أربع‏رسالات‏في‏الغيبة ج : 2

11
الرسالة الثانية في الغيبة بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على محمد و آله و سلم تسليما سأل سائل الشيخ المفيد رضي الله عنه فقال ما الدليل على وجود الإمام صاحب الغيبة ع فقد اختلف الناس في وجوده اختلافا ظاهرا. فقال له الشيخ الدليل على ذلك أنا وجدنا الشيعة الإمامية فرقة قد طبقت الأرض شرقا و غربا مختلفي الآراء و الهمم متباعدي الديار لا يتعارفون متدينين بتحريم الكذب عالمين بقبحه ينقلون نقلا متواترا عن أئمتهم ع عن أمير المؤمنين ع أن الثاني عشر يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون و يحكون أن الغيبة تقع على ما هي عليه فليس تخلو هذه الأخبار أن تكون صدقا أو كذبا فإن كانت صدقا فقد صح ما نقول و إن كانت
12
كذبا استحال ذلك لأنه لو جاز على الإمامية و هم على ما هم عليه لجاز على سائر المسلمين في نقلهم معجزات النبي ص مثل ذلك و لجاز على سائر الأمم و الفرق مثله حتى لا يصح خبر في الدنيا و كان ذلك إبطال الشرائع كلها. قال السائل فلعل قوما تواطئوا في الأصل فوضعوا هذه الأخبار و نقلتها الشيعة و تدينت بها و هي غير عالمة بالأصل كيف كان. قال له الشيخ رضي الله عنه أول ما في هذا عنه طعن في جميع الأخبار لأن قائلا لو قال للمسلمين في نقلهم لمعجزات النبي ص لعلها في الأصل موضوعة و لعل قوما تواطئوا عليها فنقلها من لا يعلم حالها في الأصل و هذا طريق إلى إبطال الشرائع و أيضا فلو كان الأمر على ما ذكره السائل لظهر و انتشر على ألسن المخالفين مع طلبهم لعيوبهم و طلب الحيلة في كسر مذاهبهم و كان ذلك أظهر و أشهر مما يخفى و في عدم العلم بذلك ما يدل على بطلان هذه المعارضة. قال فأرنا طرق هذه الأخبار و ما وجهها و وجه دلالتها. قال الأول ما في هذا الخبر الذي روته العامة و الخاصة و هو خبر كميل بن زياد قال دخلت على أمير المؤمنين ص و هو ينكث في الأرض فقلت له يا مولاي ما لك تنكث الأرض أ رغبة فيها. فقال و الله ما رغبت فيها ساعة قط و لكني أفكر في التاسع من ولد الحسين هو الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا تكون له غيبة يرتاب فيها المبطلون يا كميل بن زياد لا بد لله في أرضه من حجة إما ظاهر مشهور شخصه و إما باطن مغمور لكيلا تبطل حجج
13
الله و الخبر طويل و إنما اقتصرنا على موضع الدلالة. و ما روي عن الباقر ع أن الشيعة قالت له يوما أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف قال لست بصاحبكم انظروا من خفيت ولادته فيقول قوم ولد و يقول قوم ما ولد فهو صاحبكم و ما روي عن الصادق ع أنه قال كيف بكم إذا التفتم يمينا فلم تروا أحدا و التفتم شمالا فلم تروا أحدا و استولت أقوام بني عبد المطلب و رجع عن هذا الأمر كثير ممن يعتقده يمسي أحدكم مؤمنا و يصبح كافرا فالله الله في أديانكم هنالك فانتظروا الفرج و ما روي عن موسى بن جعفر ع أنه قال إذا توالت ثلاثة أسماء محمد و علي و الحسن فالرابع هو القائم ص و لو ذهبنا إلى ما روي في هذا المعنى لطال به الشرح و هذا السيد ابن محمد الحميري يقول في قصيدة له قبل الغيبة بخمسين و مائة سنة و كذا روينا عن وصي محمد و ما كان فيما قاله بالمتكذب‏
14
بأن ولي الأمر يفقد لا يرى ستيرا كفعل الخائف المترقب‏فيقسم أموال الفقيد كأنما تغيبة تحت الصفيح المنصب‏فيمكث حيا ثم ينبع نبعة كنبعة درى من الأرض يوهب‏له غيبة لا بد من أن يغيبها فصلى عليه الله من متغيب‏فانظروا رحمكم الله قول السيد هذا القول و هو الغيبة كيف وقع له أن يقوله لو لا أن سمعه من أئمته و أئمته سمعوه من النبي ص و إلا فهل يجوز لقائل أن يقول قولا فيقع كما قال ما يخرم منه حرف عصمنا الله و إياكم من الهوى و به نستعين و عليه نتوكل.
15
قال السائل فقد كان يجب أن ينقل هذه الأخبار مع الشيعة غيرهم. فقال له هذا غير لازم و لا واجب و لو وجب وجب أن لا يصح خبر لا ينقله المؤالف و المخالف و بطلت الأخبار كلها. فقال السائل فإذا كان الإمام ع غائبا طول هذه المدة لا ينتفع به فما الفرق بين وجوده و عدمه. قال له إن الله سبحانه إذا نصب دليلا و حجة على سائر خلقه فأخافه الظالمون كانت الحجة على من أخافه لا على الله سبحانه و لو أعدمه الله كانت الحجة على الله لا على الظالمين و هذا الفرق بين وجوده و عدمه. قال السائل ألا رفعه الله إلى السماء فإذا آن قيامه أنزله. فقال له ليس هو حجة على أهل السماء إنما هو حجة على أهل الأرض و الحجة لا تكون إلا بين المحجوجين به و أيضا فقد كان هذا لا يمتنع في العقل لو لا الأخبار الواردة أن الأرض لا تخلو من حجة فلهذا لم يجز كونه في السماء
16
و أوجبنا كونه في الأرض و بالله التوفيق. فقام إنسان من المعتزلة و قال للشيخ المفيد كيف يجوز ذلك منك و أنت نظار منهم قائل بالعدل و التوحيد و قائل بأحكام العقول تعتقد إمامة رجل ما صحت ولادته دون إمامته و لا وجوده دون عدمه و قد تطاولت السنون حتى أن المعتقد منكم يقول إن له منذ ولد خمسا و أربعين و مائة سنة فهل يجوز هذا في عقل أو سمع. قال له الشيخ قد قلت فافهم اعلم أن الدلالة عندنا قامت على أن الأرض لا تخلو من حجة. قال السائل مسلم لك ذلك ثم أيش. قال له الشيخ ثم إن الحجة على صفات و من لا يكون عليها لم تكن فيه. قال له السائل هذا عندي و لم أر في ولد العباس و لا في ولد علي و لا في قريش قاطبة من هو بتلك الصفات فعلمت بدليل العقل أن الحجة غيرهم و لو غاب ألف سنة و هذا كلام جيد في معناه إذا تفكرت فيه لأنه إذا قامت الدلالة بأن الأرض لا تخلو من حجة و أن الحجة لا يكون إلا معصوما من الخطإ و الزلل لا يجوز عليه ما يجوز على الأمة و كانت المنازعة فيه لا في الغيبة فإذا سلم ذلك كانت الحجة لازمة في الغيبة