1
أصول الدين وهو الكتاب المسمى معالم أصول الدين
17
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
الحمد الله فالق الإصباح وخالق الأرواح والأشباح فاطر العقول والحواس ومبدع الأنواع والأجناس والذي لا بداية لقدمه ولا غاية لكرمه ولا أمد لسلطانه ولا عدد لإحسانه خلق الأشياء كما شاء بلا معين ولا ظهير وأبدع في الإنشاء بلا ترو ولا تفكير تحلت بعقود حكمته صدور الأشياء وتجلت بنجوم نعمته وجوه الأحياء
جمع بين الروح والبدن بأحسن تأليف ومزج بقدرته اللطيف بالكثيف قضى كل أمر محكم وأبدع كل صنع مبرم عجيب تبصرة وذكرى لكل عبد منيب
أحمده ولا حمد إلا دون نعمائه وأمجده بأكرم صفاته وأشرف أسمائه
وأصلي على رسوله الداعي إلى الدين القويم التالي للقرآن العظيم المنتظر في دعوة إبراهيم نبيا المبشر به عيسى قومه مليا المطرز اسمه على ألوية الدين المقرب منزلته وآدم بين الماء والطين ذلك محمد سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين
صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الأنصار منهم والمهاجرين وسلم عليه وعليهم أجمعين
أما بعد فهذا مختصر يشتمل على علم أصول الدين وهو مرتب على أبواب
18
19
الباب الأول في المباحث المتعلقة بالعلم والنظر وفيه مسائل
20
21
المسألة الأولى العلم إما تصور وإما تصديق
فالتصور هو إدراك الماهية من غير أن تحكم عليها بنفي أو إثبات كقولك الإنسان فإنك تفهم أولا معناه ثم تحكم عليه إما بالثبوت وإما بالانتفاء فذلك الفهم السابق هو التصور
والتصديق هو أن تحكم عليه بالنفي أو الإثبات
وههنا تقسيمان التقسيم الأول أن كل واحد من التصور والتصديق قد يكون بديهيا وقد يكون كسبيا فالتصورات البديهية مثل تصورنا لمعنى الحرارة والبرودة والتصورات الكسبية مثل تصورنا لمعنى الملك والجن والتصديقات البديهة كقولنا النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان والتصديقات الكسبية كقولنا الإله واحد والعالم محدث
والتقسيم الثاني التصديق إما أن يكون مع الجزم أو لا مع الجزم
أما القسم الأول فهو على أقسام أحدها التصديق الجازم الذي لا
22
يكون مطابقا وهو الجهل
وثانيها التصديق الجازم المطابق لمحض التقليد وهو كاعتقاد المقلد
وثالثها التصديق الجازم المستفاد من إحدى الحواس الخمس كعملنا بإحراق النار وإشراق الشمس
الرابع التصديق الجازم المستفاد ببديهة العقل كقولنا النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لا التصديق الجازم المستفاد من الدليل
وأما القسم الثاني وهو التصديق العاري عن الجزم فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم والمساوي هو الشك
المسألة الثانية لا بد من الاعتراف بوجود تصورات وتصديقات بديهية
إذ لو كانت بأسرها كسبية لافتقر اكتسابها إلى تقدم تصورات وتصديقات أخر ولزم منه التسلسل أو الدور وهما محالان فإذا عرفت هذا فنقول اختلف الناس في حد العلم والمختار عندنا أنه غني عن التعريف لأن كل واحد يعلم بالضرورة كونه عالما بكون النار محرقة والشمس مشرقة ولو لم يكن العلم بحقيقة العلم ضروريا وإلا لامتنع أن يكون العلم بهذا العلم المخصوص ضروريا
المسألة الثالثة النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تحصيل علم أو ظن
مثاله إذا حضر في عقلنا أن هذه الخشبة قد مستها النار وحضر أيضا أن كل خشبة مستها النار فهي محترقة حصل من مجموع العلمين الأولين علم ثالث بكون هذه الخشبة محترقة فاستحضار العلمين الأولين لأجل أن يتوصل بهما إلى تحصيل هذا العلم الثالث وهو النظر
23
المسألة الرابعة قد يفيد العلم
لأن من حضر في عقله أن هذا العالم متغير وحضر أيضا أن كل متغير ممكن فمجموع هذين العلمين يفيد العلم بأن العالم ممكن
ولا معنى لقولنا النظر يفيد العلم إلا هذا
دليل آخر إبطال النظر إما أن يكون بالضرورة وهو باطل وإلا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء أو يكون بالنظر فيلزم منه إبطال الشيء بنفسه وهو محال
واحتج المنكرون فقالوا إذا تفكرنا وحصل عقيب ذلك الفكر اعتقاد فعلمنا يكون ذلك الاعتقاد حقا إن كان ضروريا وجب أن لا تختلف العلماء فيه وليس كذلك وإن كان نظريا افتقر ذلك إلى نظر آخر ولزم التسلسل
والجواب أنه ضروري فإن كل ما أتى بالنظر على الوجه الصحيح علم بالضرورة كون ذلك الاعتقاد حقا
المسألة الخامسة حاصل الكلام في النظر
هو أن يحصل في الذهن علمان وهما يوجبان علما آخر فالتوصل بذلك الموجب إلى ذلك الموجب المطلوب هو النظر وذلك الموجب هو الدليل
فنقول ذلك الدليل إما أن يكون هو العلة كالاستدلال بمماسة النار على الاحتراق أو المعلول المساوي كالاستدلال بحصول الاحتراق على مماسة النار والاستدلال بأحد المعلومين على الآخر كالاستدلال بحصول الإشراق على حصول الإحراق فإنهما معلولا علة واحدة في الأجسام السفلية وهي الطبيعة النارية
24
المسألة السادسة لا بد في طلب كل مجهول من معلومين متقدمين
فإن من أراد أن يعلم أن العالم ممكن فطريقه أن يقول العالم متغير وكل متغير ممكن وأيضا فلما كان ثبوت ذلك المحمول لذلك الموضوع مجهولا فلا بد من شيء يتوسطهما بحيث يكون ثبوت ذلك المحمول له معلوما ويكون ثبوته لذلك الموضوع معلوما فحينئذ يلزم من حصولها حصول ذلك المطلوب فثبت أن كل مطلوب مجهول لا بد له من معلومين متقدمين ثم نقول إن كانا معلومين على القطع كانت النتيجة قطعية وإن كان أحدهما مظنونا أو كلاهما كانت النتيجة ظنية لأن الفرع لا يكون أقوى من الأصل
المسألة السابعة النظر في الشيء ينافي العلم به
لأن النظر طلب والطلب حل حصول المطلوب محال وينافي الجهل به لأن الجاهل يعتقد كونه عالما به وذلك لاعتقاد يصرفه عن الطلب
المسألة الثامنة الصحيح أن النظر يستلزم العلم اليقيني
لما ذكرنا أنه مع حصول تينك المقدمتين يمتنع أن لا يحصل العلم بالمطلوب إلا انه غير مؤثر فيه لأنا سنقيم الأدلة على أن المؤثر ليس إلا الواحد وهو الله تعالى
25
المسألة التاسعة الدليل إما أن يكون مركبا من مقدمات كلها عقلية وهو موجود أو كلها نقلية وهذا محال
لأن إحدى مقدمات ذلك الدليل هو كون ذلك النقل حجة ولا يمكن إثبات النقل بالنقل أو بعضها عقلي وبعضها نقلي وذلك موجود ثم الضابط أن كل مقدمة لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل وكل ما كان إخبارا عن وقوع ما جاز وقوعه وجاز عدمه فإنه لا يمكن معرفته إلا بالحس أو بالنقل وما سوى هذين القسمين فإنه يمكن إثباته بالدلائل العقلية والنقلية
المسألة العاشرة قيل الدلائل النقلية لا تفيد اليقين
لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف وعدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم الإضمار وعدم النقل وعدم التقديم والتأخير وعدم التخصيص وعدم النسخ وعدم المعارض العقلي وعدم هذه الأشياء مظنون لا معلوم والموقوف على المظنون مظنون وإنما ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية وأن العقلية قطعية والظن لا يعارض القطع
26
27
الباب الثاني في أحكام المعلومات وفيه مسائل
28
29
المسألة الأولى صريح العقل حاكم بأن المعلوم إما موجود وإما معدوم
وهذا يدل على أمرين الأول أن تصور ماهية الوجود تصور بديهي لأن ذلك التصديق البديهي موقوف على ذلك التصور وما يتوقف عليه البديهي أولى أن يكون بديهيا
والثاني أن المعدوم معلوم لأن ذلك التصديق البديهي متوقف على هذا التصور فلو لم يكن هذا التصور حاصلا لامتنع حصول ذلك التصديق
المسألة الثانية مسمى الوجود مشترك فيه بين كل الموجودات
لأنا نقسم الموجود إلى الواجب والممكن ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ألا ترى أنه لا يصح أن يقال الإنسان إما أن يكون تركيا أو يكون حجرا ولأن العلم الضروري حاصل بصحة هذا الحصر وأنه لا واسطة بينهما ولولا أن المفهوم من الوجود واحد وإلا لما حكم العقل بكون المتناقضين طرفين فقط
30
المسألة الثالثة الوجود زايد على الماهيات
لأنا ندرك التفرقة بين قولنا السواد سواد وبين قولنا السواد موجود ولولا أن المفهوم من كونه موجودا زايد على كونه سوادا وإلا لما بقي هذا الفرق ولأن العقل يمكنه أن يقول العالم يمكن أن يكون موجودا وأن يكون معدوما ولا يمكنه أن يقول الموجود إما أن يكون موجودا أو معدوما ولولا أن الوجود مغاير للماهية وإلا لما صح هذا الفرق
المسألة الرابعة المعدوم ليس بشيء
والمراد منه أن لا يمكن تقرر الماهيات منفكة عن صفة الوجود والدليل عليه أن الماهيات لو كانت متقررة في نفسها لكانت متشاركة في كونها متقررة خارج الذهن ومتخالفة بخصوصياتها وما به المشاركة غير ما به المخالفة فكأن كونها متقررة خارج الذهن أمرا مشتركا فيه زائدا على خصوصياتها ولا معنى للوجود إلا ذلك
فيلزم أن يقال إنها حال عرائها عن الوجود كانت موصوفة بالوجود وهذا محال
وأيضا فإنا ندرك التفرقة بين قولنا السواد سواد وبين قولنا إن السواد متقرر في الخارج وهذا يدل على أن كونه متقررا في الخارج صفة زائدة على الماهية
واحتجوا بأن المعدوم متميز وكل متميز ثابت فالمعدوم ثابت
بيان الأول من وجوه
الأول أنا نميز بين طلوع الشمس غدا من مشرقها وبين طلوعها غدا من مغربها وهذان الطلوعان معدومان فقد حصل الامتياز بين المعدومات
31
والثاني أنا نقدر على الحركة يمنة ويسرة ولا نقدر على الطيران إلى السماء فهذه الأشياء معدومة مع أنها متميزة
والثالث أنا نحب حصول اللذات ونكره حصول الآلام فقد وقع حصول الامتياز في هذه المعدومات
وبيان أن كل متميز ثابت فهو أن المتميز هو الموصوف بصفة لأجلها امتاز عن الآخر وما لم تكن حقيقته متقررة امتنع كونها موصوفة بالصفة الموجبة للامتياز
والجواب أن ما ذكرتم منقوض بتصور المتنعات وبتصور المركبات كجبل من ياقوت وبحر من زيبق وبتصور الإضافيات ككون الشي حاصلا في الحيز وحالا ومحلا فإن هذه الأمور متمايزة في العلم مع إنها نفي محض بالاتفاق
المسألة الخامسة حكم صريح العقل بأن كل موجود فهو إما واجد لذاته أو ممكن لذاته
أما الواجب لذاته فله خواص
الأول أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون واجبا لذاته ولغيره معا لأن الواجب لذاته هو الذي لا يتوقف على الغير والواجب لغيره هو الذي يتوقف على الغير فكونه واجبا لذاته ولغيره معا يوجب الجمع بين النقيضين
الثاني أن الواجب لذاته لا يكون مركبا لأن كل مركب فإنه يفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره المفتقر إلى الغير لا يكون واجبا لذاته على ما ثبت تقريره
الثالث الوجوب بالذات لا يكون مفهوما ثبوتيا وإلا لكان إما تمام الماهية أو جزءا منها أو خارجا عنها والأول باطل لأن صريح العقل
32
ناطق بالفرق بين الواجب لذاته وبين نفس الوجوب بالذات وأيضا فكله حقيقة الله تعالى غير معلوم ووجوبه بالذات معلوم
والثاني باطل وإلا لزم كون الواجب لذاته مركبا
والثالث أيضا باطل لأن كل صفة خارجة عن الماهية لاحقة بها فهي مفتقرة إليها وكل مفتقر إلى الغير ممكن لذاته فيكون واجبا بغيره فيلزم أن يكون الوجوب بالذات ممكنا لذاته واجبا لغيره وهو محال
وأما الممكن لذاته فله خواص
الأول الممكن لذاته لا بد وأن يكون نسبة الوجود والعدم إليه على السوية إذ لو كان أحد الطرفين أولى به فإن كان حصول تلك الأولوية يمنع من طريان العدم عليه فهو واجب لذاته وإن كان لا يمنع فليفرض مع حصول ذلك القدر من الأولوية تارة موجودا وأخرى معدوما فامتياز أحد الوقتين عن الآخر بالوقوع إن لم يتوقف على انضمام مرجح إليه لزم رجحان الممكن المتساوي لا لمرجح وإن توقف على انضمامه إليه لم يكن الحاصل أولا كافيا في حصول الأولوية وقد فرضناه كافيا هذا خلف
فثبت أن الشيء متى كان قابلا للوجود والعدم كان نسبتهما إليه على السوية
الثاني الممكن المتساوي لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والعلم به مركوز في فطرة العقلاء بل في فطرة طباع الصبيان فإنك لو لطمت وجه الصبي وقلت حصلت هذه اللطمة من غير فاعل البتة فإنه لا يصدقك فيه البتة بل في فطرة البهائم فإن الحمار إذا أحس بصوت الخشبة فزع لأنه تقرر في فطرته أن حصول صوت الخشبة بدون الخشبة محال وأيضا فلما كان الطرفان بالنسبة إليه على السوية وجب أن لا يحصل الرجحان بالنسبة إليه وإلا لزم التناقض
الثالث احتياج الممكن إلى المؤثر لإمكانه لا لحدوثه لأن
33
الحدوث كيفية لذلك الوجود فهي متأخرة عن ذلك الوجود بالرتبة والوجود متأخر عن الإيجاد المتأخر عن احتياج الأثر إلى الموجد المتأخر عن علة تلك الحاجة عن جزئها وعن شرطها فلو كان الحدوث علة لتلك الحاجة أو جزءا لتلك العلة أو شرطا لها لزم تأخير الشيء عن نفسه بمراتب وهو محال
المسألة السادسة الممكن أما أن يكون قائما بنفسه أو قائما بغيره
والقائم بنفسه إما أن يكون متحيزا أو لا يكون متحيزا والمتحيز إما أن لا يكون قابلا للقسمة وهو الجوهر الفرد أو يكون قابلا للقسمة وهو الجسم والقائم بالنفس الذي لا يكون متحيزا ولا حال في المتحيز هو الجوهر الروحاني
ومنهم من أبطله فقال لو فرضنا موجودا كذلك لكان مشاركا للباري تعالى في كونه غير متحيز وغير حال في المتحيز فوجب أن يكون مثلا للباري وهو ضعيف لأن الاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في الماهية لأن كل ماهيتين مختلفتين بسيطتين فلا بد أن تشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما
وأما القائم بالغير فهو العرض فإن كان قائما بالمتحيزات فهو الأعراض الجسمانية وإن كان قائما بالمفارقات فهو الأعراض الروحانية
المسألة السابعة الأعراض إما أن تكون بحيث يلزم من حصولها صدق النسبة أو صدق قبول القسمة أو لا ذاك ولا هذا
والقسم الأول هو الأعراض النسبية وهي أنواع
34
الأول حصول الشيء في مكانه وهو المسمى بالكون ثم إن حصول الأول في الحيز الثاني هو الحركة والحصول الثاني في الحيز الأول هو السكون وحصول الجوهرين في حيزين يتخللهما ثالث هو الافتراق وحصولهما في حيزين لا يتخللهما ثالث هو الاجتماع
الثاني حصول الشيء في الزمان وهو المتبع
الثالث النسبة المتكررة كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية وهي الإضافة
الرابع تأثير الشيء في غيره وهو الفعل
الخامس اتصاف الشيء بتأثيره عن غيره وهو الانفعال
السادس كون الشيء محاطا بشيء آخر بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاطة به وهو الملك
السابع الهيئة الحاصلة لمجموع الجسم بسبب حصول النسبة بين أجزائه وبسبب حصول النسبة بين تلك الأجزاء وبين الأمور الخارجة عنها كالقيام والقعود وهو الوضع ومنهم من قال إن هذه النسبة لا وجود لها في الأعيان وإلا لكان اتصاف محالها بها نسبة أخرى مغايرة لها فيلزم التسلسل
والقسم الثاني من الأعراض هي الأعراض الموجبة لقبول القسمة وهي إما أن تكون بحيث يحصل بين الأجزاء حد مشترك وهو العدد وإما أن لا يحصل وهو المقدار وهو إما أن يقبل القسمة في جهة واحدة وهو الخط أو في جهتين وهو السطح أو في الجهات الثلاث وهو الجسم
والقسم الثالث وهو العرض الذي لا يوجب القسمة ولا النسبة فنقول إنها إما أن تكون مشروطة بالحياة وإما أن لا تكون أما الأول
35
وهو العرض المشروط بالحياة فهو إما الإدراك وإما التحرك
أما الإدراك فهو إما إدراك الجزئيات وهو الحواس الخمس وإما إدراك الكليات وهو العلوم والظنون والجهالات ويدخل فيه النظر وأما التحريك فهو إنما يتم بالإرادة والقدرة والشهوة والنفرة وأما العرض الذي لا يكون مشروطا بالحياة فهي الأعراض المحسوسة بإحدى الحواس الخمس أما المحسوسة بالقوة الباصرة فالأضواء والألوان وأما المحسوسة بالقوة السامعة فالأصوات والحروف وأما المحسوسة بالقوة الذائقة فالطعوم التسعة وهي المرارة والحلاوة والحرافة والملوحة والدسومة والحموضة والعفوصة والقبض والتفاهة
وأما المحسوسة بالقوة الشامة فالطيب والنتن وأما المحسوسة بالقوة الأمسة فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخفة والثقل والصلابة واللين فهذه جملة أقسام الممكنات
المسألة الثامنة القول بالجوهر الفرد حق
والدليل عليه أن الحركة والزمان كل واحد منهما مركب من أجزاء متعاقبة كل واحد منها لا يقبل القسمة بحسب الزمان فوجب أن يكون الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ
بيان المقام الأول في الحركة وهو أنه لا بد أن يحصل من الحركة في الحال بشيء وإلا لامتنع أن يصير ماضيا ومستقبلا لأن الحاضر هو الذي يتوقع حضوره ولم يحصل فلو لم يكن شيء منه حاصلا في الحال لامتنع كونه ماضيا ومستقبلا فيلزم نفي الحركة أصلا وهو محال
ثم نقول الذي وجد منها في الحال غير منقسم انقساما ما يكون أحد نصفيه قبل الآخر وإلا لم يكن كل الحاضر حاضرا وهذا خلف
وإذا ثبت هذا فعند انقضاء ذلك الجزء الذي لا يقبل القسمة يحصل جزء آخر لا يقبل
36
القسمة وكذا الثالث والرابع فثبت أن الحركة مركبة من أمور كل واحد منها لا يقبل القسمة التي يكون أحد جزءيها سابقا على الآخر
وأما بيان أن الأمر كذلك في الزمان فالآن الآن الحاضر الذي هو نهاية الماضي وبداية المستقبل لا يقبل القسمة وإلا لم يكن حاضرا وإذا عدم يكون عدمه دفعة أيضا فإن العدم متصل بأن الوجود وكذا القول في الثاني والثالث فالزمان مركب من آنات متتالية كل واحد منها لا يقبل القسمة وإذا ثبت هذا فالقدر الذي يتحرك المتحرك عليه بالجزء الذي لا يتجزء من الحركة في الآن الذي لا ينقسم إن كان منقسما كانت الحركة إلى نصفها سابقة على الحركة من نصفها إلى آخرها فيكون ذلك الجزء من الحركة منقسما وذلك الآن من الزمان منقسما وهو محال وإن لم يكن منقسما فهو الجوهر الفرد
احتجوا بأن قالوا إذا وضعنا جوهرة بين جوهرين فالوجه الذي من المتوسط يلاقي اليمين غير الوجه الذي منه يلاقي اليسار فيكون منقسما
فنقول لم لا يجوز أن يقال الذات واحدة والوجهان عرضان قائمان بها وهذا قول نفاه الجوهر الفرد فإنهم قالوا الجسم إنما يلاقي جسما آخر بسطحه ثم يقابل سطحه عرض قائم به فكذا هاهنا
المسألة التاسعة حصول الجوهر في الحيز صفة قائمة به
والدليل عليه أن الواحد منا يقدر على تحصيل الجسم في الحيز وغير قادر على ذات الجسم والمقدور غير ما هو غير مقدور ولأنه لو انتقل ذلك الحيز إلى حيز آخر فحصوله في الحيز الأول غير باق وذاته باقية وغير الباقي غير ما هو باقي ولأن ذات الجوهر ذات قائمة بالنفس وحصولها في الحيز نسبة بين ذاته وبين الحيز فوجب القول بتغايرهما
37
المسألة العاشرة الحق عندي أن الأعراض يجوز البقاء عليها
بدليل أنه كان ممكن الوجود في الزمان الأول فلولا انتقل إلى الامتناع الذاتي في الزمان الثاني لجاز أيضا أن ينتقل الشيء من العدم الذاتي إلى الوجود الذاتي وذلك يلزم منه نفي احتياج المحدث في المؤثر وأنه محال
38
39
الباب الثالث في إثبات العلم بالصانع وفيه مسائل
40
41
المسألة الأولى الأجسام محدثة خلافا للفلاسفة
لنا وجوه
الحجة الأولى لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل إما أن يكون ساكنا أو متحركا والقسمان باطلان فيعلل القول بكونه أزليا أما الحصر فظاهر لأن الجسم لا بد وأن يكون حاصلا في حيز فإن كان مستقرا فيه فهو الساكن وإن كان متنقلا إلى حيز آخر فهو المتحرك وإنما قلنا إنه يمتنع كونه متحركا كالوجوه
أحدها أن ماهية الحركة الانتقال من حالة إلى حالة وهذه الماهية تقتضي كونها مسبوقة بالغير والأزل عبارة عن نفي المسبوقة بالغير والجمع بينهما محال
