1
التبيان في أقسام القرآن
ابن القيم الجوزية
3
بسم الله الرحمن الرحيم وبه استعين الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه
فصل في أقسام القرآن
وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته المستلزمة لذاته وصفاته وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى
فورب السماء والأرض إنه لحق وإما على جملة طلبية كقوله تعالى
فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون مع أن هذا قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر وقد يراد به تحقيق القسم والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما
4
يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى
كلا لو تعلمون علم اليقين وقوله
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دل عليه الشرط وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا ومنه قوله تعالى
ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب فالمعنى في أظهر الوجهين لو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال
أن القوة لله جميعا كما قال تعالى
ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة أي لو ترى ذلك الوقت وما فيه وأما القسم فان الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم فلا يعيد المقسم عليه لأنه قد عرف ما يحلف عليه فيقول والله إن لي عليه ألف درهم ثم يقول ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده وحق القرآن العظيم ولا يعيد المقسم عليه لأنه قد عرف المراد والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله كقوله
وتالله لأكيدن أصنامكم وقد نقل ترب الكعبة وأما الواو فكثيرة
فصل
إذا عرف هذا فهو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفها تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق وتارة على أن الرسول حق وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال الإنسان
5
فالأول كقوله
والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد والثاني كقوله
فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم وقوله
حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا إذا جعل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر وإن قيل بل الجواب محذوف كان كقوله
ص والقرآن ذي الذكر فانه هنا حذف الجواب ومن قال إن الجواب هو قوله
إن ذلك لحق تخاصم أهل النار فقد أبعد النجعة والقسم على الرسول كقوله
يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنه
ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون ومنه
والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إلى آخر القصة ومنه قوله
فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون وقوله
فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله
والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون ثم قال
فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ومثل قوله
والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع ومثل
والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع
6
وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى
زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن وقال تعالى
وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم وقال تعالى
ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد يعلمه بالنظر وقد تنازع النظار في ذلك فقالت طائفة انه لا يمكن علمه إلا بالسمع وهو الخبر وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر كما يقوله جهم بن صفوان ومن اتبعه والأشعري وأتباعه وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم بالصانع فإن الناس متفقون على أنه لا يعلم إلا بالعقل وإن كان ذلك مما نبهت الرسل عليه وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضع آخر وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله
والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى الآية ولفظ السعي هو العمل لكن يراد به العمل الذي يهتم به صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فان كان يفتقر إلى عدو بدنه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانه جمع وإن كان يفتقر إلى تفرغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الاعتبار ليس هو مرادفا للفظ العمل كما ظنه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم به صاحبه ويجتهد فيه ولهذا قال في الجمعة
فاسعوا إلى ذكر الله وهذه أحسن من قراءة من قرأ < فامضوا إلى ذكر الله > وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فلم ينه عن السعي إلى الصلاة فإن الله أمر بالسعي إليها بل نهاهم أن يأتوا إليها يسعون فنهاهم عن الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو البدن وهو
7
منهي عنه وأما السعي المأمور به في الآية فهو الذهاب إليها على وجه الاهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره والاقبال بالقلب على السعي إليها وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى
هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته فيهم وكذلك قوله
وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها هو عمل بهمة واجتهاد ومنه سمى الساعي على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم ومنه قوله
إن سعيكم لشتى وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتنى به ليترتب عليه ثواب أو عقاب بخلاف المباحات المعتادة فإنها لم تدخل في هذا السعي قال تعالى
فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ومنه قوله تعالى
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن وقوله
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا
فصل
وأقسم على صفة الإنسان بقوله
والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان لربه لكنود وأقسم على عاقبته وهو قسم على الجزاء في قوله
والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وفي قوله
والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وحذف جواب القسم لأنه قد علم بأنه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به
8
والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به وأنه مما يحلف به كقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولكن هذا يذكر معه الفعل دون مجرد حرف القسم كقولك فلان يحلف بالله وحده وأنا أحلف بالخالق لا بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان أكذب ما يكون إذا حلف بالله وقد يكون هذا النوع بحرف القسم مجردا كما في الحديث كانت أكثر يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينه قال والله الذي لا إله إلا هو وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونه قد ظهر وعرف إما بدلالة الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم به ما يدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فان المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال والذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشه فقال والذي استوى على عرشه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك وكذلك من حلف لشخص أنه يحبه ويعظمه فقال والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومهابتك ونظائر ذلك لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم به ما يدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى
ص والقرآن ذي الذكر فان في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقا من عند
9
الله غير مفترى كما يقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى
كم أهلكنا من قبلهم من قرن فاعترض بين القسم وجوابه بقوله
بل الذين كفروا في عزة وشقاق فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالا وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله
إن كل إلا كذب الرسل وأبعد منه قول من قال الجواب
إن هذا لرزقنا ما له من نفاد وأبعد منه قول من قال الجواب قوله
إن ذلك لحق تخاصم أهل النار وأقرب ما قيل في الجواب لفظا وإن كان بعيدا معنى عن قتادة وغيره إنه في قوله
بل الذين كفروا كما قال
ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت ما بعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنه يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق كما تقول والله إن زيدا لقائم قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون بل بمعنى أن ا ه وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام بل
والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش وهذا يقوله الكوفيون وليس يجيد في العربية لو قلت والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن وقال النحاس هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الاخفش وجها آخر في جواب القسم فقال يجوز ن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول
10
الحق والله قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ص الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ص جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله والقرآن وذكر النحاس وغيره وجها آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى
بل الذين كفروا وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله
بل الذين كفروا في عزة وشقاق مخالفا لهذا المضمر فكأنه قيل والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم ونظير هذا قوله تعالى
ق والقرآن المجيد بل عجبوا قيل جواب القسم قد علمنا وقال الفراء محذوف دل عليه قوله أإذا متنا أي لتبعثن وقيل قوله بل عجبوا كما تقدم بيانه
فصل
ومن ذلك قوله
لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة فقد تضمن الأقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى
ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وقال تعالى
وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم وقال تعالى
زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا
11
واختلف في النفس المقسم بها ههنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت خيرا وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل والقول الثاني أنها خاصة قال الحسن هي النفس المؤمنة وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها قاله قتادة ومقاتل وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله
ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى
فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين وقال تعالى
يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فهذا اللوم غير محمود وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق فحج آدم موسى فهو سبحانه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله
إن الإنسان لربه لكنود
12
) وعلى جزائها كقوله
فوربك لنسألنهم أجمعين وعلى تباين عملها كقوله
إن سعيكم لشتى وكل نفس لوامة فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثره وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها عليه لوما بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه ففي صفة اللوم
13
تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن وأنها لا غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه البتة ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قال الزجاج وغيره جواب القسم
قد أفلح من زكاها ولما طال الكلام حسن حذف اللام من الجواب وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها والأرض وطاحيها والنفس ومسويها وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمه وقدرته وحكمته وتوحيده ولما كانت حركة الشمس والقمر والليل والنهار أمرا يشهد الناس حدوثه شيئا فشيئا ويعلمون أن الحادث لا بد له من محدث كان العلم بذلك منزلا منزلة ذكر المحدث له لفظا فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة ولهذا سلك طائفة من النظار طريق الاستدلال بالزمان على الصانع وهو استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع كقوله
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ولما كانت السماء والأرض ثابتتين حتى ظن من ظن أنهما قديمتان ذكر مع الأقسام بهما بانيهما ومبدعهما وكذلك النفس فإن حدوثها غير مشهود حتى ظن بعضهم قدمها فذكر مع الأقسام بها مسويها وفاطرها مع ما في ذكر بناء السماء وطحو الأرض وتسوية النفس من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق فإن بناء السماء يدل على أنها كالقبة العالية على الأرض وجعلها سقفا لهذا العالم والطحو هو مد الأرض وبسطها وتوسيعها ليستقر عليها الأنام
14
والحيوان ويمكن فيها البناء والغراس والزرع وهو متضمن لنضوب الماء عنها وهو مما حير عقول الطبائعيين حيث كان مقتضى الطبيعة أن يغمرها كثرة الماء فيروز جانب منها على الماء على خلاف مقتضى الطبيعة وكونه هذا الجانب المعين دون غيره مع استواء الجوانب في الشكل الكري يقتضي تخصيصا فلم يجدوا بدا أن يقولوا عناية الصانع اقتضت ذلك قلنا فنعم إذا ولكن عناية من لا مشيئة له ولا إرادة ولا اختيار ولا علم بمعين أصلا كما تقولونه فيه محال فعنايته تقتضي ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وأنه الفاعل يفعل باختياره ما يريد وكذلك النفس أقسم بها وبمن سواها وألهمها فجورها وتقواها فإن من الناس من يقول قديمة لا مبدع لها ومنهم من يقول بل هي التي تبدع فجورها وتقواها فذكر سبحانه أنه هو الذي سواها وأبدعها وأنه هو الذي ألهمها الفجور والتقوى فأعلمنا أنه خالق نفوسا وأعمالها وذكر لفظ التسوية كما ذكره في قوله
ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك وفي قوله
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي إيذانا بدخول البدن في لفظ النفس كقوله
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وقوله
فسلموا على أنفسكم ولا تقتلوا أنفسكم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ونظائره وباجتماع الروح مع البدن تصير النفس فاجرة أو تقية وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها وقوله
قد أفلح من زكاها الضمير مرفوع في زكاها عائد على من وكذلك هو في دساها المعنى قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها هذا القول هو الصحيح وهو نظير قوله
قد أفلح من تزكى وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علقه بفعل المفلح كقوله
قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون إلى آخر الآيات وقوله
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقوله
إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ونظائره قال
15
الحسن قد أفلح من زكى نفسه وحملها على طاعة الله وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله وقاله قتادة وقال ابن قتيبة يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفي المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس فكأن المتصف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع الأرض لتشهر أنفسها للمنتفعين وتوقد النيران في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وأولئك أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد
وبوأت بيتك في معلم
رحيب المباحات والمسرح
كفيت العفاة طلاب القرى
ونبح الكلاب لمستنبح
وقال أبو العباس سألت ابن الأعرابي عن قوله
وقد خاب من دساها فقال دسى معناه دس نفسه مع الصالحين وليس منهم وعلى هذا فالمعنى أخفى نفسه في الصالحين يرى الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وقال طائفة أخرى الضمير يرجع إلى الله سبحانه قال ابن عباس في رواية عطاء قد أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي وسعيد ابن جبير ومقاتل قالوا سعدت نفس وأفلحت نفس أصلحها الله وطهرها ووفقها للطاعة حتى عملت بها وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها وأبطلها وأهلكها قال أرباب هذا القول قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته وعلى فلاح من طهره وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدر سابق وقضاء متقدم قالوا وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة قالوا ويدل عليه قوله
فألهمها فجورها وتقواها قالوا ويشهد له حديث نافع عن ابن عمر عن
16
ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت انتبهت نفسي ليلة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول رب أعطي نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها قالوا فهذا الدعاء هو تأويل الآية بدليل الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ
قد أفلح من زكاها وقف ثم قال اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وزكها أنت خير من زكاها قالوا وفي هذا ما يبين أن الأمر كله له سبحانه فانه هو خالق النفس وملهمها الفجور والتقوى وهو مزكيها ومدسيها فليس للعبد في الأمر شيء ولا هو مالك من أمر نفسه شيئا قال أرباب القول الأول هذا القول وإن كان جائزا في العربية حاملا للضمير المنصوب على معنى من وإن كان لفظها مذكرا كما في قوله
ومنهم من يستمعون إليك جمع الضمير وإن كان لفظ من مفردا حملا على نظمها فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر وههنا قد تقدم لفظ من والضمير المرفوع في زكاها يستحقه لفظا ومعنى فهو أولى به ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظا ومعنى فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه وأما عود الضمير الذي يلي من على الموصول السابق وهو قوله
وما سواها وإخلاء جاره الملاصق له وهو من ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على من ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه فأما إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه ولم تدع الضرورة إليه فالحمل عليه ممتنع قالوا والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه أحدها أن فيه إشارة إلى ما تقدم من تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن الثاني أن فيه زيادة فائدة وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه وفي قوله
فألهمها فجورها وتقواها
17
إثبات القضاء والقدر السابق فتضمنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين وهما كثيرا ما يقترنان في القرآن كقوله
إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله وقوله
لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية الثالث أن قولنا يستلزم قولكم دون العكس فان العبد إذا زكى نفسه ودساها فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته وإنما يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر البتة
فصل
وذكر في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخنا هذا والله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه لم يكن في الإمم المكذبة أخف ذنبا وعذابا منهم إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد ومدين وقوم لوط وغيرهم ولهذا لما ذكرهم وعادا قال
فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما ذكر عن أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان والفساد في الأرض كما في سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان الفاحشة التي لم يسبقوا إليها وفي قوم عاد مع الشرك التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم
من أشد منا قوة وفي أصحاب مدين مع الشرك الظلم في الأموال وفي قوم فرعون مع الشرك الفساد في الأرض والعلو وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم إلى أسفل سافلين وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم
18
وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة فماتوا في الحال فإذا كان عذاب هؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا وما يعاقب به من سعي في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون قلت وقد يظهر في تخصيص ثمود ههنا بالذكر دون غيرهم معنى آخر وهو أنهم ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به قد ثلجت له صدورهم واستيقظت له أنفسهم فاختاروا عليه العمى والضلالة كما قال تعالى في وصفهم
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال
وآتينا ثمود الناقة مبصرة أي موجبة لهم التبصرة واليقين وإن كان جميع الأمم المهلكة هذا شأنهم فان الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها لكن خصت ثمود من ذلك الهدى والبصيرة بمزيد ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال
فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ثم قال
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ولهذا أمكن عادا المكابرة وأن يقولوا لنبيهم
ما جئتنا ببينة ولم يمكن ذلك ثمود وقد رأوا البينة عيانا وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة التامة فكان في تخصيصهم بالذكر تحذير لكل من عرف الحق ولم يتبعه وهذا داء أكثر الهالكين وهو أعم الأدواء وأغلبها على أهل الأرض والله أعلم
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر قيل جوابه
إن ربك لبالمرصاد وهذا ضعيف لوجهين أحدهما طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة والثاني قوله
إن ربك لبالمرصاد ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا
19
ومحذرا
إن ربك لبالمرصاد فلا ترى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذل وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف به عادا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر ربهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من أيام للعمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عز وجل به
والفجر إن أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم بما يتضمن أول الصلوات وختمه بقوله
والليل إذا يسر المتضمن لآخر الصلوات وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة فتلك الليلة من أفضل ليالي العام وما رؤي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الأيام عند الله يوم النحر رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن الله بريء من المشركين ورسوله وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا يوم عرفة وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالا وتأويلا للقرآن وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وقيل لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم
20
فصل لربك وانحر بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لا يعبدون الله وحده بل يشركون به ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام
والشفع والوتر إذ هذه الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة شفع والبيت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما الأعمال فالطواف وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ذلك سبع سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت وأما الزمان فان يوم عرفة وتر ويوم النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن ابن عباس الوتر آدم وشفع بزوجته حواء وقال في رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر الله وحده وعنه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث وقال عمران ابن حصين وقتادة الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا مرفوعا وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى
وخلقناكم أزواجا والوتر هو الله وهذا قول الحكم قال كل شيء شفع والله وتر وقال أبو صالح خلق الله من كل شيء زوجين اثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق وقال الحسن الشفع والوتر العدد كله من شفع ووتر وقال ابن زيد الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين أحدهما أن الشفع والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات والثاني أن الوتر الخالق والشفع المخلوق وعلى هذا القول فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق فهو نظير ما تقدم في قوله
والشمس وضحاها ونظير ما ذكر في قوله
21
وشاهد ومشهود وما ذكر في قوله
والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى وقال ههنا
والليل إذا يسر وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس وقد فسر بأقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله فقد أقسم بأحوال الليل الثلاثة وهي حالة إقباله وحالة امتداده وسريانه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه سبحانه وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر الليالي العشر لأنها إنما تعرف بالعلم وأيضا فان التنكير تعظيم لها فان التنكير يكون للتعظيم وفي تعريف الفجر ما يدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا يجهله فلما تضمن هذا القسم ما جاء به إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان في ذلك ما دل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى
هل في ذلك قسم لذي حجر فإن عظمة هذا المقسم به يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصاب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين الطاغين ثم أخبر أنه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم واخبر أن توسعته على من وسع عليه وإن كان إكراما له في الدنيا فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء وامتحانا فيبتلي بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانه هو يبتلي عبده بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعمه ونقمه سبحانه وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله وهم هؤلاء الأمم الثلاثة قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم
22
وبساتينهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والرياسة فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله علينا وهذا شأنه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لا بد أن يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض على طعام هذا ثم ذكر حرصه على جمع المال وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وما تؤول إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من شدة عذابه ووثاقه
فصل
وأما سورة
لا أقسم بهذا البلد فذكر فيها جواب القسم وهو قوله
لقد خلقنا الإنسان في كبد وفسر الكبد بالاستواء وانتصاب القامة قال ابن عباس في رواية مقسم منتصبا على قدميه وهذا قول أبي صالح والضحاك وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بن شداد قال المنذر سمعت أبا طالب يقول الكبد الاستواء والاستقامة وفسر بالنصب هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ورواية عن علي وعن ابن عباس قال الحسن لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وقال سعيد بن أبي الحسن يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال قتادة يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال يعني حمله وولادته ورضاعه وفصاله ونبت أسنانه وحياته ومعاشه ومماته كل ذلك شدة قال مجاهد حملته أمه كرها ووضعته كرها ومعيشته في شدة فهو يكابد ذلك وعلى هذا فالكبد من مكابدة الأمر وهي معاناة شدته ومشقته والرجل يكابد الليل إذا قاسى هو له وصعوبته والكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن
23
إذا غلظ واشتد ومنه الكبد لأنها دم يغلظ ويشتد وانتصاب القامة والاستواء من ذلك لأنه إنما يكون عن قوة وشدة فان الإنسان مخلوق في شدة بكونه في الرحم ثم في القماط والرباط ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنهي ثم مكابدة الموت وما بعده في البرزخ وموقف القيامة ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة وفسر الكبد بشدة الخلق وإحكامه وقوته ومنه قول لبيد
يا عين هلا بكيت أربد إذ
قمنا وقام الخصوم في كبد
أي في شدة وعناء وهذا يشبه قوله تعالى
نحن خلقناهم وشددنا أسرهم قال ابن عباس أي خلقهم وقال أبو عبيدة الأسر شدة الخلق يقال فرس شديد الأسر قال وكل شيء شددته من قتب أو غير فهو مأسور وقال المبرد الأسر القوى كلها وقال الليث الأسر قوة المفاصل والأوصال وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر وقال الحسن شددنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وقال مجاهد هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج الأذى تقبضا والمقصود أنه سبحانه أقسم في سورة البلد على حال الإنسان وأقسم سبحانه بالبلد الأمين وهو مكة أم القرى ثم أقسم بالوالد وما ولد وهو آدم وذريته في قول جمهور المفسرين وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم وقوله
وأنت حل بهذا البلد فيه قولان أحدهما أنه من الاحلال وهو ضد الاحرام والثاني أنه من الحلول وهو ضد الظعن فإن أريد به المعنى الأول فهو حلال ساكن البلد بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع
24
ولأن أمنه إنما تظهر به النعمة عند الحل من الإحرام وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان والحرمة هناك للفعل لا للمكان والمقصود هو ذكر حرمة المكان وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمنه ولكن على هذا ففيه تنبيه فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن وكذلك إذا أريد المعنى الثاني وهو الحلول فهو متضمن لهذا التعظيم مع تضمنه أمرا آخر وهو الاقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماما وهاديا لهم وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته فمن اعتبر حال بيته وحال نبيه وجد ذلك من أظهر ادلة التوحيد والربوبية وفي الآية قول ثالث وهو أن المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني وقد استحل قومك فيه حرمتك وهم لا يعضدون به شجرة ولا ينفرون به صيدا وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله ثم أنكر سبحانه على الإنسان ظنه وحسبانه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور فإن الذي خلقه كذلك أولى بالقدرة منه وأحق فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادرا في نفسه فهذا برهان مستقل بنفسه مع أنه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك بقوله
أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وبقوله
أيحسب أن لم يره أحد فيحصى عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه ثم أنكر سبحانه على الإنسان قوله
أهلكت مالا لبدا وهو الكثير الذي يلبد بعضه فوق بعض فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه إذ لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكا له بل تقربا به إلى الله وتوصلا به إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاك
25
له فأنكر سبحانه افتخاره وتبجحه بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقه فيها إهلاك له ثم وبخه بقوله
أيحسب أن لم يره أحد وأتى ههنا بلم الدالة على المضي في مقابلة قوله
أهلكت مالا لبدا فان ذلك في الماضي أفيحسب أن لم يره أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه ثم ذكر برهانا مقدرا أنه سبحانه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما فكيف يعطيه البصر من لم يره وكيف يعطيه آلة البيان من الشفتين واللسان فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينهى من لا يتكلم ولا يكلم ولا يخاطب ولا يأمر ولا ينهى وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه ومن جعل غيره عالما بنجدى الخير والشر وهما طريقاهما أليس هو أولى وأحق بالعلم منه ومن هداه إلى هذين الطريقين كيف يليق به أن يتركه سدى لا يعرفه ما يضره وما ينفعه في معاشه ومعاده وهل النبوة والرسالة إلا لتكميل هداية النجدين فدل هذا كله على إثبات الخالق وصفات كماله وصدق رسله ووعده وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إذا تأمل الإنسان حاله وخلقه وجده من أعظم الأدلة على صحتها وثبوتها فتكفي الإنسان فكرته في نفسه وخلقه والرسل بعثوا مذكرين بما في الفطر والعقول مكملين له لتقوم على العبد حجة الله بفطرته ورسالته ومع هذا فقامت عليه حجته ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربه التي لا يصل إليها حتى يقتحمها بالاحسان إلى خلقه بفك رقبة وهو تخليصها من الرق ليخلصه الله من رق نفسه ورق عدوه وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة وبالإخلاص له سبحانه بالإيمان الذي هو خالص حقه عليه وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن يوصيه بالبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها فيكون صابرا رحيما في نفسه معينا لغيره على الصبر والرحمة فمن لم يقتحم هذه العقبة وهلك دونها هلك منقطعا عن ربه غير واصل إليه بل محجوبا عنه والناس قسمان ناج وهو من قطع العقبة وصار وراءها وهالك وهو من
26
دون العقبة وهم أكثر الخلق ولا يقتحم هذه العقبة إلا المضمرون فانها عقبة كؤود شاقة لا يقطعها إلا خفيف الظهر وهم أصحاب الميمنة والهالكون دون العقبة الذين لم يصدقوا الخبر ولم يطيعوا الأمر فهم
أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة قد أطبقت عليهم فلا يستطيعون الخروج منها كما أطبقت عليهم أعمال الغي والاعتقادات الباطلة المنافية لما أخبرت به رسله فلم تخرج قلوبهم منها كذلك أطبقت عليهم هذه النار فلم تستطع أجسامهم الخروج منها فتأمل هذه السورة على اختصارها وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان وبالله التوفيق وأيضا فان طريقة القرآن بذكر العلم والقدرة تهديدا وتخويفا لترتب الجزاء عليهما كما قال تعالى
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم وقوله تعالى
أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى وقوله تعالى
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وقال
أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون وهذا كثير جدا في القرآن وليس المراد به مجرد الاخبار بالقدرة والعلم لكن الاخبار مع ذلك بما يترتب عليهما من الجزاء وبالعدل فانه إذا كان قادرا أمكن مجازاته وإذا كان عالما أمكن ذلك بالقسط والعدل ومن لم يكن قادرا لم يمكن مجازاته وإذا كان قادرا لكنه غير عالم بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها لم يجاز بالعدل والرب تعالى موصوف بكمال القدرة وكمال العلم فالجزاء منه موقوف على مجرد مشيئته وإرادته فحينئذ يجب على العاقل أن يطلب النجاة منه بالإخلاص والاحسان فهو اقتحام العقبة المتضمن للتوبة إلى الله تعالى والاحسان إلى خلقه وقال
فلا اقتحم العقبة وهو فعل ماض ولم يكرر معه لا إما استعمالا لأداة لا كاستعمال ما وإما إجراء لهذا الفعل مجرى الدعاء نحو فلا سلم ولا عاش ونحو ذلك وإما لأن العقبة قد فسرت بمجموع أمور فاقتحامها
27
فعل كل واحد منها فأغنى ذلك عن تكريرها فكأنه قال فلا فك رقبة ولا أطعم ولا كان من الذين آمنوا وقراءة من قرأ
فك رقبة بالفعل كأنها أرجح من قراءة من قرأها بالمصدر لأن قوله
وما أدراك ما العقبة على حد قوله
وما أدراك ما الحاقة وما أدراك ما يوم الدين وما أدراك ما هيه نار حامية ونظائره تعظيما لشأن العقبة وتفخيما لأمرها وهي جملة اعتراض بين المفسر والمفسر فإن قوله
فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا تفسير لاقتحام العقبة مكان شاق كؤود يقتحمه الناس حتى يصلوا إلى الجنة واقتحامه بفعل هذه الأمور فمن فعلها فقد اقتحم العقبة ويدل على ذلك قوله تعالى
ثم كان من الذين آمنوا وهذا عطف على قوله
فك رقبة والأحسن تناسب هذه الجمل المعطوفة التي هي تفسير لما ذكر أولا وأيضا فإن من قرأها بالمصدر المضاف فلا بد له من تقدير وهو ما أدراك ما اقتحام العقبة واقتحامها فك رقبة وأيضا فمن قرأها بالفعل فقد طابق بين المفسر وما فسره ومن قرأها بالمصدر فقد طابق بين المفسر وبعض ما فسره فان التفسير ان كان لقوله اقتحم طابقه لقوله
ثم كان من الذين آمنوا وما بعده دون
فك رقبة وما يليه وإن كان لقوله العقبة طابقه
فك رقبة أو إطعام دون قوله
ثم كان من الذين آمنوا وما بعده وإن كانت المطابقة حاصلة معنى فحصولها لفظا ومعنى أتم وأحسن واختلف في هذه العقبة هل هي في الدنيا أو في الآخرة فقالت طائفة العقبة ههنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر وحكوا ذلك عن الحسن ومقاتل قال الحسن عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان وقال مقاتل هذا مثل ضربه الله يريد أن المعتق رقبة والمطعم اليتيم والمسكين يقاحم نفسه وشيطانه مثل أن يتكلف صعود العقبة فشبه المعتق رقبة في شدته عليه بالمكلف صعود العقبة وهذا قول أبي عبيدة وقالت طائفة بل هي عقبة حقيقة يصعدها الناس قال عطاء هي عقبة جهنم وقال الكلبي هي عقبة بين الجنة والنار وهذا قول مقاتل إنها عقبة جهنم وقال مجاهد والضحاك هي الصراط يضرب
28
على جهنم وهذا لعله قول الكلبي وقول هؤلاء أصح نظرا وأثرا ولغة قال قتادة فإنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله وفي أثر معروف إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا يقتحمها إلا المخفون أو نحو هذا وأن الله سمى الإيمان به وفعل ما أمر وترك ما نهى عقبة فكثيرا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض الصحابة وقد حضره الموت فجعل يبكي ويقول مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود أهبط منها إما إلى جنة وإما إلى نار فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار السلفية والمألوف من عادة القرآن في استعماله وما أدراك في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدم والله أعلم
فصل
ومن ذلك أقسامه ب
والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتونا وتينا وقد قال جماعة من المفسرين أنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبا ويابسا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الاقسام قد تناول الشجرتين
29
ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور سيناء واشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهما بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل حكم الحس ذكر ذلك مطابقا للواقع ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الانسان ونهايته فقال
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوي الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته بخلقه بأن أرسل منها رسلا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه هي النار بعضها أسفل من بعض وقالت طائفة
30
منهم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر وهو مروي عن ابن عباس والصواب القول الأول لوجوه أحدها أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كما أن عليين مكان الأبرار الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر الثالث أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصا بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين الرابع أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال
ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا فجعلهم قسمين قسما متوفى قبل الكبر وقسما مردودا إلى أرذل العمر ولم يسمه أسفل سافلين الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرا غير ممنون السادس أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس فيكون قد ترك الاخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن أمر يعرف بالحس والمشاهدة وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها السابع أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس وإن قالوا إن من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل اعمالهم إذا ردوا إلى أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن كان حقا فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا
31
