1

التحفة المدنية في العقيدة السلفية


21

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
صلى الله عليه وسلم على محمد وعلى آله وصحبه اجمعين
ما قولكم أدام الله النفع بعلومكم في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك
مثل قوله تعالى
الرحمن على العرش استوى
ومثل قوله
يد الله فوق أيديهم
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا )

22


وقوله صلى الله عليه وسلم ( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن )
إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه
فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذلك وكيف مذهبه ومذهبكم من بعده
هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره مع التنزيه
أم تؤولون
وابسطوا الكلام على ذلك وأجيبوا جوابا شافيا تغنموا أجرا وافيا و صلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

23

الجواب

الحمد لله رب العالمين
مجمل الاعتقاد في الأسماء والصفات

قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك
ما قاله الله ورسوله
وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين
فنصف الله تعالى
بما وصف به نفسه في كتابه
وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم
من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل

24


بل نؤمن بأن الله سبحانه
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نحرف الكلم عن مواضعه ولا نلحد في أسماء الله وآياته ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه لأن سبحانه لا سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
فهو سبحانه ليس كمثله شيء
لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله
بل يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله
من غير تكييف ولا تمثيل خلافا للمشبهة
ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافا للمعطلة
فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وهو مذهب أئمة الإسلام كمالك والشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع

25

في أصول الدين وكذلك أبو حنيفة رضي الله عنه فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء وهو الذي نطق به الكتاب والسنة
قال الإمام أحمد رحمه الله لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث
وهكذا مذهب سائرهم كما سننقل عباراتهم بألفاظها إن شاء الله تعالى
ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون فإنه يصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسول صلى الله عليه وسلم ولا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا وهم أشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله
فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يقال هي ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان

26

إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان الباب عندهم بابا واحدا قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم فأنسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته
قال الإمام أحمد لما سئل عن التشبيه هو أن يقول يد كيدي ووجه كوجهي فأما إثبات يد ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو كإثبات ذات ليست كالذوات وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليسا كالأسماع والأبصار
وهو سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن كل نقص وعيب وهو سبحانه في صفات الكمال لا يماثله شيء فهو حي قيوم سميع بصير عليم خبير رؤوف رحيم

27


خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش
وكلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا
لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته
فليس كعلمه علم أحد ولا كقدرته قدرة أحد ولا كرحمته رحمة أحد ولا كاستوائه استواء أحد ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره ولا كتكليمه تكليم أحد ولا كتجليه تجلي أحد
بل نعتقد أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وحسن أسمائه وعلو صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته وأن ما جاء من الصفات مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ والله سبحانه قد أخبر أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وحريرا وذهبا وقد قال ابن عباس ليس في الدنيا ممافي الآخرة إلا الأسماء
فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه الموجودة مع

28

اتفاقهما في الأسماء فالخالق جل وعلا أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء
وأيضا فإن الله سبحانه قد سمى نفسه حيا عليما سميعا بصيرا ملكا رؤوفا رحيما وقد سمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما وبعضها سميعا بصيرا وبعضها رؤوفا رحيما وليس الحي كالحي ولا العليم كالعليم ولا السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ولا الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم
قال الله سبحانه وتعالى
الله لا إله إلا هو الحي القيوم
وقال
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي
وقال
وهو العليم الحكيم
وقال
وبشروه بغلام عليم

29


وقال الله تعالى
إن الله كان سميعا بصيرا
وقال
إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا
وقال تعالى
إن الله بالناس لرءوف رحيم
وقال تعالى
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
وليس بين صفة الخالق والمخلوق مشابهة إلا في اتفاق الاسم
إثبات صفة العلو من كتاب الله

وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الله سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه والعرش وما سواه فقير إليه وهو غني عن كل شيء لا يحتاج إلى العرش ولا إلى غيره ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله

30


فمن قال إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا يرضى ولا يغضب ولا استوى على العرش فهو معطل ملعون
ومن قال علمه كعلمي أو قدرته كقدرتي أو كلامه مثل كلامي أو استواؤه كاستوائي أو نزوله كنزولي فإنه ممثل ملعون
ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة الدين فالممثل يعبد صنما والمعطل يعبد عدما والكتاب والسنة فيهما الهدى والسداد وطريق الرشاد فمن اعتصم بهما هدي ومن تركهما ضل
وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره
وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة
قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه فوق العرش فوق السموات مستو على عرشه
ونحن نذكر من ذلك بعضه
قال الله سبحانه وتعالى
الرحمن على العرش استوى

31


وقال تعالى
الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش
وقد أخبر سبحانه باستوائه على عرشه في ستة مواضع من كتابه فذكر في سورة الأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان وآلم تنزيل السجدة والحديد
قال تعالى
إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي
وقال
بل رفعه الله إليه
وقال
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
وقال
( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير )

32


وأخبر عن فرعون أنه قال
يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا
ففرعون كذب موسى في قوله إن الله في السماء
وقال تعالى
تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم
وقال
تنزيل من حكيم حميد
وقال
قل نزله روح القدس من ربك بالحق
وتأمل قوله تعالى في سورة الحديد
هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم
فقوله
هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام

33


يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم وأنه لم يزل وأنه لم يخلقه بقدرته ومشيئته ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازما لذاته أزلا وأبدا غير مخلوق كما هو قول ابن سينا وأتباعه الملاحدة
وقوله تعالى
ثم استوى على العرش
يتضمن إبطال قول المعطلة الذين يقولون ليس على العرش سوى العدم وإن الله ليس مستويا على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي ولا تجوز الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم مجامعه في حجة الوداع وجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إلى الناس ويقول ( اللهم اشهد ) وسيأتي الحديث إن شاء الله تعالى فأخبر في هذه الآية الكريمة أنه على عرشه وأنه
يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها
ثم قال
وهو معكم أين ما كنتم

34


فأخبر أنه مع علوه على خلقه وارتفاعه ومباينته لهم معهم بعلمه أينما كانوا
قال الإمام مالك الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء
وقال نعيم بن حماد لما سئل عن معنى هذه الآية
وهو معكم أين ما كنتم
معناه أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه
وسيأتي هذا مع ما يشابهه من كلام الإمام أحمد وأبي زرعة وغيرهما
وليس معنى قوله تعالى
وهو معكم أين ما كنتم
أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته
وأخبر تعالى أنه ذو المعارج تعرج الملائكة والروح إليه وأنه

35

القاهر فوق عباده وأن ملائكته يخافون ربهم من فوقهم فكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق عباده على عرشه وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة
وهو سبحانه قد أخبر أنه قريب من خلقه كقوله تعالى
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب الآية
وقوله
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )

36


وقوله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا
وكل ما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه علي في دنوه قريب في علوه
وقد أجمع سلف الأمة على أن الله سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا يعلم ما هم عاملون
قال حنبل بن إسحاق قيل لأبي عبد الله ما معنى
وهو معكم أين ما كنتم
قال علمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة
وسيأتي هذا الكلام مع زيادة عليه من كلام الإمام أحمد وغيره إن شاء الله تعالى

37

إثبات صفة العلو من السنة

وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فكثيرة جدا
منها ما رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم عن معاوية بن الحكم السلمي قال لطمت جارية لي فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ( بلى ائتني بها ) قال فجئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها ( أين الله ) قالت في السماء فقال ( فمن أنا ) قالت أنت رسول الله قال ( اعتقها فإنها مؤمنة )
وفي هذا الحديث مسألتان إحداهما قول الرجل لغيره أين الله
وثانيهما قول المسؤول في السماء
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على الرسول صلى الله عليه وسلم
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كانت

38

زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي لفظ آخر ( كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي لفظ ( فهو مكتوب عنده فوق العرش ) وهذه الألفاظ كلها صحاح في صحيح البخاري ومسلم
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار

39

وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الرب وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون )
وعن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ ) أخرجه أبو داود

40


وفي الصحيحين في قصة المعراج وهي متواترة وتجاوز النبي صلى الله عليه وسلم السموات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى فقربه وأدناه وفرض عليه خمسين صلاة فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه ينزل من عند ربه إلى موسى فيسأله كم فرض عليك فيخبره فيقول ارجع إلى ربك فسله التخفيف
وذكر البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه حديث أنس حديث الإسراء وقال فيه ثم علا به يعني جبريل فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة كل يوم وليلة ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة قال إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه

41

جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو في مكانه ( يا رب خفف عنا ) وذكر الحديث
ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وتغنم أموالهم قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة ) وفي لفظ ( من فوق سبع سموات ) وأصل القصة في الصحيحين وهذا السياق لمحمد بن إسحاق في المغازي
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في أديم مقروض

42

لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة بين عيينة بن حصن بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء )
وفي سنن أبي داود من حديث جبير بن مطعم قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( سبحان الله سبحان الله ) فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال ( ويحك أتدري ما الله إن شأنه أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه إنه لفوق سمواته على عرشه وإنه عليه لهكذا وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب ) وقد ساق الذهبي

43


هذا الحديث في كتاب العلو من رواية محمد بن إسحاق ثم قال
هذا حديث غريب جدا وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند له مناكير وعجائب فالله أعلم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أم لا والله عز وجل ليس كمثله شيء جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره
والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل فذاك صفة للرحل وللعرش ومعاذ الله أن نعده صفة لله عز وجل ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت
وقولنا في هذه الأحاديث أنا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره فأما ما في إسناده مقال أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله فإنا لا نتعرض له بتقرير بل نرويه في الجملة ونبين حاله وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله على عرشه مما يوافق آيات الكتاب
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد من حديث العباس بن عبد المطلب قال كنت جالسا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت سحابة فنظر إليها فقال ( ما تسمون هذه ) قالوا السحاب قال ( والمزن ) قالوا والمزن قال ( والعنان ) قالوا والعنان قال ( هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض ) قالوا لا ندري قال ( إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون

44

سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله عز وجل فوق ذلك ) زاد أحمد ( وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم )
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أين الله ) فأشارت بإصبعها السبابة إلى السماء فقال لها ( من أنا ) فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال ( أعتقها فإنها مؤمنة )

45


وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي جامع الترمذي أيضا عن عمران بن حصين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه حصين ( كم تعبد اليوم إلها ) قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال ( فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك ) قال الذي في السماء قال ( يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك ) قال فلما أسلم حصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال ( قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي )
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته

46

إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها )
وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( فأدخل على ربي تبارك وتعالى وهو على عرشه ) وذكر الحديث وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه ( فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه )
وصح عن أبي هريرة بإسناد مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله ملائكة سيارة يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم ) وأصل الحديث في صحيح مسلم ولفظه ( فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم من أين جئتم ) الحديث

