أربع‏رسالات‏في‏الغيبة ج : 3

11
الرسالة الثالثة في الغيبة بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ المفيد رضي الله عنه حضرت مجلس رئيس من الرؤساء فجرى كلام في الإمامة فانتهى إلى القول في الغيبة. فقال صاحب المجلس أ ليست الشيعة تروي عن جعفر بن محمد ع أنه لو اجتمع على الإمام عدة أهل بدر ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا لوجب عليه الخروج بالسيف. فقلت قد روي هذا الحديث. قال أ و لسنا نعلم يقينا أن الشيعة في هذا الوقت أضعاف عدة أهل بدر فكيف يجوز للإمام الغيبة مع الرواية التي ذكرناها. فقلت له إن الشيعة و إن كانت في وقتنا كثيرا عددها حتى تزيد على عدة أهل
12
بدر أضعاف مضاعفة فإن الجماعة التي عدتهم عدة أهل بدر إذا اجتمعت فلم يسع الإمام التقية و وجب عليه الظهور لم تجتمع في هذا الوقت و لا حصلت في هذا الزمان بصفتها و شروطها و ذلك أنه يجب أن يكون هؤلاء القوم معلوم من حالهم الشجاعة و الصبر على اللقاء و الإخلاص في الجهاد و إيثار الآخرة على الدنيا و نقاء السرائر من العيوب و صحة العقول و أنهم لا يهنون و لا ينتظرون عند اللقاء و يكون العلم من الله تعالى بعموم المصلحة في ظهورهم بالسيف و ليس كل الشيعة بهذه الصفة و لو علم الله تعالى أن في جملتهم العدد المذكور على ما شرطناه لظهر الإمام ع لا محالة و لم يغب بعد اجتماعهم طرفة عين لكن المعلوم خلاف ما وصفناه فلذلك ساغ للإمام الغيبة على ما ذكرناه. قال و من أين لنا أن شروط القوم على ما ذكرت و إن كانت شروطهم هذه فمن أين لنا أن الأمر كما وصفت. فقلت إذا ثبت وجوب الإمامة و صحت الغيبة لم يكن لنا طريق إلى تصحيح الخبر إلا بما شرحناه فمن حيث قامت دلائل الإمامة و العصمة و صدق الخبر حكمنا بما ذكرناه. ثم قلت و نظير هذا الأمر و مثاله ما علمناه من جهاد النبي ص أهل بدر بالعدد اليسير الذين كانوا معه و أكثرهم أعزل راجل ثم قعد ع في عام الحديبية و معه من أصحابه أضعاف أهل بدر في
13
العدد و قد علمنا أنه ص مصيبا في الأمرين جميعا و أنه لو كان المعلوم من أصحابه في عام الحديبية ما كان المعلوم منهم في حال بدر لما وسعه العقود و المهادنة و لوجب عليه الجهاد كما وجب عليه قبل ذلك و لو وجب عليه ما تركه لما ذكرناه من العلم بصوابه و عصمته على ما بيناه. فقال إن رسول الله ص كان يوحى إليه فيعلم بالوحي العواقب و يعرف الفرق من صواب التدبير و خطأه بمعرفة ما يكون فمن قال في علم الإمام بما ذكرت و ما طريق معرفته بذلك. فقلت له الإمام عندنا معهود إليه موقف على ما يأتي و ما يذكر منصوب له أمارات تدله على العواقب في التدبيرات و الصالح في الأفعال و إنما حصل له العهد بذلك عن النبي ص الذي يوحى إليه و يطلع على علم السماء و لو لم نذكر هذا الباب و اقتصرنا على أنه متعبد في ذلك بغلبة الظن و ما يظهر له من الصلاح لكفى و أغنى و قام مقام الإظهار على التحقيق كائنا ما كان بلا ارتياب لا سيما على مذهب المخالفين في الاجتهاد و قولهم في رأي النبي ص و إن كان المذهب ما قدمناه. فقال لم لا يظهر الإمام و إن أدي ظهوره إلى قتله فيكون البرهان له و الحجة في إمامته أوضح و يزول الشك في وجوده بلا ارتياب. فقلت إنه لا يجب ذلك عليه كما لا يجب على الله تعالى معاجلة العصاة بالنقمات و إظهار الآيات في كل وقت متتابعات و إن كنا نعلم أنه لو
14