وثانيها أنه إن لم يحصل في الأزل شيء من الحركات فكلها أول وإن حصل فإن لم يكن مسبوقا بشيء آخر فهو أول الحركات وإن كان مسبوقا بشيء آخر كان الأزلي مسبوقا بغيره وهو محال
وثالثها إن كل واحد من تلك الحركات إذا كان حادثا كان مسبوقا
42
بعدم لا أول له فتلك العدمات بأسرها مجتمعة في الأزل فإن حصل معها شيء من الموجودات لزم كون السابق مقارنا للمسبوق وهو محال وإن لم يحصل معها شيء من الموجودات كانت تلك الحركات أول وهو المطلوب
وإنما قلنا إنه يمتنع كون الأجسام ساكنة في الأزل لأنا قد دللنا على أن السكون صفة موجودة فنقول هذا السكون لو كان أزليا امتنع زواله ولا يمتنع زواله فلا يكون أزليا بيان الملازمة أن الأزلي إن كان واجبا لذاته وجب أن يمتنع عدمه وإن كان ممكنا لذاته افتقر إلى المؤثر الواجب لذاته قطعا للدور والتسلسل
وذلك المؤثر يمتنع أن يكون فاعلا مختارا لأن الفاعل المختار إنما يفعل بواسطة القصد والاختيار وكل من كان كذلك كان فعله محدثا فالأزلي يمتنع أن يكون فعلا للفاعل المختار وإن كان ذلك المؤثر موجبا فإن كان تأثيره غير موقوف على شرط لزم من وجوب دوام تلك العلة وجوب دوام ذلك الأثر وإن كان موقوفا على شرط فذلك الشرط لا بد وأن يكون واجبا لذاته أو موجبا لواجب لذاته بالدليل الذي سبق ذكره فحينئذ تكون العلة وشرط تأثيرها واجبا لذاته فوجب دوام المعلول فثبت أن هذا السكون لو كان أزليا لامتنع زواله
وإنما قلنا إنه لا يمتنع زواله لأن الأجسام متماثلة ومتى كان كذلك كان الجسم جائز الخروج عن حيزه ومتى كان كذلك كان ذلك السكون جائز الزوال
وإنما قلنا إن الأجسام متماثلة لأنها في الجسمية والحجمية والامتداد في الجهات فإن لم يخالف بعضها بعضا في شيء من أجزاء الماهية فقد ثبت التماثل وإن حصلت هذه المخالفة فما به المشاركة وهو مجموع الجسمية مغاير لما به المخالفة وعند هذا نقول وإن كان ما به المشاركة محلا وما به المخالفة حالا فهذا يقتضي كون الذوات التي هي
43
الأجسام متماثلة في تمام الماهية إلا أنه قامت بها أعراض مختلفة وذلك لا يضرنا في غرضنا
ولو كان ما به المشاركة حالا وما به المخالفة محلا فهذا محال لأن ما به المخالفة إن كان في نفسه حجما وذاهبا في الجهات كان محل الجسمية نفس الجسمية وهو محال وإن لم يكن حجما ولا مختصا بالحيز أصلا لزم أن يكون الحاصل في الحيز حالا فيما لا حصول له في الحيز وذلك محال وأما إن لم يكن أحد هذين الاعتبارين حالا في الآخر ولا محلا له فحينئذ يكون ما به المشاركة ذوات قائمة بأنفسها خالية عن جهات الاختلافات فثبت أن الأجسام متماثلة وإذا ثبت هذا فنقول لما صح خروج بعض الأجسام عن حيزه وجب أن يصح خروج الكل عن حيزه وبتقدير خروجه عن حيزه فقد بطل ذلك السكون لأنه لا معنى للسكون المعين إلا ذلك الحصول المعين في ذلك الحيز فإذا لم يبق ذلك الحصول وجب أن لا يبقى ذلك السكون فقد ثبت أن السكون لو كان أزليا لما زال وثبت أنه زال فوجب أن لا يكون أزليا فثبت أن الجسم لو كان أزليا لكان في الأزل إما أن يكون متحركا وإما ساكنا وثبت فساد القسمين فيمتنع كونه أزليا
احتج القائلون بقدم الأجسام بأن قالوا كل ما لا بد منه في كونه سبحانه وتعالى موجدا للعالم كان حاصلا في الأزل ومتى كان كذلك لزم أن لا يتخلف العالم عن الله تعالى
بيان الأول أنه لو لم يكن كذلك لافتقر حدوث ذلك الاعتبار إلى محدث آخر ويعود الكلام الأول فيه ويلزم التسلسل
بيان الثاني أنه لما حصل كل ما لا بد منه في المؤثرية امتنع تخلف الأثر عنه إذا لم يكن حصول هذا التخلف ممتنعا كان اختصاص الوقت المعين بالوقوع إن كان لأمر زائد فهذا يقدح في قولنا إن كل ما لا بد منه في المؤثرية كان حاصلا في الأزل وإن كان لا لأمر زائد لزم رجحان الممكن المتساوي لا لمرجح وذلك يوجب نفي الصانع وهو محال
44
والجواب أنه لو صح ما ذكرتم لزم دوام جميع الموجودات بدوام الباري فوجب أن لا يحصل في العالم شيء من المتغيرات ولما كان ذلك باطلا لزم بطلان قولكم
المسألة الثانية في إثبات العلم بالصانع
أعلم أنه إما أن يستدل على وجود الصانع بالإمكان أو بالحدوث وعلى كلا التقديرين فإما في الذوات أو في الصفات فهذه طرق أربعة
الأول إمكان الذوات فنقول لا شك في وجود موجود فهذا الموجود إن كان واجبا لذاته فهو المقصود وإن كان ممكنا فلا بد له من مؤثر وذلك المؤثر إن كان واجبا فهو المقصود وإن كان ممكنا فله مؤثر وذلك المؤثر إن كان هو الذي كان أثرا له لزم افتقار كل واحد مهما إلى الآخر فيلزم كون كل واحد منهما مفتقرا إلى نفسه وهو محال
وإن كان شيئا آخر فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى الواجب والتسلسل إلى غير النهاية باطل لأن ذلك المجموع مفتقر إلى كل واحد من تلك الآحاد وكل واحد منهما ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان فذلك المجموع ممكن وله مؤثر ومؤثره إما أن يكون نفسه وهو محال لأن المؤثر متقدم بالرتبة على الأثر وتقدم الشيء على نفسه محال أو جزء من الأجزاء الداخلة فيه وهو أيضا محال لأن المؤثر في المجموع مؤثر في كل واحد من آحاد ذلك المجموع فلو جعلنا المؤثر في المجموع واحدا من آحاده لزم كذلك الواحد مؤثرا في نفسه وهو محال وإما أن يكون فيما كان مؤثرا فيه وهو دور وقد أبطلناه وإما أن يكون المؤثر في ذلك المجموع أمرا خارجا عن ذلك المجموع لكن من المعلوم أن الخارج عن كل الممكنات لا يكون ممكنا بل يكون واجبا وحينئذ يلزم انتهاء جميع الممكنات لذاتها إلى وجود واجب الوجود لذاته وهو المطلوب
45
وقد ذكرنا في خواص الواجب لذاته أنه يجب كونه فردا منزها عن قبول القسمة وكل جسم وكل قائم بالجسم فإنه مركب ومنقسم فثبت أن واجب الوجود لذاته موجود غير هذه الأجسام وغير الصفات القائمة بالأجسام وهو المطلوب
الطريق الثاني الاستدلال بحدوث الذوات على وجود واجب الوجود فنقول الأجسام محدثة وكل محدث فله محدث والعلم به ضروري كما بيناه فجميع الأجسام لها محدث وذلك المحدث يمتنع أن يكون جسما أو جسمانيا وإلا لزم كونه محدثا لنفسه وهو محال
إلا أنه ههنا أن يقال فلم لا يجوز أن يكون محدث الأجسام ممكنا لذاته فحينئذ نفتقر في إبطال الدور والتسلسل إلى الدليل المتقدم
الطريق الثالث الاستدلال بإمكان الصفات فنقول قد دللنا على أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية وإذا كانت كذلك كان اختصاص جسم الفلك بما به صار فلكا واختصاص جسم الأرض بما به صار أرضا أمرا جائزا فلا بد له من مخصص وذلك المخصص إن كان جسما افتقر في تركبه وتألفه إلى نفسه وهو محال وإن لم يكن جسما فهو المطلوب
الطريق الرابع الاستدلال بحدوث الصفات وهي محصورة في دلائل الآفاق والأنفس كما قال تعالى
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم وأظهرها أن نقول النطفة جسم متشابهة الأجزاء في الصورة
فإما أن تكون متشابهة الأجزاء في نفس الأمر أو لا تكون فإن كان الأول فنقول المؤثر في طباع الأعضاء
وفي أشكالها يمتنع أن يكون هو الطبيعة لأن الطبيعة الواحدة تقتضي الشكل الكروي فوجب أن يتولد الحيوان على شكل الكرة وعلى طبيعة واحدة بسيطة وهذا خلف
وإن كان الثاني وجب أن يكون كل واحد من تلك الأجزاء على شكل الكرة فيلزم
46
أن يكون الحيوان على شكل الكرات مضموم بعضها إلى بعض وهذا خلف فثبت أن خالق أبدان الحيوانات ليست الطبيعية بل فاعل مختار ثم نحتاج في إثبات كونه واجب الوجود لذاته إلى ما ذكرنا في الطريق الأول
المسألة الثالثة إله العالم يمتنع أن يكون جسما
ويدل عليه وجوه
الأول أنا قد دللنا على تماثل الأجسام وإذا ثبت هذا وجب أن يصح على كل واحد منها ما صح على الآخر فحينئذ يكون اختصاصه بعلمه وقدمه وقدرته ووجوب وجوده من الجائزات فوجب افتقاره في حصول هذه الصفات إلى فاعل آخر وذلك على واجب الوجود لذاته محال
الثاني أنا قد دللنا على أن الأجسام بأسرها محدثة والإله يجب أن يكون قديما أزليا فيمتنع كونه جسما
الثالث أنه لو كان جسما لكان مساويا لسائر الأجسام في الجسمية فإن لم يخالفها باعتبار آخر لزم كونه أن يكون مثلا لهذه المحدثات وإن خالفها باعتبار آخر فما به المشاركة غير ما به المخالفة فيلزم وقوع التركيب في ذاته لكنا قد بينا أن وقوع التركيب في ذات واجب الوجود محال
الرابع وهو أنه لو قام بجملة الأجزاء علم واحد وقدرة واحدة لزم قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة وهو محال وإن قام بكل واحد منها علم على حدة وقدرة على حدة لزم القول بتعدد الآلهة
47
المسألة الرابعة في امتناع كونه جوهرا
أعلم بأن المراد من الجوهر المتحيز الذي لا ينقسم أو المراد منه كونه غنيا عن المحل والأول باطل لوجهين
أحدهما أن الدليل الذي ذكرناه في حدوث الأجسام قائم بعينه في جميع المتحيزات فعلى هذا كل جوهر محدث والله تعالى ليس بمحدث فيمتنع كون الإله جوهرا
الثاني أن القائلين بنفي الجوهر الفرد قالوا كل متحيز فإن يمينه غير يساره وقدامه غير خلفه وكل ما كان كذلك فهو منقسم ولا شيء من المنقسم بواجب لذاته وأما إن كان المراد بالجوهر كونه غنيا عن المحل فهذا المعنى حق والنزاع ليس إلا في اللفظ
المسألة الخامسة في امتناع كونه في المكان ويدل عليه وجوه
الأول إن كل ما كان مختصا بالمكان فإن كان بحيث يتميز فيه جانب عن جانب فهو مركب وقد أبطلناه وإن لم يكن كذلك كان كالجوهر الفرد والنقطة التي لا تقبل القسمة وقد أطبق العقلاء على تنزيه الله تعالى عن هذه الصفة
الثاني أنه لو كان في الحيز لكان إما أن يكون متناهيا من كل الجوانب أو غير متناه من كل الجوانب أو يكون متناهيا من بعض الجوانب دون البعض والأول باطل وإلا لكان اختصاصه بذلك المقدار المتناهي من كل الجوانب دون الزائد والناقص محتاجا إلى مخصص وذلك يوجب الحدوث والثاني باطل لأن كل بعد فإنه يقبل الزيادة والنقصان وكل
48
ما كان كذلك فهو متناه ولأن على هذا التقدير يكون مركبا لأن البعد الممتد إلى غير النهاية يفرض فيه نقطة كبيرة ولأن على هذا التقدير تكون المحدثات مختلطة بذاته والثالث باطل لأن القول بالبعد الذي لا نهاية له محال بالدليل الذي ذكرناه سواء كان من كل الجوانب أو من بعضها ولأن الجانب المتناهي غير ما هو غير متناه فيلزم وقوع التركيب
والوجه الثالث أن العالم كرة فلو حصل فوق أحد الجوانب لصار أسفل بالنسبة إلى أقوام آخرين ولو أحاط بجميع الجوانب صار معنى هذا الكلام أن إله العالم فلك من الأفلاك المحيطة بالأرض وذلك لا يقوله مسلم
وأما الظواهر النقلية المشعرة بالجسمية والجهة فالجواب الكلي عنها أن القواطع العقلية دلت على امتناع الجسمية والجهة والظواهر النقلية مشعرة بحصول هذا المعنى والجمع بين تصديقهما محال وإلا لزم اجتماع النقيضين والجمع بين تكذيبهما محال وإلا لزم الخلو عن النقيضين والقول بترجيح الظواهر النقلية على القواطع العقلية محال لأن النقل فرع على العقل فالقدح في الأصل لتصحيح الفرع يوجب القدح في الأصل والفرع معا وهو باطل فلم يبق إلا الإقرار بمقتضى الدلائل العقلية القطعية وحمل الظواهر النقلية إما على التأويل وإما على تفويض علمها إلى الله سبحانه وتعالى وهو الحق
المسألة السادسة في أن الحلول على الله محال
والدليل عليه أن المعقول من حلول الشيء في غيره كون هذا الحال تبعا لذلك المحل في أمر من الأمور وواجب الوجود لذاته يمتنع أن
49
يكون تبعا لغيره فوجب أن يمتنع عليه الحلول وإن كان المراد بالحلول شيئا سوى ما ذكرناه فلا بد من إفادة تصوره حتى ننظر فيه هل يصح إثباته في حق الله تعالى أم لا
المسألة السابعة في أنه يستحيل قيام الحوادث بذات الله تعالى خلافا للكرامية
والدليل عليه أن كل ما كان قابلا للحوادث فإنه يستحيل خلوه عن الحوادث وكل ما كان يمتنع خلوه عن الحوادث فهو حادث ينتج أن كل ما كان قابلا للحوادث فإنه يكون حادثا
وعند هذا نقول الأجسام قابلة للحوادث فيجب كونها حادثة ونقول أيضا إن الله تعالى يمتنع أن يكون حادثا فوجب أن يمتنع كونه قابلا للحوادث
والحاصل أن الجمع بين قبول الحوادث وبين القدم محال فلنذكر ما يدل على صحة مقدمات هذا الدليل فنقول الذي يدل على أن كل ما كان قابلا للحوادث فإنه لا يخلو عن الحوادث هو أن كون الشيء موصوفا بالصفة ممكن الاتصاف بالمحدثات مشروط بإمكان وجود المحدث لأن كون الشيء موصوفا بالصفة المعينة فرع عن تحقق إمكان تلك الصفة فكذلك إمكان الصفة بذلك الاتصاف فرع عن إمكان تلك الصفة لكن الحادث يمتنع أن يكون أزليا فإمكان الاتصاف بالصفة الحادثة يمتنع كونه أزليا بل يكون حادثا
إذا ثبت هذا فنقول كل شيء يصح عليه قبول الحوادث فتلك الصحة يلزم أن تكون من لوازم ذاته إذ لو لم تكن كذلك لكانت من عوارض تلك الذات فتكون تلك الذات قابلة لتلك القابلية فقبول تلك
50
القابلية إن كانت من اللوازم فهو المقصود وإن كانت من العوارض عاد الكلام فيه ولزم التسلسل وهو محال فثبت أن قابلية الصفات الحادثة يجب كونها حادثة وثبت أنها من لوازم تلك الذات فيحصل من هاتين المقدمتين أن كل ما كان قابلا للحوادث فإنه لا يخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث بالدلائل المشهورة
ثم عند هذا نقول الأجسام قابلة للحوادث أعني الألوان والطعوم والروايح والحرارة والبرودة والنور والظلمة فهي حادثة ونقول لكن الباري تعالى يمتنع كونه حادثا فيمتنع كونه محلا للحوادث
المسألة الثامنة في أن الاتحاد على الله تعالى محال
ودليله أن أحد الشيئين إذا اتحد بالآخر فإن بقيا في هذه الحالة فهما اثنان لأواحد وإن عدما كان الموجود غيرهما وإن عدم أحدهما دون الثاني امتنع الاتحاد لأن المعدوم لا يكون عين الموجود
المسألة التاسعة الألم واللذة على الله تعالى محال
لأن المعقول من الألم
هو الحالة الحاصلة عند تغير المزاج إلى الفساد ومن اللذة هو الحالة الحاصلة عند صلاح المزاج فمن كان متعاليا عن الجسمية كان هذا محالا في حقه ولأن اللذة لو صحت عليه لكان طالبا لتحصيل الملتذ به فإن قدر عليه في الأزل لزم إيجاد الحادث في الأزل وإن لم يقدر عليه لكان متألما في الأزل بسبب فقدان الملتذ به وهو محال
51
المسألة العاشرة ذهب أبو علي بن سينا إلى أنه لا حقيقة لله تعالى إلا الوجود المتقيد بقيد كونه غير عارض للماهية
وهذا باطل لوجهين
الأول أنه وافق على أن حقيقته غير معلومة للخلق وعلى أن وجوده المتقيد بالقيد السلبي معلوم والمعلوم غير ما هو غير معلوم
الثاني أن الوجود إن اقتضى لنفس كونه وجودا أن يكون مجردا عن الماهية فكل وجود كذلك فهذه الماهيات الممكنة إما أن لا تكون موجودة أو يكون وجودها نفسها وذلك هو محال وإن اقتضى أن يكون عارضا للماهية فكل وجود كذلك فوجود الله تعالى عارض للماهية وإن لم يقتض لا هذا ولا ذاك لم يصر موصوفا بأحد هذين القيدين إلا بسبب منفصل
فالواجب لذاته واجب لغيره وهذا محال
حجته أنه لو كان وجوده صفة للماهية لافتقر ذلك الوجود إلى تلك الماهية فيكون ذلك الوجود ممكنا لذاته واجبا لتلك الماهية لأن العلة متقدمة بالوجود على المعلول فيلزم كون الماهية متقدمة بوجودها على وجودها وهو محال
والجواب لم لا يجوز أن تكون الماهية من حيث هي موجبة لذلك الوجود كما أن الماهية من حيث هي هي قابلة للوجود في الممكنات
المسألة الحادية عشرة قد يجوز أن يخالف شيء شيئا لنفس حقيقته المخصوصة لا لأمر زائد
والدليل عليه وجهان
أحدهما أنهما لو اختلفا لأجل الصفتين فالصفتان إن لم تختلفا لم
52
توجبا مخالفة الذاتين وإن اختلفتا لصفة أخرى لزم التسلسل وإن اختلفنا لذاتيهما فهو المطلوب
الثاني أن تلك الصفة مخالفة لتلك الذات وإلا لم يكن كون الصفة صفة أولى من كون الذات صفة وبالعكس إذا ثبت هذا فنقول ذات الإله مخالفة لسائر الذوات لعين ذاته المخصوصة إذ لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات لكان اختصاص تلك الذوات المعينة بتلك الصفة المعينة إما أن لا يكون لأمر فيلزم وقوع الممكن لا لمرجح أو لأمر آخر على سبيل الدور وهو محال أو على سبيل التسلسل وهو أيضا محال ولما بطلت الأقسام الثلاثة وجب أن تكون تلك المخالفة لنفس الذات المخصوصة
53
الباب الرابع في صفة القدرة والعلم وغيرهما وفيه مسائل
54
55
المسألة الأولى قد ثبت أن الله تعالى مؤثر في وجود العالم فإما أن يؤثر فيه على سبيل الصحة وهو الفاعل المختار أو على سبيل الوجود وهو الموجب بالذات
فنقول القول بالموجب بالذات باطل لوجوه
الحجة الأولى أنه لو كان تأثيره في وجود العالم على سبيل الإيجاب لزم أن لا يتخلف العالم عنه في الوجود فيلزم إما قدم العالم وإما حدوثه وهما باطلان فوجب أن لا يكون موجبا بالذات
الحجة الثانية أنا بينا أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية فوجب استواؤها في قبول جميع الصفات وقد دللنا على أنه تعالى ليس بجسم ولا حال في الجسم وإذا كان كذلك كانت نسبة ذاته إلى جميع الأجسام على السوية فوجب استواء الأجسام بأسرها في جميع الصفات والتالي باطل فالمقدم مثله
الحجة الثالثة لو كان موجبا بالذات لكان إما أن يوجب معلولا واحدا أو معلومات كثيرة والأول باطل وإلا لوجب أن يتصدر عن ذلك الواحد
56
واحد آخر وكذا القول في جميع المراتب فوجب ألا يوجد موجدان وأحدهما علة للآخر وهو باطل والثاني باطل لأن الفلاسفة أطبقوا على الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد
الحجة الرابعة لا شك أنا نشاهد في العالم تغيرات مثل أن تقدم كان موجودا وعدم المعلول لا بد وأن يكون لعدم علته وعدم تلك لا بد أن يكون أيضا لعدم علتها فهذه المعدومات عند الارتقاء تنتهي واجب الوجود لذاته فإن كان تأثيره في غيره بالإيجاب لزم من عدم الأحوال عدم ذاته وهذا محال فذلك محال
واحتجوا بأن كل ما لا بد منه في المؤثرية إن كان حاصلا لزم وجوب الأثر وإن لم يكن ذلك المجموع حاصلا كان الأثر ممتنعا
والجواب بشكل ما ذكرتموه بالحوادث اليومية
المسألة الثانية صانع العالم عالم
لأن أفعاله محكمة متقنة والمشاهدة تدل عليه وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالما وهو معلوم بالبديهة وأيضا أنه فاعل بالاختيار والمختار هو الذي يقصد إلى إيجاد النوع المعين والقصد إلى إيجاد النوع المعين مشروط بتصور تلك الماهية فثبت أنه تعالى متصور لبعض الماهيات ولا شك أن الماهيات لذواتها تستلزم ثبوت أحكام وعدم أحكام وتصور الملزوم يستلزم تصور اللازم فيلزم من علمه تعالى بتلك الماهيات علمة بلوازمها وآثارها فثبت أنه تعالى عالم
57
المسألة الثالثة أنكرت الفلاسفة كونه تعالى عالما بالجزئيات
ولنا في إبطال قولهم وجوه
الأول أنه تعالى هو الفاعل لا بد أن الحيوانات وفاعلها يجب أن يكون عالما بها وذلك يدل على كونه عالما بالجزئيات
الثاني أن العلم صفة كمال والجهل صفة نقص ويجب تنزيه الله تعالى عن النقائص
الثالث أن كون الماهية موصوفة بالقيود التي صارت لأجلها شخصا معينا واقعا في وقت معين من معلومات ذات الله تعالى إما بواسطة أو بغير واسطة وعندهم أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فوجب من علمه تعالى بذاته علمه بهذه الجزئيات
احتجوا بأنه لو علم كون زيد جالسا في هذا المكان فبعد خروج زيد عن هذا المكان إن بقي ذلك العلم فهو الجهل وإن لم يبق فهو التغير
والجواب لم لا يجوز أن يقال إن ذاته المخصوصة موجبة للعلم بكل شيء بشرط وقوع ذلك الشيء فعند حصول كل واحد من الأحوال تقتضي ذاته المخصوصة العلم بتلك الأحوال
