1

الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري المتوفي سنة 324 ه 935 م

7

بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن اسماعيل ابن علي بن أبي بشر الأشعري البصري رحمه الله
- 1 الحمدلله الواحد الأحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد والمنفرد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد ليس له مثل ولا نديد وهو المبدئ المعيد الفعال لما يريد جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس ليست له صورة تقال ولا حد يضرب له مثال لم يزل

8

بصفاته أولا قديرا ولا يزال عالما خبيرا استوفى الأشياء علمه ونفذت فيها إرادته فلم تعزب عليه خفيات الأمور ولم تغيره سوالف صروف الدهور ولم يلحقه في خلق شىء مما خلق كلال ولا تعب ولا مسه لغوب ولا نصب خلق الأشياء بقدرته ودبرها بمشيئته وقهرها بجبروته وذللها بعزته فذل لعظمته المتكبرون واستكان لعز ربوبيته المتعظمون وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون وذلت له الرقاب وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب وقامت بكلمته السموات السبع واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسى وجرت الرياح اللواقح وسار في جو السماء السحاب وقامت على حدودها البحار وهو الله الواحد القهار
- 2 فنحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله ومستحقه وكما حمد الحامدون من جميع خلقه ونستعينه إستعانة من فوض الأمر

9

إليه وأقر أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه ونستغفره استغفار مقر بذنبه معترف بخطيئته ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بوحدانيته وإخلاصا لربوبيته وأنه العالم بما تظن الضمائر وتنطوي عليه السرائر وما تخفيه النفوس وما تجن البحار وما تواريه الأسراب وما تفيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار لا توارى عنه كلمة ولا تغيب عنه غائبة وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين من الآية 59 6
ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون
3 ونستهديه بالهدى ونسأله التوفيق لمجانبة الردى
4 ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ونبيه وأمينه وصفيه أرسله إلى خلقه بالنور الساطع والسراج اللامع والحجج الظاهرة والبراهين والآيات الباهرة والأعاجيب القاهرة فبلغ رسالة ربه ونصح لأمتة وجاهد في الله حق جهاده حتى تمت كلمة الله عز وجل وظهر أمره وإنقاد الناس إلى الحق خاضعين حتى أتاه اليقين لا وانيا ولا مقصرا

10

فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين وعلى أهل بيته الطيبين وعلى أصحابه المنتخبين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين عرفنا الله به الشرائع والأحكام والحلال والحرام وبين لنا به شريعة الإسلام حتى انجلت عنا طخياء الظلم وانحسرت عنا به الشبهات وانكشفت عنا به الغيابات وظهرت لنا به البينات
وجاءنا بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد من الآية 41 42 41
جمع فيه علم الأولين والآخرين وأكمل به الفرائض والدين فهو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين فمن تمسك به نجا ومن خالفه ضل وغوى وفي الجهل تردى وحشنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
فقال عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا من الآية 7 59

11


وقال عز وجل فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم من الآية 63 24
وقال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من الآية 83 4
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول من الآية 59 4 يقول الى كتاب الله وسنة رسوله : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
وقال تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي من الآية 15 10

12


وقال إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا من الآية 51 24
فأمرهم أن يسمعوا قوله ويطيعوا أمره ويحذروا مخالفته
وقال وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول من الآية 92 5
فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما أمرهم بالعمل بكتابه
5 فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوته واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم ومالوا إلى أسلاف لهم قلدوهم دينهم ودانوا بديانتهم وأبطلوا سنن نبي الله عليه الصلاة والسلام ودفعوها وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين من الآية 14 6
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحذركم الدنيا فإنها حلوة حضرة تغر أهلها وتخدع ساكنها

13


قال الله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض الآية من الآية 45 18
من كان فيها في حيرة أعقبته بعدها عبرة ومن أعطته من سرائها بطنا أعقبته من ضرائها ظهرا غرارة غرور ما فيها فانية فان ما فيها كما حكم عليها ربها بقوله تعالى كل من عليها فان 26 55
فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة ولخلود الأبد فإن الدنيا تنقضي على أهلها وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها واعملوا إنكم ميتون ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى من الآية 31 53
فكونوا بطاعة ربكم عاملين وعما نهاكم منتهين

14

فصل في قول أهل الزيغ والبدع

6 أما بعد فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا ولا أوضح به برهانا ولا نقلوه عن رسول رب العالمين ولا عن السلف المتقدمين
7 وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله عز وجل بالأبصار وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار

15


8 وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين
9 وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين
10 ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا إن هذا إلا قول البشر 25 74
11 وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر نظيرا لقول المجوس الذين اثبتوا خالقين أحدهما الخير والأخر يخلق الشر وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير والشيطان يخلق الشر
12 وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون ويكون مالا يشاء خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وردا لقول الله تعالى

16


وما تشاؤون إلا أن يشاء الله من الآية 30 76
فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه
ولقوله ولو شاء الله ما اقتتلوا من الآية 253 2
ولقوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها من الآية 13 32
ولقوله تعالى فعال لما يريد من الآية 107 11
ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب صلى الله عليه وسلم أنه قال وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما من الآية 89 7
ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة لأنهم دانوا بديانة المجوس وضاهوا أقاويلهم وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس ذلك وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز

17

وجل ردا لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله 188 7 وإعراضا عن القرآن وعما أجمع عليه أهل الإسلام
13 وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله عز وجل ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله عز وجل بالقدرة عليه كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوا لله عز وجل فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم
14 وقنطوا الناس من رحمة الله وايسوهم من روحه وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها خلافا لقول الله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من الآية 48 4
15 وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا فيها

18

وصاروا حمما
16 ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 55
17 وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه لما خلقت بيدي من الآية 75 38
18 وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه تجري بأعيننا من الآية 14 54 19 وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله أنزله بعلمه من الآية 166 4
20 وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه ذو القوة المتين من الآية 58 51
21 ونفوا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله

19

عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
22 وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية أهل الزيغ فيما ابتدعوا خالفوا الكتاب والسنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية وأنا ذاكر ذلك بابا بابا وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة

20

فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة

23 فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون
قيل له
24 قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي

21

أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيع الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم
25 وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عندالله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق
26 وأن الجنة والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور 7 22
27 وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن الممارسة والإستقرار والتمكن والحلول والإنتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شىء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد

22


28 وأن له سبحانه وجها بلا كيف كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 55
29 وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه خلقت بيدي من الآية 75 38
وكما قال بل يداه مبسوطتان من الآية 64 5
30 وأن له سبحانه عينين بلا كيف كما قال سبحانه تجري بأعيننا من الآية 14 54
31 وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا
23 وأن الله علما كما قال أنزله بعلمه من الآية 166 4 وكما قال وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه من الآية 11 35
33 ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفى ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج

23


24 ونثبت أن لله قوة كما قال أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة من الآية 15 41
35 ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأنه سبحانه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن كما قال إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16
36 وأنه لا يكون في الأرض شىء من خير أو شر إلا ماشاء الله وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله ولا يستغنى عن الله ولا يقدر على الخروج من علم الله عز وجل
37 وأنه لا خالق إلا الله وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة كما قال سبحانه والله خلقكم وما تعملون 96 37
وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا وهم يخلقون

24


كما قال هل من خالق غير الله من الآية 3 35
وكما قال لا يخلقون شيئا وهم يخلقون من الآية 20 16
وكما قال سبحانه أفمن يخلق كمن لا يخلق 17 16
وكما قال أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون 35 52
وهذا في كتاب الله كثير
وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين
38 وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى

25

يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وطبع على قلوبهم
39 وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا
40 وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله كما قال عز وجل قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله 188 7
41 ونلجىء أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه سبحانه وتعالى
ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر
42 وندين بأن الله يرى في الآخرة بالأبصار كا يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة كما قال

26

سبحانه كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون 15 83
وإن موسى صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا
43 وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يسجله كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون ونقول إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلا لها غير معتقد لتحريمها كان كافرا
ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا
44 وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه وأنه سبحانه يضع السموات على اصبع والأرضين على

27

اصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف
45 وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين أجارنا الله منها بشفاعة سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
46 ونقول إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
47 ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض وأن الميزان حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

28


48 وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونثنى عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين
49 ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر الصديق رضى الله عنه وأن الله سبحانه وتعالى أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ثم عثمان بن عفان رضى الله عنه وأن الذين قتلوه قتلوه ظلما وعدوانا
ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه
فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة

29


50 ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم
51 وندين بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازنهم في الفضل غيرهم
52 ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا وأن الرب عز وجل يقول هل من سائل هل من مستغفر
وسائر ما نقلوه و أثبتوه خلافا لما قال أله الزيغ والتضليل ونقول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله

30

ما لم يأذن لنا ولا نقول على الله مالا نعلم
53 ونقول إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة كما قال سبحانه وجاء ربك والملك صفا صفا 22 89
وأن الله مقرب من عباده كيف شاء بلا كيف
كما قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد من الآية 16 50
وكما قال سبحانه ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى 8 9 53
54 ومن ديننا أن نصلى الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر كما روى أن عبدالله بن عمر رضى الله عنهم كان يصلي خلف الحجاج

31


55 وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافا لقول من أنكر ذلك
56 ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة
57 وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال أعاذنا الله من فتنته كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
58 ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير عليهم الصلاة والسلام ومساءلتهما المدفونين في القبور
59 ونصدق بحديث المعراج وتصحيح كثير من الرؤيا في المنام نقر أن لذلك تفسيرا
60 ونرى الصدقة على موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك
61 ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا وأن السحر كائن موجود في الدنيا

32

وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوارثهم
62 ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل
63 وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه يرزقها عباده حلالا وحراما وأن الشيطان يوسوس الإنسان ويشككه ويخبطه خلافا للمعتزلة والجهمية كما قال تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس من الآية 275 2
وكما قال من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس 4 5 6 114

33


ونقول إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم
64 وقولنا في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا ثم يقول لهم اقتحموها كما جاءت بذلك الرواية
65 وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون وما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين
66 ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء
67 وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقى منه مما لم نذكره بابا بابا وشيئا شيئا إن شاء الله عز وجل

34


34



35

الباب الأول الكلام في إثبات رؤية الله سبحانه بالأبصار في الآخرة

68 قال الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة 22 75 يعنى مشرقة إلى ربها ناظرة 23 75 يعنى رائية وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الإعتبار كقوله تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت 17 88 أو يكون عنى نظر الأنتظار كقوله تعالى ما ينظرون إلا صيحة واحدة من الآية 49 36
أو يكون عنى نظر التعطف كقوله تعالى

36

ولا ينظر إليهم يوم القيامة من الآية 77 3
أو يكون عنى نظر الرؤية
فلا يجوز أن يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والإعتبار لأن الآخرة ليست بدار اعتبار ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا أنظر في هذا الأمر بقلبك لم يكن معناه نظر العينين وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار الذي يكون للقلب وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم
وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم

37


وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله إلى ربها ناظرة
أنها رائية ترى ربها عز وجل
69 ومما يبطل قول المعتزلة أن الله عز وجل أراد بقوله إلى ربها ناظرة
نظر الإنتظار أنه قال إلى ربها ناظرة ونظر الإنتظار لا يكون مقرونا بقوله إلى لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار إلى
ألا ترى أن الله تعالى لما قال ما ينظرون إلا صيحة واحدة من الآية 49 36
لم يقل إلى إذ كان معناه الانتظار
وقال عز وجل مخبرا عن بلقيس

38

فناظرة بم يرجع المرسلون من الآية 35 27
فلما أرادت الانتظار لم تقل إلى وقال أمرؤ القيس فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
فلما أراد الانتظار لم يقل إلى فلما قال سبحانه

39

إلى ربها ناظرة 23 75
علمنا أنه لم يرد الانتظار وإنما أراد نظر الرؤية لما قرن النظر بذكر الوجه وقرن الله عز وجل النظر بذكر الوجة أراد نظر العينين اللتين في الوجه كما قال قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها 144 2
فذكر الوجه وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه يصرف الله تعالى له عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة
70 فإن قيل لم قلتم إن قوله تعالى إلى ربها ناظرة إنما أراد إلى ثواب ربها ناظرة

40


قيل له ثواب الله غيره والله سبحانه وتعالى قال إلى ربها ناظرة 23 75
ولم يقل إلى غيره ناظرة
والقرآن العزيز على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة وإلا فهو على ظاهره
ألا ترى أن الله عز وجل لما قال صلوا لي واعبدوني لم يجز أن يقول قائل إنه أراد غيره ويزيل الكلام عن ظاهره فلذلك لما قال إلى ربها ناظرة لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة
ثم يقول للمعتزلة إن جاز لكم أن تزعموا أن قول الله تعالى إلى ربها ناظرة
إنما أراد به أنها إلى غيره ناظرة فلم لا جاز لغيركم أن يقول إن قول الله سبحانه وتعالى

41

لا تدركه الأبصار 103 6
أراد بها لا تدرك غيره ولم يرد أنها لا تدركه
وهذا مما لا يقدرون على الفرق فيه
71 ودليل آخر ومما يدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار قول موسى صلى الله عليه وسلم رب أرني أنظر إليك من الآية 143 7 ولا يجوز ان يكون موسى صلوات الله عليه وسلامه وقد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه بما عصم به المرسلين قد سأل ربه ما يستحيل عليه فإذا لم يجز ذلك على موسى صلى الله عليه وسلم علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا وأن الرؤية جائزة على ربنا تعالى
72 ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا تعالى كما زعمت المعتزلة ولم يعلم ذلك موسى صلى الله عليه وسلم وعلموه هم لكانوا على

42

قولهم أعلم بالله من موسى صلى الله عليه وسلم
وهذا مما لا يدعيه مسلم
فإن قال قائل ألستم تعلمون حكم الله في الظهار اليوم ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل أن ينزل
قيل له لم يكن يعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذلك
قيل أن يلزم الله العباد حكم الظهار
فلما ألزمهم الحكم به أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم قبلهم ثم أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم عباد الله ذلك ولم يأت عليه وقت لزمه حكمه فلم يعلم صلى الله عليه وسلم وأنتم زعمتم أن موسى صلى الله عليه وسلم وقت لزمه علمه وعلمتموه أنتم الآن لزمكم بجهلكم

43

أنكم بما لزمكم العلم به الآن أعلم من موسى صلى الله عليه وسلم بما لزمه العلم به
وهذا خروج عن دين المسلمين
73 ودليل آخر
مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قوله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم فإن استقر مكانه فسوف تراني من الآية 143 7
فلما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى صلى الله عليه وسلم
فدل ذلك على أن الله تعالى قادر أن يرى عباده نفسه وأنه جائز رؤيته
فإن قال قائل فلم لا قلتم إن قول الله تعالى فإن استقر مكانه فسوف تراني من الآية 143 7 تبعيد الرؤية

44


قيل له لو أراد الله عز وجل تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه ولم يقرنه بما يجوز وقوعه فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله سبحانه وتعالى دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله تعالى
ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت

45


ولا أصالح قوما كنت حربهم حتى تعود بياضا حلكة القارى
والله تعالى إنما خاطب العرب بلغتها وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها
فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة
74 دليل آخر قال الله عز وجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة 16 10 قال أهل التأويل النظر إلى الله عز وجل ولم ينعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له وقال تعالى ولدينا مزيد من الآية 35 50
قيل النظر إلى الله عز وجل
وقال تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام من الآية 44 33

46


وإذا لقيه المؤمنون رأوه وقال تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون 15 83
فحجبهم عن رؤيته ولا يحجب عنها المؤمنين

47

فصل

75 فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى لا تدركه الأبصار من الآية 103 6
قيل له يحتمل ان يكون لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين
ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله لا تدركه الأبصار من الآية 103 6 يعنى لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه بعضا
فلما قال في آية إن الوجوه تنظر إليه يوم القيامة
وقال في آية أخرى إن الأبصار لا تدركه علمنا أنه إنما أراد أبصار الكافرين لا تدركه