من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر وهذا ضعيف من وجهين أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم وأنه لا دليل على ما ادعوه وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الانسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى
فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم وقوله غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعا أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منة المخلوق على المخلوق وأما منة الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة قال تعالى
يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين وقال تعالى
ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى
ولقد مننا عليك مرة أخرى وقال أهل الجنة
فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وقال تعالى
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم الآية وقال
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض الآية وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي
32
ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي فجعلوا يقولون له الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منة المخلوق لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا إلا من أبطل الباطل فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا أيضا هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الاعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه وقد قال أعلم الخلق بالله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل \ ح \ فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنه سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياه لم يكن له عليه منة فان كان في الدنيا باطل فهذا ليس منه في شيء فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لا يعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقا عليه نصر المؤمنين قيل لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده
33
لصادق أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام منته فإنه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه
ما للعباد عليه حق واجب
كلا ولا سعى لديه ضائع
إن عذبوا فبعد له أو نعموا
فبفضله فهو الكريم الواسع
وقوله سبحانه
فما يكذبك بعد بالدين أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مهين كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقا لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد
فما يكذبك بعد بالدين عنى به محمدا فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان وقال قتادة الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقا قال تعالى
فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك وقال
فإنهم لا يكذبونك فالأول بمعنى وإن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحودا وعنادا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالا ومنه قوله
بل كذبوا بالحق لما جاءهم وقوله
وكذبوا بآياتنا إذا عرف هذا فقوله
فما يكذبك اختلف في ماء هل هي بمعنى أي شيء
34
يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أن يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبا بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم قال الفراء كأنه يقول من يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين أحدهما إقامة ما مقام من وأمره سهل والثاني أن الجار والمجرور يستدعي متعلقا وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبا بالدين أو مكذبا به ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذبا أو مكذبا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذبا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الاخبار به بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذبا والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره وجواب هذا الإشكال أن صدق وكذب بالتشديد يراد به معنيان أحدهما النسبة وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ما كذبك بكذا أي ما حملك على التصديق والتكذيب قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق
35
ثم ختم السورة بقوله
أليس الله بأحكم الحاكمين وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالا بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم معناها والله أعلم
فصل
ومن ذلك قسمه سبحانه وتعالى
والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعى الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله إذ هو من آياته الدالة عليه فأقسم به وقت غشيانه وأتى بصيغة المضارع لأنه يغشى شيئا بعد شيء وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال في سورة الشمس وضحاها
والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها وأقسم به وقت سريانه كما تقدم وأقسم به وقت إدباره وأقسم به إذا عسعس فقيل معناه أدبر فيكون مطابقا لقوله
والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر وقيل معناه أقبل فيكون كقوله
والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنهار وعلى الأول يكون القسم واقعا على انصرام الليل ومجيء النهار عقيبه وكلاهما من آيات ربوبيته ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الاقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور
36
الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانه بزمان السعي وهو الليل والنهار وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه وانه سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء كما لم يسو بين الليل والنهار والذكر والأنثى ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال
فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ربك أحدا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب أحدها إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للاطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والاخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الاحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الاحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها وسقي دوابهم وأنعامهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسرة للعطاء السبب الثاني التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه وهذا من أعظم أسباب التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجل من نعيم أرباب
37
الدنيا بالشهوات واللذات وقال تعالى
ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا فأخبر أنه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره وقال تعالى
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وهذا أيضا ييسر عليه بتقواه وقال تعالى
ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبه ويرضاه وقال
يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم وهذا يتيسر بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق بين الحق والباطل وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير وقال تعالى
واتقوا الله لعلكم تفلحون والفلاح غاية اليسر كما أن الشقاء غاية العسر وقال تعالى
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم فضمن لهم سبحانه بالتقوى ثلاثة أمور أحدها أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين الثاني أعطاهم نورا يمشون به في الظلمات الثالث مغفرة ذنوبهم وهذا غاية التيسير فقد جعل سبحانه التقوى سببا لكل يسر وترك التقوى سببا لكل عسر السبب الثالث التصديق بالحسنى وفسرت بلا إله إلا الله وفسرت بالجنة وفسرت بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفروعها كلها وجميع أصول الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأن الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كل موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقا بها من نفي الصفات العليا ولا من نفي كلامه وتكليمه ولا من نفي استوائه على عرشه وأنه يرفع إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنه رفع
38
المسيح إليه وأسرى برسوله صلى الله عليه وسلم إليه وأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدقا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء وبعثه الأجساد من القبور ليوم النشور ولا يكون مصدقا بها من زعم أنه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وكذلك التصديق بها يقتضي الاذعان والاقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الاطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الاطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالايمان وجزائه والتحقيق أنها تتناول الأمرين وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث وهي الاعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث قوى قوة البذل والاعطاء وقوة الكف والامتناع وقوة الإدراك والفهم ففيها قوة العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البغض والنفرة فهذه القوى الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والارادة يوجب له ترك الاعطاء وفساد قوة البغض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوة حبه وإرادته بإعطائه ما أمر به وقوة بغضه ونفرته باتقائه ما نهى عنه وقوة علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى
39
ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل لمأمور وترك لمحظور وتصديق الخبر وإن شئت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان طلب فعل وطلب ترك فقد تضمنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فالاعطاء فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والتصديق بالحسنى تصديق الخبر فانتظم ذلك الدين كله وأكمل الناس من كملت له هذه التقوى الثلاث ودخول النقص بحسب نقصانها أو بعضها فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذله أتم من قوة انكفافه وتركه فقوة الترك فيه أضعف من قوة الاعطاء ومن الناس من يكون قوة الترك والانكفاف فيه أتم من قوة الاعطاء والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته العلمية والشعورية أتم من قوته الارادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منها ومن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى قال ابن عباس
فسنيسره لليسرى أي نهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير وقال مقاتل والكلبي والفراء نيسره للعود إلى العمل الصالح وحقيقة اليسرى أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد العسرى وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة له منقادة لا تستعصي عليه ولا تستصعب لأنه مهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللا وتقاد له علما وعملا فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه
مبارك الطلعة ميمونها
يصلح للدنيا وللدين
وأما من بخل فعطل قوة الارادة والاعطاء عن فعل ما أمر به
استغنى بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الانكفاف والترك عن فعل ما نهى عنه
وكذب بالحسنى فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه
فسنيسره للعسرى قال عطاء سوف أحول بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي وقال مقاتل يعسر عليه أن يعطى خيرا وقال عكرمة عن ابن عباس نيسره للشر قال الواحدي وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة العسرى والخير يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول سنهيؤه للشر بأن يجريه على يديه قال الفراء العرب تقول قد يسرت
40
غنم فلان إذا تهيأت للولادة وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانها أي يسرت ذلك على أصحابها انتهى والتيسير للعسرى يكون بأمرين أحدهما أن يحول بينه وبين أسباب الخير فيجري الشر على قلبه ونيته ولسانه وجوارحه والثاني أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر كما حال بينه وبين أسبابه فإن قيل كيف قابل اتقى باستغنى وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين قيل هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نهاه عنه فإن من كان شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الاتقاء ويجانب ما يكرهه غاية المجانبة ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى بالاستغناء تبشيعا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمه بأن فعل فعل المستغني عن ربه لا فعل الفقير المضطر إليه الذي لا ملجأ له إلا إليه ولا غنى له عن فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلها وأسبابها والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى خصائص عباده بكلامه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرا بعد عين ولا يستبدلون الحق بالباطل والصدق بالمين وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال فيها وذلك بين بحمد الله لمن وفق لفهمه ولهذا أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم من أورد عليه السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون به في القدر فأجاب بفصل الخطاب وأزال الإشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة والنار قيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ
فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى \ ح \ فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانه الأشياء قبل كونها وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون خلق الفعل مطلقا ومن أقر منهم بخلق فعل الجزاء دون
41
الابتداء هدم أصله ونقض قاعدته والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بمثل ما أخبر به الرب تعالى أن العبد ميسر لما خلق له لا مجبور فالجبر لفظ بدعي والتيسير لفظ القرآن والسنة وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين فإنهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق وكانوا إذا استشكلوا شيئا سألوه عنه وكان يجيبهم بما يزيل الإشكال ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقا لا أهل البدع والأهواء من المتكلمين ومن سلك سبيلهم وفي الحديث استدلال النبي صلى الله عليه وسلم على مسائل أصول الدين بالقرآن وإرشاده الصحابة لاستنباطها منه خلافا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه وعبر عن ذلك بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنهم من خلق للشقاوة خلافا لمن زعم أنهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له ومطابقته لقوله تعالى
فأما من أعطى واتقى إلى آخر الآيتين كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي فطر الله عليه عباده بل الحيوان البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد إن قدر لي كذا وكذا فلا بد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ولا أتحرك لعد من السفهاء الجهال ولم يمكنه طرد ذلك أبدا وإن أتى به في أمر معين فهل يمكنه أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وهروبه مما يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له فإذا كان هذا في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب وأمره ونهيه ويستعمل في إرادة العبد وأغراضه
42
وشهواته وهل هذا إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول بربه فهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وتلا عنده هاتين الآيتين موافقا لما جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقة الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمر الله ونهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانه ذلك عنهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى
سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين وقال تعالى
وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين وقال تعالى
وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون وقال تعالى
وإذا قيل لهم أنفقوا من ما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين فان قيل فالاعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل اليسرى من يسرها للعبد أولا وكذلك أضدادها قيل الله سبحانه هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين أهل سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدا فهو من أسفه السفهاء
43
فإن قيل فلم جعل هذا لا يليق به إلا الكرامة وهذا لا يليق به إلا الإهانة قيل هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنه يقول لم خلق الله كذا وكذا فإن قيل وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله قيل نعم شأن الربوبية خلق الأشياء وأضدادها وخلق الملزومات ولوازمها وذلك هو محض الكمال فالعلو لازم وملزوم للسفل والليل لازم وملزوم للنهار وكمال هذا الوجود بالحر والبرد والصحو والغيم ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض واختلاف الارادات والمرادات ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع ولولا خلق المتضادات لما عرف كمال القدرة والمشيئة والحكمة ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات وظهور أحكامها وآثارها لا بد منه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك التام وإذا أعطيت اسم الملك حقه ولن تستطيع علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع فالملك الحق يقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة من يستحق الإهانة كما تستلزم حياة الملك وعلمه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ورحمته ورضاه وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه الإشارة تكفي اللبيب في مثل هذا الموضع ويطلع منها على أرض مونقة وكنوز من المعرفة وبالله التوفيق
فصل
ثم قال تعالى
إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى قيل معناه إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قال قتادة على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته اختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر وقيل المعنى إن علينا للهدى والإضلال قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء
44
يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء فترك ذكر الاضلال كما قال
سرابيل تقيكم الحر أي والبرد وهذا أضعف من القول الأول وإن كان معناه صحيحا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله
وعلى الله قصد السبيل وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع ههنا وفي النحل في قوله
وعلى الله قصد السبيل وفي الحجر في قوله
هذا صراط علي مستقيم وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية
45
وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والاحسان والاخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال
وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانه وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونعمهم وإن حمل منهم شيئا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته ونبه بقوله
تجزي على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزي بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن عليا رضي الله عنه تربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلرسول الله صلى الله عليه وسلم عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى ونبه سبحانه بقوله
إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى على أن من ليس لمخلوق عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف من تطور نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها وبالله التوفيق
46
فصل
ومن ذلك إقسامه سبحانه
والضحى والليل إذا سجى على إنعامه على رسوله صلى الله عليه وسلم وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغى بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها ثم وعده بما تقر به عينه وتفرح به نفسه وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر وكثرة الاتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته وما يعطيه بعد مماته وما يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم فإنه صلوات الله وسلامه عليه يرضى
47
بما يرضى به ربه تبارك وتعالى وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله حدا يشفع فيهم ورسوله أعرف به وبحقه من أن يقول لا أرضى أن يدخل أحدا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهي لجميع المكلفين
وأما السائل فلا تنهر قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا قال الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره والتحقيق أن الآية تتناول النوعين وقوله
وأما بنعمة ربك فحدث قال مجاهد بالقرآن وقال الكلبي بمعنى أظهرها والقرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرئه ويعلمه وروى أبو بشر عن مجاهد حدث بالنبوة التي أعطاك الله وقال الزجاج بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك وهي أجل النعم وقال مقاتل أشكر هذه النعمة التي ذكرت في هذه السورة والتحقيق أن النعم تعم هذا كله فأمر أن لا ينهر سائل المعروف والعلم وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين والدنيا
48
فصل
ومن ذلك اقسامه سبحانه ب
والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الابل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول
فكان لكم اجرى جميعا وأضبحت
بي البازل الوجناء في الآل تضبح
قالوا فهي تعدو ضبحا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعا وهي المزدلفة قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحا مصدرا على الأول وحالا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل وهو قوله تعالى
فالموريات قدحا والإيراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء انتهى قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه لاخفاف الابل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا
49
وأعظم ما يثير الغبار عند الاغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الاغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الاختصاص فان هذا شأن خيل المقاتلة واشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمه عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالابل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الاغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى
أفرأيتم النار التي تورون وهذا ان أريد به التمثيل
50
وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة في الحرب وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الاشارة والقياس فأمرها قريب وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحا يعني فالمنجحات أمرا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الايراء والاغارة والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن الذي انتهين إليه والله أعلم
فصل
فهذا شأن القسم وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الانسان كنودا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلا لحبه المال
51
والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودا مثل كفر يكفر كفورا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة واصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم الله تعالى هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطي في النائبة وقال الحسن هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم وأما قوله
وإنه على ذلك لشهيد فقال ابن عباس يريد أن ربه على ذلك لشهيد وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله
وإنه لحب الخير لشديد للانسان فافتتح الخبر عن الانسان بكونه كنودا ثم ثناه بكونه شهيدا على ذلك ثم ختمه بكونه بخيلا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بعلي فقال
وإنه على ذلك لشهيد أي مطلع عالم به كقوله
ثم الله شهيد على ما يفعلون ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فلو أراد شهادة الانسان لقال وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها ثم قال تعالى
وإنه لحب الخير لشديد والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون اللام في قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا وجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانه الانسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله وهذا ضد المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه محسن إلى خلقه
52
فالمؤمن له الاخلاص والاحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانه هذين الخلقين المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله
فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون فالرياء ضد الاخلاص ومنع الماعون ضد الاحسان وكذلك قوله تعالى
إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون وقوله
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا الآية وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله
والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ونظيره
وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا من ما رزقهم الله ونظيره ما تقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطي المصدق بالحسنى ونظيره قوله
ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما ثم خوف سبحانه الانسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور كما جمع بينهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا فإن الإنسان يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج الرب جسمه من قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزا على الأرض وسره باديا على وجهه كما قال تعالى
يعرف المجرمون بسيماهم وقال
سنسمه على الخرطوم
فصل
ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه
53
خبيرا بهم ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء وأنه يجازيهم في ذلك اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله سبحانه وتعالى أعلم
فصل
ومن ذلك إقسامه بالعصر على حال الانسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال
ولن يلبث العصران يوم وليلة
إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على أكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينهم وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الانسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الانسان
54
إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين وتأمل حكمة القرآن لما قال
إن الإنسان لفي خسر فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ولما قال
ثم رددناه أسفل سافلين وسع الاستثناء وعممه فقال
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين فإن الانسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الاعيان وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال
إن الإنسان لفي خسر ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك ولما قال في سورة والتين
ثم رددناه أسفل سافلين قال
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الانسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالايمان وقوته العملية بالعمل الصالح
55
وانقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الانسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الانساني من العلم النافع والعمل الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك وقوله تعالى
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فبالصبر واليقين تنال الامامة في الدين والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب ونوع على المشروع وهذا النوع أيضا نوعان صبر على الأوامر وصبر عن النواهي فذاك صبر على الارادة والفعل وهذا صبر عن الارادة والفعل فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق ابنته مرها فلتصبر ولتحتسب وقال تعالى
إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير وقال تعالى
بلى إن تصبروا وتتقوا وقال
وإن تصبروا وتتقوا فالصبر بدون الايمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور وقال تعالى
فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان
56
فصل
ومن ذلك اقسامه سبحانه
والسماء ذات البروج التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا يتميز منه جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ولا حكيم ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنا قادرا فاعلا بالاختيار عالما بتفاصيله حكيما مدبرا له فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانه على إمكانه تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارة فالاقسام به عند من آمن بالله كالاقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي بحمد الله في غاية الارتباط والاقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام
57
وأجلها قدرا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشهد به عليهم وأيضا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال
فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهدا على عباده مطلعا عليهم رقيبا وأيضا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون على العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى
ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود يشهده الله وملائكته والإنس والجن والوحش من آياته والمشهود من آياته وأيضا فكلامه مشهود كما قال تعالى
وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل وأيضا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون والاحسن أن يكون هذا القسم مستغنيا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب
قتل أصحاب الأخدود الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود
58
ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا يعيبون عليهم دينا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهذا الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به وهذا شأن أعداء الله دائما ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى
قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا
أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون وكذلك أهل الإشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل الاثبات إثباتهم لله صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد ثم أخبر سبحانه أنه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنهم لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم وهذا غاية الكرم والجود قال الحسن أنظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ويفتنونهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة أنظروا إلى كرم الرب تعالى يدعوهم إلى التوبة وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من مغفرته وعفوه ولو كان منه ما كان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا أكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء فإنه هو المبدىء المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه وهو مع ذلك الغفور الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانه الموصوف بشدة
59
البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه الودود الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادا لأوليائه ومودودا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه وقال شعيب عليه السلام
إن ربي رحيم ودود وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه وكذلك قد يرحم من لا يحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان ثم قال ذو العرش فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منه سبحانه واختصاصه به بل يدل على غاية القرب والاختصاص كما يضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة به كقوله ذو القوة ذو الجلال والإكرام ويقال ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة لكان لا فرق أن يقال ذو العرش وذو الأرض ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدا بأوصافه وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدا وهو معطل عن الأوصاف والافعال تعالى الله عما يقول المعطلون علوا كبيرا بل هو المجيد الفعال لما يريد والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام
رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام
60
ومن قرأ المجيد بالكسر فهو صفة لعرشه سبحانه وإذا كان عرشه مجيدا فهو سبحانه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال لم يسمع في صفات الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما على الجوار وإما أن يكون صفة لربك وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانه وصف عرشه بالكرم وهو نظير المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنه وبهاء منظره فإنه أوسع كل شيء في المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه والسموات السبع والأرضون السبع في الكرسي الذي بين يديه كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس السموات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدا وهذا شأنه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنه صفة لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك وقوله
فعال لما يريد دليل على أمور أحدها أنه سبحانه يفعل بإرادته ومشيئته الثاني أنه لم يزل كذلك لأنه لم يزل كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانه فلا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى 16 : 17
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا قعد أن لم يكن الثالث أنه إذا أراد شيئا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها فإن هنا إرادتين إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلا وليستا متلازمتين وإن لزم من
61
الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريه فعله ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك أن لا تشرك بي شيئا ولم يقع هذا المراد لأنه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له الرابع أن فعله سبحانه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله فقد أراده بخلاف المخلوق فإنه يريد مالا يفعل وقد يفعل مالا يريد فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده الخامس إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا هو المعقول في الفطر وهو الذي يعقله الناس من الارادة فشأنه تعالى أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد السادس أن كل ما صلح أن تتعلق به إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به فإذا أخبر به وجب التصديق به وكان رده ردا لكماله الذي أخبر به عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانه محو ما شاء واثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن أضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السموات والأرض المتضمن لكمال غناه وسعة ملكه وشهادته على كل شيء المتضمن لعموم اطلاعه على ظواهر الأمور وبواطنها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة
62
وتفرده بالإبداء والاعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالابداء والاعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصي عليه منها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونه حبيبا إلى عباده محبا لهم ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشه المختص به لا يليق بغيره أن يستوي عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والاحسان والكرم وكونه فعالا لما يريد المتضمن لحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمها فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم أخبر عن أعدائه بأنهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار فقال
بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه ثم وصف كلامه بأنه مجيد وهو أحق بالمجد من كل كلام كما أن المتكلم به له المجد كله فهو المجيد وكلامه مجيد وعرشه مجيد قال ابن عباس رضي الله عنهما قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما يقول الكافرون شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به وقوله
في لوح محفوظ أكثر القراء على الجر صفة للوح وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانه بأنه محفوظ في قوله
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ووصف محله بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير
63
فصل
ومن ذلك اقسامه سبحانه ب
والسماء والطارق وقد فسره بأنه
النجم الثاقب الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلا قال الفراء ما أتاك ليلا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرا كما قال ذو الرمة
ألا طرقت مي هيوما بذكرها
وأيدي الثريا جنح بالمغارب
وقال جرير
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
وقت الزيارة فارجعي بسلام
ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر
ألا طرقت من آخر الليل زينب
عليك سلام هل لما فات مطلب
فصل
والمقسم عليه ههنا حال النفس الانسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله
وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي
64
الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت ثم نبه سبحانه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال
فلينظر الإنسان مم خلق أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل وهو الصواب انه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فان اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا ابلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم
65
ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله
إنه على رجعه لقادر أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الإحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله
يوم تبلى السرائر وهو يوم القيامة أي أن الله قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم الخامس أن الضمير في رجعه هو الضمير في قوله
فما له من قوة ولا ناصر وهذا للانسان قطعا لا للماء السادس أنه لا ذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه السابع أن رد الماء إلى الأحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع فإن قيل فقد قال تعالى
أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب الثامن أنه سبحانه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله بعد مفارقته
66
له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الاحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله
إن كل نفس لما عليها حافظ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله
إنه على رجعه لقادر على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله
يوم تبلى السرائر أي تختبر وقال مقاتل تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفي منه والسرائر جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله فالايمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها وما كان لله مما لم يكن له قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر
فإن لها في مضمر القلب والحشا
سريرة حب يوم تبلى السرائر
ثم أخبر سبحانه عن حال الانسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب
67
الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أو قوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحان
لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ثم أقسم سبحانه ب
والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام وقال أبو إسحاق الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجي لما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسر الرجع به وحسن تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات لأنه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال
إنه لقول فصل وما هو بالهزل كما أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى
وأملي لهم إن كيدي متين فالانسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه
68
إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ثم قال
فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم والرب تعالى هو الذي يمهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامهم يكون اسم فعل فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمهله وارفق به الثاني أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك ساروا رويدا تقول العرب ضعه رويدا أي وضعا رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه وسلم بالليل من عندها إلى البقيع فخرج رويدا وأجاف الباب رويدا ويجوز في هذا الوجه وجهان أحدهما أن يكون حالا والثاني أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن أظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني ورويدا في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم
فصل
ومن ذلك اقسامه ب
بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدا لوقت المغرب فإذا ذهبت
69
الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلا مع بعد الشمس عن الأفق ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال الشفق الحمرة والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب وكذلك قال مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة وقال عكرمة هو بقية النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النهار وقال مجاهد هو النهار كله وهذا ضعيف جدا وكأنه لما رآه قابله بالليل وما وسق ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية وتعقب أحدهما الآخر آية والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية وما حواه آية والهلال آية وتزايده كل ليلة آية واتساقه وهو امتلاؤه نورا آية ثم أخذه في النقص آية وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب وفي الحديث اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر لي كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار ولهذا يقسم سبحانه بهذين الوقتين كقوله
والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر وهو يقابل إقسامه بالشفق ونظيره إقسامه ب
والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال
70
الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد
أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير
فصل
وقوله
لتركبن طبقا عن طبق الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف وقرىء ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للانسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسما على المعاد وتغيير العالم ومن قال الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا والسماء طبق ولهذا يقال للسموات السبع الطباق والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى الثالث لتركبن حالا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه
71
ومن قال الخطاب للانسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الاطباق والأحوال للانسان وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن الأمور حالا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونه حيا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الاحوال أطباقا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله
فما لهم لا يؤمنون فذكر كونهم طبقا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله
فما لهم لا يؤمنون إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام
72
وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة
بل الذين كفروا يكذبون ولا يصدقون بالحق جحودا وعنادا
والله أعلم بما يوعون بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون
22 فصل
ومن ذلك قوله سبحانه 81 : 15
فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمى الشيطان خناسا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسة أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه باخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى
73
هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة وهذا قول الفراء وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها وهذا قول الزجاج ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الإختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل وأكثر الناس لا يعرفونه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا أظهر منه حتى يتعين للقسم السادس أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشهد
74
وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها السابع أنه ليس بالبين اقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الانسانية ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أذرجه في العموم كقوله
فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون وقوله
الذكر والأنثى في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن والله أعلم
فصل
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر هذا قول علي وابن عباس وأصحابه قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله
والصبح إذا تنفس مقابل لليل إذا عسعس قالوا ولهذا أقسم الله ب
والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وبالضحى قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلى النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
75
ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى
كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح قالوا والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل فهذا أعظم في الدلالة والعبرة بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما ولأن بينهما زمنا طويلا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة اليل بتنفسه فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم
فصل
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو ههنا جبريل قطعا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال
وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون فأضافه إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا صلى الله عليه وسلم وأن كلا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغا وقول الله الذي تكلم به حقا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلما بالقرآن وهو كلامه حقا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السموات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة
76
القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد صلى الله عليه وسلم كريما ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر
علمه شديد القوى وفي ذلك تنبيه على أمور أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى
وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويا أمينا معظما ذا مكانة عنده مطاعا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شأن المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية
77
وقوله
عند ذي العرش مكين أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه وفي قوله
عند ذي العرش إشارة إلى علو منزلة جبريل أذ كان قريبا من ذي العرش سبحانه وفي قوله مطاع ثم إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة أيضا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء وأن كلا من الرسولين مطاع في محله وقومه وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال
وما صاحبكم بمجنون وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين ثم أخبر عن رؤيته صلى الله عليه وسلم لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت
78
رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال
وما هو على الغيب بضنين فان الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فان الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر
أجود بمضنون التلاد وانني
بسرك عمن سألني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدا فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فاقدام هذا الرسول على الاخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقا به مقيما عليه مبديا له في كل مجمع ومعيدا مناديا به على صدقه مجلبا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدا بمعنى
79
اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والادراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة
أما وكتاب الله لا عن شناءة
هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال
وما صاحبكم بمجنون ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا قال سبحانه
وما هو بقول شيطان رجيم ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه كما قال تعالى
وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علما لا يمارى فيه ولا يشك بل علما ضروريا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم قلت هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له
80
إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى
فبأي حديث بعده يؤمنون وقال
فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب ونظير هذا قوله
فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى
بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئا إلا كان باطلا ولا يفعلون شيئا إلا كان ضائعا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى
فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل
فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون
فصل
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين وفي موضع آخر لرسوله صلى الله عليه وسلم ولقومه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي موضع آخر ذكر مبارك وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسا واحدا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشدة بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
81
ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال
خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمة وفيه الرحمة وقوله سبحانه
لمن شاء منكم أن يستقيم بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرا لأهل الاستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله وقوله
لمن شاء منكم رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه وقوله
وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله
وما تشاؤون إلا أن يشاء الله مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك
82
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر اغراضه التي لا تأثير لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والارادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة والاقتران العادي حاصل مع الجميع وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر وقال المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله
ولو شاء ربك ما فعلوه وقوله
ولو شاء الله ما اقتتلوا وقوله
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها وقوله
أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشا لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولا بد ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له وقد دل على هذا قوله تعالى
وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقوله
وما يذكرون إلا أن يشاء الله وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية
83
الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك وقوله رب العالمين ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله ( 92 : 6
فأما من أعطى واتقى ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لاعين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التى تنزع أرواح بنى آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله 6 : 61
توفته رسلنا وقوله 4 : 97
إن الذين توفاهم الملائكة وأما قوله 22 : 11
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم فأما أن يكون واحدا وله أعوان وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله 66 : 12
وصدقت بكلمات ربها وكتبه وقوله 16 : 18
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والاغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم
84
واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديا وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطية عن ابن عباس وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس وعلى هذا فهو فعل لازم وغرقا على هذا معناه نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشده وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الاقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والاغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من ههنا وتغرق ههنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعا شديدا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع من أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسي تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر
85
صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى
كل في فلك يسبحون وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام وقال
حملناكم في الجارية وقال
الجوار الكنس ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله
كل في فلك يسبحون ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله
86
قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين وهم معزولون عن سماعه وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئا منه وعزلهم عن سمعه ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه فإن الشيطان يبدر مسرعا بالقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت السابقات سبقا بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته وأما المدبرات أمرا فأجمعوا على أنها الملائكة قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض وهم المقسمات أمرا قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود وميكائيل موكل بالقطر والنبات وملك الموت موكل بقبض الأنفس وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب انتهى وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا وللرؤيا ملك موكل بها وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به
87
وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر السابقات والمدبرات بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن كما تقول قام فذهب اوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين قلت الملائكة داخلون في السابقات قطعا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الأقسام الثلاثة والله أعلم وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسما عليه بعينه وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظا ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكا فإن المقسم به إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزما استغنى عن ذكره بذكره وهذا غير كونه محذوفا لدلالة ما بعده عليه فتأمله ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالاقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله
88
ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ من المحال أن يكون موسى نبيا ومحمد ليس نبيا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال
إذ ناداه ربه فأثبت المستلزم للكلام والتكليم وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له
هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والالزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين
ألا تأكلون ولم يقل كلوا الثاني قوله إلى أن تزكى والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل الثالث قوله تزكى ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك الرابع قوله وأهديك أي أكون دليلا لك وهاديا بين يديك فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلا لك وهاديا فتزكى أنت كما تقول للرجل هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت وهذا أحسن من قوله أعطيك الخامس قوله إلى ربك فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والالزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك السادس قوله فتخشى أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية السابع أن في قوله هل لك فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر
89
والعناء وادعى أنه رب العالمين هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السموات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقا جديدا فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجا إلى جواب والله أعلم
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريرة وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتادة وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء فارساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كارسال
90
رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كارسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار فالإرسال المقسم به ههنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضا فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم
تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك وقوله
وإنك لمن المرسلين وقوله
يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الارسال عرفا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى
تعصف بالدراع والحاسر
حكاه أبو إسحاق وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهرة تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهرة الدالة على ثبوتهما وأما الناشرات نشرا فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله
91
معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته يعني أنها تنشر السحاب نشرا وهو ضد الطي وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها قلت ويجوز أن تكون الناشرات لازما لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمرا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفا على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنه قسم مبتدأ فأتي فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد اختلف في الفارقات والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ذكرا عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارا وإنذارا ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال هي تفرق السحاب ههنا وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال الفارقات أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح ومن قال هي جماعات الرسل
92
فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول ويظهر والله أعلم بما أراد من كلامه أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح فإنها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله
ألم نخلقكم من ماء مهين فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الأقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعا فإنه تكرر عشر مرات ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق وما يوجب التصديق به فتأمله
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسما عليه معينا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسما بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا
93
ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله بلى فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين وفي ذكر البنان لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا نجمع ونسوي أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوي أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه هو المقصود وهو الذي أنكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده ولأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سبق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة
94
والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا يرعوي ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيا بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادا لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع آخر قوله
ذلك رجع بعيد أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس يقدم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره وفي الأية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من البعث ويوم القيامة وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق قال هؤلاء ودليل ذلك قوله
يسأل أيان يوم القيامة ويرجع هذا القول لفظه بل فإنها تعطي أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو مريد للتكذيب به ويرجحه أيضا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد فإنه قال
أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه فأنكر سبحانه عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه ثم قرر قدرته على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منه أن لا يحييه بعد موته والثاني تكذيب منه بيوم البعث وأنه يريد أن يكذب بما وضح وبأن دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب به ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال
يسأل أيان يوم القيامة فالأول إرادة التكذيب
95
والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به وهذا قول قوي كما ترى لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى فإن لفظة يفجر إنما تدل على عمل الفجور لا على التكذيب وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامه وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه حكمه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلا وما يضمنه معنى فعل آخر ويجري على المضمن أحكامه لفظا وأحكام الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار ومن تدبر هذا وجده كثيرا في كلام الله تعالى فلفظ يفجر اقتضت أمامه بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته لفظا واقتضى ما تضمنه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه هذا القول لفظا ومعنى والله أعلم ثم أخبر سبحانه عن حال هذا الانسان إذا شاهد اليوم الذي كذب به فقال
فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر فبرق بصره أي يشخص يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الانسان من نطفة من مني يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني جنسه ليوم الجمع
96
وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه وعبوديته فلا يترك سدى مهملة معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومها وغمومها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة وباسرة معذبة وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون من راق أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب وقيل من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب فعلى الأول تكون من رقى يرقي كرمى يرمي وعلى الثاني من رقى يرقي كشقى يشقي ومصدره الرقاء ومصدر الأول الرقية والقول الأول أظهر لوجوه أحدها أنه ليس كل ميت يقول حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت وأنهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنه قل ما يخلو منه المحتضر الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها وحينئذ يقال من يرقى بها وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينه حتى يسأل عنه ومن إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينه الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا أو يراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها كقوله
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول الخامس أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول لانه ليس الغرض متعلقا بالقائل بل بالقول ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى
97
إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونه ويسمعونه السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا وفي الحديث من القائل كلمة كذا السابع أن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلا وقائلا فعل وقال ولا يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بمن تارة وبأي تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه فيسأل عن تعيين أحدهما قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين مالا سبيل للسامع إلى تعيينه ولا إلى العلم به الثامن أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسبابا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقي والدعوات فقالوا من راق أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء التاسع أن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد وهو أحد التقديرين في الآية أي لا أحد يرقى من هذه العلة بعد ما وصل صاحبها إلى هذه الحال فهو استبعاد لنفي الرقية لا طلب لوجود الراقي كقوله
قال من يحيي العظام وهي رميم أي لا أحد يحييها وقد صارت إلى هذه الحال فإن
98
أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضا أن يكون منه وقد بينا أنها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار وحينئذ فتقول في الوجه العاشر إنها إما أن يراد بها الطلب أو الاستبعاد والطلب إما أن يراد به طلب الفعل أو طلب التعيين ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم
فصل
ومن اسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنهم ولا أنعم ولا أحلى من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر
ولقاهم نضرة وسرورا ونظيره قوله
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال
ولباس التقوى ذلك خير فهذا جمال الباطن ونظيره قوله
إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب فهذا جمال ظاهرها ثم قال
وحفظا من كل شيطان مارد فهذا جمال باطنها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف
اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم فذكرها لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنه وأنه في غاية المحاسن ظاهرا وباطنا وينظر إلى هذا المعنى ويناسبه قوله
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فقابل بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر وقابل بين الظمأ وهو حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس وقريب من هذا قوله
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا وهذا زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنهم والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه
99
قوله
فما له من قوة ولا ناصر فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم والدافع من خارج وهو الناصر
فصل
ومن اسرارها أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله
بلى قادرين على أن نسوي بنانه فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى
وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وهذا أيضا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزول هذه الآية أعوذ بوجهك ولكن قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لا بد أن يقع في أمته خسف ولكن لا يكون عاما وهذا عذاب من تحت الأرجل وروي أنه كان في الأمة قذف أيضا وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار
100
بقدرته على ما سيفعله وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله
ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وقوله
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ونظائره وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفى القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقا خطأ والله أعلم
فصل
ومن اسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من اداب الرب التي أدب بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله
وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما والثالث قوله
سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها وقد ذم الله سبحانه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا لاستعجاله بالتمتع بما يغني وإيثاره ما يبقى ورتب كل ذم ووعيد في هذه السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامه هو من استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها واستعجاله بنصيبه وتمتعه به قبل أوانه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال لتمتع به
101
في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده بل أمهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمهله ويحدث له الذكر شيئا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب له الأمثال وينبهه على مبدئه من كونه نطفة من مني يمنى ثم علقة ثم خلقا سويا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمهيل وتدريج وأنا ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله
وكان الإنسان عجولا وقال
خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون
فصل
ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي مالا يليق نسبته إليه ونفى منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوى بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق
102
من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك
ألم يك نطفة إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه
103
من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما مالا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا
ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج والثانية قوله
هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون والثالثة قوله
وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات
104
فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس قيل هذا وإن كان ممكنا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابا واختلافا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع واصلح وأقل اختلافا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها فإذا تأمل البصير القمر مثلا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئا فشيئا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه
105
سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين
تأمل سطور الكائنات فإنها
من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يري عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد
ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فامر ظاهر
فصل
وما أقسامه سبحانه ب
والليل إذ أدبر فلما في إدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدىء ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار
106
فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه واضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيما لسلطان الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنا ولباسا كما جعل النهار ضياء ومعاشا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي
107
والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضا وتعطلت المصالح ولو استويا دائما لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى
وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم وقال تعالى
قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم وقال تعالى
فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات
108
فصل
وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسيه ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورا
واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ولما أقام الحجة وبين الحجة إرتهن كل نفس بكسبها وآخذها بذنبها واستثنى من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من مطعمي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين الأولى ترك الصلاة وهي عمود الاخلاص للمعبود الثانية ترك إطعام المسكين الذي هو من مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخلق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى
الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون وقال
ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون وهذا ضد ما وصف به أصحاب اليمين بقوله
الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون وقال
تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون وقرن سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه فأمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل
109
والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم الاخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب اليمين الاخلاص والاحسان والتصديق بالحق والتكلم به فاستقام إخلاصهم وإحسانهم ويقينهم وكلامهم واستبدل أصحاب الشمال بالاخلاص شركا وبالاحسان إساءة وباليقين شكا وتكذيبا وبالكلام النافع خوضا في الباطل فلذلك لم تنفعهم شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسا وجفلوا عن سماعها كما تجفل حمر الوحش من الأسد أو من الرماة ثم ختم السورة بأنه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوبية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الاستعانة والتوكل والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه التكلان
فصل
ومن ذلك قوله
فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم إلى آخرها قال مقاتل بما تبصرون من الخلق ومالا تبصرون منه وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها ومالا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء ومالا تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى
110
ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى ومالا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى
فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك ههنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الانسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرا وباطنا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الايمان قلبه ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال
إنه لقول رسول كريم وهذا رسوله البشري محمد صلى الله عليه وسلم وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال
إن هذا إلا قول البشر فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورا
111
أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده والثاني أنه تكلم به حقيقة لقوله
من رب العالمين ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير ونظير هذا قوله
ولكن حق القول مني ونظيره قوله
قل نزله روح القدس من ربك بالحق وقوله
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم وقوله
تنزيل من حكيم حميد وما كان من الله فليس بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السموات والأرض جميعا منه وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان فإضافتها إلى الله سبحانه وأنها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه بخلاف كلامه فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة والشرع ولغات الأمم وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلا وشرعا وفطرة ولغة وتأمل كيف أضافة سبحانه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله
حتى يسمع كلام الله فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله فيقول قلت كذا وكذا وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح
ما قلت لهم إلا ما أمرتني به والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى
قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغا وهذا قوله مبلغا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية هذا كلامك وكلام صاحبك فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله
112
فصل
الأمر الثالث ما تضمنه قوله
تنزيل من رب العالمين إنه ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا مالا يليق به تعالى
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالاهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل أية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الاطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح
113
في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولا وإنما كان ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحي إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالما بذلك مطلعا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه واطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والاخلال بالحكمة هذا لو كان مخلي بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الاتباع أمرا خارجا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولا نبيا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتا ما
114
ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حاله كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا قلت له بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا اقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال
ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين يقول سبحانه لو تقول علينا قولا واحدا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده
115
وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله
ثم لقطعنا منه الوتين والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره ثم قال تعالى
فما منكم من أحد عنه حاجزين أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني الموضع الثاني قوله تعالى
أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور وفي معنى الآية للناس قولان أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط
116
