1

أساس التقديس في علم الكلام


13

خطبة الكتاب


قال الشيخ الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي تغمده الله بغفرانه الحمد لله الواجب وجوده وبقاؤه الممتنع تغيره وفناؤه العظيم قدره واستعلاؤه العميم نعماؤه وآلاؤه الدالة على وحدانيته أرضه وسماؤه المتعالية عن شوائب التشبيه والتعطيل صفاته وأسماؤه فاستواؤه قهره واستيلاؤه ونزوله بره وعطاؤه ومجيئه حكمه وقضاؤه ووجهه وجوده أو جوده وحباؤه وعينه حفظه وعونه اجتباؤه وضحكه عفوه أو إذنه وارتضاؤه ويده إنعامه وإكرامه واصطفاؤه ولا يجري في الدارين من أفعاله إلا ما يريده ويشاؤه العظمة إزاره والكبرياء رداؤه

أحمده على جزيل نعمه وجميل كرمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون صلى الله عليه وسلم

أما بعد فإني وإن كنت ساكنا في أقاصي بلاد المشرق إلا أني سمعت أهل المشرق والمغرب مطبقين متفقين على أن السلطان المعظم العالم العادل المجاهد سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أفضل سلاطين الحق واليقين أبا بكر بن أيوب لا زالت راياته في تقوية الحق والمذهب الصدق متصاعدة إلى عنان السماء وآثار أنوار قدرته ومكنته باقية بحسب تعاقب الصباح والمساء أفضل الملوك وأكمل السلاطين في آيات الفضل وبينات الصدق وتقوية الدين القويم

14

ونصرة الصراط المستقيم فأرت أن أتحفه بتحفة سنية وهدية مرضية فأتحفته بهذا الكتاب الذي سميته ب أساس التقديس على بعد الدار وتباين الأقطار وسألت الله الكريم أن ينفعه به في الدارين بفضله وكرمه ورتبته على أربعة أقسام

15

القسم الأول

في الدلائل الدالة على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز


وفيه فصول
الفصل الأول في تقرير المقدمات التي يجب إيرادها قبل الخوض في الدلائل وهي ثلاثة

المقدمة الأولى في دعوى وجود موجود وإثباته


أعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحس أنه ههنا هنالك أو نقول إنا ندعي وجود موجود غير مختص بشيء من الأحياز والجهات أو نقول إنا ندعي وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات الست التي للعالم هذه العبارات متفاوتة والمقصود من الكل شيء واحد

ومن المخالفين من يدعي أن فساد هذه المقدمات معلوم بالضرورة وقالوا لأن العلم الضروري حاصل بأن كل موجودين فإنه لا بد وأن يكون أحدهما حالا في الآخر أو مباينا عنه مختصا بجهة من الجهات الست المحيطة به قالوا وإثبات موجودين على خلاف هذه الأقسام السبعة باطل في بداية العقول واعلم أنه لو ثبت كون هذه المقدمة بديهية لم يكن الخوض في ذكر الدلائل جائزا لأن على تقدير أن يكون الأمر على ما قالوه كان الشروع في الإستدلال على كون الله تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه في الجهة إبطالا للضروريات والقدح في الضروريات بالنظريات يقتضي القدح في الأصل بالفرع وذلك يوجب تطرق الطعن إلى الأصل والفرع معا وهو باطل بل يجب علينا بيان أن هذه المقدمة ليست من المقدمات البديهية حتى يزول هذا الإشكال فنقول الذي يدل على أن هذه المقدمات ليست بديهية وجوه

16



الأول أن جمهور العقلاء المعتبرين أتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات وأنه تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات ولو كان فساد هذه المقدمات معلوما بالبديهة لكان إطباق أكثر العقلاء على إنكارها ممتنعا لأن الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز إطباقهم على إنكار الضروريات بل نقول الفلاسفة اتفقوا على إثبات موجودات ليست بمتحيزة ولا حالة في المتحيزة مثل العقول والنفوس والهيولى بل زعموا أن الشيء الذي يشير إليه كل إنسان بقوله أنا موجود ليس بجسم ولا جسماني ولم يقل أحد بأنهم في هذه الدعوى منكرون للبديهيات بل جمع عظيم من المسلمين إختاروا مذهبهم مثل معمر بن عباد السلمي من المعتزلة ومثل محمد بن نعمان من الرافضة ومثل أبي القاسم الراغب وأبي حامد الغزالي من أصحابنا وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال بأن القول بأن الله ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز قول مدفوع في بداية العقول

الثاني أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود لا يكون حالا في العالم ولا مباينا عنه في شيء من الجهات الست وعرضنا على العقل أيضا أن الواحد نصف الإثنين وأن النفي والإثبات لا يجتمعان وجدنا العقل متوقفا في المقدمة الأولى جازما في المقدمة الثانية وهذا التفاوت معلوم بالضرورة وذلك يدل على أن العقل غير قاطع في المقدمة الأولى لا بالنفي ولا بالإثبات إلا أنا نقول لما رأينا أن العقل لم يجزم بهذه المقدمة مثل جزمه بأن الواحد نصف الإثنين علمنا أنه غير قاطع بأن ما سوى العالم لا بد وأن يكون حالا فيه أو مباينا عنه بالجهة بل هو مجوز لنقيضه وإذا ثبت هذا فنقول إن ذلك الظن إنما حصل بسبب أن الوهم والخيال لا يتصرفان إلا في المحسوسات فلا جرم كان من شأنهما أنهما يقضيان على كل شيء بالأحكام اللائقة بالمحسوسات فهذا الميل إنما جاء بسبب الوهم والخيال لا بسبب العقل البتة

الثالث إنا إذا قلنا الموجود إما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز أو لا متحيزا ولا حالا في المتحيز وجدنا العقل قاطعا لصحة هذا التقسيم ولو قلنا

الموجود إما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز واقتصرنا على هذا القدر علمنا

17

بالضرورة أن هذا التقسيم غير تام ولا منحصر وأنه لا يتم إلا بضم القسم الثالث وهو أن يقال وإما أن لا يكون متحيزا ولا حالا في التحيز وإذا كان الأمر كذلك علمنا بالضرورة أن إحتمال هذا القسم وهو وجود موجود لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز قائم في العقول من غير مدافعة ولا منازعة وأنه لا يمكن الجزم بنفيه ولا بإثباته إلا بدليل منفصل

الرابع أنا نعلم بالضرورة أن أشخاص الناس مشتركة في مفهوم الإنسانية ومتباينة بخصوصياتها وتعيناتها وما به المشاركة غير ما به الممايزة وهذا يقتضي أن يقال الإنسانية من حيث هي إنسانية مجرد عن الشكل المعين فالإنسانية من حيث هي هي معقول مجرد فقد أخرج البحث والتفتيش عن المحسوس ما هو معقول مجرد وإذا كان كذلك فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق المحسوسات منزها عن لواحق الحس وعلائق الخيال

الخامس أن كل ماهية فإنا إذا اعتبرناها بحدها وحقيقتها فإنا قد نعقلها حال غفلتنا عن الوضع والحيز فكيف والإنسان إذا كان مستغرق الفكر في تفهم أن حد العلم ما هو وحد الطبيعة ما هو فإنه في تلك الحالة يكون غافلا عن حقيقة الحيز والمقدار فضلا عن أن يحكم بأن تلك الحقيقة لا بد وأن تكون مختصة بمحل أو بجهة وهذا يقتضي أنه يمكننا أن نعقل الماهيات حال ذهولنا عن الحيز والشكل والمقدار

السادس هو أن الواحد منا حال ما يكون مستغرق الفكر والروية في استخراج مسألة معضلة قد يقول في نفسه إني قد حكمت بكذا أو عقلت فحال ما يقول في نفسه إني عقلت كذا وحكمت بكذا يكون عارفا بنفسه إذ لو لم يكن عارفا بنفسه لامتنع منه أن يحكم على ذاته بأنه حكم بكذا أو عرف كذا مع أنه في تلك الحالة قد يكون غافلا عن معنى الحيز والجهة وعن معنى الشكل والمقدار فضلا عن أن علم كون ذاته في الحيز أو كون ذاته موصوفة بالشكل والمقدار فثبت أن العلم بالشيء قد يحصل عند العلم عدم بحيزه وشكله ومقداره وذلك يفيد القطع بأن المجرد عن الوضع والجهة يصح أن يكون معقولا

18



السابع أنا نبصر الأشياء إلا أن القوة الباصرة لا تبصر بنفسها وكذلك القوة الخيالية تتخيل الأشياء إلا أن هذه القوة لا يمكنها أن تتخيل نفسها فوجود القوة الباصرة يدل على أنه لا يجب أن يكون كل شيء متخيلا وذلك يفتح باب الإحتمال المذكور

الثامن أن خصومنا لا بد لهم من الإعتراف بوجود شيء على خلاف حكم الحس والخيال وذلك لأن خصومنا في هذا الباب إما الكرامية وإما الحنابلة أما الكرامية فإنا إذا قلنا لهم لو كان الله تعالى مشارا إليه بالحس لكان ذلك الشيء إما أن يكون منقسما فيكون مركبا وأنتم لا تقولون بذلك وإما أن يكون غير منقسم فيكون في الصغر والحقارة مثل النقطة التي لا تنقسم ومثل الجزء الذي لا يتجزأ وأنتم لا تقولون بذلك فعند هذا الكلام قالوا إنه واحد منزه عن التركيب والتأليف ومع هذا فإنه ليس بصغير ولا حقير ومعلوم أن هذا الذي التزموه مما لا يقبله الحس والخيال بل لا يقبله العقل أيضا لأن المشار إليه بحسب الحس إن حصل له إمتداد في الجهات والأحياز كان أحد جانبيه مغايرا للجانب الثاني وذلك يوجب الإنقسام في بديهة العقل وإن لم يحصل له إمتداد في شيء من الجهات لا في اليمين ولا في اليسار ولا في الفوق ولا في التحت كان نقطة غير منقسمة وكان في غاية الصغر والحقارة فإذا لم يبعد عندهم إلتزام كونه غير قابل القسمة مع كونه عظيما غير متناه في الإمتداد كان هذا جمعا بين النفي والإثبات ومدفوعا في بداية العقول وأما الحنابلة الذين إلتزموا الأجزاء والأبعاض فهم أيضا معترفون بأن ذاته تعالى مخالف لذوات هذه المحسوسات فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات في قبول الإجتماع والإفتراق والتغير والفناء والصحة والمرض والحياة والموت إذ لو كانت ذاته تعالى مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات لزم إما إفتقاره إلى خالق آخر ولزم التسلسل أو لزم القول بأن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق وذلك يلزم منه نفي الصانع فثبت أنه لا بد لهم من الإعتراف بأن خصوصية ذاته التي بها امتازت عن سائر الذوات ما لا يصل الوهم والخيال إلى كهنها وذلك إعتراف بثبوت أمر على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال وإذا كان الأمر

19

كذلك فأي استبعاد في وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين بالجهة للعالم وإن كان الوهم والخيال لا يمكنهما إدراك هذا الموجود وأيضا فعمدة مذهب الحنابلة أنهم متى تمسكوا بآية أو بخبر يوهم ظاهره شيئا من الأعضاء والجوارح صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى لله تعالى على خلاف ما هو ثابت للخلق فأثبتوا لله تعالى وجها بخلاف وجوه الخلق ويدا بخلاف أيدي الخلق ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الخيال والوهم فإذا عقل إثبات ذلك على خلاف الوهم والخيال فأي استبعاد في القول بأنه تعالى موجود وليس داخل العالم ولا خارج العالم وإن كان الوهم والخيال قاصرين عن إدراك هذا الوجود

التاسع أن أهل التشبيه قالوا العالم والباري موجودان وكل موجودين فإما أن يكون أحدهما حالا في الآخر أو مباينا عنه قالوا والقول بوجوب هذا الحصر معلوم بالضرورة قالوا والقول بالحلول محال فتعين كونه مباينا للعالم بالجهة فبهذا الطريق إحتجوا بكونه تعالى مختصا بالحيز والجهة وأهل الدهر قالوا العالم والباري موجودان وكل موجودين فإما أن يكون وجودهما معا أو أحدهما قبل الآخر ومحال أن يوجد العالم والباري معا وإلا لزم إما قدم العالم أو حدوث الباري وهما محالان فثبت أن الباري قبل العالم ثم قالوا والعلم الضروري حاصل بأن هذه القبلية لا تكون إلا بالزمان والمدة وإذا ثبت هذا فتقدم الباري إن كان بمدة متناهية لزم حدوث الباري وإن كان بمدة لا أول لها لزم كون المدة قديمة فأنتجوا بهذه الطريق قدم المدة والزمان

فنقول حاصل هذا الكلام أن المشبهة زعمت أن مباينة الباري تعالى عن العالم لا يعقل حصولها إلا بالجهة وانتخبوا منه كون الإله في الجهة وزعمت الدهرية أن تقدم الباري على العالم لا يعقل حصوله إلا بالزمان وأنتجوا منه قدم المدة وإذا ثبت هذا فنقول حكم الخيال في حق الله تعالى إما أن يكون مقبولا أو غير مقبول فإن كان مقبولا فالمشبهة يلزم عليهم مذهب الدهر وهو أن يكون الباري متقدما على العالم بمدة غير متناهية ويلزمهم القول بكون الزمان أزليا والمشبهة لا يقولون بذلك والدهرية يلزم عليهم مذهب المشبهة وهو مباينة الباري عن العالم بالجهة

20

والمكان فيلزمهم القول بكون الباري مكانيا وهم لا يقولون به فصار هذا النقض واردا على الفريقين وأما إن قلنا حكم الوهم والخيال غير مقبول البتة في ذات الله تعالى وفي صفاته فحينئذ نقول قول المشبهة إن كل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما حالا في الآخر أو مباينا عنه بالجهة قول خيالي باطل وقول الدهري بأن تقدم الباري على العالم لا بد وأن يكون بالمدة والزمان قول خيالي باطل وذلك هو قول أصحابنا أهل التوحيد والتنزيه الذين عزلوا حكم الوهم والخيال عن ذات الله تعالى وصفاته وذلك هو المنهج القويم والصراط المستقيم

العاشر أن معرفة أفعال الله تعالى وصفاته أقرب إلى العقول من معرفة ذات الله تعالى ثم المشبهة وافقونا على أن معرفة أفعال الله تعالى وصفاته على خلاف حكم الحس والخيال أما تقرير هذا المعنى في أفعال الله تعالى فذاك من وجوه

أحدها أن الذي شاهدناه هو تغير الصفات مثل انقلاب الماء والتراب نباتا وانقلاب النبات جزء بدن الإنسان فأما حدوث الذوات إبتداء من غير سبق مادة وطينة فهذا شيء ما شاهدناه البتة ولا يقضي بجوازه وهمنا وخيالنا مع أنا سلمنا أنه تعالى هو المحدث للذوات إبتداء من غير سبق مادة وطينة

وثانيها أنا لا نعقل حدوث شيء وتكونه إلا في زمان مخصوص ثم حكمنا بأن الزمان حدث لا في زمان البتة

وثالثها أنا لا نعقل فاعلا يفعل بعد ما لم يكن فاعلا إلا لتغير حالة وتبدل صفة ثم إنا اعترفنا بأنه تعالى خالق العالم من غير شيء من ذلك

ورابعها أما لا نعقل فاعلا يفعل فعلا إلا لجلب منفعة أو لدفع مضرة ثم إنا اعترفنا بأنه تعالى خالق العالم لغير شيء من هذا وأما تقرير هذا المعنى في الصفات فذلك من وجوه

أحدها أنا لا نعقل ذاتا يكون عالما بمعلومات لا نهاية لها على التفصيل دفعة

21

وإنا إذا جربنا أنفسنا وجدناها متى اشتغلت باستحضار معلوم معين امتنع عليها في تلك الحالة استحضار معلوم آخر ثم إنا مع ذلك نعتقد أنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات على التفصيل من غير أن يحصل فيه إشتباه والتباس فكان كونه تعالى عالما بجميع المعلومات أمرا على خلاف مقتضى الوهم والخيال

وثانيها أنا نرى أن كل من فعل فعلا فلا بد له من آلة وأداة وأن الأفعال الشاقة تكون سببا للكلالة والمشقة لذلك الفاعل ثم إنا نعتقد أنه تعالى يدبر من العرش إلى ما تحت الثرى مع أنه منزه عن المشقة واللغوب والكلالة

وثالثها أنا نعتقد أنه يسمع أصوات الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى ويرى الصغير والكبير فوق أطباق السموات العلى وتحت الأرضين السفلى ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الإعتراف بهذا الموجود مع أنا نعتقد أنه تعالى كذلك فثبت أن الوهم والخيال قاصران عن معرفة أفعال الله سبحانه وتعالى وصفاته ومع ذلك فإنا نثبت الأفعال والصفات على مخالفة الوهم والخيال وقد ثبت أن معرفة كنه الذات أعلى وأجل وأغمض من معرفة كنه الصفات فلما عزلنا الوهم والخيال في معرفة الصفات والأفعال فلأن نعزلهما في معرفة الذات أولى وأحرى

فهذه الدلائل العشرة دالة على أن كونه سبحانه وتعالى منزها عن الحيز والجهة ليس أمرا يدفعه صريح العقل وذلك هو تمام المطلوب وبالله التوفيق ونختم هذا الباب بما روي عن أرسطاليس أنه كتب في أول كتابه في الإلهيات من أراد أن يشرع في المعارف الإلهية فليستحدث لنفسه فطرة أخرى قال الشيخ رضي الله عنه وهذا الكلام موافق للوحي والنبوة فأنه ذكر مراتب تكون الجسد في قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فلما آل الأمر إلى تعلق الروح بالبدن قال ثم أنشأناه خلقا آخر وذلك كالتنبيه على أن كيفية تعلق الروح

22

بالبدن ليس مثل إنقلاب النطفة من حال إلى حال بل هذا نوع آخر مخالف لتلك الأنواع المتقدمة فلهذا السبب قال ثم أنشأناه خلقا آخر فكذلك الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى وعقلا آخر بخلاف العقل الذي به اهتدى إلى معرفة الجسمانيات وهذا آخر الكلام في هذه المقدمة وبالله التوفيق
المقدمة الثانية في أنه ليس كل موجود يجب أن يكون له نظير وشبيه


إنه ليس كل موجود يجب أن يكون له نظير وشبيه وإنه ليس يلزم من نفي النظير والشبيه نفي ذلك الشيء ويدل عليه وجوه

الحجة الأولى إن بديهية العقل لا تستبعد وجود موصوف بصفات مخصومة بحيث يكون كل ما سواه مخالفا له في تلك الخصوصية وإذا لم يكن هذا مدفوعا في بداية العقول علمنا أنه لا يلزم من عدم نظير الشيء عدم ذلك الشيء

الحجة الثانية هي أن وجود الشيء إما أن يتوقف على وجود ما شابهه أو لا يتوقف والأول باطل لأن الشيئين لو كانا متشابهين وجب استواؤهما في جميع اللوازم فيلزم من توقف وجود هذا على وجود الثاني توقف وجود الثاني على وجود الأول بل توقف كل واحد منهما على نفسه وذلك محال في بداية العقول فثبت أنه لا يتوقف وجود الشيء على وجود نظير له فلا يلزم من نفي النظير نفيه

الحجة الثالثة هي أن تعين كل شيء من حيث أنه هو ممتنع الحصول في غيره وإلا لكان ذلك الشيء عين غيره وذلك باطل في بداية العقول فثبت أن تعين كل شيء من حيث إنه ممتنع الحصول في غيره فعلمنا أن عدم النظير والمساوي لا يوجب القول بعدم الشيء فظهر فساد قول من يقول إنه لا يمكننا أن نعقل وجود موجود لا يكون متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه إلا إذا وجدنا له نظيرا فإن عندنا

23

الموصوف بهذه الصفة ليس إلا لله تعالى وبيننا أنه لا يلزم من عدم النظير والشبيه عدم الشيء فثبت أن هذا الكلام ساقط بالكلية وبالله التوفيق
المقدمة الثالثة في بيان قول القائلين بأنه تعالى جسم


أعلم أن القائلين بأنه تعالى جسم اختلفوا فمنهم من يقول إنه على صورة الإنسان ثم المنقول عن مشبهة الأمة أنه على صورة الإنسان الشاب وعن مشبهة اليهود أنه على صورة إنسان شيخ وهو لا يجوزون الإنتقال والذهاب والمجيء على الله تعالى وأما المحققون من المشبهة فالمنقول منهم أنه تعالى على صورة نور من الأنوار

وذكر أبو معشر المنجم أن سبب إقدام الناس على اتخاذ عبادة الأوثان دينا لأنفسهم هو أن القوم في الدهر الأقدم كانوا على مذهب المشبهة وكانوا يعتقدون أن إله العالم نور عظيم فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنا هو أكبر الأوثان على صورة الإله وأوثانا أخرى على أصغر من ذلك الوثن على صورة الملائكة واشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع من مذهب المشبهة

وأعلم أن كثيرا من هؤلاء يمتنع من جواز الحركة والسكون على الله تعالى وأما الكرامية فهم لا يقولون بالأعضاء والجوارح بل يقولون إنه مختص بما فوق العرش ثم إن هذا المذهب يحتمل وجوها ثلاثة فإنه تعالى إما أن يقال إنه ملاق للعرش وإما أن يقال إنه مباين عنه ببعد متناه وإما أن يقال إنه مباين ببعد غير متناه وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة طائفة من الكرامية واختلفوا أيضا في أنه تعالى مختص بتلك الجهات لذاته أو لمعنى قديم وبينهم اختلاف في ذلك فهذا تمام الكلام في المقدمات وبالله التوفيق

24

الفصل الثاني في تقدير الدلائل السمعية على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة


الحجة الأولى قوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد واعلم أن قد اشتهر في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماهية ربه وعن نعته وصفته فانتظر الجواب من الله تعالى فأنزل هذه السورة إذا عرفت ذلك فنقول هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى جعلها جوابا عن سؤال المتشابه بل وأنزلها عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات وإذ ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلا فنقول إن قوله تعالى أحد يدل على نفي الجسمية ونفي الحيز والجهة أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم فذلك لأن الجسم أقله أن يكون مركبا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة وقوله أحد مبالغة في الواحدية فكان قوله أحد منافيا للجسمية وأما دلالته على أنه ليس بجوهر فنقول أما الذين ينكرون الجوهر الفرد فإنهم يقولون إن كل متحيز فلا بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني وذلك لأنه لا بد من أن يتميز يمينه عن يساره وقدامه عن خلفه وفوقه عن تحته وكل ما تميز فيه شيء عن شيء فهو منقسم لأن يمينه موصوف بأنه يمين لا يسار ويساره موصوف بأنه يسار لا يمين فلو كان يمينه عين يساره لاجتمع في الشيء الواحد أنه يمين وليس بيمين ويسار وليس بيسار فيلزم اجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد وهو محال قالوا فثبت أن كل متحيز فهو منقسم وثبت أن كل منقسم فهو ليس بأحد فلما كان الله تعالى موصوفا بأنه أحد وجب أن لا يكون متحيزا أصلا وذلك ينفي كونه جوهرا وأما الذين يثبتون الجوهر الفرد فإنه لا يمكنهم الإستدلال على نفي كونه تعالى جوهرا من هذا الإعتبار ويمكنهم أن يحتجوا بهذه الآية على نفي كونه جوهرا من وجه آخر وبيانه هو أن الأحد كما يراد

25

به نفي التركيب والتآلف في الذات فقد يراد به الضد والند ولو كان تعالى جوهرا فردا لكان كل جوهر فرد مثلا له وذلك ينفي كونه أحدا ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد ولو كان جوهرا لكان كل جوهر فرد كفوا له فدلت هذه السورة من الوجه الذي قررناه على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وجب أن لا يكون في شيء من الأحياز والجهات لأن كل ما كان مختصا بحيز وجهة فإن كان منقسما كان جسما وقد بينا إبطال ذلك وإن لم يكن منقسما كان جوهرا فردا وقد بينا أنه باطل ولما بطل القسمان ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلا فثبت أن قوله تعالى أحد يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة أصلا

واعلم أنه تعالى كما نص على أنه تعالى واحد فقد نص على البرهان الذي لأجله يجب الحكم بأنه أحد وذلك أنه قال هو الله أحد وكونه إلها يقتضي كونه غنيا عما سواه وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره وكونه إلها يمنع من كونه مفتقرا إلى غيره وذلك يوجب القطع بكونه أحدا وكونه أحدا يوجب القطع بأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا في حيز وجهة فثبت أن قوله تعالى هو الله أحد برهان قاطع على ثبوت هذه المطالب وأما قوله الله الصمد فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم وعلى أنه غير مختص بالحيز والجهة أما بيان دلالته على نفي الجسمية فمن وجوه

الأول أن كل جسم فهو مركب وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنيا محتاجا إلى غيره فلم يكن صمدا مطلقا

الثاني لو كان مركبا من الجوارح وأعضاء لاحتاج في الإبصار إلى العين وفي الفعل إلى اليد وفي المشي إلى الرجل وذلك ينافي كونه صمدا مطلقا

26



الثالث أنا نقيم الدلالة على أن الأجسام متماثلة والأشياء المتماثلة يجب إشتراكها في اللوازم فلو احتاج بعض الأجسام إلى بعض لزم كون الكل محتاجا إلى ذلك الجسم ولزم أيضا كونه محتاجا إلى نفسه وكل ذلك محال ولما كان ذلك محال وجب أن لا يحتاج إليه شيء من الأجسام ولو كان كذلك لم يكن صمدا على الإطلاق وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة فهو أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان إما أن يكون حصوله في الحيز المعين واجبا أو جائزا فإن كان واجبا فحينئذ يكون ذاته تعالى مفتقرا في الوجود والتحقق إلى ذلك الحيز المعين وأما ذلك الحيز المعين فإنه يكون غنيا عن ذاته المخصوص لأنا لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلا وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجا إلى ذلك الحيز فلم يكن صمدا على الإطلاق أما إن كان حصوله في الحيز المعين جائزا لا واجبا فحينئذ يفتقر إلى مخصص يخصصه بالحيز المعين وذلك يوجب كونه محتاجا وينافي كونه صمدا وأما قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد فهذا أيضا يدل على أنه ليس بجسم ولا جوهر لأنا سنقيم الدلالة على أن الجواهر متماثلة فلو كان تعالى جوهرا لكان مثلا لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفؤ له ولو كان جسما لكان مؤلفا من الجواهر لأن الجسم يكون كذلك وحينئذ يعود الإلزام المذكور فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا حاصل في مكان وحيز

واعلم أنه كما أن الكفار لما سألوا الرسول عن صفة ربه فأجاب الله بهذه الصورة الدالة على كونه تعالى منزها عن أن يكون جسما أو جوهرا أو مختصا بالمكان فكذلك فرعون سأل موسى عليه السلام عن صفة الله تعالى فقال وما رب العالمين ثم إن موسى لم يذكر الجواب عن هذا السؤال إلا بكونه تعالى خالقا للناس ومدبرا لهم وخالق السموات والأرض ومدبرا لهما وهذا أيضا من أقوى

27

الدلائل على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا في جهة لأنا سنبين إن شاء الله تعالى أن كون الشيء حجما ومتحيزا عين الذات ونفسها وحقيقتها لا أنه صفة قائمة بالذات وأما كونه خالقا للأشياء ومدبرا لها فهو صفة ولفظه ما سؤال عن الماهية وطلب للحقيقة فلو كان تعالى متحيزا لكان الجواب عن قوله وما رب العالمين بذكر كونه متحيزا أولى من الجواب منه بذكر كونه خالقا ولو كان كذلك كان جواب موسى عليه السلام خطأ ولكان طعن فرعون بأنه مجنون لا يفهم السؤال ولا يذكر في مقابله السؤال ما يصلح أن يكون جوابا متجها لازما ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى ما كان متحيزا فلا جرم ما كان يمكن تعريف حقيقته سبحانه وتعالى إلا بأنه خالق مدبر فلا جرم كان جواب موسى عليه السلام صحيحا وكان سؤال فرعون ساقطا فاسدا فثبت أنه كما أن جواب محمد عن سؤال الكفار عن صفة الله تعالى يدل على تنزيه الله تعالى عن التحيز فكذلك جواب موسى عليه السلام أما الخليل صلى الله عليه وسلم فقد حكى الله تعالى عنه في كتابه بأنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب على حدوثها ثم قال عند تمام الإستدلال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما

واعلم أن هذه الواقعة تدل على تنزيه الله تعالى وتقديسه عن التحيز والجهة أما دلالتها على تنزيه الله تعالى عن التحيز فمن وجوه

أحدها أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الأجسام متماثله فإذا ثبت ذلك فنقول ما صح على أحد المثلين وجب أن يصح على المثل الآخر فلو كان تعالى جسما أو جوهرا وجب أن يصح عليه كل ما صح على غيره وأن يصح على غيره كل ما صح عليه وذلك يقتضي جواز التغير عليه ولما حكم الخليل صلى الله عليه وسلم بأن المتغير من حال إلى حال لا يصلح للإلهية وثبت أنه لو كان جسما لصح عليه التغير لزم القطع بأنه تعالى ليس بمتحيز أصلا

الثاني أنه عليه السلام قال عند تمام الإستدلال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض فلم يذكر من صفات الله تعالى إلا كونه خالقا للعالم

28

والله تعالى مدحه على هذا الكلام وعظمه فقال وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ولو كان إله العالم جسما موصوفا بمقدار مخصوص وشكل مخصوص لما كمل العلم به تعالى إلا بعد العلم بكونه جسما متحيزا ولو كان كذلك لما كان مستحقا للمدح والتعظيم بمجرد معرفة كونه خالقا للعالم فلما كان هذا القدر من المعرفة كافيا في كمال معرفة الله تعالى دل ذلك على أنه تعالى ليس بمتحيز

الثالث أنه تعالى لو كان جسما لكان كل جسم مشاركا له في تمام الماهية فالقول بكونه جسما يقتضي إثبات الشريك لله تعالى وذلك ينافي قوله وما أنا من المشركين فثبت بما ذكرناه أن العظماء من الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا قاطعين بتنزيه الله تعالى وتقديسه عن الجسمية والجوهرية والجهة فبالله التوفيق

الحجة الثانية من القرآن قوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان جسما مثلا لسائر الأجسام في تمام الماهية لأنا سنبين إن شاء الله تعالى بالدلائل الباهرة أن الأجسام كلها متماثلة وذلك كالمناقض لهذا النص فإن قيل لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى وإن كان جسما إلا أنه مخالف لغيره من الأجسام كما أن الإنسان والفرس وإن اشتركا في الجسمية لكنهما مختلفان في الأحوال والصفات ولا يجوز أن يقال الفرس مثل الإنسان فكذا هنا والجواب من جهتين

الأول أنا سنقيم الدلالة على أن الأجسام كلها متماثلة في تمام الماهية فلو كان تعالى جسما لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام وذلك يخالف النص والإنسان والفرس ذات كل واحد منهما مماثلة لذات الآخر والإختلاف إنما وقع في الصفات والأعراض والذاتان إذا كانتا متماثلتين لكان إختصاص كل واحدة منهما بصفاته المخصوصة من الجائزات لا من الواجبات لأن الأشياء المتماثلة في تمام الذات والماهية لا يجوز اختلافها في اللوازم فلو كان الباري تعالى جسما لوجب أن يكون اختصاصه بصفاته المخصوصة من الجائزات ولو كان كذلك لزم افتقاره إلى

