهلاك قوم فرعون بالغرق وقد ذكر الله القصص في القرآن في غير موضع وبين أنها من آيات الأنبياء الدالة على صدقهم كما يذكره في سورة الشعراء لما ذكر قصة موسى قال
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين
388
ثم ذكر قصة إبراهيم وقال في آخرها
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وكذلك ذكر مثل ذلك في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ومن ذلك ما جعله من اللعنة الشائعة لمن كذبهم ومن لسان الصدق والثناء والدعاء لهم ولمن آمن بهم كما قال تعالى في قصة نوح
وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين وكذلك في قصة إبراهيم
وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم أي تركنا هذا القول الذي يقوله المتأخرون وكذلك في قصة موسى وهارون
وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون و
سلام على إل ياسين
389
وكذلك في قصة إبراهيم قال تعالى
فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا وقال في قصة فرعون
واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ولهذا قال تعالى
لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم
فاصبر إن العاقبة للمتقين
390
فأخبر أن العاقبة للمتقين ثم إنه ما وقع لهؤلاء وهؤلاء يعلم بالسمع والنقل تارة ويعلم بالعقل والاعتبار بآثارهم تارة كما قال عن أهل النار
لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير كما ذكر الله الطريقين في قوله
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ثم قال
وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ثم قال
أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى
391
وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وقال تعالى
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون وقال تعالى
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب
392
وقال تعالى
أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون وقال لما قص قصص نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى في سورة هود
ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ولما ذكر قصة لوط في سورة الصافات قال
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون
393
وفي سورة الحجر
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين والإمام المبين هو الطريق المستبين الواضح بين سبحانه أن هذه وهذه كلاهما بسبيل للناس يرونها بأبصارهم فيعلمون بذلك ما فعل الله بمن كذب رسله وعصاهم ودلالة نصر الله المؤمنين وانتقامه من الكافرين على صدق الأنبياء من جنس دلالة الآيات والمعجزات على صدقهم فكون هذا فعل لأجل هذا وكون ذاك سبب هذا هو مما يعلم بالإضرار عند تصور الأمر على ما هو عليه كانقلاب العصا حية عقب سؤال فرعون الآية وانشقاق القمر عند سؤال مشركي مكة آية وأمثال ذلك والسؤال المشهور الذي يورد في هذا الموضع على قول من
394
ينفي التعليل في أفعال الله ويجوز على الله كل فعل حيث قيل لهم على أصلكم لا يفعل الله شيئا لأجل شيء وحينئذ فلم يأت بالآيات الخارقة للعادة لأجل تصديق الرسول ولا عاقب هؤلاء لتكذيبهم له ولا أنجى هؤلاء ونصرهم لإيمانهم به إذا كان لا يفعل شيئا لشيء عندكم وقالوا لهم أيضا إذا جوزتم على الرب كل فعل جاز أن يظهر الخوارق على يد الكاذب ويقال لهم أيضا أنتم لا تعلمون ما يفعل الرب إلا بعادة أو خبر الأنبياء فقبل العلم بصدق النبي لا يعلم شيء بخبره والعادة إنما تكون فيما تكرر كطلوع الشمس ونزول المطر ونحو ذلك والإتيان بالخارق للتصديق ليس معتادا فيقال هذا السؤال إن كان متوجها فإنما يقدح في قول هؤلاء الذين يقولون لايفعل شيئا لأجل شيء ويجوزون عليه فعل كل شيء ممكن لا ينزهونه عن فعل سيء الأفعال وليس عندهم قبيحا وظلما إلا ما كان ممتنعا مثل جعل الشيء موجودا معدوما وجعل
395
الجسم في مكانين ولهذا ذكر ذلك مخالفوهم حجة في إبطال مذهبهم وقالوا قولهم يقدح في العلوم الضرورية ويسد باب العلم بصدق الرسل قالوا إذا جوزتم أن يفعل كل شيء فجوزوا أن يكون الجبال انقلبت ياقوتا والبخار لبنا ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة بطلانه وجوزا أن يخلق المعجزات على يدي الكذابين وليس المقصود هنا الجواب عن هؤلاء ولا بيان فسد قولهم ولكن المقصود أن هذا السؤال إن كان متوجها فإنما يقدح في قوله هؤلاء لا يقدح فيما علم بالاضطرار من دلالات الآيات المذكورة على حال ههؤلاء وهؤلاء وأن الله سبحانه وتعالى نجى موسى ونصره لصدقه ونبوته وإيمانه وأهلك فرعون لتكذيبه وكذلك نصر محمدا ومن اتبعه على من كذبه من قومه ونصر نوحا على من كفر به ونصر المسيح على من كذبه ونصر سائر الرسل وأتباعهم المؤمنين كما قال تعالى
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد
396
وقال
سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون كما لا يقدح ما علم بالاضطرار من أن الله ينزل المطر في إبانه لسقي المزارع وأنه يسوق النيل لسقي أرض مصر وأنه جعل أعضاء الإنسان لما فيها من المنافع كالبطش باليدين والمشي بالرجلين والنظر بالعينين والسمع بالأذنين والنطق باللسان وجعل ماء العين ملحا لكونها شحمة والملوحة تمنعها أن تذوب وماء الأذن مرا ليمنع الذباب من الولوج في الدماغ وماء الفم عذبا ليطيب الطعام والشراب وجعل ماء البحر مالحا لبقاء الأنام فإنه لو كان عذبا فيموت فيه من الحيوان العظيم فيفسد الريح فيموت الآدميون والبهائم بهذه الريح إلى ما لا يحصى من حكمة الله المشهودة في خلقه ونفاة التعليل يقولون نحن نعلم أن هذا مقارن لهذا بحكم العادة التي أجراها الله وإن لم يخلق شيئا لشيء وكذلك من نفي
397
الأسباب مع نفي التعليل أيضا يقولون نحن نعلم أنه يخلق هذا عند هذا لا به فاقتران المعجز بالتصديق من هذا الباب عندهم لكن يبقى عليهم أن هذا لا يعلم إلا بالعادة ولا عادة فلا جرم رجعوا إلى فطرته من أن هذا أمر معلوم بالاضطرار وإن كان مناقضا لأصلهم الفاسد وضربوا لذلك مثلا بالملك الذي أظهر ما يناقض عادته لتصديق رسوله لكن يقال لهم الملك يفعل فعلا لمقصود فأمكن أن يقال أنه قام ليصدق رسوله وأنتم عندكم أن الله لا يفعل شيئا لشيء فلم يبق المثل مطابقا ولهذا صاروا مضطربين في هذا الموضع تارة يقولون المعجزات دليلا على الصدق لئلا يفضي إلى تعجيز الرب فإنه لا دليل على الصدق إلا خلق العجز فلو لم يكن دليلا لزم أن يكون الرب غير قادر على تصديق الرسول الصادق وهذه طريقة الأشعري في أكثر كتبه وأحد قوليه وسلكها القاضي أبو بكر وأبو إسحاق
398
الإسفرائيني وأبو بكر بن فورك وأبو محمد ن اللبان وأبو علي بن شاذان والقاضي أبو يعلى وغيرهم والثاني قالوا نحن نعلم بالاضطرار أنه فعل هذا لأجل التصديق كالمثل المضروب وهذا هو القول الآخر وهي طريقة أبي الحسن الأشعري في أماليه وهي طريقة أبي المعالي وأتباعه
399
كالرازي وغيره وتنازعوا هل يمكن خلق ذلك على يد كذاب فقيل لا يمكن لأنه لو أمكن لجاز وقوعه وقيل بل هو مقدور لكن نعلم أنه لا يفعله كما نعلم أنه لا يفعل كثيرا من الخوارق المقدورات كقلب الجبل ياقوتا والبحر زيتا قالوا فنحن نعلم بالضرورة أنه لا يفعلها فلا يلزم من كونها مقدورة ممكنة أن لا يعلم انتفاء وقوعها بل قد يعلم عدم وقوعها بالاضطرار وإن كنا نقول إنها ممكنة مقدورة وظهور المعجزات على يد الكذاب في دعوى النبوة من هذا الباب عندنا وقالوا المعجز علم على صدق الأنبياء فيمتنع أن يكون الدليل غير مستلزم للمدلول عليه وهذا القول حق لكن منازعوهم يقولون هو يستلزم نقيض ما نفوه من كون الله يخلق شيئا لشيء ويخلق شيئا بشيء وما قالوا من كونه يجوز عليه فعل كل شيء وكان ما ذكروه من الحق دليلا على أن الخلق يعلمون ما يعلمونه من حكمة الرب ومراده بما يخلقه لأمر آخر وأنه سبحانه منزه عن أن يفعل أشياء لا يجوز منه فعل كل شيء وهم يقولون هنا قد يكون الشيء ممكنا جائزا مع العلم بأنه غير واقع كانقلاب الجبال ياقوتا
400
والبحر زئبقا وموت أهل البلد كلهم في لحظة ومصير الأطفال علماء حكماء في لحظة واحدة وعلى هذا الجواب يعتمدون كثيرا كما يذكره القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وأبو المعالي والرازي وغيرهم ثم إنهم يقولون في العقل أنه علوم ضرورية كالعلم بوجوب الواجبات وامتناع الممتنعات وجواز الجائزات فالممتنعات كانقلاب دجلة دما وأمثال ذلك في الأمور العادية فيجعلون العادات واجبة تارة وممتنعة أخرى مع أنه لا سبب يوجب لا هذا ولا هذا ويقولون نعلم أن هذا جائز ممكن لايتوقف على سبب ولا له مانع كالآخر ثم نعلم أن هذا واقع وهذا غير واقع لمجرد العادة مع أن خرق العادة ليس له عندهم ضابط بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء فيجوز أن يكون عندهم للولي وللساحر والفرق بينهما عندهم التحدي أو عدم المعارضة وكذلك المتفلسفة الملاحدة الذين يقولون أسباب الآيات القوى الفلكية والقوى النفسانية والطبيعية وهذه كلها مشتركة عندهم بين الأنبياء والسحرة لكن النبي يقصد الخير والعدل والساحر يقصد الشر والظلم
401
وكذلك أولئك الذين وافقوا جهما على أصله في القدر لا فرق عندهم بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة لكن الولي مطيع لله والساحر غير مطيع لله هذا عمدة هؤلاء النفاة للحكمة والأسباب في أفعال الله تعالى وجمهور الناس يخالفونهم ويقولون هذا القول فاسد بل نفس تصوره كاف في العلم بفساده فإنه إذا تماثل هذا وهذا من كل وجه فمن أين يعلم وجود هذا أو وجوبه وعدم هذا أو امتناعه وإذا قيل مستندي العادة قيل له منازعوك يقولون هذا باطل من وجهين أحدهما أنك أنت تجوز انتقاض العادة وليس لانتقاضها عندك سبب تختص به ولا حكمة انتقضت لأجلها بل لا فرق عندك بين انتقاضها للأنبياء والأولياء والسحرة وغير ذلك ولهذا قلتم ليس بين معجزات الأنبياء وبين كرامات الأولياء والسحرة فرق إلا مجرد اقتران دعوى النبوة والتحدي بالمعارضة مع عدم المعارضة مع أن التحدي بالمعارضة قد يقع من المشرك بل ومن الساحر فلم يثبتوا فرقا يعود إلى جنس الخوارق المفعولة ولا إلى قصد الفاعل والخالق ولا قدرته ولا حكمته والثاني أن العادة لا بد لها من أسباب وموانع يعلم بها اطرادها تارة وانتفاضها أخرى وبهذا يظهر الجواب عما قالوه من أن انقلاب الجبل ذهبا والبحر زئبقا والأناسي قرودا ونحو ذلك ممكن معلوم
402
الجواز مع العلم بأنه لم يقع فإنهم يقال لهم جمهور الناس لا يعلمون لكم أن هذا ممكن إلا مع لوازمه وانتفاء أضداده وحينئذ يقال لم قلتم إن هذا لا يستلزم أسبابا تكون قبله وموانع ترتفع كسائر ما يحدثه الله من الأمور الخارقة للعادة فإنه لا يحدث شيئا إلا بإحداث أسباب ودفع موانع مثال ذلك غرق قوم نوح لم يكن ماء وجد بلا سبب بل أنزل الله ماء السماء وأنبع ماء الأرض كما قال تعالى
كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر وكذلك عاد لما أهلكهم أرسل الريح الصرصر سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما قال تعالى
403
فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية وكذلك ثمود قال لهم صالح
ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود وكل ما وجد في العالم من خوارق العادات آيات الأنبياء وغيرها لم يأت منها شيء إلا بأسباب تقدمته كآيات موسى من مثل مصير العصى حية كانت بعد أن ألقاها إما عند أمر الله بذلك لما ناداه من الشجرة ورأى النار الخارقة للعادة وإما عند مطالبة فرعون له
404
بالآية وإما عند معارضة السحرة لتبتلع حبالهم وعصيهم وكذلك سائر آياته حتى إغراق فرعون كان بعد مسير الجيش وضربه البحر بالعصا وكذلك تفجر الماء من الحجر كان بعد أن ضرب الحجر بعصاه واستسقاء قومه إياه وهم في برية لا ماء عندهم وكذلك آيات نبينا صلى الله عليه وسلم مثل تكثير الماء كان بوضع يده فيه حتى نبع الماء من بين الأصابع أي تفجر الماء من بين الأصابع لم يخرج من نفس الأصابع وكذلك البئر كان ماؤها يكثر إما بإلقائه سهما من كنانته فيها وإما بصبه الماء الذي بصق فيه فيها وكذلك المسيح كان يأخذ من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله إلى أمثال ذلك فأما جبل ينقلب ياقوتا بلا أسباب تقدمت ذلك فهذا لا كان ولا يكون وكذلك نهر يطرد يصبح لبنا بلا أسباب تقتضي ذلك يخلقها الله فهذا لا كان ولا يكون ومن قال إن الشيء ممكن فهذا يعنى به شيئان يعني به الإمكان الذهني والإمكان الخارجي فالإمكان الذهني هو عدم العلم بالامتناع وهذا ليس فيه إلا عدم العلم بالامتناع وعدم العلم بالامتناع غير العلم بالإمكان فكل من لم يعلم امتناع شيء كان عنده ممكنا بهذا الاعتبار لكن هذا ليس بعلم بإمكانه ومن استدل على إمكان الشيء بأنه لو قدر لم يلزم منه محال من غير بيان انتفاء لزوم كل محال كما يفعله طائفة من أهل الكلام كالآمدي ونحوه لم يكن فيما ذكره إلا مجرد الدعوى
