|
|1| تفسير القرآن الكريم مفتاح احسن الخزائن الإلهية تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني ( قدس سره ) الجزء الأول مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ( قدس سره ) |
|
|2| بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني ( قدس سره ) هوية الكتاب اسم الكتاب : تفسير القرآن الكريم ( ج 1 ) المؤلف : السيد مصطفى الخميني ( قدس سره ) تحقيق ونشر : مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ( قدس سره ) سنة الطبع : آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 الطبعة : الاولى المطبعة : مطبعة مؤسسة العروج الكمية : 3000 نسخة السعر : 14000 ريال جميع الحقوق محفوظة للناشر |
|
|3| بسم الله الرحمن الرحيم |
|
|5| روحي وأرواح العالمين لك الفداء يا أبا عبد الله ويا سيد الشهداء فيا رب إن كان فيما اسطره وأضبطه حول الكتاب الإلهي شئ لي يسمى بالجزاء والثواب ، فنهديه إليه ونرجوا من حضرته التفضل علي بقبوله والمنة على المفتاق المفتقر إلى شفاعته بعدم رده ، والله المستعان . |
|
|7| مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم القرآن الكريم هو الفرقان المستقيم والذكر الحكيم والكتاب العظيم والقسطاس القويم ، وهو كتاب الهداية لسعادة البشر ، يشتمل على القوانين التي يحتاجها في حياته الفردية والاجتماعية والسياسية ، والروحية والمادية . وهو الكتاب المعجز والمعجون الملكوتي الباهر ، والموسوعة الربانية المليئة بالعجائب والمحاسن ، والدستور السماوي الخالد ، الموافق لجميع الأعصار والأمصار ، الهادي إلى أعلى طريقة وأحسن اسلوب وسلوك في الحياة ، وهو نور من الضلالة بجميع مراتبها ، فهو كتاب من عند الله يحتوي على الحقائق الاعتقادية والأخلاقية والأفعال التي يجب الأخذ بها ، وهو يشتمل على جميع أسباب الهداية ، وهورسالة الله تعالى إلى عباده أوحاها إلى خير خلقه وخاتم النبيين محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو معجزة الإسلام الخالدة وهو أحسن الخزائن الإلهية . هذه شذرات من كلمات العلامة الشهيد ( قدس سره ) في حق القرآن العظيم وردت في تفسيره هذا الذي نحن بصدد التقديم له . |
|
|8| والقرآن الكريم هو الكتاب الذي أنزله الله تبارك وتعالى على رسوله الأكرم خير خلقه وخاتم النبيين محمد صلوات الله عليه وآله ، التدبر والتفكر فيه عبادة من أفضل العبادات وأجلها ، دعا إليها ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) والقرآن هو الثقل الأكبر الذي قرنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) وهم الثقل الأصغر ، وهذان الثقلان خلفهما رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في امته ليكونا سببا للهداية والنجاة ما إن تمسكوا بهما ، فهل أخذت الامة بوصية نبيها واستمسكت بخليفتيه فيها ؟ أما الثقل الأصغر أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم فقد تركوا أحاديثهم ولم يقتفوا آثارهم وتخلفوا عنهم ولم يأخذوا منهم قولا ولا عملا ولا عقيدة . وأما القرآن العظيم حبل الله المتين الممدود من السماء إلى الأرض فقد هجروه أيضا كما قال تعالى على لسان نبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) فقد تركوا هدايته وتعاليمه ، ولم يتدبروا آياته ولم يتأملوا في معانيه ولم يتخلقوا بأخلاقه ، واكتفوا بقراءته بصوت حسن والتغني به بلحن جميل ، كما أوضح ذلك إمام الامة الراحل ( قدس سره ) في مقدمة وصيته ، وقد ذكر ( قدس سره ) : أن الثقلين متلازمان لا يمكنالتمسك بأحدهما دون الآخر وأن ترك أحدهما معناه تركهما معا . هذا ، كما أن كثيرا من علماء الامة قضوا أعمارهم بالبحث والتدقيق ببحوث جانبية بعيدة عن مقاصد القرآن العظيم ، ولا تخدم أهدافه السماوية العالية ، واشتغلوا بمواضيع قليلة الجدوى في فهم الكتا |
|
|9| العزيز ، بل وخاضوا فيما ليس له ارتباط في تفسير القرآن الكريم إلا من بعيد ، تضخيما لتفاسيرهم وتكثيرا لأجزائه ، وتحميلا لكتاب الله ما لا يتحمله بعيدا عن مقاصده ومراداته ، إعلاء لشأنهم وإظهارا لعلومهم ، فشطوا عن الحق وعن أهداف القرآن العظيم في هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور . إن واجب المفسر لكتاب الله تعالى هو أن يستنطق آياته ويستنبط معانيه ، ويغوص إلى أعماقه مستهديا بالقرآن العظيم وقرنائه ، باحثا عن علومه وأنواره ، ناشرا لمقاصده وأهدافه ، مبينا لمرامه ومراده ، كاشفا عن غوامضه وأسراره ، سابرا لأعماقه وأغواره ، وذلك بحسب قدرته وعون الله له وتوفيقه . وحين يبتعد المفسر عن أهداف القرآن الكريم ويملأ تفسيره ببحوث قليلة الجدوى وأفكار لا ربط لها بمعاني القرآن السامية يصبح تفسيره موجبا للظلمة والحجاب مانعا للنور والهداية ، فأين هذا التفسير من القرآن الذي انزل هدى للناس ونورا من الظلمات ؟ فالتفسير علم عظيم مشتمل على علوم وفنون كثيرة ، ومستلزم لمقومات عديدة يجب على المفسر أن يتوفر عليها ، وإلا فلا يقترب من هذا الحصن المنيع ، وليدعه لأهله العلماء الربانيين والأولياء العرفاء الذين تسبقأعمالهم أقوالهم والذين أتعبوا لله أبدانهم ، وأسهروا في طلب العلم لياليهم وقضوا فيه أعمارهم . وهذا التفسير الماثل بين يديك ، من التفاسير النادرة الحاوية على الفوائد العظيمة ، والعلوم الكثيرة ، والنكات العلمية المتنوعة ، |
|
|10| والمواعظ الدينية النافعة ، والأخلاق الإسلامية الرفيعة ، مما يحيي القلوب ويزيد المؤمن إيمانا واطمئنانا ويشرح الصدور ويملؤها هداية ونورا . ولا عجب حيث إن مؤلفه جامع للمعقول والمنقول ، عارف بالعلوم العربية من لغة وصرف ونحو وبلاغة وغيرها ، ملم بالكلام والحكمة والعرفان ، وهو بعد ذلك فقيه اصولي بارع ، وقد أخذ على نفسه مع توسعه في تفسيره أن يتجنب البحوث التي لا طائل تحتها ولا تمت إلى أهداف القرآن بصلة ، ولايجتني منها القارئ هداية ولا يكتسب منها نورا ، وأن يهذب كتابه هذا عن الآراء السقيمة والوجوه الباردة الخالية عن النفع والفائدة . وقد اهتدى صاحب هذا التفسير بالسنة المطهرة والأحاديث الشريفة في تفسيره هذا ، كما عزز آراءه بالدليل والبرهان ، حيث إن السنة المطهرة قرينة القرآن الكريم ، والعقل الرشيد مؤيد لهما وهاد إليهما ، فهي جميعا متطابقة . وبهذا استطاع هذا المفسر العلامة أن يغور في فهم القرآن الكريم بدقة وعمق ، ويكشف عن أسرار الآيات الشريفة . وقد تميز هذا التفسير فوق ذلك بتدقيقه في كلمات القرآن كلمة كلمة ، مناقشا للغويين في آرائهم ، كاشفا عن مواطن خطئها ، مبديا لرأيه فيقبالهم عن علم واجتهاد وتحقيق ، وقد استفاد من ذلك كثيرا في تفسيره من خلال تأمله في دقائق الألفاظ وتراكيب الكلام . هذا ، وقد كتب الشهيد العلامة تفسيره هذا الفريد في اسلوبه وطريقته الوحيد في شموليته واستيعابه في النجف الأشرف حين اقصي |
|
|11| عن وطنه مع والده الحكيم العارف العلامة المحقق البارع المجاهد الكبير الإمام الخميني العظيم قدس سره الشريف ، وذلك أثناء تدريسه تفسير القرآن الكريم . ولم تتسع مهلة الحياة للعلامة الشهيد لإتمام تفسيره هذا ، ومع أنه سيخرج للملأ العلمي - بإذن الله - في خمسة مجلدات ، إلا أنه لم يتجاوز الآية السادسة والأربعين من سورة البقرة ابتداء من سورة الفاتحة . وقد تم طبع هذا الكتاب من قبل بجهد تلميذه حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد السجادي شكر الله سعيه . وحين أشرفت على الحلول الذكرى السنوية العشرون لاستشهاد العلامة المصنف ( قدس سره ) ، سعت مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ( قدس سره ) باهتمام بالغ إلى تصحيحه وتحقيقه وطبعه مع ثلاثة وعشرين مجلدا آخر من تراثه الغزير في الفقه والاصول والفلسفة . منهجنا في تحقيق الكتاب 1 - تصحيح الكتاب : تمت مقابلة المطبوع من هذا التفسير على النسخة الأصلية التي بخط المصنف ( رحمه الله ) والمودعة في مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ( قدس سره ) بقم المقدسة ، وقد قمنا بتصحيح المطبوع على هذه النسخة الخطية ، ولا يفوتنا أن نسجل شكرنا للقائمين على إدارةهذه المكتبة على اهتمامهم بالأمر وتسهيلهم لنا مراجعة النسخة الأصلية كلما احتجنا إلى ذلك ، وحيث إن هذه النسخة الأصلية قد فقد منها بعض |
|
|12| الصفحات التي أضافها المصنف تتميما لكثير من أبحاثه ، فقد أثبتنا هذه الإضافات كما في الطبعة الاولى ، إلا بعض التصحيحات القياسية التي أجريناها عليها . كما هناك بعض الصفحات الساقطة من الطبعة الاولى أضفناها إلى طبعتنا هذه ، وبعض الصفحات تغيرت مواضعها في الطبعة الاولى ، أعدناها في طبعتنا هذه إلى موضعها الصحيح بحسب نسخة المؤلف . والمراجع للنسخة الخطية يجد إضافات للمصنف ( رحمه الله ) قد تبلغ أحيانا عدة صفحات ، يكون موضعها في وسط إحدى الصفحات أو في ذيلها ، وهذا الأمر يجعل في ربط المطالب وترتيبها صعوبة ملحوظة . 2 - وضع العناوين : وضع المصنف الشهيد ( قدس سره ) عناوين في أعلى الصفحات من نسخته ترتبط بالفكرة التي تناولتها كل صفحة ، وقد أثبتنا تلك العناوين في مواضعها الصحيحة . هذا بالنسبة إلى أكثر الجزء الأول ، أما الصفحات التي خلت من العناوين سواء من الجزء الأول أو باقي الأجزاء ، فقد أضفنا إليها عناوين مناسبة بحسب الحاجة . 3 - تقويم النص : نظرا لكثرة تصانيف الشهيد العلامة ( قدس سره ) في ذلك العمر القصير الملئ بالأحداث الأليمة من سجن وتشريد وملاحقة ومضايقات كثيرة ، وكما كان قلمه سيالا يفيض بدون توقف - لتصحيح أو تعديل في عباراته - حفاظا على سلسلة أفكاره . لهذه الأسباب مجتمعة لم يتسع الوقت للمصنف الشهيد ( قدس سره ) لأن يعيد النظر فيما كتب ، فكانت كتبه فيالحقيقة مسودات لم يجدد فيها نظره الشريف ، ولذا تجد بعض الجمل غير الفصيحة أو بعض الكلمات الفارسية ، أو العجمة في تركيب بعض |
|
|13| الجمل وفي بعض الضمائر ، فتركنا ذلك على حاله ، إلا بعضا مما دعت الضرورة إليه ، حفظا للأمانة وتأدية لها كما هي عليه . 4 - التخريجات وتوثيق النقول : لقد قمنا بتخريج أكثر النصوص التي أوردها المصنف في كتابه هذا سواء كانت آيات أو روايات أو أقوالا ، بحسب المصادر المتوفرة لدينا وبحسب الفرصة المتاحة لنا ، وحيث إن تحقيق الكتاب - مقابلة وتصحيحا وتقويما وتخريجا - يحتاج إلى وقت وافر ومجال واسع لم يتح لنا ، بل تم كل ذلك في سرعة وعجالة ، فقد فاتنا العثور على بعض المصادر التي رجع إليها المصنف ( رحمه الله ) ، كما توفرت للمصنف في النجف الأشرف بعض المراجع غير المتوفرة لدينا . وهذا هو عذرنا الذي نقدمه للقراء الكرام ، ليصفحوا عما يجدونه من نقص أو خطأ في التحقيق والكمال لأهله . والله ولي التوفيق هو حسبنا ونعم الوكيل . مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ( قدس سره ) فرع قم المقدسة |
|
|1| بسم الله الرحمن الرحيم وبعد : فهذا تفسير القرآن الكريم والفرقان المستقيم والذكر الحكيم والكتاب العظيم . |
|
|3| المقدمةهنا مسألتان : المسألة الاولى ما هي حقيقة علم التفسير ؟ قال ابن حيان ( 1 ) : " لم أقف لأحد من علماء التفسير على رسم له . فنقول : التفسير في اللغة الإبانة والكشف ، قاله ابن دريد . إلى أن قال : وأما الرسم في الاصطلاح ، فنقول : التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي عليها حالة التركيب مع تتمات لذلك " ( 2 ) . انتهى . والذي تقرر : أن لكل علم موضوعا ، وربما يكون موضوع العلم عين موضوع مسائله ، وما هو موضوع علم التفسير في هذه المسألة هو القرآن بمجموعه ، وموضوع مسائله أجزاؤه كعلم الجغرافيا . 1 - قد عبر المصنف ( قدس سره ) عن محمد بن يوسف الأندلسي صاحب كتاب " البحر المحيط " بابن حيان كثيرا وبأبي حيان أحيانا . 2 - البحر المحيط 1 : 13 - 14 . |
|
|4| وأما تعريفه : فهو العلم بالمرادات والمقاصد الكامنة فيه بالإحاطة بها بقدر الطاقة البشرية ، والإحاطة المطلقة غير ممكنة حتى لمن نزل عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وما جعله رسما له يرجع إلى انحلال علم التفسير إلى العلوم المختلفة ، وعدم كونه علما مستقلا قبال سائر العلوم المدونة . وأما عوارضه الذاتية : فهي ما تعرض لموضوعات مسائله من غير واسطة تورث مجازيتها . واتضح من تعريفه ما هو حقيقتها . وأما غايته : فهو الوصول إلى درجة العقول في النيل بالاصول النازلة على الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وشرافته - بعد بعض العلوم - أكثر من سائر الفنون لشرافة موضوعه . وله مبادئ تصورية وتصديقية من العلوم الأدبية الراجعة إلى فهم المفردات والمركبات . وحيث إن المحرر في محله : أن وحدة العلوم اعتبارية ، وليست طبيعية ولا تأليفية ، وهي تابعة لوحدة الموضوع ( 1 ) ، فعلم التفسير : تارة يكون موضوعه مطلق الكتب السماوية ، واخرى يكون كتابا خاصا ، والذي هو موضوع علم التفسير في هذه الامة هو القرآن العظيم والكتاب الكريم ، فيشبه علم الطب في السعة والضيق بحسب سعة الموضوع وضيقه . وغير خفي : أن مسائل هذا العلم ليست من القضايا الحقيقية ، بل هي دائرة بين القضايا الخارجية والشخصية . 1 - انظر تحريرات في الاصول 1 : 43 . |
|
|5| ونحن قد بسطنا البحث حول هذه المسائل في موسوعتنا الاصولية ( 1 ) ، ولمكان أن المفسر لابد أن لا يتجاوز عن مقصوده ، ولا ينظر في بعض الفنون - التي من المبادئ التصورية أو التصديقية لهذا العلم الشريف - نظرا ينتهي إليه مرامه ، أشرنا إلى هذا النموذج الإجمالي ، ونعتذر . وإن شئت قلت : إن علم التفسير علم طويل سلمه ، سميكة أفلاكه وأنجمه ، بعيد الغور ، غريب الطور ، ذو سبل فجاج ، متفنن الطرق في الاستقامة والاعوجاج ، قلما اهتدى إلى أغواره إلا واحد بعد واحد ، لأن كلام الكبرياء أجل من أن يكون شريعة لكل وارد ، وقليل من الناس وصلوا إلىأسراره وهم مع ذلك ينادون من مكان بعيد ، إذ موضوع هذا العلم - وهو القرآن - ليس له حد يقف إليه الأفهام ، وليس كغيره من كلام الأنام ، وإنما هو مقال الملك العلام ذو عبارات للعلماء وإشارات وحقائق للأولياء ولطائف للأنبياء ، بل هو بحر لجي في قعره درر ، وفي ظاهره خبر ، والناس في التقاط درره والوصول إلى خبره على مراتب متفاوتة . ومن أجل ذلك جاءت التفاسير مختلفة حسب اختلاف أهلها : فمنها ما يغلب عليه العربية والعلوم الأدبية من الإعراب والبيان ، ومنها ما يغلب عليه المجادلات الكلامية مما ظنوها من الحكمة والبرهان ، ومنها ما يغلب عليه القصص والسير ، ومنها ما يغلب عليه نقل الأحاديث والخبر ، ومنها ما يغلب عليه التأويلات البعيدة وبيانات غريبة عجيبة ، لأنهم لم يأخذوا التفاسير من مشكاة النبوة والولاية . 1 - انظر المصدر السابق 1 : 7 . |
|
|6| فالتفسير الجامع لمجامع العلوم والأحكام ، والكافل للحقائق والدقائق ، والشامل للإشارات والعبارات ، والحاوي لاس مطالب الحكمة والعرفان ، لم يتيسر لأحد من العلماء والحكماء ، ولا يمكن ذلك إلا لمن خص بهبة من الله تبارك وتعالى ووراثة من الأنبياء ، وأخذ العلم من مشكاة الأولياء ، واقتبس قوة قدسية ونورا من الله في قوالب إنسية . ولنعم ما قيل بالفارسية : جمع صورت با چنين معنى ژرف نيست ممكن جز ز سلطان شگرف ( 1 ) وقال الوالد المحقق العارف برموز الكتاب وبعض أسراره : " إن تفسير القرآن لا يتيسر إلا لله تعالى ، لأنه علمه النازل ،ولا يمكن الإحاطة به " . المسألة الثانية ما هو سبب تسمية هذا المؤلف القيم بالقرآن وغيره من الأسماء المذكورة له ؟ أسماؤه المعروفة أربعة : 1 - القرآن : كما في قوله في سورة الزخرف ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) ( 2 ) ، وفي موضع آخر من البقرة : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه 1 - مثنوى معنوى ، دفتر سوم ، بيت 1393 . 2 - الزخرف ( 43 ) : 3 . |
|
|7| القرآن ) ( 1 ) ، وهذا يدل دون الأول ، لأنه اريد هناك معناه اللغوي . ولعله سمي بذلك لقوله تعالى في بدو الوحي والنزول : ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( 2 ) ، والمسمى هو هذا المؤلف الذي بين أيدي المسلمين . فيكون بالوضع التعيني كسائر الأسماء الموضوعة للمعاني الكلية . ونظيره كلمة " سلطان " ، فإنه مصدر أو اسم مصدر يطلق على الذات ، فالقرآن يطلق على ذات هذا السفر القيم ، نظير إطلاق الماء على الكل والجزء . 2 - الفرقان : كما في قوله تعالى : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) ( 3 ) . 3 - الكتاب : كما في آيات ( 4 ) . 4 - الذكر : كما في قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر ) ( 5 ) وغيرها . ولكن هذه الثلاثة مشتركة بينه وبين سائر الكتب السماوية ، ففيقوله تعالى : ( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ) ( 6 ) ، وفي موضع من سورة الأنبياء : ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا 1 - البقرة ( 2 ) : 185 . 2 - العلق ( 96 ) : 1 . 3 - الفرقان ( 25 ) : 1 . 4 - الآيات فيه كثيرة . انظر البقرة ( 2 ) : 2 ، وآل عمران ( 3 ) : 3 ، والعنكبوت ( 29 ) : 51 ، والأحقاف ( 46 ) : 2 . 5 - الحجر ( 15 ) : 9 . 6 - البقرة ( 2 ) : 53 . |
|
|8| للمتقين ) ( 1 ) . فعلى هذا يختص الاسم بالقرآن ولذلك اشتهر به ، وما وجدت في الكتاب العزيز إطلاقه على سائر الكتب . وأما وجه التسمية والإطلاق فهو معلوم لا يحتاج إلى الإطالة المنهي عنها والإطناب المزعج . وسيظهر وجوه توصيفه في خلال الآيات الشريفة - إن شاء الله تعالى - بأوصاف مختلفة وعناوين شتى ، فعلى هذا تزداد أسمائه وألقابه إلى العشرات على ما ضبطه بعض المفسرين ( 2 ) ، ولا تنحصر بالأربعة ، وغير خفي أن الخلط بين ما هو في حكم العلم وغيره ، غير جائز . وما هو العلم لهذا الكتاب هو القرآن برفض خصوصية المعنى ، بخلاف سائر الألقاب . 1 - الأنبياء ( 21 ) : 48 . 2 - الإتقان في علوم القرآن 1 : 178 ، روح المعاني 1 : 33 - 37 . |
|
|9| سورة الفاتحة المباحث هنا : منها ما يتعلق بمجموع السورة ، ومنها ما يتعلق بمجموع الآية ، ومنها ما يتعلق بالكلمات والجمل . |
|
|11| المبحث الأول ما يتعلق بمجموعها وهو مشتمل على مسائل : المسألة الاولى : في معنى السورة وسيوافيك البحث حولها عند قوله تعالى : ( فأتوا بسورة من مثله ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( سورة أنزلناها ) ( 2 ) . المسألة الثانية : هل هذه اولى سورة نزلت ، أم غيرها ؟ الأقوال في أول ما انزل أربعة : 1 - إقرأ باسم ربك ( 3 ) ، وهو المروي عن عائشة وعن مجاهد 1 - البقرة ( 2 ) : 23 . 2 - النور ( 24 ) : 1 . 3 - العلق ( 96 ) : 1 . |
|
|12| وعطاء ( 1 ) وابن يسار ( 2 ) ، وهو قول أكثر المفسرين . 2 - سورة المدثر ، وهو قول سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بنعبد الله ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث ( 3 ) . 3 - سورة الفاتحة بتمامها ، وهو قول جماعة قليلين ، ونسب ذلك في " الكشاف " إلى الأكثر ( 4 ) ، وهو محل منع ، ولكنه يساعده الاعتبار ، لأن الصلاة كانت بالفاتحة عند الفرض وهو بمكة ، ولأنها من الابتداء كانت مسماة بالفاتحة وبها فتح الوحي ، وهو المراد من السبع المثاني على ما اشتهر في قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) ( 5 ) وهو مكي ، فإذا كانت هي مكية ، فهي أول ما نزلت ، للإجماع المركب ، ولكنه كما ترى . 4 - التفصيل : أول الآيات من " إقرأ " ، وأول السور الفاتحة بتمامها . وفي المسألة بعض الأقوال الاخر . والذي هو الأظهر - حسب نصوصنا ( 6 ) - هو الأول ، ولا ينافيه كون الفاتحة مكية ، كما يأتي إن شاء الله تعالى . وأما ما قيل استدلالا على أولية الفاتحة نزولا : بأنها صورة إجمالية 1 - راجع الإتقان في علوم القرآن 1 : 24 . 2 - راجع البحر المحيط 8 : 792 . 3 - صحيح البخاري 6 : 547 ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 92 . 4 - الكشاف 4 : 775 . 5 - الحجر ( 15 ) : 87 . 6 - تفسير نور الثقلين 5 : 609 . |
|
|13| من الكتاب العزيز ، ونموذج من هذا البحر المحيط ، فلها الإحاطة التامة على ما فيه من التوحيد والقصص والأحكام وغيرها ، فهو مما لا يبالي بهالعاقل ، ولا يركن إليه اللبيب ، بداهة أن التاريخ لا يصطاد بالذوق والاستحسان . ويعارضه ما افيد من : أن سؤاله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عما يقرأ بعد الأمر بالقراءة - على ما في الكتب ( 1 ) - شاهد على عدم انسه بالوحي وعدم سبقه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالبارقة الإلهية . والله العالم . نعم شهادة فضلاء الإسلام - كابن النديم ، في كتابه " نور العلوم " المعروف ب " الفهرست " ، ناقلا حديثا مسندا عن محمد بن نعمان بن بشير ( 2 ) ، وهو موجود في " البخاري " ( 3 ) و " مسلم " ( 4 ) وسائر ما قيل ومضى تورث الظن بل الاطمئنان بأولية " إقرأ " إلى قوله تعالى : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) ( 5 ) . وقال أبو عبيدة في " فضائل القرآن " : حدثنا عبد الرحمن . إلى أن قال : إن أول ما انزل ( إقرأ باسم ربك ) ( 6 ) و ( ن والقلم ) ( 7 ) . انتهى . وهو وحيد بهذا الذيل كما ترى . 1 - الدر المنثور 6 : 368 ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 92 . 2 - الفهرست ، ابن النديم : 28 . 3 - راجع صحيح البخاري 1 : 59 . 4 - راجع صحيح مسلم 1 : 188 . 5 - العلق ( 96 ) : 5 . 6 - العلق ( 96 ) : 1 . 7 - انظر الإتقان في علوم القرآن 1 : 92 . |
|
|14| المسألة الثالثة هل هي مكية أو مدنية ، أو مكية ومدنية ؟بعد الاتفاق على نزولها بتمامها في إحداهما ، ولم يقطع في التنزيل . أقول : وليعلم أن المفسرين اختلفوا في المكي والمدني من السور ( 1 ) : فقيل : المكي ما نزل في شأن أهل مكة ، والمدني غيره . وقيل : ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة . والجمهور على أن المكي ما نزل قبل الهجرة ، والمدني ما نزل بعدها . وعلى جميع التقادير ، هي مكية ، وهو مختار أكثر أهل الفضل ، وهو المحكي عن ابن عباس وقتادة ورفيع أبي العالية وغيرهم ( 2 ) . وعن أبي هريرة ومجاهد وعطاء والزهري : أنها مدنية ( 3 ) . وقيل : هي مكية ومدنية ، وهو مختار النسفي وغيره ( 4 ) . وحكاه الثعلبي عمن تقدم عليه : نزلت بمكة حين فرضت الصلاة ، ثم نزلت بالمدينة حين حولت القبلة إلى الكعبة . ويقال : عن أبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي في 1 - انظر المصدر السابق 1 : 36 - 45 . 2 - المصدر السابق 1 : 46 . 3 - المصدر السابق 1 : 46 ، الدر المنثور 1 : 3 . 4 - التفسير الكبير 1 : 178 ، البحر المحيط 1 : 16 . |
|
|15| تفسيره : أن نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة ( 1 ) . وهذان القولان بلا حجة وبرهان ، ومجرد الإمكان غير كاف . وحيث اتفقوا على أن قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) ( 2 ) مكي ، ويكون المراد منه هذه السورة ، فهي مكية . ويشكل ذلك من ناحيتين : الاولى : قال ابن عباس : اوتي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سبعا من المثاني ، قال : السبع الطول ( ذكره النسائي ) ( 3 ) ، وهي من البقرة إلى الأعراف ست ، واختلفوا في السابعة ( 4 ) ، فقيل : يونس ، وقيل : الأنفال والتوبة ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير . وفي شعر الأعشى : وادرسوا هذي المثاني والطوال وأما رواياتنا ، ففيها ما يعين أن المراد منه هي الفاتحة ، فعن " التهذيب " بإسناده عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، قال : " سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن السبع المثاني والقرآن العظيم ، أهي الفاتحة ؟ قال : نعم " . الحديث ( 5 ) ، ومثلها مرفوعة ابن يونس ( 6 ) وخبر أبي بكر الحضرمي ( 7 ) . 1 - الإتقان في علوم القرآن 1 : 47 ، نقل عن تفسير السمرقندي . 2 - الحجر ( 15 ) : 87 . 3 - سنن النسائي 2 : 140 . 4 - انظر الإتقان في علوم القرآن 1 : 220 . 5 - تهذيب الأحكام 2 : 289 13 . 6 - تفسير العياشي 1 : 19 . 7 - المصدر السابق 1 : 21 . |
|
|16| الثانية : أن دلالة الآية الكريمة الشريفة على أنها نزلت قبل نزول هذه الآية ، مبنية على اعتبار الزمان في الفعل الماضي ، ولاسيما في الأفعال المستعملة في حقه تعالى . ولكن مع ذلك كله ، مقتضى مفروضية الصلاة في مكة ، و " لا صلاة إلابفاتحة الكتاب " - كما في روايات الخاصة والعامة ( 1 ) - وسائر ما اشير إليه ، أنها إلى المكية أقرب . وقيل : المرسوم في عناوين المصاحف أنها مدنية ، فالسيرة العملية حجة على مدنيتها . وهو محل منع ، لأن المرسوم فيما عندي أنها مكية ، فراجع . مع أن من الممكن اشتباه الكاتب الأول في ذلك ، ولصيانة الكتاب عن أيدي التصرف اقتصروا عليه ، كما ترى في الأغلاط الخطية الآتي بحثها . وغير خفي : أن سورة الحجر مكية بالاتفاق إلا آية ( لقد آتيناك سبعا من المثاني ) ( 2 ) وإلا قوله تعالى : ( كما أنزلنا على المقتسمين ) ( 3 ) . هذا ، والذي يظهر من تتبع الآثار ومراجعة الأخبار : أن الصلاة كانت مفروضة في مكة ( 4 ) ، بل كان الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلي قبل البعثة - كما في 1 - عوالي اللآلي 1 : 196 ، 2 : 218 ، 3 : 82 . مستدرك الوسائل 1 : 274 ، كتاب الصلاة ، الباب 1 ، الحديث 5 . سنن ابن ماجة 1 : 273 ، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، الباب 11 ، الحديث 837 . صحيح مسلم 1 : 375 ، كتاب الصلاة ، الباب 11 ، الحديث 34 . 2 - الحجر ( 15 ) : 87 . 3 - الحجر ( 15 ) : 90 . 4 - راجع على سبيل المثال وسائل الشيعة 4 : 16 ، كتاب الصلاة ، أبواب أعداد الفرائض ، الباب 2 ، الحديث 10 . |
|
|17| سيرته ( 1 ) - ، وقد وردت في أحاديثنا وأحاديث العامة ما يدل على أن " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، وقضية إطلاق هذه الأخبار وتلك التعابير : أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما كان يصلي بغيرها ، لظهور الروايات في تقوم طبيعة الصلاة بها مطلقا ، فصلاته قبل البعثة كانت معها ، فهي أول ما نزل . واللهالموفق ، فليتأمل . بحث وتحصيل الذي يساعد عليه الاعتبار في ميزان المكي والمدني ما عليه الأكثر ، وهو : أن ما نزل في مكة ونواحيها قبل الهجرة فهو مكي ، وما نزل بالمدينة بعد الهجرة وإن نزل بغيرها فهو مدني ، ولذلك تكون سورة النصر مدنية مع أنها نزلت بمنى في حجة الوداع . وغير خفي أن عهد نزول القرآن ينقسم إلى زمانين متمايزين : الأول : مدة مقامه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مكة ، وهي اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما ، وقيل : من يوم 17 رمضان سنة 41 - يوم الفرقان - إلى أول يوم من ربيع الأول سنة 54 من ميلاده . الثاني : زمان نزوله بعد الهجرة إلى المدينة ، فالمدني نحو 1130 . قال أبو الحسن ابن الحصار في كتابه " الناسخ والمنسوخ " : المدني بالاتفاق عشرون سورة ، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة ، وما عدا ذلك مكي بالاتفاق ، وهي : 1 - البقرة 2 - آل عمران 3 - النساء 4 - المائدة 1 - راجع السيرة النبوية ، ابن هشام 1 : 260 . |
|
|18| 5 - الأنفال 6 - التوبة 7 - النور 8 - الأحزاب 9 - محمد 10 - الفتح 11 - الحجرات 12 - الحديد 13 - المجادلة 14 - الحشر 15 - الممتحنة 16 - الجمعة 17 - المنافقون 18 - الطلاق 19 - التحريم 20 - إذا جاء نصرالله ( 1 ) . ووافقه على جميعها في ذلك أبو بكر ابن الأنباري ( المتوفى 328 ) ، ومحمد بن القاسم إلا في الأنفال ، وأبو عبيدة القاسم بن سلام ( المتوفى334 ) في " فضائل القرآن " إلا في الحجرات والجمعة والمنافقون ، وصاحب الفهرست محمد بن إسحاق ( المتوفى 385 ) برواية محمد بن نعمان بن بشير المذكورة في " أول ما نزل من القرآن " إلا في الأحزاب . فالمتفق عليه بين هؤلاء الأربعة - الذين اشتهر صيتهم بين الأفاضل والأعلام - خمسة عشر سورة مما ذكره أبو الحسن في كتابه " الناسخ والمنسوخ " . والمختلف فيه خمسة : الأنفال ، خالف فيها ابن الأنباري ، والحجرات والجمعة والمنافقون ، خالف فيها أبو عبيدة ، والأحزاب ، خالف فيها صاحب الفهرست . 1 - الإتقان في علوم القرآن 1 : 44 . |
|
|19| المسألة الرابعة إذا كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلي قبل البعثة أو بعدها وقبل نزولها ، فماذا كان يقرأ في صلاته ؟ لا شبهة في أن الصلاة كانت مخترعة قبل الإسلام ، ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ) ( 1 ) ، وأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - على ما قيل - كان يصلي في المسجد الحرام في ابتداء البعثة بل وقبلها . فإن كان بعد البعثة وبعد تشريعها ، فالجواب واضح . وإن كان قبلها ، أو قلنا بأنها مدنية ، أو مكية ولكنها نزلت بعد تشريع الصلاة ، فربما يشكل . ولكن التاريخ قاطع بأن نزولها لم يكن بعد تشريعها . نعم لا يمكن الإحاطة العلمية بسيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . والذي يمكن أن يقال : إنه كان يصلي من غير الفاتحة ، لأنها ليست ركنا ، وأدلتها لا تفيد بطلانها بدونها على الإطلاق ، كما هو الظاهر . أو يقال : بنزولها عليه قبل البعثة أو بعدها وقبل أن يأمر بإبلاغها إلىالامة الإسلامية ، فإنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما كان قبل البعثة على دين اليهود والنصارى ، فربما كان نبيا ثم صار رسولا . قال ابن عطية : ظن بعض العلماء أن جبرئيل ( عليه السلام ) لم ينزل بسورة الحمد ، لما رواه مسلم عن ابن عباس ، قال : " بينما قاعد عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سمع نقيضا ( هو الصوت ) من فوقه ، فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء 1 - مريم ( 19 ) : 31 . |
|
|20| فتح اليوم ، لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك ، فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم فقال : أبشر بنورين اوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منهما إلا اعطيته " ( 1 ) . انتهى . والذي يصطاد منه : أن هذه المسألة ، ليست حديثة ، فلعل الملك كان ينزل عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل ذلك ، وكان يأخذ عنه المعارف قبل البعثة ، وكان عارفا بأحكامه الفردية ، فيقرأ القرآن قبل أن يقضى إليه وحيه بتوسط جبرئيل بعنوان الرسالة . وربما يشهد لذلك قوله تعالى في سورة طه : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) ( 2 ) . أو أن القرآن حسب قوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) ( 3 ) وقوله تعالى : ( في ليلة مباركة ) ( 4 ) وقوله تعالى ( شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن ) ( 5 ) - ولو كان بمعنى بعض القرآن لما كان له اختصاص بالذكر وشرف - فهو يوحى بصورة وحدانية مرة ، واخرى بصورة مفصلة نجوما وتدريجا ، ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ) ( 6 ) ، وربما كان ذلك الإجمال - 1 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 116 . 2 - طه ( 20 ) : 114 . 3 - القدر ( 97 ) : 1 . 4 - الدخان ( 44 ) : 3 . 5 - البقرة ( 2 ) : 185 . 6 - هود ( 11 ) : 1 |
|
|21| حسب ما يظهر من سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل البعثة - يوحى إليه قبلها ، فكان عارفا بحقائقه وبواطنه أو بألفاظه على نعت الإجمال والاندماج . المسألة الخامسة حول ألقاب هذه السورة عددا وعلة وهي عشرة : الفاتحة ، الحمد ، ام الكتاب ، والسبع من المثاني ، والسبع ، والمثاني ، والوافية ، والكافية ، والأساس ، وام القرآن . وهنا اخريات غير معروفة : الشفاء ، والشكر ، والدعاء ، وتعليم المسألة والصلاة . ووجه الكل معروف ومذكور في المفصلات ( 1 ) . مسألتان : الاولى : في وجه التسمية بالفاتحة لا وجه لتسميتها بالفاتحة إلا باعتبار افتتاح الكتاب التدويني بها ، وهذا هو الحادث المتأخر عن عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وما قيل : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر عثمان أن يضعها أول المصحف الشريف ، غير ثابت عن الكتب المعتبرة . 1 - انظر التفسير الكبير 1 : 173 - 177 ، والإتقان في علوم القرآن 1 : 187 - 191 ، والجامع لأحكام القرآن 1 : 111 - 113 ، وروح المعاني 1 : 33 - 37 . |
|
|22| والذي هو الأنسب كونها افتتاح التنزيل ، وهو خلاف ما تقرر . وقد اشتهر في المآثير توصيفها بالفاتحة ، وإليها تنصرف هذه اللفظة عند الإطلاق حتى في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما ترى فيما يتعلق بأحكامها . وقيل : لأنها مفتاح الكتاب التكويني الذي هو جملة ما سوى الله بحقيقتها التي هي كلام الله تعالى الحقيقي ، وهو مقام التسمية ، وأصل جملة ما عداه تعالى . ولعلها سميت بها لافتتاح الصلاة بها ، وكانت الصلاة مفروضة من ابتداء البعثة ، فاشتهرت بها ( 1 ) . وهذا هو الأقرب ولا مبعد له . الثانية : في وجه التسمية بالسبع المثاني أما كلمة المثاني ، فهو جمع مثنى ، وهو المعدول عن اثنين اثنين . هذا حسب اللغة . ويؤيده ما في العياشي عن يونس بن عبد الرحمن ، عمن رفعه ، قال : " سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) ؟ قال : هي سورة الحمد ، وهي سبع آيات ، منها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، وإنما سميت المثاني ، لأنها تثنى في الركعتين " ( 2 ) . 1 - تفسير بيان السعادة 1 : 23 . 2 - تفسير العياشي 1 : 19 . |
|
|23| وقيل : هو من الثناء ، لأن السورة ثناؤه تعالى ( 1 ) . والظاهر : أن المثاني اسم جمع لا مفرد له ، وهي المعاطف من كل شئ ، كما في اللغة ، ولأجل أنها مشتملة على أسباب عطف الناس إلى نفسها وأصل الكتاب وأساس الديانة ، يناسب تسميتها بالمثاني . وقيل : سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الامة ، فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها ( 2 ) . وقال السيوطي في " الإتقان " : وقد وقفت للفاتحة على نيف وعشرين اسما ، وذلك يدل على شرفها ( 3 ) . انتهى . فكما أن من شرفه تعالى الأسماء الكثيرة ، كذلك من شرافتها كثرتها . المسألة السادسة عن عدد آيها وكلماتها وحروفها أما الأول : فهي بإجماع أهل الفن سبعة ( 4 ) ، إجماعا مركبا ، لاختلافهم في البسملة ، أنها من السورة ، أم هي من القرآن وليست منها . ومن أخرجها منها اعتبر الآية الأخيرة آيتين ، ( صراط الذين أنعمت عليهم ) آية ، ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) آية اخرى هي سابعة . 1 - انظر الإتقان في علوم القرآن 1 : 190 ، وتفسير بيان السعادة 1 : 23 ، وروح المعاني 1 : 36 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 112 . 3 - الإتقان في علوم القرآن 1 : 187 . 4 - انظر المصدر السابق 1 : 234 . |
|
|24| فما عن الحسين بن الجعفي : أنها ست ، وعن عمرو بن عبيد : أنها ثمان ،مخالف للإجماع وللأخبار من الطريقين . لولا النصوص المستفيضة الصريحة كان لإبداع الشبهة وجه : فيقال : إن البسملة من القرآن وليست من السورة ، وإن السور كلها مصدرة بها تيمنا وتبركا ، ولو كانت منها كان ينبغي أن تكون سورة العلق هكذا : " إقرأ بسم الله الرحمن الرحيم " ، كما لا يخفى . والاستدلالات الكثيرة على أنها من الحمد ، تفيد كونها من الكتاب ، وهذا ما هو أكثر دورا في كتبهم : أنه مكتوب في المصاحف بالخط الذي كتب به المصحف ، مع تجنبهم إثبات الأعشار والأخماس كذلك . وعن ابن عباس : " من تركها فقد ترك مائة وأربعة عشر آية من كتاب الله " ( 1 ) . فتأمل . ويؤيد ذلك : أن مالكا وغيره من علماء المدينة ، والأوزاعي وجماعة من علماء الشام ، وأبا عمرو ويعقوب من قراء البصرة ، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، يرون أنها آية من القرآن ، انزلت لبيان رؤوس السور والفصل بينها . وعن عبد الله بن مسعود : أنها ليست من القرآن أصلا ( 2 ) ، وهو رأي بعض الحنفية ، مستدلين بحديث أنس ، قال : " صليت خلف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخلفائه 1 - الكشاف 1 : 1 . 2 - انظر التفسير الكبير 1 : 218 ، والإتقان في علوم القرآن 1 : 270 . |
|
|25| الثلاثة وقد تركوها في قراءتهم " ( 1 ) . ولا يخفى ما في الاستدلال ، لأن عدم وجوبها في الصلاة لا يدل على عدم كونها من الفاتحة ، فضلا عن عدم كونها من الكتاب ، وما دل على أنالصلاة مشروطة بالفاتحة قابل للتخصيص . وغير خفي : أن عمرو بن عبيد ، جعل ( إياك نعبد ) آية ، وإذن يمكن جعلها تسع آيات ، بناء على تقسيط الآية الأخيرة . وسيأتي زيادة توضيح ينفعك في البحث عن جزئية البسملة إن شاء الله تعالى . المسألة السابعة الأخبار في الحث على قراءتها وفضيلتها 1 - " ثواب الأعمال " بإسناده عن الصادق ( عليه السلام ) : " اسم الله الأعظم مقطع في ام الكتاب " ( 2 ) . 2 - " الخصال " عنه ( عليه السلام ) : " رن إبليس أربع رنات : أولهن يوم لعن ، وحين اهبط إلى الأرض ، وحين بعث محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على حين فترة من الرسل ، وحين انزلت ام الكتاب " ( 3 ) . 3 - وعن جابر ، عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث عنه تعالى : " وأعطيت امتك 1 - صحيح البخاري 1 : 187 كتاب الصلاة ، الباب 13 ، الحديث 52 . 2 - ثواب الأعمال : 233 . 3 - الخصال 1 : 291 141 . |
|
|26| كنزا من كنوز عرشي ، فاتحة الكتاب " ( 1 ) . 4 - وعن الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ، عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - بعد قصة - قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من قرأ سورة فاتحة الكتاب ، أعطاه الله تعالى بعدد كل آية نزلت من السماء ، ثواب تلاوتها " ( 2 ) . وقد وردت في خواصها آثار وحكايات عديدة ، فمن الآثار :ما عن الكافي ، مسندا عن عبد الله الفضل النوفلي رفعه ، قال : " ما قرئت الحمد على وجع سبعين مرة إلا سكن " ( 3 ) . وفيه مسندا عن سلمة بن محرز ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : " من لم يبرئه الحمد ، لم يبرئه شئ " ( 4 ) . وعنه في الصحيح ، عن معاوية بن عمار ، عن الصادق ( عليه السلام ) ، قال : " لو قرئت الحمد على ميت سبعين مرة ، ثم ردت فيه الروح ، ما كان ذلك عجبا " ( 5 ) . ولو قيل : الوجدان يقضي بخلافه ، فكيف يجمع بينه وبين ما وصل إلينا من الآثار والأخبار ما لا يحصى . قلنا : هذه القضايا المستعملة في هذه المواقف كلها - في الاصطلاح - طبيعية مهملة ، لا حقيقية عامة . فإذا قيل : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء 1 - الخصال 2 : 495 1 . 2 - الخصال 2 : 398 36 . 3 - الكافي 2 : 456 15 . 4 - الكافي 2 : 458 22 . 5 - الكافي 2 : 456 16 . |
|
|27| والمنكر ) ( 1 ) ، ليس معناه أن كل صلاة تكون كذلك ، ضرورة أن آيات الكتاب العزيز ليست نازلة لإخلال النظام البشري ، وإيجاد الهرج والمرج ، وإبراز المعجزات وخارق العادات على الدوام ، بل لها شروط خاصة ، كما هو المحرر عند أهله . المسألة الثامنة في أحكامهاقال الإمامية : الفاتحة واجبة في الصلاة وشرط فيها ، وتتعين في كل صلاة ثنائية وفي الاوليين في غيرها ( 2 ) ، ويجوز قراءتها في الأخيرتين ، وهي من السنة ، كما في أخبارنا ( 3 ) ، فلا تبطل الصلاة بتركها السهوي ، بل والجهلي . واختلفت آراؤهم في جواز القراءة وعدمه للمأموم ، اختلافا شديدا ( 4 ) ، فعن الدروس : ليست في الفقه مسألة مثلها في الخلاف ( 5 ) . ويجهر بها في المغرب والعشاء والصبح ويوم الجمعة ندبا ، إلا في صلاة الجمعة . 1 - العنكبوت ( 29 ) : 45 . 2 - الانتصار ، السيد المرتضى : 41 ، المسألة 10 . الخلاف ، الشيخ الطوسي 1 : 327 ، مسألة 80 ، تذكرة الفقهاء 1 : 114 . 3 - وسائل الشيعة 4 : 781 ، كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 42 ، الحديث 6 . 4 - جواهر الكلام 9 : 331 - 319 . 5 - لم يوجد في الدروس الشرعية ، والتعبير من الشهيد الثاني ، روض الجنان : 373 . |
|
|28| وقال الحنفية : " أي شئ قرأ أجزأه ، لأن الفاتحة كسائر السور في جميع الأحكام ، فكذا الصلاة " . وقال الشافعي في " الام " : " فواجب على من صلى منفردا أو إماما أن يقرأ بام القرآن في كل ركعة ، لا يجزيه غيرها " . وبذلك قال الحنبلي والمالكي . وقالوا : فلو تركها سهوا فعليه أن يأتي بالركعة التي تركها فيها ( 1 ) . وهذا هو المعروف عن الآخرين . ويدل عليه - مضافا إلى الاتفاق - الأخبار والأحاديث من طرق الخاصة والعامة ، البالغة حد الاستفاضة قطعا ، بل هي متواترة ، لبلوغها في كتب العامة إلى قريب من ثلاثين رواية . ومن أحكامها : أن من تركها بزعم الجماعة تبطل صلاته ، لحكومة قوله : " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " على قاعدة " لا تعاد " . وقال في " التذكرة " : " وعند بعض علمائنا أنها ركن ، لو أخل بها سهوا بطلت صلاته ، وهو قول الشافعي في الجديد " ( 2 ) . انتهى . والمشهور بين الأصحاب عدم البطلان ، إما لأجل قصور دلالته على دخالتها في الاسم حتى ادعاء ، أو لأن الأدلة الخاصة الناظرة إلى أن بطلانها منحصرة بما إذا تركها عمدا . ومنها : استحباب التحميد بقوله : " الحمد لله رب البالمين " بعد 1 - تذكرة الفقهاء 1 : 114 ، الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 229 - 230 . 2 - تذكرة الفقهاء 1 : 117 . |
|
|29| الفراغ منها في الصلاة ، منفردا كان أو جماعة ، إماما كان أو مأموما ، للنصوص الخاصة ( 1 ) . وأما أصحاب السنة فأجمعوا على استحباب التأمين لقارئ القرآن وفي الصلاة ( 2 ) ، واختلفوا في استحباب الجهر والإخفات ، وفي استحبابه للمأمومين ، أو لهم وللإمام . وقد استندوا إلى روايات رواها أبو هريرة وأبو موسى الأشعري ووائل بن حجر ، أخرج الأول الامهات ( 3 ) ، والثاني أخرجه مسلم ( 4 ) ، والثالث أخرجه أبو داود ( 5 ) والدارقطني ( 6 ) . ويشهد لذلك ، السيرة الإسلامية . فما في " التذكرة " من انفراد أبي هريرة بنقله ( 7 ) ، غير صواب . فلولا النصوص الخاصة التي نهت عنه وأبطلت الصلاة معه ، كان لتجويزه وجه قوي ، لاشتهاره بين المسلمين بجميع طوائفهم ، فيكون هذه السيرة متصلة إلى عصره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . هذا . وربما يظهر أن ما هو المنهي عنه في أخبارنا هي كلمة " الآمين " المشددة ، كقوله تعالى : ( ولا آمين البيت ) ( 8 ) ، لقوله ( عليه السلام ) - على ما فيها - : 1 - وسائل الشيعة 4 : 752 ، كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 17 . 2 - الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 250 . 3 - صحيح مسلم 1 : 192 72 ، صحيح بخاري 1 : 369 739 . 4 - صحيح مسلم 1 : 189 ، كتاب الصلاة ، الباب 16 ، الحديث 62 . 5 - سنن أبي داود 1 : 309 932 . 6 - سنن الدارقطني 1 : 334 5 . 7 - تذكرة الفقهاء 1 : 118 . 8 - المائدة ( 5 ) : 2 . |
|
|30| " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين والتأمين من كلامهم " ( 1 ) ، وذلك لأن " آمين " على وزن فاعيل ، ليس بعربي ، كما صرح به الزوزني في شرح القصيدة ، وما هو العربي هو الفعيل ، لا فاعيل ، كهابيل وقابيل . وأما ما في القرطبي من أنه كياسين ( 2 ) ، فمن عجيب التوزين ، لأن ياسين مركبة ، فلا تخلط . فالأصل هو الفعيل ، وهو بمعنى الدعاء ، كما عن أكثر أهل العلم ، ومعناه : " اللهم استجب لنا " ، وقيل : " فليكن كذلك " - قاله الجوهري ( 3 ) - ،وبالأول قال جمع من اللغويين أيضا . وفي المروي عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : " سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما معنى آمين ؟ قال : رب افعل " . وقال الترمذي : معناه : " لا تخيب رجاءنا " ( 4 ) ، فعلى هذا يجوز ذلك ، لأنه دعاء ، وليس من كلام الآدميين . ومما يشهد لذلك : أن قول التشديد ، نسب إلى الصادق ( عليه السلام ) في المحكي عن أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري وأبي الحسن والحسين بن الفضل ، وهو - بناء على التشديد - من أم إذا قصد ، أي نحن قاصدون نحوك ، ومنه قوله تعالى : ( ولا آمين البيت الحرام ) ( 5 ) . انتهى . 1 - تذكرة الفقهاء 1 : 118 . 2 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 128 . 3 - الصحاح 5 : 2072 . 4 - راجع الجامع لأحكام القرآن 1 : 128 . 5 - المصدر السابق 1 : 128 - 129 . |
|
|31| فيكون على هذا " آمين " جمع الآم ، أي القاصد ، وكأنهم كانوا يريدون به ما يرجع إلى استلزامه كونه من كلام الآدميين ، كما سيظهر وجهه . وقيل : قال قوم : هو اسم من أسماء الله تعالى ، روي عن جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ومجاهد وهلال بن يساف ، وهو في المروي عن عباس ، عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، على ما هو المحكي عن ابن العربي ( 1 ) . وقيل : هو معرب " همين " الفارسية . وقيل : هو معرب كلمة فرنجية تقرب منه معنى . ويظهر من اللغة : أن " أمين " - كفعيل - هو الأصل ، و " آمين " إشباع " أمين " ، والإشباع جائز ، وهذا هو الأقوى حسب الجمع بين الأدلة . ولك أن تقول : تحت النهي عنه والمنع منه وبطلان الصلاة معه سر وهو : أن الواجب في الصلاة هي القراءة ، والقراءة متقومة بقصد الحكاية ، فلا دعاء حين قراءة الفاتحة حتى يلحقه الدعاء بالاستجابة ، فهي كلمة لغو في الصلاة تورث بطلانها ، وتصبح من كلام الآدمي . اللهم إلا أن يقال بجواز الجمع بين قصد الحكاية والقراءة وقصد الإنشاء وإن كانا متنافيين . أو يقال بعدم الحاجة إلى قصد الحكاية والقراءة ، بل الواجب هو الإتيان بفاتحة الكتاب في الصلاة ، كما هو المستفاد من جمع من أخبارها ( 2 ) . 1 - راجع الجامع لأحكام القرآن 1 : 128 . 2 - راجع وسائل الشيعة 4 : 732 - 735 ، كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 1 و 2 . |
|
|32| وربما يقال ( 1 ) : إن طلب الهداية عند قراءة قوله - عز من قائل - : ( إهدنا الصراط المستقيم ) ونحوه في غيره ، يستلزم المحذور العقلي ، وهو تعدد المحكي مع وحدة الحاكي ، لأن القراءة هي الحكاية عن اللفظ باللفظ المماثل ، والإنشاء قصد ثبوت المعنى باللفظ ، ولا يمكن استعمال اللفظ في اللفظ وفي المعنى . وتوهم : أن المعنى يقصد من اللفظ الذي هو المعنى ، كما في أسماء الأفعال عند جمع ، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد ، بل اللفظ الصادر من القارئ يستعمل أولا في اللفظ ، والمعنى - وهو اللفظ الثاني - يراد منه المعنى الإنشائي . غير صحيح . بل أوضح استحالة من الأول ، ضرورة أن الاستعمال إما بمعنى الإعلام والتفهيم ، أو بمعنى إيجاد المعنى باللفظ وإخطاره ، أو بمعنى إفناء اللفظ في المعنى ، والكل هنا غير متصور ، لأن تلك الألفاظ الفانية قبل هذا الاستعمال لا تليق بذلك . اللهم إلا أن يقال : إن الاستعمال هو الاستثمار والانتفاع من علق اللفظ والعلاقات الاعتبارية الثابتة بين الألفاظ والمعاني ، فلا مانع من استفادة المتكلم من الألفاظ السابقة التي وجدت في كلام الغير أو في كلام نفسه . وهذا هو أحد الوجوه في معنى الاستخدام ، فإن اللفظ الذي له معنيان ، قد اطلق أولا واريد منه معنى ، ثم بعد إرجاع الضمير يراد من ذلك اللفظ - وهو 1 - تفسير التبيان 1 : 46 ، انظر جواهر الكلام 10 : 7 . |
|
|33| المرجع - المعنى الثاني . والذي هو الحق في المسألة : أن ما هو الواجب تارة يكون عنوان الفاتحة ، واخرى عنوان قراءة الفاتحة . فإن قلنا بالأول ، فلا نزاع في أنها لا تتقوم بقصد الحكاية ، فيجوز الاقتباس بها للمعاني المقصودة ، وتصح الصلاة . وإن كان العنوان الثاني - كما هو قضية الجمع بين الأدلة ، من قولهم : " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " ومن قولهم : " فاقرؤوا ما تيسر من القرآن " بناء على انطباقه عليها ، أو الأدلة السمعية والأحاديث الآمرة بالقراءة في الصلاة - ففيه الخلاف بين الأعلام ، فالمشهور عنهم عدم جواز الإنشاء لعدم إمكان الجمع بين اللحاظين ، فلابد من قصد الحكاية حتى يحصلعنوان القراءة . والذي يظهر لنا هو الثاني ، لأن الجمع المذكور - كما تحرر في الاصول - ممكن ، مع عدم تقوم صدق القراءة بالحكاية ، لأن معنى القراءة أعم مما توهم ، وذلك لقوله تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم إقرأ باسم ربك ) ( 1 ) . وإذا كانت الفاتحة محتاجة في كونها من القرآن إلى قصد القرآنية ، كان للتوهم المذكور ولما اشتهر وجه ، ولكن القرآن يوجد وإن قصد غيره ، لأنه موضوع لهذه التراكيب المخصوصة ، والمؤلف من النسب والإضافات على هيئات خاصة . ولو كان ما يترنم به العبد غير قرآن عند عدم قصد القرآنية ، يلزم كونه مماثلا للكتاب ، مع أن العبد عاجز عن 1 - العلق ( 96 ) : 1 . |
|
|34| إيجاد مماثله ومعجز بقوله تعالى ( فأتوا بسورة من مثله ) ( 1 ) . ولذلك صار الاقتباس من اللطائف الكلامية ، وهو تضمين الكلام بالقرآن أو حديث سيد الأنام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ولو كان قصد شعر الشاعر ، دخيلا في كونه شعره ، يلزم أن يكون جميع أفراد الإنسان شعراء ، مع أن الضرورة قاضية بأن من أظهر مرامه بشعر المتنبي وامرئ القيس ، لا يكون شاعرا ، وما ترنم به هو شعرهما لا شعر الآخرين . بل لو فرضنا نسيانه الفاتحة ، ولكنه أتى بها من تلقاء نفسه ، كفى وإن كان من مصاديق توارد الخاطر ، حسب ما اصطلح عليه في علم البديع . المسألة التاسعة في كونها من القرآن أجمعت الامة على أنها من القرآن ، وربما يشكل لعدم إثباتها فيمصحف ابن مسعود ، فلما لم تثبت دل على أنها ليست منه ، كالمعوذتين عنده . واجيب عنه : بأنه بعد ما سئل عن ذلك وعن علة خلو مصحفه عنها ؟ قال : لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة ، واختصرت بإسقاطها ، ووثقت بحفظ المسلمين لها ( 2 ) . انتهى . وكأنه أراد من ذلك أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بام القرآن قبل 1 - البقرة ( 2 ) : 23 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 114 - 115 حول الإشكال والجواب المنقول عن ابن الأنباري . |
|
|35| السورة التالية بعدها ، وربما يشعر بهذه المقالة قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) ( 1 ) لظهور العطف في المغايرة . فعلى ما تحرر وتقرر يصعب الأمر جدا ، لأنا إن قلنا : إن النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن ، فحينئذ كان ابن مسعود عالما بذلك ، فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل . وإن قلنا : إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلا في ذلك الزمان ، فهذا يقتضي أن يقال : إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل ، وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ، ولذلك يتقوى أن النسبة كاذبة جدا . ولك دعوى أن عدم حجية سورة من الكتاب قطعية ، لا تستلزم عدم حجية سائر السور . أو يقال : لا حاجة إلى كونها حجة قطعية ، بل يكفي كونها حجة عقلائية ، لما تقرر عندنا أن احتمال التحريف المضر غير قابل لدفعه ثبوتا ، ولكنه ساقط إثباتا ومتروك شرعا ، فالكتاب حجة عقلائية قوية قريبة منالقطعية . فما توههمه الفخر في المقام غير تام ( 2 ) . 1 - الحجر ( 15 ) : 87 . 2 - التفسير الكبير 1 : 218 . |
|
|36| المسألة العاشرة نزولها جمعا ومفرقا السور مختلفة في النزول مفرقا وجمعا . أما السور المنزلة مفرقة فهي كثيرة ، وأما التي نزلت جمعا فهي سورة الفاتحة والإخلاص والكوثر وغيرها ( 1 ) ، وقد عرفت من السمرقندي دعوى نزولها مفرقا ، جمعا بين كونها مدنية ومكية . 1 - انظر الإتقان في علوم القرآن 1 : 136 . |
|
|37| المبحث الثاني حول كلمة البسملة الشريفة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وهي الآية الاولى وهنا مسائل : المسألة الاولى عما كان يبتدأ به قبل الإسلام في المكاتيب قال السيوطي في " الأوائل " : أول من كتب بمكة ب " باسمك اللهم " امية بن أبي الصلت إلى أن جاء الإسلام ، فكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 1 ) . وفي " أدب الكتاب " لمحمد بن يحيى الصولي قال : " سأل ابن عائشة عبيد الله بن محمد بن حفص عن ابتداء الكتاب ب ( بسم الله الرحمنالرحيم ) فقال : حدثني أبي : أن قريشا كانت تكتب في جاهليتها ب " اسمك اللهم " وكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كذلك ، ثم نزلت سورة هود ، وفيها ( بسم الله 1 - محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر : 41 . |
|
|38| مجراها ومرساها ) ( 1 ) فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأن يكتب في صدر كتبه : " بسم الله " ، ثم نزلت في سورة بني إسرائيل : ( قل ادعوا الله . ) ( 2 ) فكتب " بسم الله الرحمن " ثم نزلت في سورة النمل : ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فجعل ذلك في صدر الكتب إلى الساعة ، وكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في أول كل سورة من القرآن " ( 3 ) . انتهى . ولكن يعارضها مكاتبة الحديبية ، ففي " الوثائق السياسية " لحيدر آبادي : " باسمك اللهم . هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل ابن عمرو " ( 4 ) . انتهى . ولعله لعدم اتفاقهم على غير ذلك ، كما لا يخفى . وفي بعض التواريخ : " ولما كتب علي ( عليه السلام ) في صلح الحديبية بأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، قال سهيل بن عمرو : ما ندري ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم " ( 5 ) . وفي المروي عن الشعبي والأعمش : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يكتب : " باسمك اللهم " حتى امر أن يكتب : " بسم الله " فكتبها ، فلما نزلت ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) كتب : " بسم الله الرحمن " ، فلما نزلت ( إنه من سليمان . ) ( 6 ) كتبها . 1 - هود ( 11 ) : 41 . 2 - الإسراء ( 17 ) : 110 . 3 - أدب الكتاب ، محمد بن يحيى الصولي : 31 - 32 . 4 - لم نعثر على الكتاب . 5 - تاريخ الطبري 2 : 634 ، الجامع لأحكام القرآن 1 : 104 . 6 - النمل ( 27 ) : 30 |
|
|39| وفي سنن أبي داود : " قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة : إن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) حتى نزلت سورة النمل " . انتهى ( 1 ) . ويرد هذا أو ذاك ما في " الوثائق السياسية " من مكاتيبه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفي مجموعها الابتداء بها ، وفي بعضها لا يبتدأ بشئ ، وفيها صورة تلك المكاتيب المحفوظة في المخازن والمتاحف التي دعا فيها الملوك والسلاطين إلى الإسلام ، وغيرها ، فراجع . المسألة الثانية عما ابتدأ به سائر الكتب السماوية أوائل الفصول والسور اعلم أني قد تفحصت في جميع الكتب السماوية - أي كتب العهد القديم والعهد الجديد - الموجودة بين يدي ، فما وجدت فيها شيئا يبتدأ به في أوائل السور والفصول والإصحاحات ، بل الكل مشترك في الابتداء بالمقصود من غير أن يبتدأ باسم الله تعالى . فيحدث مشكل في الباب ، وهو أن مقتضى الأحاديث الآتية أن جميع الكتب السماوية كانت مصدرة بالبسملة ، فيعلم من ذلك أن هذه الكتب الموجودة محرفة أشد التحريف ، أو تكون البسملة في صدر سائر الكتب خارجة عن الكتاب ، فما كانت تكتب . ولو كانت البسملة معروفة بين علماء اليهود والنصارى - عبرانية 1 - سنن أبي داود 1 : 269 787 . |
|
|40| أو عربية - لكانت تشتهر قبل نزول القرآن ، فعليه يشكل الاعتماد على هذه الأخبار ، مع أنها غير نقية الأسناد ، فإن فرات بن الأحنف ضعيف بن ضعيف - كما قيل ( 1 ) - ولا يظهر من تفسير العياشي أنه يروي عن صفوان الجمال بلا واسطة شفاها ، أو كان عنده كتابه ( 2 ) . المسألة الثالثة عن معهودية هذه الكلمة الشريفة قبل نزول القرآن ، بلسان عبري أو عربي أو غيرهما المعروف عن التاريخ المزبور في المسألة الاولى أنها ما كانت معهودة قبل الإسلام ، وفي " الكافي " مسندا عن فرات بن الأحنف ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنه قال : " أول كل كتاب نزل من السماء ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 3 ) " الحديث . وعن العياشي ، عن صفوان ، عن الصادق ( عليه السلام ) : " ما أنزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، وإنما كان يعرف انقضاء السورة بنزول ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ابتداء للأخرى " ( 4 ) . 1 - هذا سهو صدر من قلمه الشريف فإن التوصيف المذكور جاء في ابنه محمد بن فرات ، والأمر سهل بعد ضعف فرات ، انظر تنقيح المقال 2 : 3 9413 . 2 - انظر تفسير العياشي 1 : 19 ويأتي الحديث بعد أسطر . 3 - الكافي 3 : 212 3 . 4 - تفسير العياشي 1 : 19 . |
|
|41| وفي ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن موسى ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن أميرا لمؤمنين ( عليهم السلام ) أنه قال : " ( بسم الله الرحمن الرحيم ) آية من فاتحة الكتاب . - إلى أن قال - : وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش ، وإن الله - عز وجل - خص محمدا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشرفه بها ، ولم يشرك معه فيها أحدا من أنبيائه ، ما خلا سليمان ، فإنه أعطاه منها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وحكى عن بلقيس حين قالت : ( إني القي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 1 ) " ( 2 ) ، الحديث . نوع معارضة مع ما سبق . ووجه الجمع : أن النازل على سليمان عربي وعلى غيره غير عربي ، أو أن سليمان كان له أن يبتدئ بها في مكاتيبه دون غيره . وربما يشكل الخبران الأولان بما مر في المسألة الثانية ، من خلو الكتب السماوية منها . 1 - النمل ( 27 ) : 29 و 30 . 2 - عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 1 : 302 60 . |
|
|42| المسألة الرابعة حول أحكامها وهي كثيرة : الحكم الأول : هل هي من القرآن ؟ يرى عبد الله بن مسعود أنها ليست من القرآن أصلا ، وهو رأي بعض الحنفية . ومن أدلتهم على ذلك : حديث أنس ، قال : " صليت خلف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والخلفاء الثلاثة ، وكانوا يستفتحون ب ( الحمد لله رب العالمين ) ، لايذكرونها في أول قراءة ولا آخرها " ( 1 ) . وقد مضى شطر من البحث حول ذلك في مسألة عدد آيات سورة الفاتحة ، ويكفي ردا عليه إجماع المسلمين على خلافه . وفي دلالة الرواية على أنها ليست من القرآن منع ، لأن عدم وجوبها في القراءة تخصيصا بالسيرة العملية للمطلقات الدالة على أن " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، ممكن كما أنها لمكان عدم كونها من الفاتحة لا تقرأ على فرض صحة النسبة ، وهي واضحة البطلان ، لأن ظاهر قوله : " كانوا " اعتيادهم على تركها ، ولو كان هذا كالنار على المنار ، لما كان وجه لاختلاف فقهاء الإسلام ، وذهاب الأكثر إلى وجوب قراءتها والكثير إلى أنها من الفاتحة . وهذا أنس يروي عنه مسلم في صحيحه قال : قال رسول 1 - صحيح مسلم 1 : 187 52 . |
|
|43| الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " انزلت علي سورة ، فقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 1 ) ، فكيف يجمع بين روايتيه ؟ ويظهر من " التبيان " أن المسألة كانت مورد الكلام ، فقال : " ومن قال : إنها ليست من القرآن قال : إن الله أدب نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلمه تقديم ذكر اسم الله أمام جميع أفباله وأقواله ، ليقتدي به جميع الخلق في صدور رسالاتهم وأمام حوائجهم . قالوا : والدليل على أنها ليست من القرآن : أنها لو كانت من نفس الحمد ، لوجب أن يكون قبلها مثلها ، لتكون إحداهما افتتاحا للسورة حسب الواجب في سائر السور . " ( 2 ) انتهى . فيعلم من ذلك أن الرأي المزبور ما كان نادرا . وأنت خبير بما فيه من عجب الدلالة وسقوط الاستدلال ، والذي ظهر لي أن مؤلف " التبيان " شيخنا الطوسي ( قدس سره ) خلط بين هذه المسألة والمسألة الآتية ، وظن أن جماعة أنكروا كونها من القرآن ، وإذا راجعت تفسير الطبري ترى أن عبارته في الاستدلال مأخوذة منه ، وهو من المخالفين في المسألة الآتية دون هذه المسألة ، وسيأتي في ذيل المسألة الآتية حديث ابن عباس ، الظاهر في أنها ليست من الكتاب ، مع جوابه . 1 - صحيح مسلم 1 : 187 53 . 2 - تفسير التبيان 1 : 24 . |
|
|44| الحكم الثاني : هل هي من الفاتحة ؟ اتفق المسلمون على أنها من سورة النمل ، وعلى أنها من سورة الفاتحة علماء السلف من أهل مكة فقهاؤهم وقراؤهم ومنهم ابن كثير ، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء ، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة ، والشافعي في الجديد وأتباعه والثوري وأحمد في أحد قوليه ، ومن المروي عنهم ذلك : من الصحابة ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة ، ومن التابعين سعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك . وقيل : إن قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاءها على أن التسمية ليست منها ، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها ، وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه ( 1 ) ، ومالك وغيره من علماء المدينة ، والأوزاعي وغيره من علماء الشام ، وأبو عمرو ويعقوب من قراء البصرة ، وعن حمزة من قراء الكوفة . وروي عن أحمد أنها آية من الفاتحة دون غيرها ( 2 ) . وهذا هو رأي الإمامية وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، وهو قضية رواياتهم المتكاثرة عنهم ( عليهم السلام ) ( 3 ) ، وهو مقتضى الأخبار من طرق أهل الجماعة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفيها الصحاح والحسان - على ما 1 - الكشاف 1 : 1 . 2 - انظر التفسير الكبير 1 : 203 ، وروح المعاني 1 : 37 . 3 - تفسير العياشي 1 : 19 - 22 ، تفسير البرهان 1 : 42 . |
|
|45| اصطلحوا عليه - وهي كثيرة محكية عن جماعة ، كام سلمة وجابر وعمار وطلحة وبريدة وابن عمر وأبي هريرة وأنس والنعمان بن بشير وابن عباس ومحمد بن كعب القرضي ( 1 ) . ومن غرائب الاستدلال ما اشتهر في كتب الخاصة والعامة بأن المسلمين اتفقوا على رسمها من أول الأمر إلى الآن عدا سورة البراءة ، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه ، ومن ثم لم يكتبوا " آمين " آخر الفاتحة ( 2 ) . فإنه دليل على أنها من الكتاب ، ولا يستدل به على الجزئية لأية سورة كانت . هذا ، مع أن جماعة من القراء تركوا الفصل بين السور بالتسمية ، وفيهم حمزة وخلف ويعقوب واليزيدي ( 3 ) . وغير خفي أن المسألة خلافية ، واستدل لكل من القولين بأدلة استحسانية وروائية ( 4 ) ، ولو أغمضنا النظر عما يدل على جزئيتها من الصحيح في مذهبنا ، كان وجه الشبهة قويا جدا ، لقصور الأدلة عن إثباتها من الفاتحة ، وللخلط بين هذه المسألة والمسألة السابقة توهم تماميةالاستدلالات ، ولولا خوف الإطالة المنهي عنها والمملة لسردت جملة منها ، وهي مزبورة في أساطير الأولين . وبالجملة : إن أحطت خبرا بهذه النكتة تقدر على تمييز الصحيح من 1 - الدر المنثور 1 : 7 - 8 ، شعب الإيمان ، البيهقي 2 : 434 - 441 . 2 - الكشاف 1 : 1 ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1 : 5 . 3 - راجع مجمع البيان 1 : 18 . 4 - التفسير الكبير 1 : 196 - 202 . |
|
|46| الدليل عن السقيم ، وما هو المهم من بينها الأخبار المستدل بها على جزئيتها . أحاديثنا فمن طريقنا ما أخرجه الطوسي ( قدس سره ) بإسناده المعتبر عن الخزاز ، عن ابن مسلم ، قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن السبع المثاني والقرآن العظيم ، أهي الفاتحة ؟ قال : " نعم " . قلت : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من السبع المثاني ؟ قال : " نعم هي أفضلهن " ( 1 ) . وما أخرجه الصدوق في سند معتبر عن ابن اذينة ، وفيه : " فمن أجل ذلك جعل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في أول كل سورة " ( 2 ) . ولعمري إن الخبر المعتبر الظاهر في المراد ينحصر بالأول . وما أورده " الوسائل " - في الباب الحادي عشر - من الأخبار ( 3 ) أكثرها تدل على أنها من الكتاب ، أو على وجوب قراءتها مثلا مع السورة . نعم روايتان اخريان تدلان على أنها منها ، إلا أنهما غير نقيتي السند ( 4 ) إن لم نقل بأن سند الشيخ إلى الخزاز فيه العباس وهو مشترك إلا أن ظاهره هو ابنالمعروف . والله العالم . 1 - تهذيب الأحكام 2 : 289 13 . 2 - علل الشرائع 2 : 315 1 . 3 - وسائل الشيعة 4 : 745 ، كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 11 . 4 - أمالي ، الصدوق : 175 ، مجلس 33 ، الحديث 1 و 2 . وسائل الشيعة 4 : 747 ، كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 11 ، الحديث 9 و 10 . |
|
|47| أحاديث الجماعة ومن طريقهم ما يدل صريحا على الجزئية ما أخرجه الدار قطني عن أبي هريرة ( 1 ) ، ومسلم عن أنس ( 2 ) ، والبيهقي عن ابن عباس ( 3 ) ، وهكذا ابن خزيمة ( 4 ) ، و " مستدرك " الحاكم عن سعيد بن جبير ( 5 ) ، وفي الكل ما يدل على أنها من الفاتحة . أما الروايات الاخر المستدل بها على الجزئية ، فهي تدل على أنها من الكتاب والقرآن . وهذا الخلط بين المسألتين خفي على أعلام المفسرين - من الخاصة والعامة - إلى عصرنا هذا ، مع أن ما يدل على أنه من الكتاب يشعر بنفي جزئيتها للفاتحة ، كما لا يخفى . أحاديث يستدل بها على أنها ليست منها أما من طريقنا فلم نجد إلا ما رواه العياشي عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " يا جابر ، ألا اعلمك أفضل سورة أنزلها الله تعالى في كتابه ؟ فقال جابر : بلى ، بأبي أنت وامي يا رسول الله علمنيها . قال : فعلمه الحمد لله ام الكتاب " ( 6 ) الحديث . 1 - سنن الدارقطني 1 : 306 17 و 36 . 2 - صحيح مسلم 1 : 380 53 . 3 - السنن الكبرى 2 : 45 5 . 4 - صحيح ابن خزيمة 1 : 248 493 . 5 - راجع المستدرك ، الحاكم النيسابوري 2 : 257 . 6 - راجع تفسير العياشي 1 : 20 9 ، وسائل الشيعة 4 : 874 كتاب الصلاة ، أبواب قراءة القرآن ، الباب 37 ، الحديث 8 . |
|
|48| فإنه ظاهر في أن الفاتحة تبتدأ من التحميد . ومثله ما رواه محمد بن سنان فيه عن الكاظم ، عن أبيه ، أنه قال لأبي حنيفة : " ما سورة أولها تحميد ، وأوسطها إخلاص ، وآخرها دعاء ؟ " فبقي متحيرا ، ثم قال : لا أدري . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " سورة الحمد " ( 1 ) . وأما من طرق أهل السنة فقال القرطبي : " والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها ، دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها ، إلا في النمل وحدها " ( 2 ) ، فأخرج بعد ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة ، وما رواه أبو داود عن الصحابة : فالأول : حديث قسمة الفاتحة ، وأنت خبير بقصور دلالته ، لأن تمام الفاتحة بالبسملة ، فالتقسيم الوارد على الفاتحة لا يرد عليها ، مع أن عدم ورود القسمة عليها لا يدل على أنها ليست منها ، واشتماله على أن آيات الفاتحة السبعة باعتبار انقسام الأخيرة إلى آيتين ، من موضوعات الحديث . والثاني : حديث الصلاة خلف الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والخلفاء الثلاثة ، وقد مر أنه أيضا لا يدل على عدم جزئيتها للفاتحة ، لأن عدم وجوب قراءتها يجتمع مع كونها جزءا منها . وما أخرجه الجريري عن الحسن : " لم تنزل ( بسم الله الرحمن 1 - تفسير العياشي 1 : 19 2 . 2 - راجع الجامع لأحكام القرآن 1 : 94 . |
|
|49| الرحيم ) في شئ من القرآن إلا في طس " ( 1 ) يدل على أنها ليست من الكتاب فيكون من أدلة البحث السابق ، وقد مر ما يتعلق به . فبالجملة : يصح أن يدعى : أن أحسن أدلة نفي الجزئية هو الحديث الأول ، وهو ينتهي إلى أبي هريرة الذي قالوا في حقه : إن عمر شهد عليه بأنه عدو الله وعدو المسلمين ، وحكم عليه بالخيانة ، وأوجب عليه عشرة آلاف دينار ألزمه بها بعد ولاية البحرين ( 2 ) . وهل على مثله يسكن ويركن ؟ وأما ما اشتهر بينهم من : أن القرآن لا يثبت إلا بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري ، ولا يثبت بالنظر والاستدلال ، فهو لا يناقض مسألتنا هذه ، وهي جزئية البسملة للفاتحة ، فالاستدلال المزبور ساقط جدا . ومثله الاستدلال بسيرة المسلمين على جزئيتها لها ، لأنهم كانوا يقرؤونها في أوائل السور في مرأى ومسمع من الرسول الأعظم ، فكان عليه التذكير بذلك ، لأن في تركه القبح ، فيستنتج من ذلك أنها من القرآن ، مع أن المستدل استدل بها للجزئية ، ولكن رجع في دليله على أمر آخر ، فتدبر جيدا . وبعدما أحطت خبرا بما أسلفنا ، فلا حاجة إلى تضعيف سند الروايتين من طريقنا ، أو المناقشة في دلالتهما ، بعد قوة دليل الجزئية إلى حد لا يقاومها مثل ذلك . نعم أخرج المستدرك عن ابن عباس قال : سألت علي بن أبي 1 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 95 . 2 - انظر معجم البلدان 1 : 348 ، تنقيح المقال 2 : 165 . |
|
|50| طالب ( عليه السلام ) : لم لم تكتب في براءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ قال : " لأنها أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ، فليس فيها أمان " ( 1 ) . وهذا يشعر بأنها ليست منها ، ولكن كان رأيهم على كتابتها في مبدأ السور ، وظاهره أنها ليست من القرآن ، وكانوا يكتبونها كما تكتب في أول المكاتيب ، وهو غير قابل للتصديق . تنبيه ربما يوهم أنها ليست من السور مطلقا ، وذلك لعدم معهودية عدها من آيات السور في القرآن الموجود بين أيدي المسلمين كافة ، ويشرعون في تعداد الآيات من بعدها ، ويأخذون في ذكر الأرقام في القرآن المرسوم فيه الأرقام أيضا بعد البسملة ، فيعلم منه أنه كان من الأول يعتقدون أنها ليست من السورة ، وإلا لحسبوها منها ( 2 ) . وفيه : أنه تأييد ، ولا دلالة فيه بعد ما مر من الأدلة على أنها منها . ومما يشهد على ما احتملناه : أن في القرآن أغلاطا إملائية ربما تبلغ أكثر من مائة ، وما ذلك إلا لبنائهم على التحفظ على ما صنعه الأولون وهم جاهلون ، ولا عبرة بما صنعوا . 1 - المستدرك ، الحاكم النيسابوري 2 : 330 . 2 - انظر التفسير الكبير 1 : 203 ، ونقل الإتقان في علوم القرآن 1 : 267 هذا القول عن المالكية وغيرهم . |
|
|51| الحكم الثالث : هل هي من سائر السور ؟ الظاهر ثبوت الملازمة بين المسألة السابقة وهذه المسألة قولا ، فإن من اعتبرها جزء الفاتحة أطلق بالنسبة إلى غيرها ، ومن منع جزئيتها بالنسبة إليها أيضا أطلق المنع . نعم في خصوص الفرض الأول حكي عن ابن الجنيد التفصيل بينها وبين سائر السور ، وعن المخالفين ( 1 ) أحمد وحمزة من قراء الكوفة ، بل قيل عن الشافعي : إنه تردد في هذه المسألة وأتى بالقولين المخالفين . وأما في الفرض الثاني فلا يوجد من فصل فيه ، فيقول بجزئيتها في سائر السور دون الفاتحة . وقد استدل بروايات وأحاديث ، أهمها سندا ودلالة ما رواه الصدوق بإسناده عن جماعة - ومنهم عمر بن اذينة - عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) - في حديث طويل معراجية - وفيه : " فلما بلغ ( ولا الضالين ) قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : والحمد لله رب العالمين شكرا ، فقال العزيز الجبار : قطعت ذكري فسم باسمي ، فمن أجل ذلك جعل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) بعد الحمد في استقبال السورة الاخرى ، فقال له : اقرأ ( قل هو الله أحد ) " ( 2 ) الحديث . فما هو الحجر الأساسي هو الاتفاق المحكي والإجماعات الكثيرة عن العامة والخاصة . 1 - التفسير الكبير 1 : 203 . 2 - علل الشرائع 2 : 315 1 . |
|
|52| ومن أحاديث العامة ما يدل على أنها ليست من سائر السور ، بناء على ثبوت الإجماع المركب على أنها إذا لم تكن من بعض منها فليست منالاخريات : " مستدرك الحاكم " ( 1 ) و " صحيح الترمذي " في باب ما جاء في فضل سورة الملك ، و " كنز العمال " في فضائل السور والآيات ، أخرجا عن أبي هريرة : " أن سورة الملك ثلاثون آية " ( 2 ) ، فلو كانت هي منها لزادت عليها بآية . وفي رواية اخرى عنه : " أن سورة الكوثر ثلاث آيات " . ولكنها معارضة بما أخرجه مسلم عن أنس ، قال : " بينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ، ثم رفع رأسه متبسما ، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال : " نزلت علي آنفا سورة ، فقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر . ( 3 ) " ( 4 ) الحديث . وأما الرواية الاولى فهي هكذا : قال أبو هريرة : قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية ، شفعت لرجل حتى أخرجته من النار يوم القيامة ، وأدخلته الجنة ، وهي سورة تبارك " . أخرجها الترمذي ، وقال : " هو حديث حسن " ( 5 ) . انتهى . 1 - المستدرك ، الحاكم النيسابوري 1 : 565 . 2 - كنز العمال 1 : 583 2646 . 3 - الكوثر ( 108 ) : 1 . 4 - صحيح مسلم 1 : 187 53 . 5 - سنن الترمذي 4 : 238 3053 . |
|
|53| ويكفي في كذبه - كما هو دأبه - أن سورة الفجر وسورة السجدة - أيضا - ثلاثون آية ، فراجع . ثم إن في أحاديثنا ما يظهر منه عدم وجوب البسملة مع السورة ، وهي مذكورة في الباب الثاني عشر من أبواب القراءة من " الوسائل " ( 1 ) ، ولكنها لا تدل على عدم الجزئية ، لأن عدم الوجوب أعم من ذلك ، مع أنها عندنا محمولة على التقية ، وهي تستلزم اشتهار فتوى العامة على عدم الوجوب في الصلاة ، وهو - أيضا - لا يدل على عدم الجزئية عندهم . وما يدل من رواياتنا على الوجوب ( 2 ) فهو - أيضا - أعم من الجزئية ، مع أن في دلالتها على الوجوب إشكالا ، لاحتمال كون النظر إلى الترخيص بالإتيان ، لما كان ذلك ممنوعا - على الكراهة - عند مالك وبعض آخر . إن قلت : إذا لم يكن واجبا فهو يلازم عدم الجزئية ، وهكذا في عكسه ، لأن اعتبار الجزئية متقوم بوجوب القراءة مع السورة وعدمه . قلت : كلا ، فإن للجزئية آثارا اخر غير ذلك : 1 - إذا كانت جزء التوحيد والحمد فلا يجوز عندنا العدول بعدما قرأها . 2 - إذا كانت من السورة فتعد آية منها ، فلا يجوز العدول إذا بلغ إلى 1 - وسائل الشيعة 4 : 748 - 749 كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 12 ، الحديث 2 و 3 و 4 و 5 . 2 - وسائل الشيعة 4 : 745 كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 11 . |
|
|54| النصف باعتبارها في سائر السور . 3 - إذا كانت آية منها فلابد - على المعروف بين أصحابنا - من قصدها مع تلك السورة ، أي قصد بسملة السورة الخاصة ، وإلا فيجوز بلا قصد . 4 - إذا كانت منها يجوز الركوع بعدها في صلاة الآيات . 5 - إذا كانت منها فلا يشرع للجنب قراءتها عن سور العزائم ، وهكذا تعد من السبع المكروه على الجنب قراءة الأكثر منها . وغير ذلك . وبالجملة : فذلكة البحث أن هذه المسألة من امهات المسائل الفقهية ، حتى أفرد فيها الرسائل جمع ، وقد بلغت الأقوال - على ما قيل - إلى عشرة ( 1 ) ، ولكنه خلط بين الأقوال والاحتمالات ، والأمر سهل . كما لم يذكر في طيها قول من يرى أنها ليست من القرآن رأسا : الأول : أنها ليست آية من السور رأسا وأصلا . الثاني : أنها آية من جميع السور إلا براءة . الثالث : أنها آية من الفاتحة دون غيرها . الرابع : أنها بعض آية منها فقط . الخامس : أنها آية فذة انزلت لبيان رؤوس السور تيمنا وللفصل بينها . السادس : أنه يجوز جعلها آية منها وغير آية ، لتكرر نزولها بالوصفين . السابع : أنها بعض من جميع السور . الثامن : أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور . 1 - روح المعاني 1 : 37 . |
|
|55| التاسع : عكسه . العاشر : أنها آيات فذة وإن انزلت مرارا ، والمحكي عن الشهاب لبيان القول العاشر : أنها آية فذة . ولكنه عين القول الخامس ، كما أن القول العاشر قرينة على أن الخامس هو أنها آية واحدة نزلت مرة ، وجئ بها فيأوائل السور ، كما نجئ بها لسائر الأفعال والأقوال . الحكم الرابع : جواز كتبها في أول كل كتاب يجوز كتبها في أول كل كتاب ولو كان ديوان شعر ، وروى مجالد عن الشعبي : قال : أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 1 ) . وقال الزهري : مضت السنة ألا يكتب في الشعر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 2 ) . وأول من ذهب إلى كتابته في أول كتب الشعر ودواوينه سعيد بن جبير ، وتابعه عليه الآخرون ( 3 ) . قال أبو بكر الخطيب : وهو الذي نختاره ( 4 ) . وفي " الكافي " عن الصادق ( عليه السلام ) : " لا تكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لفلان ، ولا بأس أن تكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) على ظهر الكتاب " ( 5 ) . 1 - الدر المنثور 1 : 10 ، الجامع لأحكام القرآن 1 : 97 . 2 - الدر المنثور 1 : 10 . 3 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 97 . 4 - انظر الدر المنثور 1 : 10 . 5 - الكافي 2 : 494 3 . |
|
|56| الحكم الخامس : تعلق البسملة بالسور قد أشرنا في السابق : أن البسملة من كل سورة لا تقع إلا مع قصد تلك السورة ، وهذا هو رأي أصحابنا إلا جماعة من المتأخرين ، وهو التحقيق عندنا ، وتفصيله يطلب من موسوعتنا في الفقه . وقد يقال : إن البسملة من كل سورة متعلقة بتلك السورة ، ولها تفسير لا ينطبق إلا على تلك السورة ( 1 ) . وقد ذكر الاستاذ الوالد المحقق - مد ظله - في بعض تآليفه القيمة ( 2 ) عن بعض المشايخ العظام : أن من جملة الكتب التفسيرية ما عمل فيه ذلك ، وادعى المفسر في خلال الكتاب أن هذا الضوء من التفسير قد تعلمه من الخضر ( عليه السلام ) ، وهو قال : إنه قد تعلم من علي بن الحسين ( عليهما السلام ) . وقد كنت في سالف الزمان فاحصا عنه حتى وجدت في بعض مكاتب الأصدقاء تفسيرا تصدى صاحبه لذلك ، ولكنه ما كان عيانه كسماعه ، وهو - على ما ببالي - من علماء أوائل القرن التاسع ، وقد طبع . الحكم السادس : استحباب تجويد كتابة البسملة " اصول الكافي " بسنده عن الصادق ( عليه السلام ) : " اكتب ( بسم الله الرحمن 1 - انظر روح المعاني 1 : 47 . 2 - انظر آداب الصلاة : 242 ، والظاهر أن التعبير من استفادات المصنف ( قدس سره ) من والده المعظم ( قدس سره ) . |