29

المدبر والمخصص وذلك يبطل القول بكونه تعالى إله العالم

الثاني أن بتقدير أن يكون تعالى مشاركا لسائر الأجسام في الجسمية ومخالفا لها في الماهية المخصوصة يجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى لأن الجسمية مشترك فيها بين الله وبين غيره وخصوصية ذاته غير مشتركه فيما بين الله تعالى وبين غيره وما به المشاركة غير ما به الممايزة وذلك يقتضي وقوع التركيب في ذاته المخصوصة وكل مركب ممكن لا واجب على ما بيناه فثبت أن هذا السؤال ساقط والله أعلم

الحجة الثالثة قوله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء دلت هذه الآية على كونه تعالى غنيا ولو كان جسما لما كان غنيا لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه وأيضا لو وجب اختصاصه بالجهة لكان محتاجا إلى الجهة وذلك يقدح في كونه غنيا على الإطلاق

الحجة الرابعة قوله تعالى لا إله إلا هو الحي القيوم والقيوم من يكون قائما بنفسه مقوما لغيره فكونه قائما بنفسه عبارة عن كونه غنيا عن كل ما سواه وكونه مقوما لغيره عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه فلو كان جسما لكان هو مفتقرا إلى غيره وهو جزؤه ولكان غيره غنيا عنه وهو جزؤه فحينئذ لا يكون قيوما وأيضا لو وجب حصوله في شيء من الأحياز لكان مفتقرا محتاجا إلى ذلك الحيز فلم يكن قيوما على الإطلاق فإن قيل ألستم تقولون إنه يجب أن يكون موصوفا بالعلم ولم يقدح ذلك عندكم في كونه قيوما فلم لا يجوز أيضا أن يقال أنه يجب أن يحصل في حيز معين ولم يقدح ذلك في كونه قيوما قيل عندنا أن ذاته كالموجب لتلك الصفة وذلك لا يقدح في وصف الذات بكونه قيوما أما ههنا فلا يمكن أن يقال إن ذاته توجب ذلك الحيز المعين لأن بتقدير أن لا يكون حاصلا في ذلك الحيز لم يلزم بطلان ذلك ولا عدمه فكان الحيز غنيا عنه وكان هو مفتقرا إلى ذلك الحيز فظهر الفرق والله أعلم

30



الحجة الخامسة قوله تعالى هل تعلم له سيما قال ابن عباس رضي الله عنهما هل تعلم له مثلا ولو كان متحيزا لكان كل واحد من الجواهر مثلا

الحجة السادسة قوله تعالى هو الله الخالق البارئ المصور وجه الاستدلال به أنا بينا في سائر كتبنا أن الخالق في اللغة هو المقدر ولو كان تعالى جسما لكان متناهيا ولو كان متناهيا لكان مخصوصا بمقدار معين ولما وصف نفسه بكونه خالقا وجب أن يكون تعالى هو المقدار لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فإذا كان هو مقدار في ذاته بمقدار مخصوص لزم كونه مقدرا لنفسه وذلك محال وأيضا لو كان جسما لكان متناهيا وكل متناه فإنه محيط به حد أو حدود مختلفة وكل ما كان كذلك فهو مشكل وكل مشكل فله صورة فلو كان جسما لكان له صورة ثم إنه تعالى وصف نفسه بكونه مصورا فيلزم كونه مصورا لنفسه وذلك محال فيلزم أن يكون منزها عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال

الحجة السابعة قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن وصف نفسه بكونه ظاهرا وباطنا ولو كان جسما لكان ظاهره غير باطنه فلم يكن الشيء الواحد موصوفا بأنه ظاهر وبأنه باطن لأنه على تقدير كونه جسما يكون الظاهر منه سطحه والباطن منه عمقه فلم يكن الشيء الواحد ظاهرا وباطنا وأيضا المفسرون قالوا أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب أنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ولو كان جسما لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال

الحجة الثامنة قوله تعالى ولا يحيطون به علما وقوله تعالى لا تدركه الأبصار وذلك يدل على كونه تعالى منزها عن المقدار والشكل والصورة وإلا لكان الإدراك والعلم محيطين به وذلك على خلاف هذين النصين

31

فإن قيل لم لا يجوز أن يقال إنه وإن كان جسما لكنه جسم كبير فلهذا المعنى لا يحيط به الإدراك والعلم قلنا لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسماوات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلوم لا تصل إلى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة

الحجة التاسعة قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الأية ولو كان تعالى في السماء أو في العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب من عباده

الحجة العاشرة لو كان تعالى في جهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال فكونه في جهة فوق محال وإنما قلنا أنه تعالى لو كان في جهة فوق لكان سماء لوجهين

الأول أن السماء مشتق من السمو وكل شيء سماك فهو سماء فهذا هو الإشتقاق الأصلي اللغوي وعرف القرآن أيضا متقرر عليه بدليل أنهم ذكروا في تفسير قوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد أنه السحاب قالوا وتسمية السحاب بالسماء جائز لأنه حصل فيه معنى السمو وذكروا أيضا في تفسر قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا أنه من السحاب فثبت أن الإشتقاق اللغوي والعرف القرآني متطابقان على تسمية كل ما كان موصوفا بالسمو والعلو سماء

الثاني أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق لم ير إلا نهاية ذات الله تعالى فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله تعالى إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض وذلك

32

يقتضي بالقطع بأنه لو كان فوق العرش لكان ذاته كالسماء لسكان العرش فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان ذاته سماء وإنما قلنا أنه لو كان ذاته سماء لكان ذاته مخلوقا لقوله تعالى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ولفظه السموات لفظه جمع مقرونة بالألف واللام وهذا يقتضي كون كل السموات مخلوقة لله تعالى فلو كان هو تعالى سماء لزم كونه خالقا لنفسه وكذلك أيضا قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام يدل على ما ذكرناه فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وهذا محال فوجب أن لا يكون مختصا بجهة فوق فإن قيل لفظ السماء مختص في العرف بهذه الأجرام المستديرة وأيضا فهب أن هذا اللفظ في أصل الوضع يتناول ذات الله تعالى إلا أن هذا الفرق ممنوع وكيف لا نقول ذلك وقد دللنا على أن بتقديرا أن يكون الله تعالى مختصا بجهة فوق فإن نسبة ذاته تعالى إلى سكان العرش كنسبة السماء إلى سكان الأرض فوجب القطع بأنه لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء وأما الجواب عن الثاني فهو ان تخصيص العموم إنما يصار إليه عند الضرورة فلو قام دليل قاطع عقلي على كونه تعالى مختصا بجهة فوق لزمنا المصير إلى هذا التخصيص أما ما لم يقم شيء من الدلائل على ذلك بل قامت القواطع العقلية والنقلية على إمتناع كونه تعالى في الجهة فلم يكن بنا إلى إلتزام هذا التخصيص ضرورة فسقط هذا الكلام

الحجة الحادية عشرة قوله تعالى قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيها ملك لله تعالى وقوله وله ما سكن في الليل والنهار وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والزمان وهذا الوجه ذكره أبو مسلم الأصفهاني رحمه الله في تفسيره

واعلم أن في تقديم ذكر المكان على ذكر الزمان سرا شريفا وحكمة عالية

33

الحجة الثانية عشرة قوله تعالى ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ولو كان الخالق في العرش لكان حامل العرش حاملا لمن في العرش فيلزم إحتياج الخالق إلى المخلوق ويقرب منه قوله تعالى الذين يحملون العرش

الحجة الثالثة عشرة لو كان تعالى مستقرا على العرش لكان الإبتداء بتخليق العرش أولى من الإبتداء بتخليق السموات لأن تقدير القول بأنه مستقر على العرش يكون العرش مكانا له والسموات مكان عبيده والأقرب إلى العقول أن يكون تهيئة مكان نفسه مقدما على تهيئة مكان العبيد لكن المعلوم أن تخليق السموات مقدم على تخليق العرش قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وكلمة ثم للتراخي

الحجة الرابعة عشرة قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه ظاهر الآية يقتضي فناء العرش وفناء جمع الأحياز والجهات وحينئذ يبقى الحق سبحانه وتعالى منزها عن الحيز والجهة وإذا ثبت ذلك امتنع أن يكون الآن في جهة وإلا لزم وقوع التغير في الذات فإن قيل الحي والجهة ليس شيئا موجودا حتى يصير هالكا فانيا قلنا الأحياز والجهات أمور مختلفة بحقائقها متباينة بماهيتها بدليل أنكم قلتم أنه يجب حصول ذات الله تعالى في جهة فوق ويمتنع حصول ذاته في سائر الجهات فلولا أن جهة فوق مخالفة بالماهية لسائر الجهات لما كانت جهة فوق مخالفة لسائر الجهات في هذه الخاصة وهذا الحكم وأيضا فلأنا نقول هذا الجسم حصل في هذا الحيز بعد أن كان حاصلا في حيز آخر فهذه الأحياز معدودة متباينة متعاقبة والعدم المحض لا يكون كذلك فثبت أن هذه الأحياز أمور متخالفة بالحقائق متباينة بالعدد وكل ما كان كذلك امتنع أن يكون عدما محضا فكان أمرا

34

موجودا وإذا ثبت هذا دخل تحت قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه وإذا هلك الحيز والجهة بقي ذات الله تعالى منزها عن الحيز وبقية الكلام قد تقدمت

الحجة الخامسة عشرة قوله تعالى هو الأول والآخر فهذا يقتضي أن يكون ذاته متقدما في الوجود على كل ما سواه وأن يكون متأخرا في الوجود عن كل ما سواه وذلك يقتضي أنه كان موجودا قبل الحيز والجهة ويكون موجودا بعد فناء الحيز والجهة وإذا ثبت هذا فالتقريب ما ذكرناه في الحجة الثالثة عشرة والرابعة عشرة

الحجة السادسة عشرة قوله تعالى واسجد واقترب ولو كان في جهة الفوق لكانت السجدة تفيد البعد من الله تعالى لا القرب منه وذلك خلاف الأصل

الحجة السابعة عشرة قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا والند المثل ولو كان تعالى جسما لكان مثلا لكل واحد من الأجسام لما سنبين إن شاء الله تعالى أن الأجسام كلها متماثلة فحينئذ يكون الند موجودا على هذا التقدير وذلك على مضادة هذا النص

الحجة الثامنة عشرة الحديث المشهور وهو ما روي أن عمران بن الحصين قال يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر فقال ( كان الله ولم يكن معه شيء ) وقد دللنا مرارا كثيرة على أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان ذلك الحيز شيئا موجودا معه وذلك على نقيض هذا النص

واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها بعضها قوي وبعضها ضعيف وكيفما كان الأمر فقد ثبت أن في القرآن والأخبار دلائل كثيرة تدل على تنزيه الله تعالى عن الحيز والجهة وبالله التوفيق

35

الفصل الثالث في إقامة الدلائل العقلية على أنه تعالى ليس بمتحيز البتة


اعلم أنا إذا دللنا على أنه تعالى ليس بمتحيز فقد دللنا على أنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر فرد لأن المتحيز إن كان منقسما فهو الجسم وإن لم يكن منقسما فهو الجوهر الفرد فنقول الذي يدل على أنه تعالى ليس بمتحيز وجوه

البرهان الأول أنه تعالى لو كان متحيزا لكان مماثلا لسائر المتحيزات في تمام الماهية وهذا ممتنع فكونه متحيزا ممتنع وإنما قلنا أنه تعالى لو كان متحيزا لكان مماثلا لسائر المتحيزات في تمام الماهية لأنه لو كان متحيزا لكان مساويا لسائر المتحيزات في كونه متحيزا ثم بعد هذا لا يخلو إما أن يقال إنه مخالف غيره من الأجسام في ماهيته المخصوصة وإما أن لا يخالفه في الحقيقة والقسم الأول باطل فتعين الثاني وحينئذ يحصل منه أنه تعالى لو كان متحيزا لكان مثلا لسائر المتحيزات فيفتقر ههنا إلى بيان أنه يمتنع أن يكون مساويا لسائر المتحيزات في عموم المتحيزية ومخالفا لها في ماهيته المخصوصة فنقول الدليل على أن ذلك ممتنع هو أن بتقدير أن يكون مساويا لسائرها في المتحيزية ومخالفا لها في الخصوصية كان ما به الإشتراك مغايرا لا محالة لما به الإمتياز فحينئذ يكون عموم المتحيزية مغايرا لخصوص ذاته المخصوصة وحينئذ نقول إما أن يكون الذات هي المتحيزية ويكون تلك الخصوصية صفة لتلك الذات وإما أن يقال المتحيزية صفة وتلك الخصوصية هي الذات أما القسم الأول فإنه يقتضي حصول المقصود لأنه إذا كان مجرد المتحيزية هو الذات وثبت أن مجرد المتحيزية أمر مشترك فيه بينه وبين سائر المتحيزات فحينئذ يحصل منه أن بتقدير أن يكون تعالى متحيزا كانت ذاته مماثلة لذوات سائر المتحيزات وليس المطلوب إلا ذلك وأما القسم الثاني وهو أن يقال الذات هي تلك الخصوصية والصفة هي المتحيزية فنقول هذا محال وذلك لأن تلك الخصوصية من حيث أنها هي هي قطع النظر عن المتحيزية إما أن يكون لها إختصاص بالحيز وإما أن لا يكون كذلك والأول محال لأن كل ما كان

36

حاصلا في حيز وجهة على سبيل الإستقلال كان متحيزا فلو كانت تلك الخصوصية التي فرضناها خالية عن التحيز حاصلة في الحيز لكان الخالي عن التحيز متحيزا وذلك محال وأما القسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الخصوصية غير مختصة بشيء من الأحياز والجهات فنقول أنه يمتنع أن تكون المتحيزية صفة قائمة بها لأن تلك الخصوصية غير مختصة بشيء من الأحياز والجهات والمتحيزية أمر لا يعقل إلا أن يكون حاصلا في الجهات والشيء الذي يجب أن يكون حاصلا في الجهات يمتنع أن يكون حاصلا في الشيء الذي يمتنع حصوله في الجهة وإذا لم تكن المتحيزية صفة للشيء كان نفس الذات وحينئذ يلزم أن تكون الأشياء المتساوية في المتحيزية متساوية في تمام الذات فثبت بما ذكرنا أن المتحيزات يجب أن تكون كلها متساوية في تمام الماهية وهذا برهان قاطع في تقرير هذه المقدمة وإنما قلنا إنه يمتنع أن يكون ذات الله تعالى مساويا لذوات الأجسام في تمام الماهية لوجوه

الأول أن من حكم المتماثلين الاستواء في جميع اللوازم فيلزم من قدم ذات الله تعالى قدم سائر الأجسام أو حدوث من سائر الأجسام حدوث ذات الله تعالى وذلك محال

الثاني أن المثلين يجب إستواؤهما في جميع اللوازم فكما صح على سائر الأجسام خلوها عن صفة العلم والقدرة والحياة وجب أن يصح على ذاته الخلو عن هذه الصفات فحينئذ يكون إتصاف ذاته بحياته وعلمه وقدرته من الجائزات وإذا كان الأمر كذلك امتنع كون تلك الذات موصوفا بالحياة والعلم والقدرة إلا بإيجاد موجد وتخصيص مخصص وذلك يقتضي إحتياجه إلى الإله فحينئذ كل ما كان جسما كان محتاجا إلى الإله وهذا يقتضي أنا لإله يمتنع أن يكون جسما

الثالث أنه لما كان ذاته تعالى مساويا لذوات سائر المتحيزات فكما صح في سائر المتحيزات كونها متحركة تارة وساكنة تارة أخرى وجب أن تكون ذاته أيضا كذلك فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون ذاته تعالى قابلا للحركة والسكون وكل ما كان كذلك وجب القول بكونه محدثا لما ثبت في تقرير هذه الدلائل في مسألة حدوث الأجسام ولما كان محدثا وحدوثه محال فكونه جسما محال

الرابع أنه لو كان جسما لكان مؤتلف الأجزاء وتلك الأجزاء تكون متماثلة

37

بأعيانها وهي أيضا مماثلة لأجزاء سائر الأجسام وعلى هذا التقدير كما صح الإجتماع والإفتراق على سائر الأجسام وجب أن يصح على تلك الأجزاء وعلى هذا التقدير لا بد له من مركب ومؤلف وذلك على إله العالم محال

البرهان الثاني في بيان أنه يمتنع أن يكون متحيزا هو أنه لو كان متحيزا لكان متناهيا وكل متناه ممكن وكل ممكن محدث فلو كان متحيزا لكان محدثا وهذا محال فذاك محال

أما المقدمة الأولى وهي بيان أنه تعالى لو كان متحيزا لكان متناهيا فالدليل عليه أن كل مقدار فإنه يقبل الزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه وهذا يدل على أن كل متحيز فهو متناه وشرح هذا الدليل قد قررناه في سائر كتبنا

وأما المقدمة الثانية وهي بيان أن كل متناه فهو ممكن فذلك لأن كل ما كان متناهيا فإن فرض كونه أزيد قدرا أو نقص قدر أمر ممكن والعلم بثبوت هذا الإمكان ضروري فثبت أن كل متناه فهو في ذاته ممكن

وأما المقدمة الثالثة وهي بيان أن كل ممكن محدث فهو أنه لما كان الزائد والناقص والمساوي متساوية في الإمكان امتنع رجحان بعضها على بعض إلا لمرجح والإفتقار إلى المرجح إما أن يكون حال وجوده أو حال عدمه فإن كان حال وجوده فإنه يكون إما حال بقائه أو حال حدوثه ويمتنع أن يفتقر إلى المؤثر حال بقائه لأن المؤثر تأثيره بالتكوين فلو افتقر حال بقائه إلى المؤثر لزم تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وذلك محال فلم يبقى إلا أن يحصل الإفتقار إما حال حدوثه أو حال عدمه وعلى التقدير فإنه يلزم أن يكون كل ممكن محدثا فثبت أن كل جسم متناه وكل متناه ممكن وكل ممكن محدث فثبت أن كل جسم محدث والإله يمتنع أن يكون محدثا وبالله التوفيق

البرهان الثالث لو كان إله العالم متحيزا لكان محتاجا إلى الغير وهذا محال فكونه متحيزا محال بيان الملازمة أنه لو كان متحيزا لكان مساويا لغيره من المتحيزات في مفهوم كونه متحيزا ولكان مخالفا لها في تعينه وتشخصه ثم نقول

38

إن بعد حصول الإمتياز بالتعين إما أن يحصل الإمتياز في الحقيقة وعلى هذا التقدير يكون المتحيز جنسا تحته أنواع

أحدها واجب الوجود وإما أن لا يحصل الإمتياز في الحقيقة وعلى هذا التقدير يكون المتحيز نوعا تحته أشخاص أحدها واجب الوجود فنقول الأول باطل لأن على هذا التقدير يكون ذاته مركبا من الجنس والفصل وكل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره فلو كان واجب الوجود متحيزا لكان مفتقرا إلى غيره والثاني باطل أيضا لأن على هذا التقدير يكون تعينه زائدا على ماهية النوعية وذلك التعين لا بد من مقتض وليس هو تلك الماهية وإلا لكان نوعه منحصرا في شخصه وقد فرضنا أنه ليس كذلك فلا بد وأن يكون المقتضى لذلك التعين شيئا غير تلك الماهية وغير لوازم تلك الماهية فيكون محتاجا إلى غيره فثبت أنه لو كان متحيزا لكان محتاجا إلى غيره وذلك محال لأنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته لا يكون واجب الوجود لغيره فثبت أن كونه متحيزا محال

البرهان الرابع لو كان إله العالم متحيزا لكان مركبا وهذا محال فكونه متحيزا محال بيان الملازمة من وجهين

أحدهما وهو على قول من ينكر الجوهر الفرد أن كل متحيز فلا بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني وكل ما كان كذلك فهو منقسم فثبت أن كل متحيز فهو منقسم مركب

الثاني أن كل متحيز فإما أن يكون قابلا للقسمة أو لا يكون فإن كان قابلا للقسمة كان مركبا مؤلفا وإن كان غير قابل للقسمة فهو الجوهر الفرد وهي في غاية الصغر والحقارة وليس في العقلاء أحد يقول هذا القول فثبت أنه تعالى لو كان متحيزا لكان مؤلفا منقسما وذلك محال لأن كل ما كان كذلك فهو مفتقر في حقيقته إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من اجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر في الحقيقة إلى غيره وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته فكل مركب ممكن لذاته

39

فيلزم أن يمون الممكن لذاته واجبا لذاته وذلك محال فيمتنع أن يكون متحيزا

البرهان الخامس أنه لو كان متحيزا لكان مركبا من الأجزاء إذ ليس في العقلاء من يقول أنه في حجم الجوهر الفرد ولو كان مركبا من الأجزاء فإما أن يكون الموصوف بالعلم والقدرة والحياة جزءا واحدا من ذلك المجموع أو يكون الموصوف بهذه الصفات مجموع تلك الأجزاء فإن كان الأول كان إله العالم هو ذلك الجزء الواحد فيكون إله العالم في غاية الصغر والحقارة وقد بينا أنه ليس في العقلاء من يقول بذلك وإن كان الثاني فإما أن يقال القائم بمجموع تلك الأجزاء علم واحد وقدرة واحدة أو يقال القائم بكل واحد من تلك الأجزاء علم على حدة وقدرة على حدة والأول محال لأنه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وذلك محال وإن كان الثاني لزم أن يكون كل واحد منها إلها قديما وذلك يقتضي تكثر الإلهة وهو محال فإن قيل هذا يشكل بالإنسان فإن ما ذكرتم قائم فيه بعينه فيلزم أن لا يكون جسما وهذه مكابرة فإنا نعلم بالضرورة أن الإنسان ليس إلا هذه البنية ثم نقول لم لا يجوز أن يقال قام علم واحد بمجموع تلك الأجزاء إلا أنه انقسم ذلك المجموع وقام بكل واحد من تلك الأجزاء جزء من ذلك العلم وأيضا لم لا يجوز أن يقول قام كل واحد من تلك الأجزاء علم بمعلوم واحد وقدرة على مقدور واحد وبهذا الطريق كان مجموع الأجزاء عالما بجملة المعلومات قادرا على جملة المقدورات والجواب عن السؤال الأول أن نقول أما الفلاسفة فقد طردوا قولهم وزعموا أن الإنسان ليس عبارة عن هذه البنية فإن الإنسان عبارة عن الشيء الذي يشير إليه بقوله أنا وذلك الشيء موجود ليس بجسم ولا جسماني قالوا وأما قول من يقول بأن هذا باطل بالضرورة لأن كل أحد يعلم أن الإنسان ليس إلا هذه البنية المخصوصة فقد أجابوا عنه بأن الإنسان مغاير لهذه البنية المشاهدة ويدل عليه وجوه

الأول أنا قد نعقل أنفسنا حال ما نكون غافلين عن جملة أعضائنا الظاهرة والباطنة والمعلوم مغاير لغير المعلوم

الثاني أني أعلم بالضرورة أني أنا الإنسان الذي كنت موجودا قبل هذه المدة

40

بخمسين سنة وجملة أجزاء هذه البنية متبدلة بسبب السمن والهزال والصحة والمرض والباقي مغاير لما ليس بباق

الثالث أن المشاهد ليس إلا السطح الموصوف باللون المخصوص وباتفاق العقلاء ليس الإنسان عبارة عن هذا القدر فثبت أن الإنسان ليس بمشاهد ألبتة وأما سائر الطوائف والفرق فقد ذكروا الفرق بين الشاهد والغائب من وجهين

أحدهما قال الأشعري كل واحد من أجزاء الإنسان موصوف بعلم على حدة وقدرة على حدة وهذا يقتضي أن يكون هذا البدن مركبا من أشياء كثيرة وكل واحد منها عالم قادر حي وهذا مما لا نزاع فيه وأما إلتزام ذلك في حق الله سبحانه وتعالى فإنه يقتضي تعدد الآلهة وذلك محال فظهر الفرق

الثاني قال ابن الرواندي الإنسان جزء واحد لا يتجزاء في القلب وهذا يقتضي أن يكون الإنسان في غاية الحقارة وذلك غير ممتنع أما لو قلنا بمثله في حق الله تعالى يلزم كونه في غاية الحقارة وذلك لم يقل به عاقل وأما السؤال الثاني وهو قوله لم لا يجوز أن يقال العلم ينقسم فقال بكل واحد من تلك الأجزاء جزء واحد من ذلك فنقول هذا محال لأن كل واحد من أجزاء العلم إما أن يكون علما وإما أن لا يكون علما فإن كان الأول كان القائم بكل واحد من تلك الأجزاء علما على حده وذلك غير هذا السؤال وإن كان الثاني لم يكن شيء من تلك الأجزاء موصوفا بالعلم والمجموع ليس إلا تلك الأمور فوجب أن لا يكون المجموع موصوفا بالعلم والقدرة وأما السؤال الثالث وهو قولهم كل واحد من تلك الأجزاء يكون موصوفا بعلم متعلق بمعلوم معين وبقدرة متعلقة بمقدور معين فنقول هذا أيضا محال لأنه يقتضي كون كل واحد من تلك الأجزاء عالما بمعلومات معينة قادرا على مقدورات معينة فيرجع حاصل الكلام إلى إثبات آلهة كثيرة كل واحد منها مخصوص بمعرفة بعض المعلومات وبالقدرة على بعض المقدورات وذلك يناقض القول بأن إله العالم موجود واحد والله أعلم

البرهان السادس أنه تعالى لو كان جسما لكانت الحركة إما أن تكون جائزة

41

عليه أو لا تكون جائزة والقسم الأول باطل لأنه لما لم يمتنع أن يكون الجسم الذي تكون الحركة عليه جائزة إلها فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك وذلك لأن هذه الأجسام ليس فيها عيب يمنع من إلهيتها إلا أمور ثلاثة وهي كونها مركبة من الأجزاء وكونها محدودة متناهية وكونها موصوفة بالحركة والسكون فإذا لم تكن هذه الأشياء مانعة من الإلهية فكيف يمكن الطعن في إلهيتها وذلك عين الكفر والإلحاد وإنكار الصانع تعالى

والقسم الثاني هو أن يقال إنه تعالى جسم ولكن الانتقال والحركة عليه محال فنقول هذا باطل من وجوه

الأول أن هذا يكون كالزمن المقعد الذي لا يقدر على الحركة وهذا صفة نقص وهو على الله تعالى محال

الثاني أنه تعالى لما كان جسما كان مثلا لسائر الأجسام فكانت الحركة جائزة عليه

الثالث أن القائلين بكونه جسما مؤلفا من الأجزاء والأبعاض لا يمنعون من جواز الحركة عليه فإنهم يصفونه بالذهاب والمجيء فتارة يقولون إنه جالس على العرش وقدماه على الكرسي وهذا هو السكون وتارة يقولون إنه ينزل إلى السماء الدنيا وهذا هو الحركة فهذا مجموع الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وبالجملة فليس بمتحيز أما شبه الخصم فمن وجوه

الشبهة الأولى أن العالم موجود والباري تعالى موجود وكل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه بالجهة وكون الباري تعالى ساريا في العالم محال فلا بد وأن يكون مباينا عنه بالجهة وكل ما كان كذلك فهو متحيز ثم أنه إما أن يكون غير منقسم فيكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد وهو محال وإما أن يكون شيئا كثيرا مركبا من الأجزاء والأبعاض وهو المقصود

الشبهة الثانية أنا لم نشاهد حيا عالما قادرا إلا وهو جسم وإثبات شيء على خلاف المشاهدة لا يقبله العقل ولا يقر به القلب فوجب القول بكونه تعالى جسما

42

الشبهة الثالثة أن إله العالم يجب أن يكون عالما بهذه الجسمانيات والعالم بها يجب أن يحصل في ذاته صورها ومن كان كذلك يجب أن يكون جسما فهذه مقدمات ثلاث متى ظهرت لزم القول بأنه جسم

أما المقدمة الأولى فقد إتفق المسلمون عليها وأيضا فهذه الأجسام الموصوفة بهذه المقادير فلا بد لها من خالق وذلك الخالق هو الله تعالى وخالق الشيء لا بد وأن يكون عالما به فثبت أن خالق العالم عالم بهذه الجسمانيات

وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أن العالم بهذه الجسمانيات يجب أن يحصل في ذاته صور الجسمانيات فالدليل عليه أن خالقها يجب أن يكون عالما بها قبل وجودها وإلا لم يصح منه خلقها وإيجادها والعالم بالشيء يجب أن يتميز ذلك في علمه عن سائر المعلومات وإلا لم يكن عالما به وإذا تميز ذلك المعلوم عن غيره فذلك المعلوم ليس عدما محضا لأن العدم المحض لا يحصل فيه الإمتياز فذلك المعلوم يجب أن يكون أمرا موجودا وهو غير موجود في الخارج لأن الكلام فيما إذا علمها قبل وجودها ولما لم يكن وجوده في الخارج وجب أن يكون وجوده في علم صانع العالم

وأما المقدمة الثالثة وهي في بيان أن من يحصل في ذاته صور الجسمانيات وجب أن يكون جسما فالدليل عليه أن من علم مربعا مجنحا بمربعين متساويين وجب أن يحصل هذا في ذات ذلك العالم وذلك العالم لا بد وأن يميز بين ذينك المربعين المتطرفين وذلك الإمتياز ليس في الماهية ولا في لوازمها لأنهما متماثلان في الماهية فلا بد وأن يكون بالعوارض ولو كان محلاهما واحد لامتنع إمتياز أحدهما عن الآخر بشيء من العوارض لأن المثلين إذا حصلا في محل واحد فكل عارض يعرض لأحدهما فهو بعينه عارض للآخر وذلك يمنع من حصول الإمتياز ولما بطل هذا وجب أن يكون محل أحد المربعين مغايرا لمحل المربع الآخر حتى يكون إمتياز أحد المحلين عن الثاني سببا لإمتياز إحدى الصورتين عن الأخرى وإمتياز أحد المحلين عن الثاني لا يحصل إلا إذا كان ذلك المحل جسما منقسما فثبت أن خالق العالم مدرك للجسمانيات وثبت أن كل من كان كذلك فهو جسم فيلزم أن

43

يكون إله العالم جسما الجواب عن الشبهة الأولى أنا بينا أن قولهم كل موجودين فإما أن يكون أحدهما حالا أو مباينا عنه بالجهة مقدمة غير بديهية بل مقدمة محتاجة في النفي والإثبات إلى برهان منفصل فسقط الكلام والجواب عن الشبهة الثانية ما بيناه أنه لا يلزم من عدم النظير للشيء عدم ذلك الشيء فسقطت هذه الشبهة

والشبهة الثالثة ساقطة أيضا والدليل عليه أنه يمكننا تخيل صورة الشجر والخيل فهذه الصورة لو كانت منتقشة في ذاتنا لكانت ذاتنا إما أن يكون هو هذا الجسم وإما أن يكون جوهرا مجردا والأول محال لأنا نعلم بالضرورة أن الأشياء العظيمة لا يمكن إنطباعها في المحل الصغير وأما الثاني فإنه إعتراف بأن صور المحسوسات يمكن إنطباعها فيما لا يكون جسما وذلك يوجب سقوط هذه الشبهة وبالله التوفيق
الفصل الرابع في إقامة البراهين على أنه تعالى ليس مختصا بحيز وجهه


