1
الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام

تأليف الإمام القرطبي

43

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا ألله الحمد لله الذي من علينا بتوحيده وجعلنا من أفضل عبيده الذي جنبنا الأهواء المذلة والآراء المضلة أرانا الحق إذ هدانا لبرهانه ودليله وأظهر لنا الباطل وتفضل علينا بالعدول عن سبيله نحمده بمحامده التي لا تحصى ونشكره على الآية التي لم تزل تترى ونسأله الصلاة على نجبه من كافة الورى أنبيائه ورسله أئمة الهدى وخصوصا المبعوث إلى الثقلين المفضل على العالمين المؤيد بالآيات الصادعة والبراهين القاطعة موضح الحق بواضحات الدلائل ومرهق الكفر والباطل صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وعلى جميع النبيين والمرسلين ورضى الله عن خلفائه الراشدين وعن صحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فقد وقفت وفقك الله على كتاب كتب به بعض المنتحلين لدين الملة النصرانية سماه كتاب تثليث الوحدانية بعث به من طليطلة أعادها الله إلى مدينة قرطبة حرسها الله متعرضا فيه لدين المسلمين نائلا فيه من عصابة الحق الموحدين سائلا عما لا يعنيه ومتكلما بما لا يدريه فأمعنت النظر فيه فإذا بالمتكلم يهرف بما لا يعرف وينطق بما لا يحقق ناقض ولم يشعر وعمى من حيث يظن أنه يستبصر أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل يلحن إذا كتب ويعجم متى أعرب
وذي خطل في القول تحسب أنه
مصيب فما يلمم به فهو قائله

دل بقوله على ضعف عقله وبمكاتبته على سوء محاولته تعاطى درجة النظار وسود بأباطيله ذلك الطومار ليستزل به الأغبياء

44

الأغمار ويحصل بذلك على مآكله شنار فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون وليته إذا ادعى النظر سلك طريقه وألتزم شروطه فاعترف بالبديهيات ولم ينظر الضروريات التي هي أصول النظريات ولكن حل من عنقه ربقة العقول فهو في كل جهالة يجول وإليها يدعو وبها يقول فليته لو دفن من عواره ما كان مسطورا ولكن كان ذلك عليه في الكتاب مسطورا
وإن لسان المرء ما لم تكن له
حصاة على عوراته لدليل

فاستخرت الله تعالى في جوابه على تخليط معانيه وتثبيج خطابه بعد أن أقول له اعلم يا هذا إن البغاة بأرضنا لا تستنسر والتمييز عندنا بين الفضة والقصة متيسر وها أنا إن شاء الله تعالى أجاوبك على ما كتبت حرفا حرفا وأبين فساده الذي لا يكاد يخفى على أنهم لو فتح عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون فكيف لا وقد ركبوا من استحالة الإتحاد والتثليث والحلول ما يدرك فساده بضرورة العقول وقد قالوا في الآب والإبن والأقانيم ما تمجه بفطرته الأولى كل ذي فهم مستقيم ولا يتسع لقبوله قلب ذي عقل سليم
ومن كان اللعين له لسانا
فكل جداله زور ونكر


فكل مقالهم إفك وزيغ
ونص كتابهم شرك وكفر

ومن أعظم ما ظهر عليهم من الفاسد فصرفوا لذلك عن التوفيق والرشاد إنكارهم ما يدل على نبوة نبينا من المعجزات وواضح الدلالات وقد قاربت الضرورات حتى أنكروا ما جاء في كتبهم من الإعلام على نبوته وإيجاب إتباع شريعته فلقد كانو يجدونه مكتوبا عندهم ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وسأذكر إن شاء الله تعالى ما وقع في أناجيلهم من وصفه وصحيح نعته ولما تبين للعقلاء عنادهم سقط لذلك إرشادهم ووجب حملهم على السيف وجهادهم فقد يفعل الله بالسيف واللسان ما لا يفعل بالبرهان ومن كلام الحكماء يزغ الله بالسلطان مالا يزغ بالقرآن فأعرض العقلاء عنهم

45

واكتفوا من الرد عليهم بحكاية مذهبهم ووكلوا الناظر فيه لظهور تناقضه وفساد معانيه وقد كنت عزمت على الإقتداء بالعقلاء في الإعراض حتى أكثر هذا المتكلم من التعرض والإعتراض فتعين لذلك الجواب وأنا أسأل الله التوفيق للصواب ومجانبة الخطأ وما يوجب العتاب أنه ولى التوفيق وهو بإجابة السائلين حقيق فصل لتعلم يا هذا المنتسب لدين المسيح أنى أجاوبك إن شاء الله تعالى بمنطق عربي فصيح أسلك فيه مسلك الأنصاف وأترك طريق التعصب والإعتساف على أن كلامك لا يستحق الإصغاء إليه ولا الجواب عنه لأنك لا تحسن السؤال ولا تعرف ترتيب المقال بل تقول ما لا تفهم وتكتفي بأنك تتكلم ولكون كلامك هذا كثير الغلط ظاهر التناقض والشطط وأنت مع ذلك لا تعرف مذاهب النصارى المتقدمين الذين كانوا بنوع نظر متمسكين وإن كانوا عن مذهب الحق ناكبين حتى أنهم لو سمعوا كثيرا مما ذكرته لتبرأوا عنه ولأنفوا منه إذ لا ينسب أكثر ذلك إلى من تكايس منهم ولا يروى بحال عنهم على أنهم في أصول عقائدهم مختلفون وفي ورطة الجهل مرتبكون وسنبين لك ذلك كله إن شاء الله تعالى ولما تبين ذلك منك أعرض المسلمون عن جوابك ونزهوا أنفسهم عن خطابك إذ الأعراض عن الجاهلين شرعة رب العالمين على لسان سيد المرسلين وأيضا فمن لم يعرف شروط النظر ولم يسلك مسالك البحث والعبر فالكلام معه ضرب في حديد بارد وعمل ليس له جدوى ولا عايد ولما أعرضوا عنك لجهالتك تبجحت بذلك عند عصابتك فظننت أن سكوتنا عنك إنما هو لرهبة منك حتى لقد أبلغتنا عنك نكرا وقلت في كتابك هذا فحشا وهجرا فنحن وإياك كما قال
سكت عن السفيه فظن أنى
عييت عن الجواب وما عييت

فعظم هذا الأمر حين نمى خبره إلى مع أنه رغب إلى في ذلك جماعة من الإخوان فصار ذلك على كأنه من فروض الأعيان فاغتنمتها

46

فرصة وسررت بها قصة لعلمي أن النكاية في العدو بالبرهان واللسان أوقع من نكاية السيف والسنان والرجا من مالك الدارين الجمع بين الأمرين واحراز أجر العملين على أنى لا أتعرضهم بقزع السباب ولا أنزل معهم إلا إعتذار وعتاب وإنما هو إظهار جهلهم وتناقض مذهبهم وقولهم فأذكر كلام هذا السائل كما بلغني وأبين من خطئه وتناقضه ما شاء الله أن يفهمني فأناقشه في لفظه وأظهر سوء نقله وحفظه فتارة أسأله وأخرى أجاوبه ليعلم أن الناقد بصير والباحث خبير وليتبين عيه وجهله للكبير والصغير ثم من بعد الفراغ من تتبع كلامه أعطف بالمناظرة على أقسته ورهبانه فأحكى مذاهبهم كما دونوها في كتبهم وعلى ما تلقفوها من أسقاقفتهم ثم أسبرها على محك العرض وأبين بعض مافيها من الفساد والنقض وما توفيقي إلا بالله وهو حسبي ونعم الوكيل وقد استخرت الله تعالى في أن أجمل هذا الكتاب على صدر وأربعة أبواب الباب الأول في الكلام على الأقانيم الباب الثاني : في الاتحاد والحلول الباب الثالث في الكلام على النبوات وإثبات نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام الباب الرابع في جمل من فروع أحكامهم أبين فيها أن ليس لهم في أحكامهم مستند إلا محض الهوى والتحكم واللدد وكل باب من هذه الأبواب يتضمن فصولا وأنا أسأل الله تعالى أن يطلق ألسنتنا بالحق والحكمة ويخرسها عن الباطل والفتنة أنه ذو الفضل والنعمة والعفو والرحمة

47

صدر الكتاب نذكر في هذا الصدر كلام هذا السائل في خطبة كتابه والجواب عليها إن شاء الله تعالى
فصل

في حكاية كلام السائل في خطبة كتابه قال كتاب تثليث الوحدانية في معرفة الله ثم قال الحمد لله بالغ القوى التي فطرنا عليها وأمرنا بحمده فنحن نحمده ونشكره ونعظمه بمثل تعارفنا في الحمد والشكر والتعظيم لملوكنا وأهل الرهبة من ذوي السلطان منا فرضا له شاكرين حامدين معظمين غير واقفين على ذاته ولا مدركين لشيء منه وإنما نقع على أسماء أفعاله في خليقته وتدبيره في ربوبيته الجواب عن ترجمته أما قوله تثليث الوحدانية فكلام متناقض لفظا وفاسد معنى بيان ذلك أن قوله تثليث الوحدانية كلام مركب من مضاف ومضاف إليه ولا يفهم المضاف ما لم يفهم المضاف إليه فأقول لفظ الوحدانية مأخوذ من الوحدة ومعناها راجع إلى نفى التعدد والكثرة فهي إذن من أسماء السلوب فإذا وصفنا بها موجودا فقد نفينا عنه التعدد والكثرة والتثليث معناه تعدد وكثرة فإذا أضاف هذا القائل التثليث للوحدة فكأنه قال تكثير مالا يتكثر وتكثير مالا يتكثر باطل بالضرورة فأول كلمة تكلم بها هذا السائل متناقضة وباطلة بالضرورة وأما قوله في معرفة الله فقول لم يحط بمعناه ولا فهم مسماه وإلا فما حد المعرفة وكم أقسامها وهل يصح أن تكون مكتسبة لنا وهل يجوز عقلا أن يكلفنا بها الأنبياء وإن جاز ذلك فما طريق تحصيلها ثم هول بهذا اللفظ وأوهم أنه حصل منها على حظ فإن كان دليلك يا هذا على معرفة الله تعالى ما ضممته كتابك فابك على مصابك واقرع

48

أسفا على عقل نابك فإن الواقف على معناه المقتحم لفحواه علم على القطع والقط أنك لم تعرف الله تعالى قط لأنك لم تذكر فيه دليلا صحيحا نعم ولا قولا فصيحا وإن كان لك دليل آخر على معرفة الله تعالى لم تذكره هنا فهذه ترجمة بلا معنى واسم يهول بلا مسمى كلامك ياهذا كفارع حمص خلى من المعنى ولكن يجمع ثم نظم هذه الترجمة على ما أبديناه من التناقض أن يقال تكثير ما لا يتكثر في معرفة الله وأي رابط بهذا الكلام وهل هذا إلا مضحكة الخاص والعام وعار لم يصل إليه أحد من عقلاء الأنام ثم بعد ذلك شرع هذا القائل في الخطابة وصنعة الكتابة فسحب على سحبان ثوب النسيان وأنسى أبان كل ما أبان وصير فصيح وائل أعيا من باقل فقال الحمد لله بالغ القوى التي فطرنا عليها فيا للعجب ويا لضيعة الدين والأدب
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الجائع العاري

أما قوله الحمد لله فكلام حق ومقال صدق عند من عرف معناه وفهم فحواه وأما عندك فكلام سمعته وما وعيته وكيف تعيه أو تطمع في أنك تدريه وأنت بمعزل عن اللسان عرى عن تحصيل شرائط البرهان دليل ذلك أن الحمد لله يتوجه لأسئلة وأنت لا تهتدي لفهمها فكيف لحلها منها لفظية ومنها معنوية فأولها حده وإلى ماذا يرجع وما الفرق بينه وبين الشكر وهل هو في هذا الموضع عام أم لا وهل يصح أن يطلق على غير الله وإن أطلق فهل بالحقيقة أم بالمجاز وعلى أي وجه يضاف إلى الله تعالى أعلى جهة الملك أو على جهة الإستحقاق أو غيرهما من أنواع الإضافة ولأي شيء يوضع في أوائل الكتب ولا يكتفي عنه بالتسمية وأما قولك بالغ القوى فكلام مختل صدر عمن لم يحصل تنزيل مفهومه على فائدة لأن المتكلم به عمل بالغ موضع مبلغ ثم ذهب

49

بمبلغ إلى معنى خالق والعرب الذين تكلم هذا السائل بكلامهم وتعاطى مفهوم خطابهم لا يتكلمون بالغ في معنى الخالق لتباين اللفظين وإختلاف المفهومين ومعنى الخلق المشهور عندهم إختراع ما لم يكن والإبلاغ هو أيضا له كائن إلى غاية ما فإن أنكر هذا المتكلم أن يكون أراد هذا فقد شهد على نفسه بالغلط واعترف بأن كلامه من أرذل أرذل السقط ثم أضاف بالغ إلى القوى والقوى جمع قوة وهي القدرة والشدة فإن كنت تريد هذا فأي فائدة للفظك وأي لطيفة لقولك التي فطرنا عليها وفي الثيران والأباعير والحمير من هو أشد منك وأقوى فقد فضلها عليك حيث أبلغها من الشدة أكثر مما أبلغك ولقد كان ينبغي لك يا هذا أن تذكر من نعم الله عليك النعمة الخاصة بالإنسان وهو المعنى الذي به تميز عن أصناف الحيوان ثم من عجيب أمر هذا السائل وأدل دليل على بلادته وجهله أن هذه الخطبة التي صدر بها كتابه على ما هي عليه من تثبيج النظم وعدم الفصاحة إنما نقلها من رسالة عبد الرحمن بن عصن ختن شبيب التي كان أساقفة النصارى كتبوا بها إلى الإمام الزاهد أبي مروان بن ميسرة ونسبوها لعبد الرحمن وكانوا قد اجتمعوا على كتابتها بطليطلة أعادها الله فلما كتبوها بعثوا بها إلى القاضي أبي مروان بن ميسرة فبعد أن بذلوا جدهم وأجهدوا جهدهم كتبوا له رسالة مفتتحها هذه الخطبة في بطاقة صغيرة عدد أسطارها نحو ثلاثين لحنوا فيها وصحفوا في تسعة وعشرين موضعا منها ومع ذلك فأخلوا بالكلام ولم يتحصل لهم من سؤالهم مطلب ولا مرام فأجابهم الإمام القاضي رحمه الله وأحسن في الجواب وأظهر لهم جهلهم وتبلدهم في ذلك الكتاب فلو كان هذا السائل عارفا بمصالحه مميزا بين محاسنه ومقابحه لاكتفى بإفحام أساقفته المتقدمة وعثرته الجاهلة المضممة ولكان يستر ظاهر خطاياهم وركيك كلامهم ولكن أراد الله تجديد ما قدم لهم من الفضيحة بمقالة صابية صحيحة ثم ليته إذ نقل إلى كتابه كلامهم لم يفسر المعنى ولم يغير اللفظ بل غيره تغييرا يدل على عدم الهجاء وقلة الحفظ فقال الحمدلله بالغ القوى وهي في كتابهم المتقدم الذكر الذي نقل منه الحمدلله بألغ القوى وبين مفهوم كلامه

50

وكلامهم ما بين القرن والقدم وما بين فصاحة العرب ورطانة العجم وأما قولك وأمرنا بحمده فقول لا تعرف حقيقته ولا تسلك طريقته حتى تعرف إن كان الله آمرا أم لا وإن كان آمرا فما حقيقة أمره وإلى ماذا يرجع وهل هو قديم أو حادث إلى أسئلة كثيرة لا تعرف أنك مأمون من جهة الله تعالى حتى تعرفها فأعد للمسائل جوابا وللسائل خطابا وأما قوله فنحن نحمده ونشكره ونعظمه بمثل تعارفنا في الحمد والشكر فكلام يدور على اللسان ولم يستقر لك شيء منه بالجنان وكيف يحمد الله من ينتقصه وكيف يشكره من يكفره وهل الحمد والنقصان والشكر والكفران إلا أمران متناقضان بيان ذلك أنكم تجعلون لله ما تكرهون لأنفسكم وتنتقصون به أبناء جنسكم ها أنتم تكرهون لرهبانكم وأقستكم إتخاذ الزوجة والولد لئلا يتلطخ برذيلة مجرى البول ودم الحيض أو تتشبه نسبة الزوجة والولد ثم إنكم بجهالتكم تزعمون أن اللاهوت تدرع بناسوت المسيح وسكن في ظلمة الرحم مدة ثم خرج على مجرى البول ودم الحيض وتعلقت نسبة الولد والزوجة وأنتم تجعلون لله ما تكرهون وتصف ألسنتكم الكذب لا جرم أن لكم النار وأنكم مفرطون وكيف يعظمه من يعبد غيره ويعظم سواه ويخالفه في أمره ويرتكب ما عصاه وها أنتم قد اتخذتم المسيح إلها أو شطر إله وعبدتم من دون الله غيره وعظمتم سواه وخالفتم في ذلك قول المسيح عليه السلام وعصيتم أمر خالقه ومرسله ذي الجلال والإكرام وأنتم تقرأون في كتابكم عن أشعياء عليه السلام أنه قال عن الله مبشرا بالمسيح عليه السلام هذا غلامي المصطفى وحبيبي الذي ارتضت به نفسي وكذلك تقرأون في إنجيل ماركش أن المسيح قال

51

للعالم الذي سأله عن أول العهود إن السيد إلهك إله واحد وذكر كلاما فقال له العالم قلت الحق يا معلم إن الله وحده ولا إله غيره فالله تعالى يقول عن المسيح هو غلامي وأنتم تقولون هو ولدك والمسيح يقول لا إله إلا الله وأنتم تقولون أنت إله آخر فتعالى الله عما تقولون وسبحانه عما تصفون وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى فها أنتم قد خالفتم أمر الله وعظمتم سوى الله وهذا إنجيل متاؤوش يشهد عليكم بخلاف ما إليه صرتم فإن فيه أن المسيح قال لإبليس حين رام خديعته قد صار مكتوبا أن تعبد السيد إلهك وتخدمه وحده وأنتم تعبدون غير الله وتسجدون لسواه تتحكمون في ذلك بأهوائكم وتخالفون قول أنبيائكم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وتقول بالعظائم على الله وأما قولك بمثل تعارفنا في الحمد فإن كان وضع تعارف موضع معرفة فقد أخل بالمعنى وخالف اللغة ولو كان يشم رائحة من كلام الفصحاء لوبخ نفسه على القالة هذه الشنعاء ولو نزلناه على أنه أراد ما تعارفه مخاطبوه فيما بينهم في معنى حمدالله لكان كلامه أيضا متناقضا وفاسدا وعن الصواب حايدا فإن حمد الله عندهم ذم وشكرهم له كفر كما تقدم ومن كان حمده لله ذما

52

وشكره له كفرا وكان معرفته مثل شكره وحمده فقد حصل من العلم على ضده وخرج من الشكر عن حده وأما قولك والتعظيم لملوكنا وأهل الرهبة من ذوي السلطان منا فقول لا يدل على زهدك في الدنيا وإقتدائك بورع المسيح عيسى وبخشية المعمد يحيى عظمت الملوك لملكهم طمعا في نيل سحت ملكهم وأعرضت عن القسيسين ونسكهم ولو هديت السبيل لكان الأنبياء والحواريون أحق وأولى بالثناء والتبجيل لكن استهواك الطمع وإستفزك الجشع فآثرت الدنيا عن الآخرة فصفقتك اذن خاسرة وتجارتك بائرة وأما قولك فرضا له شاكرين حامدين معظمين فكلام غير منتظم وليس له مفهوم ملتئم ذهب معناه لكثرة لحنه يمجه العاقل ببديهة ذهنه أتلفت معناه رضانة العجم فكأنه تبقى في نفس قائلة مكتتم وأما قولك غير واقفين على ذاته ولا مدركين لشيء منه فلعمري لقد صدقت وبما أنت عليه من الجهل بمعبودك نطقت فأين هذا من قولك كتاب تثليث الوحدانية في معرفة الله فقد جعلت هذا الكتاب بزعمك موصلا إلى معرفة الله ثم لم ترجع النفس حتى شهدت على نفسك بالجهل بالله فظهر تناقض إعتقادك على لسانك وفي تقييدك وكذلك يفعل الله بكل جاهل مهذار وكيف يعرف الله من لم يقف على معرفة ذاته ولا علم شيئا من صفاته وهل ذاته تعالى إلا عبارة عن وجوده فإن الموجودات الموجود من غير مزيد على ما يعرف في موضعه بالبرهان فمن لم يعرف ذاته تعالى لم يعرف وجوده ومن لم يعرف وجوده فإما شاك وإما جاهل وأما قوله وإنما نقع على أسماء أفعاله في خليقته وتدبيره في ربوبيته فكلام لم يورده فصيحا ولا فهمه صحيحا دليل أنه لم يرده فصيحا أنه أراد بقوله نقع نعرف وإلا لم يستقم كلامه فكأنه قال وإنما نعرف أسماء أفعاله وأين نعرف من نقع وأي جامع بينهما عند من عقل وسمع فإن مفهوم وقع وحقيقته سقط الشيء من أعلى إلى أسفل وليس لهذا المعنى في كلامه مدخل وأما أنه لم يفهمه صحيحا فيدل عليه أنه لا يجيب إذا سئل عنه فأصخ يا هذا

53

سمعك واستعن ملاك جمعك فإني أسألك وإياهم عن حد الإسم وحقيقته وهل هو المسمى أو غيره فإن كان غيره فما حد الإسم وما حد المسمى وما حد التسمية ثم هل ينقسم الإسم بالإضافة إلى المسمى أم لا ينقسم فإن انقسم فعلى كم قسم وإنما أوردت عليه هذه الأسئلة كيلا له بضاعة وليكون ذلك أبلغ في دفعه وأقطع لنزاعه ثم إنه أضاف أسماء إلى أفعال الله ولا يشك عاقل فاهم في أن أفعال الله تعالى إنما يراد بها مخلوقاته ومخلوقاته وخليقته واحد في المعنى فكأنه قال على ما يقتضيه ظاهر كلامه وإنما نقع على أسماء مخلوقاته في مخلوقاته فأبدل لفظ مخلوقاته بأفعاله وهذا كلام قليل العائدة بل عديم الفائدة ثم أسماء أفعاله إنما هي عبارة عن الألفاظ الدالة على أفعاله وأفعاله كما قلنا مخلوقاته كلفظ السماء والأرض وغير ذلك فمن عرف الألفاظ الدالة على هذه المخلوقات أي شيء يحصل له بسببها من معرفة الله تعالى وأي دلالة وأي نسبة بين معرفة اللفظ الذي يدل على السماء في التخاطب مثلا وبين معرفة الله تعالى وهل قوله هذا إلا هذيان من القول وارتباك في ورطة الجهل وأا قوله وتدبيره في ربوبيته فالظاهر من لفظ التدبير السابق منه إلى الفهم أنه عبارة عن التفكر النفسي والتقدير الذهني والباري سبحانه متعال عن التدبير الذي هو التفكر والتقدير فإنه لا يتصور إلا في حق من جهل شيئا فأراد أن يستعمل فكرة في تحصيل العلم به والجهل على الله محال فالتدبير بمعنى الفكر عليه محال فإن أراد السائل بكلامه غير هذا فلا بد من بيانه وإيضاح برهانه وأما الربوبية فلفظ مشتق من لفظ الرب والرب في مستعمل كلام العرب له معنيان مستعملان أحدهما السيد والثاني المالك فإن أراد به المعنى الأول الذي يرجع إلى السؤدد والشرف فهو خطأ من حيث أن سؤدده واجب له فلا يحتاج في تحصيله إلى سبب من تدبير ولا مقتضى تفكير ومقتضى كلامه ومفهومه أنه دبر في ربوبيته وأوجدها عن تدبيره لنفسه وهذا جهل بواح وكفر صراح وإن أراد به المعنى الثاني الذي يرجع معناه إلى الملك فلا يستقيم أيضا على ظاهر كلامه فإنه يكون معنى كلامه أنه دبر في ملكه وأوجده

54

عن التدبير الذي هو روية وتفكير ويتعالى عن ذلك الخالق القدير المنزه عن خواطر النفس وهواجس الضمير ثم لما فرغ هذا السائل من خطبته الغراء البديعة الإنشاء التي من وقف عليها علم أنه عن المعارف مصروف وأنه لا يفهم المعاني ولا يحسن كتابة الحروف شرع في طريقة الجدال وكيفية الإستدلال فكأنه في نظم مقعولاته الطوسى وفي آداب جدله البروى ولعمر الله لو كان هذا السائل عاقلا لستر عواره ولم يبد غارة ولكنه جهل فقال وحيث وجب أن يسكن جال ولقد كان ينبغي لهذا السائل ألا يتكلم في شيء من علوم الإعتقاد حتى يحسن شروط النظر ويحكم ما يحتاج إليه من المواد والفكر ولما بادر إلى الكلام في ذلك من غير تحصيل شيء مما هنالك تثبج عليه كلامه وصعب عليه مرامه فربما كان المعنى الذي يقصده قريبا فيبعده أو مجتمعا فيبدده وسيتبين ذلك في كلامه ولما كان ذلك رأيت أنى إن تتبعت كلامه كما تتبعت خطبته خرج الأمر الإعتدال وأدى ذلك إلى الكسل والملال وضياع الزمن في ضروب الهذيان هو غاية الخسران فرأيت أن أعرض عن آحاد كلماته وأناقشه في معانيها ومفهوماتها ثم إني ربما لا أتكلم معه حتى أحكى مذهبه وأبين له ما أراده بكلام حسن وجيز ليكون ذلك أبلغ في الفهم وأمكن في التمييز وإلى الله عز وجل أرغب وعليه أتوكل في أن يشرح صدورنا وييسر علينا أمورنا ويستعملنا فيما يقربنا منه وينفعنا عنده أنه ولى ذلك القادر عليه تم الصدر والآن نشرع في الأبواب

55


الباب الأول

في بيان مذاهبهم في الأقانيم وإبطال قولهم فيها الأقانيم أسماء وأفعال أقانيم القدرة والعلم والحياة تعليل التثليث دليل التثليث في بيان اختلافهم في الأقانيم

56



57


الفصل الأول

الأقانيم أسماء أفعال في حكاية كلام السائل والجواب عنه قال السائل الآن وجب على أن أسألك في أمر التثليث عن خلق الله لجميع ما خلق إن كان خلقهم بقدرة وعلم وإرادة أم خلقهم بغير هذا فإذا اضطرتك المسألة إلى القول بها فإنى أسألك إن كانت أسماء لذاته أو أسماء لأفعاله فإن قلت هي أسماء لذاته فقد نقضت وجعلتها أسماء للذات ووقعت فيما أنكرت من الجسم وإن قلت من أسماء أفعاله التي منها سمى قادر عالم مريد فهو التثليث الذي أمرنا به الجواب عنه سألت يا هذا المقدام بعد إعجام واستبهام هل خلق الله تعالى الخلق بقدرة وعلم وإرادة أم بغيرهم وهذا السؤال كان ينبغي لك ألا تسأل عنه حتى تفرغ من معرفة المراتب التي قبله وذلك أنك لا تصل إلى ما سألت عنه حتى تعرف معنى الخلق وهل العالم مخلوق وإن كان مخلوقا فهل يحتاج إلى خالق أم لا فإذا بلغت إلى هنا وقطعت هذه المفاوز التي لا تقطع بالمنى ولا يتخلص منها بالهويني ولا يكتفي في تحصيل العلم بذلك بالتقليد بل بالنظر الشديد والبرهان العتيد حينئذ كان ينبغي أن تسأل عما سألت عنه لكنك يجهلك بطريقة النظر قدمت وأخرت وفعلت فعلتك التي فعلت ولو كانت ممن له في النظر نصيب لضربت فيه بسهم مصيب ولاقتديت بمعلمكم الأزعم وأسقفكم الأعظم أغشتين فها هو يقول في مصحف العالم

58

الكائن في أول ورقة منه ينبغي أن يجعل الكلام في النظريات على منازل ودرجات ليكون من اجتمع معنا في الدرجة الأولى تكلمنا معه في الدرجة الثانية ومن اجتمع معنا في الدرجة الثانية تكلمنا معه في الدرجة الثالثة ثم نمضى كذلك إلى أقصى نهايات الكلام فإنما يكون فساد الكلام وتناقضه وإشتباهه من قبل النقص في معرفة هذا الدرج لأنا متى ناظرنا في الدرجة الثانية من لم يجتمع معنا في الأولى لم يبلغ الكلام غاية ولم يقف على نهاية وعلى منواله نسج حفص بن البر في أقواله ولقد كان لك فيهما أسوة لو كنت أهلا للقدوة فبينك وبين من سؤالك هذا ثلاثة أدراج حارت فيها عقول كثير من النظار وفنيت أزمان ونفدت أعمار فكلامك يا هذا فاسد هجين بشهادة قسيسكم أغشتين وأما قولك فإذا اضطرتك المسألة إلى القول بها فقول غير صحيح والجهل على قائله يلوح وكيف تضطر المسألة مع نظر سقيم أخذت مقدماته بالتحكم والتسليم وإنما كان يلزم ذلك لو نزلت في

59

كلامك على شرط السبر والتقسيم ونهجت منهج النظر القويم والا فبم تنكر على الدهرى حيث يقول لا أسلم أن العالم مخلوق وبم تنكر على الفلسفي حيث يقول أسلم أنه مخلوق لكن لا أسلم أنه محتاج إلى خالق مخترعه بعد العدم وبم تنكر على الطبيعي حيث يقول لا يحتاج عالم الطبائع إلى خالق ذي قدرة وعلم وإرادة وحياة ثم لأي شيء تحكمت وقلت إنها ثلاثة فلعلها أكثر أو أقل ولا بد لك من معرفة إبطال مذاهب هؤلاء بالبرهان وحينئذ تحصل على مرتبة الإيقان وهذا ليس بغشك فاضطجع على نمشك
خلى الطريق لمن يبنى المنار به
واقعد ببرزة حيث اضطرك القدر

وأما قولك فإني أسألك إن كانت أسماء لذاته أو أسماء لأفعاله فإن قلت هي أسماء لذاته هي أسماء لذاته فقد نقضت وجعلتها أسماء للذات ووقعت فيما أنكرت من الجسم فسؤال لا يستحق أن يسمع ولا لصاحبه في العقل مطمع قسمت وسبرت وبقيت عليك أقسام وما شعرت إذ لقائل أن يقول ليست هذه الأسماء من أسماء الذات ولا من أسماء الأفعال بل هي قسم آخر وهو أسماء الصفات والتقسيم متى لم يكن دائرا بين النفى والإثبات فهو معرض للنقوض والآفات ثم أطرف من العنقاء شرعة في أول كلامه في المسميات ثم أخذه في الكلام في الأسماء ولم يفرق بين الإسم والمسمى فهو جاهل أعمى ثم انظر بله هذا السائل وعدم حسه فلقد خرج بجهله عن أبناء جنسه كيف قال فإن قلت هي أسماء لذاته فقد نقضت وجعلتها أسما للذات وأي فرق بين قوله في المقدم وبين قوله في التالي وهل هذا إلا بمثابة من يقول إن قلت هذا اليوم نهارا فقد نقضت وجعلته نهارا فما أعرفك يا هذا بنتيجة الشرطى المتصل وحدوده وبحد النقيض وشروطه فلو استرزقت الله عقلا لكان الأحرى بك من الكلام في المعتقدات والأولى ثم أعجب من ذلك كله أنك لزمت من قال إن العلم والقدرة والإرادة أسماء للذات القول بالتجسيم وهذا نتيجة الجهل الصميم والفهم المستقيم وهذا من أين يلزم

60

أمن نقيض التالي أو عين المقدم فوالذي خص الأذكياء بالعقول لقد أربيت في جهلك على كل جهول وأتيت بما ليس بمفهوم ولا معقول وأما قولك وإن قلت من أسماء أفعاله التي منها سمى قادر عالم مريد فهو التثليث الذي أمرنا بالقول به فيقضى أن الأقانيم من أسماء الأفعال فهذا قول لا يقول به المجانين ولا الأطفال فإن معنى تسمية الله تعالى بأسماء الأفعال إنما معناها عند العقلاء أن يخلق الله فعلا يسمى ذلك الفعل باسم فيشتق لله تعالى من ذلك الفعل إسم مثال ذلك خالق ورازق يقالان على الله تعالى باعتبار خلق الخلق ورزق الرزق فإن أردت هذا المعنى كان ذلك محالا على الصفات العلى فإن صفاته سبحانه وتعالى ليست بمخلوقة على ما يعرف في موضعه وأيضا فلو جاز أن يسمى بعلم يخلقه عالما وبإرادة يخلقها مريدا وبقدرة يخلقها قادرا جاز أن يسمى بحركة يخلقها متحركا وبصوت يخلقه مصوتا وذلك مجرى إلى جهالات لا يقول بها عاقل فإن أراد هذا السائل بأسماء الأفعال أمر آخر فهو إنما اصطلح مع نفسه فكان ينبغي له أن يفسر ما يقول إذ لم يتكلم بما اصطلح عليه أرباب العقول وأما قولك فهو التثليث الذي أمرنا بالقول به فقول فيه كذبت وعلى الله ورسله افتريت فإن الرسل عليهم السلام لم تأمر بإعتقاد التثليث لأحد من الأنام بل قالت الأنبياء عليهم السلام ما يعرفه الخاص والعام فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ولقد حصل للعقلاء بالتواتر وعلموا بالوراثة أن الله تعالى قال لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ثم قولك هذا تريد به أنكم أمرتم بإعتقاد آلهة ثلاثة وإنكم قيل لكم اعتقدوا في الله تعالى أنه آلهة ثلاثة إله واحد وقولوا به وليس الأمر كذلك عند رهبانكم المتقدمين وأساقفتكم الماضين هذا أغشتين يقول بعد أن تكلم في الأقانيم ما تثبت أنها صفات على ما يقتضيه كلامه ذلك أنه قال وهذا قولنا في الأقانيم الثلاثة التي لا يمكن جحدها منه ولا وصفه بغيرها وهذا تصريح

61

منه بأنها صفات ثم قال بعد ذلك فهذا قولنا في التثليث الذي وصفه الإنجيل وأمرنا بالإيمان به وسيأتي نص كلامه ولم يقل أمرنا بأن نعتقد أن الله واحد ثلاثة فإن الواحد لا يكون ثلاثة والثلاثة لا تكون واحدا كما قد تبين فساده بل مفهوم قوله أن الإنجيل وصف أن الله تعالى موصوف بهذه الصفات وأمرنا بالتصديق بذلك ولو أنكتم عن ألسنتكم أمر التثليث واعتقدتم أن الله تعالى واحد موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال لوفقتم في هذه المسألة للصواب ولحصلتم منها على الحق بلا ارتياب ولكن من حرم التوفيق استدبر الطريق ونكل عن التحقيق على أن ما ذكرته في أمر التثليث لا يستقيم على رأي المتقدمين من أحباركم هذا صاحب كتاب المسائل السبع والخمسين يقول فيها لا نقول إن التثليث ممتزج في أقنوم واحد كقول شباليش ولا إلهية متحدة أو متبعضة الذات كفرية آريش بل أن أقنوم الآب غير أقنوم الإبن وأقنوم الإبن غير الروح لكن التثليث المقدس ذات واحدة فإذا لم تكن ممتزجة وكان كل أقنوم منها غير الآخر والأقنوم معناه عندكم الشيء المستغنى بذاته عن أصل جوهره في إقامة خاصة جوهريته فكيف يتسع عقل لأن يقول إن هذه الثلاثة المتغايرة التي هي على ما ذكر واحد وهل قائله إلا معتوه أو معاند

62



63


الفصل الثاني

أقانيم القدرة والعلم والحياة في حكاية كلامه أيضا قال فإن قلت لم لا تقولون بسم العالم القادر المريد إذا قلتم بإسم الآب والإبن والروح القدس فيتبين آب وابن وروح القدس ثالثا اعلم أن المسيح لما بعث الحواريين إلى جميع الأجناس قال لهم من آمن منهم فعمدوه على اسم الآب والإبن والروح القدس وإنما خاطبنا بمثل تعاقلنا فجعل هذه الأسماء كاختلاف قضايا تلك الأفعال ثم واسط ثم أخر فأول القضايا خلق الله الجميع بيد سماها أبا وأضافها إلى القدرة وأضاف قضية وعظ المسيح للناس إلى العلم وسماه ابنا لأن العلم لا يوقع عليه حتى يتولد كلاما وأضاف قضية فناء جميع الدنيا ومكافأة أهلها بأعمالهم إلى الإرادة وسماها روح القدس الذي هو قادر عالم مريد اسما للواحد الذي لا يتكثر والجواب عن قوله اعلم يا هذا إنك لم تحسن السؤال ولا حصلت منه على صواب مقال بل حصل منه في عنقك غل وفي رجليك عقال قلبت السؤال ولم تشعر وجهلت من حيث ظننت أنك تستبصر اردت أن تقول في الإعتراض الذي وجهته على نفسك لم لا تكتفون باسم القادر العالم المريد ولا تقولون باسم الآب والإبن وروح القدس فقدمت وأخرت وباللفظ والمعنى أخللت

64

ثم أنتجت النتيجة قبل ذكر المقدمات فصار لذلك كلامك من أرك الترهات فقلت فيها فيتبين آب وابن وروح القدس ثالثا وهذا كلام مختل ناقص مشوب بالفساد غير خالص وإنما كان صوابه أن يقول فيتبين أنه آب وابن ثم قلت ثالثا بالنصب بخطك ضبطه مشعرا بأنك أعربته بل بالإتفاق كتبته ولم تشعر بأنك قلبته وأما قولك إن المسيح لما بعث الحواريين إلى جميع الأجناس فكلاما نقلته مدعيا أنك رويته ونحن يجب علينا أن نتوقف في أخباركم ولا نقطع بتصديقكم ولا بأكذابكم بل نقول ما أمرنا به الرسول وبلغنا على ألسنة النقلة العدول آمنا بالله ورسله فإن صدقتم لم نكذبكم وإن كذبتم لم نصدقكم ومع تسليم ذك جدلا فلا بد أن نباحثكم فيما نقلتم ونتفقه فيما حكيتم فنقول ظاهر قولك هذا يفهم منه أن رسالة عيسى كانت عامة لجميع الأجناس وليس الأمر على ما زعمتم وسيأتي الكلام على هذا في باب النبوات وكذا الكلام على المعمودية وما يلزم عليها يأتى في باب الكلام على أحكامهم إن شاء الله تعالى وأما استدلالاته على اعتقاد وجوب الآب والإبن والروح القدس وإطلاق القول بذلك بما قاله عيسى للحواريين فلا حجة لك فيه إذ ليس بنص قاطع بل هو مما تقولون أنتم فيه متشابه فإنه يحتمل أن يكون مراده به عمدوهم على تركهم هذا القول كما يقول القائل كل على اسم الله وامش على اسم الله أي على بركة اسم الله ولم يعين الآب والإبن من هما ولا ما المعنى المراد بهما فلعله أراد بالأب هنا الملك الذي نفخ في مريم أمه الروح إذ نفخه سبب علوق أمه وحبلها به وأراد بالإبن نفسه إذ خلقه الله تعالى من نفخة الملك فالنفخة له بمثابة النطفة في حق غيره

65

ثم لا يبعد أيضا في التأويل إن صح عن عيسى عليه السلام أنه كان يطلق على الله لفظ الأب أن يكون مراده به أنه ذو حفظ له وذو رحمة وحنان عليه وعلى عباده الصالحين فهو لهم بمنزلة الأب الشفيق الرحيم وهم له في القيام بحقوقه وعبادته بمنزلة الولد البار ويحتمل أن يكون تجوز بإطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لأنه معلمه وهاديه ومرشده كما يقال المعلم أبو المتعلم ومن هذا قوله تعالى في كتابنا ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل على أحد تأويلاته ومن هذين التأويلين يصح حل ما وقع في أناجيلهم من هذا اللفظ بل هذان التأويلان ظاهران وسائعان فهيا ويشهد لهذين التأويلين قول عيسى للحواريين على ما جاء في سورة الوصية حيث قال لهم إذا صليتم فقولوا يا أبانا السماوي تقدس إسمك وقرب ملكك ثم قال بعد كلام ووصايا فإذا كنتم أنتم على شرتكم تعرفون إعطاء الخيرات أولادكم فكيف أبوكم السماوي وكذلك وقع في إنجيل يوحنا يحيى أن عيسى قال لليهود أنا عالم أن من نسل إبراهيم ولكن تريدون قتلى لأنكم

66

لا تعلق بكم وصيتي فأعلمكم بما رأيت عند الآب وأنتم إنما تعملون ما رأيتم من أبيكم فأجابوه وقالوا إنما أبونا إبراهيم فقال لهم إن كنتم بنى إبراهيم فاقفوا أثره ولا تريدوا قتلى على أنى رجل وذنبي إليكم الحق الذي سمعت عن الله ولم يفعل إبراهيم غير هذا إنكم تقفون آثار أبيكم فقالوا به لسنا أولاد زنا وإنما نحن بنو الله فقال لهم لو كان الله أباكم لحفظتموني لأنني منه ثم نقول لأنه عليه السلام وإن كان يطلق هذه الأسماء فإنما كان يطلقها متمثلا بها وهكذا أكثر كلامه الذي يحكون في إنجيلهم ثم قد نهى عن إطلاقها في الإنجيل الحواريين قال في إنجيل لوقا للحواريين ما تقولون أنتم فأجابه سمعون بيطر وقال له أنت المسيح ابن الله فنهاهم وكذلك كان يقول إذا كان يخرج الجنون عن المجانين فكانت تخرج وهي تقول أنت ابن الله فكان ينتهرهم ويمنعهم من هذا القول

67

فهذا يدل دلالة بينة على أن المسيح كان يطلق لفظ الآب على الله تعالى بالمعنى الذي يطلق على إبراهيم عليه السلام أنه أب وذلك بمعنى المعلم الشفيق وكذلك جاء اللفظ في كتابنا ملة أبيكم إبراهيم وبذلك المعنى تقول اليهود والنصارى في إبراهيم وليس على حقيقة الأبوة ومع ذلك ف ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين وكذلك في الإنجيل في غير ما موضع قال لكم أبوكم وقلت لأبي ويلزم على مساق هذا ألا يخص المسيح باسم الإبن ولا الله تعالى باسم الأب وما بالنا نطول الأنفاس مع هؤلاء الجهال فإنه إذا احتمل هذه التأويلات كان من المتشابهات ولا ينبغي أن يصير إليه في الإحتجاجات وخصوصا في الإعتقادات ثم نقول لا يخلو المستدل بذلك أو ما يقاربه على المعنى المتقدم أما أن يريد به حقيقة الأب والإبن أو لا يريد ذلك فإن أراد الحقيقة كان محالا وباطلا فإن حقيقة الأب عند العقلاء حيوان ولد من نطفة حيوان هو من نوعه وبهذه النسبة والصفة تفهم حقيقة الإبن وهذان الوصفان محالان على القدرة والعلم فإن العلم ليس بحيوان مولود من نطفة حيوان ولا القدرة حيوان يخرج منها نطفة يتولد منها حيوان وهذا معلوم البطلان بالضرورة

68

وإن أراد بذلك المجاز فلا يصح له حمله على المجاز حتى يجتمع المجاز والحقيقة في أمر ما فإنك إذا قلت زيد أسد إنما تجوزت بلفظ الأسد وأطلقته على زيد لأجل الشجاعة الجامعة بين الأسد وزيد ولولا ذلك لما صح المجاز فإذن لا بد لهذا المتجوز من جامع بين الحقيقة والمجاز فما الجامع الذي لأجله تجوز هذا المحتج فإن قال الأمر الجامع أن القدرة أصل العلم وقد قال ذلك في داخل كتابه منعنا ذلك ولم نسأله وقلنا المفهوم من القدرة والمعقول منها عند العقلاء صفة بها يوجد ما لم يكن موجودا والمعقول من العلم أنه صفة كاشفة نفسها ومعلومها يصدر عنها الأحكام والإتقان وهما في حق الله تعالى أزليان عندنا وعندهم وإذا كانا كذلك فلا يتقدم أحدهما على الآخر في الوجود وإذا لم يصح ذلك فلا يكون أحدهما أصلا للآخر فإن أراد هذا القائل التقدم في الذهن فالعلم هو المتقدم في الذهن لأنه لا يصح فعل اختياري من غير عالم فإن العلم شرط الإيجاد والشرط متقدم في الذهن على فعلم ويتحقق هذا المعنى على القطع عند من عرف الفرق بين العلم المشروط بالضرورة وكذلك نقول علم زيد فقدر ولا نقول قدر الفعلى والإنفعالي ولو عكستم ما ذكرتم فسميتم العلم أبا والقدرة ابنا لكان أحق بذلك وأولى ثم نقول لأي شيء صرتم إلى الجامع بين الحقيقة والمجاز هو الذي ذكرتم وبم تنكرون على من يزعم أن هنالك وجها آخر لم تطلعوا عليه ثم تحكمتم بتعيين هذا الوجه الذي ذكرتم ثم نقول أنتم قاطعون بتعيين هذا الوجه الذي أبديتم أو غير قاطعين فإن زعموا أنهم قاطعون فما مستند قطعهم فلا بد من إبدائه ولا شك في أنهم يجدون في هذا المعنى نصا قاطعا فإن زعموا أنهم ليسوا بقاطعين فقد اعترفوا بأنهم شاكون في إعتقادهم وقد كفونا مؤنة الكلام معهم فإنهم أسندوا إعتقاداتهم إلى الشك وكفى بذلك زورا وإفكا ثم يلزمهم على تسليم ما ذكروه من الجامع الذي أبدعون أن يكون الباري تعالى وتنزه وتقدس أبا لكل المخلوقات إذ هو أصل كل المحدثات أي موجدها ومخترعها وأما قولك فجعل هذه الأسماء ثلاثا فيفهم منه أن هذه الثلاثة لأقانيم الذي تقدم ذكرها مجعولة وأن الله تعالى هو الذي جعلها

69

وإن كانت بجعل الله فهي بخلقه وما كان بخلقه فهو محدث فيلزمك على ظاهر قولك أن هذه الأقانيم محدثة باختراعه تعالى وأنتم تقولون أنها أزليات قديمة وأما قولك التي هي أسماء أفعاله فقد أبطلناه فيما تقدم حيث بينا حقيقة أسماء الأفعال ومن وقف على ذلك تبين بطلانه هنالك وأما قولك مختلفة الأسماء كاختلاف قضايا تلك الأفعال ثم واسط ثم أخر فكلام لا يروقك منظره ولا يعيد فائدة مخبره يشهد على قائله بالجنون ويضحك من عدم فائدته وارتباطه العاقلون أراد هذا الجاهل أن يتكلم فخرس وكذلك يفعل الله بكل مبطل إذا نكس وإنما أراد هذا المبطل ولم تطاوعه العبارة لما لم يحصل أن هذه الأقانيم الثلاثة إنما سميت أبا وإبنا وروح القدس باعتبار قضايا ثلاث وذلك أن القدرة إنما سميت أبا باعتبار أنها أصل الموجودات إذ بها وجدت وإنما سمى العلم ابنا باعتبار أنه اتحد بالإبن الذي هو المسيح وصدر عنه وإنما سميت الإرادة روح القدس باعتبار مكافأة الخلق في الدار الآخرة بالنعيم فإن زعمت أنك لم ترد هذا فكلامك غير معقول وقولك ليس بمقبول وهذا الذي أبديته في هذا الكلام لم يقل به أحد فيما علمت من عقلاء نصارى الأنام وكفى بقولك عارا مبين مخالفته لأسقفكم أغشتين فها هو يقول في مصحف العالم الكائن إنما سمى العلم ابنا بإضافته إلى القدرة إذ القدرة أصله وكما صار التعارف الأعجمي أن تسمى القدرة التي هي الأصل والدا كذلك صار التعارف في ذلك اللسان أن يسمى العلم المنسوب إليها ابنا فقوله هذا مخالف لقولك ورأيه غير موافق لرأيك على أنه غلط في قوله أن القدرة أصل العلم ويتبين غلطه عند من وقف على ما قدمته قبل لكنه وإن كان قد غلط فالأمر عليه أقرب والخلاف معه أهون لأنه رجع الخلاف معه إلى إطلاق لفظ وليس وراء ذلك كثير حظ وأما قولك لأن العلم لا يوقع عليه حتى يتولد كلاما فكلام حطيط ينبئ عن جهل وتخليط فإن العلم لا يتولد كلاما إذ لو جاز ذلك لانقلبت حقيقة العلم ولو جاز انقلاب حقيقة واحدة لجاز انقلاب كل حقيقة فيقلب القديم حادثا والحادث قديما والجسم عرضا

70

والسواد بياضا إلى غير ذلك من أنواع إنقلاب الحقائق ثم قولك فاسد وباطل بالضرورة فإنا نعلم أمورا من غير كلام موصل إلى ذلك فقولنا بوجود أنفسنا وبإلهنا ولذاتنا ومحسوساتنا بديهيات ثم قد صرحت بلفظ التولد وهو باطل من أصله فإن المتولدات ممكنات وكل ممكن مقدور بقدرة الله تعالى فكل المولدات مقدورة بقدرة الله تعالى وإنما ثبت أنها حدثت بقدرة الله تعالى فلا يقال أنها متولدات أقول هذا والكلام شجون والعلم فنون على أني أعرف أنك لا تفهم ما أقول وإنما أخاطب أهل الفهم والعقول وأما قولك الذي هو قادر عالم مريد اسما للواحد الذي لا يتكثر فقول يدل على تخبطك وسوء تناولك نقضت به ما تقدم من قولك حيث جعلت الأقانيم أسماء أفعال بزعمك ثم قد صرحت ها هنا بأنها أسماء للواحد الذي لا يتكثر ولو حكى مثل هذا الكلام عن المستغرقين النوام لقيل هذا أضغاث أحلام وبعد هذا فلتعلم أني تجاوزت عنك في هذا الفصل ولم أؤاخذك بكل ما فيه من خطل القول خشية طول الكلام وتبدد المطلب وبعد المرام وأول ذلك أنك لحنت وصحفت في ثمانية مواضع تتبين للناشئين بل المراضع

71


الفصل الثالث تعليل التثليث

في حكاية كلامه أيضا ثم قال فإن قلت بالتثليث لأنها أسماء أفعال الله فأسماء أفعاله أكثر من ثلاثة فقولوا بها كقولكم بالتثليث لأن عزيز وقوى وغلوب وسميع وقاهر وبصير وغفور وراضي وساخط ومعاقب وغيرها من أسماء أفعاله فقولوا بها أجمع كقولكم بالتثليث قلت لك هذه التي ذركناها هي أصول جميع التسمية ومنها تنبثق وفيها تندعم فعزير وقوي وغلوب وقاهر وما أشبهها أصلها القدرة ومنها تنبثق وفيما تندغم وغفور ورحيم وراضي وساخط ومعاقب أصلها الإرادة منها تنبثق وفيها تندغم فإن قلت فقديم وحي ليست منبثقة منها ولا مندغمة فيها فقولوا بالتخميس قلت لك إن قديم وحي أسماء ذات لا أسماء أفعال وكل اسم للذات إنما يؤدي معنى واحدا لنفي ضده فقديم لنفي محدث وحى لنفي ميت ورب لنفى مربوب وإله لنفى مألوه فكل اسم من هذه القدرة والعلم والإرادة التي هي أسماء أفعال ثلاثة لذات واحدة لا يتكثر وكما أنا قد فهمنا أن نفس الإنسان لا يقوم لها فعل إلا عن ثلاثة إن نقص منها واحد لم يتم له فعل وإن زاد فيها رابع لم يتفق كذلك فهمنا عن خالقنا أن تدبيره بنا عن ثلاثة وذلك أن الإنسان لا يقوم له فعل دون الثلاثة وذلك القدرة والعلم والإرادة ولا رابع منها فإن عجزت منها واحدة لم يتم له بالإثنين فعل لأنه إن علم وأراد ولم يقدر فقد عجز وإن قدر وعلم ولم يريد فلا يتم له شيء إلا بالإرادة وإن قدر ولم يعلم لم يتم له فعل بالجهل فقرب لنا الكتاب معرفة الخالق بخلقه لهم بمثل تعارفنا في أنفسنا أن القدرة والعلم والإرادة خواص قائمة هي المتممة للفعل منا وإنها لذات واحدة وكذلك التثليث في الله واحد الجواب عن ما ذكر اعلم يا هذا أنك اعترضت على نفسك بما يدل على كلال ذهنك وعدم حدسك لأنك أخللت بالسؤال وتحكمت في

72

الإنفصال أما إخلالك بالسؤال فأول ذلك أنك لحنت في هذا الفصل في ثمانية عشر موضعا وذلك بين عند من تأمل مكتوبك وثانية أنه كان ينبغي لك أن تقدم قبل هذا السؤال النظر في حد هذه الأقانيم وحقيقتها ثم في الدليل على وجودها فإن النظر في كون الشيء واحدا أو كثيرا إنما يصار إليه بعد معرفة حقيقته ومعرفة وجوده فإذا فرغت من ذلك نظرت فيها هل وجودها زائد على الذات أعنى ذات الفاعل أم هو عين الذات فإذا عرفت هذه المطالب كلها حينئذ كان يمكنك أن تنظر هل هي واحدة أم كثيرة أو هل ترجع إلى شيء أو يرجع إليها شيء لا بد لكل ناظر ينظر فيها نظرت أنت فيه أن تعرف قبله ما ذكرته بالبراهين القاطعة وإلا فكيف تتكلم في فرع لم يثبت عندك أصله ولو كنت في نظرك من المتفطنين لنظرت على الطريقة التي علمها لكم أغشتين وأما تحكم في الإنفصال فإنما يتبين إذا حكيت كلامك وفهمت مرادك وذلك أنك وجهت على نفسك كان قائلا قال لك لم جعلت الأقانيم ثلاثة وأسماء الله تعالى أكثر من ذلك قانفصلت عن ذلك وقلت أسماء اللة تعالى وإن كانت كثيرة فإنما ترجع إلى هذه الثلاثة فقاهر وقوي وغلوب وما أشبهها راجع إلى القدرة وغفور ورحيم وما أشبههما راجع إلى الإرادة هذا مقتضى كلامك بعد التكرار والإكثار وهذا كله منك تحكم بما لم يقم لك عليه دليل ولا يشهد له من كلامك نظر ولا تعليل وإلا فما الذي يدلك على أن أسماء مختلفة المفهومات والحقائق راجعة إلى معنى واحد وإن جاز أن ترد الأسماء المختلفة المفهومات إلى معنى واحد بالتحكم جاز أن تقضى بعكس ذلك وهو أن ترد الأسماء المترادفة على معنى واحد إلى معان مختلفة وذلك لا يقوله الغبي الجاهل بله الكيس الفاضل تقول على جهة السؤال وبه يظهر تحكمك في الإنفصال بم تنكر على من يزعم أن جميع صفات الكمال مثل القدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة والقدم والبقاء وغير ذلك من صفات الكمال والإستغناء هي أقانيم الموجودات وأصولها فإن الممكنات إنما يتبدل عدمها بوجودها بإيجاد موجد متصف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقص والإفتقار وإن اتصف بصفات النقص والإفتقار كان محتاجا إلى مزيل النقص

73

عنه ومن كان محتاجا كان ممكنا وكل ممكن فلابد أن يستند وجوبه إلى سبب واجب الوجود فحصل من هذا أن صفات الكمال والإستغناء كلها لا يصح إيجاد موجود محدث إلا ممن اتصف بمجموعها وأن من لم يتصف بها فلا يصح منه إيجاد موجود فإذن هي أصول الموجودات الممكنة فإذن هي أقانيم على قولك وسيأتي مزيد كلام في الأقانيم ثم نقول إن قضيت برجوع هذه الأسماء بعضها إلى بعض مع تباين مفهوماتها واختلاف معانيها فلم لا تقضى برجوع الإرادة إلى العلم وبرجوع العلم إلى التجرد عن المادة كما زعمت الفلاسفة ولم لا تقضى برجوع القدرة إلى الوجود كما قد ذهب إليه طوائف من النصارى المتقدمين فقد كان طوائف منهم لا يعدون القدرة أقنوما وكانوا يردونها إلى الوجود وكانوا يردون الإرادة للحياة فالأقانيم عندهم الوجود والعلم والحياة وسيأتي حكاية مذهبهم إن شاء الله تعالى وهذا كله يدل على أنكم في عقائدكم متحكمون لا ترجعون فيها إلى أصل عليه تعولون وأما سؤالك الثاني الذي وجهت على نفسك فوارد عليك ولازم لك ولم تنفصل عنه على أنك أخللت به فإن الذي يعترض به عليك أكثر من قديم وحي اذ قد يرد عليك الوجود فان اصل الاقانيم ة السمع والبصر فإن لا يصح رجوعها بحال إلى العلم فإن العلم لا ينوب عن الإدراك فأنا بالضرورة نعلم الفرق بين العلم بالصوت وسماع الصوت وبين العلم بالمرئى ورؤية المرئى مثال ذلك أنا نعلم معلوما على غاية ما يمكن من العلم ثم إذا رأيناه حصل لنا بالضرورة مزيد وضوح ومزيد بينة على العلم به وكذلك في المسموع فذلك المزيد وتلك المزيد أما أن نقول أن الله تبارك وتعالى مدرك لها أو ليس مدركا لها فإن لم يدركها فقد فاته بعض المزايا ولم يحصل له ذلك الوضوح فيكون من يدركها وحصلت له أكمل ممن لم تحصل له فيؤدي إلى أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أشرف وأتم من الصانع وذلك محال وإن كان مدركا لها فبذلك الإدراك يسمى بصيرا سمعيا وهو زائد على العلم فإن العلم لا يغنى عنه كما تقدم ولسنا تشترط فيها بنية مخصوصة ولا جارحة ولا

74

اتصال أشعة بل تنزه الله تعالى عن كل ما يوهم النقص القصور في حقه وهذا كما أنا لم نشترط في كونه تعالى عالما قلبا ولا دماغا ولا في كونه قادرا بنية ولا آلة بل السمع والبصر ادراكان أعنى صفتين متعلقتين بالمسموعات والمبصرات على ما يعرف في موضعه فإذا تبين أنهما لا يرجعان إلى العلم فعدوهما أقنومين زائدين على ما ذكرتم وهذا ما لا محيص عنه و لا جواب عليه وأما قولك وكل اسم للذات إنما يؤدي معنى واحدا لنفى ضده فكلام من لم يحنكه الإعتبار ولا عرف اصطلاح النظار وذلك أنك أطلقت صفات الذات وصفات الأفعال على ما لم يطلقه عليه النظار ولا أستعمله في نظره أحد من علماء الأمصار ونحن نذكر اصطلاح النظار المعتبرين في صفة النظر والأفكار في إطلاق هذه الأسماء ليتبين للواقف على هذا الكتاب أنك لم تعرف شيئا من اصطلاحاتهم ولاحطت على شيء من مفهوماتهم قالوا إنما تطلق الأسماء بحسب المسميات والمسميات إما ذات أو أمر زائد على الذات فالذي يدل من الأسماء على الذات هو الذي يقال عليه اسم ذات مثال قولنا إنسان وملك ومن أسمائه تبارك وتعال الله والحق وأما الذي يدل على أمر زائد على الذات فذلك الأمر إما أن يكون نفى شيء عن الذات أو ثبوت شيء للذات فالذي يدل على نفي شيء عن الذات هو الذي يقال عليه اسم سلب مثال ذلك فقير وسالم ومن أسمائه تبارك وتعالى القدوس والسلام فإنها تدل على البراءة من العيوب وعلى نفيها وأما الذي يدل على ثبوت شيء للذات فذلك الثابت إما أن يقوم بالذات أو لا يقوم بها فالذي يقوم بالذات هو الذي يقال عليه اسم صفة ومثال ذلك عالم وقادر وسميع وبصير فإن هذه صفات زائدة على الذات وأما الزائد على الذات الذي لا يقوم بها فهو الذي يقال عليه إسم الفعل وقد يقال عليه اسم الإضافة مثل خالق ورازق وما أشبه ذلك فحصل من التقسيم أن الأسماء على أربعة أضرب أسماء ذات وأسماء صفات وأسماء سلوب وأسماء أفعال وقد يقال عليها

75

المعتبرين فإن كنت اصطلحت مع نفسك على غير ما تعارفه النظار خلست على شيء مما كان عليه العلماء والأحبار فتكلم باصطلاحك مع نفسك ولا تخاطب به أحدا من أبناء جنسك ولا يظن ظان أن هذا السائل اراد بأسماء الأفعال الأسماء التي لا يوجد الفعل إلا بها مثل العلم والقدرة والإرادة فإنه قد جعل من أسماء الأفعال مالا يوجد به فعل كسميع وبصير وغيرهما مما ذكر وفيما أحسب أنه أراد هذا المعنى ولم تساعده العبارة فعنى وعنى وأما قولك حي لنفى ميت ورب لنفى مربوب وإله لنفى مألوه فكلام مجنون معتوه فإنه إن جاز أن يكون حيا من أسماء السلوب والنفى فما المانع من أن يكون العلم من أسماء السلوب فإنه ممكن أن يقال عالم لنفى جاهل ومريد لنفى كاره وقادر لنفى عاجز وهكذا يجري في جميع الصفات والأسماء التي لها نقائض وذلك يؤدي إلى جهالات وجحد المعقولات وأيضا فإن كانت الحياة سلبا فيستحيل أن تكون شرطا للعلم والقدرة والإرادة وغيرها وكونها شرطا لهذه الصفات معلوم بالضرورة والنفى لا يكون شرطا ولا مشروطا في مثل ما نحن فيه ثم نقول قولك هذا مخالف لما تقوله أقستكم هذا صاحب كتاب الحروف يقول الباري تعالى لم يزل حيا بروحه وناطقا بكلمته فمهما قلت لم يزل حيا ولم يزل ناطقا أوجبت في نطقك لحياته ونطقه الأزلية وهذا منه تصريح بأن الحياة ليست ترجع إلى نفى الموت ثم قال بعد ذلك بكلام وروحه أعنى حياته أقنوم خاص كامل لم يزل وسيأتي الكلام معه في هذا إن شاء الله تعالى وأما قولك رب لنفى مربوب فقول مختلط عقله مغلوب فإن الرب معناه الملك فهو من أسماء الإضافة والأفعال وأما الإله فهو من الآلهة وهي العبادة فهو مألوه أي معبود آلهة عبادة فهو من أسماء الأفعال والإضافة وأما قولك وكما أنا قد فهمنا أن نفس الإنسان لا يقوم لها فعل إلا عن ثلاثة كذلك فهمنا عن خالقنا أن تدبيره بنا عن ثلاثة فقول يدل على سوء نظرك وقلة تثبتك وذلك أن مفهوم ما ذكرته في هذا

76

الفصل على تثبيجه وسوء ترتيبه هو أنك قلت إن الإنسان لا يتأتى منه فعل حتى يكون قادرا عالما مريدا فإن نقصه منها واحد لم يصح إيجاد الفعل منه فكذلك خالقنا سبحانه وتعالى هو قادر عالم مريد ولو نقصه منها واحد لم يصح منه إيجاد فعل كالإنسان هذا مفهوم كلامك على كثرته وهذا كلام فاسد لأنه قياس الغائب على الشاهد إذ هو قياس خال عن الجامع وأيضا فلو كان هنالك جامع لكان باطلا فإنه قياس جزئي على جزئى وذلك إنما هو صالح للظنيات لا للعمليات ولو جاز قياس الباري سبحانه على خلقه للزم ألا يكون قادرا حتى يكون ذا آلة وعصب ويد الجارحة فإن الواحد منا لا يكون قادرا حتى يكون كذلك وكذلك كان يلزم ألا يكون عالما حتى يكون ذا قلب ودماغ إلى غير ذلك من المحالات ويلزمك على مساق قولك أن يكون الباري تعلى جسما فانك كما لم ترى موجدا ولا فاعل لفعل الا قادرا عالما مريدا كذلك لم ترد فاعلا ولا موجدا إلا جسما وهذه جهالات لازمة على قولك ومنتجة عن صمم جهلك فلا تنتفع بهذا الكلام حتى تسبره على محك النظار الأعلام ولو تتبعنا خطاك في هذا الفصل لطال الكلام ولكثر عليك التوبيخ والملام لكنا نكل الناظر فيه للوقوف على فساد معانيه

77


الفصل الرابع

دليل التثليث في حكاية كلامه أيضا قال فإن سأل سائل من المخالفين فقال فما الدليل على صدق ما تدعون من تثليث وحدانية الخالق وكيف يمكن أن تكون الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة مع ما ابتدأتم به من القول وإثباتكم إياه فردا لم يزل قلنا لهم أما أن تكون الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة فلذلك لعمرى مالا يمكن كونه ولكن نقول أن جوهرا قديما لم يزل موجودا بثلاث خواص أزليات جوهرات غير متباينات ولا متفرقات في الجوهر القديم الأزلي اليذي لا يتبعض ولا يتجزأ بعينه وكماله فلا هو ثلاثة وجميع الثلاثة خواص هي بمعنى ما هو واحد ولا هو واحد بمعنى ما هو ثلاثة أعنى ليس هو خاصة واحدة بل ثلاثة خواص فهذا مذهبنا في تثليث وحدانية الخالق الجواب عنه هذا السؤال الذي وجهت على نفسك وارد عليك ولازم لك وأما انفصالك عنه فمخرجك عن ملة النصرانية ولا يبقى عليك منها بقية وذلك أن مرادك من هذا الجواب أنك قلت كلاما معناه أن كون الواحد ثلاثة والثلاثة واحدا غير جائز عقلا ولكن معنى التثليث أن الله تعالى جوهر قديم لم يزل موصوفا بثلاث خواص أوليات فهو واحد بمجموع الأقانيم وثلاثة بتفريق الأقانيم وتلك الأقانيم لا تفارق وجوده ولا تباينه ولا يمكن أن يحمل كلامك إلا على هذا وإن حمل على غيره فهو بعيد وغيره مفيد وهذا الذي ذكرته لا يسأله لك أكثر النصارى بل يتبرأون عنه ولا يرضون بشيء منه إذ نصارى قبلك أكثرهم متفقون على أن الأقانيم الثلاثة آلهة وأنها إله واحد فأنت تقول هي خواص وهم يقولون آلهة فأي شيء يجمع بين الخاصية والإلهية وبينهما ما بين السماء

78

والأرض والرفع والخفض وسيتضح ذلك اذا نقلنا مذاهبهم في ذلك ان شاء اللة تعالى ثم نقول لهم لأي شيء تحكمتم بتسمية خالقكم جوهرا وفي أي موضع كتب الأنبياء وجدتم الأمر بذلك أو على لسان من بلغكم الأمر به ولا تجدون لإثبات الأمر بذلك سبيلا غير التحكم ولو كنتم ممن يستحى من الله لما تحكمتم عليه بأن سميتموه بما لم يسم به نفسه ولو أن واحد منكم سمى له ولد بغير أمره لأنف من ذلك وعظيم عليه ولوبخ المسمى لأنه تصرف فيما لا ينبغي له هذا إذا كان الإسم مما يفهم منه المدح فما ظنك لو سمى بلقب يفهم منه النقص والعيب ولفظ الجوهر في المتعارف عند النظار وغيرهم يطلقونه على المتحيز وهو الجرم الشاغل قدرا من المساحة ولا بد له من الحركة والسكون وهما دليلا تغيره وحدوثه فإن أردت به معنى آخر فلا بد من بيانه إذا لم تتكلم بما تكلم به أرباب النظر المذللول سبل العبر

79


الفصل الخامس

في بيان اختلافهم في الأقانيم نبين في هذا الفصل مذاهب أوائلهم ونتكلم معهم فيها ونوضح مسائلهم فيها إن شاء الله تعالى ونحكى مذاهبهم بألفاظهم كما وجدتها في كتبهم ولم أعول في ذلك على نقل علمائنا عنهم فقط بل تتبعت ما أمكنني من كتبهم والله الموفق قالوا لما أفهمتنا الشواهد العقلية أن الخالق لم يزل حيا ولم يزل ناطقا قلنا فهل يحق أن يكون هو بحياته ونطقه شخصا واحدا جامعا لأجزاء مختلفة كما يقال في حد الإنسان أنه حيوان ناطق مائت إذ تسمى أجزاء جوهره مع أعراضه المختلفة فيه أقنوما واحدا شخصا واحدا ولا يسمى كل جزء وكل عرض منها أقنوما أنسيا وذلك لأن اسم الأقنوم واجب للشيء المستغنى بذاته القائم بشخصه لالذي الإضطرار ولالذي الإشتباك كالأعراض فإن الأجزاء والأعراض لا تقوم مكتفية بذواتها كما أن حر النار الذي هو جزء من قوى النار لا يقوم بذاته أقنوما منفردا دون أصلية النار وضوئها وكذلك الأعراض المشتبكة في الجوهر كالسواد والبياض وما أشب 4 ههما لا تقوم أشخاصها مكتفية بذواتها دون الجوهر اللازم لها فالأقنوم هو المستغنى بذاته عن أصل جوهريته كالإنسان المستغنى بخاصية إنسانه عن الناس والشجرة عن الأشجار والدينار عن الدنانير فامتناع أجزاء الإنسان من القيام أشخاصا لاضطرارها وعجزها عن القيام بذواتها كروحه العاجزة عن القيام بتحديدها إنسانا دون جسمه ونطقه وكذلك نطفة وجسمه يعجز كل واحد منهما عن القيام بتحديده إنسانا دون روحه وذلك لاضطرار كل جزء منها إلى صاحبه في القيام بإنسانيته فإذا تقرر هذا فحياة الله ونطقه لا يخلو من أن يكونا جزأين من جوهره كما هو من الإنسان أو غير جوهرة فان قلنا هما جزءان من الجوهره ألزمنا ما يلزم الإنسان من الإضطرار والتأليف لأنا وجدنا

80

أجزاء الإنسان لاضطرار بعضها إلى بعض تقصر عن إحتمال أسماء الأقانيم وهذا يستحيل على الجوهر الأزلي إذ هو و متعالى عن الأجزاء والتأليف والتركيب والأعراض فأوجبوا أن تكون خواصه لغنائه وكمالها تسمى أقانيم قائمة بخواصها ومستحقة الذي توصف به بجوهرية قديمة كقدمه لا جزأين مركبين ولا عرضين منفصلين لأنه لم يزل حيا وناطقا بكلمته ومن زعم أن الحياة من الله والنطق منه محدثان وصف الله تعالى في أزليته بالموت والجهل وإن قلنا حياته ونطقه غير جوهره أزليان فقد أشركنا مع الله في أزليته غيره فلذلك يسمى كل واحد من الروح والكلمة جوهرية خاصة فوجب أن يكون جوهر الخالق تعالى أقنوما خاصا قائما كاملا بخاصيه لم يزل ونطقه الذي هو كلمته أقنوما خاصا كاملا قائما بخاصية لم تزل وروحه أعنى حياته أقنوما خاصا كاملا بخاصة لم يزل فهذه ثلاثة أقانيم معروفة بمعانيها لا متفاصلة ولا متركبة ولا متشابكة جوهر واحد ذات واحدة هذا كلام صاحب الحروف وهو عندهم القسيس المعروف ولقد رام تحسين مذهبهم وتبيين مطلبهم ولكن لا يستوي الظل والعود أعوج ولا يصلح المذهب وقائله أهوج وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر وهم مع ذلك فيما ذكرناه من الأقانيم مختلفون وبالحيرة عمهون هذا صاحب كتاب المسائل يقول هذه الثلاثة الأقانيم متوحدة لأجل الآب متساوية لأجل الإبن منتظمة الروح فنؤمن أن الأب أب لأجل أنه ذو ابن والإبن ابن لأنه ذو أب والروح القدس منبثق لأنه من الآب والإبن فالأب أصلية الإلهية لأنه كما لا يخلو قط أن يكون إلها كذلك لم يخلو قط أن يكون أبا الذي الإبن منه مولود والذي الروح القدس منه ليس مولودا لأنه ليس ابنا ولا غير مولود لأنه ليس مخلوقا لأنه ليس من شيء بل إله منبثق من الآب والإبن إله

81

وأقنوم الآب غير أقنوم الإبن وأقنوم الإبن غير أقنوم الروح القدس لكن التثليث المقدس ذات واحدة إلهية واحدة وهذا تصريح بأن الأقانيم آلهة وإن كان واحد منها غير الآخر وقد ذهب شباليش إلى أن الثلاثة الأقانيم ممتزجة في أقنوم واحد وهو عند كثير منهم مكفرا وكالمكفر وقد ذهب آريش إلى أنه إلهية الأقانيم منخزلة ومتبعضة الذات وهو عندهم مفتر خارجي وقال صاحب كتاب المسائل لسنا نؤمن أن في التثليث شيئا مخلوقا أو خادما كالذي أنشأه دنونيشيش أو غير معتزل كقول أونوميش أو ناقص الإمتنان كقول أوتفش أو مقدما أو مؤخرا أو صغيرا كقول آريش ولا ذا جسد كقول مالطه وترتليان ولا مصورا بالحيدية كقول أربد ونمرشيش أو محجوبا بعضه عن بعض كقول أوريان ولا مربيا من المخلوقات كقول فرشاط ولا متفرق الإدارة والعوائد كقول مرحيون ولا منقلبا من ذات التثليث إلى طبيعة المخلوقات كقول فلاطون و ترتلليان ولا منفردا في رتبة مشتركا في أخرى كقول أوريان ولا ممتزجا كقول شباليش بدل كله كامل لأنه كله واحد ومن واحد لا تعدد كزعم شلبانش وإذا وفقت على هذه الأقاويل الضعيفة والآراء السخيفة لم تشك في تخبطهم في عقائدهم وحيرتهم في مقاصدهم قالوا في الله تبارك وتعالى بآرائهم واتبعوا فيها ظاهر أهوائهم فهم في ريبهم يترددون ولجهالهم مقلدون وبضلالهم مقتدرون ولما رأينا هذه المذاهب الركيكة لا تستحق أن تحكى بل يضحك من ذهاب عقول أربابها ويبكي أعرضت عنها أعراض المطلع على عوره أمام من يخاف جوره فعزمت على نقل مذهب كبيرهم أغشتين فإن مذهبه في الأقانيم مقارب في الصفات مذهب المسلمين وذلك أنه قال بعد مقدمة كلام يرجع حاصله إلى ما نذكره

82

لما أقر علماء المجوس بالقوة الماسكة لكل شيء وأراد بعضهم أن ينزلوها جوهرا غير حي ولا مستغن بنفسه وجب علينا أن نحتج عليهم بما يضمهم إلى الإقرار بأن تلك القدرة ذات علم وإرادة قال وقد رد علينا هذه المقالة برفيريش فقال لا نقول أنه شيء فيكون قد سميناه بالإشياء التي لا تسلم من عيب ولكنا نقول إنه ولا نقول شيء ثم قال ألستم تقرأون أن الذي قدر هو الذي علم وأن الذي علم هو الذي أراد فهو واحد في جميع المعاني وإنما القدرة والعلم والإرادة أسماء صارت فيما بين الخلق والمخلوق وليست لا خالقة ولا مخلوقة لأنه لو لم يكن الشيء المقدور لم يسم ذا قدرة ولو لم يكن الشيء المعلوم لم يسم ذا علم وكذلك القول في الإرادة فهذه الأسماء إنما هي أعراض وأسماء فيما بينه وبين الخلق مثل قولنا ذو رحمة وذو حكم وذو عقاب فلو لم يكن الخلق المرحوم لم يلزمه اسم الرحمة وكذلك غيرها قال أغشتين في جوابه عن قوله لا نقول أن لكل شيء عقيب وما لم يكن له عقيب فليس بشيء لأن عقيب شيء لا شيء وإذا كان إنما ينفى عنه اسم شيء لأن الأشياء كلها له فمثل ذلك يجب عليه في قوله أن أو قوله كان مع أنا لا نعرف شيئا نقول فيه أن إلا بعد معرفتنا إياه شيئا وحسبنا في هذا قولنا شيء ليس كشيء من جميع الأشياء قال وأما قوله أن القدرة والعلم إنما هي أعراض لزمنه فيما بينه وبين الخلق وأنها مثل الرحمة والحكم فأنا نحتج عليه في ذلك بأن نقول لست تنكر أنه كان قبل الأشياء ودون الأشياء بلا إبتداء فهل تقدر أن تجحد أنه كان أبدا قادرا فإذا أقررت أنه لم يزل قادرا فقد أقررت أن القدرة صفة أزلية فإن قلت أنه لا يجوز أن يسمى قبل أن يكون الشيء المقدور عليه وإنما يسمى قادرا بعد كون الشيء المقدور علينا قلنا أفكان يقدر على أن يقدر أم لا فلا بد لك من أن تقول كان يقدر على أن يقدر أم لا فلا بد لك من أن تقول كان يقدر فيلزمك وصفه بالقدرة على كل حال

83

وكذلك قولنا في العلم والإرادة وقولك يرحم ويغفر ويحكم ليس مثل قولنا يقدر ويعلم ويريد لأنك لا تقول كان أبدا يرحم وكان أبدا يخلق ولا بد من أن تقول كان أبدا يقدر وكان أبدا يعلم وكان أبدا يريد ثم قال بعد كلامه مع الفلاسفة فنحن ما لم نصفه بالعلم والإرادة لم نصفه بمدبر ولا حي ثم قال إن قلنا عرفناه بوحدانيته وعلمناه بذاته من غير نظرنا إلى فعله الدال على قدرته وعلمه وإرادته فقد كذبنا لأنه لا يقدر أحد أن يقول أنه وقع على معرفته إلا بما نظر إليه من خلقه وتفكر فيه من حكمه وبمعرفته بنفسه وكل هذا إقرار بالثلاثة الأقانيم التي ذكرنا لأنا لما وجدنا الخلق الذي لم يقدر أن يكون بنفسه وجب الإقرار بالشيء الذي قدر أن يكون وهي القدرة التي سماها علماء المجوس الهيول ثم لما نظرنا إلى تدبير الخلق وجب الإقرار بالعلم والإرادة لأن التدبير لا يكون إلا ممن يعلم ويريد فثلاثتها إسم لإله واحد ونعت لمدبر فرد ولا تجد هي غيره ولا يجد هو غيرها فهذا قولنا في التثليث الذي وصفه الإنجيل وأمر بالإيمان به وسماه باللسان العجمي الآب والإبن والروح القدس فهذا كلام هذا القس والنصارى يعترفون بأنه أعرفهم بدينهم وأعلمهم بشرعهم ويقينهم ينص على أن الأقانيم الثلاثة صفات ونعوت للواحد الفرد ولا يقال فيها أنها هو ولا هي غيره وهو لعمرى من المسددين في هذا النظر إذ قد سلك مناهج البحث والعبر ولقد قارب الحنيفية وتباعد عن الملة النصرانية إلا أننا ننازعه نزاعين أحدهما في تسمية هذه الصفات الآب والإبن والروح القدس على ما تقرر وهذا نزاع لفظي ليس بكبير ولا له حظ خطير والنزاع الثاني في أنه قصر الأقانيم على هذه الثلاثة ولم يعد الحياة فيها كما فعل غيره منهم وكذلك الوجود الموصوف بهذه الصفات لم يعده أقنوما وقد صرح بأنها صفات ولا بد للصفات من موصوف بها

84

وسنعطف عليه بالرد إذا تكلمنا مع غيره إن شاء الله تعالى ومع هذا فقد سلك هذا الرجل مسلك أرباب العقول وتبرأ من جهالة كل جهول وإذا كان كذلك فسبيلنا أن نتكلم مع الذي صدرنا هذا الفصل بذكر كلامه فإنه كثير الفساد مضرب عن الرشاد ويتضمن الرد عليه الرد على غيره ممن يقول مثل قوله أو ما يقاربه مستعينين بالله متوكلين عليه الجواب عن ما ذكره المصدر كلامه لتعلم أيها الناظر في كتابنا أننا يمكننا أن نناقش هذا القائل كما ناقشنا السائل فإن كلامه كثير الغلط ظاهر التكلف والشطط لكنا تركنا مناقشته اللفظية وصرفنا المناقشة للمباحثة المعنوية كراهة للإكثار وميلا للإيجاز والإختصار وأيضا فإن نفس الله في العمر وصرف عنا عوائق الدهر فسنرد عليه في كتاب مفرد إن شاء الله تعالى أبين فيه غلطاته وأوضح جهالاته وسقطاته بحول الله وقوته فنقول له لا يشك عاقل سليم الفطرة أن خالق العالم موجود ليس بمعدوم وقد اعترفتم بأنه حي عالم ومن لم يعترف بذلك أقيمت عليه البراهين القاطعة فإذا تقرر ذلك قلنا فمفهوم أنه حي هو عين مفهوم أنه عالم أو غيره فإن كان عينه فقولكم حي عالم كقولكم حي حي أو عالم عالم والفرق ما بينهما معلوم ضرورة ولو كان عينه لاختلطت الحقائق فثبت أنهما متغايران متعددان فإذا ثبت ذلك فأما أن يرجعا إلى الخالق سبحانه وتعالى في قولكم أنه حي عالم أو لا يرجعان فإن لم يرجعا لم يصح الإخبار عنه بهما ولم يكونا وصفين له فثبت أنهما يرجعان إليه وإذا ثبت ذلك فأما أن يكونا من أوصافه تعالى النفسية أعنى الذاتية فإن كانا من أوصافه النفسية أدى ذلك إلى أن يكون ذاته وماهيته متركبة متبعضة وذلك محال على ما قررتم فيما تقدم من كلامكم وأيضا لو عقل كون العلم والحياة من الأوصاف النفسية في محل عقل ذلك في كل محل ويلزم من ذلك كون العلم والحياة من صفات أنفسنا وذلك معلوم البطلان بالضرورة

85

وأيضا فلو جاز ذلك للزم أن يكون العلم والحياة قائمين بأنفسهما أعنى موصوفين لأن جزء القائم بنفسه قائم بنفسه وقد ثبت بالأدلة القاطعة أن الباري تعالى قائم بنفسه والمعقول من العلم والحياة أنهما صفتان لا موصوفان فإذا تقرر ذلك وثبت لزم منه أنهما زائدان على النفس فإذ ثبت ذلك فأما أن يقوما به أو لا يقوما به فإن لم يقوما به لم يتصف بهما ولو جاز أن يتصف فيما لا يقوم به لجاز ذلك في حقنا فكان يلزم عليه أن يكون علم زيد يتصف به عمرو وذلك محال ضرورة فدل ذلك على أنهما قائمان به فإذا قاما به وهما وجودان زائدان على الذات حصل من ذلك كله أن ذاته واحدة لا تركيب فيها ولا تعدد وأن صفاته الزائدة هي المتعددة وهذا لا إحالة فيه بل هو الحق الذي لا غبار عليه ولا بد لكل ناظر من الرجوع وأن تخبط إليه فهكذا ينبغي أن تفيهم صفات الباري تبارك وتعالى وتقدس وتنزه عما يقول الجاحدون والكافرون علوا كبيرا وهذه الطريقة البرهانية تجرى في كل صفة يدعى ثبوتها للباري تعالى وبعد الإنتهاء إلى هذا المحل ينظر هل أوصافه أزلية أم ليست أزلية والحق أنها أزلية ولا محرز أن يكون شيء منها حادثا إذ لو كان شيء من صفاته حادثا للزم عليه أن يكون محلا للحوادث ويلزم على ذلك حدوثه تعالى وهو محال على ما يعرف في موضعه فإذا تمهد هذا الأصل قلنا بعده للمتكلم معه الأقانيم عندكم لا تخلو من أن ترجع إما إلى صفاته النفسية أو إلى صفاته المعنوية أعنى الزائدة على النفس ولا واسطة بين القسمين فإن رددتموها إلى القسم الأول لزمكم ما تقدم من المحالات حذو النعل بالنعل وإن رددتموها إلى القسم الآخر فلأي معنى قلتم في حد الأقنوم أنه الشيء المستغنى بذاته عن أصل جوهره في إقامة خاصة جوهريته وهل المفهوم من هذا إلا أنه صفة نفس لأن المستغنى بذاته عن أصل جوهره هو الذي نعبر نحن عنه بالقائم بنفسه ويعبر عنه غيرنا من النظار بالموجود لا في موضوع وأيضا إن كان أراد هذا القائل أن الأقنوم هو الصفة الزائدة على الذات فيلزمه أن يجعل الأعراض أقانيم فإنها زائدة على الذات

86

ومن عجيب أمره أنه ألزم من قال إن العلم والحياة غير الجوهر الإشراك به وأي إشراك يلزم من قال إن صفات المعاني زائدة على ذات الموصوف بها وكيف يمكن أن يقول عاقل إن الصفة الزائدة على الجوهر أنها عين الجوهر وهل قائل هذا إلا جاهل أو متجاهل فتحصل من هذا كله أن الأقانيم لا يصح عندهم أن تقال على الصفات النفسية ولا على الصفات المعنوية ولا يعقل هنالك أمر آخر متوسط بينهما فقولهم في الأقانيم غير معقول فكأنه قول مجنون مخبول ثم نقول لهذا القائل لأي شيء لم تجعل القدرة من الأقانيم كما ذهب إليه مقدمكم الأقدم وأسقفكم الأزعم أغشتين فتكون الأقانيم أربعة فإن قال إن القدرة ترجع إلى الوجود كما صرح بذلك بعضهم فنقول لمن يقول ذلك ولم ذلك وهل لا يرجع العلم والحياة إلى الوجود وما الفصل بينهما إلا محض التحكم وكذلك القول في الإرادة ترجع إلى الحياة قيل له إن صح ذلك فليرجع إليها العلم وإن جاز شيء من ذلك فلترجع كل واحدة من هذه الصفات إلى الأخرى ويرجع الكل إلى الموجود والوجود هو نفس الذات فترجع الأقانيم الثلاثة إلى واحد وهو محال على ما تقدم لكم وعليكم ويكون هذا أيضا قولا بإمتزاج الثلاثة الأقانيم في أقنوم واحد كقول الخارجي الجاهل شباليش وأنتم لا ترضون شيئا من قوله ولا مذهبه ثم نقول لأي شيء تحكمتم بأن الأقانيم ثلاثة وهلا أضفتم إليها القدرة والعلم والسمع والبصر كما تقدم الكلام عليه أو لعلها اثنان وعدم انتصارهم يدل على ضعف أنصارهم ولا حجة لهم في هذه المواطن كلها أكثر من التحكم فينبغي إذن أن يتكلم معهم على جهة المناقضة والتهكم وغايتهم في ذلك أن يرجعوا إلى الإستقراء والتمثيل وهما في المعتقدات طريقا الخطأ والتضليل ثم نقول هذه الأقانيم الثلاثة قد قلتم أن كل واحد منها مستغن بذاته عن أصل جوهره وإذا كان ذلك فأما أن يكون كل واحد منها

87

إلها أو جزء إله أو يكون مجموعها إلها واحدا فإن كان جزء إله لزم عليه أن يكون الإله متركبا متبعضا ويلزمكم على ذلك إبطال التثليث الذي تقولون به ويلزمكم على ذلك الإمتزاج الذي ذهب إليه شباليش وإن كان كل واحد منها إلها بإنفراده لزمكم على ذلك أمور كثيرة مشينة باطلة منها أن يكون كل واحد من هذه الأقانيم حيا عالما مريدا قادرا موصوفا بصفات الكمال إذ الإله هو الموصوف بصفات الكمال المتعالى عن صفات النقص فإذا التزم ذلك ملتزم لزم عليه أن تقوم الصفة بالصفة وإن جاز ذلك جاز أن يقوم العلم والقدرة بالإرادة والإرادة والقدرة بالعلم والقدرة والعلم بالحركة والحركة والقدرة والعلم باللون إلى غير ذلك من أنواع الجهالات التي لا يبوء بها عاقل ولا يرضى بسماعها فاضل وإن جاز قيام الصفة بالصفة جاز أن يقوم بالصفة صفة وبتلك الصفة صفة ويتسلسل وما يتسلسل لم يتحصل ويلزم عليه أن تكون الأقانيم لا نهاية لها إذ العلم يقوم به حياة وتلك الحياة حية بحياة إلى غير آخر ومنها أن تكون القدرة قادرة بقدرة والعلم عالم بعلم والحياة حية بحياة إلى غير ذلك من الصفات وهذا غير معقول فإن العلم والقدرة وسائرصفات المعاني إنما توجب أحكامها للمحال التي تقوم بها لا لأنفسها بالعلم لا يكون عالما ولا قادرا وكذلك القدرة لا تكون عالمة ولا قادرة وكذلك سائرها وإنما العالم والقادر والمريد والحي هو الذات الذي تقوم به هذه الصفات وهذا معلوم من غير أسباب ولا أطناب ومنها أن يكون الإله صفة لموصوف فإن المفهوم المعقول من هذه الأقانيم أنها صفات لا موصوفات على ما تقدم إلى أمور كثيرة يطول الكلام بذكرها ثم نرجع إلى بقية التقسيم فنقول وإن لم تكن هذا الأقانيم حية ولا عالمة ولا قادرة فلا تكون إلهية وقد أطبق النصارى على أنها آلهة ويلزمهم أن لم تكن الأقانيم موصوفة بهذه الصفات وصفها بأضدادها أو بالإنفكاك عنها إن لم يوصف بحياة وصفت بالإنفكاك عنها والمنفك عن الحياة ميت فيلزم عليه أن يقولوا بآلهة أموات وكذلك يلزم في سائر الصفات

88

وقد كع المصدر بكلامه عن هذا الإلزام وصعب عليه المرام فتكلم بما لا يعقل فليته سكت ولم يتقول وبعد الخبط والتأوه قال هذا ما لا يجوز لنا به التفوه ومن أراد أن يقضي العجب العجاب فليقف على ذلك الكتاب وتلخيص ما ذكره في الإنفصال أن قال إن قلنا إن الأب ليس يحيا كذبنا وإن قلنا هو الحياة أبطلنا فإذا كان ليس حيا وليس بحياة وجب أن يكون حيا بلا محالة وكذلك قال في العلم والحياة ومن أفضى به إلى هذا الهذيان بحثه ونزاعه فقد تعين تركه وإنقطاعه وحسبك في شر سماعه وذلك كله يدل على أنهم ليسوا من العقلاء ولا معدودين من جملة الفضلاء بل قد انخرطوا في سلك الحمقاء الجهلة الأغبياء فهم قد جعلوا إلههم هواهم فأضلهم لذلك وأرداهم فهم كما قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا أما حكاية صاحب كتاب المسائل فكلام يدل على أن القوم ليس فيهم مستحي ولا عاقل كابروا الضرورات وجحدوا المعقولات تارة يتناقضون وأخرى يتواقحون إفتراء على الله وإستهانة بحرم الله وحسبك دليلا على ذلك إختلافهم في البديهيات هنالك وقد وكلت الناظر فيه لظهور تناقضه وفساد معانيه فإن غاية الناظر في كلامه أن يلزمه من المحال والتناقض مثل ما صرح بإلتزامه ومن أنكر الضروريات وارتكب المحالات فدار المرضى والمجانين أولى به وأليق من اشتغاله بالمعقولات

89


الباب الثاني

في بيان مذاهبهم في الإتحاد والحلول وإبطال قولهم فيها أتحاد الكلمة معنى الإتحاد الواسطة بين الله وبين موسى تجسد الواسطة كلام المتقدمين مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين

90



91


الفصل الأول

إتحاد الكلمة في حكاية كلام هذا السائل قال السائل ثم نبدأ بالقول في الإتحاد فإن قلت فإذا كان التثليث عندكم أسماء أفعال لخواص قائمة والذات واحد لا ينقسم ولا يتبعض فلم بعضتموه دون الآب وروح القدس ولم سميتموه أبا وروح القدس أعلم أنها لما تعارفت القضايا بالأفعال اختلفت أسماءها كما قدمنا فاختلفت قضية خلق الخليقة بيد إلى القدرة وسميت أبا وأضفت قضية الموعظة إلى العلم المتولد كلاما وسمى ابنا وانفردت قضية الوعظ باللحمة دون غيرها لأن المسيح إنما اتخذ في الدنيا للموعظة لا لخلق الخليقة لأن الله لو اتخذ جسما ليخلق به الخلق بيد يسمى الجسم أبا وأضفت اللحمة إلى الأب ولكنه إنما اتخذه لموعظة الخلق والوعظ مضاف إلى العلم المتولد كلاما فسمى إبنا فلذلك قال الإنجيل التحمت الكلمة وسكنت فينا فأفرد الكلمة بالإلتحام لأنها الواعظة بالأمر والنهى دون القدرة والإرادة فهذا أخصر شرح الإتحاد الجواب عن كلامه يا عجبا من بلادة صاحب هذا السؤال كيف لم يحسن إذ تثبج عليه المقال وكثر عليه اللحن والإختلال حتى أخل بمفهومه وعدل عن السؤال فصار كلامه لذلك كأنه كلام مجنون مخبول إذا تهذبن ولم يثبت فيما يقول وذلك أنه وجد على نفسه في كلامه هذا أسئلة انفصل بزعمه عن واحد منها وتغافل عن سائرها جهلا منه بورودها وحيدا عن جوابها

92

أحد الأسئلة أنه أراد أن يقول قد قلتم أن التثليث قد رردتموه إلى ثلاثة خواص لواحد لا يتبعض فلم بعضتم ما لم يتبعض وثانيها لم اتحد الإبن بالمسيح دون الآب وروح القدس وهذا تضمنه كلامه حيث قال دون الآب وروح القدس وثالثها لم سميتم المسيح إبنا ورابعها لم سميتم الله تعالى أبا وخامسها لم سميتم إرادة الله تعالى روح القدس على أن ظاهر كلامه يدل على أن السؤالين الأخيرين إنما هما راجعان إلى المسيح ألا ترى أنه أعاد الضمير أعنى ضمير سميتموه عليه لكنه لم يرد هذا ويدل عليه أنه لم يسم أحد منهم المسيح أبا ولا روح القدس وإنما سموه إبنا فتارة يقولون عليه ابن الله وتارة ابن الإنسان وأما روح القدس فقد تقدم في اصطلاح هذا السائل أنه أراد به الإرادة ومن اصطلاح غيره أنه أراد به الحياة ولم يقل قط أحد منهم أن المسيح أتحدت به إرادة الله وحياته ولم يقل قط أحد منهم أن المسيح اتحدت به إرادة الله وحياته فلما وجه على نفسه هذه الأسئلة التي لم يشعر بوجه لزومها ولم ينفصل عن شيء منها أخذ بعد ذلك بزعمه يتفضل بكلام لا يلتئم ولا يتصل فأسهب في التكرار والترداد فصار كلامه لذلك أبرد من حديث معاد ثم قال في الجواب ما كان قد فرغ منه ولقد كان يستغني عنه قد قدمنا أن الأقانيم الثلاثة إنما سميت بالإبن والآب وروح القدس لاختلاف القضايا الثلاث فأضيف الخلق إلى القدرة وسمى أبا وأضيفت الموعظة إلى العلم وسمى إبنا وهذا كلام مكرر مستغنى عنه في جواب ما سأل عنه إذ لاتعلق له به وإنما الكلام الذي يمكن أن يكون جوابا لبعض ما سأل عنه هو قوله إنفردت قضية الوعظ باللحمة دون غيرها لأن المسيح إنما اتخذ في الدنيا للموعظة وسكنت فينا لا لخلق الخليقة ولذلك قال الإنجيل التحمت الكلمة وسكنت فينا هذا مقتضى كلامه في الإنفصال 2 بعد تلفيق مبدد وتهذيب مثبج المقال ومع هذا فكلام هذا السائل لا يقبل التلفيق من صانع فإن الفتق اتسع على الراقع وبعد تقرير هذا نقول قد تقدم جوابك عن أكثر هذا الفصل فيما تقدم حيث تكلمنا في الأقانيم وعلى أسماء الأفعال وعلى التثليث وعلى القضايا الثلاث بما أغنى عن إعادته فمن أراد أن يتحقق فساد هذا الكلام فليعد نظرا

93

فيما تقدم وإنما الكلام معك هنا على قولك إنما اتحدت بالمسيح الكلمة التي هي العلم لأن المسيح اتخذ للموعظة كيف يتمكن عاقل من أن يقول هذا الذي ذكرته وعيسى عليه السلام قد اتخذه الله تعالى لابراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وخلق الطير من الطين وهذه الأمور كلها لا يمكن أن تقع إلا بالقدرة والإرادة فقولوا أنهما اتحدتا به ولا فرق بينهما وبين العلم لولا محض الجهل والتحكم لاسيما وقد جاء في بعض كتبهم أن عيسى عليه السلام قال قدرته قدرتي ومشيئته مشيئتي أو قولوا أنه عليه السلام كان يفعل هذه الأمور الخارقة للعادة بغير قدرة فيلزمكم أن يفعلها بغير علم ثم يلزمك على مساق كلامك أن يكون كل من اتخذ للموعظة من الأنبياء والعلماء أن يتحد بلحمة الإبن وأما قولك إن الله لو اتخذ جسما ليخلق به الخلق لسمى ذلك الجسم أبا فهو الزام مالا يلزم فإن الله تعالى قد اتخذ الأرض والماء والهواء والنار ليخلق بهم الخلوقات ولا يلزم من ذلك أن يكون أبا ولا أن يسمى أبا وهي أجسام وأما قولك فلذلك قال الإنجيل التحمت الكلمة وسكنت فينا فلقد خالفت التنزيل وحرفت التأويل فهلا عليك سترت على مكرك ولم تلبس على نفسك وخصمك ولأي شيء لم تذكر الكلام من أوله وتسوقه على منازله أتظن أن المسلمين ليسوا بكتبكم عارفين ولا لتحريفكم وتلبيسكم منتهين تالله لقد فيهم من تعرف منها الحق الذي لا تعرفون ويتحقق منها الحق الذي لا تعرفون ويتحقق منها ما أنتم فيه تشكون ويعلم منها ما أنتم به جاهلون ومن ذلك أن هذا الكلام الذي حكيته عن الإنجيل وسلكت به مسلك التجهيل هو في إنجيل يوحنا بن سبداي المصور بزعمكم بصورة عقاب يقول عن عيسى عليه السلام من يقبله منهم وآمن بإسمه أعطاهم سلطانا ليكونوا أولاد الله وهم الذين لم يتولدوا من دم ولا شهوة لحوم ولا شهوة رجل لكن توالدوا من

94

الله فالتحمت الكلم وسكنت فينا ورأينا عظمته كعظمة ولد الله الفرد المحشو رضوانا وصدقا هذا مساق كلامه في الإنجيل وهذا الكلام لا يستدل على ما ذكرت ولا على غيره حتى يعلم أن عيسى عليه السلام هو الذي قاله وليس هو في الإنجيل مرفوعا إلى عيسى ولا مسندا إليه ولا مخبرا به عن الله تعالى وغايته إن صح أن يكون موقوفا على يوحنا ومن قوله وحاشا عن قول مثله ثم لو سلمنا ذلك فليس بمعصوم فإن العصمة إنما ثبتت للأنبياء أو لمن أخبر الأنبياء عنهم أنهم معصومون وهذا ليس بنبي ولا بلغ عن الأنبياء بطريق قاطع أنه معصوم وسيأتي الكلام على هذا في باب النبوات إن شاء الله تعالى وبتقدير أنه معصوم فكتابكم قابل للتحريف والتغيير فإنه لم تكمل فيه شروط التواتر فإنه راجع إلى أخبار آحاد لا تفيد علما على ما نبينه وعلى التقريب إن أناجيلكم إنما هي أربعة عن أربعة كل واحد منهم لا يفيد خبره العلم بأنه خبر واحد ومع ذلك فلو أنهم تواردوا على نقل خبر واحد لكان نقلهم لا يفيد اليقين فإن الخبر الذي يحصل به العلم اليقين إنما هو المتواتر حقيقة الخبر المفيد للعلم بالمخبر عنه الذي تحيل العادة على ناقليه الغلط والتواطؤ على الكذب على ما يأتي إن شاء الله وعلى تسليم أنه لا يقبل التغيير ولا التحريف فهذا الكلام ليس بنص قاطع بل هو محتمل للتأويل وتأويله معضود بسياقة اللفظ وذلك أن مساق هذا الكلام يقتضى أن كل من آمن بعيسى عليه السلام

95

فإنه توالد من الله والتحمت الكلمة به وسكنت فيه ولذلك قال ولكن توالدوا من الله فالتحمت بالكلمة وسكنت فينا فإن كنت تريد أن تستدل بهذا اللفظ على أن الكلمة اتحدت بالمسيح خاصة فليس لك فيه دليل بل يدل ظاهره على أن كل من آمن به التحمت الكلمة به وسكنت فيه وهذا شيء لا تقولون به ولا يذهب إليه أحد منكم فهلا عليكم فهمتم كتابه وتدبرم خطابه ورددتم آخر الكلام على أوله حتى تعرفوا نصه من مؤوله على أنه لو كان نصا قاطعا لا يحتمل التأويل لما كان ينبغي لعقل أن يقول بمقتضاه فإن الإتحاد محال قطعا على ما يأتي إن شاء الله تعالى إذ تكلمنا على حقيقة الإتحاد والحلول وأما قوله فأفرد الكلمة بالإلتحام لأنها الواعظة بالأمر والنهى فقول لم يقله الإنجيل ولا دل عليه ظاهر ولا تأويل وغاية ما في الإنجيل أن الكلمة التحمت وليس فيه لأنها الواعظة فمن عرفك أن الكلمة اتحدت لهذه العلة بل لعلها التحمت لعلة أخرى لم تعلمها أنت ولا غيرك لعلها التحمت لا لعة بل لنفسها وإنما نزلنا في هذا المحل على تسليم الإلتحام وإن كان باطلا بالبرهان ليتبين أن هذا المذهب هذيان وأما قوله لأنها الواعظة بالأمر والنهى فقول من لا يعرف فرق ما بين الأمر والنهى والوعظ ولا حصل من الشرع ولا من العقل على حظ فإن الوعظ مخالف للأمر والنهى بحقيقته ومقصوده إذ قد يعظ الواعظ من غير أمر ولا نهى وينهى ويأمر ولا يعظ فهما أمران مفترقان غير متلازمين على ما يعرف في موضعه وأما قوله فهذا أخصر شرح الإتحاد فالسين موضع الصاد أليق إذ الخسران إليه أقرب وبه ألزق لأنك أوهمت أنك شرحت وأوضحت واختصرت وأوجزت بل أخللت وطوت وبفائدة ما أتيت وكيف تصح لك هذه الدعوى وقد قلت كلاما لا فائدة له ولا جدوى دليل ذلك أنك اعترضت على نفسك بإعتراضات كثرة ثم إنك حدت عن الجواب ولم تأت بفصل خطاب بل أتيت بكلام يشهد عليك عند العقلاء بالبلادة وقله التحصيل وعدم الإجادة