|
|57| الرحيم ) من أجود كتابك ، ولا تمد الباء حتى تمد السين " ( 1 ) . وقضية ذلك استحباب تجويد كتابة البسملة وكراهة مد البسملة ، ولا يختص هذا ببسملة الفاتحة ، وهكذا بعض ما سبق . الحكم السابع : استحباب الابتداء بالبسملة ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل كالأكل والشرب والنحر والجماع والطهارة وركوب البحر وغير ذلك من الأفعال ، حتى ورد عن ابن بابويه ، عن " التفسير المنسوب إلى الإمام ( عليه السلام ) " في حديث طويل : " فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير أو عظيم ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 2 ) ، وفي التفسير المزبور ، قال : قال الصادق ( عليه السلام ) في حديث طويل : " أما علمتأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حدثني عن الله - عز وجل - أنه قال : كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو أبتر " ( 3 ) ، و " الكافي " مسندا عن الباقر ( عليه السلام ) : " لا تدعها ولو كان بعده شعر " ( 4 ) . ومن العجيب أن العامة مع قولهم باستحباب ذلك عند كل فعل ، تركها في الفريضة بعضهم ، كما لك وأصحابه ، وفي السورة بعض آخر كأبي حنيفة ( 5 ) . 1 - الكافي 2 : 493 2 . 2 - التفسير العسكري المنسوب إلى الإمام : 28 9 ، التوحيد : 232 5 . 3 - التفسير العسكري المنسوب إلى الإمام : 25 7 . 4 - الكافي 2 : 493 1 . 5 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 96 . |
|
|58| إن قلت : كيف يجمع بين قوله تعالى : ( إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) ( 1 ) وبين عموم هذا الحديث ، فإنه يلزم أن يبدأ أولا بالبسملة ثم التعويذ والاستعاذة ، مع أن البسملة من القرآن ، ولا يخرج من القرآنية بعدم قصدها بعد ما حررناه . قلت : " الكافي " مسندا عن فرات بن أحنف ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنه قال في حديث : " فإذا قرأت : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فلاتبالي ألا تستعيذ " ( 2 ) الحديث . وعلى هذا ، استحباب التسمية قبل الاستعاذة غير ثابت ، لأن الابتداء بقراءتها يستلزم عدم الحاجة إلى الاستعاذة ، فيلزم سقوط أمر القرآن ، وهو غير جائز . الحكم الثامن : الجهر بالبسملة قد ثبت في حديث معتبر عن ابن اذينة قال : " قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أحق ما اجهر به ، وهي الآية التي قال الله - عزوجل - : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) ( 3 ) " ( 4 ) . وفي تفسير العياشي عن أبي حمزة ، عن جعفر ( عليه السلام ) قال : " كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجهر ب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ويرفع صوته بها ، فإذا سمع 1 - النحل ( 16 ) : 98 . 2 - الكافي 3 : 313 3 . 3 - الإسراء ( 17 ) : 46 . 4 - تفسير القمي 1 : 28 . |
|
|59| المشركون ولوا مدبرين ، فانزل الله ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) ( 1 ) " ( 2 ) . ومن العجيب ما أفتى به أبو حنيفة من إيجاب الإسرار بها في الجهرية والإخفاتية ، وبه قال الثوري ، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وعمار وابن الزبير ، وهو قول الحكم وحماد ، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد ، وروي ذلك عن الأوزاعي أيضا ، وحكاه أبو عمر بن عبد البر في " الاستذكار " ( 3 ) . ولأجل اشتهار هذه الفتوى قيل : إن الجهر بها في الإخفاتية للمأموم مشكل ، لأن المطلقات من أحاديثنا ناظرة إلى رأيهم ، فيشكل انعقاد الإطلاق لها بالنسبة إلى الجهرية . وهم قد احتجوا بما رواه أنس ( 4 ) ، وقد مر : أن رواياته مضطربة في هذه المسألة ، فقد احتج من أنكر أنها من القرآن أو الفاتحة أو بعدم وجوبها فيالفريضة بروايته ، ومن أثبت وجوبها فيها - أيضا - بروايته . وقيل : هذا الرأي هو الجامع بين الآثار وسبب الاتفاق بين الأخبار ، ويخرج به عن الخلاف في قراءة البسملة ( 5 ) . وهو غريب ، فإنه كيف يخرج به وقد أفتى رئيسهم - مالك - 1 - الإسراء ( 17 ) : 46 . 2 - تفسير العياشي 1 : 20 6 . 3 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 96 ، وانظر التفسير الكبير 1 : 203 . 4 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 96 . 5 - نفس المصدر . |
|
|60| بكراهة قراءتها ( 1 ) . ومن العجيب والغريب ما أخرجوه عن سعيد بن جبير ، قال : " كان المشركون يحضرون بالمسجد ، فإذا قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قالوا : هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - وهو مسيلمة الكذاب - فأمر أن يخافت ب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ونزل ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) ( 2 ) " . وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم ( 3 ) . انتهى . وهذا الحديث يشهد على أن أنسا ظن أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يقرأ وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقرأ ، فكيف يصح قول من يدعي استحباب الإسرار ، أو إيجاب الإسرار ، أو يدعي أنها ليست من الفاتحة إذا كانت الآية الشريفة نازلة في مسألة الإخفات بالبسملة . الحكم التاسع : فضل البسملةأخرج العياشي عن سليمان الجعفري ، قال : سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : " إذا أتى أحدكم أهله فليكن قبل ذلك ملاطفة . " - إلى أن قال - : فقال له رجل في المجلس : فإن قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أو يجزيه ؟ 1 - الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 257 . 2 - الإسراء ( 17 ) : 110 . 3 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 96 . |
|
|61| فقال : " وأي آية أعظم في كتاب الله ؟ " فقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 1 ) . وأخرج عن خالد بن المختار ، قال : سمعت جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) يقول : " ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله ، فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها ، وهي ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 2 ) وقد أخرج " الكافي " مسندا عن الباقر ( عليه السلام ) : " سرقوا أكرم آية من كتاب الله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وينبغي الإتيان بها عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه " ( 3 ) . ومن هذه الأحاديث وما يقرب منها ( 4 ) الناطقة بأن البسملة أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها ، ومن ناظر العين إلى بياضها ، مع كثرتها بالطرق المختلفة في " الكافي " و " التهذيب " وغيرهما ، يعلم أن البسملة أعظم الآيات وأكرمها . وفيها تعريض بالعامة الذين اعتقدوا أنها لا تقرأ ، أو لا تكون من القرآن ، أو غير ذلك ، كما عرفت تفصيله ، ومنها يعلم أن جماعة منهم كانوا ينكرون كونها من كتاب الله ، أو كانوا لا يقرؤونها في الصلوات حسب ما وصل إلينا من آرائهم أيضا . بقي شئ وهو : معنى هذه الأحاديث الشريفة ، فسيأتي ذيل مباحث 1 - تفسير العياشي 1 : 21 14 . 2 - تفسير العياشي 1 : 21 - 22 14 . 3 - تفسير العياشي 1 : 19 4 ، تفسير الصافي 1 : 52 . 4 - تفسير العياشي 1 : 21 13 ، تهذيب الأحكام 2 : 289 1157 و 1159 ، وسائل الشيعة 4 : 745 كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 11 ، الحديث 2 و 3 و 11 . |
|
|62| تتعلق بكلمة " بسم الله " إن شاء الله تعالى . المسألة الخامسة فيما ورد من الآثار الناطقة بفضلها وهي تشتمل على خصوصيات اخر نشير إلى جملة منها : 1 - عن " الكافي " مسندا عن الصادق ( عليه السلام ) : " لا تكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لفلان ، ولا بأس أن تكتب على ظهر الكتاب لفلان " ( 1 ) . 2 - عنه مسندا عن المفضل بن عمر ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) " احتجبوا من الناس كلهم ب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وب ( قل هو الله أحد ) إقرأها عن يمينك وعن شمالك ، ومن بين يديك ومن خلفك ، ومن فوقك ومن تحتك ، فإذا دخلت على سلطان جائر فاقرأها حين تنظر إليه ثلاث مرات ، واعقد بيدك اليسرى ، ثم لا تفارقها حتى تخرج من عنده " ( 2 ) . 3 - وعنه عن الصادق ( عليه السلام ) في حديث : " ولربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فيمتحنه الله - عز وجل - بمكره ، لينتبه على شكر الله - تبارك وتعالى - والثناء عليه ، ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه قول : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 3 ) . 4 - في " التهذيب " مسندا عنه ، عن أبيه قال : " ( بسم الله الرحمن 1 - الكافي 2 : 494 3 . 2 - الكافي 2 : 457 20 . 3 - التوحيد : 231 5 |
|
|63| الرحيم ) أقرب إلى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها " ( 1 ) . 5 - " مهج الدعوات " عنه ( عليه السلام ) أنه قال : " ( بسم الله الرحمن الرحيم ) اسم الله الأكبر ، - أو قال - : الأعظم " ( 2 ) ، وبرواية ابن عباس قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ( بسم الله الرحمن الرحيم ) اسم من أسماء الله الأكبر ، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها " ( 3 ) . 6 - قال سعيد بن أبي سكينة : بلغني أن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) نظر إلى رجل يكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال له : " جودها ، إن رجلا جودها فغفر الله له " ( 4 ) . هذا ما أخرجه كتب العامة ، وهكذا ما بعده . 7 - وقال أيضا : " وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقبله ووضعه على عينيه ، فغفر له " ( 5 ) ، ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي . 8 - أخرج النسائي عن أبي المليح ، عمن ردف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " إذا عثرت بك الدابة فلا تقل " تعس الشيطان " ، فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ، ويقول : " بقوته صنعته " ، ولكن قل : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب " ( 6 ) . 1 - تهذيب الأحكام 2 : 289 1159 . 2 - مهج الدعوات : 316 . 3 - مهج الدعوات : 319 . 4 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 91 . 5 - نفس المصدر . 6 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 91 - 92 ، وانظر سنن أبي داود 2 : 473 ، والمستدرك ، الحاكم النيسابوري 4 : 293 ، ولم نجد في النسائي |
|
|64| 9 - وفي رواياتنا ورواياتهم عن علي بن الحسين وغيره ( عليهم السلام ) في تفسير قوله تعالى : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) ( 1 ) قال : " معناه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 2 ) . 10 - أخرج وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : " من أراد أن ينجيه الله تعالى من الزبانية التسعة عشر ، فليقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد " ( 3 ) . فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم ( عليها تسعة عشر ) ( 4 ) ، هم يقولون في كل أفبالهم : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فمن هنا لك هي قوتهم وببسم الله استضلعوا . المسألة السادسة حول كلمة " البسملة " قد تعارف استعمال كلمة " البسملة " بين المفسرين وغيرهم ، وهي لا توجد في رواياتنا وروايات أهل السنة حسب ما تفحصت عنها ، فهل يجوز أم لا ؟ وجهان لا يبعد الأول . وعن الماوردي : " ويقال لمن قال : " بسم الله " مبسمل ، وهي لغة مولدة ، وقد جاءت في الشعر : 1 - الإسراء ( 17 ) : 46 . 2 - تفسير العياشي 1 : 20 6 و 2 : 295 85 و 86 و 87 ، كنز العمال 2 : 454 . 3 - الدر المنثور 1 : 9 ، الجامع لأحكام القرآن 1 : 92 . 4 - المدثر ( 74 ) : 30 |
|
|65| لقد بسملت ليلى غداة لقيتهافيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل " ( 1 ) وظاهره والآخرين على أنه مخفف بسم الله ، أو مصدر جعلي ، والذي هو الأقرب أنه مخفف ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فما عن ابن السكيت والمطرز والثبالبي وغيرهم من أهل اللغة : " بسمل الرجل ، إذا قال : " بسم الله " أو " قد أكثرت البسملة ، أي قول : بسم الله " ( 2 ) ، غير صواب ، إلا أن يريدوا منه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، بل هي نظير الحوقلة و الحوللة والبسملة والحمدلة ، مصادر جعلية ، أو تخفيف في اللفظ ، بل قيل : حيفل إذا قال : حي على الفلاح ، وحيصل وجعفل إذا قال : حي على الصلاة ، وجعلت فداك ، وطبقل ودمعز إذا قال : أطال الله بقاك ، وأدام الله عزك . فبالجملة : نظير ذلك في الكتاب قوله تعالى : ( القناطير المقنطرة ) ( 3 ) ، وفي الحديث قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " جنود مجندة " ( 4 ) من المصادر الاتخاذية لغرض . وهي سماعية أو يجوز ذلك إذا حسن الاستعمال ، فلا يقف على ما اقتصروا عليه ، فإن كل شئ في طريق الاستكمال والكمال . وغير خفي أنها تارة تستعمل مصدرا ، ويتخذ منه الفعل ، كما إذا قال : قد أكثرت البسملة ، واخرى تستعمل رمزا وتخفيفا إذا قيل : البسملة آية من الكتاب والفاتحة . 1 - تفسير الماوردي 1 : 50 . 2 - انظر تاج العروس 7 : 228 . 3 - آل عمران ( 3 ) : 14 . 4 - عوالي اللآلي 1 : 288 142 ، صحيح مسلم 2 : 545 159 و 160 ، وراجع بحار الأنوار 58 : 31 و 63 و 64 و 79 و 135 و 139 . |
|
|67| المبحث الثالث حول ما يتعلق بالكلمات والجمل الناقصة وهنا يقع الكلام في نواح شتى : الناحية الاولى في ( بسم الله ) |
|
|69| اللغة والصرف وهنا مسائل : المسألة الاولى مبدأ اشتقاق " اسم " " اسم " على وزن " افع " ، والذاهب منه الواو ، وهو بكسر همزة الوصل وضمها ، والسم والسمى بتثليث السين مأخوذ من السمو عند البصريين ( 1 ) . وقال أحمد بن يحيى : من ضم الألف أخذه من " سموت السمو " ، ومن كسر أخذه من " سميت السمى " . ويقال : سم وسم ، وفي الشعر : والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا ( 2 ) وقد أنحاها بعض إلى ثمانية عشر لغة ، ونظمها وقال : 1 - راجع البحر المحيط 1 : 14 ، وروح المعاني 1 : 49 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 100 ، ولسان العرب 14 : 401 . |
|
|70| للإسم عشر لغات مع ثمانية بنقل جدي شيخ الناس أكملها سم سمات سمى واسم وزد سمة كذا سماء بتثليث لأولها ( 1 ) واختلفوا - بعد ما اتفقوا على أنه من السمو بمعنى العلو والرفعة والارتفاع - في وجه الإطلاق والاستعمال . فقيل : اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به . وقيل : لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره . وقيل : لأنه علا بقوته على الفعل والحرف ، فلذلك سمي بالاسم لقوته عليهما في الكلام . ويشهد لذلك : أن تصغيره سمي ، وجمعه الأسماء ، والنسبة إليه اسمي وسموي ، وعند التعدية والتحول في الأبواب الاخر سميت وأسميت . وهكذا ، والجمع والنسبة والتصغير يردن الأشياء إلى اصولها ( 2 ) . وقد يستعمل بقطع الهمزة في الشعر وهو جائز في غيره قضاء لحق الضرورة . وما ورد في اللغة - كما في " الأقرب " - اسم الشئ علامته ، وناقلا إياه في مادة السمو ( 3 ) ، إما اشتباه ، أو لغة خاصة ، أو يكون تأييدا للمذهب 1 - انظر روح المعاني 1 : 49 . 2 - راجع الجامع لأحكام القرآن 1 : 101 . 3 - أقرب الموارد 1 : 546 . |
|
|71| الآتي . وقد يجمع الأسماء على أسام ، وهو خلط ، بل اسم يجمع على جموع كثيرة أسام وأسماوات وأسامي بالتخفيف والتشديد . وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة ، وهي العلامة ، فأصله " وسم " ( 1 ) . والأول يناسب الاشتقاقات اللغوية ، والثاني يناسب معناه ، فإن اسم الشئ علامته حتى قيل : إن الوضع هي العلامة ( 2 ) . ويشهد لذلك ما عن " المعاني " و " العيون " عن الرضا ( عليه السلام ) عن ( بسم الله ) أي أسم على نفسي سمة من سمات الله - عز وجل - ، وهي العبادة . قال : قلت : ما السمة ؟ قال : هي العلامة " ( 3 ) . وحيث إن المحرز في علم الاصول أن علم الصرف لا يكون من العلوم الواقعية ، بل هو نوع من الذوقيات النفسانية والاستحسانات المحافلية ، لا يعتمد عليه في الاصول والفروع ، فإن أهل البادية يستعملون ، وأهل القرى يفسرون ، ويتخذون المسالك والسبل بالتخيلات الباردة . فعلى هذا لا يكون الاسم مشتقا من السمو ، ولا من الوسم ، بل هو لغة خاصة استعملت بمعنى العلامة ، كما عرفت من " أقرب الموارد " أيضا آنفا . ومما يشهد للمختار إطلاق الاسم على ما يقابل الفعل والحرف تارة ، 1 - انظر البحر المحيط 1 : 14 ، تاج العروس 10 : 183 ، روح المعاني 1 : 49 . 2 - نهاية الدراية 1 : 44 - 48 ، مناهج الوصول 1 : 57 . 3 - معاني الأخبار : 3 1 باب آخر في معنى بسم الله ، انظر عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 1 : 203 19 . |
|
|72| وعلى الأعم اخرى ، وذلك في قوله تعالى : ( علم آدم الأسماء كلها ) ( 1 ) وفي قوله تعالى : ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) ( 2 ) . وأيضا تارة يطلق على ما يقابل اللقب والكنية ، واخرى على الأعم ، كما في قولهتعالى : ( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق ) ( 3 ) . فتأمل . المسألة الثانية معنى " اسم " إن الاسم يطلق على الألفاظ الموضوعة ، ويحمل عليها ، ويقال : زيد اسم ، والشجر اسم ، والكتاب اسم ، ويطلق على الذات والأعيان الخارجية ، كما في قوله تعالى : ( إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) ( 4 ) ، وإذا كان هي الكلمة ، وكانت الكلمة تنقسم إلى الاسم والفعل والحرف ، فلا محالة يطلق عليه الاسم دون الفعل والحرف ، فعيسى كلمة الله واسم ، وهكذا في قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ) ( 5 ) ، فإن المعروض على الملائكة هي المسميات بالضرورة ، فلابد وأن يستعمل الاسم في المعنى الأعم من الألفاظ الموضوعة ومن المسميات ، فما هو معنى الاسم أمر جامع بين تلك الألفاظ 1 - البقرة ( 2 ) : 31 . 2 - النجم ( 53 ) : 23 . 3 - الحجرات ( 49 ) : 11 . 4 - آل عمران ( 3 ) : 45 . 5 - البقرة ( 2 ) : 31 . |
|
|73| والمسميات . فما في بعض كتب تفسير أهل العصر من أن قول بعض الباحثين في الفلسفة : إن الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين ، وهي عندهم أسماء مترادفة ، ليس من اللغة في شئ ، ولا هو من الفلسفةالنافعة ، بل من الفلسفة الضارة ، وإن قال الآلوسي بعد نقله عن ابن فورك والسهيلي : " وهما ممن يعض عليه بالنواجذ " . قال : بل لا ينبغي أن يذكر هذا القول إلا لأجل النهي عن إضاعة الوقت في قراءة ما بني عليه من السفسطة في إثبات قول القائلين : إن الاسم عين المسمى ، وقد كتبوا لغوا كثيرا في هذه المسألة ( 1 ) . انتهى . ناش عن قلة الباع وعدم الاطلاع ، لأن الاسم يطلق باعتبارات : الأول : اعتبار كونه اسما ومرآة للمسمى ، وبهذا الاعتبار لا يكون له نفسية ، ولا وجود مغاير للمسمى ، بل يكون وجوده دقيقة من وجوده ، ونفسيته نفسية المسمى ، ولذلك لا يكون الحكم في الكلام إلا على المسمى ، ولا يكون النظر إلا إلى المسمى ، فإن قولك : " جاء زيد " لا يكون النظر فيه ولا الحكم إلا على المسمى . والثاني : اعتبار كونه موجودا مغايرا للمسمى ، منظورا إليه ومحكوما عليه ، وبهذا الاعتبار يكون كا لمسمى أمرا موجودا مستقلا محكوما عليه مغايرا له ، وبهذا الاعتبار يعد الاسم مسمى ، وله أسماء كثيرة ، مثل قولك : زيد لفظ مركب من ثلاثة أحرف ، واسم وكلمة وموضوع ودال ، ولا يكون - وقتئذ - 1 - تفسير المنار 1 : 40 - 41 . |
|
|74| مرآة وحاكيا وفانيا ، ولا دالا على شئ آخر . والثالث : على العين الخارجية والأعيان والذوات الآفاقية . وهذا الاعتبار في طول الاعتبار الأول بالقياس إلى المبدأ الأعلى ، وهذا هو المراد من اتحاد الاسم والمسمى ، لا أن الاسم في اعتبار واحد عين المسمى . بل الاسم بالمعنى المتبادر منه أولا هي الألفاظ بما لها منالمعاني ، وتلك الألفاظ - أيضا - من الامور التكوينية ، ومن الأعيان النفس الأمرية غير القارة ، وبالمعنى المتباعد عنه الأذهان العامية ثانيا هي الوجودات والآيات ، فلفظة " الاسم " موضوع للمعنى الأعم بالاشتراك المعنوي ، لا اللفظي حتى يتوهم الاستخدام في قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ) ( 1 ) ، بل المستعمل فيه هنا الأمر الجامع ، ولكنه يراد منها في الابتداء - لقرينة ضمير " كلها " - الألفاظ بما لها من المعاني والأعيان العلمية ، وفي الجملة الثانية طائفة اخرى من الموضوع له ، لقرينة ضمير " عرضهم " الذي هو لذوات العقول والأعيان الخارجية والعينية ، وسيأتي زيادة توضيح في بحث كيفية إضافة الاسم إلى كلمة " الله " إن شاء الله تعالى . المسألة الثالثة عينية الاسم والمسمى اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاسم هل هو عين المسمى أو 1 - البقرة ( 2 ) : 31 . |
|
|75| غيره ؟ فذهب أكثر الأشاعرة إلى الأول ( 1 ) ، والإمامية والمعتزلة إلى الثاني ( 2 ) . وقد وردت في أحاديثنا ما ينفي القول بالعينية ( 3 ) . وتفصيل هذا البحث في سورة البقرة . والذي يجب التنبيه عليه : هو أن من يريد إثبات العينية لا يريد إثبات اتحاد المعنى الحادث المسموع ، واتحاد الكيف السمعي مع القديم الذاتي الأزلي ، بل هو يريد - على ما في " شرح المقاصد " - أمرا آخر ( 4 ) ،فراجع وتدبر . وللقول بالعينية تفسير آخر خارج عن أفكار المتكلمين - فضلا عن الأشاعرة - وهو مبتن على أن المعلول ربط إلى العلة ، والموجودات الكثيرة بالكثرة التخيلية روابط محضة ليست ذواتا حذاء الذات الأحدية المطلقة ، بل هي شأن الباري - عز اسمه - فلا بينونة بينهما بينونة عزلة ، حتى لا يتصور فيه نحو من الاتحاد الغير المنجر إلى الإلحاد ، فإذا كانت الحقائق الوجودية مرائي صفاته تعالى - التي هي عين ذاته تعالى - فهي محكومة بالاتحاد نحوا من الاتحاد الخارج عن 1 - انظر التفسير الكبير 1 : 108 ، الجامع لأحكام القرآن 1 : 101 - 102 ، شرح المقاصد 4 : 337 ، شرح المواقف 8 : 207 - 208 . 2 - انظر شرح المواقف 8 : 208 . 3 - انظر الكافي 1 : 88 4 ، والتوحيد : 58 16 و 142 7 و 192 6 و 220 13 و 417 1 . 4 - شرح المقاصد 4 : 337 . |
|
|76| أفهام أهل العلم والسوق ، ولذلك نفي في المآثير مثل ذلك . تذنيب يكفيك في ترخيص إطلاق الاسم على الذوات والأعيان - مضافا إلى ما أصفيناكم بالبرهان والوجدان - ما ورد عن أهل بيت الوحي والقرآن في " الكافي " عن ابن عمار عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في قول الله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ( 1 ) قال : " نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا " ( 2 ) ، فكما أن الاسم يدل على المسمىويكون علامة له ، كذلك هم ( عليهم السلام ) أدلاء على الله وأسمائه ، ولذلك نفي العينية بين الأسماء والذات فالألفاظ أسماء الأسماء أو إن شئت قلت : الألفاظ الموضوعة أسماء أسماء الأسماء ، ومسميات تلك الألفاظ أسماء الأسماء ، وهم ( عليهم السلام ) أسماء الله ومسميات لسائر الموجودات . المسألة الرابعة حول محتملات كلمة " الله " من حيث الاشتقاق القول الأول : " الله " غير مشتق عند الأكثرين . 1 - الأعراف ( 7 ) : 180 . 2 - انظر الكافي 1 : 111 4 . |
|
|77| القول الثاني : إنه مشتق ومادته لاه يليه : ارتفع ، ولذلك سميت الشمس إلاهة بكسر الهمزة وفتحها . القول الثالث : إن مادته لاه يلوه : احتجب واستتر . القول الرابع : إن مادته أله : فزع ، قاله ابن إسحاق ، أو أله : تحير ، قاله أبو عمر ، وأله : عبد ، قاله النضر ، أو أله سكن قاله المبرد . وقيل على هذه الأقاويل حذفت الهمزة اعتباطا ، كما في كلمة " ناس " ، فإن أصله اناس ، أو حذفت للنقل ولزم مع الإدغام ، وقيل : هذان القولان شاذان . القول الخامس : إن مادته وله - أي طرب - وابدلت الهمزة فيه من الواو نحو أشاح ، قاله الخليل والقناد ، وهو بعيد وضعيف . القول السادس : إن أصله " لاها " بالسريانية ، فعرب . قال الشاعر : كحلفة من أبي رياح يسمعها لاهه الكبار ( 1 )قال أبو يزيد البلخي وهو أعجمي ، فإن اليهود والنصارى يقولون : لاها ، وأخذت العرب هذه اللفظة وغيرتها فقالوا : ألله ( 2 ) . فما ترى في بعض كتب التفسير - ك " التبيان " ومن يحذو حذوه - من التمسك بالشعر المزبور في غير المورد المذكور ( 3 ) ، لا يخلو عن تأسف . وحيث إن أدنى المناسبة كافية في العلمية يشكل تعيين إحدى محتملات 1 - البيت للأعشى ، انظر مجمع البيان 1 : 19 . 2 - انظر البحر المحيط 1 : 14 - 15 . 3 - تفسير التبيان 1 : 27 ، وراجع أنوار التنزيل وأسرار لتأويل 1 : 6 ، ومجمع البيان 1 : 19 . |
|
|78| المسألة ، وقد بلغت الآراء إلى حد يشكل الإحصاء . ومنها وهو القول السابع : أن أصله الهاء - أي الضمير الغائب - كناية عن عدم إمكان اعتبار الاسم لجنابه تعالى في الظاهر ، فأثبتوه في نظر عقولهم ، فأشاروا إليه بحرف الكناية ، ثم زيدت فيه لام الملك ، إذ قد علموا أنه مالك الأشياء ، فصار " له " ، ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما ( 1 ) . وحيث إن هذه الكلمة الشريفة تنفرد بأحكام ذكرت في علم النحو ، وهي متخالفة مع القواعد المحررة ، تحيرت فيه العقول ، إيماء إلى أن العقول القدسية إذا تحيرت في ما هو وجوده اللفظي ، فكيف التحير في وجوده العيني . وما هو الأقرب إلى الاعتبار ما قد عرفت منا في كلمة " الاسم " من أنه ليس مشتقا بالاشتقاق الصغير حتى يتفحص عن مادته ، لأن الاشتقاقات الصحيحة ما كانت هيئتها موضوعة بوضع على حدة وضعا نوعيا ، والموادأيضا موضوعة على حدة بالوضع النوعي . وهذه الكلمة ليست هيئتها موضوعة على حذاء وضع المادة ، بل وضعها شخصي ، فالفحص عن الأصل في الاشتقاقات الكبيرة غلط ، وغير راجع إلى محصل . ولا منع من دعوى : أن الابتداء في الاستعمال كان أحد الوجوه المزبورة ، ثم صارت بالتحول هكذا . مثلا ما رواه سيبويه عن الخليل أن 1 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 103 ، وروح المعاني 1 : 53 . |
|
|79| أصله إلاه مثل فعال ، فادخلت الألف والام بدلا عن الهمزة ( 1 ) ، قريب فلابد من كونه في الأصل اسما يطلق عليه تعالى بعنوان جنسي وبمفهوم كلي ، ثم صار علما شخصيا مثلا . ومن المشكلات وأحكامه الخاصة : أن قضية القواعد الأدبية جواز دخول التنوين عليه بعدما صار علما ، وإذا كانت الألف واللام زائدة فلابد من حذفها عند دخول حرف النداء عليه ، فإن حروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام ، ألا ترى أنك لا تقول : يا الرحمن ويا الرحيم ، ولذلك قال جماعة - ومنهم الشافعي وأبو المبالي والخطابي والغزالي والمفضل - بأن الألف واللام داخلة في بنية الاسم ( 2 ) ، غافلين عن أن مقتضى ذلك دخول التنوين عليه ، وهو ممتنع . فهمزة الله إن كان وصلا فلابد من حذفها في النداء ، وإن كان قطعا فلابد وأن لاينحذف في قولك " قال الله تعالى " وأن يدخل عليه التنوين أيضا ، فكأنه جمع بين حكم الأصل والفرع . كما في جملة تنسب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من أحب كريمتاه لم يكتب بعد العصر " ، فإن اللازم أن يقال : " كريمتيه " جرا ، فإذا قيل : إن كلمة " كريمتان " موضوعة بالوضعالشخصي ، كما في " الأجدان والجديدان " بالنسبة إلى الليل والنهار ، فلابد من انحفاظ النون لدى الإضافة إلى الضمير ، ولا يعامل معها معاملة إضافة التثنية بحذف نونها ، فكأنه جمع بين حكم المبدأ والمنتهى ، لأن 1 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 102 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 103 ، والبحر المحيط 1 : 15 . |
|
|80| مبدأ الخلائق ومنتهاها محفوظ الوجود في ذاته ، الذي هي كل الكمالات على نعت البساطة والإجمال في عين الكشف والتفصيل . ولعمري إنه يناسب إفراد رسالة في خصوصيات هذه الكلمة ، كما ستقف عليه ، ولكن خوف الإطالة يمنع عن الغور فيها ، ويكفينا بعد ذلك ما رواه " الكافي " بسند معتبر عن هشام بن الحكم : أنه سأل أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن أسماء الله واشتقاقها . " ألله " مما هو مشتق ؟ فقال : " يا هشام " الله " مشتق من " أله " وأله يقتضي مألوها والاسم غير المسمى " ( 1 ) الحديث ، وعليه دخلت عليها الألف واللام وهي للغلبة ، إذ " إلاه " يطلق على المعبود بحق أو باطل ، و " الله " لا يطلق إلا على المعبود بحق ، فصار كالنجم للثريا . وربما يظهر من مضعف الحسن بن راشد ، عن أبي الحسن موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) : أنه مشتق من " ولى " قال : سئل عن معنى " الله " فقال : " استولى على ما دق وجل " ( 2 ) ، فكأنه اريد إثبات أن هذا الحكم من آثار كونه الله ، فيكون اللفظ مشتقا من الاستيلاء بالتصحيف وقد حكى عن " القاموس " : أن الأقوال في مبدأ اشتقاقه عشرون ( 3 ) ، وعن " الجالوس " : أنه بالغ إلى ثلاثين ( 4 ) والله هو العالم . 1 - الكافي 1 : 89 2 . 2 - الكافي 1 : 89 3 ، التوحيد 230 4 ، معاني الأخبار 4 1 . 3 - راجع القاموس المحيط 1 : 1603 . 4 - انظر تاج العروس 9 : 374 . |
|
|81| المسألة الخامسة حول الموضوع له لكلمة " الله " الشريفة إنه هل يكون موضوعا له تعالى بالوضع الخاص والموضوع له الخاص ، فهو علم ، لا كأعلام الأشخاص ، فإنها - على ما تقرر منا في الاصول - ليست موضوعاتها خاصة ، بل الموضوع له فيها كلي منحصر بالفرد ( 1 ) وإلا يلزم كون قضية " زيد موجود " قضية ضرورية مع أنها ممكنة ، وقضية " زيد معدوم " غلطا ومجازا ، ويلزم عدم صحة قولك " زيد إما موجود أو معدوم " . فهذا اللفظ الشريف موضوع للذات الأحدية الجمعية الخارجية ، حتى تكون القضية التي موضوعها " الله " قضية ضرورية ذاتية أزلية ، على ما تقرر في الكتب العقلية . أم هو كأعلام الأشخاص موضوع للكلي المنحصر بالفرد ، وهو الواجب بالذات بالوضع التعيني بكثرة الاستعمال ، أو الذات المستجمعة لكافة الصفات الكمالية والجمالية والجلالية ، كما يظهر من بعض . وهذا نوع بديع من أقسام الموضوع له ، وليس من أنواعها المعروفة ، وقد تعرضنا في الاصول إلى أن أقسام الوضع والموضوع له تبلغ عشرين ، وليست منحصرة بالثلاثة أو الأربعة . وهنا احتمال ثالث وهو أنه موضوع لتلك الحقيقة الخارجية بما لها من الكمالات النفس الأمرية والصفات الجمالية والجلالية ، بحيث لوفرض خلو الذات عنها لما كانت هي موضوعة لها . 1 - راجع تحريرات في الاصول 1 : 74 . |
|
|82| ربما يؤيد الأول : التبادر ، وأن كلمة " الله " لا تقع وصفا لموصوف ، وأن كلمة الإخلاص كلمة توحيد ، فتدل على الذات الخارجية وأن حكمة الوضع تقتضي جعل الوضع للذات المقدسة ، وإلا يلزم خلوها عن لفظ يخصه . ولا يخفى ما فيه من الفساد والضعف ، فإن الموضوع إذا كان عنوانا لا ينطبق إلا على المصداق الواحد - وهو الواجب الوجود - فكل واحد من هذه اللوازم المزبورة يحصل ، ولذلك إذا قيل : ليس في الدار غير زيد ، فقد شهد بأن زيدا وحده في الدار ، مع أنه موضوع لمعنى كلي ، كما عرفت منا . وهكذا سائر ما أفاده بعض المشتغلين بتحصيل التفسير ( 1 ) . مع ما قيل بأن كلمة " الله " وقعت صفة في قوله تعالى : ( العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ) ( 2 ) . وغير خفي : أن كلمة الإخلاص توحيد إذا قصد المتكلم من المستثنى اللفظة الشريفة فانية في معناها ، فيكون قاصد المعنى ، وإلا فلو استثنى اللفظ فلا يكون توحيدا . وإذا كان مع قصد المعنى توحيدا ، فلا منع من كونها موضوعة للذات الواجب الوجود مع اعتقاده وحدة المصداق ، فما أفاده الفخر في المقام كله خال عن التحصيل ( 3 ) . وربما يؤيد الثاني : أن الأعراب كانوا يعبدون غير الله ، ويشركون في 1 - انظر التفسير الكبير 1 : 157 ، وروح المعاني 1 : 54 ، والأحسن جعل هذه العبارة بعد ما يأتي : " خال عن التحصيل " . 2 - إبراهيم ( 14 ) : 2 . 3 - التفسير الكبير 1 : 156 . |
|
|83| عبادته تعالى ، مع اعتقادهم بالتوحيد الذاتي والصفاتي ، فإذا ورد : " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " فهو يشهد على أن " الله " قد استثني من مفهوم الإله ، فيكون الاستثناء متصلا لا منقطعا . وهذا دليل على أن في مفهوم كلمة " الله " اخذت فيه العبودية ، لعدم سبق عبادتهم لذاته تعالى قبل الإسلام ، فيعلم منه أن الموضوع له كلي لا ينطبق إلا عليه تعالى . مع أنه لو فرضنا وجودا يماثل وجوده تعالى صفة وخصوصية ، يصح أن يطلق عليه كلمة " الله " . ومع أن من يقول في تخيله الباطل : " الله معدوم " لا يكون غالطا في الكلام ومجازا في الإسناد ، بل تكون قضية كاذبة ، كما إذا قال : زيد معدوم ، مع أنه موجود ، فإنه قضية كاذبة ، لا قضية غلط أو مجاز . ومع أن إسراء الوضع إلى الحقيقة المجهولة من جميع الجهات - بحيث يكون هو الموضوع له - غير ممكن ، أو يحتاج إلى مؤونة زائدة ولحاظ خاص ، وإلا فالوضع نوعا يحصل من كثرة الاستعمالات ، والاستعمالات الرائجة تكون في المعاني الكلية ، لأن الأغراض تتعلق بها . ولكن - بعد اللتيا والتي - إن الأعلام الشخصية تثنى وتجمع ويتسم بها غير واحد ، والألفاظ الموضوعة للواحد الذي لا مصداق كثير لها تجمع كالأرض والشمس باعتبار القطعات مثلا ، وكلمة " الله " لها خصوصية اخرى غير سائر الخصوصيات ، وهي أنها موضوعة لما لا يقبل التكرر والتعدد ، ولا يتسم بها غيره تعالى وتقدس . والذي هو المهم من الأدلة في المسألة : أن مفهوم الموجودية لا يؤخذ من مفهوم كلمة " الله " ، ولو كانت هي العلم لحقيقة الوجود التي هي نفس |
|
|84| الخارجية ، كان ينبغي أن يتبادر منه ذلك ، فيكون مرادفا له ، كما يكون عين تلك الحقيقة . وهذا البرهان خارج عن افق اللغة ، والأولى دعوى التحير في مسمى هذه اللفظة الشريفة ، كما تحيرت العقول في جميع خصوصياتها الاسمية والمسمائية . وربما يستشم من قوله تعالى : ( وهو الله في السموات وفي الأرض ) ( 1 ) أن الموضوع كلمة " هو " بما لها من المرجع ، وهو الذات الأحدية ، والمحمول كلمة " الله " ، ولا يناسب حمل الاسم الشخصي على المسمى ، فيعلم منه أن مفاد كلمة " الله " معنى كلي لا يكون له إلا مصداق واحد ، وأرادت الآية الشريفة إثبات أن مصداق الواجب بالذات والذات المستجمعة للكمالات والصفات هو ، لا غيره . كما يستشم من قوله تعالى : ( رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) ( 2 ) أن الآية في مقام نفي الاشتراك في الاسم ، وهذا لا يصح إلا بالنسبة إلى كلمة " الله " ، وإلا فسائر الأسماء يطلق على غير الله تعالى ، حتى كان مسيلمة الكذاب اسمه رحمان اليمامة . وأما إرادة نفي المشاركة في الكمالات والصفات - لا في الأسماء - وإن كان بحسب المعنى أنسب ، إلا أنه أشبه بقوله تعالى : ( يا زكريا إنا 1 - الأنعام ( 6 ) : 3 . 2 - مريم ( 19 ) : 65 . |
|
|85| نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ) ( 1 ) ، ولم تستعمل هذه اللفظة إلا في هاتين الآيتين . والله العالم . وفي " تفسير الصافي " رواية تدل على أن المراد من السمي ، هو المشارك في الاسم ( 2 ) . ومما يؤيد أن الموضوع له كلي لا ينطبق إلا على واحد : قوله تعالى : ( هل من خالق غير الله ) ( 3 ) ، بناء على كون الغير وصفا لا حرف الاستثناء ، وقوله تعالى : ( ما لكم من إله غيره ) ( 4 ) ، بناء على رجوع الضمير إلى لفظة " إله " . والالتزام بأن في لفظة الله ليست إلا لمعنى واحد ، وهو يقع وصفا ، ولا يأتي لسائر المعاني المذكورة في الكتب الأدبية ، قريب ، وسيمر عليك تحقيقه . وغير خفي : أن ما اشتهر من أن كلمة " الله " موضوعة للذات المستجمعة لجميع الصفات والكمالات ، يناقض ما اشتهر عنهم أيضا من أنها كلمة صارت علما بالغلبة ، ومأخوذة من أحد المشتقات السابقة ، ضرورة أن معنى ذلك اختصاص اللفظة بالذات الموصوفة بتلك الصفة التي هي مبدأ اشتقاقها . وهذا يؤيد : أن كلمة " الله " كانت قبل الإسلام موضوعة لتلك الذات ولمن خلق الأرض والسماوات ، المنعوت بنعوت الربوبية ، والموصوف 1 - مريم ( 19 ) : 7 . 2 - تفسير الصافي 3 : 288 ، ذيل سورة مريم ( 19 ) : 65 ، انظر التوحيد : 264 5 . 3 - فاطر ( 35 ) : 3 . 4 - هود ( 11 ) : 50 و 61 و 84 . |
|
|86| المنفرد بالوجود الواجبي الحقيقي . ويؤيد ذلك قوله تعالى في سورة الزخرف : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ( 1 ) وأمثال هذه الآية كثيرة ، وهكذا في سورة الأنعام : ( فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ) ( 2 ) . أو يؤيد مقالة ابن العربي محيي الدين : " إنها اسم للذات الإلهية من حيث هي هي على الإطلاق ، لا باعتبار اتصافها لصفات ، ولا باعتبار لا اتصافها " ( 3 ) . انتهى . وفي مسلك آخر ( 4 ) يشرح هذا المعنى : أنها علم للذات بعنوان مقام ظهوره الذي هو فعله ومشيته ، فإن الذات غيب مطلق لا اسم له ولا رسم له ، وإن الصفات ليست له إلا باعتبار ظهوره ومشيته ، ولمشيته اعتباران : اعتبار وجهها إلى مقام الغيب ، واعتبار وجهها إلى مقام الخلق ، وتسمى بالاعتبار الأول " عرشا " ، وبالاعتبار الثاني " كرسيا " ، وبهذين العنوانين يسمى الحق الأول بالله وبالرفيع والعلي ، وتوصف بالرفعة ، وهو رفيع الدرجات ذو العرش ، وباعتبار هذين العنوانين قال تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) ( 5 ) وقال : ( وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) ( 6 ) . 1 - الزخرف ( 43 ) : 87 . 2 - الأنعام ( 6 ) : 136 . 3 - تفسير القرآن الكريم ، المنسوب إلى محيي الدين ابن العربي 1 : 7 . 4 - تفسير بيان السعادة 1 : 27 - 28 . 5 - طه ( 20 ) : 5 . 6 - البقرة ( 2 ) : 255 . |
|
|87| الخط هنا مسائل ثلاث : المسألة الاولى في حذف همزة " بسم الله " كانوا يكتبون قبل الإسلام وبعده هكذا : " باسمك اللهم " محافظين على الهمزة في الكتابة ، وبعد ظهور الإسلام والانقلاب فيما يكتب في مبادئ المكاتيب ، كتبوا هكذا : " بسم الله " حاذفين الهمزة في مثله ، وفي قوله تعالى : ( بسم الله مجراها ومرساها ) ( 1 ) ، ويظهرونها في سائر الاستعمالات في الكتاب العزيز ، وهي كثيرة . منها قوله تعالى : ( فسبح باسم ربك العظيم ) الحاقة ( 2 ) والواقعة في موضعين ( 3 ) . ولا يمكن احتمال الغلط في الكتابة في خصوص هذه اللفظة ، وإن احتملنا ذلك في سائر الأغلاط الكتابية الكثيرة الموجودة في القرآن ، 1 - هود ( 11 ) : 41 . 2 - الحاقة ( 69 ) : 52 . 3 - الواقعة ( 56 ) : 74 و 96 . |
|
