+ +
البحث فى رسالات عشر

تأليف` محمد حسن القديرى`

مؤسسة النشر الاسلامى`

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشترفة`


2

الكتاب : البحث في رسالات عشر`

المؤلف : الحاج الشيخ محمد حسن القديرى`

الموضوع : فقه و اصول اللغة : عربي`

عدد الاجزاء : جزء واحد عدد الصفحات` 440 :

الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة`

الطبع : مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي`

الطبعة : الاولى المطبوع : 1000 نسخة`

التاريخ : 1409 ه . ق


3

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمدلله كما هو أهله , و صلى الله على محمد سيد الاولين و الاخرين و على آله الطيبين` المنتجبين , و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين` .

و بعد , فان من أسباب شرف العلوم هو شرافة غاياتها , و علم الفقه لما كان محددا لما يجب و يحرم` و يحل للمكلف فعله و تركه و مبينا لما يسعده في دنياه وآخرته فلان غرو أن يكون من أشرفها` .

و لذا بذلت الجهود و صرفت النفوس من علمائنا الاعلام و فضلائنا الكرام و منذ القديم` لتنقيح اصوله و اسسه و بيان ما يعتمد عليه و ما يحتاج إليه من قريب أو بعيد بل صنف بعض` العلوم كعلم الاصول لاجله , كل ذلك تحريا لدقة استنباط الحكم الشرعي مهما أمكن` .

وقد أثمرت تلك الجهود و المساعي المئات من الكتب الفقهية والرسائل التي صنفت في` مختلف أبواب الفقه` .

و ما بأيدينا من الكتاب يحتوى على عشر رسائل كتبها حجة الاسلام و المسلمين الشيخ محمد حسن` القديرى فى مواضيع متعددة من الفقه و اصوله بشكل استدلالى , و هى صلاة الجماعة` و صلاة الجمعة و التقية و الكلام فى اللباس المشكوك و حديث الرفع و فروع العلم الاجمالي` و رسالة في اعتبار اتفاق الافق في إثبات رؤية الهلال و عدم حجية الخبر الواحد في الموضوعات` و علاج الخبرين المتعارضين والجمع بين أخبار العلاج و أخيرا رسالة في الاجتهاد و التقليد` .

فبارك الله في سعيه وجهده و وفقه و إيانا لنشر تعاليم أهل بيت العصمة سلام الله عليهم أجمعين , و آخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين`

مؤسسة النشر الاسلامي`

الثابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة`


4

بسم الله الرحمن الرحيم`

بعد الحمد و الصلاة , إن من منن الله سبحانه علي أن وفقني لتقدير العلم والفضيلة والاستفادة من الجهابذة و الاساطين في المسائل الفقهية والاصولية , ولا سيما الاستاذ المحقق آية الله العظمى الامام الخميني مدظله العالي . فقرن الله ذلك بالنجاح و عملي بالفلاح حتى صرت مفتخرا بحسن ظنه الشريف و الحمدلله على نعمه وآلائه ` 0

و من نتائج ذلك و بركاته هذا الكتاب المشتمل لعدة رسالات في المسائل المختلفة . أرجو` من الله القبول , و أعتذر من القارى الكريم فان العذر عند كرام الناس مقبول , جعلنا الله ممن يهدي الى الله بعلمه و عمله و تقواه و يعزبه الدين , ثبتنا الله بالقول الثابت في الدنيا` والاخرة إنه هو الموفق و المعين ` 0

محمد حسن قديري`


5
رسالة في صلاة الجماعة
`

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمدلله رب العالمين , و الصلاة على سيدنا محمد و آله الطاهرين , واللعن` على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين` .

الكلام في صلاة الجماعة
`

قال المحقق (( قدس سره )) : الجماعة مستحبة في الفرائض كلها` .

أقول : أما استحباب الجماعة في الجملة فهو من ضروريات الدين , و قال` صاحب الجواهر ـ قدس سره ـ : إن المنكر له داخل في سبل الكافرين , مضافا الى أنه موافق للكتاب والسنة المتواترة , ويدل عليه الاجماع بكلا قسميه , بل لولا` الروايات التي يظهر منها الاستحباب كصحيحة زرارة والفضيل ( 1 ) لكان` المستفاد من سائرها الوجوب كما سيأتي إن شاء الله . والقدر المتيقن من ذلك ` الحواضر اليومية مضافا الى الاخبار الخاصة الواردة في خصوص كل منها , بل قيل إنه المنصرف من الادلة المطلقة . و أما بالنسبة الى قضاء الفوائت فمع` إمكان منع الانصراف و المستفيضة الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه`

( 1 ) الوسائل : ج5 , باب 1 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 2 . `


6
وآله ( 1 ) و بعض الروايات الاخرى يمكن استفادة مشروعية الجماعة فيها مما دل على مشروعيتها في الحواضر , فان المستفاد من أدلة القضاء أن القضاء عين` الاداء بحسب الحقيقة إلا أنها بعد الوقت , فصلاة المغرب قضاء عين صلاة` المغرب أداء بحسب الحقيقة , و إنما الفرق بينهما أن الاداء في الوقت والقضاء` بعده , و لذا يحكم في صلاة القضاء بجميع ما حكم به في صلاة الاداء كأحكام` السهو و النسيان و الشك و غيرها , فما دل على مشروعية الجماعة في الصلوات ـ ولو` قيل بعدم الاطلاق فيه من جهة قضاء الصلوات إلا أنه بعد ضميمة الجهة` المذكورة و هي عينية الاداء و القضاء إليه ـ يدل على مشروعية الجماعة في` القضاء أيضا , هذا مع أنه لا خلاف فيه ظاهرا بل ادعي عليه الاجماع , فلا` مجال للارتياب فيه` .

و أما بالنسبة الى سائر الفرائض فلا كلام ولا إشكال في صلاة الايات` و الاموات للاخبار الخاصة الواردة ( 2 ) فيهما كما أن الامر في صلاة الجمعة و العيدين` موكول الى محلهما لورود الادلة الخاصة فيهما ( 3 ) و اختلاف الاقوال فيهما أيضا , إلا` أن المسلم الذى هو القدر المتيقن من أدلتهما وجوب الجماعة فيهما في الجملة , ` و الكلام في محله` .

بقي الكلام في صلاة الطواف , و لم يرد في مشروعية الجماعة فيها دليل` بالخصوص , فلابد من ملاحظة الادلة العامة فنقول : قد استدل على المشروعية` فيها بامور` :

( منها ) : الاطلاقات الواردة في باب الجماعة مثل قوله عليه السلام في`

( 1 ) الوسائل : ج 3 , باب 61 من أبواب المواقيت , حديث` . 6

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 7 و 12 من أبواب صلاة الكسوف و الايات وج2 باب 6 و 16 و 17 و 19 و 21 و 25 و 27 و 28 و 29 و32 و 33 من أبواب صلاة الجنازة ` .

( 3 ) الوسائل : ج 5 , باب 2 و 5 و 6 من أبواب صلاة الجمعة , و باب 2 من أبواب صلاة العيد` .


7
صحيحة ابن سنان :

الصلاة جماعة تفضل على صلاة الفرد بأربع و عشرين` درجة ( 1 ) . ولا يخفى ما في هذا الاستدلال , فان هذه المطلقات واردة مورد حكم` آخر و لا يمكن التمسك بها فيما ليست في مقام بيانه , و بعبارة اخرى أنها ناظرة` الى بيان أمر في طول التشريع و لا يدل على أصل التشريع إلا بالاستلزام ولا اطلاق لمثل هذه الدلالة , و إن شئت قلت : إن مشروعية الجماعة أمر مفروغ عنها في` هذه الروايات و اخذت مفروض الوجود , و الروايات إنما هي في مقام بيان أمر` مترتب عليها لا في مقام بيان أصلها , عباراتنا شتى . . . الخ` .

( و منها ) : خصوص صحيحة زرارة و الفضيل قالا : قلنا له : الصلاة في` جماعة فريضة هي ؟ فقال الصلوات فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في` الصلوات كلها ولكنه سنة ـ الحديث ( 2 ) . و قد اورد على الاستدلال بهذه` الصحيحة بأن لفظ الصلوات في صدر الرواية لا تدل على مطلق الصلوات , إذ` ليس مطلقها بفريضة قطعا بل المراد الصلوات اليومية بحكم الانصراف , فيدل` ذيل الخبر على كون الجماعة مسنونة فيها لا في كل صلاة واجبة . و بأن ظاهر` الرواية السؤال عن كونها فريضة أو لا مفروغا عن مشروعيتها , فليس في مقام` التشريع ليؤخذ باطلاقه ` .

و أنت خبير بما فيهما , فان دلالة الرواية ليست بالاطلاق حتى يقال` بالانصراف أو عدم كونها في مقام البيان , بل دلالتها بالعموم , فان الصلوات في` (( ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها )) جمع محلى باللام تفيد العموم و` (( كلها )) فيها تاكيد لها , فالنتيجة أن الاجتماع ليس بمفروض في شيء من` الصلوات , و الضمير في (( لكنها )) راجع الى نفس الموضوع في هذه الجملة أى` الاجتماع في عموم الصلوات , فيستفاد من ذلك أن الاجتماع في جميع`

( 1 ) الوسائل : ج5 , باب 1 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج5 , باب 1 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 2


8
الصلوات سنة و منها صلاة الطواف` .

ان قلت : ان الكلية و العموم مناف لوجوب الاجتماع في الجمعة` و العيدين . `

قلت : نلتزم في ذلك بالتخصيص فانه ما من عام إلا و قد خص` .

إن قلت : إن ورود حرف السلب على العموم يفيد سلب العموم لا عموم` السلب , و هذا سور سالبة الجزئية لا الكلية , فعلى هذا نستفيد من الرواية أنه` ليس الاجتماع في جميع الصلوات مفروضا , و بالنتيجة أن الاجتماع في بعضها` مفروض و في بعضها سنة , فلايمكن الاستدلال بها لمشروعية الجماعة في صلاة` الطواف , فان الكبرى موجبة جزئية لا كلية` .

قلت : ( أولا ) يكفي في الاستدلال سلب العموم , فان سلب المفروضية عن` عموم الصلوات و إثبات المسنونية فيما ليس بمفروض مستلزم للمشروعية في عموم` الصلوات كما لا يخفى . ( و ثانيا ) الظاهر من الرواية عموم السلب لا سلب العموم` و ذلك من وجهين` :

1ـ أن السلب وارد على مفروضية الاجتماع و هذا متعلق للظرف و` المظروف عام و (( كلها )) تأكيد له , فلم يرد السلب على العموم . و الحاصل : أن` معنى الرواية سلب مفروضية الاجتماع عن كل الصلوات , و كم فرق بين أن` يقال إنه ليس الاجتماع بمفروض في كل الصلوات و بين أن يقال إنه ليس` كل صلاة جماعة بمفروض` .

2ـ يستفاد من الذيل و هو جملة (( لكنه سنة )) إن السلب بنحو العموم , فان` ظاهر الضمير هو الرجوع الى نفس الموضوع المذكور في الجملة السابقة , و مع كون ` السلب واردا على العموم لا يكون مرجع الضمير مذكورا فيها بخلاف عموم` السلب ,فان المرجع أيضا العموم المذكور , و كيف كان الظهور العرفي للرواية` في العموم غير قابل للانكار , و دعوى الانصراف أو عدم كون الرواية بصدد`


9
البيان مبنية على كون الدلالة بالاطلاق و قد ثبت أنها بالعموم , و أما ما قيل من` أن السؤال عن خصوص صلاة اليومية للانصراف فالجواب أيضا مخصوص بها ,` ممنوع بعد كون الجواب عاما ولا يكون السؤال و المورد مخصصا للعموم , هذا مع` إمكان منع الانصراف و القول بأنه بدوي فلا بأس بالاستدلال بالصحيحة` لمشروعية الجماعة في صلاة الطواف ولا يضر الاضمار فيها كما لا يخفى` .

( ومنها ) : أدلة التسامح في أدلة السنن فان الجماعة مستحبة , فيكفي في` القول بمشروعيتها مجرد بلوغ الثواب عليها` .

و فيه ( أولا ) أنه لم يبلغ الثواب على الجماعة في خصوص صلاة الطواف` حتى بخبر ضعيف , و المفروض أن المطلقات لا تشملها , و الفتاوى خارجة عن` موضوع الروايات كما بين في محله , و نفس احتمال الرجحان و الثواب لا` يصدق عليه البلوغ , فلا موضوع لهذا الاستدلال` .

( وثانيا ) أن الجماعة في الواجبات على تقدير مشروعيتها ليست من الامور` المستحبة كسائر المستحبات بل هي مصداق للواجب و أفضل الفردين منه , فلا` يمكن إثبات مشروعيتها بأدلة التسامح في أدلة السنن` .

( وثالثا ) أنا لو سلمنا دلالة أدلة التسامح على الاستحباب لكن لا نسلم` دلالتها على استحباب الشيء بعنوانه الخاص , بل غايتها الدلالة على` الاستحباب بعنوان أنه شيء بالغ عليه الثواب , و لذا لا يمكن القول بكفاية` الغسل الذي ثبت استحبابه بأدلة التسامح عن الوضوء و لو قيل بالكفاية في` سائر الموارد , فان أدلة التسامح لا تدل على أزيد من استحباب الغسل بعنوان` أنه شيء بالغ عليه الثواب , و أما الاستحباب بعنوان أنه غسل فلا , فليس في` البين غسل استحبابي حتى يقال بكفايته عن الوضوء , و هكذا في المقام أدلة` التسامح لو شملت الجماعة إلا أنها لا يثبت الاستحباب على عنوان صلاة` الجماعة حتى يترتب عليها أحكام الجماعة بل غايتها أنها تثبت الاستحباب على`


10
البالغ عليه الثواب , ولا يتوهم أن انطباق هذا العنوان على الجماعة قهري ,` فالجماعة أيضا مستحبة من جهة تلك الادلة . فان الانطباق لا يوجب` استحباب المنطبق عليه بعنوانه بل المستحب هو العنوان المنطبق و لو كان` الانطباق قهريا ` .

فتحصل من جميع ما ذكرنا أن الاقوى مشروعية الجماعة في صلاة الطواف` أيضا و إن كان الاحتياط في إتيانها فرادى , و ذلك لاستشكال كثير من فقهائنا` فيها , فلاحظ حواشي المسألة الرابعة في العروة , و إن كان المناسب أن تكون` الحواشي على قول الماتن (( في جميع الفرائض )) في أول الجماعة` .

ثم إنه لو بنينا على عدم تمامية الادلة حتى الصحيحة و لم نستكشف` المشروعية عن الادلة الاجتهادية فهل الاصل العملي يقتضي عدم المشروعية أو أن الاصل يقتضي المشروعية ؟ فقد يتوهم أن الامر حينئذ دائربين الاطلاق و التقييد , فان الشك في مشروعية الجماعة لبا يرجع الى الشك في أن الوظيفة` هي مطلق الصلاة و لو جماعة , أو أنها هي الصلاة فرادى فقط , و في مثل هذا` الشك المرجع هو البراءة عن خصوصية الفرادى` .

و قد يورد عليه ( أولا ) بوجود الاصل الموضوعي في المقام و هو أصالة` عدم انعقاد الجماعة و هي حاكمة على الاصل المذكور . ( وثانيا ) بأن أصالة` البراءة عن الفرادى لا تثبت الاثار و الاحكام الخاصة للجماعة , فلا يمكن` إثبات سقوط القراءة بالاقتداء و لزوم المتابعة و اغتفار زيادة الركن و سائر` المختصات للجماعة بأصالة البراءة , بل الاصول الجارية في هذه الاحكام مؤكدة` لكون الصلاة فرادى , فان الاصل في الشك في سقوط القراءة و ضمان الامام` لها أصالة الاشتغال و أصالة عدم ضمان الامام , و في الشك في لزوم المتابعة` أصالة البراءة عنه , و في الشك في اغتفار زيادة الركن أصالة الاشتغال , و كل` هذه الاصول موافق لكون الصلاة فرادى , هذا` .


11

و شيء من الايرادين لايتم , ( أما الاول ) فلان الجماعة كسائر` الموضوعات أمر عرفي , و الشارع إنما أضاف الى ذلك الامر العرفي مجرد الشرائط` و القيود في صحتها , و من الظاهر أن الجماعة العرفية حاصلة و الشك إنما هو في` أن الشارع هل اعتبر في الجماعة شرطا خاصا و هو أن تكون في غير صلاة` الطواف أو لا ؟ أو أنه هل اعتبر في صلاة الطواف مانعا عن صحة الجماعة أو لا ؟ فأصالة عدم تحقق الجماعة لا أصل لها لتحققها بالوجدان , و الشك إنما هو` في الصحة من جهة الشك في شرطية شيء أو مانعية شيء لصحتها و الاصل` فيها البراءة` .

( و أما الثاني ) فيتوجه على ظاهر الاستدلال و هو أصالة البراءة عن` خصوصية الفرادى و أما على واقع الاستدلال فلا , فان المراد من أصالة البراءة` عن خصوصية الفرادى إنما هو أصالة البراءة عن اعتبار خصوصية في الجماعة ,` و المفروض تحقق الجماعة العرفية فيترتب عليها جميع آثار الجماعة . و توهم أصالة` الاشتغال في الفراءة أو وجود دليل اجتهادي في المقام و هو لا صلاة إلابفاتحة` الكتاب ( 1 ) سيجيء الكلام فيه في تأسيس الاصل في الجماعة , هذا تمام` الكلام في الفرائض بالاصل` .

و أما الفرائض بالعرض كالصلوات المنذورة أو المستأجرة أو المأمور بها بأمر ` المولى أو من يجب إطاعته كالوالد بناء على الوجوب فلا تكون الجماعة مشروعة` فيها , اما بناء على عدم وجود إطلاق أو عموم يثبت مشروعية الجماعة مطلقا أو` في كل الصلوات فواضح , لعدم الدليل على المشروعية حينئذ والاصل عدم` المشروعية على النحو الذي ذكرناه . و اما بناء على وجود الاطلاق أو العموم كما` اخترناه فلابد من التماس دليل على التقييد أو التخصيص , و الدليل الروايات`

( 1 ) الوسائل : ج 4 , باب 1 من أبواب القراءة في الصلاة , حديث 1 . `


12
الدالة على أنه لا جماعة في نافلة ( 1 ) و أنها بدعة ( 2 ) على ما سيأتي ان شاء الله` .

نعم قد يقال بأن الحكم في هذه الروايات يدور مدار صفة النفلية و بعد` النذر ينقلب الوصف فيشمل العموم النوافل المنذورة , ولكن البحث في ذلك` يختلف على حسب اختلاف المباني فانه على مبنى السيد الاستاد المحقق` ـ مدظله ـ من (( أن المستفاد من أدلة النذر ليس إلا وجوب الوفاء بالنذر من دون` سراية الحكم الى المنذور , فنذر صلاة الليل مثلا واجب الوفاء مع بقاء صلاة` الليل على استحبابه لان لكل عنوان حكمه ولا يسري أحد هما إلى متعلق` الاخر )) لا يكون الجماعة مشروعة في النوافل المنذورة لبقائها على صفة النفلية` على هذا المبنى` .

و هنا إشكال في المبنى , و هو أن مفاد النذر جعل شيء لله على العهدة فقوله` (( لله علي ان أحج )) جعل الحج لله على عهدته , هذا هو مفاد إنشاء النذر ,` و حينئذ أدلة وجوب الوفاء لو كان متكفلا لايجاب الوفاء تأسيسا على عنوان` الوفاء من دون نظر الى المنذور كما أفاده ـ مدظله ـ يبقى إنشاء النذر بلا تنفيذ من` الشارع , و هذا لا يمكن` .

و بعبارة اخرى : ان الشارع المقدس إما ينفذ النذر الانشائي أولا , فعلى` التنفيذ يكون جعل الوجوب التكليفي التأسيسي للوفاء لغوا , فان العقل` مستقل بلزوم الاتيان بالعمل بعد تنفيذ الشارع جعل الشخص أمرا على عهدته` نظير استقلاله بلزوم الامتثال في التكاليف , فأي فرق بين جعل الشارع الحج` تأسيسا على المكلف كما هو مضمون الاية المباركة ( 3 ) و جعله الحج إمضاء عليه ؟` فكما أن الحكم بلزوم الخروج عن العهدة و الامتثال في الاول عقلي فكذلك في`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان , حديث` . 6

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان , حديث` . 1

( 3 ) آل عمران : 97 `


13
الثاني` .

و أما على عدم التنفيذ فلا يحتمل وجوب الوفاء , أترى أنه يجب الوفاء بنذر` لم يكن نافذا شرعا ؟ فالجعل التأسيسي لوجوب الوفاء لا أقل من أنه خلاف` الظاهر و خلاف المتفاهم العقلائي , بل لعله مستحيل , فتأمل` .

فلم يبق إلا الجعل الارشادي بامضاء النذر و تنفيذه , و معنى ذلك كون` المنذور على عهدة الناذر شرعا , فلو نذر صلاة الليل تكون صلاة الليل على` عهدته شرعا , ولاينافي ذلك تحقق العصيان بترك صلاة الليل , فان العقل` مستقل بتحقق العصيان في ترك الاتيان بما في عهدة المكلف إمضاء , كما أنه` مستقل به في مورد التأسيس , فالعصيان عصيان لترك الاتيان بما في العهدة` و هو المنذور , لا عصيان لمخالفة الامر بالوفاء بالنذر , فانه إرشادي إمضائي لا` يكون مولويا تأسيسيا , هذا على مبنى الاستاد ـ مدظله ـ` .

و أما على المبنى المشهور من كون المنذور على العهدة شرعا فالشبهة` أقوى , و هو أن الخارج من عموم استحباب الجماعة في كل الصلوات هو النافلة` الفعلية , و المفروض أن النذر موجب لانقلاب النفل الى الفرض` .

و قد أجاب المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ عن الشبهة بوجهين : ( أحد هما ) ان` ظهور الروايات في إرادة النافلة من حيث هي الغير المنافية لكونها معروضة` للوجوب من جهات خارجية . ( و ثانيهما ) وقوع التصريح بمناط المنع في الاخبار` و أن علته عدم المشروعية و كونها بدعة دون مبدأ اشتقاقها أي وصف النفلية ,` فلا مفهوم للرواية ليدل على انتفاء الحكم عند انتفاء وصف النفلية لعدم التعليق ` حينئذ على الوصف بل على العلة المذكورة` .

و يمكن الايراد على الوجه الاول بأن ظاهر أخذ وصف في موضوع حكم` ترتب الحكم على فعلية الوصف , فقولك لاجماعة في النافلة ظاهر في نفي` الجماعة في النافلة بالفعل , فكلما صدق عليه النافلة فعلا لا يتحقق فيه`


14
الجماعة , و المفروض أن الصلاة المنذورة واجبة بالفعل فكيف تكون نافلة` بالفعل ` .

و يمكن الايراد على الوجه الثاني بأنا لا نحتاج الى المفهوم في الروايات بل` يكفينا عدم صدق الموضوع و هو النافلة , فلو لم تكن صلاة المنذورة نافلة بالفعل` يشملها عموم صحيحة زرارة و الفضيل , و لا يشمله دليل المخصص لعدم تحقق` موضوعه ` .

و بما ذكرنا يظهر ما في بعض التعبيرات من أن ظاهر الاخبار نفي الجماعة` عن النافلة بالاصل و إن كان واجبا بالعرض , فانه ـ مضافا الى إمكان منع` الظهور لان الظاهر كما مر النفي عن النافلة بالفعل و المفروض أنها ليست بنافلة` بالفعل ـ لا محصل لهذا التنويع بناء على مبنى ترتب الحكم على المنذور لا الوفاء ` بالنذر , فانه كما أن صلاة الليل نافلة بالاصل كذلك صلاة الليل المنذورة` واجبة بالاصل , لان كلا الحكمين مجعولان شرعا حسب الفرض , غاية الامر أن` الاول تأسيسي و الثاني إمضائي , و هذا لا يوجب كون أحد هما أصليا و الاخر` عرضيا , هذا` .

و مع ذلك يمكن أن يقال إنه ليس معنى النفل الاستحباب حتى ينافي` الوجوب النفل فعلا , بل معنى النفل هو الزيادة , ولا ينافي الايجاب مع صدق` الزيادة الفعلية بل النذر في غير الواجبات ليس إلا جعل أمر زائد على العهدة ,` والحاصل أن صلاة الليل لولا النذر أمر زائد على الواجبات و بالنذر يجعلها على` عهدته , و الشارع يمضي هذا الجعل فتصير واجبة , فعلى هذا , الشارع يوجب` بسبب النذر ذلك الامر الزائد فهذا زائد واجب و لا ينافي الزيادة مع الوجوب` بل هما متلائمان في الفرض , فتصدق على صلاة الليل المنذورة النافلة الواجبة` فيشملها دليل المخصص و هو لا جماعة في النافلة . مع أن عدم مشروعية الجماعة` في النافلة المنذورة أيضا لا خلاف فيه بين من قال بعدم المشروعية في غيرها من`


15
سائر النوافل . و بما ذكرنا ظهر الحال في النافلة جماعة الواجبة بالاستيجار أو` بأمر المولى أو كل من يجب إطاعته من المخلوق لصدق النافلة على كل منها و إن` كان واجبا , و أن الزيادة لا ينافي الوجوب بل المنافي للوجوب هو الاستحباب` .

قوله (( قده )) : و لا تجوز في شيء من النوافل . . . الخ` .

أقول : يدل على ذلك بعد الشهرة المحققة و الاجماع المنقول عن غير واحد , عدة` من الروايات ( 1 ) و إن كان في سندها ضعف إلا أن الشهرة جابرة لها , مع أن` فيها صحيحة زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل و فيها قول رسول الله صلى الله` عليه و آله : إن هذه الصلاة نافلة ولن تجتمع للنافلة ( 3 ) .

