2
التعرف لمذهب أهل التصوف

تأليف تاج الإسلام ابوبكر محمد الكلاباذي

3


التصوف وكتاب التعرف

يقول العلامة الصوفي أبو سليمان الداراني القلب الصوفي قد رأى الله وكل شيء يرى الله لا يموت فمن رأى الله فقد خلد وكل كلمة خطها الصوفيه كانت خالده كالقلب الصوفي خالدة لا تموت لأنها ارتبطت بالله واستهدفت رضاه واقتست من هداه وأشرقت بحبه وأضاءت بنوره ومادة التصوف سواء أكانت أخلاقا أو معرفه أو سلوكا أو تعبيرا عن مشاهدة او تصويرا لمناجاه أو تذوقا لتجليات أو تحليقا حول أشرافات فهي مادة موصله بالله قائمة به وله فانية فيه سبحانه ولهذا آمن الصوفيه بأنهم أحباب الله وأصفياؤه وأولياؤه وصفوه عبادة وحراس ينابيعه وآياته كما آمنوا بأن أعمالهم وحركاتهم ومعارفهم وأذواقهم ومقاماتهم كلها هبات الله وفيض عطاياه إن مولاهم سبحانه هو مربيهم ومعلمهم وهاديهم ومرشدهم إنه الحبيب القريب المجيب الآخذ بنواصيهم إلى وجهه الكريم

4

قيل لمعروف الكرخي أخبرنا عن المحبة أى شئ هي قال يا أخي ليست المحبة من تعليم الناس المحبة من تعليم الحبيب وبهذا الارتباط المشتعل بالوجد والحب وملهمات الأنس والقرب أصبح الصوفي أينما تولى فثم وجه الله لايرى سواه وكل شئ في الوجود مرآه يرى فيها الصوفي وجه الله وآياته وقدرته ورحمته يقول ذو النون في مناجاته إلهي ما أصغيت الى صوت حيوان ولا إلى حفيف شجر ولا خرير ماء و لا ترنم طائر ولا تنغم طل ولا دوى ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك داله على أنه ليس كمثله شئ ومن هنا لم تتحدث طائفه من الناس عن الحب الإلهي وعن الفناء في الله كما تحدث الصوفيه والفناء الصوفي فوق سموه الإيماني مذهب في التربية والأخلاق لا يماثله مذهب آخر من مذاهب التربية والأخلاق وعلى ضوء علم النفس الحديث وعلى هدى المذاهب العلمية التربوية يجب أن ننظر إلى الفناء الصوفي على أنه منهج للكمال والتسامي لا يطاوله غيره ولا يغني عنه سواه إنه إفناء المشاعر والرغبات الأرضية في شئ أكبر وأعظم من المثل الأعلى المصطلح عله خلقيا وتربويا إنه إفناء هوى النفوص وشهواتها وعواطفها وكل ما تحب فيما يحبه الله ويريده ويأمر به ليعيش الصوفي متخلقا بخلق الله أو كما يقول الإمام الجنيد فتكون

5

كل حركاته في موافقه الحق دون مخالفاته فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات إنه إذن استبدال خلق بشري بخلق رباني وذلك ارتفاع بالبشرية لا نعرفه ولا تعرفه الدنيا لغير الصوفية الإسلامية 2 فالفناء الصوفي ليس فناء جسد في جسد ولا فناء روح في روح إنه فناء إرادة في إرادة وفناء أخلاق في اخلاق وصفات في صفيات أو كما يقول الصوفية فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق إنه لتصعيد للكمال تصعيد تخفق أجنحته في أفق قدسي علوى ثم تخفق صاعدة صاعدة حتى تنال شرف التخلق بأخلاق الصفات الإلهية وهذا الفناء هو الذي عبر عنه الحديث النبوى تخلقوا بأخلاق الله وصوره الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وبهذا الفناء يحس الصوفي إحساس ذوق ووجدان وقلب وروح بإذن الله سبحانه معه وفي ضميره وحركاته وكلماته يقول العلامة الكلاباذي ومن فناء الحظوظ حديث عبد الله بن مسعود قال ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يريد الدنيا حتى قال الله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة فكان عبد الله في هذا المقام فانيا عن إرادة الدنيا لقد فنى الصوفيه في حب مولاهم وتخلقوا باخلاقه وتأدبوا بآدابه وتربوا في محاربيه وعاشوا في ذكره ومناجاته فعلمهم وطهرهم وزكاهم واصطفاهم واجتباهم وأحبهم ورضى عنهم ففتح لقلوبهم ملكوت السموات والأرض يريهم عجائب كونه وبدائع قدرته وبدائع قدرته

6

وأسرار خليقته وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوما وأذواقا أو كما يقول الصوفيه أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت ومن هذا الفناء جاءهم الخلود وبهذا التخلق أصبحوا ائمة يهدون إلى الله بأمره ويقفون حراسا على آياته ومشاهده مبشرين بكلماته متحدثين عن حضراته داعين إلى محبته ومناجاته مترنمين في آفاقه وجدا وشوقا بتسبيحه وذكره يقول العلامة الإمام الكلاباذي واصفا لمقاماتهم وأحوالهم سبقت لهم من الله الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف بنفوسهم عن الدنيا صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة وخلصت علها معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثه وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم أنارت أعلامهم فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله خرقت الحجب أنوارهم وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون العرش ابصارهم فهم أجسام روحانيون وفي الارض سماويون ومع الخلق ربانيون سكوت نظار غيب حضار ملوك تحت أطمار أنزاع قبائل وأصحاب فضائل وأنوار دلائل آذانهم واعيه وأسرارهم صافية ونعوتهم خافيه صفوية صوفيه نورية صفيه ودائع الله بين خليقته وصفوته في بريته ووصاياه لنبيه وخباياه عند صفيه هم في حياته أهل صفته وبعد وفاته خيار أمته لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله أغناه ذلك عن قوله تلك لمحة عن التصوف والصوفيه الذين رأت قلوبهم الله فلم تمت قلوبهم بعد المشاهدة بل خلدت تنبض بالحب وتقتات بالذكر وتنعم بالهدى والرضا وترسل الشعاع الذي ينير طريق السالكين الى ربهم

7

وخلد مع القلب الحى الطاهر كل ما صدر عنه من كلم حى طاهر طيب مرتبط بالله موصول به وإن من أخلد ما كتب عن التصوف والصوفية لكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للإمام العالم العارف تاج الإسلام أبي بكر محمد بن إسحاق البخارى الكلاباذي المتوفي سنة 380 ه 990 م وهو من أقدم وأدق وأنقى وأصفى ما كتب عن هذا العلم ورجاله كتبه العارف الكلاباذي في العصر الذهبي للتصوف في أوائل القرن الرابع للهجرة القرن الذي بلغ فيه التصوف كماله العلمي والفني واستكمل فيه التصوف علومه ومناهجه وآدابه وسلوكه ومقاماته وجاء كتاب الكلاباذي صورة كاملة لعصره الذهبي بل صورة للتصوف في أعلى ذراه وأنقى موارده وأهدى معارجه والكتاب بعد هذا صورة ورسالة يقوم على منهج وغايه في دقة وأمانة وبراعة علمية وكفاءة فنية يزينه ويجليه اسلوب عبقرى فيه إشراق ومرونة لا يعرف الحشو و التطرف ولا البهرج المتكلف بل يقصد إلى غايته بأرشق الكلمات وأحلاها وأعلاها في غير إسراف أو تطويل أو خروج عن الهدف والمنهج ولهذا كان هذا الكتاب مع قله صفحاته موسوعة علمية صوفية كبرى يغني عن غيره من الموسوعات الكبرى ولا يغني غيره عنه حتى قال علماء التصوف القدامى لولا التعرف لما عرف التصوف والكلاباذي ليس مؤرخا في هذا الكتاب فحسب بل هو عالم عارف ذائق يدلي برأيه وحجته ثم هو معاصر وصديق للثقات الأئمة الذين اضاءوا آفاق التصوف

8

في عصره الذهبي ولهذا يقول في كتابه وهو يعرض لأحاديث الصفوة الاعلام سمعنا أو قال لنا ويحدثنا الكلاباذي عن منهجه في كتابه فيقول فدعاني ذلك إلى أن رسمت في كتابي هذا وصف طريقتهم وبيان نحلتهم وسيرتهم من القول في التوحيد والصفات وسائر ما يتصل به مما وقعت فيه الشبهة عند من لم يعرف مذاهبهم ولم يخدم مشايخهم وكشفت بلسان العلم ما أمكن كشفه ووصفت بظاهر البيان ما صلح وصفه ليفهمه من يفهم إشاراتهم ويدركه من لم يدرك عباراتهم وينتفي عنهم خرص المتخرصين وسوء تأويل الجاهلين ويكون بيانا لمن أراد سلوك طريقه مفتقرا إلى الله تعالى في بلوغ تحقيقه بعد أن تصفحت كتب الجذاق فيه وتتبعت حكايات المتحققين له بعد العشرة لهم والسؤال عنهم ثم لا يكتفي الكلاباذي في كتابه بهذا إن له لشخصيته وعلمه واستنباطه واجتهاده وإنه ليسخر كل ملكاته ليقدم لنا المعرفة الصوفية في صورة كاملة من تحصيله وتصويره وهو منهج في التأليف قل نظيره في قدامى المؤرخين يقول الكلاباذي هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم من أقاويلهم في كتبهم ممن ذكرنا اسماءهم ابتداء ما سمعناه من الثقات ممن عرف أصولهم وتحقق مذاهبهم والذي فهمناه من رموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم قال وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم

9

ومن تدبر كلامهم وتفحص كتبهم علم صحة ما حكيناه ولولا أنا كرهنا الإطالة لكنا نذكر مكان ماحكيناه من كلامهم في كتبهم نصا ودلالة إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح وكتاب التعرف ليس كتابا من كتب الطبقات وليس موسوعة تحمع اشتاتا من المعارف لا ترابط بينها إنه مادة العلم الصوفي وجوهره مع الدليل والتحليل والبرهان الذي لا يرقى اله شك ولا يشوبه غموض فإذا تحدث الكلاباذي عن المقامات مثلا راح في علم وذوق يحللها ويجليها ويكشف عن أسرارها ومعانيها ويقدم لها الدليل تلو الدليل من الكتاب والسنة والمنطق الإسلامي يقول الكلاباذي في حديثه عن المقامات ثم لكل مقام بدء ونهاية وبينهما أحوال متفاوته ولكل مقام علم وإلى كل حال إشارة ومع كل مقام إثبات ونفي وليس كل ما نفي في مقام كان منفيا فيما قبله ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه وهو كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا إيمان لمن لا أمانة له فنفي إيمان الأمانة لا إيمان العقد والمخاطبون أدركوا ذلك إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة أو جاوزوه إلى ما فوقه وكان عليه السلام مشرفا على أحوالهم فصرح لهم فأما من لم يشرف على أحوال السامعين وعبر عن مقام فنفى فيه واثبت جاز ان يكون في السامعين من لم يصل ذلك المقام وكان الذي نفاه القائل مثبتا فيه في

10

مقام السامع فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم فخطأ قائله أو بدعه وربما كفره فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ في علومها تعارفوها بينهم ورمزوا بها فادركه صاحبه وخفي على السامع الذي لم يحل مقامه فإما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه أو يسوء طنه به فيهوس قائله وينسبه إلى الهذيان وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره ذلك هو منطق الكلاباذي في عرضه العلمي وتحليله الصوفي وهذا منهجه في سائر ما يتناول في كتابه من دقائق ولهذا كان كتابه صورة صادقة لاسمه التعرف لمذهب أهل التصوف ولقد وقفنا طويلا عند هذه التسمية وأخذنا نتساءل أهذه التسمية دقيقة لقد أثارت في قوه انتباهنا إليها ككل وأثارت في عنف انتباهنا إلى كل كلمة من كلماتها إن المؤلف قال التعرف ولم يقل دراسة أو بحث او شرح وقال مذهب بصيغة المفرد ولم يقل مذاهب وقال اهل التصوف ولم يقل الصوفية مثلا وكان من الممكن أن تكون التسمية هكذا دراسة مذاهب الصوفية هل التزم المؤلف الدقة في هذا العنوان وتروى في كلماته إن المؤلف من أعلام الصوفية فإذا عبر عن التصوف فإنما يعبر عن شعور وذوق إنه يعبر عن تجربة مر بها فلا يمكن إلا أن يكون دقيقا ثم هو فقيه حنفي ومن خصائص فقهاء الأحناف المنطق الدقيق والاستدلال العقلي

11

والمؤلف إذن جمع بين الشعور الذوقي والإتقان المنطقي وكتابه إذن إنما صدر عن تجربة وعن منطق ويظهر ذلك بوضوح في كل صفحة من صفحات الكتاب ولكن أيظهر ذلك في العنوان أيضا الواقع أننا بعد ان أطلنا التفكير في العنوان دهشنا لدقته الدقيقة وإحكامه المحكم إن أمر التصوف في الواقع ليس أمر جدل أو بحث او أخذ ورد وإنما هو تعرف والقياس فيه والمنطق والاستدلال والبحث والدراسة والأسلوب العلمي يصب ظاهرا منه وشكلا أو رسما وربما كانت حجابا أو ظلمة تبعد الدارس عن النور بدل أن تغمره بلألائه ومن المؤكد أن الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الأمر هم عن الحقيقة محجوبون والتصوف تجربة والتجربة شعور والشعور ليس منطقا ولا برهانا إنما هو تعرف وحينما دخل المنطق والبرهان في التصوف وكان أوضح مثل لذلك دراسات المستشرقين ومن لف لفهم من الشرقيين أفسد ذلك التصوف لأنه حول النبع المتدفق إلى ركود آسن وحول السناء المتلألئ إلى طلمة حالكة وأرجع فضل الله ونعمته إلى مرض من الأمراض يعالج بالمادة ويشفي بالعقاقير إن التصوف ليس علما وإذا تدخل العلم فيه أفسده كإفساد العلم المزيف للدين حينما تدخل في الوحي والنبوة والألوهية ونقول العلم المزيني لأن العلم

12

الصحيح لا يتعدى حدوده وللعلم الصحيح دائراته وهي التجربة المادية التي لا يتعداها والتصوف تجربة روحية وليس للمادة شأن بالروح فليس للعلم بالمعنى الحديث إذن شأن بالتصوف إن العلم أرض ومادة وحس والتصوف سماء وروح وذوق وأمر التصوف في النهاية تعرف لا دراسة أو جدل أو علم وإذا ما وصلنا إلى هذه النتيجة التي هي في رأينا صحيحة كل الصحة فإن معنى ذلك أن من لا يشعر بالشعور الصوفي فإنه لا يتعرف عليه كما أن من لم يسلك طريقا معينا بالذات ولو مرة واحدة فإنه لا يتعرف على ما فيه من ظل ظليل أو زهور ناضرات وقديما قالوا من ذاق عرف وبالتالي فإن من لم يذق لا يعرف وكتاب المؤلف إذن ليس إلا محاولة للتعبير بالألفاظ عن الشعور المتدفق الفياض وهذا التعبير لا يفهمه حق فهمه إلا من شعر به ومعنى فهمه له أنه تعرف عله وفهمه إذن إنما هو تعرف فحسب والمؤلف يقول مذهب وفي الناس من يرى أن التصوف مذاهب وفرق وطوائف ولكن هذا التفكير المنحرف تأتى إلى القائلين به من نظرتهم إلى علم الكلام وإلى الفلسفة ففي علم الكلام أشاعرة ومعتزلة ومشتبهة وفي الفلسفة أرسطيون وإفلاطونيون وديكارتيون وأمر الطوائف والفرق يتجاوز علم الكلام والفلسفة إلى الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والنفوس مهيأة لقبول فكرة الطوائف في جميع العلوم النظرية

13

ولقد خلط الكاتبون بين هذه الدراسات والتصوف فزعموا أن في التصوف مذاهب وفرقا وطوائف ولو أنعموا النظر لعرفوا أن التصوف تجربة روحية وليس نظرا عقليا وذا كان النظر العقلي يفرق الناظرين إلى طوائف وفرق فإن التجربة لا يختلف فيها اثنان وإذا كانت الفلسفة لأنها نظر عقلي مذاهب متعددة فإن التصوف وهو تجربة مذهب واحد لا تعدد فيه ولا اختلاف وكما أنه لا يستساغ الخلطة بين الوسائل والغايات في أي ميدان من الميادين فإنه لا يستساغ الخلط بين طرق التصوف وهي وسائل وبين الغاية وهي التصوف نفسه فطرق التصوف متعددة مختلفة وبعضها أوفق من بعض وبعضها أسرع من غيرها ولكنها على اختلافها وتعددها تؤدي إلى هذف واحد وغاية واحدة التصوف إذن مذهب بصيغة المفرد لا مذاهب بصيغة الجمع وتعبير المؤلف اذا مستقيم كل الاستقامة ويقول المؤلف أهل التصوف وللتصوف حقيقة أهله وذووه أما أهله وذووه فهم هؤلاء الذين وهبهم الله حسا مرهفا وذكاء حادا وفطرة روحانية وصفاء يكاد يكون في صفاء الملائكة وطبيعة تكاد تكون مخلوقة من النور و الناس معادن والطبائع مختلفة فمنها ما يرقى إلى الطبيعة الملائكية وكأنه في طبيعته قبس خالص من نور الله ومنها ما يسفل ويسفل إلى أن يصبح أو يكاد في مستوى السائمة

14

ولقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم طبائع الناس في تقبل النور الإلهي فقال إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب امسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به وفي القرآن صور رائعة للطبائع المختلفة والآية الآتية تصور تلك الطبائع يقول الله تعالى لرسوله الكريم واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ومن أروع الصور القرآنية للذين نزلت طبائعهم إلى مستوى السائمة قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون واختلاف الطبائع مسالة بديهية وما دام التصوف نورا وهداية فإن له أهله وذويه الذين اصطفى الله واجتبى التعرف لمذهب أهل التصوف إنه عنوان هادف كما أنه كتاب هادف

15

ولهذا حرصنا كل الحرص على أن نقدمه مصححا محققا إلى العالم الإسلامي بعد أن راجعناه على نسختين خطيتين ليكون قبسا من نور وقبضه من شعاع وفيضا من علم وأخلاق وطهر وصورة من منهج رسم الطريق الصاعد للعالم الإسلامي في ماضيه المشرق العظيم ويرسم الطريق الصاعد للعالم الإسلامي في حاضره أو فجره الذي تتراءى انواره في الآفاق مبشرة بغد يسامق ماضيه في الإشراق والعزة والقوة

16


لجنة نشر الأصول الصوفية وكتاب التعرف

إن المدينة العالمية الحاضرة إنما هي مدنية المادة وإن أدنى نظرة فيها ترى بوضوح أن الروح المادية مسيطرة طاغية حتى لقد حددت دائرة العلم فيها بدائرة مادية واتجه البحث نتيجة لذلك إلى المادة على الخصوص ومنذ أن أرسى بيكون قواعد الاستقراء والملاحظة والتجربة اتجه الباحثون إلى اتخاذ ذلك وحده منهجا للبحث عن الحقيقة وحينما نشا ملاحدة القرن الثامن عشر والتاسع عشر موهوا على الناس فصوروا لهم الدائرة المادية على أنها الدائرة الثابتة التي تتكشف فيها الحقائق أما ما عدا هذه الدائرة مما وراء الطبيعة ومن الغيب فإنها زيف كلها وسراب خداع وقام في الغرب كما قام في الشرق أفذاذ مصلحون ينادون بأن طغيان الروح المادية يتنافى مع الانسانية ومع الأخلاق ومع الدين أى دين كان ولكن صرخاتهم تلاشت أمام الغرائز الجامحة والشهوات الملحة والأهواء الغلابة وسادت الروح المادية في الحضارة الراهنة وكان من نتيجة ذلك الحرب الكبرى الأولى والحرب الكبرى الثانية اللتان لم تدعا قطرا من الأقطار أو إقليما من الأقاليم إلا ونثرتا فيه الشقاء الوانا شقاء الفقر أو شقاء الموت والهلاك والدمار واذا سادت الروح المادية أصبحت الأهداف والغايات مادية اصبحت استعمارا وامتصاص دماء وسيطرة بالقوة واغتصابا بل أصبحت سلبا ونهبا واستعباد دولة لدولة وإلقاء بكل المعايير الأخلاقية والإنسانية إلى موطئ الأقدام وكل ذلك في الواقع هو الحضارة الحالية بل إن الواقع أدهى من ذلك وأفظع وأي قلم يمكنه أن يصور مأساة هيروشيما وناجازاكي التي تولى كبرها وباء بإثمها من يزعمون أنهم حملة مشعل حضارة القرن العشرين

17

وأي قلم يمكنه أن يصور نتائج مخترعات الدمار التي تتبارى الشعوب فيها وتتنافس وتنفق عليها آلاف الملايين يجمعونها من كدح العمال وتعبهم المضني لينفقوها في هلاك العالم وتدمير الإنسانية القنبلة الذرية القنبلة الهدروجينية الكوبالت أشعة الموت حرب الميكروبات حرب الغازات ومع كل هذه الوسائل التدميرية العالمية تأتي وسائل أشد فتكا بالروح الإنساني والقيم الأخلاقية والمباديء الإيمانية تأتي المذاهب الإلحادية الفاجرة والفلسفات الوجودية الداعرة والشهوات المسعورة السافرة إنها المدنية الحاضرة إنها الحضارة الراهنة حضارة الشيطان التي خلا لها وجه العالم أو أوشك ونحن ابناء القرآن لنا حضارة عريقة ولنا رسالة إنسانية عالمية هي رسالة الروح والإيمان والأخلاق والأخوة الإنسانية حضارة لا تخضع للغرائز ولا تسلم قيادها للشهوات ولا تسجد للشيطان ولا تتبع خطواته في الإفساد والاستعباد والتدمير وإنها لتسمو على هذا كله لأن هدفها الأول والأخير إيجاد الإنسان الفاضل والظفر برضوان الله وحبه وإنها لرسالة يجب أن يتكاتف المؤمنون على القيام بها وفتح الآفاق لأنوارها وكشف الحجب عن روحها يجب أن نضئ مصابيحها وأن نبرز مناهجها وأهدافها وأن نقدم زادها الروحي والخلقي والإيماني للناس كافة ليجدوا فيه نجاتهم وعصمتهم مما يعده رسل الجاهلية الشيطانية من تدمير وإفساد

18

وإن في تلك الحركات العلمية والإصلاحية الحركات الحية الفتية التي تمشي على وجه الحياة في العالم الإسلامي لبشرى لمن يرجون أيام الله ويرتقبون عودة الحضارة الإيمانية إلى الحياة وفي سبيل الحضارة الإيمانية الربانية وبين يديها نطلق تلك الأشعة الصوفية التي تعمق الاتجاه الروحي في النفوس القلقة وتثبت الإيمان وتنميه في القلوب الحائرة وفي سبيل عالم أسمى وإنسانية أهدى ورضوان من الله أكبر قمنا بنشر سلسلة الأصول الصوفية الكبرى التي تضم روائع التراث الروحي الإسلامي ومما يبعث الغبطة والأمل في قلوبنا أن الكثير من الكتب التي نشرناها والتي نحن بسبيل نشرها قد ترجم ترجمة صحيحة إلى اللغات العالمية ونحن نرجو أن يكون انتشارها في الشرق والغرب معا أساسا لقبس من النور والهداية ندعو الله أن يكتب له النمو والانتشار حتى يتم ضوؤه ويعم نوره فيكون طليعة بعث جديد لحضارة جديدة أقوم قيلا وأهدى سبيلا ونحن كما يرى القارئ كعهدنا لم نحاول أن نظهر تعالما زائفا يحشد الكثير من الهوامش التي لا ضرورة لها وإنما كان هدفنا أن ننشر النص صحيحا محققا محررا وأن نيسره للقارئ العربي كما نيسر ترجمته للقارئ الغربي عبد الحليم محمود طه عبد الباقي سرور

19

بسم الله الرحمن الرحيم
التعرف لمذهب أهل التصوف

الحمد الله المحتجب بكبريائه عن درك العيون المتعزز بجلاله وجبروته عن لواحق الظنون المتفرد بذاته عن شبه ذوات المخلوقين المتنزه بصفاته عن صفات المحدثين القديم الذي لم يزل والباقي الذي لا يزال المتعالي عن الأشباه والأضداد والأشكال الدال لخلقه على وحدانيته باعلامه وآياته المتعرف إلى اوليائه بأسمائه ونعوته وصفاته المقرب أسرارهم منه والعاطف بقلوبهم عليه المقبل عليهم بلطفه الجاذب لهم إليه بعطفه طهر عن أدناس النفوس أسرارهم وأجل عن موافقة الرسوم اقدارهم اصطفى من شاء منهم لرسالته وانتخب من أراد لوحيه وسفارته انزل عليهم كتبا أمر فيها ونهى ووعد من أطاع وأوعد من عصى أبان فضلهم على جميع البشر ورفع درجاتهم أن يبلغها قدر ذي خطر ختمهم بمحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام وأمر بالإيمان به والإسلام فدينه خير الأديان وأمته خير الأمم لا نسخ لشريعته ولا أمة بعد أمته حعل فيهم صفوة وأخيارا ونجباء وأبرارا سبقت لهم من الله الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف بنفوسهم عن الدنيا صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة وخلصت عليها معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثة وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم وأنارت أعلامهم فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله خرقت الحجب أنوارهم وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون العرش ابصارهم فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع الخلق بانيون سكوت نظار غيب حضار ملوك تحت أطمار انزاع قبائل

20

وأصحاب فضائل وأنوار دلائل آذانهم واعية وأسرارهم صافية ونعوتهم خافية صفوية صوفية نورية صفية ودائع الله بين خليقته وصفوته في بريته ووصاياه لنبيه وخباياه عند صفيه هم في حياته أهل صفته وبعد وفاته خيار أمته لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله أعناه ذلك عن قوله حتى قل الرغب وفتر الطلب فصار الحال أجوبة ومسائل وكتبا ورسائل فالمعاني لأربابها قريبة والصدور لفهمها رحيبة إلى أن ذهب المعنى وبقى الاسم وغابت الحقيقة وحصل الرسم فصار التحقيق حلية والتصديق زينة وادعاه من لم يعرفه وتحلى به من لم يصفه وأنكره بفعله من أقر به بلسانه وكتمه بصدقه من أظهره ببيانه وأدخل فيه ما ليس منه ونسب إليه ما ليس فيه فجعل حقه باطلا وسمى عالمه جاهلا وانفرد المتحقق فيه ضنا به وسكت الواصف له غيرة عليه فنفرت القلوب منه وانصرفت النفس عنه فذهب العلم وأهله والبيان وفعله فصار الجهال علماء والعلماء أذلاء فدعاني ذلك إلى أن رسمت في كتابي هذا وصف طريقتهم وبيان نحلتهم وسيرتهم من القول في التوحيد والصفات وسائر ما يتصل به مما وقعت فيه الشبهة عند من لم يعرف مذاهبهم ولم يخدم مشايخهم وكشفت بلسان العلم ما أمكن كشفه ووصفت بظاهر البيان ما صلح وصفه ليفهمه من لم يفهم إشاراتهم ويدركه من لم يدرك عباراتهم وينتفي عنهم خرص المتخرصين وسوء تأويل الجاهلين ويكون بيانا لمن أراد سلوك طريقه مفتقرا إلى الله تعالى في بلوغ تحقيقه بعد أن تصفحت كتب الحذاق فيه وتتبعت حكايات المتحققين له بعد العشرة لهم والسؤال عنهم وسميته بكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف إخبارا عن الغرض بما فيه بما فيه