|88| وربما تبلغ أكثر من خمسين موردا ، وأنهيناها في بعض المخطوطات إلى أكثر منها ظاهرا ، لأن احتمال اشتباه الكاتب أو عدم اطلاعه على رسم الخطوط في الابتداء قريب . وقد بنى الطبقات اللاحقة على صيانة تلك الأغلاط ، لشدة اهتمامهم بحفظ الكتاب العزيز عن الحوادث والتغيرات ، وعنمعرضية القرآن العظيم لوصمة اتهام التحريف ، فبادروا إلى تلك الكتابة عالمين بأنها خارجة عن قانون رسم الخط . ومن الأغلاط الكتبية الواضحة : كتابة " أيها " بصورة " أيه " في قوله تعالى : ( سنفرغ لكم أيه الثقلان ) في سورة الرحمن ( 1 ) ، وهكذا في موضع آخر أو موضعين آخرين ( 2 ) . ومنها : كتابة " يابن ام " على هذه الصورة : " يبنؤم " ( 3 ) ومنها غير ذلك . ولم يظهر لي حتى الآن سبب هذا الرسم والانقلاب ، وهل هو كان لأجل إضافة الاسم إلى كلمة " الله " ، ولذلك في موضع تلك الإضافة تحذف الهمزة ولا تكتب . وقال في " التبيان " : " وحذفت هنا وحدها في الخط لكثرة الاستعمال ، ولا تحذف في قوله تعالى : ( إقرأ باسم ربك ) ، وقوله : ( فسبح باسم ربك ) وما أشبه ذلك ، لقلة استعمالها هناك " ( 4 ) . انتهى . 1 - الرحمن ( 55 ) : 31 . 2 - النور ( 24 ) : 31 " وتوبوا إلى الله جميعا ايه المؤمنون لعلكم تفلحون " . الزخرف ( 43 ) : 49 " وقالوا ياايه الساحر ادع لنا . " . 3 - طه ( 20 ) : 94 . 4 - تفسير التبيان 1 : 25 . |
|
|89| وهذا منقوض بما مر : ( بسم الله مجراها ومرساها ) ، وربما عرفت في " باسمك اللهم " ، فإنه بعد نزول آية ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كتبت هكذا ، لا بعد الاستعمال الكثير . ومن ذلك يظهر ضعف مقالة يحيى بن وثاب والكسائي وسعيدالأخفش في المقام ، وهي كثرة الاستعمال بعد دعوى الاتفاق على حذف الهمزة في الكتابة ، وكأنه لا يجوز إظهارها في الكتب ( 1 ) . والله العالم . وأيضا يظهر ضعف ما عن الخليل : إنما حذفت الألف في قوله : ( بسم الله ) وذلك لأنها إنما دخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن ، فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الخط ، وإنما لم تسقط في قوله : ( إقرأ باسم ربك ) لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع ، كما في ( بسم الله ) لأنه يمكن حذف الباء من ( إقرأ باسم ربك ) مع بقاء المعنى صحيحا ، أما لو حذفت من ( بسم الله ) لم يصح المعنى فظهر الفرق ( 2 ) . انتهى . فلو تم ذلك ، فما يقول في قوله تعالى : ( بسم الله مجراها ومرساها ) ( 3 ) ؟ فإنه يتم المعنى بدون الباء كما لا يخفى . ومثله قوله تعالى : ( لكنا هو الله ربي ) ( 4 ) ، فإن الأصل هكذا " لكن أنا " ، فحذفت الهمزة في القراءة وفي الخط ، وبقي الألف للدلالة على حذفه . 1 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 99 . 2 - التفسير الكبير 1 : 106 . 3 - هود ( 11 ) : 41 . 4 - الكهف ( 18 ) : |
|
|90| المسألة الثانية في حذف الألف من " الله " القواعد الخطية وقانون الرسم ، تقتضي في كتابة اللفظة الشريفة إظهار الألف ، فيكتب هكذا " اللاه " ، ولكنه حذف لئلا يشتبه بخط" اللاه " اسم الفاعل من " لها يلهو " . وقيل : طرحت تخفيفا . وقيل : هي لغة ، فاستعملت في الخط ( 1 ) . ولك أن تقول : هذا شاهد على أنها ليست مشتقة من شئ ، بل هي كلمة مستقلة هكذا تقرأ ، أي بالألف ، وقد تقرأ بدونه كما في الرجز والشعر ، واتبع الكاتبون القراءة الثانية في رسم الخط والكتابة ، ولو كان البناء على التخفيف ، كان ينبغي أن يكتب باللام الواحد المشدد ، كما قيل في " الذين " و " الليل " فإن في التثنية تكتب هكذا " اللذين " . ولا يخفى أن كلمة " ليل " في القرآن ، مختلفة الرسم ولاقاعدة كلية فيها . ومن العجيب أن الكلمة الشريفة تكتب باللامين وهكذا كل كلمة مشابهة لها . وهكذا إذا دخلت عليها اللام الجار ، تحذف الهمزة ولا تكتب اللام ، فيكون هكذا " لله " ، مع أن القاعدة تقتضي أن تكتب هكذا " لله " ، فلمراعاة حسن الخط صارت كذلك . وقيل : إنما حذفوا الألف قبل الهاء في قولنا : " الله " ، لكراهتهم اجتماع 1 - راجع البحر المحيط 1 : 15 . |
|
|91| الحروف المتشابهة بالصورة عند الكتابة ، وهو مثل كراهتهم اجتماع الحروف المتماثلة في اللفظ عند القراءة . وغير خفي أنه لا يحذف الألف في الخط في كتابة " اللاه " اسم الفاعل بمعنى اللاهي من اللهو ، فلا يتم التعليل . فما تخيله الفخر ( 1 ) ، غير مرضي . كما أن تخيله أن الهمزة من أقصى الحلق والهاء من أقصى الحلق ، إشارة إلى سير العبد من قوس النزول إلى منتهى إليه القوس الصعودي ( 2 ) ، في غير محله ، لأنها ليست من أقصى الحلق ، فلاينبغي لهالتدخل فيما ليس أهلا له حتى لا يقع فيما لا يناسبه . المسألة الثالثة في مد الباء قد مضى في أحاديثنا عن " الكافي " مسندا عن الصادق ( عليه السلام ) في حديث : " ولا تمد الباء حتى ترفع السين " ( 3 ) ، وحكي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه : " طول الباء ، وأظهر السينات ، ودور الميم " ( 4 ) ، وعن بعض آخر : " إنما طولت الباء عوضا عن حذف الهمزة " ( 5 ) . ولعل معنى الحديث الشريف يكون ذلك ، أي لا يجوز مد الباء وقت 1 - التفسير الكبير 1 : 107 . 2 - نفس المصدر . 3 - الكافي 2 : 494 2 . 4 - انظر التفسير الكبير 1 : 106 ، والكشاف 1 : 5 ، وروح المعاني 1 : 51 . 5 - انظر التفسير الكبير 1 : 105 ، وروح المعاني 1 : 51 . |
|
|92| رفع السين ، واشرب في كلمة " حتى " معنى الزمان ، أي يكتب هكذا " بسم " فإن رفع السين إظهاره بالتضريس ، أو يكتب هكذا " بسم " فإنه يعد المد سينا غير مضرس ، وأما المد والتضريس فلا يجوز ، للزوم تكرار السين ، وهو هكذا " بسم " ، خلافا لما يظهر من ابن عبد العزيز ، حيث أمر على خلاف ذلك وقال : " طول الباء ، وأظهر السين وضرسها " غافلا عن الإشكال المذكور فهو لأئمتنا ( عليهم السلام ) ، فجئني بمثلهم . إن قلت : لا يتعارف في الخط العربي سين غير مضرس . قلت : ربما يكون هذا شاهدا على تعارفه في بعض أنواع الخطوط من الثلث أو الرقاع . فلو سلمنا ذلك يصير المعنى : إن المد غير جائز قبل التضريس . نعم بعد التضريس يجوز هكذا " بسم " . والله العالم . |
|
|93| النحو والإعراب وهنا مسائل : المسألة الاولى عن متعلق الباء اعلم أن الباء تأتي لمعان : الاستعانة ، والإلصاق ، والقسم ، والسبب ، والحال ، والظرفية ، والنقل . وأمثلتها هكذا : ذبحت بالسكين ، مسحت برأسي ، ( فبظلم من الذين هادوا ) ، بالله أفعل كذا ، جاء زيد بثيابه ، زيد بالبصرة ، والنقل : قمت بزيد . وتأتي زائدة للتوكيد : ( كفى بالله شهيدا ) وتأتي لمعان اخر : البدل ، والمقابلة ، والمجاوزة ، والاستعلاء ، وغير ذلك . هذا ما عند النحاة . والذي يظهر : أن بعضا منها مع بعض مختلف المعنى ، مثلا : ( ذهب الله بنورهم ) ، وقولهم : كتبت بالقلم ، فإنهما لا يمكن إرجاعهما إلى واحد ، وهكذا القسم ، ولكن كثير من هذه الموارد المزبورة في الكتب الأدبية ، ترجع إلى معنى واحد ، وإنما التشتت جاء من اختلاف لواحق الكلام به . |
|
|94| ثم إن أصل احتياج الجار والمجرور - لكونه جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها - إلى متعلق مذكور أو محذوف ، متقدم أو متأخر ، فعل أو مشتق اسمي ، مما لابد منه ولا محيص عنه . فأما إذا كان مذكورا فلا يختلف فيه اثنان ، وإذا كان محذوفا ، ربما تبلغ الأقوال إلى عشرين أو أكثر ولك أن تعد هذه الأقوال ، احتمالات المسألة ، ولا معنى لتعيين المحذوف معينا بعد إمكان كونه كثيرا ، حسب اختلاف موارد الاستعمال ومقاصد الكلام مع القرائن المختلفة ، ومع ذلك لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى اختلاف الأفاضل والمفسرين : فعن الفراء : " ابدأ بسم الله " بالأمر . وعن الزجاج : " ابتدأت بسم الله " ، فتكون الجملة في موضع نصب . وعن آخر : " ابتدائي بسم الله " ، فيكون في موضع رفع . وعن رابع : " ابتدائي مستقر وثابت بسم الله " ، فيكون في موضع النصب ، ونسب ذلك إلى نحاة أهل البصرة . وعن خامس منهم : " ابتدائي بسم الله موجود وثابت " ، فيكون في موضع النصب بالمصدر وهو ابتدائي ( 1 ) . وعن سادس : " ابدأ أو اقرأ أو شبهه ، أو قولوا بسم الله " هكذا في " التبيان " ( 2 ) . وقيل : لا يجوز تقدير جملة ابتدائي ، لصيرورة الباء للصلة ، فيحتاج إلى الخبر ، هكذا في " المجمع " ( 3 ) وفيه : أن ذلك تابع لقصد المتكلم . وقيل : إن المحذوف جملة - فعلية كانت أو اسمية - تكون متأخرة ، 1 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 99 . 2 - تفسير التبيان 1 : 25 . 3 - مجمع البيان 1 : 20 . |
|
|95| لأنه - مضافا إلى مناسبة كرامة الاسم الشريف بعدم تقديم شئ عليه - يناسب المتعارف من الاستعمال ، فإن المسافر إذا حل وارتحل فقال : " بسم الله " كان المعنى : بسم الله أحل وأرتحل ، وكذا الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله " بسم الله " ، كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له ، وإنما قدرالمحذوف متأخرا لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به ، وكانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم ، فيقولون : " باسم اللات والعزى " ، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء والتقديم وتأخير الفعل . وربما يؤيد حسن تقديم المحذوف قوله تعالى : ( إقرأ باسم ربك ) ( 1 ) ، ( 2 ) . ولك دعوى : أن هذه الكلمة الشريفة ، خارجة عن قانون لزوم الحاجة إلى المتعلق ، بل سيقت للتبرك بها في ابتداء الأفعال والأقوال ولحسن الطالع ولجلب نظر الملائكة المقدسين إلى العمل الذي ابتدئ به وتكلم به ، فيكون المحذوف - في الحقيقة - الفعل أو مادة من المواد الاشتقاقية مع حرف الصلة ، سواء كان الباء أو غيره من سائر الحروف ، فيقول مثلا مع ( بسم الله الرحمن الرحيم ) : أفعل وأصنع كذا ، فتكون الباء منسلخة عن المعنى الأصلي . وبعبارة اخرى : الابتداء بهذه الكلمة الشريفة كالابتداء بكلمة " الله " من غير إدخال شئ عليه ، فهو سيق لمجرد التذكر والتيمن والتبرك الذي 1 - العلق ( 96 ) : 1 . 2 - الكشاف 1 : 2 - 3 . |
|
|96| قد وردت الآيات الكثيرة الآمرة بذكره تعالى ولذلك ترى أنها تقرأ مع كل سورة ، ومن تلك السور ما صدرت بالأوامر مثل سورة المزمل وغيرها ، بل لا يتناسب مع كثير من السور ، كالدهر والمائدة والأعلى والحج وغيرها ، مما يناسبها في عدم المناسبة بين الابتداء بالبسملة الشريفة مع أحد العناوين المزبورة . اللهم إلا أن يقال : بأن البسملة في كل سورة متعلقة بتلك السورة ، فلا يجب انتظام المعنى المقدر في جميع السور ، كما توهمه بعض المفسرين . ويمكن أن يقال : إن المحذوف هو مادة الاسم ، وهو المناسب لدلالة المذكور عليه ، ولما عرفت عن " المعاني " و " العيون " عن الرضا ( عليه السلام ) عن ( بسم الله ) : " يعني أسم على نفسي بسمة من سمات الله " ( 1 ) الحديث . وغير خفي : أن الباء من الحروف ، وجميع الحروف قابلة - على مسلك - لأن تلاحظ بالعناوين الاسمية ، ولذلك عبروا عنها في مقام تفسيرها : بأن الباء للاستعانة والإلصاق و " من " للابتداء و " إلى " للانتهاء . فعلى هذا ، ما اشتهر من أن الباء متعلق بمحذوف ، وهي الاستعانة ، غلط ، لعدم إمكان تعلق الباء الحرفي الموضوع للاستعانة بالمعنى الاسمي ، وهو الاستعانة ، بل الحرفي من كل يتعلق بالاسمي الآخر ، فقولهم : إن الباء للابتداء في الأصل فالمحذوف هي مادة الابتداء ، أو للإلصاق والاستعانة في الأصل فالمحذوف كذا ، غلط ظاهر ، ضرورة عدم إمكان 1 - معاني الأخبار : 3 ، باب معنى بسم الله ، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 1 : 203 19 . |
|
|97| تصحيح قولهم : " أستعين ببسم الله " على أن تكون الباء للاستعانة ، بل الباء إذا كان المقدر مادة الاستعانة لمعنى آخر من الصلة والإلصاق ، وهكذا إذا قيل : " ابتدأت ببسم الله " . وأيضا إن مقصود المفسرين من تعلق " بسم الله " بمادة من المواد - سواء كانت القراءة أو الاستعانة - ليس أن المقروء والمستعان به هي الكلمة المبتدأ بها والجملة الناقصة التصورية ، بل هي مقدمة لما هوالمقروء الحقيقي المقصود بالأصالة في القراءة ، وهي جملة : ( الحمد لله رب العالمين ) ، فما ترى في بعض التفاسير الحديثة ، من الغلط الواضح . وما قيل : إن المحذوف يتعين في مادة الابتداء ، لامتناع الاستعانة في حقه تعالى ، في نهاية السقوط ، للزوم استعانته بالمخلوق في قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ، بل يلزم عبادته للمخلوق في الجملة الاولى ، لأنهما جملتان من القرآن ، والقرآن نازل من الله تعالى ، فما هو الجواب هنا ، هو الجواب هناك ، فإنه تعالى لا ينشئ في هذه الحوادث والكلمات المعاني التي ينشئها الآخرون حين قراءة الكتاب . وهنا قول سابع وهو : كون الباء للقسم من الرب والمربوب ( 1 ) ، وبه يجمع بين المتشتتات ، فهو قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده : إن هذا الذي وصفت لكم يا عبادي في هذه السورة حق ، وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري . وأيضا يكون قسما من العبد على صدق لهجته ، وتوافق الجملة اللفظية مع الذهنية ، 1 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 91 . |
|
|98| وهما مع القلبية والروحية ، وكان في ما اثر عن الرضا ( عليه السلام ) ( 1 ) إشارة إلى أن قارئ ( بسم الله ) والقائل به ، ينبغي أن يجتهد حتى يجد عين هذا القول انموذجا من صفات الله في وجوده ، وفي قوله ( عليه السلام ) : " وهي العبادة " إشارة إلى أن العبد حين هذا القول ، ينبغي أن يخرج من أنانيته التي هي خروج من العبادة والعبودية ، ويخرج من مالكيته واختياره ، ويدخل تحت أمر ربه ، ويجد ذلك من نفسه حتى تكون منه هذه الكلمة صادقة ، ولايكون هو كاذبا بينه وبين الله ، سواء اريد بكلمة ( بسم الله ) إنشاء الاتصاف بسمة منسمات الله أو الإخبار به . والمسلك السابع : هو أن قضية الأصل عدم التقدير ، إذا أمكن تعلق الجار والمجرور بالمذكور ، وقد اختار أرباب العرفان والشهود وأصحاب الإيقان والتوحيد : أن بسملة الحمد متعلقة بقوله : ( الحمد لله رب العالمين ) ، وبيان ذلك يأتي في تفسير قوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) ومسلكهم هذا أيضا قريب من افق علم النحو والإعراب ، فكأنه يقول : حمدت أو أحمد الله تعالى حمدا يليق به باستعانة اسم الله الرحمن الرحيم ، فما يتعلق به هو الفعل المتخذ من الحمد المصدري أو الاسم المصدري ، أو متعلق بنفس المصدر . فالأولى كون الباء للاستعانة ، فإن الحامد في توجيه حمده إلى الله تعالى ، يطلب الاستعانة بمعناها الحرفي من اسم الله الرحمن الرحيم ، كما 1 - معاني الأخبار 3 ، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 1 : 203 19 ، التوحيد 229 1 . |
|
|99| يطلب الاستعانة بمعناها الاسمي ، عند قوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) أو للتعليل لمفاد الجملة الثانية ، أي إن علة انحصار المحامد برب البالمين - وإن كل محمدة ترجع إلى تلك الهوية المطلقة ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ( 1 ) . اگر مؤمن بدانستى كه بت چيست يقين كردى كه دين در بت پرستى است هو كون الاسم الله الرحمن الرحيم ، فإن كلمة " الله " موضوعة للذات بما لها من الكمالات والأسماء ، فإن هذه الكلمة هي ام الأسماء ، وعندها يعتدل آثارها وخواصها ، ولذلك مظهر هذا الاسم الأعظم مجمع جميعالكمالات على حد الاستواء والعدالة ، من غير إفراط وتفريط في ناحية من النواحي الكثيرة في الأسماء الإلهية - البالغة حسب بعض المسموعات أربعة آلاف ، ثلاثة آلاف منها مرسومة ، والألف الاخرى غير مسموعة - المنطوية في الاسم المستأثر للذات . أو أن ( الحمد لله رب العالمين ) باقتضاء الاسم الذي هو الله الرحمن الرحيم . وعلى مسلكنا يصير المعنى هكذا ، أي إن الحمد لله رب البالمين باقتضاء اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم ، فإن لله تعالى علما وأسماء ، فالله علم ، والرحمن الرحيم من الأسماء ، ولذلك يأتيك : أن الإضافة ليست بيانية ، بل هي معنوية في إضافة اسم إلى الله ، وبيانية في إضافة اسم الله 1 - النساء ( 4 ) : 79 . |
|
|100| إلى الرحمن الرحيم ، لما سيظهر : أن إعراب الرحمن على إضافة اسم المضاف إلى الله إلى الرحمن ، أو يكون الرحمن وصف الاسم ، لا وصف الله في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، أي بسم الله الذي هو الرحمن الرحيم بما لهما من المعنى ، وكأن معنيي " الرحمن الرحيم " داخلان في الموضوع له للاسم ، لما عرفت من أن الاسم موضوع للألفاظ الموضوعة ، لا مطلق اللفظ ولو كان مهملا . وبهذا التقريب يمكن حل الشبهة الماضية من لزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين في البسملة ، بأن معنى الرحمن الرحيم يراد من الاسم ، لا من الرحمن الرحيم ، حتى تكون في طول إرادة معنى الاسم فيلزم الإشكال الآخر الماضي تفصيله . إضافة وإبانة قد اشتهر أن خفض الاسم في بسم الله ، أوجب رفعه في ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) ( 1 ) وهذا هو أحد المسالك السبعة السابقة ، وكنا قد اخترعناه في هذا المضمار ، وهو : أن هذه الكلمة سيقت للتبرك ، ولا تكون جملة ناقصة أدبية حتى تحتاج إلى المتعلق ، فتكون به كاملة ، بل هذا كقول الناس : " الله " في بعض الأحيان ، فإن نفس تذكر الله بإمراره على اللسان بوجوده اللفظي وذكره القلبي ، صيانة عن الخطأ والزلل ، ويعبر عنه في هذا العصر بوجه آخر " تيتر " ، فإن الجملة التي تقع بعنوان " تيتر " 1 - الرحمن ( 55 ) : 78 . |
|
|101| ليست متعلقا لأمر حتى تكمل به ، بل هي برنامج المقالة التي اريد طرحها وذكرها ، فهذه البسملة مضافا إلى كونها للتبرك لاشتمالها على أسماء الله تعالى ، تعد تيترا للفاتحة والكتاب ، لأن اشتمالها على كلمة " الله " الجامع لجميع مقتضيات الأسماء والصفات على نعت الاعتدال والاستواء - ففيها صفات الجلال والجمال - كاف لكونها تيتر الكتاب والسورة ، فليست الباء جارة ومستعملة في معناها الحرفي المحتاج إلى المتعلق . وأما خفضه فهو لأجل اقترانه بالكلمة الشريفة ، فإن في قبال الكامل على الإطلاق والمتكبر بالاستحقاق ، لابد من الخضوع والخشوع ، ولكن تحت هذا الاندكاك والفناء ، هو البقاء والرفعة في ( تبارك اسم ربك ) ، وفي قوله تعالى : ( عليه الله ) ( 1 ) بالرفع هو السر الآخر ، وهو كسر الأنانية والإنية ، فإن الهاء إنيته وصورته الكسرة والخفض ، إلا أن لإجلال الكلمة الشريفة رفض صورته وهويته ، قياما بالوظيفة المقدسة ،وهو تفخيم الاسم الشريف في التلفظ . والله العالم بحقائق الامور . المسألة الثانية حول إضافة الاسم إلى كلمة " الله " الشريفة فهل هي إضافة معنوية كإضافة " غلام " إلى " زيد " ، أو هي إضافة بيانية كإضافة الموصوف إلى الصفة كجرد قطيفة ؟ قيل بالأول ، معللا بأن الإضافة البيانية تستلزم كون المستعان به أو 1 - الفتح ( 48 ) : 10 . |
|
|102| المبتدأ به نفس ألفاظ " الله " " الرحمن " " الرحيم " . ويضاف إلى ذلك : أن المراد إن كان المجموع منها فهي ليست من الأسماء ، وإن كان الآحاد فلابد من العاطف . وهذا التعليل عليل ، لأن المستعان به هي اللفظة بما لها من المعنى وهي لفظة " الله " ، فما هو المستعان به حقيقة هو الله ، فإذا كانت لفظة " الله " مستعملة في معناها الحقيقي فانية في الذات ، فلا يلزم الاستعانة بالألفاظ ، وإلا يلزم الاستعانة بالألفاظ ولو كانت الإضافة معنوية ، لأن الظاهر أن المستعان به هو مسمى الاسم وهو لفظة " الله " الشريفة . فالذي عندنا : أن الالتزام بالإضافة البيانية ممكن ، بدعوى : أن المستعان به هي اللفظة الشريفة بما لها من المعنى ، فيكون الاسم اسم الاسم ، لأن الاسم استعمل في معناه وهي الكلمة الموضوعة ، وتلك الكلمة استعملت في معناه وهي الذات الأحدية ، فيكون الأول طريقا إلى الثاني ، وهو الله ، وتلك الكلمة طريق إلى الذات المسماة ، فالأول طريق إلى الطريق . إلا أن هنا شبهة معنوية : وهي أن الجمع بين النظر الاسمي والحرفي غير ممكن ذاتا ، أو غير ممكن إثباتا لطائفة أو لعموم عائلة البشر ، فإذن كيف يمكن جعل الاسم إلى كلمة " الله " طريقا وكلمة " الله " طريقا إلى الذات مع أن الطريق الأول يستلزم كون كلمة " الله " منظورا إليه نظرة استقلالية ، والطريق الثاني يستلزم إفناء اللفظ في المعنى والتغافل عنه حين الاستعمال . وهذه الشبهة تأتي على القول الآخر في نوع الإضافة ، من غير فرق بين إرادة كلمة " الله " من الاسم كما هو في التفاسير ، حيث جعلوا |
|
|103| " الرحمن الرحيم " من تبعات الكلمة الشريفة ، أو إرادة الرحمن الرحيم من الاسم كما هو المحرر عندنا ، وسيأتي البحث حول إعراب " الرحمن الرحيم " . وبالجملة : كيف يمكن الالتزام بأن الموحد يستعين أو يقتصر على الابتداء بالألفاظ - التي هي الأصوات - من غير نظر إلى أنها ذوات معان ؟ وإذا لم يكن كذلك فكيف يمكن الجمع بين النظرين الآلي والاستقلالي ؟ ولعمري إن هذه الشبهة ربما أوقعت الأشاعرة في الهلكة السوداء والبئر الظلماء ، حتى أصبحوا مشركين أو ذاهلة عقولهم عن الدين ، وقالوا فرارا عنها : إن الاسم عين المسمى ( 1 ) ، فما هو المبتدأ به والمستعان به هو المسمى للاتحاد بينه وبين الاسم ، ولا سيما بعد ما رأوا أن القرآن ناطق هكذا : ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) ( 2 ) ، فلو كان الاسم والمسمى متعددا لما كان وجه لقوله : ( تبارك اسم . ) والذي يراه العقل السليم والقلب المستقيم : أنه إذا لم يحصل التمكن من الدفاع عن هذه العويصة وتلك المشكلة والمعضلة ، لماجاز دعوى اتحاد الاسم والمسمى ، ضرورة أن الأسماء كثيرة والمسمى واحد ، فكيف يعقل التوحيد بينهما ، كما في معتبر هشام بن الحكم ، عن الصادق ( عليه السلام ) في دفع ما قالوه ؟ ( 3 ) 1 - التفسير الكبير 1 : 108 ، شرح المقاصد 4 : 337 ، شرح المواقف 8 : 207 - 208 . 2 - الرحمن ( 55 ) : 78 . 3 - الكافي 1 : 89 2 . |
|
|104| والجواب : إن الناس مختلفون في النظر إلى الأسماء : فناظر ينظر إليها مستقلات في أنفسها ، وناظر ينظر إليها غافلين عنها ، ذاهلين عن وجوداتها ، وناظر يجمع بين النظرين ، ويكون النظر إلى الأسماء تبعا للنظر إلى المسمى ، وناظر ينعكس ، وناظر يشرك في النظرين . فالثاني هم الجماعة المتوغلون في التوحيد ، والبالغون مرتبة التجريد ، والواصلون إلى عين الحقيقة ، والضالون فيها غير الجامعين بين الشريعة والحقيقة . والأول هم المشتغلون بشعوب الكثرات ، والمغضوب عليهم في النشآت ، والقاطنون في أرض الطبيعة ، والواطنون في دار الظلمة والجهالة . والثالث هم الكاملون الجامعون بين الغيب والشهادة ، والواصلون إلى حقيقة السفرة الرابعة ، والمنعم عليهم بالهداية والاستقامة . والرابع هم الكفار المتوصلون إلى الوسائط الخلقية بالأصنام والأوثان ، ساهين عن حقيقة الآية الشريفة : ( إن هي إلا أسماء سميتموهاأنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) ( 1 ) . والخامس هم المشركون والوثنيون الجامعون بين البالي والداني ، وبين الرب والمربوب ، الظالمون في حق الرب بتنزيله عن مقامه الأرفع ، وفي حق المربوب بترقيته إلى ما لا يليق به ، فإن الكل ظلم 1 - النجم ( 53 ) : 23 . |
|
|105| وتعد وإفراط وجهالة . فإذا قال العبد : ( بسم الله ) ، فهو يجمع بين المسمى والاسم ومسمى مسمى الاسم في النظر ، فيكون النظر الاستقلالي إلى تلك الحقيقة الموصوفة بالوحدة الذاتية الأزلية الحقيقية الأصيلة ، والنظر التبعي إلى الاسم وهو " الله " ، وإلى اسم الاسم وهو " بسم " . والله الهادي إلى دار الصواب . وهذا الجمع جائز عقلا وواقع كثيرا ، والذي لا يمكن هو الجمع بين النظر الاستقلالي والآلي بأن يكون الشئ الواحد مورد النظرين ، وأما هنا فذاته المقدسة مورد النظر الاستقلالي ، والأسماء مورد النظر الآلي . فما المحصول من هذه الإطالة ؟ إن ما يظهر من أرباب الإيقان وأصحاب الكشف والبرهان ، من اختيار الإضافة البيانية قائلين : إن التقدير هكذا : بالاسم الله الرحمن الرحيم ، أحمد الله الرب للبالمين ، وأحصر الحمد به ، فيكون المعنى - حسب ما يأتي برهانه في مباحث المجلد الثانية - : الحمد لله رب العالمين ، بسم الله الرحمنالرحيم ، فيكون الباء للتعليل ، أي بعلة أن الاسم الله والرحمن والرحيم ، ينحصر الحمد بذاته المقدسة الربوبية . ولذلك ذكرنا : أن الكلمة الشريفة هي علم للذات الإلهية الربوبية ، لا للذات بما هي هي ، فإنها اعتبار لا اسم لها ولا رسم لها : |
|
|106| عنقا شكار كس نشود دام باز گير كه اينجا هزار باد بدست است دام را ( 1 ) مما لا معين له . اللهم إلا أن يقال : لأجل اقتضاء الاسم الذي هو " الله " ، ينحصر الحمد به ، ولا يشاركه في كمال غيره إلا الكمال المجازي والتوهمي ، كما لا يشارك السفينة في الحركة الأينية جالسها إلا في الحركة المجازية والتوهمية الخيالية ، وإلا فهي مسلوبة عنه على نعت الحقيقة ، فإن الماهيات لا تنقلب بالوجودات إلى غيرها ، فما هو جهة ذاتياتها باق حتى بعد استنارتها بنور الوجود ، لأن الانقلاب يستلزم تعدد الوجوب الذاتي ، والبقاء على حالها الأولية يستلزم الإسناد المجازي ، لا باقتضاء اسم الله ، وهو الرحمن الرحيم . ولكنه عندنا غير واصل إلى ميقات التحقيق ولا نائل نصاب التدقيق ، لما سيظهر أن الرحمة الرحمانية والرحيمية ، مستوعبة لجميع العوالم الغيبية والشهودية من قضها إلى قضيضها ، حتى قد تبين لنا : أن نيران الجحيم من شعب الرحمة ، وخلق الشيطان الرجيم من تبعات الرحمة والنعمة ، أفلا تنظرون إلى قوله - تعالى وتقدس - ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأى آلاء ربكما 1 - ديوان حافظ شيرازي ، مطلعه :صوفي بياكه آينه صافيست جام را تا بنگرى صفاى مى لعل فام را ( |
|
|107| تكذبان ) ( 1 ) كيف عد إرسال النار من الآلاء ، فالجار والمجرور متعلق بالجملة الثانية ، والإضافة معنوية لا بيانية . نعم إضافة " اسم " المضاف إلى " الله " إلى " الرحمن " بيانية إن أمكن مثل هذه الإضافة ، كما سيأتي . المسألة الثالثة حول ما يقال في زيادة اسم في ( بسم الله ) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : إن " اسم " صلة زائدة ، واستشهد بقول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فذكر " اسم " زيادة ، وإنما أراد : ثم السلام عليكما ( 2 ) . وقال قطرب : زيدت لإجلال ذكره تعالى وتعظيمه ( 3 ) . وقال الأخفش : زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك ، لأن أصل الكلام بالله ( 4 ) . ولك أن تقول : إن العرب كانوا قبل الإسلام يبدؤون أعمالهم بأسماء 1 - الرحمن ( 55 ) : 35 - 36 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 98 . 3 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 99 . 4 - نفس المصدر . |
|
|108| آلهتهم ، فيقولون : " باسم اللات والعزى " ، وكذلك كان يفعل غيرهم من الامم ، فإذا أراد امرؤ منهم أن يفعل أمرا مرضاة لملك أو أمير يقول : أعمله باسم فلان ،أي إن ذلك العمل لا وجود له لولا ذلك الأمير والملك ، فيكون الاسم زيادة ، من باب تعارف الاستعمال ، ولا يكون يراد منه شئ ، بل توطئة للمقصود ، فيكون جر الكلمة الشريفة بالباء ، لا بإضافة الاسم إليها ، فإن في مثل هذه الإضافة ليس مورد الحكم في الأدب والإعراب . ويشهد لزيادتها قوله تعالى : ( سبح اسم ربك الأعلى ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( فسبح باسم ربك العظيم ) ( 2 ) ، وقوله تعالى : ( واذكر اسم ربك ) ( 3 ) ، وقوله تعالى : ( تبارك اسم ربك ) ( 4 ) وهكذا ، فإن المسبح هي الذات المسماة ، لا الاسم . وإرجاع الآية إلى تركيب آخر - كما صنعه بعضهم في بعض منها - غير وجيه ، لأنه خروج عن الحد فقوله تعالى : ( سبح اسم ربك الأعلى ) ليس سبح ربك ذاكرا اسمه الأعلى ، وقوله تعالى : ( سبح باسم ربك ) أي : سبح ناطقا باسمه العظيم ، فإنه وإن كان بحسب المعنى كذلك ، ولكنه ليس مفاد هذه الجملة حسب التركيب الأدبي ، فالأولى دعوى : أن كلمة " اسم " زيادة جئ بها لما تعارف ذلك . ويدل على ذلك : ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه ، عن عقبة بن عامر ، قال : لما نزلت ( فسبح 1 - الأعلى ( 87 ) : 1 . 2 - الواقعة ( 56 ) : 74 و 96 . 3 - المزمل ( 73 ) : 8 . 4 - الرحمن ( 55 ) : 78 |
|
|109| باسم ربك العظيم ) قال لنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " اجعلوها في ركوعكم " ، ولما نزلت ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " اجعلوها في سجودكم " ( 1 ) . فقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصحيح الترمذي ، عن حذيفة ، قال : صليت مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فكان يقول في ركوعه : " سبحان ربي العظيم " ، وفي سجوده : " سبحان ربى الأعلى " ( 2 ) فالاسم زائد في هذه المواقف ، فكيف لا وهو ، لا يتبارك ولا يسبح وغير ذلك ، فإنه كفر وإلحاد . ولأجل أمثال هذه المأثورات والآيات ، قالوا باتحاد الاسم والمسمى والتسمية ( 3 ) ، وقال الآخرون : باتحاد الاسم والمسمى ، دون التسمية ( 4 ) . والمذهب المنصور : عدم الاتحاد الحقيقي بين الاسم والمسمى . نعم ، لمكان حمل الاسم على المسمى - والحمل يقتضي التوحد - لابد من اختيار نحو من الاتحاد الاعتباري ، حتى قيل : إن الوضع هو جعل الهوهوية بين اللفظ والمعنى ( 5 ) . والقارئ العزيز - بعد الاطلاع على ما أسسناه في هذا المضمار - في فسحة من هذه التحليلات الباردة والاستدلالات الكاسدة ، فقد أحاط خبرا 1 - مسند أحمد 4 : 155 ، سنن أبي داود 1 : 292 869 ، سنن ابن ماجة 1 : 282 887 ، المستدرك ، الحاكم النيسابوري 2 : 477 ، صحيح ابن حبان 3 : 283 1889 ، وانظر الدر المنثور 6 : 168 . 2 - مسند أحمد 5 : 382 1 ، سنن أبي داود 1 : 293 874 ، سنن النسائي 2 : 190 ، سنن ابن ماجة 1 : 287 888 ، سنن الترمذي 1 : 164 261 ، السنن الكبرى 2 : 310 . 3 - انظر شرح المواقف 8 : 207 . 4 - شرح المقاصد 4 : 337 ، شرح المواقف 8 : 207 . 5 - راجع منتهى الاصول 1 : 15 . |
|
|110| بأن كلمة الاسم ليست زائدة . بل هي سيقت لإفادة أن التمسك به ، هيالمسماة بما لها من المعنى على الوجه السابق ، مع أن في قوله تعالى : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) ( 2 ) يفيد أن ذكر كلمة " الله " غير لازم بالخصوص ، بل يكفي كل ما كان اسما لله تعالى ، ومن تلك الأسماء نفس الكلمة الشريفة ، فلو كانت كلمة اسم زائدة ، لكان اللازم الاقتصار على ذكر كلمة " الله " الشريفة ، مع أن الضرورة قاضية بخلاف ذلك ، فإذا قيل : سبح اسم ربك ، يعني يجب تسبيح الرب والحق بما لهما من المعنى ، لا بما هما مورد النظر الاستقلالي . فالخلط بين النظرات في المسألة أوقع المشتبهين فيما وقعوا فيه ، وأوقع الآخرين في عدم تمكنهم من دفع الشبهات حق الدفع . والخلط بين ما هو المقصود في قوله تعالى : ( واذكر اسم ربك ) ( 3 ) وبين ما يقول الذاكر بالحمل الشائع أوجب هذه التخيلات ، فإن الاسم في الآية الشريفة حكاية عن أسماء الله تعالى ، والأمر فيها بعث نحو ذكره تعالى ، ولا يعقل الذكر إلا بذكر الأسماء بما لها من المعاني ، غافلين في مقام الاستعمال عن القوالب ، ومتوجهين إلى المعاني والحقائق . 1 - الأنعام ( 6 ) : 118 . 2 - الأنعام ( 6 ) : 121 . 3 - المزمل ( 73 ) : 8 ، الإنسان ( 76 ) : 25 . |
|
|111| المعاني وعلم البلاغة حسب القواعد النحوية يجوز التقدير مقدما ومؤخرا ، ولا يختلف بين كون المقدر فعلا ماضيا أو مضارعا أو جملة ناقصة اسمية ، وأما حسبالبلاغة ومقتضى رعاية الأدب البالي ، فإن العبد ينبغي أن يكون في مقام الحصر وقصر الابتداء والاستعانة وغيرهما من الامور الممكنة في حضرته الربوبية ، فيكون المحذوف المقدر مؤخرا . وأيضا يليق بجنابه الإلهي وبالعبد في مقام الخضوع والخشوع ، أن يعرب عما في ضميره بالمفاهيم الاشتقاقية ، الكاشفة عن مزايلته معها في الاعتبار واتحادها معها في الخارج ، وأن الابتداء والاستعانة - مثلا - متحد معه ، فيقول : بسم الله الرحمن الرحيم مبتدئ ومستعين ، وغير ذلك مما يمكن من الاحتمالات الكثيرة السابق ذكرها . وإن شئت قلت : العبد ينظر إلى حاله ، فإن كان في حال متعارف للناس فهو بالخيار في التقدير ، وإن كان في مقام الجذبة والفناء والعشق ، فلابد من مراعاة الأدب اللائق بالمعشوق ، فيكون المقدر والمحذوف مختلفا حسب حالات العباد في المعارف والتوحيد . |
|
|112| القراءة وفيها مسائل : المسألة الاولى في قراءة الباء قرؤوا الباء بالكسر . قيل : لتكون حركته تناسب عملها ( 1 ) . وفيه : أن عمله الجر لا الكسر . وقيل : لما كان الباء لا تدخل إلا على الأسماء ، خصت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء ( 2 ) . وفيه : أن الخفض هو الجر لا الكسر . وقيل : يفرق بينها وبين ما يكون من الحروف اسما نحو الكاف في قولامرئ القيس : ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله ( 3 ) . 1 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 99 ، ومجمع البيان 1 : 20 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 99 . 3 - المصدر السابق 1 : 100 . |
|
|113| وبالجملة : أساس الشبهة : أن الأصل فيها السكون ، لأنه الأصل في المبنيات ، فحرك لامتناع الابتداء بالساكن ، ولا وجه لتحركه بالكسر ، ولذلك قال أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي : إنهم لو فتحوا أو ضموا لجاز ، لأن الفرض التوصل إلى الابتداء ، فبأي حركة توصل إليه جاز . وبعض العرب يفتح هذه الباء ، وهي لغة ضعيفة على ما في " مجمع البيان " ( 1 ) . والذي يظهر لنا : أن السيرة القطعية والقراءة المحكية على كسر الباء في البسملة ، ولم يعهد بغير الكسر في غيرها ، مع أن من الممكن كون الباء مبنيا على الكسر ك " حيث " ، فإنها وردت على ضم الثاء والفتح والكسر ، ففي المبنيات يوجد البناء على الحركات كثيرا . وما اشتهر من بنائها على السكون حسب الأصل ، غير موافق للاستقراء . وما عليه النحاة من أن الكاف تجئ اسما بمعنى مثل ( 2 ) ، غير صحيح ، بل هو حرف مطلقا ، بل " مثل " من الحروف ، حسب ما حققناه في المعاني الحرفية ، فإنه غير مستقل بالمفهومية ، ولا يوجد إلا بين الأمرين ، والتفصيل في مقام آخر . 1 - مجمع البيان 1 : 20 . 2 - مغني اللبيب : 93 . |
|
|114| المسألة الثانية عن جواز إظهار الهمزة في القراءة ، وعن إظهار اللامين في كلمة " الله " ، وعن حذف الألف الآخر من " الله " أما جواز إظهار الهمزة فيقرأ : بإسم الله الرحمن الرحيم ، فهو حسب القواعد جائز ، لأن همزة الوصل لا يجب حذفها في القراءة ، كما لا تحذف في الكتابة . ولو قيل : يلزم الوقف على الحركة ، وهي حركة الباء ، وهو غير جائز ، مثلا : في قوله : ( وإياك نستعين ) يجوز وصل النون وضمها بحذف همزة " إهدنا " في القراءة ، ولكن لا يجوز إظهار ضم النون مع إظهار الهمزة ، فهنا لا يجوز ذلك ، لأن إظهار حركة الباء كالوقف على الحركة ، ومعه لا يصح إظهار الهمزة . قلنا : أولا - حسب ما تقرر منا - إنه يجوز الوقف على الحركة ، ولا ينبغي الخلط بين المسائل التجويدية والمسائل الشرعية ، فإن الواجب قراءة الكتاب على الوجه الصحيح عند العرب ، ولا تجب مراعاة الكمالات والمحسنات المقررة في علم التجويد ، فإنه ربما يورث الملال ، بل والخلل في القراءة ، للخروج عما تعارف بينهم . وربما يظهر عن بعض الأعلام أن حديث علم التجويد من الاختراعات المتأخرة ، عن طائفة خاصة كانوا يطلبون به المعاش ، وهي في الحقيقة دكة اسست على الباطل والعاطل ، ولا واقعية له . والله العالم . |
|
|115| وثانيا : ليس هذا من الوقف على الحركة ، فإن الباء على أي تقدير يقرأ مكسورا ، بخلاف النون من ( إياك نستعين ) ، فلا ينبغي الشبهة من هذه الجهة ، فهو كإظهار كسرة النون من قوله : ( مالك يوم الدين ) وإظهار همزة ( إياك نعبد ) ولكن من الممكن دعوى ممنوعية إظهارها هنا لوجهين : أحدهما : أن هذا النحو من القراءة ، وهذه الكيفية قد بلغت إلينا ، وجواز التعدي عنه مع اتفاق القراء مشكل ، ولا سيما في الصلاة ، ولأجل مثل هذه السيرة قيل بعدم جواز قراءة " ملك " في ( مالك يوم الدين ) في الصلاة . ثانيهما : أن حذف الهمزة في الكتابة ، دليل على وجوب حذفها في القراءة ، وإلا يلزم الزيادة في القرآن ، وهو غير جائز ، ففي خصوص ذلك لا يجوز الإظهار ، بخلاف غيره في سائر الموارد ، فإنه هناك يجوز الإظهار ، لجواز التوافق بين القراءة والكتابة ، نعم من يعتقد أنها ليست من القرآن يرخص له الإظهار . المسألة الثالثة عن الوقف بين الكلمات وإظهار اللامين أما الوقف بين المضاف والمضاف إليه فهو غير جائز ، حتى على القول بزيادة " اسم " بين الجار والكلمة الشريفة ، لأنه بحسب اللفظ مضاف . وهذا هو الوقف الناقص الذي يعد قبيحا ، بخلاف الوقف على المضاف إليه في البسملة ، فإنه يعد كافيا وجائزا . وهكذا على الوصف وهو الرحمن ، وأما على الوصف الثاني ، فيعد وقفا كاملا ، وربما يجب في بعض الأحيان |
|
|116| وأما إظهار اللامين ، فلا يقاس بإظهار المتجانسين في الكلمتين ، فإنه يمكن تجويزه هناك ، كما في قوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم ) ( 1 ) ( وما بكم من نعمة ) ( 2 ) ( ما لهم من الله ) ( 3 ) ، بدعوى : أن الإدغام ليس واجبا وما اشتهر من الإدغام في حروف " يرملون " مما لا أصل صحيح له . ولكنه واجب في الكلمة الواحدة ، لدعوى الضرورة عليه ، فإذا اجتمع اللام الساكن واللام الأصلي المتحرك ، ادغم الساكن في المتحرك ، فدعواها في الكلمتين غير مسموعة دونها . وهذا أيضا محل المناقشة . اللهم إلا أن يقال : بأنه يصير غلطا في الكلام ولحنا في اللغة . نعم في خصوص الفاتحة أو الكتاب العزيز ، يمكن استثناء ممنوعية الإظهار لاتفاق القراء عليه ، وهو كاشف عن أن قراءة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وغيره كانت على هذا المنهاج والمنوال . والله العالم . المسألة الرابعة عن حذف الألف الآخر من " الله " جواز إظهار الألف الآخر من " الله " مما لاشبهة تعتريه وإن لا يكون مكتوبا . وأما وجوبه فهو محل المناقشة . 1 - البقرة ( 2 ) : 16 . 2 - النحل ( 16 ) : 53 . 3 - يونس ( 10 ) : 27 . |
|
|117| ظاهر القوم وجوبه ، لأنه يعلل وجه عدم كتابته بما سلف ، فكان ظهوره في القراءة مفروغ عنه ، وحذفه من الكلمة كان مصب البحث ، وماوجدنا من تعرض لهذه المسألة ولكثير من المسائل في هذه الأساطير . وعلى كل تقدير دعوى البطلان مشكلة جدا ، لما يستمع أحيانا عن بعض الناس استعمالها بدون الألف تخفيفا ، ولاسيما مع الاشتباه في القراءة باللاه اسم الفاعل من اللهو ، فربما يجب فرارا من الالتباس . المسألة الخامسة عن تفخيم اللام وترقيقها تفخم لامه إذا كان قبلها فتحة أو ضمة ، وترقق إذا كان قبلها كسرة ، ومنهم من يرققها بكل حال ، ومنهم من يفخم بكل حال ( 1 ) ، ونسب إلى الجمهور الأول ، ليكون الفرق بين ذكره وذكر اللات ( 2 ) . والفخر ادعى : أن القراء أطبقوا على ترك تغليظ اللام في قوله : ( بسم الله ) وفي قوله ( الحمد لله ) للعلة السابقة ( 3 ) . والمراد من التغليظ والتفخيم ليس التشديد حتى يشكل الأمر ، فإن التشديد الحادث من الإدغام واجب - على إشكال مضى منا - والتغليظ أشد منه ، وهو أمر جائز ومستحسن ، كما يظهر منهم . 1 - روح المعاني 1 : 55 . 2 - انظر التفسير الكبير 1 : 103 - 104 . 3 - المصدر السابق 1 : 104 . |
