1

أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات

تأليف الإمام زين الدين مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 1033 ه حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرناؤوط

45


بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي
الحمد لله المنزه عما يخطر بالبال أو يتوهم في الفكر والخيال المحتجب برداء العز والجلال لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير تحيرت العقول في حقيقة ذاته وتخبطت الأفهام في أسمائه وصفاته واندهشت الأبصار في جلال حضراته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
والصلاة والسلام على من منحته بغاية تكرمتك وخصصته بمشاهدة رؤيتك وهو مع ذلك يقول سبحانك ما عرفناك حق معرفتك يا من لا مثل له ولا نظير وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا طريق الأدب مع الله ورسوله وسلموا فسلموا من مزلة القدم ومذلة التقصير
وبعد فإن العلم بالتفسير أمر مهم والعلم بالتأويل أهم وتصفية القلب من شوائب الأوهام أسنى وأتم ومن السلامة للمرء

46

في دينه اقتفاء طريقة السلف الذين أمر أن يقتدي بهم من جاء بعدهم من الخلف فمذهب السلف أسلم ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم فإنه من زخرف الأقاويل وتحسين الأباطيل فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات ولا في معاني الأسماء والصفات ويؤمنون بمتشابه القرآن وينكرون على من يبحث عن ذلك من فلانة وفلان
وإنكار الإمام مالك على من سأله عن معنى الإستواء أمر مشهور وهو في عدة من الكتب منقول مسطور

47


هذا وقد أحببت أن أذكر بعض كلام الأئمة الخائضين في معاني الأسماء والصفات الواردة في الأحاديث والآيات وإن كان الأولى ترك ذلك خوف الوقوع في الزلل الذميم لكن لا بأس بذلك مع قصد الإرشاد والتعليم
هذا ولم أقف في هذا الفن على مصنف ولم أظفر فيه بمؤلف وإنما جمعته من كلام الأئمة مفرقا وذممته هنا ملفقا يحتاج إليه الطالب وهو من أجل المطالب وسميته
أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات

فأقول وبالله التوفيق ومنه أرجو الهداية إلى أقوم طريق
مقدمة

أعلم وفقك الله أن التفسير هو بيان معنى اللفظ

48

الخفي والتأويل هو أن يراد باللفظ ما يخالف ظاهره أو هو صرف اللفظ عن ظاهره لمعنى آخر وهو في القرآن كثير ومن ذلك آيات الصفات المقدسة وهي من الآيات المتشابهات
وقد اختلفوا فقيل القرآن كله محكم لقوله تعالى كتاب أحكمت آياته هود 1
وقيل كله متشابه لقوله تعالى نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الزمر 23
والأصح إنقسامه إليهما والمراد بأحكمت آياته أتقنت

49

وتنزهت عن نقص يلحقها رب متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز
واختلفوا في المحكم والمتشابه
فقيل المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه
وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها
وقيل المحكم ما تأويله تنزيله والمتشابه ما لا يدرى إلا بالتأويل
وقيل المحكم ما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه القصص والأمثال
وقيل المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله بعلمه
وقيل المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور وما سوى ذلك محكم وقيل غير ذلك
وقال جماعة من الأصوليين المحكم ما عرف المراد منه قيل ولو بالتأويل والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كالحروف المقطعة وهو معنى قول بعضهم إن المحكم هو المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما يتعارض

50

فيه الإحتمال ويجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة كالقرء وكاللمس المتردد بين المس والوطء وقد يطلق على ماورود في صفات الله تعالى مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله
قيل والحكمة في المتشابه الإبتلاء بإعتقاده فإن العقل مبتلى بإعتقاد حقيقة المتشابه كإبتلاء البدن بأداء العبادة
وقيل هو لإظهار عجز العباد كالحكيم إذا صنف كتاب أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره ولأنه لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف ما في الإنسان لاستمر في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها
وقال الفخر من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة

51

بهذا القرآن إلى قيام الساعة ثم إنه يتمسك به كل ذي مذهب على مذهبه فالجبري يتمسك بآيات الجبر كقوله وجعلنا على قلوبهم أكنة الآية الأنعام 25 الإسراء 46
والقدري يقول هذا مذهب الكفار لقوله وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر فصلت 5 وقوله وقالوا قلوبنا غلف البقرة 88
ومنكر الرؤية يتمسك بقوله لا تدركه الأبصار الأنعام 102
ومثبت الجهة بآيات الجهة وغير ذلك ويسمي كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة له متشابهة فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجع في الدين هكذا
قال والجواب أن العلماء ذكروا لذلك فوائد كمزيد المشقة لزيادة الثواب وليجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب يعني فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ في الفروع فله أجر وفي الأصول خلاف إلى غير ذلك من الفوائد
واختلفوا هل المتشابه مما يعلم على قولين منشؤهما الوقف على الله أو العلم في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آل عمران 7

52


قال الإمام الخطابي مذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية على الله وأن ما بعده وهو قوله والراسخون في العلم استئناف روي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة
ومال إلى هذا الحافظ السيوطي في الإتقان وحكاه عن الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم خصوصا أهل السنة قال وهو أصح الروايات عن ابن عباس
قال ويدل لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبدالرزاق في تفسيره والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ وما يعلم تأوليه إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به فهذا يدل على أن الواو للإستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه
وعن الفراء أن في قراءة أبي بن كعب أيضا ويقول

53

الراسخون
وعن الأعمش قال في قراءة ابن مسعود وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به
وذهب قوم إلى أن الواو في قوله والراسخون للعطف لا للإستئناف منهم مجاهد والضحاك والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر ويروى أيضا عن ابن عباس
قال ابن عباس أنا ممن يعلم تأويله
ورجح هذا جماعات من المحققين كابن فورك والغزالي والقاضي أبي بكر بن الطيب وقال النووي إنه الأصح وابن الحاجب إنه المختار محتجين أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته لأحد من الخلق وأيضا فالإيمان به واجب على عموم المؤمنين فلا يبقى لوصفهم بالرسوخ في العلم وأنهم أولوا الألباب فائدة تميزهم عن عموم المؤمنين
وقال أهل التحقيق والتحقيق أن المتشابه يتنوع
فمنه ما لا يعلم بيقين ألبتة كالحروف المقطعة في أوائل السور والروح والساعة مما استأثر الله بغيبه وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره
ومن قال من العلماء الحذاق إن الراسخين لا يعلمون

54

المتشابه فإنما أراد هذا النوع
وأما ما يمكن حمله في وجوه اللغة فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم
وقال الخطابي المتشابه على ضربين
أحدهما ما إذا رد إلى المحكم واعتبر به عرف معناه
والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه فيرتابون فيه فيفتنون
وقال الإمام الراغب جميع المتشابه على ثلاثة أضرب
ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك
وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ العربية والأحكام الغلقة
وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

55


قال وإذا عرفت هذا عرفت أن الوقوف على قوله وما يعلم تأويله إلا الله ووصله بقوله والراسخون في العلم جائزان وأن لكل واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم
وقال أيضا والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه انتهى
وهو كلام في غاية الحسن والتحقيق
واختلفوا هل يجوز الخوض في المتشابه على قولين
مذهب السلف وإليه ذهب الحنابلة وكثير من المحققين عدم الخوض خصوصا في مسائل الأسماء والصفات فإنه ظن والظن يخطئ ويصيب فيكون من باب القول على الله بلا علم وهو محظور ويمتنعون من التعيين خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ولهذا قالوا والسؤال عنه بدعة فإنه لم يعهد من الصحابة التصرف في أسمائه تعالى وصفاته بالظنون وحيث عملوا بالظنون فإنما عملوا بها في تفاصيل الأحكام الشرعية لا في المعتقدات الإيمانية
وروى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب

56

إلى قوله أولوا الألباب آل عمران 7 قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم
وروى الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لاأخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الحديث
وفي حديث ابن مردويه إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به

57


وروى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا وروى البيهقي في الشعب نحوه من حديث أبي هريرة
وروى ابن جرير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس موقوفا بنحوه
وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي

58

الله عنه قال نؤمن بالمحكم وندين به ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به وهو من عند الله كله
وروى أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه
وروى الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال من أنت قال عبدالله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه
وفي رواية فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم أعاد عليه الضرب ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعيده عليه فقال إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا أو ردني إلى أرضي فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين

59


وفي كتاب الفروع لابن مفلح الحنبلي وعمر بن الخطاب أمر بهجر صبيغ بسؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات انتهى
وهذا منه رضي الله عنه لسد باب الذريعة
والآية الشريفة قد دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة وعلى تمدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه كما مدح الله المؤمنين بالغيب
وقال الإمام فخر الدين صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل وهو إما لفظي أو عقلي فالأول لا يمكن إعتباره في المسائل الأصولية لأنه لا يكون قاطعا لأنه موقوف على انتفاء الإحتمالات العشرة المعروفة وانتفاؤها مظنون والوقوف على المظنون مظنون والظني لا يكتفى به في الأصول
وأما العقلي فإنما يفيد صرف اللفظ عن ظاهره لكون الظاهر محالا
وأما إثبات المعنى المراد فلا يمكن بالعقل لأن طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدليل اللفظي والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلا الظن والظن لا يعول عليه في المسائل الأصولية

60

القطعية فلهذا اختار الأئمة المحققون من السلف والخلف بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال ترك الخوض في تعيين التأويل انتهى
وتوسط ابن دقيق العيد فقبل التأويل إن قرب في لسان العرب نحو على ما فرطت في جنب الله الزمر 56 أي في حقه وما يجب له لا إن بعد أي كتأويل استوى باستولى
إذا تقرر هذا فاعلم أن من المتشابهات آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد فلا تؤول ولا تفسر
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها
فقد روى الإمام اللالكائي الحافظ عن محمد بن الحسن قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه
وقد روى اللاكائي أيضا في السنة من طريق قرة بن

61

خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى طه 5 الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه والبحث عنه كفر
وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبيل الرأي
وقال الإمام الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري وابن المبارك ومالك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم
وذكرت في كتابي البرهان في تفسير القرآن عند قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام البقرة 210 وبعد أن ذكرت مذاهب المتأولين أن مذهب السلف هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى

62


قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر فالأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى وعلى ذلك مضت أئمة السلف
وكان الزهري ومالك والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون في هذه الآية وأمثالها أمروها كما جاءت
وقال سفيان بن عيينة وناهيك به كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله
وسئل الإمام ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب أئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المبارك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف يتكلمون في ذلك وينهون أصحابهم عن الخوض فيه ويدلونهم على الكتاب والسنة
وسمع الإمام أحمد شخصا يروي حديث النزول ويقول

63


ينزل بغير حركة ولا انتقال ولا تغير حال فأنكر أحمد ذلك وقال قل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كان أغير على ربه منك
وقال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول يفعل الله ما يشاء
وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء
واعلم أن المشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والإتيان في الظلل والنزول كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف
وفي كتاب الفقه الأكبر في العقائد تصنيف الإمام أبي حنيفة وهو سبحانه شيء لا كالأشياء بلا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا حد له ولا ضد له ولا ند ولا مثل وله يد ووجه ونفس فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والإعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف والقضاء والقدر والمشيئة صفاته في الأزل بلا كيف انتهى

64


قال العلامة ابن الهمام إن الإصبع واليد صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم وسيأتي تتمة كلامه
ومن العجب أن أئمتنا الحنابلة يقولون بمذهب السلف ويصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ومع ذلك فتجد من لا يحتاط في دينه ينسبهم للتجسيم ومذهبهم أن المجسم كافر بخلاف مذهب الشافعية فإن المجسم عندهم لا يكفر فقوم يكفرون المجسمة فكيف يقولون بالتجسيم وإنما نسبوا لذلك مع أن مذهبهم هو مذهب السلف والمحققين من الخلف لما أنهم بالغوا في الرد على المتأولين للإستواء واليد والوجه ونحو ذلك كما يأتي وهم وإن أثبتوا ذلك متابعة للسلف لكنهم يقولون كما هو في كتب عقائدهم إنه تعالى ذات لا تشبه الذوات مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما يستحقه
قالوا فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تلقي في التسمية بالقبول ووجب إثباته له على ما يستحقه ولا يعدل به عن حقيقة الوصف إذ ذاته تعالى قابلة للصفات اللائقة بها
قالوا فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه ولا نزيد عليه

65

فإن ظاهر الأمر في صفاته سبحانه أن تكون ملحقة بذاته فإذا امتنعت ذاته المقدسة من تحصيل معنى يشهد الشاهد فيه معنى يؤدي إلى كيفية فكذلك القول فيما أضافه إلى نفسه من صفاته
هذا كلام أئمة الحنابلة ولا خصوصية لهم في ذلك بل هذا مذهب جميع السلف والمحققين من الخلف
قال الحافظ السيوطي في كتابه الإتقان من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو الرحمن على العرش استوى طه 5 كل شيء هالك إلا وجهه القصص 88 ويبقى وجه ربك الرحمن 27 ولتصنع على عيني طه 39 يد الله فوق أيديهم الفتح 10 لما خلقت بيدي ص 75 والسماوات مطويات بيمينه الزمر 67
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها
قال وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أنا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف
قال وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال

66

في الرسالة النظامية الذي نرتضيه رأيا وندين الله تعالى به عقدا هو اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر سائغا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب
وقال الإمام ابن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها انتهى
قلت وهذا القول هو الحق وأسلم الطرق فإنك تجد كل فريق من المتأولين يخطئ الأخر ويرد كلامه ويقيم البرهان على صحة قوله ويعتقد أنه هو المصيب وأن غيره هو المخطئ ومن طالع كلام طوائف المتكلمين والمتصوفين علم ذلك علم اليقين
الناس شتى وآراء مفرقة
كل يرى الحق فيما قال واعتقدا



67


قال أصحابنا أسلم الطرق التسليم فما سلم دين من لم يسلم لله ورسوله ويرد علم ما اشتبه إلى عالمه ومن أراد علم ما يمتنع علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة والإيمان والتعمق في الفكر ذريعة الخذلان وسلم الحرمان والإسراف في الجدال يوجب عداوة الرجال إذا علمت هذا فهذا أوان الشروع في المراد بعون الله تعالى
اعلم أيدني الله وإياك بروح منه أن من المتشابه صفات الله تعالى فإنه يتعذر الوقوف على تحقيق معانيها والإحاطة بها بل على تحقيق الروح والعقل القائمين بالإنسان وأهل الإسلام قد اتفقوا على إثبات ما أثبته الله لنفسه من أوصافه التي نطق بها القرآن من نحو سميع وبصير وعليم وقدير ونافي ذلك كافر لأنه مكذب لصريح القرآن
واختلفوا في المشتقات منها فقالت المعتزلة ومن وافقهم إنه تعالى عليم بذاته بصير بذاته سميع بذاته لا بعلم وسمع وبصر وهكذا بقية الصفات قد ثبتوا المشتق بدون المشتق منه فرارا من تعدد القدماء مع الله تعالى محتجين بما يطول تقريره قائلين لا يخبر عنه تعالى بما يخبر به عن شيء من خلقه إلا أن يأتي نص بشيء من ذلك فيوقف عنده وما لا فلا ولأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز وكل متحيز فجسم مركب أو جوهر فرد ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة

68


قالوا وأما كونه لا يعقل عليم إلا بعلم وسميع إلا بسمع وبصير إلا ببصر كضارب لا يعقل إلا بضرب وقائم بقيام فهذا في الشاهد وأما في الغائب فلا فقد صح النص بأن له تعالى عينا وأعينا فيلزمكم أن تقولوا إنه تعالى ذو حدقة وناظر لأنه لا يوجد في الشاهد إلا مثل ذلك ولا يكون ألبتة سميع في العالم إلا بأذن ذات صماخ
وقالوا أيضا التعليل بالإشتقاق في مثل ذلك ليس بحجة فقد علمنا يقينا أنه تعالى بنى السماء كما قال والسماء بنيناها الذاريات 47 ولا يجوز أن يسمى سبحانه بناء ونحو ذلك
وأجيب بأنه قد صرحت النصوص من الكتاب والسنة بإثبات الصفات كقوله تعالى أنزله بعلمه النساء 166 وقوله وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه فاطر 11 وقوله إن الله هو الرزاق ذو القوة الذاريات 58 فأثبت لنفسه القوة وهي القدرة باتفاق المفسرين
وفي الحديث اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك

69


وأيضا قيل إنه يلزمهم أن تكون الذات علما وقدرة وحياة لثبوت خصائص هذه الصفات لها فإنه قد تحقق في المعقول أن ما يعلم به المعلوم علم وأيضا فهذه الصفات لا تقوم بنفسها والذات قائمة بنفسها وهو جمع بين النقيضين
وأجابوا بأن المراد أنزله وهو يعلمه أو أنزله بإذنه وأمره لأن ما تعدى من الأفعال بحرف الباء فإن الداخلة عليه يكون آلة كضربت زيدا بالسوط وأخذت المنديل بيدي وكون العلم هو الذي نزل به لا يتصور إذ علمه تعالى لا ينفصل عن ذاته
والمناقشة في مثل هذا تطول وتخرج عن المقصود والمقصود إنما هو الإشارة إلى أن كل واحد يدعي أن الحق بيده ويقيم الدليل عليه كما تقدم فنسكت نحن عن الخوض في ذلك ولا نبحث في تحقيقه فإنه بدعة ونفوض علمه إلى الله تعالى ولا نكفر أحدا من أهل الفرق بما ذهب إليه واعتقده خصوصا مع قيام الشبهة والدليل عنده فإن الإيمان المعتبر في الشرع هو تصديق القلب الجازم بما علم ضرورة مجيء الرسول به من عند الله تفصيلا فيما علم تفصيلا كالتوحيد والنبوة وإجمالا فيما علم إجمالا كالأنبياء السالفة والصفات القديمة التي نطق بها القرآن
وهذا هو الحق فلا نكفر بقية الفرق خلافا لمن زعم من المتكلمين أن الإيمان هو العلم بالله وصفاته على سبيل الكمال والتمام فبهذا لا جرم اقدم كل طائفة على تكفير من عداه من الطوائف لكن لا بأس بالقول بتكفير بعض الغلاة من أهل البدع فإن من الجهمية من غلا حتى رمى بعض الأنبياء

70

بالتشبيه فقال ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى حيث قال إن هي إلا فتنتك وعيسى حيث قال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ومحمد حيث قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا
ومن المتشابه صفة الرحمة والغضب والرضا والحياء والإستهزاء والمكر والعجب في قوله تعالى الرحمن الرحيم الفاتحة 1 3 النمل 30 غضب الله عليهم المجادلة 14 الممتحنة 13 رضي الله عنهم المائدة 119 والله لا يستحيي من الحق الأحزاب 53 الله يستهزئ بهم البقرة 15 ومكروا ومكر الله آل عمران 54 بل عجبت بضم التاء ويسخرون الصافات 12

71


فمذهب السلف في هذا ونحوه أنهم يقولون صفات الله تعالى لا يطلع لها على ماهية وإنما تمر كما جاءت
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يصفو الله بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا يجوز نفي صفات الله التي وصف بها نفسه ولا تمثيلها بصفات المخلوقين
ومذهب الخلف قالوا الرحمة لغة رقة القلب وانعطافه وذلك من الكيفيات التابعة للمزاج والله منزه عنها فالمراد بها في حقه تعالى إرادة الخير والإحسان إلى من يرحمه فإن أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي انفعالات
والغضب هيجان النفس لإرادة الإنتقام أو غليان دم القلب وعند إسناده إليه تعالى يراد به غايته فإن كان إرادة الإنتقام من العاصي فإنه من صفات الذات وإن كان إحلال العقوبة كان من صفات الفعل
والحياء هو انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها وإذا وصف به البارئ تعالى كما في قوله والله لا يستحيي من الحق الأحزاب 53 وكما في حديث إن ربكم حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه إليه فيردهما صفرا حتى

72

يضع فيهما خيرا فالمراد به الترك اللازم للإنقباض العرضي كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة الخير والإنتقام
والإستهزاء من باب العبث والسخرية والله تعالى منزه عن ذلك فمعنى يستهزئ بهم البقرة 15 أي يجازيهم على استهزائهم وهو من باب المشاكلة في اللفظ ليزدوج الكلام ك جزاء سيئة بمثلها الشورى 40 نسوا الله فنسيهم التوبة 67 أو المعنى يعاملهم معاملة المستهزئ أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين علهيم وإستدراجهم بالإمهال وأما في الآخرة فيروى أنه يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيسرع نحوه فإذا صار إليه سد دونه ثم يفتح له باب آخر فإذا أقبل إليه سد دونه
والمكر في الأصل حيلة يتوصل بها إلى مضرة الغير والله منزه عن ذلك فلا يمكن إسناده إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة
والضحك هو رضاه تعالى بفعل عبده ومحبته إياه وإظهار

73

نعمته عليه وقال بعضهم الضحك استعارة في حق الرب سبحانه لأنه لا يجوز عليه تغير الحالات
والتعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه وخرج عن نظائره ولهذا يقال إذا ظهر السبب بطل العجب فلا يطلق على الله أنه متعجب لأنه لا يخفى عليه شيء ولهذا قال شريح لما قرئ عنده بل عجبت بضم التاء إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم فقال إن شريحا كان يعجبه رأيه إن عبدالله يعني ابن مسعود كان أعلم من شريح وكان يقرؤها عبدالله بل عجبت يعني بضم التاء وكذلك قرأ الكوفيون إلا عاصما قالوا فالعجب من الله تعالى إما على الفرض والتخييل أو هو مصروف للمخاطب بمعنى أنه يجب أن يتعجب منه أو هو على معنى الإستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء
وقيل إنه مقدر بالقول أي قل يا محمد بل عجبت وحينئذ فمعنى القراءتين واحد
وقال المهدوي يجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب محمولا على أنه ظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين كما يخبر عنه تعالى بالضحك عمن رضي عنه بمعنى أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم مقام الضحك من

74

المخلوقين مجازا واتساعا وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله ظيما فقوله بل عجبت أي بل عظم فعلهم عندي
قال البيهقي ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عجب ربك من شاب ليست له صبوة
قال الحسن بن الفضل التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب وقد جاء في الخبر عجب ربكم
وقال الهروي ويقال معنى عجب ربكم أي رضي وأثاب فسماه عجبا وليس بعجب في الحقيقة كقوله ويمكرون ويمكر الله الأنفال 30 أي يجازيهم على مكرهم
وسئل الجنيد عن قوله تعالى وإن تعجب فعجب قولهم الرعد 5 فقال إن الله لا يعجب من شيء
وقال الإمام فخر الدين جميع الأعراض النفسانية أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والإستهزاء ونحو ذلك لها أوائل ولها غايات مثاله الغضب فإن أوله غليان دم