21

وبالله أستعين وعليه أتوكل وعلى نبيه أصلي وبه أتوسل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الباب الأول

قولهم في الصوفية لم سميت الصوفية صوفية قالت طائفة إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء اثارها وقال بشر بن الحارث الصوفي من صفا قلبه لله وقال بعضهم الصوفى من صفت لله معاملته فصفت له من الله عز وجل كرامته وقال قوم إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله جل وعز بارتفاع هممهم إليه وإقبالهم بقلوبهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه وقال قوم إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قوم إنما سموا صوفية للبسهم الصوف وأما من نسبهم إلى الصفة والصوف فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان وهجروا الاخدان وساحوا في البلاد وأجاعوا الأكباد وأعروا الأجساد لم يأخذوا من الذنيا إلا مالا يجوز تركه من ستر عورة وسد جوعة فلخروجهم عن الأوطان سموا غرباء ولكثرة أسفارهم سموا سياحين ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية والشكفت بلغتهم الغار والكهف

22

وأهل الشام سموهم جوعية لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه وقال السرى السقطى ووصفهم فقال أكلهم اكل المرضى ونومهم نوم الغرقى وكلامهم كلام الخرقى ومن تخليهم عن الأملاك سموا فقراء قيل لبعضهم من الصوفي قال الذي لا يملك ولا يملك يعنى لا يسترقه الطمع وقال آخر هو الذي لا يملك شيئا وإن ملكه بذله ومن لبسهم وزيهم سموا صوفية لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس مالان مسه وحسن منظره وإنما لبسوا لستر العورة فتجزوا بالخشن من الشعر والغليظ من الصوف ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ووصفهم ابو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر هذا وصف بعضهم لهم حتى قال عيينة بن حصن للنبي صلى الله عليه وسلم إنه ليؤدينى ريح هؤلاء أما يؤذيك ريحهم ثم الصوف لباس الأنبياء وزى الأولياء وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه مر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباء يأمون البيت العتيق وقال الحسن البصري كان عيسى علية السلام يلبس الشعر ويأكل من الشجرة ويبيت حيث أمسى وقال أبو موسى كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف ويركب

23

الحمار ويأتي مدعاة الضعيف وقال الحسن البصري لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف فلما كانت هذه الطائفة بصفة أهل الصفة فيما ذكرنا ولبسهم وزيهم زي أهلها سموا صفية وصوفية ومن نسبهم إلى الصفة والصف الأول فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم وذلك أن من ترك الدنيا وزهد فيها وأعرض عنها صفى الله سره ونور قلبه قال النبي صلى الله عليه وسلم اذ دخل النور في القلب انشرح وانفسح قيل وما علامة ذلك يا رسول الله قال التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من نجافي عن الدنيا نور الله قلبه وقال حارثه حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم ما حقيقة إيمانك قال عزفت بنفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا نور الله قلبه فكان ما غاب منه بمنزلة ما يشاهده وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى عبد نور الله قلبه فلينظر إلى حارثة فأخبر أنه منور القلب وسميت هذه الطائفة نورية لهذه الأوصاف وهذا أيضا من أوصاف أهل الصفة قال الله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين والتطهر بالظواهر عن الأنجاس وبالبواطن عن الأهجاس وما يتحرك في الضمير من الخواطر

24

وقال الله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ثم لصفاء أسرارهم تصدق فراستهم قال أبو امامة الباهلي رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه ألقى في روعى أن ذا بطن بنت خارجة فكان كما قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الحق لينطق على لسان عمر وقال أويس القرني لهرم بن حيان حين سلم عليه وعليك السلام يا هرم بن حيان ولم يكن رآه قبل ذلك ثم قال له عرف روحي روحك وقال ابو عبد الله الأنطاكي اذا حالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في أسراركم ويخرجون من هممكم ثم من كان بهذه الصفة من صفوة سره وطهارة قلبه ونور صدره فهو في الصف الأول لأن هذه أوصفاف السابقين قال النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب ثم وصفهم وقال الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكوون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فلصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم صحت معارفهم بالله فلم يرجعوا إلى الأسباب ثقة بالله عز وجل وتوكلا عليه ورضا بقضائه فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامى القوم وألقابهم وصحت هذه العبارات وقربت هذه المآخذ وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر فإن المعاني متفقة لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت صفوية وإن أضيفت إلى الصف أو الصفة كانت صفية أو صفية ويجوز أن يكون

25

تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية وزيادتها في لفظ الصفية والصفية إنما كانت من تداول الألسن وإن جعل مأخذه من الصوف استقام اللفظ وصحت العبارة من حيث اللغة وجميع المعاني كلها من التخلى عن الدنيا وعزوف النفس عنها وترك الأوطان ولزوم الأسفار ومنع النفوس حظوظها وصفاء المعاملات وصفوة الأسرار وانشراح الصدور وصفة السباق وقال بندار بن الحسين الصوفى من اختاره الحق لنفسه فصافاه وعن نفسه برأه ولم يرده إلى تعمل وتكلف بدعوى وصوفي على زنة عوفي أي عافاه الله فعوفي وكوفي أي كافاه الله فكوفى وجوزى أي جازاه الله ففعل الله به ظاهر في اسمه والله المتفرد به وقال أبو علي الزوذباري وسئل عن الصوفى فقال من لبس الصوف على الصفاء وأطعم الهوى ذوق الجفاء وكانت الدنيا منه على القفا وسلك منهاج المصطفى وسئل سهل بن عبد الله التستري من الصوفي فقال من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر وسئل أبو الحسن النوري ما التصوف فقال ترك كل حظ للنفس وسئل الجنيد عن التصوف فقال تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقية واستعمال ما هو أولى على الأبدية والنصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة وقال يوسف بي الحسين لكل أمة صفوة وهم وديعة الله الذين أخفاهم عن خلقه فإن يكن منهم في هذه الأمة فهم الصوفية

26

قال رجل لسهل بن عبد الله التستري من أصحب من طوائف الناس فقال عليك بالصوفية فإنهم لا يستكثرون ولا يستنكرون شيئا ولكل فعل عندهم تأويل فهم يعذرونك على كل حال وقال يوسف بن الحسين سألت ذا النون من أصحب فقال من لا يملك ولا ينكر عليك حالا من أحوالك ولا يتغير بتغيرك وإن كان عظيما فإنك أحوج ما تكون إليه أشد ما كنت تغيرا وقال ذو النون رأيت امرأة ببعض سواحل الشام فقلت لها من أين اقبلت رحمك الله قالت من عند أقوام تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوافا وطمعا قلت وأين تريدين قالت إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قلت صفيهم لي فانشأت تقول
قوم همومهم بالله قد علقت
فما لهم همم تسمو إلى أحد


فمطلب القوم مولاهم وسيدهم
يا حسن مطلبهم للواحد الصمد


ما إن تنارعهم دنيا ولا شرف
من المطاعم واللذات والولد


ولا للبس ثياب فائق أنق
ولا لروح سرور حل في بلد


إلا مسارعة في إثر منزلة
قد قارب الخطو فيها باعد الابد


فهم رهائن غدران وأودية
وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد



27


الباب الثاني في رجال الصوفية

ممن نطق بعلومهم وعبر عن مواجيدهم ونشر مقاماتهم ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة رضوان الله عليهم علي بن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهم بعد علي والحسن والحسين رضى الله عنهم وأويس القرني وهرم بن حيان والحسن بن أبي الحسن البصري وأبو حازم سلمة بن دينار المديني ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد وعتبة الغلام وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وابنه علي بن الفضيل وداود الطائي وسفيان بن سعيد الثوري

28

وسفيان بن عيينه وأبو سليمان الداراني وابنه سليمان وأحمد بن الحواري الدمشقي وأبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري وأخوه ذو الكفل والسرى ابن المغلس السقطي وبشر بن الحارث الحافي ومعروف الكرخي وأبوحذيفة المرعشي ومحمد بن المبارك الصوري ويوسف بن أسباط رحمهم الله

29

ومن أهل خراسان والجبل أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي وأبو حفص الحداد النيسابوري وأحمد بن خضرويه البلخي وسهل بن عبد الله التستري ويوسف بن الحسين الرازي وأبو بكر بن طاهر الأبهري وعلي بن سهل بن الأزهر الأصفهاني وعلى بن محمد البارزي وابو بكر الكناني الدينوري وأبو محمد بن الحسن بن محمد الرحاني والعباس بن الفضل بن قتيبة ابن منصور الدينوري وكهمس بن علي الهمداني والحسن بن علي بن يزدانيار رضي الله عنهم أجمعين

30


الباب الثالث فيمن نشر علوم الإشارة كتبا ورسائل

أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي وأبو الحسين أحمد بن محمد ابن عبد الصمد النوري وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز ويقال له لسان التصوف وابو محمد رويم بن محمد وأبو العباس أحمد بن عطاء البغدادي

31

وأبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي وأبو يعقوب يوسف بن حمدان السوسي وابو يعقوب إسحاق بن محمد بن أيوب النهرجورى وأبو محمد الحسن بن محمد الجريري وأبو عبد الله محمد بن علي الكتاني وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص وأبو علي الأوراجي وأبو بكر محمد بن موسى الواسطي وأبو عبد الله الهاشمي وأبو عبد الله هيكل القرشي وأبو علي الروذباري وأبو بكر القحطي

32

وأبو بكر الشبلي وهو دلف بن جحدر رضوان الله عليهم أجمعين
الباب الرابع فيمن صنف في المعاملات

أبو محمد عبد الله بن محمد وأبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكيان وعبد الله بن خبيق الأنطاكي والحارث بن أسد المحاسبي ويحيى بن معاذ الرازي وأبو بكر محمد بن عمر بن الفضل الوراق الترمذي وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الرازي وأبو عبد الله محمد بن علي الترمذي

33

وأبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي وابو علي الجوزجاني وأبو القاسم ابن إسحاق بن محمد الحكيم السمرقندي وهؤلاء هم الأعلام المذكورون المشهورون المشهود لهم بالفضل الذين جمعوا علوم المواريث إلى علوم الاكتساب سمعوا الحديث وجمعوا الفقه والكلام واللغة وعلم القرآن تشهد بذلك كتبهم ومصنفاتهم ولم نذكر المتأخرين وأهل العصر وإن لم يكونوا بدون من ذكرنا علما لأن الشهود يغني عن الخبر عنهم وبالله التوفيق
الباب الخامس شرح قولهم في التوحيد

اجتمعت الصوفية على أن الله واحد أحد فرد صمد قديم عالم قادر حي سميع بصير عزيز عظيم جليل كبير جواد رؤوف متكبر جبار باق أول إله سيد مالك رب رحمن رحيم مريد حكيم متكلم خالق زراق موصوف بكل ما وصف به نفسه من صفاته مسمى بكل ما سمى به نفسه لم يزل قديما بأسمائه وصفاته غير مشبه للخلق بوجه من الوجوه لا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات لا يجري عليه شئ من سمات المخلوقين الدالة على حدثهم لم يزل سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل كل شئ لا قديم غيره ولا إله سواه

34

ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا عرض لا اجتماع له ولا افتراق لا يتحرك ولا يسكن ولا ينقص ولا يزداد ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا جوارح ولا أعضاء ولا بذي جهات ولا أماكن لا تجري عليه الآفات ولا تاخذه السنات ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات لا يحويه مكان ولا يجري عله زمان لا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن لا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الأبصار وقال بعض الكبراء في كلام له لم يسبقه قبل ولا يقطعه بعد ولا يصادره من ولا يوافقه عن ولا يلاصقه إلى ولا يحله في ولا يوقفه إذ ولا يؤامره إن ولا يظله فوق ولا يقله تحت ولا يقابله حذاء ولا يزاحمه عند ولا يأخذه خلف ولا يحده أمام ولا يظهره قبل ولا يفنيه بعد ولا يجمعه كل ولا يوجده كان ولا يفقده ليس ولا يستره خفاء تقدم الحدث قدمه والعدم وجوده والغاية أزله إن قلت متى فقد سبق الوقت كونه وإن قلت قبل فالقبل بعده وإن قلت هو فالهاء والواو خلقه وإن قلت كيف فقد احتجب عن الوصف بالكيفية ذاته

35

وإن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده وإن قلت ما هو فقد باين الأشياء هويته لا يجتمع صفتان لغيره في وقت ولا يكون بهما على التضاد فهو باطن في ظهوره ظاهر في استناره فهو الظاهر الباطن القريب البعيد امتناعا بذلك من الخلق أن يشبهوه فعله من غير مباشرة وتفهيمه من غير ملاقاة وهدايته من غير إيماء لا تنازعه الهمم ولا تخالطه الأفكار ليس لذاته تكييف ولا لفعله تكليف وأجمعوا على أنه لا تدركه العيون ولا تهجم عليه الظنون ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه لم يزل كذلك ولا يزال كذلك هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ليس كمثله شئ وهو السميع البصير
الباب السادس شرح قولهم في الصفات

أجمعوا على أن لله صفات على الحقيقة هو بها موصوف من العلم والقدرة والقوة والعز والحلم والحكمة والكبرياء والجبروت والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر وأن له سمعا وبصرا ووجها ويدا على الحقيقة ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه وأجمعوا أنها صفات لله وليس بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء

36

وأجمعوا أنها ليست هي هو ولا غيره وليس معنى إثباتها أنه محتاج إليها وانه يفعل الأشياء بها ولكن معناها نفى أضدادها وإثباتها في أنفسها وأنها قائمات به ليس معنى العلم نفى الجهل فقط ولا معنى القدرة بنفي العجز ولكن إثبات العلم والقدرة ولو كان بنفي الجهل عالما وبنفي العجز قادرا لكان المراد نفي الجهل والعجز عنه عالما وقادرا وكذلك جميع الصفات وليس وصفنا له بهذه الصفات صفة له بل وصفنا صفتنا وحكاية عن صفة قائمة به ومن جعل صفة الله وصفة له من غير ان يثبت لله صفة على الحقيقة فهو كاذب عليه في الحقيقة وذاكر له بغير وصفه وليس هذا كالذكر فيكون مذكورا بذكر في غيره لأن الذكر صفة الذاكر وليس بصفة للمذكور والمذكور مذكور بذكر الذاكر والموصوف ليس بموصوف بوصف الواصف ولو كان وصف الواصف صفة له لكانت أوصاف المشركين والكفر صفات له كنحو الزوجة والولد والأنداد وقد نزه الله تعالى نفسه عن وصفهم له فقال سبحانه وتعالى عما يصفون فهو جل وعز موصوف بصفة قائمة به ليست ببائنة عنه كما قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه وقال أنزله بعلمه وقال وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقال ذو القوة المتين ذو الفضل العظيم

37

فلله العزة جميعا ذي الجلال والإكرام وأجمعوا أنها لا تتغاير ولا تتماثل وليس علمه قدرته ولا غير قدرته وكذلك جميع صفاته من السمع والبصر والوجه واليد ليس سمعه بصره ولا غير بصره كما أنه ليس هي هو ولا غيره واختلفوا في الإتيان والمجئ والنزول فقال الجمهور منهم إنها صفات له كما يليق به ولا يعبر عنها بأكثر من التلاوة والرواية ويجب الإيمان بها ولا يجب البحث عنها وقال محمد بن موسى الواسطي كما أن ذاته غير معلولة كذلك صفاته غير معلولة وإظهار الصمدية إياس عن المطالعة على شئ من حقائق الصفات أو لطائف الذات وأولها بعضهم فقال معنى الإتيان منه إيصاله ما يريد إليه ونزوله إلى الشئ إقباله عليه وقربه كرامته وبعده إهانته وعلى هذا جميع هذه الصفات المتشابهة
الباب السابع اختلافهم في أنه لم يزن خالقا

واختلفوا في أنه لم يزل خالقا فقال الجمهور منهم والأكثرون من القدماء منهم والكبار إنه لا يجوز أن يحدث لله تعالى صفة لم يستحقها فيما لم يزل وإنه لم يستحق اسم الخالق لخلقه الخلق ولا لإحداث البرايا استحق اسم البارئ ولا بتصوير الصور استحق اسم المصور ولو كان كذلك لكان ناقصا فيما لم يزل وتم بالخلق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

38

وقالوا إن لله تعالى لم يزل خالقا بارئا مصورا غفورا رحيما شكورا وكذلك جميع صفاته التي وصف بها نفسه يوصف بها كلها في الأزل كما يوصف بالعلم والقدرة والعز والكبرياء والقوة كذلك يوصف بالتكوين والتصوير والتخليق والإرادة والكرم والغفران والشكر ولا يفرقون بين صفة هي فعل وبين صفة لا يقال إنها فعل نحو العظمة والجلال والعلم والقدرة وكذلك إنه لما ثبت أنه سميع بصير قادر خالق بارئ مصور وأنه مدح له فلو استوجب ذلك بالخلق والمصور والمبرئ لكان محتاجا إلى الخلق والحاجة أمارة الحدث وأخرى أن ذلك يوجب التغير والزوال من حال إلى حال فيكون غير خالق ثم يكون خالقا وغير مريد ثم يكون مريدا وذلك نحو الأفول الذي انتفى منه خليله إبراهيم عليه السلام بقوله لا أحب الآفلين والخلق والتكوين والفعل صفات لله تعالى وهو بها في الأزل موصوف والفعل غير المفعول وكذلك التخليق والتكوين ولو كانا جميعا واحدا لكان كون المكونات بأنفسها لأنه لم يكن من الله إليها معنى سوى أنها لم تكن فكانت ومنع بعضهم من أن يكون فيما لم يزل خالقا وقال إنه يوجب كون الخلق معه في القدم وأجمعوا أنه لم يزل مالكا إلها ربا ولا مربوب ولا مملوك وكذلك يجوز أن يكون خالقا بارئا مصورا ولا مخلوق ولا مبروء ولا مصور

39


الباب الثامن اختلافهم في الأسماء

واختلفوا في الأسماء فقال بعضهم أسماء الله ليست هي الله ولا غيره كما قالوا في الصفات وقال بعضهم أسماء الله هي الله
الباب التاسع قولهم في القرآن

أجمعوا أن القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة وأنه ليس بمخلوق ولا محدث ولا حدث وأنه متلو بألسنتنا مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا غير حال فيها كما أن الله تعالى معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في مساجدنا غير حال فيها وأجمعوا أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض
الباب العاشر اختلافهم في الكلام ما هو

واختلفوا في الكلام ما هو فقال الأكثرون منهم كلام الله صفة الله لذاته لم يزل وإنه لا يشبه كلام المخلوقين بوجه من الوجوه وليست له مائية كما أن ذاته ليست لها مائية إلا من جهة الإثبات

40

وقال بعضهم كلام الله أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد وقصص وأمثال والله تعالى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا واعدا موعدا حامدا ذاما إذا خلقتم وبلغت عقولكم فافعلوا كذا وانتم مذمومون على معاصيكم مثابون على طاعتكم إذا خلقتم كما أنا مأمورون مخاطبون بما نزل من القرأن على النبي صلى الله عليه وسلم ولم نخلق بعد ولم نكن موجودين وأجمع الجمهور منهم على أن كلام الله تعالى ليس بحروف ولا صوت ولا هجاء بل الحروف والصوت والهجاء دلالات على الكلام وأنها لذوي الآلات والجوارح التي هي اللهوات والشفاه والألسنة والله تعالى ليس بذي جارحة ولا محتاج إلى آلة فليس كلامه بحروف ولا صوت وقال بعض كبرائهم في الكلام له من تكلم بالحروف فهو معلول ومن كان كلامه باعتقاب فهو مضطر وقالت طائفة منهم كلام الله حروف وصوت وزعموا أنه لا يعرف كلامه إلا كذلك مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق وهذا قول حارث المحاسبي ومن المتأخرين ابن سالم والأصل في هذا أنه لما ثبت أن الله تعالى قديم وأنه غير مشبه للخلق من جميع الوجوه كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين فلا يكون كلامه حروفا وصوتا ككلام المخلوقين ولما أثبت الله لنفسه كلاما بقوله وكلم الله موسى تكليما وقوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقال حتى يسمع كلام الله وجب أن يكون موصوفا به لم يزل لأنه لو لم يكن

41

موصوفا به فيما لم يزل لكان كلامه كلام المحدثين ولكان في الأزل موصوفا بضده من سكون أو آفة ولما ثبت أنه غير متغير وأن ذاته ليست بمحل للحوادث وجب أن لا يكون ساكتا ثم صار متكلما فاذا ثبت كلامه وثبت أنه ليس بمحدث وجب الإقرار به ولما لم يثبت أنه حروف وصوت وجب الامساك عنه ثم القرآن ينصرف في اللغة على وجوه منها مصدر القراءة كما قال الله تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي قراءته والحروف المعجمة في المصاحف تسمى قرآنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ويسمى كلام الله قرآنا فكل قرآن سوى كلام الله فمحدث مخلوق والقرآن الذي هو كلام الله فغير محدث ولا مخلوق والقرآن إذا أرسل وأطلق لم يفهم منه غير كلام الله تعالى فهو إذا غير مخلوق والوقف فيه لأحد أمرين إما أن يقف فيه وهو يصفه بصفة المحدث والمخلوق فهو عنده مخلوق ووقوفه تقية أو يقف وهو منطو على أنه صفة لله في ذاته فلا معنى لوقوفه عن عبارة الخلق والنطق به اللهم إلا أن ينطوي على أنه صفة لله وصفات الله غير مخلوقة ولم يمتحن بناف يجب عليه إثباته فيقول القرآن كلام الله ويسكت إذ لم يأت بغير مخلوق رواية ولا تليت به آية فهو عند ذلك مصيب

42


الباب الحادي عشر قولهم في الرؤية

أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة وأنه يراه المؤمنون دون الكافرين لأن ذلك كرامة من الله تعالى لقوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وجوزوا الرؤية بالعقل وأوحبوها بالسمع وإنما جاز في العقل لأنه موجود وكل موجود فجائز رؤيته إذا وضع الله تعالى فينا الرؤية له ولو لم تكن الرؤية جائزة عله لكان سؤال موسى عليه السلام أرني أنظر إليك جهلا وكفرا ولما علق الله تعالى الرؤية بشريطة استقرار الجبل بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني وكان ممكنا في العقل استقراره لو أقره الله وجب أن تكون الرؤية المعلقة به جائزة في العقل ممكنة فإذا ثبت جوازه في العقل ثم جاء السمع بوجوبه بقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وقوله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وقوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وجاءت الرواية بأنها الرؤية وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته يوم القيامة والأخبار في هذا مشهورة متواترة وجب القول به والإيمان والتصديق له وما تأولت النافية لها فمستحيل كقولهم في أرني أنظر إليك سؤال

43

آية فإنه قد أراه آياته وقوله لا تدركه الأبصار أنه كما لا تدركه الأبصار في الدنيا كذلك في الآخرة وإنما نفى الله تعالى الإدراك بالأبصار لأن الإدراك يوجب كيفية وإحاطة فنفى ما يوجب الكيفية والإحاطة دون الرؤية التي ليست فيها كيفية وإحاطة وأجمعوا أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان لأنه غاية الكرامة وأفضل النعم ولا يجوز أن يكون ذلك إلا في أفضل المكان ولو أعطوا في الدنيا أفضل النعم لم يكن بين الدنيا الفانية والجنة الباقية فرق ولما منع الله سبحانه كليمه موسى عليه السلام ذلك في الدنيا وكان من هو دونه أحرى وأخرى أن الدنيا دار فناء ولا يجوز أن يرى الباقي في الدار الفانية ولو رأوه في الدنيا لكان الإيمان به ضرورة والجملة أن الله تعالى أخبر أنها تكون في الآخرة ولم يخبر أنها تكون في الدنيا فوجب الانتهاء إلى ما أخبر الله تعالى به
الباب الثاني عشر اختلاف قولهم في رؤية النبي عليه السلام

واختلفوا في النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه ليلة المسرى فقال الجمهور منهم والكبار إنه لم يره محمد صلى الله عليه وسلم ببصره ولا احد من الخلائق في الدنيا على ما روى عن عائشة أنها قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب منهم الجنيد والنوري وأبو سعيد الخراز وقال بعضهم رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المسرى وإنه خص من بين الخلائق بالرؤية كما خص موسى عليه السلام بالكلام واحتجوا بخبر ابن عباس وأسماء وأنس منهم أبو عبد الله القرشي والشلبي وبعض المتأخرين

44

وقال بعضهم رآه بقلبه ولم يره ببصره واستدل بقوله ما كذب الفؤاد ما رأى ولا نعلم أحدا من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به ولم نر في كتبهم ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم ولا في الحكايات الصحيحة عنهم ولا سمعنا ممن أدركنا منهم زعم أن الله تعالى يرى في الدنيا أو رآه أحد من الخلق إلا طائفة لم يعرفوا بأعيانهم بل زعم بعض الناس أن قوما من الصوفية ادعوها لأنفسهم وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك وتكذيب من ادعاه وصنفوا في ذلك كتبا منهم أبو سعيد الخراز وللجنيد في تكذيب من ادعاه وتضليله رسائل وكلام كثير وزعموا أن من ادعى ذلك فلم يعرف الله عز وجل وهذه كتبهم تشهد على ذلك
الباب الثالث عشر قولهم في القدر وخلق الافعال

أجمعوا أن الله تعالى خالق لأفعال العباد كلها كما أنه خالق لأعيانهم وأن كل ما يفعلونه من خير وشر فبقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته ولولا ذلك لم يكونوا عبيدا ولا مربوبين ولا مخلوقين وقال جل وعز قل الله خالق كل شيء وقال إنا كل شيء خلقناه بقدر وكل شيء فعلوه في الزبر

45

فلما كانت أفعاهم أشياء وجب أن يكون الله خالقها ولو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله جل وعز خالق بعض الأشياء دون جميعها ولكان قوله خالق كل شيء كذبا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله تعالى خالق الأعيان والعباد خالقي الأفعال لكان الخلق أولى بصفة المدح في الخلق من اللع تعالى ولكان خلق العباد أكثر من خلق الله ولو كانوا كذلك لكانوا أتم قدرة من الله تعالى وأكثر خلقا منه وقد قال الله تعالى أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار فنفى أن يكون خالقا غيره وقال الله تعالى وقدرنا فيها السير فأخبر أنه قدر سير العباد وقال والله خلقكم وما تعملون وقال من شر ما خلق فدل أن مما خلق شرا وقال ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي خلقنا الغفلة فيه وقال وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلق له وقال عمر رضى الله عنه يارسول الله أرأيت ما نعمل فيه أعلى أمر قد فرغ منه أو أمر مبتدأ فقال على أمر قد فرغ منه فقال عمر أفلا نتكل وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له

46

وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله قال إنه من قدر الله وقال والله لا يؤمن أحد حتى يؤمن بالله وبالقدر خيره وشره من الله ولما جاز أن يخلق الله تعالى العين الذي هو شر جاز أن يخلق الفعل الذي هو شر ومجمع على أن حركة المرتعش خلق الله فكذلك حركة غيره غير أن الله تعالى خلق لهذا حركة واختيارا وخلق للآخر حركة ولم يخلق له اختيارا قال أبو بكر الواسطي في قوله تعالى وله ما سكن في الليل والنهار قال من ادعى شيئا من ملكه وهو ماسكن في الليل والنهار من خطرة وحركة أنها له أو به أو إليه أو منه فقد جاذب القبضة وأوهن العزة وفي قوله ألا له الخلق والأمر خلق إيجاد وأمر إطلاق مالم يأمر الجوارح أمر إطلاق لم توافقه في شئ كذلك المخالفة
الباب الرابع عشر قولهم في الاستطاعة

أجمعوا أنهم لا يتنفسون نفسا ولا يطرفون طرفة ولا يتحركون حركة إلا بقوة يحدثها الله تعالى فيهم واستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم لا يتقدمها ولا يتأخر عنها ولا يوجد الفعل إلا بها ولولا ذلك لكانوا بصفة الله تعالى

47

يفعلون ماشاءوا ويحكمون ما أرادوا ولم يكن الله القوى القدير بقوله ويفعل الله ما يشاء أولى من عبد حقير ضعيف فقير ولو كانت الاستطاعة هي الأعضاء السليمة لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة فلما رأينا ذوي أعضاء سليمة ولم نر أفعالهم ثبت أن الاستطاعة ما يرد من القوة على الأعضاء السليمة وتلك القوة متفاضلة في الزيادة والنقصان ووقت دون وقت وهذا يشاهده كل من نفسه ثم لما كانت القوة عرضا والعرض لا يبقى بنفسه ولا بقاء فيه لأن ما لا يقوم بنفسه ولا يقوم به غيره لا يبقى ببقاء في غيره لأن بقاء غيره ليس ببقاء له بطل أن يكون له بقاء وإذا كان كذلك وجب أن تكون قوة كل فعل غير قوة غيره ولولا ذلك لم تكن للخلق حاجة إلى الله تعالى عند أفعالهم ولا كانوا فقراء إليه ولكان قوله تعالى وإياك نستعين لا معنى له ولو كانت القوة قبل الفعل وهي لا تبقى لوقت الفعل لكان الفعل بقوة معدومة ولو كانت كذلك لكان وجود الفعل من غير قوة وفي ذلك إبطال الربوبية والعبودية جميعا لأنه لو كان كذلك لكان يجوز وقوع فعل من غير قوى ولو جاز ذلك لجاز أن يكون وجودها بأنفسها من غير فاعل وقد قال الله تعالى في قصة موسى والعبد الصالح إنك لن تستطيع معي صبرا وقوله ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا يريد لا تقوى عليه وأجمعوا أن لهم أفعالا واكتسابا على الحقيقة هم بها مثابون وعليها معاقبون ولذلك جاء الأمر والنهي وعليه ورد الوعد والوعيد

48

ومعنى الاكتساب أن يفعل بقوة محدثة وقال بعضهم معنى الاكتساب أن يفعل لجر منفعة أو دفع مضرة لقوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وأجمعوا أنهم مختارون لاكتسابهم مريدون له وليسوا بمحمولين عليه ولا مجبرين فيه ولا مستكرهين له ومعنى قولنا مختارون أن الله تعالى خلق لنا اختيارا فانتفى الإكراه فيها وليس ذلك على التفويض قال الحسن بن علي رضى الله عنهما إن الله تعالى لا يطاع بإكراه ولا يعصى بغلبة ولم يهمل العباد من المملكة وقال سهل بن عبد الله إن الله تعالى لم يقو الأبرار بالجبر إنما قواهم باليقين وقال بعض الكبراء من لم يؤمن بالقدر فقد كفر ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر
الباب الخامس عشر قولهم في الجبر

وأحال بعضهم الجبر وقال لا يكون الجبر إلا بين الممتنعين وهو أن يأمر الآمر ويمتنع المأمور فيجبره الآمر عليه ومعنى الإجبار أن يستكره الفاعل على إتيان فعل هو له كاره ولغيره مؤثر فيختار المجبر إتيان ما يكرهه ويترك الذي يحبه ولولا إكراهه له وإجباره إياه لفعل المتروك وترك المفعول ولم نجد هذه الصفة في

49

اكتسابهم الإيمان والكفر والطاع والمعصية بل اختار المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده وآثره على ضده وكره الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يرده وآثر عليه ضده والله خلق له الاختيار والاستحسان والارادة للإيمان والبعض والكراهة والاستقباح للكفر قال الله تعالى حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان واختار الكافر الكفر واستحسنه وأحبه وأراده وآثره على ضده وكره الإيمان وأبغضه واستقبحه ولم يرده وآثر عيه ضده والله تعالى خلق ذلك كله قال الله عز وجل كذلك زينا لكل أمة عملهم وقال ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وليس أحدهما بمنوع عن ضد ما اختاره ولا بمحمول على ما اكتسبه ولذلك وجبت حجة الله عليهم وحق عليهم القول من ربهم ومأوى الكافرين النار بما كانوا يكسبون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ويفعل الله ما يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال ابن الفرغاني ما من خطرة ولا حركة إلا بالأمر وهو قوله كن فله الخلق بالأمر وله الأمر بالخلق والخلق صفته فلم يدع بهذين الحرفين لعاقل يدعى شيئا من الدنيا والآخرة لا له ولا به ولا إليه فاعلم أنه لا إله إلا الله

50


الباب السادس عشر قولهم في الأصلح

أجمعوا على أن الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء ويحكم فيهم بما يريد كان ذلك أصلح لهم أولم يكن لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولولا ذلك لم يكن بين العبد والرب فرق وقال الله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقال إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون وقال أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم والقول بالأصلح يوجب نهاية القدرة وتنفيذ مافي الخزائن وتعجيز الله تعالى عن ذلك لأنه إذا فعل بهم غاية الصلاح فليس وزاء الغاية شئ فلو أراد أن يزيدهم على ذلك الصلاح صلاحا آخر لم يقدر عليه ولم يجد بعد الذي أعطاهم ما يعطيهم مما يصلح لهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأجمعوا أن جميع ما فعل الله بعباده من الإحسان والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف تفضل منه ولو لم يفعل ذلك لكان جائزا وليس على الله بواجب ولو كان ما يفعل مما يفعل شيئا واجبا عليه لم يكن مستحقا للحمد والشكر وأجمعوا أن الثواب والعقاب ليس من جهة الاستحقاق لكنه من جهة

51

لمشيئة والفضل والعدل لأنهم لا يستحقون على أجرام منقطعة عقابا دائما ولا على أفعال معدودة ثوابا دائما غير معدود وأجمعوا أنه لوعذب جميع من في السموات والأرض لم يكن ظالما لهم ولو أدخل جميع الكافرين الجنة لم يكن ذلك محالا لأن الخلق خلقه والأمر أمره ولكنه أخبر أنه ينعم على المؤمنين أبدا ويعذب الكافرين ابدا وهو صادق في قوله وخبره صدق فوجب أن يفعل بهم ذلك ولا يجوز غيره لأنه لا يكذب في ذلك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأجمعوا أنه لا يفعل الأشياء لعلة ولو كان لها علة لكان للعة علة إلى ما لا يتناهى وذلك باطل قال الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال هو اجتباكم وقال وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ولا يكون شئ منه ظلما ولا جورا لأن الظلم إنما صار ظلما لأنه منهى عنه ولأنه وضع الشئ في غير موضعه والجور إنما كان جورا لأنه عدل عن الطريق الذي بين له والمثال الذي مثل له من فوقه ومن هو تحت قدرته ولما لم يكن الله تحت قدرة قادر ولا كان فوقه آمر ولا زاجر لم يكن فيما يفعله ظالما ولافي شئ يحكم به جائرا ولم يقبح منه شئ لآن القبيح ما قبحه والحسن ما حسنه

52

وقال بعضهم القبيح ما نهى عنه والحسن ما أمر به وقال محمد بن موسى إنما حسنت المستحسنات بتجليه وقبحت المستقبحات باستتاره وإنما هما نعتان يجريان على الأبد بما جريا في الأزل معناه كل ماردك إلى الحق من الأشياء فهو حسن وما ردك إلى شئ دونه فهو قبيح فالقبيح والحسن ما حسنه الله في الأزل وماقبحه ومعنى آخر أن المستحسن هو ما تخلى عن ستر النهى فلم يكن بين العبد وبينه ستر والقبيح ما كان وراء الستر وهو النهي على معنى قوله عليه السلام وعلى الأبواب ستور مرخاة قيل الأبواب المفتحة محارم الله والستور حدوده
الباب السابع عشر قولهم في الوعد والوعيد

أجمعوا أن الوعيد المطلق في الكفار والمنافقين والوعد المطلق في المؤمنين المحسنين وأوجب بعضهم غفران الصغائر باجتناب الكبائر بقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وجعلها بعضهم كالكبائر في جواز العقوبة عليها لقوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله وقالوا معنى قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه هو الشرك والكفر وهو أنواع كثيرة فجاز أن يطلق عليها اسم الجمع وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب خرج على الجمع فكانت كبيرة كل واحد منهم عند الجمع كبائر

53

وجوزوا غفران الكبائر بالمشيئة والشفاعة وأوجبوا الخروج من النار لأهل الصلاة لا محالة بإيمانهم قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فجعل المشيئة شرطا فيما دون الشرك وجملة قولهم إن المؤمن بين الخوف والرجاء يرجو فضل الله في غفران الكبائر ويخاف عدله في العقوبة على الصغائر لأن المغفرة مضمون المشيئة ولم يأت مع المشيئة شرط كبيرة ولا صغيرة ومن شدد وغلظ في شرائط التوبة وارتكاب الصغائر فليس ذلك منهم على إيجاب الوعيد بل ذلك على تعظيم الذنب في وجوب حق الله في الانتهاء عما نهى عنه ولم يجعلوا في الذنوب صغيرة إلا عند نسبة بعضها الى بعض فطالبوا النفوس بإيفاء حق الله تعالى والانتهاء عما نهى الله عنه والوفاء بما أمر به الله ورؤية التقصير في شرائط العمل وهم مع ذلك كله ارجى الناس للناس وأشدهم خوفا على أنفسهم حتى كان الوعيد لم يرد إلا فيهم والوعد لم يكن إلا لغيرهم قيل للفضيل عشية عرفة كيف ترى حال الناس قال مغفورون لولا مكاني فيهم وقال السرى السقطي إني لأنظر في المرآة كل يوم مرار مخافة أن يكون قد اسود وجهي وقال لا أحب أن أموت حيث أعرف مخافة أن لا تقبلني الأرض فأكون فضيحة

54

وهم أحسن الناس ظنونا بربهم قال يحيى من لم يحسن بالله ظنه لم تقر بالله عينه وهم أسوأ الناس ظنونا بأنفسهم وأشدهم إزراء بها لا يرونها أهلا لشئ من الخير دينا ولا دنيا والجملة أن الله تعالى قال وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا الآية أخبر أن المؤمن له عملان صالح وسيء فالصالح له والسيء عله وقد وعد الله تعالى على ما له ثوابا وأوعد على ما عليه عقابا والوعيد حق الله تعالى من العباد والوعد حق العباد على الله فيما أوجبه على نفسه فإن استوفى منهم حق نفسه ولم يوفهم حقهم لم يكن ذلك لائقا بفضله مع غناه عنهم وفقرهم اليه بل الاليق بفضله والاحرى بكرمه أن يوفيهم حقوقهم ويزيدهم من فضله ويهب منهم حق نفسه وبذلك أخبر عن نفسه فقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وفي قوله من لدنه أنه تفضل وليس بجزاء
الباب الثامن عشر قولهم في الشفاعة

أجمعوا على أن الاقرار بجملة ما ذكر الله تعالى في كتابه وجاءت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة واجب لقوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى

55

عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقول الكفار فما لنا من شافعين وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي ( وقوله ( واختبأت دعوتي الشفاعة لامتي ( وأقروا بالصراط وأنه جسر يمد على جهنم وقرأت عاشئة رضي الله عنها يوم تبدل الأرض غير الأرض قالت فأين الناس حينئذ يا رسول الله فقال ( على الصراط ( وأقفراوا بالميزان وأن أعمال العباد توزن كما قال الله تعالى فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه وإن لم يعلموا كيفية ذلك وقولهم في هذا وأمثاله مما لا يدرك العباد كيفيته آمنا يما قال الله على ما أراد الله آمنا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد رسول الله

56

وأقروا أن الله تعالى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان على ما جاء في الحديث وأقروا بتأبيد الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وأنهما باقيتان أبد الابد لا تفنيان ولا تبيدان وكذلك أهلوهما باقون فيهما خالدون مخلدون منعمون ومعذبون لا ينفد نعيمهم ولا ينقطع عذابهم وشهدوا لعامة المؤمنين بالايمان في ظاهر أمورهم ووكلوا سرائرهم الى الله تعالى وأقروا أن الدار دار إيمان وإسلام وأن أهلها مؤمنون مسلمون وأهل الكبائر عندهم مسلمون مؤمنون بما معهم من الإيمان فاسقون بما فيهم من الفسق ورأوا الصلاه خلف كل بر وفاجر ورأوا الصلاة على كل من مات من أهل القبلة ورأوا الجمعة والجماعات والأعياد واجبة على من لم يكن له عذر من المسلمين مع كل إمام بر أو فاجر وكذلك الجهاد معهم والحج

57

ورأوا الخلافة حقا وأنها في قريش وأجمعوا على تقديم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ورأوا الاقتداء بالصحابة والسلف الصالح وسكتوا عن القول فيما كان بينهم من التشاجر ولم يروا ذلك قادحا فيما سبق لهم من الله عز وجل من الحسنى وأقروا أن من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فهو في الجنة وأنهم لا يعذبون بالنار ولا يرون الخروج على الولاة بالسيف وإن كانوا ظلمة ويرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا لمن أمكنه بما أمكنه مع شفقة ورأفة ورفق ورحمة ولطف ولين من القول ويؤمنون بعذاب القبر وبسؤال منكر ونكير وأقروا بمعراج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عرج به إلى السماء السابعة وإلى ماشاء الله في ليلة في اليقظة ببدنه ويصدقون بالرؤيا وأنها بشارة للمؤمنين وإنذار لهم وتوقيف وعندهم أن من مات أو قتل فبأجله ولا يقولون باخترام الآجال وأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
الباب التاسع عشر قولهم في الأطفال

وأقروا أن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة

58

واختلفوا في أطفال المشركين فمنهم من قال لا يعذب الله بالنار إلا بعد لزوم الحجة على من عاند وكفر ووجبت عليه الأحكام وأرجأ الأكثرون أمرهم إلى الله تعالى وجوزوا تعذيبهم وتنعيمهم وأجمعوا على أن المسح على الخفين حق وجوزوا أن يرزق الله الحرام وأنكروا الجدال والمراء في الدين والخصومة في القدر والتنازع فيه ورأوا التشاغل بما لهم وعليهم أولى من الخصومات في الدين ورأوا طلب العلم أفضل الأعمال وهو علم الوقت بما يجب عليهم ظاهرا وباطنا وهم أشفق الناس على خلق الله من فصيح وأعجم وأبذل الناس بما في أيديهم وأزهدهم عما في أيدي الناس واشدهم إعراضا عن الدنيا وأكثرهم طلبا للسنة والآثار وأحرصهم على اتباعها
الباب العشرون فيما كلف الله البالغين

أجمعوا أن جميع ما فرض الله تعالى على العباد في كتابه وأوجبه رسول الله

59

صلى الله عليه وسلم فرض واجب وحتم لازم على العقلاء البالغين لا يجوز التخلف عنه ولا يسع التفريط فيه بوجه من الوجوه لأحد من الناس من صديق وولي وعارف وإن بلغ أعلى المراتب وأعلى الدرجات وأشرف المقامات وأرفع المنازل وأنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة من إباحة ما حظر الله أو تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أو سقوط فرض من غير عذر ولا علة والعذر والعلة ما أجمع عليه المسلمون وجاءت به أحكام الشريعة ومن كان أصفى سرا وأعلى رتبة وأشرف مقاما فإنه اشد اجتهادا وأخلص عملا وأكثر توقيا

60

وأجمعوا أن الأفعال ليست بسبب للسعادة والشقاوة وأن السعادة والشقاوة سابقتان بمشيئة الله تعالى لهم ذلك وكتابه عليهم كما جاء في الحديث

61

قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا وكذلك قال في أهل النار وقال عليه السلام السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه وأجمعوا أنها ليست بموجبة للثواب والعقاب من حيث الاستحقاق بل من جهة الفضل ومن جهة إيجاب الله تعالى ذلك وأجمعوا أن نعيم الجنة لمن سبق له من الله السعادة من غير علة وأن عذاب النار لمن سبق له من الله الشقاوة من غير علة كما قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي وقال ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس وقال إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقالوا إنها أعنى أفعال العباد علامات وأمارات على ما سبق لهم من الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له

62

وقال الجنيد الطاعة عاجل بشراه على ما سبق لهم من الله تعالى وكذلك المعصية وقال غيره العبادات حلية الظواهر والحق لا يبيح تعطيل الجوارح من حلاها وقال محمد بن على الكتاني الأعمال كسوة العبودية فمن ابعده الله عند القسمة نزعها من قربه أشفق عليها ولزمها وهم مع ذلك مجمعون على أن الله تعالى يثيب عليها ويعاقب لأنه وعد على صالحها وأوعد على سيئها فهو ينجز وعده ويحقق وعيده لأنه صادق خبره صدق وقالوا على العباد بذل المجهود في أداء ما كلف وإتيان ما ندب إليه بعد التكليف وبعد إتيانها وإيفاء ما عليه تكون المشاهدات كما جاء في الحديث من عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعمل وقال الله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون وقال يحيى لن يصل إلى قلبك روح المعرفة وله عليك حق لم تؤده وقال الجنيد إن الله تعالى يعامل عباده في الآخر على حسب ماعاملهم في الأول بدأهم تكرما وأمرهم ترحما ووعدهم تفضلا ويزيدهم تكرما فمن شهد بره القديم سهل عليه أداء أمره ومن لزم أمره أدركه وعده ومن فاز بوعده لا بد أن يزيده من فضله

63

وقال سهل بن عبد الله التستري من غمض بصره عن الله طرفة عين فلا يهتدي طول عمره
الباب الحادي والعشرون

قولهم في معرفة الله تعالى اجمعوا على أن الدليل على الله هو الله وحده وسبيل العقل عندهم سليل العاقل في حاجته إلى الدليل لأنه محدث والمحدث لايدل إلا على مثله وقال رجل للنوري ما الدليل على الله قال الله قال فما العقل قال العقل عاجز والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله وقال ابن عطاء العقل آلة للعبودية لا للإشراف على الربوبية وقال غيره العقل يجول حول الكون فإذا نظر إلى المكون ذاب وقال أبو بكر القحطبي من لحقته العقول فهو مقهور إلا من جهة الإثبات ولولا أنه تعرف إليها الألطاف لما أدركته من جهه الإثبات وأنشدونا لبعض الكبار
من رامه بالعقل مسترشدا
سرحه في حيرة يلهو


وشاب بالتلبيس أسراره
يقول من حيرته هل هو

وقال بعض الكبار لا يعرفه إلا من تعرف إليه ولا يوحده إلا من توحد له ولا يؤمن به إلا من لطف به ولا يصفه إلا من تجلى لسره ولا يخلص له إلا من جذبه إليه ولا يصلح له إلا من اصطنعة لنفسه

64

معنى من تعرف إليه أي من تعرف الله إليه ومعنى من توحد له أي أراه أنه واحد وقال الجنيد المعرفة معرفتان معرفة تعرف ومعرفة تعريف معنى التعرف ان يعرفهم الله عز وجل نفسه ويعرفهم الأشياء به كما قال إبراهيم عليه السلام لا أحب الآفلين ومعنى التعريف أن يريهم آثار قدرته في الآفاق والأنفس ثم يحدث فيهم لطفا تدلهم الأشياء أن لها صانعا وهذه معرفة عامة المؤمنين والأولى معرفة الخواص وكل لم يعرفه في الحقيقة إلا به وهذا كما قال محمد بن واسع ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه وقال غيره ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وقال ابن عطاء تعرف إلى العامة بخلقه لقوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى الخاصة بكلامه وصفاته بقوله أفلا يتدبرون القرآن وقال وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولله الأسماء الحسنى وإلى الأنبياء بنفسه كما قال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وقال ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وقال بعض الكبراء من أهل المعرفة
لم يبق بيني وبين الحق تبياني
ولا دليل ولا آيات برهاني


هذا تجلى طلوع الحق نائرة
قد أزهرت في تلاليها بسلطان



65


لا يعرف الحق إلا من يعرفه
لا بعرف القدمى المجث الفاني


لا يستدل على الباري بصنعته
رأيتم حدثا ينبي عن أزمان


كان الدليل له منه إليه به
من شاهد الحق في تنزيل فرقان


كان الدليل له منه به وله
حقا وجدناه بل علما بتبيان


هذا وجودي وتشريحي ومعتقدي
هذا توحد توحيد وإيماني


هذا عبارة أهل الانفراد به
دوي المعارف في سر وإعلان


هذا وجود وجود الواجدين له
بني التجانس أصحابي وخلاني

وقال بعض الكبراء إن الله تعالى عرفنا نفسه بنفسه ودلنا على معرفة نفسه بنفسه فقام شاهد المعرفة من المعرفة بالمعرفة بعد تعريف المعرف بها معناه أن المعرفة لم يكن لها سبب غير أن الله تعالى عرف العارف فعرف بتعريفه وقال بعض الكبار من المشايخ البادي من المكونات معروف بنفسه لهجوم العقل عليه والحق اعز من أن تهجم العقول عليه وأنه عرفنا نفسه أنه ربنا فقال ألست بربكم ولم يقل من أنا فتهجم العقول عليه حين بدا معرفا فلذلك انفرد عن العقول وتنزه عن التحصل غير الإثبات وأجمعوا أنه لا يعرفه إلا ذو عقل لأن العقل آلة للعبد يعرف به ما عرف وهو بنفسه لا يعرف الله تعالى

66

وقال أبو بكر السباك لما خلق الله العقل قال له من أنا فسكت فكحله بنور الوحدانية ففتح عينيه فقال أنت الله لا إله إلا أنت فلم يكن للعقل ان يعرف الله إلا بالله
الباب الثاني والعشرون اختلافهم في المعرفة نفسها

ثم اختلفوا في المعرفة نفسها ما هي والفرق بينها وبين العلم فقال الجنيد المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه قيل له زدنا قال هو العارف وهو المعروف معناه أنك جاهل به من حيث أنت وإنما عرفته من حيث هو وهو كما قال سهل المعرفة هي المعرفة بالجهل وقال سهل العلم يثبت بالمعرفة والعقل يثبت بالعلم وأما المعرفة فأنها تثبت بذاتها معناه أن الله تعالى إذا عرف عبدا نفسه فعرف الله تعالى بتعرفه إليه أحدث له بعد ذلك علما فأدرك العلم بالمعرفة وقام العقل فيه بالعلم الذي احدثه فيه وقال غيره تبين الأشياء على الظاهر علم وتبينها على استكشاف بواطنها معرفة وقال غيره اباح العلم للعامة وخص أولياءه بالمعرفة وقال ابو بكر الوراق المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها والعلم علم الأشياء بحقائقها

67

وقال أبو سعيد الخراز المعرفة بالله هي علم الطلب لله من قبل الوجود له والعلم بالله هو بعد الوجود فالعلم بالله اخفى وأدق من المعرفة بالله وقال فارس المعرفة هي المستوفية في كنه المعروف وقال غيره المعرفة هي حقر الأقدار إلا قدر الله وأن لا يشهد مع قدر الله قدرا وقيل لذي النون بم عرفت ربك قال ما هممت بمعصية فذكرت جلال الله إلا استحييت منه جعل معرفته بقرب الله منه دلالة المعرفة له وقيل لعليان كيف حالك مع المولى قال ما جفوته منذ عرفته قيل له متى عرفته قال منذ سموني مجنونا جعل دلالة معرفته له تعظيم قدره عنده قال سهل سبحان من لم يدرك العباد من معرفته إلا عجزا عن معرفته
الباب الثالث والعشرون قولهم في الروح

قال الجنيد الروح شئ استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ولا يجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله قل الروح من أمر ربي قال أبو عبد الله النباجي الروح جسم يلطف عن الحس ويكبر عن اللمس ولا يعبر عنه بأكثر من موجود

68

قال ابن عطاء خلق الله الأرواح قبل الأجساد لقوله تعالى ولقد خلقناكم يعني الأرواح ثم صورناكم يعني الأجساد وقال غيره الروح لطيف قام في كثيف كالبصر جوهر لطيف قام في كثيف وأجمع الجمهور على أن الروح معنى يحيى به الجسد وقال بعضهم هو روح نسيم طيب يكون به الحياة والنفس ريح حارة تكون بها الحركات والسكنات والشهوات وسئل القحطبي عن الروح فقال لم يدخل تحت ذل كن ومعناه عنده أنه ليس إلا الإحياء والحي والإحياء صفة المحيي كالتخليق والخلق صفة الخالق واستدل من قال ذلك بظاهر قوله قل الروح من أمر ربي قالوا أمره كلامه وكلامه ليس بمخلوق كأنهم قالوا إنما صار الحي حيا بقوله كن حيا وليس الروح معنى في الجسد حالا مخلوق كالجسد قال الشيخ وليس هذا بصحيح وإنما الصحيح أن الروح معنى في الجسد مخلوق كالجسد
الباب الرابع والعشرون قولهم في الملائكة والرسل

سكت الجمهور منهم عن تفضيل الرسل على الملائكة وتفضيل الملائكة على الرسل وقالوا الفضل لمن فضله الله ليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل وفضل بعضهم الرسل وبعضهم الملائكة

69

وقال محمد بن الفضل جملة الملائكة أفضل من جملة المؤمنين وفي المؤمنين من هو أفضل من الملائكة كأنه فضل الأنبياء عليهم السلام وعلى الملائكة وأجمعوا ان بين الرسل تفاضلا لقول الله تعالى ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وقوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ولم يعينوا الفاضل والمفضول لقوله عليه السلام لا تخيروا بين الأنبياء وأوجبوا فضل محمد صلى الله عليه وسلم بالخبر وهو قوله عليه والسلام أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم ومن دونه تحت لوائي وسائر الأخبار التي جاءت وقول الله جل وعز كنتم خير أمة أخرجت للناس فلما كانت أمته خير الأمم وجب أن يكون نبيها خير الأنبياء وسائر ما في القرآن من الدلائل على فضله وأجمعوا جميعا أن الأنبياء أفضل البشر وليس في البشر من يوازي الأنبياء في الفضل لا صديق ولا ولي ولا غيرهم وإن جل قدره وعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضى الله عنه هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين يعني أبا بكر وعمر فأخبر صلى الله عليه وسلم أنهما خير الناس بعد النبيين قال أبو يزيد البسطامي آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء وليس لنهاية الأنبياء غاية تدرك وقال سهل بن عبد الله انتهت همم العارفين إلى الحجب فوقفت مطرقة فأذن لها فسلمت فخلع عليها خلع التأييد وكتب لها براءة من الزيغ وهمم الأنبياء

70

جالت حول العرش فكسيت الأنوار ورفع منها الأقذار واتصلت بالجبار فأفنى حظوظها وأسقط مرادها وجعلها متصرفة به له قال أبو يزيد لو بدا للخلق من النبي ذرة لم يقم لها مادون العرش وقال ما مثل معرفة الخلق وعلمهم بالنبي إلا مثل نداوة تخرج من رأس الزف المربوط قال بعضهم لم ينل أحد من الأنبياء الكمال في التسليم والتفويض غير الحبيب والخليل صلى الله عليهما فلذلك أيس الكبراء عن الكمال وإن كانوا في حال القربة مع تحقيق المشاهدة قال أبو العباس بن عطاء أدنى منازل المرسلين أعلى مراتب النبيين وأدنى منازل الأنبياء أعلى مراتب الصديقين وأدنى منازل الصديقين أعلى مراتب الشهداء وأدنى منازل الشهداء أعلى مراتب الصالحين وأدنى منازل الصالحين أعلى مراتب المؤمنين
الباب الخامس والعشرون قولهم فيما أضيف إلى الأنبياء من الزلل

قال الجنيد والنوري وغيرهما من الكبار إن ما جرى على الأنبياء إنما جرى على ظواهرهم وأسرارهم مستوفاة بمشاهدات الحق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى فنسي ولم نجد له عزما وقالوا ولا تصح الأعمال حتى يتقدمها العقود والنيات وما لا عقد فيه ولا نية فليس بفعل وقد نفى الله تعالى الفعل عن آدم بقوله فنسي ولم نجد له عزما

71

قالوا ومعاتبات الحق لهم عليها إنما جاءت إعلاما للأغيار ليعلموا عند إتيانهم المعاصي مواضع الاستغفار وأثبتها بعضهم وقالوا إنها كانت على جهة التأويل والخطإ فيه فعوتبوا عليها لعلو مرتبتهم وارتفاع منازلهم فكان ذلك زجرا لغيرهم وحفظا لمواضع الفضل عليهم وتأديبا لهم وقال بعضهم إنها كانت على جهة السهو الغفلة وجعلوا سهوهم في الأدنى بالأرفع وهكذا قالوا في سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إن الذي شغله عن صلاته كان أعظم من الصلاة لقوله وجعلت قرة عيني في الصلاة فأخبر أن في الصلاة ما تقر به عينه ولم يقل جعلت قرة عيني الصلاة وكل من أثبتها زللا وخطايا فإنهم جعلوها صغائر مقرونة بالتوبة كما قال الله تعالى مخبرا عن صفيه آدم وزوجته عليهما السلام ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقوله فتاب عليه وهدى وفي داود عليه السلام وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب
الباب السادس والعشرون قولهم في كرامات الأولياء

اجمعوا على إثبات كرامات الأولياء وإن كانت تدخل في باب المعجزات كالمشي على الماء وكلام البهائم وطي الأرض وظهور الشئ في غير موضعه ووقته وقد جاءت الأخبار بها وصحت الروايات ونطق بها التنزيل من قصة الذي عنده

72

علم من الكتاب في قوله تعالى أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك وقصة مريم حين قال لها زكريا أنى لك هذا قالت هو من عند الله وقصة الرجلين اللذين كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجا فأضاء لهما سوطاهما وغير ذلك وجواز ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وغير عصره واحد وذلك أنه إذا كانت في عصر النبي للنبي صلى الله عليه وسلم على معنى التصديق له كان في غير عصره على معنى التصديق وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين نادى سارية قال لسارية يا سارية بن حصن الجبل الجبل وعمر بالمدينة على المنبر وسارية في وجه العدو على مسيرة شهر والأخبار في هذا كثيرة وافرة وإنما أنكر جواز ذلك من أنكر لأن فيه زعم إبطال النبوات لأن النبي لا يظهر عن غيره إلا بمعجزة يأتي بها تدل على صدقه ويعجز عنها غيره فإذا ظهرت على يدي غيره لم يكن بينه وبين من ليس بنبي فرق ولا دليل على صدقه قالوا وفيه تعجيز الله عن إظهار نبي عن من ليس بنبي وقال أبو بكر الوراق النبي لم يكن نبيا للمعجزة وإنما كان نبيا بإرسال الله تعالى إياه ووحيه إليه فمن أرسله الله وأوحى إليه فهو نبي كانت معه معجزة أو لم تكن ووجب على من دعاه الرسول الإجابة له وإن لم يره معجزة وإنما كانت المعجزات لإثبات الحجة على من أنكر ووجوب كلمة العذاب على من عاند وكفر وإنما وجبت الإجابة للنبي بدعوته لأنه يدعوه إلى ما أوجب الله عليه من

73

توحيده ونفي الشركاء عنه وإتيان ما ليس في العقل استحالته بل وجوبه أو جوازه والأصل في ذلك أنهما عينان نبي ومتنبي فالنبي صادق والمتنبي كاذب وهما يشتبهان في الصورة والتركيب وأجمعوا أن الصادق يؤيده الله بالمعجزة والكاذب لا يجوز له ما يكون للصادق لأن في هذا تعجيز الله عن إظهار الصادق من الكاذب فأما إذا كان ولي صادق وليس بنبي فإنه لا لا يدعي النبوة ولا ما هو كذب وباطل وإنما يدعو إلى ما هو حق وصدق فإن أظهر الله عليه كرامة لم يقدح ذلك في نبوة النبي ولا أوجب شبهة فيها لأن الصادق يقول ما يقوله النبي ويدعو إلى ما يدعوا إليه النبي فظهور الكرامة له تأييد لنبي وإظهار لدعوته وإلزام لحجته وتصديقه فيما يدعوه ويدعيه من النبوة وإثبات توحيد الله عز وجل وجوز بعضهم أن يرى الله أعداءه في خاصة أنفسهم وفيما لا يوجب شبهة ما يخرج من العادات ويكون ذلك استدراجا لهم وسببا لهلاكهم وذلك انها تولد في أنفسهم تعظما وكبرياء ويرون أنها كرامات لهم استأهلوها بأعمالهم واستوجبوها بأفعالهم فيتكلون على أعمالهم ويرون لهم الفضل على الخلق فيزرون بعباده ويأمنون مكره ويستطيلون على عباده وأما الأولياء فإنهم إذا ظهر لهم من كرامات الله شئ ازدادوا لله تذللا وخضوعا وخشية واستكانة وإزراء بنفوسهم وإيجابا لحق الله عليهم فيكون ذلك زيادة لهم في أمورهم وقوة على مجاهداتهم وشكرا لله تعالى على ما أعطاهم فالذي للأنبياء معجزات وللأولياء كرامات وللأعداء مخادعات

74

وقال بعضهم إن كرامات الأولياء تجري عليهم من حيث لا يعلمون والأنبياء تكون لهم المعجزات وهم بها عالمون بإثباتها ناطقون لأن الأولياء قد يخشى عليهم الفتنة مع عدم العصمة والأنبياء لا يخشى عليهم الفتنة بها لأنهم معصومون قالوا وكرامة الولي بإجابة عوة وتمام حال وقوة على فعل وكفاية مؤنة يقوم لهم الحق بها وهي مما يخرج عن العادات ومعجزات الأنبياء إخراج الشئ من العدم إلى الوجود وتقليب الأعيان وجوز بعض المتكلمين وقوم من الصوفية إظهارها على الكذابين من حيث لا يعلمون وقت ما يدعونها فيما لا يوجب شبهة كما روى في قصة فرعون من جرى النيل معه وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحيية فيما يخيل إليه قالوا إنما جاز ذلك لأنهما ادعيا ما لا يوجب شبهة لأن أعيانهما تشهد على كذبهما فيما ادعياه من الربوبية واختلفوا في الولي هل يجوز أن يعرف أنه ولي ام لا فقال بعضهم لا يجوز ذلك لأن معرفة ذلك تزيل عنه خوف العاقبة وزوال خوف العاقبة يوجب الأمن وفي وجوب المن زوال العبودية لأن العبد بين الخوف والرجاء قال الله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وقال الأجلة منهم والكبار يجوز أن يعرف الولي ولايته لأنها كرامة من الله تعالى للعبد والكرامات والنعم يجوز أن يعلم ذلك فيقتضي زيادة الشكر والولاية ولايتان ولاية تخرج من العداوة وهي لعامة المؤمنين فهذه لا توجب معرفتها والتحقق بها للأعيان لكن من جهة العموم فيقال المؤمن ولي الله ولاية اختصاص واصطفاء واصطناع وهذه توجب معرفتها والتحقق بها

75

ويكون صاحبها محفوظا عن النظر إلى نفسه فلا يدخله عجب ويكون مسلوبا من الخلق بمعنى النظر إليهم بحظ فلا يفتنونه ويكون محفوظا عن آفات البشرية وإن كان طبع البشرية قائما معه باقيا فيه فلا يستحلى حظا من حظوظ النفس استحلاء يفتنه في دينه واستحلاء الطبع قائم فيه وهذه هي خصوص الولاية من الله للعبد ومن كان بهذه الصفة لم يكن للعدو إليه طريق بمعنى الإغواء لقوله جل وعز إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وهو مع هذا ليس بمعصوم من صغيرة ولا كبيرة فإن وقع في أحديهما قارنته التوبة الخالصة والنبي معصوم لا يجري عليه كبيرة بإجماع ولا صغيرة عند بعضهم وزوال خوف العاقبة ليس بممتنع بل هو جائز فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنهم من أهل الجنة وشهد للعشرة بالجنة والراوي له سعيد ابن زيد وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم توجب سكونا إليها وطمأنينة بها وتصديقا لها وهذا يوجب الأمن من التغيير وزوال خوف التبديل لا محالة والروايات التي جاءت في خوف المبشرين من قول ابي بكر رضي الله عنه يا ليتني كنت تمرة ينقرها الطير وقول عمر رضي الله عنه ياليتني كنت هذه النبتة ليتني لم أك شيئا وقول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وددت أني كبش فيذبحني أهلي ويأكلون لحمي ويحسون مرقي وقول عائشة رضي الله عنها يا ليتي كنت ورقة من هذه الشجرة وهي من شهد لها عمار بن ياسر على منبر الكوفة فقال اشهد أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة

76

إنما كان ذلك منهم خوفا من جريان المخالفات عليهم إجلالا لله تعالى وتعظيما لقدره ووهبية له وحياء منه بأنهم أجلوا الحق أن يخالفون وإن لم يعاقبهم كما قال عمر رضي الله عنه نعم المرء صهيب لولم يخف الله لم يعصه يعني أن صهيبا ليس يترك المعصية لله خوف عقوبته ولكنه يتركها إجلالا له وتعظيما لقدره وحياء منه فخوف المبشرين لم يكن خوفا من التغيير والتبديل لأن خوف التغيير والتبديل مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم يوجب شكا في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ولم يكن ذلك خوف عقوبه في النار دون الخلود فيها لعلمهم بأنهم لا يعاقبون بالنار على ما يكون منهم لأنها إما أن تكون صغائر فتكون مغفورة باجتناب الكبائر أو بما يصيبهم من البلوى في الدنيا قال عبد الله بن عمر فيما روى عن أبي بكر الصديق قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أقرئك آية أنزلت على قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم ما أصابني إلا أني وجدت انقصاما في ظهري فتمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك يا أبا بكر فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزون بما عملنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون

77

بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة أو تكون كبائر فتقارنها التوبة لا محالة فتصح بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة على أن هذا الحديث قد بين أنه يأتي يوم القيامة ولا ذنب له قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ولو كان كما قال بعض الناس إنهم بشروا بالجنة ولم يبشروا بأنهم لا يعاقبون فكان خوفهم من النار وإن علموا أنهم لا يخلدون فيها لكان المبشرون وغيرهم من المؤمنين في ذلك سواء لأنهم لا محالة مخرجون منها ولو جاز دخول أبي بكر وعمر النار مع قول النبي صلى الله عليه وسلم هما سيا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين جاز دخول الحسن والحسين مع قوله هما سيدا شباب أهل الجنة فإن كانت سادة أهل الجنة يجوز أن يدخلهم الله النار ويعذبهم بها لم يجز أن يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يعذب بالنار وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم اتعما فإن كان هذان يدخلان النار ويخزيان فيها لأن الله تعالى قال إنك من تدخل النار فقد أخزيته فكيف بغيرهما وقال ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وأبو بكر وعمر

78

أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال هكذا نبعث يوم القيامة فإن جاز دخولهما النار جاز دخول الثالث وقال النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب فقال عكاشة بن محصن الأسدي يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت منهم وأبو بكر وعمر أفضل من عكاشة لا محالة لقول النبي صلى الله عليه وسلم هما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين فكيف يجوز أن يدخل عكاشة الجنة بغير حساب وهو دونهما في الفضل وهما في النار فهذا غلط كبير فقد صح بهذه الأخبار أنهما لا يجوز أن يكونا معذبين بالنار مع شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهما بالجنة فقد تبين أمنهما فمهما قيل فيهما وفي غيرهما من المبشرين كان ذلك قولا فيمن سواهما من الأولياء من جواز الأمن وأما طريق معرفة سائر الأولياء دون المبشرين إذ كان المبشرون إنما علموا ذلك بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لم يكن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرهم فإنهم إنما يعرفون بما يحدث الله فيهم من اللطائف التي يخص بها أولياءه وبما يورد على أسرارهم من الأحوال التي هي أعلام ولايته من اختصاصه لهم به وجذبه لهم مما سواه إليه وزوال العوارض عن أسرارهم وفناء الحوادث لهم والصوارف عنه إلى غيره ووقوع المشاهدات والمكاشفات التي لا يجوز أن يفعلها الله تعالى إلا بأهل خاصته ومن اصطفاه لنفسة في أزله مما لا يفعل مثلها في أسرار أعدائه

79

فقد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لم يفضلكم بكثرة الصوم والصلاة ولكن فضلكم بشئ وقر في صدره أو في قلبه فهذا معنى الحديث ويؤمنهم أن يجدوا في أسرارهم كرامات ومواهب وأنها على الحقيقة وليست بمخادعات كالذي كان للذي آتاه آياته فانسلخ منها ومعرفتهم أن أعلام الحقيقة لا يجوز أن يكون كأعلام الخداع والمكر لأن أعلام المخادعات تكون في الظاهر من ظهور ما خرج من العادة من ركون المخدوع بها إليها واغترارهم بها فيظنوا أنها علامات الولاية والقرب وهو في الحقيقة خداع وطرد ولو جاز أن يكون ما يفعله بأولياءه من الاختصاص كما يفعله بأعدائه من الاستدراج لجاز أن يفعل انبياءه ويلعنهم كما فعل بالذي آتاه آياته وهذا لا يجوز أن يقال في الله عز وجل ولو جاز أن يكون للأعداء أعلام الولاية وأمارات الاختصاص ويكون دلائل الولاية لا تدل عليها لم يقم للحق دليل بته وليست اعلام الولاية من جهة حلية الظواهر وظهور ما خرج من العادة لهم فقط لكن أعلامها إنما تكون في السرائر بما يحدث الله تعالى فيها مما يعلمه الله تعالى ومن يجده في سره
الباب السابع والعشرون قولهم في الإيمان

الإيمان عند الجمهور منهم قول وعمل ونية ومعنى ة النية التصديق وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان

80

قالوا أصل الإيمان إقرار اللسان بتصديق القلب وفروعه العمل بالفرائض وقالوا الإيمان في الظاهر والباطن والباطن شئ واحد وهو القلب والظاهر أشياء مختلفة وأجمعوا أن وجوب الإيمان ظاهرا كوجوبه باطنا وهو الإقرار غير أنه قسط جزء من أجزاء الظاهر دون جميعه ولما كان قسط الباطن من الإيمان قسط جميعه وجب أن يكون قسط الظاهر من الإيمان قسط جميعه وقسط جميعه هو العمل بالفرائض لأنه يعم جميع الظاهر كما عم التصديق جميع الباطن وقالوا الإيمان يزيد وينقص وقال الجنيد وسهل وغيرهما من المتقدمين منهم إن التصديق يزيد ولا ينقص ونقصانه يخرج من الإيمان لأنه تصديق بأخبار الله تعالى وبمواعيده وأدنى شك فيه كفر وزيادته من جهة القوة واليقين وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص وعمل الأركان يزيد وينقص وقال قائل منهم المؤمن اسم الله تعالى قال الله جل جلاله السلام المؤمن المهيمن وهو يؤمن المؤمن بإيمانه من عذابه والمؤمن إذا أقر وصدق وأتى بالأعمال المفترضات وانتهى عن المنهيات أمن من عذاب الله ومن لم يأت بشئ من ذلك فهو مخلد في النار والذي اقر وصدق وقصر في الأعمال فجائز أن يكون معذبا غير مخلد فهو آمن من الخلود غير آمن من العذاب فكان أمنه ناقصا غير كامل وأمن من أتى بها كلها أمنا تاما غير ناقص فوجب أن يكون نقصان أمنه لنقصان إيمانه إذ كان تمام أمنه لتمام إيمانه وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم إيمان من قصر في واجب بالضعف فقال

81

وذلك أضعف الإيمان وهو الذي يرى المنكر فينكره بباطنه دون ظاهره فأخبر ان إيمان الباطن دون الظاهر إيمان ضعيف ووصفه بالكمال فقال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا والأخلاق تكون في الظاهر والباطن فما عم الجميع وصف بالكمال وما لم يعم الجميع وصف بالضعف وقال بعضهم زيادة الإيمان ونقصانه من جهة الصفة لا من جهة العين فزيادة الإيمان من جهة الجودة والحسن والقوة ونقصانه من نقصانها لا من جهة العين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع وهن مريم وفاطمة وخديجة وعائشة رضي الله عنهن ولم يكن نقصان سائر النساء من جهة أعيانهن ولكن من جهة الصفة ووصفهن أيضا بنقصان العقل والدين وفسر نقصان دينهن بتركهن الصلاة والصيام في الحيض والدين الإسلام وهو والإيمان واحد عند من لا يرى العمل من الإيمان وسئل بعض الكبراء عن الإيمان فقال الإيمان من الله لا يزيد ولا ينقص ومن الأنبياء يزيد ولا ينقص ومن غيرهم يزيد وينقص فمعنى قوله من الله لا يزيد ولا ينقص أن الإيمان صفة لله تعالى وهو موصوف به قال الله تعالى السلام المؤمن المهيمن وصفات الله لا توصف بالزيادة والنقصان ويجوز ان يكون الإيمان من الله جل وعز هو الذي قسمه للعبد منه في سابق علمه لا يزيد وقت ظهوره ولا ينقص عما علمه منه وقسمه له

82

والأنبياء في مقام المزيد من الله تعالى من جهة القوة واليقين ومشاهدات أحوال الغيوب كما قال الله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وسائر المؤمنين يزيد إيمانهم في بواطنهم بالقوة واليقين وينقص من فروعه بالتقصير في الفرائض وارتكاب المناهي والأنبياء معصومون عن ارتكاب المناهي ومحفوظون في الفرائض عن التقصير فلا يوصفون بالنقصان في شئ من أوصافهم في حقائق الإيمان
الباب الثامن والعشرون قولهم في حقائق الإيمان

قال بعض الشيوخ حقائق الإيمان أربعة توحيد بلا حد وذكر بلا بت وحال بلا نعت ووجد بلا وقت معنى حال بلا نعت أن يكون وصفه حاله حتى لا يصف حالا من الأحوال الرفيعة إلا وهو بها موصوف ووجد بلا وقت أن يكون مشاهدا للحق في كل وقت وقال بعضهم من صح إيمانه لم ينظر إلى الكون وما فيه لأن خساسة الهمة من قلة المعرفة بالله تعالى وقال بعضهم صدق الإيمان التعظيم لله وثمرته الحياء من الله وقيل المؤمن مشروح الصدر بنور الإسلام منيب القلب إلى ربه شهيد الفؤاد لربه سليم اللب متعوذ بربه محترق بقربه صارخ من بعده وقال بعضهم الإيمان بالله مشاهدة ألوهيته وقال أبو القاسم البغدادي الإيمان هو الذي يجمعك إلى الله ويجمعك بالله

83

والحق واحد والمؤمن متوحد ومن وافق الأشياء فرفته الأهواء ومن تفرق عن الله بهواه وتبع شهوته وما يهواه فاته الحق ألا ترى أنه امرهم بتكرير العقود عند كل خطرة ونظره فقال يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وقال النبي صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد بطنه تعس عبد فرجه تعس عبد الخميصة وسألت بعض مشايخنا عن الإيمان فقال هو أن يكون الكل منك مستجيبا في الدعوة مع حذف خواطر الانصراف عن الله بسرك فتكون شاهدا لما له غائبا عما ليس له وسألته مرة أخرى عن الإيمان فقال الإيمان مالا يجوز إتيان ضده ولا ترك تكليفه وفي قوله يا أيها الذين آمنوا يا أهل صفوتي ومعرفتي يا أهل قربي ومشاهدتي وجعل بعضهم الإيمان والإسلام واحدا وفرق بعضهم بينهما فقال من فرق بينهما الإسلام عام والإيمان خاص وقال بعضهم الإسلام ظاهر والإيمان باطن وقال بعضهم الإيمان تحقيق واعتقاد والإسلام خضوع وانقياد وقال بعضهم التوحيد سر وهو تنزيه الحق عن دركه والمعرفة بر وهو

84

أن تعرفه بصفاته والإيمان عقد القلب بحفظ السر ومعرفة البر والإسلام مشاهدة قيام الحق بكل ما أنت به مطالب
الباب التاسع والعشرون قولهم في المذاهب الشرعية

إنهم يأخذون لأنفسهم بالأحوط والأوثق فيما اختلف فيه الفقهاء وهم مع إجماع الفريقين فيما أمكن ويرون اختلاف الفقهاء صوابا ولا يعترض الواحد منهم على الآخر وكل مجتهد عندهم مصيب ولك من اعتقد مذهبا في الشرع وصح ذلك عنده بما يصح مثله مما يدل عليه الكتاب والسنة وكان من أهل الاستنباط فهو مصيب باعتقاده ذلك ومن لم يكن من اهل الاجتهاد اخذ بقول من أفتاه ممن سبق الى قلبه من الفقهاء انه اعلم وقوله حجة له وأجمعوا على تعجيل الصلوات وهو الأفضل عندهم مع التيقن بالوقت ويرون تعجيل أداء جميع المفترضات عند وجوبها لا يرون التقصير والتأخير والتفريط فيها إلا لعذر ويرون تقصير الصلاه في السفر ومن أدمن السفر منهم ولم يكن له مقر أتم الصلاة ورأوا الفطر في السفر جائزا ويصومون واستطاعة الحج عندهم الإمكان من أي وجه كان ولا يشترطون الزاد والراحلة فقط قال ابن عطاء الاستطاعة اثنان حال ومال فمن لم يكن له حال يقله ولا مال يبلغه لا يجب عليه

85


الباب الثلاثون قولهم في المكاسب

أجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث وغير ذلك مما أباحته الشريعة على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات وانها تعمل للتعاون وحسم الأطماع ونية العود على الأغيار والعطف على الجار وهي عندهم واجبة لمن ربط به غيره ممن يلزمه فرضه وسبيل المكاسب عند الجنيد على ما سبق من الشرط سبيل الأعمال المقربة إلى الله عز وجل ويشتغل العبد بها على حسب ما يشتغل في إتيان ما ندب إليه من النوافل لا على ان بها تجلب الأرزاق وتجر المنافع وهي عند غيره مباح للفرد ليس بواجب عليه من غير أن يقدح في توكله أو يجرح دينه والاشتغال بوظائف الحق أولى واحق والإعرض عنه عند صحة التوكل والثقة بالله أوجب وقال سهل لا يصح الكسب لأهل التوكل إلا لاتباع السنة ولا لغيرهم إلا للتعاون هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم من أقاويلهم في كتبهم ممن ذكرنا أساميهم ابتداء وما سمعناه من الثقات ممن عرف أصولهم وتحقق مذاهبهم والذي فهمناه من رزموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم قال وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم

86

ومن تدبر كلامهم وتفحص كتبهم علم صحة ما حكيناه ولولا أنا كرهنا الإطالة والإكثار لكنا نذكر مكان ما حكيناه من كلامهم من كتبهم نصا ودلالة إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح ونذكر الآن بعض ما تخصصوا به من أقاؤيلهم وما استعملوه من ألفاظهم مما تفردوا به والعلوم التي عنوا بها وما يدور كلامهم عليه ونشرح بعض ما يمكن شرحه وبالله نستعين ولا حول وقوة إلا بالله العلى العظيم
الباب الحادي والثلاثون علوم الصوفية علوم الأحوال

أقول وبالله التوفيق اعلم أن علوم الصوفية علوم الأحوال والأحوال مواريث الأعمال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها وهى علم الأحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه من الصلاة والصوم وسائر الفرائض إلى علم المعاملات من النكاح والطلاق والمبايعات وسائر ما أوجب الله تعالى وندب إليه وما لاغناء به عنه من أمور المعاش وهذه علوم التعلم والاكتساب فأول ما يلزم العبد الاجتهاد فى طلب هذا العلم وإحكامه على قدر ما أمكنه ووسعه طبعه وقوى عليه فهمه بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة على طريق الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح عليه القدر الذي يتيقن بصحة ما عليه أهل السنة والجماعة فإن وفق لما فوقه من نفى الشبه التى تعترضه من خاطر أو ناظر فذاك وإن أعرض عن خواطر السوء اعتصاما بالجملة التي عرفها وتجافى عن المناظر الذي يحاجه فيه ويجادله عليه وباعده فهو في سعة إن شاء الله عز وجل واشتغل باستعمال علمه وعمل بما علم

87

فأول ما يلزمه علم آفات النفس ومعرفتها ورياضتها وتهذيب أخلاقها ومكائد العدو وفتنة الدنيا وسبيل الاحتراز منها وهذا العلم علم الحكمة فإذا استقامت النفس على الواجب وصلحت طباعها وتأدبت بآداب الله عز وجل من زم جوارحها وحفظ أطرافها وجمع حواسها سهل عليه إصلاح أخلاقها وتطهير الظاهر منها والفراغ مما لها وعزوفها عن الدنيا وإعراضها عنها فعند ذلك يمكن العبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر وهذا هو علم المعرفة ثم وراء هذا علوم الخواطر وعلوم المشاهدات المكاشفات وهى التى تختص بعلم الإشارة وهو العلم الذى تفردت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم التى وصفناها وإنما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق بل تعلم بالمنازلات والمواحيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحل تلك المقامات روى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله وعن عبد الواحد بن زيد قال سألت الحسن عن علم الباطن فقال سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال سألت رسول الله عن علم الباطن فقال سألت جبريل عن علم الباطن فقال سألت الله عز وجل عن علم الباطن فقال هو سر من سرى أجعله فى قلب عبدى لا يقف عليه أحد من خلقى قال أبو الحسن بن أبى ذر فى كتابه منهاج الدين أنشدونا للشبلى

88


علم التصوف علم لا نفاد له
علم سنى سماوى ربوبى


فيه الفوائد للأرباب يعرفها
أهل الجزالة والصنع الخصوصى

ثم لكل مقام بدء ونهاية وبينهما أحوال متفاوتة ولكل مقام علم وإلى كل حال إشارة ومع كل مقام إثبات ونفى وليس كل ما نفى فى مقام كان منفيا فيما قبله ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه وهو كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لا إيمان لمن لا أمانة له فنفى إيمان الأمانة لا ايمان العقد والمخاطبون أدركوا ذلك إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة أو جاوزوه إلى ما فوقه وكان عليه السلام مشرفا على أحوالهم فصرح لهم فأما من لم يشرف على أحوال السامعين وعبر عن مقام فنفى فيه وأثبت جاز أن يكون فى السامعين من لم يحل ذلك المقام وكان الذى نفاه القائل مثبتا فى مقام السامع فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم فخطأ قائله أو بدعه وربما كفره فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ فى علومها تعارفوها بينهم ورمزوا بها فأدركه صاحبه وخفى على السامع الذى لم يحل مقامه فأما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه أو يسوء ظنه به فيهوس قائله وينبه إلى الهذيان وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره قال بعض المتكلمين لأبي العباس بن عطاء ما بالكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بها على السامعين وخرجتم عن اللسان المعتاد هل هذا إلا طلب للتمويه أو ستر لعوار المذهب