405
وأما الثاني وهو العلم بإمكان الشيء في الخارج فهذا يعلم بأن يعلم وجوده أو وجود نظيره أو وجود ما هو أقرب إلى الامتناع منه فإذا كان حمل البعير للقنطار ممكنا كان حمله لتسعين رطلا اولى بالإمكان وبهذه الطريقة يبين الله في القرآن إمكان ما يريد بيان إمكانه كإحياء الموتى والمعاد فإنه يبين ذلك تارة ببيان وقوعه كما أخبر أن قوم موسى قالوا
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ثم بعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يشكرون وكما أخبر عن المقتول الذي ضربوه بالبقرة فأحياه الله كما قال
406
وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون وكما أخبر عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم وكما أخبر عن الذي
مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وأخبر سبحانه بنظير ذلك في قصة إبراهيم حيث قال
رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم واستدل سبحانه بما هو أعظم من ذلك وهو النشأة الأولى وخلق السموات والأرض كقوله
407
أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم وقال
إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم إلى قوله
وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج فاستدل سبحانه على إمكان الإحياء بابتداء خلق الحيوان وبخلق النبات وذكر ذلك في القرآن في غير موضع وبسط هذا له موضع آخر والمقصود أن قول القائل هذا ممكن لا يحتاج إلى دليل لا يكفي في العلم بإمكانه عدم العلم بامتناعه والله سبحانه على كل شيء قدير والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء وكل ما خلقه الله فلا بد أن يخلق لوازمه ويمتنع أضداده وإلا فيمتنع وجود الملزوم
408
دون اللازم ويمتنع اجتماع الضدين وليس للعباد اطلاع على لوازم كل مخلوق ولا أضداده المنافية لوجوده فالجزم بإمكان وجوده بدون العلم بلوازمه وإمكانها وأضدادها وانتفائها جهل والله سبحانه قادر على تغيير ما شاءه من العالم وهو يشق السموات ويسير الجبال ويبسها بسا فيجعلها هباء منبثا إلى أمثال ذلك مما أخبر الله به كما يخلق سائر ما يخلقه بما ييسره من الأسباب وهذا مبسوط في موضع آخر والمقصود هنا أن آيات الأنبياء ودلائل صدقهم متنوعة قبل المبعث وحين المبعث في حياتهم وبعد موتهم فقبل المبعث مثل إخبار من تقدم من الأنبياء به ومثل الإرهاصات الدالة عليه وأما حين المبعث فظاهر وأما في حياته فمثل نصره وإنجائه وإهلاك أعدائه وأما بعد موته فمثل نصر أتباعه وإهلاك أعدائه كما قال تعالى
409
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقال تعالى
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقال للمسيح
إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وقال
يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ومحمد صلى الله عليه وسلم جعلت له الآيات البينات قبل مبعثه وحين مبعثه وفي حياته وبعد موته إلى الساعة وإلى قيام
410
الساعة فإن ذكره وذكر كتابه والبشارة بذلك موجود في الكتب المتقدمة كما قد بسط في موضعه والخليل دعا به فقال في دعائه لذريته
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ولما ولد اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف وجرى ذلك
411
العام قصة أصحاب الفيل المشهورة وكان يحصل له في مدة نشأته من الآيات والدلائل أمور كثيرة قد ذكر طرف منها في كتب دلائل النبوة والسيرة وغيرها مثل الآيات التي حصلت لمرضعته لما صار عندها ومثل ما شوهد من أحواله في صغره وأما انتصار الله له ولأتباعه وإعلاء ذكره ونشر لسان الصدق له وإهلاك أعدائه وإذلال من يحاده ويشاقه وإظهار دينه على كل دين باليد واللسان والدليل والبرهان فهذا مما يطول وصف تفصيله قال تعالى
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وقال تعالى
هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار
412
والأنبياء صلوات الله عليهم وأتباعهم المؤمنون وإن كانوا يبتلون في أول الأمر فالعاقبة لهم كما قال تعالى لما قص قصة نوح
تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين وفي الحديث المتفق على صحته لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسولا إلى ملك الروم فطلب من يخبره بسيرته وكان المسؤولون حينئذ أعداءه لم يكونوا آمنوا به فقال كيف الحرب بينكم وبينه قالوا الحرب بيننا وبينه سجال يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى فقال كذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة فإنه كان يوم بدر نصر الله المؤمنين ثم يوم أحد ابتلى المؤمنين ثم لم ينصر الكفار بعدها حتى أظهر الله الإسلام
413
فإن قيل ففي الأنبياء من قد قتل كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير حق وفي أهل الفجور من يؤتيه الله ملكا وسلطانا ويسلطه على مذنبين كما سلط بخت نصر على بني إسرائيل وكما يسلط كفار المشركين وأهل الكتاب أحيانا على المسلمين قيل أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيدا قال تعالى
وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ومعلوم أن من قتل من المؤمنين شهيدا في القتال كان حاله أكمل من حال من يموت حتف أنفه قال تعالى
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
414
ولهذا قال تعالى
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين أي إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة ثم الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة من قتل منهم كان شهيدا ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا وهذا غاية ما يكون من النصر إذ كان الموت لا بد منه فالموت على الوجه الذي يحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل بخلاف من يهلك هو وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهم اختاروا هذا الموت إما أنهم قصدوا الشهادة وإما أنهم قصدوا ما به يصيرون شهداء عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة وفي الدنيا بانتصار طائفتهم وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء بخلاف من هلك من الكفار فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا بل اتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين وقيل فيهم
415
كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين وقد أخبر سبحانه أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير أي ألوف كثيرة وانهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو وأن الله آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة فإذا كان هذا قتلى المؤمنين فما الظن بقتلى الأنبياء ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح وظهور الكفار على المؤمنين أحيانا هو بسبب ذنوب المسلمين كيوم أحد فإن تابوا انتصروا على الكفار وكانت العاقبة لهم كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها فإن النبي إذا قاموا بعهوده ووصاياه نصرهم
416
الله وأظهرهم على المخالفين له فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما من غير مزاحمة وصف آخر موجب للعلم بأن المدار علة للدائر وقولنا من غير مزاحمة وصف آخر يزيل النقوض الواردة فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع النبي وانه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه وأن يجعل لهم السعادة ولمن خالفهم الشقاء وهذا يوجب العلم بنبوته وأن من اتبعه كان سعيدا ومن خالفه كان شقيا ومن هذا ظهور بخت نصر على بني إسرائيل فإنه من دلائل نبوة موسى إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى وتركوا اتباعه فعوقبوا بذلك وكانوا إذ كانوا متبعين لعهود موسى منصورين مؤيدين كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما قال تعالى
وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا
417
فكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم وكذلك ظهور أمة محمد صلى الله عليه وسلم على عدوهم تارة وظهور عدوهم عليهم تارة هو من دلائل رسالته محمد وأعلام نبوته وكان نصر الله لموسى وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته كما جرى لهم مع يوشع وغيره من دلائل نبوة موسى وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها وهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا فإن أولئك لا يقول مطاعهم إني نبي ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين ولا يطلبون من أولئك أن يتبعوهم على دينهم بل قد يصرحون بأنا إنما نصرنا عليكم بذنوبكم وأن لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم وأيضا فلا عاقبة لهم بل الله يهلك الظالم بالظالم ثم يهلك الظالمين جميعا ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت ولا يختارون القتل ليسعدوا بعد الموت فهذا وأمثاله مما يظهر به الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم ويبن ظهور بعض الكفار على المؤمنين أو ظهور بعضهم على بعض
418
وبين أن ظهور محمد وأمته على أهل الكتاب اليهود والنصارى هو من جنس ظهورهم على المشركين عباد الأوثان وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته ليس هو كظهور بخت نصر على بني إسرائيل وظهور الكفار على المسلمين وهذه الآية مما أخبر بها موسى وبين أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره وإنما يتم أمر الصادق فإن من أهل الكتاب من يقول محمد وأمته سلطوا علينا بذنوبنا مع صحة ديننا الذي نحن عليه كما سلط بخت نصر وغيره من الملوك وهذا قياس فاسد فإن بخت نصر لم يدع نبوة ولا قاتل على دين ولا طلب من بني إسرائيل أن ينتقلوا عن شريعة موسى إلى شريعته فلم يكن في ظهوره إتماما لما ادعاه من النبوة ودعا إليه من الدين بل كان بمنزلة المحاربين قطاع الطريق إذا ظهروا على القوافل بخلاف من ادعى نبوة ودينا دعا إليه ووعد أهله بسعادة الدنيا والآخرة وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة ثم نصره الله وأظهره وأتم دينه وأعلا كلمته وجعل له العاقبة وأذل مخالفيه فإن هذا من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة فإنه دليل عليها وذلك من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة فإنه ليس دليلا عليها وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يكون ذلك دليلا على نبوة نبي بخلاف غرق فرعون وقومه فإنه كان آية بينة لموسى وهذا موافق لما أخبر به موسى عليه الصلاة والسلام من أن الكذاب لا يتم أمره وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكذاب على
419
كذبه من غير أن يتبين كذبه ولهذا أعظم الفتن فتنة الدجال الكذاب لما اقترن بدعواه الإلهية بعض الخوارق كان معها ما يدل عل كذبه من وجوه منها دعواه الإلهية وهو أعور والله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن قارىء وغير قارىء والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة فأما تأييد الكذاب ونصره وإظهار دعوته دائما فهذا لم يقع قط فمن يستدل على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة فهذا هو الواقع ومن يستدل على ذلك بالحكمة فحكمته تناقض أن يفعل ذلك إذ الحكيم لا يفعل هذا وقد قال تعالى
ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله فإذا نقض
420
الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه كما جرى يوم أحد وقال تعالى
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا فأخبر أن الكفار لا ينظرون إلا سنة الأولين ولا يوجد لسنة الله تبديل تستبدل بغيرها ولا تتحول فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون هذا الاسم وكذلك قال في المنافقين وهم الكفار في الباطن دون الظاهر ومن فيه شعبة نفاق
لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
421