47


والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا لا يتسع هذا الجواب لبسطها وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله وألهمه رشده وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه بل لا تزيده كثرة الأدلة إلا حيرة وضلالا كما قال تعالى
وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا
وقال
وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
وقال جل ذكره
يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا
وقال تبارك وتعالى
وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون
وقال سبحانه وتعالى
قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد

48

الكلام في الكيفية

والمقصود أن نصوص الكتاب والسنة قد نطقت بل قد تواترت بإثبات علو الله على خلقه وأنه فوق سمواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو
فإن قال السائل كيف استوى على عرشه
قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيفية بدعة
وكذلك إذا قال كيف ينزل ربنا
قيل له كيف هو فإذا قال أنا لا أعلم كيفيته قيل ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له فيكف تطالبني بكيفية استوائه على عرشه وتكليمه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته وإذا كنت تقر بأن له ذاتا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فاستواؤه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر ولا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل

49

الذوات فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل صفات سائر الذوات فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات فإذا كانت ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين فصفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين
وكثير من الناس يتوهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في محاذير
ومنها أنه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل
ومنها أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم فيكون معطلا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته
ومنها أن يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها

50

الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدا في أسمائه وآياته
الاستواء ومعناه

ومثال ذلك أن النصوص كلها قد دلت على وصف الإله تبارك وتعالى بالفوقية وعلوه على المخلوقات واستوائه على عرشه وليس في كتاب الله والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجا عنه ولا مباينه ولا مداخله فيظن المتوهم أنه إذا وصف الله تعالى بالاستواء على العرش كان الاستواء كاستواء الإنسان على ظهر الفلك والأنعام كقوله
وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستوا على ظهوره ثم تذكرون نعمة ربكم
فيخيل لهذا الجاهل بالله وصفاته أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
بل هو غني عن العرش وغيره وكل ما سواه مفتقر إليه فكيف يتوهم أنه إذ كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه تعالى الله عن ذلك وتقدس

51


وأيضا فقد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه مفتقرا إلى سافله فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله الأرض والسحاب أيضا فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله والسموات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجا إلى عرشه أو خلقه أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس يستلزم في المخلوقات وكذلك قوله
ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ) وقوله في رقية المريض ( ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك )
فمن توهم من هذه النصوص أن الله في داخل السموات فهو جاهل ضال باتفاق العلماء
فلو قال القائل العرش في السماء أو في الأرض لقيل في السماء ولو قيل الجنة في السماء أم في الأرض لقيل في السماء

52

ولم يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات بل ولا الجنة فإن السماء يراد به العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها
قال تعالى
فليمدد بسبب إلى السماء
وقال
وأنزلنا من السماء ماء طهورا
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى كان المفهوم من قوله إنه في السماء أنه في العلو وأنه كان فوق كل شيء وكذا الجارية لما قال لها ( أين الله ) قالت في السماء وإنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها
وإذا قيل العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها فما فوقها كلها هو في السماء ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم إلا الله كما لو قيل العرش في السماء كان المراد أنه عليها

53


كما قال تعالى
فسيروا في الأرض
وكما قال
فسيحوا في الأرض
وقال عن فرعون
ولأصلبنكم في جذوع النخل
وبالجملة فمن قال إن الله في السماء وأراد أنه في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ وضل ضلالا بعيدا وإن أراد بذلك أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب
إجماع أهل العلم على إثبات العلو

وهذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وهو الذي نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبا الرسل متبعا غير سبيل المؤمنين بل يكون في الحقيقة معطلا لربه نافيا له ولا يكون له في الحقيقة إله يعبده ولا رب يسأله ويقصده وهذا قول الجهمية
والله تعالى قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا

54

الله توجهت قلوبهم إلى العلو ولهذا قال بعض العارفين ما قال عارف قط بالله يا الله إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة بل قد فطر الله على ذلك جميع الأمم في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته قال ابن قتيبة ما زالت الأمم عربها وعجمها في جاهليتها وإسلامها معترفة بأن الله في السماء أي على السماء فهو سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله ويناسب كبرياءه وهو غني عن العرش وعن حملة العرش والاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة كما قالته أم سلمة وربيعة ومالك وهذا مذهب أئمة المسلمين وهو الظاهر من لفظ استوى عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السليمة التي لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل
وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي المتفق على إمامته وجلالته وفضله وهو من أتباع التابعين حيث قال من زعم أن

55

الرحمن على العرش استوى خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي
فإن الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سمواته
وقد جمع العلماء في هذا الباب مصنفات كبارا وصغارا وسنذكر بعض ألفاظهم في آخر هذه الفتوى إن شاء الله تعالى
وليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة ولا من التابعين ولا عن أئمة الدين حرف واحد يخالف ذلك
ولم يقل أحد منهم قط إن الله ليس في السماء ولا إنه ليس على العرش ولا إنه في كل مكان ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها
بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقول ( ألا هل بلغت ) فيقولون نعم فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول ( اللهم اشهد ) وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث

56

معنى ظاهرها غير مراد

واعلم إن كثيرا من المتأخرين يقولون هذا مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد وهذا لفظ مجمل فإن قول القائل ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين فلا شك أن هذا غير مراد ومن قال هذا فقد أصاب لكن أخطأ في إطلاق القول إن هذا ظاهر النصوص فإن هذا ليس هو الظاهر فإن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة إذ الصفات تابعة للموصوف فنعقل وجود الباري وننزه ذاته المقدسة عن الأشياء من غير أن نتعقل الماهية فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها أو نشبهها أو نكيفها أو نمثلها بصفات خلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلا نقول إن معنى اليد القدرة ولا إن معنى الاستواء الاستيلاء ولا معنى نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول رحمته ونحو ذلك بل نؤمن بأنها صفات حقيقة والكلام فيها كالكلام في الذات يحتذى فيه حذوه فإذا كانت الذات تثبت إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية
ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يدرى ما أراد الله

57

ورسوله منها ولكن يقرؤها ألفاظا لا معاني لها ويعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وأنها بمنزلة كهيعص و حم عسق و ألمص وظن أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يعلمون حقيقة قوله تعالى
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه
وقوله
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
وقوله
الرحمن على العرش استوى
ونحو ذلك فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف وهذا الظن يتضمن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة وأنهم كانوا يقرؤون هذه الآيات ويروون حديث النزول وأمثاله ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريد به ولازم هذا الظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بذلك ولا يعرف معناه فمن ظن أن هذه عقيدة السلف فقد أخطأ في ذلك خطأ بينا
بل السلف رضي الله عنهم أثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى

58

بين ضلالين خرج من مذهب المعطلين والمشبهين كما خرج اللبن
من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين
ما وصف به نفسه ووصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقالوا نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نمثل ولا نؤول ولا نقول ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا نقول له أيد كأيدي المخلوقين ولا أن له وجها كوجوههم ولا سمعا وبصرا كأسماعهم وأبصارهم بل نقول له ذات حقيقة ليست كالذوات وله صفات حقيقة لا مجازا ليست كصفات المخلوقين فكذلك قولنا في وجهه ويديه وكلامه واستوائه
وهو سبحانه قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه بأفعال فسمى نفسه
الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر

59


إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسنى ووصف نفسه بما ذكره من الصفات كسورة الإخلاص وأول الحديد وأول طه وغير ذلك ووصف نفسه بأنه يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويأسف ويسخط ويجيء ويأتي وأنه استوى على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ووجها ويدا وأن له يدين وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل بالأمر من عنده وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين وأن السموات مطويات بيمينه
ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه
وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم
وكل هذه الصفات تساق مساقا واحدا وقولنا فيها كقولنا في صفة العلو والاستواء فيجب علينا الإيمان بكل ما نطق به الكتاب والسنة من صفات الرب جل وعلا ونعلم أنها صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فلا نمثل ولا نعطل
وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله يجب الإيمان به سواء

60

عرفنا معناه أو لم نعرفه وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها مع أن عامته منصوص عليه في الكتاب والسنة
ما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ

وأما ما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتا فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدا على إثبات لفظ أو نفيه حتى يعرف مراده فإن أراد حقا قبل منه وإن أراد باطلا رد عليه وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى
كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك فيقول بعض الناس ليس في جهة ويقول آخر بل هو في جهة
فإن هذه الألفاظ مبتدعة في النفي والإثبات وليس على أحدهما دليل من الكتاب ولا من السنة ولا من كلام الصحابة والتابعين ولا أئمة الإسلام فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم إن الله سبحانه وتعالى في جهة ولا قال إن الله ليس في جهة ولا قال هو متحيز ولا قال ليس بمتحيز
والناطقون بهذه الألفاظ قد يريدون معنى صحيحا وقد يريدون معنى فاسدا فإذا قال إن الله في جهة قيل له ما تريد بذلك أتريد أن الله سبحانه في جهة تحصره وتحيط به أم تريد أمرا عدميا وهو

61

ما فوق العالم فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات
فإن أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات فهذا باطل
وإن أردت أن الله تعالى فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه بل هو العالي عليها المحيط بها وقد قال تعالى
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يقبض الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يهزهن فيقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) فمن تكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقار كيف تحيط به وتحصره
ومن قال إن الله ليس في جهة قيل له ما تريد بذلك
فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السموات رب يعبد ولا على العرش إله يصلى له ويسجد ومحمد لم يعرج بذاته إليه فهذا معطل
وإن قال مرادي ينفي الجهة أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب ونحن نقول به

62


وكذلك من قال إن الله متحيز إن أراد أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ وإن أراد أنه محتاز عن المخلوقات بائن عنها عال عليها فقد أصاب
ومن قال إنه ليس بمتحيز إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب وإن أراد بذلك أنه ليس ببائن عنها بل هو لا داخل العالم ولا خارجه فقد أخطأ فإن الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عال عليها قد فطر الله على ذلك الأعراب والصبيان كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى ولهذا قال عمر بن عبد العزيز عليك بدين الأعراب والصبيان أي عليك بما فطرهم الله عليه فإن الله فطر عباده على الحق كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة ) الحديث

63

فصل في إثبات اليد

وأما قوله تعالى
يد الله فوق أيديهم
فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع
مفردا كهذه وكقوله
بيده الملك
وجاء مثنى كقوله
بل يداه مبسوطتان
وكقوله
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
وجاء مجموعا كقوله
عملت أيدينا

64


فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليها فقال
خلقت بيدي
وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فلا يحتمل
لما خلقت بيدي
من المجاز ما يحتمله
عملت أيدينا
فإن كل أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله
فبما كسبت أيديكم
وأما قوله
خلقت بيدي
فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت الباء فالفعل قد يضاف إلى يد

65

ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله
فبما كسبت أيديكم
وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناه فهو ما باشرته يده
ولهذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وكتب التوراة بيده
فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن أهل الوقف يأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ) فذكروا أربعة أشياء كلها خصائصه