و هنا عدة روايات صحاح يمكن أن يستدل لها للجواز , كلها واردة مورد` حكم آخر غير جواز الاجتماع في النافلة , فلا إطلاق لها من هذه الجهة , و يكفي` في ذلك وجود نافلة واحدة تجوز الجماعة فيها كصلاة الاستسقاء ـ نعم هنا` صحيحة تدل على الجواز و هي صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن الصادق` عليه السلام قال : صل بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة فاني أفعله ( 4 ) ` 0

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 10 من ابواب نافلة شهر رمضان` .

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان , حديث` . 1

( 3 ) الوسائل : ج 5 , باب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان , حديث` . 6

( 4 ) الوسائل :ج 5 , باب 20 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 13 `


16
ولكنها معارضة لما سبق الواردة في مورد نوافل شهر رمضان , و الترجيح لما سبق` لكثرتها و عمل المشهور عليها و مخالفتها للعامة , بل لو بنينا على عدم الترجيح ` و التساقط فالاصل عدم المشروعية فلا تجوز الجماعة في شيء من النوافل` .

نعم , عن العلامة في التذكرة عن أبي الصلاح أنه روى استحباب الجماعة` في صلاة الغدير , و عن جملة من الاصحاب القول باستحباب الجماعة فيها ,` و استدل عليه بذلك , و ما عن المقنعة من حكاية صلاة النبي صلى الله عليه و آله` يوم الغدير جماعة و الاستدلال بالروايتين إنما يتم على القول بالمسامحة في أدلة` المستحبات و تطبيقها على المقام` .

و لكن صاحب الجواهر ـ قدس سره ـ منع التعويل عليها في المقام , لانها` معارضة بالادلة العامة الدالة على حرمة الجماعة في النافلة` .

و المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ اعترض عليه بأن الحرمة تشريعية لا ذاتية ,` و مع إثبات الجواز بأدلة التسامح ينتفي موضوع التشريع و ذكر بعد ذلك كلاما طويلا` قابلا للمناقشة و الذي يخطر بالبال إن أدلة التسامح انما تثبت الاستحباب ` لعنوان البالغ عليه الثواب المأتي به رجاء لذلك الثواب , و هذا في الطرف ` المقابل للتشريع , فالتشريع لا ينافي ما ثبت الاستحباب فيه بدليل التسامح لانه ` إسنادي و الثاني رجائي , ولكن مع ذلك لا يثبت استحباب الجماعة في صلاة` الغدير لعدم دلالة أدلة التسامح على حجية الخبر الضعيف ولا على إثبات` مضمونه , بل ولا بجواز العمل بالخبر بما هو خبر , بل الخبر منقح لموضوع أدلة` التسامح و بما أنه يصدق بذلك بلوغ الثواب , فلو عمل المكلف بذلك العمل` البالغ عليه الثواب رجاء لذلك الثواب فقد عمل أمرا محبوبا و مستحبا , لا أن` الصلاة بما هي أو الجماعة أمر مستحب , فلو أراد الاتيان بصلاة الغدير` لابد له من إتيانها فرادى , و أما الجماعة فيها فليس استحبابها ثابتة بل الثابت` استحباب العمل البالغ عليه الثواب بما هو كذلك` .


17

هذا , لو لم نقل بعدم الاستحباب حتى بهذا العنوان و إلا فالامر أوضح , و أيضا لو لم نقل باستفادة الحرمة الذاتية من أدلة النهي عن الجماعة في النافلة ,` وإلا فلا مجال لادلة التسامح أصلا , فان موضوعها بلوغ الثواب المنافي لثبوت` العقاب بحجة معتبرة بنظر العرف و إن كان بالدقة يصدق بلوغ الثواب , لكن` العرف يفهم من ذلك صورة لم تقم حجة معتبرة على العقاب فيها . فلا موضوع` لما توهم من التعارض بين أدلة التسامح و أدلة الناهية , فلابد من ترجيح الادلة` الناهية أو التساقط و الرجوع الى أصالة عدم المشروعية` .

تنبيه
`

استثني من الحكم المذكور في النافلة عدة موارد كصلاة الاستسقاء` و العيدين , عند عدم اجتماع الشرائط و صلاة المعادة , و البحث في كل منها موكول` الى محله , و يأتي الكلام في بعض منها` .

قوله (( قده )) : و تدرك الصلاة جماعة بادراك الركوع و بادراك` الامام راكعا ` .

أقول : وجهه عدة من الروايات و فيها الصحاح كصحيحة الحلبي عن أبي` عبدالله عليه السلام أنه قال : اذا أدركت الامام وقد ركع فكبرت و ركعت قبل` أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة و إن رفع الامام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك` الركعة` . ( 1 )

و بازاء هذه الروايات عدة من الروايات كروايات محمد بن مسلم التي` فيها : اذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة ( 2 ) . و بعض`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 45 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 44 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 1


18
منها بلسان : لا تدخل معهم في تلك الركعة ( 1 ) . أو : لا تعتد بالركعة ` ( 2 ) . . . الخ في مورد عدم درك تكبيرة الركوع` .

و قد يقال في الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة , و نوقش في` هذا الجمع بأنه لا معنى للحمل على الكراهة , فان الكراهة الذاتية لا يمكن في` العبادة , و الكراهة بمعنى أقل الثواب لا يمكن في الجماعة التي لا تشرع إلا إذا` كانت أكثر ثوابا من الفرادى , و أقل ثوابا من الجماعة الاخرى بعيد عن مفاد` الروايات , و لذلك يعامل مع الطائفتين معاملة المعارضة , و الترجيح للاولى` لموافقتها مع المشهور` .

ولكن يمكن الجواب عن المناقشة بأن الجماعة في تمام الصلاة و إن كانت` اكثر ثوابا من الفرادى إلا أن مشروعية الجماعة في كل ركعة غير مستلزمة لكون` هذه الركعة أكثر ثوابا من الركعة المأتي بها فرادى , ولا نرى أي مانع من تجويز` الشارع جماعة تكون الركعة الاولى منها أقل ثوابا من الفرادى و سائر ركعاتها أكثر ` ثوابا منها , فلو اقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هذا الحمل نلتزم به , فالصلاة` المشتملة على ثلاث ركعات جماعة و ركعة فرادى بعدها افضل من الصلاة` المشتملة على أربع ركعات جماعة بحيث لم يدرك فيها تكبير الركوع في الركعة` الاولى . نعم , يبقى الاشكال فيما اذا لم يدرك المأموم إلا الركعة الاخيرة من` الامام و لم يدرك تكبير ركوعها . ولكن يمكن الالتزام بمامر و القول بأنه لا مانع ` من جواز الاقتداء في هذه الركعة و كونها أقل ثوابا من الفرادى , ولا دليل على` الملازمة بين مشروعية الجماعة و أكثرية الثواب عن الفرادى في ابعاض الصلاة` .

و كيف كان فالعمل على طبق المشهور , و توهم اختصاص الصحاح بما`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 44 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 2 و` . 4

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 44 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 3


19
اذا لم يكن المأموم حاضرا قبل ركوع الامام , و إدراكه الامام راكعا مدفوع بأن ظاهر` الدرك في الروايات و إن كان ذلك بقرينة التفريع في (( فكبرت )) إلا أنه لا` قائل بالفرق و الفصل , مع أنه يمكن استفادة الاطلاق من بعض الروايات` كقوله عليه السلام في حديث محمد بن قيس : إن أول صلاة أحدكم` الركوع ( 1 ) . و ضعف السند منجبر بعمل المشهور` .

و هنا رواية الاحتجاج التي نقلت في عدم اعتبار درك التكبيرة بل اذا لحق` مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة و إن لم يسمع` تكبيرة الركوع ( 2 ) . و ضعفها منجبر بالعمل , و هذه الرواية تؤيد و تؤكد العمل` بالصحاح و رفع اليد عما يعارضها أو حملها على الكراهة , و بما أنها في مقام بيان` عدم اعتبار سماع التكبيرة لا في مقام اعتبار سماع التسبيحة و يحتمل أن ذكر` التسبيحة في الرواية من جهة إحراز درك المأموم ركوع الامام لايمكن` الاستدلال بالرواية لاعتبار درك التسبيحة` .

و ينبغي التنبيه على امور` :

الاول : أنه لا يبعد كفاية درك الامام راكعا و لو بعد شروعه في القيام ما لم` يصل الى حد لا يصدق عليه الركوع لصدق ركوع المأموم قبل رفع الامام رأسه` وصدق ركوع المأموم و الامام راكع كما في الروايات ( 3 ) و لذا لو شرع في الرفع ثم` استقر قليلا يجوز الالتحاق به قطعا` .

الثاني : لو كبر و ركع ثم شك في أن الامام هل كان راكعا أو رافعا رأسه` . فلو كان الشك بعد الفراغ لا يعتني به , و لو كان قبل ذلك فذكر جماعة منهم` المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ أنه لا يمكن إحراز إدراك المأموم الامام راكعا`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 45 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 6

( 2 ) الاحتجاج : ج 2 , ص 488 , ط بيروت` .

( 3 ) الوسائل : ج 5 , باب 45 , من أبواب صلاة الجماعة` .


20
بالاصول , بل الاصل عدم الادراك . و قال بعض بمعارضة أصالة عدم رفع الامام` رأسه عن الركوع مع أصالة عدم لحوق المأموم بركوع الامام . و فصل بعض بأنه إن` كان الاقتران من الاعتباريات المحضة التي ليس لها خارج أصلا بل أنه منتزع` من ركوع المأموم في زمان ركوع الامام فيمكن إجراء الاصول على التفصيل بين` مجهولي التاريخ و العلم بتاريخ أحدهما دون الاخر , و إن كان للاقتران نحو` خارجية لا يمكن إحرازه بالاستصحاب , هذا . و كل ذلك لايرتبط بما اخذ` موضوعا في الروايات , فان الادراك الواقع في الرواية هو الادراك قبل تكبير` المأموم لادرك الركوع بعد التكبير و الموضوع المستفاد من بعض الروايات` : كبر ثم ركع قبل أن يرفع الامام رأسه` . ( 1 )

و من المعلوم عدم اعتبار عنوان القبلية موضوعا بحيث يلزم إحراز أن ركوع` المأموم قبل رفع رأس الامام , و لم يقل بذلك أحد , بل هذا العنوان اخذ للاشارة ` إلى بقاء الامام في الركوع حال ركوع المأموم و هذا يجرى فيه الاصول . نعم يمكن ` أن يقال إن العنوان مشير لعنوان الدرك , ولكن لا يخفى أنه خلاف المتفاهم` العرفي من جملة (( قبل رفع رأس الامام )) بل بعد ما علمنا من عدم دخل هذا` العنوان في الموضوعية بل هذا عنوان مشير يفهم العرف ما ذكرنا , بل ليس` كلمة (( قبل )) مذكورا في بعض الروايات كرواية زيد الشحام أنه سأل` أبا عبدالله عليه السلام عن رجل انتهى في الامام و هو راكع , قال : إذا كبر و أقام` صلبه ثم ركع فقد أدرك ( 2 ) . و رواية معاوية بن ميسرة عن أبي عبدالله` عليه السلام أنه قال : اذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة` لدخوله في الصلاة والركوع ( 3 ) ` .

( 1 ) الوسائل . ج 5 , باب 45 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 1

( 2 ) و ( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 45 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 3 و 4 . `


21

فعلى هذه الروايات الموضوع كون الامام راكعا في حال ركوع المأموم , و هذا` قابل لان يحرز بالاصل , فالاصول تقتضي بقاء الامام راكعا حال ركوع المأموم` في مورد الابتلاء نوعا و هو مورد العلم بتاريخ ركوع المأموم و الجهل بتاريخ رفع` رأس الامام , و سائر الصور خارج عن محل ابتلاء النوع , مع أن عدم جريان` الاستصحاب في معلوم التاريخ بالنسبة الى الحادث الاخر ليس مسلما` .

نعم , يمكن أن يستدل بدليل اجتهادي للزوم إحراز بقاء الامام في الركوع` إحرازا علميا أو بامارة , و هو رواية الاحتجاج لاعتبار اللحوق بتسبيحة في` الاعتداد بالركعة و اللحوق بالتسبيحة و إن لم يعتبر شرطا في درك الركعة , إلا` أن اعتبارها في الرواية من جهة لزوم إحراز درك الركوع يقينا أو بامارة , و إلا ` فلو أمكن إحراز ذلك بالاصول لم يكن وجه لاعتبار التسبيحة بل ذكرها كان` من اللغو , هذا . ولكن سند الرواية ضعيف ولم يعلم استناد المشهور الى هذه` الرواية حتى يجبر ضعفها بالعمل , مع أن ظاهرها اعتبار درك التسبيحة في` الاعتداد بالركعة , و لم يعمل بهذا الظاهر قطعا , و إرادة غير هذا الظاهر بحيث ` تحمل الرواية عليها موقوفة على جبر سندها , و بعبارة أوضح أن ظاهرها غير` معمول به , فأي دليل يدلنا على أن المشهور عملوا بهذه الرواية حتى نصرفها عن` ظاهرها , و نحملها على أن ذكر التسبيحة لاعتبار إحراز الركعة , مع أنه لو علمنا` باستناد المشهور إليها فمع ذلك لا يمكننا الجزم بما ذكر من الحمل لعدم قيام قرينة` عليه , بل على هذا لابد من رد علمها الى أهلها` .

ثم إنه على ما ذكرنا من إمكان إحراز موضوع جواز الاقتداء بالاصل لا فرق` بين كون الشك قبل الشروع و بعده , و اذا انكشف الخلاف تبطل الجماعة ,` ولكن صحت صلاته لقاعدة (( لاتعاد` . ((

و أما على مبنى لزوم إحراز الدرك فلو شك في الدرك و هو في الركوع أو` علم بعدمه في تلك الحالة فالجماعة محكومة بالبطلان لاصالة عدم الدرك`


22
و صلاته صحيحة لقاعدة (( لا تعاد` . ((

و أما لو شك قبل الشروع فهل يجوز له الدخول في الصلاة رجاء لادراك` الركوع و يترك القراءة لذلك أولا ؟ و لو ركع كذلك و بقي في الشك أو علم` بعدم الادراك فهل يحكم بصحة صلاته أو لا ؟ و أن حكم ببطلان جماعته محل` تأمل , و إن كان حسب القاعدة عدم جواز الركوع بلاقراءة و بطلان الصلاة في` الفرضين لعدم شمول (( لا تعاد )) لمورد ترك الجزء بلا عذر` .

و قد ادعى بعض السادة ـ قدس سره ـ ظهور النصوص و قيام السيرة على` جواز الاقتداء في مورد الشك , و لذا يحكم بصحة الصلاة في مورد كشف` الخلاف لان ترك القراءة عذري . ولكن عهدة الدعوى على مدعيها و لم نستفد` من النصوص ذلك , و قيام السيرة في مورد الشك و إحراز أنها متصلة الى زمان` المعصوم عليه السلام و لم يردع عنها ممنوع , فلو كان الموضوع لجواز الاقتداء درك` الركوع لا يجوز الاقتداء و الالتحاق إلا اذا علم بأنه يدرك الركوع . و لو اقتدى و لم` يدرك أو بقي في شكه عصى و بطلت صلاته فضلا عن جماعته` .

نعم , لو اقتدى برجاء درك الركوع و ركع و انكشف الادراك يحكم` بصحة جماعته و صلاته و أن كان متجريا بترك القراءة , و توهم لزوم الجزم في` النية ممنوع بأنه لم يظهر من الادلة إلالزوم التكبير بنية الجماعة و إدراك الركوع ,` و رجاء الادراك كاف في التكبير بنية الجماعة , و المفروض أنه أدرك الركوع` واقعا فلا موجب لبطلان الجماعة , و اعتبار الجزم زائدا على ما ذكر ممنوع` .

الثالث : ما مر من الروايات تدل على أن حد إدراك الركعة في الجماعة هو` إدراك ركوع الامام قبل الشروع في رفع رأسه لا أنه لابد من إدراك المأموم` ركوع الامام , و إلا لم تحسب له ركعة , فلو دخل في الجماعة من أول الركعة أو` أثنائها و اتفق أنه تأخر عن الامام فلا تدل هذه الروايات على البطلان فيها ,` فاستصحاب بقاء القدوة لا مانع منه , مع أن صحيح ابن الحجاج الوارد في`


23
صلاة الجمعة ( 1 ) يدل على ذلك , و يدل على غيره ( 2 ) أيضا . و مورد الرواية و إن` كان هو الضرورة إلا أنها تدل على الانعقاد فيستصحب , مضافا الى أنه يمكن إلقاء` خصوصية الضرورة عن المورد بدعوى أن العرف يفهم من ذلك عدم اشتراط` درك الركوع في صحة الجماعة مطلقا لا في خصوص مورد الضرورة , و خصوصية` الضرورة إنما هى في الاحكام التكليفية لا الوضعية` .

الرابع : ما ذكر إنما هو في ابتداء الجماعة لا بالنسبة الى الركعات الاخر , فان ` الظاهر من الروايات ( 3 ) بل صريح بعضها أن شروع الائتمام لا يتحقق إلا` بدرك الركوع اذا لم يقتد بالامام حتى ركع ولا يستفاد منها , ان بقاء القدوة` و الائتمام مشروط بدرك ركوع سائر الركعات , بل لا يستفاد منها شرطية درك` شيء من الركعة في بقاء القدوة , والاصل بقاء القدوة ما لم يكن التأخير بحيث` لايصدق الائتمام على ذلك عرفا . و بالجملة لو فرضنا أن المأموم تأخر عن الامام` و لم يدرك ركوع الركعة الثانية - مثلا - فلا يصر بصحة جماعته , بل لو كان التأخير ` بمقدار لم يدرك ركعة من ركعات صلاة الامام لاينافيه بقاء القدوة , و ما يرى في` عبارات القوم من الحكم ببطلان الجماعة حينئذ لعدم إدراك الركعة مبني على ` منافاة القدوة مع عدم درك الركعة , و هذا ممنوع , فالمأموم حينئذ يأتي بما تأخر` عن الامام و يلحق به في سائر الركعات و الافعال , فلو تأخر عن الامام في` الركعة الثانية يأتي بها و يقرأ فيها لعدم درك الامام فيها حتى يكون الامام ضامنا` لقراءتها و يلحق بالامام , هذا على حسب القاعدة , ولكن حكي عن` الاصحاب أنه يظهر من كلماتهم في صلاة الجمعة المفروغية عن عدم الفرق بين` الركعة الاولى و الثانية , فلو تم إجماع و إلا فالقاعدة تقتضي ما ذكريا , و طريق `

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها , حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 17 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها , حديث 3 و 4 .

( 3 ) الوسائل , ج 5 , باب 45 من ابواب صلاة الجماعة` .


24
الاحتياط معلوم` .

الخامس : ما ذكرنا من اعتبار درك ركوع الامام إنما هو بالنسبة الى الركعة` لا أصل الجماعة , فلو كبر و لم يدرك ركوع هذه الركعة لم يدرك الركعة ولكن` انعقد صلاته جماعة بالتكبيرة فمع عدم عروض مبطل للصلاة أو للجماعة` كركوعه بعد التكبير أو تأخيره عن الامام تأخيرا فاحشا مخلا بصدق الائتمام` تصح صلاته جماعة بانتظاره حتى يقوم الامام للركعة المتأخرة فيتابعه حينئذ` و يأتي بوظيفته` .

و الحاصل : أن في هذه المسألة و هي أنه لو كبر المأموم فرفع الامام رأسه` قبل أن يركع صحت الجماعة على القاعدة , ولا دليل على عدم انعقادها أصلا` بل الدليل قائم على عدم إدراك الركعة , فلو انتظر المأموم حتى أتى الامام` بالسجدتين وسائر وظيفته في هذه الركعة يتابعه بعد قيامه في الركعة المتأخرة` و صحت جماعته , و حكم قصد انفراد المأموم حكم سائر الموارد , و يجيء الكلام` فيه إن شاء الله` .

نعم لو كان تأخيره عن الامام تأخيرا فاحشا , مخلا بصدق الائتمام تكون` صلاته فرادى بانقلاب جماعته الى فرادى لا لكون صلاته فرادى من أول الامر` كما توهم من جهة عدم درك المأموم صلاة الامام أبدا , و ذلك لان المفروض` وقوع التكبير بقصد الجماعة و هي من أجزاء الصلاة و لا دليل على عدم وقوعها` جماعة , فالتوهم باطل . و قد ظهر أن ما ذكر من التخيير بين قصد الانفراد` و الانتظار مبني على القول بمشروعية قصد الانفراد , و بما ذكرنا ظهر أن المسألة` غير محتاجة الى النصوص حتى يتمسك لها ينصوص بعضها أجنبية عنها فلاحظ` كلام بعض السادة ـ قدس سره ـ في شرح العروة` .

نعم هذا مبني على وجود إطلاق يمكن التمسك به لاثبات مشروعية` الجماعة في موارد الشك في شرطية شيء لها أو مافعيته لها , كما أنه ليس ببعيد`


25
على ما ياتي إن شاء الله , و الا فأصالة عدم المشروعية على النحو الذي مربيانها ` في مسألة مشروعية الجماعة في الطواف تثبت عدم انعقاد الجماعة إلا في المورد ` المتيقن انعقادها , ففي المسألة نحتاج الى ملاحظة النصوص , و يكفي فيها موثق ` عمار , عن رجل أدرك الامام و هو جالس بعد الركعتين , قال عليه السلام` : يفتح الصلاة ولا يقعد مع الامام حتى يقوم ( 1 ) . . و هذه الرواية تدلنا على عدم` لزوم صبر المأموم لوصول الامام الى القيام حتى يكبر بل يصح الاقتداء و لو في غير` حالة القيام و الركوع لكن على المأموم الصبر حتى يصل الامام الى القيام ليتابعه ,` فهذه الموثقة يعلم انعقاد الجماعة , فالانفراد بقصد الانفراد مبني على ما يأتي` من المسألة الكلية . و قد ظهر انعقاد الجماعة بذلك سواء قلنا بالقاعدة أو` بالرواية , فما في كلام بعض السادة من أنه لا ينبغي الاشكال في جواز الانفراد` هنا , ولو قيل بعدم جوازه اختيارا لعدم انعقاد الجماعة فيكون منفردا من أول` الامر لا يمكن المساعدة عليه بوجه , كما أن ما جعله من الروايات معارضا` للموثقة لا يصلح للمعارضة لعدم دلالة مثل (( اذا سبقك الامام بركعة فأدركته` و قد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها )) ( 2 ) على أن السجدة بعد التكبيرة , ولا` دلالة للنهي عن الاعتداد على أنه بصدد اغتفار الركن الزائد فيكون بعد التكبير` لاحتمال أن النهي إنما هو عن احتساب ذلك من الصلاة , و هذا إن لم يكن` دالا على لزوم الاتيان بالتكبيرة بعد ذلك لايدل على تقديم التكبيرة , مع أنه لو` تمت المعارضة فلا تضر بما نحن بصدده و هو جواز الاقتداء في هذه الحالة كما لا` يخفى , و قال ـ قدس سره ـ في الجمع بينهما بالحمل على التخيير , مع أن الاولى تنهى` عن اللحوق بالامام و الثانية تأمر به . وليس هنا أمر بشيئين حتى يجمع بينهما`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 49 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 4

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 49 من ابواب صلاة الجماعة , حديث` . 2


26
بالحمل على الواجب التخييري , مع أن مورد الاولى اتمام الامام الركعتين ,` و مورد الثانية أن المأموم يمكنه الوصول الى سجدة الامام فلا معارضة لاختلاف` موردهما , و الصحيح ما ذكرنا من أن هذه الروايات لو لم تدل على لزوم الاتيان` بالتكبير بعد ذلك لا تدل على تقديمه فلا تعارض الموثقة الدالة على جواز` الاقتداء , ولو كبر لا يقعد حتى يقوم` .

قوله (( قده )) : ولا تصح مع حائل بين الامام و المأموم يمنع المشاهدة` .

أقول : صار بناؤهم على تحقيق الاصل في المسألة قبل ملاحظة الرواية` الواردة في الباب , و حيث إن تحقيق ذلك نافع جدا في هذه المسألة و كثير من` مسائل صلاة الجماعة فنحن أيضا نقتفي أثرهم و نقول : قد يقال إنه لا إطلاق في` أدلة تشريع الجماعة في مقام البيان حتى نتمسك به في الموارد المشكوكة , والامر` كذلك , فان الادلة المرغبة لصلاة الجماعة كلها واردة في طول التشريع` و بيان تواب الجماعة , و ما ورد في مقام التشريع كصحيحة زرارة و الفضيل لا` إطلاق لها بالنسبة الى حالات الصلاة بل ناظرة الى عموم أنواع الصلوات ,` فليس لنا إطلاق في الادلة . ولكن هذا إنما يصير مانعا من التمسك بالاطلاق` اللفظي في هذه الروايات , و أما الاطلاق المقامي الذي لا يتوقف على وجود` لفظ أصلا فلا بأس بجريانه في المقام` .

بيان ذلك : أن المجعولات الشرعية كالصلاة المركبة من الاجزاء المقيدة` بقيود لا يمكن معرفتها الا ببيان الشارع , و حيث إنا نعلم بأن الشارع المقدس في` مقام بيان أحكامه و تشريعاته و لو ببيانات منفصلة بعضها عن بعض فلو فحصنا` عن وجود جزء ما أو قيد ما لماهية مخترعة و لم نظفر عليه يمكننا جريان أصالة` الاطلاق في مقام الاثبات , و نستكشف منه الاطلاق في مقام الثبوت بعين` جريان أصالة الاطلاق في الاطلاقات اللفظية` .