والسنة هي العادة فهذه عادة الله المعلومة فإذا نصر من ادعى النبوة واتباعه على من خالفه وإما ظاهرا وباطنا وإما باطنا نصرا مستقرا كان ذلك دليلا على انه نبي صادق إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على الكافرين والمنافقين كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات وهذه منها ومن ادعى النبوة وهو كاذب فهو من أكفر الكفار وأظلم الظالمين قال تعالى
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله وقال تعالى
فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه
422
وقال تعالى
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ومن كان كذلك كان الله يمقته ويبغضه ويعاقبه ولا يدوم أمره بل هو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد وقال أيضا في الحديث الصحيح عن أبي موسى أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتمليها أخرى ومثل
423
المنافق مثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة فالكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها بالكلية وبقاء ذمه ولسان السوء له في العالم وهو يظهر سريعا ويزول سريعا كدولة الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب والحارث الدمشقي وبابا الرومي ونحوهم وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا ليمحصوا بالبلاء فإن الله إنما يمكن العبد إذا ابتلاه ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع قال تعالى
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما
424
ولهذا كان أول ما يتبعهم ضعفاء الناس فاعتبار هذه الأمور وسنة الله في أوليائه وأنبيائه الصادقين وفي أعداء الله والمتنبئين الكذابين مما يوجب الفرق بين النوعين وبين دلائل النبي الصادق ودلائل المتنبيء الكذاب وقد ذكر ابتلاء النبي والمؤمنين ثم كون العاقبة لهم في غير موضع كقوله تعالى
ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين وقال تعالى
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وقال تعالى
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
425
426
فصل
ومما ينبغي أن يعرف أن الأدلة نوعان نوع يدل على مجرد العلم بالمدلول عليه ونوع يحض مع ذلك على الرغبة فيه أو الرهبة منه فالأول من جنس الخير المجرد والثاني من جنس الحث والطلب والإرادة والأمر بالشيء والنهي عنه وذلك كمن علم أن في المكان الفلاني جمادات أو حيوانات أو نبات ليس له فيها غرض لا حب ولا بغض فليس هو بمنزلة من علم أن في المكان الفلاني صديقه وولده ومحبوبه وماله وأهله وأهل دينه وفي المكان الفلاني عدوه ومبغضه ومن يقطع عليه الطريق ويقتله ويأخذ ماله فكذلك دلائل النبوة هي كلها تدل على صدق النبي ثم يعلم ما يخبر به النبي من الأمر والنهي والوعد والوعيد لأنه أخبر عن الله بذلك وهو صادق فيما يخبر به فهذا طريق صحيح عام وأما إثبات نبوة الأنبياء بما فعله بهم وبأتباعهم من النجاة والسعادة والنصرة وحسن العاقبة وما جعله لهم من لسان الصدق وما فعله بمكذبيه ومخالفيه من الهلاك والعذاب وسوء العاقبة وإتباعهم
427
اللعنة في الدنيا مع عذاب الآخرة فهذا يدل مع صدق الأنبياء على الرغبة في اتباعهم والرهبة من مخالفتهم ففيه العلم بصدقهم والموعظة والوعظ هو أمر ونهي بترغيب وترهيب قال تعالى
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به أي يؤمرون به وقال
يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين أي ينهاكم الله أن تعودوا لمثله وهذه الطريق أكمل وأبلغ في حصول المقصود فإنها تفيد العلم بصدقهم والرغبة في اتباعهم والرهبة من خلافهم وتفيد صحة الدين الذي دعوا إليه وسعادة أهله وفساد الدين المخالف لدينهم وشقاوة أهله ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة العيد
428
ب ( قاف ) واقتربت الساعة لما فيهما من بيان ذلك وسورة قاف كان يقرأ بها في الجمعة فإنها جامعة لإثبات النبوات والمعاد وبيان حال متبعي الأنبياء ومخالفيهم في الدنيا كما قال تعالى فيها
كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد
429
فصل
ومما ينبغي ان يعلم أن الله إذا أرسل نبيا وأتى بآية دالة على صدقه قامت بها الحجة وظهرت بها المحجة فمن طالبهم بآية ثانية لم تجب إجابته إلى ذلك بل وقد لا ينبغي ذلك لأنه إذا جاء بآية ثانية طولب بثالثة وإذا جاء بثالثة طولب برابعة وطلب المتعنتين لا أمد له ومعلوم أنه قامت عليه حجة في مسألة علم أو حق من حقوق العباد التي يتخاصمون فيها وقال أنا لا أقبل حتى تقوم عليه حجة ثانية وثالثة كان ظالما متعديا ولم يجب إجابته إلى ذلك ولا يمكن الحكام الخصوم من ذلك بل إذا قامت البينة بحق المدعي حكم له بذلك ولو قال المطلوب أريد بينة ثانية وثالثة ورابعة لم يجب إلى ذلك فحق الله الذي اوجبه على عباده من توحيده والإيمان به وبرسله أولى إذا أقام بينة أوجبت على الخلق الإيمان برسله أن لا يجب إجابة الطالب إلى ثانية وثالثة ثم قد يكون في تتابع الآيات حكمة فيتابع تعالى بين الآيات كما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بآيات متعددة لعموم دعوته وشمولها فإن الأدلة كلما كثرت وتواردت على مدلول واحد
430
كان أوكد وأظهر وأيسر لمعرفة الحق فقد يعرف دلالة أحد الأدلة من لا يعرف الآخر وقد يبلغ هذا ما لم يبلغ هذا وقد يرسل الأنبياء بآيات متتابعة وتقسى قلوب الكفار عن الإيمان لتتابع الآيات اية بعد آية لينتشر ذلك ويظهر ويبلغ ذلك قوما آخرين فيكون ذلك سببا لإيمانهم كما فعل بآيات موسى وآيات محمد كما ذكر في التوراة أنه يقسي قلب فرعون لتظهر عجائبه وآياته وكما صد المكذبين عن الإيمان بمحمد حتى يمانعوه ويسعوا في معارضته والقدح في آياته فيظهر بذلك عجزهم عن معارضة القرآن وغيره من آياته فيكون ذلك من تمام ظهور آياته وبراهينه بخلاف ما لو اتبع ابتداء بدون ذلك فإنه قد كان يظن أنهم قادرون على معارضته وكذلك أيضا يكون في ذلك على يقينه وصبره وجهاده ويقين من آمن به وصبرهم وجهادهم ما ينالون به عظيم الدرجات في الدنيا والآخرة وقد تقتضي الحكمة أن لا يرسل بالآيات التي توجب عذاب الاستئصال كما ذكره الله في كتابه من أن الكفار كانوا يقترحون على الأنبياء آيات غير الآيات التي جاؤوا بها فتارة يجيبهم الله إلى ذك لما فيه من الحكمة والمصلحة وتارة لا يجيبهم لما فيه في ذلك من المضرة والمفسدة عند جمهور أهل الملل من المسلمين وغيرهم الذين يقولون إنه يفعل للحكمة ومن لم يعلل أفعاله يرد ذلك إلى
431
محض المشيئة ويقول إقترن بالمراد والمفسدة عادة وسنة من الله وإن لم يفعل هذا لهذا وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ربما طلب تلك الآيات رغبة منه في إيمانهم بها فيجاب بأن الآيات لا تستلزم الهدى بل تستلزم إقامة الحجة وتوجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها والله تعالى قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبعه على قلب الكافر كما فعل بفرعون وأبي لهب وغيرهما لما في ذلك من الحكمة العظيمة كما دل على ذلك القرآن والتوراة وغيرهما وقد بين أنه لا يظهرها لانتفاء الحكمة فيها أو لوجود المفسدة قال تعالى
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون وقال تعالى
وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا
432
بين سبحانه أنما منعه أن يرسل بالآيات إلا تكذيب الأولين بها الذي استحقوا بها الهلاك فإذا كذب بها هؤلاء استحقوا ما استحقه أولئك من عذاب الاستئصال وهذا المعنى مذكور في عامة كتب التفسير والحديث وغيرها من كتب المسلمين وهو معروف بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان فقد ذكر المفسرون ما رواه أهل التفسير والحديث والمسند وغيرهم من حديث الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا قال فقيل له إن شئت تستأني بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم قال لا بل أستأني بهم فأنزل الله هذه الآية
وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون
433
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن مالك بن دينار قال سمعت الحسن البصري في قوله
وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون قال رحمة لكم ايتها الأمة أنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها اصابكم ما أصاب من قبلكم وفي الإنجيل أن اليهود طلبوا من المسيح آية من السماء فقال لهم المسيح الأمة الفاجرة تطلب آية ولا تعطى إلا مثل أية نونان
434
وقد كانت الآيات يأتي بها محمد صلى الله عليه وسلم أية بعد آية فلا يؤمنون بها قال تعالى سورة الأنعام الآيات من 114
435
أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم وما تأتيهم من آية إلا أعرضوا عنها وأنهم بتكذيبهم الحق سوف يرون صدق ما جاء به الرسول كما أهلك من قبلهم بذنوبهم التي هي تكذيب الرسول فإن الله يقول
وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وأخبر بشدة كفرهم بأنه لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وبين سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل إذ كانوا لا يطيقون أن يروا الملائكة في صورهم وحينئذ فكان اللبس يقع لظنهم أن الرسول بشر لا ملك وقال تعالى سورة الإسراء الآيات من 90 95
436
وهذه الآيات التي اقترحوها لو أجيبوا بها ولم يؤمنوا أتاهم عذاب الاستئصال كما تقدم وأيضا فهي مما لا يصلح الإتيان بها فإن قولهم حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا يقتضي تفجير الينبوع بأرض مكة فيصير واديا ذا زرع والله من حكمته جعل بيته بواد غير ذي زرع لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا فيكون حجهم للدنيا لا لله وإذا كان له جنة من نخيل وأعناب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته وانخفاض منزلته وكذلك إذا كان له بيت من زخرف والزخرف الذهب وأما إسقاط السماء كسفا فهذا لا يكون إلى يوم القيامة
437
وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة فقولهم كما زعمت كذب عليه إلا أن يريدوا التمثيل فيكون القياس فاسدا وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلا فهذا لما سأل قوم موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة قال تعالى
وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وأما إنزال الكتاب فقد قال تعالى سورة النساء الآيات 153 161
438
بين سبحانه أن المشركين سألوه إنزال كتاب وأن أهل الكتاب سألوه ذلك وبين سبحانه أن الطائفتين لا تؤمن إذا
439
جاءهم ذلك وإنما سألوه تعنتا فقال عن المشركين
ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وذكر عن أهل الكتاب أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك وهو رؤية الله جهرة فقال
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا فهم مع هذا نقضوا الميثاق وكفروا بآيات الله وقتلوا النبيين بغير حق إلى أمثال ذلك وأنه سبب ظلمهم وصدهم عن سبيل الله حرم عليهم طيبات أحلت لهم فكان في هذا من الاعتبار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة المكذبة بك الذين لا يهتدون
440
إذا جاءتهم الآيات المقترحة التي اقترحوها لم يك في مجيئها منفعة لهم بل فيها ما يوجب استحقاقهم عقوبة الاستئصال إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها وتغليظ الأمر عليهم فكان أن لا ينزل مثل هذه الآيات الموجبة لعذاب الاستئصال أعظم رحمة وحكمة وقد عرض الله على محمد صلى الله عليه وسلم أن يهلك قومه لما كذبوه فقال بل استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا كما في الصحيحين عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذا عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما اردت فانطلقت على وجهي وأنا مهموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلنني فغذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك
441
وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي وقال إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعثني إليك لتأمرني بما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا أخرجاه ولما طلب من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين قال تعالى
إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين للرسل بعذاب
442