89

فقال أبو العباس ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه لعزته علينا كيلا يشربها غير طائفتنا ثم اندفع يقول
أحسن ما أظهره ونظهره
بادئ حق للقلوب نشعره


يخبرني عني وعنه أخبره
أكسوه من رونقه ما يستره


عن جاهل لا يستطيع ينشره
يفسد معناه إذا ما يعبره


فلا يطبق اللفظ بل لا يعشره
ثم يوافي غيره فيخبره


فيظهر الجهل وتبدو زمره
ويدرس العلم ويعفو أثره

وأنشدونا أيضا له
إذا أهل العبارة ساءلونا
أجبناهم بأعلام الإشاره


نشير بها فنجعلها غموضا
تقصر عنه ترجمة العباره


ونشهدها وتشهدنا سرورا
له في كل جارحة إثاره


ترى الأقوال في الأحوال أسرى
كأسر العارفين ذوي الخسارة


الباب الثاني والثلاثون في التصوف ما هو

سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفارسي يقول أركان التصوف عشرة أولها تجريد التوحيد ثم فهم السماع وحسن العشرة وإيثار الإيثار وترك الاختيار وسرعة الوجد والكشف عن الخواطر وكثرة الأسفار وترك الاكتساب وتحريم الادخار معنى تجريد التوحيد أن لا يشوبه خاطر تشبيه أو تعطيل وفهم السماع أن يسمع بحاله لا بالعلم فقط

90

وإيثار الإيثار أن يؤثر على نفسه غيره بالإيثار ليكون فضل الإيثار لغيره وسرعة الوجد ان لا يكون فارغ السر مما يثير الوجد ولا ممتلئ السر مما يمنع من سماع زواجر الحق والكشف عن الخواطر أن يبحث عن كل ما يخطر على سره فيتابع ما للحق ويدع ما ليس له وكثرة الأسفار لشهود الاعتبار في الآفاق والأقطار قال الله تعالى أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق قيل في قوله عز وجل قل سيروا في الأرض قال بضياء المعرفة لا بظلمة النكرة ولقطع الأسباب ورياضة النفوس وترك الاكتساب لمطالبة النفوس بالتوكل وتحريم الادخار في حالة لا في واجب العلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي مات من أهل الصفة وترك دينارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيه
الباب الثالث والثلاثون في الكشف عن الخواطر

قال بعض الشيوخ الخاطر على أربعة أوجه خاطر من الله عز وجل وخاطر من الملك وخاطر من النفس وخاطر من العدو فالذي من الله تنبيه والذي من الملك حث على الطاعة والذي من النفس مطالبة الشهوة والذي من العدو تزيين المعصية

91

فبنور التوحيد يقبل من الله وبنور المعرفة يقبل من الملك وبنور الإيمان ينهى النفس وبنور الإسلام يرد على العدو
الباب الربع والثلاثون في التصوف والاسترسال

قال الجنيد التصوف حفظ الأوقات قال وهو أن لا يطالع العبد غير حده ولا يوافق غير ربه ولا يقارن غير وقته وقال ابن عطاء التصوف الاسترسال مع الحق قال أبو يعقوب السوسي الصوفي هو الذي لا يزعجه سلب ولا يتعبه طلب قيل للجنيد ما التصوف قال لحوق السر بالحق ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب لقوة الروح والقيام مع الحق وسئل الشبلي لم سميت الصوفية صوفيه قال لأنها ارتسمت بوجود الرسم وإثبات الوصف ولو ارتسمت بمحو الرسم لم يكن إلا اسم الرسم ومثبت الوصف فأحالهم على رسمومهم وأنكر أن يكون للمتحقق رسم أو وصف قال أبو يزيد الصوفية أطفال في جحر الحق قال أبو عبد الله النباجي مثل التصوف مثل علة البرسام في أولها هذيان فإذا تمكنت أخرست يعني أنه يعبر عن مقامه وينطق بعلم حاله فإذا كوشف تحير وسكت سمعت فارسا يقول متى تظاهر في خواطر الهجوس على دواعي ملمات النفوس وجد السبيل إلى ترجيح الأولى فيقع النشر وأما الوصلة فإنها تحجب مو

92

لإملاء فيكون المرجع إلى الخرس عن كل نفس سئل النورى عن التصوف فقال نشر مقام واتصال بقوام قيل له فما أخلاقهم قال إدخال السرور على غيرهم والإعراض عن أذاهم قال الله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين معنى نشر مقام هو أن يعبر عن حاله إذا عبر لا عن حال غيره بلسان العلم ومعنى اتصال بقوام هو أن يحمله حاله فى حاله عن حال غيره وأنشدونا للنورى
أزعجتنى عن نعوت الحال بالحال
وكيف ينعت من لا قال بالقال


ما كل من يدعى حالا تصدقه
حتى يترجم عنه صاحب الحال

ونريد أن نخبر الآن ببعض المقامات على لسان القوم من غير بسط كراهة الإطالة ونحكى من مقالات المشايخ فيها ما قرب منها إلى الأفهام دون الرموز الخفية والإشارات الدقيقة ونبدأ بالتوبة
الباب الخامس والثلاثون قولهم فى التوبة

سئل الجنيد بن محمد عن التوبة ما هي فقال هو نسيان ذنبك وسئل سهل عن التوبة فقال هو أن لا تنسى ذنبك فمعنى قول الجنيد أن تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجا لا يبقى له فى سرك أثر حتى تكون بمنزلة من لا يعرف ذلك قط

93

وقال رويم معنى التوبة أن تتوب من التوبة معناه ما قالت رابعة أستغفر الله من قلة صدقى فى قولي أستغفر الله سئل الحسين المغازلى عن التوبة فقال تسألني عن توبة الإنابة أو توبة الاستجابة فقال السائل ما توبة الإنابة قال أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك قال فما توبة الاستجابة قال أن تستحى من الله لقربه منك قال ذو النون توبة العام من الذنب وتوبة الخاص من الغفلة وتوبة الأنبياء من رؤية عجزهم عن بلوغ ما ناله غيرهم وقال النورى التوبة أن تتوب من ذكر كل شىء سوى الله جل وعز قال ابراهيم الدقاق التوبة أن تكون لله وجها بلا قفا كما كنت له قفا بلا وجه والله الموفق
الباب السادس والثلاثون قولهم فى الزهد

قال الجنيد الزهد خلو الأيدى من الأملاك والقلوب من التتبع قال على بن أبى طالب رضى الله عنه وسئل عن الزهد ما كان فقال هو أن لا تبالى من أكل الدنيا من مؤمن أو كافر قال يحيى الزهد ترك البد قال مسروق الزاهد الذى لا يملكه مع الله سبب

94

سئل الشبلى عن الزهد فقال ويلكم أى مقدار لأقل من جناح بعوضة حتى يزهد فيها قال أبو بكر الواسطى كم تصول بترك كنيف وإلى متى تصول بإعراضك ما لا يزن عند الله جناح بعوضة وسئل الشبلى عن الزهد فقال لا زهد فى الحقيقة لأنه إما أن يزهد فيما ليس له فليس ذلك بزهد أو يزهد فيما هو له فكيف يزهد فيه وهو معه وعنده فليس إلا ظلف النفس وبذل ومواساة كأنه جعل الزهد ترك الشىء فيما ليس له وما ليس له لا يصح له تركه لأنه متروك وما هو له لا يمكنه تركه
الباب السابع والثلاثون قولهم فى الصبر

قال سهل الصبر انتظار الفرج من الله تعالى قال وهو أفضل الخدمة وأعلاها وقال غيره الصبر أن تصبر فى الصبر معناه أن لا تطالع فيه الفرج قال بعضهم
صابر الصبر فاستغاث به الصبر
فنادى الصبور يا صبر صبرا

قال سهل فى قوله واستعينوا بالصبر والصلاة أى استعينوا بالله واصبروا على أمر الله واصبروا على أدب الله سبحانه قال سهل الصبر مقدس تقدس به الأشياء

95

قال أبو عمرو الدمشقى فى قوله تعالى مسني الضر أى مسنى الضر فصبرنى لأنك أرحم الراحمين وقال غيره مسنى الضر الذى تخص به أنبيائك وأوليائك بلا استحقاق منى لكن لأنك أرحم الراحمين وقال بعضهم إنما جزع من أجله لا من أجل نفسه وذلك أن الألم استولى على بدنه فخاف زوال عقله أنشدونا لأبى القاسم سمنون
تجرعت من حاليه نعمى وابؤسا
زمان إذا أمضى عزاليه احتسى


فكم غمرة قد جرعتني كؤوسها
فجرعتها من بحر صبرى أكؤسا


تدرعت صبرى والتحقت صروفه
وقلت لنفسى الصبر أو فاهلكى أسا


خطوب لو أن الشم زاحمن خطبها
لساخت ولم تدرك لها الكف ملمسا


الباب الثامن والثلاثون قولهم فى الفقر

قال أبو محمد الجريرى الفقر أن لا تطلب المعدوم حتى تفقد الموجود معناه أن لا تطلب الأرزاق إلا عند خوف العجز عن القيام بالفرض قال ابن الجلاء الفقر أن لا يكون لك فإذا كان لك لا يكون لك على معنى قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قال أبو محمد رويم بن محمد الفقر عدم كل موجود وترك كل مفقود وقال الكنانى إذا صح الافتقار إلى الله صح الغنى بالله لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر

96

قال النورى نعت الفقير السكون عند العدم والبذل والإيثار عند الوجود وقال بعض الكبراء الفقير هو المحروم من الإرفاق والمحروم من السؤال لقوله عليه السلام لو أقسم على الله لأبره فدل أنه لا يقسم قال الدراج فتشت كنف أستاذى أريد مكحلة فوجدت فيه قطعة ( فضة ) فتحيرت فلما جاء قلت له إنى وجدت فى كنفك قطعة قال قد رأيتها ردها ثم قال خذها واشتر بها شيئا فقلت له ما كان أمر هذه القطعة بحق معبودك قال ما رزقنى الله من الدنيا صفراء ولا بيضاء غيرها فأردت أن أوصى أن تشد فى كفنى فأردها إلى الله عز وجل سمعت أبا القاسم البغدادى يقول سمعت الدورى يقول كنا ليلة العيد مع أبى الحسن النورى فى مسجد الشونيزى فدخل علينا إنسانا فقال للنورى أيها الشيخ غدا العيد ماذا أنت لابسه فأنشأ يقول
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه
فقلت خلعة ساق عبده جرعا


فقر وصبر هما ثوباى تحتهما
قلب يرى ربه الأعياد والجمعا


أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بها
يوم التزاور فى الثوب الذى خلعا


الدهر لى مأتم إن غبت يا أملى
والعيد مادمت لى مرأى ومستمعا

سئل بعض الكبراء ما الذى منع الأغنياء عن العود بفضول ما عندهم على هذه الطائفة فقال ثلاثة أشياء أحدها أن الذى فى أيديهم غير طيب وهؤلاء خالصة الله وما اصطنع إلى أهل الله فمقبول ولا يقبل الله تعالى إلا الطيب والثانى أنهم مستحقون فيحرم الآخرون بركة العود عليهم والثواب فيهم

97

والثالث أنهم مرادون بالبلاء فيمنعهم الحق عن العود عليهم ليتم مراده فيهم سمعت فارسا يقول قلت لبعض الفقراء مرة ورأيت عليه أثر الجوع والضر لم لا تسأل الناس فيطعموك قال أخاف أن أسألهم فيمنعونى فلا يفلحوا وقد بلغنى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لو صدق السائل ما أفلح من منعه
الباب التاسع والثلاثون قولهم فى التواضع

سئل الجنيد عن التواضع فقال هو خفض الجناح وكسر الجانب قال رويم التواضع تذلل القلوب لعلام الغيوب قال سهل كمال ذكر الله المشاهدة وكمال التواضع الرضا به وقال غيره التواضع قبول الحق من الحق للحق وقال آخر التواضع الافتخار بالقلة والاعتناق للذلة وتحمل أثقال أهل المله
الباب الأربعون قولهم فى الخوف

قال أبوعمرو الدمشقى من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من العدو قال أحمد السيد حمدويه الخائف الذى يخافه المخلوقات قال أبو عبدالله بن الجلاء الخائف الذى تأمنه المخلوقات

98

قال ابن خبيق الخائف الذى يكون بحكم كل وقت فوقت تخافه المخلوقات ووقت تأمنه الذى تخافه المخلوقات هو الذى غلب عليه الخوف فصار خوفا كله فيخافه كل شىء كما قيل من خاف الله خافه كل شىء والذى أمنته المخاوف هو الذى إذا طرقت المخاوف أذكاره لم تؤثر فيه لغيبته عنها بخوف الله تعالى ومن غاب عن الأشياء غابت الاشياء عنه أنشدونا
يحرق بالنار من يحس بها
فمن هو النار كيف يحترق

قال رويم الخائف الذى لا يخاف غير الله معناه لا يخافه لنفسه وإنما يخافه إجلالا له والخوف للنفس خوف العقوبة قال سهل الخوف ذكر والرجاء أنثى معناه منهما يتولد حقائق الإيمان وقال إذا خاف العبد غير الله ورجا الله تعالى أمن الله خوفه وهو محجوب
الباب الحادى والأربعون قولهم فى التقوى

قال سهل التقوى مشاهدة الأحوال على قدم الانفراد معناه أن يتقى مما سوى الله سكونا إليه واستحلاء له وفى قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم أى بجميع استطاعتكم قال سهل ما استطعتم إظهار الفقر والفاقة إليه قال محمد بن سنجان التقوى ترك ما دون الله قال سهل فى قوله تعالى ولكن يناله التقوى منكم قال

99

هو التبرى وهو الاخلاص قال غيره أصل التقوى مجانية النهى ومباينة النفس فعلى قدر ما فاتهم من حظوظ أنفسهم أدركوا اليقين أنشدونا للنورى
إنى اتقيتك لا مهابة
من محاذرة المصير


إنى وكيف وأنت لى
إلف يفوق مدى السمير


توفى السرائر سرها
وتحوط مكنون الضمير


لكن أجلك أن أجل
سواك للخطر الحقير


الباب الثانى والأربعون قولهم فى الاخلاص

قال الجنيد الإخلاص ما أريد به الله من أى عمل كان قال رويم الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل سمعت فارسا يقول قدم على أبى بكر القحطبى قوم من الفقراء من أهل خراسان فقال لهم أبوبكر بم يأمركم شيخكم يعنى أباعثمان فقالوا يأمرنا بكثرة الطاعة مع التزام رؤية التقصير فيها فقال ويحه ألا يأمركم بالغيبة عنها برؤية مبديها قيل لأبى العباس بن عطاء ما الخالص من الأعمال قال ما خلص من الآفات قال أبويعقوب السوسى الخالص من الأعمال ما لم يعلم به ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا النفس فتعجب به معناه انقطاع العبد إلى الله جل وعز والرجوع إليه من فعله والله الموفق

100


الباب الثالث والأربعون قولهم فى الشكر

قال الحارث المحاسبى الشكر زيادة الله للشاكرين معناه إذا شكر زاده الله توفيقا فزاد شكرا قال أبوسعيد الخزاز الشكر الاعتراف للمنعم والاقرار بالربوبية قال أبو على الروذبارى
لو كل جارحة منى لها لغة
تثنى عليك بما أوليت من حسن


لكان ما زاد شكرى إذ شكرت به
إليك أزيد فى الإحسان والمنن

قال بعض الكبراء الشكر هو الغيبة عن الشكر برؤية المنعم قال يحيى بن معاذ لست بشاكر مادمت تشكر وغاية الشكر التحير وذلك أن الشكر نعمة من الله يجب الشكر عليها وهذا لا يتناهى أنشدونا لابى الحسن النورى
سأشكر لا أنى لا أجازيك منعما
بشكرى ولكن كى يقال له الشكر


وأذكر أيامى لديك وحسنها
وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر

كان بعض الكبراء يقول فى مناجاته اللهم إنك تعلم عجزى عن مواضع شكرك فاشكر نفسك عنى
الباب الرابع والأربعون قولهم فى التوكل

قال سرى السقطى التوكل الانخلاع من الحول والقوة

101

وقال ابن مسروق التوكل الاستسلام لجريان القضاء فى الأحكام قال سهل التوكل الاسترسال بين يدى الله تعالى قال أبوعبدالله القرشى التوكل ترك الإيواء إلا إلى الله قال أبوأيوب التوكل طرح البدن فى العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية قال الجنيد حقيقة التوكل أن يكون لله تعالى كما لم يكن فيكون الله له كما لم يزل قال أبوسعيد الخراز قامت الكفايات من السيد لأهل مملكته فاستغنوا عن مقامات التوكل عليه ليكفيهم فما أقبح التقاضى بأهل الصفاء جعل التوكل عليه لأجل الكفاية تقاضى القيام بالكفاية كما قال الشبلى التوكل كدية حسنة قال سهل كل المقامات لها وجه وقفا غير التوكل فإنه وجه بلا قفا يريد توكل العناية لا توكل الكفاية وهو أن لا يطالبه بالأعواض وقال بعضهم التوكل سر بين العبد وبين الله معناه كما قال بعض الكبراء حقيقة التوكل ترك التوكل وهو أن يكون الله لهم حيث كان لهم إذ لم يكونوا موجودين قال بعض الكبار لإبراهيم الخواص إلى ماذا أدى بك التصوف فقال إلى التوكل فقال ويحك بعد أن تسعى فى عمران بطنك معناه إن توكلك عليه لاجل نفسك احتزاز من مكروه يصيبها

102


الباب الخامس والأربعون قولهم فى الرضا

قال الجنيد الرضا ترك الاختيار قال الحارث المحاسبى الرضا سكون القلب تحت جريان الحكم قال ذو النون الرضا سرور القلب بمر القضاء قال رويم الرضا استقبال الأحكام بالفرح قال ابن عطاء الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد فإنه اختار له الأفضل قال سفيان عند رابعة اللهم ارض عنى فقالت له أما تستحى أن تطلب رضا من لست عنه براض قال سهل إذا اتصل الرضا بالرضوان اتصلت الطمأنينة فطوبى لهم وحسن مآب يريد قوله جل وعز رضي الله عنهم ورضوا عنه فمعناه الرضا فى الدنيا تحت مجارى الأحكام يورث الرضوان فى الآخرة بما جرت به الأقلام قال الله تعالى وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فهو قول الفريقين من أهل الجنة والنار من الموحدين من أهلها فإن المشركين لا يؤذن لهم فى الحمد لأنهم محجوبون أنشدونا للنورى

103


إن الرضا لمرارات تجرعها
عن القنوع إذا ما استعذب الكدر


عواقب أشهدت بعض الحضور فما
يرعى التكثر إلا ناقة نزر


الباب السادس والأربعون قولهم فى اليقين

قال الجنيد اليقين ارتفاع الشك قال النورى اليقين هو المشاهدة قال ابن عطاء اليقين ما زالت عنه المعارضة على دوام الوقت قال ذو النون كل ما رأته العيون نسب إلى العلم وما علمته القلوب نسب إلى اليقين وقال غيره اليقين عين القلب قال عبدالله اليقين اتصال البين وانفصال ما بين البين معناه قول حارثة كأنى أنظر إلى عرش ربى بارزا اتصلت رؤيته بالغيب وارتفع ما بينه وبين الغيب من الحجب قال سهل اليقين المكاشفة كما قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وبالله التوفيق
الباب السابع والأربعون قولهم فى الذكر

حقيقة الذكر أن تنسى ما سوى المذكور فى الذكر لقوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت

104

يعنى إذا نسيت ما دون الله فقد ذكرت الله وقال النبى صلى الله عليه وسلم سبق المفردون قيل ومن المفردون يا رسول الله فقال الذاكرون كثيرا والذاكرات والمفرد الذى ليس معه غيره وقال بعض الكبار الذكر طرد الغفلة فإذا ارتفعت الغفلة فأنت ذاكر وإن سكت وأنشدونا للجنيد
ذكرتك لا أنى نسيتك لمحة
وأيسر ما فى الذكر ذكر لسانى

سمعت أبا القاسم البغدادى يقول سألت بعض الكبار فقلت ما بال نفوس العارفين تتبرم بالأذكار وتستروح إلى الأفكار وليس يفضي الفكر إلى مقر ولأذكارها أعواض تسر فقال استصغرت ثمرات الأذكار فلم تحملها عن مكابداتها وبهرها شرف ما وزاء الأفكار فغيبها عن ألم مجاهداتها معنى قوله استصغرت ثمرات الأذكار لأنها كلها حظوظ النفس والعارفون قد أعرضوا عن النفوس وحظوظها وأما أفكارهم فإنها تكون في جلال الله وهيبته ومنته وإحسانه فهي تفكر فيما لله تعالى عليها إجلالا له وتعرض عما لها عند الله حرمة له في قوله عليه السلام خبرا عن الله عز وجل من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين معناه من شغله مشاهدة عظمتي عن ذكر لسانه لأن ذكر اللسان كله مسئلة وأخرى أن مشاهدة العظمة تحيره فتقطعه عن الذكر له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنشدونا للنوري

105


أريد دوام الذكر من فرط حبه
فيا عجبا من غيبة الذكر في الوجد


وإعجب منه غيبة الواجد تارة
وغيبة عين الذكر في القرب والبعد

قال الجنيد من قال الله عن غير مشاهدة فهو مفترى يدل على صحة قوله قول الله تعالى قالوا نشهد إنك لرسول الله ثم قال والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أكذبهم الله وإن كانت الكلمة صدقا لانها لم تكن عن مساهدة وقال غيره القلب للمشاهدة واللسان للعبارة عن المشاهدة فمن عبر عن غير مساهدة فهو شاهد زور أنشدونا لبعض الكبار
أنت الموله لي لا الذكر ولهنى
حاشا لقلبي أن يعلق به ذكرى


الذكرى واسطة يحجبك عن نظرى
أذا توشحه من خاطري فكري

معناه الذكر صفة الذاكر فإن غبت في ذكرى كانت غيبتي في وإنما يحجب العبد عن مشاهدة مولاه أوصافه قال سرى السقطي صحبت زنجبيا في البرية فرأيته كلما ذكر الله تغير لونه وابيض فقلت يا هذا أرى عجبا إنك كلما ذكرت الله حالت لبستك وتغيرت صفتك فقال يا أخي أما أنك لو ذكرت الله حق ذكره لحالت لبستك وتغيرت صفتك ثم أنشأ يقول
ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر
ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر


فأفنى به عنى وأبقى به له
اذ الحق عنه مخبر ومعبر

انشدونا لابن عطاء

106


أرى الذكر أصنافا من الذكر حشوها
وداد وشوق يبعثان على الذكر


فذكرأليف النفس ممتزج بها
يحل محل الروح في طرفها يسري


وذكر يعزي النفس عنها لأنه
لها متلف من حيث تدري ولا تدري


وذكر علا منى المفارق والذرى
يجل عن الأدراك بالوهم والفكر


يراه لحاظ العين يالقلب رؤية
فيجفو عليه أن يشاهد بالذكر

صنف الذكر أصنافا فالأول ذكر القلب وهو أن يكون المذكور غير منسي فيذكر والثاني ذكر أوصاف المذكور والثالث شهود المذكور فيفني عن الذكر لأن أوصاف المذكور تفنيك عن أوصافك فتفنى عن الذكر
الباب الثامن والأربعون قولهم في الأنس

سئل الجنيد عن الأنس ما هو فقال الأنس إرتفاع الحشمة مع وجود الهبيبة معنى ارتفاع الحشمة أن يكون الرجاء أغلب عليه من الخوف وسئل ذو النون عن الأنس فقال هو انبساط المحب إلى الحبوب معناه ما قال الخليل عليه السلام أرني كيف تحيي الموتى وما قال الكليم عليه السلام أرني أنظر إليك وقوله لن تراني شبه العذر أي لا تطيق وسئل إبراهيم المارستاني عن الأنس فقال هو فرح القلب بالمحبوب وسئل الشبلي عن الأنس فقال هو وحشتك منه

107

وقال ذو النون أدنى مقام الأنس أن يلقى في النار فلا يغيبه ذلك عمن أنس به وقال بعضهم الأنس هو أن يستأنس بالأذكار فيغيب به عن رؤية الأغيار أنشدونا لرويم
شغلت قلبي بما لديك فما
ينفك طول الحياة من فكرى


أنستني منك بالوداد وقد
أوحشتني من جميع ذا البشر


ذكرك لي مؤنس يعارضنى
يوعدني عنك منك بالظفر


وحيث ما كنت يامدى هممي
فأنت مني بموضع النظر


الباب التاسع والأربعون قولهم في القرب

سئل سرى السقطي عن القرب فقال هوالطاعة وقال غيره القرب أن يتدلل عليه ويتذلل له لقوله عز وجل واسجد واقترب سئل رويم عن القرب فقال إزالة كل معترض وسئل غيره عن القرب فقال هو أن نشاهد أفعاله بك معناه أن ترى صنائعه ومننه عليك وتغيب فيها عن رؤية أفعالك ومجاهداتك وأخرى أن لا تراك فاعلا لقوله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقوله فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وانشدونا للنودى

108


أراني جمعي في فنائي تقربا
وهيهات إلا منك عنك التقرب


فما عنك لي صبر ولا فيك حيلة
ولا منك لي بد ولا عنك مهرب


تقرب قوم بالرجا فوصلتهم
فما لي بعيدا منك والكل يعطب

معناه أراني حالي أن جمعي بك وفنائي عما سواك تقرب إليك والجمع والفناء صفتان ولا يكون القرب منك بصفتي بل بك يكون القرب إليك منك ثم قال تقرب إليك أقوام بأفعالهم وطاعاتهم فوصلتهم تفضلا منك وليست لي أفعال أتقرب بها إليك وأنا أهلك شوقا إلى القرب منك ولا سبيل لي إليه من حيث أنا أنشدونا للنورى أيضا
يامن أشاهده عنى فأحسبه
مني قريبا وقد عزت مطالبه


إذا سمت نفسي سلوة عنه ردني
إليه شهود ليس تفنى عجائبه

معنى السلوة الإياس يقول كلماأيست من حيث أنا ردني عن الإياس ما منه من الفضل الذي بدا به وقال الشبلى قد تحيرت فيك خذ بيدي يا دليلا لمن تحير فيك
الباب الخمسون قولهم في الإتصال

معنى الإتصال أن ينفصل بسره عما سوى الله فلا يرى بسره بمعنى التعظيم غيره ولا يسمع إلا منه قال النوري الإتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار مكاشفات القلوب كقول حارثة كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ومشاهدات الأسرار كقوله عليه السلام اعبد الله كأنك تراه وكقول ابن عمر كنا نتراءى الله في ذلك المكان