27

و بعبارة اخرى : أن مقدمات جري الاصل في الاطلاقات اللفظية كلها` موجودة في الاطلاق المقامي فانه بعد ما علم من الشارع أنه في مقام بيان` تشريعاته و منها الاجزاء و الشرائط التي اعتبرها في الصلاة مثلا فلو فحصنا عن` مظان بيانها و لم نظفر عليه نقول بأن الاجزاء و الشرائط الكذائية معتبرة في` الصلاة لوجود البيان فيها , و الجزء أو الشرط المشكوك لم يبين في دليل و حيث` إن الشارع في مقام بيان جميع تشريعاته , فلو كان ذلك المشكوك معتبرا في` الواجب لبينها و حيث ليس فليس , و هذا هو ما عبر عنه في الكلمات بأنه لو` كان لبان , أو عدم الدليل دليل العدم , ولا يخفى أنه ليس دليلا مفيدا للقطع` بعدم دخالة المشكوك فى الواجب إلا في بعض الموارد و هي موارد عموم البلوى` لكنه حجة عقلائية بعين ملاك حجية الاطلاقات اللفظية و نسميه بالاطلاق` المقامي , ففي ما نحن فيه حيث إنا نعلم بأن القيود المعتبرة في الجماعة تشريعها` بيد الشارع و أنه في مقام بيان جميع تشريعاته , فلو فحصنا عن وجود دليل على` اعتبار شيء في صلاة الجماعة و لم نظفر عليه نستكشف عدم اعتبار ذلك فيها ,` فانه لو كان لبين بلا فرق بين ما تعم به البلوى من القيود و غيره` .

و من هنا ظهر أن تفصيل بعض المشايخ ـ قدس سره ـ بين ما تعم بين البلوى` و غير لا يتم , ولا يتم أيضا تفصيله بين قيد لم يبين في دليل قطعا و بين قيد` يحتمل بيانه في دليل معلوم و لم نتمكن استظهاره منه كاعتبار عدم الحائل` المستفاد من صحيحة زرارة , بناء على أنه يستظهر منها اعتباره في الجملة , و أما ` مطلقا فلا يمكن استظهاره منها ولكن يحتمل أن الشارع بين الاعتبار مطلقا بهذه` الصحيحة , و بعبارة اخرى بتقريب منا فرق بين الاطلاق اللفظي و المقامي من` هذه الجهة و هي أنه يتمسك بالاطلاق اللفظي حتى يعلم البيان و لا يتمسك` بالاطلاق المقامي إلا إذا علم عدم البيان` .

ولكن لا يخفى وجه عدم تمامية ذلك فانه كما نعلم بأن الشارع في مقام`


28
بيان جميع تشريعاته نعلم بأنه لا يبين ذلك ببيان مجمل و لا يحتمل أن الشارع` المقدس الذي يريد بيان ما شرعه يكتفي في بيانه بالمجملات بل المجمل ليس` ببيان , فلا فرق بين الاطلاقين من هذه الجهة لا يرفع اليد عن الاطلاق لفظيا` أو مقاميا إلا إذا بين التقييد ببيان ظاهر . و إن شئت قلت : إن الاطلاق حجة` ما لم يكن حجة على التقييد بلا فرق بين اللفظي و المقامي` .

فتحصل من ذلك أنه و إن لا يمكن التمسك باطلاق لفظي في صلاة` الجماعة لرفع الشك في اعتبار قيد ما فيها إلا أن الاطلاق المقامي رافع للشك` و مثبت لعدم اعتباره فيها , فعلى هذا لا تصل النوبة الى الاصول العملية لان` الاطلاق و لو مقاميا من الادلة الاجتهادية الرافعة للشك فهو حاكم على جميع` الاصول العملية , ولكن حيث إن الاصحاب ذكروا الاصول العملية` و تمسكوا بها في المقام نتعرض لها أيضا , و نقول` :

قد يقال : إن الاصل عدم مشروعية الجماعة في مورد الشك و قد بينا` سابقا ما يكون وجها صحيحا لهذا الاصل في صلاة الطواف جماعة , ورد بأن` أصالة عدم اعتبار المشكوك حاكمة على ذلك` .

و أجاب بعض السادة ـ قدس سره ـ عن هذا الرد بأن أصالة عدم الشرطية` لاتثبت انعقاد الجماعة إلا مثبتا , فان القدوة و الجماعة محصل من الفعل` الخارجي الواجد لجميع الشرائط نظير ما يقال في موارد الشك في اعتبار شيء` في الوضوء على القول بأن الشرط في الصلاة الطهارة المسببة عن الوضوء بجميع` شرائطه . وقال صاحب الجواهر ـ قدس سره ـ : إن أصالة عدم الشرطية معارضة` لاصالة عدم تحقق القدوة` .

و شيء من الجوابين لا يتم , فانه على القول بأن الجماعة أمر عرفي` و الشارع إنما يضيف اليها جزء أو شرطا لا أن حقيقتها أمر مخترع شرعي` فالمفروض أن الجماعة العرفية حاصلة و الشك إنما هو في اعتبار الشارع امرا`


29
زائدا على ما يعتبره العرف فيها , فأصالة عدم تحقق الجماعة لا أصل لها حتى` تعارض أصالة عدم الشرطية , ولا تكون من الاثار العقلية لاصالة عدم الشرطية` حتى تكون مثبتا , و أما على القول بأن الجماعة حقيقة شرعية فكون الشك` حينئذ من الشك في المحصل لا محصل له , مع ان المحصل الشرعي وظيفة بيانه` على الشارع , فمع عدم البيان تجري البراءة في ما شك في اعتباره في المحصل على` ما هو التحقيق في المسألة , فلا فرق في جريان أصالة عدم الشرطية بين كون الشك في المحصل و بين غيره , و لا يخفى أنا لانريد من أصالة عدم الشرطية` الاستصحاب لعدم جريانه , فان المجعول إما مشروط من الاول أو غير مشروط من` الاول , بل المراد منها أصالة البراءة عقلا ـ على القول به ـ و شرعا` .

و أما أصالة عدم انعقاد الجماعة , فلو كان المراد منها الاستصحاب لا` يجري و لان عدم الجماعة قبل الاقتداء و الصلاة يصدق بالسلب و لو بانتفاء` الموضوع , و عدم الجماعة بعد الاقتداء إنما هو في الموضوع الموجود , و الاشكال` الوارد على الاستصحاب في الاعدام الازلية وارد هنا أيضا و هو عدم اتحاد` القضية المتيقنة و المشكوكة . و لو كان المراد منها قاعدة الاشتغال فقد مر أن المورد` مجرى أصالة و البراءة و لو كان من قبيل الشك في المحصل` .

و قد أجاب بعض المشايخ ـ قدس سره ـ عن الرد المذكور بأن أصالة عدم` الشرطية أصل عملي و لا مجال لجريانها مع وجود دليل اجتهادي في البين , و هنا` دليل اجتهادي أي (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )) ( 1 ) و هو مثبت للشرطية` بالدلالة الالتزامية . و تقريب ذلك أن هذا العموم قد خصص بالجماعة` الواقعية , و مع الشك في الشرطية نشك فى تحقق الجماعة و الشبهة مفهومية ,` و المرجع فيها العموم فلابد من قراءة المأموم الفاتحة في صلاته , و هذا معنى عدم`

( 1 ) الوسائل : ج 4 , باب 1 من أبواب القراءة في الصلاة , حديث` . 1


30
ترتيب آثار الجماعة إلا مع احراز جميع الشرائط المتيقنة و المشكوكة , ثم قال : إنه` يمكن أن يقال بأن في صلاة الجماعة عهدة القراءة على الامام فليس تخصيص` في العام المذكور فان في الجماعة أيضا فاتحة الكتاب , غاية الامر الامام يأتي` بها فلا يكون هنا عام مخصص بتخصيص مجمل بالشبهة المفهومية حتى يرجع` إليه , فلا مانع من جريان أصالة عدم الشرطية و فصل حينئذ بين البراءة` الشرعية و العقلية , فراجع كلامه أعلى الله مقامه` .

و ما أفاده أخيرا من عدم التخصيص متين جدا فان أدلة ضمان الامام` القراءة حاكمة على عموم (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )) بالحكومة التفسيرية لا` أنها مخصصة لها , فعليه تجري أصالة البراءة بلا مانع , مضافا الى أنه على هذا` المبنى الشك في صحة الجماعة مستلزم للشك في واجدية الصلاة للقراءة و هذا` من الشبهة المصداقية لا المفهومية , و أما التفصيل بين البراءة الشرعية و العقلية` على القول بها قد مر عدم تماميته , فان اللازم على المكلف تحصيل الحجة` و المؤمن , و تكفي في ذلك البراءة العقلية كما تكفي فيه البراءة الشرعية` .

هذا ـ مع أنا لو بنينا على التخصيص ـ فقد مر أن الشبهة في المخصص ترتفع` بالاطلاق المقامي , و مع التنزل فلو قلنا بأن الجماعة حقيقة عرفية أضاف إليها` الشارع امورا اعتبرها في مطلوبه فلا شبهة في مفهوم الجماعة فنتمسك باطلاق` دليل المخصص حتى يدل على اعتبار ذلك الامر دليل , إلا أن يقال بأن القرينة` العقلية قائمة على أن المخصص الجماعة الصحيحة و عليه تتعلق الشبهة بالمفهوم ,` كما إذا قلنا بأن الجماعة حقيقة مخترعة شرعية , و حينئذ لابد من التمسك بالعموم` حتى يثبت التخصيص` .

و يرد عليه أنه و لو قلنا بالتخصيص بالصحيح لكن المخصص واقع` الصحيح لا مفهومه فذات الجماعة المنطبق عليه مفهوم الصحيح خارجة عن` الدليل , و حينئذ يمكن إحراز المخصص بالاصل بلا محذور , هذا` .


31

و هنا إشكال آخر غير مبني على الالتزام بالتخصيص و هو أن اشتغال` المأموم بالقراءة مسلم غاية الامر قراءة الامام مسقطة له , فاذا شك في تحقق` الجماعة قاعدة الاشتغال تقتضي الاتيان بالقراءة و هكذا الكلام في الركن` الزائد المغتفر في الجماعة , و أصالة البراءه عن وجوب المتعابعة أيضا جارية ,` فالاصول الجارية في خصوصيات المقام كلها موافقة لكون الصلاة فرادى , و قد` مر هذا الاشكال في مسألة الجماعة في صلاة الطواف و قلنا في دفعه بأن أصالة` عدم الشرطية في الجزء المشكوك أو القيد المشكوك حاكمة على جميع هذه` الاصول لانها جارية في موضوعها بلا فرق بين ما إذا قلنا بأن الجماعة أمر عرفي` أو قلنا بانها أمر شرعي , أما على الاول فالمفروض تحقق الجماعة و القيد` المشكوك مندفع بالاصل فيحرز موضوع دليل السقوط , و أما على الثاني فلان` شرعية الجماعة لا تنافي إجراء الاصول في مورد الشك بلا فرق بين كون الشك` في المحصل أو المحصل , فاذا قال الشارع بأن الامام ضامن للقراءة في الجماعة` ـ و المفروض أن عهدة بيان الجماعة على الشارع ـ فاذا جرى الاصل في قيد ما` فيها و احرز سائر قيودها المعتبرة تترتب على ذلك آثار الجماعة و إلا لزمت` المؤاخذة بلابيان` .

و الحاصل : أن الاصول الجارية في المسقط الموجبة للكتفاء به كافية` للحكم بالسقوط و حاكمة على أصالة عدم السقوط . و كيف كان يكفينا` الاطلاق المقامي مع أنه لا تخصيص في المقام , و مع قطع النظر عن الاطلاق` المقامي أصالة البراءة شرعا و عقلا ـ على القول بها ـ بلا مانع , هذا بيان الاصل` في المسألة` .

و اما أصل المسألة فالاصل فيها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام` : إن صلى قوم و بينهم و بين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام ,` و أي صف كان أهله يصلون بصلاة الامام و بينهم و بين الصف الذي يتقدمهم`


32
ما لا يتخطي فليس تلك لهم بصلاة ( 1 ) فان كان بينهم سترة أو جدار فليس` تلك لهم بصلاة إلا من كان بحيال الباب , قال عليه السلام : و هذه المقاصير لم` يكن في زمن أحد من الناس و إنما أحدثها الجبارون , و ليس لمن صلى خلفها` مقتديا بصلاة من فيها صلاة ـ الحديث ( 2 ) . و الكلام فيها يقع من جهات` :

الاولى : ان صاحب الوسائل ارتكب التقطيع في الرواية و لذا ذكر بدل جملة` (( فان كان بينهم سترة أو جدار )) (( إن صلى قوم بينهم و بين الامام سترة أو` جدار )) ولا يخفى ما في هذا التبديل من تغيير المعنى , و الظاهر أن هذا التغيير من` جهة التقطيع و إلا فليس في نسخ التهذيب إلا الجملة الاولى` .

الثانية : هل المراد من (( لا يتخطى )) ما يكون مانعا عن التخطي` و الاستطراق كالجدار و نحوه ؟ أو المراد منه ما لا يمكن جعله خطوة من جهة` المسافة أو الاعم منهما ؟ الظاهر هو الثاني للتبادر من هذه الجملة في المورد` و قرينية كلمة (( قدر )) في الجملة الثانية على ذلك , هذا . و ما يقال من أن` الاول خلاف الظاهر و الثالث موجب لاستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد` أي المشي و البعد لايتم , لان الثالث لا يستلزم ذلك لوجود الجامع و هو عدم` إمكان التخصي` .

الثالثة : انه و إن حكي عن بعض نسخ الوافي (( و )) بدل (( ف )) في ( فان` كان بينهم ) إلا أن المذكور في الوسائل و سائر مظان الرواية هو (( ف )) و هذا` يناسب التفريع , و لذا ذكر سيدنا الاستاذ في الحاشية : إنما المعتبر في الجماعة ` عدم الفصل بين الامام و المأموم بما لا يتخطى من سترة أو جدار و نحوهما و كذا` الحال بين كل صف و سابقه . إنتهى . فان كان مراده من (( ما لا يتخطى )) ما`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 62 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 59 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 1


33
لا يمكن الاستطراق منه فاللازم القول بمانعية الشباك المانع من ذلك مع أنه لا` يلتزم به , و قد مر أن هذا خلاف المتبادر من التعبير و خلاف قرينية (( قدر )) في` الجملة الثانية , و إن كان مراده من ذلك ما يكون بعده ازيد من الخطوة فاللازم` منه عدم مانعية الستر و الجدار اذا لم يكونا كذلك , و الظاهر أنه خلاف ` الاجماع , ولا أظن أنه أيضا يلتزم به , و من هذا ظهر أن التفريع غير مناسب في ` الرواية , و كثيرا ما يؤتى ب (( ف )) ولا يراد منها التفريع , ولا بأس بالالتزام بأن` هذه القسمة من الرواية في مقام بيان مانع آخر مستقل في المانعية غير المانع` المذكور في القسمة الاولى كما استفاده الفقهاء من الرواية , و سنذكر إمكان` رد هما الى مانع واحد و تناسب التفريع` .

الرابعة : لا إشكال في عدم خصوصية السترة و الجدار في الرواية و أنهما من` مصاديق المانع , فهل المانع المنطبق عليهما الحائل أو الساتر ؟ فما يظهر من المتن` و عبارات كثير من الاصحاب الثاني , فانهم قالوا في بيان الشرط : أن لايكون` بين الامام و المأموم حائل يمنع المشاهدة و كذا بين بعض المأمومين مع الاخر . . . الخ . لكن ذكر بعض السادة ـ قدس سره ـ في المقام أن إطلاق لفظ الجدار` الشامل للجدار المخرم و قرينة المناسبة بين الحكم و الموضوع يساعدان الاول , فان` الظاهر من الرواية كون المانع هو انفصال المصلين بعضهم عن بعض بنحو لا` يكونون مجتمعين في الصلاة` .

أقول : يمكن تأييد ما ذكره ـ قدس سره ـ من التفريع المذكور في الرواية , فان ` تفريع مانعية الحائل و إن لا يناسب على مانعية البعد إلا أنه لو قلنا بأن مانعية` البعد و الحائل من جهة أمر واحد و هو انفصال المصلين بعضهم عن بعض يكون` التفريع في محله , فكان الرواية صدرا و ذيلا في مقام بيان شرط واحد لصلاة ` الجماعة و هو اتصال المصلين بعضهم ببعض بنحو لا يكون بينهم بعد ازيد من` خطوة ولا حائل , ولو قلنا بأن المانع الساتر لا الحائل لا يتم ذلك ولا يرتبط`


34
الصدر بالذيل لان المشاهدة لا يناسب الاتصال كما لايخفى , فعلى ذلك` التحفظ على ظهور (( ف )) في التفريع يقتضي القول بأن المانع المنطبق على` السترة والجدارة هو مطلق الحائل بلا فرق بين كونه مانعا عن المشاهدة أو لا , فالحائل الزجاجي أو الشباك اذا كان ضيق الثقب مانع عن صحة الجماعة` .

الخامسة : هل يستفاد من الاستثناء (( إلا من كان بحيال الباب )) ما افيد` من أن الظاهر منها أن الجدار و الحائل بين الصفين مبطل لصلاة أهل الصف` المتأخر أجمع , الا من كان بحيال الباب , و مقتضى ذلك عدم صحة صلاة من` يصلي الى جانبي المأمومين المصلين بحيال الباب , و نسب ذلك الى الفريد` البهبهاني ناسبا له الى النص و كلام الاصحاب , أو لا يستفاد ذلك بتقريب ان` مناسبة الحكم و الموضوع قرينة على إرادة قدح الحائل الموجب لانفصال المأمومين` عن الامام أو انفصال بعضهم عن بعض و الصحيح في مقام اعتبار الاتصال` بالامام و لو بواسطة ؟`

أقول : لو قلنا بأن المستفاد من جملة (( فان كان بينهم . . . الخ )) اعتبار شرط` غير مترتب على الشرط السابق و هو عدم اعتبار عدم البعد بل انما هي في مقام ` اعتبار أمر جديد و هو عدم الحائل المانع من المشاهدة فالظاهر من الرواية عدم ` كفاية الاتصال فقط بل لابد من وجود الاتصال مع المشاهدة , فعلى هذا ما` ادعي من أن ظاهر الاستثناء عدم صحة صلاة من يصلي الى جانبي المأمومين` المشاهدين ان لم يشاهد المتقدم هو الصحيح على تأمل فيه , فان اعتبار` المشاهدة اذا كان بمعنى مشاهدة المتقدم يلزم بطلان صلاة من كان في جانب` الامام , و اذا كان بمعنى مشاهدة الامام يلزم بطلان من صلى في الصفوف` الاخيرة بحيث لايرى الامام من جهة كثرة الصفوف , ولو كان بمعنى مشاهدة` من يتصل بسببه الى الامام يلزم كفاية مشاهدة المأموم من في جانبه المشاهد` للامام أو الصف المتقدم , و حيث لا وجه للاولين يتعين الثالث الا أن يقال ان`


35
المانع وجود حائل مانع لمشاهدة الصف المتقدم أو الامام , فلا يلزم شيء من` الايرادين و يتم المدعى لامكان الاخذ بظهور الرواية حينئذ , و كيف كان فقد` مر أن ظاهر الرواية و لو بقرينة التفريع أن هنا ليس الا شرطا واحدا و البعد` والحائل منافيان لذلك الشرط و هو الاتصال . و ما قيل من أن مناسبة الحكم` و الموضوع قرينة على ذلك مجرد تعبير و إلا فنفس الرواية ظاهرة فيه كما مر ,` فالرواية في مقام بيان أن البعد مخل بالاتصال و الحائل أيضا مخل به و ليست في ` مقام بيان اعتبار المشاهدة أبدا , فعلى هذا يستفاد من المستثنى منه أن الحائل ` بين الصفين مانع للاتصال إلا من كان بحيال الباب , و الاستثناء انقطاعي في` مقام تأكيد المستثنى` .

فالمتحصل من الرواية حينئذ أنه لو كان بين المأموم و من يتصل بسببه إلى` الامام حائل لا صلاة له بل لابد من مراعاة عدم وجود الحائل حتى يتم` الاتصال , و مما يؤكد ذلك أن في الرواية فرض وجود البعد أو الحائل بين` الامام و الصف المتأخر عنه و بين الصفين و لم تتعرض لوجودهما حينئذ بين أهالي` صف واحد أو بين الامام و المأموم المصلي فى جانب الامام , مع أن البعد` و الحائل مبطلان للجماعة في هذين الفرضين أيضا اذا لم يكن المأموم متصلا` بالامام في الفرض الاول من جهة اخرى غير ذلك , و السرفيه أن اعتبار` الاتصال مفروض في الرواية و إنما هي في مقام بيان أن البعد و الحائل مخلان` بالاتصال المعتبر , و ما ذكر فيها من باب المثال لا الحصر , و لو كانت الرواية في` مقام بيان اعتبار عدم وجود حائل مانع عن مشاهدة المتقدم يلزم منها صحة` صلاة من كان بينه و بين المأموم المتصل به حائل ولكن يشاهد الصف المتقدم` ولا أظن أحدا يلتزم بذلك` .

و بالجملة لعل التأمل في خصوصيات الرواية و ما يتفرع عليها يورث القطع` بأن الرواية أجنبية عن اعتبار المشاهدة و المحصل منها ما ذكرنا , و مما يؤكد ذلك`


36
أيضا صحة الجماعة استدارة حول الكعبة و صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله` عليه السلام : لا أرى بالصفوف بين الاساطين بأسا ( 1 ) . فان الاساطين بين` الصفوف قد تكون مانعا عن مشاهدة المتقدم , بل الصحيحة ناظرة الى نفي` البأس من هذه الجهة , هذا و لو شككنا في ذلك و لم نطمئن على وجود ظهور في` الرواية , فالاصل المتقدم كاف في التصحيح و الحمدلله , مع أنه نسب الى` الاشهر بل المشهور الحكم بالصحة بل قيل إنه لا خلاف فيه , نعم نسب` الخلاف الى الفريد البهبهاني ـ قدس سره ـ و قد تقدم ذكره , و قال المحقق الهمداني` ـ قدس سره ـ : إنه لم يظهر في المسألة مخالف الى زمان المحقق المذكور , فالحكم` بصحة صلاة المتصل بالمصلي حيال الباب قوي جدا` .

السادسة : لا مانع من وجود الحائل بين الرجل و المرأة اذا كان الامام` رجلا لموثقة عمار ( 2 ) الدالة على ذلك , و ذكر الطريق في الرواية لا تدل على` عدم مانعية البعد أيضا , فان الطريق في الحديث محمول على الطريق المعهود` و هو طريق الدار , مضافا الى دلالة ذيل صحيحة زرارة المتقدمة على عدم` استثناء البعد إذا كان المأموم امرأة` .

السابعة : لو صلى مع وجود الحائل جماعة , فاذا كان ذلك عمدا و علما` فان أدخل بوظيفة المنفرد ـ كما هو الغالب من ترك القراءة أو غير ذلك ـ تبطل` جماعته و صلاته و لو كان ذلك سهوا أو نسيانا أو جهلا فبطلان جماعته لا` إشكال فيه , كما أن الظاهر عدم الخلاف فيه أيضا لاطلاق مانعية الحائل عن` الجماعة , و أما أصل صلاته منفردا فيمكن تصحيحها بقاعدة (( لا تعاد )) ( 3 ) اذا لم` يخل بها بزيادة ركن و إلا فتبطل صلاته منفردا أيضا , و ما في الرواية من نفي`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 59 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 60 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 1

( 3 ) الوسائل : ج 1 , باب 3 من أبواب الوضوء , حديث` . 8


37
الصلاة مع الحائل محمول على نفيها جماعة أو محكوم ب (( لاتعاد )) كسائر أدلة` الشرائط و الموانع . نعم اذا كان جاهلا بالحكم و كان جهله تقصيريا فالظاهر` بطلان صلاته حتى منفردا اذا أدخل بوظيفة المنفرد كتركه القراءة لعدم إمكان` تصحيح الصلاة ب (( لاتعاد )) في مورد الجهل التقصيري , و التحقيق في محله` .

الثامنة : إطلاق الشرط في الرواية أي (( فان كان بينهم سترة أو جدار` فليس تلك لهم بصلاة )) يقتضي عدم الفرق بين كون الحائل في مجموع الصلاة` أو في بعضها فتبطل الجماعة من حين حدوث الحائل , فتوهم أن المانع وجود` الحائل في مجموع الصلاة بدليل أن ليس تلك لهم بصلاة تدل على مفروضية` الصلاة مع الحائل فاسد كما لا يخفى` .

التاسعة : إذا احتمل فساد صلاة الصف المتقدم فيجوز الاقتداء لا لما ذكره` المحقق الهمداني من أن الاتصال الظاهري محفوظ , و بعد كشف الخلاف` ينكشف بطلان جماعته لا أصل صلاته بل لان صلاة الواسطة صحيحة بأصالة` الصحة , فالاتصال بواسطة من يصلي صحيحا موجود و ليس له كشف` الخلاف فتصح جماعته حتى بعد كشف بطلان صلاتهم ` .

العاشرة : الحائل اذا كان قصيرا بحيث يكون حائلا في بعض أحوال الصلاة` كحال الجلوس أو السجود ففيه إشكال لا يترك معه الاحتياط , بل لا تخلو` المانعية عن قوة لاطلاق الدليل` .

الحادية عشر : قيل الصف المتقدم اذا لم يدخلوا في الصلاة ولكن كانوا` متهيئين لها لا يقدح حيلولتهم فيجوز الاقتداء . ولكن يشكل ذلك في مثل` الصلاة المعهودة من توالي الافتتاح في صلاة المأمومين , نعم اذا كانت الصلوات` موافقة للنص الوارد في صلاة الجماعة من أنه اذا قال الامام الله اكبر فيقول` المأمومون الله اكبر دفعة عرفية يمكن القول بمجرد التهيؤ حينئذ لاستظهار ذلك من` النص , ولكن في أمثال صلواتنا اعتبار توالي الافتتاح لا يخلو عن وجه` .


38

الثانية عشر : لا بأس بالحائل غير المستقر لعدم صدق الحائل عليه عرفا ,` و إن شئت قلت لانصراف النص عن مثله , و من ذلك تمامية صلاة الصف` المتقدم اذا قاموا بعد الا تمام بلافصل و دخلوا مع الامام في صلاة اخرى بحيث` يكون الفصل قليلا ولا يصدق عليه الحيلولة عرفا و كان النص منصرفا عن مثله` فتصح صلاة من يتصل بواسطتهم` .