|
|118| المسألة السادسة الوقف على " الهاء " قد عرفت : أن الوقف على الهاء جائز ، ويعد من الوقف الكامل حسب الاصطلاح ، ولا سيما إذا قلنا بأن الرحمن ليس وصفا ، بل هو لقب وبدلواسم بعد الاسم ، فإن الوقف أولى بالجواز . وأما إظهار حركة الهاء فهو داخل في كبرى المسألة الماضية . وميض : لأرباب الإشارات والمجاهدات هاهنا دقيقة : إن لام التعريف ولام الأصل من لفظة " الله " اجتمعا ، فادغم أحدهما في الثاني ، فسقط لام التعريف ، وبقى لام الأصل ، وهو كالتنبيه على أن المعرفة إذا حصلت إلى حضرة المعروف سقطت وبطلت ، وبقي المعروف الأزلي كما كان ، من غير زيادة ونقصان ( 1 ) . انتهى . ولا يخفى ما فيه ، فإن الإدغام هو إيلاج أحد اللامين في الآخر ، ولذلك يشدد ، لا حذف لام التعريف . والعجب من الفخر كيف نقل وسكت ؟ 1 - نفس المصدر . |
|
|119| علم الأسماء والعرفان وهنا مسألتان : المسألة الاولى اعتبارات حقيقة الوجود قد تقرر في علم الأسماء وبلغ نصاب التحقيق وميقات البرهان والتدقيق ( 1 ) : أن لحقيقة الوجود اعتبارات من اللابشرط ، والبشرط لا ، والبشرط شئ ، كما هي ثابتة في الماهيات ، ولكن الاختلاف في أنحاء الموضوعات ، فإذا اطلقت حقيقة الوجود واخذت بشرط أن لا يكون معها شئ ، فهي المسماة عندنا بالمرتبة الأحدية الذاتية المستهلكة فيها جميع الأسماءوالصفات ، وتسمى مقام جمع الجمع وحقيقة الحقائق والعماء المطلق . وإذا اخذت بشرط شئ ، فإما أن تؤخذ بلحاظ جميع الأعيان اللازمة لها ، من الكلية والجزئية وبلحاظ جميع الصفات والأسماء الملزومات 1 - انظر شرح فصوص الحكم ، القيصري : 11 . |
|
|120| لتلك الحقيقة ، فهي المسماة بمقام الواحدية ومقام الجمع ، وبلحاظ ظهور الأعيان في المرتبة العلمية تبعا لظهور الصفات ، تسمى هذه المرتبة مقام الربوبية الجمعية . وإذا اطلقت واخذت لا بشرط شئ آخر ولا بشرط لا شئ ، فهي عندنا هي الهوية السارية والجارية في جميع الأعيان الثابتة والماهيات الإمكانية . وإذا اطلقت واخذت بلحاظ كليات الأشياء فقط ، فهي الاسم الرحمن ، وهو رب العقل الأول ، وهو ام الكتاب والقلم الأعلى ولوح القضاء عند أرباب العرفان . وإذا اخذت بلحاظ الكليات المفصلة ، الصائرة جزئيات في العلم ، الثابتة في الحضرة الربوبية من غير احتجابها عن كلياتها ، فهي مرتبة الاسم الرحيم ، وهو رب النفس الكلية المسماة بلوح القدر ، وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين . وهنا اعتبارات اخر حسب مراتب الأعيان العلمية في المظاهر العينية ، ومراتب التكوين إلى منتهى إليه قوس النزول ، ثم يرجع إلى منتهى إليه قوس الصعود ، ولكل واحد من الأسماء الإلهية اعتبار خاص به ، ينمو مسماه في النشآت الغيبية والشهادية على ما يتخيله النفوسالقدسية . وتفصيل ذلك في الكتب الاخر المعدة لذلك . وما هو الاسم الجامع هو الرحمن ، والأجمع منه الكلمة الشريفة " الله " ، فإن مواليد الأسماء والمسميات ترجع إلى هذه الام الاولى ، وتحت سيطرة هذا الاسم " الله " يكون مقتضيات جميع الأسماء على حد سواء ، بخلاف |
|
|121| مظاهر سائر الأسماء ، وما هو المظهر له حضرة الكون الجامع والإنسان الأول الكلي ، المسمى بذي المقام الرفيع متخذا ذلك عن رفيع الدرجات . وسيظهر وجه إتباع " الرحمن " عن " الله " في البسملة من هذه الطريقة الغراء والمسلك الشريف الأحلى . وهذا هو الاسم الأعظم الإجمالي . المسألة الثانية حول بعض الأحاديث قد أخرج الصدوق بسنده عن الحسن بن علي بن محمد ( عليهم السلام ) - في حديث طويل عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - : قال له رجل : فما تفسير قوله : " الله " ؟ قال : " هو الذي يتأله إليه - عند الحوائج والشدائد - كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من هو دونه ، وتقطع الأسباب من كل من سواه ، وذلك كل مترئس في هذه الدنيا ومتعظم فيها وإن عظم غناؤه وطغيانه ، وكثرت حوائج من دونه إليه ، فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها . فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته " ( 1 ) الحديث . ويشبه ذلك ما ورد في معناه : " الله المعبود الذي يأله إليه الخلق ويؤله إليه " ( 2 ) . وعن الباقر ( عليه السلام ) : " الله معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيته 1 - التوحيد : 231 5 . 2 - التوحيد : 89 2 . |
|
|122| والإحاطة بكيفيته " ( 1 ) . وفي جملة ما رواه في التوحيد عنه ( عليه السلام ) لتفسير الإله : " هو الذي أله الخلق عن إدراك ماهيته وكيفيته بحس أو بوهم ، لا بل هو مبدع الأوهام وخالق الحواس " ( 2 ) . وقد مر في معتبر هشام : " الله مشتق من أله ، وإله يقتضي مألوها " ( 3 ) . وفي حديث آخر في تفسيره : " إن له معنى الربوبية ، إذا لا مربوب ، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه " ( 4 ) . يتوجه الإنسان البصير من هذه الجمل إلى معان : 1 - أن اللفظة مشتقة من أله ، فيسقط سائر الاحتمالات . 2 - وأن الموضوع له كلي لا ينطبق إلا على واحد ، وهو خالق السماوات والأرض . 3 - وأن معنى الالوهية من الصفات الذاتية ، إذ هو الإله قبل خلق المألوه . 4 - وأن المشتق منه هو الإله بمعنى التحير حتى يناسب كونه ذاتا تحير فيها العقول ، فهي متحيرة . وإليه يشير ما في الدعاء عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) : " رب زدني فيك تحيرا " ( 5 ) ، ويناسب كون مقابله المألوه ، وهو 1 - نفس المصدر . 2 - التوحيد : 92 6 . 3 - الكافي 1 : 89 2 . 4 - التوحيد : 38 2 . 5 - راجع التجليات الإلهية : 91 ، وشرح منازل السائرين : 31 . |
|
|123| المتحير بالكسر . وأنت بعد ما سمعت منا تجد طريقا تجمع به بين هذه المداليل ، وبين ما مضى من أن كلمة الله ، تعريب " لاها " ، وأن الاشتقاق المراد في الرواية هو الاشتقاق الكبير ، وإلا يلزم كون الهيئة ذات وضع على حدة ، والمادة كذلك ، مع أن هيئة " الله " ليست ذات وضع نوعي ، بل الكلمة ذات وضع شخصي بالضرورة . ومن أن الموضوع له جزئي خارجي ، هي الذات الملحوظ معها بعض الاعتبارات ، وإلا فالذات المطلقة بالإطلاق على الإطلاق المقسمي ، لا اسم له ولا رسم ، ولا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر بقلب أحد ، لا كلي . وأن الرواية في مقام إفادة خاصية المسمى ، لا الاسم والتسمية . وأما أن الالوهية من الأوصاف الذاتية ، فهو لا ينافي اقتضاء الإله مألوها ، فإن الالوهية من الاعتبارات الزائدة على الذات الأحدية الغيبية الذاتية ، وعلى ما لا رسم له ولا اسم عليه ، ولكنها عين الذات المستجمعة فيها الصفات المسماة بالمرتبة الواحدية ، كما عرفت ، وعند ذلك تكون تلك الصفة ذات الملازمات ، من الأعيان الثابتة ، وهي مألوهها في النشأة العلمية ولا مألوه ، وهو الإله بلحاظ النشأة الغيبية وظهورها في الأعيان الخارجية ، كما لا يخفى على اولي البصائر والدرجات . |
|
|124| الحكمة والفلسفة المسألة الاولى في وجودات الأشياء لكل أمر وجودات أربعة وللأعيان خمسة : 1 - وجود خارجي ، كوجود الشمس - مثلا - في السماء الرابعة على ما تخيله القدماء . 2 - وجود طبعي ذهني ، كوجودها في الأذهان . شمس در خارج اگر چه هست فرد مثل أو هم ميتوان تصوير كرد 3 - وجود لفظي وظهور في عالم الألفاظ . 4 - وجود كتبي . وكل منهما وضعي بالمواضعة والمجاعلة ، لا بالطبع ، كنقش الشمس في الألواح . 5 - المثال والتمثال التجسمي ، كصورة الأسد والشمس |
|
|125| المصنوعة بالأحجار والأخشاب ، وهذا أقوى من الأخيرين . وما اشتهر من الوجودات الأربعة لكل موجود وأمر ، باعتبار المراتب الإجمالية وإلا فلكل مرتبة مراتب : ففي العيني كالطبيعي والمثالي والنفسي والعقلي . وفي الذهني الكون في الأذهان البالية ، والكون في الأذهان السافلة . وفي الكون في أذهان الآدميين ، الكون في العاقلة ، وفي الوهم ، والخيال ، والحس المشترك ( 1 ) . وغير خفي : أن ما ذكره شركاؤنا في الفلسفة ( 2 ) خال عن التحصيل ،لتداخل أقسام ومراتب العيني مع الذهني ، مع أن الوهم والخيال عرضيان ، أحدهما للمعاني والآخر للصور . والأمر سهل . وفي اللفظي اللغات المختلفة العرضية ، وهي واضحة ، والطولية بوجه ، كالحروف المقطعات بالنسبة إلى المركبات ، كالألف للذات الأقدس ، والباء للعقل الأول ، والسين للإنسان ، أو ما يأتيك من ذي قبل من الرموز والإشارة الواردة في الأخبار حول كلمة ( بسم الله ) ، من كون الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم مجد الله أو ملكه ( 3 ) ، والنقطة تحت الباء هي الولاية الكلية الظلية للولاية الكلية الإلهية الذاتية الأصيلة ( 4 ) . 1 - اللآلي المنتظمة : 11 - 12 ، انظر الجوهر النضيد : 36 ، وكشف المراد : 73 . 2 - الشفاء ( قسم المنطق ) 1 : 1 - 7 ، النجاة ( قسم المنطق ) : 17 ، التحصيل : 38 - 39 . 3 - الكافي 1 : 89 1 ، التوحيد : 230 1 و 2 ، معاني الأخبار : 3 1 و 2 . 4 - إشارة إلى ما نسب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " أنا النقطة التي تحت الباء " ، انظر مشارق ] ( |
|
|126| وفي الكتبي أطوار الخطوط المختلفة العرضية ، وهي واضحة ، والطولية بالوجه المشار إليه آنفا . نيست در لوح دلم جز الف قامت يار چه كنم حرف دگر ياد نداد استادم ( 1 ) المسألة الثانية عدم وجود ذهني للحق تعالى وإذا أحطت خبرا بما تلوناه عليك فاعلم : أن الحق عز اسمه وجل سلطانه ، له الوجود العيني واللفظي والكتبي ، ولكنه لا يوجد له الوجود الذهني ، لأنه منزه عن الماهية حتى توجد في الأذهان . للشئ غير الكون في الأعيان كون بنفسه لدى الأذهان ( 2 ) فوجوده الكتبي واللفظي منه تعالى يصير محاطا ، لأنه بالمواضعة والمجاعلة - كما عرفت - ، دون الخارجي ، لأنه عين الخارجية وذاته الخارج ، فكيف يعقل تحققه في الذهن للزوم الخلف والانقلاب . وربما قيل : بأن النفس وما فوقها إنيات صرفة ( 3 ) ، لا ماهية لها ، ] أنوار اليقين : 21 ، وينابيع المودة : 69 . 1 - ديوان حافظ : 355 . 2 - شرح المنظومة ( قسم الفلسفة ) : 27 . 3 - القائل هو شيخ الإشراق في آخر التلويحات على ما أسنده إليه صاحب الأسفار ( الأسفار 1 : 43 ) ، والظاهر أنه من مباحث الطبيعيات للتلويحات غير المطبوعة . |
|
|127| فلا وجود لها في الذهن . نعم لوجوداتها الكتبية واللفظية وجودات ذهنية ، ولكنها ليست وجودا وظهورا للمسمى ، بل هي للأسماء ، كما لا يخفى . وأما العنقاء ، فلها الوجودات الثلاثة ، دون الوجود الخارجي ، ووجودها الذهني هي المخلوقة بالخيال ، لا موجودة فيه تبعا للعيني فإذا لم يكن له الوجود العيني ، لا يكون له الماهية الأصيلة الواقعية ، لأنها من تبعات تلك الحقيقة وترسم في النفس لأجلها . عنقا بخود وجود ندارد عبث مجوى عنقا كسى است كز سرنام ونشان گذشت وأما تفصيل البراهين على أنه تعالى لا ماهية له ، ففي ما حررناه في فن المعقول ، يسمى ب " القواعد الحكمية " . وإجماله : أن الماهيات تعتبر من ظهور الوجود ومن الحدود ، وتكون كسراب بقيعة يحسبها الظمأن ماء ، ووجوده الأزلي لا حد له ، إذ لا جنس لهولا فصل له ، فلا يمكن تحديده بالأجزاء العقلية ولا بالخارجية الأصلية ولا بالتبعية ، كتحديد الجواهر ، بالمادة والصورة ، والأعراض ، بالمادة والصورة التبعيتين . نعم قد يعتبر مفهوم الواجب بالذات العالم القادر على الإطلاق ماهية له تعالى ، ولكنه مجرد وهم لا أساس علمي له ، كما لا يخفى على أهله . ومن هنا يظهر : أن الاسم لو كان عين المسمى لكان يلزم أن يصير هو تعالى محاطا ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وأما فيما يطلق الاسم مرآة للمعنى فلا يحكم عليه بالمحاطية ، لأنه في هذه اللحظة مغفول عنه ، ولو توجه إليه يخرج عن المرآتية |
|
|128| والفناء وعن حقيقة الاسمية ، وهي الاضمحلال في المسمى وإن كان بحسب الثبوت والواقع تحت ظل نفس المستعملين . المسألة الثالثة حول الوجود اللائق بحضرته الربوبية اختلفت مسالك أهل الله والعرفان ، وأهل الحكمة والبرهان ، وأهل الأخذ بظواهر الكتاب والقرآن من متكلمي العامة والخاصة في أن الوجود الذي يليق بالله تعالى ، ويكون هذه الكلمة الشريفة حاكية عنه ، هو الوجود الإطلاقي الذاتي اللا بشرط المقسمي - وهذا هو رأي أرباب الكشف واليقين وأصحاب الإيمان والعرفان - أو هو الوجود الخاص اللا بشرط القسمي ، المنحاز عن سائر الوجودات بالتشكيك أو بالتباين ، على اختلاف مذاهب المشائين والإشراقيين وأصحاب الحكمة المتبالية وأرباب الكلام . فقالت الطائفة الاولى ( 1 ) : الوجود هو الحق من حيث هو ، وهذا غير اعتبار الوجود الخارجي والذهني ، إذ كل منهما نوع من أنواع ذلك الوجود ، فهو من حيث هو هو لا بشرط شئ ، غير مقيد بالإطلاق والتقييد ، ولا هو كلي ولا جزئي ، ولا عام ولا خاص ، ولا واحد بالوحدة الزائدة على ذاته ولا كثير ، بل هذه الأشياء لوازم تلك الذات بحسب مراتبه ومقاماته المنبه 1 - انظر شرح فصوص الحكم ، القيصري : 5 . |
|
|129| عليها قوله تعالى : ( رفيع الدرجات ذو العرش ) ( 1 ) ، فيصير معنونا بأحد العناوين المزبورة ، مع عدم التجافي عن مقامه المنيع ومنزله الرفيع ، فهو ليس بجوهر ولا عرض ولا بأمر اعتباري كما يقوله الظالمون ، لعدم تقومه بالاعتبار ولا بالمعتبرين ، كما ورد : " كان الله ولم يكن معه شئ " ( 2 ) ، فلا يكون معنى " الله " وهذه الكلمة الشريفة إلا تلك الحقيقة ، التي تكون تلك العناوين اعتبارات زائدة في الوجود وداخلة في سلطانه . وهذه الحقيقة أعم الأشياء ، وليس من صفاته أنه لا بشرط ، بل ما هو اللا بشرط وجود خاص ، لا تلك الحقيقة المطلقة ، وهو الظل المشار إليه - مثلا - في الكتاب العزيز : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) ( 3 ) . ولهذا المسلك الظاهر فساده محمل صحيح راق ، ولذلك تراهم يعتبرون الوجود الآخر ، وهو الظل للوجود الأصيل ( 4 ) ، فلا يكون الوجودات المقيدة - كوجود زيد - هو الوجود الواجبي الأزلي الذاتي ، بل الوجودات المقيدة هي الوجودات الخاصة المضافة ، وحصص تلك الظلة ، وسنشير إليه إن شاء الله . وقالت الطائفة الثانية ، أي المشاؤون ( 5 ) : إن الوجود اللائق بجنابه 1 - غافر ( 40 ) : 15 . 2 - التوحيد : 67 20 . 3 - الفرقان ( 25 ) : 45 . 4 - شرح فصوص الحكم ، القيصري : 7 . 5 - التحصيل : 281 - 285 ، شرح الإشارات 3 : 32 - 35 ، كشف المراد : 63 ، شرح المنظومة ( قسم الفلسفة ) : 24 . |
|
|130| تعالى ، يباين سائر الوجودات تباينا ذاتيا ، ووجودات المباليل غير ذاك الوجود وفي مقابله ، بحيث يحكم عليه بالأحكام الاستقلالية ، وهذا غير صحيح ، لا لما قيل : إن مفهوم الوجود الواحد لا ينتزع عن المتباينات ( 1 ) ، ضرورة أن الوحدة السنخية - كوحدة الماء - مورد تسالم الكل ، ولا يريدون أن نسبة الوجود إلى الوجود ، كنسبة البقر إلى الفرس . ولكنها خالية عن التحقيق ، لما ثبت أن الوجودات المباليل ليست مستقلات في قبال الوجود الواجبي ، وإلا يلزم تعدد الوجوب ، وإذا كانت هي الفقراء والروابط فليست مستقلات ، وإذا كانت غير مستقلات بذواتها ونفس الارتباط إلى ربها ، لا يحمل على موضوعاتها على حسب الحقيقة ، بل نسبتها إلى الماهيات كنسبة حركة السفينة إلى الجالس فيها . وقالت طائفة راقية من المشائين ، وفيهم شريكنا في الرئاسة أبو علي ابن سينا ، قال في " المباحثات " : إن الوجود في ذوات الماهيات لا يختلف بالنوع ، بل إن كان اختلاف فيه فبالتأكد والضعف ، وإنما يختلف الماهيات بالنوع ، وما فيها من الوجود غير مختلف النوع ( 2 ) . وقال في " التعليقات " : الوجود المستفاد من الغير كونه متعلقابالغير هو مقوم له ، كما أن الاستغناء عن الغير مقوم لواجب الوجود بذاته والمقوم للشئ لا يجوز أن يفارقه إذ هو ذاتي له ( 3 ) . انتهى . 1 - شرح المنظومة ( قسم الفلسفة ) : 24 . 2 - المباحثات : 41 . 3 - التعليقات : 178 . |
|
|131| والذي يكشف عن هذه المقالات : أنه في موقف إثبات أن جميع الوجودات الإمكانية والإنيات الارتباطية التعلقية ، اعتبارات وشؤون للوجود الواجبي وأشعة وظلال للنور القيومي ، لا استقلال لها بحسب الهوية لا يمكن لحاظها ذواتا مستقلة منفصلة ، وإنيات مقابلة لتلك الحقيقة والإنية ، بل التبعية والظلية والتعلق عين حقائقها ، وليست هي ذواتا مرتبطة ، بل هي نفس الربط إلى العلة ، ولا غيرها ، ولا شؤون تلك الحقيقة وحيثياتها وأطوارها ولمعاتها وظلال ضوئها وتجليات ذاتها ( 1 ) . كل ما في الكون وهم أو خيال أو عكوس في المرايا أو ظلال ( 2 ) وهذه الطريقة هي مسلك أرباب الحكمة المتبالية ، ورئيسهم صدر المتألهين الشيرازي ( قدس سره ) ، الذي لا يماثله مماثل في نشأته العلمية وتفكيره العرفاني ومذاقه البرهاني . بعد ما تبين هذه السبل والمسالك واختلافات عبائرهم فليعلم : أن من المتصوفة من يريد إثبات الوحدة الشخصية الإطلاقية لحقيقة الوجود وهو عين الوجود الواجبي ، وتكون الماهيات إضافات إلى تلك الحقيقة حسب مراتبها ، فيكون هذه الحقيقة - بمراتبها القديمة الذاتية والأزلية - واجب الوجود بالذات ، فلا وجود للآخر ، لا ظلا ولااستقلالا ، وهذا هو وحدة الوجود والموجود وكثرة العناوين العقلية 1 - انظر الأسفار 1 : 47 . 2 - البيت مطلع غزل للعارف عبد الرحمن الجامي في ديوانه . |
|
|132| والوهمية والخيالية ( 1 ) . وقد مثلنا لهم : بأن النظر إلى حقيقة الماء في الأواني المختلفة ، يؤدي إلى وحدة الماء وحدة سنخية لا شخصية ، وتلك الكثرة المترائية في هذه الحقيقة ، نشأت من كثرة الأواني والحوائل ، فلو فرضنا انعدام الحائل بين الماء الموجود في الكوز والماء الموجود في الإناء الآخر ، لسال كل واحد منهما إلى طرف الآخر ، ولا تبقى الاثنينية في البين بالضرورة ، ويعدان ماء واحدا وهكذا ، فإذا كانت حقيقة الوجود مشتبكة باشتباكات الموضوعات ، فإن كان تلك الموضوعات متمكنة وقادرة على إيجاد الفصل والبينونة الحقيقية في تلك الحقيقة ، تحصل كثرة الوجود واقعا ، وتحصل الوجودات المتعددة ثبوتا وحقيقة ، ولكنها قاصرة عن إيجاد الخلل في تلك الحقيقة ، لأنها ليست شيئا ذات تحصل ، بل نسبتها إلى تلك الحقيقة نسبة الحكم إلى الموضوع والعرض إلى الجوهر ، فهل يعقل أن يوجد العرض قسمة فكية في الجسم . نعم هو يورث القسمة الوهمية ، كما إذا كان الجسم أبلق بحسب اللون . فإذا تبين : أن الوجود الواجبي هو تلك الحقيقة ، وهذا هو اللائق بحضرته الربوبية ولا شئ وراء ذلك ، بل لك إنكار كونها ذات مراتب ، حتى لا يعقل المرتبة الدانية والبالية إلا بالتشكيك الخاص ، وهو لا يحصل إلا بالفناء والفقر ، وهما يستلزمان العلية ، والعلية تستلزم المغايرة فيوجه ، لعدم إمكان اعتبار العلية بين الشئ ونفسه ، ولا تكون الوحدة - 1 - انظر الأسفار 1 : 71 ، وشوارق الإلهام 1 : 41 . |
|
|133| حينئذ - شخصية إطلاقية ، بل هي وحدة سنخية مختلفة إطلاقا وحملا . وما أشبه هذه المقالة بمقالة أهل الكشف ، ولكنهم أيضا مختلفون في مدارج الكشف والشهود . وما ذكرناه عنهم كان من القشريين منهم . وهنا تمثيل آخر : إذا حبست رجلا محبوسا مسجونا لا يعرف الشمس من القمر ولا الليل من النهار ولا الظل من الضوء فحصل بينه وبين إظلال الطيور في جو السماء ثقبة يمكن أن يرى تلك الإظلال ، فإذا سئل عنه فلا يجيب إلا بجواب يرجع إلى اعتقاده أن هذه الأظلة حقائق خارجية مشغولة بالحركة والسير . والله العالم . وربما قيل : إلى هذه المرتبة من التوحيد يشير قوله تعالى : ( هو معكم ) ( 1 ) فلو كانت المعية ثابتة لظله الشريف ، لما صحت الآية في ظاهرها اللغوي من أن المشار إليه هي الذات الأحدية ، وأنها مع الماهيات والمخاطبين ، لا الأمر الآخر الذي اعتقده أرباب العرفان والبرهان ، خلافا للقرآن مثلا وقوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) ( 2 ) ، فإن الثلاثة هي الأظلة ، والرابع هو الوجود ، والأظلة هي الماهيات . وغير خفي : أن ما نسب إلى أهل المعرفة من أصالة الماهية - جعلا لا تحققا - يناسب هذه البارقة الملكوتية ، لأن ما هو الموجود بالذات هو الوجود ، وما هو الموجود المتوهم هي الماهيات ولا أمر 1 - الحديد ( 57 ) : 4 . 2 - المجادلة ( 58 ) : 7 . |
|
|134| ثالث في البين يكون مجعولا وموجودا حقيقة ، حتى الظل المنبسط على رؤوس الماهيات الإمكانية ، كما عرفت سابقا من أرباب الفلسفة والبرهان دون الشهود والوجدان . والإنصاف أن الاعتقاد بذلك المنهج في غاية الإشكال ، وخروج عن طور الشرائع ، حسب ما يظهر منها لأهلها وإن كان موافقا لعدة آيات مضت الإشارة إلى بعضها . ومنها قوله تعالى : ( الله نور السموات والأرض ) ( 1 ) ، وإذا لم يكن هو نوره الحسي فهو نوره الحقيقي وما هو به تقوم السماوات والأرض ، هي الحقيقة الظلية ، لا الأصيلة ، فإنها لا تباشر الماهيات ولا تسافح الأنواع والعناوين . ولذلك أفاد الوالد الكامل الجامع بين شتات العلوم العقلية والنقلية ، والراحل بقدميه العلمية والعملية إلى قصوى مدارج العلوم النظرية والتطبيقية ، وإلى نهاية مباحث العلوم المتعارفة المتشتتة ، في حواشيه على " مصباح الانس في شرح مفتاح غيب الجمع بين الشاهد والمشهود " : أن الوجود هو الأصل جعلا وتحققا ، وأن الماهيات تظهر بتلك الحقيقة الظلية والحق المخلوق به ، ولكنها لمكان أنها من الروابط المطلقة في ذاتها ، وليست إلا معنى اندكاكيا وحرفيا ونفس التدلي بالذات الحي القيومي ، لا يمكن أن ينظر إليها وفيها ، ولا يثبت لها حكم اسمي ، لأن كل ما نشاهده بوجه اسمي ، فهو غيره ، لأنه بحقيقته مرهون الغفلة وعدم 1 - النور ( 24 ) : 35 . |
|
|135| الشهود ، فإذا ينتسب جميع الأحكام الثابتة للحق الأول إلى الحق المخلوق به الذي هي حقيقة الولاية الأحمدية المحمدية والمحمودية العلوية ، وهي الظل المنبسط على رؤوس الماهيات الإمكانية ، وهي حثيثية خالقيته تعالى ، فإنه بها يصير خالقا ، ويوصف الأوصاف البارزة الإلهية والربوبية ، وهو الفيض المقدس التابع للفيض الأقدس ( 1 ) . فكأنه - مد ظله - جمع بين شتات المسالك بتقريب ذكرناه وفصلناه ، فليتدبر . المسألة الرابعة نكتة في تعلق الباء بجملة فعلية أو اسمية بناء على تعلق ( بسم الله ) بجملة فعلية أو اسمية ، دالة على أن العبد يستعين بالأسماء الشريفة في أفباله ، كما هو رأي أكثر المفسرين في خصوص البسملة من الفاتحة ، فيمكن أن يقال : بأن في ذلك ردا على المفوضة والمجبرة القائلين بأن أفعال العبد مفوضة إليه ، ولا مدخلية لله تعالى فيها ، والقائلين بأن العباد مجبورون فيها كالأفعال الطبعية ، فهي تستند إليه تعالى كاستناد خلق السماوات والأرض ( 2 ) . وبطلان مقالة الفريقين محرر في " القواعد الحكمية " ، وقد ذكرنا هناك أن مسألة القدرية والمجبرة من المسائل العقلية الشاملة لجميع 1 - راجع التعليقات على مصباح الانس : 287 - 288 . 2 - انظر شرح المقاصد 4 : 223 ، شرح المواقف 8 : 145 ، كشف المراد : 308 . |
|
|136| الأفعال ، الصادرة عن المكلفين وغيرهم من الوسائط والعلل ، ولا يختصبأفعال العباد ، خلافا لما يستظهر من بعض عبائرهم وتقرر : أن الأمر بين الأمرين لا جبر ولا تفويض ، بل أمر متوسط بينهما لا يصل إلى الإلحاد والكفر ، فيكون الحق جل اسمه نازلا عن مقامه الربوبي ، ولا يصل إلى الشرك والوثنية ، فيكون الحق معزولا ، بل يداه مبسوطتان يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . فعلى هذا يكون الكتاب من الابتداء ناظرا إلى الرد عليهم بأن العبد يستعين ، فالاستعانة فعله ، وهو تعالى يعينه ، وإليه يرجع قوله : " بحول الله وقوته أقوم وأقعد " ( 1 ) فإن الفعل مستند إليه ، إلا أن الاستناد إلى العلة الحقيقية أتم وأقوى ، وهذا ليس معناه سلب اختيار العبد في أفباله ، كما توهم جماعة الأشعريين . وربما يأتي في أثناء المباحث آيات تشير إلى هذه البارقة الملكوتية ، وإذا كان هناك مناسبة نذكر بعض مهمات المسألة . والله العالم بالحقائق . 1 - الفقيه 1 : 319 944 . |
|
|137| الفقه وهنا مسائل : المسألة الاولى حرمة مس الكلمة الشريفة " الله " يحرم مس الكلمة الشريفة " الله " على الجنب عند علمائنا وعليه الإجماع في " الغنية " ( 1 ) وهو المحكي عن ظاهر " المنتهى " ( 2 ) ، ولم يذكره الصدوق في " الهداية " ، ولا نقل عن غيره ممن تقدم على الشيخين ، وقالفي " مفتاح الكرامة " : لعلهم يحكمون بعدم المنع ( 3 ) ، كما لعله يلوح من عبارة " المعتبر " ( 4 ) ، لأنه بعد الحكم بالحرمة طعن في الرواية ، وفي " المجمع " للأردبيلي ( قدس سره ) : أن الحكم غير واضح الدليل ( 5 ) ، وأفتى في 1 - الغنية ، ضمن الجوامع الفقهية : 488 . 2 - منتهى المطلب 1 : 87 . 3 - مفتاح الكرامة 1 : 325 . 4 - المعتبر : 50 السطر 2 . 5 - مجمع الفائدة والبرهان 1 : 134 . |
|
|138| " المستند " بالجواز ، وقال : صرح به بعض الأجلة ، واستظهر الحكم من الأردبيلي و " المدارك " ( 1 ) و " الكفاية " ( 2 ) ، وربما يستظهر منه أنه أراد سائر الأسماء ، لا الكلمة الشريفة ، فراجع ( 3 ) . ولكن ظاهر " مفتاح الكرامة " أن هذه المسألة خلافية ، وهو - أي الجواز - مذهب العامة ظاهرا ، لعدم تعرضهم للمنع على ما تفحصت عنه ، بل داود حكم بجواز مس الكتاب الشريف ، خلافا لسائر المذاهب ، ووفاقا لما نسب إلى الشيخ في بعض كتبه . ويدل عليه - مضافا إلى معروفية حكم المسألة في الأذهان في جميع الطبقات ، وأنه يستلزم الهتك والوهن - معتبر عمار بن موسى الساباطي المذكور في " التهذيبين " ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، أنه قال : " لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله ، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله ، ولا يجامع وهو عليه ، ولا يدخل المخرج وهو عليه " ( 4 ) . وظاهره النهي عن مس الجسم الذي فيه ذلك ، فضلا عن مس نفسالخط والنقش ، ولذلك ترى في المتون الفقهية - كالمبسوط ( 5 ) إلى القواعد ( 6 ) وغيرها - المنع عن مس ما عليه اسم الله تعالى ، ولذلك يحمل 1 - مدارك الأحكام 1 : 279 - 280 . 2 - كفاية الأحكام ، السبزواري : 3 سطر 15 . 3 - مستند الشيعة 1 : 119 . 4 - تهذيب الأحكام 1 : 31 21 ، الاستبصار 1 : 48 1 . 5 - المبسوط 1 : 29 . 6 - قواعد الأحكام : 13 . |
|
|139| الخبر - خصوصا مع رعاية ذيله - على الكراهة ، وإن لم يثبت ذيله في جميع النسخ ، ولكن يعلم من الرواية أن الحكم بالنسبة إلى مس الاسم ، كان مفروغا عنه . والله العالم . وثبوت الحكم للمحدث بالأصغر محل إشكال ، ولكنه - أيضا - لا يحتاج إلى الدليل ، وإن لم يكن بذاك الوضوح . وجواز المس للمتيمم - أيضا - محل الكلام ، وإن لا يبعد على ما يقتضيه أدلة الترابية من ترتيب جميع الآثار ، حتى قيل : إنها رافعة للحدث صغيرا أو كبيرا ( 1 ) . ومما عرفت من الرواية ، يظهر كراهة الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش باسم الله ، ولذلك ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الأمر بالتحويل ( 2 ) . والمراد من اسم الله إن كان الإضافة بيانية ، هي الكلمة الشريفة ، وإن كانت معنوية هي سائر الأسماء ، دون الكلمة الشريفة ، فيكون الحكمثابتا هنا بالأولوية . ويمكن دعوى كون الإضافة ، معنوية وبيانية ، باستعمال الإضافة في المعنيين ، بناء على جواز ذلك عقلا ، ولكنه - لو صح حتى في مثلها - غير مأنوس في هذه المواقف . 1 - تذكرة الفقهاء 1 : 66 ، ومختلف الشيعة 1 : 55 ، وجامع المقاصد 1 : 514 ، ومفاتيح الشرائع 1 : 65 ، والحدائق الناظرة 4 : 416 ، وجواهر الكلام 5 : 260 - 261 . 2 - الكافي 6 : 474 9 ، الخصال 2 : 742 حديث أربعمائة ، وسائل الشيعة 1 : 233 كتاب الطهارة ، أبواب أحكام الخلوة ، الباب 17 ، الحديث 4 . |
|
|140| ثم إن في المسألة بعض روايات توهم دلالتها على جواز مس الكلمة الشريفة . ومنها : ما أخرجه " التهذيبان " بسند معتبر عن إسحاق بن عمار ، عن أبي إبراهيم ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الجنب والطامث يمسان بأيديهما الدراهم البيض ؟ قال : " لا بأس به " ( 1 ) ، ومثله غيره . والعجب أن الرواية - مع كونها ناظرة إلى مس الجسم الذي فيه النقش لا نفسه - قيل بدلالتها على جواز المس ( 2 ) ، وهل يمكن لك تصديق ذلك ؟ وفي بعضها المروي في " المعتبر " عن " جامع " البزنطي ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سألته ، هل يمس الرجل الدرهم الأبيض وهو جنب ؟ فقال : " والله لاوتي بالدرهم ، فاخذه وإني لجنب " ( 3 ) بناء على كون نقش الدراهم البيض اسم الله ، كما هو صريح ما أخرجه " المعتبر " عن كتاب الحسن بن محبوب ، عن خالد ، عن أبي الربيع ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في الجنب يمس الدراهم وفيها اسم الله واسم رسوله ؟ فقال : " لا بأس بهربما فعلت ذلك " ( 4 ) . فعلى هذا لا وجه لتوهم : دلالة هذه الطائفة على خلاف ما هو المفروض المسلم ، حتى يستند الإشكال إليها . نعم يمكن الشبهة في المسألة : بأن ظاهر المجمعين استنادهم إلى 1 - تهذيب الأحكام 1 : 126 31 ، الاستبصار 1 : 113 2 . 2 - تعليقة لآقا جمال الخوانساري على شرح اللمعة : 46 . 3 - المعتبر 1 : 188 . 4 - نفس المصدر . |
|
|141| أمثال هذه الروايات ، وهي غير نقية ، فلا يثبت الحكم في أصل المسألة . والأظهر : أن مستند هذه الشائعات ليس فتاوى فقهائنا الأسلاف ، فليتدبر . المسألة الثانية فروع حول مس الكلمة الشريفة هل يختص حرمة المس بها عندما يطلق عليه تعالى ، أم لو اريد منه المعنى الآخر يحرم - أيضا - كما في تسمية زيد بعبدالله ، فإنه يجرد عن معناها الإضافي ، ويكون كالدال من زيد ، ويصير من أجزاء الكلمة الواحدة ، أو هل يختص الحكم بالصورة الاولى والثانية ، ويجوز المس إذا اريد منها شخص اللفظة عند الإطلاق ، كما في قولنا : " الله لفظ موضوع مفرد " أو يختص الحكم بالصور الثلاثة ، ويجوز مس الكلمة إذا كانت موضوعة لغيره تعالى ، بناء على جوازها ، أو ولو قلنا بعدم الجواز ، ولكن صنع ذلك أحد ، عصيانا وطغيانا ، كما في كلمة " الرحمن " الموضوعة كرحمان اليمامة الآتي بحثه . ثم إنه هل يجوز مس الألواح المطبوعة عليها الكلمة الشريفة بشكل أجوف ؟ فهل يختص الحكم بوجودها الكتبي ، أم لا يجوز مس ما في جوف اللوحة من الوجود التوهمي ؟ والمرسوم بترسيم الخطوط في الأطراف ، أو - مثلا - إذا كتب الكلمة الشريفة هكذا : " الله " ، فهل يجوز مس الجوف ، بتوهم أنه ليس منها ، أو لا يجوز ، لأنه من تبعات تلك اللفظة ، أو لا يجوز ، لما أن ما في الجوف كتابة توهمية ، فإن هذا الشكل مشتمل على |
|
|142| الكلمة الشريفة مرتين : أحدهما بالأسود ، والآخر بالأبيض ، كما لا يخفى ؟ وغير خفي : أن المسألة مورد الابتلاء في أيامنا لتعارف صنعة الكهربائيين ذلك . ثم إنه هل يجوز للمحدث أن يكتب الكلمة الشريفة بإصبعه لأنه ليس مسا ، أو لا يجوز ، لأنه مادام لم يحصل المس لا يحصل الامتداد الخطي ؟ وهكذا ، فإن المسائل كثيرة ، فإن كان المستند حرمة الهتك والتوهين ، فلا يفرق في الصور الكثيرة ، وإن كان عنوان المس والدليل اللبي أو اللفظي متكفل بتحريمه ، فيشكل في كثير منها . وربما يتخيل : أن جواز مس الكلمة الشريفة وعدمه ، مبني على أنها اسم خاص للذات الأحدية ، أو اسم للكلي الذي لا ينطبق إلا عليه ، فيكون هذا البحث من ثمرات تلك المسألة . وأنت خبير : بأن الدليل اللبي واللفظي ، قائم وناهض على المنع عن مس ما فيه هذه اللفظة الشريفة ، سواء كانت موضوعة بالوضع الخاص أو الكلي ، حسب ما اصطلحنا عليه في الاصول ، وذكرنا هناك : أنأقسام الوضع تبلغ عشرين أو أكثر ، فراجع هناك ( 1 ) . وغير خفي : أن مس هذه الكلمة الشريفة لغير أهله في البسملة ، يستتبع العقابين ، لأنه مصداق العنوانين : أحدهما مس الاسم الشريف ، والثاني مس القرآن المنيف ، وبين العنوانين عموم من وجه ، لا بأس بالالتزام 1 - انظر تحريرات في الاصول 1 : 73 ، ولم يزد على ستة عشر قسما . |
|
|143| بالتكليفين النفسيين ، حسب ما تحرر منا في الاصول ( 1 ) ، فليتدبر جيدا . المسألة الثالثة عن جواز تسمية غيره تعالى به وقد يستشعر المنع من قوله تعالى : ( فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) ( 2 ) ، لظهوره في عدم شركة أحد معه في ذلك . ويؤيد هذا : ما ورد عن طريقنا من أنه لا يوجد رجل يسمى بها ، ويشترك معه في الاسم ، هكذا في " الصافي " ( 3 ) . وهذا هو المفروغ عنه عند الأصحاب رحمهم الله ، ولذلك لا يوجد مماثل له في ذلك حسب التاريخ . ويمكن استشعار المنع من الأدلة الظاهرة في أن كلمة " الرحمن " لفظ خاص لمعنى عام ، كما يأتي تفصيله ، فإن معنى تلك الروايات اختصاصه تعالى به تسمية ، فاختصاص هذه الكلمة الشريفة به أولى بذلك . وفي رواية مفصلة أخرجها ابن بابويه ، بإسناده عن الحسن بن علي بن محمد ( عليهم السلام ) ، وفيها قال ( عليه السلام ) : " إن قولك : الله ، أعظم اسم من أسماء الله عزوجل ، وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمى به غير الله ، ولم يتسم به مخلوق " ( 4 ) . وربما يتوهم : أن الشركة في الاسم نوع هتك وتجاوز ، فلاتجوز . 1 - تحريرات في الاصول 4 : 201 . 2 - مريم ( 19 ) : 65 . 3 - تفسير الصافي 1 : 68 . 4 - التوحيد : 231 5 . |
|
|144| ولك دعوى : دلالة بعض الأحاديث الشريفة الاخر ، المتكفلة بتفسير كلمة " الله " الشريفة بما لا يناسب المخلوق ( 1 ) ، فكأن من يوضع له هذه الكلمة ، لابد من أن يصلح له ما يختص به . والله العالم بحقائق الامور . ومن العجب عدم ورود النهي الصريح في ذلك ، ولعله لعدم ابتلاء أحد بمثله ، لمفروغية المسألة حكما ، ولوضوحها منعا ، ويمكن الشبهة في جميع ما اشير إليه من الأدلة والاستحسانات ، كما لا يخفى . ثم إنها تقع جزء الكلمة في التسمية ، كيد الله ، فإنها تسقط إضافتها عن معناها الإضافي ، فيصير اللفظة موضوعة لزيد مثلا ، وهذا غير ممنوع قطعا ، بل هو المأمور به في الجملة . 1 - انظر معاني الأخبار : 4 1 و 2 ، التوحيد : 89 2 . |
|
|145| علم الحروف والأعداد هنا مقامات : المقام الأول في سر الحروف والأعداد اعلم أن علم الحروف والأعداد من العلوم الشريفة ، وهو يتكفل العلوم الغريبة ، ولها مبادئ علمية وحسابات دقيقة ، وله أرباب وأصحاب يشتغلون به في الأزمنة الطويلة ، وفيه كتب كثيرة مطبوعة وغير مطبوعة ،ومنه يشتق علم الجفر والرمل ، ولا شبهة في أن الجفر من العلوم الشريفة ، وقد وردت فيه آثار وأخبار ( 1 ) . وقال العلامة المجلسي ( قدس سره ) : إنه كان يصر شديدا أن يتعلم الجفر الجامع ، عن شيخه وملاذه البهائي ( قدس سره ) ، وهو يأبى أن يعلمه ، وآخر الأمر مات ولم يتمكن من إرضائه ، ولكنه نقل عنه ( قدس سره ) أنه قال : إن لي الجفر 1 - الكافي 1 : 185 ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ، بصائر الدرجات : 170 - 181 . |
|
|146| الجامع على وجه التمكن من إخراج " قواعد الأحكام " للعلامة ( قدس سره ) . ومعنى هذه العبارة واضح عند أهله ، وإجماله : أن له إمكان القبض والبسط والتكسير والرد حسب القواعد المحررة ، بحيث إذا سئل عنه ، ما قواعد العلامة ؟ يجيب بجميع القواعد من أولها إلى آخرها . ولست أنا أهلا لذلك ، ولكن كان بعض أصدقائي المتوفى في الشهر الماضي عام 1389 ، العلامة الشيخ زين العابدين ، المعروف بالإمام الأبهري ، من أكابر هذا الفن ، وقد سافرت في سالف الأيام إلى بلدته ، ووجدت عنده بعض مخطوطاته التي إذا كان صرف عمره الشريف في تأليف العلوم الظاهرة ، ربما بلغت مصنفاته - حسب ما قال - بمقدار مصنفات المجلسي ( قدس سره ) . فبالجملة : قد رأيت في محله ، تقاسيم الحروف إلى أقسام عديدة : نارية ونورية ومائية وترابية وهوائية ، وفي هذه التقاسيم لطائف وذوقيات وخواص وآثار ، وعليها مباني الطلسمات والمخططات ، وإليك نبذة منها إجمالا :تنقسم باعتبار إلى الحروف الأبجدي والأبتثي والأهطمي والأيقفي وغير ذلك . أما الأبجدي فاعلم أن في رواية عن ابن عباس : أن أول كتاب أنزله الله تعالى من السماء ، أبو جاد ( 1 ) . 1 - محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر : 26 . |
|
|147| وتوهم السيوطي : أنه عربي لا يجوز أن يكون إلا عربيا ( 1 ) ، وهو غلط . قال ابن عباس في معناه : أبى جد ، أي أبى آدم ( عليه السلام ) من النهي بسبب نسيانه ، وجد في أكل الشجرة . هوز ، أي نزل من السماء إلى الأرض . حطي ، أي حطت عنه ذنوبه بالتوبة . كلمن ، أي أكل من الشجرة ومن عليه ربه بالتوبة . سعفص ، أي أخرجه ربه من نعيم الجنة إلى كدر الدنيا . قرشت ، أي أقر بالذنب وسلم من العقوبة ( 2 ) . انتهى . وقيل : أول من وضع الكتاب العربي جماعة ، تسمى أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ، وكانوا ملوكا ، فسمي الهجاء بأسمائهم ( 3 ) . ويؤيد ذلك ما قاله المسعودي في تاريخه : كان أبجد ملكا مكرما بالحجاز ، وكان هوز وحطي ، ملكين بأرض الطائف ونجد ، وكان كلمن وسعفص وقرشت ملوكا بمصر ، وكان آل مرامر بن مرة من العرب العاربة ، وقد كان يسمي كل واحد من أولاده بكلمة من أبجد ، وهم ثمانية ، ولأجل ذلك جعل جماعة هذه الكلمات عربية ، وبعضهم جعلها عجمية ( 4 ) . وقيل : كلمات أبجد - أي المركبات الأبجدية - أسماء ملوك أصحاب الأيكة من العمالقة ، وقيل : من غيرها ، وتكون تلك الحروف رموزا إلى المعاني العجيبة والدقيقة ، وقد ورد في الخبر - كما يأتي تفصيله - :" خذوا معنى أبجد ، ففيه عجائب كثيرة : الف ، آلاء الله ، باء بهجة الله ، جيم 1 - محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر : 26 . 2 - المصدر السابق : 26 - 27 . 3 - المصدر السابق : 26 . 4 - انظر المصدر السابق . |
|
|148| مجد الله ، دال دين الله ، هاء هاوية ، واو ويل ، زاء زاوية في النار " ، وهذه ليست من العجائب ، بل العجائب هي العلوم المبتنيه عليها ، وأعظمها علم الجفر ، وأهمها الجفر الجامع الوارد في الخبر القطعي : " عندنا الجفر الجامع ومصحف فاطمة " ( 1 ) . وأما الأبتثي فهو تركيب آخر متخذ عما نسب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في " شمس المعارف " ، قال : لما سئل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن حروف المعجم قال : " هي أ ب ت ث وهي عربية ، وفيها أسرار جميع الكتب والصحف المنزلة " ( 2 ) لأنه بها يمكن كشف جميع الكتب السماوية قبل نزولها . ولذلك ورد : أنه كان يقرأ الآيات قبل نزولها . والله العالم . وفي تركيب الأبتثي الألف التي هي حرف الذات الأقدس تعالى ، هي الأول وهي الآخر من الياء ، وهما تسمى الهمزة لقبولهما الحركة ، وهي من حروف اللين ، المتقوم بها جميع بنية التراكيب باختلاف الأشكال والقوالب ، فهو مثاله تعالى في تقويم الحروف . وأما الأهطمي فهو التركيب المنسوب إلى الفهلويين وكثير من أرباب الحكم ، الذي يكون من الحلق إلى الشفة ، إشارة إلى نزول الوجود من الأعلى إلى الأدنى ، ومن المبدأ في قوس النزول إلى حاشيةالوجود ، وهي الهيولى والشفة ، ثم منه يصعد ، وهكذا . وهذا هو تركيب الحروف بحيل أربع على ترتيب العناصر الأربعة : 1 - الكافي 1 : 186 1 ، بصائر الدرجات : 170 - 181 . 2 - شمس المعارف الكبرى : 304 . |
|