الاستئصال عذابا عاجلا يهلك الله به جميع المكذبين كما أهلك قوم نوح وكما أهلك عادا وثمود وأهل مدين وقوم لوط وكما أهلك قوم فرعون وأظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى ليبقى ذكرها وخبرها في الأرض إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال بل قال تعالى
ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بل كان بنو إسرائيل لما يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي يعذب بعضهم ويبقى بعضهم إذ كانوا لم يتفقوا على الكفر ولهذا لم يزل في الأرض أمة من بني إسرائيل باقية قال تعالى لما ذكر بني إسرائيل
وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون وقد قال تعالى
من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين
443
وكان من حكمته ورحمته سبحانه وتعالى لما أرسل محمدا أن لايهلك قومه بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كما عذب طوائف ممن كذبه بأنواع من العذاب كالمستزئين الذين قال الله فيهم
إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون فعذب الله كل واحد بعذاب معروف وكالذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه كلبا من كلابه فكان يحترس بقومه فجاءه الأسد وأخذه من بينهم فقتله وأمثال ذلك وقد تقدم ذلك وقال تعالى
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا
444
فأخبر أنه يعذب الكفار تارة بأيدي عباده المؤمنين بالجهاد وإقامة الحدود وتارة بعذاب غير ذلك فكان يعذبهم بمثل هذه الأسباب مما يوجب إيمان أكثرهم كما جرى لقريش وغيرهم فإنهم لما كذبوه لو أهلكهم كما أهلك قوم فرعون ومن قبلهم لبادتا وانقطعت المنفعة به عنهم ولم يبق لهم ذرية تؤمن به بخلاف ما إذا عذب بعضهم بأنواع من العذاب ولو بالهزيمة والأسر وقتل بعضهم كما عذبوا يوم بدر فإن في هذا من إذلالهم وقهرهم ما يوجب عجزهم مع بقائهم والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها فلا تكاد تنصرف عنها بخلاف ما إذا عجزت عن كمال أغراضها فإن ذلك مما يدعوها إلى التوبة كما يقال من العصمة أن لا تقدر فكان ما وقع بهم تعجيزا وزاجرا وداعيا إلى التوبة ولهذا آمن عامتهم بعد ذلك لم يقتل منهم إلا قليل وهم صناديد الكفر الذين كان أحدهم في هذه الأمة كفرعون في تلك الأمة كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أبي جهل هذا فرعون هذه الأمة وقد ذكر الله لموسى في التوراة إني أقسي قلب فرعون فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي
445
بين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض إذ كان موسى قد أخبر بتكليم الله له وبكتابة التوراة له فأظهر الله من الآيات ما يبقي ذكرها في الأرض وكان في ضمن ذلك من تقسيته قلب فرعون ما أوجب أن أهلكه وقومه أجمعين وفرعون كان جاحدا للصانع منكرا لربوبيته لا يقر به فلذلك أتى من الآيات بما يناسب حاله وأما بنو إسرائيل مع المسيح فكانوا مقرين بالكتاب الأول فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن محتاجا إلى تقرير جنس النبوة إذ كانت الرسل قبله جاءت بما ثبت ذلك وقومه كانوا مقرين بالصانع وإنما كانت الحاجة داعية إلى تثبيت نبوته ومع هذا فأظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ومع هذا فلم يأت بآيات الاستئصال التي يستحق مكذبها العذاب العام العاجل كما استحقه قوم فرعون وهود وصالح وشعيب وغيرهم فلهذا يبين الله في القرآن أن هذه الآيات إذا جاءت لا تنفعهم إذ كانوا لايؤمنون بها ولكن تضرهم إذ كانوا يستحقون عذاب الاستئصال إذا كذبوا حينئذ ومع وجود المانع وعدم المقتضي لا يصلح الفعل على قول الجمهور القائلين بالحكمة ومن لم يعلل
446
فلا يطلب سببا ولا حكمة بل يرد الأمر إلى محض المشيئة قال تعالى
وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وهو يعلم أن قلوب هؤلاء كقلوب أولئك الأولين فيكذبون بها فيستحقون بها ما استحقه أولئك كقوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم قال تعالى
كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقال تعالى
قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم وقال تعالى عن أهل الكتاب
يضاهئون قول الذين كفروا من قبل
447
وقال تعالى
أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ذكر هذا في سورة اقتربت التي ذكر فيها انشقاق القمر وإعراضهم عن الآيات وقولهم هذا سحر مستمر وتكذيبهم واتباعهم أهوائهم فقال تعالى
اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ثم قال
ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر أي من أنباء الغيب وما أخبر به ما فيه مزدجر أي ما يزجرهم عن الكفر إذ كان في تلك الإنباءات بيان صدق الرسول والإنذار لمن كذبه بالعذاب كما عذب المتقدمون ولهذا يقول عقيب
448
القصة
فكيف كان عذابي ونذر أي كيف كان عذابي لمن كذب رسلي وإنذاري بذلك قبل مجيئه يبين صدق قوله الذي أخبرت به الرسل وعقوبته لمن كذبهم ثم ذكر قصة المكذبين كنوح وهود وصالح ولوط إلى قوله
ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر فإن قوم فرعون كذبوا بجميع آيات موسى وجميع آيات الأنبياء قبله وكذبوا بالآيات الدالة على وجود الرب وقدرته ومشيئته إذ كانوا جاحدين للخالق منكرين له فكذبوا بآياته كلها ثم قال أكفاركم أيتها الأمة التي أرسل محمد إليها
خير من أولئكم الذين كذبوا نوحا وهودا وصالحا ولوطا وموسى
أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر
449
وذلك أن كونكم لا تعذبون مثل ما عذبوا إذا كذبتم إما أن يكون لكونكم خيرا منهم فلا تستحقون مثل ما استحقوا أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم فتكون لكم براءة في الزبر فتعلمون ذلك بخبره فإن ما يفعله الله تارة يعلم بخبره وتارة يعلم بسنته وحكمته وعدله فإما أن تكونوا علمتم هذا من هذا الوجه أو من هذا الوجه هذا إن نظر إلى ما فعل الله الذي لا طاقة للبشر به وإن نظر إلى قوة الرسول وأتباعه فيقولون
نحن جميع منتصر فإنهم أكثر وأقوى كما قال تعالى
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا أي اموالا ومنظرا فقال تعالى
سيهزم الجمع ويولون الدبر
450
أخبر بهزيمتهم وهو بمكة في قلة من الأتباع وضعف منهم ولا يظن أحد بالعادة المعروفة أن أمره يظهر ويعلو قبل أن يهاجر إلى المدينة وقبل أن يقاتلهم وكان كما أخبر فإنهم يوم بدر وغيرها هزم جمعهم وولوا الأدبار وتلك سنة الله في المؤمنين والكافرين قال تعالى
ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وحيث ظهر الكفار فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله كما قال تعالى
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقال
أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة أن لا يهلكهم هلالء
451
استئصال كما اهلك المكذبين وكانت الآيات التي اقترحوها موجبة لعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم كما قال
أكفاركم خير من أولئكم كان أن لا يأتي بموجب عذاب الاستئصال مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة ويوضح المحجة أكمل في الحكمة والرحمة إذ كان ما أتى به من الآيات حصل به كمال الخير والمنفعة والهدى والبيان والحجة على من كفر وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال والهلاك والعذاب العام ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يتوبوا ويؤمنوا ويهتدوا وكان في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم الرسل من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة رسول غيره صلوات الله عليهم أجمعين
452
فصل
جماع الكلام في النبوة متصل بالكلام في جنس الخبر فإن قول القائل إني رسول الله إليكم خبر من الأخبار وكذلك وصول كلامه وأفعاله وآياته إلينا هو بالأخبار والخبر تارة يكون مطابقا لمخبره كالصدق المعلوم أنه صدق وتارة لا يكون مطابقا لمخبره كالكذب المعلوم أنه كذب وغير المطابق مع التعمد كذب ومع اعتقاد أنه صدق إن لم يكن معذورا كالمفتي بلا اجتهاد يسوغ والمحدث بلا علم يسمى كاذبا أيضا كقوله صلى الله عليه وسلم كذب أبو السنابل بن بعكك وقوله لمن قال
453
بطل عمل عامر بن الأكوع لما قتل نفسه خطأ كذب من قال ذلك إنه لجاهد مجاهد وقد تكون المطابقة في عناية المتكلم وقد يكون في إفهام المخاطب إذا كان اللفظ مطابقا لما عناه المتكلم ولم يطابق إفهام المخاطب فهذا أيضا قد يسمى كذبا وقد لا يسمى ومنه المعاريض لكن يباح للحاجة وإن لم يحصل به المقصود بل يكون مأمورا بالسكوت عنه إلا مع البينة فقد يسمى كاذبا لقوله تعالى
لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون
454
والمقصود هنا أن الخبر قد يعلم أنه صدق وقد يعلم أنه كذب وقد لا يعلم واحد منهما والعلم بأنه صدق له معنيان أحدهما أن يعلم أنه مطابق لمخبره من غير جهة المخبر كمن أخبرنا بأمور يعلم أنها حق بدون خبره والثاني أن يعلم أن المخبر به صادق فيه وقد يجتمع الأمران بأن يعلم ثبوت ما أخبر به ويعلم أنه صادق فيه وقول محمد إني رسول الله هو من هذا الباب كما سنبينه إن شاء الله وكذلك كونه كذبا قد يراد به أنه على خلاف مخبره وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب وقد يعنى به أن قائله يتعمد الكذب ولهذا كانت الأحاديث المعلوم بطلانها على نوعين تارة يعلم أن صاحبها تعمد الكذب وتارة يكون قد غلط والصحابة لم يعرف فيهم من يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك جمهور التابعين لم يعرف فيهم من يتعمد الكذب ولكن طائفة قليلة من الشيعة عرف أنه كان فيها من يتعمد الكذب بخلاف غيرهم من أهل
455
الأهواء كالخوارج فإنه لم يكن فيهم من يعرف بالكذب بل يقال هم من أصدق الناس حديثا والرجل الفاسق المعروف أنه يكذب لا بد أن يصدق في بعض الأخبار فلا يكون في الناس من لا يخبر إلا بكذب ولهذا قال تعالى
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وفي القراءة الأخرى < فتثبتوا > فأمر بالتبين والتثبت إذا أخبر الفاسق بخبر ولم يأمر بتكذيبه بمجرد إخباره لأنه قد يصدق أحيانا فلما أمر سبحانه بالتبين والتثبت في خبر الفاسق دل ذلك على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره إذ كان فاسقا قد يكذب ولايجوز أيضا تكذيبه قبل أن يعرف أنه قد كذب وإن كان فاسقا لأن الفاسق قد يصدق وهذا كما قال تعالى
يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا
456
وفي القراءة الأخرى ( فتثبتوا )
ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا فأمرهم بالتبين والتثبت في الجهاد وأن لا يقولوا للمجهول حاله لست مؤمنا يبتغون عرض الحياة الدنيا فيكون إخبارهم عن كونه ليس مؤمنا خبرا بلا دليل بل لهوى أنفسهم ليأخذوا ماله وإن كان ذلك في دار الحرب إذا ألقى السلم وفي القراءة الأخرى السلام فقد يكون مؤمنا يكتم إيمانه كما كنتم أنتم من قبل مؤمنين تكتمون إيمانكم فإذا ألقى المسلم السلام فذكر أنه مسالم لكم لا محارب فتثبتوا وتبينوا لا تقتلوه ولا تأخذوا ماله حتى تكشفوا أمره هل هو صادق أو كاذب
457
وهذا خبر يتضمن دعوى له فإن المدعي مخبر والمنكر مخبر والشاهد مخبر والمقر مخبر وكما نهاهم عن تكذيب المدعي بلا علم نهاهم عن تصديق المنكر المتهم ورمي البريء بلا حجة وتبرئته وتزكيته بلا علم فقال تعالى
سورة وكذلك نهاهم عن تصديق القاذف الرامي لمن عرف منه الخبر فقال
لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين
458
إلى قوله
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم وقد قال تعالى
ولا تقف ما ليس لك به علم وهذا نهي عن التكلم بلا علم وهو عام في جميع أنواع الأخبار وقد يتناول ما اخبر به الإنسان وما قد يعتقده بغير الأخبار من الدلائل والآيات والعلامات ليس له أن يتكلم بلا علم فلا ينفي شيئا إلا بعلم ولا يثبته إلا بعلم ولهذا كان عامة العلماء على أن
459