قوله (( قده )) : و لا تنعقد و الامام أعلى من المأمومين بما يعتد به` كالابنية على تردد` .

أقول : يستدل على ذلك بعدة أمور , ( منها ) صحيحة زرارة المتقدمة بدعوى` أن المراد من الموصول في قوله (( مالا يتخطى )) مطلق البعد و لو من جهة العلو` . و فيه : أن ظاهر الرواية اعتبار ذلك في الارض المبسوطة . ( ومنها ) موثقة عمار` المتقدمة في اقتداء النساء خلف الدار بعد تخصيصها في صورة التساوي` . ( و منها ) موثقة اخرى له قال : سألته عن الرجل يصلي بقوم و هم في موضع` أسفل من موضعه الذي يصلي فيه , فقال : إن كان الامام على شبه الدكان أو` على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم , فان كان أرفع منهم بقدر إصبع أو` أكثر أو أقل اذا كان الارتفاع ببطن مسيل ( في الكافي و بعض نسخ التهذيب` ( بقطع مسيل ( في بعض آخر من نسخ التهذيب ) بقدر يسير ( محكي عن نسخة` ( بقدر شير ( محكي عن نسخة اخرى ) فان كان ارضا مبسوطة و كان في موضع منها` ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الارض مبسوطة` إلا أنهم في موضع منحدر فلابأس ـ الخبر ( 1 ) . و الكلام في ذلك من جهات` :

الاولى : دلالة هذه الموثقة على أصل الاعتبار في الجملة غير قابلة للمناقشة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 63 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 1


39
لصراحتها في أن الامام اذا كان على شبه الدكان أو على موضع أرفع من` المأمومين لم تجز صلاتهم , فما تو هم من أن تهافت المتن موجب لعدم التعويل` عليها حتى من هذه الجهة لا يرجع الى محصل` .

الثانية : احتمال كون (( و إن كان )) وصيلة مدفوع بأن الارتفاع بقدر` الاصبع أو أكثر منه بيسير أو أقل لا يضر بصحة الجماعة بلا إشكال ولا` خلاف , و احتمال كونها شرطية و الجزاء محذوف و هو (( لا بأس )) مثلا مدفوع` بأن مثل ذلك لا يعد كلاما صحيحا عرفا فتعين كونها شرطية و الجزاء الشرطية` الثانية الى آخر الجملة , فالنتيجة أن ما قبل (( و إن كان )) حكم الارض المبسوطة` التي لا انحدار فيها و ما بعدها حكم الاراضي المنحدرة , و من هذا نستنتج أن حد` العلو لم يعين في الموثقة بالنسبة الى الارض المسطحة فلابد من إيكال ذلك الى` العرف , فان فهم مداليل ألفاظ الروايات موكول إليهم , فلو صدق عندهم أن` الامام على موضع أرفع من موضعهم تبطل الجماعة و إلا فلا` .

الثالثة : ان الحكم في الاراضي المنحدرة المستفاد من الشرطية أيضا كذلك` فان إجمال الشرط فيها موجب لعدم إمكان القول بالغاء اعتبار عدم العلو في هذه` الاراضي و إن لم يمكن القول بحد ما فيها , فالقول بالاعتبار و ايكال حده الى` العرف مثل سائر الاراضي موافق للاعتبار , نعم هنا احتمال و هو أن اعتبار` عدم العلو إنما هو بين الامام و مجموع المأمومين لا آحادهم لقوله (( و هم في` موضع أسفل من موضعه )) , و في الاراضي المنحدرة لو كان الارتفاع بسبب انحدار` الارض شيئا فشيئا قد لا يصدق ذلك , و إن صدق الارتفاع بالنسبة الى الاحاد` فلا بأس بالجماعة فيها و ان كان الانحدار فاحشا , و مع ذلك فالاحتياط في` محله , هذا . `

و ما قيل بأن الحد هو الشبر مبني على ثبوت نسخة الشبر و لم يثبت . و قد ظهر ` مما مرحكم مالو كان الانحدار في الارض شبيها بالتسنيم ولا نطيل` .


40

قوله (( قده )) : و لو كان المأموم على بناء عال كان جائزا` .

أقول : وجهه بعد الاصل و الاجماع عدة من الروايات منها : ذيل موثقة عمار` السابقة قال : و سئل فان قام الامام أسفل من موضع من يصلي خلفه . قال : لا` بأس , و قال : إن كان رجلا فوق بيت أو غير ذلك دكانا كان أو غيره و كان` الامام يصلي على الارض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه و يقتدي` بصلاته و إن كان أرفع منه بشيء كثير . و ذيلها يدل على صحة الجماعة , و إن` كان المأموم في موضع أرفع من الامام بشيء كثير فلا يحد ذلك بمثل الدكان` و البيت و نحوهما , نعم لابد من صدق الاتصال عرفا بحيث يصدق الائتمام على` ذلك و إلا فلا تصح الجماعة` .

قوله (( قده )) : و لا يجوز تباعد المأموم عن الامام بما يكون كثيرا في` العادة` .

أقول : أما أصل الاعتبار فمما لا إشكال فيه و قد ادعي عليه الاجماع` أيضا من الخاصة , مضافا الى أن عدم التباعد في الجملة دخيل في مفهوم` الاجتماع المطلوب في صلاة الجماعة كما ورد في بعض النصوص ( 1 ) , بل لا` يبعد دخله في مفهوم نفس الجماعة , و كيف كان فالاعتبار في الجملة لا يحتاج` الى البحث و الاطالة . `

و أما حد البعد فقد يقال بأنه قدر ما لا يتخطى بقرينة صحيحة زرارة` المتقدمة في بحث الحائل , و اشكال على ذلك بلزوم الحمل على الاستحباب`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 1 و 2 من أبواب صلاة الجماعة` .


41
بقرينة ذيل الصحيحة , و أجاب المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ عن هذا الاشكال` بالنقض و الحل , أما النقض : فان اللازم الالتزام بالوجوب بقرينة اعتبار عدم` الحائل لزوما , فان وحدة السياق كما يمكن أن تجعل الذيل قرينة لحمل الصدر` على الاستحباب كذلك يمكن أن تجعل حكم الحائل قرينة على الوجوب . و أما` الحل : فان الذيل لا يدل على الاستحباب فان (( ينبغي )) غير متعلقة` ب (( لا يكون )) بل هذه الجملة مستقلة يستفاد منها اللزوم , هذا . ولكن الانصاف` ان ظهور الذيل في الاستحباب غير قابل للانكار كما ان ظهور الصدر في` الوجوب كذلك . و من غريب الامر الالتزام بارادة الوجوب من الذيل` و الاستحباب من الصدر فلاحظ الرواية يظهر وجه الغرابة بلا تأمل` .

و قال أيضا : بأن المقطوع به خلاف ما في الصدر , فان ظاهر الصدر اعتبار` عدم التخطي بين الموقفين , و هذا ليس بواجب قطعا فيحمل على الاستحباب ,` ولكن ظهور الصدر في الوجوب قوي و حمله على الاستحباب بعيد , فان حمل` (( ليس لهم بامام )) على نفي الكمال حمل لا يقبله العرف , و الجمع العرفي هو` الجمع المقبول و القول بالاجمال أولى من هذا الحمل` .

فنقول : إنه كما يحتمل أن تكون الرواية في مقام اعتبار الحد بين الموقفين` كذلك يحتمل أن تكون في مقام اعتبار الحد بين مسجد المأموم و موقف الامام` ولا دليل على الاول إن لم نقل بأن الظاهر هو الثاني ولا سيما بقرينة الذيل , و مع` احتمال الامرين الرواية تنفى الجماعة فيما اذا كان البعد بين الموقف و المسجد` بهذا المقدار و أما الاقل فالمانعية مدفوعة بالاصل , و على ذلك لا مجال للحمل` على الاستحباب و لو لم نقل بأنه بعيد كما قلنا , فدلالة الرواية على اعتبار عدم ` البعد بين مسجد المأموم و موقف الامام تامة` .

بقي الكلام في الموثقة التي توهم معارضتها للصحيحة , و قد تقدمت الموثقة في` جواز اقتداء النساء من داخل الدار و إن كان بينهن و بين غيرهن جدار أو`


42
طريق الذي يبعد أن لا يكون بقدر ما لا يتخطى حتى بين المسجد و الموقف` .

و قال المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ : إن ظهور الموثقة في جواز البعد أقوى` من ظهور الصحيحة في الوجوب فتحمل على الاستحباب , و فيه : مع أن الحمل` على الاستحباب بعيد عن الفهم العرفي كما مر , و أن المؤثقة لا إطلاق لها من` جهة البعد لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة , أن الاقوائية ليست مناطا` في الجمع العرفي بين الروايات بل العرف حينئذ يرى المعارضة بين الصحيحة` و الموثقة , فان المستفاد من الصحيحة حكم وضعي و هو اعتبار عدم البعد` بذلك المقدار في الجماعة , و المستفاد من الموثقة عدم الاعتبار و بينهما معارضة ,` فلابد من العلاج , و الصحيحة ترجح على الموثقة من جهة السند أولا و من جهة` موافقة الموثقة للعامة ثانيا , فالاقوى هو الاعتبار بالحد المذكور , و مما يدل على` الحكم و التفصيل بين الحد الاستحبابي و الوجوبي صحيحة عبدالله بن سنان` الدالة على أن أقل الحد مربض غنم و أكثره مربض فرس` . ( 1 )

فروع
`

الاول : لا فرق بين كون التباعد من اول الصلاة أو حصوله في أثنائها` و يحكم ببطلان الجماعة في الموردين فالشرط شرط ابتداء و استدامة , و ذلك` لاطلاق الادلة . نعم على القول بحمل الصحيحة على الاستحباب و عدم كون` التباعد بمقدار يخل بصدق مفهوم الجماعة و الاجتماع يشكل الامر في فرض` الحصول في الاثناء , فان الدليل على الاعتبار على هذا المبني ليس إلا الاجماع` و القدر المتيقن منه فرض كون التباعد في جميع الصلاة إلا أن يتمسك باطلاق` معقد الاجماع ولا يتم ذلك بحسب الكبرى و إن قلنا بتماميته بحسب الصغرى` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 62 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 3


43

الثاني : لو عرض البعد في أثناء الصلاة و تدارك المأموم بلحوقه بالصف من` دون تراخ أو عاد من انتهت صلاته الى الجماعة بلا فصل فالظاهر بقاء القدوة` لانصراف الدليل عن الشمول لهذه الصورة , و مع التنزل عن ذلك و القول` ببطلان القدوة يمكن القول بجواز اللحوق بالصف و تجديد نية الجماعة في المقام` و إن لم نقل بالعدول عن الانفراد بالائتمام في غيره , و ذلك لما دل ( 1 ) على أنه لو عرض للامام مانع عن إتمام الصلاة يجوز للمأموم تحصيل الجماعة اذا فقدها في` الاثناء` .

الثالث : قد مر في مسألة الحائل حكم تكبير المأموم في الصف المتأخر عن` الصف الاول عند اتصال الصفوف و تهيئهم للصلاة قبل أن يكبر الصف الاول` و أنه هل يكون الصف الاول من الحائل أولا ؟ و الكلام هو الكلام من جهة` البعد أيضا فلا يحتاج الى الاعادة` .

الرابع : اذا شك في صحة صلاة الصف المتقدم فلا يضر فصلهم لا صالة` الصحة و السيرة القطعية` .

الخامس : تكفي صحة صلاة الصف المتقدم بحسب تقليد هم في جواز اقتداء` الصف المتأخر , و ذلك للحكم بالاجزاء في صلاتهم من جهة التقليد و قاعدة` (( لا تعاد )) فصلاة الصف المتقدم صحيح يترتب عليها آثار الصحة , نعم لو` كانتب صلاة الصف المتقدم باطلة عند أهل الصف المتأخر لعدم قولهم` بالاجزاء في صلواتهم حتى من جهة قاعدة (( لا تعاد )) فلا يجوز لهم الاقتداء` لوجود الفصل بنظرهم` .

السادس : لا يضر الفصل بالصبي المميز ما لم يعلم بطلان صلاته ,` لمشروعية عباداته بل مطلقا لانصراف أدلة الفصل عن ذلك و هذا ظاهر`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 72 من أبواب صلاة الجماعة` .


44

قوله (( قده )) : و يكره أن يقرأ المأموم خلف الامام إلا اذا كانت` الصلاة جهرية ثم لا يسمع ولا همهمته` .

أقول : المهم هو الجمع بين روايات الباب , فهنا صحيحة زرارة و محمد بن` مسلم قالا : قال أبو جعفر عليه السلام : كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول : من` قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة ( 1 ) . . و هذه الرواية تدل على` حرمة القراءة خلف الامام بدلالة واضحة , ولا يرد عليها ما يرد على الاخبار` الناهية من أن النهي عقيب توهم الوجوب و هو لا يدل على أزيد من السقوط أو` أن النهي إنما يكون غيريا للانصات المأمور به , لان الرواية ليست بلسان النهي` و ظاهرها دخل القراءة في موضوع الحرمة بنحو الموضوعية لا الطريقية , فدلالة` الرواية كسندها تامة و إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الصلوات الجهرية` و الاخفاتية و يقتضي أيضا عدم الفرق بين الركعتين الاولتين و الاخيرتين , و إن` أبيت و قلت بالانصراف الى الاولتين تتم الاستدلال بالنسبة الى الاخيرتين` بذيل صحيحة زرارة : فالاخيرتان تبعان للاولتين ( 2 ) , و مورد الصحيحة و إن` كان خاصا و هو الصلوات الجهرية إلا أن المستفاد من التفريع المذكور` الكبروية` .

فقد تحصل أن ما هو بمنزلة الاصل في المقام حرمة القراءة و إثبات الجواز` يحتاج الى دليل` .

فنقول : يكفينا في إثبات الجواز في الصلوات الاخفاتية رواية ابن سنان عن` أبي عبدالله عليه السلام : اذا كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة `

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 4

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 3


45
حتى يفرغ و كان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الاولتين و قال` : يجزيك التسبيح في الاخيرتين ـ الخبر ( 1 ) ( 1 ) . و دلالة الرواية على الجواز من جهة أن` (( يجزيك التسبيح في الاخيرتين )) تدل على جواز التسبيح فيجوز تركه و الاتيان` ببدله و هو القراءة , و حيث إن الاخيرتين تبعان للاولتين لصحيحة زرارة المتقدمة` نستكشف الجواز في الاولتين أيضا , فنحمل النهي في (( فلا تقرأ )) على الكراهة` .

لا يقال : ظاهر رواية ابن سنان حرمة القراءة في الاولتين و الجواز في` الاخيرتين و ظاهر صحيحة زرارة عموم تبعية الاخيرتين للاولتين فلماذا جعل` العموم قرينة على حمل النهي عن القراءة في الاولتين على الكراهة ؟ بل لابد من` تخصيص العموم بذلك فتخص التبعية بالصلوات الجهرية التي تكون مورد` الصحيحة أيضا . لانا نقول مورد صحيحة زرارة و إن كانت هي الصلوات` الجهرية إلا أن حمل ما بعد التفريع (( فالاخيرتان تبعان للاولتين )) على خصوص` المورد مستلزم للتكرار بلاوجه , بل التكرار بلسان الكبرى الموجب لالقاء` المخاطب في خلاف الواقع` .

و لا يتوهم أن في جميع العمومات المخصصه بدليل منفصل يلزم هذا` الاشكال , فان في تلك الموارد الجمع بين العموم و الخصوص بحمل العام على` الخاص يكون بمقتضى طبيعة جعل القانون فيجعل القانون بنحو العموم أولا ,` ثم يبين تخصيصات ذلك , ولا ينطبق هذا الوجه على ما نحن فيه , فان جعل` قانون يقتضي عموم التبعية و تطبيقه على المورد أي الصلوات الجهرية و تخصيص` هذا العموم بعد ذلك بما يقتضي عدم شمول العموم لغير المورد أي الصلوات` الجهرية يعد من اللغو الواضح , فعموم التبعية المستفاد من الصحيحة غير قابل` للتخصيص بخصوص الصلوات الجهرية , و دلالة (( يجزيك )) على الجواز كالنص`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 9


46
في ذلك فلم يبق الا النهي عن القراءة في الاولتين و هذا قابل للحمل على` الكراهة , ولابد من هذا الحمل , فان اقتضاء النهي للحرمة إنما هو من جهة` مقدمات الحكمة و منها عدم البيان , و عموم التبعية بيان` .

ولا يتوهم أن استفادة عموم التنبعية أيضا من جهة مقدمات الحكمة لما` ذكرنا من أن العموم المستفاد من الرواية غير قابل للتخصيص بموردها للزوم` اللغوية , هذا مع أن الجمع العرفي مع قطع النظر عن الصناعة أيضا يقتضي` ما ذكرنا , فان العرف يرى لسان (( الاخيرتان تبعان للاولتين )) قرينة على حمل` النهي على الكراهة لا العكس , و يكفينا في الجمع بين الروايات كونه مقبولا` عند العرف . `

بقي الكلام في سند الرواية , و المذكور في التهذيب ( ابن سنان عن أبي` عبدالله عليه السلام ) و في الوسائل الطبعة القديمة اضيف الى ابن سنان ( يعنى` عبدالله ) . و في الطبعة الجديدة اضيف الى ذلك ( الحسن باسناده ) فصار ابن` سنان يعنى عبدالله الحسن باسناده الى أبي عبدالله , و من المعلوم أن الطبعة` الجديدة غلط , و رواية الوسائل هي المذكورة في الطبعة القديمة ( ابن سنان يعني ` عبدالله بن ابي عبدالله ) لكن عبارة ( يعني عبدالله ) من صاحب الوسائل` و ليست في التهذيب هذه العبارة , فيبقى السؤال أولا عن أنه لماذا تصرف صاحب` الوسائل في الرواية باجتهاد نفسه ؟ و ثانيا بأنه هل هذا التفسير صحيح أولا ؟` و عهدة الجواب عن السؤال الاول على صاحب الوسائل ـ قدس سره ـ` .

و أما الجواب عن السؤال الثاني : ففي جامع الرواة ( في التهذيب في باب` تلقين المحتضرين عنه , عن محمد بن سنان و بكير , عن أبي عبدالله عليه السلام` في باب القضاء و الديات محمد بن عيسى , عن ابن سنان , عن أبي عبدالله` عليه السلام في باب تلقين المحتضرين من أبواب الزيادات . أقول : الظاهر أن` روايته في هذين الموضعين عن أبي عبدالله مرسلة لبعد زمانهما والله أعلم ) إنتهى `


47
موضع الحاجة` .

أقول : تاريخ وفاة محمد بن سنان عام 220 على ما في جامع الرواة نقلا عن` ابن الغضائري و تاريخ قبض أبي عبدالله عليه السلام عام 148 على ما في نفس` المهموم و غيره , و الفرق 72 سنة , و على هذا ممكن درك محمد بن سنان زمان` الصادق عليه السلام و روايته عنه فلا موجب لحمل الروايتين على الرسال ,` كما أنه لا يكون وجها لما ذكره صاحب الوسائل في المقام من التفسير , فان` الراوي عن ابن سنان في الرواية صفوان , و هذا يروي عن عبدالله و محمد ,` و المروي عنه و هو الامام الصادق عليه السلام أيضا يمكن روايتهما عنه على` ما تقدم , فابن سنان في رواية التهذيب محتمل لشخصين عبدالله و محمد , ولكن` الصحيح أن ابن سنان عن أبي عبدالله منصرف إلى عبدالله فانه من أصحاب` أبي عبدالله عليه السلام و كثير الرواية عنه , مع أن محمد أيضا ثقة فلا أثر لهذا` الترديد و قد وثقة الشيخ المفيد ـ قدس سره ـ ولا يتم شيء مما قيل في ضعف` روايته , مع أن رواياته معمول بها عند الاصحاب , فقد تحصل تمامية` الاستدلال بهذه الرواية على جواز القراءة في الركعتين الاخيرتين , بل الاولتين في` الصلوات الاخفاتية , و بهذا نرفع اليد عن عموم التحريم المستفاد من صحيحة` زرارة و محمد بن مسلم بالنسبة الى الصلوات الاخفاتية` .

و هنا روايات استدل بها المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ و غيره بالنسبة الى` الركعتين الاولتين من الاخفاتية وهي : رواية المرافقي والبصري عن جعفر بن` محمد عليه السلام , و في الرواية (( و إن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه )) ` ( 1 ) و سند الرواية ضعيف , اللهم إلا أن يدعى الانجبار كما ادعاه المحقق الهمداني` ـ قدس سره ـ و قد عبر عن هذه الرواية بهذه العبارة : ما رواه الشيخ باسناده عن`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 15 .


48
إبراهيم المرافقي و عمرو بن الربيع البصري . و هذا التعبير خلاف الاصطلاح` بينهم , فان الرجلين هما الراوي المتصل بالمعصوم عليه السلام و الراوي الذي` يروى الشيخ ـ قدس سره ـ عنه و له إسناد إليه أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة ,` و كيف كان لايبعد تمامية الاستدلال بهذه الرواية لتمامية دلالتها وانجبار` ضعف سندها` .

و خبر سليمان بن خالد لقوله عليه السلام : لاينبغى له ( 1 ) الظاهر فى` الكراهة , ولا يخفى ما فى هذا الاستدلال , لعدم تمامية الظهور المدعى` .

و صحيحة على بن يقطين قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن الركعتين` اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ بالحمد و هو إمام يقتدى به ؟ فقال : إن قرأت` فلا بأس وإن سكت فلابأس ( 2 ) . قال المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ إن` الاستدلال مبنى على ما فهمه غير واحد من أن المراد بها الاوليين من الاخفاتية ,` و فيه : أن الظاهر أن المراد بها الاخيرتين . إنتهى` .

أقول : الظاهر من الرواية تعيين وظيفة الامام ولا ارتباط لها بوظيفة المأموم` فالرواية اجنبية عن بحثنا فليتدبر . و إن لم نقل بأن هذا هو الظاهر فلا أقل من` أنه محتمل فيسقط الاستدلال , و من غريب ما صدر من المحقق الهمدانى` ـ قدس سره ـ فى هذا المقام دعواه أنه ليس بالبعيد أن يدعى أن وقوع هذا النوع` من التهديدات ( الواردة فى صحيحة زرارة الحاكية لقول الامير عليه السلام ) فى` عرف أهل البيت عليهم السلام من امارات الكراهة , فلاحظ الصحيحة` و كلامه تتضح الغرابة` .

و يدلنا على جواز القراءة فى الصلوات الجهرية التى لم يسمع المأموم قراءة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 8

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 13 . `


49
الامام ولا همهمته مضافا الى الشهرة بل الاجماع المدعى , عدة روايات منها` صحيحة الحلبى عن أبى عبدالله عليه السلام لقوله عليه السلام : إلا أن تكون` صلاة تجهر فيها بالقراءة و لم تسمع فاقرأ ( 1 ) . بعد ضميمة صحيحة عبيد بن` زرارة عنه عليه السلام أنه إن سمع الهمهمة فلا يقرأ ( 2 ) . والامر فى (( فاقرأ )) لا` يدل على الوجوب لوقوعه مقام توهم الحظر , مع دلالة صحيحة على بن يقطين` على الجواز لقوله عليه السلام (( لا بأس إن صمت و إن قرأ )) ( 3 ) هذا حكم` الركعتين الاولتين فى الجهرية التى لم تسمع قراءة الامام حتى همهمته , و اما` الاخيرتان من ذلك فكذلك للتبعية المستفادة من صحيحة زرارة المتقدمة , فلم` يبق إلا الصلوات الجهرية مع سماع المأموم قراءة الامام و لو همهمته . و ما مر من` صحيحة زرارة و محمد بن مسلم و ضميمة صحيحة زرارة الدالة على التبعية تدلنا` على حرمة قراءة المأموم فيها بلافرق بين الركعتين الاولتين منها أو الاخيرتين ,` وليس فى البين ما يعارض ذلك بل الروايات الواردة فى الباب مؤيدة له و لو` أغمضنا النظر عن دلالتها عليه` .

نعم , هنا روايتان استدل بهما المحقق الهمدانى على الكراهة و هما : صحيحة` ابن الحجاج قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الصلاة خلف الامام أقرأ` خلفه ؟ فقال . . . ـ إلى أن قال عليه السلام ـ : و أما الصلاة التى يجهر فيها فانما امر` بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فانصت ـ الخبر ( 4 ) . وصحيحة زرارة عن` أبى جعفر عليه السلام أنه قال : و إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا فى` الاولتين و انصت لقراءته ولا تقرأن شيئافى الاخيرتين فان الله عزوجل يقول `

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 2

( 3 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 11

( 4 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 5 . `


50
للمؤمنين و اذا قرىء القرآن ـ يعنى فى الفريضة خلف الامام ـ فاستمعوا له` و أنصتوا لعلكم ترحمون ` . ( 1 )

و قال فى تقريب الاستدلال : أن المستفاد من الصحيحتين أن النهى عن` القراءة من جهة الامر بالانصات , بل ترك القراءة مأخوذ فى الانصات المأمور به` وحيث إن الامر بالانصات استحبابى بالاجماع و غير الاجماع من القرائن` الداخلية و الخارجية فلا يكون النهى عن القراءة إلزاميا , ثم وجه الكلام إلى` الاية الكريمة و أنه هل الانصات محكوم فيها بالوجوب أو الاستحباب ؟ و قال` : إن ظاهر الامر بالانصات و إن كان هو الوجوب , إلا أن هنا روايتين ( 2 ) ,` دالتين على أنه رخص فى الدعاء للمأموم و إن كان الامام يجهر بالقراءة فيحمل` الامر على الاستحباب , ثم احتمل إبقاء الامر على ظاهره و ارتكاب التخصيص` فى الاية الكريمة باخراج الدعاء عنها , ثم أقام شواهدا على ترجيح الحمل على` الاستحباب , ثم قال : بأن التخصيص من أهون التصرفات , و بالاخرة احتاط` فى ترك القراءة , هذا` .