75

القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب بل على غايته أو غرضه الذي هو إرادة الإضرار وكذلك الحياء له أول وهو إنكسار يحصل في النفس وله غرض وهو ترك الفعل فلفظ الحياء في حقه تعالى يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس انتهى
قلت وعلى هذا الضابط فكذلك يقال في الرضا والكرم والحلم والشكر والمحبة ونحو ذلك فإن الظاهر أن هذه كلها في حقنا كيفيات نفسانية قيل والحق أن الكيفيات النفسانية تحتاج إلى تعريف لكونها وجدانيات
وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى وإن تشكروا يرضه لكم الزمر 7 ويرضى بمعنى يثيب ويثنى فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل كقوله لئن شكرتم لأزيدنكم إبراهيم 7 وإما ثناؤه فهو صفة ذات انتهى
قلت ومن هذا يعلم جواب سؤال كنت أوردته في مؤلف لطيف سميته الأسئلة عن مسائل مشكلة قلت فيه ومنها أن أهل السنة جعلوا الصفات القديمة لله سبحانه ثمانية وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام والبقاء وبعضهم يقول والتكوين محتجين في ذلك بالإشتقاق وأنه لا يعقل مفهوم عليم إلا بعلم وسميع إلا بسمع وهكذا

76


وحينئذ فيقال موجه الإقتصار على هذه الصفات الثمان مع أنه تعالى عزيز فمن أوصافه العزة وعظيم فيمن أوصافه العظمة وحليم فمن أوصافه الحلم فهل يصح أن يقال مثلا حليم بحلم كما يقال عليم بعلم وهكذا في البقية
ولعل الجواب على طريقة الخلف أن هذه الأوصاف كلها كيفيات وإنفعالات تحدث في النفس والله منزه عنها فتؤخذ كلها بإعتبار الغايات بخلاف العلم والقدرة والسمع والبصر ونحوهما فإنها من الأوصاف الذاتية لا من الكيفيات النفسانية
وللسلف أن يقولوا إن هذه الأوصاف على ظاهرها وهذا التعليل لا يستلزم أن يكون كذلك في حقه تعالى كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر تستلزم من النقص في حقنا ما يجب تنزيه الله تعالى عنه من جهة أنها أعراض ونحوه فمذهب السلف أسلم لا سيما وقد نقل البخاري وغيره عن الفضيل بن عياض قدس الله روحه أنه قال ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو لأن الله عز وجل وصف نفسه فأبلغ فقال قل هو الله أحد السورة فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه فهذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الإطلاع كما شاء الله أن ينزل وكما شاء أن يباهي وكما شاء أن يضحك وكما شاء أن يطلع فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف فإذا قال الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء أنتهى
وقال بعض من انتصر لمذهب السلف ردا على الخلف

77


جميع ما يلزمون به في الإستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه
فلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم فكما لا يجعلونها أعراضا كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق ويأتي كلامه كله
ومن المتشابه المحبة في وصفه تعالى بها في قوله يحبهم ويحبونه المائدة 54 وقوله وألقيت عليك محبة مني طه 39 لأن المحبة ميل القلب إلى ما يلائم الطبع والله منزه عن ذلك وحينئذ فمحبة الله تعالى للعبد هي إرادة اللطف به والإحسان إليه ومحبة العبد لله هي محبة طاعته في أوامره ونواهيه والإعتناء بتحصيل مراضيه فمعنى يحب الله أي يحب طاعته وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه وهذا مذهب جمهور المتكلمين
قال العلامة الطوفي ذهب طوائف من المتكلمين والفقهاء إلى أن الله تعالى لا يحب وإنما محبته محبة طاعته وعبادته وقالوا هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وإنما محبته إرادته الإحسان إليهم قال والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وجميع مشايخ الطريق أن الله تعالى يحب ويحب لذاته وأما حب ثوابه فدرجة نازلة
قال وأول من أنكر المحبة في الإسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبدالله القسري وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد

78

ابن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه برضا علماء الإسلام
قال وهؤلاء الذي ينكرون حقيقة محبة الرب ينكرون التلذذ بالنظر إليه ولهذا ظن كثير من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة أن الجنة ليست إلا التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ولباس ونكاح وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة لا نعيم غير ذلك ثم من هؤلاء من أنكر أن يكون المؤمنون يرون ربهم كالجهمية والمعتزلة ومنهم من أقر بالرؤية إما بالتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها كأهل السنة والجماعة وإما برؤية هي زيادة كشف أو علم أو بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال
والمقصود هنا أن طوائف ممن أثبت الرؤية أنكروا أن يكون المؤمنون يتنعمون بنفس رؤيتهم ربهم قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي والإمام ابن عقيل حتى نقل عنه أنه سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر إليه وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية فأما التنعم بنفس الرؤية فأنكره وجعل

79

هذا من أسرار التوحيد
قال الطوفي وأكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم قال وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ الطريق
ويدل لذلك حديث النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة
وفي صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه
وقال ابن تيمية إن المؤمنين ينظرون إلى خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة تنغمر في جانبها جميع اللذات
وأما العشق فالله سبحانه لا يعشق ولا يعشق قال الشيخ عز

80

الدين بن عبدالسلام لأن العشق فساد يخيل أن أوصاف المعشوق فوق ما هي عليه ولا يتصور ذلك هنا
ومن المتشابه العندية في قوله تعالى بل أحياء عند ربهم آل عمران 169 وقوله للذين اتقوا عند ربهم آل عمران 15 وقوله إن الذين عند ربك الأعراف 206
قال أهل التأويل إن المراد بقوله بل أحياء عند ربهم هو مزيد التقرب والزلفى والتكرمة فهي عندية كرامة لا عندية قرب ومسافة كما يقال فلان عند الأمير في غاية الكرامة
وقوله إن الذين عند ربك يعنى الملائكة بالإجماع
قال القرطبي وقال عند ربك والله سبحانه بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمته فهو عنده هذا عن الزجاج وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل لأنهم رسل الله وجنده كما يقال عند الخليفة جيش كثير وقيل هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة
وفي تفسير البيضاوي في قوله تعالى وله من في السماوات والأرض ومن عنده

81

الأنبياء 19 يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك وهو معطوف على من في السماوات وإفراده للتعظيم والمراد به نوع من الملائكة متعال عن السماء والأرض
وقال ابن اللبان وقد جاء الكتاب العزيز بالتنبيه على أن حضرة عنديته وراء دوائر السماوات والأرض لأن العطف يقتضي المغايرة فدل على أن حضرة عنديته وراء دوائر السماوات والأرض محيطة بها كإحاطة ربنا بذلك كله مباينة لها كمباينته لا إله إلا هو
ومن المتشابه الجهة والمعية في قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده الأنعام 61 أأمنتم من في السماء الملك 16 تعرج الملائكة والروح إليه المعارج 4 وقوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم الحديد 4 وقوله إلا هو معهم المجادلة 7 وغير ذلك من الآيات والأحاديث
وأعلم أن أهل التأويل افترقوا هنا ثلاثة فرق
فقال قوم بالجهة وإنه تعالى فوق العرش على الوجه الذي يستحقه
وقال قوم بالمعية الذاتية وإنه تعالى مع كل أحد بذاته
وقال قوم إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارج العالم

82


وقد بالغ كل فريق في تضليل الفريق الآخر وفي الرد عليه وفي زعمه أنه هو الذي على الحق وأن خصمه لا على شيء وأنه هو العارف بالحق دون خصمه
ولقد تدبرت بعين البصيرة فرأيت كل فريق منهم لا يعرف مذهب الفريق الآخر على سبيل التفصيل بل من حيث الإجمال وهذا هو الموجب للتضليل ومع ذلك فرأيت أهل هذه الفرق الذين ارتكبوا غير طريقة السلف إنما هم كما قيل
وكل يدعون وصال ليلى
وليلى لا تقر لهم بذاكا


وها أنا أذكر لك شبهة كل فريق منهم على سبيل التلخيص ولا أرضى بواحدة منها بل بطريقة السلف
فاحتج القائل بالجهة بقوله تعالى وهو القاهر فوق عباده

83

الأنعام 18 61 تعرج الملائكة والروح إليه المعارج 4 إليه يصعد الكلم الطيب فاطر 10 يخافون ربهم من فوقهم النحل 50 أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض تبارك 16 وفي هنا بمعنى على كما في قوله تعالى يتيهون في الأرض المائدة 26 وقوله ولأصلبنكم في جذوع النخل طه 71 والمراد بالسماء هنا ما فوق العرش لأن ما علا يقال له سماء وبقوله الرحمن على العرش استوى طه 5 وبقوله لعلي أطلع إلى إله موسى القصص 38
قالوا فهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه فوق السماء ولهذا قال وإني لأظنه من الكاذبين القصص 38 ولو كان موسى أخبره أنه في كل جهة أو في كل مكان بذاته لطلبه في نفسه أو في بيته ولم يجهد نفسه في بنيان الصرح
وبقوله عليه السلام إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته وسماواته فوق أرضه مثل القبة وأشار عليه السلام بيده مثل القبة

84


وفي حديث آخر والعرش فوق ذلك والله تعالى فوق عرشه
وبأحاديث المعراج وبآثار كثيرة عن الصحابة كقول أبي بكر الصديق لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي في السماء لا يموت رواه البخاري
وكقول عبدالله بن رواحة رضي الله عنه في شعره المشهور بحضرته عليه السلام
وأن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا


ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك

85

نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني ويجد الرسول تارة قد صرح بها مخبرا بها عن ربه واصفا له بها ومن المعلوم أنه عليه السلام كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي ثم لايجد شيئا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها لا نصا و ظاهرا كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين ولم ينقل عنه عليه السلام أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين ونحو ذلك ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها ولما قال للجارية أين الله فقالت في السماء لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه بل أقرها وقال أعتقها فإنها مؤمنة إلى غير ذلك من الدلائل التي يطول ذكرها ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يوما من الدهر هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر في خلاف

86

الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به ولا يدلون عليه
واحتجوا أيضا على أنه في جهة العلو بأنه هو الذي طبع الله عليه أهل الفطرة العقلية السليمة من الأولين والآخرين الذين يقولون إنه فوق العالم إذ العلم بذلك فطري عقلي ضروري لا يتوقف على سمع
قالوا ولم يقال قائل يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو بحيث لا يمكن دفع هذه الضرورة عن القلوب ولا يلتفت الداعي يمنة ولا يسرة
وأما العلم بأنه سبحانه استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام فهذا سمعي علم من جهة إخبار الأنبياء عليهم السلام حتى قال الشيخ عبدالقادر الجيلي قدس سره في كتابه الغنية وهو تعالى بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر 10 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه الآية السجدة 5 ولا يجوز وصفه بأنه في مكان بل يقال إنه على العرش كما قال الرحمن على العرش استوى طه 5 من غير تأويل وكونه على العرش في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف انتهى

87


ومن التعسف قول بعضهم إن قول الشيخ وهو بجهة العلو مستو على العرش هو مبتدأ ومستو خبره وبجهة العلو متعلق بمستو بعد تعلق على العرش ولولا ذلك لنصب مستو على الحال فهذا تعسف وتحريف للكلم عن مواضعه فإن هو مبتدأ وبجهة العلو خبره ومستو خبر بعد خبر وبجعل مستو هو الخبر والعرش هو الذي بجهة العلو أي فائدة في ذلك ومن المعلوم لكل أحد أن العرش في جهة العلو
واحتجوا أيضا بأن الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ولا خلاء ولا ملاء منفردا في قدمه لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء غيره فلما اقتضت الإرادة حدوث الكون اقتضت أن يكون له جهة علو وسفل واقضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جهة التحت والسفل لكونه مربوبا مخلوقا وأن يكون هو فوق الكون بإعتبار الكون لا بإعتبار فردانيته تعالى إذ لا فوق فيها ولا تحت فإذا أشير إليه سبحانه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحت ونحوها بل من جهة العلو والفوقية
قالوا ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وتسفله فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة البارئ كما يليق به لا كما تقع على الحقيقة المعقولة عندنا فإنها إشارة إلى جسم وهذه إشارة إلى إثبات
واحتجوا أيضا بالإستواء على العرش والإستواء صفة كانت له سبحانه لكن لم يظهر حكمها إلا عند خلق العرش كما أن الحساب صفة قديمة له لا يظهر حكمها إلا في الآخرة فالإشارة تقع على العرش حقيقة إشارة معقولة وتنتهي الجهات عند

88

العرش ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكيفه الوهم فتقع الإشارة عليه كما يليق به سبحانه مثبتا مجملا لا مكيفا ولا ممثلا ولا مصورا سبحانه وتعالى وعلى هذه الكيفية وقعت الإشارة عليه سبحانه في الحديث الصحيح الشهور الذي رواه الأئمة في كتبهم بأسانيدهم وتلقته الأمة بالقبول أن معاوية بن الحكم جاء بجارية حبشية وقال يا رسول الله إني نذرت أن أعتق رقبة مسلمة أو قال مؤمنة فما تقول في هذه الجارية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله فقالت في السماء
وفي رواية أخرى فأشارت برأسها إلى السماء فقال لها من أنا فقالت أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة
وكذلك الحديث المشهور الذي رواه أحمد وغيره عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق العرش قال كان في عماء فوقه ماء وتحته هواء والعماء بالمد هو السحاب كما ذكره أهل اللغة

89


وهذا الحديث من المشكلات حيث قال عليه السلام كان في عماء وهو سبحانه منزه عن الظرفية ولم أر من كشف عن حقيقته بما يرفع إشكاله إلا أن يقال إن في بمعنى على كما قالوا في قوله أأمنتم من في السماء الملك 16
واحتجوا أيضا بما نقل عن السلف من التلويح أو التصريح بالقول بجهة العلو حتى قال الإمام القرطبي في تفسيره في سورة الأعراف وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله قال ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه تعالى استوى على العرش حقيقة انتهى
وقال ابن تيمية قال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة قال فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت في العرش وإستواء الله يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه

90


وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه محجة الواثقين وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية وساق الآيات المشعرة بالجهة
وقال ابن رشد المالكي في كتابه المسمى ب الكشف وأما هذه الصفة يعني القول بالجهة فلم تزل أهل الشريعة يثبتونها حتى نفتها المعتزلة ومتأخروا الأشاعرة كأبي المعالي ومن اقتدى بقولهم إلى أن قال فقد ظهر أن إثبات الجهة واجب شرعا وعقلا إلى آخر كلامه
وروى الدارمي بإسناده عن ابن المبارك قيل له كيف نعرف ربنا قال بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الله مستو على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى طه 5 وقال إليه يصعد الكلم الطيب فاطر 10 وقال لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين غافر 37 وقال أأمنتم من في السماء لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلا السماوات

91


قال ورأيت المسلمين جميعا يرفعون أيديهم نحو السماء إذا دعوا لأن الله على العرش ولولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يخفضونها إذا دعوا إلى الأرض وأطال الكلام على ذلك في كتابه الإبانة فراجعه
وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني وهو أفضل المتكلمين الأشعرية فإن قال قائل فهل تقولون إنه تعالى في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر وقال إليه يصعد الكلم الطيب وساق الآيات المتقدمة ثم قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان والحشوش ولصح أن يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله انتهى
وأختار هذه المذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وقال ولكن كثير من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين متوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشىء من كلامهم ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم

92


قال ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ولا يتبع ما جاءه من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم البقرة 91 قال الله لهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين البقرة 91 بما أنزل عليكم فكذلك حال من يتعصب لطائفة بلا برهان من الله انتهى
وأعلم أن كثيرا من الناس يظنون أن القائل بالجهة هو من المجسمة لأن من لازم الجهة التجسيم وهذا ظن فاسد فإنهم لا يقولون بذلك لأن لازم المذهب ليس بلازم عند المحققين فكيف يجوز أن ينسب للإنسان شيء من لازم كلامه وهو يفر منه بل قالوا نحن أشد الناس هربا من ذلك وتنزيها للباري تعالى عن الحد الذي يحصره فلا يحد بحد يحصره بل بحد يتميز به عظمة ذاته من مخلوقاته هذا السمع والبصر والقدرة والعلم من لازم وجودها أن تكون أعراضا ولذلك نفاها المعتزلة ولكن هذا اللازم ليس بلازم كما هو مقرر معلوم فتأمل ولا تخض مع الخائضين
ومنهم من يتوهم أنه يلزم على ذلك قدم الجهة ولا قديم إلا الله ويلزم أنه يكون مظروفا في الجهة وهو محال وهذا كله

93

لعدم فهم مذهب القائل بالجهة فإن القائل بالجهة يقول إن الجهات تنقطع بانقطاع العالم وتنتهي بإنتهاء آخر جزء من الكون والإشارة إلى فوق تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة كما مر
قالوا ومما يحقق هذا أن الكون الكلي لا في جهة لأن الجهة عبارة عن المكان والكون الكلي لا في مكان فلما عدمت الأماكن من جوانبه لم يقل إنه يمين ولا يسار ولا قدام ولا وراء ولا فوق ولا تحت
وقالوا إن ما عدا الكون الكلي وما خلا الذات القديمة ليس بشيء ولا يشار إليه ولا يعرف بخلاء ولا ملاء وانفرد الكون الكلي بوصف التحت لأن الله تعالى وصف نفسه بالعلو وتمدح به
وقالوا إنه سبحانه أوجد الأكوان في محل وحيز وهو سبحانه في قدمه منزه عن المحل والحيز فيستحيل شرعا وعقلا عند حدوث العالم أن يحل فيه أو يختلط به لأن القديم لا يحل في الحادث وليس هو محلا للحوادث فلزم أن يكون بائنا عنه وإذا كان بائنا عنه فيستحيل أن يكون العالم في جهة الفوق والرب في جهة التحت بل هو فوقه بالفوقية اللائقة به التي لا تكيف ولا تمثل بل تعلم من حيث الجملة والثبوت لا من حيث التمثيل والتكييف فيوصف الرب بالفوقية كما يليق بجلاله وعظمته ولا يفهم منها ما يفهم من صفات المخلوقين
وقالوا إن الدليل القاطع دل على وجود البارئ وثبوته ذاتا بحقيقة الإثبات وأنه لا يصلح أن يماس المخلوقين أو تماسه

94

المخلوقات حتى إن الخصم يسلم أنه تعالى لا يماس الخلق
قالوا ومن عنى هذا المعنى الفاسد فهو مبتدع ضال تجب استتابته فإذا قامت عليه الحجة البلاغية فلم يرجع ضربت عنقه بل ولا يماسونه وإنه متميز بذاته منفرد مباين لخلقه متنزه عن المماسة والإمتزاج
قال ابن تيمية ومن توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه أو أنه محتاج إلى مخلوقاته أو أنه محصور فيها فهو مبطل كاذب إن نقله عن غيره وضال إن أعتقده في ربه فإنه لم يقل به أحد من المسلمين بل لو سئل العوام هل تفهمون من قول الله ورسوله إن الله في السماء أن السماء تحويه لبادر كل أحد منهم بقوله هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا بل عند المسلمين أن معنى كون الله في السماء وكونه على العرش واحدا بمعنى أنه تعالى في العلو لا في السفل ولا يتوهم أن خلقا يحصره ويحويه تعالى عن ذلك
قالوا والقول الحق أن البارئ تعالى يحيط بذاته علما وأنه لا يجهل نفسه بل يعلمها علما حقا يثبت إنفصالها ويميزها عما سواها وأنها قائمة بذاتها مستغية بقدرتها عما تقوم به ويقلها ويحملها وما يحيط به علمه تعالى من غايات ذاته فإنه محدود بعلمه معلوم عند نفسه لا إله إلا هو لا تحيط به العقول ولا تدركه الأوهام استوى على العرش كما ذكر لا كما يخطر للبشر

95


قالوا فإذا أيقن العبد أن الله فوق عرشه كما وردت به النصوص بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه ومن لا يعرف ربه أنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى حائرا لا يعرف وجهة معبوده لكن ربما عرفه بسمعه وبصره وقدمه ونحو ذلك لكنها معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء وأنه مع علوه قريب من خلقه هو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته
هذا البدر وهو من أصغر مخلوقاته في السماء وهو مع كل أحد أينما كان فإذا كان هذا البدر فكيف بالرب سبحانه فمتى شعر قلب العبد بذلك في صلاته ودعائه وتوجهه أشرق قلبه واستنار وانشرح لذلك صدره وقوي إيمانه بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال حائرا مظلم القلب والعياذ بالله تعالى قالوا وهذا مشاهد محسوس ولا ينبئك مثل خبير
واحتج القائل بالمعية وأنه تعالى مع كل أحد بذاته بقوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم الحديد 4 وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلى قوله إلا هو معهم المجادلة 7 وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق 16 وقوله ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون الواقعة 85 ولا تبصر إلا الذوات فلو أراد معية العلم كما يقول المخالف لقال ولكن لا تشعرون وقوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب

96

البقرة 186 وقوله عليه السلام كما في الصحيحين لله أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته
ثم انقسم أهل هذا القول إلى قسمين
قسم يقولون إنه تعالى حال بذاته المقدسة في كل شيء
قال ابن تيمية وهذا القول يحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانو يكفرونهم بذلك
وقسم يقولون إنه تعالى مع كل أحد بذاته ومع كل شيء لكن معية تليق به وهذا المذهب هو قول كثير من متأخري الصوفية
واحتجوا بأنه تعالى فوق عرشه إلى ما لا نهاية له وما دون العرش ومع كل شيء معية تليق به فكما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ليس كمثله شيء في صفاته فليس معيته وقربه كمعية أحد منا وقربه
قالوا فلسنا معطلين لأن تعظيمنا أبلغ من تعظيمهم والتعطيل إنما يكون مع من خلا توحيده عن التعظيم ومن قال إن الله تعالى عند كل الجهات وإن لم يكن فيها ومع كل

97

شيء وإن لم يكن في شيء لا بالحلول ولا بالمجاورة ودليله ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلا تعطيل معه ولا تجسيم ونقل هذا الذي قررته عن سيدي الشيخ أبي السعود الجارحي المدفون بمصر وقال عن هذا فهذا مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم وهو الحق الذي اختاره الصوفية الكرام وفقهاء الإسلام انتهى
ورأيت بعض أكابر مشايخهم صرح في تصنيف له أنه لا تخلو ذرة من ذرات العالم من ذات البارئ تقدس وتعالى
قلت وهذا شيء ينفر منه الطبع والشرع ولكن لعل تقريبه للعقل أن البارئ سبحانه كان موجودا قبل وجود عالم الكون وهذا المقدار الذي وجد العالم فيه كان غير خال من وجود ذات البارئ فلما حدث العالم استمرت الذات المقدسة على حالها وهو الآن على ما عليه كان فهي مع العالم بأسره بذاتها وهي ايضا بعد وجود العالم كما كانت بلا حد ولا نهاية لكن هنا تتخبط العقول في هذه المعية الذاتية وربما تحصل لكثيرين الزندقة ويتدرج منها إلى القول بالوحدة المطلقة كما سيأتي الكلام على ذلك
وقال أهل التأويل من أهل الحق وأصحاب المذاهب من الفقهاء والمفسرين إن الآيات المشعرة بالمعية الذاتية مصروفة

98

عن ظواهرها إلى المعية بالعلم بل معية العلم هي الظاهرة منها فإن سياق الآيات الشريفة يدل على ذلك
وقال الإمام ابن عبدالبر أجمع علماء الصحابة والتابعين الذي حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله انتهى
فقوله سبحانه ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد قال المفسرون جميعا هو كناية عن العلم به وبأحواله أي ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه من حبل الوريد فهو تجوز بقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبه بحيث لا يخفى عليه شيء من خفياته فكأن ذاته قريبة منه
قال الإمام أبو حيان كما يقال إنه تعالى في كل مكان أي بعلمه وهو تعالى منزه عن الأمكنة انتهى
والذي يدل على أن المراد بالقرب هو القرب بالعلم سياق الآية فإنه سبحانه قال ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ثم قال ونحن أقرب إليه أي بالعلم المفهوم من نعلم وحبل الوريد مثل في فرط القرب كقول العرب هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار والحبل العرق فشبه بواحد

99

الحبال والوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي العنق وكذا قوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم أي بعلمه لا بذاته بدليل سياق الآية وهي قوله ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم الحديد 4 أي بعلمه المفهوم من يعلم وكذا قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا أي بعلمه فإن الآية مصدرة بالعلم وهي ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة الآية
والحاصل أن الآيات المشعرة بالمعية الذاتية إنما هي صريحة في المعية بالعلم وأن المراد منها إنما هو الإشارة إلى إحاطة علمه بجميع المخلوقات وكذا قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أي قريب منهم فهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بمنزلة من قرب مكانه منهم ويوضحه ما قيل لو اجتمع قوم بمحل وناظر ينظر إليهم من العلو فقال لهم إني لم أزل معكم أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقا ولله المثل الأعلى عن شبه الخلق فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا هذا منكم دعوى خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة لأن من هو مع الإثنين أو أكثر هو معهم لا فيهم وما قرب من الشيء ليس هو في الشيء
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى إن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبرهما وقصد اتباع الحق

100


وأعرض عن تحريف الكلم مثل أن يقول القائل ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه قوله وهو معكم أين ما كنتم الحديد 4 وقوله عليه السلام إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه ونحو ذلك ولا مخالفة وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش وهو ظاهر قوله تعالى ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض إلى أن قال وهو معكم أين ما كنتم وقوله عليه السلام والعرش فوق ذلك والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه وذلك أن كلمة مع في اللغة التي خوطبنا بها إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى فإنه يقال ما زلنا نسير والقمر والنجم معنا وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال يعلم ما يلج في الأرض إلى قوله وهو معكم أين ما كنتم دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم عالم بكم وهذا معنى قول السلف إنه معكم بعلمه ولما قال عليه السلام في الغار لصاحبه لا تحزن إن الله معنا التوبة 40 كان هذا أيضا حقا على ظاهره ودلت الحال على النصر والتأييد مع المعية العلم ومثله قوله لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى طه 46

101


وأطال ابن تيمية الكلام في تقرير ذلك
وأما قوله تعالى ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فالمراد به قرب أعوان ملك الموت من المحتضر بدليل سياق الآية وهو قوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون الواقعة 83 84 ونحن أي ملائكتنا وعبر بهم عنه سبحانه لأنهم رسله ومأموروه أو المراد ونحن أقرب إليه أي بالعلم
فإن قيل لو كان المراد به العلم لما صح أن يقول ولكن لا تبصرون لأن العلم لا يبصر بل كان يقول ولكن لا تبصرون لأن العلم لا يبصر
فجوابه أن تبصرون يطلق على البصر بالعين ويطلق على الشعور والعلم بالغيب كما قاله أهل اللغة لأنه يقال بصرته بعيني وبصرته بقلبي فارتفع الإشكال
ومن العجب أني اجتمعت بأكابر محققي بعض المتصوفة فحصلت المذاكرة فطعن في الفقهاء والمتكلمين والأشاعرة وقال إنهم يحرفون معاني كلام الله تعالى ويخرجون كلام الله عن مراد الله بحسب عقولهم فقلت له وكيف تقرأ قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم إلى قوله إلا هو معهم فقال هي معية ذات لا معية علم كما يقولون ويدل لذلك قوله تعالى ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلو كانت معية علم لما صح أن يقول ولكن لا تبصرون لأن العلم لا يبصر وإنما تبصر الذوات فتعجبت من مقالته وتصميمه عليها وغفلته عن كلام الأئمة المحققين من الفقهاء والمفسرين فنسأل الله تعالى العافية والسلامة في الدين

102


قال الشيخ الإمام العيني الحنفي في أثناء ترجمته للشيخ تقي الدين ابن تيمية ومدحه إياه وتنزيهه عما ينسبه له بعض الجهال وهذا الإمام مع جلالة قدره في العلوم نقلت عنه على لسان جم غفير من الناس كرامات ظهرت منه بلا التباس وأجوبة قاطعة عند السؤال من المعضلات من غير توقف بحالة من الحالات ومن جملة ما سئل عنه وهو على كرسيه يعظ الناس والمجلس غاص بأهله في رجل يقول ليس إلا الله ويقول الله في كل مكان هو هو كفر أو إيمان فأجاب على الفور من قال إن الله تعالى بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين بل هو مخالف للملل الثلاث بل الخالق سبحانه وتعالى بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل هو الغني عنها والبائن بنفسه منها وقد اتفق الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين أن قوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ليس معناه أنه مختلط بالمخلوقات وحال فيها ولا أنه بذاته في كل مكان بل هو سبحانه وتعالى مع كل شيء بعلمه وقدرته ونحو ذلك فالله سبحانه مع العبد أينما كان يسمع كلامه ويرى أفعاله ويعلم سره ونجواه رقيب عليهم مهيمن عليهم بل السماوات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق لله ليس الله بحال في شيء منه سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11

103

لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله بل يوصف الله بما يوصف به نفسه وإما وصفه به رسوله من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثل صفاته بصفات خلقه ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل
وقد سئل الإمام مالك رضي الله عنه عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة انتهى ما حكاه الشيخ العيني عن ابن تيمية رحمهما الله
ومن هنا تعرف معنى قوله عليه السلام لله أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته أن المراد به قرب علم
وأما حديث البخاري ومسلم إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه فقال ابن عبدالبر هو مخرج على التعظيم لشأن القبلة
وقال الخطابي معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد إلى ربه فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته ولا حجة

104

فيه للقائلين بأنه تعالى في كل مكان لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه أو هو على حذف مضاف أي فإن قبلة الله أو رحمة الله قبل وجهه
وقال بعضهم الحديث حق على ظاهره فهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات فإن الإنسان لو ناجى السماء لكانت فوقه وكانت أيضا قبل وجهه وقد ضرب عليه السلام المثل بذلك ولله المثل الأعلى والمقصود بالتمثيل إنما هو جواز هذا وإمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق فقد قال عليه السلام ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به فقال له أبو رزين العقيلي كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم سأنبئك مثل ذلك في آلاء الله هذا القمر كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله فالله تعالى أكبر أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
وأيضا فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولذلك قال عليه السلام إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي انتهى والله أعلم

105


واحتج القائل بأنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه وأنه سبحانه لا متصلا به ولا منفصلا عنه بأمور عقلية وهذا مذهب كثير من متأخري الأشاعرة ومن وافقهم والعقل في هذا بمجرده لا اعتبار به ما لم يستند إلى النقل الصحيح
واحتجوا من النقل بآيات لا تصلح لهم وإنما تصلح للقائلين بأنه مع كل أحد بذاته فمن جملة ما احتجوا به قوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله الزخرف 84 وقوله تعالى وهو الله في السماوات وفي الأرض الأنعام 3 وقوله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115 وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون والقرب بالعلم لا بالإبصار وأنت قد عرفت مما مر أن أهل السنة قاطبة جعلوا هذا قرب علم لا قرب ذات وسيأتي الكلام على قوله فثم وجه الله وأما قوله في السماء إله وفي الأرض إله فهو باتفاق المفسرين بمعنى مألوه أي معبود فإنه معبود فيهما وكذلك وهو الله في السماوات وفي الأرض فإن الجار والمجرور متعلق بالله لأنه بمعنى مألوه أو متعلق بما بعده ولولا ذلك للزم عليه الظرفية تعالى الله عنها
وعندي معنى آخر لم أر من قاله وهو أن يكون على معنى

106

هو المسمى فيهما بهذا الإسم فهو كما أنه هو الله في السماوات هو الله في الأرض كقولك موسى أخو هارون في جميع الدنيا والكعبة هي البيت الحرام في السماء والأرض وكقولهم فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ وسمرقند وهو في موضع واحد وهذا موجود في اللغة
قال ابن تيمية ولم يقل أحد من السلف إنه تعالى في كل مكان ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه انتهى
واعلم أنه قد ثبت بلا ريب خلافا للفلاسفة أن الذات المقدسة كانت موجودة قبل حدوث العالم قائمة بنفسها فلما حدث العالم فإما أن يكون حدث بائنا منها منفصلا عنها وهذا مسلم عند كل مسلم ولهذا حمل المفسرون الآيات الدالة على المعية والقرب على معية العلم وقربه وإما أن يكون حدث مماسا لها قائما بها الوجود بأسره كما يقوله بعض المتصوفة أو قريبا منها كما يدل علي كلام كثير من الصوفية وعلى هذين القولين يصح حمل الآيات على القرب بالذات والمعية بالذات والأشاعرة وافقوا أهل السنة والمفسرين فحملوا الآيات المشعرة بقرب أو معية الذات على أن المراد بها العلم وهذا صحيح على قولهم بإعتبار أنه تعالى لا داخل العالم وبأعتبار أنه لا خارج العالم فكان القياس صحة حملها أيضا على القرب بالذات ومعية الذات لكنهم لم يقولوا بذلك ولم يرتكبوا في

107

التفسير القول بذلك أصلا فليتأمل
وأعلم أيضا أن الذي ذهب إليه جمهور متأخري المتكلمين هو تنزيه الله تعالى عن الجهة فليس هو مخصوصا بجهة فوق عندهم ولا بجهة غيرها لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز وأنه غير قديم أو أنه جسم ومفهومه أن من ليس في جهة لا يكون متحيزا وأنه هو القديم المستغني عن محل يقوم به وأورد على هذا أن الكون الكلي والدائر المحيط بالعالم فإنه لا في مكان وهو حادث وغير مستغن بنفسه وذاته وإن استغنى عن المكان لأنه لو افتقر إلى مكان لافتقر المكان الثاني إلى ثالث ويتسلسل إلى ما لا نهاية له وهو محال
وأيضا فيلزم القائل بنفي الجهة عنه سبحانه أحد أمرين لا محيص عنهما
إما أن يقول إنه سبحانه بعد انتهاء العالم محيط به من سائر جوانبه وجهاته وحينئذ فهو تعالى لا في جهة بل في جميع الجهات لكن هذا لا يقال به ولا أعلم أحدا قال به
وإما أن يقول إنه سبحانه داخل العالم أو معه ساريا في جميعه كما يقول به بعض المتصوفة حتى رأيت أكابر مشايخهم قد صرح في تصنيف له أنه لا تخلو ذرة من ذرات العالم من ذات الباري سبحانه
وهذا لا يقال به لأنه إما يوهم الحلول أو هو لازمه وأنه

108

سبحانه مختلط بالمخلوقات تعالى الله عن ذلك وهذا خلاف إجماع المسلمين وقد وقع في هذا كثير من المتصوفة فجعلوا الوجود قائما بالرب محدودا بحدوده متكلما بحروفه ويجعلونه سبحانه هو المتكلم على ألسنتهم كالجني على لسان المصروع
واعلم أيضا أنه قد تخبطت في هذا المقام عقول كثير من ذوي الأفهام وتفرقوا في الأقوال وهم كقول من قال
الناس شتى وآراء مفرقة
كل يرى الحق فيما قال واعتقدا


ولقد صرح كثير من المتصوفة أن البارئ سبحانه هو عين ما ظهر وما بطن من الوجود وأنه تعالى هو العالم بأسره وقد شافهني بعض مشايخهم المتعمقين بذلك فقلت له ومن أين دليل هذا فقال من قوله سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن الحديد 3 فإذا كان هو يقول هو الظاهر والباطن أتقول أنت لا فعجبت من مقالته ومن تحسين الشيطان لعقول هؤلاء الخرافات والمحالات فقرأ في المجلس قارئ عشر قرآن وهو لله ما في السماوات وما في الأرض الآية فقلت له أيها الشيخ هذه الآية ترد ما قلت حيث جعل لله ما فيهما فهو سبحانه غيرهما لا عينهما فقال على الفور لله ما في السموات وما في الأرض بفتح لام لله فعجبت من هذه الفلسفة والزندقة والسفسطة المحققة أعاذنا الله تعالى منها ومن الزيغ والضلال

109


وقد قال أهل الشريعة رضي الله عنهم كما قررة أئمتنا في كتب عقائدهم إن المراد بقوله سبحانه والظاهر والباطن أي الظاهر في المعرفة لأن دلائل توحيده وبراهين ألوهيته وربوبيته جلية للأفهام وظاهرة عند ذوي المعارف واضحة الدليل عن عارض الشبهات فهو بذلك الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن أي الباطن في الإستتار بذاته فلا علم يحيط به ولا معرفة تقف على كنه معرفته ولا فكر يصل إلى جميع ما يستحقه من صفات الكمالات ولا عقل يقف على حقيقة الذات وتحقيق الصفات فهو سبحانه الظاهر والباطن بهذا الإعتبار لا أنه تعالى هو عين ما ظهر وما بطن كما يقوله الملاحدة ويقولون سبحان من هو الكل ولا شيء سواه الواحد في نفسه المتعدد بنفسه
ويقولون أيضا
وما أنت غير الكون بل أنت عينه
ويفهم هذا السر من هو ذائق


تعاليت يا ألله عن ذلك
وما أنت عين الكون بل أنت غيره
ويفهم هذا القول من هو مسلم


ويرتكبون القول بالوحدة المطلقة ويصرحون بذلك وتقرير مذهبهم على سبيل الإحاطة والتطويل يطول

110


وحاصله أن البارئ عندهم هو مجموع ما ظهر وما بطن وأنه لا شيء خلاف ذلك هكذا موجود في كتبهم ومن شك في ذلك فليراجعها وقد أشرت إلى شيء من ذلك في كتابي الأدلة الوفية بتصويب قول الفقهاء والصوفية وفي كتابي سلوك الطريقة في الجمع بين كلام أهل الشريعة والحقيقة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناء كلام طويل وهؤلاء القوم الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر ولا سابقة إلا من حين ظهرت دولة التتار قال وأما الحلول وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا يحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرونهم بذلك وأطال الكلام على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى
نصيحة

اعلم وفقك الله أنه ليس للمرء أسلم في دينه من ترك الخوض في مثل هذا والإعراض عن الخوض في علم الكلام المذموم واقتفاء طريقة السلف فإنهم لم يخوضوا في شيء من هذا ولم يبحثوا عنه معتقدين أن لنا ربا موجودا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير أفلا يسعنا ما وسعهم من السكوت والتسليم ومن طلب الوقوف على حقيقة البارئ سبحانه فقد طلب المحال
قال الطوفي وقد اعترف أكثر أئمة أهل الكلام والفلسفة من

111

الأولين والآخرين أن الطرائق التي سلكوها في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوها لا تفضي بهم إلى العلم واليقين في الأمور الإلهية مثل تكلمهم بالجسم والعرض في دلائلهم ومسائلهم ومقالة أساطين الفلسفة من الأوائل أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما يتكلم فيه بالأولى والأحرى قال ولهذا أتفق كل من خبر مقالة هؤلاء المتفلسفة في العلم الإلهي أن غالبه ظنون كاذبة وأقيسة فاسدة وأن الذي فيه من العلم والحق قليل انتهى
هذا والفلاسفة هم أرباب النهاية في العقول لكن العقول إذا لم تستند إلى الشرع المنقول وقعت في الحيرة والضلالات وطرأت عليها الخيالات والإستبعادات لما جاءت به الرسل ولهذا كانت الفلاسفة يعتقدون أن عندهم من العلوم والمعارف ما يستغنون به عن علم الأنبياء عليهم السلام
قال أبو حيان وكانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه وصغروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم
قال ولما سمع بقراط الحكيم بموسى عليه السلام قيل له لو هاجرت إليه فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا
قلت وهذه الخصلة بعينها موجودة في المتصوفة المتفلسفة

112

فإنهم يحتقرون علم الفقهاء بالنسبة لعلمهم ويزعمون أنهم محجوبون وأنهم هم الواصلون نعم ولكن إلى سقر اتخذوا الكلام على الذات والصفات ديدنا لهم فإذا دخل إلى مجلسهم العامي وهو لا يحسن الوضوء كلموه بدقائق الجنيد وإشارات الشبلي
قال ابن الجوزي وترى الحائك والسوقي الذي لا يعرف فرائض الصلاة يمزق أثوابه دعوى لمحبة الله وأصلحهم حالا يتخايل بوهمه شخصا هو الخالق فيبكيه شوقه إليه لما يسمع من عظمته ورحمته وجماله وليس ما يتخايلونه الإله المعبود فإنه تعالى لا يقع في خيال وربما خايلت له الماخوليا أشباحا يظنهم الملائكة
وبالجملة فالحق هو اتباع ما كان عليه السلف قولا وفعلا واعتقادا وما سواه فهو اتباع هوى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما قاله الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذي أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره وأطال الكلام في ذلك وذم المتفلسفين والمتكلمين وقال ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا

113

حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص معرفته خبر ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر
وعن الجنيد قدس الله سره قال أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من القلب والقلب إذا عري من الهيبة من الله عري من الإيمان
وقال بعد كلام طويل ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه السابقون الأولون لا نتجاوز القرآن والحديث ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل
قال وهذا هو قول الذين وافقوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا لكن لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به ويسمونهم بأسماء مكذوبة كقول القدري من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد فقد سلب العباد الإختيار والقدرة وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة وكقول الجهمي من قال إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور وأنه جسم مركب مشابه لخلقه وكقول الجهمية والمعتزلة من قال إن لله علما وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب وهو مشبه لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا

114

بجوهر متحيز وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة
قال ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة أخذا من لازم عقيدتهم فهو وربه أعلم والله من ورائه بالمرصاد ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فاطر 43
قال والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصا ولا ظاهرا على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر وما رأيت أحدا منهم نفاها وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه وينكرون على من ينفي الصفات كقول نعيم بن حماد شيخ البخاري من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها

115


وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا هذا جهمي معطل فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها كذبا منهم وإفتراء فالروافض تسمي أهل السنة نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة يسمونهم شكاكا والجهمية يسمونهم مشبهة وأهل الكلام يسمونهم حشوية والمتصوفة يسمونهم محجوبين كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة مجنونا وتارة شاعرا وتارة كاهنا وتارة مفتريا وهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة
ثم قال ابن تيمية في آخر كلامه وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة
وسيأتي الكلام على ذكر هذه الأقسام آخر الكتاب

116

ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول
ومن المتشابه الكرسي في قوله تعالى وسع كرسيه السماوات والأرض البقرة 255 وقد اختلف أهل التأويل فيه
فقيل الكرسي هو علمه تعالى أي أحاط علمه سبحانه بأهل السماء والأرض
وقيل هو السلطان والقدرة
وقيل هو تمثيل لعظمة شأنه وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة وليس ثمة كرسي ولا قاعد ولا قعود
وقيل هو مكان لعبادة الملائكة والإضافة كما في الكعبة بيت الله
وقيل هو العرش نفسه
والمشهور أنه جسم عظيم بين يدي العرش يسع السبع سماوات والأرض كما دلت عليه الأحاديث والآثار
وعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه
قال البيهقي كذا في هذه الرواية موضع قدميه
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس وسع كرسيه السماوات والأرض قال موضع القدمين ولا يقدر قدر العرش

117


قال القرطبي كذا قال موضع القدمين من غير إضافة
وقال أبو موسى الأشعري الكرسي موضع القدمين
قال فالسلف لم يفسروا مثال هذا ولم يشتغلوا بتأويله مع إعتقادهم أن الله تعالى غير متبعض ولا ذي حاجة
قال يحيى بن معين شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعا فقال يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال وكيع أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئا منها
وأما الخلف فأولوا قال ابن عطية يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إلى العرش كنسبة الكرسي إلى سرير الملك
وقال أبو حيان إنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم
واعلم أن هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض

118

معناها إلى الله أو تؤول بما يليق بجلاله سبحانه ولا ترد بمجرد العناد والمكابرة كما ذكر القرطبي قال تكلمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم وبصر بمنية بني خصيب فيما ذكره ابن عبدالبر من قوله الرحمن على العرش استوى فذكرت له حديث عروج الملائكة بالروح بعد قبضها من سماء إلى سماء حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله فما كان إلا أن بادر إلى عدم صحته ولعن رواته فقلت له الحديث صحيح والذين رووه لنا هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها فإن صدقوا هناك صدقوا هنا وإن كذبوا هناك كذبوا هنا ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه ومعنى قوله إلا السماء التي فيها الله أي أمره وحكمه وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى إليها يصعد وينتهي ما يعرج به من الأرض ومنها يهبط ما ينزل به منها

119


وكما اعترض بعضهم على الحنابلة في حديث رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال استوى على العرش فما يفضل منه إلا مقدار أربع أصابع قال المعترضون للحنابلة وهذا يوهم دخول كمية وإجراء هذا مستحيل في حق الرب إلا على قول المشبهة والمجسمة الذين يثبتون لله ذاتا لها كمية وضخامة وهذا مما اتفقنا نحن وأنتم على تكفير القائل به
فقال الحنابلة أما هذا الحديث فنحن لم نقله من عند أنفسنا فقد رواه عامة أئمة الحديث في كتبهم التي قصدوا فيها نقل الأخبار الصحيحة وتكلموا على توثقة رجاله وتصحيح طرقه ورواه من الأئمة جماعة أحدهم إمامنا أحمد وأبو بكر الخلال صاحبه وابن بطة والدارقطني في كتاب الصفات الذي جمعه وضبط طرقه وحفظ عدالة رواته وهو حديث ثابت لا سبيل إلى دفعه ورده إلا بطريق العناد والمكابرة والتأويل يمكن فإنه قد يطلق الفضل والمراد به الخروج عن حد الوصف والإختصاص ولهذا يقال حقق ملك فلان فلم يفضل منه إلا مقدار جريب بمعنى أنه لم يدخل تحت وصف الإختصاص

120

بالملكية إلا هذا المقدار وحينئذ فيقال فما خرج عن الإختصاص بوصف الإستواء إلا هذا المقدار وله تعالى أن يخص ما يشاء منه بوصف الإختصاص دون ما شاء والله أعلم
ومن المتشابه الإستواء في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى وقوله ثم استوى على العرش الأعراف 54 وهو مذكور في سبع آيات من القرآن
فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به
وروى الإمام اللالكائي الحافظ في السنة من طريق قرة ابن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى قالت الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة والبحث عنه كفر
وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبيل الرأي
وفي لفظ آخر قالت الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر

121


وروى أيضا عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى فقال الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق
وروى أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة
ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الإستواء فقال هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه
وعن الشفاعي أنه قال لما سئل عن الإستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك
وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر
وكلام السلف مستفيض بمثل هذا
وقد قال كثير من المتكلمين كابن التلمساني وغيره أن معنى قولهم والإستواء معلوم يعني أن محامل الإستواء معلومة في اللغة بعد نفي الإستقرار من القهر والغلبة والقصد إلى خلق شيء

122

في العرش ونحو ذلك من محامل الإستواء فهذه المحامل معلومة في اللسان العربي والكيف مجهول أي تعيين بعض منها مرادا لله مجهول لنا والسؤال عنه بدعة يعني أن تعيينه بطريق الظنون بدعة فإنه لم يعهد عن الصحابة التصرف في أسماء الله وصفاته بالظنون
قلت وهذا التفسير عندي غير مرضي فإنه لو كان المراد ذلك لقال والجواب عنه بدعة لأن المجيب هو الذي يطلب منه التعيين وأما السائل فمجمل وقوله والإستواء معلوم يعني بإعتبار محامله في اللغة ولو كان كذلك لقال والمراد مجهول
والذي يقتضيه صريح اللفظ أن المراد بقولهم الإستواء معلوم أي وصفه تعالى بأنه على العرش استوى معلوم بطريق القطع الثابت بالتواتر فالوقوف على حقيقته أمر يعود إلى الكيفية وهو الذي قيل فيه والكيف مجهول والجهالة فيه من جهة أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكيفية فإن الكيفية تبع للماهية وقولهم والسؤال عنه بدعة لأن الصحابة لم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لم يسألوا الصحابة ولأن جوابه يتضمن الكيفية ولهذا قيل في الجواب لمن دخلت عليهم الشبهة طالبين بسؤالهم التكييف والكيف مجهول فالذي ثبت نفيه بالشرع والعقل واتفاق السلف إنما هو علم العباد بالكيفية فعندها تنقطع الأطماع وعن دركها تقصر العقول بل هي قاصرة عما هو دون ذلك هذه الروح من المعلوم لكل أحد خروجها من الجسد وأن

123

الملك يقبضها وهذا المعلوم لكل أحد كيفيته مجهولة لكل أحد بل كيفية نزول الطعام والشراب إلى الجوف واستقرار كل في محل وتفريق خاصيته في الجسد مجهولة أفلا يعتبر العقل القاصر بذلك عن تعلقه بإدراك كيفية استواء ربه على عرشه سبحانه وتعالى
وأما أهل التأويل من الخلف فقد اختلفوا في الإستواء على نحو العشرين قولا
وقال الحافظ السيوطي في الإتقان وحاصل ما رأيت في ذلك سبعة أجوبة
أحدها ما روى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى بمعنى استقر وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل فإن الإستقرار مشعر بالتجسيم
قلت ولعل المراد أن هذا إنما هو تفسير لمجرد معنى أصل الإستواء فإنه الإستقرار كما في قوله تعالى واستوت على الجودي هود 44 وقوله فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك المؤمنون 28
ثانيها أن استوى بمعنى استولى
يعني فالإستواء هو القهر والغلبة ومعناه الرحمن غلب العرش وقهره يقال استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها

124

وقهرهم قال الشاعر
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق


ورد بوجهين
أحدهما أن الله تعالى مستول على الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش بالذكر
ولا يكفي في الجواب أنه حيث قهر العرش على عظمته واتساعه فغيره أولى لأن الأنسب في مقام التمدح بالعظمة التعميم بالذكر لقهره الأكوان الكلية بأسرها
ثانيهما أن الإستيلاء إنما يكون بعد قهره وغلبته والله تعالى منزه عن ذلك
وقد سئل الخليل بن أحمد إمام أهل اللغة والنحو هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى فقال هذا مما لا تعرفه العرب ولا هو جار في لغتها سأله عن ذلك بشر المريسي
وأخرج اللالكائي في السنة عن ابن الأعرابي أنه سئل

125

عن معنى استوى فقال هو على عرشه كما أخبر فقيل له يا أبا عبدالله معناه استولى فقال اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا إذا كان له مضاد فإذا غلب أحدهما قيل استولى
وفي رواية أخرى والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر
ثالثها أن الكلام تم عند قوله الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله استوى له ما في السماوات وما في الأرض ورد بأنه يزيل الأية عن نظمها ومرادها
رابعها أن الوقف على على والعرش مستأنف
قيل وهذا مما لا ينبغي أن يحكى لاستحالته وبعده عما نقله أهل التواتر من جر العرش وهو قد رفعه ولم يرفعه أحد من القراء وقد جعل على فعلا وهي هنا حرف باتفاق وأيضا فلو كانت فعلا لكتبت بالألف
وذكر البيهقي بإسناده عن ابن الأعرابي صاحب النحو

126

قال قال لي أحمد بن أبي داود يا أبا عبدالله يصح هذا في اللغة قال قلت يجوز على معنى ولا يجوز على معنى إذا قلت الرحمن علا من العلو فقد تم الكلام ثم قلت العرش استوى يجوز إن رفعت العرش لأنه فاعل ولكن إذا قلت له ما في السماوات وما في الأرض فهو العرش فهذا كفر
خامسها أنه بمعنى صعد قاله أبو عبيد
ورد بأنه تعالى منزه عن الصعود
نعم الإستواء في اللغة يطلق على العلو والإستقرار نحو استوى على ظهر دابته وعلى الصعود نحو استوى على السطح وعلى القصد نحو ثم استوى إلى السماء فصلت 11 وعلى الإستيلاء نحو استوى على العراق أي استولى وظهر وعلى الإعتدال نحو استوى الشيء أي اعتدل وعلى الإنتهاء نحو استوى الرجل أي انتهى شأنه
وقال بعض المحققين من متكلمي الحنابلة الإستواء يقع على وجهين ما يتم معناه بنفسه وما يتم بحرف الجر
فالأول كقوله استوى النبات واستوى الطعام والمراد به تم وكمل ومنه قوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى

127

القصص 14 أي تم وكمل
والثاني يختلف معناه باختلاف الحروف الجارة كقوله ثم استوى إلى السماء وقوله الرحمن على العرش استوى واستوى الأمر برأي الأمير واستوت لفلان الحال واستوى الماء مع الخشبة
سادسها أن معنى استوى أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله ثم استوى إلى السماء أي قصد وعمد إلى خلقها قاله الفراء والأشعري وجماعة من أهل المعاني وقال إسماعيل الضرير إنه الصواب
قال السيوطي ويبعده تعديته ب على ولو كان كما ذكروه لتعدى ب إلى كما في قوله ثم استوى إلى السماء انتهى
قلت وأيضا فالعرش مخلوق قبل السموات والأرض كما وردت به النصوص وثم للترتيب فكيف عمد إلى خلقه بعدهما قال سبحانه إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش الأعراف 54
سابعها أنه يحمل على القصد إلى خلق شيء في العرش كما صار إليه الثوري
قلت هو قريب لكن يرده تعديه ب على كما تقدم
ثامنها أن الإستواء بمعنى العلو بالعضمة والعزة وأن صفاته

128

تعالى أرفع من صفات العرش على جلالة قدره
تاسعها أنه بمعنى قدر على العرش وهو قول القدرية والفرق بينه وبين قهر العرش وغلبه كما مر أن ذاك يحصل منه صفة فعل وهو القهر وهذا يحصل منه صفة ذات وهي القدرة
عاشرها قال ابن اللبان الإستواء المنسوب إليه تعالى بمعنى اعتدل أي قام بالعدل كقوله قائما بالقسط آل عمران 18 فقيامه بالقسط والعدل هو استواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة
قلت ويرده أنه تعدى ب على ف يجيء ما قاله كما مر قريبا
الحادي عشر أن المراد بالعرش جملة المملكة
قال القرطبي وهذا غير صحيح لقوله تعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش الزمر 75 وما كان حوله فهو خارج عنه والملائكة ليست خارجة عن جملة المملكة
الثاني عشر أن المراد بالإستواء هو انفراده بالتدبير فإنه قد استوى له جميع ما خلقه لعدم ما يشاركه فيه

129


قال القرطبي وهذا غير صحيح لأنه يقال انفرد بكذا ولا يقال على كذا ثم هو يؤدي إلى أنه لم يكن منفردا بالتدبير حتى خلق العرش
قال وهذا فساده يغني عن جوابه
الثالث عشر أن استوى بمعنى استوى عنده الخلائق القريب والبعيد فصاروا عند سواء نقله الكلبي عن ابن عباس
قال القرطبي وفيه ركاكة ومثله لا يليق بقول ابن عباس وإذا كان الاستواء بمعنى استوى الخلائق فأي شيء المعنى في قوله استوى على العرش
وقال هو وغيره الكلبي كذاب لا يحتج بشيء من روايته
الرابع عشر أن الإستواء بمعنى العلو بالغنى عن العرش
قال القرطبي وهذا فاسد لأن العرب تقول استغنى عن الشيء ولا تقول استغنى على الشيء ولأنه لو كان معنى الإستغناء لأدى إلى أن يكون إنما استغنى بعد خلق العرش
وأيضا فليس لتخصيص العرش بالذكر فائدة
الخامس عشر أن الإستواء صفة فعل بمعنى أنه تعالى فعل في العرش فعلا سمى به نفسه مستويا
وقال بهذا طائفة منهم الجنيد والشبلي
السادس عشر أن استوى بمعنى تجلى فالإستواء بمعنى التجلي

130


وقال بهذا كثير من مشايخ الصوفية وقالوا قد ثبت له سبحانه صفة التجلي بقوله سبحانه فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا الأعراف 143 ومعنى التجلي هو رفع الحجاب عن العرش الذي كان محجوبا به ولم يرتفع حجابة جملة إذ لو ارتفع جملة لتدكدك من هيبة الله تعالى جبل موسى عليه السلام
قلت وربما يرد هذا بأن الإستواء ذكر في سبع مواضع من القرآن فلو كان المراد به التجلي لعبر عنه في بعضها بالتجلي كما في قوله فلما تجلى ربه للجبل
السابع عشر قول الشيخ أبي الحسن الأشعري حيث قال أثبته مستويا على عرشه وأنفي كل استواء يوجب حدوثه
قال القرطبي فجعل الإستواء في هذا القول من مشكل القرآن الذي لا يعلم تأويله انتهى
وقد كانت طائفة من الأشعرية يثبتون لفظه ويمتنعون من تأويله
الثامن عشر قول الطبري وابن أبي زيد والقاضي عبدالوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه وابن عبدالبر والقاضي أبي بكر ابن العربي وابن فورك أنه سبحانه مستو على العرش بذاته وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه
قال القاضي أبوبكر وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكين في مكان ولا مماسة

131


قال ابن تيمية على الوجه الذي يستحقه سبحانه من الصفات اللأئقة به
قال فإن قال قائل لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا وذلك كله محال ونحو ذلك من الكلام فهذا لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت للأجسام وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم
أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام
وصار هذا مثل قول القائل إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرا أو عرضا وكلاهما محال إذ لا يعقل موجود إلا كذلك وقوله إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير والفلك إذ لا يعلم استواء إلا هكذا لأن هذا القائل لم يفهم إلا إثبات استواء هو من خصائص المخلوقين
قال والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله فكما أنه موصوف بالعلم والبصر والقدرة ولا يثبت لذلك خصائص الأعراض التي للمخلوقين فكذلك سبحانه هو فوق عرشه لا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق تعالى الله عن ذلك انتهى

132


وقال القرطبي أظهر الأقوال وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أن الله سبحانه على عرشه كما أخبر في كتابه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا جملة مذهب السلف الصالح انتهى
والعجب من القرطبي حيث يقول وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ولعله خشي من تحريف الحسدة فدفع وهمهم بذلك
وبهذا قال جماعة من الحنابلة لكن قالوا استوى على الوجه الذي يستحقه لذاته مما لا يشاركه فيه المحدث ولا يشابهه ولا يماثله ولا يدل على إثبات كمية ولا صفة كيفية بل على الوجه الذي يستحقه الله لنفسه
قالوا وإلى هذا الإشارة في حديث أم سلمة رضي الله عنها الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عند بدعة والبحث عنه كفر ورضي الله تعالى عن مالك بن أنس حيث قال أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر فلم يبق إلا الرجوع لما قاله الله ورسوله والتسليم لهما
تنبيه

قال الكمال بن الهمام الحنفي بعد أن تكلم على

133

الإستواء ما حاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه وأما كون الإستواء بمعنى الإستيلاء على العرش مع نفي التشبيه فأمر جائز الإرادة إذ لا دليل على إرادته عينا فالواجب عينا ما ذكرنا لكن قال إذا خيف على العامة عدم فهم الإستواء إلا بالإتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الإستيلاء
قال وعلى نحو ما ذكر كل ما ورد مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالإصبع واليد والقدم فإن الإصبع واليد صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم به
وقد تؤول اليد والإصبع بالقدرة والقهر وقد يؤول اليمين في قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض على التشريف والإكرام لما ذكرنا من صرف فهم العامة عن الجسمية

134


قال وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته على قول أصحابنا أنه من المتشابه وحكم المتشابه انقطاع معرفة المراد منه في هذه الدار وإلا لكان قد علم انتهى كلام ابن الهمام
باب
في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا
اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ ليس كمثله شيء ألا ترى أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظيم هيبته فكما أنه لا يتجلى لشيء إلى اندك كذلك لا يتوهمه قلب إلا هلك وارض لله بما رضيه لنفسه وقف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا بلا

135

مباحثة التنقير ولا مقايسة التفكير وله تعالى صفات مقدسة طريق إثباتها السمع فنثبتها ولا نعطلها لورود النص بها ولا نكيفها ولا نمثلها
وقد غلت طائفة في النفي فعطلته محتجين بأن الإشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الإشتباه فزعموا أنه سبحانه لا يوصف بالوجود بل يقال إنه ليس بمعدوم ولا يوصف بأنه حي ولا قادر ولا عالم بل يقال إنه ليس بميت ولا عاجز ولاجاهل وهذا مذهب أكثر الفلاسفة والباطنية
وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه جسم
قال وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال إنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء
تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق النساء 171

136


وقال ابن تيمية وأول من قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم الرافضي
وفرقة أخرى أثبتت ما أثبته السمع من نحو سميع بصير عليم قدير وامتنعت من إطلاق السمع والبصر والعلم والقدرة وهم المعتزلة كما تقدم
وفرقة أخرى أثبتت الصفات المعنوية من نحو السمع والبصر والعلم والقدرة والكلام وهو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة ومنهم أتباع أئمة المذاهب الأربعة
ثم اختلفوا فيما ورد به السمع من لفظ العين واليد والوجه والنفس والروح
ففرقة أولتها على ما يليق بجلال الله تعالى وهم جمهور المتكلمين من الخلف فعدلوا بها عن الظاهر إلى ما بحتمله التأويل من المجاز والإتساع خوف توهم التشبيه والتمثيل
وفرقة أثبتت ما أثبته الله ورسوله منها وأجروها على ظواهرها ونفوا الكيفية والتشبيه عنها قائلين إن إثبات البارئ سبحانه إنما هو الكيفية إثبات وجود بما ذكرنا لا إثبات كيفية فكذلك إثبات صفاته إنما هي إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف فإذا قلنا يد ووجه وسمع وبصر فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه فلا نقول إن معنى اليد القوة والنعمة ولا معنى السمع والبصر العلم ولا نقول إنها جوارح

137


وهذا المذهب هو الذي نقل الخطابي وغيره أنه مذهب السلف ومنهم الأئمة الأربعة وبهذا المذهب قال الحنفية والحنابلة وكثير من الشافعية وغيرهم وهو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها محتجين بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات صفاته إنما هي إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف
وقالوا إنا لا نلتفت في ذلك إلى تأويل لسنا منه على ثقة ويقين لإحتمال أن يكون المراد غيره لأن التأويل إنما هو أمر مأخوذ بطريق الظن والتجويز لا على سبيل القطع والتحقيق فلا يجوز أن يبنى الإعتقاد على أمور مظنونة ويعرض عن ما ثبت بالقطع والنص وهذا مذموم عند السلف
قال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات لله لا تشبه صفات الخلق ولا نعتقد التشبيه فيها لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبدالرحمان بن مهدي وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا الباب وفي حكاية ألفاظهم طول إلى أن قال ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة والتابعين حملوها على ظواهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق لما فيه من

138

إزالة التشبيه ورفع الشبهة انتهى
وقال القرطبي قال الإمام الترمذي بعد ذكره حديث ما تصدق أحد بصدقة إلا أخذها الرحمان بيمينه وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما أشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك وهذا وقول أهل العلم من أهل السنة والجماة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه وقد ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه اليد ونحوها فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم فقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده وقالوا معنى اليد ها هنا القدرة
قال الخطابي إنها ليست بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء

139

ولكنها صفات لا كيفية لها ولا تتأول فيقال معنى اليد النعمة أو القوة ومعنى السمع والبصر العلم ومعنى الوجه الذات على ما ذهب إليه نفات الصفات
وقال ابن عبدالبر أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة مخصوصة
وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة انتهى كلام الحافظ ابن عبدالبر إمام أهل المغرب في عصره
وقال القرطبي قال إسحاق بن إبراهيم إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال لله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11

140


وروى حرملة بن يحيى قال سمعت عبدالله بن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول من وصف شيئا من ذات الله تعالى مثل قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة المائدة 64 فأشار بيده إلى عنقه قطعت ومثل قوله وهو السميع البصير فأشار إلى عينيه أو أذنيه أو شيء من بدنه قطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه
وقال بعض المحققين إن صفات الرب تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معقولة من حيث التكييف والتحديد فيكون المؤمن بها مبصرا من وجه أعمى من وجه مبصرا من حيث الإثبات والوجود أعمى من حيث التكييف والتحديد
قال ولهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف وذلك هو مراد الرب منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل وانتهى
قال الخطابي فإن قيل كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علما بحقيقته أو كيف نتعاطى وصفا بشيء لا درك له في عقولنا
قيل له إن إيماننا صحيح بحق ما كلفناه منها وعلمنا يحيط بالأمر الذي ألزمناه فيها وإن لم نعرف لماهيتها حقيقة وكيفية وقد أمرنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة ونعيمها والنار وأليم عذابها وعقابها ومعلوم أنا لا نحيط بكل شيء منها على التفصيل وإنما كلفنا الإيمان بها جملة ألا ترى أنا نعلم عدد أسماء الأنبياء وكثير من الملائكة ولا نحيط

141

بصفاتهم ولا نعلم خواص معانيهم ولم يكن ذلك قادحا في إيماننا بما أمرنا أن نؤمن به من أمرهم وقد حجب عنا علم الروح ومعرفة كيفيته مع علمنا بأنه آلة التمييز وبه تدرك المعارف وهذه كلها مخلوقة لله فما ظنك بصفات رب العالمين سبحانه
إذا تقرر هذا فمن المتشابه الوجه في قوله تعالى ويبقى وجه ربك الرحمن 27 وقوله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115 وقوله إنما نطعمكم لوجه الله الإنسان 9
وفي الحديث من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله
وفي حديث آخر أعوذ بوجهك والأحاديث كثيرة
وتأويله عند أهل التأويل أن المراد بالوجه الذات المقدسة فأما صفة زائدة على الذات فلا وهو قول المعتزلة وجمهور المتكلمين
ويروى عن ابن عباس الوجه عبارة عنه عز وجل كما قال ويبقى وجه ربك
وقال ابن فورك قد تذكر صفة الشيء والمراد به الموصوف

142

توسعا كما يقول القائل رأيت علم فلان ونظرت إلى علمه والمراد بذلك نظرت إلى العالم
وقال القرطبي قال الحذاق الوجه راجح إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في المشاهدة
وقال أبو المعالي وأما الوجه فالمراد به وجود البارئ تعالى عند معظم أئمتنا والدليل على ذلك قوله تعالى ويبقى وجه ربك والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء هو وجود البارئ تعالى
وقوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله المراد به لله الذي له الوجه أي الوجود
وكذلك قوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى الليل 20 أي الذي له الوجه
وقيل في قوله فأينما تولوا فثم وجه الله أي فثم رضا الله وثوابه و إنما نطعمكم لوجه الله أي لرضاه وطلب ثوابه ومنه من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله
وقيل المراد فثم الله والوجه صلة أو الوجه عبارة عن الذات أي فثم ذاته بمعنى الحصول العلمي أي فعلمه معكم أينما كنتم

143


وقيل المراد بالوجه الجهة التي وجهنا الله إليها أي القبلة
وحكى المزني عن الشافعي فأينما تولوا فثم وجه الله أي فثم الوجه الذي وجهكم إلي أي فهناك جهته وقبلته التي أمر بها
ومذهب السلف أن الوجه صفة ثابتة لله ورد بها السمع فتتلقى بالقبول
ويبطل مذهب أهل التأويل ما قاله البيهقي والخطابي في قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال ذو الجلال ولو كان ذكر الوجه صلة ولم يكن صفة للذات لقال ذي الجلال فلما قال ذو الجلال علمنا أنه نعت للوجه وأن الوجه صفة للذات
وقالت الحنابلة لتأييد مذهب السلف إنه قد ثبت في الخطاب العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة أن تسمية الوجه في أي محل وقع من الحقيقة والمجاز يزيد على قولنا ذات فأما في الحيوان فذلك مشهور حقيقة ولا يمكن دفعه وأما في مقامات المجاز فكذلك أيضا لأنه يقال فلان وجه القوم لا يراد به ذوات القوم إذ ذوات القوم غيره قطعا ويقال هذا وجه الثوب لما هو أجوده ويقال هذا وجه الرأي أي أصحه وأقومه وأتيت بالخبر على وجهه أي على حقيقته إلى غير ذلك مما

144

يقال فيه الوجه
فإذا كان هذا هو المستقر في اللغة وجب أن يحمل الوجه في حق البارئ على وجه يليق به صفة زائدة على تسمية قولنا ذات
فإن قيل يلزم أن يكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية وهو باطل
فالجواب ما قالوه إن هذا لا يلزم لأن ما ذكره المعترض ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجه إلى جملة الذات فيما ثبت للذات من الماهية المركبة وذلك أمر أدركناه بالحس في جملة الذات فكانت الصفات مساوية للذات بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء من الكل
فأما الوجه المضاف للبارئ سبحانه فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه
وقد ثبت أن الذات في حق البارئ لا توصف بأنها جسم مركب تدخله الكمية وتتسلط عليها الكيفية ولا نعلم لها ماهية فصفته التي هي الوجه كذلك لا يوصل لها إلى ما هية ولا يوقف لها على كيفية ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجساما والله منزه عن ذلك ولو جاز هذا الإعتراض في الوجه لقيل مثله في السمع والبصر والعلم فإن العلم في الشاهد عرض قائم بقلب يثبت بطريق ضرورة أو اكتساب وذلك غير لازم في حق البارئ لأنه مخالف للشاهد

145

في الذاتية وغير مشارك لها في إثبات ماهية أو كمية أو كيفية
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الله على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى وإن له يدين بلا كيف كما قال خلقت بيدي ص 75 وإن له عينين بلا كيف كما قال تجري بأعيننا القمر 14 وإن له وجها بلا كيف كما قال ويبقى وجه ربك وإنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر 22 وإنه يقرب من عباده كيف شاء كما قال ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وندين أنه يقلب القلوب بين إصبعين من أصابعه وأنه يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع كما جاءت به الرواية إلى أن قال ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأطال الكلام في هذا وأمثاله في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه
وقال القاضي ابن الباقلاني فإن قال قائل فما الدليل على أن لله وجها ويدا قيل له قوله ويبقى وجه ربك وقوله لما خلقت بيدي فأثبت لنفسه وجها ويدا
وقد تقدم كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله حيث قال

146

وله تعالى وجه ويد ونفس فما ذكر الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والإعتزال إلى آخر ما قال كما تقدم
تنبيه

روى مسلم وابن ماجة حديث إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
قال النوري معناه الإخبار أنه تعالى لا ينام وأنه مستحيل في حقه النوم فإن النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس والله منزه عن ذلك وسبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه بضم السين والباء
وقيل سبحات الوجه محاسنه لأنه يقال سبحان الله عند رؤيتها
والحجاب أصله في اللغة المنع والستر وهو إنما يكون للأجساد والله منزه عن ذلك

147


والمراد هنا المانع من رؤيته وسمى ذلك المانع نور لأنه يمنع في العادة من الإدراك كشعاع الشمس والمراد بالوجه الذات والمراد بما انتهى إليه بصره جميع المخلوقات لأن بصره سبحانه محيط بجميع الكائنات والتقدير لو زال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته لكنه محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله
وقيل الحجاب المذكور في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه فالحجاب راجع إلى منع الإبصار من الإصابة بالرؤية فلو كشف الحجاب الذي على أعين الناس ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا من جلاله وهيبته كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل دكا حين تجلى سبحانه له
ومن المتشابه العين في قوله تعالى ولتصنع على عيني طه 39 وقوله فإنك بأعيننا الطور 48 وقوله تجري بأعيننا القمر 14
وتأويله أن المراد تجري بأعيننا أي بمرأى منا أي ونحن نراها أو أن المراد بأعيننا أي بحفظنا وكلاءتنا أو أن المراد به أعين الماء أي تجري بأعين خلقناها وفجرناها فهي إضافة ملك لا إضافة صفة ذاتية والمراد تجري بأوليائنا وخيار خلقنا

148


وقوله ولتصنع على عيني أي تربى وتغذى على مرأى مني وكذا فإنك بأعيننا أي بمرأى منا وفي حفظنا كقولهم أنت بعين الله أي في حفظه
وقال بعضهم العين مؤولة بالبصر والإدراك بل قيل إنها حقيقة في ذلك خلافا لتوهم بعض الناس أنا مجاز قال وإنما المجاز في تسمية العضو بها
ومذهب السلف إثبات ذلك صفة له تعالى لحديث البخاري ومسلم وغيرهما حين ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينيه الحديث
قال القرطبي قال العلماء منهم البيهقي وفي هذا نفي نقص العور عن الله تعالى وإثبات العين له صفة وعرفنا بقوله تعالى ليس كمثله شيء أنها ليست بحدقة وأن الوجه ليس بصورة وأنها صفة ذات انتهى
وقالت الحنابلة قد ورد السمع بإثبات صفة له تعالى وهي العين تجري مجرى السمع والبصر وليس المراد إثبات عين هي حدقة ماهيتها شحمة لأن هذه العين من جسم محدث وأما العين التي وصف بها البارئ فهي مناسبة لذاته في كونها غير

149

جسم ولا جوهر ولا عرض ولا يعرف لها ماهية ولا كيفية قالوا وقد امتنعت المعتزلة والأشعرية من أن يقال لله عين فأما المعتزلة فيقوى ذلك عندهم لأنهم لا يقولون سميع بسمع بصير ببصر بل يقولون بصير لذاته سميع لذاته وأما الأشعرية فيضعف هذا على قولهم لأنهم يوافقون على أنه بصير ببصر سميع بسمع وإنما امتنعوا من تسمية عين لما استوحشوا من معنى العين في الشاهد فقاوا بالتأويلات ومن الفاسد قياس الغائب على الشاهد
ومن المتشابه اليد في قوله تعالى يد الله فوق أيديهم الفتح 10 لما خلقت بيدي ص 75 بل يداه مبسوطتان المائدة 64 مما عملت أيدينا يس 71 قل إن الفضل بيد الله آل عمران 73
وتأويله أن المراد باليد القدرة
وقال الأشعري اليد صفة ورد بها الشرع والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما
وذهبت المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين في قوله لما خلقت بيدي معنى النعمتين وطائفة من الأشعرية أن المراد باليدين هنا القدرة لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة كقوله

150

فقمت ومالي بالأمور يدان

ويحقق هذا ويوضحه أن الخلق من جهة الله إنما هو مضاف إلى قدرته لا إلى يده ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته ويستغني عن يد وآلة يفعل بها مع قدرته
وقوله بل يداه مبسوطتان المائدة 64 ثنى اليد مبالغة في الرد على اليهود ونفي البخل عنه وإثباتا لغاية الجود فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيديه وتنبيها على منح الدنيا والآخرة
أو المراد بالتثينة باعتبار نعمة الدنيا ونعمة الآخرة
أو باعتبار قوة الثواب وقوة العقاب
ومذهب السلف والحنابلة أن المراد إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين يزيدان على النعمة والقدرة محتجين بأن الله تعالى أثبت لآدم من المزية والإختصاص ما لم يثبت مثله لإبليس بقوله لما خلقت بيدي ص 75 وإلا فكان إبليس يقول وأنا أيضا خلقتني بيديك فلا مزية لآدم ولا تشريف
فإن قيل إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفا وتظيما على إبليس ومجرد النسبة في ذلك كافي في التشريف كناقة الله وبيت الله فهذا كاف في التشريف وإن كانت النوق والبيوت كلها لله
فالجواب ما قالوه أن التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة فإن قولنا خلق الله الخلق بقدرته لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة

151

الله اقتضى ذلك إثبات الصفة وكذا أحاط بالخلق بعلمه يقتضي إحاطة بصفة هي العلم فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق به سبحانه لا بمعنى العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تعالى الله عن ذلك
وأيضا فلو أراد باليد النعمة لقال لما خلقت ليدي لأنه خلق لنعمة لا بنعمة
وأيضا فقدرة الله واحدة لا تدخلها التثنية والجمع
وقال البغوي في قوله بيدي في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة وأنهما صفتان من صفات ذاته
وقال ابن اللبان فإن قلت فما حقيقة اليدين في خلق آدم قلت الله أعلم بما أراد قال والذي يظهر أن اليدين استعارة لنور قدرته القائم بصفة فضله وصفة عدله
وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة قال الله يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ص 75 وقال بل يداه مبسوطتان المائدة 64 وذكر الأحاديث الصحاح في ذلك

152

كحديث يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده وحديث أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وذكر أحاديث كثيرة مثل والخير بيديك
وقال البيهقي قال بعض أهل النظر قد تكون اليد بمعنى القوة كقوله داود ذا الأيد ص 17 ذا القوة وبمعنى الملك والقدرة كقوله إن الفضل بيد الله آل عمران 73 وبمعنى النعمة كقولهم لي عند فلان يد وتكون صلة أي زائدة كقوله مما عملت أيدينا أنعاما يس 71 أي مما عملناه نحن وبمعنى الجارحة كقوله وخذ بيدك ضغثا ص 44
قال فأما قوله لما خلقت بيدي فلا يحمل على الجارحة لأن البارئ واحد لا يتبعض ولا على القوة والقدرة والملك والنعمة والصلة لأن الإشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم

153

وعدوه إبليس ويبطل ما ذكره من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص إذ الشياطين والأباليس وجماعة الكفرة خلقهم الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله تعالى في قوله لما خلقت بيدي انتهى
تنبيه

من هذا النمط حديث الترمذي وابن ماجه إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي
وفي حديث آخر إن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده
وحديث أحمد ومسلم إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسييء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسييء الليل

154


قيل بسط اليد إستعارة في قبول التوبة وإنما ورد لفظ اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بما يفهمونه وهو مجاز فإن يد الجارحة مستحيلة في حقه تعالى
ومن المتشابه القبضة واليمين في وقوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه الزمر 67
وحديث البخاري ومسلم يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض
وحديث مسلم يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى الحديث
وحديث مسلم أيضا يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله ويبسطها أنا الملك

155


قال البيهقي المتقدمون من هذه الأمة لم يفسروا ما ورد من الآي والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله واحد لا يجوز عليه التبعيض
قال وذهب بعض أهل النظر إلى أن اليمين يراد به اليد واليد لله صفة بلا جارحة فكل موضع ذكرت فيه من الكتاب أو السنة فالمراد بذكرها تعلقها بالمكان المذكور معها من الطي والأخذ والقبض والبسط والقبول والإنفاق وغير ذلك تعلق الصفة الذاتية بمقتضاه من غير مباشرة ولا مماسة وليس في ذلك تشبيه بحال
وهذا مذهب الحنابلة
قال الخطابي وليس معنى اليد عندنا الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة
وقال بعض أهل التأويل كما في البيضاوي وغيره في الآية هو تنبيه على عظمته وكمال قدرته على الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازا

156


وقال بعضهم هو لبيان عظمة الله وجلاله وقدرته وأن المكونات كلها منقادة لإرادته ومسخرات بأمره
وذهب آخرون إلى أن القبض قد يكون بمعنى الملك والقدرة كقولهم ما فلان إلا في قبضتي أي قدرتي ويقولون الأشياء في قبضة الله أي في ملكه وقدرته وعلى هذا التأويل مخرج الآية والحديث
تنبيه

في حديث مسلم وغيره إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا
قال النووي هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها ولا نتكلم بتأويل ونعتقد أن ظاهرها غير مراد وأن لها معنى يليق بالله تعالى أو تؤول على أن المراد بكونهم على اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة
وقوله وكلتا يديه يمين فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين
وقال بعضهم وقد تكون اليمين بمعنى التبجيل والتعظيم

157


يقال فلان عندنا باليمين أي بالمحل الجليل ومنه قول الشاعر
أقول لناقتي إذ بلغتني
لقد أصبحت عندي باليمين


أي المحل الرفيع
قلت أحسن من هذا ما أوردته في كتابي القول البديع في علم البديع في باب التمثيل ما أنشده الرماح بن ميادة في قوله
ألم أك في يمنى يديك جعلتني
فلا تجعلني بعدها في شمالكا


أراد أن يقول ألم أكن قريبا منك فلا تجعلني بعيدا عنك فعدل عنه إلى لفظ التمثيل لما فيه من زيادة المعنى لما تعطيه لفظتا اليمين والشمال من الأوصاف لأن اليمين أشد قوة معدة للطعام والشراب والأخذ والعطاء وكل ما شرف والشمال بالعكس واليمين مشتق من اليمن وهو البركة والشمال من الشؤم فكأنه قال ألم أكن مكرما عندك فلا تجعلني مهانا وكنت منك في المكان الشريف فلا تجعلني في الوضيع
قال البيهقي وقد روي ذكر الشمال لله تعالى من طريقين في أحدهما جعفر بن الزبير وفي الآخر يزيد الرقاشي وهما

158

متروكان وكيف يصح ذلك وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى كلتا يديه يمينا وكأن من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له أو على عادة العرب من ذكر الشمال في مقابلة اليمين
وقال الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله سبحانه من صفة اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف والله أعلم
وأما الأصابع فروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال جاء حبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أو يا أبا القاسم إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر وتصديقا له ثم قرأ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه الزمر 67
وفي البخاري إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات

159

على إصبع والأرضين على إصبع والخلائق على إصبع ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقوله ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم وما قدروا الله حق قدره إلى قوله يشركون
وفي الترمذي وصححه عن ابن عباس قال مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا يهودي حدثنا فقال كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والجبال على ذه والماء على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار بخنصره أولا ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله وما قدروا الله حق قدره
وروى البخاري ومسلم حديث إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمان كقلب واحد يصرفها كيف يشاء ثم قال عليه السلام اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك
قال الخطابي وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتها واعترض بأن ذلك ثابت في صحيح السنة لكن الواجب في هذا أن تمر كما جاءت ولا يقال فيها

160


إن معناها النعم لا أن يقال إصبع أو أصابع كأصابعنا ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضتنا
وقال النووي هذه من أحاديث الشبهات وفيها القولان أحدهما الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى بل نؤمن بها وأن ظاهرها غير مراد لقوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى 11 ثانيهما يتأول بحسب ما يليق فعلى هذا فالمراد المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي لا يراد أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي ويقال فلان في خنصري وبين إصبعي أقلبه كيف شئت يعني أنه هين علي والتصرف فيه كيف شئت فمعنى الحديث أنه سبحانه يتصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه منها شيء ولا يفوته ما أراده كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه فخاطب العرب كما يفهمونه ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم فإن قيل قدرة الله تعالى واحدة والإصبعان للتثنية قال والجواب أن هذا مجاز واستعارة واقعة موقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به التثنية والجمع
وفي النهاية إطلاق الأصابع عليه تعالى مجاز كإطلاق اليد واليمين والعين والسمع وهو جار مجرى التمثيل والكناية عن سرعة تقلب القلوب وأن ذلك أمر معقود بمشيئة الله

161

وتخصيص ذكر الأصابع كناية عن إجراء القدرة والبطش لأن ذلك باليد والأصابع
وقال القرطبي وغيره والإصبع قد تكون بمعنى القدرة على الشيء وسهولة تقليبه كما يقول من استسهل شيئا واستخفه مخاطبا لمن استثقله أنا أحمله على إصبعي وأرفعه بإصبعي وأمسكه بخنصري فهذا مما يراد به الإستظهار في القدرة على الشيء فلما كانت السماوات والأرض أعظم الموجودات وكان إمساكها إلى الله كالشيء الحقير الذي نجعله بين أصابعنا ونهزه بأيدينا ونتصرف فيه كيف شئنا دل ذلك على قوته القاهرة وعظمته الباهرة لا إله إلا هو سبحانه
وقال بعض المحققين هذا الحديث من جملة ما يتنزه السلف عن تأويله كأحديث السمع والبصر واليد فإن ذلك يحمل على ظاهره ويجرى بلفظه الذي جاء به من غير أن يشبه بمشبهات الجنس أو يحمل على معنى المجاز والإتساع بل يعتقد أنها صفات الله تعالى لا كيفية لها وإنما تنزهوا عن تأويل هذا القسم لأنه لا يلتئم معه ولا يحمل ذلك على وجه يرتضيه العقل إلا ويمنع منه الكتاب والسنة من وجه آخر قال ومثل هذا ليس في الحقيقة من أقسام الصفات ولكن ألفاظ مشاكلة لها في وضع الإسم
وقال الطيبي اعلم أن للناس فيما جاء من صفات الله فيما يشبه صفات المخلوقين تفصيلا وذلك أن المتشابه قسمان قسم

162

يقبل التأويل وقسم لا يقبله بل علمه مختص بالله تعالى ويقفون عند قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله آل عمران 7 كالنفس في قوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك المائدة 116 والمجيء في قوله وجاء ربك والملك الفجر 22 وتأويل فواتح السور مثل آلم وحم من هذا القبيل
وذكر الشيخ السهروردي في كتاب العقائد أخبر الله تعالى أنه استوى على العرش وأخبر رسوله بالنزول وغير ذلك مما جاء في اليد والقدم والتعجب فكل ما ورد من هذا القبيل دلائل التوحيد فلا يتصرف فيه بتشبيه ولا تعطيل فلولا إخبار الله تعالى وإخبار رسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى وتلاشى دونه عقل العقلاء ولب الألباء
قال الطيبي هذا المذهب هو المعتمد عليه وبه يقول السلف الصالح ومن ذهب إلى التأويل شرط فيه أن يكون مما يؤدي إلى تعظيم الله تعالى وجلاله وتنزيهه وكبريائه وما لا تعظيم فيه فلا يجوز الخوض فيه فكيف بما يؤدي إلى التجسيم والتشبيه انتهى
وهو كلام في غاية التحقيق إلا أن ترك التأويل مطلقا وتفويض العلم إلى الله أسلم
وأما الساعد والذراع قال القرطبي أسند البيهقي وغيره حديث وساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك

163


وذكر البيهقي أيضا أن عروة بن الزبير سأل عبد الله بن عمرو بن العاصي أي الخلق أعظم قال الملائكة قال من ماذا خلقت قال خلقت من نور الذراعين والصدر
قال هو حديث موقوف على عبدالله بن عمرو وراويه رجل غير مسمى فهو منقطع وقال ابن فورك روى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال خلق الله تعالى الملائكة من شعر ذراعيه وصدره أو من نورهما
قال ابن فورك وعبدالله لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قيل إن عبدالله بن عمرو أصاب وسقين من الكتب يوم اليرموك فكانوا يقولون له إذا حدثهم حدثنا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا عن وسقيك يوم اليرموك انتهى
قلت عبدالله بن عمرو أجل من أن يحكى عنه مثل هذا فإن وقع فيه كذب فهو ممن قبله وإن صح عنه مثل هذا الحديث فله حكم المرفوع والتأويل محتمل فقد رواه أسامة

164

ولم يقل فيه ذراعيه وصدره بل قال من نور الذراعين والصدر مطلقا غير مضاف وإذا كان كذلك لم ينكر أن يكون ذلك صدرا وذراعين لبعض خلقه أو أنهما من أسماء بعض مخلوقاته فقد وجد في النجوم ما يسمى ذراعين وحينئذ فليس بمستنكر أن يكون هذا الإسم اسما لبعض مخلوقاته تعالى خلق منه الملائكة
وأما الساعد فإنه يطلق بمعنى القوة والتدبير كقولهم جمعت هذا المال بساعدي يعني برأيه وتدبيره وهو المراد في الحديث والمعنى أمر الله أنفذ من أمرك وقدرته أنفذ من قدرتك وإنما عبر عنه بالساعد للتمثيل لأنه محل القوة يوضح ذلك قوله وموساه أحد من موساك يعني أن قطعه في مقدوراته أسرع من قطعك فعبر عن القطع بالموسى لسرعة قطعه
وأما الكف والأنامل والصورة فقد روى الترمذي عن معاذ بن جبل قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله فلما سلم دعا بصوته فقال لنا على مصافكم كما أنتم ثم أقبل علينا فقال أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم لغداة إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك ربي قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري قالها ثلاثا قال فرأيته وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال يا محمد قلت

165

لبيك ربي قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات قال ما هن قلت مشي الأقدام إلى الحسنات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء على المكرهات الحديث
قال الترمذي حديث حسن صحيح
وقال سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هذا حديث حسن صحيح
قال ابن فورك قوله وضع كفه بين كتفي وروي بين كنفي بالنون
فأما الكف فقيل هو بمعنى القدرة كقوله
هون عليك فإن الأمور
بكف الإله مقادريها


يريد في قدرته تقديرها وتدبيرها
وقيل المراد بالكف النعمة والمنة والرحمة

166


وأما قوله بين كتفي فالمراد به ما وصف إلى قلبه من لطفه وبره وفوائده لأن القلب بين الكتفين وهو محل الأنوار والعلوم والمعارف ورواية بين كنفي يراد به كقول القائل أنا في كنف فلان وفنائه أراد بذلك أنه في ظل نعمته ورحمته فكأنه قال أفادني الرب من رحمته وإنعامه بملكه وقدرته حتى علمت ما أعلمه
وقوله فوجدت برد أنامله يحتمل أن يكون المعنى برد نعمه فإن تأويل الأنامل على معنى الإصبع على ما تقدم فيكون المعنى حتى وجدت آثار إحسانه ونعمته ورحمته في صدري فتجلى لي عند ذلك علم ما بين السماء والأرض برحمة الله وفضل نعمته
وقال القرطبي وقوله فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة أو رأيت ربي في أحسن صورة هذا راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي رأيته وأنا في أحسن صورة كقول القائل رأيت الأمير في أحسن صورة ومراده وأنا في أحسن زيي وحينئذ فالمراد أن الله تعالى زين خلقته عليه السلام وكمل صورته عند رؤيته لربه زيادة إكرام وتعظيم
وقال بعض المحققين ما ملخصاه يجوز أن يكون قوله في أحسن صورة راجعا إلى محمد أي رأيته وأنا في أحسن صورة بمعنى أن الله حسن صورته ونقله إلى هيئة يمكنه معها رؤيته إذ كان البشر لا يمكنهم رؤيته تعالى على صورتهم التي عليها حتى ينقلوا إلى صور أخر غير صورهم كما أن أهل الجنة ينقلهم الله عن صفاتهم إلى صفات آخر أعلى وأشرف فعجل الله

167

لنبيه هذه الكرامة في الدنيا ويجوز أن يكون راجعا إلى الله بمعنى أنه راء ربه على أحسن ما وعده به من إنعامه وإحسانه وإكرامه كما تقول للرجل كيف كانت صورة أمرك عند لقاء الملك فيقول خير صورة أعطاني وأنعم علي وأدناني من محل كرامته فهذان تأويلان صحيحان جاريان على أساليب كلام العرب
قال وقد جاء في بعض الحديث أنه كانت رؤية في المنام فإذا كان الأمر كذلك كان التأويل واضحا لأنه لا ينكر رؤية الله تعالى في المنام كذلك انتهى
وروى أحمد والبخاري ومسلم أنه عليه السلام قال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا الحديث وفيه وكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا فلم تزل الخلق تنقص بعده حتى الآن
وفي لفظ آخر إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته
قال النووي هذا من أحاديث الصفات ومذهب السلف

168

أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى من اعتقادنا أنه ليس كمثله شيء وهذا القول اختاره جماعة من محققي المتكلمين قال وهو أسلم والثاني أنها تؤول على ما يليق على حسب مواقعها
قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال الله صورة لا كالصور قال وهذا كقول المجسمة جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة يقولون الله تعالى شيء لا كالأشياء والفرق أن لفظة شيء لا تفيد الحدوث ولا تتضمن ما يقتضيه وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث
وقال أهل التأويل ما قاله الخطابي إن الضمير في صورته يعود على آدم بمعنى أن الله تعالى خلقه ابتداء على صورته التي أوجده عليها ولم يردده في أطوار الخلقة كبنيه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم أجنة ثم أطفالا وفي الحديث الأخر الضمير يعود على المضروب
وقال بعض المحققين ما ملخصه يجوز عود الضمير على آدم وعلى الله فإن عاد على آدم فالغرض منه الرد على الدهرية واليهود وهو من جوامع الكلم فإن الدهرية قالت إن العالم لا أول له فلا حيوان إلا من حيوان آخر قبله ولا زرع إلا من بذر قبله فأعلمنا عليه السلام أن الله خلق آدم على صورته

169

التي شوهد عليها ابتداء
وقالوا أيضا إن للطبيعة والنفس الكلية فعلا في المحدثات المتكونة غير فعل الله فأعلمنا أنه أوجده كذلك دون مشاركة من طبيعة أو نفس
واليهود قالت إن آدم في الذنب كان على خلاف صورته في الجنة فلما خرج منها نقص قامته وغير خلقته فأعلمنا بكذبهم وأنه خلق في أول أمره على صورته التي كان عليها عند هبوطه
وإن عاد الضمير على الله فإضافة صورة آدم إليه على وجه التشريف والتخصيص لا على ما يسبق للوهم من معاني الإضافة كقولهم الكعبة بيت الله وإنما خصصه بالإضافة إلى الله دون غيره لأن الله خلقه دفعة واحدة من غير ذكر وأنثى ولا ضمته الأرحام وخلقه بيده وأسجد له ملائكته وهو أبو البشر فنبهنا عليه السلام بإضافة صورته إلى الله على ذلك وهو نظير قوله تعالى ونفخت فيه من روحي الحجر 29 وقوله ولا أعلم ما في نفسك المائدة 116 وقوله لما خلقت بيدي ص 75
فكما لا تدل هذه الإضافة على أن له نفسا وروحا ويدين فكذلك إضافة الصورة إليه تعالى لا تدل على أن له صورة
قال وأيضا فالعرب تستعمل الصورة على وجهين
أحدهما الصورة التي هي شكل مخطط محدود بالجهات
والثاني بمعنى صفة الشيء كقولهم ما صورة أمرك فكيف كانت صورة نفسك وهذا هو المراد هنا فإن الله جعله خليفة في

170

أرضه يعلم ويأمر وينهى ويسوس ويدبر وسخر له ما في السماوات وما في الأرض انتهى
واعترض بعضهم هذه الأجوبة وقال الواجب أن تمر الأحاديث كما جاءت بلا تأويل ولا تكييف فإن الضمير إذا كان عائدا على آدم لا فائدة فيه إذ ليس يشك أحد أن الله خالق الإنسان على صورته والسباع والأنعام على صورها فأي فائدة في الحمل على ذلك ولا جائز أن يقال عائد على المضروب إذ لا فائدة فيه لأن الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده ووجهه على وجوههم
قلت وفي هذا الإعتراض نظر فإنه لا يرد بعد إبراز ما تقدم من النكات والحكم
نعم مما يقوي الإعتراض قوله عليه السلام في حديث آخر لاتقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمان وقول المازري في هذا الحديث إنه ليس بثابت عند أهل الحديث فيه ما فيه فقد رواه ابن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم

171


وهذا غاية ما قال البيهقي يحتمل أن لفظ هذا الحديث كما في الحديث الآخر فأداه البعض الرواه على ما وقع في قلبه من معناه والله أعلم
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الرواية وقد أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمان قال فتعين إجراء ذلك على ما تقررد بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه قال وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصوفا بالعلم الذي فضل به على الحيوان قال وهذا محتمل
وقيل الضمير لله وتمسك قائله بما في بعض طرقه على صورة الرحمان فالمراد بالصورة الصفة أي إن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء انتهى

172


قلت لكن التعليل بإتقاء الوجه يرد جميع التأويل ولم يبق إلا التعويل على مذهب من سلف من أئمة السلف
وروى ابن عباس إن موسى عليه السلام ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر فقال اشربوا يا حمير فأوحى الله إليه عمدت إلى خلق من خلقي على صورتي فشبهتهم بالحمير فما برح حتى عوقب
قال القرطبي ذكره القتيبي في مختلف الحديث وقال القتيبي والذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين واليمين والعين وإنما وقعت الألفة لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد انتهى
وفي البخاري ومسلم حديث هل نرى ربنا يوم القيامة وفيه فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة وفي لفظ آخر في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه الحديث

173


وقال بعض أهل التأويل إن في بمعنى الباء كما في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام البقرة 210 أي بظلل فيكون معنى الإتيان هنا أنه يحضر لهم تلك الصورة ويذكر أنه ملك عظيم يقولون لهم بأمر الله أنا ربكم
وأما الصورة الثانية فهي صفته تعالى لا يشاركه فيها شيء وهو الوصف الذي كانوا عرفوه في الدنيا بقوله ليس كمثله شيء ولذلك قالوا إذا جاءنا ربنا عرفناه
قال القرطبي ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة فمن المتداول أن يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته وقيل الكلام خرج مخرج المشاكلة للفظ الصورة والله أعلم ومذهب السلف أسلم
ومن المتشابه الساق في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود القلم 42
وقوله عليه السلام في حديث البخاري ومسلم قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة وفيه فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقول نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه الحديث
وفي بعض طرق البخاري يكشف ربنا عن ساقه

174


قال الخطابي هذا الحديث مما تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقيف عند تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب
وقال أهل التأويل هذا يؤول على معنى شدة الأمر وهوله
قال الجوهري وغيره في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق أي عن شدة كما يقال قامت الحرب على ساق
وروى الحاكم في المستدرك من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى يوم يكشف عن ساق فقال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر
قد سن لي قومك ضرب الأعناق
وقامت الحرب بنا على ساق


قال ابن عباس هذا يوم كرب وشدة
وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى

175

يوم يكشف عن ساق قال هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة
وقال بعض الأعراب وكان يطرد الطير عن الزرع في سنة جدبة
عجبت من نفسي ومن إشفاقها
ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها

وفي البيضاوي يوم يكشف عن ساق أي يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل في ذلك أو يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا مستعار من ساق الشجر وساق الإنسان
وفي القاموس والتفت الساق بالساق آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة يذكرون الساق إذا أرادوا شدة الأمر والإخبار عن هوله انتهى
وقال بعضهم لا ينكر أن الله سبحانه قد يكشف لهم عن ساق لبعض المخلوقين من ملائكته أو غيرهم ويجعل ذلك سببا لما شاء من كلمته في أهل الإيمان والنفاق
قال الخطابي وفيه وجه آخر لم أسمعه من قدوة وقد

176

يحتمله معنى اللغة سمعت أبا عمرو يذكر عن أحمد بن يحيى النحوي قال والساق النفس ومنه قول علي رضي الله عنه حين راجعه أصحابه في قتال الخوارج والله لأقاتلهم ولو تلفت ساقي يريد نفسه
قال الخطابي فقد يحتمل على هذا أن يكون المراد التجلي لهم وكشف الحجب حتى إذا رأوه سجدوا له
قال ولست أقطع به القول ولا أراه واجبا فيما أذهب إليه من ذلك
قال القرطبي هذا أصح ما قيل في ذلك وقد ورد بمعناه حديث ذكرناه في كتابنا التذكرة انتهى
وجاء من حديث روح بن جناح مرفوعا في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق قال عن نور عظيم له سجدوا لكن قال البيهقي روح بن جناح يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها والله تعالى أعلم
وأما الرجل والقدم ففي صحيح البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه

177

فتقول قط قط وعزتك وتزوي بعضها إلى بعض
وفي البخاري فيضع الرب قدمه عليها فتقول قط قط فهناك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض
وفي بعض الطرق حتى يضع الجبار فيها قدمه
وفي مسلم فلا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة
قال الترمذي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة في مثل هذا والمذهب في هذا عن أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن يرووا هذه الأشياء كيف جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف قال وهذا أمر أهل العلم الذي أختاروه وذهبوا إليه
وقال الخطابي كان أبو عبيد القاسم بن سلام وهو أحد

178

أنهياء أهل العلم يقول نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني
قال الخطابي ونحن أحرى أن لا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر منا علما وأقدم زمانا وسنا ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين منكر لما يروى من هذه الأحاديث ومكذب به أصلا وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث وهم أئمة الدين وثقة السنن والواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
والطائفة الأخرى مسلمة للرواة فيها ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبا يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه ونحن نرغب عن الأمرين معا ولا نرضى بواحد منهما فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلا
وقال أهل التأويل القدم ها هنا يحتمل أن يكون المراد به من قدمهم الله للنار من أهلها وكل شيء قدمته فهو قدم والعرب تطلق القدم على السابقة في الأمر
قال النضر بن شميل في معنى قوله حتى يضع الجبار فيها قدمه أي من سبق في علمه أنه من أهل النار

179


قال الخطابي وقد تأول بعضهم الرجل على نحو هذا
قال والمراد به عدد استيفاء الجماعة الذين استوجبوا دخول النار والعرب تسمي جماعة الجراد رجلا كما سموا جماعة الظباء سربا واستعير ذلك لجماعة الناس
وقال القرطبي وقيل إن هؤلاء قوم تأخر دخولهم في النار وهم جماعات لأن أهلها يلقون فيها فوجا فوجا كما قال تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها الملك 8 فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به ولم يبق أحد قالت الخزنة قط قط أي حسبنا حسبنا أي اكتفينا اكتفينا وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم لا أن الله تعالى جسم من الأجسام تعالى الله عن ذلك
وقال بعضهم القدم خلق من خلق الله تعالى يخلقه يوم القيامة فيسميه قدما ويضعه في النار فتمتلئ منه
وقال بعضهم المراد بالقدم هنا قدم خلقه
وقال ابن فورك قال بعضهم القدم خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدما ويضيفه إليه من طريق الفعل يضعه في النار فتمتلئ منه

180


وأما الرجل فالعرب تسمي جماعة الجراد رجلا كما سموا جماعة الظباء سربا وجماعة الحمير عانة ويستعمل في جماعة الناس على سبيل التشبيه قال
ترى الناس أفواجا إلى باب داره
كأنهم رجلا دبا وجراد

الدبا الجراد قبل أن يطير
وأما الجبار هنا فقال بعضهم يحتمل أن يكون أريد به الموصوف بالتجبر من الخلق كقوله تعالى وخاب كل جبار عنيد إبراهيم 15
وقال بعضهم الجبار هنا إبليس وشيعته فإنه أول من استكبر والتكبر والتجبر بمعنى واحد
وقال ابن التلمساني في قوله عليه السلام حتى يضع الجبار فيها قدمه إن الجبار ليس من الأسماء الخاصة بالله تعالى والمراد به جبار يعلم الله عتوه واستكباره كإبليس وأتباعه مثلا والنمرود وجنوده وقد قال عليه السلام أهل النار كل متكبر جبار انتهى

181


قلت وربما يرد هذا التأويل حديث حتى يضع الله رجله وحديث فيضع الرب قدمه فيكون تعالى هو المراد بالجبار في الحديث الآخر لكن الخلف خصوصا المتكلمين تجد عندهم التأويل في مثل هذا بالمجازفة ولا يراعون ألفاظ الحديث إما لعدم معرفة ألفاظ طرقه كلها أو لمسارعتهم للباب بلا تأمل ولا ريب أن السلف قد تصوروا في نفوسهم مثل هذه الأجوبة فرأوها متناقضة متهافتة فسكتوا عنها ولم يتفوهوا بها لعلمهم بفسادها وفوضوا العلم فيها إلى الله تعالى مع أنهم أكثر علما منا بيقين
وقال الخطابي رحمه الله تعالى ويجوز أن تكون هذا الأسماء أمثالا يراد بها إثبات معان لا حظ لظاهر اللفظ فيها من طريق الحقيقة وإنما أريد بوضع الرجل عليها نوع من الزجر لها وتسكين غيظها كما يقول القائل للشيء يريد محوه وإبطاله جعلته تحت رجلي ووضعته تحت قدمي وخطب عليه السلام عام الفتح فقال ألا إن كل دم ومأثرة في الجاهلية فهو تحت قدمي هاتين يريد محو تلك المآثر وإبطالها وما أكثر ما تضرب

182

العرب الأمثال في كلامها بالأعضاء وهي لا تريد أعيانها كقولهم فيمن تكلم وندم قد سقط في يده أي ندم ورغم أنف الرجل إذا ذل وعلا كعبه إذا جل وشمخ أنفه إذا تكبر وجعلت كلام فلان دبر أذني وحاجته خلف ظهري ونحو ذلك من ألفاظهم
ومن المتشابه الجنب والحقو في قوله تعالى على ما فرطت في جنب الله الزمر 56 وقوله عليه السلام في حديث البيهقي إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمان فقال مه فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فذلك لك
والحديث أيضا في البخاري ومسلم والنسائي لكن ليس فيه فأخذت بحقو الرحمان
والحقو ما تحت الخاصرة ويطلق على الإزار
قال أهل التأويل كما في تفسير البيضاوي في جنب الله في جانبه أي في حقه وهو طاعته انتهى
لأن التفريط إنما يقع في ذلك لا في الجنب المعهود

183


وقال الضحاك في جنب الله في ذكر الله كما قرئ به
وقال مجاهد المعنى على ما ضيعت من أمر الله
والمعنى في الجميع متقارب
وعن الفراء في جنب الله في قربه وجواره قال والجنب معظم الشيء وأكثره ومنه قولهم هذا قليل في جنب مودتك ويقال ما فعلت ذلك في جنب حاجتي
قال كثير
ألا تتقين الله في جنب عاشق
له كبد حرى عليك تقطع

أي في حاجته أو حقه
ونسب البيضاوي هذا البيت لسابق البربري
وأما الحقو فقال الخطابي الكلام في الصفات ثلاثة أقسام
قسم تحقق كالعلم والقدرة ونحوهما
وقسم يحمل على ظاهره ويجري بلفظه الذي جاء به من غير تأويل كاليد والوجه ونحو ذلك فإنهما صفات لا كيفية لها فلا يقال معنى اليد النعمة والقوة ولا معنى الوجه الذات على ما ذهب إليه نفاة الصفات
وقسم يؤول ولا يجري على ظاهره كقوله عليه السلام

184

إخبارا عن الله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا الحديث لا أعلم أحدا من العلماء أجراه على ظاهره بل كل منهم تأوله على القبول من الله لعبده وحسن الإقبال عليه والرضا بفعله ومضاعفة الجزاء له على صنعه وذكر حديث لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي الرحمان قال لا أعلم أحدا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضاه في اللغة وإنما معناه اللياذ والإعتصام تمثلا له بفعل من اعتصم بحبل ذي عزة واستجار بذي ملكه وقدرة
وقال البيهقي ومعناه عند أهل النظر أنها استجارت واعتصمت بالله كما تقول العرب تعلقت بظل جناحه أي اعتصمت به
وقال بعضهم قوله فأخذت بحقو الرحمان معناه فاستجارت بكنفي رحمته والأصل في الحقو معقد الإزار ولما كان من شأن المستجير أن يستمسك بحقوي المستجار به وهما جانباه الأيمن والأيسر أستعير الأخذ بالحقو في اللياذ بالشيء تقول العرب عذت بحقو فلان أي استجرت به واعتصمت
وقيل الحقو الإزار وإزاره سبحانه عزه بمعنى أنه

185

موصوف بالعز فلاذت الرحمم بعزه من القطيعة وعاذت به
قلت وما اتفقوا على تأويله خلافا للمتصوفة قوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم الحديد 4 ونحوه مما مر فإن المعية محمولة على معية العلم والإحاطة والمشاهدة كما قال الله تعالى لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى طه 46
وكذا قوله عليه السلام الحجر الأسود يمين الله في أرضه أي محل عهده الذي أخذ به الميثاق على بني آدم
وكذا قوله عليه السلام حكاية عن الله عبدي مرضت فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده عبدي جعت فلم تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي
قال ابن تيمية رحمه الله ففسر في هذا الحديث أنه تعالى إنما أراد بذلك مرض وجوع عبده ومحبوبه لقوله لوجدت ذلك عندي ولم يقل لوجدتني إياه لأن المحب والمحبوب كالشيء الواحد من حيث يرضى أحدهما ويبغض أحدهما ما يرضاه الآخر أو يبغضه ولهذا قال إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله الفتح 1

186


قال الزمخشري ولهذا أكده تأكيدا على طريق التخييل فقال يد الله فوق أيديهم يرد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو يدي المبايعين هي يد الله والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجرام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله النساء 80 انتهى
قال ابن تيمية وكما في الصحيح ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث فأخبر سبحانه بمحبة العبد على هذا الوجه
قال وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وأن قرب الفرائض أن يكون هو إياه تعالى الله عن ذلك وعن قول القائلين إن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق تعالى الله عن ذلك
ومن المتشابه النفس في قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة الأنعام 54 وقوله واصطنعتك لنفسي طه 41 وقوله ويحذركم الله نفسه آل عمران 28 وقوله عليه السلام عن الله فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي
قال أهل التأويل كما ذكره البيهقي النفس في كلام

187

العرب على وجوه نفس متفرقة مجسمة مروحة ومنها مجسمة غير مروحة تعالى الله عن هذين ونفس بمعنى إثبات الذات وعليه فيقال في الله سبحانه إنه نفس لا أن له نفسا منفوسة أو جسما مروحا وقد قيل في قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك المائدة 116 تعلم ما أخفيه في نفسي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك وقوله في نفسك للمشاكلة والمشاكلة وإن ساغت هنا لا تسوغ في غيره ومثله فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي أي حيث لا يعلم به أحد ولا يطلع عليه
وقال الزجاج في قوله ويحذركم الله نفسه أي ويحذركم الله إياه
وقال السهيلي النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل من لفظها النفاسة والشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه تعالى
وقال ابن اللبان أولها العلماء بتأويلات منها أن النفس عبر بها عن الذات قال وهذا وإن كان سائغا في اللغة لكن تعدي الفعل إليها ب في المفيدة للظرفية محال
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في قوله عليه السلام إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن أي تنفيسه الكرب بالأنصار

188

ومعاضدتهم له أو بفتح مكة
تنبيه

وقد ظهر بما مر أن النفس تطلق على الله مرادا بها الذات
وأما الشخص ففي حديث البخاري ومسلم لا شخص أغير من الله ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة
قال البيهقي قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله إطلاق الشخص في صفة الله غير جائز لأن الشخص لا يكون إلا جسما مؤلفا وخليق أن لا تكون هذا اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفا من الراوي
قال وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه بل كثير منهم يحدث على المعنى وليس كلهم بفقيه كقول بعض السلف في كلام له نعم المرء ربنا لو اطعناه ما عصانا فقائل هذه الكلمة لم يقصد بها المعنى الذي لا يليق بصفات الله فإن لفظ المرء للذكر الآدمي ولكنه أرسل الكلام على بديهة الطبع من غير تأمل للمعنى فلفظ الشخص إنما جرى من

189

الراوي على هذا السبيل إن لم يكون غلطا من قبل التصحيف
قال البيهقي ولو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها ما يوجب أن يكون الله شخصا فإنه إنما قصد إثبات صفة الغيرة لله والمبالغة فيه وإن أحدا من الأشخاص لا يبلغ ذلك
وقال القرطبي ما ذكره عن الخطابي رحمه الله ورضي عنه من أن هذا اللفظ لم يصح يؤدي إلى عدم الثقة في النقلة بما نقلوه من ذلك وهذا ليس بشيء بل النقل صحيح ويدخله التأويل فقد قيل معناه لا مترفع لأن الشخص ما شخص وارتفع
وقال القاضي أبوبكر بن العربي قال بعضهم إذا كان الله غيورا ونبيه كذلك وهذا مما يجب إعتقاده فكيف جاء إليه رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال له طلقها فقال إني أحبها فقال استمتع بها
وأجيب بأنه عليه السلام خشي على عقله أو أن المراد باللامس السائل فهو كناية عن جودها أو معنى استمتع بها أي خذ منها ما يأخذ الرجال من النساء إلا الجماع ورد ابن العربي هذه الأجوبة كلها لبعدها وجعل الجواب السديد أن هذا الحديث لم يثبت

190


ومن المتشابه الروح في قوله تعالى ويسألونك عن الروح الإسراء 85 وقوله فإذا سويته ونفخت فيه من روحي الحجر 29 وقوله فنفخنا فيها من روحنا الأنبياء 91 وقوله وروح منه النساء 171
قال الإمام الفخر المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة وإن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل أن يكون عن الماهية وهل هي متحيزة أم لا وهل هي حالة في متحيز أم لا وهل هي قديمة أو حادثة وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى وما حقيقة تعذيبها وتنعيهما وغير ذلك إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية وهل الروح قديمة أو حادثة
وقال أبو حيان والظاهر أنهم سألوا عن ماهيتها وحقيقتها وقيل عن كيفية مدخلها الجسد الحيواني وانبعاثها فيه وصورة ملابستها له وكلاهما مشكل لا يعلمه إلا الله تعالى انتهى
وقوله تعالى قل الروح من أمر ربي الإسراء 85 أي من خلق ربي أو من فعل ربي إذ الأمر بمعنى الفعل وارد قال سبحانه وما أمر فرعون برشيد هود 97 أي فعله والجواب وقع من قبيل صرف الأهم أي إن عقولكم لا تدرك هذا فإن له مقدمات طبيعية تدق عن الأفهام وتقصر دونها الأوهام لكن الأهم أن تعلموا أن الروح من عالم الأمر أي الخلق

191


وقال بعض علماء التصوف إن عالم الأمر هو العالم المعنوي الذي لا يقع تحت الحواس كعالم المعقولات المجردة التي لا تقع تحت مادة
واعلم أن الروح لم يقف أحد لها على حقيقة ماهية ومعرفة كيفية حتى قال الجنيد قدس الله سره الروح شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود وقاله بعضهم وعلى هذا ابن عباس وأكثر السلف
وقد ثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح
ونقل أبو القاسم السعدي في الإفصاح أن أماثل الفلاسفة توقفوا عن الكلام فيها وقالوا هذا أمر غير محسوس لنا ولا سبيل للعقول إليه
قال أبو حيان وقد رأيت كتابا يترجم بالنفخ والتسوية لبعض الفقهاء المتصوفة يذكر فيه أن الجواب في قوله قل الروح من أمر ربي إنما هو للعوام وأما الخواص عنده فهم يعرفون الروح
قال أبو حيان وأجمع علماء الإسلام على أن الروح مخلوقة وذهب كفرة الفلاسفة وكثير ممن ينتمي إلى الإسلام أنها قديمة
قال واختلاف الناس في الروح بلغ إلى سبعين قولا انتهى

192


وقد رأيت في شرح الزبد للشيخ الرملي أن الأقوال في الروح تزيد عن ألف قول
وقد أفردت الكلام على الروح في مؤلف سميته أرواح الأشباح في الكلام على الأرواح
وأما قوله تعالى ونفخت فيه من روحي الحجر 29 فقال أهل التأويل كما في النهر لأبي حيان أي خلقت الحياة فيه إذ لا نفخ هناك ولا منفوخ حقيقة وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يجيء به فيه وإضافة الروح إليه تعالى على سبيل التشريف نحو بيت الله وناقة الله أو على سبيل الملك إذ هو المتصرف في الإنشاء للروح والمودعها حيث يشاء
وقال بعضهم كما في البيضاوي وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب ويفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه بالبدن نفخا وإضافته إلى نفسه سبحانه لشرفه وطهارته لأنه من ألطف المخلوقات وأعجب المصنوعات
وقال القرطبي قال العلماء الروح الذي نفخ في آدم عليه السلام كان خلقا من خلق الله تعالى جعل الله تعالى حياة الأجساد به وإنما أضافه إلى نفسه على طريق الخلق والملك لا

193

أنه جزء منه وهو كقوله تعالى وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه الجاثية 13 أي من خلقه
والحاصل أن قوله ونفخت فيه من روحي متردد بين البعضية وهو باطل فننفيه وبين إضافة التشريف والتعظيم وهو حق فنعينه فتأمل والله أعلم
وأما قوله فنفخنا فيها من روحنا الأنبياء 91 فقال الزمخشري بعد أن استشكل معناه نفخنا الروح في عيسى فيها أي أحييناه في جوفها ونحو ذلك أن يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته انتهى
وقال أبو حيان لا إشكال في ذلك لأنه على حذف مضاف أي فنفخنا في ابنها من روحنا
قال وقوله نفخنا الروح في عيسى فيها استعمل نفخ متعديا والمحفوظ أن لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى سماع وأضاف الروح إليه تعالى على جهة التشريف أي نفخنا فيها أو في فرجها من روح خلقناه بلا توسط أصل
وقال القرطبي وغيره وقوله فنفخنا فيه يريد درع مريم عليها السلام نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إليها
وقال ابن مسعود وابن عباس خرجت وعليها جلبابها فأخذ

194

بكمها فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت
قال المسيح روح الله لأنه كان بنفخة جبريل في درع مريم ونسب الروح إليه تعالى لأنه بأمره
وأما قوله تعالى لعيسى إذ أيدتك بروح القدس المائدة 110 أي بالروح المقدسة وهو جبريل سمي بذلك لأن جسمه روحاني ويأتي بما فيه روح القلوب وحياتها وأضيف للقدس وهو الطهارة لأنه لا يقترف ذنبا وقيل هو الروح الذي به حياة البدن وخص روحه عليه السلام بوصفه بالقدس لأنه لم تضمه الأصلاب ولا أرحام الطوامث لأن أمه لم تحض صلى الله عليه وعليها
ومن المتشابه النور في قوله تعالى الله نور السماوات والأرض النور 35
قال أهل التأويل النور هو المدرك بالبصر فإسناده إلى الله مجاز كما تقول زيد عدل وإسناده بإعتبارين إما على أنه بمعنى اسم الفاعل أي منور كما قرئ به أو على الحذف أي ذو نور ويؤيده قوله مثل نوره وإضافته للسماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما
وقال القرطبي فيه ستة أقوال إما أنه بمعنى منور أو ذو النور أو هادي أو مزين أو ظاهر أو أنه تعالى نور لا كالأنوار قاله الشيخ أبو الحسن

195


قال وقالت المعتزلة لا يقال إنه نور إلا بالإضافة
قال والصحيح عندنا أنه نور لا كالأنوار
قال القرطبي وقول الأشعري إنه نور ليس كالأنوار لا يصح أن يريد أنه جسم نوراني ليس كالأجسام النورانية لمعرفتنا بمذهبه وتنزيه الله تعالى بل باعتبار أنه من نوره تستمد جميع الأنوار كما سمي العلم نورا والقرآن نورا لاستنارة القلوب به ويسمى النبي نور لأنه منير في ذاته ويستنير به غيره والمنير في ذاته بنوره الذاتي والمنير غيره بنوره الفعلي هو الله وحده
وقال بعضهم إن العرب تسمي كل ما جلا الشبهات وأزال الإلتباس وأوضح الحق نورا قال تعالى وأنزلنا إليكم نورا النساء 174 يعني القرآن وعلى هذا المعنى سمى نبيه سراجا منيرا
قال الخطابي ولا يجوز أن يتوهم أن الله تعالى نور من الأنوار فإن النور يضاد الظلمة وتعاقبه فتزيله وتعالى الله عن أن يكون له ضد
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال نور أنى أراه وصحفه بعضهم فقال نوراني والمعنى غلبني نور أو غشيني نور كيف أراه فأنى استفهام على جهة الإستبعاد لغلبة النور على بصره كنور الشمس فإنه يغشى البصر ويحيره إذا نظر إليه

196


قال القرطبي ولا يعارضه الرواية الأخرى رأيت نورا فإنه عند وقوع بصره على النور رآه ثم غلبه عليه بعد فضعف عنه بصره كالرائي عين الشمس عند كثرة شعاعها قال هكذا قال علماؤنا
تنبيه

اختلف العلماء هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه بعين رأسه أو بعين قلبه فمذهب ابن عباس وطائفة أنه رآه بعين رأسه وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ومن وافقه
ومذهب عائشة أنه لم يره بعين رأسه لحديث مسلم السابق وعلى هذا طائفة من العلماء ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقال قد تدبرنا عامة ما صنفه المسلمون في هذه المسألة وما تلقوه فيها قريبا من مئة مصنف فلم أجد أحدا يروي بإسناد ثابت ولا صحيح ولا عن صاحب ولا عن إمام أنه رآه بعين رأسه قال فالواجب اتباع ما كان عليه السلف والأئمة وهو إثبات مطلق الرؤية أو رؤية مقيدة بالفؤاد وقال لم يثبت عن الإمام

197

أحمد التصريح بأنه عليه السلام رأى ربه بعين رأسه
لكن حكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه رآه حتى انقطع نفسه لكن ابن تيمية أعلم بنقول أحمد وغيره من النقاش وأحمد أجل من أن يكون عنده من عدم السكينة ما يتكلم بمثل هذا حتى ينقطع نفسه إنما هي حكايات المجازفين في النقول عن الأئمة فتأمل وصاحب البيت أدرى وكم للناس من مجازفات في المنقول والمعقول والمرجع في ذلك إنما هو لأقوال المحققين والعلماء الراسخين والأئمة الربانيين
ومن المتشابه المجيء في قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر 22 وقوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله البقرة 210
فمذهب السلف في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه
وتفويض علمه إلى الله تعالى كما مرت الإشارة إليه أول الكتاب
ومذهب أهل التاويل قالوا إلا أن يأتيهم الله البقرة 210

198

أي أمره وبأسه وجعل ذلك مجيئا له تعالى على سبيل التفخيم والتهويل لأن الإتيان حقيقة هو الإنتقال من حيز إلى حيز وذلك مستحيل عليه تعالى عند الجمهور أو المراد إلا أن يأتيهم الله بأمره وبأسه فحذف المأتي به لدلالة الحال عليه إيهاما عليهم لأنه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرهم في كل وجه أو المأتي به مذكور وهو قوله في ظلل وفي بمعنى الباء وقيل المراد بذلك غاية الهيبة ونهاية الفزع لشدة ما يكون يوم القيامة والإلتفات إلى الغيبة بعد قوله فاعلموا للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم وترك الخطاب معهم وإيراد الإنتظار للإشعار بأنهم لانهماكهم فيما هم فيه من موجبات العقوبة كأنهم طالبون لها مترقبون لوقوعها
وقال مسلمة بن القاسم في كتاب غرائب الأصول حديث تجلي الله يوم القيامة ومجيئه في الظلل محمول على أنه تعالى يغير أبصار خلقه حتى يروه كذلك وهو على عرشه غير متغير عن عظمته ولا متنقل عن ملكه كذلك جاء معناه عن عبد العزيز الماجشون قال فكل حديث جاء في التنقل والرؤية في المحشر فمعناه أنه تعالى يغير أبصار خلقه فيرونه نازلا ومتجليا ويناجي خلقه ويخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا متنقل عن ملكه انتهى
وهو تأويل حسن يطرد في كثير من المواضع
ومن المتشابه النزول في حديث أحمد والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل ليلة النصف من شعبات إلى سماء الدنيا ليغفر لأكثر من عدد شعر

199

غنم بني كلب
وحديث أحمد ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليث الأخير نزل إلى السماء الدنيا فنادى هل من مستغفر هل من تائب هل من سائل هل من داع حتى ينفجر الفجر
وفي رواية البخاري ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا
وقال الحافظ ابن حجر وقد اختلف في معنى النزول على أقوال
فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم
ومنهم من أنكر صحة الأحاديث وهم الخوارج
ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها لله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي

200

والليث وغيرهم
ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب
ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد يخرج إلى نوع من التحريف
قال البيهقي وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه قال ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم انتهى
قلت وبمذهب السلف أقوال وأدين الله تعالى به وأسأله سبحانه الموت عليه مع حسن الخاتمة في خير وعافية
وقال العلامة الطوفي في قواعد وجوب الإستقامة والإعتدال والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح قال وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه قال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول يفعل الله ما يشاء وقال حماد بن زيد يدنو من خلقه كيف يشاء
قال وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث
وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب

201

يزول عن مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء
وقال أبو الطيب حضرت عند أبي جعفر الترمذي وهو من كبار فقهاء الشافعية وأثنى عليه الدارقطني وغيره فسأله سائل عن حديث إن الله ينزل إلى سماء الدنيا وقال له فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علو فقال أبو جعفر الترمذي النزول معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة
فقد قال في النزول كما قال مالك في الإستواء وهكذا القول في سائر الصفات
وقال أبو عبدالله أحمد بن سعيد الرباطي حضرت مجلس الأمير عبدالله بن طاهر وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو قال نعم فقال له بعض قواد الأمير يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال نعم قال كيف ينزل قال له إسحاق أثبت الحديث حتى أصف لك النزول فقال له الرجل أثبته فقال له إسحاق قال الله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا فقال الأمير عبدالله بن طاهر يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم
وقال حرب بن إسماعيل سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول ليس في النزول وصف قال وقال إسحاق لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين لقول الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولا يجوز أن يتوهم على الله

202

بصفاته وأفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء ولا يسأل كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما شاء كما شاء انتهى كلام الطوفي
وقال بعض المحققين من الشافعية والذي شرح الله صدري في حال المتكلمين الذين أولوا الإستواء بالإستيلاء والنزول بنزول الأمر واليدين بالنعمتين والقدرتين أنهم ما فهموا في صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين فما فهموا عن الله تعالى استواء يليق به ولا نزولا يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله قال ولا ريب أنا نحن وهم متفقون على إثبات صفة الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله تعالى ونحن قطعا لا نعقل من الحياة والسمع والبصر والعلم إلا أعراضا تقوم بجوارحنا فكما يقولون حياته تعالى وعلمه وسمعه وبصره ليست بأعراض بل هي صفات كما تليق به لا كما تليق بنا فمثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله ونحو ذلك فكل ذلك ثابت معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق بل كما يليق بعظمته وجلاله فإن صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معقولة من حيث التكييف والتحديد ولا فرق بين الإستواء والنزول والسمع والبصر الكل ورد في النص فإن قالوا في الإستواء والنزول شبهتم فنقول لهم في السمع والبصر

203

شبهتم ووصفتم ربكم بالعرض فإن قالوا لا عرض بل كما يليق به تعالى قلنا والإستواء والنزول كما يليق به تعالى
قال فجميع ما يلزموننا به في الإستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم فكما لا يجعلونها أعراضا كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الإستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف ولا يفهموا ذلك في الصفات السبع وحيث نزهوا ربهم في الصفات السبع مع إثباتها فكذلك يقال في غيرها فإن صفات الرب كلها جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وأولنا هذه وحرفناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي هذا بلاغ وكفاية أنتهى
وقال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه كما يقولون كتب الأمير إلى فلان وقطع يد اللص وضربه وهو لم يباشر شيئا من ذلك بنفسه ولهذا احتيج للتأكيد فيقولون جاء زيد نفسه وفعل كذا بنفسه وتقول العرب جاء فلان إذ جاء كتابه أو وصيته ويقولون أنت ضربت زيدا لمن لم يضربه ولم يأمر إذا كان قد رضي بذلك قال تعالى فلم تقتلون أنبياء الله البقرة 91 والمخاطبون بهذا لم يقتلوهم لكنهم لما رضوا بذلك ووالوا القتلة نسب الفعل إليهم والمعنى هنا أن الله تعالى يأمر ملكا بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره
وقال بعضهم إن قوله ينزل راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته

204

المقدسة فإن النزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني أو راجع إلى الملك الذي ينزل بأمره ونهيه تعالى فإن حملت النزول في الحديث على الجسم فتلك صفة الملك المبعوث بذلك وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة
والحاصل أن تأويله بوجهين إما بأن المراد ينزل أمره أو الملك بأمره وإما بمعنى أنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعد مباعدة وأمكنه منها بعد منعة والمعنى هنا أن العبد في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يقبل عليهم والعطف في هذا الوقت بما يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكر الباعثين لهم على الطاعة
وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا
ويقويه ما رواه النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى

205


قال القرطبي صححه أبو محمد عبدالحق قال وهذا يرفع الإشكال ويزيل كل احتمال والسنة يفسر بعضها بعضا وكذلك الآيات ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدسة فإن الحديث فيه التصريح بتجدد النزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب يجب اتصفاها بالقدم وتنزيهها عن الحدوث والتجدد بالزمان
قيل وكل ما لم يكن فكان ولم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفات الأفعال فالنزول والإستواء من صفات الأفعال والله تعالى أعلم
تنبيه

قال شيخ الإسلام ابن تيمية جماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة
قسمان يقولون تجرى على ظواهرها

206


وقسمان يقولون على خلاف ظواهرها
وقسمان يسكتون
أما الأولون فقسمان
أحدهما من يجريها على ظاهرها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف وإليهم توجه الرد بالحق
الثاني من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجري اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين إما جوهر محدث وإما عرض قائم
فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض والوجه واليد والعين في حقه أجسام فإذا كان الله موصوفا عند عامة أهل الإثبات بأن له علما وقدرة وكلاما ومشيئة وإن لم تكن أعراضا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين فكذلك الوجه واليد والعين صفات له تعالى ليست كصفات المخلوقين
وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لايخالفه وهو أمر واضح فإن الصفات كالذات فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين فكذلك صفاته ثابتة من

207

غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات فمن قال لا أعقل علما ويدا إلا من جنس العلم واليد المعهودتين قيل له فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه
وما أحسن ما قال بعضهم إذا قال لك الجهمي كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك فقل له كيف هو في نفسه فإذا قال لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر فقل له فالعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف فكيف يمكن أن تعلم كيفية لموصوف لم تعلم كيفيته وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له بل هذه الروح قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى مع أنا نقطع بأن الروح في البدن وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والإتصال بالبدن والإنفصال عنه وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته فعدم مماثلتها للبدن لا ينبغي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها

208


قال وأما القسمان اللذان يقولون هي على خلاف ظواهرها فقسمان
قسم يتأولونها ويعينون المراد مثل قولهم استوى بمعنى استولى أو بمعنى علو المكانة والقدر أو بمعنى ظهور نوره للعرش أو بمعنى انتهاء الخلق إليه إلى غير ذلك من معاني المتكلفين
وقسم يقولون الله أعلم بالمراد بها لكنا نعلم أنه لم يرد بها إثبات صفة خارجة عما علمناه
قال وأما القسمان الواقفان
فقسم يقولون يجوز أن يكون المراد ظاهرها اللائق بالله تعالى ويجوز أن لا يكون صفة لله وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم
وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات
قال فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها
قال والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثانية انتهى كلام ابن تيمية

209

خاتمة

قال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله في كتابه صيد الخاطر من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات فإن الأنبياء عليهم السلام بالغوا في الإثبات ليقرروا في أنفس العوام وجود الخالق فإن النفوس تأنس بالإثبات فإذا سمع العامي ما يوجب النفي طرد عن قلبه الإثبات فكان من أعظم الضرر عليه وكان هذا المنزه من العلماء على زعمه مقاوما لإثبات الأنبياء بالمحو وشارعا في إبطال ما بعثوا به
قال وبيان هذا أن الله أخبر بإستوائه على العرش فأنست النفوس بإثبات الإله ووجوده وقال ويبقى وجه ربك الرحمن 27 وقال بل يداه مبسوطتان المائدة 64 وقال غضب الله عليهم الفتح 6 رضي الله عنهم المائدة 119 وأخبر الرسول أنه ينزل إلى السماء الدنيا وقال قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمان وقال كتب

210

التوراة بيده وكتب كتابا فهو عنده فوق العرش إلى غير ذلك مما يطول ذكره
فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس قيل له ليس كمثله شيء فمحا من قلبه ما نقشه وتبقى ألفاظ الإثبات متمكنة ولهذا أقر الشارع على مثل هذا فسمع منشدا يقول
وإن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا

فضحك
وقال له الآخر أويضحك ربنا فقال نعم
وقال إنه على عرشه هكذا وأشار بيده مثل القبة كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس
وأكثر الخلق لا يعرفون من الإثبات إلا بما يعلمون من الشاهد فيقنع منهم بذلك إلى أن يفهموا التنزيه ولهذا صحح الشارع إسلام من اعتصم من القتل بالسجود
قال فأما إذا ابتدأ العامي الفارغ القلب من فهم الإثبات فقيل له ليس في السماء ولا على العرش ولا يوصف بيد

211

1 وكلامه إنما هو الصفة القائمة بذاته وليس عندنا منه شيء ولا يتصور نزوله انمحى من قلبه تعظيم المصحف الذي الإستخفاف به كفر ولم ينتقش في سره إثبات إله وهذه جناية عظيمة على الأنبياء توجب نقض ما تعبوا في إثباته
قال فلا يجوز للعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيكدرها فإنه يفسده ويصعب علاجه فأما العالم فإنا قد أمناه فإنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة لله وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم ولا يجوز أن يكون سبحانه محمولا ولا أن يوصف بملاصقة ومماسة ولا أن ينتقل ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين إصبعين إنما هو الإعلام بالتحكم في القلوب فإن ما يديره الإنسان بين إصبعين هو متحكم فيه إلى الغاية ولا يحتاج إلى تأويل من قال الإصبع الأثر الحسن ولا إلى تأويل من قال يداه نعمتاه لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات وقد حدثنا بما نعقل وضربت لنا الأمثال وبما نعلم وقد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه تعالى ما يعرفه الحس فهمنا المقصود بذكر ذلك
قال فأصلح ما نقول للعوام أمروا هذه الأشياء كما جاءت ولا تتعرضوا لتأويلها كل ذلك لقصد حفظ الإثبات الذي جاء به الأنبياء وهذا هو الذي قصده السلف
وكان الإمام أحمد يمنع أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق كل ذلك ليحمل الناس على الإتباع لا الإبتداع وتبقى ألفاظ الإثبات على حالها
وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه فأضعف

212

في النفوس قوى التعظيم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قا لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ويشير إلى المصحف
ومنع الإمام الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته تعظيما له فإذا جاء متحذلق فقال الكلام صفة قائمة بذات المتكلم فمعنى قوله هذا أنه ما هاهنا شيء يحترم فهذا قد ضاد ما أتى به مقصود الشرع
قال وينبغي أن تفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء وقد منعوا من كشف ما قد قنع الشرع بستره فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلام في القدر ونهى عن الإختلاف فإن الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول قضى وعاقب تزلزل إيمانه بالعدل وإن قال لم يقدر ولم يقض تزلزل إيمانه بالقدر فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء
قال ولعل قائلا يقول هذا منع لنا عن الإطلاع على الحقائق وأمر بالوقوف مع التقليد

213


فأقول لا إنما أعلمك أن المراد منك الإيمان بالمجمل فإن قوى فهمك تعجز عن إدراك الحقائق فإن الخليل عليه السلام قال أرني كيف تحيي الموتى البقرة 260 فأراه ميتا حيي ولم يره كيف أحياه لأن قواه تعجز عن إدراك ذلك يعني ومثله كقوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي الإسراء 85 يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس البقرة 189 لعجز النفس عن إدراك الحقائق على ما هي عليه
قال وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث ليبين للناس ما نزل إليهم يقنع من المسلم بنفس الإقرار وإعتقاد المجمل وكذلك الصحابة يعني وما نقل عنهم أنهم قالوا يجب أن تعلم أن لمولانا من الأوصاف كذا وكذا ويستحيل عليه كذا وكذا على سبيل التفصيل
قال وما نقل عنهم أنهم تكلموا في تلاوة متلو وقراءة ومقروء ولا أنهم قالوا استوى بمعنى استولى وينزل بمعنى يرحم بل قنعوا بالإثبات المجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس وكفوا توهم الخيال بقوله تعالى ليس كمثله شيء
قال ثم هذا منكر ونكير إنما يسألان عن الأصول المجملة فيقولون من ربك وما دينك ومن نبيك
ومن فهم هذا الفصل سلم من تشبيه المجسمة وتعطيل

214

المعطلة ووقف على جادة السلف
وقال الحافظ ابن الجوزي في موضع آخر رأيت كثيرا من الخلق والعلماء لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي أمروا بعلم جملها من غير بحث عن حقائقها كالروح مثلا فإن الله تعالى سترها بقوله قل الروح من أمر ربي الإسراء 85 فلم يقنعوا وأخذوا يبحثون عن ماهيتها وحقيقتها ولا يقعون بشيء ولا يثبت لأحدهم برهان على ما يدعيه وكذلك العقل فإنه موجود بلا شك كما أن الروح موجودة بلا شك وكلاهما إنما يعرف بآثاره لا بحقيقة ذاته
قال فإن قال قائل فما السر في كتم هذه الأشياء قلت لأن النفس لا تزال تترقى من حالة إلى حالة فلو اطلعت على هذه الأشياء لترقت إلى خالقها فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه لأنه إذا كان بعض مخلوقاته لا تعلم حقيقته فهو سبحانه أجل وأعلا
ولو قال قائل ما الصواعق وما البرق وما الزلازل قلنا شيء مزعج ويكفي والسر في هذا أنه لو كشفت حقائقه لخف مقدار تعظيمه
قال فإذا ثبت هذا في المخلوقات فالخالق أجل وأعلا فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده ثم يستدل على

215

جواز بعثه رسله ثم تتلقى أوصافه من كتبه ورسله ولا يزاد على ذلك ولقد بحث خلق كثير عن صفاته تعالى بآرائهم فعاد وبال ذلك عليهم
فإذا قلنا إنه موجود وعلمنا من كلامه أنه سميع بصير حي قادر كفانا هذا في صفاته ولا نخوض في شيء آخر وكذلك نقول متكلم والقرآن كلامه ولا نتكلف ما فوق ذلك ولم تقل السلف تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء ولا قالوا استوى على العرش بذاته ولا قالوا ينزل بذاته بل أطلقوا ما ورد من غير زيادة ونفوا ما لم يثبت بالدليل مما لا يجوز عليه سبحانه
وقال أيضا في موضع آخر عجبت من أقوام يدعون العلم ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظاهرها فلو أنهم أمروها كما جاءت سلموا لأن من أمر ما جاء من غير اعتراض ولا معرض فما قال شيئا لا له ولا عليه ولكن أقوام قصرت علومهم فرأوا أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل ولو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبه وقد مدحنه الخنساء أو ليلى الأخيلية

216

إذا نزل الحجاج أرضا مريضة
تتبع أقصى داءها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها
غلام إذا هز القناة شفاها


فلما تمت القصيدة قال الحجاج لكاتبه اقطع لسانها فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى فقالت له ويلك إنما قال أجزل لها العطاء ثم ذهبت إلى الحجاج فقال كاد والله يقطع مقولي
فكذلك الظاهرية الذين لم يسلموا بالتسليم فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد لم يلم وهذه طريقة السلفة فأما من قال الحديث يقتضي كذا ويحمل على كذا مثل أن يقول استوى على العرش بذاته وينزل إلى سماء الدنيا بذاته فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل
قال وقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون ثم عابوا المتكلمين
قال واعلم أنه قد سبق إلينا من العقل والنقل أصلان راسخان عليهما نمر الأحاديث كلها
أما النقل فقوله سبحانه ليس كمثله شيء ومن فهم هذا لم يحمل وصفا له تعالى على ما يوجبه الحس
وأما العقل فقد علم مباينة الصانع للمصنوعات واستدل على حدوثها بتغيرها ودخول الإنفعال عليها واعجباه من رأى

217

ولم يفهم السر في الحديث الصحيح أن الموت يذبح بين الجنة والنار أوليس العقل إذا استفتي في هذا صرف الأمر عن حقيقته لما ثبت عنده من فهم ماهية الموت
فقال الموت عرض يوجب بطلان الحياة فكيف يموت الموت أو يذبح
فإذا قيل له فما تصنع في الحديث
فقال هذا ضرب مثل بإقامة صورة ليعلم بتلك الصورة الحسية موت ذلك المعنى
قلنا له قد ورد في الحديث الصحيح تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان
فقال الكلام لا يكون غمامة ولا يشبه بها
قلنا أفتعطل النقل
قال لا ولكن يأتي ثوابهما
قلنا فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق
قال علمي بأن الكلام لا يشبه بالأجسام والموت لا يذبح ذبح الأنعام ولو علمتم سعة لغة العرب ما ضاقت أعطانكم من سماع مثل هذا

218


فقال العلماء صدقت هكذا نقول في تفسير مجيء سورة البقرة وفي ذبح الموت
فقال واعجبا لكم صرفتم عن الموت والكلام ما لا يليق بهما حفظا لما علمتم من حقائقهما فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له بخلقه مما قد دل الدليل على تنزيهه عنه سبحانه
وقال أيضا اعلم أن شرعنا مضبوط الأصول محروس القواعد لا خلل فيه ولا دخل وكذلك جميع الشرائع إنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال مثل ما فعل النصارى حين رأوا إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام فإنهم تأملوا الفعل الخارق للعادة الذي لا يصلح للبشر فنسبوا الفاعل إلى الإلهية ولو تأملوا ذاته لعلموا أنها مركبة على النقائص والحاجات وهذا القدر يكفي في عدم صلاح الإلهية ويعلم حينئذ أن الذي جرى علي يديه إنما هو فعل غيره
وقد يقع مثل ذلك في الفروع مثل ما روي أنه فرض على النصارى صوم شهر فزادوا عشرين يوما ثم جعلوه في فصل من السنة بآرائهم
ومن هذا الجنس تخبيط اليهود في الأصول والفروع وقد ثارت الضلالات في هذه الأمة أيضا وإن كان عمومهم قد حفظ من الشرك لأنهم أعقل الأمم وأفهمها غير أن الشيطان قارب ببعضهم الكفر وأغرق بعضهم في بحار الضلال

219


قال فمن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بكتاب عزيز من عند الله عز وجل قيل في صفته ما فرطنا في الكتاب من شيء الأنعام 38 وبين ما عساه يشكل مما يحتاج إلى بيانه بسنته كما قيل لتبين للناس ما نزل إليهم النحل 44 ثم قال بعد البيان تركتهم عليها بيضاء نقية فجاء أقوام بعده فلم يقنعوا بتبيينه ولم يرضوا بطريقة أصحابه فبحثوا ثم انقسموا فمنهم من تعرض لما تعب الشرع في إثباته في القلوب فمحاه منها فإن القرآن والحديث يثبتان الإله عز وجل بأوصاف تقرر وجوده في النفوس كقوله تعالى ثم استوى على العرش وقوله بل يداه مبسوطتان المائدة 64 وقوله ولتصنع على عيني طه 39 وقوله عليه السلام ينزل الله إلى السماء الدنيا ويبسط يده لمسيء الليل والنهار ويضحك وكل هذه الأشياء وإن كان ظاهرها يوجب تخايل التشبيه فالمراد منها إثبات موجود فلما علم الشرع ما يطرق القلوب من التوهمات عند سماعها قطع ذلك بقوله ليس كمثله شيء
قال ثم إن هؤلاء القوم عادوا إلى القرآن الذي هو المعجز

220

الأكبر وقد قصد الشرع تقرير وجوده فقال سبحانه إنا أنزلناه نزل به الروح الأمين وهذا كتاب أنزلناه وأثبته في القلوب بقوله في صدور الذين أوتوا العلم العنكبوت 49 وفي المصاحف بقوله في لوح محفوظ وإنه لفي زبر الأولين الشعراء 196 فقال قوم من هؤلاء هو مخلوق فاسقطوا حرمته من النفوس وقالوا لم ينزل ولا يتصور نزوله وكيف نفصل الصفة عن الموصوف وليس في المصحف إلا حبر وورق فعادوا إلى ما بعث الشارع في إثباته بالمحو كما قالوا إن الله عز وجل ليس في السماء ولا يقال استوى على العرش ولا ينزل إلى السماء الدنيا بل ذاك رحمته فمحوا من القلوب ما أريد إثباته فيها وليس هذا مراد الشارع
وجاء آخرون فلم يقفوا على ما حده الشرع بل عملوا فيه بآرائهم فقالوا الله على العرش ولم يقنعوا بقوله ثم استوى على العرش
قال ودفن لهم أقوام من سلفهم دفائن ووضعت لهم الملاحدة أحاديث فلم يعلموا ما يجوز عليه سبحانه مما لا يجوز فأثبتوا بها صفاته وجمهور الصحيح منها آت على توسع العرب فأخذوه هم على الظاهر فكانوا في ضرب المثل كجحا فإن أمه قالت له احفظ الباب فقلعه ومشى به فأخذ ما في الدار فلامته أمه فقال إنما قلت لي احفظ الباب وما قلت احفظ

221

الدار ولما تخايلوا صورة عظيمة على العرش أخذوا يتأولون ما ينافي وجودها على العرش مثل قوله ومن أتاني يمشي أتيته هرولة فقالوا ليس المراد به دنو الذات وإنما المراد قرب المنهل والحظ وقالوا في قوله إلا أن يأتيهم الله في ظلل البقرة 210 هو محمول على ظاهره في مجيء الذات فهم يحلونه عاما ويحرمونه عاما ويسمون الإضافات إلى الله تعالى صفات فإنه قد أضاف إليه النفخ والروح وأثبتوا خلقه باليد وقالوا هي صفة تولى بها خلق آدم دون غيره وإلا فأي مزية كانت تكون لآدم فشغلهم النظر في فضيلة آدم عن النظر إلى ما يليق بالحق فإنه لا يجوز عليه المس ولا العمل بالآلات وقالوا نطلق على الله اسم الصورة لقوله خلق آدم على صورته وقالوا في حديث الرحم وأنها تعلقت بحقو الرحمان الحقو صفة ذات
قال وذكروا أحاديث لو رويت في نقض الوضوء ما قبلت وعمومها وضعته الملاحدة كما يروى عن عبدالله بن عمرو قال خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر فقالوا نثبت هذا على ظاهره ثم أرضوا العوام بقولهم ولا نثبت جوارح فكأنهم يقولون قائم ما هو قائم واختلف قولهم هل يطلق على الله عز

222

وجل أنه جالس أو قائم كقوله قائما بالقسط آل عمران 18 وهؤلاء هم أخس فهما من جحا لأن قوله قائما بالقسط لا يراد به القيام وإنما هو كما يقال الأمير قائم بالعدل
قال وإنما ذكرت بعض أقوالهم لئلا يسكن إلى شيء منها فالحذر من هؤلاء وإنما الطريق طريق السلف على أنني أقول لك قال أحمد بن حنبل من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال فلا ينبغي أن تسمع عن معظم في النفوس شيئا في الأصول فتقلده فيه ولو سمعت عن أحمد بن حنبل ما لا يوافق الأصول الصحيحة فقل هذا من الراوي لأنه قد ثبت عن ذلك الإمام وأنه لا يقول في شيء برأيه فلو قدرنا صحته عنه فإنه لا يقلد في الأصول ولا أبوبكر وعمر
قال فهذا أصل يجب البناء عليه فلا يهولنك ذكر معظم في النفوس فإن المحقق العارف لا يهوله ذلك كما قال رجل لعلي ابن أبي طالب أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على الباطل وأنت على الحق فقال له علي إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ولعمري إنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام فإذا نقل عنهم شيء فسمعه جاهل بالشرع قبله لتعظيمهم في نفسه كما نقل عن أبي يزيد البسطامي أنه قال تراغبت علي نفسي فحلفت لا أشرب الماء سنة وهذا إن صح عنه كان خطأ قبيحا وزلة فاحشة لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن ولا يقوم مقامه شيء فإن لم يشرب فقد سعى في أذى بدنه وضرر نفسه التي ليست له وأنه لا يجوز له التصرف فيها إلا عن إذن مالكها

223


وقال أيضا قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم فارتقوا منابر التذكيري للعوام فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون ليس لله في الأرض كلام وهل المصحف إلا ورق وعفص وزاج وإن الله ليس على العرش ولا في السماء وإن الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله كانت خرساء فأشارت إلى السماء أي ليس هو من الأصنام التي تعبد في الأرض
ثم يقولون أين الحروفية الذين يزعمون أن القرآن حرف وصوت هذا عبارة جبريل فما زالوا كذلك حتى هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام وصاروا يقولون هذا هو الصحيح ودس الشيطان دسائس البدع فقال قوم هذا المشار إليه مخلوق مع أن الإمام أحمد ثبت في ذلك ثبوتا لم يثبته غيره على دفع هذا القول لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو تعظيمه من النفوس ويخرجه عن الإضافة إلى الله تعالى ورأى أن ابتداع ما لم يقل به لا يجوز فقال كيف أقول ما لم يقل
ثم لم يختلف الناس في ذلك إلى أن جاء بعض المتكلمين فقال إن الكلام صفة قائمة بالنفس فتخبطت العقائد مع أن الله تعالى ورسوله قنعا من الخلق بالإيمان الإجمالي ولم يكلفهم معرفة التفاصيل والوقوف على الماهية إما لأن الإطلاع على ذلك

224

يخبط العقائد وإما لأن قوى البشر تعجز عن مطالعة ذلك ونهى عن الخوض فيما يثير غبار شبهة وإذا كان قد نهى عن الخوض في القدر فكيف يجوز الخوض في صفات المقدر وإذا كانت الظواهر تثبت وجود القرآن وأنه كلام الله حقيقة فقال قائل ليس كذلك فقد نفى الظواهر التي تعب الرسول في إثباتها وقرر وجودها في النفوس وهل للمخالف دليل إلا أن يقول قال الله فيثبت ما نفى فليس الصواب لمن وفق إلا الوقوف مع ظواهر الشرع
وأما قولهم ليس في المصحف إلا ورق وعفص وزاج فهو كقول القائل هل الآدمي إلا لحم ودم هيهات إن معنى الآدمي هو الروح فمن نظر إلى اللحم والدم وقف مع الحس
وإثبات الإله بظواهر الآيات والأحاديث ألزم للعوام من تحديثهم بالتنزيه وإن كان التنزيه لازما
وقد كان ابن عقيل يقول الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآيات والأحاديث لأنهم يأنسون بالإثبات فمتى محونا ذلك من قلوبهم زالت السياسات والخشية
وتهافت العوام في التشبيه أحب إلي من إغراقهم في التنزيه لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات فيطمعوا ويخافوا شيئا قد تخايلوا مثله يرجى ويخاف وأما التنزيه فإنه يرمي بهم إلى النفي ولا طمع ولا مخافة من النفي

225


قال ومن تدبر الشريعة عرف سر ذلك
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ما ملخصه ما قاله الله تعالى ورسوله والسابقون الأولون وما قاله أئمة الهدى هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخبر الله تعالى بأنه أكمل له ولأمته دينهم أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها ولم يميز ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى وما يجوز عليه أو يمتنع
فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول وقال فيما صح عنه ما بعث الله نبيا إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم
فمن المحال مع تعليمه عليه السلام لأمته كل شيء لهم فيه منفعة وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب فكيف يتوهم من في قلبه

226

أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ثم إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن خير أمته وأفضل القرون قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه
ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين ولا قائلين في هذا الباب بالحق المبين فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم ولا أن يعتقد أن الخلف أعلم من السلف أو أن طريقة اللاسلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم ظنا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات فهذا الظن فاسد أوجب تلك المقالة وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف وصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والتكذيب بالسمع فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين وأنهم لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم

227

يتفطنوا لدقيق العلم الإلهي وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله
وهذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بمقدار السلف فكيف يكون الخلف أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وأعلام الهدى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين وهبهم الله من العلم والحكمة وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة
ثم قال ولم يقل أحد منهم قط إن الله ليس على العرش ولا إنه في كل مكان ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا إنه لا تجوز الإشارة إليه
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها دونما يفهم من الكتاب والسنة إما نصا وإما ظاهرا فكيف يجوز على الله ورسوله ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون عليه حتى جاء المتوغلون في علوم الفلاسفة فبينوا للأمة العقيدة الصحيحة ودفعوا بمقتضى عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا فإن كان الحق في قولهم فلقد كان

228

ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير
فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة ولكن انظروا أنتم فيما وجدتموه مستحقا له من الصفات في عقولكم فصفوه به سواء كان موجودا في الكتاب والسنة أو لم يكن وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به
ثم هم هنا فريقان أكثرهم يقول ما لم تثبته عقولكم فانفوه ومنهم من يقول بل توقفوا فيه وكأن الله تعالى قال لهم ما نفاه قياس عقولكم مما اختلفتم فيه أنفوه وإليه عند التنازع فارجعوا فإنه الحق الذي تعبدتكم به وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم فاعلموا أني امتحنتكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه لكن لتجتهدوا في تحريفه على شواذ اللغة ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام وأن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله مع نفي دلالته على كل شيء من الصفات هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين
قال وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة من المتكلمين وأن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله وأن الرسول معزول عن التعليم بصفات من أرسله وما أشبه حال هؤلاء بقوله تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به إلى قوله ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا

229

النساء 60 فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول أي إلى سنته أعرضوا عن ذلك وهم يقولون إنا قصدنا الإحسان علما وعملا بهذه الطريق التي سلكناها والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية
قال فيقال لهم يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم فإنه الحق
ثم الرسول قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة فقد علم ما سيكون ثم قال إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله

230


وقال في صفة الفرقة الناجية هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي
فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن في باب الإعتقاد فهو ضال وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة
قال ثم أصل هذه المقالة مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والصابئين فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام أعني أن الله ليس على العرش وإنما استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه
وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته هذه من أبان بن سمعان وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم وأخذها طالوت

231

من لبيد بن أعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم
وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين والنمرود اسم لملك المصائبين كما أن كسرى اسم لملك الفرس والمجوس
وعلماء الصابئين هم الفلاسفة وكان أولئك الصابئون إذ ذاك كفارا مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل
ومذهب نفاة صفات الرب من هؤلاء أنه ليس له تعالى إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة وأخذها الجهم أيضا فيما ذكره الإمام أحمد وغيره
ولما كان في حدود المئة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر المريسي وطبقته وكان الأئمة مثل مالك وسفيان وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي يبالغون في ذم الكلام وفي ذم بشر المريسي هذا وتضليله حتى إن هارون الرشيد قال يوما بلغني أن بشرا المريسي يقول القرآن

232

مخلوق ولله علي إن أظفرني به لأقتلنه قتلة ما قتلتها أحدا فأقام بشر متواريا أيام الرشيد نحوا من عشرين سنة
قال وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات الذي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات وذكرها الفخر الرازي في كتابه الذي سماه تأسيس التقديس ويوجد كثير منها في كلام كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبائي وعبدالجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي في كتابه
قال ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه الإمام الدارمي عثمان بن سعيد أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري صنف كتابا سماه رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله من التوحيد حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضى أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمعقول والمنقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته ثم رد الدارمي ذلك بكلام إذا طالعه العاقل الذكي يسلم حقيقة ما كان عليه السلف ويتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم ثم إذا رأى أئمة الهدى قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم تبين له الهدى

233


قال والعاقل يسير فينظر فكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلا مثل كتاب السنن للالكائي والإبانة لابن بطة والسنة لأبي ذر الهروي ولأبي عبدالله بن منده والأصول لأبي عمر الطلمنكي وكلام أبي عمر بن عبدالبر والأسماء والصفات للبيهقي وقبل ذلك السنة للطبراني ولأبي الشيخ الأصبهاني وقبل ذلك السنة للخلال والتوحيد لابن خزيمة وكلام أبي العباس بن سريج والرد على الجهمية لجماعة وقبل ذلك السنة لعبدالله بن الإمام أحمد والسنة لأبي بكر الأثرم والسنة لحنبل وللمروزي ولأبي داود ولابن أبي شيبة والسنة لابن أبي حاتم وكتاب الرد على الجهمية لعبدالله بن محمد شيخ البخاري وكتاب الرد على الجهمية للدارمي وكتاب نعيم ابن حماد الخزاعي وكتب عبدالرحمن بن أبي حاتم وكلام الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم
قال وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا

234

الموضع لذكره
قال ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون الأولون لا نتجاوز القرآن والحديث
قال الإمام أحمد رحمه الله لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث
ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ونعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائها وصفاتها ولا في أفعالها فكما تيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله تعالى منزه عنه فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه
ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العلا ويحرفون الكلم عن مواضعه فإن من حرفوا لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا

235

في نفي تلك المفهومات فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل مثلوا أولا وعطلوا آخرا فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به تعالى
قال ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج فإن من ينكر الرؤية زعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر إلى التأويل ومن يحيل أن لله علما وقدرة وأن كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل
ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس بواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله
يا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة فرضي الله عن مالك بن أنس الإمام حيث قال أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر فكل من ظن أن غير الرسول والسلف أعلم بهذا الباب أو أكمل بيانا أو أحرص على هدى الخلق فهو من الملحدين لا من المؤمنين

236


قال والمنحرفون عن طريقة السلف ثلاث طوائف أهل التخييل وأهل التأويل وأهل التجهيل
فأهل التخييل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه فإنهم يقولون إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينفع به الجمهور لا أنه يبين به الحق ولا هدى به الخلق ولا أوضح الحقائق
ثم هم على قسمين
منهم من يقول إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه ويقولون إن من الفلاسفة الإلهية من علمها وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة الباطنية باطنية الشيعة وباطنية الصوفية
ومنهم من يقول بل الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها لأن مصلحة الخلق في هذه الإعتقادات التي لا تطابق الحق
ويقول هؤلاء يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى إعتقاد التجسيم مع أنه باطل وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ويخبرهم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد

237


فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر
وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى ويقول إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة وهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم
وأما أهل التأويل فيقولون إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس بها الباطل ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم ذلك ولا دلهم عليها ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرفوا الحق من غير جهته وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة وهم وإن تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة لكن في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما أدعوه في نصوص الصفات فقالوا نحن نعلم بالإضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه
والسلف ومن تبعهم يقولون لهم ونحن نعلم بالإضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد ويقولون لهم معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد

238

هذا والحق ظاهر في نفسه وعليه نور والحق يقبل من كل من يتكلم به
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول كما رواه أبو داود في سننه اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافرا أو قال فاجرا واحذروا زيغة الحكيم قالوا كيف نعلم أن الكافر يقول الحق قال إن على الحق نورا أو كلاما هذا معناه
قال ابن تيمية والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن م رضي الله عنهم كرم الله وجهه الله تبارك وتعالى الله سبحانه صلوات الله عليهم صلى الله عليه وسلم الله تبارك وتعالى الرب عز وجل الله جل ذكره الرب تبارك وتعالى رضي الله عنهما الرب عز وجل الرب تبارك وتعالى الله جل ذكره رضي الله عنهن ن كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصا ولا ظاهرا و بالقرائن على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة وما رأيت أحدا منهم نفاها وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه مع إنكارهم على من ينفي الصفات كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس من وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها
وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا هذا جهمي معطل وهذا كثير في كلامهم

239

والجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها كذبا منهم وإفتراء حتى قال ثمامة بن أشرس من رؤساء الجهمية ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى حيث قال إن هي إلا فتنتك الأعراف 155 وعيسى حيث قال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك المائدة 116 ومحمد حيث قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا وحتى إن جل المعتزلة يدخل عامة الأئمة مثل مالك وأصحابه والثوري وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة
وأطال ابن تيمية الكلام على ذلك وعلى تأييد مذهب السلف في عدة كراريس
ثم قال ومن كان عليما بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بعدا فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال مؤلفه تم وكمل في جمادى الآخرة بمصر المحروسة عام اثنين وثلاثين وألف