النافي للشيء عليه الدليل على ما ينفيه كما أن المثبت للشيء عليه الدليل على ثبوته وحكي عن بعض الناس أنه قال النافي ليس عليه دليل وفرق بعضهم بين العقليات والشرعيات فأوجبه في العقليات دون الشرعيات وهؤلاء اشتبه عليهم النافي بالمانع المطالب فإن من أثبت شيئا فقال له آخر أنا لا أعلم هذا ولا أوافقك عليه ولا أسلمه لك حتى تأتي بالدليل كان هذا مصيبا ولم يكن على هذا المانع المطالب بالدليل دليل وإنما الدليل على المثبت بخلاف من نفى ما أثبته غيره فقال له قولك خطأ والصواب في نقيض قولك ولم يكن هذا كذا فإن هذا عليه الدليل على نفيه كما على ذلك المثبت الدليل على إثباته وإذا لم يأت واحد منهما بدليل كان كلاهما بلا حجة ولهذا كان من أثبت شيئا أو نفاه وطلب منه الحجة فلم يأت بها كان منقطعا في المناظرة وإذا اعترض المعترض عليه بممانعة أو معارضة فأجاب عنها انقطع المعترض عليه وثبت قول الأول وإن لم يجب عن المعارضة انقطع المستدل إذ كان الدليل الذي يجب اتباعه هو الدليل السالم عن المعارض المقاوم ولو أقام دليلا قطعيا فعورض بما لا يفيد القطع كان له أن يقول ما ذكرته يفيد العلم والعلم لا يعارضه الظن والبينات لا تعارض بالشبهات التي هي من جنس كلام السوفسطائية فهو سبحانه نهى عن الكلام بلا علم
460
مطلقا وخص الكلام على الله بقوله تعالى
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ونهى عن اتباع خطوات الشيطان وأخبر أنه يأمر بالقول على الله بلا علم فقال
يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون
461
وكذلك ذم من يجادل ويحاج بلا علم بقوله تعالى
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وقال
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وقال تعالى
ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقوله تعالى
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا يتناول خبر كل فاسق وإن كان كافرا لا يجوز تكذيبه إلا ببينة كما لا يجوز تصديقه إلا ببينة وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية فقال النبي
462
صلى الله عليه وسلم إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا
آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من إمساك الإنسان عما لا يعلم انتفاؤه وثبوته هو مأثور عن غيره من الأنبياء كما جاء عن المسيح عليه السلام أنه قال الأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين فيه فاجتنبوه وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه وعامة عقلاء بني آدم على هذا ولهذا لا يجوز أن يصدق بخبر منقول عن الرسول أو غيره إلا بدلالة تدل على صدقه ولا يجوز أن يكذبه إلا بدلالة تدل على كذبه وعلى هذا العلم والدين وقد تكلم
463
العلماء وصنفوا كتبا كثيرة في الجرح والتعديل في الرجال والأحاديث فمن الناس من يعرف بالصدق والضبط فهذا هو العدل المقبول خبره ومنهم من يكون صدوقا لكنه قد لا يحفظ ولا يضبط فيقولون في مثل هذا هو صدوق تكلم فيه من قبل حفظه ومنهم من عرف بالكذب وإذا روى الحديث من هو سيىء الحفظ أو من قد يكذب لم يحكموا بذلك الحديث ولم يثبتوه ثم تارة يقوم الدليل على كذبه وتارة يتوقفون فيه لا يعلمون أصدق هو أم كذب ومثل هذا لا يعتقد ولا يثبت ولايحتج به كالشاهد الذي شهد للمدعي وليس بعدل مرضي أو هو خصم أو متهم ظنين فهذا إذا أردت شهادته ولم تقبل لم يكن معنى ذلك الحكم بكذبه أو خطئه بل معنى ذلك أنه لا تقوم به حجة ولا يحكم به لعدم العلم بصدقه لا للعلم بكذبه والمدعى عليه إذا كان صحاب يد أو ذمته بريئة فهو حجة ترجح جانبه وقد ضم إليها الشارع اليمين كما في صحيح
464
البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى رجال دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه فإذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد دعواه فجانب المنكر أقوى من جانبه لأن معه أن الأصل في الأيدي أنها محقة والأصل براءة الذمة ولكن قد يكون المدعي صادقا ولا يكون له حجة وهذا كثير جدا فلا يدفع بمجرد الأصل بل يحلف المنكر فيكون يمينه مع الأصل بحجة فيكون إنكار هذا مقابلا لدعوى هذا كلاهما خبر لم يعلم صدقه فتعارضا وترجح المنكر بالأصل فيبقى على ما كان لا يسلم بحجة للمدعى ما ادعاه بمجرد دعواه ولا تنقطع مطالبته للمدعى عليه لأنه لم يأت حجة تدفعه فإذا حلف المنكر كانت يمينه حجة فصلت الخصومة وقطعت الدعوى وإذا لم يأت المنكر باليمين بل نكل عنها ولا أتى المدعى بحجة وقف للأمر عند أكثر العلماء وعند بعضهم يقضي على المنكر بالنكول فيجعل نكوله إما بدلا لما طلب وإما إقرارا به والأكثرون يقولون بل ترد اليمين على المدعى الطالب الذي يقول إنه يعلم
465
صدق نفسه فيما ادعاه وأنه عالم بما ادعاه فيقال له احلف وخذ فإن حلف أخذ وإلا دفعا ثم من العلماء من يرد اليمين في عامة الدعاوي ومنهم من يحكم بالنكول وإن كان المنكر يقول لا أعلم ما ادعى به وكل من الطائفتين يذكر آثارا عن الصحابة والمنقول عن الصحابة يدل على التفصيل وهو أظهر الأقاويل وهو أنه إن كان المنكر هو العالم دون المدعي كما إذا ظهر في المبيع عيب وقد بيع بالبراءة فقال المشتري أنا لم أعلم به فإنه هنا يقال له كما قال عثمان بن عفان لابن عمر رضي الله عنهما احلف أنك بعته وما به داء تعلمه فإن حلف وإلا قضي عليه بالنكول كما قضى عثمان على ابن عمر بالنكول
466
وإن كان المدعي يقول إنه يعلم ما ادعى به كمن ادعى على آخر دينا أو عينا فقال أنا لا أعلم ما ادعيته احلف وخذ فإن لم يحلف لم يعط شيئا والبينة في الدعاوي عند أكثر العلماء هي ما يبين الحق ويظهره ويوضحه كالدليل والآية والعلامة فمتى ترجح جانب احدهما حلف مثل أن يقيم المدعي شاهدا فإنه يحلف مع شاهده ويقضي به بشاهد ويمين كما مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول أكثر العلماء ومنهم من يقول اليمين دائما في
467
جانب المدعى عليه وكذلك لو كان في دعوى القتل لوث ولطخ وشبهة وهو علامات ترجح جانب المدعي فإن أولياء المقتول يحلفون خمسين يمينا ويقضي لهم بذلك عند أكثر العلماء كما مضت بذلك السنة وكذلك في اللعان إذا حلف الزوج وشهد أربع شهادات الله إنه لمن الصادقين ووكدها بالخامسة فقد أقام بينة على دعواه فإن التعنت المرأة وشهدت أربع شهادات مؤكدة بالخامسة أنه كاذب
468
تعارضت البينتان والشهادتان فلم يحكم بقول واحد منهما لا يحكم بأنه قاذف ولا يحكم بأنها زانية وإن نكلت فلم تحلف فأكثر العلماء يقولون يحكم بأنها زانية وتعذب على ذلك كما دل عليه القرآن لأنه اجتمع شهادة الزوج ونكولها عن المعارضة كما اجتمع في القسامة العلامة والأيمان وكما اجتمع الشاهد واليمين وكما اجتمع في جانب المنكر الأصل واليمين فهذا ونحوه مما جاءت به الشريعة وبسطه له موضع آخر والمقصود هنا أن الخبر إن قام دليل على صدقه أو كذبه وإلا بقي مما لم يصدقه ولم يكذبه وأهل العلم بالحديث إذا قالوا هذا الحديث رواه فلان وهو مجروح أو ضعيف أو سيىء الحفظ أو ممن لم تقبل روايته ونحو ذلك فهو كقول القائل هذا الشاهد مجروح أو سيىء الحفظ أو ممن لا تقبل شهادته وهذا يفيد أنه لا يحكم به لا يفيد الحكم بأنه كاذب بل قد يمكن أنه صادق فلا يقال إنه كاذب إلا بحجة
469
وإن قالوا عن الحديث إنه ضعيف فهذا مرادهم أي أنه لم يثبت ولا يحتج به ولا يجوز الحكم بصدقه ليس مرادهم أنه بمجرد ذلك يحكم بكذب الناقل وينفي ما نقله ويقول إن هذا لم يكن من غير علم منا بهذا النفي بل إن قام دليل على انتفاء ما أخبر به حكمنا بذلك وإلا سكتنا لم ننفه ولم نثبته فهذا أصل يجب معرفته فإن كثيرا من الناس لا يميز بين ما ينفيه لقيام الدليل على نفيه وبين ما لم يثبته لعدم دليل إثباته بل تراهم ما لم يعلموا إثباته فيكونون قد قفوا ما ليس لهم به علم وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم وهذا كثير من أهل الاستدلال والنظر وأهل الاسناد والخبر فمن الأولين طوائف يطلبون الدليل على ثبوت الشيء فإذا لم يجدوه نفوه ومعلوم أن عدم العلم ليس علما بالعدم وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود إلا إذا كان الطالب ممن يمكنه ذلك إما بعلم او ظن غالب فمن هؤلاء من يقول في صفات الله ما لم يقم دليل قطعي على إثباته وإلا وجب القطع بنفيه لأن صفات الله لا تثبت إلا بالقطع وخالفهم في ذلك جمهور الناس وقالوا كما لا يجوز القطع في الإثبات إلا بدليل قطعي فلا يجوز القطع في النفي إلا بدليل قطعي على النفي فلما لم يجز أن نثبت إلا بعلم فلا ننفي إلا بعلم
470
والنافي عليه الدليل كما على المثبت الدليل قال هؤلاء هذه المسائل مبناها على القطع فإنه لا يجوز لنا التكلم فيها بالظن فإذا لم يقم القاطع قطعنا بالنفي فقيل لهم هذا حجة عليكم فإنكم إذا نفيتم ما لم تعلموا نفيه تكلمتم بالظن وإذا قطعتم من غير قاطع كنتم قد تكلمتم في القطعيات بلا قاطع نفيا كان الكلام أو إثباتا وليس يعلم في الأدلة الشرعية أوالعقلية أن كل ما لم يقم دليل سمعي أو عقلي على إثباته فإنه يجب عليكم نفيه والقطع بنفيه بل تكلمكم بهذا تكلم بلا علم ومن هنا أخطأ كثير من النظار في نفي كثير من صفات الرب وأحكامه وأفعاله حيث لم يعلموا دليلا قطعيا يثبتها فنفوها وكانت ثاتبة في نفس الأمر وقد يكون عند غيرهم دليل قطعي يثبتها ولو قدر عدم علم الناس كلهم بها فلله علم لم يعلمه العباد ولله اسماء استأثر بها في علم الغيب عنده لم يعلمها الناس وليس إذا لم يعلم ثبوت الصفة يجب أن يعلم انتفاؤها بل قد يظن ثبوتها أو انتفاؤها وقد يشك
471
في ذلك فلا يعلم ولا يظن واحد منهما والواجب على الإنسان أن يقول لما يعلمه أعلمه ولما يظنه أظنه ولما يشك فيه أشك فيه والله تعالى لم يوجب على الإنسان أن يقطع بانتفاء شيء إن لم يعلم أنه منتف فمن قال وجب علينا القطع بانتفاء فقد غلط وهذا بخلاف ما يناقض صفات الإثبات فإن هذا يجب نفيه عن الله فقد علم بالأدلة القطعية أن الله موصوف بصفات الكمال المناقضة للنقص مثل إنه حي قيوم بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه غني عن كل ما سواه بكل وجه فكل من قال قولا يناقض هذا علم أنه باطل كالذين قالوا إن له شريكا أو ولدا أو أنه يشفع عنده الشفعاء بغير إذنه ونحو ذلك مما يناقض الكمال المعلوم له وما كان من الأمور مستلزما لوازم لو كان موجودا فإنه يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم كالأمور التي لو كانت موجودة لوجب أن تنقل نقلا متواترا شائعا فإنه يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم كما لو قال قائل إنه بني بين العراق والشام أو بين الحجاز
472
والشام مدينة أعظم من بغداد والموصل وأصبهان ومصر دورها ثلاثة أيام ونحو ذلك فإنه يعلم كذبه فإن هذا مما تتوفر همم الناس على نقله لو كان موجودا فإذا لم يستفض هذا وينتشر علم أن المخبر به كاذب وكذا لو ادعى مدع أنه يوم الجمعة أو العيد قتل الخطيب ولم يصل الناس يوم الجمعة ولم يستفض هذا وينتشر أو ادعى أنه قتل بعض ملوك الناس ولم يستفض هذا ولم ينتشر أو ادعى أنه بعث نبي بين المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم أو بعد محمد جاء بكتاب مثل القرآن أو الإنجيل واتبعه خلق كثير وكذبه خلق كثير فإنه يعلم كذب هذا إذ مثل هذا لا بد أن يستفيض وينتشر وكذلك لو ادعى أن قريشا أو غيرهم عارضوا القرآن وجاؤا بكتاب يماثل القرآن وأنهم أظهروا ذلك وأبطلوا به حجة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا مما يقطع بكذبه لأن مثل ذلك لو وقع لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وكذلك لو ادعى
473
أن محمدا أمر بحج بيت غير البيت العتيق أو أوجب صوم شهر غير شهر رمضان أو أوجب صلاة سادسة وقت الضحى أو أمر بالآذن والإقامة لغير الصلوات الخمس أو أنه قال علانية بين الناس لأبي بكر أو العباس أو علي أو غيرهم هذا هو الخليفة من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا أو أن عليا دعا إلى نفسه في خلافة الثلاثة وأمثال هذه الأمور التي لو وقعت لكان لها لوازم يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزم ثم هذه اللوازم منها جلي ومنها خفي يعرفه الخاصة فلهذا كان أهل العلم بأحوال الرسول يقطعون بكذب أحاديث لا يقطع غيرهم بكذبها لعلمهم بلوازم تلك الأحاديث وانتفاء لوازمها كما يقطع من يعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يقاتل في غزوة تبوك وأن غزوات القتال إنما كانت تسعة مغازي وأنه لم يغز بنفسه إلى اليمن ولا العراق ولا جاوز تبوك بعد النبوة وأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع ولم يصم إلا تسع رمضانات وهكذا يعلمون أن فلانا أخطأ في هذا الحديث على فلان لأنهم قد علموا من وجوه ثابتة أن ذلك الحديث إنما رواه على صورة معينة فإذا روى غير الثقة ما يناقض ذلك علموا بطلان ذلك وأنه أخطأ أو تعمد الكذب مثل ما يعلمون كذب من زاد في قول النبي
474