أقول : الظاهر من الروايتين و إن كان ما أفادة ـ قدس سره ـ من أن النهى` عن القراءة من جهة منافاة القراءة للانصات المأمور به إلا أن هذا لا يدل على` كون النهى عن القراءة غير إلزامى , و ذلك لان المنافاة بين الانصات و القراءة` لا يقتضى إلا عدم الامر بهما معا لا الامر بأحد هما و النهى عن الاخر , فلو فرضنا` ورود النهى بغير المأمور به كما فى المقام و كان ظاهر الدليل أن النهى من جهة` المنافاة فلابد من ارتكاب توجيه لذلك , و التوجيه مشترك بين كون النهى` تحريميا أو غيره` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 3

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 31 , حديث 11 و باب 32 حديث 2 من أبواب صلاة الجماعة . `


51

و بعبارة اخرى : أن المنافاة بينهما تقتضى عدم طلبهما معا , و هذا يجتمع مع` الامر بالانصات و عدم الامر بالقراءة و مع الامر بالانصات و النهى عن القراءة` تنزيها أو تحريما , فالروايتان لاتدلان على خصوص النهى التنزيهى حتى تكونا` دليلين على تقييد صحيحة زرارة و محمد بن مسلم و غيرها مما دل على التحريم ,` ثم إنه لاحاجة الى الاستشهاد بالرواية لحمل الاية ـ على الاستحباب فان` الانصات هو السكوت مستمعا لا السكوت المطلق , و السكوت مستمعا كنفس` الاستماع المأمور به ليس بواجب قطعا` .

تنبيه (( 1 ))
`

قد مر أن حكم سماع الهمهمة حكم سماع القراءة لصحيحة عبيد بن` زرارة المتقدمة , ولكن قد يقال بأن ظاهر صحيحة على بن يقطين السابقة يعم` صورة سماع الهمهمة , و الروايات الامرة بالقراءة لدى عدم السماع مخصوصة بما` اذا لم يسمع أصلا , فتخصص الصحيحة و تحمل على صورة سماع الهمهمة ,` و النتيجة : وجوب القراءة اذا لم يسمع أصلا و التخيير اذا سمع الهمهمة , و` أجاب المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ عنه بأن هذا الحمل تخصيص بالفرد الخفى` و هو أبعد من حمل الامر على الاستحباب , ثم قال : نعم لا يبعد أن يدعى` انصراف الاخبار المشتملة على الامر بالانصات الى ما اذا سمع الكلمات` و تنزيل النهى عن القراءة مع سماع الهمهمة على الرخصة فى الترك دون الحرمة` فيتجه هذا التفصيل فليتأمل , إنتهى` .

أقول : جوابه عن الجمع بارتكاب التخصيص صحيح متين , لكن ما نفى عنه` البعد فى مقام الجمع إنما يتم لو لم يكن هنا إطلاق دال على حرمة القراءة , و مع` وجوده كما هو الصحيح ـ و قد مر ـ فالاصل هو الحرمة إلا ما خرج بالدليل` و الخارج إنما هو مورد عدم السماع , فلو قلنا بظهور ذلك فيما اذا لم يسمع المأموم`


52
حتى الهمهمة فالاطلاق يقتضى الحرمة فى مورد سماع الهمهمة , و لو قلنا بعدم` الظهور و احتمال الامران أى عدم سماع الكلمات و عدم سماع الصوت فالقدر` المتيقن الثانى , ولابد فى مورد الشك من التمسك بالمطلق قضية للتمسك به فى` المقيد المجمل المردد بين الاقل و الاكثر , و على أى تقدير لا يجوز للمأموم القراءة` لدى سماعه صوت الامام حال القراءة و إن لم يسمع الكلمات و الحروف` .
تنبيه (( 2 ))
`

لو سمع بعض قراءة الامام دون بعض فاحتمل المحقق الهمدانى` ـ قدس سره ـ احتمالات ثلاث و اختار أن الاشبه الاجتزاء بما سمع و القراءة فى` ما لم يسمع` .

أقول : إطلاق الدليل كما مر يقتضى حرمة قراءة المأموم , خرجنا عن ذلك` إذا لم يسمع القراءة ولا إطلاق لدليل المخرج بالنسبة الى سماع البعض فلا بد من` الاخذ بالمتيقن فى هذا الدليل و يؤخذ بالمطلق فى مورد الشك , و النتيجة حرمة` القراءة حتى اذا سمع بعض قراءة الامام` .

تنبيه (( 3 ))
`

قد مر أن مقتضى الجمع بين صحيحة زرارة الدالة على تبعية الركعتين` الاخيرتين للاولتين و صحيحة ابن سنان الدالة على إجزاء التسبيح فى` الاخيرتين فى الصلوات الاخفاتية حرمة القراءة فى الاخيرتين من الجهرية مع` سماع صوت الامام و التخيير فى الاخيرتين من الاخفاتية و فيهما من الجهرية اذا لم` يسمع صوت الامام , فالتمسك بالادلة الناهية عن القراءة بالنسبة الى المأموم` و القول بسقوط القراءة و التسبيح كليهما لا يرجع الى محصل , كما أن التمسك بها` لاثبات سقوط القراءة و تعين التسبيح مطلقا لا يتم , فان الجمع بين هذه الادلة`


53
والصحيحتين يقتضى ما اخترناه من التفصيل , هذا` .

ثم إن هنا روايتين متعارضتين و هما رواية معاوية بن عمار قال : سألت أبا` عبدالله عليه السلام عن القراءة خلف الامام فى الركعتين الاخيرتين , قال` : الامام يقرأ فاتحة الكتاب و من خلفه يسبح ـ الحديث ( 1 ) . و رواية سالم أبى` خديجة فان فيها : فاذا كان فى الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرأوا` فاتحة الكتاب , و على الامام أن يسبح ـ الخبر ( 2 ) . و حمل المحقق الهمدانى` ـ قدس سره ـ الرواية الاخيرة على المأموم المسبوق , ثم قال : و لا أقل من الاجمال` المانع من الاستدلال` .

أقول : تعارض الروايتين بظاهر هما لايخفى , ولكن صحيحة زرارة الدالة` على التبعية شاهد جمع بينهما فيحمل الاولى على الجهرية و الاخيرة على` الاخفاتية , فيحصل أن فى الجهرية لابد من التسبيح و فى الاخفاتية الافضل` القراءة فتأمل . و كيف كان فلا يعارض شىء من الروايات ما هو مقتضى` الجمع بين الصحيحتين والله العالم` .

قوله (( قده )) : و لو كان الامام لا يقتدى به وجبت القراءة` .

أقول : فرض المسألة فيما إذا كان الصلاة معهم لاجل التقية إما اضطرارا أو` مداراة , فبحسب الادلة العامة تصح الصلاة ولا تجب القراءة اذا اقتضت التقية` تركها , و ليس المراد من اقتضاء التقية ترك القراءة عدم إمكانها , بل المراد من` ذلك كسائر موارد التقية أن التخلف و الاتيان بالواقع لا يمكن إلا بالحيلة , فلا` تجب الحيلة على حسب النصوص العامة التى منها (( فكل شىء يعمله المؤمن بينهم`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 32 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 5

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 32 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 6


54
لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد فى الدين فانه جائز فكلما صدق عليه` عنوان التقية جائز )) ( 1 ) . ولا تجب الحيلة للفرار عن التقية , و لذا لانرى اعتبار` عدم المندوحة لا فى الافراد الطولية ولا العرضية بل ولا فى نفس العمل , و الحكم` يدور مدار صدق التقية الغير المتوقف على الخوف ولا الاضطرار بل يصدق` العنوان حتى اذا كان مداراة و مماشاة معهم , هذا بحسب الادلة العامة` .

و أما الروايات الواردة فى باب الصلاة جماعة معهم فبعضها يدل على ما` اقتضته تلك الادلة كخبر زرارة ( 2 ) و خبر بكير ( 3 ) . و عارضها عدة من الروايات` و هى لاتخلو إما من ضعف السند كرواية عمرو بن ربيع ( 4 ) ورواية ناصح` ( 5 ) و اما من عدم الدلالة له على الخلاف كما دل على ايقاع الفريضة قبل أو بعد` ( 6 ) و هى محمولة على الاستحباب لما سبق من الادلة العامة و الروايات الخاصة` الدالة على الاجزاء ( 7 ) و ما دل على قراءة المأموم ( 8 ) و هى أيضا محمولة على` الاستحباب لما سبق` .

و الحاصل : أن ملاحظة عمومات التقية و خصوصاتها تدلنا على أن التقية` واسعة ولابد من العمل على وفق العامة فى دارالتقية ولا تجب الفرار والحيلة ,` بل لا يجوز فى بعض الموارد اذا كان خلاف التقية والعمل على غير ما اقتضته` التقية و الاتيان بالواقع الاولى لعله باطل , فان التقية دين ولا دين لمن لا تقية`

( 1 ) الوسائل : ج 11 , باب 25 من ابواب الامر و النهى و ما يناسبهما , حديث` . 6

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 34 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 5

( 3 ) الوسائل : ج 5 , باب 34 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 3

( 4 ) الوسائل : ج 5 , باب 6 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 5

( 5 ) الوسائل : ج 5 , باب 6 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 7

( 6 ) الوسائل : ج 5 , باب 6 من أبواب صلاة الجماعة` .

( 7 ) و ( 8 ) الوسائل : ج 5 , باب 33 من أبواب صلاة الجماعة . `


55

له , فالعمل المذكور خارج عن الدين فيبطل , فتأمل` .

بل يمكن أن يستفاد من بعض الروايات التنزيل الموضوعى اللازم منه` تقييد الواقع , ففى رواية أبى الجارود قال : إنا شككنا سنة فى عام من تلك` الاعوام فى الاضحى , فلما دخلت على أبى جعفر عليه السلام و كان بعض` أصحابنا يضحى , فسألت عنه عليه السلام فقال : الفطر يوم يفطر الناس و الصوم يوم` يصوم الناس و الاضحى يوم يضحى الناس ( 1 ) . فانه تنزيل موضوعى يدل على أن فى مورد` التقية الاضحى هو يوم يضحى الناس و ان كان واقعا يوم التاسع , فلابد من` متابعة العامة فى الوقوفين و فى أعمال منى بلا فرق بين العلم بالخلاف و الشك` بمقتضى أدلة التقية ولا سيما هذه الرواية , و ماقاله استاذنا المحقق ـ مدظله ـ من` عدم تصور التقية فى أعمال منى خلاف هذه الرواية , مع أن فيها أيضا يصدق` التقية فانها واسعة ولا يجب الصبرالى الغد فانها من الفرار عن التقية ولا يجب ,` و بهذه الرواية نحمل ما دل على إفطار الامام عليه السلام يوما من شهر رمضان` تقية معللا بأن الافطار و القضاء أحب عنده من أن يضرب عنقه على استحباب` القضاء ( 2 ) , فتدبر جيدا . و الايراد فى سند الرواية بأبى الجارود مندفع بأن` الظاهر اعتبار رواياته لرواية كثير من الاكابر و الافاضل بل الفقهاء من الرواة` كعبدالله بن مغيرة فى نفس هذه الرواية عنه , و هذا يكفى للاعتماد على روايات` الرجل مع أن الشواهد و المؤيدات الاخر على اعتبار رواياته أيضا` موجودة` .

( منها ) توثيق الشيخ المفيد ـ قدس سره ـ عنه المستفاد من كلامه بأنه من` الاعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا فى الاحكام الذين لا يطعن`

( 1 ) الوسائل : ج 7 , باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم , حديث 7 . `

( 2 ) الوسائل : ج 7 , باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم , حديث 4 و 5 . `


56
عليهم ولا طريق الى ذم واحد منهم` .

( و منها ) ما ذكره ابن الغضائرى من اعتماد الاصحاب على ما رواه محمد` بن بكر الارجنى عنه الذى يعلم منه بالاولوية اعتماد هم على رواية عبدالله بن` مغيرة عنه فى هذه الرواية , و كل ما مورد فى طعنه من الروايات ضعاف , مع عدم` إمكان ماورد فى بعضه , و فى جامع الرواة رواية أكثر من ثلاثين شخص عنه` و فيهم الاكابر و الفقهاء مع أنه أزيد من ذلك جزما , فلو قلنا بأنه من المتيقن` اعتبار روايات أبى الجارود لم نقل قولا جزافا` .

و المتحصل من جميع ما ذكرنا عدم وجوب القراءة على المأموم المصلى` خلفهم اذا كان فى مورد التقية , نعم يستحب ذلك ما لم يكن مخالفا للتقية ,` وإلا فلا يجوز . و ما أفاده المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ فى الجمع بين روايات` الباب منأن مادل على لزوم القراءة ناظر إلى ما إذا لم تقتض التقية ترك` القراءة و ما دل على سقوطها ناظر إلى صورة الاقتضاء لايمكن المساعدة عليه , فان` المفروض أن الاقتداء فى مورد التقية ولا معنى حينئذ للقول بعدم اقتضاء التقية` ترك القراءة , و يؤيد ما ذكرنا دلالة بعض الروايات ( 1 ) على الاكتفاء بمثل` حديث النفس فى بعض الصور , مع أن حديث النفس لا يعد من القراءة حتى` بأدنى مراتب القراءة , و هذا تكليف استحبابى يدل عليه الجمع بين ما دل على` الاجزاء كالعمومات و بعض الخصوصات , و هذه الروايات الظاهرة فى لزوم` القراءة أو حديث النفس` .

قوله (( قده )) : و تجب على المأموم المتابعة للامام` .

أقول : قد استدل على وجوب المتابعة فى الافعال ( أولا ) بالاجماع و الشهرة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 33 من أبواب صلاة الجماعة . `


57
ولكن ليس هذا الاجماع أو الشهرة كاشفا عن الحكم لاختلاف المبانى ,` واختلافهم فى المراد من الوجوب , و وجود الخلاف فى المسألة , مع أن المحتمل` بل المظنون استنادهم إلى الادلة الاتية` .

( و ثانيا ) بالنبوى أما يخشى الذى يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه` رأس حمار ( 1 ) . و هذه الرواية ـ مع كونها مرسلة , و لم يحرز اعتماد الاصحاب ` عليها ـ لا تدل على المطلب , فان المدعى وجوب المتابعة فى جميع الافعال شرطا أو` تكليفا , والرواية لا تدل على أزيد من عدم جواز التقدم فى السجود ولعله` لخصوصية فيه` .

( و ثالثا ) بالنبوى انما جعل الامام ليؤتم به فاذا ركع فاركعوا و اذا سجد` فاسجدوا ـ الخبر ( 2 ) . و فى بعض الطرق : فاذا كبر فكبروا و اذا ركع . . . الخ` . والاستدلال بهذه الرواية أيضا لايتم و إن فرض جبر سندها` .

و لابد من بيان امور : 1 ـ أن جعل الامام محتمل لكونه من الشارع` تأسيسا و يحتمل كونه من المأموم مع إمضاء الشارع له و إن كان الظاهر هو` الثانى , ولا ثمرة مهمة للفرق و إن جعله بعض السادة الاعاظم منشأ لترتب أثر` عليه` .

2 ـ الائتمام محتمل لكونه هو المقوم لماهية الجماعة و يحتمل كونه أزيد من` ذلك بمعنى المتابعة فى جميع أفعال الصلاة , و الظاهر من الرواية الثانى لا الاول ,` لصدق الجماعة مع عدم متابعة المأموم فى بعض أفعال الصلاة كما لا يخفى` .

3 ـ ظهور الفاء فى أصل التفريع لا الترتيب الزمانى , و لذا يصح أن يقال` وجدت العلة فوجد المعلول` .

( 1 ) صحيح مسلم : ج 4 , ص` . 151

( 2 ) كنزالعمال : ج 4 , ص 250 الرقم 5224 . `


58

4 ـ اذا ظرفية مفيدة معنى الشرط فقوله (( اذا ركع فاركعوا )) يعنى فى زمان` ركوع الامام فاركعوا` .

5 ـ الشرط مقدم على المشروط رتبة لازمانا بلا فرق بين التكوين` و الاعتبار , فوجوب الحج بنفس الاستطاعة و فى حال الاستطاعة لا بعدها` .

6 ـ الامتثال متأخر عن الامر رتبة لازمانا , و لذا لو علم الشخص بأن المولى` سيأمره فيما بعد فى زمان لابد من امتثاله فى نفس ذلك الزمان لايكون معذورا` فى ترك الامتثال , ولا يسمع عذره بأن ظرف الامر مقدم على ظرف الامتثال` .

7 ـ ظاهر (( اذا ركع فاركعوا )) أن لايتأخر المأموم عن الامام ولا يتقدم عنه` ولايختص بصورة التأخر كما قيل , كما لايختص بصورة التقدم كما احتمل ,` قضية للاطلاق , فحاصل المعنى أنه فى زمان ركع الامام فاركعوا بلا تقدم ولا` تأخر , و قد مر أن الفاء و الشرط لا يقتضيان الترتيب و التقدم الزمانى` .

8 ـ لا يجب وقوع تكبير المأموم فى زمان تكبير الامام جزما , بل ادعى وجوب` تأخره عنه , و مع ذلك لا يضر التأخر الفاحش , و هذا مسلم موافق للنصوص` .

9 ـ الظاهر أنه ليس هنا إلا رواية واحدة , و الاختلاف فى طريق الرواية لا` أن هنا روايتين إحداهما واجدة لجملة (( فاذا كبر فكبروا )) و اخراهما فاقدة لها , ` فحينئذ يحصل الترديد فى اشتمال الرواية لهذه الجملة و عدمه , و الصناعة و إن ` اقتضت البناء على الاشتمال إلا أنها فى مورد كان الطريق صحيحا و هنا` الرواية المشتملة عليها وردت بطريق عامى ولا يعلم اعتماد الاصحاب على` الواردة بهذا الطريق , فالترديد باق` .

10 ـ يظهر مما ذكرنا من الامور عدم دلالة الرواية على أزيد من` الاستحباب , فان مراعاة العمل على وفق (( اذا كبر فكبروا )) أمر مستحب` جزما , فبوحدة السياق أولا , و التفريع على الائتمام المنطبق على الجميع ثانيا ,` يعلم أن حكم المتابعة المذكور فى الرواية استحبابى , على أن ظاهر جميع الجمل`


59
الامر بمراعاة عدم التقدم وعدم التأخر و بيان مطلوبية كون أفعال المأمومين بنحو ` منظم منطبق على فعل الامام , و هذا نظير اتصال الصفوف الذى مر الكلام فى` استحبابه , و يؤيد ذلك خبر ابى سعيد الخدرى المروى من مجالس الصدوق` مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : اذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا` صفوفكم و أقيموها و سووا الفرج , و إذا قال إمامكم الله اكبر فقولوا الله اكبر` ـ الخبر ( 1 ) ` .

11 ـ قد ظهر مما مر أنه لا دلالة للرواية على لزوم تأخير أفعال المأموم عن` الامام و إن قلنا بدلالتها على لزوم المتابعة , فان غاية ما يمكن أن يقال فى وجه ` دلالتها على ذلك وجوه ( منها ) أن التفريع يدل على الترتيب , فلابد من كون` ركوع المأموم مثلا عقيب ركوع الامام . ( و منها ) أن الامر بالركوع مثلا فى النبوى مشروط بركوع الامام وما لم يتحقق الشرط لا أمر بالركوع حتى يمتثل فلابد من ` كون ركوع المأموم متأخرا عن ركوع الامام قضية لتأخر الامتثال عن الامر` المتأخر عن شرط الامر . ( و منها ) أن الائتمام الذى جعل غاية لجعل الامامة لا` يتم إلا بذلك` .

و شىء من هذه الوجوه لايتم لما ذكرنا من أن الفاء لا يدل على الترتيب` الزمانى , و كذا الشرط لايتقدم على المشروط زمانا , كما أن الامتثال لا يلزم أن` يتأخر عن الامر زمانا , و الائتمام صادق على صورة التقارن أيضا كما يصدق` على صورة تقدم أفعال الامام , هذا على مبنى دلالة الرواية على لزوم المتابعة , و لو` كان الدليل الاجماع و الشهرة فكذلك , لان القدر المتيقن من اعتبار المتابعة` بحيث تبطل الجماعة بالاخلال بها صورة عدم تقدم المأموم على الامام , و أما` سائر الصور و منها المقارنة فلا إجماع على البطلان فيها , ولا دليل على الاعتبار`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 70 من أبواب صلاة الجماعة , حديث` . 6


60
فيها , و المرجع ما اسسناه من الاصل و هو البراءة بل الاطلاق المقامى` .

12 ـ قد ظهر مما مر أن ما جعله المحقق الهمدانى وجها و دليلا على لزوم` المتابعة فى الافعال و هو أن التبعية مأخوذة فى مفهوم الائتمام و الاقتداء و أسنده` الى الشيخ الاعظم ـ قدس سره و ايده ـ خارج عن محل البحث , فان الكلام فى` لزوم المتابعة بعد فرض صدق الجماعة و إن تخلف المأموم , و لذا ذكر فى آخر` كلامه أن الائتمام قد يلاحظ بالنظر إلى مجموع الصلاة على سبيل الاجمال , و قد` يلاحظ كونها فعلا تدريجيا حاصلا بمتابعة الامام فى أفعالها المتدرجة , فلاحظ` كلامه و تأمل فيه , و ما هو دخيل فى الجماعة هو الاول , و ما هو محل الكلام هو` الثانى` .

13 ـ حكم التأخير الفاحش حكم التقديم حرفا بحرف , فلو فرضنا أن` التأخير كان بحيث أخل بهيئة الجماعة بحيث لا يرى أنه مأموم مقتد فى الصلاة` فتبطل الجماعة , و لو لم يكن كذلك فمجرد التأخير الفاحش لا يكون مضرا` بصحة الجماعة و لم يحصل به إثم , و ما استدل الهمدانى ـ قدس سره ـ به من` روايتين لا دلالة لهما , فلاحظ` .

14 ـ لو بنينا على استفادة الوجوب من الرواية آودلنا الاجماع أو الشهرة` على الوجوب فهل الوجوب شرعى أو شرطى ؟ أما الرواية فالظاهر منها الوجوب` الشرطى للائتمام الذى جعل غاية لجعل الامامة , و أما أن الائتمام هل هو` واجب بوجوب شرعى أو شرط فى صحة الجماعة فلا يعلم من الرواية , و أما` الشهرة أو الاجماع فلم يقم على خصوص واحد منهما , بل الاصحاب بين قائل` بالوجوب الشرعى و قائل بالوجوب الشرطى , فلا يحرز أحدهما , فعلى كلا` المبنيين نتردد فى ذلك , فلو قام دليل كالاجماع و الشهرة على أحدهما كما ادعى` قيام الشهرة على الوجوب النفسى ينحل العلم الاجمالى , والا فيعلم إجمالا` بثبوت أحدهما , فلو بنينا على أن الشك فى اعتبار شىء فى الجماعة مورد`


61
للاشتغال ينحل العلم الاجمالى حكميا و يثبت الشرطية للاشتغال و ينفى` التكليف بالبراءة , و على ما بنينا عليه من أنه مورد للبراءة فالاصلان متعارضان` ولابد من ترتيب آثار كلا الوجوبين , فمع التخلف تجب الاعادة والتوبة` .

و قد أفاد المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ فى المقام من أن الوجوب شرعى ,` و إن شئت قلت شرطى بالنسبة الى الجزء لا الكل , و هذا ـ مع أنه قول بلا` دليل ـ مناقضة فى الكلام , و لا يستقيم مع ما بنى عليه من ظهور الرواية على` الشرطية للائتمام المعتبر فى حقيقة الجماعة , فلاحظ . هذا كله بالنسبة إلى` المتابعة فى الافعال , وقد تحصل أن الصناعة تقتضى عدم الوجوب لا شرطا ولا` شرعا إلا اذا كان التخلف بمقدار يكون مخلا بهيئة الجماعة , و مع ذلك` الاجماعات المنقولة و الشهرة و السيرة الخارجية تمنعنا عن الجزم بالحكم` و الافتاء , فلا يترك الاحتياط بترتيب آثار الوجوب شرعا , و أما الشرطية فلم` تثبت جزما` .

و أما الاقوال فلا تجب المتابعة فيها و لو قلنا بوجوب المتابعة فى الافعال ,` وذلك لعدم قيام دليل فى الاقوال , ولا يشملها ما ادعى دلالتها على الوجوب فى` الافعال , فان الاجماع و الشهرة لم تقم على الوجوب فى الاقوال بل ادعى الاجماع` و قيام الشهرة على عدم الوجوب فيها , و النبوى أيضا منصرف عن المتابعة فى` الاقوال , و عدم جواز تكبيرة الاحرام قبل الامام ليس من باب وجوب المتابعة ,` بل من جهة أنه لا تنعقد الجماعة بانفراد المأموم بالتكبير , و لذا لا بأس بالتأخير` الفاحش فى تكبيرة الاحرام لا شرطا ولا شرعا , و هل يجوز المقارنة فى التكبير ,` أو لابد من التأخير فى الشروع و إن كان الختم مقدما , أو لابد من التأخير فى` الشروع و الختم , أو لابد من التأخير عن تكبير الامام جميعا ؟ الظاهر هو الاول` لصدق الجماعة عليه , و قد مر عدم قيام دليل على المتابعة بمعنى الفصل الزمانى` فلا يمكن التمسك بقوله صلى الله عليه و آله : (( فاذا كبر فكبروا )) على لزوم`


62
التأخير , مضافا إلى تفريع ذلك على الائتمام , فلابد من ملاحظة أنه هل` يصدق الائتمام أو لا يصدق ؟ و الظاهر صدق الائتمام بالمقارنة , بل يجوز` المقارنة فى الشروع و لو ختم المأموم مقدما للصدق أيضا` .