48

مسألة والجواب عنها

76 فإن قال قائل قد استكبر الله تعالى سؤال السائلين له أن يرى بالأبصار
فقال يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة من الآية 153 4
فيقال لهم إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عز وجل على طريق الإنكار لنبوة موسى صلى الله عليه وسلم وترك الإيمان به حتى يروا الله لأنهم قالوا لن نؤمن بك حتى نرى الله جهرة فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى صلى الله عليه وسلم حتى يريهم الله نفسه استعظم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليهم كما استعظم سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا
77 دليل آخر

49


ومما يدل على إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار رواية الجماعات من الجهات المختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته والرؤية إذا أطلقت إطلاقا ومثلت برؤية العيان
لم يكن معناها إلا رؤية العيان ورويت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق مختلفة عديدة عدة رواتها أكثر من عدة خبر الرجم ومن عدة من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث
ومن عدة رواة المسح على الخفين ومن عدة رواة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها
وإذا كان الرجم ما ذكرناه سننا عند المعتزلة كانت الرؤية

50

أولى أن تكون سنة لكثرة رواتها ونقلتها كذا يرويها خلف عن سلف والحديث لا حجة فيه لأنه عندما سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله عز وجل في الدنيا وقال له
هل رأيت ربك
فقال نورانيا أراه والعين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها لأن الإنسان لو حدق ينظر إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره
فإذا كان الله سبحانه حكم في الدنيا بأن لا تقوم العين بالنظر إلى عين الشمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنظر إلى الله تعالى في الدنيا إلا أن يقويه الله تعالى فرؤية الله تعالى في الدنيا قد اختلف فيها

51


وقد روى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل تراه العيون في الآخرة
وما روى عن أحد منهم أن الله تعالى لا تراه العيون في الآخرة فلما كانوا على هذا مجتمعين وبه قائلين وإن كانوا في رؤيته تعالى في الدنيا مختلفين ثبتت في الآخرة إجماعا وإن كانت في الدنيا محتلفا فيها
ونحن إنما قصدنا إلى اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة على أن هذه الرواية على المعتزلة لا لهم لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة
فإذا احتجوا بخبر هم له تاركون وعنه منحرفون كانوا محجوجين
78 دليل آخر
ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن بريناه الله عز وجل وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم فلما

52

كان ألله عز وجل موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل وإنما أراد من نفى رؤية الله عز وجل بالأبصار التعطيل فلما لم يمكنهم أن يظهروا التعطيل صراحا أظهروا ما يؤول بهم إلى التعطيل والجحود تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
79 دليل آخر ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه وذلك أن من لم يعلم نفسه لا يعلم الأشياء
فلما كان الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء
ولما كان الله عز وجل رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه وإذا كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال تعالى

53

3 إنني معكما أسمع وأرى من الآية 46 20
فأخبر أنه يسمع كلا منهما ويراهما ومن زعم أن الله عز وجل لا يجوز أن يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز ان يكون الله عز وجل رائيا ولا عالما ولا قادرا
لأن العالم والقادر الرائي جائز أن يرى
مسألة فإن قال قائل قول النبي صلى الله عليه وسلم ترون ربكم يعنى تعلمون ربكم اضطرارا
قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة
فقال فكيف بكم إذا رأيتم الله سبحانه ولا يجوز أن يبشرهم بأمر يشركهم فيه مع الكفار على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

54


ترون ربكم وليس يعنى رؤية دون رؤية بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية القلب
80 دليل آخر إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعم المقيم وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله تعالى بالأبصار
وأكثر من عبدالله تعالى عبده للنظر إلى وجهه الكريم أرانا الله إياه بفضله فإذا لم يكن بعد رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة كانت رؤية الله عز وجل أفضل من رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم
وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته

55

المقربين وجماعة المؤمنين والصديقين النظر إلى وجهه الكريم وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئى لأن رؤية الرائي تقوم به فإذا كان هذا هكذا وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئى لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة ولم يستحل على الله عز وجل أن يرى عباده المؤمنين نفسه في جنانه
81 مسألة في الرؤية احتجت المعتزلة في أن الله عز وجل لا يرى بالأبصار بقوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار من الآية 103 6
قالوا فلما عطف الله عز وجل بقوله وهو يدرك الأبصار على قوله لا تدركه الأبصار
وكان قوله وهو يدرك الأبصار على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة وأنه يراها في الدنيا والآخرة كان قوله

56

لا تدركه الأبصار دليلا على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة وكان في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر
قيل لهم فيجب إذا كان عموم القولين واحدا وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب لأن الله تعالى قال فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور 46 22
وقال أولي الأيدي والأبصار 45 38 أي فهي بالأبصار
فأراد أبصار القلوب وهي التي يفضل بها المؤمنون الكافرين ويقول أهل اللغة فلان بصير بصناعته يريدون بصر العلم ويقولون قد أبصرته بقلبي كما يقولون قد أبصرته بعيني فإذا كان البصر بصر العين

57

وبصر القلب لم أوحبوا علينا أن يكون قوله تعالى لا تدركه الأبصار في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر
وجب عليهم بحجتهم أن الله تعالى لا يدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب لأن قوله لا تدركه الأبصار في العموم كقوله وهو يدرك الأبصار وإذا لم يكن عندهم هكذا فقد وجب أن يكون قوله تعالى لا تدركه الأبصار أخص من قوله وهو يدرك الأبصار وانتقض احتجاجهم
وقيل لهم إنكم زعمتم أنه لو كان قوله لا تدركه الأبصار خاصا في وقت دون وقت لكان قوله وهو يدرك الأبصار خاصا في وقت دون وقت

58


وكان قوله ليس كمثله شيء من الآية 11 42
وقوله لا تأخذه سنة ولا نوم من الآية 255 2
وقوله لا يظلم الناس شيئا من الآية 44 10
في وقت دون وقت فإن جعلتم قوله تعالى لا تدركه الأبصار من الآية 103 6 خاصا رجع احتجاجكم عليكم وقيل لكم إذا كان قوله لا تدركه الأبصار خاصا ولم يجب خصوص هذه الآيات فما أنكرتم أن يكون قوله عز وجل لا تدركه الأبصار إنما أراد في الدنيا دون الآخرة وكما أن قوله لا تدركه الأبصار أراد بعض الأبصار دون بعض ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها

59


فإن قالوا قوله تعالى لا تدركه الأبصار يوجب أن لايدرك بها في الدنيا والآخرة وليس ينفى ذلك أن نراه بقلوبنا ونبصره بها ولا ندركه بها
قيل لهم فما أنكرتم أن يكون لا تدركه بإبصار العيون لا يوجب إذا لم ندركه بها أن لا نراه فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له بها كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له بها
فإن قالوا رؤية البصر هي إدراك البصر
قيل لهم ما الفرق بينكم وبين من قال إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته فإذا كان علم القلب بالله عز وجل وإبصار القلب له رؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك فما أنكرتم أن يكون رؤية العيون وإبصارها لله عز وجل ليس بإحاطة ولا إدراك
82 مسألة ويقال لهم إذا كان قول الله سبحانه لا تدركه الأبصار في العموم

60

كقوله وهو يدرك الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر فخبرونا أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤية ولا لمسا ولا ذوقا ولا على وجه من الوجوه
فمن قولهم نعم فيقال لهم أخبرونا عن قوله تعالى وهو يدرك الأبصار
أتزعمون أنه يدركها لمسا وذوقا بأن يلمسها فمن قولهم لا
فيقال لهم فقد انتقض قولكم إن قوله وهو يدرك الأبصار في العموم كقوله لا تدركه الأبصار
مسألة إذا قال قائل منهم إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب قيل له

61


ولم زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرا كما سموا بصر العين بصرا وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين وإذا لم نجز هذا فقد وجب أن البصر نصر العين وبصر القلب
84 مسألة
ويقال لهم حدثونا عن قول الله عز وجل وهو يدرك الأبصار ما معناه
فإن قالوا معنى يدرك الأبصار أنه يعلمها
قيل لهم وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر وكان قوله تعالى وهو يدرك الأبصار معناه يعلمها فقد وجب أن يكون قوله تعالى لا تدركه الأبصار لا تعلمه وهذا نفى للعلم لا لرؤية الإبصار فإن قالوا معنى قوله تعالى وهو يدرك الأبصار أنه يراها رؤية ليس معناها العلم قيل لهم

62

فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى
فإن قالوا نعم نقضوا قولهم إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما نرى الساعة فإن جاز أن يرى الله وكل ما ليس من جنس المرئيات وهو الإبصار الذي في العين فلم لا يجوز أن يرى نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات
ولم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات
ويقال لهم حدثونا إذا رأينا شيئا فبصرنا يراه أو إنما يراه الرائي دون البصر
فمن قولهم إنه محال أن يرى البصر الذى في العين فيقال لهم الآية تنفى أن تراه الأبصار ولا تنفى أن يراه المبصرون
وإنما قال الله لا تدركه الأبصار فهذا يدل على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية الشريفة

63


الباب الثاني الكلام في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق

85 إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق قيل له الدليل على ذلك قوله تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره من الآية 25 30 وأمر الله كلامه وقوله فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا يهويان كان قيامهما بأمره وقال عز وجل ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7
فالخلق جميع ما خلق داخل فيه لأن الكلام إذا كان لفظه عاما فحقيقته أنه عام ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان فلما قال

64

ألا له الخلق
كان هذا في جميع الخلق ولما قال والأمر ذكر أمرا غير جميع الخلق مذل على ما وصفناه على أن أمر الله غير مخلوق فإن قال قائل أليس قد قال الله تعالى في كتابه من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل من الآية 98 2
قيل له نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل فلما ذكر الله عز وجل نفسه وملائكته ولم يدخل في ذكر الملائكة جبريل وميكائيل وان كان من الملائكة ثم ذكرهما بعد ذلك كأنه قال الملائكة إلا جبريل وميكائيل ثم ذكرهم بعد ذكر الملائكة فقال وجبريل وميكال
ولما قال ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7
ولم يخص قوله الخلق دليل كان قوله ألا له الخلق في جميع

65

الخلق ثم قال بعد ذكره الخلق والأمر فأبان الأمر من الخلق وأمر الله كلامه وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق
وقال سبحانه لله الأمر من قبل ومن بعد من الآية 4 30
يعنى من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك
وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق
86 دليل آخر ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق قوله سبحانه إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16 فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له كن فيكون
ولو كان الله عز وجل قائلا للقول كن لكان للقول قولا وهذا يوجب أحد أمرين إما أن يؤول الأمر إلى أن قوله تعالى غير مخلوق أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية وذلك محال وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق

66


87 سؤال فإن قال قائل قائل معنى قول الله أن يقول له كن فيكون إنما يكون فيكون
قيل الظاهر أن يقول له ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كونى هو الأشياء لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلاما لله عز وجل ومن قال ذلك أعظم الفرية لأنه يلزمه أن يكون كل شىء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام الله وفي هذا ما فيه
فلما استحال ذلك صح أن قول الله للأشياء كونى غيرها وإذا كان غير المخلوقات فقد خرج كلام الله عز وجل عن أن يكون مخلوقا ويلزم من يثبت كلام الله مخلوقا أن يثبت الله غير متكلم ولا قائل وذلك فاسد كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقا وأن يكون الله غير عالم
فلما كان الله عز وجل لم يزل عالما إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة ويستحيل أن يوصف ربنا

67

جل وعلا بخلاف العلم
وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما كما وجب أن يكون لم يزل عالما
88 دليل آخر وقال الله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي من الآية 109 18
فلو كانت البحار مدادا للكتبة لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات ربى كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى ومن فنى كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا

68

فصل

89 وزعمت الجهمية كما زعمت النصارى أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم رضي الله عنها وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة كانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى صلى الله عليه وسلم وأن الشجرة قالت يا موسى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدوني
فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال يا موسى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وقد قال تعالى ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

69

13 32 وكلام الله من الله تعالى فلا يجوز أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقا في غيره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
90 مسألة ويقال لهم كما لا يجوز أن يخلق الله إرادته في بعض المخلوقات كذلك لا يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات ولو كانت إرادة الله مخلوقة في بعض المخلوقات لكان ذلك المخلوق هو المريد بها وذلك يستحيل وكذلك يستحيل أن يخلق الله كلامه في مخلوق لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم به ويستحيل أن يكون كلام الله كلاما للمخلوق
91 دليل آخر ومما يبطل قولهم إن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا إن هذا إلا قول البشر 25 74 يعنى القرآن

70


فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر وهذا ما أنكره الله على المشركين
وأيضا فلو لم يكن الله متكلما حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك لكانت الأشياء قد كانت لا عن أمره ولا عن قوله ولم يكن قائلا لها كونى
وهذا رد للقرآن والخروج عما عليه جمهور أهل الإسلام

71

فصل

92 واعلموا رحمكم الله أن قول الجهمية إن كلام الله مخلوق يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم لو كان لم يزل غير متكلم لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه لما قالوا له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم من الآية 62 21 قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون 63 21
فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة وأن الاله لا يكون غير ناطق ولا متكلم
فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

72


وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه وتعالى في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما
93 دليل آخر وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول لمن الملك اليوم من الآية 16 40
وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا
فيقول لله الواحد القهار من الآية 16 40
فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود
94 دليل آخر
وقد قال الله تعالى وكلم الله موسى تكليما 164 40 والتكليم هو المشافهة بالكلام ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره مخلوقا في شىء سواه كما لا يجوز ذلك في العلم

73


95 دليل آخر وقال الله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد سورة الإخلاص ورقمها 112
فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن
هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة وكذلك علمه وقدرته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
96 دليل آخر وقد قال الله تعالى تبارك اسم ربك من الآية 78 55
ولا يقال لمخلوق تبارك فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة وقال ويبقى وجه ربك من الآية 27 55

74


فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة
97 دليل آخر وقد قال الله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط من الآية 18 3
ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة وسمعها من نفسه لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات أو بعد كون المخلوقات
فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق و كيف يكون ذلك كذلك وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده وأن يكون واحدا قبل الخلق لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا لأن كلام الله شهادته

75


98 دليل آخر
ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية وأن القرآن كلام الله غير مخلوق أن أسماء الله من القرآن وقد قال الله سبحانه سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى 1 2 87
ولا يجوز أن يكون اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى مخلوقا كما لا يجوز أن يكون جد ربنا من الآية 3 72 مخلوقا قال الله تعالى في سورة الجن وأنه تعالى جد ربنا من الآية 3 72
وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا
99 دليل آخر

وقد قال الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء من الآية 51 42 فلو كان كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شىء مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه بزعم الجهمية مخلوقا في غير الله

76

تعالى وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين
ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله عز وجل من ملك أو من نبي أتى به من عندالله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله عز وجل وإنما سمعه من شجرة وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي عليه الصلاة والسلام أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى صلى الله عليه وسلم لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله وموسى سمعه مخلوقا في شجرة ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب
100 مسألة
ثم يقال لهم إذا زعمتم إن معنى أن الله عز وجل كلم موسى أنه خلق

77

كلاما كلمه به في الشجرة وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاما لأن الذراع قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأكلني فإني مسمومة فيلزمكم أن ذلك الكلام الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى فإن استحال أن يكون الله تكلم بذلك الكلام المخلوق فما أنكرتم من أنه يستحيل أن يخلق الله عز وجل كلامه في شجرة لأن الكلام المخلوق لا يكون كلاما لله فإن كان كلام الله وكان معنى أن الله تكلم عندكم أنه خلق الكلام فيلزمكم أن يكون الله متكلما بالكلام الذي خلقه في الذراع فإن أجابوا إلى ذلك قيل لهم فالله تعالى على قولكم هو القائل لا تأكلني فإني مسمومة تعالى الله عن قولكم وإفترائكم عليه علوا كبيرا
وإن قالوا لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في ذراع

78


قيل لهم وكذلك لايجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شجرة
101 مسألة
ثم يسألون عن الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب لما أخبر عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم
فيقال لهم إذا كان الله عز وجل يتكلم بكلام خلقه في غيره فما أنكرتم أن يكور الكلام الذي سمعه من الذئب كلاما لله ويكون إعجازه يدل على أنه كلام الله وفي هذا ما يجب عليهم أن الذئب لم يتكلم به وأنه كلام الله تعالى لأن كون الكلام من الذئب معجز كما أن كونه من الشجرة معجز فإن كان الذئب متكلما بذلك الكلام المنقول فما أنكرتم أن الشجرة متكلمة بالكلام إن كان خلق في الشجرة وأن يكون المخلوق فيه قال يا موسى إني أنا الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
102 مسألة
ثم يقال لهم إذا كان كلام الله عز وجل مخلوقا في غيره عندكم

79

فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شىء وهو حق أن يكون كلاما لله سبحانه
فإن قالوا لا تكون الشجرة متكلمة لأن المتكلم لا يكون إلا حيا قيل لهم ولا يجوز خلق الكلام في شجرة لأن من خلق الكلام فيه لا يكون إلاحيا فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحى فلم لا يجوز أن يتكلم من ليس بحى ويقال لهم لم لا قلتم إنه يقول من ليس بحى لأن الله عز وجل أخبر أن السموات والأرض قالتا أتينا طائعين من الآية 11 41
103 مسألة
ثم يقال لهم أليس قد قال الله عز وجل لإبليس وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين 78 38 فلا بد من نعم
قيل لهم فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات فيلزمكم إذا أفنى الله عز وجل الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس

80

قد فنيت فيكون إبليس غير ملعون وهذا ترك دين المسلمين ورد لقوله تعالى وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين 78 38
وإذا كانت اللعنة باقية على إبليس إلى يوم الدين وهو يوم الجزاء وهو يوم القيامة لأن الله تعالى قال مالك يوم الدين 4 1
يعنى يوم الجزاء ثم هي أبدا في النار واللعنة كلام الله وهو قوله عليك لعنتي
فقد وجب أن يكون الله عز وجل لا يجوز عليه الفناء وأنه غير مخلوق لأن المخلوقات يجوز عليها العدم فإذا لم يجز ذلك على كلام الله عز وجل فهو غير مخلوق
104 مسألة
ثم يقال لهم إذا كان غضب الله غير مخلوق وكذلك رضاه وسخطه فلم لا قلتم ان كلامه غير مخلوق ومن زعم أن غضب الله

81

مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه وهذا هو الخروج عن الإسلام
105 مسألة
ويقال خبرونا عن قول الله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16
أتزعمون أن قوله للشىء كن مخلوق مرادا لله فإن قالوا لا قيل لهم فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق كما زعمتم أن قول الله للشىء كن غير مخلوق
وإن زعموا أن قول الله للشىء كن مخلوقا
قيل لهم فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد فقد قال الله عز وجل

82

إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 40 16
فيلزمكم أن قوله تعالى للشىء كن قد قال له كن
وفي هذا ما يجب أحد أمرين إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق أو يكون لكل قول قول لا إلى غاية وذلك محال
فإن قالوا إن لله قولا غير مخلوق
قيل لهم فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة
ثم يقال لهم ما العلة التى إنما قلتم إن قول الله للشىء كن غير مخلوق
فإن قالوا لأن القول لا يقال له كن فيقال لهم القرآن غير مخلوق لأنه قول الله والله لا يقول لقوله كن
106 مسألة على الجهمية
ويقال لهم أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه

83


فلا بد من نعم
قيل لهم فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه
فإن قالوا نعم
قيل لهم فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق فإن قالوا لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه زعموا أن الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه ونسبوه سبحانه إلى النقص تعالى عن قول القدرية علوا كبيرا
107 مسألة
ويقال لهم إن الشىء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان شخصا من الأشخاص أو يكون نعتا من نعوت الأشخاص فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب والنكاح ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق لأن النعوت لا تبقى طرفة عين لأنها لا تحتمل البقاء وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فنى ومضى

84


فلما لم يجز أن يكون شخصا ولا نعتا لشخص لم يجز أن يكون مخلوقا على أن الأشخاص يجوز أن تموت
فمن يثبت كلام الله شخصا مخلوقا لزمه أن يجوز الموت على كلام الله عز وجل وذلك ما لا يجوز
وأيضا فلا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شخص مخلوق كما لا يجوز أن يكون نعتا لشخص مخلوق ولو كان مخلوقا في شخص وكلام الإنسان مفعولا فيه كما لا يمكن التفريق بين كلام الله وكلام الخلق إذا كانا مخلوقين في شخص مخلوق
كما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا في شخص مخلوق
108 مسألة
ويقال لهم أيضا لو كان كلام الله مخلوقا لكان جسما أو نعتا لجسم ولو كان جسما لجاز أن يكون متكلما والله قادر على قلبهما وفي هذا ما يلزمهم
ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسانا أو جنيا

85

أو شيطانا تعالى الله عز وجل أن يكون كلامه كذلك
و لو كان نعتا لجسم كالنعوت فالله قادر على أن يجعلها أجساما لكان يجد على الجهمية أن يجوزوا أن يجعل الله القرآن جسما متجسدا يأكل ويشرب وأن يجعله إنسانا ويميته
وهذا ما لا يجوز على كلام الله تعالى عن ذلك

86


86



87

الباب الثالث في ذكر الرواية في القرآن

109 قال أبو بكر أتيت أنا والعباس بن عبدالعظيم العنبري أبا عبدالله أحمد بن حنبل فسأل العباس أبا عبدالله رحمه الله ورضي عنه فقال له قوم ها هنا قد حدثوا يقولون القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق
فقال هؤلاء أضر من الجهمية على الناس ويلكم فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق
قال أبو عبدالله هؤلاء قوم سوء
فقال العباس ما تقول ياأبا عبدالله
فقال الذي أعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق

88


ثم قال سبحان الله ومن يشك في هذا
ثم تكلم أبو عبدالله مستعظما للشك في ذلك فقال سبحان الله أفي هذا شك قال الله تبارك وتعالى ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7
وقال الرحمن علم القرآن خلق الإنسان 1 2 3 55
ففرق بين الإنسان وبين القرآن فقال علم خلق فجعل يعيدها علم خلق أي فرق بينهما
قال أبو عبدالله والقرآن علم الله ألا تراه يقول علم القرآن
والقرآن فيه أسماء الله عز وجل أي شيء يقولون لا يقولون إن أسماء الله غير مخلوقة لم يزل الله قديرا عليما عزيزا حكيما سميعا بصيرا
لسنا نشك أن أسماء الله عز وجل غير مخلوقة لسنا نشك أن علم الله عز وجل غير مخلوق فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله فلا نشك أنه غير مخلوق وهو كلام الله عز وجل ولم يزل به متكلما ثم

89

قال وأي كفر من هذا وأي كفر أشر من هذا إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة وأن علم الله مخلوق ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون إنما يقولون القرآن مخلوق ويتهاونون به ويظنون أنه هين ولا يدرون ما فيه وهو الكفر وأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد وهم يسألون وأنا أكره الكلام في هذا فبلغني أنهم يدعون أني أمسك فقلت له فمن قال القرآن مخلوق ولا يقول إن أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم نرد على هذا
أقول هو كافر
فقال هكذا هو عندنا
ثم قال أبو عبدالله نحن نحتاج أن نشك في هذا القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله فمن قال إنه مخلوق فهو عندنا كافر فجعلت أردد عليه
فقال لي العباس وهو يسمع سبحان الله أما يكفيك دون هذا فقال أبو عبدالله بلى
وذكر الحسين بن عبدالأول قال سمعت وكيعا يقول من قال القرآن مخلوق فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل

90


وذكر محمد بن الصباح البزار قال حدثنا علي بن الحسين ابن شعبان قال سمعت ابن المبارك يقول إنا نستطيع أن نحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكى كلام الجهمية
قال محمد نقول نخاف أن نكفر ولا نعلم
وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم عن سليمان ابن عيسى القارى عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أنى منه برىء قال سليمان ثم قال سفيان لأنه كان يقول القرآن مخلوق وحاشى الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه من هذا القول بل هو زور وباطل فإن أبا حنيفة من أفضل أهل السنة وذكر سفيان بن وكيع قال سمعت عمر ابن حماد بن أبي سليمان قال أخبرني أبي قال الكلام الذي أستتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة وهو قوله القرآن مخلوق قال فتاب منه وطاف به في الخلق قال أبى فقلت له كيف صرت إلى هذا قال خفت والله أن يقدم على فأعطيته الثقية

91


وذكر هارون بن إسحاق قال سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد الطنافسى ان حماد يعنى ابن أبي سليمان بعث إلى أبي حنيفة أني برىء مما تقول إلا أن تتوب وكان عنده ابن أبي عقبة قال فقال أخبرني جارك أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب
وهذا كذب محض على أبي حنيفة رضي الله عنه
وذكر عن أبي يوسف قال ناظرت أبا حنيفة رضي الله عنه شهرين حتى رجع عن خلق القرآن
وقال سليمان بن حرب القرآن غير مخلول وأخذته من كتاب الله تعالى قال الله تعالى ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم من الآية 77 3
وكلام الله ونظره واحد يعنى غير مخلوق
وذكر الحسين بن عبدالأول قال حدثنا محمد بن الحسن ابن أبي يزيد الهمذاني عن عمرو بن قيس عن أبي قيس المديني عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال

92

رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه
فهذا يثبت أن القرآن كلام الله عز وجل وما كان كلاما لله عز وجل لم يكن خلقا لله وقد بين الله أن القرآن كلامه بقوله عز وجل حتى يسمع كلام الله من الآية 6 9
ودل على ذلك في مواضع من كتابه العزيز وقد قال الله تعالى مخبرا أن الله كلم موسى تكليما
وروى ابن وكيع عن الأعمش عن خيثمة عن عدى بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان
ومما يدل أن الله عز وجل متكلم وأن له كلاما ما رواه

93

عفان قال ثنا حماد بن سلمة عن الأشعب الحراني عن شهرين حوشب قال فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه
وروى يعلى بن المنهال السعدى قال حدثنا إسحق ابن سليمان الرازي قال ثنا الجراح بن الضحاك الكندي عن علقمة ابن مرثل عن أبي عبدالرحمن السلمى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه
وقال إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه

94


وذلك أنه منه وروى سعيد بن داود قال حدثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة قوله تعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله الآية من الآية 27 31
وذكر هارون بن معروف قال حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن أساف عن فروة بن نوأل وقال كنت جارا لخباب بن الارت فقال لي يا هذا تقرب إلى الله عز وجل بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه
وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى قرآنا عربيا غير ذي عوج من الآية 28 39

95


قال غير مخلوق
وروى الليث بن يحيى قال حدثني إبراهيم بن أبي الأشعث قال
سمعت مؤمل بن إسماعيل يحدث عن الثوري قال من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر
وصحت الرواية عن جعفر بن محمد أن القرآن لا خالق ولا مخلوق وروى ذلك عن عمه زيد بن علي وعن جده على بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين ومن قال إن القرآن مخلوق عند العلماء وحملة الآثار ونقلة الأخبار وهم لا يحصون كثرة ومنهم حماد والثورى وعبدالعزيز ابن أبي سلمة ومالك بن أنس رضي الله عنه والشافعي رضي الله عنه وأصحابه وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ومالك رضي الله عنهم والليث بن سعد رضي الله عنه وسفيان ابن عيينة وهشام وعيسى بن يونس وجعفر

96

ابن غياث وسعيد بن عامر وعبدالرحمن بن مهدى وأبو بكز ابن عياش ووكيع وأبو عاصم النبيل ويعلى بن عبيد ومحمد بن يوسف وبشر بن الفضل وعبدالله بن داود وسلام بن أبى مطيع وابن المبارك وعلي بن عاصم وأحمد بن يونس وأبو نعيم وقبيصة بن عقبة وسليمان بن داود وأبو عبيد القاسم ابن سلام ويزيد بن هارون وغيرهم
ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام وفيما ذكرنا من ذلك مقنع والحمد لله رب العالمين وقد احتججنا لصحة قولنا
إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله عز وجل وما تضمنه من البرهان وأوضحه من البيان ولم نجد أحدا ممن تحمل عنه الآثار وتنقل عنه الأخبار ويأتم به المؤتمرون من أهل العلم يقول بخلق القرآن وإنما قال ذلك رعاع الناس وجهال من جهالهم لا موقع لهم
والحجاج الذي قدمناه في ذلك يأتي على كثير قولهم ودفع باطلهم والحمد لله على قوة الحق حمدا كثيرا

97


الباب الرابع

الكلام على من توقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق
110 جواب يقال لهم لم زعمتم ذلك وقلتموه
فإن قالوا قلنا ذلك لأن الله لم يقل في كتابه إنه مخلوق ولا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجمع المسلمون عليه ولم يقل في كتابه إنه غير مخلوق ولا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجمع عليه المسلمون فتوقفنا لذلك ولم نقل إنه مخلوق ولا إنه غير مخلوق

98


يقال لهم فهل قال الله تعالى لكم في كتابه توقفوا فيه ولا تقولوا إنه غير مخلوق
وقال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم توقفوا عن أن تقولوا إنه غير مخلوق
وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق
فإن قالوا نعم فقد بتهوا وإن قالوا لا
قيل لهم فلا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق بمثل الحجة التي بها ألزمتهم أنفسكم التوقف
ثم يقال لههم ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير مخلوق فإن قالوا لم نجده
قيل لهم ولم زعمتم أنكم إذا لم تجدوه في القرآن فليس بموجود

99

فيه ثم إنا نوجدهم ذلك ونتلو عليهم الآيات التي احتججنا بها في كتابنا هذا واستدللنا بها على أن القرآن غير مخلوق كقوله تعالى ألا له الخلق والأمر من الآية 54 7
وكقوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون من الآية 40 16
وكقوله قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي من الآية 109 18
وسائر ما احتججنا في ذلك من آي القرآن
ويقال لهم يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه ولا تقدموا في ذلك على قول فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها دليل فلم لا قلتم إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا قبل هذا الموضع

100


111 مسألة فإن قال قائل حدثونا أتقولون إن كلام الله في اللوح المحفوظ
قيل له كذلك نقول لأن الله تعالى قال بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ 21 22 85
فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم قال الله تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من الآية 49 29
وهو متلو بالألسنة قال الله تبارك وتعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به 16 75
والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة محفوظ في صدورنا في الحقيقة متلو بألسنتنا في الحقيقة مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى

101

فأجره حتى يسمع كلام الله من الآية 6 9
112 مسألة
فإن قال قائل حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه قيل القرآن يقرأ في الحقيقة ويتلى ولا يجوز أن يقال يلفظ به لأن القائل لا يجوز له أن يقول إن كلام الله ملفوظ به لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها وكلام الله تعالى لا يقال يلفظ به وإنما يقال يقرأ ويتلى ويكتب ويحفظ
وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق ويزينوا بدعتهم وقولهم بخلقه ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم فلما وقفنا على معناهم أنكرنا قولهم وكذا لا يجوز أن يقال إن شيئا من القرآن مخلوق لأن القرآن بكماله غير مخلوق

102


113 مسألة
إن قال قائل أليس قد قال الله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون من الآية 2 21
قيل له الذكر الذي عناه الله عز وجل ليس هو القرآن بل هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم
وقد قال الله تعالى لنبيه وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين 55 51
وقد قال الله تعالى ذكرا رسولا نهاية آية 10 وبداية آية 11 65 فسمى الرسول ذكرا والرسول محدث
وأيضا فإن الله تعالى قال

103

ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون من الآية 2 21
يخبر أنه ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ولم يقل ما يأتيهم ذكر إلا كان محدثا
وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثا
ولو قال قائل ما يأتيهم رجل من التميميين يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا عنه لم يوجب هذا القول أنه لا يأتيهم رجل إلا كان تميميا فكذلك الحكم فيما سألونا عنه
114 مسألة
فإن سألونا عن قول الله تعالى قرآنا عربيا من الآية 2 12
قيل لهم الله عز وجل أنزل وليس بمخلوق
فإن قالوا فقد قال الله تعالى

104

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد من الآية 25 57
والحديد مخلوق قيل لهم الحديد جسم موات وليس يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون جسما مواتا فكذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون مخلوقا وإن كان الحديد مخلوقا
115 مسألة
ويقالهم قد أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به وهو غير مخلوق وأمر أن نستعيذ بكلمات الله التامات وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق

105

الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش

116 إن قال ما تقولون في الإستواء
قيل له نقول إن الله عز وجل يستوى على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار كما قال الرحمن على العرش استوى 5 20
وقد قال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه من الآية 10 35
وقال تعالى بل رفعه الله إليه من الآية 158 4

106


وقال تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه من الآية 5 32
وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا من الآيتين 37 40
كذب موسى عليه السلام في قوله إن الله سبحانه فوق السموات
وقال تعالى أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض من الآية 16 67
فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال أأمنتم من في السماء من الآية 14 67 لأنه مستو على العرش

107

الذي فوق السموات وكل ماعلا فهو سماء والعرش أعلى السموات وليس إذا قال أأمنتم من في السماء من الآية 16 67 يعنى جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى الله تعالى ذكر السموات فقال تعالى وجعل القمر فيهن نورا من الآية 16 71
ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعو إلى الأرض

108

فصل

وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قول الله تعالى الرحمن على العرش استوى 5 20
أنه استولى وملك وقهر وأن الله تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة
ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض فالله سبحانه

109

قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الإستيلاء وهو تعالى مسئول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقدار لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لم يجز أن يكون الإستواء على العرش الإستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الإستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها
وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا
118 مسألة
ويقال لهم إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يخص العرش

110

دون غيره كما قال ذلك أهل العلم ونقله الأخبار وحملة الآثار وكان الله عز وجل في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت والأشياء فوقه وأنه فوق الفوق والأشياء تحته وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه وفوق ما هو تحته وهذا هو المحال المتناقض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
119 دليل آخر
ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
روى عفان قال ثنا حماد بن سلمة قال حدثنا

111

عمرو بن ذينار عن نافع عن جبير عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له حتى يطلع الفجر
روى عبيدالله بن بكر قال ثنا هشام بن أبي عبدالله عن يحيى بن كثير عن أبي جعفر أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقى ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى فيقول من ذا الذي يدعوني أستجيب له من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه من ذا الذي يسترزقني فأرزقه حتى ينفجر الفجر

112


وروى عبدالله بن بكر السهمي قال ثنا هشام بن أبي عبدالله عن يحيى بن كثير عن هلال بن أبي ميمونة قال ثنا عطاء بن يسار
أن رفاعة الجهني حدثه قال فقلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كفا بالكديد أو قال بقديد حمد الله وأثنى عليه ثم قال
إذ مضى ثلث الليل أو قال ثلثا الليل نزل الله عز وجل إلى السماء فيقول من ذا الذي يدعوني أستجيب له من ذا الذي يستغفرني أغفر له من ذا الذي يسألني أعطيه حتى ينفجر الفجر نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال تعالى الله عن ذلك علوا كبير
120 دليل آخر
قال الله تعالى

113

يخافون ربهم من فوقهم من الآية 50 16
وقال تعالى تعرج الملائكة والروح إليه من الآية 4 70
وقال تعالى ثم استوى إلى السماء وهي دخان من الآية 11 41
وقال تعالى ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا من الآية 59 25
وقال تعالى ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع 4 32
فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست الأرض فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والإتحاد

114


121 دليل آخر
قال الله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا 22 89
وقال تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة من الآية 210 2
وقال ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى 8 9 10 11 12 13 53 إلى قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى 18 53
وقال تعالى لعيسى بن مريم عليه السلام إني متوفيك ورافعك إلي
وقال تعالى وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه من الآية 158 4

115


وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء
ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا ياساكن السماء ومن خلفهم جميعا لا والذي احتجب بسبع سموات
122 دليل آخر قال الله عز وجل وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء من الآية 51 42
وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا

116

أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو أرسل رسولا وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم
123 دليل آخر
قال الله تعالى ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق من الآية 62 6
وقال ولو ترى إذ وقفوا على ربهم من الآية 30 6
وقال ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم 12 32
وقال عز وجل وعرضوا على ربك صفا من الآية 48 18
كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو

117

على عرشه سبحانه بلا كيف ولا استقرار تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي يريدون بذلك التنزيه ونفى التشبيه على زعمهم فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفى والتعطيل
124 دليل آخر
قال الله تعالى الله نور السماوات والأرض من الآية 35 24
فسمى نفسه نورا والنور عند 4 الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين

118


إما أن يكون نورا يسمع أو نورا يرى
فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه وتكذيبه بكتابه وقول نبيه صلى الله عليه وسلم
وروت العلماء عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله عز وجل فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ذلك
125 دليل آخر
وروت العلماء رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن عمله وروت العلماء أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة

119

سوداء فقال يا رسول الله أني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء قال فمن أنا قالت أنت رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة
وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لاتزيده قربا من العرش

120

الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين

126 قال الله تبارك وتعالى كل شيء هالك إلا وجهه من الآية 88 28
وقال تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 55
فأخبر أن له سبحانه وجها لايفنى ولا يلحقه الهلاك
وقال تعالى تجري بأعيننا من الآية 14 54
وقال تعالى واصنع الفلك بأعيننا ووحينا من الآية 37 11

121


فأخبر تعالى أن له وجها وعينا ولا تكيف ولا تحد
وقال تعالى واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا من الآية 48 52
وقال تعالى ولتصنع على عيني من الآية 39 20
وقال تعالى وكان الله سميعا بصيرا من الآية 134 4
وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام إنني معكما أسمع وأرى من الآية 46 20 فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته

122

فصل

127 ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال وابطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين
ووافقوا النصارى لأن النصارى لم تثبت الله سميعا بصيرا إلا على معنى أنه عالم
وكذلك قالت الجهمية ففي حقيقة قولهم أنهم قالوا
نقول إن الله عالم ولا نقول سميع بصير على غير معنى عالم وذلك قول النصارى

123

فصل

128 قالت الجهمية إن الله لا علم له ولا قدرة ولا سمع له ولا بصر وإنما قصدوا إلى تعطيل التوحيد والتكذيب بأسماء الله تعالى فأعطوا ذلك له لفظا ولم يحصلوا قولهم في المعنى ولولا أنهم خافوا السيف لأفصحوا بأن الله غير سميع ولا بصير ولا عالم ولكن خوف السيف منعهم من إظهار زندقتهم

124

فصل

129 وزعم شيخ منهم نحس مقدم فيهم أن علم الله هو الله وأن الله سبحانه علم فنفى العلم من حيث أوهم أنه يثبته حتى ألزم أن يقول ياعلم اغفر لي إذ كان علم الله عنده هو الله وكان الله على قياسه الفاسد علما وقدرة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا قال الشيخ أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري رحمه الله ورضى عنه بالله نستهدي وإياه نستكفي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو المستعان
130 مسألة
أما بعد فمن سألنا فقال أتقولون إن لله سبحانه وجها
قيل له نقول ذلك خلافا لما قاله المبتدعون وقد دل على ذلك

125

قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 55
131 مسألة قد سألنا أتقولون إن لله يدين
قيل نقول ذل بلا كيف وقد دل عليه قوله تعالى يد الله فوق أيديهم من الآية 10 48
وقوله تعالى لما خلقت بيدي من الآية 75 38
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته

126


فثبتت اليد بلا كيف
وجاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طولى بيده أي بيد قدرته سبحانه
وقال تعالى بل يداه مبسوطتان من الآية 64 5
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلتا يديه يمين
وقال تعالى لأخذنا منه باليمين من الآية 45 69
وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا بيدي ويعنى به النعمة وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل فعلت بيدي

127

ويعنى النعمة بطل أن يكون معنى قوله تعالى بيدي النعمة
وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل لي عليه يدي بمعنى لي عليه نعمتى ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى بيدي نعمتي
فليس المسلمون على ما ادعى متفقين وإن روجع إلى

128

اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل بيدي يعنى نعمتي وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا
132 مسألة
ويقال لأهل البدع ولم زعمتم أن معنى قوله بيدي نعمتى
أزعمتم ذلك إجمالا أو لغة
ولا يجدون ذلك إجماعا ولا في اللغة
وإن قالوا قلنا ذلك من القياس
قيل لهم ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى بيدي لا يكون معناه إلا نعمتي
ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا كذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز الناطق على لسان نبيه الصادق

129

وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه من الآية 4 14
وقال تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين من الآية 4 14
وقال تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين من الآية 103 16
وقال تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا من الآية 3 4
وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله من الآية 82 4
ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه لأنه بلسانهم نزل وليس في لسانهم ما ادعوه
133 مسألة
وقد اعتل معتل بقول الله تعالى

130

والسماء بنيناها بأيد من الآية 47 51
قالوا الأيد القوة فوجب أن يكون معنى قوله تعالى بيدي بقدرتي
قيل لهم هذا التأويل فاسد من وجوه أحدها أن الآيد ليس جمع لليد لأن جمع يد أيدى وجمع اليد التي هي نعمة أيادي وإنما قال تعالى لما خلقت بيدي من الآية 75 38
فبطل بذلك أن يكون معنى قوله بيدي معنى قوله بيناها بأيد
وأيضا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا ناقض لقول مخالفنا وكاسر لمذهبهم لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فكيف يثبتون قدرتين

131


وأيضا فلو كان الله تعالى عنى بقوله لما خلقت بيدي
القدرة لم يكن لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس مزية في ذلك والله تعالى أراد أن يرى فضل آدم صلى الله عليه وسلم عليه إذ خلقه بيديه دونه ولو كان خالقا لابليس بيده كما خلق آدم صلى الله عليه وسلم بيده لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه وكان إبليس يقول محتجا على ربه فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم صلى الله عليه وسلم بهما
فلما أراد الله تعالى تفضيله عليه بذلك وقال الله تعالى موبخا له على استكباره على آدم صلى الله عليه وسلم أن يسجد له

132

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت 75 38
دل على أنه ليس معنى الآية القدرة إذ كان الله تعالى خلق الأشياء جميعا بقدرته وإنما أراد إثبات يدين ولم يشارك إبليس آدم صلى الله عليه وسلم في أن خلق بهما

133

فصل

134 وليس يخلو قوله تعالى لما خلقت بيدي
أن يكون معنى ذلك إثبات يدين نعمتين أو يكون معنى ذلك إثبات يدين جارحتين تعالى الله عن ذلك أو يكون معنى ذلك إثبات يدين قدرتين أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين لا توصفان إلا كما وصف الله تعالى فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل عملت بيدي وهو نعمتي
ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعنى جارحتين ولا يجوز عند خصومنا أن يعنى قدرتين

134


وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله تعالى بيدي إثبات يدين ليستا جارحتين ولا قدرتين ولا نعمتين لا يوصفان إلا بأن يقال إنهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت
135 مسألة
وأيضا فلو كان مني قوله تعالى بيدي نعمتي لكان لا فضيله لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا لأن الله تعالى قد ابتدأ إبليس على قولهم كما ابتدأ آدم صلى الله عليه وسلم
وليس تخلو النعمتان أن يكونا هما بدن آدم صلى الله عليه وسلم أو يكونا عرضين خلقا في بدن آدم عليه الصلاة والسلام فلو

135

كان عنى بدن آدم عليه السلام فلأ بدان عندما مخالفينا من المعتزلة جنس واحد وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم صلى الله عليه وسلم وكذلك إن عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم صلى الله عليه وسلم من لون أو حياة أو قوة أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بذن إبليس وهذا يوجب أنه لا فضيله لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك والله تعالى انما احتج على ابليس بذلك ليريه ان لآدم صلى الله عليه وسلم في ذلك الفضيلة

فدل ما قلناه على أن الله عز وجل لما قال خلقت بيدي لم يعن نعمتي

136


136 مسألة
ويقال لهم لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله بيدي يدين ليستا نعمتين
فإن قالوا لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة
قيل لهم ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة وإن رجونا إلى شاهدنا أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة قيل لهم إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما فافضوا بذلك على الله تعالى عن ذلك وإلا كنتم لقولكم تاركين و لاعتلالكم ناقضين
وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا كالأيدي

137

وكذلك يقال لهم لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا ثم أثبتم أن للدنيا مدبرا حكيما ليس كالإنسان وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد
137 مسألة
فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى لما خلقت بيدي فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى مما عملت أيدينا من الآية 71 36
قيل لهم قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدى
فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك وجب أن يكون الله تعالى

138

ذكر أيدي ورجع إلى اثبات يدين لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحا وجب أن يرجع من قوله أيدى إلى يدين لأن القرآن على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة
38 مسألة
فإن قال قائل إذا ذكر الله عز وجل الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يذكر الأيدى ويريد يدا واحدة
قيل له ذكر تعالى أيدى وأراد يدين لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدى كثيرة وقول من قال يدا واحدة فقلنا يدان لأن القرآن على ظاهره إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر

139


139 مسألة
فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى مما عملت أيدينا من الآية 71 36
وقوله تعالى لما خلقت بيدي على الجاز من الآية 75 38
قيل له حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشىء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة
ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة كذلك قوله تعالى لما خلقت بيدي من الآية 75 38

140


على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة
ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعى أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة بل واجب أن يكون قوله تعالى لما خلقت بيدي من الآية 75 38
إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم فعلت بيدي وهو يعني النعمتين

141

الباب السابع

الرد على الجهمية في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وجميع صفاته
140 قال الله تعالى أنزله بعلمه من الآية 166 4
وقال تعالى وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه من الآية 11 35
وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه العزيز وقال تعالى فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله من الآية 14 11
وقال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء من الآية 255 2

142


وذكر القوة فقال أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة من الآية 15 41
وقال تعالى ذو القوة المتين من الآية 58 51
وقال تعالى والسماء بنيناها بأيد من الآية 47 51

143

فصل

141 وزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له وأرادوا أن ينفوا ان الله تعالى عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفى ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قد قال كثير منهم إن الله تعالى ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر

144

فصل

142 وقد قال رئيس من رؤسائهم وهو أبو الهذيل العلاف إن علم الله هو الله فجعل الله تعالى علما وألزم
فقيل له إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفرلي وارحمني فأبى ذلك فلزمه المناقضة
واعلموا رحمكم الله أن من قال عالم ولا علم كان مناقضا كما أن من قال علم الله ولا عالم كان مناقضا وكذلك القول في القادر والقدرة والحياة والحى والسمع والبصر والسميع والبصير
143 مسألة
ويقال لهم خبرونا عمن زعم أن الله متكلم قائل آمر

145

ناه لا قول له ولا كلام ولا أمر له ولا نهى أليس هو مناقض خارج عن جملة المسلمين
فلا بد من نعم يقال لهم فكذلك من قال إن الله تعالى عالم ولا علم له كان ذلك مناقضا خارجا عن جملة المسلمين
وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما لم يزل وقد قالوا علم الله لم يزل وعلم الله سابق في الأشياء ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث ونازلة تنزل كل هذا سابق في علم الله فمن جحد أن لله علما فقد خالف المسلمين وخرج عن اتفاقهم
144 مسألة
ويقال لهم إذا كان الله مريدا فله إرادة فإن قالوا لا قيل لهم فإذا ثبتم مريدا لا إرادة له فثبتوا أن قائلا لا قول له وإن

146

ثبتوا الإرادة قيل لهم فإذا كان المريد لا يكون مريدا إلا بإرادة فما أنكرتم أن لا يكون العالم عالما إلا بعلم وأن يكون لله علم كما أثبتم له الإرادة
145 مسألة
وقد فرقوا بين العلم والكلام فقالوا إن الله تعالى علم موسى وفرعون وكلم موسى ولم يكلم فرعون فكذلك قد يقال علم موسى الحكمة وفصل الخطاب وآتاه النبوة ولم يعلم ذلك فرعون فإن كان لله كلام لأنه كلم موسى ولم يكلم فرعون فكذلك لله علم لأنه علم موسى ولم يعلم فرعون
ثم يقال لهم إذا وجب أن لله كلاما به كلم موسى دون فرعون إذ كلم موسى دونه فما أنكرتم إذا علمهما جميعا أن يكون له علم به علمهما جميعا
ثم يقال قد كلم الله الأشياء بأن قال لها كوني
وقد أثبتم لله قولا وإن علم الأشياء كلها فله علم

147


146 مسألة
ثم يقال لهم إذا أوجبتم أن لله كلاما وليس له علم لأن الكلام أخص من العلم والعلم أعم منه فقولوا إن لله قدرة لأن العلم أعم عندكم من القدرة لأن مذاهب القدرية أنهم لا يقولون أن الله لا يقدر أن يخلق الكفر فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم فينبغي لهم أن يقولوا على اعتلالهم ان لله قدرة
147 مسألة
ثم يقال لهم أليس الله عالما والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه متكلم مكلم
ثم لم يجب لأن الكلام أخص من أن يكون الله تعالى متكلما غير عالم فل 4 م لا قلتم إن الكلام وإن كان أخص من العلم أن ذلك لا ينفى أن يكون لله علم كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالما
148 مسألة
و يقال لهم من اين علمتم ان الله عالم

148


فإن قالوا يقوله تعالى إنه بكل شيء عليم من الآية 12 42
قيل لهم وكذلك فقولوا إن لله علما بقوله أنزله بعلمه من الآية 166 4
وبقوله وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه من الآية 11 35
وكذلك قوله فقولوا إن له قوة لقوله تعالى أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة من الآية 15 41
فإن قالوا قلنا إن الله عالم لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار الحكمة واتساق التدبير
قيل لهم فلم لا قلتم إن لله علما بما ظهر في العالم من حكمة وآثار تدبيره

149


لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم كما لا يظهر إلا من عالم وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة كما لا تظهر إلا من قادر
149 مسألة
ويقال لهم إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه فإن قالوا كيف ننفى أسماءه وقد ذكرها في كتابه قيل لهم فلا تنفوا العلم والقوة لأنه تعالى ذكر ذلك في كتابه العزيز
150 مسألة
أخرى وتعالى لهم قد علم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الشرائع والأحكام والحلال والحرام ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه فكذلك لا يجوز

150


أن يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم مالا علم الله به تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا
151 مسألة ويقال لهم أليس إذا لعن الله الكافرين فلعنه لهم معنى ولعن النبي صلى الله عليه وسلم لهم معنى
فمن قولهم نعم فيقال لهم فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه صلى الله عليه وسلم شيئا فكان للنبي صلى الله عليه وسلم علم فالله تعالى علم
وإذا كنا متى أثبتناه غضبانا على الكافرين فلا بد من نعم فلا بد من إثبات غضب
وكذلك إذا اثبتناه راضيا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى
وكذلك إذا أثبتناه حيا سميعا بصيرا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر

151


152 مسألة
ويقال لهم وجدنا اسم عالم اشتق من علم واسم قادر اشتق من قدرة وكذلك اسم حى اشتق من حياة واسم سميع اشتق من سمع واسم بصير اشتق من بصر
ولا تخلو أسماء الله عز وجل من أن تكون مشتقة إما لإقادة معنى أو على طريق التلقيب فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة معنى وليس مشتقا من صفة
فإذا قلنا إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا كقولنا زيد وعمر وعلى هذا إجماع المسلمين

152


وإذا لم يكن كذلك تلقيبا كان مشتقا من علم فقد وجب إثبات العلم وإن كان ذلك لإفادة معنى فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم كما إذا كان قولي موجود مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته لأنه سبحانه وتعالى موجود
153 مسألة
ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية أتقولون إن لله علما

153

بالأشياء سابقا فيها وبوضع كل حامل وحمل كل أنثى وبإنزال كل ما أنزله
فإن قالوا نعم أثبتوا العلم ووافقوا وإن قالوا لا
قيل لهم جحد منكم لقوله تعالى أنزله بعلمه من الآية 166 4
ولقوله وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه من آية 11 35
ولقوله تعالى فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله من الآية 14 11
وإذا كان قول الله تعالى بكل شيء عليم من الآية 12 42 وما تسقط من ورقة إلا يعلمها من الآية 59 6

154


يوجب أنه عليم بعلم الأشياء فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده
154 مسألة
ويقال لهم هل لله عز وجل علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه وهل هو مريد لذلك وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان
فإن قالوا نعم وافقوا
وإن قالوا إذا أراد الإيمان فله إرادة
قيل لهم وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه فلا بد من أن يكون له علم بذلك
وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك وليس للخالق عز وجل علم

155


بذلك وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
قيل لهم إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
155 مسألة
ويقال لهم إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله وإلا ألحقتم به النقصان جل عن قولكم وعلا
ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان

156


ومن قال ذلك في الله عز وجل وصف الله تعالى بما لا يليق به فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان وجب أن ينفى ذلك عن الله تعالى لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان
156 مسألة
ويقال لهم هل يجوز أن تنشق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم
فإن قالوا ذلك محال ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجرى على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي
قيل لهم وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجرى على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة
فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي

157


وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر
157 مسألة
وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى سميع بصير من الآية 28 31 إن معناه عليم
قيل لهم فإذا قال الله تعالى إنني معكما أسمع وأرى من الآية 46 20
وقال قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها من الآية 10 58 فمعنى ذلك عندكم علم
فإن قالوا نعم
قيل لهم فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله إنني معكما أسمع وأرى من الآية 46 20 اعلم واعلم إذا كان معنى ذلك العلم

158

فصل

158 ونفت المعتزلة صفات رب العالمين وزعمت أن معنى سميع بصير من الآية 28 31 راء بمعنى عليم
كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره وهو رؤيته وهو كلامه وهو علمه وهو ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
فيقال للمعتزلة إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم

وإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم
وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم

159


فإن قالوا هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورا قيل لهم ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعا و إذا لم يجز ذلك بطل قولكم

160


160



161

الباب الثامن الكلام في الإرادة

159 مسألة
على المعتزلة في ذلك
يقال لهم ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما فمن قولهم نعم
قيل لهم فلم لا قلتم إن ما لم يزل عالما أنه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت وما لم يزل عالما أنه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون وأنه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم
فإن قالوا لا نقول إن الله لم يزل مريدا لأن الله تعالى مريد بإرادة مخلوقة

162


قيل لهم فلم زعمتم أن الله عز وجل مريد بإرادة مخلوقة وما الفصل بينكم وبين الجهمية في زعمهم أن الله عالم بعلم مخلوق وإذا لم يجز أن يكون علم الله مخلوقا فما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله مخلوقة
فإن قالوا لا يجوز أن يكون علم الله محدثا لأن ذلك يقضى أن يكون حدث بعلم آخر كذلك لا إلى غاية قيل لهم ما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله محدثة مخلوقة لأن ذلك يقتضى أن تكون حدثت عن إرادة أخرى ثم كذلك لا إلى غاية
فإن قالوا لا يجوز أن يكون علم الله محدثا لأن من لم يكن عالما ثم علم لحقه النقصان

163


قيل لهم ولا يجوز أن تكون إرادة الله محدثه مخلوقه لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا
160 مسألة
أخرى ويقال لهم إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله عز وجل الكفر والعصيان وهو لا يريده وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه عندكم أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه وأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن
وهذا جحد ما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان وما لا يشاء لا يكون

164


161 مسألة أخرى
ويقال لهم من قولكم إن كثيرا ما شاء أن يكون إبليس كان لأن الكفر أكثر من الإيمان وأكثر ما كان هو شاءه فقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ولا إله غيره لأن أكثر ما شاءه كان وأكثر ما كان فقد شاءه
وفي هذا إيجاب أنكم قد جعلتم لإبليس مرتبة في المشيئة ليست لرب العالمين تعالى الله عز وجل عن قول الظالمين علوا كبيرا
162 مسألة أخرى
ويقال لهم أيما أولى بصفة الاقتدار من إذا شاء أن يكون الشىء كان لا محالة وإذا لم يرده لم يكن أو من يريد أن يكون ما لا يكون ويكون مالا يريد
فإن قالوا من لا يكون أكثر ما يريده أولى بصفة الاقتدار كما يروا

165


وقيل لهم إن جاز لكم ما قلتموه جاز لقائل أن يقول من يكون مالا يعلمه أولى بالعلم ممن لا يكون إلا ما يعلمه
وإن رجعوا عن هذه المكابرة وزعموا أن من اذا أراد أمرا كان وإذا لم يرده لا يكون أولى بصفة الاقتدار لزمهم
على مذاهبهم أن يكون إبليس لعنه الله أولى بالاقتدار من الله تعالى لأن أكثر ما أراده كان وأكثر ما كان قد أراده
وقيل لهم إذا كان من إذا أراد أمرا كان وإذا لم يرده لم يكن أولى بصفة الاقتدار فيلزمكم أن يكون الله تعالى إذا أراد أمرا كان وإذا لم يرده لم يكن لأنه أولى بصفة الاقتدار
163 مسألة
ويقال لهم أيما أولى بالإلهية والسلطان من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يغيب عن علمه شىء ولا يجوز ذلك عليه أو من يكون مالا يعلمه ويعزب عن علمه أكثر الأشياء

166


فإن قالوا من لا يكون الا ما يعلمه ولا يعزب عن علمه شىء أولى بصفة الإلهية
قيل لهم فكذلك من لا يريد كون شيء إلا ما كان ولا يكون إلا ما يريده ولا يعزب عن إرادته شىء أولى بصفة الإلهية كما قلتم ذلك في العلم وإذا قالوا ذلك تركوا قولهم ورجعوا عنه وأثبتوا الله عز وجل مريدا لكل كائن وأوجبوا أنه لا يريد أن يكون إلا ما يكون
164 مسألة
ويقال لهم إذا قلتم أنه يكون في سلطانه تعالى ما لا يريد فقد كان إذا في سلطانه ما كرهه فلا بد من نعم
يقال لهم فإذا كان في سلطانه ما يكرهه فما أنكرتم أن يكون في سلطاته ما يأبى كونه
فإن أجابوا إلى ذلك قيل لهم فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى وهذه صفة الضعف والفقر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
165 مسألة
ويقال لهم أليس لما فعل الصياد ما يسخطه تعالى وما

167

يغضب عليهم إذا فعلوه فقد أغضبوه وأسخطوه فلا بد من نعم
يقال لهم فلو فعل العباد ما لا يريد وما يكرهه لكانوا أكرهوه وهذه صفة القهر تعالى عن ذلك علوا كبير
166 مسألة
ويقال لهم أليس قد قال الله تعالى فعال لما يريد من الآية 107 11
فلا بد من نعم
قيل لهم فمن زعم أن الله تعالى فعل ما لا يريد وأراد أن يكون من فعلة لأ لا يكون لزمه أن يكون قد وقع ذلك وهو ساه غافل عنه أو أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه فلا بد من نعم
قيل لهم فكذلك من زعم أنه يكون في سلطان الله تعالى

168

مالا يريده من عبيده لزمه أحد أمرين إما أن يزعم أن ذلك كان عن سهو وغفلة أو أن يزعم أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه
167 مسألة ويقال لهم أليس من زعم أن الله تعالى فعل مالا يعلمه فقد نسب الله سبحانه إلى ما لا يليق به من الجهل
فلا بد من نعم
قيل لهم وكذلك يلزم من زعم أن عبدالله فعل ما يزيده لزمه أن ينسب الله تعالى إلى السهو والتقصير عن بلوغ ما يريده فإذا قالوا نعم
قيل لهم وكذلك يلزم من زعم أن العباد يفعلون مالا يعلم الله نسب الله تعالى إلى الجهل فلا بد من نعم

169


يقال لهم فكذلك إذا كان في كون فعل فعلة الله وهو لا يريده إيجاب سهو أو ضعف أو تقصير عن بلوغ ما يريده
فكذلك إذا كان من غبره مالا يريده وجب إثبات سهو وغفلة أو ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريد لا فرق في ذلك بين ما كان منه وما كان من غيره
168 مسألة وينال لهم إذا كان في سلطان الله مالا يريده وهو يعلمه ولا يلحقه الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده فما أنكرتم أن يكون في سلطانه مالا يعلمه ولا يلحقه النقصان فإن لم يجز هذا لم يجزما قلتموه
169 مسألة إن قال قائل لم قلتم إن الله مريد لكل كائن أن يكون ولكل مالا يكون أن لا يكون
قيل له الدليل على ذلك أن الحجة قد وضحت أن الله تعالى

170

خلق الكفر والمعاصي وسنبين ذلك بعد هذا الموضع من كتابنا
وإذا وجب أن الله سبحانه خالق لذلك فقد وجب أنه مريد له لأنه لا يجوز أن يخلق مالا يريده
170 وجواب آخر أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله تعالى من اكتساب العباد مالا يريده كما لا يجوز أن يكون من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده لأنه لو وقع من فعله مالا يعلمه لكان في ذلك إثبات النقصان وكذلك القصد لو وقع من عباده مالا يعلمه فكذلك لا يجوز أن يقع من عباده مالا يريده لأن ذلك يوجب أن يقع عن سهو وغفلة أو عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده كما يجب ذلك لو وقع من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده
وأيضا فلو كانت المعاصي وهو لا يشاء أن تكون لكان قد كره أن

171

تكون وأبى أن تكون وهذا يوجب أن تكون المعاصي كائنة شاء الله أم أبى وهذا صفة الضعف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
وقد أوضحنا أن الله سبحانه لم يزل مريدا على حقيقته التي علمه عليها فإذا كان الكفر مما يكون وقد علم ذلك فقد أراد أن يكون
171 مسألة يقال لهم إذا كان الله عز وجل علم أن الكفر يكون وأراد أن لا يكون فقد أراد أن يكون ماعلم على خلاف ما علم وإذا لم يجز ذلك فقد أراد أن يكون ما علم كما علم
172 مسألة ويقال لهم لم أبيتم أن يريد الله الكفر الذي علم

172

أنه يكون أن يكون قبيحا فاسدا متناقضا خلافا للإيمان
فإن قالوا لأن مريد السفه سفيه
قيل لهم ولم قلتم ذلك أو ليس قد أخبر الله تعالى عن ابن آدم أنه قال لأخيه لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين من الآية 28 29 5
فأراد أن لا يقتل أخاه لئلا يعذب وأن يقتله أخوه حتى يبوء بإثم قتله له وسائر آثامه التي كانت عليه فيكون من أصحاب النار فأراد قتل أخيه الذي هو سفه ولم يكن بذلك سفيها
فلم زعمتم أن الله تعالى إذا أراد سفه العباد وجب أن ينسب ذلك إليه

173


173 مسألة ويقال لهم قد قال يوسف صلى الله عليه وسلم رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من الآية 33 12
وكان سجنهم إياه معصية فأراد المعصية التي هي سجنهم إياه دون فعل ما يدعونه إليه ولم يكن سفيها فما أنكرتم من أن لا يجب إذا أراد الباري سبحانه سفه العباد أن يكون قبيحا منهم خلافا للطاعة أن يكون سفيها
174 مسألة أخرى ويقال لهم أليس من يرى منا حرم المسلمين كان سفيها والله تعالى يراهم ولا ينسب إلى السفه فلا بد من نعم
يقال لهم فيما أنكرتم أن من أراد السفه منا فكان سفيها والله سبحانه يريد سعة السفهاء ولا ينسب إلى الله تعالى سفه تعالى الله عن ذلك

174


175 مسألة أخرى ويقال لهم السفيه منا إنما كان سفيها لما أراد السفه لأنه نهى عن ذلك ولأنه تحت شريعة من هو فوقه ومن يحد له الحدود وترسم له الرسوم فلما أتى ما نهي عنه كان سفيها ورب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ليس تحت شريعة ولا فوقه من يحد له الحدود ويرسم له الرسوم ولا فوقه مبيح ولا حاظر ولا آمر ولا زاجر فلم يجب إذا أراد ذلك أن يكون قبيحا أن ينسب إلى السفه سبحانه وتعالى
176 مسألة ويقال لهم أليس من خلى بين عبيده وبين إمائه منا يزنى بعضهم ببعض وهو لا يعجز عن التفريق بينهم يكون سفيها ورب العالمين عز وجل قد خلى بين عبيده وإمائه يزنى بعضهم ببعض وهو يقدر على التفريق بينهم وليس سفيها وكذلك من أراد

175

السفه منا كان سفيها ورب العالمين عز وجل يريد السفه وليس سفيها
177 مسألة أخرى ويقال لهم من أراد طاعة الله منا كان مطيعا كما أن من أراد السفه كان سفيها ورب العالمين عز وجل يريد الطاعة وليس مطيعا فكذلك يريد السفه وليس سفيها
178 مسألة أخرى ويقال لهم قال الله تعالى ولو شاء الله ما اقتتلوا من الآية 253 2 فأخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا ما اقتتلوا

176


قال ولكن الله يفعل ما يريد من آية 253 2 من القتال فإذا وقع القتال فقد شاءه كما أنه قال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الآية 28 6
فقد أوجب أن الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر وأنهم إذا لم يردهم إلى الدنيا لم يعودوا فكذلك لو شاء الله أن لا يقتتلوا لما اقتتلوا وإذا اقتتلوا فقد شاء أن يقتتلوا
179 مسألة ويقال لهم قال الله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين من الآية 13 23
وإذا حق القول بذلك فما شاء أن تؤتى كل نفس هداها لأنه إذا لم يؤتها هداها لما حق القول بتعذيب الكافرين وإذا لم يرد ذلك

177

فقد شاء ضلالتها
فإن قالوا معنى ذلك لو شئنا جبرناهم على الهدى واضطررناهم إليه قيل لهم فإذا أجبرهم على الهدى واضطرهم إليه ليكونوا مهتدين فإن قالوا نعم
قيل لهم فإذا كان إذا فعل الهدى كانوا مهتدين فما أنكرتم لو فعل كفر الكافرين فكانوا كافرين وهذا هدم قولهم لأنهم زعموا أنه لا يفعل الكفر إلا كافر
ويقال لهم أيضا على أي وجه يؤتيهم الهدى لو آتاهم إياه وشاء ذلك لهم
فإن قالوا على الإلجاء
قيل لهم وإذا ألجأهم إلى ذلك هل ينفعهم ما يفعلونه على طريق الإلجاء فمن قولهم لا

178


قيل لهم فإذا أخبر أنه لو شاء لآتاهم الهدى لولا ما حق منه من القول أنه يملأ جهنم وإذا كان لو ألجأهم لم يكن نافعا لهم ولا مزيلا للعذاب عنهم كما لم ينفع فرعون قوله الذي قاله عند الغرق والإلجاء فلا معنى لقولكم لأنه لولا ما حق من القول لأوتيت كل نفس هداها وإتيان الهدى على الوجه الذي قلتموه لا يزيل العذاب
180 مسألة أخرى ويقال لهم قال الله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض من الآية 27 42 وقال تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون من الآية 33 43
مخبرا أنه لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر لم يبسط لهم الرزق ولم يجعل للكافرين سقفا من فضة فما أنكرتم من أنه تعالى لو لم يرد أن يكفر الكافرين ما خلقهم مع علمه بأنه إذا خلقهم كانوا

179

كافرين كما أنه لو أراد أن لايكون الناس على الكفر مجتمعين لم يجعل للكافرين سقفا من فضه ومعارج عليها يظهرون لئلا يكونوا جميعا على الكفر متطابقين إذا كان في معلومه أنه لو لم يفعل ذلك لكانوا جميعا على الكفر مطبقين

180


180



181

الباب التاسع الكلام في تقدير أعمال العباد والإستطاعة والتعديل والتجوير

181 يقال للقدرية هل يجوز أن يعلم الله عز وجل عباده شيئا لا يعلمه
فإن قالوا لا يعلم الله عباده شيئا إلا وهو به عالم
قيل لهم فكذلك لا يقدرهم على شىء إلا وهو عليه قادر فلا بد من الإجابة إلى ذلك
قيل لهم فإذا قدرهم على الكفر فهو قادر أن يخلق الكفر لهم وإذا قدر على خلق الكفر لهم فلم أبيتم أن يخلق كفرهم فاسدا متناقضا باطلا وقد قال تعالى فعال لما يريد من الآية 107 11

182


وإذا كان الكفر مما أراد فقد فعله وقدره
182 مسألة عليهم في اللطف
يقال لهم أليس الله عز وجل قادر أن يفعل بخلقه من بسط الرزق ما لو فعله بهم لبغوا في الأرض إن يفعل بهم ما لو فعله بالكفار لكفروا كما قال تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض وكما قال ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة من الآية 33 43 فلا بد من نعم

183


يقال لهم فما أنكرتم من أنه قادر أن يفعل بهم لطفا لو فعله بهم لآمنوا أجمعين كما أنه قادر أن يفعل بهم أمرا لو فعله بهم لكفروا كلهم
183 مسألة أخرى ويقال لهم أليس قد قال الله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا من الآية 83 4 ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا من الآية 21 24
وقال فاطلع فرآه في سواء الجحيم 55 37 يعنى في وسط الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين من الآية 56 57 37
ماالفضل الذي فعله بالمؤمنين الذي لو لم يفعله لا تبعوا الشيطان ولو لم يفعله ما زكى من أحد أبدا وما النعمة التي لو لم يفعلها لكانوا من

184

المحضرين وهل ذلك شىء لم يفعله بالكافرين وخص به المؤمنين
فإن قالوا نعم
تركوا قولهم وأثبتوا لله تعالى نعما وفضلا على المؤمنين ابتدأهم بجميعه ولم ينعم بمثله على الكافرين وصاروا إلى القول بالحق فإن قالوا قد فعل الله ذلك أجمع بالكافرين لما فعله بالمؤمنين فقل لهم فإذا كان الله تعالى قد فعل ذلك أجمع بالكافرين فلم يكونوا زاكين وكانوا للشيطان متبعين وفي الفار محضرين
وهل يجوز أن يقول للمؤمنين لولا أني خلقت لكم أيدي وأرجل لكنتم للشيطان متبعين وهو قد خلق الأيدى والأرجل للكافرين وكانوا للشيطان متبعين فإن قالوا لا يجوز ذلك قيل لهم وكذلك لا يجوز ما قلتموه
وهذا يبين أن الله تعالى اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد

185

بما لم يعط الكافرين وفضل عليهم المؤمنين
184 مسألة في الإستطاعة ويقال لهم أليست استطاعة الإيمان نعمة من الله تعالى وفضلا وإحسانا
فإذا قالوا نعم
قيل لهم فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا فلا بد من الإجابة إلى ذلك
يقال لهم فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان فما أنكرتم من أن يكونوا موفقين للإيمان ولو كانوا موفقين مسددين لكانوا ممدوحين وإذ لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين

186


185 مسألة أخرى ويقال لهم لو كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان فقد رغب إليه في أن يقدره على الكفر فلما رأينا المؤمنين يرغبون إلى الله تعالى في قدرة الإيمان ويزهدون في قدرة الكفر علمنا أن الذي رغبوا فيه غير الذي زهدوا فيه
186 مسألة أخرى ويقال لهم أخبرونا عن قوة الإيمان أليست فضلا من الله تعالى فلا بد من نعم
يقال لهم فالتفضل أليس هو ما للمتفضل أن لا يتفضل به وله أن يتفضل به فلا بد من الإجابة إلى ذلك لأن ذلك هو الفرق بين الفضل وبين الإستحقاق
فيقال لهم وللمتفضل إذا أمر بالإيمان أن يرفع التفضل ولا يتفضل به فيأمرهم بإيمان وإن لم يعطهم قدرة الإيمان وخذلهم وهذا هو قولنا ومذهبنا

187


187 مسألة ويقال لهم هل يقدر الله على توفيق يوفق به الكافرين حتى يكونوا مؤمنين
فإن قالوا لا نطفوا بتعجيز الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا وإن قالوا نعم يقدر على ذلك ولو فعل بهم التوفيق لآمنوا وتركوا قولهم وقالوا بالحق
188 مسألة وإن سألوا عن قول الله تعالى وما الله يريد ظلما للعباد من الآية 31 40
وعن قوله وما الله يريد ظلما للعالمين من الآية 103 3
قيل لهم معنى ذلك أنه لا يريد أن يظلمهم لأنه قال وما الله يريد ظلما لهم ولم يقل لا يريد ظلم بعضهم لبعض فلم يرد أن يظلمهم وإن كان أراد أن يتظالموا

188


189 مسألة وإن سألوا عن قول الله تعالى ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت من الآية 3 67
قالوا والكفر متفاوت فكيف يكون من خلق الله والجواب عن ذلك أن الله تعالى قال خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير من الآية 30 4 67
فإنما عنى ما ترى في السموات من فطور لأنه ذكر خلق السموات ولم يذكر الكفر وإذا كان هذا على ما قلناه بطل ما قالوه والحمدلله رب العالمين
190 مسألة ويقال لهم هل تعرفون لله عز وجل نعمة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه خص بها دون أبي جهل ابتداء
فإن قالوا لا فخش قولهم وإن قالوا نعم تركوا مذاهبهم

189

لأنهم لا يقولون إن الله خص المؤمنين في الإبتداء بما لم يخص به الكافرين
191 مسألة وإن سألوا عن قوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا من الآية 27 38
فقالوا هذه الآية تدل على أن الله عز وجل لم يخلق الباطل والجواب عن ذلك أن الله عز وجل أراد بذلك المشركين الذين قالوا لا حشر ولا نشور ولا إعادة فكأنه قال تعالى ماخلقت ذلك وأنا لا أثبت من أطاعني ولا أعاقب من عصاني كما ظن الكافرون أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب ألا تراه قال

190

ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار من الآية 27 38
وبين ذلك بقوله أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار 28 38
أي لا نسوى بينهم في أن نفنيههم أجمعين ولا نعيدهم فيكون سبيلهم سبيلا واحدا
192 مسألة وسألوا عن قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك 79 4
والجواب عن ذلك أن الله تعالى قال وإن تصبهم حسنة من الآية 78 4 يعنى الخصب والخير يقولون هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة من الآية 78 4

191

يعنى الجدب والقحط والمصائب قالوا هذه من عندك من الآية 78 4 أي بشؤمك
قال الله تعالى يا محمد قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا من الآية 78 4 في قولهم ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك 79 4 فحذف في قولهم لإن ما تقدم من الكلام يدل عليه لأن القرآن لا يتناقص ولا يجوز أن يقول في آية إن الكل من عند الله ثم يقول في الآية الأخرى التي تليها إن الكل ليس من عند الله على أن ما أصاب الناس هو غير ما أصابوه وهذا يبين بطلان تعلقهم بهذه الآية ويوجب عليهم الحجة
193 مسألة وإن سألوا عن قول الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون 56 15

192


والجواب عن ذلك أن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين لأنه أخبرنا أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه
فالذين خلقهم لجهنم وأحصاهم وعدهم وكتبهم باسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم غير الذين خلقهم لعبادته
194 مسألة في التكليف ويقال لهم أليس قد كلف الله تعالى الكافرين أن يسمعوا الحق ويقبلوه ويؤمنوا به فلا بد من نعم
فيقال لهم فقد قال الله تعالى ما كانوا يستطيعون السمع من الآية 20 11 وقال وكانوا لا يستطيعون سمعا من الآية 101 18 وقد كلفهم استماع الحق

193


195 مسألة ويقال لهم أليس قد قال الله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون 42 68
أليس قد أمرهم الله تعالى بالسجود في الآخرة
وجاء في الخبر أن المنافقين يجعل في أصلابهم كالصياصى فلا يستطيعون السجود وفي هذا تثبيت ما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله تعالى إذا أمرهم أن يقدرهم وهو بطلان قول القدرية
196 مسألة في إيلام الأطفال ويقال لهم أليس قد آلم الله تعالى الأطفال في الدنيا بآلام أوصلها إليهم كنحو الجذام الذي يقطع أيديهم وأرجلهم وغير ذلك أعاذنا الله من ذلك كما يؤلمهم به وكان ذلك سائغا جائزا
فإذا قالوا نعم

194


قيل لهم فإذا كان هذا عدلا فما أنكرتم أن يؤلمهم في الآخرة ويكون ذلك منه عدلا
فإن قالوا آلمهم في الدنيا ليعتبر بهم الآباء
قيل لهم فإذا فعل بهم ذلك في الدنيا ليعتبر بهم الآباء وكان ذلك منه عدلا فلم لا يؤلم أطفال الكافرين في الآخرة ليغيظ بذلك آباءهم ويكون ذلك منه عدلا
وقد قيل في الخبر إن أطفال المشركين تؤجج لهم نار يوم القيامة ثم يقال لهم اقتحموها فمن اقتحمها أدخله الجنة ومن لم يقتحمها أدخله النار
وقد قيل في الأطفال وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أسمعتك ضغاءهم في النار
197 مسألة ويقال لهم أليس قد قال الله تبارك وتعالى

195

تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب 1 2 3 111
وأمرة مع ذلك بالإيمان فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن وأن الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع الإيمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر على أن يؤمن وأن يعلم أنه لا يؤمن
وإذا كان هذا هكذا فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه لأنه أمره أن يؤمن وأنه يعلم أنه لا يؤمن
198 مسألة ويقال لهم أليس أمر الله عز وجل بالإيمان من علم أنه لا يؤمن فمن قولهم نعم
يقال لهم فأنتم قادرون على الإيمان ويتأتى لكم ذلك فإن قالوا لا وافقونا وإن قالوا نعم زعموا أن العباد يقدرون على الخروج من علم الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

196


199 مسألة عن المعتزلة قال الشيخ أبو حسن الأشعري رحمة الله عليه
ويقال لهم أليس المجوس أثبتوا الشيطان يقدر على الشر الذي لا يقدر الله عز وجل عليه فكانوابقولهم هذا كافر فلا بد من نعم
يقال لهم فإذا زعمتم أن الكافرين يقدرون على الكفر والله تعالى لا يقدر عليه فقد زدتم على المجوس في قولكم لأنكم تقولون معهم إن الشيطان يقدر على الشر والله لا يقدر عليه وهذا ما بينه الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم و أن القدرية مجوس هذه الأمة وإنما صاروا مجوس هذه الأمة لأنهم قالوا بقول المجوس

197


200 مسألة وزعمت القدرية أنا نستحق اسم القدر لأنا نقول إن الله تعالى قدر الشر والكفر فمن يثبت القدر كان قدريا دون من لم يثبته
يقال لهم القدرى هو من يثبت القدر لنفسه دون ربه عز وجل وأنه يقدر أفعاله دون خالقه وكذلك هو في اللغة لأن الصائغ هو من زعم أنه يصوغ دون من يزعم أنه يصاغ له والنجار هو من يضيف النجارة إلى نفسه دون أنه ينجر له
فلما كنتم تزعمون أنكم تقدرون أعمالكم وتفعلونها دون ربكم وجب أن تكونوا قدرية ولم نكن نحن قدرية لأنا لم نضف الأعمال إلى

198

أنفسنا دون ربنا عز وجل ولم نقل إنا نقدرها دونه وقلنا إنها تقدر لنا
مسألة ويقال لهم إذا كان من أثبت التقدير لله عز وجل قدريا فيلزمكم إذا زعمتم أن الله تعالى قدر السموات والأرض وقدر الطاعات أن تكونوا قدرية فإذا لم يلزم هذا فقد بطل قولكم وانتقر كلامكم
201 مسألة في الختم يقال لهم أليس قد قال الله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة من الآية 7 2
وقال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا

199

من الآية 125 6
فخبرونا عن الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم أتزعمون أنه هداهم وشرح للإسلام صدورهم وأضلهم
فإن قالوا نعم تناقض قولهم وقيل لهم كيف تكون الصدور مشروحة للإيمان وهي ضيقة حرجة مختوم عليها وكيف يجتمع الفعل الذي قال الله عز وجل أم على قلوب أقفالها من الآية 24 47
مع الشرح والضيق مع السعة والهدى مع الضلال إن كان هذا جاز أن يجتمع التوحيد والإلحاد الذي هو ضد التوحيد والكفر والإيمان معا في قلب واحد وإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه
فإن قالوا الختم والضيق والضلال لا يجوز أن يجتمع مع شرح الله الصدر
قيل لهم وكذلك الهدى لا يجتمع مع الضلال وإذا كان هذا هكذا

200


فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان بل ختم الله على قلوبهم وأقفلها عن الحق وشد عليها كما دعا نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم على قومه فقال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم من الآية 88 10
قال الله تعالى قد أجيبت دعوتكما من آية 89 10
وقال تعالى يخبر عن الكافرين إنهم قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب من الآية 5 41
فإذا خلق الله الأكنة في قلوبهم والقفل والزيغ لأن الله تعالى قال فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم من الآية 5 16

201


والختم وضيق الصدر تم أمرهم بالإيمان الذي علم أنه لا يكون فقد أمرهم بما لا يقدرون عليه وإذا خلق الله في قلوبهم ما ذكرنا من الضيق عن الإيمان فهل الضيق عن الإيمان إلا الكفر الذي في قلوبهم
وهذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم
202 مسألة ويقال لهم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا 74 17
وقال تعالى يخبر عن يوسف صلى الله عليه وسلم ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه من الآية 24 12

202


فحدثونا عن ذلك التثبيت والبرهان هل فعله الله عز وجل بالكافرين أو ما هو مثله فإن قالوا لا تركوا القول بالقدر وإن قالوا نعم
قيل لهم فإذا كان لم يركن إليهم من أجل التثبيت فيجب لو كان فعل ذلك بالكافرين أن يثبتوا على الكفر وإذا لم يكونوا عن الكفر مفترقين فقد بطل أن يكون فعل بهم مثل ما فعله بالنبي صلى الله عليه وسلم من التثبيت الذي لما فعله به لم يركن إلى الكافرين
203 مسألة في الإستثناء ويقال لهم خبرونا عن مطالبة رجل بحق فقال له والله لأعطينك ذلك غدا إن شاء الله تعالى أليس الله شائيا أن يعطيه حقه
فمن قولهم نعم يقال لهم أفرأيتم إن جاء الغد فلم يعطه حقه

203

أليس لا يحنث فلا بد من نعم
يقال لهم فلو كان الله شاء أن يعطيه حقه لحنث إذا لم يعطه كما لو قال والله لأعطينك حقك إذا طلع الفجر غدا ثم طلع ولم يعطه أنه يكون حانثا
204 مسألة في الآجال يقال لهم أليس قد قال الله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون من الآية 61 16
وقال تعالى ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها من الآية 11 63
فلا بد من نعم
يقال لهم خبرونا عمن قتله قاتله ظلما أتزعمون أنه قتل في أجله أو بأجله

204


فإن قالوا نعم وافقوا وقالوا بالحق وترك القدر وإن قالوا لا
قيل لهم فمتى أجل هذا المقتول
فإن قالوا الوقت الذي علم الله أنه لو لم يقتل لتزوج امرأة أنها امرأته وإن لم يبلغ إلى أن يتزوجها
وإذا كان في معلوم الله أنه لو لم يقتل وبقي لكفر أن تكون النار داره
وإذا لم يجز هذا لم يجز أن يكون الوقت الذي لم يبلغ إليه أجلا له على أن هذا القول مقيد لقول الله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون من الآية 61 16
205 مسألة أخرى ويقال لهم إذا كان القاتل عندكم قادرا على أن لا يقتل هذا المقتول فيعيش فهو قادر على قطع أجله وتقديمه قبل أجله وهو قادر على تأخيره إلى أجله فالإنسان على قولكم يقدر أن يقدم آجال العباد ويؤخرها ويقدر أن

205

يبقى العباد ويبلغهم ويخرج أرواحهم وهذا إلحاد في الدين
206 و مسألة في الأرزاق ويقال لهم خبرونا عمن اغتصب طعاما فأكله حراما هل رزقه الله ذلك الحرام
فإن قالوا نعم تركوا القدر وإن قالوا لا قيل لهم فمن أكل جميع عمره الحرام فما رزقه الله شيئا اغتذى به جسمه
ويقال لهم فإذا كان غيره يغتصب له ذلك الطعام ويطعمه إياه إلى أن مات فرازق هذا الإنسان عندكم غير الله وفي هذا إقرار منهم أن للخلق رازقين أحدهما يرزق الحلال والآخر يرزق الحرام وأن الناس تنبت لحومهم وتشد عظامهم والله غير رازق لهم ما اغتذوا به

206


وإذا قلتم إن الله لم يرزقه الحرام لزمكم أن الله لم يغذه به ولا جعله قواما لجسمه وأن لحمه وجسمه قام وعظمه اشتد بغير الله عز وجل وهو ممن رزقه الحرام وهذا كفر عظيم إن احتملوا
207 مسألة أخرى في الأرزاق ويقال لهم لم أبيتم أن يرزق الله الحرام فإن قالوا لأنه لو رزق الحرام لملك الحرام
يقال لهم خبرونا عن الطفل الذي يتغذى من لبن أمه وعن البهيمة التي ترعى الحشيش من يرزقها لك
فإن قالوا الله تعالى قيل لهم فمن ملكها وهل للبهيمة ملك
فإن قالوا لا

207


قيل لهم فلم زعمتم أنه لو رزق الحرام لملك الحرام وقد يرزق الله الشيء ولا يملكه
ويقال لهم هل أقدر الله العبد على الحرام ولم ولم يملكه إياه فمن قولهم نعم يقال لهم فما أنكرتم أن يرزقه الحرام وإن لم يملكه أياه
208 مسألة أخرى يقال لهم إذا كان توفيق المؤمنين بالله فما أنكرتم أن يكون خذلان الكافرين من قبل الله تعالى وإلا فإن زعمتم أن الله وفق الكافرين للإيمان فقولوا عصمهم من الكفر وكيف يعصمهم من الكفر وقد وقع الكفر منهم
فإن أثبتوا أن الله خذلهم قيل لهم فالخذلان من الله أليس هو الكفر الذي خلقه فيهم
فإن قالوا نعم وافقوا وإن قالوا لا قيل لهم فما ذلك الخذلان الذى خلقه
فإن قالوا تخليته إياهم والكفر
قيل لهم أو ليس من قولكم إن الله عز وجل خلى بين المؤمنين وبين الكفر

208


فمن قولهم نعم
قيل لهم فإذا كان الخذلان التخلية بينهم وبين الكفر فقد لزمكم أن يكون خذل المؤمنين لأنه خلى بينهم وبين الكفر وهذا خروج عن الدين فلا بد لهم أن يثبتوا لهم الخذلان الكفر الذي خلقه فيتركوا القول بالقدر
209 مسألة أخرى إن سأل سائل من أهل القدر فقال هل يخلو العبد من أن يكون بين نعمة يجب عليه أن يشكر الله عليها أو بلية يجب عليه الصبر عليها قيل له العبد لا يخلو من نعمة وبلية والنعمة يجب على العبد أن يشكر الله عليها والبلايا على ضربين منها ما يجب الصبر عليها كالأمراض والأسقام وما أشبه ذلك ومنها ما يجب عليه الإقلاع عنها كالكفر والمعاصي
210 مسألة وإن سألوا فقالوا إيما خير الخير أو من الخبر منه
قيل لهم من كان الخير متفضلا به فهو خير من الخير فإن قالوا فأيما شر الشر أو من الشر منه

209


قيل لهم من كان الشر منه جائزا به فهو أشر من الشر والله تعالى يكون منه الشر خلقا وهو عادل به ولذلك لا يلزمنا ما سألتم عنه على أنكم ناقضون لأصولكم لأنه إن كان من كان الشر منه فهو أشر من الشر وقد خلق الله تعالى إبليس الذي هو أشر من الشر الذي يكون منه فقد خلق ما هو أشر من الشرور كلها وهذا نقض دينكم وفساد مذهبكم
211 مسألة في الهدى فقال للمعتزلة أليس قد قال الله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين 2 3 فأخبر أن القرآن هدى للمتقين فلا بد من نعم
يقال لهم أوليس قد ذكر الله عز وجل القرآن فقال والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى فخبر أن القرآن على الكافرين عمى فلا بد من نعم من الآية 44 41
يقال لهم فهل يجوز أن يكون من خبر الله عز وجل أن

210

القرآن له هدى وهو عليه عمى فلا بد من لا يقال لهم فكما لا يجوز أن يكون القرآن عمى على من أخبر الله تعالى أنه له هدى كذلك لا يجوز أن يكون القرآن هدى لمن أخبر الله أنه عليه عمى
212 مسألة أخرى ثم يقال لهم إذا جاز أن يكون دعاء الله إلى الإيمان هدى لمن قبل ولمن لم يقبل فما أنكرتم دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا لمن قبل ولمن لم يقبل فإن كان دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا للكافرين الذين قبلوا عنه دون المؤمنين لم يقبلوا عنه فما أنكرتم أن دعاء الله تعالى إلى الإيمان هدى للمؤمنين الذين قبلوا عنه دون الكافرين الذين لم يقبلوا عنه
وإلا فما الفرق بين ذلك
213 مسألة أخرى ويقال لهم أليس قال الله تعالى

211

يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا من الآية 26 2
فهل يدل قوله يضل به كثيرا على أنه لم يضل الكل لأنه لو أراد الكل لقال يضل به الكل فلما قال يضل به كثيرا علمنا أنه لم يضل الكل فلا بد من نعم
يقال لهم فما أنكرتم أن قوله تعالى ويهدي به كثيرا دليل على أنه لم يرد الكل لأنه لو أراد الكل لقال ويهدي به الكل
فلما قال تعالى ويهدي به كثيرا علما أنه لم يهد الكل وفي هذا إبطال قولكم إن الله هدى الخلق أجمعين
214 مسألة أخرى ويقال لهم إذا قلتم إن دعاء الله إلى الإيمان هدى للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره فما أنكرتم أن يكون دعا الله إلى الإيمان نفعا وصلاحا

212

وتسديدا للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره وما أنكرتم أن يكون عصمة لهم من الكفر وإن لم يكونوا من الكفر معتصمين وأن يكون توفيقا للإيمان وإن لم يوافقوا الإيمان وفي هذا ما يجب أن الله سدد الكافرين وأصلحهم وعصمهم ووفقهم للإيمان وإن كانوا كافرين وهذا ما لا يجوز لأن الكافرين مخذولون
وكيف يكونون موفقين للإيمان وهم مخذولون فإن جاز أن يكون الكافر موفقا للإيمان فما أنكرتم أن يكون الإيمان له متفقا فإن استحال هذا فما أنكرتم أن يستحيل ما قلتموه
215 مسألة في الضلال يقال لهم أضل الله تعالى الكافرين عن الإيمان أو عن الكفر فإن قالوا عن الكفر

213


قيل لهم فكيف يكونون ضالين عن الكفر ذاهبين عنه وهم كافرون
وإن قالوا أضلهم عن الإيمان تركوا قولهم
وإن قالوا نقول إن الله أضلهم ولم يضلهم عن شىء قيل لهم ما الفرق بينكم وبين من قال إن الله هدى المؤمنين لا إلى شىء فإن استحال أن يهدى المؤمنين لا إلى الإيمان فما أنكرتم من أنه محال أن يضل الكافرين لا إلى الإيمان
216 مسألة أخرى ويقال لهم ما معنى قول الله تعالى ويضل الله الظالمين من الآية 27 14
فإن قالوا معنى ذلك أنه يسميهم ضالين ويحكم عليهم بالضلال
قيل لهم أليس خاطب الله العرب بلغتهم فقال بلسان عربي مبين من الآية 195 26

214


وقال وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه من الآية 4 14 فلا بد من نعم
يقال لهم وإذا كان الله عز وجل أنزل القرآن بلسان العرب فمن أين وجدتم في لغة العرب أن يقال أضل فلان فلانا أي سماه ضالا فيقال قالوا وجدنا القائل يقول إذا قال رجل لرجل ضال قد ضللت
قيل لهم قد وجدنا لعمري القائل ضلل فلان فلانا أنه سماه ضالا ولم نجدهم يقولون أضل فلان فلانا بهذا المعنى فلما قال الله تعالى ويضل الله الظالمين من الآية 27 14
لم يجز أن يكون معنى ذلك الإسم والحكم إذا لم يجز في لغة العرب أن يقال أضل فلان فلانا بأن سماه ضالا بطل تأويلكم إذا كان خلاف لسان العرب

215


217 مسألة أخرى ويقال لهم إذا قلتم إن الله أضل الكافرين بأن سماهم ضالين وليس ذلك في اللغة على ما ادعيتموه فيلزمكم إذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم قوما ضالين فاسدين بأن يكون قد أضلهم وأفسدهم بأن سماهم ضالين فاسدين وإذا لم يجز هذا بطل أن يكون معنى يضل الله الظالمين الإسم والحكم كما ادعيتم
218 مسألة ويقال لهم أليس قد قال الله تعالى من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا من الآية 17 18
وقال تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم من الآية 86 3 فذكر أنه يهديهم
وقال تعالى

216

والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الآية من 25 10
فجعل الدعاء عاما والهدى خاصا
وقال تعالى لا يهدي القوم الكافرين من الآية 264 2 فإذا أخبر الله عز وجل أنه لا يهدي القوم الكافرين فكيف يجوز لقائل أن يقول إنه هدى الكافرين مع إخباره أنه لا يهديهم ومع قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء من الآية 56 28
ومع قوله تعالى ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء من الآية 272 2
ومع قوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها من الآية 13 32

217


وإن جاز هذا جاز أن يقال أضل المؤمنين مع قوله تعالى ومن يهد الله فهو المهتد من الآية 97 17
ومع قوله هدى للمتقين من الآية 2 2 فإن لم يكن ذلك فما أنكرتم أنه لا يجوز أن يهدي الكافرين مع قوله تعالى لا يهدي القوم الكافرين من الآية 264 2 ومع سائر الآيات التي طالبناكم بها
219 مسألة ويقال لهم أليس قد قال الله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة من الآية 23 45

218


فلا بد من نعم
يقال لهم فأضلهم ليضلوا أو ليهتدوا فإن قالوا أضلهم ليهتدوا
قيل لهم وكيف يجوز أن يضلهم ليهتدوا وإن جاز هذا جاز أن يهديهم ليضلو وإذا لم يجز أن يهدى المؤمنين ليضلوا فما أنكرتم من أنه لا يجوز أن يضل الكافرين ليهتدوا
220 مسألة ويقال لهم إذا زعمتهم أن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا فما أنكرتم أن ينفعهم فلا ينتفعون وأن يصلحهم فلا ينصلحون وإذا جاز أن ينفع من لا ينتفع بنفعه فما أنكرتم من أن يضر من لا تلحقه المضرة فإن كان لا يضر إلا من يلحقه الضرر فكذلك لا ينفع إلا منتفعا ولو جاز أن ينفع من ليس منتفعا ويهدى من ليس مهتديا جاز أن يقدر من ليس مقتدا وإذا استحال ذلك استحال أن ينفع من ليس منتفعا ويهدى من ليس مهتديا

219


221 مسألة يسألون عنها يقولون أليس قد قال الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الآية 185 2 فما أنكرتم أن يكون القرآن هدى للكافرين والمؤمنين
قيل لهم الآية خاصة لأن الله تعالى قد بين لنا أنه هدى للمتقين
وخبرنا أنه لا يهدى الكافرين والقرآن لا يتناقض فوجب أن يكون قوله هدى للناس أراد المؤمنين دون الكافرين
222 مسألة فإن قال قائل أليس قد قال الله تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر من الآية 11 36

220


وقال تعالى إنما أنت منذر من يخشاها 45 79
وقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتبع الذكر ومن لم يتبع ومن خشى ومن لم يخش
قيل له نعم
فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون قوله تعالى هدى للمتقين من الآية 2 2 أراد به هدى لهم ولغيرهم
قيل لهم إن معنى قول الله تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر من الآية 11 36
إنما أراد به ينتفع بإنذارك من اتبع الذكر وقوله تعالى إنما أنت منذر من يخشاها 45 79
أراد أن الإنذار ينتفع به من يخشى الساعة ويخاف العقوبة فيها على أن الله تعالى قد أخبر في موضع آخر من القرآن أنه أنذر الكافرين فقال

221

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 6 2
وهذا هو خبر عن الكافرين وقال تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين 214 26
وقال تعالى أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود من الآية 13 41
وهذا خطاب للكافرين فلما أخبر الله تعالى في آيات من القرآن أنه أنذر الكافرين كما أخبر في آيات من القرآن أنه أنذر من يخشاها وأنذر من اتبع الذكر
وجب بالقرآن أن الله قد أنذر المؤمنين والكافرين فلما أخبرنا

222

الله أنه هدى للمتقين وعمى على الكافرين وخبرنا أنه لا يهدي القوم الكافرين وجب أن يكون القرآن هدى للمتقين دون الكافرين
223 مسألة و إن سأل سائل عن قول الله تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى من الآية 17 41
يقال لهم أليس ثمود كانوا كافرين وقد أخبر الله تعالى أنه هداهم قيل له ليس الأمر كما ظننت والجواب في هذه الآية على وجهين أحدهما أن ثمود كانوا فريقين مؤمنين وكافرين وهم الذين أخبر الله أنه نجاهم مع صالح صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى

223

نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا من الآية 66 11
فالذين عنى الله عز وجل من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين لأن الله تعالى قد بين لنا في القرآن أنه لا يهدى الكافرين والقرآن لايتناقض بل يصدق بعضه بعضا فإذا أخبرنا في موضع أنه لا يهدي الكافرين ثم خبر في موضع آخر أنه هدى ثمود علمنا أنه إنما أراد المؤمنين من ثمود دون الكافرين والوجه الآخر أن الله عز وجل عنى قوما من ثمود كانوا مؤمنين ثم ارتدوا فأخبر أنه تعالى هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان وكانوا في حال ما هداهم مؤمنين
فإن قال قائل معترضا في الجواب الأول كيف يجوز أن يقول فهديناهم ويعنى المؤمنين من ثمود ويقول فاستحبوا يعنى الكافرين منهم وهم غير مؤمنين
يقال له هذا جائز في اللغة التي ورد بها القرآن أن يقول فهديناهم

224

ويعنى المؤمنين من ثمود ويقول فاستحبوا ويعنى الكافرين منهم وقد ورد القرآن بمثل هذا قال الله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم من الآية 33 8 يعنى الكافرين ثم قال تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من الآية 33 8 يعنى المؤمنين ثم قال تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله من الآية 34 8 يعنى الكافرين ولا خلاف عند أهل اللغة في جواز الخطاب بهذا أن يكون ظاهره لجنس والمراد به جنسان فبطل ما أعترض به ودل على جهله

225

الباب العاشر ذكر الروايات في القدر

224 روى معاوية بن عمرو ثنا زائدة قال ثنا سليمان الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق
أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله الملك قال فيؤمر بأربع كلمات يقال أكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح
قال صلى الله عليه وسلم

226

إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أوباع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها لا حرمنا الله منها
وروى معاوية بن عمرو قال ثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال احتج آدم وموسى صلوات الله وسلامه عليهما فقال موسى عليه السلام يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة قال فقال آدم صلى الله عليه وسلم

227

أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلماته تلومنى على عمل كتبه الله على قبل أن يخلق الله السموات قال فحج آدم موسى
وروى حديث حج آدم موسى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على بطلان قول القدرية الذين يقولون إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون لأن الله تعالى إذا كتب ذلك وأمر بأن يكتب فلا يكتب شيء لا يعلمه جل عن ذلك وتقدس وقال تعالى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين من الآية 59 6
وقال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين من الآية 6 11

228


وقال تعالى أحصاه الله ونسوه من الآية 6 58
وقال تعالى لقد أحصاهم وعدهم عدا 94 19
وقال تعالى أحاط بكل شيء علما من الآية 12 25 وأحصى كل شيء عددا من الآية 28 72
وقال تعالى بكل شيء عليم من الآية 231 25
فذلك يبين أنه يعلم الأشياء كلها وقد أخبر الله تعالى أن الخلق يبعثون يبعثون ويحشرون وأن الكافرين في النار يخلدون وأن الأنبياء والمؤمنين في الجنان يخلدون وأن القيامة تقوم ولم تقم

229

القيامة فذلك يدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون وقد قال تعالى في أهل النار ولو ردوا لعادوا من الآية 28 6
فأخبر عما لا يكون أنه لو كان كيف يكون وقال تعالى فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى من الآية 51 52 20
ومن لا يعلم الشيء قيل كونه لا يعلم بعد تقضيته تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا
وروى معاوية بن عمرو قال ثنا زائدة عن سليمان الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عبدالله بن ربيعة قال

230

كنا عند عبدالله قال فذكروا رجلا فذكروا من خلقه قال فقال القوم أما له من يأخذ على يديه قال عبدالله أرأيتم لو قطع رأسه كنتم تستطيعون أن تجعلوا له رأسا قالوا لا
قال عبدالله إن النطفة إذا وقعت في المرأة مكثت أربعين يوما ثم انحدرت دما ثم تكون علقة مثل ذلك ثم تكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث ملك فيقول أكتب أجله وعمله ورزقه وأثره وخلقه وشقى أو سعيد وأنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خلقه حتى تغيروا خلقه
وروى معاوية بن عمرو قال ثنا زائدة عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبدالرحمن عن علي رضي الله عنه قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد ونحن

231

حوله ومعه حصير فنكت بها ورفع رأسه فقال ما منكم من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة والنار إلا قد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل من القوم
يارسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة فقال إعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل الشقوة فميسرون لعمل الشقوة وأما أهل السعادة فميسرون لعمل السعادة ثم قال فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى

232

وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى 5 7 8 9 10 92
وروى موسى بن إسماعيل قال ثنا حماد قال ثنا هشام ابن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها وعن أبويها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه مكتوب في الكتاب من أهل النار فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار فمات فدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وأنه مكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة فمات فدخل الجنة

233


وهذه الأحاديث تدل على أن الله تعالى علم ما يكون أنه يكون وكتبه وأنه قد كتب أهل الجنة وأهل النار وخلقهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في السعير وبذلك نطق كتابه العزيز إذ يقول فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة من الآية 30 7
قال تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير من الآية 7 42
وقال تعالى فمنهم شقي وسعيد من الآية 105 11 فخلق الله الأشقياء للشقاء والسعداء للسعادة
وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس من الآية 179 7

234


وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل جعل للجنة أهلا وللنار أهلا أعاذنا الله منها
225 دليل آخر في القدر ومما يدل على بطلان قول القدرية قول الله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية من الآية 172 7
وجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل ممسح ظهر آدم فأخرج ذريته من ظهره كأمثال الذر ثم قررهم بوحدانيته وأقام الحجة عليهم لأنه قال تعالى وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا من آية 172 7

235


قال الله تعالى أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين من الآية 172 7
فجعل تقريرهم بوحدانيته لما أخرجهم من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم حجة عليهم إذا أنكروا في الدنيا ما كانوا عرفوه في الذر الأول ثم من بعد الإقرار جحدوه
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنه سبحانه وتعالى قبض قبضة للجنة وقبض قبضة للنار ميز بعضها من بعض فقلبت الشقوة على أهل الشقوة والسعادة على أهل السعادة

236


قال الله تعالى مخبرا عن أهل النار أعاذنا الله منها أنهم قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين فكل ذلك أمر قد سبق في علم الله تعالى ونفذت فيه إرادته وتقدمت فيه مشيئته
وروى معاوية بن عمرو قال ثنا زائدة قال حدثنا طلحة بن يحيى القرشي قال حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبويها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعى إلى جنازة غلام من الأنصار يصلى عليه فقالت عائشة رضي الله عنها طوبى لهذا يارسول الله عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه
قال أو غير ذلك يا عائشة إن الله تعالى قد جعل للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم وللنار أهلا جعلهم لها وهم في أصلاب آبائهم

237


وهذا يبين أن السعادة قد سبقت لأهلها والشقاء قد سبق لأهله
وقال النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له
226 دليل آخر وقد قال الله تعالى من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا من الآية 17 18
وقال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا من الآية 26 12
فأخبر تعالى أنه يضل ويهدي وقال تعالى ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء من الآية 27 14 فأخبرنا أنه فعال لما يريد من الآية 107 11

238


وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله وقدره وأحدثه وأنشأه واخترعه وقد تبين ذلك بقوله تعالى أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون من الآية 95 96 37
فلو كانت عبادتهم للأصنام من أعمالهم كان ذلك مخلوقا لله تعالى وقد قال الله تعالى جزاء بما كانوا يعملون من الآية 17 32
يريد أنه تعالى يجازيهم على أعمالهم فكذلك إذا ذكر عبادتهم للأصنام وكفرهم بالرحمن ولو كان مما قدروه وفعلوه لأنفسهم لكانوا قد فعلوا وقدروا ما خرج عن تقدين ربهم وفعله وكيف يجوز أن يكون لهم من التقدير والفعل والقدرة ما ليس لربهم فمن زعم ذلك فقد عجز الله تعالى الله عن قول المعجزين له علوا كبيرا
ألا ترى أن من زعم أن العباد يعلمون مالا يعلمه الله عز وجل

239

لكان قد أعطاهم من العلم مالم يدخله في علم الله وجعلهم لله نظراء فكذلك من زعم أن العباد ويفعلون ويقدرون مالم يقدره ويقدرون على مالم يقدر عليه فقد جعل لهم من السلطان والقدرة والتمكن مالم يجعله للرحمن تعالى عن قول أهل الزور والبهتان والإفك والطغيان علوا كبيرا
227 مسألة ويقال لهم هل هل فعل الكافر الكفر فاسدا باطلا متناقضا فإن قالوا نعم
قيل لهم وكيف يفعله فاسدا متناقضا قبيحا وهو يعتقده حسنا صحيحا أفضل الأديان
وإذا لم يجز ذلك لأن الفعل لا يكون فعلا على حقيقته إلا ممن علمه على ما هو عليه من حقيقته كما لا يجوز أن يكون فعلا ممن لم يعلمه فعلا فقد وجب أن الله تعالى هو الذي قدر الكفر وخلقه كفرا فاسدا باطلا متناقضا خلافا للحق والسداد

240


240



241

الكلام في الشفاعة والخروج من النار

228 ويقال لهم قد أجمع المسلمون أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة فلمن الشفاعة هي للمذنبين المرتكبين للكبائر أم للمؤمنين المخلصين
فإن قالوا للمذنبين المرتكبين للكبائر وافقوا
وإن قالوا للمؤمنين المبشرين بالجنة الموعودين بها
قيل لهم فإذا كانوا موعودين بالجنة وبها مبشرين والله تعالى لا يخلف وعده فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته ومن قولكم أنهم قد استحقوها على الله عز وجل

242

واستوجبوها عليه سبحانه وإذا كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة وكان تأخيرهم عن الجنة ظلما فإنما يشفع الشفعاء إلى الله تعالى في أن لا يظلم على مذاهبكم تعالى الله عن افتراءكم عليه علوا كبيرا
فإن قالوا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في أن يزيدهم من فضله لا في أن يدخلهم جناته
قيل لهم أو ليس قد وعدهم الله عز وجل ذلك فقال تعالى فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله من الآية 173 4
والله تعالى لا يخلف وعده فإنما يشفع إلى الله تعالى عندكم من أن يخلف وعده وهذا جهل منكم وإنما الشفاعة المعقولة فيمن استحقه عقابا أن يوضع عنه عقابه أو في من لم يعده شيئا أن يتفضل

243

عليه به فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا
229 مسألة فإن يسألوا عن قول الله تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى من الآية 28 21 والجواب عن ذلك إلا لمن ارتضى لمن يشفعون له وقد روى أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المذنبين يخرجون من النار

244


244



245

الباب الثاني عشر الكلام في الحوض

230 وأنكرت المعتزلة الحوض وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وروى عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين بلا خلاف
وروى عن عفان قال ثنا حماد بن مسلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ذكر الحوض عبيدالله بن زياد فأنكره فبلغ أنسا رضي الله عنه فقال لا جرم والله لأفعلن به
قال فأتاه فقال ما ذكرتم من الحوض ما أنكرتم من الحوض

246


قال عبيدالله هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكره
قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من كذا مرة وكذا مرة يقول ما بين طرفيه يعنى الحوض ما بين إيلة ومكة أو ما بين صنعاء ومكة وأن آنيته أكثر من نجوم السماء اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا
وروى أحمد بن عبدالله بن يونس قال ثنا ابن زائدة عن عبدالملك بن عمير بن جنوب بن سفيان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا فرطكم على الحوض في أخبار كثيرة

247

الباب الثالث عشر الكلام في عذاب القبر

231 أعاذنا الله منه وأنكرت المعتزلة عذاب القبر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وروى عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وما روى عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده فوجب أن يكون إجماعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوذوا بالله من عذاب القبر

248


وروى أحمد بن إسحق الحضرمي قال ثنا وهيب قال ثنا موسى بن عقبة قال حدثتني أم خالد بنت خالد بن سعيد بن القاضي رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عذاب القبر أعاذنا الله منه
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لولا أن تدافنوا لسألت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر فأسمعني
232 دليل آخر ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قول الله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب 46 40

249


فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا وقال تعالى سنعذبهم مرتين من الآية 101 9 مرة بالسيف ومرة في قبورهم ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة
وأخبر الله تعالى أن الشهداء في الدنيا يرزقون ويفرحون بفضل الله تعالى قال الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون 169 170 3
وهذا لا يكون إلا في الدنيا لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا ولا قتلوا

250


250



251

الباب الرابع عشر الكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

233 قال الله تبارك وتعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا من الآية 55 24
وقال تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر من الآية 41 22 وأثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام وعلى أهل بيعة الرضوان ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال تعالى

252

لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة من الآية 18 48 الآية وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك
234 دليل آخر من القرآن على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وقد دل الله تعالى على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سورة براءة فقال تعالى للقاعدين عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم والمتخلفين عن الخروج معه

253

فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا من الآية 83 9
وقال تعالى في سورة أخرى سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله من الآية 15 48 يعنى قوله لن تخرجوا معي أبدا من الآية 83 9
ثم قال تعالى كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا من الآية 15 48
وقال تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا من الآية 16 48
يعنى تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما من الآية 16 48

254


والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل له فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا من الآية 83 9
وقال تعالى في سورة الفتح يريدون أن يبدلوا كلام الله من الآية 15 48
فمنعهم الخروج مع نبيه صلى الله عليه وسلم وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داعي يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم وقد قال الناس هم أهل فارس وقالوا أهل اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قاتلهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم أبوبكر الصديق

255

رضي الله عنه وإن كانوا الروم فقد قاتلهم الصديق أيضا وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر رضي الله عنه وقاتلهم عمر رضي الله عنه من بعده وفرغ منهم
وإذا وجبت إمامة عمر رضي الله عنه وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه كما وجبت إمامة عمر رضي الله عنه لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق رضي الله عنه والفاروق رضي الله عنه
وإذا وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين
235 دليل آخر من الإجماع على إمامة أبي بكر رضي الله عنه
ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه أن المسلمين جميعا بايعوه وانقادوا لإمامته وقالوا له يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم

256


ورأينا عليا والعباس رضي الله عنهما بايعاه رضي الله عنه واقرأ له بالإمامة
وإذا كانت الرافضة يقولون إن عليا رضي الله عنه هو المنصوص على إمامته والراوندية تقول العباس هو المنصوص على إمامته ولم يكن للناس في الإمامة إلا ثلاثة أقوال من قال منهم إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقول من قال نص على إمامة علي رضي الله عنه وقول من قال الإمام بعده العباس
وقول من قال هو أبوبكر الصديق رضي الله عنه هو بإجماع المسلمين والشهادة له بذلك
ثم رأينا عليا رضي الله عنه والعباس رضي الله عنه قد بايعاه

257

وأجمعا على إمامته وجب أن يكون إماما بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين
ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين
وهذا يسقط حجة الإجماع لأن الله تعالى لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرهم وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع والإتفاق على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وإذا ثبتت إمامة الصديق رضي الله عنه ثبتت إمامة الفاروق رضي الله عنه لأن الصديق رضي الله عنه نص عليه وعقد له الإمامة واختاره لها
وكان أفضلهم بعد أبي بكر رضي الله عنه
وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر رضي الله عنه بعقد

258

من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر رضي الله عنه فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله
وتثبت إمامة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه لعقد من عقدها له من الصحابة رضي الله عنهم من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدعها أحد من أهل الشورى غيره في وقته وقد اجتمع على فضله وعدله وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله

259


ثم صار الأمر أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل من السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم
هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم أجمعين
وقد روى شريح بن النعمان قال ثنا حشرج بن نباته عن سعيد بن جمهان قال ثنى سفينة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك ثم قال لي سفينة أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين

260


قال فوجدتها ثلاثين سنة
فدل ذلك على إمامة الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين
فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين فإنما كان على تأويل واجتهاد وعلى الإمام وكلهم من أهل الإجتهاد وقد شهدلهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في إجتهادهم وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما فدل على تأويل وإجتهاد
وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري من كل من ينقص أحدا منهم رضي الله عنهم أجمعين

261


وقد قلنا في الأبرار قولا وجيزا والحمد الله أولا وآخرا
تم كتاب الإبانة عن أصول الديانة