صلى الله عليه وسلم لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل فزاد بعض الناس فيه أو جناح لما رأى بعض الأمراء عنده حمام فعلموا أنه كذب تقربا إلى ذلك الأمير وكما يعلمون كذب من روى أن مسيلمة وقومه كانوا مؤمنين بالله ورسوله وإنما قاتلهم الصديق لكونهم لم يعطوا الزكاة فإنهم قد علموا بالتواتر أن مسيلمة ادعى النبوة واتبعه قومه على ذلك وأنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يقول من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ويعلمون أنه
475
كان له مخاريق وأنه ظهر كذبه من وجوه متعددة وأن أبا بكر الصديق والصحابة قاتلوه على كذبه في دعوى النبوة وقاتلوا قومه على ردتهم عن الإسلام واتباعهم نبيا كاذبا لم يقاتلوهم على كونهم لم يؤدوا الزكاة لأبي بكر وكذلك الأسود العنسي الذي ادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقتل في حياته كل منهما عرف كذبه
476
بتكذيب النبي الصادق والمصدوق لهما ومما ظهر من دلائل كذبهما مثل الأخبار الكاذبة التي تناقض النبوة ومثل الإتيان بقرآن مختلق يعلم من سمعه أنه لم يتكلم الله به وإنما هو تصنيف الآدميين كما قال أبو بكر الصديق لهم لما تابوا من الردة وعادوا إلى الإسلام أسمعوني قرآن مسيلمة فلما أسمعوه إياه قال ويحكم أين يذهب بعقولكم إن هذا كلام لم يخرج من إل أي لم يخرج من رب ومثل ما كان يفعله ويأمر به من الفجور والكذب ومثل اطلاع أخص الناس به على أنه كان يكذب ويستعين بمن يختلق له الكذب ومثل أنه كان يعدهم بأن جبريل أخبره أنه سينصر فلما حقت الحقائق قال لهم إنه لا جبريل لكم فقاتلوا عن أحسابكم إلى أمثال هذه الأمور التي تدل على كذب الكاذب
477
فالصدق له دلائل مستلزمة له تدل على الصدق والكذب له دلائل مستلزمة تدل على الكذب ولا يجوز الحكم بصدق مخبر ولا بكذب مخبر إلا بدليل وما لم يعلم صدقه ولا كذبه ولا ثبوته ولا انتفاؤه فإنه يجب الإمساك عنه ويقول القائل هذا لم أعلمه ولم يثبت عندي ولا أجزم به ولا أحكم به ولا أستدل به ولا احتج به ولا أبني عليه مذهبي واعتقادي وعملي ونحو ذلك لا يقول هذا أقطع بكذبه وانتفائه وإن كنت أقطع أن من أثبته تكلم بلا علم فالقطع بجهل مثبته المعتقد له غير القطع بانتفائه فمن قطع فيه بلا دليل يوجب القطع قطعنا بجهله وضلاله وخطئه وإن لم يقطع بانتفاء ما أثبته في نفس الامر كمن حكم بشهادة مجروح فاسق أمر الله بالتثبت في خبره فمن حكم وقطع بخبره من غير دليل يدل على صدقه حكمنا بأن هذا متكلم حاكم بلا علم وإن لم يحكم بكذب الشاهد المخبر لكن لا يجوز للإنسان أن ينفي علم غيره وقطع غيره من غير علم منه بالأسباب التي بها يعلم ويخبر فإنه كثيرا ما يكون للإنسان دلائل كثيرة تدل على صدق شخص معين وثبوت أمر معين وإن كان غيره لا يعرف شيئا من تلك الدلائل وهذا أيضا مما يغلط فيه كثير من الناس ينظرون في أنفسهم
478
ومبلغ علمهم فإذا لم يجدوا عندهم ما يوجب العلم بذلك الامر جعلوا غيرهم كذلك من غير علم منهم بانتفاء أسباب العلم عند ذلك الغير وقد يقيمون حججا ضعيفة على أنه غيرهم لا يعلم ذلك مثل ما يفعله كثير من الناس بالنظر والاستدلال والاعتبار ومن لم يساوهم في نظرهم وأدلتهم وقوة أذهانهم لا يعلم ما علموه وكثير من الناس يعلم بالأخبار والنقل والاستدلال بذلك أمورا كثيرة ومن لم يشاركهم فيما سمعوه وفيما عرفوه من أحوال المخبرين والمخبر وكمال معرفتهم بذلك لا يعلم ما علموه فلهذا كان لأهل النظر العقلي طرق لا يعرفها أهل الأخبار ولأهل الأخبار السمعية طرق لا تعرف بمجرد العقول ولهذا كان لهؤلاء من الطرق الدالة على صدق الرسول ونبوته والاستدلال على ذلك أمور كثيرة لا يعرفها أهل الحديث والأخبار وعند هؤلاء من الاحاديث المتواترة عندهم والآيات المستفيضة عندهم ما يعلمون بها صدق الرسول وإن كان أولئك لا يعرفونها بل طرق معرفة الصانع وتصديق رسوله قد يكون لكل قوم منها طريق أو طرق لا يعلمها آخرون وهم مشتركون في الإقرار بالله وبرسوله ولكل قوم طرق وأدلة غير طرق الآخرين وأدلتهم بل ما تواتر عندهم من أحوال الرسول قد يكون المخبرون
479
لهؤلاء الذين تواتر عندهم ما أخبروهم به من آياته وشرائعه غير المخبرين لأولئك كما كان الصحابة المخبرون لأهل الشام بآيات الرسول وبالقرآن وشرائع الإسلام غير الصحابة المخبرين لأهل العراق ولكن خبر هؤلاء يصد خبر هؤلاء وإن كان كل من الطائفتين لا يعلم أعيان أولئك الذين أخبروا أولئك وهكذا سائر العلوم قد يكون الذي علم هؤلاء الفقه أو النظر أو النحو أو الطب غير الذي علم هؤلاء وإن اشترك الجميع في جنس الفقه والنظر والنحو والطب وعلم ما علمه هؤلاء من الأعيان والأنواع مع أن طريق هؤلاء ليس طريق أولئك وإن اشتركوا في النوع وعامة ما يعلمه الناس بالحس هو من هذا الباب فإن الإنسان يحس بأحوال نفسه من جوعه وعطشه وشبعه وريه وحبه وبغضه وشهوته ونفرته وألمه ولذته بل يحس بأعضائه كبطنه وفرجه ولا يحس بأحوال غيره ولكن يشتركان في الجنس العام فيشتركون في جنس الإحساس بجوعهم وشبعهم وقد يشتركون في غير ما يحسونه كاشتراكهم في رؤية الشمس والقمر والهلال والكواكب وقد غلط في مثل هذا طائفة من المتكلمين في المنطق اليوناني فزعموا أن العلوم التجريبية والتواترية والحدسية إن جعلوها قسما
480
غير التجريبية فإن فيهم من يجعل الحدسية نوعا من التجريبية ومنهم من يجعلها جنسا آخر فزعم هؤلاء ان هذه العلوم مختصة لا تقوم بها الحجة على من لم يعلمها دون الحسيات والوجديات والعقليات وليس كذلك بل كما أن هذه تكون مشتركة تارة ومختصة أخرى فكذلك الحسيات فإن كل أهل زمان ومكان يعلمون بالحس من أحوال ذلك المكان والزمان وأحوال أهله ما لا يشركهم فيه غيرهم وكذلك الوجديات فإن من ابتلى بالغرائب في الأمور السياسية والبدنية يعلم منها ما لا يشركه فيه غيره وكذلك العقليات فإن من الناس من يكون له أصل يقيس به الفرع فيعلم القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط ويعلم من تعلق الحكم به ما لم يعلمه غيره فأجناس العلوم وطرقها منها ما هو مختص ومنها ما هو مشترك والمشترك منه ما يشترك فيه جنس بني آدم ومنه ما يشترك فيه نوع منهم وطائفة فهذا أصل جامع ينبغي معرفته لمن تكلم في هذا الباب
481
فصل
وإذا كان جنس من يخبر قد يكون كاذبا وقد يكون صادقا فقد علم أنه ليس كل واحد أخبر بخبر يصدق مطلقا ولا يكذب مطلقا فلم يقل أحد من العقلاء إن كل خبر واحد أو خبر كل واحد يكون صدقا او يفيد العلم ولا أنه يكون كذبا بل الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبر واحد وقد يقوم الدليل على كذبه فيعلم أنه كذب وإن أخبر به الوف إذا كان خبرهم على غير علم منهم بما أخبروا به أو عن تواطئ منهم على الكذب مثل إخبار أهل الإعتقادات الباطلة بالباطل الذي يعتقدونه وأما إذا أخبروا عن علم منهم بما أخبروا به فهؤلاء صادقون في نفس الأمر ويعلم صدقهم تارة بتوافق أخبارهم من غير مواطأة ولو كانا اثنين فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم وقد ما لم يقطع بثبوته ولا انتفائه قد يتفق في العادة تماثلهما فيه في الكذب أو الغلط علم أنه صدق
482
وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل تدل على صدقه ويعلم صدق خبر الواحد بقرائن تقترن بخبره يعلم بها صدقه وتلك الدلائل والقرائن قد تكون صفات في المخبر من علمه ودينه وتحريه الصدق بحيث يعلم قطعا أنه لا يتعمد الكذب كما يعلم علماء أهل الحديث قطعا أن ابن عمر وعائشة وأبا سعيد وجابر بن عبد الله وأمثالهم لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم بل يعلمون علما يقينيا أن الثوري ومالكا وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأبا زرعة وأبا داود وأمثالهم لا يتعمدون الكذب في الحديث وقد تكون الدلائل صفات في المخبر به مختصة بذلك الخبر أو بنوعه يعلم بها أن ذلك المخبر لا يكذب مثل ذلك الخبر كحاجب
483
الأمير إذا قال بحضرته لعسكره أن الأمير قد أذن لكم في الانصراف أو أمركم أن تركبوا إذا غدا أو أمر عليكم فلانا ونحو ذلك فإنهم يعلمون أنه لا يتعمد الكذب في مثل هذا وإن لم يكن بحضرته فكيف إذا كان بحضرته وإن كانوا قد يكذبونه في غير هذا وقد تكون الدلائل سماع من شاركه في العلم بذلك الخبر وإقراره عليه فإن العادة كما قد تمنع التواطؤ على الكذب فإنها قد تمنع التواطؤ على الكتمان وإقرار الكذب والسكوت وعن إنكاره فما توافرت الهمم والدواعي على ذكره والخبر به يمتنع أن يتواطأ أهل التواتر على كتمانه كما يمتنع في العادة أن تحدث حادثة عظيمة تتوفر المهمم والدواعي على نقلها في الحج أو الجامع أو العسكر وحيث توجب العادة نقل الحاضرين لما عاينوه ثم لا ينقل ذلك أحد وإقرار الكذب والسكوت على رده أعظم امتناعا في العادة من الكتمان فإن الإنسان في العادة قد تدعوه نفسه إلى أن يسكت على ما رآه وسمعه فلا يخبر به ولا تدعوه نفسه إلى أن يكذب عليه ويخبر عنه بما يعلم أنه كذب عليه فيقره ولا ينكره إذ كانت عادة الناس إلى
484
تكذيب مثل هذا أبلغ من عادتهم بالإخبار به وكذلك إذا كذب في قصة وبلغ ذلك من شاهدها فتوفر الهمم على تكذيب هذا أعظم من توفرها على إخبارهم بما وقع ابتداء فإذا كانت من القضايا التي يمتنع السكوت عن إظهارها فالسكوت عن تكذيب الكاذب فيها أشد امتناعا وقد تكون الدلائل صفات فيه تقترن بخبره فإن الإنسان قد يرى حمرة وجهه فيميز بين حمرته من الخجل والحياء وبين حمرته من الحمى وزيادة الدم وبين حمرته من الحمام وبين حمرته من الغضب وكذلك يميز بين صفرته من الفزع والوجل وبين صفرته من الحزن والخوف وبين صفرته من المرض فكما أن سحنته ووجهه يعرف بها أحوال بدنه الطبيعية من أمراضه المختلفة حتى أن الأطباء الحذاق يعلمون حال المريض من سحنته فلا يحتاجون مع ذلك إلى نبض وقارورة وكذلك تعرف أحواله النفسانية هل هو فرح مسرور أو محزون مكروب ويعلم هل هو محب صديق مريد للخبر
485
أو هو مبغض عدو مريد للشر كما
قيل تحدثني العينان ما القلب كاتم
والعين تعرف من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
وكما قيل
ولا خير في الشحناء والنظر الشزر
486
ثم إذا تكلم مع ذلك دل كلامه على أبلغ مما يدل عليه سيما وجهه كما قال تعالى عن المنافقين
ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول فأخبر أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول وأن معرفتهم بالسيما معلقة بالمشيئة والمنافق الكاذب يقول بلسانه ما ليس في قلبه فبين أنه في لحن قوله يعلم أنه كاذب وقال في حق المؤمنين
سيماهم في وجوههم من أثر السجود وقال في حق الكافر
عتل بعد ذلك زنيم أي له زنمة من الشر أي علامة يعرف بها
487
وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه وقد بسطنا الكلام على هذه في مسألة الإيمان وبينا ان ما يقوم بالقلب من تصديق وحب الله ورسوله وتعظيم لا بد أن يظهر على الجوارح وكذلك بالعكس ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إلا أن في الجسد مضغة إذا
488
صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد الا وهي القلب وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن رآه يعبث في الصلاة لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ومن هذا الباب قوله تعالى
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله وقوله
ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء وقوله
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة
489
فإن الإرادة التي في القلب مع القدرة توجب فعل المراد والسفر في غزوة بعيدة لا يكون إلا بعده ومن هذا الباب أن عثمان قال لعمر لما شاوره في المرأة التي أقرت بالزنا إني أراها تستهل به استهلال من لا يعرف أنه حرام فإنه لما رآها تجهر بما فعلته وتحكيه من غير اكتراث تبين له أنها لم تعتقد تحريمه وأنه يذم وتعاقب عليه ووافقه عمر وعلي وغيرهما على ذلك والرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه وبهجة وجهه سيما يعرف بها وكذلك الكاذب الفاجر وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا الأثر فيه حتى إن الرجل يكون في صغره جميل الوجه فإذا كان من أهل الفجور مصرا على ذلك يظهر عليه في آخر عمره من قبح الوجه ما أثره باطنه وبالعكس وقد روى عن ابن عباس أنه قال إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسوادا في الوجه ووهنا في البدن وبغضة في قلوب الخلق وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب لكن يعتقد اعتقادات
490
باطلة كاذبة في الله أو في رسله أو في دينه أو عباده الصالحين وتكون له زهادة وعبادة واجتهاد في ذلك فيؤثر ذلك الكذب الذي ظنه صدقا وتوابعه في باطنه ويظهر ذلك على وجهه فيعلوه من القترة والسواد ما يناسب حاله كما قال بعض السلف لو أدهن صاحب البدعة كل يوم بدهان إن سواد البدعة لفي وجهه وهذه الأمور تظهر يوم القيامة ظهورا تاما قال تعالى
ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون وقال تعالى
يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون
491
قال ابن عباس وغيره تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة والمقصود أن ما في القلوب من قصد الصدق والمحبة والبر ونحو ذلك قد يظهر على الوجه حتى يعلم ذلك علما ضروريا من أبلغ العلوم الضرورية وكذلك ما فيها من قصد الكذب والبغض والفجور وغير ذلك والإنسان يرافق في سفره من لم يره قط إلا تلك الساعة فلا يلبث إذا رآه حدة وسمع كلامه أن يعرف هل هو مأمون يطمئن إليه أو ليس كذلك وقد يشتبه عليه في أول الأمر وربما غلط لكن العادة الغالبة أنه يتبين ذلك بعد لعامة الناس وكذلك الجار يعرف جاره والمعامل يعرف معامله ولهذا لما شهد عند عمر بن الخاطب رجل فزكاه آخر قال هل أنت جاره الأدنى تعرف مساءه وصباحه قال لا قال هل عاملته في الدرهم والدينار الذين تمتحن بهما أمانات الناس قال لا قال هل رافقته في السفر الذي ينكشف فيه أخلاق الناس قال لا قال فلست
492
تعرفه وروي أنه قال لعلك رأيته يركع ركعات في المسجد وذلك أن المنافق قد يظهر الصلاة فمن لم يخبره لا يعرف باطن أمره كما قيل ذئب تراه مصليا فإذا مررت به ركع يدعو وجل دعائه ما للفريسة لا تقع وإذا الفريسة خليت ذهب التنسك والورع فإذا كان كذلك فمن نبأه واصطفاه للرسالة كان قلبه من أفضل القلوب صدقا وبرا ومن افترى على الله الكذب كان قلبه من شر القلوب كذبا وفجورا كما قال عبد الله بن مسعود إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب
493
العباد فاتخذهم لصحبة نبيه وإقامة دينه فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون سيئا فهو عند الله سيىء وقال عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وإذا كان من أعظم بل أعظم أهل زمانه صدقا وبر فإنه لا بد أن يظهر على فلتات لسانه وصفحات وجهه ما يناسب ذلك كما أن الكاذب الكافر لا بد أن يظهر على وجهه وفلتان لسانه ما يناسب ذلك وهذا يكون تارة حين إخباره بما يخبر به وتارة موجودا في غير تلك الحال فإن الرجل إذا جاء وقال إن السلطان أو الأمير أو الحاكم أو الشيخ أو فلانا أرسلني إليكم بكذا فإنه قد يقترن بنفس إخباره من كيفيته وحاله ما يعلم به أنه صادق أو كاذب وإن كان معروفا قبل ذلك
494
بالصدق أو الكذب كان ذلك دلالة أخرى وقد يكون ممن يكذب ولكن يعرف أنه صادق في ذلك الخبر دع من يستمر على خبر واحد بضعا وعشرين سنة مع أصناف الناس واختلاف أحوالهم ومما ينبغي أن يعلم أن الناس تختلف أحوالهم في المعرفة والخبرة والنظر والاستدلال في جميع المعارف فقد يتفطن الإنسان لدلالة لا يتفطن لها غيره وقد يتبين له ما يخفى على غيره حتى الأنبياء يتفاضلون كما قال تعالى
وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما والمقصود أن العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب كغيرهما من المعلومات قد يكون ضروريا وقد يكون نظريا وهو ليس من الضروريات الكلية الأولية كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين بل من العلم بالامور المعينة كالعلم بحمرة الخجل وصفرة الوجل وعدل العادل وظلم الظالم ونحو ذلك مما يعرفه الخبير بذلك علما ضروريا وإذا كان استدلاليا فالمعرفة بالعلم لا تحصل بمجرد وجود
495
الدليل في نفسه بل لا بد من معرفة القلب به والناس متفاوتوت في ذلك والدليل أبدا هو ما استلزم المدلول فكل ما كان مستلزما للشيء كان دليلا عليه لكن لا بد من معرفته ومعرفة أنه مستلزم ثم إذا حصل العلم صار ضروريا وقد يكون ضروريا بلا واسطة دليل معين وليس العلم بالمعينات كالعلم بصدق هذا وكذب هذا مما يحتاج فيه إلى القياس الشمولي فإن ذلك إنما يفيد بتوسط قضية كلية والمعينات قد لا يحتاج فيها إلى ذلك وإن كان لا بد فيها من خبرة بحال ذلك المعين وإذا كان القائل إني رسول الله إما أن يكون من خيار الناس وأصدقهم وأبرهم وأفضلهم وإما أن يكون من شرار الناس وأكذبهم وأفجرهم والفرق بين هذين يكون من وجوه كثيرة لا تكاد تنضبط كل منها يعرف به صدق هذا وكذب هذا وكانت المعرفة بذلك قد تحصل عند سماع خبر هذا وخبر هذا رؤية وجهه وسماع كلامه وما يلزم ذلك ويقترن به من بهجة الصدق ونوره ومن ظلمة الكذب وسواده وقبحه يتبين بذلك أن كثيرا من الناس يحصل لهم علم ضروري بأن
496
هذا النبي صادق وهذا المتنبي كاذب بمثل ذلك من قبل أن يروا خارقا للعادة وقول بعض المتكلمين ما لم يكن خارقا للعادة لا اختصاص للنبي به فلا يدل فيقال له لفظ خرق العادة لفظ مجمل وإن تعين دعوى النبوة صدقا وكذبا ليس هو أمرا معتادا ولم يقع هذا إلا في أفراد من العالم وهو أقل بكثير من الأخبار بالمغيبات فإن هذا أكثر في الوجود من دعوى النبوة إذ كل نبي يخبر بالمغيبات وليس كل من أخبر بها كان نبيا وهؤلاء الذين يقولون هذا يقول أكثرهم أو كثير منهم إن دعوى النبوة والتحدي والمعجز مجموعها هو المختص بالنبي وإلا فهم يقولون إن ما كان معجزة لنبي جاز أن يظهر على يدي ولي أو ساحر وإنما يفرق بينهما التحدي وعدم المعارضة ومنهم من ينكر هرق العادة أن يظهر على خ يد غير نبي ومنهم من لا يفرق بين الولي والساحر إلا ببر هذا وفجور هذا ومنهم من يطرد ذلك في النبي لا سيما متفلسفة اليونان فإنهم من أجهل
497
الناس بأمر النبوة إذ كانوا لم يأخذوها من العلم بصدق الأنبياء وبما جاؤوا به من الآيات والبراهين والعلم بصفاتهم وإنما أخذوها من القياس على المنامات فجوزا فيها مثل ما يجوز على النائم من الأحلام والتخيل وما يصيب أهل المرة السوداء مما يشبه ذلك وهذا هو الموجود في عامة أتباع أرسطو ولكن متأخروهم كابن سينا ضم إلى ذلك تصرفه في هيولي العالم لما بلغه من خوارقهم الفعلية التي لم يكن يعرفها أولئك إذ كان علم أرسطو هو ما كان يعلمه قومه من اليونان وهم أمة أولاد يافث لم يكن
498
فيهم ما في أولاد سام كهود وصالح وغيرهما ثم أولاد إبراهيم الخليل الذي وعده الله أن يجعل في ذريته النبوة والكتاب حتى يكون علم النبوة مشهورا فيهم وقد جعل الله تعالى من زمن الخليل في ذريته النبوة والكتاب كما أخبر بذلك في القرآن وهم لم يكونوا من ذريته ولا كانوا خبيرين بأحوال ذريته وقد ذكر طائفة منهم كمحمد بن يوسف العامري وصاعد بن صاعد الأندلسي أن أساطينهم خمسة
499
ثم أربعة ابندقلس ثم فيثاغورس ثم سقراط ثم أفلاطن قدموا الشام واستفادوا من بني إسرائيل ولهذا لم يكن من هؤلاء من قال بقدم العالم بخلاف أرسطو قالوا فإنه لم يقدم الشام وذكر هؤلاء كمحمد بن يوسف العامري وغيره أن أول من لقب بالحكمة لقمان وأن ابندقلس استفاد منه ومن أتباع داود عليه السلام
500
فإنه كان في زمن داود وإذا كان هذا قول هؤلاء النظار وأهل الكلام والفلسفة فمجرد خارق العادة عندهم ليس وحده مستلزما للنبوة حتى يكون وحده دليلا بل لا بد أن ينضم إلى ذلك التحدي وعدم المعارضة ولهذا لما اختلف قول طائفة منهم كأبي الحسن وأتباعه هل يجوز ظهور الخارق على يدالكاذب فقيل لا يجوز لأنه يعلم النبوة فيمتنع أن يتخلف عنه مدلوله كسائر الأدلة وقيل بل يجوز ولكن الله لا يفعله ثم قيل لأنه يستلزم عجزه عن تصديق الرسول إذ لا طريق إليه إلا المعجز عندهم وقيل بل هو مقدور ممكن ولكن نحن نعلم اضطرارا أنه لا يفعله مثل كثير مما يمكن في العادة ونعلم أن الله لا يفعله وجميع من جمع بين القولين وقال مجموع ما يدل على النبوة وهو الخارق السالم عن المعارض يمتنع أن يكون لغير نبي بخلاف جنس الخارق فقيل له هذا الامتناع إما أن يكون عاديا وإما أن يكون لاستلزامه العجز عن تصديق النبي وذلك ممتنع فإذا كا ممتنعا لاستلزامه العجز عن تصديق النبي وذلك ممتنع فإذا كان ممتنعا لاستلزامه أمرا ممتنعا وإذا كان انفلات
501
العادة ليس عندك ممتنعا فلا بد لك من ذلك الجواب وهو القول بأنا نعلم ضرورة أن ذلك لم يكن ثم إذا علمت أن هذا علم ضروري وأن العلم بدلالتها على الصدق أمر ضروري كالمثل الذي ضربته في إرسال الملك رسولا وقول رسوله إن كنت صادقا فغير عادتك بقيامك ثم قعودك ففعل ذلك عقب سؤال الرسول فإن ذلك يوجب العلم الضروري بصدق الرسول وقيل لك الملك تعلم عادته ويعلم أنه فعل ذلك للتصديق والرب عندك لم يخلق شيئا لشيء فقلت بل يخلق شيئا مقارنا لشيء كالعاديات وهذا منها فقيل لك العادات قد تكررت فقلت قد نعلم ذلك بلا تكرر وجعلت ذلك من باب الدلالة الوضعية كدلالة اللفظ على قصد المتكلم وقلت قد نعلم قصده اضطرار من غير سبق مواضعة وهذه العلوم الضرورية التي ذكرت أنه يعلم بها صدق الرسول وإن كانت حقا فجمهور الناس يقولون إنك لم تقر بلوازمها من كونه يفعل لأجل كذا ويقولون القول بأنه خلق المعجزة لقصد التصديق مع القول بأنه لا يخلق شيئا لأجل شيء تناقضا فقلت لا يشترط في العلم الضروري العلم بأنه يفعل كذا لأجل كذا فقيل
502
لك هب أنه كذلك لكن لا يحصل العلم الضروري مع العلم بما يناقضه والمقصود أن ما يذكره هؤلاء وأمثالهم من النظار بل وعامة الناس هم فيما يثبتونه من العلم والحقائق المعلومة اسد منهم وأصوب فيما ينفونه فإن الإنسان لما يثبته أعلم منه بما ينفيه وشهادته على الإثبات أقوى من شهادته على النفي وإن كان النفي قد يكون معلوما لكن غلط الناس فيما ينفونه ويكذبون به أكثر من غلطهم فيما يثبتونه ويصدقون به ولهذا قال تعالى
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ولهذا تجد من سلك طريقا من الطرق إما في إثبات العلم بالصانع وإما في العلم بالنبوة أو العلم بالمعاد أو غير ذلك واحد يقول لا طريق إلا هذا الطريق يخطىء في النفي اكثر من خطئه في الإثبات ومنهم هؤلاء فإنهم قد ينفون من العلم والطرق ما يعلمه غيرهم بالاضطرار ويثبتون ما يقولون أنه معلوم بالاضطرار وقد يكون غيرهم اصوب فيما يثبته منهم فيما ينفونه بل وفيما يثبتونه
503
ولهذا الذين اتفقوا على أنه لا طريق إلا المعجزات تنوعوا في وجه دلالتها فيثبت هؤلاء وجها يستدلون به وينفون طريق غيرهم وبالعكس فإذا قالوا ما سوى الخارق للعادة ليس يختص بالنبي فلا يدل على نبوته قيل لهم الدليل هو الذي يكون مستلزما للمدلول يلزم من تحققه تحقق المدلول ولفظ الخارق للعادة فيه إجمال كما تقدم وحينئذ فنفس إنباء الله للنبي واصطفائه لرسالته وإقداره على التلقي من الملك هو من خوارق العادات وذلك من المعجزات التي أعجز الله الخلق أن يفعلوه وهو مختص بالأنبياء وهذا الوصف أجل وأعظم قدرا من غيره من الخوارق والمستلزم لهذا الخارق لا يكون إلا خارقا وهو الدليل إذ يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم ومن انتفاء اللازم انتفاء الملزوم والمعتاد الذي يوجد بدون النبوة لا يكون دليلا وأما ما لا يوجد إلا وجدت النبوة فهو دليل فقد تبين أن كل ما يدل على صدق الرسول وهو خارق للعادة يكون آية ونبوة على صدقه وأما ما كان خارقا للعادة ولا يستلزم النبوة فليس يكون دليلا وقد يكون الشيء معتادا بدون النبوة ومع النبوة يكون خرقا
504
للعادة بحيث يكون وجوده مع النبوة خرق للعادة بخلاف وجوده مجردا عنها لأن النبوة خرق للعادة فلا يكون مستلزما لها إلا خارق للعادة فقول القائل لا يعلم صدقه إلا بالمعجزة وهو الخارق للعادة إن أراد به المعنى العام وهو ما يستلزم صدقه بطل تخصيصه ذلك بما يخلقه منفصلا عنه من الآيات وإن أراد بذلك نوعا مخصوصا مع اشتراك الجميع في الدلالة ظهر بطلان نفيه وأما ما يوجد بدونها كنا يوجد معها كالأمور التي تكون للصادق في دعوى النبوة والكاذب في دعوى النبوة فهذه لا تدل وما يظهره الله على يد النبي من الأنواع التي بها يعرف صدقه ليس فيها شيء يكون للكاذب بل الكاذب لا يكون له من الأدلة إلا ما يستلزم كذبه فكل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق وبالعكس فإن دليل الكذب مستلزم له ودليل الصدق مستلزم له وهما ضدان يمتنع ان يكون مدعي النبوة نبيا صادقا ومتنبئا كاذبا والضدان لا يجتمعان فيمتنع أن يكون شيء واحد يدل على الضدين وهذه القاعدة ينتفع بها في مواضع
505