و ما توهم من أن المأموم على هذا دخل فى الصلاة قبل دخول الامام فى` الصلاة مبنى على خروج تكبيرة الاحرام عن الصلاة , و هذا واضح الفساد ,` و تسميتها بتكبيرة الافتتاح من جهة أنها الجزء الاول منه , لا أن الصلاة تفتتح بها` بمعنى أن الصلاة أمر و التكبيرة خارجة عنها و تفتتح الصلاة بها نظير الباب` و المفتاح , فالامام و المأموم دخلا فى الصلاة معا بشروعهما فى التكبير مقارنا و إن` كان ختم تكبير المأموم مقدما على ختم تكبير الامام` .

و أما التسليم فلا بأس بتقدم المأموم على الامام فيه , فانه مضافا إلى ما مر` فى مطلق الاقوال يكفى فى الدلالة على ذلك صحيحة أبى المعزا عن الصادق` عليه السلام فى الرجل يصلى خلف إمام فيسلم قبل الامام قال : ليس بذلك` بأس ( 1 ) فانها مطلقة تشمل العمد أيضا , و دعوى الانصراف إلى السهو ـ ولا` سيما بملاحظة صحيحة الاخر ( 2 ) الوارد فى مورد السهو ـ ممنوع , فان الانصراف` بدوى مع أن صحيح الحلبى عن الصادق عليه السلام فى الرجل يكون خلف` الامام فيطيل الامام التشهد فقال : يسلم من خلفه و يمضى لحاجته إن أحب ( 3 ) ` وارد فى مورد العمد , و دعوى أن مورد الصحيحة مورد العذر فاسد , فان الاطالة ` فى التشهد ليست بمقدار يوجب العذر عن المتابعة , و احتمال أن تسليم المأموم فى` الرواية مع قصد الانفراد مدفوع بعدم دلالة الدليل على لزوم قصد الانفراد ,` هذا . مع أن صحة التسليم على القواعد و إن قلنا بوجوب المتابعة شرطا أو شرعا , `

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 4

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 5

( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 1


63
لما تقدم من أن بطلان الجماعة لا يستلزم بطلان الصلاة , و وجوب المتابعة لا` يستلزم النهى عن التسليم , فالتسليم وقع موافقا للامر فتصح الصلاة جزما , و ليس` فى البين الا احتمال الاثم , و هو مدفوع بأصالة البراءة لعدم قيام دليل صالح` لاثبات ذلك` .

قوله (( قده )) : فلو رفع المأموم رأسه عامدا استمر` .

أقول : هذا هو الموافق للقاعدة , فان ركوعه أو سجوده وقع موافقا للامر` فيجزى , والشك فى بطلان الصلاة أو الجماعة لا أثر له , فان العمل موافق` للمأمور به والاحتمال المذكور يدفع بالاطلاق لفظا أو مقاما , مع أن` استصحاب الصحة و بقاء القدوة يكفى فى ذلك` .

إن قلت : رفع الرأس محرم فكيف يكون موافقا للامر , و عليه فلا يمكن` تصحيح الصلاة لانه مع إعادة الركوع أو السجود تحصل الزيادة العمدية ,` و مع عدم الاعادة يحصل الاخلال من جهة رفع الرأس` .

قلت : رفع الرأس غير محرم حتى بناء على القول باقتضاء الامر بالشىء ـ و هو` المتابعة فى المقام ـ للنهى عن ضده الخاص , فان المنهى و إن كان هو الضد` الخاص إلا أنه بعنوان أنه مضاد للواجب لا بعنوان آخر , فالحركة المذكورة مجمع ` لعنوانين أحدهما رفع الرأس من السجدة أو الركوع والاخر كونها مضادا` للواجب , والنهى على القول بالاقتضاء متعلق بهذا العنوان ولا يسرى الى ذاك` العنوان , مع أن القول بالاقتضاء باطل كما حقق فى محله , مضافا إلى أن رفع` الرأس ليس من أجزاء الصلاة حتى توجب حرمته فساد الصلاة بفساد جزئها ,` بل هو مقدمة للجزء و هو القيام بعد الركوع أو الجلوس بعد السجود` .

و قد أشكل المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ على الاستدلال بأن إعادة الركوع`


64
أو السجود ليس من ايجاد الزائد الممنوع فى الصلاة , بل إنما يوجب إحداث` وصف الزيادة فى المتقدم و هذا لا يكون مبطلا , و ذكر هذا فى مواضع من كتابه ,` ولكن لا يخفى أنه لو سلم هذا الكبرى , أى أن الممنوع ايجاد الزائد لا ايجاد` وصف الزيادة فى الجزء السابق لكن لا يرتبط بما نحن فيه , فان المحرم ـ على` القول به ـ ليس إلا رفع الرأس لا الركوع أو السجود , فالركوع أو السجود وقع` صحيحا و إعادتهما من ايجاد الزائد و هو مبطل للصلاة` .

فتحصل : أن مقتضى القاعدة صحة الصلاة اذا رفع المأموم رأسه عامدا ,` و قد مر أنه لا دليل على وجوب المتابعة شرط للصلاة أو الجماعة لو لم نقل بعدم` الدليل على الوجوب التكليفى أيضا . و أما وجوب الاستمرار فأيضا موافق` للقاعدة , فان ترك الاستمرار و إعادة الركوع أو السجود موجب لحصول الزيادة` العمدية , بل زيادة الركن فى إعادة الركوع , هذا بحسب القاعدة` .

و أما الادلة الخاصة فى المقام فمضافا إلى الشهرة كما يظهر من كلماتهم , بل` ادعى على ذلك أنه مذهب الاصحاب : موثقة غياث بن إبراهيم قال : سئل أبو` عبدالله عليه السلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام أيعود فيركع اذا` أبطأ الامام و يرفع رأسه معه ؟ قال : لا ( 1 ) بناء على ثبوت الاطلاق فيها بحيث` تشمل صورة العمد أو تقيد بهذه الصورة جمعا , وإلا فلا دليل على ذلك , إلا` أنه مقتضى القاعدة و موافق للشهرة . ثم إنه هل يكون للرواية إطلاق ؟ و على` تقدير ثبوت الاطلاق , هل يمكن تقييدها بصورة العمد أو لا ؟ فقد يدعى أن` السؤال عن الرفع قبل الامام , وأجاب الامام عليه السلام بالنفى و لم يفصل بين` صورة العمد و غيره , و هذا يدل على إطلاق الحكم لصورة العمد , و ادعى المحقق` الهمدانى` ـ قدس سره ـ انصراف الرواية إلى غير مورد العمد . و الانصاف أنه لا`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 6


65
يمكن الاعتماد على أى من الدعويين , فان ندرة وجود العمد فى التقدم تكون` موجبة لا حتمال الانصراف بل الظن به , و مع ذلك لا يمكن إحراز أن المتكلم` فى مقام بيان الاطلاق فنبقى فى الشك فى الاطلاق و الانصراف و معه إطلاقات` أدلة مبطلية الزيادة محكمة , على أنه لو فرضنا الاطلاق لابد من حمل الرواية` على نفى الوجوب و حمل الروايات الاتية على الاستحباب , فالنتيجة التخيير بين` الاستمرار و الاعادة و ان كانت الاعادة مستحبة , فالاستمرار موافق للاحتياط ,` فانه على جميع التقادير لا بأس به , و الحاصل أن وجوب الاستمرار لو لم يكن` أقوى فلا أقل من أنه أحوط . `

قال المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ : لايقال : الاجماع على عدم وجوب` الاستمرار فى مورد السهو يخصص الموثقة بصورة العمد , و تنقلب النسبة بين` الموثقة و الروايات الاتية الدالة على وجوب العود مطلقا فتخصص الروايات` بالموثقة , فتحصل وجوب الاستمرار فى مورد العمد و وجوب العود فى مورد` السهو . لانا نقول : إن الاجماع من قبيل المخصص المنفصل الذى يجب ملاحظة` النسبة بين المتعارضين قبل التخصيص به لا بعده , فلابد من الجمع بين الموثقة` و الروايات بحملها على الاستحباب , و هذا لاينافى الاجماع` .

أقول : الظاهر أنه لابد من الالتزام بما يقتضيه انقلاب النسبة , فان العرف` لايرى عموم لايكرم الفساق مثلا المبتلى بمخصص مثل يستحب إكرام` الجاهل الفاسق معارضا لعموم أكرم العلماء , بل يرى قرينية المخصص للارادة` الجدية من العموم الاول , و يرى ذلك قرينة للارادة الجدية من العموم الثانى ,` هذا بحسب الكبرى , لكن فى المقام لايمكن القول به , فان تخصيص الموثقة` بالاجماع موجب للتخصيص المستهجن , فان مورد التخلف العمدى نادر جدا ,` فلا يمكن رفع اليد عن عمومها لغير مورد العمد , و النتيجة هو الحمل على` الاستحباب , لكن الكلام فى عمومها لمورد العمد , و قد مر دعوى الانصراف`


66
عنه فى كلام بعض الفقهاء` .

قوله (( قده )) : و لو كان ناسيا أعاد` .

أقول : قد ظهر مما مر أن هذا الحكم على خلاف القاعدة , يدل عليه` ـ مضافا إلى التسالم بينهم و إن كان وجوب الاعادة و استحبابها مورد الخلاف ـ` بعض الروايات كخبر محمد بن سهل عن أبيه عن أبى الحسن عليه السلام قال` : سألته عمن يركع مع إمام يقتدى به ثم رفع رأسه قبل الامام , قال : يعيد ركوعه` معه ( 1 ) . و بمضمونه خبر على بن يقطين ( 2 ) . و كصحيحة الفضيل بن يسار أنه` سأل أبا عبدالله عليه السلام عن رجل صلى مع إمام يأتم به ثم رفع رأسه من` السجود قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود قال : فليسجد ( 3 ) . و بمضمونها` موثقة محمد بن على بن فضال ( 4 ) الا أنه عليه السلام قال : أعد واسجد ` .

و الجمع بين هذه الروايات و موثقة غياث قد تقدم , و قلنا بأنه لابد من` حمل هذه الروايات على الاستحباب , قلنا بانصرافها الى غير العمد أو لم نقل ,` فان السؤال فى الموثقة و هذه الروايات بلسان واحد , فلو قلنا بالانصراف نقول` فى الجميع و لو لم نقل لا نقول فى الجميع , و على أى حال فالقدر المتيقن من` شمول هذه الروايات صورة غير العمد , و بما أنه لابد من حمل الامر فيها على` الاستحباب جمعا فيحصل استحباب الاعادة فيما اذا رفع المأموم رأسه قبل` الامام ناسيا` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 3

( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 1

( 4 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5 . `


67
تنبيهان
`

1 ـ لو قلنا بوجوب العود على الناسى فان أخل به عمدا فهل تبطل صلاته ؟` قولان مبنيان على استفادة الشرطية من الاوامر الواقعة فى هذه الروايات أو` استفادة التكليف منها . و قال المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ : المتبادر من الامر فى` مثل المقام ليس إلا بيان ما هو وظيفته من حيث كونه مقتديا لا من حيث` كونه مصليا , فمخالفته غير موجبة لبطلان الصلاة بل ولا أصل الجماعة` .

أقول : أما بطلان أصل الصلاة فغير محتمل مع الاتيان بوظيفة المنفرد و عدم` الاخلال بها , و الكلام إنما هو فى صحة الجماعة و عدمها , و ليس فى الروايات` شىء يعتمد عليه من أن الحكم فيها تكليفى أو شرطى , فان احتمال كل من` ذلك احتمال عقلائى , و دعوى التبادر ممنوعة , ولا بد من ملاحظة ما هو المرجع` للشك فى أن المجعول الشرطية أو التكليف المحض و المفروض عدم دليل` اجتهادى صالح لاثبات أحدهما , و أصالة البراءة عن الشرطية تعارض أصالة` البراءة عن التكليف , فتصل النوبة إلى الاصل الحكمى و هو استحباب بقاء` القدوة و صحة الجماعة بلا مانع , والنتيجة موافق لعدم الشرطية والوجوب` التكليفى` .

2 ـ لو رفع رأسه قبل الذكر الواجب فهنا صور أربع : الرفع عمدا مع ترك` الذكر عمدا . الرفع عمدا مع ترك الذكر سهوا . الرفع سهوا مع ترك الذكر عمدا . ` الرفع سهوا مع ترك الذكر سهوا` .

أما صورة كون الرفع و الترك عمديين فلا ينبغى الاشكال فى بطلان` الصلاة , للاخلال بالذكر الواجب عمدا مع عدم إمكان تداركه` .

كما لاينبغى الاشكال فى صحة الصلاة والجماعة فى مورد كون الرفع` عمديا والترك سهويا , و ذلك لكون الاخلال بالذكر الواجب سهويا فلا`


68
يوجب البطلان , و قد مر صحة الجماعة و لزوم الاستمرار فى هذه الصورة` .

و أما فى صورة كون الرفع سهويا و الترك عمديا فهل يحكم ببطلان الصلاة` أو يجب العود لتدارك الذكر الواجب , و معه يحكم بصحة الصلاة والجماعة ؟` و جهان . `

و هكذا فى صورة كون الرفع و الترك سهويين فلا إشكال فى صحة الصلاة` والجماعة , لكن هل يجب العود لتدارك الذكر أولا ؟ و لو تذكر بعد العود فهل` يجب الذكر أو لا ؟ الوجهان مبنيان على أن الركوع الثانى أو السجدة الثانية هل` هما أمر مستقل و ركوع أو سجود زائد مغتفر فى الصلاة , أو أن الشارع ألغى` الزائد و اعتبر المصلى بعد العود عائدا إلى ما كان فكأنه فى نفس الركوع الاول` أو السجدة الاولى ؟ فقد اختار المحقق الهمدانى ـ قدس سره ـ الوجه الثانى ,` وادعى أن المتبادر من الامر بالعود والرجوع والاعادة ذلك` .

أقول : ليس فى الروايات كلمة العود و الرجوع , و إنما وردت فى روايتين ( 1 ` ( منها يعيد و أعد , ولو لم نقل بأن إعادة الركوع أو السجدة ظاهرة فى أن المعادة` اعتبرت مغايرة للمأتى به أولا فلا أقل من عدم الظهور فى خلافه , والحاصل أن` كلا الوجهين محتمل فى الروايات . و دعوى تبادر أحدهما عهدتها على مدعيها , ` نعم ما اختاره من الوجه أمر مناسب ملائم للذوق , لكن دعوى التبادر بمجرد` ذلك غير ممكن , ولا يمكن الافتاء على شىء بمجرد أنه مناسب للذوق و ملائم` للطبع , فلابد من ملاحظة ما هو المرجع فى مثل هذا الشك` .

و الظاهر الفرق بين الصورتين , فمع كون ترك الذكر عمديا لابد من العود` والاتيان بالذكر الواجب , و إلا فتبطل الصلاة للاخلال بالذكر الواجب` عمدا , ولكن لو أعاد وأتى بالذكر يحكم بصحة الصلاة و الجماعة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة` .


69
للاستصحاب , ولا مانع منه لتمامية أركانه , فوجوب العود حينئذ عقلى لامكان` إتمام الصلاة مع العود صحيحا , و أما صورة كون ترك الذكر سهويا فالاصل` البراءة , ولا يجب العود , بل لا يجب الذكر لو عاد ثم تذكر , و الله العالم` .

قوله (( قده )) : و كذا لو أهوى الى ركوع أو سجود` .

أقول : فيستمر مع العمد , و الخصوصية المحتملة فى هذه المسألة الفارقة بينها` و بين المسألة السابقة امور` :

الاول : أن الركوع من أجزاء الصلاة بخلاف رفع الرأس منه , و كذا` السجود و الرفع منه , فقد يقال إن ترك المتابعة عمدا في الركوع موجب للنهي` عنه المفسد له بخلاف ترك المتابعة في الرفع و إن كان عمدا , فان النهي عن` الرفع لا أثر له إلا الاثم فقط , و هذا الفرق و إن كان صحيحا إلا أنه ليس` بفارق , لما مرمن عدم سراية النهي إلى الركوع و إن قلنا باقتضاء الامر بالشيء` للنهي عن ضده الخاص , لان المنهي حينئذ الاتيان بمضاد الواجب و هذا عنوان` غير عنوان الركوع , والحكم المتعلق الى عنوان لا يسرى الى عنوان آخر , هذا` فضلا عما اذا لم نقل بالاقتضاء` .

الثاني : الرفع المقدم على الامام لا يكون مبطلا على حسب النص ( 1 ) و في` المقام لم يرد نص في خصوص العمد . ولكن هذا أيضا ليس بفارق , فان` القاعدة تقتضي لزوم الاستمرار كما ذكرناها في تلك المسألة , مع أن شمول` النص لصورة العمد في المسألة السابقة قد عرفت حاله` .

الثالث : هنا خصوصية في بعض الفروض و هو فرض ركوع المأموم قبل` إتمام الامام القراءة , و هذا مورد للاشكال من جهات` :

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة` .


70

( الاولى ) وقوع الاخلال بواجبات القراءة من القيام و الطمأنينة حالها` . ولكن لا دليل على اعتبار هذه الواجبات بالنسبة الى غير القارىء , و القارىء` في المقام هو الامام لا المأموم` .

( الثانية ) القيام الواجب هو القيام بمقدار القراءة و المفروض إخلال` المأموم به . والجواب أنه لا دليل على ذلك بالنسبة الى غير القارىء الذى يجب ` عليه القيام حال القراءة , و بعبارة اخرى : هنا قيام واجب و هو من أجزاء` الصلاة و قيام واجب في القراءة , ولا دليل على الثاني بالنسبة الى غير القارىء ` ولا تحديد في الاول في مقداره` .

( الثالثة ) أن المأموم أخل بمتابعة الامام في القيام الواجب حال القراءة , ` ولكن هذا الاشكال لايزيد عن إشكال الاخلال بالمتابعة في أصل الركوع` .

( الرابعة ) ركوع المأموم وقع في غير محله لانه مترتب على القراءة , و المفروض` عدم تمامية القراءة بعد , فهذا ركوع زائد مبطل للصلاة , و هذا الاشكال هو` المهم في المسألة و به يحصل الفرق بينها و بين السابقة , فان الرفع ليس بجزء حتى` يقال بأن الرفع قبل تمام الذكر من الزيادة المبطلة لوقوعه في غير محله , فتحصل` مما ذكرنا أنه لو أهوى إلى الركوع أو السجود عمدا فان كان بعد القراءة يستمر` و يصح الصلاة , و لو كان في أثناء القراءة تبطل الصلاة من جهة الزيادة المبطلة` .

و أما اذا كان سهوا فقد استدل على وجوب الرجوع بمكاتبة ابن فضال إلى أبي` الحسن الرضا عليه السلام في الرجل كان خلف إمام يأتم به فيركع قبل أن` يركع الامام و هو يظن أن الامام قد ركع , فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد` الركوع مع الامام , أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة ؟ فكتب` عليه السلام : تتم صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع ( 1 ) . و الكلام يتم في هذا`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 48 من أبواب صلاة الجماعة حديث 4 . `


71
الاستدلال بذكر جهات` :

( الاولى ) لا اختصاص للحكم بمورد الرواية و هو الظان بركوع الامام , بل` الحكم يعم الناسي و الساهي و غير هما من المعذورين , للاجماع على عدم الفرق ,` و استفادة ذلك من الرواية من جهة الفهم العرفي بالغاء الخصوصية على تأمل في` ذلك` .

( الثانية ) لا يستفاد من الرواية أزيد من جواز الرجوع فانها في مقام بيان` حكم القضية الواقعة و لم يبين فيها وجوب رجوع المأموم , ولكن ادعى المحقق` الهمداني ـ قدس سره ـ عدم القول بجواز العود و الاستمرار و مع ذلك هو بنفسه` اختار الجواز و هذا يوهم ما ادعاه , مع أن أمثال هذه الاجماعات محصلها لا` يكشف عن رأي المعصوم فضلا عن منقولها , فان المجمعين و الناقلين كلهم` يجتهدون في دعواهم و فتواهم ولا سيما مع احتمال اعتمادهم على نفس هذه` الرواية , فالحق عدم استفادة الوجوب بل غاية ما يستفاد الجواز , و الجواز في المقام` ملازم للمحبوبية فيستحب العود للمتابعة` .

( الثالثة ) حكي عن بعض المتأخرين التفصيل بين الركوع و السجود ,` بوجوب الاستمرار في الثاني اقتصارا على مورد النص في الحكم المخالف` للاصل , ولكن المحقق الهمداني ادعى عدم القول بالفصل والقطع بالمناط , مع` إمكان منع صدق الزيادة المبطلة بهذه الزيادة التي أتى بها بقصد تدارك المتابعة` وادعى انصراف الادلة عن مثل هذه الزيادة . و فيه : أن المفروض وقوع السجدة` موافقا للامر و الانطباق قهرى والاجزاء عقلي , فكيف لايصدق على الثاني` الزيادة . مع أنها عرفي مثل سائر الموضوعات , و دعوى الانصراف ممنوعة جدا ,` و أما دعواه القطع بالمناط , فقضية أبان ـ الذى توهم أن ما أتى به من الحكم إنما` هو من الشيطان ـ واردة في مورد القطع بالمناط , فالقياس باطل و إن كان في مورد` القطع بالمناط , فان السنة اذا قيست محق الدين , و عدم إمكان الردع في مورد`


72
القطع أمر لو سلم أجنبي عن هذا , و محل الكلام فيه في الاصول , فلم يبق إلا` دعواه الاجماع , و يمكن دعوى إلغاء الخصوصية عن الركوع عرفا بحيث يستفاد` من ألفاظ الرواية أن الحكم ثبت لتقدم المأموم على الامام بلا خصوصية في` الركوع , فليتأمل` .

و كيف كان , الحكم في المسألة كأنه مسلم , ولكن الاحوط - بناء على` استفادة الجواز من الرواية لا الوجوب ـ هو التفصيل بين الركوع و السجود ,` بالقول بالجواز في الاول و يستمر في الثاني` .

و قد يستدل على وجوب المتابعة بالنبوى المتقدم : إنما جعل الامام إماما` ليؤتم به . . . الخ . ولكن الاستدلال بذلك لا . يتم لما أفاده المحقق الهمداني` ـ قدس سره ـ من أن الرواية ليست في مقام بيان لزوم التبعية فيما يكون مخلا` بصلاة المأموم نظير الركعة و الركن الزائدين بل مطلق الزيادة , و ما نحن فيه من ` ايجاد الزيادة فلا يشمله الدليل` .

ثم إنه بناء على وجوب الرجوع فلو أخل به لا تبطل الجماعة , لا لما ذكره` المحقق الهمداني من أن الوجوب من جهة المتابعة و هو تكليفي لمامر من عدم` دلالة الدليل على ذلك , بل لما ذكرنا من احتمال كلا الامرين في الدليل , ولا` يمكن استظهار أحد هما منه , و أصالة عدم الوجوب تكليفا معارضة بأصالة عدم` الوجوب شرطا , فتصل النوبة إلى استصحاب بقاء القدوة و صحة الجماعة . نعم` قد يقال بأنه لو كان ذلك أثناء القراءة فلابد من الرجوع لدرك القراءة وإلا` تبطل الصلاة للاخلال بالقراءة عمدا` .

و قال المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ في رده أنه لو كان الركوع الاول هو` الركوع الصلاتي لكانت القراءة ساقطة لفوات محلها و لو كان هو الملغى , والثاني` هو الصحيح فالواجب الرجوع و لو بعد القراءة بل و لو وقع قصد الانفراد , ثم` احتمل صحة الاول معلقة على عدم إلغائه , و بما أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب`


73
لابد من الغائه لامكان تدارك القراءة في محلها حينئذ بالغاء الركوع . إنتهى` ملخصا , و فيه جهات من النظر` :

1 ـ لو بنينا على أن الركوع الاول هو الصحيح , فيمكن أن يقال إن الساقط` من جهة السهو هو الترتيب بين القراءة و الركوع , و أما أصل القراءة فلا , فلابد` من الرجوع لا تيانها و لو بمسقطها` .

2 ـ لو كان صحة الركوع الاول معلقة على عدم إلغائه , فمع عدم الالغاء` تكون السجدة صحيحة , و عليه لابد من سقوط القراءة لما ذكره من فوات المحل ,` ولا دليل على لزوم الالغاء , و دليل وجوب القراءة لا يدل على لزوم الالغاء ,` فانه على الفرض الدليل مخصوص بعدم فوت المحل , و مع عدم إلغاء الركوع` يفوت المحل على هذا الاحتمال` .

3 ـ لا معين لهذا الاحتمال ولا يتم بدليل , فما أفاده من (( أن القول` بالبطلان حينئذ مع موافقته للاحتياط لا يخلو من وجه )) لا وجه له` .

و التحقيق أن يقال : إن الركوع الاول وقع موافقا للامر فيسقط الامر به ,` ولا وجه لتوهم أنه لا يحسب من الصلاة إلا بدليل الرجوع , ولا دلالة له على أن` الاول ملغى بحكم الشارع , غايته الدلالة على لزوم المتابعة , و أما أن الاول` ليس بجزء فلا , فعلى القواعد أن الاول وقع جزء للصلاة و الثاني إما متابعة` محضا , أو ركوع آخر للصلاة , أو توسعة في الركوع الاول أى عود فيه باعتبار` الشارع كما ليس ببعيد عن الذوق , و شيء من ذلك لا يقتضي البطلان` بالاخلال بالرجوع , و احتمال أن الثاني ركوع آخر للصلاة ففي هذه الركعة` ركوعان بحكم الشارع , لا يوجب بطلان الصلاة بعدم الرجوع , أولا : هذا` احتمال محض مدفوع بالبراءة` .

و ثانيا : أن غاية ما يمكن أن يقال إنه بالمتابعة يكون الركوع الثاني أيضا من ` الصلاة , لا أن جزئية الركوع الثاني يقتضي لزوم المتابعة , و لم يقل بذلك أحد


74
`

أيضا , و ذلك مجرد احتمال احتملناه , و ليس في كلامهم منه عين ولا أثر ,` و بعبارة اخرى : أنه مع الاتيان به جزء لا أن جزئيته تقتضي الاتيان به , لعدم` الدليل على الجزئية مطلقا , و كيف كان , الصلاة مشتملة على جميع أجزائها ,` و احتمال بطلان أصل الصلاة لا وجه له , و احتمال بطلان الجماعة يرتفع` باستصحاب بقاء القدوة و صحة الجماعة , و غايته حصول الاثم بترك المتابعة` و عدم الرجوع` .

ثم إنه لا يجب مراعاة واجبات الركوع في الركوع الاول كالذكر مثلا بناء` على لزوم المتابعة فانه فورى , و كذا على الجواز لاطلاق دليله من جهة ترك` الاستفصال , و هل يجب المراعاة في الركوع الثاني ؟ فلابد من التفصيل بين ما` اذا أتى بالواجبات في الركوع الاول فلا يجب في الثاني لاصالة البراءة , و ما اذا` لم يأت بها فيجب في الثاني فانه على احتمال ان الثاني توسعة في الاول و الركوع` الثاني رجوع الى الاول بحكم الشارع يحصل الشك في سقوط الوظيفة برفع الرأس` عن الركوع الاول , و الاصل الاشتغال و عدم السقوط , مع إمكان أن يقال إن` الركوع الاول و إن كان موافقا لامره و الانطباق القهرى مستلزم للاجزاء` العقلي , إلا أن تجويز الشارع إلغاءه والاتيان بالثاني يقتضي أن يكون الثاني` أيضا ركوعا صلاتيا توسعة في الركوع الاول , لا بمعنى أنه رجوع في الاول بل` بمعنى أنه يعامل معه معاملة الركوع الاول الواجب في الصلاة , فمع الاخلال` بالواجبات في الركوع الاول يأتي بها في الثاني , و مع الاتيان بها في الاول لا` يجب الاتيان بها في الثاني , و مع الاتيان بها في الثاني فانه أتى بها على الفرض` ولا يجب الاتيان بها ثانيا , فتأمل في ذلك فانه لا يخلو عن دقة . ولا يتوهم أن` لزوم معاملة الركوع الواجب يقتضي الاتيان بذكره , فان المراد أن الشارع` جعل توسعة في الركوع لا تضييقا , و كيف كان فمع عدم إمكان استفادة ذلك` من الدليل اللفظي فالاصل العملي كاف في المقام كما ذكرناه` .


75

قوله (( قده )) : ولا يجوز أن يقف المأموم قدام الامام` .

أقول : قد استدل على ذلك بالاجماع , و قد ادعي أنه مستفيض نقله بل` متواتر , و بالسيرة المستمرة الجارية على الالتزام بعدم تقدم المأموم على الامام في` الموقف , و بأن الجماعة أمر توقيفي مأخوذ من الشارع و لابد من الاحتياط` حينئذ في موارد الشك , لعدم وجود إطلاق يرفع الشك , ولا أصل فيه إلا` الاشتغال , و بأن الحكم معروف بين المتشرعة على وجه كاد أن يلحق` بالضروريات , و بأنه علم أن هذه الكيفية المخصوصة بين المسلمين ملحوظة في` الشريعة و ليست من باب الاتفاق , و بالروايات الاتية الدالة على لزوم تقدم` الامام فكيف بتقدم المأموم عليه , و بظهور لفظ الامام , و بخبر محمد بن عبدالله` الواردة في تقدم الصلاة على قبر الامام عليه السلام فان فيه : و أما الصلاة فانها` خلفه و يجعله الامام و لايجوز أن يصلي بين يديه , لان الامام لا يتقدم , و يصلى` عن يمينه و شماله ( 1 ) . `

و عن الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبدالله الحميرى عن صاحب` الزمان عليه السلام مثله , إلا أنه قال : ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه` ولا عن شماله , لان الامام لا يتقدم ولا يساوى ( 2 ) , هذا` .

أما الاجماع في المقام فيمكن أن يخدش فيه , بأنه ليس إجماعا تعبديا ,` لاحتمال استناد المجمعين إلى سائر الوجوه و منها الخبر المذكور` .

و أما السيرة فلا تثبت جهة العمل و أنه وجوبي أو غير وجوبي , و ما ذكر من` أن السيرة جارية على الالتزام بذلك . فلو فرض كونها كذلك إلا أن السيرة`

( 1 ) الوسائل : ج 3 باب 26 من أبواب مكان المصلي حديث` . 1

( 2 ) الاحتجاج : ج 2 ص 490 ط . بيروت` .


76
ليست بحجة في الملتزمات , بل حجيتها إنما تثبت في جواز ما قامت عليه من` العمل الخارجي , فان وجه حجيتها أنها متصلة الى زمان المعصوم عليه السلام و في ` منظر منه عليه السلام و لم يردع عنه فيستكشف أنه راض بذلك , و هذا لا يثبت ` إلا جواز نفس العمل الذى كان بمنظر منه عليه السلام` .

و أما توقيفية الجماعة , فلا تنافي إمكان إثباتها بالاطلاق المقامي أو الرجوع` في الموارد المشكوكة إلى البراءة كما مر في تأسيس الاصل , و أما دعوى ضرورية` الحكم أو أن الكيفية الخارجية ليست من باب الاتفاق . فلا يزيد عن دعوى` الاجماع و السيرة , و قد عرفت الحال فيهما , إلا أن يقال بأن الحكم لايحتاج الى` دليل فانه من الضروريات , ولكن هذا المقدار لا يكفي , لامكان منع كون` الحكم ضروريا ` .

و أما الروايات التي ادعيت دلالتها على لزوم تقدم الامام , فسيجيء` الكلام فيها و في دلالتها , و أنه لا تدل على اللزوم , فلم يبق إلا ظهور لفظ الامام` المؤيد بخبر محمد بن عبدالله المتقدم , بل نفس الخبر يكفي في إثبات ذلك , فانها` موثقة و إن كان خبر الاحتجاج ضعيفا` .

و تقريب الاستدلال مع كون الخبر في مقام بيان حكم الصلاة مقدمة على` قبر الامام عليه السلام أن التعليل ب (( أن الامام لا يتقدم )) لا يختص بمورد الخبر ,` فانه ليس تعليلا تعبديا لعدم إمكان تعليل الشيء بنفسه , فان الحكم المذكور` في الرواية عدم جواز التقدم على قبر الامام , ولا يمكن أن يعلل هذا الحكم بجملة` أن الامام لا يتقدم , فانها نفس الحكم المذكور لا علته , بل العلة إنما هي أمر` ارتكازى و هو أن الامام الذى جعل لان يتابعه المأموم كيف يتأخر عن المأموم ,` و هذا الامر الارتكازى لا يختص بالامام الواجد لمنصب الامامة فقط , بل عدم` جواز التقدم على هذا الامام أيضا من جهة إمامته المنافية لتقدم المأموم عليه ,` و هذا المعنى ينطبق على إمام الجماعة أيضا فانه إمام الجماعة و الامام لا يتقدم .


77
`

و الحاصل : أن التعليل لو كان بأمر تعبدى لامكن أن يقال باختصاصه` بمورده و هو الامام الواجد للمنصب , لكنه لا يمكن لان العلة على هذا يكون` نفس الحكم , و أما لو كان بأمر ارتكازى ـ كما هو الصحيح ـ فالارتكاز أشمل` من المورد , و لذا أيدنا ظهور لفظ الامام في ذلك بهذا الخبر , و إن شئت قلت : إنه` لا يرى العرف من وقف مقدما على شخص مقتديا بذلك الشخص و مأموما له ,` و على ذلك يحصل لنا دليلان على المسألة ( أحد هما ) صحة سلب الجماعة على` مثل هذه الجماعة , فانها مقومة بامام و مأموم ولا يصدق على المأموم المتقدم انه` مأموم . ( و ثانيهما ) الخبر المذكور , فان التعليل فيه بأمر ارتكازى شامل لصلاة` الجماعة أيضا , و أماما أفاده المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ من المناقشة في دلالة` الرواية , و عدم استناده الى ظهور لفظ الامام لقوله في ذلك كما يؤمي الدال على` أنه لايستند الى هذا الدليل , و استناده ـ قدس سره ـ إلى سائر الوجوه فلا يتم لما` ذكرنا , بل لو لم يتم ما ذكرنا من الدليلين لا يمكن أن يثبت المسألة بدليل إلا` بدعوى الضرورة , أو أنه لا اشكال في المسألة , و أمثال هذه الدعاوى مع أنها كما ترى` .

ثم إنه قد يستشكل على الاستدلال بالرواية بأن التعليل لابد و أن ينطبق` على مورده و بما أن الصلاة مقدما على قبر الامام عليه السلام لا يكون باطلا ,` بل غايته أن التقدم على القبر حرام , و الرواية أيضا لا تدل على أزيد من ذلك` مع أنه بحسب الفتوى أنه ليس بحرام أيضا , فيعلم عدم انطباق التعليل على` صلاة الجماعة إلا باعتبار الحكم التكليفي للتقدم , فلا يمكن إثبات البطلان` بهذا الدليل . ولكن هذا الاشكال مدفوع بأن التعليل بالامر الارتكازى ـ و هو` منافاة الامامة مع التقدم عليه ـ يدل على بطلان الجماعة فيما نحن فيه , و أما عدم` البطلان في المورد من جهة أن الامامة غير دخيلة في الصلاة بل إنما هي مؤثرة في` عدم جواز التقدم على القول به , و بعبارة اخرى : ظهور التعليل في المنافاة بين ` الامامة و التقدم عليه , و تطبيقه على المورد ينتج حرمة التقدم فقط ولا دخل لذلك`


78
في أصل الصلاة , و تطبيقه على مسألتنا ينتج بطلان الجماعة لاقتضاء المنافاة` ذلك كما لا يخفى` .

إن قلت : يمكن تصوير أن يكون التعليل تعبديا بأن يكون المراد منه حرمة` التقدم على مطلق الامام , فليس في تعليل الشيء بنفسه` .

قلت : هذا و إن كان جوابا عن الاشكال الذى أوردناه على كون التعليل` تعبديا , إلا أن نفس التعبير بأن الامام لا يتقدم بتناسب الحكم و الموضوع ظاهر في` بيان المنافاة بين الامامة و التقدم عليه , و هذا هو الذى ذكرنا أنه أمر ارتكازى ,` و كيف كان , دلالة الخبر على المسألة تامة , كما أنها تظهر أيضا عن مفهوم` الجماعة و كون شخص إماما والاخر مأموما` .

هذا كله في حكم تقدم المأموم على الامام , و أما اذا كانا مساويين في` الموقف فنسب إلى المشهور الجواز , بل عن التذكرة دعوى الاجماع عليه , ولكنها` لا يتم لوجود الخلاف كما نسب إلى الحلي ـ قدس سره ـ عدم الجواز , و كيف` كان فلابد من ملاحظة النصوص الواردة في الباب أولا , فلو تم وإلا فنتمسك` بالقواعد , فقد استدل على القول بعدم الجواز و وجوب التأخر بما في خبر` الحميرى المتقدم من قوله : لا يساوى , و صحيحة ابن مسلم عن الباقر` عليه السلام عن الرجل يؤم الرجلين قال : يتقدمهما و لا يقوم بينهما ( 1 ) . و ما دل` على الامر بتقديم إمام في مسألة ما لو مات الامام في أثناء الصلاة أو حدث له` مانع عن إتمامها و نظائر ذلك . و ما دل على كيفية صلاة العراة من أن إمامهم` يتقدمهم بركبتيه في صحيحة ابن سنان ( 2 ) , و يتقدمهم إمامهم في موثقة` إسحاق بن عمار ( 3 ) , هذا . و لا دلالة في شيء من ذلك على وجوب تأخر`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 23 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 7

( 2 ) و ( 3 ) الوسائل : ج 3 باب 51 من أبواب لباس المصلي حديث 1 و 2 . `


79
المأموم على الامام` .

أما رواية الحميرى مع ضعف سندها معارضة بخبر محمد المتقدم , و أما سائر` الروايات فكلها إلا صحيحة ابن مسلم التي نتكلم فيها واردة في مقام بيان أمر` آخر غير حكم التقدم , مثل حكم الامامة عند عروض حادث للامام , والامامة` في جماعة العراة , و ليست هذه الروايات ناظرة إلى بيان نوع حكم التقدم و أنه` وجوبي أو استحبابي , فيحمل الامر بالتقدم فيها إلى التقدم المشروع في الجماعة . ` و بعبارة اخرى : الروايات ناظرة إلى حكم آخر غير حكم التقدم , فالتقدم` المذكور فيها اخذ مفروض الوجود , ولا دلالة للامر بالتقدم الذى اخذ مفروضا` و معهودا على نوع حكمه و أنه وجوبي أو استحبابي ` .

و أما الصحيحة فأيضا لا تدل على اعتبار تأخر المأموم و جوبا , لانها بقرينة` (( لا يقوم بينهما )) لا تكون بصدد بيان الحكم الالزامي جزما , و إلا فأى فرق بين` القيام بينهما و القيام على طرفهما ؟ و بعبارة اخرى : أن عطف (( لا يقوم بينهما ` (( على (( يتقدمهما )) يدل على أن الامر المعتبر في الجماعة في المورد لا يتحقق إلا بالتقدم` ولا يحصل بقيام الامام بينهما , و هذا إنما يتم إذا كان الامر استحبابيا حتى` يكون الذكر القيام بينهما وجها و هو توهم حصول الاستحباب بذلك , و إلا فلا` خصوصية له , مع أن تقدم الامام بمقدار سقوط جسد المأموم في حال السجدة أمر` مستحب يدل عليه ما مر في البحث عن اعتبار الخطوة و مانعيتها , و حينئذ فالامر` الوارد في الصحيحة بالجملة الخبرية (( يتقدمهما )) لو لم نقل بانصرافه إلى ما هو` المعتبر في الجماعة و هو التقدم المستحب فلا أقل من إمكان منع ظهوره في الامر` بجنس التقدم حتى يقال بلزوم حمله على الوجوب . و بعبارة اخرى : الامر بالتقدم` الوارد في الجماعة التي لتقدم الامام حكم خاص لا يكون ظاهرا إلا في ما هو` المعهود منه في الجماعة , فلا دلالة لشيء من ذلك في وجوب التأخر فيكفينا` أصالة البراءة عن اعتبار التأخر , بل الاطلاق المقامى يرفع الشك بعد صدق`


80
الجماعة , و كون أحد هما إماما و الاخر مأموما في مورد التساوى` .

نعم قد استدل على ذلك بعدة من الروايات كلها واردة في موارد خاصة ,` ولا دلالة لشيء منها على المدعى , فلا حاجة إلى بيانها بعد كفاية الاطلاق` المقامي والاصل, و قد ذكرها المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ و أجاب عنها بأجوبة` وافية فلا نطيل . ولكنه ـ قدس سره ـ اختار وجوب التأخر و استدل عليه بما ورد` في كيفية صلاة العراة من أن إمامهم يتقدمهم ( 1 ) , أو يتقدمهم بركبتيه` و يجلسون و يركعون و يسجدون إيماء` . ( 2 )

و قال في تقريب الاستدلال ما محصله : أنه لو لم يكن التقدم واجبا و جاز` التساوى لما كان للايماء وجه , فانه مع التساوى يحصل الامن من النظر` بخلاف التقدم . ولا يخفى ما فيه فانه أى دليل دل على أن وجه اعتبار الايماء` حصول الا من من النظر , فلعل الوجه سترهم و عدم كشف عورتهم بسبب` الركوع و السجود , فان الستر الصلاتي أمر و الستر عن الناظر المحترم أمر آخر , فقد` تحصل أن المعتبر عدم تقدم المأموم على الامام لا تأخره عنه , و مقتضى الدليل أن` الشرط واقعي لا علمي , فلو أخل به ولو سهوا بطلت قدوته` .

ثم إنه لو تقدم على الامام ثم عاد إلى موقفه , فلو كان التقدم بمقدار لا` يكون مضرا بصدق عنوان الدليل و هو الامام على المقتدى به , يصح صلاته` و جماعته بلا تخلل الانفراد في البين , لعدم الدليل على ذلك حينئذ , و أما لو كان بمقدار` مضر بصدق هذا العنوان فتبطل الجماعة , والعود يحتاج الى دليل` .

قوله (( قده )) : و لابد من نية الائتمام` .

أقول : يقع الكلام في ذلك في جهات , الاولى : أن هذا الشرط فيه مقوم`

( 1 ) و ( 2 ) الوسائل : ج 3 باب 51 من أبواب لباس المصلي . `


81
للجماعة أو شرط لصحتها ؟ الثانية : أنه بالاخلال بهذه النية هل تبطل الجماعة` فقط أو تبطل الصلاة أيضا ؟ الثالثة : أنه ما معنى نية الجماعة ؟`

أما الجهة الاولى : فيختلف الاعتبار باختلاف المباني , فلو قلنا بأن الجماعة ` أمر شرعي مجعول من قبل الشارع تأسيسا , فمن الواضح دخل النية في قوامها ,` ولو قلنا بأنها أمر عرفي أضاف الشارع إليها قيودا و شرائط دخيلة في صحتها ,` فلابد من ملاحظة الجماعة العرفية , فلو قلنا بأنها مجرد الاجتماع في الصلاة` فالنية شرط لصحتها , ولو قلنا بأنها ربط معنوى حتى عند العرف لا ينفك عن` النية , فالنية تقوم لها , و على أى تقدير لا تصح الجماعة إلا بنية الجماعة , و إن` كان الوجه الاخير لا يخلو عن قوة` .

و أما الجهة الثانية : فاحتمال بطلان أصل الصلاة من وجوه : ( الاول ) ما` قد يتوهم من لزوم قصد خصوص الفرادى حتى تصح الصلاة فرادى , و مع عدم` قصد الفرادى أيضا لا تصح الصلاة , فان المفروض أنه لم يقصد الجماعة ولا` الفرادى . ( الثاني ) أن المضي على أحكام الجماعة من دون نية الجماعة مبطل` للصلاة , للاخلال بالواجبات حينئذ التي منها القراءة . ( الثالث ) نفس اقتران` المصلي فعله بفعل غيره مناف للصلاة , لانه وقف صلاته على صلاة الغير لا` لاكتساب الفضيلة , و لما فيه من إبطال الخشوع و شغل القلب` .

و شيء من ذلك لا يتم ( أما الاول ) فلعدم لزوم القصد في صلاة الفرادى ,` فان الجماعة ليست من الفصول المنوعة لما هية الصلاة في مقابل الفرادى , بل` هي خصوصية موجبة لتأكد مطلوبية الطبيعة ولحوق أحكام خاصة بها , فلا` يكون قصدها منافيا لقصد أصل الطبيعة بل متوقف عليه , ولا يتوقف وقوعها` فرادى على قصد حصولها كذلك بل على عدم قصد الجماعة أو عدم سلامتها له ,` فمتى لم تصح جماعة وقعت بنفسها فرادى , و إن لم يقصدها كذلك ما لم يخل` بشيء فيها حال الانفراد . ( و أما الثاني ) فأخص من المدعى , بل اللازم منه`


82
البطلان فيما لو أخل بوظيفة المنفرد لا البطلان مطلقا . ( و أما الثالث ) ففيه ما لا` يخفى فقد تحصل أن أصل الصلاة حينئذ صحيحة و تقع فرادى ولابد من الاتيان` بوظيفة المنفرد فيها` .

و أما الجهة الثالثة : فلا يعتبر في النية الاخطار في القلب كما هو الحال في ` سائر الموارد , بل يكفي مجرد وجود الداعي حال العمل بحيث لو سئل عنه أنك` مشتغل بأى نحو من الصلاة يكون جوابه جماعة , ولا يكفى في النية مجرد قصد` اقتران الصلاة بالصلاة فان الجماعة أمر معنوى و ربط بين المأموم و الامام لا` يحصل إلابقصد الائتمام , و إن شئت قلت : إن معنى قصد الجماعة قصد` الائتمام والاقتداء , هذا في المأموم` .

ثم إنه هل يعتبر قصد الامامة بالنسبة إلى الامام أم لا ؟ لا ينبغي الاشكال` في عدم الاعتبار , لا لما أفاده المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ من أن أفعال الامام` مساوقة لما يفعله المنفرد , فلا وجه لاعتبار تمييز أحد هما عن الاخر بالقصد . فان` اعتبار القصد أعم من أن يكون لاعتبار التمييز أو شيء آخر , بل لان الجماعة` و إن فرض أنها شرعية إلا أن مفهومها كسائر المفاهيم مفهوم عرفي , و العرف` انما يرى اعتبار قصد المأموم للائتمام في الجماعة لا قصد الامام للامامة فيها ,` و هذا ظاهر` .

ثم إنه هل يعتبر قصد الامام للامامة في الجماعة الواجبة نظير صلاة الجمعة` أو المعادة على القول بها أم لا ؟ الظاهر عدم الاعتبار كغيرها من أفراد` الجماعات , بل لو قيد الامام نيته بكون صلاته بنحو الانفراد ولكن اقتدى` المأمون به تصح الصلاة جماعة , لعدم الدليل على لزوم قصد الامامة , و ما تو هم` من عدم التمكن حينئذ من قصد التقرب إلا إذا قصد الامامة و لو إجمالا , أو أن` الالتفات الى أن الجمعة لا تصح فرادى ولابد من تحققها جماعة مستلزم لقصد` الجماعة , فلا يخفى ما فيه , فان هذا المقدار لا يدل على اعتبار قصد الجماعة ,`


83

فلو لم يقصد الجماعة في مورد الجهل بحيث أتى منه قصد القربة و حصلت` الجماعة باقتداء المأمومين تكون الجماعة صحيحة مع تحقق قصد القربة` .

قوله (( قده )) : و لا بد من القصد إلى إمام معين , فلو كان بين يديه` إثنان فنوى الائتمام بهما أو بأحد هما و لم يعين لم تنعقد الجماعة` .

أقول : وجهه ما أفاده المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ بما لا مزيد عليه من أن` الجماعة علاقة خارجية لا يعقل تعلقها بالمبهم الذي ليس له وجود إلا في` الذهن , مع أن المسألة إجماعية ولا كلام فيها` .

فرع (( 1 ))
`

لونوى الاقتداء بزيد فظهر عمرو , أو اقتدى بهذا الامام على أنه زيد فظهر` عمرو , فمع كون عمرو عادلا تصح الجماعة , فان الاقتداء علاقة خارجية بين` المأموم و شخص الامام , و التوصيف و التسمية زائد على المقصود بالائتمام به` و هذا مقصود على أي حال , فتصح الجماعة بلا فرق بين التقييد و التطبيق , و بلا` فرق بين كون القصد بنحو وحدة المطلوب أو تعدد المطلوب , فان القصد` بالاقتداء بالخارج موجود على أي حال و هذا يكفي في صحة الجماعة , و ما قيل` في هذه المسألة من التفصيلات لا يرجع الى محصل , فلاحظ` .

و لو كان عمرو فاسقا لا تصح الجماعة , فان البطلان على القاعدة , و لا` دليل على الصحة إلا الرواية الواردة ( 1 ) في صحة صلاة من اقتدى بيهودى` باعتقاد عدالته ثم ظهر فساده , و الرواية لا تشمل المقام , و تنقيح المناط أو` الاولوية ليس إلا القياس الممنوع فالجماعة باطلة , و صحة أصل الصلاة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 37 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1 و` . 2


84
و بطلانها مبنيان على ما تقدم من أن وقوع الصلاة فرادى تحتاج إلى قصد كونها ` فرادى أو يكفي في صحة الصلاة فرادى عدم سلامتها جماعة , و الحق هو الثاني ,` لان الجماعة مشتملة على أمر زائد على أصل الصلاة و هي الجماعة فلابد من` قصدها و إما الفرادى فغير مشتملة على إمر زائد على إصل الطبيعة فلا يتوقف` على أزيد من قصد أصل الطبيعة و هذا حاصل على الفرض , فتصح أصل` الصلاة و ان بطلت الجماعة` .
فرع (( 2 )) `

ذكر المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ أنه لو شك في أنه هل نوى الائتمام أم` لا ؟ بنى على عدمه , الا أن يكون مشغولا بأفعال الجماعة فلا يلتفت حينئذ` الى شكه لكونه شكا في الشيء بعد تجاوز محله` .

أقول : أما ما ذكره في المستثنى منه فصحيح , لاصالة عدم القصد , فلابد` من اتمام صلاته فرادى , و أما ما افاده في المستثنى فلا يمكن المساعدة عليه ,` فان قاعدة التجاوز متكفل لنفي اعتبار الشك فلا يجب تدارك المشكوك , ولا` ينطبق هذا المعنى على ما نحن فيه , فان المشكوك في المقام قصد الجماعة ولا` معنى لاعتبار الشك فيه و الحكم بلزوم تداركه , فلا يكون بعد تجاوز محله موردا لقاعدة ` التجاوز` .

و الحاصل : أن معنى اعتبار الشك في الشيء لزوم الاتيان بالمشكوك` و تداركه , و هذا لا يشمل الشك في قصد الجماعة كما لا يخفى , و قاعدة التجاوز` ليست إلا بمعنى عدم اعتبار الشك و عدم لزوم تدارك المشكوك , فاذا لم يكن` قصد الجماعة موردا للشك في المحل لا يكون موردا للقاعدة أيضا , مع أن` لشمول القاعدة لموارد الشك في النية كلاما مذكورا في الفرع الاول من فروع` العلم الاجمالي ( و الفرع في خاتمة مسائل الخلل في العروة الوثقى` . (


85

قوله (( قده )) : يجوز أن يأتم المفترض بالمفترض و إن اختلف` الفرضان` .

أقول : تقدم الوجه في جواز الائتمام في كل فريضة , و نتعرض في هذه` المسألة لحكم اختلاف الفرضين , فنقول : مقتضى ما تقدم مفصلا في تأسيس` الاصل أن الاطلاق المقامي و أصالة البراءة تدلان على جواز الاقتداء و ان كان` الفرضان مختلفين , و الروايات الواردة في الباب كلها موافقة للقاعدة , ولا دليل` على الخلاف في شيء من الموارد , فنلتزم بعموم الجواز في جميع موارد اختلاف` الفرض , بلا فرق بين كون الاختلاف في العدد كالقصر و التمام , أو في النوع` كالظهر و العصر , أو في الصنف كالاداء و القضاء فيصح الائتمام في صلاة` الصبح بالطواف و بالعكس , بل في صلاة الصبح بالايات مع حفظ الائتمام` والمتابعة و بالعكس , كل ذلك على القواعد` .