66


وكذلك قال آدم لموسى عليهما السلام في محاجته له ( اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده ) وفي لفظ آخر ( كتب الله لك التوراة بيده ) وهو من أصح الأحاديث وكذلك في الحديث المشهور ( إن الملائكة قالوا يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان )
وأيضا فإنه لو كان قوله
خلقت بيدي
مثل قوله
عملت أيدينا
لكان آدم والأنعام سواء وأهل الموقف قالوا أنت أبو البشر خلقك الله بيده فعلموا أن لآدم تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين

67


وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( يقبض الله سمواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى )
وقال صلى الله عليه وسلم ( يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ) الحديث
وفي صحيح مسلم في أعلى أهل الجنة منزلة ( أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها )
وقال عبد الله بن الحارث قال النبي صلى الله عليه وسلم ( خلق الله ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده قال وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث ) وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ( تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفاها الجبار كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة )

68


وفي الصحيح مرفوعا ( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل )
وفي الصحيح أيضا مرفوعا ( المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين )
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه ثم استخرج ذريته منه قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ) الحديث
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا إلا أخذها الرحمن بيمينه فتربو في كف الرحمن حتى تكون

69

أعظم من الجبل ) متفق على صحته
وقال نافع بن عمر سألت ابن أبي مليكة عن يد الله أواحدة أم اثنتان فقال بل اثنتان
وقال عبد الله بن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم
وقال ابن عمر وابن عباس أول شيء خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكانت الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده
وقال ابن وهب عن أسامة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه

70


قال مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة
وهذه النصوص التي ذكرنا هي غيض من فيض وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

71

فصل في ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في مسألة علو الرب تبارك وتعالى على خلقه وأنه على عرشه المجيد فوق سمواته

روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر رضي الله عنه يا أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت ثم تلا
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل
وروى البخاري في تاريخه عن ابن عمر أن أبا بكر قال من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت
وروى ابن أبي شيبة عن قيس قال لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره وا يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونا يلقاك

72

عظماء الناس ووجوههم فقال عمر رضي الله عنه ألا أراكم هاهنا إنما الأمر من هاهنا وأشار بيده إلى السماء
وروى عثمان بن سعيد الدارمي أن امرأة لقيت عمر بن الخطاب وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى لها حتى انصرفت فقال له رجل يا أمير المؤمنين حبست رجالا من قريش على هذه العجوز قال ويلك أتدري من هذه قال لا قال هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات هذه خولة بنت ثعلبة
والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضرني صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها
وقال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب روينا من وجوه صحيحة أن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه مشى إلى أمة له فنالها فرأته امرأته فجحدها فقالت إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال
( شهدت بأن وعد الله حق
وأن النار مثوى الكافرينا )

( وأن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا )


73


( وتحمله ملائكة شداد
ملائكة الإله مسومينا )

فقالت آمنت بالله وكذبت عيني وكانت لا تحفظ القرآن
وروى الدارمي بإسناده عن ابن مسعود قال العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم قال الحافظ الذهبي رواه عبد الله بن الإمام أحمد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ واللالكائي والبيهقي وابن عبد البر وإسناده صحيح
وروى الأعمش عن خيثمة عن عبد الله إن العبد ليهم بالأمر من التجارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملك اصرفه عنه فيصرفه عنه
وقال عبد الله بن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله فإن بين السموات السبع إلى كرسيه سبعة أنوار والله فوق ذلك ورواه عبد الله بن الإمام أحمد
وروى الدارمي أن ابن عباس قال لعائشة حين استأذن عليها وهي تموت وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات
وروى الدارمي عن نافع قال قالت عائشة وأيم الله لو كنت أحب قتله لقتلته يعني عثمان وقد علم الله فوق عرشه أني لا أحب قتله

74


وفي الصحيحين أن زينب كانت تفتخر على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات وقد تقدم ذلك وفي لفظ لغيرهما كانت تقول زوجني الرحمن من فوق عرشه كان جبرائيل السفير بذلك وأنا ابنة عمتك
وقال علي بن الأقمر كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة الله المبرأة من فوق سبع سموات
وقال قتادة قالت بنو إسرائيل يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك قال إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم وإذا غضبت استعملت عليكم أشراركم رواه الدارمي
وقال سليمان التيمي لو سئلت أين الله لقلت في السماء
وقال كعب الأحبار قال الله عز وجل في التوراة أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي لا يخفى علي شيء من أعمالهم
وقال مقاتل في قوله تعالى
ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا

75


قال بعلمه يعلم نجواهم ويسمع كلامهم وهو فوق عرشه وعلمه معهم
وقال الضحاك في الآية هو الله على العرش وعلمه معهم
وقال عبيد بن عمير ينزل الرب شطر الليل إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد
وقال الحسن ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب من إسرافيل وبينه وبينه سبعة حجب كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام وإسرافيل دون هؤلاء ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم السابعة
وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى الاوزاعي قال كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى جل ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته
وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم الآية

76


هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا أمروها كما جاءت
وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت وفي رواية فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف فقولهم رضي الله عنهم أمروها كما جاءت رد على المعطلة وقولهم بلا كيف رد على الممثلة والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم والأربعة الباقون هم أئمة الدين في عصر تابعي التابعين فمالك إمام الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث إمام أهل مصر وسفيان الثوري إمام أهل العراق
وقال الأوزاعي عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول وقال سفيان الثوري في قوله
وهو معكم أين ما كنتم
قال علمه

77


وروى الخلال بإسناد كل رجاله أئمة عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله
الرحمن على العرش استوى
كيف استوى قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق وهذا الكلام مروي عن مالك تلميذ ربيعة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى
وقال عبد الرحمن بن مهدي إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلم موسى وأن يكون على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وابن مهدي هذا هو الذي قال فيه علي بن المديني لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم منه لحلفت
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم أشر قولا من اليهود والنصارى وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش وقالوا هم ليس على العرش شيء
وقال عباد بن العوام أحد أئمة الحديث بواسط كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ليس على العرش شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا

78


وقال علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد احذروا من المريسي وأصحابه فإن كلامهم الزندقة وأنا كلمت أستاذهم فلم يثبت أن في السماء إلها
وقال حماد بن زيد الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء وكان من أشد الناس على الجهمية
وقال وهب بن جرير إياكم ورأي جهم وأصحابه فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء وما هو إلا من وحي إبليس وما هو إلا الكفر
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب الشافعي له كتاب في الرد على الجهمية قال فيه باب قول الجهمي في قول الله تعالى
الرحمن على العرش استوى
زعمت الجهمية أن معنى استوى استولى
قال فيقال له هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه فإذا قال لا قيل له فمن زعم ذلك فهو كافر فيقال له يلزمك أن تقول إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك لأنه أخبر سبحانه وتعالى أنه خلق العرش قبل السموات والأرض ثم استوى عليه بعد خلقهن فيلزمك أن تقول المدة التي كان العرش قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه فيها ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه

79


وقال عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري وما نطق به القرآن والحديث مثل قوله
بل يداه مبسوطتان
ومثل قوله
والسماوات مطويات بيمينه
وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة ونقول
الرحمن على العرش استوى
ومن زعم غير هذا فهو مبطل جهمي
وروى ابن أبي حاتم قال جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف فقال تنهاني عن الكلام وبشر المريسي وعلي الأحول وفلان يتكلمون فقال وما يقولون قال يقولون إن الله في كل مكان فبعث أبو يوسف وقال علي بهم فانتهوا إليه وقد قام بشر فجيء بعلي الأحول والشيخ الآخر فنظر أبو يوسف إلى الشيخ فقال لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك وأمر به إلى الحبس وضرب عليا الأحول وطوف به وقد استتاب أبو يوسف بشرا المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه وهي قصة مشهورة ذكرها ابن أبي حاتم وغيره وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا

80


وقال محمد بن الحسن اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة كلهم فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيء
وقال محمد أيضا في الأحاديث التي جاءت ( إن الله يهبط إلى السماء الدنيا ) ونحو هذه الأحاديث قد رواها الثقات فنحن نؤمن بها ولا نفسرها ذكر ذلك عنه أبو القاسم اللالكائي
وقال سفيان بن عيينة وقد سئل عن حديث ( إن الله يحمل السموات على أصبع ) وحديث ( القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ) فقال سفيان هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن الأصمعي قال قدمت امرأة جهم فقال رجل عندها الله على عرشه فقالت محدود على محدود

81

فقال الأصمعي هذه كافرة بهذه المقالة أما هذا الرجل وامرأته فما أولاهما بأن
سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب
وقال إسحاق بن راهويه إمام أهل المشرق نظير أحمد وقيل له ما تقول في قوله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
قال حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد وهو بائن من خلقه ثم قال وأعلى شيء في ذلك وأثبته قوله تعالى
الرحمن على العرش استوى
وروى الخلال في كتاب السنة قال قال إسحاق بن راهويه قال الله
الرحمن على العرش استوى
إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء أسفل الأرض السابعة في قعور البحار وفي كل موضع كما يعلم ما في السموات السبع وما دون العرش أحاط بكل شيء علما
وقال قتيبة بن سعيد هذا قول أئمة الإسلام والسنة والجماعة

82

نعرف ربنا بأنه في السماء السابعة على عرشه كما قال
الرحمن على العرش استوى
وقتيبة هذا أحد أئمة الإسلام وحفاظ الحديث
وقال عبد الوهاب الوراق من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة صح ذلك عنه وهو الذي قال فيه الإمام أحمد وقد قيل له من نسأل بعدك فقال عبد الوهاب
وقال خارجة بن مصعب الجهمية كفار أبلغ نساءهم أنهن طوالق لا يحللن لهم ثم تلى طه إلى قوله
الرحمن على العرش استوى
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدون من ذلك فقالا أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان مذهبهم أن الله تبارك وتعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف وأحاط بكل شيء علما

83


وقال أبو زرعة أيضا هو على العرش استوى وعلمه في كل مكان من قال غير هذا فعليه لعنة الله
وقال علي بن المديني الذي سماه البخاري سيد المسلمين وقيل ما تقول الجماعة في الاعتقاد فقال يثبتون الكلام والرؤية ويقولون إن الله على العرش استوى فقيل له ما تقول في قوله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
فقال اقرأ أول الآية يعني بالعلم لأن أول الآية
ألم تر أن الله يعلم
وقال عبد الله بن المبارك نعرف ربنا بأنه فوق سبع سموات على العرش استوى بائن من خلقه لا نقول كما قالت الجهمية رواه عنه الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد
وصح عن ابن المبارك أيضا أنه قال إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية
وقال نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ في قوله تعالى
وهو معكم أين ما كنتم
معناه أنه لا يخفي عليه خافية بعلمه ثم تلى قوله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم

84


وقال محمد بن إسماعيل البخاري سمعت نعيم بن حماد يقول من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها

85

فصل في ذكر أقوال الأئمة الأربعة رضي الله عنهم

ذكر قول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه
روى البيهقي في كتاب الصفات عن نعيم بن حماد قال سمعت نوح بن أبي مريم يقول كنت عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ وكانت تجالس جهما فدخلت الكوفة فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف نفس فقيل لها إن ههنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة فأتته فقالت أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك أين إلهك الذي تعبد فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا أن الله عز وجل في السماء دون الأرض فقال له رجل أرأيت قول الله تعالى
وهو معكم أين ما كنتم
قال هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه
ثم قال البيهقي لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله فيما نفى عن الله

86

عز وجل من الكون في الأرض وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية واتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء
وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور المروي بالأسانيد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو الأرض قال قد كفر إن الله تعالى يقول
الرحمن على العرش استوى
وعرشه فوق سمواته فقلت إنه يقول أقول إنه على العرش ولكنه قال لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر لأن الله تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل
وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض قال قد كفر لأن الله تعالى يقول
الرحمن على العرش استوى
وعرشه فوق سبع سمواته
روى هذا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب الفاروق

87


وقال الإمام أبو محمد موفق الدين بن قدامة بلغني عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال من أنكر أن الله عز وجل في السماء فقد كفر
فتأمل هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فكيف يكون حكم الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض واحتج أبو حنيفة على كفره بقوله تعالى
الرحمن على العرش استوى
بين أن الله فوق السموات فوق العرش فقال وعرشه فوق سمواته وبين بهذا أن قوله
على العرش استوى فوق العرش ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض قال لأنه أنكر أن يكون الله في السماء وأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل
وكذلك أصحاب أبي حنيفة من بعده كأبي يوسف ومحمد كما قدمنا ما روي عنهم وكذلك هشام بن عبيد الله كما روى أبن أبي حاتم وشيخ الإسلام بإسنادهما أن هشام بن عبيد الله صاحب

88

محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب فجيء به ليمتحنه فقال الحمد لله على التوبة فامتحنه هشام فقال أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه فقال أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب
وسيأتي كلام الطحاوي إن شاء الله تعالى
وفي الفقه الأكبر أيضا عن أبي حنيفة لا يوصف الله بصفات المخلوقين ولا يقال إن يده قدرته ولا نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف
وقال في الفقه الأكبر
يد الله فوق أيديهم
ليست كأيدي خلقه وهو خالق الأيدي جل وعلا ووجهه ليس كوجوه خلقه وهو خالق كل الوجوه ونفسه ليست كنفوس خلقه وهو خالق النفوس
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
وقال في الفقه الأكبر أيضا وله تعالى يد ووجه ونفس بلا كيف ذكر الله تعالى في القرآن وغضبه ورضاه وقضاه وقدرته من صفاته تعالى بلا كيف ولا يقال غضبه عقابه ولا رضاه ثوابه انتهى

89

ذكر قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي الله عنه

قال عبد الله بن نافع قال مالك بن أنس الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء رواه عبد الله بن الإمام أحمد
وروى أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الله
الرحمن على العرش استوى
كيف استوى فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ولا أراك إلا مبتدعا
فأمر به أن يخرج
وتقدم عن شيخه ربيعة مثل هذا الكلام فقول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول موافق لقول الباقين أمروها كما جاءت بلا كيف فإنما نفوا الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ولما قالوا أمروها بلا كيف فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبتت الصفات وأيضا فإن من ينفي الصفات

90

لا يحتاج أن يقول بلا كيف فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف فمن قال إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف وأيضا فقولهم أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظا دالة على معان فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال أمروها لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد أو يقال أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ بلا كيف إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول
قال الذهبي بعد ما ذكر كلام مالك وربيعة الذي قدمناه وهذا قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها وأن استواءه معلوم كما أخبر به في كتابه وأنه كما يليق به ولا نتعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا بل نسكت ونقف كما قد وقف السلف ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إليه الصحابة والتابعون ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وقد تقدم ما رواه الوليد بن مسلم عن مالك بما أغنى عن إعادته
وقال أبو حاتم الرازي حدثني ميمون بن يحيى البكري قال قال مالك من قال القرآن مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه

91

ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه

روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري عن أبي شعيب وأبي ثور وكلاهما عن محمد بن إدريس رحمه الله قال القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء
وذكر سائر الاعتقاد
وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول وقد سئل عن الصفات وما يؤمن به فقال لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحد من خلق الله قامت عليه الحجة ردها لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول فإن خالف أحد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر وأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى سبحانه التشبيه عن نفسه فقال

92


ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
وصح عن الشافعي أنه قال خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه حق قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب عباده انتهى
ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله سبحانه للتضمن لمشيئته وقدرته وقال في خطبة رسالته الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه
ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه

قال الخلال في كتاب السنة حدثنا يوسف بن موسى قال أخبرنا عبد الله بن أحمد قلت لأبي ربنا تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان قال نعم لا يخلو شيء من علمه
قال الخلال وأخبرني الميموني قال سألت أبا عبد الله عمن قال إن الله ليس على العرش فقال كلامهم كله يدور على الكفر
وقال حنبل قيل لأبي عبد الله ما معنى قوله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم

93


وقوله
وهو معكم
قال علمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة
وسع كرسيه السماوات والأرض
وقال أبو طالب سألت أحمد عن رجل قال إن الله معنا وتلى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
قال يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها هلا قرأت عليه
ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات
بالعلم معهم وقال في سورة ق
ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
وقال المروذي قلت لأبي عبد الله إن رجلا يقول أقول كما قال الله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره فقال أبو عبد الله هذا كلام الجهمية قلت فكيف تقول
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم
قال علمه في كل مكان وعلمه معهم وقال أول الآية يدل على أنه علمه

94


وقال في موضع آخر وأن الله عز وجل على عرشه فوق السماء السابعة يعلم ما تحت الأرض السفلى وأنه غير مختلط بشيء من خلقه هو تبارك وتعالى بائن من خلقه وخلقه بائنون منه
وقال في كتاب الرد على الجهمية الذي رواه الخلال وقال كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله بن الإمام أحمد وكتبه عبد الله من خط أبيه قال فيه ( باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش ) وقد قال
الرحمن على العرش استوى
قلنا لهم ما أنكرتم أن يكون الله على العرش فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو تحت العرش وفي السموات وفي الأرض قال أحمد فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة وليس فيها شيء من عظمته وقد أخبرنا الله عز وجل أنه في السماء فقال
ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض

95


وقال
إليه يصعد الكلم الطيب
إني متوفيك ورافعك إلي
بل رفعه الله إليه
وقال أيضا في الكتاب المذكور ومما أنكر ت الجهمية الضلال أن الله على العرش وقد قال تعالى
الرحمن على العرش استوى
وقال
ثم استوى على العرش
ثم ساق أدلة القرآن ثم قال
ومعنى قوله
هو الله في السماوات وفي الأرض
يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش لا يخلو من علمه مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وذلك لقوله تعالى
لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما

96


قال الإمام أحمد ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير وفيه شيء كان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله سبحانه وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق علما من غير أن يكون في شيء مما خلق
قال مما تأولت الجهمية من قول الله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
فقالوا إن الله معنا وفينا فقلنا لهم قطعتم الخبر من أوله لأن الله افتتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه
قال أحمد وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس شيئا فيقول نعم فقل له فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم كفر أيضا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة
قال أحمد وقلنا للجهمية حين زعمتم أن الله في كل مكان أخبرونا

97

عن قول الله عز وجل
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا
أكان في الجبل بزعمكم فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى له بل كان سبحانه على العرش فتجلى لشيء لم يكن فيه ورأى الجبل شيئا ما رآه قط قبل ذلك
انتهى كلام الإمام أحمد الذي نقلناه من كتاب الرد على الجهمية
وروى الخلال عن حنبل قال قال أبو عبد الله يعني أحمد نؤمن أن الله على العرش بلا كيف بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده حاد وصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية
وقال حنبل أيضا سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروي ( إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا ) و ( إن الله يرى في الآخرة ) و ( إن الله يضع قدمه ) وأشباه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله نؤمن بها ونصدق ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على الله قوله ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه قد أجمل الله الصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس

98

يشبهه شيء وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه قال فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه بما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ونؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله سبحانه يرى في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة والتسليم فيه بغير صفة ولا حد إلا بما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلما عليم غفور
عالم الغيب والشهادة
عالم الغيوب
فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى
ثم استوى على العرش
ليس كمثله شيء
وهو خلق كل شيء وهو سميع

99

بصير بلا حد ولا تقدير ولا نتعدى القرآن والحديث تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة
قلت له المشبهة ما تقول قال من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد شبه الله بخلقه انتهى
وكلام الإمام أحمد رحمه الله في هذا كثير فإنه امتحن بالجهمية رضي الله عنه وعن إخوانه من أئمة الدين

101

فصل

قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أسكنه الله الفردوس يوم المآب وبينا عقيدته هو وأتباعه عقيدة السلف الماضين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين الذين رفع الله منارهم في العالمين وجعل لهم لسان صدق الآخرين
فشيخنا رحمه الله وأتباعه
يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتجاوزون القرآن والحديث لأنهم متبعون لا مبتدعون فلا يكيفون ولا يشبهون ولا يعطلون بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات وما وردت به السنة مما رواه الثقات يعتقدون أنها صفات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل كما أنه سبحانه له ذات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات فكما أن ذاته ذات حقيقة لا تشبه الذوات فصفاته صفات حقيقة لا تشبه الصفات وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين وهو مخالف لاعتقاد المشبهين واعتقاد المعطلين فهو كالخارج

102


من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين
فهو وسط بين طرفين وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين
فلما قررنا عقيدتنا في أول الجواب وأوردنا على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة أتبعنا ذلك بفصل ذكرنا فيه بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وتابعيهم يؤيد ما ذكرناه ويحقق ما قلناه لأنهم مصابيح الدين وقدوة العالمين وهم أهل اللغة الفصحاء واللسان العربي فإن الصحابة رضي الله عنهم قد شاهدوا نزول القرآن ونقلوه إلينا وفسروه فهم قد تلقوا ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنهم التابعون فتعلموا من الصحابة ألفاظ القرآن ومعانيه فنقلوا عنهم تأويله كما نقلوا تنزيله ونقلوا الأحاديث الواردة في الصفات ولم يتأولوها كما تأولها النفاة بل أثبتوها صفات حقيقة لرب العالمين منزهة عن تعطيل المعطلين وتشبيه المشبهين فإن الصحابة رضي الله عنهم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وهم سادات الأمة وكاشفوا الغمة فالمسلمون بهديهم يهتدون وعلى منهاجهم يسلكون ثم إنا لما نقلنا كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم أتبعناه بفصل ذكرنا فيه كلام الأئمة الأربعة أئمة المذاهب المتبعة ليتبين صحة ما قلناه وما إليهم نسبناه ويعلم من كان قصده الحق أن الأئمة على عقيدة واحدة مجمعون وللسلف الصالح متبعون فلما تبين ما قلناه واتضح ما قررناه أحببت أن أختم هذا الجواب بفصل أذكر فيه بعض ما قاله العلماء بعدهم ليعلم الواقف على هذا الجواب أن هذا الاعتقاد الذي ذكرناه هو اعتقاد أهل