عاجل العصاة لكان البرهان على قدرته أوضح و الأمر في نهيه أوكد و الحجة في قبح خلافه أبين و لكان بذلك الخلق عن معاصيه أزجر و إن لم يجب ذلك عليه و لا في حكمته و تدبيره لعلمه بالمصلحة فيه على التفضيل فالقول في الباب الأول مثله على أنه لا معنى لظهور الإمام في وقت يحيط العلم فيه بأن ظهوره منه فساد و أنه لا يؤول إلى إصلاح و إنما يكون ذلك حكمة و صوابا إذا كانت عاقبته الصلاح و لو علم ع أن في ظهوره صلاحا في الدين مع مقامه في العالم أو هلاكه و هلاك جميع شيعته و أنصاره لما أبقاه طرفة عين و لا فتر عن المسارعة إلى مرضاة الله جل اسمه لكن الدليل على عصمته كاشف عن معرفته لرد هذه الحال عند ظهوره في هذا الزمان بما قدمناه من ذكر العهد إليه و نصب الدلائل و الحد و الرسم المذكورين له في الأفعال. فقال لعمري إن هذه الأجوبة على الأصول المقررة لأهل الإمامة مستمرة و المنازع فيها بعد تسليم الأصول لا ينال شيئا و لا يظفر بطائل. فقلت من العجب إنا و المعتزلة نوجب الإمامة و نحكم بالحاجة إليها في كل زمان و نقطع بخطإ من أوجب الاستغناء عنها في حال بعد النبي ص و هم دائما يشنعون علينا بالقول في الغيبة و مرور الزمان بغير ظهور إمام و هم أنفسهم يعترفون بأنهم لا إمام لهم بعد أمير المؤمنين ع إلى هذا الزمان و لا يرجون إقامة إمام في قرب هذا من الأوان فعلى كل حال نحن أعذر في القول بالغيبة و أولى بالصواب عند الموازنة للأصل الثابت من وجوب الإمام و لدفع الحاجة إليها في كل أوان.
15
فقال هؤلاء القوم و إن قالوا بالحاجة إلى الإمام فعذرهم واضح في بطلان الأحكام لعدم غيبة الإمام الذي يقوم بالأحكام و أنتم تقولون إن أئمتكم ع قد كانوا ظاهرين إلى وقت زمان الغيبة عندكم فما عذركم في ترك إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام. فقلت له إن هؤلاء القوم و إن اعتصموا في تضييع الحدود و الأحكام بعد الأئمة الذين يقومون بها في الزمان فإنهم يعترفون بأن في كل زمان طائفة منهم من أهل الحل و العقد قد جعل إليهم إقامة الإمام الذي يقوم بالحدود و تنفيذ الأحكام فما عذرهم عن كفهم عن إقامة الإمام و هم موجودون معروفو الأعيان فإن وجب عليهم لوجودهم ظاهرين في كل زمان إقامة الإمام المنفذ للأحكام و عانوا ترك ذلك في طول هذه المدة عاصين ضالين عن طريق الرشاد كان لنا بذلك عليهم و لن يقولوا بهذا أبدا و أن كان لهم عذر في ترك إقامة الإمام و إن كانوا في كل وقت موجودين فذلك العذر لأئمتنا ع في ترك إقامة الحدود و إن كانوا موجودين في كل زمان على أن عذر أئمتنا ع في ترك إقامة الأحكام أوضح و أظهر من عذر المعتزلة في ترك نصب الإمام لأنا نعلم يقينا بلا ارتياب أن كثيرا من أهل بيت رسول الله ص قد شردوا عن أوطانهم و سفكت دماؤهم و ألزم الباقون منهم الخوف على التوهم عليهم أنهم يرون الخروج بالسيف و أنهم ممن إليهم الأحكام و لم ير أحد من المعتزلة و لا الحشوية سفك دمه و لا شرد عن
16
وطنه و لا خيف على التوهم عليه و التحقيق منه أنه يرى في قعود الأئمة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بل هؤلاء القوم يصرحون في المجالس بأنهم أصحاب الاختيار و أن إليهم الحل و العقد و الإنكار على الطاعة و أن من مذهبهم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرضا لازما على اعتقادهم و هم مع ذلك آمنون من السلطان غير خائفين من نكره عليهم من هذا المقال. فبان بذلك أنه لا عذر لهم في ترك إقامة الإمام و أن العذر الواضح الذي لا شبهة فيه حاصل لأئمتنا ع من ترك إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام لما بيناه من حالهم و وصفناه و هذا واضح فلم يأت بشي‏ء و لله الحمد و لرسوله و آله الصلاة و السلام. و الله الموفق للصواب