على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابا لهم وتكذيبا لقولهم أن محمدا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والأخبار بالغيوب مالم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله
ختم الله على قلوبهم وقوله
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ونظائره وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله
وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض وقوله
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم اربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئا بل كان يأخذه
117
ولا يقدرون على تخليصه كقوله
أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثله أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الافتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى
قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري ولكنه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به فلو كان كذبا وافتراء كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال
فقد لبثت فيكم عمرا من قبله تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبتة ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليا له ولا لبعضه
118
فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه
ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا وهذا هو المناسب لقوله
أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ولقوله
ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى
ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وقوله
إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وقوله
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره وقوله
إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى
وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الاضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش وقد طن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه أحاط عليه بالربط فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعا من الأذى بقولهم
119
قيل هذا أولى أن يسمى ختما وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذي فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقي فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين ثم قال سبحانه
وإنا لنعلم أن منكم مكذبين أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى
كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر
120
المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى
ثم لترونها عين اليقين وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالاحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال
وإنه لحق اليقين فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الاضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة
121
الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم ثم ختم السورة بقوله
فسبح باسم ربك العظيم وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الاخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سمواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبا متقولا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا
فصل
ومن ذلك قوله عز وجل
فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال
رب المشرقين ورب المغربين فقيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن
رب المشرقين ورب المغربين لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين وأما سورة
سأل سائل فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل
122
على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب بها في مغرب وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الأفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله
وما رب العالمين فقال
رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته السموات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنهار وما تضمناه ثم قال
إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين أي لقادرون على أن نذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منهم وخيرا منهم كما قال تعالى
إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا وقوله
وما نحن بمسبوقين أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقوله
وما نحن بمسبوقين لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه ولهذا عدى بعلي دون إلي كما في قوله
وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلي بخلاف سبقه إليه فإنه فرق بين سبقته إليه وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه والثاني بمعنى وصلت إليه قبله
فصل
وقد وقع الاخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك
123
قوله
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم يعني بل يكونوا خيرا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة
نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون وقال في سورة الإنسان
نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا قال كثير من المفسرين المعنى أنا إذا أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك وفي قوله
وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم قال المهدوي قوما موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى
إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والاتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال
ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى ثم قال وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بأن لا بإذا كقوله
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم قلت وإتيانه بإذا التي لا تكون إلا للمحق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله
ولقد علمتم النشأة الأولى واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله
124
بل هم في لبس من خلق جديد فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقا جديدا وهو مثل الخلق الأول كما قال
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد وسماه أمثالا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضا وبين بعضها بعضا ولهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه فهذا خطأ قطعا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم وتأمل قوله تعالى في الواقعة
أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلا بها على النشأة الثانية بقوله
وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان وقال في سورة الإنسان
نحن خلقناهم وشددنا أسرهم فهذه النشأة الأولى ثم قال
وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا فهذه النشأة الأخرى ونظير هذا
وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وهذا في القرآن كثيرا جدا يقرن بين النشأتين مذكرا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق
125
فصل
فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال
فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي الذي يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم النافع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد له من هذين الأمرين ثم ذكر سبحانه حالهم عند خروجهم من القبور فقال
يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب فيؤمونها وهذا من ألطف التشبيه وأبينه وأحسنه فإن الناس يقومون من قبورهم مهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنه يمنة ولا يسرة كما قال
يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه قال الفراء وهذا كما تقول دعوتك دعوة لا عوج لك عنها وقال الزجاج المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له قيل قالت طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه وقالت طائفة المعنى لا عوج لهم عن دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوى تسمع الجميع لا تعوج عنهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له ثم قال تعالى
خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنه أبصارهم وقريب من هذا قوله
ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة
126
) ونظيره قوله وضد هذا قوله تعالى
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى فنفى عنه الجوع الذي هو ذل الباطن والعري الذي هو ذل الظاهر وضده أيضا قوله
ولقاهم نضرة وسرورا فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله
عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله وقوله
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله
إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثل قوله أيضا
وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات وقريب منه قوله تعالى
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ومنه قوله
فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن ومنه قول امرأة العزيز
فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم فوصفت ظاهره بالجمال وباطنه بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنها قالت هذا ظاهره وباطنه أحسن من ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله أعلم بالصواب
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما به وإما مخبرا عنه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون
127
كقوله
الم ذلك الكتاب الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب المص كتاب أنزل إليك )
المر تلك آيات الكتاب وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه واسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال
الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف
128
فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالاقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما أوحى إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق
فصل
ثم أقسم سبحانه ب
والقلم وما يسطرون فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظا تشفي مواعظه القلوب من السقم وطبيبا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد
129
بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الافهام وكما أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت
فصل
والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام عرشه على الماء فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه أنه عند أول خلقه قال له اكتب كما في لفظ أول ما خلق الله القلم قال له اكتب بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروي برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنه القلم الذي أقسم الله به
130
فصل
القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي
فصل
والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم
فصل
القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة
فصل
القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم
131
فصل
القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط به المقادير وما بينها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد أمر المملكة
فصل
القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه
فصل
القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان
فصل
القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحس
132
مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفا وأشدها تشبثا بسائر الموجودات علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانه
فصل
القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهده ببصيرتك
فصل
القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها
فصل
القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن
133
فهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأن الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث به نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه
لك القلم الأعلى الذي بشباته
يصاب من الأمر الكلي والمفاصل
له ريقة طل ولكن وقعها
بآثاره في الغرب والشرق وابل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل
له الخلوات اللاء لولا نجيها
لما احتفلت للملك تلك المحافل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب
وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت
عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضت
لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت
أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسددت
ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف
ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل )
فصل
والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى
ما أنت بنعمة ربك بمجنون وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابا ولا يخط بيمينه مع كونه في أعلى أنواع الفصاحة سليما من الاختلاف بريا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك
134
فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق مالا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في بنعمة ربك باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى أنفي عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق
بنعمة ربك بمجنون منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الاثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا يعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي
135
واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك ما زيد بذاهب مسرعا فانه ينتفي الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزما وهذا الاعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخبر نفيها قطعا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه صلى الله عليه وسلم في دنياه وأخراه فقال
وإن لك لأجرا غير ممنون أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال
إن في ذلك لعبرة و
إن في ذلك لآية و
إن في ذلك لذكرى و
إن للمتقين مفازا و
وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير ثم قال
وإنك لعلى خلق عظيم وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهما ولقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه صلى الله عليه وسلم فأجابت بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على دين عظيم وسمى الدين خلقا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق
136
وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلاله وتبيينا وعلومه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى به واشتفى فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به وقد اختلف في تقدير قوله
بأيكم المفتون فقال أبو عثمان المازني هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين اثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعا فتعين حصوله للآخر والجمهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضا
137
الرابع أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه وستبصر مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول ستشعر بكذا وتعلم به قال تعالى
ألم يعلم بأن الله يرى وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنه تنزيله وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ومن حجة هذا القول أن لفظ مواقع تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى
فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس وقال
والنجم إذا هوى وقال
فلا أقسم برب المشارق والمغارب ويرجح هذا القول أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى
وإدبار النجوم وقوله
والشمس والقمر والنجوم
138
وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدا أفردت قال تعالى ( 6 إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع
فصل
والمقسم عليه ههنا قوله
إنه لقرآن كريم ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى
لو تعلمون عظيم فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احت 4 رازا كقوله تعالى
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله
لا نكلف نفسا إلا وسعها لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله
لا نكلف نفسا إلا وسعها وهذا أحسن من قول من قال أنه خبر عن الذين آمنوا ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة
139
ومن ألطف الاعتراض وأحسنه قوله تعالى
ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون فاعترض بقوله سبحانه بين الجعلين وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قصد المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد وتعظيم المقسم به والمخبر عنه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر وغير ذلك فمن الاعتراض الذي يقصد به التقرير والتوكيد قول الشاعر
لو أن الباخلين وأنت منهم
رأوك تعلموا منك المطالا
ومما يقصد به الجواب عن سؤال مقدر قول الآخر
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة
ولا وصله يصفو لنا فنكارمه
فقوله وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني عنك هجره فقال وفي اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين إما يأس مريح أو وصال صاف ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي
ألا زعمت بنو جعد بأني
وقد كذبوا كبير السن فاني
ومنه قول نصيب
فكدت ولم أخلق من الطير إن بدا
سنا بارق نحو الحجاز أطير
فقوله ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو قال فكدت أطير فيقال له وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر أنه كاد يطير على أنه أبعد شيء من الطيران فإنه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه إلى جهة محبوبه فتأمله ومن مواقع الاعتراض الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر
قد كنت أبكي وأنت راضية
حذار هذا الصدود والغضب
إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا
تم فما لي في العيش من أرب
140
وقول الآخر
إن سليمى والله يكلؤها
ضنت بشيء ما كان يرزؤها
وقول الآخر
إن الثمانين وبلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
ومنه الاعتراض بالقسم كقوله
ذاك الذي وأبيك يعرف مالكا
والحق يدفع ترهات الباطل
ومن اعتراض الاستعطاف قوله
فمن لي بعين التي كنت مرة
إلى بها نفسي فداؤك تنظر
فاعترض بقوله نفسي فداؤك استعطافا فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر فقوله والله أعلم بما ينزل اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد أمورا منها الجواب عن سؤال سائل ما حكمة هذا التبديل وما فائدته ومنها أن الذي يدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل الاخبار بقولهم ومنها أن مصدر الأمرين عن علمه تبارك وتعالى وأن كلا منهما منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى
ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى به توكيدا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من حمله ووضعه مما لم يتكلفه الأب ومنه قوله تعالى
وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها فاعترض بقوله
والله مخرج ما كنتم تكتمون بين الجمل المعطوف بعضها على بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتدافعهم في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانه فالله يظهره ولا بد ولا تستطل هذا الفصل وأمثاله فإنه يعطيك ميزانا وينهج لك طريقا يعينك على فهم الكتاب والله المستعان
141
فصل
ثم قال
إنه لقرآن كريم فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم
فصل
ثم قال تعالى
في كتاب مكنون اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله
في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله
لا يمسه إلا المطهرون فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر والأول أرجح لوجوه أحدها أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى
وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فنفى الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفي عمن يحسن منه وقد يليق بمن
142
لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس
في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة واما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الاخبار يوضحه الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى
كأنهن بيض مكنون وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله
لقرآن كريم في كتاب مكنون كقوله
بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ يوضحه الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وأبلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث الوجه السابع قوله
لا يمسه إلا المطهرون بالرفع فهذا خبر لفظا ومعنى ولو كان نهيا لكان مفتوحا ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون
143
ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى
إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وفي الحديث اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون الوجه التاسع أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله لا يمسه إلا المطهرون قال المطهرون الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت اسحق في قوله لا يمسه إلا المطهرون قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء
144
لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات أن لا يمس القرآن إلا طاهر قال أحمد أرجو أن يكون صحيحا وقال أيضا لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع
فصل
ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرا وباطنا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين
145
كان ففي قلبه منه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم وأنت إذا تأملت قوله
لا يمسه إلا المطهرون وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق
فصل
ثم أكد ذلك وقرره وأطده بقوله
تنزيل من رب العالمين وكما أنه لازم لكونه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له وأفاد كونه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل مطالب الدين أحدهماأنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال السلف منه بدأ ونظيره
ولكن حق القول مني وقوله
قل نزله روح القدس من ربك والثاني علو الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وإن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا
146
الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء وقد أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء به وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم وأشمل وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى
ولو تقول علينا بعض الأقاويل وأين الاستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الاستدلال عليه ببعض مخلوقاته وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها بصفات الرب تعالى وصفات محمد صلى الله عليه وسلم واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنه رسول الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الاستدلال وجدت بينها وبين طريقة المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات انتفع به في باب معرفة الحق والباطل من الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد أعظم انتفاع وأتمه وقد بد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم
147
الشيء وبتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه واسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وبه التوفيق
فصل
ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الأدهان في غير موضعه وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوى لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به ثم قال سبحانه
وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والإنس بقربه والابتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب أنعم سبحانه على عباده بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته فمنهم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر عليه في الرزقين
148
ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنه لا بد أن يزيد الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم
فصل
ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال
فلولا إذا بلغت الحلقوم أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلو لا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
149
فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما أحسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما أخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الانتظام ومتداخلة أحسن
150
التداخل متعلقا بعضها ببعض وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه قال الفراء وأجيبت
فلولا إذا بلغت و
فلولا إن كنتم غير مدينين بجواب واحد وهو
ترجعونها إن كنتم صادقين قال ومثله قوله تعالى
فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو إسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم
لو أطاعونا ما قتلوا و
لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت قلت وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى
قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ومالكا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا أن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد
151
فصل
فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على أنهم مملوكون مربوبون مجزيون محاسبون ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث طبقات طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين عند الوفاة الروح والريحان والجنة وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونها بعد الموت نظير الثلاث التي يعطونها يوم القيامة فالروح الفرح والسرور والابتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزخ وفي المعاد الثاني ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل للمكذبين الضالين فقال
وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه أي يقال لك السلامة كما يقال للقادم لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من الألفاظ كما يقولون خير مقدم ونحو ذلك فهذه تحية عند اللقاء قال مقاتل يسلم الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم وقال الكلبي يسلم عليه أهل الجنة ويقولون السلامة لك وعلى هذا فقوله
من أصحاب اليمين أي هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين فإنه إذا قدم عليهم حيوه بهذه التحية وقالوا السلامة لك وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف فلا حاجة إلى ذكرها ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء بما جعله كأنه رأي العين لمن آمن بالله ورسوله فقال
إن هذا لهو حق اليقين فرفع شأنه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه ثم أمره أن ينزه اسمه تبارك وتعالى عما لا يليق به وتنزيه الاسم متضمن لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون
152
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه قول زهير في دية جعلت نجوما على العاقل
ينجمها قوم لقوم غرامة
ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم
ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب تهوى هويا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله
والدلو في أصعادها عجل الهوى
وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوي وكذلك قال الأصمعي هوى يهوي هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن
153
رسوله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى الهوى فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منه أي طرف وجانب وكان يقول سبحان ربي الأعلى في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت كان يقول سبحان ربي الأعلى الهوى من الليل عدنا إلى قوله والنجم إذا هوى وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب مالا يخفى فإن النجوم التي ترمي الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى
154
والغي المنافي للرشاد ففي ضمن هذا النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصف النبي صلى الله عليه وسلم خلفاءه فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ولله در القائل
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
فالناس أربعة اقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفوا الرسل الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه وتأمل كيف قال سبحانه
ما ضل صاحبكم ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله
أم لم يعرفوا رسولهم وبقوله
وما صاحبكم بمجنون
155
فصل
ثم قال سبحانه
وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده وقال
وما ينطق عن الهوى ولم يقل وما ينطق بالهوى لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال ثم قال
إن هو إلا وحي يوحى فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى وقد احتج الشافعي لذلك فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة قال ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم والخادم رد عليك الحديث
156
وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محرم يغط ثم سرى عنه فقال أين السائل آنفا فجيء به فقال انزع عنك الجبة واغسل أثر الطيب واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك وقال الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابا نزل به الوحي وما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياه وذكر الأوزاعي أيضا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخيمرة حدثني ابن فضيلة قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم سعر لنا قال لا تسألني عن سنة أحدثها فيكم لم يمرني بها ولكن سلوا الله من فضله وابن فضيلة هذا يسمى طلحة وقد صح عنه أنه قال ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه وهذا هو السنة بلا شك وقد قال تعالى
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق
فصل
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال
علمه شديد القوى وهذا نظير قوله
ذي قوة عند ذي العرش وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
157
وقوله ذو مرة أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانا اقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى وأجهل الخلق وأضعفهم همما ونفوسا ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويا عليه ثم نزل وقرب من محمد صلى الله عليه وسلم وخاطبه بما أمره الله به قائلا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين البتة كما قال تعالى
وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدا ونظيره قوله
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى
فصل
ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه وأن القلب صدق العين وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به فكذب فؤاده بصره بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنه كذلك وفيها قراءتان إحداهما بتخفيف كذب والثانية
158
بتشديدها يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنه وحدسه قال الشاعر
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا
أي أرتك مالا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه وما إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى ما كذب فؤاده رؤيته وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منهما لصاحبه وهذا ظاهر جدا في قراءة التشديد وقد استشكلها طائفة منهم المبرد وقال في هذه القراءة بعد قال لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه وإذا وقع العلم فلا كذب معه فإنه إذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب قلت وجواب هذا من وجهين أحدهما أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه فنفى سبحانه ذلك عن رسوله وأخبر أن ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو به فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه الثاني أن يكون الضمير في رأى عائدة إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون المعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين فالمعنى ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره ثم أنكر سبحانه عليه مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل مكابرته للعالم ومماراته له على ما عمله وفيها قراءتان أفتمارونه وأفتمرونه وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته كما قال الشاعر
لئن هجرت أخا صدق ومكرمة
لقد مريت أخا ما كان يمريكا
159
ومنه المماراة وهي المجادلة والمكابرة ولهذا عدى هذا الفعل بعلى وهي على بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة وهذا في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة قراءة من قرأ أفتمرونه قال وذلك أن المشركين إنما شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من المماراة منهم يعني أن من قرأ أفتمارونه فمعناه أفتجادلونه ومن قرأ أفتمرونه معناه أفتجحدونه وجحودهم لما جاء به كان هو شأنهم وكان أكثر من مجادلتهم له وخالفه أبو علي وغيره واختاروا قراءة أفتمارونه قال أبو علي من قرأ أفتمارونه فمعناه أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما علمه وشاهده ويقوى هذا الوجه قوله تعالى
يجادلونك في الحق بعد ما تبين ومن قرأ أفتمرونه كان المعنى أفتجحدونه قال والمجادلة كأنها أشبه في هذا لأن الجحود كان منهم في هذا وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء قلت القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبين للحق وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله التوفيق
فصل
ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه جبريل عليه الصلاة والسلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله تعالى
فكان قاب قوسين أو أدنى قال أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود
ما كذب الفؤاد ما رأى قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح وقال البخاري عنه رأى رفرفا أخضر يسد الأفق وفي صحيح مسلم عن
160
أبي هريرة
ولقد رآه نزلة أخرى قال رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة فقالت ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هن قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل
ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته متهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض فقالت أولم تسمع أن الله عز وجل يقول
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير أولم تسمع أن الله عز وجل يقول
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم قالت ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ولو كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وفي الصحيحين عن مسروق أيضا قال سألت عائشة رضي الله عنها هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضا قال قلت لعائشة فأين قوله عز وجل
ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى
161
) قالت إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أني أراه وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد به الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز وجل
لا تدركه الأبصار قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله لا تدركه الأبصار على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لا يرى بل يرى في الآخرة بالابصار من غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا راد الكبرياء على وجهه في جنة عدن فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الاشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال
162
والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل 2 وأما قول ابن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الاجماع على ما قالته عائشة فقال في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فحكى تأويل المريسي الباطل ثم قال ويلك أن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي ذر إنه لم ير ربه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تروا ربكم حتى تموتوا وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله
لا تدركه الأبصار يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الامام أحمد هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات أحداها أنه رآه قال المروزي قلت لأبي عبد الله يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة فقال بقول النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي قول النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من قولها قال وذكر المروزي في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله ههنا رجل يقول إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى ربه في الدنيا فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء قال فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه رؤيا حلم بقلبه قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبد الرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في أحسن صورة فقال معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبد الرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن
163
قتادة عن أنس ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن ابن عابس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عابس عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصل الحديث واحد قال الأثرم فقلت لابي عبد الله فإلى أي شيء تذهب فقال قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رأه ولا تقول بعينه ولا بقلبه كما جاء الحديث فاستحسن ذلك الأشيب فقال أبو عبد الله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل وحديث عبد الرحمن بن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضى أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وذكر الحديث وهذا غلط قطعا فإن القصة إنما كانت بالمدينة كما قال معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يخصتم الملأ الأعلى وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والاسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه رآه بعينه يقظه وإنما حمل القاضي كلام أحمد مالا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث رأيت ربي وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه وسلم اشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته
164
للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجيء ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره قول من قال لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم
فصل
وقوله تعالى
ما زاغ البصر وما طغى قال ابن عباس ما زاغ البصر يمينا ولا شمالا ولا جاوز ما أمر به وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاته يمينا وشمالا ومجاوزة بصره لما بين يديه وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه وإطراقه وإقباله على ما أرى دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبا وطغيانه مده أمامه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال وقصده وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون المدح
تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فصل
ولما ذكر رؤيتة لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منها وذكر أن جنة المأوى عندها وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب لطيف جدا في القرآن وهو نوعان
165
أحدهما أن يستطرد من الشيء إلا لازمه مثل هذا ومثل قوله
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ثم استطرد من جوابهم إلى قوله
الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم ومثله قوله تعالى
فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى فهذا جواب موسى ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله
الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه والنوع الثاني أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى آخره فالأول آدم والثاني بنوه ومثله قوله
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما إلى آخر الآيات فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما والله أعلم
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف
166
والخلف وعرفه ههنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال وطور سينين وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضى بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ وهذا غلط فإنه ليس برق وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة ولكن التوراة إنما أنزلت في الواح لا في رق إلا أن يقال هي في رق في السماء وأنزلت في ألواح وقيل هو القرآن ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة فالصحف هي الرق وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورا وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد وكثيرا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة التين والزيتون ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبا مفروغا منه وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالاعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور
167
وأما البيت المعمور فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم وهو بحيال البيت المعمور في الأرض وقيل هو البيت الحرام ولا ريب أن كلا منهما معمور فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما السقف المرفوع وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقا وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف ومنها تنزل البركات واليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة والثاني البحر المسجور وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السموات أو البحر الذي نشاهده على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال ما تسمون هذه قالوا السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان قال هل تدرون ما بين السماء والأرض قالوا لا ندري قال إن بعد ما بينهما اما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة بحرا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب
168
والثاني أنه بحر الأرض واختلف في المسجور فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الاناء إذا ملأته قال لبيد
فتوسطا عرض السرى وصدعا
مسجورة متجاور أقلامها
وقال المبرد المسجور المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب
إذا شاء طالع مسجورة
يريد عينا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما قال البحر يسجر فيزداد في جهنم وحكى هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف وهذا القول اختيار أبي العالية قال أبو زيد المسجور المملوء والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد وقد روى عن ابن عباس أن المسجور المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعا ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء
169
قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الإلهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق وأقوى الأقوال في المسجور أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى
وإذا البحار سجرت قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارا وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم
فصل
وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال
إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له وهذا يتناول أمرين أحدهما أنه لا دافع لوقوعه والثاني أنه لا دافع له إذا وقع ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال
يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال
وتسير الجبال سيرا وقال
وإذا الجبال سيرت من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورا ترهيا أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله
يوم تمور السماء مورا قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى
كأن مشيتها من بيت جارتها
مور السحابة لا ريث ولا عجل
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا
170
عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعي ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأ 00 عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا إي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم
هذه النار التي كنتم بها تكذبون وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال
أفسحر هذا الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ
فاصبروا أو لا تصبروا كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابا فلم يجدوا من اقترانهم به بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالا كليا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الارادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ولا يظلم ربك أحدا
171
فصل
ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم
فاكهين بما آتاهم ربهم والفاكه المعجب بالشيء المسرور المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها ومنه قوله
فظلتم تفكهون قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم وللخارج منه كتحرج وتأثم والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقا لأعمالهم ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئا فإنهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال
متكئين على سرر مصفوفة وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى
متكئين عليها متقابلين فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بكون بعيدا منه قد حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه وذكر أزواجهم وأنهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين
172
الصفتين قال أبو عبيدة جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على هذا بأن العرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى
فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها وفي الحديث زوجتكها بما معك من القرآن وقال غيره العرب تقول تزوجت بامرأة وقال الأزهري العرب تقول زوجته امرأة وتزوجت امرأة وليس في كلامهم تزوجت بامرأة ومنه قوله تعالى
وزوجناهم بحور عين أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم عند هؤلاء من الاقتران والشفع أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منهم مجاهد زوجناهم بهن أي أنكحناهم إياهن قلت وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم وأما الحور العين فقال مجاهد التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل الحور البيض الوجوه العين الحسان الأعين وعين حوراء شديدة السواد نقية البياض طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال
خيرات حسان فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهن وقد وصف الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنه فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها البياض في أربعة اشياء اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض وفتحسنه وتزينه ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد ومن الطول أربعة القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة الجبهة والعين
173
والوجه والصدر ومن الصغر في أربعة الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة الفم والأنف والفرق والفرج ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى
عربا أترابا إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه وقال أبو عبيدة هي الحسنة التبعل قال المبرد هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان
فصل
ثم أخبر سبحانه عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم يعملوا أعمالهم لتقر أعينهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانه أنه لم ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم ثم أخبر سبحانه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل وأما أهل العدل فلا يفعل بهم ذلك بل
كل امرئ بما كسب رهين ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين الفريقين بهذا الالحاق كما في قوله
وما ألتناهم من عملهم من شيء دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينهم وبين الأبناء فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله
وما ألتناهم من عملهم من شيء أي ما نقصناهم ثم ذكر امدادهم باللحم والفاكهة والشرب وأنهم يتعاطون كؤوس الشراب بينهم يشرب أحدهم ويناول صاحبه ليتم بذلك فرحهم وسرورهم ثم نزه ذلك الشراب عن الآفات من اللغو من أهله عليه ولحوق الأثم لهم فقال
لا لغو فيها ولا تأثيم فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر والفحش في المقال والعربدة ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت شارب الخمر وقال سبحانه
ولا تأثيم ولم يقل ولا إثم أي ليس فيها ما يحملهم على الاثم
174
ولا يؤثم بعضهم بعضا بشربها ولا يؤثمهم الله بذلك ولا الملائكة فلا يلغون ولا يأثمون قال ابن قتيبة لا يذهب بعقولهم فيلغوا ولم يقع منهم ما يؤثمهم ثم وصف خدمهم الطائفين عليهم بأنهم كاللؤلؤ في بياضهم والملكنون المصون الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن وذلك اللون والصفاء والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر
إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في حوائج ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ينضم بعضهم إلى بعض فيه لضيقه ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وانهم يقولون
إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف
ووقانا عذاب السموم وهذا ضد حال الشقي الذي كان في أهله مسرورا فهذا كان مسرورا مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله سبحانه المستعان ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه هو البر الرحيم فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم
فصل
ومن ذلك قوله
والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى
فأصبح هشيما تذروه الرياح أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا أي ثقلا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب
175
الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام ويسرا أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ومنهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمه الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه والصحيح أن المقسمات أمرا لا تختص بأربعة وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم وأقسم سبحانه بهذه الأمور الاربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضي بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيما وتارة لاقحة وتارة جنوبا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة
176
المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته
فصل
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشاه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره
177
العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وارسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام نعمته وسلطانا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وسل الجاريات يسرا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها فتتموج في البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم وسل الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها
178
وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك والمتطرف في جوانبها 2 وبين ذلك ومنها ما يقطع الفلك في شهر ومنها ما يقطعه في عام ومنها ما يقطعه في ثلاثين عاما ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنها مالا يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدى ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا
فصل
وأما دلالة المقسمات أمرا وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة
179
وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في اقطار العالم ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال
إنما توعدون لصادق أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب
وإن الدين لواقع أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق ووصف الوعد بكونه صادقا أبلغ من وصفه بكونه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق وهذا مثل قولهم سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق ومنه
عيشة راضية وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالا عليه مرشدا إليه ثم أقسم سبحانه
والسماء ذات الحبك أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن وروى سعيد بن جبير عنه قال الحبك حسنها واستواؤها وقال قتادة ذات الخلق الشديد وقال مجاهد متقن البنيان وقال أيضا ذات الطرائق
180
ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل قلت وفي الحديث في صفة الدجال ورأسه حبك أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير الجامع من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف وذكر الحديث
181
فصل
ثم ذكر المقسم عليه فقال
إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو خرص كله فإنهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال تعالى
بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج أي مختلط ملتبس وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من صرف فعن ههنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله
وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وقوله
من أفك أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله
فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن وقيل إلى الإيمان وقيل إلى الرسول والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال
قتل الخراصون أي المكذبون
الذين هم في غمرة ساهون وجهالة قد عمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها كغمرة الماء وغمرة الموت فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم ونحو ذلك قال تعالى
بل قلوبهم في غمرة من هذا أي غفلة وقيل جهالة ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك
182
ثم قال
يسألون أيان يوم الدين استبعادا للوقوع وجحدا فأخبر تعالى أن ذلك
يوم هم على النار يفتنون والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى يحرقون ولكن لفظة على تعطي معنى زائدا على ما ذكروه ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم على بمعنى في كما تكون في بمعنى على والظاهر أن فتنتهم على النار قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها ومن جعل الفتنة ههنا من الحريق أخذه من قوله تعالى
إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا واستشهد على ذلك أيضا بهذه اللفظة التي في الذاريات وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة ولهذا قال
ذوقوا فتنتكم وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها ففتنوا أولا بأسباب الدنيا وزينتها ثم فتنوا بإرسال الرسل إليهم ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم ثم فتنوا بعذاب الدنيا ثم فتنوا بعذاب الموت ثم يفتنون في موقف القيامة ثم إذا حشروا إلى النار وقفوا عليها وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها
فصل
ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنهم
آخذين ما آتاهم ربهم من الخير والكرامة وفي ذلك دليل على أمور منها قبولهم له ومنها رضاهم به ومنها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه وقد قيل إن ما نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف
183
بالكثير وهذا ضعيف لوجوه أحدها أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء الثاني أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامه كله الثالث أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قام ليلة حتى الصباح الرابع أن الله سبحانه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا في الليل كله فقال
ومن الليل فتهجد به الخامس أنه سبحانه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله السادس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال يا عثمان أرغبت عن سنتي قال لا والله يا رسول ولكن سنتك أطلب قال فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلا بين ساريتين إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله السابع أن الله أثنى عليهم بأنهم كانت
تتجافى جنوبهم عن المضاجع وتقلق عنها حتى يقوموا إلى الصلاة ولهذا جازاهم عن هذا التجافي الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة بقرة الأعين الثامن أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلا فروى بجير بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديما لمعمول العامل المنفي عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو منفي والبصريون لا يجيزون ذلك وإن أجازه الكوفيون وفصل بعضهم فأجازه في الظرف ولم يجزه في غيره
184
فصل
وقيل ما زائدة وخبر كان يهجعون وقليلا منصوب إما على المصدرية أي هجوعا قليلا وإما على الظرف أي زمنا قليلا واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى الله فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثنى عليهم بما الأفضل خلافه وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعا فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ وقيل ما مصدرية وهي في موضع رفع بقليل أي كانوا قليلا هجوعهم وهو قول الحسن وقيل إنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي قليلا من الليل الوقت الذي يهجعون وفيه تكلف وقيل ما يهجعون بدل اشتمال من اسم كان والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا ويرد عليه أن من الليل متعلق بيهجعون ومعمول المصدر لا يتقدم عليه وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور وقليلا خبر كان وتم الكلام بذلك والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال
من الليل ما يهجعون وأصحاب هذا القول يجعلون ما نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئا من الليل وقد تقدم ما فيه ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدا وقياما ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا وأمره الله سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار وشرع صلى الله عليه وسلم للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة فأحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار
185
ثم أخبر سبحانه عن إحسانهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم فجمع لهم بين الإخلاص والإحسان ضد
الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون وأكد إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه الجزاء منه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه حرمه بقضائه وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع شرع عطاءه بأمره وحرمه بقدره فلم يجمع عليه حرمانين
فصل
ثم ذكرهم سبحانه بآياته الأفقية والنفسية فقال
وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون فآيات الأرض أنواع كثيرة منها خلقها وحدوثها بعد عدمها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنها شواهد قائمة بها ومنها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورا به ومنها سعتها وكبر خلقها ومنها تسطيحها كما قال تعالى
وإلى الأرض كيف سطحت ولا ينافي ذلك كونها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان ومنها أنه جعلها فراشا لتكون مقر الحيوان ومساكنه وجعلها قرارا وجعلها مهادا ذلولا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها وجعلها بساطا وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها وللأموات تضمهم في بطنها وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومرعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السهل والفجاج ونبه بجعلها مهادا وفراشا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية اخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها والبناء
186
فيها والغرسى والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ونبه بكونها قرارا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة بل جعلها بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منها وتعطلت المنافع المقصودة منها وبهذا يعلم أن جواهر التراب أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها لقاتها وإلا فالتراب أنفع منها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فان الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف فاقتضت حكمته سبحانه أن جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرا للحيوان والأنام والنبات ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشا منها طعامه وقوته وكذلك خلق منها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منها
فصل
ومن آياتها إن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه الماء على الأرض البعيدة وهذه لا ينفعها المطر ويسوق الماء إليها على وجه الأرض
187
فلو سألتها من نوعها هذه التنوع ومن فرق أجزاءها هذا التفريق ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى ومن أمسكها عن الزوال ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ منها حيوانها ونباتها ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها ومن هيأها مسكنا ومستقرا للأنام ومن يبدأ الخلق منها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منها ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة كما نشاهده في الصيف فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ومن الذي جعل باطنها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا للأحياء ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهو الشجرة وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد
188
حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا به عنه بإخراج من في القبور ليوم البعث والنشور فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفصال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمها فقيرة إلى موجد غنى عنها مؤثر غير متأثر قديم غير حادث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشهد بعلمه وحكمته وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الانبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منها حصل بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت قوته وصلابته فحرارة الربيع للاخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم واحدة والأب واحد واللقاح واحد والاولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى
وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانه التي أوقعها بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال تعالى
وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وقال في قوم لوط
189
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون وقال
فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله وقال
وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين أي ديار هاتين الأمتين لبطريق واضح يمر به السالكون وقال تعالى
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وقال عن قوم عاد
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم وقال 32 : 26
أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعوا الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان به وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وأخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا وقوة ومنعة وأموالا
فيالك من آيات حق لو اهتدى
بهن مريد الحق كن هواديا
ولكن على تلك القلوب أكنة
فليست وإن أصغت تجيب المناديا
فهلا امتنعوا إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة بقوتهم وعددهم من بأسه وسلطانه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منهم من أتباع الرسل ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق به رسله فيما أخبرت به فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله سبحانه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق وهذه الارادة لا تختص بقرن دون قرن بل لا بد أن يرى الله سبحانه أهل كل
190
قرن من الآيات ما يبين لهم أنه الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون وآيات الأرض أعظم مما ذكر وأكثر فنبه باليسير منها على الكثير
فصل
ثم قال
وفي أنفسكم أفلا تبصرون لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين واضمحلت عنه غمرات الشك والريب وانقشعت عنه ظلمات الجهل فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونا من قطرة ماء لحوما منضدة وعظاما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلا ما بين كبير وصغير وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقا للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة وجعل فيه تسعة أبواب فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها وجعل داخل بابي السمع مرا قاتلا لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوا ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرا أو مالحا وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدا يبصر به السماء والأرض وما بينهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة
191
وجمالا وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك وجعل سبحانه لكل طبقة من طبقات العين شغلا مخصوصا ولكل واحد من الرطوبات مقدارا مخصوصا لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانه أن جعل فيها بياضا وسوادا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرا لها ومسكنا وزين كلا منهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم والحواجب بالأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانه لتحريك الحدقة وتقليبها أربعا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانه هذه الأجفان متحركة جدا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانا فانها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات
فصل
وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب ما يريانه فيوصلانه إليه كما ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض الخير والشر والبلادة والفطنة الزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة وهي فراسة العين وفراسة الأذن وفراسة القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرا بالحر والبرد على أن الاذن على صلابتها وغلظها
192
لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان فإنها لو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة
فصل
ومن ذلك الأذنان شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ما يكون معينا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانه في هذه الصدقة انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته فلا يصدمها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضا لئلا يفجأها الداخل إليها من الدبيب والحشرات بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الانعطافات وقف هناك فسهل إخراجه وكانت العينان في وسط الوجه والاذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامه وعن يمينه وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة وخلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء والصوت عرض لا ثبات له فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ما ترا العين فإنه أجسام وأعراض لا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانه الأذن عضوا غضروفيا ليس بلحم مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينها وتحفظ بصلابتها ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار
فصل
ومن ذلك الأنف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها
193
وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضا فإنه يستنشق بالتخزين الهواء الباردالرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح به فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ذلك لصدمه بحدته وقوته والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه جعل لاستنشاق الهواء فإنه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر منه في تلك القصبة فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون وجعل فيها تجويفا فإنه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنه يعمل عمله كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينين ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منهما ويعود عوضه هواء بارد نافع والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال وهو له في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منها فما ظنك بما وراء التنفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها
فصل
وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام والشراب والنفس والكلام ومسكن اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه
194
ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا دخل الهواء البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هنالك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببا لحدوث الصوت في الحنجرة والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن القلب ما يأمر به فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانه ذلك النفس المستغنى عنه المحتاج إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا استغنى عنه منفعة ومصلحة هي من أكمل المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى القلب فأما إخراج النفس فهو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانه إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببا للأصوات والحروف والكلام ثم أنه سبحانه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف الذي بين الصور والأصوات على كثرتها وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فميز سبحانه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر
فصل
وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام وهي أعظمها ومنفعة الذوق والإدراك وجعله دليلا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلا على استقامته واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو البصر على اللسان من الخشونة والملاسة والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة
195
فصل
وجعل سبحانه اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا اللسان وأيضا فإنه من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك ولم يتهيأ منه الكلام التام ولا الذوق التام فكونه الله كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي والله أعلم
فصل
وجعل سبحانه على اللسان غلقين أحدهما الاسنان والثاني الفم وجعل حركته اختيارية وجعل على العين غطاء واحدا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من اللطائف فإن آفة الكلام أكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع فجعل للأكثر آفات طبقين والمتوسط طبقا جعل الأقل آفة بلا طبق
فصل
وجعل سبحانه الفم أكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائما لا يفارقه وجعله حلوا لا مالحا كماء العين ولا مرا كالذي في الأذن ولا عفنا كالذي في الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام والشراب يخالطه بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج به امتزاج العجين بالماء فلولا أنه حلو لما التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا شراب ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما
196
يليها حادة الرؤس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرؤس عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل إلى الآلة الأخرى وايضا لو كان العمل على جانب واحد دائما أو شك أن يتعطل ويضعف وتأمل كيف أنبتها سبحانه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانه لحما كسائر العظام سواها إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ويحفظها ويتلقى عنها الحرارة والبرد ويحفظ عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه مستغنية عنه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنها وجعلت هي المكتسبة العارية لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر والطحن لم تنشأ مع الطفل من أول نشأته كسائر عظامه لعدم الحاجة إليها عطل عنها وقت استغنائه عنها بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها وفيه حكمة أخرى وهي أنه لو نشأت معه من حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن عضها فكانت الأم تمتنع من إرضاعه ومن عجيب أمرها الاتفاق والموالاة التي بينهما وبين المعدة فإنه يسلم إليها إليها الشيء اليابس والصلب فتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان فيعجبنه ثم اللسان يسلمه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منه معلومها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنه عجزت المعدة عن انضاجه وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت وهي تصحب الإنسان وتخدمه ما لم يرها فإذا وقعت عينه عليها فارقته الأبد وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح غير هذه
197
فصل
ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارا رطبا والحرارة إذا عملت في الرطوبة فلا بد أن تثير بخارا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلا بد أن تحدث مساما ومنافذ في ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ولا تحدث شيئا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون في نهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون معتدلا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد الجلد في الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا رفع رأسه من الماء انشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد الماء إلى اتصاله الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلا إذا أغلى فخرج البخار من موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منه ذلك البخار فسدته فإن كان الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت تلك الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض فإن الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنه ينفتح فيه المسام بسبب تلك الأبخرة ولا يعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح وحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه أولا فأولا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزا في الجلد منزلته منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات وكذلك الشعر فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكن فيها البخار فتلبد هناك فصار شعرا بإذن الله تعالى والغاية التي من أجلها وجد شيئان أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة أقسام أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على
198
الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان النساء ففي هذه الأقسام يقل الشعر وأما الشباب فإن حرارة أبدانهم ويبسهم معتدل فيقوى تولد الشعر فيهم وفي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنها الزينة والحسن والسبب الذي صار به شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنه أن يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميا على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه
فصل
وأما شعر الحاجبين ففيه مع الحسن والزينة والجمال وقاية العين مما ينحدر من الرأس وجعل على هذا المقدار لأنه لو نقص عنه لزالت منفعة الجمال والوقاية ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها وحال بينها وبين ما تدركه وقد ذكرنا منفعة شعر الهدب ولما كان الأنفع والأصلح أن يكون شعر الهدب قاتما منتصبا وأن يكون باقيا على حال واحد في مقدار واحد جعل منبت هذا الشعر في جرم صلب شبيه بالغضروف يمتد في طول الجفن لئلا يطول وينمو وهذا كما نشاهد النبات الذي ينبت في الأرض الرخوة اللينة فإنه يطول ويزداد والذي ينبت في الأرض الصخرية الصلبة لا ينمو إلا نموا يسيرا فكذلك الشعر النابت في الاعضاء اللينة الرطبة فانه سريع النمو كشعر الرأس والعانة
فصل
وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى ومنها التمييز بين الرجال والنساء
199
فإن قيل لو كان شعر اللحية زينة لكان النساء أولى به من الرجال لحاجتهن إلى الزينة وكان التمييز يحصل بخلو الرجال منه ولكان أهل الجنة أولى به وقد ثبت أنهم جرد مرد قيل الجواب أن النساء لما كن محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى خلوهن عن اللحى فإن محل الاستمتاع إذا خلا عن الشعر كان أتم ولهذا المعنى والله أعلم كان أهل الجنة مردا ليكمل استمتاع نسائهم بهم كما يكمل استمتاعهم بهن وأيضا فإنه أكشف لمحاسن الوجوه فإن الشعر يستر ما تحته من البشرة أن يمس بشرة المرأة والله أعلم بحكمته في خلقه
فصل
وأما شعر العانة والابط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطا وإذا وفر وجد ثقلا وكسلا وغما ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالانفع في هذا وهذا
فصل
وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيها لأخل بذلك وخلقا للقبض وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاف الشعر به وأيضا فإنهما آلة الأخذ والعطاء والأكل ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيرا مما يعلق بشعره مما على الأرض ويتعلق شعره بما عليها أيضا هذا مع أن أكثر
200
الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها وأما الأخمصين فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو وكلما تصاعد كان الشعر أكثر وأيضا فإن كثرة وطء الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئا كما أن الأرض التي توطأ كثيرا لا تنبت شيئا وأما الجبهة فلو بنت الشعر عليها لستر محاسنها وأظلم الوجه وتدلى على العين وكان يحتاج إلى حلقه دائما ومنع العينين من كمال الإدراك والسبب المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ وهو بارد رطب والبخار لا يتحرك منحرفا إلى الجبهة بل صاعدا إلى فوق فإن قيل لم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه من الصغر دون سائر الشعور قيل لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله سبحانه معه وهو جنين في بطن أمه فإن شعر الرأس كالغطاء الواقي له من الآفات والاهداب والاجفان وقاية للعين فإن قيل فلم لم تنبت له اللحية إلا بعد بلوغه قيل لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه وتكون أقوى ما هي ولهذا يعرض له في مثل هذا الطور البثرات والدمامل وكثرة الاحتلام وإذا كثرت الحرارة كثرة الأبخرة بسبب التحلل وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر الرأس فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات اللحية والعانة وأيضا فإن بين أوعية المني وبين اللحية ارتباط إذ العروق والمجاري متصلة بينهما فإذا تعطلت أوعية المني ويبست تعطل شعر اللحية وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر اللحية ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم لحى فإن قيل فما العلة في الكوسج قيل برد مزاجه ونقصان حرارته فإن قيل فما السبب في الصلع قيل عدم احتباس الابخرة في موضع الصلع فإن قيل فلم كان في مقدم الرأس دون جوانبه ومؤخره قيل لأن الجزء المقدم من الرأس بسبب رطوبة الدماغ يكون أكثر لينا وتحللا فتتحلل
201
الفضلات التي يكون منها الشعر فلا يبقى للشعر مادة هناك فإن قيل فلم لم يحدث في الاصداغ قيل إن الرطوبة في الاسافل أكثر منها في الأعالي وشاهده الأرض العالية والمنخفضة فإن قيل فلم لم تصلع المرأة إلا نادرا وكان الصلع في الرجال أكثر قيل لأن الأصل أنه يحدث من يبس في الجلد بمنزلة احتراقه ذلك لقوة الحرارة وأما النساء فالرطوبة والبرودة أغلب عليهن ولهذا فإن جلودهن أرطب من جلود الرجال فلا تجف جلود رؤوسهن فلا يعرض لهن الصلح ولهذا لا يعرض للصبيان وإن عرض للمرأة صلع فذلك في سن يبسها وبلوغها من الكبر عتيا فإن قيل فما السبب في شدة سواد الشعر قيل شدة البخارات الخارجة من البدن واعتدالها وصحة مادتها كخضرة الزرع فإن قيل ما سبب الصهوبة قيل برد المزاج فتضعف الحرارة عن صبغ الشعر وتسويده فإن قيل فما سبب الشقرة والحمرة قيل زيادة الحرارة فتصبغ الشعر ولهذا تجد الشقر أشد حرارة وأكثر حركة وهمة فإن قيل فما سبب البياض قيل البياض نوعان أحدهما طبيعي وهو الشيب والثاني خارج عن الطبيعة وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات كما يعرض للنبات عند الجفاف فإن قيل فما سبب الطبيعي قيل اختلف في ذلك فقالت طائفة سببه الاستحالة إلى لون البلغم بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ وقالت طائفة سببه أن الغذاء الصائر إلى الشعر يصير باردا بسبب نقصان الحرارة ويكون بطيء الحركة مدة نفوذه إلى المسام وجمعت طائفة بين القولين وقالوا العلة في الأمرين واحدة وسببها نقصان الحرارة فإن قيل فلم اختص الشيب بالإنسان من بين سائر الحيوان قيل لأن لحم الإنسان وجلده رخوين وجلود الحيوانات ولحومها أقوى وأصلب فلما غلظت مادة الشعر فيها لم يعرض له ما يعرض لشعر الإنسان ولهذا يكون شعرها كلها معها من حين ولادتها بخلاف الإنسان وأيضا فإن لإنسان
202
المركبة المتنوعة وكذا المشارب ويتناول أكثر من حاجته فتجتمع فيه فضلات كثيرة فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن فما دامت الحرارة قوية فإنه تقوى على إحراق تلك الفضلات فيتولد من إحراقها الشعر الأسود فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة وعجزت عن إحراق تلك الفضلات فتعمل فيها عملا ضعيفا وأما سائر الحيوانات فلا تتناول الاغذية المركبة وتتناول منها على قدر الحاجة فلا يشيب شعرها كما يشيب شعر الإنسان وأيضا فإن في زمن الشيخوخة يكون أقل حرارة وأكثر رطوبة فيتولد البلغم وأما الحيوانات فاليبس غالب عليها فإن قيل فلم كان شيب الاصداغ في الاكثر مقدما على غيره قيل لقرب هذا الموضع من مقدم الدماغ والرطوبة في مقدم الدماغ كثيرة لأن الموضع مفصل والمفصل تجتمع فيه الفضلة الكثيرة فيكثر البرد هناك فيسرع الشيب فإن قيل فلم أسرع الشيب في شعور في شعور الخصيان والنساء قيل أما النساء فلبرد مزاجهن في الاصل ولاجتماع الفضلات الكثيرة فيهن وأما الخصيان فلتوافر المني على أبدانهم يصير دمهم غليظا بلغميا ولهذا لا يحدث الصلع فإن قيل فلم كان شعر الإبط لا يبيض قيل لقوة حرارة هذا الموضع بسبب قربة من القلب ومسامه كثيرة بلغمية لانها تتحلل بالعرق الدائم فإن قيل فلم أبطأ بياض شعر العانة قيل لأن حركة الجماع تحلل البلغم الذي في مسامه فإن قيل فلم كانت الحيوانات تتبدل شعورها كل سنة بخلاف الإنسان قيل لضعف شعورها عن الدوام والبقاء بخلاف شعر الآدمي فإن قيل فما سبب الجعودة والسبوطة قيل أما الجعودة فمن شدة الحرارة أو من التواء المسام فالذي من شدة الحرارة فإنه تعرض منه الجعودة كما تعرض الشعر عند عرضه على النار وأما الذي لالتواء المسام فلأن البخار لضعفه لا يقدر أن ينفذ على الاستقامة فيلتوي في المنافذ فتحدث الجعودة فإن قيل فما السبب في طول شعر الميت وأظفاره بعد موته إذا بقي مدة قيل عنه جوابان أحدهما أنها لا تطول ولكن لما ينقص ما حولها يظن
203
أنها زادت الثاني وهو أصوب أن ذلك الطول من الفضلات البخارية التي تتحلل وهلة من الميت فيمتد معها الشعر والظفر فإن قيل فلم كان المريض وخاصة المحموم ينقص لحمه ويزيد شعره قيل إن في المرض تكثر الفضلات فتطول الشعور والأظفار بها ويثقل الغذاء فيذوب اللجم وأما في الصحة فتقل الفضلات فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهضمها له وإذا قلت الفضلات نفدت مادة الشعر فيبطئ فإن قيل فما العلة في انتصاب شعر الخائف والمقرور حتى يبقى كشعر القنفذ قيل العلة فيه أن الجلد ينقبض وتجتمع المسام على الشعر وتتضايق عليه فينتصب فإن قيل فلم انتصب شعر البدن واللحية واللحيين فإن قيل فلم كانت كثرة الجماع تزيد في شعر اللحية والجسد وتنقص من شعر الرأس والأجفان قيل لأن الشعر فيه ما يكون طبيعيا من أول الخلقة كاللحية وسائر شعر البدن والأول يكون من قوة الحرارة الأصلية والثاني من قوة الحرارة الخارجية فلا جرم نقصت بسببه الشعور الأصلية وتوفرت العرضية فإن قيل فلم كان الشعر في الإنسان في الجزء المقدم أكثر منه في المؤخر وباقي الحيوانات بالعكس قيل لأن الشعر إنما يكون حيث تكون الحرارة قوية ويكون تحلل الجلد أكثر وهذا في الإنسان في ناحية الصدر والبطن وأما جلدة الظهر فمتكاثفة وأما ذوات الأربع ففي الخلف شعورها أكثر لأن البخار فيها يرقى إلى الخلف وأن تلك المواضع هي التي تتلقى الحر والبرز فتحتاج إلى وقاء أكثر فإن قيل فلم كان الرأس بالشعر أحق الأعضاء ونباته أكثر قيل لأن البخار يتصاعد ويطلب جهة الفوق وهو الرأس
204
ولا تستطل هذا الفصل فإن أمر الشعر من السمات والفضلات وهذا شأنه فما الظن بغيره من الأجزاء الأصلية فإذا كانت هذه قليلة من كثير من حكمة الرب تعالى في الشعور ومواضعها ومنافعها فكيف بحكمته في الرأس والقلب والكبد والصدر وغيرها ولا تضجر من ذلك فإن الخلق فيه من الفقه والحكم نظير ما في الأمر فالرب تعالى حكيم في خلقه وأمره ويحب من يفقه عنه ذلك ويستدل على كمال حكمته وعلمه ولطفه وتدبيره فإذا كان الله لم يضع هذه الفضلات في الإنسان سدى فما الظن بغيرها
فصل
ونحن نذكر فصلا مختصرا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته لنجعله مرآة له ينظر فيها قول خالقه وبارئه
وفي أنفسكم أفلا تبصرون لما اقتضى كمال الرب تعالى جل جلاله وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة وأنشأهم من الصور المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات والاشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن أخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت صلصالا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الاشكال وفصلها أحسن تفصيل مع اتصال أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ الوجوه ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها وإبليس يطيف بها ويقول لامر ما خلقت فلما تكامل تصويرها وتشكيلها وتقدير أعضائها وأوصالها وصارت جسدا مصورا مشكلا كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل إليه روحه فنفخ فيه نفخة وانقلب ذلك الطين لحما ودما وعظاما وعروقا وسمعا وبصرا وشما ولمسا وحركة وكلاما فأولى شيء بدأ به أن قال الحمد لله رب العالمين فقال له خالقه وبارئه ومصوره يرحمك الله يا آدم فاستوى
205
جالسا أجمل شيء وأحسنه منظرا وأتمه خلقا وأبدعه صورة فقال الرب تعالى لجميع ملائكته اسجدوا لآدم فبادروا بالسجود تعظيما وطاعة لأمر الواحد المعبود ثم قال لهم لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون وجمال باطن أحسن مما تبصرون فلتزيين باطنه أحسنه من زينة ظاهره ولنجعلنه من أعظم آياتنا نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة فكان التعليم زينة الباطن وجماله وذلك التصوير زينة الظاهر في أكمل شيء وأجمله صورة ومعنى كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال ليسكن إليها وتقر نفسه وليخرج من بينهما من لا يحصى عدده من الرجال والنساء سواه
فصل
ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلا منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر قد قدر فاسمع الآن عجائب ما هناك لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الاذنين إلى قفا الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المني بعد أن طبختها نار الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج ومن داخل فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضي الله أمرا كان مفعولا وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر وقدر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر والظفر لتوافق نسخة الأصل
206
ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ولهذا لا تجد في مني الاحتلام من القوة ما في مني الجماع وإنما هو من فضلة حرارة تذيب الرطوبة فتنفذ فيها الطبيعة إلى خارج من نوع تصور خيال بواسطة الشيطان كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإن قيل فهذا اختيار منكم لقول من قال إن المني يخرج من جميع أجزاء البدن وهذا وإن كان قد قاله كثير من الناس فقد خالفهم آخرون وزعموا أنه فضلة تتولد من الطعام وهي من أعدل الفضلات ولهذا صلحت أن تكون مبدأ الإنسان وهو جسم متشابه الأجزاء في نفسه قيل القول الأول هو الصواب ويدل عليه وجوه منها عموم اللذة بجميع أجزاء البدن ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين ومنها أن المشابهة الكلية تدل على أن البدن كله أرسل المني ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب محل واحد فدل على أن كل عضو أرسل قسطه ونصيبه فلما انعقد وصلب ظهرت محاكاته ومشابهته له ومنها أن الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية من أن المني جسم واحد متشابه في نفسه لم تتولد منه الأعضاء المختلفة المتشكلة بالاشكال المختلفة لأن القوة الواحدة لا تفعل في المادة الواحدة إلا فعلا واحدا فدل على أن المادة في نفسها ليست متشابهة الأجزاء ومنها أن المني فضلة الهضم الآخر وذلك إنما يكون عند نضج الدم في العروق وكونه مستعدا استعدادا تاما لأن يصير من جوهر الأعضاء وكذلك عقيب استفراغه من الضعف أكثر مما يحصل من استفراغ أمثاله من الدم ولذلك يورث الضعف في جوهر الأعضاء الأصلية فدل على أنه مركب من أجزاء كل منهما قريب الاستعداد لأن يصير جزءا من عضو ولذلك سماه الله سلالة والسلالة فعالة من السل وهو ما يسل من البدن كالبخار كما سمى أصله سلالة من الطين لأنه استلها من جميع الأرض كما في جامع الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض
207
قال أصحاب القول الآخر وهم جمهور الأطباء وغيرهم لو كان الأمر كما زعمتم وأن المني يستل من جميع الأعضاء لكان إذا حصل مني الذكر ومني الأنثى في الرحم تشكل المولود بشكلهما معا ولكان الرجل لا يلد إلا ذكرا دائما لأن المني قد استل عندكم من جميع أجزائه فإذا انعقد وجب أن يكون مثله وأيضا فإن المرأة تضع من وطء الرجل في البطن الواحد ذكرا وأنثى ولا يمكن أن يقال إن ذلك بسبب اختلاف أجزاء المني قالوا ولا نسلم عموم اللذة لأنها إنما حصلت حال الاندفاق بسبب سيلان تلك المادة الحارة جارية على تلك المجاري اللحمية التي لحمتها رخوة شبيهة باللحم القريب العهد بالاندمال إذا سال عليه شيء وهو معتدل السخونة ولو كانت اللذة إنما حصلت بسبب سيلان تلك المادة لحصلت قبل الاندفاق قالوا وأما احتجاجكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود فالمشابهة قد تقع في الظفر والشعر وليس يخرج منهما شيء وايضا فالمولود قد يشبه جدا بعيدا من أجداده كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال أن امرأتي ولدت غلاما أسود قال هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال سود قال هل فيها من أورق قال نعم قال فأنى له ذلك قال عسى أن يكون نزعه عرق قال وهذا عسى أن يكون نزعه عرق قالوا ولو كان في المني من كل عضو أجزاء فلا تخلو تلك الأجزاء إما أن تكون موضوعة في المني وضعها الواجب أو لا تكون كذلك فإن كانت موضوعة وضعها الواجب كان المني حيوانا صغيرا وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة قالوا وأيضا فإن المني إما أن يكون مركبا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها أو لا يكون كذلك فالاول باطل قطعا لأن المني رطوبة سيالة فلا تحفظ الوضع والترتيب وإن كانت ثقيلة فتعين الثاني ولا بد قطعا أن يحال ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سبب آخر سوى القوة التي في المادة فإنها قوة لا شعور لها ولا إدراك ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية بل هذا التصوير والتشكيل مستند إلى خالق عليم حكيم قد بهرت حكمته العقول ودلت آثار صنعته على كمال أسمائه وصفاته وتوحيده وقد اعترف بذلك فاضلا
208
الأطباء وهما بقراط وأفلاطون وأقرا بأن ذلك مستند إلى حكمة الصانع وعنايته وأنه لم يصدر إلا عن حكيم عليم قدير ذكره جالينوس عنهما في كتاب رأي بقراط وأفلاطون فأبى جهلة الأطباء وزنادقة المتفلسفة والطبائعيين إلا كفورا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة بن أسيد إن الله وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فما الرزق فما الاجل فما العمل فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك وفي لفظ يقول الملك الذي يخلقها أي يصورها بإذن الله أي يصور خلقه في الارحام كيف شاء الله لا إله إلا هو العزيز الحكيم فقال أصحاب القول الأول نحن أحق بالتنزيه والتوحيد ومعرفة حكمة الخالق العليم وقدرته وعلمه وأسعد به منكم ومن أحال من سفهائنا وزنادقتنا هذا التخليق على القوة المصورة والاسباب الطبيعية ولم يسندها إلى فاعل مختار عالم بكل شيء قادر على كل شيء لا يكون شيء إلا بإذنه ومشيئته والقوة والطبيعة خلق مسخر من خلقه وعبد من جملة عبيده ليس لها تصرف ولا حركة ولا فعل إلا بإذن بارئها وخالقها فذلك الذي جهل نفسه وربه وعادة الطبيعة والشريعة والرب تعالى يخلق ما يشاء ويختار ويصور خلقه في الارحام كيف يشاء بأسباب قدرها وحكم دبرها وإذا شاء أن يسلب تلك الأسباب قواها سلبها وإذا شاء أن يقطع مسبباتها عنها قطعها وإذا شاء أن يهيء لها أسبابا أخرى تقاومها وتعارضها فعل فإنه الفعال لما يريد وليس في كون المني مستلا من جميع أجزاء البدن ما يخرج الحوالة على قدرته ومشيئته وحكمته بل ذلك أبلغ في الحكمة والقدرة
209
وأما قولكم لو كان المني مستلا من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكل بشكلهما معا فقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عمن سأله عن ذلك بما شفى وكفى ففي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو في أرضه يحترف فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن آنفا جبريل فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبق ماؤه كان الشبه لها فقال أشهد أنك رسول الله فهذا جواب جبريل أمين رب العالمين لا جبريل الطبيب وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث بإذن الله وقد يتفق الماآن في الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج المرأة فإذا شاء الله أن يغلب سلالة ماء الرجل على ماء المرأة أو سلالتها أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق عادته ولو خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين وأما منعكم عموم اللذة فشبيه بالمكابرة والمجامع يجد عند الإنزال شيئا قد استل من جميع بدنه وسمعه وبصره وقواه في قالب الرحم فيحس كأنه خلع قميصا كان مشتملا به ولهذا اقتضت حكمة الرب تعالى في شرعه وقدره أن أمره بالاغتسال عقيب ذلك ليخلف عليه الماء ما تحلل من بدنه من ماء وإذا اغتسل وجد نشاطا وقوة وكأنه لم ينقص منه شيء فإن رطوبة الماء تخلف على البدن ما حللته تلك الحركة عن رطوباته وتعمل فيها الحرارة الأصلية عملها فتمد بها القوى التي ضعفت بالإنزال وأما التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل بينهما شيء فما أبردها من شبهة فإن الظفر والشعر تابعان للأعضاء والمزاج الذي
210
وقع فيه التشابه فاستتبع تشابه الأصل تشابه التبيع وأما شبه المولود بالجد البعيد من أجداده فهو من أقوى الأدلة لنا في المسألة لأن ذلك الشبه البعيد لم يزل ينتقل في الأصلاب حتى استقر في صورة الولد وبها حصل الشبه وأما قولكم إن تلك الأجزاء لا تخلو إما أن تكون موضوعة في المني وضعها الواجب أولا إلى آخره فجوابكم أنكم إن عنيتم أنها موضوعة بالفعل فليس كذلك وإن أردتم أنها موضوعة بالقوة فنعم وما المانع منه ويكون المني حيوانا صغيرا بل كبيرا بالقوة وبهذا ظهر الجواب عن قولكم إن المني رطوبة سيالة لا تحفظ الوضع والترتيب وغاية ما يقدر أن ذلك جزء من أجزاء السبب الذي يخلق الله به الولد وجزء السبب لا يستقل بالحكم فالمستقل بالايجاد مشيئة الله وحده والأسباب محال الظهور
فصل
فإن قيل فهذا تصريح منكم بأن المرأة لها مني وأن منها أحد الجزئين اللذين يخلق الله منهما الولد وقد ظن طائفة من الأطباء أن المرأة لا مني لها قيل هذا هو السؤال الذي أوردته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم وأجابهما عنه باثبات مني المرأة ففي الصحيح أن أم سليم رضي الله عنها قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة أوتحتلم المرأة فقال تربت يداك فبم يشبهها ولدها وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل قال نعم إذا رأت الماء قالت فقلت له أفترى المرأة ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل يكون الشبه إلا من ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه هذا لفظ مسلم وقد ذكر جالينوس
211
التشنيع على أرسطاليس حيث قال إن المرأة لا مني لها فلنحرر هذه المسألة طبعا كما حررت شرعا فنقول مني الذكر من جملة الرطوبات والفضلات التي في البدن وهذا أمر يشترك بين الذكر والأنثى منه رأسا يتخلق الولد وبواسطته يكون الشبه ولو لم يكن للمرأة مني لما أشبهها ولدها ولا يقال إن الشبه سببه دم الطمث فإنه لا ينعقد مع مني الرجل ولا يتحد به وقد أجرى الله العادة بأن التوالد لا يكون إلا بين أصلين يتولد من بينهما ثالث ومني الرجل وحده لايتولد منه الولد مالم يمازجه مادة أخرى من الأنثى وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك وقالوا لا بد من وجود مادة بيضاء لزجة للمرأة تصير مادة لبدن الجنين ولكن نازعوا هل فيها قوة عاقدة كما في مني الرجل أم لا وقد أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان مولاه حيث سأله اليهود عن الولد فقال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنث بإذن الله نعم لمني الرجل خاصة الغلظ والبياض والخروج بدفق ودفع فإن أراد من نفي مني المرأة انتفاء ذلك عنها أصاب ومني المرأة خاصته الرقة والصفرة والسيلان بغير دفع فإن نفي ذلك عنها أخطأ وفي كل من الماءين قوة فإذا انضم أحدهما إلى الآخر اكتسبا قوة ثالثة وهي من أسباب تكوين الجنين واقتضت حكمة الخلاق العليم سبحانه أن جعل داخل الرحم خشنا كالسفنج وجعل فيه طلبا للمني وقبولا له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له فجعله طالبا حافظا مشتاقا إليه بالعطش فلذلك إذا ظفر به ضمه ولم يضيعه بل يشتمل عليه أتم الاشتمال وينضم أعظم انضمام لئلا يفسده الهواء فيتولى القوة والحرارة التي هناك باذن الله ملك الرحم فإذا اشتمل على المني ولم يقذف به إلى خارج استدار على نفسه وصار كالكرة وأخذ في الشدة إلى تمام ستة أيام فإذا اشتد نقط فيه نقطة في الوسط وهو موضع القلب ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ وفي اليمين وهي نقطة الكبد ثم تتباعد تلك النقط ويظهر بينها خطوط حمر إلى تمام ثلاثة أيام أخر ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة
212
أيام أخر فيصير ذلك خمسة عشر يوما ويصير المجموع سبعة وعشرين يوما ثم ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن عن الجبين وذلك في تسعة أيام فتصير ستة وثلاثين يوما ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهورا بينا في تمام أربعة أيام فيصير المجموع أربعين يوما تجمع خلقة وهذا مطابق لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الاجمال عن التفصيل وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقها جمعا خفيا وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج ثم يكون مضغة أربعين يوما أخرى وذلك التخليق يتزايد شيئا فشيئا إلى أن يظهر للحس ظهورا لاخفاء به كله والروح لم تتعلق به بعد فإنها إنما تتعلق به في الأربعين الرابعة بعد مائة وعشرين يوما كما أخبر به الصادق وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي إذا ليس في الطبيعة ما يقتضيه فلذلك حار فضلاء الأطباء وأذكياء الفلاسفة في ذلك وقالوا إن هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا بحسب الظن البعيد قال من وقف على نهايات كلامهم في ذلك دأب فيه حتى كل وهو صاحب الطب الكبير فذكر مناسبات خيالية ثم قال وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى لا مطمع لأحد من الخلق في الوقوف عليه قلت قد أوقفنا عليه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى بما ثبت في الصحيحين إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد
فصل
ورأيت لبعض الأطباء كلا ما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فاذكره وأذكر ما فيه قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك الجنين فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين قال فإذا تم خلقه في ثلاثين يوما
213
فإذا صار له ستون يوما تحرك فإذا انضاف إلى الستين مثلاها صارت مائة وثمانين يوما وهي ستة أشهر وهي مدة ينفصل لها الحمل وإذا تم خلقه في خمسة وثلاثين يوما تحرك لسبعين وانفصل لسبعة أشهر وإذا تم خلقه لأربعين تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر وإذا تم لخمسة وأربعين تحرك لتسعين وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدا وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعا فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ يتحرك فلا تثبت له حركة قبل مائة وعشرين يوما وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليل ولا تجربة مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم
فصل
وأما أقل مدة الحمل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر قال تعالى
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال تعالى
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وقال جالينوس كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة واحدة ولدت في مائة وأربع وثمانين ليلة وزعم صاحب الشفاء أنه شاهد ذلك وأما أكثره فقال في الشفاء بلغني من حيث وثقت أن امرأة وضعت بعد الرابع من رأس الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش
فصل
فإن قيل فما سبب الاذكار والايناث قيل الذي نختاره أن سببه مشيئة رب الفاعل باختياره وليس بسبب طبيعي وكل ما ذكر أصحاب الطبائع من
214
الأنجاب فمنتقض مثل حرارة الرجل ورطوبته قالوا وفساد المزاج أيضا يوجب إيلاد الإناث واستقامته توجب الإذكار وهذا تخليط وهذيان فليس للاذكار والإيناث إلا قول الله لملك الارحام وقد استأذن يا رب ذكر يا رب أنثى يا رب شقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل والاذكار والايناث قرين السعادة والشقاوة والرزق والأجل فإن قيل فتلك أيضا بأسباب قلنا نعم ولكن بأسباب بعد الولادة ولا سبب للاذكار والايناث قبل الولادة فإن قيل فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الولد فقال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فاذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله فقال اليهودي صدقت وإنك لنبي قيل هذا الحديث تفرد به مسلم في صحيحه وقد تكلم فيه بعضهم وقال الظاهر أن الحديث وهم فيه بعض الرواة وإنما كان السؤال عن الشبه وهو الذي سأل عنه عبد الله بن سلام في الحديث المتفق على صحته فأجابه بسبق الماء فإن الشبه يكون للسابق فلعل بعض الرواة انقلب عليه شبه الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبه بالوالد بكونه ذكرا لا سيما والشبه التام إنما هو بذلك وقالت طائفة الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبد الله بن سلام وليست الواقعة واحدة بل هما قضيتان ورواية كل منهما غير رواية الأخرى وفي حديث ثوبان قضية ضبطت وحفظت قال ثوبان كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لي لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اسمي محمدا الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع باذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله
215
صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حتى يدخلوا الجنة قال زيادة كبد الحوت قال فما غذاءهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان قال أينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلى مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا الذي سألني عنه ومالي علم به حتى أتاني به الله وأما حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأتاه فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرني آنفا جبريل فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقال أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كالشبه لها قال أشهد أنك رسول الله وذكر الحديث فتضمن الحديثان أمرين ترتب عليهما الاثران معا وأيهما انفرد ترتب عليه أثره فاذا سبق ماء الرجل وعلا أذكر وكان الشبه له وإن سبق ماء المرأة وعلا آنث وكان الشبه لها وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل أذكر وكان الشبه لها ومع هذا كله فهذا جزء سبب ليس بموجب والسبب الموجب مشيئة الله فقد يسبب بضد السبب وقد يرتب عليه ضد مقتضاه ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته كما لا يكون تعجيزا لقدرته وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله أذكر وآنث باذن الله وقد قال تعالى
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير فأخبر سبحانه أن ذلك عائد إلى
216
مشيئته وأنه قد يهب الذكور فقط والإناث فقط وقد يجمع للوالدين بين النوعين معا وقد يخليهما عنهما معا وأن ذلك كما هو راجع إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته وقد وهب الله آدم الذكور والإناث وإسرائيل الذكور دون الإناث ومحمدا صلى الله عليه وسلم الإناث دون الذكور سوى ولده إبراهيم وقال سليمان عليه السلام لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل امرأة منهن بغلام يقاتل في سبيل الله فطاف عليهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون فدل على أن مجرد الوطء ليس بسبب تام وإن كان له مدخل في السببية وأن السبب التام مشيئة الله وحده فهو رب الاسباب المتصرف فيها كيف شاء باعطائها السببية إذا شاء ومنعها إياها إذا شاء وترتيب ضد مقتضاها عليها إذا شاء والأسباب هي مجاري الشرع والقدر فعليها يجري أمر الله الكوني والديني فإن قيل فقد ظهر أن الولد مخلوق من الماءين جميعا فهل يخلق منهما على حد سواء أم يكون الولد من ماء الأب وبعضه من ماء الأم قيل قد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة باوضح بيان فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا حسين بن الحسين حدثنا أبو كريب عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مم يخلق الإنسان فقال من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم فقام اليهودي فقال هكذا يقول من قبلك
217
فصل
فإن قيل قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما أخبر به الوحي من ذلك فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص قيل نتلقاه بالقبول والتصديق وترك التحريف ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق صلى الله عليه وسلم وهذا تقدير بعد تقدير فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الانسان وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عقد تمام خلقه وتصويره وهذا أحسن من جواب من قال أن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة وهذا بعيد جدا من لفظ الحديث ولفظه يأباه كل الإباء فتأمله فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود وقال له وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني
218
هاتين يقول إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها فيقول يا رب اذكر أم أنثى أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله عز وجل شقيا أو سعيدا وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة ثم ذكر نحوه قيل نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الاطباء فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم معصوم وقولهم عرضة للخطأ ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم قيل لا تنافي بين الحديثين بحمد الله وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة قالوا وأكثر ما فيه التعقيب بالفاء وتعقيب كل شيء بحسبه وقد قال تعالى
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة بل قد قال تعالى
م خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية ولكن هنا تصويران أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة ينشىء فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لا وهلة
219
واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة فههنا أربع مراتب أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج الثانية مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعد إلا نفخ الروح فالمرتبة الأولى علمية والثلاث الأخر خارجية عينية وهذا التصوير بعد التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا عاما قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهنا كتب السعادة والشقاوة والأعمال والأرزاق والآجال الثاني تقدير بعد هذا وهو أخص منه وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه وقال هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون الثالث تقدير بعد هذا وهو أخص منه عند ما يمنى به كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور الرابع تقدير آخر بعد هذا وهو عند ما يتم خلقه وينفخ فيه الروح كما صرح به الحديث الذي قبله وهذا يدل على سعة علم الرب تبارك وتعالى وإحاطته بالكليات والجزئيات وكذلك التصوير الثاني مطابق للتصوير العلمي والثالث مطابق للثاني والرابع مطابق للثالث وهذا مما يدل على كمال قدرة الرب تعالى ومطابقة المقدور للمعلوم فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين ونظير هذا التقدير الكتابة العامة قبل المخلوقات ثم كتابة ما يكون من العام إلى العام في ليلة القدر وكل مرتبة من هذه المراتب تفصيل لما قبلها وتنوع وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل بادراكه لا بما يخالف الحس والعقل وإنما يعرفه الناس ويستقلون بادراكه على أمر عيني يتعلق به الإيمان أو على حكم شرعي يتعلق به التكليف والله أعلم
220
فصل
فإن قيل أي عضو يتخلق أولا قبل سائر الأعضاء قيل اختلف في ذلك على أربعة أقوال أحدها أنه القلب وهو قول الأكثرين والثاني أنه الدماغ والعينان وهو قول بقراط والثالث الكبد وهو قول محمد بن زكريا والرابع أنه السرة وهو قول جماعة من الأطباء قال أصحاب القلب لا شك أن في المني قوة روحية بسبب تلك القوة سعد أن يكون إنسانا وحاجته إلى الروح الذي هو مادة القوى أشد فلا بد أن يكون لذلك الروح مجمع خاص منه تنبعث إلى سائر الأعضاء فالجوهر الروحي أول شيء ينبعث من المني ويجتمع في موضع واحد ويحيط به ما يتصل إليه ذلك الجوهر الروحي من جميع الجوانب فيجب أن يكون مجمعها هو الوسط وسائر الأجزاء يحيط به وذلك الوسط هو القلب قالوا ولأن تمام البدن موقوف على الحرارة الغريزية التي بها البدن ولا بد أن يتقدم على ذلك العضو الذي منه القوة الغريزية التي بها ينمو وهو القلب قالوا ولأن أفعال القوى إنما تتم بالروح وهي لا بد لها من متعلق تتعلق به ولا بد أن يتقدم متعلقها عليها وهو القلب قالوا وهذا هو الأليق والأنسب بحكمة الرب تعالى فإن القلب ملك والأعضاء جنود له وخدم فإذا صلح القلب صلحت جنوده وإذا فسد فسدت وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي والقلب فما أولى هذه المضغة بأن تكون متقدمة في وجودها على سائر الأعضاء وسائرها تبع لها في الوجود كما هي تبع لها في الصلاح والفساد قالوا وقد شاهد أصحاب التشريح في المني عند انعقاده نطفة في وسطه قال أصحاب الدماغ شاهدنا الفراخ في البيض أول ما يتكون منها رأسها وسنة الله في بروز الجنين أول ما يبدو منه إلى الوجود رأسه
221
قال أصحاب الكبد لما كان المني محتاجا إلى قوة مغذية تزيد في جوهره حتى يصير بحيث يمكن أن تكون الأعضاء فيه كان أول الأعضاء وأسبقها إليه وهو محل القوة المغذية وهو الكبد قال أصحاب السرة حاجة الجنين إلى جذب الغذاء أشد من حاجته إلى الأقوات وإدراكه ومن السرة يجذب الغذاء وأولى هذه الأقوال القول الأول فإن القلب ومنزلته وشرفه ومحله الذي وضعه الله به يقتضي أنه المبدوء به قبل سائر الأعضاء المتقدم عليها بالوجود والله أعلم
فصل
فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا قيل كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه فإن قيل قد ثبت أن الولد يتخلق من ماء الأبوين فهل يتمازجان ويختلطان حتى يصيرا ماء واحدا أو يكون أحدهما هو المادة والآخر بمنزلة الأنفحة التي تعقده قيل هو موضع اختلف فيه أرباب الطبيعة فقالت طائفة منهم مني الأب لا يكون جزءا من الجنين وإنما هو مادة الروح الساري في الأعضاء وأجزاء البدن كلها من مني الأم ومنهم من قال بل هو ينعقد من مني الأنثى ثم يتحلل ويفسد قالوا ولهذا كان الولد جزءا من أمه ولهذا جاءت الشريعة بتبعيته لها في الحرية والرق قالوا ولهذا لو نرى فحل رجل على جارية آخر فأولدها فالولد لمالك الأم دون مالك الفحل لأنه تكون من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها وماء الأب بمنزلة الماء الذي يسقي الأرض قالوا والحس يشهد أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف
222
الأجزاء التي فيه من أبيه فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم الطمث ومني الأب عاقد له كالانفحة ونازعهم الجمهور وقالوا إنه يتكون من مني الرجل والانثى ثم لهم قولان أحدهما أن يكون من مني الذكر أعضاؤه وأجزاؤه ومن مني الأنثى صورته والثاني أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا وهذا هو الصواب لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب وتارة إلى الأم والله أعلم وقد دل على هذا قوله تعالى
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى والأصل هو الذكر فمنه البدر ومنه السقي والأنثى وعاء ومستودع لولده تربيه في بطنها كما تربيه في حجرها ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكون وصار ولدا في بطنها وغذته بلبائها مع الجزء الذي فيه منها وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته وكان أشرفهما دينا أولى به تغليبا لدين الله وشرعه فإن قيل فهلا طردتم هذا وقلتم لو سقط بذر رجل في أرض آخر يكون الزرع لصاحب الأرض دون مالك البذر قيل الفرق بينهما أن البذر مال متقوم في أرض آخر فهو لمالكه وعليه أجرة الأرض أو هو بينهما بخلاف المني فانه ليس بمال ولهذا نهى الشارع فيه عن المعاوضة واتفق الفقهاء على أن الفحل لو نزا على رمكة كان الولد لصاحب الرمكة
فصل
فإن قيل فهل يتكون الجنين من ماءين وواطئين قيل هذه مسألة شرعية كونية والشرع فيها تابع للتكوين وقد اختلف فيها شرعا وقدرا فمنعت ذلك طائفة وأبته كل الإباء وقالت الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبراة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره
223
قالوا وبهذا أجرى الله العادة أن الولد لا يكون إلا لأب واحد كما لا تكون الأم إلا واحدة وهذا هو مذهب الشافعي وقالت طائفة بل يتخلق من ماءين فأكثر قالوا وانضمام الرحم واشتماله على الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله للمني قالوا ومثال ذلك كمثال المعدة فإن الطعام إذا استقر فيها انضمت عليه غاية الانضمام فإذا ورد عليها طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه قالوا وقد شهد بهذا القائف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ولد ادعاه اثنان فنظر إليهما وإليه وقال ما أراهما إلا اشتركا فيه فوافقه عمر وألحقه بهما فوافقه على ذلك الإمام أحمد ومالك رضي الله عنهما قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال الإمام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره هذا بعد انقعاده وعلى هذا مسألة فقهية وهي لو أحبل جارية غيره بنكاح أو زنى ثم ملكها هل تصير أم ولد فيها أربعة أقوال وهي روايات عن الإمام أحمد أحدها لا تصير أم ولد لأنها لم تعلق بالولد في ملكه والثاني تصير أم ولد لأنها وضعت في ملكه والثالث إن وضعت في ملكه صارت أم ولد وإن وضعت قبل أن يملكها لم تصر لأن الوضع ولاحبال كان في غير ملكه والرابع إن وطئها بعد أن ملكها صارت أم ولد وإلا فلا لأن الوطء يزيد في خلقة الولد كما قال الإمام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره وهذا أرجح الأقوال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل سيدها يريد أن يلم بها لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له والمجح الحامل المقرب وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة
224