109

وقال بعضهم الاتصال وصول السر إلى مقام الذهول معناه أن يشغله تعظيم الله عن تعظيم سواه وقال بعض الكبار الاتصال أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه قال سهل حر كوا بالبلاء فتحركوا ولو سكنوا اتصلوا
الباب الحادي والخمسون قولهم في المحبة

قال الجنيد المحبة ميل القلوب معناه أن يميل قلبه إلى الله وإلى ما الله من غير تكلف وقال غيره المحبة هي الموافقة معناه الطاعة له فيما أمر والإنتهاء عما زجر والرضا بما حكم وقدر قال محمد بن علي الكتاني المحبة الإيثار للمحبوب قال غيره المحبة إثار ما تحب لمن تحب قال أبو عبد الله النباجي المحبة لذة في المخلوق واستهلاك في الخالق معنى الإستهلاك أن لا يبقي لك حظ ولا يكون لمحبتك علة ولا تكون قائما بعلة قال سهيل من أحب الله فهو العيش ومن أحب فلا عيش له معنى هو العيش انه يطيب عيشه لأن المحب يتلذذ بكل ما يرد عليه من المحبوب من مكروه أو محبوب ومعنى لا عيش له لأنه يطلب الوصول إليه ويخاف الإنقطاع دونه فيذهب عيشه

110

وقال بعض الكبار المحبة لذة والحق لا يتلذذ به لأن مواضع الحقيقة دهش وإستيفاء وحيرة فمحبة العبد لله تعظيم يحل الأسرار فلا يستجيز تعظيم سواه ومحبة الله للعبد هو أن يبليه به فلا يصلح لغيره وهو معنى قوله تعالى واصطنعتك لنفسي ومعنى لا يصلح لغيره أن لا يكون فيه فضل لمراقبة الأغيار ومراعاة الأحوال قال بعضهم المحبة على وجهين محبة الإقرار وهو للخاص والعام ومحبة الوجد من طريق الإصابة فلا يكون فيه رؤية النفس والخلق ولا رؤية الأسباب والأحوال بل يكون مستغرقا في رؤية ما لله ومامنه أنشدونا لبعضهم
أحبك حبين حب الهوى
وحبا لأنك أهل لذاك


فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواكا


وأما الذي أنت أهل له
فلست أرى الكون حتى أراكا


فما الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

قال ابن عبد الصمد هي التي تعمى وتصم تعمي عما سوى المحبوب فلا يشهد سواه مطلوبا قال النبي صلى الله عليه وسلم حبك الشيئ يعمي ويصم انشد
أصمني الحب إلا عن تسامره
فمن رأى حب حب يورث الصمما


وكف طرفي إلا عن رعايته
والحب يعمى وفيه القتل إن كتما

وأنشد أيضا
فرط المحبة حال لا يقاومها
رأى الأصيل إذا محذوره قهرا



111


يلذ إن عدلت منه قوارعه
وإن تزيد في تعديله بهرا


فصل

إن للقوم عبارات تفردوا بها واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم نخبر ببعض ما يحضر ونكشف معانيها بقول وجيز وإنما نقصد في ذلك إلى معنى العبارة دون ما تتضمنه العبارة فإن مضمونها لا يدخل تحت الإشارة فضلا عن الكشف وأما كنه أحوالهم فإن العبارة عنها مقصورة وهي لأربابها مشهورة
الباب الثاني والخمسون قولهم في التجريد والتفريد

فمعنى التجريد أن يتجرد بظاهره عن الأعراض وبباطنه عن الأعواض وهو ألا ياخذ من عرض الدنيا شيئا ولا يطلب على ما ترك منها عوضا من عاجل ولا آجل بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى لا لعلة غيره ولا لسبب سواه ويتجرد بسره عن ملاحظة المقامات التي يخلها والأحول التي ينازلها بمعنى السكون إليها والإعتناق لها والتفريد أن يتفرد عن الأشكال وينفرد في الأحوال ويتوحد في الأفعال وهو أن تكون أفعاله لله وحده فلا يكون فيها رؤية نفس ولا مراعاة خلق ولا مطالعة عوض ويتفرد في الأحوال عن الأحوال فلا يرى لنفسه حالا بل يغيب برؤية محولها عنها ويتفرد عن الأشكال فلا يأنس بها ولا يستوحش منها وقيل التجريد أن لا يملك والتفريد أن لا يملك أنشدونا لعمرو بن عثمان المكي
تفرد بالله الفريد فريد
فظل وحيدا والمشوق وحيد



112


وذاك لأن المفردين رأيتهم
على طبقات والدنو بعيد


فمن مفرد يسمو بهمة قلبه
عن الملك جمعا فهو عنه يحيد


وأدمن سيرا في السمو توحدا
وكل وحيد بالبلاء فريد


وآخر يسمو في العلو تفردا
عن النفس وجدا فهي منه تبيد


وآخر مفكوك من الأسر بالفنا
فأصبح خلوا واجتباه ودود

فالذي أدمن سيرا في السمو متوحد بالبلاء لأنه لا سبيل له إلى ما يطلب ولا يساكن شيئا دونه والذي تفرد عن النفس وجدا فلا يحس بالبلاء والذي فك من أسر النفس بالفناء عنها هو المجتبي المقرب المتفرد بالحقيقة
الباب الثالث والخمسون قولهم في الوجد

ومعنى الوجد هو ما صادف القلب من فزع أو غم أو رؤية معنى من أحوال الآخرة أو كشف حالة بين العبد الله عز وجل قالوا وهو سمع القلوب وبصرها قال الله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال أو ألقى السمع وهو شهيد فمن ضعف وجده تواجد والتواجد ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره ومن قوى تمكن فسكن قال الله تعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

113

قال النوري الوجد لهيب ينشأ في الأسرار ويسنح عن الشوق فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلك الوارد وقالوا الوجد مقرون بالزوال والمعرفة ثابتة بالله تعالى لا تزول أنشدونا للجنيد
الوجد يطرب من في الوجد راحته
والوجد عند حضور الحق مفقود


قد كان يطربني وجدي فاشغلني
عن رؤية الوجد مافي الوجد موجود

وأنشدونا لبعض الكبار
أبدى الحجاب فذل في سلطانه
عز الرسوم وكل معنى يحضر


هيهات يدرك بالوجود وإنما
لهب التواجد رمز عجز يقهر


لا الوجد يدرك غير رسم داثر
والوجد بدثر حين يبدو المنظر


قد كنت أطرب للوجود مروعا
طور يغيبني وطورا أحضر


أفنى الوجود بشاهد مشهوده
أفنى الوجود وكل معنى يذكر

وقال بعضهم الوجد بشارات الحق بالترقي إلى مقامات مشاهاته وأنشدونا لبعضهم
من جاد بالوجد أحرى أن يجود بما
يفنى الوجود من الأفضال والمنن


أيقنت حين بدا بالوجد يبعثني
إن الجواد به يوفي على الحسن

وللشبلي
الوجد عندي جحود
مالم يكن عن شهودي


وشاهد الحق عندي
يفني شهود الوجود


الباب الرابع والخمسون ( قولهم في الغلبة )

الغلبة حال تبدو للعبد لا يمكنه معها ملاحظة السبب ولا مراعاة الادب

114

ويكون مأخوذا عن تمييز ما يستقبله فربما خرج إلى بعض ما ينكر عليه من لم يعرف حاله ويرجع على نفسه صاحبه إذا سكنت غلبات ما يجده ويكون الذي غلب عليه خوف أو هيبة أو إجلال أو حياء أو بعض هذه الأحوال كما جاء في الحديث عن أبي لبابة بن عبد المنذر حين إستشاره بنو قريظة لما استنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم على حكم سعد بن معاذ فأشار بيده إلى حلقة أنه ذبح ثم ندم على ذلك وعلم أنه قد خان الله ورسوله فانطلق على وجهه حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت فهذا لما غلب عليه الخوف من الله عز وجل حال بينه وبين أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هو الواجب عليه لقول الله عز وجل ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول الآية وليس في الشريعة ارتباط بالسواري والعمد وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما أن استبطاه أما لو جاءني لإستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فماأنا بالذي اطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه فلما علم الله صدقه وأن ذلك صدر عنه لغلبة الخوف عليه غفر له فأنزل الله توبته فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم فأبو لبابة رضي الله عنه لما أن غلب عليه الخوف لم يمكنه ملاحظة السبب وهو استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية ولم يمكنه مراعاة الأدب والأدب أن يعتذر إلى من أذنب إليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم

115

وكما غلب على عمر رضي الله عنه حمية الدين حين اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يصالح المشركين عام الحديبية فوثب عمر حتى أتى أبا بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر أليس هذا برسول الله قال بلى قال ألسنا بالمسلمين قال بلى قال أليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال أبو بكر يا عمر إلزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله فقال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله ثم غلب عليه ما يجد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه فقال له مثل ما قال لأبي بكر وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم كما أجابه أبو بكر حتى قال أنا اعبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني فكان عمر يقول فما زلت اصوم وأتصدق وأعتق وأصلي من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا وكاعتراضه على النبي صلى الله عليه وسلم أيضا حين صلى على عبد الله ابن ابي قال عمر فتحولت حتى قمت في صدره وقلت يا رسول الله أتصلي على هذا وقد قال يوم كذا كذا يعدد أياما له حتى قال له أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت وصلى عليه فقال عمر فعجب لي وجرأتي على رسول الله

116

ومنه حديث أبي طيبة حين حجم النبي صلى الله عليه وسلم فشرب دمه وذلك محظور في الشريعة ولكن فعله في حال الغلبة فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وقال لقد احتظرت بحظائر من النار فهذه كلها وأمثالها كثيرة تدل على أن حالة الغلبة حالة صحيحة ويجوز فيها ما لا يجوز في حال السكون ويكون الساكن فيها بما هو أرفع منه في الحال أمكن وأتم حالة كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه
الباب الخامس والخمسون قولهم في السكر

وهو أن يغيب عن تمييز الأشياء ولا يغيب عن الأشياء وهوأن لا يميز بين مرافقة وملاذه وبين اضدادها في مرافقة الحق فإن غلبات وجود تسقطه عن المييز بين ما يؤلمه ويلذه كما روي في بعض الروايات في حديث حارثة أنه قال استوى عندي حجرها ومدرها وذهبها وفضتها وكما قال عبد الله بن مسعود ما أبالي على أي الحالين وقعت على غنى أو فقر إن كان فقرا فإن فيه الصبر وإن كان غنى فإن فيه الشكر ذهب عنه التمييز بين الأرفق وضده وغلب عليه رؤية ما للحق من الصبر والشكر وأنشد بعضهم
قد استولى على قلبي هواك
ومالي في فؤادي من سواك


فلو قطعتني في الحب إربا
لما حن الفؤاد إلى سواك



117

والصحو الذي هو عقيب السكر هو أن يميز فيعرف المؤلم من الملذ فيختار المؤلم في موافقة الحق ولا يشهد الألم بل يجد لذة في المؤلم كما جاء عن بعض الكبار أنه قال لو قطعني البلاء إربا إربا ما ازددت لك إلا حبا حبا وعن أبي الدرداء أنه قال أحب الموت اشتياقا إلى ربي وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي وأحب الفقر تواضعا لربي وعن بعض الصحابة أنه قال يا حبذا المكروهان الموت والفقر وهذه الحالة أتم لأن صاحب السكر يقع على المكروه من حيث لا يدري ويغيب عن وجود التكره وهذا يختار الآلام على الملاذ ثم يجد اللذة فيما يؤلمه بغلبة شهود فاعله والصاحي الذي نعته قبل نعت السكر ربما يختار الالام على الملاذ لرؤية ثواب أو مطالعة عوض وهو متألم في الآلام ومتلذذ في الملاذ فهو نعت الصحو والسكر وأنشدونا لبعض الكبار
كفاك بأن الصحو أوجد أنني
فكيف بحال السكر والسكر أجدر 5


فحالاك لي حالان صحو وسكره
فلا زلت في حالي أصحو وأسكر

معناه أن حالة التمييز إذا أسقط عني مالي وأوجد مالك فكيف يكون حاله السكر وهو سقوط التميز عني ويكون الله هو الذي يصرفني في وظائفي ويراعيني في أحوالي وهاتان حالتان تجريان علي وهما لله تعالى لا لي فلا زلت في هاتين الحالتين ابدا

118


الباب السادس والخمسون قولهم في الغيبة والشهود

فمعنى الغيبة أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها وهى اعنى الحظوظ قائمة معه موجودة فيه غير أنه عنها بشهود ما للحق كما قال أبو سليمان الداراني وبلغه أنه قيل للاوزاعي رأينا جاريتك الزرقاء في السوق فقال أو زرقاء هى فقال سليمان انفتحت عيون قلوبهم وانطبقت عيون رؤوسهم أخبر أن غيبته عن رزقتها كانت مع بقاء لذة الحور فيه بقوله أو زرقاء هى والشهود أن يرى حظوظ نفسه ومعنى ذلك أن يأخذ ما يأخذ بحال العبودية وخضوع البشرية لا للذة والشهوة وغيبة أخرى وراء هذه وهى أن يغيب عن الفناء والفاني بشهود البقاء والباقي لا غير كما أخبر حارثة عن نفسه ويكون الشهود شهود عيان ويكون غيبته عما غاب غيبة شهود الضر والنفع لا غيبة استتار واحتجاب وأنشدونا للنورى
شهدت ولم أشهد لحاظا لحظته
وحسب لحاظ شاهد غير مشهد


وغبت مغيبا غاب للغيب غيبه
فلاح ظهور غيبه غير مفقد

وعبر عن الشهود بعض مشائخنا فقال الشهود أن تشهد ما تشهد مستصغرا له معدوم الصفة لما غلب عليك من شاهد الحق كما جاء
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل



119

وكما قال موسى عليه السلام إن هي إلا فتنتك رأى السامرى معدوم الصفة في شهود الحق وأنشدونا للنورى
تسترت عن دهرى بستر همومه
محيرة في قدر من جل عن قدرى


فلا الدهر يدرى أننى عنه غائب
ولا أنا أدري بالخطوب إذا تجرى

إذا كان كلى قائما بوفائه
فلست أبالي ما حييت يد الدهر

الباب السابع والخمسون قولهم في الجمع والتفرقة

أول الجمع جمع الهمة وهو أن تكون الهموم كلها هما واحدا وفي الحديث من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله سائر همومه ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك وهذه حال المجاهدة والرياضة والجمع الذي يعنيه أهله هو أن يصير ذلك حالا له وهو أن لا تتفرق همومه فيجمعها تكلف العبد بل تجتمع الهموم فتصير بشهود الجامع لها هما واحدا ويحصل الجمع إذ كان بالله وحده دون غيره والتفرقة التى هي عقيب الجمع هو أن يفرق بين العبد وبين همومه في حظوظه وبين طلب مرافقه وملاذه فيكون مفرقا بينه وبين نفسه فلا تكون حركاته لها وقد يكون المجموع ناظرا إلى حظوظه في بعض الاحوال غير أنه ممنوع منها قد حيل بينه وبينها لا يتأتى له منها شيء وهو غير كاره لذلك بل مريد له لعلمه بأنه فعل الحق به واختصاصه له وجذبه إياه مما دونه سئل بعض الكبار عن الجمع ما هو

120

فقال جمع الاسرار بما ليس منه بد وقهرها فيه اذ لا شبه له ولا ضد وقال غيره جمعهم به حين وصلهم بالقصور عنه وفرقهم عنه حين طلبوه بما منهم فسنح التشتيت لارتياده بالاسباب وحصل الجمع حين شاهدوه في كل باب قالتفرقة التى عبر عنها هي التي قبل الجمع معناه أن التقرب إليه بالاعمال تفرقه وإذا شاهدوه مقربا لهم فهو الجمع أنشدونا لبعض الكبار
الجمع أفقدهم من حيث هم قدما
والفرق أوجدهم حينا بلا أثر

فاتت نفوسهم والفوت فقدهم
في شاهد جمعوا فيه عن البشر
وجمعهم عن نعوت الرسم محوهم
عما يؤثره التلوين بالغير
والحين حال تلاشت في قديمهم
عن شاهد الجمع إضمار بلا صور
حتى توافى لهم في الفرق ما عطفت
عليهم منه حين الوقت في الحضر
فالجمع غيبتهم والفرق حضرتهم
والوجد والفقد في هذين بالنظر

معنى قوله الجمع أفقدهم من حيث هم أى علمهم بوجودهم للحق في علمه بهم أفقدهم من الحين الذي صاروا موجودين له فجعل الجمع حالة العدم حيث لم يكن إلا علم الحق بهم والفرق حالة ما أخرجهم من العدم إلى الوجود قوله فاتت نفوسهم أي رأوها حين الوجود كما كانوا إذ هم فقود لا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يتغير علم الله فيهم وجمعهم هو أن يمحوهم عن نعوت الرسم وهي أفعالهم وأوصافهم في أنها لا تؤثر أثر تلوين وتغيير بل تكون على ما علم الله جل وعز وقدر وحكم فتلاشت حالهم حين وجودهم في قديم العلم إذ كانوا معدمين لا موجودين مصورين وإذا أوجدهم أجرى عليهم ما سبق لهم منه فالجمع أن يغيبوا عن حضورهم وشهودهم إياهم متصرفين والفرق أن يشهدوا أحوالهم وأفعالهم

121

والوجد والفقد حالتان متغايرتان لهم لا للحق تعالى قال أبو سعيد الخراز معنى الجمع أنه أوجدهم نفسه في أنفسهم بل أعدمهم وجودهم لانفسهم عند وجودهم له معناه قوله كنت له سمعا وبصرا ويدا فبى يسمع وبي يبصر الخبر وذلك أنهم كانوا يتصرفون بأنفسهم لا لأنفسهم فصاروا متصرفين للحق بالحق
الباب الثامن والخمسون قولهم في التجلي والاستتار

قال سهل التجلي على ثلاثة أحوال تجلي ذات وهي المكاشفة وتجلي صفات الذات وهي موضع النور وتجلى حكم الذات وهي الآخرة وما فيها معنى قوله تحلى ذات وهي المكاشفة كشوف القلب في الدنيا كقول عبد الله بن عمر كنا نتراءى الله في ذلك المكان يعني في الطواف وقال النبي صلى الله عليه وسلم اعبد الله كأنك تراه وكشوف العيان في الآخرة ومعنى قوله تجلى صفات الذات وهي موضع النور هو أن تتجلى له قدرته عليه فلا يخاف غيره وكفايته له فلا يرجو سواه وكذلك جميع الصفات كما قال حارثة كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا كأنه تجلى له كلامه في أخباره فصار الخبر له كالمعاينة وتحلى حكم الذات يكون في الآخرة فريق في الجنة وفريق في السعير قال بعض الكبار علامة تجلى الحق للاسرار هو أن لا يشهد السر ما يتسلط عليه التعبير أو يحويه الفهم فمن عبر أو فهم فهو خاطر استدلال لا ناظر إجلال

122

معناه أن يشهد ما لا يمكنه العبارة عنه أي التعبير عنه لانه لا يشهد إلا تعظيما وهيبة فيمنعه ذلك عن تحصيل ما شاهد من الحال وأنشدونا لبعضهم
إذا ما بدت لي تعاظمتها
فأصدر في حال من لم يرد

أجده إذا غبت عني به
وأشهد وجدي له قد فقد

فلا الوصل يشهدني غيره
ولا أنا أشهده منفرد

جمعت وفرقت به عني
ففرد التواصل مثنى العدد

معناه إذا بدت الحقيقة غلب على التعظيم فأغيب في شاهد التعظيم عن شهود التحصيل فأكون كمن لم يبد له وإنما يكون وجودي له إذا غبت عني وإذا غبت فقد وجودي فحالة الوصل الذي هو فنائي عني لا يشهدني غيره وحالة الانفراد وقيامي بصفتي يغييبني عن شهوده فكأن جمعي به فرقني عني فيكون حالة الوصل هو أن يكون الله عز وجل مصرفي فلا أكون أنا في أفعالي فهو الله تعالى لا أنا كما قال الله تعالى لنبيه وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهذا لسان الحال ولسان العلم أن الله مصرفي وأنا به متصرف فيكون المعبود والعبد وقال بعضهم التجلي رفع حجبة البشرية لا أن تتلون ذات الحق جل وعز عن ذلك وعلا والاستتار أن تكون البشرية حائلة بينك وبين شهود الغيب ومعنى رفع حجبة البشرية أن يكون الله تعالى يقيمك تحت موارد ما يبدو لك من الغيب لان البشرية لا تقاوم أحوال الغيب والاستتار الذي يعقب التجلي هو أن تستتر الاشياء عنك فلا تشاهدها

123

كقول عبد الله بن عمر للذي سلم عليه وهو في الطواف فلم يرد عليه فشكاه فقال إنا كنا نتراءى الله في ذلك المكان أخبر عن تجلى الحق له بقوله كنا نتراءى الله وأخبر عن الاستتار بغيبته عن التسليم عليه وأنشدنا لبعض الكبار
سرائر الحق لا تبدو لمحتجب
أخفاه عنك فلا تعرض مخيفه

لا تعن نفسك فيما لست تدركه
حاشا الحقيقة أن تبدو فتؤويه


الباب التاسع والخمسون قولهم في الفناء والبقاء

فالفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ ويسقط عنه التمييز فناء عن الاشياء كلها شغلا يما فنى به كما قال عامر بن عبد الله ما أبالي امرأة رأيت أم حائطا والحق يتولى تصريفه فيصرفه في وظائفه وموافقاته فيكون محفوظا فيما لله عليه مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات فلا يكون له إليها سبيل وهو العصمة وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم كنت له سمعا وبصرا الخبر والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله قال بعض الكبار البقاء مقام النبيين ألبسوا السكينة لا يمنعهم ما حل بهم عن فرضه ولا عن فضله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والباقي هو أن تصير الاشياء كلها له شيئا واحدا فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات

124

وليس معنى أ تصير الاشياء كلها له شيئا واحدا أن تصير المخالفات له موافقات فيكون ما نهى عنه كما أمر به ولكن على معنى أن لا يجري عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه ويفعل ما يفعل لله لا لحظ له فيه في عاجل أو آجل وهذا معنى قولهم يكون فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق لان الله تعالى إنما يفعل الاشياء لغيره لا له لانه لا يجر به نفعا ولا يدفع به ضرا تعالى الله عن ذلك وإنما يفعل الاشياء لينفع الاغيار أو يضرهم فالباقي بالحق الفاني عن نفسه يفعل الاشياء لا لجر منفعة إلى نفسه ولا لدفع مضرة عنها بل على معنى أنه لا يقصد في فعله جر المنفعة ودفع المضرة قد سقطت عنه حظوظ نفسه ومطالبة منافعها بمعنى القصد والنية ولا بمعنى أنه لا يجد حظا فيما يعمل مما لله عليه يفعله لله لا لطمع ثواب ولا لخوف عقاب وهما أعنى الخوف والطمع باقيان معه قائمان فيه غير أنه يرغب في ثواب الله لموافقة الله تعالى لانه رغب فيه وأمر أن يسأل ذلك منه ولا يفعله للذة نفسه ويخاف عقابه إجلالا له وموافقة له لانه خوف عباده ويفعل سائر الحركات لحظ الغير لالحظ نفسه كما قيل المؤمن يأكل بشهوة عياله أنشدونا لبعضهم
أفناه عن حظه فيما ألم به
فظل يبقيه في رسم ليبديه

ليأخذ الرسم عن رسم يكاشفه
والسر يطفح عن حق يراعيه

فجملة الفناء والبقاء أن يفنى عن حظوظه ويبقى بحظوظ غيره فمن الفناء فناء عن شهود المخالفات والحركات بها قصدا وعزما وبقاء في شهود الموافقات والحركات بها قصدا وفعلا وفناء عن تعظيم ما سوى الله وبقاء في تعظيم الله تعالى

125

ومن فناء تعظيم ما سوى الله حديث ابي حازم حيث قال ما الدنيا أما ما مضى فأحلام وأما ما بقي فأمان وغرور وما الشيطان حتى يهاب منه لقد أطيع فما نفع وعصى فما ضر فكان كأنه لا دنيا عنده ولا شيطان ومن فناء الحظوظ حديث عبد الله بن مسعود حيث قال ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يريد الدنيا حتى قال الله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة الآية فكان فانيا عن إرادة الدنيا ومن ذلك حديث حارثة قال عزفت نفسي عن الدنيا فكأني أنظر الى عرش ربي بارزا فنى عن العاجلة بالآجلة وعن الاغيار بالجبار وحديث عبد الله بن عمر سلم عليه إنسان وهو في الطواف فلم يرد عليه وشكاه إلى بعض أصحابه فقال عبد الله إنا كنا نتراءى الله في ذلك المكان ومنها حديث عامر بن عبد القيس قال لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من أن أجد ما تذكرون يعني في الصلاة حتى قال الحسن ما اصطنع الله ذلك عندنا وفناء هو الغيبة عن الاشياء رأسا كما كان فناء موسى عليه السلام حين تجلى ربه للجبل وخر موسى صعقا فلم يخبر في الثاني من حاله عن حاله ولا أخبر عنه مغيبه به عنها وقال أبو سعيد الخزاز علامة الفاني ذهاب حظه من الدنيا والآخرة إلا من الله تعالى ثم يبدو باد من قدرة الله تعالى فيريه ذهاب حظه من الله تعالى إجلالا لله ثم يبدو له باد من الله تعالى فيريه ذهاب حظه من رؤية ذهاب حظه ويبقى

126

رؤية ما كان من الله لله ويتفرد الواحد الصمد في أحديته فلا يكون لغير الله مع الله فناء ولا بقاء معنى ذهاب حظه من الدنيا مطالبة الاعراض ومن الاخرة مطالبة الاعواض فيبقى حظه من الله وهو رضاه عنه وقربه منه ثم يرد عليه حالة من إجلال الله تعالى أن يقرب مثله أو يرضى عن مثله استحقارا لنفسه وإجلالا لربه ثم ترد عليه حالة فيستوفيه حق الله تعالى فيغيبه عن رؤية صفته التي هي رؤية ذهاب حظه فلا يبقى فيه إلا ما من الله إليه ويفنى عنه ما منه الى الله فيكون كما كان إذ كان في علم الله تعالى قبل أن يوجده وسبق له منه ما سبق من غير فعل كان منه وعبارة أخرى عن الفناء أن الفناء هو الغيبة عن صفات البشرية بالحمل الموله من نعوت الالهية وهو أن يفنى عنه أوصاف البشرية التي هي الجهل والظلم لقوله تعالى وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ومن أوصافه الكنود والكفور وكل صفة ذميمة تفنى عنه بمعنى أن يغلب علمه جهله وعدله ظلمه وشكره كفرانه وأمثالها قال أبو القاسم فارس الفناء حال من لا يشهد صفته بل يشهدها مغمورة بمغيبها وقال فناء البشرية ليس على معنى عدمها بل على معنى أن تغمد بلذة توفى على رؤية الالم واللذة الجارية على العبد في الحال كصواحبات يوسف عليه السلام قطعن أيديهن لفناء أوصافهم ولما ورد على أسرارهن من لذة النظر إلى يوسف مما غيبهم عن ألم ما دخل عليهن من قطع أيديهن ولبعض أهل العصر

127

غابت صفات القاطعات أكفها
في شاهد هو في البرية أبدع
ففنين عن أوصافهن فلم يكن
من نعتهن تلذذ وتوجع
وقيام ارمرأه العزيز بيوسف
يد نفسه ما كان يوسف يقطع
وأنشدونا في الفناء
ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر
ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر

فأفنى به عنى وأبقى به له
إذا الحق عنه مخبر وعبر

ومنهم من جعل هذه الأحوال كلها حالا واحدة وإن اختلفت عباراتها فجعل الفناء بقاء والجمع تفرقة وكذلك الغيبة والشهود والسكر والصحو وذلك أن الفاني عماله باق بما للحق والباقي بما للحق فإن عماله والمفارق مجموع لأن لا يشهد إلا الحق والمجموع مفارق لأنه لا يشهد إياه ولا الخلق وهو باق لدوامه مع الحق وهو جامعه به وهو فان عما سواه مفارق لهم وهو غائب سكران لزوال التمييز عنه ومعنى زوال التمييز عنه هو ما قلناه بين الآلام والملاذ وبمعنى أن الأشياء تتوحد له فلا يشهد مخالفة إذ لا يصرفه الحق إلا في موافقاته وإنما تميز بين الشيئ وغيره فإذا صارت الأشياء شيئا واحدا سقط التمييز وعبر جماعة عن الفناء بأن قالوا يؤخذ العبد من كل رسم كان له وعن كل مرسوم فيبقى في وقته بلا بقاء يعلمه ولا فناء يشعر به ولا وقت يقف عليه بل يكون خالقه عالما ببقائه وفنائه ووقته وهو حافظ له عن كل مذموم واختلفوا في الفاني هل يرد إلى بقاء الأوصاف أم لا قال بعضهم يرد الفاني إلى بقاء الأوصاف وحالة الفناء لا تكون على الدوام لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركتها في أمور معاشها ومعادها

128

ولأبي العباس بن عطاء في ذلك كتاب سماه كتاب عودة لصفات وبدئها وأما الكبار منهم والمحققون فلم يروا رد الفاني إلى بقاء الأوصاف منهم الجنيد والخراز والنوري وغيرهم قالفناء فضل من الله عز وجل وموهبة العبد وإكرام منه له واختصاص له به وليس هو من الأفعال المكتسبة وإنما هو شيئ يفعله الله عز وجل بمن اختصه لنفسه واصطنعه له فلو رده إلى صفته كان في ذلك سلب ما أعطى واسترجاع ما وهب وهذا غير لائق باله عز وجل أو يكون من جهة البداء والبداء صفة من استفات العلم وهذا من الله عز وجل منفي أو يكون ذلك غرورا وخداعا والله تعالى لا يوصف بالغرور ولا يخادع المؤمنين وإنما يخادع المنافقين والكافرين وليس مقام الفناء يدرك بالاكتساب فيجوز أن يكتسب ضده فإن عورض بالإيمان والرجوع عنه وهو أفضل المراتب وبه يدرك جميع المقامات أجيب عنه أن الإيمان الذي يجوز الرجوع عنه هو الذي اكتسبه العبد من إقرار لسانه والعمل بأركانه ولم يخامر الإيمان حقيقة سره لا من قبل الشهود ولا من صحة العقود لكنه أقر بشيئ وهو لا يدري حقيقة ما أقر به كما جاء في الحديث إن الملك يأتي العبد إذا وضع في لحده فيقول ما قولك في هذا الرجل فيقول سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فهذا شاك غير متقين أو يكون أقر بلسانه وانطوى على تكذيبه كالمناطق الذي اقر بلسانه وكذبه بقلبه واضمر خلافه ولكنه أقر بلسانه ولم يكذبه بقبه ولا اضمر خلافه ولكن لم

129

يقع له صحة ما أقر به اكتسابا ولا مشاهدة لم يكتسب تحقيقه من جهة العلم فتقوم له الدلائل على صحته ولا شاهد بقبه حالا أزال عنه الشكوك وقد سبق له من الله الشقاء فاعترضت له شبهة من خاطر أو ناظر ففتنته فانتقل عنه إلى ضده فأما من سبق له من الله الحسنى فإن الشبهات لا تقع له والعوارض تزول عنه إما اكتسابا من علم الكتاب والسنة ودلائل العقل فيزيل خواطر السوء عنه وترد شبهات الناظر له إذ لا يجوز أن يكون لما خالف الحق دلائل الحق فهذا لا تعترضه الشكوك أو يكون ممن قد وقع له صحة الإيمان ويرد الله تعالى عنه خواطر السوء باعتصامه بالجملة ويرد عنه الله الناظر المشكك له لطفا به فلا يقابله فيسلم له صحة إيمانه وإن لم يكن عنده من البيان ما يحتاج مناظرة ناظره ولا ما يزيل خاطره أو يكون ممن وقع له صحة ما أقر به شهودا أو كشوفا كما أخبر حارثة عن نفسه من شهوده ما أقر به حتى حل ما غاب عنه من ذلك محل ما حضر وأكثر لأنه أخبر أنه عزف عن الشاهد فصار الغيب له شهودا والشاهد غائبا كما قال الداراني انفتحت عيون قلوبهم فانطبعت عيون رؤوسهم فمن وقع له صحة ماأقر به من هذه الجهة لم يرجع عن الاخرة إلى الدنيا ولا ترك الأولى للأدنى وهذا كله أسباب العصمة من الله له وتصديق ما وعد بقوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقد صح أن المؤمن الحقيقي لا ينتقل عن الإيمان لأنه موهبة له من الله جل وعز وعطاء وفضل واختصاص وحاشا الحق عز وجل أن يرجع فيما وهب أو يسيرد ما أعطى

130

وصورة الإيمان الحقيقي والرسمي في الظاهر صورة واحدة وحقائقها مختلفة فأما الفناء وغيره من مقامات الإختصاص فإن صورها مختلفة وحقائقها واحدة لأنها ليست من جهة الإكتساب لكن من جهة الفضل وقول من قال إن الفاني يرد إلى أوصافه محال لأن القائل إذ أقر بأن الله تعالى اختص عبدا واصطنعه لنفسه ثم قال إنه يرده فكأنه قال يختص مالا يختص ويصطنع مالا يصطنع وهذا محال وجوازه من حهة التربية والحفظ عن الفتنة لا يصح أيضا لأن الله تعالى لا يحفظ على العبد ما آتاه من جهة السلب ولا بأن يرده إلى الأوضع عن الأرفع ولو جاز هذا جاز أن لا يحفظ مواضع الفتن من الأنبياء بأن يردهم من رتبة النبوة إلى رتبة الولاية أو ما دونها وهذا غير جائز ولطائف الله تعالى في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه من الفتنة أكثر من أن تقع تحت الأحصاء والعد وقدرته أتم من أن تحصر على فعل دون غيره فأن عورض بالذي آتاه آياته فانسلخ منها لم يعترض لأن الذي انسلخ لم يكن قط شاهد حالا ولا وجد مقاما ولا كان مختصا قط ولا مصطنعا بل كان مستدرجا مخدوعا ممكورا به وإنما أجرى على ظاهره من اعلام المختصين وهو في الحقيقة من المردودين وإنما حلى ظاهره بالوظائف الحسنة والأوراد الزكية وهو في القلب محجوب السر لم يجد قط طعم الخصوص ولا ذاق لذة الإيمان ولا عرف الله قط من جهة الشهود كما أخبر الله تعالى عنه بقوله فكان من الغاوين وكما أخبر عن إبليس بقوله وكان من الكافرين

131

قال الجنيد إن إبليس لم أينل مشاهدته في طاعته وآدم لم يفقد مشاهدته في معصيته وقال أبو سليمان والله ما رجع من رجع إلا من الطريق ولو وصلوا إليه ما رجعوا عنه والفاني يكون محفوظا في وظائف الحق كما قال الجنيد وقيل له ان أبا الحسين النوري قائم في مسجد الشونيزي منذ أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام وهو يقول الله الله ويصلي الصلوات لأوقاتها فقال بعض من حضره إنه صاح فقال الجنيد لا ولكن أرباب المواجيد محفوظون بين يدي الله في مواجيدهم فإن رد الفاني إلى الأوصاف لم يرد إلى أوصاف نفسه ولكن يقام مقام البقاء بأوصاف الحق وليس الفاني بالصعق ولا المعتوه ولا الزائل عنه أوصاف البشرية فيصير ملكا أو روحانيا ولكنه ممن فنى عن شهود حظوظه كما أخبرنا قبل والفاني أحد عينين إما عين لم ينصب إماما ولا قدوة فيجوز أن يكون فناؤه غيبة عن أوصافه فيرى بعين العتاهه وزوال العقل لزوال تمييزه في مرافق نفسه وطلب حظوظه وهو على ذلك محفوظ في وظائف الحق عليه وقد كان في الأمة منهم كثير منهم هلال الحبشي عبد كان للمغيرة بن شعبة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم نبه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأويس القرني في أيام عمر بن الخطاب نبه عليه عمر وعلي رضي الله عنهما وخلق كثير إلى أن كان عليا المجنون وسعدون وغيرهما أو يكون إماما يقتدي به ويربط به غيره ممن يسوسه فأقيم مقام السياسة

132

والتأديب فهذا ينقل إلى حالة البقاء فيكون تصرفه بأوصاف الحق لا بأوصاف نفسه والمتصرف بأوصاف الحق هو ما ذكرناه قبل وسئل الجنيد عن الفراسة فقال هي مصادفة الإصابة فقيل له هي للمتفرس في وقت المصادفة أو على الأوقات قال لا بل على الأوقات لأنها موهبة فهي معه كائنة دائمة فأخبر أن المواهب تكون دائمة ومن يتتبع كتب القوم وفهم إشاراتهم علم أن قولهم ما حكيناه عنهم فإن هذه المسألة وأمثالها ليست بمنصوصات لهم ولا مفردات بل يعرف ذلك من قولهم بفهم رموزهم ودرك إشاراتهم والله أعلم
الباب الستون قولهم في حقائق المعرفة

قال بعض الشيوخ المعرفة معرفاتان معرفة حق ومعرفة حقيقة فمعرفة الحق إثبات وحدانية الله تعالى على ما أبرز من الصفات والحقيقة على أن لا سبيل إليها لامتناع الصمدية وتحقق الربوبية عن الإحاطة قال الله تعالى ولا يحيطون به علما لأن الصمد هو الذي لا تدرك حقائق نعوته وصفاته

133

وقال بعض الكبراء المعرفة إحضار السر بصنوف الفكر في مراعاة مواجيد الأذكار على حسب توالي أعلام الكشوف ومعناه أن يشاهد السر من عظمة الله وتعظيم حقه وإجلال قدرة ما تعجز عنه العبارة سئل الجنيد عن المعرفة فقال هي تردد السر بين تعظيم الحق من الإحاطة وإجلاله عن الدرك وقد سئل عن العرفة فقال أن تعلم أن ما تصور في قلبك فالحق بخلافه فيا لها حيرة لا له حظ من أحد ولا لأحد منه حظ وإنما وجود يتردد في العدم لاتتهيأ العبارة عنه لأن المخلوق مسبوق والمسبوق غير محيط بالسابق معنى هو وجود يتردد في العدم يعني صاحب الحال يقول هو موجود عيانا وشخصا وكأنه معدوم صفة ونعتا وعن الجنيد أيضا قال المعرفة هي شهود الخاطر بعواقب المصير وأن لا يتصرف العارف بسرف ولا تقصير ومعناه أن لا يشهد حاله وأن يشهد سابق علم الحق فيه وأن مصيره إلى ما سبق له منه ويكون مصرفا في الخدمة والتقصير وقال بعضهم المعرفة إذا وردت على السر ضاق السر عن حملها كالشمس يمنع شعاعها عن إدراك نهايتها وجوهرها قال ابن الفرغاني من عرف الرسم تجبر ومن عرف الوسم تحير ومن عرف السبق تعطل ومن عرف الحق تمكن ومن عرف المتولى تذلل معناه من شاهد نفسه قائما بوظائف الحق أعجب ومن شاهد ما سبق له من الله تحير لأنه لا يدري ما علم الحق فيه وبماذا جرى القلم به ومن عرف أن ما سبق له من القسمة لا يتقدم ولا يتأخر تعطل عن الطلب ومن عرف الله بالقدرة

134

عليه والكفاية له تمكن فلا يضطرب عند المخوفات ولا عند الحاجات ومن عرف ان الله متولى أموره تدلل له في أحكامه وأقضيته وقال بعض الكبار إذا عرفه الحق إياه أوقف المعرفة حيث لا يشهد محبة ولا خوفا ولا رجاء ولا فقرا ولا غنى لأنها دون الغايات والحق وراء النهايات معناه أنه لا يشهد هذه الاحوال لأنها أوصافه وأوصافه أقصر من أن تبلغ ما يستحقه الحق من ذلك أنشدونا لبعض الكبار
راعيتنى بالحفاظ حتى
حميت عن مرتع وبى
فأنت عند الخصام عذرى
وفي ظمائي فأنت ريى
إذا امتطى العارف المعلى
سرا إلى منظر على
وغاص في أبحر غزار
تفيض بالخاطر الوحى
فض ختام الغيوب عما
يحيى فؤاد الشبحي الولي

من حار في دهشة التلاقى
أبصرته ميتا كحى

يعنى من حيرته دهشه ما يبدو له من الله من شاهد تعظيم الله وإجلاله أبصرته حيا كميت يفنى عن رؤية ما منه ولا يجد له متقدما ولا متأخرا
الباب الحادي والستون قولهم في التوحيد

اركان التوحيد سبعة إفراد القدم عن الحدث وتنزيه القديم عن إدراك المحدث له وترك التساوى بين النعوت وإزالة العلة عن الربوبية وإجلال الحق عن أن تجرى قدرة الحدث عليه فتلونه وتنزيهه عن التمييز والتأمل وتبرئته عن القياس

135

قال محمد بن موسى الواسطي جملة التوحيد أن كل ما يتسع به اللسان أو يشير اليه البيان من تعظيم أو تجريد أو تفريد فهو معلول والحقيقة وراء ذلك معناه أ كل ذلك من أوصافك وصفاتك محدثة معلولة مثلك وحقيقة الحق هو وصفه له وقال بعض الكبراء التوحيد إفرادك متوحدا وهو أن لا يشهدك الحق إياك قال فارس لا يصح التوحيد ما بقيت عليك علقة من التجريد والموحد بالقول لا يشهد السر منفردا به والموحد بالحال غائب بحاله عن الاقوال ورؤية الحق حال لا يشهده إلا كل ما له ولا سبيل الى توحيده بلا قال ولا حال وقال بعضهم التوحيد هو الخروج عن جميعك بشرط استيفاء ما عليك وأن لا يعود عليك ما يقطعك عنه معناه تبذل مجهود في أداء حق الله ثم تتبرأ من رؤية أداء حقه ويستوفيك التوحيد عن أوصافك فلا يعود عليك منها شيء فإنه قاطع لك عنه قال الشبلى لا يتحقق العبد بالتوحيد حتى يستوحش من سره وحشة لظهور الحق عليه وقال بعضهم الموحد من حال الله بينه وبين الدارين جميعا لان الحق يحمى حريمه قال جل وعز نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة فلا نردكم إلى معنى سوانا في الدنيا والآخرة وعلامة الموحد أن لا يجرى عليه ذكر إخطار ما لا حقيقة له عند الحق

136

فالشواهد عن سره مصروفة والاعواض عن قلبه مطرودة فلا شاهد يشهده ولا عوض يعبده ولا سر يطالعه ولا بر يلاحظه هو في حقه عن حقه محجوب وفي حظه عن حظه مسلوب فلا نصيب له في نصيب وهو مأسور في أوفر النصيب والحق أوفر نصيب من فاته الحق فليس له شيء وإن ملك الكون ومن وجد الحق فله كل شيء وإن لم يملك ذرة معناه هو قائم بحقه محجوب عن رؤية قيامه بحقه وهو مسلوب عن حظوظه وهو يرى نفسه قائمة بحظوظها ونصيبه من الحق وجود الحق وهو فيه مأسور وليس له متقدم ولا متأخر وأنسدونا لبعضهم
مواجيد حق أوجد الحق كلها
وإن عجزت عنها فهوم الاكابر

الباب الثاني والستون قولهم في صفة العارف

سئل الحسن بن علي بن يزدانيار متى بكون العارف بمسهد الحق قال إذا بدا الشاهد وفنى الشواهد وذهب الحواس واضمحل الاخلاص معنى بدا الشاهد يعنى شاهد الحق وهو أفعاله بك مما سبق منه أليك من بره لك وإكرامه إياك بمعرفته وتوحيده والايمان به تفنى رؤية ذلك منك رؤية أفعالك وبرك وطاعتك فترى كثير ما منك مستغرقا في قليل ما منه وأن كان ما منه ليس بقليل وما منك ليس بكثير وفناء الشواهد بسقوط رؤية الخلق عنك بمعنى الضر والنفع والذم والمدح وذهاب الحواس هو معنى قوله فبى ينطق وبي يبصر الحديث ومعنى اضمحل الاخلاص أن لا يراك مخلصا وما خلص من أفعالك إن خلص ولن يخلص أبدا إذا رأيت صفتك فإن أوصافك معلولة مثلك

137

سئل ذو النون عن نهاية العارف فقال إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون معناه أن يشاهد الله وأفعاله دون شاهده وأفعاله قال بعضهم أعرف الخلق بالله أشدهم تحيرا فيه قيل لذي النون ما أول درجة يرقاها العارف فقال التحير ثم الافتقار ثم الاتصال ثم التحير الحيرة الاولى في أفعاله به ونعمه عنده فلا يرى شكره يوازى نعمه وهو يعلم أنه مطالب بشكرها وإن شكر كان شكره نعمة يجب عليه شكرها ولا يرى أفعاله أهلا أن يقابله بها استحقارا لها ويراها واجبة عليه لا يجوز له التخلف عنها وقيل قام الشبلي يوما يصلي فبقي طويلا ثم صلى فلما انفتل عن صلاته قال يا ويلاه إن صليت جحدت وإن لم أصل كفرت أي جحدت عظم النعمة وكمال الفضل حيث قابلت ذلك بفعلي شكرا له مع حقارته ثم أنشد
الحمد لله على أنني
كضفدع يسكن في اليم
إن هي فاهت ملأت فمها
أو سكتت ماتت من الغم
والحيرة الاخيرة أن يتحير في متاهات التوحيد فيضل فهمه ويخنس عقله في عظم قدرة الله تعالى وهيبته وجلاله وقد قيل دون التوحيد متاهات تضل فيها الافكار سأل أبو السوداء بعض الكبار فقال هل للعارف وقت قال لا

138

فقال لم قال لان الوقت فرجة تنفس عن الكربة والمعرفة أمواج تغط وترفع تحط فالعارف وقته أسود مظلم ثم قال
شرط العارف محو الكل منك إذا
بد المريد بلحظ غير مطلع
قال فارس العارف من كان علمه حالة وكانت حركاته غلبة عليه سئل الجنيد عن العارف فقال لون الماء لون الاناء يعني انه يكون في كل حال بما هو أولى فيختلف أحواله ولذلك قيل هو ابن وقته سئل ذو النون عن العارف فقال كان ها هنا فذهب يعنى أنك لا تراه في وقتين بحالة واحدة لان مصرفه غيره وانشدونا لابن عطاء
ولو نطقت في ألسن الدهر خبرت
بأني في ثوب الصبابة أرفل
وما إن لها علم بقدري وموضعي
وما ذاك موهوم لاني أنقل
وقال سهل بن عبد الله أول مقام في المعرفة أن يعطى العبد يقينا في سره تسكن به جوارحه وتوكلا في جوارحه يسلم به في دنياه وحياة في قلبه يفوز بها في عقباه قلنا العارف هو الذي بذل مجهوده فيما لله وتحقق معرفته بما من الله وصح رجوعه من الاشياء إلى الله قال الله تعالى ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق

139

يجوز أن يكون ما عرفوا من الله من بره وإحسانه بقصده إليهم وإقباله عليهم واختصاصه إياهم من بين ذويهم كما قال أبي بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك فقال يا رسول الله أو ذكرت هناك قال نعم فبكى أبي لم ير حالا يقابله بها ولا شكر يوازي نعمه ولا ذكرا كما يستحقه فانقطع فبكى وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحارثة عرفت فالزم نسبه الى المعرفة والزمه إياها ولم يدله على عمل سئل ذو النون عن العارف فقال هو رجل معهم باين عنهم قال سهل أهل المعرفة بالله كأصحاب الاعراف يعرفون كلا بسيماهم أقامهم مقاما أشرف بهم على الدارين وعرفهم الملكين انسدونا لبعضهم
يا لهف نفسي على قوم مضوا فقضوا
لم أقض منهم وإن طاولتهم وطرى
هم المخافيت في كبر الملوك إذا
أبصرتهم قلت إضمار بلا صور

الباب الثالث والستون قولهم في المريد والمراد

المريد مراد في الحقيقة والمراد مريد لأن المريد لله تعالى لا يريد إلا بإرادة من الله عز وجل تقدمت له

140

قال الله تعالى يحبهم ويحبونه وقال رضي الله عنهم ورضوا عنه وقال ثم تاب عليهم ليتوبوا فكانت إرادته لهم سبب إرادتهم له إذ علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه ومن أراده الحق فمحال أن لا يريده العبد فجعل المريد مرادا والمراد مريدا غير أن المريد هو الذي سبق اجتهاده كشوفه والمراد هو الذي سبق كشوفه اجتهاده فالمريد هو الذي قال الله تعالى عنه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وهو الذي يريده الله تعالى فيقبل بقلبه ويحدث فيه لطفا يثير منه فيه الاجتهاد فيه والاقبال عليه والارادة له ثم يكاشفه الاحوال كما قال حارثة عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي ثم قال وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا فأخبر أن كشوف أحوال الغيب له كان عقيب عزوفه عن الدنيا والمراد هو الذي يجذبه الحق جذبه القدرة ويكاشفه بالاحوال فيثير قوة الشهود منه اجتهادا فيه وإقبالا عليه وتحملا لاثقاله كسحرة فرعون لما كوشفوا بالحال في الوقت سهل عليهم تحمل ما توعدهم به فرعون فقالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض وكما فعل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أقبل يريد قتل رسول الله فأسره الحق في سبيله

141

وكقصة إبراهيم بن ادهم خرج يطلب الصيد متلهيا فنودي ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت مرتين ونودي في الثالثة من قربوس سرجه فقال والله لا عصيت الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي هذه جذبة القدرة كوشوفوا بالاحوال فأسفطوا عن النفوس والاموال أنشدني الفقيه أبو عبد الله البرقي لنفسه
مريد صفا منه سر الفؤاد
فهام به السر في كل واد
ففي أي واد سعى لم يجد
له ملجأ غير مولى العباد
صفا بالوفاء وفى بالصفا
ونور الصفاء سراج الفؤاد
أراد وما كان حتى أريد
فطوبى له من مريد مراد

الباب الرابع والستون قولهم في المجاهدات والمعاملات

قال بعض الكبراء التعبد إتيان ما وظف الله على شرط الواجب وشرط الواجب الإتيان به على غير مطالبة عوض وإن شهدته فضلا بل يستوفيك عن رؤية الفضل والعوض ما لله عليك في العمل في قوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم قال ليعبدوه بالرق لا بالطمع قيل لابي بكر الواسطي بأي شاهد ينبغي أن يكون العبد في حركات ما يسعى قال بشاهد الفناء عن حركاته التي هي كائنة بغيره قال أبو عبد الله النياجي استحلاء الطاعة ثمرة الوحشة عن الحق جل وعز

142

إذ لا يواصل الحق بها ولا يفاصل ولا يعتمد عليها اعتماد معول ولا يتركها ترك معاند بل يقيم وظائف الحق رقا وعبودية ويكون الاعتماد على ما في الازل يريد باستحلاء الطاعة رؤيتها من نفسك دون مشاهدة فضل الله عليك في التوفيق في قول الله تعالى ولذكر الله أكبر قال أكبر من أن تبلغه أفهامكم وتحويه عقولكم ويجري على ألسنتكم وحقيقة الذكر هو نسيان ما سواه فيه لقوله عز وجل واذكر ربك إذا نسيت وفي قوله تعالى كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية أي الخالية عن ذكر الله لتعلموا أنكم بفضله نلتم لا بأعمالكم قال أبو بكر القحطبي نفوس الموحدين نفوس سئمت من جميع ما ظهر من نعوتها وصفاتها واستقبحت كل باد بدا منها وانقطعت عن الشواهد والعوائد والفوائد وعجزت عن إظهار الدعوى بين يديه لما سمعت قوله عز وجل ولا يشرك بعبادة ربه أحدا الشواهد الخلق والعوائد الاعواض والفوائد الاعراض قال أبو بكر الواسطي معنى التكبير في الصلاة كأنك تقول جللت عن أن تواصل بها أو تفاصل بتركها إذ الفصل والوصل ليس بحركات بل هو بما سبق في الازل قال الجنيد لا يكونن همك في صلاتك إقامتها دون الفرح والسرور بالاتصال بمن لا وسيلة إليه إلا به قال ابن عطاء لا يكونن همك في صلاتك إقامتها دون الهيبة والاجلال لمن رآك فيها

143

وقال غيره معنى الصلاة التجريد عن العلائق والتفريد بالحقائق والعلائق ما سوى الله والحقائق مالله ومن الله وقال آخر الصلاة وصل قال سمعت فارسا يقول معنى الصوم الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق عز وجل لقوله تعالى في قصة مريم إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا قال لغيبتي عنهم برؤية الحق فلا أستجيز في صومي أن يشغلني عنه شاغل أو يقطعني عنه قاطع ويدل على قول النبي صلى الله عليه وسلم الصوم جنة أي حجاب عما دون الله في قوله تعالى الصوم لي وأنا أجزى به قال بعض الكبار أي أنا الجزاء به وقال أبو الحسن بن أبي ذر أي معرفتي هي الجزاء له به قال وحسبه ذلك جزاء فما يبلغها شيء ولا يدانيها سمعت أبا الحسن الحسنى الهمداني يقول معنى قوله الصوم لي كي ينقطع الاطماع عنه طمع العدو أن يفسده لان ما لله فلا يطمع فيه العدو وطمع النفس أن تعجب به فإنها إنما تعجب بما لها وطمع الخصوم في الآخرة فإنهم يأخذون ما للعبد دون ما لله هذا معنى ما فهمت من قوله قال بعضهم جهد البلاء النظر الى النفوس والاعتماد على الافعال فإن وكل إليها فهو درك الشقاء وفي درك الشقاء شماتة الاعداء أنشدونا للنورى

144

أقول أكاد اليوم أن أبلغ المدى
فيبعد عنى ما أقول أكاد
فما لي جهاد غير أنى مقصر
وعجزي عن طول الجهاد جهاد
وإن رجائي عودة منك بالرضا
وإلا فحظي في المعاد بعاد
انشدونا لغيره
هبني أراعيك بالاذكار ملتمسا
ما يبتغيه ذوو التلوين بالغير
فكيف لي بشهود منك يحملني
عن فتنة الوقت بل عن حجبة الاثر

يقول إن طالعت في أفعالي ومجاهداتي ثوابك عليها وهو الذي يطلبه أرباب لمجاهدات وأصحاب المعاملات فيكف أطالع سهود ما يحملني عن خوف العاقبة من تغيير الأحوال والاوقات وعن النظر إلى حركاتي ومجاهداتي وهي التي تحجبني عنك
الباب الخامس والستون حالهم في الكلام على الناس

قيل للنوري متى يستحق الانسان الكلام على الناس قال إذا فهم عن الله جل جلاله صلح أن يفهم عباد الله وإذا لم يفهم عن الله كان بلاؤه عاما في بلاده وعلى عباده قال السرى السقطي إني أذكر مجيء الناس إلى فأقول اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني فإني لا أحب مجيئهم إلى قال سهل بن عبد الله أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله والناس يتوهمون أنى أكلمهم

145

قال الجنيدي للشبلي نحن حبرنا هذا العلم تحبيرا ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ فقال أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري وقال بعض الكبار للجنيد وهو يتكلم على الناس يا أبا القاسم إن الله لا يرضى عن العالم بالعلم حتى يجده في العلم فإن كنت في العلم فالزم مكانك وإلا فانزل فقام الجنيد ولم يتكلم على الناس شهرين ثم خرج فقال لولا أنه بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر الزمان يكون زعيم القوم أرذلهم ما خرجت اليكم وقال الجنيد ما تكلمت على الناس حتى أشار إلى وعلى ثلاثون من البدلاء إنك تصلح أن تدعو إلى الله عز وجل وقيل لبعض الكبار لم لا تتكلم فقال هذا علم قد أدبر وتولى والمقبل على المدبر أدبر من المدبر قال أبو منصور البنجخينى لأبي القاسم الحكيم بأي نية أتكلم على الناس فقال لا أعلم للمعصية نية غير الترك واستأذن أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الرازي أبا حفص الحداد وكان تلميذه في الكلام على الناس فقال له أبو حفص وما يدعوك إليه فقال أبو عثمان الشفقة عليهم والنصيحة لهم فقال وما بلغ من شفقتك عليهم فقال لو علمت أن الله يعذبني بدل جميع من آمن به ويدخلنهم الجنة وجدت من قلبي الرضا به

146

فأذن له وشهد أبو حفص مجلسه فلما قضى أبو عثمان كلامه قام سائل فسبق أبو عثمان فأعطاه ثوبا كان عليه فقال أبو حفص يا كذاب إياك أن تتكلم على الناس وفيك هذا الشيء فقال أبو عثمان وما ذاك يا أستاذ قال أما كان فيك من النصيحة لهم والشفقة عليهم أن تؤثرهم على نفسك بثواب السبق ثم تتلوهم سمعت فارسا يقول سمعت أبا عمرو الانماطي يقول كنا عند الجنيد إذ مر به الوري فسلم فقال له الجنيد وعليك السلام يا أمير القلوب تكلم فقال النوري يا أبا القاسم غششتهم فأجلسوك على المنابر ونصحتهم فرموني في المزابل فقال الجنيد ما رأيت قلبي أحزن منه في ذلك الوقت ثم خرج علينا في الجمعة الاخرى فقال إذا رأيتهم الصوفي يتكلم على الناس فاعلموا أنه فارغ وقال ابن عطاء في قوله تعالى وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا قال على مقدار فهومهم ومبلغ عقولهم وقال غيره في قوله تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين أي لو نطق بالمواجيد على أهل الرسوم يدل عليه قوله بلغ ما أنزل إليك من ربك ولم يقل بلغ ما تعرفنا به إليك رأى الحسين المغازلي رويم بن محمد وهو يتكلم على الناس في الفقر فوقف عليه وقال

147

وما تصنع بالسيف
إذا لم تك قتالا
ألا ابتعت بما حلي
ت هذا السيف خلخالا
عبر بعبارته عن حال ليس هو فيها قال بعض الكبار من تكلم عن غير معناه فقد تحمر في دعواه قال الله تعالى كمثل الحمار يحمل أسفارا
الباب السادس والستون في توقي القوم ومجاهداتهم

ورث حارث المحاسبي من أبيه أكثر من ثلاثين ألف دينار فلم يأخذ منه شيئا وقال إنه كان يرى القدر قال أبو عثمان كنا في دار أبي بكر بن أبي حنيفة مع أبي حفص فجرى ذكر صديق غائب عنا فقال أبو حفص لو كان عندنا كاغد كتبنا أليه فقلت ها هنا كاغد وكان أبو بكر قد خرج إلى السوق فقال أبو حفص لعل أبا بكر قد مات ولم نعلم وصار الكاغد للورثة فترك الكتاب وقال أبو عثمان كنت عند أبي حفص وبين يديه زبيب فأخذت زبيبة ووضعتها في فمي فأخذ بحلقي وقال يا خائن تأكل ربيبي فقلت لثقتي بزهادتك في الدنيا وعلمي بإثارك أخذت الزبيبة فقال يا جاهل تثق بقلب لا يملكه صاحبه سمعت كثيرا من مشائخنا يقولون كان الشيوخ يهجرون الفقير لثلاث إذا حج عن غيره بمال وإذا أتى خراسان وإذا دخل اليمن

148

فقالوا من أتى خراسان لم يأته إلا للرفق وليس بها مباح فيطيب مطعمه وأما اليمن ففيه طرق إلى الفسق كثيرة وكان أبو المغيث لا يستند ولا ينام على جنبه وكان يقوم الليل وإذا غلبته عينه قعد ووضع جبينه على ركبتيه فيعفو غفوة فقيل له ارفق بنفسك فقال والله ما رفق الرفيق بي رفقا فرحت به أما سمعت سيد المرسلين يقول أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل قالوا إن أبا عمرو الزجاجي أقام بمكة سنين كثيرة لم يحدث في الحرم وكان يخرج من الحرم للحدث ثم يعود إليه وهو على طهارة قال سمعت فارسا يقول كان أبو عبد الله المعروف بشكثل لا يكلم الناس وكان يأوي الى الخرابات في سواد الكوفة وكان لا يأكل إلا المباح والقمامات فلقيته يوما فتعلقت به وقلت سألتك بالله ألا أخبرتني ما الذي منعك عن الكلام فقال يا هذا الكون توهم في الحقيقة ولا تصح العبارة عما لا حقيقة له والحق تقصر عنه الاقوال دونه فما وجه الكلام وتركني ومر قال وسمعته يقول سمعت الحسين المغازلي يقول رأيت عبد الله القشاع ليلة قائما على شط دجلة وهو يقول يا سيدي أنا عطشان يا سيدي أنا عطشان حتى أصبح فلما أصبح قال يا ويلتي تبيح لي شيئا وتحول بيني وبينه وتخطر علي شيئا وتخلي بيني وبينه فأيش أصنع ورجع ولم يشرب منه وسمعته يقول سمعت بعض الفقراء قال كنت سنة الهبير مع الناس فانفلت ثم رجعت فكنت أطوف بين الجرحى قال فرأيت أبا محمد الجريري وكان قد نيف على المائة

149

فقلت يا شيخ ألا تدعو فيكشف ما ترى قال قد فعلت قال إني أفعل ما أشاء فأعدت عليه فقال يا أخي ليس هذا وقت الدعاء هذا وقت الرضا والتسليم فقلت ألك حاجة فقال أنا عطشان فجئته بماء فأخذه وأراد أن يشرب فنظر إلى فقال هؤلاء عطاش وأنا أشرب هذا شره فرده على ومات من ساعته قال وسمعته يقول سمعت بعض أصحاب الجريري يقول مكثت عشرين سنة لا يخطر لي ذكر الطعام حتى يحضر ومكثت عشرين سنة أصلى الفجر على طهور العشاء الآخرة ومكثت عشرين سنة لا أعقد مع الله عقدا مخافة أن يكذبني على لساني ومكثت عشرين سنة لا يسمع لساني إلا من قلبي ثم حالت الحال فمكثت عشرين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني معنى قوله لا يسمع لساني إلا من قلبي أي لا أقول إلا من حقيقة ما أنا عليه وقوله لا يسمع قلبي إلا من لساني أي حفظ على لساني لما قال فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق قال وسمعت بعض مشائخنا يقول سمعت محمد بن سعدان يقول خدمت أبا المغيث عشرين سنة فما رأيته أسف على شيء فاته أو طلب شيئا فقده وقيل إن أبا السوداء وقف ستين وقفة وجعفر بن محمد الخلدي وقف خمسين وقفة وكان بعض المشايخ وأكثر ظني أنه أبو حمزة الخراساني حج عشر حجج عن النبي صلى الله عليه وسلم وحج عن العشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

150

عشر حجج حج عن نفسه حجة يتوسل بتلك الحجج إلى الله في قبول حجته
الباب السابع والستون في لطائف الله للقوم وتنبيهه إياهم بالهاتف

قال أبو سعيد الخراز بينا أنا عشية عرفة قطعني قرب الله عز وجل عن سؤال الله ثم نازعتني نفسي بأن أسأل الله تعالى فسمعت هاتفا يقول أبعد وجود الله تسأل الله غير الله قال أبو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فكنت أمشي فوقعت في بئر فنازعتني نفسي بأن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما استتممت هذا الخاظر حتى مر برأس بالبئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعال حتى نطم رأس هذا البئر من الطريق فأتوا بقصب وبارية وهممت أن أصيح ثم قلت يا من هو أقرب إلى منهما وسكت حتى طموا ومضوا فإذا أنا بشيء قد دلى برجليه في البئر وهو يقول تعلق بي فتعلقت به فإذا هو سبع وإذا هاتف يهتف بي ويقول لي يا أبا حمزة هذا حسن نجيناك من التلف في البئر بالسبع قال سمعت بعض أصحابنا يقول قال أبو الوليد السقاء قدم إلى أصحابنا بوما لبنا فقلت هذا يضرني فلما كان يوم من الايام دعوت الله تعالى فقلت اللهم اغفر لي فإنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول ولا ليلة اللبن قال أبو سعيد الخراز كنت في البادية فنالني جوع شديد فطالبتني نفسي بأن أسأل الله طعاما فقلت ليس هذا من فعل المتوكلين فطالبتني نفسي بأن أسأل الله صبرا فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يقول

151

ويزعم أنه منا قريب
وأنا لا نضيع من أتانا
ويسألنا القوى عجزا وضعفا
كأنا لا نراه ولا يرانا
ويشهد لصحة حال الهاتف ما حدثنا محمد بن محمد بن محمود قال حا نصر بن زكريا حا عمار بن الحسن حا سلمة بن الفضل حا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه فقالوا والله ما ندري أنجرد رسول الله من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه قالت فلما اختلفوا ألقى الله عليهم السنة حتى ما بقي منهم أحد إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه
الباب الثامن والستون تنبيههم اياهم بالفراسات

قال أبو العباس بن المهتدي كنت في البادية فرأيت رجلا يمشي بين يدي حافي القدم حاسر الرأس ليس معه ركوة فقلت في نفسي كيف يصلي هذا الرجل ما لهذا طهارة ولا صلاة قال فالتفت إلى فقال يعلم ما في أنفسكم فاحذروه قال فسقطت مغشيا علي قال فلما أفقت استغفرت الله من تلك الرؤية التي نظرت بها إليه فبينا أنا أمشي في بعض الطريق فإذا هو بين يدي فلما رأيته هبته وتوقفت فالتفت إلى ثم قرأ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات قال ثم غاب فما رأيته بعد ذلك أو كما قال سمعت أبا الحسن الفارسي يقول قال لي أبو الحسن المزين دخلت البادية

152

وحدي على التجريد فلما بلغت العمق قعدت على شفير البركة فحدثتني نفسي بقطعها البادية على التجريد ودخلها شيء من العجب فإذا أنا بالكتاني أو غيره الشك مني من وراء البركة فناداني يا حجام إلى كم تحدث نفسك نفسك بالاباطيل ويرى أنه قال له يا حجام احفظ قلبك ولا تحدث نفسك بالاباطيل وقال ذو النون رأيت فتى عليه أطمار رثة فتقذرته نفسي وشهد له قلبي بالولاية فقيت بين نفسي وقلبي أتفكر فاطلع الفتى على سري فنظر إلى فقال يا ذا النون لا تبصرني لكي ترى خلقي وانما الدر داخل الصدف ثم ولى وهو يقول
تهت على أهل ذا الزمان فما
أرفع منهم لواحد رأسا
ذاك لاني فتى أخو فطن
أعرف نفسي وأعرف الناسا

فصرت حرا مملكا ملكا
مدرعا بالقنوع لباسا
ويشهد لصحة الفراسة ما حدثنا أحمد بن علي قال حا ثواب بن يزيد الموصلي حا إبراهيم بن الهيثم البلدي حا أبو صالح كاتب الليث حا معاوية بن صالح عن راشد بن سعيد عن أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله
الباب التاسع والستون تنبيهه إياهم بالخواطر

قال أبو بكر بن مجاهد المقريء قدم أبو عمرو بن العلاء يوما ليصلي بالناس وما كان يؤم فيقدم اضطرارا فلما تقدم قال للناس استووا فغشي عليه فلم يفق إلا بالغد فقيل له في ذلك فقال وقت ما قلت لكم استووا وقع في قلبي خاطر من الله تعالى كأنه يقول لي يا عبدي هل استويت لي قط طرفة عين حتى تقول لخلقي استووا

153

قال الجند مرضت مرضة فسألت الله أن يعافيني فقال لي في سري لا تدخل بيني وبين نفسك قال سمعت بعض أصحابنا يقول سمعت محمد بن سعدان يقول سمعت بعض الكبراء يقول ربما أغفو غفوة فأنادى أتنام عني إن نمت عني لاضربنك بالسياط
الباب السبعون تنبيهه إياهم في الرؤيا ولطائفها

قال سمعت أبا بكر محمد بن غالب يقول سمعت محمد بن خفيف يقول سمعت أبا بكر محمد بن علي الكتاني يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عادتي فكانت العادة قد جرت له أنه كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة اثنين وخميس فيسأله مسائل فيجيبه عنها قال فرأيته قد أقبل علي ومعه أربعة نفر فقال لي يا أبا بكر أتعرف من هذا قلت نعم هو أبو بكر ثم قال لي أتعرف هذا قلت نعم هو عمر ثم قال أتعرف هذا قلت نعم هو عثمان ثم قال لي أتعرف هذا الرابع فتوقفت ولم أجب فأعاد علي ثانيا فتوقفت فأعاد علي ثالثا فتوقفت وكان في قلبي منه غيرة قال فجمع كفه وأشار بها إلى ثم بسطها وضرب بها

154

صدري وقال لي يا أبا بكر قل هذا علي بن أبي طالب فقلت يا رسول الله هذا علي بن ابي طالب قال فآخى عليه السلام بيني وبين علي رضي الله عنه قال ثم أخذ علي رضي الله عنه بيدي وقال لي يا أبا بكر قم حتى تخرج إلى الصفا فخرجت معه إلى الصفا وكنت نائما في حجرتي فاستيقظت فإذا أنا على الصفا قال سمعت منصور بن عبد الله قال سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول دخلت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي شيء من الفاقة فتقدمت إلى القب وسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثم قلت يا رسول الله بي فاقة وأنا ضيفك الليلة ثم تنحيت ونمت بين القبر والمنبر فإذا أنا بالنبي عليه السلام جاءني ودفع إلي رغيفا فأكلت نصفه فانتبهت فإذا في يدي نصف الرغيف قال يوسف بن الحسين كان عندنا شاب من أهل الارادة أقبل على الحديث وقصر في قراءة القرآن فأتى في منامه فقيل له إن لم تكن بي جافيا فلم هجرت كتابي أما تدبرت ما فيه من لطيف خطابي يشهد لصحة الرؤيا ما حدثنا على بن الحسن بن أحمد السرخسي إمام جامعها حا أبو الوليد محمد بن إدريس السلمي حا سويد حا محمد بن عمرو بن صالح بن مسعود الكلاعي عن الحسن البصري قال دخلت مسجد البصرة فإذا رهط من أصحابنا جلوس فجلست إليهم فإذا هم يذكرون رجلا يغتابونه فنهيتهم عن ذكره وحدثتهم بأحاديث في الغيبة بلغتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عيسى بن مريم عليه السلام فأمسك القوم وأخذوا في حديث آخر ثم عرض ذكر ذلك الرجل فتناولوه وتناولته معهم فانصرفوا إلى رحالهم وانصرفت إلى رحلي فنمت فأتاني آت في منامي أسود في يده طبق من خلاف

155

وعليه قطعة من لحم خنزير فقال لي كل قلت لا آكل هذا لحم خنزير قال كل قلت لا آكل هذا لحم خنزير قال كل قلت لا آكل هذا لحم خنزير هذا حرام قال لتأكلنه فأبيت عليه ففك لحي ووضعها في فمي فجعلت ألوكها وهو قائم بين يدي فجعلت أخاف أن القيها وأكره أن أسترطها فاستيقظت على تلك الحال فوالله لقد لبثت ثلاثين يوما ثلاثين ليلة ما ينفعني طعام أطعمه ولا شراب أشربه إلا وجدت طعمها في فمي وريحها في منخري
الباب الحادي والسبعون لطائف الحق بهم في غيرته عليهم

دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى فقالوا ما حالك قالت والله ما أعرف لعلتي سببا غير أني عرضت على الجنة فملت بقلبي إليها فأحسب أن مولاي غار علي فعاتبني فله العتبى قال الجنيد دخلت على سري السقطي فرأيت عنده خزف كوز مكسور فقلت ما هذا قال جاءتني الصبية البارحة بكوز فيه ماء فقالت لي يا أبت هذا الكوز معلق ههنا فإذا برد فأشربه فإنها ليلة غمة فغلبتني عيني فرأيت جارية من أحسن الجواري دخلت علي فقلت لمن أنت قالت لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان وضربت بيدها إلى الكوز فانكسر وهو الذي ترى فما زال الخزف مكانه لم يحركه حتى ستره الغبار قال المزين أقمت في بعض المنازل بالبادية سبعة أيام لم أطعم شيئا فأضافني

156

رجل في منزله فقدم إلى تمرا وخبزا فلم أقدر على أكله فلما كان الليل اشتهيته فأخذت نواة أعالج بها فتح فمي فضربت النواة سني فقالت صبية من البيت يا أبي كم يأكل ضيفنا الليلة فقلت يا سيدي جوع سبعة أيام ثم تنغص على وعزتك لا ذقته قال أحمد بن السمين كنت أمشي في طريق مكة فإذا أنا برجل يصيح أغثني يا رجل الله الله قلت مالك مالك قال خذ مني هذه الدراهم فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي فأخذتها منه فصاح لبيك اللهم لبيك وكانت أربعة عشر درهما قيل لابي الخير الاقطع ما كان سبب قطع يدك قال كنت في جبل لكام أو لبنان ومعي رفيق لي فجاء رجل من بعض السلاطين ومعه دنانير يفرقها فناولني منها دينارا فمددت إليه ظهر كفي فوضع عليها دينارا فقلبته يدي في حجر رفيقي وقمت فلما كان بعد ساعة إذا أنا بأصحاب السلطان يطلبون لصوصا فأخذوني فقطعوا يدي يشهد فهذا المعنى ما حدثنا به أ مد بن حيان التميمي قال أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أسماعيل حا قتيبة بن سعيد حا يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مرضاكم

157


الباب الثاني والسبعون لطائفه بهم فيما يحملهم

سمعت فارسا يقول سمعت أبا الحسن العلوي تلميذ إبراهيم الخواص يقول رأيت الخواص بالدينور في جامعها وهو جالس في وسطه والثلج يقع عليه فأدركني الاشفاق عليه فقلت له لو تحولت إلى الكن فقال لا ثم أنشأ يقول
لقد وضح الطريق إليك قصدا
فما أحد أرادك يستدل
فإن ورد الشتاء ففيك صيف
وأن ورد المصيف ففيك ظل
ثم قال لي هات يدك فناولته يدي فأدخلتها تحت خرقته فإذا هو يتصبب عرقا قال سمعت أبا الحسن الفارسي يقول كنت في بعض الوادي فأصابني عطش شديد حتى تعبت عن المشي من الضعف وكنت سمعت أن العطشان تقطر عيناه قبل أن يموت قال فقعدت وأنا أنتظر تقطر عيني إذ سمعت حسا فنظرت فإذا هي حية بيضاء كأنها الفضة الصافية تبرق وقد قصدتني مسرعة فهالتني فقمت فزعا ودخلتني قوة من الفزع فجعلت أمشي على ضعف وهي خلفي تنفث فلم أزل أمشي وهي خلفي حتى بلغت ماء وسكن الحس فالتفت فلم أرها وشربت الماء فنجوت قال وربما يكون بي غم أوعلة فأراها في النوم فتكون بشارة لي بفرج غمي وزوال علتي
الباب الثالث والسبعون لطائفه بهم في الموت وبعده

قال أبو الحسن المعروف بالقزاز كنا في الفج فأتانا شاب حسن الوجه عليه

158

طمران فسلم علينا وقال ههنا موضع أموت فيه نظيف قال فعجبنا وقلنا له نعم فدللناه على عين بالقرب منا فذهب فتوضأ وصلى ما شاء الله ثم انتظرنا ساعة فلم يجئنا فأتيناه فإذا هو ميت قال أصحاب سهل بن عبد الله كان سهل على التخت يغسل وسبابته من يده اليمنى منتصبة يشير بها قال أبو عمرو الاصطخري رأيت أبا تراب النخشبي في البادية قائما ميتا لا يمسكه شيء قال إبراهيم بن شيبان وافاني بعض المريدين فاعتل عندي أياما فمات فلما أن أدخل في قبره أردت أن أكشف خده وأضعه على التراب تذللا لعل الله يرحمه فتبسم في وجهي وقال لي تذللني بين يدي من يدللني قال قلت لا يا حبيبي أحياة بعد الموت فأجاب اما علمت ان احباءه لا يملكون ولكن ينقلونمن دار إلى دار وقال إبراهيم بن شيبان أيضا كان عندي في القرية شاب من أهلها متنسكا ملازما للمسجد وكنت مشغوفا به فاعتل فأتيت في بعض الجمعات البد للصلاة وكنت إذا جئت البلد أقيم عند اخواني بقية يومي وليلتي فوقع علي الانزعاج بعد العصر فأتيت القرية بعد العتمة فسألت عن الفتى قالوا نظنه متوجعا فأتيته وسلمت عليه وصافحته فخرجت روحه مع المصافحة فتوليت غسله فغلطت في صب الماء أردت أن أصب على يمينه صببت على يساره ويده في يدي فانتزع يده من يدي حتى ذهب ما كان عليه من السدر فغشي علي من كان معي ثم فتح عينيه في ففزعت وصليت عليه ودخلت القبر أواريه وكشفت عن وجهه ففتح عينيه وتبسم حتى بدت نواجذه وثناياه فسوينا عليه وحثينا عليه التراب يشهد لصحة ذلك ما حدثنا أبو الحسن علي بن إسماعيل الفارسي حا نصر

159

ابن أحمد البغدادي ح الوليد بن شجاع السكوني عن خالد عن نافع الاشعري عن حفص بن يزيد بن مسعود بن خراش أن الربيع بن خراش كان حلف أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار فمكث لا يراه أحد يضحك حتى مات فيما يرون فأغمضوه وسجوه وبعثوا الى قبره ليحفر وبعثوا إلى كفنه فأتى به فقال ربعي بن خراش رحم الله أخي كان أقومنا في الليل الطويل وأصومنا في اليوم الحار قال فإنهم لجلوس حوله إذ طرح الثوب عن وجهه فاستقبلهم وهو يضحك فقال له أخوه ربعي يا أخي أبعد الموت حياة قال نعم إني لقيت ربي وإنه تلقاني بروح وريحان ورب غير غضبان وإنه قد كساني سندسا وحريرا ألا وإني وجدت الامر أيسر مما ترون فلا تغتروا فإن خليلي محمدا صلى الله عليه وسلم ينتظرني ليصلي علي الوحي الوحي ثم خرجت نفسه في آخر ذلك كأنها حصاة قذفت في ماء فبلغ ذلك عائشة أم المؤمنين فقالت اخو بني عبس رحمه الله سمعت رسول الله يقول يتكلم رجل من أمتي بعد الموت من خير التابعين
الباب الرابع والسبعون من لطائف ما جرى عليهم

قال أبو بكر القحطبي كنت في مجلس سمنون فوقف عليه رجل فسأله عن المحبة فقال لا أعرف اليوم من أتكلم عليه يعلم هذه المسألة فسقط على رأسه طائر فوقع على ركبته فقال إن كان فهذا ثم جعل يقول ويشير الى الطير

160

بلغ من أحوال القوم كذا وكذا فشاهدوا كذا وكذا وكانوا في حال كذا وكذا فلم يزل يتكلم عليه حتى سقط الطير عن ركبته ميتا قال أبو بكر بن مجاهد سمعت أحمد بن سنان العطار يقول سمعت بعض أصحابنا يقول خرجت يوما إلى نيل واسط فإذا أنا بطير أبيض في وسط الماء وهو يقول سبحان الله على غفلة الناس قال جعفر سمعت الجنيد يقول لقيت شابا من المريدين في البادية جالسا عند شجرة فقلت يا غلام ما الذي أجلسك هنها فقال ضال افتقدته فمضيت وتركته فلما انصرف إذا أنا به قد انتقل إلى موضع قريب مني فقلت له فما جلوسك الساعة ههنا قال وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع فلزمته فقال الجنيد فلا أدري أي حاليه أشرف لزومه لافتقاد حاله أو لزومه الموضع الذي نال فيه مراده قال أبو عبد الله محمد بن سعدان سمعت بعض الكبراء يقول كنت يوما جالسا بحذاء البيت فسمعت أنينا من البيت يا جدر تنح عن طريق أوليائي وأحبائي فمن زارك بك طاف حولك ومن زارني بي طاف عندي
الباب الخامس والسبعون في السماع

السماع استجام من تعب الوقت وتنفس لارباب الاحوال واستحضار الاسرار لذوي الاشغال وإنما اختير على غيره مما تستروح إليه الطباع لبعد النفوس عن التشبث به والسكون إليه فإنه من القضاء يبدو وإلى القضاء يعود

161

وأرباب الكشوف والمشاهدات استغنوا عنها بالاسباب الحاملة لهم تنزه أسرارهم في ميادين الكشوف سمعت فارسا يقول كنت عند قوطة الموصلي وكان لزم سارية في جامع بغداد أربعين سنة قلنا له ههنا قوال طيب ندعوه لك قال أنا أجل من أن يستقطعني شخص أو ينفذ في قول أنا ردم كله فالسماع إذا قرع الاسماع أثار كوامن أسرارها فمن بين مضطرب لعجز الصفة عن حمل الوارد ومن بين متمكن بقوة الحال قال أبو محمد رويم إن القوم سمعوا الذكر الاول حين خاطبهم بقوله ألست بربكم فكمن ذلك في أسرارهم كما كمن كون ذلك في عقولهم فلما سمعوا كوامن أسراهم فانزعجوا كما ظهرت كوامن عقولهم عند إخبار الحق لهم عن ذلك فصدقوا سمعت أبا القاسم البغدادي يقول السماع على ضربين فطائفة سمعت الكلام فاستخرجت منه عبرة وهذا لا يسمع إلا بالتمييز وحضور القلب وطائفة سمعت النغمة وهي قوت الروح فإذا ظفر الروح بقوته أشرف على مقامه وأعرض عن تدبير الجسم فظهر عند ذلك من المستمع الاضطراب والحركة قال أبو عبد الله النباجي السماع ما أثار فكرة واكتسب عبرة وما سواه فتنة قال الجنيد الرحمة تنزل على الفقير في ثلاثة مواضع عند الاكل فإنه لا يأكل إلا عند الحاجة وعند الكلام فإنه لا يتكلم إلا للضرورة وعند السماع فإنه لا يسمع إلا عند الوجد تم الكتاب بحمد الله