المسألة الرابعة أنه تعالى عالم بكل المعلومات
لأنه تعالى حي والحي لا يمتنع كونه عالما بكل واحد من المعلومات والموجب لكونه عالما هو ذاته المخصوصة إما بغير واسطة أو بواسطة وإذا كان كذلك لم تكن ذاته المخصوصة باقتضاء العلم ببعض
58
المعلومات أولى من اقتضاء العلم بسائر المعلومات
فلما اقتضى العلم بالبعض وجب أن يقتضي العلم بالكل وهو المطلوب
المسألة الخامسة أنه تعالى قادر على كل الممكنات
والدليل عليه أن المصحح للمقدورية هو الجواز لأنا لو رفضناه لبقي إما الوجوب أو الامتناع وهما يمنعان من المقدورية والجواز مفهوم واحد بين جميع الجائزات فما لأجله صح في البعض أن يكون مقدورا لله تعالى قائم في جميع الجائزات وعند الاستواء في المقتضى يجب الاستواء في الأثر فوجب استواء جميع الممكنات في صحة مقدورية الله تعالى والمقتضى لحصول تلك القادرية هو ذاته المخصوصة
فليس بأن تقتضي ذاته حصول القدرة على البعض بأولى من البعض الآخر فوجب كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات
المسألة السادسة جميع الممكنات واقعة بقدرة الله تعالى ويدل عليه وجوه
الأول أنا قد دللنا على أن كل ممكن يفرض فإن الله تعالى قادر عليه ومستقل بإيجاده فلو فرضنا حصول سبب آخر يقتضي إيجاده فحينئذ قد اجتمع على ذلك الأثر الواحد سببان مستقلان وذلك محال من وجهين
أحدهما أن قدرة الله تعالى أقوى من ذلك الآخر فاندفاع ذلك الآخر بقدرة الله تعالى أولى من اندفاع قدرة الله تعالى بذلك الآخر
والثاني أنه إما أن يكون كل واحد منهما مؤثرا فيه أو لا يكون واحد منهما مؤثرا فيه أو يكون المؤثر فيه أحدهما دون الثاني والأول
59
باطل لأن الأثر التام يكون واجب الوقوع وما يجب وقوعه استغنى عن غيره فكونه مع هذا يغنيه عن ذلك وكونه مع ذلك يغنيه عن هذا فيلزم انقطاعه عنهما معا حال استناده إليهما معا وهو محال والثاني أيضا باطل لأن امتناع وقوعه بأحدهما معلل بوقوعه بالثاني وبالضد فلو امتنع وقوعه بهما معا لزم وقوعه بهما معا وهو محال والثالث أيضا باطل لأنه لما كان كل واحد منهما سببا مستقلا لم يكن وقوعه أحدهما بأولى من وقوعه بالآخر ولا يمكن أن يقال إن أحدهما أقوى لأنه لو صح هذا لكان الوقوع بقدرة الله تعالى أولى لأنها أقوى وأيضا فالفعل الواحد لا يقبل القسمة والبعضية فالتأثير فيه لا يقبل التفاوت أيضا فامتنع أن يقال إن أحدهما أقوى
المسألة السابعة صانع العالم حي
لأنا قد دللنا على أنه قادر عالم ولا معنى للحي إلا الذي يصح أن يقدر ويعلم وهذه الصحة معناها نفي الامتناع ومعلوم أن الامتناع صفة عدمية فنفيها يكون نفيا للنفي فيكون ثبوتا فكونه تعالى حيا صفة ثابتة
المسألة الثامنة أنه تعالى مريد
لأنا رأينا الحوادث يحدث كل واحد منها في وقت خاص مع جواز حدوثه قبله أو بعده فاختصاصه بذلك الوقت المعين لا بد له من مخصص وذلك المخصص ليس هو القدرة لأن القدرة تأثيرها في الإيجاد وهذا لا يختلف باختلاف الأوقات ولا العلم لأن العلم يتبع المعلوم وهذه الصفة
60
مستتبعة وظاهر أن الحياة والسمع والبصر والكلام لا يصلح لذلك فلا بد من صفة أخرى وهي الإرادة
فإن قالوا كما أن القدرة صالحة للإيجاد في كل الأوقات فكذلك الإرادة صالحة للتخصيص في كل الأوقات فإن افتقرت القدرة إلى مخصص زائد فلتفتقر الإرادة إلى مخصص زائد
فنقول المفهوم من كونه مخصصا مغاير للمفهوم من كونه مؤثرا فوجب التغاير بين القدرة والإرادة
المسألة التاسعة أنا إذا علمنا شيئا ثم أبصرناه وجدنا بين الحالتين تفرقة بديهة
وذلك يدل على أن الإبصار والسماع مغايران للعلم وقال قوم إنه لا معنى للرؤية إلا تأثر الحدقة بسبب ارتسام صورة المبصر فيها ولا معنى للسمع إلا تأثر الصماخ بسبب وصول تموج الهواء إليه وهذا باطل لوجوه
أما الأول فلأنا نرى نصف كرة العالم على غاية عظمها وانطباع العظيم في الصغير محال ولأنا نرى الأطوال والعروض وارتسام هذه الأبعاد في نقطة الناظر محال
وأما الثاني فلأنا إذا سمعنا صوتا علمنا جهته وذلك يدل على أنا أدركنا الصوت في الخارج ولأنا نسمع كلام الإنسان من وراء الجدار ولو كنا لا نسمع الكلام إلا عند وصوله إلينا وجب أن لا نسمع الحروف من وراء الجدار لأن ذلك التموج لما وصل إلى الجدار لم يبق على شكله الأول
فيثبت بما ذكرنا أن الإبصار والسماع نوعان من الإدراك مغايران للعلم وإذا ثبت هذا فنقول الدلائل السمعية دالة على كونه تعالى
61
سميعا بصيرا
والعقل أيضا يقوي ذلك لما أن هذين النوعين من الإدراك من صفات الكمال ويجب وصف الله تعالى بكل الكمالات فوجب علينا إثبات هذه الصفات إلا أن نذكر الخصم دليلا عقليا يمنع من إجراء هذه الآيات والأخبار على ظواهرها ولكن ذلك معارضة فمن ادعاها فعليه البيان
المسألة العاشرة أجمع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على كونه تعالى متكلما
وإثبات نبوة الأنبياء لا تتوقف على العلم بكونه تعالى متكلما وحينئذ يتم هذا الدليل ولأن كونه تعالى آمرا وناهيا من صفات الجلال ونعوت الكمال والعقل يقضي إثباته لله تعالى
المسألة الحادية عشرة في إثبات أنه تعالى عالم وله علم
أهم المهمات في هذه المسألة تعيين محل البحث فنقول إنه من علم شيئا فإنه يحصل بين العالم وبين المعلوم نسبة مخصوصة وتلك النسبة هي المسماة بالشعور والعلم والإدراك فنحن ندعي أن هذه النسبة أمر زائد على الذات
ومنهم من قال إن العلم صفة حقيقية تقتضي هذه النسبة ومنهم من قال العلم صفة حقيقية توجب حالة أخرى وهي العالمية ثم إن هذه العالمية توجب تلك النسبة الخاصة والمتكلمون يسمون هذه النسبة بالتعلق وأما نحن فلا ندعي إلا ثبوت هذه النسبة
والذي يدل على كون هذه النسبة زائدة على الذات وجوه
الأول أنا بعد العلم بذات نحتاج إلى دليل منفصل في إثبات كونه قادرا عالما والمعلوم مغاير لما هو غير المعلوم
62
الثاني أن العلم نسبة مخصوصة والقدرة نسبة أخرى مخصوصة وأما الذات فهو موجود قائم بالنفس ليس من قبيل النسب والإضافات فوجب التغاير
الثالث أنه لو كان للعلم نفس القدرة لكان كل ما كان معلوما كان مقدورا وهو باطل لأن الواجب والممتنع معلومان وغير مقدورين
الرابع أنا إذا قلنا الذات ثم قلنا الذات عالمة فإنا ندرك بالضرورة التفرقة بين ذلك التصور وبين ذلك التصديق وذلك يوجب التغاير
احتجوا بأن لو كان لله تعالى علم لكان علمه متعلقا بعين ما يتعلق به علمنا فوجب تماثل العلمين فيلزم إما قدمهما معا أو حدوثهما معا
قلنا ينتقض بالوجود فإنه من حيث إنه وجود مفهوم واحد ثم إن وجود الله تعالى قديم ووجودنا حادث
وقالت الفلاسفة لو جعلت له صفة لكانت تلك الصفة مفتقرة إلى تلك الذات فتكون ممكنة ولا بد لها من مؤثر وذلك المؤثر هو تلك الذات والقابل أيضا هو تلك الذات فالشيء الواحد يكون قابلا وفاعلا معا وهو محال
والجواب أن هذا يشكل بلوازم الماهيات مثل فردية الثلاثة وزوجية الأربعة فإن فاعلها وقابلها ليس إلا تلك الماهيات
المسألة الثانية عشرة هذه النسبة المخصوصة والإضافات المخصوصة المسماة بالقدرة وبالعلم لا شك أنها أمور غير قائمة بأنفسها بل ما لم توجد ذات قائمة بنفسها تكون هذه المفهومات صفات لها فإنه يمتنع وجودها
إذا ثبت هذا فنقول إنها مفتقرة إلى الغير فتكون ممكنة لذواتها فلا
63
بد لها من مؤثر ولا مؤثر إلا ذات الله تعالى فتكون تلك الذات المخصوصة موجبة لهذه النسب والإضافات ثم لا يمتنع في العقل أن تكون تلك الذات موجبة لها ابتداء ولا ممتنع أن تكون تلك الذات موجبة لصفات أخرى حقيقية أو إضافية ثم إن تلك الصفات توجب هذه النسب والإضافات وعقول البشر قاصرة عن الوصول إلى هذه المضايق
المسألة الثالثة عشرة قالت المعتزلة إن الله تعالى مريد بإرادة حادثة لا في محل وهذا عندنا باطل لوجوه
الأول أن تلك الإرادة لو كانت حادثة لما أمكن إحداثها إلا بإرادة أخرى ولزم التسلسل وهو محال
الثاني أن تلك الإرادة إذا وجدت لا في محل وذات الله تعالى قابلة للصفة المريدية وسائر الأحياء يقبلون هذه المريدية فلم تكن تلك الإرادة بإيجاب المريدية لله تعالى أولى من إيجاب المريدية لغير الله تعالى وعند هذا يلزم توافق جميع الأحياء في صفة المريدية وهو محال
وليس لهم أن يقولوا إن اختصاصها بالله أولى لأنه تعالى لا في محل وهذه الإرادة أيضا لا في محل فهذه المناسبة هناك أتم
لأنا نقول كونه تعالى لا في محل قيد عدمي فلا يصلح للتأثير في هذا الترجيح
الثالث أن تلك الإرادة لما أوجبت المريدية لله تعالى فقد حدث لله تعالى صفة المريدية لكنا قد دللنا على أن حدوث الصفة في ذات الله تعالى محال
64
المسألة الرابعة عشرة قال قوم من فقهاء ما وراء النهر أن صفة التخليق مغايرة لصفة القدرة وقال الأكثرون ليس كذلك
لنا وجوه الأول أن صفة القدرة صفة مؤثرة على سبيل الصحة وصفة التخليق إن كانت مؤثرة على سبيل الصحة أيضا كانت هذه الصفة غير صفة القدرة وإن كانت مؤثرة على سبيل الوجوب لزم كونه تعالى مؤثرا بالإيجاب لا بالاختيار وذلك باطل وأيضا فهو لكونه موصوفا بالقدرة يلزم أن يكون تأثيره على سبيل الصحة ولكونه موصوفا بهذه الصفة يلزم أن يكون تأثيره على سبيل الوجوب فيلزم أن يكون المؤثر الواحد مؤثرا على سبيل الصحة وعلى سبيل الوجوب معا وهو محال
وأيضا إن كانت القدرة صالحة للتأثير لم يمتنع وقوع المخلوقات بالقدرة وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحدوث المخلوقات على هذه الصفة وإن لم تكن القدرة صالحة للتأثير وجب أن لا تكون القدرة قدرة وهو محال
وأيضا فهذا التخليق إن كان قديما لزم من قدمه قدم المخلوق وإن كان محدثا افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل
واحتج القائلون بإثبات هذه الصفة بأن قالوا نعلم أنه تعالى قادر على خلق الشموس والأقمار الكثيرة في هذا العالم لكنه ما خلقها فصدق هذا النفي والإثبات يدل على الفرق بين كونه تعالى قادرا وبين كونه خالقا ثم نقول هذا الخلق إما أن يكون عين المخلوق وإما أن يكون صفة قائمة بذات الله تعالى تقتضي وجود هذا المخلوق والأول باطل لأن العقل يقول إنما وجد هذا المخلوق لأن الله تعالى خلقه فيعلل وجود المخلوق بتخليق الله تعالى إياه فلو كان هذا التخليق عين وجود ذلك المخلوق لكان
65
قولنا إنما وجد ذلك المخلوق بإذن الله تعالى خلقه جاريا مجرى قولنا إنما وجد ذلك المخلوق لنفسه
ومعلوم أنه باطل لأنه لو وجد لنفسه لامتنع وجوده بإيجاد الله تعالى وذلك يوجب نفي الصانع ولأنه كونه تعالى خالقا صفة له والمخلوق ليس صفة وذلك يوجب التغاير
ولما بطل هذا القسم ثبت أن كونه تعالى خالقا لذلك المخلوق مغايرا لذلك المخلوق وهذه الأبحاث عميقة
المسألة الخامسة عشرة الكلام صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات
والدليل عليه هو أن الألفاظ الدالة على الأمر مختلفة بحسب اختلاف اللغات وحقيقة الأمر ماهية واحدة فوجب التغاير
وأيضا اللفظ الذي يفيد الأمر إنما يفيده لأجل الوضع والاصطلاح وكون الأمر أمرا ماهية ذاتية لا يمكن تغيرها بحسب تغير الأوضاع فوجب التغاير فثبت أن الأمر ماهية قائمة بالنفي يعبر عنها بالعبارات المختلفة
إذا ثبت هذا فنقول تلك الماهية ليست عبارة عن إرادة المأمور به لأنه تعالى أمر الكافر بالإيمان وسنقيم البراهين اليقينية على أنه تعالى يمتنع أن يريد الإيمان من الكافر فوجدنا ههنا ثبوت الأمر بدون الإرادة فوجب التغاير فثبت أن الأمر والنهي معاني حقيقية قائمة بنفوس المتكلمين ويعبر عنها بألفاظ مختلفة
المسألة السادسة عشرة كلام الله تعالى قديم
ويدل عليه المنقول والمعقول أما المنقول
فقوله تعالى
لله الأمر من قبل ومن بعد فأثبت الأمر لله من قبل جميع الأشياء فلو كان أمر الله مخلوقا لزم حصول الأمر من قبل نفسه وهو محال
66
والثاني قوله تعالى
ألا له الخلق والأمر ميز بين الخلق وبين الأمر فوجب أن لا يكون الأمر داخلا في الخلق
والثالث ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ( أعوذ بكلمات الله بالتمام ) والمحدث لا يكون تاما
والرابع أن الكلام من صفات الكمال فلو كان محدثا لكانت خالية عن صفات الكمال قبل حدوثه والخالي عن الكمال ناقص وذلك على الله محال
والخامس أنا بينا أن كونه تعالى آمرا وناهيا من صفات الكمال ولا يمكن أن يكون ذلك عين هذه العبارات بل لا بد وأن تكون صفات تدل عليها هذه العبارات فلو كانت تلك الصفات حادثة لزم أن تكون ذاته محالا للحوادث وهو محال
السادس أن الكلام لو كان حادثا لكان إما أن يقوم بذات الله أو بغيره أو لا يقوم بمحل فلو قام بذات الله تعالى لزم كونه محلا للحوادث وهو محال وإن قام بغيره فهو أيضا محال لأنه لو جاز أن يكون متكلما بكلام قائم بغيره لجاز أن يكون متحركا بحركة قائمة بغيره وساكنا بسكون قائم بغيره وهو محال وإن وجد ذلك الكلام لا في محل فهو باطل بالاتفاق
واحتجوا على أن كلامه مخلوق بوجوه
أحدها أن حصول الأمر والنهي من غير حضور المأمور والمنهي عبث وجنون وهو على الله محال
الثاني أنه تعالى إذا أمر زيدا بالصلاة فإذا أداها لم يبق ذلك الأمر وما ثبت عدمه امتنع قدمه
الثالث أن النسخ في الأوامر والنواهي جائز وما ثبت زواله امتنع قدمه
67
الرابع أن قوله تعالى
إنا أرسلنا نوحا وإنا أنزلناه في ليلة القدر أخبار عن الماضي وهذا إنما يصح أن لو كان المخبر عنه سابقا على الخبر فلو كان الخبر موجودا في الأزل لكان الأزلي مسبوقا بغيره وهو محال
والجواب أن كل ما ذكرتم في الأمر والنهي معارض بالعلم فإن الله تعالى لو كان عالما في الأزل بأن العالم موجود لكان ذلك جهلا ولو كان عالما بأنه سيحدث فإذا أوجده وجب أن يزول العلم الأول فحينئذ يلزم عدم القديم
وبالجملة فجميع ما ذكروه من الشبهات معارض بالعلم
المسألة السابعة عشرة قالت الحنابلة كلام الله تعالى ليس إلا الحروف والأصوات وهي قديمة أزلية
وأطبق العقلاء على أن الذي قالوه جحد للضروريات ثم الذي يدل على بطلانه وجهان
الوجه الأول أنه إما أن يقال إنه تكلم بهذه الحروف دفعة واحدة أو على التعاقب فإن كان الأول لم يحصل منها هذه الكلمات التي نسمعها لأن التي نسمعها حروف متعاقبة فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع قديما
وإن كان الثاني فالأول لما انقضى كان محدثا لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه والثاني لما حصل بعد عدمه كان حادثا
والوجه الثاني أن هذه الحروف والأصوات قائمة بألسنتنا وحلوقنا فلو كانت هذه الحروف والأصوات نفس صفة الله تعالى لزم أن تكون صفة الله وكلمته حالة في ذات كل أحد من الناس ثم أن النصارى لما أثبتوا
68
حلول كلمة الله تعالى في عيسى عليه السلام وحده كفرهم جمهور المسلمين فالذي يثبت هذا الحلول في حق كل أحد من الناس يكون كفره أغلظ من كفر النصارى بكثير
واحتجوا على قولهم بأن كلام الله تعالى مسموع بدليل قوله تعالى
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله وهذا يدل على أن كلام الله مسموع فلما دل الدليل على أن كلام الله قديم وجب أن تكون هذه الحروف المسموعة قديمة
والجواب أن المسموع هو هذه الحروف المتعاقبة وكونها متعاقبة يقتضي أنها حدثت بعد انقضاء غيرها ومتى كان الأمر كذلك كان العلم الضروري حاصلا بامتناع كونها قديمة
المسألة الثامنة عشرة قال الأكثرون من أهل السنة كلام الله تعالى واحد والمعتزلة أظهروا التعجب منه وقالوا الأمر والنهي والخبر والاستخبار حقائق مختلفة فالقول بأن الكلام من الواحد مع كونه واحدا أمر ونهي وخبر واستخبار يقتضي كون الحقائق الكثيرة حقيقة واحدة وذلك باطل بالبديهة
وأعلم أن عندنا الأمر عبارة عن الإعلام بحلول العقاب وكذلك النهي وأما الاستفهام فإنه أيضا إعلام مخصوص فيرجع حاصل جميع الأقسام إلى الإخبار وكما لا يمتنع أن يكون العلم الواحد علما بالأشياء الكثيرة فكذلك لا يمتنع أن يكون الخبر الواحد خبرا عن الأشياء الكثيرة
المسألة التاسعة عشرة أنه تعالى باق لذاته خلافا للأشعري
لنا أنه واجب الوجود لذاته والواجب لذاته يمتنع أن يكون واجبا لغيره فيمتنع كونه باقيا بالبقاء وأيضا لو كان باقيا بالبقاء لكان كون بقائه
69
بقاؤه إن كان لبقاء آخر لزم التسلسل وإن كان لبقاء الذات لزم الدور وإن كان لنفسه فحينئذ يكون البقاء باقيا لنفسه والذات باقية ببقاء البقاء فكان البقاء واجب الوجود لذاته والذات واجبة الوجود لغيره فحينئذ تنقلب الذات صفة والصفة ذاتا وهو محال
المسألة العشرون أعلم أنه لا يلزم من عدم الدليل على الشيء المدلول ألا ترى أن في الأزل لم يوجد ما يدل على وجود الله تعالى فلو لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم الحكم بكون الله تعالى حادثا وهذا محال
إذا ثبت هذا فنقول هذه الصفات التي عرفناها وجب الإقرار بها فأما إثبات الحصر فلم يدل عليه فوجب التوقف فيه وصفة الجلال ونعوت الكمال أعظم من أن تحيط بها عقول البشر
70
71
4
الباب الخامس في بقية الكلام في الصفات وفيه مسائل
72
73
المسألة الأولى اتفق أهل السنة على أن الله تعالى يصح أن يرى وأنكرت الفلاسفة والمعتزلة والكرامية والمجسمة ذلك
أما إنكار الفلاسفة والمعتزلة فظاهر وأما إنكار الكرامية والحنابلة فلأنهم أطبقوا على أنه تعالى لو لم يكن جسما وفي مكان لامتنعت رؤيته وأهم المهمات تعيين محل النزاع
فنقول الإدراكات ثلاث مراتب
أحدها وهو أضعفها معرفة الشيء لا بحسب ذاته بل بواسطة آثاره كما يتعرف من وجود البناء أن ههنا بانيا ومن وجود النقش أن ههنا نقاشا
وثانيها وهو أوسطها أن نعرف الشيء بحسب ذاته المخصوصة كما إذا عرفنا السواد من حيث هو سواد والبياض من حيث هو بياض
وثالثها وهو أكملها كما إذا أبصرنا بالعين السواد والبياض فإن بديهة العقل جازمة بأن هذه المرتبة في الكشف والجلاء أكمل من المرتبة المتقدمة
74
إذا عرفت هذا فنقول أطبق أهل العلم على أنه يمكن معرفة الله تعالى بالوجه الأول وهل يمكن معرفته بالوجه الثاني فيه اختلاف وهل يمكن معرفته بالوجه الثالث بمعنى أنه هل يمكن أن يحصل للبشر نوع إدراك نسبته إلى ذات الله تعالى كنسبة الإبصار إلى المبصرات في قوة الظهور والجلاء هذا هو المراد من قولنا إنه تصح رؤية الله تعالى أم لا
عند هذا يظهر أن من قال العلم الضروري حاصل بامتناعه فهو جاهل مكابر
واحتج الجمهور من الأصحاب بأن قالوا لا شك أنا نرى الطويل والعريض ولا معنى للطويل والعريض إلا جواهر متألفة في سمت مخصوص وذلك يدل على أن الجواهر مرئية ولا نزاع أيضا أن الألوان مرئية فثبت أن صحة الرؤية حكم مشترك فيه بين الجواهر والأعراض والحكم المشترك فيه لا بد له من علة مشتركة فيها والمشترك بين الجوهر والعرض
إما الحدوث أو الوجود والحدوث لا يصلح للعلية لأن الحدوث عبارة عن وجود بعد عدم والقيد العدمي لا يصلح للعلية فوجب أن تكون العلة هي الوجود والله تعالى موجود فوجب القول بصحة رؤيته
وهذا عندي ضعيف لأنه يقال الجوهر والعرض مخلوقان فصحة المخلوقية حكم مشترك بينهما فلا بد من علة مشتركة
والمشترك إما الحدوث وإما الوجود والحدوث باطل بما ذكرتموه فبقي الوجود فوجب أن يصح كونه تعالى مخلوقا وكما أن هذا باطل فكذلك ما ذكرتموه باطل
وأيضا فإنا ندرك باللمس الطويل والعريض وندرك الحرارة والبرودة فصحة الملموسية حكم مشترك ونسوق الكلام إلى آخره حتى يلزم صحة كونه تعالى ملموسا والتزامه مدفوع في بديهة العقل
والمختار عندنا أن نقول الدلائل السمعية دالة على حصول الرؤية وشبهات المعتزلة في امتناع الرؤية باطلة فوجب علينا البقاء على تلك الظواهر
أما بيان الدلائل السمعية فمن وجوه
75
أحدها قوله تعالى
وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فنقول النظر إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته
والأول هو المقصود والثاني يوجب الامتناع عن إجرائه على ظاهره لأن ذلك إنما يصح في المرئي الذي يكون له جهة فوجب حمله على لازمه وهو الرؤية لأن من لوازم تقليب الحدقة إلى سمت جهة المرئي حصول الرؤية وإطلاق اسم السبب لإرادة المسبب جائز وقولهم يضمر فيه إلى ثواب ربها خطأ لأن زيادة الإضمار من غير حاجة لا يجوز
الثاني قوله تعالى
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الزيادة هي النظر إلى الله
والثالث قوله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وقوله تعالى
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه وقوله
فمن كان يرجو لقاء ربه وقوله
بل هم بلقاء ربهم كافرون وقوله
تحيتهم يوم يلقونه واللقاء عبارة عن الوصول وهذا في حق الله تعالى محال إلا أن من رأى شيئا فكان بصره لقيه ووصل إليه فوجب حمل اللفظ عليه
الرابع قوله تعالى كلا إنهم عن ربيهم يومئذ لمحجوبون وتخصيص الكفار بهذا الحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين
الخامس قوله تعالى
وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا والملك الكبير هو الله تعالى وذلك يدل على أنه صلى الله عليه وسلم يرى ربه يوم القيامة
السادس قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام
رب أرني أنظر إليك ولو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لكان موسى جاهلا بالله تعالى
76
السابع قوله تعالى
فإن استقر مكانه فسوف تراني علق الرؤية على استقرار الجبل وهذا الشرط ممكن والمعلق بالممكن ممكن
الثامن قوله تعالى
فلما تجلى ربه للجبل والتجلي هو الرؤية وذلك لأن الله تعالى خلق في الجبل حياة وسمعا وبصرا وعقلا وفهما وخلق فيه رؤية رأى الله بها
التاسع قوله صلى الله عليه وسلم ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ) والمقصود من هذا التشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي
العاشر أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه أم لا واختلافهم في الوقوع يدل ظاهرا على اتفاقهم على الصحة
أما المعتزلة فقد ذكروا وجوها
الأول قوله تعالى
لا تدركه الأبصار والرؤية إدراك فنفي الإدراك يوجب نفي الرؤية
والثاني وهو أن الله تعالى تمدح بنفي الإدراك وكل ما عدمه مدح كان وجوده نقصا والنقص على الله تعالى محال
والثالث قوله تعالى
لن تراني ولن نفيد التأييد فوجب أن يقال إن موسى عليه السلام لا يرى الله تعالى البتة وكل من قال إن موسى لا يرى الله تعالى البتة قال إن غيره لا يراه أيضا
والرابع قالوا إنه متى حصلت هذه الشرائط الثمانية وجب الرؤية
أحدها سلامة الحاسة
وثانيها كون الشيء بحيث لا يمتنع رؤيته
وثالثها عدم القرب القريب
ورابعها عدم البعد البعيد
وخامسها عدم اللطافة
وسادسها عدم الصغر
وسابعها عدم الحجاب
وثامنها حصول المقابلة
والدليل على وجوب الرؤية عند حصول هذا
77
الشرائط الثمانية أنه لو لم تجب الرؤية عند حصولها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال وشموس وأقمار ونحن لا نراها وذلك جهالة عظيمة فثبت وجوب الرؤية عند حصول هذه الشرائط الثمانية
إذا ثبت هذا فنقول أما الشرائط الستة الأخيرة فهي لا تعقل إلا في حق الأجسام والله تعالى ليس بجسم فيمتنع كونها شرائط في رؤية الله تعالى فبقي أن يقال الشرط المعتبر في حصول رؤية الله تعالى ليس إلا سلامة الحاسة وكون الشيء بحيث يصح أن يرى وهما حاصلان في الحال فكان يجب أن نراه في الحال وحيث لن نره في الحال علمنا أن ذلك لأنه تمتنع رؤيته لذاته والعلم به ضروري
الخامس قولهم إنه تعالى ليس بجسم مقابل للرائي ولا في حكم المقابل له فوجب أن تمتنع رؤيته والعلم به ضروري
والجواب عن التمسك بقوله تعالى
لا تدركه الأبصار من وجهين
الأول أن لفظ الأبصار صيغة جمع وهي تفيد العموم فسلبه يفيد سلب العموم وذلك لا يفيد عموم السلب لأن نقيض الموجبة الكلية هو السالبة الجزئية لا السالبة الكلية
الثاني إن الإدراك عبارة عن إبصار جوانبه وأطرافه وهذا في حق الله تعالى محال ونفي الإبصار الخاص لا يوجب نفي أصل الإبصار
والجواب عن قولهم تمدح بعدم الإبصار فكان وجوده نقصا والنقص على الله محال
أن نقول إنه تعالى تمدح بكونه قادرا على حجب الأبصار عن رؤيته فكان سلب هذه القدرة نقصا
ثم نقول هذه الآية تدل على إثبات صحة الرؤية من وجهين
78
أحدهما أنه تعالى لو كان بحيث تمتنع رؤيته لذاته لما حصل التمدح بنفي هذه الرؤية بدليل أن المعدومات لا تصح رؤيتها وليس لها صفة مدح بهذا السبب
أما إذا كان الله تعالى بحيث يصح أن يرى ثم إنه قادر على حجب جميع الأبصار عن رؤيته كان هذا صفة مدح
الثاني أنه تعالى نفى أن تراه جميع الأبصار وهذا يدل بطريق المفهوم على أنه يراه بعض الأبصار كما أنه إذا قيل إن قرب السلطان لا يصل إليه كل الناس فإنه يفيد أن بعضهم يصل إليه والله أعلم
والجواب عن التمسك بقوله
لن تراني أن هذا أيضا يدل على كونه تعالى جائزا منه الرؤية لأنه لو كان ممتنع الرؤية لقال إنه لا يصح رؤيتي ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه بعضهم طعاما فقال له أعطني هذا لآكله كان الجواب الصحيح أن يقال هذا لا يؤكل
أما إذا كان ذلك الشيء طعاما يصح أكله فحينئذ يصح أن يقول المجيب إنك لن تأكله
والجواب عن قولهم لو صحت رؤيته لرأيناه
أنا لا نسلم أن رؤية المحدثات واجبة الحصول عند حصول هذه الشرائط فلم قلتم إن رؤية الله تعالى واجبة الحصول عندها لأن رؤيته تعالى بتقدير حصولها مخالفة لرؤية المحدثات ولا يلزم من حصول حكم في شيء حصوله فيما يخالفه
والجواب عن قولهم لو كان مرئيا لوجب كونه مقابلا للرائي
هو أنكم إن ادعيتم فيه الضرورة فهو باطل لأنا فسرنا الرؤية بشيء يمتنع ادعاء البديهة في امتناعه وإن ادعيتم الدليل فاذكروه
79
المسألة الثانية في أنه ليس عند البشر معرفة كنه الله تعالى
والدليل عليه أن المعلوم عند البشر أحد أمور أربعة إما الوجود وإما كيفيات الوجود وهي الأزلية والأبدية والوجوب وإما السلوب وهي أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض وإما الإضافات وهي العالمية والقادرية والذات المخصوصة الموصوفة بهذه الصفات المفهومات مغايرة لها لا محالة وليس عندنا من تلك الذات المخصوصة إلا أنها ذات لا يدري ما هي إلا أنها موصوفة بهذه الصفات وهذا يدل على أن حقيقته المخصوصة غير معلومة
المسألة الثالثة في بيان أن إله العالم واحد
اعلم أن العلم بصحة النبوة لا يتوقف على العلم بكون الإله واحدا فلا جرم إمكان إثبات الوحدانية بالدلائل السمعية وإذا ثبت هذا فنقول إن جميع الكتب الإلهية ناطقة بالتوحيد فوجب أن يكون التوحيد حقا
الحجة الثانية هو أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح تحريك الجسم منه ولو انفرد الثاني يصح منه تكسينه فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والثاني التسكين
فإما أن يحصل المرادان وهو محال وإما أن يمتنعا وهو أيضا محال لأنه يكون كل واحد منهما عاجزا وأيضا المانع من كل واحد من تحصيل مراده حصول مراد الآخر والمعلول لا يحصل لا مع علته فلو امتنع المرادان لحصلا وذلك محال وأما أن يمتنع أحدهما دون الثاني وذلك أيضا محال لأن الممنوع يكون عاجزا والعاجز
80
لا يكون إلها ولأنه لما كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد لم يكن عجز أحدهما أولى من عجز الآخر
فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب هذه الأقسام الفاسدة فكان القول به باطلا
الحجة الثالثة أنا بينا أن الإله يجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات فلو فرضنا إلهين لكان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات فإذا أراد كل واحد منهما تحريك جسم فتلك الحركة إما أن تقع بهما أو لا تقع بواحد منهما أو تقع بأحدهما دون الثاني والأول محال لأن الأثر مع المؤثر المستقل واجب الحصول ووجوب حصوله به يمنع من استناده إلى الثاني إذ لو اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما فيكون محتاجا إليهما وغنيا عنهما وهو محال وأما أن لا يقع بواحد منهما البتة فهذا يقتضي كونهما عاجزين وأيضا فامتناع وقوعه بهذا إنما يكون لأجل وقوعه بذلك وبالضد فلو امتنع وقوعه بهما لوقع بهما معا وهو محال وإما أن يقع بواحد دون الثاني فهو أيضا محال لأنهما لما استويا في صلاحية الإيجاد كان وقوعه بأحدهما دون الثاني ترجيحا من غير مرجح وهو محال
الحجة الرابعة أنهما لو اشتركا في الأمور المعتبرة في الألهية فإما أن لا يمتاز أحدهما عن الآخر في أمر من الأمور وإما أن لا يحصل هذا الامتياز فإن كان الثاني فقد بطل التعدد
وأما الأول فباطل لوجهين
أحدهما أنهما لو اشتركا في الألهية واختلفا في أمر آخر وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب وكل مركب ممكن وكل ممكن محدث فالإلهان محدثان هذا خلف
والثاني هو أن ما به حصل الامتياز إما أن يكون معتبرا في الألهية أو لا يكون فإن كان الأول كان عدم الاشتراك فيه يوجب عدم الاشتراك في الألهية وإن كان الثاني كان ذلك فضلا زائدا على الأحوال المعتبرة في الألهية وذلك صفة نقص وهو على الله محال
81
المسألة الرابعة القائلون بالشرك طوائف
الطائفة الأولى عبدة الأوثان والأصنام ولهم تأويلات
أحدها أن الناس كانوا في قديم الدهر عبدة الكواكب ثم اتخذوا لكل كوكب صنما ومثالا واشتغلوا بعبادتها وكانت نيتهم توجيه تلك العبادات إلى الكواكب ولهذا السبب لما حكى الله عز وجل عن الخليل عليه السلام أنه قال لأبيه آزر
أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ثم ذكر عقيب هذا الكلام مناظرة إبراهيم مع القوم في إلهية الكواكب
وثانيها أن الغالب على أهل العالم دين التشبيه ومذهب المجسمة والقوم كانوا يعتقدون أن الإله الأعظم نور في غاية العظمة والإشراق وأن الملائكة أنوار مختلفة بالصغر والكبر فلا جرم أنهم اتخذوا الصنم الأعظم وبالغوا في تحسين تركيبه باليواقيت والجواهر على اعتقاد أنه على صورة الله واتخذوا سائر الأصنام على صور مختلفة في الصغر والكبر على اعتقاد أنها صور الملائكة فعلى هذا التقدير عبدة الأصنام تلامذة المشبهة
وثالثها أن من الناس من قال إن البشر ليس لهم أهلية عبادة الإله الأعظم وإنما الغاية القصوى اشتغال البشر بعبادة ملك من الملائكة ثم إن الملائكة يعبدون الإله الأعظم ثم إن كل إنسان اتخذ صنما على اعتقاد كونه مثالا لذلك الملك الذي يدبر تلك البلدة واشتغل بعبادته
ورابعها أن المنجمين كانوا يرصدون الأوقات الصالحة للطلسمات النافعة في الأفعال المخصوصة فإذا وجدوا ذلك الوقت عملوا له صنما ويعظمونه ويرجعون إليه في طلب المنافع كما يرجعون إلى الطلسمات المعمولة في كل باب واعلم أنه لا خلاص عن هذه الأبواب إلا إذا اعتقدنا أنه لا مؤثر ولا مدبر إلا الواحد القهار والله أعلم بالصواب
82
83
الباب السادس في الجبر والقدر وما يتعلق بهما من المباحث وفيه مسائل
84
85
المسألة الأولى المختار عندنا أن عند حصول القدرة والداعية المخصوصة يجب الفعل وعلى هذا التقدير يكون العبد فاعلا على سبيل الحقيقة ومع ذلك فتكون الأفعال بأسرها واقعة بقضاء الله تعالى وقدره
والدليل عليه أن القدرة الصالحة للفعل إما أن تكون صالحة للترك أو لا تكون فإن لم تصلح للترك كان خالق تلك القدرة خالقا لصفة موجبة لذلك الفعل ولا نريد بوقوعه بقضاء الله إلا هذا وأما إن كانت القدرة صالحة للفعل وللترك فإما أن يتوقف رجحان أحد الطرفين على الآخر على مرجح أو لا يتوقف فإن توقف على ترجح فذلك المرجح إما أن يكون من الله أو من العبد أو يحدث لا بمؤثر
فإن كان الأول فعند حصول تلك الداعية يجب الفعل وعند عدمه يمتنع الفعل وهو المطلوب
وإن كان من العبد عاد التقسيم الأول ويحتاج خلق تلك الداعية إلى داعية أخرى ولزم التسلسل وأما إن حدثت تلك الداعية لا بمحدث أو نقول إنه ترجيح أحد الجانبين على الآخر لا لمرجح أصلا كان هذا قولا باستغناء المحدث عن المحدث استغناء الممكن عن المؤثر وذلك يوجب نفي الصانع
86
فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال عند حدوث الداعية يصير الفعل أولى بالوقوع ولا ينتهي إلا حد الوجوب
قلنا هذا باطل لوجوه
أحدها أن المرجوح أضعف حالا من المساوي فلما امتنع حصول المساوي حال كونه مساويا فبأن يمتنع حصول المرجوح حال كونه مرجوحا أولى وإذا امتنع حصول المرجوح وجب حصول الراجح لامتناع الخروج عن النقيضين
والثاني أن عند حصول الداعي إلى أحد الجانبين لو حصل الطرف الثاني لكان قد حصل ذلك الطرف لا لمرجح أصلا وهذا القائل قد سلم أن الترجيح لا بد فيه من المرجح
والثالث أن عند حصول ذلك المرجح إن امتنع النقيض فهو الوجوب وإن لم يتمنع فكل مالا يمتنع لم يلزم من فرض وقوعه محال فلنفرض مع حصول ذلك المرجح تارة ذلك الأثر واقعا وتارة غير واقع فاختصاص أحد الوقتين دون الثاني بالوقوع إن توقف على انضمام قيد زائد إليه لزم أن يقال إن حصول الرجحان كان موقوفا على هذا القيد الزائد لكنا فرضنا أن الحاصل قبل هذا الزائد كان كافيا في حصول الرجحان وإن لم يتوقف على انضمام قيد زائد إليه لزم رجحان الممكن المتساوي لا المرجح وهو محال
إذا عرفت هذا فنقول إنا لما اعترفنا بأن الفعل واجب الحصول عند مجموع القدرة والداعي فقد اعترفنا بكون العبد فاعلا وجاعلا فلا يلزمنا مخالفة ظاهر القرآن وسائر كتب الله تعالى
وإذا قلنا بأن المؤثر في الفعل مجموع القدرة والداعي مع أن هذا المجموع حصل بخلق الله تعالى فقد قلنا بأن الكل بقضاء الله تعالى وقدره فهذا هو المختار
87
وأما الخصم فإنه قال العلم بكون العبد موجدا لأفعاله ضروري والدليل عليه أن العلم بحسن المدح والذم عليه علم ضروري والعلم الضروري حاصل بأن حسن المدح والذم يتوقف على كون الممدوح والمذموم فاعلا وما يتوقف عليه العلم الضروري أولى بأن يكون ضروريا
فهذه مقدمات ثلاث
فأولها أن العلم الضروري حاصل بحسن المدح والذم والدليل عليه أن كل من أساء إلينا فإنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا أنا نذمه ومن أحسن إلينا فإنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا بأنا نمدحه ومن نازع في هذا فقد نازع في أظهر العلوم الضرورية
وثانيها إن العلم الضروري حاصل بأن حسن المدح والذم يتوقف على علم المادح والذام بكون الممدوح والمذموم فاعلا وهذا أيضا ظاهر لأن من رمى وجه إنسان بآجرة فإنه يذم الرامي ولا يذم الآجرة
فإذا قيل لذلك الذام لم تذم هذا الرامي ولا تذم الآجرة فإنه يقول لأن ذلك الرامي هو الفاعل لهذا الفعل وهذه الآجرة لم تفعل ذلك وهذا يدل على أن العلم الضروري حاصل بأنه لا يحسن المدح والذم إلا عند كون الممدوح والمذموم فاعلا
وثالثها أن الذي يتوقف عليه العلم الضروري يجب أن يكون ضروريا وهذا أيضا ظاهر لأن الفرع أضعف من الأصل فلو كان الأصل غير ضروري لكان بتقدير وقوع الشك فيه يجب وقوع الشك في الفرع وحينئذ يخرج هذا الفرع عن كونه ضروريا
وإذا لاحت هذه المقدمات ظهر أن العلم بكون العبد فاعلا علم ضروري موقوف على تلخيص معنى كون العبد فاعلا
88
فنقول إن عنيتم به أن العبد قادر على الفعل وعلى الترك وأن نسبة قدرته إلى الطرفين على السوية ثم إنه في حال حصول هذا الاستواء دخل هذا الفعل في الوجود من غير أن خص ذلك القادر ذلك الطرف بمرجح وبمخصص البتة
فلا نسلم أن هذا القول صحيح بل كان بديهة العقل تشهد ببطلانه وإن عنيتم به أن عند حصول الداعية المرجحة صدر عنه هذا الأثر فهذا هو قولنا ومذهبنا ونحن لا ننكره البتة إلا أنا نقول لما كان عند حصول القدرة والداعية يجب الفعل وعند انتقائهما أو انتفاء أحدهما يمتنع وجب أن يكون الكل بقضاء الله تعالى وهذا مما لا سبيل إلى دفعه
فهذا منتهى البحث العقلي الضروري في هذا الباب
المسألة الثانية في إثبات القدرة للعبد
اعلم أنا نعلم بالضرورة تفرقة بين بدن الإنسان السليم عن الأمراض الموصوف بالصحة وبين المريض العاجز والمختار عندنا أن تلك التفرقة عائدة إلى سلامة البنية واعتدال المزاج
وأما أبو الحسن الأشعري فإنه أثبت صفة سماها بالقدرة مغايرة لاعتدال المزاج واحتج على إثبات هذه الصفة بأن قال نحن ندري تفرقة بين الإنسان السليم الأعضاء وبين الزمن المقعد في أنه يصح الفعل من الأول دون الثاني وتلك التفرقة ليست إلا في حصول صفة للقادر دون العاجز وتلك الصفة هي القدرة
فيقال له أتدعي حصول هذه التفرقة قبل حصول الفعل أو حال حصول الفعل والأول باطل لأن قبل حصول الفعل لا وجود للقدرة على الفعل عندك فإن مذهبك أن الاستطاعة مع الفعل لا قبل الفعل وعلى هذا المذهب فالتفرقة الحاصلة قبل الفعل تمتنع أن تكون لأجل القدرة
والثاني
89
باطل لأن حال حصول الفعل يمتنع منه الترك وإلا لزم منه اجتماع النقيضين وهو محال
وأيضا ندعي حصول هذه القدرة عند ما يخلق الله الفعل في العبد أو عند مالا يخلقه فيه والأول محال لأن عند حصول الفعل لا يتمكن من تركه
والثاني محال لأن عندما لا يخلق الله الفعل في العبد لا يتمكن للعبد من فعله فعلى جميع الأحوال ادعاء هذه التفرقة على مذهبه محال
سلمنا حصول التفرقة لكن لم لا يجوز أن يقال إنه إذا اجتمع الحار مع البارد انكسر كل واحد منهما بالآخر وتحصل كيفية متوسطة بينهما معتدلة وتلك الكيفية هي القدرة
والحق عندنا أن العلم بحصول هذه التفرقة ضروري وأن تلك التفرقة عائدة إلى ما ذكرناه من المزاج السليم وأن تلك الصلاحية متى انضم إليها الداعية الجازمة صار مجموعهما موجبا للفعل
المسألة الثالثة قال أبو الحسن الأشعري الاستطاعة لا توجد إلا مع الفعل وقالت المعتزلة لا توجد إلا قبل الفعل
والمختار عندنا أن القدرة التي هي عبارة عن سلامة الأعضاء وعن المزاج المعتدل فإنها حاصلة قبل حصول الفعل إلا أن هذه القدرة لا تكفي في حصول الفعل البتة فإذا انضمت الداعية الجازمة إليها صارت تلك القدرة مع هذه الداعية الجازمة سببا مقتضيا للفعل المعين ثم إن ذلك الفعل يجب وقوعه مع حصول ذلك المجموع لأن المؤثر التام لا يتخلف عنه الأثر البتة
فنقول قول من يقول الاستطاعة قبل الفعل صحيح من حيث إن
90
ذلك المزاج المعتدل سابق وقول من يقول الاستطاعة مع الفعل صحيح من حيث إن عند حصول مجموع القدرة والداعي الذي هو المؤثر التام يجب حصول الفعل معه
المسألة الرابعة قال أبو الحسن الأشعري القدرة لا تصلح للضدين
وعندي إن كان المراد من ذلك المزاج المعتدل وتلك السلامة الحاصلة في الأعضاء فهي صالحة للفعل والترك والعلم به ضروري وإن كان المراد منه أن القدرة ما لم تنضم إليها الداعية الجازمة المرجحة فإنها لا تصير مصدرا لذلك الأثر وإن عند حصول المجموع لا تصلح للضدين فهذا حق وتقرير الكلام فيه معلوم مما ذكرناه
المسألة الخامسة قال أبو الحسن الأشعري العجز صفة قائمة بالعاجز تضاد القدرة
وعندنا أن العجز عبارة عن عدم القدرة ممن شأنه أن يقدر على الفعل
والدليل عليه أما متى تصورنا هذا العدم حكمنا بكونه عاجزا وإن لم نعقل فيه أمرا آخر وذلك يدل على أنا لا نعقل من العجز إلا هذا العدم
المسألة السادسة اتفق المتكلمون على أن القادر كما يقدر على الفعل يقدر على الترك لكنهم اختلفوا في تفسير الترك
فقال الأكثرون ترك الفعل عبارة عن أن لا يفعل شيئا ويبقى الأمر على العدم الأصلي وهذا فيه إشكال لأن القدرة صفة مؤثرة والعدم عبارة
91
عن نفي الأثر فالقول بكون العدم أثرا للقدرة جمع بين النقيضين وهو محال ولأن الباقي حال بقائه لا يكون مقدورا لأن تكوين الكائن محال
وقال الباقون الترك عبارة عن فعل الضد فعلى هذا التقدير القادر لا يخلو عن فعل الشيء وعن فعل ضده
فقيل هذا يشكل من وجهين
الأول أن من استلقى على قفاه ولم يعمل شيئا أصلا فإنه يعلم بالضرورة أنه لم يفعل البتة شيئا فالقول بأنه فعل شيئا مخالفة للضرورة
والثاني أن الباري تعالى كان تاركا لخلق العالم في الأزل فيلزم كونه فاعلا في الأزل لضد العالم وإذا كان ضد العالم أزليا امتنع زواله فكان يجب أن لا يوجد العالم في الأزل
والأصوب أن يقال العلم بكونه إله العالم قادرا على الفعل والترك علم ضروري والشك في هذه التفاصيل يوجب الشك في تلك الجملة
المسألة السابعة قال أهل السنة لا يمتنع تكليف ما لا يطلق وقالت المعتزلة أنه لا يجوز
حجة المثبتين وجوه
أحدها أنه تعالى علم من بعض الكفار أنه يموت على كفره فإذا كلفه بالإيمان فقد كلفه بفعل الإيمان مقارنا للعلم بعدم الإيمان وهذا تكليف بالجمع بين الضدين
الثاني أنه كلف أبا لهب بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن أبدا فيلزم أنه تعالى كلفه بأن يؤمن بأن لا يؤمن وهو جمع بين النقيضين
92
الثالث أنا بينا أن القدرة على الكفر والداعية إليه من خلق الله تعالى ومجموعهما يوجب الكفر فإذا كلفه بالإيمان فقد كلفه بما لا يطاق
المسألة الثامنة نحن نعلم بالضرورة أن لنا محبوبا وأن لنا مبغوضا
ثم إنه لا يجب أن يكون كل محبوب إنما كان محبوبا لإفضائه إلى شيء آخر وأن يكون كل مبغوض إنما كان مبغوضا لإفضائه إلى شيء آخر وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل وهما باطلان فوجب القطع بوجود ما يكون محبوبا لذاته لا لغيره بوجود ما يكون مبغوضا لذاته لا لغيره
ثم لما تأملنا علمنا أن المحبوب لذاته هو اللذة والسرور ودفع الألم والغم وأما ما يغاير هذه الأشياء فإنه يكون محبوبا لإفضائه إلى أحد هذه الأشياء وأما المبغوض لذاته فهو الألم والغم ودفع اللذة والسرور وأما ما يغاير هذه الأشياء فإنه يكون مبغوضا لغيره
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن مذهبنا أن الحسن والقبح ثابتان في الشاهد بمقتضى العقل
وأما في حق الله تعالى فهو غير ثابت البتة
أما بيان أنه ثابت بمقتضى العقل في الشاهد فيدل عليه وجوه
أحدها أن اللذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما محكوم عليه بالحسن من هذه الجهة بمقتضى بديهة العقل وإن الألم والغم وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما محكوم عليه بالقبح
ووجوب الدفع من هذه الجهة بمقتضى الفطرة إلا إذا صارت هذه الجهة معارضة بغيرها فحينئذ يزول هذا الحكم مثلا أن الفسق وإن كان يفيد نوعا من اللذة إلا أن العقل يمنع عنه وإنما يمنع منه لاعتقاده أنه يستعقب ألما وغما زائدا
وهذا يفيد أن جهة الحسن والقبح والترغيب والترهيب ليس إلا ما ذكرناه
93
الثاني وهو أن القائلين بالتحسين والتقبيح بحسب الشرع فسروا القبح بأنه الذي يلزم من فعله حصول العقاب
فيقال لهم وهل تسلمون أن العقل يقتضي وجوب الاحتراز عن العقاب
أو تقولون إن هذا الوجوب لا يثبت إلا بالشرع فإن قلتم بالأول فقد سلمتم أن الحسن والقبح في الشاهد ثابت بمقتضى العقل
وإن قلتم بالثاني فحينئذ لا يجب عليه الاحتراز عن ذلك العقاب إلا بإيجاب آخر وهذا الإيجاب معناه أيضا ترتيب العقاب وذلك يوجب التسلسل في ترتيب هذه العقابات وهو باطل فثبت أن العقل يقضي بالحسن والقبح في الشاهد
المسألة التاسعة في بيان أن العقل لا مجال له في أن يحكم في أفعال الله تعالى بالتحسين والتقبيح
أعلم أنه لما ثبت أنه لا معنى للتحسين والتقبيح إلا جلب المنافع ودفع المضار فهذا إنما يعقل ثبوته في حق من يصح عليه النفع والضرر فلما كان الإله متعاليا عن ذلك امتنع ثبوت التحسين والتقبيح في حقه فإن أراد المخالف بالتحسين والتقبيح شيئا سوى جلب المنافع ودفع المضار وجب عليه بيانه حتى يمكننا أن ننظر أنه هل يمكن إثباته في حق الله تعالى أم لا فهذا هو الحرف الكاشف عن حقيقة هذه المسألة
ثم نقول الذي يدل على أنه لا يمكن إثبات الحسن والقبح في حق الله تعالى وجوه
أحدها أن الفعل الصادر عن الله تعالى إما أن يكون وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية أو لا يكون فإن كان الأول فقد بطل الحسن والقبح وإن كان الثاني لزم كونه ناقصا بذاته مستكملا بذلك الفعل وذلك
94
في حق الله تعالى محال فإن قالوا إن وجود ذلك الفعل وعدمه بالنسبة إليه على التساوي إلا أنه تعالى يفعله لإيصال النفع إلى العبد
فنقول أيضا إيصال النفع إلى العبد وعدم إيصاله إليه إن استويا فقد بطل الحسن والقبح وإن لم يستويا فقد عاد ما ذكرنا أنه ناقص لذاته مكتمل لغيره وهو محال
الحجة الثانية أن العالم محدث فكان حدوثه مختصا بوقت معين لا محالة فإن كان ذلك الوقت مساويا لسائر الأوقات من جميع الوجوه فقد بطل توقيف فعل الله تعالى على الحسن والقبح وإن اختص ذلك الوقت بخاصية لأجلها وقع الإحداث فيه لا في غيره فإن كانت تلك الخاصية إنما حصلت فيه بتخصيص الله تعالى ذلك الوقت بها عاد البحث الأول وإن كان اختصاص ذلك الوقت بتلك الخاصية لذاته ولعينه فحينئذ يجوز كون الوقت المعين سببا لحدوث حادث مخصوص وإذا جاز ذلك فقد بطل الاستدلال بحدوث الحوادث على الصانع لاحتمال أن يكون المؤثر فيها هو الأوقات
الحجة الثالثة أنه تعالى علم من الكفار والفساق أنهم يكفرون ويفسقون فكان صدور الإيمان والطاعة منهم محالا ثم إنه أمرهم بالإيمان والطاعة وهذا الأمر لا يفيدهم إلا استحقاق العقاب فثبت أن توقيف أفعال الله تعالى وأحكامه على الحسن والقبح باطل
المسألة العاشرة في أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات ويدل عليه وجوه
أحدها أنا بينا أن كل فعل يصدر عن العبد فالمؤثر فيه مجموع القدرة والداعي على سبيل الإيجاب وخالق تلك القدرة والداعية هو الله تعالى وموجد السبب الموجب مريد للمسبب فوجب كونه تعالى مريدا للكل
95
الثاني لو حصل مراد للعبد ولم يحصل مراد الله تعالى لكان الله تعالى مغلوبا والعبد غالبا وهو محال
فإن قالوا إنه تعالى قادر على أن يخلق الإيمان فيه بالإلجاء
فنقول هذا ضعيف لأنه تعالى إنما أراد منه الإيمان الاختياري وأنه قادر على تحصيل الإيمان على سبيل الإلجاء وهذا غير ذلك
فيلزم أن يقال إنه تعالى عاجز مغلوب على تحصيل مراده وأن العبد غالب قاهر وهو محال
الثالث أنه تعالى علم من الكفار أنهم يموتون على الكفر وعلم أن ذلك العلم مانع لهم من الإيمان وعلم أن قيام المانع يمنع الفعل فعلمه بكونه في نفسه ممتنعا يمنعه عن إرادته فثبت أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر احتجوا بأنه تعالى أمر الكفار بالإيمان والأمر يوافق الإرادة وأيضا فعل المراد طاعة فلو أراد الله تعالى الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعا بكفره ولأن إرادة السفه توجب السفاهة
والجواب عن الأول أنكم تقولون الإرادة على وفق الأمر لا على وفق العلم ونحن نقول الإرادة على وفق العلم لا على وفق الأمر وقولنا أولى لأن العلم لا يبقى علما إذا لم يوجد معلومه والأمر لا يلزم زواله عند عدم الإتيان بالمأمور به فثبت أن قولنا أولى
وعن الثاني أن الطاعة عبارة عن الإتيان بالمأمور به لا بالمراد وهذا أولى لأن الأمر صفة ظاهرة والإرادة صفة خفية
وعن الثالث أنه بناء على جريان حكم التحسين والتقبيح في أفعال الله تعالى وقد أبطلناه والله أعلم بالصواب
96
97
الباب السابع في النبوات وفيه مسائل
98
99
المسألة الأولى أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم
والدليل عليه أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان رسولا حقا فالمقام الأولى أنه ادعى النبوة وذلك معلوم بالتواتر والمقام الثاني أنه أظهر المعجزة فالدليل عليه وجوه
أحدها أنه ظهر القرآن عليه والقرآن كتاب شريف بالغ في فصاحة اللفظ وفي كثرة العلوم فإن المباحث الإلهية واردة فيه على أحسن الوجوه وكذلك علوم الأخلاق وعلوم السياسات وعلم تصفية الباطن وعلم أحوال القرون الماضية
وهب أن بعضهم نازع في كونه بالغا في الكمال إلى حد الإعجاز إلا أنه لا نزاع في كونه كتابا شريفا عاليا كثير الفوائد كثير العلوم فصيحا في الألفاظ
ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم نشأ في مكة وتلك البلدة كانت خالية عن العلماء والأفاضل وكانت خالية عن الكتب العلمية والمباحث الحقيقية وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يسافر إلا مرتين في مدة قليلة ثم إنه لم يواظب على القراءة والاستفادة البتة وانقضى من عمره أربعون سنة على هذه الصفة ثم إنه بعد انقضاء الأربعين ظهر مثل هذا الكتاب عليه
100
وذلك معجزة قاهرة لأن ظهور مثل هذا الكتاب على مثل ذلك الإنسان الخالي عن البحث والطلب والمطالعة والتعلم لا يمكن إلا بإرشاد الله تعالى ووحيه وإلهامه والعلم به ضروري وهذا هو المراد من قوله تعالى
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله أي من مثل محمد في عدم القراءة والمطالعة وعدم الاستفادة من العلماء وهذا وجه قوي وبرهان قاطع
الوجه الثاني وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم تحدى العالمين بالقرآن فهذا القرآن لا يخلو أنه إما أن يكون قد بلغ إلى حد الإعجاز أو ما كان كذلك فإن كان بالغا إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإن قلنا إنه ما كان بالغا إلى حد الإعجاز فحينئذ كانت معارضته ممكنة ومع القدرة على المعارضة وحصول ما يوجب الرغبة في الإتيان بالمعارضة يكون ترك المعارضة من خوارق العادات فيكون معجزا فثبت ظهور المعجزة على محمد صلى الله عليه وسلم على كل واحد من التقديرين
الوجه الثالث أنه نقل عنه معجزات كثيرة وكل واحد منها وإن كان مرويا بطريق الآحاد إلا أنه لا بد وأن يكون بعضها يصح لأن الأخبار إذا كثرت فإنه يمتنع في العادة أن يكون كلها كذبا فثبت بهذا الوجوه الثلاثة أنه ظهرت المعجزة عليه
وأما المقام الثاني وهو أن كل من كان كذلك كان نبيا فالدليل عليه أن الملك العظيم إذا حضر في المحفل العظيم فقام واحد وقال يا أيها الناس أنا رسول هذا الملك إليكم ثم قال أيها الملك إن كنت صادقا في كلامي فخالف عادتك وقم عن سريرك
فإذا قام ذلك الملك عند سماع هذا الكلام عرف الحاضرون بالضرورة كون ذلك المدعي صادقا في دعواه فكذا ههنا هذا تمام الدليل
وفي المسألة طريق آخر وذلك أنا في الطريق الأول نثبت نبوته بالمعجزات ثم إذا ثبت نبوته استدللنا بثبوتها
101
على صحة أقواله وأفعاله وأما في هذا الطريق فإنا نبين أن كل ما أتى به من الأقوال والأفعال فهو أفعال الأنبياء فوجب أن يكون هو نبيا صادقا حقا من عند الله تعالى
وتقرير هذا الطريق أن نقول الإنسان إما أن يكون ناقصا وهو أدنى الدرجات وهم العوام وإما أن يكون كاملا في ذاته ولا يقدر على تكميل غيره وهم الأولياء وهم في الدرجة المتوسطة وأما أن يكون كاملا في ذاته ويقدر على تكميل غيره وهم الأنبياء وهم في الدرجة العالية ثم إن هذا الكمال والتكميل إما أن يعتبر في القوة النظرية وفي القوة العلمية ورئيس الكمالات المعتبرة في القوة النظرية معرفة الله تعالى ورئيس الكمالات المعتبرة في القوة العلمية طاعة الله تعالى وكل من كانت درجاته في كمالات هاتين المرتبتين أعلا كانت درجات ولايته أكمل ومن كانت درجاته في تكميل الغير في هاتين المرتبتين أعلا كانت درجات نبوته أكمل إذا عرفت هذا فنقول أن عند مقدم محمد صلى الله عليه وسلم كان العالم مملوءا من الكفر والفسق
أما اليهود فكانوا في المذاهب الباطلة في التشبيه وفي الافتراء على الأنبياء وفي تحريف التوراة قد بلغوا الغاية
وأما النصارى فقد كانوا في القول بالتثليث والأب والابن والحلول والاتحاد قد بلغوا الغاية
وأما المجوس فقد كانوا في القول بإثبات إلهين ووقوع المحاربة بينهما وفي تحليل نكاح الأمهات قد بلغوا الغاية
وأما العرب فقد كانوا في عبادة الأصنام وفي النهب والغارة قد بلغوا الغاية
وكانت الدنيا مملوءة من هذه الأباطيل
فلما بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وقام يدعو الخلق إلى الدين الحق
102
انقلبت الدنيا من الباطل إلى الحق ومن الكذب إلى الصدق ومن الظلمة إلى النور وبطلت هذه الكفريات وزالت هذه الجهالات في أكثر بلاد العالم وفي وسط المعمورة وانطلقت الألسن بتوحيد الله تعالى واستنارت القلوب بمعرفة الله تعالى ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى بقدر الإمكان وإذا كان لا معنى للنبوة إلا تكميل الناقصين في القوة النظرية وفي القوة العملية ورأينا أن ما حصل من هذا الأثر بسبب مقدم محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأكثر مما ظهر بسبب مقدم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام علمنا أنه كان سيد الأنبياء وقدوة الأصفياء
وهذه الطريقة عندي أفضل وأكمل من الطريقة الأولى لأن هذا يجري مجرى برهان اللهم لأنا بحثنا عن معنى النبوة فعلمنا أن معناها أنه شخص بلغ في الكمال في القوة النظرية وفي القوة العملية إلى حيث يقدر على معالجة الناقص في هاتين القوتين وعلمنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أكمل البشر في هذا المعنى فوجب كونه أفضل الأنبياء
وأما الطريق الأول فإنه يجري مجرى برهان الآن فإنا نستدل بحصول المعجزات على كونه نبيا وهو يجري مجرى الاستدلال بأثر من آثار الشيء على وجوده ولا شك أن برهان اللم أقوى من برهان الآن والله أعلم
المسألة الثانية المنكرون للنبوات طعنوا في المعجزات من ثلاثة أوجه
الأول قالوا لم قلتم بأن هذه المعجزات فعل الله تعالى وخلقه وبيان هذا السؤال من وجوه
أحدها أن الإنسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن هذا البدن فإن كان عبارة عن النفس فلم لا يجوز أن يقال إن نفس ذلك الرسول كانت
103
مخالفة لنفوس سائر الخلق ولأجل خصوصية نفسه قدر على الإتيان بما لم يأت به غيره وإن كان عبارة عن البدن فلم لا يجوز أن يقال إنه اختص بمزاج خاص ولأجله قدر على الإتيان بما لم يأت به غيره
الثاني لا شك أن للأدوية آثارا عجيبة فلم لا يجوز أن يقال إنه وجد دواء وقدر بواسطته على ما لم يقدر عليه غيره
والثالث أن الأنبياء أقروا بثبوت الجن والشياطين فهب أنه لم يثبت بالدليل وجودهم إلا أن احتمال وجودهم قائم فلم لا يجوز أن يقال إن الجن والشياطين هي التي أتت بهذه العجائب والغرائب أليس إن الناس يقولون إن الجن تدخل في باطن بدن المصروع وتتكلم
فهنا لم لا يجوز أن يقال الذئب إنما تكلم بهذا الطريق والناقة إنما تكلمت مع الرسول بهذا الطريق والجذع إنما حن بهذا الطريق وكذا القول في البواقي
الرابع أليس أن المنجمين والصائبة اتفقوا على أن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة
وهب أنه لم يثبت ذلك بالدليل إلا أن الاحتمال قائم فعلى هذا التقدير لم لا يجوز أن يقال الفاعل لهذه المعجزات هو الأفلاك والكواكب
الخامس أليس أن المنجمين أطبقوا على أن لسهم السعادة أثرا في القدرة على الأفعال العجيبة ولسهم الغيب أثرا في القدرة على الإخبار عن الغيوب فعلى تقدير أن يكون الذي قالوه حقا لم لا يجوز أن يقال إنه اتفق لهم في سهم السعادة وفي سهم الغيب قوة عظيمة ولأجل تلك القوة قدروا على إتيان بالأفعال الغريبة وبالأخبار عن الغيوب
السادس أليس أن المنجمين أطلقوا على أن للقرانات في هذه الأبواب آثارا عظيمة فلم لا يجوز أن تكون المعجزات من هذه الأبواب
104
السابع أليس أن المنجمين أطبقوا على أن للكواكب الثابتة آثارا عظيمة بالغة عجيبة في السعادة والنحوسة فلم لا يجوز أن تكون أحوالهم من هذه الأبواب
الثامن أليس أن الفلاسفة أطبقوا على تأثير العقول والنفوس فلم لا يجوز أن يكون موجد هذه المعجزات هو هذه العقول و النفوس
التاسع أليس أن محمدا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقروا بأن هذا القرآن وسائر الكتب إنما وصلت إليهم بواسطة الملك فنقول قبل الدليل يلزم أن يكون ذلك الملك غير معصوم بل يكون آتيا بالفعل القبيح إلا أنا بشهادة الأنبياء علمنا كون ذلك الملك معصوما وعلى هذا تتوقف صحة نبوة الأنبياء على عصمة الملك وتتوقف عصمة الملك على صحة نبوتهم وذلك دور وهو باطل
والعاشر أليس أن الأنبياء اتفقوا على إثبات روح موصوف بالخبث في غاية والشدة وهو إبليس فلم لا يجوز أن يكون الذي أعانه على تلك الأعمال هو إبليس ولا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم دينه لعن إبليس فكيف يعينه إبليس لأنا نقول إن المكار الخبيث قد يرضى بشتم نفسه ليتوصل به إلى ترويج خبثه
فهذه احتمالات عشرة في بيان أنه لم يثبت بالدليل أن فاعل المعجزات هو الله تعالى
المقام الثاني إن سلمنا أن فاعلها هو الله تعالى فلم قلتم إنه تعالى فعلها لأجل التصديق
وتقريره وهو أن الناس مذهبين أحدهما أن أفعال الله تعالى وأحكامه غير معللة بشيء من الأغراض والدواعي
والثاني أن أفعاله موقوفة على الدواعي
105
أما الأول فهو قول أهل السنة فعلى هذا التقدير يمتنع أن يقال إنه تعالى يفعل شيئا لأجل شيء فكيف يقال مع هذا المذهب إنه فعل المعجزات لأجل التصديق
وأما الثاني وهو قول من يقول إنه لا بد في أفعال الله تعالى من الدواعي فعلى هذا قول كيف عرفتم أنه لا داعي لله تعالى إلى خلق هذه المعجزات إلا تصديق هذا المدعي وبيانه من وجوه
أحدها أن العالم محدث فهذه الأمور المعتادة قد كانت في أول حدوثها غير معتادة فلعله تعالى فعل هذه المعجزات لتصير ابتداء عادة
والثاني لعله بعد تكرر عادة متطاولة لأن فلك العروج يتم دورته في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة على هذا فتكون عادته أنه يصل إلى النقطة المعينة في كل ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة فهذا وإن كان لا يحصل إلا في هذه المدة الطويلة إلا أنه عادة
والثالث لعله تعالى خلق هذا المعجز معجزة لنبي آخر في طرف من أطراف العالم أو كرامة لولي أو معجزة لملك من الملائكة في السموات أو معجزة أو كرامة لواحد من الخلق الساكنين في الهواء أو في البحار وكل ذلك محتمل
الرابع لعله تعالى أظهر هذه المعجزة على هذا المدعي مع كونه كاذبا حتى تشتد الشبهة وتقوي البلية ثم إن المكلف إن احترز عنه مع قوة الشبهة فإنه يستحق الثواب العظيم وهذا هو الذي ذكرناه في حسن إنزال المتشابهات فثبت أن على كل هذه التقديرات لا تدل المعجزة على صدق المدعي
ثم إنا نختم هذا الفصل بسؤال آخر فنقول الفعل إما أن يتوقف على الداعي أو لا يتوقف فإن كان الأول فحينئذ يتوقف صدور الفعل من
106
العبد على داعية خلقها الله تعالى فيه وعلى هذا التقدير فيكون فعل الله تعالى موجبا لفعل العبد وفاعل السبب فاعل المسبب فأفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومرادة له وعلى هذا التقدير يكون خالق كل القبائح هو الله تعالى فكيف يمتنع منه خلق المعجزة على يد الكاذب
وإن كان الثاني وهو أن الفعل لا يتوقف على الداعي فحينئذ يصح من الله تعالى أن يخلق هذه المعجزة لا لغرض أصلا وحينئذ تخرج المعجزة عن كونها دليلا على الصدق
المقام الثالث إن سلمنا أن الله تعالى فعلها لأجل تصديق المدعي فلم قلتم بأن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق وهذا إنما يتم إذا ثبت أن الكذب على الله تعالى محال فإذا نفيتم الحسن والقبح في أفعال الله تعالى فكيف تعرفون امتناع الكذب عليه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا
واعلم أن الجواب عن المقام الأول ما بينا في باب الصفات أنه لا مؤثر إلا قدرة الله تعالى وحينئذ تبطل الاحتمالات العشرة المذكورة
والمعتزلة لما قالوا بأن العبد موجد فقد بطل عليهم هذا الطريق
وعن المقام الثاني والثالث أنه قد يكون الشيء جائزا في نفسه مع أن العلم الضروري يكون حاصلا بأنه لا يقع
ألا ترى أن حدوث شخص في هذه الحالة مع صفة الشيخوخة جائز مع أنا نقطع أنه لم يوجد وإذا رأينا إنسانا ثم غبنا عنه ثم رأيناه ثانيا جوزنا أن الله تعالى أعدم الرجل الأول وأوجد ثانيا مثله في الصورة والخلقة ومع هذا التجويز نقطع أنه لم يوجد هذا المعنى فكذلك ههنا ما ذكرتموه من الاحتمالات قائم إلا أنه تعالى أودع في عقولنا علما ضروريا وهو أنا متى اعتقدنا أن هذه المعجزات خلقها الله تعالى عقيب دعوى هذا المدعي فإنا نعلم بالضرورة أنه تعالى إنما خلقها ليدل على تصديق دعوى ذلك القائل ألا ترى أن قوم موسى لما
107
أنكروا نبوته فالله تعالى ظلل الجبل عليهم فكلما هموا بالمخالفة قرب الجبل منهم وصار بحيث يقع عليهم وكلما هموا بالطاعة والإيمان تباعد الجبل عنهم فكل من أنصف علم أن كل من رأى هذه الحالة علم بالضرورة أن ذلك يدل على التصديق
فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الباب ومتى ضممت إلى هذه الطريقة ما قررناه في الطريقة الثانية بلغ المجموع مبلغا كافيا في إثبات المطلوب
المسألة الثالثة في أن الأنبياء أفضل من الأولياء
ويدل عليه النقل والعقل
أما النقل فقلوه صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين أفضل من أبي بكر فهذا يدل على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل من كل من ليس بنبي وأنه دون من كان نبيا وهذا يقتضي أن تكون الأنبياء أفضل وأرجح حالا من غيرهم
وأما العقل فهو أن الوالي هو الكامل في ذاته فقط والنبي هو الذي يكون كاملا ومكملا ومعلوم أن الثاني أفضل من الأول فإن ادعى بعض الجهلة أني كملت طائفة من الناقصين فلينظر في أن أصحابه أكثر عددا وفضيلة أم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن رأى قومه بالنسبة إلى قوم محمد صلى الله عليه وسلم في العدد والفضيلة كالقطرة بالنسبة إلى البحر علم حينئذ أنه عدم بالنسبة إليه
المسألة الرابعة المختار عندي أن الملك أفضل من البشر ويدل عليه وجوه
أحدها أنه تعالى لما أراد أن يقرر عند الخلق عظمته استدل بكونه إلها للسموات والأرض وما بينهما فقال في سورة عم رب السموات
108
والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا ) ثم إنه لما أراد الزيادة في تقرير هذا المعنى قال بعده
يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ولولا أن الملائكة أعظم المخلوقات درجة وإلا لما صح هذا الترتيب
الثاني أنه تعالى قال
والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وهذا هو الترتيب الصحيح لأن الإله هو الموجود الأشرف ويتلوه في درجته الملائكة ثم إن الملك يأخذ الكتاب من الله تعالى ويوصله إلى الرسول وهذا يقتضي أن يكون الترتيب هكذا الإله والملك والكتاب والرسول وهذا هو الترتيب المذكور في القرآن وهو يدل على شرف الملك على البشر
الثالث أن الملائكة جواهر مقدسة عن ظلمات الشهوات وكدورات الغضب قطعا وطعامهم التسبيح وشرابهم التهليل والتقديس وأنسهم بذكر الله تعالى وفرحهم بعبودية الله تعالى فكيف يمكن مناسبتهم بالموصوف بالشهوة والغضب
الرابع أن الأفلاك تجري مجرى الأبدان للملائكة والكواكب تجري مجرى القلوب ونسبة البدن إلى البدن والقلب إلى القلب كنسبة الروح إلى الروح في الإشراق والصفاء
المسألة الخامسة في إثبات وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام في وقت الرسالة ويدل عليه وجوه
أحدها أن كل من كانت نعمة الله تعالى عليه أكثر كان صدور الذنب منه أقبح وأفحش ونعمة الله تعالى على الأنبياء أكثر فوجب أن تكون ذنوبهم أقبح وأفحش من ذنوب كل الأمة وأن يستحقوا من الزجر
109
والتوبيخ فوق ما يستحقه جميع عصاة الأمة وهذا باطل فذاك باطل
الثاني أنه لو صدر الذنب منه لكان فاسقا ولو كان فاسقا لوجب أن لا تقبل شهادته لقوله تعالى
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وإذا لم تقبل شهادته في هذه الأشياء الحقيرة فبأن لا تقبل في إثبات الأديان الباقية إلى يوم القيامة كان أولى وهذا باطل فذاك باطل
الثالث أنه تعالى قال في حق محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه لعلكم تفلحون وقال تعالى
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فلو أني بالمعصية لوجب علينا بحكم هذه النصوص متابعته في فعل ذلك الذنب وهذا باطل فذاك باطل وأما جميع الآيات الواردة في هذا الباب فإما أن تحمل على ترك الأفضل أو إن ثبت كونه معصية لا محالة فذلك إنما وقع قبل النبوة
المسألة السادسة في أن نبينا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام ويدل عليه النقل والعقل
أما النقل فهو أنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده أمره بأن يقتدي بهم بأسرهم فيكون آتيا به وإلا يكون تاركا للأمر وتارك الأمر عاص وقد بينا أنه ليس كذلك وإذا أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم فيكون أفضل منهم
وأما العقل فهو أن دعوته بالتوحيد والعبادة وصلت إلى أكثر بلاد العالم بخلاف سائر الأنبياء عليهم السلام
أما موسى عليه الصلاة والسلام فكانت دعوته مقصورة على بني إسرائيل وهم بالنسبة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم كالقطرة بالنسبة إلى البحر
110
وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فالدعوة الحقة التي جاء بها ما بقيت البتة وهذا الذي يقوله هؤلاء النصارى فهو الجهل المحض والكفر الصرف والكذب الصراح
فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء عليهم السلام فوجب أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام
المسألة السابعة الحق أن محمدا صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي ما كان على شرع أحد من الأنبياء عليهم السلام
وذلك لأن الشرائع السابقة على شرع عيسى عليه الصلاة والسلام صارت منسوخة بشرع عيسى عليه الصلاة والسلام وأما شريعة عيسى عليه السلام فقد صارت منقطعة بسبب أن الناقلين عندهم النصارى وهم كفار بسبب القول بالتثليث فلا يكون نقلهم حجة وأما الذين بقوا على شريعة عيسى عليه السلام مع البراءة من التثليث فهم قليلون فلا يكون نقلهم حجة وإذا كان كذلك ثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان قبل النبوة على شريعة أحد
المسألة الثامنة القول بالمعراج حق
أما من مكة إلى البيت المقدس فلقوله تعالى
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأما من المسجد الأقصى إلى ما فوق السموات فلقوله تعالى
لتركبن طبقا عن طبق والحديث المشهور
أما استبعاد صعود شخص من البشر إلى ما فوق السموات فهو بعيد لوجوه شتى
111
الأول أنه كما يبعد في العادة صعود الجسم الثقيل إلى الهواء العالي فكذلك يبعد نزول الجسم الهوائي إلى الأرض فلو صح استبعاد صعود محمد صلى الله عليه وسلم لصح استبعاد نزول جبريل عليه السلام وذلك يوجب إنكار النبوة
والثاني أنه لما لم يبعد انتقال إبليس في اللحظة الواحدة من المشرق إلى المغرب وبالضد فيكف يستبعد ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم
الثالث أنه قد صح في الهندسة أن الفرس في حال ركضه الشديد في الوقت الذي يرفع يده إلى أن يضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف فرسخ فثبت أن الحركة السريعة إلى هذا الحد ممكنة والله تعالى قادر على جميع الممكنات فكانت الشبهة زائلة
المسألة التاسعة محمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الخلق
أن محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الخلق وقال بعض اليهود إنه مبعوث إلى العرب خاصة والدليل على فساد هذا القول أن هؤلاء سلموا أنه رسول صادق إلى العرب فوجب أن يكون كل ما يقوله حقا وثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول الله إلى كل العالم فلو كذبناه في ذلك لزم التناقض والله أعلم
المسألة العاشرة في الطريق إلى معرفة شرعه
أنه صلى الله عليه وسلم بقي في الدنيا إلى أن بلغ أصحابه إلى حد التواتر الذي يكون قولهم مفيدا للعلم ثم إنهم بأسرهم نقلوا إلى جميع الخلق أصول شريعته فصارت تلك الأصول معلومة وأما التفاريع فإنها معلومة بالطرق المنظمة كأخبار الآحاد والاجتهادات والله أعلم
112
113
الباب الثامن في النفوس الناطقة وفيه مسائل
114
115
المسألة الأولى الصحيح أن الإنسان ليس عبارة عن هذه الجثة المحسوسة ويدل عليه وجوه
أحدها أن الإنسان حال ما يكون شديد الاهتمام بمهم من المهمات فإنه قد يقول قلت كذا وفعلت كذا وأمرت بكذا وهذه الضمائر دالة على نفسه المخصوصة فهو في هذه الأحوال عالم بذاته المخصوصة وغافل عن جميع أعضائه الباطنة والظاهرة والمعلوم مغاير لغير المعلوم
الثاني أن جميع أعضائه الظاهرة والباطنة آخذة في الذوبان والانحلال لأن البنية مركبة من الأعضاء الآلية وهي مركبة من الأعضاء البسيطة وهي حارة رطبة والحرارة إذا أثرت في الجسم الرطب أصعدت عنه الأبخرة العظيمة فلهذا السبب يحتاج الحيوان إلى الغذاء ليقوم بدل الأجزاء المنحلة
إذا ثبت هذا فنقول الأجزاء والأعضاء كلها في التبدل والنفس المخصوصة التي لكل أحد واحدة باقية من أول العمر إلى آخره والباقي غير ما هو غير الباقي فالنفس غير هذه البنية
116
الثالث أن الإنسان إذا رأى لون شيء علم بضرورة العقل أن طعمه كذا وكذا والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد وهو المدرك لجميع المحسوسات المدركة بالحواس الظاهرة وأيضا إذا تخيلنا صورة ثم رأيناها حكمنا بأن هذه الصورة المرئية صورة ذلك المخيل فلا بد من شيء واحد يكون مدركا لهذه الصورة المبصرة ولتلك الصورة المتخيلة لان القاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما وأيضا إذا تخيلنا صورا مخصوصة وأدركنا معاني مخصوصة كالعداوة والصداقة فإنا نركب بين هذه الصور وبين هذه المعاني فوجب حصول شيء واحد يكون مدركا للصور والمعاني حتى يقدر على تركيب بعضها لبعض وإلا لكان الحاكم بشيء على شيء غير مدرك لهما وهو محال
وأيضا إذا رأينا هذا الإنسان علمنا أنه إنسان وأنه ليس بفرس
فالحاكم على هذا الجزئي بذلك الكلي وجب أن يكون مدركا لهما فثبت بهذه البراهين أنه لا بد وأن يحصل في الإنسان شيء واحد يكون هو المدرك لجميع المدركات بجميع أنواع الإدراكات
وأيضا إن الفعل الصادر عن الإنسان فعل اختياري والفعل الاختياري عبارة عما إذا اعتقد في شيء كونه زائد النفع فيتولد عن ذلك الاعتقاد ميل فيضم ذلك الميل إلى أصل القدرة فيصبر مجموع ذلك الميل مع تلك القدرة موجبا وإذا كان كذلك فهذا الفاعل لا بد وأن يكون مدركا إذ لو لم يكن مدركا لما كان هذا الفعل اختياريا فثبت أنه حصل في الإنسان شيء واحد هو المدرك لكل المدركات بجميع أنواع الإدراكات وهو الفاعل لجميع أنواع الأفعال وهذا برهان قاطع
وإذا ثبت هذا فنقول ظاهر أن مجموع البدن ليس موصوفا بهذه الصفة وكل عضو من أعضاء البدن يشار إليه فإنه ليس كذلك فثبت أن
117
الإنسان شيء آخر سوى هذا البدن وسوى هذه الأعضاء
الرابع قوله تعالى
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فهذا النص يدل على أن الإنسان بعد قتله حي والحس يدل على أن هذا الجسد بعد القتل ميت فوجب أن يكون الإنسان مغايرا لهذا الجسد
الخامس ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي وجه الدليل أن هذا النص يدل على أنه بقي جوهر حي ناطق بعد موت هذا البدن وهذا يدل على أن الإنسان غير هذا الجسد
المسألة الثانية اتفقت الفلاسفة على أن النفس جوهر ليس بجسم ولا بجسماني وهذا عندي باطل
والدليل عليه وهو أنه لو كان الأمر كما قالوا لكان تصرفها في البدن ليس بآلة جسمانية لأن الجوهر المجرد يمتنع أن يكون له قرب وبعد من الأجسام بل يكون تأثيره في البدن تأثيرا بمحض الاختراع من غير حصول شيء من الآلات والأدوات وإذا كانت النفس قادرة على تحريك بعض الأجسام من غير آلة وجب أن تكون قادرة على تحريك جميع الأجسام من غير آلة لأن الأجسام بأسرها قابلة للحركة والنفس قادرة على التحريك ونسبة ذاتها إلى جميع الأجسام على السوية فوجب أن تكون النفس قادرة على تحريك جميع الأجسام من غير حاجة إلى شيء من الآلات والأدوات ولما كان هذا الثاني باطلا كان المقدم باطلا
أما إذا قلنا إنه جوهر جسماني نوراني شريف حاصل في داخل هذا البدن فحينئذ يمكن أن تكون أفعاله بالآلات الجسدانية
118
واحتج الرئيس أبو علي على كونها مجردة بوجوه
الأول أن ذات الله تعالى لا تنقسم فالعلم به يمتنع أن يكون منقسما فلو حل هذا العلم في الجسم لانقسم وذلك محال
الثاني أن العلوم الكلية صور مجردة فإما أن يكون تجردها التجرد المأخوذ عنه وهو باطل لأن المأخوذ عنه هو الأشخاص الجزئية أو لتجرد الآخذ فحينئذ يكون الآخذ مجردا والأجسام والجسمانيات غير مجردة
والثالث أن القوة العقلية تقوى على أفعال غير متناهية والقوى الجسمانية لا تقوى عليها فالقوة العقلية ليست جسمانية
والجواب عن الأول أن قوله أن ما يكون صفة للمنقسم يجب أن يكون منقسما ينتقض بالوحدة والنقطة وبالإضافات فإن الأبوة لا يمكن إنه يقال إنه قام بنصف بدن الأب نصفها وبثلثه ثلثها
وعن الثاني أن النفس الموصوفة بذلك العلم الكلي نفس جزئية شخصية وذلك العلم صار مقارنا لسائر الأعراض الحالة في تلك النفس فإذا لم تصر هذه الأشياء مانعة من كون تلك الصورة كلية بذلك لا يصير كون ذلك الجوهر جسمانيا مانعا من كون تلك الصورة كلية
وعن الثالث أن قوله القوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية قول باطل لأنه لا وقت يشار إليه إلا والقوة الجسمانية ممكنة البقاء فيه ومع بقائها تكون ممكنة التأثير وإلا فقد انتقل الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي وهو محال
المسألة الثالثة قال أبو علي هذه النفوس الناطقة حادثة
لأنها لو كانت موجودة قبل الأبدان فهي في ذلك الوقت إما أن تكون واحدة أو كثيرة فالأول محال لأنها لو كانت واحدة فإذا تكثرت وجب أن
119
يعدم ذلك الذي كان واحدا وتحدث هذه الكثرة
والثاني محال لأن حصول الامتياز ليس بالماهية ولا بلوازمها لأن النفوس الإنسانية متحدة بالنوع
ولا بالعوارض أيضا لأن الاختلاف بالعوارض إنما يكون بسبب المواد ومواد النفوس الأبدان وقبل الأبدان ليست الأبدان موجودة
واعلم أن هذه الحجة مبنية على أن النفوس متحدة بالماهية ولم يذكر في تقريره دليلا وأيضا فلم لا يجوز أن يقال هذه النفوس قبل هذه الأبدان كانت متعلقة بأبدان أخرى فهذا الدليل لا يصح إلا بعد إبطال التناسخ ودليله في إبطال التناسخ مبني على حدوث النفس فيلزم الدور
المسألة الرابعة قالوا التناسخ محال
لأنا قد دللنا على أن النفس حادثة وعلة حدوثها هو العقل الفعال وهو قديم فلو لم يكن فيضان هذه النفوس عن العقل الفعال موقوفا على شرط حادث لوجب قدم هذه النفوس لأجل قدم علتها ولما كان ذلك باطلا علمنا أن فيضانها عن تلك العلة القديمة موقوف على شرط حادث وذلك الشرط هو حدوث الأبدان فإذا حدث البدن وجب أن تحدث نفس متعلقة به فلو تعلقت نفس أخرى به على سبيل التناسخ لزم تعلق النفسين بالبدن الواحد وهو محال
واعلم أنه ظهر أن دليله في نفي التناسخ موقوف على إثبات كون النفس حادثة فلو أثبتنا حدوث النفوس بالبناء على نفس التناسخ لزم الدور وأنه محال والأقوى في نفي التناسخ أن يقال لو كنا موجودين قبل هذا البدن لوجب أن نعرف أحوالنا في تلك الأبدان كما أن من مارس ولاية بلدة سنين كثيرة فإنه يمتنع أن ينساها
120
المسألة الخامسة قالوا النفوس باقية بعد فناء الأبدان
لأنها لو كانت قابلة للعدم لكان لذلك القبول محل ومحله يمتنع أن يكون هو تلك النفس لأن القابل واجب البقاء عند وجود المقبول وجوهر النفس لا يبقى بعد فسادها فوجب أن يكون محل ذلك الإمكان جوهرا آخر فتكون النفس مركبة من الهيولي والصورة وحينئذ نقول إن هيولي النفس وجب قيامها بذاتها قطعا للتسلسل
فوجب أن لا يصح الفساد عليه مع أنه جوهر مجرد فيكون قابلا للصورة العقلية وليست النفس إلا هذا الجوهر
فيقال لهم لم لا يجوز أن يكون قبول تلك الهيولي لتلك الصورة العقلية كان مشروطا بحصول تلك الصورة فعند فناء تلك الصورة لا يبقى ذلك القبول
المسألة السادسة اعلم أن طريقنا في بقاء النفوس إطباق الأنبياء والأولياء والحكماء عليه ثم إن هذا المعنى يتأكد بالإقناعات العقلية
فالأول أن المواظبة على الفكر يفيد كمال النفس ونقصان البدن فلو كانت النفس تموت بموت البدن لامتنع أن يكون الموجب لنقصان البدن ولبطلانه سببا لكمال النفس
والثاني أن عدم النوم يضعف البدن ويقوي النفس وهو يدل على ما قلناه
والثالث أن عند الأربعين يزداد كمال النفس ويقوى نقصان البدن وهو يدل على ما قلناه
الرابع أن عند الرياضات الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة
121
وتلوح لها الأنوار وتتكشف لها المغيبات مع أنه يضعف البدن جدا وكلما كان ضعف البدن أكمل كانت قوة النفس أكمل فهذه الاعتبارات العقلية إذا انضمت إلى أقوال جمهور الأنبياء والحكماء أفادت الجزم ببقاء النفس
المسألة السابعة قال جالينوس النفوس ثلاث
الشهوانية ومحلها الكبد وهي أدنى المراتب والغضبية ومحلها القلب وهي أوسطها والناطقة ومحلها الدماغ وهي أشرفها
وقال المحققون النفس واحدة والشهوة والغضب والإدراك صفاتها والدليل عليه أنه ما لم يعتقد كونه لذيذا لا يصير مشتهيا له وما لم يعتقد كونه مؤذيا فإنه لا يغضب عليه
فوجب أن يكون الذي يشتهي ويغضب هو الذي أدرك
المسألة الثامنة أنه لا يجب في كل ما كان محبوبا أن يكون محبوبا لشيء آخر وإلا لدار أو تسلسل بل لا بد وأن ينتهي إلى ما يكون محبوبا لذاته فالاستقراء يدل على أن معرفة الكامل من حيث هو كامل يوجب محبته
إذا عرفت هذا فنقول جوهر النفس إذا عرف ذات الله تعالى وصفاته وكيفية صدور أفعاله عنه وأقسام حكمته في تخليق العالم الأعلى والأسفل صارت تلك المعرفة موجبة للمحبة ثم كما أن إدراك النفس أشرف الإدراكات وذات الله تعالى أشرف المدركات وجب أن تكون المحبة أكمل أنواع المحبة والمحب إذا وصل إلى المحبوب كان مقدار لذته بمقدار محبته وبمقدار وصوله إلى ذلك المحبوب فهذا يقتضي أن يكون النفس الناطقة إذا عرفت الله تعالى وتطهرت عن الميل إلى هذه الجسمانيات فإنها بعد الموت تصل إلى لذات عالية وسعادات كاملة والله أعلم
122
المسألة التاسعة في مراتب النفوس
اعلم أن النفوس بحسب أحوال قوتها النظرية على أربعة أقسام فأشرفها النفوس الموصوفة بالعلوم القدسية الإلهية
وثانيها التي حصلت لها اعتقادات حقة في الإلهيات والمفارقات لا بسبب البرهان اليقيني بل إما بالإقناعات وإما بالتقليد
والمرتبة الثالثة النفوس الخالية عن الاعتقادات الحقة والباطلة
المرتبة الرابعة النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة
وأما بحسب أحوال قوتها العملية فهي على أقسام ثلاثة أحدها النفوس الموصوفة بالأخلاق الفاضلة
وثانيها النفوس الخالية عن الأخلاق الفاضلة والأخلاق الردية
وثالثها النفوس الموصوفة بالأخلاق الردية ورئيسها حب الجسمانيات فإن النفوس بعد موت البدن يعظم شوقها إلى هذه الجسمانيات ولا يكون لها قدرة على الفوز بها ولا يكون لها إلف لعالم المفارقات فتبقى تلك النفس كمن نقل عن مجاورة معشوقة إلى موضع ظلماني شديد الظلمة نعوذ بالله منها ولما كان لا نهاية لمراتب العلوم والأخلاق في كثرتها وقوتها وطهارتها عن أضدادها فكذلك لا نهاية لأحوال النفوس بعد الموت
المسألة العاشرة الحق عندنا أن النفوس مختلفة بحسب ماهيتها وجواهرها
فمنها نفوس نورانية علوية ومنها كثيفة كدرة ولا يبعد أيضا أن يقال في النفوس الناطقة جنس تحت أنواع وتحت كل نوع أشخاص لا يخالف بعضها بعضا إلا في العدد وكل نوع منها فهو كالولد لروح من الأرواح السماوية وهذا هو الذي كان يسميه أصحاب الطلسمات بالطباع التام وذلك الملك هو الذي يتولى إصلاح أحوال تلك النفوس تارة بالإلهامات وتارة بطريق النفث في الروع ولنقتصر من مباحث النفوس الناطقة على هذا القدر والله أعلم بالصواب
123
الباب التاسع في أحوال القيامة وفيه مسائل
124
125
المسألة الأولى إعادة المعدوم عندنا جائزة خلافا لجمهور الفلاسفة والكرامية وطائفة من المعتزلة
قلنا أن تلك الماهيات كانت قابلة للوجود وذلك القبول من لوازم تلك الماهية فوجب أن يبقى ذلك القبول ببقاء تلك الماهية
فإن قالوا إن ذلك الشخص لما عدم امتنع أن يحكم عليه حال عدمه بشيء من الأحكام فامتنع الحكم عليه بهذه القابلية
فنقول إن الحكم عليه بامتناع الحكم عليه حكم عليه بهذا الامتناع فلو لم يكن حال عدمه قابلا لهذا الحكم لكان هذا الحكم باطلا وإن كان قابلا للحكم فحينئذ يسقط هذا السؤال
المسألة الثانية الأجسام قابلة للعدم
لأنا قد دللنا على أن العالم محدث والمحدث ما يصح عليه العدم وتلك الصحة من لوازم الماهيات وإلا لزم التسلسل في صحة تلك الصحة فوجب بقاء تلك الماهية فثبت أنها قابلة للعدم
126
المسألة الثالثة القول بحشر الأجساد حق
والدليل عليه أن عود ذلك البدن في نفسه ممكن والله تعالى قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات فكان القول بالحشر ممكنا فهذه مقدمات ثلاث
المقدمة الأولى قولنا إن عود ذلك البدن في نفسه ممكن والدليل عليه أن إعادة المعدوم إما أن تكون ممكنة أو لا تكون ممكنة فإن كانت ممكنة فالمقصود حاصل وإن لم تكن ممكنة فنقول الدليل العقلي دل على أن الأجسام تقبل العدم ولم يدل على أنها تعدم لا محالة فلما ثبت بالنقل المتواتر من دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن القول بحشر الأجساد حق وثبت أن الأجسام لو عدمت لامتنع إعادتها كان ذلك دليلا قاطعا على أنه تعالى لا يعدم الأجساد بل يبقيها بأعيانها وإذا كانت باقية بأعيانها فهي قابلة للحياة والعقل والقدرة فحينئذ يصح أن عودة ذلك البدن بعينه ممكنة
وأما المقدمة الثانية وهي قولنا إنه تعالى قادر على كل الممكنات فقد دللنا على صحتها
وأما المقدمة الثالثة وهي قولنا إن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات فالفائدة فيها أن يكون الله تعالى قادرا على تمييز أجزاء بدن هذا الإنسان عن أجزاء ذلك الإنسان الآخر فإذا ثبتت هذه المقدمات الثلاث فقد ثبت أن حشر الأجساد ممكن وإذا ثبت الإمكان فنقول إن الأنبياء عليهم السلام أخبروا عن وقوعه والصادق إذا أخبر عن وقوع شيء ممكن الوقوع وجب القطع بصحته فوجب القطع بصحة الحشر والنشر
احتجوا على إنكاره بأن قالوا إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر
127
فتلك الأجزاء إن ردت إلى بدن هذا فقد ضاع ذلك وبالعكس وعلى التقديرين فقد بطل القول بالحشر والنشر
والجواب عنه أما على قولنا إن الإنسان جوهر نوراني مشرق في داخل البدن فكل الإشكالات زائلة وأما على ظاهر قول المتكلمين فهو أن الإنسان فيه أجزاء أصلية وأجزاء فضلية والمعتبر إعادة الأجزاء الأصلية لهذا الإنسان ثم أن الأجزاء الأصلية في هذا الإنسان أجزاء فاضلة لغيره فزال هذا السؤال والمذهب الذي اخترناه قريب من هذا
المسألة الرابعة ثواب القبر وعذابه حق
لأنا بينا أن الإنسان جوهر لطيف نوراني ساكن في هذا البدن فبعد خراب هذا البدن إن كان كاملا في قوة العلم والعمل كان في الغبطة والسعادة وإن كان ناقصا فيهما كان في البلاء والعذاب ثم القرآن القديم يدل عليه
أما في حق السعداء فقوله تعالى
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله وأما في حق الأشقياء فقوله تعالى
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا وقوله تعالى
أغرقوا فأدخلوا نارا المسألة الخامسة الجنة والنار مخلوقتان
أما الجنة فلقوله تعالى في صفتها
أعدت للمتقين وأما النار فلقوله تعالى في صفتها
فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين وقوله تعالى
واتقوا النار التي أعدت للكافرين
128
واحتجوا على أنها غير مخلوقة بأنها لو كانت مخلوقة الآن وجب أن لا ينقطع نعيمها لقوله تعالى أكلها دائم ويجب عدمها يوم القيامة لقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه
قلنا يحمل قوله تعالى أكلها دائم على ما يحصل بعد دخول المكلفين الجنة أو يدخل التخصيص في عموم قوله كل شيء هالك إلا وجهه
المسألة السادسة يجب الإيمان بأن الله تعالى يخرب السموات والأرض
والدليل عليه أنا بينا أن الأجسام كلها متماثلة فكل ما يصح على بعضها يصح على الباقي وذلك يدل على أن تخربها وتغيير صفاتها ممكن والنص قد ورد به فوجب الإقرار به
المسألة السابعة وزن الأعمال حق
ويكون المراد منه إما وزن صحائف الأعمال أو أن الله تعالى يظهر الرجحان في كفة الميزان على وفق مقادير أعمالهم في الخير والشر وكذلك إنطاق الجوارح ممكن لأن البنية ليست شرطا لوجود الحياة والله تعالى قادر على كل الممكنات وكذا القول في الحوض والصراط
المسألة الثامنة ثواب أهل الجنة وعذاب أهل النار دائم
وقال أبو الهذيل إن ذلك ينتهي إلى سكون دائم يوجب اللذة لأهل الجنة والألم لأهل النار
129
وقال جمهور المعتزلة والخوارج إن الثواب والعقاب ينقطع
ودليلنا أن هذا الدوام أمر ممكن وإلا فيلزم الانتهاء إلى وقت ينتقل الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي وهو محال وإذا كان الدوام ممكنا وقد أخبر عنه الصادق وجب الإقرار به
احتجوا بأنه تعالى إن لم يعلم كمية عدد أنفاسهم كان ذلك تجهيلا لله تعالى وإن كان عالما بكمياتها كانت الأعداد متناهية
والجواب أنه تعالى يعلم كل شيء كما هو في نفسه فلما لم يكن لتلك الحوادث أعداد متناهية امتنع أن يعلم كونها متناهية
المسألة التاسعة العمل لا يكون علة لاستحقاق الثواب خلافا لمعتزلة البصرة
لنا وجوه الأول لو وجب على الله تعالى إعطاء الثواب فإما أن يقدر على الترك أو لا يقدر على الترك فإن قدر على الترك وجب أن يصير مستحقا للذم موصوفا بالنقصان وهو على الله تعالى محال وإن لم يقدر على الترك فذلك قدح في كونه فاعلا قادرا مختارا
الثاني أن لله تعالى على العبد نعما عظيمة وتلك النعم توجب الشكر والطاعة ولما وقعت هذه الطاعات في مقابلة النعم السابغة امتنع كونها موجبة بعد ذلك للثواب لأن أداء الواجب لا يوجب شيئا آخر
الثالث أنا دللنا على أن فعل العبد إنما وقع لأن مجموع القدرة مع الداعي يوجبه وهو فعل الله تعالى وفاعل السبب فاعل للمسبب ففعل العبد يكون فعلا لله تعالى وفعل الله تعالى لا يوجب شيئا على الله تعالى
130
المسألة العاشرة من الناس من قال إن الوعيد الوارد في الكتب الإلهية إنما جاء للتخويف فأما فعل الإيلام فذلك لا يوجد واحتج عليه بوجوه
الأول أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحا أما أنه ضرر فظاهر وأما أنه خال عن النفع فلأن ذلك النفع يمتنع عوده إلى الله تعالى لكونه تعالى منزها عن المضار والمنافع ويمتنع عوده إلى ذلك العبد المذنب وهو معلوم بالضرورة ويمتنع عوده إلى غيره لأنه لا نفع يريد الله إيصاله إلى عبد إلا وهو قادر على فعله بدون إيصاله هذا الضرر إلى هذا المعذب
وأيضا فإيصال الضرر إلى حيوان لأجل أن ينتفع به حيوان آخر ظلم فثبت أنه ضرر خال عن النفع من كل الوجوه وهذا لا يليق بأرحم الراحمين
الثاني أن العبد يقول يوم القيامة يا إله العالمين هذه الأشياء التي كلفتني بها وعصيتك فيها إن كانت خالية عن الحكمة والغرض كان التعذيب على تركها لا يليق بالرحمة وإن كانت مشتملة على الحكمة والغرض فتلك الحكمة إن عادت إليك فأنت محتاج إلى وإن كان المقصود من تكليفي بها عود منافعها إلي فلما تركتها فما قصرت إلا في حق نفسي فكيف يليق بالحكيم أن يعذب حيوانا لأجل أنه قصر في حق نفسه ويجري هذا مجرى من يقول لعبده حصل لنفسك هذا الدانق لتنتفع به فإذا قصر فيه أخذه المولى وقطع أعضاءه إربا إربا لأجل أنه قصر في تحصل ذلك الدانق لنفسه وهذا بخلاف المولى إذا أمر عبده فخالفه فإنه يحسن منه عقابه وذلك لأن المولى ينتفع بذلك الفعل ويضره تركه فلا جرم يحسن منه أن يعاقبه على ذلك الترك وأما في حق الله تعالى فهذا محال قطعا فظهر الفرق
والثالث أن جميع أفعال العبد من موجبات أفعال الله تعالى فكيف يحسن التعذيب منه
131
المسألة الحادية عشرة منهم من سلم حسن عذاب الكفار إلا أنه قال إن المسلمين لا يعذبون
لقوله تعالى
إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ولقوله تعالى
إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ولقوله تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير فدلت هذه الآية على أن كل فوج يدخل النار يكون مكذبا بالله وبرسوله فمن لم يكن كذلك وجب أن لا يدخل النار
المسألة الثانية عشرة الذين سلموا أن الفاسق من أهل الصلاة يدخل النار اختلفوا
فقال أهل السنة إن الله تعالى يعفو عن البعض والذين يدخلهم النار لا بد وأن يخرجهم منها
وقالت المعتزلة عذاب الفاسق مؤبد
لنا وجوه الأول قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء وجه الاستدلال به أن تقدير الآية أن الله لا يغفر أن يشرك به تفضلا لأنه يغفر على سبيل الوجوب وهو ما إذا تاب عن الشرك وإذا ثبت هذا وجب أن يكون قوله
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء تفضلا حتى يرجع النفي والإثبات إلى شيء واحد ومعلوم أن غفران صاحب الصغيرة وغفران صاحب الكبيرة بعد التوبة واجب عند الخصم فلم يبق إلا حمل الآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب
والثاني قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا
132
تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) وجه الاستدلال أن قوله تعالى يا عبادي يقتضي تخصيص هذا الخطاب بأهل الإيمان فإن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين
وقوله
يغفر الذنوب جميعا يفيد القطع بوجود هذا الغفران
وعندنا أن كل ذلك محمول على القطع بأن الله تعالى يخرج جميع أهل الإيمان من النار
الثالث قوله تعالى
وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم أي حال ظلمهم وذلك يدل على حصول الغفران قبل التوبة
الرابع هو أن المؤمن يستحق بإيمانه وسائر طاعاته الثواب ويستحق بفسقه العقاب على قول الخصم والقول بزوال استحقاق الثواب باطل لأنه إما أن يحصل على سبيل الموازنة أو لا على هذا الوجه والأول باطل لأنه يقتضي أن يؤثر كل واحد منهما في عدم الآخر فذلك التأثير إما أن يقع معا أو على التعاقب والأول باطل لأن المؤثر في عدم كل واحد منهما وجود الآخر والعلة حاصلة مع المعلول فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا مع ذينك العدمين وذلك يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال
والثاني وهو حصول هذا التأثير على سبيل التعاقب وهو محال أيضا لأن المغلوب لا يعود غالبا البتة
وأما القول بأنه الإحباط لا مع الموازنة فهذا يقتضي أن لا ينتفع ذلك المؤمن بإيمانه ولا بطاعته البتة لا في جلب نفع ولا في دفع ضرر وإنه ظلم فثبت بما ذكرنا أن استحقاق الثواب باق مع استحقاق العقاب وإذا ثبت هذا وجب حصولهما فإما أن يدخل الجنة مدة ثم ينتقل إلى النار وهو باطل بالاتفاق وإما أن يدخل النار مدة ثم ينتقل إلى الجنة وهو الحق
واحتج الخصم بعمومات الوعيد وهي معارضة بعمومات الوعد والترجيح لهذا الجانب لأن المساهلة في الوعيد كرم وفي الوعد لؤم
واحتج أيضا بقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي
133
جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين )
والجواب يجب حمل لفظ الفجار على الكامل في الفجور وهو الكافر توفيقا بين هذه الآية وبين ما ذكرنا من الدلائل
المسألة الثالثة عشرة القول بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في حق فساق الأمة حق خلافا للمعتزلة
لنا قوله تعالى في صفة الكفار
فما تنفعهم شفاعة الشافعين وتخصيصهم بهذه الحال يدل على أن حال المؤمن بخلافه وأيضا قال تعالى
واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر للمذنب منهم فإذا أتى بهذا الاستغفار فالظاهر أنه يجب أن يشرفه الله تعالى بالإجابة إليه وإذا أراد ذلك وجب أن يحصل ذلك المراد لقوله تعالى
ولسوف يعطيك ربك فترضى وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم ( أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) واعلم أن دلائل المعتزلة في نفي الشفاعة يجب أن تكون عامة في حق الأشخاص وفي حق الأوقات وإلا فلا يفيدهم مقصودهم ودلائلنا في إثبات الشفاعة مخصوصة في الأشخاص وفي الأوقات فإنا لا نثبت الشفاعة في حق الكل فثبت أن دلائلنا خاصة ودلائلهم عامة والخاص مقدم على العام
المسألة الرابعة عشرة الإيمان عبارة عن الاعتقاد والقول سبب لظهوره والأعمال خارجة عن مسمى الإيمان والدليل عليه وجوه
الأول أنه تعالى جعل محل الإيمان هو القلب لقوله تعالى
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقال تعالى ولما يدخل الإيمان في
134
قلوبكم ) وقال تعالى
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ومعلوم أن القلب محل الاعتقاد
الثاني أنه كلما ذكر الإيمان عطف الأعمال الصالحة عليه والعطف يوجب التغاير ظاهرا
الثالث أنه أثبت الإيمان مع الكبائر فقال تعالى
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقال تعالى
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الآية فسمي قاتل النفس عمدا عدوانا بالمؤمن وقال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فسمي الباغي مؤمنا
واحتج المخالف بأن قال الأعمال مسماة بالدين لقوله تعالى
وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة وقوله ذلك عائد إلى كل ما تقدم ذكره فوجب أن تكون كلها مسمى بالدين والدين هو الإسلام لقوله تعالى
إن الدين عند الله الإسلام والإسلام عين الإيمان لأن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا لقوله تعالى
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وبالإجماع الإيمان مقبول فثبت أن الأعمال دين والدين الإسلام والإسلام هو الإيمان فوجب كون الأعمال داخلة تحت اسم الإيمان
والجواب يجب التوفيق بين هذه الدلائل بقدر الإمكان فنقول الإيمان له أصل وله ثمرات والأصل هو الاعتقاد وأما هذه الأعمال فقد يطلق لفظ الإيمان عليها كما يطلق اسم أصل الشيء على ثمراته
135
المسألة الخامسة عشرة القائلون بأن الأعمال داخلة تحت اسم الإيمان اختلفوا
فقال الشافعي رضي الله عنه الفاسق لا يخرج عن الإيمان وهذا في غاية الصعوبة لأنه لو كان الإيمان اسما لمجموع أمور فعند فوات بعضها فقد فات ذلك المجموع فوجب أن لا يبقى الإيمان
فأما المعتزلة والخوارج فقد طردوا القياس وقالوا الفاسق يخرج عن الإيمان ثم اختلف القائلون بهذا فقالت المعتزلة إنه يخرج عن الإيمان ولا يدخل في الكفر وهو منزلة بين المنزلتين
وقالت الخوارج إنه يدخل في الكفر واحتجوا بقوله تعالى
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وهو في غاية البعد
المسألة السادسة عشرة كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول أنا مؤمن إن شاء الله وتبعه جمع من عظماء الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وهو قول الشافعي رضي الله عنه وأنكره أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى
قالت الشافعية لنا وجوه
الأول أنا لا نحمل هذا على الشك في الإيمان بل على التبرك كقول الله تعالى
لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وليس المراد منه الشك لأنه على الله تعالى محال بل لأجل التبرك والتعظيم
والثاني أن يحمل على الشك لكن لا في الحال بل في العاقبة لأن الإيمان المنتفع به هو الباقي عند الموت وكل أحد يشك في ذلك فنسأل الله تعالى إبقاءنا على تلك الحالة
والثالث أن الإيمان لما كان عند الشافعي هو مجموع الأمور الثلاثة
136
وهي القول والعمل والاعتقاد وكان حصول الشك في العمل يقتضي حصول الشك في أحد أجزاء هذه الماهية فيصح الشك في حصول الإيمان
وأما عند أبي حنيفة رضي الله عنه فلما كان الإيمان عبارة عن الاعتقاد المجرد لم يكن الشك في العمل موجبا لوقوع الشك في الإيمان فظهر أنه ليس بين الإمامين رضي الله عنهما مخالفة في المعنى
المسألة السابعة عشرة اعلم أن الإنسان إذا صدر منه فعل أو ترك فإنه يحصل أولا في قلبه اعتقاد أنه نافع أو ضار ثم يتولد من اعتقاد كونه نافعا ميل إلى التحصيل ومن اعتقاد كونه ضارا ميل إلى الترك ثم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة إما للفعل أو للترك
إذا ثبت ذلك فالتوبة كذلك فإن الرجل إذا اعتقد أن فعل المعصية يوجب الضرر العظيم ترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة عنه ثم إن تلك النفرة مقتضى ثلاثة أمور
فأولها الندم بالنسبة إلى ما صدر عنه في الماضي
الثاني تركه بالنسبة إلى الحال
الثالث العزم على الترك بالنسبة إلى المستقبل فهذا هو الكلام في حقيقة التوبة
المسألة الثامنة عشرة التوبة واجبة على العبد
لقوله تعالى
توبوا إلى الله توبة نصوحا وهي مقبولة قطعا لقوله تعالى
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده
137
وقالت المعتزلة يجب قبولها على الله تعالى عقلا
وقال أهل السنة لا يجب على الله شيء البتة
وقالت الفلاسفة المعصية إنما توجب العذاب من حيث إن حب الجسمانيات إذا بقي في النفس بعد مفارقة البدن ولا يمكنها الوصول إلى المحبوب فحينئذ يعظم البلاء فالتوبة عبارة عن اطلاع النفس على قبح هذه الجسمانيات وإذا حصل هذا الاعتقاد زال الحب وحصلت النفرة فبعد الموت لا يحصل العذاب بسبب العجز عن الوصول إليها
المسألة التاسعة عشرة قال الأكثرون التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض صحيحة وقال أبو هشام إنها لا تصح
حجة الأولين أن اليهودي إذا غضب حبة ثم تاب عن اليهودية مع الإصرار على غصب تلك الحبة أجمعوا على أن تلك التوبة صحيحة
وحجة أبي هشام أنه لو تاب عن ذلك القبيح لمجرد قبحه وجب أن يتوب عن جميع القبائح وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه بل لغرض آخر لم تصح توبته
والجواب لم لا يجوز أن يتوب عن ذلك القبيح لكونه ذلك القبيح كما أن الإنسان قد يشتهي طعاما لا لعموم كونه طعاما بل لكونه ذلك الطعام والله أعلم
المسألة العشرون المختار عندنا أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بدليل منفصل
ويدل عليه النص والمعقول أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم ( من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا
138
تخفروا الله في ذمته ) وأما المعقول فهو أن العلم بهذه المسائل لو كان شرطا لصحة الإيمان لكان يجب أن لا يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان أحد إلا بعد أن يسأله عنها ولما لم يكن كذلك بل كان يحكم بإيمانهم من غير أن يسألهم عن هذه المسائل علمنا أن الإسلام لا يتوقف عليها بل الأقرب أن المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة فالمجسمة نفوا ذات الشيء الذي هو الإله فيلزمهم الكفر
139
الباب العاشر في الإمامة وفيه مسائل
140
141
المسألة الأولى نصب الإمام إما أن يقال إنه واجب على العباد أو على الله تعالى أو لا يجب أصلا
أما الذين قالوا إنه يجب نصبه على العباد ففريقان
الأول الذين قالوا العقل لا يدل على هذا الوجوب وإنما الذي يدل عليه السمع وهذا قول أهل السنة وقول أكثر المعتزلة والزيدية
والثاني الذين قالوا إن العقل يدل على أنه يجب علينا نصب الإمام وهو قول الجاحظ وأبي الحسين البصري
وأما الذين قالوا إنه يجب على الله تعالى نصب الإمام فهم فريقان
الأول الشيعة الذين قالوا إنه يجب على الله تعالى نصب الإمام ليعلمنا معرفة الله سبحانه وتعالى ومعرفة سائر المطالب
والثاني قول الاثنا عشرية الذين قالوا يجب على الله تعالى نصبه ليكون لطفا لنا في فعل الواجبات العقلية وفي ترك القبائح العقلية وليكون أيضا حافظا للشريعة ومبينا لها
142
وأما الذين قالوا لا يجب فهم ثلاثة طوائف
منهم من قال إنه يجب نصبه في وقت السلامة أما في وقت الحرب والاضطراب فلا يجب لأنه ربما صار نصبه سببا لزيادة الشر
ومنهم من عكس الأمر
ومنهم من قال لا يجب في شيء من الأوقات
لنا أن نصب الإمام يقتضي دفع ضرر لا يندفع إلا به فيكون واجبا
وبيان الأول أن العلم الضروري حاصل بأنه إذا حصل في البلد رئيس قاهر ضابط فإن حال البلد يكون أقرب إلى الصلاح مما إذا لم يوجد هذا الرئيس
وبيان الثاني أن دفع الضرر عن النفس لما كان واجبا فما لا يندفع هذا الضرر إلا به وجب أن يكون واجبا
فإن قالوا لعل القوم يستنكفون عن متابعة ذلك الرئيس فيزداد ذلك الشر
قلنا هذا وإن كان محتملا إلا أنه نادر والغالب ما ذكرناه والغالب راجح على النادر
المسألة الثانية احتج الشريف المرتضى بعين هذا الدليل في وجوب نصب الإمام على الله تعالى فقلنا إنه ضعيف
وذلك لأنكم وإن ذكرتم اشتماله على هذا الوجه من المنفعة فإنه لا يبعد أيضا اشتماله على وجه من وجوه القبح وبهذا التقدير فإنه يقبح من الله تعالى نصبه
143
فإن قال فهذا أيضا وارد عليكم
قلنا الفرق بين الدليلين أنا لما أوجبنا نصب الإمام على أنفسنا كفى ظن كونه مصلحة في وجوب نصبه علينا لأن الظن في حقنا يقوم مقام العلم في وجوب العمل فإذا علمنا اشتمال نصب الإمام على هذا الوجه من المصلحة ولم نعرف فيه مفسدة حصل ظن كونه مصلحة فيصير هذا الظن سببا للوجوب في حقنا
أما أنتم فتوجبون نصب الإمام على الله تعالى فما لم تقيموا البرهان القاطع على خلوه عن جميع المفاسد لا يمكنكم إيجابه على الله تعالى لأن الظن لا يقوم مقام العلم في حق الله سبحانه وتعالى فظهر الفرق والله أعلم
المسألة الثالثة قالت الاثنا عشرية والشيعة وجوب العصمة شرط لصحة الإمامة وقال الباقون ليس كذلك
قلنا أن الدليل دل على صحة إمامة أبي بكر رضي الله عنه مع أنه ما كان واجب العصمة واحتج المخالف بأن افتقار الرعية إلى الإمام إنما كان لأجل أن جواز فعل القبيح عليم اقتضى احتياجهم إلى الإمام فلو حصلت هذه الجهة في حق الإمام لزم افتقاره إلى إمام آخر فيلزم إما الدور وإما التسلسل
والجواب أن بينا أن دليلكم في وجوب نصب الإمام على الله تعالى دليل باطل والله أعلم
144
المسألة الرابعة أجمعت الأمة على أنه يجوز إثبات الإمامة بالنص وهل يجوز بالاختيار أم لا
قال أهل السنة والمعتزلة يجوز
وقالت الاثنا عشرية لا يجوز إلا بالنص
وقال الزيدية يجوز بالنص ويجوز أيضا بسبب الدعوة والخروج مع حصول الأهلية
لنا أن الدليل دل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه وما كان لتلك الإمامة سبب إلا البيعة إذ لو كان منصوصا عليه لكان توقيفه الأمر على البيعة خطأ عظيما يقدح في إمامته وذلك باطل فوجب كون الطبيعة طريقا صحيحا
احتج المخالف بأنه يجب أن يكون واجب العصمة ولا سبيل إلى معرفته إلا بالنص
والجواب أنا بينا أن وجوب العصمة باطل
المسألة الخامسة قالت الاثنا عشرية إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي رضي الله تعالى عنه نصا جليا لا يقبل التأويل البتة وقال الباقون لم يوجد هذا النص
لنا وجوه الأول أن النص على هذه الخلافة واقعة عظيمة والوقائع العظيمة يجب اشتهارها جدا فلو حصلت هذه الشهرة لعرفها المخالف والموافق وحيث لم يصل خبر هذا النص إلى أحد من الفقهاء والمحدثين علمنا أنه موضع شك
الثاني لو حصل هذا النص لكان إما أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصله
145
إلى أهل التواتر أو ما أوصله إليهم والأول باطل لأن طالبي الإمامة لأنفسهم كانوا في غاية القلة أما الباقون فما كانوا طالبين للإمامة لأنفسهم وكانوا في غاية التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يعتقدون أن مخالفته توجب العذاب الأليم
والإنسان لا يلتزم العقاب العظيم من غير غرض لا سيما وقد حصلت هناك أسباب أخر توجب نصرة علي رضي الله عنه
أحدها أن عليا كان في غاية الشجاعة وأبو بكر رضي الله عنه كان في غاية الضعف هذا مذهبهم
وثانيها أن اتباع علي كانوا في غاية الجلالة فإن فاطمة والحسن والحسين والعباس رضي الله عنهم كانوا معه وأبو سفيان شيخ بني أمية كان في غاية البغض لأبي بكر رضي الله عنهما وجاء وبالغ في حمل علي رضي الله عنه على طلب الإمامة ومن انتزاعها من يد أبي بكر رضي الله عنه والزبير رضي الله عنه مع شجاعته سل السيف على أبي بكر رضي الله عنهما
وثالثها أن الأنصار رضي الله عنهم طلبوا الإمامة لأنفسهم فمنهم أبو بكر فلو كان هذا النص موجودا لقالوا له يا أبا بكر إنا أردنا أن نأخذها لأنفسنا بالظلم والغصب فكما منعتنا عنها فنحن أيضا نمنعك من هذا الغصب والظلم ونرد الحق إلى أهله وهو علي رضي الله عنه فإن الخصم متى وجد مثل هذه الحجة القاهرة امتنع سكته عنها فلو كان النص على علي موجودا لامتنع في العرف سكوت الأنصار عن ذكره ولامتنع إعراضهم عن نصرة علي رضي الله عنه فثبت أن كل هذه الأسباب موجبة لقوة أمر علي بتقدير أن يكون النص موجودا فلما لم يوجد ذلك علمنا أنه لا أصل لهذا النص
وأما القسم الثاني وهو أن يقال إنه صلى الله عليه وسلم ما أوصل ذلك النص إلى أهل التواتر بل إلى الآحاد فهو بعيد لوجوه
146
الأول أن قول الآحاد لا يكون حجة البتة لا سيما وعندهم أن خبر الواحد ليس بحجة في العمليات
الثاني أن هذا يجري مجرى خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الأمر العظيم فثبت أن قولهم باطل
والحجة الثالثة أن عليا رضي الله عنه ذكر جملة النصوص الخفية ولم ينقل عنه أنه ذكر هذا النص الجلي في محفل من المحافل ولو كان موجودا لكان ذكره أولى من ذكر النصوص الخفية
واحتجوا بأن الشيعة على كثرتهم وتفرقهم في المشرق والمغرب ينقلون هذا الخبر
والجواب أن من المشهور أن واضع هذا الخبر هو ابن الراوندي ثم إن الشيعة لشدة شغفهم بهذا الأمر سعوا في تشهيره
المسألة السادسة الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه
ويدل عليه القرآن والخبر والإجماع
أما القرآن فآيات إحداها قوله تعالى
قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد إلى آخر الآية فنقول هذا الداعي إما أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد الثلاثة الذين جاءوا بعده وهم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أو يكون الداعي هو علي رضي الله عنه أو الذين جاءوا بعد علي
لا يجوز أن يكون الداعي هو النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم كثيرة لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ولو كان الداعي لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنه منعهم عن متابعته لزم التناقض وهو باطل
147
ولا يجوز أن يكون المراد هو علي رضي الله عنه لقوله تعالى
تقاتلونهم أو يسلمون دلت هذه الآية على أن المقصود من هذه المقاتلة تحصيل الإسلام وحروب علي رضي الله عنه ما كان المقصود منها تحصيل الإسلام بدليل أنا بينا أن الإسلام عبارة عن الإقرار الدال على الاعتقاد ظاهرا وقد كان هذا حاصلا فيهم ولا يجوز أن يكون المراد من جاء بعد علي لأنهم عندنا على الخطأ وعند الشيعة على الكفر ولما بطلت الأقسام ثبت أن المراد منه أحد أولئك الثلاثة أعني أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ثم أنه تعالى أوجب طاعته حيث قال
فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما وإذا وجبت طاعة واحد من هؤلاء الثلاثة وجبت طاعة الكل لأنه لا قائل بالفرق فهذه آية تدل على وجوب إمامة هؤلاء الثلاثة
والحجة الثانية من القرآن قوله تعالى
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا وجه الاستدلال قوله تعالى
وعد الله الذين آمنوا منكم هذا خطاب مشافهة لجماعة من الحاضرين في زمن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بإيصال الخلافة إليهم ولا يمكن حمله على علي والحسن والحسين رضي الله عنهم لأنهم عند الشيعة ما كانوا متمكنين من إظهار دينهم وما زال الخوف عنهم بل كانوا أبدا في التقية والخوف فوجب حمل الآية على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لأنه هؤلاء الأربعة كانوا عندنا متمكنين من إظهار دينهم وكان الخوف عنهم زائلا
الحجة الثالثة قوله تعالى
وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى فنقول هذا الأتقى يجب أن يكون من أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى
إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر وإما علي رضي الله عنهما ولا يمكن حمل هذه الآية
148
على علي أنه تعالى قال في صفة هذا الأتقى
وما لأحد عنده من نعمة تجزى وعلي رضي الله عنه ما كان كذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رباه من أول صغره إلى آخر عمره وتلك النعمة توجب المجازاة
أما أبو بكر رضي الله عنه فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه نعمة الإرشاد إلى الدين إلا أن هذه النعمة لا تجزي البتة ولما ثبت أن هذا الأتقى إما أبو بكر وإما علي وثبت أنه لا يمكن حمله على علي وجب حمله على أبي بكر رضي الله عنهما ثم أنه تعالى وصفه بقوله
إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى وسوف لاستقبال فهذه الآية تدل على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل قوله
ولسوف يرضى على أنه تبقى تلك الصفة باقية في أبي بكر رضي الله عنه إلى الزمان المستقبل ولو كان مبطلا في الإمامة لما كان أفضل الخلق ولما دلت الآية على الأفضلية وجب القطع بصحة إمامته
وأما الأخبار فكثيرة أحدها قوله صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) أوجب الاقتداء بهما في الفتوى ومن جملة ما أفتيا به كونهما إمامين فوجب الافتداء بهما في هذه الفتوى وذلك يوجب إمامتهما
وثانيها قوله صلى الله عليه وسلم ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا ) وذلك تنصيص على أنهم كانوا في الخلفاء المحقين لا من الملوك الظالمين
وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ( هما سيدا كهول أهل الجنة ) ولو كانا غاضبين للإمامة لما كان هذا الحكم لائقا بهما
وكذلك الخبر الدال على بشارة العشرة المبشرة يدل على صحة إمامة الثلاثة
وأما الإجماع فمن وجوه
أحدها أن الناس أجمعوا على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أبو
149
بكر وإما العباس وإما علي رضي الله عنهم ثم رأينا أن العباس وعليا ما نازعا أبا بكر في الإمامة فترك هذه المنازعة إما أن يكون لعجزهما عن المنازعة أو مع القدرة عليها والأول باطل لما بينا أن أسباب القدرة كانت مجتمعة في علي رضي الله عنه ومفقودة في حق أبي بكر رضي الله عنه فثبت أنهما تركا المنازعة مع القدرة عليها فإن كانت الإمامة حقا لهما كان ترك المنازعة مع القدرة خطأ عظيما وذلك يوجب القدح في إمامتهما وإن كانت الإمامة ليست حقا لهما وجب أن تكون حقا لأبي بكر رضي الله عنه وإلا لبطل الإجماع على أن أحد هؤلاء الثلاثة هو الإمام
الثاني لو كانت الإمامة حقا لعلي رضي الله عنه بسبب النص الجلي مع أن الأمة دفعوه عنها لكانت هذه الأمة شر أمة أخرجت للناس لكن هذا اللازم باطل لقوله تعالى
كنتم خير أمة أخرجت للناس فإن قالوا قوله
كنتم خير أمة أخرجت للناس يدل على أنهم كانوا وما بقوا على هذه الصفة قلنا نحمله على كان التامة ويدل عليه أنه تعالى قال في عقبه
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فلو كان قوله
كنتم يفيد أنهم كانوا كذلك ثم لم يبقوا عليه لكان قوله
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر مناقضا له ولو حملناه على كان الناقصة كان المعنى كنتم كذلك في علم الله أو في اللوح المحفوظ
الثالث ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم استخلفه في مرض موته في الصلاة
فنقول حصلت تلك الخلافة وما عزله عنها فوجب بقاء تلك الخلافة عليه وإذا ثبت وجوب كونه إماما في الصلاة ثبت وجوب كونه إماما في سائر الأشياء لأنه لا قائل بالفرق
واحتج المخالف بوجوه أحدها قوله تعالى
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الآية فهذه الآية تدل على إمامة شخص بعينه وإذا ثبت
150
ذلك وجب أن يكون ذلك الإمام عليا رضي الله عنه
بيان الأول أن الولي إما الناصر وإما المتصرف ويجب قصره عليهما تقليلا للاشتراك والمجاز ولا يجوز حمله على الناصر لأن النصرة عامة لقوله تعالى والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والولاية المذكورة في الآية خاصة ببعض المؤمنين لأن كلمة
إنما تفيد الحصر وإذا بطل حمل الولي علي الناصر وجب حمله على المتصرف في جميع الأمة المخاطبين بقوله تعالى
إنما وليكم الله ورسوله ولا معنى للإمامة إلا التصرف في جميع الأمة فثبت دلالة هذه الآية على إمامة شخص معين وكل من قال بها قال إنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن أحدا من الأمة لم يقل إن هذه الآية تدل على إمامة أبي بكر والعباس رضي الله عنهما
الثاني أنه صلى الله عليه وسلم قال ( ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا نعم قال فمن كنت مولاه فعلى مولاه ) وجه الاستدلال أنه صرح بلفظة أولى ثم ذكر عقيبها المولى وهو لفظ يحتمل الأشياء وذكر الأولى يصلح تفسيرا فوجب حمله عليه دفعا للإجمال وحينئذ يصير تقديره من كنت أولى به في الحكم والقضية من نفسه كان علي أولى به في ذلك ولا معنى للإمام إلا من يكون أولى من غيره في قبول حكمه وقضائه
الثالث قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) ومن جملة منازل هارون من موسى كونه بحث لو بقي بعد موسى كان خليفة له فوجب أن يثبت لعلي أنه لو بقي بعد محمد صلى الله عليه وسلم لكان خليفة له وقد بقي بعده فوجب أن يكون خليفة له
والجواب عن الكل أنه يجب حملها على أولويته في الإيمان بالدين وعلى علو منصبه ولا تحمل على الإمامة توفيقا بينها وبين الدلائل التي ذكرناها ثم
إن قولنا أولى لوجوه
151
أحدها أنا بهذا الطريق نصون الأمة عن الكفر والفسق
والثاني أن الأخبار الواردة في فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بلغت مبلغ التواتر وبالوجه الذي ذكرناه يبقى الكل حقا صحيحا
والثالث أنه تعالى نص على تعظيم المهاجرين والأنصار في القرآن وبالطريق الذي ذكرناه يبقى الكل صحيحا حقا
المسألة السابعة أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه
وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة هو علي وهؤلاء جوزوا إمامة الفضول مع وجود الفاضل وحجتهم أن قيام علي بالجهاد كان أكثر من قيام أبي بكر فوجب أن يكون علي أفضل منه لقوله تعالى
وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما وأجاب أهل السنة عنه بأن الجهاد على قسمين جهاد بالدعوة إلى الدين وجهاد بالسيف ومعلوم أن أبا بكر رضي الله عنه جاهد في الدين في أول الإسلام بدعوة الناس إلى الدين وبقوله أسلم عثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين وعلي رضي الله عنه إنما جاهد بالسيف عند قوة الإسلام فكان الأول أولى
وحجة القائلين بفضل أبي بكر رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم ( ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر )
المسألة الثامنة بعض الناس ذكروا أنواعا من المطاعن في الأئمة الثلاثة
والقانون المعتبر في هذا الباب أن الدلائل الظاهرة دلت على إمامتهم
152
وعلى وجوب تعظيمهم وأما تلك المطاعن فهي محتملة والمحتمل لا يعارض المعلوم لا سيما وقد تأكد ذلك بأن الله تعالى أكثر من الثناء على الصحابة رضي الله عنهم
المسألة التاسعة الذي يدل على إمامة علي كرم الله وجهه اتفاق أهل الحل والعقد على إمامته وأما أعداؤه ففريقان
أحدهما عسكر معاوية رضي الله عنه طعنوا فيه بأنه ما أقام القصاص على قتلة عثمان رضي الله عنه وهذا ظلم فادح في إمامته
والجواب أن شرائط وجوب القصاص تختلف باختلاف الاجتهادات فلعله لم يؤد اجتهاده إلى كونهم موصوفين بالشرائط الموجبة للقصاص
الثاني أن الخوارج قالوا إنك رضيت بالتحكم وذلك يدل على كونك شاكا في إمامة نفسك ثم إنك مع الشك أقدمت على تحمل الإمامة وهذا فسق
والجواب أنه إنما رضي التحكيم لأنه رأى من قومه الفشل والضعف والإصرار على أنه لا بد من التحكيم
المسألة العاشرة أطبق أهل الدين على أنه يجب تعظيم طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم
وأنه يجب إمساك اللسان عن الطعن فيهم لأن عمومات القرآن والأخبار دالة على وجوب تعظيم الصحابة رضي الله عنهم والأخبار الخاصة
153
واردة في تعظيم طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم والواقعة التي وقعت محتملة لوجوه كثيرة والمحتمل لا يعارض الظاهر ونقل عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا
وليكن ههنا آخر علم الكلام وبالله التوفيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله بنعمته تم الصالحات وأشهد أن لا إله إلى الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
وبعد فقد تم بعون الله كتاب معالم أصول الدين للإمام الكبير فخر الدين محمد بن عمر الرازي نفعني الله به وإياك
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن ابتع هداه وسار على طريقه إلى يوم الدين