في إقامة البراهين على أنه تعالى ليس مختصا بحيز وجهة بمعنى أنه يصح أن يشار إليه بالحس بأنه ههنا أو هناك وذلك أنه لم يخل إما أن يكون منقسما أو غير منقسم فإن كان منقسما كان مركبا وقد تقدم إبطاله وإن لم يكن منقسما كان في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزاء وذلك باطل باتفاق كل العقلاء وأيضا فلأن من ينفي الجوهر الفرد يقول إن كل ما كان مشارا إليه بحسب الحس بأنه ههنا أو هناك فإنه لا بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الآخر وذلك يوجب كونه منقسا فثبت أن القول بأنه مشار إليه بحسب الحس يفضي إلى هذين القسمين الباطلين فوجب أن يكون القول به باطلا فإن قيل لم لا يجوز أن يقال أنه تعالى واحد منزه عن التأليف والتركيب ومع كونه كذلك فإنه يكون عظيما والعظيم يجب أن يكون مركبا منقسما وذلك ينافي كونه أحدا قلنا سلمنا أن العظيم يجب أن يكون مركبا منقسما وذلك ينافي كونه أحدا قلنا سلمنا أن العظيم يجب أن يكون منقسما في الشاهد فلم قلتم أنه يجب أن يكون في الغائب كذلك فإن قياس

44

الغائب على الشاهد من غير جامع باطل وأيضا لم لا يجوز أن يكون غير منقسم ويكون في غاية الصغر وهو يقتضي أنه حقير وذلك على الله تعالى محال قلنا الذي لا يمكن أن يشار إليه البتة ولا يمكن أن يحس به يكون كالعدم فيكون أشد حقارة وإذا جاز هذا فلم لا يجوز ذلك والجواب على الأول أن نقول إنه إذا كان عظيما فلا بد وأن يكون منقسما وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد بل هذا بناء على البرهان القطعي وذلك لأنا إذا أشرنا إلى نقطة لا تنقسم فإما أن يحصل فوقها شيء آخر أو لا يحصل فإن حصل فوقها شيء آخر كان ذلك الفوقاني مغايرا له إذ لو جاز أن يقال إن هذا المشار إليه عينه لا غيره جاز أن يقال هذا الجزء عين ذلك الجزء فيفيضي إلى تجويز أن الجبل شيء واحد وجزء لا يتجزأ مع كونه جبلا وذلك شك في البديهيات فثبت أنه لا بد من التزام التركيب والانقسام وإما أن لا يحصل فوقها شيء آخر ولا على يمنيها ولا على يسارها ولا من تحتها فحينئذ يكون نقطة غير منقسمة وجزء لا يتجزأ وذلك باتفاق العقلاء باطل فثبت أن هذا ليس من باب قياس الشاهد على الغائب بل هو مبني على التقسيم الدائر بين النفي والإثبات واعلم أنه الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف أسعد حالا من هؤلاء الكرامية وذلك لأنهم اعترفوا بكونه مركبا من الأجزاء والأبعاض أما هؤلاء الكرامية فإنهم زعموا أنه مشار إليه بحسب الحس وزعموا أنه غير متناه ثم زعموا أنه مع ذلك واحد لا يقبل القسمة فلا جرم صار قولهم قولا على خلاف بديهة العقل أما قولهم الذي لا يحس به ولا يشار إليه أشد حقارة من الجزء الذي لا يتجزأ قلنا كونه موصوفا بالحقارة إنما يلزم لو كان ذا حيز ومقدار حتى يقال إنه أصغر من غيره أما إذا كان منزها عن الحيز والمقدار فلم يحصل بينه وبين غيره مناسبة في الحيز والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة

البرهان الثاني في بيان أنه يمتنع أن يكون مختصا بالحيز والجهة أنه لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان محتاجا في وجوده إلى ذلك الحيز وتلك الجهة وهذا محال فكونه في الحيز والجهة محال بيان الملازمة أن الحيز والجهة أمر موجود والدليل عليه وجوه

45



الأول هو أن الأحياز الفوقية مخالفة في الحقيقة والماهية للأحياز التحتانية بدليل أنهم قالوا يجب أن يكون الله تعالى مختصا بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات والأحياز يعني التحت واليمين واليسار ولولا كونها مختلفة في الحقائق والماهيات لامتنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في جهة فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات وإذا ثبت أن هذه الأحياز مختلفة في الماهية وجب كونها أمورا موجودة لأن العدم المحض يمتنع كونه كذلك

الثاني هو أن الجهات مختلفة بحسب الإشارات فإن جهة الفوق متميزة عن جهة التحت في الإشارة والعدم المحض والنفي الصرف يمتنع تمييز بعضه عن بعض في الإشارة الحسية

الثالث أن الجوهر إذا انتقل من حيز إلى حيز فالمتروك مغاير لا محالة للمطلوب والمنتقل عنه مغاير للمنتقل إليه فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الحيز والجهة أمر موجود ثم إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه وأما الذي يكون مختصا بالحيز والجهة فإنه يكون مفتقرا إلى الحيز والجهة فإن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز مستحيل عقلا حصوله لا مختصا بالجهة فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان مفتقرا في وجوده إلى الغير وإنما قلنا إن ذلك محال لوجوه

الأول أن المفتقر في وجوده إلى الغير يكون بحيث يلزم من عدم ذلك الغير عدمه وكل ما كان كذلك كان ممكنا لذاته وذلك في حق واجب الوجود لذاته محال

الثاني أن المسمى بالحيز والجهة أمر متركب من الأجزاء والأبعاض لما بينا أنه يمكن تقديره بالذراع والشبر ويمكن وصفه بالزائد والناقص وكل ما كان كذلك كان مفتقرا إلى غيره والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته فالشيء المسمى بالحيز والجهة ممكن لذاته فلو كان الله تعالى مفتقرا إليه لكان مفتقرا إلى الممكن والمفتقر إلى الممكن أولى أن يكون ممكنا لذاته فالواجب ممكن لذاته وهو محال

الثالث لو كان الباري تعالى أزلا وأبدا مختصا بالحيز والجهة لكان الحيز

46

والجهة موجودين في الأزل فيلزم إثبات قديم غير الله تعالى وذلك محال بإجماع المسلمين فثبت بهذه الوجوه أنه لو كان في الحيز والجهة يلزم هذه المحذورات فيلزم امتناع كونه تعالى في الحيز والجهة فإن قيل لا معنى لكونه تعالى مختصا بالحيز والجهة إلا كونه تعالى مباينا عن العالم منفردا عنه ممتازا عنه وكونه تعالى كذلك لا يقتضي أمر آخر سوى ذات الله تعالى فبطل قولكم لو كان تعالى في الجهة لكان مفتقرا إلى الغير والذي يدل على صحة ما ذكرناه أن العالم لا نزاع في أنه مختص بالحيز والجهة وكونه مختصا بالحيز والجهة لا معنى له إلا كون البعض منفردا عن البعض ممتازا عنه فإذا عقلنا هذا المعنى ههنا فلم لا يجوز مثله في كون الباري تعالى مختصا بالجهة والحيز الجواب أما قوله الحيز والجهة ليس أمرا موجودا فجوابه أنا بينا بالبراهين القاطعة أنها أشياء موجودة وبعد قيام البراهين على صحته لا يبقى في صحته شك وأما قوله المراد من كونه مختصا بالحيز والجهة كونه تعالى منفردا عن العالم أو ممتازا عنه أو مباينا عنه قلنا هذه الألفاظ كلها مجملة فإن الانفراد والامتياز والمباينة قد تذكر ويراد بها المخالفة في الحقيقة والماهية وذلك مما لا نزاع فيه ولكنه لا يقتضي الجهة والدليل على ذلك هو أن حقيقة ذات الله تعالى مخالفة لحقيقة الحيز والجهة وهذه المخالفة والمباينة ليست بالجهة فإن امتياز ذات الله تعالى عن الجهة لا تكون بجهة أخرى وإلالزم التسلسل وقد تذكر هذه الألفاظ ويراد بها الامتياز في الجهة وهو كون الشيء بحيث يصح أن يشار إليه بأنه ههنا أو هناك وهذا هو مراد الخصم من قوله إنه مباين عن العالم أو منفرد عنه وممتاز عنه إلا أنا بينا بالبراهين القاطعة أن هذا يقتضي كون ذلك الحيز أمرا موجودا ويقتضي أن المتحيز محتاج إلى الحيز قوله الأجسام حاصلة في الأحياز فنقول غاية ما في الباب أن يقال الأجسام تحتاج إلى شيء آخر وهذا غير ممتنع أما كونه تعالى محتاجا في وجوده إلى شيء آخر فممتنع فظهر الفرق وبالله التوفيق

البرهان الثالث في بيان أنه يمتنع أن يكون تعالى مختصا بالجهة والحيز هو أنه لو كان مختصا بحيز وجهة لكان لا يخلو إما أن يقال إنه غير متناه من جميع

47

الجوانب أو يقال إنه غير متناه من بعض الجوانب ومتناه من سائر الجوانب أو يقال إنه متناه من كل الجوانب والأقسام الثلاثة باطلة فالقول بكونه مختصا بجهة وحيز باطل أما قولنا إنه يمتنع أن يكون غير متناه من جميع الجوانب فيدل عليه وجوه

الأول أن وجود بعد لا نهاية له محال والدليل عليه أن فرض بعد غير متناه يفضي إلى المحال فوجب أن يكون محالا وإنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا إذا فرضنا بعدا غير متناه وفرضنا بعدا آخر متناهيا موازيا له ثم زال الخط المتناهي الموازي من الموازاة إلى المسامتة فنقول هذا يقتضي أن يحصل في الخط الأول الذي هو غير متناه نقطة هي أول نقطة المسامتة وذلك الخط المتناهي ما كان مسامتا للخط غير المتناهي ثم صار مسامتا له فكانت هذه المسامتة في أول أوان حدوثها لا بد وأن تكون مع نقطة معينة فتكون تلك النقطة هي أول نقط المسامتة لكن كون ذلك غير متناه يمنع من ذلك لأن المسامتة مع النقطة الفوقانية يحصل قبل المسامتة مع النقطة التحتانية فإذا كان الخط غير متناه فلا نقطة فيها إلا وفوقها نقطة أخرى وذلك يمنع حصول المسامتة في المرة الأولى مع نقطة معينة فثبت أن هذا يقتضي أن يحصل في خط غير المتناهي نقطة هي أول نقط المسامتة وأن لا يحصل وهذا المحال إنما لزم من فرضنا أن ذلك الخط غير متناه فوجب أن يكون ذلك محالا فثبت أن القول بوجود بعد غير متناه محال

الوجه الثاني هو أنه إذا كان القول بوجود بعد متناه ليس محالا فعند هذا لا يمكن إقامة الدليل على أن العالم متناه بكليته وذلك باطل بالإجماع

الوجه الثالث أنه تعالى لو كان غير متناه من جميع الجوانب وجب أن يخلو شيء من الجهات والأحياز عن ذاته فحينئذ يلزم أن يكون العالم مخالطا لأجزاء ذاته وأن تكون القاذورات والنجاسات كذلك وهذا لا يقوله عاقل

أما القسم الثاني وهو أن يقال إنه غير متناه من بعض الجوانب ومتناه من سائر الجوانب فهو أيضا باطل لوجهين

48



الأول أن البرهان الذي ذكرناه على امتناع بعد غير متناه قائم سواء قيل إنه غير متناه من كل الجوانب أو من بعض الجوانب

الثاني أن الجانب الذي فرض أنه غير متناه والجانب الذي فرض أنه متناه إما أن يكونا متساويين في الحقيقة والماهية وإما أن لا يكونا كذلك

أما القسم الأول فإنه يقتضي أن يصح على كل واحد من هذين الجانبين ما صح على الجانب الآخر وذلك يقتضي أن ينقلب الجانب المتناهي غير متناه والجانب غير المتناهي متناهيا وذلك يقتضي جواز الفصل والوصل والزيادة والنقصان في ذات الله تعالى وهو محال

وأما القسم الثاني وهو القول بأن أحد الجانبين مخالف للجانب الثاني في الحقيقة والماهية فنقول إن هذا محال من وجوه

الأول أن هذا يقتضي كونه ذاته مركبا وهو باطل لما بينا

الثاني أنا بينا أنه لا معنى للمتحيز إلا الشيء الممتد في الجهات المختص بالأحياز وبينا أن المقدار يمتنع أن يكون صفة بل يجب أن يكون ذاتا وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كان جميع المتحيزات متساوية وإذا كان كذلك امتنع القول بأن أحد جانبي ذلك الشيء مخالف للجانب الآخر في الحقيقة والماهية

وأما القسم الثالث وهو أن يقال إنه متناه من كل الجوانب فهذا أيضا باطل من وجهين

الأول أن كل ما كان متناهيا من جميع الجوانب كانت حقيقته قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك كان محدثا على ما بيناه

الثاني أنه لما كان متناهيا من جميع الجوانب فحينئذ يفرض فوقه أحياز خالية وجهات فارغة فلا يكون الله تعالى فوق جميع الأشياء بل تكون تلك الأحياز أشد فوقية من الله تعالى وأيضا فهو تعالى قادر على خلق الجسم في الحيز الفارغ فلو فرض حيز خال لكان قادرا على أن يخلق فيه جسما وعلى هذا التقدير يكون ذلك الجسم فوق الله تعالى وذلك عند الخصم محال فثبت أنه تعالى لو كان في

49

جهة لم يخل الأمر عن أحد هذه الأقسام الثلاثة وثبت أن كل واحد منها باطل محال فكان القول بأن الله تعالى في الحيز والجهة محال فإن قيل ألستم تقولون إنه تعالى غير متناه في ذاته فيلزمكم جميع ما ألزمتموه علينا قلنا الشيء الذي يقال له إنه غير متناه على وجهين

أحدهما أنه غير مختص بحيز وجهة ومتى كان كذلك امتنع أن يكون له طرف ونهاية وحد

والثاني أنه مختص بجهة وحيز إلا أنه مع ذلك ليس لذاته مقطع وحد فنحن إذا قلنا إنه لا نهاية لذات الله تعالى عنينا به التفسير الأول فإن كان مرادكم ذلك فقد ارتفع الخلاف بيننا وإن كان مرادكم هذا الوجه الثاني فحينئذ يتوجه عليكم ما ذكرناه من الدليل ولا ينقلب ذلك علينا لأنا نقول أنه تعالى غير متناه بهذا التفسير حتى يلزمنا ذلك الإلزام فظهر الفرق والله أعلم

البرهان الرابع على أنه يمتنع أن يحصل في الجهة والحيز هو أنه لو حصل في شيء من الجهات والأحياز لكان إما أن يحصل مع وجوب أنه يحصل فيه أو لا مع وجوب أن يحصل فيه والقسمان باطلان فكان القول بأنه تعالى حاصل في الجهة محالا وإنما قلنا إنه يمتنع أن يحصل فيه مع الوجوب لوجوه

الأول أن ذاته مساو لذوات سائر الأجسام في كونه حاصلا في الحيز ممتدا في الجهة وإذا ثبت التساوي من هذا الوجه ثبت التساوي في تمام الذات على ما بيناه في البرهان الأول في نفي كونه تعالى جسما وإذا ثبت التساوي مطلقا فكل ما صح على أحد المتساويين وجب أنه يصح على الآخر ولما لم يجب في سائر الذوات حصولها في ذلك الحيز وجب أن لا يجب في تلك الذات حصوله في ذلك الحيز وهو المطلوب

الثاني أنه لو وجب حصوله في تلك الجهة وامتنع حصوله في سائر الجهات لكانت تلك الجهة مخالفة في الماهية لسائر الجهات فحينئذ تكون الجهات شيئا موجودا فإذا كان الله سبحانه وتعالى واجب الحصول في الجهة أزلا وأبدا التزموا

50

قديما آخر مع الله تعالى في الأزل وذلك محال

الثالث لو جاز في شيء مختص بجهة معينة أن يقال إن اختصاصه بتلك الجهة واجب جاز أيضا ادعاء أن بعض الأجسام حصل في حيز معين على سبيل الوجوب بحيث يمتنع خروجه عنه وعلى هذا التقدير لا يتمشى دليل حدوث الأجسام في ذلك فثبت أن القائل بهذا القول لا يمكنه الجزم بحدوث كل الأجسام بل يلزمه تجويز أن يكون بعضها قديما

الرابع وهو أنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء صرف وإذا كانت بأسرها متساوية يكون واحدا وذلك يمنع من القول بأنه تعالى واجب الاختصاص ببعض الأحياز على التعيين فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق أولى قلنا هذا باطل لوجهين

أحدهما أن قبل خلق العالم ما كان إلا العدم المحض فلم يكن هناك فوق ولا تحت فبطل قولكم

ثانيهما أنه لو كان الفوق متميزا عن التحت بالتميز الذاتي لكانت الجهات أمورا وجودية ممتدة قابلة للانقسام وذلك يقتضي تقدم الجسم لأنه لا معنى للجسم إلا ذلك

ثالثهما هو أنه لو جاز إن يختص ذات الإله تعالى ببعض الجهات على سبيل الوجوب مع كون الأحياز متساوية في العقل لجاز اختصاص بعض الحوادث المعينة ببعض الأوقات دون البعض على سبيل الوجوب مع كونها متساوية في العقل وعلى هذا التقدير يلزم اسغناؤها عن الصانع ولجاز أيضا اختصاص عدم القديم ببعض الأوقات على سبيل الوجوب وعلى هذا التقدير ينسد باب إثبات الصانع وباب إثبات وجوبه وقدمه

رابعهما أنه لو حصل في حيز معين مع أنه لا يمكنه الخروج لكان كالمفلوج الذي لا يمكنه أن يتحرك أو كالمربوط الممنوع عن الحركة وكل ذلك نقص والنقص على الله تعالى محال وأما القسم الثاني وهو أن يقال إنه تعالى لو حصل في الحيز

51

مع جواز كونه حاصلا فيه فنقول هذا محال لأنه لو كان كذلك لما ترجح وجود ذلك الاختصاص إلا بفعل فاعل وتخصيص مخصص وكل ما كان كذلك فالفاعل يتقدم عليه فيلزم أن لا يكون حصول ذات الله تعالى في الحيز أزليا لأن ما تأخر عن الغير لا يكون أزليا وإذا كان الأزلي مبرأ عن الوضع والحيز امتنع أن يصير بعد ذلك مختصا بالحيز وإلالزم وقوع الانقلاب في ذاته تعالى وأنه محال وبالله التوفيق

البرهان الخامس هو أن الأرض كرة وإذا كان كذلك امتنع كونه تعالى في الحيز والجهة بيان الأول أنه إذا حصل خسوف قمري فإذا سألنا سكان أقصى المشرق عن ابتدائه قالوا إنه حصل في أول الليل وإذا سألنا أقصى المغرب قالوا حصل في آخر الليل فعلمنا أن أول الليل في أقصى الشرق هو بعينه آخر الليل في أقصى المغرب وذلك يوجب كون الأرض كرة وإنما قلنا إن الأرض لو كانت كرة امتنع كون الخالق في شيء من الأحياز وذلك لأن الأرض إذا كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان أهل المغرب وعلى العكس فلو اختص الباري تعالى بشيء من الجهات لكان تعالى في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس وعلى العكس وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم فثبت أنه يمتنع كونه تعالى مختصا بالجهة

البرهان السادس لو كان تعالى مختصا بشيء من الأحياز والجهات لكان مساويا للمتحيزات هذا محال فذلك محال بيان الملازمة أنه تعالى لو كان مختصا بحيز لكان معنى كونه شاغلا لذلك الحيز كونه بحيث يمنع غيره من أن يكون بحيث هو ولو كان كذلك لكان متحيزا وقد بينا في الفصل المتقدم أن المتحيزات بأسرها متماثلة في تمام الماهية فثبت أنه تعالى لو كان متحيزا لكان مثلا لسائر المتحيزات وإنما قلنا إن ذلك محال لأن المثلين يجب تساويهما في جميع اللوازم فيلزم إما قدم الكل وإما حدوث الكل وذلك محال فإن قيل حصول الشيء في الحيز وكونه مانعا لغيره عن أن يحصل بحيث هو حكم من أحكام الذات ولا يلزم الاستواء في الأحكام

52

واللوازم الاستواء في الماهية والجواب عنه من وجهين

الوجه الأول

الأول أن المتحيز له أحكام ثلاثة أحدها أنه حاصل في الحيز شاغل له

والثاني كونه مانعا لغيره من أن يحصل بحيث هو

والثالث كونه بحال لو ضم إليه مثال له حجم كبير ومقدار عظيم ولا شك أن كل ما يحصل في حيز فقد حصل له هذه الأمور الثلاثة إلا أن الذات الموصوف بهذه الأحكام الثلاثة لا بد وأن يكون في نفسه الحجمية والمقدار في نفسه وهذا المعنى معقول مشترك بين كل الأحجام ثم إنا دللنا على أن هذا المفهوم المشترك يمتنع أن يكون صفة لشيء آخر بل لا بد وأن يكون ذاتا وإذا كان كذلك فالمتحيزات في ذواتها متماثلة والاختلاف إنما وقع في الصفات وحينئذ يحصل التقريب المذكور

والوجه الثاني أن السؤال الذي ذكرتم إن صح فحينئذ لا يمكنكم القطع بتماثل الجواهر لاحتمال ان يقال الجواهر وإن اشتركت في الحصول في الحيز إلا أن هذا الاشتراك في حكم من الأحكام والاشتراك في الحكم لا يقتضي الاشتراك في الماهية وإذا لم يثبت كون الجواهر متماثلة فحينئذ لا يبعد في العقل وجود جواهر مختصة بأحيازها على سبيل الوجوب بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز وحينئذ لا يطرد دليل حدوث الأجسام في تلك الأشياء وعلى هذا التقدير لا يمكنكم القطع بحدوث كل الأجسام والله أعلم

البرهان السابع أنه تعالى لو كان مختصا بالجهة والحيز لكان عظيما لأنه ليس في العقلاء من يقول إنه مختص بجهة ومع ذلك فإنه في الحقارة مثل النقطة التي لا تنقسم ومثل الجزء الذي لا يتجزأ بل كل من قال مختص الجهة والحيز قال إنه عظيم في الذات وإذا كان كذلك فنقول الجانب منه يحاذي يمين العرش إما أن يكون هو الجانب الذي منه يحاذي يسار العرش أو غيره والأول باطل لأن إن عقل ذلك فلم لا يعقل أن يقال إن يمين العرش عين يسار العرش حتى يقال العرش على عظمته مثل الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ وذلك لا يقوله عاقل والثاني أيضا

53

باطل لأن على هذا التقدير يكون ذات الله تعالى مركبا من الأجزاء ثم تلك الأجزاء إما تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية والأول محال لأن على هذا التقدير يكون بعض تلك الأجزاء المتماثلة متباعدة وبعضها متلاقية والمثلان صح على كل واحد منهما ما يصح على الأجزاء فعلى هذا يلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا متلاقيين وذلك يقتضي جواز الاجتماع والافتراق على ذات الله تعالى وهو محال

وأما القسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل جسم مركب من أجزاء مختلفة في الماهية فلا بد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرأ عن التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات فلولا حصول الوحدات لما عقل اجتماعها إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لا بد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئا ويساره شيئا آخر لكن يمينه مثل يساره وإلا لكان هو في نفسه مركبا وقد فرضناه غير مركب هذا خلف وإذا ثبت أن يمينه مثل يساره وثبت أن المثلين لا بد وأن يشتركا في جمع اللوازم لزم القطع بأن ممسوس يمينه يصح أن يصير ممسوس يساره وبالعكس ومتى صح ذلك فقد صح التفرق والانحلال على تلك الأجزاء فحينئذ يعود الأمر إلى جواز الاجتماع والافتراق على ذات الله تعالى محال فثبت أن القول بكونه في جهة من الجهات يفضي إلى هذه المحالات فيكون القول به محالا وبالله التوفيق

البرهان الثامن لو كان علو الباري تعالى على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة من علو الباري تعالى وذلك لأن بتقدير أن يحصل ذات الله تعالى في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو فلا يمكن فرض وجودها خاليا عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية عن العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في تلك الجهة العالية على العالم وإذا كان كذلك فحينئذ يلزم أن يكون الباري تعالى ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك محال فثبت أنه يمتنع أن يكون علوه على العالم بالجهة والحيز وذلك هو المطلوب

54

الفصل الخامس في حكاية الشبه العقلية في كونه تعالى مختصا بالحيز والجهة

الشبهة الأولى


أنهم قالوا العالم موجود والباري موجود وكل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بجهة من الجهات الست ولما لم يكن الباري تعالى محايثا للعالم وجب كونه تعالى مباينا عن العالم بجهة من الجهات الست وإذا ثبت ذلك وجب كونه تعالى مختصا بجهة فوق أما قولهم إن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهم محايثا للآخر أو مباينا عنه بجهة فلهم فيه طريقان

الأول ادعاء البديهية فيه إلا أنه سبق الكلام على هذه الطريقة في أول الكتاب

والطريق الثاني أنهم يستدلون عليه وهو الطريق الذي اختاره ابن الهيصم في المناظرة التي حكاها عن نفسه مع ابن فورك وأنا أذكر محصل تلك الكلمات على الترتيب الصحيح وعلى أحسن وجه يمكن تقرير الشبهة به وهو أن يقال لا شك أن كل موجودين في الشاهد فأحدهما لا بد وأن يكون محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة وكون كل موجودين في الشاهد كذلك إما أن يكون لخصوص كونه جوهرا أو لخصوص كونه عرضا أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض وذلك المشترك إما الحدوث أو الوجود والكل باطل سوى الوجود فوجب أن تكون العلة لهذا الحكم هو الوجود والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه تعالى إما أن يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة

واعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقدير مقدمات نحن نذكرها ونذكر الوجوه التي يمكن ذكرها في تقرير تلك المقدمات

أما المقدمة الأولى فهي أن نقول قولنا إن كل موجودين في الشاهد لا بد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بجهة حكم لا بد له من علة يحتاج إلى دليل والدليل عليه هو أن المعدومات لا يصح فيها هذا الحكم وهذه الموجودات

55

يصح فيها هذا الحكم فلولا إمتياز ما صح فيه هذا الحكم عما لا يصح فيه الحكم بأمر من الأمور لما كان هذا الإمتياز واقعا

وأما المقدمة الثانية وهي في بيان أن هذا الحكم لا يمكن تعليله بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا فالدليل عليه أن المقتضى لهذا الحكم لو كان هو كونه جوهرا لصدق على الجوهر أنه منقسم إلى ما يكون محايثا لغيره وإلى ما يكون مباينا عنه ومعلوم أن ذلك محال لأن الجوهر يمنع أن يكون محايثا لغيره وبهذا الطريق تبين أن المقتضى لهذا الحكم ليس كونه عرضا لامتناع أن يكون العرض مباينا لغيره بالجهة

المقدمة الثالثة في بيان أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث ويدل عليه وجوه

الأول أن الحدوث عبارة عن وجود سبقه العدم والعدم غير داخل في العلة وإذا سقط العدم عن درجة الإعتبار لم يبق إلا الوجود

والثاني وهو الذي عول عليه ابن الهيصم في المناظرة التي زعم أنها دارت بينه وبين ابن فورك رحمه الله تعالى لو كان هذا الحكم معللا بالحديث لكان الجاهل بكون السماء محدثة يجب أن يكون جاهلا بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات التي في هذا العالم إما أن تكون محايثة لها أو مباينة عنها بالجهة لأن المقتضي للحكم إذا كان أمرا معينا فالجاهل بذلك المقتضى يجب أن يكون جاهلا بذلك الحكم ألا ترى أن الوجود لما كان هو المستدعى للتقسيم إلى القديم والمحدث لا جرم كان إعتقاد أنه غير موجود مانعا من التقسيم بالقدم والحدوث ولما كان التقسيم إلى الأسود والأبيض معلقا بكونه ملونا كان إعتقاد أن الشيء غير ملون مانعا من إعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض ولما رأينا أن الذي يعتقد قدم السموات والأرضين لا يمنعه ذلك من إعتقاد أن السموات والأرضين إما أن تكون محايثة وإما أن تكون مباينة بالجهة علما أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث

الوجه الثالث في بيان أن المقتضى لهذا الحكم ليس هو الحدوث وقد ذكره ابن الهيصم أيضا في تلك المناظرة وتقريره أن كونه محدثا وصف يعلم

56

بالإستدلال وكونه بحيث يجب أن يكون إما محايثا وإما مباينا بالجهة حكم معلوم بالضرورة والوصف المعلوم الثبوت بالإستدلال لا يجوز أن يكون أصلا للحكم الذي يعلم ثبوته بالضرورة فثبت بهذه الوجوه أن المقتضى لهذا الحكم ليس الحدوث

المقدمة الرابعة وهي في بيان أنه لما كان المقتضى لهذا الحكم في الشاهد هو الوجود والباري تعالى موجود وكان المقتضى لكونه إما محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة حاصلا في حقه كان هذا الحكم أيضا حاصلا هناك

واعلم أنا نفتقر في هذه المقدمة إلى بيان أن الوجود حقيقة واحدة في الشاهد وفي الغائب وذلك يقتضي كون وجوده تعالى زائدا على حقيقته فإنه ما لم يثبت هذا الأصل لم يحصل المقصود فهذا غاية ما يمكن ذكره في تقرير لهذه الشبهة ومن نظر في تقريرنا في هذه الشبهة وتقريرهم لها علم التفاوت بينها والجواب أن مدار هذه الشبهة على أن كل موجودين في الشاهد فلا بد أن يكون أحداهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة وهذه الطريقة ممنوعة وبيانه من وجوه

الأول أن جمهور الفلاسفة يثبتون موجودات غير محايثة لهذا العالم الجسماني ولا مباينة عنه بالجهة وذلك لأنهم يثبتون العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة ويثبتون الهيولى ويزعمون أن هذه الأشياء موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز ولا يصدق عليها أنها محايثة لهذا العالم ولا مباينة عنه بالجهة وما لم تبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد فإما أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه

الثاني أن جمهور المعتزلة يثبتون إرادات وكراهات موجودة لا في محل ويثبتون فناء لا في محل وتلك الأشياء لا يصدق عليها أنها محايثة للعالم أو مباينة عن العالم بالجهة فما لم تبطلوا ذلك لا تتم دعواكم

الثالث أنا نقيم الدلالة على أن الإضافات موجودات في الأعيان ثم نبين أنها يمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة وذلك يبطل كلامكم وإنما قلنا

57

إن الإضافات أعراض موجودات في الأعيان لأن المعقول من كون الإنسان أبا لغيره مغايرا لذاته المخصوصة بدليل أنه يمكن أن يعقل ذاته من الذهول عن كونه أبا أو إبنا والمعلوم غير ما هو غير معلوم وأيضا فإنه يمكن ثبوت ذات منفكة عن الأبوة والبنوة مثل عيسى عليه السلام فإنه ما كان أبا لأحد ولا إبنا لأحد والثابت غير ما هو غير ثابت فكونه أبا وإبنا مغاير لذاته المخصوصة ثم هذا المغاير إما أن يكون وصفا سلبيا أو ثبوتيا والأول باطل لأن عدم الأبوة هو الوصف السلبي والأبوة رافعة له ورافع العدم وجود فثبت أن الأبوة وصف وجودي مغاير لذات الأب إذا ثبت هذا فنقول إنه مستحيل أن يقال الأبوة محايثة لذات الأب وإلا لزم أن يقال أنه قام بنصف الأب نصف الأبوة وبثلثه ثلث الأبوة ومعلوم أن ذلك باطل ومحال أن يقال أنها مباينة عن ذات الأب مباينة بالجهة والحيز وإلا لزم كون الأبوة جوهرا قائما بذاته مباينا عن ذات الأب بالجهة وذلك أيضا محال فثبت بهذا الدليل وجود موجود لا يمكن أن يقال أنه محايث لغيره أو يقال أنه مباين عنه بالجهة وإذا ثبت بهذا بطل قولهم

السؤال الثاني سلمنا أن كل موجودين في الشاهد فلا بد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة لكن كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلا للإنقسام إليهما لكن قبول القسمة حكم عدمي والعدم لا يعلل وإنما قلنا إن قبول القسمة حكم عدمي لأن أصل القبول حكم عدمي فوجب أن يكون قبول القسمة حكما عدميا وإنما قلنا إن اصل القبول حكم عدمي لأنه لو كان أمرا لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه بكونه قابلا فتكون الذات قابلة لتلك الصفة القائمة بها فيكون قبول ذلك القبول زائدا ولزم التسلسل وإننا قلنا إنه لما كان أصل القبول عدميا كان قبول القسمة أيضا كذلك لأن قبول القسمة قبول مخصوص فتلك الخصوصية إن كانت صفة موجودة لزم قيام الوجود بالعدم وهو محال وإن كانت عدمية لزم القطع بأن

58

قبول القسمة عدمي وإذا ثبت أنه حكم عدمي امتنع تعليله لأن العدم نفي محض فكان التأثير فيه محالا فثبت أن قبول القسمة لا يمكن تعليله

السؤال الثالث هب أنه من الأحكام فلم لا يجوز أن يكون معللا بخصوص كونه جوهرا أو بخصوص كونه عرضا لأن كونه جوهرا يمنع من المحايثة وكونه عرضا يمنع من المباينة بالجهة وما كان علة لقبول الإنقسام إلى قسمين يمتنع كونه مانعا من أحد القسمين قلنا ما الذي تريدون بقولكم الوجود في الشاهد منقسم إلى المحايث وإلى المباين بالجهة إن أردتم به أن الوجود في الشاهد قسمان أحدهما هو الذي يكون محايثا لغيره وهو العرض والثاني يجب أن يكون مباينا لغيره بالجهة وهو الجوهر فهذا مسلم لكنه في الحقيقة إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين فإن عندنا وجوب محايثا لغيره معلل بكونه عرضا ووجوب كون القسم الثاني مباينا عن غيره بالجهة معلل بكونه جوهرا فبطل قولكم أن خصوص كونه عرضا وجوهرا لا يصلحان لعلة هذا الحكم وإن أردتم به أن إمكان الإنقسام إلى هذين القسمين حكم واحد فإنه في جميع الموجودات التي في الشاهد فهذا باطل لأن إمكان الإنقسام إلى هذين القسمين لم يثبت في شيء من الموجودات التي في الشاهد فضلا عن أن يثبت في جميعها لأن كل موجود في الشاهد فهو إما جوهر وإما عرض فإن كان جوهر امتنع أن يكون محايثا لغيره فلم يكن قابلا لهذا الإنقسام وإن كان عرضا امتنع أن يكون مباينا لغيره بالجهة فلم يكن قابلا لهذا الإنقسام فثبت بما ذكرنا أن الذي قالوه مغالطة والحاصل أن هذا المستدل أوهم أن قوله الموجود في الشاهد إما أن يكون محايثا لغيره وإما أن يكون مباينا عنه بالجهة إشارة إلى حكم واحد ثم بني عليه أنه لا يمكن تعليل ذلك الحكم بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا ونحن بينا أنه إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين

السؤال الرابع سلمنا أنه لا يمكن تعليل هذا الحكم بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا فلم قلتم أنه لا بد من تعليله إما بالحدوث وإما بالوجود وما الدليل على هذا الحصر وأقصى ما في الباب أن يقال سبرنا وبحثنا

59

فلم نجد قسما آخر إلا أنا بينا في الكتب المطولة أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير منحصرة بين النفي والإثبات

السؤال الخامس سلمنا أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود لكن لا نسلم قولكم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث والوجود بيانه من وجهين

الأول أن من المحتمل أن يقال المقتضى لقولنا أن الشيء إما أن يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه هو كونه بحيث يصح الإشارة الحسية إليه وذلك أن كل شيئين يصح الإشارة الحسية إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر وذلك كما في اللون والمتلون وهذا هو المحايثة وإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر وهذا هو المباينة بالجهة فثبت أن المقتضى لقبول هذه القسمة هو كون الشيء مشارا إليه بحسب الحس وعلى هذا التقدير ما لم يقيموا الدلالة على أنه مشار إليه بحسب الحس لا يمكن أن يقال أنه تعالى يجب أن يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة لكن كونه تعالى مشارا إليه بحسب الحس هو مما وقع النزاع فيه وحينئذ يتوقف صحة المطلوب وذلك يفضي إلى الدور وهو باطل

الثاني أنه لا شك أن ما سوى الله تعالى أن يكون محايثا لغيره أو مباينا عن غيره بالجهة ولا شك أن الله تعالى مخالف لهذين القسمين بحقيقته المخصوصة إذ لو لم يكن مخالفا بحقيقته المخصوصة لكان إما مثلا للجواهر أو الأعراض ويلزم منه كونه تعالى محدثا كما أن الجواهر والأعراض مشتركان في الأمر الذي به وقعت المخالفة بينهما وبين ذات الباري تعالى فلم لا يجوز المقتضى لقبول الإنقسام إلى المحايث وإلى المباين هو ذلك الأمر وعلى هذا التقدير سقط هذا السؤال لأنه لا مشترك بين الجواهر والأعراض إلا الحدوث

السؤال السادس سلمنا الحصر فلم لا يجوز أن يكون المقتضى لهذا الحكم

60

هو الحدوث قوله أولا الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق كونه قابلا للعدم والوجود وأيضا كون الشيء منقسما إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلا للإنقسام إلى هذين القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم أما قوله ثانيا لو كان المقتضى لهذا الحكم هو الحدوث لكان الجهل بحدوث الشيء يوجب الجهل بهذا الحكم قلنا الكلام عليه من وجهين

الأول لم قلتم أن الجهل بالمؤثر يوجب الجهل بالأثر ألا ترى أن جهل الناس بأسباب المرض والصحة لا يوجب جهلهم بحصول المرض والصحة وجهل نفاة الأعراض بالمعاني الموجبة لتغير أحوال الأجسام لا يوجب جهلهم بتلك التغيرات وجهل الدهري بكونه تعالى قادرا على الخلق والتكوين لا يوجب جهله بوجود هذا العالم

الثاني لو كان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول لكان العالم بالعلة يوجب العلم بالمعلول وعلى هذا التقدير لو كان المقتضى لكون الموجودين في الشاهد إما متحايثين أو متباينين بالجهة هو الوجود لزم أن من علم كون الشيء موجودا أن يعلم وجوب كونه إما محايثا للعالم أو مباينا لكن الجمهور الأعظم وهو أهل التوحيد يعتقدون أنه تعالى موجود ولا يعلمون أنه تعالى لا بد وأن يكون إما محايثا للعالم أو مباينا له فوجب على هذا المساق أن لا يكون المقتضى لهذا الحكم هو كونه موجودا وهذا السؤال قد أورده الأستاذ ابن فورك رحمه الله من أصحابنا على ابن الهيصم ولم يقدر أن يذكر عنه جوابا سوى أن قال يمتنع أن يحصل العلم بالأثر ولا يحصل العلم بالمؤثر ولا يمتنع أن يحصل العلم بالمؤثر مع الجهل بالأثر وطال كلامه في تقرير هذا الفرق ولم يظهر منه شيء معلوم يمكن حكايته قوله ثالثا وكونه محدثا وصف إستدلالي وكونه إما محايثا أو مباينا أمر معلوم بالبديهة والوصف الإستدلالي لا يجوز أن يكون علة للحكم المعلوم بالبديهية قلنا ممنوع فإنا بينا أن المؤثر في كثير من الأشياء إستدلالي والأثر بديهي

61



السؤال السابع سلمنا أن المؤثر في هذا الحكم ليس هو الحدوث وأنه هو الوجود لكن لم قلتم أنه يلزم حصوله في حق الله تعالى وبيانه أن المطلوب إنما يلزم لو كان الوجود أمرا واحدا في الشاهد وفي الغائب أما إذا لم يكن الأمر كذلك بل كان وقوع اللفظ الموجود على الشاهد والغائب ليس إلا بالإشتراك اللفظي كان هذا الدليل ساقطا بالكلية ثم أن الكرامية لا يمكنهم أن يقولوا أن الوجود في الغائب والشاهد واحد وإذا كان كذلك لزمهم إما القول بكون الباري تعالى مثلا للمحدثات من جميع الوجوه أو القول بأن وجوده زائد على ماهيته والقوم لا يقولون بهذين الكلامين

السؤال الثامن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن الوجود هو العلة لهذا الحكم لكن ههنا دليل آخر يمنع منه وهو أن المقتضى لقبول الإنقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الإنقسام إلى الجوهر وإلى العرض ومعلوم أن ذلك محال فإن قالوا إن كل جوهر وعرض فإنه يصح كونه منقسما إلى هذين القسمين نظرا إلى كونه موجودا وإنما يمتنع ذلك الإنقسام نظرا إلى مانع منفك وهو خصوصية ماهيته قلنا هذا إعتراف بأنه لا يلزم من كون الوجود علة لصحة أمر من الأمور أن يصح ذلك الحكم على كل ما كان موصوفا بالوجود لاحتمال أن يكون ماهيته المخصوصة مانعة من ذلك الحكم وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال الوجود وإن اقتضى كون الشيء إما محايثا لغيره وإما مباينا عنه إلا أنه خصوصية ذاته تعالى كانت مانعة من هذا الحكم فلم يلزم من كونه تعالى موجودا كونه بحيث يكون إما محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة

السؤال التاسع إن ما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة قطعا وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض وبيانه من وجوه

الأول أن كل ما سوى الله تعالى فهو محدث فيكون صحة الحدوث حكما مشتركا بينهما فنقول هذه الصحة حكم مشترك فلا بد لها من علة مشتركة والمشترك إما الحدوث أو الوجود ولا يمكن أن يكون المقتضى لصحة الحدوث هو

62

الحدوث لأن صحة الحدوث سابقة على الحدوث بالرتبة والسابق بالرتبة على الشيء لا يمكن تعليله بالمتأخر عن الشيء فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث فوجب كونها معللة بالوجود والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه تعالى صحة الحدوث وهو محال

الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم وإما قائم بالحجم ثم نذكر التقسيم إلى آخره حتى يلزم أن يكون الباري تعالى إما حجما وإما قائما بالحجم والقوم لا يقولون ذلك

الثالث أن كل موجودين في الشاهد فلا بد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه في أي جهة كان ثم نذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم معلل بالوجود والباري تعالى موجود فيلزم أن يصح على الباري تعالى كونه إما محايثا للعالم أو مباينا عنه في أي جهة كانت من الجوانب التي للعالم وذلك يقتضي أن لا يكون إختصاص الله تعالى بجهة فوق واجبا بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من الفوق إلى أسفل وكل ذلك عند القوم محال

الرابع أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة والمباين بالجهة لا بد وأن يكون جوهرا فردا أو يكون مركبا من الجواهر وكون كل موجود في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضا أو جوهرا فردا أو جسما مؤتلفا لا بد وان يكون معللا بالوجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه تعالى عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض

الخامس أن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما مساو للعالم وإما أزيد منه في المقدار وإما أنقص منه في المقدار فانقسام الوجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة حكم لا بد له من علة ولا علة إلا الوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما

63

ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة

واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة لأن القوم يعولون عليها ويظنون أنها حجة قوية قاهرة ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليها هذه الأسئلة القاهرة والإعتراضات القادحة ونسأل الله العظيم أن يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سببا لمزيد الأجر والثواب بمنه وفضله

الشبهة الثالثة للكرامية في إثبات كونه تعالى في الجهة قالوا ثبت أنه تعالى تجوز رؤيته والرؤية تقتضي مواجهة المرئي أو شيئا هو في حكم مقابلته وذلك يقتضي كونه تعالى مخصوصا بجهة والجواب اعلم أن المعتزلة والكرامية توافقتا في أن كل مرئي لا بد وأن يكون في جهة إلا أن المعتزلة قالوا لكنه ليس في الجهة فوجب أن لا يكون مرئيا والكرامية قالوا لكنه مرئي وجب أن يكون في الجهة وأصحابنا رحمهم الله نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإنه مختص بالجهة بل لا نزاع في أن الأمر في الشاهد كذلك لكن لم قلتم أن ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو إستدلالية فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصا بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وثبت أن الباري تعالى قائم بالنفس فوجب القطع بأنه مختص بالجهة لأن العلم ضروري حاصل بأنه كل ما ثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك فإذا كان هذا الوجه حاصلا في إثبات كونه تعالى في الجهة كان كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه تعالى في الجهة بكونه مرئيا ثم إثبات أن كل ما كان مرئيا فهو مختص بالجهة تطويل من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان وأما أن قولنا أن كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة إستدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلا لا تصير هذه المقدمة يقينية وأيضا إنا كما لا نعقل مرئيا في الشاهد إلا إذا كان مقابلا أو في حكم المقابل للرائي فكذلك لا نعقل مرئيا إلا إذا كان صغيرا أو كبيرا أو ممتدا في الجهات أو مؤتلفا من الأجزاء وهم يقولون أنه تعالى يرى لا صغيرا ولا كبيرا ولا ممتدا في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكن أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا

64

الباب فلم لا يجوز أيضا أن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلا للرائي إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك

الشبهة الرابعة تمسكوا برفع الأيدي إلى السماء قالوا وهذا شيء يفعله أرباب النحل فدل على أنه تقرر في جميع عقول الخلق كون الإله في جهة فوق

الجواب أن هذا معارض بما تقرر في جميع عقول الخلق أنهم عند تعظيم خالق العالم يضعون جباهم على الأرض ولما لم يدل هذا على كون خالق العالم في الأرض لم يدل ما ذكروه على أنه في السماء وأيضا فالخلق إنما يقدمون على رفع الأيدي إلى السماء لوجوه أخرى اعتقادهم أن خالق العالم في السماء

الأول أن أعظم الأشياء نفعا للخلق ظهور الأنوار وأنه إنما تظهر من جانب السموات

والثاني أن مبنى حياة الخلق على استنشاق النفس وليس ذلك الإستنشاق إلا من الهواء والهواء ليس إلا موجودا فوق الأرض فلهذا السبب كان فوق الأرض أشرف مما تحت الأرض

الثالث أن نزول الغيث من جهة الفوق ولما كانت هذه الأشياء التي هي منافع الخلق إنما تنزل من جانب السموات ولا جرم كان ذلك الجانب عندهم أشرف وتعلق الخاطر بالأشرف أقوى من تعلقه بالأخس وهذا هو السبب في رفع الأيدي إلى السماء وأيضا أنه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل الكعبة قبلة لصلاتنا وأيضا أنه تعالى جعل الملائكة وسائط في مصالح هذا العالم قال تعالى فالمدبرات أمرا وقال تعالى فالمقسمات أمرا وأجمعوا على أن جبريل عليه السلام ملك الوحي والتنزيل والنبوة وميكائيل ملك الأرزاق وملك الموت ملك الوفاة وكذا القول في سائر الأمور وإذا كان الأمركذلك لم يبعد أن يكون الغرض من رفع الأيدي إلى السماء رفع الأيدي إلى الملائكة وبالله التوفيق

65

الفصل السادس


اعلم أن المشهور عن قدماء الكرامية إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لا نريد به كونه تعالى مؤلفا من الأجزاء ومركبا من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيا عن المحل قائما بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في أنه تعالى جسم أو لا نزاعا لفظيا هذا حاصل ما قيل في هذا الباب إلا أنا نقول كل ما كان مختصا بحيز أو جهة يمكن أن يشار إليه بالحس بذلك المشار إليه أما أن لا يبقى منه شيء في جوانبه الست وإما أن يبقى فإن لم يبق منه شيء في جوانبه الست فهذا يكون كالجوهر الفرد وكالنقطة التي لا تتجزأ ويكون في غاية الصغر والحقارة ولا أظن أن عاقلا يرضى أن يقول إن إله العالم كذلك وأما إن بقي شيء في جوانبه الست أو في أحد هذه الجوانب فهذا يقتضي كونه مؤلفا مركبا من الجزءين أو أكثر وأقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لا تقبل التفرق والإنحلال إلا أن هذا لا يمنع من كونه في نفسه مركبا مؤلفا كما أن الفلسفي يقول الفلك جسم ألا أنه لا يقبل الخرق والالتآم فإن ذلك لا يمنعه من إعتقاد كونه جسما طويلا عريضا عميقا فثبت أن هؤلاء الكرامية لما اعتقدوا كونه تعالى مختصا بالحيز والجهة ومشارا إليه بحسب الحس واعتقدوا أنه تعالى ليس في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد والنقطة التي لا تتجزأ أوجب أن يكونوا قد اعتقدوا أنه تعالى ممتد في الجوانب أو في بعض الجوانب ومن قال ذلك فقط اعتقد كونه مركبا مؤلفا فكان امتناعه عن إطلاق لفظ المؤلف والمركب امتناعا عن مجرد هذا اللفظ مع كونه معتقدا لمعناه فثبت أنهم إنما أطلقوا لفظ الجسم لأجل أنهم اعتقدوا كونه تعالى طويلا عريضا عميقا ممتدا في الجهات فثبت أن امتناعهم عن هذا الكلام لمحض التقية والخوف وإلا فهم يعتقدون كونه تعالى مركبا مؤلفا فهذا تمام الكلام في القسم الأول من هذا الكتاب وهو القسم المشتمل على الوجوه العقلية وبالله التوفيق

66



67

القسم الثاني

وهو في تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات والكلام فيه مرتب على مقدمة وفصول


أما المقدمة فهي في بيان أن جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لا بد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار أما في القرآن فبيانه من وجوه

الأول هو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر العين وذكر الجنب الواحد وذكر الأيدي وذكر الساق الواحدة فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه واحد وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحدة ولا نرى في الدنيا شخصا أقبح صورة من هذه المتخيلة ولا أعتقد أن عاقلا يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة

الثاني أنه ورد في القرآن أنه نور السماوات والأرض وأن كل عاقل يعلم بالبديهة أن إله العالم ليس هو هذا الشيء المنبسط على الجدران والحيطان وليس هو هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار فلا بد بكل واحد منا من أن يفسر قوله تعالى الله نور السماوات والأرض بأنه منور السموات والأرض أو بأنه هاد لأهل السموات والأرض أو بأنه مصلح السموات والأرض وكل ذلك تأويل

الثالث قال الله تعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومعلوم أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وقال وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ومعلوم أن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض

الرابع قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم وقوله تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم وكل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية

68



الخامس قوله تعالى واسجد واقترب فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود

السادس قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله وقال تعالى ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون

السابع قال تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ولا شك أنه لا بد فيه من التأويل

الثامن قوله تعالى فأتى الله بنيانهم من القواعد ولا بد فيه من التأويل

التاسع قال تعالى لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى وهذه المعية ليست إلا بالحفظ والعلم والرحمة فهذه وأمثالها من الأمور التي لا بد لكل عاقل من الإعتراف بحملها على التأويل وبالله التوفيق

أما الأخبار فهذا النوع فيها كثير

فالأول قوله عليه السلام حكاية عن الله سبحانه وتعالى ( مرضت فلم تعدني استطعمتك فما أطعمتني إستسقيتك فما أسقيتني ) ولا يشك عاقل أن المراد منه التمثيل فقط

الثاني قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه ( من أتاني يمشي أتيته هرولة ) ولا يشك عاقل في أن المراد منه التمثيل والتصوير

الثالث نقل الشيخ الغزالي رحمه الله عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه أقر بالتأويل في ثلاثة أحاديث

أحدهما قوله عليه السلام ( الحجر يمين الله في الأرض )

وثانيهما قوله عليه السلام ( إني لاأجد نفس الرحمن من قبل اليمين

69



وثالثهما قوله عليه السلام حكاية عن الله عز وجل ( أنا جليس من ذكرني )

الرابع حكي أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن بما روي عنه عليه السلام أنه يأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنهما غمامتان فأجاب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وقال يعني ثواب قارئهما وهذا تصريح بالتأويل

الخامس قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الرحم يتعلق بحقوتي الرحمن فيقول سبحانه أصل من وصلك ) وهذا لا بد له من التاويل

السادس قال عليه السلام ( إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار ) ولا بد فيه من التأويل

السابع قال عليه السلام ( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ) وهذا لا بد فيه من التأويل لأنا نعلم بالضرورة انه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا

الثامن قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى ( أنا عند المنكسرة قلوبهم ) وليست هذه العندية إلا بالرحمة وأيضا قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى في صفة الأولياء ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ) ومن المعلوم بالضرورة أن القوة الباصرة التي بها يرى الأشياء ليست هي الله سبحانه وتعالى

التاسع قال عليه السلام حكاية عن الله سبحانه وتعالى ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ) والعاقل لا يثبت لله تعالى إزارا ورداء

العاشر قال عليه السلام لأبي بن كعب ( يا أبا المنذر آيه آية في كتاب الله تعالى أعظم فتردد فيه مرتين ثم قال في الثالثة آية الكرسي فضرب يده عليه السلام على صدره وقال أصبت والذي نفسي بيده أن لها لسانا يقدس الله تعالى عند العرش ) ولا بد فيه من التأويل فثبت بكل ما ذكرنا أن المصير إلى التأويل أمر لا بد منه لكل عاقل وعند هذا قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار

70

محملا صحيحا لئلا يصير ذلك سببا للطعن فيها فهذا تمام القول في المقدمة وبالله التوفيق
الفصل الأول في إثبات الصورة


اعلم أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن لكنها واردة في الأخبار

والخبر الأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الله تعالى خلق آدم على صورته ) وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته )

والجواب اعلم أن الهاء في قوله ( على صورته ) يحتمل أن يكون عائدا إلى شيء غير صورة آدم عليه السلام وغير الله تعالى ويحتمل أن يكون عائدا إلى آدم ويحتمل أن يكون عائدا إلى الله تعالى فهذه طرق ثلاثة

الطريق الأول أن يكون هذا الضمير عائدا إلى غير آدم وإلى غير الله تعالى وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان

الأول هو أن من قال للإنسان قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فهذا يكون شتما لآدم عليه السلام فإنه لما كان صورة هذا الإنسان مشابهة لصورة آدم كان قوله قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك شتما لآدم عليه السلام ولجميع الأنبياء عليهم السلام وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وإنما خص آدم بالذكر لأنه عليه السلام هو الذي ابتدأت خلقة وجهه على هذه الصورة

الثاني أن المراد منه إبطال قول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريبا من السماء فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى إنسان معين وقال ( إن الله خلق آدم على صورته ) أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت ألبتة فأبطل هذا البيان وهم من توهم أن آدم عليه السلام كان على صورة أخرى غير هذه الصورة

71



الطريق الثاني أن يكون الضمير عائدا إلى آدم عليه السلام وهذا أولى الوجوه الثلاثة لأن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب وفي هذا الحديث أقرب الأشياء المذكورة هو آدم عليه السلام فكان عود الضمير إليه أولى ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه

الأول أنه تعالى لما عظم أمر آدم بجعله مسجود للملائكة ثم إنه أتى بتلك الزلة فالله تعالى لم يعاقبه بمثل ما عاقب به غيره فإنه نقل أن الله تعالى أخرجه من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس وغير تعالى خلقهما مع أنه لم يغير خلقة آدم عليه السلام بل تركه على الخلقة الأولى إكراما له وصونا له من عذاب المسخ فقوله عليه السلام ( إن الله تعالى خلق آدم على صورته ) معناه خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غير وقوع التبدل فيها والفرق بين هذا الجواب والذي قبله أن المقصود من هذا بيان أنه عليه السلام كان مصونا عن المسخ والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليست إلا هي التي كانت موجودة قبل من غير تعرض لبيان أنه جعل مصونا عن المسخ بسبب زلته مع أن غيره صار ممسوخا

الثاني المراد منه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة ودم الطمث فقال عليه السلام ( إن الله تعالى خلق آدم على صورته ) إبتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة

الثالث إن الإنسان لا يتكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد بواسطة الأفلاك والعناصر فقال عليه السلام ( إن الله خلق آدم على صورته ) أي من غير هذه الوسائط والمقصود منه الرد على الفلاسفة

الرابع المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده لا بتأثير القوة المصورة والمولدة على ما تذكره الأطباء والفلاسفة ولهذا قال الله تعالى هو الله الخالق البارئ المصور فهو الخالق أي فهو

72

العالم بأحوال الممكنات والمحدثات والباريء أي هو المحدث للأجسام والذوات بعد عدمها والمصور أي هو الذي يركب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة

الخامس قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة والمراد من الصورة في كل هذه المواضع الصفة فقوله عليه السلام ( إن الله خلق آدم على صورته ) أي على جملة صفاته وأحواله وذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال علمه وقدرته إلى أن يصل حد الكمال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق من أول الأمر كاملا تاما في علمه وقدرته قوله خلق الله آدم على صورته معناه أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة في آخر الأمر وأيضا لا يبعد أن يدخل في لفظه الصورة كونه سعيدا أو شقيا كما قال عليه السلام ( السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه ) فقوله عليه السلام ( إن الله خلق آدم على صورته ) أي على جميع صفاته من كونه سعيدا أو شقيا أو تائبا أو مقبولا من عند الله تعالى

الطريق الثالث أن يكون ذلك الضمير عائدا إلى الله تعالى وفيه وجوه

الأول المراد من الصورة الصفة لما بيناه فيكون المعنى أن آدم امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالما بالمعقولات قادرا على استنباط الحرف والصناعات وهذه صفات شريفة فصح قوله عليه السلام ( إن الله خلق آدم على صورته ) بناء على هذا التأويل

الثاني أن كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح إضافتها إلى الخالق والموجد فيكون الغرض من هذه الإضافة الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور بمزيد الكرامة والجلالة

الثالث قال الشيخ الغزالي رحمه الله ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية بل هو موجود ليس بجسم ولا بجسماني ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير أو التصرف فقوله عليه السلام ( إن الله خلق آدم على صورته ) أي إن نسبة ذات

73

آدم عليه السلام إلى هذا البدن كنسبة الباري تعالى إلى العالم من حيث أن كل واحد منهما غير حال في هذا الجسم وإن كان مؤثرا فيه بالتصرف والتدبير والله أعلم

الخبر الثاني ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه بالتوحيد بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن )

واعلم أن ابن خزيمة ضعف هذه الرواية ويقول إن صحت هذه الرواية فلها تأويلان

الأول أن يكون المراد هذه الصورة الصفة على ما بيناه

الثاني أن يكون المراد من هذه الإضافة بيان شرف هذه الصورة كما في قوله بيت الله وناقة الله

الخبر الثالث ما روى صاحب شرح السنة رحمه الله في كتابه في باب آخر من يخرج من النار عن أبي هريرة في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإن بيننا وبينه علامة فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقولون أنت ربنا فيتبعونه )

واعلم أن الكلام على هذا الحديث من وجوه

الأول أن تكون في بمعنى الباء والتقدير فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوه في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكا من الملائكة ونظيره قول ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام أي بظلل من الغمام ثم إن تلك الصورة تقول أنا ربكم وكأن ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة وتكون الفائدة فيه تثبيت المؤمنين على القول الصالح وإنما يقال الدنيا دار محنة والآخرة دار الجزاء على الأعم والأغلب وإن كان يقع في كل واحدة منهما ما يقع في الأخرى نادرا

74



أما قوله عليه السلام ( إنهم يقولون إذا جاء ربنا عرفناه ) فيحمل على أن يكون المراد فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه وقولهم فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فمعناه فيأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان

وأما قوله عليه السلام ( فيقولون بيننا وبينه علامة ) فيحتمل أن تكون تلك العلامة كونه تعالى في حقيقته مخالفا للجواهر والأعراض فإذا رأوا تلك الحقيقة عرفوا أنه هو الله

التأويل الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة والمعنى أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه ما لم يألفوه ولم يعتادوا من معاملة الله تعالى معهم ثم تأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة على الوجه الذي اعتادوا وألفوه

الخبر الرابع ما روي عنه عليه السلام أنه قال ( رأيت ربي في أحسن صورة ) واعلم أن قوله في أحسن صورة يحتمل أن يكون من صفات الرائي كما يقال دخلت على الأمير في أحسن هيئة أي وأنا كنت على أحسن هيئة ويحتمل أن يكون ذلك من صفات المرئي فإن كان ذلك من صفات الرائي كان قوله على أحسن صورة عائدا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان

الأول أن يكون المراد من الصورة نفس الصورة فيكون المعنى أن الله تعالى زين خلقه وجمل صورته عندما رأى ربه وذلك يكون سببا لمزيد الإكرام في حق الرسول صلى الله عليه وسلم

الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة ويكون المعنى الإخبار عن حسن حاله عند الله وأنه أنعم عليه بوجوه عظيمة من الأنعام كما كان وذلك لأن الرائي قد يكون بحيث يتلقاه المرئي بالإكرام والتعظيم وقد يكون بخلافه فعرفنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن حاله كان من القسم الأول وأما إن كان عائدا إلى المرئي ففيه وجوه

الأول أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى في المنام في صورة مخصوصة وذلك جائز لأن الرؤيا من تصرفات الخيال ولا ينفك ذلك عن صورة متخيلة

75



الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة وذلك لأنه يقال لما خص بمزيد الإكرام والإنعام في الوقت الذي رآه صح في العرف المعتاد إني رأيته على أحسن صورة وأجمل هيئة

الثالث لعله عليه السلام لما رآه اطلع على نوع صفات الجلال والعزة والعظمة ما كان مطلعا عليه قبل ذلك
الفصل الثاني في لفظ الشخص


هذا اللفظ ما ورد في القرآن لكنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا شخص أحب للغيرة من الله عز وجل ) وفي هذا الخبر لفظان يجب تأويلهما

الأول الشخص والمراد منه الذات المعينة والحقيقة المخصوصة لأن الجسم الذي له شخص وحجمية يلزم أن يكون واحدا فإطلاق إسم الشخصية على الوحدة إطلاق إسم أحد المتلازمين على الآخر

والثاني لفظ الغيرة ومعناه الزجر لأن الغيرة حالة نفسانية مقتضية للزجر والمنع فكنى بالسبب عن المسبب ههنا والله أعلم
الفصل الثالث في لفظ النفس


احتجوا على إطلاق هذا اللفظ بالقرآن والأخبار أما القرآن فقوله تعالى في حق موسى عليه السلام واصطنعتك لنفسي وقال حاكيا عن عيسى عليه السلام تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك وقال في صفة أهل الثواب كتب ربكم على نفسه الرحمة وقال في تخويف العصاة ويحذركم الله نفسه وأما الأخبار فكثيرة

76



الخبر الأول ما روى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يقول الله تعالى أنا مع عبدي حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه )

الخبر الثاني قوله عليه السلام ( سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه )

الخبر الثالث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه أن رحمتي سبقت غضبي ) وأعلم أن النفس جاء في اللغة على وجوه

أحدها البدن قال الله تعالى كل نفس ذائقة الموت ويقول القائل كيف أنت في نفسك يريد كيف أنت في بدنك

وثانيها الدم يقال هذا حيوان له نفس سائلة أي دم سائل ويقال للمرأة عند الولادة أنها نفست بخروج الدم منها عقيب الولادة

وثالثهما الروح قال تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها

ورابعها العقل قال تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل وذلك لأن الأحوال بأسرها باقية حالة النوم إلا العقل فإنه هو الذي يختلف الحال فيه عند النوم واليقظة

وخامسها ذات الشيء وعينه وقد قال الله تعالى وما يخدعون إلا أنفسهم فاقتلوا أنفسكم ولكن ظلموا أنفسهم إذا عرفت هذا فنقول لفظ النفس في حق الله تعالى ليس إلا الذات والحقيقة فقوله واصطنعتك لنفسي كالتأكيد الدال على مزيد المبالغة فإن الإنسان إذا قال جعلت هذه الدار لنفسي وعمرتها لنفسي فهم منه المبالغة وقوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك المراد تعلم معلومي ولا أعلم

77

معلومك وكذا القول في بقية الآيات وأما قوله عليه السلام حكاية عن رب العزة ( فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ) فالمراد إن ذكرني بحيث لا يطلع غيره على ذلك ذكرته بإنعامي وإحساني من غير أن يطلع عليه أحد من عبيدي لأن الذكر في النفس عبارة عن الكلام الخفي والذكر الكامن في النفس وذلك على الله تعالى محال وأما قوله ( سبحان الله زنة عرشه ورضاء نفسه ) فالمراد ما يرتضيه الله تعالى لنفسه ولذاته أي تسبيحا يليق به وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( كتب كتابا على نفسه ) فالمراد به كتب كتابا وأوجب العمل به والمراد من قوله على نفسه التأكيد والمبالغة في الوجوب اللزوم فثبت أن المراد بالنفس في هذه المواضع هو الذات وأن الغرض من ذكر هذا اللفظ المبالغة والتأكيد وبالله التوفيق
الفصل الرابع في لفظ الصمد


قال الله تعالى الله الصمد ذكر بعضهم في تفسير الصمد أنه الجسم الذي لا جوف له ومنه قوله من يقول لسداد القارورة الصماد وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة قال ابن قتيبة وعلى هذا التفسير الدال مبدلة من التاء وقال بعضهم الصمد الأملس من الحجر الذي لا يقبل الغبار ولا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء واحتج قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في إثبات أنه تعالى جسم وهذا باطل لأنا بينا أنه كونه أحدا ينافي كونه جسما فمقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام الغليظة وتعالى الله عن ذلك والجواب عنه من وجهين

الأول أن الصمد فعل بمعنى مفعول من صمد إليه أي قصد والمعنى أنه المصمود إليه في الحوائج قال الشاعر

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد
نعم وابن مسعود وبالسيد الصمد


وقال آخر

علوته بحسامي ثم قلت له
خذها حذيف فأنت السيد الصمد

والذي يدل على صحة هذا الوجه ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لما

78

نزلت هذه الآية قالوا ما الصمد فقال صلى الله عليه وسلم السيد الذي يصمد إليه في الحوائج قال أبو الليث صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده

الوجه الثاني في الجواب أنا سلمنا أن الصمد في أصل اللغة المصمت الذي لا يدخل فيه شيء غيره إلا أنا نقول قد دللنا على أنه لا يمكن ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى فوجب حمل هذا اللفظ على مجازه وذلك لأن الجسم الذي يكون هذا شأنه يكون مبرأ عن الإنفصال والتباين والتأثر عن الغير وهو سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته وذلك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان وكان المراد من الصمد في حقه تعالى هذا المعنى وبالله التوفيق
الفصل الخامس في لفظ اللقاء


قال الله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وقال فمن كان يرجو لقاء ربه وقال بل هم بلقاء ربهم كافرون وأما الحديث فقوله عليه السلام ( من أحب الله لقاءه ) قالوا واللقاء من صفات الأجسام يقال إلتقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم وجب حمل هذا اللفظ على أحد وجهين

أحدهما أن من لقي إنسانا أدركه وأبصره فكان المراد من اللقاء هو الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب

والثاني أن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه دخل هناك تحت حكمه وقهره دخولا لا حيلة له في دفعه فكان ذلك اللقاء سببا لظهور قدرة الملك عليه على هذا الوجه فلما ظهرت قدرته وقوته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم عبر عن تلك الحالة باللقاء والذي يدل على سبيل صحة قولنا أن أحدا لا يقول بأن الخلائق تتلاقى ذواتهم في ذات الله تعالى على سبيل المماسة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة لم يبق إلا ما ذكرناه وبالله التوفيق

79


الفصل السادس في لفظ النور


قال الله تعالى الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة وروى ابن خزيمة في كتابه عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه ( اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن فلك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ) واعلم أنه لا يصح القول بأنه تعالى هو هذا النور المحسوس بالبصر ويدل عليه وجوه

الأول أنه تعالى لم يقل أنه نور السموات والأرض ولو كان نورا في ذاته لم يكن لهذه الإضافة فائدة

الثاني لو كان كونه تعالى نور السموات والأرض بمعنى الضوء المحسوس لوجب أن لا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة البتة لأنه تعالى دائم لا يزال ولا يزول

الثالث لو كان تعالى نورا بمعنى الضوء مغنيا عن ضوء الشمس والقمر والنار والحس دال على خلاف ذلك

الرابع أنه تعالى أزال هذه الشبهة بقوله تعالى مثل نوره أضاف النور إلى نفسه ولو كان تعالى نفس النور وذاته لامتنعت هذه الإضافة لأن إضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة وكذلك قوله تعالى يهدي الله لنوره من يشاء

الخامس أنه تعالى قال وجعل الظلمات والنور فتبين بهذا أنه تعالى خالق الأنوار

االسادس أن النور يزول بالظلمة ولو كان تعالى عين هذا النور المحسوس لكان قابلا للعدم وذلك يقدح في كونه قديما واجب الوجود

السابع أن الأجسام كلها متماثلة على ما سبق تقريره ثم إنها بعد تساويها في الماهية تراها مختلفة في النور والظلمة فوجب أن يكون الضوء عرضا قائما

80

بالأجسام والعرض يمتنع أن يكون إلها فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل النور على ما ذكروه بل معناه أنه هادي أهل السموات والأرض أو معناه منور السموات والأرض على الوجه الأحسن والتدبير الأكمل كما يقال فلان نور هذه البلدة إذا كان سببا لصلاحها وقد قرأ بعضهم لله نورالسموات والأرض وبالله التوفيق
الفصل السابع في الحجاب


قال تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قالوا والحجاب لا يعقل إلا في الأجسام وتمسكوا أيضا بأخبار كثيرة

الخبر الأول ما روى صاحب شرح السنة رحمه الله في باب الرد على الجهمية قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال ( إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي أن ينام ولكنه يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) قال المصنف هذا حديث أقر به الشيخان وقوله يخفض القسط ويرفعه أراد أنه يراعي العدل في أعمال عباده كما قال تعالى وما ننزله إلا بقدر معلوم

الخبر الثاني ما يروى في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى سبعين حجابا من النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره )

الخبر الثالث روي في تفسير قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أنه تعالى يرفع الحجاب فينظرون إلى وجهه تعالى

واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا رحمهم الله قالوا أنه يجوز أن يقال أنه تعالى محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال أنه محجوب عنهم لأن لفظة الإحتجاب مشعرة بالقوة والقدرة والحجب مشعر بالعجز والذلة فيقال احتجب السلطان عن عبيده ويقال فلان حجب عن الدخول على السلطان وحقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محال لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين بل هو محمول عندنا على أن لا يخلق الله تعالى في العين رؤية متعلقة به وعند من

81

ينكر الرؤية على أنه تعالى يمنع وصول آثار إحسانه وفضله من إنسان

وأما الخبر الأول وهو قوله عليه السلام ( حجابه النور )

فاعلم أن كل شيء يفرض مؤثرا في شيء آخر فكل كمال يحصل للأثر فهو مستفاد من المؤثر ولا شك أن ثبوت ذلك الكمال لذلك المؤثر أولى من ثبوته في ذلك الأثر وأقوى وأكمل ولا شك أن معطي الكمالات بأسرها هو الحق تعالى وكل كمالات الممكنات بالنسبة إلى كمال الله تعالى كالعدم ولا شك أن جملة الممكنات ليست إلا عالم الأجسام وعالم الأرواح ولا شك أن جملة كمالات عالم العناصر بالنسبة إلى كمالات عالم الأفلاك كالعدم ثم كمال حال الربع المسكون بالنسبة إلى كمال العناصر كالعدم ثم كمال الشخص المعين بالنسبة إلى كمالات الربع المسكون كالعدم فيظهر من هذا أن كمال الإنسان المعين بالنسبة إلى كمال الله تعالى أولى بأن يقال أنه كالعدم ولا شك أن روح الإنسان وحده لا تطيق قبول ذلك الكمال ولا يمكنه مطالعته بل الأرواح البشرية تضمحل في أدنى مرتبة من مراتب تلك الكمالات فهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ( لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره )
الفصل الثامن في القرب


قال الله تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله ( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) وروى الأستاذ ابن فورك رحمه الله في كتاب المتشابهات عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع الجبار كنفه عليه فيقر بذنوبه فيقول أعرف ثلاث مرات فيقول تعالى إني سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على روؤس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم )

82

واعلم أن المراد من قربه ومن دنوه قرب رحمته ودنوها من العبد وأما قوله فيضع الجبار كنفه عليه فهو أيضا مستفاد من قرب الرحمة يقال أنا في كنف فلان أي في إنعامه وأما ما رواه بعضهم فيضع الجبار كتفه فاتفقوا على أنه تصحيف والرواة ضبطوها بالنون ثم إن صحت تلك الرواية فهي محمولة على التقريب والغفران والله أعلم
الفصل التاسع في المجيء والنزول


احتجوا بقوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وبقوله تعالى وجاء ربك واحتجوا بالأخبار فمنها ما رواه صاحب شرح السنة رحمه الله في باب إحياء آخر الليل وفضله عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ثم إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير ينزل إلى هذه السماء الدنيا فينادي هل من مذنب يتوب هل من مستغفر هل من داع هل من سائل إلى الفجر ) قال صاحب هذا الكتاب هذا حديث متفق على صحته وفي هذا الباب أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ) ثم قال هذا حديث متفق على صحته وروى أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث المذكور وزاد فيه ( ثم يبسط يديه تبارك وتعالى فيقول من يقرض غير عديم ولا مظلوم ) وروى صاحب هذا الكتاب في باب ليلة النصف من شعبان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع فقال أكنت تخافين أن يحيف الله ورسوله فقلت يا رسول الله ظننت أنك أتيت نسائك فقال ( إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ) والبخاري ضعف هذا الحديث

83



واعلم أن الكلام في قوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام من وجهين

الأول أن نبين بالدلائل القاهرة أن سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب

والثاني أن نذكر التأويلات في هذه الآيات

أما النوع الأول فنقول الذي يدل على امتناع المجيء والذهاب على الله تعالى وجوه

الأول ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب فإنه لا ينفك عن المحدث وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب وجب أن يكون محدثا مخلوقا فالإله القديم يستحيل أن يكون كذلك

والثاني أن كل ما يصح عليه الإنتقال والمجيء من مكان إلى مكان فهو محدود متناه فيكون مختصا بمقدار معين مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه فحينئذ يكون اختصاصه بذلك المقدار لأجل تخصيص وترجيح مرجح وذلك على الإله القديم محال

والثالث وهو أنا لو جوزنا فيما يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي إلهية الشمس والقمر

الرابع أنه تعالى حكى عن الخليل عليه السلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله لا أحب الآفلين ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الإله تعالى فقد طعن في دليل الخليل وكذب الله في تصديق الخليل في ذلك حيث قال وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه

وأما النوع الثاني في بيان التأويلات المذكورة في هذه الآية فنقول فيه وجهان

84



الأول المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم آيات الله فجعل مجيء آيات الله مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات كما يقال جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد ثم أنه تعالى أكد ذلك بقوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ومن المعلوم أن بتقدير أن يصح المجيء والذهاب على الله تعالى لم يكن مجرد حضوره سببا للزجر والتهديد لأنه عند الحضور كما يزجر قوما ويعاقبهم فقد يثيب قوما ويكرمهم فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سببا للزجر والتهديد والوعيد فلما كان المقصود من الآية إنما هو التهديد فوجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية

الوجه الثاني أن يكون المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله ومدار الكلام في هذا الباب الإضافة ممتنعا فالواجب صرف ذلك الظاهر إلى التأويل كما قال العلماء في قوله تعالى إن الذين يحادون الله المراد يحادون أولياءه وقد قال تعالى وسئل القرية والمراد أهل القرية فكذا قوله تعالى يأتيهم الله أي يأتيهم أمر الله وليس فيه إلا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وذلك مجاز مشهور يقال ضرب الأمير فلانا وأعطاه والمراد أنه أمر بذلك والذي يؤكد صحة هذا التأويل وجهان

الأول أن قوله تعالى يأتيهم الله وقوله وجاء ربك إخبار عن حال القيامة ثم أن الله تعالى ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك فصار هذا مفسرا لذلك المتشابه لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض

والثاني أنه تعالى قال بعد هذه الآية وقضي الأمر ولا شك أن الألف

85

واللام للمعهود السابق وهذا يستدعي أن يكون قد جرى ذكره من قبل ذلك حتى يكون الألف واللام إليه وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله يأتيهم الله أي يأتي أمر الله فإن قيل أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال قلنا الأمر في اللغة له معنيان أحدهما الفعل والثاني الطريق قال تعالى وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر وقال وما أمر فرعون برشيد فيحمل الأمر في هذه الآية على الفعل وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه وأما إن حملنا الأمر على الأمر الذي هو ضد النهي ففيه وجهان

الأول أن يكون التقدير هو أن مناديا ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا ويكون إتيان الأمر هو وصول ذلك النداء إليهم وقوله في ظلل من الغمام أي مع ظلل والتقدير أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل في زمان واحد

الثاني أن يكون المراد من إتيان أمر الله تعالى في ظلل حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات دالة على حكم الله تعالى على كل واحد مما يليق به من السعادة والشقاوة أو يكون المراد أنه تعالى خلق نقوشا منظومة في ظلل من الغمام وتكون النقوش جلية ظاهرة لأجل شدة البياض ذلك الغمام وسواد تلك الكتابة وهي دالة على أحوال أهل الموقف في الوعد والوعيد وغيرهما وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم فيعلمون أن الأمر قد قرب وحضر

الوجه الثالث في التأويل أن يكون المعنى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعد من العذاب والحساب فحذف ما يأتي تعويلا على الفهم إذ لو ذكر ذلك العذاب الذي يأتيهم به كان ذلك أسهل عليهم في باب الوعيد وإذا لم يذكره كان أبلغ في التهويل لأنه حينئذ تنقسم خواطرهم وتذهب أفكارهم في كل وجه ومثله قوله

86

تعالى فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين والمعنى وأتاهم الله بخذلانه من حيث لم يحتسبوا وكذا قوله تعالى فأتى الله بنيانهم من القواعد ويقال في الكلام المتعارف المشهور إذا سمع بولاية رجل جاءنا فلان بجوره وظلمه ولا شك أنه مجاز مشهور

الوجه الرابع في التأويل أن يكون في بمعنى الباء وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض وتقديره هل ينظرون أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة والمراد أنه يأتيهم الله بالغمام مع الملائكة

الوجه الخامس وهو أقوى من كل ما سبق إنا ذكرنا في التفسير الكبير أن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة إنما نزله في حق اليهود وعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات خطابا مع اليهود فيكون قوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام حكاية عنهم والمعنى أنهم لا يقبلون دينكم إلا لأنهم ينظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ومما يدل على أن المراد ذلك أنهم فعلوا ذلك مع موسى عليه السلام فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وإذا ثبت أن هذه الآية حكاية عن حال اليهود واعتقادهم لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها وذلك لأن اليهود كانوا على دين التشبيه وكانوا يجوزون المجيء والذهاب على الله تعالى وكانو يقولون أنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام فظنوا مثل ذلك في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن مذهبهم ليس بحجة وبالجملة فإنه يدل على أن قوما ينتظرون أن يأتيهم الله وليس في الآية دلالة على أن أولئك الأقوام محقون وعلى هذا التقدير زال الإشكال وهذا هو الجواب المعتمد عن تمسكهم بالآية المذكورة في سورة الأنعام فإن قيل هذا التأويل كيف يتعلق بهذه الآية وأنه قال في آخرها وإلى الله ترجع الأمور قلنا أنه تعالى حكى

87

عنادهم وتوقيفهم قبول الدين الحق على الشرط الفاسد ثم ذكر بعده ما يجري مجرى التهديد لهم فقال وإلى الله ترجع الأمور وأما قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا فالكلام فيه أيضا على وجهين

الأول أنا نحمل هذه الآية على باب المضاف وعلى هذا الوجه ففي الآية وجوه

أحدها وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة

وثانيها وجاء قهر ربك كما يقال جاءنا الملك القاهر إذا جاء عسكره

وثالثها وجاء ظهور معرفة الله تعالى بالضرورة في ذلك اليوم فصار ذلك جاريا مجرى مجيئه وظهوره

الوجه الثاني أنا لا نحمل هذه الآية على حذف المضاف ثم فيه وجهان

الأول أن يكون المراد من هذه الآية التمسك بظهور آيات الله تعالى وسر آثار قدرته وقهره وسلطانه والمقصود تمثيل تلك الحالة بحال الملك إذا حضر فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بظهور عساكره كلها

الثاني أن الرب هو المربي فلعل ملكا عظيما هو أعظم الملائكة كان مربيا للنبي وكان هو المراد من قوله وجاء ربك فأما الحديث المشتمل على النزول إلى السماء الدنيا فالكلام عليه من وجهين

الأول بيان أن النزول قد يستعمل في غير الإنتقال وتقريره من وجوه

أحدها قوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ونحن نعلم بالضرورة أن الجمل أو البقر ما نزل من السماء إلى الأرض على سبيل الإنتقال وقال الله تعالى فأنزل الله سكينته على رسوله والإنتقال على السكينة محال وقال الله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك والقرآن سواء قلنا أنه عبارة عن صفة قديمة أو قلنا أنه عبارة عن الحرف والصوت الإنتقال عليه محال

88



وقال الشافعي المطلبي رضي الله عنه دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ولم يكن المراد من هذا النزول الإنتقال

الثاني أن القوم رأوا أن كل سماء في مقابلة السماء التي فوقها كقطرة في بحر وكدرهم في مفازة ثم كل السموات في مقابلة الكرسي كقطرة في البحر والكرسي في مقابلة العرش كذلك ثم يقولون أن العرش مملؤ منه والكرسي موضع قدمه فإذا نزل إلى السماء الدنيا وهي في غاية الصغر بالنسبة إلى ذلك الجسم العظيم فإما أن يقال أن أجزاء ذلك الجسم العظيم يدخل بعضها في بعض وذلك يوجب القول بأن تلك الأجزاء قابلة للتفرق والتمزق ويوجب القول أيضا بتداخل الأجزاء بعضها في بعض وذلك يقتضي جواز تداخل حملة العالم في خردلة واحدة وهو محال وإما أن يقال إن تلك الأجزاء بليت عند النزول إلى السماء الدنيا وذلك قوله بأنه قابل للعدم والوجود وذلك مما لا يقوله عاقل في صفة الإله تعالى فيثبت بهذا البرهان القاهر أن القول بالنزول على الوجه الذي قالوه باطل

الثالث أنا قد دللنا على أن العالم كرة فإذا كان كذلك وجب القطع بأنه أبدا يكون الحاصل في أحد نصفي الأرض هو الليل وفي النصف الآخر هو النهار فإذا وجب نزوله إلى السماء الدنيا في الليل وقد دللنا على أن الليل حاصل أبدا فهذا يقتضي أن يبقى أبدا في السماء الدنيا إلا أنه يستدير على ظهر الفلك بحسب إستدارة الفلك وبحسب إنتقال الليل من جانب من الأرض إلى جانب آخر ولو جاز أن يكون الشيء المستدير مع الفلك أبدا إلها للعالم فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الفلك ومعلوم أن ذلك لا يقوله عاقل

النوع الثاني من الكلام في هذا الحديث بناؤه على التأويل على سبيل التفصيل وهو أن يحمل هذا النزول على نزول رحمته إلى الأرض وذلك الوقت والسبب في تخصيص ذلك الوقت بهذا الفعل وجوه

الأول أن التوبة التي يؤتى بها في قلب الليل الظاهر أنها تكون خالية عن

89

شوائب الدنيا لأن الأغيار لا يطلعون عليها فتكون أقرب إلى القبول

والثاني أن الغالب على الإنسان في قلب الليل الكسل والنوم والبطالة فلولا الجد العظيم في طلب الدين والرغبة الشديدة في تحققه لما تحمل مشاق السهر ولما أعرض عن اللذات الجسمانية ومتى كان الجد والرغبة والإخلاص أتم وأكمل كان الثواب أوفر

الثالث أن الليل وقت الكسل والفتور فاحتيج في الترغيب في الأشتغال بالعبادة في الليل إلى مزيد أمور تؤثر في تحريك دواعي الأشتغال والتهجد فيحسن أن الشارع يخص هذا الوقت بمثل هذا الكلام ليكون توفر الدواعي على التهجد أتم فهذه الجهات الثلاث تصلح أن تكون سببا لتخصيص الشرع هذا الوقت بهذا التشريف ولأجلها قال الله تعالى وبالأسحار هم يستغفرون وقال والمستغفرين بالأسحار

الوجه الرابع أن جمعا من أشراف الملائكة ينزلون في ذلك الوقت بأمر الله تعالى فأضيف ذلك إلى الله تعالى لأنه حصل بسبب أمر الله تعالى كما يقال بنى الأمير دارا وضرب دينارا وممن ذهب إلى هذا التأويل من يروي الخبر بضم الباء تحقيقا لهذا المعنى

واعلم أن تمام التقرير في هذا الخبر أن من نزل من الملوك عند إنسان لإصلاح شأنه والإهتمام بأمره فأنه يكرمه جدا بل يكون نزوله عنده مبالغة في إكرامه فلما كان النزول موجبا للإكرام أطلق اسم النزول على الإكرام وهذا أيضا هو المراد بقوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وذلك أن الملك إذا جاء وحضر لفصل الخصوصات عظم وقعه واشتدت هيبته والله أعلم
الفصل العاشر في الخروج والبروز والتجلي والظهور


قال صلى الله عليه وسلم ( سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ولا تضامون في

90

رؤيته وفي رواية لا تضارون والتأويل أن المقصود تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ومعنى قوله لا تضامون أي لا ينضم بعضكم إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال رأس الشهر بل رؤية جهرة من غير تكلف كما ترون البدر وقوله لا تضارون أي لا يلحقكم ضرر في طلب رؤيته بل ترونه من غير تكلف الطلب وما روي تضامون مخففا فالمراد منه الضيم أي لا يلحقكم فيه ضيم وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبرز كل يوم جمعة لأهل الجنة على كثيب من كافور فيكون في القرب على تبكرهم إلى الجمعة ألا فسارعوا إلى الخيرات )

واعلم أنه قيل إن هذا الخبر ضعيف وإن صح فالتأويل أن أهل الجنة يرون على مقادير أوقات الدنيا فيما سبق من أعمالهم الحسنة وأما بروزه لأهل الجنة وبذلك يتخيل لهم فهو أن يخلق لهم رؤية متعلقة وهو على كثيب من كافور وإما قربه منهم فمعناه القرب بالرحمة كما قال ( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ) ويقال للفاسق أنه بعيد من الله وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال ( ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه يوم القيامة ويكلمه وليس بينه وبينه ترجمان ) فنقول وجه التأويل فيه من أراد أن يتوجه إليه منهم فإنه يخلو به فعبر به عنه أيضا كما كان قادرا على أن يسمع كل واحد أنه لا يتكلم مع غيره والله أعلم
الفصل الحادي عشر في الظواهر


في الظواهر التي توهم كونه قابلا للتجزي والتبعض تعالى عنه علوا كبيرا أما الذي ورد منه في القرآن فقوله تعالى في حق آدم عليه السلام فإذا سويته ونفخت فيه من روحي وقال في مريم عليها السلام وروح منه وأما الخبر فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ( لما خلق آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم وشكر الله فقال له ربه يرحمك ربك ثم قال هذه تحيتك وتحية ذريتك ) والتأويل أن نقول إما إضافة الروح إلى نفسه فهو إضافة التشريف وأما النفخ فالتبير بالسبب عن المسبب وهذا مما يجب المصير إليه لامتناع أن يكون

91

تعالى قابلا للتجزي والتبعيض
الفصل الثاني عشر في الجواب عن إستدلالهم بقوله تعالى

ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قالوا فإنه تعالى عاب هذه الأصنام وطعن في كونها آلهة بناء على عدم هذه الأعضاء لها فلو لم تكن هذه الأعضاء حاصلة لله تعالى لتوجه الطعن هناك وذلك باطل والجواب عنه أن يقال المقصود من هذه الأيدي شيء آخر سوى ما ذكرتم وبيانه هو أن الكفار الذي كانوا يعبدون الأصنام كانت لهم أرجل يمشون بها وأيد يبطشون بها وأعين يبصرون بها وآذان يسمعون بها ولأن المقصود من الرجل واليد والعين والأذن هو هذه القوى المتحركة والمدركة فإذا كانت هذه الأعضاء حاصلة لكم وغير حاصلة لها كنتم أشرف وأعلى منها فكيف يليق بالعقل إقدامكم على عبادتها وبالله التوفيق
الفصل الثالث عشر

في الوجه احتجوا على إثباته لله تعالى بالأخبار والآيات أما الآيات فكثيرة
أحدها قوله تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام قالوا وامتنع أن يكون وجه الرب هو الرب ويدل عليه وجهان

الأول أنه تعالى أضاف الوجه إلى نفسه وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة

والثاني لو كان ذو الجلال صفة للرب لوجب أن يقال ذي الجلال لأن صفة المجرور مجرورة

وثانيتها قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه

وثالثتها قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه

92



ورابعتها قوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه

وخامستها قوله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله

وسادستها قوله تعالى يريدون وجه الله

وسابعتها قوله تعالى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى وأما الأخبار فكثيرة

الأول ما روى خزيمة عن جابر قال لما نزل قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وأعذوا بوجهك ) ثم قال أو من تحت أرجلكم ثم قال أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال صلى الله عليه وسلم ( هاتان أهون وأيسر )

الثاني روى عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق والعدل في الغضب والرضى وأسألك القضاء في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا يتبدل وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضاء بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين )

الثالث قال صلى الله عليه وسلم ( من صام يوما في سبيل إبتغاء وجه الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفا )

الرابع عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بوجه الله فعظموه )

الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( مثل المجاهد في سبيل الله إبتغاء وجه الله مثل القائم المصلي حتى يرجع من جهاده )

93



السادس قال عبد الله قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فاحمر وجهه حتى وددت أني لم أخبره فقال ( رحمنا الله وموسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر )

السابع عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن المسلم إذا دخل في صلاته أقبل الله إليه بوجهه ينصرف عنه حتى ينصرف عنه أو يحدث حديثا )

الثامن عن الحارث الأشقري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا أن القول لبني إسرائيل إذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل بوجهه إلى عبده )

التاسع الحديث المشهور وهو أنه عليه السلام قال في قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وقال أيضا ( جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما وما بين القدم وبين أن ينظر إلى وجه ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه )

العاشر عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المرأة عورة فإذا خرجت يستبشر بها الشيطان وأقرب ما تكون من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها )

واعلم أنه لا يمكن أن يكون الوجه المذكور في هذه الآيات وهذه الأخبار هو الوجه بمعنى العضو والجارحة ويدل عليه وجوه

الأول قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه وذلك لأنه لو كان الوجه هو العضو المخصوص لزم أن يفنى جميع الجسد والبدن وأن تفنى العين التي على الوجه وأن لا يبقى إلا مجرد وقد التزم بعض حمقى المشبهة ذلك وهو جهل عظيم

الثاني أن قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ظاهره

94

يقتضي وصف الوجه بالجلال والإكرام ومعلوم أن الموصوف بالجلال والإكرام هو الله تعالى وذلك يقتضي أن يكون الوجه كناية عن الذات

الثالث قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله وليس المراد من الوجه ههنا هو العضو المخصوص فإنا ندرك بالحس أن العضو المسمى بالوجه غير موجود في جميع جوانب العالم وأيضا فلو حصل ذلك العضو في جميع الجوانب لزم حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في أمكنة كثيرة وذلك لا يقوله عاقل

الرابع أن قوله تعالى يريدون وجهه وقوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يمكن حمل شيء منها على الظاهر لأن وجهه تعالى على مذهبهم قديم أزلي والقديم الأزلي لا يراد لأن الشيء الذي يراد معناه أنه حصوله ودخوله في الوجود وذلك في القديم الأزلي محال وأيضا فهؤلاء كانو يعبدون الله تعالى وما كانوا يريدون وجه الله وأنه لو كان غضبان عليهم فهم لا يريدونه بل إنما يريدون منه كونه راضيا عنهم وذلك يدل على أنه ليس المراد من الوجه في هذه الآيات نفس الجارحة المخصوصة بل المراد منه شيء آخر وهو كونه تعالى راضيا عنهم

الخامس الخبر الذي رويناه وهو قوله عليه السلام ( أقرب ما تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها ) ومعلوم أنه لو كان المراد من الوجه العضو المخصوص لم يختلف الحال في القرب والبعد بسبب كونها في بيتها أو لم تكن أما إذا حملنا الوجه على الرضاء استقام ذلك فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن أن يكون الوجه المذكور في هذه الآيات والأخبار بمعنى العضو والجارحة وإذا عرفت هذا فنقول لفظ الوجه يجعل كناية عن الذات تارة وعن الرضى أخرى

أما الأول فنقول السبب في وجوب جعل الوجه كناية عن الرضى وجوه

الأول أن المرئي من الإنسان في أكثر الأوقات ليس إلا وجهه وبوجهه يتميز ذلك الإنسان عن غيره فالوجه كأنه هو العضو الذي به يتحقق وجود ذلك الإنسان وبه

95

يعرف كونه موجودا فلما كان الأمر كذلك لا جرم حسن جعل الوجه إسما لكل الذات ومما يقوي ذلك أن القوم إذا كان معهم إنسان يرتب أحوالهم ويقوم بإصلاح أمورهم سمي وجه القوم ووجيهم والسبب فيه ما ذكرنا

الثاني أن المقصود من الإنسان ظهور آثار عقله وحسه وفهمه وفكره ومعلوم أن معدن هذه الأحوال هو الرأس ومظهر آثار هذه القوى هو الوجه فلما كان معظم المقصود من خلق الإنسان إنما يظهر في الوجه لا جرم حسن إطلاق إسم الوجه على كل الذات