موروثة عنه كأنه عبده ولا يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله عبده ولا يحل له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئا وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم فإن قيل فهل يمكن أن يخلق من الماء والدان في بطن واحد قيل هذه مسألة التوأم وهو ممكن بل وقع وله أسباب أحدها كثرة المني فيفيض إلى بطن الرحم دفعات والرحم يعرض له عند الحركة الجارية للمني حركات اختلاجية مختلفة فربما اتفق أن كان الجاذب للدفعة الأولى من المني أحد جانبيه وللثانية الجانب الآخر ومنها أن بيت الأولاد في الرحم فيه تجاويف فيكون المني كثيرا فيغفل أحدها عن فضلة يشتمل عليها التجويف الثاني وهكذا الثالث قال أرسطو وقد يعيش للمرأة خمسة أولاد في بطن واحد وحكى عن امرأة أنها وضعت في أربع بطون عشرين ولدا قال صاحب القانون سمعت بجرجان أن امرأة أسقطت كيسا فيه سبعون صورة صغيرا جدا قال أرسطو وإذا توأمت بذكر وأنثى فقلما تسلم الوالدة والمولود وإذا توأمت بذكرين أو أنثيين فتسلم كثيرا قال والمرأة قد تحبل على الحبل ولكن يهلك الأول في الأكثر فقد أسقطت امرأة واحدة اثنى عشر جنينا حملا على حمل وأما إذا كان الحمل واحدا أو بعد وضع الأول فقد يعيشان والله أعلم فإن قيل فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبا قال الإمام أحمد وأبو حنيفة إن ما تراه من الدم يكون دم فساد لا حيض والشافعي وإن قال إنه دم حيض وهو إحدى الروايتين عن عائشة فلا ريب أنه نادر بالإضافة إلى الأغلب قيل دم الطمث ينقسم ثلاثة أقسام قسم ينصرف إلى غذاء الجنين وقسم يصعد إلى البدن وقسم يحبس إلى وقت الوضع فيخرج مع الولد وهو دم النفاس وربما كانت مادة الدم قوية وهو كثير فيخرج بعضه لقوته وكثرته والراجح من الدليل أنه حيض حكمه حكمه إذ ليس هناك دليل عقلي ولا شرعي يمنع كونه حيضا واستيفاء الأدلة من الجانبين قد ذكرناه في مواضع أخر والله أعلم
225
فإن قيل فما السبب في أن النساء الحبالى يشتقن في الشهر الثاني والثالث إلى تناول الأشياء الغريبة التي لا يعتد بها طبا قيل إن دم الطمث لما احتبس فيهن بحكمة قدرها الله وهي أن صرفه غذاء للولد ومقدار ما يحتاج إليه يسير فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم المعدة فيحدث لهن شهوة تلك الأشياء الغريبة فإن قيل فكيف وضع الجنين في بطن أمه قائما أو قاعدا أو مضطجعا قيل هو معتمد بوجهه على رجليه وبراحتيه على ركبتيه ورجلاه مضمومتان إلى قدميه ووجهه إلى ظهر أمه وهذا من العناية الإلهية أن أجلسه هذه الجلسة في المكان الضيق في الرحم على هذا الشكل وأيضا فلو كان رأسه إلى أسفل لوقع ثقل الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة وأدى ذلك إلى تلفه ولانه عند محاولة الخروج إذا انقلب أعانته على الخروج فإنه إذا خرج أول ما يخرج منه رأسه لأن الرأس إذا خرج أولا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلا ولو خرج على غير هذا الوجه لكان فيه تعويق وعسر فإن الرجلين لو خرجتا أولا انعاق خروج الباقي وإن خرجت الرجل الواحدة أولا انعاق عند الثانية وإن خرجتا معا انعاق عند اليدين وإن خرجت الرجلان واليدان انعاق عند الرأس فكان يلتوي إلى خلف وتلتوي السرة إلى العنق فيألم الرحم ويصعب الخروج ويؤدي إلى مرضه أو تلفه فإن قيل فما سبب الإجهاض الذي يسمونه الطرح قبل كمال الولد قيل الجنين في البطن بمنزلة الثمرة في الشجرة وكل منهما له اتصاله قوى بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوة فإذا بلغت الثمرة نهايتا سهل قطعها وربما سقطت بنفسها وذلك لأن تلك الرباطات والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء فلما رجع ذلك الغذاء إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل أخذها وكذلك الأمر في الجنين فإنه ما دام في البطن قبل كماله واستحكامه فإن رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فاذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات وانتهكت الأغشية واجتمعت تلك الرطوبات المزلقة فسقط الجنين
226
هذا هو الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها وأما السقوط قبل ذلك فلفساد في الجنين ولفساد في طبيعة الأم أو ضعفت الطبيعة كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج فاسقاط الجنين لسبب من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار فإن قيل فكيف يخرج من الرحم مع ضيقه ما هو أكبر منه بأضعاف مضاعفة قيل هذا من أعظم الأدلة على عناية الرب تعالى وقدرته ومشيئته فإن الرحم لا بد أن ينفتح الانفتاح العظيم جدا قال غير واحد من العقلاء ولا بد من انفصال يعرض للمفاصل العظيمة ثم تلتئم بسرعة أسرع من لمح البصر وقد اعترف فضلاء الأطباء وحذاقهم بذلك وقالوا لا يكون ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير تعجز العقول عن إدراكه وتقر للخلاق العظيم بكمال الربوبية والقدرة فإن قيل فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار قيل ههنا سببان سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء وسبب ظاهر فأما السبب الباطن فان الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ولد آدم شيطانا فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به فاذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقا عليه وتغيظا واستقبالا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديما فيبكي المولود من تلك الطعنة ولو آمن زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يرده وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان وفي الصحيحين من حديثه أيضا رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمه وفي لفظ آخر يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه
227
وفي لفظ آخر كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولادته إلا مريم وابنها وفي لفظ للبخاري كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب والسبب الظاهر الذي لا نخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس ومعرفتهم له من غيرهم هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب فانه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد ومكان لم يألفه فيستوحش من مفارقته وطنه ومألفه وعند أرباب الاشارات أن بكاءه ارهاص بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد في ذلك
ويبكي بها المولود حتى كأنه
بكل الذي يلقاه فيها يهدد
وإلا فما يبكيه فيها وإنها
لأوسع مما كان فيه وأرغد
ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا وفي فتحها عند خروجه منها وهو الإشارة إلى أنه خرج إليها مركبا على الحرص والطمع وفارقها صفر اليدين منها وأنشد في ذلك
وفي قبض كف المرء عند ولادة
دليل على الحرص الذي هو مالكه
وفي فتحها عند الممات إشارة
إلى فرقة المال الذي هو تاركه
ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل وضحك من حوله أن الأمر سيبدل ويصير إلى ما يبكي من حوله عند موته كما ضحكوا عند ولادته وأنشد في ذلك
ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا
والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لعلك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكا مسرورا
ونظير هذه الاشارة أيضا قولهم إن المولود حين ينفصل يمد يده إلى فيه إشارة إلى تعجيل نزوله عند القدوم عليه بأنه ضيف من تمام إكرامه وتعجيل قراه فأشار بلسان الحال إلى ترك التأخير وربما مص أصبعه إشارة إلى نهاية فقره وأنه بلغ منه إلى مص الأصابع ومنه قول الناس لمن بلغ به الفقر غايته فهو يمص أصابعه وأنشد في ذلك
228
ويهوي إلى فيه يمص بنانه
يطالب بالتعجيل خوف التشاغل
ويعلمهم أني فقير وليس لي
من القوت شيء غير مص الأنامل
ونظير هذه الإشارة أنه يحدث بالعجب ممن يظهر من الحدث
ويحدث بين الحاضرين إشارة
إلى أنه من حادث ليس يعصم
يقول وعندي بعدها أخواتها
وما منكم إلا وذو العرش أرحم
ونظير هذه الاشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج كمأتم يطلبها في أثرها
ويضحك بعد الأربعين إشارة
إلى فرج وافاه بعد الشدائد
يقول هي الدنيا فتبكيك مرة
وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد
قالوا ويرى الأماني بعد ستين يوما من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة الحافظة وكثرة الرطوبات وفي ذلك لطف به أيضا لضعف قلبه عن التفكر فيما يراه
ويرى بعين القلب إذ يأتي له
ستون يوما رؤية الأحلام
لكنه ينساه بعد لضعفه
عن ضبطه في يقظة ومنام
فصل
ولما تكامل للنطفة أربعون يوما فاستحكم نضجها وعقدتها حرارة الرحم استعدت لحالة هي أكمل من الأولى وهي الدم الجامد الذي يشبه العلقة ويقبل الصورة ويحفظها بانعقادها وتماسك أجزائها فاذا تم لها أربعون استعدت لحاقا هي أكمل من الحالتين قبلها وهي صيرورتها لحما أصلب من العلقة وأقوى وأحفظ للمخ المودع فيها واللحم هو كسوتها والرباطات تمسك أجزاءها وتشد بعضها بعضا والكبد الذي يأخذ صفو الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء وإلى الشعر والظفر والامعاء التي هي مجاري وصول الطعام والشراب إلى المعدة والعروق التي هي مجاري منفذة وإيصاله إلى سائر أجزاء البدن والمعدة التي هي
229
خزانة الطعام والشراب وحافظته لمستحقيه والقلب الذي هو منبع الحرارة ومعدن الحياة والمستولي على مملكة البدن والرئة التي تروح عن البدن وتفيده الهواء البارد الذي به حياته واللسان الذي هو بريد القلب وترجمانه ورسوله والسمع الذي هو صاحب أخباره والبصر الذي هو طليعته ورائده والكاشف له عما يريد كشفه والأعضاء التي هي خدمه وخوله والرجلان تسعى في مصالحه واليد تبطش في حوائجه والأسنان تفصل قوته وتقطعه والعروق توصله إلى أربابه والذكر آلة نسله وأنثياه خزانة مادة النسل والكبد للغذاء وقسمته وهي في الحيوان بمنزلة شرش الشجر والنبات تجدب الغذاء وترسله إلى جميع الأجزاء وآلات الغذاء خدم له والقلب للأرواح الذي به حياة الحيوان وآلات النفس خدم له والدماغ معدن الحس والتصور والحواس خدم له والأنثيان معدن التناسل والذكر خدم لهما وهذه الأعضاء هي رأس أعضاء البدن
فصل
وأما آلات الغذاء فثلاثة أقسام آلة تقبل الغذاء وتصلحه وتفرقه وترسله إلى جميع البدن وآله تقبل فضلاته وآلة تعين في إخراج ثفله وما لا منفعة في بقائه فالآلات القابلة هي الفم والمريء والبطن والكبد والعروق الموصلة إلى الكبد والعروق الموصلة منها إلى البدن
فصل
وأما الآلات القابلة للفضلات فالمرارة تقبل ما لطف منها والطحال يقبل كثيفها والكلى والمثانة يقبلان المتوسط والكبد موضوعة في الجانب الأيمن وتأخذ يسيرا للجانب الأيسر وهذا لحكمة بديعة وهي أن القلب في الجانب الأيسر أقرب وهو معدن الحار الغريزي فتجنب عند الكبد قليلا لئلا يتأذى بحرارتها وجعل في أوعية الغذاء قوى خادمة له فالفم مع كونه يقطع الغذاء ويطحنه يحيله ويغيره والمريء مع كونه منفذا إلى المعدة يغيره تغييرا ثانيا والمعدة مع كونها خزانة حافظة له تنضجه وتطبخه وتغيره تغييرا
230
ثالثا وتهضمه وتنفي منه مالا يصلح وتخرجه وتدفعه إلى مخرج الثفل فإن الطعام إذا استقر في المعدة اشتملت عليه وانضمت غاية الانضمام ثم أنضجته بحرارتها ثم تتولاه الكبد وتشتمل عليه وتقلبه دما خالصا ثم تقسمه على جميع الأعضاء قسمة عدل لا جور فيها ولا حيف ولما كانت المعدة حوض البدن الذي يرده أجزاء البدن من كل ناحية اقتضت الحكمة الإلهية جعلها في وسطه وخالص الغذاء يتأدى إلى الكبد من شعب كثيرة ويجتمع في موضع واحد واسع يسمى باب الكبد وجميع العروق التي تتصل بالمعدة والأمعاء والطحال تجتمع وترتقي إلى باب الكبد والمعدة تجذب الموافق ويبقى المخالف المنافي الذي عجزت قوتها عنه ثم أن الكبد تصفيه وتنقيه بعد اجتذابه مرة أخرى وتنفي عنه غير الموافق وقد أعد الصانع الحكيم سبحانه لتنقية الدم من الكبد ثلاثة خدام فارهين قائمين بالمرصاد بلا كسل ولا فتور وقد وضع كلا منها في المكان اللائق به ونصبه نصبة بها يكون أمكن من عمله ولما استقر الغذاء في المعدة وطبخته وأنضجته صارت فضلاته ثلاثة فضلة كالدردي الراسب وفضلة كالرغوة والزبد الطافي وفضلة مائية فجعل كل خادم من هذه الخدام الثلاثة على فضلة لا يتعداها إلى الأخرى ليجذبها من مجرى خادم الفضلة الخفيفة الطافية وهي للصفرة المرارة نصبها الرب تعالى فوق الكبد لأن المجتذب هو الفضلة الطافية ومكانها فوق مكان الدردي الراسب وخادم الفضلة التي هي كالدردي الراسب الطحال ونصبه الخلاق العظيم أسفل من باب الكبد حيث كان ما يجتذبه من أسفل ولم يكن في الجانب الأيمن لأن المعدة قد شغلت ذلك الجانب وكان الجانب الأيسر خاليا فلم تعده فإذا نقي الدم من هاتين الفضلتين خدمه الخادم الثالث وهو الكبد وقد بقي أحمر نقي اللون مشرقا نورانيا ويصل إليها من عرق عظيم يسمى الأجوف ثم يوزع من هناك على جهات البدن العليا والسفلى في رواضع كثيرة العدد ما بين كبير وصغير ومتوسط كلها تتصل بالعرق الاجوف وتمتاز منه وما دام الدم في هذا العرق ففيه مائية غير محتاج إليها لأنها كانت بتركب الغذاء
231
فلما وصل إلى مستقره استغنى عنها فاحتاج ولا بد إلى إخراجها ودفعها ولو لم يبادر إلى ذلك أضرت به فخلق الله سبحانه الكليتين يمتصان هذه الفضلة بعنقين طويلين كالأنبوبتين ويفرغانها في المثانة بعرقين آخرين وضعهما سبحانه أسفل من الكبد قليلا حيث يكون أمكن لتخليص المائية كما تروق العصارات وأما المرارة فوضعها الله سبحانه فوق الكبد لأنها بمنزلة السفنجة أو القطنة التي يقطف بها الدهن عن وجه الرطوبات وأما الطحال فوضعه أميل إلى أسفل لأنه بمنزلة ما يجتذب الأشياء المصونة إذا رسبت
فصل
إذا تنقى الدم من هذه الفضلات كلها وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الإصلاح عمل ملك الأعضاء والجوارح وهو القلب فيه عملا آخر فقصده بحرارة آخرى وهي أقوى من حرارة الكبد
فصل
وجعل سبحانه في المعدة أربع قوى قوة جاذبة للملائم وقوة منضجة له وقوة ممسكة له وقوة دافعة للفضلة المستغنى عنها منه ورئيس هذه القوى هي القوة المنضجة وسائرها خدم لها وخصت المعدة عن سائر الأعضاء بأن أودع فيها قوة تحس بالعوز والنقصان وخاصتها تنبيه الحيوان لتناول الغذاء عند الحاجة وأما سائر الأعضاء فإنها تتغذى بالنبات باجتذاب الملائم إليها ولما احتاجت المعدة إلى قوة وحس بالعوز ولم يكن ذلك إلا من معدن الحواس وهو الدماغ أتاها روح لعصب عظيم فأنبت أكثرها في فمها وما يليه وباقيه مستقيا حتى بلغ قعرها فإن قيل فما الحكمة في أن باعد الله سبحانه بين المعدة والفم وجعل بينهما مجرى طويلا وهو المريء وهلا اتصلت المعدة بالفم واستغنت عن المريء قيل هذا من تمام حكمة الخالق وفيه منافع كثيرة منها أن يحصل للغذاء تغير
232
ما في طريق المجرى فيلطف قبل وصوله إليها ومنها بعده عن آلة التنفس لئلا تعوقه وتعوق الصوت والكلام وأن لا تنقلب المعدة إلى خارج عند شدة الجوع كما يعرض ذلك للحيوان الشره إذا كان قصير العنق فإن قيل فلم كانت إلى الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن قيل ليتسع المكان على الكبد ولا ينحصر فإن قيل فهلا كانت مستقيمة في وضعها بل مال أسفلها إلى الجانب الأيمن قيل ليتسع المكان على الطحال حيث كان أخفض موضعا من الكبد فإن قيل فلم جعلت مستطيلة مدورة وجعلت مما يلي الصلب مسطحة قيل لما وضعها الله بين الكبد والطحال جعلها مستطيلة وكانت مستديرة لتتسع للطعام والشراب وكان أسفلها أوسع من أعلاها لذلك وجعل لها مدخلا وهو المريء ومخرجها يسمى البواب وجعل البواب أضيق من المريء لأن ما تبتلعه يكون أصلب وأخشن مما تخرجه فجعل مدخل الداخل أوسع من مخرج الخارج لإنضاجه في المعدة ولينه ولحكم آخر منها أن لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه ولتقوى المعدة على حبسه وليخرج أولا فأولا لا دفعة واحدة والمريء يتسع بالتدريج حتى يبلغ المعدة ولذلك يظن أنه جزء منها وأما البواب فإن الجزء الضيق منه يتصل بأسفلها الذي هو أوسعها ثم يتسع على التدريج ليسهل خروج الفضلة
فصل
والكبد منطبقة على المعدة محتوية عليها بزوائدها لتسخنها والطحال يسخنها من الباب الأيسر والصلب يسخنها من خلف والترائب من قدامها والترائب مؤلفة من طبقتين رقيقتين تنطبق إحداهما على الأخرى بشحم كثير وهو غشاء الأمعاء كلها ولباسها ثم غشي البطن كله بغشاء واحد يقي الأحشاء ويمنع من انفتاح المعدة والأمعاء بالرياح ويربط جملة آلات الغذاء ولم يجعل في الكبد تجويف كتجويف القلب لتحتوي على الدم احتواء ممكنا وتحيله حال بليغة وللكبد ثلاث شباك من العروق شبكة بينها وبين المعدة والأمعاء
233
وشبكة في مفرعها وشبكة في مجذبها فالشبكة الأولى تجذب الغذاء وتحيله بعد أن أحاله وفي الشبكة الثانية يصير دما وفي الشبكة الثالثة يزداد صفاء وترويقا وللكبد بالقلب والدماء اتصال بشظلة من العصب خفية كنسج العنكبوت ولما كانت النفس المعدية بمنزلة حيوان عاد وحشي وكل جسم يموت فلا بد أن تتصل به هذه النفس وتغذوه بخلاف النفس المفكرة التي محلها الدماغ وبخلاف النفس الغضبية التي محلها القلب فالنفس المفكرة تستعين بالنفس الغضبية على تلك النفس الحيوانية العادية الوحشية فاقتضت حكمة الخالق سبحانه أن وصل بين محل هذه الأنفس الثلاثة ليذعن بعضها لبعض ولا تنكر تسمية هذه القوى نفوسا فليس الشأن في التسمية فأنت تجد فيك نفسا حيوانية تطلب الطعام والشراب ونفسا مفكرة سلطانها على التصور والعلم والشعور ونفسا غضبية سلطانها على الغضب والإرادة وتضرب كل واحدة منها فيما جعلت إليه وبعضها عون لبعض فمحل النفس الحيوانية الكبد ومحل المفكرة الدماغ ومحل الغضبية القلب
فصل
وتأمل الحكمة في أن جعلت صفاقات عروق الكبد أرق من صفاقات سائر عروق البدن لينفذ إلى الكبد جوهر الدم بسرعة وهي مع ذلك غير محتاجة إلى الوقاية لأن الكبد تحوزها بلحمها وإنما وضعت مجاري المرة الصفراء بعد العروق التي تصعد الغذاء من المعدة وقبل العروق التي تأخذ الدم منها لأن هذا الموضع هو بين موضع كمال الطبخ وبين موضع انتقاله إلى العرق الأجوف وحينئذ يمكن انفصال المرة عن الدم وجمعت العروق كلها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد وهو الأجوف لتجيد بقسميها إنضاج ما تحتوي عليه ولئلا ينفذ بسرعة وكذلك كل موضع احتيج فيه إلى طول مكث المادة هيء بقاؤها فيه بطول مسلكها وكثرة تعاريجه كما فعل في مجاري المني وشبكة الدماغ وهذا شأن العروق الجواذب وأما العروق الضوارب فبالعكس من ذلك فانها جمعت في مقعر الكبد دون مجده بها لأنه موضع الدم وحاجته
234
إلى التغذية بالحرارة ماسة قال جالينوس ولا تقع العروق الضوارب في مجذب يعلم الخالق سبحانه أن جذبه الكبد لأنها تتحرك دائما بمجاورة الحجاب فيقوم لها ذلك مقام حركة العروق الضوارب وجعلت هذه العروق الضوارب رقاقا لأنها إنما وضعت لترويح الكبد لا لتغذيتها ولا لاتصال روح إليها إذ ليس بالكبد حاجة إلى قبول روح حيواني كثير ولا يحتاج لحمها إلا إلى غذاء لطيف بخاري
فصل
وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها ووصل بها رباطات من جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشده بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها
نحن خلقناهم وشددنا أسرهم شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولا ببعض ولما كان الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما المعدة والكبد بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله فبوعدت المعدة عنه بطول مجراها
فصل
وأما الطحال فبعضهم يقول إنه لا نفع فيه وإنما شغل المكان به لئلا يبقى فارغا فيميل أحد شقي البدن بثقل الكبد فجعل موازنا للكبد
235
قلت وهذا غلط من وجه وصواب من وجه أما الصواب فمن الحكم العجيبة جعل الطحال في الجانب الأيسر على موازنة الكبد لئلا يميل الشق الأيمن بها ولا يمكن أن تقوم المعدة بموازنة الكبد لأنها دائما تمتلئ وتخلو فتارة تكون أخف من الكبد وتارة أرجح منها فيصير البدن مترجحا أو يميل إلى شق الكبد وقتا وإلى شق المعدة وقتا آخر فجعل الخالق سبحانه الطحال يوازن الكبد وجعل المعدة بينهما في الوسط لئلا يثقل جانب ويخف جانب آخر عند امتلائها وخلوها فلما جعلت وسطا لم يختلف وضع البدن باختلافها وأما الغلط فقوله إنه لا منفعة فيه وإنما يشغل المكان لئلا يبقى فارغا فإنه وإن لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها فإن عدم العلم بالمنفعة لا يكون علما بعدمها ولا شيء في البدن خال عن المنفعة ألبتة وفي الطحال من المنافع أنه يجذب الفضلة الغليظة العكرة السوداء من الكبد نوعا من جنس العروق كالعنق له فإذا حصلت تلك الفضلة عنده أنضجها وأحالها وهو ينضج غليظ الدم وعكره كما ينضج قولون غليظ الغذاء ويابسه ويستعمل في فعله العروق والضوارب الكثيرة المبثوثة فيه كلها فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاء له ومالم يمكن أن ينقلب إلى الدم الموافق له قذفه إلى المعدة بعنق آخر من جنس العروق وإنما أمكنه جذب الفضل الأسود بقوة لحميته لأنه رخو متحلحل خفيف كالاسفنج ولما اتصلت به العروق الضوارب الكثيرة استغنى بها عن إنضاج الفضول السوداء ليبقى لحمه خفيفا متحلحلا لأن دم الشرايين رقيق لطيف قريب طبيعته البخار فما اغتذى به كان نحيفا كالرئة ولكن الرئة تغتذى بما صفا ورق وأشرق وكان أحمر ناريا وكذلك الرئة كانت أخف وزنا منه وأسخف جرما ومائلة إلى البياض وأما الطحال فيغتذى بماء لطيف من الخلط الأسود المنطبخ في الشرايين فيستريح منه البدن ويغتذى به الطحال فالطحال يغتذى بغذاء لطيف من غذاء الكبد لأنه يرشح إليه من الشرايين التي صفا فأيهما يحبه جدا ولأجل سواد تلك الفضلة وكونها عكرة في الأصل لم يكن لون الطحال أحمر ولا مشرقا
236
فأما الكبد فتتغذى بدم غليظ فاضل يرشح إليها من العروق غير الضوارب فلجودة غذائها كان لونها أحمر ولفضلته كانت كثيفة فالكبد تغتذى بدم أحمر غليظ والطحال بدم أسود لطيف والرئة بدم صاف مشرق في غاية النضج قريب من طبيعة الروح فجوهر كل عضو على ما هو عليه غذاؤه ملائما له فالغاذي شبيه بالمغتذى في طبعه وفعله وهذا كما أن حكمة الله سبحانه في خلقه فيه جرت حكمته في شرعه وأمره حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده لأنهم إذا اغتذوا بها صارت جزءا منهم فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم إذ الغاذي شبيه بالمغتذي بل يستحيل إلى جوهره فلهذا كان نوع الإنسان أعدل أنواع الحيوان مزاجا لاعتدال غذائه وكان الاغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذى بها قوة شيطانية سبعية عادية على الناس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها إلا إذا عارضها مصلحة أرجح منا كحال الضرورة ولهذا لما أكلت النصارى لحوم الخنازير أورثها نوعا من الغلظة والقسوة وكذلك من أكل لحوم السباع والكلاب صار فيه قوتها ولما كانت القوة الشيطانية عارضة ثابتة لازمة لذوات الأنياب من السباع حرمها الشارع ولما كانت القوة الشيطانية عارضة في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها ولما كانت الطبيعة الحمارية لازمة للحمار حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية ولما كان الدم مركب الشيطان ومجراه حرمه الله تعالى تحريما لازما فمن تأمل حكمة الله سبحانه في خلقه وأمره وطبق بين هذا وهذا فتحا له بابا عظيما من معرفة الله تعالى واسمائه وصفاته وهذا هو الذي حركنا لبسط القول في هذا المقام الذي لا يكاد يرى فيه إلا أحد الطريقين طريق طبيب معترض للوحي مقلد لبقراط وطائفته قد عبرت عينه على الرسل وما جاءوا به وهو ممن قال تعالى فيه
فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون وطريق من يجحد ذلك كله ويكذب قائله ويظن منافاته للشريعة فيجحد حكمة الله تعالى في خلقه وإبداعه في صنعه وكلا الطريقين مذموم وسالكه من الوصول إلى الغاية محروم فلا نكذب بشرع الله ولا نجحد حكمة الله وأكثر ما أفسد الناس أنهم لم يروا إلا طبائعيا زنديقا منحلا عن الشرائع أو متساهلا قادحا فيما جرت به حكمة الله ومشيئته في خلقه
237
منكرا للقوى والطبائع والاسباب والحكم والتعليل فإذا أراد الأول أن يدخل في الإسلام صده جهل هؤلاء ومكابرتهم للقول والحس وإذا أراد الآخر أن يدخل في معرفة الحكم والغايات وما أودع الله في مخلوقاته من المنافع والقوى والأسباب صده زنادقة هؤلاء وكفرهم وإعراضهم عما جاءت به الرسل وقدحهم فيما عندهم من العلم فيختار دينه على عقله ويختار ذلك عقله وما استقر عنده مما لا يكابر فيه حسه ولا عقله على الدين وهذا قد بلى خلق الأطباء والطبائعيين فهو عنده أحد أنواع أدلة التوحيد والمعاد وصفات الخالق وما أخبرت به الرسل هو من أظهر أدلته ولا يزداد الباطن فيه إلا إيمانا وما أخبرت به الرسل لا يناقض ما جرت به عادة الله وحكمته في خلقه من نصب الأسباب وترتيب مسبباتها عليها بعلمه وحكمته فمصدر خلقه وأمره علمه تعالى وحكمته وآلاء الرب تعالى لا تتعارض ولا تتناقض ولا يبطل بعضها بعضا والله أعلم
فصل
والكبد والطحال متقابلان والمعدة بينهما والعروق الضوارب تتصل بها المعدة والقلب بمنزلة التنور أو بمنزلة أتون الحمام يسخن ماءه وله إلى كل بيت منفذ ينفذ منه وهج النار إليه وكذلك الحار الغريزي الذي منبعه من القلب ينفذ في مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخنها
فصل
وجعلت الأعضاء مسلكا مؤديا والمعدة هي الآلة لهضم الغذاء واستمرائه والأمعاء تؤدي ذلك إلى الكبد ولما كانت الامعاء آلة الأداء والاتصال كثرت لفائفها وطولها وكانت العروق التي تأتيها من الكبد لا تحصي كثرة لينفذ فيها الغذاء أولا فأولا وتفيضه يسيرا يسيرا فلولا تطويل لفائف الأمعاء لكان يخرج قبل اخذ خاصيته وكان يعرض إليهم بشهوة الأكل دائما وكان الإنسان يعدم التفرغ لمصالحه وسائر أعماله وكان دائما مكبا على الغذاء ولهذا صار الحيوان
238
الذي ليس لأمعائه استدارات بل له معي واحد مستقيم مكبا على الغذاء دائما عديم الصبر عنه كالفيل وأما مالأمعائه استدارات فإنه إذا فارقه الغذاء أو بعضه في الاستدارة الأولى صادفه في الثانية فإن هو فاته في الثانية صادفه في الثالثة والرابعة والخامسة كذلك فيمكن صبره على الغذاء حكمة بالغة وما ينفذ إلى الأمعاء يبعث من العروق الضاربة ويأخذ من الغذاء جزءا يسيرا لطيفا وأما العروق غير الضاربة فهي مجاري الغذاء بالحقيقة فاخذت أكثره وأما العروق الضاربة فجعلت مسلكا للأرواح المنبعثة من القلب فاستغنت بقليل الغذاء وجعل للقلب وصلة بالامعاء ليحسنها أولا ويمدها بقوة الحار بإذن خالقه ثم يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغنى عن فعل الكبد للطاقة جوهره فإن هذا الجزء لو حصل في الكبد لم يؤمن إحراقه وفساده فلا ينتفع به القلب ثم يأخذ منها عند شدة الحاجة وصدق المجاعة فيتعجل ذلك من أدنى المواضع ولذلك يشاهد من أكل مسنبة شديدة يحس بزيادة ونماء في كل أعضائه حتى يمر الطعام بالمعدة قبل استقراره فيها فسبحان من أتقن ما صنع ولما كانت المعدة آلة هضم الغذاء والأمعاء آلة دفعه جعل للأمعاء طبقتان ليقوى دفعها بهما جميعا وليكون حرزا لها وحفظا ولذلك من تعرض له قرحة الامعاء بانجراد أحد الصفاقين يبقى الآخر سليما وجعلت الامعاء الغلاظ لقذف الثفل والرقاق لتأذية الغذاء والسبب في أن صار الإنسان لا يحتاج إلى تناول الغذاء دائما كثرة لفائف أمعائه والسبب المانع من قذف الفضول دائما سعة الأمعاء الغلاظ التي تقوم لها مقام وعاء آخر شبيه بالمعدة في السعة كما أن المثانة وعاء للبول كذلك
فصل
ونحن نذكر فصلا مختصرا في هذا الباب يجمع شتات ذلك بإيضاح وإيجاز إن شاء الله تعالى وبه الحول والقوة فنقول
239
المريء موضوع خلف الحلقوم ومما يلي فقار الظهر وينتهي في ذهابه إلى الحجاب وهو مشدود برباطات فإذا أبعد مال إلى الجانب الأيسر واتسع وذلك المتسع هو المعدة وأسفلها يعود مائلا إلى اليمين والمعدة مقر طبخه وفمها هو المسدف منها ويسمونه الفؤاد وهذا من غلطهم إلا أن يكون ذلك اصطلاحا خاصا منهم والفؤاد عند أهل اللغة هو القلب قال الجوهري الفؤاد القلب وقال الأصمعى وفي الجوف الفؤاد وهو القلب وقد فرق بعض أهل اللغة بين القلب والفؤاد فقال الليث القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط وقالت طائفة مسدف القلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة ففرق بينهما ووصف القلب بالرقة والأفئدة باللين وأما كون فم المعدة هو الفؤاد فهذا لا نعلم أحدا من أهل اللغة قاله وتأمل وصف النبي صلى الله عليه وسلم القلب بالرقة التي هي ضد القساوة والغلظة والفؤاد باللين الذي هو ضد اليبس والقسوة فإذا اجتمع لين الفؤاد إلى رقة القلب حصل من ذلك الرحمة والشفقة والاحسان ومعرفة الحق وقبوله فإن اللين موجب القبول والفهم والرقة تقتضي الرحمة والشفقة وهذا هو العلم والرحمة وبهما كمال الانسان وربنا وسع كل شيء رحمة وعلما فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول المعدة مع المريء ذات طبقتين لطيفتين واللحم في الطبقة الداخلة أقل ولهذا يغلب عليها البياض وهي عصبية حساسة وهي في الطبقة الخارجة أكثر ولهذا يغلب عليها الحمرة وهي مربوطة مع الفقار برباطات وثيقة وتنتهي من جهة قعرها إلى منفذ هو باب المعدة وبوابها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدة هضمه ويقال لباطن جرم المعدة خمل المعدة والأمعاء المصارين وهو جمع مصران بضم الميم وهو جمع مصير
240
وسمي مصيرا لمصير الغذاء إليه والسفلي يقال لها الاقتاب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فتندلق أقتاب بطنه والعليا أرق من السفلى لما تقدم من الحكمة فأعلى الرقاق يسمى الاثني عشر لأن مساحته اثنا عشر إصبعا ويليه المسمى بالصائم لقلة لبث الغذاء فيه لا لأنه يوجد أبدا خاليا كما ظنه بعضهم فإن هذا باطل حسا وشرعا كما سنذكره والثالث المسمى بالرقيق واللفائف وهو أطول الأمعاء وأكثرها تلافيف ولبث الغذاء فيه أطول والعروق التي تأتيه من الكبد أقل وأما اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن قصيران ويقل لبث الغذاء فيهما وهو في الصائم أقل لبثا وهذه الثلاثة تسمى الأمعاء العليا والأمعاء الرقاق وهي كلها في سعة البواب وأما الدامع وهو الأول من الثلاثة السفلي فيسمى الأعور لأنه لا منفذ له بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل وحكمته سبحانه أنه يتم فيه ما يعسر هضمه من الأشياء الصلبة كما يتم ذلك في قوانص الطيور ووضعه في الجانب الأيمن والخامس المسمى يقولون يبتدئ من الجانب الأيمن ويأخذ عرضا إلى الأيسر ويحتبس فيه الثفل وربما يستقضى ما فيه والسادس هو الآخر وهو المعي المستقيم لأنه مستقيم الوضع في طول البدن وهو واسع جدا يجتمع فيه الثفل كما يجتمع البول في المثانة وعليه الفضلة المانعة لخروج الثفل بدون الإرادة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
241
المؤمن يأكل في معنى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء فأطلق على المعدة أسم المعي تغليبا ولمشابهتها بالأمعاء لكون كل واحد من الأمعاء والمعدة محلا للغذاء وهذا لغة العرب كما يقولون القمران والعمران والركنان اليمانيان والشاميان والعراقيان ونظائر ذلك ولا سيما فإن تركيب الأمعاء كتركيب المعدة إذ هي مركبة من طبقتين لحمية خارجة وعصبية داخلة والطبقة الداخلة فيها لزوجات متصلة بها لتقيها من حر ألم البراز ورداءته كثيفة فلا تمسكه ولا يتعلق بها شيء منه ولما كان الكافر ليس في قلبه شيء من الإيمان والخير يغتذي به انصرفت قواه ونهمته كلها إلى الغذاء الحيواني البهيمي لما فقد الغذاء الروحي القلبي فتوفرت أمعاؤه وقواه على هذا الغذاء واستفرغت أمعاؤه هذا الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها كما امتلأت به العروق والمعدة وأما المؤمن فإنه إنما يأكل العلفة ليتقوى بها على ما أمر به فهمته وقواه مصروفة إلى أمور وراء الأكل فغذا أكل ما يغذيه ويقيم صلبه استغنى قلبه ونفسه وروحه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيواني فاشتغل معاه الواحد وهو قولان بالغذاء فأمسكه حتى أخذت منه الاعضاء والقوى مقدار الحاجة فلم يحتج إلى أن يملأ أمعاءه كلها من الطعام وهذا أمر معلوم بالتجربة وإذا قويت مواد الإيمان ومعرفة الله واسمائه وصفاته ومحبته والشوق إلى لقائه في القلب استغنى بها العبد عن كثير من الغذاء ووجد لها قوة تزيد على قوة الغذاء الحيواني فإن كثف طباعك عن هذا وكنت عنه بمعزل فتأمل حال الفرح والسرور بتجدد نعمة عظيمة
242
واستغناؤك مدة عن الطعام والشراب مع وفور قوتك وظهور الدموية على بشرتك وتغذية بالسرور والفرح ولا نسبة لذلك إلى فرح القلب ونعيمه وابتهاج الروح بقربه تعالى ومحبته ومعرفته كما قيل
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
عن الطعام وتلهيها عن الزاد
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه فإن المقصود من الطعام والشراب التغذية الممسكة فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفهما وأنفعهما فكيف لا يغنيه عن الغذاء المشترك وإذا كنا نشاهد أن الغذاء الحيواني يغلب على الغذاء القلبي الروحي حتى يصير الحكم له ويضمحل هذا الغذاء بالكلية فكيف لا يضمحل غذاء البدن عند استيلاء غذاء القلب والروح ويصير الحكم له وقد كان صلى الله عليه وسلم يمكث الأيام لا يطعم شيئا وله قوة ثلاثين رجلا ويطوف مع ذلك على نسائه كلهن في ليلة واحدة وهن تسع نسوة وهذا المسيح بن مريم صلى الله عليه وسلم حي لم يمت وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة وأنت تشاهد المريض يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب لاشتغال نفسه بمحاربة المرض ومدافعته واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في الأمعاء والمعدة مدة الحرب فإذا وضعت الحرب اوزارها رأيت شدة طلبه للغذاء فالخائف والمحب والفرح والحزين والمستولي عليه الفكر لا تطالبه نفسه بشيء من الغذاء كالخالي من ذلك
فصل
والكبد عضو لحمي تتخلله عروق رقاق وغلاظ وعلى الكبد غشاء عصبي حساس يحيط بها وينثني إلى غلافه والكبد هي الأصل في الغذاء وآلات الغذاء
243
خدم لها معينات فإن الإنسان لما كان كالشجرة المستقلة جعل له ما يقوم مقام النهر الجاري في أصول الشجرة يسقيها وهو الأمعاء والمعدة بمنزلة العين وتجري منها العروق مجرى السواقي وعروق الكبد المتصلة بالامعاء بمنزلة عروق الشجرة المتصلة بأرض الساقية تمتص الماء منها وتؤديه إلى الشجرة وأغصانها وورقها وثمارها وهذه العروق تمص الماء من الطين والثرى وكذلك عروق الكبد تمتص صفو الماء وخالصه من كلوليته وتحيله إلى طبيعة الأعضاء كما تفعل عروق الشجرة وشكل الكبد شكل هلالي محدب من ظاهره مقعر من باطنه وهي تحت الاضلاع الخمس ولها خمس شعب يقال لها الزوائد تحتوي على المعدة كما تحتوي الكف بأصابعها على الشيء المقبوض ويقال للشعبة الصغيرة منها خاصة زائدة الكبد وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سبعين ألفا من أهل الجنة يأكلون من زيادة كبد الحوت الذي هو طعامهم وهذا يدل على عظم قدر هذه الزائدة فما الظن بالكبد التي هي زائدته فكيف بالحوت الذي حواها ومقعرها يسمى المورد لأنه يورد الغذاء من المعدة والامعاء ويسمى باب الكبد ثم تتشعب هذه العروق من جانبيه بشعب تتصل بالامعاء وتسمى الجداول لشبهها بالسواقي الصغار وتؤدي إلى نقرة عظيمة ولهذه الجداول أغشية من فوقها ومن تحتها فتستدير مع الأمعاء العروق المتصلة بها وتسمى هذه الأغشية وما تحتوية المرابط
فصل
والعرق الثاني ينقسم في مجذبها إلى عروق صغار وأصغر منها حتى تبلغ غاية الرقة ثم تعود وتجتمع أول فأول على قياس ما تفرق وأخذ من كثرة إلى وحدة ومن رقة إلى غلظ حتى يجتمع منها العرق الخارج من الكبد المسمى بالأجوف ومنها يتأدى الدم إلى البدن كله وحين يخرج ينقسم إلى قسمين فيأخذ أحدهما نافذا في الحجاب نحو القلب ويسمى الوتين قال أهل اللغة الوتين عرق يسقي القلب قال في الصحاح الوتين عرق في القلب إذا انقطع
244
مات صاحبه وأصيب وتينه فهو موتون وقال الواحدي الوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه وهذا قول جميع أهل اللغة وأنشدوا للشماخ
إذا بلغتني وحملت رحلي
عرابة فاشرقي بدم الوتين
وقال ابن عباس وجمهور المفسرين هو حبل القلب ونياطه وأما الأبهر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا اوان انقطاع أبهري فقال الجوهري الأبهر عرق إذا انقطع مات صاحبه وهما أبهران يخرجان من القلب ثم تتشعب منهما سائر الشرايين وأنشدوا للأصمعي
وللفؤاد وجيب عند أبهره
لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
فصل
والمرارة موضوعة على الكبد ولها مجريان أحدهما متصل بتقعير الكبد يجتذب المرة الصفراء والآخر متصل بالامعاء العليا يصب في المرة ليغسلها ويجليها ويتصل منه السر بأسفل المعدة ليمتزج بالغذاء فيكون فيه معونة على هضمه
فصل
والقوة التي وكلها الله سبحانه وتعالى بتدبير البدن من أعظم آياته الدالة عليه فانها تفعل في الطعام والشراب الواردين عليه أفعالا متنوعة من تقطيع
245
وتفصيل وتمريخ وتحليل وتركب فمبدأ ذلك في الفم وهو تقطيعه بالأسنان ومضغه واختلاطه بالرطوبات التي فيه وانهضامه فيه انهضاما تاما ثم بعد ذلك عند وروده إلى المعدة تهضمه هضما آخر ويسمى الهضم الأول ويعيبها على هضمه ما يجاورها من الأعضاء فالكبد عن يمينها والطحال عن يسارها والقلب من فوقها والمريء أمامها والامعاء السبل الموصلة إليها والعروق الطرق المؤدية منها والحرارة النار الطابخة للطعام فيها والقوة الهاضمة والجاذبة والغاذية والدافعة خدم لها فإذا انهضم الطعام فيها صار كيلوسا شبيها بماء الكشك الثخين ثم نهتز صوبه ولطيفه فتقذفه العروق الرقاق الشعرية التي هي برقة الشعر وينجذب إلى الكبد فإذا ورد هذا اللطيف إلى الكبد اشتملت عليه بجملته فطبخته وهضمته وأحالته إلى جوهرها وصيرته دما ويسمى هذا الهضم الثاني ولما كان هذا الانضاج والطبخ يشبه طبخ القدر علاه شيء كالرغوة والزبد وهو الصفراء ورسب منه شيء مثل العكر وهو السوداء وتخلف عن تمام النضج شيء بقي على فجوجته وهو البلغم والشيء الذي يصفي ويبقى من ذلك كله هو الدم فاندفع من الكبد في العرق الأعظم المعروف بالأجوف بعد أن تصفت عنه المائية إلى آلة البول فيسلك هذا الدم في الأوردة المتشعبة من الجوف ثم في جداول متثقبة من الأوردة ثم في سواقي متثقبة من الجدوال ثم في رواضع مشتقة من السواقي ثم في عروق رقاق شعرية ثم يرشح من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به فتحله الأعضاء وتصيره لجوهرها فيصير في اللحم لحما وفي العظم عظما وفي العصب عصبا وفي الظفر ظفرا وفي الشعر شعرا وفي السمع والبصر وآلة الحس كذلك فتبارك من هذا صنعه في قطرة من ماء مهين
فصل
والدم هو الخليط الأصلي والغذاء الحقيقي للبدن والمخلف عليه بدل ما ينقص ويتحلل منه والأخلاط الأخر كالأبازير والتوابل وهي صنفان صنف لطيف وهو دم القلب وغليظ وهو دم الكبد ومثله مثل السلطان إذا كان وقورا حليما ساكنا عاشت به رعيته وإذا غضب واحتد قتل
246
فصل
وأما البلغم فخليط فج مستعد لين يستكمل نضجه عند عوز الغذاء إذ تولته الحرارة الغريزية فهضمته وصيرته دما فيكون في المعدة والأمعاء وفي الكبد عند قصور الهضم وفيه من المنفعة أنه يرطب البدن ويبل المفاصل لسلس حركاتها ويخالط الدم في تغذية الأعضاء البلغمية المزاج كالدماغ ولما كانت الاعضاء محتاجة أن يكون قريبا منها لترطبها لم يجعل له عضو يختص به لا سيما والأعضاء تغتذي به إذا أعوزها الغذاء
فصل
وأما الصفراء فخليط لطيف حار وحاجة البدن إليها في أن تخالط الدم وترقه بلطفها وتنفذه في المسالك الضيقة ولتعينه في تغذية الأعضاء الحارة اليابسة وما ينفصل عنها مما يستغنى عنه يتصفى إلى المرارة لتأخذ نصيبها منه وما تستغني عنه المرارة تصبه إلى الأمعاء ليغسلها عن لطخة الأثفال ولزوجتها ولتدع عضل المقعدة فيحس بالحاجة إلى التبرز
فصل
وأما المرارة السوداء فخليط بارد يابس وفيه من المنافع أنه ينفذ مع الدم في العروق ليشده ويقويه ويكفيه ويمسكه ويمنعه من سهولة الحرمة عند الحاجة إلى ذلك ويعينه على تغذية الأعضاء المحتاجة أن يكون في غذائها شيء من السوداء كالعظام وما اتصل منه وما استغنى عنه يصفي إلى الطحال فيصفيه الطحال جدا ويتغذى به ثم يجلب ما يستغنى عنه الطحال إلى فم المعدة فيدغدغه بالحموضة التي فيه فتتحرك الشهوة ويحس بالجوع فتطلب الأعضاء القصوى معلومها وراتبها من الأعضاء التي تليها وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها وهكذا حتى ينتهي الطلب إلى المعدة فالجوع طلب الأعضاء القصوى معلومها الأعضاء الدنيا
247
فصل
ولما اقتضت حكمة الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره حيث كان بدن الإنسان مشبها في أحواله بالمدينة أن يوجد فيه أعضاء رئيسية تقوم بمصالحها كما تقوم رؤساء المدينة بمصالحها وتكون لها بمنزلة الولاة والأمراء وأعضاء تكون خادمة لهذه الأعضاء الرئيسية فإن الرئيس لا يكون رئيسا إلا بمرءوس وهي بمنزلة الشرط والجلاوزة والنقباء وأن يوجد فيها أعضاء كالرعية وهي قسمان ماله اتصال بالرؤساء وإن لم يكن له اتصال خدمة وما لا اتصال له بهم بل هو مستقل بنفسه فالأعضاء إذا بهذا التقسيم اربعة أحدها الأعضاء الرئيسية المخدومة الثاني الأعضاء المرءوسة الخادمة الثالث الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة الرابع الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرءوسة
فصل