103

السنة والجماعة قاطبة متقدميهم ومتأخريهم لأن إجماعهم حجة قاطعة لا تجوز مخالفته فكيف وقد شهدت له النصوص القرآنية والسنة النبوية وقد قال تعالى
ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا

105

فصل

قال الإمام حافظ الشرق وشيخ الإسلام عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب النقض على بشر المريسي قال الذهبي وهو مجلد سمعناه من أبي حفص ابن القواس قال فيه
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين على أن الله فوق عرشه فوق سمواته لا ينزل قبل يوم القيامة إلى الأرض ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيام ليفصل بين عباده ويحاسبهم وتشقق السموات لنزوله فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه فقوله
فأتى الله بنيانهم من القواعد
وإنما هو أمره وعذابه

106


وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وقد ذكر الحلول ويحك هذا المذهب أنزه لله من السوء عن مذهب من يقول هو بكماله وجماله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سمواته فوق جميع الخلائق في أعلى مكان وأظهر مكان حيث لا خلق هناك ولا إنس ولا جان أي الحزبين أعلم بالله وبمكانه وأشد تعظيما وإجلالا له
وقال في هذا الكتاب علمه بهم من فوق عرشه محيط وبصره فيهم نافذ وهو بكماله فوق عرشه ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض
وقال في موضع آخر والقرآن كلام الله وصفة من صفاته خرج منه كما شاء أن يخرج والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق وهو بكماله على عرشه
وقال في موضع آخر وقد ذكر حديث البراء بن عازب الطويل في شأن الروح وقبضها وفيه فتصعد روحه حتى تنتهي إلى السماء السابعة

107

وذكر الحديث ثم قال وفي قوله
لا تفتح لهم أبواب السماء
دلالة ظاهرة أن الله فوق السماء لأنه لو لم يكن فوق السماء لما عرج بالأرواح والأعمال ولما أغلقت أبواب السماء عن قوم وفتحت لآخرين
وقال في موضع آخر ولكنا نقول رب عظيم وملك كبير نور السموات والأرض وإله السموات والأرض على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأماكن من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه
قال وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين على أن الله في السماء وعرفوه بذلك إلا المريسي وأصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث
وساق حديث حصين ( كم تعبد ) قال ستة في الأرض وواحدا في السماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من الذي تعده لرغبتك ورهبتك ) قال الذي في السماء
وقال أيضا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للجارية ( أين الله ) فيه تكذيب لمن يقول هو في كل مكان وأن الله لا يوصف بأين بل يستحيل أن يقال أين هو والله فوق سمواته بائن من خلقه فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبده

108


هذا كله كلام عثمان بن سعيد في كتابه المذكور وهو قال فيه أبو الفضل القراب ما رأيت مثل عثمان بن سعيد ولا رأى عثمان مثل نفسه أخذ الأدب عن ابن الأعرابي والفقه عن البويطي والحديث عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وأثنى عليه أهل العلم
وقال الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي في جامعه

لما روى حديث أبي هريرة وهو حديث منكر قاله الذهبي ( لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله ) قال معناه لهبط على علم الله قال وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه
وقال في حديث أبي هريرة ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه ) قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا قالوا ثبتت الروايات في هذا ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول كيف هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه وفسروها على غير ما فسرها أهل

109

العلم وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده وأن معنى اليد هاهنا النعمة وقال إسحاق بن راهويه إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي أو سمع كسمعي فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع وكسمع فهذا لا يكون تشبيها قال الله تعالى
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
هذا كله كلام الترمذي
وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

في كتاب ( صريح السنة ) وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر
وقال في تفسيره الكبير في قوله تعالى
ثم استوى على العرش
قال علا وارتفع
وقال في قوله تعالى
ثم استوى إلى السماء

110


عن الربيع بن أنس أنه يعني ارتفع
وقال في قوله عز وجل
وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب 36 أسباب السموات فأطلع إلى اله موسى وإني لأظنه كاذبا
يقول وإني لأظن موسى كاذبا فيما يقول ويدعي أن له ربا في السماء أرسله إلينا
وتفسيره هذا مشحون بأقوال السلف على الإثبات
وقال في كتاب التبصير في معالم الدين القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير وأن له يدين بقوله
بل يداه مبسوطتان
وأن له وجها بقوله
( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )
وأن له قدما بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( حتى يضع رب العزة فيها قدمه ) وأنه يضحك بقوله ( لقي الله وهو يضحك إليه )

111

وأنه ( يهبط إلى سماء الدنيا ) يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأن له إصبعا بقوله صلى الله عليه وسلم ( ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ) فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله به نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها
ذكر هذا الكلام عنه أبو يعلى في كتاب ( إبطال التأويل )
ومن أراد معرفة أقوال السلف التي حكاها عنهم في تفسيره فليطالع كلامه عند تفسير قوله تعالى
فلما تجلى ربه للجبل
وقوله
ثم استوى على العرش
وقوله
تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن

112

وقال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة

من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سمواته بائن من خلقه فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة
ذكر قول إمام الشافعية في وقته أبي العباس بن سريج رضي الله عنه

ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني في جوابات المسائل التي سئل عنها بمكة فقال الحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وعلى كل حال و صلى الله عليه وسلم محمد المصطفى وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل سألت أيدك الله بتوفيقه بيان ما صح لدي من مذهب السلف وصالحي الخلف في الصفات الواردة في الكتاب والسنة فاستخرت الله وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء وهو أبو العباس بن سريج رحمه الله وقد سئل عن مثل هذا السؤال فقال

113


أقول وبالله التوفيق
حرام على العقول أن تمثل الله وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع وعلى الضمائر أن تعمق وعلى النفوس أن تفكر وعلى الأفكار أن تحيط وعلى الألباب أن تصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم
وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهديين الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا أن جميع الآي الواردة عن الله في ذاته وصفاته والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل يجب على المرء المسلم الإيمان بكل واحد منه كما ورد وتسليم أمره إلى الله كما أمر وذلك مثل
قوله سبحانه
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام
وقوله
وجاء ربك والملك صفا صفا

114


وقوله
الرحمن على العرش استوى
وقوله
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويت بيمينه
ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر والكلام والعين والنظر والإرادة والرضا والغضب والمحبة والكراهة والعناية والقرب والبعد والسخط والاستجابة والدنو كقاب قوسين أو أدنى وصعود الكلام الطيب إليه وعروج الملائكة والروح إليه ونزول القرآن منه وندائه الأنبياء وقوله للملائكة وقبضه وبسطه وعلمه ووحدانيته وقدرته ومشيئته وصمدانيته وفردانيته وأوليته وآخريته وظاهريته وباطنيته وحياته وبقائه وأزليته ونوره وتجليه والوجه وخلق آدم بيده ونحو قوله
ءأمنتم من في السماء
وسماعه من غيره وسماع غيره منه وغير ذلك من صفاته المذكورة في كتابه المنزل وجميع ما لفظ به المصطفى من صفاته كغرس جنة الفردوس بيده وشجرة طوبى بيده وخط التوراة بيده

115

والضحك والتعجب ووضعه القدم وذكر الأصابع والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا وكغيرته وفرحه بتوبة العبد وأنه ليس بأعور وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه وأن كلتا يديه يمين وحديث القبضتين وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من حثياته فيدخلهم الجنة وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط وحديث ( إن الله خلق آدم على صورته ) وفي لفظ ( على صورة الرحمن ) وإثبات الكلام بالحرف والصوت وكلامه للملائكة ولآدم ولموسى ومحمد وللشهداء وللمؤمنين عند الحساب وفي الجنة ونزول القرآن إلى سماء الدنيا وكون القرآن في المصاحف وما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغني بالقرآن وصعود الأقوال والأعمال والأرواح إليه وحديث معراج الرسول صلى الله عليه وسلم ببدنه ونفسه وغير هذا مما صح عنه صلى الله عليه وسلم من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن
أن نقبلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين ولا نزيد عليها ولا ننقص منها ولا نفسرها ولا نكيفها ولا نشير إليها بخواطر القلوب بل نطلق ما أطلقه الله

116


ونفسر ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة ونجمع على ما أجمعوا عليه ونمسك عما أمسكوا عنه ونسلم الخبر لظاهره والآية لظاهرها لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل ونقول الإيمان بها واجب والقول سنة وابتغاء تأويله بدعة
هذا آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم الزنجاني في أجوبته ذكر قول الإمام الطحاوي إمام الحنفية في وقته في الحديث والفقه ومعرفة أقوال السلف قال في عقيدته المعروفة عند الحنفية
ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم
نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ما زال بصفاته قديما قبل خلقه وأن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا وأنزله على نبيه وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ليس بمخلوق فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر والرؤية لأهل الجنة حق بغير إحاطة ولا كيفية

117


وكل ما جاء في ذلك من الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه خالص التوحيد وصحيح الإيمان ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه
إلى أن قال والعرش والكرسي حق كما بين في كتابه وهو مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه
وذكر سائر الاعتقاد
ذكر قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الطائفة الكلابية

وكان من أعظم الناس إثباتا للصفات والفوقية وعلو الله على عرشه منكرا لقول الجهمية وهو أول من عرف عنه إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب وأن القرآن معنى قائم بالذات وهو أربع معان ونصر

118


طريقته أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وخالفه في بعض الأشياء ولكنه على طريقته في إثبات الصفات والفوقية وعلو الله على عرشه كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه إن شاء الله تعالى
حكى ابن فورك في كتابه = المجرد = فيما جمعه من كلام ابن كلاب أنه قال
وأخرج من النظر والخبر قول من قال لا هو في العالم ولا خارجا منه فنفاه نفيا مستويا لأنه لو قيل له صفه بالعدم لما قدر أن يقول أكثر من هذا ورد أخبار الله أيضا وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول ثم قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته أعلمهم ( بالأين ) واستصوب قول القائل إنه في السماء وشهد له بالإيمان عند ذلك وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون ( الأين ) ويحيلون القول به قال ولو كان خطأ لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالإنكار له وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمي أنه محدود وأنه في مكان دون مكان ولكن قولي إنه في كل مكان لأنه هو الصواب دون ما قلت كلا فلقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه من الإيمان بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق بذلك وشاهد له وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين

119


منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فنقول أين ربك إلا قال في السماء أفصح أو أومى بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح ولا يشير إلى غير ذلك ولا رأينا أحدا إذا عن له دعاء إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وخمسون رجلا معه نعوذ بالله من مضلات الفتن
انتهى كلامه
ذكر قول الإمام أبي الحسن الأشعري صاحب التصانيف إمام الطائفة الأشعرية

قال في كتابه الذي سماه = ( اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين ) = فذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم إلى أن قال
ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث
جملة قولهم الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله

120


وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا
وأن الله على عرشه كما قال
الرحمن على العرش استوى
وأن له يدين بلا كيف كما قال
لما خلقت بيدي
وكما قال
بل يداه مبسوطتان
وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علما ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة
ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق
ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ) كما جاء الحديث
ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال
وجاء ربك والملك صفا صفا
وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء

122


هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة
جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من الله وما تلقاه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون شيئا من ذلك وأن الله واحد أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه على عرشه كما قال
الرحمن على العرش استوى وأن له يدين بلا كيف كما قال
لما خلقت بيدي وكما قال
بل يداه مبسوطتان وأن له عينين بلا كيف كما قال
تجري بأعيننا وأن له وجها كما قال
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وأن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ من قال بالوقف أو باللفظ فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ويقولون إن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون
ثم ساق بقية قولهم
وقال في هذا الكتاب وقالت المعتزلة إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى هذا نص كلامه

123


وقال في هذا الكتاب أيضا وقالت المعتزلة في قوله
الرحمن على العرش استوى
يعني استولى قال وتأولت اليد بمعنى النعمة وقوله
تجري بأعيننا أي بعلمنا
فالأشعري رحمه الله إنما حكى تأويل الاستواء بالاستيلاء عن المعتزلة والجهمية وصرح بخلافه وأنه خلاف قول أهل السنة
وقال الأشعري أيضا في كتابه = الإبانة في أصول الديانة = في باب الاستواء فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له نقول إن الله مستو على عرشه كما قال
الرحمن على العرش استوى
وقال
إليه يصعد الكلم الطيب
وقال
بل رفعه الله إليه
وقال حكاية عن فرعون
يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب 36 أسباب السموات فأطلع إلى اله موسى وإني لأظنه كاذبا

124


كذب موسى في قوله إن الله فوق السموات
وقال عز وجل
ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور
فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال
ءأمنتم من في السماء
لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات وكان كل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال
ءأمنتم من في السماء
يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات
قال ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى استوى استولى وملك وقهر وأنه تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون على عرشه وذهبوا في الاستواء إلى

125

القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء وكذا لو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن يقال هو مستو على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول أن الله مستو على الأخلية والحشوش فبطل أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء
وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سوى ذلك
وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ونسخه بخطه الإمام محي الدين النواوي
فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام الذي ينتسب إليه الأشاعرة اليوم لأنه إمام الطائفة المذكورة كيف صرح بأن عقيدته في آيات الصفات وأحاديثها اعتقاد أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ولم يحك تأويل الاستواء بالاستيلاء واليد بمعنى النعمة والعين بمعنى العلم إلا عن المعتزلة والجهمية وصرح أنه خلاف قوله لأنه خلاف قول أهل السنة والجماعة ثم تجد المنتسبين إلى عقيدة الأشعري قد صرحوا في عقائدهم ومصنفاتهم من التفاسير وشروح الحديث بالتأويل الذي أنكره إمامهم وبين أنه قول المعتزلة والجهمية وينسبون هذا الاعتقاد إلى الأشعري وهو قد أنكره ورده وأخبر انه على عقيدة السلف من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم وأنه على عقيدة الإمام أحمد كما سيأتي لفظه بحروفه إن شاء الله

126


وأعجب من هذا أنهم يذكرون في مصنفاتهم أن عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم وأحكم فسبحان مقلب القلوب كيف يشاء كيف يجتمع في قلب من له عقل ومعرفة أن الصحابة أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأنهم الذين شاهدوا التنزيل وعلموا التأويل وأنهم أهل اللغة الفصحاء والسان العربي الذين نزل القرآن بلغتهم وأنهم الراسخون في العلم حقا وأنهم متفقون على عقيدة واحدة لم يختلف في ذلك اثنان ثم التابعون بعدهم سلكوا سبيلهم واتبعوا طريقهم ثم الأئمة الأربعة وغيرهم مثل الأوزاعي والسفيانين وابن المبارك وإسحاق وغيرهم من أئمة الدين الذين رفع الله قدرهم بين العالمين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين كل هؤلاء على عقيدة واحدة مجمعون ولكتاب ربهم وسنة نبيهم متبعون ثم بعد معرفته لهذا وإقراره يقوم في قلبه أن عقيدة الخلف أعلم وأحكم من طريقة السلف فسبحان من يحول بين المرء وقلبه فيهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله
لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
وكيف يكون الخالفون أعلم من السابقين بل من زعم هذا فهو لم يعرف قدر السلف بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين حقيقة المعرفة المطلوبة فإن هؤلاء الذين يفضلون طريقة الخلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم

127


لا يعلمون الكتاب إلا أماني
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع الاحتمالات وغرائب اللغات فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة كما قدمناه وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف وكيف يكون الخلف أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من أهل العلم والإيمان الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى فنسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذا هدانا وأن يهب لنا ولإخواننا المسلمين من لدنه رحمة وإنه هو الوهاب
وإنما ذكرنا هذا في أثناء كلام أبي الحسن الأشعري لأن أهل التأويل اليوم الذين أخذوا بطريقة الخلف ينتسبون إلى عقيدة الأشاعرة فيظن من علم عنده أن هذا التأويل طريقة أبي الحسن الأشعري هو رضي الله عنه قد صرح بأنه على طريقة السلف وأنكر على من تأول النصوص كما هو مذهب الخلف وذكر أن التأويل مذهب المعتزلة والجهمية
قال الإمام الذهبي في = كتاب ( العلو ) = قال الأستاذ أبو القاسم

128


القشيري سمعت ابا علي الدقاق يقول سمعت زاهر بن أحمد الفقيه يقول مات الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري فكان يقول شيئا في حال نزعه لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في = كتاب ( تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري ) =
فإذا كان أبو الحسن رحمه الله كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد موافقة في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد فلا بد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة فاسمع ما ذكره في كتابه = ( الإبانة ) = فإنه قال
الحمد لله الواحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد المتمجد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد وليس له مثل ولا نديد
وساق خطبة رد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة وبين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة إلى أن قال
فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة

129


والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين
وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله إله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال
الرحمن على العرش استوى وأن له وجها كما قال
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وأن له يدين كما قال
بل يداه مبسوطتان وأن له عينين بلا كيف كما قال
تجري بأعيننا وأن من زعم أن اسم الله غيره

130

كان ضالا وأن لله علما كما قال
أنزله بعلمه ونثبت لله قدرة ونثبت له السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والخوارج والجهمية
ونقول إن كلام الله عز وجل غير مخلوق وإنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله وإن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له كما قال
والله خلقكم وما تعملون
وإن الخير والشر بقضاء الله وقدره
ونقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق وإن من قال بخلق القرآن كان كافرا وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونقول إن الكافرين إذا رآه المؤمنين هم عنه محجوبون كما قال الله
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا

131

وندين أن الله تعالى مقلب القلوب وأن القلوب بين إصبعين من أصابعه وأنه يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا وأن الرب يقول هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها ولا نقول على الله ما لا نعلم
ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال
وجاء ربك والملك صفا صفا وإن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
وكما قال
ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى
إلى أن قال ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء ونحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه بابا وشيئا شيئا
ثم قال ابن عساكر فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه انتهى

132


قال شمس الدين الذهبي رحمه الله فلم انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن ولزموها لأحسنوا ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء ومشوا خلف المنطق فلا حول ولا قوة إلا بالله
ذكر قول أبي الحسن علي بن مهدي الطبراني المتكلم تلميذ الأشعري

قال في كتاب ( مشكل الآيات ) له في باب قوله
الرحمن على العرش استوى
اعلم أن الله فوق السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه ومعنى الاستواء الاعتلاء كما تقول العرب استويت على ظهر الدابة واستويت على السطح بمعنى علوته واستوت الشمس على رأسي واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي فالقديم جل جلاله عال على عرشه يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله
ءأمنتم من في السماء
وقوله
يا عيسى إني متوفيك ورافعك إ لي
وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه

133

مأخوذ من قول العرب استوى بشر على العراق أي استولى عليها قال ويدل على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه إذ هو مستول على العرش وعلى الخلق ليس للعرش مزية على ما وصفته فبان بذلك فساد قوله ثم يقال له أيضا إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب استوى فلان أي استولى إذا تمكن بعد أن لم يكن متمكنا فلما كان الباري عز وجل لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء
ثم قال فإن قيل ما تقولون في قوله
ءأمنتم من في السماء
قيل له معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش كما قال
فسيحوا في الأرض
بمعنى على الأرض وقال
ولأصلبنكم في جذوع النخل
فإن قيل ما تقولون في قول الله تعالى
وهو الله في السماوات وفي الأرض

134


قيل له إن بعض القراء يجعل الوقف في السموات ثم يبتدئ
وفي الأرض يعلم سركم وكيف ما كان فلو أن قائلا قال فلان بالشام والعراق ملك لدل على أن ملكه بالشام والعراق لا أن ذاته فيهما
ذكر قول الإمام الزاهد أبي عبد الله ابن بطة

قال في كتاب ( الإبانة ) وهو ثلاثة مجلدات باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه
أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين على أن الله على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه فأما قوله
وهو معكم
فهو كما قالت العلماء
واحتج الجهمي بقوله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
فقال معنا وفينا وقد فسر العلماء أن ذلك علمه ثم قال تعالى في آخرها
أن الله بكل شيء عليم
ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه فذكره عن

135

الضحاك والثوري ونعيم بن حماد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
وكان ابن بطة من كبار الأئمة رضي الله عنه سمع من البغوي وطبقته وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة
ذكر قول الإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني شيخ المالكية في وقته

قال في أول رسالته المشهورة في مذهب الإمام مالك
وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته وأنه في كل مكان بعلمه قال الإمام أبو بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد لما ذكر قوله وأنه تعالى فوق عرشه المجيد معنى فوق وعلى واحد عند جميع العرب ثم ساق الآيات والأحاديث إلى أن قال وقد تأتي لفظة ( في ) في لغة العرب بمعنى فوق كقوله
فامشوا في مناكبها
ءأمنتم من في السماء
قال أهل التأويل يريد فوقها وهو قول مالك مما فهمه عن التابعين مما فهموه عن الصحابة مما فهموه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله في السماء يعني فوقها فكذلك قال الشيخ أبو محمد أنه

136

فوق عرشه ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو بكل مكان بعلمه لا بذاته فلا تحويه الأماكن لأنه أعظم منها انتهى كلام الشارح
وذكر ابن أبي زيد في كتابه الفرد في السنة تقرير العلو واستواء الرب على العرش بذاته وقرره أتم تقرير
وقال في مختصر المدونة وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق سمواته دون أرضه
قال الحافظ الذهبي لما ذكر قول ابن أبي زيد ( وأنه تعالى فوق عرشه المجيد ) قد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة وعثمان بن سعيد الدارمي وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته والحافظ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له فإنه قال وأئمتنا كالثوري ومالك والحمادين وابن عيينة وابن المبارك والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان وكذلك أطلقها ابن عبد البر وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري فإنه قال في أخبار شتى إن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي تلك القصيدة

137


( عقائدهم أن الإله بذاته
على عرشه مع علمه بالغوائب )

وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين ابن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث
وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ والشيخ عبد القادر الجيلي والفتى عبد العزيز القحيطي وطائفة
والله تعالى خالق كل شيء بذاته ومدبر الخلائق بذاته بلا معين ولا مؤازر وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه معنا وبين كونه فوق العرش فهو معنا بالعلم وهو على العرش كما أعلمنا حيث يقول
الرحمن على العرش استوى
وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمنا وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام
وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب وكان يلقب بمالك الصغير وكان غاية في معرفة الأصول وقد نقموا عليه في قوله بذاته فليته تركه

138


انتهى كلام الذهبي
ذكر قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري

قال في كتابه ( التمهيد في أصول الدين ) وهو من أشهر كتبه
فإن قال قائل فهل تقولون إن الله في كل مكان قلنا معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال
الرحمن على العرش استوى
وقال
ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض
ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفي فمه وفي الحشوش والمواضع القذرة التي يرغب عن ذكرها تعالى الله عن ذلك
ثم قال في قوله تعالى
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله
المراد أنه إله عند أهل السماء وإله عند أهل الأرض كما تقول العرب فلان نبيل مطاع في المصرين أي عند أهلهما وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة

139


وقوله
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
يعني بالحفظ والنصر والتأييد ولم يرد أن ذاته معهم تعالى
وقوله
إنني معكما أسمع وأرى
محمول على هذا التأويل
وقوله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
يعني أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن فلذلك لا يجوز أن يقال قياسا على هذا إن الله بالقيروان ومدينة السلام ودمشق وإنه مع الثور والحمار وإنه مع الفساق ومع المصعدين إلى حلوان قياسا على قوله
إن الله مع الذين اتقوا
فوجب التأويل على ما وصفنا أولا
ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه كما قال الشاعر
وقد استوى بشر على العراق لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا وقوله

140


ثم استوى
يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن فبطل ما قالوه
ثم قال باب فإن قال قائل ففصلوا لنا صفات ذاته من صفات أفعاله لنعرف ذلك
قيل له صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها وهي الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرضاء وصفات فعله هي الخلق والرزق والعدل والإحسان والتفضل والإنعام والثواب والعقاب والحشر والنشر وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها
ثم ساق الكلام في الصفات
وقال في كتاب ( الذب عن أبي الحسن الأشعري )
كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات الله إذ صح من إثبات اليدين والوجه والعينين ونقول إن الله يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام وإنه ينزل إلى السماء الدنيا كما في الحديث وإنه مستو على عرشه
إلى أن قال وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير كما روي عن

141


الزهري وعن مالك في الاستواء فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل وانتهى
قال الحافظ شمس الدين الذهبي لما ذكر كلامه هذا فهذا نص هذا الإمام وأين مثله في تبحره وذكائه وتبصره بالملل والنحل فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف ولا يعرفون إلا السلب ونفي الصفات وردها صم بكم غتم عجم يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل فإنا لله وإنا إليه راجعون
ذكر قول الإمام أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي

قال في كتاب ( الأصول ) وهو مجلدان
أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته
وقال في هذا الكتاب أيضا
أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على الحقيقة لا على

142

المجاز ثم ساق بسنده عن مالك قوله الله في السماء وعلمه في كل مكان
ثم قال في هذا الكتاب وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله
وهو معكم أين ما كنتم
ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه فإن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء
هذا لفظه في كتابه فانظر إلى حكاية إجماع المسلمين من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته وأطلق هذه اللفظة غير واحد من أئمة السنة وحكاها كثير من العلماء عن الأئمة الكبار كما تقدم عن الحافظ أبي نصر السجزي وغيره فكيف نقموها على ابن أبي زيد وحده لما ذكرها في رسالته كما ذكره الذهبي
وكان الطلمنكي هذا من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس عاش بضعا وثمانين سنة وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة

143

ذكر قول شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني

قال في رسالته في السنة
ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه وعرشه فوق سمواته وإمامنا الشافعي احتج في ( المبسوط ) في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة بخبر معاوية بن الحكم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة السوداء ليعرف أهي مؤمنة أم لا فقال لها ( أين ربك ) فأشارت إلى السماء إذ كانت أعجمية فقال ( أعتقها فإنها مؤمنة ) حكم بإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية
كان الصابوني هذا فقيها محدثا وصوفيا واعظا كان شيخ نيسابور في زمانه له تصانيف حسنة سمع من أصحاب ابن خزيمة والسراج وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة

144

ذكر قول الإمام العالم العلامة حافظ المغرب إمام السنة في زمانه أبي عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر النمري الأندلسي صاحب ( التمهيد والاستذكار ) والتصانيف النفيسة

قال في كتاب ( التمهيد ) في شرح الحديث الثامن لابن شهاب
حديث النزول هذا صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش
والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قوله تعالى
الرحمن على العرش استوى
وقوله
ءأمنتم من في السماء
ومعنى
من في السماء
يعني على العرش وقد تكون ( في ) بمعنى ( على ) ألا ترى إلى قوله
فسيحوا في الأرض

145


أي على الأرض وكذلك قوله
ولأصلبنكم في جذوع النخل
وهذا يعضده قوله
تعرج الملائكة والروح إليه
وما كان مثله في الآيات وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة
وأما دعواهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى استولى فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة والله لا يغلبه أحد ومن حق الكلام أن يحمل على الحقيقة حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إ لا على ذلك ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه قال أبو عبيدة في قوله
الرحمن على العرش استوى
قال علا وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت وقال غيره استوى أي استقر واحتج بقوله

146


ولما بلغ أشده واستوى
أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد
قال ابن عبد البر والاستواء الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله عز وجل في كتابه
فقال
لتستوا على ظهوره
وقال
فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك
وقال
واستوت على الجودي
وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الله بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله
الرحمن على العرش استوى
استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان

147


فالجواب أن هذا حديث منكر ونقلته مجهولون ضعفاء فأما عبد الله بن داود الواسطي وابن مجاهد فضعيفان وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا
أما سمعوا قول الله تعالى
وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا
فدل على أن موسى عليه السلام كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا
فإن احتج بقوله
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله
وبقوله
وهو الله في السماوات وفي الأرض
وبقوله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
زعموا أن الله في كل مكان بنفسه وبذاته تبارك اسمه وتعالى جده
قيل لهم لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمه أنه ليس في

148

الأرض دون السماء بذاته فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه وذلك أنه في السماء إله معبود أهل السماء وفي الأرض إله معبود أهل الأرض وكذا قال أهل العلم بالتفسير وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش فالاختلاف في ذلك ساقط وأسعد الناس به من ساعده الظاهر
وأما قوله في الآية الأخرى
وفي الأرض إله
فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض فتدبر هذا فإنه قاطع
ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين لها مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم تبارك وتعالى هذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته وقد قال صلى الله عليه وسلم للأمة السوداء ( أين الله ) فأشارت إلى السماء ثم قال لها ( من أنا ) قالت رسول الله قال ( فاعتقها فإنها مؤمنة ) فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها برفعها رأسها إلى السماء
قال وأما احتجاجهم بقوله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم

149


فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية
قال هو على العرش وعلمه في كل مكان وذكر سنيد عن الضحاك في هذه الآية قال ( هو على العرش وعلمه معهم أين ما كانوا )
قال وبلغني عن سفيان الثوري مثله
وقال عبد الله بن مسعود ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء أخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله تبارك وتعالى على العرش يعلم أعمالكم
وقد ذكر هذا الكلام أو قريبا منه في كتاب الاستذكار
وقال أبو عمر أيضا
أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله

150


وقال أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود
قال الحافظ الذهبي صدق والله فإن من تأول سائر الصفات وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب وأن يشابه المعدوم
ولقد كان أبو عمر بن عبد البر من بحور العلم ومن أئمة الأثر قل أن ترى العيون مثله واشتهر فضله في الأقطار
مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن ست وتسعين سنة

151

ذكر قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقرئ الأندلسي

قال في ( شرح الملخص ) لما ذكر حديث النزول
وفي هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سموات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم ودليل قولهم قوله تعالى
الرحمن على العرش استوى
وقوله
ثم استوى على العرش
وقوله
ليس له دافع من الله ذي المعارج
والعروج هو الصعود
قال مالك بن أنس الله عز وجل في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان
يريد بقوله في السماء أي على السماء إلى أن قال وكل

152

ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء لأن الاستيلاء في اللغة بعد المغالبة والله لا يغالبة أحد ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين والاستواء معلوم في اللغة وهو العلو والارتفاع والتمكن في الشيء فإن احتج أحد علينا وقال لو كان كذلك لأشبه المخلوقات لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق
قيل لا يلزم ذلك لأنه تعالى
ليس كمثله شيء
ولأنه لا يقاس بخلقه كان قبل الأمكنة وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم فكيف يقاس على

153

شيء من خلقه أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا
فإن قال قائل وصفنا ربنا بأنه كان في الأزل لا في مكان ثم خلق الله الأماكن فصار في مكان وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال إذا زال عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان
قيل له وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان ثم صار في كل مكان فقد تغير عندك معبودك وانتقل من لا مكان إلى كل مكان
فإن قال إنه كان في الأزل في كل مكان كما هو الآن فقد أوجد الأشياء والأماكن معه في أزليته وهذا فاسد
فإن قال فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان قيل له أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا وكذلك نقلته لا توجب مكانا وليس هو في ذلك كالخلق ولكنا نقول استوى من لا مكان ولا نقول انتقل وإن كان المعنى في ذلك واحدا كما نقول له عرش ولا نقول له سرير ونقول هو الحكيم ولا نقول هو العاقل ونقول خليل إبراهيم ولا نقول صديق إبراهيم لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه ولا ندفع ما وصف به نفسه لأنه دفع للقرآن

154

ذكر قول الحافظ أبي بكر الخطيب رحمه الله تعالى

قال أما الكلام في الصفات فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها والكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله فإذا كان إثبات رب العالمين معلوما فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف فإذا قلنا يد وسمع وبصر فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه ولا نقول إن معنى اليد القدرة ولا إن معنى السمع والبصر العلم ولا نقول إنها جوارح وأدوات للفعل ولا تشبه بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح ونقول إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى
ليس كمثله شيء
وقوله
ولم يكن له كفوا أحد انتهى
قال الحافظ الذهبي المراد بظاهرها أي لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم وكذلك القول في السمع والبصر والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك هذه الأشياء

155

معلومة فلا يحتاج إلى بيان وتفسير لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا
قال والمتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم إليها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران
أحدهما أنه لا تأويل غير دلالة الخطاب كما قال السلف الاستواء معلوم وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها يعني أنها بينة معروفة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف وهذا هو مذهب السلف مع اتفاقهم أنها لا تشبه صفات البشر بوجه إذ الباري لا مثل له في ذاته ولا في صفاته
الثاني أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة كما يتشكل في الذهن من وصف البشر فهذا غير مراد فإن الله فرد صمد ليس له نظير وإن تعددت صفاته فإنها حق ولكنها ما لها مثل ولا نظير فمن ذا الذي عاينه ونعته لنا
والله إنا لعاجزون كالون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا وكيف نعرج كل ليلة إذا توفاها باريها وكيف يرسلها وكيف

156

تنتقل بعد الموت وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله وكيف حياة النبيين الآن وكيف شاهد النبي صلى الله عليه وسلم أخاه موسى يصلي في قبره ثم رآه في السماء السادسة وحاوره وأشار عليه بمراجعة رب العالمين وطلب التخفيف منه على أمته وكيف ناظر موسى أباه آدم وحجه آدم بالقدر السابق وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه وكذلك نعجز عن وصف هيئاتنا في الجنة ووصف الحور العين فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني
فالله أعلى وأعظم وله المثل الأعلى والكمال المطلق ولا مثل له أصلا
ليس كمثله شيء
انتهى كلام الذهبي
توفي الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعماية
ولم يكن ببغداد مثله في معرفة هذا الشأن

157

ذكر قول الإمام عالم المشرق أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي

قال في كتاب ( الرسالة النظامية )
اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر
فرأى بعضهم تأويلها والتزام ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن
وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب عز وجل
والذي نرتضيه دينا وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة والدليل القاطع السمعي في ذلك وأن إجماع الأمة حجة متبعة فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فلتجر آية الاستواء وآية المجيء وقوله
لما خلقت بيدي على ذلك
قال الإمام أبو الفتح محمد بن علي
دخلنا على الإمام أبي المعالي الجويني نعوده في مرض موته

158

فقال لنا اشهدو علي أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح وأني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور
توفي إمام الحرمين سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وله ستون سنة
وكان من بحور العلم في الأصول والفروع يتوقد ذكاء
ذكر قول الإمام الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني مصنف ( كتاب ( الترغيب والترهيب )

قال في كتاب ( الحجة )
قال علماء السنة إن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه وقالت المعتزلة هو بذاته في كل مكان
قال وروي عن ابن عباس في تفسير قوله
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم
قال هو على عرشه وعلمه في كل مكان
ثم ساق الآثار
قال وزعم هؤلاء أن معنى
الرحمن على العرش استوى
أي ملكه وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة وهذا إلغاء لتخصيص العرش وتشريفه

159


قال أهل السنة استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض على ما ورد به النص وليس معناه المماسة بل هو مستو على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه
قال وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله بالرؤوس والأصابع إلى فوق فإن ذلك يوجب التحديد وأجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى ونطق بذلك القرآن فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات
وعند المسلمين أن لله علو الغلبة والعلو من سائر وجوه العلو لأن العلو صفة مدح فثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة
وفي منعهم الإشارة إلى الله تعالى من جهة الفوق خلاف لسائر الملل لأن جماهير المسلمين وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة
وقد أخبر عن فرعون أنه قال
يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى فكان فرعون قد فهم عن

160

موسى أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه واتهم موسى بالكذب في ذلك
والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته فهم أعجز فهما من فرعون بل وأضل
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم بإيمان الجارية حين قالت إن الله في السماء وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك
انتهى كلام أبي القاسم رحمه الله
توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
ذكر كلام الإمام العالم العلامة أبي عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير )
قال في التفسير قوله تعالى
ثم استوى على العرش
هذه مسألة قد بينا فيها كلام العلماء في كتاب ( الأسى في شرح الأسماء الحسنى ) وذكرنا فيها أربعة عشر قولا إلى أن قال
وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة وخص عرشه بذلك لأنه أعظم المخلوقات وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول والسؤال عن ذلك بدعة

161


قال الحافظ الذهبي وقال القرطبي أيضا في الاستواء
الأكثر من المتقدمين والمتأخرين المتكلمين يقولون إذا وجب تنزيه الباري جل جلاله عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث هذا قول المتكلمين
ثم قال الذهبي قلت نعم هذا ما اعتمده نفاة الرب عز وجل أعرضوا عن الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق وإنما يلزم ما ذكروه في حق الأجسام والله تعالى لا مثل له ولازم صرائح النصوص حق ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر ثم نقول لا نسلم أن كون الباري على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة إذ مادون العرش يقال فيه حيز وجهات وما فوقه فليس هو كذلك والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول ونقله عنه الأئمة وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله
وهو معكم
فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم فأما القول الثالث للتولد بآخره بأنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجا عنها ولا فوق عرشه ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم ولا ذاته المقدسة متميزة ولا بائنة عن مخلوقاته ولا في الجهات ولا خارجا عن الجهات ولا ولا فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفات

162

الآيات والأخبار ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله وفوض أمرك إلى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله
انتهى كلام الذهبي
ذكر قول الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي صاحب معالم التنزيل

قال عند قوله تعالى
ثم استوى على العرش
قال الكلبي ومقاتل استقر وقال أبو عبيدة صعد وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء وأما أهل السنة فيقولون الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به
وقال في قوله تعالى
ثم استوى إلى السماء
قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف ارتفع إلى السماء
وقال في قوله
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام
الأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدوث على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة
وقال في قوله
ما يكون في نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم بالعلم

163


كان محيي السنة من كبار أئمة مذهب الشافعي زاهدا ورعا
توفي سنة عشر وخمسمائة وقد قارب الثمانين
قال الحافظ الذهبي لما ذكر قول الكلبي ومقاتل المتقدم لا يعجبني قوله استقر بل أقول كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم
انتهى كلامه رحمه الله
وهذا الذي حكاه البغوي عن الكلبي ومقاتل ذكره ابن جرير في قوله تعالى
الرحمن على العرش استوى
قال ارتفع وعلا
وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية رحمه الله وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقا معروفة
ذكر قول الإمام العالم العلامة الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير

قال في تفسيره في سورة الأعراف وأما قوله
ثم استوى على العرش
فللناس في ذلك المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر للتبادر إلى

164

أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه
و ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري من شبه الله بخلقه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه
فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى ونفى عن الله النقائض فقد سلك سبيل الهدى
انتهى كلام الحافظ ابن كثير
وفيما نقلناه من كلام الأئمة خير كثير ولو تتبعنا كلام العلماء في هذا الباب لحصل منه مجلدا كبير
وقد أضربنا عن كلام الحنابلة صفحا فلم ننقل منه إلا اليسير لأنه قد اشتهر عنهم إثبات الصفات ونفي التكييفات فمذهبهم بين الناس مشهور وفي كتبهم مسطور وكلامهم في هذا الباب أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يسطر ولهذا كان أهل البدع يسمونهم الحشوية لأنهم قد أبطلوا التأويل واتبعوا ظاهر التنزيل وخالفوا أهل البدع والتأويل
حال المتأخرين

وأما غيرهم من أهل المذاهب فكثير منهم قد خالفوا طريقة السلف وسلكوا مسلك الخلف فلهذا نقلنا كلام أئمة الحنفية والمالكية

165

والشافعية وأئمة أهل الكلام كابن كلاب والأشعري وأبي الحسن بن مهدي والباقلاني ليعلم الواقف على ذلك أن هؤلاء الأئمة متبعون للسلف يثبتون لله الصفات وينفون عنه مشابهة المخلوقات ويعرف أن هذا الاعتقاد الذي حكيناه عن شيخنا محمد بن عبد الوهاب وأتباعه هو الاعتقاد الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر الأمة
فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث وما تأوله السابقون الأولون تأولناه وما أمسكوا عنه أمسكنا عنه ونعلم أن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وليس كمثله شيء وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن ا لله منزه عنه حقيقة فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه ويمتنع الحدوث لامتناع العدم عليه فلا نمثل صفات الله بصفات الخلق كما أنا لا نمثل ذاته بذات الخلق ولا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نعطل أسماءه الحسنى وصفاته العلى بخلاف ما عليه أهل التعطيل والتمثيل
فالمعطلون لم يفهموا من صفات الله إلا ما هو اللائق بالمخلوق فشرعوا في نفي تلك المفهومات بأنواع التأويل فعطلوا حقائق الأسماء والصفات وشبهوا الرب تبارك وتعالى بالجمادات العارية عن صفات الكمال ونعوت الجلال فجمعوا بين التعطيل والتمثيل عطلوا أولا ومثلوا آخرا

166


والممثلون عطلوا حقيقة ما وصف الله به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال وشبهوا صفاته بصفات خلقه فمثلوا أولا وعطلوا آخرا
فمن فهم من نصوص الكتاب والسنة في صفات الرب جل وعلا ما يفهمه من صفات المخلوقين فقد ضل في عقله ودينه وشبه الله بخلقه تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
ومن نفى ظاهر النصوص وزعم أنه ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله وأن الله لا صفة له ثبوتية أو يثبت بعض الصفات كالصفات السبع ويؤول ما عداها كقوله استوى بمعنى استولى أو بمعنى علو المكانة والقدر وكقوله
بل يداه مبسوطتان
أي نعمتاه نعمة الدنيا ونعمة الآخرة ونحو ذلك مما قد عرف من مذهب المتكلمين فهؤلاء نفاة الصفات ومذهبهم مأخوذ عن جهم بن صفوان فإن أول من حفظ عنه إنكار الصفات هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه والجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وكان انتشار مقالة الجهمية في المائة الثانية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته وكلام

167

الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وأبي يوسف الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم في ذمه وتضليله كثير جدا
وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي في كتابه وتلقاها عنه الخلف ونصروها وقرروها
وكثير منهم يحكي القولين فيذكر مذهب السلف ومذهب الخلف ثم يقول مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم فصدق في قوله مذهب السلف أسلم وكذب وافترى في قوله ومذهب الخلف أعلم وأحكم بل مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم كما تقدم تقريره
فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يجنبنا طريق المنحرفين عن النهج القويم من المغضوب عليهم والضالين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا