تاريخ الخلفاء

السيوطي

3

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله الذي وعد فوفى وأوعد فعفا ( 1 ) والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء ومسود الخلفاء وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء امراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى عهدنا هذا على ترتيب زمانهم الأول فالأول وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع في أيامه من الحوادث المستغربة ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة والداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور منها أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة ولذوي المعارف محبوبة وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة وأسهل في التحصيل فأفردت كتابا في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وكتابا في الصحابة ملخصا من الإصابة لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر وكتابا حافلا في طبقات المفسرين وكتابا وجيزا في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغويين لم يؤلف قبله مثله وكتابا في طبقات الأصوليين وكتابا جليلا في طبقات الأولياء وكتابا في طبقات

4

الفرضيين وكتابا في طبقات البيانيين وكتابا في طبقات الكتاب أعنى أرباب الإنشاء وكتابا في طبقات أهل الخط المنسوب وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية وهذه تجمع عالب أعيان الأمة واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به وكذلك اكتفيت في القراء بطبقات الذهبي وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم فأفردت لهم هذا الكتاب ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور منها أنهم غير قرشيين وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام وإلا فجدهم مجوسى قال القاضي عبد الجبار البصرى اسم جد الخلفاء المصريين سعيد ( 1 ) كان أبوه يهوديا حدادا نشابة وقال القاضي أبو بكر الباقلاني القداح جد عبيد الله الذي يسمى بالمهدى كان مجوسيا ودخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوى ولم يعرفه أحد من علماء النسب وسماهم جهلة الناس الفاطميين وقال ابن خلكان أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدى عبيد الله جد خلفاء مصر حتى إن العزيز بالله ابن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات
إنا سمعنا نسبا منكرا
يتلى على المنبر في الجامع


إن كنت فيما تدعى صادقا
فاذكر أبا بعد الأب السابع


وإن ترد تحقيق ما قلته
فانسب لنا نفسك كالطائع


أولا دع الأنساب مستورة
وادخل بنا في النسب الواسع



5


فإن أنساب بني هاشم
يقصر عنها طمع الطامع

وكتب العزيز إلى الأموى صاحب الأندلس كتابا سبه فيه وهجاه فكتب إليه الأموى أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لإجبناك فاشتد ذلك على العزيز فأفحمه عن الجواب يعني أنه دعي لا تعرف قبيلته قال الذهبي المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدى ليس بعلوى وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة وقد سأله إن طبا طبا العلوى عن نسبهم فجذب نصف سيفه من الغمد وقال هذا نسبى ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب وقال هذا حسبى ومنها أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام ومنهم من أظهر سب الأنبياء ومنهم من أباح الخمر ومنهم من أمر بالسجود له والخير منهم رافضى خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة رضي الله عنهم ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة ولا تصح لهم إمامة قال القاضي أبو بكر الباقلاني كان المهدي عبيد الله باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه أباحوا الخمر والفروج وأشاعوا الرفض وقال الذهبي كان القائم بن المهدي شرا من أبيه زنديقا ملعونا أظهر ! الأنبياء وقال وكان العبيديون على ملة الإسلام شرا من التتر وقال أبو الحسن القابسي إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف ورجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت فياحبذا لو كان رافضيا فقط ولكنه زنديق وقال القاضي عياض سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد يعني خلفاء مصر على الدخول في دعوتهم أو يقتل قال يختار القتل ولا يعذر أحد في هذا الأمر كان أول دخولهم قبل أن يعرف

6

أمرهم وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز وإنما اقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم وقال يوسف الرعيني أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة لما أظهروا من خلاف الشريعة وقال ابن خلكان وقد كانوا يدعون علم المغيبات وأخبارهم في ذلك مشهورة حتى إن العزيز صعد يوما المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب
بالظلم والجور قد رضينا
وليس بالكفر والحماقه


إن كنت أعطيت علم غيب
بين لنا كاتب البطاقة

وكتبت إليه أمرأة قصة فيها بالذي أعز اليهود بميشا ( 1 ) والنصارى بابن نسطور وأذل المسلمين بك إلا نظرت في أمرى وكان ميشا ( 1 ) اليهودى عاملا بالشام وابن نسطور النصراني بمصر ومنها أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة فلا تصح إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد والصحيح المتقدم ومنها أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدى فعلم أن من تسمى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ فلهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة إمامته وعقد بيعته وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي والعهدة في أمره عليه والله المستعان

7


فصل في بيان كونه صلى الله عليه وسلم لم يستخلف وسر ذلك

قال البزار في مسنده حدثنا عبد الله بن وضاح الكوفي حدثنا يحيى بن اليماني حدثنا إسرائيل عن أبي اليقظان عن أبي وائل عن حذيفة قال قالوا يا رسول الله ألا تستخلف علينا قال إني أن أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو اليقظان ضعيف ( 1 ) وأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج أحمد والبيهقى في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال لما ظهر علي يوم الجمل قال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا حتى رأينا من الرأى أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتىمضى لسبيله ثم أن أبا بكر رأى من الرأى أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ( 2 ) ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضى الله فيها وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه البيهقى في الدلائل عن أبي وائل قال قيل لعلى ألا تستخلف علينا قال ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدى على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم قال الذهبي وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى على رضي الله عنه وقد قال هذيل بن شرحبيل أكان أبو بكر يتأمر على علي وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم وود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه

8

بخزام أخرجه ابن سعد والبيهقي في الدلائل وأخرج ابن سعد عن الحسن قال قال علي لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا عمن رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لديننا فقدمنا أبا بكر وقال البخارى في تاريخه روى عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر وعثمان هؤلاء الخلفاء بعدى قال البخارى ولم يتابع على هذا لأن عمر وعليا وعثمان قالوا لم يستخلف النبي صلى الله عليه وسلم انتهى والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الجمانى حدثنا حشرج عن سعيد بن جمهان عن سفينة لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وضع في النباء حجرا وقال لأبي بكر ضع حجرك إلى جنب حجري ثم قال لعمر ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى جنب حجر عمر ثم قال هؤلاء الخلفاء بعدي قال أبو زرعة إسناده لا بأس به وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه البيهقى في الدلائل وغيرهما قلت ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلى أنه لم يستخلف لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد وهذا إشارة وقعت قبل ذلك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية وكقوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدى أبي بكر وعمر وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة
فصل في بيان أن الأئمة من قريش والخلافة فيهم

قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا سكين بن عبد العزيز عن سيار ابن سلامة عن أبن برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأئمة من قريش

9

ما حكموا فعدلوا ووعدوا فوفوا واسترحموا فرخموا ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني وقال الترمذي حدثنا أحمد بن منيع حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا أبو مريم الأنصارى عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الملك في قريش والقضاء في الأنصار والأذان في الحبشة إسناده صحيح وقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح عن كثير بن مرة عن عتبة بن عبدان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخلافة في قريش والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة رجاله موثقون وقال البزار حدثنا إبراهيم بن هانىء حدثنا الفيض بن الفضل حدثنا مسعر عن سلمة بن كهيل عن أنى صادق عن ربيعة بن ماجد عن على بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها
فصل في مدة الخلافة في الاسلام

قال الإمام أحمد حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره قال العلماء لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن وقال البزار حدثنا محمد بن سكين حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن مكحول عن أبي ثعلبة عن ابي عبيدة بن الجراح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

10

عليه وسلم إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة ثم يكون ملكا وجبرية ( 1 ) حديث حسن وقال عبد الله بن أحمد حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن عون عن الشعبي عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال هذا الأمر عزيزا ينصرون على من ناوأهم ( 2 ) عليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش أخرجه الشيخان وغيرهما وله طرق وألفاظ منها لا يزال هذا الأمر صالحا ومنها لا يزال الأمر ماضيا رواهما أحمد ومنها عند مسلم لا يزال أمر الناس ماضيا ماوليهم اثنا عشر رجلا ومنها عنده إن هذا الأمر لا ينقضى حتى يمضى له فيهم اثنا عشر خليفة ومنها عنده لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثنى عشر خليفة ومنها عند البزار لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضى اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ومنها عند أبي داود زيادة فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال ثم يكون الهرج ( 3 ) ومنها عنده لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع الأمة عليه وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة فقال سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني اسرائيل قال القاضي عياض لعل المراد بالاثنى عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر

11

بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخارى كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة كلهم يجتمع عليه الناس وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسن أمر بل قتل قبل ذلك ( 2 ) ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولى نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يؤمئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعدذلك لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان ولما مات يزيد ولى أخوه إبراهيم فقتله مروان ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل ثم كان أول خلفاء بني العباس السفاح ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه ثم ولى أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس واستمرت في ايديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك

12

وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد بعد أن كان في أيام بنى عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الاقطار من الأرض شرقا وغربا يمينا وشمالا مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة ومن انفراط الأمر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر العبيدى والعباسى ببغداد خارجا عمن كان يدعى الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج قال فعلى هذا التأويل يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعنى القتل الفاشى عن الفتن وقوعا فاشيا ويستمر ويزداد وكذا كان وقيل إن المراد وجود اثنى عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم ويؤيد هذا ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير عن أبي الخلد أنه قال لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالمراد بقوله ثم يكون الهرج أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال وما بعده انتهى قلت وعلى هذا فقد وجد من الأثنى عشر خليفة الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز هؤلاء ثمانية ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية وكذلك الطاهر لما أوتيه من العدل وبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهدى لأنه من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم
فصل في الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية

قال الترمذي حدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسى حدثنا القاسم ابن الفضل المدني عن يوسف بن سعد قال قام رجل إلى الحسن بن علي بعد

13

ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين ( 1 ) فقال لا تؤنبنى رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ( إنا أعطيناك الكوثر ) ونزلت ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أرداك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) يملكها بعدك بنو أمية يا محمد قال القاسم فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص قال الترمذى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم وهو ثقة ولكن شيخه مجهول وأخرج هذا الحديث الحاكم في مستدركه وابن جرير في تفسيره قال الحافظ أبو الحجاج ( المزى ) وهو حديث منكر وكذا قال ابن كثير وقال ابن جرير في تفسيره حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة حدثت عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل حدثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى الحكم بن أبي العاص ( 2 ) ينزون على منبره نزو ( 3 ) القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات وأنزل الله في ذلك ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) إسناده ضعيف لكن له شواهد من حديث عبد الله بن عمر ويعلى بن مرة والحسين ابن علي وغيرهم وقد أوردتها بطرقها في كتاب التفسير والمسند وأشرت إليها في كتاب أسباب النزول
فصل في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس

قال البزار حدثنا يحيى بن يعلى بن منصور حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن محمد بن عبد الرحمن العامرى عن سهيل

14

عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس فيكم النبوة والمملكة العامري ضعيف وقد أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة وابن عدى في الكامل وابن عساكر من طرق عن ابن أبي فديك وقال الترمذي حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك فغدا وغدونا معه وألبستنا كساء ثم قال اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده هكذا أخرجه الترمذي في جامعه وزاد رزين العبدرى في آخره وأجعل الخلافة باقية في عقبه قلت هذا الحديث والذي قبله أصلح ما ورد في هذا الباب وقال الطبراني حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق عن إبراهيم بن أبي النضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت بني مروان يتعاورون ( 1 ) على منبرى فساءني ذلك ورأيت بني العباس يتعاورون على منبرى فسرني ذلك وقال أبو نعيم في الحلية حدثنا محمد بن المظفر حدثنا عمر بن الحسن بن علي حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبيد حدثنا محمد بن صالح العدوى حدثنا ابن جعفر التميمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي أخبرني على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاه العباس فقال ألا أبشرك يا أبا الفضل قال بلى

15

يا رسول الله قال إن الله افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه إسناده ضعيف وقد ورد من حديث على بإسناد أضعف من هذا أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن يونس الكديمي وهو وضاع عن إبراهيم بن سعيد الأشقر عن خليفة عن أبي هاشم عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس إن الله فتح هذاالأمر بي ويختمه بولدك وورد أيضا من حديث ابن عباس أخرجه الخطيب في التاريخ ولفظه بكم يفتح هذا الأم وبكم يختم وسيأتى بسنده في ترجمة المهتدى بالله وورد أيضا من حديث عمار بن ياسر أخرجه الخطيب وقال في الحلية حدثنا محمد بن المظفر حدثنا نصر بن محمد حدثنا على ابن أحمد السواق حدثنا عمر بن راشد حدثنا عبد الله بن محمد بن صالح عن أبيه عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي يعز الله بهم الدين عمر بن راشد ضعيف وقال أبو نعيم في الدلائل حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر حدثنا احمد بن راشد بن خثيم ثنا عمي سعيد بن خثيم عن حنظلة ( 1 ) عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثتني أم الفضل رضي الله عنها قالت مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنك حامل بغلام فإذا ولدت فأتيني به فلما ولدته أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألبأه ( 2 ) من ريقه وسماه

16

عبد الله وقال اذهبي بأبي الخلفاء فأخبرت العباس وكان رجلا لباسا فلبس ثيابه ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما بصر به قام فقبل بين عينيه ( 1 ) فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو ما أخبرتك هو أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح حتى يكون منهم المهدى حتى يكون منهم من يصلى بعيسى بن مريم عليه السلام وقال الديلمى في مسند الفردوس أخبرنا عبدوس بن عبد الله كتابة أخبرنا الحسن بن فتحويه حدثنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرى حدثنا العباس ابن علي النسائي حدثنا يحيى بن يعلى الرازي حدثنا سهل بن تمام حدثنا الحارث ابن شبل حدثتنا أم النعمان عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا سيكون لبني العباس راية ولن يخرج من أيديهم ما أقاموا الحق وقال الدار قطنى في الأفراد حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدى حدثنا محمد بن هرون السعدى حدثنا أحمد بن إبراهيم الأنصارى عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي قال سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن جدى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس إذا سكن بنوك السواد ولبسوا السواد ( 2 ) وكان شيعتهم أهل خراسان لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم أحمد بن إبراهيم ليس بشيء وشيخه مجهول والحديث ضعيف حتى إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير عن أحمد بن داود المكى عن محمد بن إسماعيل بن عون النبلى عن الحارث بن معاوية ابن الحارث عن أبيه عن جده أبي أمه عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعا الخلافة عن أم سلمة رضي الله عنها في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموه إلى المسيح وأخرجه الذيلمي من وجه آخر

17

وقال العقيلي في كتاب الضعفاء حدثنا أحمد بن محمد النصيبي حدثناإبراهيم ابن المستمر العروقي حدثنا أحمد بن سعيد الجبيري حدثنا عبد العزيز بن بكار ابن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا يلى ولد العباس من كل يوم تليه بنو أمية يومين ومن كل شهر شهرين هذا حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأعله ببكار ( 1 ) وليس كما قال فإن بكارا لم يتهم بكذب ولا وضع بل قال فيه ابن عدي هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ثم قال وأرجو أنه لا بأس به ولعمري فليس معنى الحديث ببعيد فإن دولة العباسيين في حال علوها ونفوذ كلمتها في أقطار الأرض شرقا وغربا ما عدا أقصى المغرب كانت من سنة بضع وثلاثين ومائة إلى سنة بضع وتسعين ومائتين حتى تولى المقتدر وفي أيامه انخرم النظام ( 3 ) وخرجت المغرب بأسرها عن أمره ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي فكانت أيام شموخ دولتهم ومملكتهم مائة وبضعا وستين سنة وهي ضعف أيام بني أمية الشامخة ( 3 ) فإنها كانت اثنتين وتسعين سنة منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزبير فصفت ثلاثة وثمانين سنة وكسرا وهي ألف شهرا سواء ثم وجدت للحديث شاهدا قال الزبير بن بكار في الموفقيات ( 4 ) حدثني علي ابن صالح عن جدى عبد الله بن مصعب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لمعاوية لا تملكون يوما إلا ملكنا يومين ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين وقال الزبير في الموفقيات ( 4 ) حدثني علي بن المغيرة عن ابن

18

الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الرايات السود لنا أهل البيت وقال لا يجيء هلاكها إلا من قبل المغرب وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق أنبأنا أبو القاسم بن بنان أخبرنا أبو علي بن شاذان حدثنا جعفر بن محمد الواسطى حدثنا محمد بن يونس الكديمي ( 1 ) حدثنا عبد الله بن سوار العنبرى حدثنا أبو الأشهب جعفر ابن حيان عن أبي رجاء العطاردى عن عبد الله بن عباس عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له اللهم انصر العباس وولد العباس قالها ثلاثا ثم قال يا عم أما شعرت أن المهدي من ولدك موفقا راضيا مرضيا الكديمي وضاع وقال ابن سعد في الطبقات حدثنا محمد بن عمر حدثنا عمر بن عقبة الليثي عن شعبة مولى ابن العباس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أرسل العباس ابن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب فجمعهم عنده وكان على عنده بمنزلة لم يكن أحد بها فقال العباس يا ابن أخي إني قد رأيت رأيا لم أحب أن أقطع فيه شيئا حتى أستشيرك فقال علي ما هو قال يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم تسأله إلى من هذا الأمر من بعده فإن كان فينا لم نسلمه والله ما بقى في الأرض من طارق وأن كان في غيرنا لم نطلبها بعد أبدا قال علي يا عم وهل هذا الأمر إلا إليك وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر فصل قال الديلمي في مسند الفردوس أخبرنا أبو منصور ابن خيرون حدثنا أحمد بن علي حدثنا بشرى بن عبد الله الرومي حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي يعرف بغندر 0 قال قرىء على أبي شاكر مسرة بن عبد الله حدثناالحسن بن يزيد حدثنا ابن المبارك حدثنا الأعمش حدثنا إبراهيم بن جعفر الأنصاري حدثنا أنس بن مالك مرفوعا

19

إذا أراد الله أن يخلق خلقاللخلافة مسح على ناصيته بيمينه مسرة ذاهب الحديث متروك وقدورد من حديث أبي هريرة أخرجه الديلمى من ثلاث طرق عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فصل في شأن البردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت أخرج السلفى في الطوريات بسنده إلى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن كعب بن زهير رضي الله عنه لما أنشد النبي صلى الله عيه وسلم قصيدته بانت سعاد رمى إليه ببردة كانت عليه فلما كان زمن معاوية رضي الله عنه كتب إلى كعب بعنا بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء آل العباس وهكذا قاله خلائق آخرون وأما الذهبي فقال في تاريخه أما البردة التي عندالخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق في قصة غزوة تبوك إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم فاشتراها أبو العباس السفاح بثلثمائة دينار قلت فكانت التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير رضي الله عنه 0 أن ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمى طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر في إسناده ابن لهيعة وقد كانت

20

هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوساوركوبا وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم وأظن أنها فقدت في فتنة التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون
فصل في فوائد منثورة تقع في التراجم ولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد

قال ابن الجوزي ( 1 ) ذكر الصولى أن الناس يقولون إن كل سادس يقوم للناس يخلع قال فتأملت هذا فرأيته عجبا اعتقد الأمر لنبينا صلى الله عليه وسلم ثم قام به بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن فخلع ثم معاوية ويزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك ابن مروان وابن الزبير فخلع ثم الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام والوليد فخلع ثم لم ينتظم لبني أمية أمر فولى السفاح والمنصور والمهدى والهادي والرشيد والأمين فخلع ثم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين فخلع ثم المعتز والمهتدى والمعتمد والمعتضد والمكتفى والمقتدر فخلع مرتين ثم قتل ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع فخلع القادر والقائم والمقتدى والمستظهر والمسترشد والراشد فخلع هذا آخر كلام ابن الجوزي قال الذهبي وما ذكره ينخرم بأشياء أحدها قوله وعبد الملك وابن الزبير وليس الأمر كذلك بل ابن

21

الزبير خامس وبعده عبد الملك أو كلاهما خامس أو أحدهما خليفة والآخر خارج لأن ابن الزبير سابق البيعة عليه وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير والثاني تركه لعد يزيد الناقص وأخيه إبراهيم الذي خلع ومروان فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا قلت قد تقدم أن مروان ساقط من العدد لأنه باغ ومعاوية بن يزيد كذلك لأن ابن الزبير بويع له بعد موت يزيد وخالف عليه معاوية بالشام فهما واحد وإبراهيم الذي بعد يزيد الناقص لم يتم له أمر فإن قوما بايعوه بالخلافة وآخرين لم يبايعوه وقوم كانوا يدعونه بالإمارة دون الخلافة ولم يقم سوى أربعين يوما أو سبعين يوما فعلى هذا مروان الحمار سادس لأنه الثاني عشر من معاوية والأمين بعده سادس والثالث أن الخلع ليس مقتصرا على كل سادس فإن المعتز خلع وكذا القاهر والمتقى والمستكفى قلت لا انخرام بهذا فإن المقصود أن السادس لا بد من خلعه ولا ينافى هذا كون غيره أيضا يخلع ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي ولي بعد الراشد المقتفى والمستنجد والمستضيء والناصر والظاهر والمستنصر وهو السادس فلم يخلع ثم المستعصم وهو الذي قتله التتار وكان آخر دولة الخلفاء وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة بل بويع بمصر وسار إلى العراق فصادف التتار فقتل أيضا وتعطلت الخلافة بعده سنة ثم أقيمت الخلافة بمصر فأولهم الحاكم ثم المستكفى ثم الواثق ثم الحاكم ثم المعتضد ثم المتوكل وهو السادس فخلع وولى المعتصم ثم خلع بعده بخمسة عشر يوما وأعيد المتوكل

22

ثم خلع وبويع الواثق ثم المعتصم ثم خلع وأعيد المتوكل فاستمر إلى أن مات ثم المستعين ثم المعتضد ثم المستكفى ثم القائم وهو السادس من المعتصم الأول ومن المعتصم الثاني فخلع ثم المستنجد خليفة العصر وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العباس
فوائد

يقال لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة فالفاتحة المنصور والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد خلفاء بني العباس كلهم أبناء سرارى إلا السفاح والمهدى والأمين ولم يل الخلافة هاشمي ابن هاشمية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابنه الحسن والأمين قال الصولى ولم يل الخلافة من اسمه إلا على بن أبي طالب وعلى المكتفى قال الذهبى قلت غالب أسماء الخلفاء أفراد والمثنى منهم قليل والمتكرر كثير عبد الله وأحمد ومحمد وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر خلفاء العراقيين ثم كررت الألقاب في الخلفاء المصريين فكرر المستنصر والمستكفى والواثق والحاكم والمعتضد والمتوكل والمستعصم والمستعين والقائم والمستنجد وكلها لم يتكرر غير مرة واحدة إلا المستكفى والمعتضد فكررا مرة أخرى فتلقب بهما من الخلفاء العباسيين ثلاثة ولم يتلقب أحد من خلفاء بني العباس بلقب أحد من بني عبيد إلا القائم والحاكم والظاهر والمستنصر وأما المهدي والمنصور فسبق التلقب به لبني العباس قبل وجود بني عبيد قال بعضهم وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح لا من الخلفاء ولا من الملوك قلت وكذا المستكفى والمستعين لقب بكل منهما اثنان من بني العباس

23

فخلعا ونفيا والمعتضد من أجل الألقاب وأبركها لمن يلقب به ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا المقتفى بعد الراشد المستنصر بعد المعتصم قال الذهبي قال ولم يل الخلافة ثلاثة إخوة إلا أولاد الرشيد الأمين والمأمون والمعتصم وأولاد المتوكل المستنصر والمعتز والمعتمد وأولاد المقتدر الراضي والمقتفي والمطيع قال وولى الأمر من أولاد عبد الملك أربعة ولا نظير لذلك إلا في الملوك قلت بل له نظير في الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم فولى الخلافة من أولاد المتوكل محمد أربعة بل خمسة المستعين والمعتضد والمستكفى والقائم والمستنجد خليفة العصر ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر الصديق وأبو بكر الطائع ابن المطيع حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعا قال العلماء أول من ولى الخلافة وأبوه حي أبو بكر وهو أول من عهد بها وأول من أتخذ بيت المال وأول من سمى المصحف مصحفا وأول من سمى بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو أول من اتخذ الدرة وأول من أرخ من الهجرة وأول من أمر بصلاة التراويح وأول من وضع الديوان وأول من حمى الحمى عثمان وهو أول من أقطع الإقطاعات أي أكثر من ذلك وأول من زاد الأذان في الجمعة وأول من رزق المؤذنين وأول من أرتج عليه في الخطبة وأول من اتخذ صاحب شرطة وأول من استخلف ولي العهد في حياته معاوية وهو أول من أتخذ الخصيان لخدمته وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير وأول من ضرب اسمه على السكة عبد الملك بن مروان وأول من منع من ندائه باسمه الوليد بن عبد الملك وأول ما حدثت الألقاب لبني العباس

24

وقال ابن فضل الله زعم بعضهم أن لبني أمية ألقابا مثل ألقاب بني العباس قلت وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية الناصر لدين الله ولقب يزيد المستنصر ولقب معاوية ابنه الراجع إلى الحق ولقب مروان المؤتمن بالله ولقب عبد الملك الموفق لأمر الله ولقب ابنه الوليد المنتقم بالله ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم بالله ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع الله ولقب يزيد الناقص الشاكر لأنعم الله أول ما تفرقت الكلمة في دولة السفاح أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم المنصور وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين المهدي أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة الهادي أول من لعب بالصوالجة في الميدان الرشيد أول من دعى وكتب للخليفة بلقبه في أيامه الأمين وأول من أدخل الأتراك الديوان المعتصم وأول من أمر بتغيير أهل الذمة زيهم المتوكل أول من تحكمت التراك في قتله المتوكل وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال قال رسول الله اتركو الترك ما تركوكم فإن أول من يسلب امتي ملكهم وما خولهم الله بنوقنطوراء أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس المستعين أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب المعتز أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به المعتمد أول من ولى الخلافة من الصبيان المقتدر آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الراضي وهو آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائما وآخر خليفة جالس الندماء وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجر اياته وخزائنه ومطابخه ومشار به ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولية وهو آخر

25

خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء أول ما كررت الألقاب من المستنصر الذي تولى بعد المستعصم في الأوائل للعسكري أول خليفة ولى في حياة أمه عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين ثم المتوكل ثم المنتصر ثم المستعين ثم المعتز ثم المعتضد ثم المطيع ولم يل الخلافة في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزيد عليه الطائع وقال الصولى لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبدالملك وشاهين أم يزيد الناقص وإبراهيم ابني الوليد والخيزران أم الهادي والرشيد قلت ويزاد أم العباس وحمزة وأم داود وسليمان أولاد المتوكل الأخير فائدة المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر ثلاثة بالمغرب المهدى والقائم والمنصور وأحد عشر بمصر المعز والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلى والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين وانقراضها في سنة سبع وستين وخمسمائة قال الذهبي وهي الدولة المجوسية واليهودية لا العلوية والباطنية لا الفاطمية وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا انتهى فائدة المتسمون بالخلافة من الأمويين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير إسلاما وسنة وعدلا وفضلا وعلما وجهادا وغزوا وهم كثير حتى إنه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمى بالخلافة فائدة أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين منها تاريخ الخلفاء لنفطويه النحوى مجلدان انتهى إلى أيام القاهر والأوراق للصولى ذكر فيه

26

العباسيين فقط وانتهى إليه قلت وقد وقفت عليه وتاريخ خلفاء بني العباس لابن الجوزي رأيته أيضا انتهى إلى أيام الناصر وتاريخ الخلفاء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشعراء مات في سنة ثمانين ومائتين وتاريخ خلفاء بني العباس للأمير أبي موسى هرون بن محمد العباسي فائدة أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عبادة قال لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه والمأمون قلت وهذا الحصر ممنوع بل حفظه أيضا الصديق رضي الله عنه على الصحيح وصرح به جماعة منهم النووى في تهذيبه وعلى رضي الله عنه ورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فائدة قال ابن الساعي حضرت مبايعة الخليفة الظاهر فكان جالسا في شباك القبة بثياب بيض وعليه الطرحة وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم والوزير قائم بين يديه على منبر وأستاذ الداردونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس ولفظ المبايعة أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد أمير المؤمنين وأن لا خليفة سواه انتهى

27

أبو بكر الصديق أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله ابن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب القرشي التيمي يلتقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة قال النووى ( 1 ) في تهذيبه وما ذكرناه من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله هو الصحيح المشهور وقيل اسمه عتيق والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقا لقب له لا اسم ولقب عتيقا لعتقه من النار كما ورد في حديث رواه الترمذي وقيل لعتاقة وجهه أي حسنه وجماله قاله مصعب ابن الزبير والليث بن سعد وجماعة وقيل لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به قال مصعب بن الزبير وغيره وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر إلىتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازم الصدق فلم تقع منه هنآة ما ولا وقفة في حال من الأحوال وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة منها قصته يوم ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك وهجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك عياله وأطفاله وملازمته في الغار وسائر الطريق ثم كلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة ثم بكاؤه حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الاخرة ثم ثباته يوم وفاة رسول الله صلى الله وسلم وخطبته الناس وتسكينهم ثم قيامه في قضية البيعة لمصلحة المسلمين ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة حتى حجهم بالدلائل وشرح الله صدورهم لما شرح

28

له صدره من الحق وهو قتال أهل الردة ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوحه وإمدادهم بالأمداد ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله وهو استخلافه على المسلمين عمر رضي الله عنه وتفرسه فيه ووصيته له واستيداعه الله الأمة فخلفه الله عز وجل فيهم أحسن الخلافة وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام وإعزاز الدين وتصديق وعد الله تعالى بأنه يظهره على الدين كله وكم للصديق من مناقب وموافق وفضائل لا تحصى هذا كلام النووى وأقول قد أردت أن أبسط ترجمة الصديق بعض البسط ذاكرا فيه جملة كثيرة مما وقفت عليه من حاله وأرتب ذلك فصولا
فصل في اسمه ولقبه

تقدمت الإشارة إلى ذلك قال ابن كثير تفقوا على أن اسمه عبد الله ابن عثمان إلا ما روى ابن سعد عن ابن سيرين أن اسمه عتيق ( 1 ) والصحيح أنه لقبه ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه فقيل لعتاقة وجهه أي لجماله قاله الليث ابن سعد وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم وقال أبو نعيم الفضل بن دكين لقدمه في الخير وقيل لعتاقة نسبه أي طهارته إذا لم يكن في نسبه شيء يعاب به وقيل سمى به أولا ثم سمى بعبد الله وروى الطبراني عن القاسم بن محمد أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن اسم أبي بكر فقالت عبد الله فقال إن الناس يقولون عتيق قالت إن

29

أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سماهم عتيقا ومعتقا ومعيتقا وأخرج ابن منده وابن عساكر عن موسى بن طلحة قال قلت لإبي طلحة قال قلت لأبي طلحة لم سمى أبو بكر عتيقا قال كانت أمه لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت اللهم إن هذا عتيق من الموت فهبه لي وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال إنما سمى عتيقا لحسن وجهه وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق وفي لفظ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سماه عتيقا أخرج أبو يعلى في مسنده وابن سعد والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت والله إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذا أقبل أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله فغلب عليه اسم عتيق وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار فمن يؤمئذ سمى عتيقا وأخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن الزبير قال كان اسم أبي بكر عبد الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت عتيق الله من النار فسمى عتيقا وأما الصديق فقيل كان يلقب به في الجاهلية لما عرف منه من الصدق ذكره ابن مسدى وقيل لمبادرته إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يخبر به قال ابن إسحاق عن الحسن البصري وقتادة وأول ما اشتهر به صبيحة الإسراء أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس قال أو قال ذلك قالوا نعم فقال لقد صدق إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة فلذلك سمى

30

الصديق إسناده جيد وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة أسندهما ابن عساكر وأم هانىء أخرجه الطبراني قال سعيد بن منصور في سنته حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به فكان بذي طوى قال يا جبريل إن قومي لا يصدقوني قال يصدقك أبو بكر وهو الصديق وأخرجه الطبراني في الأوسط موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة وأخرج الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة قال قلنا لعلي يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر قال ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل وعلى لسان محمد كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا إسناده جيد وأخرج الدراقطنى والحاكم عن أبي يحيى قال لا أحصى كم سمعت عليا يقول على المنبر إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه صديقا وأخرجه الطبراني بسند جيد صحيح عن حكيم بن سعد قال سمعت عليا يقول ويحلف لأنزل الله اسم أبي بكر من السماء الصديق وفي حديث أحد اسكن فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان وأم أبي بكر بنت عم أبيه اسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب وتكنى أم الخير قاله الزهري أخرجه ابن عساكر
فصل في مولده ومنشئه

ولد بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر فإنه مات وله ثلاثة وستون سنة قال ابن كثير وأما ما أخرجه خليفة بن الخياط عن يزيد

31

ابن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر أنا أكبر أو أنت قال أنت أكبر وأنا أسن منك فهو مرسل غريب جدا والمشهور خلافه وإنما صح ذلك عن العباس وكان منشؤه بمكة لا يخرج منها إلا لتجارة وكان ذا مال جزيل في قومه ومروءة تامة وإحسان وتفضل فيهم كما قال ابن الدغنه ( 1 ) إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتكسب المعدوم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر وتقري الضيف قال النووي وكان من رؤساء قريش في الجاهلية وأهل مشاورتهم ومحببا فيهم وأعلم لمعالمهم فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه ودخل فيه أكمل دخول وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خر بوذ قال إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحد عشر من قريش اتصل بهم شرف الجاهلية والإسلام فكان إليه أمر الديات والغرم وذلك أن قريشا لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلها إليه بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها فكانت في بني هاشم السقاية والرفادة ومعنى ذلك أنه لا يأكل ولا يشرب أحد إلا من طعامهم وشرابهم وكانت في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة أي لا يدخل البيت أحد إلا بإدنهم وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدار وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقضا لا يكون اجتماعهم إلا بدار الندوة ولا ينفذ إلا بها وكانت لبني عبد الدار
فصل كان أبو بكر رضي الله عنه أعف الناس في الجاهلية

أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت والله ما قال أبو بكر

32

شعرا قط في جاهلية ولا إسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية وأخرج أبو نعيم بسند جيد عنها قالت لقد كان حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير قال ما قال أبو بكر شعرا قط وأخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل شربت الخمر في الجاهلية فقال أعوذ بالله فقيل ولم قال كنت أصون عرضي واحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر كان مضيعا في عرضه ومروءته قال فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدق أبو بكر صدق أبو بكر مرتين مرسل غريب سندا ومتنا
فصل في صفته رضي الله عنه

أخرج ابن سعد عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها صفى لنا أبا بكر فقالت رجل أبيض نحيف خفيف العارضين أجنأ ( 1 ) لا يستمسك إزاره يسترخى عن حقويه ( 2 ) معروق الوجه ( 3 ) غائر العينين ناتىء الجبهة عاري الأشاجع هذه صفته وأخرج عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم وأخرج عن أنس قال قدم رسول الله المدينة وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر فلفها بالحناء والكتم

33


فصل في إسلامه رضي الله عنه

أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال قال أبو بكر ألست أحق الناس بها أي الخلافة ألست أول من أسلم ألست صاحب كذا ألست صاحب كذا وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي رضي الله عنه قال أول من أسلم من الرجال أبو بكر وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدوسي الصحابي رضي الله عنه قال أول من أسلم أبو بكر الصديق وأخرج الطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبي قال سألت ابن عباس أي الناس كان أول إسلاما قال أبو بكر الصديق ألم تسمع قول حسان
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا


خير البرية أتقاها وأعدلها
إلا النبي وأوفاها بما حلا


والثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس منهم صدق الرسلا

وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السائب قال سألت ميمون بن مهران قلت على أفضل عندك أم أبو بكر وعمر قال فارتعد ( 1 ) حتى سقطت عصاه من يده ثم قال ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما لله درهما كانا رأس الإسلام قلت فأبو بكر كان أول إسلاما أم علي قال والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا الراهب ( 2 ) حين مر به واختلف فيما بنيه وبين

34

خديجة حتى أنكحها إياه وذلك كله قبل أن يولد على وقد قال إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم بل ادعى بعضهم الاجماع عليه وقيل أول من أسلم علي وقيل خديجة وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال وعلى أول من أسلم من الصبيان وخديجة أول من أسلمت من النساء وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة رحمه الله أخرجه عنه وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال قلت لمحمد بن الحنفية هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما قال لا قلت فيم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر قال لأنه كان أفضلهم إسلاما من حين أسلم حتى لحق بربه وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاما قال لا ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة ولكن كان خيريا إسلاما قال ابن كثير والظاهر أن أهل بيته صلى الله عليه وسلم آمنوا قبل كل أحد زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجة زيد أم أيمن وعلى وورقة انتهى وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد قال قال أبو بكر الصديق كنت جالسا بفناء الكعبة وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا فمر به أمية ابن أبي الصلت فقال كيف أصبحت يا باغي الخير قال بخير قال وهل وجدت قال لا فقال
كل دين يوم القيامة إلا
ما قضى الله في الحقيقة بور

أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم قال ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي ينتظر ويبعث قال فخرجت إلى ورقة بن نوفل وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر فاستوقفته ثم قصصت عليه الحديث

35

فقال نعم يا ابن أخي إنا أهل الكتب والعلوم إلا أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا ولى علم بالنسب وقومك أوسط العرب نسبا قلت يا عم وما يقول النبي قال يقول ما قيل له إلا إنه لا يظلم ولا يظلم ولا يظالم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدقته وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عتم عنه حين ذكرته وما تردد فيه عتم أي لبث قال البيهقي وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان قد سبق له فيه تفكر ونظر فأسلم في الحال ثم أخرج عن أبي ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع من يناديه يا محمد فإذا سمع الصوت ولى هاربا فأسر ذلك إلى أبي بكر وكان صديقا له في الجاهلية وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كلمت في الإسلام أحدا إلا أبى على وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركون لي صاحبي ( 1 ) هل أنتم تاركون لي صاحبي إني قلت

36

أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت
فصل في صحبته ومشاهده

قال العلماء صحب أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم من حين أسلم إلى حين توفى لم يفارقه سفرا ولا حضرا إلا فيما أذن له صلى الله عليه وسلم في الخروج فيه من حج وغزو وشهد معه المشاهد كلها وهاجر معه وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو رفيقه في الغار قال تعالى ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) وقام بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير موضع وله الآثار الجميلة في المشاهد وثبت يوم أحد ويوم حنين وقد فر الناس كما سيأتي في فصل شجاعته أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال تباشرت الملائكة يوم بدر فقالوا أما ترون الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وأخرج أبو يعلى والحاكم وأحمد عن علي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ولأبي بكر مع أحد كما جبريل ومع الآخر ميكائيل وأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يوم بدر مع المشركين فلما أسلم قال لأبيه لقد أهدفت لي يوم بدر فانصرفت عنك ولم أقتلك فقال أبو بكر لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك قال ابن قتيبة معنى أهدفت أشرفت ومنه قيل للبناء المرتفع هدف
فصل في شجاعته وأنه أشجع الصحابة رضي الله عنه

أخرج البزار في مسنده عن علي أنه قال أخبروني من أشجع الناس فقالوا أنت قال أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس قالوا لا نعلم فمن قال أبو بكر إنه لما كان يوم بدر فجعلتم

37

لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوى إليه أحد من المشركين فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوى إليه أحد إلا هوى إليه فهو أشجع الناس قال علي رضي الله عنه ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يجبأه ( 1 ) وهذا يتلتله ( 2 ) وهم يقولون أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا قال فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجبأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر فسكت القوم فقال ألا تجيبونني فوالله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده عن أبي بكر قال لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أول من فاء ( 3 ) وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت لما اجتمع

38

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين وضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا وسيأتي تتمة الحديث في ترجمة عمر رضي الله عنه وأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم
فصل في إنفاقه ماله على رسول صلى الله عليه وسلم وأنه أجود الصحابة

قال الله تعالى ( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتىماله يتزكى ) إلى آخر السورة قال ابن الجوزي أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله وأخرج أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا مثله قال ابن كثير وروى أيضا من حديث علي وابن عباس وأنس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وأخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلا وزاد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقضى في مال أبي بكر كما يقضى في مال نفسه وأخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة رضي الله عنها وعروة بن الزبير

39

أن أبا بكر رضي الله عنه أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار وفي لفظ أربعون ألف درهم فأنفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أسلم أبو بكر رضي الله عنه يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم فخرج إلى المدينة في الهجرة وماله غير خمسة آلاف كل ذلك بنفقة في الرقاب ( 1 ) والعون على الإسلام وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله وأخرج ابن شاهين في السنة والبغوى في تفسيره وابن عساكر عن ابن عمر قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال يا محمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال يا جبريل أنفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله تعالى يقرأ عليه السلام ويقول قل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقال أبو بكر أسخط على ربي أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض غريب وسنده ضعيف جدا وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة وابن مسعود مثله وسندهما ضعيف أيضا وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس وأخرج الخطيب بسند واه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هبط على جبريل عليه السلام وعليه طنفسة ( 2 ) وهو متخلل بها فقلت له يا جبريل ما هذا قال إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض

40

قال ابن كثير وهذا منكر جدا وقال ولولا أن هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى وأخرج أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي قلت اليوم أسبق أبا بكر أن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ابقيت لأهلك قلت مثله وأتي أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسبقه في شيء أبدا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن البصري أن أبا بكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فأخفاها فقال يا رسول الله هذه صدقتي ولله عندي معاد وجاء عمر بصدقته فأظهرها فقال يا رسول الله هذه صدقتي ولي عند الله معاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما إسناده جيد لكنه مرسل وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر فإن له عندنا يدايكافئه الله بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال جئت بأبي قحافة إلىالنبي صلى الله عليه وسلم فقال هلا تركت الشيخ حتى آتيه قال بل هو أحق أن يأتيك قال إنا نحفظه لأيادي ( 1 ) ابنه عندنا وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته

41


في علمه وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم

قال النووي في تهذيبه ومن خطه نقلت استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله رضي الله عنه في الحديث الثابت في الصحيحين والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه وروينا عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتى الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ما أعلم غيرهما وأخرج الشيخان عن أبي سعيدالخدري قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال إن الله تبارك وتعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله تعالى فبكى أبو بكر وقال نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم عن عبد خير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من آمن الناس على في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخدت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر هذا كلام النووي ( 1 ) وقال ابن كثير كان الصديق رضي الله عنه أقرأ الصحابة أي أعلمهم بالقرآن لأنه صلى الله عليه وسلم قدمه إماما للصلاة بالصحابة رضي الله عنه مع قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره

42

وكان مع ذلك أعلمهم بالنسة كما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أول البعثة إلى الوفاة وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم وإنما لم يروعنه من الأحاديث المسندة إلا القليل لقصر مدته ( 1 ) وسرعة وفاته بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم وأخرج أبو القاسم البغوى عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضى به بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه آله وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع أمرهم على رأى قضى به وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به وكان الصديق رضي الله عنه مع ذلك أعلم الناس بأنساب العرب لاسيما

43

قريش أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن شيخ من الأنصار قال كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة وكان يقول إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب وكان الصديق مع ذلك غاية في علم تعبير الرؤيا وقد كان يعبر الرؤيا في زمن زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال محمد بن سيرين وهو المقدم في هذا العلم بالاتفاق كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن سعد وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أؤول الرؤيا ( وأن أعلمها ) ( 2 ) أبا بكر قال ابن كثير وكان من أفصح الناس وأخطبهم قال الزبير بن بكار سمعت بعض أهل العلم يقول أفصح خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وسيأتي في حديث السقيفة قول عمر رضي الله عنه وكان من أعلم الناس بالله وأخوفهم له وسيأتي من كلامه في ذلك وفي تعبير الرؤيا ومن خطبه جملة في فصل مستقل ومن الدلائل على أنه أعلم الصحابة حديث صلح الحديبية حيث سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصلح وقال علام نعطى الدنية ( 1 ) في ديننا فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فأجابه كما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم ) ( 2 ) سوا بسواء أخرجه البخاري وغيره وكان مع ذلك أسد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا أخرج تمام الرازي في فوائد وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر وأخرج الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن

44

يسرح معاذا إلى اليمن استشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فتكلم القوم كل إنسان برأيه فقال ما ترى يا معاذ قالت أرى ما قال أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر ورواه ابن أبي أسامة في مسنده إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض وأخرج الطبراني في الوسط عن سهل بن سعد الساعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر رجاله ثقات فصل قال النووي في تهذيبه الصديق أحد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله وذكر هذا أيضا جماعة منهم ابن كثير في تفسيره وأما حديث أنس جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة فمراده من الأنصار كما أوضحته في كتاب الإتقان وأما ما أخرجه ابن أبي داود عن الشعبي قال مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولم يجمع القرآن كله فهو مدفوع أو مؤول على أن المراد جمعه في المصحف على الترتيب الذي صنعه عثمان رضي الله عنه
فصل في أنه أفضل الصحابة وخيرهم

أجمع أهل السنة أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم سائر العشرة ثم باقي أهل بدر ثم باقي أهل أحد ثم باقي أهل ( 1 ) البيعة ثم باقي الصحابة هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي

45

وروى البخارى عن ابن عمر قال كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ابن الخطاب ثم عثمان ابن عفان رضي الله عنهم وزاد الطبراني في الكبير فيعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال كنا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن متوافرون نقول أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال قال عمر لأبي بكر يا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أما إنك إن قلت ذاك فلقد سمعته يقول ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر وأخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال قلت لأبي أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر قلت ثم من قال عمر وخشيت أن يقول عثمان فقلت ثم أنت قال ما أنا إلا رجل من المسلمين وأخرج أحمد وغيره عن علي قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر قال الذهبي هذا متواتر عن علي فلعن الله الرافضة ما أجهلهم وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب قال أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ثم قال إلا أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر فمن قال غير هذا فهو مفتر ( 1 ) عليه ما على المفترى

46

وأخرج أيضا عن ابن أبي ليلى قال قال علي لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى وأخرج عبد الرحمن بن حميد في مسنده وأبو نعيم وغيرهما من طرق عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ماطلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبي وفي لفظ على أحد من المسلمين بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر وقد ورد أيضا من حديث جابر ولفظه ما طلعت الشمس على أحد منكم أفضل منه أخرجه الطبراني وغيره وله شواهد من وجوه أخر تقضى له بالصحة أو الحسن وقد أشار ابن كثير إلى الحكم بصحته وأخرج الطبراني عن سلمة بن الأكوع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق خير الناس إلا أن يكون نبي وفي الأوسط عن سعد بن زرارة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن روح القدس جبريل أخبرني أن خير أمتك بعدك أبو بكر وأخرج الشيخان عن عمرو بن العاص قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من قال ثم عمر بن الخطاب وقد ورد هذا الحديث بدون ثم عمر في رواية أنس وابن عمرو وابن عباس وأخرج الترمذي والنسائي والحاكم عن عبد الله بن شقيق قال قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم كان أحب إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم قالت أبو بكر قلت ثم من قالت ثم عمر قلت ثم من قالت أبو عبيدة بن الجراح وأخرج الترمذي وغيره عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

47

لأبي بكر وعمر هذان سيدا كهول ( 1 ) أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين وأخرج مثله عن علي وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمار بن ياسر قال من فضل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أزرى على المهاجرين والأنصار وأخرج ابن سعيد عن الزهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت هل قلت في أبي بكر شيئا قال نعم فقال قل وأنا أسمع فقال
والثاني اثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صعد الجبلا


وكان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا ( 2 )

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ( 3 ) ثم قال صدقت يا حسان هو كما قلت فصل روى أحمد والترمذي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم الحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر وزاد فيه وأقضاهم على وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث شداد بن أوس وزاد وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها

48

وقد سئل شيخنا العلامة الكافيجي عن هذه التفضيلات هل تنافى التفضيل السابق فأجاب بأنه لا منافاة فلصل فيما أنزل من الأيات في مدحه أو تصديقه أو أمر من شأنه أعلم أني رأيت لبعضهم كتابا في أسماء من نزل فيهم القرآن غير محرر ولا مستوعب وقد ألفت في ذلك كتابا حافلا مستوعبا محررا وأنا ألخص هنا ما يتعلق منه بالصديق رضي الله عنه قال تعالى ( ثاني اثنين إذهما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ) أجمع المسلمون على أن الصاحب المذكور أبو بكر وسيأتي فيه أثر عنه وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى ( فأنزل الله سكينته عليه ) قال على أبي بكر إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة عليه ( 1 ) وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله فأنزل الله ( والليل إذا يغشى ) إلى قوله ( إن سعيكم لشتى ) سعى أبي بكر وأمية وابي وأخرج ابن جرير عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال أبوه أي بنى أراك تعتق أناسا ضعافا فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك قال أي أبت أنا أريد ما عند الله قال فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه ( فأما من أعطى واتقى ) إلى آخرها

49

وأخرج أبن أبي حاتم والطبراني عن عروة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعتق سبعة كلهم يعذب في الله وفيه نزلت ( وسيجنبها الأتقى ) إلى آخر السورة وأخرج البزار عن عبد الله بن الزبير قال نزلت هذه الآية ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) إلى آخر السورة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين وأخرج البزار وابن عساكر عن أسيد بن صفوان وكانت له صحبة قال قال علي ( والذي جاء بالحق ) محمد ( وصدق به ) أبو بكر الصديق قال ابن عساكر هكذا الرواية ( بالحق ) ولعلها قراءة لعلي وأخرج الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى ( وشاروهم في الأمر ) قال نزلت في أبي بكر وعمر وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال نزلت ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) في أبي بكر رضي الله عنه وله طرق أخرى ذكرتها في أسباب النزول وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر وابن عباس في قوله تعالى ( وصالح المؤمنين ) قال نزلت في أبي بكر وعمر وأخرج عبد الله بن أبي حميد في تفسيره عن مجاهد قال لما نزلت ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) قال أبو بكر يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيرا إلا أشركنا فيه فنزلت هذه الآية ( هو الذي يصلى عليكم وملائكته ) وأخرج ابن عساكر عن علي بن الحسين أن هذه الآيةنزلت في أبي بكر وعمر وعلي ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ) وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال نزلت في أبي بكر الصديق ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ) إلى قوله ( وعد الصدق الذي كانوا يوعدون )

50

وأخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار فصل في الأحاديث الواردة في فضله مقرونا بعمر سوى ما تقدم أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث قال الناس سبحان الله بقرة تتكلم قال النبي صلى الله عليه وسلم فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر وما ثم أبو بكر وعمر أي لم يكونا في المجلس شهد لهما بالإيمان بذلك لعلمه بكمال إيمانها وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبى إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر وأخرج أصحاب السنن وغيرهم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وذكر تمام العشرة وأخرج الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم ( وأنعما ) وأخرجه الطبراني من حديث جابر ابن سمرة وأبو هريرة

51

وأخرج الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال هكذا نبعث يوم القيامة وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال هذان السمع والبصر وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو وأخرج البزار والحاكم عن أبي أروى الدوسى قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ( جالسا ) فأقبل أبو بكر وعمر فقال الحمد لله الذي أيدني بكما وورد أيضا من حديث البراء بن عاز أخرجه الطبراني في الأوسط وأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل آنفا فقلت يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب فقال لو حدثتك بفضائل عمر منذ ( 1 ) ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما وأخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب

52

وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتى في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر ولا أعلم غيرهما وأخرج عن القاسم بن محمد قال كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لكل نبي خاصة من أمته وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر وأخرج ابن عساكر عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرا تركه الحق وماله من صديق رحم الله عثمان تستحييه الملائكة رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار وأخرج الطبراني عن سهل رضي الله عنه قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيهاالناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك أيها الناس إني راض عنه وعن عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين فاعرفوا ذلك لهم وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن أبي حازم قال جاء رجل إلى علي بن الحسين فقال ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كمنزلتهما منه الساعة وأخرج أبن سعد عن بسطام بن مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر لا يتأمر عليكما أحد بعدي

53

وأخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر وأخرج عن ابن مسعود قال حب أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السنة وأخرج عن أنس مرفوعا إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول لا إله إلا الله
فصل في الأحاديث الوادرة في فضله وحده سوى ما تقدم

أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبدالله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان فقال أبو بكر ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله قال نعم فأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أمن الناس على في صحبته وما له أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لأتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام وقد ورد هذا الحديث من رواية ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود وجندب بن عبد الله والبراء وكعب بن مالك وجابر بن عبد الله وأنس

54

وأبي واقد الليثي وأبي المعلى وعائشة وأبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم وقد سردت طرقهم في الأحاديث المتواترة وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر فسلم وقال إنه كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى على فأقبلت إليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا علىركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم منه مرتين فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي مرتين فما أوذى بعدها وأخرج ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنه نحوه وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتؤذوني في صاحبي فإن الله بعثني بالهدى ودين الحق فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت ولو لا أن الله سماه صاحبا لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام وأخرج ابن عساكر عن المقدام قال استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر قال وكان أبو بكر نسابا غير أنه تحرج من قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال ألا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه فوالله مامنكم رجل إلا على باب بيته ظلمة إلاباب أبي بكر فإن على بابه النور فوالله لقد قلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وأمسكتم الأموال وجادلي بماله وخذلتموني وواساني واتبعني وأخرج البخارى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله

55

عليه وسلم من جر ثوبه ختيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر إن أحد شقي ثوبي يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست تصنع ذلك خيلاء وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا قال فمن تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا قال فمن عاد اليوم منكم مريضا قال أبو بكر أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مااجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي بكر فحديث أنس أخرجه البيهقي في الأصل وفي آخره وجبت لك الجنة وحديث عبد الرحمن أخرجه البزار ولفظه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال من أصبح منكم اليوم صائما فقال عمر يا رسول الله لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطرا فقال أبو بكر ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائما فقال هل أحد منكم اليوم عاد مريضا فقال عمر يا رسول الله لم نبرح فكيف نعود المريض فقال أبو بكر بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح فقال هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا فقال عمر صلينا يا رسول الله ثم لم نبرح فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها ودفعتها إليه فقال أنت فأبشر بالجنة ثم قال كلمة أرضى بها عمر وزعم عمر أنه لم يرد خيرا قط إلا سبقه إليه أبو بكر وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنت في المسجد أصلى فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر فوجدني أدعو

56

فقال سل تعطه ثم قال من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأ بقراءة ابن أم عبد فرجعت إلى منزلي فأتاني أبو بكر فبشرني ثم أتى عمر فوجد أبا بكر خارجا قد سبقه فقال إنك لسباق بالخير وأخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم فقال لي يا ربيعة رد على مثلها حتى يكون قصاصا قلت لا أفعل قال أبو بكر لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا بفاعل فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت أتلوه وجاء أناس من أسلم فقالوا لي رحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدى عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لك ما قال فقلت أتدرون من هذا هذا أبو بكر الصديق هذا ثاني اثنين وهذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة ( قالوا ما تأمرنا قال ارجعوا وانطلق أبو بكر رضي الله عنه وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث كما كان فرفع إلى رأسه فقال يا ربيعة مالك والصديق فقلت يا رسول الله كان كذا وكذا فقال لي كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصا فأبيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل لا ترد عليه ولكن قل قد غفر الله لك يا أبا بكر فقلت غفر الله لك يا أبا بكر قال الحسن قولي أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي ) وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار

57

وأخرج عبد الله بن أحمد رضي الله عنه قال قال رسول الله أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار إسناده حسن وأخرج البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن في الجنة طيرا كأمثال البخاتي قال أبو بكر إنها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي إسناده ضعيف لكنه ورد أيضا من حديث ابن عباس وابن عمر وأنس وأبي سعيد وأبي الدرداء رضي الله عنهم بأسانيد ضعيفة يشد بعضها بعضا وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال قرأت عند النبي صلى الله عليه وسلم ( يا أيتها النفس المطمئنة ) فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذا لحسن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن الملك سيقولها لك عند الموت وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال لما نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا أنفسكم ) الآية قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال صدقت وأخرج أبو القاسم البغوى حدثنا داود بن عمر حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غديرا فقال ليسبح كل رجل إلى صاحبه قال فسبح كل رجل حتى بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر

58

حتى اعتنقه وقال لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله لآتخذت أبا بكر خليلا ولكنه صاحبي تابعه وكيع عن عبد الجبار بن الورد أخرجه ابن عساكر وعبد الجبار ثقة شيخه ابن أبي ملكية إمام إلا أنه مرسل وهو غريب جدا قلت أخرجه الطبراني في الكبير وابن شاهين في السنة من وجه آخر موصولا عن ابن عباس وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وابن عساكر من طريق صدقة ابن ميمون القرشي عن سليمان بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خصال الخير ثلثمائة وستون خصلة إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه خصلة منها يدخل بها الجنة قال أبو بكر يا رسول الله أفي شيء منها قال نعم جمعا من كل وأخرج ابن عساكر من طريق أخرى عن صدقة القرشي عن رجل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خصال الخير ثلثمائة وستون فقال أبو بكر يا رسول الله لي منها شيء قال كلها فيك فهنيئا لك يا أبا بكر وأخرج ابن عساكر من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال إن كانت حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشتبك حتى تصير كالأسوار وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من الناس فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس وأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه وألقى إليه حديثه وسمع الناس وأخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي وأخرج مثله في حديث سهل بن سعد وأخرج عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر

59


فصل فيما ورد من كلام الصحابة والسلف الصالح في فضله

أخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه قال قال عمر بن الخطاب أبو بكر سيدنا وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه قال لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم وأخرج ابن أبي خيثمة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عمر رضي الله عنه قال إن أبا بكر كان سابقا مبرزا وقال عمر لوددت أبي شعرة في صدر أبي بكر أخرجه مسدد في مسنده وقال وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر وقال لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك أخرجه أبونعيم وأخرج ابن عساكر عن علي أنه دخل على أبي بكر وهو مسجى فقال ما أحد لقى الله بصحيفته أحب إلى من هذا المسجى وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثني عمر بن الخطاب أنه ما سبق أبا بكر إلى خير قط إلا سبقه به وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي قال والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر وأخرج في الأوسط أيضا عن جحيفة قال قال علي خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر لا يجتمع حبى وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن وأخرج في الكبير عن ابن عمر قال ثلثة من قريش أصبح قريش

60

وجوها وأحسنها أخلاقا وأثبتا جنانا إن حدثوك لم يكذبوك وإن حدثتهم لم يكذبوك أبو بكر الصديق وأبو عبدية بن الجراح وعثمان بن عفان وأخرج ابن سعد عن إبراهيم النخعي قال كان أبو بكر يسمى الأواه لرأفته ورحمته وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال مكتوب في الكتاب الأول مثل أبي بكر الصديق مثل القطر أينما وقع نفع وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال نظرنا في صحابة الأنبياء فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل أبي بكر الصديق وأخرج عن الزهري قال من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة قط وأخرج عن الزبير بن بكار قال سمعت بعض أهل العلم يقول خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهما وأخرج عن أبي حصين قال ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ولقد قام أبو بكر يوم الردة مقام نبي من الأنبياء أخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر عن الشعبي قال خص الله تبارك وتعالى أبا بكر بأربع خصال لم يخص بها أحدا من الناس سماه الصديق ولم يسم أحدا الصديق غيره وهو صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الهجرة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة والمسلمون شهود وأخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن جعفر قال كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يراه وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال كان أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره وكان ثانيه في الإسلام وثانيه

61

في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم عليه أحدا
فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته وكلام الأئمة في ذلك

أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود ورضي الله عنه وأخرجه أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون خلفي اثنا عشر خليفة أبو بكر لا يلبث إلا قليلا صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من طرق عدة وقد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب وفي الصحيحين في الحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم لما خطب قرب وفاته وقال إن عبدا خيره الله الحديث وفي آخره ولا يبقين باب الإسد إلا باب أبي بكر وفي لفظ لهما لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر قال العلماء هذا إشارة إلى الخلافة لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين وقد ورد هذا اللفظ من حديث أنس رضي الله عنه ولفظه سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر أخرجه ابن عدي ومن حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الترمذي وغيره ومن حديث ابن عباس في زوائد المسند ومن حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني ومن حديث أنس أخرجه البزار وأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن أبيه قال أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت أرأيت إن جئت

62

ولم أجدك كأنها تقول الموت قال ( صلى الله عليه وسلم ) إن لم تجديني فأتي أبا بكر وأخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال إلى أبي بكر وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله شيئا فقال لها تعودين فقالت يا رسول الله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت فقال إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه أدعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر وأخرجه أحمد وغيره من طرق عنها وفي بعضها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي فيه مات ادعى لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد بعدي ثم قال دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلف قالت أبو بكر قيل لها ثم من بعد أبي بكر قالت عمر قيل لها من بعد عمر قالت أبو عبيدة بن الجراح وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة

63

يا رسول الله إنه رجل رقيق القلب إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس فقال مري أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث متواتر ورد أيضا من حديث عائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن زمعة وأبي سعيد وعلي بن أبي طالب وحفصة رضي الله عنها وقد سقت طرقهم في الأحاديث المتواتره وفي بعضها عن عائشة رضي الله عنها لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر وفي حديث ابن زمعة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة وكان أبو بكر غائبا فتقدم عمر فصلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لا لا يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر يصلىبالناس أبو بكر وفي حديث ابن عمر كبر عمر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فأطلع رأسه مغضبا فقال أين ابن أبي قحافة قال العلماء في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة قال الأشعري قد علم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصديق أن يصلى بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فدل على أنه كان أقرأهم أي أعلمهم بالقرآن أنتهى وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة منهم عمر وسيأتي قوله في فصل المبايعة ومنهم علي

64

وأخرج ابن عساكر عنه قال لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلى بالناس وإني أشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا قال العلماء وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم وقال يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى وأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنت مرضت قدمت أبا بكر قال لست أنا أقدمه ولكن الله يقدمه وأخرج الدارقطنى في الأفراد والخطيب وابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت الله أن يقدمك ثلاثا فأبى على إلا تقديم أبي بكر وأخرج ابن سعد عن الحسن قال قال أبو بكر يا رسول الله ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس قال لتكونن من الناس بسبيل قال ورأيت في صدري كالرقمتين قال سنتين وأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال أتيت عمر وبين يديه قوم يأكلون فرمى ببصرة في مؤخر القوم إلى رجل فقال ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب قال خليفة النبي صلى الله عليه وسلم صديقه وأخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصرى أسأله عن أشياء فجئته فقلت له اشفني فيما اختلف الناس فيه هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر فاستوى الحسن قاعدا

65

وقال أو في شك هو لا أبالك أي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفته ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره وأخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال قال لي الرشيد يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق قلت يا أمير المؤمنين سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون قال والله ما زدتني إلا غما قال يا أمير المؤمنين مرض النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال يا رسول الله من يصلي بالناس قال مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسكوت الله وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه فقال بارك الله فيك وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات القرآن فأخرج البيهقى عن الحسن البصرى في قوله تعالى ( يا إيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فذكر قتال أبي بكر لهم إلى أن قال فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) وأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر في قوله تعالى ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ) قال هم بنو حنيفة قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري سمعت أبا العباس بن شريح يقول خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية قال لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه الإدعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة قال فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولي

66

عن ذلك يعذب عذابا أليما قال ابن كثير ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان وهما فرعا الصديق وقال تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) الآية قال ابن كثير هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهدي قال إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب الله يقول الله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) الآية وأخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن لأن الله تعالى يقول ( للفقراء المهاجرين ) إلى قوله ( أولئك هم الصديقون ) فمن سماه الله صديقا فليس يكذب وهم قالوا يا خليفة رسول الله قال ابن كثير استنباط حسن وأخرج البيهقي عن الزعفران قال سمعت الشافعي يقول أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم وأخرج أسد السنة في فضائله عن معاوية بن قرة قال ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يجتمعون على خطأ ولا ضلال وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر وأخرج الحاكم وصححه الذهبي عن مرة الطيب قال جاء أبو سفيان

67

ابن حرب إلى علي فقال ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلا يعني أبا بكر والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا قال فقال على لطالما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضره ذلك شيئا إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا
فصل في مبايعته رضي الله عنه

روى الشيخان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته قد بلغني أن فلانا منكم يقول لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلته ( وتمت ) ألا وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين قلت نريد إخواننا من الأنصار فقالا عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زورت ( 1 ) مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر على رسلك

68

فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته ( مثلها ) وأفضل منها حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ( فبايعوا ) أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ( وهو جالس بيننا ) فلم أكره مما قال غيرها وكان والله إن أقدم فتضرب عنقي لا يقر بنى ذلك من إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش وكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما أن نخلفهم فيكون فيه فساد وأخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر وأخرج ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر فقام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فترى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك

69

فقام زيد بن ثابت فقال أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره ثم أخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والأنصار وصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا بالزبير فجاء فقال قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا به فجاء فقال قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه وقال ابن إسحاق في السيرة حدثني الزهري قال حدثني أنس بن مالك قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال خطب أبو بكر فقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط ولا كنت راغبا فيها ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة

70

وما لي في الإمارة من راحة لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله فقال على والزبير ما غضبنا إلا لأنا آخرنا عن المشورة وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التميمي قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال أبسط يدك لأبايعك إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة لعمر ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين ( الفهة ضعف الرأي ) وأخرج ابن سعد أيضا عن محمد أن أبا بكر قال لعمر أبسط يدك لأبايعك فقال له عمر أنت أفضل مني فقال له أبو بكر أنت أقوى مني ثم كرر ذلك فقال عمر فإن قوتي لك مع فضلك فبايعه وأخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة فجاء فكشف عن وجهه فقال وقال فداء لك أبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا مات محمد ورب الكعبة فذكر الحديث قال وانطلق أبو بكر وعمر يتفاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلا ذكره وقال لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء واخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال لما بويع أبو بكر رأي

71

من الناس بعض الانقباض فقال أيها الناس ما يمنعكم ألست أحقكم بهذا الأمر ألست أول من أسلم ألست ألست فذكر خصالا وأخرج أحمد عن رافع الطائي قال حدثني أبو بكر عن بيعته وما قالته الأنصار وما قاله عمر قال فبايعوني وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة وأخرج ابن إسحاق وابن عايد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين قال لم أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة وأخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر فذكر قصته فنودى في الناس الصلاة جامعة افجتمع الناس فصعد المنبر ثم قال أيها الناس لوددت أن هذا كفانيه غيري ولئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها إن كان لمعصوما من الشيطان وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال لما بويع أبو بكر قام خطيبا فقال أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أقم به كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحدكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم وأخرج ابن سعد والخطيب في رواية مالك عن عروة قال لما ولى أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني قد وليت أمركم ولست بخيركم ولكنه نزل القرآن وسن النبي صلى الله عليه وسلم السنن وعلمنا فعلمنا فاعلموا

72

أيها الناس أن أكيس الكيس التقى وأعجز العجز الفجور وأن أقواكم عندي الضيف حتى آخذ له بحقه وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإذا أحسنت فأعينوني وإن أنازغت فقوموني أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم قال مالك لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجت مكة فسمع أبو قحافة ذلك فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمر جلل ( 1 ) فمن قام بالأمر بعده قالوا ابنك قال فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت وأخرج الواقدي من طرق عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهم رضي الله عنهم أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المبنر حتى لقي الله ولم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي الله ولم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي الله
فصل فيما وقع في خلافته

والذي وقع في أيامه من الأمور الكبار تنفيذ جيش أسامة وقتال أهل الردة وما نعى الزكاة ومسيلمة الكذاب وجمع القرآن أخرج الإسماعيلي عن عمر رضي الله عنه قال لما قبض رسول الله صلى الله

73

عليه وآله وسلم ارتد من ارتد من العرب وقالوا نصلي ولا نزكي فأتيت أبا بكر فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جبارا في الجاهلية جوازا في الإسلام بماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات مضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا قال عمر فوجدته في ذلك أمضىمني وأحزم وآدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم وأخرج أبو القاسم البغوي وأبو بكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشر أب النفاق وارتدت العرب وانحازت الأنصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها وفضلها قالوا أين يدفن النبي صلى الله عليه وسلم فماوجدنا عند أحد من ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسمل يقول ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه قالت واختلفوا في ميراثه فما وجدوا عند أحد من ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة قال الأصمعي الهيض الكسر للعظم والاشرثباب رفع الرأس ) قال بعض العلماء وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة رضي الله عنهم فقال بعضهم ندفنه بمكة بلده الذي ولد بها وقال آخرون بل بمسجده وقال آخرون بل بالبقيع وقال آخرون بل في بيت المقدس مدفن الأنبياء حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم قال ابن زنجويه وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال والذي

74

لا إله إلا هو لولا إن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة فقيل له مه يا أبا هريرة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلمانزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتد العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حللت لواء عقده فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ماخرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوهم فهزمهوم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام وأخرج عن عروة قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه أنفذوا جيش أسامة فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول لا تعجل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل فلم يبرح حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض رجع إلى أبي بكر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوف أن تكفر العرب وإن كفرت كانوا أول من يقاتل وإن لم تكفر مضيت فإن معي سروات الناس وخيارهم فخطب أبو بكر الناس ثم قال والله لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه قال الذهبي لما اشتهرت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالنواحي ارتدت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة فنهض أبو بكر الصديق لقتالهم فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم فقال والله لو منعوني عقالا أو عتاقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا

75

رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق أخرجه الشيخان وغيرهما ) وعن عروة قال خرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعا حذاء بحد وهربت الأعراب بذراريهم فكلم الناس ابا بكر وقالوا ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء وأمر رجلا على الجيش ولم يزالوا به حتى رجع وأمر خالد ابن الوليد وقال له إذا أسلموا وأعطوا الصدقة فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع ورجع أبو بكر إلى المدينة وأخرج الدار قطنى عن ابن عمر قال لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال إلى أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للاسلام نظام أبدا وعن حنظلة بن علي الليثي أن أبا بكر بعث خالدا وأمره أن يقاتل الناس على خمس من ترك واحدة منهن قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا على شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وسار خالد ومن معه في جمادى الآخرة فقاتل بني أسد وغطفان وقتل من قتل وأسر من أسر ورجع الباقون إلى الإسلام واستشهد بهذه الواقعة من الصحابة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم وفي رمضان من هذه السنة ماتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين وعمرها أربع وعشرون سنة قال الذهبي وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب إلا منها فإن عقب ابنته زينب انقرضوا قاله الزبير بن بكار وماتت قبلها بشهر أم أيمن

76

وفي شوال مات عبد الله بن أبي بكر الصديق ثم سار خالد بمجموعه إلى اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب في أواخر العام والتقى الجمعان ودام الحصار أياما ثم قتل الكذاب لعنه الله قتله وحشي قاتل حمزة واستشهد فيها خلق من الصحابة أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولى أبي حذيفة وشجاع بن وهب وزيد بن الخطاب وعبد الله بن سهل ومالك بن عمرو والطفيل بن عمرو الدوسي ويزيد بن قيس وعامر ابن البكير وعبد الله بن مخرمة والسائب بن عثمان بن مظعون وعباد بن بشر ومعن بن عدي وثابت بن قيس بن شماس وأبو دجانة سماك بن حرب وجماعة آخرون تتمة سبعين وكان لمسيلمة يوم قتل مائة وخمسون سنة ومولده قبل مولد عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي سنة اثنتي عشرة بعث الصديق العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وكانوا قد ارتدوا فالتقوا بجوائي فنصر المسلمون وبعث عكرمة بن أبي جهل إلى عمان وكانوا قد ارتدوا وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى أهل النجير وكانوا قد ارتدوا وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى طائفة من المرتدة وفيها مات أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصعب بن جثامة الليثي وأبو مرثد الغنوي وفيها بعد فراغ قتال أهل الردة بعث الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد إلى أرض البصرة فغزا الأبلة فافتتحها وافتتح مدائن كسرى التي بالعراق صلحا وحربا وفيها أقام الحج أبو بكر الصديق ثم رجع فبعث عمرو بن العاص والجنود إلى الشام فكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ونصر المسلمون وبشر بها أبو بكر وهو بآخر رمق واستشهد بها عكرمة بن أبي جهل وهشام بن العاصي في طائفة وفيها كانت وقعة مرج الصفر وهزم المشركون واستشهد بها الفضل ابن العباس في الطائفة

77

ذكر جمع القرآن

أخرج البخارى عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن يجمعوه وإني لأرى أن يجمع القرآن قال أبو بكر فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري فرأيت الذي رأى عمر قال زيد وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر إنك شاب عاقل ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القرآن فقلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتىوجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخرها فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها وأخرج أبو يعلى عن علي قال أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين
فصل

في أولياته منها أنه أول من أسلم وأول من جمع القرآن وأول من سماه مصحفا وتقدم دليل ذلك وأول من سمى خليفة

78

أخرج أحمد عن أبي بكر بن أبي مليكة قال قيل لأبي بكر يا خليفة الله قال أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض به ومنها أنه أول من ولى الخلافة وأبوه حي وأول خليفة فرض له رعيته العطاء أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت لما استخلف أبو بكر قال لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق فقال عمر أين تريد قال إلى السوق قال تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي فقال انطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم وكسوة الشتاء والصيف إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن وأخرج ابن سعد عن ميمون قال لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزاده خمسمائة وأخرج الطبراني في مسنده عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال لم احتضر أبو بكر قال يا عائشة أنظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبغ فيها والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين فإذا مت فاردديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال قال أبو بكر لما احتضر لعائشة رضي الله عنها يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا دينارا

79

ولا درهما ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة فإذا مت فأبعثني بهن إلى عمر ومنها أنه أول من اتخذ بيت المال أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمةوغيره أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد فقيل له ألا تجعل عليه من يحرسه قال عليه قفل فكان يعطى ما فيه حتى يفرغ فلما انتقل إلى المدينة حوله فجعله في داره فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوى بين الناس في القسم وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله واشترى قطائف أتى بها من البادية ففرقها في أرامل المدينة فلما توفى أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت مال أبي بكر منهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا ولا دينارا ولا درهما قلت وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل إن أول من أتخذ بيت المال عمر وإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بيت مال ولا لأبي بكر رضي الله عنه وقد رددته عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر من كتابه فقال إن أول من ولى بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر ومنها قال الحاكم أول لقب في الإسلام لقب أبي بكر رضي الله عنه عتيق
فصل

أخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا فلما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر من كان له عند رسول الله

80

صلى الله عليه وسلم دين أوعدة فليأتنا فجئت وأخبرته فقال خذ فأخذت فوجدتها خمسمائة فأعطاني ألفا وخمسمائة
فصل في نبذ من حلمه وتواضعه

أخرج ابن عساكر عن أنيسة قالت نزل فينا أبو بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعد ما استخلف فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن وأخرج أحمد في الزهد عن ميمون بن مهران قال جاء رجل إلى أبي بكر فقال السلام عليك يا خليفة رسول الله قال من بين هؤلاء أجمعين وأخرج ابن عساكر عن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيسقى لها ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها وهو يؤمئذ خليفة فقال عمر أنت هو لعمري وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال جاء الحسن ابن علي إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال انزل عن مجلس أبي فقال صدقت إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى فقال علي والله ما هذا عن أمرى فقال صدقت والله ما أتهمك
فصل

أخرج ابن سعد عن ابن عمر قال استعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر علىالحج في أول حجة كانت في الإسلام ثم حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النسة المقبلة فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر استعمل عمر بن الخطاب على الحج ثم حج أبو بكر من قابل فلما قبض

81

أبو بكر واستخلف عمر استعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ثم لم يزل عمر يحج سنيه كلها حتى قبض فاستخلف عثمان واستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج
فصل

في مرضه ووفاته ووصيته واستخلافه عمر أخرج سيف والحاكم عن ابن عمر قال كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمد ( 1 ) فما زال جسمه يجري حتى مات يجري أي ينقص وأخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة ( 2 ) أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء النسة وأخرج الحاكم عن الشعبي قال ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسم أبو بكر وأخرج الواقدي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جماى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك قال قد نظر إلي فقالوا ما قال لك قال قال إني فعال لما أريد

82

وأخرج الواقدي من طرق أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر وإن فقال عبد الرحمن هو والله أفضل من رأيك فيه ثم دعا عثمان بن عفان فقال أخبرني عن عمر فقال أنت أخبرنا به فقال على ذلك فقال اللهم علمى به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله وشاور معهما سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد اللهم أعلمه الخير بعدك يرضى للرضا ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه ودخل عليه بعض الصحابة فقال له قائل منهم ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته فقال أبو بكر بالله تخوفني أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت وراءك ثم دعا عثمان فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها وعند أول عهده بالاخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا فإن عدل فلذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امرىء ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم أمر بالكتاب فختمه ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما فبايع الناس ورضوا به ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه بما أوصاه ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه وقال اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم

83

خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح اللهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة أبو بكر حين استخلف عمر وصاحبة موسى حين قالت أستأجره والعزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه وأخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة قال لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال أيها الناس إني قد عهدت عهدا أفترضون به فقال الناس رضينا يا خليفة رسول الله فقام علي فقال لا نرضى إلا أن يكون عمر قال فإنه عمر وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال أي يوم هذا قالوا يوم الاثنين قال فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي لغد فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج مالك عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر نحلها جداد عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال يا بنية والله ما من الناس أحد أحب إلي غني منك ولا أعز على فقرا بعدي منك وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا فلو كنت جددته واحترزته كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هو أخواك وأختاك فأقسموه على كتاب الله فقالت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى قال ذو بطن ابنة خارجة ( 1 ) أراها جارية وأخرجه ابن سعد وقال في آخره ذات بطن ابنة خارجة قد ألقى في روعي أنها جارية فاستوصى بها خيرا فولدت أم كلثوم وأخرج ابن سعد عن عروة أن أبا بكر أوصى بخمس ماله وقال آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين

84

وأخرج من وجه آخر عنه قال لأن أوصى بالخمس أحب إلى من أن وصى بالربع وأن أوصى بالربع أحب إلي من أن أوصى بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئا وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن الضحاك أن أبا بكر وعليا أوصيا بالخمس من أموالهما لمن لا يرث من ذوي قرابتهما وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عائشة رضي الله عنها قالت والله ما ترك أبو بكر دينارا ولا درهما ضرب الله سكته وأخرج ابن سعد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فكشف عن وجهه وقال ليس كذلك ولكن قولي ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت وأخرج أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت على أبي بكر وهو في الموت فقلت
من لا يزال دمعه مقنعا
فإنه في مرة مدفوق ( 1 )

فقال لا تقولي هذا ولكن قولي ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) ثم قال في أي يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يوم الاثنين قال أرجو فيما بيني وبين الليل فتوفى ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن بكر بن عبد الله المزني قال لما احتضر أبو بكر قعدت عائشة رضي الله عنها عند رأسه فقالت

85


وكل ذي إبل يوما سيوردها
وكل ذي سلب لا بد مسلوب ( 1 )

ففهمها أبو بكر فقال ليس كذلك يا ابنتاه ولكنه كما قال الله ( وجاءت سكرة الموت ) الآية وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للآرامل

فقال أبو بكر ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبادة بن قيس قال لما حضرت أبا بكر الوفاة قال لعائشة اغسلي ثوبي هذين وكفنيني بهما فإنما أبوك أحد رجلين إما مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب وأخرج ابن أبي الدينا عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ويعينها عبد الرحمن بن أبي بكر وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر بين القبر والمنبر وكبر عليه أربعا وأخرج عن عروة والقاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفى حفر له وجعل رأسه عند كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصق اللحد بقبر سول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج عن ابن عمر قال نزل في حفرة أبي بكر عمر وطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن أبي بكر وأخرج من طرق عدة أنه دفن ليلا وأخرج عن ابن المسيب أن أبا بكر لما مات ارتجت مكة فقال أبو قحافة ما هذا قالوا مات ابنك قال رزء جليل من قام بالأمر بعده قالوا عمر قال صاحبه

86

وأخرج عن مجاهد أن أبا قحافة رد ميراثه من أبي بكر على ولد أبي بكر ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياما ومات في المحرم سنته أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة قال العلماء لم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر ولم يرث خليفة أبوه إلا أبا بكر وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال ولى أبو بكر سنتين وسبعة أشهر وفي تاريخ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي قال قال خفاف بن ندبة السلمى يبكي أبا بكر
ليس لحي فاعلمته بقا
وكل دنيا أمرها للفنا


والملك في الأقوام مستودع
عارية فالشرط فيه الأدا


والمرء يسعى وله راصد
تندبه العين ونار الصدا


يهرم أو يقتل أو يقهره
يشكوه سقم ليس فيه شفا


إن إبا بكر هو الغيث إن
لم تزرع الجوزاء بقلا بما


تالله لا يدرك أيامه
ذومئزرناش ولاذو ردا


من يسع كي يدرك أيامه
مجتهدا شذ بأرض فضا


فصل

فيما روي عنه من الحديث المسند قال النووي في تهذيبه روي الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنين وأربعين حديثا وسبب قلة روايته مع تقدم صحبته وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها

87

قلت وقد ذكر عمر رضي الله عنه في حديث البيعة السابق أن أبا بكر لم يترك شيئا أنزل في الأنصار أو قد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلا ذكره وهذا أدل دليل على كثرة محفوظه من السنة وسعة علمه بالقرآن وروى عنه عمر ( بن الخطاب ) وعثمان ( بن عفان ) وعلي وابن عوف وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وابن عباس وأنس وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأبو هريرة وعقبة بن الحارث وعبد الرحمن ابنه وزيد بن أرقم وعبد الله بن مغفل وعقبة بن عامر الجهني وعمران بن حصين وأبو برزة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري وأبو الطفيل الليثي وجابر بن عبد الله وبلال وعائشة ابنته واسماء أبنته ومن التابعين أسلم مولىعمر وواسط البجلي وخلائق وقد رأيت أن أسرد أحاديثه هنا علىوجه وجيز مبينا عقب كل حديث من خرجه وسأفردها بطرقها في مسند إن شاء الله تعالى الأول حديث الهجرة الشيخان وغيرهما ( الثاني ) حديث البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته الدارقطنى ( الثالث ) حديث السواك مطهرة للفم مرضاة للرب أحمد الرابع حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفا ثم صلى ولم يتوضأ البزار وأبو يعلى الخامس حديث لا يتوضأن أحدكم من طعام أكله حل له أكله البزار السادس حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين أبو يعلى والبزار السابع حديث أن آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد أبو يعلى الثامن حديث من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد احمد التاسع حديث أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فأغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم البخاري ومسلم

88

العاشر حديث من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفروا الله في عهده فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه ابن ماجه ( الحادي عشر ) حديث ما قبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته البزار ( الثاني عشر ) حديث ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان ( الثالث عشر ) حديث ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه الترمذي الرابع عشر حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد أبو يعلى الخامس عشر حديث إن الميت ينضح عليه الحميم ببكاء الحي أبو يعلى السادس عشر اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء وتقع من الجائع موقعها من الشبعان أبو يعلى السابع عشر حديث فرائض الصدقات بطوله البخارى وغيره الثامن عشر حديث عن ابن أبي مليكة قال كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته ينيخها فقالوا له أفلا أمرتنا بتناولكه فقال إن حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا اسأل الناس شيئا أحمد التاسع عشر حديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر أن تغتسل وتهل البزار والطبراني العشرون سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الحج أفضل فقال العج والثج الترمذي وابن ماجه ( الحادي والعشرون ) حديث أنه قبل الحجر وقال لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك الدارقطنى الثاني والعشرون حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة إلى أهل مكة لا يحج بعدالعام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان الحديث أحمدالثالث والعشرون حديث ما بين بيتي ومنبري روضه من رياض الجنة ومنبر على ترعة من ترع الجنة أبو يعلى ( الرابع والعشرون ) حديث انطلاقه صلى الله عليه وسلم إلى دار أبي الهيثم ابن التيهان بطوله أبو يعلى

89

الخامس والعشرون حديث الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل والزائد المستزيد يدفي النار أبو يعلى والبزار ( السادس والعشرون ) حديث ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به الترمذي السابع والعشرون حديث لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيىء الملكة وأول من يدخل الجنة المملوك إذا أطاع الله وأطاع سيده الثامن والعشرون حديث الولاء لمن أعتق الضياء المقدسي في المختارة التاسع والعشرون حديث الولاء حديث لا نورث ما تركناه صدقه البخارى الثلاثون حديث إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده أبو داود الحادي والثلاثون حديث كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق البزار الثاني والعشرون حديث أنت ومالك لأبيك قال أبو بكر وإنمايعنى بذلك النفقه البيهقي الثالث والثلاثون حديث من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار البزار الرابع والثلاثون حديث أمرت أن أقاتل الناس الحديث الشيخان وغيرهما الخامس والثلاثون حديث نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين أحمد السادس والثلاثون حديث ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر الترمذي السابع والثلاثون حديث من ولى من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحد محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عد لا حتى يدخله جهنم ومن أعطى أحدا حمى الله فقد انتهك من حمى الله شيئا بغير حقه فعليه لعنة الله أحمد الثامن والثلاثون حديث قصة ما عزورجمه أحمد التاسع ولثلاثون حديث ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة الترمذي الأربعون حديث أنه صلى الله عليه وسلم شاور في أمر الحرب الطبراني الحادي والأربعون حديث لما نزلت من يعمل سوأ يجز به الحديث الترمذي وابن حبان وغيرهما ( الثاني والأربعون ) حديث إنكم تقرؤن هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم الحديث أحمد والآربعة وابن حبان ( الثالث

90

والأربعون حديث ما ظنك بأثنين الله ثالثهما الشيخان الرابع والأربعون حديث اللهم طعنا وطاعونا أبو يعلى الخامس والأربعون حديث شيبتني هود الحديث الدارقطنى في العلل السادس والأربعون حديث الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل الحديث أبو يعلى وغيره ( السابع والأربعون حديث قلت يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت الحديث الهيثم بن كليب في مسنده وهو عند الترمذي وغيره من مسند أبي هريرة الثامن والأربعون حديث عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فإن أبليس قال أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون أبو يعلى التاسع والأربعون حديث لمانزلت لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي قلت يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي الهرم السرار البزار الخمسون حديث كل ميسر لما خلق له أحمد الأحد والخمسون حديث من كذب علي متعمدا ورد علي شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم أبو يعلى الثاني والخمسون حديث ما نجاة هذا الأمر الحديث في لا إله إلا الله أحمد وغيره الثالث والخمسون أخرج فناد في الناس من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة فخرجت فلقيني عمر الحديث أبو يعلى وهو محفوظ من حديث أبي هريرة غريب جدا من حيث أبي بكر الرابع والخمسون حديث صنفان من أمتي لا يدخلان الجنة المرجئة والقدرية الدارقطنى في العلل الخامس والخمسون حديث سلوا الله العافية أحمد والنسائي وابن ماجة وله من طرق كثيرة عنه السادس والخمسون حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أمرا قال اللهم خر لي واختر لي الترمذي السابع والخمسون حديث دعاء الدين اللهم فارج الهم الحديث البزار والحاكم الثامن والخمسون حديث كل جسد نبت من سحت فالنار أولىبه وفي لفظ

91

لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام أبو يعلى التاسع والخمسون حديث ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو درب اللسان أبو يعلى الستون حديث ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر فيها لكل بشر ما خلا كافر أو رجلا في قلبه شحناء الدارقطنى الأحد والستون حديث أن الدجال يخرج بالمشرق من أرض يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوهم المجال المطرقة الترمذي وابن ماجة الثاني والستون حديث أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب الحديث أحمد الثالث والستون حديث الشفاعة بطوله في تردد الخلائق إلى نبي بعد نبي أحمد الرابع والستون حديث لوسلك الناس واديا وسلكت الآنصار واديا لسلكت وادي الأنصار أحمد الخامس والستون حديث قريش ولاة هذا الأمر برهم تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم أحمد السادس والستون حديث أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالأنصار عند موته وقال أقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم البزار والطبراني السابع والستون حديث إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر بها حي من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر أحمد وأبو يعلى الثامن والستون حديث أن أبا بكر مر بالحسن وهو يلعب مع الغلمان فاحتمله على رقبته وقال يأبى شيبه بالنبي ليس شبيها بعلي ( 1 ) البخارى وقال ابن كثير وهو في حكم المرفوع لأنه في قوة قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشبه الحسن التاسع والستون حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم أيمن مسلم السبعون حديث قتل السارق في الخامسة أبو يعلى والديلمي الحادي والسبعون حديث قصة أحد الطيالسي والطبراني الثاني والسبعون حديث بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا قلت يا رسول الله ما الذي تدفع قال الدنيا تطولت لي فقلت إليك عني فقالت لي

92

إما أنك لست بمدركي البزار هذا ما أورده ابن كثير في مسند الصديق من الأحاديث المرفوعة وقد فاته أحاديث أخرى نتبعها لتكملة العدة التي ذكرها النووي الثالث والسبعون حديث أقتلوا الفرد كائنا ما كان من الناس الطبراني في الأوسط الرابع والسبعون حديث انظروا دور من تعمرون وأرض من تسكونون وفي طريق من تمشون الديلمي الخامس والسبعون حديث أكثروا من الصلاة على فإن الله وكل بقبري ملكا فإذا صلى رجل من أمتي قال لي ذلك الملك إن فلان ابن فلان صلى عليك الساعة الديلمى السادس والسبعون حديث الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما والغسل يوم الجمعة كفارة الحديث العقيلي في الضعفاء السابع والسبعون حديث إنما حر جهنم على أمتي مثل الحمام الطبراني الثامن والسبعون حديث إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للآيمان ابن لال في مكارم الأخلاق التاسع والسبعون حديث بشر من شهد بدرا بالجنة الدارقطنى في الأفراد الثمانون حديث الدين راية الله الثقيلة من ذا الذي يطيق حملها الديلمى الحادي والثمانون حديث سور يس تدعى المعمة المطعمة الحديث الديلمى والبيهقي في الشعب الثاني والثمانون حديث السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض ويرفع له في كل يوم وليلة عمل ستين صديقا أبو السيخ والعقيلي في الضعفاء وابن حبان في كتاب الثواب الثالث والثمانون حديث قال موسى لربه جزاء من عزى الثكلى قال أظله في ظلي ابن شاهين في الترغيب والديلمي الرابع والثمانون حديث اللهم أشدد الإسلام بعمر بن الخطاب الطبراني في الأوسط الخامس والثمانون حديث ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح ابن راهويه في مسنده السادس والثمانون حديث لو لم أبعث فيكم لبعث عمر الحديث الديلمي السابع والثمانون حديث لو أتجر أهل الجنة لاتجروا بالبز أبو يعلى الثامن والثمانون حديث من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس أمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس

93

أجمعين فاقتلوه الديلمي في التاريخ التاسع والثمانون حديث من كتب عني علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقى ذلك العلم أو الحديث الحاكم في التاريخ ( التسعون ) حديث من مشى حافيا في طاعة الله لم يسأله الله يوم القيامة عما افترض عليه الطبراني في الأوسط الحادي والتسعون حديث من سره أن يظله الله من فور جهنم ويجعله في ظله فلا يكن علىالمؤمنين غليظا وليكن بهم رحيما ابن لال في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ وابن حبان في الثواب الثاني والتسعون حديث من أصبح ينوي لله طاعة كتب الله له أجر يومه وإن عصاه الديلمي الثالث والتسعون حديث ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب الطبراني في الأوسط الرابع والتسعون حديث لايدخل الجنة مفتر الديلمي ولم يسنده الخامس والتسعون حديث لا تحقرن أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير الديلمي السادس والتسعون حديث يقول الله إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي أبو الشيخ وابن حبان والديلمي السابع والتسعون حديث سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإزار فأخذ بعضلة الساق فقلت يا رسول الله زدني فأخذ بمقدم العضلة فقلت زدني قال لا خير فيما هو أسفل من ذلك قلت هلكنا يا رسول الله قال يا أبا بكر سدد وقارب تنج أبو نعيم في الحلية الثامن والتسعون حديث كفى وكف على في العدل سواء الديلمي وابن عساكر ( التاسع والتسعون ) حديث لا تغفلوا التعوذ من الشيطان فإنكم إن لم تكونوا ترونه فإنه ليس عنكم بغافل الديلمي ولم يسنده المائة حديث من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة الطبراني في الأوسط الحادي والمائة حديث من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا الطبراني في الأوسط ( الثاني والمائة ) حديث رفع اليدين في الافتتاح والركوع والسجود والرفع البيهقي في السنن ( الثالث والمائة ) حديث أنه صلى

94

الله عليه وآله وسلم أهدى جملا لأبي جهل الإسماعيلي في معجمه الرابع والمائة حديث النظر إلى علي عبادة ابن عساكر
فصل فيما ورد عن الصديق من تفسير القرآن

أخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكة قال سئل أبو بكر عن آية فقال أي أرض تسعني أوأى سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم يرد الله وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال سئل أبو بكر عن قوله تعالى ( وفاكهة وأبا ) فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ( 1 ) إن قلت في كتاب الله مالا أعلم وأخرج البيهقي وغيره عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة فقال إني سأقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الولد والوالد فلما استخلف عمر قال إني لأستحي أن أرد شيئا قاله أبو بكر وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأسود بن هلال قال قال أبو بكر لأصحابه ما تقولون في هاتين الآيتين ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) قالوا ثم استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة قال لقد حملتموهما على غير المحمل ثم قال قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يميلوا إلى إله غيره ولم يلبسوا إيمانهم بشرك وأخرج ابن جرير عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر الصديق في قوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال النظر إلى وجه الله تعالى وأخرج ابن جرير عن أبي بكر في قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) قال قد قالها الناس فمن مات عليها فهو ممن استقام

95


فصل فيما روى عن الصديق رضي الله عنه من الآثار الموقوفة قولا أو قضاء أو خطبة أو دعاء

أخرج اللالكائي في السنة عن ابن عمر قال جاء رجل إلى أبي بكر فقال أرأيت الزنا بقدر قال نعم قال فإن الله قدره علي ثم يعذبني قال نعم يا ابن اللخناء أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الزبير أن أبا بكر قال وهو يخطب الناس يا معشر الناس استحيوا من الله فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطيا رأسي استحياء من الله وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عمرو بن دينار قال قال أبو بكر استحيوا من الله فوالله إني لأدخل الكنيف فأسند ظهري إلى الحائط حياء من الله وأخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل وقرأ في الثالثة ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) الاية وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن ابن عيينة قال كان أبو بكر إذا عزى رجلا قال ليس مع العزاء مصيبة وليس مع الجزع فائدة الموت أهون مما قبله وأشد مما بعده اذكروا فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم تصغر مصيبتكم وأعظم الله أجركم وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطنى عن سالم بن عبيد وهو صحابي قال كان أبو بكر الصديق يقول لي قم بيني وبين الفجر حتى أتسحر وأخرج عن أبي قلابة وأبي السفر قالا كان أبو بكر الصديق يقول أجيفوا الباب حتى نتسحر ( 1 )

96

وأخرج البيهقي وأبو بكر بن زياد النيسابوري في كتاب الزيادات عن حذيفة ابن أسيد قال لقد أدركت أبا بكر وعمر وما يضحيان إرادة أن يستن بهما وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال شهدت علي أبي بكر الصديق أنه قال كلوا الطافي من السمك وأخرج الشافعي في الأم عن أبي بكر الصديق أنه كره بيع اللحم بالحيوان وأخرج البخاري عنه أنه جعل الجد بمنزلة الأب يعنى في الميراث وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء عن أبي بكر قال الجد بمنزلة الأب ما لم يكن أب دونه وابن الابن بمنزلة الابن ما لم يكن ابن دونه وأخرج عن القاسم أن أبا بكر أتى برجل انتفى من أبيه فقال أبو بكر اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس وأخرج عن ابن أبي مالك قال كان أبو بكر إذا صلى على الميت قال اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة والذنب عظيم وأنت غفور رحيم وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر أن أبا بكر قضى بعاصم بن عمر ابن الخطاب لأم عاصم وقال ريحها وشمها ولطفها خير له منك وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال جاء رجل إلى أبي بكر فقال إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله يجتاحه فقال لأبيه إنما لك من ماله ما يكفيك فقال يا خليفة رسول الله أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فقال نعم وإنما يعنى بذلك النفقة وأخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد وأخرج البخاري عن أبي مليكة عن جده أن رجلا عض يد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أبو بكر وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عكرمة أن أبا بكر قضى في الأذن

97

بخمس عشرة من الإبل وقال يوارى شينها الشعر والعمامة وأخرج البيهقي وغيره عن أبي عمر أن الجوني أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام وأمر عليهم يزيد بن أبي سفيان فقال إني موصيك بعشر خلال لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطع شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ولا تعقر شاة ولا بعيرا إلا لمالكه ولا تفرقن نخلا ولا تحرقنه ولا تغلل ولا تجبن وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي برزة الأسلمي قال غضب أبو بكر من رجل فاشتد غضبه جدا فقلت يا خليفة رسول الله اضرب عنقه قال ويلك ما هي لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج سيف في كتاب الفتوح عن شيوخه أن المهاجرين بن أبي أمية وكان أميرا على اليمامة رفع إليه امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها فكتب إليه أبو بكر بلغني الذي فعلت في المرأة التي تغنت بشم النبي صلى الله عليه وسلم فلولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر وأما التي تغنت بهجاء المسلمين فإن كانت ممن يدعى الإسلام فأدب وتعزير دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمرى لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها فأقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس فإنها مأتم ونفرة إلا في قصاص وأخرج مالك والدارقطنى عن صفية بنت أبي عبيد أن رجلا وقع على جارية بكر واعترف فأمر به فجلد ثم نفاه إلى فدك

98

وأخرج أبو يعلى عن محمد بن حاطب قال جيء إلى أبي بكر برجل قد سرق وقد قطعت قوائمه فقال أبو بكر ما أجد لك شيئا إلا ما قضى فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أمر بقتلك فإنه كان أعلم بك فأمر بقتله وأخرج مالك عن القاسم بن محمد أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه إن عامل اليمن ظلمه فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم افتقدوا حليا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فجعل يطوف معهم ويقول اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به فاعترف الأقطع أو شهد عليه فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته وأخرج الدارقطنى عن أنس أن أبا بكر قطع في مجن قيمته خمسة دراهم وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي صالح قال لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر هكذا كنا ثم قست القلوب قال أبو نعيم أي قويت وأطمأنت بمعرفة الله تعالى وأخرج البخاري عن ابن عمر قال قال أبو بكر أرقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته وأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر قال طوبى لمن مات في النانأة أي في أول الإسلام قبل تحرك الفتن وأخرج الأربعة ومالك عن قبيصة قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال

99

المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذه لها أبو بكر وأخرج مالك والدارقطني عن القاسم بن محمد أن جدتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما أم أم وأم أب فأعطى الميراث لأم الأم فقال له عبد الرحمن ابن سهل الأنصاري وكان ممن شهد بدرا وهو أخو بني حارثة يا خليفة رسول الله أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها فقسمه بينهما وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها حديث امرأة رفاعة التي طلقت منه وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع أن يغشاها وأرادت العود إلى رفاعة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وهذا القدر في الصحيح وزاد عبد الرزاق فقعدت ثم جاءته فأخبرته أنه قد مسها فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول وقال اللهم إن كان أنمى بها أن ترجع إلى رفاعة فلا يتم لها نكاحه مرة أخرى ثم أتت أبا بكر وعمر في خلافتهما فمعناها وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر أن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثاه بريدا إلى أبي بكر يرأس بنان بطريق الشام فلما قدم علي أبي بكر أنكر ذلك فقال له عقبة يا خليفة رسول الله فإنهم يصنعون ذلك بنا قال أفيستنان بفارس والروم لا يحمل إلى رأس إنما يكفى الكتاب والخبر وأخرج البخاري عن قيس بن أبي خازم قال دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم فقالوا حجت مصمتة قال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت فقالت من أنت قال امرؤ من المهاجرين قالت أي المهاجرين

100

قال من قريش قالت من أي قريش قال إنك لسؤل أنا أبو بكر قالت ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية قال بقاؤكم عليه ما استقامت ائمتكم قالت وما الأئمة قال أو ما كان لقومك رؤس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم قالت بلى قال فهم أولئك الناس وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا قال أبو بكر ما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه وأخرج احمد في الزهد عن ابن سيرين قال لم أعلم أحدا أستقاء من طعام أكله غير أبي بكر وذكر القصة وأخرج النسائي عن أسلم أن عمر أطلع على أبي بكر وهو أخذ بلسانه فقال هذا الذي أوردني الموارد وأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر أنه مر بعبد الرحمن بن عوف وهو يماظ جارا له فقال له لا تماظ جارك فإنه يبقى ويذهب عنك الناس المماظة المنازعة والمخاصمة وأخرج ابن عساكر عن موسى بن عقبة أن أبا بكر الصديق كان يخطب فيقول الحمد لله رب العالمين أحمده وأستعينه ونسأله الكرامة فيما بعد الموت فإنه قد دنا أجلى وأجلكم أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا لينذر من كان حيا

101

ويحق القول على الكافرين ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم فإنه من يطع الله وأولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح وأدى الذي عليه من الحق وإياكم وإتباع الهوى فقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود ثم يأكله الدود ثم هو اليوم حي وغدا ميت فاسلموا يوما بيوم وساعة بساعة وتوقوا دعاء المظلوم وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا فإن العمل كله بالصبر واحذروا والحذر ينفع واعملوا والعمل يقبل واحذروا ما حذركم الله من عذابه وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا واتقوا وتوقوا فإن الله قد بين لكم ما أهلك به من كان قبلكم وما نجى به من نجى قبلكم قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه وما يحب من الأعمال وما يكره فإني لا آلوكم ونفسي والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربكم أطعتم وحظكم حفظتم واغتبطتم وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه ذوافل بين أيديكم تستوفوا لسلفكم وتعطوا جرايتكم حين فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت إن الله ليس له شريك وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره فإنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم والسلام عليه ورحمة الله وبركاته

102

وأخرج الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن حكيم قال خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال أوصيكم بتقوى الله وأن تمنعوا عليه بما هو له أهل وأن تخلطواالرغبة بالرهبة فإن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ثم أعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي وهذا كتاب الله فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه فاستضيئوا بنوره وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم الظلمة فإنه إنما خلقكم لعبادته ووكل بكم كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بإذن الله سابقوا في آجالكم قبل أن تنقضى آجالكم فتردكم إلى أسوأ أعمالكم فإن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فأنها كم أن تكونوا أمثالهم فالوحا الوحا ثم النجاء النجاء فإن وراءكم طالبا حثيثا أمره سريع وأخرج ابن أبي الدنيا وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن يحيى ابن أبي كثير أن أبا بكر كان يقول في خطبته أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع أركانهم حين أخنى بهم الدهر وأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا ثم النجاء النجاء وأخرج أحمد في الزهد عن سلمان قال أتيت أبا بكر فقلت أعهد إلي فقال يا سلمان اتق الله وأعلم أنه سيكون فتوح فلا أعرفن ما كان حظك منها ما جعلته في بطنك أو ألقيته على ظهرك واعلم أنه من صلى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة الله ويمسى في ذمة الله تعالى فلا تقتلن أحدا من أهل ذمة الله فتخفر الله في ذمته فيكبك الله في النار على وجهك

103

وأخرج عن أبي بكر رضي الله عنه قال يقبض الصالحون الأول فالأول حتى يبقى من الناس حثالة كحثالة التمر والشعير لا يبالي الله بهم وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن معاوية بن قرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في دعائه اللهم أجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم لقائك وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال بلغني أن أبا بكر كان يقول في دعائه اللهم أني أسالك الذي هو خير لي في عاقبة الأمر اللهم أجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلي من جنات النعيم وأخرج عن عرفجة قال قال أبو بكر من استطاع أن يبكي فليبك وإلا فليتباك وأخرج عن عزرة عن أبي بكر قال اهلكهن الأحمران الذهب والزعفران وأخرج عن مسلم بن يسار عن أبي بكر قال إن المسلم ليؤجر في كل شيء حتى في النكبة وانقطاع شسعه والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في غبنه وأخرج عن ميمون بن مهران قال أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح وأخرج البخاري في الأدب وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر يقول إن دعاء الأخ لأخيه في الله يستجاب وأخرج عبد الله في زوائد الزهد عن عبيد بن عمير عن لبيد الشاعر أنه قدم علي أبي بكر فقال الا كل شيء ما خلا الله باطل فقال صدقت فقال وكل نعيم لا محالة زائل فقال كذبت عند الله نعيم لا يزول فلما ولي قال أبو بكر ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة

104


فصل في كلماته الدالة على شدة خوفه من ربه

أخرج أبو أحمد الحاكم عن معاذ بن جبل قال دخل أبو بكر حائطا وإذا بدبسي في ظل شجرة فتنفس الصعداء ثم قال طوبى لك يا طير تأكل من الشجر وتستظل بالشجر وتصير إلى غير حساب يا ليت أبا بكر مثلك وأخرج ابن عساكر عن الصمعي قال كان أبو بكر إذا مدح قال اللهم أنت أعلم مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني قال قال أبو بكر الصديق لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن وأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع قال وحدثت أن أبا بكر كان كذلك وأخرج عن الحسن قال قال أبو بكر والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد وأخرج عن قتادة قال بلغني أن أبا بكر قال وددت أني خضرة تأكلني الدواب وأخرج عن ضمرة بن حبيب قال حضرت الوفاة ابنا لأبي بكر الصديق فجعل الفتى يلحظ إلى وسادة فلما توفى قالوا لأبي بكر رأينا ابنك يلحظ إلى وسادة فدفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستة فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجع ويقول إنا لله إليه راجعون يا فلان ما أحسب جلدك يتسع لها وأخرج عن ثابت البناني أن أبا بكر كان يتمثل بهذا الشعر ( 1 )
لا تزال تنعى حبيبا حتى تكونه
وقد يرجو الفتى الرجا يموت دونه



105

وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهيب لما لا يعلم من أبي بكر ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر وإن أبا بكر نزلت فيه قضية فلم يجد لها في كتاب الله أصلا ولا في السنة أثرا فقال اجتهد رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنى واستغفر الله
فصل فيما ورد عنه من تعبير الرؤيا

أخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال رأت عائشة رضي الله عنها كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار فقصتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس فقال إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثا فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة هذا خير أقمارك وأخرج أيضا عن عمر بن شرحبيل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيتني أردفت غنم سود ثم أردفتها غنم بيض حتى ما ترى السود فيها فقال أبو بكر يا رسول الله أما الغنم السود فإنها العرب يسلمون ويكثرون والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لا يرى العرب فيهم من كثرتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عبرها الملك سحرا وله عن ابن أبي ليلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيتني على بئر أنزع فيها فوردتني غنم سود ثم ردفها غنم عفر فقال أبو بكر دعني أعبرها فذكر نحوه وأخرج ابن سعدعن محمد بن سيرين قال كان أعبر هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فقصها على أبي بكر فقال رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة

106

فسبقتك بمرقاتين ونصف قال يا رسول الله يقبضك الله إلى مغفرة ورحمة وأعيش بعدك سنتين ونصفا وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن أبي قلابة أن رجلا قال لأبي بكر الصديق رأيت في النوم أني أبول دما قال أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض فاستفغر الله ولا تعد ( فائدة ) أخرج البيهقي في الدلائل عن عبد الله بن بريدة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في سرية فيهم أبو بكر وعمر فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو ألا ينوروا نارا فغضب عمر فهم أن يأتيه فنهاه أبو بكر وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه وأخرج البيهقي من طريق أبي معشر عن بعض مشيختهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هوخير منه لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب فصل أخرج خليفة بن خياط وأحمد بن حنبل وابن عساكر عن يزيد ابن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر أنا أكبر أو أنت قال أنت أكبر وأكرم وأنا أسن منك مرسل غريب جدا فإن صح عد هذا الجواب من فرط ذكائه وأدبه والمشهور أن هذا الجواب للعباس وقد وقع ايضا لسعيد بن يربوع أخرجه الطبراني ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أينا أكبر قال أنت أكبر وأخبر مني وأنا أقدم وأخرج أبو نعيم أن أبا بكر قيل له يا خليفة رسول الله ألا تستعمل أهل بدر قال إني أرى مكانهم ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا وأخرج أحمد في الزهد عن إسماعيل بن محمد أن أبا بكر قسم قسما فسوى فيه

107

بين الناس فقال له عمر تسوى بين أصحاب بدر وسواهم من الناس فقال أبو بكر إنما الدنيا بلاغ وخير البلاغ أوسعه وإنما فضلهم في أجورهم فصل أخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر بن حفص قال بلغني أن أبا بكر كان يصوم الصيف ويفطر الشتاء وأخرج ابن سعد عن حيان الصائغ قال كان نقش خاتم أبي بكر نعم القادر الله فائدة أخرج الطبراني عن موسى بن عقبة قال لا نعلم أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبناءهم إلا هؤلاء الأربعة أبو قحافة وابنه أبو بكر الصديق وابنه عبد الرحمن وابو عتيق بن عبد الرحمن واسمه محمد وأخرج ابن منده وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت ما اسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو ابي بكر فائدة أخرج ابن سعد والبزار بسند حسن عن أنس قال كان أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وسهيل بن عمرو ابن بيضاء فائدة أخرج البيهقي في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما كان عام الفتح خرجت ابنة لأبي قحافة فلقيتها الخيل وفي عنقها طوق من ورق فاقتطعه إنسان من عنقها فلما دخل رسول الله صلى الله عيه وسلم المسجد قام أبو بكر وقال أنشد بالله والإسلام طوق أختي فوالله ما أجابه أحد ثم قال الثانية فما أجابه أحد ثم قال يا أخته احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل فائدة رأيت بخط الحافظ الذهبي من كان فرد زمانه في فنه أبو بكر الصديق في النسب عمر بن الخطاب في القوة في أمر الله عثمان بن عفان في الحياء علي في القضاء أبي بن كعب في القراءة زيد بن ثابت في الفرائض ابو عبيدة بن الجراح في الأمانة ابن عباس في التفسير أبو ذر في صدق

108

اللهجة خالد بن الوليد في الشجاعة الحسن البصري في التذكير وهب بن منبه في القصص ابن سيرين في التعبير نافع في القراءة أبو حنيفة في الفقة ابن إسحاق في المغازي مقاتل في التأويل الكلبي في قصص القرآن الخليل في العروض فضيل بن عياض في العبادة سيبويه في النحو مالك في العلم الشافعي في فقه الحديث أبو عبيدة في الغريب علي بن المديني في العلل يحيى بن معين في الرجال ابو تمام في الشعر أحمد بن حنبل في السنة البخارى في نقد الحديث الجنيد في التصوف محمد بن نصر المروزي في الأختلاف الجبائي في الاعتزال الأشعري في الكلام محمد بن زكريا الرازي في الطب أبو معشر في النجوم إبراهيم الكرماني في التعبير ابن نباتة في الخطب أبو الفرج الأصبهاني في المحاضرة أبو القاسم الطبراني في العوالي ابن حزم في الظاهر أبو الحسن البكري في الكذب الحريري في مقاماته ابن منده في سعة الرحلة المتنبي في الشعر الموصلي في الغناء الصولى في الشطرنج الخطيب البغدادي في سرعة القراءة علي بن هلال في الخط عطاء السليمي في الخوف القاضي الفاضل في الإنشاء الأصمعي في النوادر أشعب في الطمع معبد في الغناء ابن سينا في الفلسفة
عمر بن الخطاب رضي الله عنه

عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي أمير المؤمنين أبو حفص القرشي العدوى الفاروق اسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة قاله الذهبي وقال النووي ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم

109

بعثوه سفيرا أي رسولا وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا أو مفاخرا وأسلم قديمابعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة وقيل بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة وقيل بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون قال وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الخلفاء الراشدين وأحد أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا روى عنه عثمان بن عفان وعلى بن ابي طالب وطلحة بن عبيد الله وسعد بن ابي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو ذر وعمرو بن عبسة وابنه عبد الله وابن عباس وابن الزبير وأنس وابو هريرة وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والبراء بن عازب وابو سعيد الخدري وخلائق آخرون من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم أقول وأنا ألخص هنا فصولا فيها جملة من الفوائد تتعلق بترجمته
فصل في الأخبار الواردة في إسلامه

أخرج الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام وأخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس رضي الله عنهم وأخرج الحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان وأخرج احمد عن عمر قال خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم

110

فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت والله هذا شاعر كما قالت قريش فقرأ ( إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنؤن ) الآيات فوقع في قلبي الإسلام كل موقع وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال كان أول إسلام عمر أن عمر قال ضرب أختي المخاض ( 1 ) ليلا فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر وعليه بتان ( 2 ) وصلى لله ما شاء الله ثم انصرف فسمعت شيئا لم أسمع مثله فخرج فاتبعته فقال من هذا فقلت عمر فقال يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا فخشيت أن يدعو علي فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال يا عمر أسرة قلت لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال خرج عمر متقلدا سيفه فلقيه رجل من بني زهرة فقال اين تعمد يا عمر فقال أريد أن أقتل محمدا قال وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا فقال ما أراك إلا قد صبأت قال أفلا أدلك على العجب إن ختنك ( 3 ) وأختك قد صبئا وتركا دينك فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع بحس عمر توارى في البيت فدخل فقال ما هذه الهينمة ( 4 ) وكانوا يقرءون طه قالا ما عدا حديثا تحدثناه بينا قال فلعلكما قد صبأتما فقال له ختنه يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عليه عمر فوطئه وطأ شديدا فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها فقالت وهي غضبى وإن كان الحق في غير دينك إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقال عمر أعطوني الكتاب الذي هو عندكم

111

فأقرأه وكان عمر يقرأ الكتاب فقالت أخته إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) فقال عمر دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمرحتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس فقال حمزة هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا قال والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحى إليه فخرج حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة فقال عمر أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال قال لنا عمر كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال عجبا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك وقد دخل عليك الأمر في بيتك قلت وما ذاك قال أختك قد أسلمت فوجعت مغضبا حتى قرعت الباب قيل من هذا قلت عمر فتبادروا فاختفوا مني وقد كانوا يقرؤن صحيفة بين أيديهم تركوها ونسوها فقامت أختي تفتح الباب فقلت يا عدوة نفسها أصبأت وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها فسال الدم وبكت فقالت يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد صبأت قال ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة فقلت ما هذا ناولينيها قالت لست من أهلها

112

إنك لا تطهر من الجنابة وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون فما زلت بها باسم حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فهيا بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه فألقيت الصحيفة ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإدا فيها ( سبح لله ما في السموات والأرض ) فذعرت فقرأت إلى آمنو بالله ورسوله ) فقلت أشهد أن لا إله إلا الله فخرجوا إلى مبادرين وكبروا وقالوا أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك إما أبو جهل بن هشام وإما عمر ودلوني على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت بأسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا من قلت ابن الخطاب وقد علموا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال صلى الله عليه وسلم افتحوا له ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال خلوا عنه ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده فتشهدت فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء فجئت إلى خالي أبي جهل بن هشام وكان شريفا فقرعت عليه الباب فقال من هذا فقلت ابن الخطاب وقد صبأت فقال لا تفعل ثم دخل وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته فخرج إلى فقلت له مثل مقالتي لخالي وقلل لي مثل ما قال خالي فدخل وأخاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب فقال لي رجل أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم قال فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانا لرجل لم يكن يكتم السر فقل له فيما بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه إني قد صبأت قال أو قد فعلت قلت نعم فنادى بأعلى صوته إن

113

ابن الخطاب قد صبأ ( 1 ) فبادروا إلى فما زلت أضر بهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي ما هذه الجماعة قيل عمر قد صبأ فقام علي الحجر فأشار بكمه إلا أني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني فكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فأتيت خالي فقلت جوارك رد عليك فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سألت عمر ( رضي الله عنه ) لأي شيء سميت الفاروق فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام فخرجت إلى المسجد فأسرع أبو جهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسبه فأخبر حمزة فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل فأتكأ على قوسه مقابل أبي جهل فنظر إليه فعرف أبو جهل الشر في وجهه فقال مالك يا أبا عمارة فرفع القوس فضرب بها أخدعه فقطعه فسالت الدماء فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف في دار الأرقم المخزومي فانطلق حمزة فأسلم فخرجت بعده بثلاثة أيام فإذا فلان ابن فلان المخزومي فقلت له ارغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد فقال إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني قلت ومن هو قال أختك وختنك فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة ففتح لي الباب فدخلت فقلت ما هذا الذي أسمع عندكم قالوا ما سمعت شيئا فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته ضربة فأدميته فقامت إلى أختي فأخذت برأسي وقالت قد كان ذلك على رغم أنفك فاستحييت حين رأيت الدماء

114

فجلست وقلت أروني هذا الكتاب فقالت أختي إنه لا يمسه إلا المطهرون فإن كنت صاقا فقم واغتسل فقمت فاغتسلت وجئت فجلست فأخرجوا إلى صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم فقلت أسماء طيبة طاهرة طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) إلى قوله له الأسماء الحسنى قال فتعظمت في صدري وقلت من هذا فرت قريش فأسلمت وقلت أين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فإنه في دار الأرقم فأتيت الدار فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة مالكم قالوا عمر قال وإن كان عمر أفتحوا له الباب فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج فتشهد عمر فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة قلت يا رسول الله ألسنا على الحق قال بلى قلت ففيم الإخفاء فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلى وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الفاروق ) يؤمئذ لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل وأخرج ابن سعد عن ذكوان قال قلت لعائشة من سمى عمر الفاروق قالت النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أسلم عمر نزل جبري فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أسلم عمر قال المشركون قد انتصف القوم اليوم منا وأنزل الله ( يا أيها النبي حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين ) وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر

115

وأخرج ابن سعد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى اسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا وأخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة قال لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا فلما قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب إسناده صحيح حسن وأخرج ابن سعد عن صهيب قال لما أسلم عمر رضي الله عنه أظهر الإسلام ودعا إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به وأخرج ابن سعد عن أسلم مولى عمر قال أسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة
فصل في هجرته رضي الله عنه

أخرج ابن عساكر عن علي قال ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب ( 1 ) قوسه وانتضى ( 2 ) في يده أسهما وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها فطاف سبعا ثم صلى ركعتين عند المقام ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال شاهت ( 3 ) الوجوه من أراد أن

116

تثكله أمه ( 1 ) وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي فما تبعه منهم أحد وأخرج عن البراء رضي الله عنه قال أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير ثم ابن أم مكتوم ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو على أثري ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه معه قال النووي شهد عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها وكان ممن ثبت معه يوم أحد
فصل في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدم في ترجمة الصديق رضي الله عنه

أخرج الشيخان عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت لمن هذا القصر قالوا لعمر فذكرت غيرتك فوليت مدبرا فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم شربت يعنى اللبن حتى أنظر الرى يجري في أظفاري ثم ناولته عمر قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين

117

وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك ( 1 ) وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر أي ملهمون وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه قال ابن عمر وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب وأخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري وعصمة بن مالك وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر وأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخل الجنة وأخرج ابن ماجه والحاكم عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وأخرجه الطبراني من

118

حديث عمر بن الخطاب وبلال ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة رضي الله عنهم وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر وأخرج ابن منيع في مسنده عن علي رضي الله عنه قال كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر وأخرج البزار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر سراج أهل الجنة وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي هريرة والصعب بن جثامة وأخرج البزار عن قدامة بن مظعون عن عمه عثمان بن مظعون قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا غلق الفتنة وأشار بيده إلى عمر لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقرىء عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه حكم وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الشيطان يفرق من عمر وأخرج أحمد من طريق بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان ليفرق ( 1 ) منك يا عمر وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق ( 1 ) من عمر وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال

119

رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله باهى بأهل عرفة عامة ( 1 ) وباهى بعمر خاصة وأخرج في الكبير مثله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأخرج الطبراني والديلمي عن الفضل بن العباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق بعدي مع عمر حيث كان وأخرج الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنه قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم رأيتني على قليب ( 2 ) عليها دلو فنزعت منها إلى ما شاء الله ثم أخذها أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين ( 3 ) وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم جاء عمر ( ابن الخطاب فاستقى فاستحالت في يده غربا ( 4 ) فلم أر عبقريا من الناس يفرى فريه ( 5 ) حتى روى الناس وضربوا بعطن قال النووى في تهذيبه قال العلماء هذا إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر وكثرة الفتوح وظهرو الإسلام في زمن عمر وأخرج الطبراني عن سديسة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه وأخرجه الدارقطنى في الأفراد من طريق سديسة عن حفصة وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل ليبك الإسلام على موت عمر وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض عمر فقد أبغضني ومن أحب عمر فقد أحبني وإن الله باهي ( 1 ) بالناس عشية عرفة عامة وباهى بعمر خاصة وإنه لم يبعث الله نبيا

120

إلا كان في أمته محدث وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر قالوا يا رسول الله كيف محدث قال تتكلم الملائكة على لسانه إسناده حسن
فصل في أقوال الصحابة والسلف فيه

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما على ظهر الأرض رجل أحب إلى من عمر أخرجه ابن عساكر وقيل لأبي بكر في مرضه ماذاتقول لربك وقد وليت عمر قال أقول له وليت عليهم خيرهم أخرجه ابن سعد وقال علي رضي الله عنه إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر أخرجه الطبراني في الأوسط وقال ابن عمر رضي الله عنه ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث قبض أحد ولا أجود من عمر أخرجه ابن سعد وقال ابن مسعود رضي الله عنه لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم وقال حذيفة رضي الله عنه كأن علم الناس كان مدسوسا في حجر عمر وقال حذيفة والله ما أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر وقالت عائشة رضي الله عنها وذكرت عمر كان والله أحوذ يا نسيج وحده وقال معاوية رضي الله عنه أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها وأما نحن فتمر غنافيها ظهرا لبطن أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات وقال جابر رضي الله عنه دخل على علي عمر وهو مسجى فقال رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلى أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المسجى أخرجه الحاكم

121

وقال ابن مسعود رضي الله عنه إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله تعالى أخرجه الطبراني والحاكم وسئل ابن عباس عن أبي بكر فقال كان كالخير كله وسئل عن عمر فقال كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شركا يأخذه وسئل عن على فقال ملىء عزما وحزما وعلما ونجدة أخرجه في الطيوريات وأخرج الطبراني عن عمير بن ربيعة أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار كيف تجد نعتي قال أجد نعتك قرنا من حديد قال وما قرن من حديد قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم قال ثم مه قال ثم يكون من بعدك خليفةتقتله فئة ظالمة قال ثم مه قال ثم يكون البلاء وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال فضل عمر بن الخطاب الناس بأربع بذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله ( لولا كتاب من الله سبق ) الآية وبذكر الحجاب أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن فقالت له زينب وإنك علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل علينا في بيوتنا فأنزل الله ( فإذا سألتموهن متاعا ) الآية وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أيد الإسلام بعمر وبرأيه في أبي بكر كان أول من بايعه وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال كنا نحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر فلما أصيب بثت وأخرج عن سالم بن عبد الله قال أبطأ خبر عمر على أبي موسى فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت حتى يجيئني شيطاني فجاء فسألته عنه فقال تركته مؤتزرا بكساء يهنأ أبل الصدقة وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خر لمنخريه الملك بين عينيه وروح القدس ينطق بلسانه فصل قال سفيان الثوري من زعم أن عليا كان أحق بالولاية من أبي بكر وعمر فقد أخطأ وخطأ ابا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار

122

وقال شريك ليس يقدم عليا على ابي بكر وعمر أحد فيه خير وقال أبو أسامة أتدرون من أبو بكر وعمر هما أبو الإسلام وأمه وقال جعفر الصادق أنا برىء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير
فصل في موافقات عمر رضي الله عنه

قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن وأخرج ابن عساكر عن علي قال إن في القرآن لرأيا م نرأى عمر وأخرج عن ابن عمر مرفوعا ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر وأخرج الشيخان عن عمر قال وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخدنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك وأخرج مسلم عن عمر قال وافقت ربي في ثلاث في الحجاب وفي أسارى بدر وفي مقام إبراهيم ففي هذا الحديث خصلة رابعة ( 1 ) وفي التهذيب للنووي نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم وفي تحريم الخمر فزاد خصلة خامسة وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تحريمها

123

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس قال قال عمر وافقت ربي في أربع نزلت هذه الآية ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) الآية فلما نزلت قلت أنا فتبارك الله حسن الخالقين فنزلت ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة وللحديث طريق آخر عن ابن عباس أوردته في التفسير المسند ثم رأيت في كتاب فضائل الإمامين لأبي عبد الله الشيباني قال وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعا فذكر هذه الستة وزاد سابعا قصة عبد الله ابن أبي قلت حديثها في الصحيح عنه قال لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت في صدره فقلت يا رسول الله أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) الآية وثامنا ( يسألونك عن الخمر ) الآية وتاسعا ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ) الآية ( قلت ) هما مع آية المائدة خصلة واحدة والثلاثة في الحديث السابق وعاشرا لما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لقوم قال عمر سواء عليهم فأنزل الله ( سواء عليهم استغفرت لهم ) الآية قلت أخرجه الطبراني عن ابن عباس الحادي عشر لما استشار صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج فنزلت ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) الآية الثاني عشر لما استشار الصحابة في قصة الإفك قال عمر من زوجكها يا رسول الله قال الله قال افتظن أن ربك دلس عليك فيها سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك

124

الثالث عشر قصته في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه وكان ذلك محرما في أول الإسلام فنزل ( أحل لكم ليلة الصيام ) الآية قلت أخرجه أحمد في مسنده الرابع عشر قوله تعالى ( من كان عدوا لجبريل ) الآية قلت أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة وأقر بها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقى عمر فقال إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدولنا فقال له عمر من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فنزلت على لسان عمر الخامس عشر قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون ) الآية قلت أخرج قصتها ابن أبي حاتم وابن مروديه عن أبي الأسود قال اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر بن الخطاب فأتيا إليه فقال الرجل قضى لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا فقال ردنا إلى عمر فقال أكذاك قال نعم فقال عمر مكانكما حتى أخرج إليكم فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله وأدبر الآخر فقال يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي فقال ما كنت أظن أن يجترىء عمر على قتل مؤمن فأنزل الله ( فلا وربك لا يؤمنون ) الآية فأهدر دم الرجل وبرىء عمر من قتله وله شاهد موصول أوردته في التفسير المسند السادس عشر الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائما فقال اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان السابع عشر قوله في اليهود إنهم قوم بهت الثامن عشر قوله تعالى ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قلت أخرج قصتها ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله وهي في أسباب النزول

125

التاسع عشر رفع تلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا الآية العشرون قوله يوم أحد لما قال أبو سفيان أفي القوم فلان لا نجيبنه فوافقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت أخرج قصته أحمد في مسنده قال ويضم إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر إلا من حاسب نفسه فقال كعب والذي نفسي بيده إنها في التوراة لتابعتها فخر عمر ساجدا ثم رأيت في الكامل لابن عدي من طريق عبد الله بن نافع وهو ضعيف عن أبيه عن عمر أن بلالا كان يقو ل إذا أذن اشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة فقال له عمر قل في أثرها أشهد أن محمدا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما قال عمر
فصل في كراماته رضي الله عنه

أخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في دلائل النبوة واللالكائي في شرح السنة والدير عاقولي في فوائده وابن الأعرابي في كرامات الأولياء والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر قال وجه عمر جيشا ورأس عليهم رجلا يدعى سارية فبينما عمر يخطب جعل ينادي يا سارية الجبل ثلاثا ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال يا أمير المؤمنين هزمنا فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوت ينادي يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله قال قيل لعمر إنك كنت تصيح بذلك وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم قال ابن حجر في الإصابة إسناده حسن وأخرج ابن مروديه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر قال كان عمر يخطب يوم الجمعة فعرض في خطبته أن قال يا سارية الجبل من استر

126

الذئب ظلم فالتفت الناس بعضهم لبعض فقال لهم على ليخرجن مما قال فلما فرغ سألوه فقال وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وإنهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد وإن جاوزوا هلكوا فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه قال فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم قال فعدلنا إلى الجبل ففتح الله علينا وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن الحارث قال بينما عمر بن الخطاب على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثا ثم أقبل على خطبته فقال بعض الحاضرين لقد جن إنه لمجنون فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه فقال ( لشد ما ألومهم عليك ) إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا بينا أنت تخطب إذا أنت تصيح يا سارية الجبل أي شيء هذا قال إني والله ما ملكت ذلك رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة ودار حاجب الشمس سمعنا مناديا ينادي يا سارية الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم فقال أولئك الذين طعنوا عليه دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له وأخرج أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر بن الخطاب لرجل ما اسمك قال جمرة قال ابن من قال ابن شهاب قال ممن قال من الحرقة قال أين مسكنك قال الحرة قال بأيها قال بذات لظى فقال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا وأخرج مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد نحوه وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة وابن الكلبي في الجامع وغيرهم

127

وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة حدثنا أبو الطيب حدثنا علي بن داود حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم فقالوا يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال وما ذاك قالوا إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذاالنيل فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون أبدا في الإسلام وإن الإسلام يهدم ما كان قبله فأقاموا والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب له أن قد أصبت بالذي قلت وإن الإسلام يهدم ما كان قبله وبعث بطاقة في داخل كتابه وكتب إلىعمرو إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول احبس هذه فيقول له كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه وأخرج عن الحسن قال إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به فهو عمر بن الخطاب وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا أميرهم ( 1 ) فخرج غضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال

128

اللهم إنهم قد لبسوا على فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية لا يقيل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم قلت أشاربه إلى الحجاج قال ابن لهيعة وما ولد الحجاج يؤمئذ
فصل في نبذ من سيرته

أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا سرية أمير المؤمنين فقال ما هي لأمير المؤمنين بسرية ( 1 ) ولا تحل له إنها من مال الله فقلنا فماذا يحل له من مال الله تعالى قال إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين حلة للشتاء وحلة للصيف وما أحج به وأعتمر وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم ثم أنا بعد رجل من المسلمين وقال خزيمة بن ثابت كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له واشترط عليه أن لا يركب برذونا ولا يأكل نقيا ولا يلبس رقيقا ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة وقال عكرمة بن خالد وغيره إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر فقالوا لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق قال أكلكم على هذا الرأي قالوا نعم قال قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة ( 2 ) فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل قال وأصاب الناس سنة ( 3 ) فما أكل عامئذ سمنا ولا سمينا وقال ابن مليكة كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه فقال ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها وقال الحسن دخل عمر على ابنه عصام وهويأكل لحما فقال ما هذا

129

قال قرمنا إليه ( 1 ) قال أو كلما قرمت إلى شيء أكلته كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى وقال أسلم قال عمر لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري قال فرحل يرفأ ( 2 ) راحلته وسار أربعا مقبلا وأربعا مدبرا واشترى مكتلا فجاء به وعمد إلى الراحلة فغسلها فأتى عمر فقال انطلق حتى أنظر إلى الراحلة فنظر وقال أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها عذبت بهيمة في شهوة عمر إلا والله لا يذوق عمر مكتلك وقال قتادة كان عمر يلبس وهو خليفة جبة من صوف مرقوعة بعضها بآدم ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بهال الناس ويمر بالنكث ( 3 ) والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به وقال أنس رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه وقال أبو عثمان النهدي رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة حججت مع عمر فما ضرب فسطاطا ولا خباء كان يلقى الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته وقال عبد الله بن عيسى ( 4 ) كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء وقال الحسن كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد ( 5 ) منها أياما وقال أنس دخلت حائطا فسمعت عمر يقول وبيني وبينه جادا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ والله لتتقين الله ابن الخطاب أو ليعذبنك الله وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال ليتني كنت هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئا ليت أمي لم تلدني وقال عبيد الله ابن عمر بن حفص حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه فقيل له في ذلك فقال إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها وقال محمد سيرين قدم صهر لعمر عليه

130

فطلب أن يعطيه من بيت المال فانتهره عمر وقال أردت أن ألقى الله ملكا خائنا ( 1 ) ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم وقال النخعي كان عمر يتجر وهو خليفة وقال أنس تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة ( 3 ) وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه بأصبعه وقال إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس وقال سفيان بن عيينة قال عمر بن الخطاب أحب الناس إلي من رفع إلى عيوبي وقال أسلم رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثم ينزو على متن الفرس وقال ابن عمر ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أوقرأ عنده إنسان آية من القرآ إلا وقف عما كان يريد وقال بلال لأسلم كيف تجدون عمر فقال خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم فقال بلال لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه أتى عمر بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلها وقال كل واحد منهما أدم أخرج هذه الآثار كلها ابن سعد وأخرج ابن سعد عن الحسن قال قال عمر هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير فصل في صفته رضي الله عنه أخرج ابن سعد والحاكم عن زر قال خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد فرأيت عمر يمشي حافيا شيخا أصلع آدم أعسر طوالا مشرفا على الناس كأنه على دابة قال الواقدي لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب

131

وأخرج عن عبيد بن عمير قال كان عمر يفوق الناس طولا وأخرج عن سلمة بن الأكوع قال كان عمر رجل أعسر يسر يعني يعتمد بيديه جميعا وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال كان عمر رجلا طويلا جسيما أصلع شديد الصلع أبيض شديد الحمرة في عارضيه خفة سبلته كبيرة وفي أطرافها صهبة ( 1 ) وفي تاريخ ابن عساكر من طرق أن أم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هشام ابن المغيرة أخت أبي جهل بن هشام فكان أبو جهل خاله
فصل في خلافته رضي الله عنه

ولى الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة قال الزهري استخلف عمر يوم توفي أبو بكر وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة أخرجه الحاكم فقام بالأمر أتم قيام وكثرت الفتوح في أيامه ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة وحمص وبعلبك صلحا والبصرة والأبلة كلاهما عنوة وفيها جمع عمر بالناس على صلاة التراويح قاله العسكري في الأوائل وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحا وفيهاكانت وقعة اليرموك والقادسية قال ابن جرير وفيها مصر سعد الكوفة وفيها فرض عمر الفروض ودون الدواوين وأعطى العطاء على السابقة وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى وهي أول جمعة جمعت بالعراق وذلك في صفر وفيها كانت وقعة جلولاء وهزم فيها يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري وفيها فتحت تكريت وفيها

132

سار عمر ففتح بيت المقدس وخطب بالجباية خطبته المشهورة وفيها فتحت قنسرين عنوة وحلب وإنطاكية ومنبج صلحا وسروج عنوة وفيها فتحت قرقيسياء صلحا وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي وفيها كان القحط بالحجاز وسمى عام الرمادة واستسقى عمر للناس بالعباس أخرج ابن سعد عن نيار الأسلمي أن عمر لما خرج يستسقى خرج وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج عن ابن عون قال أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها وقال اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل ( 1 ) وأن تسقينا الغيث فلم يبرحوا حتى سقوا فأطبقت السماء عليهم أياما وفيها فتحت الأهواز صلحا وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحا وحلوان عنوة وفيها كان طاعون عمواس وفهيا فتحت الرها وسميساط عنوة وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل صلحا والموصل ونواحيها عنوة وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة وقيل مصر كلها صلحا إلا الإسكندرية فعنوة وقال على بن رباح المغرب كله عنوة وفيها فتحت تستر وفيها هلك قيصر عظيم الروم وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران وقسم خيبر ووادي القرى وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة ونهاوند ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة وبرقة وغيرها وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة وقيل صلحا والدينور عنوة وما سبذان عنوة وهمذان عنوة وطرابلس المغرب والري وعسكر وقومس

133

وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان وسجستان ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها وفي آخرها كانت وفاة سيدنا عمر رضي الله عنه بعد صدوره من الحج شهيدا قال سعيد بن المسيب لما نفر عمر من مني أناخ بالأبطح ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء وقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فأقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل أخرجه الحاكم وقال أبو صالح السمان قال كعب الأحبار لعمر أجدك في التوراة تقتل شهيدا قال وأني لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب وقال أسلم قال عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك أخرجه البخاري وقال معدان بن أبي طلحة خطب عمر فقال رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين وإني لا أراه إلا حضور أجلي وإن قوما يأمروني أن استخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم أخرجه الحاكم قال الزهري كان عمر رضي الله عنه لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغير بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده جملة صنائع ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس إنه حداد نقاش نجار فأذن له أن يرسله المدينة وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج فقال ما خراجك بكثير فانصرف ساخطا يتذمر فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال ألم أخبر أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إلى عمر عابسا وقال لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها فلما ولى قال عمر لأصحابه أوعدني العبد آنفا ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه فكمن بزاوية من زوايا المسجد

134

في الغلس فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة فلما دنا منه طعنه ثلاث طعنات أخرجه ابن سعد وقال عمرو بن ميمون الأنصاري إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان وطعن معه اثني عشر رجلا مات منهم ستة فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا فلما اغتم فيه قتل نفسه وقال أبو رافع كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة يصنع الأرحاء وكان المغيرة يستغله ( 1 ) كل يوم أربعة دراهم فلقى عمر فقال يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه فقال أحسن إلى مولاك ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه فغضب وقال يسع الناس كلهم عدله غيري وأضمر قتله واتخذ خنجرا وشحذه وسمه وكان عمر يقول أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته فسقط عمر وطعن ثلاثة عشر رجلا معه فمات منهم ستة وحمل عمر إلى أهله وكادت الشمس تطلع فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين وأتى عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه ( 3 ) فلم يتبين فسقوه لبنا فخرج من جرحه فقالوا لا بأس عليك فقال إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه ويقولون كنت وكنت فقال أما والله وددت أني خرجت منها كفافا لا على ولا لي وأن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمت لي واثنى عليه ابن عباس فقال لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع وقد جعلتها شورى في عثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأمر صهيبا أن يصلي بالناس وأجل الستة ثلاثا أخرجه الحاكم وقال ابن عباس كان أبو لؤلؤة مجوسيا

135

وقال عمرو بن ميمون قال عمر الحمد الله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعى الإسلام ثم قال لابنه يا عبد الله أنظر ما على من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ( 1 ) ألفا أو نحوها فقال إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فأسأل في بني عدي فإن لم تف أموالهم فأسأل في قريش أذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه فذهب إليها فقالت كنت أريده تعنى المكان لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فأتى عبد الله فقال قد أذنت فحمد الله تعالى وقيل له أوص يا أمير المؤمنين واستخلف قال ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض فسمى الستة وقال يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعين به أيكم ما أمر فإني لم أعز له من عجز ولا خيانة ثم قال أوصى الخليفة من بعدي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بأهل الأمصار خيرا في مثل ذلك من الوصية فلما توفي خرجنا به نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال عمر يستأذن فقالت عائشة أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان قال فخلا هؤلاء الثلاثة فقال عبد الرحمن أنا لا أريدها فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة فسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن أجعلوه إلى والله على لا آلوكم عن أفضلكم قالا نعم فخلا بعلي وقال لك من القدم في الإسلام والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطعين قال نعم ثم خلا بالآخر فقال له كذلك فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه على

136

وفي مسند أحمد عن عمر أنه قال إن أدركني أجلى وأبو عبيدة بن الجراح حتى استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن لكل نبي أمينا وأميني أبو عبيدة بن الجراح فإن أدركني أجلى وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل فإن سألني ربي لم استخلفته قلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبدة وقد ماتا في خلافته وفي المسند أيضا عن أبي رافع أنه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف فقال قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام وله ثلاث وستون سنة وقيل ست وستون سنة وقيل إحدى وستون وقيل ستون ورجحه الواقدي وقيل تسع وخمسون وقيل خمس أو أربع وخمسون وصلى عليه صهيب في المسجد وفي تهذيب المزني كان نقش خاتم عمر كفى بالموت واعظا يا عمر وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاب قال قالت أم أيمن يوم قتل عمر اليوم وهي الإسلام ( 1 ) وأخرج عبد الرحمن بن يسار قال شهدت موت عمر بن الخطاب فانكسفت الشمس يومئذ رجاله ثقات
فصل في أوليات عمر رضي الله عنه

قال العسكري هو أول من سمى أمير المؤمنين وأول من كتب التاريخ من الهجرة وأول من أتخذ بيت المال وأول من سن قيام شهر رمضان وأول من

137

عس بالليل ( 1 ) وأول من عاقب على الهجاء وأول من ضرب في الخمر ثمانين وأول من حرم المتعة وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات وأول من أتخذ الديوان وأول من فتح الفتوح ومسح السواد وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة وأول من أحتبس صدقة في الإسلام ( 2 ) وأول من أعال الفرائض ( 3 ) وأول من أخذ زكاة الخيل وأول من قال أطال الله بقاءك قاله لعلي وأول من قال أيدك الله قاله لعلي هذا آخر ما ذكره العسكري وقال النووي في تهذيبه هو أول من أتخذ الدرة وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات قال ولقد قيل بعده لدرة عمر أهيب من سيفكم قال وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار وأول من مصر الأمصار الكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر والموصل وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا فصل قال أبن سعد اتخذ عمر دار الدقيق فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه يعين به المنقطع ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به وهدم المسجد النبوي وزاد فيه ووسعه وفرشه بالحصباء وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام وأخرج أهل نجران إلى الكوفة وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلىموضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت
فصل في نبذ من أخباره وقضاياه

أخرج العسكري في الأوائل والطبراني في الكبير والحاكم من

138

طريق ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حتمة لأي شيء كان يكتب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر ثم كان عمر كتب اولا من خليفة أبي بكر فمن أول من كتب من أمير المؤمنين فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله وكان عمر يكتب من خليفة خليفة رسول الله حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقدما المدينة ودخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو أنتما والله أصبتما اسمه فدخل عليه عمرو فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال ما بدا لك في هذا الاسم لتخرجن مما قلت فأخبره وقال أنت الأمير ونحن المؤمنون فجرى الكتاب بذلك من يؤمئذ وقال النووي في تهذيبه سماه بهذا الاسم عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق وقيل سماه به المغيرة بن شعبة وقيل إن عمر قال للناس أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمى أمير المؤمنين وكان قبل ذلك يقال له خليفة خليفة رسول الله فعدلوا عن تلك العبارة لطولها وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال كان يكتب من أبي بكر خليفة رسول الله فلما كان عمر بن الخطاب أرادوا أن يقولوا خليفة خليفة رسول الله قال عمر هذا يطول قالوا لا ولكنا أمرناك علينا فأنت أميرنا قال نعم أنتم المؤمنون وأنا أميركم فكتب أمير المؤمنين وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن المسيب قال أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة على وأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح عن ابن عمر عن عمر أنه أراد أن يكتب السنن فاستخار الله شهرا فأصبح وقد عزم له ثم قال إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله

139

وأخرج ابن سعد عن شداد قال كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال اللهم إني شديد فليني وإني ضعيف فقوني وإني بخيل فسخني وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق عن عمر أنه قال إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وإلى اليتيم من ماله إن أيسرت استعففت ( 1 ) وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإن أيسرت قضيت وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر وربما خرج عطاؤه فقضاه وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر وكان قد اشتكى شكوى فنعت له العسل وفي بيت المال عكة ( 2 ) فقال إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي على حرام فأذنوا له وأخرج عن سالم بن عبد الله أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول إني لخائف أن اسأل عما بك وأخرج عن ابن عمر قال كان عمر إذا أراد أن ينهي الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة وروينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها وهي تقول
تطاول هذا الليل تسرى كواكبه
وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه


فوالله لولا الله تخشى عواقبه
لزحزح من هذا السرير جوانبه


ولكنني أخشى رقيبا موكلا
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه


مخافة ربي والحياء يصدني
وأكرم بعلي أن تنال مراتبه

فكتب إلى عماله بالغزو أن لا يغيب أحدا أكثر من أربعة أشهر

140

وأخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له أملك أنا أم خليفة فقال له سلمان إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر ( 1 ) عمر وأخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال قال عمر بن الخطاب والله ما ادري أخليفة أنا أم ملك فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم فقال قائل يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا قال ما هو قال الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس ( 2 ) فيأخذ من هذا ويعطى هذا فسكت عمر وأخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ركب عمر فرسا فانكشف ثوبه عن فخذه فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء فقالوا هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا وأخرج عن سعد الجاري أن كعب الأحبار قال لعمر إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة وأخرج عن ابي معشر قال حدثنا أشياخنا أن عمر قال إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حكيم بن عمير قال كتب عمر ابن الخطاب ألا لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية أحدا لحده حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن الشعبي قال كتب قيصر إلى عمر ابن الخطاب إن رسلي اتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشجر تخرج مثل آذان الحمير ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ يم يخضر فيكون كالزمرد الأخضر ثم يحمر فيكون كالياقوت الأحمر ثم يينع فينضج

141

فيكون كأطيب فالوذج أكل ثم ييبس فيكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر فإن تكن رسلي صدقتني فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة فكتب إليه عمر من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها فأتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله فإن ( مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ) الآية وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم منهم سعد ابن أبي وقاص فشاطرهم عمر في أموالهم فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا وأخرج عن الشعبي أن عمر كان إذا استعمل عاملاكتب ماله وأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال مكث عمر زمانا لا يأكل من مال بيت المال شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشارهم فقال قد شغلت نفسي في هذا الأمر فمايصلح لي منه فقال علي غداء وعشاء فأخذ بذلك عمر وأخرج عن ابن عمر أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر دينارا فقال يا عبد الله أسرفنا في هذا المال واخرج عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة والشعبي قالا جاءت عمر امرأة فقالت زوجي يقوم الليل ويصوم النهار فقال عمر لقد أحسنت الثناء على زوجك فقال كعب بن سوار لقد شكت فقال عمر كيف قال تزعم أنه ليس لها من زوجهانصيب قال فإذا قد فهمت ذلك فأقض بينهما فقال يا أمير المؤمنين أحل الله له من النساء أربعا فلها من كل أربعة أيام يوم ومن كل أربع ليال ليلة وأخرج عن ابن جريج قال أخبرني من أصدقه أن عمر بينما هو يطوف سمع امرأة تقول
تطاول هذا الليل واسود جانبه
وأرقني أن لا خليل ألاعبه ( 1 )



142


فلولا حذار الله لا شيء مثله
لزحزح من هذا السرير جوانبه

فقال عمر مالك قالت أغزيت زوجي منذ أشهر وقد أشتقت إليه قال أردت سوءا قالت معاذ الله قل فاملكي عليك نفسك فإنما هو البريد إليه فبعث إليه ثم دخل على حفصة فقال إني سائلك عن أمر قد أهمني فأفرجيه عني كم تشتاق المرأة إلى زوجها فخفضت رأسها واستحيت قال فإن الله لا يستحي يستحيين من الحق فأشارت بيدها ثلاثة أشهر وإلا فأربعة أشهر فكتب عمر أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر وأخرج عن جابر بن عبد الله أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء فقال عمر إنا لنجد ذلك حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن ( 1 ) فقال له عبد الله بن مسعود أما بلغك أن إبراهيم عليه السلام شكا إلى الله خلق سارة فقيل له إنها خلقت من ضلع فألبسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خربة في دينها وأخرج عن عكرمة بن خالد قال دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثيابا حسانا فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه فقالت له حفصة لم ضربته قال رأيته قد أعجبته نفسه فأحببت أن أصغرها إليه وأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب قال لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم فإن الله هو الحكم ولا تسموا الطريق السكة وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال قال أبو بكر والله لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق فمر على بعير فأخذني فأدخلني فاه فلا كنى ثم ازدردني ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا فقال عمر يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضي فديدا ثم أكلوني ولم أكن بشرا

143

وأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر فقام إليه الحسين بن علي رضي الله عنه فقال أنزل عن منبر ابي فقال عمر منبر أبيك لا منبر أبي من أمرك بهذا فقام علي فقال والله ما أمره بهذا أحد أما لأوجعنك يا غدر فقال لا توجع ابن أخي فقد صدق منبر أبيه إسناده صحيح وأخرج الخطيب في أدب الراوي عن مالك من طريقه عن ابن شهاب عن ابي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر إنهما لا يجتمعان أبدا فما يفترقان إلا علىأحسنة وأجمله وأخرج ابن سعد عن الحسن قال أول خطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبي فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة ومن يحسن نزده حسنا ومن يسيء نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم وأخرج عن جبير بن الحويرث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له علي تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شيئا وقال عثمان أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتىيعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر فقال له الوليد بن هشام ابن المغيرة يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جنودا فدون ديوانا وجند جنودا فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نساب قريش فقال اكتبوا الناس على منازلهم فكتبوا فبدءوا يبني هاشم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه على الخلافة فلمانظر فيه عمر قال ابدؤا بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله

144

وأخرج عن سعيد بن المسيب قال دون عمر الديوان في المحرم سنة عشرين وأخرج عن الحسن قال كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم فكتب إليه إناقد فعلنا وبقى شيء كثير فكتب إليه عمر إنه فيؤهم الذي أفاء الله عليهم ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم وأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال بينما عمر واقف على جبال عرفة سمع رجلا يصرخ ويقول يا خليفة الله فسمعه رجل آخر وهم يعتافون ( 1 ) فقال مالك فك الله لهو اتك فأقبلت على الرجل فصحت عليه فقال جبير فإن الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عاثرة ( 2 ) ففتقت رأس عمر فقصدت فسمعت رجلا من الجبل يقول أشعرت ورب الكعبة لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا قال جبير فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس فاشتد ذلك علي وأخرج عن عائشة رضي الله عنها قالت لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا من عرفة مررت بالمحصب فسمعت رجلا على راحلته يقول اين كان عمر أمير المؤمنين فسمعت رجلا آخر يقول ههنا كان أمير المؤمنين فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال
عليك سلام من إمام وباركت
يد الله في ذاك الأديم الممزق


فمن يسع أو يركب جناحي نعامة
ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق


قضيت أمورا ثم غادرت بعدها
بواثق في أكمامها لم تفتق

فلم يتحرك ذاك الراكب ولم يدر من هو فكنا نتحدث أنه من الجن فقدم عمر من تلك الحجة فطعن بالخنجر فمات وأخرج عن عبد الرحمن بن أبزي عن عمر أنه قال هذا الأمر ( 3 ) في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد وفي كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء

145

وأخرج عن النخعي أن رجلا قال لعمر ألا تستخلف عبد الله بن عمر فقال قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا استخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته وأخرج عن شداد بن أوس عن كعب قال كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول له أعهد عهدك واكتب إلى وصيتك فإنك ميت إلى ثلاثة أيام فأخبره النبي بذلك فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء إلى ربه فقال اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك وكنت وكنت فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي فأوحى الله إلى النبي أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته فلما طعن عمر قال كعب لئن سأل عمرربه ليبقينه الله فأخبر بذلك عمر فقال اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم وأخرج عن سليمان بن يسار أن الجن ناحت على عمر وأخرج الحاكم عن مالك بن دينار قال سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر رضي الله عنه
ليبك على الإسلام من كان باكيا
فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد ( 1 )


وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها
وفد ملها من كان يوقن بالوعد

وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال قال عمر لابنه اقتصدوا في كفني فإنه إن كان لي عند الله خيرا أبدلني ما هو خير منه وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع واقتصدوا في حفرتي

146

فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مد بصري وإن كنت على غير ذلك ضيقها على حتى تختلف أضلاعي ولا تخرج معي امرأة ولا تزكوني بما ليس في فإن الله هو أعلم بي فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي وإن كنت على غيرذلك ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه فصل أخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن العباس قال سألت الله حولا بعد ما مات عمر أن يرينيه في المنام فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه فقلت يأبى أنت وأمي يا أمير المؤمنين ما شأنك فقال هذا وإن فرغت وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رءوفا رحيما وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام فقال كيف صنعت قال متى فارقتكم قال منذ اثنتي عشرة سنة قال إنما أنفلت الآن من الحساب وأخرج ابن سعد عن سالم بن عبد الله بن عمر قال سمعت رجلا من الأنصار يقول دعوت الله أن يريني عمر في المنام فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه فقلت يا أمير المؤمنين ما فعلت قال الآن فرغت ولولا رحمة ربي لهلكت وأخرج الحاكم عن الشعبي قال رثت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عمر فقالت
عين جودي بعبرة ونحيب
لا تملي على الإمام الصليب ( 1 )


فجعتني المنون بالفارس المعلم
يوم الهياج والتأنيب ( 2 )


عصمة الدين والمعين على الدهر
وغيث الملهوف والمكروب ( 3 )


قل لأهل الضراء والبؤس موتوا
إذ سقتنا المنون كأس شعوب ( 4 )



147


فصل فيمن مات من الصحابة رضي الله عنهم في أيامه

مات في أيام عمر رضي الله عنه من الأعلام عتبة بن غزوان والعلاء ابن الحضرمي وقيس بن السكن وابو قحافة والد الصديق رضي الله عنه وسعد بن عبادة وسهيل بن عمرو وابن مكتوم المؤذن وعياش بن أبي ربيعة وعبد الرحمن أخو الزبير بن العوام وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأخوه أبو سفيان ومارية أم السيد إبراهيم وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد ابن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو جندل ابن سهيل وأبو مالك الأشعري وصفوان بن المعطل وأبي بن كعب وبلال المؤذن وأسيد بن الحضير والبراء بن مالك أخو أنس وزينب بنت جحش وعياض بن غنم وأبو الهيثم بن التيهان وخالد بن الوليد والجارود سيد بني عبد القيس والنعمان بن مقرن وقتادة بن النعمان والأقرع ابن حابس وسودة بنت زمعة وعويم بن ساعدة وغيلان الثقفي وأبو محجن الثقفي وخلائق آخرون من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
عثمان بن عفان رضي الله عنه

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الأموي المكي ثم المدني ) أبو عمرو ويقال أبو عبد الله وأبو ليلى ولد في السنة السادسة من الفيل وأسلم قديما وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام وهاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة

148

وتزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وماتت عنده في ليالي غزوة بدر فتأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له بسهمه وآجره فهو معدود في البدر بين بذلك وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أختها أم كلثوم وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة قال العلماء ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذلك سمي ذا النورين فهو من السابقين الأولين وأول المهاجرين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن بل قال ابن عباد لم يجمع القرآن من الخلفاء إلا هو ( 1 ) والمأمون وقال ابن سعد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعون حديثا روى عنه زيد بن خالد الجهني وابن الزبير والسائب بن يزيد وأنس ابن مالك وزيد بن ثابت وسلمة بن الأكوع وأبو أمامة الباهلي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وأبو قتادة وابو هريرة وآخرون من الصحابة رضي الله عنهم وخلائق من التابعين منهم أبان ابن عثمان وعبيد الله بن عدي وحمران وغيرهم ) أخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب قال ما رأيت أحدامن

149

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذاحدث أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث وأخرج عن محمد بن سيرين قال كان أعلمهم بالمناسك عثمان وبعده ابن عمر وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي قال قال لي خالي حسين الجعفي تدري لم سمى عثمان ذا النورين قلت لا قال لم يجمع بين بنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان فلذلك سمى ذا النورين واخرج أبو نعيم عن الحسن قال إنما سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحدا أغلق بابه على ابنتي نبي غيره وأخرج خيثمة في فضائل الصحاب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن عثمان فقال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين كان ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه ( 1 ) وأخرج الماليني بسند فيه ضعف عن سهل بن سعد قال قيل لعثمان ذو النورين لأنه ينتقل من منزل إلى منزل في الجنة فتبرق له برقتين فلذلك قيل له ذلك وقال إنه كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو فلما كان الإسلام ولدت له رقية عبد الله فاكتنى به وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ابن عبد مناف وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم توأمة أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأم عثمان بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم

150

قال ابن إسحاق وكان أول الناس إسلاما بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة وأخرج ابن عساكر من طرق أن عثمان كان رجلا ربعة ليس بالقصير ولا بالطويل حسن الوجه أبيض مشربا حمرة بوجهه نكتات جري كثير اللحية عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين خذل الساقين طويل الذراعين شعره قد كسا ذراعيه جعد الرأس أصلع أحسن الناس ثغرا جمته أسفل من أذنيه يخضب بالصفرة وكان قد شد أسنانه بالذهب واخرج ابن عساكر عن عبد الله بن حزم المازني قال رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه وأخرج عن موسى بن طلحة قال كان عثمان بن عفان أجمل الناس وأخرج ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل عثمان بصحفة فيها لحم فدخلت فإذا رقية رضي الله عنها جالسة فجعلت مرة أنظر إلى وجه رقية ومرة أنظر إلى وجه عثمان فلما رجعت سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي دخلت عليهما قلت نعم قال فهل رأيت زوجا أحسن منهما قلت لا يا رسول الله وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث والله لا أدعك أبدا حتى تدع ما أنت عليه فقال عثمان والله لا أدعه ابدا ولا أفارقه فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه وأخرج أبو يعلى عن أنس قال أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة

151

بأهله عثمان بن عفان فقال النبي صلى الله عليه وسلم صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد قوم لوط وأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت لما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم كلثوم قال لها إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم
فصل في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدم

وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع ثيابه حين دخل عثمان وقال ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة وأخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها فصدقوه بما قال وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان يا رسول الله على مائة بعير بأحلاسها وأقتباها ( 1 ) في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان يا رسول علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان يا رسول الله على ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فنزل

152

رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء وأخرج الترمذي عن أنس والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان إلىالنبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين وأخرج الترمذي عن أنس قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل مكة فبايع الناس فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن عثمان بن عفان في حاجة الله وجاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان واخرج الترمذي والحاكم وصححه وابن ماجة عن مرة بن كعب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنة يقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال هذا يومئذ على الهدي فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت إليه بوجهي فقلت هذا قال نعم وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنهاأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا فإن ارادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني وأخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى عهدا فأنا صابر عليه وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين حيث حفر بئر رومة وحيث جهز جيش العسرة

153

وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا وأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال لما ماتت بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجوا عثمان لو كان لي ثالثة لزوجته وما زوجته إلا بالوحي من الله وأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان لو أن لي اربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة وأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مر بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال شهيد يقتله قومه إنا نستحي منه وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه ذكر عنده حياء عثمان فقال إن كان ليكون جوف البيت والباب عليه مغلق فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه
فصل في خلافته رضي الله عنه

بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال فروى أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه فلا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة وفي رواية أما بعد يا علي فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم

154

يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا ثم أخذ بيد عثمان فقال نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه المهاجرون والأنصار وأخرج ابن سعد عن أنس قال أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم وفي مسند أحمد عن أبي وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا قال ما ذنبي قد بدأت بعلي فقلت أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر فقال فيما استطعت ثم عرضت ذلك على عثمان فقال نعم ويروى أن عبد الرحمن قال لعثمان في خلوة إن لم أبايعك فمن تشير على قال علي وقال لعلي إن لم أبايعك فمن تشير علي قال عثمان ثم دعا الزبير فقال إن لم أبايعك فمن تشير علي قال علي أو عثمان ثم دعا سعدا فقال من تشير علي فأما أنا وأنت فلا نريدها فقال عثمان ثم استشار عبد الرحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما بويع عثمان أمرنا خير من بقي ولم نأل وفي هذه السنة من خلافته فتحت الري وكانت فتحت وانتفضت وفيها أصاب الناس رعاف كثير فقيل لها سنة الرعاف وأصاب عثمان رعاف حتى تخلف عن الحج وأوصى وفيها فتح من الروم حصون كثيرة وفيها ولي عثمان الكوفة سعد بن أبي وقاص وعزل المغيرة وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولي الوليد بن عقبة

155

ابن أبي معيط وهو صحابي أخو عثمان لأمه وذلك أول ما نقم عليه لأنه آثر أقاربه بالولايات وحكى أن الوليد صلى بهم الصبح أربعا وهو سكران ثم التفت إليهم فقال أزيدكم وفي سنة ست وعشرين زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه واشترى أماكن للزيادة وفيها فتحت سابور وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرس فركب البحر بالجيوش وكان معهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية فسقطت عن دابتها فماتت شهيدة هناك وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بهذا الجيش ودعا لها بأن تكون منهم فدفنت بقبرس وفيها فتحت أرجان ودرا بجرد وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن ابي سرح فغزا أفريقية فافتتحها سهلا وجبلا فأصاب كل إنسان من الجيش ألف دينار وقيل ثلاثة آلاف دينار ثم فتحت الأندلس في هذا العام لطيفة كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزوة قبرس وركوب البحر لها فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن صف لي البحر وراكبه فكتب إليه إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أراع العقول تزداد فيه العقول قلة والسيئاب كثرة وهم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا فرق فلماقرأ عمر الكتاب كتب إلىمعاوية والله لا أحمل فيه مسلما أبدا قال ابن جرير فغزا معاوية قبرس في أيام عثمان فصالحه أهلها على الجزية وفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة وفسا وغير ذلك وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل عمدة من حجارة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسمين ومائة ذراع وفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان وفتحت نيسابور صلحا وقيل عنوة وطوس وسرخس كلاهما صلحا وكذا مرو وبيهق ولما

156

فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الحراج على عثمان وأتاه المال من كل وجه حتى أتخد له الخزائن وأدر الأرزاق وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية وفي سنة إحدى وثلاثين توفي أبو سفيان بن حرب والد معاوية وفيها مات الحكم بن أبي العاص عم عثمان رضي الله عنه وفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه عثمان وفيها توفي عبد الرحمن بن عوف أحد العشر من السابقين الأولين تصدق مرة بأربعين ألفا وبقافلة جاءت من الشام كما هي وفيها مات عبد الله بن مسعود الهذلي أحد الفراء الأربعة ومن أهل السوابق في الإسلام ومن علماء الصحابة المشهورين بسعة العلم وفيها مات أبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم ولي قضاء دمشق لمعاوية وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري صادق اللهجة وفيها مات زيد بن عبد الله بن عبد ربه الأنصاري الذي أرى الآذان وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف وحمل إلى المدينة وفيهاغزا عبد الله بن سعد بن ابي سرح الحبشة وفي سنة أربع وثلاثين أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ورضوا بأبي موسى الأشعري وفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان قال الزهري ولى عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديدا عليهم فلما وليهم عثمان لأن لهم ووصلهم ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر وكتب لمروان بخمس إفريقية وأعطى أقرباءه واهل بيته المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها وقال إن ابا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإن أخذته فقسمته في أقربائي فأنكر الناس عليه ذلك أخرجه ابن سعد

157

وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري قال قلت سعيد بن المسيب هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان وما كان شأن الناس وشأنه ولم خذله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن المسيب قتل عثمان مظلوما ومن قتله كان ظالما ومن خذله كان معذورا فقلت كيف كان ذلك قال إن عثمان لما ولى كره ولايته نفر من الصحابة لأن عثمان كان يحب قومه فولى الناس اثنتي عشرة سنة وكان كثيرا ما يولى بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم وذلك في سنة خمس وثلاثين فلما كان في الست الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم وأمرهم بتقوى الله فولى عبد الله ابن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه وقد كان قبل ذلك من عثمان هنأة إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر وجاء أهل مصر يشكون من ابن ابي سرح فكتب إليه كتابا يتهدده فيه فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة رضي الله عنها إليه فقالت تقدم إليك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت فهذا قد قتل منهم رجل فأنصفهم من عاملك ودخل عليه على بن أبي طالب فقال إنما يسألونك رجلا مكان رجل وقد ادعوا قبله دما فأعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه فقال لهم اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه فأشار

158

الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فقالوا استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن ابي سرح فخرج محمد ومن معه فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب فقال له أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب فقال لهم أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر فقال له رجل هذا عامل مصر قال ليس هذا أريد وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجلا فأخذه فجاء به إليه فقال غلام من أنت فأقبل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة يقول أنا غلام مروان حتى عرفه رجل أنه لعثمان فقال له محمد إلى من أرسلت قال إلىعامل مصر قال بماذا قال برسالة قال معك كتاب قال لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم وأبطل كتابه وقر على عملك حتى يأتيك رأيي واحبس من يجيء إلى يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى فلما قرأوا الكتاب فزعوا وأزمعوا فرجعوا إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه ودفع الكتاب إلى رجل منهم وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأوهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر حنقا وغيظا وقام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا

159

وهو مغتم لما قرأوا الكتاب وحاصر الناس عثمان سنة خمس وثلاثين وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم فلما رأى ذلك على بعث إلىطلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من الصحابة كلهم بدرى ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير فقال له علي هذا الغلام غلامك قال نعم قال والبعير بعيرك قال نعم قال فأنت كتبت هذا الكتاب قال لا وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به قال له علي فالخاتم خاتمك قال نعم قال فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضابا وشكوا في أمره وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل إلا أن قوما قالوا لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق فإن يكن عثمان كتبه عزلناه وإن يكن مروان كتب على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال أفيكم على فقالوا لا قال أفيكم سعد قالوا لا فسكت ثم قال ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله فقال إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابناءهم يمنعون الناس أن

160

أيدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان فلما رأى ذلك الناس رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشى محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فثيروها فتنة فأخذ بيد الرجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطن ما نريد ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته فقال لهما محمد مكانكما فإن معه امرأته حتى أبدا كما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان والله لورآك أبوك لساءه مكانك مني فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة وصعدت امرأته إلى الناس فقالت إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحا وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علي لابنيه كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له نبايعك فمد يدك فلا بد من أمير فقال علي ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا فقالوا له ما نرى أحدا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد ابن أبي بكر وأخبرت عليا والناس بما صنع محمد فدعا علي محمدا فسأله عما ذكرت

161

امرأة عثمان فقال محمد لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما وأخرج ابن عساكر عن كنانة مولى صفية وغيره قالوا قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر يقال له حمار وأخرج أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا إحداهن أما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل وإما أن تخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على راحلتك فتلحق بمكة فإنهم لن يستحلوك وأنت بها وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فقال عثمان أماأن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته يسفك الدماء وأما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهمي قال دخلت على عثمان وهو محصور فقال لقد اختبأت عند ربي عشرا إني لرابع أربعة في الإسلام وجهزت جيش العسرة وأنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى وما تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ولا سرقت في جاهلية ولا

162

إسلام قط ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قتل عثمان في أواسط أيام التشريق من سنة خمس وثلاثين وقيل قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حش كوكب بالبقيع وهو أول من دفن به وقيل كان قتله يوم الأربعاء وقيل يوم الاثنين لست بقين من ذي الحجة وكان له يوم قتل اثنتان وثمانون سنة وقيل إحدى وثمانون سنة وقيل أربع وثمانون وقيل ست وثمانون وقيل ثمان أو تسع وثمانون وقيل تسعون قال قتادة صلى عليه الزبير ودفنه وكان أوصى بذلك إليه وأخرج ابن عدي وابن عساكر من حديث أنس مرفوعا إن لله سيفا مغمودا في غمده ما دام عثمان حيا فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامة تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير وأخرج ابن عساكر عن يزيد بن أبي حبيب قال بلغني أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامتهم جنوا وأخرج عن حذيفة قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره وأخرج عن ابن عباس قال لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء وأخرج عن الحسن قال قتل عثمان وعلى غائب في أرض له فلما بلغه قال اللهم إني لم أرض ولم أمالي وأخرج الحاكم وصححه عن قيس بن عباد قال سمعت عليا يوم الجمل يقول اللهم أني أبرأ إليك من دم عثمان ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي

163

وجاءوني للبيعة فقلت والله إني لأستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان وإني لأستحيي من الله أن ابايع وعثمان لم يدفن بعد فانصرفوا فلما رجع الناس فسألوني البيعة قلت اللهم إني مشفق مما أقدم عليه ثم جاءت عزيمة فبايعت فقالوا يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضي وأخرج ابن عساكر عن أبي خلدة الحنفي قال سمعت عليا يقول إن بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأت ولقد نهيت فعصوني وأخرج عن سمرة قال إن الإسلام كان في حصن حصين وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان لا نسد إلى يوم القيامة وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم وأخرج عن محمد بن سيرين قال لم تفقد الخيل البلق في المغازي والجيوش حتى قتل عثمان ولم يختلف في الأهلة حتى قتل عثمان ولم تر هذه الحمرة التي في آفاق السماء حتى قتل الحسين وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن حميد بن هلال قال كان عبد الله بن سلام يدخل على محاصري عثمان فيقول لا تقتلوه فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقى الله أجذم لا بدله وإن سيف الله لم يزل مغمودا وإنكم والله إن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده عنكم أبدا وما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا قبل أن يجتمعوا وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال خصلتان لعثمان ليستا لأبي بكر ولا لعمر رضي الله عنهما صبره على نفسه حتى قتل وجمعه الناس على المصحف وأخرج الحاكم عن الشعبي قال ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول

164

كعب بن مالك حيث قال
فكف يديه ثم أغلق بابه
وأيقن أن الله ليس بغافل


وقال لأهل الدار لا تقتلوهم
عفا الله عن كل أمرىء لم يقاتل


فكيف رأيت الله صب عليهم
العداوة والبغضاء بعد التواصل


وكيف رأيت الخير أدبر بعده
عن الناس إدبار الرياح الجوافل

فصل أخرج ابن سعد عن موسى بن طلحة قال رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة وعليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم وعن مرضاهم وأخرج عن عبد الله الرومي قال كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه فقيل له لو أمرت بعض الخدم فكفوك قال لا الليل لهم يستريحون فيه وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان قال كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عمر أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو على المنبر يخطب فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته فما حال الحول على جهجاه حتى أرسل الله في رجله إلا كله فمات منها
فصل في أوليات عثمان رضي الله عنه

قال العسكري في الاوائل هو أول من أقطع القطائع وأول من حمى الحمى وأول من خفض صوته بالتكبير وأول من خلق المسجد ( 1 ) وأول من أمر بالأذان الأول في الجمعة وأول من رزق المؤذنين وأول من أرتج عليه في الخطبة فقال أيها الناس إن أول مركب صعب وإن بعد اليوم أياما وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها وما كنا خطباء وسيعلمنا الله أخرجه ابن سعد وأول من قدم

165

الخطبة في العيد على الصلاة وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم وأول من ولى الخلافة في حياة أمه وأول من أتخذ صاحب شرطة وأول من اتخذ المقصورة في المسجد خوفا أن يصيبه ما أصاب عمر هذا ما ذكره العسكري قال وأول ما وقع الاختلاف بين الأمة فخطأ بعضهم بعضا في زمانه في أشياء نقموها عليه وكانوا قبل ذلك يختلفون في الفقه ولا يخطىء بعضهم بعضا قلت بقى من أوائله أنه أول من هاجر إلى الله بأهله من هذه الأمة كما تقدم وأول من جمع الناس على حرف واحد في القراءة وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن عباد بن حنيف قال أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى سمن الناس ( 1 ) طيران الحمام والرمى على الجلاهقات ( 2 ) فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته فقصها وكسر الجلاهقات
فصل فيمن مات من الأعلام في أيام عثمان رضي الله عنه

مات في أيام عثمان من الأعلام سراقة بن مالك بن جعشم وجبار بن صخر وحاطب بن أبي بلتعة وعياض بن زهير وأبو أسيد الساعدي وأوس بن الصامت والحارث بن نوفل وعبد الله بن حذافة وزيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت ولبيد الشاعر المسيب والد سعيد ومعاذ بن عمرو بن الجموح ومعبد بن العباس ومعيقب بن ابي فاطمة الدوسي وأبو لبابة بن عبد المنذر ونعيم بن مسعود الأشجعي وآخرون من الصحابة ومن غير الصحابة الحطيئة الشاعر وأبو ذؤيب الشاعر الهذلي

166

علي بن أبي طالب رضي الله عنه علي بن أبي طلاب رضي الله عنه وأسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب وأسمه شيبة بن هاشم وأسمه عمرو بن عبد مناف وأسمه المغيرة بن قصي وأسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن نضر بن كنانة أبو الحسن وأبو تراب كناه به النبي صلى الله عليه وسلم وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميا قد أسلمت وهاجرت وعلي رضي الله عنه أحدالعشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وابو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وهو أول خليفة من بني هاشم وأبو السبطين أسلم قديما بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة إنه أول من أسلم ونقل بعضهم الإجماع عليه وأخرج أبو يعلى عن علي رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين وقيل تسع وقيل ثمان وقيل دون ذلك قال الحسن بن زيد بن الحسن ولم يعبد الأوثان قط لصغره أخرجه ابن سعد ولما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدرا وأحدا وسائر المشاهد إلا تبوك

167

فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استخلفه على المدينة وله في جميع المشاهد آثار مشهورة وأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللواء في مواطن كثيرة وقال سعيد بن المسيب أصابت عليا يوم أحد ست عشرة ضربة وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه الراية في يوم خيبر وأخبر أن الفتح يكون على يديه وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة وكان علي شيخا سمينا أصلع كثير الشعر ربعة إلىالقصر عظيم البطن عظيم اللحية جدا قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن آدم شديد الأدمة وقال جابر بن عبد الله حمل على الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها وإنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا أخرجه ابن عساكر وأخرج ابن إسحاق في المغازي وابن عساكر عن أبي رافع أن عليا تناول بابا عند الحصن حصن خيبر فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا ثم ألقاه فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد قال إن كان أحب أسماء علي رضي الله عنه إليه أبا تراب وإن كان ليفرح أن يدعى به وما سماه أبا تراب إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أنه غاضب يوما فاطمة فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد فجاءه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد امتلأ ظهره ترابا فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمسح التراب عن ظهره ويقول أجلس أبا تراب روى له عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانون حديث

168

روى عنه بنوه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو موسى وأبو سعيد وزيد بن أرقم وجابر بن عبد الله وأبو أمامة وأبو هريرة وخلائق من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم اجمعين
فصل في الأحاديث الواردة في فضله

قال الإمام أحمد بن حنبل ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل ما ورد لعلي رضي الله عنه أخرجه الحاكم وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى غير أنه لا نبي بعدي أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري والطبراني من حديث أسماء بنت قيس وأم سلمة وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عباس وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وأخرجا عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال اين علي أبن أبي طالب فقيل هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينيه ودعا له فبرىء حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الرأية ( يدوكون أي يخوضون ويتحدثون )

169

وقد أخرج هذاالحديث الطبراني من حديث ابن عمر وعلى وابن أبي ليلى وعمران بن حصين والبزار من حديث ابن عباس وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية ( ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي وأخرج الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلى مولاه وأخرجه أحمد عن علي وابي أيوب الأنصاري وزيد بن أرقم وعمرو ذي مر وأبو يعلى عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عمر ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس والبزار عن ابن عباس وعمارة وبريدة وفي أكثرها زيادة اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ولأحمد عن أبي الطفيل قال جمع لي الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة ثم قال لهم أنشد الله بالله كل امرىء مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم ما قال لما قام فقام إليه ثلاثون من الناس فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من كنت مولاه فعلىمولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل يا رسول الله سمهم لنا قال على منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن حبشي بن جنادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مني وأنا من علي

170

وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه فجاء على تدمع عيناه فقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنت أخي في الدنيا والآخرة وأخرج مسلم عن علي قال والذي فلق الحبة وبرأالنسمة ( 1 ) إنه لعهد النبي الأمي إلى أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق واخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا مدينة العلم وعلى بابها هذا حديث حسن علي الصواب لا صحيح كما قال الحاكم ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات وأخرج الحاكم وصححه عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فقلت يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أفضي بينهم ولا أدري ما القضاء فضرب صدري بيده ثم قال اللهم أهد قلبه وثبت لسانه فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثا قال إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني وأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عمر بن الخطاب علي أقضانا

171

وأخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها ( 1 ) وأخرج عن سعيد بن المسيب قال كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو حسن وأخرج عنه قال لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب وأخرج عن عائشة رضي الله عنها أن عليا ذكر عندها فقالت أما إنه أعلم من بقي بالسنة وقال مسروق انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله رضي الله عنهم وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له البسطة في العشيرة والقدم في الإسلام والعهد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله وقال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس من شجرشتي وأنا وعلي من شجرة واحدة وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ما أنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا ) إلا وعلي أميرها وشريفها ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي

172

وأخرخ ابن عساكر عن ابن عباس قال نزلت في على ثلثمائه آية وأخرج البزار عن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلى لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ) وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا غضب لم يجترىء أحد أن يكلمه إلا علي وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال النظر إلى علي عبادة إسناده حسن وأخرجه الطبراني والحاكم أيضا من حديث عمران بن حصين وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان ومعاذ بن جبل وأنس وثوبان وجابر بن عبد الله وعائشة رضي الله عنهم وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال كانت لعلي ثمان عشرة منقبة ( 1 ) ما كانت لأحد من هذه الأمة واخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال قال عمر بن الخطاب لقد أعطى على ثلاث خصال لن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم فسئل وما هن قال تزوجه ابنته فاطمة وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له والراية يوم خيبر وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي قال ما رمدت ( 3 ) ولاصدعت منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الرأية واخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله

173

صلى الله عليه وآله وسلم من آذى عليا فقد آذاني وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد ابغضني ومن أبغضني فقد ابغض الله وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي إنك تقاتل علي القرآن ( 1 ) كما قاتلت على تنزيله وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا علي إن فيك مثلا من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى انزلوه بالمنزل الذي ليس به ألا وإنه يهلك في أثنان محب مفرط يفرطني بما ليس في ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه يعني قرنه حتى تبتل منه هذه من الدم يعني لحيته وقد ورد ذلك من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس عليا

174

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا خطيبا فقال لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخيشن في ذات الله أو في سبيل الله
فصل في مبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة وما نشأ عن ذلك

قال ابن سعد بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة وفبايعه جميع من كان بها من الصحابة رضي الله عنهم ويقال إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين ثم خرجا إلى مكة وعائشة رضي الله عنها بها فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان وبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الاخرة سنةست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا وأقام على بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام فبلغ عليا فصار إليه فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتال بها أياما فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص فكره الناس الحرب وتداعوا إلى الصلح وحكموا الحكمين فحكم علي أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح ( 1 ) فينظروا في أمر الأمة فافترق الناس ورجع معاوية إلى الشام وعلى إلى الكوفة فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا لاحكم الا الله وعسكروا بحروراء ( 2 ) فبعث اليهم ابن عباس فخاصمهم وحجهم ( 3 ) فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وقتل منهم دا الندية

175

وذلك سنة ثمان وثلاثين واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم فخلع عليا وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له فتفرق الناس على هذا وصار على في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على أصبعه ويقول أعصى ويطاع معاوية وأنتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك ابن عبدالله التميمي وعمرو بن بكير التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي وقال البرك أنا لكم بمعاوية وقال عمرو بن بكير أنا أكفيكم عمرو بن العاص وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه فقدم ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين فاستيقظ على سحرا فقال لابنه الحسن رأيت الليلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد فقال لي ادع الله عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم بي شرا لهم مني ودخل ابن الذباح المؤذن على علي فقال الصلاة فخرج على من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فشد عليه الناس من كل جانب فأمسك وأوثق وأقام على الجمعة والسبت توفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا ثم قطعت أطراف ابن ملجم جعل في قوصرة وأحرقوه بالنار هذا كله كلام ابن سعد وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع ولم يوسع فيها

176

الكلام كما صنع غيره لأن هذا هو اللائق بهذا المقام قال صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وقال بحسب أصحابي القتل وفي المستدرك عن السدى قال كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها قطام فنكحها وأصدقهاثلاثة آلاف درهم وقتل علي وفي ذلك قال الفرزدق ( 1 )
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة
كمهر قطام من فصيح وأعجم ( 3 )


ثلاثة آلاف وعبد وقينة
وضرب علي بالحسام المصمم


فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولافتك إلا دون فتك ابن ملجم

قال أبو بكربن عياش عمي قبر على لئلا ينبشه الخوارج وقال شريك نقله ابنه الحسن إلى المدينة وقال المبرد عن محمد بن حبيب أول من حول من قبر إلى قبر علي رضي الله عنه وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز قال لما قتل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حملوه ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبينما هم في مسيرهم ليلا إذند الجمل الذي هو عليه فلم يدر أين ذهب ولم يقدر عليه قال فلذلك يقول أهل العراق هو في السحاب وقال غيره إن البعير وقع في بلاد طيء فأخذوه فدفنوه وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة وقيل أربع وستون وقيل خمس وستون وقيل سبع وخمسون وقيل ثمان وخمسون وكان له تسع عشرة سرية
فصل في نبذ من أخبار علي وقضاياه وكلماته رضي الله عنه

قال سعيد بن منصور في سننه حدثنا هشيم حدثنا حجاج حدثني شيخ من فزارة سمعت عليا يقول الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من

177

أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل فكتبت إليه أن يروثه من قبل مباله ( 1 ) وقال هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن علي مثله وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال لما قدم على البصرة قام إليه ابن الكواء وقيس بن عباد فقالا له ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهده إليك فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت فقال أما أن يكون عندي عهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك فلا والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه ولو كان عندي من النبي صلى الله عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبرة ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردي هذا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن ابي بكر فأبى وغضب وقال أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله صلى الله عليه وسلم لديننا وكانت الصلاة أصل الإسلام وهي أمير الدين وقوام الدين فبايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على بعض ولم تقطع منه البراءة فأديت إلى أبي بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جنوده وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تولاها عمر فأخذها بسنة صاحبه وما يعرف من أمره فبايعنا عمر ولم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على

178

بعض ولم تقطع منه البراءة فأديت إلى عمر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدل بي ولكن خشى أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره فأخرج منها نفسه وولده ولو كانت محاباة منه لثر بها ولده فبرىء منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم فلما اجتمع الرهط ظننت أن لا يعدلو بي فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده علىيده فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري فبايعنا عثمان فأديت له حقه وعرفت له طاعته وغزوت معة في جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما أصيب نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما بالصلاة قد مضيا وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابتي ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي وكنت أحق بها منه وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال عرض لعلي رجلان في خصومة فجلس في أصل جدار فقال له رجل الجدار يقع فقال علي امض كفى بالله حارسا فقضى بينهما فقام ثم سقط الجدار وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رجل لعلي ابن أبي طالب نسمعك تقول في الخطبة اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين فمن هم فاغرورقت عيناه فقال هم حبيباي أبو بكر

179

وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتدى بهما عصم ومن اتبع آثارهما هدى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله وأخرج عبد الرازق عن حجر المدري قال قال لي علي بن أبي طالب كيف بك إذا أمرت أن تلعنني قلت وكائن ذلك قال نعم قلت فكيف أصنع قال ألعني ولا تبرأ مني قال فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميرا على اليمن أن ألعن عليا فقلت إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنة الله فما فطن لها إلا رجل ( 1 ) وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن زاذان أن عليا حدث بحيث فكذبه رجل فقال له علي أدعو عليك إن كنت كاذبا قال ادع فدعا عليه فلم يبرح حتى ذهب بصره وأخرج عن زر بن حبيش قال جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغف ومع الآخر ثلاثة أرغفة فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم فقالا اجلس وتغد فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال خذاها عوضا مما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازعا فقال صاحب الخمسة الأرغفة لي خمسة دراهم ولك ثلاث وقال صاحب الأرغفة الثلاثة لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننانصفين فارتفعا إلا أمير المؤمنين علي فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فأرض بالثلاثة فقال والله لرضيت عنه إلا بمر الحق فقال علي ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة دراهم فقال الرجل سبحان

180

الله قال هو ذلك قال فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله فقال علي أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل فتحملون في أكلكم على السواء قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث وإنما لك تسعة أثلاث وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية وبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحدا من تسعة فلك واحد بواحدك وله سبعة فقال الرجل رضيت الآن ( 1 ) وأخرج ابن ابي شيبة في المصنف عن عطاء قال أتى علي برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق فأخذ في شيء من أمور الناس وتهدد شهود الزور وقال لا أوتي بشاهد زور إلا فعلت به كذا وكذا ثم طلب الشاهدين فلم يجدهما فخلى سبيله وقال عبد الرزاق في المصنف حدثنا الثوري عن سليمان الشيباني عن رجل عن علي أنه أتى برجل فقيل له زعم هذا أنه احتلم بأمي فقال اذهب فأقمه بالشمس فأضرب ظله وأخرج ابن عساكر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن خاتم علي ابن أبي طالب كان من ورق نقشه نعم القادر الله وأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال كان نقش خاتم على الملك لله وأخرج عن المدائني قال لما دخل على الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال والله يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها وأخرج عن مجمع أن عليا كان يكنس بيت المال ثم يصلى فيه رجاء أن

181

يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري حدثناأبو حاتم السجستاني حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثناسعيد ابن مسلم الباهلي حدثنا أبي عن جدي عن أبي الأسود الدؤلي أو قال عن جدي أبي الأسود عن ابيه قال دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقا مفكرا فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين قال إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية فقلت إن فعلت هذا أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة ثم أتيته بعد ثلاث فألقى إلى صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم الكلمة اسم ( 1 ) وفعل وحرف فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ثم قال تتبعه وزد فيه ما وقع لك وأعلم يا ابا الأسود أن الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر قال أبو الأسود فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكان ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها فقلت لم أحسبها منها فقال بل هي منها فزدها فيها وأخرج ابن عساكر عن ربيعة بن ناجر قال قال علي كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها لو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب واخرج عن علي قال كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل فإنه لن يقل عمل مع التقوى وكيف يقل عمل يتقبل

182

وأخرج عن يحيى بن جعدة قال قال علي بن أبي طالب يا حملة القرآن أعملوا به فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم وتخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف عملهم علمهم يجلسون حلقا فيباهى بعضهم بعضا حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله وأخرج عن علي قال التوفيق خير قائد وحسن الخلق خير قرين والعقل خير صاحب والأدب خير ميراث ولا وحشة أشد من العجب وأخرج عن الحارث قال جاء رجل إلىعلي فقال أخبرني عن القدر فقال طريق مظلم لا تسلكه قال أخبرني عن القدر قال بحر عميق لا تلجه قال أخبرني عن القدر قال سر الله قد خفى عليك فلا تفتشه قال أخبرني عن القدر قال يا أيها السائل إن الله خلقك لما شاء أو لما شئت قال بل لما شاء قال فيستعملك لما شاء وأخرج عن علي قال إن للنكبات نهايات ولا بد لأحد إذا نكب من أن ينتهي إليها فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها وأخرج عن علي أنه قيل له ما لاسخاء قال ما كان منه ابتداء فأماما كان عن مسأله فحياء وتكرم وأخرج عن علي أنه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه وكان قد بلغه عنه قبل ذلك فقال له علي إني لست كما تقول وأنا فوق ما في نفسك وأخرج عن علي قال جزاء المعصية الوهن في العبادة والضيق في المعيشة والنقص في اللذة قيل وما النقص في اللذة قال لا ينال شهوة حلال إلاجاءه ما ينغصه إياها

183

وأخرج عن علي بن ربيعة أن رجلا قال لعلي ثبتك الله وكان يبغضه قال علي على صدرك وأخرج عن الشعبي قال كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان عثمان يقول الشعر وكان على أشعر الثلاثة وأخرج عن نبيط الأشجعي قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إذا اشتملت على اليأس القلوب
وضاق بهمها الصدر الرحيب


وأوطنت المكاره وأطمأنت
وأرست في أماكنها الخطوب


ولم ير لأنكشاف الضروجة
ولا أغنى بحيلته الأريب


أتاك على قنوط منك عوث
يجيء به القريب المستجيب


وكل الحادثات إذا تناهت
فموصول بها الفرج القريب

وأخرج عن الشعبي قال قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياه


فكم من جاهل أردى
حليما حين آخاه ( 1 )


يقاس المرء بالمرء
إذا ما هو ماشاه


وللشيء من الشيء
مقاييس وأشباه


قياس النعل بالنعل
إذا ما هو حاذاه


وللقلب على القلب
دليل حين يلقاه

وأخرج عن المبرد قال كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه
للناس حرص على الدنيا بتدبير
وصفوها لك ممزوج بتكدير


لم يرزقوها بعقل بعد ما قسمت
لكنهم رزقوها بالمقادير



184


كم من أديب لبيب لا تساعده
وأحمق نال دنياه بتقصير


لو كان عن قوة أو عن مغالبة
طار البزاة بأرزاق العصافير

وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال كان علي بن أبي طالب يقول
ولا تفش سرك إلا إليك
فإن لكل نصيح نصيحا


فإني رأيت غواة الرجا
ل لايدعون أديما صحيحا ( 1 )

وأخرج عن عقبة بن ابي الصبهاء قال لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهوباك فقال له علي يا بني أحفظ عني وأربعا قال وما هن يا أبت قال أغنى الغنى العقل وأكبر الفقر الحمق وأوحش الوحشة العجب وأكرم الكرم حسن الخلق قال فالأربع الآخر قال إياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه وأخرج ابن عساكر عن علي أنه أتاه يهودي فقال له متى كان ربنا فتمعر وجه علي وقال لم يكن فكان هو كان ولا كينونة كان بلا كيف كان ليس له قبل ولا غاية أنقطعت الغايات دونه فهو غاية كل غاية فأسلم اليهودي وأخرج الدراج في جزئه المشهور بسند مجهول عن ميسرة عن شريح القاضي قال لما توجه علي إلى صفين افتقد درعا له فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي فقال لليهودي الدرع درعي لم أبع ولم أهب فقال اليهودي درعي وفي يدي فقال نصير إلى القاضي فتقدم علي فجلس إلى جنب شريح وقال لولا أن خصمى يهودي لا ستويت معه في المجلس ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أصغروهم من حيث أصغرهم الله فقال شريح

185

قل يا أمير المؤمنين فقال نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبع ولم أهب فقال شريح أيش تقول يا يهودي قال درعي وفي يدي فقال شريح ألك بينة يا أمير المؤمنين قال نعم فنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي فقال شريح شهادة الابن لا تجوز للأب فقال علي رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فقال اليهودي أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه أشهد أن هذا هو الحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وإن الدرع درعك فصل وأماكلامه في تفسير القرآن فكثير وهو مستوفى في كتابنا التفسير المسند بأسانيده وقد أخرج ابن سعد عن علي قال والله مانزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا صادقا ناطقا وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال قال علي سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار وفي سهل أم في جبل وأخرج ابن أبي داود عن محمدبن سيرين قال لما توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبطأعلى عن بيعة أبي بكر فلقيه أبو بكر فقال أكرهت إمارتي فقال لا ولكن آليت أن لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن فزعموا أنه كتبه على تنزيله فقال محمد لو أصيب ذلك الكتاب ( 1 ) كان فيه العلم
فصل في نبذ من كلماته الوجيزة المختصرة البديعة

قال علي رضي الله عنه الحزم سوء الظن أخرجه أبو الشيخ وابن حيان

186

وقال القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء اقرب من يد إلى جسد وإن اليد إذا فسدت قطعت وإذا قطعت حسمت أخرجه أبو نعيم وقال خمس خذوهن عني لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه ولا يرجو إلا ربه ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم ولا يستحيي من لا يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد أخرجه سعيد بن منصور في سننه وقال الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا علم لا فهم معه ولا قراءة لاتدبر فيها أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن وقال وابردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم أخرجه ابن عساكر وقال من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه أخرجه ابن عساكر وقال سبع من الشيطان شدة الغضب وشدة العطاس وشدة التثاؤب والقىء والرعاف والنجوى والنوم عند الذكر وقال كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة أخرجه الحاكم في التاريخ وقال يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة أخرجه سعيد بن منصور ولأبي الأسود الدؤلي يرثى عليا رضي الله عنه
ألا يا عين ويحك أسعدينا
ألا تبكي أمير المؤمنينا ( 1 )


وتبكي أم كلثوم عليه
بعبرتها وقد رأت اليقينا



187


ألا قل للخوارج حيث كانوا
فلا قرت عيون الحاسدينا


أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا


قتلتم خير من ركب المطايا
وذللها ومن ركب السفينا


ومن لبس النعال ومن حذاها
ومن قرأ المثاني والمبينا


وكل مناقب الخيرات فيه
وحب رسول رب العالمينا


لقد علمت قريش حيث كانت
بأنك خيرهم حسبا ودينا


إذا استقبلت وجه أبي حسين
رأيت البدر فوق الناظرينا


وكنا قبل مقتله بخير
نرى مولى رسول الله فينا


يقيم الحق لا يرتاب فيه
ويعدل في العدي والأقربينا


وليس بكاتم علما لديه
ولم يخلق من المتكبرينا


كأن الناس إذ فقدوا عليا
نعام حار في بلد سنينا


فلا تشمت معاوية بن صخر
فإن بقية الخلفاء فينا


فصل فيمن مات في زمنه من الأعلام

مات في أيام على من الأعلام موتا وقتلا حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وطلحة وزيد بن صوحان وسلمان الفارسي وهند بن ابي هالة واويس القرني وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وسهل بن حنيف وصهيب الرومي ومحمد بن ابي بكر الصديق وتميم الدراي وخوات بن جبير وشرحبيل ابن السمط وأبو ميسر البدري وصفوان بن عسال عمرو بن عنبسة وهشام ابن حكيم وأبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآخرون
الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه

الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أبو محمد سبط رسول الله صلى الله

188

عليه وسلم وريحانته وآخر الخلفاء بنصه أخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان قال الحسن والحسين أسمان من أسماء أهل الجنة ما سمت العرب بهما في الجاهلية ولد الحسن رضي الله عنه في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة وروى له عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وروت عنه عائشة رضي الله عنها وخلائق من التابعين منهم ابنه الحسن وأبو الحوراء ربيعة بن سنان والشعبي وابو وائل وابن سيرين وكان شبيها بالنبي صلى الله عليه وسلم سماه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وعق عنه يوم سابعه وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة وهو خامس أهل الكساء قال أبو أحمد العسكري لم يكن هذا الأسم يعرف في الجاهلية وقال المفضل إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى بهما النبي صلى الله عليه وسلم ابنيه الحسن والحسين وأخرج البخاري عن أنس قال لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي وأخرج الشيخان عن البراء قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن ابن علي على عاتقه وهو يقول اللهم أنى أحبه فأحبه وأخرج البخاري عن ابي بكرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة يقول ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين وأخرج البخاري عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هما ريحانتاي من الدنيا يعني الحسن والحسين وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله

189

صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين علي وركيه فقال هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما وأخرج عن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أهل بيتك أحب إليك قال الحسن والحسين وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال نعم المركب ركبت يا غلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعم الراكب هو وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال اشبه أهل النبي صلى الله عليه وسلم به وأحبهم إليه الحسن بن علي رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه ( 1 ) وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال قام الحسن بن علي يخطب فقام رجل من أزدشنوأة فقال اشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعه في حبوته وهو يقول من أحبني فليحبه وليبلغ الشاهد الغائب ولولا كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثت به أحدا كان الحسن رضي عنه له مناقب كثيرة سيدا حليما ذا سكينة ووقار وحشمة جوادا مدوحا يكره الفتن والسيف تزوج كثيرا وكان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف

190

وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال لقد حج الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب ( 1 ) لتقاد معه وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال ما تكلم عندي أحد كان أحب إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة فإنه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في ارض فعرض الحسن أمرا لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه قال فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال كان مروان أميرا علينا فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر وحسن يسمع فلا يرد شيئا ثم أرسل إليه رجلا يقول له بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها من أبوك فتقول أمي الفرس فقال له الحسن أرجع إليه فقل له إني والله لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن أسبك ولكن موعدي وموعدك الله فإن كنت صادقا جزاك الله بصدقك وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة وأخرج ابن سعد عن زريق بن سوار قال كان بين الحسن وبين مروان كلام فأقبل عليه مروان فجعل يغلظ له والحسن ساكت فامتخط موران بيمينه فقال له الحسن ويحك أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج أف لك فسكت مروان وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل قال جلس رجل إلى الحسن فقال إنك جلست إلينا على حين قيام منا أفتأذن وأخرج ابن سعد علي علي بن زيد بن جدعان قال أخرج الحسن من ماله لله مرتين وقاسم الله ماله ثلاث مرات حتىإنه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا

191

وأخرج ابن سعد عن علي بن الحسين قال كان الحسن مطلاقا للنساء وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وأحصن تسعين امرأة وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال علي يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق فقال رجل من همدان والله لنزوجنه فما رضي أمسك وما كره طلق وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن حسن قال كان حسن رجلا كثير نكاح النساء وكن قلما يحظين عنده وكان قل أمرأة تزوجها إلا أحبته وصبت إليه ( 1 ) وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال لما مات الحسن بكى مروان في جنازته فقال له الحسين أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه فقال إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا وأشار بيده إلى الجبل وأخرج ابن عساكر عن المبرد قال قيل للحسن بن علي إن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة فقال رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول من أتكل عل حسن اختيار الله لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء ولى الحسن رضي الله عنه الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة فأقام فيها ستة أشهر واياما ثم سار إليه معاوية والأمر إلى الله فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة من بعده وعلى أن لا يطالب أحدامن أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وعلى أن يقضي

192

عنه ديونه فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك فظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم يصلح الله به بين فئتين من المسلمين ونزل له عن الخلافة وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة التي هي أعظم المناصب على جواز النزول عن الوظائف وكان نزوله عنها في سنة إحدى وإربعين في شهر ربيع الأول وقيل الآخر وقيل في جمادى الأولى فكان أصحابه يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار وقال له رجل السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها وأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال قلت للحسن إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز توفىالحسن رضي الله عنه بالمدينة مسموما سمته زوجته جعدة بنت الأشعث ابن قيس دس إليه يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها ففعلت فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها فقال إنا لم نرضك للحسن افترضناك لأنفسنا وكانت وفاته سنة تسع واربعين وقيل في خامس ربيع الأول سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه فلم يخبره وقال الله أشد نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله بريء وأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوبا ( قل هو الله أحد ) فاستبشر به أهل بيته فقصوها على سعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياه فقل ما بقي من أجله فما بقي إلا أيام حتى مات

193

وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه قال أضاق ( 1 ) الحسن بن علي وكان عطاؤه في كل سنة مائة ألف فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين فأضاق ( 1 ) إضاقة شديدة قال فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي ثم أمسكت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال كيف أنت يا حسن فقلت بخير يا أبت وشكوت إليه تأخر المال عني فقال أدعوت بدواة لتكتب إلي مخلوق مثلك تذكره ذلك فقلت نعم يا رسول الله فكيف أصنع فقال قل اللهم أقذف في قلبي رجاءك وأقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر عنه عملي ولم تنته إلهي رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين قال فوالله ما ألححت به أسبوعا حتى بعث إلى معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف فقلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال يا حسن كيف أنت فقلت بخير يا رسول الله وحدثته بحديثي فقال يا بني هكذا من رجا الخالق ولم يرج المخلوق وفي الطيوريات عن سليم بن عيسى قارىء أهل الكوفة قال لما حضرت الحسن الوفاة جزع فقال له الحسين يا أخي ما هذا الجزع إنك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلىعلي وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن أي أخي إني داخل في امر من أمر الله تعالىلم أدخل في مثله وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط قال ابن عبد البر وروينا من وجوه أنه لما احتضر قال لأخيه يا أخي إن اباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر ثم استشرف لها

194

وصرفت عنه إلى عمر ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه ( 1 ) فصرفت عنه إلى عثمان فلما قتل عثمان بويع علي ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة فلا أعرفن ما استخلفك سفهاء الكوفة فأخرجوك وقد كنت طلبت من عائشة رضي الله عنها أن أدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت نعم فإذا مت فأطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك فإن فعلوا فلا تراجعهم فلما مات أتى الحسين إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت نعم وكرامة فمنعهم مروان فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه رضي الله عنه
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصي الأموي أبو عبد الرحمن اسلم هو وأبوه يوم فتح مكة وشهد حنينا وكان من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامه وكان أحد الكتاب لرسول الله صلىالله عليه وآله وسلم

روى له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة حديث وثلاث وستون حديثا روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو الدرداء وجرير البجلي والنعمان بن بشير وغيرهم ومن التابعين ابن المسيب وحميد ابن عبد الرحمن وغيرهما وكان من الموصوفين بالدهاء والحلم وقد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لمعاوية اللهم اجعله هاديا مهديا

195

وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا معاوية إذا ملكت فأحسن وكان معاوية رجلا طويلا أبيض جميلا مهيبا وكان عمر ينظر إليه فيقول هذا كسرى العرب وعن علي قال لا تكرهوا إمرة معاوية فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر ( 1 ) عن كواهلها وقال المقبري تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية وكان يضرب بحلمه المثل وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية قال ابن عون كان الرجل يقول لمعاوية والله لتستقيمن بنا يا معاوية او لتقومنك فيقول بماذا فيقول بالخشب فيقول إذن نستقيم وقال قبيصة بن جابر صحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه ولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات يزيد استخلفه على دمشق فأقره عمر ثم أقره عثمان وجمع له الشام كله فأقام أميرا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة قال كعب الأحبار لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية قال الذهبي توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية قال وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف وخرج عن أمرهم بعض الممالك خرج معاوية على علي

196

كماتقدم وتسمى بالخلافة ثم خرج علي الحسن فنزل له الحسن عن الخلافة فاستقر فيها من ربيع الأخر أو جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد وفيه ولي معاوية مروان بن الحكم المدينة وفي سنة ثلاث وأربعين فتحت الرخج وغيرها من بلاد سجستان وودان من برقة وكور من بلاد السودان وفيها استخلف معاوية زياد بن أبيه وهي أول قضية غير فيها حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإسلام ذكره الثعالبي وغيره وفي سنة خمس وأربعين فتحت القيقان في سنة خمسين فتحت قوهستان عنوة وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد فبايعوه وهو أول من عهد الخلافة لابنه وأول من عهد بها في صحته ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة فخطب مروان فقال إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنة أبي بكر وعمر فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال بل سنة كسرى وقيصر إن ابا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ولا في أحد من أهل بيتهما ثم حج معاوية سنة أحدى وخمسين وأخد البيعة لابنه فبعث إلى ابن عمر فتشهد وقال أما بعد يا ابن عمر إنك كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين أو تسعى في فساد ذات بينهم فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإنه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبناءهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين ولم أكن لأفعل وإنما أنا رجل من المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم

197

فقال يرحمك الله فخرج ابن عمر ثم أرسل إلى ابن أبي بكر فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه وقال إنك لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله وإنا والله لا نفعل والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنها عليك جذعة ثم وثب ومضى فقال معاوية اللهم أكفنيه بما شئت ثم قال على رسلك أيها الرجال لا تشرفن على أهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعنا ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال يا ابن الزبير إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما فقال ابن الزبير إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها وهلم ابنك فلنبايعه أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع ونطيع لا تجتمع البيعة لكما ابدا ثم راح فصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال أهل الشام والله لا نرضى حتى يبايعوا له على رؤس الأشهاد وإلا ضربنا أعناقهم فقال سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم ثم نزل فقال الناس بايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير وهم يقولون لا والله ما بايعنا فيقول الناس بلى وارتحل معاوية فلحق بالشام وعن ابن المنكدر قال قال ابن عمر حين بويع يزيد إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا وأخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد بن وهب قال كانت هند بنت عتبة ابن ربيعة عند الفاكة بن المغيرة وكان من فتيان قريش وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن فخلا البيت ذات يوم فقام الفاكه وهند فيه ثم خرج الفاكه

198

لبعض حاجاته وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رأى المرأة ولى هاربا فأبصره الفاكه فانتهى إليها فضربها برجله وقال من هذا الذي كان عندك قالت ما رأيت أحدا ولا أنتيهت حتى أنبهتني فقال لها الحقي بأهلك وتكلم فيها الناس فخلابها أبوها فقال لها يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني بذاك فإن يكن الرجل صادقا دسست إليه إن يقتله فتنقطع عنا المقالة وإن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن قال فخلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية أنه كاذب عليها فقال عتبة للفاكه إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند وتغير وجهها فقال لها أبوها يا بنية إني قد أرى ما بك من تغير الحال وما ذاك إلا لمكروه عندك قالت لا والله يا أبتاه وما ذاك لمكروه ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطىء ويصيب فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون على سبة في العرب فقال لها إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك فصفر بفرسه حتىأدلى ثم أدخل في إحليله حبة من الحنطة وأوكأ عليها بسير وصبحواالكاهن فتحر لهم وأكرمهم فلما تغدوا قال له عتبة إنا قد جئناك في أمر وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به فأنظر ما هو قال برة في كمرة قال أريد أبين من هذا قال حبة من بر في إحليل مهر فقال عتبة صدقت أنظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول أنهضي حتىدنا من هند فضرب كتفها وقال انهضي غير رسحاء ولا زانية ولتلدين ملكا يقال له معاوية فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت إليك والله لأحرصن أن يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية مات معاوية في شهر رجب سنة ستين ودفن بين باب الجابية وباب الصغير وقيل إنه عاش سبعا وسبعين سنة وكان عنده شيء من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم

199

وقلامة أظفاره فأوصى أن تجعل في فمه وعينيه وقال افعلوا ذلك وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين
فصل في نبد من أخباره

أخرج ابن ابي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال قلت لسفينة إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم قال كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من أشد الملوك وأول الملوك معاوية وأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال قلت لأحمد بن حنبل من الخلفاء قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي قلت فمعاوية قال لم يكن أحق بالخلافة في زمان على من علي وأخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن علي ومعاوية فقال اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حار به وقاتله فأطروه كيادا منهم له وأخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال قدم جارية بن قدامة السعدي علي معاوية فقال من أنت قال جارية بن قدامة قال وما عسيت أن تكون هل أنت إلا نحلة قال لا تقل ( 1 ) فقد شبهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق والله ما معاوية إلا كلبة تعاوىالكلاب وماأمية إلا تصغير أمة وأخرج عن الفضل بن سويد قال وفد من جارية بن قدامة على معاوية فقال له معاوية أنت الساعي مع علي بن ابي طالب والموقد النار في شعلك تجوس قرى عربية تسفك دماءهم قال جارية يا معاويه دع عنك عليا فما أبغضنا عليا منذ أحببناه ولا غشناه منذ صحبناه قال ويحك يا جارية ماكان أهونك على أهلك إذ سموك جارية قال أنت يا معاوية كنت أهون علىأهلك إذ سموك معاوية قال لا أم لك

200

قال أم ما ولدتني إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا قال إنك لتهددني قال إنك لم تملكنا قسرة ولم تفتتحنا عنوة ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق فإن وفيت لنا وفينا وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا ورجالا مدادا وأدرعا شدادا وأسنه حدادا فإن بسطت إلينا فترا من غدر زلقنا إليك بباع من ختر قال معاوية لا أكثر الله في الناس أمثالك وأخرج عن أبي الطفيل عامر بن وائلة الصحابي أنه دخل على معاويةفقال له معاوية ألست من قتله عثمان قال لا ولكني ممن حضره فلم ينصره قال وما منعك من نصره قال لم تنصره المهاجرون والأنصار فقال معاوية أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه قال فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام فقال معاوية أما طلبي بدمه نصرة له فضحك أبو الطفيل ثم قال أنت وعثمان كما قال الشاعر
لا ألفنيك بعد الموت تندبني
وفي حياتي ما زودتني زادا

وقال الشعبي أول من خطب الناس قاعدا معاوية وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه أخرجه ابن أبي شيبة وقال الزهري أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وقال سعيد بن المسيب أول من أحدث الأذان في العيد معاوية أخرجه ابن ابي شيبة وقال أول من نقص التكبير معاوية أخرجه ابن أبي شيبة وفي الأوائل للعسكري قال معاوية أول من وضع البريد في الإسلام وأول من اتخد الخصيان لخاص خدمته وأول من عبثت به رعيته وأول من قيل له السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله وأول من أتخذ ديوان الخاتم وولاه عبيد الله بن أوس الغساني وسلم إليه الخاتم وعلى فصه مكتوب لكل عمل ثواب واستمر ذلك في الخلفاء العباسيين إلىآخر

201

وقت وسبب اتخاده له أنه أمر لرجل بمائة ألف ففك الكتاب وجعله مائتي ألف فلما رفع الحساب إلى معاويه أنكر ذلك واتخذ ديوان الخاتم من يؤمئذ وهو أول من أتخذ المقصورة بالجامع وأول من أذن في تجريد الكعبة وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئا فوق شيء وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن أخي الزهري قال قلت للزهري من أول من استخلف في البيعة قال معاوية استخلفهم بالله فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق وأخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال قدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عباس وعبدالرحمن بن أبي بكر فأقبلوا عليه وأعرض عنه ابن عباس فقال وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمر فقال ابن عباس ولم التقدم في الإسلام أم سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو قرابة منه قال لا ولكني ابن عم المقتول قال فهذاأحق به يريد أبن أبي بكر قال إن أباه مات موتا قال فهذا أحق به يريد ابن عمر قال إن اباه قتله كافر قال فذاك أدحض لحجتك أن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه وقال عبد الله بن محمد بن عقيل قدم معاوية المدينة فلقيه أبو قتادة الأنصاري فقال معاوية تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار قال لم يكن لنادواب قال فأين النواضح قال عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر ثم قال أبو قتادة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا إنكم سترون بعدي أثرة قال معاوية فما أمركم قال أمرنا أن نصبر قال فاصبروا فبلغ ذلك عبد الرحمن بن حسان ابن ثابت فقال

202


ألا أبلغ معاوية بن حرب
أمير المؤمنين نبا كلامي


فإنا صابرون ومنظروكم
إلى يوم التغابن والخصام

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم قال دخلت على معاوية بن أبي سفيان وهو في خلافته وفي عنقه حبل وصبي يقوده فقلت له يا أمير المؤمنين أتفعل هذا قال يالكع أسكت فإني سمعت رسول الله صلىالله عليه وسلم يقول من كان له صبي فليتصاب له قال ابن عساكر غريب جدا وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الشعبي قال دخل شاب من قريش على معاوية فأغلظ عليه فقال له يابن أخي أنهاك عن السلطان إن السلطان يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد وأخرج عن الشعبي قال قال زياد استعملت رجلا فكثر خراجه فخشي أن أعاقبه فقير إلى معاوية فكتبت إليه إن هذا أدب سوء لمن قبلي فكتب إلي أنه ليس يبقى لي ولا لك أن نسوس الناس بسياسة واحدة أن نلين جميعا فتمرح الناس في المعصية أو نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك ولكن تكون للشدة والفظاظة وأكون للين والرأفة وأخرج عن الشعبي قال سمعت معاوية يقول ماتفرقت أمة قط إلا ظهر أهل الباطل علىأهل الحق إلا هذه الأمة وفي الطيوريات عن سليمان المخزومي قال أذن معاوية للناس إذنا عاما فلما احتفل المجلس قال أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه فسكتوا ثم طلع عبد الله بن الزبير فقال هذا مقوال العرب وعلامتها أبو خبيب قال مهيم قال أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه قال بثلاث مائة ألف قال وتساوى قال أنت بالخيار وأنت واف كاف قال هات فأنشده للأفوه الأودي قال

203


بلوت الناس قرنا بعد قرن
فلم أر غير ختال وقال

قال صدق هيه قال
ولم أر في الخطوب أشد وقعا
وأصعب من معاداة الرجال

قال صدق هيه قال
وذقت مرارة الأشياء طرا
فما طغم أمر من السؤال

قال صدق ثم أمر له بثلثمائة ألف وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره واللفظ له من طرق أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال إن الله قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر وفي لفظ سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر سنة هرقل وقيصر إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده فقال مروان ألست الذي قال لوالديه أف لكما فقال عبد الرحمن ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة رضي الله عنها كذب مروان ما فيه نزلت ولكن نزلت في فلان بن فلان ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان بعض من لعنه الله وأخرج ابن ابي شيبة في المصنف عن عروة قال قال معاوية لا حلم إلا التجارب وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال دهاة العرب أربعة معاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد فأما معاوية فللحلم والأناة وأما عمرو فللمعضلات وأما المغيرة فللمبادهة وأما زياد فللكبير والصغير وأخرج أيضا عنه قال كان القضاة أربعة والدهاة أربعة فأما القضاة

204

فعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأما الدهاة فمعاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة وزياد وأخرج عن قبيصة بن جابر قال صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله منه وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه وصحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطا جهلا ولا أبعد أناة منه وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أنصع طرفا ولا أحلم جليسا منه وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا فقال إني محتاج وإني فقير فأعطني فقال اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم فألح عليه فقال لرجل خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل دق هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت قال تريد أن تتخذني سارقا قال وأنت تريد أن تتخذني سارقا أن أخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم قال لأتين معاوية قال أنت وذاك فأتى معاوية فسأله فأعطاه مائة ألف ثم قال اصعد على المنبر فاذكر ما اولاك به على وما أوليتك فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني أخبركم أني أردت عليا على دينه فاختار دينه وأني أردت معاويةعلى دينه فاختارني على دينه وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عقيلا دخل على معاوية فقال معاوية هذا عقيل وعمه أبو لهب فقال عقيل هذا معاوية وعمته حمالة الحطب وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال دخل خريم بن فاتك على معاويه ومئزره مشمر وكان حسن الساقين فقال معاوية لو كانت هاتان الساقان لأمرأة فقال خريم في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين

205

مات في أيام معاوية من الأعلام صفوان بن أمية وحفصة وأم حبيبة وصفية وميمونة وسودة وجويرية وعائشة أمهات المؤمنين رضي الله عنهم ولبيد الشاعر وعثمان بن طلحة الحجبي وعمرو بن العاص وعبد الله بن سلام الحبر ومحمد بن مسلمة وابو موسى الأشعري وزيد بن ثابت وابو بكرة وكعب ابن مالك والمغيرة بن شعبة وجرير البجلي وابو أيوب الأنصاري وعمران بن حصين وسعيد بن زيد وأبو قتادة الأنصاري وفضالة بن عبيد وعبد الرحمن ابن أبي بكر وجبير بن مطعم واسامة بن زيد وثوبان وعمرو بن حزم وحسان بن ثابت وحكيم بن حزام وسعد بن ابي وقاص وابو اليسر وقتم ابن العباس وأخوه عبيد الله وعقبة بن عامر وأبو هريرة سنة تسع وخمسين وكان يدعو اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان فاستجيب له وخلائق آخرون رضي الله عنهم
يزيد بن معاويه أبو خالد الأموي

يزيد بن معاويه أبو خالد الأموي ولد سنة خمس أو ست وعشرين كان ضخما كثير اللحم كثير الشعر وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية روى عن أبيه وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان جعله أبوه ولى عهد وأكره الناس على ذلك كما تقدم قال الحسن البصري افسد أمر الناس اثنان عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية يرفع المصاحف فحملت ونال من القراء فحكم الخوارج فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة والمغيرة بن شعبة فإنه كان عامل معاويةعلى الكوفة فكتب إليه معاوية إذ قرأت كتابي فأقبل معزولا فأبطأ عنه فلما ورد عليه قال ما أبطأ بك قال أمر كنت أوطئه وأهيئه قال وما هو قال البيع ليزيد من بعدك قال أوقد فعلت قال نعم قال ارجع إلى عملك فلما خرج

206

قال له أصحابه ما وراءك قال وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة قال الحسن فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة وقال ابن سيرين وفد عمرو بن حزم على معاويه فقال له أذكرك الله في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمن تستخلف عليها فقال نصحت وقلت برأيك وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم وابني أحق وقال عطية بن قيس خطب معاوية فقال اللهم إن كنت إنماعهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه وإن كنت إنما حملني حب الولاد لولده وإنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك فلما مات معاوية بايعه أهل الشام ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعاه وخرجا من ليلتهما إلى مكة فأما ابن الزبير فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه وأما الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية وهو يأبى فلما بويع يزيد أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة ( 1 ) ويريد المسير إليهم أخرى فأشار عليه ابن الزبير بالخروج وكان ابن عباس يقول له لا تفعل وقال له ابن عمر لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيره الله بين الدنيا والاخرة فاختار الاخرة وإنك بضعة منه ولا تنالها يعني الدنيا واعتنقه وبكى وودعه فكان ابن عمر يقول غلبنا حسين بالخروج ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة وكلمه في ذلك أيضا جابر بن عبد الله وأبو سعيد وابو واقد الليثي وغيرهم فلم يطع أحدا منهم وصمم على المسير إلى العراق فقال له ابن عباس والله إني لأظنك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان فلم يقبل منه فبكى ابن عباس وقال أقررت عين ابن الزبير ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له قد أتى ما أحببت هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز ثم تمثل

207


يا لك من قنبرة بمعمر
خلالك الجو فبيضي وأصفري


ونقري ما شئت أن تنقري

وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتله فوجه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن ابي وقاص فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله فلما رهقه السلاح عرض عليهم الاستسلام والرجوع والمضي إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلا قتله فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد ايضا وكان قتله بكر بلاء وفي قتله قصة فيها طول لايحتمل القلب ذكرها فإنا لله وإنا إليه راجعون وقتل معه ستة عشر رجلا من أهل بيته ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المصفرة والكواكب يضرب بعضها بعضا وكان قتله يوم عاشوراء وكسفت الشمس ذلك اليوم واحمرت افاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله وقيل إنه لم يقلب حجر بيت المقدس يؤمئذ إلا وجد تحته دم عبيط وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل النيران وطبخوها فصارت مثل العلقم وتكلم رجل في الحسين بكلمة فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره قال الثعالبي روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال رأيت في هذا القصر وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي

208

المختار بن أبي عبيد ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه وفارق مكانه وأخرج الترمذي عن سلمى قالت دخلت علىأم سلمة وهي تبكي فقلت ما يبكيك قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت مالك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفا وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنصف النهار أشعث أغبر وبيده قارورة فيها دم فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ما هذا قال هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم فأحصى ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أم سلمة قالت سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه وأخرج ثعلب في أماليه عن أبي خباب الكلبي قال أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب اخبرني بما بلغني أنكم تسمعون نوح الجن فقال ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك قلت فأخبرني بما سمعت أنت قال سمعتهم يقولون
مسح الرسول جبينه
فله بريق في الخدود


أبواه من عليا قريش
وجده خير الجدود

ولما قتل الحسين وبنو ابيه بعث ابن زياد برؤسهم إلى يزيد فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه وأخرج أبو يعلى في مسنده بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد

209

وقال نوفل بن أبي الفرات كنت عند عمر بن عبدالعزيز فذكر رجل يزيد فقال قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية فقال تقول أمير المؤمنين وأمر به فضرب عشرين سوطا وفي سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا وأمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاؤا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة وما أدراك ماوقعة الحرة ذكرها الحسن مرة فقال والله ما كاد ينجو منهم أحد قتل فيهاخلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم ونهيت المدينة وافتض فيها ألف عذراء فإنا لله وإنا إليه راجعون قال صلى الله عليه وسلم من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه مسلم وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي وأخرج الواقد من طرق أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن ترمى بالحجارة من اسماء إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة قال الذهبي ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتد عليه الناس وحرج عليه غير واحد ولم يبارك الله في عمره وسار جيش الحرة إلىمكة لقتال ابن الزبير فمات أمير الجيش بالطريق فاستخلف عليهم أميرا وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق وذلك في صفر سنة أربع وستين واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة سقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل وكانا في السقف وأهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر فنادى ابن الزبير يا اهل الشام إن طاغيتكم قد هلك فانفلوا وذلوا وتخطفهم الناس ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه وتسمى بالخلافة وأما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد ولم تطل مدته كما سيأتي

210

ومن شعر يزيد
آب هذا الهم فاكنتعا
وأمر النوم فامتنعا


راعيا للنجم أرقبه
فإذا ما كوكب طلعا


حام حتى إنني لأرى
أنه بالغور قد وقعا


ولها بالماطرون إذا
أكل النمل الذي جمعا


نزهة حتى إذا بلغت
نزلت من جلق بيعا


في قباب وسط دسكرة
حولها الزيتون قد ينعا

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة معاويه وابنه ملكا الأرض المقدسة والسفاح وسلام والمنصور وجابر والمهدي والأمين وأمير الغضب كلهم من بين كعب بن لؤي كلهم صالح لا يوجد مثله ( 1 ) قال الذهبي له طرق عن ابن عمر ولم يرفعه أحد وأخرج الواقدي عن أبي جعفر ( 2 ) الباقر قال أول من كسا الكعبة الديباج يزيد بن معاويه مات في أيام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين وفي وقعة الحرة أم سلمة أم المؤمنين وخالد بن عرفطة وجرهد الأسلمي وجابر بن عتيك وبريدة بن الحصيب ومسلمة بن مخلد وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه ومسروق والمسور بن مخرمة وغيرهم رضي الله عنهم وعدة المقتولين بالحرة من قريش والأنصار ثلثمائة وستة رجال
معاويه بن يزيد

معاوية بن يزيد بن معاويه أبو عبد الرحمن ويقال له ابو يزيد ويقال

211

أبو ليلى استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأول سنة أربع وستين وكان شابا صالحا ولما استخلف كان مريضا فآستمر مريضا إلى أن مات ولم يخرج إلى الباب ولا فعل شيئا من الأمور ولا صلى بالناس وكانت مدة خلافته أربعين يوما وقيل شهرين ثلاثة أشهر ومات وله إحدى وعشرون سنة وقيل عشرون سنة ولما احتضر قيل له ألا تستخلف قال ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل مرارتها
عبد الله بن الزبير

عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي كنيته أبو بكر وقيل أبو خبيب بضم الخاء المعجمة صحابي ابن صحابي وأبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وأم أبيه صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولد بالمدينة بعد عشرين شهرا من الهجرة وقيل في السنة الأولى وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا لأن اليهود كانوا يقولون سحرناهم فلا يولد لهم ولد فحنكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتمرة لاكها وسماه عبد الله وكناه أبا بكر باسم جده الصديق وكنيته وكان صواما قواما طويل الصلاة وصولا للرحم عظيم الشجاعة قسم الدهر ثلاث ليال ليلة يصلي قائما حتى الصباح وليلة راكعا وليلة ساجدا حتى الصباح روى له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة وثلاثون حديثا روى عنه أخوه عروة وابن أبي مليكة وعباس بن سهل وثابت البناني وعطاء وعبيدة السلماني وخلائق آخرون وكان ممن أبي البيعة ليزيد بن معاوية وفر إلى مكة ولم يدع إلى نفسه لكن لم يبايع فوجد عليه يزيد وجدا شديدا فلما مات يزيد

212

بويع له بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان وجدد عمارة الكعبة فجعل لها ما بين على قواعد إبراهيم وأدخل فيها ستة أذرع من الحجر لما حدثته خالته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق خارجا عنه إلا الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد فلم تطل مدته فلما مات أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه ثم خرج مروان بن الحاكم فغلب على الشام ثم مصر واستمر إلى أن مات سنة خمس وستنين وقد عهد إلى ابنه عبد الملك والأصح ما قاله الذهبي أن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين بل هو باغ خارجا على ابن الزبير ولا عهده إلىابن بصحيح وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير وأما ابن الزبير فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلب عبد الملك فجهز لقتاله الحجاج في أربعين ألفا فحصره بمكة أشهرا ورمى عليه بالمنجنيق وخذل ابن الزبير أصحابه وتسللوا إلى الحجاج فظفر به وقتله وصلبه وذلك يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى وقيل الآخرة سنة ثلاث وسبعين وأخرج ابن عساكر عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال إني لفوق أبي قبيس حبن وضع المنجنيق على ابن الزبير فنزلت صاعقة كأني أنظر إليها تدور كأنها حمار أحمر فأحرقت من أصحاب المنجنيق نحوا من خمسين رجلا وكان ابن الزبير فارس قريش في زمانه له المواقف المشهودة أخرج أبو يعلى في مسنده عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم ( 1 ) فلما فرغ قال له يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فلما ذهب شربه فلما رجع قال ما صنعت بالدم قال عمدت إلى أخفى موضع فجعلته فيه قال لعلك شربته قال نعم قال ويل للناس منك وويل لك من الناس فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم وأخرج عن نوف البكالى قال إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن

213

الزبير فارس الخلفاء وقال عمرو بن دينار ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير وكان يصلي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه وقال مجاهد ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلفه ابن الزبير ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل يطوف سباحة وقال عثمان بن طلحة كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة لا شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة وكان صيتا إذا خطب تجاوبه الجبال وأخرج ابن عساكر عن عروة أن النابغة الجعدي أنشد عبد الله بن الزبير
حكيت لنا الصديق لما وليتنا
وعثمان والفاروق فارتاح معدم


وسويت بين الناس في الحق فاستوى
فعاد صباحا حالك اللون أسحم

وأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قال أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير وكان كسوتها المسوح والأنطاع وأخرج عن عمر بن قيس قال كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة وكان ابن الزبير يكلم كل أحد منهم بلغته وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت هذا رجل لم يرد الله طرفة عين وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين وأخرج عن هشام بن عروة قال كان أول ما أفصح به عمي عبد الله ابن الزبير وهو صغير السيف فكان لا يضعه من فيه فكان أبوه إذا سمع ذلك منه يقول أماوالله ليكونن لك منه يوم وأيام وأخرج عن أبي عبيدة قال جاء عبد الله بن الزبير الأسدي إلى عبد الله ابن الزبير بن العوام فقال يا أمير المؤمنين إن بيني وبينك رحما من قبل فلانة فقال ابن الزبير نعم هذا كما ذكرت وإن فكرت في هذا أصبت الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة فقال يا أمير المؤمنين إن نفقتي

214

نفدت قال ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم قال يا أمير المؤمنين ناقتي قد نقبت قال أنجد بها تبرد خفها وأرفعها بسبت واخفضها بهلب وسر عليها البردين قال يا أمير المؤمنين إنما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفا لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير إن وراكبها فخرج الأسدي يقول
أرى الحاجات عند أبي خبيب
تكون ولا أمية في البلاد


من الأعياص أو من آل حرب
أغر كغرة الفرس الجواد


وقلت لصحبتي أدنوا ركابي
أفارق بطن مكة في سواد


ومالي حين أقطع ذات عرق
إلى ابن الكاهلية من معاد

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال لم يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس إلىالمدينة قط ولا يوم بدر وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك وأول من حملت إليه الرؤس عبد الله بن الزبير وفي أيام ابن الزبير كان خروج المختار الكذاب الذي ادعى النبوة فجهز ابن الزبير لقتاله إلى أن ظفر به في سنة سبع وستين وققتله لعنه الله مات في أيام ابن الزبير من الأعلام أسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو ابن العاص والنعمان بن بشير وسليمان بن صرد وجابر بن سمرة وزيد بن أرقم وعدي بن حاتم وابن عباس وابو واقد الليثي و زيد بن خالد الجهني وأبو الأسود الدؤلي وآخرون
عبد الملك بن مروان

عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب أبو الوليد ( 1 ) ولد سنة ست وعشرين بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته وبقي متغلبا على مصر والشام

215

ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين فصحت خلافته من يؤمئذ واستوثق له الأمر ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن ودس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة فمرض منها ومات وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة وأخد يتعنت على أهلها ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختم في أعناقهم وأيديهم يذلهم بذلك كأنس وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي فإنا لله وإنا إليه راجعون وفي سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة وسير الحجاج أميرا على العراق وفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر وزيد فيه من جهاته الأربع وفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحيةالمصيصة وكانت غزوة أرمينية وصنهاجة بالمغرب وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط بناها الحجاج وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصيصة وأودية من المغرب وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة أردبيل ومدينة برذعة بناهما عبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق ( 1 ) وحصن الأخرم وفيها كان طاعون الفتيات وسمى بذلك لأنه بدأ في النساء وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال وخلف سبعة عشر ولدا قال أحمد ابن عبد الله العجلي كان عبد الملك أبخر الفم وإنه ولد لستة أشهر وقال ابن سعد

216

كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة وقال يحيى الغساني كان عبد الملك ابن مروان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة بلغني أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة قال إي والله والدماء قد شربتها وقال نافع لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان وقال أبو الزناد فقهاء المدينة سعيد ابن المسيب وعبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وقال ابن عمر ولد الناس أبناء وولد مروان أبا وقال عبدة بن نسي قيل لابن عمر إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا فمن نسأل بعدكم فقال إن لمروان أبنا فيها فأسألوه وقال سحيم مولى أبي هريرة رضي الله عنه دخل عبد الملك وهو شاب على أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة هذا يملك العرب وقال عبيدة بن رياح الغساني قالت أم الدرداء لعبد الملك مازلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك قال وكيف ذاك قالت ما رأيت أحسن منك محدثا ولا أعلم ( 1 ) منك مسمعا وقال الشعبي ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذكرته حديثا إلا وزادني فيه ولا شعرا إلا وزادني فيه وقال الذهبي سمع عبد الملك من عثمان وأبي هريرة وأبي سعيد وأم سلمة وبريرة وابن عمر ومعاوية روى عنه عروة وخالد بن معدان ورجاء ابن حيوة والزهري ويونس بن ميسرة وربيعة بن يزيد وإسماعيل بن عبيد الله وحريز بن عثمان وطائفة وقال بكر بن عبد الله المزني أسلم يهودي أسمه يوسف وكان قرأ الكتب فمر بدار مروان فقال ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار فقلت له إلى متى قال حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان

217

وكان صديقا لعبد الملك بن مروان فضرب يوما على منكبه وقال أتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم فقال دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك فقال أتق الله في أمرهم قال وجهز يزيد جيوش إلى أهل مكة فقال عبد الملك أعوذ بالله أيبعث إلى حرم الله فضرب يوسف منكبه وقيل جيشك إليهم أعظم وقال يحيى الغساني لما نزل مسلم بن عقبة المدينة زرت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إلى جنب عبد الملك فقال لي عبد الملك أمن هذا الجيش أنت قلت نعم قال ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام وإلى ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى ابن ذات النطاقين وإلى من حنكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما والله إن جئته نهارا وجدته صائما ولئن جئته ليلا لتجدنه قائما فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه وقال ابن أبي عائشة أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره فأطبقه وقال هذا آخر العهد بك وقال مالك سمعت يحيى بن سعيد يقول أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد بن المسيب ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم وإنما العابدة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله وقال مصعب بن عبد الله أول من سمى في الإسلام عبد الملك عبد الملك ابن مروان وقال يحيى بن بكير سمعت مالكا يقول أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن وقال مصعب كتب عبد الملك على الدناينر ( قل هو الله أحد ) وفي الوجه الآخر لا إله إلا الله وطوقه بطوق فضة وكتب فيه ضرب بمدينة كذا وكتب خارج الطوق محمد رسول الله أرسله بالهدي ودين الحق

218

وفي الأوائل للعسكري بسنده كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير قل هو الله أحد وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع التاريخ فكتب ملك الروم إنكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكرنبيكم فاتركوه وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك فأرسل إلى خالد بن يزيد ابن معاوية فشاوره فقال حرم دنانيرهم واضرب للناس سككا فيها ذكر الله وذكر رسوله ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين قال العسكري وأول خليفة بخل عبد الملك وكان يسمى رشح الحجارة لبخله ويكنى أبا الذبان لبخره قال وهو أول من غدر في الإسلام وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء وأول من نهى عن الأمر بالمعروف ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال كان مروان بن الحكم ولي العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه فقتله عبد الملك وكان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم
يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد
جربتم الغدر من أبناء مروانا


أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا
يدعون غدرا بعهد الله كيسانا


ويقتلون الرجال البزل ضاحية
لكي يولوا أمور الناس ولدانا


تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا
هواهم في معاصي الله قرآنا

وأخرج بإسناد فيه الكديمي وهو متهم بالكذب وعن ابن جريج عن أبيه قال خطبنا عبد الملك بين مروان بالمدينة بعد قتل الزبير عام حج سنة خمس وسبعين فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فلست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا الخليفة المداهن يعين معاوية ولا الخليفة المأفون يعني يزيد ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى

219

يحكم السيف بيننا وبينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا وإنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية إلا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل ثم قال العسكري وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من رفع يديه على المنبر قلت فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان فإما أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه وقال يوسف بن الماجشون كان عبدالملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسيوف وقال الأصمعي قيل لعبد الملك يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب فقال وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة وقال محمد بن حرب الزيادي قيل لعبد الملك بن مروان من أفضل الناس قال من تواضع عن رفعة وزهد عن قدره وأنصف عن قوة وقال ابن عائشة كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له ولا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك ولا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج

220

وقال المدائني لما أيقن عبد الملك بالموت قال والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا ثم أصنى بنيه بتقوى الله ونهاهم عن الفرقة والإختلاف وقال كونوا بني أم بررة وكونوا في الحرب أحرارا وللمعروف منارا فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها وإن المعروف يبقى أدره وذكره واحلوا في مرارة ولينوا في شدة وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني
إن القداح إذا اجتمعن فرامها
بالكسر ذو حنق وبطش باليد


عزت فلم تكسر وإن هي بددت
فالكسر والتوهين للمتبدد

يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه إلى أن قال وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك فلا تسمعن فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منه إليك وادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا وقال غيره لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد فتمثل بهذا
كم عائد رجلا وليس يعوده
إلا ليعلم هل يراه يموت

فبكى الوليد فقال ما هذا أنحن حنين الأمة إذا أنا مت فشمر وائتزر ( 1 ) والبس جلد النمر وضع سيفك على عاتقك فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه ومن سكت مات بدائه ( قلت ) لو لم يكن من مساوى عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم يهينهم ويذلهم قتلا وضربا وشتما وحبسا وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين مالا يحصى فضلا عن غيرهم وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختما يريد بذلك ذلهم فلا رحمة الله ولا عفا عنه ومن شعر عبد الملك
لعمري لقد عمرت في الدهر برهة
ودانت لي الدنيا بوقع البواتر


فأضحى الذي قد كان مما يسرني
كلمح مضى في المؤمنات الغواتر



221


فيا ليتيني لم أعن بالملك ساعة
ولم أله في لذات عيش نواضر


وكنت كذي طمرين عاش ببلغة
من الدهر حتى زار ضنك المقابر

وفي تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر ولا تغير وجهه قتل عبيد الله بن زياد وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق وفيه عن الأصمعي قال أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية وأسند السلفي في الطيوريات أن عبد الملك بن مروان خرج يوما فلقيته امرأة فقالت يا أمير المؤمنين قال ما شأنك قالت توفي أخي وترك ستمائة دينار فدفع إلى من ميراثه دينار واحد فقيل هذا حقك فعمى الأمر فيها على عبد الملك فأرسل إلى الشعبي فسأله فقال نعم هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان اربعمائة وأما فلها السدس مائة وزوجة فلها الثمن خمس وسبعون واثنى عشر أخا فلهم أربعة وعشرون وبقي لهذه دينار وقال ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال قال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية وقال أبو عبيدة لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها
شمس العداوة حتى يستقاد لهم
وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا

قال خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره ثم قال

222

إن لكل قوم شاعرا وشاعر بني أمية الأخطل وقال الأصمعي دخل الأخطل على عبد الملك فقال ويحك صف لي السكر قال أوله لذة وآخره صداع وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها فقال ما مبلغها قال لملكك يا أمير المؤمنين عندها أهون على من شسع نعلي وأنشأ يقول
إذا ما تديمي علني ثم علني
ثلاث زجاجات لهن هدير

خرجت أجر الذيل تيها كأننى
عليك أمير المؤمنين أمير

قال الثعالبي كان عبد الملك يقول ولدت في رمضان وفطمت في رمضان وختمت القرآن في رمضان وبلغت الحلم في رمضان ووليت في رمضان وأتتني الخلافة في رمضان وأخشى أن أموت في رمضان فلما دخل شوال وأمن مات وممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام ابن عمر وأسماء بنت الصديق وأبو سعيد بن المعلى وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع والعرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والسائب بن يزيد وأسلم مولى عمر وأبو إدريس الخولاني وشريح القاضي وأبان بن عثمان بن عفان والأعشى الشاعر وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة وخالد بن يزيد بن معاوية وزر بن حبيش وسنان بن سلمة ابن المحبق وسويد بن غفلة وأبو وائل وطارق بن شهاب ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن شداد بن الهاد وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وعمرو بن حريث وعمرو بن سلمة الجرمي وآخرون

223


الوليد بن عبد الملك

الوليد بن عبد الملك أبو العباس قال الشعبي كان أبواه يترفانه فشب بلا أدب قال روح بن زنباع دخلت يوما على عبد الملك وهو مهموم فقال فكرت فيمن أوليه أمر العرب فلم أجده فقلت أين أنت من الوليد قال إنه لا يحسن النحو فسمع ذلك الوليد فقالم من ساعته وجمع أصحاب النحو وجلس معهم في بيت ستة أشهر ثم خرج وهو أجهل مما كان فقال عبد الملك أما إنه قد أعذر وقال أبو الزناد كان الوليد لحانا قال علىمنبر المسجد النبوي يا أهل المدينة وقال أبو عكرمة الضبي قرأ الوليد على المنبر يا ليتها كانت القاضية وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك فقال سليمان وددتها والله وكان الوليد جبارا ظالما وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال قال عمر بن عبد العزيز وكان الوليد بالشام والحجاج بالعراق وعثمان بن حبارة بالحجاز وقرة ابن شريك بمصر امتلأت الأرض والله جورا وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن إبراهيم بن أبي زرعة أن الوليد قال له أيحاسب الخليفة قال يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أم داود إن الله جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال ( يا داود ) الآية لكنه أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة وكان مع ذلك يختن الأيتام ويرتب لهم المؤدبين ويرتب للزمني من يخدمه وللاضراء من

224

يقودهم وعمر المسجد النبوي ووسعه ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء وحرم عليهم سؤال الناس وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتم ضبط وقال ابن أبي عبلة رحم الله الوليد وأين مثل الوليد افتتح الهند والأندلس وبني مسجد دمشق وكان يعطيني قطع الفضة ( 1 ) أقمسها على قراء مسجد بيت المقدس ولى الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوال سنة ست وثمانين ففي سنة سبع وثمانين شرع في بناء جامع دمشق وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه وفيها فتحت ببكند وبخارى وسردابية ومطمورة وقميقم وبحيرة الفرسان عنوة وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فوقف يوم النحر غلطا وتألم لذلك وفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة وطوانة وفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة وفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف وكش وشومان ومدائن وحصون من بحر أذربيجان وفي سنة اثنتين وتسعين فتح إقليم الأندلس بأسره ومدينة أرماييل وقتربون وفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الديبل وغيرها ثم الكرح وبرهم وباجة والبيضاء وخوارزم وسمرقند والصغد وفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل وفرغانة والشاش وسندرة وغيرها وفي سنة خمس وتسعين فتحت الموقان ومدينة الباب وفي سنة ست وتسعين فتحت طوس وغيرها وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الاخرة وله إحدى وخمسون سنة

225

قال الذهبي أقام الجهاد في أيامه وفتحت فيها الفتوحات العظيمة كأيام عمر بن الخطاب قال عمر بن عبدالعزيز لما وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض في أكفانه يعنى ضرب الأرض برجله ومن كلام الوليد لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا يفعل هذا مات في أيام الوليد من الأعلام عتبة بن عبد السلمي والمقدام بن معدي كرب وعبد الله بن بشر المازني وعبد الله بن أبي أوفى وأبو العالية وجابر بن زيد وأنس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن يزيد والسائب بن خلاد وخبيب بن عبد الله بن الزبير وبلال بن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير شهيدا قتله الحجاج لعنه الله وإبراهيم النخعي ومطرف وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والعجاج الشاعر وآخرون
سليمان بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك أبو أيوب كان من خيار ملوك بني أمية ولى الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الأخرة سنة ست وتسعين روى قليلا عن أبيه وعبد الرحمن بن هبيرة روى عنه ابن عبد الواحد والزهري وكان فصيحا مفوها مؤثرا للعدل محبا للغزو ومولده سنة ستين ومن محاسنه أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير فكان يمتثل

226

أوامره في الخير فعزل عمال الحجاج وأخرج من كان في سجن العراق وأحيا الصلاة لأول مواقيتها وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير قال ابن سيرين يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز وكان سليمان ينهى عن الغناء وكان من الأكلة المذكورين أكل في مجلس سبعين رمانة وخروفا وست دجاجات ومكوك زبيب طائفي قال يحيى الغساني نظر سليمان في المرآة فأعجبه شبابه وجماله فقال كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وكان أبو بكر صديقا وكان عمر فاروقا وكان عثمان حييا وكان معاوية حليما وكان يزيد صبورا وكان عبد الملك سائسا وكان الوليد جبارا وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين وفتح في أيامه حرجان وحصن الحديد وسردانية وشقى ( 1 ) وطبرستان ومدينة السفالبة مات في أيامه من الأعلام قيس بن أبي حازم ومحمود بن لبيد والحسن بن الحسين ابن علي وكريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن الأسود النخعي وآخرون قال عبد الرحمن بن حسان الكناني مات سليمان غازيا بدابق فلما مرض قال لرجاءبن حيوة من لهذا الأمر بعدي استخلف ابني قال ابنك غائب قال فابني الآخر قال صغير قال فمن ترى قال أرى أن تستخلف عمر بن عبدالعزيز قال أتخوف إخوتي لا يرضون قال تولى عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك وتكتب كتابا وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوما قال لقد رأيت فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد ودفعه إلى

227

رجاء وقال أخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوما فخرج فقال إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب قالوا ومن فيه قال هو مختوم لا تخبروا بمن فيه حتى يموت قالوا لا نبايع فرجع إليه فأخبره فقال انطلق إلى صاحب الشرط والحرس فاجمع الناس ومرهم بالبيعة فمن أبى فاضرب عنقه فبايعوا قال رجاء فبينما أنا راجح إذا هشام فقال لي يا رجاء قد علمت موقعك منا وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئا ما أدرى ما هو وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني فإن يكن قد عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر فقلت سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه لا يكون ذلك ابدا ثم لقيت عمر بن عبد العزيز فقال لي يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل أتخوف أن يكون قد جعلها إلي ولست أقوم بهذا الشأن فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حيا قلت سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه ثم مات سليمان وفتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز فتغيرت وجوه بني عبدالملك فلما سمعوا وبعده يزيد بن عبد الملك تراجعوا فأتوا عمر فسلموا عليه بالخلافة فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه فجلس طويلا لا يتكلم فقال لهم رجاء ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه فبايعوه ومد يده إليهم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أني لست بفارض ( 1 ) ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم وإن هم أبوا فلست لكم بوال ثم نزل فأتاه صاحب المراكب فقال ما هذا قال مركب الخليفة قال لا حاجة لي فيه

228

أئتوني بدابتي فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار قال رجاء كنت أظن أنه سيضعف فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوي يروى أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام فقال له يا سليمان يا ابن اللخناء ففتح مروان فاه ليجيبه فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه وقال أنشدك الله إمامك وأخوك وله السن فسكت وقال قتلتني والله لقد زدت في جوفي أحر من النار فما أمسى حتى مات وأخرج ابن أبي الدنيا عن زياد بن عثمان أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب فقال يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين قال سفيان الثوري الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعمر بن عبد العزيز أخرجه أبو داود في سننه ولد عمر بحلوان قرية بمصر وأبوه أمير عليها سنة إحدى وقيل ثلاث وستين وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان بوجه عمر شجه ضربته دابة في جبهته وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد ( 1 ) أخرجه ابن عساكر

229

وكان عمر بن الخطاب يقول من ولدي رجل بوجهه شجه يملأ الأرض عدلا أخرج الترمذي في تاريخه فصدق ظن أبيه فيه وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال ليت شعري أمن ذوالشين ( 1 ) من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا وأخرج عن ابن عمر قال كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه وأنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابن قارظ ويوسف بن عبد الله بن سلام وعامر بن سعد وسعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن والربيع بن سمرة وطائفة روى عنه الزهري ومحمد بن المنكدر ويحيى بن سعيد الأنصاري ومسلمة ابن عبد الملك ورجاء بن حيوة وخلائق كثيرون جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فمكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوجه ابنته فاطمة وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا إلا أنه كان يبالغ في التنعم فكان الذي يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية فلما ولى الوليد الخلافة أمر عمر على المدينة فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وعزل فقدم الشام ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يعهد إلى ولده فأطاعه كثير من الأشراف طوعا وكرها فامتنع عمر بن عبد العزيز وقال

230

لسليمان في أعناقنا بيعة وصمم فطين عليه الوليد ( 1 ) ثم شفع فيه بعد ثلاث فأدركوه وقد مالت عنقه فعرفها له سليمان فعهد إليه بالخلافة قال زيد بن أسلم عن أنس رضي الله عنه ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة قال زيد بن أسلم فكان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في سننه وغيره وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال هو نجيب بني أمية وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده وقال ميمون بن مهران كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة وأخرج ابو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال خرج عمر ابن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكىء على يده فقلت في نفسي إن هذا الشيخ جاف فلما صلى ودخل لحقته فقلت أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان يتكىء على يدك قال يا رياح رأيته قلت نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها وأخرج أيضا عن أبي هاشم أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس فقال لك يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين لأبي بكر وعمر فاستخلف له عمر بالله لرأيت هذا فخلف له فبكى عمر

231

بويع بالخلافة بعهد من سليمان وفي صفر سنة تسع وتسعين كما تقدم فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلاف الصديق رضي الله عنه عملا فيها الأرض عدلا ورد المظالم وسن السنن الحسنة ولما قرىء كتاب العهد باسمه عقر وقال والله إن هذا الأمر ما سألته الله قط وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى وقال ائتوني ببغلتي قال الحكم بن عمر شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها قال ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد واجعل أثمانها في مال الله تكفيني بغلتي هذه الشهباء وقال عمر بن ذر لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه مالي أراك مغتما قال لمثل ما أنا فيه فليغتم ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلى فيه ولا طالبه مني وعن عمر بن مهاجر وغيره أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ألا وإني لست بفارض ( 1 ) ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملآ وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعن الزهري قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات فكتب إليه بالذي سأل وكتب إليه أنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك كنت عند الله خيرا من عمر وعن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال يا أبا فلان أتخشى علي قال كيف حبك للدرهم قال لا أحبه قال لا تخف فإن الله سيعينك وعن مغيرة قال جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم

232

ويزوج منها أيمهم وإن فاطمةسألته أن يجعلها لها فأبى فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمرا منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ليس لي بحق وإن أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الليث قال لما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم وقال أسماء بن عبيد دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناه ولى عيال وضيعة أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي فقال عمر أحبكم من كفانا مؤنته ثم قال له أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك وقال فرات بن السائب قال عمر بن عبد العزيز لأمرأته فاطمة بنت عبد الملك وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك فإنه أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد قالت لا بل اختارك عليه وعلى أضعافه فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين فلما مات عمر واستخلف يريد قال لفاطمة إن شئت رددته إليك قالت لا والله لا أطيب به نفسا في حياته وأرجع فيه بعد موته وقال عبد العزيز ( 1 ) كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل فكتب إليه عمر إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام وقال إبراهيم الكوني قال عمر بن عبد العزيز ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله وقال قيس بن جبير مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون

233

وقال ميمون بن مهران إن الله كان يتعاهد الناس بنبي بعد نبي وإن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز وقال وهب بن منبه إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبدالعزيز وقال محمد بن فضالة مر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله وقال أتدري لم نزلت إليك قال لا قال لحق أبيك إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية ذي العقدة وذي الحجة والمحرم ابي بكر وعمر وعثمان ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز وقال حسن القصاب رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر ابن عبد العزيز فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها فقال الراعي إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس وقال مالك بن دينار لما ولي عمر عبد العزيز قالت رعاء الشاء من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدله كف الذئاب عن شائنا وقال موسى بن أعين كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة وقال الوليد بن مسلم بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال أتاني آت في المنام فقال إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز فأتاني ثلاث مرات في المنام فارتحلت إليه فبايعته وعن حبيب بن هند الأسلمي قال قال لي سعيد بن المسيب إنما الخلفاء ثلاثة أبو بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز قلت له أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن

234

عمر قال إن عشت أدركته إن مت كان بعدك قلت ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر وقال ابن عون كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال نهى عنه إمام الهدى يعني عمر بن عبد العزيز وقال الحسن إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم وقال مالك بن دينار الناس يقولون مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها وقال يونس بن أبي شبيب شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزه إزاره لغائبه في عكنه ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت وقال ولده عبد العزيز سألني أبو جعفر المنصور كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه قلت أربعين ألف دينار قال فكم كانت حين توفي قلت اربعمائة دينار ولو بقي لنقصت وقال مسلمة بن عبد الملك دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك ألا تغسلون قميصه قالت والله ما له قميص غيره قال أبو أمية الخصى غلام عمر دخلت يوما على مولاتي فغدتني عدسا فقلت كل يوم عدس قالت يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين قال ودخل عمر الحمام يوما فأطلى فولى عانته بيده قال ولما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير وقال إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم فأتيتهم فقالوا لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه وقال عون بن المعمر دخل عمر على امرأته فقال يا فاطمة عندك درهم

235

اشترى به عنبا فقالت لا وقالت وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا قال هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم وقالت فاطمة امرأته ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه وقال سهل بن صدقة لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء فسألوا عن ذلك فقالوا إن عمر خير جواريه فقال قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أحب أن امسكه أمسكته وإن لم يكن مني إليها حاجة فبكين إيا سامنه قالت فاطمة امرأته كان إذ دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع وقال الوليد بن ابي السائب ما رأيت أحدا قط أخوف من عمر وقال سعيد بن سويد صلى عمر بالناس الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند القدرة وقال ميمون بن مهران سمعت عمر يقول لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعا من الدنيا فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا وقال إبراهيم بن ميسرة قلت لطاوس هو المهدي يعنى عمر بن عبد العزيز قال هو مهدي وليس به إنه لم يستكمل العدل كله وقال عمر بن أسيد والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح بماله كله قد أغنى عمر الناس وقال جويرية دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنها فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت لو كان بقى لنا ما احتجنا بعد إلى أحد

236

وقال عطاء بن أبي رباح حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته فقالت يا أمير المؤمنين ألشيء حدث قال يا فاطمة أني تقلدة من امر أمة محمد صلىالله عليه وسلم أسودها وأحمرها فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربى سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت أن لاتثبت لي حجة فبكيت وقال الأوزاعي إن عمر بن عبد العزيز كان جالسا في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال أتحبون أن أولى كل رجل منكم جندا فقال رجل منهم لم تعرض علينا ما لا تفعله قال ترون بساطي هذا إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم هيهات لكم هيهات فقالوا له لم أمالنا قرابة أمالنا حق قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سوءا إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته وقال حميد أملي علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ ثم شكا الحاجة والعيال فأمر بعطائه وقال الأوزاعي كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه وقال جويرية بن أسماء قال عمر بن العزيز إن نفسي تواقة لم تعط من الدنيا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه يعني الجنة وقال عمرو بن مهاجر كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي كان عمر يلبس الفروة الكبل وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين

237

وقال عطاء الخراساني أمر عمر غلامه أن يسخن له ماء فانطلق فسخن قمقما في مطبخ العامة فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطبا يضعه في المطبخ وقال عمر بن مهاجر كان عمر يسرج عليه المشعة ما كان في حوائج المسلمين فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه وقال الحكم بن عمر كان للخليفة ثلثمائة حرسى وثلثمائة شرطي فقال عمر للحرس إن لي عنكم بالقدر حاجزا وبالأجل حارسا من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله وقال عمرو بن مهاجر اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فقال ما أطيب ريحه وأحسنه أرفعه يا غلام للذي أتى به واقرىء فلانا السلام وقل له إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب فقلت يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل الهدية فقال ويحك إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة وقال إبراهيم بن ميسرة ما رأيت عمر بن عبدالعزيز ضرب أحدا في خلافته غير رجل تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط وقال الأوزاعي لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري علهيم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك فقال لن يتسع مالي لكم وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد وقال أبو عمر كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس وقال يحيى الغساني لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبا فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فكتب إلى أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصحلهم الله قال يحيى

238

ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقبا وقال رجاء بن حيوة سمرت ليلة عند عمر فغشى السراج وإلى جانبه وصيف قلت ألا أننهه قال لا قلت أفلا أقوم قال ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز وقال نعيم كاتبه قال عمر إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة وقال مكحول لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر ابن عبد العزيز وقال سعيد بن أبي عروبة كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله وقال عطاء كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جنازة وقال عبيد الله بن العيزار خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين فقال أيها الناس أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لعرق له في الموت والسلام عليكم وقال وهيب بن الورد اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك قل لأبيك إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا وإن أباك قد حرمنا ما في يديه فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم وقال الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم فإنهم خير منكم وأعلم وقال قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه فكتب إلى عون بن عبد الله وكان خصيصا بعمر

239


يا أيها القارىء المرخي عمامته
هذا زمانك إني قد مضى زمني


أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
أتى لدي الباب كالمصفود في قرن

وقال جويرية بن أسماء لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال من كانت الخلافة شرفته فقد شرفتها ومن كانت زانته فقد زنتها وأنت كما قال مالك بن أسماء
وتزيدين أطيب الطيب طيبا
أن تمسيه أين مثلك اينا


وإذا الدر زان حسن وجوه
كان للدر حسن وجهك زينا

قال جعونة لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثنى عليه فقال يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه قال لا قال ولم وأنت تثنى عليه قال أخاف أن يكون زين في عيني منه مازين في عين الوالد من ولده وقال غسان عن رجل من الأزد قال رجل لعمر بن عبد العزيز أوصني قال أوصيك بتقوى الله وإيثاره تخف عنك المؤنة وتحسن لك من الله المعونة وقال أبو عمرو دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها ومشى إلهيا ثم أجلسها في مجسله وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلا قضاها وقال الحجاج بن عنبسة اجتمع بنو مروان فقالوا لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح فنظر إليه عمر فوصل له رجل كلامه بالمزاح فقال لهذا اجتمعتم لأخس الحديث ولما يورث الضغائن إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث وقال إياس بن معاوية بن قرة ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة يعمل بها يعنى لا يجد من يعينه وقال عمر بن حفص قال لي عمر بن عبد العزيز إذا سمعت كلمة من امرىء مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير

240

وقال يحيى الغساني كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية ويقول ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة فآتى سليمان بحروري فقال له سليمان هيه فقال الحروري وماذا أقول يا فاسق بن الفاسق فقال سليمان علي بعمر ابن عبد العزيز فلما جاء قال اسمع مقالة هذا فأعادها الحروري فقال سليمان لعمر ماذا ترى عليه فسكت قال عزمت عليك لتخبرني بماذا ترى عليه قال أرى عليه أن تشتمه كما شتمك قال ليس الأمر كذلك فأمر به سليمان فضربت عنقه وخرج عمر فأدركه خالد صاحب الحرس فقال يا عمر كيف تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك والله لقد كنت متوقعا أن يأمرني بضرب عنقك قال ولو أمرك لفعلت قال إي والله فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس فقال عمر يا خالد ضع هذا السيف عنك وقال اللهم إني قد وضعت لك خالدا فلا ترفعه أبدا ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري وقال يا عمرو والله لتعلمن أنه ما بيني وبينك قرابة الا قرابة الإسلام ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة وأنت رجل من الأنصار خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي وقال شعيب حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فقال يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها فقال أبوه رحمك الله وجزاك من ولد خيرا يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا على فتقا يكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمه من دم أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة

241

وقال معمر قال عمر بن عبد العزيز قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع وقال أرطأة بن المنذر قيل لعمر بن عبد العزيز لو اتخدت حرسا واحترزت في طعامك وشرابك فقال اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي وقال عدي بن الفضل سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب فقال اتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته وقال أزهر رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وعليه قميص مرقوع وقال عبد الله بن العلاء سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها ويفتتحها بسبع كلمات الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ثم يوصى بتقوى الله ويتكلم ثم يختم خطبته الأخيرة بهؤلاء الآيات ( يا عبادي الذين أسرفوا ) إلى تمامها وقال حاجب بن خليفة البرجمي شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته ألا إن ماسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحباه فهو دين تأخذ به وتنتهي إليه وما سن سواهما فإنا نرجثه أسند جميع ما قدمته أبو نعيم في الحلية وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد والناس يسلمون عليه ويقولون تقبل الله منا ومنك

242

يا أمير المؤمنين فيرد عليهم ولا ينكر عليهم قلت هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر وأخرج عن جعونة قال ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال أقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم ولا تكن في أولهم فتقتل ولا في آخرهم فتفشل ولكن كن وسطا حيث يرى مكانك ويسمع صوتك وأخرج عن السائب بن محمد قال كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم والسلام وأخرج عن أمية بن زيد القرشي قال كان عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب فأذكر أن في الكتاب مكتوبا أتق غضبه الملك الشاب فأرفق به حتى يذهب غضبه فيقول لي بعد ذلك لا يمنعك يا صالح ما ترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته وأخرج عن صالح بن جبير قال ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب فأذكر أن في الكتاب مكتوبا أتق غضبه الملك الشاب فأرفق به حتى يذهب غضبه فيقول لي بعد ذلك لا يمنعك يا صالح ماترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته وأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال قدم جرير بن عطية بن الخطفي علي عمر بن عبد العزيز فذهب ليقول فنهاه عمر فقال إنما أذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاذكره فقال
إن الذي أبتعث النبي محمدا
جعل الخلافة للأمير العادل


رد المظالم حقها بيقينها
عن جورها وأقام ميل المائل



243


والله أنزل في القران فريضة
لابن السبيل وللفقير العائل


إني لأرجو منك خيرا عاجلا
والنفس مغرمة بحب العاجل

فقال له عمر ما أجد لك في كتاب الله حقا قال بلى يا أمير المؤمنين إنني ابن سبيل فأمر له من خاصة ماله بخمسين دينارا وفي الطويريات أن جرير بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز فسأله عمر عن حال ابنه ثم قال له علمه الفقه الأكبر قال وما الفقه الأكبر قال القناعة وكف الأذى وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي قال دعاني عمر بن عبد العزيز فقال صف لي العدل فقلت بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابنا وللمثل منهم أخا وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتعد من العادين وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار حتى كان يتوضأ من السكر وأخرج عن وهيب أن عمر بن عبد العزيز قال من عد كلامه من عمله قل كلامه وقال الذهبي أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال لقد كان ضالا فهديتني فقال عمر اللهم إن كان صادقا وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه فنفذت فيه دعوته فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك وقطعت أربعته وصلب بدمشق في القدر وقال غيره كان بنو أمية يسبون علي بن ابي طالب في الخطبة فلما ولى عمر ابن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله وقرأ مكانه ( إن الله يأمر بالعدل

244

والإحسان الآية فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن وقال القالي في أماليه حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن عبيد قال قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته
أنه الفؤاد عن الصبا
وعن انقياد للهوى


فلعمر ربك إن في
شيب المفارق والجلا


لك واعظا لو كنت تتعظ اتعاظ ذوي النهى


حتى متى لا ترعوى
وإلى متى وإلى متى


ما بعد أن سميت كهلا
واستلبت اسم الفتى


بلى الشباب وأنت
إن عمرت رهن للبلى


وكفى بذلك زاجرا
للمرء عن غي كفى

( فائدة قال الثعالبي في لطائف المعارف كان عمر بن الخطاب أصلع وعثمان وعلي ومروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز ثم انقطع الصلع عن الخلفاء فائدة قال الزبير بن بكار قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز
بنت الخليفة والخليفة جدها
أخت الخلائف والخليفة زوجها

قال فلم تكن امرأة تستحق هذا النسب إلى يومنا هذا غيرها قلت ولا يقال في غيرها هذا إلى يومنا هذا
ذكر مرضه ووفاته

قال أيوب قيل لعمر بن عبد العزيز لو أتيت المدينة فإن مت دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلا

245

وقال وليد بن هشام قيل لعمر في مرضه ألا نتداوى فقال لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت وقال عبيد بن حسان لما احتضر عمر بن العزيز قال اخرجوا عني فقعد مسلمة وفاطمة على الباب فسمعوه يقول مرحبا بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قال ( تلك الدار الآخرة ) الآية ثم هدأ الصوت فدخلوا فوجدوه قد قبض رضي الله عنه وقال هشام لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري مات خير الناس وقال خالد الربعي إنا نجد في التوراة أن السموات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا وقال يوسف بن ماهك بينا نحن نسوى التراب على قبر عمر بن عبدالعزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار وقال قتادة كتب عمر بن عبد العزيز إلى ولي العهد من بعده بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى يزيد بن عبد الملك سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إلا هو أما بعد فإني كتبت وأنادنف من وجعي وقد علمت أني مسئول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ولست أستطيع أن أخفى عليه من عملي شيئا فإن رضى عني فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل وإن سخط علي فيا ويح نفسي إلى ما أصبر أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته وإن يمن علي برضوانه والجنة فعليك بتقوى الله الرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا والسلام أسند هذا كله أبو نعيم في الحلية

246

توفي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بدير سمعان بكسر السين من أعمال حمص لعشر بقين وقيل لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر وكانت وفاته بالسم كانت بنو أمية قد تبرموا به لكونه شدد عليهم وأنتزع من أيديهم كثير مما غصبوه وكان قد أهمل التحرز فسقوه السم قال مجاهد قال لي عمر بن عبد العزيز ما يقول الناس في قلت يقولون مسحور قال ما أنا بمسحور وإني لأعلم الساعة التي سقيت فيها ثم دعا غلاما له فقال له ويحك ما حملك على أن تسقيني السم قال ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق قال هاتها قال فجاء بها فألقاها في بيت المال وقال اذهب حيث لا يراك أحد مات في أيامه من الإعلام أبو أمامة سعد بن سهل بن حنيف وخارجة ابن زيد بن ثابت وسالم بن أبي الجعد وبسر بن سعيد وابو عثمان النهدي وأبو الضحى وشهر بن حوشب الشامي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومسلم ابن يسار البصري وعيسى بن طلحة بن عبد الله القرشي التيمي أحد أشراف قريش وعقلائها وعلمائها )
يزيد بن عبد الملك بن مروان

يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو خالد الأموي الدمشقي ولد سنة إحدى وسبعين وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما ولى يزيد قال سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب وقال ابن الماجشون لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد والله ما عمر

247

بأحوج إلى الله مني فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك وقال سليم بن بشير كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين أحتضر سلام عليك أما بعد فإني لا أراني إلا لملبي فالله الله في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك وتقضي إلى من لا يعذرك والسلام وفي سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافه فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك ابن مروان فهزم يزيد وقتل وذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء قال الكلبي نشأت وهم يقولون ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين ويوم العقير بالكرم مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة وممن مات في خلافته من الأعلام الضحاك بن مزاحم وعدي بن أرطاة وأبو المتوكل الناجي وعطاء بن يسار ومجاهد ويحيى بن وثاب مقرىء الكوفة وخالد بن معدان والشعبي عالم العراق وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وأبو قلابة الجرمي وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري وآخرون
هشام بن عبد الملك

هشام بن عبد الملك أبو الوليد ولد سنة نيف وسبعين واستخلف بعهد من أخيه يزيد قال مصعب الزبيري رأىعبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات فسأل سعيد بن المسيب فقال يملك من ولده لصلبه أربعة فكان آخرهم هشام وكان هشام حازما عاقلا كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون قسامة لقد أخذ من حقه ولقد أعطى لكل ذي حق حقه وقال الأصمعي أسمع رجل مرة هشاما كلاما فقال له يا هذا ليس لك أن تسمع خليفتك قال وغضب مرة على رجل فقال والله لقد هممت أن أضربك سوطا

248

وقال سحبل بن محمد ما رأيت أحدا من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام وعن هشام أنه قال ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئا واحدا أخا أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه وقال الشافعي لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوما لا يأتيه فيه غم فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور فأوصلت إليه فقال ولا يوما واحدا وقيل إن هذا البيت له ولم يحفظ له سواه
إذا أنت لم تعص الهوى فادك الهوى
إلى بعض ما فيه عليك مقال

مات في ربيع الاخر سنة خمس وعشرين ومائة وفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف وفي سنة ثمان فتحت خنجرة ( 1 ) على يد البطال الشجاع ( 2 ) المشهور وفي سنة أثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية وممن مات في أيامه من الأعلام سالم بن عبد الله بن عمر وطاوس وسليمان ابن يسار وعكرمة مولى ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكثير عزة الشاعر ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبو الطفيل عامر بن وائلة الصحابي آخرهم موتا وجرير والفرزدق وعطية العوفي ومعاوية بن قرة ومكحول وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر الباقر ووهب بن منبه وسكينة بنت الحسين والأعرج وقتادة ونافع مولى ابن عمر وابن عامر مقرىء الشام وابن كثير مقرىء مكة وثابت البناني ومالك بن دينار وابن محيصن المقرىء وابن شهاب الزهري وخلائق آخرون ومن أخبار هشام أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال اراد هشام ابن عبد الملك أن يوليني خراج مصر فأبيت فغضب حتى اختلج وجهه وكان في

249

عينيه الحول فنظر إلى نظر منكر وقال لتلين طائعا أو لتلين كارها فأسكت عن الكلام حتى سكن غضبه فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم قال نعم قلت إن الله قال في كتابه العزيز ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ) الآية فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن وما أنا بحقيق أن تغضب على إذ أبيت وتكرهني إذا كرهت فضحك وأعفاني وأخرج عن خالد بن صفوان قال وفدت على هشام بن عبد الملك فقال هات يا ابن صفوان قلت إن ملكا من الملوك خرج متنزها إلى الخورنق وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة فنظر وقال لجلسائه لمن هذا قالوا للملك قال فهل رأيتم أحدا أعطى مثل ما أعطيت وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال إنك قد سألت عن أمر افتأذن لي بالجواب قال نعم قال أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك قال كذا هو قال فتعجب بشيء يسير لاتكون فيه إلا قليلا وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حسابا قال ويحك فأين المهرب وأين المطلب وأخذته قشعريرة قال إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله بماساءك وسرك وإما أن تنخلع من ملكك وتضع تاجك وتلقى عنك أطمارك وتعبد ربك قال إني مفكر الليل وأوافيك السحر فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال إني أخترت هذا الجبل وفلوات الأرض وقد لبست على أمساحي فإن كنت لي رفيقا لا تخالف فلزما الجبل حتىماتا وفيه يقول عدي بن زيد العبادي ( 1 )
أيها الشامت المعير بالدهر
أأنت المبرأ الموفور


أم لديك العهد الوثيق من الأيام
بل أنت جاهل ومغرور


من رأيت المنون خلدن أم من
ذا عليه من أن يضام خفير


أين كسرى كسرى الملوك أبوسا
سان أم أين قبله سابور



250


وبنو الأصفر الكرام ملوك
الروم لم يبق منهم مذكور


وأخو الحضر إذ بناه وإذ
دجلة تجبي إليه والخابور


شاده مرمرا وجلله كلسا
فللطير في ذراه وكور


لم يهبه ريب المنون فباد
الملك عنه فبابه مهجور


وتذكر رب الخورنق إذ
أشرف يوما وللهدي تذكير


سره ماله وكثرة مايملك
والبحر معرض والدير


فارعوي قلبه وقال وما
غبطة حي إلى الممات يصير


ثم بعد الفلاح والملك
والأمة وارتهم هناك القبور


ثم صاروا كأنهم ورق جف
فألوت به الصبا والدبور

قال فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وأمر بابنتيه وطى فرشه ولزم قصره فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا ما أردت إلى أمير المؤمنين أفسدت عليه لذته فقال إليكم عني فإني عاهدت الله أن لا أخلو بملك إلا ذكرته الله تعالى
الوليد بن يزيد بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الفاسق أبو العباس ولد سنة تسعين فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي فعقد لأخيه هشام وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الاخر سنة خمس وعشرين ومائة وكان فاسقا شريبا للخمر منتهكا حرمات الله أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه وخرجوا عليه فقتل في جمادى الاخر سنة ست وعشرين وعنه أنه لما حوصر قال ألم أزد في أعطياتكم ألم أرفع عنكم المؤن ألم أعط فقراءكم فقالوا ما ننقم عليك في أنفسنا لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات اولاد أبيك واستخفافك بأمر الله ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح فنظر إليه

251

أخوه سليمان بن يزيد فقال بعدا له أشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا فاساقا ولقد راودني على نفسي وقال المعافي الجريري جمعت شيئا من أخبار الوليد ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله وقال الذهبي لم يصح عن الوليد كفر ولازندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط فخرجوا عليه لذلك وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل كان زنديقا المهدي مه خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق وقال مروان بن أبي حفصة كان الوليد من أجمل الناس وأشدهم وأشعرهم وقيل أبو الزناد كان الزهري يقدح أبدا عند هشام في الوليد ويعيبه ويقول ما يحل لك إلا خلعه فما يستطيع هشام ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به وقال الضحاك بن عثمان أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده فقال الوليد
كفرت يدا من منعم لو شكرتها
جزاك بها الرحمن بالفضل والمن (1)


رأيتك تبنى جاهدا في قطيعتي
ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبنى


أراك على الباقين تجنى ضغينة
فيا ويحهم إن مت من شر ما تجنى


كأني بهم يوما وأكثر قيلهم
ألا ليت أنا حين ياليت لا تغني

وقال حماد الراوية كنت يوما عند الوليد فدخل عليه منجمان فقالا نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين قال حماد فأردت أن أخدعه فقلت كذبا ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة فأطرق ثم قال لا ما قالا يكسرني ولا ما قلت يغرني والله لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد وقد ورد في مسند أحمد حديث ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه

252

وقال ابن فضل في الله المسالك الوليد بن يزيد الجبار العنيد لقبا ما عداه ولقما ( 1 ) سلكه فما هداه فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعائب يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار ويرديهم العار وبئس الورد المورود والمورد المردى في ذلك الموقف المشهود رشق المصحف بالسهام وفسق ولم يخف الآثام وأخرج الصولى عن سعيد بن سليم قال أنشد ابن ميادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه
فضلتم قريشا غيرآل محمد
وغير بني مروان أهل الفضائل

فقال له الوليد أراك قد قدمت علينا آل محمد فقال ابن ميادة ما أراه يجوز غير ذلك وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد ايضا من قصيدة طويلة
هممت بقول صادق أن أقوله
وإني على رغم العداة لقائله


رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
شديدا بأعباء الخلافة كاهله


يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد

يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك لقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم وثب على الخلافة وقتل ابن عمه الوليد وتملك وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم فلهذا قال يزيد يفتخر
أنا ابن كسرى وأبي مروان
وقيصر جدي وجدي خاقان

قال الثعالبي أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه ولما قتل يزيد الوليد قام خطيبا فقال أما بعد إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا طمعا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضبالله ولدينه وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

253

حين درست معالم الهدى وطفى نور أهل التقوى وظهر الجبار المستحل الحرمة والراكب البدعة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم واشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه فأستخرت الله في امري ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي فأراح الله منه البلادوالعباد ولاية من الله ولاحول ولا قوة إلا بالله أيها الناس إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي بليه حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم وإن ملت فلا بيعة لي عليكم وإن رأيتم أحدا أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته وأستغفر الله لي ولكم وقال عثمان بن أبي العاتكة أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد خرج يومئذ بين من صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى وعن أبي عثمان الليثي قال يزيد الناقص يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزد في الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا وقال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي رحمه الله يقول لما ولى يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان ولم يمتنع يزيد بالخلافة بل مات من عامه في سابع ذي الحجة فكانت خلافته ستة اشهر ناقصة وكان عمره خمسا وثلاثين سنة وقيل ستا وأربعين سنة ويقال إنه مات بالطاعون
ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أبو إسحاق بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص فقيل إنه عهد إليه وقيل لا قال برد بن سنان حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر فآناه قطن فقال

254

أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم فغضب فقال أنا أولى بإبراهيم ثم قال يا ابا العلاء إلى من ترى أعهد قلت أمر نهيتك عن الدخول فيه فلا أشير عليك في آخره قال وأغمى عليه حتى حسبته قد مات فقعد قطن فافتعل كتابا بالعهد على لسان يزيد ودعا ناسا فاستشهدهم عليه ولا والله ما عهد يزيد شيئا ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة ثم خلع خرج عليه مروان بن محمد وبويع فهرب إبراهيم ثم جاء وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى مروان وبايع طائعا وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة أثنتين وثلاثين فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح وفي تاريخ ابن عساكر سمع إبراهيم من الزهري وحكى عن عمه هشام وحكى عنه ابنه يعقوب وأمه أم ولد وهو أخو مروان الحمار لأمه وكان خلعه يوم الأثنين لأربع عشرة خلت من صفر سنةسبع وعشرين ومائة وقال المدائني لم يتم لإبراهيم أمر كان قوم يسلمون عليه بالخلافة وقوم يسلمون عليه بالإمرة وأبى قوم أن يبايعوا له وقال بعض شعرائهم
نبايع إبراهيم في كل جمعة
إلا أن أمرا أنت واليه ضائع

وقال غيره كان نقش خاتم إبراهيم إبراهيم يثق بالله
مروان الحمار

مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية أبو عبد الملك بن محمد بن مروان ابن الحكم ويلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم وبالحمار لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه كان يصل السير بالسير ويصبر على مكاره الحرب ويقال في المثل فلان

255

أصبر من حمار في الحروب فلذلك لقب به وقيل لأن العرب تسمي كل مائة سنة حمارا فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار لذلك ولد مروان بالجزيرة وأبوه متوليها سنة أثنتين وسبعين وأمه أم ولد وولى قبل الخلافة ولايات جليلة وافتتح قونية سنة خمس ومائة وكان مشهورا بالفروسية والإقدام والرجلة والدهاء والعسف فلما قتل الوليد وبلغه ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضي المسلمون فبايعوه فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن وسار فحارب إبراهيم فهزمه وبويع مروان وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين واستوثق له الأمر فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص فأخرجه من قبره وصلبه لكونه قتل الوليد ثم أنه لم يتهن بالخلافة لكثرة من خرج عليه منكل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين فخرج عليه بنو العباس وعليهم عبد الله بن علي عم السفاح فسار لحربهم فالتقى الجمعان بقرب الموصل فانكسر مروان فرجع إلى الشام فتبعه عبد الله ففر مروان إلى مصر فتبعه صالح أخو عبد الله فالتقيا بقرية بوصير فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة مات في أيامه من الأعلام السدي الكبير ومالك بن دينار الزاهد وعاصم بن ابي النجود المقري ويزيد بن ابي حبيب وشيبة بن نصاح المقري ومحمد بن المنكدر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرىء المدينة وأبو أيوب السختياني وأبو الزناد وهمام بن منبه وواصل بن عطاء المعتزلي وأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال لما قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي فنظر إليه وغفل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضعه فقال عبد الله بن علي لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك

256


السفاح أول خلفاء بني العباس

السفاح أول خلفاء بني العباس أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ولد سنة ثمان ومائة وقيل سنة أربع بالحميمة من ناحية البلقاء ونشأ بها وبويع بالكوفة وأمه ريطة الحارثية حدث عن أخيه إبراهيم بن محمد إلإمام وروى عنه عمه عيسى بن علي وكان أصغر من أخيه المنصور أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثيا وقال عبيد الله العيشي قال أبي سمعت الأشياخ يقولون والله لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن ولا أفضل عابدا ولا ناسكا منهم قال ابن جرير الطبري كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده فلم يزل ولده يتوقعون ذلك وعن رشدين بن كريب أن ابا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إن عندي علما أريد أن انبذه إليك فلا تطلعن عليه أحدا إن هذا الأمر الذي ترتجيه الناس فيكم قال قد علمته فلا يسمعنه منك أحد وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال لنا ثلاثة أوقات موت يزيد بن معاوية ورأس المائة وفتق بإفريقية

257

فعند ذلك تدعولنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونفضت البربر بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يسمى أحدا ثم وجه ابا مسلم الخراساني وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه ثم لم ينشب ( 1 ) أن مات محمد فعهد إلى أبنه إبراهيم فبلغ خبره مروان فسجنه ثم قتله فعهد إلى أخيه عبد الله وهو السفاح فاجتمع إليه شيعتهم وبويع بالخلافة بالكوفة في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وصلى بالناس الجمعة وقال في الخطبة الحمد لله الذي اصطفى الإسلام ( 2 ) لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والتأثر المبير وكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول إن أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همهم شديدة قلوبهم ولما بلغ مروان مبايعة السفاح خرج لقتاله فانكسر كما تقدم ثم قتل وقتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم مالا يحصى من الخلائق وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب قال الذهبي بدولته تفرقت الجماعة وخرج عن الطاعة ما بين تاهرت

258

وطبنة إلى بلاد السودان وجميع مملكة الأندلس وخرج بهذه البلاد من تغلب عليها واستمر ذلك مات السفاح بالجدري في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلا الأنبار وصيرها دار الخلافة ومن أخبار السفاح قال الصولي من كلامه إذا عظمت القدرة قلت الشهوة وقل تبرع إلا معه حق مضاع وقال إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزما والحلم ذلا وقال إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان والإناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة قال الصولي وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله قال وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن وقل ما يروى له من الشعر وقال سعيد بن مسلم الباهلي دخل عبد الله بن حسن على السفاح مرة والمجلس غاص ببني هاشم والشيعة ووجه الناس ومعه مصحف فقال يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف قال له إن عليا جدك كان خيرا مني وأعدل ولى هذا الأمر أفأعطى جديك الحسن والحسين وكانا خيرا منك شيئا وكان الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك فانصرف ولم يحر جوابا وعجب الناس من جواب السفاح قال المؤرخون في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام وسقط اسم العرب

259

من الديوان وأدخل الأتراك في الديوان واستولت الديلم ثم الأتراك وصارت لهم دولة عظيمة وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر قالوا وكان السفاح سريعا إلى سفك الدماء فأتبعه في ذلك عماله بالمشرق والمغرب وكان مع ذلك جوادا بالمال مات في أيامه من الأعلام زيد بن أسلم وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة وعبد الملك بن عمير ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي وعبد الحميد الكاتب المشهور قتل بيوصير مع مروان ومنصور ابن المعتمر وهمام بن منبه المنصور أبو جعفر عبد الله المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه سلامة البريرية أم ولد ولد سنة خمس وتسعين وأدرك جده ولم يرو عنه وروى عن أبيه وعن عطاء بن يسار وعنه ولده المهدي وبويع بالخلافة بعهد من أخيه وكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزما ورأيا وجبروتا جماعا للمال تاركا اللهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب فقيه النفس قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه وهو الذي ضرب أبا حنيفة رحمه الله على القضاء ثم سجنه فمات بعد أيام وقيل إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه وكان فصيحا بليغا مفوها خليقا للإمارة وكان غاية في الحرص والبخل فلقب أبا الدوانيق لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات أخرج الخطيب عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي

260

قال الذهبي منكر منقطع وأخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي قال الذهبي إسناده صالح وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم وأما المنصور فلا ترد له رأية وأما السفاح فهو يسفح المال والدم وأما المهدي فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما وعن المنصور قال رأيت كأني في الحرم وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الكعبة وبابها مفتوح فنادى مناد أين عبد الله فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة فأدخل فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع ثم نودي أين عبد الله فقمت على الدرجة فأصعدت وإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وبلال فعقد لي وأوصاني بأمته وعمني بعمامة فكان كورها ثلاثة وعشرين وقال خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة تولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومائة فأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهد مملكتهم وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس ( 1 ) واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل وأمه بربرية قال أبو المظفر الأبيوردي فكانوا يقولون ملك الدنيا ابنا بربريتين المنصور وعبد الرحمن بن معاوية

261

وفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد وفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الراوندية ( 1 ) القائلين بالتناسخ قتلهم المنصور وفيها فتحت طبرستان قال الذهبي في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة وفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت فإنا لله وإنا اليه راجعون وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئا واحدا وآذى المنصور خلقا من العلماء ممن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلا وضربا وغير ذلك منهم أبو حنيفة وعبد الحميد بن جعفر وابن عجلان وممن أفى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس رحمه الله وقيل له إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين وفي سنة ست وأربعين كانت غزوة قبرس وفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما فكافأه بأن خلعه مكرها وعهد إلى ولده المهدي

262

وفي سنة ثمان وأربعين توطدت الممالك كلها للمنصور وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار ولم يبق خارجا عنه سوى جزيرة الأندلس فقط فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط وكذلك بنوه وفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد وفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير استاذسيس ( 1 ) واستولى على أكثر مدن خراسان وعظم الخطب واستفحل الشر واشتد على المنصور الأمر وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل فعمل معهم أجشم المروزي مصافا فقتل أجشم واستبيح عسكره فتجهز لحربهم خازم بن خزيمة ( 2 ) في جيش عرمرم يسد الفضاء فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وكانت وقعة مشهورة يقال قتل فيها سبعون ألفا وانهزم استاذسيس فالتجأ إلى جبل وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم وكانوا أربعة عشر ألفا ثم حاصروا استاذسيس مدة ثم سلم نفسه فقيدوه وأطلقوا أجناده وكان عددهم ثلاثين ألفا انتهى وفي سنة أحدى وخمسين بني الرصافة وشيدها وفي سنة ثلاث وخمسين ألزم المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال فكانوا يعلمونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد فقال أبو دلامة
وكنا نرجى من إمام زيادة
فزاد الإمام المصطفى في القلانس


تراها على هام الرجال كأنها
دنان يهود جللت بالبرانس

وفي سنة ثمان وخمسين أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثوري وعباد بن كثير فحبسا وتخوف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحج فلم يوصله الله مكة سالما بل قدم مريضا ومات وكفاهما الله شره وكانت وفاته بالبطن

263

في ذي الحجة ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون وقال سلم الخاسر
قفل الحجيج وخلفوا ابن محمد
رهنا بمكة في الضريح الملحد


شهدوا المناسك كلها وإمامهم
تحت الصفائح محرما لم يشهد

ومن أخبار المنصور أخرج ابن عساكر بسنده أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة فبينا هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرصد فقال زن درهمين قبل أن تدخل قال خل عني فإني رجل من بني هاشم قال زن درهمين فقال خل عني فإني من بني عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زن درهمين قال خل عني فإني رجل قارىء لكتاب الله قال زن درهمين قال خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض قال زن درهمين فلما أعياه أمره وزن الدرهمين فرجع ولزم جمع المال والتدنق فيه حتى لقب بأبي الدوانيق وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال سمعت المنصور يقول الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والملوك أربعة معاوية وعبد الملك وهشام وأنا وأخرج عن مالك بن أنس قال دخلت على أبي جعفر المنصور فقال من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت أبو بكر وعمر قال أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين وأخرج عن إسماعيل الفهري قال سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه وقد جعلني الله عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والاحسان إليكم ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل فإنه سميع مجيب

264

وأخرجه الصولي وزاد في أوله أن سبب هذه الخطبة أن الناس بخلوه وزاد في آخره فقال بعض الناس أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربه وأخرج عن الأصمعي وغيره أن المنصور صعد المنبر فقال الحمد لله أحمده واستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين أذكر من أنت في ذكره فقال مرحبا مرحبا لقد ذكرت جليلا وخوفت عظيما وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالأثم والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت بها وإنما أردت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر فاهون بها من قائلها واهتبلها من الله ويلك إني قد غفرتها وإياكم معشر الناس وأمثالها وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس وأخرج من طرق أن المنصور قال لابنه المهدي يا أبا عبد الله الخليفة لا يصلحه إلا التقوى والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه وقال لا تبر من أمرا حتى تفكر فيه فإن فكرة العاقل مرآته تريه قبيحة وحسنه وقال أي بني استدم النعمة بالشكر والمقدرة بالعفو والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع والرحمة للناس وأخرج عن مبارك بن فضالة قال كنا عند المنصور فدعا برجل ودعا بالسيف فقال المبارك يا أمير المؤمنين سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة قام مناد من عند الله ينادي ليقم الذين أجرهم على الله فلا يقوم إلا من عفا فقال المنصور خلوا سبيله وأخرج عن الأصمعي قال أتى المنصور برجل يعاقبه فقال يا أمير المؤمنين

265

الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ ارفع الدرجتين فعفا عنه وأخرج عن الأصمعي قال لقى المنصور اعرابيا بالشام فقال أحمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت قال إن الله لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل ولا يتكم والطاعون وأخرج عن محمد بن منصور البغدادي قال قام بعض الزهاد بين يدي المنصور فقال إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده فأفحم المنصور وأمر له بمال فقال لو احتجت إلى مالك ما وعظتك وأخرج عن عبد السلام بن حرب أن المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد فجاءه فأمر له بمال فأبى أن يقبله فقال المنصور والله لتقبلنه فقال والله لا أقبله فقال له المهدي قد حلف أمير المؤمنين فقال أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك فقال له المنصور سل حاجتك قال أسألك أن لا تدعوني حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك فقال علمت أني جعلت هذا ولي عهدي فقال يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول وأخرج عن عبد الله بن صالح قال كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد فكتب إليه سوار إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أخرجها من يده إلا ببينة فكتب إليه المنصور والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد فكتب إليه سوار والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التاجر إلا بحق فلما جاءه الكتاب قال ملأتها والله عدلا وصار قضاتي تردني إلى الحق وأخرج من وجه آخر أن المنصور وشيء إليه بسوار فاستقدمه فعطس

266

المنصور فلم يشمته سوار فقال ما يمنعك من التشميت قال لأنك لم تحمد الله فقال قد حمدت الله في نفسي قال شمتك في نفسي قال ارجع إلى عملك فإنك إذ لم تحابيني لم تحاب غيري وأخرج عن نمير المدني قال قدم المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه وأنا كاتبه فاستعدى الجمالون على المنصور في شيء فأمرني أن أكتب اليه بالحضور وإنصافهم فاستعفيت فلم يعفني فكتبت الكتاب ثم ختمته وقال والله لا يمضي به غيرك فمضتيت به إلى الربيع فدخل عليه ثم خرج فقال للناس إن أمير المؤمنين يقول لكم إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا يقومن معي أحد ثم جاء هو والربيع فلم يقم له القاضي بل حل رداءه واجتبى به ثم دعا بالخصوم فادعوا فقضى لهم على الخليفة فلما فرغ قال له المنصور جزاك الله عن دينك أحسن الجزاء قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار وأخرج عن محمد بن حفص العجلي قال ولد لأبي دلامة ابنة فغدا على المنصور فأخبره وأنشد
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
قول لقيل اقعدوا يا آل عباس


ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم
إلى السماء فأنتم أكرم الناس

ثم أخرج أبو دلامة خريطة فقال المنصور ما هذه قال اجعل فيها ما تأمر لي به فقال أملؤها له دراهم فوسعت ألفي درهم وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال قيل للمنصور هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله قال بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث يقول المستملى من ذكرت رحمك الله قال فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر فقال لستم بهم إنما هم الدنسة ثيابهم

267

المشققة أرجلهم الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقله الحديث وأخرج عن عبد الصمد بن علي أنه قال للمنصور لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو قال لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة اليوم خلفاء فليس تتمهد هيبتنا في صدروهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة وأخرج عن يونس بن حبيب قال كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه وأبلغ في كتابه فوقع المنصور في القصة إن الغني والبلاغة إذا اجتمعنا في رجل أبطرتاه وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك فاكتف بالبلاغة وأخرج عن محمد بن سلام قال رأت جارية المنصور قميصه مرقوعا فقالت خليفة وقميصه مرقوع فقال ويحك أماسمعت قول ابن هرمة
قد يدرك الشرف الفتي ورداؤه
خلق وجيب قميصه مرقوع

وقال العسكري في الأوائل كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله رأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا فقال سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه وحدا به سلم الحادي فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة فأجازه بنصف درهم فقال لقد حدوت بهشام فأجازني بعشرة آلاف فقال ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال يا ربيع وكل به من يقبضها منه فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهابا وإيابا بغير شيء وفي كتاب الأوائل للعسكري كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر فدخل على المنصور فأنشده
له لحظات من خفا في سرية
إذا كرها فيها عقاب ونائل


فأم الذي أمنت آمنة الردى
وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل



268

فأعجب به المنصور وقال ما حاجتك قال تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يحدني إذا وجدني سكران فقال لا أعطل حدا من حدود الله قال تحتال لي فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران فأجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين فكان العون إذا مر به وهو سكران يقول من يشتري مائة بثمانين ويتركه ويمضي قال وأعطاه المنصور في هذه المرة عشرة آلاف درهم وقال له يا إبراهيم احتفظ بها فليس لك عندنا مثلها فقال إني ألقاك على الصراط بها بختمة الجهبذ ومن شعر المنصور وشعره قليل
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا


ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة
وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا

وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة فأدخلني منزله فقدم إلىطعاما لا لحم فيه ثم قال يا جارية عندك حلواء قالت لا قال ولا النمر قالت لا فاستلقى وقرأ ( عسى ربكم أن يهلك عدوك ) الآية فلما ولى الخلافة وفدت إليه فقال كيف سلطاني من سلطان بني أمية قلت ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا إلا رأيته في سلطانك فقال إنا لا نجد الأعوان قلت قال عمر بن عبد العزيز إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فإن كان برا أتوه ببرهم وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم فأطرق ومن كلام المنصور الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة خلال إفشاء السر والتعرض للحرم والقدح في الملك أسنده الصولي وقال إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك وإلا فقبلها أسنده أيضا وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال مما يؤثر من ذكاء المنصور أنه

269

دخل المدينة فقال للربيع أطلب لي رجلا يعرفني دور الناس فجاءه رجل فجعل يعرفه الدور إلا أنه لا يبتدىء به حتى يسأله المنصور فلما فارقه أمر له بألف درهم فطالب الرجل الربيع بها فقال ما قال لي شيئا وسيركب فذكره فركب مرة أخرى فجعل يعرفه ولا يرى موضعا للكلام فلما أراد أن يفارقه قال الرجل مبتدئا وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأخوص
يا بيت عاتكة الذي أتعزل
حذر العدي بك الفؤاد موكل ( 1 )

فأنكر المنصور ابتداءه فأمر القصيدة على قلبه فإذا فيها
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم
مذق اللسان يقول مالا يفعل

فضحك وقال ويلك يا ربيع أعطه ألف درهم وأنسد الصولي عن إسحاق الموصلي قال لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولاغناء بل يجلس وبنيه وبين الندماء ستارة وبينهم وبينها عشرون ذراعا وبينهما وبينه كذلك وأول من ظهر للندماء من خلفاء بني العباس المهدي وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال قال المنصور لقثم بن العباس ابن عبد الله بن العباس وكان عامله على اليمامة والبحرين ما القثم ومن أي شيء أخذ فقال لا أدري فقال اسمك اسم هاشمي لا تعرفه أنت والله جاهل قال فإن رأي أمير المؤمنين أن يفيدنيه قال القثم الذي ينزل بعد الأكل ( 2 ) ويقثم الأشياء يأخذها ويثلمها روى أن المنصور ألح عليه ذباب فطلب مقاتل بن سليمان فسأله لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبارين وقال محمد بن علي الخراساني المنصور أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال

270

وقدمهم علىالعرب وكثر ذلك بعده حتىزالت رئاسة العرب وقيادتها وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي وكان قبل ذلك أمرهم واحدا أحاديث من رواية المنصور ) قال الصولي كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب مشهورا بطلبه قال ابن عساكر في تاريخ دمشق حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي حدثنا أبو محمد الجوهري حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن الشخير حدثنا أحمد بن إسحاق أبو بكر الملحمي حدثنا أبو عقيل أنس بن سلم الأنطرطوشي حدثني محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه وقال الصولي حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي حدثنا جهم بن السباق الرياحي حدثني بشر بن المفضل سمعت الرشيد يقول سمعت المهدي يقول سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تأخر عنها هلك وقال الصولي حدثنا محمد بن موسى حدثنا سليمان بن أبي شيخ حدثنا أبو سفيان الحميري سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا أميرا وفرضنا له فرضا فما أصاب من شيء فهو غلول وقال الصولي حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي عن يحيى بن حمزة الحضرمي عن أبيه قال ولأني المهدي القضاء فقال اصلب في الحكم فإن أبي حدثني عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما يقدر أن ينصره فلم يفعل وقال الصولي حدثنا محمد بن العباس ابن الفرج حدثني أبي عن الأصمعي حدثني جعفر بن سليمان عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وقال الصولي حدثنا أبو إسحاق

271

محمد بن هرون بن عيسى حدثناالحسن بن عبيد الله الحصبي حدثنا إبراهيم ابن سعيد حدثني المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن ابيه عن جده عن ابن عباس قال سمعت علي بن أبي طالب يقول لا تسافروا في محاق الشهر ولا إذا كان القمر في العقرب مات في أيام المنصور من الأعلام ابن المقفع وسهيل بن أبي صالح والعلاء ابن عبد الرحمن وخالد بن يزيد المصري الفقيه وداود بن أبي هند وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ويونس بن عبيد وسليمان الأحول وموسى بن عقبة صاحب المغازي وعمرو بن عبيد المعتزلي ويحيى بن سعيد الأنصاري والكلبي وأبو إسحاق وجعفر بن محمد الصادق والأعمش شبل بن عباد مقرىء مكة ومحمد بن عجلان المعدني الفقيه ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن جريج وأبو حنيفة وحجاج بن أرطأة وحماد الراوية ورؤية الشاعر والجريري وسليمان التميمي وعاصم الأحول وابن شبرمة الضبي ومقاتل بن حبان ومقاتل بن سليمان وهاشم بن عروة وأبو عمرو بن العلاء وأشعب الطماع وحمزة بن حبيب الزيات والأوزاعي وخلائق آخرون
المهدي أبو عبد الله محمد بن المنصور

المهدي أبو عبد الله محمد بن المنصور ولد بأيذح سنة سبع وعشرين ومائة وقيل سنة ست وعشرين وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية وكان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين روي الحديث عن أبيه وعن مبارك بن فضالة حدث عنه يحيى بن حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي

272

وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري قال الذهبي وما علمت قيل فيه جرحا ولا تعديلا وأخرج ابن عدي من حديث عثمان مرفوعا المهدي من ولد العباس عمي تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وكان يضع الحديث وأورد الذهبي هنا حديث ابن مسعود مرفوعا المهدي بواطىء أسمه واسمي واسم أبيه اسم أبي أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ولما شب المهدي أمره أبوه علىطبرستان وما والاها وتأدب وجالس العلماء وتميز ثم إن أباه عهد إليه فلما مات بويع بالخلافة ووصل الخبر إليه ببغداد فخطب الناس فقال إن أمير المؤمنين عبد دعى فأجاب وأمر فأطاع واغرورقت عيناه فقال قد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فراق الأحبة ولقد فارقت عظيما وقلدت جسيما فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وبه أستعين على خلافة المسلمين أيها الناس اسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية وتحمدوا العاقبة واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم وطوى الإصر عنكم وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك والله لأفننين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم قال نفطويه لما حصلت الخزائن في يد المهدي أخذ في رد المظالم فأخرج أكثر الذخائر ففرقها وبر أهله ومواليه وقال غيره أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه أبو دلامة فقال
عيناي واحدة ترى مسرورة
بأميرها جذلى وأخرى تذرف


تبكي وتضحك تارة ويسوؤها
ما أنكرت ويسرها ما تعرف


فيسوؤها موت الخليفة محرما
ويسرها أن قام هذا الأرأف


ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى
شعرا أسرحه وآخر ينتف


هلك الخليفة بالدين محمد
وأتاكم من بعد من يخلف


أهدى لهذا الله فضل خلافة
ولذاك جنات النعيم تزخرف



273

وفي سنة تسع وخمسين بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه وفي سنة ستين فتحت أربد ( 1 ) من الهند عنوة وفيها حج المهدي فأنهى إليه حجبه الكعبة أنهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الستار فأمر بها فجردت واقتصر على كسوة المهدي وحمل إلى المهدي الثلج إلى مكة قال الذهبي لم يتهيأ ذلك لملك قط وفي سنة إحدى وستين أمر المهدي بعمارة طريق مكة وبنى بها قصورا وعمل البرك وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام وقصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي سنة ثلاث وستين وما بعدها كثرت الفتوح بالروم وفي سنة ست وستين تحول المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ ( 2 ) وأمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا قال الذهبي وهو أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق وفيها فيما بعدها جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة وفي سنة سبع وستين أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام وأدخل في ذلك دورا كثيرة وفي سنة تسع وستين مات المهدي ساق خلف صيد فاقتحم الصيد خربة وتبعه الفرس فدق ظهره في بابها فمات لوقته وذلك لثمان بقين من المحرم وقيل إنه مات مسموما وقال سلم الخاسر يرثيه

274


وباكية علىالمهدي عبري
كأن بها وما جنت جنونا


وقد خمشت محاسنها وأبدت
غدائرها وأظهرت القرونا


لئن بلى الخليفة بعد عز
لقد أبقى مساعي مابلينا


سلام الله عدة كل يوم
على المهدي حين ثوى رهينا


تركنا الدين والدنيا جميعا
بحيث ثوى أمير المؤمنينا

ومن أخبار المهدي قال الصولي لما عقد المهدي العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة
عقدت لموسى بالرصافة بيعة
شد الإله بها عري الإسلام


موسى الذي عرفت قريش فضله
ولها فضيلتها على الأقوام


بمحمد بعد النبي محمد
حيي الحلال ومات كل حرام


مهدي أمته الذي أمست به
للذل آمنه وللإعدام


موسى ولي عهد الخلافة بعده
جفت بذاك مواقع الأقلام

وقال آخر
يابن الخليفة إن أمة أحمد
تاقت إليك بطاعة أهواؤها


ولتملأن الأرض عدلا كالذي
كانت تحدث أمة علماؤها


حتى تمنى لو ترى أمواتها
من عدل حكمك ما ترى أحياؤها


فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها
وغدا عليك إزارها ورداؤها

وأسند الصولي أن امرأة اعترضت المهدي فقال يا عصبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنظر في حاجتي فقال المهدي ما سمعتها من أحد قط أقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم وقال قريش الختلي رفع صالح بن عبد القدوس البصري إلى المهدي في الزندقة فأراد قتله فقال أتوب إلى الله وأنشده لنفسه

275


ما يبلغ الأعداء من جاهل
ما يبلغ الجاهل من نفسه


والشيخ لا يترك أخلاقه
حتى يواري في ثرى رمسه

فصرفه فلما قرب من الخروج رده فقال ألم تقل والشيخ لا يترك أخلاقه قال بلى قال فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت ثم أمر بقتله وقال زهير قدم على المهدي بعشرة محدثين منهم فرج بن فضالة وغياث ابن إبراهيم وكان المهدي يحب الحمام فلما أدخل غياث قيل له حدث أمير المؤمنين فحدثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعا لا سبق إلا في حافر أو نصل وزاد فيه أو جناح فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم فلما قام قال أشهد أن قفاك قفا كذاب وإنما استجلبت ذلك ثم أمر بالحمام فذبحت وروى أن شريكا دخل على المهدي فقال له لا بد من ثلاث إما أن تلي القضاء أوتؤدب ولدي وتحدثهم أو تأكل عندي أكلة ففكر ساعة ثم قال الأكلة أخف علي فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر وغير ذلك فأكل فقال الطباخ لا يفلح بعدها قال حدثهم بعد ذلك وعلمهم العلم وولى القضاء لهم وأخرج البغوي في الجعديات عن حمدان الأصبهاني قال كنت عند شريك فأتاه ابن المهدي فاستند وسأل عن حديث فلم يلتفت شريك ثم أعاد فعاد فقال كأنك تستخف بأولاد الخلفاء قال لا ولكن العلم أزيد عند أهله من أن يضيعوه فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك هكذا يطلب العلم ومن شعر المهدي ما أنشده الصولي
ما يكف الناس عنا
ما يمل الناس منا


إنما همتهم أن
ينبشوا ما قد دفنا



276


لو سكنا بطن أرض
فلكانوا حيث كنا


وهم إن كاشفونا
في الهوىيوما مجنا

وأسند الصولى عن محمد بن عمارة قال كان للمهدى جارية شغف بها وهى كذلك إلا أنها تتحاماه كثيرا فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت أخاف أن يملنى ويدعنى فأموت فقال المهدى في ذلك
ظفرت بالقلب منى
غادة مثل الهلال


كلما صح لها ود
ى جاءت بعتلال


لا لحب الهجر منى
والتأنى عن وصال


بل لإبقاء على حبى
لها خوف الملال

وله في نديمه عمر بن بزيغ
رب تمم لى نعيمى
بأبى حفص نديمى


إنما لذة عيشى
في غناء وكروم


وحوار عطرات
وسماع ونعيم

قلت شعر المهدى أرق وألطف من شعر ابيه وأولاده بكثير وأسند الصولى عن ابن أبى كريمة قال دخل المهدى إلى حجرة جارية على غفلة فوجدها قد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها فلما رأته غطت بيدها فقصرت كفها عنه فضحك وقال
نظرت في القصر عينى
نظرة وافق حينى

ثم خرج فرأى بشارا فأخبره وقال أجز فقال بشار
سترته إذ رأتنى
دونه بالراحتين


فبدا لى منه فضل
تحت طى الكعنتين

وأسند عن إسحاق الموصلى قال كان المهدى في أول أمره يحتجب عن

277

الندماء تشبيها بالمنصور نحوا من سنة ثم ظهر لهم فأشير عليه ان يحتجب فقال إنما اللذة مع مشاهدتهم وأسند عن مهدى بن سابق قال صاح رجل بالمهدى وهو في موكبه
قل للخليفة حاتم لك خائن
فخف الإله وأعفنا من حاتم


إن العفيف إذا استعان بخائن
كان العفيف شريكه في المأتم

فقال المهدى يعزل كل عامل لنا يدعى حاتم وأسند عن أبى عبيدة قال كان المهدى يصلى بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها فأقيمت الصلاة يوما فقال أعرابي لست على طهر وقد رغبت في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء بانتظارى فقال انتظروه ودخل المحراب فوقف إلى أن قبل قد جاء الرجل فكبر فعجب الناس من سماحة أخلاقه وأسند عن إبراهيم بن نافع أن قوما من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة فقال إن الأرض لله في أيدينا للمسلمين فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافتهم وفي مصلحتهم فلا سبيل لأحد عليه فقال القوم هذا النهر لنا بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قال من أحيا ارضا ميتة فهى له وهذه موات فوثب المهدى عند ذكر النبى صلى الله عليه وسلم حتى ألصق خده بالتراب وقال سمعت لما قال وأطعت ثم عاد وقال بقى أن تكون هذه الأرض مواتا حتى لا أعرض فيها وكيف تكون مواتا والماء المحيط بها من جوانبها فإن أقاموا البينة على هذا سلمت وأسند عن الأصمعى قال سمعت المهدى على منبر البصرة يقول إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال إن الله وملائكته يصلون على النبى الآية آثره من بين الرسل إذ خصكم بها من بين الأمم

278

قلت وهو أول من قال ذلك في الخطبة وقد استسنها الخطباء إلى اليوم ولما مات قال أبو العتاهية وقد علقت المسوح على قباب حرمه
رحن في الموشى وأصبحن
عليهم المسوح


كل نطاح من الدهر
له يوم نطوح


لست بالباقى ولو عمرت
ما عمر نوح


نح على نفسك يا مسكين
إن كنت تنوح

ذكر احاديث من رواية المهدى قال الصولى حدثنى احمد بن محمد ابن صالح التمار حدثنا يحيى بن محمد القرشى حدثنا أحمد بن هشام حدثنا أحمد ابن عبدالرحمن بن مسلم المدائنى وهو ثقة صدوق قال سمعت المهدى يخطب فقال حدثنا شعبة عن على بن زيد عن أبى النضرة عن أبى سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة من العصر الى مغيربان الشمس حفظها من حفظها ونسيها من نسيها فقال إلا إن الدنيا حلوة خضرة الحديث بطوله وقال الصولى حدثنا اسحاق بن ابراهيم القزاز حدثنا اسحاق بن ابراهيم ابن حبيب بن الشهيد حدثنا أبو يعقوب بن حفص الخطابي سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن وفدا من العجم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم فقال النبيى صلى الله عليه وىله وسلم خالفوهم أعفوا لحاكم واحفوا شواربكم وإحفاء الشارب أخذ ما سقط على الشفة منه ووضع المهدى يده على أعلى شفته وقال منصور بن مزاحم ومحمد بن يحيى بن حمزة عن يحيى بن حمزة قال صلى بنا المهدى المغرب فجهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت يا أمير المؤمنين

279

ما هذا قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن إسحاق ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت للمهدى نأثره عنك قال نعم قال الذهبى هذا إسناد متصل لكن ما علمت احدا احتج بالمهدى ولا بأبيه في الأحكام تفرد به محمد بن الوليد مولى بنى هاشم وقال ابن عدى كان يضع الحديث قلت لم ينفرد به بل وجدت له متابعا مات في ايام المهدى من الأعلام شعبة وابن أبى ذئب وسفيان الثورى وإبراهيم بن ادهم الزاهد وداود الطائي الزاهد وبشار بن برد أول شعراء المحدثين وحماد بن سلمة وإبراهيم بن طهمان والخليل بن أحمد صاحب العروض الهادى أبو محمد موسى بن المهدى الهادى أبو محمد موسى بن المهدى بن المنصور وأمه أم ولد بربرية اسمها الخيزران ولد بالرى سنة سبع وأربعين ومائة وبويع بالخلافة بعد أبيه بعهد منه قال الخطيب ولم يل الخلافة قبله أحد في سنة فأقام فيها سنة وأشهرا وكان أبوه أوصاه بقتل الزنادقة فجد في أمرهم وقتل منهم خلقا كثيرا وكان يسمى موسى أطبق لأن شفته العليا كانت تقلص فكان أبوه وكل به في صغره خادما كلما رآه مفتوح الفم قال موسى أطبق فيفيق على نفسه ويضم شفتيه فشهر بذلك قال الذهبى وكان يتناول المسكر ويلعب ويركب حمارا فارها ولا يقيم أبهة الخلافة وكان مع ذلك فصيحا قادرا على الكلام أديبا تعلوه هيبة وله سطوة وشهامة

280

وقال غيره كان جبارا وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة والقسى الموترة فاتبعه عماله به في ذلك وكثر السلاح في عصره مات في ربيع الاخر سنة سبعين ومائة واختلف في سبب موته فقيل إنه دفع نديما له من جرف على أصول قصب قد قطع فتعلق النديم به فوقع فدخلت قصبة في منخره فماتا جميعا وقيل اصابته قرحة في جوفه وقيل سمته أمه الخيزران لما عزم على قتل الرشيد ليعهد إلى ولده وقيل كانت أمه حاكمة مستبدة بالأمور الكبار وكانت المواكب تغدو إلى بابها فزجرهم عن ذلك وكلمها بكلام وقح وقال لئن وقف ببابك امير لأضربن عنقه أمالك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو سبحة فقامت ما تعقل من الغضب فقيل إنه بعث إليها بطعام مسموم فأطعمت منه كلبا فانتثر فعملت على قتله لما وعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه وخلف سبعة بنين ومن شعر الهادى في أخيه هارون لما امتنع من خلع نفسه
نصحت لهارون فرد نصيحتى
وكل امرىء لا يقبل النصح نادم


وأدعوه للأمر المؤلف بيننا
فيبعد عنه وهو في ذاك ظالم


ولولا انتظارى منه يوما إلى غد
لعاد إلى ما قلته وهو راغم

ومن أخبار الهادى أخرج الخطيب عن الفضل قال غضب الهادى على رجل فكلم فيه فرضى فذهب يعتذر فقال له الهادى إن الرضا قد كفاك مؤنة الاعتذار وأخرج عن عبدالله بن مصعب قال دخل مروان بن ابى حفصة على الهادى فأنشده مديحا له حتى إذا بلغ قوله
تشابه يوما بأسه ونواله
فما أحد يدرى لأيهما الفضل



281

فقال له الهادى أيما أحب إليك ثلاثون ألف معجلة أو مائة ألف تدور في الديوان قال تعجل الثلاثون ألفا وتدور المائة الف قال بل تعجلان لك جميعا فحمل له ذلك وقال الصولى لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا الخيزران أم الهادى والرشيد وولادة بنت العباس العبسية زوج عبدالملك بن مروان ولدت الوليد وسليمان وشاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى ولدت للوليد بن عبدالملك يزيد الناقص وابراهيم ووليا الخلافة قلت يزاد على ذلك باى خاتون سرية المتوكل الأخير ولدت العباس وحمزة ووليا الخلافة وكزل سريته أيضا ولدت داود وسليمان وولياها ثم قال الصولى لا يعرف خليفة ركب البريد إلا الهادى من جرجان إلى بغداد قال وكان نقش خاتمه الله ثقة موسى وبه يؤمن قال الصولى ولسلم الخاسر في الهادى يمدحه
موسى المطر
غيث بكر


ثم انهمر
أولى المرر


كم اعتسر
وكم قدر


ثم غفر
عدل السير


باقى الأثر
خير وشر


نفع وضر
خير البشر


فرع مضر
بدر بدر


لمن نظر
هو الوزر


لمن حضر
والمفتحر لمن غبر



282

قال وهذا على جزء جزء مستفعلن مستفعلن وهو أول من عمله ولم نسمع لمن قبله شعرا على جزء جزء وأسند الصولى عن سعيد بن سلم قال إنى لأرجو أن يغفر الله للهادى بشىء رأيته منه حضرته يوما وأبو الخطاب السعدى ينشده قصيدة في مدحه إلى ان قال
يا خير من عقدت كفاه حجزته
وخير من قلدته أمرها مضر

فقال له الهادى إلا من ويلك قال سعيد ولم يكن استثنى في شعره فقلت يا أمير المؤمنين إنما يعنى من أهل هذا الزمان ففكر الشاعر فقال
إلا النبي رسول الله إن له
فضلا وأنت بذاك الفضل تفتخر

فقال الآن أصبت واحسنت وأمر له بخمسين ألف درهم وقال المدائنى عزى الهادى رجلا في ابن له فقال سرك وهو فتنة وبلية ويحزنك ووهو ثواب ورحمة وقال الصولى قال سلم الخاسر في الهادى جامعا بين العزاء والهناء
لقد قام موسى بالخلافة والهدى
ومات أمير المؤمنين محمد


فمات الذى غم البرية فقده
وقام الذى يكفيك من يتفقد

وقال مروان بن أبى حفصة كذلك
لقد أصبحت تختال في كل بلدة
بقبر امير المؤمنين المقابر


ولو لم تسكن بابنه بعد موته
لما برحت تبكى عليه المنابر


ولو لم يقم موسى عليها لرجعت
حنينا كما حن الصفايا العشائر

حديث من رواية الهادى قال الصولى حدثنى محمد بن زكريا هو الغلابى حدثنى محمد بن عبدالرحمن المكى حدثنا قسورة بن السكن الفهرى حدثنا المطلب بن عكاشة المرى قال قدمنا على الهادى شهودا على رجل شتم

283

قريشا وتخطى إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فجلس لنا مجلسا احضر فيه فقهاء زمانه واحضر الرجل فشهدنا عليه فتغير وجه الهادى ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال سمعت أبى المهدى يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن ابيه على عن أبيه عبدالله بن عباس قال من أراد هوان قريش اهانه الله وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم اضربوا عنقه أخرجه الخطيب من طريق الصولى والحديث هكذا في هذه الرواية موقوف وقد ورد مرفوعا من وجه آخر مات في أيام الهادى من الأعلام نافع قارىء أهل المدينة وغيره الرشيد هارون أبو جعفر الرشيد هارون أبو جعفر بن المهدى محمد بن المنصور عبدالله بن محمد بن على ابن عبدالله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادى ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولى هذه الليلة ولد له فيها عبدالله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى ابا موسى فتكنى بأبى جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالى الكلابى
فمن يطلب لقاءك أو يرده
فبالحرمين أو أقصى الثغور


ففى أرض العدو على طمر
وفي ارض الترفه فوق كور



284

مولده بالرى حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادى وفيها يقول مروان ابن أبى حفصة
يا خيزران هناك ثم هناك
أمسى يسوس العالمين ابناك

وكان أبيض طويلا جميلا مليحا فصيحا له نظر في العلم والأدب وكان يصلى في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص وبلغه عن بشر المريسى القول بخلق القرآن فقال لئن ظفرت به لأضربن عنقه وكان يبكى على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموالة الجزيلة وله شعر دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه وكان يأتي بنفسه الى بيت الفضيل بن عياض قال عبدالرزاق كنت مع الفضيل بمكة فمر هارون فقال فضيل الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز على منه لو مات لرأيت أمورا عظاما قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين

285

يدى الرشيد إلا قال صلى الله على سيدى وحدثه بحديثه صلى الله عليه وآله وسلم ووددت أنى أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحى فأقتل فبكى حتى انتحب وحدثته يوما حديثا أحتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشى فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النصع والسيف زنديق يطعن في حديث النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو معاوية فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن وعن أبى معاوية أيضا قال أكلت مع الرشيد يوما ثم صب على يدى رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار ما رأيت اغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر وقال عبيد الله القواريرى لما لقى الرشيد الفضيل قال له يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد وتقطعت بهم الأسباب قال الوصلة التى كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكى ويشهق ومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان ان يعزوه في ابن المبارك قال نفطويه كان الرشيد يقتفى آثار جده أبى جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز

286

إسحاق الموصلى مرة بمائتى ألف وأجاز مروان بن أبى حفصة مرة على قصيدة خمسة ألآف دينار وخلعة وفرسا من مراكبه وعشرة من رقيق الروم وقال الأصمعى قال لى الرشيد يا أصمعى ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت يا أمير المؤمنين ما لاقتنى بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتنى قلت
كفاك كف ما تليق درهما
جودا وأخرى تعطى بالسيف الدما

فقال أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لى بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودى قال رام الرشيد ان يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلى الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكى كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه وقال الجاحظ اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه ابو يوسف رحمه الله وشاعره مروان بن أبى حفصة ونديمه العباس بن محمد عم ابيه وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس واعظمهم ومغنيه ابراهيم الموصلى وزوجته زبيدة وقال غيره كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس وقال الذهبى أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله اخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله مات في ايامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وابو يوسف صاحب أبى حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجى ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكرى وأبراهيم بن سعد الزهرى وابو اسحاق الفزارى وابراهيم بن ابى يحيى شيخ الشافعى واسد الكوفى من كبار اصحاب ابى حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير

287

ابن عبدالحميد وزياد البكائى وسليم المقرىء صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبدالله العمرى الزاهد وعبدالله بن المبارك وعبدالله بن ادريس الكوفى وعبدالعزيز بن ابى حازم والدراوردى والكسائى شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة كلاهما في يوم وعلى بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن ابى حفصة الشاعر والمعافى ابن عمران الموصلى ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضى مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصرى احد الأولياء والنعمان بن عبدالسلام الأصبهانى وهشيم ويحيى بن ابى زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوى ويعقوب بن عبدالرحمن قارىء المدينة وصعصعةابن سلام عالم الأندلس احد أصحاب مالك وعبدالرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرىء ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار ومن الحوادث في أيامه في سنة خمس وسبعين افترى عبدالله بن مصعب الزبيرى على يحيى بن عبدالله بن حسن العلوى انه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده وقال قل اللهم إن كنت تعلم أن يحيىلم يدعنى إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلنى إلى حولى وقوتى واسحتنى بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبير وقالها ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما فمات الزبيرى ليومه وفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبدالرحمن بن عبدالملك بن صالح العباسى

288

وفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على ارمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام امر عظيم لم يسمع قبله مثله وفي سنة سبع وثمانين اتاه كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التى كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة رينى ملكة الروم وصورة الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التى كانت قبلى اقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من اموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابى فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى تمكن أحد ان ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأى على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كرة الرشيد

289

في البرد فلم يجترىء احد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبدالله بن يوسف التيمى
نقض الذى أعطيته نقفور
فعليه دائرة البوار تدور


أبشر أمير المؤمنين فإنه
غنم أتاك به الإله كبير

وقال أبو العتاهية أبياتا وعرضت على الرشيد فقال أوقد فعلها فكر راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده وحاز جهاده وفي ذلك يقول ابو العتاهية
ألا نادت هرقل بالخراب
من الملك الموفق للصواب


غدا هارون يرعد بالمنايا
ويبرق بالمذكرة القضاب


ورايات يحل النصر فيها
تمر كأنها قطع السحاب

وفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم وفي سنة تسعين فتح هرقل وبث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية وسار حميد ابن معيوف إلى قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر الفا وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبرى أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى ان قال يا صباح لا أحسبك ترانى بعدها فقلت بل يردك الله سالما ثم قال ولا احسبك تدرى ما أجد فقلت لا والله فقال تعال حتى أريك وانحرف عن الطريق واوما إلى الخواص فتنحوا ثم قال امانة الله يا صباح أن تكتم على وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالى بطنه

290

فقال هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدى على رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين ونسيت الثالث ما منهم أحد إلا ويحصى انفاسى ويعد أيامى ويستطيل دهرى فإن اردت أن تعرف ذلك فالساعة ادعو ببرذون فيجيئون به اعجف ليزيد في علتى ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف فنظر إلى ثم ركبه وودعنى وسار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين ولقبه الأمين وله يومئذ خمس سنين لحرص امه زبيدة على ذلك قال الذهبي فكان هذا أول وهن جرى في دولة الاسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبدالله من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين ولقبه المأمون وولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبى فلما قسم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء لقد ألقى بأسهم بينهم وغائلة ذلك تضر بالرعية وقالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق وفى ذلك يقول إبراهيم الموصلى
خير الأمور مغبة
وأحق امر بالتمام


أمر قضى احكامه الرحمن
في البيت الحرام

وقال عبدالملك بن صالح في ذلك
حب الخليفة حب لا يدين له
عاصى الإله وشار يلقح الفتنا


الله قلد هارونا سياسته لما
اصطفاه فأحيا الدين والسننا


وقلد الأرض هارون لرأفته5
بن أمينا ومأمونا ومؤتمنا



291

قال بعضهم وقد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أميا فساقها الله إليه وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة وقال سلم الخاسر في العهد للأمين
قل للمنازل بالكثيب الأعفر
اسقيت غادية السحاب الممطر


قد بايع الثقلان مهدى الهدى
لمحمد بن زبيدة بنة جعفر


قد وفق الله الخليفة إد بنى
بيت الخلافة للهجان الأزهر


فهو الخليفة عن ابيه وجده
شهدا عليه بمنظر وبمخبر

فحشت زبيده فاه جوهر باعه بعشرين الف دينار
فصل

في نبذ من أخبار الرشيد عفا الله عنه أحرج السلفى في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال لماأفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جوارى المهدى فراودها عن نفسها فقالت لا أصلح لك إن اباك قد طاف بى فشغف بها فأرسل إلى أبى يوسف فسأله اعندك في هذا شىء فقال يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت امة شيئا ينبغى أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك لم أدر ممن أعجب من هذا الذى قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه او من هذه الأمة التى رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها قال اهتك حرمة أبيك وقض شهوتك وصيره في رقبتى واخرج ايضا عن عبدالله بن يوسف قال قال الرشيد لأبى يوسف إنى اشتريت جارية وأريد أن اطاها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة قال نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها وأخرج عن إسحاق بن راهوية قال دعا الرشيد ابا يوسف ليلا فأفتاه بأمر له بمائة الف درهم فقال أبو يوسف إن رأى أمير المؤمنين امر بتعجيلها

292

قبل الصبح فقال عجلوها فقال بعض من عنده إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة فقال أبو يوسف فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعانى ففتحت وأسند الصولى عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التى ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيرا وكان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله واسند عن معاوية بن صالح عن ابيه قال اول شعر قاله الرشيد انه حج سنة ولى الخلافة فدخل دارا فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط
ألا أمير المؤمنين أما ترى
فديتك هجران الحبيب كبيرا

فدعا بدواة وكتب تحته بخطه
بلى والهدايا المشعرات وما مشى
بمكة مرفوع الأظل حسيرا

واخرج عن سعيد بن مسلم قال كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العمانى في صفة فرس
كأن أذنيه إذا تشوفا
قادمة أو قلما محرفا

فقال الرشيد دع كأن قال تخال إذنيه حتى يستوى الشعر وأخرج عن عبدالله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال حلف الرشيد ان لا يدخل إلى جارية له اياما وكان يحبها فمضت الأيام ولم تسترضيه فقال
صدر عنى إذ رآنى مفتتن
وأطال الصبر لما أن فطن


كان مملوكى فأضحى مالكى
إن هذا من أعاجيب الزمن



293

ثم أحضر أبا العتاهية فقال أجزهما فقال
عزة الحب ارته ذلتى
في هواه وله وجه حسن


فلهذا صرت مملوكا له
ولهذا شاع ما بى وعلن

واخرج ابن عساكر عن ابن علية قال اخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق لم تضرب عنقى قال له أريح العباد منك قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزارى وعبدالله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا وأخرج الصولى عن إسحاق الهاشمى قال كنا عند الرشيد فقال بلغنى أن العامة يظنون في بغض على بن أبى طالب ووالله ما أحب احدا حبى له ولكن هؤلاء أشد الناس بغضا لنا وطعنا علينا وسعيا في فساد ملكنا بعد اخذنا بثأرهم ومساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بنى أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل والسابقون إلى الفضل ولقد حدثنى أبى المهدى عن أبيه المنصور عن محمد بن على عن ابيه عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الحسن والحسين من احبهما فقد احبنى ومن أبغضهما فقد ابغضنى وسمعه يقول فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران وآسية بنة مزاحم روى أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكى قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها قال بجميع ملكى قال إن ملكا قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا

294

وقال ابن الجوزى قال الرشيد لشيبان غطنى قال لن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لى هذا قال من يقول لك أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول انتم أهل بيت مغفور لكم وانتم قرابة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله وفي كتاب الأوراق للصولى بسنده لما ولى الرشيد الخلافة استوزر يحيى ابن خالد قال ابراهيم الموصلى
ألم تر أن الشمس كانت مريضة
فلما أتى هارون أشرق نورها


تلبست الدنيا جمالا بملكه
فهارون واليها ويحيى وزيرها

فأعطاه مائة ألف درهم وأعطاه يحيى خمسين ألفا ولداود بن رزين الواسطى فيه
بهارون لاح النور في كل بلدة
وقام به في عدل سيرته النهج


إمام بذات الله أصبح شغله
فأكثر ما يعنى به الغزو والحج


تضيق عيون الخلق عن نور وجهه
إذا ما بدا للناس منظره البلج


تفسحت الآمال في جود كفه
فأعطى الذى يرجوه فوق الذى يرجو

وقال القاضى الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن الملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رجل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله قال وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن ايوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر ابن عوف ولا أعلم لهما ثالثا ولمنصور النمرى فيه
جعل القرآن إمامه ودليله
لما تخيره القرآن ذماما

وله فيه قصيدة
إن المكارم والمعروف اودية
أحلك الله منها حيث تجتمع



295

ويقال إنه اجازه عليها بمائة ألف وقال الحسين بن فهم كان الرشيد يقول من أحب ما مدحت به إلى
أبو أمين ومأمون ومؤتمن
أكرم به وادلا برا وما ولدا

وقال إسحاق الموصلى دخلت على الرشيد فأنشدته
وآمره بالبخل قلت لها اقصرى
فذلك شىء ما إليه سبيل


أرى الناس خلان الجواد ولا أرى
بخيلا له في العالمين خليل


وإنى رأيت البخل يزرى بأهله
فأكرمت نفسى أن يقال بخيل


ومن خير حالات الفتى لوعلمته
إذا نال شيئا أن يكون ينيل


عطائى عطاء المكثرين تكرما
ومالى كما تعلمين قليل


وكيف اخاف الفقر أو أحرم الغنى
ورأى أمير المؤمنين جميل

فقال لا كيف إن شاء الله يافضل أعطه مائة ألف درهم لله درأ بيات يأتينا بها ما أجود أصولها واحسن فصولها فقلت يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعرى فقال يا فضل اعطه مائة ألف أخرى وفي الطيوريات بسنده إلى إسحاق الموصلى قال قال أبو العتاهية لأبى النواس البيت الذى مدحت به الرشيد لوددت أنى كنت سبقتك به إليه
قد كنت خفتك ثم آمننى
من أن أخافك خوفك الله

وقال محمد بن على الخرسانى الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس واول خليفة لعب بالشطرنج من بنى والعباس قال الصولى هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات ومن شعر الرشيد يرثى جاريته هيلانة أورده الصولى
قاسيت أوجاعا وأحزانا
لما استخص الموت هيلانا


فارقت عيشى حين فارقتها
فما ابالى كيف ما كانا


كانت هى الدنيا فلما ثوت
في قبرهافارقت دنيانا


296


وقد كثر الناس ولكننى
لست أرى بعدك إنسانا


والله لا أنساك ما حركت
ريح بأعلى نجد أغصانا

وله ايضا أنشده الصولى
يار بة المنزل بالفرك
وربة السلطان والملك


ترفقى بالله في قتلنا
لسنا من الدليم والترك

مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس واربعون سنة وصلى عليه ابنه الصالح قال الصولى خلف الرشيد مائة الف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار وقال غيره غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم ان يفصل أعضاءه فقال أنظرنى إلى غد فإنك تصبح فى عافية فمات ذلك اليوم وقيل إن الرشيد رأى مناما انه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لى قبرا فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختمة وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لوالده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه واخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم وسار على البريد في اثنى عشر يوما من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين ولأبى الشيص يرثى الرشيد
غربت في الشرق شمس
فلها عينى بدمع


ما رأينا قط شمسا
غربت من حيث تطلع

وقال أبو النواس جامع بين العزاء والهناء
جرت جوار بالسعد والنحس
فنحن في مأتم وفي عرس



297


القلب يبكى والعين ضاحكة
فنحن في وحشة وفي أنس


يضحكنا القائم الأمين ويبكينا
وفاة الإمام بالأمس


بدران بدر أضحى ببغداد في الخلد
وبدر بطوس في الرمس

ومما رواه الرشيد منى الحديث قال الصولى حدثنا عبدالرحمن بن خلف حدثنى جدى الحصين بن سليمان الضبى سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته حدثنى مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا الله ولو بشق تمرة حدثنى محمد بن على عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن على بن ابى طالب قال قال النبى صلى الله عليه وسلم نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن الأمين محمد أبو عبدالله الأمين محمد ابو عبدالله بن الرشيد كان ولى عهد أبيه فولى الخلافة بعده وكان من أحسن الشباب صورة أبيض طويلا جميلا ذاقوة مفرطة وبطش وشجاعة ومعرفة يقال إنه قتل مرة أسدا بيده وله فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة لكن كان سىء التدبير كثير التبذير ضعيف الزأى أرعن لا يصلح للآمارة فأول ما بويع بالخلافة أمر ثانى يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه ووقعت الوحشة بينه وبين أخية المأمون وقيل إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه فأغرى الأمين به وحثه على خلعه وان يولى العهد لابنه موسى ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين واسقط اسمه من الطرز والضرب ثم إن الأمين ارسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه ويذكر أنه قد سماه الناطق بالحق فرد المأمون ذلك واباه وخامر الرسول معه وبايعه بالخلافة سرا ثم كان يكتب إليه

298

بالأخبار ويناصحه من العراق ولما رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد وطلب الكتاب الذى كتبه الرشيد وجعله بالكعبة فأحضره ومزقه وقويت الوحشة ونصح الأمين أولو الرأى وقال له خزيمة بن حازم يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذبك ولن يغشك من صدقك ولا تجزىء القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك وعهدك فإن الغادر مغلول والناكث مخذول فلم ينتصح واخذ يستميل القواد بالعطاء وبايع بولاية العهد لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق وهو إذ ذاك طفل رضيع فقال بعض الشعراء في ذلك
اضاع الخلافة غش الوزير
وفسق الأمير وجهل المشير


لواط الخليفة أعجوبة
وأعجب منه حلاق الوزير


فهذا يدوس وهذا يداس
كذاك لعمرى خلاف الأمور


لو يستعفان هذا بذاك
لكانا بعرضه أمر ستير


وأعجب من ذا وذا أننا
نبايع للطفل فينا الصغير


ومن ليس يحسن غسل استه
ولم يخل من بوله حجر ظير


وما ذاك إلا بفضل وبكر
يريدان طمس الكتاب المنير


وما ذان لولا انقلاب الزما
ن في العير هذان او في النفير

ولما تيقن المأمون خلعه وتسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك وولى الأمين على بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال همذان ونهاوند وقم وأصبهان في سنة خمس وتسعين فخرج على بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفا في هيئة لم ير مثلها وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف فكانت الغلبة له وذبح على وهزم جيشه وحملت رأسه إلى المأمون فطيف بها في خراسان وسلم على المأمون بالخلافة وجاء الخبر الأمين وهو يتصيد

299

السمك فقال للذى أخبره ويلك دعنى فإن كوثرا صاد سمكتين وانا ما صدت شيئا بعد وقال عبدالله بن صالح الجرمى لما قتل على أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا وندم الأمين على خلعه أخاه وطمع الأمراء فيه وشغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين واستمر القتال بينه وبين أخيه وبقى أمر الأمين كل يوم في الأدبار لانهماكه في اللعب والجهل وامر المأمون في ازدياد إلى ان بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق وفسد الحال على الأمين جدا وتلف أمر العسكر ونفدت خزائنه وساءت حال الناس بسبب ذلك وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمى المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها الممراثى ومن جملة ما قيل في بغداد
بكيت دما على بغداد لما
فقدت غضارة العيش الأنيق


اصابتها من الحساد عين
فأفنت أهلها بالمنجنيق

ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا ولحق غالب العباسيين واركان الدولة بجند المأمون ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحراشفة إلى ان استهلت سنة ثمان وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسرا فخرج الأمين وأهله من القصر إلى مدينة المنصورة وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء قال محمد بن راشد أخبرنى إبراهيم بن المهدى أنه كان الأمين بمدينة المنصور قال فطلبنى ليلة فأتيت فقال ما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر وضوءه في الماء فهل لك في الشراب قلت شأنك فشربنا ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها فأمرها أن تغنى فغنت بشعر النابغة الجعدى
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا
وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم

فتطير بذلك وقال غنى غير هذا فغنت
أبكى فراقهم عينى فأرقها
إن التفرق للأحباب بكاء



300


ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم
حتى تفانوا وريب الدهر عداء


فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم
حتى أؤوب وما في مقلتى ماء

فقال لها لعنك الله أما تعرفين غير هذا فقالت ظننت أنك تحب هذا ثم غنت
أما ورب السكون والحرك
إن المنايا كثيرة الشرك


ما اختلف الليل والنهار ولا
دارت نجوم السماء في الفلك


إلا لنقل السلطان عن مالك
قد زال سلطانه إلى ملك


وملك ذى العرش دائم أبدا
ليس بفان ولا بمشترك

فقال لها قومى لعنك الله فقامت فعثرت في قدح بلور له قيمة فكسرته فقال ويحك يا إبراهيم أما ترى والله ما أظن أمري إلا قرب فقلت بل يطيل الله عمرك ويعز ملكك فسمعت صوتا من دجلة قضى الأمر الذي فيه تستفيان فوثب محمد مغتما وقتل بعد ليلتين أخذ وحبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلا فضربوه بالسيف ثم ذبحوه من قفاه وذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان ونودى هذا رأس المخلوع محمد وجرت جثته بحبل ثم بعث طاهر بالرأس والبرد والقضيب والمصلى وهو من سعف مبطن إلى المأمون واشتد على المأمون قتل أخيه وكان يحب أن يرسل إليه حيا ليرى فيه رأيه فحقد بذلك على طاهر بن الحسين وأهمله نسيا منسيا إلى أن مات طريدا بعيدا وصدق قول الأمين فإنه كان كتب بخطه رقعة إلى الطاهر بن الحسين لما انتدب لحربه فيها يا طاهر ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقنا فكان جزاؤه عندنا إلا السيف فانظر لنفسك أودع يلوح بأبى مسلم وأمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح لهم فكان مآلهم القتل منهم ولإبراهيم بن المهدى في قتل الأمين
عوجا بمغنى طلل داثر
بالخلد ذات الصخر والآجر


والمرمر المسنون يطلى به
والباب باب الذهب الناضر



301


وأبلغا عنى مقالا إلى
المولى عن المأمور والآمر


قولا له يا ابن ولى الهدى
طهر بلاد الله من طاهر


لم يكفه أن حز أوداجه
ذبح الهدايا بمدى الجازر


حتى أتى يسحب أوصاله
في شطن هذامدى السائر


وقد برد الموت على جفنه
فطرفه منكسر الناظر

ومما قيل فيه
لم نبكيك لماذا للطرب
يا ابا موسى وترويج اللعب


ولترك الخمس في أوقاتها
حرصا منك على ماء العنب


وشنيف أنا لا أبكي له
وعلى كوثر لا أخشى العطب


لم تكن تصلح للملك ولم
تعطك الطاعة بالملك العرب


لم نبكيك لما عرضتنا
للمناجيق وطورا للسلب

ولخزيمة بن الحسن على لسان زبيدة قصيدة يقول فيها
أتى طاهر لا طهر الله طاهرا
فما طاهر فيما أتى بمطهر


فأخرجنى مكشوفة الوجه حاسرا
وأنهب أموالى وأخرب أدؤرى


يعز على هارون ما قد لقيته
وما مر بي من ناقص الخلق أعور


تذكر أمير المؤمنين قرابتى
فديتك من ذى حرمة متذكر

قال ابن جرير لما ملك الأمين ابتاع الخصيان وغالى بهم وصيرهم لخلوته ورفض النساء والجوارى وقال غيره لما ملك وجه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق واقتنى الوحوش والسباع والطيور واحتجب عن أهل بيته وأمرأته واستخف بهم ومحق ما في بيوت الأموال وضيع الجواهر والنفائس وبنى عدة قصور للهو في اماكن وأجاز مرة من غنى له
هجرتك حتى قلت لا يعرف القلى
وزرتك حتى قلت ليس له صبر



302

بملء زورقه ذهبا وعمل خمس حراقات ( جمع حراقة بالفتح والتشديد ضرب من السفن فيها مرامى نيران يرمي بها العدو ) على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها أموالا فقال أبو النواس
سخر الله للأمين مطايا
لم تسخر لصاحب المحراب


فإذا ماركابه سرن برا
سار في الماء راكبا ليث غاب


أسدا باسطا ذراعه يهوى
أهرت الشدق كالح الأنياب

قال الصولى حدثنا أبو العيناء حدثنا محمد بن عمرو الرومى قال خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال
ضربوا قرة عينى
ومن أجلى ضربوه


أخذ الله لقلبى
من أناس أحرقوه

ولم يقدر على زيادة فأحضر عبدالله بن التيمى الشاعر فقال له عليهما فقال
ما لمن أهوى شبيه
فبه الدنياتتيه


وصله حلو ولكن
هجره مر كريه


من رأى الناس له
الفضل عليهم حسدوه


مثل ما قد حسد القائم
بالملك أخوه

فأوقر له ثلاث بغال دراهم فلما قتل الأمين جاء التيمى إلى المأمون وامتدحه فلم يأذن له فالتجأ إلى الفضل بن سهل فأوصله إلى المأمون فلما سلم عليه قال هيه يا تيمى
مثل ما قد حسدالقائم
بالملك أخوه

فقال التيمى
نصر المأمون عبد
الله لما ظلموه



303


نقض العهد الذى قد
كان قدما أكدوه


لم يعامله أخوه
بالذى أوصى أبوه

فعفا عنه وأمر له بعشرة آلاف درهم وقيل إن سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أن أبا النواس هجاه فقال يا عم أقتله بعد قوله
أهدى الثناء إلى الأمين محمد
مابعده بتجارة متربص


صدق الثناء على الأمين محمد
ومن الثناء تكذب وتخرص


قد ينقص البدر المنير إذا استوى
وبهاء نور محمد ما ينقص


وإذا بنور المنصور عد خصالهم
فمحمد ياقوتها المتخلص

قال أحمد بن حنبل إنى لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل ابن علية فانه أدخل عليه فقال له يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول كلام الله مخلوق قال المسعودى ما ولى الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمى ابن هاشمية سوى على ابن أبي طالب وابنه الحسن والأمين فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور واسمها أمة العزيز وزبيدة لقب لها وقال إسحاق الموصلى اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره كان أحسن الناس وجها وأسخاهم وأشرف الخلفاء أبا وأما حسن الأدب عالما بالشعر لكن غلب عليه الهوى واللعب وكان مع سخائه بالمال بخيلا بالطعام جدا قال أبو الحسن الأحمر كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النحو فينشدنيه الأمين وما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون وكان قتله في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وله سبع وعشرون سنة مات في أيامه من الأعلام إسماعيل بن علية وغندر وشقيق البلخى الزاهد وأبو معاوية الضرير ومؤرج السدوسى وعبدالله بن كثير المقرىء

304

وأبو نواس الشاعر وعبدالله بن وهب صاحب الملك وورش المقرىء ووكيع وآخرون وقال على بن محمد النوفلى وغيره لم يدع للسفاح ولا للمنصور ولا للمهدى ولا للهادى ولا للرشيد على المنابر بأوصافهم ولا كتبت في كتبهم حتى ولى الأمين فدعى له بالأمين على المنابر وكتب عنه من عبدالله محمد الأمين أمير المؤمنين وكذا قال العسكرى في الأوائل أول من دعى له بلقبه على المنابر الأمين ومن شعره الأمين يخاطب أخاه المأمون ويعيره بأمه لما بلغه عنه أنه يعدد مثالبه ويفضل نفسه عليه انشده الصولى
لا تفخرن عليك بعد بقية
والفخر يكمل للفتى المتكامل


وإذا تطاولت الرجال بفضلها
فاربع فإنك لست المتطاول


أعطاك ربك ما هويت وإنما
تلقى خلاف هواك عند مراجل


تعلو المنابر كل يوم آملا
مالست من بعدى إليه بواصل


فتعيب من يعلو عليك بفضله
وتعيد في حقى مقال الباطل

قلت هذا نظم عال فإن كان له فهو أحسن من نظم أخيه وأبيه قال الصولى ومما رواه جماعة له في خادمه كوثر وقد سقاه وهو على بساط نرجس والبدر قد طلع وقد رواه بعضهم للحسين بن الضحاك الخليع وكان نديمه لا يفارقه
وصف البدر حسن وجهك حتى
خلت أنى أراه لست أراكا


وإذا ما تنفس النرجس الغض
توهمته نسيم ثناكا


خدع للمنى تعللنى فيك
بإشراق ذا ونكهة ذاكا


لأقيمن ما حييت على الشكر
لهذا وذاك إذ حكياكا

وله في خادمه أيضا
ما يريد الناس من صب بمن يهوى كثيب


305


كوثر دينى ودنيا
ى وسقمى وطبيبى


أعجز الناس الذى
يلحى محبا في حبيب

وله لما يئس من الملك وعلا عليه طاهر
يا نفس قد حق الحذر
أين المفر من القدر


كل امرىء مما يخا
ف ويرتجيه على خطر


من يرتشف صفو الزما
ن يغص يوما بالكدر

وأسند الصولى أن الأمين قال لكاتبه اكتب من عبدالله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسن سلام عليك أما بعد فإن الأمر قد خرج بينى وبين أخى إلى هتك الستور وكشف الحرم ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا واختلاف كلمتنا وقد رضيت أن تكتب لى أمانا لأخرج إلى أخى فإن تفضل على فأهل لذلك وإن قتلنى فمروة كسرت مروة وصمصامة قطعت صمصامة ولن يفترسنى السبع احب إلى من أن ينبحنى الكلب فأبى طاهر عليه وأسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدى قال كان أبي يكلم الأمين والمأمون بكلام يتفحصان به ويقول كان أولاد الخلفاء من بني أمية يخرج بهم الي البدو حتي يتفصحوا وأنتم أولى بالفصاحة منهم قال الصولى ولا نعرف للأمين رواية في الحديث إلا هذا الحديث الواحد حدثنا المغيرة بن محمد المهلبى قال رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعة من بنى هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل فسالوه عن الأمين وأدبه فوصف الحسين أدبا كثيرا قيل فالفقه قال كان المأمون أفقه منه قيل فالحديث قال ما سمعت منه حديثا إلا مرة فإنه نعى إليه غلام له مات بمكة فقال حدثنى ابي عن أبيه عن المنصور عن ابيه عن علي بن عبدالله عن ابن عباس عن ابيه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من مات محرما حشر ملبيا

306

قال الثعالبي في لطائف المعارف كان ابو العيناء يقول لو نشرت زبيدة ضفائرها ما تعلقت إلا بخليفة أو ولى عهد فإن المنصور جدها والسفاح أخو جدها والمهدى عمها والرشيد زوجها والأمين ابنها والمأمون والمعتصم ابنا زوجها والواثق والمتوكل ابنا ابن زوجها وأما ولاة العهود فكثيرة ونظيرتها من بنى أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية يزيد أبوها ومعاوية جدها ومعاوية بن يزيد أخوها ومروان بن الحكم حموها وعبد الملك زوجها ويزيد ابنها والوليد بن يزيد ابن ابنها والوليد وهشام وسليمان بنو زوجها ويزيد وإبراهيم ابنا الوليد عبدالملك ابنا ابن زوجها المأمون عبدالله أبو العباس المأمون عبدالله أبو العباس بن الرشيد ولد سنة سبعين ومائة في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول وهى الليلة التى مات فيها الهادى واستخلف أبوه وأمه أم ولد اسمها مراجل ماتت في نفاسها به وقرأ العلم في صغره سمع الحديث من أبيه وهشيم وعباد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية الضرير وإسماعيل بن علية وحجاج الأعور وطبقتهم وادبه اليزيدى وجمع الفقهاء من الآفاق وبرع في الفقه والعربية وايام الناس ولما كبر عنى بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن روى عنه ولده الفضل ويحيى بن أكثم وجعفر بن أبي عثمان الطيالسى والأمير عبدالله بن الطاهر وأحمد بن الحارث الشيعى ودعبل الخزاعى وآخرون وكان أفضل رجال بنى العباس حزما وعزما وحلما وعلما ورأيا ودهاء وهيبة وشجاعة وسوددا وسماحة وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة الناس في القول في خلق القرآن ولم يل الخلافة من بنى عباس أعلم منه وكان فصيحا مفوها وكان يقول معاوية بعمره وعبدالملك بحجاجه وأنا بنفسي وكان يقال لبنى عباس فاتحة وواسطة وخاتمة الفاتحة السفاح والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد وقيل إنه ختم في بعض المضانات ثلاثا وثلاثين

307

ختمة وكان معروفا بالتشيع وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن والعهد بالخلافة إلى على الرضى كما سنذكره قال أبو معشر المنجم كان المأمون أمارا بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء وعن الرشيد قال إنى لأعرف في عبدالله حزم المنصور ونسك المهدى وعزة الهادى ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع يعنى نفسه لنسبته وقد قدمت محمدا عليه وإنى لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء والنساء ولولا أم جعفر وميل بنى هاشم لقدمت عبدالله عليه استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان وتسعين وهو بخرسان واكتنى بأبى جعفر قال الصولى وكانوا يحبون هذه الكنية لأنها كنية المنصور وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كنى بها كالمنصور والرشيد وفي سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد وجعل ولى العهد من بعده على الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه وهو الذي لقبه الرضى وضرب الدراهم باسمه وزوجه ابنته وكتب إلى الآفاق بذلك وأمر بترك السواد ولبس الخضرة فاشتد ذلك على بنى العباس جدا وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم بن المهدى ولقب المبارك فجهز المأمون لقتاله وجرت أمور وحروب وسار المأمون إلى نحو العراق فلم ينشب على الرضى أن مات في سنة ثلاث فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلى وقد مات فردوا جوابه أغلظ جواب فسار المأمون وبلغ إبراهيم بن المهدى تسلل الناس من عهده فاختفى في ذى الحجة فكانت أيامه سنتين إلا أياما وبقى في أختفائه مدة ثمان سنين ووصل المأمون بغداد في صفر سنة أربع فكلمه العباسيون وغيرهم في العود إلى لبس السواد وترك الخضرة فتوقف ثم أجاب إلى ذلك

308

وأسند الصولى أن بعض آل بيته قالت إنك على بر أولاد على بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم فقال إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولى ولم يول أحدا من بنى هاشم شيئا ثم عمر ثم عثمان كذلك ثم ولى على فولى عبدالله بن عباس البصرة وعبيدالله اليمن ومعبدا مكة وقثم البحرين وما ترك أحدا منهم حتى ولاه شيئا فكانت هذه منة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت وفي سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل وبلغ جهازها ألوفا كثيرة وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوما وكتب رقاعا فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين فمن وقعت يده رقعة باسم ضيعة تسلمها ونثر صينية ملئت جوهرا بين يدى المأمون عند ما زفت إليه وفي سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادى برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بن أبي طالب وفي سنة اثنتى عشرة أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل على على أبي بكر وعمر فإشمأزت النفوس منه وكاد البلد يفتتن ولم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة وفي سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم ففتح حصن قرة عنوة وحصن ماجدة ثم سار الى دمشق ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم وافتتح عدة حصون ثم عاد إلى دمشق ثم توجه إلى مصر ودخولها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والروم وفي سنة ثمان عشر امتحن الناس بالقول في خلق القرآن فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعى بن عمر طاهر بن الحسن في امتحان العلماء كتابا يقول فيه وقد عرف أمير المؤمنك أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر

309

من حشوة الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أنهم ساووا بين الله وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال الله تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال الله تعالى وجعل الظلمات والنور وقال كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وقال أحكمت آياته ثم فصلت والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وأظهروا أنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظا وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وأحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمى عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبالتوحيد وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن اكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه وأعلمهم أنى غير مستعين في عملى ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك وكتب المأمون إليه أيضا في أشخاص سبعة أنفس وهم محمد بن سعد كاتب الواقدى ويحيى بن معين وأبو خيثمة وأبو مسلم مستملى

310

يزيد بن هارون وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقى فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون فكان يحيى بن معين وغيره يقولون أجبنا خوفا من السيف ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى أسحاق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندى وأبو حسان الزيادى وعلى بن أبي مقاتل والفضل بن غانم وعبيدالله بن عمرو القواريرى وعلى بن الجعد وسجادة والذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد وسعدوية الواسطى وإسحاق بن أبي اسرائيل وابن الهرس وابن علية الأكبر ومحمد بن نوح العجلى ويحيى بن عبدالرحمن العمرى وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعى ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال لبشر بن الوليد ما تقول قال قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال أقول كلام الله قال لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال ما أحسن غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ثم قال لعلى بن أبي مقاتل ما تقول قال القرآن كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشىء سمعنا وأطعنا وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ثم قال لأحمد بن حنبل ما تقول قال كلام الله قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد على هذا قال ابن البكاء الأكبر أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم والمجعول مخلوق قال نعم قال فالقرآن مخلوق

311

قال لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون فورد عليه كتاب المأمون بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية ويقول الكتاب فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدى فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه وأما على بن أبي مقاتل فقل له ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله وأما احمد بن يزيد أبو العوام وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وأفنه بها وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعنى ولاية القضاء واما الزيادى فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعى فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه وذكر أنه إنما قيل له الزيادى لأمر من الأمور قال وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما ابن نوح والمعروف بأبي معمر وابن حاتم فأعلمهم انهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا وصاروا للنصارى شبها وأما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجته من

312

المال الذى كان استحله من مال على بن هشام واما سعدويه الواسطى فقل له قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة واما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التى دفعها إليه على بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وأما القواريرى ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه وأما يحيى العمرى فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التى حكيت عنه وإنه بعد صبى محتاج إلى أن يعلم وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها وتلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فانصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدى فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف قال فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد ابن نوح والقواريرى فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريرى ووجه بأحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه فحملوا إليه فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه ولطف الله بهم وفرج عنهم وأما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن انه لا يدركه فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها

313

من عبدالله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل إن ذلك وقع بأمر المأمون وقيل بل كتبوا ذلك وقت غشى أصابه ومات المأمون يوم الخميس لاثنتى عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة بالبدندون من أقصى الروم ونقل إلى طرطوس فدفن بها قال المسعودى كان نزل على عين البدندون فأعجبه برد مائها وصفاؤه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة فأعجبته فلم يقدر احد يسبح في العين لشدة بردها فجعل لمن يخرجها سيفا فنزل فراش فاصطادها وطلع فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه ثم نزل الفراش ثانية فأخذها فقال المأمون تقلى الساعة ثم أخذته رعدة فغطى باللحف وهو يرتعد ويصيح فأوقدت حوله نار فأتى بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله ثم افاق المأمون من غمرته فسأل عن تفسير المكان بالعربي فقيل مد رجليك فتطير به ثم سأل عن اسم البقعة فقيل الرقة وكان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة فكان يتجنب نزول الرقة فرقا من الموت فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس وقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه ولما وردت وفاته بغداد قال أبو سعيد المخزوى
هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون
أو عن ملكه المأسوس


خلفوه بعرصتى طرسوس
مثل ما خلفوا أباه بطوس

قال الثعالبي لا يعرف أب وابن من الخلفاء أبعد قبرا من الرشيد والمأمون قال وكذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد ولم

314

ير الناس مثلهم فقبر عبدالله بالطائف وعبيدالله بالمدينة والفضل بالشام وقثم بسمرقند ومعبد بإفريقية فصل في نبذ من أخبار المأمون قال نفطويه حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال كنا بين يدى المأمون فعطس فلم نشمته فقال لم لا تشمتوننى قلنا أجللناك يا أمير المؤمنين قال لست من الملوك التى تتجال عن الدعاء واخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدى قال كنت أؤدب المأمون فأتيته يوما وهو داخل فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكانى فأبطأ ثم وجهت إليه آخر فأبطأ فقلت إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة فقيل أجل ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه ولقوا منه أذى شديدا فقومه بالأدب فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر قال فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل هذا جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منه منديلا فمسح عينيه من البكاء وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد متربعا ثم قال ليدخل فدخل فقمت عن المجلس وخفت أن يشكونى إليه فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه ثم خرج فجئت فقلت لقد خفت أن تشكونى إلى جعفر فقال لي يا أبا محمد ما كنت أطلع الرشيد على هذه فكيف بجعفر إنى احتاج إلى أدب وأخرج عن عبدالله بن محمد التيمى قال اراد الرشيد سفرا فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك واعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع فمضى الأسبوع ولم يخرج فاجتمعوا إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون
يا خير من دبت المطىبه
ومن تقدى بسرجه فرس


هل غاية في المسير نعرفها
أم أمرنا في المسير ملتبس


ما علم هذا إلا إلى ملك
من نوره في الظلام نقتبس



315


إن سرت سار الرشاد متبعا
وإن تقف فالرشاد محتبس

فقرأها الرشيد فسر بها ووقع فيها يا بنى ما أنت والشعر إنما الشعر ارفع حالات الدنى وأقل حالات السرى تقدى أى استمر واخرج عن الأصمعى قال كان نقش خاتم المأمون عبدالله ابن عبدالله واخرج عن محمد بن عبدالله قال لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون قلت وقد رددت هذا الحصر فيما تقدم واخرج عن ابن عيينة قال جمع المأمون العلماء وجلس للناس فجاءت امرأة فقالت يا أمير المؤمنين مات أخى وخلف ستمائة دينار أعطونى دينارا وقالوا هذا نصيبك قال فحسب المأمون ثم كسر الفريضة ثم قال لها هذا نصيبك فقال له العلماء كيف علمت يا أمير المؤمنين فقال هذا الرجل خلف ابنتين قالت نعم قال فلهن الثلثان أربعمائة وخلف والدة فلها السدس مائة وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون وبالله ألك اثنا عشر أخا قالت نعم قال أصابهم ديناران ديناران وأصابك دينار وأخرج عن محمد بن حفص الأنماطى قال تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلثمائة لون قال فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال هذا نافع لكذا ضار لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا ومنقصد قلة الغذاء فليقتصر على هذا فقال له يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين

316

إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت على بن أبي طالب رضى الله عنه في علمه أو ذكر السخاء كنت حاتم طيىء في صفته أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته أو الكرم فأنت كعب بن أمامة في فعاله أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسر بهذا الكلام وقال إن الإنسان إنما فضل بعقله ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم ولا دم أطيب من دم وأخرج عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكمل من المأمون بت عنده ليلى فانتبه فقال يا يحيى انظر إيش عند رجلى فنظرت فلم أر شيئا فقال شمعة فتبادر الفراشون فقال انظروا فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها فقلت قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب فقال معاذالله ولكن هتف في هاتف الساعة وأنا نائم فقال
يا راقد الليل انتبه
إن الخطوب لها سرى


ثقة الفتى بزمانه
ثقة محللة العرى

فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد فتألمت ما قرب فكان ما رأيت وأخرج عن عمارة بن عقيل قال قال لى ابن أبي حفصة الشاعر أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر فقلت من ذا يكون أفرس منه والله إنا للنشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه قال إنى أنشدته بيتا أجدت فيه لم أراه تحرك له وهو هذا
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا
بالدين والناس في الدنيا مشاغيل

فقلت له ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوق لها ألا قلت كما قال عمك في الوليد

317


فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه
ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

قال ابن عساكر أخبرنا أبو العز بن كادش حدثنا محمد بن الحسن حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا محمد بن محمود بن ابي الأزهر الخزاعى حدثنا الزبير بن بكار حدثنى النضر بن شميل قال دخلت على المأمون بمرو وعلى أطمار فقال لي يا نضر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب فقلت يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق قال لا ولكنك تتقشف فتجارينا الحديث فقال المأمون حدثنى هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز قلت صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم حدثنى عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد بالكسر من عوز وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال السداد لحن يا نضر قلت نعم ههنا وإنما لحن هشيم وكان لحانا فقال ما الفرق بينهما قلت السداد بالفتح القصد في السبيل والسداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سداد قال أفتعرف العرب ذلك قلت نعم هذا العرجى من ولد عثمان بن عفان يقول
أضاعونى واى فتى أضاعوا
ليوم كريهه وسداد ثغر

فأطرق المأمون مليا ثم قال قبح الله من لا أدب له ثم قال أنشدنى يا نضر أخلب بيت للعرب قلت قول ابن بيض في الحكم بن مروان
تقول لى العيون هاجعة
أقيم علينا يوما فلم أقم


أى الوجوه انتجعت قلت لها
لأى وجه إلا إلى الحكم



318


متى يقل حاجبا سرادقه
هذا ابن بيض بالباب يبتسم


قد كنت أسلمت فيك مقتبلا
هيهات ادخل فأعطنى سلمى

أسلمت أسلفت مقتبلا آخذ قبيلا أى كفيلا قال أنشدنى أنصف بيت قالته العرب قلت قول ابن أبى عروبة المدينى
إنى وإن كان ابن عمى عاتبا
لمزاحم من خلفه وورائه


ومفيده نصرى وإن كان أمرا
متزحزحا في أرضه وسمائه


وأكون والى سره وأصونه
حتى يحن إلى وقت أدائه


وإذا الحوادث أجحفت بسوامه
قرنت صحيحتنا إلى جربائه


وإذا دعا باسمى ليركب مركبا
صعبا قعدت له على سيسائه


وإذا أتى من وجهه
لم أطلع فيما وراء خبائه


وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل
يا ليت أن على حسن ردائه

قال أنشدنى أقنع بيت للعرب فأنشدته قول ابن عبدل
إنى امرؤ لم أزل وذاك من
الله أديبا أعلم الأدبا


اقيم بالدار ما اطمأن بي الدار
وإن كنت نازحا طربا


لا أحتوى خلة الصديق ولا
أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا


أطلب ما يطلب الكريم
من الرزق بنفسي وأجمل الطلبا


إنى رأيت الفتى الكريم إذا
رغبته في صنيعه رغبا


والعبد لا يطلب العلاء ولا
يعطيك شيئا إلا إذا رهبا


مثل الحمار الموقع السوء لا
يحسن شيئا إلا إذا ضربا


ولم أجد عروة العلائق إلا الدين
لما اختبرت والحسبا


وقد يرزق الخافض المقيم وما شد بعيس رحلا ولا قتبا


ويحرم الرزق ذو المطية والرحل
ومن لا يزال مغتربا



319

قال أحسنت يا نضر وأخذ القرطاس فكتب شيئا لا أدرى ما هو ثم قال كيف تقول افعل من التراب قلت أترب قال ومن الطين قلت طن قال فالكتاب ماذا قلت مترب مطين قال هذه أحسن من الأولى فكتب لى بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصلنى إلى الفضل بن سهل فمضيت معه فلما قرأ الكتاب قال يا نضر لحنت أمير المؤمنين قلت كلا ولكن هشيم لحانه فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لى من عنده بثلاثين ألفا فخرجت إلى منزلى بثمانين ألفا وأخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال بعث إلى المأمون فصرت إليه وهو في بستان يمشى مع يحيى بن أكثم فرأيتهما موليين فجلست فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة فسمعته يقول ليحيى يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد على السلام فقال اخبرنى عن قول هند بنت عتبة
نحن بنات طارق

نمشى على النمارق
مشى قطا الهمارق

من طارق هذا فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت يا أمير المؤمنين ما أعرفه في نسبها فقال إنما أرادت النجم وانتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى والسماء والطارق فقلت فأيده أمير المؤمنين فقال أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه ثم رمى إلى بعنبرة كان يقلبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم واخرج عن أبي عبادة قال كان المأمون أحد ملوك الأرض وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة واخرج عن ابن أبى دؤاد قال دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون ما حملك على خلافنا قال آية في كتاب الله قال وما هي

320

قال قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ألك علم بأنها منزلة قال نعم قال وما دليلك قال إجماع الأمة قال فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض باجماعهم في التأويل قال صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين وأخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال قال المأمون من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من هو دونه وأخرج عن سعيد بن مسلم قال قال المأمون لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيى في العفو ليذهب عنهم الخوف ويخلص السرور إلى قلوبهم وأخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهرى قال وقف رجل بين يدى المأمون قد جنى جناية فقال له والله لأقتلنك فقال يا أمير المؤمنين تأن على فإن الرفق نصف العفو قال وكيف وقد حلفت لأقتلنك فقال لأن تلقى الله حانثا خير من أن تلقاه قاتلا فخلى سبيله وأخرج الخطيب عن أبي الصلت عبدالسلام بن صالح قال بت عندالمأمون ليلة فنام القيم الذى الذى كان يصلح السراج فقام المأمون وأصلحه وسمعته يقول ربما اكون في المتوضأ فيشتمنى الخدام ويفترون على ولا يدرون أنة أسمع فأعفو عنهم وأخرج الصولى عن عبدالله بن البواب قال كان المأمون يحلم حتى يغيظنا وجلس مرة يستاك على دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه فمر ملاح وهو يقول أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عينى وقد قتل أخاه قال فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل

321

وأخرج الخطيب عن يحيى بن اكثم قال ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فأخذه السعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه وكان يقول أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكى قال قال لى المأمون يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإن الفلك أدور والدهر أجور من أن يترك لأحد حالا أو يبقى لأحد نعمة وأخرج عن عبدالله بن محمد الزهرى قال قال المأمون غلبة الحجة احب إلى من غلبة القدرة لأن غلبةالقدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شىء واخرج عن العتبي قال سمعت المأمون يقول من لم يحمدك على حسن النية لم يشكر على جميل الفعل وأخرج عن أبي العالية قال سمعت المأمون يقول ما أقبح اللجاجة بالسلطان وأقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهم وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين وأقبح منه البخل بالأغنياء والمزاح بالشيوخ والكسل بالشباب والجبن بالمقاتل وأخرج عن على بن عبدالرحيم المروزى قال قال المأمون أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده ويتواضع لمن لا يكرمه ويقبل مدح من لا يعرفه وأخرج عن مخارق قال أنشدت المأمون قول أبي العتاهية
وإنى لمحتاج إلى ظل صاحب
يروق ويصفو إن كدرت عليه



322

فقال لى اعد فأعدت سبع مرات فقال لى يا مخارق خذ منى الخلافة وأعطنى هذا الصاحب وأخرج عن هدبة بن خالد قال حضرت غداء المأمون فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلى المأمون فقال أما شبعت قلت بلى ولكن حدثنى حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر فأمر لى بألف دينار وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل اهدى الناس إلى الحسن فأهدى له رجل فقير مزودين في احدهما ملح وفي الآخر أشنان وكتب إليه جعلت فداك خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا ذكر لى فيها فوجهت إليك بالمبتدإبه ليمنه وبركته وبالمختوم به لطيبه ونظافته فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون فاستحسن ذلك وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير وأخرج الصولى عن محمد بن القاسم قال سمعت المأمون يقول أنا والله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه ولو علم الناس مقدار محبتى للعفو لتقربوا إلى بالذنوب واخرج الخطيب عن المنصور البرمكى قال للرشيد جارية وكان المأمون يهواها فبينما هى تصب على الرشيد من إبريق معها والمأمون خلفه إذ أشار إليها بقبلة فزجرته بحاجبها وأبطأت عن الصب فنظر إليها هارون الرشيد فقال ما هذا فتلكأت عليه فقال إن لم تخبرينى لأقتلنك فقالت أشار إلى عبدالله بقبلة فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء

323

والرعب ما رحمه منه فاعتنقه وقال أتحبها قال نعم قال قم فادخل بها في تلك القبة فقام فلما خرج قال له قل في هذا شعرا فقال
ظبى كنيت بطرفى
عن الضمير إليه


قبلته من بعيد
فاعتل من شفتيه


ورد أحسن رد
بالكسر من حاجبيه


فما برحت مكانى
حتى قدرت عليه

وأخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال سمعت بعض النخاسين يقول عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية فساومته في ثمنها بألفى دينار فقال المأمون إن هى أجازت بيتا أقوله ببيت من عندها اشتريتها بما تقول وزدتك فأنشد المأمون
ماذا تقولين فيمن شفه أرق
من جهد حبك حتى صار حيرانا

فأجازته
إذا وجدنا محبا قد أضر به
داء الصبابة أوليناه إحسانا

وأخرج الصولى عن الحسين الخليع قال لما غضب على المأمون ومنعنى رزقا لى عملت قصيدة أمتدحه بها ودفعتها إلى من أوصلها إليه وأولها
أجرنى فإنى قد ظمئت إلى الوعد
متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد


أعيذك من خلف الملوك وقد ترى
تقطيع أنفاسى عليك من الوجد


أيبخل فرد الحسن عنى بنائل
قليل وقد أفردته بهوى فرد

إلى أن قال
رأى الله عبدالله خير عباده
فملكه والله أعلم بالعبد



324


ألا إنما المأمون للناس عصمة
مفرقة بين الضلالة والرشد

فقال المأمون قد أحسن إلا أنه القائل { أعيناى جودا وابكيالى محمدا
ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا


فلا تمت الأشياء بعد محمد
ولا زال شمل الملك فيه مبددا


ولا فرح المأمون بالملك بعده
ولا زال في الدنيا طريدا مشردا

فهذا بذاك ولا شىء له عندنا فقال له الحاجب فأين عادة أمير المؤمنين في العفو فقال أما هذا فنعم فأمر له بجائزة ورد رزقه عليه وأخرج عن علية عن حماد بن إسحاق قال قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم احد إلى الظهر وأخرج عن محمد بن العباس قال كان المأمون يحب لعب الشطرنج شديدا ويقول هذا يشحذ الذهن واقترح فيها أشياء وكان يقول لا أسمعن أحدا يقول تعال حتى نلعب ولكن يقول نتداول أو نتناقل ولم يكن حاذقا بها وكان يقول أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين وأخرج عن ابن أبى سعيد قال هجا دعبل المأمون فقال
إنى من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد


شادوا بذكرك بعد طول خموله
واستنقذوك من الحضيض الأوهد

فلما سمع المأمون لم يزد على أن قال ما أقل حياء دعبل متى كنت خاملا وقد نشأت في حجر الخلفاء ولم يعاقبه وأخرج من طرق عدة أن المأمون كان يشرب النبيذ وأخرج عن الجاحظ قال كان أصحاب المأمون يزعمون أن لون وجهه وجسده لون واحد سوى ساقيه فإنهما صفراوان كأنهما طليتا بالزعفران

325

وأخرج عن أسحاق الموصلى قال قال المأمون ألذ الغناء ما طرب له السامع خطأ كان أو صوابا وأخرج عن على بن الحسين قال كان محمد بن حامد واقفا على رأس المأمون وهو يشرب فاندفعت عريب فغنت بشعر النابغة الجعدى
كحاشية البرد اليمانى المسهم

فأنكر المأمون أن لا تكون ابتدأت بشىء فأمسك القوم فقال نفيت من الرشيد لئن لم أصدق عن هذا لأقررن بالضرب الوجيع عليه ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة ولئن صدقت لأبلغن الصادق أمله فقال محمد ابن حامد أنا يا سيدى أومأت إليها بقبلة فقال الآن جاء الحق صدقت أتحب أن أزوجك بها قال نعم فقال المأمون الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتى ومهرتها عنه أربعمائة درهم وعلى بركة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم خذ بيدها فقامت معه فصار المعتصم إلى الدهليز فقال له الدلالة قال لك ذاك قال دلالتى أن تغنينى الليلة فلم تزل تغنيه إلى السحر وابن حامد على الباب ثم خرجت فأخذت بيده ومضت عليه وأخرج عن ابن أبي داؤد قال اهدى ملك الروم إلى المأمون هدية فيها مائتا رطل مسك ومائتا جلد سمور فقال أضعفوها له ليعلم عز الإسلام وأخرج عن إبراهيم بن الحسن قال قال المدائنى للمأمون إن معاوية قال بنو هاشم أسود واحداء ونحن أكثر سيدا فقال المأمون إنه قد أقر وادعى فهو في ادعائه خصم وفي إقراره مخصوم وأخرج عن أبي أمامة قال حدثنى بعض أصحابنا أن أحمد بن أبى خالد قرأ القصص يوما على المأمون فقال فلان الثريدى وهو اليزيدى

326

فضحك المأمون وقال يا غلام هات الطعام لأبى عباس فإنه أصبح جائعا فاستحيى وقال ما أنا بجائع ولكن صاحب القصة احمق نقط الياء بنقط الثاء فقال على ذلك فجاءه بطعام فأكل حتى انتهى ثم عاد فمر في قصة فلان الحمصى فقال الخبيصى فضحك المأمون وقال يا غلام جامة فيها خبيص فقال إن صاحب القصة كان أحمق فتح الميم فصارت كأنها سنتان فضحك وقال لولا حمقهما لبقيت جائعا وأخرج عن أبى عباد قال ما أظن الله خلق نفسا هى أنبل من نفس المأمون ولا أكرم وكان قد عرف شره أحمد بن أبى خالد فكان إذا وجهه في حاجة غداه قبل أن يرسله ورفع إليه في قصة إن رأى أمير المؤمنين أن يجرى على ابن أبى خالد نزلا فإنه يعين الظالم بأكله فأجرى عليه المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته وكان مع هذا يشره إلى طعام الناس فقال دعبل الشاعر
شكرنا الخليفة إجراءه
على ابن أبى خالد نزله


فكف أذاه عن المسلمين
وصير في بيته شغله

وأخرج عن ابن أبي داؤد قال سمعت المأمون يقول لرجل إنما هو غدر أو يمن قد وهبتهما لك ولا تزال تسىء وأحسن وتذنب وأغفر حتى يكون العفو هو الذى يصلحك واخرج عن الجاحظ قال قال ثمامة بن أشرس ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى البرمكى والمأمون وأخرج السلفى في الطيوريات عن حفص المداينى قال أتى المأمون بأسود

327

قد ادعى النبوة وقال أنا موسى بن عمران فقال له المأمون إن موسى بن عمران أخرج يده من جيبه بيضاء فأخرج يدك بيضاء حتى أومن بك فقال الأسود إنما جعل ذلك لموسى لما قال له فرعون أنا ربكم الأعلى فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء وإلا لم تبيض وأخرج أيضا أن المأمون قال ما انفتق على فتق إلا وجدت سببه جور العمال وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن أكثم قال كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها ونعله في يده فوقف على طرف البساط وقال السلام عليكم فرد عليه المأمون فقال أخبرنى عن هذا المجلس الذى أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة والقهر قال لا بهذا ولا بهذا بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لى ولأخى فلما صار الأمر إلى علمت أنة محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق والمغرب على الرضا بى رأيت أنى متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام ومرج أمرهم وتنازعوا وبطل الجهاد والحج وانقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وذهب وأخرج عن محمد بن المنذر الكندى قال حج الرشيد فدخل الكوفة فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبدالله بن إدريس وعيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين والمأمون فحدثهما ابن ادريس بمائة حديث فقال المأمون يا عم أتأذنى لى أن أعيدها من حفظى قال نعم افعل فأعادها فعجب من حفظه وقال بعضهم استخرج المأمون كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس هكذا ذكره الذهبي مختصرا

328

وقال الفاكهى أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض المأمون واستمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر إلا أن محمود بن سبكتين كساها في خلال هذه المدة ديباجا أصفر ومن كلام المأمون لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال وقال أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر وإذا أدبر أن يقبل وقال أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس وقال الناس ثلاثة فمنهم مثل الغذاء لا بد منه على كل حال ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض ومنهم كالداء مكروه على كل حال وقال ما أعيانى جواب أحد مثل ما أعيانى جواب رجل من أهل الكوفة قدمه اهلها فشكا عاملهم فقلت كذبت بل هو رجل عادل فقال صدق أمير المؤمنين وكذبت أنا قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقى البلاد خذه واستعمله على بلد آخر يشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا فقلت قم في غير حفظ الله عزلته عنكم ومن شعر المأمون
لسانى كتوم لأسراركم
ودمعى نموم لسرى مذيع


فلولا دموعى كتمت الهوى
ولولا الهوى لم يكن لى دموع

وله في الشطرنج
ارض مربعة حمراء من أدم
ما بين إلفين معروفين بالكرم


تذاكر الحرب فاحتلالها حيلا
من غير أن يأثما فيها بسفك دم


هذا يغير على هذا وذاك على
هذا يغير وعين الحزم لم تنم


فانظر إلى فطن جالت بمعرفة
في عسكرين بلا طبل ولا علم

واخرج الصولى عن محمد بن عمرو قال دخل أصرم بن حميد على المأمون وعنده المعتصم فقال يا أصرم صفنى وأخى ولا تفضل واحدا منا على صاحبه فأنشد بعد قليل

329


رأيت سفينة تجرى ببحر
إلى بحرين دونهما البحور


إلى ملكين ضوؤهما جميعا
سواء حاردونهما البصير


كلا الملكين يشبه ذاك هذا
وذا هذا وذاك وذا أمير


فإن يك ذا وذاك هذا
فلى فى ذا وذاك معا سرور


رواق المجد ممدود على ذا
وهذا وجهه بدر منير

ذكر أحاديث من رواية المأمون قال البهيقى سمعت الإمام أبا عبدالله الحاكم قال سمعت أبا أحمد الصيرفى وسمعت جعفر بن ابى عثمان الطيالسي يقول صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فرأيت المأمون خلف الدرابزين وهو يقول لا يا غوغاء لا يا غوغاء غداسنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الأضحى حضرت إلى الصلاة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا حدثنا هشيم بن بشير وحدثنا ابن شبرمة عن الشعبى عن البراء بن عازب عن أبى بردة بن دينار قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذبح قبل أن يصلى فإنما هو لحم قدمه ومن ذبح بعد أن يصلى فقد أصاب السنة الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا اللهم أصلحنى واستصلحنى وأصلح على يدى قال الحاكم هذا حديث لم نكتبه إلا عن أبي أحمد وهو عندنا ثقة مأمون ولم يزل في القلب منه شىء حتى ذاكرت به ابا الحسن الدارقطنى فقال هذه الرواية عندنا صحيحة عن جعفر فقلت هل من متابع فيه لشيخنا أبي أحمد فقال نعم ثم قال حدثنى الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات حدثنى أبو الحسين محمد بن عبدالرحمن الروز باذى حدثنا محمد بن عبدالملك التاريخى قال الدارقطنى وما فيهم إلا ثقة مأمون حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال سمعت المأمون فذكر الخطبة والحديث

330

وقال الصولى حدثنا جعفر الطيالسى حدثنا يحيى بن معين قال خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة ووافق يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فأنكر التكبير ثم وثب حتى أخذ بخشب المقصورة وقال يا غوغاء ما هذه التكبير في غير أيامه حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يلبى حتى رمى جمرة العقبة والتكبير في غد ظهرا عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى وقال الصولى حدثنا أبو القاسم البغوى حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلى قال كنا عند المأمون فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق عيال الله فأحب عباد الله إلى الله عز وجل أنفعهم لعياله فصاح المأمون وقال اسكت أنا أعلم بالحديث منك حدثنيه يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخلق عيال الله فأحب عباد الله أنفعهم لعياله أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر وأخرجه أبو يعلى الموصلى في مسنده غيره من طرق عن يوسف بن عطية وقال الصولى حدثنا المسيح بن حاتم العكلى حدثنا عبدالجبار بن عبدالله قال سمعت المأمون يخطب فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه ثم قال حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن أبى بكرة وعمران بن حصين قالا قال رسول صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان والإيمان من في الجنة والبذاءة من الجفاء والجفاء في النار أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون وقال الحاكم حدثنا الحسين بن تميم حدثنا الحسين بن فهم حدثنا يحيى بن أكثم القاضى قال قال لى المأمون يوما يا يحيى إنى أريد ان أحدث فقلت ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين فقال ضعوا لى منبرا فصعد وحدث فأول

331

حديث حدثنا به عن هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثا ثم نزل فقال لى يا يحيى كيف رأيت مجلسنا قلت أجل مجلس يا أمير المؤمنين تفقه الخاصة والعامة فقال لا وحياتك ما رأيت لكم حلاوة وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر وقال الخطيب حدثنا أبو الحسن على بن القاسم الشاهد حدثنا أبو على الحسن بن محمد بن عثمان حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزارى حدثنا إبراهيم ابن سعيد الجوهرى قال لما فتح المأمون مصر قال له قائل الحمد الله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك وأدان لك العراقين والشامات ومصر وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له ويحك إلا أنه بقيت لى خلة وهو أن أجلس في مجلس ويستملى يحيى فيقول لى من ذكرت رضى الله عنك قأقول حدثنا الحمادان حماد بن سلمة وحماد بن زيد قالا حدثنا ثابت البنانى عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عال ابنتين أو ثلاثا أوأختين أو ثلاثا حتى يمتن أو يموت عنهن كان معى كهاتين في الجنة وأشار بالمسبحة والوسطى قال الخطيب في هذا الخبر غلط فاحش ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين وأما حماد بن زيد فمات في تسع وسبعين وقال الحاكم حدثنا بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ حدثنا محمد بن إسحاق الثقفى حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال وقف المأمون يوما للأذان ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به فقال له المأمون إيش تحفظ في باب كذا فلم يذكر فيه شيئا فما زال المأمون يقول حدثنا هشيم وحدثنا الحجاج وحدثنا فلان حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئا فذكره المأمون ثم نظر إلى أصحابه

332

فقال يطلب احدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول أنا من أصحاب الحديث أعطوه ثلاثة دراهم وقال ابن عساكر حدثنا محمد بن إبراهيم الغزى حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السرى التفليس وحدثنا أبو عبدالرحمن السلمى أخبرنى عبيدالله ابن محمد الزاهد العكبرى حدثنا عبدالله بن محمد بن مسيح حدثنا محمد بن المغلس حدثنا محمد بن السرى القنطرى حدثنا على بن عبدالله قال قال يحيى بن أكثم بت ليلة عند المأمون فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت فقال يا يحيى ما شأنك قلت عطشان فوثب من مرقده فجاءنى بكوز من ماء فقلت يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام قال لا حدثنى أبي عن أبيه عن جده عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد القوم خادمهم وقال الخطيب حدثنا الحسن بن عثمان الواعظ حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطى حدثنى أحمد بن الحسن الكسائى حدثنا سليمان بن الفضل النهروانى حدثنى يحيى بن أكثم فذكر نحوه إلا أنه قال حدثنى الرشيد حدثنى المهدى حدثنى المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس حدثنى حرير ابن عبدالله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيد القوم خادمهم وقال ابن عساكر حدثنا أبو الحسن على ابن أحمد حدثنا القاضى أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفى حدثنا محمد بن أحمد ابن محمد بن سليمان الغنجار حدثنا أبو أحمد على بن محمد بن عبدالله المروزى حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبدالرحمن الكاتب حدثنى محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل حدثنا أبو حذيفة البخارى قال سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مولى القوم منهم قال محمد بن قدامة فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه فأمر له بعشرة آلاف درهم

333

وفي أيام المأمون أحصيت أولاد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى وذلك في سنة مائتين وفي أيامه مات من الأعلام سفيان بن عيينة والإمام الشافعى وعبدالرحمن بن مهدى ويحيى بن سعيد القطان ويونس بن بكير راوى المغازى وأبو مطيع البخلى صاحب أبي حنيفة رحمه الله ومعروف الكرخى الزاهد وإسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ وإسحاق بن الفرات قاضى مصر من أجله أصحاب مالك وأبو عمرو الشيبانى اللغوى وأشهب صاحب مالك والحسن بن زياد اللؤلؤى صاحب أبى حنيفة وحماد بن أسامة الحافظ وروح بن عبادة وزيد بن الحباب وأبو داود الطيالسى والغازى ابن قيس من أصحاب مالك وأبو سليمان الدارانى الزاهد المشهور وعلى الرضى ابن موسى الكاظم والفراء إمام العربية وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة وقطرب النحوى والواقدى وأبو عبيدة معمر بن المثنى والنضر بن شميل والسيدة نفيسة وهشام أحد النحاة الكوفيين واليزيدى ويزيد بن هارون ويعقوب بن إسحاق الحضرمى قارىء البصرة وعبدالرزاق وأبو العتاهية الشاعر وأسد السنة وأبو عاصم النبيل والفريابى وعبدالملك بن الماجشون وعبدالله بن الحكم وأبو زيد الأنصارى صاحب العربية والأصمعى وخلائق آخرون المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد المتعصم بالله ابو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة ثمانين ومائة كذا قال الذهبي وقال الصولى في شعبان سنة ثمان وسبعين وأمه أم ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة وكانت أحظى الناس عند الرشيد

334

روى عن أبيه واخيه المأمون وروى عنه إسحاق الموصلى وحمدون ابن إسماعيل وآخرون وكان ذا شجاعة وقوة وهمة وكان عريا من العلم فروى الصولى عن محمد بن سعيد عن إبراهيم بن محمد الهاشمى قال كان المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام فقال له الرشيد ابوه يا محمد مات غلامك قال نعم سيدي واستراح من الكتاب فقال وإن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلموه قال فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة وقال الذهبي كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن وقال نفطويه والصولى للمعتصم مناقب وكان يقال له المثمن لأنه ثامن الخلفاء من بنى العباس والثامن من ولد العباس وثامن أولاد الرشيد وملك سنة ثمان عشرة وملك ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام ومولده سنة ثمان وسبعين وعاش ثمانيا وأربعين سنة وطالعه العقرب وهو ثامن برج وفتح ثمانية فتوح وقتل ثمانية أعداء وخلف ثمانية أولاد ومن الإناث كذلك ومات لثمان بقين من ربيع الأول وله محاسن وكلمات فصيحة وشعر لا بأس به غير أنه إذا غضب لا يبالى من قتل وقال ابن أبى دؤاد كان المعتصم يخرج ساعده إلى ويقول يا أبا عبدالله عض ساعدى بأكثر قوتك فأمتنع فيقول إنه لا يضرنى فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان وقال نفطويه وكان من أشد الناس بطشا كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره

335

وقال غيره هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان وكان يتشبه بملوك الأعاجم ويمشى مشيهم وبلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر الفا وقال ابن يونس هجا دعبل المعتصم ثم نذر به فخاف وهرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب والأبيات التى هجاه بها هذه
ملوك بنى العباس في الكتب سبعة
ولم يأتنا في ثامن منهم الكتب


كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة
غداة ثووا فيها وثامنهم كلب


وإنى لأزهى كلبهم عنك رغبة
لأنك ذو ذنب وليس له ذنب


لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم
وصيف وأشناس وقد عظم الخطب


وإنى لأرجو أن ترى من مغيبها
مطالع الشمس قد يغص بها الشرب


وهمك تركى عليه مهانة
فأنت له أم وأنت له أب

بويع له بالخلافة بعد المأمون وفي شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البلاد بذلك وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك وقاسى الناس منه مشقة في ذلك وقتل عليه خلقا من العلماء وضرب الإمام أحمد بن حنبل وكان ضربه في سنة عشرين وفيها تحول المعتصم من بغداد وبنى سر من رأى وذلك انه اعتنى باقتناء

336

الترك فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحى في شرائهم وبذل فيهم الأموال وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب فكانوا يطردون خيلهم في بغداد ويؤذون الناس وضاقت بهم البلد فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك قال وكيف تحاربوننى قالوا بسهام الأسحار قال لا طاقة لى بذلك فكان سبب بنائه سر من رأى وتحوله إليها وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها الخليفة وشتت جموعهم وخرب ديارهم وفتح عمورية بالسيف وقتل منها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجمون أن ذلك طالع نحس وأنه يكسر فكان من نصره وظفره ما لم يخف فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة وهى هذه
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب


والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخميسين لا في السبعة الشهب


أين الرواية أم أين النجوم وما
صاغوه من زخرف فيها ومن كذب


تخرصا وأحاديثا ملفقة
ليست بعجم إذا عدت ولا عرب

مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين وكان قد ذلل العدو بالنواحى ويقال إنه قال في مرض موته حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ولما احتضر جعل يقول ذهبت الحيلة فليس حيلة وقيل جعل يقول أوخذ من بين هذا الخلق وقيل إنه قال اللهم إنك تعلم أنى أخافك من قبلى ولا أخافك من قبلك وارجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلى ومن شعره
قرب النحام واعجل يا غلام
واطرح السرج عليه واللجام


أعلم الأتراك أني خائض
لجة الموت فمن شاء أقام

وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب ليملك البلاد التى لم تدخل في ملك

337

بنى العباس لاستيلاء الأموى عليها فروى الصولى عن أحمد بن الخصيب قال قال لى المعتصم إن بنى أمية ملكوا وما لأحد منا ملك وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموى فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته وشرع في ذلك فاشتدت علته ومات وقال الصولى سمعت المغيرة بن محمد يقول يقال إنه لم يجتمع الملوك باب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم ولا ظفر ملك قط كظفره أسر ملك أذربيجان وملك طبرستان وملك استيسان وملك الشياصح وملك فرغانة وملك طخارستان وملك الصفة وملك كابل وقال الصولى وكان نقش خاتمه الحمد الله الذي ليس كمثله شىء ومن أخبار المعتصم أخرج الصولى عن أحمد اليزيدى قال لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس فعمل إسحاق الموصلى قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها إلا أنه افتتحها بقوله
يادار غيرك البلى ومحاك
يا ليت شعرى ما الذى أبلاك

فتطير المعتصم وتطير الناس وتغامزوا وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك وخرب المعتصم القصر بعد ذلك وأخرج عن إبراهيم بن العباس قال كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه وكان أول من ثرد الطعام وكثره حتى بلغ ألف دينار في اليوم وأخرج عن أبى العيناء قال سمعت المعتصم يقول إذا نصر الهوى بطل الرأى وأخرج عن إسحاق قال كان المعتصم يقول من طلب الحق بماله وعليه أدركه وأخرج عن محمد بن عمر الرومى قال كان للمعتصم غلام يقال له عجيب

338

لم ير الناس مثله قط وكان مشغوفا به فعمل فيه أبياتا ثم دعانى وقال قد عملت أنى دون إخوتى في الأدب لحب أمير المؤمنين لى وميلى إلى اللعب وأنا حدث فلم أنل ما نالوا وقد عملت في عجيب أبياتا فإن كانت حسنة وإلا فاصدقنى حتى أكتمها ثم أنشد شعرا
لقد رأيت عجيبا
يحكى الغزال الربيبا


الوجه منه كبدر
والقد يحكى القضيبا


وإن تناول سيفا
رأيت ليثا حريبا


وإن رمى بسهام
كان المجيد المصيبا


طبيب ما بى من الحب
فلا عدمت الطبيبا


إنى هويت عجيبا
هوى أراه عجيبا

فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء فطابت نفسه وأمر لى بخمسين ألف درهم وقال الصولى حدثناعبدالواحد بن العباس الرياشى قال كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابا يهدده فيه فلما قرىء عليه قال للكاتب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار واخرج الصولى عن الفضل اليزيدى قال وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمرى في الرشيد
إن المكارم والمعروف أودية
أحلك الله منها حيث تجتمع


من لم يكن بأمين الله معتصما
فليس بالصلوات الخمس ينتفع


إن أخلف القطر لم تخلف فواضله
أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع

فقال أبو وهيب فينا من يقول خيرا منه فيك وقال
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر



339


تحكى أفاعيله في كل نائبة
الليث والغيث والصمصامة الذكر

ولما مات رثاه وزيره محمد بن عبدالملك جامعا بين العزاء والهناء فقال
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت
عليك أيد بالتراب والطين


اذهب فنعم الحفيظ كنت على الدنيا
ونعم الظهير للدين


ما يجبرالله أمة فقدت
مثلك إلا بمثل هارون

حديث رواه المعتصم قال الصولى حدثنا العلائي حدثنا عبد الملك الضحاك حدثنى هاشم بن محمد حدثنى المعتصم قال حدثنى أبي الرشيد عن المهدى عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضى الله عنهما عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى قوم من بنى فلان يتبخترون في مشيهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ والشجرة الملعونة في القرآن فقيل له أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتنبها فقال ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية إذا ملكوا جاروا وإذا أؤتمنوا خانوا وضرب بيده على ظهر عمه العباس فقال يخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يده قلت الحديث موضوع وآفته العلائى وقال ابن عساكر أنبأنا أبو القاسم على بن إبراهيم حدثنا عبدالعزيز ابن أحمد حدثنى على بن الحسين الحافظ حدثنا أبو القاسم عبدالله بن أحمد ابن طالب البغدادى حدثنا ابن خلاد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعى حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال كنت عند المعتصم أعوده فقلت أنت في عافية فقال كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدى عن المنصور عن ابيه عن جده عن ابن عباس مرفوعا من أحتجم في يوم الخميس فمرض فيه مات فيه

340

قال ابن عساكر سقط منه رجلان بين ابن الضبيعى وإسحاق ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعى عن أحمد بن محمد الليث عن منصور بن النضر عن إسحاق وممن مات في أيام المعتصم من الأعلام الحميدى شيخ البخارى وابو نعيم الفضل بن دكين وابو غسان المهدى وقالوا المقرىء وخلاد المقرىء وآدم ابن أبي إياس وعفان والقعنبى وعبدان المروزى وعبدالله بن صالح كاتب الليث وإبراهيم بن المهدي وسليمان بن حرب وعلى بن محمد المدائنى وأبو عبيد القاسم بن سلام وقرة بن حبيب وعارم ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكى وسعدويه الواسطى وأبو عمر الجرمى النحوى ومحمد بن سلام البيكندى وسنيد وسعيد بن كثير ابن عفير ويحيى بن يحيى التميمى وآخرون
الواثق بالله هارون

الواثق بالله هارون أبو جعفر وقيل أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد أمة أم ولد رومية اسمها قراطيس ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة وولى الخلافة بعهد من أبيه بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وفي سنة ثمان وعشرين استخلف على السلطنة أشناس التركى وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطانا فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن وكان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخر أمره وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعى وكان من أهل الحديث

341

قائما بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأحضره من بغداد إلى سامرا مقيدا وسأله عن القرآن فقال ليس بمخلوق وعن الرؤية في القيامة فقال كذا جاءت الرواية وروى له الحديث فقال الواثق له تكذب فقال للواثق بل تكذب أنت فقال ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه فقال جماعة من الفقهاء المعتزلة الذين حوله هو حلال الضرب فدعا بالسيف وقال إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فأنى أحتسب خطاى إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التى وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه وامر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها وصلبت جثته في سر من رأى واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولى المتوكل فأنزله ودفنه ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه فيها هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبدالله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فأبى إلا المعاندة فجعله الله إلى ناره ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح فذكر المتوكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق ورويت هذه الحكاية من غير وجه وفي هذه السنة استفك من الروم ألفا وستمائة أسير مسلم فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الأسر قال الخطيب كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن ويقال إنه رجع عنه قبل موته وقال غيره حمل إليه رجل فيمن حمل مكبل بالحديد من بلاده فلما دخل

342

وابن أبى دؤاد حاضر قال المقيد أخبرنى عن هذا الرأى الذى دعوتم الناس إليه أعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يدع الناس إليه أم شىء لم يعلمه قال ابن دؤاد بل علمه قال فكان يسعه ان لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم قال فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضا على فمه ودخل بيتا ومد رجليه وهو يقول وسع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسكت عنه ولا يسعنا فأمر له أن يعطى ثلثمائة دينار وأن يرد إلى بلده ولم يمتحن أحدا بعدها ومقت ابن أبى داؤد من يومئذ والرجل المذكور هو أبو عبدالرحمن عبدالله بن محمد الأذرمى شيخ أبى داود والنسائى قال ابن أبى الدنيا كان الواثق أبيض وتعلوه صفرة حسن اللحية في عيينه نكتة قال يحيى بن أكثم ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ما مات وفيهم فقير وقال غيره كان الواثق وافر الأدب مليح الشعر وكان يحب خادما أهدى له من مصر فأغضبه الواثق يوما ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق ياذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجارينا على قدر وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى ومن شعر الواثق في خادمه
مهج يملك المهج
بسجى اللحظ والدعج


حسن القدر مخطف
ذو دلال وذو غنج


ليس للعين إن بدا
عنه باللحظ منعرج

وقال الصولى كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله وكان

343

المأمون يعظمه ويقدمه على ولده وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء وكان شاعرا وكان أعلم الخلفاء بالغناء وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت وكان حاذقا بضرب العود راوية للأشعار والأخبار وقال الفضل اليزيدي لم يكن في خلفاء بني العباس أ كثر رواية للشعر من الواثق ن فقيل له كان أروى سن المأمون فقال نعم كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق وكان الواثق لايخلط بعلم العرب شيئا وقال يزيد المهلبى كان الواثق كثير الأكل جدا وقال ابن فهم كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلا وكل ما على الخوان من غضارة وصحفة وسكرجة من ذهب فسأله ابن ابى دؤاد أن لا يأكل عليه للنهى عنه فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال وقال الحسين بن يحيى رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة وأن قائلا يقول له لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك فلم يعرفوا معناه فوجه إلى أبى محلم وأحضره فسأله عن الرؤيا والمرت فقال أبو المحلم المرت القفر الذي لا ينبت شيئا فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قلبه خال من الإيمان خلو المرت من النبات فقال له الواثق اريد شاهدا من الشعر في المرت فبادر بعض من حضر فأنشد بيتا لبنى أسد
ومرت مروتاة يحاربها القطا
ويصبح ذو علم بها وهو جاهل

فضحك أبو محلم وقال والله لا أبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مائة قافيه معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت فأمر له الواثق بمائة ألف دينار

344

وقال حمدون بن إسماعيل ما كان في الخلفاء احد أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه وقال أحمد بن حمدون دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه فأكرمه إلى الغاية فقيل له من هذا يا امير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل فقال هذا أول من فتق لسانى بذكر الله وأدنانى من رحمة الله ومن مديح على بن الجهم فيه
وثقت بالملك
الواثق بالله النفوس


ملك يشقى به الما
ل ولا يشقى الجليس


أسد يضحك عن شد
اته الحرب العبوس


أنس السيف به
واستوحش الطلق النفيس


يا بنى العباس يأبى
الله إلا أن تروسوا

مات الواثق بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذى الحجة سنة مائتين واثنتين وثلاثين ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين
الموت فيه جميع الخلق مشترك
لا سوقة منهم يبقى ولا ملك


ما ضر أهل قليل في تفارقهم
وليس يغنى عن الأملاك ما ملكو

وحكى أنه لما مات ترك وحده واشتغل الناس بالبيعة للمتوكل فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها مات في أيامه من الأعلام مسدد وخلف بن هشام البزاز المقرىء وإسماعيل بن سعيد الشالخى شيخ اهل طبرستان ومحمد بن سعد كاتب الواقدى وأبو تمام الطائى الشاعر ومحمد بن زياد ابن الأعرابى اللغوى والبويطى صاحب الشافعى مسجونا مقيدا في المحنة وعلى بن المغيرة الأثرم اللغوى وآخرون ومن أخبار الواثق أسند الصولى عن جعفر بن الرشيد قال كنا بين

345

يدى الواثق وقد اصطبح فناوله خادمه مهج وردا ونرجسا فأنشد في ذلك بعد يوم لنفسه
حياك بالنرجس والورد
معتدل القامة والقد5

فألهبت عيناه نار الهوى
وزاد في اللوعة والوجد

أملت بالملك له قربه
فصار ملكى سبب البعد

ورنحته سكرات الهوى
فمال بالوصل إلى الصد

إن سئل البذل ثنى عطفه
وأسبل الدمع على الخد

غر بما تجنيه ألحاظه
لا يعرف الإنجاز للوعد

مولى تشكى الظلم من عبده
فأنصفوا المولى من العبد

قال فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات وقال الصولى حدثنى عبدالله بن المعتز قال انشدنى بعض اهلنا للواثق وكان يهوى خادمين لهذا يوم يخدمه فيه ولهذا يوم يخدمه فيه
قلبى قسيم بين نفسين
فمن رأى روحا بجسمين

يغضب ذا إن جاد ذا بالرضا
فالقلب مشغول بشجوين

وأخرج عن الحزنبل قال غنى في مجلس الواثق بشعر الأخطل

وشادن مريح بالكاس نادمنى
لا بالحصور ولا فيها بسوار

فقال أسوار أو سأر فوجه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك فقال سوار وثاب ويقول لا يثب على ندمائه وسأر مفضل في الكأس سؤرا وقد رويا جميعا فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم وقال حدثنى ميمون بن إبراهيم حدثنى أحمد بن الحسين بن هشام قال تلاحى الحسين بن الضحاك ومخارق يوما في مجلس الواثق في أبى نواس وأبي العتاهية ايهما أشعر فقال الواثق اجعلا بينكما خطرا فجعلا بينهما مائتى دينار فقال الواثق من ههنا من العلماء فقيل أبو محلم فأحضره فسئل عن

346

عن ذلك فقال أبو النواس أشعر واذهب في فنون العرب واكثر افتنانا من أفانين الشعر فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين المتوكل على الله جعفر المتوكل على الله حعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد اسمها شجاع ولد سنة خمس وقيل سبع ومائتين وبويع له في ذى الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين بعد الواثق فأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها ورفع المحنة وكتب بذلك إلى الآفاق وذلك في سنة أربع وثلاثين واستقدم المحدثين إلى سامرا واجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية وجلس أبو بكر بن ابي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين الف نفس وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين الف نفس وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له حتى قال قائلهم الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق رضى الله عنه في قتل أهل الردة وعمر بن عبدالعزيز في رد المظالم والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم وقال أبو بكر بن الخبازة في ذلك
وبعد فإن السنة اليوم أصبحت
معززة حتى كأن لم تذلل


تصول وتسطو إذ أقيم منارها
وحط منار الإفك والزور من عل


وولى أخو الإبداع في الدين هاربا
إلى النار يهوى مدبرا غير مقبل


شفى الله منهم بالخليفة جعفر
خليفته ذى السنة المتوكل


خليفة ربى وابن عم نبيه
وخير بنى العباس من منهم ولى


وجامع شمل الدين بعد تشتت
وفارى رؤس المارقين بمنصل


أطال لنا رب العباد بقاءه
سليما من الأهوال غير مبدل


وأبوأه بالنصر للدين جنة
يجاور في روضاته خير مرسل



347

وفي هذه السنة أصاب ابن أبى داود فالج صيره حجرا ملقى فلا آجره الله ومن عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم ولم يعد مثلها أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوما واتصلت بهمذان واحرقت الزرع والمواشى واتصلت بالموصل وسنجار ومنعت الناس من المعاش في الأسواق ومن المشى بالطرقات وأهلكت خلقا عظيما وفي السنة التى قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق وسقطت منها دور وهلك تحتها خلق وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها وإلى الجزيرة فأحرقتها وإلى الموصل فيقال هلك من أهلها خمسون الفا وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكل النصاري بلبس الغل وفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين وهدم ما حوله من الدور وان يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وخرب وبقى صحراء وكان المتوكل معروفا بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاء الشعراء فما قيل في ذلك
بالله إن كانت امية قد أتت
قتل ابن بنت نبيها مظلوما


فلقد اتاه بنو أبيه بمثله
هذا لعمرى قبره مهدوما


أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا
في قتله فتتبعوه رميما

وفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضى القضاة بمصر أبى بكر محمد بن ابى الليث وان يضربه ويطوف به على حمار ففعل ونعم ما فعل فإنه كان ظالما من رؤس الجهمية وولى القضاء بدله الحارث ابن سكين من اصحاب مالك بعد تمنع واهان القاضى المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطا ليرد الظلامات إلى أهلها وفي هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت وفي سنة ثمان وثلاثين كبست الروم دمياط ونهبوا وأحرقوا وسبوا منها

348

ستمائة امرأة وولوا مسرعين في البحر وفي سنة اربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء فمات منها خلق كثير ووقع برد بالعراق كبيض الدجاج وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل وكان أمرا مزعجا لم يعهد وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس واعمالها والرى وخراسان ونيسابور وطبرستان واصبهان وتقطعت الجبال وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح يا معشر الناس اتقو الله الله الله وصاح أربعين صوتا ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك وكتب البريد بذلك وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه وفيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل وتعجب الناس من ذلك وفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكل دمشق فأعجبته وبنى له قصر بداريا وعزم على سكناها فقال يزيد بن محمد المهلبى
أظن الشام تشمت بالعراق
إذا عزم الإمام على انطلاق


فإن تدع العراق وساكنيه
فقد تبلى المليحة بالطلاق

فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت من أحب إليك هما أو الحسن والحسين فقال قنبر يعنى مولى على خير منهما فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات وقيل امر بسل لسانه

349

فمات وأرسل إلى ابنه بديته وكان المتوكل رافضيا وفي سنة خمس وأربعين عمت الزلازل الدنيا فأخرجت المدن والقلاع والقناطر وسقط من انطاكية جبل في البحر وسمع من السماء اصوات هائلة وزلزلت مصر وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة فمات خلق من أهل بلبيس وغارت عيون مكة فأرسل المتوكل مائة ألف دينارا لإجراء الماء من عرفات إليها وكان المتوكل جوادا ممدحا يقال ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكل وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب
فأمسك ندى كفيك عنى ولا تزد
فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا

فقال لا أمسك حتى يغرقك جودى وكان اجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفا ودخل عليه بن الجهم يوما وبيديه درتان يقلبهما فأنشده قصيدة له فرمى إليه بدرة فقلبها فقال تستنقص بها وهي والله خير من مائة الف فقال لا ولكنى فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال قل فقال
بسر من را إمام عدل
تغرف من بحره البحار


الملك فيه وفي نبيه
ما اختلف الليل والنهار


يرجى ويخشى لكل خطب
كأنه جنة ونار


يداه في الجود ضرتان
عليه كلتاهما تغار


لم تأت منه اليمين شيئا
ألا أتت مثلها اليسار

فرمى إليه بالدرة الأخرى قال بعضهم سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة منصور بن المهدى والعباس بن الهادى وأبو أحمد بن الرشيد وعبدالله بن الأمين وموسى بن المأمون واحمد بن المعتصم ومحمد بن الواثق وابنه المنتصر وقال المسعودى لا يعلم احد متقدم في جد ولا هزل إلا وقد حظى في دولته ووصل إليه نصيب وافر من المال وكان منهمكا في اللذات والشراب وكان له

350

أربعة آلاف سرية ووطىء الجميع وقال على بن الجهم كان المتوكل مشغوفا بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها فوقفت له يوما وقد كتبت على خديها بالغالية جعفرا فتأملها وأنشأ يقول
كاتبة بالمسك في الخد جعفرا
بنفسى محط المسك من حيث أثرا


لئن أودعت سطرا من المسك خدها
لقد أودعت قلبى من الحب أسطرا

وفي كتاب المحن للسلمى ان ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبدالله بن عبدالحكم وكان رئيس مصر ومن جلة أصحاب الملك وأنه احدث علما لم يتكلم فيه السلف ورماه بالزندقة فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم فرفض أمره وكتب به إلى المتوكل فأمر باحضاره فحمل على البريد فلما سمع كلامه أولع به وأحبه وأكرمه حتى كان يقول إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذى النون كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد ثم إنه اراد تقديم المعتز لمحبته لأمه فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان وذلك في خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين ورؤى في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي بقليل من السنة أحييتها ولما قتل رثته الشعراء ومن ذلك قول يزيد المهلبى
جاءت منيته والعين هاجعة
هلاأتته المنايا والقنا قصد


خليفة لم ينل ما ناله أحد
ولم يضع مثله روح ولا جسد

وكان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير فأمر بها يوما للمنادمة فجلست منكسة فقال

351

غنى فاعتلت فأقسم عليها وأمر بالعود فوضع في حجرها فغنت ارتجالا
أى عيش يلذ لى
لا أرى فيه جعفرا


ملك قد رأيته
في نجيع معفرا


كل من كان ذا هيا
م وسقم فقد برا


غير محبوبة التى
لو ترى الموت يشترى


لا تشتريه بما حوته
يداها لتقبرا


إن الموت الحزين
أطيب من أن يعمرا

فغضب بغا امر بها فسجنت فكان آخر العهد بها ومن الغرائب أن المتوكل قال للبحترى قل في شعرا وفي الفتح بن خاقان فإنى أحب أن يحيا معى ولا أفقده فيذهب عيشى ولا يفقدنى فقل في هذا المعنى فقال
يا سيدى كيف اخلفت وعدى
وتثاقلت عن وفاء بعهدى


لا أرتنى الأيام فقدك يا فتح
ولا عرفتك ما عشت فقدى


أعظم الرزء أن تقدم قبلى
ومن الرزء أن تؤخر بعدى


حذرا أن تكون إلفا لغيرى
إذ تفردت بالهوى فيك وحدى

فقتلا معا كما تقدم ومن أخبار المتوكل اخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكرا سليما نيئا سقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على الله فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم نسميه المنتصر فحدث المتوكل أحمد بن أبى دؤاد بما رأى في منامه فوجده موافقا فأمضى وكتب به إلى الآفاق وأخرج عن هشام بن عمار قال سمعت المتوكل يقول واحسرتا على محمد ابن ادريس الشافعى كنت أحب أن أكون في ايامه فأراه وأشاهده وأتعلم منه فإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول يا أيها الناس

352

إن محمد بن إدريس المطلبى قد صار إلى رحمة الله وخلف فيكم علما حسنا فاتبعوه تهدوا ثم قال اللهم ارحم محمد بن أدريس رحمة واسعة وسهل على حفظ مذهبه وانفعنى بذلك قلت استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعى وهو أول من تمذهب له من الخلفاء واخرج عن أحمد بن على البصرى قال وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد ابن المعدل فقال المتوكل لعبيدالله إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوءا فقال أحمد بن المعدل يا أمير المؤمنين ما في بصرى سوء ولكن نزهتك من عذاب الله قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه وأخرج عن يزيد المهلبى قال قال لى المتوكل يا مهلبى إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبونى ويطيعونى واخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسى قال دخلت على المتوكل فقال يا أبا يحيى ما أبطأك عنا منذ ثلاث لم نرك كنا هممنا لك بشىء فصرفناه إلى غيرك فقلت يا أمير المؤمنين جزاك الله عن هذا الهم خيرا ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين قال بلى فأنشدته
لاشكرنك معروفا ههمت به
إن اهتمامك بالمعروف معروف


ولا ألومك إذا لم يمضه قدر
فالرزق بالقدر المحتوم مصروف

فأمر لى بألف دينار وأخرج عن جعفر بن عبدالواحد الهاشمى قال دخلت على المتوكل لما توفيت أمه فقال يا جعفر ربما قلت البيت الواحد فإذا جاوزته خلطت وقد قلت

353

وأخرج عن الفتح بن خاقان قال دخلت يوما على المتوكل فرأيته مطرقا متفكرا فقلت يا أمير المؤمنين ما هذا الفكر فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشا ولا أنعم منك بالا فقال يافتح أطيب عيشا منى رجل له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة لا يعرفنا فنؤذيه ولا يحتاج إلينا فنزدريه واخرج عن أبى العيناء قال اهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها أشاعرة أنت قالت هكذا زعم من باعنى واشترانى فقال أنشدينا شيئا من شعرك فأنشدته
استقبل الملك إمام الهدى
عام ثلاث وثلاثينا


خلافة أفضت إلى جعفر
وهو ابن سبع بعد عشرينا


إنا لنرجو يا إمام الهدى
أن تملك الملك ثمانينا


لا قدس الله امرءا لم يقل
عند دعائى لك آمينا

وأخرج عن على بن الجهم قال اهدى إلى المتوكل جارية يقال لها محبوبة وقد نشأت بالطائف وتعلمت الأدب وروت الأشعار فأغرى المتوكل بها ثم إنه غضب عليها ومنع جوارى القصر من كلامها فدخلت عليه يوما فقال لى قد رأيت محبوبة في منامى كأنى قد صالحتها وصالحتنى فقلت خيرا يا أمير المؤمنين فقال قم بنا لننظر ما هى عليه فقمنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب على العود وتقول
أدور في القصر لا أرى أحدا
أشكو إليه ولا يكلمنى


حتى كأنى أتيت معصية
ليست له توبة تخلصنى


فهل شفيع لنا إلى ملك
قد زارنى في الكرى وصالحنى


حتى إذا ما الصباح لاح لنا
عاد إلى هجره فصارمنى

فصاح المتوكل فخرجت فأكبت على رجليه تقبلهما فقالت يا سيدى

354

رأيتك في ليلتى هذه كأنك قد صالحتنى قال وأنا والله قد رأيتك فردها إلى مرتبتها فلما قتل المتوكل صارت إلى بغا وذكر الأبيات السابقة وأخرج عن على أن البحترى قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة ويهجو ابن أبى دؤاد بقوله
أمير المؤمنين لقد شكرا
إلى آبائك الغر الحسان

رددت الدين فذا بعد أن قد
أراه فرقتين تخاصمان

قصمت الظالمين بكل ارض
فأضحى الظلم مجهول المكان

وفي سنة رمت متجبريهم
على قدر بداهية عيان

فما أبقت من ابن أبى دؤاد
سوى حسد يخاطب بالمعانى

تحير فيه سابور بن سهل
فطاوله ومناه الأمانى

إذا أصحابه اصطحبوا بليل
أطالوا الخوض في خلق القرآن

وأخرج عن أحمد بن حنبل قال سهرت ليلة ثم نمت فرأيت في نومى كأن رجلا يعرج بى إلى السماء وقائلا يقول
ملك يقاد إلى مليك عادل
متفضل في العفو ليس بجائر

ثم أصبحنا فجاء نعى المتوكل من سر من رأى إلى بغداد وأخرج عن عمرو بن شيبان الجهنى قال رأيت في الليلة التى قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول
يا نائم العين في أوطان جسمان
أفض دموعك يا عمرو بن شيبان


أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا
بالهاشمى وبالفتح بن خاقان


وافى إلى الله مظلوما تضج له
أهل السموات من مثنى ووحدان


وسوف يأتيكم أخرى مسومة
توقعوها لها شأن من الشان


فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم
فقد بكاه جميع الإنس والجان

ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت ما فعل الله بك قال

355

غفر لي بقليل من السنة احييتها قلت فما تصنع ههنا قال أنتظر محمد ابنى أخاصمه إلى الله
أحاديث من رواية المتوكل

قال الخطيب أخبرنا أبو الحسين الأهوازى حدثنا محمد بن إسحاق ابن إبراهيم القاضى حدثنا محمد بن هارون الهاشمى حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال سمعت المتوكل يحدث عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبدالمطلب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبدالله بن يزيد عن عبدالرحمن ابن هلال عن جرير بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من حرم الرفق حرم الخير أخرجه الطبرانى في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير وقال ابن عساكر أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسى حدثنى جدى أبو محمد حدثنا أبو على الحسين بن على الأهوازى حدثنا ابو محمد عبدالله ابن عبدالرحمن بن محمد الأزدى حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر حدثنا هارون بن عبدالعزيز بن أحمد العباسى حدثنا احمد بن الحسن المقرىء البزار حدثنا أبو عبدالله محمد بن عيسى الكسائى واحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق فقالوا حدثنا على بن الجهم قال كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال فقال ان حسن الشعر لمن الجمال ثم قال حدثنى المعتصم حدثنى المأمون حدثنا الرشيد حدثنا المهدى حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمة إلى شحمة اذنيه كأنها نظام اللؤلؤ وكان من أجمل الناس وكان أسمر رقيق اللون لا بالطويل ولا بالقصير وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة اذنيه وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه قال على بن الجهم وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه وقال لنا المتوكل كان للمعتصم جمة وكذلك للمأمون والرشيد

356

والمهدى والمنصور ولأبيه محمد ولجده على ولأبيه عبدالله بن عباس قلت هذا الحديث مسلسل من ثلاثة اوجه بذكر الجمة والآباء وبالخلفاء ففى إسناده ست خلفاء مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام أبو ثور والإمام أحمد بن حنبل وإبراهيم بن المنذر الخزامى وإسحاق بن راهوية النديم وروح المقرىء وزهير بن حرب وسحنون وسليمان الشاذكونى وأبو مسعود العسكرى وابو جعفر النفيلى وأبو بكر بن ابي شيبة وأخوه وديك الجن الشاعر وعبدالملك بن حبيب إمام المالكية وعبدالعزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعى وعبيدالله بن عمر القواريرى وعلى بن المدينى ومحمد بن عبدالله بن نمير ويحيى بن معين ويحيى ابن بكير ويحيى بن يحيى ويوسف الأزرق المقرىء وبشر بن الوليد الكندى المالكى وابن أبى دؤاد ذاك الكلب لا رحمه الله وأبو بكر الهذلى العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة وابن كلاب المتكلم والقاضى يحيى بن أكثم والحارث المحاسبى وحرملة صاحب الشافعى وابن السكيت وأحمد بن منيع وذى النون المصرى الزاهد وأبو تراب النخشبى وابو عمر الدورى المقرىء ودعبل الشاعر وأبو عثمان المازنى النحوى وخلائق آخرون المنتصر بالله محمد أبو جعفر المنتصر بالله محمد أبو جعفر وقيل أبو عبدالله بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد أمه أو ولد رومية اسمها حبيشة وكان مليح الوجه أسمر أعين أقنى ربعة جسيما بطينا مليحا مهيبا وافر العقل راغبا في الخير قليل الظلم محسنا إلى العلويين وصولا لهم أزل عن آل أبى طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين ورد على آل الحسين فدك فقال يزيد المهلبي في ذلك

357


ولقد بررت الطالبية بعدما
ذموا زمانا بعدها وزمانا


ورددت ألفة هاشم فرأيتهم
بعد العداوة بينهم إخوانا

بويع له بعد مقتل أبيه في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذى عقده لهما المتوكل بعده وأظهر العدل والإنصاف في الرعية فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له وكان كريما حليما ومن كلامه لذة العفو أعذب من لذة التشفى وأقبح أفعال المقتدر الانتقام ولما ولى صار يسب الأتراك ويقول هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه وهموا به فعجزوا عنه لأنه كان مهيبا شجاعا فطنا متحرزا فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسموة فمات ويقال إن ابن طيفور نسى ذلك ومرض فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة فمات أيضا وقيل بل سم في كمثراه وقيل مات بالخوانيق ولما احتضر قال يا أماه ذهبت منى الدنيا والآخرة عاجلت أبى فعوجلت مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عن ست وعشرين سنة أو دونها فلم يمتع بالخلافة إلا أشهرا معدودة دون ستة أشهر وقيل إنه جلس في بعض الأيام للهو وقد استخرج من خزائن أبيه فرشا فأمر بفرشها في المجالس فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسية فطلب من يقرأ ذلك فأحضر رجل فنظره فقطب فقال ما هذه قال لا معنى لها فألح عليه فقال أناشيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبى فلم أتمتع بالملك إلا ستة أشهر فتغير وجه المنتصر وأمر بإحراق البساط وكان منسوجا بالذهب وفي لطائف المعرف للثعالبى أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء وكذلك أخواه المعتز والمعتمد قلت أعرق منه المستعصم الذي قتله التتار فإن آباءه الثمانية خلفاء

358

قال الثعالبى ومن العجائب أن أعرق الأكاسرة في الملك وهو شيرويه قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر وأعرق الخلفاء في الخلافة وهو المنتصر قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر المستعين بالله أبو العباس المستعين بالله أبو العباس احمد بن المعتصم بن الرشيد وهو أخو المتوكل ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين وأمه أم ولد اسمها مخارق وكان مليحا أبيض بوجهه أثر الجدري ألثغ ولما مات المنتصر اجتمع القواد وتشاوروا وقالوا متى وليتم احدا من أولاد المتوكل لا يبقى منه باقية فقالوا مالها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا فبايعوه وله ثمان وعشرون سنة واستمر إلى أول سنة إحدى وخمسين فتنكر له الأتراك لما قتل وصيفا وبغا ونفى باغر التركى الذي فتك بالمتوكل ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر حتى قيل في ذلك
خليفة في قفص
بين وصيف وبغا


يقول ما قالا له
كما تقول الببغا

ولما تمكر له الأتراك خاف وانحدر من سامرا إلى بغداد فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع فامتنع فقصدوا الحبس واخرجوا المعتز بالله وبايعوه وخلعوا المستعين ثم جهز المعتز جيشا كثيفا لمحاربة المستعين واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين فوقعت بينهما وقعات ودام القتال أشهرا وكثر القتل وغلت الأسعار وعظم البلاء وانحل أمر المستعين فسعوا في الصلح على خلع المستعين وقام في ذلك إسماعيل القاضى وغيره بشروط مؤكدة فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين وأشهد عليه القضاة وغيرهم فأحدر إلى واسط فأقام بها تسعة أشهر محبوسا موكلا به امين ثم رد إلى سامرا وأرسل المعتز إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله فقال والله

359

لا أقتل أولاد الخلفاء فندب له سعيد الحاجب فذبحه في ثالث شوال من السنة وله إحدى وثلاثون سنة وكان خيرا فاضلا بليغا أديبا وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار وصغر القلانس وكانت قبله طوالا مات في أيامه من الأعلام عبد بن حميد وأبو الطاهر بن السرح والحرث بن مسكي والبزى المقرىء وأبو حاتم السجستانى والجاحظ وآخرون المعتز بالله محمد المعتز بالله محمد وقيل الزبير ابو عبدالله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وأمه ام ولد رومية تسمى قبيحة وبويع له عند خلع المستعين في سنة اثنتين وخمسين وله تسع عشرة سنة ولم يل الخلافة قبله احد أصغر منه وكان بديع الحسن قال على بن حرب أحد شيوخ ابن المعتز في الحديث ما رأيت خليفة أحسن منه وهو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب وكان الخلفاء قبل يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة وأول سنة تولى مات أشناس الذي كان الواثق استخلفه على السلطنة وخلف خمسمائة ألف دينار فأخذها المعتز وخلع خلعة الملك على محمد بن عبدالله بن طاهر وقلده سيفين ثم عزله وخلع خلعة الملك على أخيه أعنى أخا المعتز أبا أحمد وتوجه بتاج من ذهب وقلنسوة مجوهرة ووشاحين مجوهرين وقلده سيفين ثم عزله من عامه ونفاه إلى واسط وخلع على بغا الشرابى وألبسه تاج الملك فخرج على المعتز بعد سنة فقتل وجىء إليه برأسه وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز اخاه المؤيد من العهد وضربه وقيده فمات بعد أيام فخشى المعتز أن يتحدث عنه أنه قتله أو احتال عليه فأحضر القضاة

360

حتى شاهدوه وليس به اثر وكان المعتز مستضعفا مع الأتراك فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا يا أمير المؤمنين أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف وكان المعتز يخاف منه فطلب من أمه مالا لينفقه فيهم فأبت عليه وشحت نفسا ولم يكن بقى في بيت المال شىء فاجتمع الأتراك على خلعه ووافقهم صالح بن وصيف ومحمد بن بغا فلبسوا السلاح وجاءوا إلى دار الخلافة فبعثوا الى المعتز أن أخرج إلينا فبعث يقول قد شربت دواء وأنا ضعيف فهجم عليه جماعة وجروا برجله وضربوه بالدبابيس وأقاموه في الشمس في يوم صائف وهم يلطمون وجهه ويقولون أخلع نفسك ثم أخضروا القاصي ابن الشوارب والشهود وخلعوه ثم أحضورا من بغداد الى دار الخلافة أبعده إلى بغداد فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه ثم إن الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه فأدخلوه الحمام فلما اغتسل عطش فمنعوه الماء ثم اخرج وهو أول ميت مات عطشا فسقوه ماء بثلج فشربه وسقط ميتا وذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين ومائتين واختفت امه قبيحة ثم ظهرت في رمضان وأعطت صالح ابن وصيف مالا عظيما من ذلك الف الف دينار وثلثمائة الف دينار وسقط فيه مكوك زمرد وسفط فيه لؤلؤ حب كبار وكليجة ياقوت أحمر وغير ذلك فقومت السفاط بألفى ألف دينار فلما رأى ابن وصيف ذلك قال قبحها الله عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا فأخذ الجميع ونفاها إلى مكة فبقيت بها إلى أن تولى المعتمد فردها إلى سامرا وماتت سنة أربع وستين مات في أيام المعتز من الأعلام سرى السقطى الزاهد وهارون بن سعيد الأيلى والدرامى صاحب المسند والعتبى صاحب المسائل العتبية في مذهب مالك وآخرون رحمهم الله تعالى

361

المهتدى بالله المهتدى بالله الخليفة الصالح محمد أبو إسحاق وقيل أبو عبدالله بن الواثق ابن المعتصم بن الرشيد وامه ام ولد تسمى وردة ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وما قبل بيعته احد حتى أتى بالمعتز فقام المهتدى له وسلم عليه بالخلافة وجلس بين يديه فجىء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدى فارتفع حينئذ المهتدى إلى صدر المجلس وكان المهتدى أسمر رقيقا مليح الوجه ورعا متعبدا عادلا قويا في أمر الله بطلا شجاعا لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا قال الخطيب لم يزل صائما منذ ولى إلى أن قتل وقال هاشم بن القاسم كنت بحضرة المهتدى عشية في رمضان فوثبت لأنصرف فقال لى أجلس فجلست وتقدم فصلى بنا ثم دعا بالطعام فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبز النقى وفيه أنية فيه ملح وخل وزيت فدعانى إلى الأكل فابتدأت آكل ظانا انه سيؤتى بطعام فنظر إلى وقال ألم تك صائما قلت بلى قال أفلست عازما على الصوم فقلت كيف لا وهو رمضان فقال كل واستوف فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى فعجبت ثم قلت ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ الله نعمته عليك فقال إن الأمر ما وصفت ولكنى فكرت في أنه كان في بنى أمية عمر بن عبدالعزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك فغرت على بنى هاشم فأخذت نفسى بما رأيت وقال جعفر بن عبدالواحد ذاكرت المهتدى بشىء فقلت له كان أحمد ابن حنبل يقول به ولكنه كان يخالف أشير إلى ما مضى من آبائه فقال رحم الله أحمد ابن حنبل والله لو جاز لى أن أتبرا من أبى لتبرأت منه ثم قال لى

362

تكلم بالحق وقل به فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عينى وقال نفطويه حدثنى بعض الهاشمين أنه وجد للمهتدى سفط فيه جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلى فيه وكان قد أطرح الملاهى وحرم الغناء وحسم أصحاب السلطان عن الظلم وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين يجلس بنفسه ويجلس الكتاب بين يديه فيعملون الحساب وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس وضرب جماعة من الرؤساء ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد وكره مكانه لأنه نسب عنده إلى الرفض وقدم موسى بن بغا من الرى يريد سامرا لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز واخذ اموال أمه ومعه جيشه فصاحت العامة على ابن وصيف يا فرعون قد جاءك موسى فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدى فلم يأذن له فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العدل فأقاموه وحملوه على فرس ضعيفة وانتهبوا القصر وادخلوا المهتدى إلى دارنا جود وهو يقول يا موسى اتق الله ويحك ما تريد قال والله ما نريد إلا خيرا فاحلف لنا ان لا تملىء صالح بن وصيف فحلف لهم فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحا ليناظروه على أفعاله فاختفى وندبهم المهتدى إلى الصالح فاتهموه أنه يدرى مكانه فجرى في ذلك كلام ثم تكلموا في خلعه فخرج إليهم المهتدى من الغد متقلدا بسيفه فقال قد بلغنى شأنكم ولست كمن تقدمنى مثل المستعين والمعتز والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت وهذا سيفى والله لأضربن به ما استمسكت قائمته بيدى أمادين أما حياء أما دعة لم يكون الخلاف على الخلفاء والجرأة على الله ثم قال ما أعلم علم صالح فرضوا وانفضوا ونادى موسى بن بغا من جاء بصالح فله عشرة آلاف دينار فلم يظفر به أحد واتفق ان بعض الغلمان دخل زقاقا وقت الحر فرأى بابا مفتوحا فدخل فمشى في دهليز مظلم فرأى صالحا نائما فعرفه وليس عنده احد فجاء إلى موسى فأخبره فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف به وتألم المهتدى

363

لذلك في الباطن ثم رحل موسى ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور فكتب المهتدى إلى بكيال ان يقتل موسى ومفلحا احد أمراء الأتراك أيضا أو يمسكهما ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم فأوقف بكيال موسى على كتابه وقال إنى لست أفرح بهذا وإنما هذا يعمل علينا كلنا فأجمعوا على قتل المهتدى وساروا إليه فقاتل عن المهتدى المغاربة والفراغنة والأسروسنية وقتل من الأتراك في يوم اربعة آلاف ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة وأمسك هو فمصر على خصيتيه فمات وذلك في رجب سنة ست وخمسين فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما وكان لما قامت الأتراك عليه ثار العوام وكتبوا رقاعا وألقوها في المساجد يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهى لعمر بن عبدالعزيز ان ينصره الله على عدوه المعتمد على الله أبو العباس المعتمد على الله أبو العباس وقيل أبو جعفر احمد بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وامه رومية اسمها فتيان ولما قتل المهتدى كان المعتمد محبوسا بالجوسق فأخرجوه وبايعوه ثم انه استعمل أخاه الموفق طلحة على المشرق وصيرابنه جعفرا ولي عهده وولاه مصر والمغرب ولقبه المفوض إلى الله وانهمك المعتمد في اللهو واللذات واشتغل عن الرعية فكرهه الناس وأحبوا اخاه طلحة وفي ايامه دخلت الزنج البصرة وأعمالها واخربوها وبذلوا السيف واحرقوا وخربوا وسبوا وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات وامير عسكره في أكثرها الموفق أخوه واعقب ذلك الوباء الذى لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق فمات خلق لا يحصون ثم اعقبه هدات وزلازل فمات تحت الردم ألوف من الناس واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين فقتل فيها رأس الزنج لعنه الله وأسمه بهبوذ وكان ادعى انه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة وانه مطلع على المغيبات

364

وذكر الصولي أنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلثمائة ألف وكان له منبر في مدينة يصعد عليه ويسب عثمان وعليا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم وكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة وكان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يطؤهن ويستخدمهن ولما قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح وعملت قباب الزينة وضج الناس بالدعاء للموفق ومدحه الشعراء وكان يوما مشهودا وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي اخذها وهي كثيرة كواسط ورامهرمز وفي سنة ستين من أيامه وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق وبلغ كرالحنطة في بغداد مائة وخمسين دينارا وفيها اخذت الروم بلد لؤلؤة وفي سنة إحدى وستين بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة وولى ولده المغرب والشام والجزيرة وأرمينية وولي أخاه المشرق والعراق وبغداد والحجاز واليمن وفارس وأصبهان والري وخراسان وطبرستان وسجستان والسند وعقد لكل منهما لواءين أبيض وأسود وشرط إن حدث به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ وكتب العهد وأنفذه مع قاضي القضاه ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة وفي سنة ست وستين وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر ففتكوا وهرب أهل الجزيرة والموصل وفيها وثب الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها وفي سنة سبع وستين استولى أحمد بن عبدالله الحجابي على خراسان وكرمان وسجستان وعزم على قصد العراق وضرب السكة باسمه وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد وهذا محل الغرابة ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه فكفى الله شره

365

وفي سنة تسع وستين اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق فإنه كان خرج عليه في سنة اربع وستين ثم اصطلحا فلما اشتد تخيله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر واتفقا على أمر فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق وخرج المعتمد من سامرا على وجهه التنزه وقصده دمشق فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد فلقيه بين الموصل والحديثة فقال يا أمير المؤمنين أخوك في وجه العدو وأنت تخرج عن مستقرك ودار ملكك ومتى صح هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجى فيغلب عدوك على ديار آبائك وفي كلمات أخر ثم وكل بالمعتمد جماعة ورسم على طائفة من خواصه ثم بعث إلى المعتمد يقول ما هذا بمقام فارجع فقال المعتمد فاحلف لى أنك تنحدر معى ولا تسلمنى فحلف له وانحدر من سامرا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق فسلمه إسحاق إليه فأنزله في دار احمد بن الخصيب ومنعه من نزول دار الخلافة ووكل به خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه ولما بلغ الموفق ذلك بعث إلى اسحاق بخلع وأموال وأقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد ولقبه ذا السندين ولقب صاعدا ذا الوزارتين وأقام صاعد في خدمة المعتمد ولكن ليس للمعتمد حل ولا ربط وقال المعتمد في ذلك
أليس من العجائب ان مثلى
يرى ما قل ممتنعا عليه


وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا
وما من ذاك شىء في يديه


إليه تحمل الأموال طرا
ويمنع بعض ما يجبى إليه

وهو أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به ثم أدخل المعتمد واسط ولما بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء والقضاة والأعيان وقال قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد فخلعوه إلا القاضى بكار بن قتيبة قإنه قال أنت أوردت على المعتمد كتابا بولايته العهد فأورد على كتابا آخر منه بخلعه فقال إنه محجور عليه ومقهور فقال لا أدري فقال ابن طولون غرك الناس بقولهم ما في الدنيا مثل بكار أنت شيخ قد خرفت وحبسه وقيده واخذ منه جميع عطاياه

366

من سنين فكانت عشرة آلاف دينار فقيل إنها وجدت في بيت بكار يختمها وبلغ الموفق ذلك فأمر بلعن ابن طولون على المنابر ثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامرا ودخل بغداد ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والجيش في خدمته كأنه لم يحجر عليه ومات ابن طولون في هذه السنة فولى الموفق ابنه أبا العباس أعماله وجهزه إلى مصر في جنود العراق وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده فوقع بينه وبين أبي العباس ابن الموفق وقعه عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء وكان النصر للمصريين وفي هذه السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار وفيها نازلت الروم طرسوس في مائة ألف فكانت النصرة للمسلمين وغنموا مالايحصى وكان فتحا عظيما عديم المثل وفيها ظهرت دعوة المهدي عبيد الله بن عبيد جد بني عبيد خلفاء المصريين الروافض في اليمن وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كتامة فأعجبهم حاله فصحبهم إلى مصر ورأى منهم طاعة وقوة فصحهم إلى المغرب فكان ذلك أول شأن المهدي وفي سنة إحدى وسبعين قال الصولي ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس فتعاملوا بها على كره ثم تركوها وفي سنة ثمان وسبعين غارنيل مصر فلم يبق منه شء وغلت الأسعار وفيها مات الموفق واستراح منه المعتمد وفيها ظهرت القرامطة بالكوفة وهم نوع من الملاحدة يدعون أنه لاغسل من الجنابة وأن الخمر حلال ويزيدون في آذانهم وأن محمد بن الحنفية رسول الله وأن الصوم في السنة يومان يوم النيروز ويوم المهرجان وأن

367

الحج والقبلة إلى بيت المقدس وأشياء أخرى ونفق قولهم على الجهال واهل البر وتعب الناس بهم وفي سنة تسع وسبعين ضعف أمر المعتمد جدا لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور وطاعة الجيس له فجلس المعتمد مجلسا عاما وأشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد وبايع لأبي العباس ولقبه المعتضد وأمر المعتضد في هذه السنة أن لايقعد في الطريق منجم ولاقصاص واستحلف الوراقين أن لايبيعوا كتب الفلاسفة والجدل ومات المعتمد بعد أشهر من هذه السنة فجأه فقيل إنه سم وقيل بل نام فغم في بساط وذلك ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة إلا أنه كان مقهورا مع أخيه الموفق لاستيلائه على الأمور ومات وهو المحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضا وممن مات في ايامه من الأعلام البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والربيع الجيزي ولربيع المرادي والمزني ويونس بن عبدالأعلى والزبير بن بكار وأبو الفضل الرياشي ومحمد بن يحيى الذهلي وحجاج بن يوسف الشاعر والعجلي الحافظ وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب والسوسي المقريء وعمر بن شبة وأبو زرعة الزازي ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم والقاضي بكار وداود الظاهري وابن دارة وبقي بن مخلد وابن قتيبة وأبو حاتم الرازي وآخرون ومن قول عبدالله بن المعتز في المعتمد يمدحه
ياخير من تزجى المطى له
ويمر حبل العهد موثقه


أضحى عنان الملك مقتسرا
بيديك تحبسه وتطلقه


فاحكم لك الدنيا وساكنها
ماطاش سهم أنت موفقه

ومن شعر المعتمد لما حجر عليه
اصبحت لا أملك دفعا لما
أسام من خسف ومن ذلة



368


تمضي أمور الناس دوني ولا
يشعرني في ذكرها قلتي


إذا اشتهيت الشيء ولو ابه
عني وقالوا ههنا علتي

وقال الصولي كان له وراق يكتب شعره بماء الذهب ورثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله
لقد قر طرف الزمان النكد
وكان سخينا كليلا رمد


وبلغت الحادثات المنى
بموت إمام الهدى المعتمد


ولم يبق لي حذر بعده
فدون المصائب فلتجتهد

المعتضد بالله أحمد المعتضد بالله أحمد أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل ابن المعتصم بن الرشيد ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقال الصولي في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين وأمه أم ولد أسمها صواب وقيل حرز وقيل ضرار وبويع له في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد عمه المعتضد وكان ملكا شجاعا مهيبا ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني العباس وكان يقدم على الأسد وحده لشجاعته وكان قليل الرحمة إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفيرة ويطم عليه وكان ذا سياسة عظيمة قال عبدالله بن حمدون خرج المعتضد يتصيد فنزل إلى جانب مقثأة وأنا معه فصاح الناطور فقال على به فأحضر فسأله فقال ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد في المقثأة ثم كلمني بعد مدة فقال اصدقني فيما ينكر على الناس قلت الدماء قال والله ماسفكت دما حراما منذ وليت قلت فلم قتلت أحمد بن الطيب قال دعاني إلى الإلحاد قلت فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة قال والله ماقتلتهم وإنما قتلت لصوصا قد قتلوا وأوهمت أنهم هم

369

وقال إسماعيل القاضي دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحدث صباح الوجوه روم فنظرت إليهم فلما أردت القيام قال لي أيها القاضي والله ماحللت سروايلي على حرام قط ودخلت مرة فدفع إلى كتابا فنظرت فيه فإذا [ هو ] قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء قفلت منصف هذا زنديق فقال أمختلق قلت لا ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعه ومن أباح المتعة لم يبح الغناء وما من عالم إلا وله زلة ومن اخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه فأمر بالكتاب فأحرق وكان المتضد شهما جلدا موصوفا بالرجلة قد لقي الحروب وعرف فضله فقام بالأمر أحسن قيام وهابه الناس ورهبوه أحسن رهبة وسكنت الفتن في ايامه لفرط هيبته وكانت أيامه طيبه كثيرة الأمن والرخاء وكان قد أسقط المكوس ونشر العدل ورفع الظلم عن الرعية وكان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس وكان قد خلق وضغف وكاد يزول وكان في اضطراب من وقت قتل المتوكل وفي ذلك يقول ابن الرومي يمدحه
هنيئا بني العباس إن إمامكم
إمام الهدى والبأس والجود أحمد


كما بأبي العباس أنشئ ملككم
كذا بأبي العباس أيضا يجدد


إمام يظل الأمس يعمل نحوه
تلهف ملهوف ويشتاقه الغد

وقال في ذلك ابن المعتز أيضا
أما ترى ملك بني هاشم
عاد عزيزا بعد ما ذللا


ياطالبا للملك كن مثله
تستوجب الملك ن وإلا فلا



370

وفي أول سنة استخلف فيها منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها ومنع القصاس والمنجمين من القعود في الطريق وصلى بالناس صلاة الأضحى فكبر في الأولى ستا وفي الثانية واحدة ولم تسمع منه الخطبة وفي سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان وفشا أمره ووقع القتال بينه وبين صاحب إفريقية وصار أمره في زيادة وفيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال وأن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر فهبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل وأعقبها زلزلة عظيمة وأذهبت عامة المدينة فكان عدة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألفا وفي سنة أحدى وثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم وفيها غارت مياه الري وطبرستان حتى بيع الماء ثلاثة ارطال بدرهم وقحط الناس وأكلوا الجيف وفيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة وصيرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام وفي سنة أثنتين وثمانين ابطل ما يفعل في النيروز من وقيد النيران وصب الماء على الناس وأزال سنة المجوس وفيها زفت إليه قطر الندى بنت خماروية بن أحمد بن طولون فدخل عليها في ربيع الأول وكان في جهازها اربعة آلاف تكة مجوهرة وعشرة صناديق جوهر وفي سنة ثلاث وثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام وأن يبطل ديوان المواريث وكثر الدعاء للمعتضد وفي سنة اربع وثمانين ظهره بمصر حمرة عظيمة حتى كان الرجل ينظر إلى

371

وجه الرجل فيراه أحمر وكذا الحيطان فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى وكانت من العصر إلى الليل قال ابن جرير وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة فلم يلتفت وكتب كتابا في ذلك ذكر فيه كثيرا من مناقب على ومثالب معاوية فقال له القاضي يوسف يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه فقال إن تحركت العامة وضعت السيف فيها قال فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل فأمسك المعتضد عن ذلك وفي سنة خمس [ وثمانين ] هبت ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء ثم صارت سوداء وامتدت في الأمصار وورقع عقبها برد وزنة البردة مائة وخمسون درهما وقلعت الريح نحو خمسمائة نخلة ومطرت قرية حجارة سودا وبيضا وفي سنة ست [ وثمانين ] ظهر بالبحرين ابو سعيد القرمطي وقويت شوكته وهو أبوأبي طاهر سليمان الذي يأتى أنه قلع الحجر الأسود ووقع القتال بينه وبين عسكر الخليفة وأغار على البصرة ونواحيها وهزم جيش الخليفة مرات ومن أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن ابي الحسين الخصيبي قال وجه المعتضد إلى القاضي ابي حازم يقول إن لي على فلان مالا وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك وقد قسطت لهم من ماله فاجعلنا كأحدهم فقال أبو حازم قل له أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر لما فقال لي وقت قلدني إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي ولايجوز لي أن احكم في مال رجل لمدع إلا ببينة فرجع إليه فأخبره فقال قل له فلان وفلان يشهدان يعني رجلين جليلين فقال يشهدان عندي وأسأل عنهما فإن

372

زكيا قبلت شهادتهما وإلا امضيت ما قد ثبت عندي فامتنع أولئك من الشهادة فزعا ولم يدفع إلى المعتضد شيئا قال ابن حمدون النديم غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دينار وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن محبوبته دريرة فقال أبن بسام
ترك الناس بحيره
وتخلى في البحيرة


قاعدا يضرب بالطبل على حر دريره

فبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه ثم أمر بتخريب تلك العمارات ثم ماتت دريرة في ايام المعتضد فجزع عليها جزعا شديدا وقال يرثيها
ياحبيبا لم يكن يعدله عندي حبيب


أنت عن عيني بعيد
ومن القلب قريب


ليس لي بعدك في شيء
من اللهو نصيب


لك من قلبي على قبلبي
وإن بنت رقيب


وخيال منك مذ غبت
خيال لايغيب


لو تراني كيف لي بعدك
عول ونحيب


وفؤادي حشوه من
حرق الحزن لهيب


لتيقنت بأني
فيك محزون كئيب


ما أراى نفس وإن سليتها
عنك تطيب


لي دمع ليس يعصيني
وصبر ما يجيب

وقال بعضهم يمدح المعتضد وهي على جزء جزء
طيف ألم بذي سلم
بين الخيم يطوى الأكم


جاد نعم يشفى السقم



373


ممن لثم وملتزم


فيه هضم إذا يضم
داوي الألم ثم انصرم


فلم أنم شوقا وهم
اللوم ذم كم ثم كم


لوم الأصم أحمد لم
كل الثلم مما أنهدم


هو العلم والمعتصم
خير النسم خالا وعم


حوى الهمم وما احتلم
طود اشم سمح الشيم


جلا الظلم كالبدر تم
رعى الذمم حمى الحرم


فلم يؤم خص وعم
بما قسم له النعم


مع النقم والخير جم
إذا ابتسم والماء دم


إذا انتقم

اعتل المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين عله صعبة وكان مزاجه تغير من كثرة إفراطه في الجماع ثم تماسك فقال ابن المعتز
طار قلبي بجناح الوجيب
جزعا من حادثات الخطوب


وحذارا أن يشاك بسوء
أسد الملك وسيف الحروب



374

ثم انتكس ومات يوم الاثنين لثمان بقين منه وحكى المسعودي قال شكوا في موت المعتضد فتقدم إليه الطبيب وحبس نبضه ففتح عيينه ورفس الطبيب برجله فتدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته ولما احتضر أنشد
تمتع من الدنيا فإنك لاتبقى
وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا


ولاتأمنن الدهر إني أمنته
فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا


قتلت صناديد الرجال فلم أدع
عدوا ولم أمهل على ظنه خلقا


وأخليت دور الملك من كل بازل
وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا


فلما بلغت النجم عزا ورفعة
ودانت رقاب الخلق اجمع لي رقا


رماني الردى سهما فأخمد جمرتي
فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى


فأفسدت دنياي وديني سفاهة
فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى


فياليت شعري بعدموتي ما أرى
إلى نعمة لله أم ناره ألقى

ومن شعر المعتضد
يالاحظي بالفتور والدعج
وقاتلى بالدلال والغنج


أشكو إليك الذي لقيت من الوجد
فهل لي إليك من فرج

حللت بالطرف والجمال
من الناس محل العيون والمهج

وله أنشده الصولي
لم يلق من حر الفراق
احد كما أنا منه لاق


ياسائلي عن طعمة
ألفيته مر المذاق


جسمي يذوب ومقلتي
عبرى وقلبي ذو احتراق


مالي أليف بعدكم
إلى اكتئابي واشتياقي


فالله يحفظكم جميعا
في مقام وانطلاق


375

ولابن المعتز يرثيه
يادهر ويحك ما أبقيت لي أحدا
وأنت والد سوء تأكل الولدا


أستغفر الله بل ذا كله قدر
رضيت بالله ربا واحدا صما


ياساكن القبر في غبراء مظلمة
بالظاهرية مقصى الدار منفردا


أين الجيوش التي قد كنت تنجبها
أين الكنوز التي احصيتها عددا


اين السرير الذي قد كنت تملؤه
مهابة من رأته عينه ارتعدا


اين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم
أين الليوث التي صيرتها بددا


اين الجياد التي حجلتها بدم
وكن يحملن منك الضيغم الأسدا


أين الرماح التي غديتها مهجا
مذمت ماوردت قلبا ولا كبدا


أين الجنان التي تجرى جداولها
وتسجيب إليها الطائر الغردا


أين الوصائف كالغزلان راتعة
يسحبن من حلل موشية حددا


أين الملاهي وأين الراح تحسها
ياقوتة كسبت من فضة زردا


أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا
صلاح ملك بني العباس إذ فسدا


مازلت تفسر منهم كل قسورة
وتحطم العالي الجبار معتمدا


ثم انقضيت فلا عين ولا اثر
حتى كأنك يوما لم تكن أحدا

مات في ايام المعتضد من الأعلام ابن المواز المالكي وابن أبي الدنيا وإسماعيل القاضي والحارث بن ابي اسامة وأبو العيناء والميرد وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفيه والبحتري الشاعر وخلائق آخرون وخلف المعتضد من الأولارد أربعة ذكور ومن الإناث أحدى عشرة

376

المكتفى بالله أبو محمد المكتفى بالله أبو محمد على بن المعتضد ولد في غرة ربيع الآخر سنة اربع وستين ومائتين وأمه تركية أسمها جيجك وكان يضرب بحسنها المثل حتى قال بعضهم
قايست بين جمالها وفعالها
فإذا فإذا الملاحة بالخيانة لا تفى


والله لا كلمتها ولو أنها
كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفى

وعهد إليه أبوه فبويع في مرضه يوم الجمعة بعد العصر لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين قال الصولى وليس من الخلفاء من اسمه على إلا هو وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه ولا من يكنى أبا محمد سوى الحسن بن على والهادى والمكتفى ولما بويع له عند موت أبيه كان غائبا بالرقة فنهض بأعباء البيعة الوزير أبو الحسن القاسم بن عبيدالله وكتب له فوافى بغداد في سابع من جمادى الأولى ومر بدجلة في سمارية وكان يوما عظيما وسقط أبو عمر القاضى من الزحمة في الجسر وأخرج سالما ولما نزل المكتفى بدار الخلافة وقالت الشعراء وخلع على القاسم الوزير سبع خلع وهدم المطامير التى اتخذها أبوه وصيرها مساجد وأمر برد البساتين والحوانيت التى أخذها أبوه من الناس ليعملها قصرا إلى أهله وسار سيرة جميلة فأحبه الناس ودعوا له وفي هذه السنة زلزلت بغداد زلزلة عظيمة دامت أياما وفيها هبت ريح عظيمة بالبصرة قلعت عامة نخلها ولم يسمع بمثل ذلك وفيها خرج يحيى بن زكرويه القرمطى فاستمر القتال بينه وبين عسكر الخليفة إلى أن قتل في سنة تسعين فقام عوضه اخوه الحسين وأظهر شامة في وجهه وزعم أنها آيته وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه وزعم أن لقبه المدثر وأنه المعنى

377

في السورة ولقب غلاما له المطوق بالنور وظهر على الشام وعاث وأفسد وتسمى بأمير المؤمنين المهدى ودعى له على المنابر ثم قتل الثلاثة في سنة إحدى وتسعين وفي هذه السنة فتحت انطالية باللام من بلاد الروم عنوة وغنم منها ما لا يحصى من الأموال وفي سنة اثنتين زادت دجلة زيادة لم ير مثلها حتى خرجت بغداد وبلغت الزيادة أحدا وعشرين ذراعا ومن شعر الصولى يمدح المكتفى ويذكر القرمطى
قد كفى المكتفي الخليفة
ما كان قد حذر

الى أن قال
آل عباس أنتم
سادة الناس والغرر


حكم الله أنكم
حكماء على البشر


وأولو الأمر منكم
صفوة الله والخير


من رأى أن مؤمنا
من عصاكم فقد كفر


أنزل الله ذاكم
قبل في محكم السور

قال الصولى سمعت المكتفى يقول في علته والله ما آسى إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها وكنت مستغنيا عنها أخاف أن أسأل عنها وإنى أستغفر الله منها مات المكتفى شابا في ليلة الأحد لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى القعدةة سنة خمس وتسعين وخلف ثمانية أولاد ذكور وثمان بنات وممن مات في أيامه من الأعلام عبدالله بن أحمد بن حنبل وثعلب إمام العربية وقنبل المقرىء وابو عبدالله البوشنجى الفقيه والبزار صاحب المسند وأبو مسلم الكجى والقاضى ابو حازم وصالح جزرة ومحمد بن نصر المروزى

378

الإمام وأبو الحسن النورى شيخ الصوفية وأبو جعفر الترمذى شيخ الشافعية بالعراق ورأيت في تاريخ نيسابور لعبد الغافر عن أبى الدنيا قال لما أفضت الخلافة إلى المكتفى كتبت إليه بيتين
إن الحق التأديب حق الأبوه
عند أهل الحجى وأهل المروه


وأحق الرجال أن يحفظوا ذا
ك ويرعوه أهل بيت النبوة

قال فحمل إلى عشرة آلاف درهم وهذا يدل على تأخر ابن ابى الدنيا إلى ايام المكتفى المقتدر بالله أبو الفضل المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد ولد في رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين وأمه رومية وقيل تركية أسمها غريب وقيل شغب ولما اشتدت علة أخيه المكتفى سأل عنه فصح عنده أنه احتلم فعهد إليه ولم يل الخلافة قبله أصغر منه فإنه وليها وله ثلاث عشرة سنة فاستصباه الوزير العباس بن الحسن فعمل على خلعه ووافقه جماعة على أن يولوا عبدالله بن المعتز فأجاب ابن المعتز بشرط أن لا يكون فيها دم فبلغ المقتدر ذلك فأصلح حال العباس ودفع إليه أموالا أرضته فرجع عن ذلك وأما الباقون فإنهم ركبوا عليه في العشرين من ربيع الأول سنة ست والمقتدر يلعب الأكرة فهرب ودخل وأغلقت الأبواب وقتل الوزير وجماعة وأرسل الى ابن المعتز فجاء وحضر القواد والقضاة والأعيان وبايعوه بالخلافة ولقبوه الغالب بالله فاستوزر محمد بن داود بن الجراح واستقصى أبا المثنى أحمد بن يعقوب ونفذت الكتب بخلافة ابن المعتز قال المعافى بن زكريا الجريرى لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا

379

على شيخنا محمد بن جرير الطبري فقال ما الخبر قيل بويع ابن المعتز قال فمن رشح للوزارة قيل محمد بن داود قال فمن ذكر للقضاء قيل أبو المثنى فأطرق ثم قال هذا الأمر لا يتم قيل له زكيف قال كل واحد ممن سميتهم متقدم في معناه عالى الرتبة والزمان مدبر والدنيا مولية وما ارى هذا إلا إلى اضمحلال وما ارى لمدته طولا وبعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكى ينقل ابن المعتز إلى دار الخلافة فأجاب ولم يكن بقى معه إلا طائفة يسيرة فقالوا يا قوم نسلم هذا الأمر ولا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا فلبسوا السلاح وقصدوا المخرم وبه ابن المعتز فلما رآهم من حوله ألقى الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بلا قتال وهرب ابن المعتز ووزيره وقاضيه ووقع النهب والقتل في بغداد وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه وسلموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلا أربعة منهم القاضى ابو عمر سلموا من القتل وحبس ابن المعتز ثم اخرج فيما بعد ميتا واستقام الأمر للمقتدر فاستوزر أبا الحسن على بن محمد بن الفرات فسار أحسن سير وكشف المظالم وحض المقتدر على العدل ففوض إليه الأمور لصغره واشتغل باللعب واللهو وأتلف الخزائن وفي هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستخدم اليهود والنصارى وأن يركبوا بالأكف وفيها غلب أمر المهدى بالمغرب وسلم عليه بالإمامة ودعى له بالخلافة وبسط في الناس العدل والإحسان فانحرفوا إليه وتمهدت له المغرب وعظم ملكه وبنى المهدي وهرب أمير إفريقية زياد الله بن الأغلب إلى مصر ثم أتى العراق وخرجت المغرب على أمر بنى العباس من هذا التاريخ

380

فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مائة وبضعا وستين سنة ومن هنا دخل النقص عليهم قال الذهبي اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر لصغره وفي سنة ثلاثمائة ساخ جبل بالدينور في الأرض وخرج من تحته ماء كثير أغرق القرى وفيها ولدت بغلة فلوا فسبحان القادر على ما يشاء وفي سنة إحدى وثلثمائة ولى الوزير على بن عيسى فسار بعفة وعدل وتقوى وأبطل الخمور وأبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار وفيها أعيد القاضى أبو عمر إلى القضاء وركب المقتدر إلى من داره إلى الشماسية وهى أول ركبة ركبها وظهر فيها للعامة وفيها أدخل الحسين الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد فصلب حيا ونودى عليه هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع وأشيع عنه أنه ادعى الإلهية وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف ويكتب إلى أصحابه من النور الشعشعانى ونوظر فلم يوجد عنده شىء من القرآن ولا الحديث ولا الفقه وفيها سار المهدى الفاطمى يريد مصر في أربعين الفا من البربر فحال النيل بينه وبينها فرجع إلى الاسكندرية وأفسد فيها وقتل ثم رجع فسار إليه جيش المقتدر إلى برقة وجرت لهم الحروب ثم ملك الفاطمى الاسكندرية والفيوم من هذا العام وفي سنة اثنتين ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار وختن معهم طائفة من الأيتام وأحسن إليهم وفيها صلى العيد في جامع مصر ولم يكن يصلى فيه العيد قبل ذلك فخطب

381

بالناس على ابن أبي شيخة من الكتاب نظرا وكان من غلطه أن قال اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون وفيه أسلم الديلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش وكان مجوسيا وفي سنة أربع وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له الزبزب ذكر الناس أنهم يرونه بالليل على الأسطحة وأنه يأكل الأطفال ويقطع ثدى المرأة فكانوا يتحارسون ويضربون بالطاسات ليهرب واتخذ الناس لأطفالهم مكاب ودام عدة ليال وفي سنة خمس قدمت رسل ملك الروم بهدايا وطلبت عقد هدنة فعمل المقتدر موكبا عظيما فأقام العسكر وصفهم بالسلاح وهم مائة وستون ألفا من باب الشماسية الى دار الخلافة وبعدهم الخدام وهم سبة آلاف خادم ويليهم الحجاب وهم سبعمائة حاجب وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج والبسط اثنين وعشرين ألفا وفي الحضرة مائة سبع في السلاسل إلى غير ذلك وفي هذه السنة وردت هدايا صاحب عمان وفيها طير أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغا وفي سنة ست فتح مارستان أم المقتدر وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار وفيها صار الأمر والنهى لحرم الخليفة ولنسائه لركاكته وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر بمثل القهرمانة أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس كل جمعة فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطها وفيها عاد القائم محمد بن المهدى الفاطمى إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد وفي سنة ثمان غلت الأسعار ببغداد وسبغت العامة لكون حامد بن العباس ضمن السواد وجدد المظالم ووقع النهب وركب الجند فيها وشتتهم العامة ودام

382

القتال أياما وأحرق العامة الحبس وفتحو السجون ونهبوا الناس ورجموا الوزير واختلفت أحوال الدولة العباسية جدا وفيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط وأشتد قلق أهل مصر وتأهبوا للحروب وجرت أمور وحروب يطول شرحها وفي سنة تسع قتل الحلاج بإفتاء القاضى أبى عمر والفقهاء والعلماء أنه حلال الدم وله في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتصنيف وفي سنة إحدى عشرة أمر المقتدر برد المواريث إلى ما حيرها المعتضد من توريث ذوى الأرحام وفي سنة ثنتى عشرة فتحت فرغانة على يد والى خرسان وفي سنة اربع عشرة دخلت الروم ملطية بالسيف وفيها جمدت دجلة بالموصل وعبرت عليها الدواب وهذا بم يعهد وفي سنة خمس عشرة دخلت الروم دمياط وأخذوا من فيها وما فيها وضربوا الناقوس في جامعها وفيها ظهرت الديلم على الرى والجبال فقتل خلق وذبحت الأطفال وفي سنة ست عشرة بنى القرمطى دارا سماها دار الهجرة وكان في هذه السنين قد كثر فساده واخذه البلاد وفتكه بالمسلمين واشتد الخطب به وتمكنت هيبته في القلوب وكثر أتباعه وبث السرايا وتزلزل له الخليفة وهزم جيش المقتدر غير مرة وانقطع الحج في هذه السنين خوفا من القرامطة ونزح أهل مكة عنها وقصدت الروم ناحية خلاط واخرجوا المنبر من جامعها وجعلوا الصليب مكانه وفي سنة سبع عشرة خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر لكونه بلغه أنه يريد أن يولى إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان المؤنس وركب معه سائر جيش الأمراء والجنود وجاءوا إلى دار الخلافة فهربت خواص المقتدر

383

واخرج المقتدر بعد العشاء وذلك في ليلة رابع عشر لمحرم من داره وأمه وخالته وحرمه ونهب لأمه ستمائة ألف دينار وأشهد عليه بالخلع واحضر محمد بن المعتضد وبايعه مؤنس والأمراء ولقبوه القاهر بالله وفوضت الوزارة إلى أبي على بن مقلة وذلك يوم السبت وجلس القاهر بالله يوم الأحد وكتب الوزير عنه إلى البلاد وعمل الموكب يوم الاثنين فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق السنة ولم يكن مؤنس حاضرا فارتفعت الأصوات فقتلوا الحاجب ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة فحملوه على اعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة وأخذ القاهر فجىء به وهو يبكى ويقول الله الله في نفسى فاستدناه وقبله وقال له يا أخي أنت والله لا ذنب لك والله لا جرى عليك مني سوء أبدا إلى لأقاليم بعود الخلافة إلى خلافته وبذل المقتدر الأموال في الجند وفي هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمى فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطى فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا وطرح القتلى في بئر زمزم وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه واقام بها احد عشر يوما ثم رحلوا وبقى الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة ودفع لهم فيه خمسون الف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع وقيل إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن قال محمد بن الربيع بن سليمان كنت بمكة سنة القرامطة فصعد رجل لقلع الميزاب وانا أراه فعيل صبرى وقلت يا رب ما أحلمك فسقط الرجل على دماغه فمات وصعد القرمطى على باب الكعبة وهو يقول
أنا بالله وبالله انا
يخلق الخلق وأفنيهم أنا



384

ولم يفلح أبو طاهر القرمطى بعدها وتقطع جسده بالجدري وفي هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى وعسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا فقالت الحنابلة معناها يقعده الله على عرشه وقال غيرهم بل هي الشفاعة ودام الخصام واقتتلوا جماعة كثيرة وفي سنة تسع عشرة نزل القرمطى الكوفة وخاف أهل بغداد من دخوله إليها فاستغاثوا ورفعوا أصواتهم والمصاحف وسبوا المقتدر وفيها دخلت الديلم الدينور فسبوا وقتلوا وفي سنة عشرين ركب المؤنس على المقتدر فكان معظم جند مؤنس من البربر فلما التقى الجمعان رمى البربر المقتدر بحربة سقط منها على الأرض ثم ذبحه بالسيف وشل رأسه على رمح وسلب ما عليه وبقى مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش ثم حفر له بالموضع ودفن وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال وقيل إن وزيره اخذ له ذلك اليوم طالعا فقال له المقتدر أي وقت هو قال وقت الزوال فتطير وهم بالرجوع فأشرفت خيل المؤنس ونشبت الحرب وأما البربرى الذي قتله فإن الناس صاحوا عليه فسار نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك فزحمه إلى دكان لحام فعلقه كلاب وخرج الفرس من مشواره من تحته فمات فحطه الناس واحرقوه بالحمل الشوك وكان المقتدر جيد العقل صحيح الرأى لكنه كان مؤثر للشهوات والشراب مبذرا وكان النساء غلبن عليه فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة ونفائسها وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة ووزنها ثلاثة مثاقيل واعطى زيدان القهرمان سبحة جوهر لم ير مثلها وأتلف أموالا كثيرة وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم والسود وخلف اثنى عشر ولدا ذكرا وولى الخلافة من أولاده ثلاثة الراضى والمتقى والمطيع وكذلك اتفق للمتوكل

385

والرشيد وأما عبدالملك فولى الأمر من أولاده أربعة ولا نظير لذلك إلا في الملوك وكذا قال الذهبي قلت في زماننا ولى الخلافة من أولاد المتوكل خمسة المستعين العباس والمعتضد داود والمستكفى سليمان والقائم حمزة والمستنجد يوسف ولا نظير لذلك وفي لطائف المعارف للثعالبى نادرة لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل والمقتدر فقتلا جميعا المتوكل ليلة الأربعاء والمقتدر يوم الأربعاء ومن محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين ان وزيره على بن عيسى أراد ان يصلح بين ابن صاعد وبين أبى بكر بن ابى داود السجستانى فقال الوزير يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه قال لا أفعل فقال الوزير أنت شيخ زيف فقال ابن أبى داود الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال من فقال هذا ثم قام ابن ابى داود وقال تتوهم أنى أذل لك لأجل أن رزقى يصل إلى على يدك والله لا أخذت من يدك شيئا أبدا فبلغ المقتدر ذلك فصار يزن رزقه بيده ويبعث به في طبق على يد الخادم مات في أيام المقتدر من الأعلام محمد بن ابى داود الظاهرى ويوسف ابن يعقوب القاضى وابن شريح شيخ الشافعية والجنيد شيخ الصوفية وأبو عثمان الحيرى الزاهد وأبو بكر البرديجى وجعفر الفريابى وابن بسام الشاعر والنسائى صاحب السنن والجبائى شيخ المعتزلة وابن المواز النحوى وابن الجلاء شيخ الصوفية وأبو يعلى الموصلى صاحب المسند والأشنانى المقرىء وابن سيف من كبار قراء مصر وأبو بكر الرويانى صاحب المسند وابن المنذر الإمام وابن جرير الطبرى والزجاج النحوى وابن خزيمة وابن زكريا الطبيب والأخفش الصغير وبنان الجمال وأبو بكر بن أبى داود

386

السجستانى وابن السراج النحوى وأبو عوانة صاحب الصحيح وأبو القاسم البغوى المسند وأبو عبيد بن حربويه والكعبى شيخ المعتزلة وأبو عمر القاضى وقدامة الكاتب وخلائق آخرون القاهر بالله أبو المنصور القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل أمه أم ولد فتنة لما قتل المقتدر أحضر هو ومحمد بن المكتفى فسألوا ابن المكتفى أن يتولى فقال لا حاجة لي في ذلك وعمى هذا أحق به فكلم القاهر فأجاب فبويع ولقب القاهر بالله كما لقب به في سنة سبع عشرة فأول ما فعل ان صادر آل المقتدر وعذبهم وضرب أم المقتدر حتى ماتت في العذاب وفي سنة إحدى وعشرين شغب عليه الجند واتفق مؤنس وابن مقلة وآخرون على خلعه بابن المكتفى فتحيل القاهر عليهم إلى ان امسكهم وذبحهم وطين على ابن المكتفى بين حيطتين وأما ابن مقلة فاختفى فأحرقت داره ونهبت دور المخالفين ثم أطلق أرزاق الجند فسكنوا واستقام الأمر للقاهر وعظم في القلوب وزيد في ألقابه المنتقم من أعداء دين الله ونقش ذلك على السكة وفي هذه السنة امر بتحريم القيان والخمر وقبض على المغنين ونفى المخانيث وكسر آلات اللهو وأمر ببيع المغنيات من الجوارى على أنهن سوادج وكان مع ذلك لا يصحو من السكر ولا يفتر عن سماع الغناء وفي سنة اثنتين وعشرين ظهرت الديلم وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان وكان من قواده على بن بويه فاقتطع مالا جليلا فانفرد عن مخدومه ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة فهزم محمد واستولى

387

ابن بويه على فارس وكان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السمك رأى كأنه بال فخرج من ذكره عمود نار ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا فعبرت بأن أولاده يملكون الدنيا ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت عليه النار فمضت السنون وآل الأمر على هذا إلى أن صار قائدا لمرداويج ابن زياد الديلمى فأرسله يستخرج له مالا من الكرخ فاستخرج خمسمائة ألف درهم واتى همذان ليملكها فغلق أهلها في وجهه الأبواب فقتلهم وفتحها عنوة وقيل صلحا ثم صار إلى شيراز ثم أنه قل عنده من مال فنام على ظهره فخرجت حية من سقف المجلس فأمر بنقضه فخرجت صناديق ملأى ذهبا فأنفقها في جنده وطلب خياطا يخيط له شيئا وكان أطروشا فظن أنه قد سعى به فقال والله ما عندى سوى اثنى عشر صندوقا لا أعلم ما فيها فأحضرت فوجد فيها مالا عظيما وركب يوما فساخت قوائم فرسه فحفروه فوجدوا فيه كنزا واستولى على البلاد وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة وفي هذه السنة قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل النوبختى الذي قد كان اشار بخلافة القاهر ألقاه على رأسه في بئر وطمت وذنبه انه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية واشتراها فحقد عليه وفيها تحرك الجند عليه لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه ويقول لهم إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم وغير ذلك فأجمعوا على الفتك به فدخلوا عليه بالسيوف فهرب فأدركوه وقبضوا عليه في سادس من جمادى الآخرة وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر ولقبوه الراضى بالله ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضى أبى عمر والحسن بن عبدالله

388

ابن أبي الشوارب وأبا طالب بن البهلول فجاؤه فقيل له ما تقول قال أنا أبو المنصور محمد بن المعتضد لى في أعناقكم بيعة وفي أعناق الناس ولست أبرئكم ولا أحلكم منها فقوموا فقاموا فقال الوزير يخلع ولا نفكر فيه أفعاله مشهورة وقال القاضي أبو الحسين فدخلت على الراضى وأعدت عليه ما جرى وأعلمته أنى أرى إمامته فرضا فقال انصرف ودعنى وإياه فأشار سيماء مقدم الحجرية على الراضى بسلمه فكحله بمسمار محمى قال محمود الأصبهانى كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدماء فامتنع من الخلع فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه وقال الصولى كان أهوج سفاكا للدماء قبيح السيرة كثير التلون والاستحالة مدمن الخمر ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل وكان قد صنع حربة يحميها فلا يطرحها حتى يقتل بها انسانا قال على بن محمد الخراسانى أحضرنى القاهر يوما والحربة بين يديه فقال أسألك عن خلفاء بنى العباس عن أخلاقهم وشيمم قلت أما السفاح فكان مسرعا إلى سفك الدماء واتبعه عماله على مثل ذلك وكان مع ذلك سمحا وصولا بالمال قال فالمنصور قلت كان أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبى طالب وكانوا قبلها متفقين وهو أول خليفة قرب المنجمين وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية وكتاب كليلة ودمنة وكتاب إقليدس وكتب اليونان فنظر الناس فيها وتعلقوا بها فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازى والسير والمنصور اول من استعمل مواليه وقدمهم على العرب قال فالمهدى قلت كان جوادا عادلا منصفا

389

رد ما أخذ أبوه من الناس غصبا وبالغ في إتلاف الزنادقة وبنى المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى قال فالهادى قلت كان جبارا متكبرا فسلك عماله طريقه على قصر ايامه قال فالرشيد قلت كان مواظبا على الغزو والحج وعمر القصور والبرك بطريق مكة وبنى الثغور كأذنة وطرسوس والمصيصة ومرعش وعم الناس إحسانه وكان في أيامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم وهو أول خليفة لعب بالصولجة ورمى النشاب في البرجاس ولعب بالشطرنج من بنى العباس قال فالأمين قلت كان جوادا إلا أنه انهمك في لذاته ففسدت الأمور قال فالمأمون قلت غلب عليه النجوم والفلسفة وكان حليما جوادا قال فالمعتصم قلت سلك طريقه وغلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم واشتغل بالغزو والفتوح قال فالواثق قلت سلك طريقة أبيه قال فالمتوكل قلت خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات ونهى عن الجدال والمناظرات والأهواء وعاقب عليها وأمر بقراءة الحديث وسماعه ونهى عن القول بخلق القرآن فأحبه الناس ثم سأل عن باقى الخلفاء وانا أجيبه بما فيهم فقال لى سمعت كلامك وكأنى أشاهد القوم ثم قام وقال المسعودى أخذ القاهر مؤنس وأصحابه مالا عظيما فلما خلع وسمل طولب بها فأنكر فعذب بأنواع العذاب فلم يقر بشىء فأخذه الراضى بالله فقر به وأدناه وقال له قد ترى مطالبة الجند بالمال وليس عندى شىء والذى عندك فليس بنافع لك فاعترف به فقال اما إذ فعلت هذا فالمال مدفون في البستان وكان قد أنشأ بستانا فيه أصناف الشجر حملت إليه من البلاد وزخرفته وعمل فيه قصرا وكان الراضى مغرما بالبستان

390

والقصر فقال وفي أى مكان المال منه فقال أنا مكفوف ولا أهتدى إلى مكان فاحفر البستان تجده فحفر الراضى البستان واساسات القصر وقلع الشجر فلم يجد شيئا فقال له واين المال فقال وهل عندى مال وإنما كان حسرتى في جلوسك في البستان وتنعمك فأردت أن افجعك فيه فندم الراضى وحبسه فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين ثم اطلقوه وأهملوه فوقف يوما بجامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضاء وقال تصدقوا على فأنا من قد عرفتم وذلك في أيام المستكفى ليشنع عليه فمنع من الخروج إلى أن مات سنة تسع وثلاثين في جمادى الأولى عن ثلاث وخمسين سنة وكان له من الولد عبدالصمد وأبو القاسم وأبو الفضل وعبدالعزيز ومات في ايامه من الأعلام الطحاوى شيخ الحنفية وابن دريد وأبو هاشم الجبائى وآخرون الراضى بالله أبو العباس الراضى بالله أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل ولد سنة سبع وتسعين ومائتين وامه أم ولد رومية اسمها ظلوم وبويع له يوم خلع القاهر فأمر ابن مقلة ان يكتب كتابا فيه مثالب القاهر ويقرأ على الناس وفي هذا العام أى عام اثنتين وعشرين وثلثمائة من خلافته مات مرداويج مقدم الديلم بأصبهان وكان قد عظم أمره وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد وأنه مسالم لصاحب المجوس وكان يقول أنا أرد دولة العجم وأمحق دولة العرب

391

وفيها بعث على بن بويه إلى الراضى يقاطعه على البلاد التى استولى عليها بثمان مائة ألف ألف درهم كل سنة فبعث له لواء وخلعا ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال وفيها مات المهدى صاحب المغرب وكانت أيامه خمسا وعشرين سنة وهو جد خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة الفاطميين فإن المهدى هذا ادعى أنه علوى وإنما جده مجوسى قال القاضى أبو بكر الباقلانى جد عبيدالله الملقب بالمهدى مجوسى دخل عبيدالله المغرب وادعى أنه علوى ولم يعرفه أحد من العلماء النسب وكان باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الاسلام أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على اسلوبه اباحوا الخمور والفروج واشاعوا الرفض وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد وفي هذه السنة ظهر محمد بن على الشلمغانى المعروف بابن أبى القراقر وقد شاع عنه أنه يدعى الإلهية وانه يحيى الموتى فقتل وصلب وقتل معه جماعة من أصحابه وفيها توفى أبو جعفر السجزى أحد الحجاب قيل بلغ من العمر مائة واربعين سنة وحواسه جيدة وفيها انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع وعشرين وفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضى بالله وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب وفيها كانت واقعة ابن شنبوذ المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذى كتب عليه وذلك بحضرة الوزير أبى على بن مقلة

392

وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد واسودت الدنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب وفيها في ذى القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤى مثله وفي سنة اربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها وحكم على البلاد وبطل أمر الوزارة والدواوين وتولى هو الجميع وكتابه وصارت الأموال تحمل إليه وبطلت بيوت المال وبقى الراضى معه صورة وليس من الخلافة إلا الأسم وفي سنة خمس وعشرين اختل الأمر جدا وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها أو عامل لا يحمل مالا وصاروا مثل ملوك الطوائف ولم يبق بيد الراضى غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم قويت همة صاح الأندلس الأمير عبدالرحمن بن محمد الأموى المروانى وقال أنا أولى الناس بالخلافة وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله واستولى على أكثر الأندلس وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة استأصل المتغلبين وفتح سبعين حصنا فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة العباسى ببغداد وهذا بالأندلس والمهدى بالقيروان وفي سنة ست وعشرين خرج يحكم على ابن رائق فظهر عليه واختفى ابن رائق فدخل بجكم بغداد فأكرمه الراضى ورفع منزلته ولقبه أمير الأمراء وقلده إمارة بغداد وخراسان وفي سنة سبع وعشرين كتب أبو على عمر بن يحيى العلوى إلى القرمطى وكان يحبه أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير فأذن وحج الناس وهى أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج

393

وفي سنة ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقا عظيما حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا وغرق الناس والبهائم وانهدمت الدور وفي سنة تسع وعشرين اعتل الراضى ومات في شهر ربيع الآخر وله إحدى وثلاثون سنة ونصف وكان سمحا كريما أديبا شاعرا فصيحا محبا للعلماء وله شعر مدون وسمع الحديث من البغوى وغيره قال الخطيب للراضى فضائل منها أنه آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة خطب يوم الجمعة وآخر خليفة جالس الندماء وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين وآخر خليفة سافر بزى القدماء ومن شعره
كل صفو إلى كدر
كل أمر إلى حذر


ومصير الشباب لل
موت فيه أو الكدر


در در المشيب من
واعظ ينذر البشر


أيها الآمل الذى
تاه في لجة الغرر


أين من كان قبلنا
ذهب الشخص والأثر


رب فاغفر خطيئتى
أنت يا خير من غفر

ذكر أبو الحسن بن رزقويه عن إسماعيل الخطبي قال وجه إلى الراضى ليلة الفطر فجئت إليه فقال يا اسمعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس فما الذى أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسى فأطرقت ساعة ثم قلت قل يا امير المؤمنين رب أوزعنى أن أشكر نعمتك ألتى أنعمت على وعلى والدى الآية فقال لى حسبك ثم تبعنى خادم فأعطانى أربعمائة دينار مات في أيامه من الأعلام نفطويه وابن مجاهد المقرىء وابن كاس الحنفى وابن أبى حاتم ومبرمان وابن عبدربه صاحب العقد والإصطخرى شيخ الشافعية وابن شنبوذ وأبو بكر الأنبارى

394

المتقى لله أبو إسحاق المتقى الله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة ابن المتوكل بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضى وهو ابن أربع وثلاثين سنة وأمه أمة اسمها خلوب وقيل زهرة ولم يغير شيئا قط ولا تسرى على جاريته التى كانت له وكان كثير الصوم والتعبد ولم يشرب نبيذا قط وكان يقول لا أريد نديما غير المصحف ولم يكن له سوى الأسم والتدبير لأبى عبدالله أحمد بن على الكوفى كاتب بجكم وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصورة وكانت تاج بغداد ومأثره بنى العباس وهى من بناء المنصور ارتفاعها ثمانون ذراعا وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا وعليها تمثال فارس بيده رمح فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد وفي هذه السنة قتل بجكم التركي فولى إمرة الامراء مكانه كورتكين الديلمى وأخذ المتقى حواصل بجكم التى كانت ببغداد وهى زيادة على ألف ألف دينار ثم في هذا العام ظهر ابن رائق فقاتل كورتكين ببغداد فهزم كورتكين واختفى وولى ابن رائق إمرة الأمراء مكانه وفي سنة ثلاثين كان الغلاء ببغداد فبلغ كرا الحنطة ثلثمائة وستة عشر دينارا واشتد القحط وأكلوا الميتات وكان قحطا لم ير ببغداد مثله ابدا وفيها خرج أبو الحسين على ابن محمد اليزيدى فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق فهزما وهربا إلى الموصل ونهبت بغداد ودار الخلافة فلما وصل الخليفة

395

إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة ابا الحسن على بن عبدالله بن حمدان وأخاه الحسن وقتل ابن رائق غيلة فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان ولقبه ناصر الدولة وخلع على أخيه ولقبه سيف الدولة وعاد إلى بغداد وهما معه فهرب اليزيدى إلى واسط ثم ورد الخبر في ذى القعدة أن اليزيدى يريد بغداد فاضطرب الناس وهرب وجوه أهل بغداد وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة وسار سيف الدولة لقتال اليزيدى فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن وهزم اليزيدى فعاد بالويل إلى واسط فساق سيف الدولة إلى واسط فانهزم اليزيدى إلى البصرة وفي سنة إحدى وثلاثين وصلت الروم إلى ارزن وميافارقين ونصيبين فقتلوا وسبوا ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها يزعمون أن المسيح مسح به وجهه فارتسمت صورته فيه على انهم يطلقون جميع من سبوا فأرسل إليهم واطلقوا الأسرى وفيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة فهرب في البريد يريد بغداد ثم صار إلى الموصل اخوه ناصر الدولة خائفا لهرب أخيه وسار من واسط تورون فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل فدخل تورون بغداد في رمضان فخلع عليه المتقى وولاه أمير الأمراء ثم وقعت الوحشة بين المتقى وتورون فأرسل تورون أبا جعفر بن شيرزاد من واسط إلى بغداد فحكم عليها وامر ونهى فكاتب المتقى ابن حمدان بالقدوم عليه فقدم في جيش عظيم واستتر ابن شيرزاد فسار المتقى بأهله إلى تكريت وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال تورون فالتقيا بعكبرا فانهزم ابن حمدان والمتقى إلى الموصل ثم تلاقوا مرة أخرى فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين فكتب الخليفة إلى الأخشيد صاحب مصر أن يحضر إليه ثم بان له من بنى

396

حمدان الملل والضجر فراسل الخليفة تورون في الصلح فأجاب وبالغ في الإيمان ثم حضر الأخشيد إلى المتقى وهو بالرقة وقد بلغه مصالحة تورون فقال يا أمير المؤمنين انا عبدك وابن عبدك وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم فالله الله في نفسك سر معى إلى مصر فهى لك وتأمن على نفسك فلم يقبل فرجع الأخشيد إلى بلاده وخرج المتقى من الرقة إلى بغداد في رابع من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وخرج للقائه تورون فلتقيا بين الأنبار وهيت فترجل تورون وقبل الأرض فأمر المتقى بالركوب فلم يفعل ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه ثم كحل الخليفة وأدخل بغداد مسمول العينين وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب واحضر تورون عبدالله بن المكتفى وبايعة بالخلافة ولقب المستكفى بالله ثم بايعه المتقى المسمول وأشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من المحرم وقيل من صفر ولما كحل قال القاهر
صرت وإبراهيم شيخى عمى
لابد للشيخين من مصدر


مادام تورون له إمرة
مطاعة فالميل في المجمر

ولم يحل الحول على تورون حتى مات وأما المتقى فإنه أخرج الى جزيرة مقابلة للسندية فسجن بها فأقام بالسجن خمس وعشرين سنة إلى أن مات في شعبان سنة سبع وخمسين وفي أيام المتقى كان ابن حمدى اللص ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة وعشرين الف دينار في الشهر فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ويأخذ الأموال وكان اسكورج الديلمى قد ولى شرطة بغداد فأخذه ووسطه وذلك سنة ثنتين وثلاثين مات في أيام المتقى من الأعلام أبويعقوب النهرجورى أحد أصحاب

397

الجنيد والقاضى ابو عبيد الله المحاملى وابو بكر الفرغانى الصوفى والحافظ أبو العباس بن عقدة وابن ولاد النحوى وآخرون ولما بلغ القاهر أنه سمل قال صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث فكان كذلك سمل المستكفى المستكفى بالله أبو القاسم المستكفي بالله أبو القاسم عبدالله بن المكتفى بن المعتضد أمه أم ولد اسمها أملح الناس بويع له بالخلافة عند خلع المتقى في صفر سنة ثلاث وثلاثين وعمره أحدى وأربعون سنة ومات تورون في ايامه ومعه كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد فطمع في المملكة وحلف العساكر لنفسه فخلع عليه الخليفة ثم دخل أحمد بن بويه بغداد فاختفى شيرزاد ودخل ابن بويه دار الخلافة فوقف بين يدى الخليفة فخلع عليه ولقبه معز الدولة ولقب أخاه عليا عماد الدولة واخاهما الحسن ركن الدولة وضرب ألقابهم على السكة ولقب المستكفى نفسه إمام الحق وضرب ذلك على السكة ثم إن معز الدولة قوى أمره وحجر على الخليفة وقدر له كل يوم برسم النفقة خمسة آلآف درهم فقط وهو أول من ملك العراق من الديلم وأول من أظهر السعاة في بغداد واغرى المصارعين والسباحين فانهمك شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة حتى صار السابح يسبح وعلى يده كانون وفوقه قدرة فيسبح حتى ينضج اللحم ثم أن معز الدولة تخيل من المستكفى فدخل عليه في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين فوقف والناس وقوف على مراتبهم فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة فمد يديه إليهما ظنا أنهما يريدان تقبيلهما فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض وجراه بعمامته وهجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها فلم يبق فيها شىء ومضى معز الدولة إلى منزله وساقوا المستكفى ماشيا إليه وخلع وسملت عيناه يومئذ وكانت خلافته سنة واربعة أشهر واحضروا الفضل بن المقتدر وبايعوه

398

ثم قدموا ابن عمه المستكفى فسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع ثم سجن إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة وله ست وأربعون سنة وشهران وكان يتظاهر بالتشيع المطيع لله أبو القاسم المطيع لله ابو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد أمه أم ولد اسمها شغله ولد سنة إحدى وثلثمائة وبويع له بالخلافة عند خلع المستكفى في جمادى الآخرة سنة اربع وثلاثين وثلثمائة وقرر له معز الدولة كل يوم نفقة مائة دينار فقط وفي هذه السنة من خلافته اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف والروث وماتوا على الطرق واكلت الكلاب لحومهم وبيع العقار بالرغفان ووجد الصغار مشوية مع المساكين واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم والكر سبعة عشر قنطارا بالدمشقى وفيها وقع بين معز الدولة وبين ناصر الدولة بن حمدان فخرج لقتاله ومعه المطيع ثم رجع والمطيع معه كالأسير وفيها مات الأخشيد صاحب مصر وهو محمد بن طغج الفرغانى والأخشيد ملك الملوك وهو لقب لكل من ملك فرغانة كما أن الأصبهذ لقب ملك طبرستان وصول ملك جرجان وخاقان ملك الترك والأفشين ملك أشر وسنة وسامان ملك سمرقند وكان الأخشيد شجاعا مهيبا ولى مصر من قبل القاهر وكان له ثمانية آلاف مملوك وهو أستاذ كافور وفيها مات القائم العبيدى صاحب المغرب وقام بعده ولى عهده ابنه المنصور بالله إسماعيل وكان القائم شرا من أبيه زنديقا ملعونا أظهر سب الأنبياء وكان منادية ينادى العنوا الغار وما حوى وقتل خلقا من العلماء

399

وفي سنة خمس وثلاثين جدد معز الدولة الإيمان بينه وبين المطيع وأزال عنه التوكيل وأعاده إلى دار الخلافة وفي سنة ثمان وثلاثين سأل معز الدولة أن يشرك معه في الأمر اخاه على ابن بويه عماد الدولة ويكون من بعده فأجابه المطيع ثم لم ينشب أن مات عماد الدولة من عامه فأقام المطيع اخاه ركن الدولة والد عضد الدولة وفي سنة تسع وثلاثين أعيد الحجر الأسود إلى موضعه وجعل له طوق فضة يشد به وزنه ثلاثة آلاف وسبعمائة وستون درهما ونصف وقال محمد بن نافع الخزاعى تأملت الحجر الأسود وهو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط وسائره ابيض وطوله قدر عظم الذراع وفي سنة إحدى وأربعين ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح على انتقلت إليه وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها وآخر يدعى أنه جبريل فضربوا فتعززوا بالإنتماء إلى أهل البيت فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت فكان هذا من أفعاله الملعونة وفيها مات المنصور العبيدي صاحب المغرب بالمنصورية التى مصرها وقام بالأمر ولى عهده ابنه معد ولقب بالمعز لدين الله وهو الذي بنى القاهرة وكان المنصور حسن السيرة بعد أبيه وابطل المظالم فأحبه الناس وأحسن أيضا ابنه السيرة وصفت له المغرب وفي سنة ثلاث واربعين خطب صاحب خراسان للمطيع ولم يكن خطب له قبل ذلك فبعث إليه المطيع اللواء والخلع وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت ودامت ثلاث ساعات وفزع الناس إلى الله بالدعاء وفي سنة ست وأربعين نقص البحر ثمانين ذراعا وظهر فيه جبال والجزائر وأشياء لم تعهد وكان بالرى ونواحيها زلازل عظيمة وخسف ببلد الطالقان

400

ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الرى واتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها وقذفت الأرض عظام الموتى وتفجرت منها المياه وتقطع بالرى جبل وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف النهار ثم خسف بها وانخرقت الأرض خروقا عظيمة وخرج منها مياه منتنة ودخان عظيم هكذا نقل ابن الجوزى وفي سنة سبع وأربعين عادت الزلازل بقم وحلوان والجبال فأتلفت خلقا عظيما وجاء جراد طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات والأشجار وفي سنة خمسين بنى معز الدولة ببغداد دارا هائلة عظيمة أساسها في الأرض ستة وثلاثون ذراعا وفيها قلد القضاء ابا العباس عبدالله بن الحسن بن ابي الشوارب وركب بالخلع من دار معز الدولة وبين يديه الدبادب والبوقات وفي خدمته الجيش وشرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتى ألف درهم وكتب عليه بذلك سجلا وامتنع المطيع من تقلده ومن دخوله عليه وأمر ان لا يمكن من الدخول إليه أبدا وفيها ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة وكل ذلك عقب ضعفة ضعفها وعوفى منها فلا كان الله عافاه وفيها أخذت الروم جزيرة أقريطش من المسلمين وكانت فتحت في حدود الثلاثين والمائتين وفيها توفى صاحب الأندلس الناصر لدين الله وقام بعده ابنه الحاكم وفي سنة إحدى وخمسين كتبت الشيعة ببغداد على ابواب المساجد لعنة معاوية ولعنة من غصب فاطمة حقها من فدك ومن منع الحسن أن يدفن مع جده ولعنة من نفى أباذر ثم إن ذلك محى في الليل فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبى أن يكتب مكان ما محى لعن الله الظالمين لآل رسول الله

401

صلى الله عليه وسلم وصرحوا بلعنة معاوية فقط وفي سنة اثنتين وخمسين يوم عاشوراء الزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبيخ ونصبوا القباب في الأسواق وعلقوا عليها المسوح وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين وهذا أول يوم نيح عليه فيه ببغداد واستمرت هذه البدعة سنين وفي ثانى عشر ذى الحجة منها عمل عيد غدير خم وضربت الدبادب وفي هذه السنة بعث بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة والالتصاق في الجنب ولهما بطنان وسرتان ومعدتان ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما ولكل واحد كفان وذراعان ويدان وفخذان وساقان وإحليلان وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى المرد ومات أحدهما وبقى أياما واخوه حى فأنتن وجمع ناصر الدولة الأطباء على ان يقدروا على فصل الميت من الحي فلم يقدروا ثم مرض الحى من رائحة الميت ومات وفي سنة ثلاث وخمسين عمل لسيف الدولة خيمة عظيمة الارتفاع عمودها خمسون ذراعا وفي سنة أربع وخمسين ماتت أخت معز الدولة فنزل المطيع في طيارة إلى دار معز الدولة يعزيه فخرج إليه معز الدولة ولم يكلفه الصعود من الطيارة وقبل الأرض مرات ورجع الخليفة إلى داره وفيها بنى يعقوب ملك الروم قيسارية قريبا من بلاد المسلمين وسكنها ليغير كل وقت وفي سنة ست وخمسين مات معز الدولة فأقيم ابنه بختيار مكانه في السلطنة ولقبه المطيع عز الدولة وفي سنة سبع ملك القرامطة دمشق ولم يحج أحد فيها لا من الشام ولا

402

من مصر وعزموا على قصد مصر ليملكوها فجاء العبيديون فأخذوها وقامت دولة الرفض في الأقاليم المغرب ومصر والعراق وذلك أن كافورا الأخشيدي صاحب مصر لما مات اختل النظام وقلت الأموال على الجند فكتب جماعة إلى المعز يطلبون منه عسكرا ليسلموا إليه مصر فأرسل مولاه جوهرا القائد في مائة ألف فارس فملكها ونزل موضع القاهرة اليوم واختطها وبنى دار الإمارة للمعز وهى المعروفة الآن بالقصرين وقطع خطبة بنى العباس ولبس السواد وألبس الخطباء البياض وأمر ان يقال في الخطبة اللهم صلى على محمد المصطفى وعلى على المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول وصل على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز بالله وذلك كله في شهر شعبان سنة ثمان وخمسين ثم في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين أذنوا في مصر بحى على خير العمل وشرعوا في بناء الجامع الأزهر ففرغ في رمضان سنة إحدى وستين وفي سنة تسع وخمسين انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد وفي سنة ستين أعلن المؤذنون بدمشق فى الأذان بحى على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز بالله ولم يجسر احد على مخالفته وفي سنة اثنتين وستين صادر السلطان بختيار المطيع فقال المطيع أنا ليس لى غير الخطبة فإن أحببتم اعتزلت فشدد عليه حتى باع قماشه وحمل أربعمائة الف درهم وشاع في الألسنة أن الخليفة صودر وفيها قتل رجل من أعوان الموالى ببغداد فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازى من طرح النار من النحاسين إلى السماكين فاحترق حريق عظيم لم ير مثله واحترقت اموال واناس كثيرون في الدور والحمامات وهلك الوزير من عامه لا رحمه الله

403

وفي رمضان من هذه السنة دخل المعز إلى مصر ومعه توابيت آبائه وفي سنة ثلاث وستين قلد المطيع القضاء أبا الحسن محمد بن أم شيبان الهاشمى بعد تمنع وشرط لنفسه شروطا منها ان لا يرتزق على القضاء ولا يخلع عليه ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع وقرر لكاتبه في كل شهر ثلثمائة درهم ولحاجبه مائة وخمسين وللفارض على بابه مائة ولخازن ديوان الحكم والأعوان ستمائة وكتب له عهد صورته هذا ما عهد به عبدالله الفضل المطيع لله أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمى حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصورة والمدينة الشرقية من الجانب الشرقى والجانب الغربى والكوفة وسقى الفرات وواسط وكرخى وطريق الفرات ودجلة وطريق خراسان وحلوان وقرميسين وديار مضر وديار ربيعة وديار بكر والموصل والحرمين واليمن ودمشق وحمص وجند قنسرين والعواصم ومصر والإسكندرية وجند فلسطين والأردن واعمال ذلك كلها ومن يجرى من ذلك من الأشراف على من يختاره من العباسيين بالكوفة وسقى الفرات واعمال ذلك وما قلده إياه من قضاء القضاة وتصفح أحوال الحكام والاستشراف على ما يجرى عليه أمر الأحكام من سائر النواحى والأمصار التى تشتمل عليه المملكة وتنتهى إليها الدعوة وإقرار من يحمد هديه وطريقه والاستبدال بمن يذم شيمته وسجيته احتياطا للخاصة والعامة وجنوا على الملة والذمة عن علم بأنه المقدم في بيته وشرفه المبرز في عفافته الزكى في دينة وأمانته الموصوف في ورعه ونزاهته المشار إليه بالعلم والحجى المجمع عليه في الحلم والنهى البعيد من الأدناس اللابس من التقى أجمل اللباس النقى الحبيب المحبو بصفاء الغيب العالم بصالح الدنيا العارف بما يفسد سلامة العقبى أمره بتقوى الله فإنها الجنة الواقية وليجعل كتاب الله في كل ما يعمل

404

فيه رويته ويرتب عليه حكمه وقضيته إمامه الذي يفزع إليه وان يتخذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منارا يقصده ومثالا يتبعه وان يراعى الإجماع وان يقتدى بالأئمة الراشدين وان يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه ورأيه وأن يسوى بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه ولفظه ويوفى كلا منهما من إنصافه وعدله حتى يأمن الضعيف حيفه وييأس القوى من ميله وأمره أن يشرف على اعوامه وأصحابه ومن يعتمد عليه من أمنائه واسبابه إشرافا يمنع من التخطى إلى السيرة المحظورة ويدفع عن الإسفاف إلى المكاسب المحجورة وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا قلت كان الخلفاء يولون القاضى المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التى تحت ملكهم ثم يستنيب القاضى من تحت أمره من شاء في كل إقليم وفي كل بلد ولهذا كان يلقب قاضى القضاة ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة ومن عداه بالقاضى فقط أو قاضى بلد كذا واما الآن فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون كل منهم يلقب قاضى القضاة ولعل آحاد نواب أولئك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد من قضاة القضاة الآن ولقد كان قاضى القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزمان وفي هذه السنة أعنى سنة ثلاث وستين حصل للمطيع فالج وثقل لسانه فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه وتسليم الأمر الى ولده الطائع لله ففعل وعقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشرى ذى القعدة فكانت مدة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأشهرا وأثبت خلعه على القاضى ابن أم شيبان وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل قال الذهبى وكان المطيع وابنه مستضعفين مع بنى نويه ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفى لله فانصلح أمر الخلافة قليلا وكان

405

دست الخلافة لبنى عبيد الرافضة بمصر أميز وكلمتهم أنفذ ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم وخرج المطيع إلى واسط مع ولده فمات في المحرم سنة اربع وستين قال ابن شاهين خلع نفسه غير مكره فيما صح عندى قال الخطيب حدثنى محمد بن يوسف القطان سمعت أبا الفضل التميمى سمعت المطيع لله سمعت شيخى ابن منيع سمعت احمد بن حنبل يقول إذا مات أصدقاء الرجل ذل وممن مات في أيام المطيع من الأعلام الخرقى شيخ الحنابلة وأبو بكر الشلبى الصوفى وابن القاص إمام الشافعية وأبو رجاء الأسوانى وأبو بكر الصولى والهيثم بن كليب الشاشى وأبو الطيب الصعلوكى وابو جعفر النحاس النحوى وأبو نصر الفارابى وابو إسحاق المروزى أمام الشافعية وأبو القاسم الزجاجى اللنحوى والكرخى شيخ الحنفية والدينورى صاحب المجالسة وأبو بكر الضبعى والقاضى أبو القاسم التنوخى وابن الحداد صاحب الفروع وأبو على ابن أبى هريرة من كبار الشافعية وأبو عمر الزاهد والمسعودى صاحب مروج الذهب وابن درستويه وأبو على الطبرى أول من جرد الخلاف والفاكهى صاحب تاريخ مكة والمتنبى الشاعر وابن حبان صاحب الصحيح وابن شعبان من أئمة المالكية وأبو على القالى وأبو الفرج صاحب الأغانى الطائع لله أبو بكر الطائع لله ابو بكر عبدالكريم بن المطيع أمه أم ولد اسمها هزار نزل له أبوه عن الخلافة وعمره ثلاث وأربعون سنة فركب وعليه البردة ومعه الجيش وبين يديه سبكتكين وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة وعقد له

406

اللواء ولقبه نصر الدولة ثم وقع بين عز الدولة وسبكتكين فدعا سبكتكين الأتراك لنفسه فأجابوه وجرى بينه وبين عز الدولة حروب وفي ذى الحجة من هذه السنة أي سنة ثلاث وستين وثلثمائة أقيمت الخطبة والدعوة بالحرمين للمعز العبيدى وفي سنة اربع وستين قدم عضد الدولة بغداد لنصرة عز الدولة على سبكتكين فأعجبته بغداد وملكها فعمل عليها واستمال الجند فشغبوا على عز الدولة فأغلق بابه وكتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق باستقرار الأمر العضد الدولة فوقع بين الطائع وبين غضد الدولة فقطعت الخطبة للطائع بسبب ذلك ببغداد وغيرها من يوم العشرين من جمادى الأولى إلى أن أعيدت في عاشر رجب وفي هذه السنة وبعدها غلا الرفض وفار بمصر والشام والمشرق والمغرب ونودى بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدى وفي سنة خمسة وستين نزل ركن الدولة بن بويه عما بيده من الممالك لأولاده فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان ولمؤيد الدولة الرى وأصبهان ولفخر الدولة همذان والدينور وفي رجب منها عمل مجلس الحكم في دار السلطان عز الدولة وجلس قاضى القضاة ابن معروف وحكم لأن عز الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو وفيها كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة وأسر فيها غلام تركى لعز الدولة فجن عليه واشتد حزنه وامتنع من الأكل وأخذ في البكاء واحتجب عن الناس وحرم على نفسه الجلوس في الدست وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه ويتذلل فصار ضحكة بين الناس وعوتب فما ارعوى لذلك وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف دينار وقال للرسول إن توقف عليك في رده

407

فزد ما رأيت ولا تفكر فقد رضيت أن آخذه واذهب إلى أقصى الأرض فرده عضد الدولة عليه وفيها أسقط الخطبة من الكوفة لعز الدولة وأقيمت لعضد الدولة وفيها مات المعز لدين الله العبيدى صاحب مصر وأول من ملكها من العبيديين وقام بالأمر بعده ابنه نزاز ولقب العزيز وفي سنة ست وستين مات المنتصر بالله الحكم بن الناصر لدين الله الأموى صاحب الأندلس وقام بعده ابنه المؤيد بالله هشام وفي سنة سبع وستين التقى عز الدولة وعضد الدولة فظفر عضد الدولة وأخذ عز الدولة أسيرا وقتله بعد ذلك وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة وتوجه بتاج مجوهر وطوقه وسوره وقلده سيفا وعقد له لواءين بيده احدهما مفضض على رسم الأمراء والآخر مذهب على رسم ولاة العهود ولم يعقد اللواء الثانى لغيره قبله وكتب له عهدا وقرىء بحضرته ولم يبق أحد إلا تعجب ولم تجر العادة بذلك إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين فإذا أخذه قال أمير المؤمنين هذا مهدى إليك فاعمل به وفي سنة ثمان وستين أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء وان يخطب له على منابر الحضرة قال ابن الجوزى وهذان أمران لم يكونا من قبله ولا أطلقا لولاة العهود وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام فسأل المطيع في ذلك فلم يأذن له وما حظى عضد الدولة بذلك إلا لضعف أمر الخلافة وفي سنة تسع وستين ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد

408

وسأل عضد الدولة الطائع أن يزيد في ألقابه تاج الملة ويجدد الخلع عليه ويلبسه التاج فأجابه وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزينة وبين يديه مصحف عثمان وعلى كتفه البردة وبيده القضيب وهو متقلد بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضربت ستارة بعثها عضد الدولة وسأل أن تكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله ودخل الأتراك والديلم وليس مع أحد منهم حديد ووقف الأشراف واصحاب المراتب من الجانبين ثم اذن لعضد الدولة فدخل ثم رفعت الستارة وقبل عضد الدولة الأرض فارتاع زياد القائد لذلك وقال لعضد الدولة ما هذا أيها الملك أهذا هو الله فالتفت إليه وقال هذا خليفة الله في الأرض ثم استمر يمشى ويقبل الأرض سبع مرات فالتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال استدنه فصعد عضد الدولة فقبل الأرض مرتين فقال له ادن إلى فدنا وقبل رجله وثنى الطائع يمينه عليه وامره فجلس على الكرسي بعد أن كرر عليه اجلس وهو يستعفى فقال له أقسمت عليك لتجلسن فقبل الكرسي وجلس فقال له الطائع قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلى من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتى واسبابى فتول ذلك فقال يعيننى الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته ثم افاض عليه الخلع وانصرف قلت انظر إلى هذا الأمر وهو الخليفة المستضعف الذي لم تضعف الخلافة في زمن احد ما ضعفت في زمنه ولا قوى أمر سلطان ما قوى أمر عضد الدولة وقد صار الأمر في زماننا إلى ان الخليفة يأتى السلطان يهنئه برأس الشهر

409

فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته ويجلسا معا خارج المرتبة ثم يقوم الخليفة يذهب كأحد الناس ويجلس السلطان في دست مملكته ولقد حدثت ان السلطان الأشرف برسباى لما سافر إلى آمد لقتال العدو وصحب الخليفة معه كان الخليفة راكبا أمامه يحجبه والهيبة والعظمة للسلطان والخليفة كآحاد الأمراء الذين في خدمة السلطان وفي سنة سبعين خرج من همذان عضد الدولة وقدم بغداد فلتقاه الطائع ولم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقى أحد فلما توفيت بنت معز الدولة ركب المطيع إليه فغزاه فقبل الارض وجاء رسول عضد الدولة يطلب من الطائع أن يتلقاه فما وسعه التأخر وفي سنة اثنتين وسبعين مات عضد الدولة فولى الطائع مكانه في السلطنة ابنه صمصام الدولة ولقبه شمس الملة وخلع عليه سبع خلع وتوجه وعقد له لواءين ثم في سنة ثلاث وسبعين مات مؤيد الدولة أخو عضد الدولة وفي سنة خمس وسبعين هم صمصام الدولة أن يجعل المكس على ثياب الحرير والقطن مما ينسج ببغداد ونواحيها ووقع له في ضمان ذلك الف ألف درهم في السنة فاجتمع الناس في جامع المنصور وعزموا على المنع من صلاة الجمعة وكاد البلد يفتن فأعفاهم من ضمان ذلك وفي سنة ست وسبعين قصد شرف الدولة اخاه صمصام الدولة فانتصر عليه وكحله ومال العسكر إلى شرف الدولة وقدم بغداد وركب الطائع إليه يهنئه بالبلاد وعهد إليه بالسلطنة وتوجه وقرىء عهده والطائع يسمع

410

وفي سنة ثمان وسبعين امر شرف الدولة برصد الكواكب السبعة في سيرها كما فعل المأمون وفيها اشتد الغلاء ببغداد جدا وظهر الموت بها ولحق الناس بالبصرة حر وسموم تساقط منه وجاءت ريح عظيمة بفح الصلح حرقت دجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها وأغرقت كثيرا من السفن واحتملت زورقا منحدرا وفيه دواب فطرحت ذلك في أرض جوخى فشوهد بعد ايام وفي سنة تسع وسبعين مات شرف الدولة وعهد إلى أخيه أبى نصر فجاءه الطائع إلى دار المملكة يعزيه فقبل الأرض غير مرة ثم ركب أبو نصر إلى الطائع وحضر الأعيان فخلع الطائع على أبى نصر سبع خلع أعلاها سوداء وعمامة سوداء وفي عنقه طوق كبير وفي يده سواران ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف ثم قبل الأرض بين يدى الطائع وجلس على كرسى وقرىء عهده ولقبه الطائع بهاء الدولة وضياء الملة وفي سنة إحدى وثمانين قبض على الطائع وسببه أنه حبس رجلا من خواص بهاء الدولة فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع في الرواق متقلدا سيفا فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض وجلس على الكرسي وتقدم اصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع من سريره وتكاثر الديلم فلفوه في كساء واصعد إلى دار السلطنة وارتج البلد ورجع بهاء الدولة وكتب على الطائع أيمانا بخلع نفسه وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله وشهد عليه الأكابر والأشراف وذلك في تاسع عشر شهر شعبان

411

ونفذ إلى القادر بالله ليحضر وهو بالبطيحة واستمر الطائع في دار القادر بالله مكرما محترما في أحسن حال حتى إنه حمل إليه ليلة شمعة قد أوقد نصفها فأنكر ذلك فحملوا إليه غيرها إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وصلى عليه القادر بالله في داره وشيعه الأكابر والخدم ورثاه الشريف الرضى بقصيدة وكان شديد الانحراف على آل أبي طالب وسقطت الهيبة في ايامه جدا حتى هجاه الشعراء مات في ايام الطائع من الأعلام ابن السنى الحافظ وابن عدى والقفال الكبير والسيرافى النحوى وأبو سهل الصعلوكى وابو بكر الرازى الحنفى وابن خالوية والأزهرى إمام اللغة وأبو إبراهيم الفارابى صاحب ديوان الأدب والرفاء الشاعر وأبو زيد المروزى الشافعى والداركى وأبو بكر الأبهري شيخ المالكية وأبو الليث السمرقندى إمام الحنفية وأبو على الفارسى النحوى وابن الجلاب المالكى القادر بالله أبو العباس القادر بالله ابو العباس احمد بن إسحاق بن المقتدر ولد سنة ست وثلاثين وثلثمائة وأمه أمة واسمها تمنى وقيل دمنة بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع وكان غائبا فقدم في عاشر رمضان وجلس من الغد جلوسا عاما وهنىء وأنشد بين يديه الشعراء من ذلك قول الشريف الرضى

412


شرف الخلافة يا بنى العباس
اليوم جدده أبو العباس


ذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة
من ذلك الجبل العظيم الراسى

قال الخطيب وكان القادر من السترو الديانة والسيدة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البرو الصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعرف بها كل احد مع حسن المذهب وصحة الأعتقاد تفقه على العلامة أبي بشر الهروى الشافعى وقد صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث واورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة اصحاب الحديث بجامع المهدى وبحضرة الناس ترجمة ابن الصلاح في طبقات الشافعية وقال الذهبى في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم وحلف القادر وبهاء الدولةكل منهما لصاحبه بالوفاء وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة وفيها دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوى إلى نفسه وتلقب بالراشد بالله وسلم عليه بالخلافة فانزعج صاحب مصر ثم ضعف امر أبى الفتوح وعاد إلى طاعة العزيز العبيدي وفي سنة اثنتين وثمانين ابتاع الوزير ابو نصر سابور ازدشير دارا بالكرخ وعمرها وسماها دار العلم ووقفها على العلماء ووقف بها كتبا كثيرة وفي سنة اربع وثمانين عاد الحاج العراقى من الطريق اعتراضهم الأصيفر الأعرابي ومنعهم الجواز إلا برسمه فعادوا ولم يحجوا ولا حج أيضا اهل الشام ولا اليمن إنما حج أهل مصر وفي سنة سبع وثمانين مات السلطان فخر الدولة وأقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالرى واعمالها وهو ابن أربع سنين ولقبه القادر مجد الدولة قال الذهبى ومن الأعجوبات هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتى

413

سبع وثمانين وثمان وثمانين منصور بن نوح ملك ما وراء النهر وفخر الدولة ملك الرى والجبال والعزيز العبيدى صاحب مصر وفيهم يقول أبو منصور عبدالملك الثعالبى
ألم ترمذ عامين أملاك عصرنا
يصيح بهم للموت والقتل صائح


فنوح بن منصور طوته يد الردى
على حسرات ضمنها الجوانح


ويابؤس منصور ففى يوم سرخس
تمزق عنه ملكه وهو طائح


وفرق عنه الشمل بالسمل واغتدى
أميرا ضريرا تعتريه الجوائح


وصاحب مصر قد مضى بسبيله
ووالى الجبال غيبته الضرائح


وصاحب جرجانية في ندامة
ترصده طرف من الحين طامح


وخوارزم شاه شاه وجهه نعيمه
وعن له يوم من النحس طالح


وكان علا في الأرض يخطبها أبو
على الى أن طوحته الطوئح


وصاحب بست ذلك الضيغم الذى
براثنه للمشرقين مفاتح


أناخ به من صدمه الدهر كلكل
فلم تغن عنه والمقدر سانح


جيوش إذا أربت على عدد الحصى
تغص بها قيعانها والصحاصح


ودارت على صمصام دولة بويه
دوائر سوء سلبهن فوادح

وقد جاز والىالجوزجان قناطر الحياة فوافته المنايا الطوامح وذكر الذهبى أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست وثمانين وفتحت له زيادة على آبائه حمص حماة وحلب وخطب له بالموصل وباليمن وضرب اسمه فيها على السكة والأعلام وقام بالأمر بعده ابنه منصور ولقب الحاكم بأمر الله وفي سنة تسعين ظهر بسجستان معدن ذهب فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر

414

وفي سنة ثلاث وتسعين أمر نائب دمشق الأسودالحاكمى بمغربى فطيف به على حمار ونودى عليه هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر ثم ضرب عنقه رحمه الله ولا رحم قاتله ولا أستاده الحاكم وفي سنة اربع وتسعين قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوى قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين وكتب له من شيراز العهد فلم ينظر في القضاء لامتناع القادر من الإذن له وفي سنة خمس وتسعين قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبرا وأمر بكتب سب الصحابة على ابواب المساجد والشوارع وأمر العمال بالسب وفيها أمر بقتل الكلاب وأبطل الفقاع والملوخيا ونهى عن السمك الذى لا قشر له وقتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه وفي سنة ست وتسعين أمر الناس بمصر والحرمين إذا ذكر الحاكم ان يقوموا ويسجدوا في السوق وفي مواضع الاجتماع وفي سنة ثمان وتسعين وقعت فتنة بين الشيعة واهل السنة في بغداد وكاد الشيخ أبو حامد الإسفراينى يقتل فيها وصاح الرافضة ببغداد يا حاكم يا منصور فأحفظ القادر من ذلك وانفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة اهل السنة فانكسر الروافض وفيها هدم الحاكم بيعة قمامة التى بالمقدس وامر بهدم جميع الكنائس التى بمصر وامر النصارى بأن تحمل في أعناقهم الصلبان طول الصليب ذراع ووزنه خمسة ارطال بالمصري واليهود ان يحملوا في أعناقهم قرم الخشب في زنة الصلبان وان يلبسوا العمائم السود فأسلم طائفة منهم ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع والكنائس واذن لمن أسلم ان يعود إلى دينه لكونه مكرها وفي سنة تسع وتسعين عزل أبو عمرو قاضى البصرة وولى القضاء أبو الحسن ابن ابى الشوارب فقال العصفرى الشاعر

415


عندى حديث طريف
بمتله يتغنى


عن قاضيين يعزى
هذا وهذا يهنى


وذا يقول حيرانا
وذا يقول استرحنا


ويكذبان جميعا
ومن يصدق منا

وفيها وهى سلطان بنى أمية بالأندلس وانخرم نظامهم وفي سنة اربعمائة نقصت دجلة نقصانا لم يعهد واكتريت لأجل جزائر ظهرت ولم يكن قبل ذلك قط وفي سنة اثنتين نهى الحاكم عن بيع الرطب وحرقه وعن بيع العنب وأباد كثيرا من الكروم وفي سنة أربع منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا واستمر ذلك إلى ان مات وفي سنة إحدى عشرة قتل الحاكم لعنه الله بحلوان قرية بمصر وقام بعده ابنه على ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله وتضعضعت دولتهم في أيامه فخرجت عنهم حلب واكثر الشام وفي سنة اثنتين وعشرين توفى القادر بالله ليلة الاثنين الحادي عشر من ذى الحجة عن سبع وثمانين سنة ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة اشهر وممن مات في أيامه من الأعلام أبو أحمد العسكرى الأديب والرمانى النحوى وابو الحسن الماسرجسى شيخ الشافعية وابو عبيد الله المرزبانى والصاحب بن عباد وهو وزير مؤيد الله وهو أول من سمى بالصاحب من الوزراء والدارقطنى الحافظ المشهور وابن شاهين وابو بكر الأودنى إمام الشافعية ويوسف بن السيرافى وابن زولاق المصري وابن أبى زيد المالكى شيخ المالكية وأبو طالب المكى صاحب قوت القلوب وابن بطة

416

الحنبلى وابن سمعون الواعظ والخطابى والحاتمى اللغوى والأدفوى ابو بكر وزاهر السرخسى شيخ الشافعية وابن غلبون المقرىء والكشميهنى رواى الصحيح والمعافى بن زكريا النهروانى وابن خويز منداد وابن جنى والجوهرى صاحب الصحاح وابن فارس صاحب المجمل وابن منده الحافظ والإسماعيلي شيخ الشافعية واصبغ بن الفرج شيخ المالكية وبديع الزمان أول من عمل المقامات وابن لال وابن ابى زمنين وابو حيان التوحيدى والوأواء الشاعر والهروى صاحب الغريبين وأبو الفتح البستى الشاعر والحليمى شيخ الشافعية وابن الفارض وأبو الحسن القابسى والقاضى أبو بكر الباقلانى وابو الطيب الصعلوكى وابن الأكفانى وابن نباته صاحب الخطب والصيمرى شيخ الشافعية والحاكم صاحب المستدرك وابن كج والشيخ أبو حامد الإسفراينى وابن فورك والشريف الرضى وأبو بكر الرازى صاحب الألقاب والحافظ عبدالغنى بن سعيد وابن مردويه وهبة الله بن سلامة الضرير المفسر وابو عبد الرحمن السلمى شيخ الصوفية وابن البواب صاحب الخط وعبدالجبار المعتزلى والمحاملى امام الشافعية وأبو بكر القفال شيخ الشافعية والأستاذ ابو إسحاق الإسفراينى واللالكائى وابن الفخار عالم الأندلس وعلى بن عيسى الربعى النحوى وخلائق أخرون قال الذهبى كان في هذا العصر رأس الأشعرية ابو إسحاق الإسفراينى ورأس المعتزلة القاضى عبدالجبار ورأس الرافضة الشيخ المقتدر ورأس الكرامية محمد بن الهيصم ورأس القراء ابو الحسن الحمامى ورأس المحدثين الحافظ عبدالغنى بن سعيد ورأس الصوفية ابو عبدالرحمن السلمى ورأس الشعراء أبو عمر بن دراج ورأس المجودين ابن البواب ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين قلت ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله ورأس اللغويين

417

الجوهرى ورأى النحاة ابن جنى ورأس البلغاء البديع ورأس الخطباء ابن نباتة ورأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابورى ورأس الخلفاء القادر بالله فإنه من أعلامهم تفقه وصنف وناهيك بأن الشيخ تقى الدين ابن الصلاح عده من الفقهاء الشافعية وأورده في طبقاتهم ومدته في الخلافة من أطول المدد القائم بأمر الله أبو جعفر القائم بأمر الله أبو جعفر عبدالله بن القادر ولد في نصف ذى القعدة سنة إحدى وتسعين وثلثمائة وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدر الدجى وقيل قطر الندى ولى الخلافة عند موت أبيه في يوم الإثنين الحادى عشر من ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وكان ولى عهده في الحياة وهو الذي لقبه بالقائم بأمر الله قال ابن الأثير كان جميلا مليح الوجه أبيض مشربا حمرة حسن الجسم ورعا دينا زاهدا عالما قوى اليقين بالله تعالى كثير الصدقة والصبر له عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة مؤثرا للعدل والإحسان وقضاء الحوائج لا يرى المنع من شىء طلب منه قال الخطيب ولم يزل أمر القائم بأمر بالله مستقيما إلى ان قبض عليه في سنة خمسين وأربعمائة وكان السبب في ذلك أن ارسلان التركى المعروف بالبساسيرى كان قد عظم أمره واستفحل شأنه لعدم نظرائه وانتشر ذكره وتهيبته امراء العرب والعجم ودعى له على المنابر وجبى الأموال وخرب القرى

418

ولم يكن القائم يقطع أمرا دونه ثم صح عنده سوء عقيدته وبلغه انه عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة فكاتب الخليفة ابا طالب محمد ابن مكيال سلطان الغز المعروف بطغرلبك وهو بالرى يستنهضه في القدوم ثم احرقت دار البساسيرى وقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين فذهب البساسيرى إلى الرحبة وتلاحق به خلق من الأتراك وكاتب صاحب مصر فأمده بالأموال وكاتب تبال أخا طغرلبك واطمعه بمنصب أخيه فخرج تبال واشتغل به طغرلبك ثم قدم البساسيرى بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية ووقع القتال بينه وبين الخليفة ودعى لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور وزيد في الأذان حى على خير العمل ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة ودام القتال شهرا ثم قبص البساسيرى على الخليفة في ذى الحجة وسيره إلى غابة وحبسه بها واما طغرلبك فظفر بأخيه وقتله ثم كاتب متولى غابة في رد الخليفة إلى داره مكرما فحصل الخليفة في مقر عزة في الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة إحدى وخمسين ودخل بأبهة عظيمة والأمراء والحجاب بين يديه وجهز طغرلبك جيشا فحاربوا البساسيرى فظفروا به فقتل وحمل رأسه إلى بغداد ولما رجع الخليفة إلى داره لم ينم بعدها إلا على فراش مصلاه ولزم الصيام والقيام وعفا عن كل من آذاه ولم يسترد شيئا مما نهب من قصره إلا بالثمن وقال هذه أشياء احتسبناها عند الله ولم يضع رأسه بعدها على مخدة

419

ولما نهب قصره لم يوجد فيه شىء من آلات الملاهى وروى انه لما سجنه البساسيرى كتب قصته وأنفذها إلى مكة فعلقت في الكعبة فيها إلى الله العظيم من المسكين عبده اللهم إنك العالم بالسرائر المطلع على الضمائر اللهم إنك غنى بعلمك وإطلاعك على خلقك عن إعلامى هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها وألغى العواقب وما ذكرها اضغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا وأساء إلينا عتوا وعدوا اللهم قل الناصر واعتز الظالم وأنت المطلع العالم المنصف الحاكم بك نعتز عليه وإليك نهرب من بين يديه فقد تعزز علينا بالمخلوقين ونحن نعتز بك وقد حاكمناه إليك وتوكلنا في أنصافنا منه عليك ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وانت خير الحاكمين وفي سنة ثمان وعشرين مات الظاهر العبيدي صاحب مصر واقيم ابنه المستنصر بعده وهو ابن سبع سنين فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة اشهر قال الذهبى ولا أعلم احدا في الإسلام لا خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدة وفي أيامه كان الغلاء بمصر الذى ما عهد مثله منذ زمان يوسف فأقام سبع سنين حتى اكل الناس بعضهم بعضا وحتى قيل أنه بيع رغيف بخمسين دينارا وفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع المعز بن باديس الخطبة للعبيدي بالمغرب وخطب لبنى العباس وفي سنة إحدى وخمسين كان عقد الصلح بين السلطان إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وبين السلطان جفرى بك بن سلجوق

420

أخى طغرلبك صاحب خراسان بعد حروب كثيرة ثم مات جغرى بك في السنة واقيم مكانه ابنه ألب ارسلان وفي سنة اربع وخمسين زوج الخليفة ابنته لطغرلبك بعد أن دافع بكل ممكن وانزعج واستعفى ثم لان لذلك برغم منه وهذا أمر لم ينله احد من ملوك بنى بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم قلت والآن زوج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان فضلا عن السلطان فإنا الله وإنا إليه راجعون ثم قدم طغرلبك في سنة خمس وخمسين فدخل بابنة الخليفة واعاد المواريث والمكوس وضمن بغداد بمائة وخمسين الف دينار ثم رجع إلى الرى فمات بها في رمضان فلا عفا الله عنه وأقيم في السلطنة بعده ابن اخيه عضد الدولة الب أرسلان صاحب خراسان وبعث إليه القائم بالخلع والتقليد قال الذهبى وهو أول من ذكر بالسلطان على منابر بغداد وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك وافتتح بلادا كثيرة من بلاد النصارى واستوزر نظام الملك فأبطل ما كان عليه الوزير قبله عميد الملك من سب الشعرية وانتصر للشافعية واكرم إمام الحرمين وأبا القاسم القشيرى وبنى النظامية قيل وهى اول مدرسة بنيت للفقهاء وفي سنة ثمان وخمسين ولدت بباب الأزج صغيرة لها رأسان ووجهان ورقبتان على بدن واحدد وفيها ظهر كوكب كأنه دارة القمر ليلة تمامه بشعاع عظيم وهال الناس ذلك وأقام عشر ليال ثم تناقص ضوؤه وغاب وفي سنة تسع وخمسين فرغت المدرسة النظامية ببغداد وقرر لتدريسها الشيخ أبو أسحاق الشيرازى فاجتمع الناس فلم يحضر واختفى فدرس

421

ابن الصباغ صاحب الشامل ثم تلطفوا بالشيخ ابى إسحاق حتى اجاب ودرس وفي سنة ستين كانت بالرملة الزلزلة الهائلة التى خربتها حتى طلع الماء من رؤس الأبار وهلك من أهلها خمسة وعشرون الفا وابعد البحر عن ساحله مسيرة يوم فنزل الناس إلى ارضه يلتقطون السمك فرجع الماء عليهم فأهلكهم وفي سنة إحدى وستين احترق جامع دمشق وزالت محاسنه وتشوه منظره وذهبت سقوفه المذهبة وفي سنة اثنتين وستين ورد رسول امير مكة على السلطان الب ارسلان بأنه اقام الخطبة العباسية وقطع خطبة المستنصر المصري وترك الأذان بحى على خير العمل فأعطاه السلطان ثلاثين الف دينار وخلعا وسبب ذلك ذلة المصريين بالقحط المفرط سنين متوالية حتى اكل الناس الناس وبلغ الإردب مائة دينار وبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاث دنانير وحكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مد جوهر فقالت من يأخذه بمد بر فلم يلتفت إليها احد وقال بعضهم يهنىء القائم
وقد علم المصرى ان جنوده
سنو يوسف فيها وطاعون عمواس


أقامت به حتى استراب بنفسه
وأوجس منها خيفة أي إيجاس

وفي سنة ثلاث وستين خطب بحلب للقائم للسلطان الب ارسلان لما رأوا قوة دولتهما وإدبار دولة المنتصر وفيها كانت وقعة عظيمة بين الإسلام والروم ونصر المسلمون ولله

422

الحمد ومقدمه السلطان ألب أرسلان واسر ملك الروم ثم أطلقه بمال جزيل وهادنه خمسين سنة ولما أطلق قال للسلطان اين جهة الخليفة فأشار له فكشف رأسه وأومأ إلى الجهة بالخدمة وفي سنة اربع وستين كان الوباء في الغنم إلى الغاية وفي سنة خمس وستين قتل السلطان الب أرسلان وقام في الملك بعده ولده ملكشاه ولقب جلال الدولة ورد تدبير الملك إلى نظام الملك ولقبه الأتابك وهو أول من لقبه ومعناه الأمير الوالد وفيها اشتد الغلاء بمصر حتى أكلت امرأة رغيفا بألف دينار وكثر الوباء إلى الغاية وفي سنة ست وستين كان الغرق العظيم ببغداد وزادت دجلة ثلاثين ذراعا ولم يقع مثل ذلك قط وهلكت الأموال والأنفس والدواب وركبت الناس في السفن وأقيمت الجمعة في الطيار على وجه الماء مرتين وقام الخليفة يتضرع إلى الله وصارت بغداد ملقة واحدة وانهدم مائة الف دار أو أكثر وفي سنة سبع وستين مات الخليفة القائم بأمر الله ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان وذلك أنه افتصد ونام فانحل موضع الفصد وخرج منه دم كثير فاستيقظ وقد انحلت قوته فطلب حفيده ولى العهد عبدالله بن محمد ووصاه ثم توفى ومدة خلافته خمس وأربعون سنة مات في أيامه من الأعلام أبو بكر البرقانى وأبو الفضل الفلكى والثعلبى المفسر والقدورى شيخ الحنفية وابن سينا شيخ الفلاسفة ومهيار الشاعر وأبو نعيم صاحب الحلية وأبو زيد الدبوسى والبرادعى المالكى صاحب التهذيب وأبو الحسين البصرى المعتزلى ومكى صاحب الإعراب والشيخ ابو محمد الجوينى والمهدوى صاحب التفسير والإفليلى

423

والثمانيني وأبو عمرو الدانى والخليل صاحب الإرشاد وسليم الرازى وأبو العلاء المعري وأبو عثمان الصابونى وابن بطال شارح البخاري والقاضى أبو الطيب الطبري وابن شيطا المقرىء والماوردى الشافعى وابن باب شاذ والقضاعى صاحب الشهاب وابن برهان النحوى وابن حزم الظاهرى والبيهقى وابن سيده صاحب المحكم وأبو يعلى بن الفراء شيخ الحنابله والحضرمى من الشافعية والهذلى صاحب الكامل في القراءات والفريابي والخطيب والبغدادي وابن رشيق صاحب العمدة وابن عبدالبر المقتدي بأمر الله أبو القاسم المقتدى بأمر الله ابو القاسم عبدالله بن محمد بن القائم بأمر الله مات ابوه في حياة القائم وهو حمل فولد بعد وفاة ابيه بستة أشهر وأمه أم ولد اسمها أرجوان وبويع له بالخلافة عند موت جده وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وكانت البيعة بحضرة الشيخ أبى إسحاق الشيرازى وابن الصباغ والدامغانى وظهر في أيامه خيرات كثيرة وآثار حسنة في البلدان وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه ومن محاسنه انه نفى المغنيات والخواطى ببغداد وأمر أن لا يدخل احد الحمام إلا بمئزر وخرب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس وكان دينا خيرا قوى النفس عالى الهمة من نجباء بنى العباس وفي هذه السنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدى بمكة وفيها جمع نظام الملك المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم

424

وفي سنة ثمان وستين خطب للمقتدى بدمشق وأبطل الأذان بحى على خير العمل وفرح الناس بذلك وفي سنة تسع وستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبى القاسم القشيرى حاجا فوعظ بالنظامية وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة لأنه تكلم على مذهب الأشعرى وحط عليهم وكثر اتباعه والمتعصبون له فهاجت فتن وقتلت جماعة وعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدى لكونه شذ عن الحنابلة وفي سنة خمس وسبعين بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازى رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبى الفتح بن ابى الليث عميد العراق وفي سنة سبع وسبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد وارتفع الغلاء وفيها ولي الخليفة أبا الشجاع محمد بن الحسين الوزارة ولقبه ظهير الدين وأظن ذلك اول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين وفي سنة سبع وسبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقى صاحب قونية وأقصراءبجيوشه إلى الشام فأخذ أنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وارسل إلى السلطان ملكشاه يبشره قال الذهبى وآل سلجوق هم ملوك بلاد الروم وقد امتدت أيامهم وبقى منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس وفي سنة ثمان وسبعين جاءت ريح سوداء ببغداد بعد العشاء واشتد الرعد والبرق وسقط الرمل وتراب كالمطر ووقعت عدة صواعق في كثير من البلاد فظن الناس أنها القيامة وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر وقد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشى وأوردها في أماليه وفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدى يطلب أن يسلطنه وأن يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الخليفة الخلع

425

والأعلام والتقليد ولقبه بأمير المسلمين ففرح بذلك وسر به فقهاء المغرب وهو الذي أنشأ مدينة مراكش وفيها دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذى الحجة وهو أول من دخوله إليها فنزل بدار المملكة ولعب بالكرة وقد تقاوم الخليفة ثم رجع إلى اصبهان وفيها قطعت خطبة العبيدى بالحرمين وخطب للمقتدى وفي سنة إحدى وثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتين وقام مقامه ابنه جلال الدين مسعود وفي سنة ثلاث وثمانين عملت بغداد مدرسة لتاج الملك مستوفى الدولة بباب أبرز ودرس بها أبو بكر الشاشى وفي سنة أربع وثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية وهى أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين وحكم عليها آل الأغلب دهرا إلى أن استولى العبيدى المهدى على المغرب وفيها قدم السلطان ملكشاه بغداد وأمر بعمل جامع كبير بها وعمل الأمراء حوله دورا ينزلونها ثم رجع إلى أصبهان وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازما على الشر وأرسل إلى الخليفة يقول لا بد أن تترك لى بغداد وتذهب إلى أى بلد شئت فانزعج الخليفة وقال أمهلنى ولو شهرا قال ولا ساعة واحدة فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام فاتفق مرض السلطان وموته وعد ذلك كرامة للخليفة وقيل إن الخليفة جعل يصوم فإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه فاستجاب الله دعاءه وذهب إلى حيث ألقت ولما مات كتمت زوجته تركان خاتون موته وأرسلت إلى الأمراء سرا فاستحلفتهم لولده محمود وهو ابن خمس سنين فحلفوا له وأرسلت إلى المقتدى في أن يسلطنه فأجاب ولقبه ناصر الدنيا والدين ثم خرج عليه أخوه بركياروك بن ملكشاه فقلده الخليفة ولقبه ركن الدين وذلك في المحرم

426

سنة سبع وثمانين واربعمائة وعلم الخليفة على تقليده ثم مات الخليفة من الغد فجأة فقيل إن جاريته شمس النهار سمته وبويع لولده المستظهر وممن مات في ايام المقتدى من الأعلام عبدالقادر الجرجانى وابو الوليد الباجى والشيخ ابو إسحاق الشيرازى والأعلم النحوى وابن الصباغ صاحب الشامل والمتولى وإمام الحرمين والدامغانى الحنفى وابن فضالة المجاشعى والبزدوى شيخ الحنفية المستظهر بالله ابو العباس المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدى بالله ولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة وبويع له عند موت أبيه وله ست عشرة سنة وشهران قال ابن الأثير كان لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع في اعمال البر حسن الخط جيد التوقعات ولا يقاربه فيها احد ويدل على فضل غزير وعلم واسع سمحا جوادا محبا للعلماء والصلحاء ولم تصف له الخلافة بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب وفي هذه السنة من أيامه مات المستنصر العبيدى صاحب مصر وقام بعده ابنه المستعلى أحمد وفيها أخذت الروم بلنسية وفي سنة ثمان وثمانين قتل أحمدخان صاحب سمرقند لأنه ظهر منه الزندقة فقبض عليه الأمراء واحضروا الفقهاء فأتفقوا بقتله فقتل لا رحمه الله وملكوا ابن عمه وفي سنة تسع وثمانين اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب فأتاهم السيل غرق اكثرهم

427

وفي سنة تسعين قتل السلطان أرسلان ارغون بن ألب أرسلان السلجوقى صاحب خرسان فتملكها السلطان بركياروق ودانت له البلاد والعباد وفيها خطب للعبيدى بحلب وأنطاكية والمعرة وشيزر شهرا ثم اعيدت الخطبة العباسية وفيها جاءت الفرنج فأخذوا نيقية وهو أول بلد اخذوه ووصلوا إلى كفر طاب واستباحوا تلك النواحى فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم وانزعجت الملوك والرعية وعظم الخطب فقيل إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجىء إلى الشام ليملكوها وكثر النفير على الفرنج من كل جهة وفي سنة اثنتين وتسعين انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان وفيها اخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف وقتلوا به أكثر من سبعين الف منهم جماعة من العلماء والعباد والزهاد وهدموا المشاهد وجمعوا اليهود في الكنيسة واحرقوها عليهم وورد المستنفرون إلى بغداد فأوردوا كلاما أبكى العيون واختلفت السلاطين فتمكنت الفرنج من الشام واللأبيوردى في ذلك
مزجنا دماء بالدموع السواجم
فلم يبق منا عرصة للمراحم


وشر سلاح المرء دمع يفيضه
إذا الحرب شبت نارها بالصوارم


فإيها بني الإسلام إن وراءكم
وقائع يلحقن الذرى بالمناسم


أنائمة في ظل أمن وغبطة
وعيش كنوار الخميلة ناعم


وكيف تنام العين ملء جفونها
على هبوات أيقظت كل نائم


وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم
ظهور المذاكى أو بطون القشاعم


تسومهم الروم الهوان وأنتم
تجرون ذيل الخفض فعل المسالم



428


فكم من دماء قد ابيحت ومن دمى
توارى حياء حسنها بالمعاصم


بحيث السيوف البيض محمرة الظبا
وسمر العوالى داميات اللهازم


يكاد لهن المستجن بطيبة
ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم


أرى أمتى لا يشرعون إلى العدى
رماحهم والدين واهى الدعائم


ويجتنبون النار خوفا من الردى
ولا يحسبون العار ضربة لازم


أنرضى صناديد الأعراب بالأذى
وتغضى على ذل كماة الأعاجم


فليتهم إذا لم يذودوا حمية
عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم

وفيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق فانتصر عليه فقلده الخليفة ولقبه غياث الدنيا والدين وخطب له ببغداد ثم جرت بينهما عدة وقعات وفيها نقل المصحف العثمانى من طبرية إلى دمشق خوفا عليه وخرج الناس لتلقيه فآووه في خزانة بمقصورة الجامع وفي سنة أربع وتسعين كثر أمر الباطنية بالعراق وقتلهم الناس واشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم وقتلوا الخلائق منهم الرويانى صاحب البحر وفيها أخذ الفرنج بلد سروج وحيفا وأرسوف وقيسارية وفي سنة خمس وتسعين مات المستعلى صاحب مصر وأقيم بعده الآمر بأحكام الله منصور وهو طفل له خمس سنين وفي سنة ست وتسعين جرت فتن للسلطان فترك الخطباء الدعوة للسلطان واقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير وفي سنة سبع وتسعين وقع الصلح بين السلطانين محمد وبركياروق وسببه أن الحروب لما تطاولت بينهما وعم الفساد وصارت الأموال منهوبة والدماء مسفوكة والبلاد مخربة والسلطنة مطموعا فيها واصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين دخل العقلاء بينهما في الصلح وكتبت العهود والأيمان

429

والمواثيق وارسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق وأقيمت له الخطبة ببغداد وفي سنة ثمان وتسعين مات السلطان بركياروق فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه وقلده الخليفة وخطب له ببغداد وله دون خمس سنين فخرج عليه عمه محمد واجتمعت الكلمة عليه فقلده الخليفة وعاد إلى أصبهان سلطانا متمكنا مهيبا كثير الجيوش وفيها كان ببغداد جدرى مفرط مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون وتبعه وباء عظيم وفي سنة تسع وتسعين ظهر رجل بنواحى نهاوند فادعى النبوة وتبعه خلق فأخذ وقتل وفي سنة خمسمائة أخذت قلعة اصبهان التى ملكها الباطنية وهدمت وقتلوا وسلخ كبيرهم وحشى جلده تبنا فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد فالله الحمد وفي سنة إحدى وخمسمائة رفع السلطان الضرائب والمكوس ببغداد وكثر الدعاء له وزاد في العدل وحسن السيرة وفي سنة اثنتين عادت الباطنية فدحلوا شيرز على حين غفلة من اهلها فملكوها وملكوا القلعة وأغلقوا الأبواب وكان صاحبها خرج يتنزه فعاد وابادهم في الحال وقتل فيها شيخ الشافعية الرويانى صاحب البحر قتله الباطنية في بغداد كما تقدم وفي سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين وفي سنة اربع عظم بلاء المسلمين بالفرنج وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام وطلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة فهادنوا ثم غدروا لعنهم الله وفيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس حتى لا يبصر الرجل

430

يده ونزل على الناس رمل وايقنوا بالهلاك ثم تجلى قليلا وعاد إلى الصفرة وكان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب وفيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس نصر فيها المسلمون وقتلوا وأسروا وغنموا مالا يعبر عنه وبادت شجعان الفرنج وفي سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس فوقع بينهم معركة هائلة ثم رجع مودود إلى دمشق فصلى الجمعة يوما في الجامع وإذا بباطنى وثب عليه فجرحه فمات من يومه فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه وإن أمه قتلت عميدها في يوم عيد في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها وفي سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم غرق سنجار وسورها وهلك خلق كثير حتى إن السيل اخذ باب المدينة فذهب به عدة فراسخ واختفى تحت التراب الذي جره السيل وظهر بعد سنين وسلم طفل في سرير له حمله السيل فتعلق السرير بزيتونة وعاش وكبر وفيها مات السلطان محمد وأقيم بعده ابنه محمود وله اربع عشرة سنة وفي سنة اثنتى عشرة مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الأول فكانت مدته خمسا وعشرين سنة وغسله ابن عقيل شيخ الحنابلة وصلى عليه ابنه المسترشد وماتت بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدى قال الذهبي ولا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هذا رأت ابنها خليفة ثم ابن ابنها ثم ابن ابن ابنها ومن شعر المستظهر
أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا
لما مددت إلى رسم الوداع يدا


وكيف أسلك نهج اصطبار وقد
ارى طرائق في مهوى الهوى قددا



431


إن كنت أنقض عهد الحب ياسكنى
من بعد هذا فلا عاينتكم ابدا

وللصارم البطائحى مدحا
أصبحت بالمستظهر بن المقتدى
بالله ابن القائم ابن القادر


مستعصما أرجو نوال أكفه
وبأن يكون على العشيرة ناصرى


فيقر مع كبرى قرارى عنده
ويفوز من مدحى بشعر سائر

فوقع المستظهر بجائزتين بخير بين الصلة والانحدار والمقام والإدرار وقال السلفى قال لى ابو الخطاب بن الجراح صليت بالمستظهر في رمضان فقرأت إن ان ابنك سرق رواية رويناها عن الكسائى فبما سلمت قال هذه قراءة حسنة فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب مات في أيامه من الأعلام أبو المظفر السمعانى ونصر المقدسى وابو الفرج وشيذلة والرويانى والخطيب التبريزى والكيا الهراسى والغزالى والشاشى الذي صنف له كتاب الحلية وسماه المستظهرى والأبيوردى اللغوى المسترشد بالله ابو المنصور المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين واربعمائة وامه أم ولد وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتى عشرة وخمسمائة وكان ذاهمة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأى وهيبة شديدة ضبط امور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب واحيا رسم الخلافة ونشر عظامها وشيد اركان الشريعة وطرز اكمامها وباشر الحروب بنفسه وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى ان خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيرا إلى أذربيجان وقد سمع الحديث من ابى القاسم بن بيان وعبدالوهاب بن هبة الله السبتى وروى عنه محمد بن عمر بن مكى الأهوازى ووزيره على بن طراد وإسماعيل بن طاهر الموصلى

432

ذكر ذلك ابن السمعانى وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية ناهيك بذلك فقال هو الذي صنف له ابو بكر الشاشى كتابة العمدة في الفقه وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدنيا والدين وذكره ابن السبكى في طبقات الشافعية وقال كان في أول أمره تنسك ولبس الصوف وانفرد في بيت للعبادة وكان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة وخطب له ابوه بولاية العهد ونقش أسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وكافي مليح الخط ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله يستدرك على كتابه ويصلح اغاليط في كتبهم وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشمس ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى ان خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق وانكسر واخذ ورزق الشهادة وقال الذهبي مات السلطان محمود بن محمد ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه فخرج عليه عمه مسعود بن محمد فاقتتلا ثم اصطلحاعلى الاشتراك بينهما ولكل مملكة وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود وخلع عليهما ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود فخرج لقتاله فلتقى الجمعان وغدر بالخليفة أكثر عسكره فظفر مسعود وأسر الخليفة وخواصه فحبسهم بقلعة بقرب همذان فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا في الأسواق التراب على رؤوسهم وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة ومنعوا الصلوات والخطبة قال ابن الجوزى وزلزلت بغداد مرار كثيرة ودامت كل يوم خمس مرات أو ستا والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل الأرض بين يديه ويسأله العفو والصفح ويتنصل غاية

433

التنصل فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية مالا طاقة لنا بسماع مثلها فضلا عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل ودام ذلك عشرين يوما وتشويش العساكر وانقلاب البلدان ولقد خفت على نفسى من جانب الله وظهور آياته وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع ومنع الخطباء مالا طاقة لى بحمله فالله الله تتلاقى أمرك وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عاداتنا وعادة آبائنا ففعل مسعود جميع ما أمره به وقبل الأرض بين يدي الخليفة ووقف يسأل العفو ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه العسكر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى مقر عزه فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية فذكر أن مسعودا ما علم بهم وقيل بل علم بهم وقيل بل هو الذى دسهم فهجموا على الخليفة في خيمته ففتكوا به وقتلوا جماعة من أصحابه فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله وجلس السلطان للعزاء واظهر المساءة بذلك ووقع النحيب والبكاء وجاء الخبر إلى بغداد فاشتد ذلك على الناس وخرجوا حفاة مخرقين الثياب والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثى لأن المسترشد كان محببا فيهم ببره ولما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم وكان قتل المسترشد رحمه الله بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذى القعدة سنة تسع وعشرين ومن شعره
أنا الأشقر المدعو في الملاحم
من يملك الدنيا بغير مزاحم


ستبلغ أرض الروم خيلى وتنتضى
بأقصى بلاد الصين بيض صوارمى

ومن شعره لما أسر

434


ولاعجبا للاسد إن ظفرت بها
كلاب الاعادي من فصيح وأعجم


فحربة وحشى سقت حمزة الردى
وموت علي من حسام ابن ملجم

وله لما كسر وأشير عليه بالهزيمة فلم يفعل وثبت حتى أسر
قالوا تقيم وقد أحا ط بك العدو ولا تفر
فأجبتهم المرء ما لم يتعظ بالوعظ غر


لانلت خيرا ما حييت ولاعداني الدهر شر
إن كنت أعلم أن غير الله ينفع أو يضر

قال الذهبي وقد خطب بالناس يوم عيد أضحى فقال الله أكبر ما سبحت الأنواء وأشرق الضياء وطلعت ذكاء وعلت على الأرض السماء الله أكبر همي سحاب ولمع سراب وانجح طلاب وسر قادما إياب وذكر خطبة بليغة ثم جلس ثم قام فخطب وقال اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما وليتني وأوزعني شكر نعمتك ووفقني وانصرني فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده
عليك سلام الله ياخير من علا
على منبر قد حف أعلامه النصر


وأفضل من أم الأنام وعمهم
بسريته الحسنى وكان له الأمر


وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا
ومن جده من أجله نزل القطر


لقد شنفت أسماعنا منك خطبة
وموعظة فصل يلين لها الصخر


ملأت بها كل القلوب مهابة
فقد رجفت من خوف تخويفها مصر


وزدت بها عدنان مجدا مؤثلا
فأضحى بها بين الأنام لك الفخر


وسدت بني العباس حتى لقد غدا
يباهي بك السجاد والعالم البحر


وفلله عصر أنت فيه إمامنا
ولله دين أنت فيه لنا الصدر


بقيت على الأيام والملك كلما
تقادم عصر أنت فيه أتى عصر



435


واصبحت بالعيد السعيد مهنأ
تشرفنا فيه صلاتك والنحر

وقال وزيرة جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه
وجدت الورى كالماء طعما ورقة
وأن أمير المؤمنين زلالة


وصورت معنى العقل شخصا مصورا
وأن أمير المؤمنين مثاله


ولولا مكان الدين والشرع والتقى
لقلت من الإعظام جل جلاله

وفي سنة اربع وعشرين من ايامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع ودورا كثيرة وفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحكام الله منصور عن غير عقب وقام بعده ابن عمه الحافظ عبدالمجيد بن محمد بن المنتصر وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان وخاف الناس منها وقد قتلت جماعة أطفال وممن مات في ايام المسترشد من الأعلام شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنفية وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وقاضي القضاة أبو الحسن الدمغاني وابن بليمة المقرئ والطغرائي صاحب لامية العجم وأبوعلي الصدفي الحافظ وأبو نصر القشيري وابن القطاع اللغوي ومحي السنة البغوي وابن الفحام المقرئ والحريري صاحب المقامات والميداني صاحب الأمثال وأبو الوليد بن رشد المالكي والإمام أبو بكر الطرطوشي وأبو الحجاج السرقسطي وابن السيد البطليوسي وأبو علي الفارقي من الشافعية وابن الطراوة النحوي وابن الباذش وظافر الحداد الشاعر وعبدالغفار الفارسي وخلائق آخرون

436

بالله أبو جعفر الراشد بالله ابو جعفر منصور بن المسترشد ولد في سنة اثنتين وخمسائة وامه أم ولد ويقال إنه ولد مسدودا فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب ففعل به ذلك فنفع وخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين وكان فصيحا أديبا شاعرا شجاعا سمحا جوادا حسن السيرة يؤثر العدل ويكره الشر ولما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك هل تصح إمامته وهل إذا ثبت فسقه يجوز للسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه فأفتوا بجواز خلعه وحكم بخلعه [ أبوطاهر ] بن الكرخي قاضي البلد وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفى لأمر الله وذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين وبلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد آذربيجان وكان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا وعاثوا هناك ومضوا إلى همدان وافسدوا بها وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين وحلقوا لحى جماعة من العلماء ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها ونهبوا الفرى ومرض الراشد بظاهر اصبهان مرضا شديدا فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم وذلك في سادس عشر

437

رمضان سنة اثنتين وثلاثين وجاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوما واحدا قال العماد الكاتب كان للراشد الحسن اليوسفي والكرم الحاتمي قال ابن الجوزي وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون إن كل سادس يقوم للناس يخلع فتأملت هذا فرأيته عجبا قلت وقد سقت بقية كلامه في الخطبة ولم تؤخذ البردة والقضيب من الراشد حتى قتل فأحضرا بعد قتله إلى المقتفى المقتفى لأمر الله أبو عبيدالله المقتفى لأمر الله أبو عبدالله محمد بن المستظهر بالله ولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأمه حبشية وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه وعمره أربعون سنه وسبب تلقيبه بالمقتفى أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول له سيصل هذا الأمر إليك فاقتف لأمر الله فلقب المقتفى لأمر الله وبعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد فأخذ جميع مافي دار الخلافة من دواب وأثاث وذهب وستور وسرادق ولم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة افراس وثمانية أبغال برسم الماء فيقال إنهم بايعوا المقتفى على أن لايكون عنده خيل ولا آلة سفر ثم في سنة إحدى وثلاثين أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة ولم يترك له إلا العقار الخاص وأرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار فقال المقتفى ما رأينا أعجب من أمرك أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله

438

فجرى ما جرى وأن الراشد ولى ففعل مافعل ورحل وأخذ ما تبقى ولم يبق إلا الأثاث فأخذته كله وتصرفت في دار الضرب وأخذت التركات والجوالي فمن أي وجه نقيم لك هذا المال وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلمها فإني عاهدت الله أن لا آخذ من المسلمين حبة ظلما فترك السطان الأخذ من الخليفة وعاد إلى جباية الأملاك من الناس وصادر التجار فلقي الناس من ذلك شدة ثم في جمادي الأولى أعيدت بلاد الخليفة معاملاته والتركات إليه وفي هذه السنة رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة فلما أمسوا رقبوا الهلال فما رأوه أيضا وكانت السماء جليلة صاحية ومثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ وفي سنة ثلاث وثلاثين كان ببحترة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها فأهلكت خلائق ثم خسف ببحترة وصار مكان البلد ماء أسود وفيها استولى الأمراء على مغلات البلاد وعجز السلطان مسعود ولم يبق له إلا الاسم وتضعضع أيضا أمر السلطان سنجر فسبحان مذل الجبابرة وتمكن الخليفة المفتفى وزادت حرمته وعلت كلمته وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية فلله الحمد وفي سنة إحدى وأربعين قدم السلطان مسعود بغداد وعمل دار ضرب فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب فقبض مسعود على حاجب الخليفة فغضب الخليفة وغلق الجامع والمساجد ثلاثة أيام ثم اطلق الحاجب فأطلق الضراب وسكن الأمر وفيها جلس أبن العبادي الواعظ فحضر السلطان مسعود وتعرض بذكر مكس البيع وماجرى على الناس ثم قال ياسلطان العالم أنت تهب في ليلة

439

لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين فاحسبني ذلك المطرب وهبه لي واجعله شكرا لله بما أنعم عليك فأجاب ونودي في البلد بإسقاطه وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس وبين يديه الدباب والبوقات وسمرت ولم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح وقال مالنا حاجة بآثار الأعاجم وفي سنة ثلاث وأربعين حاصرت الفرنج دمشق فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي وهو صاصب حلب يؤمئذ وأخوه غازي صاحب الموصل فنصر المسلون والله الحمد وهزم الفرنج واستمر نور الدين في قتال الفرنج وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين وفي سنة اربع وأربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين الله واقيم ابنه الظافر إسماعيل وفيها جاءت زلزلة عظيمة وماجت بغداد نحو عشر مرات وتقطع منه جبل بحلوان وفي سنة خمس وأربعين جاء باليمن بمطر كله دم وصارت الآرض مرشوشة بالدم وبقي اثره في ثياب الناس وفي سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود قال ابن هبيرة وهو وزير المقتفى لما تطاول على المقتفى أصحاب مسعود وأساؤا الأدب ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة اتفق الرأي على الدعاء عليه على الدعاء عليه شهرا كما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رعل وذكوان شهرا فبتدأ هو والخليفة سر كل واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع وعشرين من جمادي الأولى واستمر الأمر كل ليلة فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره ولم يزد على الشهر يوما ولا نقص يوما

440

واتفق العسكر على سلطنة ملكشاة وقام بأمره خاصبك ثم أن خاصبك قبض على ملكشاة وطلب أخاه محمدا من خوزستان فجاءه فسلم إليه السلطنة وأمر الخليفة حينئذ ونهى ونفذ كلمته وعزل من كان السلطان ولاه مدرسا بالنظامية وبلغه أن في نواحي واسط تخبطا فسار بعسكره ومهد البلاد ودخل الحلة والكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيدا منصورا وزينت بغداد وفي سنة ثمان وأربعون خرجت الغز على السلطان سنجر وأسروه وأذاقوه الذل وملكوا بلاده وبقوا الخطبة باسمه وبقي معهم صورة بلا معنى وصار يبكي على نفسه وله اسم السلطنة وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته وفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبيا صغيرا ووهى أمر المصريين فكتب المقتفى عهدا لنور الدين محمود بن زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لايفتر من الجهاد وكان تملك دمشق في صفر من هذا العام وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته فبعث إليه المقتفى تقليدا وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه بالملك العادل وعظم سلطان المقتفى واشتدت شوكته واستظهر على المخالفين وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره ولم يزل أمره في تزايد وعلوا إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة قال الذهبي كان المقتفى من سروات الخلفاء عالما أديبا شجاعا حليما دمث الأخلاق كامل السودد خليقا للإمامة قليل المثل في الأئمة لايجرى في دولته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه وكتب في خلافته ثلاث ربعات وسمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن ابي الفرج بن السني قال ابن السمعاني وسمع جزء ابن عرفة مع أخيه المسترشد من ابي القاسم

441

ابن بيان روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه والوزير أبن هبيرة وزيره وغيرهما وقد جدد المقتفى بابا للكعبة واتخذ من العقيق تابوتا لدفنه وكان محمود السيرة مشكور الدولة يرجع إلى دين وعقل وفضل ورأي وسياسة جدد معالم الإمامة ومهد رسوم الخلافة وباشر الأمور بنفسه وغزا غير مرة وامتدت أيامه وقال أبو طالب عبدالرحمن بن محمد بن عبدالسميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية كانت أيام المقتفى نضرة بالعدل زاهرة بفعل الخيرات وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه وكان في أول أمره متشاغلا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته مع ماخص به من زهده وورعه وعبادته ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت وقال ابن الجوزي من أيام المقتفى عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق له منازع وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خرسان والسلطان نور الدين محمود صاحب الشام وكان جوادا كريما محبا للحديث وسماعه معتنيا بالعلم مكرما لأهله قال ابن السمعاني حدثنا أبو منصور الجواليقي حدثنا المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين حدثنا أبو البركات أحمد بن عبدالوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني حدثنا المخلص حدثنا إسماعيل الوراق حدثنا حفص بن عمرو الربالي حدثنا أبو سحيم حدثنا عبدالعزيز بن صهيب عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لايزداد الأمراء إلا شدة ولا الناس إلا شحا ولاتقوم الساعة إلا على شرار الناس

442

ولما عاد المقتفى الإمام أبا منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلى به دخل عليه فما زاد على أن قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائما فقال ماهكذا يسلم على أمير المؤمنين ياشيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحديث ثم قال يا امير المؤمنين لو حلف حالف ان نصرانيا او يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفى صدقت واحسنت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه وممن مات في ايام المقتفى من الأعلام ابن الأبرش النحوي ويونس بن غيث وجمال الإسلام بن المسلم الشافعي وأبو القاسم الأصفهاني صاحب الترغيب وابن برجان والمازري المالكي صاحب كتاب المعلم [ بفوائد مسلم ] والزمخشري والرشاطي صاحب الأنساب والجواليقي وهو إمامه وابن عطيه صاحب التفسير وأبو السعادات ابن الشجري والإمام ابو بكر ابن العربي وناصح الدين الرجاني الشاعر والقاضي عياض والحافظ أبو الوليد بن الدباغ وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري وابن علام الفرس المقرئ والرفاء الشاعر والشهر ستاني صاحب الملل والنحل والقيسراني الشاعر ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي وابو الفضل بن ناصر الحافظ وأبو الكرم الشهرزورى المقرئ والوأواء الشاعر وابن الجلاء إمام الشافعية وخلائق آخرون المستنجد بالله ابو الظفر المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى ولد سنة ثمان عشرة وخمسائة وأمه أم ولد كرجية اسمها طاوس خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين

443

وبويع له يوم موت أبيه وكان موصوفا بالعدل والرفق أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا وكان شديدا على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضره رجل وبذل في عشرةآلاف دينار فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره عن الناس قال ابن الجوزي وكان المستنج موصوفا بالفهم الثاقب والرأي الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر له نظم بديع ونثر بليغ ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب وغير ذلك ومن شعره
عيرتني بالشيب وهو وقار
ليتها عيرت بما هو عار


إن تكن شابت الذوائب مني
فالليالي تزينها الأقمار

وله في بخيل
وباخل أشعل في بيته
تكرمه منه لنا شمعة


فما جرت من عينها دمعة
حتى جرت من عينه دمعة

وله في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين
صفت نعمتان خصتاك وعمتا
بذكرهما حتى القيامة تذكر


وجودك والدنيا إليك فقيرة
وجودك والمعروف في الناس منكر


فلو رام يحيى مكانك جعفر
ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر


ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا
المظفر إلا كنت انت المظفر

مات في ثمان ربيع الآخر سنة ست وستين وكان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر وقام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد وفي سنة اثنتين وستين جهز السلطان نور الدين الأمير اسد الدين شيركوه

444

في ألفى فارس إلى مصر فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين فاستنجد صاحبها بالفرنج فدخلوا من دمياط لنجدته فرحل أسد الدين إلى الصعيد ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه وقتل من الفرنج ألوفا ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد وقصد الفرنج الإسكندرية وقد اخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو ابن أخ أسد الدين فحاصروها اربعة أشهر فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام وفي سنة أربع وستين قصدت الفرنج الديار المصرية في جيش عظيم فملكوا بلبيس وحاصروا القاهرة فأحرقها صاحبها خوفا منهم ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به فجاء أسد الدين بجيوشه فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله ودخل أسد الدين فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة وخلع عليه فلم يلبث اسد الدين ان مات بعد خمسة وستين يوما فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب وقلده الأمور ولقبه الملك الناصر فقام بالسلطنة أتم قيام ومن اخبار المستنجد قال الذهبى ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض وكان يرى ضوؤها على الحيطان وممن مات في أيامه من الأعلام الديلمى صاحب مسند الفردوس والعمرانى صاحب البيان من الشافعية وابن البزرى شافعى أهل الجزيرة والوزير ابن هبيرة والشيخ عبدالقادر الجيلى والإمام أبو سعيد السمعانى وأبو النجيب السهروردى وابو الحسن بن هذيل المقرىء وآخرون المستضىء بأمر الله الحسن المستضىء بأمر الله الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله ولد سنة ست وثلاثين

445

وخمسمائة وأمه أم ولد أرمنية اسمها غضة بويع له بالخلافة يوم موت أبيه قال ابن الجوزى فنادى برفع المنكوس ورد المظالم وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في اعمارنا وفاق مالا عظيما على الهاشمين والعلوين والعلماء والمدارس ولربط وكان دائم البذل للمال وليس له عنده وقع ذا حلم وأناه ورأفة ولما استخلف خلع على ارباب الدولة وغيرهم فحكى خياط المخزن أنه فصل الفا وثلثمائة قباء إبريسم وخطب له على منابر بغداد ونثرت الدنانير كما جرت العادة وولى روح بن الحديثى القضاء وامر سبعة عشر مملوكا وللحيص بيص فيه
يا أمام الهدى علوت على الجو
د بمال وفضة ونضار


فوهبت الأعمار والأمن والبل
دان في ساعة مضت من نهار


فماذا يثنى عليك وقد جا
وزت فضل البحور والأمطار


إنما أنت معجز مستقل
خارق للعقول والأفكار


جمعت نفسك الشريفة بالبأ
س وبالجود بين ماء ونار

قال ابن الجوزى واحتجب المستضىء عن أكثر الناس فلم يركب إلا مع الخدم ولا يدخل عليه غيرهم وفي خلافته انقضت دولة بنى عبيد وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه وجاء البشير بذلك فعلقت الأسواق ببغداد وعملت القباب وصنفت كتابا باسميته النصر على مصر هذا كلام ابن الجوزى وقال الذهبى في أيامه ضعف الرفض ببغداد ووهى وامن الناس ورزق سعادة عظيمة في خلافته وخطب له باليمن وبرقة وتوزر ومصر إلى أسوان ودانت الملوك بطاعته وذلك سنة سبع وستين وقال العماد الكاتب استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبنى

446

العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة واقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية في بالقاهرة واعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء وتسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غيرما اصطفاه صلاح الدين لنفسه وسير السلطان نورالدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين ابن أبى عصرون إلى بغداد وأمرنى بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام فأنشأت بشارة أولها الحمد الله معلى الحق ومعلنه وموهى الباطل وموهنه ومنها ولم يبق بتلك البلاد منبر إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضىء بأمر الله أمير المؤمنين وتمهدت جوامع الجمع وتهدمت صوامع البدع إلى أن قال وطالما مرت عليها الحقب الخوالى وبقيت مائتين وثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين مملوءة بحزب الشياطين فملكنا الله تلك البلاد ومكن لنا في الأرض وأقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد والرفض وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها للمهالك وللعماد قصيدة في ذلك منها
قد خطبنا للمستضىء بمصر
نائب المصطفى إمام العصر


وخذلنا لنصره العضد العا
ضد والقاصر الذى بالقصر


وتركنا الدعى يدعو ثبورا
وهو بالذل تحت حجر وحصر

وارسل الخليفة في جواب البشارة الخلع والتشريفات لنورالدين وصلاح الدين واعلامنا وبنودا للخطباء بمصر وسير للعماد الكاتب خلعة ومائة دينار فعمل قصيدة أخرى منها
أدالت بمصر لداعى الهدا
ة وانتقمت من دعى اليهود

وقال ابن الأثير السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن ايوب لما ثبت قدمه وضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين محمود بن زنكى يأمره بذلك فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين فلم يصغ

447

إلى قوله وارسل يلزمه بذلك واتفق أن العاضد مرض فاستشار صلاح الدين أمراءه فمنهم من وافق ومنهم من خاف وكان قد دخل مصر أعجمى يعرف بالأمير العالم فلما رأى ماهم فيه من الإحجام قال أنا أبتدىء بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضىء فلم ينكر ذلك أحد فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد ففعل ذلك ولم ينتطح فيها عنزان والعضد شديد المرض فتوفى في يوم عاشوراء وفي سنة تسع وستين أرسل نورالدين إلى الخليفة بتقادم وتحف منها حمار مخطط وثوب عتابى وخرج الخلق للفرجة عليه وكان فيهم رجل عتابى كثير الدعاوى وهو بليد ناقص الفضيلة فقال رجل إن كان قد بعث إلينا حمار عتابى فنحن عندنا عتابى حمار وفيها وقع برد بالسواد كالنارنج هدم الدور وقتل جماعة و كثيرا من المواشى وزادت دجلة زيادة عظيمة بحيث غرقت بغداد وصليت الجمعة خارج السور وزادت الفرات أيضا واهلكت قرى ومزارع وابتهل الخلق إلى الله تعالى ومن العجائب أن هذا الماء عل هذه الصفة ودجيل قد هلكت مزارع بالعطش وفيها مات السلطان نورالدين وكان صاحب دمشق وابنه الملك الصالح إسماعيل وهو صبى فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال وهودنوا وفيها اراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى آل العاضد ووافقهم جماعة من إمراء صلاح الدين فاطلع صلاح الدين على ذلك فصلبهم بين القصرين وفي سنة اثنتين وسبعين أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة وجعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش قال ابن الأثير دوره تسعة وعشرون الف ذراع وثلثمائة ذراع بالهاشمى وفيها امر بإنشاء قلعة بجبل المقطم وهى التى صارت دار السلطنة

448

ولم تتم إلا في أيام السلطان الملك الكامل بن أخى صلاح الدين وهو أول من سكنها وفيها بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعى وفي سنة أربع وسبعين هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء واستغاث الناس استغاثة شديدة وبقى الأمر على ذلك إلى السحر وفي خمسة وسبعين مات الخليفة المستضىء في سلخ شوال وعهد إلى أبنه أحمد وممن مات في أيام المستضىء من الأعلام ابن الخشاب النحوى وملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافى والحافظ أبو العلاء الهمذانى وناصح الدين ابن الدهان النحوى والحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من حفدة الشافعى والحيص بيص الشاعر والحافظ أبو بكر بن خير وآخرون الناصر لدين الله أحمد الناصر لدين الله أحمد أبو العباس بن المستضىء بأمر الله ولد يوم الاثنين عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وأمه أم ولد تركية اسمها زمرد وبويع له عند موت أبيه في مستهل ذى القعدة سنة خمس وسبعين واجاز له جماعة منهم أبو الحسن عبدالحق اليوسفى وابو الحسن على بن عساكر البطايحى وشهدة وأجازه هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته ويتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الاسناد قال الذهبي ولم يل الخلافة احد أطول مدة منه فإنه أقام فيها سبعة وأربعين سنة ولم تزل مدة حياته في عز وجلالة وقمع الأعداء واستظهار على الملوك ولم يجد ضيما ولا خرج عليه خارجى إلا قمعه ولا مخالف إلا دفعه وكل من أضمر له سوء رماه الله بالخذلان وكان مع سعادة جده شديد الاهتمام بمصالح الملك لا يخفى عليه شىء من احوال رعيته كبارهم وصغارهم واصحاب أخباره

449

في أقطار البلاد يوصلون إليه احوال الملوك الظاهرة والباطنة وكانت له حيل لطيفة ومكائد غامضة وخدع لا فطن لها أحد يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون ويوقع العداوة بين ملوك متفقين وهم لا يفطنون ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل فصار يبالغ في التكتم والورقة تأتيه بذلك فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر فصبحته الورقة بذلك وفيها كان عليكم دواج فيه صورة الفيل فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما فى بطن الحامل وما وراء الجدار وأنى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم فقيل له ارجع فقد عرفنا ما جئت به فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب قال الذهبى قيل إن الناصر كان مخدوما من الجن ولما ظهر خوارزم شاه بخراسان وما وراء النهر وتجبر وطغى واستعبد الملوك الكبار واباد امما كثيرة وقطع خطبة بنى العباس من بلاده وقصد بغداد فوصل إلى همذان فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوما فغطاهم في غير أوانه فقال له بعض خواصه إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت الخلافة وبلغه أن أمم الترك قد تألبوا عليه وطمعوا في البلاد لبعده عنها فكان ذلك سبب رجوعه وكفى الناصر شره بلا قتال وكان الناصر إذا أطعم أشبع وإذا ضرب أوجع وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر ووصل إليه رجل معه ببغاء تقرأ قل هو الله أحد تحفة للخليفة من الهند فأصبحت ميتة واصبح حيران فجاءه فراش يطلب منه الببغاء فبكى وقال الليلة ماتت فقال قد عرفنا هاتها ميتة وقال كم كان ظنك أن يعطيك

450

الخليفة قال خمسمائة دينار قال هذه خمسمائة دينار خذها فقد أرسلها إليك الخليفة فإنه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند وكان صدرجهان قد صار إلى بغداد ومعه جماعة من الفقهاء وواحد منهم لما خرج من داره من سمرقند فلى فرس جميلة فقال له أهله لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد فقال الخليفة لا يقدر أن يأخذها منى فأمر بعض القوادين انه حين يدخل بغداد يضربه ويأخذها منه ويهرب في الزحمة ففعل فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان واصحابه وخلع على ذلك الفقيه وقدمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق وقيل له لم يأخذ فرسك الخليفة إنما أخذها أتونى فخر مغشيا عليه وأسجل بكرامتهم وقال المرفق عبداللطيف كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد فأحيا بهيبته الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم ثم ماتت بموته وكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا اصواتهم هيبة وإجلالا وورد بغداد تاجر ومعه قناع دمياط المذهب فسألوه عنه فانكر فأعطى علامات فيه من عدده والوانه وأصنافه فازداد إنكاره فقيل له من العلامات انك نقمت على مملوكك التركي فلان فأخذته إلى سيف بحر دمياط في خلوة وقتلته ودفنته هناك ولم يشعر بذلك احد قال ابن النجار دانت السلاطين للناصر ودخل في طاعته من كان من المخالفين وذلت له العتاة والطغاة وانقهرت بسيفه الجبابرة واندحض أعداؤه وكثر أنصاره وفتح البلاد العديدة وملك من الممالك مالم يملكه أحد ممن تقدمه من الخلفاء والملوك وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين وكان أشد بنى العباس تنصدع لهيبته الجبال وكان حسن الخلق لطيف الخلق كامل

451

الظرف فصيح اللسان بليغ البيان له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة وكانت أيامه غرة في وجه الدهر وردة في تاج الفخر وقال ابن واصل كان الناصر شهما شجاعا ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزيئات الأمور حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالع صاحب الخبرالناصر بذلك فكتب في جواب ذلك سوء ادب من صاحب الدار وفضول من كاتب المطالعة قال وكان مع ذلك ردىء السيرة في الرعية مائلا إلى الظلم والعسف ففارق اهل البلاد بلادهم واخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل أفعالا متضادة وكان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه حتى إن ابن الجوزى سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته ولم يقدر ان يصرح بتفضيل أبى بكر وقال ابن الأثير كان الناصر يسىء السيرة خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم وأخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل الشىء وضده وكان يرمى بالبندق ويغوى الحمام وقال الموفق عبداللطيف وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث واستناب نوابا في الإجازة عنه والتسميع واجرى عليهم جرايات وكتب للملوك والعلماء إجازات وجمع كتابا سبعين حديثا ووصل إلى حلب وسمعه الناس قال الذهبى اجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه منهم ابن سكينة

452

وابن الأخضر وابن النجار وابن الدامغانى وآخرون قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى وغيره قل بصر الناصر في آخر عمره وقيل ذهب كله ولم يشعر بذلك احد من الرعية حتى الوزير وأهل الدار وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه فكانت تكتب مثل خطه فتكتب على التواقيع وقال شمس الدين الجزرى كان الماء يشربه الناصر تأتى به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلى سبع غلوات كل يوم غلوة ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام ثم يشرب منه ومع هذا ما مات حتى سقى المرقد مرات وشق ذكره وأخرج منه الحصى ومات منه يوم الأحد سلخ من رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة ومن لطائفه أن خادما اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب فوقع فيها
بمن يمن يمن
بمن ثمن ثمن

ولما تولى الخليفة بعث إلى السلطان صلاح الدين بالخلع والتقليد وكتب إليه السلطان كتابا يقول فيه والخادم ولله الحمد يعدد سوابق فى الإسلام والدولة العباسية لا يعمرها أولية ابى مسلم لأنه والى ثم وارى ولا آخريه طغرلبك لأنه نصر ثم حجر والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها وأساغ الغصة التى أذخر الله للاساغة في سيفه ماءها فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر وأعز بتأييد إبراهيمى فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الطاهر ومن الحوادث في أيامه منشورة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميه بالملك الناصر مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه وفي سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به فالتجأ إليه خلق وحصل بذلك مفاسد وفي سنة إحدى وثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر واربع أصابع وله أذن واحدة

453

وفيها وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب وفي سنة اثنتين وثمانين اجتمع الكواكب الستة في الميزان فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم وتوثيقها وسد منافسها على الريح ونقلوا إليها الماء والزاد وانتقلوا اليها وانتظروا الليلة التى وعدوا فيها بريح كريح عاد وهى الليلة التاسعة من جمادى الآخرة فلم يأت فيها شىء ولا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم يتحرك فيها ريح تطفئها وعملت الشعراء في ذلك فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم
قال لأبى الفضل قول معترف
مضى جمادى وجاءنا رجب


وما جرت زعزع كما حكموا
ولا بدا كوكب له ذنب


كلا ولا أظلمت ذكاء ولا
بدت إذن في قرونها الشهب


يقضى عليها من ليس يعلم ما
يقضى عليه هذا هو العجب


قد بان كذب المنجمين وفى
أي مقال قالوا فما كذبوا

وفي سنة ثلاث وثمانين اتفق ان أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع وأول السنة الشمسية واول سنى الفرس والشمس والقمر في أول البروج وكان ذلك من الإتفاقات العجيبة وفيها كانت الفتوحات الكثيرة أخذ السلطان صلاح الدين كثيرا من البلاد الشامية التى كانت بيد الفرنج واعظم ذلك بيت المقدس وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة وازال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار وهدم ما أحدثوا من الكنائس وبنى موضع الكنيسة منها مدرسة للشافعية فجزاه الله عن الإسلام خيرا ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر رضى الله عنه حيث لم يهدمهما لما فتح بيت المقدس وقال في ذلك محمد بن أبي اسعد النسابة

454


أترى مناما ما بعينى أبصر
القدس يفتح والنصارى تكسر


وقمامة قمت من الرجس الذى
بزواله وزوالها يتطهر


ومليكهم فى القيد مصفود ولم
وعد الرسول فسبحوا واستغفروا


يا يوسف الصديق أنت لفتحها
فاروقها عمر الإمام الأطهر

ومن الغرائب أن ابن برجان ذكر فى التفسير ألم غلبت الروم أن بيت المقدس يبقى فى يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد أخذا من حساب الآية فكان كذلك وقال ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة ست وثلاثين وخمسمائة وفى سنة تسع وثمانين مات السلطان صلاح الدين رحمه الله فوصل إلى بغداد الرسول وفى صحبته لأمة الحرب التى لصلاح الدين وفرسه ودينار واحد وستة وثلاثون درهما لم يخلف من المال سواها واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين على وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازى وفى سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغربلك بن محمد بن ملك شاه وهو آخر ملوك السلجوقية قال الذهبى وكان عددهم نيفا وعشرين ملكا أولهم طغرلبك الذى أعاد القائم إلى بغداد ومدة دولتهم مائة وستون سنة وفى سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا ووقع على الناس رمل أحمر ووقع من الركن اليمانى قطعة وفيها عسكر خوارزم شاه فعدا جيحون في خمسين ألفا وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت وأن يجئ إلى بغداد

455

ويكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية فهدم الخليفة دار السلطنة ورد رسوله بلا جواب ثم كفى شره كما تقدم وفى سنة ثلاث وتسعين أنقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل واهتزت الدور والأماكن فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء وظنوا ذلك من أمارات القيامة وفى سنة ست وتسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين وفشا أكل بنى آدم واشتهر ورؤى من ذلك العجب العجاب وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى وتمزق أهل مصر كل ممزق وكثر الموت من الجوع بحيث كان نالماشى لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو فى السياق وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى وقد حكى الذهبى وى ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها قال وصارت الطرق مزرعة بالموتى وصارت لحومها للطير ولاسباع وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة واستمر ذلك إلى أثناء سمة ثمان وتسعين وفى سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة فأخرجت أماكن كثيرة وقلاعا وخسفت قرية من أعمال بصرى وفى سنة تسع وتسعين فى سلخ المحرم ماجت النجوم وتطايرت تطاير الجراد ودام ذلك إلى الفجر وانزعج الخلق وضجوا إلى الله تعالى ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول

456

وفى سنة ستمائة هجم غلى النيلل من رشيد ودخلوا بلد فوة فنهبوها واستباحوا ورجعوا وفى سنة إحدى وستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الروم منها وكانت بأيدى الروم من قبل الإسلام واستمرت بيد الفرنج غلى سنة ستين وستمائة فاستطلقها منهم الروم وفيها أى سنة إحدى وستمائة ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين ويدين وأربعة أرجل ولم يعش وفى سنة ست وستمائة كان ابتداء أمر التتار وسيأتى شرح حالهم وفى سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة قال أبو شامة وهذا البرج كان قفل الديار المصرية وهو برج عال فى وسط النيل ودمياط بحذائه من شرقية والجزيرة بحذائه من غربيه وفى ناحيته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط والأخرى على النيل غلى الجزيرة تمنعان عبور المراكب من نمالبحر المالح وفى سنة ست عشر أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم فبدعوا فيها وجعلوا الجامع كنيسة فابتنى الملك الكامل عن مدينة عند مرق البحرين سموها المنصورة وبنى سورا ونزلها بجيشه وفى هذه السنة كاتبه قاضى القضاة ركن الدين الظاهر وكان الملك المعظم صاحب دمشق فى نفسه منه فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوته وأمره بلبسها بين الناس فى مجلس حكمه فلم يمكنه الامتناع ثم قام ودخل داره ولزم بيته ومات بعد أشهر قهلرا ورمى قطعا من كبده وتأسف الناس لذلك واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف ابن عنين حين تزهد خمرا وبردا وقال

457


يا أيها الملك المعظم سنة
أحدثتها تبقي على الآباد


تجري الملوك على طريقك بعدها
خلع القضاة وتحفة الزهاد

وفي سنة ثمان عشرة استردت دمياط من الفرنج فلله الحمد وفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين وجعل شيخها أبا الخطاب بن دحية وكانت الكعبة تكسي الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجا أخضر ثم كساها ديباجا أسود فاستمر إلى الآن وممن ماتفى أيام الناصر من الأعلام الحافظ أبو طاهر السلفى وأبو وأبو الحسن ابن القصار اللغوي والكمال أبو البركات بن الأنبارى والشيخ أحمد بن الرفاعى الزاهد وابن بشكوال ويونس والد يونس الشافعى وأبو بكر بن طاهر الأحدب النحوى وأبو الفضل والد الرافعى وابن ملكون النحوى وعبد الحق الإشبيلى صاحب الأحكام وأبو زيد السهيلى صاحب الروض الأنف والحافظ أبو موسى المدينى وابن برى اللغوى والحافظ والعتابى والحافظ أبو بكر الحازمي والشرف ابن ابى عصرون وأبو القاسم البخارى والعتابى صاحب الجامع الكبير من كبار الحنفية والنجم الحبوشانى المشهور بالصلاح وأبو القاسم بن فيرة الشاطبى صاحب القصيدة وفخر الدين أبو شجاع محمد بن على بن شعيب بن الدهان الفرضى أول من وضع الفرائض على شكل المنبر والبرهان المرغينانى صاحب الهداية من الحنفية وقاضيخان صاحب الفتاوى منهم وعبد الرحيم بن حجزن الزاهد بالصعيد وأبو الوليد ابن رشد صاحب العلوم الفلسفية وأبو بكر بن زهر الطبيب والجمال بن فضلان من الشافعية والقضى الفاضل صاحب الإنشاء والترسل والشهاب الطوسى وأبو الفرج بن الجوزى والعماد الكاتب وابن عظيمة المقرى والحافظ عبد الغنى المقدسى صاحب العمدة والبركى الطاوسى صاحب الخلاف وتميم

458

الحلى وأبو ذر الخشنى النحوى والإمام فخر الدين الرازى وأبو السعادات ابن الأثير صاحب جامع الأصول ونهاية الغريب والعماد بن يونس صاحب شرح ال , جيز والشرف صاحب التنبيه والحافظ أبو الحسن بن المفضل وأبو محمد بن حوط الله وأخوه أبو سليمان والحافظ عبد القادر الرهاوى والزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا والوجيه ابن الدهان النحوى وتقى الدين بن المقترح وأبو اليمن الكندى النحوى والمعين الحاجرى صاحب الكفاية من الشافعية والركن العميدى صاحب الطرية فى لاخلاف وأبو البقاء العكبرى صاحب الإعراب وابن أبى أصيبعة الطبيب وعبد الرحيم بن سيالسمعانى ونجم الدين الكبرى وابن أبى الصيف اليمنى وموفق الدين بن قدامة الحنبلى وفخر الدين بن عساكر وخلائق آخرون الظاهر بأمر الله أبو نصر الطاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وبايع له أبوه بولاية العهد واستخلف عند الموت والده وهو ابن اثنين وخمسون سنة فقيل له ألا تتفسح قال لقد يبس الزرع فقيل يبارك الله فى عمرك قال من فتح دكانا بعد العصر إيش يكسب ثم إن أحسن إلى الرعية وأبطل المكوس وأزال المظالم وفرق الأموال ذكر ذلك أبو شامة وقال ابن الاثير فى الكامل لما ولى الظاهر الخلافة اظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه ما ولى الخلافة بعد عمر ابن عبد العزبز مثله لكان القائل صادقا فإنه أعاد الأموال المغصوبة

459

والأملاك المأخوذة فى أيام أبيه وقبلها شيئا كثيرا وأبطل المكوس فى البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم فى جميع العراق وبإسقاط جميع ما جدده أبوه وكان ذلك كثيرا لا يحصى فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها قديما عشرة آلاف دينار فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها فى السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها فأعادها الظاهر غلى الخراج الأول ولما أعاد الخراج الأصلى على البلاد حضر خلق وذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت فأمر أن لا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة ومن عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط فى المثقال يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد فخرج خطه إلى الوزير وأوله ويل للمطففين الآيات وفيه قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس فكتبوا إليه أن هذا فيه تفاوتا كثيرا وقد حسبنا فى العام الماضى فكان خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول يبطل ولو أنه ثلثمائة ألف وخمسون ألف دينار ومن عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم فردها على أربابها وأخرج أهل الحبوس وأرسل إلى القاضى عشرة آلاف دينار ليفيها عمن أعسر وفرق ليلة عيد النحر على العلماء والصلحاء مائة ألف دينار وقيل له هذا الذى تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه فقال أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركونى أفعل الخير فكم بقيت أعيش ووجد فى بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة فقيل له لم لا تفتحها قال لا حاجة لنا فيها كلها سعايات وهذا كله كلام ابن الأثير

460

وقال سبط ابن الجوزى لما دخل إلى الخزائن قال له خادم كانت فى أيام آبائك تمتلىء فقال ما جعلت الخزائن لتمتلىء بل تفرغ وتنفق في سبيل الله فإن الجمع شغل التجارة وقال ابن واصل أظهر العدل وأزال المكس وظهر للناس وكان أبوه لايظهر إلا نادرا توفي رحمه الله في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته تسعة أشهر وأياما وقد روي الحديث عن والده بالإجازة وروي عنه أبو صالح نصر ابن عبدالرزاق بن الشيخ عبدالقادر الجيلي ولما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية أولها مالليل والنهار لايعتذران وقد عظم حدثها وما للشمس والقمر لاينكشفان وقد فقد ثالثهما
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة
ووحدة من فيها لمصرع واحد

وهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين الذي جعلت ولايته رحمه للعالمين إلى آخر الرسالة المستنصر بالله أبو جعفر المستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وامه جارية تركية قال ابن النجار وبويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة فنشر العدل في الرعايا وبذل الإنصاف في القضايا وقرب أهل العلم والدين وبني المساجد والربط والمدارس والمارستانات وقام منار الدين

461

وقمع المتمردة ونشر السنن وكف الفتن وحمل الناس على أقوم سنن وقام بأمر الجهاد أحسن قيام وجمع الجيوش لنصرة الإسلام وحفظ الثغور وافتتح الحصون وقال الموفق عبداللطيف بويع أبو جعفر فسار السيرة الجميلة وعمر طرق المعروف الدائرة وأقام شعار الدين ومنار الإسلام واجتمعت القلوب على محبته والألسن على مدحه ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معابا وكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي لهداه وعقله وإنكار مايجده من المنكر وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذرى كان المستنصر راغبا في فعل الخير مجتهدا في تكثير البر وله في ذلك آثار جميلة وأنشأ المدرسة المستنصرية ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم وقال ابن واصل بني المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة مابنى على وجه الأرض أحسن منها ولا أكثر منها وقوفا وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وعمل فيها مارستانا ورتب فيها مطبخا للفقهاء ومزملة للماء البارد ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط والزيت والورق والحبر وغير ذلك وللفقيه بعد ذلك في الشهر دينارا ورتب لهم حماما وهو أمر لم يسبق إلى مثله واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها ابوه ولاجده وكان ذا همة عالية وشجاعة وإقدام عظيم وقصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة وكان يقول لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون وآخذ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم فلما مات المستنصر لم يرد الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفا منه وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر ليقضي الله

462

أمرا كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته وتغلب التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون قال الذهبي وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيفا وسبعين ألف مثقال وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين وتمت في سنة إحدى وثلاثين ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا من الكتب النفيسة وعدد فقهائها مائتان وثمانية أربعون فقيها من المذاهب الأربعة واربعة مدرسون وشيخ حديث وشيخ نحو وشيخ طب وشيج فرائض ورتب في الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة وجعل فيها ثلاثين يتيما ووقف عليها مالا يعبر عنه كثرة ثم سرد الذهبي القرى والرباع الموقفة عليها وقال وفتحت يوم الخميس في رجب وحضر القضاة والمدرسون والأعيان وسائر الدولة وكان يوما مشهودا ومن الحوادث في أيام المستنصر في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية وفرغت في سنة ثلاثين وفي سنة اثنتين وثلاثين أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عليها الدراهم وقال الوزير قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذا الدارهم عوضا عن قراضة الذهب رفقا بكم وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد
لاعدمنا جميل رأيك فينا
أنت باعدتنا عن التطفيف


ورسمت اللجين حتى ألفنا
ه وما كان قبل بالمألوف


ليس للجمع كان منعك للصر
ف ولكن للعدل والتعريف

وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة ولى قضاء دمشق شمس الدين أحمد الجوني وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم

463

وفيها مات الإخوان السلطان الأشرف صاحب دمشق والكامل صاحب دمشق والكامل صاحب مصر بعده بشهرين وتسلطن بمصر ولد الكامل قلامة ولقب العادل ثم خلع وتملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين وفي سنة سبع وثلاثين وستمائة ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام فخطب خطبة عرية من البدع وأزال الأعلام المذهبة وأقام هو عوضها سودا بأبيض ولم يؤذن قدامة سوى مؤذن واحد وفيا قدم رسول الأمين الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل وبقي الملك في بيته إلى سنة خمس وستين وثمانمائة وفي سنة تسع وثلاثين وستمائة بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين والقلعة التي بالروضة ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وستمائة وفي سنة أربعين وستمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادي الآخرة ورثاه الشعراء فمن ذلك قول صفي الدين عبدالله بن جميل ومن مناقب المستنصر أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها
لو كنت في يوم السقيفة حاضرا
كنت المقدم والإمام الأورعا

فقال له قائل بحضرته أخطأت قد كان حاضر العباس جد أمير المؤمنين ولم يكن المقدم إلا أبو بكر فأقر ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة وأمر بنفي الوجيه فخرج إلى مصر حكاها الذهبي وممن مات في أيام المستنصر من الأعلام الإمام أبو القاسم الرافعي والجمال المصري وابن معزوز النحوي وياقوت الحموي والسكاكي صاحب المفتاح والحافظ أبو الحسن بن القطان ويحيى بن معطي صاحب الألفية في النحو والموفق عبداللطيف البغدادي والحافظ أبو بكر بن نقطة

464

والحافظ عز الدين علي بن الآثير صاحب التاريخ والأنساب وأسد الغابة وابن عتبي الشاعر والسيف الآمدي وابن فضلان وعمر بن الفارض صاحب التائية والشهاب السهرودي صاحب عوارف المعارف والبهاء بن شداد وأبو العباس العوفي صاحب المولد النبوي والعلامة أبو الخطاب بن دحية وأخوه أبو عمرو والحافظ أبو الربيع بن سالم صاحب الإكتفاء في المغازي وابن الشواء الشاعر والحافظ زكي الدين البرزالي والجمال الحصري شيخ الحنفية والشمس الجوبي والحراني وأبو عبد الله الزيني وأبو البركات بن المستوفي والضياء بن الأثير صاحب المثل السائر وابن عربي صاحب الفصوص والكمال ابن يونس شارح التنبيه وخلائق آخرون المستعصم بالله أبو أحمد المستعصم بالله أبو أحمد المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله آخر الخلفاء العراقيين ولد سنة تسع وستمائة وأمة أم ولد اسمها هاجر وبويع له بالخلافة عند موت أبيه وأجاز له على يد ابن النجار المؤيد الطوسي وابو روح الهروي وجماعة وروي عنه بالإجازة جماعة منهم النجم البادرائي والشرف الدمياطي وخرج له الدمياطي أربعين حديثا رأيتها بخطة وكان كريما حليما سليم الباطن حسن الديانة قال الشيخ قطب الدين كان متدينا متمسكا بالسنة كأبيه وجده ولكنه لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم وعلو الهمة وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة وكان يقول إن ملكني الله الأمر لأعبرن بالجيوش نهر جيحون وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر وخافوا منه وآثروا المستعصم للينه والقيادة ليكون لهم الأمر فأقاموه

465

ثم ركن المستعصم إلى زيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل ولعب بالخليفة كيف اراد وباطن التتار وناصحهم وأطعمهم في المجئ إلى العراق وأخذ بغداد وقطع الدولة العباسية ليقيم خليفة من آل علي وصار إذا جاء خبر منهم كتمه عن الخليفة ويطالع بأخبار الخليفة التتار إلى أن حصل ما حصل وفي سنة سبع وأربعين من أيامه أخذت الفرنج دمياط والسلطان الملك الصالح مريض فمات ليلة نصف شعبان فأخفت جاريته أم خليل المسماة شجرة الدر موته وأرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم فحضر ثم لم يلبث أن قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وثبت عليه غلمان أبيه فقتلوه وأمروا عليهم جارية أبيهم شجرة الدر وحلف لها الأتراك ولنائبها عز الدين ايبك التركماني فشرعت شجرة الدر في الخلع للأمراء والأعطيات ثم استقل عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر ولقب الملك المعز ثم تنصل منها وحلف العسكر للملك الأشرف بن صلاح الدين يوسف بن المسعود ابن الكامل وله ثمان سنين وبقي عز الدين أتابكه وخطب لهما وضربت السكة باسمهما وفي هذه السنة أعنى سنة ثمان استردت دمياط من الفرنج وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ظهرت نار في أرض عدن وكان يطير شررها في الليل إلى البحر ويصعد منها دخان عظيم في النهار وفيها أبطل المعز أسم الملك الأشرف واستقل بالسلطنة وفي سنة أربع وخمسين ظهرت النار بالمدينة النبوية قال أبو شامة جاءنا كتب من المدينة فيها لما كانت ليلة الأربعاء

466

ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دوى عظيم ثم زلزلة عظيمة فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر فظهرت نار عظيمة في الحرة قريبا من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا وسألت أودية منها إلى وادى شطا سيل الماء وطلعنا نبصرها فإذا الجبال تسيل نارا وسارت هكذا وهكذا بين نارين كأنها الجبال وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوؤها من مكة ومن الفلاة جميعهما واجتمع الناس كلهم إلى قبر الشريف مستغفرين تائبين واستمرت هكذا أكثر من شهر قال الذهبي أمر هذه النار متواتر وهى مما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضىء لها اعناق الإبل ببصرى وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها وفي سنة خمس وخمسين وستمائة مات المعز أيبك سلطان مصر قتلته زوجته شجرة الدر وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور على هذا والتتار جائلون في البلاد وشرهم متزايد ونارهم تستعرة والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم والوزير العلقمى حريص على إزالة الدولة العباسية ونقلها إلى العلوية والرسل في السر بينه وبين التتار والمستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور ولا له غرض في المصلحة وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدا وكان مع ذلك يصانع التتار ويهادنهم ويرضيهم فلما استخلف المستعصم كان خليا من الرأى والتدبير فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل به المقصود ففعل ذلك

467

ثم إن الوزير كاتب التتار واطعمهم في البلاد وسهل عليهم ذلك وطلب أن يكون نائبهم فوعدوه بذلك وتأهبوا لقصد بغداد شرح حال التتار ملخصا قال الموفق عبداللطيف في خبر التتار هو حديث يأكل الأحاديث وخبر يطوى الأخبار وتاريخ ينسى التواريخ ونازلة تصغر كل نازلة وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند لأنهم في جوارهم وبينهم وبين مكة أربعة أشهر وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه واسعو الصدور خفاف الأعجاز صغار الأطراف سمر الألوان وسريعو الحركة في الجسم والرأى تصل إليهم اخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم لأن الغريب لا يتشبه بهم وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم ونهضوا دفعة واحدة فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ولا عسكر حتى يخالطوه فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل وتضيق طرق الهرب ونساؤهم يقاتلن كرجالهم والغالب على سلاحهم النشاب وأكلهم أي لحم وجد وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء ويقاتلون الرجال والنساء والأطفال وكان قصدهم إفناء النوع وإبادة العالم لا قصد الملك والمال وقال غيره أرض التتار بأطراف بلاد الصين وهم سكان برارى ومشهورون بالشر والغدر وسبب ظهورهم أن أقليم الصين متسع دوره ستة أشهر وهو ست ممالك ولهم حاكم على الممالك الست وهو القان الأكبر المقيم بطمغاج وهو كالخليفة للمسلمين

468

وكان سلطان إحدى الممالك الست وهو دوش خان قد تزوج بعمة جنكزخان فحضر زائرا لعمته وقد مات زوجها وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولدا وأشارت على ابن اخيها أن يقوم مقامه فقام وانضم إليه خلق المغول ثم سير التقادم إلى القان الأكبر فاستشاط غيظا وأمر بقطع أذناب الخيل التى أهديت وطردها وقتل الرسل لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك إنما هم بادية الصين فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد وأظهرا الخلاف للقان وأتتهما أمم كثيرة من التتار وعلم لقان قوتهم وشرهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويهددهم فلم يغن ذلك شيئا ثم قصدهم وقصدوه فوقع بينهم ملحمة عظيمة فكسروا القان الأعظم وملكوا بلاده واستفحل شرهم واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة ثم سار إلى بلاد شاقون من نواحى الصين فملكاها فمات كشلوخان فقام مقامه ولده فاستضعفه جنكزخان فوثب عليه وظفر به واستقل جنكزخان ودانت له التتار وانقادت له واعتقدوا فيه الإلهية وبالغوا في طاعته ثم كان أول خروجهم في سنة ست وستمائة من بلادهم إلى نواحى الترك وفرغانة فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذى اباد الملوك وأخذ الممالك وعزم على قصد الخليفة فلم بتهيأ له كما تقدم فأمر اهل فرغانة والشاش وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفلى إلى سمرقند وغيرها ثم خربها جميعا خوفا من التتار أن يملكوها لعلمه أنه لا طاقة له بهم

469

ثم صارت التتار يتخطفون ويتنقلون إلى سنة خمس عشرة فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا وقال الرسول إن القان الأعظم يسلم عليك ويقول لك ليس يخفى على عظم شأنك وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم وانا أرى مسالمتك من جملة الواجبات وأنت عندى مثل أعز أولادى وغير خاف عنك أننى تملكت الصين وأنت أخبر الناس ببلادى وأنها مثارات العساكر والخيول ومعادن الذهب والفضة وفيها كفاية عن غيرها فإن رأيت أن تعقد بيننا المودة وتأمر التجار بالسفر لتعلم المصلحتين فعلت فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه وبشر جنكزخان بذلك واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر ومعه عشرون ألف فارس فشرهت نفسه إلى أموال التجار وكاتب السلطان يقول إن هؤلاء القوم قد جاءوا بزى التجار وما قصدهم إلا التجسس فإن اذنت لي فيهم فأذن له بالاحتياط عليهم فقبض عليهم واخذ أموالهم فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول إنك أعطيت أمانك التجار فغدرت والغدر قبيح وهو من سلطان الإسلام أقبح فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك فسلمه إلينا وإلا سوف تشاهد منى ما تعرفنى به فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله فتجلد وأمر بقتل الرسل فقتلوا فيالها من حركة لما أهدرت من دماء المسلمين واجرت بكل نقطة سيلا من الدم ثم سار جنكزخان إلبه فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور ثم ساق إلى برج همذان رعبا من التتار فأحدق به العدو فقتلوا كل

470

من معه ونجا هو بنفسه فخاض الماء إلى جزيرة ولحقته علة ذات الجنب فمات بها وحيدا فريدا وكفن في شاش فراش كان معه وذلك في سنة سبع عشرة وملكوا جميع مملكة خوارزشاه قال سبط ابن الجوزى كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة فأخذوا بخارى وسمرقند وقتلوا أهلها وحاصروا خوارزم شاه ثم بعد ذلك عبروا النهر وكان خوارزم شاه قد اباد الملوك من مدن خراسان فلم تجد التتار احدا في وجههم فطاروا في البلاد قتلا وسبيا وساقوا إلى ان وصلوا همذان وقزوين في هذه السنة وقال ابن الأثير في كامله حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التى عقمت الدهور عن مثلها وعمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل إن العلم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببنى إسرائيل بالبيت المقدس وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا فهذه الحادثة التى استطار شرها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوما خرجوا من اطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاد شاغرق ثم منها إلى بخارى وسمرقند فيملكونها ويبيدون أهلها ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها هلكا وتخريبا وقتلا وإبادة وإلى الري وهمذان إلى حد العراق ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة امر لم يسمع بمثله ثم ساروا من آذربيجان إلى دار بند شروان فملكوا مدنها

471

وعبروا من عندها إلى بلاد اللان واللكز فقتلوا واسروا ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم أكثر من الترك عددا فقتلوا من وقف وهرب الباقون واستولى التتار عليها ومضت طائفة اخرى غير هؤلاء إلى غزة وأعمالها وسجستان وكرمان ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد هذا لم يطرق الأسماع مثله فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة وإنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحدا وإنما رضى بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض واحسنه وأعمره في نحو سنة ولم يبق أحد في البلاد التى لم يطرقها إلا وهو خائف يترقب وصولهم إليه ثم أنهم لم يحتاجوا إلى ميرة ومددهم يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها ولا غير وأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات ولا تعرف الشعير وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئا ويأكلون جميع الدواب وبنى آدم ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد ولما دخلت سنة ست وخمسين وصل التتار إلى بغداد وهم مائتا ألف ويقدمهم هلاكو فخرج إليهم عسكر الخليفة فهزم العسكر ودخلوا بغداد يوم عاشوراء فأشار الوزير لعنة الله عليه على المعتصم بمصانعتهم وقال أخرج اليهم أنا في تقرير الصلح فخرج وتوثق بنفسه منهم وورد إلى الخليفة وقال إن الملك قد رغب في أن يزوج أبنته بابنك الأمير أبى بكر

472

ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته ولا يريد إلا أن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع سلاطين السلجوقية وينصرف عنك بجيوشه فليجيب مولانا إلا هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد والرأى أن تخرج إليه فخرج إليه في جمع من الأعيان فأنزل في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم وصار كذلك تخرج طائفة بعد ظائفة فتضرب أعناقهم حتى قتل جميع من هناك من العلماء الأمراء والحجاب والكبار ثم مد الجسر وبذل السيف في بغداد واستمر القتال فيها نحو أربعين يوما فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة وقتل الخليفة رفسا قال الذهبى وما أظنه دفن وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه وأسر بعضهم وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها ولم يتم للوزير ما أراد وذاق من التتار الذل والهوان ولم تطل ايامه بعد ذلك وعملت الشعراء قصائد في مراثى بغداد وأهلها وتمثل بقول سبط التعاويذى
بادت واهلوها معا فبيوتهم
ببقاء مولانا الوزير خراب

وقال بعضهم
يا عصبة الإسلام نوحى واندبى
حزنا على ماتم للمستعصم


دست الوزارة كان قبل زمانه
لابن الفرات فصار لابن العلقمى

وكان آخر خطبة ببغداد قال الخطيب في أولها الحمد لله الذى هدم بالموت مشيد الأعمار وحكم بالفناء على أهل هذه الدار هذا والسيف قائم بها

473

والتقى الدين بن أبى اليسر قصيدة مشهورة في بغداد وهى هذه
لسائل الدمع عن بغداد أخبار
فما فوقك والأحباب قد ساروا


يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا
فما بذاك الحمى والدار ديار


تاج الخلافة والربع الذي شرفت
به المعالم قد عفاه إقفار


أضحى لعصف البلى في ربعه أثر
وللدموع على الآثار آثار


يا نار قلبى من نار لحرب وغى
شبت عليه ووافى الربع إعصار


علا الصليب على أعلى منابرها
وقام بالأمر من يحويه زنار


وكم حريم سبته الترك غاصبة
وكان من دون ذاك الستر أستار


وكم بدور على البدرية انخسفت
ولم يعد لبدور منه إبدار


وكم ذخائر اضحت وهى شائعة
من النهاب وقد حازته كفار


وكم حدود أقيمت من سيوفهم
على الرقاب وحطت فيه أوزار


ناديت والسبى مهتوك تجربهم
إلى السفاح من الأعداد دعار

ولما فرغ هلاكو من قتل الخليفة واهل بغداد واقام على العراق نوابه وكان ابن العلقمى حسن لهم أن يقيموا خليفة علويا فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمدا لا رحمه الله ولا عفا عنه ثم أرسل هلاكو إلى الناصر صاحب دمشق كتابا صورته يعلم السلطان الملك الناصر طال بقاؤه أنه لما توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدموها فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوس تستحق الإهلاك وأما ما كان من صاحب البلدة فإنه خرج إلى خدمتنا ودخل تحت عبوديتنا فسألناه عن أشياء كذبنا فيها فاستحق الإعدام وكان كذبه ظاهرا ووجدوا ما عملوا حاضرا أجب ملك البسيطة ولا تقولن قلاعى المانعات ورجالى المقاتلات وقد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة وإلى جنابك لائذة

474


أين المفر ولا مفر لهارب
ولنا البسيطان الثرى والماء

فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشام سماءها أرضا وطولها عرضا والسلام ثم أرسل له كتابا ثانيا يقول فيه خدمة ملك ناصر طال عمره أما بعد فإنا فتحنا بغداد واستأصلنا ملكها وملكها وكان قد ظن وقد فتن الأموال ولم ينافس الرجال أن ملكه يبقى على ذلك الحال وقد علا ذكره ونمى قدره فخسف في الكمال بدره
إذا تم أمر بدا نقصه
توقع زوالا إذا قيل تم

ونحن في طلب الازدياد على ممر الآباد فلا تكن كالذين نسوا الله فأنساهم انفسهم وأبد ما في نفسك إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شره وتنل بره واسع اليه بأموالك ورجالك ولا تعوق رسلنا والسلام ثم ارسل إليه كتابا ثالثا يقول فيه اما بعد فنحن جنود الله بنا ينتقم ممن عتا وتجبر وطغى وتكبر وبأمر الله ما ائتمر وإن عوتب تنمر وان روجع استمر ونحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد وقتلنا النسوان والأولاد فيها أيها الباقون أنتم بمن مضى لا حقون ويا أيها الغافلون أنتم إليهم تساقون ونحن جيوش الهلكة لا جيوش الملكة مقصودنا الانتقام وملكنا لا يرام ونزيلنا لا يضام وعدلنا في ملكنا قد اشتهر ومن سيوفنا أين المفر
أين المفر ولا مفر لهارب
ولنا البسيطان الثرى والماء


ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت
في قبضتى الأمراء والخلفاء


ونحن إليكم صائرون ولكم الهرب وعلينا الطلب
ستعلم ليلى أي دين كداينتم وأى غريم بالتقاضى غريمها

دمرنا البلاد وأيتمنا الأولاد واهلكنا العباد واذقناهم العذاب

475

وجعلنا عظيمهم صغيرا وأميرهم أسيرا وتحسبون انكم منا ناجون أو متخلصون وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون وقد أعذر من أنذر ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة وفيها نزل التتار على آمد وكان صاحب مصر المنصور على بن المعز صبيا وأتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزى مملوك أبيه وقدم الصاحب كمال الدين ابن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار فجمع قطز الأمراء والأعيان فحضرالشيخ عز الدين بن عبدالسلام وكان المشار إليه في الكلام فقال الشيخ عز الدين إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم بشرط أن لا يبقى في بيت المال شىء وان تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه وتتساووا في ذلك أنتم والعامة وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما فى أيدى الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا ثم بعد أيام يسيرة قبض قطز على ابن أستاذه المنصور وقال هذا صبى والوقت صعب ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد وتسلطن قطز ولقب بالملك المظفر ثم دخلت سنة ثمان وخمسين والوقت أيضا بلا خليفة وفيها قطع التتار الفرات ووصلوا إلى حلب وبذلوا السيف فيها ثم وصلوا إلى دمشق وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار فأقبل المظفر بالجيوش وشاليشه ركن الدين بيبرس الندقدارى فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت ووقع المصاف وذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان فهزم التتار شر هزيمة وانتصر المسلمون ولله الحمد وقتل من التتار مقتلة عظيمة وولوا الأدبار وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم وجاء كتب المظفر إلى دمشق بالنصر فطار الناس فرحا ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدا منصورا وأحبه الخلق غاية المحبة وساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد ووعده السلطان

476

بحلب ثم رجع عن ذلك فتأثر بيبرس من ذلك وكان ذلك مبدأ الوحشة وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه فصرف وجهه عن ذلك ورجع إلى مصر وقد أضمر الشر لبيبرس وأسر ذلك إلى بعض خواصه فأطلع على ذلك بيبرس فساروا إلى مصر وكل منهما محترس من صاحبه فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذى القعدة وتسلطن بيبرس ولقب بملك القاهرة ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر قد أحدثه عليهم من المظالم وأشار عليه الوزير زين الملة والدين ابن الزبير بأن يغير هذا اللقب وقال ما لقب به أحد فأفلح لقب به القاهر بن المعتضد فخلع بعد قليل وسمل ولقب به القاهر ابن صاحب الموصل فسم فأبطل السلطان هذا اللقب وتلقب بالملك الظاهر ثم دخلت سنة تسع وخمسين والوقت أيضا بلا خليفة إلى رجب فأقيمت بمصر الخلافة وبويع المستنصر كما سنذكره وكان مدة انقطاع الخلافة ثلاث سنين ونصف وممن مات في أيام المستعصم من الأعلام الحافظ تقى الدين الصريفينى والحافظ أبو القاسم بن الطيلسان وشمس الأئمة الكردى من كبار الحنفية والشيخ تقى الدين ابن الصلاح والعلم السخاوى والحافظ محب الدين بن النجار مؤرخ بغداد ومنتخب الدين شارح المفصل وابن يعيش النحوى وأبو الحجاب الأقصري الزاهد وأبو على الشلويينى النحوى وابن البيطار صاحب المفردات والعلامة جمال الدين بن الحاجب إمام المالكية وابو الحسن بن الديباج النحوى والقفطى صاحب تاريخ النحاة وأفضل الدين الخوانجى صاحب المنطق والأزدى والحافظ يوسف بن خليل والبهاء ابن بنت الحميرى والجمال ابن عمرون النحوى والرضى الصغانى اللغوى صاحب العباب وغيره والكمال عبدالواحد الزملكانى صاحب المعانى والبيان وإعجاز القرآن والشمس الخسروشاهى

477

والمجد ابن تيمية ويوسف سبط ابن الجوزى صاحب مرآة الزمان وابن باطيش من كبار الشافعية والنجم البادرائى وابن أبى الفضل المرسى صاحب التفسير وخلائق آخرون فصل ومات في مدة انقطاع الخلافة من الأعلام الزكي عبد العظيم المنذري والشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية وشعبة المقرىء والفاسي شارح الشاطبية وسعد الدين بن العزى الشاعر والصرصرى الشاعر وابن الأبار مؤرخ الأندلس وآخرون المستنصر بالله أحمد المستنصر بالله أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبى نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد قال الشيخ قطب الدين كان محبوسا ببغداد فلما أخذت التتار بغداد أطلق فهرب وصار إلى عرب العراق فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس وفد عليه في رجب ومعه عشرة من بنى مهارش فركب السلطان لقائه ومعه القضاة والدولة فشق القاهرة ثم أثبت نسبه على يد قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ثم بويع له بالخلافة فأول من بايعه السلطان ثم قاضى القضاة تاج الدين ثم الشيخ عزالدين بن عبدالسلام ثم الكبار على مراتبهم وذلك في الثالث عشر رجب ونقش اسمه على السكة وخطب له ولقب بلقب اخيه وفرح الناس وركب يوم الجمعة وعليه السواد إلى جامع القلعة وصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بنى العباس ودعا فيها للسلطان والمسلمين ثم صلى بالناس ثم رسم بعمل خلعة خليفة السلطان وبكتابة تقليد له ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة وركب المستنصر بالله والسلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة وحضر القضاة والأمراء والوزير فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه

478

ونصب منبر فصعد عليه فخر الدين ابن لقمان فقرأ التقليد ثم ركب السلطان بالخلعة ودخل من باب النصر وزينت القاهرة وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا والأمراء مشاة ورتب السلطان للخليفة أتابكا واستادارا وشرابيا وخازندارا وحاجبا وكاتبا وعين له خزانة وجملة من مماليك ومائة فرس وثلاثين بغلا وعشرة قطارات جمال إلى أمثال ذلك قال الذهبي ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا والمقتفى وأما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش فأنه أقام بحلب خليفة ولقبه الحاكم بأمر الله وخطب له ونقش إسمه على الدراهم ثم ان المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق ثم جهز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل وغرم عليه وعليهم من الذهب ألف ألف دينار وستين ألف درهم فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق وصاحب سنجار فاجتمع به الخليفة الحلبى الحاكم ودان له ودخل تحت طاعته ثم سار ففتح الحديثة ثم هيت فجاءه عسكر من التتار فتصافوا له فقتل من المسلمين جماعة وعدم الخليفة المستنصر فقيل قتل وهو والظاهر وقيل سلم وهرب فأضمرته البلاد وذلك في الثالث من المحرم سنة ستين فكانت خلافته دون ستة أشهر وتولى بعد بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته الحاكم بأمر الله أبو العباس الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن أبى على الحسن بن أبى بكر بن الحسن بن على القبى ( بضم القاف وتشديد الباء الموحدة ) بن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر بالله كان اختفى وقت أخذ بغداد ونجا ثم خرج منها في صحبته جماعة فقصد حسين بن فلاح أمير بنى خفاجة فأقام عنده مدة ثم توصل مع

479

العربى إلى دمشق وأقام عند الأمير عيسى بن مهنأ مدة فطالع به الناصر صاحب دمشق فأرسل يطلبه فبغته مجىء التتار فلما جاء الملك المظفر دمشق سير فى طلبه الأمير قلج البغدادى فاجتمع به وبايعه بالخلافة وتوجه في خدمته جماعة من أمراء العرب فافتتح الحاكم غانة بهم والحديثة وهيت والأنبار وصاف التتار وانتصر عليهم ثم كاتبه علاء الدين طيبرس نائب دمشق يومئذ والملك الظاهر يستدعيه فقدم دمشق في صفر فبعثه الى السلطان وكان المستنصر بالله قد سبقه بثلاثة ايام إلى القاهرة فما رأى أن يدخل إليها خوفا من أن يمسك فرجع إلى حلب فبايعه صاحبها ورؤساؤها منهم عبدالحليم بن تيمية وجمع خلقا كثيرا وقصد غانة فلما رجع المستنصر وافاه بغانة فانقاد الحاكم له ودخل تحت طاعته فلما عدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرحبة وجاء إلى عيسى بن مهنأ فكاتب الملك الظاهر بيبرس فيه فطلبه فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعة فأكرمه الملك الظاهر وبايعوه بالخلافة وامتدت أيامه وكانت خلافته نيفا وأربعين سنة وأنزله الملك الظاهر بالبرج الكبير بالقلعة وخطب بجامع القلعة مرات قال الشيخ قطب الدين في يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلسا عاما وحضر الحاكم بأمر الله راكبا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل وجلس مع السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه فأقبل عليه السلطان وبايعه بإمارة المؤمنين ثم أقبل هو على السلطان وقلده الأمور ثم بايعه الناس على طبقاتهم فلما كان من الغد يوم الجمعة خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة وتعرض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة ثم قال وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار وأول الخطبة الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنا وظهيرا ثم كتب بدعوته إلى الآفاق

480

وفي هذه السنة وبعدها تواتر مجىء جماعة من التتار مسلمين مستأمنين فأعطوا أخبازا وأرزاقا فكان ذلك مبدأ كفاية شرهم وفي سنة اثنتين وستين فرغت مدرسة الظاهرية بين القصرين وولى بها تدريس الشافعية التقى ابن رزين وتدريس الحديث الشرف الدمياطى وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة وفي سنة ثلاث وستين انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبدالله ابن الأحمر على الفرنج واسترجع من أيديهم اثنتين وثلاثين بلدا من جملتها إشبيلية ومرسية وفيها كثر الحريق بالقاهرة في عدة مواضع ووجد لفائف فيها النار والكبريت على الأسطح وفيها حفر السلطان بحر أشمون وعمل بنفسه والأمراء وفيها مات طاغية التتار هلاكو وملك بعده ابنه أبغا وفيها سلطن السلطان ولده الملك السعيد وعمره أربع سنين وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السر إلى باب السلسلة ثم عاد وركب إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه وفيها جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة من كل مذهب قاض وسبب ذلك توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام وتعطلت الأمور وأبقى للشافعى النظر في أموال الأيتام وأمور بيت المال ثم فعل ذلك بدمشق وفي رمضان منها حجب السلطان الخليفة ومنعه الناس لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة وفي سنة خمس وستين وستمائة أمر السلطان بعمل الجامع بالحسنية وتم ذلك في سنة سبع وستين وقرر له خطيب حنفى

481

وفي سنة أربع وسبعين وجه السلطان جيشا إلى النوبة ودنقلة فانتصروا وأسر ملك النوبة وارسل به إلى الملك الظاهر ووضعت الجزية على أهل دنقلة ولله الحمد قال الذهبي وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة غزاها عبدالله بن أبى سرح في خمسة ألآف فارس ولم يفتحها فهادنهم ورجع ثم غزيت في زمن هشام ولم تفتح ثم في زمن المنصور ثم غزاها هاتكن الزنكى ثم كافور الأخشيدى ثم ناصر الدولة ابن حمدان ثم توران شاه أخوه السلطان صلاح الدين في سنة ثمانين وستين وخمسمائة ولم تفتح إلا في هذا العام وقال في ذلك ابن عبد الظاهر
هذا هو الفتح لا شىء سمعت به
في شاهد العين لا ما في الأسانيد

وفي سنة ست وسبعين مات الملك الظاهر بدمشق في محرم واستقل ابنه الملك السعيد محمد بالسلطنة وله ثمان عشرة سنة وفيها جمع التقى بن رزين بين قضاء مصر والقاهرة وكان قضاء مصر قبل ذلك مفردا عن قضاء القاهرة ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة وفي سنة ثمان وسبعين خلع الملك السعيد من السلطنة وسير إلى الكرك سلطانا بها فمات من عامه وولوا مكانه بمصر أخاه بدرالدين سلامش وله سبع سنين ولقبوه بالملك العادل وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون وضرب السكة باسمه على وجه ودعى لهما في الخطبة ثم في رجب نزع سلامش من السلطنة بغير نزاع وتسلطن قلاوون ولقب بالملك المنصور وفي سنة تسع وسبعين يوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار وصواعق وفي سنة ثمانين وصل عسكر التتار إلى الشام وحصل الرجيف

482

فخرج السلطان لقتالهم ووقع المصاف وحصل مقتلة عظيمة ثم حصل النصر للمسلمين ولله الحمد وفي سنة ثمان وثمانين أخذ السلطان طرابلس بالسيف وكانت في أيدى النصارى من سنة ثلاث وخمسمائة إلى الآن وكان أول فتحها في زمن معاوية وأنشأ التاج ابن الأثير كتابا بالبشارة بذلك إلى صاحب اليمن يقول فيه كانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه مكب على مجلس أنسه يرى السلامة غنيمة وإذا عن له وصف الحرب لم يسأل إلا عن طرق الهزيمة قد بلغ أمله من الرتبة وقنع بالسكة والخطبة أموال تنهب وممالك تذهب لا ينالون بما سلبوا وهم كما قيل
إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا
أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا

إلى أن أوجد الله من نصر دينه وأذل الكفر وشياطينه وذكر بعضهم أن معنى طرابلسس باللسان الرومى ثلاثة حصون مجتمعة وفي سنة تسع وثمانين مات السلطان قلاوون في ذى القعدة وتسلطن ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل فأظهر أمر الخليفة وكان خاملا في أيام أبيه حتى أن أباه لم يطلب منه تقليدا بالملك فخطب الخليفة بالناس يوم الجمعة وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمر الإسلام ولما فرغ من الخطبة صلى بالناس قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة ثم خطب الخليفة مرة خطبة أخرى جهادية وذكر بغداد وحرض على أخذها وفي سنة إحدى وتسعين سافر السلطان فحاصر قلعة الروم وفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة قتل السلطان بتروجه وسلطنوا اخاه محمد بن المنصور ولقب الملك الناصر وله يومئذ تسع سنين ثم خلع في المحرم سنة أربع وتسعين وتسلطن كتبغا المنصورى وتسمى بالملك العادل

483

وفي هذه السنة دخل في الإسلام قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاكو ملك التتار وفرح الناس بذلك وفشا الإسلام في جيشه وفي سنة ست وتسعين وستمائة كان السلطان بدمشق فوثب لاجين على السلطنة وحلف له الأمراء ولم يختلف عليه اثنان ولقب الملك المنصور وذلك في صفر وخلع عليه الخليفة الخلعة السوداء وكتب له تقليدا وسير العادل إلى صرخد نائبا بها ثم قتل لاجين في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وأعيد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون وكان منفيا بالكرك فقلده الخليفة فسير العادل إلى حماة نائبا بها فاستمر إلى أن مات سنة اثنتين وسبعمائة وفي سنة إحدى وسبعمائة توفي الخليفة الحاكم إلى رحمة الله ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى وصلى عليه العصر بسوق الخيل تحت القلعة وحضر جنازته رجال الدولة والأعيان كلهم مشاة ودفن بقرب السيدة نفيسة وهو أول من دفن منهم هناك واستمر مدفنهم إلى الآن وكان عهده بالخلافة لولده أبى الربيع سليمان وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام الشيخ عز الدين بن عبدالسلام والعلم اللورقى وأبو القاسم القبارى الزاهد والزين خالد النابلسى والحافظ ابو بكر بن سدى والإمام أبو شامة والتاج ابن بنت الأعز وأبو الحسن ابن عدلان ومجدالدين بن دقيق العيد وأبو الحسن بن عصفور النحوى والكمال سلار الإربلى وعبدالرحيم بن يونس صاحب التعجيز والقرطبى صاحب التفسير والتذكرة والشيخ جمال الدين بن مالك وولده بدر الردين والنصير الطوسى رأس الفلاسفة وخاصة التتار والتاج ابن السباعي خازن المستنصرية والبرهان ابن جماعة والنجم الكاتبى المنطقى والشيخ محى الدين النووى والصدر سليمان إمام الحنفية والتاج ابن ميسر المؤرخ والكواشى

484

المفسر والتقى بن رزين وابن خلكان صاحب ويات الأعيان وابن إياز النحوى وعبدالحليم بن تيمية وابن جعوان وناصر الدين بن المنير والنجم ابن البارزى والبرهان النسفى صاحب التصانيف في الخلاف والكلام والرضى الشاطبى اللغوى والجمال الشريشى والنفيسي شيخ الأطباء وابو الحسين ابن أبى الربيع النحوى والأصبهانى شارح المحصول والعفيف التلمسانى الشاعر المنسوب إلى الإلحاد والتاج وابن الفركاح والزين ابن المرحل والشمس الجوني والعز الفاروقي والمحب الطبرى والتقى ابن بنت الأعز والرضى القسطنطنى والبهاء ابن النحاس النحوى وياقوت المستعصمى صاحب الخط المنسوب وخلائق آخرون المستكفى بالله أبو الربيع المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله ولد في نصف المحرم سنة اربع وثمانين وستمائة واشتغل بالعلم قليلا وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة وخطب له على المنابر في البلاد المصرية والشامية وسارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلامية وكانوا يكنون بالكبش فنقلهم السلطان إلى القلعة وأفرد لهم دارا وفي سنة اثنتين هجم التتار على الشام فخرج السلطان ومعه الخليفة لقتالهم فكان النصر عليهم وقتل من التتار مقتلة عظيمة وهرب الباقون وفيها زلزلت مصر والشام زلزلة عظيمة هلك فيها خلق تحت الهدم وفي سنة أربع انشأ الأمير بيبرس الجاشنكير المنصورى الوظائف والدروس بجامع الحاكم وجدده بعد خرابه من الزلزلة وجعل القضاة الأربعة مدرسي الفقه وشيخ الحديث سعد الدين الحارثى وشيخ النحو أبا حيان

485

وفي سنة ثمان خرج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قاصدا للحج فخرج من مصر في شهر رمضان المعظم وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه فردهم فلما اجتاز بالكرك عدل إليها فنصب له الجسر فلما توسطه انكسر به فسلم من قدامه وقفز به الفرس فنجا وسقط من وراءه فكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادى تحته وأقام السلطان بالكرك ثم كتب كتابا إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة فأثبت ذلك القضاة بمصر ثم نفذ على القضاة الشام وبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شهر شوال ولقب الملك المظفر وقلده الخليفة وألبسه الخلعة السوداء والعمامة المدورة ونفذ التقليد إلى الشام في كيس أطلس أسود فقرىء هناك وأوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ثم عاد الملك الناصر في رجب سنة تسع يطلب عوده إلى الملك ومالأه على ذلك جماعة من الأمراء فدخل دمشق في شعبان ثم دخل مصر يوم عيد الفطر وصعد القلعة وكان المظفر بيبرس فر في جماعة من أصحابه قبل قدومه بأيام ثم أمسك وقتل من عامه وقال العلاء الوداعى في عود الناصر إلى الملك
الملك الناصر قد أقبلت
دولته مشرقة الشمس


عاد إلى كرسيه مثل ما
عاد سليمان إلى كرسيه

وفي هذه السنة تكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض وانهم قد التزموا للديون بسبعمائة ألف دينار كل سنة زيادة على الجالية فقام الشيخ تقى الدين بن تيمية في إبطال ذلك قياما عظيما وبطل ولله الحمد وفيها اظهر ملك التتار خوبند الرفض في بلاده وامر الخطباء أن لا يذكروا في الخطبة إلا على بن أبى طالب وولديه وأهل البيت واستمر ذلك إلى أن مات سنة ست عشرة وولى ابنه أبو سعيد فأمر بالعدل واقام السنة والترضى عن الشيخين ثم عثمان ثم على في الخطبة وسكن كثير من الفتن ولله الحمد وكان

486

هذا من خير ملوك التتار وأحسنهم طريقة واستمر إلى أن مات سنة ست وثلاثين ولم يقم لهم بعده قائمة بل تفرقوا شذر مذر وفي سنة عشرة زاد النيل زيادة كثيرة لم يسمع مثلها وغرق منها بلاد كثيرة وناس كثيرون وفي سنة اربع وعشرين زاد النيل أيضا كذلك ومكث على أرض ثلاثة اشهر ونصفا وكان ضرره أكثر من نفعه وفي سنة ثمان وعشرين عمرت سقوف المسجد الحرام بمكة والأبواب وظاهره مما يلي باب بنى شيبة وفي سنة ثلاثين أقيمت الجمعة بإيوان الشافعية من المدرسة الصالحية بين القصرين وذلك أول ما أقيمت بها وفيها فرغ من الجامع الذى أنشأه قوصون خارج باب زويلة وخطب به وحضره السلطان والأعيان وباشر الخطابة يومئذ قاضى القضاة جلال الدين القزوينى ثم استقر في خطابته فخر الدين بن شكر وفي سنة ثلاث وثلاثين أمر السلطان بالمنع من رمى البندق وان لا تباع قسية ومنع المنجمين وفيها عمل السلطان للكعبة باب من الأبنوس عليه صفائح فضة زنتها خمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وكسر وقلع الباب العتيق فأخذه بنو شيبة بصفائحه وكان عليه اسم صاحب اليمن وفي سنة ست وثلاثين وقع بين الخليفة والسلطان أمر فقبض على الخليفة واعتقله بالبرج ومنعه من الاجتماع بالناس ثم نفاه في ذى الحجة سنة سبع إلى قوص هو وأولاده وأهله ورتب لهم ما يكفيهم وهم قريب من مائة نفس فإنا لله وإنا إليه راجعون واستمر المستكفى بقوص إلى أن مات بها في شعبان سنة اربعين وسبعمائة ودفن بها وله بضع وخمسون سنة

487

قال ابن حجر في الدار الكامنة كان فاضلا جوادا حسن الخط جدا شجاعا يعرف بلعب الأكرة ورمى البندق وكان يجالس العلماء والأدباء وله عليهم إفضال ومعهم مشاركة وكان بطول مدته يخطب له على المنابر حتى في زمن حبسه ومدة أقامته بقوص وكان بينه وبين السلطان أولا محبة زائدة وكان يخرج مع السلطان إلى السرحات ويلعب معه الكرة وكانا كالأخوين والسبب في الوقيعة بينهما أنه رفع إليه قصة عليه خط الخليفة بأن يحضر السلطان بمجلس الشرع الشريف فغضب من ذلك وآل الأمر إلى أن نفاه إلى قوص ورتب له على واصل المكارم أكثره مما كان له بمصر وقال ابن فضل الله في ترجمته من المسالك كان حسن الجملة لين الحملة وممن مات في ايام المستكفى من الأعلام قاضى القضاة تقى الدين بن دقيق العيد والشيخ زين الدين الفارقى شيخ الشافعية وشيخ دار الحديث وليها بعد وفاة النووى إلى الآن ووليها بعده صدر الدين بن الوكيل والشرف الفزارى والصدر بن الزرير بن الحاسب والحافظ شرف الدين الدمياطى والضياء الطوسى شارح الحاوى والشمس السروجى شارح الهداية من الحنفية والإمام نجم الدين بن الرفعة إمام الشافعية في زمانه والحافظ سعد الدين الحارثى والفخر التوزى محدث مكة والرشيد بن المعلم من كبار الحنفية والأربوى والصدر ابن الوكيل شيخ الشافعية والكمال ابن الشريشى والتاج التبريزى والفخر بن بنت أبى سعد والشمس بن أبى العز شيخ الحنفية والرضى الطبرى إمام مكة والصفى أبو الثناء ومحمود الأرموى والشيخ نور الدين البكرى والعلاء ابن العطار تلميذ الإمام النووى والشمس الأصبهانى صاحب التفسير وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح التجريد وغير ذلك والتقى الصائغ المقرىء خاتمة مشايخ القراء والشهاب محمود شيخ صناعة الإنشاء والجمال بن مطهر شيخ

488

الشيعة والكمال بن قاضى شهبة والنجم القمولى صاحب الجواهر والبحر والكمال بن الزملكانى والشيخ تقى الدين بن تيمية وابن جبارة شارح الشاطبية والنجم البالسى شارح التنبيه والبرهان الفزارى شيخ الشافعية والعلاء القونوى شارح الحاوى والفخر التركمانى من الحنفية شارح الجامع الكبير والملك المؤيد صاحب حماة الذي له تصانيف كثيرة منها نظم الحاوى والشيخ ياقوت العرشى تلميذ الشيخ أبى العباس المرسى والبرهان الجعبرى والبدر بن جماعة والتاج ابن الفاكهانى والفتح بن سيد الناس والقطب الحلبى والزين الكنانى والقاضى محى الدين بن فضل الله والركن بن القويع والزين بن المرحل والشرف بن البارزى والجلال القزوينى وآخرون الواثق بالله ابراهيم الواثق بالله إبراهيم بن ولى العهد المستمسك بالله أبى عبدالله محمد بن الحاكم يأمر الله أبى العباس أحمد كان جده الحاكم عهد إلى أبنه محمد ولقبه المستمسك فمات في حياته فعهد إلى ابنه إبراهيم هذا ظنا أنه يصلح للخلافة فرآه غير صالح لها لما هو فيه من الانهماك في اللعب ومعاشرة الأرذال فعدل عنه وعهد إلى المستكفى ابنه أعنى ابن الحاكم وهو عم إبراهيم فكان إبراهيم هو السبب في الوقيعة بين الخليفة المستكفى والسلطان بعد أن كانا كالأخوين لما كان يحمله إليه من النميمة به حتى جرى ما جرى فلما مات المستكفى بقوص عهد إلى ابنه أحمد فلم يلتفت السلطان إلى ذلك وبايع إبراهيم هذا ولقب بالواثق إلى أن حضرت السلطان الوفاة فندم على ما صدر منه وعزل إبراهيم هذا وبايع ولى العهد أحمد ولقب الحاكم وذلك في أول المحرم سنة اثنتين واربعين قال ابن حجر راجع الناس السلطان في أمر إبراهيم هذا ووسموه بسوء السيرة

489

فلم يلتفت لذلك ولم يزل بالناس حتى بايعوه وكان العامة يلقبونه المستعصى بالله وقال ابن فضل الله في المسالك في ترجمة الواثق عهد إليه جده ظنا أن يكون صالحا أويجيب لداعى الخلافة صائحا فما نشأ إلا في تهتك ولا دان إلا بعد تنسك أغرى بالقاذورات وفعل ما لم تدع إليه الضرورات وعاشر السفلة والأرذال وهان عليه من عرضه ماهو باذل وزين له سوء عمله فرآه حسنا وعمى عليه فلم ير مسيئا إلا محسنا وغواه اللعب بالحمام وشرى الكباش للنطاح والديوك للنقار والمنافسة في المعز الزرائبية الطوال الآذان وأشياء من هذا ومثله مما يسقط المروءة ويثلم الوقار وانضم هذا إلى سوء معاملة ومشترى سلع لا يوفى أثمانها واستئجار دور لا يقوم بأجرها وتحيل على درهم يملأ به كفه وسحت يجمع به فمه وحرام يطعم منه ويطعم حرمه حتى كان عرضه للهوان وأكلة لأهل الهوان فلما توفى المستكفى والسلطان عليه في حدة غضبه وتياره المتحامل عليه في شدة غلبه طلب هذا الواثق المغتر والمائق إلا أنه غير المضطر وكان ممن يمشى إلى السلطان في عمه بالنميمة ويعقد مكائده على رأسه عقدة التميمة فحضر إليه وأحضر معه عهد جده فتمسك السلطان بمبايعته بشبهته وصرف وجه الخلافة إلى جهته وكان قد تقدم نقض ذلك العهد ونسخ ذلك العقد وقام قاضى القضاة أبو عمر بن جماعة في صرف رأى السلطان عن إقامة الخطبة باسم الواثق فلم يفعل واتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين واكتفى فيها بمجرد اسم السلطان فرحل بموت المستكفى اسم الخلافة عن المنابر كأنه ما علا ذروتها وخلا الدعاء للخلافاء من المحاريب كأنه ما قرع بابها ومروتها فكأنما كان آخر للخلفاء بنى العباس وشعارها عليه لباس الحداد واغمدوا تلك السيوف الحداد ثم لم يزل الأمر على هذا حتى حضرت السلطان الوفاة وقرع الموت

490

صفاه فكان مما أوصى به الأمر إلى أهله وإمضاء عهد المستكفى لأبنه قال الآن حصحص الحق وحنا على مخالفيه ورق وعزل إبراهيم وهزل وكان قد رعى البهم وستر اللؤم بثياب أهل الكرم وتسمن وشحمة ورم وتسمى بالواثق واين هو من صاحب هذا الاسم الذى طال ما سرى رعبه في القلوب وأقضت هيبته مضاجع الجنوب وهيهات لا تعد من النسر التماثيل ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل وإنما سوق الزمان قد ينفق ما كسد والهر يحكى اتفاخا صورة الأسد وقد عاد الآن يعض يديه ومن يهن يسهل الهوان عليه هذا آخر كلام ابن فضل الله الحاكم بأمر الله أبو العباس الحاكم بأمر الله أبو العباس احمد بن المستكفى كان أبوه لما مات بقوص عهد إليه بالخلافة فقدم الملك الناصر عليه إبراهيم ابن عمه لما كان في نفسه من المستكفى وكانت سيرة إبراهيم قبيحة وكان القاضى عز الدين بن جماعة قد جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه فلم يفعل فلما حضرته الوفاة أوصى الأمراء برد الأمر إلى ولى عهد المستكفى ولده أحمد فلما تسلطن المنصور أبو بكر ابن الناصر عقد مجلسا يوم الخميس حادى عشر ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وطلب الخليفة إبراهيم وولى العهد أحمد والقضاة وقال من يستحق الخلافة شرعا فقال ابن جماعة إن الخليفة المستكفىالمتوفى بمدينة قوص أوصى بالخلافة من بعده لولده أحمد وأشهد عليه أربعين عدلا بمدينة قوص وثبت ذلك عندى بعد ثبوته عند نائبى بمدينة قوص فخلع السلطان حينئذ إبراهيم وبايع أحمد وبايعه القضاة ولقب الحاكم بأمر الله لقب جده وقال ابن فضل الله في المسالك في ترجمته هو إمام عصرنا وغمام مصرنا قام على غيظ العدى وغرق بفيض الندى وصارت له الأمور إلى مصائرها

491

وسيقت إليه بصائرها فأحيا رسوم الخلافة ورسم بما لا يستطيع أحد خلافه وسلك مناهج آبائه وقد طمست واحياها بمباهج أبنائه وقد درست وجمع شمل بنى ابيه وقد طال بهم الشتات وأطال عذرهم وقد اختلف السبات ورفع اسمه على ذرى المنابر وقد عبر مدة لا يطلع إلا فى آفاقه تلك النجوم ولا يسبح إلا في سبحة تلك الغيوم والسجوم طلب بعد موت السلطان وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته وكان أبوه قد أحكم له بالعقد المتقدم عقدها وحفظ له عنده ذوى الأمانة عهدها ثم تسلطن الملك المنصور أبو بكر بن السلطان وعمر له من تحت الملك الأوطان قال ابن فضل الله وقد كتبت له صورة المبايعة وهى بسم الله الرحمن الرحيم إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله إلى قوله هذه بيعة رضوان وبيعة احسان وجمعية رضى يشهدها الجماعة ويشهد عليها الرحمن بيعة يلزم طائرها العنق ويحوم بسائرها ويحمل أنباءها البرارى والبحار مشحونة الطرق بيعة يصلح الله بها الأمة ويمنح بسببها النعمة ويتجارى الرفاق ويسرى الهناء فى الآفاق وتتزاحم لزهر الكواكب على حوض المجرة الدقاق بيعة سعيدة ميمونة شريفة بها السلامة في الدين والدنيا مضمونة بيعة صحيحة شرعية ملحوظة مرعية بيعة تسابق إليها كل نية وتطاوع كل طوية ويجتمع عليها اشتات البرية بيعة يستهل بها الغمام ويتهلل بها البدر التمام بيعة متفق عليها الإجماع والإجتماع ولبسط الأيدى إليها انعقد عليها الإجماع فاعتقد صحتها من سمع لله وأطاع وبذل في تمامها كل امرىء ما استطاع حصل عليها اتفاق الأبصار والأسماع ووصل بها الحق إلى مستحقيه وأقره الخصم وانقطع النزاع يضمنها كتاب مرقوم يشهده المقربون وتلقاه الأئمة الأقربون الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا ان هدانا الله ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس وإلينا ولله الحمد وإلى بنى العباس أجمع على هذه البيعة

492

أرباب العقد والحل وأصحاب الكلام فيما قل وجل وولاة الأمور والحكام وأرباب المناصب والأحكام حملة العلم والأعلام وحماة السيوف والأقلام وأكابر بنى عبد مناف ومن انخفض قدره وأناف وسروات قريش ووجوه بنى هاشم والبقية الطاهرة من بنى العباس وخاصة الأئمة وعامة الناس بيعة ترى بالحرمين خيامها وتخفق بالمأزمين أعلامها وتتعرف بعرفات بركاتها وتعرف بمنى ويؤمن عليها يوم الحج الأكبر وتؤم ما بين الركن والمقام والحجر ولا يبتغى به إلا وجه الله الكريم بيعة لا يحل عقدها ولا ينبذ عهدها ولازمة جازمة دائبة دائمة تامة عامة شاملة كاملة صحيحة صريحة متعبة مريحة ولا من يوصف حلم ولا قضاء ولا من يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء ولا إمام مسجد ولا خطيب ولا ذو الفتوى يسأل فيجيب ولا من لزم المساجد ولا من تضمهم أجنحة المحاريب ولا من يجتهد في رأى فيخطىء أو يصيب ولا محدث بحديث ولا متكلم في قديم حديث ولا معروف بدين وصلاح ولا فرسان حرب وكفاح ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح ولا ضارب بصفاح ولا ساع بقدم ولا ظائر بجناح ولا مخالط للناس ولا قاعدة فى عزلة ولا جمع كثرة ولا قلة ولا من يستقل بالجوزاء لؤلؤه ولا من يعلو فوفى الفرقدين ثواؤه ولا باد ولا حاضر ولا مقيم ولا سائر ولا أول ولا آخر ولا مسر في باطن ولا معلن ظاهر ولا عرب ولا عجم ولا راعى إبل ولا غنم ولا صاحب أناة ولا بدار ولا ساكن في حضر وبادية بدار ولا صاحب عمد ولا جدار ولا ملجج في البحارة الذاخرة والبرارى والقفار ولا من يعتلى صهوات الخيل ولا من يسبل على العجاجة الذيل ولا من تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل ولا من تظله السماء وتقله الأرض ولا من تدل عليه الأسماء على اختلافها وترفع درجات بعضها على بعض حتى آمن بهذه البيعة وأمن عليها وأمن بها ومن الله عليه وهداه إليها وأقر بها وصدق وغض لها بصره خاشعا لها وأطرق ومد إليها يده بالمبايعة

493

ومعتقده بالمتابعة ورضى بها وارتضاها واجاز حكمها على نفسه وامضاها ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وإنه لما استأثر الله بعبده سليمان أبى الربيع الإمام المستكفى بالله أمير المؤمنين كرم الله مثواه وعوضه عن دار السلام بدار السلام ونقله مزكى يديه عن شهادة الإسلام بشهادة الإسلام حيث آثره بقربه ومهد لجنبه وأقدمه على ما قدمه من مرجو عمله وكسبه وخار له في جواره فريقا وأنزله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاه الله أكبر ليومه لولا مخلفة كانت تضيق الأرض بما رحبت وتجزى كل نفس بما كسبت وتنبأ كل سريرة ما ادخرت وما جنت لقد اضطرم سعير إلا أنه في الجوانح لقد اضطرب منبر وسرير لولا خلفه الصالح لقد اضطر مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة الصالح ولم يكن النسب العباسى ولا في البيت المسترشدى ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء وجدود ولا من تلده أخرى الليالى وهى عاقر غير ولود من تسلم إليه امه محمد عقد نياتها وسرطوياتها إلا واحد وأين ذاك الواحد هو والله من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار وتراث أجداده الأخيار ولا شىء هو إلا ما اشتمل عليه رداء الليل والنهار وهو ولد المنتقل إلى ربه وولد الإمام الذاهب لصلبه المجمع على أنه في الأيام فرد هذا الأنام وهكذا في الوجود الإمام وأنه الحائز لما زرت عليه جيوب المشارق والمغارب والفائز بملك ما بين المشارق والمغارب الراقى في صفح السماء هذه الذروة المنيفة الباقى بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة المجتمع فيه شروط الإمامة المتضع لله وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة الذي يفضح السحاب نائله والذي لا يعزه عادله ولا يغره عاذله والذى ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلا قال بأمره وقام قائمه ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف انه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه نائب الله في أرضه والقائم

494

مقام رسوله صلى الله عليه وسلم وخليفته وابن عمه وتابع عمله الصالح ووارث علمه سيدنا ومولانا عبدالله ووليه أبو العباس الإمام الحاكم بأمر الله وأمير المؤمنين أيد الله ببقائه الدين وطوق بسيفه الملحدين وكبت تحت لوائه المعتدين وكتب له النصر إلى يوم الدين وكب بجهاده على الأذقان طوائف المفسدين وأعاذ به الأرض ممن لا يدين بدين واعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهدبين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وعليه كانوا يعملون ونصر أنصاره وقدر اقتداره وأسكن في القلوب سكينته ووقاره ومكن له في الوجود وجمع له أقطاره ولما انتقل إلى الله ذلك السيد ولقى أسلافه ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة وخلا العصر من إمام يمسك ما بقى من نهاره وخليفة يغالب مزيد الليل بأنواره ووارث نبى بمثله ومثل آبائه استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء عن النبي يقتفى على آثاره ومضى ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الإجماع وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا نزاع اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كل طرف به معقود وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلف ولم ير بائعه وقد مد يده طامعا لمزيدها وقد تكلف واجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار وأخذ يمين يمد لها الأيمان ويشهد بها الإيمان ويعطى عليها المواثيق وتعرض أمانتها على كل فريق حتى تقلد كل من حضر فى عنقه هذه الأمانة وحط على المصحف الكريم يده وحلف بالله واتم أيمانه ولم يقطع ولا استثنى ولا تردد ومن قطع عن غير قصد اعاد وجدد وقد نوى كل من حلف أن النية في يمينه نية من عقدت له هذه البيعة ونية من حلف له وتذمم بالوفاء له في ذمته وتكلفه على عادة أيمان البيعة وشروطها وأحكامها المرددة وأقسامها المؤكدة بأن يبذل لهذا الإمام المفترض الطاعة الطاعة ولا يفارق الجمهور ولا يفر عن الجماعة الجماعة

495

وغير ذلك مما تضمنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من كتب منهم وخطوط العدول الثقات عمن لم يكتبوا وأذنوا أن يكتب عنهم حسبما يشهد به بعضهم على بعض ويتصادق عليه أهل السماء والأرض بيعة تم بمشيئة الله تمامها وعم بالصوب المغدق غمامها وقالوا الحمد لله أذهب عنا الحزن ووهب لنا الحسن ثم الحمد لله الكافى عبده الوافى لمن يضعف على كل موهبة حمده ثم الحمد لله على نعمه يرغب أمير المؤمنين في ازديادها ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها ويدأب بها من ارتقى منابر ممالكه بما بان من مبانيه أضدادها ونحمده والحمد لله ثم الحمد لله كلمة لا يمل من تردادها ولا يحل بما تفوق السهام من سدادها ولا يبطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها وتكبير أقدار أهل ودادها وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقايس دماء الشهداء وإمداد مدادها وتنافس طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها وتتجانس رقومها المدبحة وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالى من دثارها والأعداء من حدادها ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جماعة أهله ومن خلف من ابنائها وسلف من أجدادها ورضى الله عن الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله ميراث النبوةما كان لجده ووهبه من الملك السليمانى ما لا ينبغى لأحد من بعده وعلمه منطق الطير مما يتحمله حمائم البطائق من بدائع البيان وسخر له من البريد على متن الخيل ما سخره من الريح لسليمان وآتاه الله من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف واعطاه من الفخار به ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلف وجعل له من لباس

496

بنى العباس ما يقضى له سواده بسودد الأجداد وينفض على ظل الهدب ما فضل به عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد ويمد ظله على الأرض وكل مكان دار ملك وكل مدينة بغداد وهو في ليلة السجود وفي نهاره العسكري وفي كرمه جعفر وهو الجواد يديم الابتهال إلى الله تعالى في توفيقه والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه ويبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهم من مصالح الإسلام ومصالح الأعمال فيما تتحلى به الأيام ويقدم التقوى امامه ويقرر عليها احكامه ويتبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس ومن لا يحمل أمره طائعا على العين يحمله غصبا على الرأس ويعجل أمير المؤمنين بما استقر به النفوس ويرد به كيد الشيطان وإنه يؤس ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غنى عن هذا ولكنه يسوس وأمير المؤمنين يشهد الله عليه وخلقه بأنه أقر ولى كل أمر من ولاة أمور الإسلام على حاله واستمر به في مقيله تحت كنف ظلاله على اختلاف طبقات ولاة الأمور وطرقات الممالك والثغور برا وبحرا وسهلا ووعرا شرقا وغربا بعدا وقربا وكل جليل وحقير وقليل وكثير وصغير وكبير ومالك ومملوك وأمير وجندى يبرق له سيف شهير ورمح ظهير ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب ومن له تدقيق في انشاء وتحقيق في حساب ومن يتحدث في بريد وخراج ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج ومن في التدريس والمدارس والربط والزوايا والخوانق ومن له أعظم التعلقات وأدنى العلائق وسائر أرباب المراتب واصحاب الرواتب ومن له من مال الله رزق مقسوم وحق مجهول أو معلوم واستمر كل امرىء على ما هو عليه حتى يستخير الله ويتبين له ما بين يديه ومن ازداد تأهيله زاد تفضيله وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله ولا يحابى احدا في دين الله ولا يحابى في حق فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين وكل ما هو مستمر إلى الآن مستقر على حكم الله مما فهمه الله له وفهمه سليمان لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا فى بعضه تغيرا شكرا لله على نعمه وهكذا

497

يجازى من شكر ولا يكدر على احد موردا نزه الله نعمه الصافية به عن الكدر ولا يتأول في ذلك متؤول إلا من جحد النعمة وكفر ولا يتعلل متعلل فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله ونعيذ ايامه الغرر من الغير وامر أمير المؤمنين أعلى الله أمره أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الافاق وان يضرب باسمهما النقود وتسير الطلاق ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل والنهار ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب ويتداوله كل بعيد وقريب ومختصره أن الله امر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب وسيفرغ الألباء لها السجايا ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا وتتكلم بها المزايا ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا ويسمر بها السمار ويترنم بها الحادى والملاح ويرق شجوها بالليل المقمر ويرقم على جبين الصباح وتعظ بها مكة بطحاءها ويحيا بحدائها قفاه ولقنها كل أب فهمه ابنه ويسأل كل ابن نجيب أباه وهو لكم أياهاالناس من أمير المؤمنين من سدد عليكم بينه وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل الله من الحكمة والموعظة الحسنة ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وارسى جبالها ولا اتفقت الآراء على من يستحق وجاءت إليه الخلافة تجر أذيالها وأخذها دون بنى ابيه ولم تكن تصلح إلا له ولم يكن يصلح إلا لها وقد كفاكم أمير المؤمنين السؤال بما فتح الله لكم من أبواب الأرزاق وأسباب الارتزاق واجراكم على وفاقكم وعلمكم مكارم الأخلاق واجرأكم على عوائدكم ولم يمسك خشية انفاق ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا ان يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بما يسعد به من يحيى اطال الله بقاء أمير المؤمنين من بعده ويزيد على ما تقدم ويقيم فروض الحج والجهاد وينيم الرعايا بعدله الشامل

498

في مهاد وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام ويشمل بره سكان الحرمين الشريفين وسدنة بيت الله الحرام ويجهر السبيل على ضالة ويرجو ان يعود على حاله الأول في سالف الأيام ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام ويقيم بعدله قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أينما كانوا واكثرهم في الشام والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقديم سننها وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه وفيما يتسلم من بلاد الكفار ويسلم منهم على يديه واما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره المقلد عنه جميع ما وراء سريره وامير المؤمنين قد وكل منه خلد الله ملكه وسلطانه عينا لا تنام وقلد سيفا لو اغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلت خياله عليهم الأحلام وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى وقد قدم الوصية بأن يوالى غزو العدو المخذول برا وبحرا ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلا ولا أسرا ولا يفك إغلالا ولا إصرا ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقبانا وفي البحر غربانا تحمل كل منهما من كل فارس صقرا ويحمى الممالك ممن يتخرق اطرافها بإقدام ويتحول أكنافها بأقدام وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك التى هى مرابط البنود ومرابط الأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم في الميمنة والميسر والجناح الممدود ويتفقد احوالهم بالعرض بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض وما لهم من زرد موضون وبيض مسها ذهب ذائب فكانت كأنها بيض مكنون وسيوف وقوابض ورماح بسبب دوامها من الدماء خواضب وسهام تواصل القسى وتفارقها فتحن حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب وهذه جملة أراد امير المؤمنين بها إطابة قلوبكم وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم ودماءكم واموالكم واعراضكم في حماية إلا ما اباح الشرع المطهر

499

ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر واما جؤيئات الأمور فقد علمتم ان من بعد عن أمير المؤمنين غنى عن مثل هذه الذكرى وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين وكلكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين وله عليكم أداء النصيحة وإبداء الطاعة بسريره صحيحة فقد دخل كل منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقه ولزمه حكم بيعته وألزم طائره في عنقه وسيعلم كل منكم في الوفاء بما أصبح به عليما ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤته أجرا عظيما هذا قول أمير المؤمنين وقال وهو يعمل في ذلك كله بما تحمد عاقبته من الأعمال وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال ويستعذ به من الإهمال ويسأل أن يمده لما يحب من الآمال ولا يمد له حبل الإهمال ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان والحمد لله وهو من خلق احمد وقد آتاه الله ملك سليمان والله يمتع أمير المؤمنين بما وهبه ويملكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه ولا يزال على سدة العلياء قعوده ولدست الخلافة به أبهة الجلالة كأنه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا رشيده وقال ابن حجر في الدرر كان أولا لقب المستنصر ثم لقب الحاكم وذكر الشيخ زين الدين العراقى انه سمع الحديث على بعض المتأخرين وانه حدث مات في الطاعون في نصف سنة ثلاث وخمسين ومن الحوادث في أيامه في عام ولايته خلع السلطان المنصور لفساده وشربه الخمور حتى قيل أنه جامع زوجات أبيه ونفى إلى قوص وقتل بها فكان ذلك من الله مجازاة لما فعله والده مع الخليفة وهذه عادة الله مع من يتعرض لأحد من آل العباس بأذى وتسلطن اخوه الملك الأشرف كجك ثم خلع من عامه وولى اخوه أحمد ولقب بالناصر وعقد المبايعة بينه وبين الخليفة الشيخ

500

تقى الدين السبكى قاضى الشام وكان قد حضر معه مصر وفي سنة ثلاث وأربعين خلع الناصر أحمد وولى اخوه إسماعيل ولقب بالصالح وفي سنة ست واربعين مات الصالح فقلد الخليفة أخاه شعبان ولقب بالكامل وفي سنة سبع واربعين قتل الكامل وولى اخوه أمير حاج ولقب بالمظفر وفي سنة ثمان وأربعين خلع المظفر وولى اخوه حسن ولقب بالناصر وفي سنه تسع واربعين كان الطاعون العام الذي لم يسمع بمثله وفي سنة اثنتين وخمسين خلع الناصر وولى اخوه صالح ولقب الملك الصالح وهو الثامن ممن تسلطن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون وجعل شيخو أتابكه قال في ذيل المسالك هو اول من سمى بمصر الأمير الكبير وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام الحافظ أبو الحجاج المزى والتاج عبدالباقى اليمنى والشمس ابن عبدالهادى وابو حيان وابن الوردى وابن اللبان وابن عدلان والذهبي وابن فضل الله وابن قيم الجوزية والفخر المصري شيخ الشافعية بالشام والتاج المراكشى وآخرون المعتضد بالله أبو الفتح المعتضد بالله أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله بويع بالخلافة بعد موت أخيه في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بعهد منه وكان خيرا متواضعا محبا لأهل العلم مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة

501

ومن الحوادث في أيامه في سنة اربع وخمسين قال ابن كثير وغيره كان بطرابلس بنت تسمى نفيسة زوجت بثلاث أزواج ولا يقدرون عليها يظنون أن بها رتقا فلما بلغت خمس عشرة سنة غار ثدياها ثم جعل يخرج من محل الفرج شىء قليلا قليلا إلى ان برز منه ذكر قدر اصبع وأنثيان وكتب بذلك في محاضر وفي سنة خمس وخمسين خلع الملك الصالح واعيد الناصر حسن وفي سنة ست وخمسين رسم بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه وجعل كل أربعة وعشرين فلسا بدرهم وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم ومن هنا يعرف مقدار الدراهم النقرة التى جعلها شيخو وصرغتمش لأرباب الوظائف في مدرستيهما فمرادهما بالدرهم ثلثا رطل من الفلوس وفي سنة اثنتين وستين قتل الناصر حسن وولى محمد بن أخيه المظفر ولقب بالمنصور وممن مات في أيام المعتضد من الأعلام الشيخ تقى الدين السبكى والسمين صاحب الإعراب والقوام الإتقانى والبهاء ابن عقيل والصلاح العلائى والجمال ابن هشام والحافظ مغلطاى وابو أمامة ابن النقاش وآخرون المتوكل على الله أبو عبدالله المتوكل على الله أبو عبدالله محمد بن المعتضد والد خلفاء العصر ولى الخلافة بعهد أبيه بعد موته في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وامتدت أيامه خمسا واربعين سنة بما تخللها من خلع وحبس كما سنذكره وأعقب أولادا كثيرة يقال إنه جاء له مائة ولد ما بين مولود وسقط ومات عن عدة

502

ذكورا وإناث وولى الخلافة منهم خمسة ولا نظير لذلك المستعين العباس والمعتضد داود والمستكفى سليمان والقائم حمزة والمستنجد يوسف وبقى من أولاده الآن واحد يسمى موسى وما أشبهه بإبراهيم بن المستكفى والموجود الان من العباسيين كلهم من ذرية المتوكل هذا أكثر الله عددهم وزاد مددهم ومن الحوادث في أيامه في سنة اربع وستين خلع المنصور محمد وولى شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون ولقب الأشرف وفي سنة ثلاث وسبعين احدثت العلامة الخضراء على عمائم الشرفاء ليتميزوا بها بأمر السلطان وهذا أول ما أحدث وقال في ذلك ابو عبدالله بن جابر الأعمى النحوى صاحب شرح الألفية المشهورة بالأعمى والبصير
جعلوا لأبناء الرسول علامة
إن العلامة شأن من لم يشهر


نور البنوة في كريم وجوههم
يغنى الشريف عن الطراز الأخضر

وفي هذه السنة كان ابتداء خروج الطاغية تمرلنك الذي اخرب البلاد وأباد العباد واستمر يعثو في الأرض بالفساد إلى ان هلك إلى لعنة الله في سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وفيه قيل شعر
لقد فعلوا فعل التتار ولو رأوا
فعال تمرلنك إذا كان أعظما


وطائره في جلق كان أشأما

وكان اصله من ابناء الفلاحين ونشا يسرق ويقطع الطريق ثم انضم إلى خدمة صاحب خيل السلطان ثم قرر مكانه بعد موته وما زال يترقى إلى أن وصل إلى ما وصل قيل لبعضهم في أي سنة كان ابتداء خروج تمرلنك قال في سنة عذاب يعنى بحساب الجمل ثلاث وسبعين وسبعمائة وفي سنة خمس وسبعين ابتدئت قراءة البخارى في رمضان بالقلعة بحضرة السلطان ورتب الحافظ زين الدين العراقى قارئا ثم اشرك معه الشهاب العريانى يوما بيوم

503

وفي سنة سبع وسبعين غلا البيض بدمشق فبيعت الواحدة بثلاث دراهم من حساب ستين دينار وفي سنة ثمان وسبعين قتل الأشرف شعبان وتسلطن ابنه على لقب المنصور وذلك أن الأشرف سافر إلى الحج ومعه الخليفة والقضاة والأمراء فخامر عليه الأمراء وفر راجعا إلى القاهرة ورجع الخليفة ومن رجع وأرادوا أن يسلطنوا الخليفة فامتنع فسلطنوا ابن الأشرف واختفى الأشرف إلى أن ظفروا به فخنقوه في ذى القعدة وفيها خسف الشمس والقمر جميعا وطلع القمر خاسفا في شعبان في ليلة أربع عشرة وكسفت الشمس يوم الثامن والعشرين منه وفي سنة تسع وسبعين في رابع ربيع الأول طلب أيبك البدرى أتابك العساكر زكرياء بن إبراهيم بن المستمسك الخليفة الحاكم فخلع عليه واستقر خليفة بغير مبايعة ولاإجماع ولقب المستعصم بالله ورسم بخروج المتوكل إلى قوص لأمور حقدها عليه وقعت منه عند قتل الأشرف فخرج وعاد من الغد إلى بيته ثم عاد إلى الخلافة في العشرين من الشهر وعزل المستعصم فكانت مدة خلافته خمسة عشر يوما والمتوكل هو سادس الخلفاء الذين سكنوا مصر واقيموا بعد انقطاع الخلافة مدة فحصل له هذا الخلع توفية بالقاعدة وفي سنة اثنتين وثمانين ورد كتاب من حلب يتضمن أن إماما قام يصلى وان شخصا عبث به في صلاته فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير وهرب إلى غابة هناك فعجب الناس من هذا الأمر وكتب بذلك محضر وفي صفر سنة ثلاث وثمانين مات المنصور وتسلطن أخوه حاجى بن الأشرف ولقب الصالح

504

وفي رمضان سنة اربع وثمانين خلع الصالح وتسلطن برقوق ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة وفي رجب سنة خمس وثمانين قبض برقوق على الخليفة المتوكل وخلعه وحبسه بقلعة الجبل وبويع بالخلافة محمد بن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم ولقب الواثق بالله فاستمر في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء سابع عشرى شوال سنة ثمان وثمانين فكلم الناس برقوقا فى إعادة المتوكل إلى الخلافة فلم يقبل واحضر اخا محمد زكرياء الذي كان ولى تلك الأيام اليسيرة فبايعه ولقب المستعصم بالله واستمر إلى سنة إحدى وتسعين فندم برقوق على ما فعل بالمتوكل واخرج المتوكل من الحبس واعاده إلى الخلافة وخلع زكرياء واستمر زكرياء بداره إلى أن مات مخلوعا واستمر المتوكل في الخلافة إلى أن مات وفي جمادى الآخرة من السنة أعيد الصالح حاجى إلى السلطنة وغير لقبه المنصور وحبس برقوق بالكرك وفي هذه السنة في شعبان احدث المؤذنون عقب الأذان الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم ( قف على مبدأ الزيادة في الأذان ) وهذا أول ما أحدث وكان الآمر به المحتسب نجم الدين الطنبذى وفي صفر سنة اثنتين وتسعين اخرج برقوق من الحبس وعاد إلى ملكه فاستمر إلى أن مات في شوال سنة إحدى وثمانمائة فإقيم مكانه في السلطنة ابنه فرج ولقب الناصر فاستمر إلى سادس ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة فخلع من الملك واقيم اخوه عبدالعزيز ولقب المنصور ثم خلع في رابع جمادى الآخر من السنة واعيد الناصر فرج وفى هذه السنة مات الخليفة المتوكل ليلة الثلاثاء ثامن عشرى رجب سنة ثمان وثمانمائة وممن مات في أيام المتوكل من الأعلام الشمس ابن مفلح عالم الحنابلة

505

والصلاح الصفدى والشهاب ابن النقيب والمحب ناظر الجيش والشريف الحسينى الحافظ والقطب التختانى وقاضى القضاة عز الدين بن جماعة والتاج ابن السبكى واخوه الشيخ بهاء الدين والجمال الأسنوى وابن الصائغ الحنفى والجمال ابن نبانه والعفيف اليافعى والجمال الشريشى والشرف ابن قاضى الجبل والسراج الهندى وابن ابى حجلة والحافظ تقى الدين بن رافع والحافظ عماد الدين بن كثير والعتابى النحوى والبهاء أبو البقاء السبكى والشمس بن خطيب يبرود والعماد الحسبانى والبدر بن حبيب والضياء القرمى والشهاب الأذرعى والشيخ أكمل الدين والشيخ سعد الدين التفتازانى والبدر الزركشى والسراج ابن الملقن والسراج البلقينى والحافظ زين الدين العراقى الواثق بالله عمر الواثق بالله عمر بن إبراهيم بن ولى العهد المستمسك بن الحاكم بويع بالخلافة بعد خلع المتوكل في شهر رجب سنة خمس وثمانين واستمر إلى أن مات يوم الأربعاء تاسع عشر شوال سنة ثمان وثمانين المستعصم بالله زكرياء المستعصم بالله زكريا بن إبراهيم بن المستمسك بويع بالخلافة بعد موت أخيه الواثق ثم خلع منها سنة إحدى وتسعين وثمانمائة واستمر بداره مخلوعا إلى أن مات وأعيد المتوكل كما تقدم المستعين بالله أبو الفضل المستعين بالله أبو الفضل العباس بن المتوكل امه أم ولد تركية اسمها باى خاتون وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة والسلطان يومئذ الملك

506

الناصر فرج فلما خرج الناصر لقتال شيخ المحمودى فلما انكسر وهزم وقتل بويع الخليفة بالسلطنة مضافة للخلافة وذلك في المحرم سنة خمس عشرة ولم يفعل ذلك إلا بعد شدة وتصميم وتوثق من الأمراء بالأيمان وعاد إلى مصر والأمراء في خدمته وتصرف بالولاية والعزل وضربت السكة باسمه ولم يغير لقبه وعمل شيخ الاسلام ابن حجر فيه قصيدته المشهورة وهى هذه
الملك فينا ثابت الأساس
بالمستعين العادل العباسى


رجعت مكانة آل عم المصطفى
لمحلها من بعد طول تناس


ثانى ربيع الآخر الميمون في
يوم الثلاثا حف بالأعراس


بقدوم مهدى الأنام أمينهم
مأمون غيب طاهر الأنفاس


ذو البيت طاف به الرجال فهل يرى
من قاصد متردد في الياس


فرع نما من هاشم في روضة
زاكى المنابت طيب الأغراس


بالمرتضى والمجتبى والمشترى
للحمد والحالى به والكاسى


من أسرة أسروا الخطوب وطهروا
مما يغيرهم من الأدناس


أسد إذا حضروا الوغى وإذا خلوا
كانوا بمجلسهم كظى كناس


مثل الكواكب نوره ما بينهم
كالبدر أشرق في دجى الأغلاس


وبكفه عند العلامة آية
قلم يضىء إضاءة المقباس


فلبشره للوافدين مباسم
تدعى وللأجلال بالعباس


فالحمد لله لمعز لدينه
من بعد ما قد كان في إبلاس


بالسادة الأمراء أركان العلى
من بين مدرك ثأره ومواس


نهضوا بأعباء المناقب وارتقوا
في منصب العليا الأشم الراسى


تركوا العدى صرعى بمعترك الردى
فالله يحرسهم من الوسواس


وإمامهم بجلاله متقدم
تقديم بسم الله في القرطاس


لولا نظام الملك في تدبيره
لم يستقم في الملك حال الناس



507


كم من أمير قبله خطب العلى
وبجهده رجعته بإفلاس


حتى إذا جاء المعالى كفؤها
خضعت له من بعد فرط شماس


طاعت له أيدى الملوك وأذعنت
من نيل مصر أصابع المقياس


فهو الذي قد رد عنا البؤس فى
دهر به لولاه كل الباس


وأزال ظلما عم كل معمم
من سائر الأنواع والأجناس


بالخاذل المدعو ضد فعاله
بالناصر المنتناقص الآساس


كم نعمة لله كانت عنده
فكأنها في غربة وتناس


ما زال سر الشر بين ضلوعه
كالنار أو صحبته للأرماس


كم سن سيئة عليه أثامها
حتى القيامة ماله من آس


منكرا بنى أركانه لكنها
للغدر قد بنيت بغير أساس


كل امرىء ينسى ويذكر تارة
لكنه للشر ليس بناس


أملى له رب الورى حتى إذا
أخذوه لم يفلته مر الكاس


وادالنا منه المليك بمالك
أيامه صدرت بغير قياس


فاستبشرت أم القرى والأرض من
شرق وغرب كالعذيب وفاس


آيات مجد لا يحاول حجدها
في الناس غير الجاهل الخناس


ومناقب العباس لم تجمع سوى
لحفيده ملك الورى العباس


لا تنكروا للمستعين رئاسة
في الملك من بعد الجحود الناسى


فبنو أمية قد أتى من بعدهم
في سالف الدنيا بنى العباس


وأتى أشج بنى أمية ناشرا
للعدل من بعد المبير الخاسى


مولاى عبدك قد أتى لك راجيا
منك القبول فلا يرى من باس


لولا المهابة طولت أمداحه
لكنها جاءته بالقسطاس


فأدم رب الناس عزك دائما
بالحق محروسا برب الناس


وبقيت تستمع المديح لخادم
لولاك كان من الهموم يقاسى



508


عبدصفا ودا وزمزم حاديا
وسعى على العينين قبل الراس


أمداحه في آل بيت محمد
بين الورى مسكية الأنفاس

ولما وصل المستعين إلى مصر سكن القلعة وسكن شيخ الاصطبل وفوض إليه المستعين تدبير المملكة بالديار المصرية ولقب نظام الملك فكانت الأمراء إذا فرغوا من الخدمة بالقصر نزلوا في خدمة الشيخ إلى الاصطبل فأعيدت الخدمة عنده ويقع عنده الإبرام والنقض ثم يتوجه داوداره إلى المستعين فيعلم على المناشير والتواقيع ثم إنه تقدم إليه بأن لا يمكن الخليفةمن كتابة العلامة إلا بعد عرضها عليه فاستوحش الخليفة وضاق صدره وكثر قلقه فلما كان في شعبان سأل شيخ الخليفة أن يفوض إليه السلطنة على العادة فأجاب بشرط ان ينزل من القلعة إلى بيته فلم يوافق شيخ على ذلك وتغلب على السلطنة وتلقب بالمؤيد وصرح بخلع المستعين وبايع الخليفة وبايع بالخلافة اخاه داود ونقل المستعين من القصر إلى دار من دور القلعة ومعه أهله ووكل به من يمنعه من الاجتماع بالناس فبلغ ذلك نوروز نائب الشام فجمع القضاة والعلماء واستفتاهم عما صنعه المؤيد من خلع الخليفة وحصره فأفتوا بأن ذلك لا يجوز فأجمع على قتال المؤيد فخرج إليه المؤيد في سنة سبع عشرة وثمانمائة وسير المستعين إلى الإسكندرية فاعتقل بها إلى ان تولى ططر فأطلقه واذن له في المجىء إلى القاهرة فاختار سكنى الإسكندرية لأنه استطابها وحصل له مال كثير من التجارة فاستمر إلى أن مات بها شهيدا بالطاعون في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومن الحوادث الغريبة في أيامه في سنة اثنتى عشرة كثر النيل في أول يوم من مسرى وبلغت الزيادة اثنتين وعشرين ذراعا وفي سنة أربع عشرة أرسل غياث الدين أعظم شاه بن إسكندر شاه ملك الهند يطلب التقليد من الخليفة وارسل إليه مالا وللسلطان هدية

509

وممن مات في خلافته من الأعلام الموفق الناشرى شاعر اليمن ونصر الله البغدادى عالم الحنابلة والشمس المعيد نحوى مكة والشهاب الحسبانى والشهاب الناشرى فقيه اليمن وابن الهائم صاحب الفرائض والحساب وابن العفيف شاعر اليمن والمحب ابن الشحنة عالم الحنفية والدفاضى العسكر المعتضد بالله أبو الفتح المعتضد بالله ابو الفتح داود بن المتوكل أمه أم ولد تركية أسمها كزل بويع بالخلافة بعد خلع أخيه سنة خمس عشرة والسلطان حينئذ المؤيد فاستمر إلى أن مات في محرم سنة أربع وعشرين فقلد السلطنة ابنه أحمد ولقب المظفر وجعل نظامه ططر ثم قبض عليه ططر في شعبان فيلده الخليفة السلطنة ولقب الظاهر ثم مات ططر من عامه في ذى الحجة فقلد ابنه محمدا ولقب الصالح وجعل نظامه برسباى ثم وثب برسباى على الصالح فخلعه وقلده الخليفة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين فاستمر إلى أن مات في ذى الحجة سنة إحدى واربعين فقلد ابنه يوسف ولقب العزيز وجعل جقمق نظامه فوثب جقمق على العزيز وقبض عليه في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين فقلده الخليفة ولقب الظاهر فمات الخليفة في أيامه وكان المعتضد من سروات الخلفاء نبيلا ذكيا فطنا يجالس العلماء والفضلاء ويستفيد منهم ويشاركهم فيما هم فيه جوادا سمحا إلى الغاية مات في يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة خمس واربعين وقد قارب السبعين قال ابن حجر واخبرتنى ابنة أخيه أنه عاش ثلاث وستين ومن الحوادث الغريبة في أيامه سنة ست عشرة تولى الحبسة صدر الدين ابن الادمى مضافة للقضاة وهو أول من جمع بين القضاء والحسبة

510

وفي سنة تسع عشرة وليها منكلى بغا وهو أول من ولى الحسبة من الأتراك في الدنيا وفيها ظهر بمصر شخص يدعى انه يصعد إلى السماء ويشاهد البارى تعالى ويكلمه واعتقده جمع العوام فعقدله مجلس واستتيب فلم يتب فعلق المالكى الحكم بقتله على شهادة اثنين بأنه حاضر العقل فشهد جماعة من أهل الطب أنه مختل العقل فقيد في البيمارستان وفي سنة إحدى وعشرين ولدت ببلبيس جاموسة مولودا برأسين وعنقين واربعة أيدى وسلسلتى ظهر ودبر واحد ورجلين اثنين لا غير وفرج واحد أنثى والذنب المفروق باثنين فكانت من بديع صنع الله وفي سنة اثنتين وعشرين وقع زلزلة عظيمة بارزنكان وهلك بسببها عالم كثير وفيها تمت المدرسة المؤيدية وجعل شيخها الشمس ابن المديري وحضر السلطان درسه وباشر ولد السلطان إبراهيم فرش سجادة الشيخ بيده وفي سنة ثلاث وعشرين ذبح جمل بغزة فأضاء لحمه كما يضىء الشمع ورمى منه قطعة لكلب فلم يأكلها وفي سنة اربع وعشرين استمرت زيادة النيل إلى آخر هاتور وغرق بذلك زرع كثير وفي سنة خمس وعشرين ولدت فاطمة بنت القاضى جلال الدين البلقينى ولدا خنثى له ذكر وفرج وله يدان زائدتان في كفه وفي رأسه قرنان كقرنى الثور ومات بعد ساعة وفيها زلزلت القاهرة زلزلة لطيفة وفيها كثر النيل في ثامن عشرى أبيب وممن مات في ايامه من الأعلام الشهاب ابن حجة فقيه الشام والبرهان

511

ابن رفاعة الأديب والزين أبو بكر المراغى فقيه المدينة ومحدثها والحسام الأبيوردى والجمال ابن ظهيرة حافظ مكة والمجد الشيرازى صاحب القاموس وخلف النحريرى من كبار المالكية والشمس ابن القبانى من كبار الحنفية وابو هريرة بن النقاش والوانوغى والأستاذ عز الدين بن جماعة وابن هشام العجمى والصلاح الأقفهسى والشهاب العزى أحد أئمة الشافعية والجلال البلقينى والبرهان البيجورى والولى العراقي والشمس ابن المديرى والشرف القبانى والعلاء بن المعلى والبدر ابن الدمامينى والتقى الحصنى شارح أبى شجاع والهروى والسراج قارىء الهداية والنجم ابن حجى والبدر البشكتى والشمس البرماوى والشمس الشطنوفى والتقى الفاسى والزين القمنى والنظام يحيى السيرافى وقراء يعقوب الرومى والشرف ابن مفلح الحنبلى والشمس ابن القشيرى وابن الجزرى شيخ القراءات وابن خطيب الدهشة والشهاب الإبشيطى والزين التفهنى والبدر القدسي والشرف بن المقرى عالم اليمن صاحب عنوان الشرف والتقى ابن حجة الشاعر والجلال المرشدى نحوى مكة والهمام الشيرازى تلميذ الشريف والجمال ابن الخياط عالم اليمن والبوصيرى المحدث والشهاب ابن الحمرة والعلاء البخارى والشمس البساطى والجمال الكازرونى عالم طيبة والمحب البغدادى الحنبلى والشمس ابن عمار وآخرون المستكفى بالله أبو الربيع المستكفى بالله أبو الربيع سليمان بن المتوكل ولى الخلافة بعهد من أخيه وهو شقيقه وكتب له والدى رحمه الله نسخة العهد هذه صورتها هذا ما أشهد به على نفس الشريفة حرسها الله تعالى وحماها وصانها من الأكدار ورعاها سيدنا ومولانا المواقف الشريفة الطاهرة الزكية الإمامية الأعظمية العباسية النبوية المعتضدية أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين ووارث

512

الخلفاء الراشدين المعتضد بالله تعالى أبو الفتح داود أعز الله به الدين وامتع ببقائه الإسلام والمسلمين إنه عهد إلى شقيقه المقر العالى المولوى الأصيلى العريقى الحسيبى النسيبى الملكى سيدى ابى الربيع سليمان المستكفى بالله عظم الله شأنه بالخلافة المعظمة وجعله خليفة بعده ونصبه إمام على المسلمين عهدا شرعيا ومعتبرا مرضيا نصيحة للمسلمين ووفاء بما يجب عليه من مراعاة مصالح الموحدين واقتداء بسنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وذلك لما علم من دينه وخيره وعدالته وكفايته واهليته واستحقاقه بحكم أنه اختبر حاله وعلم طويته وأن الذى يدين الله به أنه أتقى ثقة ممن رآه وانه لا يعلم صدر منه ما ينافى استحقاقه لذلك وأنه إن ترك الأمر هملا من غير تفويض للمشار إليه أدخل إذ ذاك المشقة على أهل الحل والعقد في اختيار من ينصبونه للأمامة ويرتضونه لهذا الشأن فبادر إلى هذا العهد شفقة عليهم وقصدا لبراءة ذمتهم ووصول الأمر إلى من هو أهله لعلمه أن العهد كان غير محوج إلى رضا سائر أهله وواجب على من سمعه وتحمل ذلك منه أن يعمل به ويأمربطاعته عن الحاجة إليه ويدعو الناس إلى الانقياد له فسجل ذلك عليه من حضره حسب إذنه الشريف وسطر عن أمره قبل ذلك سيدى المستكفى أبو الربيع سليمان المسمى فيه عظم الله شأنه قبولا شرعيا وكان من صلحاء الخلفاء صالحا دينا عابدا كثير التعبد والصلاة والتلاوة كثير الصمت منعزلا عن الناس وحسن السيرة وقال في حقه أخوه المعتضد لم أر على أخى سليمان منذ نشأ كبيرة وكان الملك الظاهر يعتقده ويعرف له حقه وكان والدى إمام له وكان عنده بمكان رفيع خصيصا به محترما عنده جدا وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله وآله خير آل دينا وعبادة وخيرا وما أظن أنه وجد على ظهر الأرض خليفة بعد آل عمر

513

ابن عبدالعزيز أعبد من آل بيت هذا الخليفة مات في يوم الجمعة سلخ ذى الحجة سنة اربع وخمسين وله ثلاث وستون سنة ولم يعش والدى بعده إلا أربعين يوما ومشى السلطان في جنازته إلى تربته وحمل نعشه بنفسه مات في ايامه من الأعلام التقى المقريزى والشيخ عبادة وابن كميل الشاعر والوفائى والقاياتى وشيخ الإسلام ابن حجر القائم بأمر الله أبو البقاء القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة بن المتوكل بويع بالخلافة بعد أخيه ولم يكن عهد إليه ولا إلى غيرة وكان شهما صارما أقام أبهة الخلافة قليلا وعنده جبروت بخلاف سائر إخوته ومات في أيامه الملك الظاهر جقمق في أول سنة سبع وخمسين فقلد ابنه عثمان ولقب المنصور فمكث شهرا ونصفا ثم وثب إينال على المنصور فقبض عليه فقلده الخليفة في ربيع الأول ولقب الأشرف ثم وقع بين الخليفة والأشرف بسبب ركوب الجند عليه فخلعه من الخلافة في جمادى سنة تسع وخمسين وسيره إلى الاسكندرية واعتقله بها إلى أن مات بها في سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقه المستعين والعجب أن هذين الأخوين الشقيقين خلعا من الخلافة واعتقل كل منهما بالإسكندرية ودفنا معا مات في أيام القائم من الأعلام والدى والعلاء القلقشندى المستنجد بالله خليفة العصر أبو المحاسن المستنجد بالله خليفة العصر أبو المحاسن يوسف بن المتوكل على الله ولى الخلافة بعد خلع أخيه والسلطان يومئذ الأشرف إينال فمات في سنة خمس وستين فقلد ابنه أحمد ولقب المؤيد ثم وثب خشقدم على المؤيد فقبضه في رمضان من عامه فقلده ولقب الظاهر واستمر إلى أن مات في ربيع

514

الأول سنة اثنتين وسبعين فقلد بلباى ولقب الظاهر فوثب عليه الجند بعد شهرين وقبضوه فقلد تمربغا ولقب الظاهر فوثبوا عليه ايضا بعد شهرين فقلد سلطان العصر قايتباى ولقب الأشرف فاستقر له الملك وسار في المملكة بشهامة وصرامة ما سار بها قبله ملك من عهد الناصر محمد بن قلاوون بحيث أنه سافر من مصر إلى الفرات في طائفة يسيرة جدا من الجند ليس فيهم احد من المقدمين الألوف ومن سيرته الجميلة أنه لم يول بمصر صاحب وظيفة دينية كالقضاة والمشايخ والمدرسين إلا أصلح الموجودين لها بعد طول تروية وتمهلة بحيث تستمر الوظيفة الشاغرة الأشهر العديدة ولم يول قاضيا ولا شيخا بمال قط وكان الظاهر خشقد أول من قلد قدم النائب الشام حاتم لموافقة كانت بينه وبين العسكر في سلطنته فأمر الظاهر حين بلغه قدومه بطلوع الخليفة والقضاة الأربعة والعسكر إلى القلعة وارسل إلى نائب الشام يأمره بالانصراف فانصرف بعد شروط شرطها وعاد القضاة والعسكر إلى منازلهم واستمر الخليفة ساكنا بالقلعة ولم يمكنه الظاهر من عوده إلى سكنه المعتاد فاستمر بها إلى أن مات يوم السبت رابع عشرى المحرم سنة أربع وثمانين وثمانمائة بعد تمرضه نحو عامين بالفالج وصلى عليه بالقلعة ثم أنزل مدفن الخلفاء بجوار المشهد النقيسي وقد بلغ التسعين أو جاوزها المتوكل على الله أبو العز المتوكل على الله أبو العز عبدالعزيز بن يعقوب بن المتوكل على الله ولد سنة تسع عشرة وثمانمائة وأمه بنت جندى اسمها حاج ملك ولم يل والده بالخلافة ونشأ معظما مشارا إليه محبوبا للخاصة والعامة بخصاله الجميلة ومناقبه الحميدة وتواضعه وحسن سمعته وبشاشته لكل أحد وكثرة أدبه

515

وله اشتغال بالعلم قرأ على والدى وغيره وزوجه عمه المستكفى بابنته فأولدها ولدا صالحا فهو ابن هاشمى بين هاشميين ولما طال مرض عمه المستنجد عهد إليه بالخلافة فلما مات بويع بها بيوم الاثنين سادس عشر المحرم بحضرة السلطان والقضاة والأعيان وكان اراد أولا التلقيب بالمستعين بالله ثم وقع التردد بين المستعين والمتوكل واستقر الأمر على المتوكل ثم ركب من القلعة إلى منزله المعتاد والقضاة والمباشرون والأعيان بين يديه وكان يوما مشهودا ثم عاد من آخر يومه إلى القلعة حيث كان المستنجد ساكنا بها ففى هذه السنة سافر السلطان الملك الأشرف قاتيباى إلى الحجاز برسم الحج وذلك امر لم يعهد الملك أكثر من مائة سنة فبدأ بزيارة المدينة الشريفة وفرق بها ستة آلآف دينار ثم قدم مكة وفرق بها خمسة آلآف دينار وقرر بمدرسته التى أنشأها بمكة شيخا وصوفية وحج وعاد وزينت البلد لقدومه أياما وفي سنة خمس وثمانين خرج عسكر من مصر عليهم الدوادار يشبك إلى جهة العراق فالتقوا مع عسكر يعقوب شاه بن حسن بقرب الرها فكسر المصريون وقتل منهم من قتل وأسر الباقون وأسر الدوادار وضرب عنقه وذلك في النصف الثانى من رمضان والعجب ان الدوادار هذا بينه وبين قاضى الحنفية شمس الدين الأمشاطى بمصر وقعة كبيرة وكل منهما يود زوال الآخر فكان قتل الدوادار بشاطىء الفرات وموت الأمشاطي بمصر في يوم واحد وفي سنة ست وثمانين زلزلت الأرض يوم الأحد بعد العصر سابع عشر المحرم زلزلة صعبة ماجت منها الأرض والجبال والأبنية موجا ودامت لحظة لطيفة ثم سكنت فالحمد لله على سكونها وسقط بسببها شرافة من المدارس الصالحية على قاضى القضاة الحنفى شرف الدين بن عيد فمات فإنا لله وإنا إليه راجعون

516

وفي هذه السنة في ربيع الأول قدم إلى مصر من الهند رجل يسمى خاكى زعم أن عمره مائتان وخمسون سنة فاجتمعت به فإذا هو رجل قوى لحيته كلها سوداء ولا يجوز العقل أن عمره سبعون سنة فضلا عن أكثر من ذلك ولم يأت بحجة على ما يدعيه والذى اقطع به أنه كاذب ومما سمعته منه أنه قال إنه حج وعمره ثمان عشرة سنة ثم رجع إلى الهند فسمع بذهاب التتار إلى بغداد ليأخذوها وإنه قدم إلى مصر زمن السلطان حسن قبل أن يبنى مدرسته ولم يذكر شيئا يستوضح به على قوله وفيها ورد الخبر بموت السلطان محمد بن عثمان ملك الروم وأن ولديه اقتتلا على الملك فغلب أحدهما واستقر في المملكة وقدم الآخر إلى مصر فأكرمه السلطان غاية الإكرام وأنزله ثم توجه من الشام إلى الحجاز برسم الحج وفي شوال قدمت كتب من المدينة الشريفة تتضمن أن في ليلة الثالث عشر رمضان نزلت صاعقة من السماء على المئذنة فأحرقتها وأحرقت سقوف المسجد الشريف وما فيه من خزائن وكتب ولم يبق سوى الجدران وكان أمرا مهولا مات يوم الأربعاء سلخ المحرم سنة ثلاث وتسعمائة وعهد بالخلافة لابنه يعقوب ولقبه المستمسك بالله وفي آخر ما تيسر في هذا التاريخ وقد اعتمدت في الحوادث على تاريخ الذهبى وانتهى إلى سنة سبعمائة ثم على المسالك وذيله إلى سنة ثلاث وسبعين ثم على أنباء الغمر لابن حجر إلى سنة خمسين وثمانمائة وأما غير الحوادث فطالعت عليه تاريخ بغداد للخطيب عشر مجلدات وتاريخ دمشق لابن عساكر سبعة وخمسين مجلدا والأوراق للصولى سبع مجلدات والطيوريات ثلاث مجلدات والحلية لأبى نعيم تسع مجلدات والمجالسة

517

الدينورى والكامل للمبرد مجلدين وامالى ثعلب مجلد وغير ذلك وقد عمل بعض الأقدمين أرجوزة في اسماء الخلفاء ووفياتهم انتهى فيها لى ايام المعتمد وقد عملت قصيدة أحسن منها ورأيت ان أختم بها هذا الكتاب وهى هذه
الحمد لله حمدا لا نفاد له
وإنما الحمد حقا رأس من شكرا


ثم الصلاة على الهادى النبى ومن
سادت بنسبته الأشراف والكبرا


إن الأمين رسول الله مبعثه
لأربعين مضت فيما رووا عمرا


وكان هجرته فيها لطيبتة
بعد الثلاثة أعواما تلى عشرا


ومات في إحدى بعد عشرتها
فيا مصيبة أهل الأرض حين سرى


وقام من بعده الصديق مجتهدا
وفي ثلاثة عشر بعده قبرا


وهو الذي جمع القرآن في صحف
وأول الناس من سمى المصحف الزبرا


وقام من بعده الفاروق ثمت فى
عشرين بعد ثلاث غيبوا عمرا


وهو الذي اتخذ الديوان واقترض العطاء
قيل وبيت المال والدررا


سن التراويح والتاريخ وافتتح الفتوح
جما وزاد الحد من سكرا


وهو المسمى أمير المؤمنين ولم
يدعى من قبله شخص من الأمرا


وقام عثمان حتى جاء مقتله
بعد الثلاثين في ست وقد حصرا


وهو الذي زاد في التأذين أوله
في جمعة وبه رزق الآذان جرى


وأول الناس ولى صحب شرطته
حمى الحمى أقطع الإقطاع إذ كثرا


وبعد قام على ثم مقتله
لأربعين فمن أرداه قد خسرا


ثم ابنه السبط نصف العام ثم أتى
بنو أمية يبغون الوغى زمرا


فسلم الأمر في إحدى لرغبته
عن دار دنيا بلا ضير ولا ضررا


وكان أول ذى ملك معاوية
في النصف من عام ستين الحمام عرا


وهو الذى اتخذ الخصيان من خدم
كذا البريد ولم يسبقه من أمرا



518


واستحلف الناس لما أن يبايعهم
والعهد قبل وفاة لابنه ابتكرا


ثم اليزيد ابنه أخبث به ولدا
في اربع بعدها ستون قد قبرا


وابن الزبير وفي سبعين مقتله
بعد الثلاث وكم بالبيت قد حصرا


وفي ثمانين مع ست تليه قضى
عبد المليك له الأمر الذى اشتهرا


ضرب الدينار في الإسلام معلمة
وكسوة الكعبة الديباج مؤتجرا


وهو الذي أول منع الناس التراجع في
وجه الخليفة مهما قال أو أمرا


اول الناس هذا الاسم سميه
وأول الناس في الإسلام قد غدرا


ثم الوليد ابنه قبل ما رجب
في الست من بعد تسعين انقضى عمرا


وهو الذى منع الناس النداء له
باسم وكانت تنادى باسمها الأمرا


وقام بعد سليمان الخيار وفى
تسع وتسعين جاء الموت فى صفرا


وبعده عمر ذاك النجيب وفى
إحدى تلى مائة قد ألحدوا عمرا


وهو الذى أمر الزهرى خوف ذها
ب العلم أن يجمع الأخبار والأثرا


ثم اليزيد وفي خمس قضى وتلا
هشام في الخمس والعشرين قد سطرا


ثم الوليد وبعد العام مقتله
من بعده ما جاء بالفسق الذى اشتهرا


ثم اليزيد وفي ذا العام مات وقد
أقام ست شهور مثل ما أثرا


وبعده قام إبراهيم ثم مضى
بالخلع سبعين يوما قد أقام ترى


وبعده قام مروان الحمار وفى
ثنتين بعد ثلاثين الدماء جرى


وقام بعده السفاح ثم قضى
بعد الثلاثين في ست وقد جدرا


وقام من بعده المنصور ثمت في
خمسين بعد ثمان محرما قبرا


وهو الذي خص أعمالا مواليه
وأهمل العرب حتى أمرهم دثرا


ثم ابنه وهو المهدى مات لدى
تسع وستين مسموما كما ذكرا


ثم ابنه وهو الهادى وموتته
في عام سبعين لما هم أن غدرا


ثم الرشيد وفي تسعين تالية
ثلاثة مات في الغزو الرفيع ذرا



519


ثم الأمين وفي تسعين تالية
ثمانيا جاءه قتل كما قدرا


وقام من بعده المأمون ثمت في
ثمان عشرة كان الموت فاعتبرا


وقام المعتصم من بعده وقضى
في عام سبع وعشرين الدى أثرا


وهو الذى أدخل الأتراك منفردا
ديوانه واقتناهم جالبا وشرا


ثم أبنه الواثق المالى الورى رعبا
وفي الثلاثين مع اثنتين قد غبرا


وذو المتوكل ما أزكاه من خلف
ومظهر السنة الغراء إذ نصرا


في عام سبع يليها أربعون قضى
قتلا حباه ابنه المدعو منتصرا


فلم يقم بعده إلا اليسيركما
قد سنه الله فيمن بعضه غدرا


ولمستعين وفي عام اثنتين تلى
خمسين خلع وقتل جاءه زمرا


وهو الذى أحدث الأكمام واسعة
وفى القلانس عن طول أتى قصرا


وقام من بعده المعتز ثمت في
خمس وخمسين حقا قتله أثرا


والمهتدى الصالح الميمون مقتله
من بعد عام وقفى قبله عمرا


وقام من بعده بالأمر معتمد
في عام تسع وسبعين الحمام عرا


وذاك أول ذى أمر له حجروا
وأول الناس موكولا به قهرا


وقام من بعده بالأمر معتضد
وفي ثمانين مع تسع مضت قبرا


ثم ابنه المكتفى بالله أحمد فى
خمس وتسعين سبحان الذى قدرا


في عام عشرين في شوال بعدمئى
ثلاث مقتل المدعو مقتدرا


وبعده القاهر الجبار نخلعه
في اثنتين وعشرين وقد سمرا


وقام بعده الراضى ومات لدى
تسع وعشرين وانسب عنده أجرا


والمتقى ومضى بالخلع منسملا
من بعد اربعة الأعوام في صفرا


وقام بالأمر مستكفيهم وقفا
من بعد عام لأمر المتقى أثرا


ثم المطيع وفى ستين يتبعها
ثلاث في أخير العام قد عبرا


ثم ابنه الطائع المقهور مخلعه
عام الثمانين مع إحدى كما أثرا



520


ثم الإمام أبو العباس قادرهم
في اثنين بعد عشرين مضت قبرا


ثم ابنه قائم بالله مات لدى
سبع وستين من شعبان قد سطرا


والمقتدى مات في سبع بأولها
بعد الثمانين جد الملك واقتدرا


وقام من بعده مستظهر وقضى
في سادس القرن ثنتين تلى عشرا


وقام من بعده مسترشد ولدى
تسع وعشرين فيه القتل حل عرا


ثم ابنه الراشد المقهور مخلعه
من بعد عام فلا عين ولا أثرا


والمقتفى مات من بعد التمكن في
خمس وخمسين واتقادت له النصرا


وقام من بعده المستنجد وقضى
من بعد ستين في ست وقد شعرا


والمستضىء بأمر الله مات لدى
خمس وسبعين بالإحسان قد بهرا


وقام من بعده بالأمر ناصرهم
ومات ثنتين مع عشرين إذ كبرا


وقام من بعده بالأمر ظاهرهم
شهورا فأقلل مدة قصرا


وقام من بعده مستنصر وقضى
لأربعين وكم يرثيه من شعرا


وقام من بعده مستعصم ولدى
ست وخمسين كان الفتنة الكبرا


جاء التتار فأردوه وبلدته
فيلعن الله والمخلوقة التترا


مرت ثلاث سنين بعده ويلى
نصف ودهر الورى من قائم شغرا


وقام من بعد ذا مستنصر وثوى
فى آخر العام قتلا منهم وسرى


أقام ست شهور ثم راح لدى
مهل ستين لم يبلغ به وطرا


وقام من بعده في مصر حاكمهم
على وهى لا كمن من قبله غيرا


ومات في عام إحدى بعد سبع مئى
وقام من بعده مستكفيهم وجرى


في اربعين قضى إذ قام واثقهم
ففى اثنتين مضى خلعا من الأمرا


وقام حاكمهم من بعده وقضى
عام الثلاث مع الخمسين معتبرا


وقام من بعده بالأمر معتضد
وفى الثلاثة والستين قد عبرا



521


وذو المتوكل يتلوه اقام إلى
بعد الثمانين في خمس وقد حصرا


وبايعوا واثقا بالله ثمت في
عام الثمان قضى وسمه عمرا


وبايعوا بعده بالله معتصما
لعام إحدى وتسعين أزيل ورا


وذو التوكل ردوه أقام إلى
ذا القرن عام ثمان منه قد قبرا


في عهده زيد من بعد الأذان على
خير النبيين تسليم كما أمرا


احدث السمة الخضراء للشرفا
يا حسنها من سمات بوركت خضرا


أولاده منهم خمس مبجلة
جاءوا الخلافة إذ كانت لهم قدرا


فالمستعين وآل الأمر ان خلعوا
في شهر شعبان في خمس تلى عشرا


وقام من بعده بالأمر معتضد
لأربعين تليها الخمسة احتضرا


وقام بالأمر مستكفيهم وقضى
في عام الأربع والخمسين مضطبرا


وقام قائمهم من بعد ثمت فى
تسع وخمسين بعد الخلع قد حصرا


وقام من بعده مستنجد دهرا
خليفة العصر رقاه الإله ذرى


وليس يعرف في الأعصار قبلهم
خمس ولو إخوة بل أربع أمرا


ولا شقيقان إلا غير خامسهم
كذا الرشيد مع الهادى كما ذكرا


كذا سليمان من بعد الوليد كذا
نجلا الوليد يزيد والذى أثرا


وما تكرر في بغداد من لقب
ولا تلا ابن أخ عم خلا نفر


اثنان المقتفى عن راشد وكذا
مستنصر بعد مقتول التتار عرا


أولئك القوم أرباب الخلافة خذ
سبعين من غير نقص عدها حصرا


من الصحابة سبع كالنجوم ومن
بنى امية إثنان تلى عشرا


ولم أعد أبا عبد المليك فذا
باغ كما قاله من أرخ السيرا


وعدة من بنى العباس شامخة
إحدى وخمسون لا قلت لهم نصرا


تبقى الخلافة فيهم كى يسلمها المهدى
منهم إلى عيسى كما أثرا


وبعد نظمى هذا النظم فى مدد
قضى خليفتنا المذكور مصطبرا



522

في عام الأربع في شهر المحرم من
بعد الثمانين يوم السبت قد قبرا

وبويع ابن أخيه بعده ودعى
بذي التوكل كا الجد الذي شهرا

ولم يسم إمام في الأولى سبقوا
عبد العزيز سواه فاسمه ابتكرا

فالله يبقيه ذاعر ويحفظه
ويجعل الملك في اعقابه زمرا

ومات عام ثلاث بعد تسع مئي
سلخ المحرم عن عهد لمن سطرا

لنجله البر يعقوب الشريف وقد
لقب مستمسكا بالله في صفرا

( فصل ) في الدولة الأموية القائمة بالأندلس

أولهم عبدالرحمن بن معاوية بن هشام به عبد الملك بن مروان بويع بالخلافة لما دخل الأندلس هاربا وذلك في سنة ثمان وثلاثين ومائة وكان من أهل العلم والعدل مات سنة سبعين ومائة في ربيع الآخر وقام بعده أبنه هشام أبو الوليد ومات في شهر صفر سنة ثمانين ومائة وقام بعده ابنه الحكم أبو المظفر الملقب بالمرتضى ومات في ذي الحجة سنة ست ومائتين وقام بعده ابنه عبدالرحمن وهو أول من فخم الملك بالأندلس من الأموية وكساه أبهة الخلافة والجلالة وفي ايامه أحدث بالأندلس لبس المطرز وضرب الدراهم ولم يكن بها دار ضرب منذ فتحهاالعرب وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق وكان شبيها بالوليد بن عبدالملك في جبروتيته بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية وهو أول من أدخل الفلسفة الأندلس ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين وقام بعده ابنه محمد مات في صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين وقام ابنه المنذر ومات في صفر سنة خمس وسبعين وقام أخوه عبدالله وهو أصلح خلفاء الأندلس علما ودينا مات في ربيع الأول سنة ثلاثمائة

523

وقام حفيده عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر وهو أول من تسمى بالأندلس بالخلافة وبأمير المؤمنين وذلك لما وهت الدولة العباسية في أيام المقتدر وكان الذين قبله إنما يتسمون بالأمير فقط مات في رمضان سنة خمسين وثلثمائة وقام ابنه الحكم المستنصر ومات في صفر سنة ست وستين وقام ابنه هشام المؤيد ثم خلع وحبس سنة تسع وتسعين وقام محمد بن هشام بن عبدالحبار بن الناصر عبدالرحمن ولقب المهدي سنة عشر شهرا ثم خرج عليه ابن اخيه هشام بن سليمان بن الناصر عبدالرحمن وبويع وتلقب بالرشيد فحاربه عمه وقتله واتفق الناس على خلع عمه فاختفى ثم قتل وبايعوا ابن أخي هشام المقتول سليمان بن الحكم المستنصر ولقب بالمستعين ثم قاتلوه وأسر سنة ست واربعمائة وقام عبدالرحمن بن عبدالملك بن الناصر ولقب المرتضى وقتل في آخر العام ثم وهت الدولة الأموية وقامت الدولة العلوية الحسنية فولى الناصر على بن حمود في المحرم سنة سبع وأربعمائة ثم قتل في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة وقام أخوه المأمون القاسم وخلع سنة إحدى عشرة وقام ابن أخيه يحيى بن الناصر على بن حمود ولقب المستعلى وقتل بعد سنة وسبعة أشهر ثم عادت الدولة الأموية فولى المستظهر عبدالرحمن بن هشام بن عبدالجبار ثم قتل بعد خمسين يوما وقام محمد بن عبدالرحمن بن عبيد الله بن الناصر عبدالرحمن ولقب المستكفي وخلع بعد سنة وأربعة أشهر وقام هشام بن محمد بن عبدالملك بن الناصر عبدالرحمن ولقب المعتمد فأقام مدة ثم خلع وسجن إلى أن مات في صفر سنة [ ثمان وعشرين ] وأربعمائة

524

وماتت بموته الدولة الأموية بالأندلس
( فصل ) في الدولة الخبيثة العبيدية

أول من قام منهم بالمغرب المهدي عبيد الله سنة ست وتسعين ومائتين ومات في سنة أثنتين وعشرين وثلثمائة وقام ابنه القائم بأمر الله محمد ومات سنة ثلاث وثلاثين وقام ابنه المنصور إسماعيل ومات سنة إحدى وأربعين وقام ابنه المعز لدين الله معد ودخل القاهرة سنة أثنتين وستين ومات سنة خمس وستين وقام ابنه العزيز نزار ومات سنة ست وثمانين وقام ابنه الحاكم بأمر الله منصور وقتل في سنة إحدى عشرة وأربعمائة وقام ابنه الظاهر لإعزاز دين الله على ومات سنة ثمان وعشرين وقام ابنه المستنصر معد ومات سنة سبع وثمانين فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر قال الذهبي ولا اعلم أحدا في الإسلام لا خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدة وقام بعده ابنه المستعلى بالله أحمد ومات سنة خمس وتسعين وأقيم بعده ابنه الآمر بأحكام الله منصور طفل له خمس سنين وقتل في سنة اربع وعشرين وخمسمائة عن غير عقب وقام بعده ابن عمه الحافظ لدين الله عبدالمجيد بن محمد بن المستنصر ومات سنة أربع واربعين وقام ابنه الظافر بالله إسماعيل وقتل سنة تسع وأربعين وقام ابنه الفائز بنصر الله عيسى ومات سنة خمس وخمسين

525

وقام العاضد لدين الله عبدالله بن يوسف بن الحافظ لدين الله وخلع سنة سبع وستين ومات بها وأقيمت الدعوة العباسية بمصر وانقرضت الدولة العبيدية قال الذهبي فكانوا اربعة عشر متخلفا لامستخلفا
( فصل ) في دولة بني طباطبا العلوية الحسنية

قام منهم بالخلافة ابو عبدالله محمد بن ابراهيم طباطبا في جمادي الأولى سنة تسع وتسعين ومائة وقام باليمن في هذا العصر الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا ودعى له بإمرة المؤمنين ومات في ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين وقام ابنه المرتضى محمد ومات سنة عشر وثلثمائة وقام أخوه الناصر أحمد ومات في صفر سنة ثلاث وعشرين وقام ابنه المنتخب الحسين ومات سنة تسع وعشرين وقام أخوه المختار القاسم وقتل في شهر شوال سنة اربع وأربعين وقام أخوه الهادي محمد ثم الرشيد العباس ثم انقرضت دولتهم
( فصل ) في دولة الطبرستانية

تداولها ستة رجال ثلاثة من بني الحسن ثم ثلاثة من بني الحسين هشام الداعي إلى الحق الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة خمسين ومائتين بالري والديلم ثم قام اخوه القائم بالحق محمد وقتل سنة ثمان وثمانين فقام حفيده المهدي الحسن بن زيد بن القائم بالحق وقام بعده [ الناصر الأطروش وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم ولم يزل قائما بالأمر إلى أن قبض سنة 304 ثم قام بعده بالأمر ابنه الإمام محمد الهادي ثم اعتزل الأمر فقام به أخوه الناصر أحمد ثم قام من بعده الثائر لدين الله جعفر بن محمد بن الحسن بن عمر الأشرف وهو الذي

526

ملك طبرستان بأسرها ومات بها سنة 345 وانقرضت دولته ( فائدة ) قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا خلف بن الوليد حدثنا المبارك بن فضالة عن علي بن يزيد عن عبدالرحمن بن ابي بكر عن العرباض بن الهيثم عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلا كان عند رأس المائة أمر قلت كان عند رأس المائة الأولى من هذه الملة فتنة الحجاج وما ادراك ما الحجاج وفي المائة الثانية فتنة المأمون وحروبه مع أخيه حتى درست محاسن بغداد وباد أهلها ثم قتله إياه شر قتلة ثم امتحانه الناس بخلق القرآن وهي اعظم الفتن في هذه الامة وأولها بالنسبة إلى الدعوة البدعة ولم يدع خليفة قبله إلى شئ من البدع وفي المائة الثالثة خروج القرمطي وناهيك به ثم فتنة المقتدر لما خلع وبويع ابن المعتز وأعيد المقتدر ثاني يوم وذبح القاضي وخلقا من العلماء ولم يقتل قاض قبله في ملة الإسلام ثم فتنه تفرق الكلمة وتغلب المتغلبين على البلاد واستمر ذلك إلى الآن ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية وناهيك بهم إفسادا وكفرا وقتلا للعلماء والصلحاء وفي المائة الرابعة كانت فتنة الحاكم بأمر إبليس لا بأمر الله وناهيك بما فعل وفي المائة الخامسة أخذ الفرنج الشام وبيت المقدس وفي المائة السادسة كان الغلاء الذي لم يسمع بمثله منذ زمن يوسف صلى الله عليه وسلم وكان ابتداء أمر التتار وفي المائة السابعة كانت فتنة التتار العظمى التي لم يسمع بمثلها أسالت من دماء أهل الإسلام بحرا

527

وفي المائة الثامنة كانت فتنة تمر لنك التي استصغرت بالنسبة إليها فتنة التتار على عظمها وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة بجاه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين آمين