والأعضاء الرئيسية إنما استحقت الرياسة لشرفها إذ كانت هي الأصول والمعادن والمبادئ للقوى الأولية في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص والنوع وهي بحسب بقاء الشخص ثلاثة القلب والكبد والدماغ وبحسب بقاء النوع أربعة الثلاثة المذكورة والأنثيان وأما القلب فهو الذي جعله الخلاق العليم قائما بأمر البدن كقيام الملك بالرعية وهو أول عضو يتحرك في البدن وآخر عضو يسكن منه وهو مبدأ جميع الخلق وما يلحلقه من صلاح أو فساد يتأذى منه إلى غيره من الأعضاء وأما الكبد فهي العضو التي تقوم لحفظ الحياة إذ كانت هي التي تملأ الأعضاء بالغذاء ليبقى البدن محفوظا ما أمكن بقاؤه
248
وأما الدماغ فهو العضو القائم بأمر الحس والأدراك وتكميل الحياة إذ فيه آلات الاحساس التي بها يعرف النافع من الضار الملائم من المنافر وبه صارت الحياة نافعة صالحة متجاوزة لزينة حياة النبات وأما الانثيان فهما اللذان يقومان لحفظ بقاء النوع
فصل
وأما الأعضاء الخادمة كالرئة والشرايين الحاملة المؤدية من القلب الحرارة الغريزية والقوى والأرواح الحيوانية التي بها قوام البدن فهذان خادما القلب والمعدة والأوردة خادمان للكبد والأوردة تنفذ الدم الغاذي والقوي إلى جميع البدن والكبد خادمة الدماغ وكذلك الأعصاب التي بها يحصل الحس والحركة والأنثيان يخدمهما الأعضاء المؤدية للمني والمجاري المؤدية عنهما إلى مواضع التوالد
فصل
وأما الأعضاء المرءوسة بلا خدمة فهي أعضاء مختصة بقوى لها طبيعة بها يتم تدبيرها ويستقيم أمرها ولا يدفع ذلك أنه يقبض عليها من الأعضاء الرئيسية قوى تمدها بإذن الله تعالى كالأذن والعين والأنف فان كل واحد منها يقوم بأمر نفسه بما فيه من القوة الطبيعية التي أعطاها إياها الخالق سبحانه ولا يتم ذلك إلا بأن تأتيها قوة حساسة تنزل عليها من الدماغ بإذن الله تعالى
فصل
وأما الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرءوسة فهي التي اختصت بقوى غريزية فيها من أصل الخلقة في أول التكوين ليتم بها قوام أمرها وتدبيرها
249
في جلب المنافع ودفع المضار كالعظام والغضاريف وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء مثل الرباطات والأعصاب والأوتار والشرايين والأوردة والأغشية واللحم والعظام كالأساس والاسطوانات لبناء هيكل البدن فإن قيل هل في العظام قوة الاحساس وحياته أم لا قيل هذا موضع اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم وأرباب الطبيعة فيما بينهم فقالت طائفة لا حياة في العظام وإن كان فيها قوة النمو والاغتذاء قالوا إن الحياة إنما هي الروح الحيواني ولا حظ للعظام فيه قالوا ولأن مركب الحياة إنما هو الدم المنبث في العروق والأعصاب واللحم ولهذا لم يكن للشعر ولا للظفر نصيب من ذلك ولهذا لم يألم الإنسان يأخذه قالوا فحياة العظام والشعر حياة نمو واغتذاء وحياة أعضاء البدن حياة نمو وإحساس قالوا ولهذا قلنا إن العظام لا تنجس بالموت لأنها لم يكن فيها حياة تزول بالموت قالوا وزوال النمو لا يوجب نجاسة ما فارقه بدليل يبس الزرع والشجر قال آخرون الدليل على أن العظام تحلها الحياة قوله تعالى
قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة والحس يدل على ذلك أيضا فإن العظم يألم ويضرب ويسكن وذلك نفس إحساسه قالوا ولا يمكن إنكار كون العظام فيها قوة حساسة تحس بالبارد والحار قال الآخرون الإحساس والألم ليس للعظم في نفسه وإنما هو لما جاوره من اللحم قال المنازعون لهم هذا مكابرة ظاهرة فإن العظم نفسه يألم ولا سيما إذا تصدع ثم إن الأسنان والأضراس تحس بالألم الحار والبارد بأنفسها لا بمجاورها من اللحم ولهذا توسطت طائفة ثالثة وقالت عظام الأسنان خاصة لها الإحساس بخلاف سائر العظام وهؤلاء قد سلموا المسألة من مكان
250
قريب فإن الذي دل على إحساس الأسنان وحياتها هو الدال على حياة سائر العظام والشبهة التي ذكروها لو صحت لمنعت من إحساس الأسنان وأما حديث الطهارة والنجاسة فذاك لأمر آخر وراء الحياة من نجسها بالموت سوى بينها وبين اللحم ومن لم ينجسها وهو الراجح في الدليل فذاك لعدم علة التنجيس فيها وإن الموت ليس بعلة النجاسة وإنما هو دليل العلة وسببها والعلة هي احتقان الفضلات في اللحم والعظم برىء من ذلك والدليل على هذا أن الشارع لم يحكم بنجاسة الحيوان النامي الذي لا نفس له سائلة لعدم احتقان الفضلات فيه فلان لا يحكم بنجاسة العظم أولى وأحرى فإن الرطوبات التي في الذباب والعقرب والخنفساء أكثر من الرطوبات التي في العظم
فصل
والذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما سوى الصغار السمسميات التي أحكم بها مفاصل الأصابع والتي في الحنجرة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الانسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلا فإن كانت المفاصل هي العظام فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظاما صغارا لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم وإن كان المراد بالمفاصل المواضع التي تنفصل بها الأعضاء بعضها عن بعض كما قال الجوهري وغيره المفصل واحد مفاصل الأعضاء فتلك أعم من العظام فتأمله وإن السلاميات المذكورة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقه فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة الحديث فالسلامي العظم وجمعه سلاميات فهنا ثلاثة أمور
251
أعضاء وعظام ومفاصل وجعل الله سبحانه العظام أصلب شيء في البدن لتكون أسا وعمدة في البدن إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام حتى القلب كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهي حاملة للأعضاء والحامل أقوى من المحمول ولتكون وقاية وجنة أيضا كالقحف فإنه وقاية الدماغ وعظام الصدر وقاية له وجعلت العظام كثيرة الفوائد ومنافع عديدة منها الحركة فإن الإنسان قد يحتاج إلى حركة بعض أجزائه دون بعض وقد يحتاج إلى حركة جزء من عضو ومنها أنه لو كان على عظم واحد لكان إذا أراد أن يتحرك تحرك بجملته ومنها أنه كان يتعذر عليه الصنائع والحل والربط ومنها أنه إذا أصابه آفة عمت جميع البدن فجعلت العظام كثيرة ليكون متى نال بعضها آفة لم تسر إلى غيره وقام غيره من العظام مقامه في تحصيل تلك المنفعة ومنها تعذر المنافع التي حصلت بسبب تعدد العظام ولولا كثرتها وتعددها لفاتت تلك المنافع ومنها أن من العظام مايحتاج البدن إلى كبيره ومنها ما يحتاج إلى صغيره ومنها ما يحتاج إلى مستطيله ومنها ما يحتاج إلى مجوفه ومنها ما يحتاج إلى محنيه ومنها ما يحتاج إلى مستقيمه ولا يحصل ذلك إلا بتعدد العظام ومنها بديع الصنع وحسن التأليف والتركيب وغير ذلك من الفوائد ثم شد الخالق بعضها إلى بعض بالرباطات والأسر المحكم ثم كساها لحما حفظا لها ووقاية ثم كسى اللحم جلدا صونا له ولما كانت الفضلات تنقسم إلى لطيفة وغليظة جعل الله سبحانه للغليظة منها مجاري تنجذب فيها إلى أسفل ويخرج منها خروجا ظاهرا للحس وأما اللطيفة فهي الفضلات البخارية ولما كان من شأنها أن تصعد إلى فوق وتخرج عن البدن بالتحليل جعل في العظام العليا منها منافذ يتحلل منها البخار المتصاعد فلم تكن تلك المنافذ محسوسة لئلا يضعف صوان الدماغ وهو القحف بوصول الأجسام المؤذية إليه فجعل الدماغ مركبة من عظام كثيرة ووصل
252
بعضها ببعض بوصل يقال لها الشئون ومنه قولهم فلان لم تجمع شئون رأسه ويشتمل الرأس بجملة أجزائه على تسعة وخمسين عظما وجعل القحف مستديرا تاما في مقدمه ومؤخره وجانبيه بمنزلة غطاء القدر وعظامه ستة وهي عظم اليافوخ وعظم الجبهة وعظم مؤخر الرأس والعظمان اللذان فيهما ثقبا السمع وفي كل واحد من الصدغين عظمان مصمتان وعظام اللحى الأعلى أربعة عشر عظما ستة منها في محاجز العينين وإثنان للأنف واثنان تحت الأنف وهما المثقوبان إلى الفم واثنان في الوجنتين واثنان تحت الشفة العليا وأما العظم الشبيه بالوتد فهو واحد وهو كالقاعدة للرأس وعظام اللحى الأسفل اثنان وهما متصلان في وسط الذقن وبينهما بنيان ويتصلان من فوق باللحى الأعلى اتصالا مفصليا والأسنان اثنان وثلاثون في كل لحى ستة عشر أربع ثنيات وتليها الرباعيات وتليها النابان ويليهما الأضراس خمسة من هنا وخمسة من هنا والنواجذ أول الأضراس وهما ناجذان في كل ناحية ناجذ وربما نقصت النواجذ في بعض الأفراد وكان في كل جانب أربعة أضراس وقد سلم الله غذاء الإنسان إلى يده فتأخذه فتسلمه إلى شفتيه فتسلمه الشفتان إلى الأنياب والثنايا فتفصله ثم تسلمه إلى الأضراس فتسلمه وتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان والفم فيعجنه ثم يسلمه إلى الحلقوم والمريء فيسلمه ويوصله إلى المعدة فتطبخه وتنضجه وتصلحه كما ينبغي ثم تسلمه إلى الكبد فيتسه منها ثم يرسل منه إلى كل عضو راتبه ومعلومه ثم تصب قربة الصفراء في المرارة السوداء في الطحال والثفل يخرجه عنها كما تقدم بيانه
253
فصل
والرأس يقال بالعموم على ما يقله العنق بجملته ويقال بالخصوص على الفروة وهي جلدة الرأس حيث منبت الشعر والجمجمة العظم الذي يحوي الدماغ وهي مؤلفة من سبع قطع متقابلة تسمى القبائل وتسمى مواضع التآليف شئونا ووسط الجمجمة يسمى الهامة وحد الهامة من الجانبين قرن الرأس وحد الهامة من المقدم اليافوخ ومن المؤخر القمحدوة وهي ما يصيب الأرض من رأس المستلقي على ظهره ولها ثلاث حدود نقرة القفا والقذالان فنقرة القفا حدها من آخر الوسط والقذالان جانبا النقرة وقد تقدم تفصيل القبائل السبع وسنظهر الجمجمة عما يحيط بها السمحاق وسطها غشاوتان إحداهما تلي الجمجمة وهو أثخنهما وأصلبهما والآخر يكتنف الدماغ ويحيط به ويخالطه ويقال لكل منهما أم الدماغ ويسميان الأمان ومنه الآمة والمأمومة التي فيها ثلث الدية وهي الجراحة التي تبلغ أم الدماغ ويقال لها تجويف الدماغ وبطن وهي ثلاث بطون وبين بطني الدماغ اللذين في مؤخره ووسطه مجرى فيه قطعة من الدماغ مستطيلة شبيهة بالدودة ينسد ذلك المجرى وينفتح بها وتحت الدماغ سبلة مبسوطة مؤلفة من عروق ضوارب يتولد منها روح نفساني ينفذ إلى البطنين اللذين في مقدم الدماغ وفي الدماغ البركة والحوض والقمع والدودة والبطون والأغشية ومبادئ الأعصاب ويحتوي الدماغ على ثلاث خزائن نافذ بعضها إلى بعض وتسمى بطونا فالأولى في مقدمه تنقسم إلى قسمين والثانية في وسطه والثالثة في مؤخره وجوهر الدماغ مخي متزرد الشكل كأنه زرد مجموع والروح النفساني مثبت في خلل الزرد والدماغ مقسوم في طوله لنصفين متضامين والتنصيف في مقدم الدماغ أظهر والغشاءان يدخلان في فصول الدماغ وتزريده والصلب منهما يدخل بطونا بين جزءي البطن المقدم فيحجز بينهما وتحته مصفى كالبركة تسمى المعصرة تصب في العروق الدم المنضج وتنبعث في جداول تسقي البطن المقدم
254
وتجتمع إلى عرقين كبيرين يحملان الدم إلى البطن الأوسط والمؤخر والبطن الأوسط كدهليز ومنفذ بين المقدم والمؤخر وسقفه معقود كالأزج والدماغ موضوع طولا على زائدتين متقاربتين فيتماسان ويتباعدان إلى الانفراج فيفتح الدهليز ويتراءى البطنان المقدم والمؤخر والجزء المؤخر أخفى تدويرا من المقدم وأصغر زردا وهو كرى الاستطالة ويستدق على التدريج حتى يسيل منه النخاع كالجدول من العين وفي الدماغ مجريان أحدهما في آخر المقدم والمؤخر في الأوسط لدفع فضوله ويجتمعان عند منفذ واحد عميق أولهما في الغشاء الرقيق والآخر في الغشاء الصلب يأخذ إلى ضيق كالقمع ولما كان الدماغ مبدأ حركات البدن إلى إرادته ولم يكن به حاجة إلى الحركة القوية فحوط عليه بسور من عظام بخلاف المعدة والكبد والرحم وسائر آلات الغذاء فإنها لما احتاجت إلى أن تتسع وتمتلئ بالغذاء فتحمل مرة بعد أخرى وأن تعصر الفضول فتخرجها والعظم يمنع من ذلك ويكتفي فيه الفصل وحده فأحيط عليه بسور من عظم وأما الصدر فإنه لما احتاج إلى الوثاقة بالعظام وإلى الحركة بالفصل ألف الصدر منهما وكان البطن أوسع من الصدر لما يحل بها من آلات الغذاء والتنفس والطحال والمريء وغيرها
فصل
فاستقبل الآن النظر في نفسك وانظر إلى المبدأ الأول وهو النطفة التي هي قطرة مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب وكيف أوقع المحبة والألفة بين الذكور والإناث ثم قادهما بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع ثم استخرج النطفة من الذكر بحركة الوقاع من أعماق العروق وجمعها في الرحم في قرارمكين لا تناله يد ولا تطلع عليه شمس ولا يصيبه هواء ثم صرف تلك النطفة طورا بعد طور وطبقا بعد طبق وغذاها بماء الحيض
255
وكيف جعل سبحانه النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم في الظلمات الثلاث ولو كشف لك الغطاء لرأيت التخطيط والتصوير يظهر في تلك النطفة شيئا بعد شيء من غير أن ترى المصور ولا آلته ولا قلمه فهل رأيت مصورا لا تحس آلته ولا تلاقيها ثم تأمل هذه القبة العظيمة التي قد ركبت على المنكبين وما أودع فيها من العجائب وما ركب فيها من الخزائن وما أودع في تلك الخزائن من المنافع وما اشتملت علي هذه القبة من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع ومن الرطوبات والأعصاب والطرق والمجاري والدماغ والمنافذ والقوى الباطنة من الذكر والفكر والتخيل وقوة الحفظ ففيه القوة المفكرة والذاكرة والمخيلة والحافظة وهذه القوى مودعة في خزانتها مسخرة لمصالحها يستعملها ويستخدمها كيف أراد فتأمل كيف دور سبحانه الرأس وشق سمعه وبصره وأنفه وفمه وكيف ركب كرته في بطن الأم من ثلاثة وعشرين عظما وخلق تلك العظام على كيفيات مختلفة وتأمل كيف انقلبت تلك النطفة اللينة الضعيفة إلى العظام الصلبة الشديدة ثم تأمل كيف قدر سبحانه كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص بحيث حصل من مجموعها ما لو كان على خلافه لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضها مع بعض بحيث حصل من مجموعها كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة ولما كان الرأس أشرف الأعضاء الإنسانية وأجمعها للقوى والمنافع والآلات والخزائن اقتضت العناية الإلهية بأن صين بأنواع من الصيانات وذلك أن الدماغ يحيطه غشاء رقيق وفوق ذلك الغشاء غشاء آخر يقال له السمحاق ثم فوق ذلك الغشاء طبقة لحمية وفوق تلك الطبقة اللحمية الجلد ثم فوق الجلد الشعر فخلق سبحانه فوق دماغك سبع طبقات كما خلق فوق الأرض سبع سموات طباقا والمقصود من تخليقها الاحتياط في صون الدماغ من الآفات والدماغ من الرأس بمنزلة القلب من البدن
256
وهو سبحانه قسمه في طوله ثلاثة أقسام وجعل القسم المقدم محل الحفظ التخيل والبطن الأوسط محل التأمل والتفكر والبطن الأخير محل التذكر الاسترجاع لما كان قد نسيه ولكل واحدة من هذه الأمور الثلاثة أمر مهم للإنسان لا بد له منه وأنه محتاج إلى التفهم والتفهيم ولو لم يكن حافظا لمعاني التصورات وصورها بعد غيبتها لكان إذا سمع كلمة وفهمها شذت عنه عند مجيء الأخرى فلم يحصل المقصود من الفهم والافهام فجعل له ربه وفاطره خزانة تحفظ له صور المعلومات حتى تجتمع له وتسمى القوة التي فيها القوة الحافظة ولا تتم مصلحة الإنسان إلا بها فانه إذا رأى شيئا ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك لأنه في المرة الأولى ثبتت صورته في الحافظة ثم تتوارى عنه بالحجاب فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة المحسوسة مطابقة للصورة المعنوية التي في الذهن فحصل الجزم بأن هذا ذاك ولولا القوة الحافظة لما حصل ذلك ولما عرف أحدا أحدا بعد غيبته عنه ولذلك إذا طالت الغيبة جدا وانمحت تلك الصورة الأولى من الذهن بالكلية لم يحصل له العلم بأن هذا هو الذي رآه أولا إلا بعد تفكر وتأمل وقد قال قوم إن محل هذه الصور النفس وقال قوم محلها القلب وقال قوم محلها العقل ولكل فريق منهم حجج وأدلة وكل منهم أدرك شيئا وغاب عنه شيء إذ الإدراك المذكور مفتقر إلى مجموع ذلك لا يتم إلا به والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال تعالى
أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب قال غير واحد من السلف لمن كان له عقل واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما
257
وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الانثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها والله أعلم وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في هذا المحل الصغير والإنسان يحفظ كتبا كثيرة جدا وعلوما شتى متعددة وصنائع مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صورا وأشكالا كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضا وهذا الجزء الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه وشراءه وأجمعوا على جواز وطئه امرأته وهو لم يرها قط اعتمادا منه على الصوت بل لو كانت خرساء أيضا وهو أطرش جاز له الوطء وقد جعل الله سبحانه بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطا ونفوذا يقوم به بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيرا في كتابه كقوله
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وقوله تعالى
وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة وقوله
لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها وهذا من عناية الخالق سبحانه بكمال هذه الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة الأخرى وتفيد فائدتها في الجملة لا في كل شيء
258
ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة الحافظة تركيبا خاصا فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن ههنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وأمور الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان فكان أمرا ذهنيا ثم صار وجوديا خارجيا ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك من أعظم النعم وتمام العناية الإلهية ولهذا لما فقد البهائم والمجانين ونحوهم هذه القوة لم يتمكنوا مما تمكن منه أرباب الفكر ولما كان استخراج المطلوب بهذه الطريق يتضمن فكرا وتقديرا فيفكر في استخراج المادة أولا ثم يقدرها ويفصلها ثانيا كما يصنع الخياط يحصل الثوب ثم يقدره ويفصله ثانيا قال تعالى عن التوحيد
ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر فكرر سبحانه التقدير دون التفكير وذمه عليه دونه وهذا منزل على مقتضى حال سواء فانه بالفكر طالب لاستخراج المجهول وذلك غير مذموم فلما استخراجه قدر له تقديرين تقديرا كليا وتقديرا جزئيا فالتقدير الكلي أن الساحر هو الذي يفرق بين المرء وزوجه والتقدير الجزئي أن الذي يفرق بين المرء وزوجه مذموم فههنا تقدير بعد تقدير فلهذا كرره سبحانه وذمه عليه وأما التفكير فان الفكر طالب لمعرفة الشيء فلا يذم بخلاف من قدر بعد تفكيره ما يوصله إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق فتأمله
فصل
ثم أنزل إلى العين وتأمل عجائبها وشكلها وخلقها وإيداع النور الباصر فيها وتركيبها من عشر طبقات وثلاث رطوبات ولكل واحد من هذه
259
الطبقات والرطوبات شكل مخصوص ومقدار مخصوص لو لم يكن عليه لاختلت المصلحة المقصودة وجعل سبحانه موضع الابصار في قدر العدسة ثم أظهر في تلك العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر فانظر كيف اتسعت تلك العدسة أن يرتسم فيها مالا نسبة لها إليه البتة وجعل تلك القوة الباصرة في جزء أسود فتأمل كيف قام الباصر بهذا الجزء الأسود وجعل سبحانه الحدقة مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سواده سببا لاجتماع النور الذي به الابصار ويكون مانعا من تفرقه ويكون أبلغ في الحسن والجمال وخلق سبحانه لتحرك الحدقة أربعة وعشرين عضلة لو نقصت واحدة منهن لاختل أمر العين ولما كانت العين شبيهة بالمرآة التي إنما ينتفع بها إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانه الأجفان متحركة إلى الانفتاح والاطباق أبدا باختيار الإنسان وغير اختياره لتبقى الحدقة نقية صافية عن جميع الكدورات وجعل العينين بمنزلة المرآتين الصقيلتين اللتين تنطبع فيهما صور الأشياء الخارجة فيتأثر القلب ثم يظهر ما فيه عليهما فيتأثران به فهما مرآة لما في القلب يظهر فيهما ومرآة لما في الخارج تنطبع صورته فيهما فالعينان على القلب كالزجاجتين الموضوعتين في المرآة ولذلك يستدل بأحوال العين على أحوال القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن وهي لا تتأثر بالحر والبرد تأثر غيرها من الأعضاء الكثيفة ولو كان الأمر عائدا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لأن الألطف أسرع تأثرا فعلم أن حصول هذه المصالح ليس هو بمجرد الطبع
فصل
ثم اعدل إلى الأذنين وتأمل شقهما وخلقهما وإيداع الرطوبة فيهما ليكونا عونا على إدراك السمع وجعلهما مرة لتمتنع الهوام عن الدخول
260
في الأذن وحوطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ وجعل في الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتنكسر حدة الصوت ولا تلج الهوام دفعة بل تكثر حركاتها فينتبه لها فيخرجها وجعل العينين مقدمتين والأذنين مؤخرتين لأن العينين بمنزلة الطليعة والكاشف والرائد الذي يتقدم القوم ليكشف لهم وبمنزلة السراج الذي يضيء للسالك ما أمامه وأما الأذنان فيدركان المعاني الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلقه وعن جانبيه فكان جعلهما في الجانبين أعدل الأمور فسبحان من بهرت حكمته العقول وجعل للعينين غطاء لأن مدرك الأذن الاصوات ولا بقاء لها فلو جعل عليهما غطاء لزال الصوت قبل ارتفاع الغطاء فزالت المنفعة المقصودة وأما مدرك العين فأمر ثابت والعين محتاجة إلى غطاء يقيها وحصول الغطاء لا يؤثر في الإدراك وقال بعض أهل العلم عينا الإنسان هاديان وأذناه رسولان إلى قلبه ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريدان والقلب ملك فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده
فصل
ثم أنزل إلى الأنف وتأمل شكله وخلقته وكيف رفعه سبحانه في وسط الوجنة بأحسن شكل وفتح فيه بابين وأودع فيهما حاسة الشم وجعله آلة لاستنشاق الهواء وإدراك الروائح على اختلافها فيستنشق بهما الهواء البارد والطيب فيستغنى بالمنخرين عن فتح الفم أبدا ولولاهما لاحتاج إلى فتح فيه دائما وجعل سبحانه تجويفه واسعا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده قبل الوصول إلى الدماغ فإن الهواء المستنشق ينقسم قسمين شطرا منه وهو أكثره ينفذ إلى الرئة وشطرا ينفذ إلى الدماغ ولذلك يضر المزكوم استنشاق الهواء البارد وجعل في الأنف أيضا إعانة على تقطيع الحروف وجعل بين المنخرين حاجزا وذلك أبلغ في حصول المنفعة المقصودة حتى كأنهما أنفان بمنزلة العينين والأذنين واليدين والرجلين وقد يصيب أحد المنخرين آفة فيبقى الآخر سالما وجعل تجويفه نازلا إلى أسفل ليكون مصبا للفضلات النازلة
261
من الدماغ وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي تأمل منفعة النفس الذي لو قطع عن الإنسان لهلك وهو أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة قسط كل ساعة ألف نفس وتأمل كيف يدخل الهواء في المنخرين فينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلقوم فيعتدل مزاجه ثم يصل إلى الرئة فيصفى فيها من الغلظ والكدرة ثم يصل إلى القلب أصفى ما كان وأعدله فيروح عنه ثم ينفذ منه إلى العروق المتحركة ويتقدم إلى أقاصي أطراف البدن ثم إلى الرئة ثم إذا سخن جدا وخرج عن حد الانتفاع به عاد عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين ثم يخرج ويعود مثله وهكذا أبدا فمجموع ذلك هو النفس الواحد وقد أحصى الرب عدد هذه الأنفس وجعل مقابل كل نفس منها ما شاء الله من الأحقاب في الجحيم أو في النعيم فما أسفه من أضاع ما هذا قيمته في غير شيء
فصل
وهو سبحانه جعل القلب أمير البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا استنشق الهواء البارد وصل إلى القلب واعتدلت حرارته فيبقى هناك مدة فلما سخن واحتراق واحتاج إلى إخراجه ودفعه منه لم يضيع أحكم الحاكمين ذلك النفس ويخرجه بغير فائدة بل جعل إخراجه سببا لحدوث الصوت ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك باختلافهما الصوت فيحدث الحرف ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام فتأمل هذه الحكمة الباهرة في إيصال النفس إلى القلب لحفظ حياته ثم عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببا لهذه المنفعة العظيمة فتبارك الله أحسن الخالقين وخلق سبحانه هذه المقاطع والحناجر مختلفة الأشكال فكما أنه لا تتشابه صورتان كذلك لا يتشابه صوتان من كل وجه بل كما يحصل الامتياز بين
262
الأشخاص بالقوة الباصرة فكذلك يحصل بالقوة السامعة فيحصل الامتياز للأعمى والبصير
فصل
ثم أنزل إلى الصدر تر معدن العلم والحلم والوقار والسكينة والبر وأضدادها فتجد صدور العلية تعلو بالبر والخير والعلم والإحسان وصدور السفلة تغلي بالفجور والشرور والإساءة والحسد والمكر ثم أنفذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكا عظيما جالسا على سرير مملكته يأمر وينهى ويولي ويعزل وقد حف به الأمراء والوزراء والجند كلهم في خدمته إن استقام استقاموا وإن زاغ زاغوا وإن صح صحوا وإن فسد فسدوا فعليه المعول وهو محل نظر الرب تعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه والرضى به وعنه والعبودية عليه أولا وعلى رعيته وجنده تبعا فأشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله الساعي إليه المحب له وهو محل الإيمان والعرفان وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد والراعي للرعية والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره فإن أظلم أظلمت الجوارح وإن استنار استنارت ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب الذي يحول بين المرء وقلبه ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه مصرف القلوب كيف أراد وحيث أراد أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين وكره عز وجل انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين كانت أكثر يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب وكان من دعائه اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك قال بعض السلف القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانها وقال آخر القلب أشد تقلبا
263
من الريشة بأرض فلاة في يوم ريح عاصف ويطلق القلب على معنيين أحدهما أمر حسي وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف وفي التجويف دم أسود وهو منبع الروح والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانية وللقلب جندان جند يرى بالابصار وجند يرى بالبصائر فأما جنده المشاهد فالأعضاء الظاهرة والباطنة وقد خلقت خادمة له لا تستطيع له خلافا فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر اللسان بالكلام تكلم وإذا أمر اليد بالبطش بطشت وإذا أمر الرجل بالسعي سعت وكذا جميع الأعضاء ذلك له تذليلا ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود منه افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله فأعين بالأعضاء والقوى وسخرت له وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع عنه ما يضره ويهلكه فافتقر إلى جندين باطن وهو الإرادة والشهوة والقوى وظاهر وهو الأعضاء فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه وخلقت له الأعضاء التي هي آلة الإرادة واحتاج في دفع المضار إلى جندين باطن وهو الغضب الذي يدفع المهلكات وينتقم به من الأعداء وظاهر وهو الأعضاء التي ينفذ بها غضبه كالأسلحة للقتال ولا يتم ذلك إلا بمعرفته ما يجلب وما يدفع فأعين الجند من العلم بما يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضره ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة وجعل له محل من الحلال ينفذ فيه شهواته وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه فما ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفا ومحلا ينفذها فيه فجعل لقوة الحسد فيه مصرفا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه ولقوة الكبر مصرفا وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي
264
صلى الله عليه وسلم لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب انها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على أعدائه وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم احرص على ما ينفعك ولقوة الشهوة مصرفا وهو التزوج بأربع والتسري بما شاء ولقوة حب المال مصرفا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه لمعاده فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم ولمحبة الجاه مصرفا وهو استعماله في تنفيذ أوامره وإقامة دينه ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف وقمع أعداء الله فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق وجعل القوة التحيل والمكر فيه مصرفا وهو التحيل على عدوه وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده خاسئا ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها مصرفا وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته ولا يطلب تعطيلها وإنما تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع ومن تأمل هذا الموضع وتفقه فيه علم شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به
فصل
وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنوده أربعة فمن ضبطها وعدلها وأصلح مجاربها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه ولم يشمت به عدوه وهي الحرص والشهوة والغضب والحسد فهذه الأربعة هي أصول مجامع طرق الشر والخير وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي فهي طرق إلى النعيم الأبدي فآدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم أخرج من الجنة بالحرص ثم أدخل إليها بالحرص ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني وأبو الجن أخرج منها بالحسد ثم لو يوفق لمنافسة وحسد يعيده إليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا
265
وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته وإذا كان حرصه إنما هو على ما ينفعه وحسده منافسة في الخير وغضبه لله على أعدائه وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونا له على ما أمر به لم تضره هذه الأربعة بل انتفع بها أعظم الانتفاع
فصل
وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب فهذا يلم به مرة وهذا يلم به مرة فإذا ألم به الملك حدث من لمته الانفساح والانشراح والنور والرحمة والاخلاص والانابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على الدنيا وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله فمنهم من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب فيبادر إلى طرد تلك الملة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها فهو دائما في حرب بين اللمتين يدال له مرة ويدال عليه مرة أخرى والعاقبة للتقوى
266
ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى فلا تزال تغلب لمة الملك حتى تستحكم ويصير الحكم لها فيموت القلب ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في غاية العذاب والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم فإذا كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه
فصل
والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه وهي نوعان صفات وإرادات فإذا كانت الجواذب صفات قوي سلطانه هناك واستفحل أمره ووجد موطئا ومقرا فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات كحديث النفس لا تدفع سلطان الشيطان لأن مركبه صفة لازمة فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهر منها والاغتسال بقي الشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمات من غير استقرار وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء وإذا أردت لذلك مثالا مطابقا فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع وبينك وبينه لحم أو خبز وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك فأنت تزجره وتصيح عليه وهو يأبى إلا التحوم عليك والغارة على ما بين يديك فالأذكار بمنزلة الصياح عليه والزجر له ولكن معلومه ومراده عندك وقد قربته عليك فإذا لم يكن بين يديك شيء يصلح له وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب وكذلك القلب الخالي عن قوة الشيطان ينزجر بمجرد الذكر وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه فيقع الذكر في حواشيه وجوانبه ولا يقوى على إخراج العدو منه ومصداق ذلك تجده في الصلاة فتأمل في الحال وانظر هل تخرج الصلاة بأذكارها وقراءتها الشيطان من
267
قلبك وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه بين يدي ربه مقبلا بكليته عليه يصلي لله تعالى كأنه يراه قد اجتمع همه كله على الله وصار ذكره ومراقبته ومحبته والأنس به في محل الخواطر والوساوس أم لا والله المستعان وههنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط كما يثير الدواء أخلاط البدن فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إثارته وإن أزال منه شيئا ما فمدار الأمر على على شيئين الحمية واستعمال الأدوية
فصل
وأول ما يطرق القلب الخطرة فإن دفعها استراح مما بعدها وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة فإن عالجها وإلا صارت إرادة فإن عالجها وإلا صارت عزيمة ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد وما يقدر عليه مرة بدون مقدماته وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة النصوح ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق وإن الدفع أولى به وإن تألمت النفس بمفارقة المحبوب فليوازن بين فوات هذا المحبوب الاخس المنقطع النكد المشوب بالآلام والهموم وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة لهذا المحبوب إليه ألبتة لا في قدره ولا في بقائه وليوازن بين ألم فوته وبين ألم فوت المحبوب الأخس وليوازن بين لذة الإنابة والاقبال على الله تعالى والتنعم بحبه وذكره وطاعته ولذة الاقبال على الرذائل والأتيان بالقبائح وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو وبين لذة الذنب ولذة العفة ولذة الذنب ولذة القوة وقهر العدو وبين لذة الذنب ولذة إرغام عدوه ورده خاسئا ذليلا وبين لذة الذنب ولذة الطاعة التي تحول بينه وبين مراده وبين فوت مراده وفوت ثناء الله تعالى وملائكته عليه وفوت حسن جزائه وجزيل ثوابه وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله تعالى عاجلا وفرحة ما يثنيه عليه في دنياه وآخرته والله المستعان
268
وهذا فصل جره الكلام في قوله تعالى
وفي أنفسكم أفلا تبصرون أشرنا إليه إشارة ولو استقصيناه لاستدعى عدة أسفار ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه وبالله التوفيق
فصل
ولنرجع إلى المقصود ثم قال الله تعالى
وفي السماء رزقكم وما توعدون أما الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب أن المطر من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي في العلو وقوله تعالى وما توعدون قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب وقال الكلبي من الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من أمر الساعة قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما يوعد به أهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو الموعود بها فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال السلف في ذلك والله أعلم
فصل
ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الأخبار بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة فقال
فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء
269
إنه لحق كما أن الآدمي ناطق وقال الزجاج هذا كما تقول في الكلام إن هذا لحق كما أنك ههنا قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك ههنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينا مشاهدا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فانهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها
نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه
270
لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل
وكيف تنام العين وهي قريرة
ولم تدر في أي المحلين تنزل
وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهما غاب عنه حينا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب الصحيح أن ق ون وص بمنزلة حم وألم وطس تلك حروف مفرد وهذه متعددة وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما فيها قبل وههنا قد اتحد المقسم به والمقسم عليه وهو القرآن فأقسم بالقرآن على ثبوته وصدقه وأنه حق من عنده ولذلك حذف الجواب ولم يصرح به لما في القسم من الدلالة عليه أو لأن المقصود نفس المقسم به كما تقدم بيانه ثم أخذ سبحانه في بيان عجب الكفار من غير عجيب بل بما لا ينبغي أن يقع سواه
271
كما قال سبحانه
الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم فأي عجب من هذا حتى يقول الكافرون
إن هذا لسحر مبين وكيف يتعجب من رحمة الخالق عباده وهدايته وإنعامه عليهم بتعريفهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بطريق الخير والشر وما هم صائرون إليه بعد الموت وأمرهم ونهيهم حتى يقابل ذلك بالتعجب ونسبة ما جاء به إلى السحر لولا غاية الجهل والظلم وإن العجب كل العجب قولهم وتكذيبهم كما قال تعالى
وإن تعجب فعجب قولهم
فصل
ومن ذلك
حم والكتاب المبين وقوله
ص والقرآن ذي الذكر وقوله
يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين والصحيح أن يس بمنزلة حم والم ليست أسماء من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم به والمقسم عليه وقوله تعالى
على صراط مستقيم وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون متعلقا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
والصافات صفا أقسم سبحانه بملائكته الصافات للعبودية بين يديه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها تتمون الصفوف الأول وتراصون في الصف وكما قالوا عن أنفسهم
وإنا لنحن الصافون والملائكة الصافات أجنحتها في الهواء
272
والزاجرات الملائكة التي تزجر السحاب وغيره بأمر الله
فالتاليات التي تتلو لكلام الله وقيل الصافات الطير كما قال تعالى
أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن وقال تعالى
والطير صافات والزاجرات الآيات والكلمات الزاجرات عن معاصي الله والتاليات الجامعات لكتاب الله تعالى وقيل الصافات القتال في سبيله فالزاجرات الخيل للحمل على أعدائه فالتاليات الذاكرين له عند ملاقاة عدوهم وقيل الجامعات الصافات أبدانها في الصلاة الزاجرات أنفسها عن معاصي الله فالتاليات آياته واللفظ يحتمل ذلك كله وإن كان أحق من دخل فيه وأولى الملائكة فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد وما ذكر من غير الملائكة فهو من آثار الملائكة وبواسطتها كان وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته وقرر توحيد ربوبيته فقال
إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق من أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الاله مشاركا له في ربوبيته كما شاركه في إلهيته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية فيقرر كونه معبودا وحده بكونه خالقا رازقا وحده وخص المشارق ههنا بالذكر إما لدلالتها على المغارب إذ الأمر أن المتضايفان كل منهما يستلزم الآخر وإما لكون المشارق مطلع الكواكب ومظاهر الأنوار وإما توطئة لما ذكر بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب وجعلها حفظا من كل شيطان فذكر المشارق أنسب بهذا المعنى وأليق والله تعالى أعلم
فصل
ومن ذلك قوله في قصة لوط عليه السلام ومراجعته قومه له
قالوا أو لم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه إلا نزاعا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا
273
من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط وأنه من قول الملائكة فقال هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه أنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره والعمر والعمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لاثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات وقوله تعالى
يعمهون أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل
سكران بكسر هوى وسكر مدامة
ومتى إفاقة من به سكران
274
فصل
ومن ذلك قوله تعالى
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفي الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من انتفاء الحرج فالحرج مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا من ومن الرضى به والتسليم له فتأمله وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين