كـتـاب الاعـتـكـاف
وفيه مباحث:
المبحث الأوّل
في ماهيّته, و مشروعيّته, و استحبابه, ومن يصحّ منه
أمّا ماهيّته: فهو في اللغة: الاحتباس, قال في الصحاح : عكفه, أي حَبَسَهُ و وقفه,
يعكُفه و يعكِفه عكفاً, و منه قوله تعالى: >والهديُ مَعكُوفاً< يقال: ماعكفك عن
كذا, و منه الاعتكاف في المسجد, و هوالاحتباس, و عكف على الشيء يعكُف و يعكِف
عكوفاً, أي أقبل عليه مواظباً, يقال: فلان عاكف على فرج حرام, و قال الله تعالى:
>على قَومٍ يَعكفون على أصنام لهم< .
وفي الشرع: عبارة عن احتباسٍ خاص.
وعرّفه المحقّق: بأنّه اللبث المتطاول للعبادة .
وأُورد عليه: بأنّه أعمّ منه;لأنّه يشمل ما لو نوى فيه ذلك أم غيره, صائماً كان أم
لا, في مسجدٍ كان أو في غيره.
والعùمة: بأنّه لبث مخصوص للعبادة .
و رُدّ: بأنّه و إن خلص مما مرّ,لكنّه مجمل.
والشهيد: بأنّه اللبث في مسجد جامع ثلاثة أيّام فصاعداً صائماً للعبادة .
و رُدّ: بأنه يوجب خروج الليالي عنه, فإن اللبث فيها ليس بلبث حال الصوم, إü أن
يقال: اليوم شامل لليلة, وهو خلاف التحقيق, و خلاف مختاره.
و بأنّه لا يمنع عن دخول ما وقع ذلك لأجل غير الاعتكاف, كطلب العلم و قراءة القرآن.
قال في المدارك: و الأجود أن يقال: إنّه لبث في مسجد جامع مشروط بالصوم ابتداءاً .
و قيد (الابتداء) لإخراج ما لو نذر اللبث ثلاثة أيّام صائماً; لطلب العلم و
القراءة, فإن اشتراط الصوم فيه وجوب بجعل المكلف, لا ابتداءاً في وضع الشارع.
وهو أحسن من سائر الحدود, لكنه خالٍ عن قيد (من يصحّ منه) إü أن يجعل حدّاً للأعمّ
من الصحيح.
وكيف كان فالأمر في ذلك سهل.
وأمّا مشروعيّته واستحبابه: فثابتان بالإجماع والكتاب و السنة.
أمّا الإجماع: فمن فقهاء الإسلام كما حكي عن المنتهي . و في التذكرة: قد أجمع
المسلمون على استحبابه .
قال الله تعالى: >ولاتُباشِروهن و أنتُم عاكِفون في المساجد< و قال عزوجل: >أن
طهّرا بيتي للطائفينَ و العاكفينَ و الركّع السجود< ..
وفي الثانية إشكال; لاحتمال إرادة المقيمين بمكة من العاكفين, كما أنّ المراد من
الطائفين المتردّدون.
ويؤيّده قوله تعالى: >وطَهِّر بَيتي للطائفين و القائمين و الرُكّع السجود< فإنه
فسّر بالمقيمين , و قد يفسّر بأنّهم القائمون في الصلاة.
وأما السنّة; فكثيرة, منها: ما رواه الصدوق في الصحيح, عن الحلبي, عن أبي عبد الله
& أنّه قال: (لا اعتكاف إü بصوم في مسجد الجامع, قال: و كان رسول الله ْ إذا كان
العشر الأواخر اعتكف في المسجد, و ضُربت له قُبة من شعر, و شمّر المئزر, و طوى
فراشه) و قال: بعضهم: و اعتزل النساء, فقال أبو عبد الله & : (أما اعتزال النساء
فلا) .
قال الصدوق: معنى قوله & (أما اعتزال النساء فلا) هو أنّه لم يمنعهن من خدمته,
والجلوس معه, فأما المجامعة فإنّه امتنع منها كما مَنع, و معلوم من معنى قوله (وطوى
فراشه) ترك المجامعة .
ورواه الكليني أيضاً في الحسن لإبراهيم بن هاشم, عن الحلبي, عنه & من قوله قال:
(كان رسول الله ْ) إلى آخره.
وروى أيضاً في الحسن لإبراهيم, عن الحلبي, عنه & , قال: (كانت بدر في شهر رمضان,
فلم يعتكف رسول الله ْ, فلما أن كان من قابل اعتكف عشرين, عشراً لعامه, و عشراً
قضاءاً لما فاته) .
و رواه في الفقيه مرسلاً, بعد صحيحة الحلبي الاُولى, قال: و قال أبو عبد الله &:
(كانت بدر) الحديث , فيحتمل أن يكون من تتمّة الصحيحة.
وقال الصدوق: و في رواية السكوني بإسناده قال, قال رسول اللّه ْ: (اعتكاف عشر في
شهر رمضان, يعدل حجّتين و عمرتين) .
و روى بسنده, عن داود بن الحصين, عن أبي العباس, عن أبي عبداللّه & , قال: (اعتكف
رسول اللّه ْ في شهر رمضان في العشر الاُولى, ثمّ اعتكف في الثانية في العشر
الوسطى, ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر, ثمّ لم يزل ْ يعتكف في العشر
الأواخر) .
ورواه الكليني أيضاً بسنده, عن داود بن الحصين, عن أبي العباس عنه & .
واستحبابه مؤكّد, سيّما في العشر الأواخر من شهر رمضان; فإنّ فيها ليلة القدر, و
للتأسّي, و للأخبار المتقدّمة.
قال في التذكرة: فمن رغب في المحافظة على هذه السنّة, فينبغي أن يدخل المسجد قبل
غروب الشمس يو م العشرين, حتّى لايفوته شيء من ليلة الحادي و العشرين, و يخرج بعد
غروب الشّمس قبل العيد, و إن بات ليلة العيد فيه إلى أن يصلّي فيه العيد أو يخرج
منه إلى المصلّى كان أولي .
وأما من يصحّ منه: فهو المسلم; لعدم إمكان نيّة القربة من الكافر, و لحرمة المكث
عليه في المسجد, بل يُشترط الإيمان أيضاً كما مرّ.
وأما التكليف, فالأظهر عدم الاشتراط بالنظر إلى الصبي المميز; لكون عباداته شرعيّة
على الأقوى, كما مرّ مراراً.
المبحث الثاني
فــي شــروطــه
و هي اُمور:
الأوّل: النيّة, و لاريب في اشتراطها; لأنّه عبادة, و لا يتمّ إü بقصد الامتثال و
التقرّب.
و أما اعتبار الوجه, فقد مرّ فيه الكلام مراراً, و أنّ الأقوى عدم وجوبه, إü إذا
كان مميّزاً للعبادة عمّا سواها.
و على اعتباره; فينوي الندب في المندوب, و ينوي الوجوب في المنذور, و شبهه.
نعم هنا إشكال من جهة وجوب اليوم الثالث في المندوب على القول به, و كيفيّة النيّة
من جهة اجتماع نية الوجوب و الندب, فلنقدّم الكلام في وجوب اليوم الثالث و عدمه,
ثمّ لنتعرّض لكيفيّة النيّة.
فنقول: اختلف الأصحاب فيها, فعن الشيخ في المبسوط و أبي الصلاح, وابن زهرة مدّعياً
عليه الإجماع أنّه يجب بالشروع, سواء مضى اليومان أم لا , إü أنّ المحكيّ عن
المبسوط أنّ له الرجوع متى شاء إذا شرط ما لم يمض يومان, و الوجوب بمحض الدخول إن
لم يشترط.
وعن السيد و ابن إدريس: أنّه لايجب أصلاً, بل له الرجوع متى شاء , و هو مختار
المحقّق في المعتبر, و العلامة في جملة من كتبه .
وعن ابن الجنيد و ابن البراج: أنّه لايجب إü أن يمضي يومان, فيجب الثالث حينئذٍ , و
هو ظاهر الشيخ في النهاية, و مختار المحقق في الشرائع , و جماعة من المتأخّرين , و
نسبه في اللمعة إلى الأشهر .
و هو الأظهر; لما رواه الصدوق والكليني في الصحيح, عن محمّد بن مسلم, عن أبي جعفر &
, قال: (إذا اعتكف يوماً و لم يكن اشترط, فله أن يخرج و يفسخ اعتكافه, و إن أقام
يومين و لم يكن اشترط, فليس له أن يخرج و يفسخ اعتكافه, حتّى يمضي ثلاثة أيّام) .
و المراد من قوله & : (ولم يكن اشترط) الأوّل الإشارة إلى الفرد الخفيّ, و إü فلا
إشكال في عدم الوجوب مع شرط الرجوع.
وفي الصحيح عن أبي عبيدة, عن أبي جعفر & , قال: (و من اعتكف ثلاثة أيّام, فهو يوم
الرابع بالخيار, إن شاء زاد ثلاثة أيّام اُخر, و إن شاء خرج من المسجد, فإن أقام
يومين بعد الثلاثة, فلا يخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام اُخر) .
ورواهما الشيخ أيضاً في الموثّق لعليّّ بن فضال .
وتؤيّده عمومات ما دلّ على جواز إفطار النافلة .
و مقتضى الرواية الأخيرة وجوب السّادس أيضاً, و يلزم من ذلك وجوب كلّ ثالث, كما هو
ظاهر الرواية; و لعدم القائل بالفصل, كما صرّح به في المدارك, و قبله جدّه في
المسالك .
حجّة السيد و أتباعه: أنّه عبادة مندوبة, والأصل فيها أنها لاتجب بالشروع; للأصل, و
ظاهر السيد في المسائل الناصرية الاتفاق على ذلك , يعني أنّ الأصل في النافلة جواز
القطع, خرج الحج و العمرة بدليل من الاتّفاق و غيره, و بقي الباقي, و لايجوز قياسه
بالحجّ.
وفيه: أنّ الدليل كما أوجب عدم جوازه فيهما أوجبه فيما نحن فيه, و هو الخبران, و
لاوجه للقدح في سندهما, كما وقع من العلامة و غيره من جهة عليّّ بن فضال ; إذ قد
عرفت أنّ السند في الفقيه و الكافي صحيح, و إنّما هو في سند الشيخ في الكتابين, مع
أنّ الموثّق أيضاً حجّة على الأقوى, سيّما إذا اعتضد بعمل الجماعة, سيّما الموثّق
لمثل عليّ بن فضال, فإن ثقته و جلالته مما شهد به النجاشي و الشيخ و الكشي على ما
نقله عن أبي النضر محمّد بن مسعود , وكذا العلامة في الخلاصة قال: أعتمد عليه;
لتوثيق هؤلاء, و إن كان مذهبه فاسداً .
وأما حجّة الشيخ في المبسوط و أتباعه فالّذي ذكره في المختلف أنّه استدلّ بأنّ
الاعتكاف لايكون أقلّ من ثلاثة أيّام .
و هو غير مفهوم المراد, و لعلّه أراد أنّ الاعتكاف لايكون أقلّ من ثلاثة أيّام,
فالخروج عنه بعد الشروع يوجب نقض العبادة و إبطال العمل, و هو منهيّ عنه; لصريح
الآية.
وفيه: منع حرمة إبطال العمل مطلقاً أوّلاً, و عدم دلالة الآية على ذلك كما حقّقناه
سابقاً في مبحث قضاء شهر رمضان ثانياً, و منع كون المجموع عملاً واحداً ثالثاً, لم
لايكون مثل شهر رمضان, بأن يكون كلّ يوم منها عبادة على حدة, كما أشرنا إليه في
مباحث نيّة الصوم.
وقال في المعتبر بعد ما نقل مذهب السيّد و قال إنّه أشبه بالمذهب: لأنّها عبادة
مندوبة فلا تجب بالشروع, ويمكن أن يستدلّ الشيخ على وجوبه بالشروع, بإطلاق الكفّارة
على المعتكف, و قد روى ذلك من طرق منها رواية أبي وüد الحنّاط, و نقل الروايات, و
قال: و وجوب الكفّارة مطلقاً دليل على وجوبه مطلقاً.
ثم قال: و الجواب عنه أنّ هذه مطلقة فلا عموم لها, و يصدق بالجزء و الكل, فيكفي في
العمل بها تحققها في بعض الصور, مع أنّها أخبار آحاد مختلف في العمل بها, فلاتكون
حجّة في الوجوب, و ربما نزّلناها على الاستحباب تخلّصاً من الخلاف .
أقول: و الظاهر أنّ مراده أنّ تلك الروايات يتحقّق مصداقها بثبوت الكفّارة فيما لو
حصل الوقاع في اليوم الثالث, و إن كان إطلاق الكلّ عليه أيضاً من باب التوسع, و
الوجوب في الثالث لايستلزم الوجوب فيما قبله.
ويرد عليه: أنّ أخفى الأخبار دلالة على العموم صحيحة أبي وüد الحناط, و هي مصرّحة
بثبوت الكفّارة قبل مضيّ ثلاثة أيّام, و هو يصدق في اليوم الأوّل أيضاً, رواها
الصدوق في الصحيح عنه, قال سألت أبا عبدالله & : (عن امرأة كان زوجها غائباً, فقدم
و هي معتكفة بإذن زوجها, فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الذي هي فيه, فتهيّأت
لزوجها حتّى واقعها, فقال & : (إذا كانت خرجت قبل أن تمضي ثلاثة أيّام, و لم تكن
اشترطت في اعتكافها, فإنّ عليها ما على المظاهر) و سائر الأخبار أعمّ من ذلك.
و هو ـ رحمه الله ـ لايقول بالوجوب بمجرد الدخول في الثالث, إü أن يقال: إنّ الجواب
من باب الجدل.
والأولى أن يقال: بمنع اختصاص الكفّارة بالواجب, لم لاتكون واجبةً في المستحب أيضاً
في خصوص الوقاع, كما هو مدلول الروايات, أو مطلقاً كما دلّت عليه الإجماعات
المنقولة بإطلاقها كما سيجيء.
قال في التذكرة: لا استبعاد في وجوب الكفّارة في هتك الاعتكاف المستحب , إü أنّ
غلبة كون الكفّارة في ترك الواجبات و فعل المحرمات و أصالة عدم تخصيص عمومات
الأخبار الدالّة على الكفّارة في المعتكف بما كان واجباً بنذر و شبهه يرجح قول
الشيخ, و لكن تعارضه أصالة عدم صيرورة الندب واجباً بالشروع; لضعف حرمة إبطال مطلق
العمل و الروايتان المعتبرتان, و هذا أقوى.
تنبيهان:
الأوّل: ذكر جماعة أنّه لو تعدّى إلى الخمسة فيجب السادس , بل نقل ابن زهرة الإجماع
على ذلك .
ولكن الشهيد الثاني ـ رحمه اللّه ـ قال في الروضة: و على الأشهر ـ يعني الوجوب في
الثالث ـ إذا مضى يومان يتعدّى ـ أي الوجوب ـ إلى كلّ ثالث على الأقوى, كالسادس
والتاسع لو اعتكف خمسة و ثمانية . و كذا صاحب المدارك . و هو الظاهر من الشهيد في
اللمعة, و صريحه في الدروس .
والرواية و إن اقتصر فيها على ذكر السادس, لكن الشهيد الثاني و صاحب المدارك ادعيا
عدم القول بالفرق.
وربما يقدح فيه: بأن جماعة منهم سكتوا عن الزائد على السادس, و لاوجه له مع عدم
منافاته لما ادعياه, و يمكن ادّعاء ظهور ذلك من صحيحة أبي عبيدة كما أشرنا سابقاً .
و المراد من دعوى عدم القول بالفرق هو الفرق بين السادس و ما زاد عليه, و إüّ فهناك
قول بالاقتصار على الثلاثة الاُول, فلا يتعدّى إلى السادس أيضاً, و هو مقابل
الأقوى.
ونقل هذا القول في المسالك عن الشهيد ـ رحمه اللّه ـ أنّه نقل عن شيخه السيد عميد
الدين الميل إلى عدم وجوب السادس, معتذراً له بالوقوف على النص و التمسّك بالأصل ,
و قد رأيت هذا النقل في الحواشي المنقولة عنه على الدروس.
قال في المسالك: و لعلّه أراد بالنص خبر محمّد بن مسلم, فإنه مختص بالثالث, و إü
فخبر أبي عبيدة مصرّح بوجوب السادس أيضاً .
وأُورد على ما في الروضة: أنّ ذلك لا اختصاص له بالأشهر, بل الشيخ في المبسوط و من
تبعه أيضاً صرّحوا بوجوب السادس, و إن لم يتعرّضوا لما فوق السادس .
أقول: مراد الشهيد الثاني أنّه يتعدّى الوجوب الثابت للثالث الأوّل بسبب مضيّ يومين
إلى كلّ ثالث من السادس و التاسع و غيرهما; نظراً إلى مجموع الروايتين بضميمة عدم
القول بالفصل.
وأمّا الشيخ و من تبعه, فهم و إن صرّحوا بوجوب السادس بمعنى عدم وجوب الرابع
والخامس كما هو مقتضى صحيحة أبي عبيدة الدالّة على ذلك, ولكن لا يلزم القول بوجوب
الثالث بمعنى عدم وجوب الأوّل و الثاني; لأنهم يقولون بالوجوب بمحض الشروع في
الاعتكاف, فلزوم وجوب الثالث عندهم ليس من حيث إنه ثالث, بل لأنّه أحد الأيّام
الثلاثة.
ومراد الشهيد الثاني: الثالث من حيث إنّه ثالث, كما هو الأشهر, و لايوجبون الرابع و
الخامس لخصوص صحيحة أبي عبيدة , فصحّ بناء القول بوجوب كل ثالث على الأشهر, و صحّ
ذكر قول السيد عميد الدين في مقابل الأقوى من جملة أفراد القول الأشهر, فالشيخ و
أتباعه عملوا بصحيحة أبي عبيدة, لابصحيحة محمّدبن مسلم , إü الشيخ في مفهوم آخرها.
والأشهر عملوا بكليهما, مضافاً إلى عدم القول بالفصل. والسيد عميد الدين عمل برواية
محمّد بن مسلم فقط, مع حملها على ما بيّناه في وجه الاستدلال على المختار.
ومما ذكرنا يظهر: أنّا إذا بنينا على قول المبسوط و أتباعه, فتخصيص الوجوب بمحض
الشروع بالثلاثة الأُول أولى; لأن صحيحة أبي عبيدة مصرّحة بجواز الخروج في الرابع
والخامس, و هم عملوا بها كما مرّ, و لأنّ الدليل الذي ذكرناه لهم من حرمة إبطال
العمل, و من وجوب الكفّارة على المعتكف المجامع الدالّ على وجوبه بمجرد الشروع
للإطلاق إنّما يجريان في الثلاثة الاُول; لأنّه أقلّ مرتبة الاعتكاف الذي يمكن أن
يسلّم فيه أنّه عمل واحد يحرم إبطاله ـ و إن أوردنا عليه الإشكال أيضاً ـ و الرابع
والخامس منفصلان عنه, و لا دليل على كونهما مبدأ اعتكاف آخر, و النصّ مصرّح بجواز
الخروج فيهما, وعملوا به, فلا يصح أن يقال: عموم وجوب الكفّارة يقتضي وجوبهما
أيضاً.
ثمّ إن ههنا قولاً آخر نقله الشهيد الثاني في الروضة, و هو أنّه يجب كل ثالث في
المندوب, دون ما لو نذر خمسة, فلا يجب اليوم السادس.
قال: و مال إليه المصنف في بعض تحقيقاته .
ويستفاد أنّ به قائلاً من عبارة الدروس, فإنّه قال بعد نقل القول الأشهر و قول
المبسوط و السيد: و لو نذر خمسة فالأقرب وجوب السادس .
وهذا يحتمل أن يكون للإحاطة بجميع أقسام الاعتكاف, و إدراج هذا القسم أيضاً في
الأشهر الّذي هو مختاره, فيكون مراده من خلاف الأقرب قول السيد و المبسوط, فلا يلزم
منه وجود خلاف عند الأشهر.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى خلافٍ بين الأشهر, و أنّ بعضهم يقول بالفرق بين ما كان
اليومان الأوّلان الرابع و الخامس في المنذور خمسة, أو الرابع و الخامس في المندوب.
وإلى ذلك أشار في الحاشية المنقولة عنه على قوله: فالأقرب وجوب السادس.
وهذا لفظه: وجهه دخوله في مضمون الرواية و الفتوى, مع عدم تعقّل فرق بينه و بين
المندوب, بل إن كان فهو أولى بالوجوب, و لم ينبّه بالأقرب على احتمال عدم الإلحاق
بالمندوب, بل على الخلاف المستقرّ في المسألة.
مع أنّه لايبعد أن يقال: لايجب السادس هنا على القولين; لأن هذا الاعتكاف واجب
محكوم بصحّته لا انفصال فيه, بخلاف المندوب, فإنّ الثلاثة لما فرغت صار اليومان
اعتكافاً مستأنفاً, فلابد من إتمامه, و كان شيخنا عميد الدين ـ رحمه اللّه ـ يومىء
إلى عدم وجوب السادس و ما بعده, و لو قلنا بوجوب الثالث.
وفيه وقوف على مورد النصّ, والتمسّك بالأصل, و اتّصال الاعتكاف بعضه ببعض, و على
هذا الوجه يقوى في الواجب عدم وجوب السادس, انتهى.
بقي الكلام في تحقيق المسألة, و الأظهر عدم وجوب السادس حينئذٍٍ:
أمّا أولاً: فلأنّ الرواية ظاهرة في المندوب, و الأصل عدم الوجوب.
وأمّا ثانياً: فلظهور الفرق كما أشار إليه في الحاشية, و توضيحه: أنّ في المندوب قد
تحقّق الاعتكاف بالثّلاثة الأُول, و تمّ, و لم يثبت من الشرع ما دلّ على اتّصال
اليومين به, فالرابع و الخامس منفصلان عنه, فيكون اعتكافاً آخر يجب بمضي اليومين.
وأمّا في المنذور, فالخمسة اعتكاف واحد, و لا انفصال بين الثلاثة والرابع و الخامس;
لأنّ النذر جعلهما فعلاً واحداً متصلاً.
الثاني: قال الشهيد في اللمعة: و يجب الاعتكاف بالنّذر و شبهه, و بمضي يومين.
و قال الشارح في الروضة: بعد قوله (يومين) و لو مندوبين .
وأُورد عليه: بأنّ الأولى حذف كلمة (و لو) لإيهامها وجوب الثالث بمضيّ يومين واجبين
أيضاً, و ليس كذلك; لوجوب الثالث في الواجب أوّلاً, معيّناً كان وجوبه أو مطلقاً,
غاية الأمر أنّه ينوي في المطلق الواجب الموسّع.
أقول: لعلّ مراده ـ رحمه اللّه ـ إحاطة أقسام الوجوب بالنّسبة إلى أصل الاعتكاف
والشروع فيه و استمراره, فإن الاعتكاف في الأصل مستحب.
ومرادهم حيث يقولون: الاعتكاف مستحبّ تعاطيه والشروع فيه ممنوع, يقولون: و يجب
بالنّذر و شبهه و بمضي يومين, و الوجوب بالنذر إما يكون مطلقاً أو معيّناً بالنّسبة
إلى المجموع في أوّل الأمر, و أما بالنّسبة إلى الاستمرار فقد يكون مطلقاً, كما في
اليومين الأوّلين من النّذر المطلق, وإمّا يكون متعيّناً, كما في مضيّ يومين, سواء
كان اليومان واجبين أو مندوبين, فالواجب المعيّن غير المطلق.
و مُراد الشارح: الإشارة إلى حصول الوجوب العيني بالنسبة إلى الواجب الموسع في
الأثناء, فالثالث واجب موسّع في المطلق في أوّل الأمر, و واجب عيني فيه بعد مضيّ
الثالث, فصح طُرآن الوجوب على الوجوب.
و الشّاهد على أنّ مرادهم في قولهم: و يجب بالنذر و شبهه إلى آخره, هو القدر
المشترك كون النذر أعم من المطلق و المعين, و كذا الاستئجار و نحوه, فإنّ المقسم
لابدّ من دخوله في الأقسام, و سيجيء ما يوضّح ذلك في الشرط الثالث.
إذا عرفت هذا, فنرجع إلى بيان كيفيّة النية:
فنقول: أما على القول بعدم اعتبار نية الوجه كما هو المختار, فلا إشكال; إذ يقصد
اعتكاف ما شاء من الأيّام, تقرّباً إلى الله, و يكون معنى وجوب الثّالث ـ على القول
به و كذا ما في معنى الثّالث ـ ترتّب العقاب على تركه, و حرمة تركه, و نحو ذلك.
وأما على اعتبار الوجه, فلو كان منذوراً و شبهه, فينوي الوجوب أوّلاً.
و كذا لو كان مندوباً و لم نقل بوجوبه بالشروع, و لابمضيّ اليومين, ينوي المندوب.
وأما لو قلنا بوجوبه بالشروع, أو بمضيّ اليومين, فينوي كذلك, يعني يقصد في أوّل
الأمر الإتيان بالجزء الأوّل أو اليومين ندباً و الباقي وجوباً, و استمرار النية
الحكمية كافٍ لتمام العبادة, فلاحاجة إلى التجديد, سيّما على ما هو التحقيق من كون
النية هي الدّاعي إلى الفعل, لا المخطر بالبال.
وما استشكله في المسالك (من لزوم تقدّم النيّة الواجبة على محلّها, و كذا نيّة
الندب لما بعد الثالث من الجملة بطريق أولى) , فلا وقع له; لأنّ محلّها أوّل الفعل.
و لايضرّه وقوعه على وجهين مختلفين, كما ينوي الصّلاة الواجبة في أوّل الأمر وجوباً
مع قصده تثليث أذكار ركوعها و سجودها, و القنوت استحباباً, غاية الأمر أنّ النيّة
في الصلاة بتيّة و في الاعتكاف تعليقية, يعني أنّ الصلاة هيئة مركّبة من الواجب
بالأصالة, و الندب بالأصالة, بوضع الشارع بتة, بخلاف الاعتكاف, فإنّه ليس هيئة
مركبة من ثلاثة أيّام ثالثها واجب بتة, بل ثالثها واجب بعنوان التعليق على مضيّ
يومين مثلاً, فينوي: إنّي أعتكف اعتكافاً مندوباً من شأنه صيرورة الثالث منه واجباً
بمضي يومين منه, فيقصد في أوّل الأمر وجوبه لو أدركه.
مع أنا نقول: لاتعليق هنا أيضاً; إذ مهيّة الاعتكاف أيضاً مركّبة من ثلاثة أيّام
ثالثها واجب جزماً على هذا القول, فالثالث مثل القنوت.
و أما تعليق وجوبه في نفس الأمر على إدراكه فهو مشترك الإلزام, فإنّه لو عاق
المكلّف عائق عن الركعة الثانية أو عن القنوت يرتفع استحبابه, فاستحبابه أيضاً
معلّق بهذا المعنى.
على أنا نقول: الشروع في العمل غير نفس العمل و إتمامه, فالذي يمكن اعتباره بالنسبة
إلى المجموع إن لم يكتف بالتوزيع على ما قرره الشارع, هو قصد الندب للشروع في
المجموع, و هو لاينافي قصد الوجوب لليوم الثالث, كما في الحج المندوب.
وأمّا ما أجاب به في المسالك عن هذا الإشكال (بأنّ الأصل في الاعتكاف الندب, و
الوجوب لايتعلّق به إü بأمر عارض, و هو إمّا دخول ثالث, أو نذر وشبهه, فعند إرادة
الاعتكاف حمله و خلوّه من العارض المقتضي للوجوب ينوي ما هو مقتضى الأصل أي الندب,
فإذا عرض له ما يقتضي الوجوب جدّد نيته, و لابُعد فيه) فهو بعيد, مع أنّه لا يندفع
به الاشكال; إذ النية من باب الإذعان التصديقي, لامحض التصوّر, و لاريب أنّ نية
المجموع الذي من بعض أجزائه الثالث الواجب كيف يكتفى فيه بنية ندب المجموع, و محض
تصوّر ندب المجموع ـ مع أنّه خلاف الواقع ـ لاينفع مع إذعانه بوجوب الثالث لو بلغه.
والحاصل: أنّ الكلام في نيّة الجملة, لا اليومين الأوّلين, أو الجزء الأوّل منه.
ثمّ قال في المسالك: و لو نوى اعتكاف يومين خاصّة من غير أن ينفي الثّالث, فإذا
أكملهما و حكم عليه بوجوب الثالث نواه واجباً و هكذا, سلم من الإشكال, و أوقع
الاعتكاف خالياً عن الخلاف بسبب نية الوجه .
ويظهر ما فيه مما مرّ; إذ لا معنى لنيّة الاعتكاف إü على وجه قرّره الشارع, و
لاتحقق ماهيّته إü بقصد الثلاثة, و عدم نفي الثّالث لايكفي في ذلك, بل يجب قصد
الثالث حتّى تتحقّق نية العبادة, و محض تصوّر (ذلك) لاينفع في شيء كما عرفت.
وفهم صاحب المدارك من كلام المحقق أنّه أيضاً أراد ذلك الذي ذكره في المسالك أخيراً
, و هو غير واضح.
وكيف كان فالتحقيق ما ذكرنا.
و أما ما أورد على تجديد النيّة (بأنّ أقلّ ما يتحقّق به الاعتكاف هو الثلاثة, و هي
متصلة شرعاً, و من شأن العبادة المتصلة أن لاتفرّق نيتها على أجزائها, بل تقع بنية
واحدة) ففيه ما مرّ في مباحث نية الصوم, و أنّ الأصحّ جوازه, فراجعه.
وهذا الإشكال و الجواب الذي أورده في المسالك, ليس في بعض النسخ, و لعله لما وجده
غير تمام أسقطه و لم يطّلع عليه النساخ, أو لعلّه زاد ذلك بعد انتشار نسخة الأصل,
فلم يطلع عليه من تقدّم عليه.
والأوّل أنسب بهذا الخبر المحقّق, و لكن يظهر من المدارك أنّه من الزيادات الصحيحة
عنده, فإنّ صاحب البيت أدرى بما فيه.
ثمّ إنّا إذا بنينا على لزوم تجديد النية, فقال في المسالك: وقته غروب اليوم
الثاني, فتكون النيّة بعد الغروب; لأنّه وقت المخاطبة به; إذ لا وجوب قبله حتّى
ينوي .
ويحتمل كونها قبل الغروب بلحظة; لِتُقدّم على الفعل الواجب كما هو شأنها, و لئلا
يخلو جزء منه بغير نية.
ويرد عليه على ما حقّقه ـ من أنّ الأصل في الاعتكاف الندب فتكفي نية الندب ـ
أوّلاً: أنّه لا يلزم خلوّ جزء من العبادة عن النيّة, فالنية الاُولى مستمرّة الحكم
إلى مضي هذا الجزء.
وأمّا نية وجوبه, فهي أيضاً ممكنة; لأنا لو سلّمنا لزوم تجديد النية, فيتحقق ذلك
عرفاً بتجديده في أوّل جزء من الثالث; لأنه يصدق عليه عرفاً أنّه قصد اعتكاف الثالث
وجوباً, فإنّ اليوم الثالث و إن كان حقيقة في جميع أجزائه, و لكن اعتكاف الثالث قد
يصدق مع خروج جزء منه, فإنّ للإضافة مدخلية في المعنى يختلف بها العرف, كما حقّقناه
في مسألة التراوح على البئر و إقامة العشرة, من أنّ اليوم و إن قلنا: إنّه حقيقة
فيما بين طلوع الفجر إلى الغروب, و لكن تراوح اليوم و إقامة اليوم يصدق بالشروع فيه
بقليل بعد الفجر, بل إلى طلوع الشمس في العرف و العادة, كما في إجارة يوم, و مقام
ليلة, ونوم ليلة, و غير ذلك.
الشرط الثاني: الصوم, فلا يصحّ إü في زمان يصحّ فيه الصوم, ممن يصحّ منه الصوم.
فلا يصحّ في العيدين مثلاً, و كذا من مثل الحائض, و النفساء.
و اشتراطه إجماع أصحابنا, كما صرّح به الفاضلان , و خالف فيه الشافعي و أحمد .
ويدلّ عليه: مضافاً إلى الإجماع, الأخبار المستفيضة.
منها: صحيحة محمّد بن مسلم القائلة: (لا اعتكاف إü بصوم) , و مثلها حسنة الحلبي , و
غيرها .
ولايُعتبر إيقاعه لأجل الاعتكاف, بل يكفي وقوعه بأيّ وجه اتفق, كما صرّح به
الفاضلان و غيرهما من غير نقل خلاف , بل يكفي وقوعه في حال الصوم المندوب; و إن كان
الاعتكاف واجباً, كما صرّح به في التحرير و التذكرة .
بل ظاهر المعتبر إجماع الأصحاب, حيث قال: الشرط الثاني الصوم, أيّ صوم اتفق, واجباً
كان أو ندباً, رمضان أو غيره, و عليه فتوى علمائنا, ويدلّ عليه ما ورد في فضيلة
الاعتكاف في شهر رمضان, فلو نذر اعتكافاً لايجب عليه الصوم لأجل الاعتكاف, و إن وجب
عليه إيقاعه في حال الصوم .
وقال في المسالك: نعم لايصحّ صوم الاعتكاف المنذور مندوباً; للتنافي بين وجوب
المضيّ على الاعتكاف الواجب, و جواز قطع الصوم المندوب .
و يظهر من صاحب المدارك الفرق بين النذر المطلق فيجوز, و المعيّن فلا يجوز .
أقول: و التحقيق صحّته مطلقاً في الصوم المندوب, حتّى في النذر المعيّن, فلو نذر
اعتكاف أيّام البيض من رجب و أراد أن يصومها مستحبةً جاز.
و ما يُتراءى من أنّ نذر الاعتكاف مستلزم لوجوب الصوم له بهذا النذر من باب مقدّمة
الواجب, كما لو نذر أحد مَسّ كتابة القرآن, فيجب عليه الوضوء لاشتراطه به, فهو ليس
كذلك على الإطلاق, بل إنّما هو إذا لم تحصل الطهارة, و لم يرد طهارة مستحبة أو
واجبة اُخرى أيضاً; فلو فرض كونه متطهّراً و لو بطهارة مستحبة, جاز له المسّ, و كذا
الصلاة المنذورة.
و كذا لو فرض كونه مريداً للطهارة ـ واجبة أو مستحبة ـ يجوز الإتيان بها, ثمّ يأتي
بالمس الواجب و الصلاة الواجبة, سيّما على المختار من جواز التطوّع وقت الفريضة,
إذا لم يكن مزاحماً لها, كما حققناه في كتاب الصلاة .
وعلى ذلك تحمل عبارة التذكرة, حيث قال: فلو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام مثلاً وجب الصوم
بالنذر; لأنّ مالايتم الواجب إü به فهو واجب .
وكذا عبارته الاُخرى الآتية بعد ورقات في مسائل نذر الاعتكاف .
و بذلك يجمع بين هذين الكلامين, وما ذكره بُعيد الكلام الأوّل من قوله: (و كذا لو
نذر اعتكافاً فأطلق فاعتكف في أيّام أراد صومها مستحباً جاز) و ما ذكره قبل ذلك من
قوله: (لايشترط صوم يوم معيّن, بل أيّ صوم اتفق صحّ الاعتكاف معه, سواء كان الصوم
واجباً أو ندباً) . فلامنافاة بين عبارته الأُولى و ما ذكره بعيدها, كما ذكره في
المدارك .
بل نقول: يمكن أن يكون مراده من كلامه الأوّل وجوب الإتيان حال الصوم; لأنّه ممّا
لايتمّ الواجب إü به, و يتمّ ذلك بإتيانه في حال الصوم المستحبّ, فلامنافاة حينئذٍٍ
أيضاً.
وأما ما ذكره في المسالك, من التنافي بين وجوب المضي و جواز قطع الصوم المندوب,
ففيه أوّلاً: أنّه لايستلزم كون الصوم مندوباً جواز قطعه مطلقاً, بل إنّما يستلزمه
من حيث إنّه مندوب, فنحن نقول: بعدم جواز قطعه حينئذٍٍ من جهة إبقاء الاعتكاف, و
كون بقائه مقدمة له.
وثانياً: أن جواز القطع لايستلزم وجوبه, حتّى يستلزم منكراً.
والحاصل: أنّ الاعتكاف مشروط بكونه حال الصوم, و بعدم إبطال الصوم, و لايتوقّف على
كونه في ضمن صوم لايجوز إبطاله.
و الصوم المندوب إنّما يستلزم جواز إفطاره و إبطاله, لا نفس الإبطال و الإفطار
حتماً, نظير ما ذكره القائل بعدم وجوب مقدّمة الواجب في جواب المستدلّ على الوجوب,
حيث استدلّ بأنّه لو لم يجب لجاز تركها, و بعد تركها فإمّا هو مكلّف بالفعل أو لا,
و على الأوّل يلزم التكليف بما لايطاق, و على الثاني خروج الواجب المطلق من الوجوب.
وأجاب المنكر: بأن جواز الترك لايستلزم وجوبه, و لايخرج بسببه المقدور عن
المقدورية, و تكليف ما لايطاق إنما يلزم إذا وجب الترك, لا إذا جاز, مع أنّ مقدّمة
الواجب قد تكون مترددةً بين المقدورة, و غير المقدورة, كفعل الغير, فكيف لايجوز
تردده بين الواجب والمستحب؟!
والحاصل: أنّ المقصود عدم ترك الواجب لاغير, فالمنع عن الإفطار من حيث إنّه مفوّت
للاعتكاف لاينافي جوازه من حيث هو, فلا إشكال هنا إü من حيث اجتماع الضدّين, و هو
جواز إفطار الصوم, و عدم جواز نقض الاعتكاف الذي هو لازم الإفطار, المستلزم لعدم
جواز الإفطار, و هو لايضرّ مع تعدّد الجهتين, كما حقّقناه في الاُصول .
وهذا الكلام يجري في النذر المعيّن أيضاً, فإنّ صوم أيّام البيض مستحب على الإطلاق,
و نذر الاعتكاف جائز على الإطلاق, و جمعهما المكلّف باختياره في فرد خاص, نظير
الصلاة في الدار المغصوبة.
فلايتمّ ما يظهر من المدارك من الفرق بين النذر المطلق و المعيّن ; إذ في المطلق
جمع المكلف باختياره بين إيجاد المنذور المطلق في ضمن الصوم المستحب, و في المعين
جمع بين نذر اعتكاف الأيّام المعينة الذي هو مُرخّص فيه على الإطلاق, و بين الصيام
المستحب المرخص فيه فيها على الإطلاق.
ومن أمثلة ما قد يجب إبقاء المستحب: أنّ من نذر إيقاع ركعتين في الساعة الثالثة من
يوم الجمعة, و اتفق كونه متطهّراً قبل تلك الساعة بطهارة مستحبّة, و فرض أنّه لو
نقضها لايقدر على الطهارة أصلاً لفقد الطهور أو غيره, فيجب إبقاؤها, مع أنها
مستحبّة بالذات.
و لعلّ من ثمرات عدم وجوب الصوم بنذر الاعتكاف, و عدم صيرورته منذوراً بذلك النذر:
التفاوت في حال الكفارات, فانظر لبيان ذلك في محلّه.
الشرط الثالث: أن لايكون أقلّ من ثلاثة أيّام بينها ليلتان.
أما إنّه لايكون أقلّ من ثلاثة أيّام, فهو باتفاق علمائنا, كما نصّ عليه جماعة من
الأصحاب , خلافاً للجمهور .
وتدلّ عليه الأخبار أيضاً:
مثل ما رواه الكليني في الصحيح, عن أبي بصير, عن أبي عبد الله & , قال: (لايكون
الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام) .
وعن داود بن سرحان, قال: بدأني أبو عبد الله & من غير أن أسأله فقال: (الاعتكاف
ثلاثة أيّام, يعني السنّة إن شاء الله تعالى) .
وما رواه الشيخ, عن عمربن يزيد, عنه & , قال: (إذا اعتكف العبد, فليصم), و قال:
(لايكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام) .
وقد مرّ بعض الأخبار أيضاً.
ومن فروع المسألة: أنّه إذا نذر اعتكافاً مطلقاً, انصرف إلى ثلاثة أيّام; لأنّها
أقلّ ما يمكن جعله اعتكافاً, فلا يجب إü ذلك, لا أنّه لايجوز اعتكاف الزائد, فيجوز
الأربعة والخمسة, إü أنّه إذا اعتكف الرابع و الخامس يجب عليه السادس كما مرّ, و
هذا شيء آخر.
واختلفوا في أنّ المراد من اليوم هنا هو النهار, أو هو مع الليل, فعلى الأوّل, مبدأ
الاعتكاف هو طلوع الفجر, و على الثاني غروب الشمس.
والأظهر هو الأوّل; لتبادر النهار من اليوم عرفاً, و لنصّ أهل اللغة على ذلك .
و أما دخول الليلتين الأخيرتين; فإنّما هو من دليل خارج كما سنُشير إليه.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: >سَخّرها عليهم سَبع ليالٍ و ثمانية أيّام< فهو ضعيف,
فإن غايته الاستعمال فيه مطابقاً للقضيّة الواقعة في نفس الأمر, و هو لايستلزم
الانصراف إليه عند الإطلاق, و الاستعمال أعمّ من الحقيقة.
و أضعف منه: احتجاج الآخرين بدخول الليل في اليومين الآخرين, و باستعماله شرعاً
فيهما في بعض الموارد , و يظهر ضعفه مما مرّ.
و الأحوط: أن ينوي عند الغروب, و يجدّدها عند الفجر أيضاً.
و أما لو نذر زماناً معيّناً, كشعبان, أو العشر الأخير من رمضان, فالأظهر دخول
الليلة الاُولى; لأنّ الليلة جزء من المجموع, سيّما في الأوّل بلا إشكال, بخلاف
اليوم, فإنّ الإشكال فيه معروف, و إن كان الأظهر عدم الدخول.
ومرادهم بوجوب الثلاثة لاغير, إنّما هو بالأصالة, و إü فقد يجب إلحاق لحظة قبلها,
ولحظة بعدها, من باب المقدّمات العادية, و إن كان الوجوب شرطيّاً في اللحظة الاُولى
في المندوب.
ومن فروعها: ما لو وجبَ عليه اعتكاف يوم ٍبسبب نذر يوم لم ينذر غيره ولم ينفه, أو
بسبب نذر أربعة إذا أخّر الرابع فيجب تتميمها ثلاثة, أو بسبب لزوم قضاء عليه, كما
لو نذر العشر الأخير من رمضان و أبطل اعتكافه في العاشر, أو على والده إن قلنا
بوجوبه عليه, و إن نذر قضاءه عنه, فيجب عليه إلحاق يومين آخرين.
وكذا الكلام لو وجب عليه اعتكاف يومين بأحد هذه الوجوه, فيضيف إليهما ثالثاً; ليتمّ
الاعتكاف, و يتخيّر بين تقديم الزائد, و تأخيره, و توسيطه.
قال في المسالك: فإذا كان الواجب يوماً فأخّر عنه اليومين نوى بهما الوجوب, و كذا
إن وسّطه بينهما; لأن صحّة الواجب مقيّدة بفعلهما, فيجبان لذلك, و لو قدّمهما جاز
أن ينوي بهما الوجوب أيضاً من باب مقدّمة الواجب, و أن ينوي بهما الندب; لعدم تعيّن
الزمان لذلك, و الواجب يحصل مع الندب; لأنّ الشرط تحقّق الثلاثة, لكن يبقى فيه
إشكال, و هو أنّ اعتكاف اليومين المندوبين يوجب الثالث بهذا السبب, فلا يجزي عن ذلك
الواجب; لأصالة عدم تداخل المسببات عند اختلاف الأسباب, و لو نوى بالأوّل الندب و
جعل ما في ذمّته وَسَطاً زال الإشكال, و يبقى فيهما إشكال آخر, و هو الصوم ندباً
لمن في ذمّته واجب, فإن فيه خلافاً, و إنّما يصحّ الفرضان لو قلنا بجوازه, والأصح
العدم; للنصوص الصحيحة الدالة عليه, و حينئذٍٍ فينوي الوجوب فيهما, سواء أقدّمهما,
أم أخّرهما, أم وسّطه بينهما, و سيأتي في ذلك بحث آخر , انتهى كلامه رحمه اللّه.
أقول: قوله (و أن ينوي بهما الندب) منافٍ لما قدّمه من عدم جواز الإتيان بالاعتكاف
الواجب في الصوم المستحب, و لم يقيّده ثمّة بالواجب المعيّن, بل أطلق , فكما أنّ
المضيّ في الاعتكاف الواجب بعنوان التوسعة و الإطلاق ينافي كون الصوم مندوباً
الموجب لجواز الإفطار, فكذلك وجوب الإتيان بيوم من الاعتكاف الثابت في ذمّته ينافي
جواز نقض اعتكاف اليومين المندوب اعتكافهما.
فنقول: هنا يجب عليه اعتكاف يومين من باب مقدّمة الاعتكاف بيوم هو في ذمّته, فكيف
تصحّ نيّة الندب فيهما؟!
والحقّ ثمّة جواز الاجتماع; لأنّ الاعتكاف شرطه الوقوع في حال الصوم, لاوجوب الصوم
له, و لامنافاة بين عدم جواز الإفطار و الاستحباب حينئذٍٍ; لتغاير الحيثيات, و جواز
اجتماع الضدين مع تغاير الجهتين, كما حقّقناه في الاُصول .
و يتمّ ذلك في المعيّن أيضاً; لأنّ النسبة بين الحيثيتين فيه أيضاً عموم من وجه, و
أما ههنا فلايصحّ; إذ المفروض أنّ الإتيان باليومين إنّما هو لأجل الإتيان بالثالث,
و ذلك لايكون إü بنية الوجوب لأجل المقدّمة.
لايقال: إنّ مراده أنّه لو فرض إتيانه باليومين المستحبّين اللذين يجب ثالثهما
قسراً ـ و إن لم يقصد الإتيان بما في ذمته أصلاً و لم يخطر بباله قطعاً ـ فذلك يكفي
في الامتثال; لأنّه يصدق عليه أنّه أتى باعتكاف يوم واجب, فحصل الامتثال.
لأنّا نقول: أوّلاً: لايصحّ هذا التوجيه بالنسبة إلى تفريعاته, فإنّه فرض ذلك في
بيان الإتيان بالواجب بتتميمه مع الزائد, و تقديم الزائد على الواجب, و تأخيره و
توسيطه لايمكن إü مع القصد إلى الإتيان بالواجب.
وثانياً: أنّه لا دليل على صدق الامتثال بمثل ذلك شرعاً و عرفاً; إذ الامتثال فرع
القصد والنية.
وثالثاً: أنّ هذا يتمّ على القول بعدم وجوب الثالث أيضاً; لأنّه إذا لم يعتبر قصد
خصوص ما في الذمّة, فلافرق بين الواجب و الندب, نظير ما ذكروه في الأغسال.
فإن قلت: إنّ مراده القصد إليهما جميعاً, يعني ينوي اعتكافاً مندوباً لازمه وجوب
ثالثه قسراً; لتحصيل الواجب الّذي في ذمّته أيضاً, و أشار إلى ذلك, بقوله: (والواجب
يحصل مع الندب) يعني: يحصل اليوم الّذي في ذمّته مع الندب, يعني مع مجموع الاعتكاف
المندوب, لاخصوص اليومين الأوّلين.
أو يعني: أنّه ينوي اليومين مندوبين, والواجب يحصل مع الندب, يعني مقدّمة الواجب
الّتي هي واجبة تحصل مع الندب, و التعليل بقوله: (لأنّ الشرط تحقق الثلاثة) يجري
على الوجهين.
قلت: يرد عليه حينئذٍٍ مضافاً إلى ما سبق من لزوم اجتماع المتنافيين, أنّ هذا خلاف
مقتضى كلامه ظاهراً, فإن الظاهر من قوله: (جاز أن ينوي بهما الوجوب من باب
المقدّمة) عدم نية الندب, و من قوله: (أن ينوي بهما الندب) عدم نيّة الوجوب, مع أنّ
قصد الندب مع كون المفروض أنّه في صدد الإتيان بما في ذمّته لاينفكّ عن قصد وجوب
المقدّمة أيضاً.
أمّا على الوجه الأوّل ـ أعني القصد إلى اعتكاف مندوب بالأصالة ـ فلأنّه إنّما قصده
لأنّه مستلزم لوجوب ثالثه قسراً, حتّى يصير قائماً مقام ما في ذمته, فالقصد إلى
جملة الاعتكاف حينئذٍٍ مقدّمة للواجب أيضاً.
أمّا على الوجه الثاني; فلو فرض صحّة مثل هذا القصد, فالأمر أظهر, و لكن فرض صحته
ممنوع.
فقد تحقق بما ذكرنا: أنّ غاية ما يمكن أن يقال: إنّ مراده أنّ المكلف يجب عليه
إبراء ذمّته عن اليوم الواجب عليه, و هو يحصل إما بإتيان نفس الواجب, أو بإتيان ما
هو مسقط عن الواجب, فجواز نية الوجوب و نية الندب المذكورين في كلامه ناظران إلى
الاحتمالين: الأوّل إلى الأوّل, و الثاني إلى الثاني.
فيخدشه ـ بعد ما تقدّم من الأبحاث ـ أنّ قصد الندب على الوجه المذكور أحد فردي
الواجب التخييري من المقدّمة; ليحصل أحد فردي الواجب و هو تحصيل المسقط, فيكون
الإتيان بمجموعه واجباً, فكيف يكتفي بنية الندب لمعظم أجزائه, و هو صوم اليومين
الأوّلين؟! فتأمل جيداً.
قوله: لكن يبقى فيه إشكال, و هو أنّ اعتكاف اليومين المندوبين, إلى آخره.
أقول: كأنّه تفطن لبعض ما أوردنا عليه, و أورد الإشكال, و هو حسن بعد فرض تصحيح قصد
الندب, و إü فأصل الفرض غير صحيح, إü على الوجه الذي ذكرنا أوّلاً, من كون مقصود
المكلّف هو إتيان اعتكاف مندوب برأسه, من دون أن يخطر بباله الامتثال بما في ذمته,
ثمّ أراد أن يحسب الثالث منه عمّا في ذمّته, وقد عرفت ما فيه.
قوله: و لو نوى بالأوّل الندب و جعل ما في ذمته وسطاً زال الإشكال.
أقول: لايزول الإشكال بذلك أيضاً; لأنّ الثالث حينئذٍ أيضاً واجب من حيث إنّه ثالث
الثلاثة, و من حيث كونه مقدّمة للإتيان بما في ذمّته, و كذلك يجيء الإشكال في
الأوّل أيضاً; إذ الإتيان بالمندوب و بمقدمة الواجب أيضاً سببان مختلفان.
ويمكن أن يقال: إنّ امتناع تداخل المسببات إنّما هو إذا لم يكن دليل على التّداخل,
والدّليل هنا موجود; لأنّ أمره بالإتيان بالواجب الموقوف على مقدّمة, و هي إتيان
يومين آخرين مستلزمين لوجوب الثالث قسراً بدليل آخر يستلزم الرخصة في الاكتفاء
بسببب واحد عن مسبّبين اختلف سببهما بالنظر إلى ملاحظة الحيثيّتين, فيزول الإشكال
في صورة تقديم المندوبين أيضاً.
ومن صور اجتماع الواجبين: جعل متعلّق النذر أمراً واجباً, فإنّه يصحّ على الأقوى.
وتظهر الثمرة في لزوم الكفّارة إذا تركه من حيث النذر.
و من فروعه: وجوب الثالث في الاعتكاف الواجب بعد مضيّ يومين, كما أشار إليه في
الروضة حيث قال: و يجب الاعتكاف بمضي يومين و لو مندوبين , كما أشرنا إليه سابقاً,
فاجتمع الوجوبان في مسبب واحد.
قوله: (و يبقى فيهما إشكال آخر) إلى آخره, و حاصله: أنّ نية الندب للزائد في
القسمين الآخرين إنّما تتمّ لو قلنا بجواز الصوم المندوب لمن عليه صوم واجب, و
الأصحّ خلافه.
أقول: يرد عليه أوّلاً: ما قدّمناه من عدم انفكاك الزائد حينئذٍ عن الوجوب; لكونه
مقدّمة للواجب, فالاحتمال منحصر في قصد الوجوب.
وثانياً: أنّ ثبوت الاعتكاف الواجب في ذمته لايستلزم وجوب الصوم عليه حتّى لايتمكن
من الإتيان بالصوم المندوب, فإنّ غاية ما يجب في الاعتكاف إيقاعه في حال صوم واجب,
و هو لايقتضي وجوب الصوم له عليه حتّى لايتمكن من الإتيان بالصوم المندوب, فإنّ
غاية ما يجب في الاعتكاف إيقاعه في حال صوم واجب, و هذا هو البحث الذي أشار إليه
أنّه سيأتي, بل يجوز إيقاعه و إن كان واجباً في صوم مستحب كما قدّمناه.
وثالثاً: أن إيقاع اعتكاف اليومين الزائدين بنية الندب لايستلزم ندبيّة صومهما;
لجواز إيقاعهما في الصوم الواجب كالاعتكاف المندوب في شهر رمضان, فلا تستلزم نيّة
الندب في اعتكاف اليومين ندبيّة صومهما.
فكان الأولى به ـ رحمه اللّه ـ أن لايتعرّض للصوم, بل كان عليه أن يجعل الكلام في
نفس الاعتكاف, كما هو موضوع المسألة, فإن هذا البحث ـ أعني عدم صحة التطوع في وقت
الفريضة ـ عام, لايختصّ بالصوم و الصلاة, فالإتيان باعتكاف اليومين بقصد الندب, مع
كون ذمّته مشغولة باعتكاف يوم واجب موجب لإتيان التطوّع في وقت الفريضة.
فالجواب حينئذٍ أوّلاً: المنع عن احتمال الندب الخالص; لما قدّمنا من أنّ المفروض
إتيانهما لأجل الامتثال بما في ذمّته, فيكون مقدّمة للواجب, فهو إتيان بالفريضة.
وثانياً: بمنع عموم المنع عن التطوّع وقت الفريضة, بل إنّما نسلّمه إذا كان مفوّتاً
للفريضة لاغير, كما بيّناه في كتاب الصلاة .
وثالثاً: على فرض تسليم الندبية, دلّ الدليل على جوازه في وقت الفريضة, كنافلة
الظهرين, و الدليل على كونه مقدمة للواجب.
وأما دخول الليلتين فالظاهر أنّه أيضاً وفاقيّ, كما يظهر من الفاضلين في المعتبر و
المنتهي و غيرهما .
ولكن يظهر من الشيخ في المبسوط و موضع من الخلاف كما نقل عنه, أنه قال: لو نذر
اعتكاف ثلاثة أيّام متتابعات يجب عليه إدخال الليلتين, و إن أطلق صحّ أن يعتكف
نهاراً ثلاثة أيّام من دون الليالي .
وقال في الشرائع: لو نذر اعتكاف ثلاثة من دون لياليها قيل: يصحّ, و قيل: لا .
وقال في المسالك: إنّ القول بالصحة للشيخ ـ رحمه اللّه ـ و هو مبني على أنّ اللّيل
لايدخل في مسمّى اليوم, فإذا نذر ثلاثة أيّام لم يدخل لياليها إü مع ملاحظة
إدخالها, كأن يقول: العشر الأواخر و نحوه, فتلزمه الليالي أيضاً, و ألحق بذلك ما لو
قال: ثلاثة أيّام متتابعة, فإنّه تلزمه الليلتان ليتحقّق التتابع, و حيث لم تدخل
الليالي في الإطلاق المذكور, و يصحّ الاعتكاف بدونها عنده, يصح أيضاً لو صرّح
بإخراجها كما حكاه عنه المصنف بطريق أولي .
أقول: و يظهر من كلام المسالك هذا أنّ الشيخ لايقول بدخول الليلتين المتوسطتين في
الاعتكاف, فيكون مخالفاً للمشهور.
وربّما يوجّه كلام الشيخ, و يجمع بينه و بين ما ذكره في موضع آخر من الخلاف موافقاً
للمشهور بأن مراده أنّ الليالي لاتدخل في الاعتكاف بسبب النذر إü مع شرط التتابع, و
إن وجب إدخالهما من حيث إنّ الاعتكاف لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام بينها ليلتان,
فإذا نذر اعتكاف ثلاثة أيّام من غير تقييد بالتتابع جاز أن يبتدئ من أوّل نهار ثمّ
يتبعه بليلتين و يومين من غير أن يجعل اليومين من الثلاثة المنذورة, ثمّ يبتدئ من
أوّل نهار آخر ويتبعه بيومين و ليلتين هكذا إلى أن تتمّ التسعة, و بتمامها يتمّ
النذر.
و على هذا فيكون مراده ما ذكره العلامة في التذكرة, قال: لو لم يقيّد بالتتابع جازَ
لهُ التفريق ثلاثة ثلاثة, و هل يجوز التفريق يوماً و يوماً, بأن يعتكف يوماً عن
نذره لم يضمّ إليه يومين مندوباً؟ الأقرب الجواز, كما لو نذر أن يعتكف يوماً و يسكت
عن الزيادة و عدمها, فإنّه يجب عليه الإتيان بذلك اليوم و يضم إليه يومين آخرين,
فحينئذٍ إذا نذر أن يعتكف ثلاثة أيّام فاعتكف يوماً عن النذر و ضم إليه آخرين لاعنه
بل متبرّع بهما, ثمّ اعتكف ثانياً عن النذر و ضم إليه آخرين, ثمّ اعتكف ثالثاً عن
النذر و ضمّ إليه آخرين جاز, سواء تابع التسعة أو فرّقها , ولكنه جزم في المنتهى
بلزوم ثلاثة بينها ليلتان .
وقال الشيخ في بعض كتبه: إن لم يشترط التتابع اعتكف نهاراً ثلاثة أيّام بغير ليال ,
و ليس بمعتمد.
أقول: و هذا توجيه حسن لكلام الشيخ لابدّ منه; لئلا يخالف ما هو المتبادر من ظواهر
الأخبار و فتاوى الأصحاب, سيّما فتوى نفسه في غير هذا الموضع, بل في الكتاب الّذي
اختار ذلك فيه, و للإجماعات المنقولة.
و لاينافي ذلك كون المختار في معنى اليوم هو النهار لغة و عرفاً.
وكيف كان, فالمذهب دخول الليلتين في الاعتكاف, لا لدخول الليل في اليوم, بل
للإجماعات المنقولة, و لأنّ المتبادر من الأخبار ذلك, و لما ذكره المحقّق في مقام
إبطال النذر مع إخراج الليالي من قوله: لأنّّه يخرجه عن قيد الاعتكاف, فيبطل اعتكاف
ذلك اليوم .
قال في المسالك: و بيانه أنّ الليالي إذا لم تدخل في الاعتكاف يخرج منه بدخول
الليل, فيجوز الخروج عنه, و فعل ماينافيه, فينقطع اعتكاف ذلك اليوم عن غيره, و يصير
منفرداً, فلو صحّ ذلك, يصحّ اعتكاف أقلّ من ثلاثة, و هو باطل إجماعاً, و ذلك يستلزم
بطلان اعتكاف ذلك اليوم, و الليل و إن لم يدخل في مسمّى اليوم, لكنّه هنا يدخل
تبعاً لتتحقّق الثلاثة المتوالية, و من ثمّ لايوجب مخرج الليل إü الليلتين
المتوسّطتين .
وتبعه في ذلك البيان صاحب المدارك .
أقول: إنّ هذا البيان غير واضح.
قوله: (فلو صحّ ذلك لصحّ اعتكاف أقلّ من ثلاثة و هو باطل إجماعاً).
فيه: منع الملازمة; إذ لا يلزم من فصل الأيّام صيرورة الاعتكاف أقلّ, و إنّما يلزم
ذلك لو ثبت اشتراط دخول الليالي و اتصال المجموع, و هو أوّل الدعوى.
فإن أراد أنّّه باطل إجماعاً لو لم يعتكف اليومين الآخرين, فهو مسلم, و لايضرّ
الشيخ; لأنّّه قائل به.
و إن قال: إنّه باطل و لو اعتكف الآخرين, فهو أوّل الدعوى, و الشيخ لايسلّم
الإجماع.
والتحقيق أن يقال: إنّ قولهم {: (لايكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام) معناه
لايكون زمان الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام, يعني أقلّ زمان متتالي الآنات الذي
يتحقّق فيه الاعتكاف هو ما يُشخّصه و يُعيّنه مرور ثلاثة أيّام, لا أيّام الاعتكاف
لاتكون أقلّ من ثلاثة, و الأوّل يستلزم دخول الليالي و عدم التفرّق, دون الثاني.
و هذا معنى دقيق أشرنا إليه في مسائل الحيض, في معنى قولهم {: (أقل الحيض ثلاثة
أيّام, و أكثره عشرة أيّام) .
وما ذكرنا ثمّة (من أنّه لايصحّ الاستدلال بذلك على اعتبار تتالي الأيّام في أقلّ
أيّام الحيض; إذ كون أقلّ زمان يتحقّق الحيض في ثلاثة أيّام ـ كما هو المتبادر من
اللفظ ـ لايستلزم عدم تحقّق الأيّام الثلاثة في أكثر من هذا الزمان) لايجري هنا;
لأنّ كون الأيّام من حيث إنّها أيّام معتبرة في أقلّ الحيض معلوم من الأخبار و فتوى
الأصحاب, بخلاف الاعتكاف, فإنّه هو اللّبث المتطاول, و هذا تحديد لزمان اللبث, و لم
يعلم كون الأيّام من حيث إنّها أيّام داخلةً في مهيته, و إن استلزمه تحديد زمان
اللبث بهذا المقدار من الزمان, أي الكم المتصل المتتالي الآنات, الذي هو من لوازم
اللبث المعهود المشروط بعدم قطعه بما ينافيه.
و لعلّ مبنى كلام المحقّق على ما ذكرنا, فرجع إلى دعوى التبادر, كما ذكرنا, و
لايكون دليلاً آخر. و يشكل تنزيل كلام المسالك على ما ذكرنا.
وأمّا ما اعترضه في المسالك بأنّ توالي الأيّام و تتابعها يحصل بتعاقبها, كما في
صيام ثلاثة أيّام.
وأجاب بالفرق بينهما: بأنّ الصوم لايمكن تحقّقه في الليل, بخلاف الاعتكاف, و الأصل
في الموالاة متابعة الفعل بعضه لبعض بحسب الإمكان, فلما أمكن ذلك في الاعتكاف
نعتبره, و لما لم يمكن في الصوم, حملناه على أقرب أحوال المتابعة, و هو متابعة
النهار في جملة الأيّام , فهو غريب, فإنّا نعتبر التتابع في الأيّام, لا الاعتكاف
والصوم حتّى يقال: إنّه في الاعتكاف ممكن, و في الصوم غير ممكن, و أما الأيّام فعدم
إمكان اتصالها مشترك الحصول فيهما.
تنبيهات:
الأوّل: نقلَ في المسالك أنّ العلامة و جماعة رجّحوا القول بأنّ المراد باليوم هنا
هو المركب منه و من الليل, فتجب النية عند الغروب, فيجب اعتكاف ثلاثة أيّام و ثلاث
ليالي .
و لم نَقِف على تصريحٍ بذلك في كلام العلامة و غيره, ولا على دليل يعتدّ به, و قد
عرفت ضعف التمسك بدخول الليل في مفهوم اليوم.
و أضعف من هذا: القول بدخول الليلة المستقبلة في مفهوم اليوم, فينتهي بانتهاء
الليلة الرابعة, نَقل صاحب المدارك عن بعض الأصحاب احتماله , و لانعرف له وجهاً.
الثاني: الأقوى أنّ اليوم حقيقة فيما بين طلوع الفجر وغروب الشمس, و لاتبعد صحّة
الاعتكاف بالشروع في أوّل طلوع الشمس, كما أشرنا إلى ذلك في مواضع من هذا الكتاب,
ولايعتبر الملفّق من نصف يومين.
الثالث: إذا نَذَرَ اعتكاف ثلاثة أيّام, لزم التتابع; لعدم تحقّق الاعتكاف في أقلّ
منها.
ولو نَذَرَ أزيدَ منها, فإن قيّدها بالتتابع لفظاً, كقوله: لله عليّ ستة متواليات,
أو معنيً, مثل قوله: لله عليّ اعتكاف رجب. أو بكليهما, كاعتكاف رجب متتابعاً, وجب
الإتيان كذلك.
و لو انتفيا معاً, كقوله: لله عليّ اعتكاف ستّة أيّام أو سبعة, يجوز تفريق
الثلاثتين إجماعاً, كما ادعاه فخر المحقّقين في الإيضاح.
و يجوز فصل ما زاد عن الثلاثتين عنهما, و يجب إكماله ثلاثة.
وهل يجب جعل الثلاثة مجتمعاً من النذر, أو يصحّ التفريق بين الثلاثة أيضاً؟
فالمشهور وجوب الاجتماع, فلايصحّ إü ثلاثة ثلاثة فما زاد.
وذهب العلامة إلى جواز التفريق, بأن يأتي بيوم من النذر و يومين آخرين من غيره, كما
أشرنا سابقاً .
و اختاره فخر المحقّقين, قال: و تصوير ذلك بأن ينذر مثلاً اعتكاف العشر الأُول من
رجب والحادي عشر و الثاني عشر منه, و ستة أيّام في باقي رجب و لم يعيّن داخل بالنذر
الأوّل, أو كان على أبيه اعتكاف, و تمكن منه و لم يأت به ثمّ مات, و قلنا بوجوب
قضاء الاعتكاف, أو نذر أن يقضيه عنه, و نذر أيضاً أن يعتكف ستة أيّام, أو على قول
من يقول: إنّه يصحّ ممن عليه صوم واجب أن يصوم ندباً, و هذا الوجه أضعفها.
ثمّ قال في وجه جواز التفريق: إنّه عدم وجوب التتابع بين الستة, و وجوبه في
الثلاثة; لعدم صحّة انفراد اليوم, فحينئذٍٍ يأتي بواحد من الستة, و اثنين من تدارك
اثنى عشر, وهكذا إلى أن يأتي بتمام الستة مع انضمام اثنى عشر.
ثمّ قال في وجه عدم جواز التفريق هكذا ما حاصله: إنّ كون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة
حتّى يدخل تحت النذر محال, فالذي هو منذور هو الثلاثات, فكل واحد من الأيّام الستة
لايصدق عليه أنّه اعتكاف منذور آخر أو غيره .
أقول: ولاتخفى قوّة قول العلامة, و ضعف هذا الوجه بملاحظة ما ذكروه فيمن نذر يوماً
لابشرط نفي غيره و لاثبوته أنّه يصحّ و يكمله باثنين, و حينئذٍٍ فلا يختص هذا
الكلام بنذر ما زاد على الثلاثة, بل يجري في الثلاثة أيضاً إذا لم يشترط فيها
التتابع لفظاً و معنى, كما أشار إليه في المسالك .
ويجوز ضمّ المندوبين إلى كلّ واحد من الأيّام, و لايشترط وجوب اليومين مطلقاً, بل و
لاينحصر جواز ضمّ المندوبين في صورة القول بجواز الصوم المندوب لمن عليه صوم واجب,
بل يتم على القول بعدم جوازه أيضاً; لأنّ نذر الاعتكاف يستلزم فعله في صوم واجب,
لاوجوب الصوم له, كما أشار إليه في المسالك أيضاً .
أقول: بل إنّما يستلزم فعله في مطلق الصوم على ما حقّقناه, لاوجوب الصوم له حتّى
يمتنع المندوب.
الشرط الرابع: أن يكون في المسجد, من غير فرق بين الرجل و المرأة, بإجماع العلماء,
عدا شاذٍّ من العامة, حيث جوّزه لها في مسجد بيتها .
و يدلّ على التسوية بعض الأخبار الآتية, و على أصل اشتراط المسجد أيضاً إجماع
العلماء, وتدلّ عليه الآية ; لأنّ المباشرة في حال الاعتكاف حرام مطلقاً, فلو لم
يكن المقصود بيان اشتراط المسجد, لكان التقييد لغواً, و الأخبار الكثيرة جدّاً,
وسيأتي بعضها.
وأما ما نقل عن صاحب الفاخر من جوازه في بيوت مكة, فلعلّه مبنيّ على مسجديّتها, كما
تُشعر به آية الإسراء مع كونه من بيت اُم هاني كما قيل, و لما ورد في جواز الصلاة
للمعتكف في دور مكة كما سيجيء, سيّما رواية عبدالله بن سنان .
والأظهر ما هو الأشهر; لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة, فإطلاق المسجد عليها لو
سلّم مجاز, مع أنّ إطلاق الأخبار إنّما ينصرف إلى غيرها, و جواز صلاة الاعتكاف في
الدور لايستلزم جواز الاعتكاف فيها.
ثمّ إنّ الأصحاب اختلفوا في المسجد, فالمشهور بينهم اعتبار التعيين, ويظهر من ابن
أبي عقيل الإطلاق, فإنّه قال: الاعتكاف عند آل الرسول { لايكون إü في المساجد,
وأفضل الاعتكاف في المسجد الحرام, و مسجد الرسول, و مسجد الكوفة, و سائر الأمصار في
مساجد الجماعات .
و وجه الظهور: اعتبار الاعتكاف في مساجد الجماعات في سائر الأمصار في أقسام الأفضل,
ويلزمه الجواز في غيرها, و يمكن أن يكون (وسائر الأمصار) كلاماً مستأنفاً, و يلزمه
التقييد و التعيين.
ثمّ إنّ جلّ الأصحاب المعتبرين للتعيين اختلفوا, فعن الأكثر انحصار جواز ذلك في
مسجدٍ صلّى فيه النبي ْ, أو أحد من الأئمّة { .
و في عبارة بعضهم كالشرائع واللمعة:نبيّ أو وصيّ , و لعلّه مسامحة; تبعاً لإطلاق
الرواية, فإنّ إطلاق إمام عدل يفيده.
و الأولى حمله على إمام عدل ملتنا.
و المفيد والمحقّق والشهيدان وكثير ممن تأخّر عنهم اشترطوا كونه في مطلق المسجد
الجامع.
ثمّ إنّّ أكثر الأكثرين حصروا المورد في المسجد الحرام, ومسجد النبيّ ْ, والمسجد
الجامع بالكوفة, و المسجد الجامع بالبصرة.
و عن عليّ بن بابويه تبديل البصرة بالمدائن , و عن ولده في المقنع اعتبار الخمسة .
حجّة المفيد و أتباعه:الأصل, و إطلاق الآية , والأخبار المعتبرة المستفيضة جدّاً,
مثل ما رواه الصدوق في الصحيح, عن الحلبي, عن أبي عبد الله & , أنّه قال: (لا
اعتكاف إü بصوم في المسجد الجامع) .
و في الصحيح عن داود بن سرحان, عن أبي عبد الله & , قال: (لا أرى الاعتكاف إü في
المسجد الحرام) إلى آخر ما سنرويه عن الكليني, عنه, عن أبي عبد الله, عن عليّ & .
والكليني في الحسن لإبراهيم بن هاشم, عن الحلبي, عنه & , قال: (لايصلح الاعتكاف إü
في المسجد الحرام, أو مسجد الرسول ْ, أو مسجد الكوفة, أو مسجد جماعة, و تصوم ما
دُمت مُعتكفاً) .
وعن داود بن سرحان, عنه & , قال: (إنّ عليّاً & كان يقول: لا أرى الاعتكاف إü في
المسجد الحرام, أو مسجد الرسول, أو مسجد جامع, و لاينبغي للمعتكف أن يخرج من
المسجد, إü لحاجة لابد منها, ثمّ لايجلس حتّى يرجع, و المرأة مثل ذلك) .
والشيخ في الموثق, عن أبي الصباح الكناني, عنه & كان يقول: (لاأرى الاعتكاف إü في
المسجد الحرام, أو مسجد الرسول, أو في مسجد جامع) .
وعن يحيى بن العلاء الرازي, عنه & , قال: (لايكون الاعتكاف إü في مسجد جماعة) .
وعن عليّ بن عمران, عنه & , عن أبيه & , قال: (المعتكف يعتكف في المسجد الجامع) .
وروى المحقّق في المعتبر عن جامع البزنطي, عن داود بن الحصين, عنه & , قال: (لا
اعتكاف إü بصوم, و في مسجد المصر الذي أنت فيه) .
و حملُه على مِصر بلد السائل, وهو الكوفة, أو مصر الإمام & , و هو المدينة بعيد, مع
أنّه يستلزم عدم جوازه في غيرهما, و هو خلاف الإجماع.
و أما دليل المشهور من الاقتصار على المساجد الأربعة, مع كون الرابع هو مسجد البصرة
دون المدائن, فهو الإجماع, كما عن الخلاف و التبيان و الغنية و ظاهر مجمع البيان ,
و هو لازم كلام ابن إدريس كما سنشير إليه, و صريح كلام المرتضى في الانتصار أيضاً,
كما سننقله , و عن الخلاف دعوى تواتر الأخبار.
واحتجّوا أيضاً: بأنّه عبادة شرعيّة يقف العمل فيها على موضع الوفاق, و بأنّهم { لم
يعتكفوا في غيرها.
وبصحيحة عمر بن يزيد رواها في الفقيه, قال, قلت لأبي عبدالله & : ما تقول في
الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ قال: (لاتعتكف إü في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام
عدل جماعة, و لابأس بأن يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة, و مسجد المدينة, و مسجد
مكة) .
و رواها الكليني أيضاً, وكذا الشيخ عنه, و زاد فيها لفظ (فيها صلاة) قبل جماعة, و
قال الصدوق بعدها: و قد روي في مسجد المدائن.
ويرد على الأوّل: منع الإجماع, قال في المعتبر: واحتجاج الشيخ بإجماع الفرقة
لانعرفه, و يلزم ذلك من عَرفَ إجماعهم عليه, و كيف يكون إجماعاً والأخبار على
خلافه, و أعيان فضلاء الأصحاب قائلون بضدّه .
و كذا الشهيد في غاية المراد, قال: و المرتضى ـ رحمه اللّه ـ و الشيخ في الخلاف
ادعيا الإجماع, و أعظم به من دليل لولا صريح الخلاف .
وعلى الثاني: أنّ الاقتصار على موضع الوفاق, إنّما يتمّ إذا لم يثبت له الدليل, و
قد عرفت الأدلّة.
وعلى الثالث: أنّ عدم اعتكافهم في غيرها لا يدلّ على عدم الجواز, مع أنّهم اعتبروا
تجميع المعصوم, لا اعتكافه.
وعلى الرابع: أنّ (إمام عدل) يشمل غير المعصوم.
والإنصاف أنّها ظاهرة في المعصوم; لأنّ ظاهرها الإضافة, كإمام الهدى في مقابل إمام
الضلال و إمام الجور, فإنّ أئمّة الجور و إن كانوا أئمّة لكنهم يهدون إلى النار, و
فهم قدماء الأصحاب أيضاً شاهد عليه, و ليس من قبيل التوصيف, كالشاهد العدل, كما
فهمه صاحب المدارك .
وعلى هذا فيشكل ترجيح قول المفيد و أتباعه; لأنّ هذه الرواية الصحيحة ظاهرة
الدلالة, مع اعتضادها بالإجماعات المنقولة, و دعوى الشيخ تواتر الأخبار و الشهرة
بين الأصحاب, سيّما القدماء منهم, حتّى أنّ العلامة في المختلف بعد اختياره قول
الأكثر استدلّ بأنّه أشهر بين الأصحاب, و بالصحيحة المذكورة, فجعل الشهرة دليلاً
لايقصر عن أدلّتهم, بل تغلب عليها .
وردّ استدلال العلامة بالشهرة الشهيد في غاية المراد, بأنّ الشهرة لو سلّمت ليست
حجّة, فربّ مشهور مرجوح, بل كم من مشهور باطل , و لعلّه يريد شهرة يكون في مقابلها
دليل, و إüّ فهو قائل بحجية الشهرة, كما يظهر من الذكري .
والحاصل: أنّ الإجماعات بمنزلة أخبار صحيحة, و إذا اُضيف إليها صحيحة عمر بن يزيد,
و اعتضد المجموع بالشهرة, يترجح قول الأكثر, مع أنّ فيه جمعاً بين الروايات, بحمل
مطلقاتها على المقيد.
فلم يبقَ في الطرف الآخر إüّّ كثرة الأخبار, و موافقة الكتاب, و فيه: مع أنّ سندَ
كثيرٍ منها ضعيف, لايقاوم ما ذكرنا.
وأما الكتاب; فمع تسليم العموم أيضاً يخصّص بتلك الأدلّة, و يمكن أن يُراد بلام
المساجد العهد, و إن كان الجمع المحلّى باللام ظاهراً في العموم, أو يُراد جنس
الجمع كما في قولهم: الحكم هو خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين, بقرينة المقام.
فالأحوط بل الأظهر: أن لايفعل في غير المساجد المعهودة إü بقصد الاحتياط قربة إلى
الله, فينوي: أنّي أعتكف إن كان يصحّ فيها, و إüّ فيكون لبثاً في المسجد لأجل
العبادة, و يترك محظورات الاعتكاف قربة إلى الله.
وحجّة ابن أبي عقيل : عموم الآية , و رواية داود بن الحصين , وقد ظهر لك الجواب عن
الآية, و كذا عن الرواية, مع أنّه يمكن أن يقال: إضافة المسجد إلى المصر, يُشعر
بعدم الاكتفاء بمسجد القبيلة.
وأمّا توفيقها مع مذهب الأكثر, فبإرادة مصر السائل أو المسئول عنه, ويكون المراد
التمثيل, فلا يلزم عدم الجواز في غيرهما.
بقي الكلام في أنّّ المعتبر هل هو فعل الجمعة, أو مطلق الجماعة؟ فقد اختلف الأصحاب
فيه, قال في القواعد: والضابط ما جمع فيه النبي أو وصي له جماعة أو جمعة على رأي .
و قال المحقّق: و ضابطه كلّ مسجد جمع فيه نبي أو وصي جماعة, و منهم من قال جمعة .
ونسبَ في الإيضاح الأوّل إلى عليّ بن بابويه و ابن الجنيد, و الثاني إلى المفيد و
المرتضى و ابن حمزة و ابن إدريس .
ونسبَ الأوّل الشهيد في غاية المراد إلى الصدوقين ; لأنّهما لم يصرّحا بالجمعة,
فإنّ الصدوق في المقنع ـ بعد ما قال: لايجوز الاعتكاف إüّّّ في خمسة مساجد, في
المسجد الحرام, و مسجد الرسول, و مسجد الكوفة, و مسجد البصرة, ومسجد المدائن ـ قال:
و العلّة في ذلك أنّه لا يعتكف إü في مسجد جمع فيه إمام عدل, و قد جمع النبي ْ بمكة
و المدينة, و أمير المؤمنين & في هذه المساجد .
و قال أبوه: لايجوز الاعتكاف إü في المسجد الحرام, و مسجد الرسول, و مسجد الكوفة, و
مسجد المدائن, و العلّة في ذلك أنّه لايعتكف إü في مسجد جَمَعَ فيه إمام عدل, و قد
جمع النبي ْ بمكة, و جَمَعَ أمير المؤمنين & في هذه الثلاثة مساجد, وروي في مسجد
البصرة , و هو موافق لفقه الرضا & .
ولعلّ الشهيد ـ رحمه اللّه ـ نظر إلى أنّ التجميع يشمل مطلق الجماعة .
و يؤيّده أنّ مستند هؤلاء صحيحة عمر بن يزيد, و ليس فيها لفظ التجميع كما عرفت.
و عن الراغب و المطرزي تفسيره بحضور الجماعة أو الجمعة, و ربّما احتمل كون لفظ
(جمع) في كلامهما مخفّفاً, يعني جمع الناس للصلاة فيعمّ, و لكن المنقول عن أكثر
اللغويين: أنّ التجميع هو حضور الجمعة .
قال في المختلف: و لا أرى لهذا الخلاف كثير فائدة, إü أن يثبت مسجد صلّى فيه بعض
الأئمة { جماعة لاجمعة .
و في الإيضاح: تظهر فائدة الخلاف في مسجد المدائن, فإنّه روي أنّ الحسن & صلّى فيه
جماعة , فإن ثبتت هذه الرواية, صحّ فيه على قول عليّ ابن بابويه .
وعن الشهيد الثاني في حاشية القواعد أيضاً: أنّه & صلّى فيه جماعة, و كذا النبي ْ
في مسجد قبا, وفي مسجد بني سالم, و أما صلاته ْ في المسجد الأقصى ليلة الإسراء فلم
تقع جماعة, وكيف كان فالعُمدة بيان الدليل إن لم يرد لفظ التجميع في الخبر حتّى
ينفع الخلاف فيه, فالذي تقتضيه الرواية كفاية مطلق الجماعة.
ولكن الظاهر من الجماعة دعوى الإجماع على خصوص الجمعة, فالمدّعون للإجماع بين مصرّح
باشتراط الجمعة و بين مكتفٍ بالمساجد الأربعة .
فقال السيّد في الانتصار: و مما انفردت به الإمامية القول بأنّ الاعتكاف لاينعقد إü
في مسجد صلى فيه إمام عدل بالناس الجمعة, هي أربعة مساجد: المسجد الحرام, و مسجد
المدينة, و مسجد الكوفة, و مسجد البصرة, ثمّ نقل أقوال المخالفين, ثمّ قال: لنا
مضافاً إلى الإجماع طريقة الاحتياط .
وقال ابن إدريس بعد ما حصر الاعتكاف في المساجد المذكورة: ولاينعقد الاعتكاف في غير
هذه المساجد; لأنّ من شرط المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف عند أصحابنا, أن يكون قد
صلّى فيه نبيّ أو إمام عادل جمعة بشرائطها, و ليست إü هذه. وطعن على تبديل عليّ بن
بابويه مسجد البصرة بمسجد المدائن, و قال: إنّ الخبر الوارد به شاذ .
ويمكن أن يؤيّد اشتراط الجمعة بالأخبار الكثيرة باشتراط المسجد الجامع, و هو ما
تجمّع فيه أهل البلد ـ بالتشديد ـ يعني بفعل الجمعة فيه, كما نقل عن السجزي في
المهذب, و الفيومي في المصباح, و النووي في التحرير , و بعضهم فسره بالمسجد الأعظم,
كما عن الفارابي في ديوان الأدب, و عبّر به المفيد .
والغالب أنّ الجمعة إنّما تقام في المسجد الأعظم, و هو المتبادر منه في عرف زماننا,
و الأصل عدم النقل, و هو المعنى المناسب للاشتقاق, فإنّ مسجد القبائل و المحلات إما
لايجمع فيها أصلاً لفقد إمام لهم أن يجمّع صلاتهم أهل القبيلة, و هم في العرف
مجتمعون لا متفرّقون حتّى يتحقّق الاجتماع.
و أمّا الجمعة فلما كانت لا تُقام في أقلّ من فرسخ من جمعة اُخرى, و لاتقع غالباً
إüّّ في البلد الأعظم, فلا جَرَمَ يكون مسجدها جامع الشتات, فحمل الجامع على ما
يجمع فيه قبائل شتى أنسب بالاشتقاق.
ولم نقف على من فسّر المسجد الجامع بغير ما ذكرنا, إü ما ذكره في المسالك, فقال: هو
الذي يُجمع فيه في البلد جمعة أو جماعة.
فائدة:
مسجد البصرة في هذا الزمان واقع في البريّة, و يُشكل الاعتكاف فيه و مسجد المدائن
غير معلوم, كما ذكره الفاضل المجلسي رحمه اللّه.
و قالوا: إنّ المراد بمسجد مكّة و المدينة, ما كان مسجداً في زمان الرسول ْ, لا ما
اُلحق بهما بعده.
واعلم أنّه على قول المفيد و أتباعه , إذا تعدّد المسجد الجامع, يجوز الاعتكاف
فيهما.
ولو اشترطنا في معنى المسجد الجامع انعقاد الجمعة فيتعيّن, إü أن يُقام فيهما
الجمعة على التناوب, بل يكفي فيه إقامة الجمعة في وقتٍ إذا كان وضعه لذلك, و إن
هُجرَ الحين.
و لو لم يشترط فيه إü الجماعة فلا إشكال في الجواز فيهما, و يُشكل الأمر في التعيين
حينئذٍ إذا تعدّد مسجد الجماعة مع عدم تلقيبها بالمسجد الجامع.
فالأولى حينئذٍ اعتبار جماعة أهل المصر أو أغلبهم, لامطلق ما يصلّى فيه جماعة, و إن
كان كبيراً و يحصل فيه الاجتماع كثيراً, أو اعتبار وضعه في ألسنتهم بالمسجد الجامع,
كما في الأخبار.
الشرط الخامس: إذنُ مَن له ولاية عليه, و هو في مثل الزوجة و العبد ظاهر; لمنعه عن
الحق اللازم عليهما, من الخدمة, و الاستمتاع.
و أما في مثل الولد والضيف و نحوهما فلا دليل عليه; إذ الذي دلّ عليه الدليل توقّف
صومهم على الإذن, لا اعتكافهم.
والاعتكاف لايستلزم الصوم المبتدأ, بل إنّما يستلزم وقوعه في حال الصوم, فإذا
اعتكفوا في شهر رمضان مثلاً, فلا دليل على المنع.
والأقوى التفصيل بما لو أوقعه في صوم مندوب فيتوقّف, و إü فلا, و لكن هذا مخرج
للمسألة عن البحث في الاعتكاف بالذات.
بل المنع في الأولين أيضاً ليس من حيث هو.
فإطلاق توقّف الاعتكاف على إذن من له الولاية ـ كما وقع في الشرائع فإنّه ذكر العبد
و الزوجة من باب المثال ـ ليس بجيد.
إüّ أن يقال: إنّ مراده التمثيل لما يتوقّف جواز الاعتكاف على إذنه, لا الصوم.
و منها الأجير الخاص في عملٍ يُنافي الاعتكاف.
و أطلق في الدروس اشتراط إذن الأب من دون إشارة إلى خلاف, و جعل توقّف الضيف و
الأجير على الاستئذان أقرب .
قال في المسالك: الحكم في الأجير واضح, إذا كان خاصاً, دون الضيف, إü أن يكون
الاعتكاف متوقّفاً على صومٍ مَندوب, فيبنى حكمه و حكم الولد والضيف أيضاً على ما
تقدّم في الصوم, إüّّ أنّ هذا خروج عن توقّف الاعتكاف لذاته .
أقول: ماذكره من أنّ الحكم في الأجير واضح إذا كان خاصاً ـ يعني أنّه لا إشكال في
توقّفه ـ لايخلو عن إشكال إذا كان الأجير الخاص أجيراً فيما لاينافي الاعتكاف
كالصلاة و تلاوة القرآن, فإنّ توقّفه حينئذٍ على الاستئذان محلّ إشكال.
ثمّ إذا أذِنَ مَن له ولاية الإذن, كان له المنع قبل الشروع, ما لم يمضِ يومان في
المندوب على المختار, بخلاف مذهب الشيخ, فلا يجوز له المنع بمحض التلبس .
وأمّا الاعتكاف الواجب بالنذر و شبهه, فإن كان متعيناً, فلا يجوزقبل الشروع و
لابعده, و إن كان مُطلقاً, فالأقرب جواز المنع أوّلاً, و بعد التلبس على وجه
قوّيناه; لعدم الدليل على حرمة إبطال الواجب مطلقاً ما لم يمض يومان, فإنّه يتعين
حينئذٍ.
الشرط السادس: استدامة اللبث في المسجد ليلاً و نهاراً, حتّى يتمّ اعتكافه, باتفاق
العلماء كافة, كما ادعاه الفاضلان , فيبطل بالخروج اختياراً إü ما استثنوه, و إن
قصر زمانه, والظاهر أنّه أيضاً إجماع العلماء, كما يظهر من الفاضلين .
وتدلّ عليه الأخبار من الطرفين, روى في التذكرة عن عائشة: أنّ رسول اللّه ْ كان إذا
اعتكف يدنيّ إليّ رأسه فأرجله, و كان لايدخل البيت إü لحاجة الإنسان .
و من طريق الخاصة: صحيحة داود بن سرحان, قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان, فقلت لأبي
عبدالله & : إنّي اُريد أن اعتكف, فماذا أقول, و ماذا أفرض على نفسي؟ فقال: (لا
تخرج من المسجد إü لحاجة لابد منها, و لاتقعد تحت ضلال, حتّى تعود إلى مجلسك) ,
ورواها الكليني رحمه اللّه, و الشيخ أيضاً.
و صحيحة عبد الله بن سنان في الكافي, عنه & , قال: (ليس على المعتكف إü أن يخرج إü
إلى الجمعة أو جنازة أو غائط) , و في بعض النسخ (للمُعتكف) و هو أنسب.
وحسنة الحلبي لإبراهيم بن هاشم كما في الكافي, عنه & , قال: (لاينبغي للمعتكف أن
يخرج من المسجد إü لحاجة لابد منها, ثمّ لا يجلس حتّى يرجع, و لايخرج في شيء إü
لجنازة, أو يعود مريضاً, و لايجلس حتّى يرجع, واعتكاف المرأة مثل ذلك) .
و رواها الصدوق أيضاً عنه & , و الظاهر أنّ سنده صحيح, لكن في الدلالة تأمّل, و
لكنّه لايضرّ; لعدم الإشكال.
و يتحقّق الخروج بخروجه بجميع بدنه, و لايضرّ ببعضه, كما صرّح به الفاضلان في
المعتبر و التذكرة, و لم ينقلا خلافاً عن الأصحاب , و يدلّ عليه عدم صدق الخروج
عليه, و فعل النبيّ ْ, كما في رواية عائشة.
وقال في المسالك: يتحقّق الخروج من المسجد بخروج جزء من بدن المعتكف عنه , و كذا
الشهيد في الدروس, و لكنه استثنى ما لو أخرج رأسه ليغسل تأسّياً بالنبي ْ , و هو
بعيد.
و في تحقّقه بصعود سطح المسجد من داخل قولان, قال: في المسالك: و هما آتيان في
صعوده للجنب من خارج, واختار الشهيد عدم دخول السطح في مسمّاه, واختلف كلام الفاضل
رحمه اللّه , انتهى, و يظهر منه التوقّف.
أقول: و إن كان الأظهر عدم دخول السطح فيه, سيّما إذا كان قبة لايمكن الصلاة عليها,
و لايعهد الصلاة في نواحيها, إü أنّ صدق الخروج بذلك, و تبادر مثله من الأخبار
ممنوع; إذ لا منافاة بين عدم مسجديته, و عدم صدق الخروج من المسجد عرفاً.
و يشكل المقام إذا كان السطح سطحاً, و وضع كذلك ليكون مسجداً, من جهة صيرورتهما
مسجدين, فيضرّ, أو يدخل في المعتكف, فلا يضر, هذا الكلام فيما لو خرج باختياره.
وأمّا المكره; ففيه أقوال ثلاثة: فعن الشيخ في المبسوط والمنتهى و ظاهر المعتبر,
عدم البطلان بسببه ; لحديث رفع ما استكرهوا عليه .
و هذه عبارة الشيخ على ما في المختلف: و إذا أخرجه السلطان ظُلماً, لايبطل اعتكافه,
و إنّما يقضي ما يفوته, وإن أخرجه لإقامة حدٍّ عليه, أو استيفائه دَين منه, يقدر
على قضائه, بطلَ اعتكافه; لأنّه أحوج إلى ذلك, فكان مختاراً في خروجه .
وذهب المحقّق في الشرائع إلى البطلان, قال: فلو خرج لغير الأشياء المبيحة, بطل
اعتكافه, طوعاً خرجَ أو كُرهاً, فإن لم تمضِ ثلاثة بطل الاعتكاف, فإن مضت فهي صحيحة
إلى حين خروجه .
و اختاره العلامة في القواعد و الإرشاد . و دليله خروجه عن ماهية الاعتكاف, وأنّ
غاية الحديث الدلالة على رفع الإثم, و هو لاينافي البطلان.
وفصّل الشهيد الثاني ـ تبعاً للعلامة في جملة من كُتبه ـ بالبطلان مع طول الزمان, و
عدمه مع عدمه; لأنّ الطويل مخرج عن الاعتكاف ماهيّة, و منافٍ لماهيته, بخلاف القصير
.
و اُورد عليه: بأنّ القصير إن لم يكن منافياً للماهية, فلايكون مبطلاً في المختار
أيضاً; إذ المفروض أنّ علّة البطلان هي المنافاة للماهية, و إن كان مُنافياً: فيكون
مُبطلاً في المكره أيضاً.
فإن قلت: إنّ الإكراه من جملة الضرورات المستثناة.
قلت: فحينئذٍ فلابدّ في كلّ الضرورات من التفصيل بالطول و القصر, فما وجه الفرق؟!
وردّ: بأنّ الإجماع هو الذي أثبت البطلان بالخروج مختاراً, بدون ضرورة, و إن قصرت
المدة.
أقول: والتحقيق أن يقال: المتبادر من الأخبار المانعة عن الخروج , هو الخروج
الاختياري, لاماحصل بسبب إخراج الغير إيّاه, و المتبادر من المستثنيات التي ذكر
فيها هو الضروريات المعدودة المحدودة بالعرف و العادة, على مقتضى كلٍّ منها, و إن
تفاوت بعضها مع بعض, كأفراد تشييع الجنازة, و عيادة المريض, و غيرها بتفاوت طول
المسافة, و عدم الماء المحتاج إلى تحصيله, و نحو ذلك, فيثبت أنّ ذلك الخروج غير
مضرٍّ على حسب العادة, فحكم الخروج المتولد من إخراج الغير إيّاه كرهاً ليس بداخل
في تلك الأخبار, و الأصل عدم مدخليّته في بطلان الاعتكاف.
نعم إذا طالَ زمانه بحيث صار ماحياً لصورة الاعتكاف, بحيث يصحّ سلب (المعتكف) عنه
في عُرف المتشرّعة, فهو مُبطل له, و لذلك, لا لأنّه من أفراد الخروج المنهي عنه,
نظير الفعل الكثير في الصلاة على ما حقّقناه في محلّه, أنّ المعيار فيه إنّما هو
محو صورة الصلاة, و كذلك الموالاة المعتبرة في الوضوء, على المعنى الذي ذكرناه في
محلّه أيضاً.
فإن قلت:إنّ الماحي لصورة الاعتكاف مُبطل في المختار أيضاً,فلم يذكروه هنا.
قلت: إنّ الأخبار دلّت على أنّ مُطلق الخروج مبطل فيه , فكيف لاتدلّ على إبطال
الطويل منه, فلاحاجة إلى ذكره.
فإن قلت: نعم, و لكن مع استثناء المستثنيات, فلابدّ أن يذكروا أنّ ذلك بشرط عدم
الطول الماحي.
قلت: إنّ الاستثناء بقدر المتعارف, فالاستثناء محدود بالمتعارف لايجوز التعدّي عنه,
و أما التعدّي عن العادة فهو داخل في الخروج الممنوع على سبيل الإطلاق.
مع أنّا نقول: مُبطلات العمل إما تعبديّة, و إما عقلية, فمثل أكلِ لقمة في الصلاة
مُبطل, و إن لم يكن ماحياً, سيّما إذا كان يبلغ ما كان في فيه قبل الصلاة, و ذلك
لأجل التعبّد, و أما إبطال الفعل الكثير, فلأجل عدم الامتثال عقلاً, بغير ما هو على
الوجه المأمور به بحسب الكم و الكيف, أو مع ترك نفس المأموربه, فقد ذكروا في الصلاة
أنّ الأكل مبطل و الشرب مبطل مثلاً, والفعل الكثير مبطل.
فالمحتاج إلى التعرّض في حكم المبطل بسبب الفعل الكثير في الخروج إنّما هو المكره;
لأنّه لم يتحقّق منه خروج, أو لم يتحقّق الخروج المنهي عنه حتّى يتعرّض لحكمه,
بخلاف المختار, فذكروا في المختار أنّ الخروج فيه مبطل, و الخروج للأفعال الضرورية
على حسب المعتاد غير مبطل, و ذلك لاينافي بطلانه مع الخروج عن المعتاد, و محو صورة
الاعتكاف.
ويشهد بذلك ما ذكره في المسالك بعد ذلك في مسألة استثناء قضاء الحاجة قال: و لو خرج
عن كونه معتكفاً لطول الحاجة بطل مطلقاً , فلأجل توهّم دخول الخروج القَسري في
أفراد الخروج المنهي عنه نبّهوا على أنّه غير مضرّ, إü إذا صار ماحياً لصورة
الاعتكاف, فهو حينئذٍ مُبطل لأجل أنّه ماحٍ, لا لأجل أنّه خروج.
فظهر مما حقّقناه: أنّ نظر أرباب القول الثاني, إلى أنّ الخروج منافٍ لمهيّة
الاعتكاف اللغوية, أعني اللبث, فإنّ الخروج منافٍ للّبث.
و نظر أرباب القول الثالث إلى أنّ الخروج المتطاول منافٍ للمهيّة العُرفية, و
القصير ليس بمنافٍ لها; إذ لم تثبت الحقيقة الشرعية فيه كذلك كما لايخفى.
فالمهم بيان الدليل على إبطال ما هو منافٍ للبث لغةً, و قد عرفت أنّه لا دليل عليه.
فالأقوى القول بالتفصيل; للأصل, والإطلاق, والاستصحاب, وعدم الدليل, و الله يقول
الحقّ, وهو يهدي السبيل.
فرعان:
الأوّل: لو نذرَ أن يعتكف أيّاماً معيّنة, كشهر رمضان, أو العشر الآخر منه
متتابعاً, فعن الشيخ في المبسوط: أنّه تلزمه المتابعة, فإن أخلّ بها استأنف , و
تبعه الفاضلان في الشرائع و التذكرة .
وعلله العلامة في المختلف و التذكرة بعدم الإتيان بالمنذور, و مخالفة الشرط.
وقال في المختلف: و لقائل أن يقول لايجب الاستئناف, و إن وجب عليه الإتمام
متتابعاً, وكفّارة خلف النذر; لأنّ الأيّام التي اعتكفها متتابعة, وقعت على الوجه
المأمور به, فيخرج بها عن العهدة, و لايجب عليه استئنافها; لأنّ غيرها لم يتناوله
النذر, بخلاف ما إذا أطلق النذر, و شرط التتابع; فإنّه هنا يجب الاستئناف; لأنّه
أخل بصفة النذر, فوجب عليه استئنافه من رأس, بخلاف صورة النزاع, و الفرق بينهما
تعيّن الزمان هناك, و إطلاقه هنا, وكلّ صوم مُتتابع في أيّ زمان كان مع الإطلاق
يصحّ أن يجعله المنذور, أما مع التعيّن فلايمكنه البدل , انتهى.
وارتضاه صاحب المدارك, وجده ـ رحمه اللّه ـ في المسالك, و زادا على ذلك: أنّ عدم
الاستئناف إنّما هو إذا كان ما أتى به ثلاثة فصاعداً, و إü فيستأنف الجميع , و لا
إشكال في هذه الزيادة, ولكن الإشكال فيما ذكروه من عدم لزوم الاستئناف.
وما ذكره العلامة في الفرق بين الأيّام المتتابعة بالذات, المشروطة التتابع بالعرض;
مآله إلى أنّ الاستئناف في الثاني ليس من جهة كونه قضاءاً, بل لأنّه نفس الوفاء
بالمنذور; لإمكان تحقّقه في أي فرد من أفراد الأيّام القابلة للتتابع, بخلاف
الأيّام المتتابعة, فإنّها لايشملها النذر, فالإتيان بها ثانياً لايكون إü من جهة
كونها قضاءاً, و القضاء إنّما يجب فيما فات الأداء, والمفروض أنّ الأيّام السابقة
على الإخلال لم تفت, فلايجب قضاؤها.
وفيه: أنّ التتابع المشروط بالعرض ليس محض التأكيد للتتابع المعنوي حتّى يكون
لغواً, فكما أنّه يجوز نذر الصلاة الواجبة, و الصوم الواجب, فيجوز نذر التتابع
الواجب, فقد فاتَ المنذور الموقّت الذي هو المجموع المركّب المتتابع, و إن لم يفُت
بعضها من حيث إنّه بعض المتتابع بحسب المعنى فقط, فلايتم إü بقضاء الجميع متتابعاً.
نعم يخدش فيما ذكره الشيخ, أنّه لادليل على وجوب القضاء; إذ هو بفرض جديد, إü أنّ
الشيخ نفى الخلاف عن وجوب الاستئناف في المبسوط, على ما حكي عنه , فلعلّه هو
الدليل.
ولذلك قال العلامة رحمه اللّه: و لقائلٍ أن يقول و يظهر من ذلك أيضاً عدم اطلاعه
على مخالف للشيخ, و يؤيّد ذلك ما سيجيء في الفرع الثاني.
ثمّ إنّ لازم هذا القول أنّه لا يجب عليه إتمام الباقي; لأنّه بسبب الإخلال يبطل
المنذور رأساً, و إذا قلنا بوجوب قضاء المجموع على التتابع, فلا معنى لوجوب الباقي
ثمّ قضاء المجموع.
و أما لو نذر التتابع معنيً, كشهر رمضان, مع عدم اشتراط التتابع لفظاً, و الظاهر
أنّه لا إشكال في عدم وجوب الاستئناف إذا أتى بثلاثة فصاعداً, بل إنّما يقضي ما
أهمل, و يأتي بما بقي, و إن لم يتمّ ثلاثة فيقضي الجميع, و الظاهر عدم وجوب التتابع
في القضاء.
الثاني: إذا نذر اعتكاف شهر معين, و لم يعلم حتّى خرج, كالمحبوس والناسي, فالمقطوع
به في كلام الأصحاب ـ كما ذكره في المدارك ـ أنّه يقضي.
قال: و استدلّ عليه في المنتهى: بأنّه نذر في طاعة أخلّ به, فوجب عليه قضاؤه, وهو
إعادة للمدّعى, وينبغي التوقّف في ذلك إلى أن يقوم على وجوب القضاء دليل يعتد به .
أقول: و لعلّ دليلهم الإجماع, و كان ذلك في نظره من الواضحات, فعبّر بما هو في صورة
إعادة المدّعى, و يؤيّده نفي الخلاف المنقول سابقاً عن المبسوط في الفرع الأوّل .
ثمّ قال أيضاً: و أما الكفارة فلاريب في سقوطها للعذر, قال في الدروس: و لو اشتبه
الشهر فالظاهر التخيير, وكذا لو غمّت الشهور عليه, و يمكن المناقشة في هذا الحكم
أيضاً بأنّ الأصل عدم وجوب المنذور المعين إü إذا علم دخول وقته, وإلحاقه بصوم
رمضان يحتاج إلى دليل, و إن كان ما ذكره أحوط , انتهى كلام المدارك.
بقي الكلام فيما استثنوه من الخروج اختياراً:
و الضابط الكلّي فيه جواز الخروج إلى كلّ ما لابدّ منه, ولايمكن فعله في المسجد
بحسب حاله, كالخروج لتحصيل المأكول و المشروب, إذا لم يكن له من يتكفله.
و إذا كان له في الأكل في المسجد غضاضة, جاز الخروج للأكل أيضاً, كما ذكره العلامة
في التذكرة, و الشهيد الثاني في المسالك .
و أما الشرب; فلا غضاضة فيه لأحد, و لعلّ المعيار في مثله منافاة المروءة التي
اعتبروها في العدالة.
ذكروا في أمثلة الضروريات اُموراً:
منها: ما ذكرنا.
ومنها: قضاء الحاجة, و هو التخلّي, و يدلّ عليه بعد إجماع العلماء كافة لعدم جوازه
في المسجد, صحيحة ابن سنان المتقدمة .
و يجب تحرّي أقرب الطرق إليه و أسرعها حصولاً, إü أن يكون له في الأقرب غضاضة, كما
ذكره العلامة و غيره .
وربّما فُسّر بمطلق قضاء الحاجة لنفسه أو لأخيه المؤمن كما قطع به العلامة من غير
نقل خلاف , واحتجّ عليه: بأنّه طاعة, فلا يمنع منها الاعتكاف, وما رواه ميمون بن
مهران قال: كنت جالساً عند الحسن بن عليّ {, فأتاه رجل فقال له: يابن رسول اللّه ْ,
إنّ فلاناً له عليّ مال, و يريد أن يحبسني, فقال: (والله ما عندي مال فأقضي عنك)
قال: فكلّمه, قال: فلبس & نعله, فقلت له: يابن رسول اللّه أنسيت اعتكافك؟ فقال: (لم
أنس, لكنّي سمعت أبي & يحدّث عن رسول اللّه ْ أنّه قال: من سعى في حاجة أخيه
المسلم, فكأنّما عَبَدَ الله تسعة آلاف سنة, صائماً نهاره, قائماً ليله) .
و هذه الرواية و إن كانت ضعيفة , و لكنها مع ظهور كون قضاء حاجة المؤمن من أفضل
الطاعات, و استثناؤهم الطاعة مع ملاحظة ما يعطيه استقراء تتبع الموارد, وكون النسبة
بين ما دلّ على رجحان قضاء حاجة المؤمن, و المنع عن الخروج في الاعتكاف عموماً من
وجه, من دون مرجّح للأخير, بل ثبوته للأوّل يرجّح الجواز.
وأما إذا كان قضاء حاجته من الاُمور اللازمة, كحفظ نفسه وعرضه و ماله, فيدخل في
عموم استثناء حاجة لابدّ منها, المذكورة في الأخبار.
ولكن يشكل حينئذٍ تعميم قضاء الحاجة في كلامهم لحاجات نفسه الغير الضرورية, فإنّ
المستفاد من الروايات إنّما هو الحاجة التي لابد منها لا مطلقاً, فانظر إلى المحقّق
حيث قال: و يجوز الخروج للاُمور الضرورية, كقضاء الحاجة, و الاغتسال, وشهادة
الجنازة, و عود المرضى, وتشييع المؤمن, و إقامة الشهادة .
وقال في المسالك بعد تفسيره بالتخلّي: و يجوز أن يريد مطلق الحاجة, و يكون الاغتسال
من باب عطف الخاصّ على العام, أو الاغتسال المندوب, فإنّه غير محتاج إليه, و لافرق
في الحاجة بالمعنى الثاني بين أن تكون له أو لغيره من المؤمنين .
أقول: حمله على الاغتسال الواجب مبنيّ على جعله من أفراد قضاء الحاجة, والمفروض أنّ
قضاء الحاجة مثال للاُمور الضرورية, ويرد عليه حينئذٍ, أنّ تعميم قضاء الحاجة على
ما ذكره أخيراً لايناسب جعله مثالاً للاُمور الضرورية.
ثمّ إنّ احتمال إرادة الغسل المندوب كما ذكره يوجب عطف الاغتسال على الأُمور
الضرورية, لا على قضاء الحاجة, وحينئذٍ فيلزم عطف ما بعده على الغسل المندوب الذي
هو غير ضروري و غير محتاج إليه.
وفيه: أنّ شهادة الجنازة و إقامة الشهادة قد تكونان من الضروريات, ففي جعل قضاء
الحاجة بالمعنى الأعمّ مثالاً للاُمور الضرورية, و تخصيص الحاجة بالضروريات, ثمّ
إفراد شهادة الجنازة و إقامة الشهادة الضروريتين من الحاجات الغير الضرورية,
بملاحظة توسّط عطف الاغتسال المندوب, تهافت و تساقط.
و في إطلاق الحاجة من دون تقييدها بالضروريات, وجعل الاغتسال بمعنى الغسل الواجب من
باب عطف الخاص على العام تناقض.
والأولى أن يحمل كلام المحقّق على أنّ مراده من قضاء الحاجة هو التخلّي, و هو مثال
للاُمور الضرورية, و يكون ما بعده عطفاً على الاُمور الضرورية, لاعلى قضاء الحاجة,
و المراد بالاغتسال و ما بعده فعل الطاعة, و إن كان بعضها قد يصير من الاُمور
الضروريّة.
و لقد أحسنَ الشهيد في اللمعة حيث قال: إü لضرورة أو طاعة كعيادة مريض, أو شهادة,
أو تشييع مؤمن .
بقي الكلام في ذكر الدليل:
فنقول: أما الدليل على الأمر الضروري ـ فبعدَ لزوم العسر والحرج ـ هو ما ورد في
الروايات من استثناء الحاجة الّتي لابدّ منها, وأمّا على مطلق فعل الطاعة فيمكن
التمسّك فيه باستقراء ما ورد في الأخبار من الرخصة في العيادة, والتشييع, ومطلق
الشهادة, و الجمعة, و غير ذلك , و بظاهر فتاويهم, فإنّه يظهر من كلماتهم أنّ الخروج
للطاعة غير مضرّ, كما حكي عن المبسوط, و التبصرة, و صرّح به في اللمعة و النافع .
وقال السيد ـ رحمه اللّه ـ في الانتصار: ومما ظنّ انفراد الإمامية به القول: بأنّ
للمعتكف أن يَعود المريض, و يشيّع الجنازة, إلى أن قال: و الحجّة للإماميّة الإجماع
المتقدّم.
و أيضاً قال: تشييع الجنازة و الصلاة على الميّت من فروض الكفايات, و عيادة المرضى
من السنن الموكّدة المفضّلة, والاعتكاف لايمنع من العبادات .
وقال في التذكرة: يجوز للمعتكف أن يخرج في حاجة أخيه المؤمن; لأنّه طاعة, فلايمنع
الاعتكاف منه , و استدلّ قبل ذلك لجواز عيادة المرضى, و تشييع الجنائز أيضاً, بأنّه
موكّد الاستحباب, و الاعتكاف للعبادة, فلايناسب منعها من مؤكّداتها .
وقال في المعتبر: قال الأصحاب: يجوز الخروج لتشييع الجنازة, و عيادة المريض, و
زيارة الوالدين, و لايبطل اعتكافه, و خالف الجمهور في ذلك, لنا: أنّ ذلك مستحبّ
مؤكّد, و الاعتكاف لبث للعبادة, فلايكون مانعاً من العبادة المؤكّدة .
و قد عرفتَ إطلاق عبارة اللمعة, و تَقرب منه عبارة النافع .
و عن المنتهى: يجوز الخروج لزيارة الوالدين; لأنّها طاعة, فلايكون منافياً للاعتكاف
.
نعم حصَرَ ابن حمزة المستثنيات في تسعة: البول, والغائط, وحضور الجنازة, و عيادة
المؤمن, و تشييع الأخ في الله, وإقامة الشهادة, وتحمّلها إذا تعيّنا عليه, و المرض,
و الخوف على النفس, أو المال .
وقال المحقّق الأردبيلي ـ رحمه اللّه ـ في شرح الإرشاد بعد نقل العبارة عن المنتهى:
و فيه تأمّل; للمنع في الأخبار, ولايقتضيه كونه عبادة, و إü لآلَ إلى عدمه; إذ
زيارة الإخوان و سائر الأقارب و إجابة المؤمن و غير ذلك عبادة, فلو كان لهم فيها
نصّ أو إجماع فبها, و إü فالظاهر المنع , انتهى.
أقول: و يظهر من التذكرة في أواخر المطلب الخامس من باب الاعتكاف, جواز الخروج لكلّ
القُرُبات عندنا , و هو مشعر بدعوى الإجماع.
و في رواية ميمون السابقة إشارة إلى أنّ كلّ ما كان ثوابه عظيماً أو أعظم من
الاعتكاف جاز الخروج له , و الرواية وإن كانت ضعيفة , و لكن ورودها في الفقيه و عمل
الأصحاب على مقتضاها يؤيّد العمل بها.
مع أنّ لنا أن نقول: إنّ النسبة بين ما دلّ على المنع عن الخروج, و ما دلّ على
رجحان تلك الطاعات والعبادات ـ و إن كانت مستلزمة للخروج عن المقام ـ عموم من وجه,
ولم يثبت كون أخبار المنع أخصّ مطلقاً حتّى يلزم تقديمه; لاحتمال أن يكون المراد من
المذكورات في الاستثناء المثال, لا الخصوصية, غاية الأمر حصول الاحتمال في المخصص
من أجل هذا الاحتمال, ولاحجية في العام المخصص بالمجمل.
ولكن ذلك يحتاج إلى التدرّب واستقراء كلماتهم, وملاحظة فتاويهم في إخراج ما ليس
بداخل في المستثنى.
فكلّما ثبتت أفضليته من الاعتكاف, فهو مرجح للخروج له, و ما لم تثبت أفضليته, فما
ثبتت مرجوحيّته بالنسبة إلى الاعتكاف فيرجح المنع, و ما تساوى فيه الأمران فيقع
الإشكال من جهة أصالة البراءة, و أصالة عدم تحقّق الاعتكاف المطلوب, و لعلّ ترجيح
أصل البراءة أولى, ما لم يخرج الاعتكاف عن هيئته بحيث يصحّ سلب اسم الاعتكاف عنه.
وهذه قاعدة كلية, فيكون كلّ ما ذكره الأصحاب على سبيل التنصيص, إما من قبيل المثال,
أو لعدم ثبوت أفضلية غيرها عندهم, أو لأجل ورودها بالخصوص في النصوص, و نحن أيضاً
نقتفي أثرهم في ذكرها مفصّلاً.
فمنها: ما قدّمناه.
ومنها: الاغتسال, و قيّده في الروضة بالواجب , وهو الموافق لما حكي عن المبسوط
والغنية .
و قيده في التذكرة و التحرير, بالغسل للاحتلام , و أطلق الاغتسال في الشرائع
والقواعد و الإرشاد .
و قال في المسالك: و قيّده في التذكرة بكونه للاحتلام, فلايجوز الخروج للغسل
المندوب, و هو أولى, و في حكم الاحتلام غسل المرأة للاستحاضة, فإنّه يجوز لها
الاعتكاف, وتخرج للغسل, ولو أمكنهما الغسل في المسجد على وجه لايوجب تلويثه
بالنجاسة جاز, و في تعيّنه نظر , انتهى.
ولايلزمه الغسل في المسجد و إن أمكن.
و قال في المدارك بعد ما ذكر مثل ما في المسالك إلى قوله للاستحاضة: و لو أمكن
الغسل في المسجد على وجه لاتتعدّى إليه النجاسة, فقد أطلق جماعة المنع من ذلك; لما
فيه من الامتهان المنافي لاحترام المسجد, و يحتمل الجواز كما في الوضوء و الغسل
المندوب .
ومنها: شهادة الجنازة, و قد أسنده في المعتبر إلى الأصحاب كما مرّ , و ادّعى في
التذكرة الإجماع عليه .
والمراد حضورها لأجل التشييع و الصلاة و الدفن وغير ذلك; لعموم كونه طاعة راجحة أو
واجبة, و لخصوص صحيحتي عبد الله بن سنان والحلبي المتقدّمتين , و إطلاقهما يقتضي
عدم الفرق بين واجبات أحكامها ومستحباتها, و بين من تعيّن عليه أو لم يتعيّن.
قال العلامة في التذكرة: يجوز للمعتكف أن يخرج لعيادة المرضى, و شهادة الجنائز, عند
علمائنا أجمع, ثمّ استدلّ عليه بتأكد الاستحباب, كما أشرنا إليه سابقاً.
ثمّ قال في المسألة التي بعدها بلافاصلة: لو تعيّنت عليه صلاة الجنازة و أمكنه
فعلها في المسجد لم يجز له الخروج إليها, فإن لم يمكنه ذلك, فله الخروج إليها, وإن
تعيّن عليه دفن الميت أو تغسيله, جاز له الخروج لأجله; لأنّه واجب متعيّن, فيقدم
على الاعتكاف كصلاة الجمعة .
ووجه الجمع بين كلاميه: أنّ الثاني محمول على أنّه لايريد إدراك فضيلة تشييع
الجنازة, إما لكسل وضعف, و إما لكون الميت عدواً له أو من المخالفين, لكن وجب عليه
الصلاة عليه, و يريد محض أداء الواجب, فإذا لم يتوقّف أداء الواجب على الخروج;
لإمكان فعله في المسجد, لكونه حاضراً عنده, أو كان إحضاره سهلاً, أو كان أهله
يريدون وقوع الصلاة في المسجد, فلا مرجح حينئذٍ للخروج, فلا يجوز له الخروج.
مع أنّ المتبادر من الجنازة المستثناة في الخبرين, ما احتاجت إلى الخروج لشهودها,
فإن كان لمحض إدراك الفضيلة في التشييع, فالموجب لرخصة الشهود إما إدراك الفضيلة
بفعل المندوب أو الواجب, أو توقّف الواجب عليه, على سبيل منع الخلو, و لايتبادر من
الصحيحين إü الأوّل, و دليل الثاني هو كونه من الضروريات, و لذلك استدلّ على وجوب
الخروج للدفن والتغسيل في صورة التعين عليه بتوقّف الواجب عليه, لابالروايات.
و مما ذكرنا يظهر: أنّ ما نسبه في المسالك إلى التذكرة (أنّه شرطَ في شهادة الجنازة
تعيّن ذلك عليه, فلايجوز الخروج بدونه) ليس كما ينبغي.
ومنها: عيادة المريض, و نقل عليه الإجماع في التذكرة و الانتصار , و هو ظاهر
المعتبر كما عرفت , و قد حكي عن الخلاف و الغنية و ظاهر المنتهى أيضاً .
و يدلّ عليه ـ مضافاً إلى الإجماع و كونه طاعة و الأخبار الدالة على فضله ـ خصوص
صحيحة الحلبي المتقدّمة, و إطلاقها وإطلاق الأكثرين يقتضي التعميم, و لكن ابن حمزة
قيّده بالمؤمن كما عرفت , وهو المتبادر من الرواية أيضاً, و لاريب أنّه أحوط.
ولايثبت زائداً على العادة, ويختلف باختلاف العائدين و المعودين في القرابة و
المؤانسة و غيرهما.
ومنها: تشييع المؤمن وتوديعه حين إرادة السفر, ذكره كثير من الأصحاب, و لم نقف فيه
على نصٍّ خاصّ.
و قال في المسالك بعد عبارة المحقّق ( و عود المرضى و تشييع المؤمن) لم يقيّد
المرضى بالإيمان كما صنع في التشييع; تبعاً للنصوص الدالة عليه, و كذا وردت في قضاء
الحاجة مقيدة به, و في بعضها حاجة المسلم, فيمكن حمل المطلق على المقيّد, بخلاف
المريض, فإنّه لم يوجد فيه تقييد يوجب حمل ما أطلق عليه .
و كذلك في الروضة قال: و قيّده بالمؤمن تبعاً للنصّ, بخلاف المريض لإطلاقه .
و لعلّه ـ رحمه اللّه ـ وقف على نصّ, أو أراد بالنص ما ورد في مطلق التشييع.
وكيف كان, فيمكن إثباته بنحو ما ذكرنا سابقاً من الإشارات, و يُنبّه عليه ما دلّ
على جواز الخروج لشهادة الجنازة, فإنّ احترام حيّ المؤمن أولى من احترام ميته, مع
إشكال في ذلك.
ومنها: إقامة الشهادة و تحمّلها, إن توقفتا على الخروج, بلاخلاف ظاهر في صورة
التعين.
و يدلّ عليه ما دلّ على الخروج للحاجة الضرورية, و عموم قضاء حاجة المؤمن, وكونه
طاعة, و غير ذلك.
و أما في صورة عدم التعيّن ففيه خلاف:
للمجوّز: عموم قوله تعالى: >ولايأبَ الشُهداء إذا مادُعوا< وعمومات قضاء حاجة
المؤمن , و هو مختار التذكرة والمعتبر والدروس , و قبلهم الشيخ في الخلاف .
وللمانع: عموم منع المعتكف, وعدم التعيّن عليه, وهو مختار ابن حمزة , و صاحب
المدارك , و المحكي عن المنتهى والمبسوط .
والجواب: ترجيح عموم الآية, مع أنّ النسبة بينهما و أدلّة المنع عموم من وجه,
بالتقريب الذي هو أنّ المراد من ذكر المستثنيات مطلق القربة, أو التي كانت أفضل, بل
المساوية أيضاً.
ومنها: الخروج للجمعة إن قلنا بجوازه في غير مسجد الجمعة, أو تعدّد مسجد الجمعة, أو
حصول مانع عن إقامتها في مسجد الجمعة.
و الظاهر أنّه إجماعي كما يظهر من التذكرة , و تدلّ عليه صحيحة ابن سنان المتقدّمة
, وأنّه من الحاجات الضروريّة.
والظاهر الجواز, و إن لم نقل بوجوبها عينياً, و يظهر وجهه مما مرّ.
ويتمّ المقام بذكر اُمور:
الأوّل: أنّه إذا خرج لشيء من ذلك, فيقدّر بقدر الضرورة, فإذا زالت رجع; لأنّ
الضرورة مقدّرة بقدرها, و لصحيحة الحلبي , و صحيحة داود بن سرحان المتقدّمتين,
فيبطل لو توانى في الرجوع.
و يتفرّع عليه: لزوم اختيار أقرب المنزلين, إذا كان له منزلان و اضطر إلى خروجه إلى
أحدهما.
ويحرم عليه الجلوس, إü إذا اضطر إليه, و تدلّ عليه صحيحة الحلبي.
والمشي تحت الظلال, كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب, منهم الشيخ في غير المبسوط , و
المرتضى رحمه اللّه, و لكنه عبّر عن ذلك بالاستظلال بسقف , و كلامه أعمّ من أن يحصل
معه اللبث أم لا, بقرينة سائر الألفاظ, و إن كان قد يُوهم الاستظلال بسقف تضمّنه
اللبث.
وخالفهم الشيخان في المقنعة والمبسوط و العلامة في المختلف, و هو مختار المسالك و
المدارك ; لعدم النصّ على ذلك, بل إنّما ورد النصّ في الجلوس كما في صحيحة داود بن
سرحان, و يظهر من الفاضلين التوقّف في المعتبر و المنتهي .
أقول: و الدليل على الحرمة هو الإجماع الذي حكاه في الانتصار على الحرمة, و ظاهره
البطلان.
و أما الجلوس تحت الظلال, المستفاد من صحيحة داود بن سرحان , مع المنع عن مطلق
الجلوس في صحيحة الحلبي , فتظهر فائدته فيما لو اضطر إلى الجلوس, و تمكّن من الجلوس
في غير الظلال, و إü فلا مُنافاة تُوجب حمل المطلق على المقيّد, هذا كلّه في حال
الاختيار, وأمّا لو اضطر إليه فلابأس.
و يتفرّع على قول الجماعة ـ كما هو الأظهر ـ لزوم اختيار ما لاظلّ فيه من المساكن
إن تعددت, وإن كان أبعد, إü أن يوجب خروجه عن مسمّى الاعتكاف.
و لو اشتملا على الظل اختار أقلّهما ظلاً, و لو تساويا فيه فيختار أقربهما, كما
أشار إليه في الروضة .
وربّما يُستشكل بمعارضة وجوب تحرّي أقرب الطرق, وجوب التجنّب عن الظلال من غير
مرجّح, ويمكن ترجيح الأوّل, فإنّ الخروج معرّض للاعتكاف للبطلان, بخلاف الظل.
أقول: و الإجماع المنقول في الانتصار أيضاً ظاهر في أنّ الاستظلال معرّض للبطلان, و
بعد ما ثبت جواز الخروج برخصة الشارع, فالمنع عن الاستظلال المستفاد من الإجماع
أخصّ منه مطلقاً, فهو أولى بالتقديم.
و على القول الآخر: أنّه لو تعارض المشي في الظل بطريق قصير وفي غيره بطويل, قدّم
القصير. و أولى منه لو اتفقا في الاشتمال على الظل, و كان القصير أطولهما ظلاً.
الثاني: أنّه إذا خرجَ, و طالَ زمان الخروج حتّى خرج عن كونه مُعتكفاً, بَطلَ
اعتكافه, و إن كان أصل الخروج مرخّصاً فيه, كما صرّح به جماعة من الأصحاب , و قد
نبهناك سابقاً على وجهه.
ويدلّ عليه أيضاً: ما رواه الكليني في الصحيح على الأظهر, عن عبد الرحمن بن
الحجّاج, عن أبي عبد الله & , قال: (إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة,
فإنّه يأتي بيته, ثمّ يعيد إذا برئ و يصوم) .
ثمّ قال: و في رواية اُخرى عنه & : (ليس على المريض ذلك) و رواها الصدوق أيضاً في
الحسن لإبراهيم بن هاشم .
و في الصحيح عن أبي أيوب, عن أبي بصير, عنه & : في المعتكفة إذا طمثت, قال: (ترجع
إلى بيتها, وإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها) .
واعلم أنّ البطلان إنّما هو إذا لم يكمل الثلاثة, أو ما وجب عليه متتابعاً بنذرٍ و
شبهه, و إü فلا وجه لبطلان ما تحقّق قبل الخروج.
وعن الشيخ في المبسوط: أنّه إذا كان الاعتكاف زائداً على ثلاثة أيّام فيبطل بذلك
إذا لم يمض نصفه, و إذا مضى نصفه فلا يبطل, سواء كان الاعتكاف واجباً أو مندوباً, و
سواء كان مع الشرط أو عدمه, و أما في الثلاثة أيّام فحكم باستئنافه إذا خرج, و إذا
مضى منه يومان منه .
والظاهر أنّ مراده من الخروج: هو الخروج المتطاول, وإü فلا شبهة في جواز الخروج
للضرورة.
و وجه الحكم الأخير ظاهر; لعدم تحقّق الاعتكاف إü بثلاثة أيّام, فإذا خرج عن كونه
مُعتكفاً بسبب الخروج فيبطل, و تجب الإعادة.
و أما التفصيل الأوّل; فلا يظهر له وجه إü القياس على الشهرين المتتابعين, و هو
باطل, و قد ردّ عليه الفاضلان في المنتهى و المعتبر بذلك .
ويظهر من ابن حمزة في آخر باب الاعتكاف التفصيل في الثلاثة, فيبني على ما مضى إن
ذهب الأكثر , و عن ظاهر ابن إدريس إطلاق البناء على ما مضي , ولم يظهر لهما وجه
أيضاً.
وقال في المختلف بعد نقل قول المبسوط: والأجود أن نقول إن كان قد مضى ثلاثة أيّام
صحّ اعتكافها, ثمّ إن كانت الأيّام معينة, فإن زال العارض و قد بقي بعضها, وجب
الرجوع إليه وإتمامها وقضاء مافات منها, إما عقيب الإتمام إن كان الباقي أقلّ من
ثلاثة, أو بعده إن كان الباقي ثلاثة فما زاد, و إن لم تكن معينة, فله أن يأتي
بالباقي متى شاء, و إن كان قد مضى أقلّ من ثلاثة استأنف .
أقول: و قد بيّنا سابقاً ما يظهر منه وجه التفصيل المذكور, و ضعفناه و بينا جوابه.
الثالث: لو خرج ناسياً, قبل إكمال الثلاثة أو ما أوجب على نفسه, و طال زمان خروجه
على الوجه المتقدم, يبطل اعتكافه, وإن لم يطل كذلك فلا يبطل, و يرجع و يبني متى
تذكّر, فإن توانى و أخّر بلا ضرورة بطل.
و إطلاق جماعة من الأصحاب عدم البطلان بالخروج نسياناً , لابدّ أن يحمل على ما لم
يطل بحيث يخرجه عن كونه معتكفاً, و إü فيبطل و إن لم يكن آثماً, كما صرّح به في
المسالك .
واحتجّوا على عدم البطلان حينئذٍ بحديث رفع النسيان عن هذه الاُمة , و هو ضعيف.
و الأولى التمسك بالأصل, و عدم انصراف الخروج المنهي عنه في الأخبار إلى الناسي, و
استصحاب حال الصحّة, و لزوم العسر والحرج.
و جريان هذه الأدلّة فيما لو كان الخروج مخرجاً معارض بعدم بقاء الحقيقة حتّى ترتّب
عليها الصحّة.
الرابع: لايجوز أن يصلّي المعتكف خارج المعتكف, و إن كان خروجه لأمر مرخّصٍ فيه, إü
في صلاة الجمعة كما قدّمناه. وإü لضرورة, كضيق الوقت عن الصلاة في المعتكف, فيصلّي
حيث أمكن و إن لم يكن مسجداً, و إن كان في المسجد أفضل.
و إن كان فعل بدون ضرورة, فيفسد الصلاة والاعتكاف كلاهما; لدلالة النهي عليه.
و استثني من هذا الحكم مكّة, فإنّه يصلّي إذا خرج لأمر مرخّص فيه, حيث شاء من
بيوتها, أو غير المعتكف من المساجد.
ويدلّ على المجموع ـ مضافاً إلى ما دلّ على النهي عن الخروج و اللبث من غير ضرورة ـ
صحيحة منصوربن حازم, عن أبي عبد الله & , قال: (المعتكف بمكة يصلّي في أيّ بيوتها
شاء, و المعتكف في غيرها لايصلّي, إü في المسجد الذي سمّاه) .
و موثّقة عبد الله بن سنان, عنه & , قال: سمعته يقول: (المعتكف بمكّة يصلّي في أي
بيوتها شاء, سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها) و قال: (لايصلح العكوف في
غيرها, إü أن يكون مسجد رسول الله ْ, أو في مسجد من مساجد الجماعة, ولا يصلّي
المعتكف في غير المسجد الذي اعتكف فيه إü بمكّة, فإنّه يعتكف بمكّة حيث شاء; لأنّها
كلّها حرم اللّه, و لايخرج المعتكف من المسجد إü لحاجة) .
أقول: و المراد بقوله: (يعتكف بمكة) يصلّي صلاة الاعتكاف بقرينة ما قبله, كما صرّح
به الشيخ في التهذيب , و صحيحة عبد الله بن سنان عنه & , قال: (المعتكف بمكة يصلّي
في أيّ بيوتها شاء) .
المبحث الثالث: يجوز للمعتكف أن يشترط على ربّه في الاعتكاف الرجوع إن عرضه عارض.
والبحث في هذه المسألة يقع في مقامات:
الأوّل: في مشروعيّته, بل و استحبابه, و قد قطع به الأصحاب, و غيرهم, قال في
التذكرة: يستحبّ للمعتكف أن يشترط على ربه في الاعتكاف أنه إذا عرضَ له عارض أن
يخرج من الاعتكاف بإجماع العلماء, إü ما حكي عن مالك .
وروي الكليني في الصحيح, عن أبي بصير, عن أبي عبد الله & , قال: (لايكون الاعتكاف
أقلّ من ثلاثة أيّام, و من اعتكف صام, و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما
يشترط الذي يُحرم) .
والشيخ عن عمر بن يزيد, عنه & , قال: (إذا اعتكف العبد فليصم) و قال: (لايكون
الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام, واشترط على ربك في اعتكافك, كما تشترط عند إحرامك,
أن يُحلّك في اعتكافك عند عارض إن عرض لك, من علة تنزل بك من أمر الله تعالى) .
وما رواه هو و الصدوق في الصحيح عن أبي وüد الحناط , وكذلك ما روياه, و الكليني في
الصحيح عن محمد بن مسلم , و قد تقدّما في أوائل المبحث الثاني.
ثمّ إنّهم لم يفرّقوا في ذلك بين الواجب و الندب, و إن اختلف الحكم في محله كما
سيجيء.
الثاني: في كيفيته, و قد اختلفوا فيها, فيظهر من الشرائع جواز اشتراط الرجوع متى
شاء, من دون تقييده بعروض عارض , و كذلك من القواعد والإرشاد , واختاره في الدروس,
وصرّح بأنّه يجوز للمُعتكف و الحال هذه الرجوع متى شاء, و لايتقيد بالعارض .
وعن الشيخ في النهاية و ابن حمزة تقييده بعروض العارض, وهو مختار الفاضلين في
النافع والتذكرة و المنتهي , والشهيدين في اللمعة و شرحها , و صاحب المدارك .
إü أن المنقول عن المبسوط: أنه لا يجوز له الرجوع إü قبل اليومين , و عن آخرين
جوازه مطلقاً ; لصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة.
ويظهر من المسالك تفصيل العذر بالضرورة المحوجة للخروج, كالمرض و الخوف و نحوهما,
قال: و لايجوز اشتراط الخروج بالاختيار و إيقاع المنافي كذلك .
حجّة الأوّلين: صحيحة محمّد بن مسلم الدالّة بإطلاق مفهومها على ذلك, و خصوص صحيحة
أبي وüد المتقدّمة, فإن شرط الخروج لمثل قدوم الزوج ليس من الأعذار الضرورية, ولم
يقيد الاشتراط به أيضاً, فتفيد الرواية بإطلاقها جواز الرجوع مع الاشتراط, سواء كان
مع العارض أو بدونه.
وتضعفه رواية عمربن يزيد, و صحيحة أبي بصير, فإنّ الشرط في الإحرام إنّما هو لعروض
عارض من حصر أو صدٍّ.
وحجّة القول الثاني: الأخبار المتقدّمة الدالة على مشابهته لشرط الإحرام, فإنّها
تدلّ على بطلان القول الأوّل بظاهرها, فإنّ الشرط المعتبر في إحرام الحج إنّما هو
المعارض لاغير.
ولكن يَخدشه أنّ المعتبر في شرط الإحرام هو العذر الضروري المانع عن الحج لا غير,
فإن لوحظ عموم المشابهة فتكون تلك الأخبار أدلّة لما ذكره في المسالك , و إن لوحظت
المشابهة في الجملة, فتكون أدلّة للقول الأوّل.
ومن ذلك تظهر حجّة ما يظهر من المسالك.
ولكن يرجح المشهور ـ وهو القول الأوسط ـ انتفاء الفائدة في الشرط إذا اعتبر كون
العذر من الضروريات; لأنّه مجوز للخروج سواء اشترط أم لا, و ضعف دلالة صحيحتي محمد
بن مسلم وأبي وüد على القول الأوّل, بل و إشعار الأخيرة بأنه مع عروض عارض, وإن كان
من باب قدوم الزوج.
فالأصل و إطلاق الأخبار و عمل الأكثر و فهمهم مع عدم الفائدة في صورة الضرورة يرجح
المشهور, إü أن تجعل الفائدة غير جواز الخروج مما سيجيء ذكرها.
ويؤيّد المشهور: ما استدلّ به لأصل الاستحباب و المشروعية في التذكرة من أنّه عبادة
في إنشائها الخيرة, فله اشتراط الرجوع مع العارض كالحج, و لأنّه عبادة تجب بعقده
فكان الشرط إليه فيه كالوقف, ولأنّ الاعتكاف لايختص بقدر, فإذا شرط الخروج فكأنّه
نذر القدر الذي أقامه . ومثله ذكر في المعتبر إلى قوله مع العارض .
الثالث: في محلّه, و هو في المندوب حين الشروع فيه
واحتمل المحقّق الأردبيلي ـ رحمه الله ـ أن يكون عند نية اليوم الثالث, قال: و تظهر
فائدته في اليوم الثالث .
و لعلّ نظره إلى عدم الفائدة في الأوّل; لجواز الخروج قبل الثالث, و هو إنّما يتمّ
على المشهور, دون من يقول بالوجوب بالشروع, بل ولايتمّ مطلقاً بالنظر إلى بعض
الفوائد الآتية, مع أنّه خلاف ظواهر النصوص, مضافاً إلى عدم ظهور الخلاف في
المسألة.
وأما الواجب مثل النذر وشبهه, فمحلّه في عقد النذر على ما هو ظاهر الأصحاب, فإنّ
الفاضلين و الشهيدين وغيرهم , صرّحوا بذلك من غير نقل خلاف.
قال في التذكرة: الاشتراط إنّما يصحّ في عقد النذر, أما إذا أطلقه عن الاشتراط, فلا
يصحّ له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف, فإذا لم يشترط ثمّ عرض ما يمنع الصوم أو
الكون في المسجد, فإنّه يخرج و يقضي الاعتكاف, إن كان واجباً فواجباً, و إن كان
ندباً فندباً , و مثله قال في المنتهي .
وقال في المعتبر: أما إذا أطلقه من الاشتراط على ربه, فلا يصحّ له الاشتراط عند
إيقاع الاعتكاف, و إنّما يصحّ فيما يبتدئ به من الاعتكاف لاغير .
و لعلّ وجه ما ذكروه مع كون الأخبار عامة شاملة للواجب و عدم ورود نصٍّ يدلّ على
كون وقته في المنذور وشبهه حين النذر هو أنّ النذر وشبهه بإطلاقه موجب للّزوم, و هو
منافٍ للشرط, سيّما مع تعيّن زمانه, و على القول بوجوب المطلق منه أيضاً بمحض
الشروع فيه, كما هو المشهور المدّعى عليه الإجماع من المقداد .
قال في المدارك ـ بعد ما ذكر أنّّه لم يقف على نصٍّ في الاشتراط حين النذر و أنّ
النصوص العامة تقتضي أنّه حين الشروع ـ و لو قيل بجواز اشتراطه في نيّة الاعتكاف
المنذور إذا كان مطلقاً لم يكن بعيداً, خصوصاً على ما أشرنا إليه سابقاً من مساواته
للمندوب في عدم وجوب المضي فيه إü بمضي اليومين, و لو قلنا: إنّ اشتراط الخروج
إنّما يسوغ عند العارض, و فسّرناه بالأمر الضروري, جاز اشتراطه في المنذور المعيّن
أيضاً .
أقول: و يمكن أن يكون نظرهم في ذلك إلى عموم ما دلّ على كون النذر تابعاً للشرط
المشروع كالوقف , و لايضرّ عدم النصّ بالخصوص, و عدم تجويزهم الشرط حين الاعتكاف
مبنيّ على ما هو المشهور بينهم من جعل العارض أعمّ من الضروري, أو اكتفائهم بالشرط
الخالي عن قيد العارض مطلقاً, فإن شرط الخروج بدون العارض الضروري أو بدون العارض
مطلقاً منافٍ للّزوم المستفاد من إطلاق النذر.
نعم يصحّ القول بالجواز بناءاً على مختاره من جواز الخروج قبل الثالث في النذر
المطلق, كما هو الأظهر; لعدم الدليل على حرمة إبطال العمل على الإطلاق, خصوصاً إذا
لم يثبت كونه عبادة واحدة, و بالنسبة إلى العارض من الضروري كما في الإحرام وإن كان
معيناً, و عدم الفائدة حينئذٍ ممنوعة; لعدم انحصار الفائدة في جواز الخروج كما
سنشير إليه.
واعلم أنّ الظاهر من الشرائع والقواعد ومن وافقهما صحّة الاشتراط موكولاً على
المشيئة من دون قيد.
و قال المحقّق الشيخ علي في شرح القواعد: الأصحّ أنّ النذر لاينعقد مع هذا الشرط;
لمنافاته لمقتضاه, بل له اشتراط الرجوع متى عرض عارض .
و دفعه ابنه على ما حكي عنه, بأنّ التسلّط على الرجوع عند المشيئة لاينافي الوجوب
الذي هو أثر النذر, فإنّ الواجب ما لايجوز تركه مع بقاء صفة الوجوب, لاعند سقوطه,
ولايلزم هنا إü جواز الترك عند سقوط الوجوب, وهو عند المشيئة.
غاية الأمر مخالفة هذا الواجب لغيره في إسقاط المشيئة لوجوبه, ولا محذور فيه, كما
أنّ فعل البعض يسقط الوجوب عن الواجب الكفائي.
وردّ: بأنّه لا معنى لوجوب الفعل مع جواز الترك متى شاء, فإنّ الواجب هو الراجح
الفعل, الممنوع الترك, ولا منع عن الترك هنا, فإنّ الترك لا يتصوّر بلا مشيئة.
ويمكن توجيه الدفع: أمّا في النذر المطلق, فبأنّه غاية ماحصل من الشرط هو جواز ترك
هذا الفرد, وهو لايوجب إسقاط الوجوب رأساً, فيأتي بفرد آخر.
وأما في المعيّن, فيمكن أن يكتفى في تحقّق معنى الوجوب بوجوب التلبّس به متعيناً و
إن لم يتعيّن عليه الإتمام, فالعقاب إنّما يحصل إذا تركه رأساً, لا إذا شرع فيه و
خرج عنه بسبب الشرط.
مع أنّ هذا الكلام يرد فيما لو اشترط الرجوع متى عرض عارض, إذا لم يكن من الضروريات
أو المنافيات للصوم والاعتكاف, مثل اشتراط الخروج لأمر غير ضروري, فما يجيب به عنه,
فهو الجواب عن اشتراط الرجوع بالمشيئة.
و يظهر من المسالك موافقة في ذلك, حيث حكم ببطلان الشرط إذا كان منوطاً بالمشيئة,
بل وبطلان النذر أيضاً .
الرابع: في فائدته, و هي على ما ذكره المحقّق الأردبيلي إما محض التعبّد و استحقاقه
للثواب, أو صيرورة الخروج عزيمة بعد ما كان رُخصة, أو سقوط الكفّارة كما قيل في
الإحرام, أو سقوط القضاء, أو لجواز الخروج فيما كان ممنوعاً .
وتفصيل القول في ذلك: أما في المندوب على المشهور من عدم وجوبه بالشروع و وجوب
الثالث بمضيّ يومين, فسقوط الثالث و جواز الخروج منه و لو في الثالث إذا عرض العارض
الغير الضروري إن اشترطناه, أو مطلقاً متى شاء إذا اكتفينا بشرط الخروج متى شاء.
و إنّما قيّدنا العارض بغير الضروري لجواز الخروج في الضروري بدون شرط.نعم قد تحصل
فيه فائدة اُخرى من الفوائد, مثل الاستحباب تعبّداً, أوسقوط القضاء المندوب عنه, أو
سقوط الكفّارة المندوبة.
وكذلك الكلام على القو ل بوجوب المندوب بمجرّد الشروع, قد تكون الفائدة فيه جواز
الخروج مطلقاً, أو أحد الثلاثة الأخيرة.
وأما على القَول بعدم وجوبه حتّى في اليوم الثالث, فالفائدة إما انتفاء كراهة
الخروج, و إما سقوط الكفارة المندوبة, و إما سقوط القضاء المندوب, وإما الاستحباب
تعبّداً.
و أما فائدته في الواجب; فجواز الخروج متى شاء, أو إذا عرضَ العارض, و إن مضى
يومان, إü في صورة عدم التعيّن, مع عدم القول بحُرمة إبطال العمل مطلقاً, أو
بناءاًَ على أنه ليس بعبادة واحدة, فإنه لاتحصل حينئذٍٍ فائدة جواز الخروج قبل
اليوم الثالث; لجوازه بدون الشرط أيضاً.
و سقوط الكفارة, كما تدلّ عليه صحيحة أبي وüد الحنّاط المتقدّمة .
و عدم لزوم التربّص إلى أداء الكفارة لو لم تَسقط, كما في الإحرام, و يخصّ التعبّد
استحباباً, و لكن تُنافيه الصحيحة.
وسقوط القضاء في الواجب المعيّن, والظاهر عدم الخلاف فيه, بل ادّعي عليه الإجماع, و
أصالة البراءة أيضاً تقتضيه.
و ناقش فيه صاحب المدارك لو قيل بوجوب القضاء بدون الشرط .
أقول: الأصل معَ ظهور عدم الخلاف, بل الإجماع المدّعى يكفي في ذلك.
و أما المطلق, فالمشهور فيه أيضاً عدم وجوب القضاء, أي الاستئناف, فإنّ إطلاق
القضاء عليه مَجاز.
و ذهب جماعة إلى وجوبه ; لبقاء الوقت, و عدم منافاة جواز الخروج مع الشرط; لبقاء
الواجب على وجوبه, فإنّ النذر مثلاً أفادَ وجوبه مطلقاً, و الشرط أفادَ جواز الخروج
عنه, فلا يستلزم جواز الرجوع سقوط الوجوب.
و تؤيّده صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج , وصحيحة أبي بصير , المتقدّمتان بإطلاقهما,
و لكنهما ظاهرتان في غير صورة الشرط.
و رّبما فرّق بين ما شُرط التتابع في النذر, و ما لم يشترط.
واعلم أنّ الفاضلين و غيرهما جعلوا صورة الاعتكاف المنذور ثمانية أقسام بملاحظة
التعيّن و عدمه, و اشتراط التتابع و عدمه, والاشتراط على ربّه وعدمه, أربعة منها في
صورة التعيّن, و أربعة منها في صورة عدمه.
فالأوّل: أنّ يُعيّن زماناً, كالعَشر الأواخر من رمضان, مع اشتراط التتابع, و شرط
الخروج على ربّه, فيَجوز الخروج, و لايجب الإتمام بمقتضى شرطه, و لا القضاء; للأصل,
وعدم الدليل, وعدم الخلاف كما مرّ.
الثاني: الصورة بحالها بدون شرط التتابع, و هو مِثل الأوّل حُكماً و دليلاً.
الثالث: وهو الصورة الاُولى بدون الشرط على ربّه, و لايَجوز له الخروج, إü مع
العارض الضروري المانع, فيَخرج حينئذٍٍ, ويقضيه بعد زوال العُذر متتابعاً.
و الظاهر عدم الخلاف فيه, و يَشمله إطلاق الصحيحتين المُشار إليهما آنفاً, مع
اختلافٍ في دلالتهما في وجوب الاستئناف رأساً, أو وجوب تدارك ما بقي.
ولا إشكال فيما لم يحصل أقلّ الاعتكاف, و أما فيما حصلَ فيُحتمل الاستئناف رأساً;
تحصيلاً للتتابع, كما هو مُقتضى إحدى الصحيحتين, و الاكتفاء بما بَقي, كما هو
مُحتمل الاُخرى, أو ظاهرها.
الرابع: صورة التعيين مع انتفاء الشرطين, و هو كالثالث حُكماً و دليلاً, إüّّ في
تتابع القضاء.
الخامس: صورة عدم التعيين مع الشرطين, فقد ذكرنا سابقاً أنّ له الخروج, و أنّ ذلك
لايستلزم سقوط أصل التكليف, كما ذهبَ إليه جماعة من الأصحاب , خلافاً لآخرين , فيجب
عليه القضاء, بمعنى الاستئناف رأساً متتابعاً, أو الإتيان بما بقي عليه متتابعاً, و
أما إذا لم يأتِ بأقلّ الاعتكاف فيتعيّن الاستئناف رأساً. و إن قلنا بشمول
الصحيحتين لهذه الصورة, فيُمكن حمل الصحيحة الاُولى على ما لم يأتِ بأقلّ الاعتكاف,
و الثانية على ما أتى به.
السادس: الصورة بحالها مع انتفاء الشرط على ربّه, فيخرج حين عروض العارض, ثمّ
يستأنف متتابعاً; لوجوبه عليه متتابعاً, ولم يتعيّن بسبب الفعل, فيجب الإتيان به
على الوصف المشروط في النذر.
و استشكله في التذكرة , و قيل في وجه الإشكال: إنه لزوم الحرج و العُسر, سيّما إذا
اتفق مرّة بعد اُخرى, و لأن الاعتكاف واجب, و متابعته واجب آخر, فكلّ ما وقع منه
كان من الواجب المنذور, و أصالة البراءة تقتضي نفي البدل, و وصف المتابعة إنّما
اختلّ ضرورةً; من دون اختياره.
و ما نقل من المختلف سابقاً في الفرع الأوّل من لزوم الاستئناف, إنّما كان لكون
الإخلال بالتتابع بتقصير المكلّف.
أقول: الأظهر لزوم الاستئناف; لاستصحاب مقتضى النذر, و إطلاق دليله, فلا يعارض بأصل
البراءة, و التمسك بنفي الحرج ضعيف, غاية الأمر ملاحظة نفيه حيث ما حصل الحرج لا
مطلقاً.
و الظاهر أنه لا مدخل للتقصير و عدم التقصير في صدق الامتثال و عدمه, مع أنّ الشيخ
في المبسوط نفى الخلاف عن وجوب الاستئناف على ما حُكي عنه , فالأقوى وجوب
الاستئناف.
السابع: هو الخامس مع انتفاء شرط التتابع, و حُكمه الخروج عند عروض العارض, فإن كان
ما أتى به أقلّ من ثلاثة يستأنف رأساً, و إن كان ثلاثة; فإن كان الباقي أقلّ من
ثلاثة, فيبني ويتمّه ثلاثة, و إن كان ثلاثة فما زاد, فيبني و يتمّ كما بقي, و يظهر
دليله مما مرّ.
الثامن: صورة انتفاء التعيين والشرطين معاً, فيَخرج مع العارض, و يَستأنف إن لم
يأتِ بثلاثة, و إن أتى بها فيبني و يتمّ كما مرّ, ويظهر وجهه مما سبق.
فائدة:
نقل العلامة في التذكرة عن العامة منع الخروج لعيادة المريض, و شهادة الجنازة, إü
أن يشترط فعل ذلك في اعتكافه, فيكون له فعله, سواء كان الاعتكاف واجباً أو ندباً.
و كذا ما كان قربة, كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم, أو كان مباحاً مما يحتاج
إليه, كالأكل في منزله, و المبيت فيه, فله فعله, و في المبيت إشكال.
ثمّ نقل عن مالك أنه لايكون في الاعتكاف شرط , و قال: و ليس بجيد; إذ لايجب بعقده,
فكان الشرط فيه إليه كالوقف, ولأن الاعتكاف لايختص بقدر, فإذا شرطَ الخروج, فكأنه
نذر القدر الذي أقامه, و إن قال: متى مرضتُ أو عرض لي عارض خرجتُ, جاز شرطه.
ثمّ قال: إذا نذر اعتكافاً بصفة التتابع, و شرط الخروج منه إن عرض له عارض, صحّ
شرطه على ما تقدّم.
ثمّ قال: و إن أطلق و قال: لا أخرجُ, إü لشُغلٍ يعتري, أو لعارضٍ يَعرض, كان له أن
يَخرج لكلّ شُغل ديني, كحضور الجمعة, و عيادة المرضى, أو دنيوي, كلقاء السلطان, و
اقتضاء الغريم, قال: و لايَبطل التتابع بشيء من ذلك عند الشافعي, و شرط في الشغل
الدنيوي الإباحة, و للشافعيّة وجه آخر أنه لا يشترط .
ثمّ قال: و لاعبرة بالنزهة; لأنها لاتُعدّ من الأشغال, و لايُعتنى به, و لو قال: إن
عرض لي عارض قطعت الاعتكاف, فالحكم كما لو شرط, إü أنه في شرط الخروج يَلزمه العَود
عند قضاء الحاجة, و فيما إذا قصد القطع لايلزمه, و كذا لو قال: عليّ أن اعتكفَ
رمضان, إü أن أمرض أو اُسافر, فإذا مرض أو سافر فلا شيء عليه.
ثمّ قال: هل يجب تدارك الزمان المصروف إليه في هذا الغرض؟ يُنظر إن نذر مدّة غير
معيّنة, كشهر مطلق, أو عشرة مطلقة, فيجب التدارك; لتتم المدة المنذورة, وتكون فائدة
الشرط تنزيل الغرض منزلة قضاء الحاجة في أنّ التتابع لاينقطع به, وإن عيّن المدة,
فنذر اعتكاف هذه العشرة, أو شهر رمضان, لم يجب التدارك; لأنه لم ينذر اعتكاف ما عدا
ذلك الزمان من العشرة , انتهى ما أردنا نقله منها.
أقول: و يظهر منه ـ رحمه اللّه ـ أنّ مسألة قصد الخروج غير مسألة قصد الإعراض, و ما
قدّمناه سابقاً إنما كان في مسألة الإعراض.
و أما مسألة قصد الخروج, فإن كانت من المستثنيات المتقدّمة, فلا إشكال فيها;
للأدلّة الدالة عليها.
وأما في المباحات; كالأكل في البيت و المبيت فيه على إشكال, فيظهر منه ـ رحمه اللّه
ـ تجويزه, و يظهر من كلامه بملاحظة أوّله و آخره أنه لايفرّق بين المنذور والمندوب
في جواز شرط الخروج في نية المندوب, و في عقد النذر في المنذور; لأنه من قبيل شرط
الوقف, و هو بجعل المكلّف, و لعلّه للأصل و عموم المؤمنون عند شروطهم و أمثال ذلك.
و عدم ثبوت العموم في أدلّة المنع عن الخروج حتّى في صورة الشرط, فيَبقى تحت
إطلاقات الاعتكاف و عموماتها, فالمعيار هو كون الشرط مشروعاً, وهو لايقتضي أزيد من
إباحته.
والحاصل: أنّ المعيار في مسألة قصد الخروج قصد العَود إلى معتكفه بعد قضاء الحاجة,
فلا يضرّ إü إذا أخرج الاعتكاف عن مسمّاه, كما أشارَ إليه في بعض كلماته هُنا
أيضاً.
و في مسألة شرط القطع ـ المراد به الإعراض المعبّر عنه بقوله و لو قال: إن عرضَ لي
عارض قطعت الاعتكاف ـ القصد إلى عدم العَود إليه, و قد تقدّم الكلام فيه.
ويمكن أن يكون هو أيضاً من باب الشرط في النيّة أو حينَ النذر, فلا يكون في مسألة
الاشتراط على ربّهِ مثلَ الشرط حال الإحرام.
و الفرق بين الشرطين هو قصد العَود في الأوّل دون الثاني, و لادليل على بطلان هذا
الشرط أيضاً; لعدم ثبوت حُرمة إبطال العمل مطلقاً, سيّما مع الشرط حتّى يكون شرطه
غير مشروع.
نعم لايجوز اشتراط غير المشروع, و ما كان منافياً لمقتضاه, كما نقلنا عن المسالك ,
و صرّح به غيره من الأصحاب .
قال في التذكرة: و لو شرطَ الجُماع في اعتكافه أو الفرجة والتنزّه, أو البيع و
الشراء للتجارة, أو التكسّب بالصناعة في المسجد لم يجز; لأنّه مُنافٍ للاعتكاف .
المبحث الرابع
في أحكام الاعتكاف
و فيه مطالب:
الأوّل: يَحرم عليهِ نهاراً ما يحرم على الصائم بالحرمة الشرعية و الشرطية إن كان
واجباً, و إن كان في ثالث المندوب, وبالحُرمة الشرطيّة فيما يفسد الصوم في المندوب,
بمعنى حصول الفساد به فيه, و إن لم يحرم شرعاً, و لا إشكال في ذلك كلّه لاشتراطه
بالصوم.
ويَحرم عليهِ ليلاً ونهاراً النساء جُماعاً, و كذلك لَمساً و تقبيلاً, و لم نَقف
فيه على خلاف, و عن ظاهر التبيان و مجمع البيان و فقه القرآن للراوندي ما يُعطي
الاتّفاق , و يشمله عموم الآية على إشكال سنشير إليه.
و قد مرّ الوجه في صحيحة الحلبي المتقدمة في أوائل الباب و تفسير الصدوق إيّاها .
ورواها الشيخ أيضاً و فسّرها بما فسّره الصدوق, و قال: و الذي يَحرم على المعتكف من
ذلك الجماع دون غيره .
والظاهر أنّ مُراده الجُماع و مقدّماته, و الحصر إضافيّ بالنسبة إلى المحادثة و
المجالسة و المخالطة, لامطلقاً, و لعلّه في المسالك جعله مخالفاً في المسألة, حيثُ
جعلَ الحرمة أصحّ القولين .
وكيف كان فالظاهر أنّ حُرمة اللمس و التقبيل إنّما هي إذا كان من شهوة, و عن
المنتهى أنه لا نعرف خلافاً في جواز اللمس بلا شهوة .
و قال في المعتبر: يجوز أن يُلامس من غير شهوة; لما روي أنّ النبي ْ كان يلامس بعض
نسائه في الاعتكاف, و و في المنتهى: لما ثبت أنّ النبي ْ إلى آخره .
وفي التذكرة: يجوز للمعتكف أن يقبّل على سبيل الشفقة و الإكرام, و لابأس أن يلمس
بغير شهوة .
و المتبادر من الآية أيضاً إنّما هو المباشرة على سبيل الشهوة, فلا يجوز الخروج عن
الأصل.
و عن ابن الجنيد: إلحاق النظر بشهوة بهما, و تبعه العلامة في المختلف , و لم نقف له
على دليل يُعتدّ به, هذا الكلام في الحرمة.
وأما الإفساد فهو ثابت في الجماع ليلاً كان أو نهاراً, و عن الغنية الإجماع عليه ,
و عن المنتهى إجماع أهل العلم إذا كان نهاراً , ويدلّ عليه في النهار اشتراطه
بالصوم مع فساده به.
وقد يُستدلّ على إفساده ليلاً و نهاراً بإطلاق صحيحة أبي وüد المتقدّمة بتقريب أنّ
تعليق الكفّارة على عدم الاشتراط و عدم انقضاء ثلاثة أيّام يدلّ على أنّها فرعُ
الفساد.
أقول: ويشكل (بذلك حصول) الفساد بسبب الخروج عن المعتكف, فهو مستلزم لتحصيل الحاصل.
و أما الاستدلال بمثل موثّقة سماعة, قال: سألت أبا عبد اللّه & عن مُعتكف واقع
أهله, فقال: ( هو بمنزلة من أفطرَ يوماً من شهر رمضان) فهو أضعف; لأنّ الظاهر منها
أنّه مثله في الكفارة, و هو لايستلزم فساد اعتكافه كفساد صومه.
وتشهدُ بذلك روايته الاُخرى, عنه & , قال: سألته عن مُعتكف واقع أهله, قال: (عليه
ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً: عتق رقبة, أو صوم شهرين متتابعين, أو
إطعام ستّين مسكيناً) .
وأما اللمس و التقبيل و النظر بشهوة إن قلنا بتحريمه, ففيها خلاف, والأظهر عدم
البطلان, وفاقاً لابن حمزة والفاضلين في جملة من كتبهما , و الروضة و المدارك
وغيرها ; للأصل.
و عن الشيخ في الخلاف والعùمة في جملة من كتبه , والمحقّق في المعتبر , وابن
شهرآشوب في متشابه القرآن والدروس البطلان; للنهي عن المباشرة في الآية, و هو دليل
الفساد, و هو ممنوع; لخروجه عن العبادة.
و في المعتبر بعد الاستدلال بها قال: فيكون منافياً للاعتكاف, فيبطل كالجماع .
ولعلّه نظر إلى أنه من قبيل قول القائل: (أتستخف بالقرآن و أنت مسلم) يعني لايجامع
الإسلام الاستخفاف, فالمستخفّ ليس بمُسلم, فالمباشر للنساء ليس بمعتكف, و ليس ببعيد
من المتبادر من التركيب.
ولكن يَقدحه منع شمول المباشرة لما ذكر , فإنّها لم تستعمل في المعنى اللغوي
ظاهراً, بل الظاهر أنّه كناية عن الجماع, كما يُرشد إليه تتبّع النظائر, مثل قوله
تعالى: >ولاتقربوهنّ< و >اعتزلوا النساء< و >أو لمستم النساء< و >فالآن باشروهن< و
غير ذلك.
وكذلك يحرم عليه الاستمناء; لتنبيه الآية عليه; لأنّه أشدّ من مُلامسة النساء, بل
عن الخلاف دعوى الإجماع على كونه مفسداً, و موجباً للكفارة .
وكذلك شمّ الطيب, بل مُطلق استعماله, كما عن الخلاف مُدعياً عليه الإجماع , و هو
المشهور.
و عن المبسوط: أنّه لايجب الاجتناب , و ربما نسب إلى ابن إدريس , ونسب في المختلف
إليه القول بالحرمة , و عبارته مشتبهة, و لايبعد كونها أظهر في الحرمة.
وكيف كان فالأظهر هو الحرمة, و يدلّ عليه ـ مضافاً إلى الإجماع المنقول ـ ما رواه
الكليني في الصحيح, عن أبي عبيدة, عن أبي جعفر & , قال: (المعتكف لايشمّ الطيب,
ولايتلذذ بالريحان, و لايُماري, و لايشتري, و لايبيع) .
و عن المبسوط: أنّه روي أنّه يتجنب ما يجتنبه المحرم .
ثمّ إنّ الأقوى حُرمة شمّ الرياحين أيضاً; لدلالة الصحيحة عليه, و لعلّ وجه تعديد
العنوان, و الفرق بينهما مع ورودهما معاً في الصحيح: هو ملاحظة قوّة الدليل, كما
فرّقوا في إحرام الحج بين استعمال الطيب من باب المسك و العنبر و الزعفران و نحوها,
و بين شمّ النباتات, و كذلك جعلهم النباتات أقساماً مختلفة اختلفت أقوالهم فيها.
والقول بحُرمة شمّ الرياحين في الإحرام أضعف من استعمال الطيب, فكذا هنا.
وكذلك يَحرم عليه البيع و الشراء بلا خلاف ظاهر, بل يَظهر من المدارك أنّه قول
علمائنا , وادّعى عليه في الانتصار الإجماع , و تدلّ عليه الصحيحة المذكورة.
قال في المسالك: و في تعديته إلى ما يساويهما في المعنى من أنواع التجارة, كالصُلح
و الإجارة قولان, منشؤهما المشاركة في الحكمة الصالحة لعليّة الحكم, و هو الاشتغال
عن العبادة المطلوبة من الاعتكاف, و بطلان القياس, وبالغ العلامة فعدى التحريم إلى
جميع التجارات و الصنائع المشغلة عن العبادة, كالحياكة و الخياطة و أشباههما, و هو
أولي , انتهى كلامه رحمه اللّه.
أقول: و ادّعى في الانتصار على مُطلق التجارة إجماع الإماميّة .
واستثنوا من ذلك ما يضطرّ إليه في المأكول و الملبوس وبيع ما يشتري به ذلك.
و شرطَ الشهيد في الدروس تعذّر المعاطاة بناءاً على أنّها ليست ببيع , وهو محلّ
نظر.
قال في المدارك: بعد ما نقل ما ذكرنا عن الدروس واستشكل فيه: نعم لو اعتبر في ذلك
عدم تمكّنه من التوكيل كان وجهاً قوياً .
أقول: والأظهر عدم اشتراط شيء منهما.
و هل يصحّ البيع في صورة حرمته أم لا؟ الأظهر الصحة; لعدم دلالة النهي على الفساد,
سيّما و هو عن أمر خارج عنه, كالبيع وقت النداء, خلافاً للشيخ .
و يجوز له النظر في أمر معاشه و ضيعته , ويتخذ ماشاء من المباح, و يأكل الطيبات.
و عن ابن إدريس: أنه منع عن كّل مباحٍ لايحتاج إليه, و أنه يظهر منه فساد الاعتكاف
, و هو ضعيف.
وكذلك تحرم المماراة; لصحيحة أبي عبيدة المتقدّمة , و هو في اللغة: المجادلة .
قيل: و هو إما من المرية; لأنّ كلاً من المتجادلين يوقع صاحبه في الشك; أو من مريت
الناقة إذا استحلبتها; لأنّ كُلاً منهما يستحلب ما عند صاحبه; أو من المروة, وهي
الحجارة, لما فيه من شدّة الخصومة, و هو الذي اختاره ابن فارس في المقاييس .
وفي المصباح للفيومي: و لايكون المراء إü اعتراضاً, بخلاف الجدال, فإنّه يكون
ابتداءاً و اعتراضاً .
و الجدال: هو المخاصمة للغلبة, قيل: إنّه من الجدالة, و هي الأرض, كأن كلّ من
المتجادلين يريد ضرب الآخر على الأرض, و منه قولهم: جدله صريعاً.
قال الراغب: الجدال المفارضة على سبيل المنازعة و المغالبة .
وقال: الفيومي في المصباح: و جادل مجادلة جدالاً, إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق,
و وضوح الصواب, هذا أصله, ثمّ استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور
أرجحها , انتهى.
و قال في المسالك: و المراد بها هنا المجادلة على أمر دنيوي أو ديني لمجرد إثبات
الغلبة و الفضيلة, كما يتفق لكثير من المتسمّين بالعلم, و هذا النوع محرّم في غير
الاعتكاف, و قد ورد التأكيد في تحريمه في النصوص, و إدخاله في مُحرمات الاعتكاف إما
بسبب عموم مفهومه, أو لزيادة تحريمه في هذه العبادة, كما ورد في تحريم الكذب على
اللّه و رسوله في الصيام, و على القول بفساد الاعتكاف بكلّ ما حرم فيه تتضح فائدته
.
أقول: و لعلّه أراد بهذا القول قول ابن إدريس حيث قال: الأولى عندي أنّ جميع ما
يفعله المعتكف من القبائح و يتشاغل به من المعاصي و السيئات يفسد اعتكافه, و أما ما
يضطر إليه من اُمور الدنيا من الأفعال المباحات فلا يفسد به اعتكافه; لأن الاعتكاف
هو اللبث للعبادة, فإذا فعل قبائح و مباحات لاحاجة إليها, فما لبث للعبادة, و خرج
من حقيقة المعتكف اللابث للعبادة .
و ردّه في المختلف و شنّع عليه, و ألزم عليه ببطلانه حالة النوم و إهمال العبادة, و
ليس كذلك بالإجماع .
وأنت خبير بأنه لايصحّ تفريع الفساد على كونه من محرّمات الاعتكاف على قوله; إذ
مقتضاه فساد الاعتكاف بفعل كلّ مُحرّم, لا بما هو مُحرّم في خصوص حال الاعتكاف.
ولو فرض وجود قول آخر يكون كلّ ما هو محرم بالخصوص في الاعتكاف فهو مفسد, فلايتمّ
التفريع أيضاً; إذ غاية الأمر في المراء حينئذٍٍ هو تأكّد حُرمته حال الاعتكاف,
كالكذب على اللّه و رسوله و أوصيائه صلوات اللّه عليهم في الصيام. و تأكيد الحرمة
ليس نفس الحرمة, و لو لم تكن الأخبار و الإجماعات المنقولة, لم نقل بكون الكذب
مفطراً, و لاموجباً للكفارة.
وكذلك التزام الواجبات بالنذر على القول بجوازه ـ كما هو الأظهرـ يثمر وجوب
الكفارة; لأجل أنّه التزام مُثمر لهذا الثمر, شرّعه اللّه من باب اللطف; لتقريب
العبد إلى الطاعة; خوفاً من لزوم الكفارة عليه, وليس لمحض الإيجاب; ليلزم تحصيل
الحاصل, و ليس لمحض تأكد الوجوب; لتكون عقوبته في الآخرة أغلظ.
ثمّ قال في المسالك: فلو كان الغرض من الجدال في المسألة العلميّة مجرد إظهار الحق,
وردّ الخصم عن الخطأ, كان من أفضل الطاعات, فالمايز بين ما يحرم منه و ما يجب أو
يستحبّ النيّة, فليحترز المكلّف من تحويل الشيء من كونه واجباً إلى جعله من كبار
القبائح انتهى, و هو كما ذكره.
وبذلك يظهر أنّ المراء ينقسم إلى الواجب و الحرام والمستحبّ, بل يظهر من المحقّق
الأردبيلي ـ رحمه اللّه ـ انقسامه إلى الأقسام الخمسة .
فالواجب منه: ما توقّف الردع عن المنكر و إقامة الواجب عليه بدون قصدٍ إلى غرض قبيح
من القبائح.
و المستحبّ منه: ما توقّفت إقامة المستحبّات والردع عن المكروهات عليه كذلك.
و المباح: ما كان الغرض منه مجرد إظهار الحق مع عدم تعقّل نفع ديني فيه بوجه; لا له
و لالغيره, مع عدم اشتماله على قبيح.
والمكروه: هو ما كان كذلك, مع احتمال أن يؤول البحث إلى قبيح.
و الحرام: ما كان الغرض فيه الإلزام و إظهار الغلبة, و تفضيح الخصم, و تزييف كلامه,
حقّاً كان أو باطلاً, و تجهيله, وإظهار عيبه, وتزكية نفسه. أو كان مستلزماً لترك
واجب, بل مطلق ما كان خالياً عن الغرض الصحيح و إظهار الحقّ.
إذا عرفت هذا فيمكن أن يكون مراده ـ رحمه اللّه ـ من قوله (إما بسبب عموم مفهومه)
أنّ إدخال المراء في محرّمات الاعتكاف مع كونه حراماً في غيره أيضاً من جهة كون
المباح و المكروه منه أيضاً حراماً فيه; لإطلاق المنع عن المراء في الصحيحة
المتقدّمة, فأفادت الصحيحة حرمة المراء بعمومه; لعموم مفهوم المراء, وخرج الواجب
والمستحبّ بدليل خارج, فالمراء المجوّز فيه نوعان منه, والباقي حرام.
واعلم أنّ العلامة في التذكرة بعد ذكر حُرمة المماراة قال: وكذا يحرم الكلام الفحش
. و كذلك في التحرير , و كذلك ابن إدريس في السرائر , و لم أقف على نصٍّ فيه.
و عن الشيخ في الجمل: أنه يحرم عليه ما يحرم على المحرم , ولم نقف على دليله, نعم
قال في المبسوط: وروي أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم, و ذلك مخصوص بما قلناه; لأنّ لحم
الصيد لايحرم عليه, وعقد النكاح مثله .
وقال في التذكرة: قال بعض علمائنا: يَحرم على المعتكف ما يحرم على المُحرم, و ليس
المراد بذلك العموم; لأنّه لايَحرم عليه لبسُ المخيط إجماعاً; و لا إزالة الشعر, و
لاأكل الصيد, و لاعقد النكاح, فلهُ أن يتزوّج في المسجد, و يشهد على العقد; لأنّ
النكاح طاعة, وحضوره مندوب, و مدّته لا تتطاول, فيتشاغل به عن الاعتكاف, فلم يكن
مكروهاً, كتسميت العاطس ورد السلام, ويجوز له قصّ الشارب, و حلق الرأس, و الأخذ من
الأظفار, ولانعلم فيه خلافاً , انتهى كلامه رحمه اللّه.
و يظهر منه: أنّ مُراد الشيخ أيضاً ليس عموم ما يظهر من العبارة, و كيف كان فلا
دليل عليه يُعتمد عليه.
الثاني: قال الشيخ في المبسوط: من مات قبل انقضاء مدّة اعتكافه ففي أصحابنا من قال:
يقضي عنه وليّه, أو يخرج من ماله من يَنوب عنه قدر كفايته; لعموم ما روي من (أن من
مات و عليه صوم واجب, وجب على وليّه أن يقضي عنه أو يتصدق عنه) . هكذا نقل عنه
المحقق في المعتبر, و العلامة في المختلف, والتذكرة و غيرهما .
ففاعل كلمة (يخرج) في كلامه هو الموصول, ومفعوله قدر كفايته, يعني كفاية المسكين.
ويظهر من استدلاله: أنّ ذلك في الاعتكاف الواجب, و إن كان هو الثالث من المندوب.
فههنا مطالب:
الأوّل: إنّ القضاء إنّما يجب في الواجب مطلقاً, كما هو مقتضى استدلال الشيخ, و
صريح الفاضلين وغيرهما , مع إشكال في الواجب أيضاً في التذكرة والمنتهي .
و لم نَقِف على قولٍ بوجوب قضاء المندوب, مثل من أبطل اعتكافه قبل اليوم الثالث على
المشهور, إü إطلاق ما نقل عن التلخيص, و لعلّه أيضاً مراده الواجب.
والثاني: إنّ القضاء هل يجب مطلقاً, أو يجب قضاء ما فات بعد الشروع فيه قبل
الانقضاء؟ فالمنقول عن التلخيص وجوب قضاء مطلق الفائت, و لكن عبارة المبسوط
المتقدّمة مطابقة للثاني, و مثله عبارة الشرائع والقواعد والتحرير و التذكرة .
والظاهر أنّ مراد الكلّ مطلق الفائت, كما فهمه الشهيد في الدروس من كلام الشيخ,
فإنه قال: و لو مات قبل القضاء بعد التمكن وجب على الوليّ قضاؤه بعد التمكن عند
الشيخ .
ودليلهم أيضاً يفيد الأعم, فيَشمل ما لو نذر اعتكافاً مُعيّناً مثلاً و لم يأتِ به
أصلاً و مات, بل لابد من إرادة خصوص ما تمكن من القضاء, كما أشار إليه في المسالك
أيضاً .
و لا مسرحَ لظاهر عبارة الشيخ و تابعيه لوجوب القضاء على من مات قبل انقضاء أيّام
اعتكافه, لاتّفاقهم ظاهراً على اشتراط التمكّن في مسألة الصوم, و نقل الإجماع
متكرّر عليه في كلماتهم, و دلالة الأخبار في خصوص مسألة المرض كما مرّ في كتاب
الصوم.
بل و يُشكل الحكم باستحبابه و مشروعيّته أيضاً كما أشرنا ثمّة, إü أنّ العلامة في
المنتهى نسبَ استحباب القضاء على الوليّ إلى الأصحاب , فلابد من حمل كلماتهم هنا
جميعاً على إرادة من ماتَ قبل قضاء مدة اعتكافه مع التمكّن منه, لا إرادة من مات
بين أيام اعتكافه.
و الأظهر أنه لا فرق بين ما كان فوات الاعتكاف لأجل مرض أو حيض أو سفر كما مرّ.
و الثالث: هل يجب هذا القضاء على الوليّ بنفسه, أو تجوز الاستنابة؟ اختار المحقّق
في الشرائع الأوّل , و الأظهر الثاني; لما مرّ في الصوم.
والرابع: إنّه على القول بالوجوب يُشترط التمكّن من القضاء, كما صرّح به في الدروس
, أم يجب مطلقاً؟ الظاهر أنّ التمكن من القضاء مُعتبر عند كلّ من يوجبه في الصوم في
خصوص المرض, و قد مرّ الكلام فيه, و تفاوت حكم المرض و السفر و الحيض و غيره.
قال في المسالك بعد نقل إطلاق الوجوب عن الشيخ: و يجب تقييده بما إذا كان قد استقرّ
في ذمته قبل ذلك, أو تمكّن من قضائه و لم يفعل, كما هو المعتبر في الصوم, و إü لم
يتجه الوجوب على الوليّ; إذ ليس للاعتكاف نص على الخصوص .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الفاضلين و غيرهما استشكلوا في وجوب القضاء, قال في المعتبر
بعد نقل عبارة الشيخ المتقدمة: و ما ذكره ـ رحمه اللّه ـ إن كان دالاً فإنّما يدلّ
على وجوب قضاء الصوم, أما الاعتكاف فلا .
وقال في المختلف بعد نقل العبارة: و هذا يُشعر بعدم وجوب قضائه عليه; عملاً بالأصل
الدالّ على البراءة, و بأنّ إيجاب الصوم لا يستلزم إيجاب الاعتكاف.
قال: و حجّة الآخرين أنه قد ورد وروداً مشهوراً وجوب القضاء عن الميت, و لايمكن
الإتيان بمثل هذا الصوم إü بمثل هيئته, و هي هيئة الاعتكاف, فكان الاعتكاف واجباً .
أقول: ولم نقف في الاعتكاف على نصٍّ بالخصوص, كما اعترف به في المسالك , و لايشمله
ما دلّ على وجوب قضاء الصوم, غاية الأمر أنه ينوي قضاء صوم الاعتكاف, وأين هذا من
وجوبه معتكفاً.
بقي هنا بحث: أشار إليه في المسالك, قال: إنّ نذر الاعتكاف أو مطلق الاعتكاف الواجب
لايستلزم إيجاب الصوم, وإن اقتضى فعله فيه, فيجوز إيقاعه في صوم شهر رمضان و غيره,
وحينئذٍٍ لايتم القول بالوجوب على الوليّ هنا بمجرد وجوب الاعتكاف; إذ ليس هناك صوم
واجب يدخل في عموم الأخبار المتقدّمة .
أقول: لاريب أنّ وجوب إيقاع الاعتكاف في حال الصوم موجب لإتيان صوم لأجل الاعتكاف;
إذ لايتم الواجب إü به.
غاية الأمر أنّ صوم رمضان مثلاً مُسقط عن التكليف بهذه المقدمة, فالصوم بمنزلة
الطهور لا الصلاة, فكما أنّ إيجاب الصلاة مستلزم لإيجاب الطهور; لقوله & : (لاصلاة
إü بطهور) و مع هذا يكتفى بالطهور الحاصل قبل الصلاة لغير هذه الصلاة, فكذلك فيما
نحن فيه, فمتى لم توجد طهارة وجبت الطهارة لأجل الصلاة, فكذا في الاعتكاف.
فلايمكن إنكار وجوب الصوم لأجل الاعتكاف من باب المقدمة; إذ قد لايتمّ الاعتكاف إü
بإنشاء صوم له, و كذلك قضاء الولي قد لا يتم إü بإنشاء الصوم, و إن صح لو فعله في
شهر رمضان, و يتضح ذلك فيما لو كان المنذور معيناً في مثل العشر الأوائل في رجب
الذي لم يتعلّق به وجوب آخر.
مع أنه يمكن أن يقال باجتماع الواجبين في شهر رمضان, أعني وجوب المقدمة, مع وجوب
صوم رمضان, كما لاتنافي بين وجوب صوم رمضان المنذور لأجل النذر و صوم رمضان جميعاً.
فتحقيق هذا البحث أن يقال: لا نُسلّم وجوب قضاء الصوم لأجل الاعتكاف الفائت; لأن
وجوبه للغير و من باب المقدّمة, أداءاً كان أو قضاءاً, فوجوبه تابع لوجوب الاعتكاف
كذلك, فإذا لم يثبت الدليل على وجوب قضاء الاعتكاف بالخصوص, فلم يثبت وجوب قضاء صوم
له, فكما أنه لامعنى لوجوب قضاء الوضوء على من يريد عدم قضاء الصلاة التي وجب
الوضوء لها, فلا معنى لوجوب قضاء الصوم للولي الذي لم يثبت عليه وجوب قضاء
الاعتكاف.
فالعُمدة إثبات وجوب قضاء الاعتكاف على الوليّ, حتّى يستلزم وجوب قضاء الصوم في
الجملة, و إذ ليس فليس.
و لعلّه إلى ما ذكرنا يُشير المنع المطويّ في عبارة المعتبر; استناداً إلى أنّ ما
روي من وجوب قضاء الصوم على الوليّ هو الصوم الواجب مستقلاً و بالأصالة, لاتبعاً و
للغير .
فالأولى منع وجوب القضاء; لعدم الدليل على وجوب قضاء نفس الاعتكاف, بناءاً على أنّ
القضاء إنّما هو بفرض جديد, لامنع أصل الوجوب رأساً. كما فعله في المسالك ثمّ قال:
و إنما يتم فيما إذا كان قد نذر الصوم معتكفاً, فحينئذٍٍ يتعذّر قضاء الصوم من دون
الاعتكاف, فيجب على الوليّ قضاء الصوم مع تمكنه من فعله قبل الموت, ويتبعه الاعتكاف
من باب المقدّمة .
أقول: و يَرد عليه المنع الأخير في عبارة المعتبر; إذ كما أنّ اشتراط الزمان
والمكان في النذر لايوجب اعتباره في قضائه. فإنّ مَن نذرَ صوم رجب مثلاً لايجب عليه
قضاؤه في رجب, و لاعلى وليّه بطريق الأولى, فكذلك وصف كونه معتكفاً لايعتبر في
القضاء.
ثمّ قال: وحيث وجبَ على الوليّ القضاء هنا, فحُكمه حُكم ما سبق من جواز الاستنابة,
و وجوبه على الأولياء المتعددين, و كون المنكسر كفرض الكفاية, إلى غير ذلك من
الأحكام, و هو كما ذكره رحمه اللّه.
ثمّ إن ما يستفاد من عبارة المبسوط من التخيير بين القضاء والتصدق يظهر ضعفه مما
قدّمناه في الصوم, و أنّ الواجب إنما هو القضاء أولاً لو ثبت الوجوب.
الثالث: قد بيّنا مُحرّمات الاعتكاف و مُفسداته سابقاً, من الخروج عن المعتكف في
غير الصور المستثنيات, والجماع, والاستمناء و غيره, و أشرنا إلى المتفق عليه و
المختلف فيه و المختار والمزيف.
وبقي الكلام في ما يوجب الكفارة منها
و فيه مقامات:
الأوّل: الجُماع يوجب الكفارة, ليلاً كان أو نهاراً; للإجماع, كما ادّعاه جماعة من
الأصحاب . و تدلّ عليه الأخبار, مثل صحيحة زرارة, عن أبي جعفر & , قال: سألت أبا
جعفر عن المعتكف يُجامع, فقال: (إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر) .
وصحيحة أبي وüد المتقدمة في أوائل الكتاب, و موثقة سماعة المتقدّمة في المبحث
الرابع, و غيرها.
ولا إشكال في ذلك في الجملة.
إنّما الإشكال في أنّ ذلك هل يختص بالاعتكاف الواجب المعيّن, أو يشمل غيره؟ قال في
المسالك: إنه لاخلاف في وجوبها في الواجب مطلقاً, أي معيّناً كان أو غير معيّن,
قال: و إنّما الخلاف في وجوبها بإفساد المندوب, و هو قبل دخول الثالث وما في حكمه,
ثمّ فصّل تفصيلاً يجيء ذكره .
أقول: لاوجه لنفي الخلاف, فإنّ مذهب العùمة في الإرشاد عدم الوجوب في الغير المعيّن
.
و كيف كان, فالأظهر الوجوب في الواجب; لإطلاق الأخبار.
وأما المندوب; فإطلاق كلام جماعة ممن تقدّم على الفاضلين يقتضي الوجوب , بل يظهر من
المنتهى أيضاً ذلك , و كذا التذكرة بإطلاقها والتحرير , و هو مقتضى إطلاق النصوص
وترك الاستفصال فيهما, سيّما والغالب المندوب.
و ذهب آخرون إلى العدم; استناداً إلى جواز قطعه اختياراً, و الكفارة إنّما تلزم
فيما يترتّب عليه الإثم .
وفيه منع; إذ قد تلزم الكفارة لهتكِ الحرمة في المستحب, و جواز القطع اختياراً ثمّ
الجماع, غير القطع بالجماع, و جواز الأوّل لايستلزم جواز الثاني, و قد مرّت الإشارة
إليه.
و من هذا يظهر دليل عدم الوجوب في الواجب الغير المعيّن.
الثاني: الاستمناء و فعل ما يوجب الإنزال, فعن الشيخ في المبسوط و الخلاف مدعياً
عليه الإجماع . وابن حمزة , أنّه موجب للكفارة, و كذلك العلامة في التذكرة مدعياً
أنه قول علمائنا وأكثر العامة, و ظاهره الإجماع .
وقال في المبسوط ـ بعد اختياره لزوم الكفارة ـ: و في أصحابنا من قال ما عدا الجماع
يوجب القضاء دون الكفارة .
و هو مختار المحقّق في الشرائع والعùمة في جملة من كتبه , و توقّف في المختلف .
ولعلّ الأوّل أظهر; للإجماع المنقول.
و حجّة الآخرين: الأصل , و اختصاص النصوص بالجماع.
و فيه: أنّ ورود النص بالجماع لاينفيه في الغير, و الأصل لايقاوم الإجماع المنقول,
بل الإجماعين.
الثالث: سائر المفطرات من الأكل والشرب و غيرهما, والمشهور وجوب الكفّارة فيها, كما
نسب إليهم في التذكرة , وعن الغنية دعوى الإجماع عليه .
ونسب المخالفة في التذكرة إلى بعض أصحابنا ; للأصل, واختصاص النصّ بالجماع, و هو
مختار المحقق في الشرائع , ونسبه في المدارك إلى الشيخ وأكثر المتأخرين .
و قال في المعتبر: قال المفيد وعلم الهدى: تجب الكفّارة لكلّ مفطر تجب به الكفّارة
في رمضان, فإن كانا أرادا اعتكاف المنذور المختص بزمان معيّن, كان حسناً; و إن
أرادا الإطلاق, فلا أعرف المستند; وإن كانا تمسّكا بإطلاق الأحاديث, فهي مختصّة
بالجماع فحسب, دون ما عداه من المفطرات, و إن كان يفسد به الصوم, و يفسد الاعتكاف
تبعاً للصوم .
أقول: و لعلّ مراده تحسين لزوم كفّارة النذر, لاكفارة الاعتكاف; لما ذكر من أنّ
النصوص مختصة بالجماع, و ليس فيها ذكر غيره من المفطرات.
ويظهر من التذكرة التوقّف, حيث اقتصر على نقل القولين .
ثمّ هل ذاك يختص بالواجب المعيّن, أو يشمله والغير المعيّن و المندوب؟ إطلاق كلام
الجماعة قبل الفاضلين يقتضي التعميم.
و قال في المعتبر بعد ما نقل الإطلاق عن الشيخين: و لو خصا ذلك باليوم الثالث, أو
بالاعتكاف اللازم كان أليق بمذهبهما; لأنّا بيّنا أنّ الشيخ ذكر في النهاية أنّ
للمعتكف الرجوع في اليومين الأولين من اعتكافه, وأنّه إذا اعتكفهما وجب الثالث, و
إذا كان له الرجوع لم يكن لإيجاب الكفارة مع جواز الرجوع وجه; لكن يصحّ هذا على قول
الشيخ في المبسوط; فإنّه يرى وجوب الاعتكاف بالدخول فيه .
قال في المدارك: وما ذكره غير بعيد; لأنّ المطلق لاعموم له, فيكفي في العمل به
إجراؤه في الواجب .
أقول: وترك الاستفصال يفيد العموم, نعم يرد عليهما, أن الروايات إنّما وردت في
الجماع, لافي سائر المفطرات, فالأولى الاعتراض عليهما بمنع الدليل رأساً في غير
الجماع, و قبول العموم في الجماع مطلقاً, ندباً كان أو واجباً.
والحاصل: أنّ كلام المحقّق هنا مع الشيخين في سائر المفطرات, لافي خصوص الجماع, و
هو لايستلزم أن يكون دليل الشيخين هو خصوص الروايات, حتّى يتم استظهار صاحب المدارك
للمحقّق بأنه لاعموم في الروايات.
و يرد على المحقق أيضاً: منع منافاة الكفارة مع الندب; لما قدّمناه من أنّ المجوّز
في المندوب الخروج والقطع, لا الجماع, فلا يستلزم جواز الإفطار بقصد الخروج أو بقصد
القطع والخروج ثمّ الإفطار, جواز الإفطار مع قصد الاستمرار على الاعتكاف, كما
أسلفناه.
فالكلام إنّما هو في ثبوت الدليل على لزوم الكفارة, إü إذا اُريد كفارة خلف النذر
مثلاً, وكان الاعتكاف من هذا الباب.
و ذهب في الإرشاد إلى عدم وجوب الكفارة في غير المتعين .
وقال في التحرير: و الوجه عندي التفصيل, و هو إيجاب الكفارة في رمضان أو الواجب
المعيّن, أما إذا كان الاعتكاف مندوباً أو واجباً غير معيّن, فالوجه عدم وجوب
الكفارة إü بالجماع خاصة .
وحاصل ما اختاره في الدروس: وجوب الكفارة بالجماع مطلقاً, و بغيره من مفسدات الصوم,
إذا كان واجباً متعيّناً, و لو بكونه ثالث الواجب الغير المتعيّن, لابكونه ثالث
المندوب .
وقال في المسالك: إنّ إفساد المندوب لايوجب شيئاً بالجماع و غيره; لجواز قطعه
اختياراً, فكيف يتوجّه وجوب الكفّارة به, نعم يتجه ذلك على مذهب الشيخ في المبسوط,
حيث أوجبه بالشروع, و إن كان واجباً و أفسده بالجماع وجبت الكفارة; لإطلاق النصوص
بذلك, و إن كان إفساده بغيره من مفسدات الصوم, فإن كان متعيناً بنذر و شبهه وجبت
كفارة بسبب الوجوب من نذر أو عهد أو يمين, فالكفارة ليست من جهة كونه اعتكافاً, بل
من جهة مخالفة السبب الواجب, و إن كان الواجب غير متعيّن وجب قضاؤه خاصة .
أقول: وفذلكة المقصد و تنقيح المرام و بيان المختار أنّ ما يمكن الاستدلال به في
هذا المقام من باب لزوم الكفّارة لإجل إفساد الاعتكاف من حيث هو الأخبار الواردة في
الجماع والإجماعات المنقولة.
و أما ما دلّ على وجوبها من أجل المقارنات الاتفاقية لكون الاعتكاف واجباً بالنذر و
شبهه أو واقعاً في شهر رمضان أو قضائه إذا أفسده بعد الزوال, فهو خارج عن المقصد.
فنقول حينئذٍٍ: إنّ الأخبار الدالة على وجوب التكفير للجماع, إما يقتصر على ظاهرها,
كما هو مقتضى اللفظ, فلا يتعدّى إلى غيره, و إن كان من باب الاستمناء و الإنزال.
وإما أن يدّعى أنّ المراد منها أنّ كلّ ما يفسد الصوم يوجب الكفارة, فيشمل مثل
الأكل و الشرب و غيرهما. وإما أن يدّعى أنّ المراد منها أنّ كلّ ما يفسد الاعتكاف
فهو كذلك, حتّى مثل الخروج عن المعتكف.
ثمّ إنّ إطلاق الكفارة, هل يجوز في غير ما حصل الإثم بموجبه, أم يختص بالواجب؟
وعلى فرض انحصاره في الواجب, فهل يعتبر فيه المتعين أم لا؟
و على اعتبار التعيّن, فهل المعتبر التعيّن بالذات كالمنذور في أيّام خاصة, أو يكفي
التعيّن بالعرض, كما إذا شرع في الواجب المطلق, و قلنا بتعينه بالشروع فيه; لأجل
أنه عبادة واحدة و إبطال العمل حرام؟
والتحقيق أن يقال: الأخبار واردة في خصوص الجماع, والتعدّي إلى غيره قياس, فإن
تعدّينا فإنما يتعدّى للإجماع المنقول فيما نقل فيه.
و أما حكاية صدق الكفارة, فلا نمنعه في المستحب كما أشرنا في أوائل الكتاب, و نقلنا
عن التذكرة نفي الاستبعاد.
و على فرض الانحصار في الواجب, فلا دليل على اختصاصه بالمتعيّن; لإمكان صدقه في
غيره, وكذا لادليل على اختصاصه بالمتعيّن بالذات, نعم لو ثبت انحصاره في المتعيّن,
فالمتبادر منه المتعيّن بالذات.
وأما المختار في هذه المطالب فنقول: إنه لاريب في أنّ الجماع مُوجب للكفارة في
الجملة; و الأظهر فيه العموم بالنسبة إلى الواجب مطلقاً والمندوب; لإطلاق الأخبار,
و ترك الاستفصال فيها, و إطلاق الإجماع المنقول.
وكذلك فيما يوجب الإنزال; للإجماع المنقول في الخلاف والتذكرة ظاهراً , و الشهرة
العظيمة بين القدماء.
وأما سائر المفطرات, فالظاهر فيها أيضاً ذلك; للإجماع المنقول عن الغنية , معتضداً
بالشهرة بين القدماء, و الأصل لا يقاومه.
و أما الخروج عن المعتكف, فلم يدلّ دليل على وجوب الكفارة من أجل الاعتكاف, إü أن
يكون هناك ما يوجبه من مخالفة نذر أو شبهه, و هو خارج عما نحن فيه.
و لم نقف على مخالف في ذلك, إü ظاهر عبارة اللمعة, فإنّها تشمله بإطلاقها, قال: و
يفسده كلّ ما يفسد الصوم, و يكفّر إن أفسد الثالث إن كان واجباً .
و لعلّ مراده إن أفسده بما يفسد الصوم, فلا يكون مخالفاً.
فالآن نشتغل بالكلام في المقارنات الاتفاقية لفساد الاعتكاف.
فنقول: إذا جامع المعتكف في الليل تجب عليه كفارة, و إن جامع نهاراً كان عليه
كفارتان, هكذا أطلق الأكثرون على ما نسب إليهم الشهيد في الدروس , و منهم السيد
رحمه اللّه , و لكن العلامة ـ رحمه اللّه ـ في التذكرة قال: مراده إذا كان في رمضان
.
و قيّده جماعة بما إذا كان في شهر رمضان, و قيّده بعضهم مع ذلك بما إذا كان
الاعتكاف واجباً, وبعضهم قيّده مع ذلك بأن يكون واجباً معيناً.
وكيف كان, فالظاهر أنّه لا خلاف بينهم في أنه إذا جامع في نهار رمضان تجب عليه
كفارتان, و ادّعى على هذا التفصيل بإطلاقه الإجماع في الانتصار, و هو محكي عن
الخلاف و الغنية و ظاهر المنتهى حيث نسبه إلى علمائنا .
دليل الإطلاق: مضافاً إلى ما نقلوه من الإجماع, أن كلاً من الاعتكاف و الصوم سبب
للكفارة, و الأصل عدم التداخل.
أما الاعتكاف, فقد مرّ الكلام في أنّ الجماع فيه موجب للكفارة إجماعاً في الجملة, و
على الأظهر في جميع أقسامه حتّى المندوب في اليومين الأولين.
و أما الصوم, فأما إذا كان في شهر رمضان فلا إشكال فيه أيضاً, و أما في غيره فهو
محلّ إشكال; لعدم الدليل.
واستدلّوا عليه أيضاً بما رواه الصدوق, عن محمّد بن سنان ـ وسنده إليه حسن بإبراهيم
بن هاشم كما في الخلاصة ـ عن عبد الأعلى بن أعين, عن أبي عبد اللّه &, قال: سألته
عن رجل وطئ امرأته و هو معتكف ليلاً في شهر رمضان, قال: (عليه الكفارة) قال, قلت:
فإن وطئها نهاراً؟ قال: (عليه كفارتان) .
ويرد عليه: أنّ الظاهر منه إرادة نهار رمضان, بقرينة أوّل الرواية, مع أنّ الأصل
عدم الوجوب, و إطلاق سائر الأخبار الدالّة على أنّه يجب على المجامع في الاعتكاف ما
يجب على المظاهر, أو ما يجب على من أفطر يوماً من رمضان, فإنّ إطلاقها يشمل الليل و
النهار, فلا يبقى للإطلاق إü الإجماعات المنقولة.
و تأويل العلامة و تقييده كلامهم بشهر رمضان غير ظاهر الوجه, و لكنه محتمل,
فإطلاقات الأخبار الظاهرة في كفاية كفّارة واحدة مع الأصل لعلها لاتقصر عن إطلاقات
الإجماعات المنقولة.
ومما يضعف الإطلاق: أنّ المتبادر من التثنية فردان من نوع, لافردان من جنس, و
مقتضاه لزوم كونهما متشابهتين, و هو إنّما يتم في رمضان بناءاً على الأشهر الأقوى
من كون كفارته وكفارة الاعتكاف واحدة, أو هي الخصال الثلاثة مخيّرة على الأشهر
فيهما.
فحينئذٍ يتضح أنّ الوجه الصحيح في الرواية تنزيلها على إرادة رمضان بناءاً على
اتحاد الكفارتين, كما هو الأشهر الأظهر.
والإنصاف أنّ مراد الرواية و القائلين بوجوب الكفارتين لزوم تعدد كفارتين; لأجل
حصول سببين, و الموافقة في رمضان إنّما حصلت من باب الاتفاق على المشهور.
فحينئذٍٍ نقول: كل ما كان وجوب الصوم متعيّناً بنذر أو شبهه, أو كان الاعتكاف في
ضمن قضاء رمضان, و حصل الجماع بعد الزوال فتتعدّد الكفارة بتعدد الأسباب, والتعدّد
في رمضان أيضاً من جهة تعدد السبب; لأنّ المراد لزوم كفارتين لأجل الاعتكاف.
وحينئذٍٍ فقد يتفق لزوم كفارات ثلاثة, نظراً إلى أصالة عدم التداخل, كما لو نذر
الاعتكاف معيناً في العشر الأواخر من رمضان و جامع نهاراً تجب كفارة للاعتكاف, و
اُخرى لصوم رمضان, و اُخرى لمخالفة النذر, و لكني لم أرَ مصرّحاً بذلك, و لكنه لازم
إطلاق كلام الشهيد الثاني في الروضة, حيث قال بعد تضعيف القول بالإطلاق:نعم لو كان
وجوبه متعيناً بنذر و شبهه وجب بإفساده كفارة بسببه و هو أمر آخر .
و كذلك عبارة المسالك .
و يفهم من قوله: (و هو أمر آخر) أنّ القائلين بالإطلاق مرادهم وجوب كفارتين
متشابهتين لأجل الجماع في النهار مطلقاً تعبّداً نظراً إلى إطلاق الرواية لامن أجل
العمل على مقتضى النذر و أمثاله.
ثمّ إنّ مقتضى العمل على مقتضى الأسباب, و قطع النظر عن الاستدلال بإطلاق الرواية,
عدم التفرقة بين الليل و النهار; لتحقق السببين في الليل أيضاً.
و هذا مؤيد لما ذكره العلامة في التذكرة في حمل كلام السيد على رمضان, فإنّه ناظر
إلى قطع النظر عن سبب آخر غير الصوم, وإü فالكلام جارٍ في رمضان أيضاً.
و يلزم التعدّد إذا وقع في الليل أيضاً, إذا كان منذوراً معيّناً, كما أشار إليه في
الروضة, و قال: وفي الجماع ليلاً كفارة واحدة في رمضان و غيره, إü أن يتعيّن بنذرٍ
و شبهه, فتجب كفارة بسببه أيضاً لإفساده , انتهى.
وحاصل تحقيق المقام: أنّ وجوب كفارة الاعتكاف لأجل الجماع لازم, ليلاً كان
أونهاراً, و أما لزومها لأجل إبطال الصوم من حيث إنّه صوم رمضان, فهو من الاُمور
الخارجية, مثل وجوبها من حيث إنّه مخالفة للنذر, أو قضاء رمضان بعد الزوال و غير
ذلك, و أصالة عدم تداخل الأسباب تقتضي ترتّب كلّ مسبب على سببه.
وأما طرح المسألة في حكاية صوم رمضان, فلعله لأجل متابعة الرواية لما ذكرنا من أنّ
ظاهرها حكم رمضان لاغير, وإنّما وقع الحكم على طبق سؤال الراوي عن رمضان, فالجواب
مطابق للسؤال.
و سبب الإشكال للراوي إنّما كان من جهة تشابه الكفّارتين, فلعلّه توهّم التداخل
لذلك, فوقع الجواب بنفي التداخل على طبق الأصل.
وأما باقي الأسباب الموجبة للكفارة, فهي باقية تحت أصلها و قاعدتها لاموجب لسقوطها,
هذا الكلام في الجماع.
وأما غيره من المفطرات و المفسدات والمحرّمات, فيظهر حاله مما ذكرنا.
و يختلف الحكم باختلاف الأقوال, ففيما حكمنا بكونه موجباً للكفّارة من مفسدات الصوم
بسبب الإجماعات المنقولة يستتبع حكمه من أجل الاعتكاف, و أمّا من أجل كونه صوماً من
حيث إنّه صوم فلا دليل عليه, و أمّا من حيث إنّه صوم رمضان فكما ذكرنا من لزوم
كفارتين, و كذا الصوم للنذر المعين و شبهه.
والحاصل: أن كل ما ثبت كونه موجباً لكفارة الاعتكاف نهاراً يستلزم الكفارة له و إن
اتفق معه شيء آخر من مخالفة نذر أو إفطار قضاء رمضان بعد الزوال يستتبع حكمه, فلا
شيء يلزم إذا وقع المفسد ليلاً, إü في مثل الاستمناء, فإنّه يوجب كفارة واحدة لأجل
إبطال الاعتكاف, إن قلنا بإبطاله مطلقاً, و قد يتعدد بسببه في الليل أيضاً إن كان
نذراً معيّناً, فتجب كفّارة للاعتكاف, و اُخرى لمخالفة النذر.
و أما المحرمات الغير المفسدة, كالبيع و التطيّب, فلا شيء إü الإثم.
وأما الخروج عن المعتكف في الثالث, فلاشيء عليه إü الإثم والقضاء, إü في نذر و
شبهه, فيلزمه حكمه.
و أما الخروج في الواجب المعيّن, فإنما يستلزم الكفارة لأجل مخالفة النذر و شبهه,
مع الإثم والقضاء.
والحاصل: أنك إذا لاحظت ما قدمناه في موجبات الكفارة للاعتكاف, و عرفت حال الأسباب
الخارجة الموجبة لها, موافقة كانت كفارتها للاعتكاف أم مخالفة, تعرف الأحكام على
التفصيل.
بقي الكلام في كفارة الاعتكاف: فالأكثر على أنه كفّارة رمضان, و عن الغنية دعوى
الإجماع عليه , و عن المنتهى والتذكرة نسبته إلى فتوى علمائنا , وتدلّ عليه روايتا
سماعة المتقدّمتان في المبحث الرابع.
و القول الآخر: أنه كفارة ظهار, حكاه الشيخ في المبسوط , وربّما يقال: إنّه ظاهر
الصدوق; لاقتصاره على روايته, و تدلّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة عن قريب, و صحيحة
أبي وüد المتقدّمة في أوائل الباب.
والأقوى الأوّل; لاعتضاد الروايتين ـ مع كون إحداهما موثّقة ـ بالعمل والإجماعات
المنقولة, و بالأصل.
واعلم أنّ المعتكف إذا أكره زوجته المعتكفة في نهار رمضان, يجب عليه أربع كفارات:
اثنان لنفسه, واثنان للتحمّل عن الزوجة, و هو المشهور كما في الدروس, بل قال:
لانعلم فيه مخالفاً سوى المعتبر, يعني صاحب المعتبر , و كذا العùمة في المختلف قال:
إنّه قول مشهور لعلمائنا لم يظهر له مخالف, فكان حجّة, و قال قبل ذلك: و قيل: تلزمه
كفارتان .
والظاهر أنّ مراده به صاحب المعتبر, كما يظهر من ردّ استدلاله.
و كذلك نسب القول بعدم التضعيف إلى بعض علمائنا في التذكرة .
و قال في الروضة بعد نقله عبارة المختلف: إنّ مثل هذه هو الحجّة, و إü فالأصل يقتضي
عدم التحمّل فيما لا نصّ عليه , و يظهر من ذلك: أنّه فهم من كلامه دعوى الإجماع, و
ظاهر المرتضى في الانتصار أيضاً دعوى الإجماع عليه .
وقال المحقق في المعتبر بعد نقل ما حكى التحمّل هنا عن السيّد رحمه اللّه: و هذا
ليس بصواب; إذ لا مستند له, و جعله كالإكراه في صوم رمضان قياس, وتضعيف الكفارتين
بالاعتكاف ضعيف أيضاً; لأنّ إيجاب الكفارتين على المكره امرأته في شهر رمضان, ولم
يكن معتكفاً ثبت على خلاف مقتضى الدليل; لأن المكرَه لم يفطر, فلا كفارة عليها, كما
لو ضرب إنسان غيره حتّى أفطر بأكل أو شرب لم تجب كفارة على المكرَه, و إذا كان ثبوت
الكفارتين في رمضان ثبت على خلاف الأصل, فلا يتعدّى الحكم, مع أنّ ثبوت ذلك الحكم
في رمضان مستنده رواية المفضل بن عمر, و هو مطعون عليه ضعيف جداً, و لم يرو من غير
طريقه, لكن رأينا جماعة من الأصحاب قائلين, فقويت الرواية بذلك العمل, فلايتعدّى
الحكم عن موضع النص انتهى كلامه رحمه اللّه .
والظاهر أنّ قوله: (لأنّ إيجاب الكفارتين) دليل من كونه قياساً باطلاً, و ضعف تضعيف
الكفارتين بالاعتكاف, والفرق بينهما: أن المراد بالأوّل تضعيف الكفارة في الاعتكاف
قياساً على صوم رمضان, و بالثاني تضعيف الكفارة لصوم رمضان بسبب كونه في حال
الاعتكاف.
وحاصل الاستدلال: أنّ الحكم في صوم رمضان حكم ثبت على خلاف الأصل تعبّداً, لا بخصوص
علّة جامعة, بل الفارق موجود, فهو قياس غير جامع للشرائط, فثبت بطلان القياس, و
أنّه لادليل فيما نحن فيه على التضعيف.
والدليل بعد تسليمه إنّما هو في صوم رمضان من حيث إنّه هو, و هو لا يقتضي إü واحدة.
و قوله: (لأنّ المكره لم يفطر) بيان لشدّة مخالفة الحكم في الصوم أيضاً للأصل, فإنّ
إطلاق تحمّل الكفارة من غير المفطر مع أنه لاكفارة على غير المفطر في الرواية
الواردة فيه مخالف لاُصول الشريعة.
و بما ذكرنا يظهر ضعف ما أورده عليه في المختلف, و لانطيل بذكره .
و مثل عبارة المعتبر نُقل عن المنتهي .
و يظهر من التحرير التوقّف , و هو الظاهر مما نقل عن المبسوط, قال: فإن أكرهها على
الجماع و هي معتكفة بأمره نهاراً لزمه أربع كفارات, و إن كان ليلاً كفّارتان على
قول بعض أصحابنا , بل يظهر منه عدم اشتهار الحكم, بل يظهر منه الميل إلى العدم.
وبالجملة المسألة لاتخلو عن الإشكال من جهة الأصل, و من جهة الشهرة, و ظاهر دعوى
الإجماع, وكيف كان فالأقوى متابعة أكثر الأصحاب; للشهرة, وظاهر الإجماع المنقول, و
اللّه أعلم بالصواب, و إليه المرجع و المآب, تمّت و الحمد لمن آلاؤه عمّت.