96

وقد كان ينبغي لك أن تبين حققة الإتحاد والحلول وتبين فرق ما بين مذهب الروم فيه وبين ما به تقول وتبين الفرق بينه وبين الإختلاط والإمتزاج وبعد ذلك تستدل على صحة وقوعه وعلى اختصاص عيسى عليه السلام به دون غيره من الأنبياء فلو فعلت ذلك حينئذ كان ينبغي لك أن تدعي أنك شرحت وأوضحت وأما الآن فقد جهلت وافتضحت

97


الفصل الثاني

معنى الإتحاد من حكاية كلامه أيضا قال فإن سأل سائل عن معنى الإتحاد قلنا نقول بذلك تقليدا للإنجيل والنبيين ورسل رب العالمين فيما نقلوا من ذلك وأعلموناه عمن الله وفيما نص لنا عنهم تصديق الأخبار الذي لا تكاذب فيها فإن قلت وكيف يجوز أن يتوحد القديم بالحادث والخالق بالمخلوق قلنا على تقليد الكتاب وعلى الجائز في العقول وذلك أنا لا نقول إن القديم في الجوهر صار حادثا ولا الحادث في الجوهر صار قديما ولكنا نقول صار الحادث إلها ولا نقول صار الإله حادثا كما نقول صارت الفحمة نارا ولا نقول صارت النار فحمة فإن قلت فما علة هذا الإتحاد قيل لك الإرادة وسائلك هذا كسائل يسأل فقال لم خلق الله العالم فمن الجواب له أن يقال له أراد ذلك فإن قلت أفهذا الإتحاد قديم أو حادث قيل لك قديم وحادث فإن قلت فكيف يكون قديما وحادثا قيل لك قديم بالقوة حادث بالفعل وكل عنده حاضر لأنه تبارك وتعالى لا تأخذه الأزمان ولا يعد الأشياء بالأعداد وكل عنده حاضر مقيم الجواب عنه هذا كلام تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع سأل فيه قائله عن حقيقة الإتحاد ومعناه فأجابه بالدليل عليه وما جرى مجراه ومن حق الإنفصال أن يكون مطابقا للسؤال فكان يلزمك لما سئلت عن معنى الإتحاد أن تجيب بحده وحقيقته ثم بعد ذلك تستدل على صحته ووجوده إن صح ذلك وأمكن الإستدلال هنالك

98

أما قولك في جواب من سألك عن الإتحاد وحقيقته نقول بذلك تقليدا للإنجيل والنبيين ورسل رب العالمين فكلام غير متين لا يصدر مثله عن عقل رصين لتعلم يا هذا أن الأنبياء عليهم السلام صادقون مصدقون والصادق ما يخبر بصحة ما يعلم بالعقول فساده وإستحالته فإن الصادق لا يناقض قوله دليل العقل ولا يعارضه بل يصدقه ويشهد بصحته فلو فرضنا شخصا جاء بأمر معجز فيما يرى وادعى أنه أرسله الله لنا ليخبرنا أن الثلاثة واحد من حيث هي ثلاثة وأن الواحد ثلاثة من حيث أنه واحد وفهم ذلك منه بنص لا يقبل التأويل لبادر العقلاء إلى تكذيبه ولعلموا أن ما أظهره على جهة المعجزة إنما هي حيلة ومخرقة لأن المعجزة إنما هي دليل الصدق ولا يقلب دليل الصدق دليل الكذب وكذلك لو قال إن الضدين يجتمعان بعد مراعاة شروط التضاد وكذلك لو أخبر أن الله تعالى يقلب جوهرا عرضا ولونا وطعما إلى غير ذلك من أنواع المحالات ومن هذا القبيل هو ما ادعيتم من الإتحاد وسيتبين إن شاء الله وبعد هذا فلو فرضنا نبينا علمنا صدقه على القطع تكلم بشيء من هذا فيكون ذلك الكلام لا يدل على ذلك المعنى دلالة قاطعة بل دلالة محتملة أو ظاهرة فسبيلنا أن نتأول إن وجدنا وجها للتأويل أو نتوقف على تأويله إن لم نجد له محملا في التأويل مع أن العقل يعلم استحالة الظاهر ويكل معرفة باطنه إلى الله تعالى فإن الشرائع وإن لم تأت بما يخالف العقول فقد تأتي مما تقصر العقول عن دركه وفرق بين يعلمه العقلاء بين العلم بالإستحالة وبين عدم العلم بالإستحالة فإن عدم العلم بالإستحالة لا يلزم منه نفى الجواز ولا إثباته ولانفى الوجوب ولا إثباته وهذا مما لا خفاء به عند العقلاء وأما قولك وعلى الجائز في العقول فينبغي لنا أن نسألك هنا أسئلة تبين أنك بما ادعيت جهول فنقول لك ما حد العقل أولا وما حد الجائز العقلي وما حقيقته وكم أقسامه وما حد الواجب

99

العقلي وكم أقسامه وما حد المحال العقلي وكم أقسامه فإذا فرغت من جواب هذه المسائل سألناك هل أحكام العقل تنحصر في هذه الثلاثة أم تزيد عليها أم تنقص عنها ولعمري ما ينبغي أن تتكلم مع من لا يعرفها وأعلم على القطع والثبات أنك لا تعرفها ولا قرأت على من يفهمها وإلا فالجواب وإن لم تجب وإلا فيظهر أنك من دينك على شك وإرتياب ثم نقول كيف يتجاسر عاقل أن يقول إن علم الله تعالى الذي هو صفته ولازم له وقديم أزلي حل في جسد إنسان حادث بعد أن لم يكن حالا فيه ومع أنه حل فيه فهو لم يفارق الله تعالى ولولا الله تعالى سلبكم عقولكم وإبتلاكم بظلمة التقليد الذي أفضى بكم إلى مكابرة العقول وإنكار البداية لما وجد مثل هذا المذهب مستقرا في قلب مجنون فأجرى في قلب غافل ولكن لله تعالى سر في أبعاد بعض العباد ومن يضلل الله فما له من هاد وأما قولك إنا لا نقول أن القديم في الجوهر صار حادثا ولا الحادث في الجوهر صار قديما ولكنا نقول صار الحادث إلها فهذا القول منك يدل على أنك تقول بحلول الحادث في الجوهر وإتحاده به ولم يقل بهذا قط أحد من المخلوقات وهذا أشنع وأقبح وأمحل من إتحاد القديم بالحادث وحلوله فيه وهذا الذي ذكرت أنه يلزمك يدل عليه قولك ولا الحادث في الجوهر صار قديما فنفيت عن الحادث القدم وأبقيت عليه الحلول في الجواهر وهذا بين بنفسه من كلامك ثم هذا الذي فررت منه يلزمك وذلك أنا نقول هذا القديم الحال لا يخلو أن يكون حالا في ناسوت المسيح قبل خلق المسيح أو لم يكن فإن كان حالا فيه قبل خلقه كان محالا وباطلا بالضرورة فإنه قبل خلقه معدوم والموجود لا يحل في المعدوم وإن كان حلوله في ناسوته بعد خلقه فقبل خلقه لم يكن حالا فقد حدث له حلول وقد صار حالا بعد أن لم يكن حالا ويلزم على هذا أن تقوم الحوادث بالقديم وهو محال فإنه يؤدي إلى حدوثه على ما يعرفه أرباب النظر وأما قولك صار الحادث إلها فكلام تشمئز منه النفوس

100

ويشهد لقائله بالويل والعكوس وكيف لا يستحي العاقل من مثل هذا الكلام الذي والله هو عار على الأنام وكيف يتصور أن يعقل الإلهية لمحدث مخلوق يحزن تارة ويفرح أخرى ويجوع تارة ويشبع أخرى ويتبول ويتغوط وتظفر به أعداؤه ويعذبونه بالضرب والإهانة والشوك والصلب والقتل بزعمكم وهو مع ذلك يقول اعبدوا الله ربي وربكم ويقول لكم إذا صليتم فقولوا يا أبانا السماوي تقدس اسمك وقرب ملكك ويقول إن الله وحده ولا إله إلا هو ويقول لإبليس إنما أمرت أن تعبد السيد إلهك وحده ويقول حين قرب رفعه وأعلمه الله به سيلقى ابن الإنسان ما كتب له يعنى نفسه ثم تقدم وسجد على الأرض ودعى أن يزاح عنه ما هو فيه وقال يا أبتاه إنك قادر على جميع الأشياء فرج عني هذه الكأس وقال في إنجيل لوقا يا أبتاه إن كانت هذه الكأس لا تقدر تجاوزني حتى أشربها فلتكن إرادتك

101

ومن اطلع على أناجيلكم علم على القطع أن عيسى عليه السلام برئ مما تدعونه به وتنسبونه إليه وستلقونه بين يدي الله في الوقت الذي يقول الله تبارك وتعالى يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيتبرأ من ذلك القول فيقول سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد وقد جاءنا على لسان من دلت المعجزة بصدقه أن الله تعالى إذا حشر الخلائق في صعيد واحد يعنى يوم القيامة فيقال للنصارى ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله فيقول لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد ثم يقال لهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فالله الله أدرك بقية نفسك قبل حلول رمسك واستعمل سديد عقلك ولا تعول على تقليد فاسد نقلك واتبع الدين القويم دين الأب إبراهيم فما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين فالله يعلم أني أنظر إليك وإلى كافة خلق الله بعين الرحمة وأسأله هداية من ضل من هذة الأمة وأتأسف على الأباطيل التي ينتحلون فإنا لله وإنا إليه راجعون وسيأتي إن شاء الله تعالى في النبوات كلام على حقائق الملل وتبين الهداة والضالين من ذوي النحل ولا حول ولا قوة إلا بالله وأما قولك كما نقول صارت الفحمة نارا ولا نقول صارت النار فحمة فتمثيل ليس بمستقيم ولا جار على منهج قويم وذلك

102

أن الفحمة مهما صارت نارا فقد حدثت النارية وانعدمت الفحمية وليس هذا مساويا لقولك صار الحادث إلها فإن الشيء الذي صار به الحادث إلها عندكم هو قديم فكيف تشبههه بالنارية الطارئة وهي حادثة وإن ساويت بينهما لزمك أن يكون الحال في الناسوت حادثا أو النارية قديمة فترتفع الفحمية وهو محال بالضرورة وأما قولك فإن قلت فما علة هذا الإتحاد قيل لك الإرادة فهذا قول فاسد فإن الإرادة إنما يصح تعلقها بالجائزات ولا يصح تعلقها بالمحالات والإتحاد محال فلا تتعلق به الإرادة على ما نقرره إن شاء الله إذا نقلنا مذاهب أقستكم في هذا المعنى وتكلمنا معهم عليها وأما قولك في جواب سائلك عن الإتحاد هل حادث أو قديم حيث قلت إنه قديم وحادث فقول لم يقل به مؤمن ولا ناكث فإن الجمع بين القدم والحدوث مما يعلم فساده بضرورة العقل فإن معنى القديم الذي لا أول لوجوده والحادث هو الذي لوجوده أول والجمع بين نفى الأولية وإثبات الأولية محال وأما قولك قديم بالقوة حادث بالفعل فكلام ليس له أصل إذ لا يعقل العقلاء في القدم قوة ولا فعلا فإن القدم من أسماء السلوب والقوة والفعل فإنما يتواردان عند القائلين بهما على الصفات الوجوديات وعلى عدمها مع إمكان وجودها ثم إنا نسألك عن حد القوة وحقيقتها وما الفرق بينهما وبين الإمكان وهل هي موجودة وعن حد الفعل وما حقيقته فإنك تكلمت بما سمعته وما حصلته ولا وعيته وأما قولك وكل عنده حاضر مقيم فكلام حق ومقال صدق إن كنت أردت بحاضر أنه معلوم وقد أخطأت بإدخالك مقيم في هذا المعنى فإن المقيم إنما هو مأخوذ من أقام بالموضع إذا ثبت فيه فإن أردت هذا المعنى لزمك أن تكون المعدومات الممكنة موجودة عنده في حال عدمها وذلك محال وإن أردت غيره فكان ينبغي لك أن تبين مرادك فإنك لم تتكلم به على مقتضى كلام القوم الذين تعاطيت التكلم بلسانهم

103

ثم قولك لأنه تبارك وتعالى لا تأخذه الأزمان ذكرته موهما أنك تستدل به على أنه تعالى عالم بجميع الأمور محيط بالكل ولا يدل ذلك على ما أردته وإلا فكونه قابلا للزمان أو غير قابل للزمان ما المناسبة بينه وبين كونه عالما بجميع المعلومات أو ببعضها ولا بد أن يسأل عن الزمان ما هو وهل هو موجود أو معدوم فإن كان موجودا فهل هو جوهر أو عرض وإن كان جوهرا أو عرضا فهل هو في زمان أوليس في زمان فإن لم يكن في زمان فلتستغن الموجودات كلها عن زمان ويلزم عليه إثبات موجودات ليس بزمانية غير الباري تعالى وتقدس وذلك محال على ما تقرر وإن كان في زمان فهل ذلك الزمان في زمان ويتسلسل فلا بد لك من علم هذه المسائل إن أردت أت تلحق بالصنف العاقل ومن أراد أن يعلم فليرحل على الرأس والقدم وأما قولك ولا يعد الأشياء بالأعداد فيفهم منه أن المعلومات لا تتعدد عنده وإذا لم تتعدد المعلومات عنده لا تتميز جزئياتها وإذا كان ذلك فإنما يعلم الأمور على وجه كلي وهو ما تقوله الفلاسفة وأهل الشرائع كلهم مطبقون على أن الله تعالى يعلم جزئيات الأمور وإن دقت على التفصيل ومن لم يقل هذا يحكم عليه في كل ملة بالتكفير والتضليل فأنت يا هذا في أكثر كلامك بين أمرين إما أن تنكر الضروريات أو تكفر بالشرعيات فنسأل الله تعالى أن ينور بصائرنا ويسدد أحوالنا وأمورنا وأن لا يجعل وبالا علينا أعمالنا وأقوالنا أنه سميع الدعاء قريب مجيب

104



105


الفصل الثالث

الواسطة بين الله وبين موسى من حكاية كلام السائل قال ثم نقول لمن ناظرني من باقية المسلمين إن كتابكم يقول إن موسى سمع الله وكلمه تكليما فكيف كان ذلك وأنتم قد أعجزتم جميع الحاسات من إدراكه في الدنيا والآخرة لأنه لا مفطور ولا مشبه بشيء مما يتصور في الأوهام فإن قلتم إنه كلمه بذاته فقد أوجبتم له جارحة النطق ووقعتم فيما أنكرتموه من الجسم وإن قلتم إن الله خلق له كلاما فقد أثبتم كلاما مخلوقا قائما بخلقه جوهرا في نفسه إذ لم يكن عرضا في الله قال لموسى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأثبتم أن الكلام واسطة بين الله وبين موسى وأن موسى أقر بالربوبية لقوله رب أرني أنظر إليك وقول الصدى الذي هو المتكلم له لا إله إلا أنا فاعبدني فإن قلت أن الصدى لم يقل له أنا الله ولكنه في مسامع موسى أنا الله قلت لك أن الصدى هو العامل في مسامع موسى وهو المحرك له وعليه رد وإياه أجاب والدليل على أنه كان في غفلة فما كان يريد الله من إرساله إلى فرعون حتى خلق له نارا أبصرها فنزع إليها فلما أتاها أحجب الله له فيها صدى قال له أنا الله و لا إله إلا أنا فاعبدني إلا أن تقولوا إن موسى قد كان يعرف ما كان يريد الله من إرساله إلى فرعون دون النار والكلام فيكون خبر النار والكلام لا معنى لهما وخبرهما لم يفد شيئا

106

وهذا من القول تشنيع الكذب وإذا لم يكن بد من أن موسى لم يدرك المرسل له إلا بواسطة اتحد له يسمى بإسمه فالواسط هو العامل في موسى وعنه تحمل الرسالة حتى يأتي فرعون بمصر ويقول إن الله تراءى لي بطور سيناء وبعثني إليك لترسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم مجددا الموضع الذي أقبل منه من عندالله وكان الله بمصر وفي كل مكان ولا كان يعجز موسى عن معرفة الأمر والنهى إلا بكلام محدود من جسم مفطور خلق الله له نارا أبصرها فنزع إليها ثم أحجب فيها صدى سمعه منها قام عنده مقام خالق فسماه إلها الجواب عنه أما قولك ثم نقول لمن ناظرني من باقية المسلمين فلتعلم يا هذا أنك غلطت في نفسك وغفلت عن حسبك حيث ظننت أنك ممن يستحسن مناظرته أحد من المسلمين للذي أمروا به من الأعراض عن الجاهلين وكيف وأنت لا يمكنك النطق بكلام فصيح ولا تقدر على نظر صحيح وأنى لك بمناظرتهم ولم تسلك شيئا من طريقتهم وكيف يمكنك النظر معهم وأنت لم تعرف طريقه ولا التزمت شروطه فوحق دين الإسلام الذي هو دين إبراهيم عليه السلام لقد وددت أن تكون من عقلاء الأنام لتعرف قدر ما يلقى من الأسئلة عليك وما يكتب به من الحكم إليك فلعل مقلب القلوب يستنقذك من عبادة إله مصلوب ويبدلك بها إخلاص العبادة لعلام الغيوب ولولا رجاء ذلك لما كان ينبغي لي أن أعطى الحكمة غير أهلها كما لا ينبغي أن أسمعها من هو من أهلها وأما قولك إن كتابكم يقول إن موسى سمع الله وكلمه تكليما فكيف يسوغ لك أن تجنح بما أنت منكر لأصله ولا تعترف بأنه كلام الله وأنت منكر لتصديق من جاء به فلا يحل لك أن تحتج لنفسك ولا لغيرك بما تعتقد أنه كذب وأما نحن فيمكننا أن نحتج عليكم وعلى اليهود بالتوراة والإنجيل لأنا نعتقد أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى وهما هدى قبل أن يغيرا ويبدلا وينسخا بغيرهما

107

وأما اليوم بعد أن ثبت عندنا ما ذكرته فلا نحتج بشيء منهما على جهة انتزاع الأحكام فإن الله تعالى قد أخرجنا بالنور من الظلام وهدانا لما اختلفتم فيه من الحق بنبينا محمد عليه السلام وسنبين إن شاء الله ما يدل على صدقه من المعجزات وواضح الدلالات ثم نقول إن الله تعالى كلم موسى بكلامه الذي هو صفته وسمعه موسى بالإدراك الذي خلقه الله له وقولك كيف ظلم وحيف إذ سؤالك بكيف في هذا المحل دليل على أنك جاهل بمطلبها فينبغي لك أن تعلم أن صيغ المطالب كثيرة وهي مع كثرتها لا يتوجه شيء منها على الله تعالى وعلى صفاته وذلك أن من صيغ المطالب ما وأي ولم وكيف ومتى وأين وغيرهما مما في معناها ولا يتوجه على الله تعالى بشيء منها لاستحالة معانيها على الله تعالى فلا تسأل عنه ب ما ولا ب أي إذ لا جنس له ولا فصل ولا ب لم إذ لاعلة له ولا أصل ولا ب متى إذ هو مقدر الزمان ولا ب أين إذ هو خالق المكان ولا ب هل إذ لانشك في وجوده وهو خالقنا ولا ب كيف إذ لايناسب جوده ولا صفاته شيئا من أحوالنا وأوصافنا وجوده إثباته وإثباته ذاته وعلمه كل شيء صنعه ولا علة لصنعه لا يتوجه لمخلوق عليه حق ولا يعجزه خلق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ثم نقول ومما يبين لك أنه يصح السؤال بكيف هنا لأن المطب بكيف إنما هو سؤال عن حال موجود يناسب حال السائل بكيف فإذا قلت كيف زيد إنما معناه على أي حال هو من الأحوال التي تناسب أحوالنا في حال صحة 2 أو في حال مرض أو في حال علم أو في حال جهل إلى غير ذلك من أحواله المناسبة لأحوالنا فإذا قلت كيف سمع موسى كلام الله فكأنك قلت على أي حالة سمع موسى كلام الله من الأحوال التي نكون نحن عليها حين يسمع بعضنا من بعض ونحن والعقلاء الذي يعرفون ما يجب لله

108

وما يجوز وما يستحيل في حقه يعلمون بالبراهين القاطعة أنه يستحيل أن يسمع موسى كلام الله على شيء من الأحوال التي يسمع عليها بعضنا من بعض على ما نبينه إن شاء الله فعلى هذا إذا سألنا سائل كما سألت أنت قلنا له السؤال عن الله تعالى وصفاته ب كيف ظلم وحيف فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وقد سألت ب كيف في موضع لا مدخل لها فيه فتأدب مع الله قبل حلول عقاب الله فإن من لم يستعمل مع الله الأدب فقد استحق التعب وحرم الرتب ومن لم يستنكر هذا الكلام لحق بالبهائم والهوام فإنه لو سألك عنين لم يذق قط لذة الجماع وقال لك كيف أدركت أنت لذة الجماع لكان الجواب يصعب عليك ولم يمكنك تفهيمه إذ لم يذق لذة الجماع وكذلك كل من لم يسمع كلام الله كما سمعه موسى عليه السلام فهو كالعنين بالإضافة إلى إدراك الكلام القديم إذ لم يسمعه ولا اتصف بالإدراك الذي اتصف به موسى عليه السلام وكما لا يقال كيف يسمع الله كلام الخلق كذلك لا يقال كيف يسمع كلامه أحد من الخلق وكما لا يقال كيف يرى الله الخلق كذلك لايقال كيف يراه الخلق فإن الكيفية محال على الله تعالى وعلى صفاته من جميع الوجوه ولولا خوف الإكثار وأنا وضعنا هذا الكتاب على الإختصار لملأت صدرك من عظمة الله تعالى إن كنت عاقلا حتى يتبين لكم أنكم لم تعرفوا الله حق معرفته ولا قدرتموه حق قدره وأما قولك فإن قلتم أنه كلمه بذاته فقد أوجبتم له جارحة النطق ووقعتم فيما أنكرتموه من الجسم فلا يلزم من هذا كله شيء وإنما كان يلزمنا هذا لو قلنا إن الله تعالى كلمه بصوت وحرف يخرج من لهوات ويقطعه لسان ونحن لا نقول بشيء من ذلك بل نقول إن الله تعالى متكلم بكلام هو وصف قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت وهذا معقول مفهوم فإنا نحس من أنفسنا كلاما قائما بذواتنا فنتحدث به مع أنفسنا ليس بحرف ولا صوت وهذا مما يجده الإنسان من نفسه بالضرورة ويكون الحرف والصوت دالين على ذلك المعنى الذي في النفس وهذا لاستحالته في كلام بناسبه

109

من بعض الوجوه لله تعالى لكن على القدر الذي يجوز في حقه تعالى وإنما ذكرنا لك أنفسنا مثالا لذلك على جهة التأنيس كما أنا نقول حقيقة العلم واحدة في القديم والحادث ونعنى بذلك إنكشاف المعلوم لأن العلم القديم يشبه الحادث فافهم وهذا كله يتبين في موضعه ويعرف بدليله فعلى هذا الأصل الذي قررناه نقول الكلام الذي سمعه موسى عليه السلام هو كلام الله القديم القائم بذات الله الذي ليس بحرف ولا صوت فإن قلتم كيف يسمع ما ليس بحرف ولا صوت قلنا الجواب عنه قد تقدم إذ لا يصح السؤال عنه ب كيف لاستحالة شرط السؤال بها ثم نقول سلمنا جدلا أنه يصح السؤال ثم يكون الجواب عنه أن تقول يسمع ما ليس بصوت ولا حرف كما يعلم موجود ليس بجوهر ولا عرض وكما يرى الله الخلق وليس بذي حدقة ولا عين وكما يسمع أصواتهم وليس بذي صماخ ولا أذن وكما يعلم وليس بذي قلب ولا دماغ وكما يراه المؤمنون في الدار الآخرة كرامة لهم وليس بذي جسم ولا لون فكما تصح هذه الأمور كلها وإن كانت مستبعدة بالإضافة إلى أوهامنا في حق الله تعالى فكذلك يصح أن يسمع موسى ما ليس بحرف ولا صوت ثم نقول للذي لا تبقى معه حسيكة في النفس ولا استبعاد في الوهم إن الله تعالى خلق لموسى إدراكا لكلامه القديم وصل به إلى تحصيل مفهوم كلام الله تعالى ومراده منه فسمى ذلك الإدراك سماعا وعبر عنه بسمع كما أنا نجوز أن يكرم الله من شاء من أصفياء خلقه بأن يطلعهم على بعض ما في نفوس بعض الناس من غير تعبير عنه بصوت ولا حرف وذلك كما في بعض كتبكم أن عيسى عليه السلام أعلم بعض الحواريين عما في نفسه ولو عبر عن ذلك بأن يقال سمع عيسى كلام ذلك الرجل لكان صدقا وحقا وهذا كله جائز عقلا لا استحالة فيه فإن قيل كيف ينبغي لك أن تقول إن الله تعالى متكلم بكلام ليس بصوت ولا حرف وقد جاء في التوراة أن الله تكلم بصوت

110

لآدم وحواء وذلك أنهما لما طفقا يلفقان ورق التين ليسترا بهما عورتهما فسمعا صوت الله الرب يتمشى في الفردوس إلى أن قال فدعا الرب آدم وقال أين أنت يا آدم وقال آدم سمعت صوتك في الفردوس فرأيت أنى عار فاستترت واستخفيت وهذا يدل على أن لله تعالى صوتا وهو خلاف ما ذكرت فيلزمك على هذا تكذيب التوراة أو تقول بمقتضاها فترجع عما قلته آنفا فنقول ما أمرنا به نبينا عليه السلام عندما تحدثونا بشيء آمنا بالله وكتبه ورسله وبعد ذلك نقول في التوراة بمثل ما قلناه في الإنجيل أو قريبا منه فجدد به عهدا وفيه نظرا ثم إن سلمنا صحتها فليس في هذا الذي ذكرته ما يدل على أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت وإنما الظاهر منه أن آدم سمع حس مشى الله في الفردوس ألا ترى قوله فسمعا صوت الرب يتمشى في الفردوس هذا هو الظاهر من هذا اللفظ وأنتم لا تقولون به ولا نحن وإن كانت اليهود أو أكثرها قد قالت بمقتضى ظاهره فجسمت وأنتم إن قلتم بظاهره يلزمكم ما لزمهم فإذن هذا اللفظ مؤول عندكم وعندنا أعنى من المتشابهات التي يعلمها الراسخون في العلم فما لم يستقم جعله على ظاهره تأولتموه أنتم وصرفتموه عن ظاهره وقلتم أن هذا إنما يراد به كلام الله تعالى الذي هو حرف وصوت عندكم وهو فعل من أفعال الله تعالى عندكم وإلى نحو من هذا صار أغشتين وإذا تأولتم أنتم هذا اللفظ وأخرجتموه عن ظاهره فنحن نخرجه عن ظاهره بتأويل آخر أحسن من تأويلكم لا يلزم عليه شيء من المحالات التي تلزمكم وسنبينها إن شاء الله ولنا في ذلك تأويلان أحدهما أن الله تعالى خلق صوتا في بعض طرق الفردوس

111

يشبه صوت الماشي وهو الذي يسمى بلسان العرب الهمس والخشخشة فلما سمع آدم ذلك الصوت تنبه لمخاطبة الله تعالى ولحضوره معه ثم أضاف الصوت إلى الله تعالى لأنه هو الذي تنبه آدم عنده لمحاضرة الله وكأن آدم كان في غفلة لشدة حزنه وعظيم ما حل به وهذا كما يعتري الواحد منا إذا كان ملهوفا بأمر هائل فإنه يشتغل بنفسه بل ويغفل عن حسه ثم قد يتنبه عند سماع صوت شيء وحس إنسان فيرجع عند ذلك لنفسه ويتنبه لمن معه وعلى هذا التأويل يكون في يتمشى ضمير يعود على الصوت فكأنه قال يتمشى الصوت في الفردوس لا على الله إذ يستحيل على الله تعالى ظاهر المشى ومفهومه السابق منه وهذا تأويل حسن سائغ عند المنصف والتأويل الثاني أن الصوت يراد به الكلام القائم بذاته وإن كان ليس بصوت فيجوز أن يسميه صوتا لأنه يمكن أن يدل عليه بالصوت كما نقول إن موسى عليه السلام سمع كلام الله القائم بذاته بمعنى أدركه وفهمه بإدراك خص به موسى ثم عبر موسى عنه لنا بصوت مقطع إذ ليس في قوتنا إدراك ما ليس بصوت وبقريب من ذلك نقول نحن في القرآن وهذا النوع من التأويل نوع جائز جار في الكلام فإنه تسمية الشيء بما يدل عليه كما تقول سمعت علم فلان وإنما سمعت كلامه الذي دل على علمه والكلام ليس هو العلم وعلى هذا التأويل يكون في الفردوس معلقا ب سمعا لا ب يتمشى ويكون معنى يتمشى يبلغ والبلوغ عبارة عن الإدراك الذي به أدرك كلام الله تعالى يعني سمعه وكذلك قوله سمعت صوتك في الفردوس أي وأنا في الفردوس ولو كنت تعرف لسان القوم الذين ترجمت التوراة والإنجيل بلغتهم لذكرت لك من هذا أمثلة كثيرة وفي القليل المبصر غنية عن الكثير فهكذا ينبغي لك ولكل عاقل أن يفهم تأويل الصوت الذي وقع في التوراة ولعمري لا يبعد أن يتأول تأويلات أخر جاريات على السنن القويم والمنهج المستقيم وفيما ذكرناه مقنع للعاقل فتدبر فهمك الله ما ذكرته ولا تعتقد في الله تعالى أنه متكلم بصوت محدث فإن ذلك محال

112

ونحن نبين استحالته مستعينين بالله ومتوكلين عليه فنقول من المتقرر الثابت عند المشرعين كلهم أن الله تعالى متكلم ومن لم يعول في ذلك على ما أخبرت به الرسل ولا وافق على الشرائع أقيمت عليه القواطع التي لا يردها إلا معاند وليس هذا موضع ذكرها فإذا تقرر ذلك فنقول إما أن يكون متكلما بصوت أو بغير صوت فإن كان متكلما بصوت فذلك الصوت إما أن يكون قائما به أو قائما بغيره أولاقائما به ولا قائما بغيره محال أن يكون قائما به فإن الصوت لا يكون مفيدا حتى يتقطع بالحروف وتلك التقطيعات لا بد أن تكون حادثة فيلزم عليه أن يكون محلا للحوادث وإذا كان محلا للحوادث لم يخل عنها وإذا لم يخل عنها كان حادثا مثلها على ما تحقق في موضعه وذلك كله محال على الله تعالى وإن قام بغيره فذلك الغير يكون المتكلم به سواء كان ذلك المحل جمادا أو حيوانا فإن قلنا إنه يجوز قيامه بجسم جماد وإن جاز أن قوم الصوت بمحل ويكون الباري تبارك وتعالى متكلما به جاز أن تقوم صفة بمحل وتوجب حكمها لمحل آخر فيلزم على ذلك أن تقوم حركة بجسم يكون جسما آخر متحركا بها ويقوم بمحل لون ويكون محل آخر متصفا به وذلك كله محال بالضرورة ويلزم عليه أن يكون الباري تعالى متكلما بما يقوم بنا من كلامنا الى غير ذلك من المحالات وباطل أن يقال لايقوم به ولا بغيره لأنه يكون قائما بنفسه وخرج عن كونه صفة زائدة على النفس وإذا بطلت هذه الثلاثة الأقسام وهو ما قدمنا ذكره ومن أراد مزيدا فليرحل ويرتد للحق بعد أن يبحث ويسأل وإذا ثبتت هذه القاعدة الوثيقة العظيمة الأنيقة التي لا يعرف قدرها ولا عظم خطرها إلا من نور الله بنور اليقين بصيرته وأصلح بجزيل التوفيق سريرته بطل ما أملتموه ولم يلزم شيء مما ألزمتموه ولا تم لكم شيء مما أردتموه فإن جملة ما تريد أن تقوله في هذا الفصل أن الله تعالى متكلم

113

بصوت وأن موسى سمع بذلك الصوت وهو يقول أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وذلك الصوت غير الله ومع ذلك خاطبه موسى بقوله رب أرني أنظر إليك وقد اعترف له موسى بالربوبية فكذلك المسيح في قوله أنا الله صادق إذ قد اتخذه واسطة بينه وبين خلقه كما اتخذ جسم النار والكلام واسطة بينه وبين موسى فينبغي لنا أن نعترف بربوبيته كما اعترف موسى بربوبيه الصوت وهذا الهذيان كله الذي ذكرته وليتك ما أنحلته الذي والله لا شرع يعضده ولا عقل يقبله ويريده مبنى على أن الله تعالى متكلم بصوت وقد أبطلناه فبطل كل ذلك ومع ذلك فلنتكلم على أجزاء كلامك بعد أن بينا جملة مقصودك ومرامك حتى يتبين أنكم لستم على شيء مما ينتحله العقلاء بل يتبرأ منه الفضلاء فنقول أما قولك وإن قلتم إن الله خلق له كلاما فقد أثبتم كلاما مخلوقا قائما بخلقه جوهرا في نفسه فنقول بعد أن أبطلنا الصوت الذي ترومون البناء عليه نسلمه لكم جدلا ونبين بعد ذلك أنه لا يلزم شيء مما ذكرته إذ لا يلزم من تقدير صوت الله تعالى عن ذلك مخلوق أن يكون الصوت قائما بنفسه جوهرا فإن الصوت إنما حقيقته أنه صفة لموصوف وعرض في محل والعرض لا ينقلب جوهرا فإن قلت فيلزمك أن يكون عرضا قال لك المجيب وما الذي يلزم منه إن كان عرضا فإن قلت يلزم منه أن يكون العرض هو الذي قال لموسى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني والصوت لا يتكلم وإنما يتكلم به قلنا لك جوابك أن الصوت لا يتكلم عن نفسه وإنما يتكلم به كما قلت أنت ثم يلزمك أنت إن جعلته جوهرا غير الله تعالى أن يكون هو الذي قال عن نفسه أنا الله لا إله إلا أنا وله اعترف موسى بالربوبية لا الله وله سجد لا الله وإذا انتهى إنسان إلى هذه المخازي فقد كفر بموسى وباإله موسى نعوذ بالله من أنظار تقود في الدنيا إلى الفضيحة والعار وفي الآخرة إلى الخلود في عذاب النار وعلى هذا الكفر الصريح يدل قولك إن موسى أقر لها بالربوبية تريد للواسطة وإذا أقر لها بالربوبية ولم يعرف قط من موسى عليه

114

السلام أنه أقر بالربوبية لالهين فقد اعترف بربوبية الواسطة وأنكر ربوبية الله وكذلك يفعل الله بكل مسرف مرتاب أعاذنا الله من الإختلال المفضى بصاحبه إلى الضلال ثم هذه المخارق بلزم منها قلب الحقائق فإن الصوت لا يقوم بنفسه ولا بخلقه والقائل بذلك يشهد العقلاء بحمقه فإن حقيقته صفة لموصوف يستدعى وجودها محلا كما سائر الصفات إذ لايعقل قيام صفة بنفسها بل بغيرها وهذا ضروري وأما قولك فإن قلت إن الصدى لم يقل له أنا الله ولكنه كان في مسامع موسى أنا اللة قلت لك ان الصدى هو العامل في مسامع موسى وهو المحرك له وعليه رد واياه أجاب فيلزمك على هذا الانفصال أن يكون موسى رسول الصدى لا رسول الله وعليه يدل كلامك وعنه تحمل الرسالة لا عن الله وإذا كان كذلك فقد كذبت موسى عليه السلام على ما يلزمكم حيث قال لفرعون أنا رسول الله فإن كان بزعمك رسول الصدى فإذا كان الصدى يقول أنا الله ويعترف له موسى بالربوبية ويأمر لموسى بتبليغ رسالته فقولوا أن الصدى إله وأضيفوه إلى آلهتكم المتقدمة فيكون عددهم خمسة وذلك أن الأقانيم الثلاثة عندكم آلهة وعيسى إله رابع والصدى إله خامس ومنكم طائقة تدعى أن مريم إله فتكون الآلهة عند هذه الطائفة ستة وإذا انتهى عقل إنسان يقول هذه المخازي بلسانه ولا يشعر بها سقطت مكالمته ووجبت مجانبته ولا معنى لتطويل الكلام مع من يرتكب ذلك الهذيات فقد تم للشيطان فيهم أمله وأنجح معهم سعيه وعمله ومع هذا ف إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون وينبغي أن يتعدى أكثر كلام هذا السائل مما هو ظاهر الفساد ولعلنا نصل إلى ما هو المهم والمراد من نقل مذاهب المتقدمين أعنى المطارق والقسيسين إذ كلامهم يمكن أن يعقل أعنى ينفهم ويتحصل ولا بد مع ذلك من نقل كلام هذا السائل ليعلم الناظر فيه أنه ليس تحته طائل وأن المتكلم به ليس بعاقل

115


الفصل الرابع

تجسد الواسطة من حكاية كلامه قال فإذا لم يكن بد من الصدى فقد قال أنا الله فأسألك إن كنت تصدق الصدى أم تكذب فإذا لم يكن بد من تصديقه في قول الربوبية إذ قال أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني قلنا لكم وكذلك صدق المسيح في قوله أنا الله وانا لنرى كذا صدق الحواريون ومن اتبعه من غيرهم في قوله في الربوبية كتصديق موسى للكلام وألا يتمارى له برسالته إلى أهل مصر وقد أوجبتم أن جسم المسيح وكلامه لما خطب بالربوبية مثل جسم النار والكلام إذا خاطب موسى بالربوبية فإن قلت إن موسى لم يعبد النار كما تعبد النصارى المسيح قيل لك إن الكلام قال له اعبدني وسجد له موسى وقال تبت إليك وأنا أول المؤمنين فإن قال المسلم عند الإضطرار إن النار والصدى واسطة ولكنها خلاف المسيح وكلامه لأن النار ليس من طبعها الكلام وأما المسيح فإنه كان إنسانا معروفا بالكلام فلا آية فيه قلنا لك إذ قد أوجبتم أن الخليقة لا تدرك الخالق إلا بجسم مخلوق تتخذه وتجعله واسطة بينه وبين من خاطب من الأنبياء ويصير الواسطة لهم إلها فقد جامعتموه على الإقرار بواسطة مخلوق بالربوبية للمسيح ووقعتم فيما أنكرتم وليس ينفعكم ملجؤكم إلى القول بأن النار والمسيح ليس آية وإنما أوجبتم علينا الشرك في قولنا بواسطة فإذن العقل والحق لا يعيب الواسط فكلا الواسطين بين الله والخلق

116

وإذا ذهبتم إلى أن النار صادقة لا يتخوف عليها الكذب وأن المسيح يتخوف عليه الكذب فإن موسى قد أوجز في النار والكلام وإنما قطع الشك باليقين بآية العصا واليد الذي أدخلها في جيبه وكذلك قطع المؤمنون بربوبية المسيح شكهم بإقرار الموتى عند إحيائه لهم بربوبيته وإن ذهبتم إلى أن خلق النار في ذاتها أشرف فإن كل مخلوق في الدنيا هو منافع لولد آدم مسخرة لهم وكفى بقولكم في قرآنكم إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وأن ابليس مسخوط عليه في الأبد لابائه السجود له وقوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فإن قلتم كذبتم على المسيح لأنه لم يدع مما قلتم شيئا قلنا إنما أنكرتم علينا القول بما وجدنا في كتابنا نحن لا نستدل بمثل هذا في الأبد فاضررناكم من كتابكم إلى القول بمثله فلما أبينا قلتم كذبتم على المسيح فلم تكذبونا وكتابنا على القول بمثل قولكم في واسطة موسى وعبادته لها وأنتم لما أوجبتم أن الأمة تحاسب بعملها يوم القيامة أن محاسبها يخاطبها يوم القيامة ويكافئها بأعمالها ثم يقول قرآنكم وجاء ربك والملك صفا صفا فما تنكرون أن يكون المسيح الذي كان واسطة للوعظ أن يكون هذا المقبل مع الملائكة كما قدمه في الإنجيل حيث قال يقعد ابن الإنسان يعني الحجاب المتخذ من نسل آدم في مجلس عظمته وتقدم جميع الأمم بين يديه ويميزهم كما يميز الراعي الغنم من المعز فيحمل المؤمنين عن يمينه والمجرمين عن شماله ثم يعاتبهم ويأمن كل طائفة بمثل ما قدموا في دنياهم وإذا أوجبتم أن الله لا مفطور ولا مدرك بحاسة فقد وجب أن المحاسب المسموع مدرك بالحواس مع إقراركم أن ربكم قال ترون

117

ربكم ولا تضامون في رؤية القمر ليلة البدر أو لم تنكرون أن يكون المسيح الذي كان واسطا للوعظ أن يكون هو المقبل مع الملائكة كما قال عنه قرآنكم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور الجواب عما ذكره اعلم يا هذا المتكلف في بغيته المتعسف في تأويل دينه أنك قلت في هذا الفصل من الباطل والكفر مالا حجة له ولا أصل خالفت فيه دين النصارى المتقدمين ولم تعرج على مذاهب القسيسين بل رغبت عن ملة أئمتك لل مطارين فوجب على أهل ملتك أن يعدوك في الخارجين ومن الجهال المبتدعين وذلك أنك زعمت أن الذي قال لموسى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني إنما كان الصدى ولم يكن الله تعالى وزعمت أن موسى اعترف للصدى بالربوبية وأنه هو الذي كلم موسى وإياه حارب وعنه تحمل الرسالة حتى اتى فرعون وأن ذلك الصدى قام عند موسى مقام خالقه فسماه إلها وزعمت أن موسى سجد لذلك الصدى وأنه هو الذى سأل موسى رؤيته ولذلك زعمت أن موسى قال للصدى تبت إليك وأنا أول للمؤمنين فإذا كان للصدى فلا حاجة لموسى ولا لأحد إلى الله تعالى فإنه لم يقل لا إله إلا أنا وإنما قالها الصدى والصدى صادق بزعمك فقد بطلت إلهية الله تعالى وثبتت الهية الصدى وإذا كان كذلك فلم لا تعبدون هذا الصدى الذي عبده موسى وسجد له وتاب له بعد أن اعترف بربوبيته وما بال حبقوق النبي لم يعبد هذا الصدى كما عبده موسى ولم يذكره ولم يعترف بربوبيته وكذلك ما بال حزقيال لم يعبد هذا الصدى كما عبده موسى ولم يذكره ولم يعترف بربوبيته وكذلك أشعياء ويحيى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والحواريون ما بالهم لم يعبدوا ما عبد موسى وسجد له واعترف بربوبيته وأنه لا رب سواه فهؤلاء الأنبياء والأولياء أما أن يكونوا علموا أنه إله إلا الصدى كما قال الصدى بزعمك أو جهلوا ذلك فإن كانوا

118

علموا فلأي شيء لم يعترفوا بذلك وسكتوا عنه إذ لم يصح قط عن واحد منهم أنه قال لا إله لكم إلا الصدى فليزمكم أن يكون سكوتهم عن ذلك أما عن جحد أو تلبيس فإن كانوا علموا الحق فجحدوه فذلك كفر منهم وهم صلى الله عليهم أجمعين مبرأون عن ذلك منزهون ولو كان ذلك لاستحال أن يظهر عليهم من الآيات شيء مما ظهر وإن كان سكوتهم عن تلبيس فإن جاز عليهم التلبيس في مثل هذا جاز عليهم التلبيس في كل ما أخبروا به من الشرائع إذ كل الشرائع والأحكام تحتقره بالإضافة إلى معرفة الربوبية وإن كانوا جهلوا ذلك فكيف علمت أنت يا أحمق ما جهله الأنبياء والأولياء فإن كانوا تكلموا بذلك وقالوا به ففي أي سفر من أسفار التوراة هو أن موسى أخبر أن الله لا إله له ولا لكم إلا الصدى وأن الصدى أرسله إلى فرعون وأنه إله فإن كان ما تدعيه حقا فائت بالتوراة فاتلها إن كنت من الصادقين وفي أي كتاب من كتب الأنبياء جاء مثل ذلك أفي كتاب حبقوق أو في كتاب حزقيال أو في كتاب أشعياء أو في كتاب دانيال أو في إنجيل لوقا أو في إنجيل متاؤوش أو في إنجيل ماركش أو في إنجيل يوحنا أو في مصحف الإعلان أو في أي كتاب من رسائل الحواريين وجد مثل ذلك هل وقع شيء منه هنالك وهذه الكتب التي ترجعون إليها وتعولون عليها إذا لم يوجد فيها شيء مما ذكرت علم من حالك أنك على الله ورسله كذبت وافتريت ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين بل قد تواردت الرسل على الأخبار بالقواطع التي لا تجهل بأن الله إله واحد وأنه ليس له في ألوهيته شبيه ولا مضاد وإذا تبين بهذا أنك كفرت وأن الله ربك سببت وعلى رسله كذبت وأنك من جميع الملل خرجت تعين على اليهود والنصارى أن يشتوروا في أمرك ويأتمروا في حرقك أو نحرك ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق

119

ثم نقول هذا الصدى الذي وصفت وهو إله عندك كما زعمت أهو الله تعالى رب العالمين وخالق السموات والأرضين أم إله غيره فإن كان هو الله تعالى فلم سميته الصدى ولم جعلته واسطا بين نفسه وبين خلقه وهل هذا إلا محال فإنه لا يتصور في العقل واسط لا بين إثنين ويكون الواسط ثالثا ثم يلزمك على هذا أن تجعل ذات الباري الرب تعالى صوتا حادثا فإن ذلك الصدى عندكم حادث وهذا كله محال بضرورة العقل وإن قلت أنه غيره فيلزم أن يكون ذلك الصدى هو المتكلم عن نفسه والمخبر بحقيقته فإذا سمعه موسى يقول أنا الله لا إله إلا أنا فأما أن يخبر عن نفسه أو عن رب العالمين فإن أخبر عن نفسه فهو كاذب فإن الرب تعالى يكون إلها آخر وإن أخبر عن الرب فلأي شيء قلت أنه إله وأن موسى اعترف له بالربوبية وسجد له بل الإله الحق رب العالمين والصدى ليس بإله ولا رب فقولك اعترف موسى بربوبيته وعبده باطل بالضرورة ثم نقول هب أن ذلك الصدى هو المتكلم عن الله وأنه إله فهل يقدر الله تعالى على ان يتكلم ويخبر عن إرادته بغير ذلك الصدى فإن قلتم لا فذلك تعجيز لله تعالى وهو القادر على كل شيء ويلزم عليه أيضا أن يكون محتاجا لذلك الصدى وكل من كان محتاجا فهو ناقص معيب وليس بغنى والله تعالى هو الغنى عن كل الموجودات وليس لشيء من الموجودات عنه غنى وإن كان قادرا على أن يسمع كلامه بغير واسطة فلعل موسى سمعه بغير واسطة وإذا جاز أن تسقط الواسطة أنهدم كل ما رمت بناءه على أنا قد كنا هدمناه أولا في أوحى لحظة بأيسر نفخة وإنما أردنا أن نبين لك ولكل من وقف على كلامك بعض ما يلزمك وأنت لم تشعر بشيء من ذلك ولولا خشية التطويل لأوردت عليك من النقوض واللوازم ما يتعجب منه كل حبر نبيل ثم نقول هب أنا نسلم جدلا أن الله تعالى تكلم مع موسى بواسطة الصدى فلم قلت أن عيسى مثل الصدى أعنى أنه واسطة كما أن ذلك الصدى واسطة وما الذي دلك على ذلك ولأي شيء سويت بينهما والفرق بينهما ظاهر وذلك أن الصدى الذي زعمت أن موسى سمعه إنما سمعه موسى بعد أن احتجت له بالنار كما زعمت والنار جماد

120

وإذا قام بالجماد صوت يفهم منه أنا لله لا إله إلا أنا فيمكن أن يعقل هنا غالط مثلك أن المتكلم بذلك الصوت أما غير الجماد لاستحالة الإلهية عن الجماد وأما حيوان ممكن أن يتوهم فيه أنه إله كما توهمتم أنتم في ذلك ولا يصح ذلك في الله لأنه إذا قال لا إله إلا أنا فعن نفسه يخبر وإليه يرجع حكم خبره بخلاف الجماد فكيف قست أحد الواسطين على الآخر وليس في معناه ولو أردنا تطويل الكلام لذكرنا فروقا أخر تمنع مقايسة النار بالبشر وأما قولك إن عيسى علي السلام قال أنا الله وأن الحواريين صدقوه في ذلك فكذب صراح وافك بواح فإنه لم يرووا عنه عليه السلام في ذلك أقوال بوجه صحيح ولا بنص صريح بل الذي صح منه ونقل بالتواتر عنه أنه كان يقول اعبدوا الله الذي لا إله إلا هو وأناجيلكم تشهد بذلك عليكم ثم نقول لو ثبت أن عيسى قال ذلك اللفظ بعينه فمن الممكن سوغ حمله على محمل قويم في العقول غير مخالف للمنقول وهو أن عيسى عليه السلام كان محبا لله تعالى مشتهرا في محبته ومن عادة المشغوف بشيء المشتهر به أن يستحضر ذلك الشيء المشتهر فيه في قلب ويجعله نصب عينيه حتى لا يلاحظ شيئا سواه بل ربما ينتهى ذلك به إلى أن يذهل عن نفسه ويغيب عن حسه ففي مثل تلك الحالة يظن المشتهر أن الشيء الذي شغف به هو هو حتى يقول
أنا من أهوى
ومن أهوى أنا

وكذلك قال الآخر
فكل شيء رآه ظنه قدحا
وكل شخص رآه ظنه الساقي

وكذلك عيسى عليه السلام لما انكشف له من سلطان الحقيقة أمر ما غاب عن نفسه وفنى عن حسه لما شاهد من جمال الربوبية والحضرة الإلهية فذهل عن كل ما سوى الله فقال أنا الله وهذه أمور عجيبة وأذواق غريبة لا يدركها إلا من اختاره الله من خلقه واصطفاه بحضرته ف ليس بعشك فادرج

121

وأما قولك لنا قد أوجبتم أن الخليقة لا تدرك الخالق إلا بجسم مخلوق تتخذه وتجعله واسطة بينه وبين من خاطب من الأنبياء فقول باطل علينا فاسد لدينا فأنا قد أحلنا تلك الواسطة فيما تقدم بوجوه متعددة وقد حكمنا بتكفير من أثبت واسطا على نحو ما زعمت ولا أعلم أن أحدا من المسلمين قال شيئا من ذلك بل ولا من أهل الملل غيرك ثم نقول هذا الواسط الذي زعمت لا يخلو أن يدرك الله تعالى أعنى يعرفه ويسمع كلامه أو لا يدرك فإن قلتم لا يدرك فقد شهدتم على أنفسكم أن الواسط ليس بالله اذ الاله لا بد أن يكون دراكا ويلزمكم على ذلك أن يكون عيسى لا يعرف الله تعالى ولا يسمع كلامه وهو محال وإن قلتم أنه يدرك الله تعالى فهل يدركه بواسطة أو بغير واسطة فإن أدركه بواسطة أخرى فالكلام في تلك الواسطة كالكلام في الأولى ويلزم التسلسل وإن أدركه بغير واسطة فيجوز لنا نحن أن ندركه بغير واسطة وفي هذا إبطال ما ذكرت من إثبات الواسطة الذي ذكرت أن المسلم قد اضطر إليه وأما قولك إنما أوجبتم علينا الشرك في قولنا بواسطة فإذن الحق والعقل لا يعيب الواسط فلنعلم أنا لم نوجب عليك الشرك من حيث الواسط فقط بل من حيث أثبت واسطا إلهيا وذلك أنك زعمت أن الصدى قال لموسى مخبرا عن نفسه أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني واعترف له موسى بالربوبية وتحمل عنه الرسالة وعبده وسجده له فهذا إثبات إله غير الله وكذلك قلتم في المسيح أنه قال أنا الله واعترف الحواريون له بالربوبية فهذان الهان ثم إن الأقانيم ثلاثة آلهة فصارت آلهتكم خمسة فيا ليت شعري هذه الآلهة الخمسة هل اشتركوا في إيجاد الموجودات واختراع الكائنات أو انفرد بها أحدهم فإن كان قد انفرد بها أحدهم فهو الإله الحق الواحد الفرد وإن كانوا قد اشتركوا وتعاونوا على خلق المخلوقات فلا معنى للشرك إلا هذا ويلزم على تقدير إجتماعهم وتوافقهم على الخلق أن يكون كل واحد منهم مضطرا إلى مساعدة الآخر وكل مضطر ناقص والناقص ليس بااله وإن قدرنا اختلافهم في الخلق بحيث يريد أحدهم أن يخلق ويريد الآخر أن لا يخلق فيؤدي ذلك إلى أن لا يخلق أحدهم

122

شيئا فلا يوجد الخلق وقد وجد الخلق فدل ذلك على أن الإله واحد لا شريك له ولا إله غيره ثم نقول عباد الأصنام والأوثان أشبه حالا منكم لأنهم في عباداتهم إنما كانوا يعبدون أصنامهم ليقربوهم إلى الله زلفى وأنتم إنما تعبدون هذه الآلهه لأنها أرباب من دون الله متقربون منها وهذه جهالات بينة وضلالات ظاهرة عميت عنها بصائركم فأفطرت عليها قلوبكم وأعجب من ذلك لكه قولك العقل والحق لا يعيب الواسط أما من قال هذا فقد خرج عن غريزة العقل وتارة وقع في مفازة الجهل فإن العقل الصريح يشهد بضرورته بإبطال الواسطة وأما الحق فهذه كتب الأنبياء بين أيدينا وأيديكم ففي أي كتاب منها أن الآلهة خمسة أنها تدل كلها على أن الإله واحد ولا ولد له ولا والد وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا وستقدم فتعلم وأنت قد اضطربت في هذا الفصل ولم يثبت لك فيه فرع ولا أصل والكثير مع من لا يعقل عمل من لا يحصل وأما قولك وأنتم لما أوجبتم أن الأمة تحاسب بعملها يوم القيامة أن محاسبها يخاطبها يوم القيامة ويكافئها بأعمالها فقد كان ينبغي لك ألا تحتج بشيء لم يثبت عندك أصله ولا تصدق بنقله ثم لا حجة لك في شيء مما ذكرته وذلك أن محاسبة الله تعالى للعباد في الدار الآخرة مما يجب الإيمان بها ومما قد تواردت عليه الشرائع أما بالتصريح وإما بالإيماءات والتلويح وذلك يكون ولابد ولأجل مجازاة العباد بأعمالهم في الدار الآخرة خلق الله الخلق وبسط الرزق وأرسل الرسل وأنزل الكتب أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ومحاسبة الله للخلق تكون على وجوه جائزة في العقل وإرادة في النقل لا تحتاج إلى شيء مما تخيلته منها أن العبد يوقف في موضع الفصل والقضاء فيعطى كتابا أحصيت فيه أعماله ويقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

123

فإذا وقف عليها علم أن المكتوب فيها هو أعماله فإن كان سعيدا قال هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية فعند ذلك يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وإن كان شقيا فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه عند ذلك يقال للملائكة خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه فهذا وجه من وجوه المحاسبة لا تحتاج معه إلى إثبات واسط ويمكن أن يكون هنالك وجوه ممكنة في المحاسبة ليس هذا موضع ذكرها ولا أنت أهل لفهمها لا تحتاج في شيء منها إلى ما رمت من الواسطة فكأني والله بك إن مت على ما أنت عليه يؤخذ بناصيتك وقدمك وتحيط بك ملائكة ربك ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فتنادى فتقول يا عيسى يا سيدي يا إلهى يا ولد الله فيقول لك كذبت ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد ولست باإله ولم أقل لك كذلك ولا أبلغتك ذلك وإنما بلغتك أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له فكيف ترى خجلتك بين يديه وحيرتك إذا طلبت في نفسك جوابا ترده عليه فذلك المقام لا ينفعك فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا ما قدمت يداك من حسن إيمان وصالح عمل وسعادة قضت لك بها سابقة الأزل فإن الملائكة والنبيين لا يشفعون إلا لمن ارتضى رب العالمين فالله الله انظر في خلاص نفسك لتجتني ثمار غرسك وأما قولك يقول قرآنكم وجاء ربك والملك صفا صفا

124

فلست لها فما شأنك وإياها أنت لا تعرف لسان من خوطب بها ولا تعرف مضمونها فكيف يمكنك الإستدلال بها والتطواف حولها وأنت عرى عن الشرط الذي به يعرف معناها ويفهم فحواها وليس مفهومها عند من خوطب بها من العرب الفصحاء البلغاء على شيء مما ذكرت ولا يقرب مما توهمت بل معناها عندهم لا تخالفه العقول ولا يخرج عن أسلوب لسان العرب المنقول وإنما أكره أن أشافهك به لأنك فاقد شرطه فإن كنت ممن ينور الله بصيرته ويحسن سريرته شرعت في أن تتعلم ويجب علينا أن نفهمك حتى إن شاء الله تفهم وأما قولك في الإنجيل يقعد ابن الإنسان في مجلس عظمته وتقدم جميع الأمم بين يديه ويميزهم كما يميز الراعي الغنم فنقول آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله ومع ذلك فنعلم على القطع والثباب أن كل أمة تدعى يوم القيامة بإمامها وتنادي بمعبودها وأنبيائها فيتبع كل من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع كل من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وإذا كان ذلك فلا بد لعيسى أن يجمع له كلا من لزمه اتباع شرعه فحينئذ يميزهم كما يميز الراعي الغنم فمن آمن به وانتبه على النحو الذي رسم له فهو من الفائزين ومن اعتقد فيه أنه إله أو ابن إله فالنار مأواه بعد أن يتبرأ عيسى من دعواه وأما قولك وإذا أوجبتم أن الله لا مفطور ولا مدرك بحاسة فقد وجب أن المحاسب المسموع مدرك بالحواس فهذا لا يلزم منه شيء مما ذكرت فأنا إذا قلنا أن الله تعالى ليس مدركا بالحواس فإنما نريد به أن الله ليس مدركا بالحواس كما تدرك الأجسام والألوان فيكون محاطا به فيكون ذا حدود وأقطار وذلك محال وإذا قلنا إن الله تعالى يرى في الدار الآخرة إنما نريد به أن الله تعالى يخلق لنا إدراكا آخر لا تناسب حاله حالة إدراك الأجسام ولا الألوان فإن الإدراكات مختلفة باختلاف متعلقاتها وذلك إدراك خاص له حكم نفسه لم يذق منه ذوقا في هذه الدار فإنه إنما يكرم الله به أولياءه وأصفياءه يوم القيامة

125

وإذا أنعم الله تعالى على وليه بذلك الإدراك المعبر عنه بالرؤية خلق له من اللذة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فإن أنكرت أن يرى ما ليس بجسم ولا لون فلتنكر أن يعلم موجودا ليس بجسم ولا عرض وإن زعمت أن الرؤية غير جائزة عقلا فقد جهلت موسى حيث سأل الله ما يستحيل عليه فكيف جهل موسى من وصف الله ما علمه جاهل مثلك وأما استشهادك بحديث نبينا عليه السلام على رؤية ذي الجلال والإكرام فأنت ممنوع منه لاعراضك عنه وهو من عمدنا على إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة لكوننا عالمين بحقه ودليل صدقه ثم إنك نقلت ذلك الحديث فأجحفت وبالمعنى أخللت وإنما صوابه إنكم ترون ربكم ولا تضاهون في رؤيته إلا كما تضاهون في رؤي القمر ليلة البدر وهذا لا حجة لك فيه فأنا نقول إن الله تعالى هو المرئى لا غيره بالأبصار في الدار الآخرة على ما تقدم وأنتم تقولون إن المرئى الواسطة وهذا الحديث يعرف معانيه أهله وهم الذين يصدقون برسالة من هو قوله فلا تطمع في معرفته فإنك لست أهلا لداريته وأما قولك لم تنكرون أن يكون المسيح الذي كان واسطا للوعظ أن يكون هو المقبل مع الملائكة كما قال عنه قرآنكم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة فكيف لا ننكر ذلك ولم يدل على وقوعه دليل عقل ولا صحيح نقل وليس معنى الإتيان في هذه الآية إلا كالمجيء في الآية المتقدمة وكلاهما ليس المراد به المجيء الذي هو نقل الأقدام بل المجيء والإتيان لهما معان أخر يعرفها العرب المؤمنون وهذه الآية فيها محذوف تفسره آية أخرى تقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله كما قال تعالى في آية أخرى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك فقد ذكر في هذه الآية ما حذف هنالك وهذا على المعروف في لسان العرب من حذف المضاف

126

وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك الكلام على الآية الأولى وهذا لا خفاء به عند البصير بلسان العرب فإنها تستعمل الحذف والإضمار والمجاز والإختصار ثم مالك ولكتابنا ولأي شيء تنشد ضالتنا دعها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها
ألق السلاح فلست من أكفائنا
واقعد مكانك بالحضيض الأسفل

ثم نقول من عجيب أمر هذا السائل أنه لا يصلح أن ينسب لمقلد ولا ناقل وذلك أن هذا المذهب الذي أبداه من اتخاذ الله واسطة صوت الصدى إنما حمله عليه تقليده لكتاب أغشتين وذلك أنه أشار في مصحف العالم الكائن إلى نحو مما ذكره هذا السائل ولعله وقف عليه ولم يفهمه صحيحا ولا أورده فصيحا بل زاد عليه كلاما فاحشا قبيحا وأنا إن شاء الله تعالى أذكر كلام أغشتين في الفصل الذي بعد هذا وأبين فيه أنه ليس كما فهمه هذا السائل ثم أعطف على أغشتين بتبيين فساد مذهبه وأوضح أنه غير مصيب في مطلبه وأحقق فيه أن أغشتين مخالف لغيره من القسيسين

127


الفصل الخامس

في حكاية كلام المتقدمين لتعلم أيها الناظر في هذا الباب أن النصارى قد كثر اختلافهم وعظم خبطهم وإرتباكهم فلا هم يستقرون فيه على قدم ولا يمشون منه على طريق أمم فقليل منهم من نفى الإتحاد والحلول ولم يقل بشيء من ذلك وهم طائفة متقدمة يعرفون ب الأرؤسية ولا يكاد مذهبهم يخالف مذهب المسلمين إلا في إنكارهم نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجمهورهم على القول به وإثباته ثم المثبتون له منهم من قال لا يقال فيه ب كيف ولا يسأل عنه بحرف ومنهم من شرع في بيان كيفيته وتفسير ماهيته فصارت اليعقوبية والنسطورية إلى أن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته كما يمازج الخمر اللبن والى نحو هذا ذهب الروم وزادو عليهم فقالوا اختلطت الكلمة بالمسيح فصارا شيئا واحدا ولقد حكى من كلام اليعقوبية ما يدل على توقحهم وجرأتهم على الله تعالى وذلك أنهم قالوا إن الله نزل فدخل في بطن مريم فاتخذ من لحمها جسدا فصار الله مع الجسد نفسا واحدا وربما أطلق بعضهم القول بأن الله اتخذ ذلك اللحم والدم فزاده في نفسه فصار ذلك اللحم الله وصار معظم اليعاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما وأما النسطورية فقالوا ليست تلك النفس هي الله وإنما هي بعضه وهذا هو البهتان الذي يعلم بطلانه بالضرورة كل إنسان وصارت طائفة من النصارى إلى أن الكلمة حلت جسد المسيح كما يحل العرض محله وصار أخلاط من النصارى إلى أن المراد

128

بالإتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت وربما عبروا له عن ذلك بالفيض ثم اختلفوا في تمثيل ذلك على ثلاثة أوجه فمنهم من قال مثاله ما ينطبع في الأجسام الصقلية من الأشياء التي تقابلها ومنهم من قال مثاله الطابع المنقوش إذا اتصل بشمع وما يضاهيه فيظهر نقش الطابع عليه وإن لم يحله شيء من الطابع ومنهم من قال معنى ظهور اللاهوت على المسيح كمعنى استواء الإله على العرش عند الإسلاميين مع مصيرهم إلى استحالة المماسة وربما يعبرون عن الإتحاد بالتدرع كأنهم أخذوا ذلك من لفظ الدرع يشيرون إلى أنا اللاهوت اتخذ ناسوت المسيح درعا هذه مذاهب المشتهرين من طوائفهم وأما اختلاف آحادهم فمما لا يكاد ينضبط ولا يرتبط ومن أراد الوقوف على شيء من ذلك فليطالع كتاب المسائل لهم ففيه يرى تحيرهم وخبطهم ونفرد بعد هذا إن شاء الله بابا نذكر فيه كلام أغشتين فإن مذهبه في الإتحاد مخالف لمذهب من تقدم ذكره من الفرق والقسيسين الجواب عن كلامهم أما من حكى عنه نفى الإتحاد فقد قال بالحق وأتى بالمراد وأما من أثبته وقال إن الإتحاد لا يسأل عنه ولا يكيف فنقول معنى الإتحاد لا يخلو أن تعرفه أو لا تعرفه فإن لم يعرفه فقد اعترف بجهله وناقض متقدم قوله فإنه اعترف بالإتحاد وادعى ثبوته للمسيح وحده ثم لما طولب بتثبيته قال لا أعرفه وهذا تناقض وقول باطل وأما من قال أعرفه إلا أنني يقصر عن إدراك حقيقته عقلى ولا أقدر على العبارة عنه وهذا كما قلتم أنتم في جوابكم عن كيفية سماع موسى كلام الله تعالى حيث قلتم أنه لا يسأل عنه بكيف فإنه ظلم وحيف فنقول أما قولك أعرفه إلا أنه يقصر عقلى

129

عن إدراك حقيقته فمتناقض أيضا لأن كل معروف لا بد أن يرتسم في العقل ويحصل فيه على الوجه الذي يكون معروفا منه فأما على الجملة وأما على التفصيل وما لم يرتسم في العقل لا جملة ولا تفصيلا فليس بمعلوم وأنت إذا ادعيت أنك عالم بالإتحاد فلا بد أن تكون عالما به أما على الجملة أو على التفصيل وكيفما كان فلا بد لك من أن تعبر عن معلومك على أي وجه كان وإلا فأنت جاهل بالإتحاد ومن جهله كافر عندكم وأما تشبيهك هذا بكيفية سماع موسى فليس بصحيح لأنا مهما قيل لنا كيف سمع موسى كلام الله فإنما نسأل عن أمر لم نعلمه علم ذوق وعن تفصيل ما لم نعلمه تفصيلا بل علمناه على الجملة ولذلك أجبنا بقولنا إن الله تعالى خلق له إدراكا سمع به كلام الله تعالى الذي هو وصفه الذي ليس بحرف ولا صوت ففهمنا الإدراك على الجملة ولم نفهمه على التفصيل وأنت لم تعرف الإتحاد جملة ولا تفصيلا بل جهلت وادعيت أنك علمت ف هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين وأما من قال إن الكلمة خالطت جسم المسيح ومازجته ممازجة الخمر اللبن فكلام فاسد قائله للعقل فاقد وذلك أن المفهوم من المخالطة والممازجة لا يتصور إلا في الجواهر المتحدات وذلك ان المخالطة إنما يعبر بها عن تجاور الجواهر وإجتماعها بحيث يكون كل واحد من الجواهر المتمازجة يحفظ حيزه ويشغله ويمنع منه غيره ولذلك إذا أفرغت إناء ماء على إناء لبن مثلا وتمازجا كثر اللبن وصار لا يسعه بعد الممازجة ما كان والعلم ليس بجوهر فاستحال عليه الإختلاط والإمتزاج بالضرورة فإن أرادوا بالإمتزاج والإختلاط أمرا آخر فلا بد من بيانه وإفادة تصوره ولا يتكلم على الشيء ردا وقبولا إلا بعد كونه معقولا ولو سلمنا الممازجة جدلا للزم عليها أنواع من المحالات منها قيام الصفة بنفسها وانتقالها وبقاء جوهر الله تعالى عريا عنها على قولهم والعرى عن العلم جاهل والجهل على الله محال ويلزم على

130

ذلك أن لا يكون العلم أزليا بل حادثا مخلوقا وأن حاله تغيرت وبعد أن لم يكن مختلطا ممتزجا مختلطا وهذان أمران حادثان ولا يخلو عن أحدها وما لا يخلو عن الحوادث حادث على ما يعرف في موضعه وهذه أمور باطلة فالمفضى إليها باطل وهو الإختلاط وأما من قال بالحلول فليس له محصول ولا معقول لأن حقيقة الحلول إنما هي أن يحصل جسم أو متحيز في شيء أو على شيء فيسمى الحاصل حالا والمحصول فيه يسمى محلا وتسمى النسبة بينهما حلولا وهو الذي يسميه النحوي مصدرا هذا هو المفهوم من حقيقة الحلول وقد يتوسع فيه فيقال حل العرضفي في محله ومعناه صار المحل متصفا به وصار العرض قائما به وموجودا فيه فإن أردتم حقيقة الحلول كان محالا فإن العلم ليس بجسم ولا جوهر على مامر وإن أردتم الثاني فهو محال أيضا لأنه يلزم عليه مفارقة العلم الجوهر وبقاؤه جاهلا ويقوم عرض واحد بمحلين في زمان واحد ويلزم عليه إنتقال الصفة من محل إلى محل وحدوثها إلى أنواع من المحالات لا يبوء بها عاقل ومنتحلها أحمق جاهل وقد صرحوا بأنهم أرادوا بالحلول حلول الجوهر في العرض وقد صرحنا نحن بما يلزمهم من المحالات على ذلك وبيناه والحمدلله ثم نقول لهم بعد ذلك في قولهم بالإختلاط وبأنهما صارا شيئا واحدا لا خلو أن حين اختلطا أما أن يبقى العلم موجودا بحاله والجوهر موجودا بحاله أم ينعدم أحدهما أو ينعدما معا محال أن يبقيا موجودين بحاليهما مع فرض الإختلاط وكونهما شيئا واحدا فإن الواحد لا يعود إثنين إلا بإضافة غيره إليه وإذا أضيف غيره إليه ارتفعت الوحدة بالضرورة على ما تقدم في التثليث وكذلك الإثنان لا يعودان واحدا إلا إذا انعدم أحدهما فترتفع

131

الأنثينية بالضرورة ومحال أن ينعدما فإنه يؤدي إلى عدم القديم وإلى عدم ما هو موجود في حالة وجوده فلم يبق إلا أن ينعدم أحدهما دون الآخر وذلك محال فإن الموجود لا يخالط المعدوم ولا يمازجه بل يبقى الواحد واحدا وإذا بطلت هذه الأقسام المنحصرة بطل الإمتزاج والإختلاط ومصير الإثنين واحدا على ما قالوه وأما من قال إن الكلمة انقلبت لحما ودما فلقد ارتكب حماقة والتزم عمى يلزمه عليه جواز عكس مذهبه وهو أن ينقلب اللحم والدم علما والقديم حادثا والحادث قديما إلى غير ذلك من المحالات التي لا تصدر عن من شد أطرافا من المعقولات ولولا الحمق والتقليدات لما وجد مثل هذه الفواقح في كلام أحد من المخلوقات وأما من قال إن الإتحاد هو ظهور وفيض ومثله بانطباع الصور في المرآة فهذا المثال إنما كان يصح لو كان العلم صورة محسوسة بالبصر ويكون جسد المسيح صقيلا تنطبع فيه صورة المقابلات وكل ذلك معدوم في مسألتنا بالضرورة فتخيله فاسد وباطل بالضرورة فكما لا تتمثل ذات الحياة والإدراكات في المرآة كذلك لا تتمثل الكلمة في جسد المسيح ثم إن جاز انطباع علم الله في جسد البشري فلينطبع في كل ما يشبهه في الجسدية وسيأتي لهذا مزيد بيان وفيما تقدم ما يبين فساده وإستحالته وأما التمثيل بنقش الخاتم يعود منحفرا في الشمع والمنحفر في الخاتم يعود ناتئا في الشمع فذلك لا يتصور إلا في الأجسام وإن جاز في غير الأجسام فيلزم أن يكون كل واحد منهما أعنى اللاهوت والناسوت يؤثر في الآخر ويحل فيه فيكون الناسوت حل في اللاهوت وذلك محال عند كل فريق والأمر الثاني أن النقش في الخاتم يوضع مقلوب الكلمات ثم تنطبع مستقيمة في الشمع ولو وضعت في الخاتم مستقيمة لانطبعت في الشمع منعكسة فيلزم على مساق هذا المثال أن تنطبع الكلمة في الناسوت أما الإستقامه

132

أو بالعكس فإن انطبعت فيه بالإستقامة فأقنوم الكلمة في الجوهر بالإنعكاس وإن انطبعت فيه بالإنعكاس فلم تبق الكلمة في الناسوت على حقيقتها في اللاهوت بل هي منعكسة فلا تبقى حقيقة العلم على ما كانت بل هي ليس بعلم وهذا كله مما يلزم على آرائهم الفاسدة وتحكماتهم الباردة وأما من لبس منهم بأن مثل قولهم في الإتحاد بقولنا في إستوائه تعالى على العرش فذلك مما لا يقال عليه عندنا اتحاد ولا حلول ولا فيض ولا انطباع لأنا نريد بقولنا هو على العرش مستو واستوى على العرش أن العرش تحت قبضته ومسخر بقدرته والإستواء عليه إنما هو بمعنى الإستيلاء على ما يعرفه العرب من كلامها فإنها تقول
قد استوى بشر على العراق
بغير سيف ودم مهراق

فإن أرادوا هذا المعنى فهو حق وصحيح لكنه لا يصح في حق عيسى وحده فإن الله تعالى مستول على عيسى وعلى غيره وأما من أطلق منهم لفظ النزوع فيستحيل على الحقيقة والتوسع وذلك أن هذا اللفظ يشعر بأن اللاهوت اتخذ الناسوت درعا أو كالدرع وهذا كله مستحيل على الإله تبارك وتعالى وعلى علمه وكل ما تقدم من المحالات على هذا المذهب يلزم وعلى الجملة فهؤلاء القوم أغبياء جاهلون وعن التوفيق معزولون فهم عن المعقولات معرضون وبها مستهزءون لا يستحيون من خالقهم ولا يتأدبون مع مالكهم ورازقهم فسبحان الله عما يقول الجاهلون وتعالى عما ينسبه إليه المبطلون بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولولا ضرورة الحال ورجاء قمع أهل الضلال لما استجزت حكاية مثل هذا المقال وأنا أستغفر الله ذا العظمة الجلال إنه ذو العفو والأفضال

133

ولا بد مع ما تقدم أن نطالبهم أجمعين بصحة الدليل الذي جعلهم على ذلك القول الغث الهجين حتى نتبين تحكماتهم وتظهر لكل أحد ترهاتهم فأقول لجميعهم ما الذي حملكم على القول بالإتحاد والتورط في الضلال والإلحاد فلتعلم أنهم قد اختلفت مسالكهم في ذلك فمنهم من قال إنما قلنا بذلك تقليدا للإنجيل وحذرا من المخالفة والتبديل كما قال هذا السائل ومنهم من قال إنما قلنا بالإتحاد لأن عيسى ظهرت عليه أفعال لا تنبغي إلا لإله من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين وهذه أفعال لا يقدر عليها إلا إله وهو قد قدر عليها فهو إذن إله ومنهم من قال إنما صرنا إلى ذلك لكون عيسى لم يخلق من الماء الدافق الكائن عن أبوة ولا خرج عن شهوة آدمية بل خلق الله ناسوته من غير أب ليكون واسطا بينه وبين خلقه وليتخذه لكلمته وربما قال بعضهم ألستم تقرأون في كتابكم إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وهذا عين ما أنكرتم علينا من الإتحاد فإن عيسى رسول الله وكلمته فناسوته رسول الله ولاهوته كلمة الله على ما أخبر به كتابكم فنقول لمن قال بذلك تقليدا للإنجيل جوابك قد تبين فيما تقدم إذ قد تقدم أن فهم الإتحاد منه بالمسيح باطل وأن الصائر إلى الإتحاد بعد الوقوف على ما تقدم معاند جاهل وأما من استدل منهم على ذلك بما ظهر على يدي المسيح من خوارق العادات فنقول له لأي شيء قلت أنها تدل على ألوهيته ولم تقل إنها تدل على ما كان يستدل هو بها من رسالته فقال رب أعلم أنك تعطينى كل شيء ولكن أقول من أجل الجماعة الواقفة ليؤمنوا به وليصدقوا أنك أرسلتني فهو قد استدل بإحياء الموتى

134

على رسالته وأنتم تستدلون بذلك على ألوهيته فيلزم من هذا الإستدلال العدول عن شرع عيسى المنقول ومصادمة العقول ثم نقول لهم كيف ينبغي لكم أن تقولوا هذه الأفعال العجيبة تدل على أنه لاهوت وأنتم تعزون في كتبكم أن عيسى كان إذا أراد أن يفعل شيئا مما ذكر تضرع إلى الله ورغب إليه بخضوع وتذلل حتى يقضى الله حاجته وهذا موجود في كتبكم كثيرا فيها وكفى دليلا على نفي ما تنسبونه إليه قوله حين صلبه بزعمكم إلهي إلهي لم أسلمتني وقوله قبل ذلك يا أبتاه إن كانت هذه الكأس لا تقدر تجاوزني حتى أشربها فلتكن إرادتك وهذا كله في سجوده وفي هذا الموطن قال يا أبتاه إن كان ممكنا فلتذهب عني هذه الكأس وفي إنجيل ماركوش أنه قال في هذا المقام سيلقى ابن الإنسان ما كتب له ثم قال بعد ذلك يا أبتاه إنك قادر على جميع الأشياء فرج عني هذه الكأس فهذا كله يدل دلالة لا شك فيها أنه كان يفعل ما يفعل بإذن الله إذا أراده وأقدره عليه وأنه إنما كان يتفق له ذلك بعد أن يتضرع ويرغب لله تعالى وربما كان يسأل أمورا لا يعطيها الله له لما سبق في علم الله أنها لا تكون منها ما تقدم حيث سأل الله أن يدفع عنه أمر الصلب والقتل فلم يجب لذلك على زعمكم ومنها أن اليهود كانت تطالبه بمثل بعض

135

معجزات موسى بن عمران فلا يجيبهم بشيء وسيأتي لهذا مزيد ودليل ذلك من الإنجيل أن عيسى قال لليهود لست أفعل من ذاتي شيئا لكنني أحكم بما أسمع لأني لست أنفذ إرادتي بل إرادة الله الذي بعثني إلى ما في كتبكم من هذا الذي قد عميتم عنه ولم تسمعوا حرفا منه فتارة ينبهكم على وجه الإستدلال وأخرى يصرح بالمقال وتارة يسأل فيعطى ويجاب وأخرى يسأل فلا يرد عليه جواب وحينما يتبرأ من مشيئته ويعترف بزلته وعبوديته ثم هؤلاء القوم مع ذلك يقولون هو إلهنا ومحيينا وخالقنا فهؤلاء يكونون بكم كالأنعام وصم كالأصنام فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ثم نقول إن كان إحياء الأموات يدل على الألوهية فلأي شيء لا تقولون إن الياس واليسع كانا إلهين وأنه حل بناسوتهما اللاهوت وشأنهما في إحياء الموتى لا يقدر أحد على دفعه ولا يخفى ولم لا تعتقدون ألوهية النبي حزقيال إذ فر قومه وهم ألوف حذر الوباء فأماتهم الله ثم جاءهم نبيهم فقال لهم لتحيوا بإذن الله فحيوا ورجعوا إلى قومهم سحنة الموت على وجوههم حتى ماتوا بآجالهم وهذا معروف عندهم ولا مدفع فيه وإن أنكرتم وجود شيء من ذلك نزلنا معكم إلى ما في الكتب القديمة من قصص الأنبياء وكتبهم وهذا لازم لهؤلاء القوم لا ينفك عنه واحد منهم أبدا

136

ثم من عجيب أمر هؤلاء القوم أنهم يزعمون أن عيسى عليه السلام أيد نفرا من الحواريين بإحياء الموتى وجعلهم رسلا إلى الأجناس فأحيوا الموتى بزعمهم فما الذي أوجب أن يكون المسيح في حال ألوهيته قد أيد بذلك بشرا وجعله رسولا إلى الأجناس كما زعموا وما الذي منع أن يكون الله عز وجل يؤيد بذلك بشرا ويجعله رسولا إلى الناس فإن كان المسيح من أجل أنه أحيا ميتا هو الله فكل من أحيا ميتا من الحواريين وغيرهم هو الله ثم كل خارق للعادة يجعلونه دليلا على ألوهيته فإنهم يعارضون بمثل ذلك في حق غيره من الأنبياء عليه السلام ويدعى ألوهيته فلا يجدون فصلا بينهم وبين من يعارضهم وأما من استدل على ذلك بأنه خلق من غير أب فيلزمه أن يعترف لآدم بألوهية فإنه لم يخلق من نطفة أب بل إنما خلق من تربة أرض ثم نفخ فيه من روحه كما فعل بعيسى خلقه من نفخة الملك فعلقت بلحمة مريم فنشأ منها وفيها فتربه بمنزلة لحمه ونفخه بمثابة نفخه وهذا مالا مخلص منه ولا خروج عنه ثم أكرمه الله تعالى بأنواع من الكرامات لم يكرم بها غيره منها أنه أسجد له ملائكته وأعلمه بما لم يعلمهم حتى جعله رسولا إليهم وكفى بهذا شرفا إلى ما هنالك من خصائصه ومن فضائله بل لو أمكن لأحد أن يقول إن بشرا يتصور أن يكون إلها لكونه من غير أب لكان آدم أولى بذلك من حيث أنه لم تشتمل عليه أوضار الرحم فقد شارك المسيح في كونه من غير أب وزاد عليه أنه من غير أم لم يتكون في ظلمة الرحم ولم يتلطخ بدم الطمث ولا خرج

137

من مجرى البول هذا مع الإعتراف بأن ذلك كذلك ولم يختلف في ذلك أحد أعنى في أن آدم مكون مخلوق من غير أبوين وقد خالفتكم اليهود لعنهم الله في كون الهكم المسيح من غير أب وأطلقت القول على مريم البتول المبرأة عند الله مما قالوا بما قد علمتم فلعنهم الله وغضب عليهم فلقد كذبوا وإنما أسمعتكم هذا لتعلموا أنا نعرف ما قالت اليهود لعنهم الله في عيسى وأمه عليهما السلام وأنا ننزههما عما قال فيهما المبغضون لهما والمحبون القالون فيهما فما أجمل بكم لو شاء الله توفيقكم أن لو قلتم فيهما الحق الذي ينبغي لهما أن الله جعل عيسى وأمه آية للناس هو عبدا ورسولا وأمه صديقة مباركة ثم نقول للمستدل بما تقدم يلزمك على استدلالك أن تكون حواء أم البشر إلها فإنها لم تخلق من أبوين ولا من نطفة وإنما خلقها الله من ضلع من أضلاع آدم لم تتكون في ظلمات الرحم ولا نشأت بين الأقذار والأوضار وخلقها من ضلع آدم كخلقه من تراب ولا فرق و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وأما استدلالهم بما في كتابنا من قوله تعالى إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فلا حجة لهم في ذلك لوجوه أحدها أنهم لا يصدقون بكتابنا فلا يستدلون به على شيء والثاني أنهم إن استدلوا على غرضهم بشطر هذه الآية فإن صدرها يرد عليهم استدلالهم وكذلك الآيات التي بعدها قال الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد مخاطبا لهم وردا عليه أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا

138

ونور بعد ذلك إلزامات لهم إلزام لهم نقول لهم حين صار أقنوم العلم لعيسى كيفما صار هل بقى الرب تعالى كما كان قبل ذلك أو اختلفت حاله فإن كان كما كان قبل فلم يصر لعيسى منه شيء وأيضا فلو صار إليه بعض أقانيمه لبقى ناقص الأقانيم وتبطل ألوهيته فإن حقيقته عندهم واحد ثلاثة أقانيم وأما إن اختلفت حاله فيلزم عليه أن يصير من العلم إلى الجهل ومن القدم للحدوث وهذا كله على الله تعالى محال ومرتكبه في بحبوبة الضلال إلزام آخر نقول لهم حين صار أقنوم العلم لعيسى فهل بقى الباري تعالى عالما بذلك الأقنوم أم بغيره أو غير عالم باطل أن يقال غير عالم لاستحالة الجهل عليه وباطل أن يقال بقى عالما بذلك الأقنوم إذ لو كان ذلك للزم منه ألا يصير إلى عيسى ويلزم منه أيضا أن يكون علم واحد يقوم بمحلين ولو صح ذلك يصح أن يكون الواحد منا موصوفا بنصف علم وذلك محال فإن العلم الواحد لا يتبعض ولا ينقسم إذ العلم للواحد إنما يعقل في محل واحد بمعلوم واحد في زمان واحد فيما يقبل الزمان والتعدد وباطل أيضا أن يقال أنه يكون عالما بعلم آخر فإنه يؤدي إلى حدوث الأقانيم بل إلى حدوثه وذلك كله محال إلزام آخر يظهر تناقضهم وذلك أنه قد تقدم من مذهبهم أنهم قالوا في الأقانيم أنها غير متباينة ولا مفترقة ثم أنهم قد قالوا هنا

139

إن أقنوم الإبن اتحد بناسوت المسيح دون أقنوم الآب وروح القدس فمفهوم هذا أن الإبن اتحد بناسوته وبقى جوهر الآب وروح القدس لم يتحدا به وهذا تصريح بالمباينة والمفارقة فإن بعض هذه الثلاثة وجب له أمر دون صاحبيه فلو لم يباينهما ولم يكن غيرهما لما وجب له من الحكم ما لم يجب لهما ولا تناقض فظهر من هذا تناقضهم وقد كنا أظهرنا إضطرابهم في هذا في باب الأقانيم ثم نقول تحقيقا لالزام الجميع هذه الأقانيم إما أن تكون مباينة للجوهر مفارقة أو لا تكون كذلك فإن كانت مباينة لزم أن تكون زائدة عليه وإن كانت زائدة عليه لزم أن يكون الإله متركبا من أمور كما مر وقد أبيتم ذلك وهو محال ويلزمكم أيضا إخراجها عن كونها أقانيم ويلزمكم رفع التوحيد إلى محالات كثيرة عندكم وإن كانت غير مباينة لم يصح إتحاد بعضها دون بعض بل لو اتحد بعضها لاتحد جميعها فيلزم على هذا اتحاد العلم والقدرة والإرادة والوجود وهذا بين لا خفاء به إلزام آخر وطلبه نقول لهم لأي شيء قلتم أن الذي اتحد بناسوت المسيح إنما هو الإبن فقط ولأي شيء لم تقولوا أنه اتحد به الآب وروح القدس ولو قلتم ذلك لكان أجرى على ما أصلتم من أن الأقانيم لا متباينة ولا مفترقة فإن قالوا إنما قلنا بإتحاد الإبن لأن عيسى إنما أرسله الله ليعلم الناس شريعتهم ويخبرهم بالمغيبات عنهم ويعظهم وذلك كله إنما يصح بالعلم فنقول لهم هذا الذي ذكرتم مسلم لكم جدلا لكن لم قلتم أنه إنما اتخذه الله لهذا فقط وإنما هو اتخذه لهذا ولأمور أخر منها ليعبده ومنها ليبرئ مرضى كانوا قد أعيوا الأطباء وأراد الله تعالى شفاءهم على يديه ومنها أنه أراد إحياء موتى على يديه فتحصل من هذا أمران أحدهما أن هذه معجزات تدل على صدقه والثاني أن من أبرأه أفاق من مرضه وجذامه وجنونه

140

وبرصه فانتفع بذلك وكذلك يحصل للميت الذي حيى وزائدا على ذلك أن الميت آمن به فأدخله الله الجنة بإيمانه برسوله وهذه الأمور كلها لا لا يمكن إنكار أن يكون كل واحد منها مقصودا لله تعالى واذا أمكن أن يكون كل واحد من هذه الأمور مقصودا فلم اقتصرتم على مقصود واحد من هذه الأمور مقصودا فلم اقتصرتم على مقصود واحد مع إمكان هذه المقاصد وإذا تقرر ذلك حصل منه أن الله تعالى اتخذه لما لا يصح إلا بالعلم والقدرة والإرادة والحياة فقولوا إن هذه الأقانيم اتحدت به وهذا لازم لا محيص عنه ولا جواب عليه ثم يلزم على هذا أن يكون كل نبى أرسله الله تعالى يتحد به العلم فإن هذا الذي استدللتم به في حق عيسى موجود في حق غيره من الرسل إذ كل واحد منهم إنما أرسل معرفا بشرع الله ومبلغا رسالة الله ومخبرا بوعد الله ووعيده فيلزم على هذا أن يتحد العلم بكل رسول إلزام آخر قد تقرر أن عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرا فإذا قلنا هذا فأما أن يكون عيسى هو الذي يفعل ذلك أو غيره فإن كان غيره فليس ذلك إلا الله تعالى وغاية عيسى أن يكون عبدا يرغب لله تعالى في قضاء حاجته ثم إن الله تعالى يفعل ما يشاء عند تحديه بالنبوة تصديقا له في دعواه وعيسى ينظر إلى ذلك ويتعجب عند ذلك من فعل الله ولطيف صنعه وهكذا كان حال موسى عندما أيده الله بالعصا فقل له ألقها فألقاها فإذا هي حية تسعى فلما رآها على حال لم يعرفه منها هاله ذلك وولى مدبرا خائفا وذلك لما شاهد من قدرة الله تعالى فلما فرغ قال الله تعالى له خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى وإذا قلنا إن عيسى هو الذي يفعل ذلك فأما أن يفعله بقدرة وعلم وإرادة أو لا يحتاج إلى شيء من ذلك باطل أن يقال أنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك لأن الفعل الإختياري لا بد له من هذه الأمور بالضرورة على ما يعرف في موضعه فلم يبق إلا أن يفعل ذلك بقدرة وعلم وإرادة وهذه الصفات هي شروط الفعل ولا بد

141

وأن تكون منسوبة له ويكون هو موصوفا بها أو لا تكون منسوبة إليه ولا يكون هو موصوفا بها فإن لم يكن هو موصوفا بها ولا تنسب إليه فلا ينسب الفعل إليه وقد نسبتم الفعل إليه فدل ذلك على أنه موصوف بها وتنسب إليه كلها وإذا ثبت ذلك فليس من يسلب عنه القدرة والإرادة ويقول هما صفتان لله تعالى وليستا بصفتين لعيسى فتبرؤوا حالا ممن يسلب عنه العلم ويقول هو علم الله تعالى وليس علم عيسى مع أنه صفة عيسى فيلزم عن هذا البحث أن هذا الفعل المنسوب إلى عيسى موجود عن علم وقدرة وإرادة وأن هذه الثلاثة إنما تنسب لواحد فإما لله وإما لعيسى ولا يجوز عقلا أن ننسب بعضها لله وبعضها لعيسى فإن هذه الثلاثة مشروط بعضها ببعض فالمحل أو الجوهر الذي يجب لأحد هذه يجب للباقي وهذا مالا خفاء به عند العاقل الموفق إلزام آخر قد تقرر عند هؤلاء القوم أن علم الله اتحد بعيسى ولا خلاف بين جمهورهم في هذا المعنى وإن اختلفت عباراتهم عنه فعيسى عالم والله تعالى عالم بعلم واحد فقد اتحد أقنوم العلم وتعدد المحل فإذا ثبت ذلك لزم عليه أن يكون عيسى عالما بكل معلومات الله تعالى ويكون الله تعالى عالما بكل معلومات عيسى فإنهما عالمان بعلم واحد فإذا علم الله أنه هو نفسه خالق المخلوقات ينبغي لعيسى أن يعلم أنه هو نفسه خالق المخلوقات كذلك لأن علمهما واحد وكذلك إذا علم الله أنه هو نفسه قديما باقيا موصوفا بصفات الكمال ينبغي لعيسى أن يعلم أنه هو نفسه كذلك وإذا علم عيسى نفسه متغوطا بائلا ومصفوعا ومتوجا بالشوك ومصلوبا في حشبة ومسمرة يداه ورجلاه فيها فينبغي لله تعالى أن يعلم نفسه كذلك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا كله لازم على هذا المذهب السخيف الفاسد الضعيف إلزام آخر اتفق النصارى القائلون بالإتحاد على أن عيسى لا هوت وناسوت فبما هو لاهوت يحيى الموتى ويبرئ المرضى وغير ذلك وبما هو ناسوت يجوع يعطش ويبول ويتغوط ويفرح ويألم ويحزن ويلتذ ثم يعبدون ناسوته ويجعلونه إلها فهم بين أمرين إما أن يقولوا إن جسده المتغوط البائل إله أو هو شطر إله فإن قالوا إن جسده إله فكفى شناعة وهجانة إله بائل متغوط

142

مصلوب وإن قالوا إنه إله بما حل فيه من الإله فكان ينبغي لهم أن يقولوا إنه نصف إله ولا يعبدون جسمه ولا يسجدون لجسده وإذا قالوا إلهنا المسيح قالوا مكان يا إلهنا يا نصف إلهنا أو يا ثلث إلهنا فإنه اتحد به أحد الأقانيم الثلاثة والواحد من الثلاثة ثلث وهذا كله جهالات وتواقحات منهم إلزام آخر وذلك أنهم اتفقوا على أن المسيح صلب وقتل بالنخز ورفع فوق خشبة بعد أن أهين وصفع ووضع على رأسه الشوك وسمرت يداه ورجلاه في الخشبة وقد جاء كل هذا في أناجيلهم كما زعموا فنقول لهم ألوقت الذي أهين وصفع ورفع على الخشبة وسمرت يداه ونخز هل كان متحدا به اللاهوت أو زال عنه فإن كان متحدا به اللاهوت في تلك المواطن فلقد أدرك لا هوته من المذلة والإهانة والنخز والموت ما أدرك ناسوته لا سيما وقد ألتزمتم فيما تقدم أن أقنوم العلم حي فيلزمكم على هذا أن تعبدوا إلها ذليلا مهانا ينخز ويموت وكفى بهذا خزيا وفضيحة وإن قلتم إنه فارقه فإذا جاز أن يفارقه في موطن جاز أن يفارقه في كل موطن وهذا مما يأبونه ويلزم عليه إن فارقه أن يكون جاهلا وألا يكون إلها فتعبدون ما ليس با له وقد خرجنا مع هؤلاء الجهال بخالقهم المستهزئين بأديانهم إلى حد الإكثار وفارقنا شرط الإختصار وقد أطنبنا في هذا الفصل وإن كان لا متمسك لصاحبه ولا أصل لكونهم متفقين عليه ومحتجين به ومتحومين نحوه ولا يظن الظان أن هذا المذهب الذي ارتكبه هؤلاء القوم في الأقانيم والإتحاد محتاج في إبطاله إلى نظر وإجتهاد بل العقول بأوائلها تشهد بفساده كما أن الحس يدرك بياض الجسم من سواده وهؤلاء معاندون وللضروريات جاحدون ومن كان حاله كذلك إنما يتكلم معه بضرب الأمثلة بأبين المدارك وتعديل الإلزامات وتكثير المسالك ليتبين الإفحام ويلقى يد الإستسلام وقد قدمنا العذر عن ذلك كله في أول الكتاب وإلى الله أرغب في الهداية للصواب وحسن المنقلب إليه والمآب

143


الفصل السادس

في حكاية مذهب أعشتين إذ هو زعيم القسيسين نذكر إن شاء الله تعالى في هذا الفصل كلام هذا المذكور الواقع له في مصحف العالم الكائن ونحكي ألفاظه من غير زيادة ولا نقصان إلا أني اختصر من كلامه مالا تدعو ضرورة سياق الكلام إليه من غير إخلال بلفظه ولا تقصير في معناه وربما قدمت وأخرت وإنما خصصته بالكلام معه في فصل مفرد لغرضين أحدهما أن هذا السائل على مذهبه عول وإياه قلد ومن كتابه نقل إلا أنه مع ذلك أخل بمفهوم كلامه وخالفه في سياقه ونظامه فربما ترك مذهبه بسوء نظره وهو يظن أنه يمشي على أثره وسيتبين ذلك والثاني أن النصارى معولون على معرفته ومقلدون له في قومته وقعدته على أنه أعرف بمسالك النظر وأجرأهم على مناهج العبر لكن نعوذ بالله من عين عوراء وفطنة بتراء قال أغشتين قد أجمعت الملة على أن الله تعالى قد كلم موسى تكليما واجتمعت على أن موسى سمع صوتا يقول له أنا ربك فأخبرونا أتؤمنون بأن الصوت الذي سمعه موسى هو ذات الرب وأن الرب في ذاته مسموع أم تقولون إن الرب أسمع موسى صوتا على ما يشاء من رفع وخفض وغلظة ورقة وأنه ابتدأ الصوت متى شاء وقطعه متى شاء وأنهى إلى موسى من إرادته ما شاء فإن قالوا إن الصوت نفسه هو الرب وأن الرب مدرك بالسمع فقد خرجوا عن مذهبهم في نفى التشبيه وإن قالوا إن الصوت من فعل الله وأن الله خلق الصوت على ما وافقه وأظهر فيه من إرادته ما شاء وأن الصوت قد كان له مبتدأ ومنتهى وأن الله الخالق له لا مبتدأ له ولا منتهى قيل لهم فقد ثبت أن الصوت الذي سمعه كان مخلوقا فكيف جاز لموسى أن يقول سمعت الله فإن قالوا مقام الصوت من الله مقام صوت الإنسان من الإنسان وأنا نسمع صوت إنسان فنقول

144

سمعنا فلانا وكذلك وجب على موسى لما سمع صوت الله أن يقول سمعت الله قيل لهم فقد أقررتم أن الصوت من فعل الله كما أن صوت الإنسان من فعل الإنسان ولستم تقدرون أن تقولوا إذا سمعتم صوت رجل سمعنا صوت المريد كذلك الصوت الذي ابتدأه وخاطب به ولكنكم تقولون سمعنا صوت فلان وسمعنا فلانا إذ سمعتم صوته وكذلك من سمع صوت الله وجب أن يقول سمعنا الله لإن الله خلق الصوت وجعله حجابا لإرادته التي أظهرها فيه فقد ثبت أن الناس لا يسمعون الرب إلا بصوت مخلوق على ما يشبهه تعارفهم يكون حجابا فيما بينه وبينهم والواجب عليهم أن يخاطبوا الصوت باسم الذي الصوت له كما أن الصوت إنما خاطبهم عن الله ومثل ذلك يلزمهم في كل ما يشبه التحديد مما وقع في كتب الملل الثلاثة من التشبيه بالعالم ووصف نفسه بالعين والوجه والفم ولا يمكن جحده فقد رضى أن ينسب إلى نفسه مثل كلامهم وأن يخاطبهم في مثل لغتهم فقد ثبت أنه أتخذ التشبيه حجابا بينه وبين خلقه ثم قال بعد ذلك كلاما معناه كما جاز أن يتخذ صوتا ويجعله حجابا لإرادته حتى أظهرها فيه كذلك يجوز أن يكون قادرا على إتخاذ أي صورة شاء وأن يظهر لعباده في أي حلية وافقته وتلك الصورة ملك له يبدلها كيف شاء لأنا إن قلنا أنه لا يقدر أن يسمع عباده صوتا ولا أن يظهر لهم بصورة فقد أزلنا عنه القدرة على كل شيء ثم قال بعد ذلك فعلمنا أن الحجاب مخلوق وعلمنا أن الله خالق كل شيء ووجب علينا إنزاله من الإكرام بحيث أنزله الله المحتجب به لأنه متى لم ننزل كل شيء على ما أنزله عليه فقد عصينا لأنا لا نجد بدا من أن نكرم الملائكة مالا نكرم الشياطين ونكرم الصالحين مالا نكرم الفجار وهكذا فلا بد أن يكون شيء أعز من شيء وشيء أقرب إلى الله من شيء حتى يكاد شيء في العز أن يتصل بخالقه ويكون أعز الأشياء ويكاد شيء أيضا أن يكون في الهوان بحيث لا يكون شيء تحته

145

والواجب على العارف بالله أن ينزل كل شيء بحيث أنزله الله ويسميه بما سماه الله فإن أقر بأن الله خاطب بصوت مسموع أو ظهر في صورة مرئية فقد أقر بأن الله خص ذلك الصوت وتلك الصورة بما لم يخص به شيئا من المخلوقات وأن الواجب على من سمع ذلك الصوت أن يقول سمعت صوت الله ومن رأى تلك الصورة يقول رأيت صورة الله ولهذا وجب على موسى إذ سمع صوت القائل أنا ربك أن يجاوبه بإسم الرب ويقول بأنه ربه ووجب على آدم إذ قال يا آدم أن يستجيب فيقول هنأأنذا يا رب وكذلك في مخاطبته لجميع الأنبياء لأن الصوت لم يقل أنا صوت الله وأنا أخاطب عن الله وإنما الله خاطب به فقال أنا الله فالواجب أن نخاطب بمثل ما خاطب به ومثل ذلك يجب في الصورة ومن ظهر له الله في صورته كما ظهر لأشعياء ولدانيال فقد وجب عليه أن يسجد للصورة وأن يخاطبها باسم الله لأن علمه بأن الله خص تلك الصورة بالإتخاذ لها والإحتجاب بها ضام له إلى عبادته فيها لأنه قد رضى أن يرى فيها ويعبد بها وقد علمنا أن الله خالق الصوت الذي أسمعه لموسى كما علمنا أن الله خلق جميع الأصوات ولكن وجب علينا الإقرار لذلك الصوت بالربوبية ما لم يجب لغيره لعلمنا أن الله ولى المخاطبة بذلك وكذلك يجب في الصورة أن يخصها من الإكرام بما خصها الله به ومن قال لا يجب أن يخاطب الصورة باسم الله ولا أن يجاوب الصوت بإسم الله فقد قال إنه لا يجوز أن يتخذ الله صورة ولا أن يسمع صوتا وإذا وجب إكرام الحجاب بإكرام المحتجب به لم يبق علينا من الكلام شيء إلا في الحجاب الذي اتخذه منا وهو المسيح والإستشهاد بالتوراة والإنجيل في أمره إلا أنا نقدم القول في ذلك بالقياس لئلا نستشهد بالكتاب إلا فيما كان داخلا تحت الإمكان ثم قال هذا وإن لم يوجبه القياس إيجاب الإضطرار فإنه يجوزه تجويز الإمكان لأن القياس الذي فضل به الإنسان على جميع خلقه وخاطبهم بمثل لغتهم وتشبه بهم في مخاطبتهم وخلق كل

146

شيء لهم ومن أجلهم وأوجب لهم البقاء معه في رضوانه وألا يكون دونهم أبدا وأنه ظهر لهم بحجاب مخلوق فتشبه لهم بنعت محدد فغير ممتنع فيه ولا بعيد أن يكون حجابه فيما بينه وبلغهم منه ومما يشبههم ونزوله إلى مخاطبتهم في مثل لغتهم وهو نزوله إلى الظهور لهم في مثل صورتهم لأن اتخاذ الصورة مثل اتخاذ الصوت ثم قال شواهده الواضحة كثيرة من ذلك قول أرمياء النبي حيث يقول مناجيا الله يا رجاء إسرائيل يا مخلصه من الغم لم ستكون في المستقبل كالغريب في الأرض أو كالمسافر يعدل إلى المبيت لم ستكون في المستقبل كرجل صالح لا يقوى أن يخلص وقول أشعياء النبي حيث يقول إن العذراء ستحمل وتلد ولدا ويدعى ولدها عجيبا مدبرا إلها قويا والدا مقبل الدهر العالم يكثر ملكه ولا يكون لسلطانه إنقطاعا ولا آخر وقوله أيضا من ذا يقبل خبرنا أمن ذا ظهر له ذراع الرب ثم وصف أنه ظهر ضعيفا محتقرا وأنه هدى بنفسه إلى القتل طوعا ووصف خبر المسيح ظاهرا كما كان وقول يعقول لبنيه حيث يقول لا ينقضى

147

الملك من سبط يهوذا ولا يزال منهم أمير حتى يأتي الذي هو مرسل وهو يكون رجاء الأجناس وتترجم كذلك بإختصار لا ينقطع الملك منهم حتى يأتي المسيح هذا ملخص كلامه وزبدته في عدة أبواب من كتابه المتقدم الذكر من غير أن أخرج عن لفظه إلا ألفاظا يسيرة يتصل بها الكلام ولا تغير المعنى وها نحن بعون الله نجاوبه مجاوزة على طريق البحث والمناظرة وأما قوله اجتمعت الثلاث ملل على أن موسى سمع صوتا يقول أنا ربك فهذا قول كذب ينبئ عن غفلة أو جهل وذلك أن الذي اتفقت الملل عليه إنما هو أن الله كلم موسى وأن الله تعالى متكلم وأما أنه متكلم بصوت أو سمع موسى صوتا من الله فهذا شيء اختلفت فيه الملل وتباينت فيه النحل وأكثر أهل الملة الحنيفية يأبى ذلك ويخطئ من صار إلى ذلك أعنى من صار إلى أن يكون الباري تعالى متكلما بصوت وأن موسى عليه السلام لم يكلمه الله بصوت وإنما

148

كلمه بكلامه الذي هو وصفه الذي ليس بصوت ولا حرف على ما تقرر بيانه فيما تقدم فهذا الرجل الحاكي هذا القول إما أن يكون علم اختلاف الملل فيما ذكر فيه إجماعها أو لم يعلم فإن كان علم فقد كذب وإذا عرف من أحد من الناس الكذب فينبغي ألا يلتفت إليه ولا يعول عليه فينبغي لكم ألا تعولوا على شيء من نقله لامكان أن يكون كذب فيه كما كذب في هذا وإن كان ذلك القول منه عن جهل فهذا كثير في حقه من جهتين أحدهما أنه أقدم على الإخبار عما لم يتحقق من غير بصيرة وليس هذا فعل العلماء ولا الأكياس من الفضلاء وكفى بالمرء كذبا وإثما أن يحدث بما لم يعلم صحته والجهة الثانية أنه جهل أمرا معلوما على القطع صار إليه وعمل على مقتضاه أمم لا يحصون كثرة منذ مضى السنين ولا محمل بمن تعاطى نصرة المذاهب والكلام مع أربابها أن يجهل مثل هذا وإذا جهل هذا فهو بما هو أخفى من هذا أجهل فهو بين أمرين إما أن يكذب متعمدا فلا يثقون بقوله أو يجهل أمرا جليا يدرك بأدنى بحث وأيسر أمر فلا ينبغي لكم أن تقلدوه في عمله ونظره وإنما ذكرت هذا لتعلموا أن عمدة النصارى على هذا الرجل في مذاهبهم بقوله يحكون وبه يحتجون وله يقلدون وعليه يعولون فهو وهم كرجل أعمى ادعى أنه بصير فاستقاده عمى فقادهم فسقط في حفرة فسقطوا لسقوطه وأشد عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي وامام ضلالة وإنما كان كذلك لأن عليه وزرها ووزر من عمل بها فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه وأما قوله فإن قالوا إن الصوت نفسه هو الرب وأن الرب مدرك بالسمع فقد خرجوا عن مذهبهم في نفى التشبيه فهذا نص من كلام هذا الرجل أن الصدى ليس بالرب وقد قال السائل الذي جاوبناه قبل هذا أنه أقر له بالربوبية وظاهر قوله مناقض لقول إمامه ثم نقول لهما قد أتفقتما على أن

149

الصوت مخلوق وأن الله تعالى ليس بمخلوق فهذا الصوت المخلوق إما أن يكون ربا غير الله أو ليس رب فإن كان ربا غير الله فيلزمكم أن تعبدوه بعبادة خاصة غير عبادة الله بل هو أولى بالعبادة من ناسوت المسيح إذ يتغوط ويبول ويصلب على قولكم إلى غير ذلك مما عددناه وذلك أن الصوت لا يليق به شيء من ذلك وذلك كله جهل وقد ألزمناهم على ذلك مناقضات لا محيص عنها فيما تقدم وإن كان هذا الصدى ليس برب فيلزمكم على قولكم أن يكون موسى خاطب بالربوبية من ليس برب وذلك لا يليق به وهذا على قوله أن المخاطب هو الصدى لازم ضرورة ثم ما أعجب أمر هؤلاء القوم ينفون تشبيه الله تعالى بخلقه ويجعلون نفسه قاعدة يرجعون إليها بزعمهم ثم يلتزمون من التشبيه في حق الله تعالى ما لم يقل به من المشبهة أحد وذلك أنهم قالوا إن الله تعالى متكلم بصوت هو من قبيل أصواتنا وهو مخلوق مقطع بالحروف وهو مع ذلك مخاطب بالبربوية وهذا هو التشبيه الذي فروا منه وزيادة عليه ولقد أوغل في التشبيه كبيرهم أغشتين وإن كان عن أصل التشبيه من المعرضين وذلك أنه جوز عقله بزعمه أن يتخذ الباري صورة يجهلها ويظهر فيها ويسجد لها ومن رأى تلك الصورة ويقول رأيت صورة الله فإنه قد رأى الله ولا تشبيه أعظم منها بل المشبهة أحسن حالا منه وذلك أنهم أعنى المشبهة بنوا أمرهم على ظواهر الشرائع فأثبتوا ما أثبتت الشرائع وما قالت الأنبياء وما جاء في كتب الله مصدقين لها غير منحرفين عن ظواهرها ثم عزلوا عقولهم فلم ينظروا بها فبقوا على جمود التقليد وثبتوا على صميم الإعتقاد والتوحيد ومع ذلك فإنهم يعظمون الله ويقولون بأن لا إله إلا الله ومما صرح فيه بإلتزام التشبيه قوله صوت الله من فعل الله كما أن صوت الإنسان من فعل الإنسان ولا معنى للتشبيه الذي نفى إلا هذا فهذا تناقض ظاهر فإنه تارة نفى التشبيه وتارة أثبته ثم قوله يصرح بأن حقيقة المتكلم من فعل الكلام وهو خطأ بل حقيقة المتكلم من قام به الكلام والدليل على ذلك أن حقيقة المتكلم تفهم بكمالها مع فرض الغفلة والذهول عن كونه فاعلا للكلام ولو كانت حقيقة المتكلم من فعل الكلام لما فهمت حقيقة المتكلم حتى يفهم كونه

150

فاعلا للكلام على ما يعرف في موضعه ولو كانت حقيقة المتكلم من فعل الكلام لكان الباري تعالى متكلما بالكلام الذي يقوم بنا فإنه فاعل كلامنا وخالقه على ما يعرف في موضعه وذلك محال ولتعلم أيها الناظر في هذا الكتاب أن كل ما ذكره هذا القس في هذا الفصل إنما هو مبنى على أنه تعالى متكلم بحرف وصوت وقد أبطلنا ذلك فيما تقدم حيث قلنا كلام الباري تبارك وتعالى ليس بصوت ولا حرف وإنما هو وصف له قائم به ليس بحرف ولا صوت كما نبهنا عليه وإذا بكل ذلك بطل كل ما انتحله في هذا الفصل من الهذيان وإنما كلامنا معه بعد ذلك على طريقة المناظرة الجارية بيننا وذلك أن أرباب النظر ربما يسلمون ما هو معلوم الفساد ليتبين تناقض الخصم وتحكمه للعباد وكذلك نفعل نحن بهذا الرجل بحول الله فنقول له لأي شيء قلت أن الله اتخذ الصوت حجابا لإظهار أرادته ولبست بلفظ الحجاب ولو قلت إن الله جعل الصوت دليلا على ما أراد لارتفع التلبيس ولزال الإبهام الذي أوهمت فإنك أوهمت بلفظ الحجاب أن الإرادة احتجبت به واتحدت معه حتى ظهرت بواسطته فجعجعت أنت بلفظ الحجاب والظهور وأوهمت وأنت ما حصلت على فائدة ولا وجدت ومما يتبين أن هذا الذي ذكره إنما هو جعجعة لفظية ليس وراءها معنى أنا نبطل لفظ الحجاب بالدليل ولا نبقى مما توهمه شيء فإننا يمكننا أن نقول إن الصوت الذي خلقه الله تعالى وجعله دليلا على إرادته على قوله إنما هو بمثابة أن لو خلق خطوطا في حجر يستدل بها المستدل على إرادته إذا قرأها فلا يتمكن لعاقل أن يقول إن الإرادة انحجبت بخطوط ذلك الحجر ولا اتحدت به فإن الإرادة لا تقوم بجماد وهذا بين بنفسه وكذلك لو كتبنا لفظ النار في ورقة لما تخيل عاقل بل غافل أن ذات النار حلت في الورقة إذ لو حلت النار في الورقة لاحترقت وكذلك

151

الصوت المقطع حروفا إنما هو دليل على ما في النفس من غير أن يحل ما في النفس ولا أن يتحد به وإذا فهم هذا ارتفع كل ما توهمه هذا المخدوع بالضرورة ثم نقول له نسلم جدلا ما ذكرته من لفظ الحجاب والظهور لكن لم قلت أنه إذا صح أن تظهر إرادته بحجاب الصوت جاز أن تظهر ذاته بحجاب الصورة وما الدليل على ذلك وأي جامع بينهما فإن قال الدليل على ذلك أن الله تعالى قادر على ذلك كما هو قادر على حجاب صوته فإنه إن لم يكن قادرا على إظهار ذاته بصورة فيكون عاجزا والعجز عليه محال فهذا هو الدليل وأما الجامع فإن الصوت مظهر للإرادة والصورة مظهرة للذات فيقال له أما إستدلالك بأن الله قادر على كل شيء فإستدلال فاسد فإن الأشياء التي يقدر الباري تعالى عليها إنما هي الممكنات لا المستحيلات وهذا الذي ذكرت من ظهور الله في صورة مستحيل لا يكون به مقدورا فإن المستحيل لا يوصف الباري تعالى بالقدرة عليه ولا بالعجز عنه لإستحالة شرط تعلق القدرة وهذا إنما يعرفه من يعرف حقيقة حقيقة الواجب والممكن والمستحيل ثم أنا نقلب عليهم دليلهم ونقول هل يقدر الله تعالى أن يظهر نفسه من غير صورة أم لا فإن قالوا يقدر قلنا لهم لا يحتاج إلى الصورة التي فرضتم وإن قالوا لا يقدر قلنا لهم فيلزمه العجز وبالذي ينفصلون عن هذا به بعينه ننفصل نحن عما ألزمونا وقد بينا فيما تقدم أن إتخاذ الباري سبحانه وتعالى صورة ليظهر فيها مستحيل حيث أبطلنا الحلول والإتحاد وما في معناه ونزيد الآن هنا نكته وهي أنا نقول هذه الصورة التي يظهر فيها لابد أن تكون متحيزة محدودة والظاهر فيها إما أن يكون داخلا فيها أو خارجا منها أولا خارجا ولا داخلا فإن كان داخلا فيها كان محدودا محاطا به وهذا هو التشبيه

152

فإنه يلزم منه أن يكون جسما وهو باطل على الله تعالى ومحال وإن كان خارجا عنها لزم تحديده أيضا لأنه لا يكون خارج لا محدود متحيز فيلزم أن يكون بجهة من الصورة وإذا كان بجهة كان جسما وهذا تشبيه وأيضا فإذا كان بجهة من الصورة التي ظهر فيها كان مفارقا لها وإذا كان مفارقا لها لم يظهر فيها وإن ظهر فإنما يظهر بنفسه لا بالصورة وإذا كان لا داخلا فيها ولا خارجا عنها استحال عليه أن يظهر بها أو فيها لأن ما ليس بمتحيز ولا داخل ولا خارج لا يظهر في جسم متحيز لأنه من حيث كان ليس بداخل فيها فقد فارقها وإذا فارقها لم يكن فيها وإذا لم يكن فيها لم يظهر فيها ولو جاز أن يظهر في كل ما ليس بداخل فيه ولا خارج عنه لجاز أن يظهر في كل موجود وإذا جاز ذلك فلعله قد اتخذ الأنبياء كلهم حجابا يظهر فيهم وهذا مما يأبونه وهو محال عندهم وأيضا فإن الله تعالى عندهم لا يرى بإنفراد من غير صورة ولا يظهر دونها فكذلك يلزمهم أن يبقى على حاله لا يظهر وإذا وجد صورة إذ ليس بداخل فيها ولا خارج عنها فإن الصورة لا تكسبه أمرا أوجب له ظهورا إلا لم يكن له وهذا بين الإستحالة إذ يلزم على ذلك تغيره عند العاقل المنصف نكتة أخرى وهي أنا نقول هل يجوز أن يرى الباري تعالى ويظهر من غير صورة أم لا يجوز فإن جاز ذلك فلم حتمتم اتخاذ الصورة عليه وقلتم أنه لا يظهر ولا يرى إلا بصورة وإن قلتم لا يرى ولا يظهر إلا بإتخاذ صورة فإذا وقع بصر الناظر فأما أن يقع على تلك الصورة أو على الله وعليهما فإن قلتم وقعل البصر على الصورة لا عليه فالمرئى إذن هي الصورة المخلوقة لا الخالق وإن وقع البصر على الخالق وحده لا على الصورة فهو المرئى ولا ترى الصورة فإن الصورة ليست هي الخالق تعالى والرائي لم ير إلا الصوت فإذن لم ير الخالق وإن وقع البصر عليهما لزم عليه أن يرى الرائي شيئين الخالق والصورة

153

وهو إنما رأى شيئا واحدا بالضرورة وهو الصورة لقول من يقول إنه ظهر بالصورة وأيضا فلو وقع بصر من رأى عيسى عليه السلام على ناسوته ولاهوته لما احتاجوا أن يستدلوا على ألوهيته بإحياء الموتى وغير ذلك ولما كان يحتاج هو أن يدل على لاهوت نفسه بشيء من المعجزات وخوارق العادات إذا كان يدرك منه بالحس والعيان ذلك والمعلوم بالعيان لا يطلب تحصيل علمه بالدليل والبرهان فحصل من هذا أن الصورة المقدرة لا يظهر فيها الباري تعالى وإن ظهرت هي فإن الرائى إنما يراها وحدها وهي الظاهرة له وأما الباري سبحانه وتعالى فهو بعد إيجاد هذه الصورة على ما كان عليه قبل إيجادها لم تتبدل حاله أعنى أنه إن كان قبل إيجاده هذه الصورة قابلا لأن يظهر فهو بعدها قابل لأن يظهر وإن كان ممتنعا عليه أن يظهر قبلها امتنع عليه ذلك بعدها لاستحالة التغير عليه فإنه لو تغير لكان محدثا وأما ما ادعاه من الجامع فلا نسلم أن الصوت مظهر للإرادة إلا بمعنى أنه يدل عليها لا بمعنى الإحتجاب والظهور كما زعم وإذا لم نسلم هذا في الصوت فلا يصح له قياس الصورة على الصوت ولو سلمنا قياس الصورة على الصوت من حيث الجامع فبأي دليل يحمل أحدهما على الآخر فإن وجود الجامع لا يدل على أن حكم أحدهما حكم الآخر إذ لا يبعد في المتماثلات في بعض الصفات اختلافها في بعض الأحكام على ما يعرفه أهله ولو سلمنا وجود دليل الإلحاق لكان قياس جزء على جزء وذلك غير مقبول في العقليات على ما يعرف في موضعه وعلى مايقال مع أهله فظهر من كلام هذا الرجل عند العقلاء أنه غير متمسك بدليل عقلي وسنبين أنه لم يستدل على صحة مذهبه بدليل نقلى فإذا بطل له المعقول والمنقول ثبت أنه بالتحكم والهوى يقول وذلك دأب كل غبي جهول وأما قوله فالواجب عليهم أن يخاطبوا الصوت بإسم الذي الصوت له وكذلك الصورة يجب أن تخاطب بإسم الذي هي له

154

فنقول له قولك واجب عليهم هذا الوجوب الذي ادعيته أهو عقلي أو شرعي فإن قال هو عقلي وشرعي فلا بد من إقامة الدليل على ذلك فإن قال الدليل على ذلك النقل والعقل أما النقل فهو أن العاقل إذا أقر بأن الله خاطب موسى بصوت مسموع أو ظهر في صورة مرئية فقد أقر بأن الله خص ذلك الصوت وتلك الصورة بما لم يخص به شيئا من المخلوقات إذ تجلى هو فيها وإذا ثبت ذلك فالعقل يشهد بأن ذلك الصوت وتلك الصورة شريف والصوت لابد أن يعترف لشرفه وينزل منزلته ولا أشرف من الله تعالى وما ظهر فيه الله تعالى فينبغي أن يعظم بأقصى رتب التعظيم ويعبد بأجل العبادات فخرج من هذا أنه يجب عقلا أن تعظم الصورة لتعظيم الحال فيها فتخاطب بإسم الرب ويعترف لها بالربوبية والألوهية وأما الشرع فالذي دل عليه العقل جاءت به الشرائع ألا ترى أن موسى خاطب الصوت بإسم الربوبية وكذلك من رأى الصورة إنما يرى صورة الله والله تعالى معظم بالشرع والعقل فتلك الصورة ينبغي أن تكون معظمة بالشرع والعقل ألا ترى أن الشرائع قد أمرتنا بتعظيم الملائكة وإهانة الشياطين وليس يخفى أن العرش أعظم من السماء وأن المشرق أعظم من المغرب وأن الصالحين أعظم من الطالحين وهذا كله يشهد له العقل والنقل كما سبق هذا إنهاء تقرير حجته وإليها أشار في كلامه ولا مزيد في التقرير عليها فنقول قولك العقل دل عليه باطل فإن العقل لا يدل على التزام العبادات فإن معنى العبادات التي تفعل بحكم اللزوم إنها تفعل وإلا فيعاقب الله التارك وذلك لا يتوصل العقل إليه إذ العبادات لا تتعين عنده إلا بتعيين معين الذي هو الشارع الذي ينص على ما يرضيه من العبادات وعلى ما لا يرضيه وأما العقل فلا يستقل بشيء من ذلك فلعل العبادة التي يعينها العقل ويلتزمها لعل الله تعالى لا يرضى بها إذ يفعل الله ما يريد ولعل ما يظنه العقل عبادة هو معصية فإن هذا الله تعالى يفعل ما يشاء فكما يجعل من شاء نبيا ووليا

155

يجعل من يشاء فاسقا وخبيثا ويمد بأسباب ذلك ولا حجر عليه في ذلك ولا حكم كذلك يجعل ما يشاء من الأعمال طاعة وما يشاء معصية وإن لم تقل بذلك لزمك أن تجعل الله تعالى محكوما عليه مغلوبا وذلك كله على الله تعالى محال وأما ما ادعيت من النقل من الأنبياء فذلك شيء لا يصح عنهم أنهم عظموا الصوت والصورة بما عظموا به الله حتى عبدوهما كما تزعمون أنتم وقولكم إن موسى خاطب الصوت بالربوبية زعم وقاح وافك صراح وإنما المخاطب بالربوبية المتكلم بالصوت بزعمكم الذي قال عن نفسه بالصوت أنا الله والذي يعقله العقلاء الذين لا يلعبون بأديانهم ولا يجترؤون على ربهم والههم إن الصوت موجود يتكلم به ولا يتكلم هو عن نفسه فإذا سمع العاقل قائلا قال بصوت مقطع مشيت إلى بيت المقدس فرأيته مثلا لا يشك عاقل في أن المخبر عن نفسه إنما هو الذي قام به الصوت لا الصوت فإنه لو كان الصوت هو الذي أخبر بذلك عن نفسه لما صدق عليه ذلك ولما صح منه الخبر لأنه لا يتأتى منه المشى ولا الرؤية وكذلك لو قال إنسان مخبرا عن نفسه بقوله أكلت الخبز وهذا بين بالضرورة وإذا تقرر هذا فالصوت الذي سلمناه جدلا الذي تكلم الله به على زعمهم لم يقل من نفسه شيئا مما ذكروه إنما الله هو الذي قاله مخبرا عن نفسه وأما ما قاله موسى فإنما قاله لله تعالى فله اعترف بالربوبية وإليه تاب وله سجد وإياه عبد لا للصوت وهذا معلوم على القطع والضرورة والمخالف في ذلك جاهل متسامح أو معاند متواقح وقد كان تقدم من قول السائل الغبي الجاهل أن موسى أعترف للصدى بالربوبية وأنه الذي قال عن نفسه أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأنه هو الذي سجد له موسى وعن ذلك الصدى تحمل موسى الرسالة وأنه هو الذي كلم موسى وإياه جاوب وأنه قام عند موسى مقام خالق فسماه إلها وربما يظن ذلك الجاهل أن هذا

156

الذي قاله أغشتين هو الذي قاله هو وهيهات أن بينهما ما بين الثرى والثريا وغاية كلام أغشتين وإن كان فيه من المخطئين أن يقول قد علمنا أن الله تعالى خلق الصوت الذي أسمعه لموسى كما علمنا أن الله خلق جميع الأصوات ولكن وجب علينا الإقرار لذلك الصوت بالربوبية مالم يجب لغيره لعلمنا أن الله تعالى ولى المخاطبة به هذا نص ما في كتابه على هذا المعنى ولا يفهم منه شيء مما انتحله ذلك السائل وقد وكلت الناظر العاقل المنصف للوقوف على كلامهما وتفهم معانيهما فإني قد نصصت على كلامهما في هذا الكتاب وحكيته كي يزول الإرتياب ويعلم الناظر المنصف أن السائل ليس على شيء من الصواب وإنما نبهت هذا التنبيه حذرا من المغالطة والتمويه فإني أخاف إن وبخ أحد أقسة النصارى هذا السائل على هذا المذهب الذي اخترعه والمحال الذي ابتدعه أن يحتج لنفسه بأن ينسبه إلى أغشتين ويكون في نسبته من الكاذبين فمن أراد الإنصاف فليطرح عن نفسه التعصب والإعتساف ويقف على كلامهما متدبرا وفيه متفكرا ولقد كنت أتمنى أن يكون أولئك الأقسة بين يدي حتى يسمعوا مني وينظروا إلى فليس كل ما في النفس تبرزه المكاتبة ثم ليس الخبر كالمشافهة وأما قوله وإذا وجب إكرام الحجاب بإكرام المحتجب به لم يبق علينا من الكلام شيء إلا في الحجاب الذي اتخذه منا وهو المسيح فنقول المفهوم من لفظ الحجاب إنما هو الساتر للشيء المانع له فإنك تقول احتجب عني فلان إذا استتر عنك وامتنع من لقائك والخروج إليك ولا يصح هنا على مفهوم كلام هذا الرجل أن يكون الحجاب هو الساتر بل هو الكاشف المظهر على قوله وذلك أن إرادة الله وذاته قبل إتخاذ الصوت والصورة لم يكن شيء منهما ظاهرا فلما اتخذهما ظهرت إرادته وذاته هذا مفهوم مساق كلامه فتدبره

157

وهذا يدلك على قلة التحصيل وقصد التخليط والتجهيل وإذا كان الناظر من قلة التحفظ بحيث يعبر عن المظهر بالساتر فعلمه جهل ونظره قاصر وأما قوله في الشواهد على إتخاذ الله المسيح حجابا فتهويل ليس وراءه تحصيل وذلك انه قال إن لم يوجبه القياس إيجاب أضطرارا فإنه يجوزه تجويز الإمكان ثم إنه تكلم بأكثر وذكر القياس الفاسد الذي به كفر ثم رجع حاصل كلامه إلى أن قال لأن إتخاذ الصورة مثل إتخاذ الصوت وهذا كله قد بينا فساده فيما تقدم وأما ما ذكره من شواهد الأنبياء عليهم السلام على ما إدعاه من الهذيان والهذر والبهتان على المتعالي عن النقصان فليس له في شيء من ذلك شاهد وحاشا أنبياء الله وكتبه من مذهبه الفاسد وغاية تلك الشواهد أن تدل على رسالة عيسى عليه السلام وليست دلالتها قاطعة على ذلك فتدبرها بفهمك وخذها بقياس عقلك وسيأتي ذكر ذلك وأشباهه في باب النبوات بعد هذا إن شاء الله تعالى وقد أتينا على ما أردنا ذكره في هذا الباب والحمد لله على أنا أغفلنا كثيرا من ألفاظ أغشتين يمكن البحث فيها تركناها لئلا يطول الكتاب ويخرج عن الضبط هذا الباب على أن هذا من كلامه هو اللب واللباب هذا مع أن الأمل إن وافق القدر أن أرد على القس أغشتين كلامه وأبطل من ذلك الكتاب قصده ومرامه وحسبنا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله كمل الباب الثاني وبكماله كمل الجزء الأول الحمدلله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم يتلوه الثاني

158



159

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام تأليف الإمام القرطبي تقديم وتحقيق وتعليق الدكتور أحمد حجازي السقا الجزء الثاني

160



161


الباب الثالث

في النبوات وذكر كلامهم هذا الباب ينقسم قسمين أحدهما نحكى فيه كلام السائل ونذكر الجواب عليه والثاني نتكلم فيه على النبوات وعلى إثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام

162



163


القسم الأول


الفصل الأول

احتجاج أصحاب الملل في حكاية كلامه قال إبتداء احتجاج الثلاث ملل بعون الله أعلم أن أهل الملل أجمعين متكافئون في إدعاء الإيمان حاكمون على كل قوم لأنفسهم بالإيمان ولغيرهم بالكفر قد غلبت عليهم في ذلك الغواية وتأديب الصبا ووصية الآباء والأجداد حتى صار ذلك طبعا فيهم لازما لهم فكلهم قد سهل عليهم انتقاص غيرهم وطاب عندهم دينهم بالتهنية في دنياهم عن معاد آخرتهم وصاروا في تدبير دنياهم ومعايشهم على خلاف ذلك لأنك تجد أهل كل ملة يزعمون أن غيرهم من الملل ألحف على كل طلب معايشهم وألطف في إستجلاب أرزاقهم وأحسب أن العلة في ذلك رغبتهم في التكاثر من الدنيا وهي التي تدخلهم إلى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم في طلب معاشهم وأن الآخرة عندهم مهملة لبعدها عن حواسهم فلذلك يزعم أهل كله ملة أنهم أحق خيرا من غيرهم فلذلك قل تناصفهم فيها وإن طال عصرهم لأن كل قوم قد قلدوا سلفهم وطاب عندهم خبرهم في مدح دينهم وذم غيرهم فأسقط الرجل منهم كل حاسة وأمات خواطره وأذهب فهمه بقطع كشفه عن مصالح ما يستقبله من خبره وإستعماله إياه بما هو مدبر عنه من دنياه ولتجدن الرجل من كل ملة يروم شراء خرقة يرقع بها ثوبه أو شركة لنعله فتراه يستجير ويستشير خوف السقطة والغلط ثم إذا صار إلى كشف دينه ومعاده أكتفى فيه بتقليد سلفه ثم لا يبالى بدليل من خالف ملته وينتقص كل خارج عن دينه

164

فكل يقتحم المناظرة وإن لم يحسنها ويراها فريضة وهو لا يفهمها ولم يتخذ شيئا من العلوم والصناعات إلا الفضول معترف فيها للفضائل لا الجدال والمناظرة وأن الجميع يدعون أمرا لا يقدرون على التناصف فيه لبعد غايته وهو أنهم ليختلفون في معرفة الباري تعالى لأنه لا يدركونه بالحواس فيختلفون في معرفته وإنما يتعارف الناس فيما يدركونه بالحواس ويتصورونه في الأوهام فينقمع العقل السليم في إجابة الحق إذا أدركه وانكشف له فلذلك يجادل كل قوم عن دينهم ويفضلون أنفسهم على غيرهم ويدلك على ذلك أنك تجد الصقلبي العبد الحبشي يقع مرقوقا بيد رجل من أحد الثلاث ملل فيرده إلى ملته ويورد عليه أخبار سلفه فيتقبله منه كتقبل الأطفال المعذبين فيه وعلته في ذلك أنه يجد صدره خاليا من الأخبار المدونة في الكتب فيتعلق بما أورد عليه من أخبار من علمه ويتمكن ذلك في صدره حتى يصير واحدا من أهل الملة في إدعاء الفضل لها وإنتقاص أهل غيرها والطعن عليهم ولو أن مجوسيا دخل بلدنا طارئا أو تاجرا فكبرت عليه مجوسيته ووحش لوحدته على البقاء عليها عازما على رفضها ثم طلب الخروج إلى أفضل الثلاث الملل المفسدة عليه مجوسيته لتحير وعمى أية أفضل فيخرج إليها لأنه يجد كل قوم يدعون لأنفسهم الإيمان ولغيرهم الكفر ثم تجدهم متكافئين في إدعاء الآيات لأن أهل كل دين يزعموه أن بينة دينهم على آيات قامت وبراهين ظهرت وما تجد عند أحدهم آية من تلك الآيات التي زعموا أنها أضطرت عقل المجوسى إلى الدخول في أديانهم ولكن الذي كان يضمه إليه حسن نظره أن يتوقف حتى يسمع حجتهم ويستعمل عقله في دعواهم ليفهم ما احتجاجهم من نبذ الحق فكان يجد في دعواهم أن النصراني والمسلم مقران لليهودي بأن دينه أول وأنبياؤه حق ثم يقول النصراني إن كتابي جاء من بعد فنسخ طاعة دين اليهودي ثم يقول المسلم وكذلك جاء كتابي بعد فنسخ طاعة دين النصراني كما نسخ اليهودي فإذا كاشف المجوسي اليهودي عما إدعياه أنكرهما وقال لم يأت بعد كتابي

165

من الله كتاب ثم إذا سأل النصراني عما إدعاه المسلم أنكر أيضا وقال لم يأت بعد كتابي من الله كتاب فوجب على النصراني أن يأتى بالبينة على اليهودي من الكتب التي أقر له بها فإن لم يكن فيها مسيحا منتظرا فلا حجة له عليه ولا معلق له إليه وإن كان فيها مسيحا منتظرا يرجى صلاح الحال من سببه ووافقت علاماته علامات الذي قد جاء وظهر فإذا كان فقد اختار النصراني الرسالة الأولى والثانية لنفسه وخرج اليهودي عن رضا المعبود بجحده الرسالة الثانية ودفعه بسنته فيما أعقب به في عباده من الرسالة الثانية ثم يحمل المسلم البينة على النصراني من الكتب التي أقر له بها وجامعه عليها فإن لم يكن فيها محمد منتظرا فلا حجة له عليه ولا مطعن له إليه وإن كان فيها محمد منتظرا ثم وافقت علاماته علامات الكتب فقد أصاب المسلم ولزم النصراني الخروج عن رضا معبوده الجواب عن كلامه يا هذا أسهبت وأطنبت وبحبة خردل ما أتيت كثر كلامك فكثر غلطك وقلت فائدته فظهر قصورك وسقطك ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كانت النار أولى به أعميت لجهلك بلحنه ولم تتفطن لتثبيجه ولحنه فلقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم فأول خطابك قولك في ترجمتك هذا الفصل احتجاج الثلاث ملل ثم ضمنته ذكر ملة المجوس فكان ينبغي لك أن تقول احتجاج الأربع ملل فإن المجوس أمة تدعى أنها أرسل إليها رسول وأنزل عليه كتاب ثم إن مذهبهم في التثنية وإن كان باطلا فهو أقل شناعة وأبعد عن جحد الضرورة وأدخل في مسلك النظر وإن كان فاسدا من مذهبكم فإنهم يقولون إن الموجودات خير وشر ولا بد لكل واحد من موجد فموجد الخير خير والخير لا يفعل الشر لئلا يكون شريرا وموجد الشر شرير لا يفعل الخير إذ لو فعل الخير لما فعل الشر قالوا فلا بد من إلهين إثنين يفعل أحدهما الشر والآخر الخير وهذا كلام يشبه النظر العقلي وبعد بحث شديد يتبين فساده فلهم شبهة في التمسك بمذهبهم ولو أورد المجوسي شبهته عليكم

166

لصعب عليكم ابطالها لكونه يلزمكم من مذهبكم إلتزامات لا تنفصلون عنها وأنا الآن أذكر طرفا من ذلك حتى يتبين عجزكم وجهلكم هنالك أما مذهبكم في الأقانيم فغير مقبول ولا معقول كما تقدم وكفى به فسادا قولكم آلهة ثلاثة إله واحد وكذلك مذهبكم في الإتحاد والحلول على ما مر ومن العجب أنكم تعتقدون مذهب المجوس ولا تشعرون فإنكم تنسبون الشرور والإضلال الى غير الله تعالى وتعيبون علينا إذا نحن فوضنا كل الأمور إلى الله تعالى وقلنا كل موجود في العالم فإنما هو موجود إيجاد موجد واحد وهو اللة تعالى وهذا والله هو التوحيد الحق الذي ارتضاه الله لخلقه وكلف به أنبياءه ورسله وأنزل به كتبه فعين مذهبكم في هذه المسئلة هو مذهب المجوس فإنكم تنسبون الشرور كلها إلى الشيطان وهو عدو الله وهو لا يصدر عنه إلا الشر وليس الشر من إيجاد الرحمن عندكم فإنه ما يوجد إلا الخير فعلى مذهبكم هناك خالقان أحدهما خالق الخير وهو الله والآخر خالق الشر وهو الشيطان وهذا عين المجوسية فصرحوا بها ولا تنكروها وأجمعوا بينها وبين النصرانية وتقلدو وتقلدوها ثم زعمت على مقتضى ترجمتك أنك تذكر حجاج الملل الثلاث ولم تف بشيء من ذلك ولا ذكرت في كلامك هذا حجة للمسلمين عليكم ولا لليهود بل ذكرت حجة النصارى الداحضة وسكت عن حجة خصومهم المسلمين الظاهرة وهذا أثر التقليد والجمود عليه حملك على الإعراض عن حجة خصمك لعلك لا تسمع ما يؤدي إلى تبكيتك ولطمك ولقد كان ينبغي لك لو كنت من النظار والعارفين بأديانهم أن تذكر حجج خصومك أحسن فتبحث عنها واحدة بعد واحدة حتى يتبين لك فيها الصحيح من الفاسد ولكن مع هذا نقبل عذرك ونعلم جهلك فإنك واحد من عوام المسيحيين الذين تشبهوا بالقسيسين وفي مثلك ينشد
فسد الزمان فسدت غير مسود
من الشقاء تفردى بالسؤدد

ولكن لا عليك فإنما هو جنا يديك فأنى لأرجو أن يقف على هذا

167

الكتاب جماعة المطارين ويعلموا بما فيه أنك مخالف لمذاهبهم أجمعين فيخرجوك من بين القسيسين ويلحقوك بالرياسين ثم قلت اعلم أن أهل الملل أجمعين متكافئون في إدعاء الإيمان حاكمون على كل قوم لأنفسهم بالإيمان ولغيرهم بالكفر فنقول أما التكافؤ في الدعوى فنعم لكن الفصل يقع بينهما من جهة البينات ووقوف العقلاء على حكاية المذاهب والديانات فإن من الأديان ما يدرك فساده بغير نظر ولا برهان بل بالفطرة التي خص الله بها الإنسان وكذلك دين النصارى الضلال الحيارى ولقد حكى أن بعض حكماء الهند وكان من الملوك الذين يحكمون بالسياسية الدينية الذين لم يتقلدوا إتباع ملة دينية ذكرت له الملل الثلاث فقال أما النصارى وإن كان مناصبوهم من أهل الملل يجاهدونهم بحكم شرعي فقد أدت آراؤهم إلى أن لا نرى بحكم عقولنا لهم عقولا فاستثنى هؤلاء القوم يريد النصارى من جميع العوالم فإنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العداوة وتحلوا ببث الإستحالات مع أنهم حادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع وقد كان لهم فيه كفاية ولكنهم شذوا عن جميع مناهج العالم الشرعية الصالحة والعقلية الواضحة واعتقدوا كل شيء مستحيل ممكنا فلم يعزب عنهم شيء وبنوا من ذلك شرعا لا يؤدي البتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم إلا أنه يصير العاقل إذا تشرع به أخرق والمرشد سفيها والمحسن مسيئا لأن من كان في أصل عقيدته التي جر نشوؤه عليها الإساءة إلى الخالق والنيل منه بوصفه بغير صفاته الحسنى فاخلق به أن يقصد الإساءة إلى مخلوق ولذلك ما بلغنا عنهم مما في خلقهم من الجهل وضعف العقل والطمع والبخل ومهانة النفس وخساسة الهمة والغدر وقلة الحياء إلا قليلا منهم فلو لم تجب مجاهدة هؤلاء القوم إلا لعموم أضرارهم التي لا تحصى وجوهها لكفى وكما يجب قتل الحيوان المؤذي بطبعه فكيف وقد ثم من الموجبات ما تقدم فهذا ما بدا لهذا الحكيم في أول نظرة من مذهبكم على أول وهلة وليس بمخاصمكم ولا مناوئكم ولا بمتهم بإتباع الهوى فيكم لكن قد تبين الصبح لذي عينين بحيث لا يشك فيه أحد من النقلين وسترى ذلك واضحا إن كنت ذا بصر وبصيرة إن شاء الله تعالى

168

ثم قلت قد غلبت عليهم في ذلك الغواية وتأديب الصبا ووصية الآباء والأجداد حتى صار ذلك طبعا فيهم هذا الذي ذكرته لعمري حكم الرعاع الغبر والغثاء الغثر وأما من أمده الله بنور توفيقه وبين له سواء طريقه فقد تبين له الرشد من الغي والميت من الحي فقد أخطأت في إطلاقك هذا الحكم على جميع الملل ولم تشعر بما لزمك من الفساد والزلل كلا بل الذي ذكرته وصف أهل ملتك وحيلة عصبتك إذ هم أهل تقليد ونظرهم غير سديد ثم قلت فكلهم قد سهل عليهم انتقاص غيرهم وطاب عندهم دينهم بالتهنية في دنياهم عن معاد آخرتهم وعدلت في هذا الحكم عن العدل فحاق عليك اللوم والعذل بل في الملل من لا ينتقص أحدا إلا إذا ذمه الشرع وإذا رأى ذو فضيلة محقا أحبه وشكره بالطبع والطوع وذو الفضيلة يهجر في طلب الحق جميع لذاته ويزهد في جميع متملكاته يبغي بذلك رضا سيده ومرضاته يضرب في طلب الحق الأرض ضربا فيقطعها شرقا ويقطعها غربا
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن
وإن لقيت معدا ما فعدنان

يفارق الأهل والوطن ويلازم الفقر والعطن فإذا ظفر بالبغية ليا وفطن أما الدنيا فلا يلتفت إليها وأما الآخرة فهو مقبل بكليته عليها فهو في كل حال ينشد وأحواله تشهد
وأبغضت فيك النخل والنخل يانع
وأعجبني من حبك السدر والضال


وأهوى لجوان السماوة والغضا
ولو أن صنفيه وشاة وعذال

فأنت لم تحكم بالسوية ولا عدلت في القضية حيث حكمت بإعراض كل العقلاء عن الأديان وبالتكاثر من الدنيا على كل البرية كلا لو كان ذلك لما بقى منا أحد إلا هالك فراجع نفسك عن هذا الإطلاق وتب للواحد الخلاق واحكم على أهل ملتك بتلك الخصال والأخلاق فإن رب العالمين يبقى علينا ببركة الفضلاء والصالحين ثم قلت وأحسب أن العلة في ذلك رغبتهم في التكاثر من الدنيا

169

وهي التي تدخلهم إلى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم في طلب معاشهم وأن الأخرة عندهم مهملة يا هذا لقد كثر غلطك حتى يعجز الناظر فيه عن إحصائه وعظم سقطك حتى لا أقدر على استقصائه
تفرقت الظباء على خراش
فما يدري خراش ما يصيد

فتارة يتثبج عليك الكلام وأخرى تبدل المدح بالملام فربما تريد أن تمدح فتذم وتظن أنك تحل ربطا وأنت تزم وأنت في هذا الكلام قد لحنت فيه في عدة مواضع وأردت أن تقول شيئا فعبرت عنه بعبارة يفهم منها بحكم وضعها خلاف ما أردت أن تقول وذلك يبن عند من تأمله من أهل العقول وبالجملة فأنت في هذا الفصل أردت أن تنفصح وتغرب فإذا بك تبهم ولا تعرب على أن كلامك في هذا الفصل قليل الجدوى واهي الأصل فينبغي أن تتعدى أكثر كلامك وتنزه عقولا عن الأخذ في كثير من هذيانك فإن الأخذ في الخرافات والإشتغال بالترهات مخل بالعقول والمروآت ثم قلت بعد ذكر كلام حاكيت به فعل السفلة الطغام المعدودين في رعاع الأعوام لأن كل قوم قلدوا سلفهم وطاب عندهم خبرهم في مدح دينهم وذم غيرهم يا هذا جهلت كل الأنام إذ زعمت أن التقليد دأب كل الأقوام ولو أنصفت في القضية وعدلت بالسوية لقلت أن الناس قسمان قسم إيمانهم برهاني وقسم اعتقادهم تقليدي هكذا ظهر من أمر أهل الأديان وأما من لم يتدين بدين فينبغي ألا يعد في الموحدين وبعد هذا ينبغي أن تعلم أن أمور الإعتقاد والإيمان لم يقنع فيها قط أحد من الفضلاء بالتقيلد من غير برهان ولأجل هذا حرم الله علينا الركون إلى التقليد وذم من عول في إعتقاده على إتباع الآباء والجدود فقال تعالى حكاية عن المقلد وذاما له وموبخا له على جهله بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون

170

فهذا ذم من الله للتقليد وأهله وقد أمر بالنظر الصحيح وحض على فعله فقال تعالى قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون وقال تعالى فلينظر الإنسان مم خلق وقال تعالى أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ومثل هذا كثير وكفى شرفا بهذا الدين ودليلا على صحته عند العقلاء العاقلين أنه حرم التقليد الذي يجر إلى الإلباس والتجهيل والتفنيد واستنهض العقول للنظر وأوضح لها مسالك العبر وأوجب عليها النظر الصحيح المفضى إلى العلم ومن لم يفعل ذلك من العقلاء فقد تعرض للعقاب وألزم ذلك كله ليتبين عن بصيرة الرشد من الغي ويعلم من هو على الحق ممن تحكم في دينه بظلمات التقليد والرأي وبعد هذا فإنى لا أشك في أنك لا تعرف حقيقة التقليد ولا أقسامه ولا أحكامه ولا في أي محل يجوز ولا في أي محل يحرم ولا من الذي يقلد ولا من المقلد فإن ادعيت أنك تعرف شيئا مما هنالك فعجل بالجواب على ذلك ثم قلت بعد ترديد وتطويل من غير إفادة علم ولا شفاء غليل فكل يقتحم المناظرة وإن لم يحسنها ويراها فريضة عليه وهو لا يفهمها ولم يتخذ شيئا من العلوم والصناعات إلا الفضول اعلم يا هذا أن الله تعالى أنطقك بشرح حالك فإنك عبرت عن سوء مناظرتك ونظرت بركيك مقالك فجهلت حتى توهمت أنك من أهل النظر وأوهمت عند الرعاع أنك من أهل المناظرة والفطر كلا فلقد ارتقيت مرتقا صعبا وسلكت مسلكا وعرا وادعيت دعوى

171

عريضة لتخدع بها قلبا ضعيفا ونفسا مريضة ولا بد من سؤالك حتى يتبين حقك من محالك فأقول لك ما حد النظر وحقيقته وما أصوله وكم أقسامه وما أحكامه وما حقيقة المناظرة وما شروطها وكم هي وما الشيء الذي يطلب بالمناظرة وما حقيقة الدليل وكم أقسامه وكم شروطه وما وجه الدليل وما المدلول وكم أقسامه فإن كنت تدعى المناظرة فأجبنا عن هذه الأسئلة محاورة ثم قلت وإن الجميع يدعون أمرا لا يقدرون على التناصف فيه لبعد غايته لتعلم يا هذا أن حكمك على الجميع بأنهم لا يقدرون على التناصف حكم خطأ فإن العاقل المشتغل بما يعنيه إنما يطلب الحق ليصل إليه ويعرف الباطل ليتجنبه ومن كانت هذه حاله أنصف وتناصف وإنما يمتنع التناصف على من غلب عليه التقليد وجمد على ما ورثه من الآباء والجدود وهو يصمم على أنه على الحق فيمنعه ذلك التصميم عن البحث والنظر ثم إن تنبه لنوع نظر كان كما قال
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
ولن تلين إذا قومتها الخشب

فهذا الذي يتعذر عليه التناصف وتبعد عليه الغاية المطلوبة وما من نور الله قلبه وأجزل من المعقولات حظه فالتناصف مرغوبه إذ الحق مطلوبه وفي مثل هذا ينشد
بعيد على الكسلان أو ذي ملالة
وأما على المشتاق فهو قريب

فإن قلت ما ذكرته أنت قليل وما ذكرته أنا كثير قلت لك
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز
وحار الأكثرين ذليل


تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل

ثم إن وجد في جميع الخلق واحد بهذه الصفة فقولك فاسد فإنك حكمت على الجميع بحكم قبيح شنيع وأطلقت القول ولم تخف فيه الزلل ولا العول

172

ثم قلت ليختلفون في معرفة الباري تعالى لأنه لا يدركونه بالحواس وإنما يتعارف الناس فيما يدركونه بالحواس إعلم أن هذا الذي ذكرت لا يصح أن يقال على كل العقلاء وإنما يصح ذلك على الجهلة الأغبياء بل نقول أن الأغبياء أهل الجهالات يختلفون في الضروريات وقد بينا عليكم مواضع كثيرة من إعتقادكم خالفتم فيها الضروريات وناكرتم المعقولات وأما أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة فلم يختلف منهم إثنان في معرفة وجود الله تعالى وإنما تخالفوا في أي وجود وجوده وهذا يعرف في موضعه فلست من أهله وأما تمثيلك بالعبد الحبشي فتمثيل ليس وراءه تحصيل وذلك أن العبد الحبشي إذا كان عاقلا سليم الفطرة إذا سمع كلاما لا يقبله عقله يرده وأما إذا كان ناقص الفطرة مختل العقل فيقبل كل محال ولا يثبت على حال ثم قلت ولو أن مجوسيا دخل بلدنا فكبرت عليه مجوسيته ثم طلب الخروج إلى أفضل الثلاث الملل أنت توهم بهذا القول البراءة عن المجوسية والدعاء إلى الملة النصرانية عساك يظن بك أنك تفحم الخصوم أو أنك حصلت من دينك على أمر معلوم كلا بل لو ناظرك مجوسى لأفحمك ولو وزن دينه بدينك في معيار العقل لرجحك وقد تبين ذلك فيما تقدم ثم قلت فكان يجد المجوسي في دعواهم أن النصراني والمسلم مقران لليهودي بأن دينه أول وأنبياؤه حق ثم يقول النصراني إن كتابي جاء من بعد فنسخ طاعة دين اليهودي ثم يقول المسلم وكذلك جاء كتابي فنسخ طاعة دين النصراني يا هذا البليد أخطأت على المسلم حيث ظننت أن المسلم يسلم لليهودي دينه الذي بيده الآن ويعترف بأنه أول وليس الأمر كذلك بل الذي يقول به المسلم إن الدين الذي جاء به موسى عليه السلام هو حق وأنه الأول بالزمان بالإضافة إلينا وإليكم وأما اليهود اليوم فليسوا على دين عندنا وعندكم

173

فعندنا من جهتين وعندكم من جهة واحدة إحدى الجهتين عندنا أنهم كفروا بمحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وقد كان الله تعالى أخذ عليهم العهد بالإيمان به وبلغهم ذلك على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام على ما ننقله إن شاء الله تعالى وكذلك نقول في المسيح عليه السلام إنهم كفروا به بعد أن أنكروه وهذه هي الجهة الأخرى فهاتان جهتان وأنتم إنما تكفرونهم من جهة واحدة وهي كفرهم بالمسيح فقد اتفقنا نحن وإياكم على أن اليهود في هذا الوقت ليسوا على دين وليسوا بمنتسبين إلى شيء من دين موسى عليه السلام وإذا كان الأمر كذلك فكيف جازفت في لفظك وقلت على المسلمين والنصارى ما لا يرضون به ولا يعولون عليه وهل إطلاقك هذا إلا نتيجة جهلك ومما يدل على نقص عقلك ثم إنك إدعيت أن النصارى يقولون إن كتابهم نسخ شرع اليهود وكيف يصح لك يا جاهل بدينه أن تقول هذا وعيسى عليه السلام يقول في الإنجيل الذي بأيديكم لم آت لأنقض شريعة من قبلي إنما جئت لأتممها فأما أنت هو الكاذب أو كتابك هو المحرف الباطل وسنبين إن شاء الله تعالى ما أحدث في الإنجيل والتوراة من المناقضة والتحريف ما يدل على أنها ليست هي التي أنزل الله ومن عجيب أمرك وأدل دليل على جهلك أنك تدعي أن كتابك نسخ شرع اليهود وأنت بجهلك ترجع إليه في أحكامك وهل هذا إلا تناقض ظاهر وجهل فاحش ثم قلت فإذا كاشف المجوسي اليهودي عما أدعياه أنكرهما وقال لم بأت بعد كتابي من الله كتاب يا هذا لقد قولت اليهود ما لا يمكنهم قوله ولا يسعهم جهله فإن اليهود يعترفون بأنه قد كان بعد موسى أنبياء كثيرون جاءوا بصحف وقرأوا على الناس كتبا كثيرة هي بين أيديهم وأيديكم اليوم تقرأونها وتحكمون بها وها أنت قد استدللت بكثير منها في كتابك هذا على إثبات بنوة المسيح فتلك الكتب التي نقلت منها إما أن تكون من الله أو لا تكون فإن كانت

174

من الله فقد أفحمت نفسك وأكذبتها وصار كلامك ينقض أوله آخره مع أن اليهود توافقك على أن تلك الكتب والصحف من الله وعلى ألسنة رسل الله على هذا جمهورهم وأكثرهم وإن كانت تلك الكتب ليست من الله ولا يساعدونك عليها فكيف يسوغ لك الإحتجاج عليهم بشيء ليس من كلام الله ولا يسلمونه فلقد مكنت من نفسك يا هذا اليهود والمسلمين وصاروا على كذبك وخطئك من الشاهدين فمثلك مثل الباحث بظلفه على حتفه والجادع مارن أنفه بكفه فلقد لحقت بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وبعد هذا فلتعلم أن الذي تنكره اليهود لعنهم الله من الكتب المنسوبة إلى الله تعالى كتابك وكتابنا لا غير وسنقيم واضح الأدلة إن شاء الله على من خالفنا ثم قلت ثم يحمل المسلم البينة على النصراني من الكتب التي أقر له بها وجامعه عليها فإن لم يكن فيها محمد منتظرا فلا حجة له عليه ولا مطعن له إليه وإن كان فيها محمد منتظرا ثم وافقت علاماته علامات الكتب فقد أصاب المسلم ولزم النصراني الخروج عن رضا معبوده ظاهر كلامك أنك أنصفت وأنت في إعتقادك عليه ما عولت ولقد أعلم أنك إذا أتيت ذلك عليك من كتب عدلت وغدرت شنشنة أعرفها من أخزم وإذا كان الغدر في النفوس الخبيثة طباعا فالثقة بكل أحد عجز وما هي أول بركتكم وأنا أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبحق آدم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وممن بينهم من النبيين والمرسلين وبالملائكة المقربين وأهل طاعته أجمعين أن يلعن من لا يرجع إلى الحق إذا تبين له وأن يعجل عليه بنقمته في الدنيا تكون علامة على غضب الله عليه وعلى عذابه في

175

الآخرة العذاب الدائم نسأل الله العظيم أن يفعل ذلك بعزته وكرمه آمين آمين والصلاة على خيرته من خلقه ثم ينبغي لك أن تعلم أن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم تثبت لنا بطريق واحدة بل بطرق كثيرة فلو فرضنا أن الأنبياء صلوات الله عليهم لم يبشروا به لكانت نبوته ثابتة ببراهين قاطعة كثيرة بها عرف نبوته العقلاء الذين لم يقرأوا قط كتابا ولا انتسبوا إلى شريعة وسنوضح هذه الطرق إن شاء الله تعالى ونبينها على ما لا يبقى معه ريب لعاقل بحول الله وقوته

176



177


الفصل الثاني

المسيح المنتظر في حكاية كلامه أيضا قال ومن بينة النصراني على اليهودي أن في الكتب التي أقر له بها وجامعه عليها مسيح منتظر لا يقدرون على جحده لأن إنتظاره معروف فيهم وظاهر عليهم ودل على زمان مجيئه أنهم منتظرون له منذ سبيت اليهود وبددت إلى اليوم فإذ قد لزم اليهود بإنتظاره من وقت تفريقهم في الدنيا فقد وجب للنصارى أن يقولوا أنه قد جاء والدليل على أنه هو أن اليهود اختلفت من سببه فصارت فرقتين على الكفر والإيمان به فالفرقة الكافرة هم اليهود والفرقة المؤمنة هم النصارى فآمنت طائفة وكفرت طائفة والكتب أجمع مع كلامهم يحتجون بها بعضهم على بعض يجتمعون على ألفاظها وقراءاتها ويختلفون في تأويلها كفعلهم إلى هذه المدة والذي يستدل به للفرقتين على كفر أحدهما أن ننظر في الكتب ونستدل بها على حالة بني إسرائل منذ كانت على الإيمان والكفر فإنهم إن كانوا على الكفر فإنه يلزمهم الذلة إذ الذلة والأسرة والفرقة علامة الكافرين وموجود في الكتب أن الله لم يوعد بالثواب في الآخرة لبني إسرائل على الطاعة والإيمان وإنما وعدهم في الدنيا فوعدهم عند الطاعة والإيمان بالملك والنعمة والنقمة من عدوهم والتثمير لزرعهم وفواكههم وأوعدهم عند الكفر والعصيان بالتغلب عليهم والملك والقهرة لهم من عدوهم فلم يزالوا مؤيدين عند الطاعة والإيمان ومستعبدين عند الكفر والعصيان

178

فافهم الجواب عنه أعلم يا هذا أنه لولا أننا نخاف أن نساعد اليهود على كفرهم وأن يحملهم ذلك على دوام الإصرار وزيادة العناد لنبهناهم على مواضع في هذه الأدلة التي ذكرت يفسد عليك لأجل ذلك أكثرها ويبطل عليكم الإحتجاج بها ولو فعلنا ذلك لما كان مما يقدح في صحة نبوة المسيح فإنها تثبت بطرق أخر وإنما يكون ذلك دليلا على أنك لا تحسن الإستدلال ولا تعرف طرق المناظرة والجدال ولكن حاشى لله أن أعين اليهود أولى اللعنة والعداوة والبغضاء والأحنة على من التزم شرعة المسيح وركب منها المنهج الصحيح وكيف أفعل ذلك وقد أخبرنا الله على لسان نبيه ورسوله بأنه كان منهم عالمون بالله ومصدقون بما جاءهم على لسان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فهؤلاء الذين عرفوا شرعة المسيح عليه السلام وعلموا ما عهد إليه من نعت محمد خير الأنام فبادروا لتصديقه ولم يمكنهم العدول عن طريقه ولولا حرمة هؤلاء الأولياء الذين كانوا منكم لما بقى ستر الله عليكم لكن كما قال تعالى إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ومع هذا فلا نخلي هذا الباب من التنبيه على نكت تدل على سوء استدلال هذا السائل خاصة بعون الله قلت يا هذا والدليل على أنه هو أن اليهود اختلفت من سببه فصارت فرقتين على الكفر والإيمان به فالفرقة الكافرة هم اليهود والفرقة المؤمنة هم النصارى فآمنت طائفة وكفرت طائفة

179

هذا دليل ليس له للدلالة على مجيء المسيح من سبيل بل هو عين المذهب الذي تدعونه ويبقى عليك الإستدلال عليه وإن جاز أن يكون مثل هذا دليلا صحيحا على مجيئه جاز أن يكن نقيضه دليلا على إنتفاء مجيئه ولا فرق بين ما قلت وبين ما يقوله اليهودي إذ كل واحد منكم تكلم بدعوى ولم يثبتها ولا بد لك من إقامة دليل فاذكره فإن كلامك الأول ليس بدليل فإن أخذت تستدل بدليل آخر خلاف ما ذكرت فقد اعترفت بأن كلامك الأول ليس بدليل وانقطعت وإن رجعت تستدل بذلك تبين جهلك هنالك فأنظر ما أحسن هذا الدليل فلعمري ما للمستدل به من النظر العقلي كثير ولا قليل ثم قلت والكتب أجمع مع كلامهم يحتجون بها بعضهم على بعض يجتمعون على ألفاظها وقراءاتها ويختلفون في تأويلها كفعلهم إلى هذا المدة تناقضت يا مخدوع ولم تشعر وظننت أنك تنتصر فإذا بك تستأسر افصحت هنا بأنكم يحتج بعضكم على بعض ويتضمن ذلك أنكم تحتجون بالتوراة عليهم وكيف يصح لك هذا مع أنك قد ادعيت أنها منسوخة بكتابكم فإن قلت إن هذا عليهم في معرض الإلزام قيل لك فلا تأخذ من التوراة شيئا من الأحكام ولا تحكم منها على شيء بحلال ولا حرام ثم إن كلامك هذا يفهم منه أنهم يحتجون عليكم بكتبهم على أن المسيح لم يجيء وإذا اتفق أن يحتجوا عليكم بمثل هذا من كتبكم فقد أفحموكم هذا كله على ظاهر كلامك ولم ترو هذا المعنى وإنما أردت أن تقول إن الجميع قد اتفقوا على ألفاظ الكتب وإختلفوا في تأويلها ولم تساعدك العبارة وهذا أكثر كلامك تريد أن تقول شيئا ثم تعبر عنه بعبارة تدل على خلاف ما أردت وسبب ذلك أنك أدخلت نفسك في شيء لم تعرفه وتعاطيت ما لم تحسنه فكنت بمثابة من أدخل نفسه في شفط ثم جاء آخر فشد عليه وربط

180

ثم قلت والذي يستدل به للفرقتين على كفر أحدهما أن ننظر في الكتب إلى أن قلت إذ الذلة والأسرة والفرقة علامة الكافرين وهذاالإطلاق لو علمت ما يلزمك عليه لاستغفرت إلهك منه لكنك جهلت فأطلقت وحيث وجب أن تمسك أرسلت وذلك أنه إن صح ما ذكرت فلا ذلة ولا أسرة ولا تفرقة أبلغ من ذلة من يصفع في قفاه ويجعل على رأسه شوك وفي يده قصبة ويساق للقتل وعلى عنقه خشبة ويصلب وتسمر يداه ورجلاه وينخز وهو يطلب ما ء فيرفع إليه إناء خل وهذا كله بزعمكم ولا رتبة في المذلة أبلغ من هذه فعلى قولك وسياق دليلك يلزمك تكفير المصلوب ويحصل لليهودي منكم الغرض المطلوب فإن كنت عاقلا فثقل كلامك ولا يكن عارا عليك لسانك وقد نصحتك يا فشكل وما أظنك تقبل وإنما أردت أن تقول فلم تطاوعك العبارة يا جهول الدليل على مجيء المسيح المنتظر أنه قد ثبت في كتب الأنبياء عليهم السلام أن الله قال لليهود لا يزال ملككم قائما وخيركم دائما ما دمتم مؤمنين حتى تكفروا فإذا كفرتم أزلت ملككم وأبدلتكم منه ذلا وصغارا وغضبا ونقمة وعند ذلك أرسل إليكم المسيح ولا يشك أحد في زوال ملك اليهود وإنقطاعه وفي نزول الذلة والمسكنة عليهم فلا يشك في كفرهم ولا يشك في مجيء المسيح وأنهم كفروا به ولو هكذا قلت لما لزمك شيء مما ألزمت وهذا الدليل الذي استدللت به على اليهود إذا سيق على الطريقة التي ذكرناها وصح نقله عن الأنبياء بطريق القطع هو حجة على اليهود لا مخرج لهم منها ولا محيص عنها على أنه بقى فيه مواضع للبحث إذا انفصلت تم الدليل ووضح السبيل

181


الفصل الثالث

المسيح عيسى ابن مريم من حكاية كلامه أيضا قال وأنا أثبت لك أن المسيح قد جاء من كلام الأنبياء قال النبي هوشع بن بئيرى عليه السلام هكذا بكلام عبراني كي يا ميم ربيم يا شابوا بأنا إسرائل أن ملخ وإن صار تفسيره إن أياما كثيرة يقيموا بنى إسرائيل دون ملك ودون مقدم فإذا سئل اليهودي الجاحد إن كان لهم ملك أو مقدم فلا يكون جوابه إلا أن يقول ليس عندنا ملك ولا مقدم فيقال لهم إذ ليس عندكم ملك ولا مقدم فاسمع ما قال يعقوب الذي كان له اثنى عشر ولدا الذي منهم يوسف الصديق رضي الله عنهم أجمعين إلى يوم الدين قال الفاضل يعقوب بكلام عبراني لو يا صور شابات مى يهودا ومحو كيك مبين رعلاف عاد كى يا بوشيلو ولوا اقاهث عميم وهذا تفسيره لا ينتقض الملك من يهودا وراسم من بين رجليه حتى يأتى المسيح وله تطوع الأمم فيقال لهم إذ ليس لكم ملك ولا مقدم فقد جاء المسيح كقول يعقوب النبي إذ ليس لهم ملك وقال أرمياء النبي عليه السلام في الطائفة الكافرة به بكلام عبراني هكذا أم يا عمود موشا وشموال لقاناى أن نقسى الها عم

182

هذا شلاح معال فاناى ويا ساوها ياكى يمروا أناه ناسا وامرتا لاهيم هي لما باث لما باث امى تشانى أمى لا راعاب لا راعاب وخلاقى جاماتي بام اسمع كلام الله على لسان أرمياء النبي تفسيره إن وقف إلى موسى وشموال لا نرضى عن هذه الأمة أرميهم من قدامى يخرجوا فإن قالوا أين يخرجوا فتقل لهم من الموت إلى الموت ومن الغنى إلى الغنى ومن الجوع إلى الجوع ويكمل غضبي فيهم فيهم في غضب الله بكفرهم بالمسيح الذي قد جاء ثم قال الله تعالى على لسان يعقوب النبي الفاضل بلسان سرياني هكذا ألا يا عصا عاث غلطان مد أفاث يهودا وصفوا متانا بانوهي عاض على ما عاث ذا ياتا ماشيحا داث لاه ملخوثا ولاه اشتماعون عاما مايا وهذا تفسيره كما قاله الله على لسان نبيه يعقوب لا ينتقض قضيب الملك من يهودا وراسم من أبنائه حتى أن يأتي ما شيحا الذي هو المسيح الذي له الملك وله تطوع الأمم وقال الله تعالى على لسان أرمياء النبي في إنقطاع ملكهم بكلام عبراني هكذا فأضاع أدوناى ياحور أف كل مكان إن إسرائيل وهذا تفسيره قطع الله بشدة غضبه جميع دولة إسرائيل فافهم فقد جاء المسيح وانقطع ملكهم وقد قال الله على لسان أرمياء النبي في إثبات شريعة المسيح وإيمان الحواريين قائلا بلسان عبراني هنا يا ميم بايم نوم يهوه واخارتى ات بت إسرائيل وايت بت يهودا بريت حارشاه لو اخبريت اشير بريت ات ابو ثام بيوم هو تزيكى بيرم لهو عاييم مى ارس

183

مصريم امير همه هفرو ات بريت وانبى بعلتى بم نام يهوه تفسيره يقول الله وأثبت لبيت إسرائيل ويهودا عهدا جديدا ليس كالعهد الذي قلت لآبائهم في اليوم الذي أخرجتهم من أرض مصر من بيت العبودية فبين الله بهذا الكلام إيمان الحواريين والتابعين لهم كما قال الله في موضع آخر على لسان أرمياء النبي بلسان عبراني عن إيمان الحواريين قال شوبوا بانيم شوبابيم نوم ادوناى كى انوخى با علتى باخيم وإلا كحتى اتخيم أحاد معير وشنايم مشتبان وهاباتى أتخيم سيون تفسيره إرجعوا يا أولاد اللجاجة فإني سدت عليكم وآخذكم واحدا من مدينة واثنين من عشيرة وأدخلكم إلى صهيون وكذلك آخذ الحواريين واحدا من مدينة وإثنان من عشيرة ثم قال لضيق الآية وناتى لا خيم روعيم كلبى تفسيره ونعطيكم رعاة كقلبي ثم قال وأراع أتخيم رعاه واهسكال تفسيره ويرعوكم بالمعرفة والفهم وكذلك جعل من الحواريين أئمة ورعاة يعلموا الناس المعرفة والفهم ثم قال لضيق الآية في ألا يعمل بالعهد البالي واها ياكى تربوا افريتم بأريش بالبوميم هاهما نوم ادوناى لو يمروا غر دارون بريث ادوناى ولو يا عالا على لاب ولديز كا وابوا ولوا

184

يفقوا ذوا ولو ياعا ساعود تفسيره ويكون إذا كثرتم وتنمو في الأرض في تلك الأيام يقول الله لا تقولوا أبدا بتابوت عهد الله ولا يصعد على قلب ولا يذكر به ولا يعتقده ولا يعمل به أبدا فاعلم أنه أمن الحواريين والتابعين لهم من الأمم ثم قال سليمان الفاضل لم أتعلم علما وعرفت معرفة المقدسين فأفهم أيها الإنسان ما هي معرفة المقدسين الذي لا يمكن لأحد أن يكون مقدسا إلا أن عرفها وآمن بها وفي حقيقة الإيمان قال من صعد إلى السماء وهبط من قبض الأرواح في كفيه من جمع الماء في ثوب ثم قال بكلام عبراني مى هاكيم كل افس أريس ماشموا وماشم بنوا فأفهم فسره وكن عاقلا مدبرا ترشد قال سليمان مى هاكيم كل افس أريس ماشموا وما شم بنوا تفسيره من أقام جميع أقطار الأرض ما إسمه وإسم إبنه ثم قال لضيق الآية بالعبراني كل أمراث ألواه صروفا ماغين هو لات سيم بو تفسيره جميع كلام الله ترس منير هو لجميع الواثقين به فأفهم ثم قال الله على لسان أرمياء النبي بكلام عبراني هنا ياميم بايم نوم أدوناى واكراتى ات بت إسرائيل وات بت يهودا بريت هارشاه زيرع آدام وزيرع مهيما تفسيره هذا يوم يأتى

185

يقول الله ونزرع في بيت إسرائيل وبيت يهوذا نسل آدمى ونسل بهيمي فكان النسل الآدمي الحواريون المؤمنون بالمسيح عند إقباله والتابعين لهم وكان النسل البهيمي اليهود الجاحدين للمسيح وكذلك الحواري يوحنا الذي اسمه جوانش قال من لم يؤمن ولم يتمادى في تعليم المسيح فلا إله له فأفهم ترشد اعلم أني كتبت لك بالعبراني والسرياني من شهادات الأنبياء عن الله من الكتب التي بأيديهم وأن اليهود لا يقدرون على إنكار حرف منها إذا احتج معهم بها بالعبراني والسرياني كما نطقت به الأنبياء رضي الله عنهم في إثبات إقبال المسيح وإيمان الحواريين والتابعين لهم وفي إطراح اليهود الملاعين الجاحدين للمسيح سيدنا فأفهم الجواب عما ذكر يا هذا المخدوع ظننت السراب ماء والأرض سماء فاستسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم اعلم يا هذا أنه لا يقبل منك في هذا المقام الإستدلال بالظنون والأوهام إذ المطلوب فيه تحصيل العلم القطعي واليقين البرهاني فلا يحصل لك شيء من ذلك حتى تعلم صحة ما استدللت به هنالك ولا تعلم صحة شيء مما ادعيته دليلا قاطعا مفيدا للعلم إلا بعد معرفتك أن هذه الكتب التي استدللت بها أهي من عند الله وأنها بلغتك عن الله على ألسنة الصادقين ولا يتوصل إلى معرفة شيء من ذلك إلا بعد معرفتك بالنبوات وحقيقتها ودلائل صحتها العقلية ولا تتوصل إلى ذلك حتى تعلم حدوث العالم وأنه موجود بعد عدم وتعلم أن له محدثا وأن محدثه موجود حي عالم قادر مريد موصوف بصفات الكمال حتى يصح منه إرسال الرسل وتأييدهم بالأدلة وكل ذلك إنما يعرف بأدلة قطعية ولا يصح أن تعرف بأدلة سمعية

186

فإن السمع لا يثبت إلا بعد ثبوت هذه الأصول فإذا وصلت إلى هذا المحل وسلمت من التعثر بأذيان الزلل
وكم دونها من مهمه ومفازة
وكم أرض جدب دونها ولصوص

فحينئذ بجب عليك أن تنظر فيما ألقى الصادقون إليك فإن كنت ممن تسمع منهم كلامهم وتشافه بنفسك خطابهم فقد سقطت عنك معرفة طرق النقل وشروط التحمل والحمل ولزمتك معرفة اللغة التي يتكلم بها الصادقون فتعرف مقاطع الكلمات وكيفية النطق من إختلاف بسكون أو حركات وتعرف فرق ما بين الحقيقة والمجاز والنص والظاهر والمجمل والمؤول والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ إلى أمور كثيرة تعرف في علم الأصول وإن كنت ممن لم يسمع من الصادقين فلا بد لك من أن تنظر في الذي بلغك ذلك الدليل على يديه إن كان يجوز عادة عليه الغلط والسهو أو لا فإن كان ممن يجوز عليه الغلط والسهو عادة فلا يلتفت إلى خبره في هذا المقام وهذا النوع هو الذي يسمى عندنا أخبار الآحاد ولها محل تقبل فيه بعد مراعاة شروط ويعرف كل ذلك في موضعه وأما مثل هذا الذي تصديت له فلا يتوصل إليه بهذا الطرق فإن المطلوب هنا حصول العلم ولا يحصل العلم بقول من يتجوز الخطأ والسهو عليه في خبره وإن كان مما لا يجوز عليه شيء مما ذكرناه عادة فهو الذي يحصل العلم بقوله وهو العدد الكثير الذين تحيل العادة عليهم الكذب وهذا الخبر هو الذي يسمى المتواتر والتواتر له شروط وأحكام تعرف في موضعه فإذا تقررت هذه المقدمة فأنا أسألك سؤال منصف لا مصنف وأقسم عليك بدينك قسم متلطف لا متعجرف هل توفرت لديك هذه الشروط أم هل أكثرها عندك مطرح مسقوط فإن أنصفت وإعترفت علمت أنك على العلم بها ما حصلت فينبغي لك أن تطلب حصول العلم من بابه وأن تجتهد في تحصيل أسبابه وإن إدعيت علم ذلك علم أنك مغالط معاند جائر عن الحق وحائد وكفى بكلامك في كتابك هذا على كذبك شاهد ثم على قرب تفتضح إذا خرست عن جواب ما عنه سئلت تعجل بالجواب ولا تتأن في الكتاب وإن أبيت إلا تماديا في غيك وإستمرار على جهلك وبغيك

187

أريناك إختلال هذه الشروط عندكم عيانا وأقمنا على فساد كتبك حجة وبرهانا وذلك أنا نقول إن من أعظم كتبكم التي ترجعون إليها وتعولون في أحكامكم عليها التوراة والإنجيل وكفى بهما شرفا وشهرة أنهما عندكم كلام الملك الجليل وأنتم تدعون أنكم تناقلتموهما جيلا بعد جيل وأنا أبين إن شاء الله أن نقلهما إنما كان بطريق الآحاد وأن الغلط والسهو يجوز على ناقليهما وسآتي منهما ببطلان المراد أذكر إن شاء الله بعض ما وقع فيهما من التناقض والتحريف والقلب والتصحيف وأنبه على قبيح ما تنسبونه فيهما إلى الله من القول السفساف السخيف وما تنتقصون به الأنبياء أولى الفضل والتشريف بحول الله تعالى وحسن عونه وأبدأ بالتوراة لكونها مقدمة في الرتبة والزمان ومعترفا بها عند أولى الأديان وبالله المستعان

188


فصل

في بيان بعض ما طرأ في التوراة من الخلل وأنها لم تنقل نقلا متواترا فتسلم لأجله من الخطأ والزلل فأول دليل أنها لم تترك على ما كانت في الألواح التي كتبها الله تعالى لموسى ولا على ما انتسخها لهم موسى بل زيد فيها ولا بد ما ليس منها ولا كان في الألواح التي كتبها الله لموسى ويدل على ذلك أن في آخر السفر الخامس أن موسى توفى في أرض موآب بإزاء بيت فغور ولم يعرف إنسان موضع قبره إلى اليوم وكان قد أتى على موسى إذ توفى مائة وعشرون سنة ولم يضعف بصره ولم يتشيخ وجهه وبكى بنو إسرائيل على موسى ثلاثون يوما في عريب موآب فلما تمت أيام حزنهم على موسى امتلأ يشوع بن نون من روح الحكمة لأن موسى كان وضع يده على رأسه في حياته وكان بنو إسرائيل يطيعونه ويعملون كما أمر الرب موسى ولا يشك الواقف على هذا التاريخ وهذه الوفاة أنها ليست مما أنزل الله على موسى ولا مما كتبها موسى عن نفسه وإنما هي من إثبات من أراد أن يثبتها بعد وفاة موسى بزمان ويدلك على ذلك قوله ولم يعرف إنسان موضع قبره إلى اليوم يريد به اليوم الذي كتب فيه هذا وهذا بين عند المنصف ومع بيانه فليس أحد من اليهود والنصارى فيما أعلم يقول إن التوراة زيد فيها شيء بعد موسى ولا يفرق بين هذا الكلام وغيره بل هي كلها عندهم كلام الله وهذا جهل عظيم وخطب جسيم فهم بين أمرين إما أن يقولوا ان هذا الكلام هو مما كتبه الله لموسى وأخبر به موسى أو يقولوا إنه ليس مما أخبر الله به موسى ولم يخبر به موسى فإن قالوا الأول كذبه مساق الكلام فإن المفهوم منه على القطع أنه كتب بعد وفاة موسى بزمان وإن قالوا بالقول الآخر قيل لهم فلأي شيء خلطتم

189

كلام الله بكلام غيره وأجريتموها في نسق واحد وزدتم على كلام الله ولم تشعروا بذلك بل نسبتم كل ذلك إلى أن الله أنزله وإذا جاز زيادة مثل هذا ولم يتحرز منه جاز أن يكون كل حكاية فيها لا يصح نسبتها إلى الله زائدة ولا سيما الحكايات الركيكة التي تحكى فيها عن الأنبياء التي لا يليق ذكرها بسفلة الناس وغالب الظن ولا يعلم الغيب إلى الله تعالى أن السفر الأول الذي هو سفر البدء والأنساب مما زيد على كلام الله تعالى ولم يشعروا بزيادته ومما يدل أيضا على هذا المعنى أن كثيرا مما يجيء فيها وكلم الرب موسى وقال له اقبض حساب بني جرشون وكلم الرب موسى وقال له كلم بني إسرائيل ومثل هذا كثير وهذا يدلك أنه ليس مما قاله الرب جل ذكره لموسى ولا مما قاله موسى لهم أعني لفظ وكلم الرب موسى وقال له وما أشبهه من لفظ الحكايه عنه وانما هو شيء حكى عنه بعد انقراضه وأضيف الى كلام الله ثم لا يعرفون من الحاكي وإذا جاز مثل هذا ولا يشعرون به جاز أن يكون أكثرها مغيرا ومبدلا وليس من كلام الله ولا من كلام موسى ولا يشعرون به ومن وقف عليها متتبعا لهذا المعنى قطع بأنها زيد فيها ما ليس منها وعند إنكشاف الغبار تتبين أفرس تحتك أم حمار ماء ولا كصدى ومرعى ولا كالسعدان ولقد حفظ الله القرآن العظيم فقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ولذلك كره علماؤنا رضي الله عنهم كتب التفاسير وأسماء السور في المصحف وإن كانت بخط آخر ولون آخر وقد اتفقوا فيما أحسب على أنه لا يجوز كتب فواتح السور يعنى أسماءها بخط المصحف وبلون مداه لئلا يختلط به ما ليس منه فالحمدلله الذي هدانا لهذا الدين القويم والمنهج المستقيم

190

وأما بيان أنها ليست متواترة فهو أن اليهود على بكرة أبيهم يعرفون ولا ينكرون أن التوراة إنما كانت طور مدة ملك بني إسرائيل عند الكوهان الأكبر الهاروني وحده وعنه تلقيت ولا ينكر ذلك منهم ولا منكم إلا مجاهر بالباطل وكذلك ما يحكى من قتل بخت نصر جميع بني إسرائيل وإحراقه كتب التوراة حيث وجدت وإتلاف ما كان بأيديهم حتى لم يترك منهم إلا عددا يسيرا لا يحصل بخبرهم العلم وكان قد أجلاهم إلى بابل وهدم البيت أو لعله كان الباقي منهم عددا كثيرا إلا أنهم لم يكونوا كلهم يحفظونها بل كانوا عددا يسيرا لا يحصل العلم بقولهم وكان هذا كله قبل المسيح بخمس مائة سنة تقريبا وكذلك واقعة طيطش بن شبشان التي كانت بعد المسيح إلى أربعين سنة إذ فرقوا التفرقة التي هي اليوم عليها وهذا أيضا من المعروف عند الجميع بحيث لا ينكره إلا مكابر مجاهر وهذه الأمور كلها مما تقدح في النقل الذي يدعونه متواترا ثم نقول هذه الأمور المذكورة إن وافقوا على وقوعها فقد اعترفوا بعدم التواتر فإن من شرط خبر التواتر أن ينقله العدد الكثير الذي تحيل العادة عليهم التواطؤ على الكذب والغلط عن عدد مثله هكذا ولا ينقطع فإن رجع الخبر إلى عدد لا تحيل العادة عليهم الكذب لم يحصل بذلك الخبر العلم إذ لا يكون متواترا وإن لم يوافقوا على وقوع هذه الوقائع هكذا لم يقدروا على جحد أصلها وإذا اعترفوا بأصلها لم يقدروا أن ينكروا إمكان وقوع ما يعترفون بأصله وتجويز وقوع ذلك كتحقيق وقوع ذلك في عدم حصول العلم بالخبر الذي يدعون أنه متواتر وأما بيان التحريف فيها فهو أن اليهود تعترف بأن السبعين كوهانا اجتمعوا على تبديل ثلاثة عشر حرفا من التوراة وذلك قبل المسيح في زمان القياصرة ومن إجترأ على تبديل حرف من كتاب

191

الله وتحريفه فلا يوثق بالذي في يده مما يدعى أنه كتاب الله لعدم الثقة به ولقلة مبالاته بالدين وأيضا فلعله قد حرفه كله أو أكثره وكذلك يقرون ولا ينكرون أن طائفة منهم يقال لهم السامرية حرفوا التوراة تحريفا بينا كثيرا والسامرية يدعون عليهم مثل ذلك التحريف وكذلك النصارى أيضا يدعو على اليهود أنهم حرفوا في التوراة التاريخ ويزعمون أنهم نقصوا من تاريخ آدم صلى الله عليه وسلم ألف سنة ونحو المائتين وهذه إحتمالات توجب على العاقل التوقف فلا يدعي حصول العلم بنقل التوراة مع انقداح هذه الممكنات إلا مجاهر متعسف فإن قيل كيف يصح أن يقال هذا وقد كان الأنبياء بعد موسى عليه السلام يحكمون بالتوراة ويرجعون إليها واحدا بعد واحد إلى زمن يحيى وعيسى ثم بعد ذلك تناقلها النصارى كما تناقلها اليهود خلفا عن سلف إلى اليوم وإن جاز تطرق التحريف إلى ما هذا سبيله فيلزم عليه أن يحكم الأنبياء بالباطل ويلزم عليه أيضا أن يقروا على الباطل غيرهم وهذا كله باطل على الأنبياء ويلزم عليه أيضا أن لا يحصل العلم بخبر متواتر ولا يوثق بكتاب يدعى أنه جاء عن نبي فنقول وبالله التوفيق إنا لم نعين لوقوع التحريف فيها زمانا ولا عينا من حرف منها شيئا ولا من ألحق بها شيئا فيحتمل أن يقع التحريف فيها قبلهم أو بعدهم وإنما أبدينا تلك الإحتمالات ليعلم أن الذي في نفوسكم من الثقة بها إنما هو إعتقاد جزم وليس بعلم ومما يدل على قبول تلك الإحتمالات وأنها قادحة في دعوى العلم

192

بسلامتها أنها لم تقر على ما تلقيت من موسى بل زيد فيها مالم يتلق عن موسى مثل الذي حكيناه من ذكر وفاته وحزن بني إسرائيل وحكاية قول كلم الله موسى وهذا يعلم منه على القطع أن الله لم يقله لموسى ولا موسى قاله عن نفسه يعلم ذلك من وقف عليه وتتبعه بضرورة مساق الكلام ولا بد فالذي زاد ذلك لعله الذي وقع الخلل من جهته وأما ما ذكرتم من حكم الأنبياء بها فليس فيه حجة لإمكان أن تنازعوا في قولكم كانوا يحكمون بها بل لعلهم كانوا يحكمون بما كان الله يعلمهم بما يوافق شريعة موسى ولا يخالفها ولو سلمنا أنهم كانوا يحكمون بها فنقول كل شيء حكم به الأنبياء من التوراة فليس بمحرف وأما ما لم يحكموا به منها فلعله الذي حرف مثل الأخبار التي حكيناها ونحكيها إن شاء الله تعالى فإن قيل فيلزم منه أن يقر الأنبياء على الخطأ ويتحدثوا بالكذب فإنهم كانوا يتحدثون بها قلنا ليس بكاذب من حكى شيئا يعتقد صحته لا يتعلق به حكم الله تعالى وإن كان ذلك الخبر في نفسه مخالفا لما في الوجود فإنه إنما يحكى عن إعتقاده وهو حق وإنما الكاذب الذي يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه من العلم بذلك وهو حد الكذب عندنا وحقيقته وهذا إنما يجوز في حكاية الأخبار التي لا يتعلق بها حكم وأما ما تعلق به حكم منها فلا يجوز ذلك إذ الأنبياء معصومون فيما يبلغونه من الأحكام عن الله تعالى وإنما قلنا هذا حذرا من أن ننسب إلى الله تعالى ما لا يليق بجلاله أن ينزله في كتابه ولا أن يناجي به صفوة أحبابه من الفواحش والفجور التي حكوها في التوراة وادعوا أنه فيها مسطور مع أنه ليس في ذكرها فائدة بل هي بكل ضلالة عائدة وكذلك تنزه موسى والأنبياء بعده صلوات الله عليهم عن ذلك الكلام الغث الركيك الذي لو حكى مثله عن بعض السفلة لأنف منه واستحى منه ولما كان ينبغي لعاقل أن يلتفت ويصغى إليه ولكان يجب عليه أن يعرض عنه وينكره إذا سمعه هذا إذا كان محكيا عن

193

السفلة فكيف إذا حكاه الله عن نفسه أو عن خيرته من خلقه الذين برأهم الله عن الكبائر والنقائص التي تناقض نبوتهم فهم أكرم الخلق عليه وأحظاهم لديه وأيضا فإن الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والغيبة والبهتان والإحن ثم يتعامل بها مع أكرم الخلق عليه في نفوسهم وذراريهم وبناتهم وينسبها إليهم ويشيعها أبد الآبدين عليهم هذا مما لا يليق بجلال الله تعالى والقائل بوقوع هذا مستهزئ مفتر على الله وسننقل عن بعض ما حكوا في التوراة من هذه القبائح إثر هذا إن شاء الله تعالى ثم نقول لو سلمنا أنها لم تحرف في زمان الأنبياء لأمكن أن نقول فلعله حرف بعدهم وذلك بعد وقعة طيطش حيث أفناهم والذين تنصروا منهم عدد يسير لا تقوم الحجة بقولهم وإن قلنا إنهم كانوا عددا كثيرا فلم يكن كل واحد منهم ممن يحفظها ولا يضبطها ثم نقول للنصارى إن أنكرتم أن يكون شيء من التوراة حرف فلأي شيء تقولون إن اليهود حرفوا في التوراة في نسب آدم ونقصوا منه وإذا جاز ذلك في نسب آدم جاز في غيره وهذا بين وأما قولهم يلزم أن لا نقبل خبر متواتر ولا يوثق بكتاب نبي فلا يلزم شيء من ذلك فإن الخبر إذا تطرقت إليه أمثال تلك الإحتمالات فلا يوثق بنقله ولا يعول عليه لا مكان تلك الآفات أو لعل أشرافكم تتخلب نحو كتابنا فيقولون فكتابكم لا يلتفت إليه ولا يعول عليه فنقول هيهات إنما قلنا كل كتاب تطرق إليه شيء من تلك الإحتمالات وكتابنا منزه عن أمثال تلك الآفات فإن الله تعالى تولى حفظه وأجزل من كل صيانة حظه فصانه بنظمه الذي لا يقدر الجن والإنس على آية منه فلا يختلط به كلام متكلم ولا يقبل وهم متوهم إذ ليس من جنس كلام البشر وهو معدود الآي والسور ثم صانه بأن يسره للحفظ والإستظهار فيستوى في نقله

194

الكبار والصغار لا يختص بحفظه أحد والوالد إذ نقص منه حرفا واحدا أو غير حركة منه رده وأصلحها عليه الولد ومع هذا فحروفه وكلماته وآياته وسوره في الدواوين معددة وأشكال كتبه حروفه فيها مقيدة ومع هذا فنقل الأمم التي لا تحصى عن الامم التي لا تحصى حتى يصل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم المصطفى مع قرب العهد والتشمير في صيانته والجد وإستعمال القانون النحوي وتثقيف اللسان العربي فيهما كمل الله له الصون وحصل له بهما على فهمه أكبر العون فلله الحمد على ما أولى والشكر له على نعمه التي لا تحصى فأين اللؤلؤ من الخزف والياقوت من الصدف وبعد هذا فالآن حان أن نذكر بعض ما وقع في التوراة مما تطرق إليها التهم ومن ذلك ما ذكروه فيها في المصحف الأول منها ورأى الله أن قد كثر فساد الآدميين في الأرض فندم على خلقهم وقال سأذهب الآدمي الذي خلقت على الأرض والخشاش وطيور السماء لأني نادم على خلقتها جدا وهذا في حق الله تعالى محال إذ الندم إنما يلحق من لا يعلم مصير المندوم عليه ومآله وإعتقاد هذا في حق الله كفر إذ ينبئ عن أن الله تعالى جاهل وأنه متغير تعالى عن ذلك علوا كبيرا ولفظ الندم هنا نص لا يقبل التأويل فهو كذب وباطل قطعا ومن ذلك ما ظهر في الوجود خلافه وذلك أنهم حكوا فيها أن بني إسرائيل يسكنون تلك الأرض إلى الإنقراض ثم لم يلبثوا أن رأيناهم أخرجوا منها رأي العين فقد ظهر أن ذلك باطل وكذب ومن ذلك أيضا أنه حكى فيها أن الله تعالى كالإنسان شخص

195

ذو جوارح وهذا على الله بالضرورة محال ولا للتأويل في هذا اللفظ مجال ثم أنى هذا من قوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومن ذلك أيضا أن الله تعالى حين أمر بني إسرائيل إلى التوجه إلى الشام وعدهم أن يتوجه معهم وأمره أن يعملوا قبة على صفة كذا ينزل فيها في سيره معهم ثم إن موسى قال له يارب إن هذه الأمة القاسية رقابها لا تمضي إليك إلى الشام حتى تمضي معها كما وعدتها فقال الله نعم اعملوا لي القبة فعلم موسى القبة وسماها قبة العهد ونزل الله من عرشه وسار معهم في داخل القبة ينزل بنزولهم ويرحل برحيلهم هذا نص التوراة ومما يذكرونه من بقية هذا وليس في التوراة أنهم حين جمعوا المال لعمل هذه القبة أجروا الإتفاق على يد موسى عليه السلام فلما كمل عملها ادعوا عليه أنه قد نقصهم من المال ألف رطل وسبع مائة رطل وخمسة وسبعون رطلا وقالوا لموسى تهكما به أين نقص هذا المال وإنما جرى الإتفاق على يديك فسمعوا صوتا من السماء يقول لهم إن هذا العدد دخل في رؤوس الأعمدة وفي التغشية فحينئذ كفوا عنه فهؤلاء لم يعرفوا الله حق معرفته ولا قدروه حق قدره فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ومن ذلك أيضا أنهم ذكروا فيها أن الله قال لهم أن يضربوا القرن في عسكرهم قليلا قليلا حتى يلقوا عدوهم فحينئذ يضربونه بأشد ما يقدرون عليه ليسمعهم الله فيؤيدهم على عدوهم فكأنه سبحانه وتعالى لا يسمع إلا الأصوات العالية فأين هذا من وصف الله تعالى نفسه في كتابه على لسان نبيه ورسوله حيث قال وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى

196

وفيها من هذا النوع كثير لو ذهبت أنقله لطال الكتاب ولخرجنا من مقصود الباب وينبغي أن نذكر الآن ما جاء فيها مما ينزه عنه الأنبياء عليهم السلام من ذلك ما حكوا في السفر الأول عن لوط أنه طلع من صاغار فسكن الجبل هو وابنتاه معه فجلس في مغار هو وإبنتاه فقالت الكبرى للصغرى قد شاخ أبونا وليس على الأرض رجل يدخل علينا نسقى أبانا الخمر ونضطجع معه في مضطجعه ففعلنا وحملتا منه بولدين موآب وعمون هذا لوط من رسل الله الأكرمين أوقعه الله في فاحشة كما يوقع الأرذلين ثم خلد ذكرها في الآخرين وهل هذا إلا عين الإهانة وأي نسبة بين هذا وبين النبوة والكرامة وكذلك أيضا حكوا فيها أن اسحق لما شاخ وعمى بصره دعا بعيسو إبنه الأكبر ليبارك عليه وليدعوا له بالنبوة فتحيل يعقوب عليه فقال له إسحق أبوه من أنت فقال له بكرك عيسو فقال له إدن مني حتى أجسك فدنا منه وقد كان وضع على رأسه شعرا بمكيدة أمه فقال له الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو فبارك عليه ودعا له بالنبوة وبشره بها وهو على غلط فيه ثم بعد ذلك جاء عيسو وقال له باركني أيضا يا أبي فقال له دخل أخوك بمكر فقبل بركاتك فقال عيسو بعد بكاء وحزن أما تركت من البركات شيئا أبركة واحدة لك يا أبتي فما أعظم هذه الآية التي تشبه حديث خرافة ومن ذلك ما ذكروه فيها أيضا أن يعقوب بينما هو يصلح خيمته

197

ويبسطها مشى إبنه رأوبين وهو أكبر أولاده فضاجع سرية أبيه بلهة ولما علم بذلك يعقوب قال لإبنه رأوبين فضل العز فائرا كالماء فلذلك لم أفضلك بالسهم الزائد حيث أمتهنت فراشي وتفسير هذا أن سنة الميراث كانت عندهم أن يرث الولد الأكبر سهمين وسائر الولد سهما واحدا فعاتب يعقوب إبنه رأوبين على فعله بسريته بأن لم يفضله بالميراث على أنه كان أكبر ولده وفي بعض التراجم أن يعقوب قال يا رأوبين أنت بكري وقوتي ورأس حراتي وعوني طائقة الحمولة وطائقة العز والمنعة عديت مثل الماء فلا تمكث إذ صعدت إلى مضطجع أبيك حقا لقد نجست مضطجعي وتناولته ومن ذلك ما ذكروه فيها أيضا أن يهوذا بن يعقوب زنى بكنته ثامار إمرأة ولديه ولقد كانا هلكا عنها واحدا بعد واحد فردها يهوذا إلى بيت أبيها ووعدها بتزويج ولده الثالث المسمى بشيلا إذا كبر ثم أنها قعدت ليهوذا في طريق غمنه وتسترت جهدها فظنها بغيا فعدل إليها ودعاها إلى نفسه فسألته أجرا فوعدها بجدى من غنمه فطلبت منه رهنا فأعطاها خاتمه ومنديله وعصاه وواقعها بزعمهم فحملت منه ثم إن يهوذا أرسل بالجدي ليطلب رهنه فلم توجد المرأة فجاء بنفسه إلى أهل القرية وقال لهم أين قحباكم المتبلطة على الطريق فقالوا ما كان منا على الطريق قحبا ثم قيل له بعد حين إن كنتك ثامار حبلى فقال تحرق بالنار فأخرجت لتحرق بالنار فقالت إنما أنا حامل منه وهذه رهنه بيدي حين زنى بي ليفكها بجدي من غنمه فعرف ذلك يهوذا وقال هي أصدق مني وفي بقية هذا الخبر خرافة وذلك أن ثامار لما جاءها المخاض كان في بطنها توأمان فتناولت القابلة خيط عهن فربطته على يده وقالت هذا يخرج بديا فلما مد يده خرج أخوه فقال لقد انحزمت فيك ثلمة عظيمة

198

وحكى فيها أيضا أن دينة بنت يعقوب خرجت لبعض شأنها فنظر إليها شخيم بن حمورا الزناتي فعشقها واحتملها فواقعها وافتضها ثم أن شخيم قال لأبيه حمورا اخطب لي هذه الجارية لتكون لي إمرأة فبلغ ذلك يعقوب وأنهم قد نجسوا دينة إبنته فصمت يعقوب وأطرق حتى أتاه بنوه فلما بلغهم ذلك اغتموا وساءهم ذلك واشتد عليهم ذلك جدا لأنهم ارتكبوا النجاسة في إسرائيل ثم إن بني يعقوب عاقدوا شخيم وحمور أباه وقومه أنهم إذا اختتنوا أنكحوه أختهم دينة فإنهم قالوا لشخيم لا نقدر أن نزوج أختنا من رجل له غرلة ولكن إذا اختتنتم زوجناكم أختنا وبناتنا ونتزوج بناتكم ففعل القوم ذلك فلما اشتدت بهم أوجاعهم تناول شمعون ولاوى كل واحد منهما حربة ودخلا على القرية بغتة فقتلا كل ذكر فيها ومثل هذا كثير مما يخرج استقصاؤه إلى التطويل وكذلك حكوا فيها أيضا من وعيد الله لبني إسرائيل بالفاحشة والقبيح مالا يقبله ذو عقل صحيح مثل ما حكوا أن موسى قال لبني إسرائيل في الوصية التي وصاهم بها حيث قال لهم إن كفرت بربك وحدت عن سبيله وعبدت الآلهة الأجنبية يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء تخطب إمرأة ورجل آخر يضطجع معها وهذا الكلام تضمن أن الله تعالى توعد بني إسرائيل من عبد غير الله منهم بثلاثة أنواع من الفواحش لا ينبغي لذوى المروءات أن يتلفظوا بها ولو أسقطوا مروءتهم فتلفظوا بها لما كان ينبغي لهم أن يتوعدوا بها ولا أن ينفذوا ذلك الوعيد لفحشه ثم إنهم يلزمهم على هذا أحد ثلاث أمور أحدها أن يكون هذا الكلام باطلا أو كذبا على الله تعالى عن ذلك أو يكون بني إسرائيل كل من أشرك منهم

199

وعبد غير الله أن يبتلى بهذه الأدواء الثلاثة وأن يكونوا بني زنى ولا يقدرون على أن ينكروا أنهم قد أشركوا بالله وأنهم عبدوا الأوثان بعد موسى فيلزم من ذلك إن لم يكن ذلك الكلام محرفا أن يكونوا كلهم بني زنى وقرحانين وموصوفين بالفاحشة الكبرى وحكوا في سفر صموئيل الثاني أن داوود عليه السلام اطلع من قصره فرأى إمرأة من نساء المؤمنين تغتسل في دارها فعشقها وبعث فيها فحبسها أياما حتى حبلت تعالى الله أن يجرى ذلك على رسله ثم ردها وكان زوجها يسمى أوريا غائبا في العسكر ولما علمت المرأة بالحمل أرسلت به إلى داوود فبعث داوود إلى يوآب بن صوريا قائده على العسكر يأمره أن يبعث إليه بأوريا زوج المرأة فجاء فصنع له طعاما وخمرا حتى سكر وأمره بالإنصراف إلى أهله ليوقعها فينسب الحمل إليه ففهم الأمر أوريا وتخابث فلم يمش إلى أهله وقال حاشى لله أن يكون الملك هنا دون أهله وأمشى أنا إلى أهلي فلما يئس داوود منه رده إلى العسكر وكتب إلى القائد أن يصدر به في القتال مستقتلا له فقفل أوريا وقتل معه من المؤمنين سبعة آلاف وفزع القائد من داوود لقتل العدد العظيم من المؤمنين وقال للرسول إذا أنت أخبرت الملك داوود بقتل الناس ورأيته قد غضب قل له سريعا إن أوريا قتل فيهم ففعل الرسول وسكن داوود من بعد الغضب وسر بموت أوريا وهانت عليه من أجل موته دماء المؤمنين فأعتبر هذه الفواحش المنكرة وهذه الصفات المذمومة المستقذرة هل تليق بأولى الديانات فكيف بمعدن النبوات وهل يحمد ذكرها عند ذوي المروءات فكيف عند الحي الكريم إله المخلوقات تبا لهم ولمصدقهم وخسرا براحنة وجذعا وعقرا فوالله لقد افتروا على رسل الله وكذبوا على كتب الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين

200

وكتبوا في هذا المصحف أن أمنون بن داوود عشق أخته تامار بنت داوود وتمارض فعاده أبوه فتمنى عليه طعاما تطعمه تامار أخته فبعث بها داوود إليه فلما قربت إليه الطعام وضع يده فيها وافتضها فخرجت باكية فلقيها أخوها الآخر سقيقها أبشالوم فأخبرته فهون عليها ثم بعد أيام وثب على أمنون فقتله من أجل ذلك وكتبوا في هذا المصحف أن أبشالوم بن داوود نافق على أبيه وأخرجه عن قصره ودخل على نسائه فوطئهن كلهن على أعين بني إسرائيل استبلاغا في الإنتقام من أبيه ومن أفضح ما كتبوا في هذا المصحف عن سليمان بن داوود أنه ختم عمره بعبادة الأصنام والسحر وسيبت نساؤه دينه كذبوا قاتلهم الله أنى يؤفكون إذ بالأباطل والفواحش يتقولون ويتخرصون فلقد صدق الله العظيم ورسوله الكريم حيث قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه الحكيم واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا فغضب الله عليهم وعلى من يصدقهم إلى يوم الدين ولعنة الله والملائكة والناس أجمعين فهذه الحكايات الوخيمة والأقوال غير المستقيمة تضمنت الأخبار عن لوط بأنه زنى بإبنتيه وأنهما حملتا منه من الزنى وأن نبوة يعقوب إنما حصلت له بأن خدع إسحق ومكر به وإنما كانت لعيسو وأن داوود زنى بإمرأة مؤمنة زوجة مؤمن وأن داوود تحيل على زوجها حتى قتل وقتل لقتله جماعة من المؤمنين فسر بذلك وأن رأوبين زنى بسرية أبيه يعقوب وكذلك يهوذا زمى بكنته ثامار وولدت له من الزنى توأمين وأن إبنة يعقوب زنى بها شخيم بن حمورا وأن

201

أولاد يعقوب بعد أن أمنوه وعقدوا معه غدروا به وقتلوه وأباه وأهل القرية وأن أمنون بن داوود زنى بأخته تامار بنت داوود وأن أخاها أبشالوم قتله غيلة وغدرا وأن أبشالوم زنى بنساء داوود أبيه وأن سليمان ارتد عن نبوته وعبد الأصنام فإن ثبت هذا الذي ذكروه في كتبهم تعالى الله والأنبياء عن قولهم فهذا الشعب الذي ذكروه فيه هذه الفواحش ليس هو شعب النبي إسحق بل هو شعب غدر ونفاق وزنى وكفر وكيف يصح أن تكون هذه الأفعال القبيحة أفعال أهل نبوة صحيحة بل كل ذلك ناقض للنبوات لا سيما مع دعاء إبراهيم وإسحق لذريتهما بالبر والبركات فإن كان هذا شعبهما الذي دعوا له بالبر والبركة فدعاؤهما غير مسموع وقولهما مردود مدفوع ثم هذه الحكايات الوخيمة الفاحشة غير المستقيمة في التوراة لها أمور أخر تعارضها بل وأدلة العقل تناقضها من ذلك ما حكى فيها من مدح لوط على لسان إبراهيم وشهادته له بالبر وذلك أن الله تعالى لما أعلم إبراهيم بأنه يريد أن يهلك سدوم وعمورا وهما مسكن قوم لوط قال يا رب أتهلك الأبرار مع الفجار يعنى بالأبرار لوطا وبنتيه فسماهم أبرارا وشهد له بذلك بين يدي الله تعالى وكيف يصح أن يكون ابنتا لوط من الأبرار ويوقعان أنفسهما في أن يزنى بها أبوهما نبي الله ثم لم يعصمه الله تعالى من مثل هذه الرذيلة ثم إن الله شهد عنه هذه الفضيحة التي يتحدث بها على مد الدهر مع أنه لم يسمع قط من المتشرعين من أجاز نكاح البنات وهل هذا من ناقله وناسبه إلى الله إلا جرأة وتواقح على الله وكذلك ما كتبوه فيها من الحكايات التي ذكرناها في ذرية إسحق يعارضه ما حكوا فيها عن الله أنه قال لإبراهيم في غير موضع ما منها لأباركك بركة تامة ولأكثر نسلك ويتبارك بنسلك جميع الشعوب لأنك أطعتني

202

وكذلك قال الله لاسحق بعد موت إبراهيم أنا معك أكون وأباركك لأني أعطيك ونسلك جميع هذه المتملكات ويتبارك بنسلك جميع الشعوب وكذلك قال إسحق ليعقوب حيث مكر به يعقوب بزعمهم قاتلهم الله قال به يؤتيك الله من ظل السماء وخصب الأرض تعبدك الأمم وتسجد لك الشعوب كن رئيسا لاخوتك تسجد لك بنو أمك مباركوك مباركوك ولا عنوك ملعونون تأمل بعقلك هذه المخازي البادية وما نسبوا في كتبهم إلى أكرم الخلق من المناكر الفاشية فإذا أنت أمعنت النظر وأشتدت منك العبر علمت أن هذه الحكايات بواطل وأن ملحقها في التوراة وناسبها إلى الله متزندق جاهل وإنما ألحقها عدو للأديان أراد أن يقول في صفوة الله البهتان فحصل له مراده حيث أفسد على المتشرعين الإيمان ثم نقول للنصارى بعد ذلك العجب منكم ومن جهلكم حيث صدقتم بوقوع هذه الفواحش من الأنبياء واعترفتم مع ذلك بنبوتهم ثم لم تجوزوا على الحواريين وقوع الغلط منهم فيما حكوا لكم إن صحت الحكايات عنهم من إتحاد العلم باللحمة فإن العقل يدل بضرورته على أن ظاهر ذلك فاسد محال فهلا عليكم تأولتم ذلك أو قلتم أنه يجوز عليهم الغلط ولا يدل ذلك على نقضهم كما قلتم في الأنبياء الذين حكيت عنهم تلك الفواحش ولو فعلتم ذلك لكان الأولى عند العقلاء

203


فصل

في بيان أن الإنجيل ليس بمتواتر وبيان بعض ما وقع فيه من الخلل فنقول وبالله التوفيق إن هذا الكتاب الذي بيد النصارى اليوم الذي يسمونه بالإنجيل ليس هو الإنجيل الذي قال الله فيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وإنما قلنا هذا في الإنجيل دون التوراة لأن التوراة قد ثبت عندنا وعندهم أن الله تعالى كتبها في الألواح لموسى عليه السلام وتدعى اليهود أن موسى عليه السلام نسخ لهم التوراة من تلك الألواح فحصل من هذا أن التوارة بلغت بجملتها عن موسى عليه السلام ثم أنه حدث فيها من التغيير بعده ما قدمنا ذكره وأما هذا الكتاب الذي يدعى النصارى أنه الإنجيل فقد توافق هؤلاء النصارى على أنه إنما تلقى عن إثنين من الحواريين وهما متاؤوش ويوحنا وعن اثنين من تلاميذ الحواريين وهما ماركش ولوقا وأن عيسى عليه السلام لم يشافههم بكتاب مكتوب عن الله كما فعل موسى ولكن لما رفع الله عيسى عليه السلام إليه تفرق الحواريون في البلاد والأقاليم كما أمرهم عيسى فكان منهم من كتب بعض سيرة عيسى وبعض معجزاته وبعض أحواله حسب ما تذكر وما يسر الله عليه فيه فربما توارد الأربعة على شيء واحد فحدثوا به وربما انفرد بعضهم بزيادة معنى وكذلك كثيرا ما يوجد بينهم من اختلاف مساق وتناقض بين قولين وزيادة ونقصان وسترى بعض ذلك إن شاء الله تعالى فعلى هذا لايسمى الإنجيل كتاب الله المنزل حقيقة فإن حقيقة الكتاب المنزل بحكم العرف إنما هو عبارة عن جملة من كلام الله المبلغة على لسان رسول من رسله يحكيها ذلك الرسول عن الله تعالى

204

وليس شيء من هذا موجودا في الإنجيل في فإن سماه مسم كتابا منزلا ولم يرد هذا المعنى فلا بد من أن نسأله عن المعنى الذي يريده بذلك الإطلاق فلا شك أنه يقول إنما سميته كتابا منزلا لأن عيسى جاء من عند الله وبلغنا شرع الله وفي ذلك الكتاب وصف سيرته وحكايات وأخبار عن الله فكيف لا يقال عليه هو كتاب الله ومنزل من الله فنقول له نسميه هذا كتاب الله بالمجاز أو بالحقيقة فإن قال بالحقيقة فكلامه باطل فإن حقيقة كتاب الله المنزل هو ما قدمناه وإن قال بالمجاز قنعنا بهذا ثم ألزمناه عليه أن يكون كل كتاب يحكى عن نبي من أنبياء الله فإن ألفه أي مؤلف كان كتاب الله ولا فرق وإذا انتهينا إلى هذا فقد حصل غرضنا وهو أن هذا الإنجيل الذي بأيديهم ليس منزلا ولا يقال عليه كتاب الله المنزل كما يقال على التوراة والإنجيل والقرآن وذلك ما كنا نبغي فقد حصل من هذا الكلام أنه ليس منزلا من الله حقيقة وأن نقله ليس متواترا فإنه راجع إلى الأربعة الذين ذكرناهم والعادة تجوز عليهم الغلط والسهو والكذب فإن قالوا هم معصومون فيما نقلوه عن عيسى عليه السلام قلنا ما دليل عصمتهم فإن قالوا دليل عصمتهم أنهم كانوا أنبياء ودليل نبوتهم ما ظهر على أيديهم من خوارق العادات وشهادة عيسى عليه السلام لهم حيث قال لهم كل ما سألتموه إذا حسن إيمانكم ستجابون وقال لهم ستوقفون على الملوك ويسألونكم فلا تفكروا فيما تقولون فإنكم ستهدون ذلك الوقت لما تقولونه ولستم تنطقون أنتم لكن روح القدس ينطق على ألسنتكم وقد جاء عن عيسى عليه السلام أنه دعا الإثني عشر حواريا وأعطاهم من القدرة والسلطان ما يتقون به جميع الجن ويبرءون به الأسقام وكذلك قال لبطرس ما عقدته أنت في الأرض فمعقود في السماء وما حللته في الأرض

205

فمحلول في السماء وأما خوارق العادات فقد كانوا يحيون الموتى ويبرءون المرضى كما كان يفعله عيسى عليه السلام وذلك معروف من حالهم قلنا ما ذكرتموه عن عيسى عليه السلام من الشهادة فلا يصح لكم الإستدلال بشيء مما ذكرتموه لوجوه أحدها أنكم أسندتم ذلك إلى الإنجيل واستدللتم على صدقهم بما جاء عنهم فيه وما جاء عنهم فيه لا يثبت حتى تثبت عصمتهم فلا يثبت بما ذكرتموه لا الإنجيل ولا عصمتهم الوجه الثاني أنا لو سلمنا ذلك لكم لما كان فيما ذكرتموه حجة لأنه ليس شيء منها ينص على أنهم معصومون فيما أخبروا به على الإطلاق وغاية ما ذكرتموه أن يدل على أنهم يعانون ويؤيدون مما يبلغون عن عيسى في بعض الأوقات أو في بعض الأخبار والأحوال والوجه الثالث أن ما ذكروه معارض بما نقلوه أيضا وذلك أنهم نقلوا في الإنجيل أنه قال للحواريين يا نسل التشكيك والكفر إلى متى أكون معكم وإلى متى أحتملكم وأما ما قال لبطرس فهو أيضا معارض بما حكيتم عنه أنه قال له تأخر يا شيطان فإنك جاهل بمرضات الله وأما ما ادعوه من معجزاتهم فلم ينقل منها شيء على التواتر وإنما هي أخبار آحاد غير صحيحة ولو سلمنا أنها صحت لما دلت على صدقهم في كل الأحوال وعلى أنهم أنبياء فإن القوم لم يدعوا النبوة لأنفسهم وإنما ادعوا التبليغ عن عيسى عليه السلام فظهر من هذا البحث أن الإنجيل المدعى لم ينقل تواترا ولم يقم دليل على عصمة ناقليه فإذن يجوز الغلط والسهو على ناقليه فلا يحصل العلم بشيء منه بل ولا غلبة الظن فلا يلتفت إليه ولا يعول في الإحتجاج عليهم

206

وهذا كاف في رده وبيان قبول تحريفه وعدم الثقة بمضمنه ولكنا مع ذلك نعمد منه إلى مواضع يتبين فيها تهافت نقلته ووقوع الغلط في نقله بحول الله تعالى فأول ذلك أنهم ذكروا في أول ورقة من إنجيل يوحنا حيث ذكر المسيح فقال ولد المسيح الذي هو بادئ الأشياء وعلتها الأولى علة جميع الأشياء وكل زمان ورأس كل نظام وأولية جميع المراتب ثم قال بعد ذلك في معرض مدحه المكلوم في لحمه المعلق في الخشبة كيف يجترئ عاقل أن يتحدث بمثل هذا العار أو كيف تصح نسبة هذا التناقض البين إلى أحد من الأخيار وذكروا فيه أيضا أن عيسى عليه السلام قال أنا الباب فمن دخل علي يسلم ويجد مرعى أيدا ثم عرض بمن قبله من الأنبياء فجعلهم لصوصا وسراقا فقال آمين آمين أقول لكم إني باب الضأن والقادمون عليكم كانوا لصوصا وسراقا ولا يقبل اللص إلا ليسرق شيئا ويقتل وأنا قدمت لتحيوا وتزدادوا خيرا وفي الإنجيل أيضا أنه قال إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة ولكن غيري يشهد ثم في موضع آخر من الإنجيل أنه قال إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من حيث جئت وإلى أين أذهب فكيف تكون شهادته حقا وباطلا ومقبولة وغير مقبولة وكيف يجمع بين هذين في كتاب ينسب إلى الله وفي الإنجيل ايضا أنه حين استشعر بوثوب يهوذا عليه قال قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول يا أبتاه فسلمني في هذا الوقت وأنه حين رفع في الخشبة صاح صياحا عظيما وقال

207

آلى آلى لم عد بتاى وترجمته إلهي إلهي لم أسلمتني ثم في أول ورقة منه إنما أسلم نفسه لتظهر قدرته بسلطانه على الموت وظفرته على جميع الآلام والمهن التي تستقبحها أوهام الآدميين فكيف يصيح ويجزع مما تظهر به قدرته وقهرته وهل سمع قط أسخف من هذا القول أو أظهر تناقضا منه ثم في موضع آخر منه أنه قال قبل ذلك من أحب أن يقفوا أثري فليذهب نفسه فحرض على إتلاف النفوس فكيف يجزع مما يحرض عليه قبل أم كيف يكون إلها أم كيف يكون ابن الله ثم يدعوه أن يخلصه في ذلك الوقت فلم يستجب له ومن أظهر دليل على وقوع الغلط فيه أن في إنجيل متاؤوش الحواري حين ذكر نسب عيسى عليه السلام حيث نزل خطيب مريم أبا لعيسى فقال ابن يوسف بن يعقوب بن مثان بن أليعازر بن أليود ابن أخيم وعد إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبا ثم في إنجيل لوقا يقول يوسف بن هالى بن متثات بن لاوى بن ملكي بن ينا وعد إلى إبراهيم نيفا وخمسين أبا فياليت شعرى كيف يجوز مثل هذا على الله أو كيف ينقل هذا في كتاب معلوم عن الله وقد أراد بعض أساقفتهم أن يرقع هذا الخرق المتسع بأن قال أحد النسبين طبيعي نسب التوليد والآخر نسب شرعي نسب الولاء والكفالة والتناقض باق عليه بعد اختراع هذا الهذيان

208

ثم انظر هذه الشناعة التي ارتكبوها حيث نسبوا عيسى عليه السلام إلى رجل زعموا أنه خطب أمه مريم وأي نسبة تثبت بينهما بأن أراد أن يتزوج إنسان أمه ثم إنهم يبلغون نسب يوسف إلى آدم ثم يقولون إلى الله فهلا عليهم يستغنون عن ذكر نسب من لا ينتسب في عيسى ويقولون في عيسى ما يقولون آدم لولا الجهل والتحكم وفي الانجيل عنه أنه كان يوما قد نهاهم عن التجارة في بيت المقدس وأن اليهود قالت له حينئذ أي علامة تظهر لنا قال تهدمون هذا البيت وأبنيه لكم في ثلاثة أيام فقالت اليهود بيت بنى في ستة وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام ثم في موضع آخر منه أنه لما ظفرت به اليهود بظنكم وحمل إلى بلاط قيصر واستوعيت عليه بينة أن شاهدي زور جاءا إليه وقالا سمعنا هذا يقول أنا قادر على بنيان البيت في ثلاثة وهذه شهادة موافقة لما قال عيسى لليهود فهذا الشاهد قال عليه الحق لما يقتضيه كلامه ومن شهد بما سمع كيف يقال عليه شاهد الزور أو كيف يسميه الله شاهد زور ومن أعجب الأشياء أن اليهود لا تعرف شيئا من هذا ولا سمعت أن أسلافها جرى بينهم وبين عيسى هذا المجلس ولا سوى ذلك مما تصفون من خرافات كتبكم وفي الإنجيل أيضا للوقا أن عيسى قال لرجلين من تلاميذه اذهبا إلى الحصن الذي يقابلكما فإذا دخلتماه فستجدان فلوا مربوطا لم يركبه أحد فحلاه واقبلا به إلى وفي الإنجيل لمتاؤوش يصف هذا الخبر بعينه ويذكر أنها كانت حمارة فحسبك بهذا خللا وتناقضا

209

وفي الإنجيل أيضا للوقا يخبر عن المرأة التي صبت الطيب على رجلي المسيح وشق ذلك على التلاميذ وقالوا لها هلا تصدقت به وفي الإنجيل لمتاؤوش أنها إنما صبت الطيب على رأس المسيح فما أبعد اليقين عن خبر فيه مثل هذا الإختلاف المبين وفي الإنجيل أيضا أن أم ابني زبدى جاءت إلى عيسى ومعها إبناها فقال ما تريدين فقال أريد أن تجلس ولداي أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك إذا جلست في ملكك فقال تجهلين السؤال أيصبران على الكأس التي أشرب بها فقالا نصبر فقال ستشربان بكأسي وليس إلى تجليسكما عن يميني ولا عن شمالي إلا لمن وهب ذلك فقد أخبر هنا أنه لا يقدر على تجليسهما عن يمينه ولا عن شماله وفي أول ورقة منه أنه بادئ الأشياء وعلتها وعلة كل زمان فكيف يصح أن يكون بادئ الأشياء كلها وعلتها ولا يقدر أن يجلسهما عن يمينه ولا عن يساره ثم يتبرأ عن ذلك بقوله إلا لمن وهب ذلك لي ولا مزيد في التناقض الفساد على هذا وفي الإنجيل أيضا أنه قال لا تحسبوا أني قدمت لأصلح بين أهل الأرض لم آت لصلاحهم لكن لألقى المحاربة بينهم إنما قدمت لأفرق بين المرء وإبنه والمرأة وإبنتها حتى يصيروا أعداء المرء أهل بيته وفيه أيضا عنه إنما قدمت لتحيوا وتزدادوا خيرا وأصلح بين الناس وأنه قال من لطم خدك اليمنى فانصب اليسرى ولا مزيد في التناقض والفساد على هذا

210

وفي الإنجيل أيضا أنه قال لم آت لأنقض شريعة من قبلي إنما جئت لأتمم وكلاما من معناه ثم فيه بعد أحرف قليلة كلام آخر ينقض فيه شريعة من قبله وذلك أنه قال إنما علمتم أنه قيل للقدماء لا تقتلوا ومن قتل فقد استوجب النفى من الجماعة ثم قال بعد ذلك أما علمتم أنه قيل للقدماء من فارق إمرأته فليكتب لها كتاب طلاق وأنا أقول لكم من فارق إمرأته منكم فقد جعل لها سبيلا إلى الزنى ومن زوج مطلقة فهو فاسق ثم قال أما بلغكم أنه قيل للقدماء العين بالعين والسن بالسن وأنا أقول لكم لا تكافئوا أحدا بسيئة ولكن من لطم خدك اليمنى فانصب له اليسرى ومن أراد مغالبتك وإنتزاعك قميصك فزده أيضا رداءك كيف يصح أن يقول لم آت لأنقض شريعة من قبلي ثم ينقضها حكما حكما ثم قوله جئت متمما لا يصح أيضا فإن شريعة موسى كانت تامة كاملة والتام لا يتمم والكامل لا يكمل فهذا تناقض وفساد وعيسى عليه السلام منزه مبرأ عن كل تناقض وفساد وليس هذا ولا شيء منه من قبله بل هو منزه عن ذلك كله وفي الإنجيل أيضا لمتاؤوش أن المسيح قال لبطرس طوبى لك يا شمعون بن الحمامة وأنا أقول أنك الحجر وعلى هذا الحجر أبتنى بيتي فكل ما حللته على الأرض يكون محلولا في السماء وما عقدته على الأرض يكون معقودا في السماء ثم بعد أحرف يسيرة قال بعينه اذهب يا شيطان ولا تعارض فإنك جاهل بكوني فكيف يكون شيطان جاهل يطيعه صاحب السماء وهذا غاية التناقض وفي الإنجيل أيضا لمتاؤوش أن عيسى قال لم تلد النساء

211

مثل يحيى ثم في إنجيل يوحنا أن يحيى بعثت إليه اليهود من يكشف لهم أمره فسألوه من هو أهو المسيح قال لا قالوا أتراك الياس قال لا قالوا أنت نبي قال لا قالوا أخبرنا من أنت قال أنا صوت مناد في المفاز فنفى عن نفسه كونه نبيا ولا يجوز لنبي أن ينكر نبوته فإنه يكون كاذبا والنبي الصادق لا يكذب فيلزمهم أحد أمرين إما أن يكون يحيى ليس بنبي وهو باطل أو يكن إنجيلهم محرفا وهو حق ولو تتبع ما فيه من هذا القبيل لاحتاج ذلك إلى التكثير والتطويل وبموضع واحد من هذه المواضع يحصل أن كتابهم قابل للتحريف والتغيير فكيف بالتزيد والتكثير فقد حصل من هذا البحث الصحيح أن التوراة والإنجيل لا تحصل الثقة بهما فلا يصح الإستدلال بهما لكونهما غير متواترين وقابلين للتغيير وقد دللنا على بعض ما وقع فيهما من ذلك وإذا جاز مثل ذلك في هذين الكتابين مع كونهما أشهر ما عندهم وأعظم عمدهم ومستند ديانتهم فما ظنك بغير ذينك من سائر كتبهم التي يستدلون بها مما ليس مشهورا مثلهما ولا منسوبا إلى الله نسبتهما

212

فعلى هذا هما أولى بعدم التواتر وبقبول التحريف فيهما فإذا ادعوا تواتر شيء من ذلك فلينظر هل كملت فيه شروط التواتر أم لا فإن كملت قبلنا وآمنا وإن لم تكمل توقفنا وطالبناهم بالطريق الموصل إلى العلم فإذا ثبتت هذه المقدمة قلنا بعدها للمستدل على إثبات نبوة عيسى بالأدلة المتقدمة لا تظن أننا نرد نبوة عيسى أو أنا نشك فيها حاشى لله بل نحن أحق وأولى بعيسى ابن مريم منكم فإنكم قلتم فيه ما لا ينبغي له ونسبتموه إلى ما يتبرأ هو منه بل أنتم لعمرى والله أبعد منه وأبغض إليه ممن أنكر نبوته وكفر به فإن من أنكر نبوته وكفر به لم يشرك بالله كما فعلتم أنتم حيث جعلتموه إلها آخر ولم يعرض بعيسى عليه السلام للموقف المخجل الذي يسأله الله فيه عن غلوكم فيه وعبادتكم له حيث يقول الله له يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيقول خجلا فزعا متبرأ من قبيح ما نسبتموه إليه سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته وأما نحن فإنما نقول فيه ما قاله الله على لسان رسوله المصطفى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام وما قاله الله أيضا فيه على لسان أشعياء حيث بشر به وأخبر بقدومه هذا غلامي المصطفى وحبيبي الذي ارتضت به نفسي وما قاله هو عن نفسه حين تكلم في مهده قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا فنحن نعرفه حق معرفته ونؤمن بنبوته وشريعته ونحيل عليه الإلهية إذ ليست من صفته ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم

213

ثم إنا نعرف ما ذكرناه من وصفه بأدلة كثيرة قاطعة وبراهين صادقة تخضع لها رقاب الجاحدين وتستضئ بنورها بصائر المبصرين وإذا كان كذلك فما استدللت به أنت على نبوة عيسى من كلام النبيين إن صح فهو زيادة في أنواع الأدلة لا في نفس اليقين فلذلك لا نباحثك فيها ولا نبالي بك أتجهلها أم تدريها على أنا لو ناقشناك في تلك الأدلة لأظهرنا لك فيها الفساد والعلة ولكن ما لا يخالف غرضنا لا يقتضيه فيما بالنا نطول أنفاسنا فيه

214



215


الفصل السابع

هاجر أم إسماعيل الذبيح من حكاية كلامه أيضا قال وأنت أنها الإنسان تجدوا في كتابكم في آل عمران وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس فأنت مقر بالتوراة والإنجيل فاثبتوا دينكم من التوراة كما أثبتنا نحن ديننا من كتب الأنبياء واعلم أنه لا نقبل لكم من كتبكم شيئا فإن قلت من كتابك شيئا قلت لك كما قال رسولك البينة لمن ادعى واليمين على من أنكر فوجب عليك أن تثبت دينك من التوراة والإنجيل التي أنت مقر بهم وأنت مدعى أن كتابكم من الله فاثبتوه من التوراة بالعبراني ومن الإنجيل بالعجمي كما أنتم مقرون وقولكم وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فإني أطلبك من الكتب التي جاءت به الرسل كما قلتم فائت بما ادعيت وإلا يميني لأني أنكر لك ولا نقبل لك من النبوات والروايات المرويات عن مسلم في كتابه الذي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن قتادة عن عائشة قالت جاءت امرأة رفاعة إلى الرسول فقالت له كنت لرفاعة فطلقني فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير فتبسم الرسول ضاحكا وقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عبدالرحمن بن الزبير عسيلتك وفي رواية أخرى عن عائشة قالت طلق رجل إمرأة ثلاثة فتزوجها رجل ثم طلقها قبل أن يدخل بها وأراد زوجها الأول أن يتزوجها فسئل الرسول عن ذلك قال لا حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول

216

فافهم فمثل هذه النبوات لا نقبلها منكم لأن المسيح يقول لا ينبغي لرجل طلاق زوجته إلا أن تزنى وإن زنت فلا يحل له مراجعتها ومن طلق إمرأته فقد جعل لها سبيلا إلى الزنى أعنى من طلقها دون سبب ومن زوج مطلقة فهو فاسق بها وأنتم تقولوا لا يحل لزوجها مراجعتها إلا أن تزنى بدل أن تنهو عن الزنى تأمروا بالزنى وهو عندكم فريضة التياس وأنا أريد قطع ذنب التيس وأن نجعله في ذقنه ليلوح لسته لمعرة صرصر الشمال وحمارة قيظ هجير الجنوب وهذا جواب كلامك إنتصافا منك كما يقول قرآنك ومن انتصف من بعد ظلمه فلا جناح عليه فأفهم ثم قلت في شعرك أراد النصارى ينصرون محالهم فانصر أنت محالك لأنك قلت بالسفه والطعن في ديننا وقلت الكذب على مسيحنا كيف قلت ما لم تعلم وكيف تجرأت أن تتكلم واعلم أنك إن أرسلت بعد هذا بالشتم فإني أبعث إلى كل بلد كتابا بنص شريعتكم وبكل ما نعرف فيها من الأقاويل التي لاتقدرون على إنكارها فافهم لأنك قلت في المسيح غث وأوطار وأنك سبيت الحاكم عليك وعلى جميع الأمم يوم القيامة لكن سوف تلقاه حاكما ليس يطلب عليك بينة فإن أرسلت بعد هذا بالشتم فإني أعرفك بشجرتك ما هي حتى تعلم من أنت وأعلم أني لم أريد في الأول شتم أحد لكن لما بعث إلى أول كتاب بالسفه والسب رددت له الجواب بأمه هاجر ولم نقل فيها عشر ما قال الله فيها في التوراة وعن إبنها فاسمع قول الله عنها وعن ابنها

217

رأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدت لإبراهيم وهو يلعب فقالت لإبراهيم ارمي هذه الأمة وابنها إذ ليس يرث هذه الأمة وابنها مع ابني إسحق فصعب على إبراهيم ما قالت له عن ابنه فقال الله لإبراهيم لا يصعب عليك بكلام سارة عن الصبي وعن أمتك وجميع ما تقول لك سارة اسمع من قولها فقال إبراهيم هذا كلام الله إلى قائلا لا يرثك هذا إن الذي يخرج من صلبك هو يرثك ثم قال الله لإبراهيم باسحق يتسمى نسلك فافهم ترشد واعلم كيف قطع الله ورث إسماعيل وأمه في قوله لا يرثك هذا ثم قال عن إسحق الذي يخرج من صلبك وكيف قال الله لإبراهيم باسحق يتسمى نسلك ولم يقل بإسماعيل يتسمى نسلك فأخذ إبراهيم خبزا وجرة ماء وجعل على أكتاف الأمة وجعل إسماعيل على عنقها بالليل وأخرجها بولدها عن العمران فتناسلت منه الأمة الذي قال فيها قرآنكم أشد كفرا ونفاقا فافهم والسلام على من اتبع الهدى وآمن بشريعة المسيح حقيقة الإيمان ورحمة الله وبركاته كمل كلامه الجواب عما ذكر اعلم يا هذا المخدوع المصروف عن المعارف الممنوع الشاهد عليه جهله بأنه ليس بتابع ولا متبوع أنا نؤمن بالله وكتبه ولا نفرق بين أحد من رسله فنؤمن بالتوراة والإنجيل اللذين أنزلهما على رسوليه الملك الجليل ولكن قبل أن يعتريهما التغيير والتبديل وقد نبهنا على أن الكتاب الذي بأيديكم المسمى بالإنجيل عندكم لا يقال عليه منزل بالحقيقة كما تقدم من تلك الطريقة ثم إنا نسلم جدلا صحة ما تدعونه من تلك النبوة ونبين صحة نبوة نبينا منها عن كثب

218

فأما قولك واعلم أنا لا نقبل من كتبكم شيئا فليس ذلك بأول عنادكم فكم لكم منها وكم شنشنة أعرفها في أخزم لكنكم لستم عند العقلاء أهلا لقبول حق ولا لرد باطل فليس ردكم بأولى من قبولكم وهكذا فعل الرعاع الغثر الغثاء الغبر يقبلون بغير دليل ويردون بغير حجة ولا سبيل وإلا فما الدليل الذي أوجب عندكم إلا تقبلوا نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع وضوح معجزاته وعدالة بيناته على ما نبينه إن شاء الله تعالى فظهر من هذا أن ردكم لديننا ليس بدليل وإنما هو لأجل إتباع قول كل جهول دخيل يحكم على عقله هواه ويطيح معه حيثما رماه ولأجل ذلك صار دينكم ضحكة العقلاء مشتملا على كل مقالة شنعاء ومن كان هذا منهج سبيله فرده لغير معنى بمثابة قبوله ولقد كان ينبغي لك لو كنت على سنن النظار أهل البحث عن الحق والإعتبار أن تحكى ديننا وتستدل بزعمك على فساده كما قد فعلنا نحن بدينكم إذ بينا تناقضه وعدم سداده على أنه قد تبين الصبح لذي عينين ووضحت الشمس لسليم الحاستين
ما ضر شمس الضحى في الجو مشرقة
ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

ثم قلت متواقحا في قولك مستهزئا برسول ربك فإن قلت من كتابك شيئا قلت لك كما قال رسولك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر أما قولك رسولك فنعم هو رسول إلينا وإليك فآمنا وكفرت وصدقنا وكذبت وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فنحن نقول رضينا بالله ربا وبمحمد رسول الله رسولا وبالإسلام دينا وأما أنت فإن مت مصرا على تكذيبك فليدخلنك الله النار وليدخلنك في دار البوار فلا تنتفع بشفاعة ملك مقرب ولا بنبي مختار وأما طلبك البينة على صدقه فكفاك شهادة

219

الأنبياء العارفين بحقه المخبر عنه بلزوم تصديقه وصدقه وسنبين ذلك بأبلغ بيان وأوضحه بأوضح برهان وعلى سبيل الإستعجال يكفيك بينة عدله ما وقع في صحف النبي دانيال حيث وصف الكذابين وقال لا تمتد دعوتهم ولا يتم قربانهم وأقسم الرب بساعده أن لا يظهر الباطل ولا تقوم لمدع كاذب دعوة أكثر من ثلاثين سنة وهذا دين محمد رسولنا صلى الله عليه وسلم قائم منذ ستمائة سنة ونيف فكيف ترى هذه البينة المصححة أمعدلة عندك أم مجرحة وكذلك في صحف النبي حبقوق وهو الشاهد المعظم الموثوق قال جاء الله من التيمن وتقدس من جبال فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه وملك الأرض بهيبته وقال أيضا تضئ له الأرض وستنزع في قسيك إغراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد فهذا النبي الصادق المصدق قد أفصح بنعته وصرح بإسم بلده وشهد بصدقه ومن كان الأنبياء شهوده فقد استحق مكذبه عذاب النار وخلوده فلعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من تبين له الحق ثم صار عنه من المعرضين وسنعقد في النبوات فصلا مفردا ونأتي فيه بالعجائب حتى يتبين فيه تواقح كل طاعن عائب وأما قولك وأنت تدعى أن كتابكم من الله فإن كنت تنكر ذلك فادع عصابتك البلغاء من نصارى نجران المتكلمين بلغة القرآن ليعارض بسورة من مثله فإن فعلوا ذلك دحضت حجته وانقطع عظيم قوله لكنهم لما سمعوا منه القرآن تحققوا على القطع أنه ليس يقدر عليه أحد من الإنس والجان وعلموا أنه كلام الملك الديان فآمنوا وصدقوا لما عرفوا وحققوا فحصلوا على فضل الملتين وآتاهم الله أجرهم مرتين

220

وأما قولك فأثبتوه من التوراة بالعبراني ومن الإنجيل بالعجمي فلتعلم أنا لولا كره منا أن نتكلم برضانة العجم لكان ذلك علينا أيسر شيء يلتزم ولكنا إن شاء الله تعالى نذكر كلام الأنبياء من كتبكم كما قد ترجمها المترجمون من أهل ملتكم مثل يرونم وحفص ابن البر وغيرهما من المترجمين الذين تثقون بقولهم وتعولون على نقلهم ولست أفعل مثل ما أنت فعلت ولا أصنع شيئا مما صنعت حيث نقلت كلام الأنبياء بالعبراني والعجمي ثم إنك شرعت في ترجمته وفي تفسيره من غير أن تنسب التفسير إلى أحد المترجمين العالمين بالمعاني وباللغات ومواقع الألفاظ وأما أنت فلست بموثوق بنقلك ولا مصدق في قولك لجهلك بالشروط التي يحتاج إليها المترجمون وإذا ادعيت أنك لست جاهلا فما حد الترجمة وحقيقتها وما شروطها وكم أقسامها وما المحل الذي تجوز فيه من الذي لا تجوز وبهذا السؤال يظهر جهلك وتبلدك وحصرك وتوددك ثم قلت فائت بما ادعيت وإلا يميني لأني أنكر ها أنا قد أقمت البينات العدول الذين ليس لقائل في عدالتهم ما يقول ولقد أعلم مع ذلك أنك تبادر باليمين وتباهت المسلمين إذ قد تقولت بالكذب والزور على رب العالمين ثم ذكرت على جهة الإستهزاء والتنقيص والإزدراء والتخريص حديث إمرأة رفاعة لتقبح بذلك ديننا وتنسب إليه شناعة وأنت مع ذلك لم تعرف معناه ولا فهمت فحواه ثم قلت بعد أن أخللت بمساقه ولم تقمه على ساقه فمثل هذه النبوات لا نقبلها منكم لأن المسيح يقول لا ينبغي لرجل طلاق زوجته إلا أن تزنى فلتعلم أن هذا كلام جاهل بأحكام الأنبياء ظان أن أحكام الشرع صفات لأعيان الأشياء ثم تستمد من إنكار الناسخ والمنسوخ وكلام كل جاهل مردود مفسوخ فنقول لهذا المنكر الجاهل الذي ليس بمتشرع ولا عاقل منعك طلاق الرجل زوجته ورده إياها بعد طلاقها لا يخلو إما أن يكون منعا من جهة العقل أو من جهة الشرع فإذا ادعيت أنه من جهة العقل كانت دعواك باطلة بالضرورة فإن صور هذه المسائل ووجودها معلوم بالضرورة فإذا بطل أن يكون إمتناعها من جهة العقل فيجوز أن توجد وإذا جاز أن توجد فكيف ينبغي لمن ينتسب إلى العقل أن ينكر

221

نبوة من قامت الأدلة القاطعة على صدقه من حيث أنه حكم بشيء يصح في العقل أن يوجد ثم من العجب العجاب الذي يستعظمه أولو الألباب أنكم إلتزمتم في شرعكم بما يشهد العقل الأول بفساده مثل قولكم في الأقانيم أنها آلهة ثلاثة إله واحد وقلتم في الإتحاد والحلول ما يعلم فساده بضرورة العقول ثم لم ينفركم ذلك عن إتباع شرعكم بل يقول من يميز إستحالة ذلك القول منكم هذا مما ليس يدرك بالعقول بل يتبع فيه الكتاب المنقول ثم بعد إلتزام هذه المحالات والمدافعة عنها بالترهات والخرافات تنكرون علينا فعل شيء تجوزه العقول ولم تصر إليه إلا بعد ثبوت الشرع المنقول الذي دل على صحته البرهان المعقول فأنتم من الجهل والزلل كما جرى من كلام النبوة مجرى المثل يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه وإنما كان ذلك كله للمعنى الذي نبه الشاعر عليه هنالك
عيون الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا

فلو وفقتم لطريق الإنصاف لتركتم طريق التعصب والإعتساف ولو كنتم تطلبون الحق بدليله لأوشك أن يرشدكم إلى سبيله ولكن من حرم التوفيق استدبر الطريق ونكل عن التحقيق وإن ادعيت أن ذلك ممنوع من جهة الشرع فنقول لك إما أن يكون ممنوعا من جهة الشرائع كلها أو من بعضها فإن قلت إنه ممنوع من جهة الشرائع كلها كان ذلك باطلا إذ الشرائع في ذلك مختلفة فإن المعلوم من شرع التوراة في ذلك خلاف شرعكم وكفى دليلا على أن التوراة تخالفكم في ذلك أو الكلام الذي حكيته عن المسيح أنه قال أما علمتم أنه قيل للقدماء من طلق إمرأته فليكتب لها كتاب طلاق وأن أقول من طلق إمرأته فقد جعل لها سبيلا إلى الزنى فهذا تصريح بين ما أنكرته علينا وتنقصت به شرعنا وكما جاز أن يخالف عيسى عليه السلام بعض أحكام التوراة ولا يدل ذلك على كذبه ولا على فساد شرعه كذلك يجوز أن يخالف شرعنا

222

شرع عيسى وموسى في بعض الأحكام ولا يدل ذلك على فساده إذ كل واحد منهم إنما يبلغ حكم الله ولس مخترعا حكما من قبله ثم قد تختلف الأحكام والأوضاع بحسب ما يريده الله تعالى وبحسب ما يعلمه من إختلاف الأحوال 2 والمصالح والأصل في ذلك أن الله تعالى لاحجر عليه في أفعاله ولا راد لشيء من أحكامه فيحل لعباده ما شاء ويحرم عليهم ماشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهذا بين بنفسه لا يجهله إلا من كان عديم حسه ثم قلت وأنتم تقولون لا يحل لزوجها مراجعتها إلا أن تزنى بدل أن تنهوا عن الزنى تأمروا بالزنا اسكت فض الله فاك فما أكذبك وما أجفاك تتقول علينا بما لا نقول وتتصرف في شرائع الأنبياء تصرف متواقح جهول كما فعل أشياعكم من قبل اسمع يا لكع على أنك لا تحسن أن تسمع اعلم أن هذا الذي ظننته بجهلك زنا ليس بزنا لأن الزنا حقيقته إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا وهذه الحقيقة معدومة في الذي توهمت أنه زنا فإن قلت إن كانت هذه الحقيقة معدومة عندكم فليست معدومة عندنا فإن هذا الإيلاج محرم عندنا فهو زنا قلنا لك إن كان قد ثبت تحريم ذلك عندكم فقد ثبت تحليله عندنا فإن الله تعالى يحل لعبيده ما يشاء ويحرم عليهم ما يشاء وهذا كما أحل الله لموسى من الطلاق ما حرمه على عيسى ثم كيف يمكن لعاقل أن ينكر مثل ذلك وقد ثبت أنه أحلت في بعض الشرائع فروج وحرمت في شرع آخر فقد ثبت أن البطن الأول من أولاد آدم أحلت لهم نكاح الأخوات ثم حرمت على من بعدهم من الشرائع وقد جاء في التوراة أن يعقوب نكح أختين راحيل وليئة وجمع بينهما وحرمهما على غيره والجمع بينهما في

223

النكاح محرم عندكم وقد فعل الله ذلك في أحكام أخر على ما يعرف من أحوال الشرائع وإختلافها في بعض الأحكام وإنما يتحقق هذا المعنى على اليقين من يعلم أن حقيقة الحكم الشرعي هي خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الإقتضاء أو التخيير فعلى هذا لا معنى للحكم إلا قول الشارع افعلوا أو لا تفعلوا أو إن شئتم فافعلوا وإن شئتم فاتركوا على ما يعرف في موضعه ثم هذا الذي عبته علينا أيها الجهول له معنى صحيح في العقول جار على منهاج المصالح المعقول وذلك أن الله تعالى إنما شرع الطلاق ليتخلص الرجل من نكد المرأة وأسوها رفقا بنا ورحمة منه علينا فقد تكون غلا قملا تضر بالرجل ضررا حقبا لا يمكن أن يطلع عليه أحد فلا تجبر على إزالته لكونه لا يتحقق من جهتها فجعل للرحل أنه متى شاء أن يتخلص منها ومن ضررها فعل وأيضا فلكون النساء في الغالب ناقصات عقل فلو علمت أن الرجل لم يجعل له سبيل إلى مفارقتها لما كانت تحترمه وبادرت إلى ضرره فأراد الشارع أن يجعل للرجل سببا يحترم لأجله وهو الطلاق فإن المرأة إذا علمت أنها إن بالغت في ضرر زوجها طلقها امتنعت من ضرره في الأكثر فإن عورضنا وقيل لنا فيلزم على ذلك أن تطلق المرأة نفسها متى شاءت فإن الرجل قد يضر بها ضررا لا يطلع عليه أحد فإن راعيتم وجود الضرر وتوقعه في حق الزوج فلم لم تراعوه في حق الزوجة كذلك فنقول إنما لم نراعه في حق المرأة لأنا لو جعلنا للمرأة أن تطلق نفسها متى شاءت لما استقرت إمرأة عند زوجها في غالب الأمر لأنهن ناقصات عقل فلا يؤمن عليهن غلبة شهواتهن على عقولهن وإن فتح هذا الباب طرأ منه من الضرر ما لا ينسد ولا يتدارك فسد هذا الباب في حق النساء لهذه الحكمة وفتح في حق الرجال ليزول عن أعناقهم غل الضرر والنقمة والله أعلم

224

وأما ما عابه أيضا من أن المطلقة ثلاثا لا تحل إلا بعد زوج فذلك أيضا له معنى معقول مناسب وذلك أن الطلاق وإن كان الله قد أباحه لنا فهو من قبيل المكروه من غير سبب من حيث التقاطع والتدابر المنهى عنهما ولأجل هذا قال نبينا عليه السلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق فأطلق عليه لفظ البغض مشعرا بالكراهة وأطلق لفظ الحلال مشعرا بجوازه فحصل لنا من مفهومه أنه يجوز على كراهة فإذا تقرر أنه مكروه من الوجه الذي ذكرناه فينبغي ألا يفعل ثم إن فعل ولا بد منه فلا يكثر منه ثم إن كثر منه فلا يزاد على المرتين فإن تعداهما عوقب بأنه لا تحل له إلا بعد زوج فكانت الحكمة في ذلك أن الزوج إذا علم أنه إذا أكثر من هذا المكروه الذي هو الطلاق عوقب بتفويت زوجته عليه وتملكها غيره امتنع من تكثير المكروه الذي هو الطلاق ثم لا يظن الجاهل بنا أننا نجبر الزوج الثاني على طلاقها حتى يرجع إليها الأول حاشى لله وإنما الزوج الثاني يملك منها ما يملكه الأول فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها ثم إن طلقها اعتدت منه وجاز للأول أن يتزوجها تزويجا مستأنفا إن شاء ولا يجوز عندنا أن يتزوجها الثاني ليحللها للزوج الأول فإن فعل كان نكاحه فاسدا وهو الذي نسميه المحلل وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له فإن سماه مسم تيسا فعلى جهة الذم لفعله فإذا تقرر هذا المعنى الذي لا يمنعه العقل ولا تنافيه مكارم الأخلاق بل هو على منهاجها وعلى سنتها فكيف ينبغي لعاقل منصف غير متواقح ولا متعسف أن يتقول علينا أنا نقول لا يحل لزوجها مراجعتها إلا أن تزنى ولو كنت يا هذا من أهل العقل الذين تبرأوا عن السفه والجهل لما كنت تشبه نكاحا على وفق شريعة صحيحة بحسب دلالة أدلتها القاطعة مع أن هذا النكاح وقع بولى ومهر وشهود وإعلان بنكاح الزنا الذي ليس فيه ولى ولا مهر ولا شهود ولا إعلان وإنما يقع الزنا مخالفا للشرائع عريا عن الشهود والولي مستورا فهذا تشبيه يدل على عناد وتمويه

225

ثم قلت بدل أن تنهوا عن الزنا تأمروا به وهو عندكم فريضة التياس هذا التشنيع باطل وقول غبي جاهل وتهويل ليس وراءه حاصل وقول الزور والأباطل قصد به قائله استزلال العوام وليكره لهم دين الإسلام يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ولقد صدق الله عبده وأنجز وعده ومن أوفى بعهده من الله اعلم يا هذا المفترى الكذاب والمشنع المرتاب أن العقلاء لا يرضون بما فعلت ولا يأتون بمثل ما به أتيت وذلك أنك جهلت شرعنا وكذبت عليه وعميت عليك مقاصده فنسبت الزور والفحش إليه وإنما كان ينبغي لك لو كنت على سنن العقلاء أهل السياسة الفضلاء أن تبحث عن أدلة صحة هذه الشريعة وعن صدق الذي جاء به فإن كانت أدلتها صحيحة وجب عليك أن تقبلها جملة ولا ترد منها شيء وتكون واحدا ممن إلتزمها وإن لم تظهر لك صحة أدلتها فناظر أهلها في تلك الأدلة ولا تتعداها إلى غيرها وباحثهم فيها مشافهة فإن المخبر ليس كالمعاين فلو لم يقدروا على أن يحتجدوا لدينهم ولا أن يقيموا دليلا على صحة شرعهم وجب عليك رد تلك الشريعة من أولها وهذا دأب الموفقين لا الكذابين المشنعين ثم قلت وأنا أريد قطع ذنب التيس وأن نجعله في ذقنه ليلوح استه لمعرة صرصر الشمال وحمارة قيظ هجير الجنوب يا هذا التيس وأي ذنب ساتر للتيس أتظن أنك تتفصح وتستعير وأنت لا في العير ولا في النفير وكيف تظن السلامة من الحمق والبؤس بمن يجهل كيفية أذناب التيوس أم كيف يبالي بتفصحه وجعاجعه وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من جهل عدد أصابعه ولولا أن شرعنا منع من السباب ولا يليق ذلك بأولى المروءات والآداب لأقذعتك سبا ولأوجعتك عتبا ومع هذا
نجا بك لومك منجى الذباب
حمته مقاديره أن ينالا



226


لا أسبنكم فلستم بسبي
إن سبي من الرجال الكريم

ثم قلت وهذا جواب كلامك إنتصافا منك كما يقول قرآنك ومن أنتصف من بعد ظلمه فلا جناح عليه يا هذا شأنك يحار فيه النحرير وجهلك يتعجب منك الصغير والكبير كيف لا وكلامك هذا يشهد عليك بجهلك بإنجيلك وبمخالفتك حكمه وشرع رسولك كيف يحل لك في شرعك أن تنتصف ممن ظلمك وتشتم من شتمك وإنجيلك يقول لك لا تكافئوا أحدا بسيئة ولكم من لطم خدك اليمنى فانصب له اليسرى ومن أراد مغالبتك وإنتزاعك قميصك فزده أيضا رداءك فهذا إنجيلك يشهد عليك بأنك لست على شرعه بل رددت حكمه وعملت على رفضه وإذا كان شأنك هذا مع كتابك فكيف يرتجي فلاحك من ليس من أحبابك ثم العجب العجاب تركت كتابك والعمل به ثم أخذت تعمل بكتاب لا تصدق بأصله فهذا يعلم من حالك أنك لست تريد أن تتبع الحق ولا أن تبحث عنه ولكنك اتبعت هواك فأضلك وأطعت الشيطان فأزلك ثم من أدل دليل على جهلك ومغالطتك أنك أوهمت أنك تعرف القرآن وأنك تحتج علينا به ثم ذكرت ما ليس بقرآن حيث قلت ومن انتصف من بعد ظلمه فلا جناح عليه وهذا ليس بقرآن وإن كان يشهد بمعناه القرآن وليس القرآن عندنا بمجرد معناه فقط بل بلفظه المخصوص ومعناه وأسلوبه الذي أعجز الأولين والآخرين فعلى هذا المعنى أن تترجم بلسان آخر أو عبر عن معناه بغير لفظه وأسلوبه خرج عن كونه قرآنا فأفهم وما أدراك تحسن ثم قلت فانصر أنت محالك لأنك قلت بالسفه والطعن في ديننا وقلت الكذب على مسيحنا أنظر هذا الكلام الفصيح الجهالة على قائله تلوح فلقد عدم هذا الكلام الإنتظام والإرتباط فوجب له لأجل ذلك الإلغاء والإسقاط

227

وأما ما ذكرت من تسفيه دينك والطعن عليه فذلك واجب على العقلاء إذ قد تبين بدليل العقل الذي لا يشك فيه أنكم قد تمذهبتم بكك مقالة شنعاء وقد بينا ذلك فيما تقدم ثم إن الطعن على دينكم ليس طعنا على دين المسيح فإنكم لم تتدينوا بدينه ولا عرفتم حقيقة يقينه بل تخرصتم عليه بالأباطيل وقبلتم عليه قول كل متواقح جاهل فما لكم وللإنتساب للمسيح وهو مبرأ عن كل قبيح بل هو ساخط عليكم وبراء إلى الله منكم وقد بينا ذلك فيما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى بمزيد يبطل قولكم فيه ويهدم وأما ما نسبت إلينا من الكذب على المسيح والسب له فذلك والله شيء لا نفعله ولا يرضى بذلك متدين ولا عاقل وكيف يجوز هذا علينا ونحن نكفر من سبه أو سب أمه عليهما الصلاة والسلام وهذا عندنا أصل من أصول عقائدنا وذلك أن الله تعالى أخذ علينا من الميثاق أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل ولا نفرق بين أحد منهم وهو عندنا من أكرم الرسل فكيف نسبه أو نكذب عليه وفي فعل ذلك خروج عن دين الإسلام وتمسك بفعل الجهال الطغام بل أنتم الذين كذبتم عليه ونسبتم ما تحيله العقول إليه وهو يتبرأ من ذلك ويتنصل مما أفتريتم عليه هنالك ثم أضفتم مع ذلك من العيب والتنقيص على الله تعالى ما يعلم على الضرورة والقطع أنه محال فنحن وإياك على المثل السائر رمتني بدائها وإنسلت ثم قلت واعلم أنك إن أرسلت بعد هذا بالشتم فإني أبعث إلى كل بلد كتابا بنص شريعتكم وبكل ما نعرف من الأقاويل التي لا تقدرون على إنكارها لولا أن السب منهى عنه على الإطلاق وليس من مكارم الأخلاق لأكثرت من سبك ولأوغلت في لومك وعتبك ولو كان ذلك لما كذبت ولا افتريت وإنما كنت أفعل ذلك لأظهر بذلك باطل تمويهك ومغالطة تهويلك ومن أين لك أن تعرف ديننا وأي طريق يوصلك إليه وبأي لسان تتمكن منه وبأي فهم تتوصل إلى معناه ها أنت لا تعرف دينك الذي نشأت عليه فكيف بك أن تعرف ما لم تفهم منه حرفا ولا سمعته على وجهه اللهم إلا أن تقولت

228

بما ليس لك به علم كما قد فعلت في فريضة التياس فلا يعدم أحمق مخرق ما يقول وأما إن ذكر شريعتنا من يعرفها فالعقول السليمة تقبلها بنفس ما تسمعها لشدة ارتباطها وحسن نظامها وليست كشريعة من يعتقد إلها آخر مع الله ويعتقد في الله ما يستحيل عليه وينسب إلى الأنبياء ما يتبرأون منه ويحكمون بأهواء جهالهم في دين الله وسنعقد أثر هذا إن شاء الله بابا نبين فيه جملا من أحكامهم وفيها يتبين أنكم لا تستندون فيها إلى مستند وأنكم اخترعتم فيها من الجهالات مالم يقل به أحد ثم قلت لأنك قلت في المسيح غث وأوطار وأنك سبيت الحاكم عليك وعلى جميع الأمم يوم القيامة لكن سوف تلقاه حاكما ليس يطلب عليك بينة
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم

لتعلم يا هذا أنى وقفت على الكتاب الذي جاوبك بعض أصحابنا وتأملت هذا الموضع الذي لم تفهمه فعلمت أن الخطأ من قبل فهمك لا من قبل الكاتب وذلك أن لفظ ما كتب به إليك في هذا الموضع شجرتنا نبوية فروعها قرشية ثمرتها هاشمية شجرتك غثاء وأوضار اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار هذا نصه وكان ينبغي لك أن تفهمه لو كنت منصفا فإن هذا الكلام إنما جرى مجرى المثل وإنما أراد بشجرتنا نبوية أن أصل إعتقادنا أن محمدا نبي ورسول ليس باله واعتقادكم أنتم أن عيسى اله وليس بنبي وهذا قول باطل وإعتقاد فاسد ولذلك عبر عن أصل هذا الإعتقاد بالشجرة ثم قال إنها غثاء وأوضار فالمسبوب المذموم إنما هو إعتقادكم في عيسى لا عيسى حاشى وكلا فهكذا ينبغي أن تفهم الكلام ولا تبادر لأجل الجهل بالملام فالملوم على كل حال هو الجاهل الذي ليس يفهم ولا عاقل وحين وقفت على

229

كلامك هذا هممت أن لا أكاتبك لكونك قليل الإنصاف كثير الجهل والإنحراف ولقد أعرف أنك إذا وقفت على كتابي هذا لا تفهمه ومع ذلك فتبادر إلى رده مكابرة ومجاهرة وتتناوله بالرد والقبيح وبكل قول ليس بصحيح وقد حكمت بيني العقلاء المتدينين الفضلاء الذين يعترفون بالحق حيث كان ولا يعرجون في قبوله على إنسان وأما قولك الحاكم عليك وعلى جميع الأمم فقول ليس بصحيح ولا أمم وإنما الحاكم على كل الأمم وكل المخلوقات الذي أوجدها بعد أن لم تكن ثم يعدمها كأن لم تكن ثم يعيدها كأنها ما برحت قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما الآية وأما قولك ستلقاه حاكما ليس يطلب عليك بينة فقد نسبتموه إلى الجور فإنه إذا لم تقم بينة على المحكوم عليه عندنا وعندكم ونفذ الحاكم الحكم نسب إلى الجور فإذا قامت البينة زال عنه توهم الجور وظهر معيار العدل وعند سماع هذا يتحقق معنى المثل المعروف عدو عاقل خير من صديق جاهل فإن العدو العاقل يذعه عنك عقله والصديق الجاهل يريد نفعك فيضرك وأنت بجهلك أردت أن تعظم المسيح فنقصته وأن تمدحه فذممته فعل السفيه الأحمق الجاهل وأنا أقول ستلقونه بين يدي الله تعالى فإن اعترفتم بقولكم فيه جوزيتم على ذلك بجزاء سترونه عيانا وإن أنكرتم قولكم فيه يقول الله لجوارحكم أنطقي فتشهد عليكم بأقوالكم وأفعالكم فهكذا يظهر العدل ويعلم كل مكلف أنه محاسب بما عمل من خير أو شر ومجزى عليه ومما يدل على أن الله تعالى إنما يأخذ بالبينات يوم القيامة أنه قد ثبت على لسان من دلت المعجزة على صدقه أن الله وكل بنا

230

كراما كاتبين يكتبون ما نفعل فهم الشهود العدول الذي ليس لطاعن عليهم ما يقول وستقدم فتعلم ثم العجب من جرأتك أنك سببت خليل ربك حيث قلت رشح الجلد المدبوغ في قصرية هاجر هذا لإبراهيم ذم صريح صدر من جاهل وقبيح هنا يرد عليك قولك كيف قلت ما لا تعلم وكيف تجرمت في خليل الرحمن أن تتكلم وستلقاه يناضل عنه الله ثم من ركيك الإستعارة أن الذي ذممت به إسماعيل يلزم منه ذم إسحق والذي ذممت به هاجر يلزم منه ذم سارة فإن الجلد الذي رشح في قصرية هاجر هو الذي رشح في قصرية سارة وأصل النطفة التي كان منها إسماعيل هو بعينه الذي كانت منه نطفة إسحق وهذا كله ذم لإبراهيم ولعن فقد حاق بك وبمن قال بقولك لعنة الله التي قال فيها لإبراهيم في التوراة وألعن لاعنيك ثم أعجب من ذلك كله اعتذارك عن قبيح ما أتيت حيث قلت لما بعث إلى أولا كتاب بالسفه والسب رددت له الجواب بأمه هاجر فكأنك قلت لما سببتني أنت أسب أنا هاجر التي إذا سبت تعدى سبها إلى سيدها إبراهيم ثم إنك صرحت بسب إبراهيم فلزمك على ذلك سب إسحق وأمه سارة فأنت في هذه الفعلة بمنزلة من سبه رجل في وجهه فأخذ المسبوب ينكل الساب بأن يسب أبا نفسه أعنى نفس المسبوب وهذا ما لا يرضى به عاقل ولا متدين جاهل ثم قلت بعد ذلك عهدا لغدرك القبيح ما قلت هنالك ولم تقل فيها عشر ما قال الله في التوراة وعن إبنها وهذا القول منك يوهم أن الله تعالى ذمها وإبنها في التوراة وهذا على الله وعلى كتابه كذب صراح وكفر براح ثم ذكرت بعض قصه هاجر مع إبراهيم ولم تسقها بكمالها لئلا تفتضح وتظهر كذبك وخزيك

231

وها أنا أذكر قصة هاجر مع سارة كما حكاها كتاب التوراة حتى يتبين للواقف على هذا الكتاب أن الله تعالى أثنى على هاجر وإبنها ومدحها وما ذمها بل أخبر بنبوتها أو صديقتها ونبوة إبنها إسماعيل بحول الله قال التوراة إن سارة إمرأة إبراهيم لم تكن تلد له وكانت له أمة مصرية يقال إسمها هاجر فقالت سارة لإبراهيم إن الرب قد حرمني الولد فادخل على أمتي وإبن بها لعلى أرزق بولد منها فسمع إبراهيم قول سارة وأطاعها فانطلقت سارة امرأة إبراهيم بهاجر أمتها المصرية وذلك بعدما سكن إبراهيم أرض كنعان عشر سنين فأدخلتها على إبراهيم زوجها فدخل إبراهيم على هاجر فحبلت فلما رأت أنها قد حبلت استسفهت وزرت بسيدها وهانت في عينها فقالت سارة يا إبراهيم أنت صاحب ظلامتي أنا وضعت أمتي في حضنك فلما حملت هنت عليها يحكم الرب بيني وبينك فقال إبراهيم لسارة إمرأته هذه أمتك في يديك فاصنعي فيها ما أحببت وحسن في عينيك وسرك ووافقك فأهانتها سارة سيدتها فهربت منها فلقيها ملاك الرب على عين ماء في البرية في طريق جرار فقال لها يا هاجر أمة سارة من أين لك أقبلت وأين تريدين فقالت أنا هاربة من سارة سيدتي فقال لها ملاك الرب انطلقي إلى سيدتك وتعبدي لها ثم قال لها ملاك الرب عن قول الرب أنا مكثر زرعك ومنميه حتى لا يحصوا من كثرتهم ثم قال لك الرب إنك حبلى وستلدين إبنا وتدعين إسمه إسماعيل لأن الرب قد عرف ذلتك وخضوعك ويكون إبنك هذا وحشيا من الناس يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته فدعت إسم الرب الذي كلمها فقالت أنت الله ذو الوحي والرؤيا هذا ذكر الله لهاجر وإبنها في السفر الأول في التوراة في الإصحاح السادس عشر منها وذكرها أيضا في الإصحاح الحادي والعشرين

232

وقالت التوراة أبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود لإبراهيم يستهزئ فقالت لإبراهيم أخرج هذه الأمة وإبنها لأن هذا ابن الأمة لا يرث مع ابني إسحق فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه فقال الله لإبراهيم لا تشقن لحال الصبي وأمتك أطع سارة في جميع ما تقول لك لأن نسلك إنما يذكر بإسحق وابن الأمة أجعله أبا لشعب كثير لأنه ذريتك فغدا إبراهيم باكرا فأخذ خبزا وإداوة فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام وأرسلها فأنطلقت وتاهت في برية بير شبع ونفد الماء من الأداوة فألقت الصبي تحت شجرة من شجر الشيح وانطلقت فجلست قبالته تباعدت عنه كرمية سهم لأنها قالت لا أعاين موت الصبي فجلست إزاه ورفعت صوتها وبكت فسمع الرب صوت الصبي فدعا ملاك الرب من السماء هاجر وقال لها مالك يا هاجر لا تخافي لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك لأني أجعله رئيسا لشعب عظيم فأجلى الله عن بصرها فرأت بير ماء فانطلقت فملأت الإداوة وأسقت الغلام فكان الله مع الغلام فشب الغلام وسكن برية فاران فأخبرنا يا أيها الكاذب على كتاب الله المفترى على رسل الله من أين استجزت سب الأنبياء والكذب على الله ذي الآلاء افي إنجيلك قرأته أم عن الحواريين بلغته حاشا وكلا بل بتواقحك اختلقته ثم من أعظم مباهتتك وأفحش جرأتك ومغالطتك أنك أوهمت بقولك ولم تقل فيها تعنى في هاجر عشر ما قال الله فيها في التوراة وفي إبنها تشعر بأن الله ذمها وإبنها في التوراة في عدة مواضع وهذه التوراة قد تلوتها عليك وأنهيتها إليك فإذا بالتوراة تخبر بأن هاجر نبية أو صديقة مباركة أوحى الله إليها وكلمها وبشرها بنبوة ولدها إسماعيل بل قد مدح الله إسماعيل وأخبر عنه بما لم يخبر به عن إسحق حيث قال فيه يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته

233

وهذا الكلام يبشر بل يفصح ويخبر بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن إسماعيل لم يقل الله تعالى فيه يده على كل يد ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته إلا لأجل حفيده محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى قد بعثه بدعوة جميع الخلق إلى الله بني إسرائيل ومن دونهم ومن فوقهم فكل من بلغته دعوته وجب عليه الدخول في دينه ثم إن الله تعالى قد أظهره على الدين كله ولو كره الكافرون وهذا كله وفاء بوعد الله تعالى لنبيه إبراهيم حيث قال في التوراة وقد استجبت لك في إسماعيل وباركته وكثرته وأنميته جدا جدا يولد له إثني عشر عظيما وأجعله رئيسا عظيما بشعب عظيم فانظر أيها العاقل كيف قال الله في إسماعيل يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته ولم يقل مثل هذا في إسحق وإنما قال فيه يكون رئيسا على شعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله وبين الكلامين فرق ظاهر عند العاقل الفهم المنصف وكذلك قال في إسماعيل باركته وكثرته وأنميته جدا جدا ولم يقل مثل هذا القول في إسحق وإن كان قد قال فيه أباركه وأثبت عهدي له وهذا الذي وعد الله به إسحق وعد به إسماعيل وزاد زيادة عظيمة يعرفها من مساق كلام التوراة من كان عارفا بمجاري كلام الله تعالى فيها وكان مع ذلك عاقلا منصفا وسننبه على سر تحت قوله جدا جدا في القسم الثاني من هذا الباب فأما هاجر فقد جاء في التوراة ة في حقها ما لم يجئ في حق سارة وذلك أن ملاك الرب كلمها عن الله وأبلغها أمره مرتين أو أكثر فإذن هي نبية أو صديقة وفي أي موضع من التوراة جاء أن سارة نبية وأن اله أرسل إليها ملكا ليبلغها أمره ونهيه كما فعل بهاجر ولا شك أن من آتاه الله النبوة هو أفضل ممن لم يؤته إياها ولا يظن الجاهل أن هذا الكلام غض من منصب سارة رضي الله عنها بل هي صديقة مباركة وكل له مقام معلوم والحق أحق أن يتبع

234

ثم الذي يفضى منه العجب أنكم تعتقدون النبوة لمريم عليها السلام وليس لنبوتها في التوراة ولا في الإنجيل ذكر يدل على نبوتها ولا في كتب الأنبياء المتقدمين على زمان المسيح ثم تنكرون نبوة هاجر وتذمونها مع أنه قد جاءت نبوتها ومدحها في التوراة صريحا وهذا كله مما يدل على جهلكم وقلة توفيقكم وأنكم تتحكمون في الشرائع الآلهيه بأوهامكم وأما قولك واعلم كيف قطع الله ورث إسماعيل وأمه في قوله لا يرثك هذا اسكت يا جهول فلست تعرف ما تقول فما كان أجمل بك أن لو سترت عارك ولم تبد عوارك كيف تتحكم بما لا تعرف ولا تفهم ها أنت قد حرفت لفظ التوراة وغيرته وليس كما ذكرته كذبتك من أم الحويرث قبلها وإنما لفظ التوراة أن سارة قالت لإبراهيم أخرج هذه الأمة وإبنها لأن هذا ابن الأمة لا يرث مع إبني إسحق فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان إبنه فأين هذا من النص الذي ذكرت فيظهر لي أنك له اختلقت وهذا الذي ذكره الله في التوراة بزعمكم إنما هو حكاية عن قول سارة وليس حكاية عن الله ولو سلمنا أنه حكاية عن الله لما كان فيه دليل على ما زعمت وهو أن الله تعالى لم يجعل النبوة في نسل إسماعيل وأن الله قطعها عنه بل مفهومه وظاهره أن الذي منعه الله لإسماعيل إنما هو ميراث في إبراهيم وهو حظه في ماله وأعطاه إسحق وهذا السر نجيب يعز من يتنبه لأمثاله ولو كنت له محلا وأهلا لذكرناه لك فلسنا ممن يعلق الدر في أعناق الخنازير وكذلك في كون إسماعيل مخلوقا من نطفة إبراهيم في رحم هاجر مع كونها أمة وقد كان الله تعالى قادرا على أن يخلقه في رحم حرة وكذلك لأي معنى أخرجت هاجر على تلك الحال حتى استقرت هاجر مع إسماعيل بمكة وهذه كلها أسرار معلومة عند من نور الله بصيرته وحسن سريرته وأصلح عقيدته ونيته فإن كنت تريد

235

أن تظفر بأمثال هذه الأسرار فعجل إلى الله الفرار ولا تلهينك الدعة والقرار وإلا فأنت أسوأ حالا من الثور والحمار ومع ذلك فأجل الله آت وكل ما هو آت قريب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأما قولك حاكيا عن الله أنه قال لإبراهيم بإسحق يتسمى نسلك ولم يقل بإسماعيل يتسمى فلم يقل في التوراة يتسمى وإنما قال يذكر ثم قطعت الكلام عنا وسكت عما بعده ولو ذكرته لتبين أنك مبطل في كلامك وذلك أنه ذكر بعد هذا الكلام وإبن الأمة فإني أجعله أبا لشعب كثير لأنه ذريتك وقد تقدم ما قال الله فيه وأنه مفضل على إسحق وإن كانت أمه أمة وإنما قال الله لإبراهيم لأن نسلك إنا يذكر بإسحق بقرب زمان الأنبياء المنتسبين إليه ولكثرة عددهم والله أعلم ثم لو سلمنا أنه جاء في التوراة يتسمى كما ذكرت لكان معنى ذلك أن الله يسمى ذرية إسحق بإسم إبنه يعقوب الذي سماه الله إسرائيل ثم غلب عرف الإستعمال على ذرية إسحق فقيل عليهم بنو إسرائيل وغاية ما في هذا إعلام الله تعالى بأنهم يسمون بإسمه أو بإسم ولده وهذا أمر قريب وخطب يسير وإنما كان يكون لك في هذا متمسك لغرضك الفاسد لو قال النبوة في ولد إسحق وليست في ولد إسماعيل ولم يقل هكذا وإنما قال ما قد أسمعتك والذي به أخبرتك
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي

وأما قولك فتنسلت منه الأمة الذي قال فيها قرآنكم أشد كفرا ونفاقا ياهذا قد أغيبت في جهلك وسخفت في قولك حيث تركت ما قالته التوراة في نسله وعظيم حرمته وطوله وذكرت ما يدل على

236

جهلك وكثرة تواقحك وقلة فضلك ولأي شيء لم تذكر في نسله ما قال الله فيه في كتاب التوراة حيث قال فيه وفي نسله باركته وكثرته وأنميته جدا جدا يولد له إثنى عشرة عظيما وأجعله رئيسا عظيما لشعب عظيم فأنت يا جاهل قد صغرت ما عظم الله وذممت ما مدح الله فحاق عليك لذلك غضب الله فبادر لانقاذ نفسك قبل حلول رمسك وندمك على ما فرط لك في أمسك فها أنا قد نصحتك ورسولنا يقول لك قد أبلغتك ثم الذي قال فيهم قرآننا الأعراب أشد كفرا ونفاقا إنما أراد بهم قوما معينين وطائفة مخصوصين من أعراب البادية أهل جفاء وغلظة ردوا الحق بعد ظهوره وعاندوه حين وضوحه كما فعل أشياعكم من قبل ثم لا تظن أن قول الله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا أنه اراد منكم لأنكم أشد الناس كفرا وأعظم العقلاء عنادا وقد بينا ذلك فيما تقدم وإنما أراد الله لهذا المعنى وهو أعلم أن أعراب البادية أشد كفرا ممن كفر من عرب الحاضرة فلا تدخلون أنتم معهم تحت أفعل إلا كما يقال العسل أحلى من الخل ثم إن جاز ذم شعب أو قبيلة لأن بعضهم كفر أو فسق فأشد الناس كفرا ونفاقا بنو إسرائيل لكونهم عبدوا العجل والأصنام على ما هو المعروف من أحوالهم فالكافرون من أجدادكم على الحقيقة أشد الكافرين كفرا وأسوأهم طريقة وأما قولك والسلام على من اتبع الهدى وآمن بشريعة المسيح حقيقة الإيمان نحن والحمدلله أهل الهداية والهدى المؤمنين بشريعة المسيح المصطفى المحققون أنكم لستم على شيء منها بل على الضلالة والردى وقد بينا ذلك فيما تقدم بالبراهين القاطعة وبعد هذا نعقبها بالدلالات الصادعة بحول الله وقوته وقد نجز ما أردنا تتبعه على هذا السائل الجاهل بدينه الغافل ولو ذكرنا كل ما فيه من الفساد لخرج الكلام عن الضبط وبعد الفراغ منه نتكلم على ما وعدنا به من الكلام في النبوات ونذكر ما فيها من المباحثات بعون الله وتوفيقه

237


القسم الثاني

في النبوات وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
المقدمة الأولى

غرض هذه المقدمة أن نبين فيها معنى النبوة والرسالة والمعجزة وشروطها ووجه دلالتها فنقول لفظ النبوة والرسالة والمعجزة وشروطها ووجه دلالتها فنقول لفظ النبي والنبوة وما تصرف منه راجع إلى النبأ وهو الخبر تقول نبأت وأنبأت بمعنى أخبرت وخبرت وهذا مع لفظ نبئ بين وكذلك هو مع تسهيله على أصح الأقوال فإنه قد يكون أصل شيء من الألفاظ الهمز ثم يخفف الإسم منه كما قالوا خابية وهو من خبأت هذا أصح ما قيل في اشتقاق هذا اللفظ فإذا تقرر هذا فنبئ على أصل الوضع وزنه فعيل وفعيل يأتي في الكلام بمعنيين أحدهما فعيل بمعنى فاعل كما قيل رحيم بمعنى راحم وسميع بمعنى سامع والثاني فعيل بمعنى مفعول كما قيل رجيم بمعنى مرجوم وخصيب بمعنى مخصوب فعلى هذا يصح في نبي أن يكون بمعنى مخبر وبمعنى مخبر فعلى أصل الإشتقاق ووضع العرب كل من أخبر بشيء أو أخبر بشيء فهو نبي وعلى المتعارف بين المتشرعين إنما يطلقون إسم النبي على من كان مخبرا عن الله فأما أن يكلمه الله مشافهة وإما بواسطة ملاك وهذا هو عرف المتشرعين في النبوة وإلى هذا يرجع معناها فالنبئ عند عقلاء أهل الشرائع إنما هو حيوان ناطق مائت كامل في نوعه مخبر عن الله تعالى بحكم أو مشافهة إما بواسطة ملك أو ما تنزل منزلته

238

فقولنا حيوان ناطق أردنا به أن إنسانا باق على أصل إنسانيته لا يمتاز عن غيره من نوع الإنسان بوصف حقيقي وإن إمتاز بأوصاف عرضية عن غيره كالعلوم الخاصة بهم وصفات الكمال التي خصهم الله بها فذلك لا يخرجه عن كونه إنسانا ولأجل هذا المعنى كانت الرسل تقول لقومها إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وكذلك قال الصادق المصدوق إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي فجعل الفصل بينه وبين نوعه ما خص به من الوحي وقولنا مائت تنبيه على مآله لئلا يغلوا في بعضهم جاهلون كما فعلت النصارى فينسبونهم إلى ما لا يليق بمن يموت وقولنا كامل أعنى بذلك أن الأنبياء مجبولون على أتم صفات نوع الإنسان وذلك معلوم من أوصافهم وإن كانوا متفاوتين في ذلك وقولنا مخبر عن الله هذا القيد هو خاصته التي تفصله عن غيره من نوعه فإن لم يكن كذلك لم يقل عليه أنه نبي وقولنا إما مشافهة وإما بواسطة ملاك بحرز ممن يبلغه خير الله تعالى على ألسنة رسله فإنه ليس بنبي ولا يقال عليه بحكم العرف إنه نبي ولو جاز ذلك لجاز أن يقال نبي على كل متشرع سمع من رسوله خبرا عن الله وهذا لم يقله أحد وقولنا أو ما تنزل منزلته نريد به أن الأنبياء قد يتلقون الوحي على وجوه منها أن يكلمه الله مشافهة ومنها أن يرسل إليه ملكا يخبره عن الله ومنها أنه يلقى إليه الوحي في النوم ومنها أن الله تعالى يقذف في روعه ويلهمه إلهاما حتى لا يشك أن الأمر كذلك ويقطع به فإذا تقرر أن حقيقة النبوة ما ذكرناه وأن فضله الخاص به هو ما تحصل له من الأخبار عن الله فذلك الخبر أن أمر النبي بتبليغه لغيره فذلك النبي هو الذي يقال عليه رسول والرسالة هو الكلام المبلغ عن الله فلأجل هذا يصح أن يقال كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا

239

إذ الرسالة نبوة وزيادة وهذا بين بنفسه فإذا تقرر ذكل فهذا البشرى الذي يدعى أن الله أرسله إلينا لا بد أن يكون صادقا وذلك لا نعرفه بغير دليل فلا بد من دليل والدليل المتحدى به هو المعجزات ولا بد من النظر في حقيقتها وفي شروطها وفي وجه دلالتها فأما المعجزة فلفظ مأخوذ من الإعجاز وذلك أنك تقول عجز فلان عن كذا عجزا إذا لم يقدر عليه ولم يقم به وأعجزته إعجازا إذا جعلته يعجز وتقول أعجزني الشيء إذا فاتك ولم تقدر عليه وكلها راجعة إلى أن العاجز عن الشيء هو الذي لا يتمكن من الشيء ولا يقدر عليه ثم في تسمية هذه الأدلة التي تدل على صدق الأنبياء معجزات تجوز وذلك أن المعجز على التحقيق إنما هو خالق العجز وهذه الأسباب التي يقع العجز عندها تسمى معجزة بالتوسع وذلك من تسمة الشيء باسم غيره إذا جاوزه أو كان منه بسبب هذا شرح لفظ المعجزة فأما حقيقتها فهو أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة إنما قلنا أمر ولم نقل فعل ليشتمل بذلك على الفعل الخارق للعادة والمنع من الفعل المعتاد فلو قال نبي آيتي أنه لا يقدر أحد أن يتكلم اليوم فكان ذلك لكان ذلك دليلا على صدقه ويكون ذلك معجزة له مع أنه ليس إتيانا بفعل عرفي وإنما هو منع من فعل معتاد وإنما قلنا مقرون بالتحدي لئلا يتخذ الكاذب معجزة من تقدمه حجة لنفسه ولتتميز عن الكرامة وما في معناها وإنما قلنا مع عدم المعارضة لتتميز عن السحر والشعبذة وإذا حققت النظر فيما ذكرناه في حد المعجزة علمت شروطها لكن ينبغي لك أن تعرف أن المعجزة لا تكون دليلا إلا في حق من علم وجود الباري تعالى وأنه قادر عالم مريد موصوف بصفات الكمال حتى يتأتى منه الإرسال والتصديق والتكليف وإذا لم يعرف الناظر

240

هذه الأمور بأدلة عقليه لم يعرف المعجزة ولم يفده العلم بالتصديق للنبي وأما وجه دلالتها فهو أن المشاهد للمعجزة المتحدي بها إذا علمها وعلم شروطها علم على الضرورة أن الله تعالى قصد بذلك المعجز تصديق المدعي ويتبين هذا بمثال وذلك أنه لو فرضنا ملكا عظيما اجتمع له أهل مملكته في مجلسه وأهل المملكة مصغون لما يأمرهم به ذلك الملك فقام رجل من بين يديه وقال إني رسول هذا الملك إليكم وقد أمرني أن أبلغكم أمره ونهيه وأنا صادق في قولي هذا ثم يقول يا أيها الملك إن كنت صادقا فيما أقوله عنك فخالف عادتك وقم عن سريرك قياما تخالف به المعتاد من فعلك فإذا فعل الملك ذلك عند تحدي المدعى فإن أهل المجلس يضطرون إلى العلم بأن الملك قصد ذلك الفعل تصديقه ولا يعتريهم في ذلك ريب ولا توقف فتنزلت إذن تلك الأفعال بتلك الشروط منزلة قوله صدقت أنا أرسلتك وهذا بين بنفسه عند كل موفق منصف معلوم على القطع فإذا تقرر ذلك فمهما ادعى شخص الرسالة واستدل عليها بمثل ما ذكرناه كان محقا في دعواه صادقا في قوله لا يجوز لعاقل أن يتخلف عن متابعته سواء ادعى عموم رسالته أو خصوصها ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قد ادعى عموم رسالته واستدل على صدقه بالمعجزات على الشروط التي ذكرناها فهو صادق ولا يجوز لعاقل بلغه أمره أن يتخلف عن متابعته وتصديقه وسنذكر إن شاء الله بعض ما أمكن ذكره من معجزاته فإنه صلى الله عليه وسلم قد أيد بمعجزات كثيرة حتى إذا جمعت وتتبعت علم منها أن الله تعالى قد جمع له أكثر معجزات الأنبياء قبله وخصه بمعجزات لم يشاركه فيها غيره منهم وستقف إن شاء الله على أكثر ذلك فهذه المقدمة الأولى

241


المقدمة الثانية

وأما المقدمة الثانية فالغرض منها أن تتبين فيها أن عيسى عليه السلام ظهرت المعجزات على يديه وتحدى بها الخلق ليؤمنوا أنه رسول الله لا ليؤمنوا بأنه إله وأن النصارى غير عالمين بمعجزات عيسى عليه السلام إذ لم تتوافر عندهم فنقول وبالله التوفيق إن النصارى غايتهم أن يسندوا معجزات عيسى عليه السلام لما في أيديهم من الإنجيل وهو لم يتواتر نقله ولا أمن التحريف والغلط فيه على ما تقرر قبل وإذا كان هذا فكل ما في أيديهم من الأخبار عنه في الإنجيل لا تفيد العلم القطعي وغاية ذلك أن تفيد غلبة ظن والظن في الإعتقاد بمنزلة الشك بل هو شك فإذن هم من معجزات عيسى في شك وهم لا يشعرون بذلك الإفك ومما يدل على أنهم من كتابهم وشرعهم على غير علم ما استفاض في كتب التواريخ عندنا وعندهم وذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله تعالى دعا بني إسرائيل للإيمان فأجابه من شاء الله منهم فلما رفعه الله تعالى استحلى الناس كلامه بعد ذلك حتى بلغ عدد بني إسرائيل سبع مائة رجل فكانوا يجاهدون في بني إسرائيل ويدعون الى الايمان فقام بولش اليهودي وكان هو الملك في بنى اسرائيل فحشد عليهم الأجناد وخرج عليه وقاتلهم فهزمهم وأخرجهم من بلاد الشام حتى انتهى فلهم إلى الدروب فأعجزوه فقال بولش الملك لجنوده إن كلام هؤلاء لمستحلى وقد قدموا على عدوكم وسيرجعونهم في ملتهم فيكثرون علينا فيخروجون إلينا ويخرجوننا من بلاد الشام ولكني أرى لكم رأيا قالوا وما هو قال تعاهدوني على كل شيء كان خيرا أو شرا ففعلوا فترك ملكه ثم لبس لباسهم وخرج إليهم ليضلهم حتى

242

انتهى إلى عسكرهم فأخذوه وقالوا الحمدلله الذي أخزاك أمكن منك فقال لهم أجمعوا رؤوسكم فإنه لم يبلغ مني حمقي أن آتيكم وإلا ومعي برهان فأبلغوه رؤوسهم فقالوا مالك فقال إني لقيني المسيح منصرفي عنكم فأخذ سمعى وبصري وعقلي فلم أسمع ولم أبصر ولم أعقل ثم كشف عني فأعطيت الله عهدا أن أدخل في أمركم فأتيت لأقيم فيكم وأعلمكم التورا وأحكامها فصدقوه فأمرهم أن يبنوا له بيتا ويفرشوه رمادا ليعبد الله فيه بزعمه ويعلمهم التوراة ففعلوا وعلمهم ما شاء الله ثم أغلق الباب دونه فأطافوا به وقالوا نخشى أن يكون رأى شيئا يكرهه ثم فتحه بعد يوم فقالوا أرأيت شيئا تكرهه قال لا ولكني رأيت رأيا وأعرضه عليكم فإن كان صوابا فخذوه وإن كان خطأ فردوني عنه قالوا هات قال هل رأيتم سارحة تسرح إلا من عند ربها وتخرج إلا من حيث تؤمر به قالوا لا قال فإني رأيت الصبح والليل والشمس والقمر والبروج إنما تجيء من ها هنا وما أوجب ذلك إلا وهو أحق الوجوه أن يصل إليه قالوا صدقت فردهم عن قبلتهم ثم أغلق الباب بعد ذلك بيومين ففزعوا أشر من الأول وأطافوا به ففتحه فقالوا أرايت شيئا تكرهه قال لا ولكني رأيت رأيا قالوا هات قال ألستم تزعمون أن الرجل إذا أهدى إلى الرجل الهدية وأكرمه بالكرامة فردها شق ذلك عليه وأن الله تعالى سخر لكم ما في الأرض وجعل ما في السماء لكم كرامة فالله أحق أن لا ترد عليه كرامته فما بال بعض الأشياء حلال وبعضها حرام ما بين البقة إلى الفيل حلال قالوا صدقت ثم أغلق بعد ذلك ثلاثا ففزعوا أمثل من الثانية فلما فتح لهم قال لهم إني رأيت رأيا قالوا هات قال لنخرج كل من في البيت إلا يعقوب ونسطور وملكون والمؤمن ففعلوا فقال هل علمتم أحدا من الإنس خلق من الطين خلقا فجعله فصار نفسا قالوا لا قال فهل علمتم أن أحدا من الإنس

243

أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى قالوا لا قال هل علمتم أن أحدا من الإنس ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم قالوا لا قال فإني أزعم أن الله تعالى تجلى لنا ثم احتجب فقال بعضهم صدقت وقال بعضهم لا ولكنه ثلاثة والد وولد وروح القدس وقال بعضهم الله وولده وقال بعضهم هو الله تجسم لنا فافترقوا على أربع فرق فأما يعقوب فأخذ بقول بولش إن الله هو المسيح وأنه كان ثم تجسم وبه أخذت شيعته وهم اليعقوبية وأما نسطور فقال المسيح ابن الله على جهة الرحمه وبه أخذت شيعته وهم النسطورية إلا أن شيعته لم تعتقد أنه سمى إبنا على جهة الرحمة بل على ما تقدم وأما ملكون فقال إن الله ثلاثة وبه أخذت شيعته وهم الملكية الذين قالوا إن الله ثلاثة أقانيم فقام المؤمن وقال لهم عليكم لعنة الله والله ما حاول هذا إلا إفسادكم ونحن أصحاب المسيح قبله وقد رأينا عيسى وسمعنا منه ونقلنا عنه والله ما حاول هذا إلا ضلالتكم وفسادكم فقال بولش للذين اتبعوه قوموا بنا نقاتل هذا المؤمن ونقتله هو وأصحابه وإلا أفسد عليكم دينكم فخرج المؤمن إلى قومه وقال أليس تعلمون أن المسيح عبد الله ورسوله وكذا قال لكم قالوا بلى قال فإن هذا الملعون قد أضل هؤلاء القوم فركبوا في أثرهم فقاتلوهم فهزم المؤمن وأصحابه وكان أقلهم تبعا فخرج مع قومه إلى الشام فأسرتهم اليهود فأخبروهم الخبر وقالوا إنما

244

خرجنا إليكم لنأمن في بلادكم ومالنا في الدنيا من حاجة إنما نلزم الكهوف والصوامع ونسيح في الأرض فخلوا عنهم ثم إن قوما من أولئك الذين كفروا فعلوا مثل ما فعل قوم المؤمن اتخذوا الصوامع وساحوا وأظهروا البدعة فهو قول الله عز وجل ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها يعني التوحيد اختلفوا فيه إلا فرقة المؤمن وفيهم نزلت فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين بالجهة وظهور محمد صلى الله عليه وسلم وكان هرب المؤمنين منهم إلى جزيرة العرب فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثون راهبا فآمنوا به وصدقوه وتوفاهم الله على الإسلام كان هذا والله أعلم بعد المسيح بأربعين سنة أو نحوها ثم لم يزل أمر المؤمن وأصحابه خفيا وغيرهم من الفرق مختلفون ويتهارجون ولم يستقر لهم قدم إلى مدة قسطنطين قيصر الملك ابن هيلانة وذلك بعد رفع المسيح بمائتين وثلاثة وثلاثين سنة وذلك انه كثر عدوه وكاد ملكه يذهب بإختلاف رعاياه عليه وضعفهم وكسلهم عن نصرته فرام حملهم على شريعة ينظم بها سلكهم ويؤلف بها متفرقهم فاستشار من لديه من أهل النظر فوقع اختيارهم على أن يتعبد القوم بطلب دم ليكون ذلك أقوى لارتباطهم معه وأوكد لجدهم في نصره فوجدوا اليهود يزعمون أن في بعض تواريخهم خبرا عن رجل منهم هم أن ينسخ حكم التوراة وينفرد بالتأويل فيها فعمدوا إليه وهو في نفر ممن اتبعه وظفروا بواحد

245

منهم وشهد لديهم رجل واحد أنه ذلك المطلوب فصلبوه وما عندهم تحقيق لكونه ذلك المطلوب بعينه إلا فقدهم إياه من حينئذ فعند ذلك عمد قسطنطين إلى من ينسب إلى دين المسيح فوجدهم قد اختلفت آراؤهم ومزجت أديانهم فاستخرج ما بقى من رسم الشريعة المنسوبة للمسيح وجمع عليها وزراءه فأثبت ما شاء منها وتحكم فيها بإختياره حسب ما رآه موافقا له بالصلوبية لتعبد قومه بطلب دم والقول بترك الختان لأنه شأن قومه ثم أكد ذلك وشده بمنامة إختلقها وادعى أنه أوحى إليه فيها وذلك أول شيء أظهره من هذا الأمر فجمع أنصاره ورعاياه من الروم وذلك على رأس سبع سنين من مدة ملكه وقال لهم إنه كان يرى في منامه آتيا أتاه فقال له بهذا الرسم تغلب وعرض عليه هيئة الصليب فأعظمت ذلك العامة وإنفعلت لما سمعت منه ثم بعث إلى إمرأة في ذلك الزمان يقال لها الأنه كاهنة وكانت ذات جأش وقوة فشهدت له أنها رأت مثل ما رأى فقوى تصديق العامة لذلك وفي هذا كله لا يعلمون لذلك الرسم تأويلا ولا كان قسطنطين كشف لهم شيئا من أمره فخرج بهم إلى عدوه ووعظ قومه وهول عليهم أمر الرسم فحصل له كل ما أراده من جد القوم وإجتهادهم معه فلما عادوا إلى أوطانهم بعد الظفر بعدوهم سألوه عن تأويل ذلك الرسم وألحوا عليه فيه فقال لهم قد أوحى إلى في نومي أنه كأن الله تبارك وتعالى هبط من السماء إلى الأرض فصلبته اليهود فهالهم ذلك كثيرا مع ما حصل عندهم من تصديقه وعظم عليهم الخطب فيه فإنقادوا إلى قسطنطين إنقيادا حسنا وصح له منهم ما أراده وشرع لهم هذه الشرائع التي بأيديهم اليوم أو أكثرها

246

وقد ظهر لجماعة من أهل العلم بأحوال الأمم وبنوازل الأزمان أن هذا الشخص الذي تعظمه النصارى وتصفه بالإلهية لم يكن له وجود في العالم ولكن قسطنطين إبتدع ذلك كله واتفق مع نفر من اليهود من أحبارهم على أن يبذل لهم من متاع الدنيا ما شاءوا ويشهدون له عند قومه بأن ذلك الشخص كان عند اليهود فصلبته ففعلوا وكتبوا من أخباره شيئا فتلقت ذلك النصارى وقبلوه ودانوا به ولعله أكثر الإنجيل الذي بأيديهم اليوم ولتعلم أن هذه الأخبار التي ذكرناها لا يمكنهم إنكار جملتها وإن أنكروا بعض تفاصيلها لكون هذه القصص معروفة على الجملة عندهم فإنهم لا يقدرون على جحد محاربة بولش اليهودي وإجلاؤهم من الشام ودخول بولش في دينهم وكذلك ملك قسطنطين مما لا ينكرون أشهاره لكتبهم ثم لو قدرنا أن هذه الوقائع لم تعلم صحتها ولا كذبها فشرعهم قابل لأمثالها فإن معظم معتمدهم في أمور دياناتهم إنما هو الإنجيل ونقله غير متواتر لا سيما والأحداث عندهم في أكثر الأحيان بمنامات يدعونها يجعلونها أصولا يعولون عليها وبمحافل يجتمعون فيها فيتحكمون بآرائهم

247

ولا يستندون لشيء من كتبهم ولا لشيء من كلام أنبيائهم وإن شئت أن ترى هذا عيانا فانظر كتب إجتماعاتهم ومحافلهم فإنهم ينحشدون لمواضع مخصوصة في أحيان مخصوصة ويخترعون فيها أحكاما وأمورا لا مستند لهم ولا أصل إلا بالتحريم على المآكل والتحكم في العامة بفارغ الأقاويل وسنبين ذلك إذا ذكرنا جملا من أحكامهم وإذا كان هذا مبنى شريعتهم فكيف يوثق بشيء من ترهاتهم فإذا تقرر ذلك فلتعلم أن أتخاذهم المسيح إلها إنما سببه ما سبق ذكره ولا يقدرون على أن ينسبوا شيئا من ذلك إلى عيسى عليه السلام بل قد نقلوا عنه في إنجيلهم ما يدل دلالة قاطعة من حيث اللفظ على أنه إنما ادعى النبوة وعليها استدل بمعجزاته وفي دعواه النبوة كذبته اليهود ونحن الآن نسرد بعض ما وقع في إنجيلهم من دعواه الرسالة بحول الله سبحانه من ذلك ما جاء في الإنجيل عنه أنه قال حين خرج من السامرية ولحق بجلجال أنه لم يكرم أحدا من الأنبياء في وطنه وفي إنجيل لوقا أنه لم يقبل أحد من الأنبياء في وطنه فكيف تقبلونني وهذا نص لا يقبل التأويل في أنه إنما ادعى النبوة المعلومة وفي إنجيل ماركش أن رجلا أقبل إلى المسيح وقال له أيها المعلم الصالح أي خير أعمل لأنال الحياة الدائمة فقال له المسيح لم قلت لي صالحا إنما الصالح الله وحده وقد عرفت الشروط وذلك ألا تسرق ولا تزنى ولا تشهد بالزور ولا تخون وأكرم أباك وأمك

248

وفي إنجيل يوحنا أن اليهود لما أرادت القبض عليه وعلم بذلك رفع بصره إلى السماء وقال قد دنا الوقت يا إلهي فشرفني لديك وإجعل لي سبيلا إلى أن أملك كل من ملكتني الحياة الباقية وإنما الحياة الباقية أن يؤمنوا بك إلها واحدا وبالمسيح الذي بعثت فقد عظمتك على أهل الأرض واحتملت ما أمرتني به فشرفني لديك وفي إنجيل متى أنه قال لتلاميذه لا تنسبوا أباكم على الأرض فإن أباكم الذي في السماء وحده ولا تدعوا معلمين فإن معلمكم المسيح وحده فقوله لا تنسبوا أباكم على الأرض أي لا تقولوا أنه على الأرض ولكنه في السماء ثم أنزل نفسه حيث أنزله الله تعالى فقال ولا تدعوا معلمين فإن معلمكم المسيح وحده فها هو قد سمى نفسه معلما في الأرض وشهد أن الههم في السماء واحد ونهاهم أن ينسبوه لإلهية وفي إنجيل لوقا أنه حين أحيا الميت بباب مدينة نايين حين أشفق لأمه لشدة حزنها عليه قالوا إن هذا النبي لعظيم وإن الله قد تفقد أمته ولم يقولوا إن هذا إله عظيم وفي إنجيل يوحنا أن عيسى قال لليهود لست أقدر أن أفعل من ذاتي شيئا لكني أحكم بما أسمع لأني لست أنفذ إرادتي بل إرادة الذي بعثني وفي إنجيله أيضا أنه أعلن صوته في البيت وقال لليهود قد عرفتموني موضعي فلم آت من ذاتي ولكن بعثني الحق وأنتم تجهلونه فإن قلت إني أجهله كنت كاذبا مثلكم وأنا أعلم أني منه وهو بعثني

249

فانظر كيف أخبر عن نفسه أنه معلوم عند اليهود وأخبر عن الله أن اليهود لا تعرفه وقال إنه لم يأت من ذاته ولكن الله بعثه وهكذا كانت دعوة من قبله من الأنبياء عليهم السلام وحاشاهم أن ينتسبوا إلى ما ينفرد به ذو الجلال والإكرام وفي الإنجيل أيضا أنه قال لليهود بعد خطاب طويل مذكور في الإنجيل حين قالوا له إنما أبونا إبراهيم فقال إن كنتم بني إبراهيم فاقفوا أثره ولا تريدوا قتلي على أني رجل أديت إليكم الحق الذي سمعه من الله غير أنكم تقفون أثر آبائكم قالوا لسنا أولاد زنا إنما نحن أبناء الله فقال لو كان الله أباكم لحفظتموني لأني رسول منه خرجت مقبلا ولم أقبل من ذاتي وهو بعثني لكنكم لا تقبلون وصيتي وتعجزون عن سماع كلامي إنما أنتم أبناء الشيطان وتريدون إتمام شهواته إلى كلام كثير وفيه أيضا أنه كان يمشي يوما فأحاطت به اليهود وقالوا إلى متى تخفى أمرك إن كنت المسيح المنتظر فأعلمنا بذلك ولم تقل له إن كنت إلها لأنه لم تعلم من دعواه ذلك ولا إختلاف عند اليهود أن الذي ينتظرونه إنما هو إنسان نبي ليس بإنسان إله كما تزعمون وفي الإنجيل أيضا عنه أن اليهود أرادوا القبض عليه فبعثوا لذلك الأعوان وأن رجعوا إلى قوادهم فقالوا لهم لم لم تأخذوه قالوا ما سمعنا آدميا أنصف منه فقالت اليهود وأنتم أيضا مخدوعون أترون أنه آمن به أحد من القواد أو من رؤساء أهل الكتاب إنما آمن به من الجماعة من يجهل الكتاب فقال لهم نيقوديموس أترون أن كتابكم يحكم على أحد قبل أن يسمع منه فقالو له اكشف الكتب ترى أنه لا يجيء نبي من جلجال

250

فما قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل لهم نفسه منزلة نبي فقط ولو علمت من دعواه الإلهية لقاتلته يومئذ ومثل هذا كثير في إنجيلهم لو ذهبت أذكره لطال أمره وقد تقدم من كلام أشعياء أن الله تعالى قال في المسيح هذا غلامي المصطفى وحبيبي الذي ارتضت به نفسي ومن كلام عاموس النبي أن الله قال على لسانه ثلاثة ذنوب أقيل لبني إسرائيل والرابعة لا أقيلها بيعهم الرجل الصالح ولم يقل بيعهم إياي ولا قال بيعهم إلها متساويا معي فهذا المبيع لا يخلو أما أن يكون هو المسيح كما تزعمون فقولوا فيه كما قال الله أنه رجل صالح ولا تقولوا إنه إله معبود وأما أن يكون المبيع غيره فهو الذي شبه لليهود فابتاعوه وصلبوه ويلزمكم إنكار صلوبية المسيح وهو كفر عندكم وقد كررنا هذا المعنى في هذا الكتاب مرارا لكون النصارى على إختلاف فرقهم يعتقدون له الإلهية على إختلاف في كيفية ذلك كما تقدم وحتى لقد ذهبت طائفة منهم إلى مقالة لم يسمع قط في أكناف العالم وأطرافه من اجترأ على التفوه بها ونحن نستغفر الله قبل حكايتها ونتبرأ إلى الله من مذاهبهم الفاسدة ومن القائل بها وذلك أنى وقفت على رسالة بعض الأقسة كان بطليطلة نسبه من القوط قال فيها هبط الله بذاته من السماء والتحم ببطن مريم ثم قال وهو الإله التام والإنسان التام ومن تمام رحمته على الناس أنه رضى بهرق دمه عليهم في خشبة الصليب فمكن اليهود أعداءه من نفسه ليتم سخطه عليهم فأخذوه وصلبوه وغار دمه في إصبعه لأنه لو وقع منه شيء في الأرض ليبست إلا شي وقع فيها فيبست في موضعه النوار

251

لأنه لم يمكن في الحكمة الأزلة أن ينتقم الله من عبده العاصي آدم الذي ظلمه واستهان بقدره فلم يرد الله الإنتقام منه لإعتلاء منزلة السيد وسقوط منزلة العبد أراد أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح الذي هو إله مساو معه فانظره تواقح هذا القائل وإستخفافه بحق الله تعالى وجهله وتناقضه وحمقه فوالله لو حكى مثل هذا القول السخيف عن مجنون أو موسوس لما كان يعذر بقوله ولبودر بضربه وقتله حتى لا يجترئ على مثله ونحن نربأ بأكثر المجانين والموسوسين أن يتقولوا بهذا المذهب الغث الهجين أو ينتحلوا ركاكة هذا الدين السقيم إلا أن يكون مستغرقا في الوسوسة والجنون فالحمق أنواع والجنون فنون وعند الوقوف على هذا المذاهب القبيحة والأوهام يتبين فضل دين الإسلام ويتحقق معنى قول النبي عليه السلام إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى ينفذه فيهم وفي مثل هذا الضرب المثل إذا جاء البين صم الأذن وعمى العين والحمدلله الذي أعاذنا من هذه الرذائل وتفضل علينا بدين الحنيفية الذي خص بكل الفضائل التي يقبلها بفطرته الأولى كل عاقل ويستحسنها كل ذكي فاضل فقد تحصل من هاتين المقدمتين معنى النبوة وبيان شروطها وأن عيسى عليه السلام نبي ورسول إذ قد كملت فيه شروط الرسالة وأنه ليس باله وأن النصارى ليسوا عالمين بشيء من أحوال المسيح ولا من معجزاته على اليقين والتفصيل وغايتهم أن يعلموا أمورا جملية لكثر ة تكرار هذا المعنى عليهم ثم تلك الأخبار التي يتحدثون بها عن المسيح وتتكرر عليهم لو كلفوا أن يسندوا شيئا منها لغير الإنجيل كما ينقل متواترا لما استطاعوا شيئا من ذلك ولا وجدوا إليه سبيلا ومما يؤيد هذا المعنى ويوضحه أن اليهود كانوا رهطه وكفلته

252

وعندهم نشأ وهم يخالفونكم في كثير مما تنسبون إليه ولا يوافقونكم على نقلها ومن ذلك أن اليهود تزعم أنهم حين أخذوه حبسوه في السجن أربعين يوما وقالوا ما كان ينبغي لنا أن نحبسه أكثر من ثلاثة أيام إلا أنه كان يعضده أحد قواد الروم لأنه كان يداخله بصناعة الطب وفي إنجيلكم أنه أخذ صبح يوم الجمعة وصلب في الساعة التاسعة من اليوم بعينه وكذلك تزعم اليهود كلهم أنه لم يظهر له معجزة ولا بدت لهم منه آية غير أنه طار يوما وقد هما بأخذه فطار على أثره أحد منهم فعلاه في طيرانه وتوله فسقط إلى الأرض بزعمهم ومواضع كثيرة من إنجيلكم تدل على ما قالته اليهود من أنه لم يأت بآية فمن ذلك أن اليهود قالت له ما آيتك التي ترينا ونؤمن بك وأنت تعلم أن آباءنا قد أكلوا المن والسلوى في المفاز فقال إن كان أطعمكم موسى خبزا بالمفاز فأنا أطعمكم خبزا سماويا يريد نعيم الآخرة فلو عرفت اليهود له معجزة لما قالت ذلك ثم لم يجبهم على قولهم بمعجزة ولا آية وفي إنجيلكم أن اليهود جاءوا يسألونه آية فقذفهم وقال إن القبيلة الفاجرة الخبيثة تطلب آية ولا تعطى ذلك وفيه أيضا أنهم كانوا يقولون له وهو على الخشبة بظنكم إن كنت المسيح فأنزل نفسك نؤمن بك يطلبون منه بذلك آية فلم يفعل

253

ومثل هذا كثير فيه ثم إن اليهود عندهم من الإختلاف في أمره ما يدل على عدم يقينهم بشيء من أخباره فمنهم من يقول إنه كان رجلا منهم يعرفون أباه وأمه وينسبونه لزانية وحاشى لله كذبوا ويسمون أباه للزنية البندير الرومي وأمه مرم الماشطة كذبوا لعنهم الله ويزعمون أن زوجها يوسف لما رأى البندير عنها على فراشها وتشعر بذلك فهجرها وأنكر إبنها ومنهم من يقول أنه لم يتولد من غير أب وينكره ويقول إنما أبوه يوسف بن يهوذا الذي كان زوجا لمريم ثم إن اليهود لعنهم الله أطبقت على إطلاق الذم عليه ثم اختلفوا في سبه فمنهم من قال ما تقدم ومنهم من ذكر سبا آخر وهو أنهم زعموا أنه كان يوما مع معلمه يهوشوع بن برخيا وسائر التلاميذ في سفر فنزلوا موضعا وجاءت إمرأة من أهله وجعلت تبالغ في كرامتهم فقال يهوشوع ما أحسن هذه المرأة يريد فعلها فقال عيسى بزعمهم لعنهم الله لولا عمش في عينيها فصاح يهوشوع وقال له ما ممزار ترجمته يا زنيم أتزنى بالنظر وغضب عليه عضبا شديدا وعاد إلى بيت المقدس وحرم باسمه ولعنه في أربع مائة قرن قالوا فحينئذ لحق بزعمهم ببعض قواد الروم وداخله بصناعة الطب فقوى لذلك بزعمهم على اليهود وهم يومئذ في ذمة قيصر تباريوش وجعل يخالف حكم التوراة ويستدرك عليها ويعرض عن بعضها إلى أن كان من أمره ما كان ومنهم من يقول إن ذلك إنما أطلق عليه لأنه كان يوما يلاعب الصبيان في صغره بالكرة فوقعت له بين جماعة من مشايخ اليهود فضعف الصبيان عن استخراجها من بينهم حياء من المشائخ فقوى عيسى وتخطى رقابهم وأخذها فقالوا له ما نظنك إلا زنيما فأمضيت عليه هذه الشتيمة وكذلك يختلف في صنعة أبيه الذي تقولون أنتم فيه خطيب

254

أمه فمنهم من يقول يوسف النجار وبعضهم يقول إنما هو الحداد وكذلك تختلفون أنتم في إسم أبيه فبعضكم يقول يوسف بن يعقوب وبعضكم يقول يوسف بن هالى وكذلك اختلفتم أنتم في آبائه وفي عدده فمنكم من يقلل ومنكم من يكثر على ما تقدم فهذا الإختلاف الكثير والإضطراب البين الشهير يدل على أنكم واليهود في شك منه وأنه لم يثبت عندكم خبر متواتر عنه وإنما هي ظنون كاذبة وأوهام راتبة وسنبين مداخل الشك والأوهام عليهم في قولهم بصلوبيته ونبين أن اليهود والنصارى في قولهم بصلبه كاذبون وأنهم في ريبهم يترددون فلولا أن من الله علينا بفضله علينا وعليكم معاشر النصارى بأن بعث إلى الجميع سيد المرسلين لبقى الجميع من أمر عيسى حيارى فنزه الله المسيح وأمه على لسان نبيه مما قالته اليهود فيهما من الأقوال الوخيمة ونسبوه لها من الهجاء والشتيمة وكما شهد ببراءة المسيح وأمه مما نسبته اليهود إليهما كذلك شهد ببراءتهما مما نسبتموهما أنتم إليه وتقولتموه عليهما وذلك أن منكم طائفة يقولون إن مريم إله وقد أطبقتم على أن المسيح إله وإبن الإله ونبينا عليه السلام يقول مخبرا عن الله سبحانه وتعالى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة فإذا سمع القائل قوله فيهما علم بعقله أن ذلك القول هو الحق وإن كان ممن طالع الزبور علم أن دعاء داوود مستجاب ومقاله صدق وذلك أن في الزبور أن الله تعالى قال لداوود سيولد لك ولد أدعى له أبا ويدعى لي إبنا فقال

255

اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر فاعتبر قول داوود حين أفزعه ذلك وراعه كيف دعا إلى الله أن يبعث جاعل السنة الذي يعلم الناس أن ذلك الولد المدعو إنما هو بشر وكذلك قال المسيح على ما حكاه إنجيلكم اللهم ابعث البارقليط ليعلم الناس أن ابن الإنسان بشر والبارقليط بالرومية هو محمد بالعربية فلما ضللتم وتفوهتم بذلك وراغمتم أدلة العقول وكلام الأنبياء المنقول بعث الله جاعل السنة وكاشف الغمة محمدا صلى الله عليه وسلم فأعلم الناس أنه بشر ليس بإلاه ولا ابن إله فقال مبلغا عن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون وقال تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ونذكر الآن هنا خبر النجاشي ليكون منبهة للعاقل ومردعة للجاهل وذلك أن الله تعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم اتبعه جماعة ممن نور الله قلبه وشرح للإسلام صدره وذلك في أول الأمر فآمنوا به والتزموا شرعه وأحكامه فكان كفار قريش والمخالفون لهم في أديانهم يؤذونهم ويعذبونهم يرومون بذلك ردهم عن دينهم كما قد فعل بأتباع الأنبياء قبلهم فلما أشتد عليهم الأمر شكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يهاجروا إلى أرض الحبشة ووعدهم بأن يجعل الله من أمرهم فرجا وأخبرهم أن بها ملكا عظيما لا يظلم عنده أحد ففعلوا فقدموا على النجاشي وإسمه أصحمة وكان على صميم دين النصرانية

256

فلما قدموا عليه استقر بهم المنزل ووجدوه خير منزل فأقاموا هنالك دينهم واغتبط النجاشي بصحبتهم وهم بجواره فلما رأى كفار قريش أن قد وجدوا بأرض النجاشي أمنا ودعة وجهوا إثنين منهم وأصحبوهما هدايا جليلة إلى النجاشي وأقسته وطلبوا منه ومن أساقفته أن يسلمهم لهما فلما قدما أرض النجاشي دفعا لأقسته هداياهم وطلبا منهم أن يعينوهما على ردهم معهما وإسلامهم لقومهما ثم دفعا للنجاشي هديته وقالا له أيها الملك قد ضوا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين ابتدعوه لانعرفه نحن ولا أنت وقد بعث 4 نا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعل بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهم فغضب النجاشي ثم قال لا والله لا أسلمهم إليهما أبدا ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي لا أسلمهم حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل كافة فكلمه جعفر بن أبي طالب فقال أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي الضعيف فكنا على هذا حتى بعث الله إلينا رسولا نعرفه ونعرف نسبه وأمانته وصدقه وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات

257

وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به وإتبعناه على ما جاء به عن الله فعدى علينا قومنا وعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك وإخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك فقال النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء فقال له جعفر نعم فقال اقرأه فقرأ عليه جعفر صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضوا لحاهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد فلما خرجا من عنده وقد يئسا من مرادهما قال أحدهما وهو عمرو بن العاص لآتينه عنهم غدا بما يهلكهم لأجله ثم غدا عليه من الغد فقال أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم ليسألهم قالوا ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم قالوا نقول والله ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما كان فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى ابن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاءنا به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قال فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم ثم ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم شيوم ترجتمه آمنون

258

فهذا قول أهل العلم من قبلكم العارفين بشريعتكم وما عدا ذلك فشجرته عثاء وأوضار اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار وسيأتي إن شاء الله تعالى قول هرقل اثر هذا الباب إن شاء الله تعالى كمل الجزء الثاني والحمدلله وحده انتهى الجزء الثاني من كتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة السلام ويليله الجزء الثالث بإذن الله وأوله أنواع القسم الثاني في إثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام

259

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام تأليف الإمام القرطبي تقديم وتحقيق وتعليق الدكتور أحمد حجازي السقا
الجزء الثالث



260



261


أنواع القسم الثاني

في إثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام نقول إن محمد بن عبدالله العربي القرشي الهاشمي الإسماعيلي رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر به عن الله تعالى ولا يجوز عليه شيء من الكذب ونستدل على ذلك بأدلة صادعة وبراهين قاطعة أصولها أربعة الأول أنواع أخبار الأنبياء قبله ووصفهم له في كتبهم الثاني النظر في قوانين أحواله الثالث الكتاب العزيز الرابع ما ظهر على يديه من خوارق العادات فهذه أربعة أنواع

262



263


النوع الأول

من الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إخبار الأنبياء به قبله وإنما قدمنا هذا النوع وإن كان غيره أولى بالتقديم لكون الأنبياء الخبيرين بعلاماته متقدمين عليه في الزمان ولكون هذه البشائر كانت معروفة قبل مجيئه ولكون السائل الذي كتبنا هذا الكتاب جوابه لم يطلب منا بجهله إلا الإستدلال بما جاء في كتب الأنبياء وليكون هذا الباب مؤنسا له وباعثا على النظر فيما بعده ولتعلم أن الإستدلال بهذا النوع لا ينتفع به إلا من صدق بتلك الكتب وتواترت عنده ومن خلى عن شيء من ذلك لا ينتفع بشيء منها ولا يستدل بها عليه وأما ما بعد هذا النوع فيستدل به على كل من أنكر نبوته من سائر الفرق فأما هذا النوع فإنما هو حجة على اليهود والنصارى لإدعائهم أن تلك الكتب تواترت عندهم وهذا النوع عندنا على التحقيق إنما هو داخل في باب الإلزامات لهم ليظهر عنادهم وإفحامهم ثم لتعلم أنا إنما نذكر أخبار الأنبياء المبشرة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من كتبهم التي بأيديهم وعلى ما ترجمها مترجموهم من غير زيادة ولا نقصان فمن ذلك ما جاء في التوراة أن الله قال لموسى بن عمران إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبي مثلك أجعل كلامي على فيه فمن عصاه انتقمت منه فإن قلت إن ذلك إنما هو يشوع بن نون قلنا لا

264

فقد قال في آخر التوراة لا يخلف من بني إسرائيل نبي مثل موسى فلا محالة أن ذلك الذي بشرت به التوراة لا يكون من بني إسرائيل لكن من إخوة بني إسرائيل فلننظر من هم إخوة بني إسرائيل فلا محالة أنهم العرب أو الروم فأما الروم فلم يكن منهم نبي سوى أيوب وكان قبل موسى بزمان فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة فلم يبق إلا العرب فهو إذن محمد عليه السلام وقد قال في التوراة حين ذكر إسماعيل جد العرب أنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته فكنى عن بني إسرائيل بإخوة إسماعيل كما كنى عن العرب بإخوة بني إسرائيل في قوله إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبي مثلك ويدل على ذلك أيضا قوله أجعل كلامي على فيه فإن هذا تصريح بالقرآن إذ هو كلام الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتلقيناه من فلق فيه ويدل أيضا على ذلك قوله من عصاه انتقمت منه إذ قد فعل الله ذلك بصناديد قريش وعظماء ملوك الروم وغيرهم فهم بين أسير وقتيل ومعطى الجزية على وجه الصغار والذلة ولعذاب الآخرة أشق ومن ذلك ما جاء فيها أنه قال وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبار فاران ومعه جماعة من الصالحين

265

فمجيئه من جبل سيناء أن الله أنزل فيه التوراة وكلم عليه موسى وإشراقه من جبل ساعير أن دين المسيح إنما أشرق من جبال ساعير وهي جبال الروم من أدوم وإستعلانه من جبال فاران أن الله تعالى بعث منها محمدا صلى الله عليه وسلم وأوحى إليه فيها ولا اختلاف أن فاران مكة وقد قال في التوراة إن الله أسكن هاجر وإبنها إسماعيل فاران وفي بعض التراجم أقبل السيد من سيناء ومن شعير تراءى لنا وأقبل من جبال فاران ومعه آلاف من الصالحين ومعه كتاب ناري وهو ختم الأجناس وجميع الصالحين في قبضته ومن تدانى من قدميه يصب من علمه ففكر على إنصاف وتثبت من الجائي المقبل من جبال فاران مع الآلاف من الصالحين ومن جاء بالكتاب الذي ما منه سورة لا وفيها الوعيد على المخالف بالنار وعذابها وأنكالها وأغلالها ومن ذلك ما جاء فيها أيضا أن الله قال لإبراهيم قد استجبتك في إسماعيل وباركته وكثرته وأنميته جدا جدا يولد له اثنا عشر عظيما وأجعله لشعب عظيم ولا يشك في أن الشعب العظيم هو محمد عليه السلام وأمته إذ لم يكن في ولد إسماعيل أعظم منهم وقد تفطن بعض النبهاء ممن نشأ على لسان اليهود وقرأ بعض كتبهم فقال في التوراة موضعان يخرج منهما إسم محمد بالعدد على ما تستعمله اليهود فيما بينهم ثم ذكر ما قدمته من قول الله لإبراهيم قد استجبتك في إسماعيل

266

فأما قوله جدا جدا فهو بتلك اللغة بمأد ماد وعدد هذه الحروف إثنان وتسعون وذلك أن الباء عندهم إثنان والميم أربعون والألف واحد والدال أربعة والميم الثانية أربعون والألف واحد والدال أربعون وكذلك الميم من محمد أربعون والحاء ثمانية والميم أربعون والدال أربعة وأما قوله لشعب عظيم فهو بتلك اللغة لغوي غدول فاللام عندهم ثلاثون والغين ثلاثة وهي عندهم مقام الجيم إذ ليس في لغتهم جيم ولا ضاد والواو ستة والياء عشرة والغين أيضا ثلاثة والدال أربعة والواو ستة واللام ثلاثون فمجموع هذه أيضا إثنان وتسعون وهذا من رشيق الفهم وملح البحث وغرائب العلم وفي التوراة ايضا أن ملاك الرب قال لهاجر ستلدين إبنا وتدعين إسمه إسماعيل يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته ولا محالة أن إسماعيل وولده لم تكن أيديهم إلا تحت يد إسحق لأن النبوة والملك إنما كانا في ولد إسحق فلما بعث الله تعالى محمدا جعل يد بني إسماعيل فوق أيدي الجميع ورد النبوة والملك فيهم وأنماهم وعظمهم وبارك عليهم جدا جدا ومن ذلك ما جاء في الزبور الذي بأيديكم أنه قال سبحوا الرب تسبيحا حديثا سبحوا الذي هيكله الصالحون ليفرح إسرائيل بخالقه وبنو صهيون من أجل أن الله اصطفى لهم أمة وأعطاهم النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة يسبحون الله على مضاجعهم ويكبرونه بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقم الله بهم من الأمم الذين لا يعبدونه يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال

267

أخبرونا يا هؤلاء الجاحدون للحق المعرضون عن أخبار الصدق من هذه الأمة التي سيوفها سيوف ذوات شفرتين ينتقم الله بهم من الأمم الذين لا يعبدونه ومن المبعوث بالسيف من الأنبياء ومن الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في الأذان هذه أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم وأوصاف أمته بلا ريب ولا رجم غيب وفي الزبور أيضا ذكر صفة محمد صلى الله عليه وسلم فقال ويجوز من البحر إلى البحر ومن منقطع الأنهار إلى منقطع الأنهار وأنه يخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم ويلحس أعداؤه بالتراب وتأتيه ملوك بالقرابين وتسجد له وتدين له الأمم بالطاعة والإنقياد لأنه يخلص المضطهد البائس من الأقوى منه وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويرأف بالضعفاء والمساكين وأنه يعطى من ذهب بلاد سبأ ويصلي عليه في كل وقت ويدوم أمره إلى آخر الدهر تأمل أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم فهي على ما ذكر ما غادر منها واحدا ولم تجتمع هذه الصفات والعلامات لأحد قبله على ما هو معروف من أحوال الأنبياء المتقدمين عند العلماء المنصفين غير الجاهلين المتعصبين وفي الزبور أيضا أن الله تعالى أظهر من صهيون أكليلا محمودا فالأكليل ضرب مثل لرياسته ومحمود هو محمد صلى الله عليه وسلم وقد بلغ دينه صهيون غيره وفيه أيضا تقلد أيها الجبار سيفك فإن ناموسك وشريعتك مقرونة بيمينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك تأمل من الجبار الآتي بشرائع يظهرها بالسيف والسهام فإنك إذا تأملت ذلك لم تجد على هذه الصفات أحدا من عهد داوود إلا

268

النبي محمد عليه الصلاة والسلام فهو المبشر به لا محالة وقد تقدم قول داوود اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر فلينظر هنالك فإنه نص على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه جاعل السنة وهو أخبر بأن المسيح بشر وليس باله وفي الزبور ترجمة وهب بن منبه يقول الله تعالى لداوود عليه السلام في المزمور الخامس إسمع ما أقول ومر سليمان فليقله للناس من بعدك إن الأرض لي أورثها محمدا وأمته فهم خلافكم لم تكن صلاتهم بالطنابير ولا قدسوني بالأوتار وهذا تصريح بإسمه وتأييد شريعته وبصفات أمته وزبور وهب بن منبه هذا الذي نقلت منه أصح ما يوجد من كتاب الزبور فإنه أوثق وأعلم من كل ترجمة في سالف الدهور ولكن النصارى مع ذلك يكذبون إذ هم جاهلون ومعاندون ومن ذلك ماجاء في الإنجيل الذي بأيديكم أن المسيح قال إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وسأرغب إلى الآب في أن يبعث إليكم البرقليط ليكون معكم إلى الأبد روح الحق الذي لا تقبله الدنيا لأنها لا تراه ولا تعرفه وأنتم تعرفونه لأنه نازك عليك وعندكم لابث ولست أدعكم أيتاما وفيه أيضا عن يوحنا أن المسيح قال سينفعكم ذهابي لأني إن لم أذهب لم يأتكم البرقليط وإن ذهبت سأبعثه إليكم وإذا قدم سيعرف الدنيا بالمأثم والعدل والحكم فأما المأثم فتركهم الإيمان بي وأما العدل فذهابي إلى الآب ولا تروني بعدها وأما الذي يحكم بي فيها فإنه يحكم على صاحب الدنيا ويقهر

269

وقد بقيت لي أشياء كثيرة أعلمكم بها إلا أنكم لا تحملونها الآن فإذا قدم الروح الصادق فهو يعرفكم بالصواب وليس يعلمكم من ذاته إلا بما يسمع وسيعلمكم بما يكون وسيعظمني لأنه يصيب مني ويعلمكم وفيه أيضا أن المسيح قال للحواريين الذي يبغضني يبغض أبي فلو لم أطلع عندهم من العجائب ما لم يطلع غيري لم يكن قبلهم ذنب ولكنهم الآن قد عابوا وكرهوني ليتم ما كتب في كتبهم حيث قال أنهم كرهوني بلا ذنب فإذا أقبل البرقليط الذي أبعث إليكم من عند الآب الروح الصادق المنبثق من الآب هو يؤدي الشهادة عني وأنتم تستشهدون لأنكم كنتم معي من أول الأمر وإنما أقول لكم هذا لئلا يواقعكم التشكيك فالبرقليط بالرومية المنحمنا بالسريانية وهو محمد بالعربية فتأمل هذه البشائر التي لا ينكرها إلا معاند مجاهر فقد أخبر به المسيح بالعين والإسم والأفعال فماذا بعد الحق إلا الضلال وفيه أيضا أنه قال لليهود وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لم نساعدهم على قتل الأنبياء فأتموا كيل آبائكم يا ثعابين بني الأفاعي كيف لكم والنجاة من عذاب النار وسأبعث إليكم أنبياء وعلماء وستقتلون منهم وتصلبون وتجلدونهم في جماعتكم وتطلبونهم من مدينة إلى أخرى لتتكامل عليكم دماء المؤمنين المهراقة على الأرض من دم هابيل الصالح إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين المذبح والهيكل آمين آمين أقول أنه سيأتي جميع ما وصفت على هذه الأمة يرشالم يرشالم التي تقتل الأنبياء وترجم من بعث إليها قد أردت أن أجمع بنيك جمع الدجاجة فراريجها تحت جناحيها وكرهت أنت ذلك

270

سأقفر عليكم بيتكم وأنا أقول لكم لا تروني الآن حتى يأتي من تقولون له مبارك الآتي على اسم الله تأمل بشارته بالنبي محمد عليه السلام وتوعده لهم بالإنتقام منهم على يديه فإذا تأملت هذا على جهة الإنصاف لاح الحق لك وإلا فمن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا وقوله سأبعث في الموضعين تحريف بدليل قوله فيما تقدم سأرغب إلى الآب في أن يبعث إليكم البرقليط فقد صرح هنا بأن الباعث له هو الله لا هو وهو الحق إذ قد تبين أن المسيح لا يفعل شيئا من ذاته وإنما يفعل ما يريده الله تعالى وقد تقدم قوله لست أنفذ إرادتي وإنما أنفذ إرادة الرب وفيه أيضا أن المسيح قال إن التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضها بعضا بالنبوة والوحي حتى جاء يحيى وأما الآن فإن شئتم فاقبلوا فإن أيل مزمع أن يأتي فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع أيل هو الله تعالى ومجيئه هو مجئ رسوله بكتابه وأمره كما قال في التوراة جاء الله من سيناء وما أشبه ذلك فإن قلت قوله فإن أيل مزمع أن يأتي وقوله حتى يأتي

271

من تقولون له مبارك الآتي إنما أراد من كان بعده من الأنبياء مثل بارنابا وشمعون وليوقيوش ومناين هؤلاء أنبياء أنطاكية ومن بيت المقدس أعفانوس ومن فلسطين جرجيس فالجواب أنه لا يصح لكم أن تعترفوا بنبوة واحد من هؤلاء بل ينبغي لكم أن تكفروا بهم لأنكم ترون أنه لا نبي بعد المسيح وتسندون ذلك إلى كتبكم فأما أن تكذبوا بقولكم لا نبي بعد المسيح أو تنكروا نبوة من ذكرتم ثم لو سلمنا أنهم أنبياء فليسوا المرادين بما ذكر لأنهم لم يأتوا بكتب من الله ولا بأوامر أخر وغايتهم أن يحكموا بكتب الأنبياء قبلهم وإتيان الله فيما ذكر إنما هو عبارة عن إتيان نبي من أنبيائه بكلامه وكتابه كما قال جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران وهذا واضح للمنصف وقد زعم بعض المعاندين الجاهلين من ينتمي إلى دينكم أن المبشر به في ذينك الموضعين إنما المراد به رجوع بعض ما مضى من الرسل وعودهم إلى الأرض وإلى الناس وهذا قول باطل صدر عن معاند جاهل إذ لم يثبت شيء من ذلك على لسان نبي فاضل إلا ما صح على لسان نبينا من رجوع عيسى ابن مريم صلوات الله

272

عليهم وسلامه إذ أخرج الدجال وقتله له وفي إنجيلكم إشارة إلى هذا وهذا عندنا مبنى على أن الله تعالى رفع المسيح إليه ولم يقتل ولا مات بل رفعه الله إليه على ما يأتي عند ذكر الصلوبية وإنما يموت إذا قتل الدجال عند باب لد وبعد أن يهلك الله يأجوج ومأجوج على يديه وفي الإنجيل أيضا أنه ضرب مثلا للدنيا فقال مثل الدنيا كمثل رجل اغترس كرما وسبخ حوله وجعل فيه معصرة وشيد فيه قصرا ووكل به أعوانا وتغرب عنه فلما دنا أوان قطافه بعث عبيده إلى أعوانه بالموكلين بالكرم فضرب المسيح عليه السلام مثلا للأنبياء ثم لنفسه ثم قال سيزاح عنكم ملك الله وتعطاه الأمة المطيعة فتأمله ثم ذكر في المثل صخرة وقال من سقط على هذه الصخرة سينكسر ومن سقطت عليه يتهشم يريد بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم من ناوأه وحاربه أظهره الله عليه وكذلك قد أزاح الله ملككم وأزاله عنكم وأعطاه أمة محمد حيث افتتحوا عليكم بلاد الشام وبلاد الغرب وردوكم في أكثر الأرض أهل ذلة وصغار وأخذوا منكم الجزية بعد القتل الذريع والإسترقاق الشديد بعد أن كان ملككم راسخا وجبله شامخا فهد الله بنبيه قواعده ولينفذ به الله مواعده وأعظم شاهد على أن الله أزاح ملككم عنكم كما قال المسيح إن الله تعالى أعطانا بيت المقدس وأظهرنا عليه وإن كرهتم والحج إليه عندكم من أعظم شرائعكم وشرائع اليهود ثم الواحد منكم لا يصل إليه حتى يلحقه من الذلة والصغار ما لا يخفى عليكم والله متم نوره ولو كره الكافرون

273

وفي صحف أشعياء النبي الذي بأيديكم قال ستمتلئ البادية والقصور التي سكنها قيدار يسبحون ومن رؤوس الجبال ينادون هم الذين يجعلون لله الكرامة ويبثون تسبيحه في البر والبحر وفي صحف حزقيال النبي عن الله يقول إني مؤيد قيدار بالملائكة وقيدار ولد إسماعيل بلا شك فانظر أي بادية هذه البادية التي انتقلت من قصور إلى قيدار والذين ينادون بالأذان والتلبية من رؤوس الجبال ويجعلون لله الكرامة بالصلاة والحج والصوم والزكاة وغير ذلك وقد ثبت أن الملائكة قاتلت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن على ما يأتي إن شاء الله تعالى وقال أشعياء عن الله عبدي الذي سرت به نفسي أنزل عليه وحيي فيظهر في الأمم عدلي يوصي الأمم بالوصايا لا يضحك ولا يسمع صوته في الأسواق يفتح العيون العور ويسمع الآذان الصم ويحيى القلوب الغلف وما أعطيه لا أعطيه غيره أحمد يحمد الله حمدا كثيرا يأتي من أقصى الأرض تفرح البرية وسكانها يهللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى الهوى ولا يسمع في الأسواق صوته ولا يذل الصالحين الذين هم كالعصفة الضعيفة بل يقوى الصديقين وهو ركن للمتواضعين وهو نور الله الذي لا يطفئ ولا يخاصم حتى تثبت في الأرض حجتي وينقطع العذر به وإلى توراته ينقاد الحق فاعتبر هذا التصريح باسم محمد وصفاته وإن هذه العلامات المذكورات على لسان هذا النبي لا يصح بحال أن توجد لغيره ولم يكن إلا له فإن قلت هو المسيح قيل لك تفهم لفظ الكلام ومساقه وحينئذ تحكم بأنه محمد قطعا وذلك أنه قال فيه يوصى الأمم

274

وهذا التصريح ببعثه للناس كافة وعيسى إنما بعث للأجناس من بني إسرائيل خاصة بدليل قوله في الإنجيل إني لم أبعث إلى الأجناس وإنما بعثت إلى الغنم الرابضة من نسل إسرائيل وكذلك قال للحواريين لا تسلكوا في سبيل الأجناس ولكن اختصروا بالضرورة إلى الغنم الرابضة من بني إسرائيل ثم قال أحمد يحمد الله وهذا تصريح بإسمه فإن أسمائه كثيرة منها محمد وأحمد ثم قال يثللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية وهذا إخبار بآذانهم وتلبيتهم وليس هذا لأحد غيره ثم قال لا يضعف ولا يغلب وأنتم تزعمون أن المسيح غلب على نفسه وحمل على خشبة وسمرت يداه فيها وقتل عليها بعد صفع وإهانة عظيمة ولا درجة في الغلبة والضعف والذلة تزيد على هذا وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد فتح الله عليه فتحا مبينا ونصره نصرا وأظهره على كل عدو معاند حتى أعلى الله دينه وأفشى توحيده وعصمه من كل الشرور ووقاه كل مخوف وكل محذور ومن أدل ما في كلامه أن نبينا محمد هو المراد والمبشر به قوله لا يخاصم حتى تثبت في الأرض حجتي فإن هذا تصريح بالقرآن الذي جاء به إذ قد عجز عن الإتيان بمثله أو بسورة مثله جميع البشر وإن كان فيهم اللد الفصحاء والمهرة الحكماء فثبتت في الأرض حجة الله وعلم أنه من عند الله وسيأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله عز وجل وفي صحف حبقوق النبي التي بأيديكم قال جاء الله من التيمن والقدوس من جبل فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه وملأ الأرض بهيبته وقال أيضا تضئ لنوره الأرض وستنزع في قسيك إغراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد إرتواء

275

فيا معشر العقلاء انظروا عناد هؤلاء الجاحدين وإنكار هؤلاء المباهتي وتواقح هؤلاء الجاهلين كيف خالفوا هذه النصوص القاطعة والبشارات الصادعة محكمين في ذلك أهوائهم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وفي صحف أشعياء النبي قال قيل لي قم ناظرا فانظر فما ترى تخبر به قلت أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل يقول أحدهما لصاحبه سقطت بابل وأصنامها النخرة فصاحب الجمل هو محمد صلى الله عليه وسلم وصاحب الحمار بإتفاق منا ومنكم هو المسيح وليس محمد بركوب الجمل أشهر من عيسى بركوب الحمار وإنما سقطت عبادة الأصنام ببابل من دون الله وهدت أوثانها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لا بعيسى ولا بغيره فما زالت ملوك بابل يعبدون الأوثان من كون إبراهيم إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأمته وفي صحفه أيضا لتفرح أرض البادية العطشى ولتبتهج البراري والفلوات لأنها ستعطى بأحمد محاسن لبنان كمثل حسن الدساكير والرياض هذا ينص على اسمه ووصفه وبلده بحيث لا ينكره إلا وقاح مجاهر بالباطل الصراح وفي صحف أشعياء النبي أتت أيام الإفتقاد أتت أيام

276

الكمال ثم قال لتعلموا يا بني إسرائيل الجاهلين أن الذي تسمونه ضالا هو صاحب النبوة تفترون ذلك على كثرة ذنوبكم وعظم فجوركم وفي الصحف المنسوبة للإثنى عشر نبيا أن الله سيتجلى من القبلة وتظهر كلمة القدس من جبال فاران ظهورا أبديا ويحمد الله على ذلك في السموات والأرض وكلمة أحمد تملأ الأرض وفي صحف حزقيال النبي التي بأيديكم يقول عن الله بعد ما ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمة غذاها وقال لم تلبث تلك الكرمة أن قلعت بالسخطة ورمى بها على الأرض وأحرقت السمائم حرها فعند ذلك غرس غرس في البدو وفي الأرض المهملة العطشى وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت تلك حتى لم يوجد فيها عصن قوي ولا قضيب اعتبر أيها العاقل هذا المثل على جهة الإنصاف يجانبك الخطأ والزلل فإن الكرمة مثل لدين المسيح ورسالته وذلك أن مقامه كان في قومه زمانا يسيرا ورفعه الله عن أتباع يسيرين أحد عشر على ما زعموا ثم أتباعهم على شرعهم المستقيم يسيرون ثم بعد ذلك بنحو الأربعين سنة إعتراهم التبديل الكثير والتغيير العظيم حتى أحرقت ديار الكفر تلك الكرمة فلما لم يبق منهم إلا بقايا قليل عددهم وخفى موضعهم بعث الله نبيه في أرض البدو التي هي أرض إسماعيل ومنشأه ووصفه لها بالعطشى تصريح بوصفها فإنه صحراء وكونها مهملة إنما هو من النبوة فإنه لم يكن بها نبي من عهد إسماعيل إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم ثم أنه شبه ما نصر به النبي عليه والسلام من الحرب والرعب بالنار التي تأتي على كل شيء فكذلك دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أظهره الله بالحجة والسيف على الدين كله ولو كره المشركون

277

وقد قدمت أن في صحف دانيال النبي وقد نعت الكذابين وقال لا تمتد دعوتهم ولا يتم قربانهم وأقسم الرب بساعده ألا يظهر الباطل ولا يقوم لمدع كاذب دعوة أكثر من ثلاثين سنة وهذا دين الإسلام الذي جاء به محمد عليه السلام له ست مائة سنة ونيف من الأعوام وهو باق إلى آخر الأيام والحمدلله على ما أولى من الفضل والأنعام وقال دانيال النبي وقد سأله الملك نبوخذناصر عن رؤيا رآها وطلب أن يخبر بها ثم بتفسيرها فقال أيها الملك رأيت صنما بارع الجمال أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخار فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك إذ دقه الله بحجر من السماء فضرب رأس الصنم فطحنه حتى اختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره ثم إن الحجر ربا وعظم حتى ملأ الأرض كلها قال له نبوخذناصر صدقت فأخبرني بتأويلها قال دانيال أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره فالرأس من الذهب أنت والفضة إبنك من بعدك والنحاس الروم والحديد الفرس والفخار أمتان ضعيفتان تملكهما إمرأتان باليمن والشام والحجر هو دين نبي وملك أبدي في آخر الزمان يغلب الأمم كلها ثم يعظم حتى يملأ الأرض كلها كما ملأها ذلك الحجر قلت ولا يصح لك يا أيها المخدوع أن تدعي أنه المسيح فإنه لم يغلب الأمم كلها بل غلب بزعمكم فإنه استضعف فأهين وصلب ولم يبعث إلى الأمم كلها عامة بل إلى قوم بأعيانهم خاصة وإنا محمد الذي غلب كل الأمم العرب منها والعجم على اختلاف أصنافها وشتى ضروبها وأوصافها فجعل الكل جنسا واحدا

278

وألزمهم دينا واحدا وصيرهم أمة واحدة وجعلهم على اختلاف لغاتهم يتكلمون بلغة واحدة أعنى إذا قرأوا القرآن إذ لا يمكن أن ينتقل عن لسان العرب إلى لسان غيرهم فإن ترجم بلسان آخر فليس ذلك هو القرآن وإنما هو تفسير القرآن يا أيها الجاهل الناكث عن الحق العادل قد كنت ذكرت في كلامك أن المسلم إن أقام شاهدا من كتب الأنبياء أن فيها محمدا منتظرا فدينه حق ودين النصارى باطل وقد أقمنا والحمدلله الشواهد من كتب الأنبياء الأوائل على الذي طلبت على نحو ما رسمت بل هذه الشواهد في دلالتها على نبوة محمد أوضح وأقص مما استدللت أنت بها على نبوة المسيح وقد وكلت العاقل المنصف للنظر في أي الدلالات أبين وأوضح أدلاتنا أم دلالتكم وعند الوصول إلى هذا القدر والوقوف على تلك الشواهد الغر تتبين أن دين النصارى واليهود باطل وأنهم إما معاندو وإما جاهل ولقد جاء في كتاب أشعياء النبي من نعوته وأوصافه وذكر مكة بلده وحج الناس إليها ما لا يبقى معه ريب ولا أشكال فمن ذلك قال حاكيا عن الله تعالى سأبعث قوما فيأتون من المشرق أفواجا كالصعيد كثرة ومثل الطيان الذي يدوس برجليه ومن ذلك أنه قال أبشري واهتزي يا أيتها العاقر التي لم تلد وانطقي بالتسبيح وافرحي أن لم تحبلي فإن أهلك سيكونون أكثر من أهلي هذه من الله مخاطبة لمكة على ما يقتضيه مساق كلامه ثم شبهها بالعاقر من النساء التي لم تلد من حيث أن مكة لم يبعث منها نبي من بعد إسماعيل إلا محمدا صلى الله عيله وسلم ولا يجوز أن

279

يكون العاقر بيت المقدس لأنها كانت مقر الأنبياء وقوله فإن أهلك سيكونون أكثر من أهلي يعني بأهله بيت المقدس وفي نفس النص أنه قال حاكيا عن الله قد أقسمت بنفسي كقسمي أيام الطوفان أن أغرق الأرض بالطوفان كذلك أقسمت ألا أسخط عليك ولا أرفضك فإن الجبال تزول والقلاع تنحط ورحمتي عليك لا تزول ثم قال في النص نفسه يا مسكينة يا مضطهدة ها أنذا بان بالجص حجارتك ومزينك بالجواهر ومكلل باللؤلؤ سقفك وبالزبرجد أبوابك وتبعدين من الظلم فلا تخافي ومن الضعف فلا تضعفي وكل سلاح يعمله صانع لا يعمل فيك وكل لسان ذلق يقوم معك بالخصومة تفلجين ويسميك الله إسما جديدا وكذلك كان إسمها الكعبة فسماها الله المسجد الحرام وكذلك قوله بالخصومة تفلجين إنما هو إشارة إلى كتاب الله الذي جاء به محمد رسول الله الذي أفحم كل خصم وأسكت وفي صحف أشعياء أيضا فقومي واشرفي فإنه قد ورى زندك ووقار الله عليك انظري بنيك حولك فإنهم مجتمعون يأتيك بنوك وبناتك على الأيدي فحينئذ تنظرين وتزهرين ويخفق قلبك ويتسع وكل غنم قيدار تجتمع إليك وسادت نبايوت يخدمونك وتفتح أبوابك الليل والنهار فلا تغلق ويتخذونك قبلة وتدعين بعد ذلك مدينة الرب فهاهو عليه السلام قد وصف مكة بأوصافها التي لا تصح أن توجد في غيرها ومن أبين ذلك وأدله قوله وكل غنم قيدار تجتمع إليك وسادات بنايوت يخدمونك وقيدار ونبايوت ولدا إسماعيل وأغنامهم هي التي تساق إلى مكة هديا وهم أهل مكة وخدام البيت وليس بعد هذا بيان وكذلك قوله ويتخذونك قبلة وهذا بشارة بالنبي عليه الصلاة والسلام فإنها لم تتخذ قبلة إلا على عهده صلى الله عليه وسلم

280

وقول أشعياء هذا في بعض التراجم هكذا ارفعي إلى ما حولك بصرك فستبتهجين وتفرحين من أجل أنه تميل إليك ثروة البحر ويأتي إليك غنى الأمم حتى تعمرك قطار الإبل المؤبلة تضيق أرضك عن القطارات التي تجمع إليك وتساق إليك كباش مدين ويسير إليك أهل سبأ وتسير إليك أعلام قيدار ويخدمك رجال نبايوت فاعتبر هذه الأوصاف البينة والأعلام المتصلة الظاهرة التي لا توجد في بلد إلا في مكة ولا يصح شيء منها أن يوجد في بيت المقدس ولا في غيرها وقال أيضا عن الله أعطى البادية كرامات لبنان وبهاء جبل الكرمل فالبادية مكة ولبنان الشام وبيت المقدس وقال على أثر ذلك وتشق في البادية مياه وسواق في أرض الفلاة وتكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع وتصير هناك محجة وطريق الحرم لا تمر به أنجاس الأمم والجاهل لا يضل هناك ولا يكون به سباع ولا أسد ويكون هناك ممر المخلصين وقال أشعياء أيضا عن الله ها أنذا مؤسس بصهيون وهو بيت الله حجرا مقره في زاوية مكة فمن كان مؤمنا فلا يتعجل وهذا أخبار منه عن الحجر المقدس الأسود الذي في الركن اليماني وهو الحجر الذي أنزله الله من الجنة وكان أبيض فاسود لأجل خطايا بني آدم وصهيون الجبل بلسانهم فهذه دلائل واضحة وشواهد راجحة لا يعدل عنها إلا من حرم التوفيق فاستدبر الطريق ولا يتدبرها ويتفهم معانيها إلا من رافقه التوفيق وساعده الفهم والتحقيق فهذا ما رأينا أن نثبته هنا من شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم من الكتب المتقدمة وفيها من الشواهد ما هو أكثر من هذا ومن وقف بفهم على ما في تلك الكتب قضى من عناد المخالفين العجب

281


النوع الثاني

الإستدلال على نبوته بقرائن أحواله صلى الله عليه وسلم فأول ذلك ما ظهر على أبيه عبدالله بن عبد المطلب وذلك أنه لما أراد الله خلقه وقرب وقته وحان خروج نطفته من صلب أبيه حمل بين عيني أبيه نور فكان يراه الرائي كغرة الفرس وقد ثبت في كتب نبوته على ألسنة النقلة الثقات العدول الأثبات الذين يدينون بتحريم الكذب ويعتقدون وجوب الصدق ولا تأخذهم في الله لومة لائم أن عبدالله بن عبدالمطلب والد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له امرأتان احداهما آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأة أخرى فحمل يوما في طين لبناء بيته فتعلقت به آثار من الطين فمر بتلك المرأة فدعاها لنفسه فأبت لما كان عليه من الطين فخرج من عندها فاغتسل وغسل ما به من أثر الطين فدعته تلك المرأة إلى نفسها فأبى عليها ثم خرج عامدا إلى آمنة فدخل عليها فأصابها فحملت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر بامرأته تلك فقال لها هل لك قالت لا إنك مررت بي وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس فدعوتك رجاء أن يكون لي فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها ثم لما حملت به آمنة أمه أتيت فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع على الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام ولقد قالت أم عثمان الثقفية حضرت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت البيت حين وضع قد امتلأ نورا ورأيت

282

النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع على وولد صلى الله عليه وسلم مختونا وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حين حملت به ما تجد الحوامل من ثقل وألم ولا غير ذلك ولما وضعته أمه وقع على الأرض مقبوضة أصابع يديه مشيرا بالسبابة كالمسبح بها وذكر ابن دريد أنه ألقت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده فجاء جده والجفنة قد انفلقت عنه ثم لم يلبث عبدالله بن عبدالملطلب أبوه أن توفى وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به فكفله جده عبدالمطلب وقيل لجده لم سميت إبنك محمدا وليس هذا الإسم لأحد من آبائك وقومك فقال إني لأرجو أن تحمده أهل الأرض كلهم وذلك أنه كان يرى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يعتلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض فلذلك سماه محمدا قال حسان بن ثابت رضي الله عنه والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعته إذ سمعت يهوديا على أطم يثرب يصرخ بأعلى صوته يقول يا معشر يهود فلما اجتمعوا له قالوا له ويلك مالك قال طلع الليلة نجم أحمد ثم التمس له المراضع فاسترضع له امراة من بني سعد بن بكر إسمها حليمة بنت أبي ذؤيب قالت حليمة خرجت من بلدي مع زوجي وابن لي في نسوة من بني سعد نلتمس الرضعاء قالت وفي سنة شهباء لم تبق لنا شيئا قالت فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تفيض بقطرة وما ننام ليلنا مع صبينا من بكائه من الجوع وما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغديه ولكنا نرجو الغيث والفرج فلقد حيست الركب حتى

283

شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها محمد بن عبدالله فتأباه إذا قيل لها أنه يتيم وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم فما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلى أخذت رضيعا غيري فلما أجمعنا الإنطلاق قلت لصاحبي إني والله أكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلأخذنه فقال افعلي عسى الله أن يجعل فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت به إلى رجلي فلما وضعته في حجري أقبل على ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها لحافل فحلب منها ماشرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إني لأرجو ذلك قالت ثم خرجنا فركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حمرهم حتى أن صواحبي ليقلن لي يا إبنة أبي ذؤيت ويحك أربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله فيقلن لي والله أن لها لشأنا قال ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يجلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعاتهم ويحكم أسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا

284

قالت فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة قالت فلم نزل بها حتى ردته لنا قالت فرجعنا به فوالله أنه بعد مقدمنا بشهر مع أخيه لفى بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه يعنى يخلطانه قالت فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائما منتقحا وجهه قالت فألتزمته وألتزمه أبوه فقلنا له مالك يا بني قال جاءني رجلان عليها ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا شيئا لا أدري ما هو قالت فرجعنا به إلى خبائنا قالت وقال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به قالت فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قالت فقلت قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه فاديته إليك كما تحبين قالت ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها قالت أفتخوفت عليه الشيطان قالت قلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل وإن لبني لشأنا أفلا أخبرك خبره قالت قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وأنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانصرفي راشدة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبدالمطلب بن هاشم في كلأة الله تعالى وحفظه ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه آمنة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم

285

مع جده عبدالمطلب وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم دعوا ابني فوالله أن له لشأنا ثم يجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبدالمطلب جده فكان مع عمه أبي طالب فكان يحنو عليه ويحفظه فبينما هو عنده يوما إذ قدم مكة رجل عائف من أزد شنوءة وكان ذلك الرجل إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم ويتفرس وكان ماهرا في ذلك معروفا به مجربا عليه الإصابة في ذلك فأتاه أبو طالب به وهو غلام قال فنظر العائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عنه شيء فلما فرغ قال أين الغلام على به فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه فجعل يقول ويلكم ردوا على الغلام الذي رأيت آنفا فوالله ليكونن له شأن ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام فلما تهيأ للرحيل ضبث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق له أبو طالب وقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا وكان يحبه حبا شديدا فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بخيرا في صومعة له وكان إليه علم النصرانية ولم ينزل في تلك الصومعة منذ قط راهب يصير إليه علم النصرانية لأجل كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكان كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يعرض لهم ولا يكلمهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا

286

وذلك عن شيء رآه في صومعته وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من صومعته وهو في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال إني قد صنعت لكم طعاما فقال له رجل والله يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا فما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم فقال له بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده قال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي فقالوا له يا بحيرا ما تخلف عنكم أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا فتخلف في رحالهم قال لا تفعلوا دعوه فليحضر هذا الطعام معكم فجاء وقد احتضنه رجل من القوم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا وقال له يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ألا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه كان يسمع قومه يحلفون بهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا فبالله ألا ما أخبرتني عما أسألك عنه قال له سل عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده وكان مثل أثر المحجم ثم أقبل على

287

عمه أبي طالب فقال ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو بإبنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال ما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبلغنه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته فزعموا فيما يروي الناس أن زريرا وتماما ودريسا وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرا وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركون وانصرفوا فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا وأعظمهم حلما وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة وعرفت أمانته وصدق حديثه وظهرت بركته عرضت عليه خديجة بنت خويلد ما لا يخرج به مسافرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في ذلك المال وخرج معه ميسرة حتى قدما الشام فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فاطلع الراهب

288

إلى ميسرة وقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة قال له ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به بأضعف أو قريبا وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعن ما كان يرى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة رضي الله عنها امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك ووسطك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لأعمامه فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها وقد كانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه فقال ورقة لئن كان هذا حقا يا خديجة فإن محمدا لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه أو كما قال فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول حتى متى فلما تقارب زمان مبعثه كثرت أحاديث الكهان عن نبوته والأخبار بذلك فبشر بقرب ظهوره جماعة من الكهان

289

وأما اليهود فكانت تكون بينها وبين العرب شرور وحروب فربما أصابت العرب منهم فكانت اليهود تقول قد قرب زمان نبي سيبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وارم ثم لم يلبثوا حتى ظهر وعرفوه كما يعرفون أبناءهم فلما بعث منهم من آمن به ومنهم من كفر به حسدا وعنادا كما فعلتم أنتم ولقد قدم المدينة نفر من اليهود يلتمسون هجرته إليها وكونه فيها من ذلك ما يحكى عن ابن الهيبان حبر من أحبار يهود وممن كان ينتهي إليه علمهم وكان فاضلا في دينه مجاب الدعوة ممن علم ذلك منه بكثرة تجربة ذلك فقال لليهود يوما ما ترونه أخرجني من الشام أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع قالوا له أنت أعلم قال فإني قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى والنساء ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قال نفر من اليهود يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان قالوا ليس به قالوا بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا وأسلموا ومثل هذا كثير ومن أوضح ذلك وأبينه قصة سلمان الفارسي وذلك أنه كان تنصر وقرأ كتبكم وبحث عن جماعة من أهل دينكم أعنى الذين كانوا متمسكين بدين المسيح فلم يزل يبحث عنهم واحدا بعد واحد ويخدمهم حتى يحضرهم الوفاة فكان الواحد منهم إذا حضرته الوفاة وصاه بأن يلحق بمن هو على مثل دينه وحاله ويعينه له ويدله عليه إلى أن وصل إلى عمورية إلى أرض الروم إلى راهب نصراني كان هنالك قال سلمان فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم يعني الدين كانوا دلوا عليه إلى أن حضرته الوفاة

290

فقلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصاني إلى فلان ثم أوصاني فلان إلى فلان ثم أوصاني فلان إليك فإلى من توصى بي أنت وبم تأمرني قال أي بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل قال ثم مات وغيب ولحق سلمان بالمدينة بالأرض التي عينت له فأقام هنالك حتى قدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا فبحث عن تلك العلامات التي رسمت له فوجدها كما رسمت له فآمن به وأتبعه وصدقه وكان معه وعلى دينه إلى أن توفاه الله تعالى رضي الله عنه ولو ذهبت إلى استقصاء مثل هذا لطال الكتاب فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا فكان أول ما ابتدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب الله إليه الخلوة فكان ينقطع إلى الكهوف والجبال ويأوى إليها فكان يخلو بغار حراء وكان في ذلك لا يمر بحجر ولا شجرة إلا قال السلام عليك يا رسول الله فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة تكلمه فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ثم جاء جبريل صلى الله عليه وسلم بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في رمضان ومن ذلك الوقت ظهرت آياته وعمت

291

بركاته وتنوقلت رسالته ومعجزاته وإذ ذاك جمع الله له كل خصال الكمال وخصه بصفات الشرف والجلال فلقد جمع الله له الكمال الظاهر والباطن بما جعل فيه من الفضائل والمحاسن وينبغي الآن أن يعرف الجاحد والجاهل بعض ما خص به من صفات الكمال والفضائل اعلم أن الكمال البشري ضربنا ظاهر وباطن وكل واحد من هذين الضربين ضربان ضرب يكون الإنسان مجبولا عليه ولا اكتساب له فيه وضرب يكون مكتسبا للإنسان يحصل له بسعيه وتكسبه فقد انحصرت صفات الكمال في أربعة أقسام كمال ظاهر ضروري وكمال ظاهر مكتسب وكمال باطن ضروري وكمال باطن مكتسب وقد جمع الله هذه الأربعة الأصناف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونحن نذكرها جملة ثم نشرع بعد في التفصيل إن شاء الله تعالى اعلم أنا إنما نذكر من صفات كماله وجلاله المشهور بشرط الإختصار خوفا من التطويل والإكثار ولو ذهبنا إلى الإستقصاء لعجزنا عن ذلك فمن ذلك كمال خلقته وجمال صورته وفصاحة لسانه وشرف نسبه وعزة قومه وكرم أرضه وقوة عقله وصحة فهمه ومتين علمه وجميل صبره وعظيم حلمه وحسن تواضعه وعدله وجزيل زهده وفضله وعميم جوده وكرمه ووثيق عهوده وذممه ورائق سمته وأدبه وطهارة ذاته ونسبه وعظيم شجاعته ونجدته وكثير حيائه ومروءته وجملة أمره صلى الله عليه وسلم أنه أكمل الناس خلالا وأفضلهم حالا وأعلمهم بحدود الله وأخوفهم من الله فأما كمال خلقته وجمال صورته فشيء معلوم لم يذهب

292

أحد من أعدائه إلى خلاف ذلك ولا استطاع أن ينسب إليه نقصا ولا شينا في شيء من ذلك لقد اعترف الكل أنه كان أزهر اللون أدعج العينين أشكل أهدب الأشفار أفلج أزج أقنى مدور الوجه واسع الجبين كث اللحية تملأ صدره موصول ما بين اللبة والسرة بشعر واسع الصدر عظيم المنكبين ضخم العظام والعضدين والذراعين والأسافل رحب الكفين والقدمين سائل الأطراف أنور المتجرد دقيق المسربة مربوع القد ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله رجل الشعر إذا افتر ضاحكا عن جمان افتر عن مثل سنا البرق وعن مثل حب الغمام إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه أحسن الناس عنقا ليس بمطهم ولا بمكلثم متماسك اللحم قال ناعته ما رأيت أحدا في حلة حمراء مرجلا أحسن منه صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجرى في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجد وأجمل الناس من بعيد وأحسنهم من قريب من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله طيب الرائحة والعرف ولقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف برائحته وإن لم ير ولقد كان يتطيب برائحته ويوضع في الطيب فينم أكثر منه ولقد كان يضع يده على رأس الطفل رحمة له فكانت تنم عليه رائحة طيبة صلى الله عليه وسلم ولقد اشتهر وصح أنه صلى الله عليه وسلم بعد موته طال مكثه في البيت قبل أن يدفن بيومين وليلة في المشهور وكان موته في شهر أيلول ومع ذلك فلم يتغير له ريح

293

ولا ظهر عليه شيء مما يظهر على الموتى حتى كانت الصحابة رضي الله عنهم تقول له طبت حيا وميتا ولقد روى أن أم سلمة قالت وضعت يدي على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ميت فمرت على جمع لا آكل ولا أتوضأ إلا وجدت ريح المسك من يدي فإن قيل نسلم أنه كما وصفت لكن أي فضيلة لحسن الصورة الظاهرة وأي مزية لها على غيرها إذ رب قبيح المنظر حسن الفعل والمخبر ورب حسن الظاهر والمنظر قبيح الفعل والمخبر فنقول هذا الذي ذكرت يندر ويقل بل لا يبعد أن يقول قائل لا يوجد كامل الصورة الظاهرة ألا وهو كامل الصورة الباطنة إذ كلاهما إنما سببه بحسب ما أجرى الله العادة مزاج معتدل فهما ثمرتا مثمر واحد ولأجل هذا والله أعلم لم نسمع قط عن نبي من أنبياء الله تعالى أن الله تعالى خلقه ناقص الخلقة أو مشوهها اللهم ألا قد طرأت على بعضهم آفات لأسباب شاءها الله تعالى مثل أيوب وغيره وليس الكلام في الطارئ وإنما الكلام في أصل الخلقة ثم إن الحكماء والعلماء قد استدلوا بحسن الخلق على حسن الخلق حتى أن الحكماء قالوا أقصدوا بحوائجكم سماح الوجوه فإنه أنجح لها أو فإنه أحرى أن تقضى وأيضا فإن الجمال والحسن محبوب بالطبع ومرغوب فيه والقبح منفور عنه ومقصود الله تعالى أن يحب الأنبياء وأن لا ينفر منهم والحسن موجب لذلك وأيضا فإن صفة نبينا هذه هي صفة جده إبراهيم خليل الرحمن حتى كأنه هو على ما ثبت من صفة إبراهيم في كتب الأنبياء عليهم السلام وأما فصاحة لسانه فلقد أطل من الفصاحة على كل نهاية وبلغ من البلاغة كل غاية فلقد أوتين صلى الله عليه وسلم سلامة الطبع وبراعة المنزع وعذوبة اللفظ وحسن الإيراد وجزالة القول وصحة المعاني مع أيجاز اللفظ وقلة التكلف أوتى صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وبدائع الحكم فلقد كان يخاطب كل حي من أحياء العرب بلغتهم ولم يكن يقتصر على لغة واحدة مع أنه إنما نشأ على لغة بني سعد وقريش وكان يعرف لغات

294

غيرهم حتى كانوا يتعجبون منه ويقولون ما رأينا بالذي هو أفصح منه وهذا معلوم عند الفصحاء العرب العرباء ويقف على معرفة ذلك بالذوق والمشاهدة من كان عارفا بلسان العرب ولغتهم ووقف على شيء من كلامه معهم ومجاوبتهم وأما نسبه فمعلوم لا يجهل ومشهود لا ينكر جده الأعلى إبراهيم والأقرب عبد المطلب كابرا عن كابر وشريفا عن شريف فهم بين أنبيائه فضلاء وبين شرفاء حكماء وهذا كله مسلم لا يمنع ومقبول لا يدفع فهو صلى الله عليه وسلم من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا وذلك أن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل كما قد شهدت التوراة وغيرها بذلك واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاه صلى الله عليه وسلم من بني هاشم فهو خيار من خيار من خيار وكذلك الرسل صلى الله عليهم وسلم تبعث في أشرف أنساب قومها صلى الله عليهم ذلك ليكون أميل لقلوب الخلق إليهم والله أعلم وأما عزة قومه فقد كانوا في جاهليتهم لم ينلهم سباء ولا ظفرت بهم أعداء ولا دخلوا في أغلب أزمانهم تحت قهر غيرهم بل كانوا قد حازوا الشرف الباهر والمفاخر والمآثر هم أوفر الناس عقولا وأقلهم فضولا وأفصح الناس مقالا وأكرمهم فعالا الشجعان الكرماء والحكماء الأدباء أما سفساف الأخلاق ودنيها فهم مبرأون عنها وأما حسنها وعليها فهم أحرص الناس عليها والموصوفون بها وكفى دليلا على ذلك ما علم من حسن جوابهم وكريم عمودهم وعميم بذلهم وجودهم وكل هذا من أوصافه معروف والغالب منهم بذلك موصوف وحق لقائلهم أن يقول
لنا الشرف الذي يطأالثريا
مع الفجر الذي بهر العباد

وأما أرضه فناهيك من أرض أسس بقيتها إبراهيم الخليل وأمره بأن بدعو الناس إليها الملك الجليل وتولى عمارتها والمقام بها النبي إسماعيل وتوارثها الأشراف جيلا بعد جيل وكفى بلدته شرفا ما فعل الله بملك الحبشة الذي جاء لهدمها فلما قرب منها وعزم

295

على هدمها ووجه فيله عليها أرسل الله عليهم طيرا أشباه الخطاطيف مع كل واحد منها ثلاثة أحجار حجر في منقاره وحجران في رجليه فرمت الطير ذلك الجيش بتلك الجهات فكل من أصابه من تلك الحجارة شيء هلك مكانه وأصاب ملكهم منها حجر فهلك بعد أن تناثر لحمه وتساقط أنملة أنملة فتفرقوا في كل وجه وأهلكهم الله كل هلاك وبدد شملهم أي تبديد وكل هذا معروف لا ينكر ومشهور لا يجهل فهذه الأرض على محلها وجدبها وشظف عيش أهلها خير البلاد عند ربها دل على ذلك كلام الأنبياء والرسل وما جاء من ذلك في متقدمي الكتب ولا يظن الجاهل أن خير بلاد الدنيا عند الله أكثرها خصبا وأعظمها فاكهة وأبا فإن هذا ظن من ليس له نطق ولا فهم وهمته ما يجعل في بطنه كالبهم بل خير البلاد عند الله ما كوبدت فيه المشقات التي توصل إلى ما عند الله من الدرجات وكانت مع ذلك مما قدس وانتشرت منه الديانات وكل ذلك في حق أرضه معلوم من جهة النبوات وسيأتي ما ذكر الله تعالى في مكة بلده عليه السلام على لسان أشعياء عليه السلام وأما قوة عقله وعلمه فلقد أوتى منهما ما لم يؤته أحد وأعطى منها ما لم يعطه والد ولا ولد وكفى دليلا على ذلك ما ظهر عليه من حسن السياسة وأحكام أمور الرياسة والأخذ في العلوم العقليات من غير اكتساب شيء مما يحتاج إليه من المقدمات حتى إتخذ أرباب كل علم كلامه في ذلك العلم أصلا يرجع إليه ويعول في صناعته عليه فتارة يكون كلامه في بعض العلوم منشئا ممهدا وأخرى متمما ومؤيدا وإن أردت أن تعلم ذلك علم اليقين فتأمل تأمل اليقظين ما تضمنه من ذلك الكتاب والسنة فبهما كثرت الخيرات وعظمت المنة فإنك تجدها قد جمع له منهما علوم الأولين والآخرين على اختلاف علوم العالمين من الرياضيات على اختلاف أوصافها والإلهيات مع تعذرها على أكثر الأفهام واعتياصها والسياسات على تشتت أوصافها أما الأمور المصلحية التي يعبر عنها بالقوانين الشرعية فيقضي العقلاء منها العجب فإنه أطل منها على أعلى المراتب والرتب وذلك

296

أن أعمال شريعته صلى الله عليه وسلم انقسمت إلى أمور تعبدية مثل الصوم والصلاة والحج وغير ذلك مما لا يدرك معانيها وحكمها إلا من أمده الله بتوفيق خاص فنور بالمعارف باطنه وزين بالأعمال ظاهره وإلى أمور مصلحية يدرك معانيها الجفلى والجمهور من أهل الديانة الحنيفية ثم أنه اعتبر أصول مصالح العالم فأوجبها واعتبر أصول مفاسد العالم وحرمها وأصول المصالح إنما هي خمسة المحافظة على صيانة الدماء في أهبها والأموال على ملاكها والأنساب على أهليها والعقول على المتصفين بها والأديان التي بها عيش النفوس وزكاتها فأصول الشريعة وإن تعددت صورها فهي راجعة إلى هذه الخمسة فأما بمرتبة واحدة أو بمراتب على ما يعرف في موضعه وأما الدماء فحقنها بأن شرع أن من قتل يقتل ومن جرح يجرح ومن فقأ عين إنسان فقئت عينه وهكذا فإذا علم القاتل أن يفعل به مثل ما يفعل انكف عن القتل فحصلت حياة النفوس وصيانة الدماء ولأجل ذلك قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ثم سوى في القصاص بين الكبير والصغير والشريف والمشروف إشعارا بأن مزايا الدنيا وفضائلها لا مبالاة بها عند الله أن الشرف إنما هو بالدين والتقوى ولأجل هذا قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال عليه السلام الناس كأسنان المشط يريد بذلك أن الأحكام متساوية بينهم وأنهم فيما شرع سواء وأما الأموال فصانها على ملاكها بأن شرع قطع يد السارق للنصاب وقتل المحارب وغرم مثل المتلف أو المغصوب إن كان مما له مثل فاذا علم السارق والمحارب أنهما يعاقبان بما يناسب جنايتهما ارتدعا وانكفا فانحفظت الأموال

297

وأما العقول فحرم استعمال ما يؤدي إلى تلفها وذهابها كالخمر وذلك أن مناط التكليف العقل وهو الذي به يعرف الله تعالى وهو الذي ينتظم مصالح الدنيا والدين فإذا أذهبه الإنسان بالخمر وما في معناه فقد تعرض لإسقاط التكليف وللكفر بالله تعالى بل لكل المفاسد ولأجل هذا قال عليه السلام الخمر جماع الإثم وأم الخبائث والكبائر ولأجل هذا قال الله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ثم أكد الكف عن الخمر بأن شرع على شربه حدا هو ضرب بالسوط ليكون ذلك أبلغ في الردع والزجر وأما حفظ الأنساب وصيانة إختلاط المياه في الأرحام فشرع النكاح وحرم السفاح لينتسب كل ولد لوالده ويتميز الولي عن مضادده ولينضاف كل إلى شيعته ويتحقق نسبته بقبيلته ولأجل هذا قال الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ولم لم يكن ذلك لارتفع التعارف ولم يسمع ولاتسع خرق لا يرقع وأما المحافظة على الأديان وصيانتها فهو المقصود الأعظم والمستند الأعصم فحرم الكفر والفسوق والعصيان وأوجب الطاعات والإيمان وأوجب قتل الكافر وتوعده بالعذاب الدائم والهوان ولا يخفى على من معه أدنى مسكة إذا تأمل بأدنى فكرة أن الإيمان

298

بالله رأس المصالح والخيرات والكفر رأس المقابح والهلكات ولأجل وجوب الإيمان وتحريم الكفران أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ولأجل ذلك قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فهذه الأصول الخمسة بها يتم نظام العالم وبأضدادها يخرب العالم وبنظام العالم يتم نظام الأديان وبنظام الأديان يحصل النجاة من عذاب النيران والفوز بنعيم الجنان مع رضى الرحمن فهذا بيان أنموذج من أصول السياسات الشرعيات وأما الرياضات فيكفيك منها مثال واحد من الطيبات وذلك أنه عليه السلام قال المعدة بيت الداء والحمية أصل الدواء وأصل كل داء البرد ولقد سمع بعض أطباء الهند هذا الكلام فقال لم يترك نبيكم من الطب لأحد شيئا أو كلاما هذا معناه وتتبع ما استفيد من جهته من العلوم بحر لا ساحل له وليس هذا موضع استيفائه ومقصود هذا الكلام أن النبي الرفيع عند الله العظيم القدر لديه كان أميا منسوبا إلى ولادة الأم ومعنى هذه النسبة أنه بقى على ما كان عليه أي لم يتعلم علما من أحد ولا اكتسبه ولا خط كتابا بيمينه وهذا معروف من حاله عند الموافق والمخالف وربما كان إذا أراد أن يحسب شيئا عدده بأصابعه فكان يقول أنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يشير بيديه ثلاثا والشهر هكذا وهكذا ويخنس بإحدى أصابعه يعني في الثالثة ومع ذلك فقد أوتى جوامع الكلم وبدائع الحكم وعلوم الأولين فأخبر عن القرون الماضية والأمم السالفة بأخبار هي حق عند أرباب العلوم ولا ينازعه أحد منهم فيها بل إذا سمعوها أذعنوا للتصديق بها ولم يكذبوه في شيء منها وكذلك أخبر عن الأمم الآتية والوقائع المنتظرة أخبارا لا يتوصل إليها بإكتساب وإنما ذلك بإعلام العليم الوهاب فجاءت على نحو ما أخبر وما به بشر وأنذر وسيأتي من ذلك مواضع يتبين فيها ذلك إن شاء الله تعالى

299

وهذا دليل من أدلة نبوته لا يخفى على متأمل وبالله التوفيق بل نقول أنه ليس في القوة البشرية والجبلة الإنسانيه الوصول من العلوم والمعقولات إلى مثل ما وصل هو إليه إذ قد علم أمورا لا يستقل العقل بدركها وأخبر بها وعند هذا يعلم أن ذلك بتوفيق إلهي ونور رباني ولأجل هذا قال الله له وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وأما صبره وحلمه فيكفيك من ذلك أنه كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجه فشق ذلك على أصحابه فقالوا له لو دعوت الله عليهم فقال إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة ثم قال اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فأنظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم إذ لم يقصر على السكوت عنهم حتى عفى ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله لقومي ثم اعتذر عنهم لجهلهم فقال فإنهم لا يعلمون وكذلك جاء أعرابي جلف جاف وكان على النبي صلى الله عليه وسلم برد غليظ الحاشية فجذبه الأعرابي بردائيه جبذا شديدا حتى أثر حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال يا محمد احملني على بعير من مال الله الذي بيدك فإنك لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وقال المال مال الله وأنا عبده ثم قال له لم فعلت بي ما فعلت قال كأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى آخر تمر وكذلك قال له آخر اعدل يا محمد فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويلك إن لم أعدل أنا فمن يعدل أيأمنني الله على خزائنه ولا تأمنوني وكذلك سحره

300

لبيد بن الأعصم اليهودي فأعلمه الله بسحره وحيث هو فاستخرجه الله فبرئ فقيل له ألا تقتله فقال أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا وكذلك قدمت إليه يهودية ذراع شاة مسمومة فأكل منه النبي عليه السلام فعافاه الله في ذلك الوقت من ضرر ذلك السم فاستحضر المرأة وقال لها ما الذي حملك على ذلك قالت أردت إن كنت كاذبا أرحت منك وإن كنت صادقا لا يضرك فعفى عنها وقد قال بعض أصحابه ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله تعالى وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما ضرب خادما ولا أمرأة وجئ إليه برجل فقيل هذا أراد أن يقتلك فقال له صلى الله عليه وسلم لن ترع لن ترع ولو أردت ذلك لم تسلط علي وجاءه زيد بن سعية يتقاضاه دينا له عليه فجبذ ثوبه عن منكبيه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له فانتهره عمر وشدد له في القول والنبي صلى الله عليه وسلم يتبسم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي ثم قال لقد بقى من أجله ثلاثة وأمر عمر يقتضيه ما له ويزيده عشرين صاعا فكان سبب إسلامه والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن يأتي على حصرها هذا الكتاب وعلى الجملة فقد تواتر صبره على أذى قريش وسبه وإخراجه من بلده ونيل الأذى حتى بلغوا منه مبلغا لا يصبر عليه إلا من هو مثله فلما أظفره الله بهم قال لهم ما تقولون أني فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم وأبن كريم فقال أقول كما قال أخي

301

يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أذهبوا فأنتم الطلقاء ولقد ثبت عنه أنه لما كذبه قومه جاءه جبريل عليهما السلام فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال مرني بما شئت إن شئت أطبق عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ولقد هبط ثمانون رجلا من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا فأعتقهم ومثل هذا كثير وعند هذا يتبين أنه صلى الله عليه وسلم أحلم الناس عند مقدرته وأصبرهم على مكرهته وأنه امتثل أمر الله حيث قال له خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وحيث قال له تعالى فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم على علو منصبه ورفعة رتبته فكان أشد الناس تواضعا وأبعدهم عن كبر وحسبك أن الله خيره بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا فقال له إسرافيل عليه السلام عند ذلك فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق الأرض عنه وأول شافع وقال أبو أمامة خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكأ على عصا فقمنا له فقال لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا وقال إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد وكان يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبيد ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيث ما انتهى به المجلس جلس

302

وقال عليه السلام لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وجاءته امرأة فقالت إن لي إليك حاجة قال لها اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضى حاجتك فجلس إليها حتى فرغت من حاجتها وكان يوم بني قريظة على حمار ومخطوم بحبل من ليف عليه أكاف وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب وقد حج وكان عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم هذا كله وقد أقبلت عليه الدنيا بحذافيرها وألقت إليه أفلاذ كبدها فلم يلتفت إليها ولا عبأ بها وكان صلى الله عليه وسلم في بيته في مهنة أهله يفلى ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه ويعلف ناضحه ويقم البيت ويعقل البعير ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق وكانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت من المدينة حتى يقضى حاجتها ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له ( هون عليك فاني لست بملك انما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ) وقال أبو هريرة دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشترى سراويل وقال للوازن زن وارجح وذكر قصته فقال فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها فجذب يده وقال هذا تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم ثم أخذ السراويل فذهبت لأحمله فقال صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله وأما عدله وصدقه صلى الله عليه وسلم وأمانته وصدق لهجته فكان صلى الله عليه وسلم آمن الناس وأعدل الناس وأعف الناس وأصدقهم لهجة منذ كان اعترف بذلك محادوه وعداته وكان يسمى قبل النبوة الأمين وذلك لما جعل الله فيه من الأخلاق الصالحة

303

ومما يدل على ذلك أن قريشا لما بنيت الكعبة اختلفت فيمن يضع الحجر الأسود موضعه فحكموا بينهم أول داخل عليهم فإذا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم داخلا فقالوا هذا محمد هذا الأمين قد رضينا به وذلك قبل أن يبعث ولقد اجتمع الأخنس بن شريق مع أبي جهل يوم بدر وكلاهما مخالف وعدو له قد أجمع على قتله وقتاله فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا فأخبرني عن محمد أصادق أم كاذب فقال أبو جهل والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولقد سأل هرقل أبا سفيان وهو على شركه ومخالفته فقال له هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قال لا قال هرقل قد أعلم أنه لم يكن يدع الكذب على الناس ويكذب على الله وقال النضر بن الحارث لقريش وهو عدوه ومخالفه قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاء به قلتم أنه كذاب وأنه ساحر لا والله ما هو بساحر ولا بكذاب فهذا كان حاله فاعترف أعداؤه بمناقبه ولا يقدرون على إنكار شيء من فضائله من أدل دليل على عدله وعظيم تواضعه وفضله أنه كان قد انتهى به الأمر إلى أن تهابه الملوك وتفرق منه الجبابرة ومع ذلك فإنه كان يوفي لكل ذي حق حقه ويعرف لذي الفضل فضله حتى كان يقول إني أريد أن ألقى الله وليس لأحد منكم يطالبني بمظلمة في أهل ولا مال ولأجل ذلك أقاد عكاشة بن محصن من نفسه وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ضربه بقضيب في ظهره غير قاصد لضربه فقال له عكاشة إنك قد أوجعتني فأقدني معناه مكني منك حتى أضربك مثلما ضربتني فكشف له عن ظهره وناوله القضيب وقال اضرب فأكب عكاشة على ظهره يقبله وقال إنما أردت أن يمس جلدي جلدك

304

والأخبار في هذا أكثر من أن يحيط بها هذا الكتاب وأما زهده صلى الله عليه وسلم فلقد كان أزهد الناس وأورعهم وحسبك شاهدا على ذلك ما علم من حاله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أعرض عن الدنيا وزهرتها ولم يلتفت إلى شيء منها مع إقبالها عليه وسياقتها إليه وذلك أن الدنيا سيقت إليه بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها وهو مع ذلك لا يعرج عليها ولا يلتفت إليها إلى أن مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله وهو يدعو ويقول اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ويقول اللهم أحييني مسكينا وأمتني مسكينا وأحشرني في جملة المساكين ولقد صحت الأخبار عنه أنه ما شبع ثلاثا تباعا حتى مضى لسبيله ولقد روى أنه ما شبع من خبز الشعير يومين متواليين وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا وما ترك إلا بغلته وسلاحه وأرضا جعلها صدقة وكان يقول ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا يمضي ثالثة وعندي منه دينارا إلا شيئا أرصده لدين ولقد قال صلى الله عليه وسلم عرض على ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب بل أجوع يوما وأشبع يوما فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك ولقد حكى عنه جماعة من أصحابه أنه كان يبيت هو وعياله الليالي المتتابعة طاويا لا يجدون عشاء وقال أنس خادمه ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق ولا رأى شاة عبيطا قط ودخل عليه عمر بن الخطاب فوجده مضطجعا على رمل حصير قد أثر في جنبه قال عمر فنظرت في بيته فلم أر فيه شيئا فبكيت لما رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم من الحاجة والفاقة فقال ما شأنك يا ابن الخطاب فقلت يا رسول الله ذكرت كسرى وقيصر وما أعطاهما الله تعالى فقال أفي شك أنت يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة وقالت عائشة لم يمتلئ جوف نبي الله شبعا قط ولم يبث شكوى إلى أحد وكانت الفاقة أحب إليه من الغناء وإن كان ليظل جائعا يلتوي طول ليله من الجوع فلا يمنعه صيام يومه ولو شاء سأل ربه كنوز جميع الأرض وثمارها ورغد عيشها

305

ولقد كنت أبكي له رحمة مما أرى به وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع وأقول نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بما قوتك فيقول يا عائشة مالي وللدنيا إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرمهم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيي أن ترفهت في معيشتي أن يقصرني غدا دونهم وما شيء هو أحب إلى من اللحوق بإخواني وأخلاني قالت فما أقام بعد ذلك إلا شهرا حتى توفى صلوات الله عليه ولقد شكى إليه بعض أصحابه الجوع وكشف له عن بطنه عن حجر فكشف له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين صلى الله عليه وسلم تسليما وهذا معلوم قطعا من أحواله لا يقدر على جحده أحد من أعدائه ولا أوليائه وأما كثرة جوده وكرمه فشيء معروف من شيمه فلقد تواتر أنه كان أكرم الناس وأجودهم حتى أنه ما سئل قط شيئا فمنعه إذا كان ذلك الشيء المسئول مما لا يمنع شرعا قال ابن عباس رضي الله عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في رمضان وكان أجود بالخير من الريح المرسلة ولقد سأله رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع ذلك الرجل إلى قومه فقال أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى فاقة وأعطى أناسا كثيرين مائة مائة من الإبل وأعطى صفوان مائة ثم مائة وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله وسيق له صلى الله عليه وسلم تسعون ألفا فوضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلا جاءه وربما كان السائل لا يجد عنده شيئا فيأخذ له بالدين ويعطيه السائل حتى يقضيه النبي صلى الله عليه وسلم ولقد جاءه رجل فسأله فقال ما عندي شيء ولكن أبتع على بدين فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر ما كلفك الله مالا تقدر عليه فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم

306

ما قاله عمر فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا فتبسم وعرف بشر ذلك القول في وجهه وقال بهذا أمرت ولقد كان صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية وإن لم يحتج إليها ويثيب عليها بأضعافها روى أن معاذ بن عفراء أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم طبقا فيه رطب وقثاء فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ملء كفه ذهبا وحليا وكان صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغده لنفسه وقد ثبت عنه أنه كان يقول ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمضي على ثالثة وعندي منه دينارا إلا شيئا أرصده لدين وما سيق له قط شيء يقسم ذهبا كان أو غيره إلا أمر بقسمه ولم يبت عنده وهكذا كان المعروف من خلقه قبل مبعثه وكان هذا معروفا عند قومه الذين نشأ فيهم حتى لقد قال له ورقة بن نوفل وكان امرءا تنصر وقرأ الكتب العبرانية وكان قد تفطن واستشعر بنبوته عليه السلام لما رأى من العلامات التي علمها من الكتب المتقدم فقال له إنك لتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق وهذا كله من أخلاقه معروف حاصل لا يتمارى فيه منصف عاقل وأما وفاؤه بالعهد فلا يتمارى فيه إلا خسيس وغد فقد كان صلى الله عليه وسلم أحفظ الناس بعهد وأوفاهم بميثاق ووعد وأحسنهم جوارا وأصدقهم قولا وأخبارا روى عن عبدالله ابن أبي الحمساء أنه قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت علي أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك وذلك للميعاد الذي كان بينهما وكان المعلوم من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه كان يعقد العهود والمواثيق بينه وبين عداته وغيرهم فيفي بها ويؤذنهم بإنقضائها عند تمامها ولم يغدر قط في شيء منها ولقد كان هذا معروفا عند أعدائه كما هو معروفا عند أوليائه

307

ولقد روى أن هرقل ملك النصارى لما سأل كفار قريش عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم قال فهل يغدر قالوا له لا فقال لهم كذلك الرسل لا تغدر وكيف يغدر صلى الله عليه وسلم وهو قال ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدرة فلان ولقد جاءه المغيرة بن شعبة مسلما وجاء معه بمال قوم من الجاهلية كان قد صحبهم ثم قتلهم وأخذ أموالهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء وقال صلى الله عليه وسلم وقد عرض له بعض أصحابه بغدر المشركين دعني لهم ونستعين الله عليهم وفي خبر الجلندي ملك عمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فقال الجلندي والله لقد دلني على أن هذا نبي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له وأنه يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ويفي بالعهود وينجز الموعود أشهد أنه نبي يا هذا تأمل بعقلك أين هذا مما يحكى اليهود والنصارى عن موسى عليه السلام في كتبهم من أن موسى عليه السلام لما أراد الخروج من مصر استعار حلى بني إسرائيل ثم فر به ليلا وعند الإنتهاء إلى هذا المقام يعلم العاقل ما في كتب القوم من الأباطل والأوهام وموسى عليه السلام مبرأ عن النقائص والآثام ومن وفائه بالعهد وقيامه في حفظه بالحد أنه قدم عليه وفد النجاشي فقام صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه نحن نكفيك فقال إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم وقال صلى الله عليه وسلم حسن العهد من الإيمان وحقيقة الوفاء بالعهد تتميم ما ربط من العقد ومراعاة ما تقدم من الود ومكافأة من له يد وقد كانت هذه الخصال اجتمعت فيه لا ينازع في ذلك أحد وإن كان يناوئه وأما حسن سمته وتؤدته وكثير حيائه ومروءته فشيء لا يجحد ولا يجهل ولا يلحقه في شيء من ذلك أحد وإن بدل غاية جده ولم يكسل فهو بالحقيقة كما قال الشاعر الأول

308


سعى بعدهم قوم لكي يدركونهم
فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا

كان صلى الله عليه وسلم كثير الصمت والوقار طويل الإطراق والإعتبار تكسو هيبة وقاره جسائه حتى إذا جلسوا بين يديه كأن على رؤوسهم الطير إعظاما له وهيبة منه مجلسه أوفر المجالس لا يسمع فيه ضحت الأصوات ولا اختلاط اللغات ليس فيه مراء ولا جدال ولا للهجر والفحش فيه مجال لا توبن في مجلسه الحرم ولا يغض فيه من الأقدار والقيم بل كان مجلس علم وأصحابه يعظمون في مجلسهم معه حرمات الله ويتعلمون منه أحكام الله فتارة يعلمهم بأمور الآخرة كأنهم ينظرون إليها وأخرى يعلمهم أحكام شريعته كي يعملوا بها قال ابن أبي هالة كان سكوته على أربع على الحكم والحذر والتقوى والتفكر يعلم الجاهل المسترشد ويدنيه ويطرد المعاند المتكبر ويقصيه يتواضع للفقراء ويتواضع لديه الأمراء كان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها الرفيعة الشريفة في قومها كان إذا سمع ما يستحيى منه ظهر نور الخفر على وجهه ولذلك مر صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يعتب أخاه على الحياء فقال صلى الله عليه وسلم دعه فإن الحياء من الإيمان وقال الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير وقال استحيوا من الله حق الحياء وكان صلى الله عليه وسلم ضحكه تبسما ولم ير قط في ضحكه مقهقها ولا مترنما كان كلامه فصلا يفهمه كل من سمعه وربما تكلم بالكلمة ثلاثا حتى تفهم عنه وكان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه وكان إذا مر بقوم يسلم عليهم ثلاثا وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على مروءته وعلى إستقامة حالته وتحسين هيئته يمشي هونا كأنما ينحط من صبب إذا مشى مشى مجتمعا وإذا جلس جلس محتبيا وقرب إليه طعام ومتكأ فقال لا أتكئ إنما آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد

309

كان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ويستعملها ويحض عليهما ويقول إن الله تعالى جميل يحب الجمال ويأمر بالسواك وغسل البراجم والدواجب وإستعمال خصال الفطرة ويأخذ بذلك ويعمل به وكان صلى الله عليه وسلم لكثرة محافظته على جلال مروءته إذا عطس غطا وجهه وخفض بها صوته وما عسى أن يقول القاص فيمن جمعت فيه كل الفضائل والمآثر بل غاية الفصيح الأثر أن ينتهي إلى ما قاله الشاعر
ماذا أقول وقولي فيك ذو حصر
وقد كفيتني التفصيل والجملا


إن قلت ما زلت مرفوعا فأنت كذا
أو قلت زانك دى فهو قد فعلا

وأما شجاعته ونجدته فكان منها صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي لا يجهل وحظه منها الحظ الأوفى الأفضل قد كان مارس الضراب ووقف مواقف الصعاب لا يبالي بكثرة العدد ولم يفر قط أمام أحد وما من شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وإن كان له بعدها كرة إلا هو صلى الله عليه وسلم فلم يدبر قط منهزما ولا فارق مكرها ملتزما وكان علي بن أبي طالب يقول كنا إذا اشتد البأس وحميت الحرب اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتنا يوم بدر نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو ولقد كانت الصحابة تقول إن الشجاع منا للذي يقوم بجانبه يستتر به وقيل ل أنس أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر ثم قال رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذا بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قيل فما رؤى يومئذ أحد كان أجرأ منه ولا أشد وقد روى عنه أنه نزل عن بغلته متوجها نحو العدو وقال العباس

310

ابن عبد المطلب لما التقى المسلمون والكفار يوم حنين ولى المسلمون مدبرين فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار قال العباس وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه ثم نادى بالمسلمين وذكر الحديث وقال أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق أناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت وقد استبرا الخبر على فرس عرى لأبي طلحة وفي عنقه السيف وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وإنا وجدناه ليجرا يعنى القوس لكثرة جرية وقال ابن حصين ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول ضارب ولما رآه أبي بن خلف يوم أحد وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجا وقد كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين افتدى يوم بدر عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما رآه أبي يوم أحد شد أبي فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترضه رجال من المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه خلوا طريقه وتناول النبي صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث ابن الصمة فانتفض بها انتفاضة فتطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض ثم استقبله النبي صلى الله عليه وسلم ثم طعنه بها طعنة تدأدأ منها على فرسه وقيل بل كسر ضلعا من أضلاعه فرجع إلى قريش يقول قتلني محمد وهم يقولون لا بأس بك فقال لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم أليس قد قال لي أنا أقتلك إن شاء الله والله لو بصق على لقتلني فمات ب سرف في قفولهم إلى مكة ومما يدلك على عظيم شجاعته أنه يوم أحد فر عنه الناس فاستقبل العدو في نفر قليل من أصحابه فكسر عتبة بن أبي وقاص رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى وشجه في جبهته عبدالله

311

ابن شهاب الزهري وضرب عمرو بن قمئة وجنته فأدخل حلقتين من حلق المغفر في وجنته وهو في ذلك كله لا يزول عن موضعه ولا يولي ظهره ولم يزل كذلك حتى أنزل الله عليه نصره حين رأى صبره وفي ذلك الموضع وفي تلك الحال نهض نفر من أصحابه لقتال العدو فوافقوهم وقاوموهم مع كثرة عدوهم فانفدت مقاتل واحد منهم فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم خد ذلك الرجل على قدمه حتى مات وهذا يدلك على غاية شجاعته وكثرة الجلد وقلة المبالاة بالعدو ولقد كانت غزوة أحد هذه التي جرى فيها ما ذكر من أول الشواهد على نبوته صلى الله عليه وسلم وذلك أنه لما التقى هو والمشركون قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه وكانوا رماة انضحوا عنا الخيل بالنبل لا يأتونا ما خلفنا واثبتوا مكانكم كانت لنا أو علينا وقد كان أمر عليهم عبد الله بن جبير ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فهزموا المشركين وولوا أدبارهم حتى سقط لواءهم صريعا فلما رأى أصحاب عبد الله الهزيمة قالوا الهزيمة الهزيمة تعالوا بنا نصيب مما تصيبه الناس فقال لهم عبدالله ألم يقل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبرحوا من مواضعكم فقالوا له قد هزم الله العدو فلم يلتفتوا كلامه فزالوا عن مواضعهم فلما زالوا عن مواضعهم عاقهم الله بأن رجع العدو عليهم فقتل منهم من قتل لمخالفتم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحص الله في تلك الغزوة المؤمنين ومحن الكافرين والمنافقين وفي تلك الغزوة فقئت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه وسيأتي ذكر هذا وماشاكله بعد هذا إن شاء الله تعالى وأما خوفه من الله تعالى وإجتهاده في عبادته فقد بلغ من ذلك إلى حد لم يبلغه أحد من الخليقة وذلك أن الله تعالى كلفه من وظائف العبادات مالم يكلف أحدا على الحقيقة وهو مع ذلك لا يقصر في شيء منها بل كان يبذل غاية إجتهاده ووسعه في أدائها فمن العبادات التي كلفها الله له تحمل أعباء الوحي ومشقة ثقله فلقد كان ينزل عليه

312

الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ولأجل هذا قال الله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وقال له فإذا قرأناه فاتبع قرآنه وهذه مشقة لا يعرفها على التحقيق إلا الرسل ولأجل عظم هذا الأمر جاءه جبريل عليه السلام وهو يتعبد بغار حراء وذلك قبل أن يوحى إليه فقال له اقرأ فقال ما أنا بقارئ فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ ففعل به مثل ذلك مرتين فقال له في الثالثة اقرأ باسم ربك الذي خلق الآيات فقرأها ثم رجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال زملوني فدثروه فأنزل الله عليه وهو على تلك الحال يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر الآيات ثم بعد قبول الوحي أمر بتبليغه وتبيينه للناس والصبر على ما يصيبه من أذى قومه فكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ودينه على قبائل العرب وعلى وفودها إذا قدموا مكة لمواسم الحج فيعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم ويظهر خلافهم ويوبخهم على جهالاتهم فيردون عليه قوله ويكذبونه ويسبونه ويؤذونه بأقصى ممكنهم من أنواع الأذى فيصبر على ذلك ويحتسب ما يلقاه على الله فلسان الحال ينشد والأنفاس خوفا من التقصير في أمر الله تتصعد
لا أبالي إذا رضيت إلهي
أي أمر من الأمور دهاني

فلم يزل راضيا صابرا على أنواع البلاء حتى كان لسان حاله يقول
عذب التعذيب عندي وحلا

فأقام على ذلك بمكة ثنتي عشرة سنة يدعو الناس من غير قتل

313

ولا قتال وذلك كله ليظهر الإسلام وتنتشر دعوته لئلا يكون لأحد حجة على الله ورسوله وبعد ذلك أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة فقارق أهله وعشيرته وحاله وماله وولده وبلده ولم يعظم عليه مفارقة شيء من ذلك في ذات الله فترك كل ذلك إلى الله فوقع أجره على الله فلما حل بالمدينة افترض الله عليه القتال فقاتل في ذات الله جميع من كفر بالله غير مقصر في ذلك ولا مفرط بل جادا مجتهدا حتى أظهر الله دينه وإن رغمت أنوف الجاحدين وفي كل ذلك الزمان كان يقوم بوظائف الشريعة وعباداتها عبادة عبادة فصلى حتى تورمت قدماه وانتفخت وصام حتى كان القائل يقول لا يفطر لكثرة ما كان يرى من صومه ووصاله وكان يذكر الله ويعظمه ويمجده ويشكره على كل أحواله من غير تقصير ولا فتور ولا تشغله عبادة عن عبادة ولا عمل زمان عن عمل زمان آخر كان عمله دائما وكذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم خير العمل أدومه فكان يراعي أنفاسه مع الله ولا يضيع شيئا مما كلفه خوفا من الله فكان ربما يتفكر في عظيم أمر الله وعزة سلطانه فيستعظم ما يعرف من هول المطلع فكان يقول والله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية وكان يقول يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله وما تلذذتم بالنساء على الفرش لوددت أني شجرة تعضد ولذلك كان يقول إني أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله وهذا كله يدل على كثرة معرفته بالله تعالى وشدة خوفه منه ورهبته له وكذلك كان يبكي ويسمع لخوفه صوت كصوت المرجل من البكاء وكذلك صح النقل عنه بأنه كان متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة وكان يقول يا أيها الذين آمنوا توبوا فإني أتوب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة وروى عن علي بن أبي طالب أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ستة فقال المعرفة راس مالي والعمل رأس

314

ديني والحب أساسي والشوق مركبي وذكر الله مجدي والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة حسبي والصبر هادي خلقي وقرة عيني في الصلاة وفي حديث آخر وثمرة فؤادي في ذكره وغمى لأجل أمتي وشوقي إلى ذي الجلال ووصف خوفه يطول ومعرفة ذلك من حاله لا ينكره عليم ولا جهول إذا كان من أهل الإنصاف والعقول وعلى الجملة فمناقبه الشريفة لا تحصى وما خص به من الأخلاق الكريمة عديد الحصى كيف لا وقد قال الله تعالى له وإنك لعلى خلق عظيم وما عظمه العظيم فهو عظيم وكيف لا يكون ذلك وقد بعثه الله تعالى متمما لمكارم أخلاق الأولين وقد خصه بصفات جميع النبيين فلو جاز أو تصور أن يعبد أحد من البشر لكمال أخلاقه وكرم أوصافه وطيب أعرافه لكان هو إذ قد أعطى من ذلك ما لم يعطه أحد من البشر ولا دخل لهم تحت كسب ولا قدر

315

خاتمة جامعة في صفاته وشواهد صدقه وعلاماته وذلك أن أبا سفيان وكفار قريش قدموا الشام تجارا فأرسل إليهم هرقل وكان ملك النصارى وعظيمهم وإليه ينتهي علمهم فجاءوه ودخلوا عليه في مجلسه وحوله عظماء الروم فقال لترجمانه قل لهم أيكم أقرب نسبا بهذا االرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان أنا أقرب نسبا منه فقال ادنوه مني وقربوا أصحابه واجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه قل لأصحابه إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذب فكذبون قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عني كذبا لكذبت عليه قال أبو سفيان فكان أول ما سألني عنه أن قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول أحد منكم قط قبله قلت لا قال فهل كان في آبائه من ملك قلت لا قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها يعني صلحا قال ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه قال ماذا يأمركم قلت يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة فقال هرقل لترجمانه قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد

316

قال هذا القول قبله لقلت رجل يقتدي يقول قيل قبله وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان قد بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين يعني المقتدين به و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

317

قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام وكان ابن الناظور صاحب إيلياء يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس فقال له بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن الناظور وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة قالوا ليس يختتن من هذه الأمة إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود فبينا هم على ذلك أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أمحتتن هو أم لا فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن وسأله عن العرب أيختتنون فقال هم يختتنون فقال هرقل هذا ملك هذه الأمة قد ظهر ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي فأذن هرقل عظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى االأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وآيس من إيمانهم قال ردوهم على وقال إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له ورضوا عنه فكان هذا آخر شأن هرقل فتأمل أيها القس إن كنت من أهل العقل والحدس كيف كان العلماء منكم يعرفونه بعلاماته ويستدلون على صحة نبوته بحسن

318

أوصافه وهيئاته وهكذا فعل جماعة من عقلاء أهل الكتاب وغير واحد من ذوي الألباب مثل عبدالله بن سلام والفارسي سلمان ونصارى الحبشة وأساقفة نجران ولا تشك إن كنت منصفا أنهم كانوا أعلم بالكتب منك وأعرف برسل الله وعلاماتهم من عثرتك ولعلمهم بكتب الله وما جاء فيها من علامات محمد رسول لله لما جاءهم ما عرفوا وحققوا آمنوا وصدقوا فقالوا ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ولجهلهم بكتب الله وبعلامات رسول الله لما جاءكم الحق كفرتم به فلعنة الله على الكافرين ومن أعظم آياته وأوضح دلالاته ما جرى له مع قومه وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما جاهر قومه بتبليغ ما أمره الله من الرسالة وصدع بأمره فسفه أحلامهم وعاب آلهتهم وبين ليهم فساد ما هم عليه شق ذلك عليهم وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام كانوا إذا ذاك قليلا مستخفين فأرادت قريش قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل من معه والوثوب عليهم فحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه منهم لشرفه في قومه وعزته فلم يقدروا أن يصلوا إليه بشيء مما أرادوه فلما رأوا أنهم لا يقدرون أن يصلوا إلى ضره لمنع عمه له منهم اجتمعوا وقالوا لأبي طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وظل آباءنا فأما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا ثم قال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا للذي قالوا له فابق با ابن أخي على وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك القول منه ظن أنه سيسلمه إليهم وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال له يا عم والله لو وضعوا الشمس

319

في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب عمه وقال له أقبل يا ابن أخي واذهب فقل ما أحببت فوالله ما أسلمك لشيء أبدا فلما رأت قريش أن أبا طالب لا يسلمه عزمت على حرب أبي طالب وقتاله فتهيأ أبو طالب لقتالهم وجمع قومه وعشيرته لذلك ثم إنهم تصالحوا فيما بينهم وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاله ذلك من عيب دينهم وتسفيه عقولهم وذم آلهتهم لا يرده عن ذلك راد ولا يصده عما يريده صاد فاجتمع أشراف قريش يوما فقالوا ما رأينا مثل صبرنا على ما نلقى من أمر هذا الرجل أنه قد سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صرنا منه على أمر عظيم فبينما هم يقولون ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته وهيبته حتى ما منهم رجل إلا ناكس رأسه كأن على رأسه طائرا واقفا حتى إن أشدهم عليه وطأة ليلين له بالقول ويقول له أحسن ما يجده من الكلام حتى أنه ليقول إنصرف يا أبا القاسم فوالله ما كنت جهولا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم حتى إذا كان الغد اجتمعوا فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا أسمعكم ما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون أنت الذي تعيب آلهتنا وديننا فيقول نعم أنا الذي أقول ذلك فأخذوا بمجمع ردائه وجبذوه جبذا شديدا وهو في ذلك يقول لهم أنا الذي أعيب ما أنتم عليه لم يفزعه ما رأى منهم ولا هاله ذلك بل صبر على ما ناله حتى نصره الله عليهم وأظهر دينه على دينهم

320

فتأمل أيها العاقل إن كنت منصفا فرق ما بين نبينا محمد عليه السلام وبين ما تحكيه النصارى عن المسيح في إنجيلهم وذلك أنها تحكي فيه أن المسيح لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول يا أبتاه فسلمني من هذا الوقت وأنه حين رفع في الخشبة صاح صياحا عظيما وقال إلى إلى لم غريتناني وترجمته إلهي إلهي لم أسلمتني وهذا غاية الجزع والخور ينزه عنه عيسى بل هو من أكاذيبهم عليه وكذلك ذكرت في إنجيلها أن عيسى لما أخذته اليهود وحملته إلى قائد القسيسين قال له أستحلفك بالله الحي أن تصدقنا إن كنت المسيح ابن الله فقال له المسيح أنت قلته وهذا كلام يدل على أنه كتم نفسه وسترها ضعفا وجبنا ثم إن كفار قريش لما أكربهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغاظهم شأنه تشاوروا في أمره فقال لهم عتبة بن ربيعة يا معشر قريش ألا أقو م لمحمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك لما لم يقدروا أن يصلوا إليه بمكروه فقالوا له بلى فقام إليه عتبة فقال له يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل منا بعضها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل أسمع فقال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان

321

هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فلما فرغ له النبي صلى الله عليه وسلم أقد فرغت قال نعم فاسمع مني قال أفعل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة حتى إذا بلغ السجدة فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض أحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس اليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوا فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه فقال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم فانظر إن كنت عاقلا كيف بذلوا له أموالهم فلم يلتفتها وعرضوا عليه ملك الدينا فلم يعرج عليها بل صدع بأمر الله وبلغ ما أمره به الله وكذلك اجتمع كفار قريش أشرافهم وسادتهم فعرضوا عليه مثل الذي عرض عليه عتبة وقالوا له مثل قوله فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي مما تقولون شيئا وما جئتكم أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا التملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل على كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا

322

فبلغتكم رسالات الله ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم والأخبار في هذا النوع كثيرة ومن أوضح آياته وأشهر علاماته ما أكرمه الله به بعد وفاته وذلك أنه قد اشتهر أنه صلى الله عليه وسلم لما توفاه الله تعالى اختلف غاسلوه في تجريده القميص فلما اختلفوا في ذلك ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو ولا يرون أحدا أن أغسلوا النبي وعليه ثيابه وكذلك روى أن عليا والفضل حين انتهيا في الغسل إلى أسفله سمعوا مناديا يقول لا تكشفوا عورة نبيكم صلى الله عليه وسلم وكذلك روى في طرق صحاح أن أهل بيته سمعوا وهو مسجى بينهم قائلا يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت أن في الله عوضا عن كل تالف وخلفا من كل هالك وعزاء من كل مصيبة فاصبروا واحتسبوا أن الله مع الصابرين وهو حسبنا ونعم الوكيل قال فكانوا يرون أنه الخضر وقد آن أن نمسك العنان إذ قد حصل البيان على أن قرائن أحوال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلاماته مما لا يحصيها لسان ولا يحيط بإجملها إنسان وقد نجز القول في النوع الثاني من أدلة نبوته والحمدلله ونشرع الآن في النوع الثالث

323


النوع الثالث

الإستدلال على نبوته صلى الله عليه وسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ولقد كان ينبغي أن نقدم الإستدلال بهذا النوع لكونه أعظم المعجزات وأوضحها وأشهرها لكن قدمنا النوع تسكيتا للنصارى واليهود وتأسيسا وقدمنا النوع الثاني بناء وتأسيسا فنقول أيضا محمد بن عبدالله رسول صادق فيما يقوله عن الله والدليل على ذلك أنه قد جاء بالمعجزات وكل من جاء بها فهو صادق فمحمد إذن رسول من الله صادق فإن قيل لم قلتم أنه قد جاء بالمعجزات قلنا قد نقل إلينا نقلا متواترا بحيث لا يشك فيه أنه جاء بالقرآن وبمعجزات كثيرة فإذن هو صادق ونبدأ الآن بالكلام على القرآن وبعد الفراغ منه نشرع في الكلام على غيره من المعجزات إن شاء الله تعالى فإن أنكر منكر أن يكون جاء بالقرآن فقد تبين عناده وسقط استرشاده ويقال له قد حصل بذلك لك الأمم واستوى في ذلك العرب والعجم وسبيلك إن كنت منصفا أن تعاشر المتشرعين وتسألهم عن أخبار الماضين حتى يحصل لك العلم اليقين ولن ينازع في ذلك عاقل منصف بل إما معتوه أو متعسف فإن قيل سلمنا أنه جاء بالقرآن قلم قلتم أنه معجزة قلنا لأنه قد تحدى به كافة الفصحاء البلغاء ومدة مقامه بينهم فلم يقدروا على معارضة شيء منه فإذن هو معجزة بيان ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعثه الله إلى قوم كان معظم علمهم الكلام الفصيح البليغ المليح فلقد خصوا من البلاغة والحكم بما

324

لم يخص به غيرهم من الأمم وأوتوا من دراية اللسان ما لم يؤته إنسان ومن فصل الخطاب ما يتعجب منه أولوا الألباب جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقه فيهم غريزة ووضعا فيأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب فيخطبون بدلها في المقامات وشديد الخطب ويرتجزون به بين الطعن والضرب فربما مدحوا شيئا وضيعا فرفع وربما ذموا شريفا فوضع فيصيرون بمدحهم الناقص كاملا والنبيه خاملا وذلك لفصاحتهم الرائقة وبلاغتهم الفائقة فكانوا يأتون من ذلك بالسحر الحلال ويوردونه أعذب من الماء الزلال فيخدعون بذلك الألباب ويذللون الصعاب ويذهبون الأحن ويهيجون الفتن ويجرءون الجبان ويبسطون يد الجعد البنان فهم يعرفون أصناف الكلام ما كان منه نثرا وما كان ذا نظام قد عمروا بذلك أزمانهم وجعلوا ذلك مهمتهم وشأنهم حتى بلغوا منه أعلى الرتب وأطلوا منه على كل غابة وسب لا ينازعهم في ذلك منازع ولا يدافعهم عن ذلك مدافع فبينما هم كذلك إذ جاءهم رسول كريم بقرآن حكيم فعرضه عليهم وأسمعهم إياه واستدل على صدقه بذلك وقال لهم إن كنتم في شك من صدقي فائتوا بقرآن مثله وعند سماعهم له راعهم ما سمعوا وعلموا أنهم دون معارضته قد انقطعوا فلم يقدروا على ذلك ثم إنه طلب منهم أن يأتو بعشر سور مثله فعجزوا ولم يقدروا ثم طلب منهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يستطيعوا وعند ذلك أخبرهم وقال لهم لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا يعنى عونا فعند ذلك ظهر عجزهم وتبلدهم وإن كانوا هم اللسن الفصحاء اللد البلغاء وعند ظهور عجزهم تبينت حجته ووضحت محجته وهكذا حال غير واحد من الرسل ألا ترى أن الله تعالى أرسل موسى بن عمران إلى قوم كان معظم علمهم وعملهم السحر فأيده بقلب العصى حية

325

تسعى فرام السحرة معارضته ومقاومته فلم يقدروا من ذلك على شيء وعند عجزهم تبين صدقه وأنه رسول من عند الله وكذلك عيسى عليه السلام بعثه الله في زمان كان معظم علم أهله الطب فأيده بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وعند عجزهم عن الإتيان بشيء من ذلك تبين صدقه وأنه رسول من عند الله فعلم بهذا البرهان الذي يتطرق إليه خلل أن محمدا رسول الله قد خلت من قبله الرسل فإن قيل لا نسلم أنه لم يعارض بل لعله عورض ولم ينقل أو نقل فأخفى
والجواب من وجهين

أحدهما أنا نقول لليهود والنصارى هذا السؤال ينقلب عليكم في معجزات موسى وعيسى إذ يمكن أن يقال إن ساحرا من السحرة عارض موسى عليه السلام وأنه أتى بعصا فقلبها ثعبانا أعظم من ثعبان موسى والتقم ثعبان موسى ويمكن أن يقال للنصارى أن عيسى عليه السلام عورض في إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ولم ينقل إلينا أو نقل فأخفى وكذلك نقول لغير اليهود والنصارى من الأمم في معجزات أنبيائهم فبالذي ينفصلون عن معجزات أنبيائهم به بعينه ننفصل عن معجزات نبينا عليه السلام وجملة ما قيل في جواب هذا لو عورض لنقل إذ العادات تقتضي ذلك فإن هذا الأمر مهم عظيم تكثر العناية به فيكثر نقله لا سيما في شريعتنا فإنهم قيل لهم إذ لم تصدقوا ولم تعارضوا فأذنوا بحرب فلما لم يؤمنوا ولم يعارضوا قاتلهم فقتلهم وسبى ذراريهم وانتقم منهم غاية الإنتقام فلو قدروا على المعارضة لعارضوا ولو عارضوا لنقل نقلا متواترا فإن هذا الأمر من أهم المهمات عند العقلاء
الوجه الثاني من الجواب

وهو الإنفصال الحق والكلام الصدق أن نقول من وقف على القرآن وسمعه وفهم معانيه وكان عارفا

326

بأصناف كلامهم علم عجز الخلائق عن الإتيان بمثله ضرورة كما يعلم عجز الأطباء عن إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بنفس العلم بهذه الأمور والوقوف عليها وكذلك من شاهد قلب العصى ثعبانا مبينا يتلقف ما جاءوا به من السحر والتخييلات حصل له العلم القطعي بأن قلب العصى ثعبانا يعجز عنه الخلائق أجمعون إذ ذاك خارج عن مقدورهم فإن قيل إحياء الموتى وقلب العصى وما ينزل منزلتها جلي لا يشك فيه من شاهده عام بالإضافة إلى كل العقلاء لا يبقى معه ريب لأحدهم بل يحصل لهم العلم القطعي بذلك وليس كذلك ما ادعاه نبيكم من إعجاز القرآن إذ لا يحصل العلم بإعجازه لكل أحد بل إنما يحصل العلم بذلك عندكم وعلى زعمكم للفصحاء من العرب وأما من ليس فصيحا أو أعجميا لا يفقه لسان العرب فلا يحصل له العلم بإعجازه فإن الأعجمي لو كلف أن يتكلم بكلمة واحدة من لسان العرب لم يقدر على ذلك فعدم قدرته على ذلك لا يدل على صدق المتحدى به وكذلك من ليس فصيحا من العرب لو كلف أن يأتي بكلام فصيح لم يقدر عليه فلا يكون ذلك معجزا في حقه الجواب أن نقول سنبين إن شاء الله وجوه إعجازه وأنها متعددة وإن منها ما يدركه الجفلا ويشترك في معرفة إعجازه أهل الحضارة والفلا فيكون هذا النوع كقلب العصى وإحياء الموتى ولو سلمنا جدلا أنه معجز من حيث بلاغته وأسلوبه المخالف لأساليب كلامهم فقط لقلنا إن العلم بإعجازه وإحياء الموتى وقلب العصى لا يحصل لكل العقلاء على حد سواء ولا في زمان واحد بل يحصل ذلك لمن علم وجه إعجاز ذلك الشيء المعجز حين يعرف أنه مما ليس يدرك بجبلة بشرية ولا يتوصل إلى ذلك بالإطلاع على خاصية وقد لا يبعد أن تقوم شبهة عند جاهل بصناعة الطب والسحر تمنعه من تحصيل العلم بالإعجاز فيقول لعل موسى اطلع من السحر على شيء لم يعلمه السحرة ولا اطلعت عليه وكذلك عيسى لعله وقع على خاصية بعض الأحجار أو بعض الموجودات فكان يفعل بها ما يظهر على يديه وهذه الشبهة إنما ممكن أن تظهر للجاهل بالطب

327

والسحر وأما العالم بالطب وبالسحر فلا تكون هذه شبهة في حقه لعلمه الذي حصل له بالذوق والممارسه بأن الذي جاء به هذا مما ليس يدرك بحيلة صناعية ولا بالوقوف على خاصية بل هو صنع خالق البرية وأنه أراد به التصديق لهذا المدعي والشهادة واليقينية فحصل من هذا أن العلم بإعجاز إحياء الموتى وقلب العصى إنما يحصل أولا للسحرة والأطباء ولا يحصل لكثير من الجهال بالطب والسحر الأغبياء فكذلك إعجاز القرآن ولا فرق حصل العلم به لمن يعلم لسان العرب بالذوق بضرورة الفرق الذي بينه وبين لسان العرب فعلم أنه ليس داخلا تحت مقدور العرب وإذا عجز عنه العرب الفصحاء واللد البلغاء فغيرهم أعجز كما أنا نقول إذا عجز الأطباء عن إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فغير الأطباء أولى وإذا عجز السحرة عن قلب العصى ثعبانا فغير السحرة أعجز وأعجز وقولهم إنما يعجز عنه العرب لا العجم معارض بأن يقال لهم إنما يعجز عن إحياء الموتى الأطباء لا غيرهم وإنما يعجز عن قلب العصى السحرة لا غيرهم فبالذي ينفصلون به ننفصل بل نزيد عليهم في الإنفصال بوجوه ترفع الأشكال فإنا سنبدي وجوها في إعجاز القرآن يدركها كل إنسان عجميا كان أو عربيا مجوسيا كان أو كتابيا وسنبينها إن شاء الله أثر هذا فقد حصل من هذا الكلام كله العلم بأن محمدا صلى الله عيله وسلم جاء بالقرآن وتحدى به وهو معجزة وكل من جاء بالمعجزة وتحدى بها فهو صادق فالنتيجة معلومة وهي أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق فإن قيل فبينوا لنا وجوه إعجاز القرآن وهل هو من جنس ما يقدر عليه البشر فصرفوا عنه أو ليس من جنس ما يقدرون عليه فالجواب أن نقول ذهب بعض علمائنا إلى أن وجه إعجازه إنما هو من جهة أن صرفوا عن الإتيان به وأنه من جنس مقدور البشر لكن لم يقدروا عليه وهذا إن كان فهو بليغ في الإعجاز وذلك أن المعجزات ضربان ضرب خارج عن مقدور البشر كإنفلاق

328

البحر وإنشقاق القمر ونبع الماء من بين الأصابع وضرب يكون من جنس مقدور البشر إلا أنهم يمنعون من فعله ولا يقدرون عليه فلو أن نبيا ادعى أنه رسول الله واستدل على صدقه بأن قال لقومه آيتي ألا تقدروا اليوم على القيام فكان ذلك فهذا دليل صدقه وهو معجزة جلية أبلغ في الإعجاز من الإتيان بما ليس بمقدور ولا يبعد أن يكون إعجاز القرآن من هذا القبيل فإن البشر قد صرفوا عن الإتيان بمثله بل عن الإتيان بآية طويلة من آياته ومن تنازع في ذلك فعليه بأن يأتى بقرآن مثله أو بسورة من مثله وهذا من خصائص نبينا صلى الله عيه وسلم وذلك أن معجزته موجودة بعده وحاضرة مشاهدة في كل وقت لم تنقطع بإنقطاع وجوده ولا ماتت بموته بل هي موجودة مستمرة إلى قيام الساعة فكل من أبدى نكيرا في نبوته أو قدحا في رسالته قلنا له إن كنت صادقا في تكذيبك له فعارض قرآنه ومنزله فإن لم تفعل تبين العقلاء منه أنه متواقح مبطل ثم نقول والذي ذهب إليه أكثر علمائنا أن القرآن خارج عن مقدور البشر وليس من جنس مقدورهم وأن القرآن وإن كان كلاما فليس بينه وبين كلام العرب من المناسبة والإلتقاء إلا ما كان بين الحية التي انقلبت عصى موسى عنها وبين حيات السحرة التي كانت تخيل للناظر إليها أنها حيات تسعى ووجوه إعجازه كثيرة لكنا نبدي منها أربعة ونقتصر عليها لبيانها وظهورها

329


الوجه الأول

فنقول أن لسان العرب مباين للسان غيرهم ومتميزون عنهم بأمور يعلمها العارفون بالألسنة واللغات ولا يشكون فيها ومن غالط في ذلك وأنكره فعليه أن يتعلم لسان العرب وألسنة غيرهم حتى يحصل له الفرق بينه وبينها ذوقا ومشاهدة ضرورية وتلك الأمور التي باين بها غيره من الألسنة خفة اللفظ على اللسان وعذوبته وسهولة المخارج والتعبير عن المعنى الدائر في الضمير بأبلغ عبارة وأوضح تفسير وكما تميز لسان العرب عن لسان غيرهم كذلك غير لسان العرب فكذلك تمييز لسان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأساليب أخر ومناهج لم تكن العرب قبله تستعملها على نحو ما استعملها هو حتى أن من لم يعرف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه وكان عربيا يفرق بينه وبين كلام غيره من الفصحاء فإنه يرز على بلاغة البلغاء وينف في حكمته على جميع الحكماء وكذلك كانت العرب تقول له ما رأينا بالذي هو أفصح منك وهذه المناهج المعروفة في كلامه إنما يعرفها على التحقيق من باشر كلامه وتتبعه وتفهمه وكان عارفا بلسان العرب وكما تميز كلامه عن كلام العرب وزاد عليهم فكذلك تميز كلام الله عن كلامه بأساليب أخر حتى أنه كان إذا تكلم بكلامه أدرك الفرق بينه وبين كلام الله حين يتلوه ويتكلم به حتى كان العاقل الفصيح إذا سمعه قال ليس هذا من كلام البشر ولا مما تقدرون عليه وسنذكر ما نقل إلينا عن فصحائهم لما سمعوا بالقرآن فمن الوجوه الذي به مايز القرآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام العرب فصاحته الرائقة وبلاغته الموفقة وجزالته الفائقة حتى تسمع الكلمة الواحدة منه تجمع معاني كثيرة مع عذوبة إيرادها وجزالة مساقها وصحة معانيها مثل قوله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

330

ولما نزلت هذه الآية قال أبو جهل وكان من أشد الأعداء على محمد خير الأنبياء إن رب محمد لفصيح وهذه الآية بما تضمنت من الأحكام وتفسير الحلال والحرام والإعراض عن أهل الجهل والإجترام والأمر بالتزام أخلاق الكرام تدل دلالة قاطعة على أنها كلام العزيز العلام مع ما هي عليه من اللفظ الجزل الرصين الذي يروع قلوب العارفين ويثلج قلوب القارئين والسامعين وكذلك قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ولما سمع المغيرة هذه الآية وكان من أعدائه الذين يريدون إطفاء نوره وإذهاب بهائه قال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر مورق وما يقول هذا بشر وهذه الآية قد تضمنت بحكم عمومها وصحة مفهومها معاني كتب المتقدمين وشرائع الماضين وتذكره الحاضرين وتخويف المقصرين وترغيب المجتهدين مع ما هي عليه من قلة الكلمات ومع عذوبة المساق والجزالات وكذلك قوله تعالى ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون حكى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينما هو يوما نائم في المسجد إذ وقف على رأسه رجل يتشهد بشهادة الحق فاستخبره فقال إني كنت من بطارقة الروم وكنت ممن يحسن كلام العرب وغيرهم فسمعت أسيرا من المسلمين يقرأ آية من القرآن فتأملتها فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة ثم قرأ عليه ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه الآية المتقدمة وكذلك قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين

331

حكى أن الأصمعي سمع جارية من العرب فتعجب من فصاحتها فقالت وهل بعد قول الله تعالى فصاحة حيث قال وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فإنه جمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وكذلك قوله تعالى فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين حكى أن أعرابيا لما سمعها سجد فقيل له لم سجدت فقال سجدت لفصاحته ولا يظن الجاهل أنا نستدل على فصاحته بكلام هؤلاء الأعراب كلا لو كان ذلك لكانت الحجة أضعف من السراب بل نعلم أنه معجز بفصاحته علم ضرورة تحصل لنا عند سماعه وقراءته والبلغاء إذا وقفوا عليه وسمعوه لذلك العلم مضطرون بحيث لا يرتابون ولا يشكون كيف والعربي الفصيح إذا سمع قوله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون وقوله تعالى ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وقوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين وقوله تعالى فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ومثل هذا كثير قضى من هذه البلاغة والجزالة ومتانة هذه المعاني العجب وعلم أن مثل هذا لا يقدر عليه أحد من العجم ولا من العرب

332

وما عسى أن يقال في كلام ذي الجلال إذ هو أصدق الكتب ومصدق خير الرسل ولو كانت البحار مدادا وجميع الجن والإنس كتابا ما بلغوا معشاره ولا قدروا مقداره قال الله تعالى العظيم في كتابه الكريم قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا فهذا هو الوجه الأول

333


الوجه الثاني

من وجوه إعجاز القرآن نظمه العجيب وأسلوبه الغريب الذي خالف به جميع أسلوب كلام العرب حتى كأنه ليس بينه وبينه نسب ولا سبب فلا هو كمنظوم كلامها فيكون شعرا موزونا ولا كمنثوره فيكون نثرا عريا عن الفواصل محروما بل تشبه رؤوس آيه وفواصله قوافي النظم ولا تدانيها وتخالف آيه متفرقات النثر وتناويها فصار لذلك أسلوبا خارجا عن كلامهم ومنهاجا خارقا لعادة خطابهم وذلك أن كلام بلغاء العرب لا يخلو أما أن يكون موزونا منظوما أو غير موزون ولا منظوم فالأول هو الشعر وهو أصناف وأنواع بحسب اختلاف أعاريضه والثاني هو النثر والقرآن العزيز خارج عن الصنفين مفارق للنوعين فارق الشعر بأنه ليس موزونا وزنه فتكسره لفظة زائدة ولا مرتبطا ربطه حتى تفسده مخالفة قافية واحدة في الوقوف عليه وأوضح شاهد وأقطع لشبهة كل معاند وها أنا أتلوا عليكم معشر النصارى بعض آياته ليتحقق المنصف صدق شهاداته وقال الله العظيم في محكم كتابه الكريم واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا

334

ثم بعد ذلك أخذ في أسلوب مخالف هذا فقال تعالى ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم هكذا إلى أن فرغ من هذا النمط ثم شرع في نمط آخر على ما يعرفه من وقف عليه وتدبره وإنما تلونا هذه الآيات على الخصوص في هذا المقام لما تضمنه من الأخبار عن عيسى ومريم عليهما السلام حتى يعلم النصارى بطلان ما يقولوه عليهما من الكذب والأوهام فانظر إن كنت عاقلا منصفا كيفية هذا النظم الشريف البديع المنيف كيف عادل بين رؤوس الآي بحروف تشبه القوافي وليس بها والتزمها ثم عدل عنها إلى غيرها مع أن السورة واحدة بخلاف ما يفعل الناثر فإنه لا يلتزم قوافي ولا فواصل والقرآن العزيز ذو آيات لها فواصل ومقاطع ورؤوس تشبه القوافي فقد عرفت أنه خالف نظم كلام العرب ونثرها فهو منهاج آخر وأسلوب لم تكن العرب تعرفه ولما سمعته العرب ووعته لم يتحدث قط واحد منهم بأنه يقدر على معارضة آية منه بل حارت

335

فيه عقولهم وتدلهت دونه أحلامهم ولذلك قال الوليد بن المغيرة لملأ قريش يا معشر قريش أنه قد حضر موسم الحج وإن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم ولا بد أن يسألوكم عنه فماذا تقولون لهم فأجمعوا فيه رأيا واحدا لئلا تكذبكم العرب إذا اختلفتم فيه قالوا نقول إنه كاهن فقال لهم والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا فنقول أنه مجنون قال والله ما هو بمجنون لقد رأينا المجنون وعرفناه والله ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول إنه شاعر قال ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول إنه ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحر وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده وما أنتم قائلون شيئا من هذا إلا كذبتكم العرب وعرفت أنه باطل قالوا فما تقول أنت قال والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لمثمر وإن أقرب القول فيه أن تقولوا إنه ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وإبنه وبين المرء وأخيه يعنى أن هذا تقبله العرب فإنها لاتعرف السحر فعولوا على أن يقولوا إنه سحر ففعلوا وفي الوليد أنزل الله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا فانظر كيف عرفوا أنه ليس من جنس كلامهم ولا من جنس كلام الكهنة ولا السحرة ولم يمنعهم من الإيمان به إلا ما سبق لهم من الشقاوة والعناد والحسد والجفوة وكذلك قال لهم عتبة بن ربيعة لما سمع حم تنزيل من الرحمن الرحيم قال والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة فقد تقدم بكماله فلينظر هناك وكذلك قال أنيس أخو أبي ذر الغفاري وكان شاعرا مفلقا يناقض الشعراء ويعارضهم فلما سمع القرآن قال لأخيه أبي ذر لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعته على أقراء

336

الشعر فلم يلتئم وما يلتئم على لسان أحد يدعى أنه شعر والله أنه لصادق وأنهم لكاذبون والأخبار الصحاح في هذا المعنى أكثرب من أن يحيط بها هذا الكتاب فقد اتضح من هذا الوجه ومن الذي قبله أن القرآن العزيز معجز بمجموع فصاحته ونظمه وقد تبين أنهما وجهان متغايران ثم هل كل واحد من هذين الوجهين معجز بإنفراده أو إنما يكون معجزا بإجتماعهما هذا فيه نظر ولعلمائنا فيه قولان ليس هذا موضع استيعابهما ولا حاجة بنا في هذا الكتاب إلى بيانهما إذ قد عرف وتحقق أنه بفصاحته ونظمه معجز ومن تشكك في ذلك أو أبدى فيه أمرا بعد الوقوف على القرآن فهو منكر لما هو ضروري والذي يبطل عناده ويظهر صميم جهله أن يقال له أئت بسورة من مثله والله ولي التوفيق وهو بتنوير قلوب أوليائه حقيق

337


الوجه الثالث

من وجوه إعجاز القرآن ما تضمنه من الأخبار بالمغيبات قبل أن يحيط أحد من البشر بعلمها وبوقوع كائنات قبل وجودها وذلك أمر لا يتوصل إلى العلم به إلا من جهة الصادقين الذي يخبرون عن الله تعالى ونحن نذكر منها مواضع على شرط التقريب والإختصار تغني عن التطويل والإكثار فمن ذلك قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فهذه الآية من أوضح معجزاته صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله تعالى وعده بأن يدخله المسجد الحرام هو وقومه في حالة أمن ويفتح عليهم مكة على أحسن حال فما زالوا ينتظرون ذلك حى بلغ وقته وصدق وعده فدخلوا كما وعدهم وفتحوه على ما أخبرهم ومن ذلك قوله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون وهذه الآية أيضا من أعظم معجزاته وذلك أن هذه الآية لما نزلت كانت فارس غالبي الروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس لكون الروم أهل كتاب وكانت قريش يحبون ظهور فارس على الروم لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان فلما أنزل الله تعالى هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في الناس وفي نواحي مكة بهذه الآية ويقرأها على مشركي

338

قريش فقال ناس من قريش زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك فقال بلى وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر كم نجعل البضع البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين لأن الله تعالى قال في بضع سنين قال وأسلم عند ذلك ناس كثير ومن ذلك قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا وقد فعل الله ذلك بمحمد وأمته ملكهم الأرض واستخلفهم فيها وأذل لهم ملوكا تحت سيف القهر بعد أن كانوا أهل عز وكبر وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ومنحهم رقابهم وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ومن ذلك قوله تعالى يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فإن قيل كيف يصح لكم قوله ليظهره على الدين كله ومعلوم أن ملك النصارى لم ينقطع في حياته ولا بعد موته وهذا ملكهم قائم فلم يظهر دينكم على دينهم فلا معنى لقوله ليظهره على الدين كله

339

الجواب أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وإلى جميع أهل الملل عامة نصرانيهم ويهوديهم وغير ذلك فبلغهم ما أمره الله فكلمهم فناصبوه العداة وأبدوا له صفحة الخلاف وهموا بإبطال دعوته وإطفاء كلمته وبذلوا في ذلك غاية جدهم واستفرغوا أقصى جهدهم فنصبوا لحربه وعزموا على قتله ونهبه ومرسله يقول له بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس فأول من حاربه كفار قريش فأظفره الله بهم وأظهره عليهم ثم حاربته يهود فأمكنه الله منهم وملكه أرضهم وديارهم فقتل وسبأ وأسر فعلا عليهم وظهر ثم حاربته النصارى فغزاهم بتبوك ودخل عليهم بلادهم وافتتح في طريقه حصونا لهم ولغيرهم وأظهره الله عليهم وضرب على كثير من ملوكهم الجزية ثم إن أصحابه بعده لم يزالوا على مثل حاله يقاتلون كل من كفر بالله ولا يخافون لومة لائم في الله فلقد صيروا ملوك الروم وغيرهم أذلة أهل صغار وجزية وذلة ثم لم يزل دين الإسلام مع مرور الأيام ينتشر بكل مكان ويظهر وغيره من الأديان يقل ويصغر وحسبك شاهدا على ذلك فتح هذه الجزيرة الأندلسية

340

على يدي جماعة من العرب قليل عددهم وعددهم كثير دينهم ومددهم على أعداد من النصارى لا تحصى وجنود لا تستقى ولكن صدق الله عبده وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده فأمكنهم الله منكم وأظهرهم عليكم فأجدادكم عندهم بين أسير وقتيل وتحت صغار الجزية ذليل وأصدق شاهد على ظهور دين الإسلام على دينكم وجميع الأديان غلبتهم على بيت حجكم وموضع قرابينكم المعظم والمسجد المكرم بيت المقدس حيث أراد الله أن يطهره من رذائلكم وينزهه عن جهالاتكم وخبائثكم فافتتحه المسلمون وظهر دين الله على الدين كله ولو كره الكافرون ومن ذلك قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم وقوله في الآفاق يريد بذلك فتح الأمصار وقوله وفي أنفسهم يعني به فتح مكة وقوله سنريهم يرجع إلى كفار قريش ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله زوى

341

لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوى منها ومعنى زوى جمع ومن ذلك قوله تعالى سيهزم الجمع ويولون الدبر يريد بذلك والله أعلم جمع كفار قريش وكذلك فعل بهم وذلك أنهم خرجوا إلى حربه صلى الله عليه وسلم في غير موطن فهزمهم الله وولوا الأدبار وكانت عاقبتهم الخسار والبوار وكذلك قال تعالى في آيات أخر قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد وفي آية أخرى لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون فهذه الآية اقتضت بشارتين أحداهما أنهم لن يصلوا إلى أصحاب النبي بضر أكثر من السب والثانية أنهم يغلبون ويولون الأدبار وكذلك كان على نحو ما أنزله ذو العزة والسلطان والآيات في القرآن لهذا النوع كثيرة ومن ذلك قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون يعني بالذكر القرآن العزيز أخبرنا الله تعالى في هذه الآية أنه أنزله وأنه تولى حفظه وهذا كتاب الله محفوظ بحفظه لا يقدر أحد على تغيير كلمة واحدة من لفظه على كثرة من سعى في تغييره فأطفأ نوره لا سيما القرامطة فإنهم كانوا قد أجمعوا كيدهم واستنفدوا في تغييره وتحريفه جهدهم ولم يزل كذلك دأبهم ودأب غيرهم من أعداء الدين وعتاة الملحدين ويأبى الله إلا أن تعلى كلمته وتظهر شريعته وقد قدمنا أسباب حفظ القرآن فلا معنى لاعادتها مع الأحيان

342

ومن ذلك قوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر وكان هؤلاء المستهزئون نفرا من الكفار معروفون بأعيانهم وأسمائهم ينفرون الناس عنه ويؤذونه ويهزأون به فأنزل الله على نبيه هذه الآية يبشره بإهلاكهم وهم أحياء فكان سبب أهلاكهم من أعجب آيات النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كان منهم الأسود بن عبدالمطلب رمى في وجهه النبي صلى الله عليه وسلم بورقة خضراء فعمى ومنهم الأسود بن عبد يغوث أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاستسقى بطنه فمات حبنا ومنه الوليد بن المغيرة أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أثر جرح كان بأسفل كعبه كان أصابه قبل ذلك بسنتين وكان قد برأ فتجدد حتى قتله الله به ومنه العاص بن وائل أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فرماه حماره على الأرض فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته ومنه الحارث بن الطلالة أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأسه فاستحال دمه قيحا فقتله فانظر بعقلك هذه الأمور العجيبة وهذه الأحوال الغريبة التي لا تلحق بالأفكار ويحار فيها أولى الأبصار بل تشهد عندها العقول أن المقصود بها تصديق الرسول فوالله لو لم يكن له من المعجزات إلا هذه الآية لكان فيها أعظم كفاية ولحصل من تصديقه على أبعد غاية وفي كتاب الله تعالى من هذا القبيل ما يحتاج استقصائه إلى تكثير وتطويل وحسبك ما تضمنه من كشف أسرار المنافقين وفضيحة اليهود الضالين فلقد يقضي الناظر فيها من ذلك العجب العجاب ويتحقق انه من عند الله من غير شك ولا ارتياب

343


الوجه الرابع

في وجوه إعجاز القرآن ما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة والقرون السالفة والشرائع الداثرة والقصص الغابرة التي لا يعلم منها بعضها إلا الآحاد من علماء ذلك الشأن الذين قد انقضبت لهم في تعلم تلك العلوم أزمان فيورده النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن على وجهه ويأتي به على نصه فيعترف العالم بصحته وتصديق قصته مع العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينل ذلك بتعليم ولا اكتسب ذلك بواسطة معلم ولا حكيم بل حصل له ذلك بإعلام العزيز العليم وإلا فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتفقه ولا يحسب ومع ذلك فقد حصلت له علوم الأولين والآخرين وصار كتابه وكلامه منبع علوم العالمين فلقد كان أهل الكتاب يجتمعون إليه ويلحون بالأسئلة عليه فينزل عليه بأجوبتهم القرآن فما ينكر شيئا من ذلك منهم إنسان بل يعترف بذلك ولا ينكر شيئا مما يسمع هنالك هذا مع شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وهو مع ذلك يحتج عليهم بما في كتبهم ويقرعهم بما انطوت عليه مصاحفهم ويبين لهم كثيرا مما كانوا يخفون من شرائع كتبهم ووصايا رسلهم وهم مع ذلك يرومون تعنيته ويقصدون بأسئلتهم تبكيته مثل سؤالهم عن الروح وعن ذي القرنين وعن أصحاب الكهف وعن عيسى ابن مريم وعن حكم الرجم وعن ما حرم إسرائيل على نفسه وعما حرم علهيم من الأنعام ومن طيبات أحلت لهم فحرمت عليهم ببغيهم وغير ذلك من أمورهم التي نزل القرآن جوابا عنها فلم ينكروا شيئا منها حين ذكرها لهم على وجهها

344

ونحن نذكر بعض ذلك على ما يقتضيه الإقتصار ونقتصر على ما صح من الآثار وتناقله الجمع الكثير من رواة الأخبار فمن ذلك ما استفاض ذكره واشتهر نقله أن قريشا لما أهمهم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكربهم أمره بعثوا النضر بن الحارث وكان من شياطين قريش وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة يسألاهم عن أمره فجاءا المدينة من مكة وقالالأحبار اليهود إنا جئناكم نسألكم عن شأن هذا الرجل فإنكم أهل الكتاب وعندكم من العلم ما ليس عندنا ووصفا لهم أمره وأخبرهم ببعض قوله فقالت لهما أحبار يهود سلوه عن ثلاثة نأمركم بهن فإن أخبر بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب وسلوه عن رجل طواف في الأرض قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هو فإن أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو متقول فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش فأعلماهم بما قالت لهم أحبار يهود فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عما أخبرت أحبار يهود فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم سورة أصحاب الكهف وأخبره فيها بقصتهم واختلاف الناس في عددهم ومدة لبثهم في كهفهم حتى أتى على آخر قصتهم وأخبرهم أيضا عن قصة ذي القرنين إلى آخرها وعن قصة الخضر عليه السلام مع موسى عليه السلام وكيف سأل موسى السبيل إلى لقائه وذكر فيها جوابهم عن الروح وذلك كله مع اللفظ الوجيز الفصيح والكلام الجزل الصحيح الذي لا يمله سامع ولا يطمع في معارضته طامع ومن ذلك قصة أهل نجران وكانوا نصارى سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عيسى عليه السلام فأنزل الله تعالى في القرآن ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

345

ومن ذلك أن نفرا من أحبار يهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا عن أربع نسألك عنهن فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أخبرتكم لتصدقنني قالوا نعم قال فاسألوا عما بدا لكم قالوا أخبرنا كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل فقال لهم أنشدكم الله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما غلبت كان لها الشبه قالوا اللهم نعم قالوا فأخبرنا عن نومك كيف هو قال أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان قالوا اللهم نعم قال وكذلك نومي تنام عيني وقلبي يقظان قالوا فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه قال أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها قالوا اللهم نعم قالوا أخبرنا عن الروح قال أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمونه جبريل وهو الذي يأتيني قالوا اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو هو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ولولا ذلك لاتبعناك فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين

346

ومن ذلك أن يهوديين بالمدينة زنيا فأمرت أحبار يهود بهما فحمما فمروا بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما ما هذا أهكذا تجدون في كتابكم قالوا نعم فكذبهم وقال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاءوا بالتوراة فتلوها فإذا فيها آية الرجم فوضع الذي كان يقرؤها يده علها وقرأ ما بعدها وما قبلها فقال له عبدالله بن سلام ارفع يدك فرفعها فإذا بآية الرجم فاعترفوا بذلك فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ثم قال لليهود ما حملكم على هذا فقالوا كنا إذا زنى الشريف منا عندنا لم نقم عليه الحد وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد فعظم علينا هذا فرأينا أن نجتمع على حد يشمل الضعيف والشريف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي جعلني أول من أحيا أمر الله نقلته بالمعنى فأنزل الله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون و الظالمون و الفاسقون الآيات وفي هذا المعنى وما قاربه نزل قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب والأخبار في هذا كثيرة ليس هذا موضع استيفائها وفيما ذكرناه كفاية لمن كان ذلك عقل ودراية وهذان وجهان لا يتصور أن ينكر عاقل أنها غير داخلين تحت مقدور البشر بل هما خارقان للعادة اقترنا بتحدي محمد صلى الله عليه وسلم وعجز الخلائق عن معارضتهما فهو نبي صادق فيما أخبر به عن الله مصدق من جهة الله ومما أخبر به عن الله أن الله تعالى بعثه إلى الناس كافة يهوديهم ونصرانيهم ومجوسيهم فهو رسول إليهم وإلى كافة وعامة ومن كذبه فقد استحق العذاب الأبدي والعقاب السرمدي أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار

347

ولا يظن ظان أن إعجاز القرآن إنما هو من هذه الوجوه الأربعة فقط بل وجوه إعجازه أكثر من أن يحصيها عدد أو يحيط بها أحد ولو شئنا لذكرنا منها وجوها كثيرة لكن شرط الإختصار منع من الإكثار ومن لم ينفعه الكلام المفيد القليل فهو معرض كسل عن الكثير وعلى الجملة فأنا نقول لمن كذب محمدا صلى الله عليه وسلم أو شك في رسالته ما قال الله تعالى في كتابه محتجا على من أصر على تكذيبه وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين

348


النوع الرابع

في الإستدلال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بجملة من الآيات الخارقة للعادات نذكر في هذا النوع إن شاء الله جملة كثيرة من آياته الواضحة وبراهينه المصدقة الراجحة فنقول وبالله التوفيق إن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أوتى من المعجزات وجمع له من الآيات ما لم يجمع لأحد من الأنبياء قبله ولم يعط أحد مثله فكان لذلك أوضحهم دلالة وأعمهم رسالة ولذلك لم يعط الله نبيا من الأنبياء معجزة إلا أعطى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مثلها أو أوضح منها أو ما يقاربها وسترى ذلك عيانا إن شاء الله تعالى ولكنا إن ذهبنا نذكر ما نقل إلينا من آياته وأوضح معجزاته طال الكتاب وفي القليل الواضح كفاية لذوى الألباب فلنقتصر من ذلك على ما تناقله علماء الأمصار والعدول من نقلة الأخبار مما صح نقله وأشتهر ذكره وجمله ونحن نذكر ذلك في فصول
الفصل الأول
في إنشقاق القمر آية له صلى الله عليه وسلم فنقول نقل خلفنا عن سلفنا النقل الذي لا يشك فيه أن كفار قريش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبة وهو بمنى فأراهم إنشقاق القمر فصار فرقتين حتى رأوا حبلى حراء بينهما وقال ابن مسعود صار فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة تحته فقال النبي صلى الله عليه وسلم اشهدوا فآمن وصدق من أراد الله نجاته وقال كفار قريش هذا سحر مستمر فقال أبو جهل هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى ننظر أرأوا ذلك أم لا فأخبر أهل مكة أنهم رأوه منشقا

349

فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر وهذا الحديث قد نقله الجم الغفير والعدد الكثير منهم من الصحابة عبد الله بن مسعود وأنس وابن عباس وأبن عمر وحذيفة وعلى وجبير بن مطعم وغيرهم رضي الله عنهم وقد نقل إلينا في القرآن نقلا متواترا محصلا للعلم يخبر عن ذلك المعنى من الإنشقاق كما تلوناه آنفا فصحت الآية وعلمت المعجزة والحمدلله فإن قال غبي جاهل أو معاند مجادل كيف يصح هذا ولو كان هذا لم يخف على أهل الأرض إذه هو شيء ظاهر لجميعه ولو ظهر إليهم انتقل عنهم ولكان مشهورا منقولا على التواتر فالجواب أن نقول هذا الإستبعاد الوهمي يندفع بأيسر أمر وذلك أن هذه الآية كانت آية ليلية والناس على عادتهم المستمرة الغالب عليهم النوم ومن كان منهم منتبها كان منهم من قد انصرف عن ذلك ببعض أشغالهم وكان منهم أيضا من رآه على ما حكيناه عن أهل آفاق مكة وأيضا فلعله إنما كان ذلك في أول طلوع القمر ولا شك أن الناس تختلف رؤيتهم للقمر وغيره من الكواكب بحسب اختلاف ارتفاع البلاد والأقاليم وإنخفاضها فليس كل من في معمور الأرض يراه في وقت واحد بل يختلف ذلك في حقهم فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على آخرين وقد يطلع على قوم لا يشاهده الآخرون وقد يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال ولهذا تجد الكسوفات في بعض البلاد دون بعض ويكون في بعضها جزئية وفي بعضها كلية وفي بعضها لا يعرفها إلا المشتغلون بعلم ذلك ولا يحس بها غيرهم لا سيما وهذه آية كانت بالليل والعادة من الناس ما تقدم من الهدوء والسكون وإيجاق الأبواب وقطع التصرف ولا يكاد يعرف شيئا من آيات السماء إلا من رصد وأهتبل

350

وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار وشهب ونجوم طوالع عظام تظهر في أحيان من السماء ولا علم عند أحد غيرهم منها وإنشقاق القمر من هذا القبيل إذ لم يكن دائما وإنما كان يسيرا في زمن قريب ثم لا يبعد أن يكون الله تعالى صرف الناس في تلك الساعة عن النظر إليه لتختص هذه الآية بمشاهدة أهل مكة ومن جاورها من أهل آفاقها فيكون صرف الناس عن ذلك من قبيل خوارق العادات وذلك أوضح في المعجزات فقد صح ما رمناه وانفصلنا عما ألزمناه والحمدلله وعند الوقوف على هذه المعجزة الطاهرة والآية الباهرة تعلم أنها أعظم من إنشقاق البحر الذي خص الله تعالى به موسى عليه السلام وان كان عظيما اذ انشقاق البحر لم يكن قطعا في معظم البحر من احدى ضفتيه إلى الأخرى وإنما كان قطع طريق من بحر القلزم إلى مفارشود والقمر انقسم فرقتين وصار شطرين
الفصل الثاني
في حبس الشمس آية له صلى الله عليه وسلم روى أئمتنا وأهل العدالة منا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحي إليه ورأسه في حجر على فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فلما ارتفع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا علي أصليت العصر قال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد قال الراوي فرأيتها غربت ووقفت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر ذكر هذا الحديث الطحاوي من طريقين قال عياض وهذان الطريقان ثابتان رواتهما ثقاة حكاه البكري ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زيادة المغازي روايته عن ابن اسحق لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير التي رأى في سراه قالوا له متى تجيء فقال لهم يوم الأربعاء فلما كان يوم الأربعاء الموعود به أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم

351

تجيء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس وهذه الآية أعظم من آية يشوع بن نون فإنكم تقولون إن يشوع استوقف الشمس فوقفت وفي بعض كتبكم إنما استوقف ضياها ونبينا عليه السلام استرجعها فرجعت واستزاد ساعة في النهار فزيدت ذلك تقدير العزيز العليم فإن اعترض معترض على معجزة نبينا بشيء فإن كان كتابيا عارضناه بمعجزة يشوع فبالذي ينفصل عن معجزة يشوع بمثله ننفصل عما اعترض به وإن كان طبيعيا غير متشرع انتقل الكلام معه إلى مواضع أخر ليس هذا موضع ذكرها
الفصل الثالث
نبع الماء وتكثيره معجزة له صلى الله عليه وسلم وهذا الفصل نوعان نوع نبع له الماء من بين أصابعه ونوع آخر نبع له الماء من غير أصابعه فلنبدأ بالأول فنقول روى الجم الغفير والعدد الكثير أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في بعض أسفاره وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من أحد منكم ماء فأتى بماء في إناء فوضع يده في ذلك الإناء وسمى الله قالت الصحابة فرأينا الماء يخرج من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا كلهم قيل لأنس كم تراهم قال نحوا من سبعين وقد اتفق له مثل هذا مرة أخرى وكانوا نحوا من ثلاثة مائة وكذلك عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك فوضع النبي صلى الله

352

عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون وكانوا خمس عشرة مائة قالوا ولو كنا مائة ألف لكفانا فهذه ثلاثة مواطن وقد روى عنه نحو هذا من طرق كثيرة لا يتطرق لها الكذب ولم يردها أحد من أهل العقل والأدب لكونها وقعت في جموع كثيرة وتناقلها جماعات عديدة يدينون تحريم الكذب ويرونه أقبح شبهة وأشنع سبب بل يبادرون إلى ذم الكاذب وإظهار فضيحته ولا يقرون شيئا من الكذب بحال عند معرفته فهذا هو النوع الأول وأما النوع الثاني فهو ما تواردت به الروايات عن الأئمة الأثبات من ذلك ما اتفق له في غزوة تبوك وذلك أنهم وردوا عينا بتبوك وهي تبض بشيء من ماء مثل الشراك فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع منه شيء قليل ثم غسل النبي صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس هذا حديث معاذ وقال ابن إسحاق فانخرق من الماء ماله حس كحس الصواعق ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا وكذلك صنع ذلك الموضع جنانا بعده صلى الله عليه وسلم وهذا من باب الأخبار عن الغيب ومن ذلك ما اتفق له بالحديبية أيضا وذلك أنهم أتوا الحديبية وهم أربع عشرة مائة وبئرها لا تروي خمسين شاة قال البراء وسلمة بن الأكوع فنزحناها فلم نترك فيها شيئا فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئرها فبصق ودعا وأخرج سهما من كنانته فوضعه في البئر فجاشت العين بماء كثير فأرووا أنفسهم وركابهم وهم ألف وأربع مائة ومن ذلك ما روى قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس شكوا إليه العطش في بعض أسفاره فدعا بالمبيضأة فجعلها في ضبنه ثم التقم فمها فالله أعلم نفث فيها أم لا فشرب الناس حتى رووا وملأوا كل إناء معهم وكانوا إثنين وسبعين رجلا

353

ومن ذلك الحديث المشهور عن عمران بن حصين وذلك أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأصابهم عطش شديد فوجه رجلين من أصحابه وأعلمهم أنهم يجدون امرأة بمكان كذا لمكان معين عنيه لهم معها بعير عليه مزادتا ماء فوجداها بالموضع الذي عين لهم على الصفة التى ذكر لهم فجاءا بها الى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ من ماء المزادتين وقال فيه ماشاء الله أن يقول ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحهما وأمر الناس فملأوا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملأوه قال عمران ونحيل لي أنهما لم يزدادا إلا إمتلاء ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها ثم قال لها اذهبي فانا ما نقصناك من مائك شيئا ولكن الله سقانا ومن ذلك حديث عمر في حيش العسرة وذكر ما أصابهم من العطش حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصبر فرثه فيشربه فرغب أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت فملأوا ما معهم من آنية ولم يجاوز ذلك المطر العسكر ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ردفه بذي المجاز عطشت وليس عندي ماء فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال له اشرب والحديث في هذا النوع كثير وفيما ذكرناه كفاية وإذا تأمل العاقل المنصف هذا الباب علم أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أوتى مثل معجزة موسى التي هي نبع الماء من الحجر كما ذكرنا في هذا النوع الثاني وزاد عليه نبع الماء من بين أصابعه كما ذكرناه في النوع الأول كان إنفجار الماء من اللحم أعجب من إنفجاره من الحجارة فإن رام اليهودي أو النصراني تشكيكا في شيء من معجزات نبينا محمد عليه السلام أو إلحادا أو ادعى أن هذا من قبيل السحر عارضناه بمثل مقالته في معجزة موسى فبالذي ينفصل به بعينه ننفصل

354

بل نقول إن طرق المطرق الجاهل شيئا من هذه الأوهام والتهم إلى هذه المعجزات لمعجزة موسى في إنشقاق الحجر أقبل للتهم في حق الجاهل على ما روت اليهود وذلك أنهم رووا أن الحجر الذي كان تنفجر منه الأنهار إنما كان حجرا واحدا عمله موسى حيث صار وهذا محل تهمة للجاهل وأما العالم فلا يبالي بهذه الأوهام ولا يطرق إلى العلم التهم ومعجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إنما كان يقول إئتوني بإناء أي إناء وبماء أي ماء كان كما قدمنا ولسنا ننكر إعجاز ما أتى به موسى بل نحن أولى وأحق بموسى منكم وأعرف بقدره وبمحله عند ربه وإنما هذا لهم على جهة الإلزام حتى يزعنوا بصحة معجزات نبينا محمد عليه السلام
الفصل الرابع
تكثير الطعام معجزة له صلى الله عليه وسلم من ذلك ما تضافرت به الروايات واشتهر عند أهل الديانات ونقله العدول الثقات من حديث أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أطم ثمانين أو سبعين من أقراص شعير جاء بها أنس تحت ابطه وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر بها ففتت وقال فيها ما شاء الله أن يقول وكذلك أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع من شعير وعناق قال جابر بن عبدالله فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين والبرمة ودعا بالبركة وكذلك صنع أبو أيوب الأنصاري لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادع ثلاثين من أشراف الأنصار فدعاهم فأكلوا حتى تركوه ثم قال ادع ستين فأكلوا حتى شبعوا ثم قال ادع سبعين فأكلوا حتى تركوه وما خرج منهم أحد حتى أسلم قال أبو أيوب فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا

355

وكذلك حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون ومن ذلك حديث عبدالرحمن بن أبي بكر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة وذكر في الحديث أنه عجن صاع من طعام وصنعت شاة فشوى سواد بطنها قال وايم الله ما من الثلاثين والمائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعين وفضل في القصعتين وحملته على البعير ومن ذلك الخبر المشهور في غزاة تبوك وذلك أنهم أصابتهم مجاعة شديدة حتى هموا بنحر حمائلهم فجمع النبي صلى الله عليه وسلم ما بقى من أزواد القوم فكان الرجل يجيء بكف ذرة وبكف تمر وبسط نطعا حتى أجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة قال خذوا في أوعيتكم فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه فقال عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة ومن ذلك خبره في تزويج زينب وذلك أنه أمر خادمه أنسا أن يدعو له الناس فدعاهم فاجتمعوا حتى امتلأ البيت والحجرة وقدم إليهم تورا من حجارة فيه حيس أهدته له أم سليم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه قال فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ودخلت طائفة أخرى حتى أكلوا كلهم وكنت قال أنس لم أدع إنسانا إلا دعوته قال أنس ثم قال لي ارفع التور فرفعته فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت ومثل هذا تقوله في قدح لبن أهدى له ومن هسذا حديث مزود أبي هريرة وذلك أن الناس أصابتهم مجاعة شديدة في بعض أسفاره فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة هل من شيء قال قلت نعم شيء من تمر في المزود قال فآتى به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة

356

ثم قال ادع عشرة فدعوتهم فأكلوا حتى شبعوا ثم لم يزل كذلك حتى أطعم الجيش كله وقال لي خذ ما جئت به فأخذت فأكلت منه وأطعمت حياته وحياة أبي بكر وعمر إلى أن قتل عثمان فانتهب مني فذهب قد قيل أن ذلك التمر إنما كان بضع عشرة تمرة والأخبار في هذا الباب كثيرة يطول الكتاب بنقلها على أنه لا يجهل شيء منها بل هي عندنا معروفة منقوله مشهورة موصوفة وهذا النوع من المعجزات هو من قبيل ما نقلت النصارى عن عيسى عليه السلام في الإنجيل وذلك أنهم زعموا أنه أطعم من خمس خبز وحوتين خمسة آلاف رجل سوى النساء وهذا أيضا من قبيل ما ثبت أن موسى عليه السلام أطعم بني إسرائيل بالمفاز المن والسلوى فإن اعترضت اليهود أو النصارى على هذا النوع من معجزات نبينا عليه السلام عارضناهم بذلك في معجزات أنبيائهم وبالذي ينفصلون عن ذلك به بعينه ننفصل عن معجزات نبينا وعند الوقوف على هذه الفصول تعلم أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أعطاه الله عز وجل من المعجزات مثل ما كان أعطى الأنبياء قبله وزاده على ذلك وسنزيد هذا وضوحا حتى يتبين كون المعاند الجاحد جاهلا وقيحا
الفصل الخامس
في كلام الشجر وكثير من الجمادات وشهادتها له بالنبوة وهذا الفصل بكثر حكاياته وتتسع رواياته لكثرة عدد ماروى في ذلك وصحة ما اتفق هنالك وهذا الفصل نوعان
النوع الأول
قد وردت الأخبار ونقل عن الأئمة العدول الأخيار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض غزواته فدنى منه أعرابي فقال له يا أعرابي أين تريد فقال أهلي فقال له هل لك في خير منهم قال ما هو قال تشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فقال

357

ومن يشهد لك على صحة ما تقول قال هذه الشجرة لشجرة بشاطئ الوادي فادعها فإنها تجيبك قال فدعوتها فأقبلت تخد الأرض حتى وقفت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى مكانها وقد روى هذا الحديث عن بريدة وزاد قال فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها ثم جاءت تجر عروقها مغبرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله فقال الأعرابي مرها فلترجع إلى هيئتها فأمرها فرجعت فدلت عروقها حيث كانت واستوت فآمن الأعرابي وقال ائذن لي اسجد لك فقال له عليه السلام لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها قال فائذن لي أن أقبل يديك ورجليك فأذن له وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظهرت على يديه مثل هذه المعجزة مرات وطرقها صحاح بل منها ما هو متواتر على ما حكاه أهل النقل فقد روى أنه طافت به شجرة ثم رجعت إلى منبتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها استأذنت أن تسلم وكذلك سأل ربه أن يجعل له آية فقال انظلق إلى موضع كذا فإن به شجرة فادع منها غصنا فإنه يأتيك ففعل فجاء يخط الأرض حتى انتصب بين يديه فحبسه ما شاء الله أن يحبسه ثم قال له ارجع كما كنت فرجع وكذلك روى عنه من طرق صحاح أنه خرج يوما ليقضى حاجته فلم يجد بما يستتر وإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بغصن من أغصانها وقال لها انقادي على بإذن الله فانقادت معه كالبعير المذلل ثم فعل بالأخرى مثل ذلك وقال التئما على فالتئما فلما قضى حاجته قال جابر فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل والشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساقها

358

وكذلك روى أسامة بن زيد مثل هذا في النخيل وقال فيه قال لي انطلق إلى هذه النخلات وقل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل للحجارة مثل ذلك فقلت ذلك لهن فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن ويجتمعن والحجارة يتعاقدن ويتراكمن حتى صرن ركاما خلفه فلما قضى حاجته قال لي قل لهن يفترقن فوالذي نفسي بيده لقد رأيت النخلات والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهن وقد حكى الأئمة منهم أبو بكر بن فورك رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة الطائف ليلا وهو يسير فاخذته سنة فاعترضته سدره فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا وهي هنالك معروفة معظمة
النوع الثاني

نقل خلفنا عن سلفنا فاشيا مشهورا بحيث لا يشك فيه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام وهم يسمعون تسبيحه وقال أنس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فسبحت في يده حتى سمعنا تسبيحها ثم صبهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يد أبي بكر فسبحت كذلك ثم صبها في أيدينا فلم تسبح ورواه أبو ذر قال إنما سبحت في كف عثمان وقد تواردت الروايات عن الثقات عن علي أنه قال كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله شجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله وقد وقد روى العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم غطاه وبنيه بملحفة ودعا لهم بالستر من النار كستره إياهم بملحفته فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت آمين آمين وقد صحت الأخبار بل تواترت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اتخذ منبره وصعد وترك الجذع الذي كان يخطب عليه حن

359

الجذع حنين الإبل الفاقدة أولادها حتى تصدع وانشق فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكن وفي بعض طرقه قال النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا بكاء لما فقد من الذكر وفي بعض طرق هذا الحديث أنه لم يزل يسمع له حنين في أوقات تحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فزعت المنبر على ما في حديث أبي فأخذه أبي عنده إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا وقد روى هذا الحديث بريدة وزاد فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجذع إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه فتنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد خوصك وثمرك وإن شئت أغرسك في الجنة يأكل منك ومن ثمرك أولياء الله ثم أصغى له النبي صلى الله عليه وسلم يستمع له ما يقول فقال بلى تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه يسمعه من يليه فقال له قد فعلت ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار دار البقاء على دار الفناء فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه فأنتم أحق بذلك وأن تشتاقوا إلى لقائه وكذلك تواتر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على جبل أحد مع جماعة من اصحابه فتحرك بهم الجبل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد والأخبار أيضا في هذا النوع كثيرة وفيما ذكرناه كفاية بل فيه الواحد من هذه الأخبار أبلغ غاية
الفصل السادس
في كلام ضروب من الحيوان وتسخيرهم آية له صلى الله عليه وسلم 2 وهذا الفصل أيضا نوعان

360


النوع الأول

من ذلك ما روى واشتهر عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذ جاءه أعرابي قد صاد ضبا فقال ما هذا فقالوا له هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال واللات والعزى لا آمنت بك حتى يؤمن بك هذا الضب وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ضب فأجابه بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا لبيك وسعديك يا زين من أوفى القيامة قال من تعبد قال الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه قال فمن أنا قال رسول رب العالمين وخاتم النبيين وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك فأسلم الأعرابي ومن ذلك القصة المشهورة في كلام الذئب من حديث أبي سعيد الخدري قال بينما راع يرعى غنمه عرض الذئب لشاة منها فأخذها الراعي منه فأقعى الذئب وقال للراعي ألا تتقي الله حلت بيني وبين رزقي قال الراعي العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم فحدثهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم صدق وقد روى هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة منهم أبو هريرة وزاد في هذا الحديث فقال له الذئب أنت أعجب وقفت على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله قط نبيا أعظم منه قدرا عنده قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينتظرون إقبالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جنود الله فقال الراعي لو كان لي من يرعى الغنم لمشيت إليه فقال الذئب أنا أرعاها حتى ترجع فأسلم الراعي إليه غنمه ومضى وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي يقاتل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عد إلى غنمك تجدها بوفرها فوجدها كذلك وذبح للذئب منها شاة وكان هذا الراعي اسمه أهبان بن أوس

361

وقد ذكر مثل هذه القصة عن سلمة بن الأكوع وأنها كانت سبب إسلامه ومن ذلك ما يحكى أن أبا سفيان بن حرب بينا هو في ملأ من قريش بمكة إذ بظبي يطرده ذئب فدخل الظبي الحرم فرجع الذئب فعجبوا من ذلك فقال الذئب أعجب من ذلك محمد ابن عبدالله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار فقال أبو سفيان بن حرب واللات والعزى لئن ذكرتم هذا بمكة ليتركنها خلوفا ومن ذلك ما روى عن أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم في صحراء فنادته ظبية يا رسول الله قال ماحاجتك قالت صادني هذا الأعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع قال وتفعلين قالت نعم فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها وكان ذلك الأعرابي نائما وقال يا رسول الله ألك حاجة قال تطلق هذه الظبية فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ومن ذلك ما روى من كلام الحمار الذي أصابه بخيبر وقال اسمي يزيد بن شهاب فسماه النبي صلى الله عليه وسلم يعفور وكان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم تردى في بئر جزعا وحزنا فمات ومن ذلك حديث الناقة التي شهدت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه
النوع الثاني

ما روى عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت كان عندنا داجن فإذا كان عندنا النبي صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه فلم يجئ ولم يذهب وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب

362

ومن ذلك ما روى جابر بن عبدالله قال جاء رجل فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو على بعض حصون خيبر وكان في غنم يرعاها لهم يعني لأهل خيبر فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بالغنم فقال احصب وجوهها يعني اضربها بالرمل فإن الله سيؤدي أمانتك ويردها إلى أهلها ففعل فسارت كل شاة منها حتى أتت أهلها ومن ذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائط دجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار وفي الحائط غنم فسجدت له فقال أبو بكر نحن أحق بالسجود لك منها وذكر الحديث ومن حديث أبي هريرة دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا فجاء بعير فسجد بين يديه ومن حديث جابر قال وكان ذلك الحائط لا يدخله أحد إلا شد عليه ذلك الجمل فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه فوضع مشفره في الأرض وبرك بين يديه فخطمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بين السماء والأرض شيء لا يعلم أنى رسول الله إلا عاصى الجن والإنس ومن حديث عبدالله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل ذلك الجمل عن شأنه فقالوا له أنهم أرادوا نحره ومن ذلك ما روى ابن وهب أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة ومن حديث أنس وزيد بن أرقم و المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت تجاه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته وأمر حمامتين فوقفتا في فم الغار وأن العنكبوت نسجت على بابه فلما أتى الطالبون له رأوا ذلك فقالوا لو كان فيه أحد لم تكن الحمامات ولا العنكبوت فانصرفوا والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع كلامهم والأخبار في هذا كثيرة شهيرة وفيما ذكرناه كفاية لمن كان ذا عقل وديانة

363


الفصل السابع
في إحياء الموتى وكلام الصبيان والمراضع وشهادتهم له بالنبوة من ذلك الخبر المشهور المعلوم المذكور عن غير واحد من الصحابة والأئمة أن يهودية بخيبر أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مشوية فسمتها فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل القوم معه فقال ارفعوا فإن هذه الشاة أخبرتني أنها مسمومة ثم قال لليهودية ما حملك على ما صنعت قالت إن كنت نبيا صادقا لم يضرك الذي صنعت وإن كنت ملكا أرحت منك فقال ما كان الله ليسلطك على ذلك فقالوا نقتلها قال لا فلم يزل أثر تلك الأكلة في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال في وجعه الذي مات منه مازالت أكلة خيبر تعاودني فالآن قطعت أبهري قال ابن إسحق إن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة وروى هذا الحديث من طريق البزار عن أبي سعيد الخدري وزاد فيه فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال كلوا بسم الله فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم تضر أحد منا إلا ما ذكر من موت بشر بن البراء وفي هذا الحديث أنواع من دلالات نبوته صلى الله عليه وسلم نطق الميت وذلك أن الشاة كلمته بعد أن شويت وأنهم أكلوا السم ولم يضرهم وفي موت البراء دليل على أن الذي أكلوه سم قاتل وبذلك اعترفت اليهودية وقالت أردت قتلك فأراد الله أن يميت أحدهم ليعلم أن الذي أكلوه سم وأن يحيى جميعهم آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آياته في هذه القصة تأخر موته بالسم دون علة لزمته منه نحو عشرين سنة وهذه كلها أمور خارقة للعادات فهي من أوضح الدلالات ومن ذلك ما روى عن فهد بن عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط فقال له من أنا فقال أنت رسول الله

364

ومن ذلك حديث معيقيب قال رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم عجبا جيء بصبي يوم ولد فقال له من أنا فقال أنت رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقت بارك الله فيك ثم أن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب فكان يدعى مبارك اليمامة وكانت هذه القصة بمكة في حجة الوداع ومن حديث الحسن قال أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنية له في وادي كذا فانطلق معه إلى ذلك الوادي وناداها بإسمها يا فلانة احيى بإذن الله فخرجت وهي تقول لبيك وسعديك فقال لها إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك عليهما فقالت لا حاجة لي فيهما وجدت الله خير منهما ومن ذلك حديث أنس أن شابا من الأنصار توفى وله أم عجوز قال فسجيناه وعزيناه فقالت مات ابني قلنا نعم قالت اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملني على هذه المصيبة فما برح أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا ومن حديث عبد الله بن عبيدالله قال كنت فيمن دفن ثابت بن قيس بن شماس وكان قتل باليمامة فسمعناه حين أدخلناه في القبر يقول محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان البر الرحيم فنظرنا فإذا هو ميت ومن حديث النعمان بن بشير أن زيد بن خارجة خر ميتا في زقاق من أزقة المدينة فرفع وسجى إذ سمعوه بين العشائين والنساء يصرخن حوله يقول أنصتوا أنصتوا فحسر عن وجهه فقال محمد رسول الله النبي الأمي وخاتم النبييين كان ذلك في الكتاب الأول ثم قال صدق صدق وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته ثم عاد ميتا كما كان

365

الفصل الثامن
في إبراء النبي صلى الله عليه وسلم المرضى وذوي العاهات من ذلك ما اشتهر واستفاض من قصة عين قتادة يوم أحد وذلك أنه أصيب في إحدى عينيه حتى وقعت على وجنتيه فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه ومن ذلك حديث عثمان بن حنيف أن أعمى قال يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري فقال له انطلق فتوضأ ثم قل اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم شفعه في قال فرجع الرجل وقد كشف الله عن بصره من ذلك حبيب بن فديك أن أباه أبيضت عيناه فكان لا يبصر بهما شيئا فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر قال فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين وروى أن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده حثوة من تراب فتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأخذها رسوله متعجبا يرى أنه قد هزأ به فأتاه بها وهو على شقاء فشربها فشفاه الله تعالى ومن ذلك حديث كلثوم بن الحصين وذلك أنه أصيب يوم أحد في نحره فبصق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأ وتفل عى شجة عبدالله بن أنيس فلم تمد ومن ذلك حديث علي يوم خيبر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات أصحابه تلك الليلة كلهم يرجو أن يعطاها فلما أصبح دعا عليا فإذا به رمد فتفل في عينيه فبرئ لحينه وفتح الله علي يديه الحصن وفي تلك الغزاة نفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع فبرأت وكذلك فعل بساق على بن الحكم يوم الخندق وكانت قد

366

انكسرت فبرأ مكانه ولم ينزل عن فرسه وأصاب عليا وجع فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اشفه أو عافه ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد وقطع أبو جهل لعنه الله يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت وكذلك أصيب في ذلك اليوم حبيب بن يساف فنفث عليها من ريقه فصح وأتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يعقل ولا يتكلم فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه صلى الله عليه وسلم ثم أعطاها ذلك الماء وأمرها أن تسقيه إياه ففعلت فبرئ الغلام وعقل عقلا يفضل كثير من الناس وحديث ابن عباس جاءت امرأة بابن لها به جنون فمسح صدره فثع ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود وبرأ وانكفأت القدر وهي تغلي على ذراع محمد بن خاطب وهو طفل صغير فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ودعا له وتفل فبرأ لحينه وكانت في كف شرحبيل الجحفي سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة فشكاها للنبي صلى الله عليه وسلم فما زال يمسحها بكفه حتى رفع كفه وما لها أثر والأخبار في هذا كثيرة وإذا تأملت هذا الفصل والذي قبله علمت أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قد أوتي من المعجزات مثل ما أوتى عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء العمى والمجانين وذوي الأسقام والآفات كما تحكي النصارى في إنجيلها وزاد عليه بأمور كما ذكر وستأتي إن شاء الله تعالى فيلزم النصارى إذ كذبوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع ما أقمنا عليه من الآيات وأثبتنا من واضح المعجزات أن يكذبوا بنبوة عيسى عليه السلام فإن معجزاته كمعجزاته وإن كذبونا فيما نقلنا عارضناهم فيما نقلوه ولم يقدروا أن يثبتوا نبوة عيسى عليه السلام علينا ولا على غيرنا وكذلك يفعل الله بكل كاذب كفار

367


الفصل التاسع
في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم اعلم يا هذا أنه لو لم يثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات إلا ما ثبت في هذا الفصل لكان فيه أعظم دليل على صدق رسالته وصحة نبوته فإنا نعلم بما روى في هذا الباب من الآيات على القطع والإصرار أن دعاؤه عند الله مسموع وأن مقامه عند الله مقام كريم مرفوع وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان كلما دعا الله في شيء أجابه فيه وظهرت بركة دعوته على المدعو له وعلى أهله وبنيه حتى كان حذيفة يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد أدركته الدعوة وولد ولده ونحن نذكر من ذلك طرفا على شرط الإختصار ومن حديث أنس الصحيح المشهور قال قالت أمي يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له فقال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه قال أنس حين حدث بهذا الحديث فوالله إن مالي كثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم وفي رواية أخرى عنه أنه قال وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي لا أقول سقطا ولا ولد ولد ومن دعائه لعبد الرحمن بن عوف بالبركة قال عبدالرحمن فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا وفتح الله عليه ومات فحفر الذهب من تركته بالفئوس حتى محلت الأيدي وأخذت كل زوجة من زوجاته ثمانون ألفا وكن أربعا وقيل بل صولحت إحداهن لأنه طلقها في مرضه على نيف وثمانين ألفا وأوصى بخمسين ألفا وهذا كله بعد صدقاته الفاشية في حياته وعوارفه العظيمة أعتق يوما ثلاثين عبدا ووردت له مرة عير له فيها سبع مائة بعير تحمل من كل شيء فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها ومن ذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم لمعاوية بالتمكين في البلاد فنال الخلافة

368

ومن ذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص بأن يجيب الله دعوته فما دعا على أحد أو لأحد إلا استجيب له ومن ذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم حيث قال اللهم أعز الإسلام بأحد الرجلين بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فأجاب الله دعوته في عمر بن الخطاب ولذلك قال ابن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب وأصاب الناس عطش شديد في سفر من أسفاره فدعا الله فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم وقد تقدم مثل ذلك ومن ذلك حديث الإستسقاء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يوم الجمعة يخطب إذ دخل عليه رجل فقال يا رسول قد هلكت الأموال وانقطعت السبل وهلكت المواشي فادع الله أن يغثنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أغثنا الله أغثنا الله أغثنا قال فأنشأت سحابة مثل الترس ثم انتشرت قال راويه فلا والله ما رأينا الشمس سبتا يعني جمعة ثم دخل أعرابي في الجمعة المقبلة فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم على الآكام والضراب ومنابت الشجر قال فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثوب فخرجنا نمشي ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال للنابغة الجعدي لا يفضض الله فاك فما سقطت له سن حتى مات وفي رواية كان أحسن الناس ثغرا إذا سقطت له سن نبتت له أخرى وعاش عشرين ومائة وقال لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فكان بحر الفقه وترجمان القرآن ودعا لعبدالله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه فما اشترى شيئا إلا ربح فيه ودعا للمقداد بن الأسود بالبركة فكان عنده غراير من المال ودعا لعروة بن أبي الجعد فقال لقد كنت أقدم بالكياسة سوق لهم فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا

369

وقال البخاري فكان لو اشترى التراب ربح فيه وندت له ناقة فدعا ربه أن يردها عليه فجاء بها إعصار ريح حتى ردها عليه ودعا لأم أبي هريرة فأسلمت ودعا لعلى أن يكفى ألم الحر والبرد فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حر ولا برد وسأله الطفيل بن عمرو آية لقومه فقال اللهم نور له فسطع له نور بين عينيه فقال يا رب أخاف أن يقولوا إنما مثلة فتحول إلى طرف سوطه فكان يضئ في الليلة المظلمة فسمى ذا النور ودعا على مضر بالقحط فأقحطوا سبعا حتى أكلوا الجلود والعظام حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا ودعا على كسرى حين مزق كتابه بأن يمزق ملكه فلم تبق له باقية وقال لرجل رآه يأكل بشماله كل بيمينك فقال لا أستطيع فقال له لا أستطعت فلم يرفعها إلى فيه بعد وقال لعتبة بن أبي لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد وحديثه المشهور مع ملأ قريش وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بينما هو ساجد بإزاء الكعبة إذ ألقت قريش على ظهره فرثا ودما وسلا جزور نحرت فقال اللهم عليك بهم ثم سماهم واحدا واحدا فكان من سمى قتل يوم بدر ودعا على الحكم بن أبي العاصي وكان يختلج بوجهه ويغمز عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فلم يزل يختلج إلى أن مات ودعا على غلم بن جثامه فلفظته الأرض فوورى فلفظته الأرض ثم وورى فلفظته الأرض مرارا فألقوه بين ضدين يريد جانبي الوادي ورضوا عليه بالحجارة وباعه رجل فرسا فجحده فقال اللهم إن كان كاذبا

370

فلا تبارك له فيه فأصبحت شاصية يريد رافعة برجلها يقول ماتت والأخبار في هذا الباب أكثر من أن يحاط بها
الفصل العاشر
في ذكر جمل من بركاته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ما اشتهر وصح أنه وقع فزع بالمدينة فركب فرسا لأبي طلحة بطيئا فلما رجع قال لأبي طلحة وجدنا فرسك بحرا يريد كثير الجرى كالبحر قال فكان ذلك الفرس لا يجارى ونخس جمل جابر وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه وصنع مثل ذلك بفرس لجميل الأشجعي خفقها بمخفقة معه وترك عليها فلم تملك رأسها نشاطا وباع من بطنها بإثنى عشر ألفا وكانت شعيرات من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلنسوة خالد بن الوليد فلم يشهد بها قتالا إلا رزق النصر وكانت جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل للمرضى بعد موته فيستشفى بها وأخذ جهجاه قضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكسره فأخذته في يده أكله فقطعها ومات قبل الحول وسكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما جف ماؤها بعد وبزق في بئر كانت في دار أنس فلم يكن بالمدينة أعذب منها ومر على ماء فسأل عنه فقيل اسمه بيسان وماؤه ملح فقال بل هو نعمان وماؤه طيب فطاب وأوتى بدلو من ماء زمزم فمج فيه فصارت أطيب من المسك وأعطى الحسن والحسين لسانه فمصاه وكانا يبكيان عطشا فرويا وسكتا وكانت لأم مالك عكة تهدى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعصرها ثم دفعها

371

إليها فإذا هي مملوءة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم وليس عندهم شيء فتعمد إليها فتجد فيها سمنا فكانت تقسم أدمها حتى عصرتها وكان يتفل في أفواه المراضع فيجزيهم ريقه إلى الليل ومن ذلك بركة يده فيما لمس أو غرس غرس لسلمان ثلاثة مائة ودية وكان كاتب مواليه على ثلاث مائة نخلة وعلى أربعين أوقية فغرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلا واحدة فأطعمت من عامها إلا تلك الواحدة فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه فوزن منها أربعين أوقية لمواليه وفي حديث حنش بن عقيل قال سقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما زلت أجد شبعها إذا جعت وريها إذا عطشت وبردها إذا ظمئت وأعطى قتادة بن النعمان وصلى معه العشاء الأخيرة في ليلة مظلمة مطيرة عرجونا فقال انطلق فإنه سيضىء لك من بين يديك عشرا ومن خلفك عشرا فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج ومنها دفعه لعكاشة جذل حطب وقال له اضرب به حين انكسر سيفه يوم بدر فعاد في يده سيفا صارما طويل القامة أبيض شديد المتن فقاتل به ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة وكان هذا السيف يسمى العون وكذلك دفع لعبدالله بن جحش يوم أحد وقد ذهب سيفه عسيب نخل فعاد في يده سيفا ومن ذلك بركته في درور الشياه الحوائل اللبن الكثير كقصة شاة أم معبد وهي قصة مشهورة وكذلك غنم حليمة مرضعته

372

وقد تقدم ذكره وكذلك قصة شاة عبدالله بن مسعود وكان لم ينز عليها فحل قط وكذلك شاة المقداد ومن ذلك تزويده أصحابه سقاء ماء بعد أن أوكاه ودعا فيه فلما حلاه إذا به لبن طيب وزبده في فمه ومسح على رأس عمير بن سعد وبارك فمات وهو ابن ثمانين فما شاب وقد روى مثل هذه القصص ومن ذلك أن عتبة بن فرقد كان يوجد له طيب يغلب طيب نسائه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بيده بطنه ويده وسلت عن وجهه صلى الله عليه وسلم عايذ بن عمرو الدم يوم أحد فدعا له فكانت له غرة كغرة الفرس ومسح صلى الله عليه وسلم على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له فهلك ابن مائة سنة ورأسه أبيض وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم أسود فكان يدعى الأغر ومسح وجه رجل آخر فما زال على وجهه نور ومسح وجه قتادة بن ملجان فكان لوجهه بريق حتى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة ووضع صلى الله عليه وسلم يده على رأس حنظلة بن خديم وبارك عليه فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه والشاة قد ورم ضرعها فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم ونضح في وجه زينب بنت أم سلمة نضحة من ماء فما كان يعرف في وجه امرأة من الجمال ما كان بها ومسح على رأس صبي به عاهة يعني قرعا فبرأ واستوى شعره وكذلك مسح على غير واحد من الصبيان المرضى والمجانين فبرؤا ولأجل هذا قال طاووس لم يؤت النبي صلى الله عليه وسلم بأحد به جنون فصك في صدره إلا ذهب ذلك الجنون وأتاه رجل آدر فأمره أن ينضحها بماء من عس مج فيه ففعل فبرأ ومن ذلك خبره المشهور عن تراب يوم حنين وذلك أنه لما اشتد القتال بينه وبين الكفار ذلك اليوم أخذ غرفة من تراب ورمى بها وجوه الكفار وقال شاهت الوجوه فما بقى منهم أحد إلا أصاب من عينيه

373

من ذلك التراب فهزمهم الله ورجعوا على أعقابهم يمسحون عن أعينهم ومن ذلك الخبر المشهور عن أبي هريرة أنه كان كثير النسيان فأمره ببسط ثوبه فغرف بيده ثم أمره بضمه ففعل فما نسى شيئا بعد والأخبار في هذا كثيرة جدا تفوق الحصر
الفصل الحادي
عشر في ما أخبر به مما أطلعه الله من الغيب صلى الله عليه وسلم هذا الموضوع بحر لا يدرك قعره ولا ينزف غمره وهو من جملة آياته المعلومة على القطع الواصلة إلينا من طريق التواتر لكثرة الحكايات وإنتشار الروايات مع اتفاقها على أنه مطلع على كثير من الغيب فهذا تواتر معنوي يحصل به العلم القطعي وهكذا أكثر الفصول المتقدمة والأخبار المتلقاة عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع قسمان قسم وقع ووجد كما أخبر به وقسم آخر لم يقع لكونه لم يبلغ وقته وسيقع ولا بد ولذلك هو منتظر الوقوع ونحن إنما نذكر في هذا الفصل ما وقع ووجد حسب ما أخبر به إذ به تقع الحجة وعنده يظهر الإعجاز من ذلك حديث حذيفة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فما ترك شيئا في مقامه ذلك يكون إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وأنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه ثم قال لا أدري أنسى أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاث مائة فصاعدا إلا وقد سماه لنا بإسمه واسم أبيه وقبيلته وقال أبو ذر لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يحرك جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما

374

وقد خرج أهل الصحيح في كتبهم واشتهر عن الأئمة ما أعلم به أصحابه مما وعدهم به من الظهور على أعدائه وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله وأن المدينة لا تغزى وكذلك أعلم بفتح خيبر على يد علي بن أبي طالب في غد يومه وبما فتح الله على أمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر وما يحدث بينهم من الفتن والإختلاف والأهواء وسلوك سبيل من قتلهم وإفتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة وأنها ستكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حلة ويروح في أخرى وتوضع على يديه صحيفة وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة وأنهم إذا مشوا المطيطا وجد منهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم وسلط شرارهم على خيارهم وإخباره على قتال الترك والخزر والروم وذهاب كسرى وفارس حتى لا كسرى بعده وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده وإخباره عن الروم لا تزال ذات أقران حتى تقوم الساعة وإخباره بملك بني أمية وولاية معاوية ووصاه وإتخاذ بني أمية ملك الله دولا وإخباره عن خروج ولد العباس بالرايات السود وملكهم أضعاف ما ملكوا وخروج المهدي وإخباره بما ينال أهل بيته من القتل والشدائد وإخباره عن قتل علي وقوله إن أشقاها الذي يخضب هذه من هذه يريد لحيته من رأسه وإخباره بقتل عثمان وهو يقرأ المصحف وأنه سيقطر دمه على قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وقوله صلى الله عليه وسلم عسى الله أن يلبسك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه يريد بذلك ما ولاه من الخلافة وما أرادوا من خلعه ومن ذلك خبر حاطب بن أبي بلتعة وذلك أنه كتب كتابا لأهل مكة يخبرهم فيه بغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم وإخفاء ذلك الكتاب ولم يطلع عليه أحدا ودفعه إلى إمرأة فجعلته في عقاصها

375

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه انطلقوا إلى موضع كذا فإن به ظعينة عندها كتاب من حاطب إلى مشركي قريش فانطلقوا ففتشوا فلم يجدوا عندها شيئا فقالوا لها لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فأخرجته من عقاصها وإخباره لبعض زوجاته أنها ستنبحها كلاب من الحوب وأنها تقتل حولها قتلى كثير فكان ذلك كله كما ذكر صلى الله عليه وسلم وقوله لعمار تقتلك الفئة الباغية فقتله أصحاب معاوية وقوله يكون في ثقيف كذاب ومبير فرأوهما الحجاج والمختار وإخباره بأن مسيلمة يعقره الله فكان ذلك ومن ذلك أن ناقته ضلت فلم يدر أين هي فقالت قريش يزعم محمدا أنه يعرف خبر السماء وهو لا يعرف ناقته فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما أنا فلا أعلم إلا ما أعلمني الله به وأن الله قد أخبرني أنها بموضع كذا فانطلقوا فوجدت حيث ذكر قد حبستها هناك شجرة وقوله لفاطمة الزهراء رضي الله عنها ابنته أنك أول أهل بيتي لحوقا بي فكانت أول من مات من أهل بيته وأخبر بأهل الردة والخوارج وعرف بعلاماتهم فوجد ذلك كما أخبر والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى يضطر الواقف عليها إلى العلم بنبوته صلى الله عليه وسلم
الفصل الثاني
عشر في عصمة الله له ممن أراد كيده وذلك من أبلغ آياته صحت الروايات وثبتت الطرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرس ممن يريد ضره لكثرة أعدائه ولطلبهم غرته حتى نزل والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال لحارسيه يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربي فلم يقدر أحد أن يصيب منه مقتلا مع حرصهم على ذلك

376

ومن ذلك ما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا في بعض غزواته فقال تحت شجرة فأتاه أعرابي فاخترط سيفه فقال من يمنعك مني فقال الله فرعدت يد الأعرابي وسقط سيفه من يده وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه وقد اتفق مثل هذه القصة لعذرة بن الحارث فأسلم ورجع إلى قومه وقال جئتكم من عند خير الناس وقد روى أن هذه القصة كانت يوم بدر وكذلك وقع مثل هذه القصة بذي أمر لدغشور بن الحرث وكان ذا نجدة وجرأة فأسلم فلما رجع إلى قومه قالوا أين ما كنت تقول وقد أمكنك فقال إني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف من يدي فعرفت أنه ملك وفيه أنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم الآية وكانت امرأة أبي لهب وهي حمالة الحطب تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما يطأ كثيبا أهيل يريد سهلا ولما أنزل الله عز وجل فيها وفي زوجها تبت يدا أبي لهب وتب إلى آخر السورة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفي يدها فهر من حجارة فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبا بكر وأخذ الله ببصرها عن نبيه عليه السلام فقالت يا أبا بكر أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ومن ذلك ما حدث به الحكم بن أبي العاصي قال تواعدنا على أن نقتل محمدا حتى جئناه فلما رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقى بتهامة أحدا فوقعنا مغشيا علينا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله ثم تواعدنا ليلة أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه ومن ذلك القصة المشهورة التي تؤذن بالكفاية التامة وذلك أن قريشا اجتمعت على قتله وبيتوا ليدخلوا عليه بيته فعلم بهم

377

فقال لعلي تحول على فراشي ففعل ثم خرج عليهم ودر التراب على رؤوسهم فلم يروه حتى دخلوا البيت فوجدوا عليا على فراشه فقالوا له أين صاحبك فقال لهم قد خرج عليكم وقد جعل التراب على رؤوسكم فمد كل واحد منهم يده على رأسه فوجد التراب على رأسه وقد قيل أن في هذه القصة نزل قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ومن ذلك ما اتفق لأبي جهل وذلك أنه أخذ ابل رجل من العرب وتعدى عليه فيها فشكى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنزل أبي جهل وصاح به فخرج منتقعا لونه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على هذا إبله فقال نعم ثم دخل مرة أخرى خائفا فصاح به فخرج فزعا متغيرا ذليلا ففعل ذلك ثلاثا ثم خرج فزعا ممتقعا لونه فانصرف الأعرابي وألان القول للنبي صلى الله عليه وسلم فلامته قريش على ذلك فقال لهم إنه عرض لي دونه فحل من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه لفحل قط وأنه هم بي ليأكني فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ذلك جبريل ولو دنا منه لأخذه وكذلك أخذ أبو جهل صخرة ليطرحها على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد وقريش ينظرون فلزقت بيده ويبست يداه إلى عنقه فرجع القهقري ورآه ثم سأل أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه وكذلك تواعد مرة أخرى مع قريش لئن رأى محمدا يصلي ليطأن رقبته فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أعلموه فأقبل نحوه فلما قرب منه ولى هاربا ناكصا على عقبيه متقيا بيديه فسئل عن ذلك فقال لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوي فيه وأبصرت هولا عظيما وخفق أجنحة قد ملأت الأرض فقال عليه السلام تلك الملائكة لو دنى لاختطفته عضوا عضوا فأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إلى أخر السورة

378

ومن ذلك حديث شيبة أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فقال اليوم أدرك ثأري من محمد وكان حمزة قد قتل أباه وعمه فأتاه من خلفه قال فلما دنوت منه ارتفع إلى شواظ من نار أسرع من البرق فوليت هاربا وأحس بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إلى فما رفعها ألا وهو أحب الخلق إلي ومن ذلك حديث فضالة بن عبيد قال أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فلما دنوت منه قال أفضالة قلت نعم قال ما كنت تحدث به نفسك قلت لا شيء فضحك واستغفر لي ووضع يده على صدري فسكن قلبي فوالله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه ومن ذلك خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وذلك أنهما وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلاه فقال عامر لأربد أنا أشغل عنك وجه محمد فاضرب أنت فلم يفعل أربد من ذلك شيئا فلما كلمه عامر في ذلك قال له والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بيني وبينه أفأضربك ومن ذلك الخبر المشهور خبر سراقة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا للمدينة لم يعلموا بخروجه فبعثت قريش في طلبه في كل وجه حتى جعلت لمن يأتي به جعلا مائة ناقة قال سراقة فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل فقال والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على آنفا إني لأراه محمدا وأصحابه قال فأومأت له يعني أن أسكت ثم قلت إنهم بنو فلان يبتغون ضالة لهم قال لعله قلت فمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتي ثم أمرت بفرسي فقيد لي إلى بطن الوادي وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي وكنت أرجو أن أرده على قريش وآخذ المائة ناقة قال فركبت في أثره فلما بدا لي القوم فرأيتهم عثر بي فرسي وذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه قال ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار قال

379

فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد امتنع مني وأنه ظاهر قال فناديت القوم أنا سراقة انظروني حتى أكلمكم فقال له أبو بكر وما تبتغي منا قال قلت كتابا يكون آية بيني وبينكم فكتب له أبو بكر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكه عنده حتى كان يوم الطائف والأخبار في هذا كثيرة والحكايات صحاح شهيرة لا يمكن جحدها ولا ينكر حصول العلم عندها بل كلها تدل على صحة نبوته وتصديق شريعته وأنه كما قال الله عز وجل وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ومعجزاته صلى الله عليه وسلم أكثر من أن يحيط بها هذا الكتاب أو تدخل تحت عد وحساب وعند الوقوف على ما تضمنته الفصول المتقدمة والأبواب السابقة يحصل العلم الضروري بصدقه في رسالته وبوجوب اتباع شريعته ومنكر ذلك معاند متواقح جاحد وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وقد نجز غرضنا من هذا الباب فإن قال قائل من النصارى والمخالفين لنا ما ذكرتموه من معجزات نبيكم إنما يثبت عندكم من أخبار الآحاد وهي وإن كانت صحاحا فلا يحصل بها العلم كما كنتم قدمتم حيث تكلمتم مع النصارى حين استدلوا على إثبات نبوة مسيحهم فإنكم قلتم لا نقبل في مثل هذا الموضع خبر من تجوز العادة عليه الكذب والغلط وإنما نقبل فيها خبر من لا تجوز عليهم العادة الكذب والغلط وهو الخبر المتواتر ثم إنكم قبلتم هنا أخبار من تجوز العادة عليهم الغلط والكذب وهي أخبار الآحاد فقد خالفتم ما أصلتم وقبلتم عين ما أنكرتم قلنا في الجواب عن ذلك اعلم أيها المعترض أنا لم نقبل في هذا الباب ألا الأخبار المتواترة التي يحصل العلم بها لكن ينبغي أن

380

تعلم أن المتواتر ضربان ضرب يتواتر لفظه ومعناه وذلك مثل قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين فإن هذا اللفظ نعلم قطعا ويقينا أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قاله كما تلوناه من غير زيادة ولا نقصان إذ قد نقله عنه الجم الغفير عن الجم الغفير فلا يتطرق إليه وجه من وجوه الشك فلا يقدر أحد أن يتشكك في لفظه ولا في معناه وكثير من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم المتقدمة الذكر من هذا القبيل فهذا هو الضرب الأول وأما الضرب الآخر وهو متواتر معناه دون لفظه فيحصل العلم أيضا بذلك المعنى وذلك مثل أن تتوارد روايات كثيرة من أخبار الآحاد الصحاح على معنى واحد بألفاظ متغايرة وحكايات مختلفة مثال ذلك أنا نجد من أنفسنا علما قطعيا بشجاعة على بن أبي طالب رضي الله عنه فإذا نظرنا في الخبر الذي حصل لنا العلم بشجاعته لم نجده خبرا واحدا متواترا وإنما وجدناه جملة أخبار آحاد تواردت على معنى واحد وهو الشجاعة فتسمع عنه يوما أنه فعل يوم خيبر كذا وفعل يوم حنين كذا ويوم صفين كذا ويوم الجمل كذا فلا تزال أخبار الآحاد تكثر حتى يضطر السامع إلى العلم بمخبرها ولا يقدر على تشكيك نفسه في شيء منها وهذا مسلك في تحصيل العلم إذا تفقده العاقل المنصف من نفسه وجده مفيدا للعلم ومحصلا له ضرورة ومن أنكر حصول العلم منه كان منكرا لما هو ضروري فإذا ثبت هذا قلنا بعده إن ما نقلناه من معجزات نبينا عليه السلام منها ما تواتر لفظه ومعناه كإنشقاق القمر وغيره ومنها ما تواتر معناه وهو أكثر ما احتوت عليه الفصول المتقدمة وذلك أن كل فصل منها اشتمل على معنى واحد وكثرت الأخبار عن ذلك المعنى حتى أضطر الواقف عليها إلى العلم بمعناها وذلك مثل نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الماء القليل والطعام القليل إلى غير ذلك من الفصول فكل فصل منها قد تواتر معناه وإن لم تتواتر آحاد ألفاظه

381

ثم هذه الفصول بجملتها يحصل منها العلم القطعي واليقين الضروري بأن محمدا صلى الله عليه وسلم كانت العادات تنخرق على يديه معجزة له إذ قد تواردت جميع أخبار هذه الفصول على هذا المعنى فحصل من هذا أنا لم نستدل على إثبات نبوة نبينا محمد بأخبار الآحاد وإنما استدللنا على ذلك بالأخبار المتواترة المحصلة للعلم والحمدلله والنصارى فيما أوردوا لم يستدلوا هكذا ولا عندهم علم من هذا وكفى أنهم في ضلالتهم يعمهون وفي شكهم يترددون عصمنا الله من الخطأ والزلل في القول والعمل بكرمه وجوده
الفصل الثالث
عشر في ما ظهر على أصحابه والتابعين لهم من الكرامات الخارقة للعادات أعلم أن غرضنا في إثبات هذا الفصل شيئان أحدهما أن نبين أن ما ظهر على أصحابه وعلى أهل دينه من الكرامات هو آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الآيات وذلك أن الله تعالى إذا أكرم واحدا منهم بأن خرق له عادة فإن ذلك يدل على أنه على الحق وأن دينه حق إذ لو كان مبطلا في دينه متبعا لمبطل في دعواه كاذب في قوله على الله لما أكرمه الله ولا أكرم من اتبع دينه فعلى هذا نقول إن كل كرامة لولى إنما هي آية للنبي الذي يتبعه ذلك الولي فهذا أحد الغرضين وهو أهمهما والغرض الثاني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا قد أكرمهم الله بكرامات خارقة للعادات فلا يعتقد فيهم أنهم أنبياء كما فعلت النصارى بالحواريين بل يعتقد فيهم أنهم أولياء الله وأصحاب رسول الله تلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعه وبلغوا عنه قوله وفعله فبذلوا في إظهار دين الله أنفسهم وأموالهم حتى أظهر الله على كل الأديان دينهم وإيمانهم

382

كما قال الله تعالى فيهم محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ونحن الآن نذكر بعض ما أكرمه الله تعالى به من ذلك ما علمنا من أحوالهم على القطع وذلك أنهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرضوا لقتال كل من خالفهم من أهل الأرض يهوديهم ونصرانيهم مجوسيهم ووثنيهم عربيهم وعجميهم على قلة عددهم ونزارة عددهم فقارعوا الأبطال وسبوا الذرارى والأموال وأسروا العتاة وقتلوا الرجال وعلى هذا انقرض عصرهم ومع ذلك فلم يرو قط عنهم أنهم ولوا مدبرين ولا رجعوا منهزمين بل كانوا يرجعون غالبين وبعدوهم ظافرين وعليهم ظاهرين هذا مع كثرة من كان يجتمع عليهم من عدوهم ومن وقف على فتوحات الشام علم أن دين الحق هو دين الإسلام فلقد اجتمع عليهم من عدوهم بالشام ثلاث مائة ألف ونحوها بل قد قال الواقدي ثمان مائة ألف من النصارى المستعربة وغيرهم وهم زهاء ثلاثين ألف خيلهم ورجلهم فقارعوهم مقارعة الكرام وصبروا صبر من صدق ما وعده به نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فأظفرهم الله عليهم ومنحهم رقابهم وأورثهم أموالهم وديارهم وهكذا فعل الله معهم غير ما مرة ولا يشك في أن هذا كرامة من الله لهم وأمر خارق للعادة في حقهم فإن العادة أن من أكثر من مقارعة الشجعان فلا بد له من أن يصاب ولو في وقت من الزمان وما اتفق لهم وإن كان كرامة لهم فهو آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قد كان بشرهم بذلك وأخبرهم بكل ما طرأ لهم هنالك فقد ثبت أنه عليه السلام قال تغزو قيام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم تغزو قيام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم

383

فيفتح لهم ثم تغزو قيام فيقال لهم هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال نعم فيفتح لهم وهذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار بنصر أصحابه ونصر تابعيهم وتابعي تابعيهم ثلاثة قرون وهذه الأعصار هكذا انقرضت لم يزل نصر الله لهم وعونه معهم تصديقا لنبيه وإكراما لأصحابه رضي الله عنهم وجازاهم عنا بأفضل ما جازى أحدا عن أحد ومن ذلك ما ظهر على أحد منهم مما قدمنا ذكره حيث ذكرنا أن طائفة منهم أكلت السم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يضرها وقد ذكرنا حديث المرأة المهاجرة التي مات ابنها فقالت اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك فلا تحملني هذه المصيبة فحيى وأكل معهم وكذلك ذكرنا مقالة ثابت بن قيس بن شماس بعد موته وكلام زيد بن خارجة بعد موته فيما تقدم فلا معنى لاعادته فلتنظر فيما تقدم ومن ذلك خبر ابن عمر رضي الله عنه أنه كان في بضع أسفاره فلقى جماعة وقفوا على الطريق خوفا من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال إنما يسلط الله على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لم يسلط عليه شيء ومن ذلك حديث العلاء بن الحضرمي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فحال بينهم وين الموضع الذي يريدونه قطة من البحر فدعا الله بإسمه الأعظم ومشوا على الماء ومن ذلك أن عباد بن بشيرأوأسد بن خضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأضاء لهما رأس عصا أحدهما كالسراج وقد قدمنا مثل هذا ومن ذلك أن سلمان أو أبا الدرداء كانت بينهما قصعة فسبحت حتى سمعا تسبيحها وقد تظاهرت الأخبار بأن جماعة منهم رأوا الملائكة وكانت تسلم عليهم مثل عمران بن حصين واسيد ابن حضير والأخبار في هذا كثيرة

384

وأما التابعون فقد ظهرت لهم من الكرامات والخيرات ما لا يمكن استيفاء ذكره في هذا الكتاب فقد كان كثير منهم يمشي على الماء ويطير في الهواء وينظر إلى الحصى فيصير جواهر وينظر الآخر إلى الأرض بين يديه فيصير ذهبا وتطوى له الأرض ويتوضأ فيسيل الماء من بين يديه قضبان ذهب ويدعو الله تعالى فيبرئ المرضى والمجانين والزمناء إلى ما لا يحصى كثرة وقد دون من هذا كثير يقضى منه العجب في كتب كرامات الأولياء ولو لم يكن من هذا إلا قبر معروف الكرخي الكائن ببغداد لكان فيه كفاية وأعظم آية وذلك أن قبره يستشفى به ويدعى الله عنده فيشفى المريض وتقضى الحاجة حتى أن أهل بغداد يقولون قبر معروف الكرخي ترياق مجرب وبعد هذا أقول للنصارى وليست هذه الأمور العجيبة والأفعال الغريبة من قبيل الحيل والنيرجات التي تعظمون بها أديانكم وتموهون بها على عوامكم وتضيفونها إلى هذيانكم فلقد حكى لنا أنكم تمخرقون على ضعفاء العقول منكم بخرافات وترهات مثل ما وصف عن بعض مشاهدكم المعظمة عندكم وذلك أنكم تزعمون أن يد الله المسيح تظهر بها في يوم واحد من السنة من وراء ستر وهذا مشهور عندكم ولقد حكى لنا من يوثق بحديثه أن رجلا من اليهود كان قد حظى عند أحد رؤسائكم بالأندلس بوصلة كانت بينهما فرام الرئيس أن يخرج اليهودي عن دينه ويدخله في دين النصرانية وقال له ألا ترى هذه الأعجوبة ظهور يد الله المسيح لنا في يوم معلوم من السنة فقال له اليهودي يا مولاي أنا قد رضيت من هذا الأمر بشهادتك وصدقتك عليه فابحث عنه فإن كان ما يزعم هؤلاء القسيسون حقا دخلت في دينك فخالط الرئيس الشك فلما دنا ذلك اليوم مشى ذلك

385

الرئيس إلى ذلك المشهد وقرب مالا يهديه هنالك فبرز إليه الأساقفة وقربوه لتقبيل اليد فلما ظهر له من وراء الستر وضع يده فيه فصاحوا به وأغلظوا له القول يقولون له أتق الله الآن تخسف بك الأرض الآن تقع عليك السماء الآن ترسل عليك الصواعق فقال لهم دعوا عنكم هذا كله فإن هذه اليد لا أخل يدى عنها حتى أعلم حقا ما تصفون عنها أم باطلا فلما رأوا الحجة فروا عنه ولم يبق معه إلا إثنان أسرا إليه وقالا له ما تبغى في ذلك أصبوت عن دين آبائك أتريد أن تحل ربطا ربط منذ ألف سنة أو نحوها قال لا ولكني أحب الوقوف على سر هذه اليد فقالا هي يد الأسقف واقف خلف هذا الستر فقل احب أن أراه فقالا أنت وذاك فكشفا له عن قس مجدود الخدين واقف خلف هذا الستر فلما عاينه الرئيس أرسل يده وخرج إلى عسكره فقال له اليهودي يا مولاي ما تأمرني به أدخل في دينك وأخرج عن ديني فقال له رأيك خرجت منه أو فلا خرجت وكذلك وصف لنا عن صليب في بعض مشاهدكم المعظمة عندكم يمشي إليه الناس ليتعجبوا منه وهو واقف بين السماء والأرض وإن بعض رؤسائكم سأل عن ذلك كاتبا له يهوديا فتفطن اليهودي إلى أن ذلك الصليب حديد تمسكه أحجار المغناطيس فبحث عنه فوجد كذلك وكذلك وصف عن الثريا التي في كنيسة الغراب وحيلتها حيلة الصليب وكذلك كنتم تذكرون أن هذا الكنيسة ينزل فيها نور يوقد ذبال الثريا المذكورة في ذلك اليوم المشهود فذكر ذلك لأحد ملوك بني أمية بالأندلس فتعجب من ذلك وسأل عن ذلك فأخبره رجل من أهل إفريقية بحيلتها وذكر أنهم مدوا مع الحائط قصبة حديد ضيق جوفها وأبرزوا لها أنبوبا كسم الخياط موضعه موزون مع طرف الثريا ثم أنهم ذلك اليوم يرسلون نار النفط في القصبة متراكما حتى يخرج في غاية القوة إلى ذبال الثريا الذي هو في زنة واحدة معه

386

ووصف ذلك الإفريقي مع ذلك حيلا فاحتال ذلك الأمير على الكنيسة في أحد غزواته وقد دنا يومها ذلك فدعى الإفريقي وكان معه فسأله كشف ذلك فعمد الإفريقي فاستخرج منه قناة من الصفر على نحو ما كان ذكر وعمد إلى سماء الثريا فاستخرج منه حجرا من المغناطيس فسقطت فأمر الأمير عند ذلك بمعاقبة القسيس وكذلك كنتم تزعمون أن مريم نزلت من السماء على دون إذ فنتش المطران بجامع طليطله وكست رأسه بقجيلة وجسمه بثياب مزينة وذلك في ليلة النصف من شهر أغشت فتعظمون تلك الليلة تعظيما شنيعا وذلك كله إنما يصح عليكم لجهلكم بالأمور كلها حقها وباطلها حتى أنكم تصدقون بالباطل والترهات وتكذبون بالحق كله وباليقينيات فردكم لغير معنى وقبولكم لغير معنى فلذلك لم تعدوا من العقلاء ولم تضربوا بسهم النبلاء ولقد أورد بعض حذاقنا المجترئين على الكلام على النصارى في كذبهم نزول مريم على دون إذ فنش إلزامات نبهت النصارى ولا محيص لهم عنها فقال لهم أخبرونا عن نزول مريم الذي تزعمون هل كان بإذن سيدها أو بغير إذنه فإن قلتم كان بإذنه فكيف يجوز عليه أن يمتهن أم ولده بزعمكم في حق عبده وهلا كان يرسل عبدا من عبيده ويصون أم ولده هذا يدل على عدم الغيرة ولو فعل ذلك الواحد منا لعرض نفسه وزوجته للتهم ولتضاف إليه النقائص وينسب إلى همته الخسة وإن قلتم كان ذلك بغير إذن منه فكيف ينبغي أن تخونه مع أن الله قد اصطفاها على نساء العالم واتخذها أم ولد بزعمكم فتنزل بغير إذنه إلى رجل من جنسها بكسوة وثياب مزينة في كنيسة خالية وهذا محل خيانة

387

تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وسبحانه عما ينسب إليه الجاهلون بكرة وأصيلا وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة من حكاية هذه القبائح ومن رواية هذه الفضائح فالحمد لله الذي أعاذ الإسلام من هذه الرذائل وخصه بكل الفضائل التي يستحسنها كل عاقل ويتدين بها كل فاضل ويتميز عندها الحق من الباطل انتهى الجزء الثالث من كتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويليه الجزء الرابع بإذن الله وأوله الباب الرابع في بيان أن النصارى متحكمون في أديانهم وأنهم لا مستند لهم في أحكامهم إلا محض أغراضهم وأهوائهم

388



389

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام تأليف الإمام القرطبي تقديم وتحقيق وتعليق الدكتور أحمد حجازي السقا الجزء الرابع

390



391

الباب الرابع
في بيان أن النصارى متحكمون في أديانهم وأنهم لا مستند لهم في أحكامهم إلا محض أغراضهم وأهوائهم هذا الباب يشتمل على صدر وفنين الصدر وفيه فصلان والفن الثاني فيه فصلان

392



393

الفصل الأول
ليست النصارى على شيء اعلم أيها العاقل وفقك الله أن النصارى أضعف الناس عقولا وأقلهم فطنة وتحصيلا فهم لذلك يعتقدون في الله المحالات وينكرون الضروريات ويستندون في أحكامهم إلى الخرافات فتارة يسندون قضاياهم إلى منامة رأوها أو خرافة سمعوها وما وعوها وأخرى تحكم فيهم متقسس جاهل بمحض الجهل والهوى والأباطل من غير أن يستدل على جواز شيء مما يريد أن يفعل من الأفاعيل لا بتوراة ولا بإنجيل بل قد يعرض عن نصوص الكتابين ويتأولهما تأويل منسلخ عن الملين وربما تنزل بهم عظام النوازل فيجتمعون لها في المحافل فيتحكمون بأهوائهم ويقولون فيها بآرائهم فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ونحن نبين ذلك ونستدل عليه إن شاء الله تعالى على طريقة الإنصاف من غير اعتساف فأما كونهم يعتقدون في الله المحالات وينكرون الضروريات فقد بيناه فيما تقدم فمن أراد أن يعرف ذلك فليعد نظرا هنالك وأما كونهم يستندون في أحكامهم إلى الترهات والمنامات فيدل عليه ما حكيناه فيما تقدم من خبر بولش فإنه احتال عليهم حتى صرفهم عن دين المسيح وقولهم من المذاهب والآراء كل قبيح فصرفهم عن قبلتهم وأحل لهم ما حرم عليهم وفرق جماعتهم وشتت كلمتهم فتم له كل مكر على كل غبي غمر وقد قدمت حديثه في باب النبوات على الوفاء وكذلك خبر قسطنطين

394

ابن هيلانة فإنه لما رأى ملكه يختل ونظامه لا يستقيم ولا يتحصل بإختلاف رعيته عليه وقلة إنقيادهم إليه جمع وزراؤه وشاورهم فاجتمع رأيهم أن يتعبد القوم بطلب دم وأن يشرع لهم شريعة ينسبها للمسيح فكتب لهم ما بأيديهم من الإنجيل أو أكثره وتعبدهم بالصلوبية وشرع لهم ترك الختان وغير ذلك من الأحكام التي وافقته وجاءت على اختياره وأكد ذلك بمنامة رآها ذكر فها أمر الصليب فتم له مراده فيهم وخبره معروف عندهم وعند غيرهم وقد قدمت بعضه في باب النبوات أيضا وأما كونهم يحكمون بآرائهم وأهوائهم فيدل على ذلك ما أودعوه كتب محافلهم وما عليه الآن معظم عملهم ومن طالع تلك الكتب قضى من جهلهم وجرأتهم على الله كل عجب فإن قالوا إنما نحكم بالمصالح وهي عندنا أصل راجح قلنا لهم إن كانت المصالح عندكم أصلا تعولون عليه وتسندون أحكامكم إليه فمن الذي أصلها لكم فإن كنتم أصلتموها لأنفسكم فقد تحكمتم في الأصل والفرع ثم يلزمكم من هذا القول الإستغناء عن الشرائع وأن ما شرع الله من الأحكام في التوراة عبث لا معنى له ولا فائدة إذا في النظر في المصالح غنى عنها وإن كان الأنبياء شرعوا لكم أصل المصالح فلا بد من الإستدلال على ذلك من كلامهم وإذا لم تستدلوا على ذلك فدعواكم باطلة وحجتكم داحضة ثم نقول لهم هب أن الأنبياء شرعوا لكم أصل المصالح فهل شرعوا العمل بالمصالح كيف ما كانت المصلحة مطلقا أو عينوا لكم نوعا من المصالح فإن كانوا قد عينوا فينبغي لكم ألا تتعدوا ما عين لكم الأنبياء فما بالكم تسترسلون استرسال من يحكم بهواه ولا يخاف الله ولا يخشاه وإن كانوا أطلقوا لكم القول بالمصالح وقالوا لكم مهما ظهرت لكم مصلحة كائنة ما كانت فاعملوا بمقتضاها فكان يلزم على هذا اسقاط كثير من أحكام التوراة بالمصالح والرأي كما فعل بولش حيث قال لهم هل رأيتم سارحة تسرح من عند ربها ولا تخرج إلا من حيث تؤمر به قال فإني رأيت الصبح والليل والشمس والقمر والبروج إنما تجيء من ها هنا يعني الشرق وما أوجب ذلك

395

إلا وهو أحق الوجوه أن يصلى إليه قالوا له صدقت فردهم عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال جهة الشرق لهذا الهذيان ثم قال لهم بعد زمان رأيت رأيا فلو قالوا هات قال لهم ألستم تزعمون أن الرجل إذا أهدى إلى الرجل هدية وأكرمه بالكرامة فردها شق ذلك عليه وأن الله سخر لكم ما في الأرض وجعل ما في السماء لكم كرامة فالله أحق ألا ترد عليه كرامته فما بال بعض الأشياء حرام وبعضها حلال ما بين البقة إلى الفيل حلال قالوا صدقت وهذا محض الجراءة على الله والإفتراء على شرائع الله ولم يصر قط أحد من المتشرعين إلى مثله ويلزم عليه أن يكون كل من أراد أن يشرع شرعا شرعه فيكون العقلاء كلهم شارعين ويستغنى عن رسل رب العالمين وهذا غاية الكفر والضلال وهو لازم على مذهب أولئك الجهال فقد ظهر من هذا الفصل أنهم لا يستندون إلى شيء وأنهم ليسوا على شيء ألا إنهم هم الكاذبون

396


الفصل الثاني
خروج النصارى على تعاليم التوراة والإنجيل أريد أن أبين في هذا الفصل أنهم يخالفون كتبهم ولا يعملون بمقتضاها بل يتركون العمل بها ابتداء ويقولون تأولناها وذلك أن الله تعالى حرم في التوراة أكل الميتة والدم والخنزير والنطيحة والموقوذة والمنخنقة والقردة والشحوم التي لا تختلط باللحم والأرانب والأسد والدب واللب والفرس والبغل والحمار وكل دابة ليست مشقوقة الحافر ومن الطير البازي والعقاب وكل طير يبغي بالمخالب ومن حيوان المآكل حوت ليس له سفانق هذا وجدناه في كتبهم التي نقلنا منها سفانق وهو تصحيف منهم وإنما هو سفاسق وهي الطرائق عند العرب ومنه قيل سفاسق السيف وهي طرائقه وفرنده ذكره أبو عبيد في الغريب المصنف ومنع حرث الثور مع الحمار وحمل الخيل على الحمير والحمير على الخيل وطبخ الجدي في لبن أمه وأخذ الطير في أعشاشها بفراخها وأكل الجزارة المتلصقة رئتها وأكل الخبز المختمر في الفصوح ولا تقرب قربان إلا بخبز فطير ومنع شحوم البقر وشحم الشاة ومنع قربان الحمام واليمام فهذه المذكورات كلها محرمة بنصوص التوراة التي لا تقبل التأويل إذ قد عملت أنبياء بني إسرائيل على مقتضاها ولم يغيروا شيئا منها وكذلك عيسى عليه السلام لم يغيرها عن مقتضياتها ولا نسخها بل أقرها بالعمل وأمر بمقتضاها

397

وأن ادعوا نسخ شيء منها طالبناهم بدليل النسخ ولا يجدون سبيلا إلى ذلك ومع ذلك فتركوا العمل بما أمر الله به وارتكبوا ما نهى الله عنه ولقد وقفت على بعض كتبهم في الفقه فذكر هذه المحرمات مؤلفة ثم تأولها بزعمه وأنا الآن أذكر ماذكر في ذلك الكتاب ليقضى العاقل من تواقحهم وجهلهم العجب العجاب ويعلم أنهم مفترون ويكذبون على رب الأرباب قال ذلك الجاهل بعد ذكر المحرمات فهذه أمثلة ضربت في التوراة التي هي أم الإنجيل وأول الكتب كلها ففسر المسيح سيدنا في الإنجيل حيث قال لم آت لنقض الكتاب بل لتمامه فتمام الكتاب التأويل فأما الميتة في التوراة فإنما نعنى بذلك ألا تميتوا الأحياء ولا تغموا الحق في الشهادة ولا ترفعوا الطعام وتمنعوه السائل والجائع فأما الميتة والمنخنقة فما في أكلها غبطة لذي عقل فمن شاء أكل ومن شاء ترك وأما الدم فيعنى به ألا يقتل أحد بريئا ويهريق دمه وعنى بالخنزير الزنا والكفر بالله إذ المعروف من الخنزير الإلتطاخ في المطائق فنهانا عن فعله وأما أكله فما فيه منفعة ولا مضرة فمن شاء أكله ومن شاء تركه وعنى بالنطيحة ألا يتناطح ملك جبار وفقير مسكين وعنى بالموقوذة ألا تزدري بمن هو تحت ظلم غيرك وعنى بالمنخنقة ألا تخنق أحدا إذا كان لك قبله حق فتضايقه وعنى بالقردة ألا تحاكى أحدا فتفعل كفعلها وعنى بالدب واللب ألا تأكل مع غيرك بالهجم والغارة وعنى بالأرانب ألا تفعلوا فعل الأرانب فتكونوا كقوم لوط فإن الأرانب الذكور يأتي بعضها بعضا لكثرة شهوتها وعنى بالبازي والشدانق والعقاب وكل طير يبغى بمخلبه ألا يقتل أحدا ولا يهريق دم أحد ولا يغلب أحدا على متاعه ولا تحسد جارا فتفعل كفعلها وعنى بالدابة التي ليست مشقوقة الحافر الكفرة الذين يعبدون الأوثان ويسبحون لها أيام حياتهم ولا يقسمون أيامهم مشاطرة

398

وعنى بالحوت الذي ليس له سفانق الإنسان المذنب الذي يتلون في دينه وعبادته وعنى بحرث الثور مع الحمار الإنسان الكافر وعنى بحمل الخيل على الحمير والحمير على الخيل ألا يتزوج الكافر مؤمنة ولا المؤمن كافرة وعنى بالجدي في لبن أمه ألا تأخذ مال اليتيم ظلما وعنى بالملتصقة الرئه الإنسان الحسود الحقود الذي يوسوس الشر في صدره طول حياته وعنى بالخبز المختمر ألا ينفخنا الشيطان ويهيج فينا الكبرياء وعنى بالفطير أن تكون أنفسنا ضامرة بلا انتفاخ وعنى بالحمام واليمام المؤمنين الذين جعلوا أنفسهم لله قربانا قال فهذا هو المراد بتحريم هذه الأشياء وأما تلك المذكورات بأعيانها فمن شاء أكلها ومن شاء تركها هذا مذهب النصارى أجمعين ولا يأباه أحد منهم إلا الأقلين فينبغي لنا أن نوبخ هؤلاء الجاهلين ونعرض عليهم من الإلزامات المفحمة ما كانوا عنه معرضين ونقول لهم ما الذي حملكم على أن حرفتم كتاب الله وغيرتم شرع الله فأحللتم ما حرم عليكم من غير دليل وصرتم إلى تأويل لم تضمكم إليه ضرورة عقل ولا معارضة قول رسول فيا للعجب ما أثقب أذهانكم وأصح أفهامكم إذ قد فهمتم من كتاب رب العالمين ما لم يفهمه أحد من النبيين بل قد زاد فهمكم على فهم موسى بن عمران وعيسى عليهما السلام إذ كانا قد عملا على تحريم ما فهمتم أنتم تحليله من الأحكام وعلى ذلك عملت بنوا إسرائيل مدة مديدة من الأعوام إلى زمان بولش المفسد لدين المسيح الذي جاءكم بمكر خالص وكفر صريح فتلقيتم منه هذيانه ولم تعرفوا شأنه فحرفتم كتاب الله وانحرفتم عن الدين القويم دين المسيح حين حرف الدين الذي لم تروا منه أثرا ولا سمعتم له خبرا ثم نقول يا معشر المحرفين لكتاب الله أخبرونا هل كان موسى بن عمران وعيسى ابن مريم ومن بينهما من أنبياء بني إسرائيل علموا من هذه الأحكام ما علمتم أنتم أم لا فإن كانوا قد علموا فما بالهم

399

نصوا على خلاف ذلك وحكموا بتحريم تلك الأشياء فلم يرو قط عن واحد منهم أنه أكل خنزيرا ولا ميتة ولا دما ولا شيئا مما ذكر تحريمه وأنتم تقولون هذا وتساعدون عليه فكيف يمتنعون من أكل ما يحل لهم ثم يصرحون بتحريمه فعلى هذا يلزمكم أنهم كذبوا على الله ولبسوا في أحكام الله إذا كانوا علموا تحليل تلك الأشياء ثم صرحوا بتحريمها والنهي عنها وإن لم يعلموا شيئا مما علمتموه أنتم فمن أين علمتموه أنتم أشافهتكم بذلك الملائكة أم أرسل إليكم بذلك رسل أخر أم خلق لكم بذلك علم ضروري وكل ذلك لا تقدرون على ادعائه فلم يبق إلا أنكم جاهلون بشرع الله محرفون كتاب الله متواقحون على الله كاذبون عليه ومتهاونون برسله وستقفون بين يديه ويسألكم عما افتريتم عليه فتحيط بكم النيران وتجركم على وجوهكم إليها ملائكة غلاظ شداد لا يطيقهم إنسان ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين فتنادون إذ ذاك يا أسقفنا بولش انظرنا فما منا إلا متخرق عاطش عاطش فيقال لكم هو في أسفل سافلين فتصيروا إليه أجمعين فإذا اجتمعتم معه لعن بعضكم بعضا وجحد بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ثم نقول لهم إن جاز أن نتأول الفاظ الشارع وكلماته من غير ضرورة داعية إلى ذلك وندفع النصوص بالتحكم بطلت الكتب كلها والألسنة ولم يقدر واحد أن يفهم منها شيئا إذ كل لفظ يتكلم به متكلم يمكن صرفه عن بابه وعن موضوعه الأصلي ونصابه وإذا أمكن ذلك لم تقدروا على أن تثبتوا نبوة عيسى على اليهود بما قدمتم فإن من نص ما عندكم من كلام الأنبياء على نبوته قول يعقوب لا ينقطع قضيب الملك من نسل يهوذا حتى يأتي المسيح فيسوغ لليهودي أن يقول إنما عنى بالملك دينهم الذي ورثوه عن كتابهم وأنبيائهم ولم يعن الملك الذي هو الإمارة والولاية وقد

400

يسمى الدين الملك وقد جاء في التوراة حيث قال الله تعالى لإبراهيم الملوك من صلبك يخرجون وإنما أراد بذلك الأنبياء وأهل الدين ولم يرد بذلك الأمراء فقط وعلى هذا التأويل تحاجكم اليهود ويقولون لكم هذا ديننا باق لم ينقطع فإنا نقيم التوراة وأحكامها فلم يأت بعد المسيح وهذا التأويل في هذا الموضع أسوغ مما تأولتم به أنتم أحكام التوراة فإن أنكرتم هذا التأويل أنكروا تأويلكم وخطؤوكم وشهدوا عليكم أنكم غيرتم كتاب الله وحرفتموه هذا ما جنى عليكم تأويلكم إذ قد شككتم في مسيحكم ففي مثلكم يضرب المثل يداك أوكتا وفوك نفخ ولو شئنا لأبدينا لكم من التأويلات وأريناكم من المناقضات أكثر من هذا لفعلنا ولكن منعنا من ذلك من ذلك ما قدمنا ولا يصح أن يقول قائل منهم إن تحريم هذه المحرمات كلها التي تثبت في التوراة نسخ بقول عيسى في الإنجيل ليس ينجس المرء ما يدخل فاه وإنما ينجسه ما يخرج من فيه لأنا نقول قول عيسى هذا إذا سلم مفهومه نفى التنجيس لا نفى التحريم إذ هما حكمان متغايران مختلفان فإن الحكم بتحريم هذه المذكورات إنما يرجع إلى منع أكلها ثم يجوز أن تتناول بالأخذ والإعطاء وأنواع من التصرفات كما نقول في الحمار الأهلي والبغل فإنه يحرم علينا أكله ويحل لنا تصريفه في أنواع من المنافع غير الأكل والحكم بالتنجيس إنما يرجع لمنع التناول مطلقا أعنى يمتنع فيه الأكل والتصرف هذا إذا كان ذلك النجس محكوما بنجاسته مطلقا فإن حكم بنجاسته في حال دون حال كان ذلك وصح أن يقال عليه أيضا نجس مثال ذلك أن محكم الشرائع بأن العذرة يحرم علينا أن نصلي بها فلا يجوز أن نصلي بها ولا نحملها في تلك الحال ويجوز لنا أن نتناولها ونحملها في غير حال الصلاة فقد بان الفرق ما بين

401

الحكم بالتنجيس والحكم بالتحريم ثم لو سلمنا أنهما اسمان للتحريم لما كان لتأويلكم السخيف معنى لطيف فلأي معنى تأولتم وقلتم ما لا يصلح حمل اللفظ عليه ولم لم تقولوا إنه منسوخ فهذا خطأ آخر وجهل لا يبوء به إلا من كان مثلكم فإنه جمع بين التأويل والنسخ وهما متناقضان فإن معنى التأويل أن اللفظ المؤول معمول به على وجه ومعنى النسخ أن المنسوخ مرفوع الحكم على كل وجه غير معمول به أصلا فقد ظهر من الفصلين السابقين أن هؤلاء القوم متحكمون بأهوائهم في دين الله تاركون للعمل بكتاب الله وسنن رسل الله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون وقد نجز غرضنا من الصدر فلنشرع في الفن الأول الموعود

402


الفن الأول
شعائر الدين النصراني وطقوسه غرضنا من هذا الفن أن نجمع مسائل من قواعد أديانهم ونبين فسادها وأنهم ليسوا على شيء فيها بل تركوا فيها نصوص التوراة والإنجيل وعملوا بخلافها من غير حجة ولا دليل ولقد كان لنا فيما قدمنا كفاية أوصلتنا من فضيحتهم وخزيهم إلى أقصى غاية لكنا أردنا أن نبين خطأهم وضلالهم في أكثر قواعد دينهم حتى يتضح للناظر أنهم في جميع أحوالهم وأعمالهم مبطلون وأنهم من كل وجه مضلون فنقول اعلم أنه لو تصفح جميع ما انتحلوه من أديانهم لوجد مبنيا على ما مثل ما تقدم من هذيانهم لكنا نقتصر من ذلك على مسائل نباحثهم فيها ونبين ضلالهم وتلاعبهم في دينهم فإذا فرغنا من هذا الغرض ذكرنا في الفن الثاني جملة من أحكام شريعتنا ونقتصر من ذلك على ما عابوه علينا منها وإنما فعلنا ذلك لأن هذا السائل الذي حركنا إلى تأليف هذا الكتاب هددنا بأن قال في كتابه إني أبعث إلى كل بلد كتابا بنص شريعتكم وبكل ما نعرف فيها من الأقاويل التي لا تقدرون على إنكارها فلو بصر الله هذا الجاهل المغلط بعيوبه لكان سترها وكتمانها أعظم مطلوبه لكن جهل فقال وحيث وجب أن يسجد بال فنقول يا هذا ألنا يقعقع بالشنان آلآخذ بالحنيفية يدان كلا والله فليس مع الشمس سراج ولا شجر المرخ من الساج وها نحن نبتدئ بالمسائل تترى إن شاء الله تعالى

403

مسألة في المعمودية أطبقت النصارى على اختلاف فرقهم على القول بالمعمودية وصفتها عندهم أن الذي يريد أن يدخل في دينهم أو التائب منه تتقدم الأقسة منه فيمنعونه من اللحم والخمر أياما ثم يعلمونه إعتقادهم وإيمانهم فإذا تعلم ذلك اجتمع له القسيسون فتكلم بعقيدة إيمانهم أمامهم ثم يغطسونه في ماء يغمروه وقد اختلفوا هل يغطسونه مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثا فإذا هو خرج من ذلك الماء دعى له الأسقف بالبركة ووضع يده على رأسه هكذا كانت صفة معموديتهم قديما في الأندلس وأما اليوم فلعلهم قد غيروا بعض أحكامها وربما اختلفوا في بعض تلك الأحوال وهي عندهم عبادة مؤكدة وقاعدة ممهدة ومن لم يقبلها عندهم فهو كافر وليس له من ذنوبه غافر وقد كتب الأسقف ليون إلى أساقفة صقليه رسالة ذكر لهم فيها أمر المعمودية وفضيلتها فقال المعمودية هي إماتة الذنوب وقتلها وتأويل الغطسات الثلاث مكث المسيح في قبره ثلاث أيام والخروج عن الماء هو الخروج عن القبر ومنهم من تأول في هذه الغطسات الثلاث أنه التثليث الذي يعتقدون وهذا التعميد لم يجر له في التوراة ذكر ولم يشرع الله قط لموسى لكن كتب النصارى في الإنجيل ان يحيى عمد عيسى بوادي الأردن فخرج منه روح القدس كالحمامة على الماء وزعمت النصارى أيضا أن عيسى قال للحواريين إذا مررتم بالأجناس فعمدوهم على اسم الآب والإبن والروح القدس وزعموا أن بيطر عمد ثلاثة آلاف رجل في يوم نيقشتان وهذه المسألة عندهم ظاهرة المستند قوية المعتمد فإنهم قد أسندوا نقلها إلى الأنبياء والحواريين كما تقدم ولكنا مع ذلك

404

نطالبهم فيها مطالبات تؤذن بأنهم يرجعون إلى الترهات فنقول سلمنا لكم جدلا ما ذكرتم من إستناد المعمودية إلى ما ذكرتم لكن لم قلتم كما فعلها يحيى والحواريون نفعلها نحن ولعل الله تعالى خص يحيى والحواريين بعمل المعمودية ولم يشرعها لغيرهم فإن ادعوا أن الله شرعها لهم كما شرعها للحواريين طالبناهم بالنص من كتبهم الذي به يجب على من دون الحواريين التعميد ولا يجدون شيئا من ذلك أبدا ثم نقول لعل الحواريين ويحيى إنما عمدوا الناس لأن ماءهم كان مقدسا ودعاءهم متقبلا لكون يحيى نبيا والحواريون كذلك عندكم وأما أنتم فلستم أنبياء وليس ماؤكم مقدسا فلستم مثلهم فكان ينبغي لكم ألا تعمدوا أحدا لكنكم وضعتم لأنفسكم شرعا بالتوهم وزدتم فيه أمورا بالتحكم ثم نقول سلمنا جدلا أن المعمودية شرع لكم فمن أين زدتم فيها العدد ووضع اليد على الرأس والنفخ في الوجه كما فعله بعض من مضى منكم ولم تكفرون من لا يستعملها ولم ينزل بشيء من ذلك سلطان ولا حكم بذلك إنجيل ولا فرقان لولا محض التلاعب بالأديان والتحكم في دين الله والخذلان ثم نقول هذا الماء الذي تعمدون فيه أهو مقدس أو غير مقدس فإن كان مقدسا فمن قدسه فإن قلتم إن الله قدسه فمن أين علمتم ذلك ثم إن قلتم ذلك عورضتم بنقيضه وقيل لكم بل نجسه الله وإن قلتم نحن قدسناه قلنا فمن أنتم حتى شيئا وهل يصلح أن يقدس من ليس بمقدس أو يطهر من ليس بمطهر بل أنتم مذنبون تتزايد ذنوبكم في كل وقت وحين قكيف تقدسون غيركم وأنتم لا تقدسون أنفسكم فليت العجل يهضم نفسه فحصل من هذا أن ماءكم الذي تعمدون فيه غير مقدس ولذا كان كذلك فلأي شرط تشترطون في المعمودية أن تكون بالماء وهلا عمدتم في البول فإنه ليس بنجاسة عندكم ولا فرق بينه وبين الماء إذ كل واحد منهما ليس بمقدس ثم نقول زعم النصارى أجمعهم وكتبوا في كتبهم أن يحيى عمد عيسى المسيح بوادي الأردن

405

فنقول لهم هل كان عيسى عليه السلام قبل أن يعمده يحيى مقدسا أم لم يكن فإن قلتم أنه كان مقدسا فلا فائدة لفعل يحيى ولأي شيء لم ينزل عليه روح القدس قبل التعميد وأنتم تقولون أنه لما عمده نزل عليه الروح القدس مثل حمامة بيضاء وإن كان غير مقدس فكيف يكون من ليس بمقدس إلها أو ابن إله وأنتم تزعمون بجهلكم على اختلاف أقوالكم أنه اتحد بناسوته اللاهوت وهو في بطن أمه وكيف يتحد اللاهوت بمن ليس بمقدس وهل هذا كله منكم إلا هذيان وضرب من الخذلان تمجه القلوب والآذان مسألة في غفران الأساقفة والقسيسين ذنوب المذنبين وإختراعهم الكفارة للعاصين أعلم أن هؤلاء القوم وضعوا لأنفسهم قوانين توافقوا عليها وارتبطوا لها من غير أن يشهد بصحة تلك القوانين شاهد من توراة ولا من إنجيل فمن خالفها عندهم سموه خارجيا تارة وكافرا أخرى والخروج عن تلك القوانين هو الذنب عندهم ثم تلك الذنوب منقسمة إلى ما لا يغفرونه وإلى ما يغفرونه فإذا غفرو ذنب واحد منهم أدخلوه الكنيسة وقبلوا قربانه وإذا لم يغفروا له أبعدوه عن كنائسهم وطردوه وهولوا عليه ولم يقبلوا برهانه ولا بد للذنب المغفور من كفارة وتلك الكفارة بحسب ما يظهر لأقستهم ويرونه موافقا لغرضهم فتارة يوجبون عليه خدمة الكنيسة وتارة لا يدخلها بل يقف عندها متذللا وربما يبقى على ذلك أعواما عديدة وتارة يوجبون عليه مالا إما لملكهم وإما لهم ولكنائسهم ولا بد من بيان ذلك بالأمثلة على ما وجدنا في كتبهم ولنذكر من كل مسألة مثالا لئلا يطول الكتاب وإنما أنقل ألفاظهم من كتبهم لئلا يتقول متقول علينا بالباطل أو يظن بنا الجهل بمذهبهم أو ينسبونا إلى الكذب في شيء مما حكيناه عنهم مثال القسم الأول العابثون بالصبيان العابثون بالصبيان لا يغفرون لهم بوجه ولا يعطونهم قربانا

406

أبدا ولا عند وفاتهم على هذا أجمع أساقفة طليطلة في ولاية ايفة الملك وقالوا دعتنا هذه الفاحشة المنتنة أن يحكم بأجمعنا أن كل من أتى هذه الفاحشة أن يفعل به عقاب فإن كان راكب هذه الفاحشة أسقفا فليعزل ويبعد إبعادا شديدا دائما وإن كان من غيرهم فلينكل به نكالا شديدا ويضرب الفاعل والمفعول مائة سوط وينفيان النفى الدائم ولا يعطيهم أحد من الأقسة توبة ومن أعطاها لهم وتقبل قربانهم عزل وأبعد ولم يعط هو أيضا توبة وأغرموه خمسة أرطال ذهبا للملك هذا قانونهم الأول القديم ولا أدري ما أحدثوه الآن إذ الأحداث عنهم في كل زمان ومثال الثاني نكاح القرابات وذلك أن نكاحهن حرام بنص التوراة زعموا فإن نكح رجل قريبته إلى سبع بطون فإن أصر على ذلك فلا يغفر له ولا يعطى قربانا وإن مات وإن أقلع عنها حرم القربان خمسة عشر سنة وكلفوا أعدادا من الصلوات ومن العبادات وربما زادوا عليه خمسا فكملوا له عشرين سنة وربما بلغه بعضهم خمسا وعشرين وذلك بحسب ستة عندهم فإذا كان بعد ذلك قبلوا توبته وأعطوه القربان وأما المرأة فقد أبوا أن يعطوها القربان إلا عند وفاتها وأما الذي يأتي البهيمة فإن كان له زوجة لم يعط القربان إلا بعد ثلاثين سنة وإن لم تكن له زوجة فبعد خمس وعشرين سنة مثال ما يغرمون فيه الأموال من تزوج من غير بركة القسيس فإنه يغرم للملك مائة دينار ويضرب الزوجان مائة سوط مائة سوط وقد حكموا على قاتل عبده بحرمان القربان سنتين وعلى قاتل العمد غير عبد بحرمان القربان وبخضوعه عند الكنيسة إلى آخر وفاته

407

وأما قاتل الخطأ فقانونهم الأول يقضى بأن يحرم القربان سبع سنين والقانون الثاني يقضى بأن يحرم خمس سنين وعلى الجملة فهذياناهم وتحكماتهم أكثر من أن تحصى ومن اطلع على كتب فقههم رأى فيها غرائب وعجائب ومقصودنا التمثيل وقد حصل والحمدلله فنقول من وقف على هذه المواضع وأمثالها لم يشك في أن القوم يصنعون أحكاما ويخترعونها ويلتزمونها ولسنا ننكر أن الشرائع لو جاءت بمثل هذا الكفارات والتحكمات لقبلناها والتزمناها وإنما ننكر عليهم أن يجعلوا أنفسهم شارعين وينزلوا أنفسهم منزلة رب العالمين فإنه إنما ينبغي الحكم والتحكم له إذ له أن يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء في العبيد وأما الأنبياء فلا يحكمون من عند أنفسهم وإنما يبلغون أحكام الله ثم أعجب من ذلك جرأتهم على الله واستهزاؤهم بكتاب الله فإن هذه الذنوب التي قدمت ذكرها قد شرع الله أحكامها في التوراة نصوصا وبين حدودها فجعل في أكثر تلك المواضع القتل ولم يحكم فيها بشيء مما اخترعوه وليس في إنجيلهم أيضا من هذه الأحكام شيء وعند هذا تبين أنهم خالفوا كتب الله وتركوا سنة رسل الله وتحكموا في ذلك بأهوائهم وتركوا سنن أنبيائهم فحقت عليهم لعنة الله أبد الآبدين وغضبه إلى يوم الدين فإن قالوا تلك الأحكام التي في التوراة منسوخة بكتابنا وعلى لسان مسيحنا قلنا لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بل نقول إن عيسى عليه السلام جاء متمما لأحكام التوراة ولم يجيء مغيرا لأحكامها ولا ناقضا لها وكذلك نقلتم في إنجيلكم أن عيسى قال إنما جئت متمما ولم آت لأنقض شريعة من قبلي وهذا خلاف ما تدعونه من النسخ بل يقتضى هذا بحكم ظاهره أنه لا ينسخ شريعة من قبله وإنما يوضحها ويحيى ما أميت منها ثم لا يبعد أن يكون قد نسخ بعض أحكام التوراة وغاية ما يوجد

408

له من النسخ قوله وقيل من فارق امرأته فليكتب لها كتاب طلاق وأنا أقول من فارق امرأته منكم فقد جعل لها سبيلا إلى الزنا ومن تزوج مطلقة فهو فاسق ثم قال بلغكم أنه قيل العين بالعين والسن بالسن وأنا أقول لكم لا تكافئوا أحدا بسيئة ولكن من لطم خدك الأيمن فأعطه الآخر ومن أراد نزع قميصك فزده ردائك فمثل هذا يمكن أن يقال فيه إنه نسخ وإذا بحث عن كتابكم كما يجب لم يوجد فيه نص من هذا على النسخ فمن ادعى منكم أن شيئا مما ذكر في التوراة تحريمه منسوخ فليأت بناسخ يشبه هذا القول فإن لم تأتوا بشيء من ذلك دل على أنكم متحكمون هنالك مطالبة وهي أنا نقول لهم لأي معنى حرمتم من نكح قريبته خمسا وعشرين سنة من القربان وحرمتموه من نكح بهيمة ثلاثين سنة ولو عكستم ذلك كان أشبه فإن نكاح الآدمية القريبة أشنع من حيث أنها محرمة من نكاح بهيمة لا احترام لها وكذلك نعكس عليهم كل ما ذكروه حتى يتبين فساد قولهم ونقول لهم أيضا لأي معنى لم تجعلوا مكان الثلاثين ثمانية وعشرين أو إثنين وثلاثين ولأي معنى خصصتم هذا العدد دون غيره وعند هذا يتبين بطلان تحكمهم وفساد رأيهم وكذلك نقول لأي معنى شرعتم في العابث مائة سوط ولم تشرعوه فيمن نكح قريبته مع أن التوراة قد أمرت بقتل كل واحد منهما فكان ينبغي أن تسووا في الحكم بينهما فأما أن تضربوا كل واحد منهما مائة سوط أو لا تضربوهما فظهر من هذا أنكم تركتم حكم التوراة ثم لم تعدلوا فيما تحكمتم به ثم من أعظم تواقحكم أنكم سهلتم

409

الفواحش على أنفسكم وصعبتموها على غيركم فحكمتم على الأسقف الذي يعبث بأن يبعد فقط وعلى غيرهم بأن يبعدوا وينكلوا ويجلدوا إذا فعلوا تلك الفاحشة ولو عكستم ذلك لكان أشبه فإن التغليط على الأقسة مناسب لحالهم فإن المعاصي تقبح في حقهم أكثر مما تقبح في حق غيرهم فإن من كلام النبوة أن من أشد الناس عذابا عالم لم ينفعه الله بعلمه ومن كلام الحكماء حسنات الأبرار سيئات المقربين ثم هذا المعنى معلوم من عادة الملوك فإنهم يعاقبون وزراءهم والوقافين على رؤوسهم ويؤاخذونهم على أمور لا يحسن منهم أن يؤاخذوا بها سائس الدواب بل لكل مقام مقال ولكل عمل رجال وكيف لا تقبح المعاصي في حق الأقسة و الأساقفة وهم قد نزلوا أنفسهم منزلة الأنبياء حيث شرعوا الشرائع وتحكموا بوضعها بل تنزلوا منزلة المكلف الغافر الذي له الخلق والأمر فإنهم قد قالوا للعوام إن غفراننا لكم غفران الله وحرماننا لكم حرمان الله فإذا أعطينا نحن القربان فقد قبله الله وإذا لم نعطه لم يقبله الله وإذا غفرنا نحن الذنب فقد غفره الله فإن غركم الشيطان وقد فعل بأن تقولوا إن لنا لأجل القسيسية منزلة وحظوة فاتركوا العمل بشريعتكم لأجل مالكم عند الله من الفضل ولا تحرموا على أنفسكم شيئا من الفواحش وقد سمعنا هذا النوع عن بعض أقسة أرغون فعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين ثم نقول لهم يا معشر الأساقفة الجاهلين والقسيسين المتحكمين من أنتم حتى تكونوا شارعين أأنتم عقاب رب العالمين أحصلتم على رضاه أجمعين بل ينبغي أن تتحققوا أنكم في العذاب خالدون حيث كفرتم برسالة سيد المرسلين مع ما دلت عليها من الشواهد والبراهين فلقد صدق الله وهو أصدق القائلين حيث قال مخبرا عن الأخبار والقسيسين وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير

410

مسألة في الصلوبية وقولهم فيها لاخلاف عند النصارى أن إنكار صلب المسيح كفر ومن شك فيه فهو كافر وأنا الآن أذكر كلامهم في الصلوبية وفي معناها عندهم قالوا الكلمة هو الله وهو مخلوق من طريق الجسم وخالق من طريق النفس وهو خلق جسمه وهو خلق أمه وأمه كانت من قبله بالناسوت وهو كان من قبلها باللاهوت وهو الإله التام وهو الإنسان التام ومن تمام رحمته على الناس أنه رضى بهرق دمه عنهم في خشبة الصلب فمكن اليهود أعداءه من نفسه ليتم سخطه عليهم فأخذوه وصلبوه وغار دمه في إصبعه لأنه لو وقع شيء من دمه على الأرض ليبست إلا شيء وقع فيها فنبت في موضعه النوار لأنه لما لم يمكن في الحكمة الأزلية أن ينتقم الله من عبده العاصي آدم الذي ظلمه واستهان بحقه فلم يرد الله الإنتقام منه لاعتلاء منزلة السيد وسقوطه منزل العبد أراد أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح الذي هو إله متساو معه فصلب ابن الله الذي هو الله في الساعة التاسعة من يوم الجمعة هذا نص كلامهم من غير زيادة ولا نقصان وقال بليون الجاثليق في رسالته لليون الملك كبول أسرتنا لا يمكن أن تحل إلا بان يطلع إنسان من جنسنا وطبيعتنا من لا تضبطه معصية الذنب على ضد آدم ومن بدمه الطاهر تمحو أزلات الريق المهلك الذي كان حتمه الله وقضى به منذ البدء فتم ذلك الفعل عند إنقضاء الزمان المحدود وذلك ليتم الوعد الموعود مفهوم هذا الكلام أن ذنب آدم كان في رقاب بنيه إلى أن قتل عيسى وانتقم منه لأجل آدم وحينئذ عفى عن آدم وبنيه ولهذه الحكمة كانت صلوبية المسيح عندهم يا معشر العقلاء أنظروا بعين الإعتبار جهل هؤلاء الأغمار وجرأتهم على العزيز

411

الجبار وقولهم بالشتيمة في الأنبياء الأخيار فلقد ارتكبوا من المحالات وقالوا من الأكاذيب والترهات ما لم يقله أحد من المخلوقات ثم لم يكتفوا بهذه العظائم حتى أضافوا لله ولأنبيائه أعظم النقائص والشتائم فلله سر في أبعاد بعض العباد ومن يضلل الله فما له من هاد فهؤلاء كما قال الله العظيم في كتابه الكريم صم بكم عمي فهم لا يرجعون واعلم أنا لو تتبعنا تناقض هذا الكلام وأوردنا الإلزامات عليه لكتبنا في هذه المسألة وحدها سفرا على أن العقلاء يعلمون فساد هذا المذهب بالضرورة عند مجرد الوقوف عليه ولذلك لم يصر إلى نحو هذا المذهب السخيف والقول القبيح أحد من الأمم لا من العرب ولا من العجم لا في الحديث ولا في القدم وإنما صار إليه هؤلاء النصارى الجهال لكونهم ليسوا من العقال بل حظهم من العقل حظ المجانين والأطفال فكلامهم أشبه شيء بكلام الموسوسين والمختلطين المبرسمين ولقد كان يقتضى ما يعلم من حالهم الكف عن مناظرتهم وجدالهم لكن سكوت النبيه ربما كان داعية لتطاول السفيه وقد تقدم هذا الإعتذار عن هذا في أول الكتاب ولكن مع هذا لا بد للمجانين من العزائم وتعليق الأجراس والنمائم فلنورد عليهم من الإلزامات ما يبطل تلك الترهات ويبين تلك الأكذوبات فنقول وقد ذكرنا فيما تقدم أن أمر الصلوبية إنما شرعها لهم قسطنطين بن هيلانة الملك وهو الذي سنها وكتبها لهم في الإنجيل ليوغر صدور عامته ورعيته على اليهود وأنه احتال عليهم بالرؤية التي اخترعها فتم له مراده منهم ولم يكن عنده من أمر عيسى إلا خبر جملى ثم اختلق لهم في شأنه أمورا تفصيلية هي محال في نفسها لكنها مهولة على العامة الرعاع كقولهم في الإلتحام وفي لاهوت المسيح

412

لم يتركه ألم الصلب والإهانة وإنما أدرك ذلك لحمته وكإطلاق لفظ الطبيعتين على لاهوته وناسوته إلى ما عندهم من الهذيانات التي هي محال بالضروريات وقد قدمنا في ذلك ما يغنى عن إعادته واعلم أن النصارى يدعون أن اليهود قتلت المسيح عيسى يقينا وأن اليهود يدعون أنهم قتلوا رجلا ادعى نسخ التوراة بعد أن ادعى النبوة ولم يقم عليها شاهدا ونحن ندعى أن عيسى ابن مريم عليه السلام لم يقتله اليهود ولا غيرهم بل رفعه الله إليه من غير قتل ولا موت ونحن نبين أن الفريقين في شك منه وغير عالمين بشيء مما يدعونه في صلبه فنقول إن مستند النصارى في قولهم بالصلب إنما هو الإنجيل وقد بينا فيما تقدم أنه قابل للتحريف والتبديل وقد أرينا فيه التناقض والتحريف عيانا وأوضحنا على ذلك برهانا مع ما قدمنا من أن نقله ليس نقلا متواترا يفيد العلم وهذا يكفى مع أنهم ليسوا عالمين بشيء مما يتضمنه ولو سلمنا أنه متواتر يحصل بنقله العلم لقلنا أن الأخبار التي فيه التي تتضمن الصلب لا تنص نصية قاطعة للشك على أن المصلوب هو المسيح بعينه بل هي محتملة لأن المصلوب غيره ولم تتفطن النصارى بغباوتهم لوجوه الإحتمال ونحن نسرد نصوصهم في أناجيلهم ونبين ذلك ووجه الإحتمالات فيها إن شاء الله مستعينين به ومتوكلين عليه قال متاؤوش في إنجيله وقف على المسيح يهوذا أحد الإثنى عشر ومعه جماعة برماح وعصى وكان معهم قواد القسيسين وأكابر بني إسرائيل وكان يهوذا قد قال لأولئك الأعوان من قبطته من الجماعة فهو

413

المراد فاحبسوه وفي ذلك الوقت دنا يهوذا إلى ياشوا وقال السلام عليك يا معلم فقال له ياشوا يا صديق لم أقبلت هنا فعند ذلك تعلقت الجماعة به وحبسته زاد ماركش أنه لما قبضوا عليه تخلى عنه التلاميذ وهربوا فاتبعه شاب عريانا وهو ملتف في ردائه فقبضوا عليه فأسلم لهم الرداء ونجا عريانا زاد لوقا أن بلاط لما أخبر أنه جلجالي وعلم أنه من طاعة هيرودس بعثه إليه زاد في إنجيل يوحنا أن ياشوا تقدم لجماعة وقال لهم من تريدون فقالوا له ياشوا الناذري فقال لهم ياشوا أنا هو وكان يهوذا المدل عليه معهم واقفا فلما قال لهم أنا هو قهقروا إلى خلف فتساقطوا في الأرض ثم دنا منهم وقال لهم من تريدون فقالوا له ياشوا الناذري فقال لهم من تريدون فقالوا له ياشوا الناذري فقال لهم ياشوا قد قلت لكم إني أنا هو فإن كنتم إنما تريدونني أنا فأطلقوا سبيل هؤلاء وذكر متى أن يهوذا الدال عليه لما أبصر ما فعل به ندم ورد الثلاثين درهما على قواد القسيسين وقال أخطأت إذ سلمت دما صالحا فقالوا له ما علينا أنت ترى فألقى الدارهم في البيت وتوجه إلى موضع خنق فيه نفسه

414

هذه نصوص أناجيلهم ومستند إعتقاداتهم ليس شيء منها يدل دلالة قاطعة على أن المصلوب هو المسيح بعينه بل إذا اعتبر العاقل تلك الحكايات المذكورات ولفق متلفقها وحقق النظر فيها تفطن لموضع الأشكال وتنبه لمثار الشك فيها والإحتمال ونحن نبين ذلك بعون الله فنقول ما سودناه من أناجيلهم فيه أحتمالات منها أن يهوذا كذب لليهود في قوله هو ذا فإن اليهود كانت لا تعرفه ولم تأخذه إلا بشهادته أنه هو ألا ترى أن يهوذا عرفهم إياه بالعلامة وكذلك يدل على ذلك سؤالهم عنه وكذلك سؤال بلاط عن بلده حين أخبر أنه من جلجال يدل على أنه كان لا يعرفه فهذا كله يدل على أنهم كانوا لا يعرفونه وإنما عولوا في تعيينه لهم على يهوذا فإذا ثبت ذلك فيحتمل أن يكون يهوذا إنما أشار إلى غيره لأنه كان ندم على بيعه كما تقدم نصه في كتبكم ويدل على أنه تاب من ذلك وندم عليه وحسنت توبته قول عيسى له فيما زعمتم حين سلم عليه يا صديق لم أقبلت ولو كان مصرا على الدل عليه وعلى ما كان هم به لما كان يحل لعيسى أن يقول له يا صديق فإنه كان يكون كافرا ولا يمكن أن يقول للكافر يا صديق فإنه كذب لأن الكافر عدو فيلزم هنا أحد ثلاثة أمور أما أن يكون يهوذا تاب في ذلك الوقت وندم على ما فرط منه فعفى عنه وتوبته لا تصح في تلك الحال أعنى حال الدلالة عليه إلا بأن يعدل عنه ولا يدل عليه وكذلك فعل والله أعلم أو يكون عيسى كاذبا فيما قال له حيث أخبر أنه صديق وعيسى عليه السلام منزه عن الكذب أو يكون كتابكم باطلا ومحرفا فاختاروا من هذه الثلاث واحدة وأي شيء التزمتم منها فهي مبطلة لقولكم وفاسدة

415

ويدل على حسن توبته وصدقها أنه رمى بالدراهم واعترف بالخطية وقتل نفسه وهذا يدل على غاية الصدق في الندم ومقصود هذا الكلام أن يهوذا ندم ولا بد على ما فرط منه فيحتمل أن يكون دل على غيره من أصحابه وأن ذلك الغير رضى بأن يقتل مكان المسيح فتعرض بنفسه لليهود فأخذوه ورفع عيسى مكانه إلى السماء كما رفع أخنوخ النبي وهو إدريس عليه السلام وهذا كما تقولون أنتم أنه لما صلب وحيى اجتمع بأصحابه بجلجال ثم رفع إلى السماء فقد توافقنا على الرفع وأنتم تقولون أنه بعد الصلب والصفع والإهانة ونحن نجله ونكرمه عن ذلك ونقول أنه رفع من غير صلب وإهانة بل صانه الله من أن يظفر به عدوا وأكرمه حتى أحله مكانا عليا ولو كنتم عقلاء لجحدتم أمر الصلوبية ولم تعترفوا بها ولقبلتم قولنا فيها ولو فعلتم ذلك لكان أليق بكم وأستر لجهلكم فإنكم تريدون أن تجمعوا بين نقيضين حيث حكمتم عليه بأمرين محالين الهية وصلوبية ومنها أن يحتمل أن يكون المسيح في الجماعة الذين أطلق الأعوان سبيلهم وكان المتكلم معهم غيره ممن يريد أن يبيع نفسه من الله ويقى المسيح به فقال ذلك المتكلم أنا المسيح فحبسوه وخلوا سبيل غيره فانفلت المسيح في جملتهم ويقوى هذا الإحتمال أن يهوذا كان واقفا ناحية ولم ينبه عليه لكونه كان نادما لما قد تبين وبعد ذلك رفع ومنها أن أولئك الأعوان أخذوا عليه رشوة فأطلقوه وعلى هذا يدل حديث رداء الشاب حيث قال ماركش إن الشاب أسلم اليهم الرادء لما تقبضوا عليه وإذا جاز أن يأخذ يهوذا الأشكريوث وهو حواريه على قتله ثلاثين درهما جاز أن يأخذ الأعوان على إطلاقه رداء

416

ومنها أنه لا يبعد أن يكون الله تعالى رفع المسيح إلى السماء وصور لهم شيطانا أو غيره بصورة تشبه صورته فاعتقدوا أنه هو فصلبوه وإلى هذا يشيء سكوته حيث سألوه فسكت ولم يجاوبهم وفي الوقت الذي تكلم لهم نزلت تلك الصورة نفسها منزلته وهذا كله ممكن لا يدفعه عقل فإن الله على كل شيء قدير ولا يدفعه ايضا نقل فإن كل ما نقلتموه ليس نصا قاطعا ولا نقل نقلا متواترا فحصل من هذا أنكم غير عالمين بصلبه ولا موقنين بقتله وأما اليهود فليسوا أيضا عالمين بشيء من ذلك إذ لا يصدقون كتابكم وليس عندهم نقل متواتر بذلك على التفصيل وغايتهم أن يعتقدوا على الجملة أن رجلا كان فيما مضى غير بعض أحكام التوراة فشهد عليه بذلك فقتل وكتابكم يدل على أنهم إنما قتلوا رجلا شهد لهم فيه يهوذا الأشكريوث أنه المسيح الذي ادعى أنه ابن الله فحصل من هذا أن اليهود في شك منه وأنكم أنتم على غير علم به وهكذا قال كتاب الله الناطق على لسان رسوله الصادق وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وحين بينا أنهم في شك من الصلوبية ينبغي أن نتتبع بالنقض كلامهم المتقدم فنقول أما قولهم من رحمته على الناس أنه رضى بهرق دمه عنهم في خشية الصلب فتواقح لا يفوه به من له من الحياء أقل نصيب يا عجبا كيف يجترئ أن ينطق بهذه القبائح عاقل أم كيف يرضى لنفسه بمثل هذه المخازي فاضل وهلا كان يرحم عباده بأن يغفر لأبيهم ولا يحتاج إلى هذا كله أو ليس كان يكون غفران الذنب أهون عليه ابتداء وأليق بالحكمة والرحمة والرأفة من أن يعاقب من لم يجن ثم ذلك المعاقب الذي لم يجن الذنب ابنه بل وهو عندكم

417

نفسه بإعتبار ما حل فيه منه فلم يرض من عقوبة الذنب الذي جناه آدم حتى عاقب نفسه أو ابنه فأنتم في هذا القول الوقاح والإفك الصراح بمنزلة رجل أخطأ عليه عبده فبقى بعد مدة غاضبا عليه وعلى غيره من عبيده ناويا على معاقبتهم حتى ولد لنفسه ولد فعمد إليه فقتله بذنب العبد الذي كان أذنب ثم لم يقنع بذلك حتى ضرب نفسه ولامها وأهانها على ما صنع عبده مع أنه قد كان متمكنا من أن يغفر لعبده ولا يفعل هذا بولده ولا بنفسه فأي تشف يحصل له مما فعل بل يحصل له كل ألم ونقص وخلل مثل السفيه الأحمق الجاهل بل يزيده ذلك في كربته ويدعو إلى دوام حزنه وحسرته ويلزمكم على ذلك أن يكون الله تعالى لم يتب على آدم عليه السلام إلا بعد أن صلب المسيح وبذلك تكذيب كتب الأنبياء فإنها تقتضى أن آدم بكى على خطيته ودعا الله تعالى حتى تاب عليه واجتباه ويلزمكم أيضا عليه أن يكون نوح وإبراهيم وموسى وما بينهم من النبيين عصاة بذنب آدم حتى صلب عيسى وحينئذ غفر لهم وقد صرح بعض أقستكم لعنه الله أن آدم وجميع ولده إلى زمان عيسى كانوا كلهم ثاويين في الجحيم بخطيئة أبيهم حتى فداهم عيسى بهرق دمه في الخشبة فلما صلب نزل جهنم وأخرج منها جميعهم إلا يهوذا الأشكريوث فانظر هل يستجرئ مجنون موسوس على أن يقول أن نوحا وإبراهيم الخليل وموسى الكليم ومن بينهم من النبيين مثل يعقوب وإسحق وغيرهما من الأبناء صلوات الله عليهم أجمعين كلهم في نار الجحيم والعذاب الأليم وفي السخط العظيم حتى صلب الإله نفسه وإبنه فانظر هل سب الأنبياء بأقبح من هذه الشتائم أو هل تجرأ أحد قط أن يقول على الله وعلى رسله مثل هذه العظائم فسبحان الحليم الذي يمهلكم والكريم الذي يرزقكم ولكن إنما يعجل من يخاف الفوت أو يجزع من الموت ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين

418

ثم يلزمكم عليه أيضا نسبة الله إلى الجور وإلى أنه يأخذ بالذنب غير فاعله ويعاقب على الزور غير قائله وهذا يهون عليكم إذ ليس للإله قدر عندكم إذ قد صرحتم بأن آدم ظلمه وأنه لا يمكن أن ينتقم ممن ظلمه واستهان بقدره فياليت شعري لأي شيء لم يمكنه أن ينتقم من عبده العاجز عن ذلك أم لأنه لا يقدر على عقاب أحد ممن هنالك أم بحكمة أنه يعاقب غير الجاني أم لحكمة قتل ولده في جناية عبده قاتلكم الله ما أسخف عقولكم وما أرك فروعكم وأصولكم ثم أعجب من ذلك أنهم يقولون الكلمة هي الله والله هو المسيح ثم يقولون إنه لم يمكنه أن ينتقم من عبده العاصي الذي ظلمه وإنما انتقم من إله مثله فانظر إلى هذا التناقض الشنيع كيف يعتقدونه تارة أنه هو فيلزم عليه أنه هو المنتقم والمنتقم منه والمعاقب والمعاقب وتارة يعتقدون أن الإهانة والصلب لم يحل بلاهوته بل حل بناسوته وناسوته ليس بإله فيلزم على هذا القول الآخر أنه لم ينتقم من إله مثله وكيف ما كان فالتناقض لهم لازم والمحال وهكذا يفعل الله بالجهال أهل الضلال ثم انظر سخف جرأتهم على الكذب وقولهم بالمحال من غير سبب حيث قال فأخذوه وصلبوه فغار دمه في اصبعه وهذا لم يرد منه شيء في كتبهم بل هو من كذبهم وإختراعهم ولو كان هذا حقا لكان أولى بالنقل من نقلهم جعل الصليب على عنقه وأنه رفع إليه إناء خل ليشربه وكتب على خشبته بالرومية والعبرانية والعجمية هذا ملك اليهود فهذا ولابد كذب وتواقح فإن كابروا في ذلك على عادتهم قلنا لهم فأتوا بالإنجيل فاتلوه إن كنتم صادقين ثم انظر كيف تناقض ذلك المتكلم على الفور في قوله لأنه

419

لو وقع شيء من دمه على الأرض ليبست ثم إنه أثر ذلك قال ألا شيء وقع فيها نبت منه النوار فكيف يصح في عقل مجنون فأحرى في عقل عاقل أن يتكلم بمثل هذا الهذيان أو يستحل أن يتحرك له بذلك لسان فإنه كذب فاسد متناقض فلعمري لو أن شيطانا يتقول على ألسنتهم وهو يريد الإضحاك بهم ما بلغ منهم بأكثر مما بلغوا من أنفسهم بهذا القول السفساف الذي اتفق العقلاء على فساده وإستحالته من غير خلاف ولقد أحسن بعض عقلاء الشعراء في إفحام هؤلاء الأغبياء فقال
عجبى للمسيح بين النصارى
وإلى أي والد نسبوه


أسلموه إلى اليهود وقالوا
أنهم بعد قتله صلبوه


فإذا كان ما تقولون حقا
وصحيحا فأين كان أبوه


حين حل ابنه رهين الأعادي
أتراهم قد رضوه أم أغضبوه


فلئن كان راضيا بأذاهم
فاحمدوهم لأنهم عذبوه


وإذا كان ساخطا فاتركوه
واعبدوهم لأنهم غلبوه

فقد جعلتم أنفسكم ضحكة العقلاء حيث ارتكبتم كل قبيحة شنعاء وما بالنا نطول الكلام مع من تبين عارهم ومحالهم للخاص والعام فقدر هؤلاء القوم عند العقلاء أحقر من قلامة في قمامة وأخس من بقة في حقه ولولا أن هذيانهم ومحالهم طبق الوجود لما كان ينبغي أن يتكلم معهم من العقلاء موجود فإن الكلام معهم مخل بالعقول محوج لحكاية القبائح والفضول وقد قدمت في صدر الكتاب ما يمهد العذر ويزيل العتاب وأنا استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة من حكاية قبائحهم وأسأله جزيل الأجر في إبداء فضائحهم

420

مسألة في تركهم الختان لا خلاف بينهم أن عيسى عليه السلام كان مختونا وأن الختان من أحكام التوراة وثابت فيها وإن أنكر ذلك متواقح جاهل ذكرنا له نص التوراة قال في التوراة إذ حبلت امرأة وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام كما تكون أيام حيضتها وفي اليوم الثامن يختن الصبي ونكون نجسة تجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوما وهذا نص لا إشكال فيه ثم إن النصارى بتحكمهم وإستهانتهم بالشرائع تركوا العمل وذلك من غير أصل يعتمدون عليه و لانسخ يثبت عندهم له ومن ادعى منهم شيئا من ذلك طالبناه بنص من الإنجيل وليس لذلك من سبيل غير التحكم بالقال والقيل وقد وجدت في كتبهم الفقهية أنهم قالوا في تأويل حكم الختان قولا أتوا فيه على التوراة بالباطل والبهتان قالوا إنما عنى بالختان نقاوة القلوب وصفاء النية وذهاب الغلوفة كالذي يقول الكتاب عن اليهود إن رقابهم قاسية وقلوبهم غلف ولذلك علمنا أن الله استقذر غلوفة القلب وليس غلوفة اللحم فما على الإنسان أن يختن لحمه إذ لامنفعة له في ذلك فمن شاء اختتن ومن شاء ترك والأحسن أن تترك الأجساد تامة غير ناقصة كما بها خلقنا الله عز وجل هذا نص كلامهم في كتبهم فانظر أيها العاقل إن كنت منصفا ما الذي ارتكبوه من العظائم ونسبوه إلى الله ورسله من الشائم

فأولها
أنهم كذبوا على الله حيث قالوا إنما أراد الله بهذه الحكم إزالة غلوفية القلوب ولو كان ذلك حقا لبينه موسى للناس ولما جاءهم بالختان ولما فعله ولما فعل بيحيى وعيسى وسائر الأنبياء الذين حكموا بالتوراة ولم يزالوا يختتنون ويأمرون بالختان إلى زمان المسيح ثم إن المسيح لم ينه عنه ولا أمر بتركه فهذا على الله ورسله كذب صراح وقول وقاح

421


وثانيها
أنهم سفهوا أحكام الله ورسل الله حيث قالوا لا منفعة في ذلك مع أن الله قد حكم به وشرعه وبلغ ذلك أنبياؤه ورسله وعلموه الناس فكيف يجوز على الله وعلى أنبيائه أن يتعبدوا الناس بحكم لا فائدة له لا في الدنيا ولا في الآخرة فهذا غاية الإفتراء على الله وعلى رسله ثم يلزمهم على ذلك أن يكونوا عابثين في أفعالهم وأن وجود الشرائع وعدمها بمثابة واحدة وكذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب ولا كفر أعظم من هذا ثم إنا نبدي فوائد الختان حتى يظهر كذبهم وجهلهم وتواقحهم لكل إنسان ونقول في الختان فوائد كثيرة منها أولا أنها عبادة في بدن الإنسان إذا فعلها أثيب وإن تركها عوقب على القول بوجوبه ولا فائدة أعظم من هذا وثانيا أنه لا يتأتى مع وجود الغلفة مبالغة في النظافة ومع زوالها يتأتى ذلك وثالثا أنه ألذ في الجماع وأسرع لمجئ شهوة الوقاع ومع وجودها يكون أبعد للشهوة وقد تكون الغرلة إذا طالت مكسلة عن الإنزال ورابعا أن خروج الماء الدافق من غير غلفة وإنزعاجه أشد فإن الغلفة إذا طالت ربما نقصت من إنزعاجه وفترته وإذا كان كذلك وخرج الماء فاترا قد لا يقع في المحل الذي ينعقد فيه النطفة فلا ينعقد الولد ويكون هذا كالعزل ومقصود الشرع في الغالب تكثير النسل فهذه أربع فوائد محققة لا يتصور إنكارها وقد لا يبعد أن يقصد الشرع جميعها أو بعضها فإذن قد تبين أن النصارى كذبوا على الله وجهلوا شرع الله

وثالثها
أنهم تركوا حكم الله بالتوهم بل بالهوى والتحكم وتأولوا من غير حاجة للتأويل ورفعوا النص والتنزيل فهم أهل التحريف والتبديل ثم العجب من كذبهم وظهور تناقضهم حيث حكوا عن عيسى أنه قال لم آت لأنقض شريعة من قبلي وإنما أتيت

422

لأتممها فإن كان هذا القول حقا عندهم فلأي شيء نقضوا شريعة من قبله حرفا حرفا وإن كان كذبا فكفاك بذلك فسادا وخلفا

ورابعها
أنهم لما نقضوا حكم الله فضلوا بحكمهم وأهوائهم على شرع رسول الله حيث قال والأحسن أن تترك الأجسام تامة غير ناقصة وهذه مبالغة في تسفيه موسى والنبيين وفي تسفيه المسيح فإنهم قد تركوا الأحسن وفعلوا الأسوأ والأفسد فاعتبر أحوالهم فما أعجبها وجهالاتهم فما أغربها مذمومون وهم يتوهمون أنهم يمدحون ومخالفون ويظنون أنهم متبعون ثم مع ظهور عوراتهم لكل عاقل يتعرضون للشريعة الصحيحة بكل جهل وباطل ويموهون بخرافات وترهات لا يلتفت إليها عاقل يظنون أن دين الإسلام كدينهم المستند إلى الترهات والأوهام التي لا يقبلها سليم الفطرة من العوام وسنبين أصول دين الإسلام ومستنداتهم في أحكامهم بحول الله في الفن الثاني من هذا الباب إن شاء الله تعالى مسأله في صيامهم قال حفص بن البر منهم في بعض كتبه وقد سأله سائل عن صيامهم فقال أول من صام الأربعين يوما موسى ابن عمران وبعد ذلك صامها إلياس النبي الذي رفعه الله في عصر بني إسرائيل ثم بعد ذلك صامها المسيح وأما العلماء فأكملوا ثلاثة وأربعين يوما وإنما هي عشر أيام السنة كما قال بولش الحواري في بعض رسائله كما تؤدون العشرات من أموالكم فأدوا العشرات من أبدانكم فهذا هو الصيام المفروض اعلم يا هذا أن هذا القس الذي هو حفص هو من أكيسهم وأفصحهم على أنه ليس في القوم رجل رشيد ولا ذو عقل سديد وإنما كان كذلك لأنه قد ضربت عليه الجزية ولزمه الصغار والذلة إذ كان قد نشأ في ذمة المسلمين وتعلم من علومهم ما فاق به النصارى أجمعين

423

ومع ذلك فإذا أخذ يتكلم في علوم النصارى وأحكامهم تلجلج لسانه وقصر بيانه لأنه ينزل على آرائهم الفاسدة وتحكماتهم الباردة وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر نبين لك يا هذا أن كلامه في هذا الفصل فاسد واحتجاجه بارد وذلك أنه ادعى أن صوم الثلاثة والأربعين واجب وحين أخذ يستدل على وجوبها استدل على وجوب الأربعين ثم أخبر أن علماءهم زادوا من عند أنفسهم ثلاثة أيام فنقول لهم وهذه الثلاثة الأيام التي ادعيتم وجوبها هل علم موسى وعيسى ومن بينهما من الأنبياء أنها من فرض الصيام أو لم يعلموا فإن كانوا قد علموا فلأي معنى لم يبلغوا ولم يبينوا ويلزم معصية الأنبياء من وجهين من حيث أنهم لم يصوموا ما هو فرض الله ومن حيث لم يبلغوا الشرع وذلك محال عليهم وإن كانوا لم يعلموا وجوب هذه الأيام الثلاثة فمن أين علم الجهال أمثالكم وجوبها والأحكام إنما تستند إلى أقوال الأنبياء وكتبهم فإن قالوا أوجبها بولش الحواري قلنا ذلك هو الذي أفسد عليكم أديانكم وأعمى بصائركم وأذهانكم ذلك هو الذي غير دين المسيح الصحيح الذي لم تسمعوا له بخبر ولا وقفتم منه على أثر على ما تقدم هو الذي صرفكم عن القبلة وحلل لكم كل محرم كان في الملة ولذلك كثرت أحكامه عندكم وتداولتموها بينكم ويدلك على ذلك أنك إذا سمعت له قولا في حكم فتكاد لا تحده إلا مغيرا للأحكام المتقدمة مخالفا لها فتارة يزيد وأخرى ينقص وأخرى يرفع يعرف هذا من وقف على كتبهم وعلى ما ينقلون عنه ثم لو سلمنا أنه لم يفعل شيئا من ذلك لما كان ينبغي لكم أن تأخذوا بقوله وتتركوا فعل موسى وعيسى والياس وقولهم وهل فعل ذلك إلا جهل لا ينبغي أن يصار إليه ولا يلتزمه أحد حكما عليه فإن المبلغين عن الله المبينين شرع الله إنما هم موسى وعيسى ومن تنزل منزلتهم وبإتفاق منكم أن بولش

424

ليس منزلا منزلة موسى ولا منزلة عيسى وغايته إذا سلم مما ذكر عنه في كتب التواريخ أن يكون حواريا لم تكثر صحبته لعيسى بل صحبه أياما قلائل بدعواه وليست صحبته له كصحبة متاؤوش ولا يوحنا ولا أحد من الأحد عشر حواريا ثم لو سلمنا أنه صحبة صحبتهم فلعله ارتد بعد رفع عيسى كما فعله الأشكريوث بزعمكم ثم لو سلمنا أنه لم يرتد فمن أين يلزم إتباع حكمه ولا سيما إذا غير الأحكام المتقدمة وحكم بخلافها وليس بنبي ولا رسول فإن قلتم إنه نبي فقد قدمنا ما يكذب قولكم ويرد عليكم زعمكم فقد تبين من هذا أن حفص بن البر على جلالة قدره عندهم قبل ما كان ينبغي له أن يرد ورد ما كان ينبغي له أن يقبل فإنه رد فعل موسى وعيسى وإلياس وقبل قول عامة الناس فهو وهم من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولو تتبعنا أحكام صيامهم لأظهرنا فيها كثيرا من هذيانهم فلنأخذ من كل باب مسألة واحدة بحول الله وحسن عونه مسألة في أعيادهم المصانة قال حفص أما بعد فإن الذي أردت علمه من الأعياد السبعة التي أمر القانون بصيانتها فهي معروفة فأول يوم منها إذ بشر جبريل الملك مريم بإيلاد المسيح واليوم الثاني إذ ولد المسيح والثالث إذ ختن إلى ثمانية أيام والرابع إذ ظهر للهجين وأهدوا إليه ذهبا ولوبانا ومرا وهو يوم النجم والخامس يوم الفصح إذ قام عن القبر والسادس إذ تخطفته السحابة ورقى إلى السماء بمحضر الحواريين والسابع إذا نزل روح القدس على الحواريين وتكلموا بجميع الألسن

425

وأما غيرها من الأيام التي استشهد فيها الشهداء ويصونها الناس ويتصدقون فيها على المساكين والضعفاء فواجب على كل ذي عقل أن يصونها إما في مدينة وإما في قرية فنقول له ولهم هذه الأيام المصانة عندكم هل صيانتها واجب عندكم بالشرع أو ليس واجبا بالشرع فإن قالوا ليس بواجب بالشرع قلنا لهم فلأي معنى تعملونها وتلتزمون صيانتها حتى أن من كان في قرية أو في موطن لا ينبغي له أن يرتحل عنه حتى يتمها فقد التزمتم ما ليس بلازم وأوجبتم ما ليس بواجب فإن قالوا هي واجبة بالشرع قلنا لهم بأي شرع وجبت بشرع موسى أو شرع عيسى فإن قالوا بشرع موسى كذبوا وقلنا لهم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ولا شك في أنهم لا يجدون شيئا منها في التوراة ولا في الإنجيل وغايتهم أن يقولوا ما قال عالمهم حفص هذه أيام شريع لأنها اتفق فيها أمور شريفة من أحوال المسيح فنقول لهم هب أنه اتفق ما تقولون فمن أخبركم من الأنبياء أنه إذا أتفق أمر من تلك الأمور فافعلوا كذا واصنعوا ذلك اليوم عيدا وفي أي كتاب من كتبكم وجدتموه ولا شك في أنهم لا يجدون شيئا مما ادعوه فلم يبق لهم إلا محض التحكم ثم يلزمهم على مساق هذا أن يبحثوا عن أيام عيسى وعن عددها ويتخذوا تلك الأيام أعيادا فإن أيامه كلها ومحاضرة كانت شريفة إذ كانت أيامه لا تخلو عن كرامة يكرمه الله بها وعن بركة من بركاته وعن معجزة من معجزاته فلأي معنى خصصتم تلك الأيام لولا محض الهوى والتحكم الباطل ثم نقول لهم هل كان عيسى يعلم فضيلة تلك الأيام أو لا يعلم فإن كان يعلمها فلأي معنى لم يفعل فيها ما تفعلون أو لأي معنى لم يبين شرعه فيها لو كان له فيها شرع وإن لم يعلم فضيلتها فكيف لم يعلم هو ما علمتم أنتم ثم كيف يجهل شيئا علمتموه أنتم وهو عندكم قد اتحد به علم الله فحصل من هذا أنها ليست فاضلة ولا لله فيها حكم إذ لو كانت فاضلة لله فيها حكم لعلمها ولو علمها لبينها فلما

426

لم يعلم ولم يبين علم أنه ليس لله فيها شيء مما اخترعتمون لكنكم تحكمتم بإختراع ما جهلتم وشرعتم ما لم يشرع لكم نبيكم فإن قالوا هذه أيام اتخذناها لفعل الخير نتصدق فيها على مساكيننا ونطعم فيها جياعنا وهذه أفعال خير وبهذه جاءت الشرائع كلها قلنا لهم لا ننكر أن الشرائع جاءت بإعانة المساكين لكن لم خصصتم لها أياما بالتحكم ثم أوجبتم صيانة تلك الأيام أو لأي شيء لم تقولوا أنه ينبغي إطعام المساكين أبدا وسد خلاتهم متى ظهرت ولم تحتاجوا إلى وضع أحكام بالتوهم ولو كنتم موفقين لسلكتم مسلك اتباع المسيح تفعلون ما فعل وتتركون ما ترك ولو فعلتم ذلك لكان موافقا لتعظيمه ولو فرضنا عبدين أمرهما سيدهما بالإقتداء به وبإتباع سنته فأخذ الواحد منهما يقفو أثر سيده في أفعاله فلا يزيد فيها ولا ينقص منها بل هو مواظب عليها غير خارج عنها ولا زائد فيها وهو مع ذلك معتقد لتعظيمه محب له وأخذ الآخر يزيد تارة في حكم وينقص تارة من حكم وهو مع ذلك معظم لسيده فلو فرضنا أن السيد قال للأول ما صنعت فيما أمرتك فقال له لم أزد على ما رأيتك تفعل ولا نقصت لأني خفتك وأيضا فإني أحبك وأعظمك فأحببتك وأحببت فعلك الذي رأيتك تفعله فلا شك أن العقلاء يستحسنون هذا الفعل ويرون أن هذا العبد في أعلى درجات العقل والطاعة لسيده والمحبة له والتعظيم وإن مثل هذا ينبغي للسيد أن يعتقه ويثبه وأما الثاني فإذا قال له سيده ما فعلت فيما أمرتك فيقول فعلت ما رأيتك تفعل وما أمرتني به إلا أني زدت أفعالا لم تأمرني بها ونقصت أيضا فإني تركت أفعالا رأيتك تفعلها فيقول له لأي شيء زدت ما لم آمرك به ونقصت مما رأيتني فعلت فلا يصح له أن يقول لأني عظمتك وأحببتك فإن هذا لا يناسب تعظيمه ولا محبته بل يناسب بغضه وإهانته فلا شك أن العقلاء يحكمون أن مثل هذا العبد لم يطع سيده في جميع ما أمره به وأنه كاذب في تعظيمه ومحبته وأنه مستوجب لنكال سيده

427

وهذا المثال الأخير هو مثالكم مع المسيح فإنكم تدعون تعظيمه وتخالفونه في أفعاله وتزيدون عليه في أحكامه فأنتم مستحقون لتوبيخه وعقاب مرسله ومتجمعكم مع من شرع لكم هذه الأحكام نار حامية تسمى الهاوية مسألة في قربانهم قال حفص اعلم أن الذي أردت معرفته من خبر القربان وشرحه أن الأنبياء وبني إسرائيل كانوا يقربون القربان على ما تحكيه التوراة العجول والجزر والخرفان فأما ملكي صادق فإنه أول من قرب القربان من الخبز والخمر وكان قسيس الله في البدء وإليه أدى إبراهيم العشرات المفروضة وقد حكى داوود النبي في الزبور خبر ملكي صادق إذ بشر بالمسيح سيدنا وأنزله منزلته وأحله محله وجعله قسا إلى الأبد فقال الرب أقسم يمينا وليس يندم أنت أبدا قسيس لي في خطة القسيسين على رتبة ملكي صادق فأما الحواريون وأتباعهم فإنهم فرضوا هذا القربان الذي يقدسه الأساقفة والقساوس على المذبح من الخمر والخبز على ما تقدم من فعل ملكي صادق وكما قال المسيح في الإنجيل من أكل لحمي وشرب دمي كان في وكنت فيه وأما الخبز النازل من السماء فمن أكلني يحيا بي أنظر ما أعجب حال هؤلاء في تركهم شرعية التوراة في القربان وعدولهم عنها الى ما هو ضرب من الهذيان وذلك أن الله تعالى افترض القربان في التوراة بالعجول والجزر والخرفان كما ذكر وعملت بذلك بنو إسرائيل من غير تغيير ولا تبديل إلى مدة هؤلاء المغيرين لأحكام التوراة فغيروا وبدلوا وعدلوا إلى الخبز والخمر من غير أن ينسخ لهم عيسى شيئا من ذلك ولا بدله بغيره لكنهم يكرهون العمل بأحكام التوراة فيعدلون عنها إلى العمل بأهوائهم

428

مع أنهم متعبدون بأحكامها إذ الأحكام في الإنجيل قليلة جدا ولم يتركوا لآرائهم حتى يتحكموا بأهوائهم ثم إنهم يتحكمون بآرائهم فإن اتفق لهم شيء يتمسكون به كان ذلك مؤكدا لأغراضهم وإن لم يتفق لهم ذلك استغنوا عنه وحكموا بأغراضهم ويبين هذا أنهم استثقلوا العجول والجزر والخرفان لارتفاع أثمانها وأنه لا يوجد فيها ما يوجد في الخمر من اللذة والطرب الداعين إلى شربها ولذلك عدلوا للخمر مع خفة مؤنتها وقلة ثمنها فإنهم أشد الناس بخلا فإن قيل لهم بأي شيء عدلتم عن قربان التوراة قالوا لأن ملكي صادق أول من قرب الخمر والخبز ولأن المسيح قال من أكل لحمي وشرب دمي كان في وأنا فيه ولأن الحواريين فرضوا هذا القربان هذا غاية ما يحتجون به ولا بد من تتبع ذلك وبيان تحكمهم وباطلهم فنقول أما قولكم بفعل ملكي صادق فباطل من أوجه أحدها أنه لم يكن نبيا فإن ادعيتم أنه نبي فلا بد من الدليل على ذلك فعليكم إثباته ولو سلم ذلك لتبقى عليكم أن تثبتوا أن شرعه شرع لكم ولو سلم أن شرعه شرع لكم لكان ينبغي أن تعلموا أن التوراة قد نسخت ذلك الشرع إذ قد استقر أن موسى عمل بخلافه وكذلك الأنبياء بعده ولو كان ذلك الحكم باقيا صحيحا لما كان ينبغي لموسى أن يعدل عنه ولما جاءكم بغيره فترككم التوراة التي أنتم مخاطبون بأحكامها وشرعها إلى مالم تخاطبوا به ولا شرع لكم إستهانة بشرع التوراة وأحكامها بل إستخفاف بالذي أنزلها وبالذي أنزلت عليه فقد بطل إستدلالكم بفعل ملكي صادق من أوجه وأما استدلالكم بقول عيسى فهذيان لا يلتفت إليه لأنه إنما أراد من عمل بعملي أو تعلم من علمي أحببته وأحبني وما ذكره مثل محسوس قصد به التنبيه على معنى معقول ودليل ذلك من قوله قوله أنا الخبز النازل من السماء انما اراد أنه بمنزلة الخبر الذي يغتذي به لأنه قد جاء بغذاء الأرواح

429

وبخبزها وهذا استعارة حسنة مستعملة وكثيرا ما يقال في الكلام العلم والمعاني الشريفة خبز الأرواح كما أن الطعام المعروف خبز الأشباح ولكلامه عليه السلام عامل آخر وتأويلات جارية غير ما ذكرتم يجوزها العقل ولا يبعدها إستعمال اللفظ لا يخرج شيء منها إلى الهذيان الذي صرتم إليه الذي أفضى بكم لجهلكم إلى ترك حكم وترك العمل بمقتضاه ولولا التطويل لذكرنا منها وجوها وبهذا اللفظ وما يشبهه ضللتم حيث قلتم بالإتحاد ولم تفهموا منه المراد فكابرتم العقلو وحرفتم المنقول وحملتم من الشناعة والقباحة مالا يرضى به عليم ولا جهول وقد ذكرنا إبطال ذلك فيما تقدم وأما استدلالهم بفعل الحواريين فذلك من فن الكذب عليهم أجمعين ولو سلمنا أنه صحيح وصدق لما كان في فعلهم حجة بل إن كتاب الله تعالى يخالف فعلهم بل الحجة كتاب الله ولا يرتفع شيء من ذلك إلا إذا بين عيسى عليه السلام أنه منسوخ ويبلغكم ذلك عنه بنص قاطع على شروط النسخ على ما هو معروف عند أهله بل قد أوردوا في إنجيلهم أن عيسى قال للمبروص الذي شفاه أمض واعرض نفسك على القسيسين واهد قربانك الذي أمر به موسى في عهده وهذا نص على أن القربان عند عيسى إنما هو الذي حكم به موسى وهو العجول والجزر والخرفان لا كما شرعتم أنتم من الهذيان فقد حصل من هذا أنكم خالفتم عيسى وقلتم عليه البهتان وأما استدلالهم بفعل القسيسين فأولئك المغيرون للدين والمحرفون لكتاب رب العالمين كدينك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بماسل فقد ظهر من هذا أنهم تركوا قربان التوراة لغير شيء وأنهم على غير شيء فعليهم لعنة كل ميت وحي

430

مسألة في تقديسهم دورهم وبيوتهم بالملح قال حفص أما الملح الذي نقدس به الدور والبيوت وأردت فهم ذلك فأنا وجدنا في سير إلياس النبي الذي رفعه الله أن تلميذه اليسع مكث بمدينة أريحا زمانا فقال له أهلها إن عندنا عينا جارية تنفجر منها مياه كثيرة مرة لا نفع فيها فأمر أن يؤتى إليه بإناء جديد فأدخل فيه الملح وقدس به ماء العين فمن هذا السبب صرنا نقدس الدور والبيوت بالملح المقدس بعد مايتلو عليه القساوس آيات من النبوة فنقول لهم يا هؤلاء المتلاعبون بأديانهم المستمرون على هذيانهم كيف جعلتم مثل هذا دليلا على ثبوت حكم عليكم وليس فيه دليل من وجوه كثيرة لكنا نقتصر من ذلك على نكتة كافية وهي أن اليسع لم يفعل ذلك على جهة بيان أنه حكم وإنما فعل ذلك على جهة إظهار الكرامة والمعجزة فإن ذلك الماء عذب وطاب فظهرت كرامته ومعجزاته كما ظهرت على عيسى حين مس المبروص وبرأ وكذلك مس الأعميين فأبصرا إلى غير ذلك وقد حكيتم في بعض أناجيلكم أن أعمى سأل من عيسى أن يرد عليه بصره فأخذ قطعة من طين فجعلها في عينه فأبصر وهذا بمثابة ما فعل اليسع فكان ينبغي لكم أن تقدسوا دوركم بالتراب والطين كما فعل عيسى وهو أولى بكم إذ هو مفضل عندكم على اليسع وغيره بزعمكم ومع ذلك فتركتم الإقتداء به وأقتديتم بمن هو دونه وذلك عكس ما كان ينبغي لكم وهذا نتيجة جهلكم ومن سوء فعلكم مسألة في تصليبهم على وجوههم في صلاتهم قال حفص إنما نصلب على وجوهنا لأنا وجدنا في كتب علمائنا السالفين أنه لما أراد ملك قسطنطينية أن يغزو بعض أعدائه تراءى له في السماء صورة صليب من لهب وملك من الملائكة

431

يخاطبه ويقول له إن كنت تريد غلبة أعدائك فأجعل هذه الصورة علامة تكون قدامك فإنك غالب ظافر بها على جميع أعدائك فآمن وفعل كما قال له الملك وهو الذي بحث وكشف عن صليب المسيح حتى وجده مدفونا وعمل من المسامير التي كانت فيه لجاما لفرسه وزين جبينه بصليب من ذهب فلم يزل من حينئذ أهل ملة المسيح يستعملون هذه العلامة لأنها علامة السبق والظفر هذا الذي ذكره حفص هنا يصدق ما حكيناه عن قسطنطين فيما تقدم فإن كذبنا أحد منهم فيما ذكرناه عنه فليكذب أسقفه حفصا على أن ما ذكرناه مشهور عند أهل التاريخ الذين اعتنوا بنقل أخبار الأزمان الماضية والقرون السالفة وبعد هذا نقول لمن استدل على أن الصليب مشروع لهم من أين عرفت صدق قسطنطين فيما حكام وقاله ولعله كذب وأراد به بذلك إصلاح رعيته وحالته وإيغار صدور العامة على من خالفه وذلك داخل في باب السياسات إلى يسلكها من لم يتقيد بالشرعيات وكثيرا ما يشاهد من الملوك مثلها ثم لو سلمنا أنه صدق في رؤياه فمن أين علم أن الذي كلمه ملك فلعله شيطان قصد إضلالكم وكذلك كان حتى تعتقدوا الصلوبية التي هي أعظم كل بلية ومحمل على العصبية ثم لو سلمنا أنه ملك فلأي معنى جعلتم ذلك التصليب في صلاتكم وزدتم على ما علمكم عيسى ولقد كان ينبغي لكم أن تفعلوا في الصلاة مثل فعله ولا تزيدوا على ذلك ثم يلزمكم على ذلك أن يقال لكم لا يخلو ذلك التصليب أن يكون حكما من أحكام الصلاة أو لا يكون فإن كان حكما ولم تنقلوه عن عيسى ولا أنه علمه لكم فقد نسبتم عيسى إلى أنه كتم حكم الله ولم يبلغه وهذا محال على عيسى وعلى كل رسول أرسله الله إلى أمة وإن قلتم أنه ليس بحكم فلم تفعلون في الصلاة ما ليس بحكم شرعي وإن قلتم شرعه لنا أئمتنا وأساقفتنا قلنا لكم ومن جعل لأئمتكم أن يتحكموا في شرع الله ويفتروا على الله وهم مذنبون عاصون لا يملكون لأنفسهم صرا ولا نفعا ولا عطاء ولا منعا

432

ثم نقول لهم هذه الصلاة التي يصلب فيها على الوجه أفضل أم الصلاة التي لا يصلب فيها فإن قالوا الصلاة التي يصلب فيها فيلزمكم على هذا أن تكون صلاتهم أفضل من صلاة المسيح وكفى هذا شناعة وحماقة وإن كانت الصلاة التي لا يصلب فيها هي الأفضل فينبغي ألا تفعلوا مالا فضيلة فيه وهذا كله يبين أن هؤلاء القوم لا يعولون على الأنبياء في أحكامهم ولا يرجعون إلى قوانينهم بل يعولون على أغراضهم وشهواتهم فلقد تمكن الشيطان منهم فأضلهم حتى استدرجهم عن الشرائع وأزلهم فهذه المسائل التي ذكرناها هي من معظم قواعدهم وأصولهم وإذا كان عملهم في هذه القواعد مثل ما رأيت فناهيك بفروعهم ولنقتصر على ما ذكرنا إذ فيه تنبيه على ما لم نذكر ثم إن أحوجونا إلى مزيد تتبعنا كبار كتبهم بأن ننقضها حرفا حرفا ونبين فسادها لفظا لفظا بقيت علينا مسألة واحدة وهي بيان إعتقاداتهم في الدار الآخرة وعذابها ونعيمها وبها اختتام هذا الفن إن شاء الله تعالى مسألة في قولهم في النعيم والعذاب الأخراوين قال صاحب كتاب المسائل لسنا ننتظر في المكافأة الإلهية شيئا من الأرضيات الفانيات كالذي ينتظره شيعة ملسيان ولا تزويج العرائس كالذي يشتهيه جرنش ومركش ولا ما ينتسب إلى المأكول والمشروب كالذي يسوغه بابيه وجماعة ولا ننتظر أن يكون ملك المسيح في الأرض ألف سنة بعد القيامة ليمتلك الصالحون معه متنعمين كتعليم قابوش الذي خيل بقيامتين الأولى للصالحين والثانية للكافرين فقال إن ما بين هاتين القيامتين تمسك الأحباس الجاهلة بالله في زوايا الأرض في أجسامهم ثم يحملهم الشيطان بعد تملك الصالحين في الأرض ألف سنة على محاربة الصالحين المتملكين فيدفعهم الله عنهم بأمطار النيران محاربا عنهم فيموتون هكذا

433

مع سائرهم الذين ماتوا في الكفر ثم يحيون في لحم غير متغير للعذابات الدائمة قد بين هذا المتكلم الحاكي خبط النصارى وإختلاف فرقها في هذه المسألة بما أغنى عن البحث عن كثير من فرقهم على أن فرقهم لا تنحصر وإختلافهم لا ينضبط فإن إختلافهم كإختلاف المجانين إذا اجتمعوا فكل واحد منهم يتكلم بما لا يعقل وما لا حجة له عليه ولا معول لكن مذهب جماهيرهم ومعظمهم ومن ينتسب إلى التدين منهم أن الخلق لابد أن يجتمعوا في القيامة وأن عيسى محاسبهم فينعم ويعذب لكن ليس عذابا بنيران وسلاسل وأغلال وغير ذلك مما نعتقده نحن وليس نعيما أيضا بمأكول ومشروب والتذاذ بنكاح ويشبه والله أعلم مذهبهم في هذه المسألة مذهب الفلاسفة حيث ينكرون العذاب المحسوس والنعيم ويصرفون ذلك إلى الإلتذاذ الروحاني لكنهم لا يصرحون به كما تصرح به الفلاسفة إذ لا يقدرون على تبيين أغراضهم لقصورهم ونحن نتكلم هنا مع من ينكر ذلك من المتشرعين فإنهم قد اجتمعوا على إعادتنا كما كنا أول مرة إذ قد اجتمعت على ذلك الشرائع كلها من غير اختلاف بينها فيه فنقول لمنكر ذلك لا يخلو أن ما تنكره أما من جهة العقل أو من جهة الشرع فإن قال من جهة العقل قلنا له كذبت وأخطأت فإن العقل لا يدل على استحالة ذلك بل يدل على جوازه إذ ليس في ذلك إلا أن الذي خلقنا أول مرة ومكننا أن نتنعم نعيما محسوسا ونتألم ألما محسوسا قادر على أن يعيدنا بعد أن يفنينا كما بدأنا فإن الإعادة إنما هي خلق ثان ومن قدر على الخلق الأول قدر على الخلق الثاني وهذا معلوم بنفسه فهو إذن فعل ممكن في نفسه ليس من قبيل الممتنع والله تعالى قادر على كل ممكن فيجب وصفه بالقدرة على ذلك فإن قالوا إن كان في الجنة أكل

434

وشراب ونكاح ولباس فيلزم عليه أن يكون في الجنة غائط وبول وولادة وتمزيق الثياب وتخريقها وكل ذلك محال أن يكون في الجنة قلنا هذا جهل ولا يلزم شيء مما ذكرتم فيها بل نقول هناك أكل وشرب وليس هنالك غائط ولا بول وهذا غير منكر إذ لا يلزم في كل طعام أن يكون له فضلة ولو سلمنا أن تكون له فضلة لما لزم أن يكون فضلة مستقذرة بل قد تكون فضلات كثيرة طيبا يتطيب به وشرابا يشرب مثل المسك فإنه دم حيوان أو رجيعه أو العسل فإنه فضل حيوان معروف وليس شيء من ذلك مستقذرا بل هو مستطاب مستلذ ولا يبعد أن تكون فضلات الجنة بل هو هكذا وقد جاءنا على لسان الصادق أن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يجرى من أجسادهم مثل المسك وأما الحمل فلا يلزم شيء منه إذ قد نجد من النساء العواقر وهن اللواتي لا يلدن فكذلك نساء أهل الجنة لا يلدن ولا يحضن وأما اللباس فلا يتمزق ولا يفنى وفي لباس بني إسرائيل في المفاز دليل على بطلان ما يخيل هذا السائل فالذي يبقى الثياب إلى مدة قادر على أن يبقيها أبد الآبدين وهذه أمور لا ينكرها إلا كل غبي جاهل ليس له معقول حاصل فإذا دل العقل على جوازه فينبغي أن يستدل على وقوع ذلك ووجوده بكلام الصادقين صلوات الله عليهم أجمعين فنقول لمنكر ذلك شرعا لا يصح لك أن تستدل على إنكارك بشيء من كلام الأنبياء إذ لا تجده بل سنريك نصوص كلامهم على إثباته منها أن من المعلوم أن آدم عليه السلام كان يأكل في الجنة ويشرب وينكح فإن قالوا الجنة التي كان فيها آدم قبل هبوطه إلى الأرض إنما كانت في الأرض وهي جنة عدن التي قال فيها في التوراة وغرس الله فردوسا بعدن من قبل وأسكنه آدم

435

وإنما كانت تلك بستانا من بساتين الدنيا قلنا ليس في التوراة نص قاطع يدل على أن الجنة التي يرجع الناس إليها يوم الجزاء ليست هي التي أسكن الله فيها آدم بل التوراة محتملة لذلك وأما كتابنا فيدل على أنها هي ثم لو سلمنا أنها ليست هي لحصل لنا من ذلك دليل جواز الأكل والشرب والنكاح في الجنة فإنه كما جاز أن آدم أكل وشرب فيها كذلك يجوز أن يأكل ويشرب وينكح في الجنة التي يرجعون إليها وهذا بين بنفسه عند المنصف ومنها أن في الإنجيل أن المسيح قال لتلاميذه ليلة أكل معهم الفصح وقد سقاهم كأسا من الخمر وقال لهم إني لا أشربها معكم أبدا حتى تشربوها معي في الملكوت عن يمين الله وهذا نص لا يحتمل التأويل إلا مع ضعف وفيه أيضا في قصة العازر الذي كان مطروحا على باب الغنى والكلاب تلحس جراح قروحه وأن ذلك الغنى نظر إليه في الجنة متكئا على حجر إبراهيم الخليل فناداه الغنى وهو في النار يا أبي إبراهيم ابعث العازر إلى بشيء من ماء أبل به لساني وهذا نص آخر أبين من الأول وفيه أيضا أنه قال لليهود يا ثعابين بني الأفاعي كيف لكم والنجاة من عذاب النار وفيه أيضا أن الجماعة قالت للمسيح بكفر ناحوم متى جئت إلى هنا يا معلم فقال لهم آمين آمين أقول لكم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم عجائب بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم فارغبوا في طعام لا يفنى في الجنة الدائمة وفيه أيضا أنه قال لتلاميذه في وصية وصاهم بها لتطعمن ولتشربن في مائدتي في ملك الله

436

وفيه أيضا أنه قال لليهود إن كان موسى أطعمكم خبزا في المفاز فأنا أطعمكم خبزا سماويا يريد الجنة وقال أشعياء يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء الورد ومن لا فضة له فليذهب وليأكل ويشرب ويأخذ من الخبز واللبن بغير فضة ولا ثمن وهذا كثير في كتب الأنبياء بلا شك ولا إمتراء فإن قالوا فلأي معنى لم يصرح موسى في التوراة بذلك وبأخبار القيامة قلنا الله ورسوله أعلم وعلى سبيل التنبيه تحتمل وجوها أحدها لعتو بني إسرائيل وتمردهم ولكلال أفهامهم ثانيها لبعد زمان ذلك ثالثها ليعجل لهم جزاء أعمالهم فإنما كانوا يهددون ويخوفون بالعقوبات العاجلة ويوعدون باللذات العاجلة من الملك وتكثير الرزق وخصب البلاد إلى غير ذلك رابعها لأنه قد كان سبق في علم الله تعالى أنه يرسل رسولا في آخر الزمان ليس بعده نبي ولا رسول يبين أمور الآخرة بيانا شافيا وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لقرب القيامة من زمانه وليحصل لنبينا صلى الله عليه وسلم من فضيلة العلم والأعلام ما لم يحصل لأحد غيره ولتختص أمته بعلم ليس لأحد غيرها وهذا الوجه هو أقرب الوجوه والله أعلم ويدل على ذلك قوله في التوراة حين بشر بنبينا عليه السلام وذكر كثيرا من علاماته ومعه كتاب ناري وقد تقدم ذكر ذلك والدليل عليه أيضا أنك لا تجد عند أمة من الأمم من أخبار القيامة أمور الآخرة ما عندهم

437

فالحمد لله الذي جعل لنا كل الفضائل وخصنا بمحمد صلى الله عليه وسلم خير نبي وفاضل فقد ظهر من هذا النظر أن ما انتحلوه من إنكار النعيم والعذاب المحسوسين باطل بشهادة العقول وبنصوص كلام الأنبياء المنقول وقد فرغنا في الفن الأول والحمد لله كثيرا

438


الفن الثاني
محاسن دين الإسلام تمهيد الغرض من هذا الفن أن نبين فيه عقيدة الإسلام وجملا من أصول أحكامه ومواضع من فروع دينه أنكرتها النصارى عليه وإنما فعلنا ذلك لغرضين أحدهما أن السائل الذي حركنا لهذا الكتاب هددنا وزعم أنه أن سب وشتم كتب كتابا بنص شريعتنا ووجهه للبلاد حتى يقف الناس عليها فأردت أن أتولى ذكر شريعتنا لئلا يتعاطى ذكرها ونقلها جهول لا يحسن ما ينقل ولا ما يقول كي يقف العقلاء عليها وينظروا فيها على أن شرعنا ليس بالخفي بل قد طبق الأرض شرقا وغربا وقرع من العقلاء سمعا وقلبا فلم يسمع بمن مجه وطرحه غير معاند كبثه شرعنا وفضحه فإنه جار على المنهاج المعقول المستحسن عند أرباب العقول وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى على أني لم أتعرض لهذه السائل ولا لأحد من ملتهم بالسب أكثر من تبيين جهلهم وركاكة هذيانهم وقولهم وربما أغاظوا في بعض الأقوال لما ارتكبوا فيها من القبيح والمحال فأطلقت عليهم اللعنة حسب ما تقتضيه البغضاء والأحنة وتعويلا على ما في التوراة من لعنتهم وركاكة شرعتهم فإن في التوراة ملعون ملعون من يعلق بالصليب يريد

439

بذلك من اعتقد الصليب وإدعاه وعظمه وهذا نص بلعنتهم وموجب لبغضهم وهذا ما نعلمه مع ديننا وواضح سبيلنا والغرض الثاني أنه لا يبعد أن يقف على هذا الكتاب نصراني أو يهودي لم يسمع قط من ديننا تفصيلا ولا تصريحا بل إنما سمع له سبا وتقبيحا فأردت أن أسرده على الجملة ليتبين حسنه لمن كان ذكي العقل صحيح الفطرة فلعل ذلك يكون سبب هداه وجلاء عماه وما توفيقي إلا بالله وفي هذا الفن فصلان وانقسم هذا الفن إلى فصلين لأن شريعة الإسلام مشتملة على إعتقاد بالقلوب وعمل بالجوارح فالفصلين نذكر في أحدهما قواعد الإعتقاد وفي الثاني ندافع عن الإعتقاد وعن التشريع فنقول

440


الفصل الأول
إعتقاد المسلمين أما إعتقاد المسلمين فهو أن كل موجود سوى الله تعالى فهو محدث مخلوق مخترع على معنى أنه لم يكن موجودا ثم صار موجودا وأن له محدثا موجودا قديما لا يشبه شيئا من الموجودات الحادثة بل يتعالى عن شبهها من كل وجه فليس بجسم ولا يحل في الأجسام ولا جوهر ولا يحل في الجواهر ولا عرض ولا تحله الأعراض وأنه إله واحد لا شريك له في فعله ولا نظير له في ذاته وطوله لا ينبغي له الصاحبة ولا الولد ولم يكن له من خلقه كفؤا أحد وأنه عالم قادر مريد حي موصوف بصفات الكمال من السمع والبصر والكلام وغير ذلك مما يكون كمالا في حقه وأنه منزه عن صفات النقص والقصور وأنه يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء لا يفتقر إلى شيء وإليه يفتقر كل شيء وبيده ملك كل جماد وحي لايجب عليه لمخلوق حق وتجب حقوقه على الخلق لا يتوجه عليه متى ولا أين ولا لم ولا كيف فلا يقال متى وجد ولا أين وجد ولا كيف هو ولا لم فعل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وإن إرسال الرسل من أفعاله الجائزة وأنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب وكلف الخلق وشرع لهم شرائع على ألسنة رسله وأن رسله صادقون في قولهم ومؤيدون بالمعجزات من عند ربهم وأنهم عبيد الله ورسله وأنهم بشر مثلنا إلا أن الله تعالى فضلهم بأن جعلهم واسطة بينه وبين خلقه وأطلعهم على ما شاء من غيبه وأنهم بلغوا عن الله ما أمروا بتبليغه وأنهم كلهم صادقون مصدقون لا نفرق بين أحد منهم وأن محمدا بن عبدالله بن عبدالمطلب العربي

441

القرشي الهاشمي رسول من الله إلى الناس كافة بشير ونذيرا وأن الله تعالى أيده بالمعجزات على صدقه كما فعل بالرسل من قبله وأن شرعه وإجابته لازمان لكل من بلغته دعوته حيث كان من أقطار الأرض وجهاتها وعلى أي دين كان من أديانها لا يقبل ممن كفر به يوم القيامة ما هو عليه من دين بل يكون مخلدا في العذاب أبد الآبدين كما أن المؤمن به وبكل ما جاء به مخلد في الجنة أبد الآبدين وأن شرعه ناسخ لكل الشرائع المتقدمة على الجملة وهادم ما قبله من الأحكام السالفة وأن كل ما جاء به عن الله حق من العذاب والحشر والنشر بعد الموت والصراط والميزان والحوض والمحاسبة وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف ولأهل الكبائر من أمته خاصة والجنة ونعيمها والنار وعذابها وأنهما محسوسان ليسا معنويين وأن خلود أهل الجنة سرمد وعذاب أهل النار الكافرين سرمد ولا إنقطاع لواحد منهما إلى غير ذلك مما هو مفصل في الشريعة مما يعرفه أهله ولا يسعهم جهله وهذه قواعد إعتقاد أهل الإسلام مجردة عن أدلتها ومقتضبة من شواهدها إذ ما منها قاعدة إلا ويعضدها برهان عقلي لا يشك فيه عاقل ودليل سمعي لا ينكره فاضل ومن أراد تعرف ذلك طلبه من مواضعه وأما مستندات أحكامهم فهي كتاب الله وسنة رسول الله لا يعدلون لمحة عنها ولا يخرجون لحظة منها إلا أن وجوه إستدلالاتهم لا يحيط بها متطفل عليها لكثرتها ولنقاوة درجاتها فإن كتاب الله تعالى وسنة رسوله لا يستدل بهما من لا يعرف منظوم اللفظ ومفهومه وفحواه ومعقوله ويعرف من المنظوم النص والظاهر والمؤول والمحمل والعموم والخصوص والإستثناء والمطلق والمقيد ويعرف من المفهوم أحكامه وأقسامه وكذلك من الفحوى والمعقول على ما هو معروف في علم الأصول الذي هو علم خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من كرامات أهل الإسلام

442

إذ ليس في ملة من الملل المتقدمة من التحقيق ما عندهم ولا اجتمع لأحد قبلهم من العلوم مثل الذي اجتمع لهم ذلك بأنهم آخر الأمم وكتابهم آخر الكتب وأفضلها ورسولهم آخر الرسل وأفضلهم ولسانهم أحكم الألسنة وأفصحها على ما يعرفه من تصفح شريعتهم وعرف لغتهم ونظر إليها بعين الإنصاف وترك طريق التعصب والإعتساف فالحمدلله على ما أولاه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ومما يبين للعاقل حسن شريعة الإسلام وجمال طريقتها إنها مبنية على مراعاة مصالح الدنيا والآخرة وإتمام مكارم الأخلاق الحسنة أما بيان مصالح الآخرة فهو أن هذا الشرع يبين وجوهها ولم يغفل شيئا منها بل فسرها وأوضحها غاية الوضوح لئلا يجهل شيء منها فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها بخلاف الشرائع المتقدمة فإنها إنما كانت تتوعد على المخالفة بعقاب دنيوي كما فعل بنوا إسرائيل غير مرة وتوعد بثواب دنيوي ولم يبين لهم شيء مما بين لنا على ما يقتضيه نسق التوراة إذ ليس فيها ذكر جنة ولا نار إلا تنبيهات قليلة وكذلك الإنجيل ليس فيه شيء من ذلك إلا ما ذكرناه ومع ذلك فإنه تعبدنا بعبادات محضة ذوات فعال وأركان كالصلاة والحج وغير ذلك وكل ركن من أركانها فالمقصود به تعظيم الله تعالى وخضوع له بالظاهر والباطن حتى تؤدي كل جارحة من الجوارح حظها من تعظيم الله تعالى مع ما ينضاف إلى ذلك من المعاني الشريفة والأدعية الرفيعة الفصيحة التي يعرف معانيها أهلها حسب ما فسروه في كتبهم وليس كما تقولون أنتم في صلاتكم يا أبانا الذي في السماء

443

فإن ظاهر هذا مستبشع في العرف محال في العقل أما استبشاعه في العرف فإنه يقبح بالعبد أن يخاطب سيده بلفظ الأبوة هذا مع أن معنى الأبوة جائز في حقوقنا فكيف لا يقبح إطلاقه في حق من لا تجوز الأبوة في حقه فإطلاق مثل هذه اللفظ في حق الله تعالى ينبغي ألا يجوز ولا يطلق وأما إحالته في العقل فإن ظاهر قوكم في السماء يفهم منه أن السماء محيط به وإن جاز ذلك جاز أن يكون جسما وأنتم تأبون ذلك وهو محال في حقه تبارك وتعالى وكذلك قولكم في بقية هذا الدعاء وعجل لنا خبزنا الدائم واغفر لنا كما يغفر بعضنا لبعض فإنه لفظ مستثقل مستقبح ومعناه مستغث مسترك ولولا خوف التطويل لأبدينا ما يحتمل ذلك من قبيح التأويل فإن قلتم هكذا علمنا عيسى في الإنجيل فقال لنا إذا صليتم فقولوا قلنا لا نسلم أن هذا مما علمه عيسى ولا مما جاء به بل هو إختراع من لا يحسن ما يقول وليس له إلى المعارف وصول وقد تقدم أن كتابكم قابل للتحريف والتصحيف فهذا الذي ذكرنا ينبه على المصالح الأخروية وأما المصالح الدنيوية فقد بينا أن مقصود شرعنا حفظ الأديان والنفوس والأموال والأنساب والأعراض والعقول ولأجل ذلك شرع القتل والديات والعقوبات وحرم السرقة والخيانة وجميع وجوه أكل المال بالباطل وحرم الزنا وفعل اللوطى وغير ذلك من الفواحش وكذلك حرم الغيبة والنميمة والقذف والبهتان والزور وجميع أصناف الكذب والغش والخداع والمكر إلى غير ذلك من أنواع المفاسد ولأجل ذلك أيضا حرم الخمر فإنها تذهب العقل الذي هو مناط التكليف وبه يعرف الباري تبارك وتعالى والسكر آفة تناقضه وتضاده فهذه الأمور كلها محفوظة بالحدود والزواجر المشاكلة للعقوبات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم إما بالكتاب وإما بالسنة وليس شيء منها موضوعا بالتشهي والتحكم كما فعلتم أنتم

444

وقد بينا ذلك بمستنده للشارع ولا نعدل عنه طرفة عين بل نقف عند ما أمر وننتهي عما نهانا ويعرف ذلك على التفصيل أهله ومن وقف عليه من العقلاء المنصفين وأما مكارم الأخلاق التي تضمنها شرعنا فلا تخفى على متأمل وذلك أن شرعنا أمرنا بها ظاهرا وباطنا ونهانا عن رذائلها وسفسافها فمن المكارم الظاهرة النظافة والطهارة والتنزه عن الأقذار والأوساخ فمن النظافة تطهير الثياب والأبدان فإنها ينبغي أن تنزه عن الأقذار مثل البول والغائط والمنى والمذى والدم والقيح وما شاكل ذلك ومن النظافة أيضا التطيب وتحسين الهيئة فالطيب لا يخفى على عاقل استعماله وكذلك تحسين الهيئة ومن تحسين الهيئة قص الشارب وإعفاء اللحية فقص الشارب لتتأتى النظافة في الأكل إذ لا تتأتى مع طوله إذ يدخل الشعر في الفم وينغص الأكل ويقذره هذا مع ما يلحق الشارب من قذارة المخاط إذ كان الشارب كبيرا ومع ذلك فلا يحلق عندنا كله ويمحق رسمه فإن ذلك مثله وتشويه وكذلك اللحي إذا حلقت فينبغي أن توفر توفيرا لا يخل بمروءة الإنسان ولا يخرج عن عادة الناس وخير الأمور أوساطها وأما حلق اللحية فتشويه ومثلة لا ينبغي لعاقل أن يفعلها بنفسه والعجب من جهل النصارى بالشرائع وبما يستحسنه ذووا المروءات فإنهم يحلقون لحاهم ويشوهون أنفسهم ويوفرون غلوفتهم التي ينبغي أن تزال لما في إزالتها من الفوائد على ما ذكرنا من النظافة المأمور بها تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وغسل البراجم والمغابن بالماء وهذا كله من شرعنا مبالغة في النظافة ومحافظة على مكارم الأخلاق وعلى عادة ذوي العقول والمروءات وأما التنزه عن الأقذار فإنه حرم علينا الخبائث من الميتة والدم ولحم الخنزير والأنجاس كلها على ما تقتضيه عادة العقلاء والمروءات وأمرنا بأكل الطيبات وإستعمال المستحسنات ونهانا عن السرف والتبذير

445

ولأجل هذا نهانا عن إستعمال أواني الذهب والفضة وعن لباس الحرير للذكور وذلك لما فيه من التبذير والسرف وأيضا فإن فيه ترفها يناسب ترفه أهل الجنة ويشبهه ولا ينبغي أن يفعل ذلك ولأجل ذلك قال نبينا عليه السلام من شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وهذا كله لأن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء ولأجل ذلك قال الحكماء الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تتعمروها فهذه نبذة من النظافة الطاهرة وأحكامها كثيرة تعرف في مواضعها وأما النظافة الباطنية فترجع إلى التخلي عن مذموم الأخلاق والتحلي بمحامدها ومستحسنها وهي كثيرة فلنذكر الأخلاق المذمومة التي يتنظف منها وبعدها نذكر الأخلاق المحمودة التي ينبغي الإتصاف بها أما الأخلاق المذمومة فكثيرة لكن أمهاتها ما نذكره وهي الغضب والحسد والبخل ومهانة النفس ودناءتها والرعونة وحب الجاه وحب الدنيا الذي منه كل خطيئة والكبر والعجب والرياء إلى غير ذلك من الأخلاق المذمومة التي من اتصف بها كان منجس الباطن بمثابة من كان متنجس الظاهر فعليه تنظيفه إلا أن نظافة النجاسة الظاهرة بالماء ونظافة النجاسة الباطنة بالإتصاف بالأخلاق المحمودة التي هي التوبة من المعاصي وحسن الصحبة مع الخلق والنصيحة لهم والعدل في الأمور كلها والتواضع وكرم النفس وبغض الدنيا والزهد فيها والإخلاص والخوف والصبر والشكر والصدق والتوكل ومحبة الله تعالى ومحبة رسله إلى غير ذلك من الأوصاف المحمودة التي من اتصف بها فقد تتقي من أوصاف البشرية وتطهر الطهارة المعنوية

446

فهذه أنموذج وقانون يعرف العاقل المنصف به حسن شريعتنا وجمال طريقتنا وأنها جارية على نهج العقول ومستحسنه عند من له محصول ومن أراد أن يتبين محاسن شريعتنا على التفصيل فلا يصل إلى ذلك إلا ببحث كثير وتطويل فإن وقف فأمعن النظر وأستدت منه الكفر قضى من عجائبها كل عجب وعلم على القطع والبتات أنها حق من الله من غير شك ولا ريب وأن الذي جاء بها لا يجوز عليه الغلط ولا الكذب فها نحن معشر المسلمين قد أرصدنا شريعتنا للإستعراض ونادينا عليها في سوق الإعتراض لئلا يعترض أحد أو يعارض فيدمغه ناقد لقوله وحافظ ولم نكل حكايتها إلى غبي غافل عن مقاصد شرعنا جاهل وقد آن أن نذكر ما اعترض به النصارى على ديننا ونتصل عنه إن شاء الله تعالى وعند ذلك يتبين صميم جهلهم وسوء صنيعهم وفعلهم

447


الفصل الثاني
دفاع عن الإسلام أعلم أن النصارى يعيبون دين الإسلام ويقبحونه عند جهالهم وعامتهم بأمور من فروع الإسلام لا ينبغي لمنصف أن يعيبها ولا يعيب شرعا هي فيه وقد كنا بينا فيما تقدم أنه لا ينبغي أن ننبذ الشرائع أو نجحدها بما تجوزه العقول بل يتلقى ذلك المجوز عقلا الذي جاءت به الشرائع بالقبول إذا علم صدق ذلك الشرع بل ينبغي للعاقل أن ينظر في دليل صدق ذلك الشرع فإن وجده دليلا صحيحا قبل منه كل ما يقول فإنه صادق والصادق لا يقول ما تكذبه العقول نعم قد يقول ما يقصر العقل عن إدراكه وليس ذلك طعنا على قول الصادق وإنما العجز في حق العقل فليس كل ما تأتي به الشرائع يعرف العقل جوازه قبل وقوعه بل قد يكون منه ما يجهله وهذا بين عند الفهم المنصف وقد كنا قررنا ذلك بأبلغ من هذا فيما تقدم فإذا تقرر ذلك قلنا للنصارى كان يجب عليكم أن تنظروا في الأدلة التي بها استدل هذا النبي على صدقه فإذا صحت لزمكم قبول قوله وإن لم تصح لديكم رددتم كلية شرعه ولا تعترضوا ببعض ما جاء به مما يجوزه العقل على ما تقرر ونحن قد أثبتنا الأدلة القاطعة على صدقه وأنواعها فيجب عليكم أن تقبلوا شرعه إذ قال أنا رسول الله إلى الناس كلهم وإلى اليهود والنصارى وقد ظهر صدقه في قوله وإن لم تفعلوا فقد وجبت عليكم اللعنة وحاقت بكم الطامة وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار

448

ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ما اعترضوا به على ديننا ونحكي اعتراضهم كما ذكروه في كتبهم ونسبوه إلى أساقفتهم قال صاحب كتاب الحروف بعد أن ذكر وصية عيسى التي قال فيها احذروا أنبياء الكذب الذين يأتونكم بلباس الحملان يعني سمة الأبرار وزي العباد وباطنهم ذئاب خاطفة قال بعد ذلك معرضا بنبينا ومستنقصا لديننا وقد رأينا نفاذ قوله هذا فبمن ادعى النبوة فأظهر سمة الحملان ثم عمل عمل الذئاب فأمر بخلاف هذه الوصايا من العداوة للناس عامة والتحريض على قتل من خالفه والأمر بالقصاص والإنتقام ثم أمر بالإكثار من النساء ورخص في طلاقهن وأحل تزويج المطلقات الفاجرات ثم ردهن إلى الأزواج الأولين بعد طلاق ثان وأحل ذلك لهن من الرجل الثاني إلى الأول ثم ما وصف الله به من الجور والقساوة والظلم إذ زعم أنه يهدي بعضا ويضل بعضا وقال القوطي الذي قدمنا ذكره لا فائدة في شريعتكم لأنا نجد الأحكام الشرعية حكمين الأول التوراوي الذي هو من لطمك فالطمه الآخر الإنجيلي الذي هو من لطم خدك اليمنى فانصب له اليسرى وأنت ترى فضل هذا على الأول ثم لا تجد لهذين الحكمين ثالثا إلا كان داخلا فيهما هذا منتهى ما يعترض به من ينتمي إلى النظر من أقستهم وإن كان بعيدا عن التحقيق وأما عامتهم ومن لا مبالاة بهم فقد تقولوا العظائم وجاهروا

449

بالتواقح والشتائم ونحن نجيب هذين القسمين على ما قالاه جوابا يرفع الإشتباه ونرجو به التقرب من الإله فنقول للأول أما استدلالك على رد نبوة نبينا بقول عيسى فتجهيل للعامة وتلبيس عليهم فإنك أدخلته في جملة أنبياء الكذب وقد شهد الأنبياء بصدقه كما قدمنا بل قد شهد كتابك بصدقه وبنبوته فإنه قد جاء فيه من قول عيسى مالا يمكنك إنكاره حيث ذكر البرقليط وأخبر أنه يأتي ووصفه بما ينبغي له وقد قدمنا ذلك مستوفى فهذا منك ياهذا جهل بكتبك وتكذيب لأنبيائك ورسلك وإنما الذي حذر منه عيسى وغيره من الأنبياء إنما هم أنبياء الكذب كما قال ولم تزل الأنبياء يحذرون من الأنبياء الكذابين ولقد أكثر من مثل هذا التحذير نبينا عليه السلام حتى قال يكون في آخر الزمان ثلاثون كذبا كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين فلا رسول بعدي ولا نبي وقد وجد بعضهم ولا بد من أن يوجد الباقي كما قال الصادق وأما قولك أن سمة نبينا سمة الحملان وعمله عمل الذئاب فكذب صراح وإفك وقاح ونحن قد بينا سمته وعمله ومنهاجه وقد عرف حاله القريب والبعيد بل سمته سمت الأنبياء وعمله عملهم ولا فرق بينه وبينهم إلا أنه أفضلهم وأكملهم وإنما قلنا ذلك لأن في صحف أشعياء أنه قال أتت أيام الإفتقادات أيام الكمال ثم قال لتعلموا يا بني إسرائيل الجاهلين أن الذي تسمونه ضالا هو صاحب النبوة تفترون بذلك على كثرة ذنوبكم وعظم فجوركم وإنما قلنا إنما عنى نبينا ولم يرد غيره لأنه قال يا بني إسرائيل وهذا خطاب لجميعهم ولم تكذب جميع بني إسرائيل بنبوة نبي إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك مما تقدم وأما عيسى وغيره فكان منهم من آمن به وصدقه على ما هو معروف وأما قولك أمر بخلاف هذه الوصايا من العدواة للناس فكذب وتشنيع لا يرضى به سفلة الناس بل قد أمر بالألفة والإجتماع والتحاب في الله والمؤاخاة في ذاته والتعاون على البر والتقوى ونهى عن التباغض والتدابر والتخاذل على ما بيناه من شرعه

450

وكل ذلك من حاله وحالهم معروف بحيث لا يجهل ومشهور بحيث لا ينكر نعم رحمته للمؤمنين وغلظته على الكافرين وكذلك وصفه الله في كتبه وعلى لسان رسله قال الله العظيم في محكم وحيه الكريم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم وكذلك كانت أحوال أصحابه قال الله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم وليس كما تقولونه أنتم عن أصحاب عيسى أنه لما تقبضت اليهود عليه فروا عنه وأنكروه وحلفوا على أنهم لم يعرفوه فأسلموه وتركوه وقد بينا فيما تقدم ما ذكرت الأنبياء من أوصافه وعلى أنه لم يغلظ على الكافرين حتى تمردوا على الله وكذبوا رسالات الله وذلك أنه أقام بين أظهرهم عشر سنين أو نيفا عليها يدعوهم إلى الله على سبيل الوعظ والإنذار والتعليم والتبليغ وإظهار الآيات والعجائب ملينا لهم القول ومظهرا لهم الإشفاق وباذلا لهم النصيحة صابرا بنفسه على ما يلقى من أذاهم ومن سبهم وهم مع ذلك يبالغون في ضرره بكل ما يمكن وكلما ألح عليهم بالإنذار زادوا في الإضرار حتى هموا بقتله وطرده عن بلده وأهله وبعد ذلك أمره الله بالإنتصار ممن ظلمه وإخراج من أخرجه ولذلك أنزل الله تعالى عليه أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير وأما قوله والتحريض على قتال من خالفه فهذا لا ينبغي أن يعاب به دين فإن الكافر بالحق لا حرمة له وجنايته أكبر من كل جناية فعقوبته ينبغي أن تكون أكبر من كل عقوبة لا سيما بعد أن تقدم للكافرين بالأعذار وبولغ لهم في الإنذار ولأجل أن الكافر لا حرمة له عند الله يعاقبه في الدار الآخرة عقوبة لا إنقطاع لها بإتفاق الشرائع وإن جاز أن يعاب شرعنا لأنه جاء بقتال الكافرين جاز أن يعاب شرع موسى فإنه جاء بقتال الجبارين على ما لا يخفى على

451

أحد من المتشرعين فقد لزم هذا المنكر لشرعنا من حيث أنه شرع فيه القتال أن ينكر ما يدين به ويعتقده من شرع موسى بن عمران وينبغي له أن يسفه فعل يشوع بن نون حيث أذاق الجبارين أشد القتل وأعظم الهون ثم أعجب من ذلك جهلهم بما في كتبهم أو مجاهرتهم بإنكارها وذلك أنه يجدون في كتبهم أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ويجدون فيها أنه يبعث بالقتل والسيف ثم ينكرون ذلك ويباهتون فيه وقد ذكرنا من ذلك ما فيه كفاية ومن ذلك ما قد جاء في كتاب أشعياء أنه أخبر عن هزيمة العرب وقتل اشرافهم فقال لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يدوسون الأمم كدوس البيادر وينزل البلاء بمشركي العرب وينهزمون ثم قال وينهزمون بين يدي سيوف مسلولة وقسى موتورة من شدة الملحمة وكذلك قال حبقوق تضيء لنوره الأرض وستنزع في قسيك إغراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد إرتواء وهذه نصوص على إسمه وصفته كما تقدم وقد أشار إنجيلكم إلى هذا فإنكم تزعمون أن عيسى قال لتلاميذه إني كنت أرسلتكم وليس معكم مزود ولا خف فهل ضركم ذلك أو نقصكم شيئا قالوا لا قال أما الآن فمن لم يكن له كيس فليأخذ كيسا ومزود فليشتر مزودا ومن لم يكن له سيف فليبع من ثيابه وليشتر سيفا فأمرهم بإشتراء السيوف للقتال بعد أن كان نهاهم عن القتال لعلمه أن محمدا يبعث بعده بالسيف وهذا كثير بحيث لا يحتمل التأويل

452

وخير من ذلك كله أنهم قد ذكروا في إنجيلهم أن عيسى قال لهم لا تحسبوا أني قدمت لأصلح بين أهل الأرض لم آت لاصلاحهم لكن لألقى المحاربة بينهم إنما قدمت لأفرق بين المرء وإبنه والمرأة وإبنتها وأعداء المرء أهل بيته وهذا نص بأن عيسى إنما جاء بالمحاربة وإلقاء العداوة بين الناس وهذا عين ما أنكروه علينا ثم قد زاد وأعلى ذلك أنهم حكوا أنه قال لم آت لأصلح أهل الأرض لم آت لإصلاحهم وظاهر هذا إنما جاء بفساد أهل الأرض وهذا لايصح أن يقوله عيسى عليه السلام ولا غيره من الأنبياء وهو من كذبهم وتحريفهم وقد قدمنا ذلك فيما سبق ومن العجب أنهم يقولون أن ملة المسيح وشريعته لم تأت بقتال ويتمدحون بأنها لم تظهر بقتال وإنما ظهرت بما ظهر على أيدي الحواريين من العجائب وهم مع ذلك يعترفون بمحاربة قسطنطين وبمقاتلته من خالفه وأنه الذي تلقيت عنه الشريعة الصليبية فإنه أرى في النوم صورة الصليب وقيل له بهذا تنصر ففعله وأعتقده وقاتل فنصر وأعجب من ذلك تلبسهم بالقتال والإكثار منه أبد الدهر إلى اليوم وهم مع ذلك يدعون أن القتال غير مشروع لهم ويذمون الشريعة التي جاءت به فهم قد ناقضت أفعالهم أقوالهم وشهدت على كذبهم أحوالهم ثم نقول لقسطنطين ولجماعة النصارى المقاتلين قتالكم من خالفكم لا يخلو إما أن يكون مشروعا لكم أو غير مشروع لكم فإن كان مشروعا لكم فلأي معنى تخالفونا في ذلك وتذموا شرعنا لأجله وإن لم يكن مشروعا لكم فلأي معنى تركتم شرعكم وفعلتم خلافه وكيف حل لكم ذلك فأنتم بين أمرين قبيحين عليكم إما أن تعترفوا بأن قتال الأعداء جائز حسن فلا تذموا شرعنا لأجله وإما أن تعترفوا بأنه غير جائز وقبيح فيلزمكم التناقض والسفه والخروج عن شريعة المسيح فأنتم على المثل السائر أعور بأي عينيه شاء

453

فإن قالوا إنما نقتصر بالقتال لأنفسنا ونمتنع ممن يريد به ظلمنا قلنا ومن شرع لكم أن تنتصفوا ممن ظلمكم أو تنتصروا لأنفسكم بل قد حكيتم في إنجيلكم أنه قال لكم احفظوا أعداءكم وأكرموا من أساء إليكم فإن لم تحفظوا إلا إخوانكم فما أجرؤكم على ذلك وهذا نص على أنه ينبغي لكم أن تستسلموا عن قاتلكم ولا تنتصروا ممن ظلمكم فإن لم تفعلوا ذلك فقد تركتم شرعكم واستهنتم بسنة نبيكم ثم يلزمكم على ذلك أن تعترفوا بأن شرعكم ناقص إذ قد بين لكم نبيكم بعض المصالح وترك بعضها وهو القتال الذي استدركتموه بنظركم من حيث كان ضروريا ومحتاجا إليه وتعترفوا بكمال الشرع الذي جاء بالقتال الذي هو شرعنا وعند هذا يتبين فساد قولهم إن الحكم حكمان لا ثالث لهما ويفسد عيبهم علينا القصاص وذلك أنهم يزعمون أن حكم التوراة يقتضى القصاص وحكم الإنجيل يقتضى العفو ثم زعم ذلك الجاهل أن لا حكم ثالث ولم يشر بثالث متوسط هو أكملهما وأتمهما وهو الحكم الفرقاني حيث قال الله العظيم وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين وقال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور وقال تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ثم العجب من هؤلاء الجهال كيف يذمون شريعتنا ويكذبونها من حيث أنها تضمنت القصاص ويؤمنون بشريعة موسى وقد صرحت بالقصاص فيلزمهم على قولهم أن يكذبوا بشريعة موسى ويذمونها من ذلك الوجه ثم أعجب من ذلك كله مدحهم شريعتهم من حيث كانت مبنية على العفو والصفح ثم مع ذلك أبوا أن يجوزوا عفو الله تعالى عن آدم حين أكل من الشجرة حتى قالوا أن جميع بني آدم

454

كانوا مرتهنين بمعصية أبيهم حتى فداهم المسيح بنفسه بل لم يتصور عندهم عفو الله حتى انتقم من إله مثله تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا فعلى هذا نقول لهم لا يخلو العفو من أن يكون هو الأولى مطلقا أو الإنتقام هو الأفضل أو الحالة الثالثة فإن كان العفو هو الأولى فلم لم يعف الله تعالى عن آدم من غير أن يعاقبه وبنيه على ما زعمتم وإن كان الإنتقام هو الأولى فلم لم ينتقم من آدم وبنيه مطلقا فلم يبق على هذا إلا أن الأولى هو الحالة الثالثة وهو الإنتقام في حال من مستحقه والعفو في حال أخرى عن مستحق العقاب تفضلا وتكرما حسب ما يريده الباري تعالى وعلى هذا المنهاج السديد والأمر الرشيد جاءت شريعتنا فهي كاملة متممة والحمدلله ثم إذا كان العفو هو الأولى والأفضل وبه جاءت شريعتكم فلأي معنى تتركون شريعتكم الأولى فقد اعترفتم بألسنتكم وتناقضتم بأفعالكم وكم لكم منها وكم وأما إعتراضه على شرعنا بتحليل نكاح الكثير من النساء فذلك مالا ينبغي أن ينكره أحد من العقلاء فإنه من مجوزات العقول وقد ورد بذلك الشرع الصادق المنقول ثم قد ورد عن جماعة من الرسل وقد جاءت بذلك الكتب ألم يجيء في التوراة أن إبراهيم كانت له سارة وهاجر وكذلك ورد فيها أن يعقوب جمع بين أختين ليئة وراحيل وقد ثبت أيضا أن سليمان كانت له مائة إمرأة أو تسعة وتسعون بل قد روى في الإسرائيليات أنه كان له ثلاث مائة إمرأة حرة وسبع مائة سرية فإن كذبتم شرعنا لأجل أنه اشتمل على جواز نكاح نساء كثيرة فلتكذبوا بنبوة إبراهم ويعقوب وسليمان ولا فرق بين نبينا وبين هؤلاء الأنبياء في أن كل واحد منهم رسول الله يبلغ

455

حكم الله فما لكم تنكرون ما بمثله تعترفون وتكذبون عين ما تصدقون فلعل المعتوه الذي لا يعرف مابه يفوه ثم لا ينكر عاقل حكمة الله تعالى في شرعية كثرة النساء إذ مقصوده بذلك إنما هو تكثير النسل وعمارة الدنيا بالذراري ليكثر الصالحون لما أراد الله بهم من الكرامة وليكثر الطالحون لما أراد الله بهم من الشقاوة والتعذيب ولتنفذ على خلقه أحكامه وتجري عليهم أقداره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وأما إعتراضه بالطلاق ورد المطلقات فقد تقدم ذكره على أوضح المقالات وأشفينا في الجواب على أحسن الغايات فلينظره من أراده في باب النبوات وأما إعتراضهم على إعتقادنا أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء فقد قدمنا فيه قولا كافيا ولكنا مع ذلك نؤيده أيضاحا فنقول قد قام الدليل القاطع والبرهان الصادع على أن الله تعالى منفرد بخلق الموجودات ومريد لكل الحادثات لا يخرج عن قدرته ممكن ولا يشذ عن إرادته حادث والهدى والضلال من الحوادث فإذن هما مستندان إليه وموجودان بإرادته وتحقيق هذا البرهان يعرف في موضعه ثم نقول لا يشك عاقل أن الهدى والضلال وما في معناهما أمور محدثة وأفعال موجودة بعد أن لم تكن وكل فعل محدث فلا بد له من فاعل محدث بالضرورة ففاعل الهدى والضلال وخالقهما إما أن يكون الله سبحانه أو غيره محال أن يكون غير الله لاستحالة وجود خالقين ويلزم منه إمتناع الخلق كما قدمنا حين ذكرنا دلالة التمانع فلم يبق إلا أن يكون الفاعل هو الله تعالى إذ لا خالق إلا هو ولا مبدع سواه ثم نقول للنصارى صلب المسيح وقتله إما أن يكون ضلالا وإما أن يكون هدى ومحال أن يكون هدى فإنكم تكفرون من فعل ذلك

456

وتضللونهم ولأجل ذلك الفعل حاق الغضب وحاقت اللعنة على اليهود بزعمكم فلم يبق إلا أن يكون ضلالا وإذا كان كذلك فقد لزمكم أن الله فعل الضلال فإنكم قد صرحتم بأن الله إنما فعل ذلك لأجل خطية آدم ولا من أحد من ولده وإنما أراد أن ينتقم من إله مثله فقد صرحتم ونصصتم أن الله تعالى أراد الضلال وفعله على أقبح ما سمع وأشنع ما به يتحدث ثم إنا لا ندير مما يكون التعجب أكثر إن كان من ذهاب عقولكم أو من جهلكم بكتبكم فأما نقص عقولكم فإنكم تقولون أقوالا تتناقضون فيها ولا تشعرون وتلتزمون ضروبا من المحالات وتنكرون أمورا جائزات كما قدمنا آنفا ولم نزل نبين ذلك من أول كلمة من هذا الكتاب إلى آخره وأما جهلكم بكتبكم فقد جاء في كتابكم نصا هذا المعنى الذي أنكرتموه علينا وذلك أن عيسى قال حين دنا أجله يا أبتاه إنك قادر على جميع الأشياء فزح عني هذه الكأس ولكن لست أسألك أن تفعل مشيئتي بل مشيئتك وهذا نص على أن الله على كل شيء قدير وأنه يفعل ما يريد وأنه أراد صلب المسيح بزعمكم وكان ضلالا لليهود بلا شك فما لكم تخبطون وعن كتبكم تعرضون بل أنتم عن عقولكم مصروفون وفي ورطة الجهل مرتبكون وفي بحبوحة الضلال عمهون فلقد صدق الذي قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال والكلام على الهدى والضلال والطبع والختم يستدعي تطويلا وشرحا وتفصيلا ومن طلبه وجده إذا ساعده التحقيق ورافقه التوفيق وقد حصل غرضنا من مكالمة هؤلاء وإفحامهم والحمدلله وأما قوله ودعواه أنا وصفنا الباري تعالى بالجور والقساوة والظلم فعلى المثل السائر رمتني بدائها وانسلت

457

أما نحن فننزه الله تعالى عن كل ما ذكر ولا نقول بقول يؤدي إلى ذلك وكيف يصح في حقه تعالى الظلم والجور وهو إنما يتصرف في ملكه وملكه وخلقه ولا يجب عليه لأحد من خلقه حق بل هو متفضل بكل ما يفعل وإنما يتصور الظلم والجور في حق من تصرف في ملك غيره أو عدل عن فعل ما وجب عليه وهذا كله في حق الله تعالى محال وإنما يلزم وصفه بالظلم والجور والقساوة لمن قال إن آدم عصاه ثم جعل ذنبه على جميع ولده ثم لم يقنع بشيء من دمائهم بل ولا من دمائهم كلهم حتى انتقم من اله مثله وأجرى دمه على خشبة الصليب فهذا ظلم من حيث حمل الذنب من لم يفعله وجور من حيث قتل إلها لأجل لقمة من شجرة أكلها غيره وقساوة من حيث قتل ولده وحبيبه في عبده العاصي عندكم ولم يعف نعوذ بالله من هذه القبائح ومن إلتزام هذه الفضائح وتتبع جهالات الجهال بحق معقول العقال على أن كلام هؤلاء القوم لا يستحق أن يسمع إذ ليس لهم في العقول مطمع ولكثرة فساد كلامهم يحار النحرير الناظر في هذيانهم فيظل متعجبا وينشد متمثلا
تفرقت الظباء على خراش
فلايدري خراش ما يصيد

وأنا أكرر الإستغفار من حكايات كلامهم وأسأله النفع بإظهار فساد مرامهم ومع ذلك فقد أصبنا منهم غرضا وصادفنا منهم مقتلا ولئن زادوا زدنا وإن عادوا عدنا
إن عادت العقرب عدنا لها
وكانت النعل لها حاضرة

وينبغي أن نختم الكتاب بدعاء مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعل الواقف على كتابي هذا يؤمن عند خاتمته وعسى الله أن يشركنا في صالح دعوته

458

فأقول اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا آمين آمين والحمدلله رب العالمين والصلاة على محمد سيد المرسلين وسلام عليه وعليهم في العالمين وعلى صحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين نجز الكتاب المبارك بحمدالله وعونه وحسن توفيقه على يد العبد الفقير إلى الله تعالى علي بن محمد بن عانبه الفيومي نسبا والشافعي مذهبا حامدا لله ومصليا ومسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين في سابع عشرين شهر ربيع أول سنة تسع وسبعين وثماني مائة قال في أصل النسخة وكان الفراغ منه ضحوة سادس شهر شعبان سنة ست وعشرين وسبع مائة بدمشق المحروسة والحمدلله رب العالمين تم الجزء الرابع من كتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وبتمامه تم الكتاب كله بعون الله وكان الفراغ من تحقيقه والتعليق عليه والتقديم له في يوم السبب العشرين من شهر شوال سنة ثمان وتسعين وثلثمائة وألف من الهجرة الموافق الثالث والعشرين من شهر سبتمبر سنة ألف وتسعائة وثمان وسبعين من الميلاد في مدينة القاهرة

459

ملحق في تقديمنا لهذا الكتاب تحدثنا في مبحثين إثنين هما 1 الأقانيم 2 والمسيا المنتظر بفتح الميم وكسر السين وتشديد الياء مفتوحة ومع كتابتهما كتبت مبحثا ثالثا عن مبادئ النصرانية ورأيت أن أضعه في نهاية الكتاب كملحق لأن فهمه يتعسر على القارئ أو السامع إذا لم يقرأ قبله المبحثين وكتاب الإعلام هذا أو كتبا فيها ما يساعد على الفهم وعلى الله قصد السبيل د أحمد حجازي السقا

460


المبحث الثالث
مبادئ النصرانية أي سفر من أسفار الكتب المقدسة عند النصارى يمكن أن تظهر لنا منه بوضوح مبادئ النصرانية ليس غير سفر أعمال الرسل المسمى باللغة اليونانية الأبركسيس فإن هذا السفر الموضوع بعد الأناجيل الأربعة لا يحكى فقط عن نمو الجماعة النصرانية الأولى بل يحكى للناس جميعا كيف اتفق بطرس وبولس ويعقوب ومن نحا نحوهم فيما ذهبوا إليه على تغيير دعوة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام الأصلية وقبل أن نبين ما اتفقوا عليه نقول أولا لماذا أتفقوا على ما ذهبوا إليه هل حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق كما في القرآن الكريم إنهم يعلمون علم اليقين من أ توراة موسى عليه السلام الأسفار الخمسة ب ومن أسفار الأنبياء الذين ظهروا من بعد موسى عليه السلام يعلمون أن نبيا سيظهر للعالم قال عنه بطرس فإن موسى قال للآباء أن نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب وهذا النبي يعلمون أنه ليس عيسى عليه السلام لأنه من بني إسرائيل ولو كان النبي الآتي من بني إسرائيل لقال من أنفسكم ولأنه ليس مماثلا لموسى في 1 الحروب 2 المعجزات 3 والإنتصار على الأعداء فإن الذي لم يسمع لكلامه لم يبده الرب من الشعب على يديه كما أبادهم على يد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم

461

وهذا النبي يعلمون أنه سيكون ناسخا لشريعة موسى عليه السلام فإن من أوصافه له تسمعون في كل ما يكلمكم به لقد اتفقوا على إستبدال نبي بني نبي تحدثت عنه نبوءات التوراة وهو محمد صلى الله عليه وسلم بنبي لم يرد له ذكر في أي سفر وهو عيسى عليه السلام وفي سبيل ذلك لا بد من أن يتفادوا أمرين إثنين لا ثالث لهما الأول النبوءات التي تحدثت عن محمد صلى الله عليه وسلم والثاني الشريعة التي سيبلغها النبي المنتظر للناس عن أمر الله عز وجل مناسبة للزمان الذي سيظهر فيه فماذا قولوا لتفادي هذين الأمرين قالوا إن النبوءات يجب أن تطبق على عيسى عليه السلام وقالوا نعمل شريعة جديدة فيها من تعاليم موسى وفيها من تعاليم الرومانيين وننسبها إلى عيسى عليه السلام وكيف ينسبونها إليه وقد رفع إلى السماء وهو لا يعلم عنها شيئا هذا أشكال اعترضهم ولكنهم تفادوه أيضا بزعمهم أن عيسى عليه السلام نزل من السماء بعد سنين من رفعه إليها وقابل بولس وهو منطلق إلى مدينة دمشق في رؤيا وقال له يا بولس انطلق بإذني وأمري بدعوتي إلى 1 أمم 2 وملوك 3 وبني إسرائيل ونسوا أن يبينوا ما هي الدعوة الجديدة التي لقنها عيسى لبولس ما بينوا قط لأن الظاهرة من رسائل بولس أنه يدعو بدعوة من تلقاء نفسه ويشرع للناس ما استحسنه من تلقاء نفسه وينصح تلاميذه بما يصلح المعدة والبطن وخلاصة دعوته في هذه العبارة الدعوة التي دعى فيها كل واحد فليلبث فيها أي إذا دعا اليهودي إلى النصرانية وقبل الدعوة فليعمل بحسب شريعته التي درج عليها وهي شريعة موسى وإذا دعى اليوناني إلى النصرانية وقبل الدعوة فليعمل بحسب قوانين بلاده التي تحكم المواطنين وبحسب العادات والتقاليد التي درج عليها وهكذا يكون إسم النصرانية كمظلة على رؤوس الكل والناس أحرار في أعمالهم تحت المظلة ثم قال على سبيل الإذن أقول لغير المتزوجين وللأرامل انه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لأن التزوج أصلح من التحرق وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها

462

ولا يترك الرجل امرأته وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة وهي ترتضى أن تسكن معه فلا يتركها الخ كورنثوس الأولى 7 ومن نصائحه لتيموثاوس في رسالته الأولى إليه لا تكن في ما بعد شراب ماء بل استعمل خمرا قليلا من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة وليلاحظ ما نبديه الآن وهو أن دعوة موسى عليه السلام في أصلها كانت لبني إسرائيل ومعاصريهم من الأمم فإن موسى طلب من فرعون الإيمان بالله رب العالمين وعدم العلو عليه وموسى حث بني إسرائيل بعد الخروج من مصر على فتح البلاد لنشر الإيمان والعمل بالشريعة وبين لهم أن الجنة تحت ظلال السيوف كما بين نبي الإسلام وعيسى عليهما السلام للأتباع الصادقين ففي القرآن الكريم يقول الله عز وجل إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن وأن دعوة موسى عليه السلام حرفها عزرا في مدينة بابل من بعد سنة 586 ق م ومن التحريف الذي أقره فيها أن تكون دعوة موسى عليه السلام لبني إسرائيل من دون الناس ولما ظهر عيسى عليه السلام وبخ علماء بني إسرائيل على تقصيرهم في دعوة الأمم في قوله ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم ثم قال لتلاميذه 1 انطلقوا أولا بالضرورة إلى بني إسرائيل بالدعوة 2 ثم ثانيا بعد أن يعلم ويفهم جميع بني إسرائيل إنطلقوا إلى الأمم قال متى عن الأمر الأول والثاني هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة

463

للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين إنه قد اقترب ملكوت السماوات وقال متى عن الأمر الأول والثاني أن إمرأة من نساء الكنعانيين أهل فلسطين طلبت من المسيح أن يشفى ابنتها من الجنون فلم يجبها بكلمة فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين اصرفها لأنها تصيح وراءنا فأجاب وقال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة فأتت وسجدت له أي أعطته التحية قائلة يا سيد أعنى فأجاب وقال ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب فقالت نعم يا سيد والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها حينئذ أجاب يسوع وقال لها يا امرأة عظيم إيمانك ليكن لك كما تريدين فشفيت ابنتها من تلك الساعة بإستثناء تشبيه الأمم بالكلاب في هذا النص ومستبعد أن يحدث هذا التشبيه من المسيح صاحب الخلق الرفيع فإنه نص في دعوة الأمم بعد ما يفهم الدعوة بنو إسرائيل الذين يشبهون الخراف الضالة في فلاة من الأرض بسبب إلتواء علماء بني إسرائيل في تعليمهم وقال متى عن الأمر الثاني إن المسيح بعدما رفع إلى السماء نزل ثانية إلى الأرض وكلمهم قائلا اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وإنطلاق التلاميذ إلى الأمم حسب كلام المسيح نفسه على النحو التالي 1 أن تؤمن الأمم بالإله الواحد المتصف بكل كمال والمنزه عن كل نقص الذي لا يرى ولا يقدر أحد أن يراه وليس كمثله شيء كما نص كتاب موسى عليه السلام 2 أن تعمل الأمم بشريعة موسى عليه السلام 3 أن يعلموا أن نبيا من العرب سيظهر لينسخ شريعة موسى هو محمد صلى الله عليه وسلم 4 وعلى الأمم إذا ظهر هذا النبي العربي أن يتركوا العمل بشريعة موسى وأن يعملوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم

464

ولكن بطرس وبولس ويعقوب وأتباعهم غيروا كلام المسيح نفسه وجعلوا النصرانية دينا عالميا لا على كلام المسيح السابق ذكره بل على أن عيسى هو كان النبي المنتظر وما عرفوا أنه هو إلا بعد قتله وصلبه كما يزعمون وعلى أن الإنجيل شريعة يجب التعبد على أحكامها وعلى أن عيسى خاتم النبييين ولا نبي من بعده إلى يوم القيامة وغير خاف مما قدمنا على ذي بصيرة أنهم اتفقوا لكراهيتم للعرب أبناء إسماعيل عليه السلام أن يخضعوا لأحكامهم وأن لا يكون لهم فضل في دولتهم وإلا لما تفادوا مجيء النبي الآتي منهم من قبل مجيئه وطبقوا النبواءات على واحد من بني إسرائيل لقد فكر اليهود في عالمية الدعوة ثانيا في شكل النصرانية ليكسبوا أنصارا جددا يقاومون بهم العرب إذا ظهر النبي منهم وانضم حوله الأتباع من كل جنس ولأنهم يخزون إذا رجعوا إلى الأصل تظاهر منهم من تظاهر بالإخلاص للمسيح وعملوا العالمية في شخصه لأنه منهم وأتباعه بالضرورة سيكونون لليهود بعضهم أولياء بعض المائدة 51 لأن الأناجيل مبنية على كتاب التوراة وأسفار الأنبياء ولنبين الأمرين هنا فنقول أولا النبوءات يحكى هذا السفر أن بطرس تلميذ عيسى عليه السلام الذي لما نصحه بعدم دخول أورشليم خوفا عليه من اليهود التفت وقال لبطرس اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس بطرس هذا هو أول من خطب في النصارى وكان عدتهم يومئذ نحو مئة وعشرين مبينا أن نبوءات التوراة وأسفار الأنبياء يجب أن تطبق على عيسى عليه السلام حتى لا ينتظر الناس نبيا من بعده سواء كان آيتا من اليهود كما يدعى اليهود أو كان آتيا من بني إسماعيل كما يقول العرب وعيسى ابن مريم نفسه وفي الخطبة الثانية لبطرس وهي في الإصحاح الثاني من هذا السفر يواجه اليهود بأن داوود عليه السلام قال في سفر الزبور عن النبي المنتظر إن الله سيضع أعداءه تحت قدميه ونحن نعلم أن

465

عيسى لم يضع أعداءه تحت قدميه فكيف نطبق هذه النبوة عليه قال بطرس لنقل أن عيسى لم يمت لنقل أنه وإن رفع ما يزال حيا ولسوف يرجع ليحارب أعداءه وينتصر عليهم ويضعهم تحت قدميه والدليل على أنه حي أنه لما قتل ووضع في القبر ردت إليه الروح وانتصر على الموت وصعد إلى السموات العلي ومن كان شأنه هكذا فلا يستبعد منه الرجوع ثانية إلى الدنيا ليدين الأحياء والأموات وما يزال النصارى إلى اليوم يعتقدون في نزول المسيح لينتصر على أعدائه ويزعمون أنه في غيبة والملك له سيرجع كما كان ملك داوود وسليمان عليهما السلام في الزمان القديم لقد عقد مقارنة بين داوود وعيسى في أمرين إثنين هما 1 الملك 2 والموت فقال كان داوود ملكا ومات وقبل موته تنبأ عن عيسى الذي سيكون ملكا قبل موته أي موت عيسى وحيث أن عيسى مات من قبل أن يكون ملكا إذن هو في غيبة وسيرجع حسب تنبوء داوود نفسه ولقد كذب بطرس والحاكي عن بطرس بشهادة المسيح نفسه ذلك لأن بطرس استدل بقول داوود عن النبي المنتظر قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك زاعما أن داوود يشير إلى عيسى عليه السلام مع أن عيسى عليه السلام كما سبق أن بينا قال أن الذي يشير إليه داوود ليس من اليهود عموما لأنه عبر عنه بسيده والإبن لا يكون سيدا لأبيه وفي هذه الخطبة جهر بطرس بأن عيسى عليه السلام ربا ومسيحا من قبل أن يجهر بولس ومن كلام بطرس في هذه الخطبة أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقال لكم جهارا عن رئيس الآباء داوود أنه مات ودفن في قبره عندنا حتى هذا اليوم فإذا كان نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فسادا فيسوع هذا أقامه الله نحن جميعا شهودا لذلك وإذا ارتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب سكب هذا الذي تبصرونه وتسمعونه لأن داوود لم يصعد إلى السموات وهو نفسه يقول قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك فليعلم يقينا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربا ومسيحا ألخ

466

وفي الخطبة الثالثة لبطرس وهي في الإصحاح الثالث من سفر الأعمال يطبق كلام موسى في الأسفار الخمسة عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم على عيسى عليه السلام يقول لليهود لقد قام عيسى من الأموات وغاب عن الدنيا وسيرجع ليملك عليكم وعلى العالم ويؤسس مملكة لن تنقرض أبدا ولماذا لا يرجع وموسى وعد بنبي على مثاله ليس هو غير يسوع المسيح ولقد كذب بطرس والحاكي عن بطرس فإن موسى لما وعد بنبي على مثاله قال أيضا لن يكون مثلي في بني إسرائيل فكيف يكون المماثل لموسى يسوع المسيح وهو من بني إسرائيل ومن كلام بطرس في هذه الخطبة والآن أيها الأخوة أنا أعلم أنكم بجهالة عملتم كما رؤساؤكم أيضا وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح قد تممه هكذا فتوبوا وارجعوا لتمحي خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب ويرسل أي الله يسوع المسيح المبشر به لكم قبل الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر فإن موسى قال للآباء أن نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخواتكم له تسمعون في كل ما يكلمكم به ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب وجميع الأنبياء أيضا من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلا لابراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض الخ لقد تعسف بطرس في تأويل النبوءات تعسفا ممقوتا خرج به عن الواقع الحقيقي فمن ذا الذي يصدق أن عيسى بعد قتله دخل النار ثم خرج من النار حيا ليجلس في السماء ومؤرخو القرن الأول للميلاد كتبوا أن عيسى لم يقتل ولم يصلب لقد تعسف بطرس ليطبق النبوءات على عيسى غير مبال بالحقائق التاريخية الثابتة وغير مبال بالأوصاف التي تدل على النبي المنتظر من نص النبوءات وغير مبال بسياق العبارات ليربط النبوءة بما قبلها وبما بعدها من التعابير وأيضا غير مبال بالمحكم والمتشابه في نصوص التوراة والإنجيل ولكي يبرر النصارى خطؤه العمد وغلطه وتناقضه ادعوا أنه كان من العوام الأميين غير الدارسين وأنه ماقال بما قال إلا بالهام من الروح القدس

467

ففي سفر الأعمال فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا فعرفوهما أنهما كانا مع يسوع وفي الخطبة الرابعة لبطرس وهي في الإصحاح الرابع من سفر الأعمال يعمد إلى تطبيق نبوءة قالها داوود عليه السلام عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يعمد إلى تطبيقها على عيسى عليه السلام متجاهلا أن عيسى نفسه كما روى متى لم يطبقها على نفسه بل طبقها على نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يحكى الكاتب أن بطرس شفى رجلا أعرج ولما استدعاه رؤساء اليهود ليسألوه بأية قوة وبأي اسم صنعت هذا قال لهم يارؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل إن كنا نفحص اليوم عن إحسان إلى إنسان سقيم بماذا شفى هذا فليكن معلوما عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات بذاك وقف هذا أمامكم صحيحا هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون الذي صار رأس الزاوية الخ انظر لقد قال لهم إن عيسى ابن مريم هو الحجر فما قصة هذا الحجر تبدأ قصته من النبي داوود عليه السلام فقد نطق نبوءة عن النبي المنتظر المماثل لموسى عليه السلام في المزمور المئة والثامن عشر بين فيها أن النبي المنتظر سيتألم من إعراض الناس عن دعوته ولكن الله لن يسلمه إلى أيدي أعدائه ليقتلوه وأن هذا النبي سيرفضه اليهود لأنه من غير جنسهم أنه من نسل المصرية هاجر جارية إبراهيم عليه السلام ونسلها لا قيمة له في نظر اليهود كالحجر الذي يرفض البناؤون وضعه في البناء وأن هذا النبي سيكون مباركا من قبل الله ومن عبارات داوود 1 الإحتماء بالرب خير من التوكل على إنسان الإحتماء بالرب خير من التوكل على الرؤساء كل الأمم أحاطوا بي باسم الرب أبيدهم أحاطوا بي واكتنفوني باسم الرب أبيدهم

468

أحاطوا بي مثل النحل أنطفأوا كنار الشوك بإسم الرب أبيدهم 2 افتحوا لي أبواب البر أدخل فيها وأحمد الرب هذا الباب للرب الصديقون يدخلون فيه أحمدك لأنك استجبت لي وصرت لي خلاصا الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيينا 3 مبارك الآتي باسم الرب وفي إنجيل متى ومرقس ولوقا نجد عيسى ابن مريم عليه السلام يقول لعلماء بني إسرائيل أن هذا النبي الذي يتحدث عنه داوود سيأتي من بعدي وسيتسلم الملك منكم والشريعة ولما اغتاظوا منه لذلك وأرادوا قتله خافوا من ثورة العامة عليهم لأنهم كانوا يحبون المسيح قال المسيح إنكم يا بني إسرائيل كعمال في حقل ائتمنكم صاحبكم عليه ولما أرسل إليكم ليحاسبكم قتلتم المرسلين وأهنتموهم وما جزاء من يفعل ذلك ألا أن تسحب منه الثقة إلى غيره ليقوم ذلك الغير بالعمل وأداء الحق ولما قال ما معناه هذا قال له العلماء وقد فهموا مغزى كلامه حاشا أي لن يحصل لنا ذلك فنظر إليهم وقال إذن ما هو هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه فطلب رؤساء الكهنة والكتبة أن يلقوا الأيادي عليه في تلك الساعة ولكنهم خافوا الشعب لأنهم عرفوا أنه قال المثل عليهم لقد أشار بالمكتوب إلى الزبور المئة والثامن عشر وطبقه حرفيا على نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وبين أنه لن يقتل كما قال داوود وأنه إذا قصد قوما بالحرب أهلكهم وإذا هم قصدوه أهلكم كالحجر القوى من ينطحه لا يؤثر في الحجر بل يؤثر في نفسه هو وإذا وقع الحجر على شيء أثر فيه أما الحجر نفسه فلا يتأثر ولم يكن بهذه الصفة عيسى عليه السلام وفي إنجيل متى ولوقا ايضا نجد المسيح يقول سيأتي من بعدي الذي قال عنه داوود مبارك الآتي بإسم الرب قال المسيح لعلماء بني إسرائيل هو ذا بيتكم أي هيكل سليمان في القدس يترك لكم خرابا والحق أقول لكم انكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي بإسم الرب

469

لقد تجاهل بطرس هذا كله وزعم أن المقصود من كلام داوود عليه السلام هو عيسى عليه السلام مخالفا بذلك كلام عيسى نفسه وما تدل عليه النبوءة من الأوصاف ورجع بطرس إلى النصارى الذين كانوا قد بلغوا يومئذ نحو خمسة آلاف ليتلو معهم نبوءة أخرى من نبوءات داوود على نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم مفسرين لها تفسيرا لا تقره اللغة هي نبوءة ابن الله التي هي أصل أقنوم الإبن عند النصارى يقول داوود عليه السلام في المزمور الثاني لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب ومسيحه الخ أنه يبين فزع الأمم لا أمة واحدة سيفكرون معا في مقاومة دعوته وأن ملوك الأرض لا ملك أرض واحدة سيقومون متآمرين عليه لهلاكه وأنهم بمناوأته يقاومون الله الذي سيرسله ومن أجل ذلك الرب يستهزئ بهم كما يقول داوود عليه السلام هذا هو معنى كلام داوود بحسب اللغة ولكن كاتب سفر الأعمال يروى التفسير هكذا أيها السيد يخاطبون الله أنت هو الإله الصانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها القائل بفم داوود فتاك لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب بالباطل قامت ملوك الأرض واجتمع الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل يريد أن يقول أن هيرودس وبيلاطس الواليان على اليهود هما ملوك جميع الأرض وهما رؤساء دول العالم فهل هذا صحيح ويريد أن يقول أن شعب إسرائيل كله هو أمم العالم وشعوب العالم فهل هذا صحيح أن تفسير اشد التواء من هذا التفسير ومع قوله هذا لم يسلم له انتصار النبي المنتظر لأن نبوءة داوود توضح أنه لن يقتل بيد أعدائه وقد صرحوا بقتل عيسى عليه السلام الذين جعلوه هدفا للنبوءات وليست له

470

وفي الخطبة التي ألقاها بطرس في مدينة قيصرية أمام كرنيليوس وهي في الإصحاح العاشر من سفر الأعمال زعم أن النبي يحيى عليه السلام كان يبشر بمجيء عيسى عليه السلام ولم يكن يبشر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم قال يحيى عليه السلام يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست أهلا ان أنحنى وأحل سيور حذائه أنا عمدتكم بالماء وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس ولم يكن عيسى من بعده بل كان معه ودعا معه بنفس الدعوة التي دعا بها يوحنا المعمدان النبي يحيى دعوا معا بصوت واحد اقترب ملكون السموات زعم بطرس أمام كرنيليوس ان يسوع المسيح هو الذي قال عنه يوحنا يأتي بعدي من هو أقوى مني الخ مع أن المسيح لم يكن أقوى من يوحنا كانا من الدعاة الفقراء ولم يكونا من الملوك الأغنياء كانا من الأنبياء ولم يكونا من الأنبياء الملوك كداوود وسليمان عليهما السلام ففتح بطرس فاه وقال بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح هذا هو رب الكل أنتم تعلمون الأمر الذي صار في كل اليهودية مبتدئا من الجليل بعد المعمودية التي كرز بها يوحنا يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوه الذي جال يصنع خيرا ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم الذي ايضا قتلوه معلقين إياه على خشبة هذا أقامه الله في اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهرا ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فانتخبهم لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بأن هذا هو المعين من الله ديانا للأحياء والأموات له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال بإسمه غفران الخطايا وقد اقتفى بولس أثر بطرس في تطبيق النبوءات قسرا على المسيح ابن مريم عليه السلام إذ أنه انطلق إلى بلاد العرب من

471

دمشق ثم رجع إليها ثم بعد ثلاث سنين صعد إلى أوشليم ليتعرف ببطرس ومكث عنده خمسة عشر يوما ورأى يعقوب صديق بطرس وحواري المسيح ورأى أيضا يوحنا وبرنابا ورجع ليردد نفس الأفكار التي صرح بها بطرس لا يرددها في أوشليم وحدها بل في كل مكان تطؤه قدماه ففي مدينة أنطاكية بيسيدية دخل مجمعا من مجامع اليهود كما في الإصحاح الثالث عشر من سفر الأعمال وشرح نبوءة يوحنا المعمدان كما شرحها بطرس وشرح أيضا نبوءة المزمور الثاني كما شرح بطرس قال بولس أيها الرجال الإسرائيليون والذين يتقون الله اسمعوا إله شعب إسرائيل هذا اختار آباءنا ورفع الشعب في الغربة في أرض مصر وبذراع مرتفعة أخرجهم منها ونحو مدة أربعين سنة احتمل عوائدهم في البرية ثم أهلك سبع أمم في أرض كنعان وقسم لهم أرضهم بالقرعة وبعد ذلك في نحو أربعمئة سنة وخمسين سنة أعطاههم قضاة حتى صموئيل النبي ومن ثم طلبوا ملكا فأعطاهم الله شاول ابن قيس رجلا من سبط بنيامين أربعين سنة ثم عزله وأقام لهم داوود ملكا الذي شهد له أيضا إذ قال وجدت داوود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي من نسل هذا حسب الوعد أقام الله لإسرائيل مخلصا يسوع إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب إسرائيل ولما صار يوحنا يكمل سعيه جعل يقول من تظنون أني أنا لست أنا إياه لكن هو ذا يأتي بعدي الذي لست مستحقا أن أحل حذاء قدميه أيها الرجال الأخوة بني جنس إبراهيم والذي بينكم يتقون الله إليكم أرسلت كلمة هذا الخلاص لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يقتل ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره ولكن الله أقامه من الأموات وظهر أياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب

472

ونحن نبشركم بالموعد الذي صار لآبائنا إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضا في المزمور الثاني أنت إبني أنا اليوم ولدتك الخ وفي مدينة دمشق أيضا جهر بولس بأن يسوع المسيح هو ابن الله الذي تنبأ عنه داوود عليه السلام في المزمور الثاني وأن يسوع المسيح هو المسيا تماما كما قال بطرس زعم بولس أنه رأى المسيح في رؤيا وأن المسيح زجره ووبخه على إضطهاده لأتباعه وصرح له بأن ينطلق إلى الأمم بالإنجيل وأنه كما في الإصحاح التاسع من سفر الأعمال جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله فبهت جميع الذين كانوا يسمعون وقالوا أليس هذا هو الذي أهلك في أورشليم الذين يدعون بهذاالإسم وقد جاء إلى هنا ليسوقهم موثقين إلى رؤساء الكهنه وأما شاول فكان يزداد قوة ويحير اليهود الساكنين في دمشق محققا أن هذا هو المسيح كان تلميذ من تلاميذ المسيح اسمه فيلبس من القرية التي منها بطرس وهي بيت صيدا قال لصديق له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة فرد عليه بقوله أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح ثم قال للمسيح يامعلم أنت ابن الله أنت ملك إسرائيل يوحنا ففيلبس في محاولة جر رجل صديقه إلى الإيمان بدعوة المسيح زعم أن المسيح هو الذي تحدثت عنه الأسفار الخسمة وأسفار الأنبياء الذين ظهروا من بعد موسى مع أن الأسفار الخمسة وأسفار الأنبياء لا تشير بكلمة واحدة إلى يسوع المسيح لأنه من بني إسرائيل ومستبعد من أنبياء بني إسرائيل نسخ شريعة موسى فلماذا ينبه الله على مجيء نبي من بني إسرائيل إن التنبيه لازم على من يحق له نسخ شريعة موسى لأنها كلام الله في الأصل ولا يترك كلام الله الذي نشأت عليه أجيال إلى من سيقول أن معي كلام الله المناسب لزماننا هذا بسهولة لأن التصريح بنسخ شريعة ليس بالأمر الهين خاصة وأن الشريعة المنسوخة لليهود وأن الناسخ ليس منهم بل من جنس آخر هم العرب أبناء النبي إسماعيل عليه السلام وصديقه يؤمن على

473

أساس أن المسيح هو ابن الله الذي أشار إليه داوود بظهر الغيب وبين في أوصافه أنه سيكون رئيسا مطاعا أي ملكا والمسيح لم يكن رئيسا ولا ملكا فقد قال أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ولم يقع كاتب الإنجيل في هذا الخطأ وحده وإنما وقع في خطأ آخر وهو قوله وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء فإن موسى تارك للناموس وليس هو بتارك لأسفار الأنبياء وكيف يترك كتبا نسبت لأصحابها من بعد موتهم وأصحابها ظهروا من بعده بسنين يحكى لوقا كاتب سفر أعمال الرسل كما يزعمون في بعض الروايات أن فيلبس هذا كان من أهل الخطوة كالياس النبي عليه السلام وقد وجد وزيرا من أهل الحبشة فدعاه إلى النصرانية فقبل الدعوة ولما رأى ماء قال لفيلبس ماذا يمنع أن أعتمد أي أستحم بالماء لأدخل في الدين على طهارة فقال فيلبس إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز فأجاب وقال أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله فعمده فيلبس لقوله هذا وعلى ذلك كان فيلبس شريكا لبطرس وبولس في تطبيق نبوءة الإبن على عيسى المسيح عليه السلام واشترك في تطبيق نبوءة المسيا على عيسى عليه السلام معهم يهودي من يهود الإسكندرية إسمه أبلوس فقد جاء عنه في الإصحاح الثامن عشر من سفر الأعمال أنه كان بإشتداد يفحم اليهود جهرا مبينا بالكتب أن يسوع هو المسيح أما عن نبوءة ابن الإنسان صاحب ملكوت السماوات ويسمى أيضا ملكوت الله فأشهر من طبقها على عيسى عليه السلام رغم أنفه استفانوس وبولس وأصل نبوءة ابن الإنسان من التوراة من سفر النبي المعظم دانيال كان دانيال في مدينة بابل في عهد الملك نبوخذناصر ورأى الملك هذا أحلاما أطارت عنه النوم ولما طلب من الحكماء تعبير الحلم لم يستطيعوا التعبير لأن الله عز وجل ما ألهم التعبير لغير النبي دانيال الذي سبح الله ومجده بقوله ليكن إسم الله

474

مباركا من الأزل وإلى الأبد لأن له الحكمة والجبروت وهو يغير الأوقات والأزمنة يعزل ملوكا وينصب ملوكا يعطى الحكماء حكمة ويعلم العارفين فهما هو يكشف العمائق والأسرار يعلم ما هو في الظلمة وعنده يسكن النور وقال دانيال للملك رأيت في حلم تمثالا 1 رأسه من ذهب جيد 2 صدره وذراعاه من فضة 3 بطنه وفخذاه من نحاس 4 ساقاه من حديد 5 قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف ب ورأيت حجرا هوى بقوة شديدة على التمثال فضرب قدميه فوقع على الأرض مهشما وصار الحجر جبلا كبيرا بعد ما حطم التمثال وهشمه هذا هو الحلم أيها الملك وإليك تعبيره 1 رأس التمثال مملكة بابل 2 صدر التمثال وذراعاه مملكة أخرى هي مملكة فارس 3 بطن التمثال وفخذاه مملكه ثانية هي مملكة اليونان 4 ساقا التمثال مملكة رابعة هي مملكة الرومان ومملكة الرومان تكون منقسمة على ذاتها إلى شرقية وغربية وفي أيام ملوك الرومان بعد الإنقسام يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبدا وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد وهذا الحلم الذي رآه الملك نبوخذ ناصر رآه أيضا بعد ذلك دانيال نفسه بأيام لكن بصورة غير الصورة التي رآها الملك أما التعبير فغير مختلف عن تعبير رؤيا الملك رأى دانيال في حلم الليل أ أربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير الأبيض المتوسط ب وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة 1 أسد 2 دب 3 نمر 4 حيوان هائل وقوى وشديد جدا ثم رأى عقب الحيوان الرابع الهائل والقوي والشديد جدا ابن إنسان أعطاه الله عز وجل ملكا عظيما قال عنه دانيال ما نصه كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطى سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لاينقرض

475

ثم نطق دانيال بتعبير الحلم فقال ما نصه هؤلاء الحيوانات العظيمة التي هي أربعة هي أربعة ملوك يقومون على الأرض أما قديسو العلى فيأخذون المملكة ويمتلكون المملكة إلى الأبد وإلى أبد الآبدين هذه أصل نبوءة ابن الإنسان صاحب ملكوت السموات ولقد فسر هذه النبوءة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام فقال إن ابن الإنسان هو نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وأن الله عز وجل سيعطيه ملكا عظيما ونسب الملك إلى السموات لأنها جهة العلو في نظر الناس وأن الناس سيتعبدون بشريعته أي يخضعون لله عز وجل على وفق ما فيها من بينات لقد حكى كتاب الأناجيل والرواية هنا لمتى ما نصه وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلا توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات أي أن المعمدان ويسوع دعوا معا بصوت واحد إلى إقتراب ملكوت السموات الذي تنبأ عنه النبي المعظم دانيال في الإصحاح الثاني والسابع من سفره وضرب المسيح ابن مريم الأمثال الكثيرة لكيفية إنتشار هذا الملكوت ومن أمثلته هذا المثال يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البزور ولكن متى نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها أي أن المسلمين في بدء الإسلام يكونون قلة ثم يكثرون رويدا رويدا حتى يملأوا الأرض وهذا هو مثل المسلمين المذكور في القرآن الكريم في سورة الفتح يقول تعالى ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ولم يرد في إنجيل متى فقط بل ورد في مرقس ولوقا أيضا قال المسيح في رواية مرقس بماذا نشبه ملكوت الله أو بأي مثل نمثله مثل حبة خردل متى زرعت في الأرض فهي أصغر جميع البزور التي على الأرض ولكن متى زرعت تطلع وتصير

476

أكبر جميع البقول وتصنع أغصانا كبيرة حتى تستطيع طيور السماء أن تتآوى تحت ظلها وقال المسيح في رواية لوقا ماذا يشبه ملكوت الله وبماذا أشبهه يشبه حبة خردل أخذها إنسان وألقاها في بستانه فنمت وصارت شجرة كبيرة وتآوت طيور السماء في أغصانها هذا هو أصل نبوءة إبن الإنسان صاحب ملكوت السموات وهذا هو تفسير المسيح عيسى عليه السلام للنبوءة فما تفسير النصارى لها من بعد المسيح في الإصحاح السابع من سفر الأعمال وقف استفانوس خطيبا بحيث يسمعه بولس وصرح بأن ابن الإنسان هو يسوع المسيح وليس هو نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم كما صرح عيسى عليه السلام وفي الإصحاح التاسع عشر من هذا السفر وفي مواضع كثيرة يردد بولس عبارات استفانوس الذي لم يشاهد المسيح بعينى رأسه مثل بولس قال استفانوس ها أنا أنظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائما عن يمين الله لما حكى عنه الكاتب وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله وقال الكاتب عن بولس في مدينة أفسوس ثم دخل المجمع وكان يجاهر مدة ثلاثة أشهر محاجا ومقنعا في ما يختص بملكوت الله يوم الرب ولما قال بطرس وتبعه بولس بأن عيسى لم يمت وأنه رفع حيا إلى السماء وأنه سيرجع إلى الدنيا ليحارب أعداءه وينتصر ويؤسس في الدنيا ملكا كملك داوود وسليمان في الزمان القديم علم أن الزمن إذا طال ولم ينزل عيسى سيسأل الناس متى يوم الرب أي متى اليوم الذي سيظهر فيه عيسى ليقيم الملك الدنيوي لأنهم طبقوا بالزور نبوءات التوراة عليه فقال في الإصحاح الثالث من رسالته الثانية سيأتي في آخر الأيام قوم مستهزئين سالكين بحسب

477

شهوات أنفسهم وقائلين أين هو موعد مجيئه لأنه من حين رقد الآباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة ورد بقوله لا يخف عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء أن يوما واحدا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ لكنه يتأنى علينا والنصارى اليوم طوائفهم العظمى على أن يوم الرب قريب ولكن لن ينزل عيسى بالجسد والروح بل بالروح دون الجسد ثانيا تغيير التوراة لاحظ أولا ما يلي يروى القرطبي الإمام الفقيه المفسر في تفسير قوله تعالى عن عيسى عليه السلام ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم آل عمران 50 قول عن إمام من الإئمة هو أن عيسى عليه السلام ما أحل لهم إلا ما حرمه علماء بني إسرائيل على الناس لا ما حرمه الله بنص في التوراة وهذا القول مع صوابه لم يجزم بصوابه المفسر ولماذا لم يكن لأن العلماء نظروا إلى آيات أربعة في دعوة المسيح الآية الأولى قول الله عن عيسى عليه السلام أنه مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد الصف 6 أي أن دعوته في أمرين إثنين الأول أنه مصدق للتوراة غير ناسخ والثاني أنه لم يعط لأتباعه شريعة منفصلة عن شريعة موسى عليه السلام لم يعطهم إلا خبرا بمجيء نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم والخبر لا ينسخ التشريع والآية الثانية قول الله عن عيسى عليه السلام أنه قال لقومه ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه الزخرف 63 أي أنه كان على شريعة موسى التي يختلفون في تفسير بعض آياتها فيفسر لهم التفسير الصحيح والآية الثالثة وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه المائدة 47 وقد فهم منها البعض أن الحكم بالإنجيل يعنى أنه شريعة منفصلة عن التوراة وفهم منها البعض وقد أشار إليهم الزمخشري المفسر طيب الله ثراه أن الحكم بالإنجيل هو نفسه الحكم بالتوراة لماذا لأنه مكتوب في الإنجيل رغم تحريفه أن عيسى عليه السلام قال لأتباعه

478

أتظنون أني جئت لأبطل الشريعة والأنبياء الحق أقول لكم لعمر الله إني لم آت لأبطلها ولكن لأحفظها فعلى قوله هذا إذا أراد النصارى أهل الإنجيل أن يقيموا حكم الله فعليهم بهدى إمامهم وهدى إمامهم معروف من قوله لم آت لأبطلها إذن فليتحاكموا فيما بينهم على قوانينها والآية الرابعة قول الله تعالى عن عيسى علي السلام ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم آل عمران 50 وهذه الآية هي موضع الإشكال في الظاهر حيث فهم البعض أن التصديق لا صلة له البتة بإنجيله الذي أحل فيه وأن التصديق لا يتعارض مع شريعة جديدة تكون معه وفهمهم هذا يكون صحيحا إذا كان الله تعالى قد صرح في أمر عيسى عليه السلام بأنه مع التصديق مهيمن على التوراة ففي الحالة هذه يجب القول بأن عيسى عليه السلام قد أعطى بناء عن وحي الله شريعة مستقلة عن شريعة موسى عليه السلام لأن معنى الهيمنة السيطرة بقوة على الكتاب أي يصدق على صحيحه ويصرح بباطله ويغير من تشريعاته ما هو غير صالح للناس في زمانه فهل الهيمنة على التوراة من إختصاص عيسى عليه السلام لا ليست من إختصاصه بل من إختصاص محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم فإنه هو وحده المصدق والمهيمن وحيث ذلك ثابت فإن تحليل عيسى عليه السلام يجب أن ينظر فيه إلى أي أمر غير تغيير نصوص التوراة التي تحرم ما يريد هو أن يحله وإلا لزم التناقض في مفهوم دعوته بين التصديق فقط وحل ما حرم على بني إسرائيل وهذا هو الذي حدا بي إلى فحص هذا الموضوع بدقة متناهية وقد انتهيت فيه إلى أنه أحل بعض ما حرمه على الناس علماء بني إسرائيل من تلقاء أنفسهم وما يزال البعض من الناس في عصرنا هذا يعد النصرانية دينا سماويا تاليا للديانة اليهودية سابقا على الإسلام ويزعمون أن الأديان ثلاثة أديان اليهودية والنصرانية والإسلام وأنا أعلم أن زعمهم قائم لا على حسب واقع الناس اليوم بل على أنهم عالمون بأن عيسى عليه السلام قد أضاف جديدا على شريعة موسى عليه السلام ولقد علموا ذلك من الترجمة المتداولة للإنجيل وفيها يقول متى عن عيسى عليه السلام لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل يفهمون من

479

قوله لأكمل أنه أضاف جديدا ولم يكلفوا أنفسهم أن يبحثوا عن هذا الجديد المضاف الذي أكمل به عيسى عليه السلام كتاب موسى عليه السلام أي جديد أضافه عيسى عليه السلام وإن أصول الإنجيل باللغة اليونانية فيها بل لأصحح وفي الترجمة التي نقلت عن برنابا لم آت لأبطلها بل لأحفظها وفي الخطاب الأخير يقول للجموع وللتلاميذ على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه لقد أوصى فقط بحفظ شريعة موسى والعمل بها ولم يصرح بجديد عليها مضاف إليها وأي جديد يصرح به وقد أحال الأتباع إلى علماء بني إسرائيل ومنهم من يؤمن به ومن لا يؤمن به فأي دليل على هذا الزعم وهذا كلام صاحب الشأن كما هو مكتوب وواضح للعالم والمتعلم ليست الأديان ثلاثة بل إثنين فقط لا ثالث لهما اليهودية أولا والإسلام آخرا وقد نسخ الدين الأخير الدين الأول الذي حرف من قبل ظهوره وغير وبدل بشهادة أهله فإنه في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر أرمياء على لسان الله تعالى لأن الأنبياء والكهنة تنجسوا جميعا بل في بيتي وجدت شرهم يقول الرب وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلى الشر من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا الخ وأي تصريح أوضح من هذا التصريح لنتحدث بعد تلك الملاحظات في محاولة بطرس وبولس ويعقوب لتغيير التوراة فنقول يحكى هذا السفر أن بطرس الذي وصفه المسيح عليه السلام بأنه شيطان هو أول من دعا إلى تغيير التوراة في الشريعة وقد غيرها هو ومن معه من أجل الرومان أولا الذين أرادوا أن يدخلوهم في النصرانية بسهولة لقد كان من عادة العلماء من بني إسرائيل بعد سبي بابل أن لا يدخلوا بيت خاطئ وأن لا يمشوا معه وأن لا يتعرفوا على رجل

480

ليس من جنس بني إسرائيل وأن لا يعاشروه وأن لا يدخلوا بيته وأن لا يأكلوا طعامه وليست هذه العادة لأن الله نص عليها في التوراة بل لأنهم ابتدعوها من سبى بابل ولذلك وبخهم المسيح وبكتهم فقد روى متى أنه دخل مع تلاميذه بيت خاطئ ليدعوه إلى التوبة فلما نظره العلماء قالوا لتلاميذه لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة فلما سمع يسوع قال لهم لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى فأذهبوا وتعلموا ما هو إني أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آت لأدعوا أبرارا بل خطاة إلى التوبة وقد اقتفى بطرس أثر المسيح مع الفارق فقد دخل المسيح وأكل حسبما تنص شريعة موسى في الأطعمة ودخل بطرس بيت أممي غير يهودي وأكل ما هو محرم في شريعة موسى من الأطعمة ولما سألوه عن تحليله لما هو محرم لم يجب بأن المسيح أحل ما كان محرما وإنما أجاب بأنه رأى السماء مفتوحة وإناء نازلا عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض وكان فيها كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء وصار إليه صوت قم يا بطرس اذبح وكل فقال بطرس كلا يا رب لأني لم آكل قط شيئا دنسا أو نجسا فصار إليه أيضا صوت ثانية ما طهره الله لا تدنسه أنت وكان هذا على ثلاث مرات ثم ارتفع الإناء أيضا إلى السماء وقد واجه المجتمعين برأيه في معاشرة الأمميين قال لهم أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس وعلل رأيه بقوله بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده ولما رجع بطرس من عند الأممي إلى أورشليم وقد علم اليهود أنه دخل بيت أممي وأكل عنده خاصموه فقص عليهم قصة الإناء الذي يشبه الملاءة فعندئذ سكتوا عن الخصام قال

481

كاتب السفر في الإصحاح الحادي عشر ولما صعد بطرس إلى أورشليم خاصمه الذين من أهل الختان قائلين إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة وأكلت معهم فابتدأ بطرس يشرح لهم بالتتابع قائلا أنا كنت في مدينة يافا أصلي فرأيت في غيبة رؤيا إناء نازلا مثل ملاءة عظيمة مدلاة بأربعة أطراف من السماء الخ ثم يقول الكاتب فلما سمعوا ذلك سكتوا وكانوا يمجدون الله قائلين إذن أعطى الله الأمم أيضا التوبة للحياة أي أن بطرس بتلك الرؤيا رؤيا الإناء المشابه للملاءة يريد أن يقول أن كل ما كان محرما في التوراة أصبح حلالا من الأن إن من الأطعمة المحرمة في التوراة الجمل والأرنب والوبر والخنزير والنسر والأنوق والعقاب والحدأة والباشق والشاهين على أجناسه والغراب على أجناسه والنعامة والظليف والسأف والباز على أجناسه والبوم والكركي والبجع والقوق والرخم والغواص واللقلق والببغاء على أجناسه والهدهد والخفاش وكل دبيب الطير والميتة وتعبر التوراة عن عدم حله بلفظ أنه نجس لكم نجس لكم نجسة لكم في الإصحاح الرابع عشر من سفر التثنية وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر اللاويين تعبر التوراة عن عدم حله بلفظ نجس لكم إنها نجسة لكم لا تدنسوا أنفسكم بدبيب يدب ولا تتنجسوا به ولا تكونوا به نجسين ويريد بطرس أن يقول أن ماكان دنسا وما كان نجسا في التوراة أصبح طاهرا ومباحا أكله من يومنا هذا هذا رأي بطرس وهو نفسه رأي بولس فإن بولس يقول الإنسان الذي يحرم طعاما ما على نفسه فله هو وحده هذا الطعام حرام ولكن ليس للناس جميعا أن الإيمان بيسوع المسيح كاف في دخول الجنة بدون أعمال لأنه صلب ليكفر عن خطايا المؤمنين به يقول لأهل غلاطية إنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما ويقول لأهل كولوسى لا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت ويقول لأهل رومية إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس ويقول بولس لأتباعه تلونوا ونافقوا وداهنوا في الدعوة كما أنا أفعل فإن رأيتم إنسانا يريد الدخول في النصرانية وهو يريد

482

أن يحرم على نفسه طعاما فلا تجبروه على أكله يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق كل ما يباع في الملحمة كلوه غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير ولكن إن قال لكم أحد هذا مذبوح لوثن فلا تأكلوا كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين ولكنيسة الله كما أنا أيضا أرضى الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا ولقد ظل بطرس وبولس على رأيهما هذا إلى أن فارقا الحياة الدنيا ورأيهما هذا هو الذي سارت عليه النصرانية إلى يومنا هذا أما رأي يعقوب وهو تحريم الدم والمخنوق من الأطعمة فهو رأي لا يعتد به لأنه من من الناس يستسيغ في حالة الإختيار لا في حالة الإضطرار أن يأكل جثة ميتة خنقها بحبل من الناس خانق ومن من الناس يستسيغ في حالة الإختيار أن يأكل الدم لا في حالة الإضطرار ورأى يعقوب أيضا في تحريم المذبوح للأوثان هو نفسه رأى النصارى كلهم لأنهم لا يعبدون أوثانا بل يعبدون آلهة غير مرئية إلا المسيح الذي يزعمون أنهم رأوه إلها في صورة إنسان وخلاصة المكتوب عن رأى يعقوب في الإصحاح الخامس عشر من سفر أعمال الرسل هكذا 1 ذهب بولس وبرنابا لدعوة الأمم إلى النصرانية فآمن جمهور كثير من اليهود واليونانيين وهنا قاوم نفر من اليهود دعوة اليونانيين لا على أنها دعوة بل لأنهم دخلوا في النصرانية على عاداتهم وتقاليدهم قال المقاومون ليدخلوا ويعملوا بالتوراة لأن المسيح ما جاء للنسخ بل للإصلاح وقال الداعيان أن يثبتوا في الإيمان وفي ذلك الوقت دخل نفر من علماء بني إسرائيل من الفريسيين بلاد اليونانيين وجعلوا يعلمون الأخوة اليونانيين أنه أن لم تختتنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا فمن أجل ذلك رأى بولس وبرنابا وأناس آخرون معهما أن يذهبوا إلى أورشليم للتشاور في هذا الموضوع مع حواري عيسى الأولين ولما التقوا بهم في أورشليم أخبروهم بما حدث وقالوا لهم

483

إن اليونانيين لما قبلوا النصرانية على عاداتهم قام الناس من الذين كانوا قد آمنوا من مذهب الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختتنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى فعندئذ وقف بطرس خطيبا وقال مما قال لماذا تجربون الله بوضع نير على عنق التلاميذ لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله أي يريد إسقاط التكاليف الشرعية عن الأمم ووقف يعقوب بعده خطيبا فكان مما قاله قال أرى أن لا يثقل على الراجعين إلى الله من الأمم بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به إذ يقرأ في المجامع كل سبت واستحسن المجتمعون رأيى يعقوب فكتبوا رسالة إلى الذين آمنوا من غير اليهود في مدن أنطاكية وسورية وكليكية وأرسلوها مع أربعة أشخاص هم بولس وبرنابا ويهوذا الملقب برسابا وسيلا وهذا نص الرسالة الرسل والمشايخ والأخوة يهدون سلاما إلى الأخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكليكية إذ قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس الذين نحن لم نأمرهم رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلها اليكم مع حبيبنا برنابا وبولس رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل إسم ربنا يسوع المسيح فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاها لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون كونوا معافين أنتهى نص الرسالة ولما وصلت إلى أصحابها وقرأوها

484

فرحوا كما يقول الكاتب وبها ضاع دين عيسى الذي هو نفسه دين موسى وأصحاب هذه المؤامرة لم يستطيعوا أن يجهروا بها في أورشليم وجهروا في أورشليم بإحترام التوراة ووجوب العمل بها ويعقوب نفسه الذي اقترح تلك الرسالة خاف على بولس لمارجع إلى أورشليم بعدما أوصل الرسالة إلى أصحابها وقال له مع المشايخ أنت ترى أيها الأخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعا غيورون للناموس وقد أخبروا عنك أنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الإرتداد عن موسى قائلا أن لا يختنوا أولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد فإذن ماذا يكون ولما خاف عليه من اليهود اقترح عليه الإقتراح الآتي افعل هذا الذي نقول لك عندنا أربعة رجال عليهم نذر خذ هؤلاء وتطهر معهم وأنفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم فيعلم الجميع أن ليس شيء مما أخبروا عنك بل تسلك أنت أيضا حافظا للناموس ولقد نفذ بولس هذا الإقتراح أخذ بولس الرجال في الغد وتطهر معهم ودخل الهيكل مخبرا بكمال أيام التطهير إلى أن يقرب عن كل واحد منهم القربان فماذا كان من اليهود الذين رأوه في الهيكل لما رآه اليهود الذين من آسيا في الهيكل أهاجوا عليه جميع الساكنين في أورشليم صارخين يأ أيها الرجال الإسرائليون أعينوا هذا الرجل الذي يعلم الجميع في كل مكان ضدا للشعب والناموس وهذا الموضع حتى أدخل يونانيين أيضا إلى الهيكل ودنس هذا الموضع المقدس وللوقت هاجت المدينة كلها وتراكض الشعب وأمسكوا بولس وجروه خارج الهيكل وللوقت أغلقت الأبواب وبينما هم يطلبون أن يقتلوه نما خبر إلى أمير الكتيبة أن أورشليم كلها قد اضطربت فللوقت أخذ عسكرا وقواد مئات وركض إليهم فلما رأوا الأمير والعسكر كفوا عن ضرب بولس ولنشرع بعد ذلك في الحديث عن عالمية الملة النصرانية فنقول

485

عالمية الملة النصرانية قلنا من قبل أن شريعة موسى عليه السلام كانت من قبل أن تنسخ بالقرآن الكريم لبني إسرائيل وللأمم أيضا وأنه من قبل ظهور النصرانية كان للشريعة الموسوية دعاة إليها ومدعويون عاملون بالدعوة في كل مكان كما قال يعقوب حواري المسيح لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز أي يبشر به إذ يقرأ في المجامع كل سبت وقد رأى النصارى الأولون أن ينطلقوا بالدعوة إلى بني إسرائيل والأمم كما أوصى المسيح لكن إلى بني إسرائيل أولا وقد اختلف اليهود فيما بينهم بعد رفع المسيح إلى السماء في مد دعوتهم إلى الأمم وقد كانوا أوقفوا مد الدعوة من بعد سبى بابل إلا نفرا منهم غاروا على دين الله ولم يستجيبوا لقوانين الحرمان والقطيعة التي سنها عزرا وطبقها نحميا على واحد من أبناء يوياداع ابن أليا شيب الكاهن العظيم فرأى بعضهم مد الدعوة ورأى بعضهم قصرها على بني إسرائيل والذين رأوا مد الدعوة إلى الأمم كانوا مخلصين في دعوتهم وأمناء لأنهم دعوا إلى شريعة موسى التي ما نسخها المسيح ولا نقضها فإن بولس لما فتح للأمم باب الإيمان إلى النصرانية على حسب تقاليدهم انحدر قوم من اليهودية وجعلوا يعلمون الأخوة أنه إن لم تختتنوا حسب عادة ناموس موسى لا يمكنكم أن تخلصوا ولم يدعوا إلى الختان فحسب بل إلى كل أحكام التوراة كما يقول كاتب سفر الأعمال أيضا ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من مذهب الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى واليهود الذين رأوا قصر التوراة على بني إسرائيل نظروا بعين العداء وعين البغض إلى إخوانهم الذين ساروا إلى الأمم بالتوراة بنصها دون تفسير أو بالنص والتفسير معا وإلى النصارى الذين لم

486

يسيروا إلى الأمم بالتوراة كنص يحتاج إلى تفسير بل بتفسير المسيح نفسه للنبوءات التي فيها عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ولما نظروا إليهم بعين العداء وعين البغض صبوا عليهم من العذاب الأليم ما قدروا عليه وأوحوا إلى الرومان أن يصبوا عليهم من العذاب الأليم ما يقدرون عليه قائلين للرومان أن أكثرهم يقولون لرعاياكم سيظهر نبي ملك تمتد مملكته إلى أقصى الأرض وسيزيل الدولة الرومانية من فلسطين وقولهم هذا للرعايا يجرؤهم على القياصرة والولاة والرؤساء فلا يعطون كل ذي حق حقه من التوقير والطاعة والإحترام وإذا تجرأت الرعية على الملوك قل العمل وساء النظام وظهرت الفوضى واضطربت المملكة وهذا كله يعجل بفناء الدولة الرومانية ويمحوها من الوجود فامتدت يد الرومان إلى اليهود الأمناء والنصارى الأتقياء بالتعذيب والقتل والنفي والتشريد مما لم يسمع بمثله من قبل ولا من بعد حتى زماني هذا وأصبح في العالم وقتئذ ثلاث فئات اليهود والنصارى والرومان اليهود الذين يريدون لأنفسهم كيانا مستقلا إلى الأبد ولا يتم لهم ذلك إلا بإنكار النبي الذي سيظهر من العرب أبناء إسماعيل عليه السلام والنصارى الذين يريدون أن يقدموا خدمة لله بإعترافهم بذلك النبي العظيم والرومان الذين يريدون من رعاياهم الطاعة التامة للقياصرة والولاء للدولة ولا يتم لهم ذلك إلا بتكميم أفواه النصارى واليهود الأمناء وقطع أيديهم عن الكتابة حتى لا يقولوا أن النبي العربي قادم ليزيل الدولة ومن أجل مصالح الكل اجتمعوا للمصالحة فإن النصارى من مصلحتهم أن يخف الإضطهاد عنهم واتفقوا على ما يل 1 طلب اليهود من النصارى أن لا يجهروا بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وأن يقولوا أن نبوءات التوراة وأسفار الأنبياء تدل على عيسى ابن مريم وعيسى على جهة الخصوص هو المسيح المتظر 2 طلب الرومان من النصارى أن لا يجهروا بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وأن يصوغوا عقائد النصرانية على مثال عقائد الرومان في تعدد الآلهة وأن يسلك الناس في الحياة بحسب عادات أسرهم وتقاليد آبائهم وأجدادهم وإذا سأل الناس عن يوم الرب يوم

487

ظهور المسيا الذي قلتم عنه من قبل قولوا قرب إنتهاء الدنيا وقيام القيامة 3 طلب النصارى في مقابل ذلك أن يخف الإضطهاد أولا ثم تعترف الدولة الرومانية رسميا ثانيا بمذهبهم وقد تم ذلك وهل كان يتم ذلك في عهد النصارى الأوائل ما كان يتم ذلك لقرب عهدهم من النبوة ولمشاهدة معجزات المسيح بأعينهم ولسماع دعوته بآذانهم أما في هذا الجيل الثالث فإن أبناء أبناء الأوائل ليسوا في القوة كما كان الآباء والأجداد وقد وصلت إليهم مبادئ المسيح سماعا من مغرضين ومعتدلين والمبادئ إذا وصلت إلى النفوس متأرجحة بين الشك واليقين لا تحمس القلب على الدفاع عنها بل تدفعه إلى عدم المبالاة بها حتى يفرغ لها فمن أجل ذلك قبل أبناء الأبناء قرار المصالحة قائلين في أنفسهم أن ما وعد الله به لابد كائن ولنرحم نحن أنفسنا مما ابتلينا به لكن الذين خافوا الله واليوم الآخر صرحوا بأن قرار المصالحة باطل وفضلوا سكنى الأديرة والكهوف عن التكلم بالباطل ومنهم آريوس وأتباعه الذي أشرنا إليهم من قبل ومنهم الرهبان الذين أسسوا الأديرة خوفا من الظلم ولكي يفهم القارئون معي أكثر وأكثر عن قرار المصالحة هذا عليهم أن يقرأوا الإصحاح السابع عشر من سفر أعمال الرسل عالمين أنه لم ينتشر بصورته هذه إلا في القرن الرابع فمنه يمكنهم أن يفهموا ولا نحيل القارئين إلى غير هذا السفر من الكتب المناوئة للنصرانية التي فصلت القول في قرار المصالحة تفصيلا جيدا لأنه من السهل على نصراني أن يدفع تفاصيلهم بقوله هذا كلام من أعدائنا لا تحتجون به علينا ولا شك أن المكتوب فيه فيه لبس للحق بالباطل ولكن من الممكن استخلاص الحق من الباطل بمضاهاة النصوص بعضها ببعض انه من الذي يقدر أن يقول عن النص الآتي أنه خال من الباطل وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال له يا إبراهيم فقال ها أنذا فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك أن الباطل في كلمة إسحق فإنه

488

ليس الإبن الوحيد لإبراهيم أن الإبن الوحيد لإبراهيم هو إسماعيل عليه السلام وأن الباطل في كلمة أرض المريا فإن مريا لم تعين لبني إسرائيل مكانا مقدسا إلا في زمن داوود عليه السلام لما وضع أساس الهيكل وأكمله إبنه سليمان وعرف بهيكل سليمان ومن الذي لا يقدر على إستخلاص الحق في قرار المصالحة مما سطره لوقا في ذاك الإصحاح من سفر الأعمال كان لليهود العبرانيين في مدينة تسالونيكي اليونانية مجمع أي موضع لعبادة الله كالمسجد عندنا نحن المسلمين فدخل بولس إليهم حسب عادته وكان يحاجهم ثلاثة سبوت من الكتب موضحا ومبينا أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات وأن هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أنادي لكم به فماذا جرى اقتنع قوم وأبى آخرون والذين أبوا وامتنعوا آخذوا رجالا وقفلوا أبواب المدينة وتجمعوا حول البيت الذي دخله بولس لما خرج من المجمع ثم ذهبوا إلى حكام المدينة صارخين أن هؤلاء الذي فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا وهؤلاء كلهم يعملون ضد أحكام قيصر ويقول الكاتب فأزعجوا الجمع وحكام المدينة إذ سمعوا هذا وبحيلة طريفة هرب بولس إلى مدينة بيرية ثم إلى مدينة أثينا وإذ وجدهم يعبدون تمثالا لاله مجهول وقف في وسطهم وقال أيها الرجال الأثينيون أراكم من كل وجه كأنكم متدينون كثيرا لأنني بينما كنت أجتاز وأنظر إلى معبوداتكم وجدت أيضا مذبحا مكتوبا عليه لاله مجهول فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أنادي لكم به وقال النصارى أنه أراد بالإله المجهول الذي نادى لهم به الله عز وجل الذي هو قد تجسد وتأنس في شخص عيسى ابن مريم كما يزعمون في قوله الله ظهر في الجسد وقد مر البيان وانتهز بطرس وبولس ومن نحا نحوهما فرصة الجهل في تلك الأزمنة بسبب تقصير علماء بني إسرائيل في الدعوة فاعتمدوا على الخرافات في إقناع الناس بما يريدون وللخرافات كما هو معروف أثر عظيم في العامة ويقل هذا الأثر تدريجيا إذا ظهر العلماء بالحق ونكتفي من خرافاتهم بهذا النص المكتوب في الإصحاح الثامن من سفر الأعمال

489

ثم إن ملاك الرب كلم فيلبس قائلا قم وإذهب نحو الجنوب على الطريق المنحدرة من أورشليم إلى غزة التي هي برية فقام وذهب وإذا رجل حبشى خصى وزير لكنداكة ملكة الحبشة كان على جميع خزائنها فهذا كان قد جاء إلى أورشليم ليسجد وكان راجعا وجالسا على مركبته وهو يقرأ النبي أشعياء فقال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة فبادر إليه فيلبس وسمعه يقرأ النبي أشعياء فقال ألعلك تفهم ما أنت تقرأ فقال كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد وطلب إلى فيلبس أن يصعد ويجلس معه وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه فكان هذا مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه في تواضعه إنتزاع قضاؤه وجيله من يخبر به لأن حياته تنتزع من الأرض فأجاب الخصى فيلبس وقال أطلب إليك عن من يقول النبي هذا عن نفسه أم عن واحد آخر ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع

490

وفيما هما سائران في الطريق أقبلا على ماء فقال الخصى هو ذا ماء ماذا يمنع أن أعتمد فقال فيلبس إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز فأجاب وقال أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله فأمر أن تقف المركبة فنزلا كلاهما إلى الماء فيلبس والخصى فعمده ولما صعدا من الماء خطف روح الرب فيلبس فلم يبصره الخصى أيضا وذهب في طريقه فرحا وأما فيلبس فوجد في أشدود وأصبحت النصرانية دينا عالميا بعد قرار المصالحة هذا الذي تم في عهد القيصر قسطنطين دينا عالميا بجبروت الرومان وقوتهم لا بالإقناع والبيان وقد قلنا من قبل أنهم تفادوا النبوءات ولأن النبوءات تدل على شريعة جديدة غير شريعة موسى ستكون مع النبي المنتظر قالوا بشريعة للمسيح ليكون هو المشار إليه بالنبوءات في زعمهم ونقول أيضا أنهم يعلمون أن النبي المنتظر ستكون دعوته عالمية لجميع أمم الأرض فهل تفادوا هذه الصفة فيه لقد جعلوا النصرانية دينا عالميا بالمبادئ التي قرروها وما أنزل الله بها من سلطان ربما ليتفادوا هذه الصفة فيه ولو أنها عالمية على الأصل الذي دعا إليه المسيح وهو العمل بالتوراة حتى يأتي النبي المنتظر فيدخلون في دينه ما صح لإنسان أن يعترض عليها بأدنى إعتراض لأنها بهذا المعنى فارضة نفسها على العالم من قبل مجيء المسيح لكن قصدهم من العالمية هو تفادي الصفة من جهة وليكسبوا أنصارا يناوئون بهم أتباع النبي المنتظر إذا ظهر في حينه من جهة أخرى وكسب الأنصار عندهم أهم من تفادي الصفة فإنهم لا يعجزون إذا لزم الأمر عن تحريف الكلم عن مواضعه لقد فهموا صفة االعالمية من النبوءات هكذا 1 بينت التوراة أن لإسماعيل عليه السلام بركة كما لإسحاق

491

عليه السلام بركة واليهود يعلمون أن بركة إسحاق تعنى ملكا ونبوة وإسماعيل مثله وأن النبوة في إسحاق لم تكن لنسله فقط لأن موسى عليه السلام الذي اصطفاه الله على الناس عموما برسالاته وبكلامه كانت دعوته لنسل إسحاق وللمصريين وغيرهم 2 لما حضر يعقوب الموت قال لبنيه عن النبي المنتظر وله يكون خضوع شعوب 3 لما وصف موسى النبي المنتظر بأوصاف تسعة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية قال عنه في ترجمة اليهود ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به بإسمي أنا أطالبه ومن هذه الترجمة يفهم أن الإنسان يكون من جنس اليهود فقط لأن أول النبوءة أقيم لهم نبيا ومن ترجمة بطرس في الإصحاح الثالث من سفر الأعمال ويكون أن كل نفس الخ يفهم أن كل نفس من اليهود أو من غير اليهود وهذا هو قصد بطرس 4 لما قسم موسى في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية بركة الله في نسل إبراهيم عليه السلام وتحدث عن بركة من فاران موضع سكنى أبناء إسماعيل عليه السلام قال عقب الحديث عنها أنه أحب الشعب في الترجمة العبرانية وفي الترجمة السامرية قال محب الشعوب أي أن دعوة النبي الذي سيكون من أبناء إسماعيل سكان فاران ستكون عالمية لجميع الشعوب هذا من الأسفار الخمسة ونبوءاتها هي العمدة في الإستدلال لنذكر الآن من الأدلة التي اعتمد عليها بطرس وبولس في عالمية الدعوة ملاحظتين أنهما ناديا 1 بعالمية الملة النصرانية 2 وبتشريعات مخالفة لتشريعات التوراة وعقائد مخالفة أيضا وهما بهذين الأمرين مخالفان للمسيح ابن مريم عليه السلام الذي قال بالعالمية على وفق التوراة وفسر نبوءات التوراة للأتباع قبل أن يأمرهم بالإنطلاق إلى الأمم اعتمد بطرس وبولس في النداء بعالمية الدعوة على أن الله رب العالمين وليس ربا لليهود وحدهم كما زعم اليهود من بعد سبى بابل

492

وأن الناس جميعا يهودا أو غير يهود أبناء لآدم وآدم من تراب إذن الناس جميعا إخوة من التراب في البدء خلقوا وإلى التراب في النهاية راجعون إذن على أي أساس يميز الله جنسا على جنس وهم متساوون في المبدء والنهاية وإذا كان مبدأ التمييز غير موجود لعدم ما يقتضيه فلماذا يصر اليهود على قصر الشريعة عليهم وترك الأمم في طغيانهم يعمهون إن الله تعالى لم يفضل اليهود على سائر الأجناس إلا لأنه ائتمنهم على شريعة موسى التي كانت للناس هدى ونورا في ذاك الزمان فلما خانوا الأمانة بالتحريف أولا ثم بقصرها عليهم ثانيا نبذهم وأهملهم وماذا يكون الحال الآن لو جارينا اليهود في كفرهم وعنادهم ليس إلا قلة الأصدقاء وقت ظهور النبي المنتظر فيدوسنا برجليه إذن لا بد من أن نحث اليهود على عالمية الدعوة قال بطرس في بيت كرنيليوس بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده ولما خاصمه اليهود في دعوة الأمم قال لهم إن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضا بالسوية مؤمنين بالرب يسوع المسيح فمن أنا أقادر أن أمنع الله وبعد وعظ من بولس للأمم طلبوا منه ثانية أن يعظهم فانتهره اليهود أن لا يعظهم فقال لهم كان يجب أن تكلموا أنتم أولا بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هو ذا نتوجه إلى الأمم وفي موضع آخر يقول كاتب سفر الأعمال أن اليهود إذا كانوا يقاومون دعوته ويجدفون عليه نفض ثيابه وقال لهم دمكم على رؤوسكم أنا برئ من الآن أذهب إلى الأمم وكان استدلال بطرس بنبوءات التوراة ونبوءة يوحنا المعمدان اللاتي فسرها قسرا على المسيح ابن مريم عيله السلام فمثلا إذا تحدثت نبوءة عن أن النور الذي سينزل على النبي المنتظر سيعم المسكونة كلها أي دعوته عالمية يقول بطرس أن ذلك النور هو نور الإنجيل

493

والعالمية للإنجيل على زعمه وليست للقرآن الكريم كما تدل النبوءات بالحق أما استدلال بولس فهو بالنبوءات كما فعل بطرس في تفسيرها وهو أيضا بآيات في أسفار التوراة وأسفار الأنبياء فعن بطرس يحكى الكاتب في الإصحاح الثاني من سفر الأعمال أن كثيرا من الناس في أورشليم في عيد العنصرة الذي بعد عيد الحصاد بخمسين يوما من جميع الأمم من مصر وليبيا وروما وبلاد العرب وغيرهم لما حلت عليهم الروح كما زعموا تكلم كل إنسان بلغة غير لغته فتحير الجميع وارتابوا قائلين بعضهم لبعض ما عسى أن يكون هذا وكان آخرون يستهزئون قائلين أنهم قد امتلأوا سلافة وعندئذ وقف بطرس خطيبا وقال هذا الحال قد أشارت إليه التوراة في سفر النبي يوئيل وهو حال منطبق على أتباع المسيح الآن فآمنوا بدعوته مع أن عبارات يوئيل لا تؤدي إلى غرضه وقف بطرس مع الأحد عشر ورفع صوته وقال لهم أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون ليكن هذا معلوما عندكم وأصغوا إلى كلامي لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون لأنها الساعة الثالثة من النهار بل هذا ما قيل بيوئيل النبي يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة أنى أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما وعلى عبيدي أيضا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون وأعطى عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل دما ونارا وبخار دخان تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم الشهير ويكون كل من يدعو بإسم الرب يخلص إن هذا كله يا بطرس قبل مجيء يوم الرب ولم يحدث بإعترافك من هذا شيء قبل ظهور المسيح عليه السلام فإن قلت قبل مجيئه قرب القيامة من الأموات يجب عليك أن تثبت دليل المجيء في ذاك الوقت قبل ما تقول شيئا وعن بطرس أيضا يقول الكاتب أن يوحنا المعمدان لما تنبأ عن

494

نبي من بعده أقوى منه وبالتأكيد لا يشير إلى عيسى كما بينا قال بطرس أنه يشير إلى عيسى عليه السلام يقول بطرس الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح هذا هو رب الكل أنتم تعملون الأمر الذي صار في كل اليهودية مبتدئا من الجليل بعد المعمودية التي كرز بها يوحنا الخ هذا عن بطرس أما عن بولس فقد وضح في خطبته في مدينة أنطاكية بيسيدية ما وضحه بطرس قام بولس وأشار بيده وقال أيها الرجال الإسرائيليون والذين يتقون الله اسمعوا إله شعب إسرائيل هذا اختار آباءنا ورفع الشعب في الغربة في أرض مصر وبذراع مرتفعة أخرجهم منها ونحو مدة أربعين سنة احتمل عوائدهم في البرية ثم أهلك سبع أمم في أرض كنعان وقسم لهم أرضهم بالقرعة وبعد ذلك في نحو أربعمئة خمسين سنة أعطاهم قضاة حتى صموئيل النبي ومن ثم طلبوا ملكا فأعطاهم الله شاول بن قيس رجلا من سبط بنيامين أربعين سنة ثم عزله وأقام لهم داوود ملكا الذي شهد له أيضا إذ قال وجدت داوود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي من نسل هذا حسب الوعد أقام الله لإسرائيل مخلصا يسوع إذا سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب إسرائيل ولما صار يوحنا يكمل سعيه جعل يقول من تظنون أني أنا لست أنا إياه لكن هو ذا يأتي بعدي الذي لست مستحقا أن أحل حذاء قدميه الخ ولقد وجه بولس خطابه هذا ليس إلى اليهود المعبر عنهم بالرجال الإسرائيليين بل وجه خطابه أيضا إلى الأمم المعبر عنهم في الخطاب بالذين يتقون الله ثم استدل على أن آخر الأنبياء من نسل داوود بنبوءة في التوراة هي وجدت داوود الخ وأن المسيح ابن مريم جاء من نسل داوود تتميما للنبواءت وأنه هو الذي كان يبشر بمجيئه يوحنا المعمدان ولقد أخطأ بولس خطأ بينا في قوله أن آخر الأنبياء

495

من داوود فإن يحيى وعيسى وهما خاتما النبيين في بني إسرائيل لم يكونا من نسل داوود بل كانا من نسل هارون النبي أخي موسى عليهم السلام وهذا واضح من الإصحاح الأول في إنجيل لوقا فإن زكريا وامرأته اليصابات أم يحيى من نسل هارون ويقول لوقا أن مريم قريبة لاليصابات أي من السبط الذي هو منه لأن شريعة بني إسرائيل تنص على تميز الأسباط بزواج كل إمرأة بواحد من عشيرة سبط أبيها وإذا ثبت أن مريم قريبة لإليصابات يثبت أن مريم من هارون كما أن اليصابات من هارون أما عن إستدلال بولس بآيات من التوراة على عالمية الدعوة فهذا ليس في سفر الأعمال بل في الإصحاح التاسع من رسالته إلى أهل رومية والإصحاح العاشر لقد صرح بقوله لا فرق بين اليهودي واليوناني لأن ربا واحدا للجميع غنيا لجميع الذين يدعون به وأقام الأدلة هكذا قال بولس فماذا نقول ألعل عند الله ظلما حاشا لأنه يقول لموسى إني أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف فإذن ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم لأنه يقول الكتاب لفرعون أني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي ولكي ينادي بإسمي في كل الأرض فإذن هو يرحم من يشاء ويقسى من يشاء فستقول لي لماذا يلوم بعد لأن من يقاوم مشيئته بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا أم ليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان فماذا إن كان الله وهو يريد ان يظهر غضبه ويبين قوته احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك ولكي يبين غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد التي أيضا دعانا نحن إياها ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضا كما يقول في هوشع أيضا سأدعو الذي ليس شعبي شعبي والتي ليست محبوبة محبوبة ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي أنه هناك يدعون أبناء الله الحي وأشعياء يصرخ من جهة إسرائيل وإن كان عدد بني إسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص لأنه متمم

496

أمر وقاض بالبر لأن الرب يصنع أمرا مقضيا به على الأرض وكما سبق أشعياء فقال لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلا لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة فماذا نقول إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر البر الذي بالإيمان ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البر لم يدرك ناموس البر لماذا لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان بل كأنه بأعمال الناموس الخ استدل بولس من توراة موسى التي بيد اليهود والنصارى الآن على أن الديانة الموسوية كانت ديانة عالمية لجميع الأمم بدليلين الأول قول الله لموسى عليه السلام أتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم فإن من للعموم وهذا النص في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر الخروج الآية التاسعة عشر والثاني قول الله لفرعون على لسان موسى عليه السلام لأجل هذا أقمتك لكي أريك قوتي ولكي يخبر بإسمي في كل الأرض يدل على شيوع هذا الخبر في العالم ليخشوا إله العالم كله وهو الله عز وجل فيعلموا بشريعته وهذا النص في الإصحاح التاسع من سفر الخروج الآية السادسة عشر وإستدل بولس أيضا بأسفار الأنبياء بآيات في سفر هوشع وبآيات في سفر أشعياء والآيات التي استدل بها من هوشع استدل بها بالمعنى لا بنص الألفاظ وهي ادع اسمه لوعمى لأنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم لكي يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعد ويكون عوضا عن أن يقال لهم لستم شعبي يقال لهم أبناء الله الحي وآيات سفر أشعياء على العالمية هي لأنه وإن كان شعبك يا إسرائيل كرمل البحر ترجع بقية منه قد قضى بفناء فائض بالعدل لأن السيد رب الجنود يصنع فناء وقصاء في كل الأرض وهي لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة يقصد بالبقية الصغيرة نسل من غير بني إسرائيل على فهم بولس وليس هذا مراد أشعياء وواضح من الأدلة التي ذكرها بولس قوة الإستدلال بآيات من أسفار موسى عليه السلام لا بأسفار الأنبياء

497

والسؤال الأخير في بحثنا هذا لماذا يعد علماء مقارنة الأديان بولس المؤسس الحقيقي للنصرانية لا عيسى ابن مريم عليه السلام مع أن بولس لم يزد على ما أثبته بطرس ويعقوب هل لكثرة جهاده أكثر من رفقائه هل لكثرة رسائله التي بلغت أربعة عشرة رسالة ولبطرس رسالتان وليعقوب واحدة هل لأنه اختص بدعوة الأمم وغيره دعا بني إسرائيل لا الأمم هل لأنه فلسف المبادئ بأسلوب يقنع العوام والسذج والبسطاء من الناس هل لأنه اجتذب أنصارا أكثر من غيره لقوله الدعوة التي دعى فيها كل واحد فليلبث فيها كما في الإصحاح السابع من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس ليس لكثرة الجهاد وكثرة الرسائل ولا لإختصاصه بالأمم فإنهم فعلوا كما فعل كما بينا من قبل وإنما لأنه فلسف المبادئ واجتذب أنصارا أكثر من غيره ولا أشك في أنه مات على يهوديته التي حرف من أجلها دعوة المسيح عليه السلام ولعل ما أذكره الآن يصلح دليلا على الحكم عليه في اليوم الثالث عشر من يناير سنة ألف وأربعمائة وتسع وثمانين من الميلاد كتب شخص يهودي إسمه شامور حاخام حكيم يهود مدينة ارل بفرنسا إلى المجمع اليهودي العالمي في إسطنبول يستشيره حول بعض الحالات الحرجة قائلا إن الفرنسيين في مدن اكس وارل ومرسيليا يتهددون معابدنا فماذا نعمل فرد المجمع اليهودي العالمي بما نصه أيها الأخوة الأعزاء بموسى تلقينا كتابكم الذي تطلعوننا فيه على ما تقاسونه من الهموم والبلايا فكان وقع الخبر علينا شديد الوطأة إليكم رأى الحاخاميين والربانيين

498

تقولون إن ملك فرنسا يجبركم على إعتناق الديانة المسيحية فاعتنقوها لأنه ليس بوسعكم أن تقاوموا لكن يجب عليكم أن تبقوا شريعة موسى راسخة في قلوبكم وتقولون إنهم يأمرونكم بالتجرد من ممتلكاتكم فاجعلوا أولادكم تجارا ليتمكنوا رويدا رويدا من تجريد المسيحيين من أملاكهم وتقولون إنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم أطباء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم وتقولون إنهم يهدمون معابدكم فاجعلوا أولادكم كهنة واكليريكيين ليهدموا كنائسهم وتقولون أنهم يسومونكم تعديات أخرى كثير فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى وكتاب عدل ليتدخلوا دوما في القضايا الحكومية ويخضعوا المسيحيين لنيركم فتستولون على زمام السلطة العالية وبذلك يتسنى لكم الإنتقام سيروا بموجب أمرنا هذا فتتعلموا بالإختبار أنكم من مذلتكم وضعتكم تتوصلون إلى ذروة القوة والعظمة وضح لنا أن مبادئ النصرانية مبدأين إثنين ثم وضحت لنا عالمية دعوتهم وكل ما كتبناه إلزاما لهم أثبتناه من كتب النصارى أنفسهم وقد حاولت تبسيط الأساليب عن المعاني ليفهم المتعلم كما يفهم العالم وإني على يقين من أن الآتين من بعدي سيكونون أقوى مني على الإيضاح والبيان فقد وضعت لهم ما يتكلمون فيه والله ولي التوفيق د أحمد حجازي السقا نها لمن