|149| فالحروف النارية تركيبها هكذا : " أهطمفشذ " ، والهوائية هكذا : " بوينصقض " ، والمائية هكذا : " جزكس قثظ " ، والترابية هكذا : " وح ل غ ر خ غ " وإعراب الاولى الفتح ، والثانية الضم ، والثالثة الكسر ، والرابعة الجزم . وأما الأيقفي وهو تركيب الحروف بحيث يكون ما يكتب برقم واحد من الأرقام الهندية ، متصلا واحدا والجملة واحدة ، مثلا : الألف والياء . قيل : وهذا هو ما اصطلح عليه بشماء الحكيم ، وهو اصطلاح يشمل الأعداد لجمع كل كلمة منه على مراتب الأعداد من الآحاد والعشرات والمئات والالوف ، والقاف والغين تكتبان هكذا : ايقغ ، والباء والراء ، والكاف تكتب هكذا : " بكر " ، وهكذا إلى آخر ما تحرر في الكتب المفصلة واساطير الأولين . ثم إنها تنقسم باعتبار آخر : إلى المنقوطة وغير المنقوطة المعبر عنها بالناطق والصامت ، وكل قسم منها أربعة عشر حرفا على عدد المعصومين ( عليهم السلام ) . وباعتبار ثالث : إلى المفردة والمثاني والمثالث ، باعتبار وجود الشريك وعدمه ، وباعتبار وحدة النقطة وكثرتها . وبعبارة اخرى : ما لا شريك له في الحروف المقطعة يسمى مفردة ، وهي الألف والكاف واللام والميم والنون ، وهكذا ، وما لها شريك واحديسمى بالمثاني ، كالدال والذال إلى الفاء والقاف ، وما له الشريك - أي في الكتب والرسم - اثنان يقال له : المثالث ، كالباء إلى الخاء المعجمة في الترتيب الأبتثي ، وهو المتعارف عليه اليوم بين الناس . وغير خفي : أن هنا اعتبارا آخر في التسمية وهو أن ما له النقطة |
|
|150| الواحدة يقال له : المفردة ، والمنقوطة بالنقطتين تسمى بالمثاني ، وبالثلاثة بالمثالث . وقيل في الاعتبار الأول : ينقسم إلى المحكمات والمتشابهات ، فالمحكمات ما لا تشابه له في الخط ، والمتشابهات ما له مشابه واحد أو أكثر مأخوذين من قوله تعالى : ( منه آيات محكمات واخر متشابهات ) ( 1 ) . وينقسم بالاعتبار الثالث من الانقسامات الرئيسة : إلى الملفوظي والمسروري والملبوبي . والملفوظي هو الحرف الذي يتلفظ في اسمه بثلاثة أحرف ، ولايكون أوله عين آخره كالألف والجيم والسين والشين وغيرها . والمسروري مثله ، إلا أن أوله عين آخره ، كالنون والميم والواو ، " نمو " " منو " ، وتسمى بالحروف المستديرة أيضا . وأما الملبوبي فهي الحروف التي يتلفظ في اسمها بحرفين ، كالباء والتاء ونحوهما ، وتسمى أيضا بالحروف القلبية ، وتركيبها هكذا : " حظير " " ثبت " " خفطز " . وينقسم رابعة : إلى المفاصلة والمواصلة . والاولى : هي الحروف التي لا تتصل بما بعدها وإن تتصل بما قبلها ،كالألف ونحوه ، وهي ستة تركيبها : " أو ذر زد " ، والستة الأيام التي خلق الله السماوات والأرض فيها ، والخمسة الطيبة مع الرب الغفور ، كما يكتب 1 - آل عمران ( 3 ) : 7 . |
|
|151| عندنا بصورة ستة ، وخامسه إلى النورانية والظلمانية ، وسادسه إلى المدغم فيها اللام التعريف ، كالدال وهو الدائم ، وإلى المظهرة ، وهي كالألف وهو الأحد ، وهؤلاء أربعة عشر بعدد المعصومين عليهم الصلاة والسلام أيضا ، وبعدد أربعة عشر من منازل القمر التي هي ظاهرة ، وفوق الأرض أبدا ، والأربعة العشر التي هي مخفية ، وتحت الأرض دائما . وهذه مختصرة قدمناها لمقصود منا يأتي في سائر المقامات ، وتفصيلها يطلب من محالها . ومن العجيب ما صدر عن " تفسير المنار " ، حيث قال : " والفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن ، وكل ما فيه تفصيل للاصول التي وضعت فيه ، ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف ، كقولهم : إن أسرار القرآن في الفاتحة ، وأسرار الفاتحة في البسملة ، وأسرار البسملة في الباء ، وأسرار الباء في نقطتها ، فإن هذا لم يثبت عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصحابه ، ولا هو معقول في نفسه ، وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلو إلى سلب القرآن خاصته وهي البيان " ( 1 ) انتهى . والعذر عنه جهله بالمعارف الإلهية والرموز الخفية على الخواص ، فضلا عنه ، وهو من العوام لدى اولي البصائر والأبصار ، كيف وقد ثقل على الناس ما أتى به المولوي في القرن الثامن : ما رميت إذ رميت فتنه أي صد هزاران خوشه اندر حفنه أي 1 - تفسير المنار 1 : 35 . |
|
|152| آفتابى در يكى ذره نهان ناگهان آن ذره بگشايد دهان ذره ذره گردد افلاك وزمين پيش آن خورشيد چون جست از كمين ( 1 ) ولو كان يسمع ذلك ويخطر بباله مثله لكذبه ولأهانه ، لعدم معقولية مثله ، واليوم - بحمد الله وله الشكر - تبين حديث القنبلة الذرية ومسألة تفكيك البروتون والنترون وقصة القنبلة الهيدروجينية ، وغير ذلك من الأسرار الكامنة تحت الطبائع الظاهرة . فيكون هذا النظام الشمسي في كل ذرة موجودا بوجه يناسبه ، وسنورد في الباب الأخبار الواردة عن أئمة الكتاب وأرواح الأصحاب وأهل البيت الذين امرنا أن نأخذ العلوم عنهم ونأتي أبوابهم ، وهؤلاء المحجوبون عن العترة الطاهرة والأئمة الباهرة - عليهم صلوات الله تعالى - قد أصبحوا على شفا حفرة من النار وأبطلوا عمرهم فيما لا يعني - والله يعصمنا من الزلل والخطأ - ولمثل هذا الحجاب الكبير وقعوا في حيص بيص ، ولم يتمكنوا من درك الحقائق والمعاجز والعلوم السرية والغريبة التي تكون عندنا وعند أهل البيت ( عليهم السلام ) ، كيف وقد سمعت عن شيخنا البهائي ما قاله ، أفهل يمكن تكذيبه ، أو يمكن للجهلة تصديقه ، والله من ورائهم محيط . 1 - مثنوى معنوى : دفتر 6 ، بيت 81 - 4579 . |
|
|153| ثم اعلم : هنا إجمال ما في أساطير الأولين ( 1 ) : إن الألف أول الحروف ، ومن الحروف النورانية ، وأول العدد ، وهو أول مرتبة لانقسام الحروفعلى العناصر ، وقد أجمعوا - على ما قيل - على أن حرف الألف ناري ذو بسط كبير وصغير ، فبسطه الكبير ألف ولام ، وبسطه الصغير هكذا : " ألف " ، وإن بسطه العددي موافق لبسطه الحرفي ، لأنه " ا ل ف " ، والعددي " ا ح د " ، ولهذين العددين بسطان ، ولكل واحد من هذه البسوط خواص وآثار وأسرار ، وقد جعل له - لأجل أنه الأول في الحروف والأعداد - القوة الأزلية ، فصار أول الأيام " الأحد " موافقة ومناسبة للطبع والشرف . ولهذا الحرف شكلان لا يختلفان ، وشكله العربي والهندي واحد . والسر في كونه ناريا : كون القلم ، لما أمره الله تعالى أن يكتب ما هو الكائن إلى يوم القيامة ، وضع رأسه على اللوح ، فساح منه نقطة من النور ، ثم ساح منه الألف ، وهو ابتداء الاسم الشريف " الله " ، فمن كتبه على صحيفة من ذهب ، أو كاغذ مصبوغ بالزعفران يوم الأحد في شرف الشمس ، وضمخه بالبالية وحمله معه ، أذهب الله عنه الحمى إن شاء الله وهابه كل من رآه إن شاء الله ، وله خواص اخر مذكورة في المفصلات . وقيل : هذه صفته وصورته عند الكتب " ااا ااا " ، وإذا نظرت إليها امرأة وقت الطلق وضعت . ومن وضع بسطه الأول مكسرا في ثلث في إناء من نحاس ، ومحاه بماء ورد وسقاه لمن به روع ، سكن ( 2 ) . وغير ذلك من الآثار 1 - انظر شمس المعارف الكبرى : 36 . 2 - المصدر السابق . |
|
|154| وصورة كتبه مختلفة حسب اختلاف الخواص والآثار . ثم اعلم بعد ذلك : أن الألف - على ما تقرر عند أهله - اس الحكم وأساس الكلم ، وهو زبدة العالم والغاية القصوى ، بل هو المرجع ، وهوالامة ، وله أعمال كثيرة بغير خلوة واستخدام معها ، والملك الموكل عليه " طهطائيل " الرئيس الأكبر ، وله من الخواص ما لا تحصى . ولعل إلى هذه العوالم والآثار ، تشير الكلمة المعروفة عن الأئمة المعصومين - صلوات الله عليهم اجمعين - : " الألف آلاء الله " ( 1 ) فإن الظاهر منه ليس أن أول الآلاء الألف ، فيكون إشارة إلى تلك اللفظة ، بل في نفس الألف آلاء الله ، فيكون مؤيدا لما تقرر عنه . وهل الحروف والأعداد من الآثار العجيبة المترتبة على حروفها وأشكالها وأعدادها وأوفاقها ؟ ولنا أن نسأل عما ورد عن ابن عباس أنه قال : أخذ بيدي علي ( عليه السلام ) ، وخرجنا إلى البقيع في أول الليل ، وقال لي : " اقرأ يابن عباس " . فقال : فقرأت : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فأخذ يتكلم في الباء ومقتضاها إلى طلوع الفجر ( 2 ) ، وأنه هل كان البحث حول الباء ، أم كان البحث حول المسائل الاخر الأجنبية عنه والبعيدة منه ، أم يختص تلك المباحث بالباء أم يشترك معه سائر الحروف فيها ، فتكون ذات آثار ؟ ولولا خوف الخروج عن وضع الكتاب لسردت جملة منها ، ونذكر في طي الكتاب 1 - التوحيد : 230 1 و 233 1 و 237 2 . 2 - ينابيع المودة : 69 ، شمس المعارف الكبرى : 55 . |
|
|155| بعض الآثار والأوفاق والطلسمات للمناسبات . وقيل : إذا كتب حرف الألف عددها الأصلي ( 111 ) ، وربطت مع اسمك واسم من تريد ، وحملتها معك ، فإن الله يعطفه عليك بعونه تعالى ، ويسهل لك الامور الصعبة ، وإذا كتبت الألف مع اسم الطالب والمطلوب ، وربطالاسمان مع الحرف يوم الأحد ساعة الشمس ، ويحملها فإنه يرى منه ما يريد من الالفة والمحبة والقبول ، وإذا كتب حرف الألف على خاتم ذهب والقمر في الحوت ونجمته بإضمار الأحرف الآتية ودعوته ، وكتب اسم صاحب الحرف ، كان مقبولا لكل من حمله من جميع الأكابر ، وهذه صورته على الوجه الأخير إن شاء الله تعالى ( 1 ) : 364134 352739 403338 ثم اعلم : أن حرف الباء - حسب ما تقرر - حالته : بارد يابس ، هو أول مراتب عنصر الأرض ، لا يليق به غير يوم السبت ، وزحل كوكبه ، والرصاص معدنه ، فله شكلان : فشكله العربي هكذا " ب " ، والهندي " 2 " . والباء سطيح الألف ، كما أن الألف قائم بالباء ، وله خواص وآثار كثيرة على اختلاف كتابة الأشكال ، مذكورة في المفصلات ، وله بسط صغير وكبير ، فبسطه الصغير هكذا " ب " ، وبسطه الكبير " ب اا ل ف " ، وله بسط عددي وحرفي ، وبسط نهاية الحروف . 1 - شمس المعارف الكبرى : 398 . |
|
|156| واختلفت آراء أهل الفنون في الخصوصيات المذكورة ، وهذا الاختلاف ناشئ من عظمة تأثير هذا الحرف بأشكاله ، وكأنه ذو آثار في مختلف الأوفاق والأرقام ، ولا يتمكن من تنظيمها ، ولعل إليه يرجع ما كان بين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وبين ابن عباس في البقيع في خصوص حرف الباء ، حسب الرواية السابقة . والله العالم . ولبقراط الحكيم كلام في خصوصها ، وينتهي إلى أنه : إن جعلت هذا الحرف وبسطته بمركبه العددي ، ثم أخذت أعداد ذلك المركب وقد اخذ بسطه ، وتنزله في مثلث على قليل من طين لم تمسسه النار ، ثم استخرج منها مستنقطاتها ، واقسم على ذلك الملك على " 7 " ورماها في بئر ذهب ماؤه . إلى آخر كلامه ( 1 ) . وبالجملة : هو باطن الألف ، وقيل : هو سر الوجود ، وتصريفها قائم إلى يوم القيامة ، وإشارة إلى جميع العوالم ، علويها وسفليها ، وقد شرف الله حرف الباء ، وجعلها أول البسملة وأول صحيفة آدم وللمسميات ( 2 ) . وقد اعتقد بعض سلاك هذه الطريقة : أن الله تبارك وتعالى لما أنزل القرآن على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال له جبرائيل : إقرأ يا محمد باسم ربك ، فكانت الباء مضمرة الذات والصفات ، تضمر الذات بسر التجلي ، وتضمر الصفات بسر الأفعال ، ولما خلق الله الباء خلق معها ( 24 ) ملكا ، تحت يد كل ملك ما شاء الله من الملائكة يسبحون الله تعالى ، ولأجل ذلك كانت مفتاحا 1 - انظر شمس المعارف الكبرى : 306 . 2 - شمس المعارف الكبرى : 400 . |
|
|157| لكنوز الكتب ، وفيها سر البسط ، وهي من أشكال الألف . ولو كنت تكتب هذا الحرف بعددها الأصلي ، وكتبت معها الأسماء التي أولها الباء ، وحملها من تعسر عليه ، يسر الله تعالى - إن شاء الله - عليه . ولها خادم وخلوة واسم الملك الموكل عليها " مهيائيل " ، فإذا أردت استخدامه ، فاكتب الحرف وضعه في رأسك بعد الرياضة ، واتل الدعوة والقسم دبر كل صلاة ( 38 ) مرة ، واتل العزيمة والرياضة أربعين يوما ، فإنالملك ليحضر بعونه تعالى ويقضي الحاجة بإذنه المبارك ، ومهما أردته تبخر وتقول : " أجب يا خادم حرف الباء " فإنه يحضر . هكذا افيد . وقيل : هذه صورته ( 1 ) : ب دوح وح ب د ح ودب دب ح و ثم اعلم : أن السين من الحروف الرطبة المعتدلة والناطقة الترابية ، ومن كسر مركبة الحرفي في مربع ( 4 ) في ( 4 ) ونظرت إليه المرأة وهي تطلق ، تضع حالا . وله الآثار والخواص الكثيرة حسب اختلاف الكتابات المزبورة في المفصلة . وطريق استخدامه : أن تدخل الخلوة ، وتلو القسم ( 90 ) مرة ، فإنه - على ما قيل - يهبط نوره كالشمس ، فيقضي بإذنه تعالى حاجتك ، وتكون 1 - المصدر السابق : 401 . |
|
|158| الصورة مكتوبة في الخلوة ، وخادمه " طهقيائيل " يحضر حرفه ، فيما تريد وتشتهي بإذن الملك الوهاب . وهذه صورته . وله دعوة خاصة مذكروة في المفصلات ( 1 ) ، ولكل واحد من هذه الدعوات إضمار يطول البحث بذكره . س - س س - س س - سس - س س س س س س س س س وقد يتكفل المباحث الآتية بسر سائر الحروف والأسماء وخواصها ، مع رعاية الإجمال ، حذرا من الخروج عن حد الكتاب . المقام الثاني في سرد طائفة من الروايات والأخبار الواردة في خصوص هذه المسألة ونذكر في طيها بعض ما يفيد المعنى العام ، ويورث الاطمئنان بصحتها وإن كانت في المسائل الاخرى : 1 - المصدر السابق : 409 . |
|
|159| 1 - أخرج الكليني بإسناده عن عبد الله بن سنان ، قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن تفسير ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ قال : " الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم مجد الله " ( 1 ) . 2 - وأخرج علي بن إبراهيم بأسناد مختلفة عن مفضل بن عمر ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) تارة ، وعن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) اخرى ، والحسين بن خالد ، عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) ثالثة ، قال : سألته عن تفسير ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ قال : " الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم ملك الله " ( 2 ) الحديث . وفي موضع آخر قال الصدوق : حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، قال : حدثنا محمد بن الحسين الصفار ، عن العباس بن معروف ، عن صفوان بن يحيى ، عمن حدثه ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : أنه سئل عن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ فقال : " الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم ملك الله . قال : قلت : الله ؟ قال : الألف آلاء الله على خلقه من النعيم بولايتنا ، واللام إلزام الله خلقه على ولايتنا . قلت : فالهاء ؟ فقال : هوان لمن خالف محمدا وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين " ( 3 ) الحديث . فاعلم : أنه كيف صار التطابق والوفاق بين مفادها وما أخرجه صاحب " تفسير التذكير " ، على ما حكاه العلامة الشيخ علاء الدين في 1 - الكافي 1 : 89 1 . 2 - تفسير القمي 1 : 28 . 3 - التوحيد : 230 3 ، معاني الأخبار : 3 2 . |
|
|160| " محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر " ، كما اشير إليه في كتب الأخبار : " خذوا معنى " أبجد " ففيه عجائب كثيرة : الف آلاء الله ، باء بهجة الله ، جيم مجد الله ، دال دين الله ، هاء هاوية . " ( 1 ) . وقد مضى بتفصيله في المقام الأول : " فالهاء هاوية ، وهي لأعدائنا أهل البيت ( عليهم السلام ) " . ومن كان له إلمام بعلم الرجال ، يعلم صحة السند المزبور ، ولا يتردد في إرسال مثل صفوان في خصوص هذه الرواية ، المؤيدة بكثرتها بالطرق الاخر . 3 - أخرج العياشي في تفسيره عن عبد الله بن سنان ، عنه ( عليه السلام ) في تفسير ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال : " الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ،والميم مجد الله " . وقال : رووا غيره عنه : " ملك الله " ( 2 ) الحديث . 4 - أخرج الصدوق في كتاب " التوحيد " عن الصادق ( عليه السلام ) عن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فقال : " الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم مجد الله " ( 3 ) . وفي خبر آخر : " والميم ملك الله " ( 4 ) . وهكذا فيه ما رواه علي بن إبراهيم في تفسير " الله " ( 5 ) . 5 - في " المجمع " عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " خرجت الموجودات من باء 1 - محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر : 27 . 2 - تفسير العياشي 1 : 22 18 و 19 . 3 - التوحيد : 230 2 . 4 - التوحيد : 230 3 . 5 - تفسير القمي 1 : 28 . |
|
|161| ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 1 ) . وعن علي ( عليه السلام ) : " أنا نقطة تحت الباء " ( 2 ) . 6 - " عوالي اللآلي " عنه ( عليه السلام ) : " لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من باء ( بسم الله الرحمن الرحيم ) " ( 3 ) . 7 - كتاب " غرر الحكم " عن علي ( عليه السلام ) : " أنا النقطة ، أنا الخط ، أنا الخط ، أنا النقطة ، أنا النقطة والخط " ( 4 ) . 8 - أخرج الصدوق بإسناده في " التوحيد " عن الرضا ( عليه السلام ) : " أن أول ما خلق الله عز وجل ، ليعرف به خلقه الكتابة حروف المعجم . - إلى أن قال - : ولقد حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في " ا ب ت ث " أنه قال : الألف آلاء الله ، والباء بهجة الله . - إلى أن قال - : س ش فالسينسناء الله . - إلى أن قال - : م ن فالميم ملك الله يوم الدين يوم لا مالك غيره . " ( 5 ) . الحديث . 9 - ما أخرجه أيضا عن الكاظم ( عليه السلام ) : " أنه قال علي بن أبي طالب في جواب اليهودي والسائل عن الفائدة في حروف الهجاء ، بعد أمره رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إياه بجوابه : ما من حرف إلا وهو اسم من أسماء الله عز وجل . - إلى أن قال - : وأما الميم فمالك الملك " ( 6 ) الحديث . 1 - لم نجد هذا الحديث . 2 - مشارق أنوار اليقين : 21 ، ينابيع المودة : 69 . 3 - عوالي اللآلي 4 : 102 150 ، مناقب آل أبي طالب 2 : 43 . 4 - مناقب آل أبي طالب 2 : 49 . 5 - التوحيد : 232 1 . 6 - التوحيد : 235 2 . |
|
|162| 10 - وفيه أيضا بإسناده عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " أنه سأل عثمان بن عفان ، رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تفسير " أبجد " ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : تعلموا تفسير " أبجد " ، فإن فيه الأعاجيب كلها ، وويل لعالم جهل تفسيره . فقيل : يا رسول الله ما تفسير أبجد ؟ فقال : أما الألف فآلاء الله ، حرف من أسمائه ، وأما الباء فبهجة الله . - إلى أن قال - : وأما الميم فملك الله الذي لا يزول ، ودوام الله الذي لا يفنى " ( 1 ) . 11 - وما رواه فيه في تفسير الصمد ، أنه قال : " وأما الميم فدليل على ملكه ، وأنه الملك الحق ، لم يزل ولا يزال ولا يزول " ( 2 ) . 12 - وقد وردت في أذيال الحروف المقطعة القرآنية ما يتعجبمنه الإنسان أكثر من التعجب من خلق السماوات والأرض ، فإن الأسرار المكنونة فيها أكثر وأوفر من أسرار عالم الشهادة ، فإن فيها سر الغيب والذات والشهادة والصفات ، وفيه كل الشئ وكل الشئ في كل الشئ . ولو شئنا نقل جميع ما ورد عن الأئمة المعصومين - عليهم صلوات المصلين - وما نسب إليهم ( عليهم السلام ) لخرجنا عن الوظيفة في هذه الوجيزة ، وسيظهر في طي المباحث حول الحروف والأعداد في المواقف المناسبة ، مايزيدك علما وحكمة ، فانتظر . 13 - قال المجلسي عليه الرحمة : إنه قد روت العامة في " ألم " 1 - التوحيد : 237 2 . 2 - التوحيد : 92 6 . |
|
|163| عن ابن عباس : " أن الألف آلاء الله ، واللام لطفه ، والميم ملكه ، والبهاء الحسن والسناء - بالمد - الرفعة والمجد والكرم والشرف " هكذا في " مرآة العقول " ( 1 ) . 14 - قد روى القرطبي عن عثمان بن عفان : أنه سئل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تفسير ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ فقال : " أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه ، وأما السين فسناء الله ، وأما الميم فملك الله ، وأما الله فلا إله غيره ، وأما الرحمن . " ( 2 ) . وفيه أيضا : وروي عن كعب الأحبار أنه قال : " الباء بهاؤه ، والسين سناؤه ، فلا شئ أعلى منه ، والميم ملكه ، وهو على كل شئ قدير ، فلا شئ يعازه " ( 3 ) . وقيل : " إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه . - إلى أن قال - : والراء مفتاح اسمه الرزاق ، والحاء مفتاح اسمه حليم ، والنون مفتاح اسمه نور " ( 4 ) . انتهى . 15 - في كتاب التجارة من " الوسائل " ، الباب 103 من أبواب ما يكتسب به ، عن " معاني الأخبار " و " الأمالي " عن محمد بن الحسن ، عن الصفار ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وأحمد بن الفضال جميعا عن ابن أسباط عن الحسن بن زيد عن محمد بن سلام عن ابن نباته ، قال : قال 1 - مرآة العقول 2 : 37 1 . 2 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 107 . 3 - المصدر السابق . 4 - المصدر السابق . |
|
|164| أمير المؤمنين عليه أفضل صلاة المصلين : سأل عثمان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تفسير أبجد ، فقال رسول الله : " تعلموا تفسير أبجد فإن فيها الأعاجيب ، ويل لعالم جهل تفسيره " . فسأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تفسير " أبجد " ، فقال : " أما الألف فآلاء الله حرف بحرف من أسمائه . وأما الباء فبهجة الله . وأما الجيم فجنة الله وجلالة الله وجماله ، وأما الدال فدين الله . وأما " هوز " : فالهاء هاء الهاوية فويل لمن هو حي في النار . وأما الواو فويل لأهل النار . وأما الزاء فزاوية في النار ، فنعوذ بالله مما في الزاوية ، يعني زوايا جهنم . وأما " حطي " : فالحاء حطوط الخطايا عن المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبرئيل مع الملائكة إلى مطلع الفجر . وأما الطاء فطوبى لهموحسن مآب ، وهي شجرة غرسها الله ونفخ فيها من روحه ، وإن اغصانها لترى من وراء سور الجنة ، تنبت بالحلي والحلل متدلية على أفواههم . وأما الياء فيد الله فوق خلقه باسطة ، سبحانه وتعالى عما يشركون . وأما " كلمن " : فالكاف من كلام الله ، لا تبديل لكلمات الله ، ولن تجد من دونه ملتحدا . وأما اللام أهل الجنة بينهم في الزيارة والتحية والسلام ، وتلاوم أهل النار فيما بينهم . وأما الميم فملك الله الذي لا يزول ودوامه الذي لا يفنى . وأما النون فنون ( والقلم وما يسطرون ) ( 1 ) والقلم قلم من نور وكتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقربون ، وكفى بالله شهيدا . وأما " سعفص " : فالصاد صاع بصاع وفص بفص ، يعني الجزاء بالجزاء ، 1 - القلم ( 68 ) : 1 . |
|
|165| كما تدين تدان إن الله لا يريد ظلما للعباد . وأما " قرشت " : يعني قرشهم وحشرهم ونشرهم يوم القيامة ، فقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون " . ورواه في " معاني الأخبار " بإسناد آخر ( 1 ) . المقام الثالث في ذكر ما قيل في هذه الروايات حسب اختلاف أنظار الباحثين وتشتت آراء الفضلاء البارعين في هذه المواقف والمحال . فقد يقال - بعد الفراغ عن أن اشتقاق باء البسملة من باء البهاء والبهجة - : ليس من الاشتقاق الصغير المتعارف في علم الصرف ، بل ولا من الاشتقاق الكبير المتراءى أحيانا في اللغات حسب اختلاف الألسنةوالملل ، بل هو نوع آخر من الاشتقاق هو الاشتقاق الأكبر . إن معنى الاشتقاق في حقائق الأسماء الإلهية على نوعين : إما ظاهر من شأنه الظهور ، أو خفي من شأنه الخفاء بنفسه وإن ظهر في آثاره ، والثاني أقرب إلى الحق ، لكونه مثالا للحق في غيبة الذات ، وظهوره بالآثار فهي الرابطة بين الظهور والبطون ، وذاته الخفية من طرف الحق وأثره من طرف الخلق ، فهو آية الحق في الظهور والبطون ، فالمطابق له في 1 - وسائل الشيعة 12 : 246 كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 105 ، الحديث 11 ، معاني الأخبار : 46 2 ، الأمالي ، الصدوق : 317 2 ، التوحيد : 237 2 . |
|
|166| الألفاظ هو الألف ، الذي أول الحروف من حيث أولية خفائه من أوائل أسماء الله سبحانه وغيرها كالبسملة لفظا وظهوره كتبا إلا في البسملة ، حيث ابدل إظهاره بتطويل الباء لما ذكروه في موضعه ، ونسبة الكتابة إلى اللفظ نسبة الجسد إلى الروح ، فهو خفي روحا وظاهر قشرا ، ومن حيث استقامته التي هي الأصل في أشكال الحروف ، ككون " الصراط المستقيم " هو صفة فعل الحق ( إن ربي على صراط مستقيم ) ، ومن حيث اشتقاق سائر الحروف منه كتبا ، فهو كالركن من الدائرة ، كتوسط الصراط المستقيم بين السبل ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ) ( 1 ) ولأن مخرجه أقرب إلى القلب الذي هو المبدأ الأول في عالم الإنسان ، فهو أول الحروف مخرجا ، وأبعدها ظهورا ، وأكثرها امتدادا ، لجريانه من قريب السرة إلى الفم ، فهو يمر على وسط المخارج كالصراط المستقيم إلى غير ذلك ، فهو الآلاء بمعنى النعم الباطنية الخفية . والأول على أقسام ثلاثة : إما يكون ظاهرا بالمرآتية المحضة للحق ، بحيث يكون فاني الهوية في جنب الحق والاسم المكنون المخزون عنده سبحانه ، وإما يكون ظاهرا بنفسه وهويته أيضا ، وإما يكون ظاهرا بنفسه في مظاهره ، ومظهرا لها : والأول : مرآة ظهر بالمرآتية ، وخفي بنفسه كالمرآة الصافية التي لا تظهر بصفات نفسها للأبصار ، وإنما شأنه إظهار الشئ . 1 - الأنعام ( 6 ) : 153 . |
|
|167| والثاني : مرآة يتعلق بها بنفسها الإدراك ، وتظهر فيها الصورة على ما هي عليه ، كأكثر المرائي الصافية . والثالث : مرآة ضعف مرآتيته في ظهور نفسه ومظهر هويته في صفاته المنايرة ، كما هو مرآة له ، فصار مبدأ لظهور الكثرة وخفاء الوحدة الحقيقية التي هي مرآة له . ومن البين سبق الأول على الثاني ، وسبقه على الثالث . فالأول : هو الباء يتلو الألف مرتبة ، ولا يفارقه كتبا إلا بانحراف طرفيه وبقاء الباقي بعد الانبساط ، وهو بهاء الحق ومرآة حسنه ، ليس لها صفة وراء إظهار حسن الحق ، إذ الحق هو الحق المطلق والجميل المطلق ، فمرآته مرآة الحسن والبهاء وهو حقيقة الاسم الحاكي عن صفاته الذاتية ، وهو متصف بصفة الفناء ، فهو خال عن نفسه بخلاف الثاني ، وعن سائر الأشياء بخلاف الثالث ، ومعطل عما سوى شأن المرآتية ، فيوافقه المعنى الثاني للبهاء ، وهو مظهر الفخر الذاتي ، فيوافقه المعنى الثالث ، وهو أصل مقام الانس المنبعث عن الوصل ، إذ لاوصل إلا بالفناء والبقاء ، فيوافقه الرابع الذي للباء ممدودا ، فهو مبدأ البهجة والسرور بالحق ، الذي هو السرور الحق والبهجة الحقة ، إذ لا سرور للعارف إلا بذلك وغيره باطل عاطل . والثاني : هو السين الذي هو الباء بزيادة التصرف في وسطه وحبله كالطرفين ، فصار له أضراس ثلاثة : وهي سناء الحق ، وضوء برقه ، ونوره الظاهر بنورانية الحاكي عن مبدأ وجوده ، كما أن سناء البرق ظاهر بنفسه ، ويكون شعاعا للبرق ، ودالا عليه ، بحيث لا يكاد يفارق أحد |
|
|168| اللحاظين الآخر عند إدراكه ، ولمعان وظهور البرق لأمر مغاير له منفصل عنه ، كذا سناء الله ظاهر بنفسه وهويته ، مظهر للحق وآية له ، لا يغلب أحد اللحاظين الآخر ، وهو لمعان وظهور لفعل الحق والمرتبتين المتقدمتين عليه ، فكانت السابقة برقا لا يظهر بهويته للأبصار بنفسه ، واللاحقة ضوءه الذي ظهر بنفسه ، وأظهر البرق بظهوره ، فكأنه عبد قائم بصفة العبودية المقتضي لملاحظة السابق عليه ، فان عن نفسه باق بربه ، وهذا السناء أرفع من جميع الإبداعات الظاهرة ، فهو رفعة الحق ومظهرها ، فيصح أخذه بالمعنى الثاني . والثالث : فهو الميم المستدير الحاكي عن معنى دائرة الإمكان ، ويقابل الألف من حيث إنه صفة الاستقامة المتقابلة للاستدارة ، من حيث إنه آخر المخارج نزولا ، فيقابل مخرج الألف وهو ملكه ومجده وعلوه على الأشياء ، وهذا المعنى يقتضي ظهور الأشياء بصفة المقهورية والمملوكية ، حتى يظهر الحق فيها بصفة الملكية والمالكية والعلو ، فهو البرزخ الحاكي عن الواجب بهذه الصفات وعن الممكنات بتلك ، والجامع لحقائقالأسماء الإضافية ، وقد انضم إلى جهته التي إلى الحق ، وجهته في نفسه جهته إلى الخلق ، وباعتبارها ظهر أعيانها بصفاتها ، فشهدت لخالقها بأضدادها ، وهو مقام الربوبية الفعلية التي تقتضي وجود المربوب . وغير خفي : أن الغرض من هذا البيان ليس حصر حقائق الأسماء في الحروف الأربعة ، بل يشبه أن يكون هي اصول الحقائق أو الاولى من كل نوع من الأنواع ما عدا الألف ، إذ هو الأخير من مقام الغيب وقبله الألف ، المشار إليه بلام ألف لا ، وقبله النقطة ، ويشهد لكثرة الأسماء وتقدم |
|
|169| البهاء عليها دعاء السحر المعروف ، الوارد في سحور شهر رمضان ، حيث قدم على الأسماء الكثيرة . وقد يقال في تحقيق ما نسب إلى أمير المؤمنين وإمام الموحدين - عليه آلاف التحية من المصلين - بعدما ورد : أن القرآن في باء ( بسم الله ) : " أنا نقطة تحت الباء " ( 1 ) : اعلم - هداك الله يا حبيبي - أن من جملة المقامات التي حصلت للسالكين - السائرين إلى الله وملكوته بقدم العبودية واليقين - أنهم يرون بالمشاهدة العيانية كل القرآن ، بل جميع الصحف المنزلة في نقطة تحت الباء من ( بسم الله ) بل يرون جميع الموجودات في تلك النقطة الواحدة ، وقد تبين في محله بالبرهان الحكمي : أن بسيط الحقيقة كل الأشياء ، وبه صرح معلم المشائين في غير موضع من كتابه ( 2 ) . ونحن نمثل لك في هذا المعنى مثالا من المحسوس يقربك إلى فهمه من وجه ، فإنك إذا قلت : " لله ما في السماوات والأرض " فقد جمعت جميع الموجودات في كلمة واحدة ، وإذا حاولت ذكرها بالتفصيل لافتقرت إلىمجلدات كثيرة ، ثم قس على نسبة اللفظ إلى اللفظ نسبة المعنى إلى المعنى ، على أن فسحة عالم المعاني والتفاوت بين أقسامها وأفرادها ، لا يقاس بفسحة عالم الألفاظ والتفاوت ، ولو اتفق لأحد أن يخرج من هذا الوجود المجازي الحسي إلى أن تحقق بالوجود العقلي ، واتصل بدائرة 1 - راجع ينابيع المودة : 69 . 2 - انظر اثولوجيا : 134 . |
|
|170| الملكوت السبحاني ، حتى يشاهد معنى ( إنه بكل شئ محيط ) ( 1 ) ، ويرى ذاته محاطا بها مقهورة تحت كبريائه تعالى ، فحينئذ يشاهد وجوده تحت نقطة باء السببية لمسبب الأسباب ، ويعاين عند ذلك تلك الباء التي في ( بسم الله ) ، حيثما تجلت له عظمتها وجلالة قدرها ورفعة سر معناها ، هيهات نحن وأمثالنا لانشاهد من القرآن إلا سوادا ، لكوننا في عالم الظلمة والسواد ، وما حدث فيه من مد هذا المداد ، أعني مادة الأبعاد والأجساد وهيولى الأضداد والأعداد ، والمدرك لا يدرك شيئا إلا بما في قوة إدراكه دائما يكون من جنس مدركاته ، بل هي عينها كما تحرر في محله ، فالحس لا ينال إلا المحسوس ، ولا الخيال إلا المتخيل ، ولا العقل إلا المعقول ، فلا يدرك النور إلا النور ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) فنحن بسواد هذه العين لانشاهد إلا سواد أرقام ومدار نقوش الكتاب ، فإذا خرجنا عن هذا الوجود المجازي والقرية الظالم أهلها ، مهاجرا إلى الله ورسوله في قطع المنازل التي بيننا وبين المطلب ، وأدركنا الموت عن هذه النشآت والأطوار ، التي بعضها صور حسية أو خيالية أووهمية أو عقلية ، وقطعنا النظر عن الجميع ومحونا بوجودنا في وجود كلام الله ، ثم أحيانا الله بعد موتنا ، وخرجنا من المحو إلى الصحو ، ومن الفناء إلى البقاء ، ومن الموت إلى الحياة حياة ثابتة باقية ببقاء الله ، فما نرى بعد ذلك من القرآن سوادا أصلا ، إلا البياض الخالص والنور الصرف 1 - فصلت ( 41 ) : 54 . |
|
|171| الذي لا يشوبه ظلمة ، واليقين المحض الذي لا يعتريه شك ، وتحققنا بقوله تعالى : ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) ( 1 ) وبقوله : ( علمناه من لدنا علما ) ( 2 ) . وعند ذلك نقرأ الآيات من نسخة الأصل ، وهو الإمام المبين والذكر الحكيم ومن عنده علم الكتاب ، وهو أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : لقوله تعالى : ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) ( 3 ) ، ولهذا نطق بما نطق من قوله ( عليه السلام ) : " أنا نقطة تحت الباء " ( 4 ) ، وقوله ( عليه السلام ) مشيرا إلى صدره : " إن هاهنا لعلما جما " ( 5 ) ، ( 6 ) . ولك أن تقول وجها آخر قريبا من افق الناس وأفهام الاناس وهو : أن الظاهر من كثير من الأخبار : أن للحروف المفردة أوضاعا ومعاني متعددة لا يعرفها إلا حجج الله تعالى ، وهذه إحدى جهات علومهم واستنباطهم من القرآن ، فعليه يمكن أن يكون هذا مبنيا على الاشتقاق الكبير والمناسبة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها ، فالباء لما كانت مشتركة بين المعنى الحرفي وبين البهاء ، فلابد من مناسبة بين معانيها ، وكذا الاسم والسناء لما اشتركا في السين فلذا اشتركا في معنى العلو والرفعة ، وكذلك الاسم لما اشترك في 1 - الشورى ( 42 ) : 52 . 2 - الكهف ( 18 ) : 65 . 3 - الزخرف ( 43 ) : 4 . 4 - ينابيع المودة : 69 . 5 - راجع نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 495 ، الحكمة 147 . 6 - هذا القول من أوله إلى هنا قول صدر المتألهين ، انظر الأسفار 7 : 32 - 34 |
|
|172| معنى المجد والملك ، فلابد من مناسبة بين معانيها . وهذا باب واسع في اللغة يظهر ذلك للمتتبع بعد تتبع المعاني والمباني . فالمراد من قوله ( عليه السلام ) : " فالسين سناء الله " أن هذا الاسم في الاسم مناط لحصول هذا المعنى فيه ، وكذا البواقي . والتأمل في ذلك يكسر سورة الاستبعاد عن ظاهر هذا الكلام . وربما يقال : لما كان تفسيره بحسب معنى حرف الإضافة ولفظ الاسم ، غير محتاج إلى البيان للعارف باللغة ، أجاب ( عليه السلام ) بالتفسير بحسب المدلولات البعيدة ، أو لأنه لما صار مستعملا للتبرك مخرجا عن المدلول الأول ، ففسره بغيره مما لوحظ في التبرك . والمراد بهذا التفسير : إما أن هذه الحروف ، لما كانت أوائل هذه الألفاظ الدالة على هذه الصفات ، اخذت للتبرك ، أو أن هذه الحروف لها دلالة على هذه المعاني ، إما على أن للحروف مناسبة مع المعاني بها وضعت لها ، وهي أوائل هذه الألفاظ ، فهي أشد حروفها مناسبة وأقواها دلالة على معانيه ، أو لأن الباء لما دلت على الارتباط والانضياف ، ومناط الارتباط والانضياف إلى شئ وجدان حسن مطلوب للطالب ، ففيها دلالة على حسن وبهاء مطلوب لكل طالب ، وبحسبها فسرت ببهاء الله ، ولما كان الاسم منالسمو الدال على الرفعة والعلو والكرم والشرف ، فكل من الحرفين بالانضمام إلى الآخر دال على ذلك المطلوب ، فنسبت الدلالة على السناء - بحسب المناسبة - إلى السين ، وفسرها بسناء الله ، والمراد على المجد أو الملك بحسبها إلى الميم ، وفسرها بالمجد أو الملك على الرواية |
|
|173| الاخرى ( 1 ) . انتهى ما أردنا نقله عن جملة الأخبار وبعض الأعيان من العلماء بالله . والله ولي التوفيق . المقام الرابع بعض الرموز المستورة تحت الباء ونقطتها اعلم أن جميع ما قيل حسب أطوار الأفهام يصح في تلك المرتبة وتيك المنزلة ، وذلك لأن للقرآن مراتب كمراتب الوجود ، فمرتبة منه هو الوجود الخارجي الواجبي ، لأنه علمه تعالى ، وعلمه عين ذاته الأزلية القديمة ، فهو تعالى والقرآن في تلك المرتبة واحد ، وهذا معنى قول من يقول : القرآن قديم ، ومرتبة منه الوجود الخارجي الإمكاني ، إلى أن تصل في التحرف والتنزل إلى مرتبة العرض غير القار ، وهو الصوت أو الكيف المخصوص ، فإذا فسر بالمعنى المناسب له ، فهو لا ينافي التفسير الآخر ، لاختلاف مراتب المفسرين طولا أو عرضا ، وهو تختلف مراتبه طولا وعرضا كالوجود ، إلا أن أنحاء التشكيك مختلفة ومتشتتة ، حسب ما تحرر في محله . ثم إن هنا طائفة من الأخبار يظهر منها : أن الوجود ظهر من باء ( بسم الله ) ، كما حكي عن محيي الدين العربي : " أن ب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ظهر الوجود ، وبالنقطة تميز العابد عن المعبود ( 2 ) ، وطائفة 1 - مرآة العقول 2 : 37 - 38 . 2 - الفتوحات المكية 1 : 102 ، انظر مشارق أنوار اليقين : 38 ، حيث يستفاد منه أن العبارة ] |
|
|174| اخرى مشتملة على بيان الرموز والإشارات . أما الاولى : فربما تكون ناظرة إلى أن كيفية نزول الوجود ليس مثل كيفية نزول سائر الأشياء ، بل هو في النزول يشبه نزول النور من الشمس في وجه تخيلي ، وهو أن المنزلة الاولى من النور الساطع ، هي تمام الأنوار اللاحقة عليها والمتأخرة عنها ، فإذا صدر النور الأول ، يصح أن يقال : بالنور الأول صدر الوجود كله والأنوار كلها ، لانطواء ما دونها فيه ، فإذا تكلم الحق - جل اسمه - في خلق السماوات والأرض والملكوت الأدنى والأعلى ، فلابد أن يتكلم باسمه الشريف ، كما أمر عباده بذلك . فبمجرد ظهوره بالكلام الوجودي المناسب له لا يبقى الوجود المتأخر ، بل يوجد كل المتأخرات بأول الظهور وبأول التجلي ، وهو التجلي الذي في كلامه المسموع والمقروء يكون الباء ، فالباء في الكلام النفسي والذهني والعقلي - حسب اختلاف آفاق الموجودات المتوسطة ، كجبرئيل وغيره - هو الباء في المتجلي الأول العيني ، فإذا تجلى فبأول تجلياته القيومية صدر كل شئ ، وجف القلم بما هو كائن ، فعلى هذا يصح أن يقال : بالباء ظهر الوجود . وحيث إن الوجود لا امتياز له - لأن صرف الشئ لا يتكرر - فالامتياز بالأمر الآخر ، وهو الماهية أو الإمكان الفقري ، وبمثابة ذلك الباء ، فإنها لا تمتاز عن التاء والثاء إلا بالنقطة ، فبها ظهر الوجود ، وبالنقطة تميز العابد عن المعبود ، وإذا نظرنا إلى الوجود فلا يحكم عليه ] رواية عن المعصوم ( عليه السلام ) . |
|
|175| إلا بالوجوب ، وإذا اعتبر فيه التنازل والتشكيك يحصل العنوان المقابل للوجود ، وهو الإمكان الفقري أو العقل والماهية أو النور المضاف ، فكل ذلك هي حقيقة الإنسانية التي عبر عنها الأمير ( عليه السلام ) : ب " أنا نقطة تحت الباء " حسب ما نسب إليه . والله العالم . وأما الثانية : فقد تقرر في محله : أن كل شئ في كل شئ ، وقد ذكرنا في تباليقنا على الإلهيات من الأسفار ( 1 ) : أن هناك ثلاث قواعد : الاولى : قاعدة الكل في الكل ، وهي قاعدة طبيعية . والثانية : قاعدة كل شئ فيه معنى كل شئ ، وهي قاعدة تستعمل في علم الأسماء والعرفان . والثالثة : قاعدة كل شئ في كل شئ ، وهي قاعدة تستعمل في الفلسفة العليا . والنظر في الثانية إلى أن جميع الأشياء بقضها وقضيضها ومن صدرها إلى ذيلها ، مظهر جميع الأسماء ، ولا يشذ عن الوجودات الخارجية اسم من الأسماء ، وكل الأشياء على العموم الاستغراقي مستجمع لمقتضيات جميع الأسماء الإلهية ، وإنما الاختلاف في الظهور والبطون . وهذه القاعدة مبرهنة في الفلسفة العليا بالقاعدة الثالثة وهو : أن بعد القول بأن الوجود أصيل ، وهو أصل كل كمال وجمال ، وأن التشكيك فيه خاصي ، فلا يكون في الوجود مرتبة إلا وهو جامع لجميع الكمالات 1 - انظر تعليقات المصنف ( قدس سره ) على الأسفار الأربعة ذيل 6 : 174 ، الفصل الثاني في إثبات علمه بذاته . |
|
|176| على نعت الضعف ، لا الفقدان ، وإلا يلزم أن لا يكون التشكيك خاصيا . فعلى هذا الأصل المسلم عند أهله ، وعلى تلك القاعدة المحررة في محله ، جميع الموجودات مظهر جميع الأسماء والصفات ، وفيه جميع التجليات . بل عن الوالد الخريت في هذا الميدان - مد ظله - : أن الأسماء المستأثرة أيضا ذات تجليات ، إلا أنها بنحو الخفاء الذاتي ، كما هو في الحق بنحو الاختفاء الأبدي ( 1 ) . ومن تلك الموجودات الباء والألف والسين والميم . وهكذا ، فكما أن الأئمة الحق والأفراد الكاملين من البشر ، مظهر جميع الأسماء والصفات الكاملة ، ولكنهم في مرحلة الظهور يوصفون بالاسم الخاص : الصادق والكاظم والرضا والجواد والعابد . وهكذا ، كذلك سائر الوجودات في كل مرحلة ومرتبة ، فالباء والألف والسين والميم واللام والهاء ، مظاهر الأسماء الجمالية والجلالية ، فبعض منها مظهر الجمال بغلبة الرحمة ، وبعض منها مظهر الجلال بغلبة القهر ، وبعض منها يستوي فيه المظاهر والظهورات ، وهكذا في نفس الأسماء الإلهية والوجودات التي هي الأسماء حقيقة ، فإذا قيل : " الباء بهجة الله " ، فهو لأجل غلبة اسم البهجة فيه ، وظهور بائها في الباء الذي هو من الموجودات ومظهر كل شئ ، وهكذا سائر الحروف ، ومن تلك التقاريب في الطائفتين من الأخبار ، 1 - تعليقات الإمام الخميني ( قدس سره ) على مصباح الانس : 218 ، تعليقات الإمام الخميني ( قدس سره ) على شرح فصوص الحكم : 26 . |
|
|177| يظهر معنى ما نسب إليه ( عليه السلام ) : " أنا النقطة ، أنا الخط ، أنا الخط ، أنا النقطة ، أنا النقطة والخط " ( 1 ) . وإن شئت قلت : هي إشارة إلى القاعدة الاخرى المحررة في الفلسفة العليا أيضا ، وهي قاعدة الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة ، فإن الخط هي الكثرة الحاصلة من تجليات النقطة ، والنقطة هي الخط في مرحلة البساطة والوحدة ، وهو ( عليه السلام ) حافظ مراتب الوحدة والكثرة ، لا تشغله الدنيا عن الآخرة ولا الآخرة عن الدنيا ، لاتنثلم وحدته بتوجيه النظر إلى الكثرات في مختلف النشآت ، ولا يسهو عن أحكام تلك التجليات المتشتتة مع توغله في الوحدة . فافهم واغتنم . تكملة : بحث عن أسرار حروف البسملة الحروف الملفوظة لهذه ثمانية عشر ، والمكتوبة تسعة عشر ، وإذا انفصلت الكلمات وكتبت مفصلة تصير إلى اثنين وعشرين : فالثمانية عشر إشارة إجمالية إلى العوالم الكثيرة ، البالغة كناية إلى ثمانية عشر ألف عالم ، إذ قد عرفت أن الألف هو العدد التام المشتمل على مراتب الأعداد والكلمات ، فهي ام المراتب برمتها ، فعبر عنها عن امهات العوالم في الغيب والشهادة ، وهي عالم الجبروت وعالم الملكوت والعرش والكرسي والسماوات السبع والعناصر الأربعة والمواليد الثلاث . 1 - مناقب آل أبي طالب 2 : 49 . |
|
|178| وأما التسعة عشر فهي إشارة إليها مع العالم الإنساني ، فإنه وإن كان داخلا في الحيوان الذي من المواليد الثلاث ، إلا أنه باعتبارجامعيته للكل وحصره للوجود عالم آخر ، كالخيط بالنسبة إلى الدرر المنظومة به ، والألفات المحتجبة الثلاثة التي متمم الاثنين والعشرين ، إشارة إلى العالم الإلهي الحق باعتبار الذات والصفات والأفعال ، فهي ثلاثة عوالم عند التفصيل ، وفي اعتبار عالم واحد . وقيل : هو هكذا عند التحقيق ، والثلاثة المكتوبة إشارة إلى ظهور تلك العوالم على المظهر الأعظمي الإنساني ( 1 ) . وقيل : لاحتجاب العالم الإلهي حين سئل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن ألف الباء : أين ذهبت ؟ قال : " سرقها الشيطان " ، وأمر بتطويل باء ( بسم الله ) تعويضا عن ألفها ، إشارة إلى احتجاب الوهية الإلهية في صورة الرحمة الانتشارية ، وظهورها في الصورة الإنسانية بحيث لا يعرفها إلا أهلها ، ولهذا نكرت في الوضع ، فالذات محجوبة بالصفات ، والصفات بالأفعال ، والأفعال بالأكوان والآثار ، فمن تجلت عليه الأفعال بارتفاع حجب الأكوان توكل ، ومن تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الأفعال رضي وسلم ، ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات فني في الوحدة ، فصار موحدا مطلقا فاعلا ما فعل وقارئا ما قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( 2 ) . وقيل : إن الألف المحذوفة قراءة وكتبا إشارة إلى القائم الغائب ، 1 - انظر تفسير القرآن الكريم المنسوب إلى محيي الدين ابن عربي 1 : 8 - 9 . 2 - المصدر السابق 1 : 9 . |
|
|179| الذي به قوام الوجود في الصعود ، فالألف هو المقوم للحروف غائب في ابتداء الكتاب الإلهي مشيرا إلى غياب القائم من آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . علم الأوفاقاعلم أن الاسم " الله " عند هؤلاء الأعلام ، هو الاسم الأعظم ، وعليه دعوى الاتفاق ، وله من العدد 67 لفظا و 99 رقما ، وأما أسماء حروفه 26 تشير إلى اسمين جليلين ، وهما علي قديم . ومن كتب في شرق الشمس على جسم شريف احترق به كل شيطان مريد ، وإذا أمسكه معه في يوم شديد البرد وأكثر من ذلك لا يحس بألم البرد الشديد ، وإذا تختم به صاحب الحمى البلغمية ذهبت لوقتها ، وإذا نقش مربعه على رق والشمس في الأسد ، وحمله بعد ذكره 317 مرة ، فلا يضع يده على ماء إلا غار بإذن الله تعالى ، بشرط أن يكون صاحب حال مع الله تعالى ، ومن عرف قدره استغنى به عن كل ما سواه ، لأنه اسم الله تعالى الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ومن ثم كانت قواه الظاهرة تشير إلى قولك : مجيب ، وهو - على ما قيل ( 1 ) - أول الأسماء المظهرة ، والجامع لحقائقها ، والمشتمل على دقائقها ورقائقها ، وله مخمس جليل القدر من رسمه وحمله لم يعسر عليه أمر من الامور ، وبه تسهل الشدائد ، وهو ذكر أكابر المؤلهين من أهل الخلوات ، يصلح ذكرا لمن كان اسمه محمدا ، فليكثر من ذكره يقول : الله الله ، لما نسب إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ألله ألله ربي لا اشرك به شيئا " يصلح أيضا لمن كان 1 - شمس المعارف الكبرى : 17 . |
|
|180| اسمه عبد الله . وهذه صورته ( 1 ) . 181523141 12416815 602415219 517923132173207 1 - صورة أكثر الأسماء في هذا التفسير غير موسومة في المخطوط بل رسماها من كتاب شمس المعارف الكبرى . انظر شمس المعارف الكبرى : 161 . |
|
|181| الناحية الثانية حول قوله تعالى : ( الرحمن الرحيم ) |
|
|183| اللغة والصرف وهنا مسائل : المسألة الاولى في عربية " الرحمن " اتفقوا : على أن " الرحيم " من المشتقات ، والكلمة عربية . واختلفوا في أن " رحمان " عربي أو عبري ، فالمشهور على الأول ، ويأتي تفصيله ، وقيل : إنها كلمة عبرانية ، وأصلها " الرخمان " بالخاء قاله ثعلب والمبرد وأبو إسحاق الزجاج في " معاني القرآن " وأحمد بن يحيى ( 1 ) . ويظهر عن " تاج العروس " أن الأزهري حكى عن أبي العباس في قوله تعالى : ( الرحمن الرحيم ) قال : جمع بينهما لأن الرحمن عبراني والرحيم عربي ، وأن ما هو العبراني بالحاء ( 2 ) . ولكنه مخدوش وغير ثابت ، فما هو المعروف عنهم أنه بالخاء عبراني ، ثم عرب فصارت بالحاء . 1 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 104 ، وتفسير التبيان 1 : 29 ، ومجمع البيان 1 : 91 ، والبحر المحيط 1 : 15 . 2 - تاج العروس 8 : 307 . |
|
|184| وأما شعر جرير : ومسحكم صلبهم رخمان قربانا فهو لا يشهد على هذه المسألة ، كما سيظهر وجهه . والذي هو المقطوع به - حسب اللغة والاستعمال - أن هذه الكلمة كانت معهودة في الاستعمالات العربية ، وقد حكي عن بعض شعراء السلف وجودها في أشعارهم ( 1 ) ، وهذا لا ينافي كون " الرخمان " - بالخاء - عبرانيا ، فإنه كثيرا ما يتفق اشتراك الملل المختلفة في اللغة الواحدة من غير أخذ واحد منهم عن الآخر ، ولسنا منكرين وجود كلمات غير عربية في الكتاب العزيز ، كما أنكره جمع ، كالشافعي وابن جرير وأبي عبيدة والقاضي أبي بكر وابن فارس ، حتى قيل : هو مختار الأكثر ( 2 ) ، بل ننكر عبرانية كلمة " الرحمن " في البسملة وفي سائر موارد الكتاب . فبالجملة : لا شاهد على تلك المقالة ، ولو اقيمت الأدلة على أنها ليست مشتقة - كما هو مختار جمع - فهي لا تستدعي عبرانيتها ، لإمكان التفكيك ، ولا يظهر من الذين ينكرون اشتقاقها أن يريدوا إثبات عبرانيتها ، كما أن الفرار من التكرار لا يورث هذا المختار . فما عن أبي العباس ، غير مقبول جدا ، ولا أعرفه ، فإنه كنية مشتركة بين جماعة كثيرة . ويمكن الاستدلال لعدم معهودية هذه الكلمة في عصر القرآن بين الأعراب في تلك الأمصار بقوله تعالى في سورة الفرقان : ( وإذا قيل لهم 1 - انظر مجمع البيان 1 : 20 . 2 - الإتقان في علوم القرآن 1 : 136 . |
|
|185| اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد . ( 1 ) . فإن السؤال - وخصوصا بكلمة الموصول لغير ذوي العقول - يشهد على أن المخاطبين في مكة المكرمة كانوا لا يعرفون هذه الكلمة . وأما ما قاله ابن الحصار ، وكأنه ( رحمه الله ) لم يقرأ الآية الاخرى ( وهم يكفرون بالرحمن ) ( 2 ) ، فهو غريب ، لأنه في سورة الرعد ، وهي مدنية ، ولا منع من اشتهارها بعد الاستعمال في السورة المكية ، وقد استعملت ستة عشر مرة في سورة مريم وهي مكية . والذي هو الجواب : أن كلمة " الرحمن " كانت في الجاهلية معهودة بين الشعراء ، وقد اشتهر مسيلمة بالرحمن ، وكانت تسمي بها ، فلا يمكن أن يكون الاستفهام في الآية على معناه الحقيقي ، والظاهر أنه في مقام أن الناس في هذا الموقف من الرذالة ، فإذا قيل لهم : اسجدوا للرحمن ، قالوا : وما الرحمن ؟ وإلا فلا واقعية لهذه القصة ، ولا يكون من يسأل عن ذلك بين المشركين أو الكافرين . ومن تلك الأشعار ما حكي عن سلامة بن جندل الطهوري : عجلتم عليه قد عجلنا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق وعن الشنفري : ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا ضرب الرحمن ربي يمينها ( 3 ) 1 - الفرقان ( 25 ) : 60 . 2 - انظر الجامع لأحكام القرآن 1 : 104 . 3 - مجمع البيان 1 : 20 . |
|
|186| وقد مضى أن مسيلمة كان يسمى برحمان قبل الإسلام ، فإذا كان ( صلى الله عليه وآله وسلم )- كما في بعض الأخبار عن طرق العامة - يقرأ جهرا البسملة ، يقولون : هو ينادي مسيلمة فأخفت ( 1 ) . والله العالم . ولو قيل : عبرانيتها لا تنافي هذه الاستدلالات ، لأن هذه الكلمة من أصلها عبرانية ، وانتقلت إلى العربية قبل الإسلام . قلنا : نعم ، إلا أن ثبوت أخذ العرب عنها ، يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل على دخول الكلمات العبرانية في العربية ، فتأمل . وللمسألة مقام آخر . المسألة الثانية حول أن " الرحمن " من المشتقات بناء على كونها عربية ، فهل هي من المشتقات أم من الجوامد ؟ فالمشهور على الأول ، وذهب جمع إلى الثاني ( 2 ) ، وذلك لوجوه : الأول : أنه من الأسماء المختصة به سبحانه . الثاني : أنه لو كان مشتقا فمادته الرحمة ، فحينئذ تحتاج إلى المفعول به ، فيجوز أن يقال : الله رحمن بعباده وبالمؤمنين ، كما يقال : ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) ( 3 ) . الثالث : أصل بناء فعلان من الأفعال اللازمة ، كعطشان وغضبان 1 - الدر المنثور 1 : 11 . 2 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 103 . 3 - التوبة ( 9 ) : 128 . |
|
|187| وندمان وسكران ، وبه صرح ابن حيان ( 1 ) ، فلو كان " رحمن " مشتقا ، يلزم خلاف الأصل . اللهم إلا أن يقال : بأنه مشتق من الرحيم ، كما يأتي بيانه ، ولكنه ممالا يمكن الالتزام به حسب الصناعات اللغوية . أقول : يتوجه على الأول بأن " الرحمن " علم لله تعالى ولقب له عز اسمه بالغلبة ، كعلمية العلامة لحسن بن يوسف ، والمحقق لجعفر بن الحسين ، فإن الكلمتين من المشتقات وصارتا علما بالغلبة ، فلهما الوضع الآخر المسمى بالوضع التعيني . ولذلك نقول : إن " الرحمن " العلمي غير " الرحمن " الوصفي ، وما كان علما يمكن أن يكون مأخوذا عن أصل عبراني ، وما هو الوصف عربي أصيل . وعلى الثاني : بأن عدم مأنوسية ذكر المتعلق له لأجل انس الذهن باستعمالاتها العلمية ، فإنها في الكتاب تستعمل نوعا في موضع استعمال كلمة " الله " ، وقلما يطلق ويراد منه المعنى الوصفي المحتاج إلى المعمول ، وإلا فلا منع من أن يقال : هو بالمؤمنين رحمن رحيم حسب الصناعة . والعجب من الآلوسي حيث توهم إضافتها إلى المفعول به في الجملة المعروفة : " رحمان الدنيا والآخرة " ( 2 ) . 1 - البحر المحيط 1 : 15 . 2 - روح المعاني 1 : 56 . |
|
|188| اللهم إلا أن يقال : بأن الدنيا والآخرة ليستا ظرف مكان وزمان ، بل الدنيا والآخرة كل والأفراد والأشياء من أجزائهما ، فحينئذ يصح ما ذكرناه فظرفية الدنيا والآخرة اعتبارية ، لا واقعية كظرفية الخارج والذهن في قولنا : زيد في الخارج أو في الذهن ، فإن الحقيقة هو أن زيدا خارجيوذهني ، ومن مراتب الخارج والذهن . وعلى الثالث أولا : أن الاستثناء في القواعد الأدبية كثير ، فقد تقرر في النحو أن أوزان الصفة المشبهة سبعة أو أحد عشر ، وهي الأكثر تداولا ، وإلا فربما تبلغ إلى سبعين ، وليس فيها وزن الفاعل ، ولكن يستثنى منه في الأفعال اللازم كطاهر وظاهر ، فإنهما ليسا اسمي فاعل ، لأنه من المتعدي ، وقد ينعكس ويجئ من المتعدي على وزن فعيل كسفير وغيره . وثانيا : من المحتمل أن يكون " الرحمن " مأخوذا من الرحمة ، مدعيا أن الرحمة من الصفات الذاتية الملازمة لعين الذات ، ولا تحتاج في هذا اللحاظ إلى المتعلق والطرف ، وهو المرحوم ، كما تقرر في علم الأسماء أن من الأسماء ما يشترك بين أسماء الذات والصفات والأفعال ، وقد مثل ابن العربي تارة بكلمة " رب " ، واخرى بكلمة " صالح " ( 1 ) ، والتفصيل في مقام آخر . فالرحمن من الرحمة اللازمة ادعاء ، ولذلك لا يحتاج إلى المفعول ، وبني على فعلان . وبذلك تنحل الشبهتان كما لا يخفى . فالمحصول مما قدمناه للحد : أن " الرحمن " تارة يطلق ويكون علما 1 - مصباح الانس : 284 ، شرح فصوص الحكم ، القيصري : 14 . |
|
|189| مسلوبا عنه الوصفية ، كقوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) ( 1 ) ، واخرى يطلق ويراد منه المعنى الوصفي ، كقوله تعالى : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) ( 2 ) ، ولمكان كثرة إطلاقه على الذات حتى صار علما ، لها لا يتصل بالمرحوم ، ولايؤنس منه ذلك . وعلى كل تقدير : هو في الأصل من المشتقات حسب ما يتراءى منهبدوا ، وإن كانت الشبهة التي ذكرناها - بإضافة سائر ما قيل - قوية جدا ، ولأجلها يأتي أن دعوى اشتقاقها من " الرحيم " قريبة جدا . وربما يتأيد ذلك : بأن الرحمة - حسب اللغة والتبادر - معناها الرقة والتعطف واللينة ، وهذه المفاهيم بما لها من لوازم المادة والانفعال ، لا تناسب ذاته تعالى ، والاستعمال المجازي على خلاف الأصل . وما في " القاموس " : الرحمة المغفرة ( 3 ) ، أو في " الراغب " : أن الرحمة في الحق هو الإحسان المجرد ، دون الرقة ( 4 ) ، فرار عن الإشكال العقلي ، وتدخل فيما لا ينبغي أن يتدخل فيه اللغوي ، وتفسير بجزء المعنى . ولكنك تعلم : أن هذا البحث يأتي في " رحيم " الذي هو المشتق عن الرحمة بالاتفاق ، فلابد من حلها ، والبحث عنها يأتي بعد ذلك إن شاء الله تعالى . 1 - الإسراء ( 17 ) : 110 . 2 - البقرة ( 2 ) : 163 . 3 - القاموس المحيط 4 : 119 . 4 - المفردات في غريب القرآن : 191 . |
|
|190| المسألة الثالثة في أن مادة " الرحمن " هي الرحمة أو الرحم بناء على القول باشتقاقها ، فهل تكون مادتها " الرحمة " كما هو المعروف عنهم ، أو مادتها " الرحم " ، وهذا مما لا يقول به أحد بحسب اللغة والتبادر ، ولكن قد وردت في بعض المآثير ما يؤيد ذلك أو صريح فيه : 1 - " معاني الأخبار " عن الصادق ( عليه السلام ) : " إن رحم الأئمة من آل محمدتتعلق بالعرش يوم القيامة ، وتتعلق بها أرحام المؤمنين ، تقول : يا رب صل من وصلنا ، واقطع من قطعنا ، قال : ويقول الله : أنا الرحمن وأنت الرحم ، شققت اسمك من اسمي ، فمن وصلك وصلته ، ومن قطعك قطعته ، ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الرحم شجنة من الله عزوجل " ( 1 ) . قال الجزري : الرحم شجنة من الرحمن ، أي قرابة مشبكة كإشباك العروق ، شبه بذلك مجازا ، وأصل الشجنة - بالضم والكسر - شعبة من غصن من غصون الشجرة ( 2 ) . 2 - وفي تفسير ينسب إلى الإمام ( عليه السلام ) : " الرحمن مشتق من الرحم رحم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكل مؤمن ومؤمنة من شيعتنا من رحم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإن إعظامهم من إعظام محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . " ( 3 ) إلى آخره . 1 - معاني الأخبار : 302 1 . 2 - النهاية ، ابن الأثير 2 : 447 . 3 - التفسير العسكري المنسوب إلى الإمام ( عليه السلام ) : 37 . |
|
|191| 3 - في " تاج العروس " وعلى هذا قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذاكرا عن ربه : " أنه لما خلق الرحم ، قال : أنا الرحمن وأنت الرحم ، شققت اسمك من اسمي ، فمن وصلك وصلته ، ومن قطعك قطعته . " - إلى أن قال - : كما أن لفظ الرحم من الرحمة ، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى ، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما . انتهى ما حكاه عن الراغب . 4 - وفي " تاج العروس " قال : وفي الحديث القدسي قال الله تعالى لما خلق الرحم : " أنا الرحمن وأنت الرحم شققت اسمك من اسمي . " ( 1 ) إلى آخره . أقول : يمكن أن يتوهم بأن الرحم لما جاء بمعنى القرابة ، وأنه تعالى قال : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ( 2 ) فهو تعالى رحمن بهذا المعنى ، وعليه تكون رحمن من المشتقات ، وترفع الشبهات السابقة ، لاختصاصها بما إذا كانت مشتقة من الرحمة المتعدية . ويمكن أن يقال : إن كلمة " رحمن " بمعنى ذي الرحم ، ويكون الخلق عيال الله ورحمه في الاعتبار والخيال . والله العالم . المسألة الرابعة في أن " رحمن " صفة مشبهة لا صيغة مبالغة بناء على الاشتقاق وكونها من الرحم ، فهي صفة مشبهة بلا شبهة ، 1 - تاج العروس 8 : 307 . 2 - ق ( 50 ) : 16 . |
|
|192| كما هو قضية الأصل في فعلان ، ولو كانت من الرحمة حال ادعاء أنها صفة لازمة الذات ، وليست متعدية ، فهي - أيضا - صفة مشبهة : لأنها من لازم لحاضر كظاهر القلب جميل الظاهر ولما أن صيغ المبالغة محصورة في الخمسة عشر ( 1 ) ، وهي ليست منها وإن كان الحصر إضافيا بالنسبة إلى الأوزان الغالبة ، كما أن صيغ الصفة المشبهة محصورة في الإحدى عشرة ، وهي معدودة منها . وهكذا لو كانت من رحم - بالضم - كما في بعض التفاسير ( 2 ) . وإذا كانت مأخوذة من الرحمة حال تعديها ، فهل هي صفة مشبهة حفظا على الأصل في الهيئة ، أو صيغة مبالغة حفظا على أصل المادة إذا كانت متعدية ، فلا يناسب الصفة المشبهة ؟ فيقع التعارض بين مقتضىالأصلين في الهيئة والمادة ، ولا شبهة في تعين الثاني ، لأن اقتضاء التعدية أقوى ، بل لا معنى بعد ذلك لكونها صفة مشبهة ، كما لا يخفى . والمشهور بين المفسرين هو البناء على المبالغة ، واختار جمع خلافها ( 3 ) . والذي هو التحقيق الحقيق بالتصديق ما أسمعناكم ، ولكن قد يشكل تصوير المبالغة في حقه تعالى ، لأن معنى المبالغة مشرب بالكذب ، ولا يتصور الكذب في حقه تعالى . 1 - راجع مقدمة المنجد ، ذكر فيه خمسة عشر وزنا للمبالغة . 2 - تفسير بيان السعادة 1 : 28 . 3 - انظر النهر الماد من البحر ، أبو حيان ، ضمن البحر المحيط 1 : 15 . |
|
|193| نعم إذا كانت الصفة صفة الفعل ، فبالغ في جعلها صفة الذات ، فهو ممكن ، ولكنه غير لائق بجنابه تعالى . مثلا : صفة الرحمانية والرحيمية من أوصاف الأفعال ، لاحتياجها إلى المرحوم الممتاز في الوجود ، بخلاف العالم ، فإنه يحتاج إلى المعلوم ، ولكنه ليس ممتازا في الوجود ، فإذا اطلقت على ذاته تعالى بدعوى أنها عين الذات الأحدية القديمة ، تكون من المبالغة . ثم إن الظاهر في كتب اللغة والاستعمالات : أن الرحمة إذا اضيفت إلى القلب وأمثال ذلك يكون لازما ، فيقال : فلان رحيم قلبه ، وهذا هو معنى تفسيرها بالرقة والانعطاف وإذا اضيفت إلى الذات والشخص فيقال : رحم الله زيدا ، فلابد وأن تكون صفة الفعل ، فيكون متعديا . والعجب أن اللغة لا تتعرض لهذا الأمر ، ويظهر من التفسير فيها :أنه فعل لازم ، ومن استعماله متعديا ومجئ اسم الفاعل والمفعول منه أنه فعل متعد ، ولا يبعد كون تعديته بالحرف المحذوف في بعض المقامات ، وبالمذكور في الكتاب العزيز كثيرا : ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) ( 1 ) ( وكان بالمؤمنين رحيما ) ( 2 ) ( إنه كان بكم رحيما ) ( 3 ) فعلى هذا تكون الرحمة من الأفعال اللازمة ، فرحمن صفة مشبهة بالضرورة . 1 - البقرة ( 2 ) : 143 . 2 - الأحزاب ( 33 ) : 43 . 3 - الإسراء ( 17 ) : 66 . |
|
|194| المسألة الخامسة في أن " رحيم " صفة مشبهة لا خلاف في أن رحيم عربي مشتق من الرحمة ، وإنما الخلاف في أنها مشتقة من الرحمة اللازمة أو المتعدية ، وهذا هو منشأ الاختلاف في أنها صفة مشبهة أو صيغة مبالغة . وحيث إن فعيل من أوزان المبالغة والصفات المشبهة ، فلا يلزم خلاف الأصل في جانب الهيئة إلا أن مقتضى ما تحرر منا من لزوم الرحمة وتفسيرها بالمغفرة لو صح أيضا شاهد عليه ، لأن الغفران لازم ويتعدى باللام ، وقوله تعالى : ( غافر الذنب ) ( 1 ) مثل قول الناس : جاءني زيد ، فإن الاستعمال لا يورث شيئا بعد اقترانه بالقرائن الدالة على لزومه ، ولذلك يقال في المفعول : المغفور له ، وفي الدعاء : " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات " ( 2 ) هو كونها صفة مشبهة ، وفي ذلك يرتفع الإشكال المختص بصيغة المبالغة في حقه تعالى الماضي تفصيله . هذا مع أن أكثر استعمالات فعيل يورث كونها الأصل في الصفة المشبهة ، وقلما يتفق أن تأتي للمبالغة ، وقد مثل له في الصرف برحيم وعظيم ( 3 ) ، ولا يخفى ما في الأول على ما عرفت تفصيله ، وفي الثاني أيضا ، 1 - غافر ( 40 ) : 3 . 2 - الكافي 2 : 385 23 . 3 - راجع مقدمة المنجد : أمثلة المبالغة . |
|
|195| لعدم الدليل على أنه للمبالغة بعد كون العظمة من الأفعال اللازمة ، فإن ما هو السبب لجعلها مبالغة اقتضاء مادتها ذلك ، لأن الصفة المشبهة لا تأتي من المتعدي . نعم في مثل عليم يمكن دعوى أنها مبالغة ، لأن العلم متعد ، مع أنك قد عرفت سابقا - وصرح به في اللغة - : أن فعيل تأتي بمعنى فاعل ، كسفير ، فتكون عليم بمعنى عالم ، ويشهد له قوله تعالى : ( وفوق كل ذي علم عليم ) ( 1 ) ، فإنه ليس في مقام المبالغة ، كما لا يخفى . فكون فعيل للمبالغة غير ثابت بعد ، فيسقط جميع ما قيل في المقام حول هذه الهيئة وهيئة فعلان . ونشكر الله تعالى على ذلك الإنعام . ذنابة قيل : " رحمن " غير منصرف عند من زعم أن الشرط انتفاء " فعلانة " ، إذ لا يستعمل رحمانة ، وهكذا من زعم أن الشرط وجود " فعلى " لانتفائه . وربما قيل : يكفي للمنع الألف والنون الزائدتان . وتوهم انصرافه لقول الشاعر في مسيلمة : وأنت غيث الورى لازلت رحمانا فباب من تعنتهم في كفرهم ( 2 ) 1 - يوسف ( 12 ) : 76 . 2 - انظر الكشاف 1 : 7 - 8 . |
|
|196| المسألة السادسة حول ما قيل في مجازية إطلاق " الرحمن " و " الرحيم " عليه تعالى في بعض التفاسير يوجد : أن الرحمة معنى يلم بالقلب ، فيبعث صاحبه ، ويحمله على الإحسان إلى غيره ، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر ، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان ، وهو تعالى منزه عن الآلام والانفعالات ، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها ، وهو الإحسان ( 1 ) . انتهى . وفي الآخر يوجد : أن أصل الرحم هو العطف الحاصل للراحم نحو المرحوم ، المنبعث عن ملاحظة حاجته وضره المقتضي لإصلاح شأنه وجبر كسره ، وحينئذ فلابعد في أن يقال : إن إطلاق الرحم على الله سبحانه على نحو الحقيقة اللغوية ، وإن الحكم بالمجازية ناشئ من عدم تجريد أصل المعنى من الأغشية اللازمة له بحسب الموارد المحسوسة ، كملازمة الانكسار والانفعال للرحمن فينا ، بحيث لا يكاد يوجد إلا منبعثا عنه ، وليس إطلاق الرحمن على الله سبحانه مقصورا على اعتبار أخذ الغاية والأثر ، وإلغاء المبادئ التي هي المعاني الأصلية ، كما يظهر منهم ، بل لأفعال الله تعالى مبادئ وجودية عينية على التحقيق ، وهي حقيقة معاني 1 - تفسير المنار 1 : 46 . |
|
|197| الألفاظ ، فإطلاق الرحم والرضا والغضب وأشباهها ، ليس باعتبار تحققالآثار فقط مجردة عن المبادئ ، بل باعتبار مبادئ تلك الأفعال التي هي الأصل لها ، فحقيقة الرحمة هو المعنى الذي باعتباره يرحم الممكنات ، وإليه يشير ما في " المجمع " عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن لله عزوجل مائة رحمة ، أنزل الله منها واحدة إلى الأرض ، فقسمها بين خلقه بها يتعاطفون " ( 1 ) الحديث . فإطلاق " الرحمن " و " الرحيم " عليه تعالى ، باعتبار كونه ذا الرحمة الواسعة والمبدأ لها والجاعل إياها ، وقيامها به قيام صدور لا حلول ، كما يوصف الإنسان بصفات الأفعال الصادرة منه ( 2 ) . انتهى ما أردنا نقله بإجماله مع تصرف ما في عبائره . أقول : تارة يطلق الرحيم بالإضافة إلى القلب ومثله ، فلايراد منه إلا الرقة والتعطف ، واخرى يطلق ويراد منه الغفران والمغفرة ، فهل هنا معنى واحد مركب موضوع له الرحمة ، وهي رقة القلب الباعثة إلى المغفرة والإغماض ، أو هنا معنيان أحدهما غير الآخر ؟ فإن قلنا بالأول فلابد من الالتزام بالمجازية ، وإن قلنا بالثاني فلا . وقضية صراحة كلمات اللغويين هو الثاني ، فإذا قلنا : هو الرحيم ، فليس معناه أنه الرقيق وذو الانعطاف ، بل معناه أنه الغافر ، ولا يستلزم الغفران انفعال الذات من الأفعال حتى يمتنع في حقه تعالى . 1 - مجمع البيان 1 : 21 . 2 - تفسير سورة البقرة والحمد ، الشيخ محمد حسين الأصفهاني : 115 - 116 . |
|
|198| والذي يظهر : أن تفسير الرحمة بالمغفرة مأخوذ من انتسابها إليه تعالى ، وإلا فلو قلنا بأن زيدا رحيم بعبده ، فلا يتبادر منه إلا المعنىالانفبالي ، فعلى هذا يشكل تصحيح اللغة في هذه الاستعمالات . وأما ما عرفت آنفا - وهو المعروف في الكتب العرفانية - وإجماله : أن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة من جهتها الكمالية ، وليست حيثيات النقص داخلة في الموضوع له ، فإذا قلنا بأن معنى العلم هو حصول صورة الشئ عند النفس ، فلايراد منه إلا جهة الكمالية ، وهو انكشاف هذا الشئ بتلك الصورة من غير نظر إلى الخصوصيات الانفبالية ، فلو كان موجود عالما بالشئ لا بالنحو المزبور ، فهو يكون عالما حقيقة لا مجازا ، وهكذا في سائر اللغات ، فمجرد كون الواضع نوع الإنسان ، وأنه مشوب الذهن بالماديات وأطوارها ، لا يستلزم تحدد حدود الموضوع له ، ولا انحصار اللغة بالمصاديق التي احتاج البشر السابق إلى استعمالها فيها ، بل الموضوع له عام وأعم ، ولا يدخل في حده جهات النقص والعدمية . فهذا هو مرام جمع من شركائنا في مسالكهم العرفانية ، وبذلك ينفتح باب التأويل في الكتاب العزيز ، ويكون جميع ما ورد تأويلا له موافقا للغة وحقيقة من الحقائق اللفظية . ثم أقول : إن الإنسان الخبير والمطلع البصير ، الغير الخالط بين المراتب وشتات المسائل ، الحافظ في كل مقام حد ذلك المقام والرتبة ، لابد وأن لا يخلط بين المباحث اللغوية والأوضاع وبين المسائل العرفانية والفلسفية ، فإن الخلط بينهما كثيرا يؤدي إلى المفاسد العجيبة ، نظير الخلط الشائع بين أبناء العلوم الاعتبارية ، بين المسائل |
|
|199| العقلية ومباحث القانون والأحكام التشريعية والاعتبارية ، فكما أن هناك استلزم ذلك الغلط أغلاطا غير عزيزة ، كذلك فيما نحن فيه . ومن العجيب ما قيل في تحرير الكبرى المزبورة من : أنه لو سئل الواضع : هل وضعت لفظة كذا لمعنى كذا ، مثل لفظة " الميزان " لما هو المتعارف في الوزن ، أو لكل ما يوزن به الشئ ؟ لأجاب بالثاني ، وهذا شاهد على عموم الموضوع له . وأنت خبير : بأن الوضع ليس إلا اعتبار أو علقة حصلت من الاستعمال والاعتبار ، فإذا اعتبر الواضع في بدو الأمر الميزان لما يوزن به في عصره حسب المتعارف ، فلا يكون اللفظ إلا دالا عليه ، ومجرد تمايله إلى الأعم وجوابه بالعموم لا يكفي لتوسع نطاق الموضوع له . فعلى ما تقرر : إطلاق الرحمن عليه تعالى حقيقة إن كان مشتقا من الرحيم ، على ما عرفت منا تقريبه وإلا فإطلاقه وإطلاق الرحيم عليه تعالى من المجاز ، والالتزام بالاستعمالات المجازية في الكتاب والسنة ، ليس من الأمر الغريب ولا من العزيز . نعم لا بأس بالالتزام : بأن كثرة استعماله في حقه تعالى في الكتاب والسنة وغيرهما ، بلغت إلى حد الوضع الثانوي ، وهو التعيني ، فيكون حقيقة ثانوية . وغير خفي : أن معنى مجازية إطلاقهما عليه تعالى - بحسب اللغة والوضع - ليس معناه أن حقيقة الرحمة التي وسعت كل شئ ، ليست مستندة إليه تعالى بحسب الخارج وفي الأعيان ، فإن مسألة الحقائق الحكمية غير مسألة الحقائق اللغوية . |
|
|200| وقد قيل : إن الحقائق الحكمية لاتقتنص من الإطلاقات العرفية إلا أن بعد المسائل الربوبية واصطعاب فهم البحوث الإلهية والمطالبالراجعة إلى ما وراء الطبيعة على الأفهام السوقية والعقول العادية ، وشدة البينونة بين نطاق فلك الإلهيات بالمعنى الأخص والأعم ، ونطاق فلك اللغات والتبادرات ، تقتضي كون الألفاظ قاصرة عن الدلالة الوضعية اللغوية على تلك المعاني الآفاقية ، فلابد أن يتشبث بأذيال الاستعارات والكنايات والمجازات ، لإفهام تلك الخيالات الراقية والمدارك الروحانية . نعم دعوى : أن الواضع هو الله تعالى أو الأنبياء والرسل أو الملائكة المقدسة - لتثبيت هذه المقالة - ممكنة ، إلا أنها غير وجيهة حسب ما تقرر في الاصول ( 1 ) ، وكان الوالد المحقق - مد ظله - في بعض كتبه العقلية والأخلاقية مصرا على تثبيت تلك المقالة ، وفاقا لأرباب العرفان والسلوك وأصحاب الإيقان والشهود ( 2 ) ، ولا أظن التزامه بذلك في محله ، وهو العلوم الاعتبارية كالفقه والاصول ، فالحق أحق أن يتبع من عقول الرجال . 1 - راجع تحريرات في الاصول 1 : 65 . 2 - وقد خالف هذا القول في آداب الصلاة : 249 . |
|
|201| النحو والإعراب اتفقوا على أن " الرحمن " مكسور ، وما وجدت خلافا في ذلك ولا احتمال الخلاف . وهكذا " الرحيم " . واختلفوا في وجه الإعراب بالكسرة : فالمشهور عنهم أنهما وصفان لله تعالى . ولازم ذلك الالتزام بحذف حرف العاطف ، لأن قضية القواعد عطف الوصف الثاني بالواو ، لأنه إذا لم يكن توكيدا ولا بدلا ولا نعتا للنعت الأول ،فيكون نعتا للمنعوت ، فيحتاج إلى العاطف : يتبع في الإعراب الاسماء الاول نعت وتوكيد وعطف وبدل ( 1 ) وبالجملة : مع حذف حرف العطف ، تكون الجملة ظاهرة في أن الثاني نعت النعت لا نعت المنعوت ، وإذا كان المقصود الثاني فلابد من إتيانه بحرف العاطف ، فتأمل . ويتوجه عليهم ثانيا : لزوم تكرار التوصيف بهما ، وهذا خارج عن حد 1 - الألفية ، ابن مالك : مبحث النعت ، البيت 1 . |
|
|202| الفصاحة ، وليس هذا من قبيل التكرار في سورة الرحمن وأمثالهما . وثالثا : أن أكثر موارد استعمالات " الرحمن " في الكتاب في العلمية ، لا الوصفية . وذهب الأعلم وغيره إلى أنه بدل ، لأنه علم وإن كان مشتقا ، لأنه مثل " الدبران " المشتق من " دبر " ، وقد صيغ للعلمية ، وإذا ثبتت علميته امتنع كونه نعتا ( 1 ) . ويتوجه عليه : أن للبدلية ميزانا ، وهو هنا غير موجود ، فإن بدل الكل عن الكل : إما في مورد يشبه عطف البيان ، وهذا في " الله " غير صحيح ، لأنه أعرف ، أو في مورد يكون الإسناد إلى غير ما هو له ، كقوله : " زيد أبوه قائم " ، وهذا هنا أيضا غير جائز ، بل ربما يشكل تصوير البدل عن الكل ، لأنه هو في حكم عطف البيان . هذا هو المذهب الثاني في المسألة . المسلك الثالث : ما عرفت منا سابقا ، وهو أن " الرحمن " عطف البيان للاسم دون الله ، والقارئ يقرأ : بسم الله الذي هو الرحمن الرحيم أبتدئ أو أقرأ أو أستعين أو أحمد أو اسمي أو غير ذلك . فما هو المتوجه إليه قلبا هو اسم الله بالحمل الشائع ، وهو الرحمن لا الله ، بل لما عرفت أن الإضافة تكون معنوية لا بيانية ، وإلا فيلزم أن يكون المستعان به والمبتدأ به - مثلا - نفس الاسم بماله من المعنى ، وهذا خلاف المرتكز ، مع أنه كان يستلزم شبهة عقلية مضت ، فما هو المستعان به بالحمل الشائع هو الرحمن الرحيم ، اللذان هما من امهات الأسماء 1 - البحر المحيط 1 : 16 . |
|
|203| الإلهية السبعة ، واسم الله هو المستعان به بحسب اللفظ ، لا الواقع . وربما يقال : جعلهما صفتين للاسم أولى من جعلهما صفتين لله ، للزوم التأكيد على الثاني مع ما بعده ، دون الأول ، ولأن المنظور الاتسام باسم يكون به قوام الفعل المبتدأ به ، وينتهي الفعل إليه ، وهذا معنى كون الاسم متصفا بصفة الرحمانية والرحيمية ( 1 ) . انتهى . وأنت خبير بما فيه ، ضرورة أن الاسم المذكور في اللفظ ، ليس من الأعيان الاسمية في الاعتبار وإن كان منها بحسب الواقع ، فما هو المراد من الاسم ما هو معنى الاسم بالحمل الشائع ، وهو الرحمن ، فلا يكون وصفا له ، بل هو من قبيل عطف البيان ، فلا تخلط . المسلك الرابع : أن المتبادر من " الرحمن " عند العرب : أنه اللفظ الموضوع للذات بما لها من إشراب معنى الرحمة فيه ، كما قيل في الله ، وقد مضى ، وكانت تطلقه على مسيلمة الكذاب ، فهو أقرب إلى كونه الاسم الثاني المسمى اصطلاحا باللقب ، فيضاف إليه الاسم الأول لفظا . قال ابن مالك : وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف ( 2 )والمراد هو كون الاسم واللقب مفردين ، كقولهم : " سعيد كرز " . وهذا المسلك لا ينافي المسلك الثالث ، فإنه بحسب اللفظ مكسور بالإضافة ، وبحسب المعنى عطف بيان للاسم ، ولا يعتبر في كونه عطف بيان 1 - تفسير بيان السعادة 1 : 28 . 2 - الألفية ، ابن مالك : مبحث علم ، البيت 4 . |
|
|204| أن يكون وصفا ، وفيه معنى الوصفية قبال العلمية ، وبذلك تنحل الشبهة ، ويتعين ما اخترعناه في المسألة . المسلك الخامس : هو أن يستند إعرابه إلى إضافة الاسم المضاف إلى الله إليه ، فيكون الاسم مضافا مرتين أحدهما إضافته إلى الله ، ثم بعد تلك الإضافة يضاف إلى الرحمن ، وتكون الإضافة الاولى معنوية والثانية بيانية ، وهذه أحد الاحتمالات المذكورة في الفقه في ذيل قول الصادق ( عليه السلام ) في صحيحة أبي ولاد - عند تضمين قيمة المغصوب - : " قيمة بغل يوم خالفته " ( 1 ) بإضافة القيمة أولا إلى بغل ، وثانيا إلى يوم ( 2 ) . وهذا الأمر يظهر من الأمثلة الفارسية ، كقولنا : " غلام زيد عالم آمد " فإن الغلام اضيف إلى زيد ، ثم إلى عالم ، فيما اريد توصيف الغلام لا زيد ، فلا تخلط . ثم إن الاحتمالات في إعراب " الرحيم " كثيرة ، والظاهر منها أنه صفة " الرحمن " ، وكونه صفة الاسم و " الله " يتم على بعض المسالك السابقة . ومن الممكن قطع " الرحمن الرحيم " من التوصيف ، وإعرابه بالضم خبرا عن المبتدأ المحذوف . وهنا مسلك آخر واحتمال سادس في إعراب " الرحمن " وهو : أنه مجروربالباء مع حذف الحرف العاطف ، وهو من المتعارف نثرا وشعرا ، فيكون 1 - الكافي 5 : 291 6 ، تهذيب الأحكام 7 : 215 25 ، وسائل الشيعة 13 : 255 كتاب الإجارة ، الباب 17 ، الحديث 1 . 2 - المكاسب ، المحقق الأنصاري : 110 السطر 14 . |
|
|205| هكذا : بسم الله وبالرحمن وبالرحيم ، أو باسم الله وبالرحمن الرحيم ، فيكون " الرحمن " مبنيا على العلمية ، وحذف الجار فتوى أصحابنا . وهنا قول آخر وهو : أن معنى " الرحيم " ، أي بالرحيم وصلتم إلى الله وإلى الرحمن ، فالرحيم نعت محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد نعته تعالى بذلك ، فقال : ( رؤوف رحيم ) ، فعليه يكون الرحيم مجرورا بالباء المحذوف ( 1 ) . وفساد الاستدلال واضح ، مع عدم مناسبة ذلك مع قراءته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هذه الآية في مقام الامتثال والتذلل . 1 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 106 . |
|
|206| الخط قضية القاعدة تطابق المكتوب مع الملفوظ ، حتى لا يلزم الغلط ولا تلزم اللغوية ، ولذلك ذكرنا عند بعض الأصحاب : أن ما توهمه ادباء الفرس من الزيادات الخطية في رسم الخط العجمي في مثل " خواهش وخواهر وخواست " غير واقع في محله ، لأن هذه الزيادات يلفظ بها وتقرأ في بعض القرى والقصبات من لواء فارس في إيران ، بل في بلدة شيراز يكون الأمر كذلك . نعم لايقرأ في نوع البلاد الاخر ، فليست الزيادة من أول الأمر حتى يشكل علينا حله . وأما كتابة واو مع " عمرو " فهي تسمى واو الفارقة ، للفرق بينه وبين " عمر " ، ولذلك لا تكتب حال النصب ، لوجود الألف . وأما في كلمة " الرحمن " فالذي ظهر لي بعد الغور : أن هذه الكلمة فيما كانت تطلق على غير الله تعالى ك " رحمان اليمامة " ، تكتب بالألف ، وإذا اريد منها الله تبارك وتعالى حذف عنها الألف ، كما حذف الألف الثاني من " الله " إيماء إلى غيبوبة الذات وعدم ظهور لها في جميع |
|
|207| المراتب ، بل المظاهر كلها مظاهر الذات في الاعتبارات الاخر الذي تحرر إجمالها ولذلك ورد : أن الألف إيماء إلى الذات ( 1 ) . " عنقا شكار كس نشود دام بازگير " 1 - التوحيد : 235 2 . |
|
|208| علم المعاني وهنا مسألتان : المسألة الاولى حول ذكر " الرحمن " و " الرحيم " معا قد تقرر فيه : أن من اللطائف الكلامية التوكيد ، وهو على أنحاء : فقد يكون بتكرار اللفظ الواحد ، واخرى بتكرار اللفظين المترادفين ، وثالثة بالحروف ، كقوله تعالى : ( كفى بالله شهيدا ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( وماهم بضارين به من أحد ) ( 2 ) ، وفي الدعاء : " حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق " ( 3 ) . فالرحيم توكيد النعت السابق ، وهذا ما يناسبه تعالى فإنهبالرحمة أعرف وأشهر من الغضب وأمثاله ، حتى ورد : " قد سبقت رحمته 1 - النساء ( 4 ) : 79 و 166 ، يونس ( 10 ) : 29 ، الرعد ( 13 ) : 43 ، الإسراء ( 17 ) : 96 ، الفتح ( 48 ) : 28 . 2 - البقرة ( 2 ) : 102 . 3 - بحار الأنوار 88 : 6 . |
|
|209| غضبه " ( 1 ) ، فالتكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل أمر سائغ ، وهو واقع في أبلغ الكلام عندما يريد إظهار ذلك القصد منه ، وهذا في الجمل التامة أيضا جائز ، كما في سورة الرحمن وسورة القمر وسورة المرسلات . ومن العجيب - وإن كان منه ليس بعجيب - أن " المنار " توهم : أنه عند التأمل ليست الآية متكررة ، فإن معناها في سورة الرحمن عند ذكر كل نعمة : أفبهذه النعمة تكذبان ؟ وهكذا كل ما جاء في القرآن بهذا النحو ( 2 ) . انتهى . وأنت خبير : بأن تطبيق المعنى الكلي على المورد خارج عن حدود الاستعمال ، وإلا يلزم المجازية ، فالآلآء في السورة لم تستعمل إلا في معنى واحد . هذا أولا . وثانيا : جملة ( ربكما تكذبان ) مكررة ، ولا يأتي فيه ما تخيله . وثالثا : في سورة القمر قد تكررت آية : ( فكيف كان عذابي ونذر ) وآية ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ( 3 ) ، ولاتتحملان إلا معنى واحدا والعذر عنه أنه لم يكن من أهل العلوم الاعتبارية الصناعية كالاصول . فما ذهب إليه الجلال في تفسيره من التأكيد ( 4 ) ، وتبعه الصبان 1 - الكافي 2 : 384 20 فيه " سبقت رحمتك غضبك " ، علم اليقين 1 : 57 ، في دعاء الجوشن الكبير : الفقرة 20 " يامن سبقت رحمته غضبه " . 2 - تفسير المنار 1 : 47 . 3 - القمر ( 54 ) : 17 . 4 - انظر تفسير الجلالين : 2 ، ذيل الفاتحة : 3 . |
|
|210| وغيره ، لايرد بهذا ، وبما في تفسير ابن حيان وغيره من : أن من ذهب إلى أنهما بمعنى واحد وليسا توكيدا ، أراد إثبات اختصاص كل واحد منهما بشئ ، مثل اختصاص الأول بالرحمة الدنيوية والثاني بالاخروية ( 1 ) ، ضرورة أن هذا يستلزم المجازية ، بل الغلط ، فإن ما هو الموضوع له إن كان واحدا واستعمل في غيره ، فهو من المجاز والغلط ، فإذا استعملا في معناهما فيحصل التأكيد قهرا وطبعا . فبالجملة : إذا التزمنا بأن معنى الرحمن والرحيم واحد ، ولا تفاوت بينهما مادة وهيئة ، فالاختلاف في الامور الاخر لا يقتضي الخروج عن التأكيد ، بل لو كان الكلمة الثانية أعم من الاولى أو أخص ، يقع التأكيد بالنسبة إلى الحدود المشتركة ، فلو فرضنا أن الرحيم خاص بالمؤمنين أو بالإنسان ، والرحمن عام لجميع مراتب الوجود ، حتى نقيضه وهو العدم ، يحصل التأكيد في الجملة ، فليتأمل . والذي يتوجه عليه : أن وحدة المعنى غير ثابتة ، إما لأجل أن الرحمن لقب عبراني ، أو هو مشتق من الرحم ، أو اعتبر علما واسما بالغلبة . وقد استقرب الاحتمال الثاني والثالث ، فيسقط احتمال التأكيد بالمرة . وربما يستظهر : أن الرحمن الرحيم كندمان ونديم لكثرة الاستعمالمعا في الكتاب العزيز صارا لفظة واحدة مفيدة لمعنى واحد بكيفية واحدة مع شمول واحد ، ومع كل شئ بلا تجاف وبلا قصور ( 2 ) . 1 - البحر المحيط 1 : 17 . 2 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 105 ، البحر المحيط 1 : 16 . |
|
|211| وأنت خبير بما فيه ، ولا يوجد هذا الاحتمال في كتاب أحد . نعم قال الجوهري : " هما اسمان مشتقان من الرحمة ، ونظيرهما ندمان ونديم ، وهما بمعنى واحد ، ويجوز تكرار الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد ، كما يقال : جاد مجد " ( 1 ) . انتهى . وهذا هو ما سبق ، وقوله : جاد مجد ، محذوف عاطفه ، ويكون الثاني وصف المنعوت لا النعت ، وفي الرحيم - أيضا - كذلك ، كما مر ، وأما تأييد وحدة المعنى بذلك فهو في محله ، ولكنه لا يثبت حسب الصناعة ، كما لا يخفى . ومما ذكرناه في السابق من أن " الرحمن " هو عطف بيان للاسم ، سواء كان علما أو صفة ، يظهر : أن التوكيد غير صحيح هنا ، ومن الممكن توهم كون " الرحمن " وصف الاسم ، و " الرحيم " وصف الله ، فلا يلزم التكرار المستلزم للتأكيد . وحيث اخترنا أن الرحمن هو المستعان به ، أو هو بالحمل الشائع يبتدأ به ، وعطف تفسيري للاسم ، يكون الرحيم وصف الرحمن من غير تأكيد ، لكونه نعت النعت ، لا نعت المنعوت ، وقد تقرر : أن التأكيد متقدم ، يكون الثاني نعت المنعوت لا النعت ، فلا تخلط . المسألة الثانية الصنعة الكلامية في تقديم " الرحمن " على " الرحيم "بناء على اختلافهما في المفاد ، فإن كانا مختلفين في ذلك بحسب 1 - الصحاح 5 : 1929 . |
|
|212| المادة ، فلا يحتاج التقديم والتأخير إلى اللطيفة الكلامية ، لأن كل ذلك يحتاج إلى المرجع ، كما هو الظاهر وإن يمكن أن يقال : بأن " الرحمن " من الرحم صفة مشبهة ، وهي من اللوازم الذاتية وإن لم تكن عين الذات إلا في جنابه تعالى ولذلك قدم على " الرحيم " ، لكونه بمعنى الراحم صفة فعل ، أو بمعنى الرقيق ، وهو صفة ادعائية لا واقعية ، لكونه ملازما لنواقص المادة . وإن كانا مختلفين بحسب الهيئة في المفاد ، فإما يكونان صفة مشبهة ، أو صيغة مبالغة ، أو الاولى صفة مشبهة والثانية صيغة مبالغة ، أو الثانية بمعنى الفاعل ، فإن كل ذلك صحيح ومساعد للاعتبار ، إلا أن يتوهم أن الاولى صيغة مبالغة والثانية صفة الفعل . وحيث عرفت منا : أن " الرحمن " صفة مشبهة واقعية أو ادعائية فلابد من تقدمه على الرحيم الذي هو بمعنى الفاعل محذوف المتعلق ، أي : باسم الله الذي هو الرحمن الملازم رحمته لذاته ، والرحيم الذي يترشح رحمته إلى غيره ، ويكون بالناس وبالمؤمنين رؤوفا رحيما ، كما ورد في الكتاب العزيز ( 1 ) . وقد يتوهم : أن " الرحمن " تدل على أصل الصفة ، و " الرحيم " على استمرارها ، أو هو على اشتدادها كيفا ، و " الرحيم " على تعددها كما . ولكنه فاسد ، لأن الهيئة لم توضع إلا للمبالغة - في الكيف كان أو في الكم - أو للصفة المشبهة ، وليس هذا التفصيل إلا من باب ضم الذوق 1 - البقرة ( 2 ) : 143 ، النحل ( 16 ) : 7 ، الحج ( 22 ) : 65 ، الحديد ( 57 ) : 9 . |
|
|213| التخيلي إلى اللغة والوضع ، وهو غير صحيح . أو يتخيل : أن الرحمة الرحمانية ذاتية والرحمة الرحيمية فعلية ، فإن ذلك ليس بحسب اللغة والواقع ، فإن الرحمة في الكل معنى واحد ، وإن كانت صفة الذات فهما من أسماء الذات ، وإلا فهما من أسماء الأفعال . نعم يتم ذلك على الوجه الذي مر ، وهو الادعاء ، فليس هذا وجها آخر للتقديم والتأخير . وهنا وجه آخر سيأتي تفصيله ، وإجماله : أن " الرحمن " صفة ذاتية عامة ، و " الرحيم " وصف فعلي خاص ، فيذكر الخاص بعد العام ، كما في قوله تعالى : ( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) ( 1 ) . 1 - الرحمن ( 55 ) : 68 . |
|
|214| التجويد والقراءة وفيها مسائل : المسألة الاولى حول إظهار همزتهما هل يجوز الوقف وإظهار همزة " الرحمن " ، أو الوقف عليه وإظهار همزة " الرحيم " أم لا ؟ ظاهرهم الجواز ، لأنه من الوقف الكافي ، وقد مر البحث حوله عند الكلام عن قراءة ( بسم الله ) ، وربما يشير الوقف على الموصوف والوصف الأول والوصف الثاني إلى اختلاف نظام الجملة ، ويصيرالكلام أحيانا غلطا ، أو غير بليغ وفصيح ، وخارجا عن المتعارف ، فإنه في هذه الصورة لا يجوز البدار إليه ، فتأمل جدا . |
|
|215| المسألة الثانية في إدغام لام التعريف في الراء لا خلاف بين القراء في لزوم إدغام لام التعريف في اللام ، وهذا - على ما قيل - في ثلاثة عشر حرفا : الصاد والضاد والسين والشين والطاء والظاء والدال والذال والراء والزاء والتاء والثاء والنون ، ولا خلاف بينهم في عدم جواز ذلك في سائر الحروف . وأما ما قاله الفخر من الامتناع ( 1 ) فهو باطل ، وما قاله - أيضا - من : أن العلة الموجبة لجواز هذا الإدغام قرب المخرج ، والموجبة للامتناع في هذا بعد المخرج ، في غير محله ، كما يظهر بالتأمل . بل العلة كيفية تقاطع المقفويين عند إخراج الهواء وإيجاد الكلمات ، فإنه في بعض منها يستحسن الإدغام ويسهل دون بعض . ثم إن ممنوعية ذلك - أي الإظهار - غير مبرهنة ، فليتدبر . المسألة الثالثة في إمالة لفظ " الرحمن " أجمعوا على أنه لا يمال لفظ " الرحمن " ، وعن سيبويه جواز إمالته ( 2 ) . وقيل : علة الجواز انكسار النون بعد الألف . 1 - التفسير الكبير 1 : 105 . 2 - التفسير الكبير 1 : 105 . |
|
|216| المسألة الرابعة في اتصال البسملة بما بعدها قال في " الفتوحات " : إذا قرأت فاتحة الكتاب فصل بسملتها معها في نفس واحد من غير قطع . قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حالفا عن جبرائيل ، حالفا عن ميكائيل ، حالفا عن إسرافيل ، قال الله تعالى : " يا إسرافيل بعزتي وجلالي وجودي وكرمي ، من قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) متصلة بفاتحة الكتاب مرة واحدة ، فاشهدوا علي أني قد غفرت له ، وقبلت منه الحسنات ، وتجاوزت له عن السيئات ، ولا احرق لسانه بالنار ، واجيره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب يوم القيامة والفزع الأكبر " ( 1 ) . انتهى . وفي دلالته على ما تخيله إشكال ، فإن من المحتمل قويا كون الرواية ناظرة إلى قراءة البسملة مع السورة ، خلافا لما عن جماعة من العامة يتركونها ، وقد سرقوا أعظم آية من الكتاب ، كما مر تفصيله . وقوله : " مرة واحدة " ناظر إلى أن تكراره حسن ، ولكن لا يترك بالمرة . وعلى تقدير دلالته عليه فالاتصال بالوجهين : أحدهما حذف همزة الحمد ، وثانيهما إظهارها ، بل لا يبعد جواز إظهارها مع إظهار إعراب الرحيم ، لأن نوع ما قالوه في علم التجويد غير راجع إلى محصل ، ولا يمكن 1 - لم نقف على موضعه في الفتوحات بعجالة . |
|
|217| الاستدلال عليه . وأما ما روي عن ام سلمة عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " الرحيم الحمد يسكن الميم ويقف عليها ، ويبتدأ بألف مقطوعة " ( 1 ) ، فهو يؤيد ما أضمرناه ، وبه قرأقوم من الكوفيين . فما عن قراءة المشهور من حذف الألف وخفض الميم ، غير واجب . ومن العجب ما حكي عن الكسائي عن بعض العرب : أنها تقرأ " الرحيم الحمد " بفتح الميم وصلة الألف ، وكأنه سكنت الميم وقطعت الألف ، ثم القيت حركتها على الميم وحذفت ( 2 ) . وعن ابن عطية : ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت . وهذا نظر يحيى بن زيد في قوله تعالى : ( ألم الله ) ( 3 ) ( 4 ) . المسألة الخامسة في إعراب " الرحمن " هل يجوز قراءة " الرحمن " بالرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أو مفعولا لفعل محذوف أم لا ؟ فيه وجهان : من عدم الدليل على وجوب الاقتصار على ما يقرؤه 1 - المستدرك ، الحاكم النيسابوري 2 : 231 - 232 5 و 6 ، الجامع لأحكام القرآن 1 : 107 . 2 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 107 ، البحر المحيط 1 : 18 . 3 - آل عمران ( 3 ) : 1 و 2 . 4 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 107 . |
|
|218| الناس ، ولصدق القراءة والقرآن عليه . ومن أن السيرة الالتزامية ناهضة على الاقتصار مع قيام الدليل الخاص على لزوم الاقتصار على قراءة الناس ، فقد ورد : " إقرؤوا كما يقرأ الناس " ( 1 ) . فمجرد إمكان تصحيح الجملة بالتقدير والحذف لا يكفي ، بل لابدمن كونها صحيحة حسب القواعد الأولية وإلا فقلما يتفق أن لا يتمكن نحوي من تصحيح كلام ملحون . فبالجملة : إذا كان الكلام خارجا عن حد المتعارف بحيث يعد ملحونا عند العامة ، فالاجتزاء به مشكل جدا . 1 - الكافي 2 : 462 23 ، وسائل الشيعة 4 : 821 كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 74 ، الحديث 1 . |
|
|219| الفقه هنا مسائل : المسألة الاولى حول مس " الرحمن " في جواز مس " الرحمن " وعدمه قولان ( 1 ) أو احتمالان ، ربما ينشآن من أنه الاسم والعلم الشخصي وعدمه . فمن قال : هو العلم الشخصي ، فلا يجوز ذلك ، سواء قصد حين الكتب معناه أم لم يقصد ، لأنه بعدم القصد لا يخرج عن العلمية والاسمية إلا إذا كانت علما للآخر ، وهو غير معهود في هذه العصور . ومن قال : بأنه وصف ونعت ، فلا يجوز حين ما قصد به الله تعالى ، وإلا فهو كغيره من الأسماء والصفات . والمسألة من هذه الجهة تطلب من محلها لخروجها عما يرتبط بالتفسير وبالكتاب العزيز . 1 - لاحظ جواهر الكلام 3 : 48 . |
|
|220| وبالجملة : حيث قد عرفت منا أن " الرحمن " صارت علما بالغلبة ، أو كانت علما بالعبري وصارت معربا في العربي ، فلا يجوز مسها بناء على عدم جواز مس اسم الله ، على ما عرفت سابقا تفصيل البحث في مسائل ( بسم الله ) ، ف " الرحمن " و " الله " مشتركان في هذه الجهة . وأما " الرحمن " في البسملة ، فإن قلنا بأنه علم ولقب فلا يجوز مسه من ناحيتين : إحداهما لأجل أنه مس اسم الله ، ثانيهما لأجل أنه مس الكتاب والمصحف . وإن قلنا بأنه نعت فعدم الجواز ينحصر بالثاني . وغير خفي : أن مقتضى ما تحرر منا في السابق أن ما هو المنهي عنه على الجنب هو مس اسم الله ، وحيث تكون إضافة الاسم إليه تعالى معنوية ، فلا يشمل هذا المضاف نفس المضاف إليه ، للزوم كونها إضافة بيانية ، فلابد من استفادة الحكم في خصوص كلمة " الله " من طريق الأولوية ، وإن شئت جعلتها إضافة بيانية ، فحينئذ يشكل تحريم مس سائر الأسماء الشخصية والصفات الاختصاصية . والإنصاف : أن الأدلة اللفظية قاصرة عن إثبات تحريم المس على الجنب والمحدث بالأصغر والحائض لاضطراب أدلته كما مر تفصيله ، وحيث إن المسألة ما كانت معنونة قبل الشيخين ، فلا إجماع مفيد فيها . وتوهم تحريمه من باب الهتك فاسد كبرويا وصغرويا . |
|
|221| المسألة الثانية حكم تسمية الغير ب " الرحمن " في جواز أن يسمى به غير الله تعالى وعدمه وجهان : من عدم الدليلالخاص على التحريم ، ومن استنكار المسلمين ذلك وامتناعهم عنه ، مع ما ورد عن " أمالي الصدوق ( رحمه الله ) " عن الصادق ( عليه السلام ) : " الرحمن اسم خاص بصفة عامة ، والرحيم اسم عام بصفة خاصة " ( 1 ) . وفي " تاج العروس " قال أبو الحسن : ولايجوز أن يقال : " رحمن " إلا لله عزوجل ( 2 ) . وفيه أيضا قال الجوهري : إلا أن " الرحمن " اسم مخصص بالله لا يجوز أن يسمى به غيره ، ألا ترى أنه قال : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) ، فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره ، وكان مسيلمة الكذاب يقال له : رحمان اليمامة ( 3 ) . انتهى . وغير خفي ما في استدلاله . ونظيره في الضعف ما مر من قوله تعالى : ( هل تعلم له سميا ) ( 4 ) ، فإنه لو سلمنا أن يكون المراد منه هو الشريك في الاسم ، ولكنه لا يدل على الممنوعية الشرعية . وتوهم الممنوعية لأجل أنه دخول في سلطان 1 - لم يوجد في الأمالي بل الحديث مذكور في المصباح ، الكفعمي : 317 ، ومجمع البيان 1 : 21 . 2 - تاج العروس 8 : 307 . 3 - الصحاح 5 : 1929 . 4 - مريم ( 19 ) : 65 . |
|
|222| الرب ، وهو هتك ، في غير محله . نعم لا يبعد ظهور حديث " الأمالي " ( 1 ) في أن الخصوصية مفروغ عنها في كلامه ( عليه السلام ) ، ويكون ناظرا إلى ممنوعية الاشتراك في الاسم ، وإلا فبحسب التكوين يمكن ذلك ، فلا تكون الجملة إخبارية حتى يلزم الكذب - نعوذ بالله - إذا سمي به غيره ، بل هي جملة إنشائية أو في حكم الإنشاء ، ومنالممكن دعوى أنها إخبارية ، ومجرد إمكان التسمية لا يستلزم كذب المفاد ، فلا يتفق بعد ذلك كما لم يتفق إلى الآن . هذا ، مع أن الرواية غير ظاهر السند ، فراجع . ثم اعلم أن هذه المسألة ليست معنونة بالفقه ، إلا أن بعضا من المفسرين كالقرطبي ( 2 ) نسبها إلى أكثر العلماء ، ومنعوا جواز تسمية غيره به ، معللا بقوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) ( 3 ) وبقوله تعالى : ( وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) ( 4 ) . ولا يخفى سخافة الاستدلال ، فإنهما دليلان على أنه علم شخصي له تعالى مثلا ، وأين هذا من ممنوعية تسمية الغير به ؟ 1 - مر الحديث وهو من " المصباح " للكفعمي . 2 - الجامع لأحكام القرآن 1 : 106 . 3 - الإسراء ( 17 ) : 110 . 4 - الزخرف ( 43 ) : 45 . |
|
|223| المسألة الثالثة حكم كتابة " الرحمن " بالألف قد مضى تحقيق أن كلمة " الرحمن " كانت تكتب بدون ألف ، وهذا الأمر كان من ابتداء نزول البسملة ، فإن في جميع المخطوطات المطبوعة - من الكتاب والسنة وبعض المناشير - كتبت بدونه ، ولعل ذلك كان لأجل إيجاد الميز بين اسم الله وغيره كما مر ، فبناء على هذا هل يجوز تغير ذلك فيكتب بالألف ، لأنه الصحيح ، ضرورة أن المكتوب لابد وأن يطابقالملفوظ أم لا يجوز شرعا ، بل لابد من المحافظة على الغلط المزبور ، كما كانوا يواظبون عليه ومصرين عليه ؟ وجهان . وغير خفي : أن الأغلاط الكتبية المخالفة لقواعد الرسم والخط ، كثيرة في الكتاب العزيز ، كما فصلناه سابقا ، وننبه عليه تحت كل كلمة تأتي بإذن الله إن شاء الله تعالى . لاشبهة في أن شبهة الوجوب منتفية ، لما علم من السيرة جواز كتابتها بالألف ، فلو قلنا بوجوب تصحيح الأغلاط الإملائية أو الكتبية في الكتاب العزيز ، فلاسبيل إلى إيجابه هنا في خصوص الرحمن . وربما يشكل كونه غلطا : بأن مثل إبراهيم وإسمعيل يكتبان على نحوين ، فيكون هذا مثله . ولكنه مدفوع : بأن إسمعيل وإبراهيم يقرآن بدون الألف في العبراني ، فلا تلزم الغلطية بخلاف " الرحمن " . نعم لو قلنا بأن " الرحمن " أصله |
|
|224| " الرخمن " كما مضى شرحه ، و " الرخمن " يقرأ بدون الألف ، فشابه المنقول إليه المنقول عنه في الكتابة فهو ، وإلا فلا يتم القياس . ومن الممكن دعوى : أن " الرحمن " في الكتاب العزيز استعمل علما نوعا ، وللإيماء إلى العدول من الوصفية إلى العلمية كتبت بدون الألف . والله العالم . والذي هو التحقيق في هذا الفرع الفقهي : لزوم المحافظة على المكتوب الأولي ، حذرا عن وقوع سائر التصرفات في الكتاب من أنواع التحريف وغيره ، ولعل الكاتب من الأول كتب غلطا فاستحفظ عليه ، إرشادا إلى التزام الامة الإسلامية على هذه الشدة من الحفظ عن التصرفاتحتى اليسيرة ، فتبصر . |
|
|225| الحكمة والفلسفة وهنا مسألتان : المسألة الاولى في اتصافه تعالى بالرحمة اعلم أن المقرر في محله : أنه تعالى صرف الوجود ، والمحرر في مقامه أن صرف الوجود ( 1 ) صرف كل كمال وجمال ، ولايكون لسائر الكمالات أصل آخر وراء أصل الوجود ، وجميع الأسماء والصفات الكمالية في جميع النشآت يرجع إلى ذلك الجامع الشامخ ، وإلا يلزم التركيب من الوجود والعدم الذي هو شر التراكيب ، ويلزم النقصان وإمكان الاستكمال وتصوير الأتم ، الذي كل واحد منها يكفي برهانا على هذا الرأي الساطع والفكر الثاقب ، ولا نحتاج إلى إطالة الكلام في المقام بذكر البراهين تفصيلا . فبالجملة : كل شئ ثبت أنه كمال الوجود بما هو الوجود ، هو ثابت 1 - انظر الأسفار 2 : 368 - 372 ، و 6 : 100 - 118 . |
|
|226| له تعالى بنحو الأعلى والأشرف ، فهو صرف النور والعلم والقدرة والحياة . وهكذا ، ومن ذلك الرحمة فإنه تعالى صرف الرحمة والرأفة ، لأن الرحمة هي الوجود ، لا الأمر الآخر ، لأنها هي التي وسعت كل شئ حتى نقيضه ، وهل يعقل أن تكون رحمته واسعة كل شئ ، ولايكون هو تعالى موصوفا بها ؟ فهل يمكن للعقل ترخيص ذلك ، فيعطي كلشئ رحمة ، وهو لا يكون موصوفا به ؟ فإذا كان هو تعالى كذلك ، وكان معنى الرحمة هو الوجود ، فهو تعالى نفس الرحمة ، لأنه تعالى نفس الوجود وصرف التحقق والواقعية ، ولا نبالي بأن نقول : إن مفهوم الرحمة غير مفهوم الوجود في عالم المفهومية كالقدرة والعلم ، لكنهما متساوقان في حقه تعالى ، أي لا يصدق أحدهما إلا ويصدق الآخر ، وإن كان وجه الصدق مختلفا بحسب الاعتبار . ومن هنا تندفع شبهة وهمية في المقام : وهي أنه كيف يمكن توصيفه تعالى بها ، بأن يكون ذلك صفة ذاتية له ، لا بأن يكون الرحمة صادرة عنه ، فإنه يمكن توصيفه بها لأجل صدورها منه ، كما يقال لزيد : إنه تامر لابن باعتبار التمر واللبن ، كذلك هو " الرحمن والرحيم " باعتبار صدور الرحمة منه تعالى ، لا باعتبار ذاتية الرحمة له تعالى وعينيتها معه في الذات كسائر الصفات الذاتية . وجه الاندفاع : أن الرحمة بمعنى الغفران غير الرحمة الواسعة كل شئ ، فإنها ليست هي الغفران ، وما لا يمكن هو الأول دون الثاني ، لأن الرحمة الواسعة كل شئ ، لا يتصور لها معنى إلا ما هو قوام كل شئ وما |
|
|227| به يخرج الأشياء من العدم ، فإذا كانت تلك الرحمة تسع كل شئ ، فهو تعالى مخزن هذه الرحمة الواسعة ، ومعدن تلك النعمة الوازعة ، وهو الوجود ، وما يشابه ذلك من العناوين الاخر الحاكية عن تلك الواقعية . إن قلت : الرحمة هي رقة القلب أو الغفران وما شابه ذلك ، وأين هذا من ذاك ؟ قلت : نعم ، إلا أن المقرر في السابق هو أن هذه الألفاظ القاصرة بحسب الدلالة ، كافية لإفادة المعاني الراقية الالوهية على الكناية والتوسع ، فإذا قيل : " وبرحمتك التي وسعت كل شئ " ( 1 ) ينتقل المخاطب والسامع إلى أن رأفته ورقته وغفرانه وسع كل شئ ، إلا أن رأفة كل شئ بحسبه وعلى الوجه المناسب معه ، فهو تعالى إذا قيل : غافر كل شئ ، فلابد وأن يراد من الغفران هو التجاوز عن السيئة ، ويراد من السيئة خطيئة العدم ، فإنه من الخطيئات أيضا . فبالجملة : فهم ذلك من ذاك موكول إلى عقول البشر ، وكيفية إدراكهم للحقائق ما يليق بحضرته الربوبية ، من غير لزوم كون الاستعمالات حقيقة ، كما عرفت تفصيله ، ومن غير الالتزام بأنه تعالى لا يوصف بذلك ولا بما هو المكنى عنه ، بل هو تعالى يوصف بالرحمة التي لازم رقة القلب في الخلق ، من غير نظر إلى إثبات الرقة له تعالى ، حتى يكون من الأوصاف الانفبالية الناقصة التي يتنزه عنها هو تعالى وتقدس ، فلا تخلط وكن على بصيرة من أمرك . 1 - دعاء كميل بن زياد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) انظر مصباح المتهجد : 744 . |
|
|228| فما تخيله الوالد المحقق - مد ظله - من المقالة الاولى ( 1 ) ، وما توهمه صدر المتألهين في " شرح اصول الكافي " من : " أنه تعالى إذا وصف بالرحمة والرأفة ، كان اتصافه بهما على وجه أعلى وأشرف ، وكان باعتبار المظاهر والآثار ، وكذا نسبة الغضب إليه تعالى باعتبار ما يصدر عنه في حقه تعالى " ( 2 ) انتهى . كلاهما في غير محله . نعم ربما يستظهر من قوله : " على وجه أعلى وأشرف " ما أردنا إثباته لولا تذييله بقوله :" وكان . " ، والأمر بعد ذلك سهل . المسألة الثانية رجوع أقسام الرحمة إلى القوابل قضية القواعد الحكمية والبراهين القطعية : أن الله تعالى هو المفيض على الإطلاق ، وفيضه مطلق ، ولا خصوصية من ناحية الفاعل في التحديد والتضييق ، ضرورة أن منع الفيض بالنسبة إلى طائفة من الماهيات في الوجود ، كمنعه بالنسبة إلى الاخرى في كمال الوجود ، فكما أن ذاك غير جائز لرجوعه إلى الجهل أو البخل أو العجز ، وتعالى عنها وتقدس ، كذلك هذا أيضا غير صحيح . فالخصوصيات المانعة عن تجلي الفيوضات الإلهية ناشئة من قبل القوابل والمادة وتبعاتهما ، فهو تعالى رحمن ورحيم ، ولا خصوصية لرحمته الرحمانية ولا الرحيمية من تلك 1 - آداب الصلاة ، الإمام الخميني ( قدس سره ) : 248 - 251 . 2 - شرح اصول الكافي ، صدر المتألهين : 289 . |
|
|229| الناحية المقدسة . نعم تحصل الخصوصية في ناحية القوابل ، فتمنع عن قبول الرحمة التي نعبر عنها بكمال الوجود كمالا ثانيا وثالثا ، وهكذا إلى أن يصل الموجود في قوس الصعود إلى أرقى الكمالات الإمكانية ، حتى تصل إلى مقام لا يبقى معه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صديق ولا شهيد ، وتلتحق عينه الثابتة بالحضرة الإلهية ، ويكون باقيا في السفر الرابع ببقاء الله ، بعد الفناء في الله تبارك وتعالى وتقدس . فعلى ما تقرر عندنا - في كتابنا الموسوم ب " القواعد الحكمية " -لايتم ما اشتهر من تقسيم الرحمة إلى الأقسام ، على وجه يتبادر منه أن تلك القسمة حصلت من ناحية الفياض على الإطلاق . وأما ما في بعض رواياتنا فسيأتي تحصيلها في محله إن شاء الله . وغير خفي : أن هذه المسألة لا تنافي كون القوابل متعددة بفيضه الأقدس ، كما اشتهر : أن القوابل تتقدر بفيضه الأقدس ، وتظهر بفيضه المقدس ، لأن الأول بالقياس إلى الثاني كالموضوع بالقياس إلى الحكم والموضوع ، لا يكون محدد الحكم ، بل هو شخصه ، فافهم واغتنم . |
|
|230| علم الأسماء والعرفان اعلم أن الرحمة تنقسم باعتبار إلى الرحمة الذاتية والفعلية ، وباعتبار آخر إلى الرحمة العامة والخاصة . واشتهر أن الرحمة الرحمانية ذاتية عامة ، والرحمة الرحيمية فعلية خاصة ، وهذه الرحمة رشحة من رشحات تلك الرحمة الذاتية العامة ، وهذه القسمة - كما عرفت - تكون من ناحية ملاحظة القوابل واختلافها في الكمالات ، فما هو الكمال المشترك فيه جميع الأشياء هي الرحمة العامة الناشئة عن ذاته تعالى ، وأنه تعالى يوصف بمثلها ، لأنه منبع كل شرف ووجود ، وما هو المشترك فيه طائفة من الأشياء - كالإنسان مثلا - هي الرحمة الخاصة الفعلية لحصول ذلك الكمال من ظهوره تعالى على الظهور الأول ، وتكون تلك الرحمة بالنسبة إلى الأشياء الاخر أخص وأخص الخواص ، حتى تنحصر في مظهر خاص ، وهو النبي الأعظم الأكرم ، فيكون وجوده مجمع الظهورات الكثيرة الغير المتناهية بالقوة . |
|
|231| با صد هزار جلوه برون آمدى كه من با صد هزار ديده تماشا كنم تورا ( 1 ) فعلى ما تقرر : يكون " الرحمن " و " الرحيم " من الأسماء الإلهية الذاتية ومن امهات الأسماء ، لانطواء نوع الأسماء الجمالية في هذا الاسم العظيم ، وقد حكي عن ابن العربي : أن اسم الله الأعظم هو الرحمن ( 2 ) ، ولكنه محمول على إرادته من الأعظم النبي ، وإلا فهو خلاف ما هو المقرر في علم الأسماء . وهكذا ما في مقدمات " الفصوص " من : أن الاسم الجامع هو الله والرحمن ، فإن الاسم الأعظم ما هو يستوي فيه جميع الكمالات ، ولايتمايل إلى وجهة خاصة من الجمال أو الجلال ، ويعتدل فيه القوى ، ولايكون تحت اسم آخر ، وهو في الألفاظ كلمة " الله " ، وفي المسميات التي هي الأسماء حقيقة الحقيقة المحمدية ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فإنه أعرب الأشياء عنه تعالى ، كما لا يخفى . وقد مضى فيما سبق : أن الوجود حقيقة إذا اخذت بشرط كليات الأشياء فقط ، فهي مرتبة الاسم " الرحمن " ورب العقل الأول ، المسمى بلوح القضاء وام الكتاب والقلم الأعلى ، وإذا اخذت بشرط أن يكون الكليات 1 - البيت للفروغي البسطامي ومطلعه : كى رفته أي ز دل كه تمنا كنم تو را كى بوده أي نهفته كه پيدا كنم تو را 2 - لم نقف عليه في كتب ابن العربي بل الموجود أن الاسم الأعظم هو الله ، لكن انظر تفسير القرآن الكريم ، ابن العربي 1 : 7 ، فلعله منشأ الخطأ في النسبة . |
|
|232| فيها جزئيات مفصلة ثابتة ، من غير احتجابها عن كلياتها ، فهي مرتبة الاسم " الرحيم " رب النفس الكلية ، المسماة بلوح القدر ، وهو اللوحالمحفوظ والكتاب المبين . وجعل بعض الأعيان المرتبة الإلهية هي بعينها مرتبة العقل الأول ، باعتبار جامعية الاسم " الرحمن " لجميع الأسماء ، كجامعية الاسم " الله " لها . هذا وإن كان له وجه من حق ، لكن كون الرحمن تحت إحاطة اسم الله يقضي بتغاير المرتبتين ، ولولا وجه المغايرة بينهما ما كان تابعا للاسم " الله " في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فافهم . وسيأتي عند قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء ) ( 1 ) ما هو حقيقة تلك الأسماء ، وماهي التقاسيم الواردة عليها في الكتب الاصطلاحية . ومما يشهد لما ذكرناه قولهم في ديباجة " الفصوص " : " إن العرش مظهر الرحمن ومستواه ، والكرسي مظهر الرحيم " ( 2 ) انتهى . إن قلت : فما رأيكم بالنسبة إلى المآثير المتضمنة لانقسام الرحمة إلى العموم والخصوص ، وقد رواها وأخرجها علي بن إبراهيم بأسناد مختلفة ، وفيها الصحيح عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وقد مضى صدره ، وفي ذيله : " والرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة " ( 3 ) . وأخرج الكليني عن عبد الله بن سنان ، قال : " سألت أبا عبد الله . - إلى 1 - البقرة ( 2 ) : 31 . 2 - شرح فصوص الحكم ، القيصري : 14 . 3 - تفسير القمي 1 : 28 . |
|
|233| أن قال - : والرحمن بجميع خلقه ، والرحيم بالمؤمنين خاصة " ( 1 ) . وعن " الأمالي " عن الصادق ( عليه السلام ) : " الرحمن اسم خاص بصفة عامة ، والرحيم اسم عام بصفة خاصة " ( 2 ) . قلت : أولا : قضية الكتاب العزيز شمول رحمته الرحيمية للناس ، قال الله تعالى : ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) ( 3 ) ( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما ) ( 4 ) . فربما يشكل الجمع بين الكتاب والسنة ، فيقدم الأول على الثاني . ولكنه ممنوع : أولا : بأن من المحتمل إرادة اختصاص الرحيم في البسملة بالمؤمنين ، أي كان المحذوف كلمة " بالمؤمنين " ، أي رحيم بالمؤمنين . وثانيا : إذا كانت الرحمة متفاوتة ، فما في الكتاب هي الرحمة المتوسطة ، وما في البسملة هي الخاصة ، فلا تهافت . وثانيا : لاتدل هذه الأخبار على أن الخصوصية جاءت من قبل العلة والفاعل ، فهو تعالى رحيم بالمؤمنين ، ومفيض لكمال وجودهم ، إلا أن الجهة التي تورث ذلك ، وتقتضي انسحاب تلك الرحمة ، هي القابلية الخاصة في المرحوم ، فإذا كان الإمكان الاستعدادي حاصلا في موجود ، فيخرج من القوة إلى كمال الوجود ، ويسير إلى الكمالات الثانوية ، 1 - الكافي 1 : 89 1 . 2 - قد مر عدم كونه من الأمالي ، انظر مجمع البيان 1 : 21 . 3 - البقرة ( 2 ) : 143 . 4 - الأحزاب ( 33 ) : 24 . |
|
|234| وهذا هو الإيمان . فالصور المفاضة من الحي القيوم ، لاتنطبع على المواد الخالية عن الكمالات السابقة ، التي تحصل من الاستعدادات الخاصة ، بل هي تنطبعفي المواد المتصورة بصورة كمالية ، فتلك الصور تختص بتلك المواد وتكون خاصة بهم لأجل الخصوصية في المحل ، فافهم وتأمل جيدا . وثالثا : قضية بعض الأدعية اختصاص " الرحمن " بالدنيا ، و " الرحيم " بالآخرة ، فيحصل التنافي بينهما لا العموم والخصوص ، بل قضية بعض الأدعية المأثورة عن " الصحيفة السجادية " ( 1 ) ، وعن " مستدرك " الحاكم ( 2 ) : " رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما " فلا يختص بطائفة دون طائفة . والذي هو الحق : أن الرحمة الرحمانية لما كانت غير مضافة إلى المفعول به نوعا ، تكون عامة ، لا لأجل ما اشتهر عنهم من : أن حذف المتعلق دليل العموم ، فإنه واضح الفساد هنا ، ضرورة أن ذلك في موقف يمكن ويصح الإتيان بالمتعلق ، فيترك لإفادة العموم ، لا في مثل هذه الكلمة التي لم يعهد استعماله مع المتعلق . والعجب من غفلة أبناء التفسير ، والتمسك بذلك لإفادة العموم . بل لأجل أنها صفة ذاتية على الوجه الذي مضى تحقيقه ، والرحمة الرحيمية تتعلق بالغير ، فتارة يذكر الغير ، فيكون مخصوصا 1 - الصحيفة السجادية : دعاء 54 . 2 - المستدرك ، الحاكم النيسابوري 1 : 515 . |
|
|235| به ، واخرى لا يذكر ، فيكون حذف المتعلق دليل العموم ، فيصح أن يقال : رحيم بالإنسان ، أو رحيم بالمؤمن ، أو رحيم على الإطلاق . وهكذا ، ولأجل ذلك اختلفت التعابير ، واجتمعت في المعنى والحقيقة . ومما ذكرناه يظهر مواقع الخلل في كلمات القوم في هذه المواقف ،ولا حاجة لنا إلى ذكرها ، ولكن لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى بعض ما قيل في المقام ، ويظهر ضعفه من غير لزوم التأمل التام : وهو أن الرحمة الرحمانية لا تختص بشئ دون شئ وبحال دون حال ، بخلاف الرحيمية فإنها تختص بالإنسان ومن كان مثله سالكا إلى الرحمن ، وبحال كونه على رضاه ومن جهة كونه على رضاه . وأما غير الإنسان فإن العناصر والمواليد لاتوصف بالرحمة الرحيمية ، ولا بالغضب الذي هو ضدها ، والأرواح البالية توصف بهما ، ولا تمايز بينهما هناك ، والأرواح الخبيثة قد يجوز أن تشملهم الرحمة الرحيمية ، إلا أن الأغلب شمول الغضب إياهم ، وذلك لأن الرحمانية عبارة عن إفاضة الوجود على الأشياء وإبقائها ، وإكمالها بالكمالات اللائقة بفطرتها . وهذا عام لجميع الأشياء ، ولذلك ورد أن ( الرحمن على العرش استوى ) ( 1 ) ، وفسروه باستواء نسبته إلى الجليل والحقير ( 2 ) ، وورد : " يا رحمن الدنيا والآخرة " ( 3 ) . 1 - طه ( 20 ) : 5 . 2 - بحار الأنوار 95 : 75 ، كتاب أعمال السنين والشهور والأيام ، الباب 5 . 3 - الصحيفة السجادية ، دعاء 54 . |
|
|236| وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " أن الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا ، أو العاطف على خلقه بالرزق ، لا يقطع عنهم مواد رزقه وإن انقطعوا عن طاعته " ( 1 ) ، ومن المعلوم أن رزق الأعيان الثابتة إفاضة الوجود عليها ، ورزق الموجود إفاضة ما به قوام بقاء وجوده ، وأما الرحمة الرحيمية : فهي عبارة عن إفاضة الكمالات الاختيارية المرضية على المختارين منالإنس والجن ، ولذلك ورد : " أنه الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته ، وبعباده الكافرين في الرفق في دعائهم إلى موافقته " ( 2 ) ، فتعلق هذه الرحمة بالكافرين ، إنما هو من جهة بقاء فطرتهم واقتضائها فعلية مرضية اختيارية من الفعليات المرضية ، تقتضي تلك الفعلية الرفق بهم ودعاءهم إلى الدين والمداراة لهم في الدنيا والنصيحة لهم في أمر العقبى وفي آخر الخبر المزبور روي عنه ( عليه السلام ) : " أنه الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا ، خفف علينا الدين وجعله سهلا خفيفا ، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه " ( 3 ) ، فالرحيمية بمعنى الرضا مقابل الغضب ، كالصورة للرحمة الرحمانية ، وهي مادة للرضا والغضب ، فإن الرحمة الرحمانية قد تصير في بعض الموجودين - وهم المختارون العاصون - غضبا ، وفي الآخرين رضا ، وهم المطيعون ، وما هو الرحمة السابقة على الغضب هي الرحمانية إذا كان الغضب ينتهي إلى عدم الإيجاد ، أو هي الرحيمية إذا 1 - التوحيد : 232 5 ، تفسير الصافي 1 : 19 . 2 - التفسير العسكري المنسوب إلى الإمام ( عليه السلام ) : 34 ، تفسير الصافي 1 : 19 . 3 - التوحيد : 232 5 ، تفسير الصافي 1 : 19 . |
|
|237| كان الغضب ينتهي إلى الكفر والإلحاد ، فافهم وكن على بصيرة . تذنيب وتنبيه : حول كون " الرحمن " و " الرحيم " من امهات الأسماء قيل : إن لله تعالى ثلاثة آلاف اسم : ألف عرفها الملائكة لا غير ، وألف عرفها الأنبياء لا غير ، وثلاثمائة في التوراة ، وثلاثمائة في الإنجيل ، وثلاثمائة في الزبور ، وتسعة وتسعون في القرآن ، وواحد استأثر الله به ، ثم هذه الثلاثة آلاف في هذه الثلاثة : " الله والرحمن والرحيم " فمنعلمها وذكرها فكأنما ذكر الله بكل أسمائه ( 1 ) . وغير خفي : أن قضية هذه الرواية والمقالة أن هذه الثلاثة من امهات الأسماء العرضية ، وتكون هذه الثلاثة من الأسماء المحيطة ، وتكون الأسماء الاخر في ظلها وتحت تربيتها ، وهذا خلاف ما تقرر في علم الأسماء من أن الامهات أربعة في لحاظ ، وسبعة في لحاظ آخر ، والأربعة هي : " الظاهر والباطن والأول والآخر " ، وفي اعتبار ام الامهات الطولية والعرضية هو الله تعالى لما كان تحته جميع الكمالات والصفات ( 2 ) ، ولذلك اشتهر : أنها موضوعة للذات المستجمعة للكمالات والأوصاف ، ف - " الرحمن والرحيم " ليسا من الأسماء الامهاتية العرضية ، بل " الرحيم " تحت ظل الرحمن من غير كون الظلية والأصلية من الاعتبارات المائية من قبل العلة الحقيقية وذاته تعالى على الوجه المقرر في السابق . 1 - انظر عوالي اللآلي 4 : 106 157 . 2 - شرح فصوص الحكم ، القيصري : 13 - 14 . |
|
|238| إشراق وإنارة : حول كونهما من أسماء الذات والصفات والأفعال اعلم أن الأسماء تنقسم في نوع من الأقسام إلى أسماء الذات والصفات والأفعال ، وإن كان كلها في وجه أسماء الذات ، ولكن باعتبار ظهور الذات فيها تسمى أسماء الذات ، وبظهور الصفات فيها تسمى أسماء الصفات ، وبظهور الأفعال فيها تسمى أسماء الفعل ( 1 ) ، ويأتي في باب الأسماء المعلمة ب " آدم " تفصيلات حول هذه المسائل . وبالجملة : قد ذكر الشيخ في تقسيماته : أن " الرحمن " و " الرحيم " من أسماء الصفات ( 2 ) ، وعندي أنهما باعتبار من تلك الأسماء وباعتبار منأسماء الأفعال ، فإذا اعتبرت سعة الرحمة إلى أصل الوجود ، تكون الأعيان الثابتة مستجلية بالرحمة الذاتية والفيض الأول الأقدس ، ومتحلية بحلية العلم الإلهي ، فهما من أسماء الصفات ، وباعتبار ظهور الأعيان العلمية في الأعيان بالفيض المقدس تكونان من أسماء الأفعال . وإن شئت قلت : هما باعتبار الفيض الأقدس من أسماء الذات ، وباعتبار الفيض المقدس والوجود المنبسط من أسماء الصفات ، وباعتبار كمال الوجود من أسماء الأفعال ، فافهم واغتنم . 1 - المصدر السابق : 14 . 2 - شرح فصوص الحكم ، القيصري : 14 ، مصباح الانس : 113 . |
|
|239| الأخلاق والآداب والنصيحة اعلم : أن في رواياتنا رواية تشتمل على اصول الأخلاقيات ، فضائلها ورذائلها ، وهي ما رواه الكليني ، وأخرجه في جامعه الكبير " الكافي " ، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن حديد ، عن سماعة بن مهران ، قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وعنده جماعة من مواليه ، فجرى ذكر العقل والجهل ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا " . قال سماعة : فقلت : جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " إن الله خلق العقل ، وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره ، فقال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال له : أقبل ، فأقبل ، فقال الله تعالى : خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي . قال : ثم خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانيا ، فقال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال له : أقبل ، فلم يقبل ، فقال له : استكبرت ، فلعنه . ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا ، فلما رأى الجهل ما أكرمالله به العقل وما أعطاه ، أضمر له العداوة ، فقال الجهل : يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته ، وأنا ضده ولا قوة لي به ، فأعطني من الجند مثلما أعطيته . فقال : نعم فإن عصيت بعد ذلك ، أخرجتك وجندك من رحمتي . قال : قد |
|
|240| رضيت ، فأعطاه خمسة وسبعين جندا ، فكان مما اعطي العقل من الخمسة والسبعين الجند الخير هو وزير العقل ، وجعل ضده الشر ، وهو وزير الجهل . - إلى أن قال - : والرحمة وضدها الغضب . " ( 1 ) الخبر . وربما يمكن المناقشة في سنده من ناحيتين ، إلا أن الظاهر اعتباره حسب ما تقرر منا في " القواعد الرجالية " ، مع أن متانة المتن وكونه في " الكافي " من المؤيدات على صحة الرواية وصدورها . والله العالم . ثم اعلم : أن البحث حول الرحمة التي هي من جنود العقل ، والغضب الذي هو من جنود الجهل ، يحتاج إلى البسط في الكلام لا يسعه المقام ، ولكن لما كان أساس الكتاب الإلهي لهداية عائلة البشر إلى الكمالات الأخلاقية والأوصاف الإلهية ، فلابد من الإشارة إلى مسائل ومباحث إجمالية : اعلم : أن الرحمة والرأفة والعطف من جلوات الأسماء الجمالية الإلهية ، وقد بسطها وأعطاها الله تعالى الحيوان للمحافظة على الأنواع الحيوانية ، والإنسان للمحافظة على النظام الخاص البشري ، وهذه الرحمة من جلوات الرحمة الرحمانية ، وتسمى بالرحمة الرحيمية في وجه ، ويشترك فيها سائر الخلائق المجردة البرزخية والغيبية حفظا لما هو تحت سلطانه . وأنت خبير : بأن هذه الرحمة لو لم تكن في الحيوان والإنسان ، لا يبقى الحيوان والإنسان ، ولكانت الحياةالفردية والاجتماعية فشلة ، ولاضمحلت النظامات الاجتماعية . 1 - الكافي 1 : 16 14 . |
|
|241| وبالجملة : لا يبقى منها عين ولا أثر . فإن الحيوان لأجل تلك الرحمة الموجودة في وجوده يتمكن من تربية أولاده ، ويتحمل الزحمات والمضادات الوجودية والمشقات الكثيرة ، فبتلك الرأفة والعطف تنجذب القلوب نحو الأولاد في الحيوان والإنسان ، ولأجل هذه المحبة والعشق الذي هو من تجليات تلك الرحمة ، يتهيأ لدفع المزاحمات الوجودية والأعداء وغير ذلك . وهذه الرحمة والرأفة هي التي تبعث الأنبياء والروحانيين والعلماء والزعماء إلى تحمل المشاق وتقبل المصائب في هداية البشر والإنسان إلى الحقائق ، وفي إخراجهم من الظلمات إلى النور . فبالجملة : هذه البارقة الإلهية - التي وجدت في الحيوان عموما وفي الإنسان خصوصا - مدار المجتمعات الصغيرة والكبيرة ، وأساس النظامات البلدية والقطرية والمملكتية وغير ذلك . فإذا كان الإنسان يجد في نفسه تلك الرحمة بالنسبة إلى أفراد نوعه وعائلته ، فكيف برب البالمين الذي هو نفس حقيقة الرحمة ؟ ومن تلك الرحمة خلق الخلائق وهيأ لهم الأسباب للراحة والاستراحة ، وأوجد من تلك البارقة الملكوتية وأودع منها في النفوس الحيوانية والبشرية ، متمنيا أن يصرفها الناس في محالها ، وتكون في ظلها هذه الخلائق في الفرح والعيش . فهل يجوز لك أن لا تكون رحمانا ورحيما بالخلق ، الذي هو إما نظير |