أربع‏رسالات‏في‏الغيبة ج : 4

11
الرسالة الرابعة في الغيبة بسم الله الرحمن الرحيم و صلاته على سيدنا محمد و آله الطاهرين و بعد سأل بعض المخالفين فقال ما السبب الموجب لاستتار إمام الزمان ع و غيبته التي قد طالت مدتها و امتدت بها الأيام ثم قال فإن قلتم إن سبب ذلك صعوبة الزمان عليه بكثرة أعدائه و خوفه منهم على نفسه قيل لكم فقد كان الزمان الأول على آبائه ع أصعب و أعداؤهم فيما مضى أكثر و خوفهم على نفسهم أشد و أكثر و لم يستتروا مع ذلك و لا غابوا عن أشياعهم بل كانوا ظاهرين حتى أتاهم اليقين و هذا يبطل اعتلالكم في غيبة صاحب الزمان عنكم و استتاره فيما ذكرتموه و سألتك أدام الله عزك. الجواب عن ذلك الجواب و بالله التوفيق إن اختلاف حالتي صاحب الزمان و آبائه ع فيما يقتضيه استتاره اليوم و ظهوره إذ ذاك يقضي بطلان ما
12
توهمه الخصم و ادعاه من سهولة هذا الزمان على صاحب الأمر ع و صعوبته على آبائه ع فيما سلف و قلة خوفه اليوم و كثرة خوف آبائه فيما سلف و ذلك أنه لم يكن أحد من آبائه ع كلف القيام بالسيف مع ظهوره و لا ألزم بترك التقية و لا ألزم الدعاء إلى نفسه حسبما كلفه إمام زماننا هذا بشرط ظهوره ع و كان من مضى من آبائه ص قد أبيحوا التقية من أعدائهم و المخالطة لهم و الحضور في مجالسهم و أذاعوا تحريم إشهار السيوف على أنفسهم و خطر الدعوة إليها و أشاروا إلى منتظر يكون في آخر الزمان منهم يكشف الله به الغمة و يحيي و يهدي به الأمة لا تسعه التقية عند ظهوره ينادي باسمه في السماء الملائكة الكرام و يدعوا إلى بيعته جبرئيل و ميكائيل في الأنام و تظهر قبله أمارات القيامة في الأرض و السماء يحيا عند ظهوره أموات و تروع آيات قيامه و نهوضه بالأمر الأبصار. فلما ظهر ذلك عن السلف الصالح من آبائه ع و تحقق ذلك عند سلطان كل زمان و ملك كل أوان و علموا أنهم لا يتدينون بالقيام بالسيف و لا يرون الدعاء إلى مثله على أحد من أهل الخلاف و أن دينهم الذي يتقربون به إلى الله عز و جل التقية و كف اليد و حفظ اللسان و التوفر على العبادات و الانقطاع إلى الله عز و جل بالأعمال الصالحات آمنوهم على أنفسهم مطمئنين بذلك إلى ما يدبرونه من شأنهم و يحققونه من دياناتهم و كفوا بذلك عن الظهور و الانتشار و استغنوا به عن التغيب و الاستتار. و لما كان إمام هذا الزمان ع هو المشار إليه بسل السيف من أول الدهر في تقادم الأيام المذكورة و الجهاد لأعداء الله عند ظهوره و رفع التقية عن
13
أوليائه و إلزامه لهم بالجهاد و أنه المهدي الذي يظهر الله به الحق و يبيد بسيفه الضلال و كان المعلوم أنه لا يقوم بالسيف إلا مع وجود الأنصار و اجتماع الحفدة و الأعوان و لم يكن أنصاره ع عند وجوده متهيئين إلى هذا الوقت موجودين و لا على نصرته مجمعين و لا كان في الأرض من شيعته طرا من يصلح للجهاد و إن كانوا يصلحون لنقل الآثار و حفظ الأحكام و الدعاء له بحصول التمكن من ذلك إلى الله عز و جل لزمته التقية و وجب فرضها عليه كما فرضت على آبائه ع لأنه لو ظهر بغير أعوان لألقى بيده إلى التهلكة و لو أبدى شخصه للأعداء لم يألوا جهدا في إيقاع الضرر به و استئصال شيعته و إراقة دمائهم على الاستحلال فيكون في ذلك أعظم الفساد في الدين و الدنيا و يخرج به ع عن أحكام الدين و تدبير الحكماء. و لما ثبت عصمته وجب استتاره حتى يعلم يقينا لا شك فيه حضور الأعوان له و اجتماع الأنصار و تكون المصلحة العامة في ظهوره بالسيف و يعلم تمكنه من إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام و إذا كان الأمر على ما بيناه سقط ما ظنه المخالف من مناقضة أصحابنا الإمامية فيما يعتقدونه من علة ظهور السلف من أئمة الهدى ع و غيبة صاحب زماننا هذا عليه التحية و الرضوان و أفضل الرحمة و السلام و الصلاة. و بان مما ذكرناه فرق ما بين حاله و أحوالهم فيما جوز لهم الظهور و أوجب عليه الاستتار فصل ثم يقال لهذا الخصم أ ليس النبي ص قد أقام بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس إلى الله تعالى و لا يرى سل السيف و لا الجهاد و يصبر
14
على التكذيب له و الشتم و الضرب و صنوف الأذى حتى انتهى أمره إلى أن ألقوا على ظهره ص و هو راكع السلى و كانوا يرضخون قدميه بالأحجار و يلقاه السفيه من أهل مكة فيشتمه في وجهه و يحثو فيه التراب و يضيق عليه أحيانا و يبلغ أعداؤه في الأذى بضروب النكال و عذبوا أصحابه أنواع العذاب و فتنوا كثيرا منهم حتى رجعوا عن الإسلام و كان المسلمون يسألونه الإذن لهم في سل السيف و مباينة الأعداء فيمنعهم عن ذلك و يكفهم و يأمرهم بالصبر على الأذى. و روي أن عمر بن الخطاب لما أظهر الإسلام سل سيفه بمكة و قال لا يعبد الله سرا فزجره رسول الله ص عن ذلك و قال له عبد الرحمن بن عوف الزهري لو تركنا رسول الله ص لأخذ كل رجل بيده رجلين إلى جنب رجل منهم فقتله فنهاه النبي ص عما قال.
15
و لم يزل ذلك حاله إلى أن طلب من النجاشي و هو ملك الحبشة أن يخفر أصحابه من قريش ثم أخرجهم إليه و استتر عليه و آله السلام خائفا على دمه في الشعب ثلاث سنين ثم هرب من مكة بعد موت عمه أبي طالب مستخفيا بهربه و أقام في الغار ثلاثة أيام ثم هاجر عليه و آله السلام إلى المدينة و رأى النهي منه للقيام و استنفر أصحابه و هم يومئذ ثلاثمائة و بضعة عشر و لقي بهم ألف رجل من أهل بدر و رفع التقية عن نفسه إذ ذاك. ثم حضر المدينة متوجها إلى العمرة فبايع تحت الشجرة بيعة الرضوان على الموت ثم بدا له ع فصالح قريشا و رجع عن العمرة و نحر هديه في مكانه و بدا له من القتال و كتب بينه و بين قريش كتابا سألوه فيه محو بسم الله الرحمن الرحيم فأجابهم إلى ذلك و دعوا إلى محو اسمه من النبوة في الكتاب لاطلاعهم إلى ذلك فاقترحوا عليه أن يرد رجلا مسلما إليهم حتى يرجع إلى الكفر أو يتركوه فأجابهم إلى ذلك هذا و قد ظهر عليهم في الحرب
16
فإذا قال الخصم بلى و لا بد من ذلك إن كان من أهل العلم و المعرفة بالأخبار. قيل له فلم لم يقاتل بمكة و ما باله صبر على الأذى و لم منع أصحابه عن الجهاد و قد بذلوا أنفسهم في نصرة الإسلام و ما الذي اضطره إلى الاستجارة بالنجاشي و إخراج أصحابه من مكة إلى بلاد الحبشة خوفا على دمائهم من الأعداء و ما الذي دعاه إلى القتال حين خذله أصحابه و تثاقلوا عليه فقاتل بهم مع قلة عددهم و كيف لم يقاتل بالحديبية مع كثرة أنصاره و بيعتهم له على الموت و ما وجه اختلاف أفعاله في هذه الأحوال فما كان في ذلك جوابكم فهو جوابنا في ظهور السلف من آباء صاحب الزمان و استتاره و غيبته فلا تجدون من ذلك مهربا. و الحمد لله المستعان و صلى الله على محمد النبي و آله و سلم تسليما كثيرا