الثالث أن الوجه مخصوص بمزيد الحسن واللطافة والتركيب العجيب والتأليف الغريب وكل ما في القلب من الأحوال فإنه يظهر على الوجه فلما امتاز عن سائر الأعضاء بهذه الخواص لا جرم حسن إطلاق لفظ الوجه على كل الذات وأما بيان السبب في جواز جعل لفظ الوجه كناية عن الرضى فهو أن الإنسان إذا مال قلبه إلى الشيء أقبل بوجهه عليه وإذا كره شيئا أعرض بوجهه عنه فلما كان إقبال الإنسان بوجهه عليه من لوازم كونه مائلا إليه لا جرم حسن جعل لفظ الوجه كناية عن الرضى إذا عرفت هذه المقدمة فنقول أما قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه وقوله ويبقى وجه ربك فالمراد منه الذات والمقصود من ذكره التأكيد والمبالغة فإنه يقال وجه هذا الأمر كذا وكذا ووجه هذا الدليل هو كذا وكذا والمراد منه هو نفس ذلك الشيء ونفس ذلك الدليل فكذا وهذا أما قوله تعالى فثم وجه الله إنما نطعمكم لوجه الله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى فالمراد من الكل رضى الله تعالى وهكذا القول في تلك الأحاديث وبالله التوفيق
الفصل الرابع عشر في العين


احتجوا على ثبوتها بالقرآن والأخبار أما القرآن فقوله تعالى لنوح عليه السلام واصنع الفلك بأعيننا ولموسى عليه السلام ولتصنع على عيني ولمحمد صلى الله عليه وسلم واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا أما الأخبار

96

فروى صاحب شرح السنة رحمه الله في باب ذكر الدجال عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذر قومه لقد أنذر نوح قومه ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه إنه أعور وإن الله ليس بأعور ) ثم قال صاحب الكتاب هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في كتابه وروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه ذكر الدجال عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( إن الله لا يخفى عليكم إنه ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ) ثم قال هذا حديث اتفق الشيخان على صحته ومما يدل أيضا على إثبات العين لله تعالى ما روي في الدعوات ( احفظنا بعينك التي لا تنام ) وأيضا يقال في العرف عين الله عليك

واعلم أن نصوص القرآن لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه

الأول أن ظاهر قوله تعالى ولتصنع على عيني يقتضي أن يكون موسى عليه السلام مستقرا على تلك العين ملتصقا بها مستعليا عليها وذلك لا يقوله عاقل

الثاني أن قوله تعالى واصنع الفلك بأعيننا يقتضي أن يكون آلة تلك الصنعة هي تلك الأعين

والثالث أن إثبات الأعين في الوجه الواحد قبيح فثبت أنه لا بد من المصير إلى التأويل وذلك هو أن يحمل هذه الألفاظ على شدة العناية والحراسة والوجه في حسن المجاز أن من عظمت عنايته بشيء وميله إليه ورغبته فيه كان كثير النظر إليه فجعل لفظ العين التي هي آلة لذلك النظر كناية عن شدة العناية وأما هذا الخبر الذي رويته فمشكل لأنه ظاهره يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الفرق بين الإله تعالى وبين الدجال الأعور وكون الله تعالى ليس بأعور وذلك بعيد وخبر الواحد إذا بلغ هذه الدرجة في ضعف المعنى وجب أن يعتقد أن الكلام كان مسبوقا بمقدمة لو ذكرت لزال هذا الإشكال أليس راوي هذا الحديث هو ابن عمر ثم إن ابن عمر لما روى قوله أن الميت ليعذب ببكاء أهله طعنت عائشة رضي الله عنها فيه وذكرت أن

97

هذا الكلام من الرسول كان مسبوقا بكلام آخر واحتجت على ذلك بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى لو حكي لزال هذا الإشكال فكذا ههنا أنه من البعيد صدور مثل هذا الكلام من الرسول الذي اصطفاه الله تعالى لرسالته وأمر ببيان شريعته وبالله التوفيق
الفصل الخامس عشر في النفس


هذا اللفظ غير وارد في القرآن لكنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن ) وقال أيضا ( إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن ) والتأويل أنه مأخوذ من قوله نفست عن فلان أي فرجت عنه وأنفس الله عن فلان أي فرج عنه والريح إذا كانت طيبة فقد زالت هذه المكاره فلما وجدها من قبل اليمن فقد حصل المقصود وأيضا فالمقرون بالمكروه مكروه والمقرون بالمحبوب فهو محبوب فلما وجد النبي صلى الله عليه وسلم النصرة من قبل اليمن فقد وجد التنفس من المكروهات من ذلك الجانب فلا جرم صدق قوله ( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الإيمان يمان والحكمة يمانية ) وهذا هو المراد من قوله ( إن الريح من نفس الرحمن ) أي هي مما جعل الله فيها التفريج وبالله التوفيق
الفصل السادس عشر في اليد


اعلم أن هذه اللفظة وردت في القرآن والأخبار أما القرآن فقد وردت هذه الصفة بصيغة الوحدان تارة وبصيغة التثنية أخرى كقوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وقوله بل يداه مبسوطتان وأما الأخبار فكثيرة

الأول ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( التقى آدم وموسى فقال موسى أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه أمرك بأمر فعصيته فأخرجك من الجنة فقال آدم يا موسى أصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده

98

أفتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال فحج آدم موسى ) وهذا الخبر اشتمل على أن موسى عليه السلام أثبت اليد لله تعالى وكذلك آدم قال بذلك

الثاني روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لما خلق الله تعالى الخلق كتب بيده على نفسه أن رحمتي سبقت غضبي )

الثالث روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إنه يفتح أبواب السماء في ثلث الليل الباقي فيبسط يده فيقول ألا عبد يسألني فأعطيه ولا يزال كذلك حتى يطلع الفجر )

الرابع روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن أحدكم ليتصدق بالتمرة إذا كانت من الطيب ولا يقبل الله إلا طيبا فيجعل الله في يده اليمنى ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه وفصيله حتى يصير مثل أحد )

الخامس الحديث المشهور وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الصدقة تقع في يدي الرحمن قبل أن تقع في يد الفقير )

السادس ما تواتر النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ( والذي نفسي بيده )

السابع قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا )

واعلم أن لفظ اليد حقيقة في هذه الجارحة المخصوصة إلا أنه يستعمل على سبيل المجاز في أمور غيرها

فالأول أنه يستعمل لفظ اليد في القدرة يقال يد سلطان فوق يد الرعية أي قدرته غالبة على قدرتهم والسبب في حسن هذا المجاز أن كمال حال هذا العضو إنما يظهر بالصفة المسماة بالقدرة فلما كان المقصود من اليد حصول القدرة أطلق إسم القدرة على اليد وقد يقال هذه البلدة في يد الأمير وإن كان الأمير مقطوع اليد ويقال فلان في يده الأمر والنهي والحل والعقد والمراد ما ذكرناه

والثاني أن اليد قد يراد بها النعمة وإنما حسن هذا المجاز لأن آلة إعطاء النعمة اليد فإطلاق إسم اليد على النعمة إطلاق لإسم السبب على المسبب

الثالث أنه قد يذكر لفظ اليد صلة للكلام على سبيل التأكيد كقولهم يداك

99

أوكتا ويقرب منه قوله تعالى فقدموا بين يدي نجواكم صدقة وقوله بين يدي رحمته فإن النجوى الرحمة ولا يكون لها هذان العضوان المسميان باليدين إذا عرفت هذه المقدمة فنقول أما قوله تعالى يد الله فوق أيديهم فالمعنى أن قدرة الله تعالى غالبة على قدرة الخلق وأما قوله تعالى حكاية عن اليهود أنهم قالوا يد الله مغلولة فاليد ههنا بمعنى النعمة والدليل عليه أن اليهود إما أن يقال بأنهم مقرون بإثبات الخالق أو يقال بأنهم منكرون له فإن أقروا به امتنع أن نقول إن خالق العالم جعل مغلولا مقهورا فإن ذلك لا يقوله عاقل وإن أنكروه لم يكن للقول بكونه مغلولا فائدة

فثبت أن المراد أنهم كانوا يعتقدون أن نعم الله تعالى محبوسة عن الخلق ممنوعه عنهم فصارت هذه الآية من أقوى الدلائل على أن لفظة اليد قد يراد بها النعمة وأما قوله تعالى بل يداه مبسوطتان فالمراد منه أيضا النعمة ويدل عليه وجهان

الأول أن هذا ورد في معرض الجواب عن قول اليهود يد الله مغلولة ولما بينا بالدليل أن قولهم يد الله مغلولة ليس معناه الغل والحبس بل معناه إحتباس نعم الله عنهم وجب أن يكون قوله بل يداه مبسوطتان عبارة عن كثرة نعم الله تعالى وشمولها للخلق حتى يكون الجواب مطابقا للسؤال

والثاني أن قوله بل يداه مبسوطتان لو حملناه على ظاهره لزم كون يديه مبسوطتين مثل يد صاحب التسنج تعالى الله عنه فثبت أن

المراد منه إفاضة النعم وأما قوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فنقول للعلماء فيه قولان

الأول أن اليدين صفتان قائمتان بذات الله تعالى يحصل بهما التخلق على وجه التكريم والإصطفاء كما في حق آدم عليه السلام واحتج القائلون بهذا الوجه بوجوه

100



الأول أن قوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي مشعر بأنه تعالى إنما جعل آدم مسجود الملائكة لأنه تعالى خلقه بيديه فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لكانت علة هذه المسجودية حاصلة في كل المخلوقات فوجب هذا الحكم في الكل وحيث لم يحصل علمنا أن اليد صفة سوى القدرة

الثاني أن قدرة الله تعالى واحدة واليد موصوفة بالتثنية

والثالث أن قوله تعالى لما خلقت بيدي يدل على كونه مخصوصا بأنه مخلوق والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه فوجب في كل من سوى آدم عليه السلام أن لا يكونوا مخلوقين باليدين ولا شك في انهم مخلوقون بالقدرة وذلك يقتضي أن تكون اليد شيئا سوى القدرة والقول الثاني أن اليد ههنا هي القدرة ويدل عليه وجوه

الأول أن القدرة عبارة عن الصفة التي يكون الموصوف بها متمكنا من الإيجاد والتكوين ونقل الشي من العدم إلى الوجود فما كان المسمى باليد كذلك كان ذلك المعني نفس القدرة

والثاني أن قدرة الله تعالى صفة قديمة واجبة الوجود فيجب تعلقها بكل ما يصح ان يكون مقدورا وإلا لزم افتقارها في ذلك الاختصاص إلى المخصص لكن المصحح المقدورية وهو الامكان فهذا يقتضي ان يكون كل ممكن مقدور لله تعالى ولاشك أن وجود آدم عليه السلام من الممكنات فيكون وجود آدم من جملة متعلقات قدرة الله تعالى فلو فرضنا جهة أخرى مستقله بإيجاد هذا الممكن لزم أن يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال

والثالث أن إثبات صفة سوى القدرة مؤثرة في وجود آدم ما لا دليل على ثبوتها فلم يجز إثباتها لانعقاد الإجتماع على أن صفة من صفات الله من غير دليل لا يجوز فأما الجواب عن الوجه الأول أما ما تمسكوا به أولا فهو أنه لو كان تخليق آدم باليدين يوجب مزيد الإصطفاء لكان تخليق البهائم والأنعام بالأيدي يوجب رجحانها على آدم في هذا الاصطفاء لقوله تعالى في صفة تخليقها مما عملت

101

أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ) ثم نقول لم لا يجوز أن يكون معنى قوله تعالى خلقت بيدي هو بيان لكثرة عناية الله تعالى في إيجاده وتكوينه فإن الإنسان إذا أراد المبالغة في إصلاح بعض المهمات وفي تكميله فقد يقول هذا الشيء اعمله بيدي ومن المعلوم أن التخليق بغير هذا النوع من العناية ما كان حاصلا في حق غير آدم عليه السلام والجواب عما تمسكوا به ثانيا أن التثنية لا تدل على حصول العدد بدليل قوله تعالى فقدموا بين يدي نجواكم صدقة وقوله بين يدي رحمته والجواب عما تمسكوا به ثالثا أن التخصيص بالذكر هنا لم يدل على نفي حكمه عما عداه للناس بينا أن التخليق باليدين عبارة عن التخليق المخصوص بمزيد الكرامات والتشريف وهذا المجموع ما كان حاصلا في غير آدم وأما الأحاديث فنقول أما قوله خلق آدم بيده وكتب التوارة بيده فذلك حق يدل على أن المراد التخصيص بمزيد الكرامات وكذا قوله كتب بيده على نفسه أن رحمتي سبقت غضبي وأما قوله إن الله يفتح أبواب السماء في ثلث الليل الباقي فيبسط يده فالمراد إفاضه النعمة وإيصال الرحمة والمغفرة إلى المحتاجين وأما قوله الصدقة تقع في يدي الرحمن فالمراد منه شدة العناية لقبول تلك الصدقات وتكثير الثواب عليه وكذا المراد بقوله خمر طينة آدم بيده وأما قوله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده فالمراد باليد هنا القدرة والذي يدل على أن هذه الألفاظ يجب تأويلها أن قوله صلى الله عليه وسلم الصدقة تقع في يدي الرحمن ليس المراد منه اليد بمعنى العضو والجارحة وتدل عليه وجوه

الأول أنا نشاهد أن تلك الصدقة ما وقعت إلا في يد الفقير فالقول في أنها وقعت في يد أخرى هي عضو من الأجزاء والأبعاض مع أنا لانراها ولا نحس بها تشكيك في الضروريات

الثاني هذا يقتضي أن تكون يد الله طرفا لصدقات العباد وذلك على خلاف ظاهر قوله تعالى بل يداه مبسوطتان

102



الثالث أن ذلك يقتضي أن تكون يد المعطى فوق يد المعبود حتى يمكنه أن يوقع الصدقة في يدي الرحمن وذلك مناقض لظاهر قوله تعالى فوق أيديهم

الرابع أن ذلك يقتضي أن يكون هو على العرش ويده على الأرض وذلك لا يقوله عاقل فثبت أنه لا بد في هذه الظواهر من التأويلات وبالله التوفيق
الفصل السابع عشر في إثبات القبضة


هذه اللفظة قد أفردت في الأخبار والقرآن أما القرآن فقوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم القيامة وأما الأخبار فكثيرة

الخبر الأول ما ورى ابن خزيمة في كتابه الذي سماه بالتوحيد عن أبى موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأسود والسهل والجبل والخبيث والطيب

الخبر الثاني ما ورى ابن خزيمة في كتابه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد قبض قبضة فقال إلى الجنة برحمتي وقبض قبضة فقال إلى النار ولا أبالي

والخبر الثالث عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في القبضتين هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي

واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن تكون الأرض قبضته وذلك محال لأن الأرض محتوية على النجاسات فكيف يقول القائل إنها قبضه إله العالم ولأن التراب مخلوق من الأرض وقبضة الخالق لا تكون المخلوقة ولأن الأرض تقبل الإجتماع والإفتراق والعمارة والتفريق وقبضة الخالق لا تكون كذلك فإذا لا بد من التأويل وهو أن يقال إن الأرض في قبضته ألا أن هذا الكلام كما يذكر ويراد به احتواء الأنامل على الشي فقد يذكر ويراد به كون الشيء في قدرته ونصرته

103

وملكه يقال هذه البلدة في قبضة السلطان والمراد ما ذكرناه وأما القبضة المذكورة في الخبر فالمراد أنه تعالى ميز من تراب الأرض مقدار القبضة وهذا مجاز مشهور يقال للشيء القليل أنه قبضة وحفنة والمراد أن مقداره مثل ذلك وبالله التوفيق
الفصل الثامن عشر في إثبات اليدين


مما تمسكوا به في إثبات اليدين لله عز وجل احتجوا بالقرآن والأخبار أما القرآن فقوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وقوله تعالى بل يداه مبسوطتان وأما الخبر فما روى ابن خزيمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما خلق آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له يرحمك ربك يا آدم ثم قال له يا آدم اذهب إلى الملائكة فقل السلام عليكم فلما ذهب وقال فقالوا عليكم السلام ورحمة الله تعالى ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي فكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء فقال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عقبه )

واعلم أن هذا الحديث طويل ومقصودنا هنا هذا القدر وقد عرفت أنه لا يمكن حمل لفظ اليد في حق الله تعالى على الجارحة ويدل ههنا وجوه أخر

فالأول أن ظاهر الحديث يدل على أن كلتا يديه يمين واليد بمعنى الجارحة إذا كانت كلتاهما يمينا كان ذلك في غاية القبح وتشويه الخلقة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

والثاني أن إحدى اليدين إذا كانت غير وافية بالعمل كانت ناقصة وكذلك توجب نقصانا في الصورة 0

والثالث أن ظاهر الخبر الذي رويناه يدل على أنه كان يلعب مع آدم عليه

104

السلام كما يلعب الصبيان بعضهم مع بعض حتى يقبضون أيديهم على الزوج والفرد والصبيان إذا فعلوا ذلك ضربهم المعلم وأدبهم فكيف ينسب ذلك إلى رب العالمين وأحكم الحاكمين فثبت أنه يجب حمل ذلك على الباكورة في الحفظ والحراسة وشدة العناية وبالله التوفيق
الفصل التاسع عشر في إثبات اليمين

في إثبات اليمين لله تعالى واحتجوا بالقرآن والأخبار أما القرآن فقوله تعالى والسماوات مطويات بيمينه وقوله لأخذنا منه باليمين وأما الأخبار فكثيرة

الأول قوله عليه السلام كلتا يديه يمين والثاني عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك فأين ملوك الأرض )

الثاني روى صاحب شرح السنة في باب الإيمان بالقدر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه ثم استخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون )

الثالث روى ابن خزيمة في كتابه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( إن أحدكم يتصدق بالتمرة من كسب طيب ولا يقبل الله اإا طيبا فيجعلها في يده اليمين ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه وفصيله حتى يصير مثل أحد ) واعلم أن اليمين عبارة عن القوة والقدرة والدليل عليه انه سمى الجانب الأيمن باليمين لأنه أقوى الجانبين وسمى الحلف باليمين لأنه يقوى عزم الإنسان على الفعل أو الترك قال الشاعر
إذا ما راية رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين


105

إذا عرفت هذا ظهر الوجه في قوله تعالى والسماوات مطويات بيمينه أما قوله تعالى لأخذنا منه باليمين فالمراد منه يمين المأخوذ أي أخذنا من ذلك الإنسان وهو كما يقال أخذت بيمين الصبي وذهبت به إلى المكتب وإن كان المراد بيمين الآخذ فالمراد منه القوة والقدرة إذا عرفت ذلك من الآية فاعرف مثله في الأخبار
الفصل العشرون في الكف


هذا اللفظ غير وارد في القرآن لكنه مذكور في الخبر روى ابن خزيمة في كتابه الذي سماه بالتوحيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب فيقع في كف الرحمن فيربيه كما يربي أحدكم فصيله حتى ان التمرة لتعود مثل الجبل العظيم ) وروي هذا الحديث برواية أخرى عن أبي هريرة وفيه ( إن الرجل ليتصدق باللقمة فيربو في يد الله تعالى أو قال في كف الله تعالى حتى يكون مثل الجبل فتصدقوا ) واعلم أن هذا يدل على أن أبا هريرة كان مترددا في أنه سمع لفظ اليد أو لفظ الكف ويمكن أن يقال إنه سمعها معا في مجلسين مختلفين وروى ابن خزيمة في آخر هذا الباب عن ابن حيان أنه سمع أبا هريرة يذكر هذا الحديث موقفا فثبت بطريق الضعف هذا الحديث وبتقدير الصحة فهو كناية عن زيادة الاهتمام بذلك الفعل وقوة العناية به كما تقدم مثله في سائر الألفاظ وبالله التوفيق
الفصل الحادي والعشرون في الساعد


ذكر في آخر حديث طويل ساعد الله أشد من ساعدك قال الداعي إلى الله المصنف رضي الله عنه إذا صح هذا الحديث فمحمول على كمال القدرة ونظيره قوله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين

106

الفصل الثاني والعشرون في الأصبع


هذه اللفظة غير مذكورة في القرآن لكنها مذكورة في الأخبار

فالخبر الأول روي القشيري عن مسلم بن الحجاج عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا يا رسول الله أما أنبأك غفران ما أتيته فهل تخاف بعد فقال القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها كيف شاء )

الخبر الثاني روى صاحب شرح السنة في باب قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما من قلب ألا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إذا شاء عصمه وإذا شاء غير بريقه إذا غر ) قال فكان صلى الله عليه وسلم يقول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك والميزان بين يدي الرحمن يرفع أقواما ويضع آخرين إلى يوم القيامة )

والخبر الثالث روى ابن خزيمة في كتابه عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب فقال يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل الخلائق على اصبع والسموات والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والثرى على أصبع قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فأنزل الله تعالى وما قدروا الله حق قدره إلى آخر الآية ) ثم ذكر ابن خزيمة هذا الحديث برواية أخرى عن عبد الله بإسناد حسن وقال ( فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا له )

واعلم انه ليس المراد من الأصبع العضو الجسماني ويدل عليه وجوه

الأول انه يلزم أن يكون لله تعالى بحسب كل قلب أصبعان أو يلزم أن يكون لله أصبعان يعدان وهما حاصلان في بطن كل إنسان حتى يكون الجسم الواحد حاصلا في أمكنة كثيرة وذلك كله سخيف وباطل

107



الثاني انه يلزم ان يكون اصبعاه في اجوافنا مع انه تعالى على العرش عند المجسمة وذلك ايضا محال

الثالث انه يقتضي ان لا يصح منه التصرف الا بالأصابع وهو عجز وحاجة وذلك على الله تعالى محال والتأويل الصحيح فيه ان الشيء الذي يأخذه الإنسان بأصابعه يكون مقدور قدرته ومحل تصرفه على وجه السهولة من غير ممانعة أصلا فلما كانت الأصابع سببا لهذه المكنة والقدرة جعل لفظ الأصبع كناية عن تلك القدرة الكاملة

اذا عرفت هذه المقدمة فنقول اما الحديث الأول ففيه سر لطيف وذلك لأن المتصرف في البدن هو القلب والقلب لا ينفك عن الفعل وعن الترك والفعل موقوف على حصول الدواعي الى الفعل والترك موقوف على حصول ضد تلك الدواعي ولا خروج عن هاتين الحالتين لأن الخروج عن طرفي النقيض محال ثم ان حصول الداعي الى الفعل من الله تعالى ولا حصول له من العبد وإلا افتقر العبد في تحصيل ذلك الداعي الى داع آخر فلزم التسلسل وهو محال فثبت ان القلب واقع بين هاتين الحالتين فان حصل فيه ما يدعوه الى الفعل عزم على الفعل وان لم يحصل فيه ذلك بقي على الترك فحصول هاتين الحالتين في قلوب المؤمنين للفعل والترك كالأصبعين المؤثرين في تقليب الأشياء وتقليب القلب بسبب هاتين الداعيتين يشبه تقليب الشيء المأخوذ بالأصبعين من حال إلى حال فكما أن الإنسان يتصرف في الشيء المأخوذ بأصبعه بتلك الأصابع فالحق سبحانه يتصرف في قلوب عباده بواسطة خلق تلك الدواعي وهذا هو السر الأعظم والقانون الأشرف في مسألة القضاء والقدر وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللفظة الوجيزة عن هذا السر اللطيف ومما يدل على أن المراد ما ذكرناه ما رويناه في الخبر انه صلى الله عليه وسلم كان كثيرا يقول ( ثبت قلبي على دينك ) واما الخبر الذي رواه عبد الله عن اليهود فالكلام فيه من وجهين

108



الوجه الأول ان هذا الكلام لا يكون حجة ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ضحك عند هذا الكلام استخفافا به فان الإنسان العاقل اذا سمع كلاما فقد يضحك عليه استخفافا به بقي ان يقال ان عبد الله نقل انه صلى الله عليه وسلم ضحك في كلامه تصديقا له الا انا نقول هذا تمسك بمجرد ظن فلا يكون حجة أصلا ثم انه معارض بما روي في الخير انه صلى الله عليه وسلم قرأ عند ذلك قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره وهذا مشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان منكرا لكلامه

الوجه الثاني انه ان صح هذا الخبر فهو محمول على كونه تعالى قادرا على التصرف في هذه الأجسام العظيمة بقدرة لا يدافعها دافع ولا يعارضها مانع وذلك لأنا بينا ان الشيء الذي يأخذه الانسان بأصبعه يكون قادرا على التصرف فيه على اكمل الوجوه فكان ذلك الأصبع هنا لتعريف كمال قدرة الله تعالى ونفاذ تصرفه في هذه الأجسام العظيمة ونظيره قولهم في وصف فعل من الأفعال بالسهولة واليسر هذا العمل في كفه بل على رأس اصبعه والمراد ماذكرناه وبالله التوفيق
الفصل الثالث والعشرون في الجنب

قال الله تعالى ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله واعلم ان المراد ههنا من الجنب الوجه والسبب في حسن هذا المجاز ان جنب الشيء إنما يسمى جنبا لأنه يصير ذلك الشيء مجانبا لغيره فمن أتي بعمل على سبيل الإخلاص في حق الله تعالى فقد جانب في ذلك العمل غير الله فيصح ان يقال ذلك العمل في جنب الله وهذه الاستعارة معروفة معتادة في العرف وبالله التوفيق
الفصل الرابع والعشرون في الساق


احتجوا على الساق بالقران والخبر اما القرآن فقوله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود وأما الخبر فقد روى صاحب شرح السنة رحمه الله في قوله تعالى إن زلزلة الساعة شيء عظيم عن ابي سعيد الخدري

109

رضي الله عنه انه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود على ظهره طبعا )

واعلم انه لا حجة للقوم في هذه الآية وفي الخبر ويدل عليه وجوه

الأول انه ليس في الآية ان الله يكشف عن ساقه بل قال يكشف عن ساق بلفظ ما لم يسم فاعله

والثاني ان إثبات الساق الواحد للحيوان نقص وتعالى الله عنه

والثالث ان الكشف عن الساق انما يكون عند الاحتراز عن تلوث الثوب بشيء محذور وجل اله العالم عنه بل نقول المراد بالساق شدة أهوال القيامة يقال قامت الحرب على ساقها اي شدتها فقوله يكشف عن ساق اي شدة القيامة وعن أهوالها وأنواع عذابها وأضافه إلى نفسه لأنه شدة لا يقدر عليها إلا الله تعالى
الفصل الخامس والعشرون في الرجل والقدم


اما الرجل فروى صاحب شرح السنة رحمه الله في آخر كتابه عن ابي هريره رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تحاجت الجنة والنار وقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فمالي لا يدخلني الا ضعفاء المسلمين وسقطهم فقال تعالى للجنة إنما أنت رحمتي ارحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تملأ حتى يضع الله تعالى فيها رجله فتقول قط قط فهناك ينزوي بعضها الى بعض ولا يظلم الله احدا من خلقه واما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقا ) قال صاحب شرح السنة رحمه الله هذا حديث متفق على صحته أخرجه الشيخان

وأما القدم فروى صاحب هذا الكتاب عن انس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها فتقول قط وعزتك وينزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة

110

فضل حتى ينشىء الله تعالى خلقا فيسكنهم فضول الجنة ) قال صاحب شرح السنة هذا حديث متفق على صحته أخرجه الشيخان
الفصل السادس والعشرون في الصحك


هذا الوصف لم يرد في القرآن لكنه ورد في الخبر روى صاحب شرح السنة رحمه الله في باب آخر من يخرج من النار عن ابن مسعود رضي الله عنه حديثا طويلا في صفة من أخرجه الله بفضله من النار قال ( فيسمع أصوات أهل الجنة فيقول أي رب أدخلنيها فيقول الله يا ابن آدم أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها فيقول أي رب أتستهزيء مني وأنت رب العالمين فضحك ابن مسعود وقال الأ تسألوني مم اضحك فقالوا مم تضحك فقال هنا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ومما يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من ضحك رب العالمين فيقول الله وإني لا أستهزيء بك وأنا على ما أشاء قدير ) وذكر أيضا في أول هذا الباب حديثا طويلا عن ابي هريرة رضي الله عنه الى ان قال ( ثم يقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله أولست قد زعمت ان لا تسألني غيره ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك فإذا ضحك منه ادن الله بالدخول في الجنة )

واعلم ان حقيقة الضحك على الله تعالى محال ويدل عليه وجوه

الأول قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى فيتبين ان اللائق به ان يضحك ويبكي فأما الضحك والبكاء فلا يليقان به

والثاني ان الضحك سنح يحصل في جلد الوجه مع حصول الفرح في القلب وهو على الله تعالى محال

والثالث لو جاز الضحك عليه جاز البكاء عليه وقد التزمه بعض الحمقى وزعم انه بكى على أهل طوفان نوع عليه السلام وهذا جهل شديد فإنه تعالى هو الذي خلق الطوفان فان كرهه فلم خلقه وان لم يكرهه فلم ينكر عليه

111



الرابع ان الضحك إنما يتولد من التعجب والتعجب حالة تحصل للإنسان عند الجهل بالسبب وذلك في حق عالم الغيب والشهادة محال اذا اثبت هذا فنقول وجه التأويل فيه وجوه

أحدها ان المصدر كما يحسن إضافته إلى المفعول فكذلك يحسن إضافته الى الفاعل فقوله ضحكت من ضحك الرب اي من الضحك الحاصل في ذاتي بسبب ان الرب خلق ذلك الضحك

الثاني ان يكون المراد انه تعالى لو كان ممن يضحك كالملوك كان هذا القول مضحكا له

الثالث ان يحمل الضحك على حصول الرضي والإذن وهذا نوع مشهور من الاستعارة وأما حديث ابي هريرة رضي الله عنه وهو ( ان العبد يقول لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه ) فيجوز ان يكون قد وقع الغلط في الإعراب وكان الحق فيضحك الله منه اي يضحك الله الملائكة من ذلك القول والذي يدل على ان ما ذكرناه محتمل ان أبا هريرة وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهما اختلفا في قدر عطية ذلك الرجل فقال ابو سعيد يعطيه الله ذلك المطلوب وعشرة أمثاله وقال ابو هريرة يعطيه الله ذلك ومثله معه وهذا الاختلاف بينهما في الحديث مذكور في كل كتب الأحاديث فلما لم يضبط هذا الموضع من الخبر فجوز عدم الضبط في ذلك الإعراب وبالله التوفيق
الفصل السابع والعشرون في الفرح


عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ( الله افرح بتوبة العبد من العبد اذا ضلت راحلته في ارض فلاة في يوم قايظ وراحلته عليها زاده ومزاده اذا ضلت راحلته أيقن بالهلاك واذا وجدها فرح بذلك فالله اشد فرحا بتوبة عبده من هذا العبد ) و قال صلى الله عليه وسلم ( لا يطأ الرجل المساجد للصلاة والذكر إلا يتشيش الله تعالى إليه كما يتشيش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم ) والتأويل وهو ان من يرضى بالشىء يفرح به فسمى الرضا بالفرح وهذا هو الكلام في البشاشة ومن

112

هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( عجب ربكم من شاب ليس له صبوة ) وفي حديث آخر ( عجب ربكم من ثلاثة القوم اذا اصطفوا في الصلاة والقوم إذا صلوا في قتال المشركين ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل وقرأ بل عجبت ويسخرون بضم التاء وذلك يدل على ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى

واعلم ان التأويل هو ان التعجب حالة تحصل عند استعظام الأمر فإذا عظم الله تعالى فعلا اما في كثرة ثوابه او في كثرة عقابه جاز إطلاق لفظ التعجب عليه وبالله التوفيق
الفصل الثامن والعشرون في الحياء


قال الله تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما وروى سلمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ) واعلم ان الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان في خوف ما يعاتب ويذم به واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقال نسي الرجل وخشي وسطي القوس اذا أغفلت هذه الأعضاء جعل الحي لما يقر به الانكسار والتغير متنكس القوة منتقص الحياة ولهذا يقال فلان هلك حياء من كذا ورأيت الهلال في وجهه من شدة الحياء وذاب حياء اذا ثبت هذا فنقول لا بد من تأويله وفيه وجهان

الأول وهو ان القانون الكلي في أمثال هذه الصفات ان كل صفة تثبت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فهو محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله ان الحياء حالة تحصل للإنسان ولها مبدأ ونهاية أما البداية فيها فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح وأما النهاية فهي أن يترك الإنسان ذلك الفعل فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الجواب الذي هو مبدأ الحياء وتقدمته بل المراد هو ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته وكذلك الغضب له مبدأ وهو غليان دم القلب وشهوة الانتقام وله غاية وهو إيصال العقاب إلى المغضوب عليه فإذا

113

وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد هو ذلك المبدأ أعنى غليان دم القلب وشهوة الانتقام بل المراد تلك النهاية وهي إنزال العقاب فهذا هو القانون

والثاني ان الذي لا يجوز على الله من جنس هذه الأوصاف فهل يجوز ذكرها على سبيل النفي عن الله تعالى قال بعضهم انه لا يجوز إطلاق هذه الألفاظ على طريقة النفي بل يجب أن يقال انه تعالى لا يوصف فإما أن يقال انه لا يستحي ويطلق ذلك فمحال لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى في كتابه من قوله لا تأخذه سنة ولا نوم لم يلد ولم يولد فهو ان كان في صورة النفي لكنه ليس في الحقيقة بل المراد منه نفي صحة الاتصاف وكذا قوله ما كان لله أن يتخذ من ولد وقوله ما اتخذ الله من ولد وقوله وهو يطعم ولا يطعم وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جاز أن يطلق في المخاطبات بل الحق انه لا يحوز إطلاق ذلك إلا مع بيان انه محال ممتنع في حق الله تعالى وقال آخرون لا باس بإطلاق هذا النفي لان هذه الصفات منتفية عن الله تعالى فكان الأخبار عن عدمها صدقا فوجب أن يجوز ذلك النفي وقد يقال إن الإخبار عن انتفائها يقتضي صحة إطلاقها عليه إلا أنا نقول هذه الدلالة ممنوعة فان الإخبار عن عدم الشيء لا دلالة فيه على أن ذلك الشيء جائز عليه أو ممتنع بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضا كان ذلك احسن من حيث انه يكون مبالغة في البيان في إزالة الإيهام وليس يلزم من كون غيره احسن منه كونه في نفسه قبيحا والله اعلم
الفصل التاسع والعشرون فيما يتمسكون به في إثبات الجهة لله تعالى


تمسكوا في ذلك القرآن والأخبار أما القرآن فمن عشرة اوجه

الأول التمسك بالآيات الست الواردة بلفظ الاستواء على العرش

الثاني التمسك بالآيات المشتملة على لفظ الفوق وقد قال تعالى وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير وقال وهو القاهر فوق عباده ويرسل

114

عليكم حفظة ) وقال يخافون ربهم من فوقهم

الثالث الآيات المشتملة على لفظ العلو كقوله تعالى وهو العلي العظيم وقوله تعالى وهو العلي الكبير وقوله سبح اسم ربك الأعلى وقوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى وأيضا تواتر النقل في قوله تعالى سبحان ربي الأعلى

الرابع الآيات المشتملة على لفظ العروج اليه والصعود قال تعالى تعرج الملائكة والروح إليه وقال اليه يصعد الكلام الطيب

الخامس الآيات المشتملة على لفظ الإنزال والتنزيل قالوا وهي كثيرة تزيد على المأتين في حق القرآن المبين والروح والملائكة المقربين والتوراة والإنجيل

السادس الآيات المقرونة بحروف ( إلى ) مع انها لانتهاء الغاية منها قوله تعالى إلى ربها ناظرة وذلك يقتضي انتهاء النظر اليه وقوله ثم إلى ربكم ترجعون وقوله إلي المصير وقوله ارجعي إلى ربك

السابع قوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون والحجاب إنما يصح في حق من يكون جسما وفي جهة حتى يصير محجوبا بسبب شيء آخر

الثامن الآيات الدالة على انه في السماء قال أم أمنتم من في السماء وقال قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله

التاسع الآيات المشتملة على الرفع اليه قال تعالى في حق عيسى عليه السلام إني متوفيك ورافعك إلي وقوله وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه

115



العاشر الآيات المشتملة على العندية كقوله إن الذين عند ربك وقوله عند مليك مقتدر وقوله رب ابن لي عندك بيتا في الجنة وقوله فالذين عند ربك وقوله ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته فهذا بيان وجوه تمسكاتهم من القرآن في إثبات الجهة لله تعالى قالوا والذي يدل على انها محكمة غير متشابهة أنها في غاية الكثرة وقوة الدلالة فلو كانت من المتشابهات لتكلم فيها احد من الصحابة والتابعين وذكروا تأويلاتها وحيث لم ينقل عن احد منهم ذلك علمنا انها محكمة لا متشابهة واما الأخبار فكثيرة

الخبر الأول ما رواه ابو داود في باب الرد على الجهمية والمعتزلة عن حسن بن محمد بن مطعم عن أبيه عن جده قال ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإننا نستشفع بالله عليك وبك على الله فقال صلى الله عليه وسلم سبحان الله سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك أتدري ما الله شأنه اعظم من ذلك انه لا يستشفع به على أحد انه لفوق سمواته على عرشه وانه عليه لهكذا واشار وقبب بيده مثل القبة عليه واشار ابو الأزهر ايضا يئط به اطيط المرجل بالراكب )

الخبر الثاني ما روى صاحب شرح السنة في باب سعة رحمة الله تعالى عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش ان رحمتي سبقت غضبي )

الثالث ما اخرج في الصحيح عن عمر بن الحكم انه قال ( كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ان لي جارية كانت ترعى غنما فجئتها ففقدت شاة فسألتها فقالت أكلها الذئب فأسفت عليها فلطمت وجهها وعلي ربعة افأعتقها فقال لها رسول الله أين الله فقالت في السماء فقال من انا قالت انت رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم اعتقها فإنها مؤمنة ) قالوا وهذا يدل على التصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن

116

الله في السماء وأما المعقول فقد تقدم من قولهم انا نعلم بالضرورة ان كل موجودين فلا بد وأن يكون احدهما حالا في الآخر او مباينا عنه بجهة من الجهات وتقدم الاستقصاء في الجواب عنها وبالله التوفيق

الأول قصة المعراج تدل على ان المعبود مختص بجهة فوق وربما تمسكوا في هذا المقام بقوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى وهذا يدل على ان ذلك الدنو بالجهة ثم قال فأوحى إلى عبده ما أوحى وهذا يدل ان ذلك الدنو انما كان من الله تعالى وهذا يدل على انه مختص بجهة فوق

الثاني تمسكوا بقول فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ثم ان موسى عليه السلام أنكر عليه هذا الكلام فدل ذلك على ان الاله في السماء فهذه جملة مايتمسكون به في هذا الباب

واعلم ان لنا في الجواب عن هذه الكلمات نوعان عن الجواب

النوع الأول أن نقول للكرامية انتم ساعدتمونا على ان ظواهر القرآن وان دلت على إثبات الأعضاء والجوارح لله تعالى فإنه يجب القطع بنفيها عن الله تعالى والجزم بأنه منزه عنها وما ذاك الا انه لما قامت الدلائل القطعية على استحالة الأعضاء والجوارح على الله تعالى وجب القطع بتنزيه الله تعالى عنها والجزم بأن مراد الله تعالى من تلك الظواهر شيء آخر فكذا في هذه المسألة نحن ذكرنا الدلائل العقلية القاطعة في انه تعالى يمتنع ان يكون مختصا بالمكان والجهة والحيز واذا كان الأمر كذلك وجب القطع بأن مراد الله تعالى من هذه الظواهر التي تمسكتم بها شيء آخر سوى إثبات الجهة لله تعالى وهذا إلزام قاطع وكلام قوي الا ان نقول ان تلك الدلائل العقلية التي تمسكتم بها ليست قطعية بل هي محتملة فنحن اذن يجب

117

علينا ان نتكلم معهم في تقرير تلك الدلائل ودفع وجوه الاحتمال عنها فثبت بهذا الطريق انا متى بينا ان تلك الدلائل العقلية قاطعة يقينية لم تقدر الكرامية على معارضة تلك العقليات اليقينية بهذه الظواهر وهذا كلام في غاية القوة وعند هذا نختار مذهب السلف ونقول لما عرفنا بتلك القواطع العقلية انه ليس مراد الله تعالى من هذه الآيات إثبات الجهة لله تعالى فلا حاجة بنا بعد ذلك الى بيان ان مراد الله تعالى من هذه الآيات ما هي وهذا الطريق اسلم في ذوق النظر وعن الشغب ابعد

النوع الثاني ان نتكلم عن كل واحد من هذه الوجوه على سبيل التفصيل اما الذي تمسكوا به اولا وهو الآيات الست الدالة على استواء الله تعالى على العرش فنقول انه لا يجوز ان يكون مراد الله تعالى من ذلك الاستواء هو الاستقرار على العرش ويدل عليه وجوه

الأول أن ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى وقد بينا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات

الثاني ان ما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى له ما في السماوات وما في الأرض فقد بينا ان السماء هو الذي فيه له سمو وفوقية فكل ما كان في جهة فوق فهو سماء وإذا كان كذلك فقوله له ما في السماوات وما في الأرض يقتضي ان كل ما كان حاصلا في جهة فوق كان في السماء واذا كان كذلك فقوله له ما في السماوات يقتضي ان كل ما كان حاصلا في جهة فوق فهو ملك الله تعالى ومملوك له فلو كان تعالى مختصا بجهة فوق لزم كونه مملوكا لنفسه من غير محل وهو محال فثبت ان ما قبل قوله الرحمن على العرش استوى وما بعده ينفي كونه سبحانه وتعالى مختصا بشي من الأحياز والجهات فإذا كان كذلك امتنع ان يكون المراد بقوله الرحمن على العرش استوى هو كونه مستقرا على العرش

118



الثالث ان ما قبل هذه الآية وما بعدها مذكور لبيان كمال قدرة الله تعالى وغاية عظمته في الإلهية وكمال التصرف لأن قوله تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى لاشك ان المفهوم منه بيان كمال قدرة الله تعالى وكمال إلهيته وقوله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى بيان أيضا لكمال ملكه وإلهيته واذا كان الامر كذلك وجب ان يكون قوله الرحمن على العرش استوى كذلك وإذا لزم ان يكن ذلك كلاما أجنبيا عما قبله وعما بعده وذلك غير جائز فأما اذا حملناه على كمال استيلائه على العرش الذي هو اعظم المخلوقات فالموجودات المحدثة كان ذلك موافقا لما قبل هذه الآية ولما بعدها فكان هذا الوجه أولى

الرابع ان الجالس على العرش لابد وان يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل منه في يسار العرش فيلزم في كونه في نفسه مؤلفا ومركبا وذلك على الله تعالى محال

الخامس ان الجالس على العرش ان قدر على الحركة والانتقال كان محدثا لأن ما لا ينفك عن الحركة والسكون كان محدثا وان لم يقدر على الحركة لان ما لا ينفك عن الحركة والسكون كان محدثا وان لم يقدر على الحركة كان المربوط بل كان كالزمن بل أسوأ حالا منهما فإن الزمن إذا أراد الحركة في رأسه او حدقتيه أمكنه ذلك وكذا المربوط وهو غير ممكن في الله تعالى

السادس انه لو حصل في العرش لكان حاصلا في سائر الأحياز ويلزمه منه كونه مخالطا للقاذورات والنجاسات وان لم يكن كذلك كان له طرف ونهاية وزيادة ونقصان وكل ذلك على الله تعالى محال

السابع قوله تعالى ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية فلو كان العرش مكانا لمعبودهم لكانت الملائكة الذين يحملون العرش حاملين اله العالم وذلك غير مقعول لان الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا

119

يحمله لا يقال هذا إنما يلزم إذا كان الإله معتمدا على العرش متكئا عليه ونحن لا نقول ذلك لأنا نقول على هذا التقدير لا يكون الله تعالى مستقرا على العرش لأن الاستقرار على الشيء انما يحصل اذا كان معتمدا عليه الا ترى انا اذا وضعنا جسما على الأرض قلنا انه مستقر على الأرض ولا نقول الأرض مستقرة عليه وما ذاك الإ لأن الشيء معتمد على الأرض والأرض غير معتمدة عليه فلو لم يكن الإله معتمدا على العرش فحينئذ لا يكون مستقرا على العرش وعلى هذا التقدير يلزمهم ترك ظاهر الآية وحينئذ تخرج الآية عن كونها حجة

الثامن انه تعالى كان ولا عرش ولا مكان فلما خلق الخلق فيستحيل ان يقال انه تعالى صار مستقرا على العرش بعد ان لم يكن كذلك لأنه تعالى قال ثم استوى على العرش وكلمة ثم للتراخي

التاسع ان ظاهر قوله تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقوله وهو معكم أينما كنتم وقوله وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ينفي كونه مستقرا على العرش وليس تأويل هذه الآية لنفي الآيات التي تمسكوا بها على ظاهرها اولى من العكس

العاشر ان الدلائل العقلية القاطعة التي قدمنا ذكرها يبطل كونه تعالى مختصا بشيء من الجهات واذا ثبت هذا ظهر انه ليس المراد من الاستواء والاستقرار فوجب ان يكون المراد هو الاستيلاء والقهر ونفاذ القدر وجريان أحكام الإلهية وهذا مستقيم على قانون اللغة قال الشاعر

قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق

والذي يقرر ذلك ان الله تعالى إنما أنزل القرآن بحسب عرف أهل اللسان وعادتهم ألا ترى انه تعالى قال وهو خادعهم وقال وهو أهون عليه وقال ومكروا ومكر الله وقال الله يستهزئ بهم والمراد

120

في الكل انه تعالى يعاملهم معاملة الخادعين والماكرين والمستهزئين فكذا ههنا المراد من الاستواء على العرش التدبير بأمر الملك والملكوت ونظيره ان القيام اصله الانتصاف ثم يذكر بمعنى الشروع في الأمر كما يقال قام بالملك فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه

الأول انه الاستيلاء عبارة عن حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال

الثاني أنه إنما يقال فلان استوى على كذا إذا كان له منازع ينازعه في وذلك حق الله تعالى محال

الثالث أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان المستولى عليه موجودا قبل ذلك وهذا في حق الله تعالى محال لأن العرش إنما حدث بتكوينه وتخليقه

الرابع ان الاستيلاء بهذا المعنى حاصل بالنسبة الى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة

والجواب ان مرادنا بالاستيلاء القدرة التامة الخالية عن المنازع والمعارض والمدافع وعلى هذا التقدير فقد زالت هذه المطاعن بأسرها وأما تخصيص العرش بالذكر ففيه وجهان

الأول انه اعظم المخلوقات فخص بالذكر لهذا السبب كما انه خصه بالذكر في قوله وهو رب العرش العظيم لهذا المعنى

الثاني قال الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب ( الجام العوام ) السبب في هذا التخصيص هو انه تعالى يتصرف في جميع العالم ويدبر الأمر من السماء الى الأرض بواسطة العرش فإنه تعالى لا يحدث صورة في العالم ما لم يحدثها في العرش كما لا يحدث النقاش والكاتب صورة البناء على البياض ما لم يحدثها في الدماغ بل لا يحدث صورة البناء في الخارج ما لم يحدث صورته في الدماغ بواسطة القلب والدماغ يدبر الروح امر عالمه الذي هو يدبر فكذا بواسطة العرش

121

يدبر الله امر كل العالم

واعلم ان هذا الكلام مبني على أصول الحكماء وهو ان تأثير الباري تعالى في العقل وتأثير العقل في تدبير العالم العلوي وتدبير العالم العلوي في السفلي وقد تكلمنا عليه في الكتب العقلية المحضة اما الذي ذكروه ثانيا وهو التمسك بالآيات المشتملة على ذكر الفوقية فجوابه ان لفظ الفوق في الرتبة والقدرة قال الله تعالى وفوق كل ذي علم عليم وإنا فوقهم قاهرون يد الله فوق أيديهم والمراد بالفوقية في هذه الآيات الفوقية بالقهر والقدرة وقال تعالى بعوضة فما فوقها أي أزيد منها في صفة الصفر والحقاره وإذا كان لفظ الفوق محتملا للفوق في الجهة والفوق في الرتبة فلم حملتموه على الفوق في الجهة والذي يدل على ان المراد بلفظ الفوق ههنا الفوق بالقدرة والملكة وجوه

الأول انه قال وهو القاهر فوق عباده والفوقية المقرونة بالقهر هي الفوقية بالقدرة والمكنة لا بمعنى الجهة بدليل ان الحارس قد يكون فوق السلطان في الجهة ولا يقال فوق السلطان فقط

الثاني انه تعالى وصف نفسه بأنه مع عبيده فقال إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقال إن الله مع الصابرين وقال وهو معكم أينما كنتم ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم فإذا جاز حمل المعية في هذه الآيات على المعية بمعنى العلم والحفظ والحراسة فلم لا يجوز حمل الفوقية في الآيات التي ذكرتم على الفوقية بالقهر والقدرة والسلطنة

الثالث ان الفوقية الحاصلة بسبب الجهة ليست صفة المدح لأن تلك الفوقية حاصلة للجهة والحيز بعينها وذاتها وحاصلة للمتمكن في ذلك الحيز بسبب ذلك الحيز فلو كانت الفوقية بالجهة صفة مدح لزم ان تكون الجهة افضل واكمل من الله تعالى ولا يقال يلزمكم ان تقولوا بأن القدرة افضل واكمل من الله تعالى لأنا نقول

122

القدرة صفة القادر وممتنعة الوجود بدونه بخلاف الحيز والجهة فإنه غني عن الممكن فثبت ان الكمال والفضيلة انما تحصل بسبب الفوقية بمعنى القدرة والسلطنة وكان حمل الآية عليه اولى اما قوله تعالى في صفة الملائكة يخافون ربهم من فوقهم ففيه جواب آخر وهو انه يحتمل ان يكون قوله من فوقهم صلة لقوله يخافون اي يخافون من فوقهم ربهم وذلك لأنهم يخافون نزول العذاب عليهم من جانب فوقهم وأما الذي ذكروه ثالثا وهو التمسك في العلو بسبب الجهة فقد يستعمل ايضا في العلو بسبب القدرة فإنه يقال السلطان اعلى من غيره ويكتب في امثلة السلاطين الديوان الأعلى ويقال لأوامرهم الأمر الأعلى ويقال لمجالسهم المجلس الأعلى والمراد في الكل العلو بمعنى القهر والقدرة لا بسبب المكان والجهة وايضا قال الله تعالى لموسى لا تخف إنك أنت الأعلى وقال ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون وقال وكلمة الله هي العليا وقال فرعون أنا ربكم الأعلى والعلو في هذه المواضيع بمعنى العلو بالقدرة لا بمعنى العلو بالجهة والذي يدل على ان المراد ما ذكرناه وجوه

الأول انه تعالى قال سبح اسم ربك الأعلى فحكم بأنه تعالى أعلى من كل ما سواه والجهة شيء سواه فوجب ان يكون ذاته أعلى من الجهة وما كان أعلى من الجهة يمتنع ان يكون علوه سبب الجهة فثبت ان علوه لنفس ذاته لا بسبب الجهة ولا يقال الجهة ليست بشيء موجود حتى يدخل تحت قوله سبح اسم ربك الأعلى لأنا نقول قد بينا في باب الدلائل العقلية انها لا بد وأن يكون امرا موجودا

الثاني هو انه تعالى لو كان في جهة فوق فإما ان يكون له جهة فوق نهاية وإما ان لا يكون له في تلك الجهة نهاية فإن كان الأول لم يكن اعلى الأشياء لأن الأحياز الخالية فوقه تكون اعلى منه ولأنه قادر على خلق الأجسام في جميع الأحياز فيكون قادرا على خلق عالم في تلك الأحياز التي هي فوقه فيكون ذلك العالم على ذلك التقدير اعلى منه وإنما قلنا لا نهاية لذات الله تعالى من جهة فوق

123

لأن هذا الجانب المتناهي منه مخالف في الماهية للجانب الذي هو غير متناه ولا يصح على كل واحد منهما ما صح على الآخر وصح ان ينقلب غير المتناهي متناهيا والمتناهي غير متناه وذلك يقتضي جواز الفصل والوصل في ذات الله تعالى وهو محال

الثالث انه اذا كان غير متناه من جانب الفوق فلا جزء الا وفوقه جزء آخر وكل ما فوقه غيره لم يكن اعلى الموجودات فإذا ليس في تلك الأجزاء شيء هو أعلى الموجودات فثبت بما ذكرنا ان كل ما كان مختصا بالجهة فإنه لا يمكن وصفه بأنه أعلى الموجودات وإذا كان كذلك وجب ان يكون علوه تعالى لا بالجهة والحيز وهو المطلوب

وأما الذي تمسكوا به رابعا وهي الآيات المشتملة على لفظ العروج كقوله تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه وقوله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه فجوابه ان المعارج جمع معرج وهو المصعد ومنه قوله تعالى ومعارج عليها يظهرون وليس في هذه الآيات بيان ان تلك المعارج معارج لأي شيء فسقطت حجتهم في هذا الباب بل يجوز ان تكون تلك المعارج معارج لنعم الله تعالى او معارج الملائكة او معارج لأهل الثواب

وأما قوله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه فنقول ليس المراد من حرف إلى في قوله إليه فنقول الى مراده ونظيره قوله تعالى وإليه يرج الأمر كله والمراد انتهاء أهل الثواب الى منازل العز والكرامة كقول إبراهيم إني ذاهب إلى ربي سيهدين ويكون هذا اشارة الى ان دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها بالنسبة الى اكثر المخلوقات

وأما الذي تمسكوا به خامسا وهو لفظ الإنزال والتنزيل فجوابه ان مذهب الخصم ان القرآن حروف وأصوات فيكون الانتقال عليها محالا وكان إطلاق لفظ

124

الإنزال والتنزيل عليها مجازا بالاتفاق فلم يجز التمسك به وأيضا فقد يضاف الفعل إلى الأمر به كما يضاف إلى المباشر ألا ترى انه تعالى أضاف قبض ألا والأرواح إلى نفسه فقال تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها ثم إضافة إلى ملك الموت فقال قل يتوفاكم ملك الموت ثم إضافة إلى الملائكة فقال حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وأيضا قال ورسلنا لديهم يكتبون ثم قال وإنا له كاتبون وأيضا قال تعالى يؤذون الله أي أولياءه ثم قال فلما آسفونا أي أولياءنا وقال يخادعون الله أي رسوله والمؤمنين وبالله التوفيق

وأما الذي تمسكوا به سادسا وهو التمسك بصيغة ألى في حق الله تعالى كقوله إلى ربها ناظرة والنظر الى الشيء يوجب رؤيته فجاز ان يكون المراد من النظر هو الرؤية على سبيل اطلاق إسم السبب على المسبب وايضا حكى الله تعالى عن الخليل عليه السلام انه قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين وليس المراد منه القرب بالجهة فكذا ههنا والله اعلم

وأما الذي تمسكوا به سابعا وهو قوله تعالى أمن أمنتم من في السماء فجوابه انه لا يمكن اجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجهان

الأول انه قال هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهذا يقتضي ان يكون المراد من كونه في السماء ومن كونه في الأرض معنى واحد لكن كونه في الأرض ليس بمعنى الاستقرار فكذلك كونه في السماء يجب ان لا يكون بمعنى الاستقرار فلم لا يجوز ان يكون المراد من أم أمنتم من في السماء الملائكة الذين هم في السماء لأنه ليس في الكلام ما يدل على ان الذي في السماء هو الإله والملائكة ولا شك ان الملائكة أعداء الكفار والفساق لكن لم لا يجوز ان يكون المراد أم أمنتم من في السماء ملكه وخص السماء بالذكر لأنها اعظم من

125

الأرض تفخيما للشأن

وأما الذي تمسكوا به ثامنا وهو لفظ الحجاب فجوابه لم لا يجوز ان يكون المراد من الحجاب عدم الرؤية وذلك بأن الحجاب يقتضي المنع من الرؤية فكان اطلاق لفظ الحجاب على المنع من الرؤية من باب اطلاق اسم السبب على المسبب

وأما الذي تمسكوا به تاسعا وهو الآيات المشتملة على الرفع كقوله تعالى بل رفعه الله إليه وقوله والعمل الصالح يرفعه فالجواب ان الله تعالى لما رفعه الى موضع الكرامة ومكان آخر صح على سبيل المجاز ان يقال ان الله تعالى رفعه إليه كما ان الملك اذا عظم إنسانا حسن ان يقال انه رفعه الى درجة عالية من تلك الدرجة وانه يريه من نفسه ومنه قوله تعالى والسابقون السابقون أولئك المقربون

وأما الذي تمسكوا به عاشرا وهو الآيات المشتملة على لفظ العندية فلا يجوز ان يكون المراد بالعندية الحيز بل المراد بها الشرف والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة ( أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ) وقوله ( أنا عند ظن عبدي بي ) بل هذا أقوى لأنه النصوص التي ذكروها تدل على ان الملائكة عند الله تعالى وإن له عندنا لزلفى وليس المراد بهذه العندية الجهة كذا ههنا فهذا هو الإشارة الى الجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها من القران في إثبات الجهة لله تعالى وبالله التوفيق

اما الأخبار التي تمسكوا بها فنقول

اما الخبر الأول فاعلم ان من الناس ما روى هذا الخبر على وجه آخر فقال انه صلى الله عليه وسلم قال ( وضع عرشه على السموات هكذا وقبب بأصبعه مثل القبة ) فان حملنا الرواية على هذا الوجه فلا إشكال فيه ألبته والمقصود من هذا الكلام التقريب والتعليم وشرح عظمة الله من حيث يدركه فهم السائل وقوله ( وإنه يئط به ) معناه انه يعجز عن جلالته وعظمته حتى يئط به اذا كان معلولا وذلك لان أطيط المرجل بالراكب يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله فهو صلى الله عليه وسلم قريب بهذا

126

النوع من عظمة الله تعالى وارتفاع عرشه ليعلم المخاطب أنه تعالى أجل وأعلى من أن يجعل شبيها لأحد من خلقه وأقول إن ظاهر الحديث يدل على كونه جعل متناهيا في القوة وإلا لما حصل الأطيط وكل ذلك ينافي الإلهية فعلمنا أنه لا بد من حمل اللفظ على غير ظاهره

وأما الخبر الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش ) فالجواب عنه ما تقدم من لفظ عند في القرآن

وأما الخبر الثالث فجوابه أن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنزلة والدرجة يقال أين فلان من فلان فلعل السؤال كان عن المنزلة وأشار بها إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا وإنما اكتفى منها بتلك الإشارة لقصور عقلها وقلة فهمها وهذا الجواب يصلح أن يكون جوابا عن تمسكهم بالخبر الثاني وهو لفظ عند يذكر لبيان المنزلة والدرجة

وأما قصة المعراج فالمقصود أنه يريد الله تعالى أنواع مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي لتكون مشاهدته لدلائل أكثر فتصير نفسه أقوى وأكمل كما في خلق الخليل عليه السلام

وأما قوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فعنه وجوه

الأول أن هذا الدنو المنزلة والكرامة كقوله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا

الثاني ثم دنا فتدلى أي جبريل دنا من محمد عليهما السلام والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى ولقد رآه بالأفق المبين ثم لما دنا جبريل من محمد عليهما السلام حصل الوحي من الله تعالى إليه فلهذا قال فأوحى إلى عبده ما أوحى وأما الجواب عن التمسك بقول فرعون يا هامان ابن لي صرحا فهو أن

127

هذا الكلام لفرعون وهو معارض بأن موسى عليه السلام لم يقل الرب في السماء بل قال رب السماء ثم إن فرعون كان ظن فيه أن الإله مستقر في السماء فهذا هو الجواب عن هذه الشبهة وبالله التوفيق
الفصل الثلاثون في كلام كلي في أخبار الآحاد


فنقول أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز يدل عليه وجوه

الأول أن أخبار الآحاد مظنونة فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته وإنما قلنا إنها مظنونة وذلك لأنا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين وكيف والروافض لما اتفقوا على عصمة علي رضي الله عنه وحده فهؤلاء المحدثون كفروهم فإذا كان القول بعصمة علي كرم الله وجهه يوجب عليهم تكفير القائلين بعصمة علي فكيف يمكنهم عصمة هؤلاء الرواة وإذا لم يكونوا معصومين كان الخطأ عليهم جائزا والكذب عليهم جائز فحينئذ لا يكون صدقهم معلوما بل مظنونا فثبت أن خبر الواحد مظنون فوجب أن لا يجوز التمسك به لقوله تعالى وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ولقوله تعالى في صفة الكفار إن يتبعون إلا الظن ولا تقف ما ليس لك به علم ولقوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فترك العمل بهذه العمومات في فروع الشريعة لأن المطلوب فيها الظن فوجب أن يبقى في مسائل الأصول على هذا الأصل والعجب من الحشوية أنهم يقولون الاشتغال بتأويل الآيات المتشابهة غير جائز لأن تعيين ذلك التأويل مظنون والقول بالظن في القرآن لا يجوز ثم إنهم يتكلمون في ذات الله تعالى وصفاته بأخبار الآحاد مع أنها في غاية البعد من القطع واليقين وإذا لم يجوزوا تفسير ألفاظ القرآن بالطريق المظنون فلأن يمتنعوا عن الكلام في ذات الحق تعالى وفي صفاته بمجرد الروايات الضعيفة أولى

الثاني أن أجل طبقات الرواة قدرا وأعلاهم منصبا الصحابة رضي الله عنهم

128

ثم إنا نعلم أن روايتهم لا تفيد القطع واليقين والدليل عليه أن هؤلاء المحدثين رووا عنهم أن كل واحد منهم طعن في الآخر ونسبه إلى ما لا ينبغي أليس من المشهور أن عمر طعن في خالد بن الوليد وأن ابن مسعود وأبا ذر كانا يبالغان في الطعن في عثمان ونقل عن عائشة رضي الله عنها أنها بالغت في الطعن في عثمان أليس أن عمر قال في عثمان إنه يحلف بأقاربه وقال في طلحة والزبير وأشياء أخر تجري هذا المجرى أليس أن عليا كرم الله وجهه سمع أبا هريرة يوما أنه كان يقول أخبرني خليلي أبو القاسم فقال له علي متى كان خليلك أليس أن عمر رضي الله عنه نهى أبا هريرة عن كثرة الرواية أليس أن ابن عباس طعن في خبر أبي سعيد في الهرق وطعن في خبر أبي هريرة في غسل اليدين وقال كيف يصنع طهرامنا أليس أن أبا هريرة لما روى من أصبح جنبا فلا صوم له طعنوا فيه أليس أن أبن عمر لما روى إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه طعنت عائشة فيه بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى أليس أنهم طعنوا في خبر فاطمة بنت قيس وقالوا لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بخبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت أليس أن عمر طالب أبا موسى الأشعري في خبر الاستئذان بالشاهد وغلظ الأمر عليه أليس أن عليا كان يستحلف الرواة أليس أن عليا قال لعمر في بعض الوقائع إن قاربوك فقد غشوك واعلم إنك إذا طالعت كتب الحديث وجدت من هذا الباب ما لا يعد ولا يحصى إذا ثبت هذا فنقول الطاعن إن صدق فقد توجه الطعن على المطعون وإن كذب فقد توجه على الطاعن فكيف كان فتوجه الطعن لازم إلا أنا قلنا إن الله تعالى أثنى على الصحابة رضي الله عنهم في القرآن على سبيل العموم وذلك يفيد ظن الصدق فلهذا الترجح قبلنا روايتهم في فروع الشريعة أما الكلام في ذات الله تعالى وصفاته فكيف يمكن بناؤه على هذه الرواية الضعيفة

الثالث وهو أنه اشتهر فيما بين الأمة أن جماعة من الملاحدة وضعوا أخبارا منكرة واحتالوا في ترويجها على المحدثين والمحدثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها بل قبلوها وأي منكر فوق وصف الله تعالى بما يقدح في الإلهية ويبطل الربوبية فوجب القطع في أمثال هذه الأخبار بأنها موضوعة

129

أما البخاري والقشيري فهما ما كانا عالمين بالغيوب بل اجتهدا واحتاطا بمقدار طاقتهما فأما اعتقاد أنهما علما جميع الأحوال الواقعة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زماننا فذلك لا يقوله عاقل غاية ما في الباب أنا نحسن الظن بهما وبالذين رويا عنهم إلا أنا إذا شاهدنا خبرا مشتملا على منكر لا يمكن إسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة ومن ترويجاتهم على أولئك المحدثين

الرابع أن هؤلاء المحدثين يخرجون الروايات بأقل العلل أنه كان مائلا إلى حب علي فكان رافضيا فلا تقبل روايته وكان معبد الجهني قائلا بالقدر فلا تقبل روايته فما كان فيهم عاقل يقول إنه وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته إن هذا من العجائب

الخامس أن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم ما كتبوها عن لفظ الرسول بل سمعوا شيئا في مجلس ثم إنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو اكثر ومن سمع شيئا في مجلس مرة واحدة ثم رواه بعد العشرين والثلاثين لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعيانها وهذا كالمعلوم بالضرورة وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلا بأن شيئا من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم بل ليس ذلك إلا من ألفاظ الراوي وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع مما جرى في ذلك المجلس فإن من سمع كلاما في مجلس واحد ثم إنه ما كتبه وما كرر عليه كل يوم بل ذكره بعد عشرين سنة أو ثلاثين فالظاهر أنه نسي منه شيئا كثيرا أو يشوش عليه نظم الكلام وترتيبه وتركيبه ومع هذا الاحتمال فكيف يمكن التمسك به في معرفة ذات الله تعالى وصفاته

واعلم أن هذا الباب كثير الكلام وأن القدر الذي أوردناه كاف في بيان أنه لا يجوز التمسك في أصل الدين بأخبار الآحاد والله أعلم

130


الفصل الحادي والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها


اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوث شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهما غير مقبول القول ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول وإذا لم نثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معا وإنه باطل ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات وبالله التوفيق

131

القسم الثالث في تقرير مذهب السلف


وفيه فصول
الفصل الأول في أنه هل يجوز أن يحصل في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به


اعلم أن كثيرا من الفقهاء والمحدثين والصوفية يجوزون ذلك والمتكلمون ينكرونه واحتجوا بالآيات والأخبار والمعقول اما الآيات فكثيرة

أحدها قوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها أمر الناس بالتدبير في القرآن ولو كان القرآن غير مفهوم فكيف يأمرنا بالتدبر فيه

الثاني قوله أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فكيف يأمرنا بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض في الاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق

الثالث قوله تعالى وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ولو لم يكن مفهوما فكيف يمكن أن يكون الرسول منذرا به وأيضا قوله بلسان عربي مبين يدل على أنه نازل بلغة العرب وإذا كان كذلك وجب أن يكون معلوما

الرابع قوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم والاستنباط منه لا يمكن إلا بعد الإحاطة بمعناه

الخامس قوله تعالى تبيانا لكل شيء وقوله ما فرطنا في الكتاب من شيء

132



السادس قوله تعالى هدى للمتقين وما لا يكون معلوما لا يكون هدى

السابع قوله تعالى حكمة بالغة وقوله وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم

الثامن قوله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ولا يكون مبينا إلا أن يكون معلوما

التاسع قوله تعالى أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى فكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم

العاشر قوله تعالى هذا بلاغ للناس ولينذروا به فكيف يكون بلاغا وكيف يقع الإنذار به وهو غير معلوم وقال في آخر الآية وليذكر أولوا الألباب وإنما يكون كذلك أن لو كان معلوما

الحادي عشر قوله تعالى قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فكيف يكون برهانا ونورا مبينا مع أنه غير معلوم

الثاني عشر قوله تعالى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا وكيف يمكن إتباعه تارة والإعراض عنه أخرى مع أنه غير معلوم

الثالث عشر قوله تعالى إن هذه القرآن يهدي للتي هي أقوم وكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم للبشر

الرابع عشر قوله عز وجل آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى قوله سمعنا وأطعنا والطاعة لا تمكن إلا بعد العلم فوجب كون القرآن مفهوما

133



وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم ( إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي وعترتي ) وكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم هو الذي لا يزيغ به الأهواء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به أفلح ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم ) وأما المعقول فمن وجوه

الأول أنه لو ورد في القرآن شيء لا سبيل لنا إلى العلم به لكانت تلك المخاطبة تجري مجرى مخاطبة العربية بالزنجية وهو غير جائز

الثاني المقصود من الكلام الإفهام ولو لم يكن مفهوما لكان عبثا

الثالث أن التحدي وقع بالقرآن وما لم يكن معلوما لم يجز التحدي به فهذا مجموع كلام المتكلمين وبالله التوفيق

احتج مخالفوهم بالآية والخبر والمعقول أما الآية فمن وجهين

الأول قوله تعالى في صفة المتشابهات وما يعلم تأويله إلا الله والوقوف ههنا لازم وسيأتي دليله إن شاء الله

الثاني الحروف المقطعة المذكورة في أوائل السور

وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم ( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به أنكره أهل العزة بالله )

وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان منها ما نعرف وجه الحكمة فيه على الجملة بعقولنا كالصلاة والزكاة والصوم فإن الصلاة تواضع وتضرع للخالق والزكاة إحسان إلى المحتاجين والصوم قهر النفس ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج فإنا لا نعرف وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي

134

بين الصفا والمروة ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الحكيم تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن بالنوع الثاني لأن الطاعة من النوع الأول لا تدل على كمال الإنقياد لإحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرفه بعقله من وجه المصلحة فيه أما الطاعة في النوع الثاني فإنها تدل على كمال الإنقياد ونهاية التسليم لأنه لما لم يعرف فيه وجه المصلحة ألبتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الإنقياد والتسليم فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز الأمر كذلك في الأقوال وهو أن الذي أنزل الله علينا وأمرنا بتعظيمه وقرآنه ينقسم إلى قسمين منه ما يعرف معناه ولا نحيط بفحواه ومنه ما لا نعرف معناه ألبتة ويكون المقصود من إنزاله والتكليف بقراءته وتعظيمه ظهور كمال العبودية والإنقياد لأوامر الله تعالى بل ههنا فائدة أخرى وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود مع جزمه بأن المتكلم بذلك الكلام أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتا إليه أبدا ومتفكر فبه أبدا ولباب التكليف إشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكير في كلامه فلا يبعد أن يقال إن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له فيتعبد الله تعالى بذلك تحصيلا لهذه المصلحة وهذا ما عندي من كلام الفريقين في هذا الباب وباللله التوفيق
الفصل الثاني في وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه


اعلم أن كتاب الله تعالى دل على أنه بكليته محكم ودل على أنه بكليته متشابه ودل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه أما الذي يدل على أنه بكليته محكم قوله تعالى الر كتاب أحكمت آياته الر تلك آيات الكتاب الحكيم قد ذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم والمراد من الحكم بهذا المعنى كونه حقا في ألفاظه وكونه حقا في معانيه وكل كلام سوى القرآن فالقرآن أفضل منه في لفظه ومعناه وإن أحدا من الخلق لا يقدر على الإتيان بكلام يساوي القرآن في لفظه وعناه والعرب تقول في البناء الوثيق والعهد الوثيق الذي لا يمكن نقضه إنه محكم فهذا معنى وصف كل القرآن أنه محكم أما الذي يدل على أنه بكليته متشابه فهو قوله

135

تعالى كتابا متشابها والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والفصاحة ويصدق بعضه بعضا وإليه الإشارة بقوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا أي لكان بعضه واردا على نقيض الآخر ولتفاوت نسق الكلام في الجزالة والفصاحة وأما الذي يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه فهو قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ثم ممن يفسرها في عرف الشريعة اما المحكم في اللغة فالعرب تقول حكمت وأحكمت وحكمت بمعنى رددت ومنعت والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام يمنع الفرس عن الإضطراب وفي حديث النخعي أحكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد وقوله أحكموا سفهاءكم أي امنعوهم وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع الموصوف بها عما لا ينبغي

وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذهن عن التميز قال تعالى إن البقر تشابه علينا وقال تشابهات قلوبهم ومنه اشتبه الأمران إذا لم يفرق بينهما ويقال لأصحاب المخاريق أصحاب الشبهات وقال صلى الله عليه وسلم ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ) وفي رواية أخرى متشابهات فهذا تحقيق الكلام في المحكم والمتشابه بحسب أهل اللغة

وأما في عرف العلماء فاعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير المحكم والمتشابه وكتب من تقدم منا مشتملة عليها والذي عندي فيه أن اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى فإما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى أو لا يكون فإن كان موضوعا لمعنى ولم يكن محتملا لغير فهو النص وإن كان محتملا لغير ذلك المعنى فإما أن يكون إحتماله لأحدهما راجحا على الآخر وإما لا يكون بل يكون إحتماله لهما على السوية فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على احتماله للأخر فكان ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا وأما إن كان إحتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا وبالنسبة إلى كل واحد منهما

136

على المعنيين محتملا فخرج من هذا التقسيم أن اللفظ إما أن يكون نصا أو ظاهرا أو مجملا أو مؤولا فالنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من النقيض والظاهر راجح غير مانع من النقيض فالنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح فهذا القدر هو المسمى بالمحكم

وأما المجمل والمؤول فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ غير راجحة إلا أن المجمل لا رجحان فيه بالنسبة إلى كل واحد من الطرفين والمؤول فيه رجحان بالنسبة إلى طرف المشترك وهو عدم الرجحان بالنسبة إليه وهو المسمى بالمتشابه لأن عدم الفهم حاصل فيه ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فههنا يتوقف الذهن مثل القرء بالنسبة إلى الحيض والطهر إنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحا في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن الراجح يكون باطلا والمرجوح حقا

مثاله من القرآن قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ومحكمة قوله تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء ردا على الكفار فيما حكى عنهم وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها وكذلك قوله تعالى ونسوا الله فنسيهم وظاهر النسيان ما كان عند العلم ومرجوحه الترك فأنساهم أنفسهم ومحكمه قوله تعالى وما كان ربك نسيا وقوله تعالى لا يضل ربي ولا ينسى فهذا تلخيص الكلام في تفسير المحكم والمتشابه وبالله التوفيق
الفصل الثالث في الطريق الذي يعرف به كون الآية محكمة أو متشابهة


اعلم ان هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهب الخصم متشابهة فالمعتزلي يقول إن قوله فمن شاء فليؤمن

137

ومن شاء فليكفر محكمة وقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله متشابهة والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلا بد ههنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب فنقول إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهرا في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيدا ولخرج القرآن عن أن يكون حجة ثم ذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيا أو عقليا

أما الأول فنقول هذا إنما يتم إذا حصل من ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك أحدهما لإبقاء الآخر أولى من العكس اللهم إلا أن يقال أحد الدليلين قاطع والآخر ظاهر فالقاطع راجح على الظاهر أو يقال كل واحد منهما وإن كان ظاهرا إلا أن أحدهما أقوى إلا أنا نقول أما الأول فباطل لأن الدلائل اللفظية لا تكون قطيعة لأنها موقوفة على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والتصريف وعلى عدم الإشتراك والمجاز والتخصيص والإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي وكل واحد من هذه المقدمات مظنونة والوقوف على المظنون أولى أن يكون مظنونا فثبت أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيا

وأما الثاني هو أن يقال أحد الظاهرين أقوى من الآخر إلا أن على هذا التقدير يصير ترك أحد الظاهرين لتقرير الظاهر الثاني مقدمة ظنية والظنون لا يجوز التعويل عليها في المسائل العقلية القطعية فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال ممتنع فإذا حصل هذا المعنى فعند ذلك يجب على المكلف أن يقطع بأن مراد الله تعالى من هذا اللفظ ليس ما اشعر به ظاهره ثم عند هذا المقام من جوز التأويل عدل إليه ومن لم يجوزه فوض علمه إلى الله تعالى وبالله التوفيق
الفصل الرابع في تقرير مذهب السلف


حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها

138

شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها وقال جمهور المتكلمين بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات واحتج السلف على صحة مذهبهم بوجوه

الأول التمسك بوجوب الوقف على قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والذي يدل على أن الوقف واجب وجوه

الأول أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب المتشابه مذموم حيث قال فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله لو كان طلب المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى على ذلك فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة كما في قوله تعالى يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ويحتمل ان يكون المراد منه طلب العلم بمقادير الثواب والعقاب وطلب الأوقات التي يظهر فيها الفتح والنصر كما قالوا لو ما تأتينا بالملائكة قيل إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ودل العقل على صحة هذه القسمة من حيث أن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم وحمله على معناه الذي ليس راجحا هو المتشابه ثم إنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركا للظاهر

الثاني أن الله تعالى مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به وقال في أول سورة البقرة فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به من مدح لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل آمن به أما الراسخون في العلم فهم الذين علموا بالدلائل القطعية العقلية أنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات وعلموا أنه القرآن كلام الله تعالى وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل ولا بالعبث فإذا سمعوا آية دلت القواطع على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى بل مراد الله تعالى منه غير ذلك الظاهر ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى عمله فقطعوا بأن ذلك المعنى أي معنى كان هو الحق والصواب فهؤلاء هم الراسخون في

139

العلم حيث يدركون أمثال هذه المتشابهات عن الإيمان والجزم بصحة القرآن

الثالث أنه لو كان قوله تعالى والراسخون في العلم معطوفا على قوله إلا الله لصار قوله يقولون آمنا به إبتداء وأنه بعيد عن الفصاحة لأنه كان الأولى أن يقال وهم يقولون آمنا به أو يقال ويقولون آمنا به فإن قيل في تصحيحه وجهان

الأول أن يكون التقدير هؤلاء قائلون بالتأويل يقولون آمنا به

الثاني أن يكون يقولون حالا من الراسخين

قيل أما الأول فمدفوع لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الإضمار

والثاني ضعيف أيضا لأن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يكون قوله يقولون آمنا به حالا من الراسخين لا من الله تعالى فيكون ذلك تركا للظاهر من حيث أن الظاهر يقتضي أن يكون ذلك حالا عن كل من تقدم ذكره فثبت أن القول بجواز التأويل محوج إلى الإضمار في هذه الآية والقول بعدم جوازه لا يحوج إليه فكان أولى

الرابع قوله تعالى كل من عند ربنا يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله إذ لو كانوا عالمين بالتفصيل في الكلام لم يبق لهذا الكلام فائدة فهذا أجمل وجوه الإستدال بهذه الآية في نصرة مذهب السلف فإن قيل هذا الاستدلال إنما يتم بإقامة الدليل على أن الوقف عند قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله واجب والعطف جائز لأن هذا العطف قراءة مشهورة منقولة بالنقل المتواتر إقامة الدليل على فساده طعن في النقل المتواتر وذلك لا يجوز قيل نحن لا نجعل هذه المسألة قطعية بل ظنية احتمالية وعلى هذا التقدير يزول السؤال

الحجة الثانية على صحة مذهب السلف التمسك بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أن هذه المتشابهات في القرآن والأخبار كثيرة والدواعي إلى البحث عنها

140

والوقف على حقائقها متوفرة فلو كان البحث عن تأويلها على سبيل التفصيل جائزا لكان أولى الخلق بذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم ولو فعلوا ذلك لاشتهر ولنقل بالتواتر وحيث لم ينقل عن واحد من الصحابة والتابعين الخوض فيها علمنا أن الخوض فيها غير جائز

الحجة الثالثة أنا قد ذكرنا أن اللفظ المتشابه قسمان المجمل والمؤول أما المجمل فهو الذي يحتمل معنيين فصاعدا احتمالا على التسوية فنقول إنه إما أن يكون محتملا لمعنيين فقط أو لمعان أكثر من اثنين فإن كان محتملا لمعنيين فقط ثم دل الدليل على عدم أحدهما فحينئذ يتعين أن المراد هو الثاني مثل أن الفوق إما أن يراد به الفوق في الجهة أو في الرتبة ولما بطل حمله على الجهة تعينت الرتبة أما إذا كان لفظ المفهومات مثله لم يلزم من عدم واحد منها تعين الثاني والثالث بعينه ولا يمكن أيضا حمل اللفظ عليهما معا لما ثبت أن لفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهومين معا

وأما الأول فنقول اللفظ إذا كان له حقيقة واحدة ثم دل دليل على أنها غير مرادة وجب حمل اللفظ على مجازه ثم ذلك المجاز إن كان واحدا تعين صرف اللفظ إليه صونا عن التعطيل وإن كان معينا نفى اللفظ مطردا في تلك المجازات وحينئذ فذلك الكلام الذي ذكرناه في المجمل عائد ههنا بعينه فثبت بما ذكرنا أن تأويل المتشابه قد يكون معلوما وقد يكون مظنونا والقول بالظن غير حاصل على ما سبق تقريره في باب أن التمسك بخبر الواحد في معرفة الله غير جائز فهذا هو الكلام في تقرير مذهب السلف

وأما المتكلمون القائلون في تأويلات المفصلة فحجتهم ما تقدم أن القرآن يجب أن يكون مفهوما ولا سبيل إليه في روايات المتشابهة إلا بذكر التأويلات فكان المصير إليه واجبا والله أعلم
الفصل الخامس في تفاريع مذهب السلف وهي أربع


الفرع الأول أنه لا يجوز تبديل لفظ من ألفاظ المتشابه بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر

141

إيهاما للباطل من البعض والزيادة في الإيهام حاصلة في اللفظين إلا أن التمييز بين هذا القسم والقسم الأول فيه عسر فالاحتياط الامتناع من الكل ألا ترى أن الشرع أوجب العدة على الموطوءة لبراءة الرحم احتياطا لحكم النسب ثم قالوا تجب العدة على العقيم والآيسة وعند العزل لأن البواطن من الأرحام لا يعلمها إلا علام الغيوب فإيجاب العدة أهون من ركوب الخطر إلا أن الخطر في معرفة الله تعالى وصفاته أعظم من الخطر في العدة فإذا راعينا الاحتياط به فلأن نراعيه ههنا أولى

الفرع الثاني أنه لا يجب الاحتراز عن التصريف فلا نقول في قوله تعالى استوى إنه مستو لما أثبتنا في علم البيان أن اسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيف والذي يؤيد أنه ورد في القرآن أنه تعالى علم العباد فقال الرحمن علم القرآن وعلمك ما لم تكن تعلم وعلمناه من لدنا علما وعلم آدم الأسماء كلها ثم أجمعنا أنه لا يجوز أن يقال إنه تعالى معلم كذلك ههنا

الفرع الثالث أنه لا يجوز جمع الألفاظ المتشابهة وذلك لأن التلفظ باللفظ الواحد أو باللفظين قد يحمل على المجاز لأن الاستقراء دل على أن الغالب على الكلام التكلم بالحقيقة فإذا جمعنا الألفاظ المتشابهة وروينا هذا دفعة واحدة أوهمت كثرتها أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وأنه لا يجوز

الفرع الرابع أنه كما لا يجوز الجمع بين متفرق فكذلك لا يجوز التفرق بين مجتمع فقوله تعالى وهو القاهر فوق عباده لا يدل على جواز أن يقال إنه تعالى فوق لأنه لما ذكر القاهر قبله ظهر أن المراد بهذه الفوقية الفوقية بمعنى القهر لا بمعنى الجهة بل لا يجوز أن يقال وهو القاهر فوق غيره بل ينبغي أن يقال فوق عباده لأن ذكر العبودية عند وصف الله تعالى بالفوقية يدل على أن المراد من تلك الفوقية فوقية السيادة والإلهية

142

واعلم أن الله تعالى لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينة تدل على زوال الوهم الباطل مثاله أنه تعالى قال الله نور السماوات والأرض ذكر بعده مثل نوره فأضاف النور إلى نفسه ولو كان تعالى نفس النور لما أضافه إلى نفسه لأن إضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة ولما قال تعالى الرحمن على العرش استوى ذكر قبله تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى وبعده قوله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى فقد ذكرنا أن هاتين الآيتين تدلان على أن كل ما كان مختصا بجهة الفوقية مخلوق محدث فثبت بما ذكرنا أن الطريق في هذه المتشابهات التأويل في تلك الألفاظ تأدبا في حق واجب الوجود وبالله التوفيق

143

القسم الرابع في بقية الكلام في هذا الباب


وفيه فصول
الفصل الأول في حكم ذكر هذه المتشابهات


اعلم أن ذكر هذه المتشابهات صار شبهة عظيمة للخلق في الإلهيات وفي النبوات وفي الشرائع أما في الإلهيات فلأن المصدقين بالقرآن اعتقدوا في الله تعالى اعتقادات باطلة صاروا جاهلين بالله تعالى واصفين له سبحانه وتعالى بما ينافي الإلهية والقدم

وأما في النبوات فلأن العارفين لوجوب تنزيه الله عن هذه الصفات جعلوا طعنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لو كان رسولا حقا من عند الله تعالى لكان أولى المراتب أن يكون عارفا بربه فحيث لم يعرف به بل وصفه بصفات المحدثات امتنع كونه رسول حقا

وأما الشرائع فلأن فيهم من لو سئل لانساق بذلك إلى الطعن في القرآن وقالوا إن القرآن قد غير وبدل والقرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كان خاليا من هذه الشبهات واحتجوا عليه بأن هذا القرآن مملوء من وصف القرآن بكونه هدى وتبيانا وحكمة وشفاء ونورا ومن المعلوم بالضرورة أن هذه الآيات المتشابهات سبب عظيم لضلال الخلق ووقوعهم في التجسيم والتشبيه فإما أن تكون الآيات الدالة على كون القرآن نور أو شفاء كاذبة وإما أن تكون الآيات الدالة على التجسيم والتشبيه باطلة كاذبة وعلى التقديرين في القرآن طعن لازم فثبت أنا نحمل هذه الآيات المتشابهة على الكلام بالمجاز ولكن من الكلام مجاز موهوم لقول باطل واعتقاد فاسد فإنه يجب أن نتكلم بذلك الحق على وجه التصريح به ليصير ذلك

144

سببا لزوال ذلك الإيهام الباطل ولم يوجد في القرآن ألفاظ دالة على التنزيه والتوحيد على سبيل التصريح فإن قوله قل هو الله أحد وقوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا يدل على التنزيه إلا دلالة ضعيفة تعل وكل ذلك يوجب الطعن في القرآن وهذا حكاية هذه الشبهة في هذا الباب

واعلم أن العلماء المحققين ذكروا أنواعا من الفوائد في إنزال المتشابهات

الأول أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق فزيادة المشقة توجب زيادة الثواب قال الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين

والثاني لو كان القرآن كله محكما لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد فكان على هذا التقدير تصريحه مبطلا لكل ما سوى هذا المذاهب وذلك مما ينفر أرباب سائر المذهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به أما لما كان مشتملا على المحكم والمتشابه فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ويؤيد مقالته فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأويل كل صاحب مذهب وإذا بالغوا في ذلك التأويل صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله فنصل إلى الحق

والثالث أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدلائل العقل والاستكثار من سائر العلوم وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والحجة أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ يبقى في الجهل والتقليد

والرابع أن القرآن لما كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طريق التأويلات وترجيح بعضها على بعض وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه ومعرفة طريق الترجيحات ولو لم يكن القرآن مشتملا على هذه المتشابهات لم يفتقر إلى شيء من ذلك فكان لا يراد المتشابهات هذه الفوائد

الخامس وهو السبب الأقوى أن القرآن مشتمل على دعوة الخواص والعوام

145

تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق العقلية المحضة فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم محض فوقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب مما تخيلوه وتوهموه ويكون مخلوطا بما يدل على الحق الصريح

فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات

والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو من المحكمات فهذا ما لخصناه في هذا الباب وبالله التوفيق
الفصل الثاني في أن المجسم هل يوصف بأنه مشبه أم لا


قال المجسم إنا وإن قلنا إنه تعالى جسم مختص بالحيز والجهة إلا أنا نعتقد أنه بخلاف سائر الأجسام في ذاته وحقيقته وذلك يمنع من القول بالتشبيه فإن إثبات المساواة في الأمور لا يوجب إثبات التشبيه ويدل عليه أنه تعالى صرح في كتابه بالمساواة في الصفات الكثير ولم يقل أحد بأن ذلك يوجب التشبيه

فالأول قال في صفة نفسه إنني معكما أسمع وأرى وقال في صفة الإنسان فجعلناه سميعا بصيرا

الثاني قال تعالى واصنع الفلك بأعيننا وقال في الإنسان ترى أعينهم تفيض من الدمع

الثالث قوله تعالى بل يداه مبسوطتان وفي الإنسان بما قدمت يداك وقال في نفسه مما عملت أيدينا أنعاما وفي الإنسان يد الله فوق أيديهم

الرابع قال تعالى الرحمن على العرش استوى وفي الإنسان لتستووا على ظهوره

146



الخامس قال في صفة نفسه العزيز الجبار ووصف الخلق بذلك فقال إخوة يوسف أيها العزيز وقال كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار

والسادس سمى نفسه بالعظيم ثم وصف العرش فقال رب العرش العظيم

والسابع وصف نفسه بالحفيظ العليم ووصف يوسف نفسه بهما وقال إني حفيظ عليم وقال وبشروه بغلام عليم وقال في آية أخرى بغلام حليم

الثامن الحكم قال الله ألا له الحكم ووصفنا به فقال فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها

التاسع الراحم الرحيم وهذا ظاهر

العاشر الشكور قال الله إن ربنا لغفور شكور

الحادي عشر العلي الإنسان يسمى بذلك منهم كعلي رضي الله عنه

الثاني عشر الكبير قال في نفسه وهو العلي الكبير وقال إن له أبا شيخا كبيرا وقال حكاية عن المرأتين وأبونا شيخ كبير

الثالث عشر الحميد والله تعالى وصف نفسه في كتابه فقال تنزيل من حكيم حميد

الرابع عشر الشهيد فقال في حق الخلق فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد

والخامس عشر الحق قال فتعالى الله الملك الحق وبالحق أنزلناه

147

وبالحق نزل ) الملك يومئذ للحمن ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق

السادس عشر الوكيل قال الله تعالى وهو على كل شيء وكيل وقد يوصف الخلق بذلك فيقال فلان وكيل فلان

السابع عشر المولى قال تعالى ذلك بأنه الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ثم قال في حقنا ولكل جعلنا موالي والنبي صلى الله عليه وسلم قال ( من كنت مولاه فعلي مولاه )

الثامن عشر الولي قال الله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) وقال تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليا بعض

التاسع عشر الحي قال تعالى وهو الحي لا إله إلا هو الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وقال وجعلنا من الماء كل شيء حي

العشرون الواحد قال تعالى قل إنما هو إله واحد ويقع هذا الوصف على أكثر الأشياء فيقال ثوب واحد وإنسان واحد

الحادي والعشرون التواب قال تعالى إن الله كان توابا رحيما ويسمى الخلق به فقال إن الله يحب التوابين

الثاني والعشرون الغني قال تعالى والله الغني وقال إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء وقال ( خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم )

148



الثالث والعشرون النور قال الله تعالى الله نور السماوات والأرض وقال يسعى نورهم بين أيديهم

الرابع والعشرون الهادي قال الله تعالى ولكن الله يهدي من يشاء وقال إنما أنت منذر ولكل قوم هاد

الخامس والعشرون المستمع قال الله تعالى قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون وقال لموسى عليه السلام فاستمع لما يوحى

السادس والعشرون القديم قال تعالى حتى عاد كالعرجون القديم

واعلم أنه لا نزاع في اللفظ الموجود والشيء الواحد والذات والمعلوم والمذكور والعالم والقادر والحي والمريد والسميع والبصير والمتكلم والباقي واقع على الحق سبحانه وتعالى وعلى خلقه فثبت بما ذكرنا أن المشابهة من بعض الوجوه لا توجب أن يكون قائله موصوفا بأنه شبه الله بالخلق وبأنه شبهه ونحن لا نثبت المشابهة بينه وبين خلقه إلا في بعض الأحوال والصفات إلا أنا نعتقد أنه تعالى وإن كان جسما إلا أنه بخلاف سائر الأجسام في ذاته وحقيقته فثبت أن إطلاق اسم المشبه على هذه الطائفة كذب وزور هذا جملة كلامهم في هذا الباب

واعلم أن حاصل هذا الكلام من جانبنا أنا قد دللنا في القسم الأول من هذا الكتاب على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية فلو كان الباري تعالى جسما لزم أن يكون مثلا لهذه الأجسام في تمام الماهية وحينئذ يكون القول بالتشبيه لازما أما ما لم يدل الدليل على الشيء في الموجودية والعالمية والقادرية فإنه لا يوجب تماثلها في تمام الماهية فظهر الفرق وبالله التوفيق

149

الفصل الثالث في أنه من يثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة معينة هو كافر


إنه كافر وهذا لأن من مذهبنا أن كل شيء يكون مختصا بجهة وحيز فإنه مخلوق محدث وله إله أحدثه وخلقه وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها فهم منكرون لذات الموجود الذي يعتقد أنه هو الإله فإذا كانوا منكرين لذاته كانوا كفارا لا محالة وهذا بخلاف المعتزلة فإنهم يثبتون موجودا وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس إلا أنهم يخالفوننا في صفات الموجود والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ووجوده فكان هذا الخلاف أعظم فيلزمهم الكفر لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده والمعتزلة في صفته لا في ذاته

وهذه آخر الكلام في هذا الكتاب ونحن نسأل الله العظيم أن يجعله في الدنيا والآخرة سببا للفوز والنجاة واستحقاق الدرجات برحمته إنه أرحم الراحمين والحمد الله رب العالمين تم بحمد الله تعالى كتاب أساس التقديس