منها أن كثيرا من الناس إذا رأوا الكاذب وسمعوا كلامه تبين لهم كذبه تارة بعلم ضروري وتارة بعلم استدلالي وتارة بظن قوي وكذلك النبي الصادق إذا رأوه وسمعوا كلامه فقد تبين لهم صدقه بعلم ضروري أو نظري وقد يكون أولا بظن قوي ثم يقوى الظن حتى يصير يقينيا كما في العلوم بالأخبار المتواترة والتجارب فإن خبر الأول يفيد نوعا من الظن ثم يقوى بخبر الثاني والثالث حتى يصير يقينا وهذا الطريق سلكها طوائف من الناس وممن نبه على ذلك القاضي عياض قال القاضي عياض إذا تأمل المتأمل المنصف ما قدمنا من جميل أثره وحميد سيره وبراعة علمه ورجاحة عقله وحلمه وجملة كماله وجميع خصاله وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحة نبوته وصدق دعوته قال وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به فروينا عن الترمذي وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال لمل قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه
506
عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب رواه غير واحد كعبد الوهاب الثقفي ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي ويحيى بن سعيد عن عوف بن أبي جميلة
507
الأعرابي عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام وعن أبي رمثة البلوي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي لي ابن لي فأريته فلما رأيته قلت هذا نبي الله وروى مسلم في صحيحه وغيره عن ابن عباس أن ضمادا قدم
508
مكة وكان من أزد شنؤة وكان يرقى من هذا الريح فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون فقال لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي قال فلقيه فقال يا محمد إني ارقي من هذه الريح وإن الله يشفي على يدي من شاء الله فهل لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فقال أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات قال فقال لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت بمثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن قاموس البحر هات يدك أبايعك على الإسلام فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قومك قال وعلي قومي الحديث
509
وقال جامع بن شداد كان منا رجل يقال له طارق فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال هل معكم شيء تبيعونه قلنا هذا البعير قال بكم قلنا بكذا وكذا وسقا من تمر فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة فقلنا بعنا رجل لا ندري من هو ومعنا ظعينة فقالت أنا ضامنة لثمن البعير رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس بكم فأصبحنا فجاء رجل بتمر فقال انا رسول رسول الله إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا
510
وفي خبر الجلندي ملك غسان لما بلغه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فقال الجلندي والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له وأنه يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ويفي بالعهد وينجز بالموعود وأشهد أنه نبي وقال نفطويه في قوله تعالى
511
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار هو مثل ضربه الله لنبيه يقول يكاد منظره يدل على نبوته وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة
لو لم يكن فيه آيات مبينة
كانت بديهته تنبيك بالخبر
قلت وإيمان خديجة وأبو بكر وغيرهما من السابقين الاولين كان قبل انشقاق القمر وقبل إخباره بالغيوب وقبل تحديه بالقرآن لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية مستلزمة لصدقه ونفس كلامه وإخباره بأني رسول الله مع ما يعرف من أحواله مستلزم لصدقه إلى غير ذلك من آيات الصدق وبراهينه بل خديجة قالت له كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف
512
وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فكانت عارفة بأحواله التي تستلزم نفي كذبه وفجوره وتلاعب الشيطان به وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخيرهم وكان معظما في قريش لعلمه وإحسانه وعقله فلما تبين له حاله علم علما ضروريا أنه نبي صادق وكان أكمل أهل الأرض يقينا علما وحالا وكذلك هرقل ملك النصارى لما أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام سأل عن عشرة خصال كما في الصحيحين عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى في قال انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله علي وسلم قال فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل قال وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقال هرقل هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قالوا نعم
513
قال فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال أبو سفيان فقلت أنا فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي فدعا بترجمانه فقال قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه قال فقال ابو سفيان وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت عليه ثم قال لترجمانه سله كيف حسبه فيكم قال قلت هو فينا ذو حسب قال فهل كان من آبائه ملك قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال ومن اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم
514
قال أيزيدون أم ينقصون قلت لا بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له قال قلت لا قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قال قلت يكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه على مدة ما ندري ما هو صانع فيها قال فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال فهل قال هذا القول أحد قبله قال قلت لا قال لترجمانه قل له إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب وكذا الرسل تبعث في أحساب قومها وسألتك هل كان من آبائه من ملك فزعمت أن لا فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليدع
515
الكذب على الناس ثم يذهب ويكذب على الله وسألتك هل يرتد احد منهم عن دينه بعد ان يدخل فيه سخطة له فزعمت أن لا فكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا فقلت لو قال هذا القول أحد قبله قلت رجل أئتم بقول قيل قبله ثم قال بم يأمركم قلت يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف قال إن يكن ما تقول فيه حقا إنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا
516
بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني ادعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وفي رواية فماذا يأمركم به قال يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وقال فهذه صفة نبي وما استدل به ملك النصارى هرقل من العلم بصفاته هو
517
استدلال على عينه فإن الناس في النبوة على درجات منهم من يحتاج إلى أن يعلم جنس النبوة فيصدق بجنس الرسل من البشر لا يكذب بالجنس كما كذب بذلك من كذب من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ولهذا يقول تعالى
كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين كذبت ثمود المرسلين لأن تكذيبهم لم يكن لشخص واحد بل كانوا مكذبين لجنس الرسل وهؤلاء يخاطبهم الله في السور المكية كقوله تعالى
وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس فاحتج بإنزال كتاب موسى لما تواتر في خبره من الآيات الباهرات الدالة على صدقه والإنجيل تبع للتوراة في الكتاب للتوراه ثم قال
وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه
518
لما قام من الآيات الدالة على نزوله ولهذا يذكر سبحانه في السور المكية من تثبيت أمر الرسل وآياتهم وبراهينهم وحسن عاقبتهم ومن ضلال مخالفيهم وجهلهم وغيهم وخذلانهم وسوء عاقبتهم ما فيه عبرة ومن الناس من يقر بالرسل في الجملة لكن لا يؤمن بما يجب من حقيقة إرسالهم كالملاحدة وأهل البدع الذين يعظمون الأنبياء مع اعتقادهم في الباطن ما يناقض بعض ما جاءوا به لشبهات انعقدت في قلوبهم ظنوها علوما عقلية وهي مناقضة لما أخبرت به الرسل فيحتاجون إلى ان يوفقوا بينهما وهؤلاء يشبهون الذين قال الله فيهم سزرة النساء الآيات 60 63 وقد اخبر الله أنه جعل للأنبياء من يعاديهم من الإنس والجن فقال تعالى
519
سورة لأنعام الآيات 112 116 وقال تعالى
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا وهؤلاء الذين عندهم ما يناقض بعض ما أخبرت به الرسل هم ثلاثة اصناف أهل الخييل من الملاحدة المتفلسفة والباطنية الذين يقولون إن الرسل أخبروا من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر بما يخالف الحق في نفس الأمر ليخيلوا إلى الجمهور ما ينتفعون به ويعدون هذا من فضائل الرسل وقد بسط الرد على هؤلاء في غير موضع
520
وأهل التحريف والتأويل الذين يؤلون كلامهم على ما يخالف مرادهم ويزعمون أنهم أرادوا ذلك المعنى مع انه ليس في كلامهم ما يدل على إرادة ذلك المعنى بل كلامهم يدل على إرادة خلافه وأهل التجهيل الذين يقولون ذلك الكلام ليس له معنى يعلمه الرسل ولا غيره وإنما يعلمه الله وحده وهذان القولان يقول بكل منها طوائف معظمين للرسل وقد تبين فسادهما في غير هذا الموضع وأما من قال إن الرسل وغيرهم يعلمون المعنى الذي بينه الله لهم بكلامه ولكن استأثر الله بعلم امر آخر لا يعلمونه كما استأثر بعلم غيب الساعة فهذا قول السلف والأئمة وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن الكلام في النبوات تارة في جنسها وتارة في شخص النبي المعين وهرقل ملك الروم لم يكن محتاجا إلى الإيمان بجنس النبوات فإنه كان من أهل الكتاب وأهل الكتاب يقرون بجنس النبوة فإنهم يقرون نبوة نوح والخليل وموسى وأنبياء بني إسرائيل والنصارى تقر مع ذلك بالمسيح والإنجيل والذين يحتاجون إلى معرفة النبي المعين نوعان نوع عرفوا أنه يبعث نبي وقد يعرفون بعض نعوته فيحتاجون أن يعرفوا عينه وهرقل وأمثاله من أهل الكتاب كانوا من هذا النوع وكانوا يعلمون أن نبيا سيبعث وإنما كانت حاجتهم أن يعرفوا
521
هل هو هذا النبي المذكور ام غيره فيكون ما يحتاجون إليه من دلائل صدقه أيسر ما يحتاج إليه من لا يؤمن بالرسل او لا يعرف أن نبيا سيبعث ومن كان يعلم جنس الرسل ولا يدري هل يبعث نبي أم لا يحتاج إلى تعلم أن هذا المعين هل هو من جنس الأنبياء الصادقين أو من جنس المتنبئين الكاذبين وهذا يعرف بما يخصه من آيات صدقه وباعتبار ما جاء به الأنبياء قبله فإن أصول ذلك مما لا يمكن اختلاف الأنبياء فيه وهي الأمور التي لا تقبل النسخ كالإخبار عن الله وملائكته وكتبه ولاسله واليوم الآخر فهذا مما لا يمكن اختلاف الأنبياء فيه إذ كان كل ما يخبر به النبي فهو صدق والأخبار الصادقة لا تتناقض ولا تقبل النسخ ولكن قد يكون بعض الأنبياء أعلم ببعض ذلك من بعض وفي كلام بعضهم من الأخبار ببعض ذلك ما ليس في كلام بعض وما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم هو أكمل وأكثر مما أخبر به موسى والمسيح صلوات الله وسلامه عليهم وقد يظن بعض الغالطين تناقض بعض أخبار الأنبياء كما يظن بعض الغالطين معارضة العقل لما أخبروا به وهذا ممتنع بل لا بد أن يكون المعارض العقلي خطأ ليس بمعقول صحيح أو السمعي لم يثبت عنهم لفظه أو دلالته وكذلك الأخبار لا بد أن يكون أحد
522
الخبرين كذبا أو غير دال على مناقضة الخبر الآخر وأما الأصول الجامعة كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وبر الوالدين والصدق والعدل وتحريم الأجناس الأربعة وهي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله وأن يقال عليه غير الحق وذلك مثل ما ذكره في سورة الأنعام والأعراف وبني إسرائيل وقد تنازع الناس في مثل هذا هل يمكن نسخه وتنوع الشرائع به على قولين فمن جوز أن يأمر الله بكل شيء وينهى عن كل شيء رد ذلك إلى محض المشيئة لا إلى صفات تقتضي الأمر بهذا دون هذا فإنهم جوزوا دخول النسخ في هذا وتنوع الشرائع فيه كما يقوله جهم بن صفوان والأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وإن كانوا يقولون إنه لم يقع فيه نسخ وأما جمهور الناس من السلف والخلف فإنهم لا يجوزون دخول النسخ في هذا ولا تنوع الشرائع فيه ولهذا كان دين الأنبياء واحدا كما قال تعالى
يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون
523
وقال تعالى
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه وقال تعالى
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وهذا مبسوط في موضع آخر