قوله (( قده )) : و المنتفل بالمفترض و بالمتنفل , و المفترض بالمتنفل في ` أماكن` .

أقول : قد تقدم عدم مشروعية الجماعة في مطلق النوافل إلا ما خرج` بالدليل و انحصار المشروعية في مطلق الفرائض , و أما ما اطلق عليه النافلة في` هذه المسألة مثل المعادة و المأتي بها بعنوان الاحتياط الاستحبابي و أمثالهما فلو` قلنا بجواز الجماعة فيها فليس من جهة تخصيص دليل عدم المشروعية في` النوافل , بل وجهه انطباق عنوان الفريضة عليها و إن كان فعلا مطلوبا بالامر` الاستحبابي , فان المراد بالفريضة ذات الصلاة المتعلق للحكم لا الصلاة مع` تعلق الحكم الوجوبيبها فعلا , ولذا تجرى أحكام الشكوك الواردة في الفريضة`


86
في أمثال هذه الصلوات` .

و الحاصل : أن المراد من الفريضة ما يكون بالطبع بلا عروض عنوان غير` نفسه عليه محكوما بالوجوب كصلاة الظهر و العصر , و إن كان بالفعل محكوما` بالاستحباب كصلاة الظهر بالنسبة الى الصبي أو المعادة في بعض الموارد , فلو` كانت الصلاة كذلك تترتب عليها الاحكام المترتبة على الفريضة كأحكام` الشكوك و مشروعية الجماعة فيها , و ليست الفريضة عنوانا للصلاة بلحاظ ترتب` الوجوب عليها فعلا , فان الفريضة أمر والواجب أمر آخر , و النافلة شيء` والمستحب شيء آخر , و لذا ذكرنا أن النافلة المنذورة ليست بفريضة ولو كانت` واجبة , و على هذا تصح الجماعة في المعادة المستحبة و المتبرع بها عن الغير , و أما` في موارد الاحتياط بالاعادة فحيث لايعلم وجود أمر بها أصلا فلا تصح` الجماعة فيها , إلا اذا كان الاحتياط من جهة واحدة , و هكذا في صلاة` الاحتياط اذا حصل الشك بالنسبة إلى الامام و المأموم من جهة واحدة و إلا فلا` تصح , و قد ظهر جواز الجماعة في صلاة العيدين و إن قلنا باستحبابهما في عصر` الغيبة , فانها فريضة و ان كانت مستحبة` .

و أما صلاة الاستسقاء و صلاة الغدير فجواز الجماعة فيهما مع كونهما مستحبا` فمن جهة النصوص` .

قوله (( قده )) : و يستحب أن يعيد المنفرد صلاته اذا وجد من يصلي` تلك الصلاة جماعة , إماما كان أو مأموما` .

أقول : هذا هو المتيقن من الروايات الواردة في الباب ( 1 ) , و الظاهر أن ` التعدى عن ذلك بغيره لا يمكن استفادته من هذه الاخبار , و المهم ملاحظة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 54 من ابواب صلاة الجماعة . `


87
مقتضى القاعدة في المقام و هي مسألة جواز الامتثال عقيب الامتثال و عدمه ,` فقد أفاد السيد الاستاذ ـ مدظله ـ أن الالتزام بالجواز إلتزام بالمتناقضين , فان` فرض الامتثال أولا فرض حصول الغرض في المأمور به باتيانه على وجهه ,` و فرض الامتثال الثاني عدم حصول الغرض بعد و هما متناقضان , و قد يقال بأنه` بالامتثال يسقط داعوية الامر , فلا يعقل حينئذ الامتثال الثاني , ولكن` التحقيق التفصيل بين ما لو كان الحكم المتعلق بالطبيعة مستفادا من لفظ دال` عليه بالمفهوم الاسمي و بين ما كان مستفادا من الهيئة , ففي الاول يفصل بين الوجوب` و الاستحباب , فلو قال المولي : تجب الصلاة فمعناه الالزام بهذه الطبيعة , و مع` الامتثال الاول يسقط الالزام لا محالة , قضية لتعلق الوجوب بالطبيعة و وفاء` المأتي به بها , و هذا واضح لا يحتاج إلى برهان . و لو قال تستحب الصلاة فمعناه` أن هذه الطبيعة محبوبة عند المولى مبعوثا إليها ندبا , و بما أن إطلاق هذا المعنى` قابل للانطباق على الفرد الثاني أيضا كالفرد الاول فالاطلاق يقتضي جواز` التعبد ثانيا بعد التعبد الاول` .

و أما لو استفدنا الحكم من الهيئة كما اذا قال المولى صل , فلا يخفى أن` دلالة هذه الصيغة على الوجوب ليست بالوضع ولا بالانصراف ولا بالاطلاق` و جريان مقدمات الحكمة كما حقق فى محله , بل بحكم العقل على أنها حجة` على الوجوب حتى يظهر خلافه , و بحكم العقلاء كافة على تمامية الحجة على` العبد مع صدور البعث من المولى و لزوم إطاعة العبد مالم يرد فيه الترخيص ,` و عليه لم يظهر من ذلك أن البعث إلزامي و أن داعي المولى على البعث الارادة` الحتمية , بل حكم العقلاء و العقل على ذلك إنما هو في مقام الامتثال بلا نظر` إلى كيفية الجعل , و بما أنه يمكن في مقام الجعل أن يكون الداعي الى الجعل` و الغرض من البعث نحو الطبيعة الالزام و الحتم بالنسبة الى الوجود الاول` و الندب بالنسبة إلى سائر الوجودات , و قضية الاطلاق أيضا هذا المعنى , فلا بد`


88
من القول بجواز الامتثال بعد الامتثال , فان البعث المتعلق بالطبيعة باطلاقه` باق بعد الايجاد الاول , و حيث ان الوجوب ساقط جزما فالاطلاق يقتضي` الاستحباب , و لا تناقض في هذا البيان كما لا يخفى` .

و من غريب الامر ما يقال : ان الامتثال عقيب الامتثال غير معقول و مع` ذلك يتمسك بالروايات لاثبات استحباب الاعادة في مفروض المسألة , مع` أن الاعادة اعادة تلك الطبيعة و يعلم من ذلك بقاء أمرها , و لا سيما مع دلالة` الروايات من أنه تجعلها فريضة أو أن الله تعالى يختار أحبهما اليه ( 1 ) على أن` الثاني أيضا امتثال , و الاشكال العقلي لا يندفع بالتعبد كما لا يخفى , و أغرب` من ذلك ما يظهر منهم في المقام أن المستفاد من الروايات تبديل الامتثال لا` الامتثال بعد الامتثال , مع أن الظاهر منها الامتثال بعد الامتثال , مضافا إلى` أن تبديل الامتثال غير معقول جزما , فان الشيء لاينقلب عما وقع عليه ,` و التحقيق ما ذكرنا من أن البعث نحو الطبيعة باطلاقه باق بعد الوجود الاول` و لا دليل على سقوطه بذلك , لاحتمال كون البعث نحوها بداعيين طوليين ,` فمقتضي الاطلاق بعد هذا الاحتمال بقاء البعث , و لا يمكن الا أن يكون` استحبابيا , هذا بحسب كبرى المسألة` .

و أما الصغرى فهنا أمران : ( أحدهما ) متعلق بطبيعة الصلاة ( و الاخر` ( بالجماعة فيها , و الامر الاول و ان كان ايجابيا الا أنه مستفاد من الهيئة ,` و اطلاقه يقتضي البقاء . و الامر الثاني استحبابي لايسقط بالامتثال الاول` كما مر , مع أن اطلاق هذا أيضا يقتضي البقاء فالمعادة جائزة على القواعد , ففي` جميع الصور المفورضة في المسألة تصح الصلاة والجماعة بحسب القاعدة , و ان لا` يمكن استفادة ذلك الا فيما ذكره الماتن ـ قدس سره ـ من روايات الباب ,`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 54 من أبواب صلاة الجماعة , حديث 1 و 10 و` . 11


89
فلاحظ` .

قوله (( قده )) : يعتبر في الامام الايمان و العدالة` .

أقول : أصل اعتبار الامرين في الجملة من ضروريات المذهب ,` فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه , و يكفي في ذلك من الروايات رواية` علي بن راشد فان فيها : لا تصل إلا خلف من تثق بدينه` . ( 1 ) و غيرها مما يكون بهذا المضمون أو مضمون آخر , إنما الكلام` في أن المعتبر نفس العدالة الواقعية , فلا تصح الجماعة اذا لم يكن الامام عادلا` واقعا , فلا تصح إمامته إذا علم من نفسه عدم العدالة , أو أن المعتبر احراز` المأموم عدالة الامام , فتصح إمامة غير العادل اذا كان المأموم معتقدا لعدالته ,` و إن علم الامام عدم عدالة نفسه` .

أفاد المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ أن الاخير هو الصحيح , لظهور (( تثق` بدينه )) في أن المعتبر وثوق المأموم بدين الامام , و أورد على نفسه بأن لازم ذلك` أن لا يكتفى بالبينة لاثبات الشرط إذا لم يحصل بها الوثوق . و أجاب عنه : بأن` الوثوق و إن كان دخيلا في الموضوع , إلا أن الظاهر أنه اخذ فيه على وجه` الطريقية فتقوم مقامه سائر الطرق و الامارات` .

ولكن لا يخفى أن هذا خلاف المتفاهم العرفي من جملة (( تثق بدينه )) و أن الوثوق ` الموضوعي على وجه الطريقية بعيد عن الانظار العرفية , بل أمر ذلك بنظر العرف دائر` بين الطريقية و الموضوعية , فاذا لم يمكن الالتزام بالموضوعية فلا بد من القول` بالطريقية , و أن الشرط هو العدالة الواقعية , و الوثوق طريق إليها , مع أن` الضرورة قائمة على أن العدالة شرط في الجماعة , لا أن الشرط هو الوثوق`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 10 من ابواب صلاة الجماعة حديث 2 . `


90
بالعدالة , و على هذا لا يصح إمامة من لم يعلم من نفسه العدالة , فلا يصح منه` ترتيب آثار الجماعة من الرجوع في شكه إلى المأموم مثلا . نعم تصح صلاته` فرادى لما مر من أنه كلما بطلت الجماعة فلو أتى بوظيفة المنفرد تصح الصلاة` . و يجوز له التصدى للامامة تكليفا لعدم الدليل على حرمته و الاصل البراءة , و المأموم` إنما يعمل بحسب وظيفته فلو كان محرزا لامامة امام يقتدى به و إلا فلا` .

ثم إنه لو احرز المأموم عدالة الامام و اقتدى به ثم انكشف الخلاف فلو لم` تكن صلاته مخالفة لوظيفة المنفرد بحسب الاركان , فلا إشكال في عدم وجوب` إعادته الصلاة و يكفي فيه قاعدة (( لا تعاد )) , و أما لو أخل بالاركان فهل تجب` الاعادة أو لا ؟ الصحيح عدم الوجوب , و ذلك لان ظاهر جواز الصلاة خلف` من يثق المأموم بدينه , المستفاد من الاستثناء في رواية علي بن راشد جواز` الاكتفاء به و إن كان الشرط مفقودا بحسب الواقع , و لذا نرى الاجزاء في كل` مورد من موارد امتثال الامر الظاهرى الذى يكون بمثل هذا اللسان , نظير` فامضه ( 1 ) كما هو في قاعدة التجاوز أو كن على يقين ( 2 ) المستفاد من دليل` الاستصحاب و غير ذلك , هذا مضافا إلى ورود دليل في خصوص المقام الدال` على إجزاء الصلاة خلف اليهودى معتقدا لعدالته , فلاحظ` .

و أما ماهية العدالة : فهي عبارة عن الاستقامة في الدين , و إنما تستكشف` بمجرد حسن الظاهر من دون اعتبار الوثوق , بل ولا الظن بها واقعا , و الدليل` على ذلك عدة روايات التي منها صحيحة ابن أبي يعفور ( 3 ) و الصحيحة تدل` على أن عدالة الرجل تعرف بأن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث` . 3

( 2 ) الوسائل : ج 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء` .

( 3 ) الوسائل : ج 18 باب 41 من أبواب الشهادات حديث 1 . `


91
و اليد و اللسان , و هذه الفقرة مبينة لماهية العدالة و هي الاستقامه في الدين , ثم` جعل لذلك طريقا و هو أن يكون الشخص ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على` المسلمين تفتيش ماوراء ذلك , و هذا هو حسن الظاهر , و أما ما دل على أنه (( لا` تصل الا خلف من تثق بدينه )) لا يدل على انحصار الطريق بالوثوق , فان` الظاهر منه أخذ الوثوق طريقا لا موضوعا , فيقوم مقامه سائر الطرق التي منها` حسن الظاهر الدال عليه الصحيحة المتقدمة , و لذا يجوز الصلاة خلف من` قامت البينة على عدالته و إن لم يحصل بها الوثوق بل الظن , هذا` .

و احتمال أن حقيقة العدالة هي حسن الظاهر مدفوع بظهور الصحيحة` على خلافه , و تكون قرينة على ما يكون ظاهره كون العدالة بمعنى حسن الظاهر` نظير رواية علقمة : فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد بذلك عليه شاهدان` فهو من أهل العدالة و الستر ( 1 ) . بل دلالة نفس الرواية على ذلك محل تأمل` .

ثم إنه قد يقال بكفاية الاسلام مع عدم ظهور الفسق في مقام إحراز عدالة` الرجل , و استدل بعدة امور لا يرجع شيء منها الى محصل , فلاحظ كلام المحقق` الهمداني ـ قدس سره ـ في ذلك` .

ثم إنه لا يعتبر في إحراز حسن الظاهر القطع به , بل المعتبر ما هو طريق` عقلائي لاحراز مثله من كون ذلك معروفا بين قبيلته و أهل محلته , أو إحراز` مواظبته على الطاعات في الجملة كحضور الجماعات , و يكون بحيث لو سألت` حاله عن قبيلته و أهل محلته لقيل في حقه لا نعلم منه إلا خيرا , و يدل على ذلك` جميع الاخبار الواردة في الباب ( 2 ) و منها الصحيحة المتقدمة` .

ثم إنه لا يعتبر في نفس العدالة ولا في طريقها اجتناب منافيات المروة ,`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 41 من أبواب الشهادات حديث` . 13

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 41 من أبواب الشهادات . `


92
لعدم الدليل عليه , وقوله عليه السلام (( ساترا لجميع عيوبه )) في الصحيحة لا` يريد منه إلا العيوب الشرعية و هي المعاصي , و هكذا سائر العناوين الواردة في` الادلة , و هذا ظاهر` .

ثم إنه ظهر مما مر أنه لا فرق بين ارتكاب الكبائر و الصغائر في كونه مخلا` بالعدالة , لخروج الشخص بذلك عن الاستقامة , و ليس هذا أمرا دقيقا لا` يفهمه العرف من مفهوم العدالة , فلا وجه لما أفاده المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ` من أن ارتكاب الصغيرة غير ناف لمفهوم العدالة عرفا , نعم ورد في الصحيحة` المتقدمة في معرفة العدالة (( و يعرف باجتناب الكبائر . . . الخ )) ولكن هذا لا` يدل على أن ارتكاب الصغيرة لا ينافي العدالة , بل غايته الدلالة على أن معرفة ` اجتناب الكبائر طريق لوجود العدالة , و هذا نلتزم به , ولكن عدم دخل معرفة` اجتناب الصغائر في الطريق أمر و عدم دخل نفس الاجتناب عنها في ذى` الطريق أمر آخر , و لذا لو علمنا بارتكاب الصغيرة لا نحكم بالعدالة , فان` الطريق مجعول في مورد الجهل و المفروض انا نعلم بعدم العدالة` .

و الحاصل : أن هذه الجملة في الرواية بصدد بيان الطريق على العدالة` لا نفسها , فلا تدل على عدم اعتبار اجتناب الصغائر في نفس العدالة ,` و الظاهر من هذا المفهوم الاستقامة في الدين بلا فرق بين الاستقامة في` الاجتناب عن الكبائر أو الصغائر , بل إطلاق صدر الصحيحة (( كف البطن` و الفرج و اليد و اللسان )) يدل على عدم الفرق أيضا . نعم , لو أحرز بما مر من` طريق الاحراز أن الشخص يجتنب الكبائر لا يعتبر التدقيق و إحراز أنه هل` يجتنب الصغائر أولا , لدلالة الرواية على أن اجتناب الكبائر طريق إلى العدالة` .

ثم إنه لو شككنا في ذنب أنه هل يكون كبيرة حتى يعتبر إحراز أن` الشخص يجتنب عنه أو صغيرة حتى لا يجب الفحص , فالظاهر عدم لزوم` الفحص اذا صدق على الشخص أن ظاهره مأمون و لو سئل عن قبيلته أو أهل`


93
محلته لقالوا فيه خيرا , فان الطريق غير منحصر باجتناب الكبائر , بل ظاهر` الرواية كفاية هذا المقدار . نعم , لو شككنا في هذا أيضا فلا يجوز ترتيب آثار` العدالة , للشك فيها مع عدم قيام طريق إليها , فاذا البحث عن تعداد الكبائر` قليل الجدوى كما لا يخفى , مع عدم دلالة الروايات الواردة في ذلك على الحصر` و ما يستفاد من مجموعها أن الكبيرة ما اهتم بها المولى و عظمها , و طريق إثبات` ذلك بامور مذكورة في المفصلات , فراجع` .

قوله (( قده )) : و العقل و طهارة المولد و البلوغ على الاظهر` .

أقول : يكفي في إثبات الاولين صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله` عليه السلام قال : خمسة لا يؤمنون الناس على كل حال , وعد منهم المجنون` و ولد الزنا ( 1 ) . و في الثالث خبر إسحاق ( 2 ) و غيره . و هنا جهات من البحث ينبغي` التكلم فيها` :

1 ـ مقتضى القاعدة صحة الصلاة و مشروعية الجماعة في مفروض المسألة` و إن قلنا بأن الاصل في الجماعة عدم المشروعية , فان ادلة الجماعة و إن لم` يكن لها إطلاق من حيث القيود المعتبرة فيها , إلا أن إطلاقها من حيث الموضوع` و هو المكلف لا كلام فيه , فدليل الجماعة مثبت لاستحباب الجماعة لكل` مكلف بأصل الصلاة . و بعبارة اخرى معنى صحيحة زرارة و الفضيل ( 3 ) الدالة` على استحباب الجماعة في كل فريضة أن كل من هو مكلف بالفريضة` يستحب أن يأتى بها جماعة , ولا ربط لذلك بأن الدليل من جهة القيود المعتبرة` في الجماعة مطلقة أو مهملة , و هذا لعله ظاهر` .

فحينئذ نقول : إطلاقات الادلة الاولية لصلاة الفريضة شاملة لكل من`

( 1 ) و ( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 14 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1 و` . 7

( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 1 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2 . `


94
المجنون و ولدالزنا و الصبي , ولا دليل على اختصاصها بغيرهم , و لذا بنينا على` مشروعية عبادات الصبي , و قلنا بأن الدليل على المشروعية هو نفس الاطلاقات` الاولية , و حديث الرفع ( 1 ) لا يرفع أصل البعث لمخالفته للامتنان أولا , و لوجود` القرائن الداخلية و الخارجية على أن المراد من الرفع رفع قلم السيئات ` و الالزامات لاغير ثانيا , و توهم أن هذا مناف لبساطة معنى الامر مدفوع بأن` البساطة صحيح إلا أن هذا المعنى البسيط و هو البعث مشترك بين موارد` الوجوب و الاستحباب , و إنما نستكشف الوجوب و الاستحباب من المرحلة` المتأخرة عن هذا الجعل , فلو أذن المولى في الترك نستكشف الاستحباب و إلا` فالعقل يحكم بلزوم الامتثال من جهة تمامية الحجة , و حديث الرفع هو الاذن` في ترك الامتثال بلسان رفع القلم أى رفع قلم السيئات و رفع الالزامات و رفع` المؤاخذة , عباراتنا ستى . . . الخ , فتدبر جيدا` .

و الحاصل : أن إطلاقات أدلة الفرائض شاملة للمجنون و الصبي` و ولدالزنا , و بما أن أدلة الجماعة دالة على مشروعيتها لكل من هو مكلف` بتكليف الفرائض , فيثبت استحباب الجماعة لهؤلاء أيضا بلا فرق بين كونهم` إماما أو مأموما , فيثبت جواز إمامة هؤلاء من نفس أدلة مشروعية الجماعة ,` بملاحظة شمول الاطلاقات الاولية للفرائض لهم , هذا مع أنه قدمر أن الاصل` في موارد الشك في صحة الجماعة الصحة , و من الغريب أن المحقق الهمداني ـ مع` أنه بنى سابقا على أن الاصل في الجماعة البراءة ـ أفاد في المقام أن الاصل عدم` المشروعية , و فيه : أن المقام أولى بأصالة المشروعية من غيره كما بينا وجهه` .

2 ـ لابد من إحراز المأموم وجود هذه الشرائط في الامام علما أو بأمارة` شرعية أو عقلائية , نعم لا يبعد دعوى بناء العقلاء على ترتيب آثار العقل`

( 1 ) الوسائل : ج 1 باب 4 من أبواب مقدمة العبادات , حديث 11 . `


95
و طهارة المولد مالم يعلم الخلاف , و هذا البناء لم يحرز في مورد الشك في البلوغ` .

3 ـ هنا روايات تدلنا على جواز إمامة الصبي ( 1 ) و تعارض مامر من` الاخبار الدالة على عدم الجواز , ولكنها مخالفة لفتوى المشهور , مضافا إلى أنها لا` تخلو عن ضعف السند غير المنجبر بشيء و ضعف الدلالة , مع أنه لو بنينا على` المعارضة و عدم العلاج فيكفينا الاصل المتقدم` .

قوله (( قده )) : أن لا يكون قاعدا بقيام` .

أقول : وجهه مضافا إلى أنه المشهور بل ادعي عليه الاجماع , مرسلة الصدوق` قال : قال أبو جعفر عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه و آله صلى` بأصحابه جالسا فلما فرغ قال : لا يؤمن أحدكم بعدى جالسا ( 2 ) . و السند` منجبر بعمل المشهور , مضافا إلى ما قيل من صحة مرسلات الصدوق اذا أسند` الرواية إلى الامام عليه السلام بمثل (( قال` . ((

و هل يمكن التعدى عن الرواية إلى المنع عن إمامة المضطجع بالقاعد , أو` إمامة المضطجع على الجنب الايسر بالمضطجع الايمن ؟ لا يبعد ذلك من جهة` الفهم العرفي عن الرواية , لا تنقيح المناط كما قيل , فانه قياس محض و إن` حصل منه القطع , هذا و الحكم مخالف للقاعدة , فانه لا دليل على ازيد من` اعتبار صحة صلاة الامام و إتيان المأموم بوظيفتة و حصول الاقتداء , و الشك في` اعتبار أزيد من ذلك مدفوع بالاصل المحرر سابقا في باب الجماعة , و دليل` المتابعة لا يدل على لزوم متابعة المأموم فيما ليس وظيفته الاتيان به كمن اقتدى` في صلاة الصبح بظهر الامام مثلا , فلا يتوهم دلالة دليل لزوم المتابعة على لزوم` متابعة الامام فى الركعتين الاخيرتين أيضا , و من هذا القبيل توهم أن دليل`

( 1 ) و ( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 25 من أبواب صلاة الجماعة حديث 3 و 8 و 1 . `


96
المتابعة يقتضي تبعية المأموم لجلوس الامام و حيث لا يجوز له الجلوس فلا يجوز له` الاقتداء` .

و بعبارة اخرى : أن هنا قياس استثنائي و هو أنه لو كان الاقتداء صحيحا` لوجبت المتابعة و حيث لا تجب فلا يصح الاقتداء` .

و هذا التوهم مدفوع ( أولا ) بما ذكرنا من أن وجوب المتابعة إنما هو في ما` تكون وظيفة المأموم الاتيان به . ( و ثانيا ) أن الملازمة بين صحة الاقتداء` و وجوب المتابعة كليا ممنوعة , فان المفروض عدم وجوب المتابعة في المقام ,` و الامر دائر بين أن يكون تخصيصا في عموم وجوب المتابعة فيصح الاقتداء ولا` تجب المتابعة , و أن يكون خارجا عنه تخصصا بحيث لا يصح الاقتداء فلا تجب` المتابعة , و أصالة العموم لا تثبت حال الفرد الخارج قطعا و أن خروجه تخصص` لا تخصيص كما بين في محله , و قد أطال المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ في إثبات` أن الاصل في المقام عدم مشروعية الاقتداء , و محصله أن أدلة لزوم المتابعة دالة` على ذلك بالالتزام , و قد ظهر ضعفه` .

قوله (( قده )) : و أن لا يكون اميا بمن ليس كذلك` .

أقول : المراد بالامي : من لا يحسن القراءة , و لا دليل في خصوص المقام ,` فلا بد من ملاحظة ما هو مقتضى القاعدة , فقد مر أن القاعدة تقتضي جواز` إمامة المعذور بغير المعذور , ولكن قد يمنع عن ذلك في مفروض المسألة بأن` الامام ضامن لقراءة المأموم , فلا بد من أن يأتي بها على حسب وظيفة المأموم` حتى تسقط عن ذمته , و هذا إنما يصح في ما إذا لم يأت المأموم بوظيفته مباشرة` كما إذا لم يقرأ , أو كانت الصلاة جهرية مع سماع صوت الامام , أو قلنا بأن` السقوط حتى في الاخفاتية عزيمة لا رخصة , و إلا فتسقط ذمته بالاتيان بالقراءة` مباشرة , و ما أفادة المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ من أنه لابد من كون قراءة`


97
الامام بنحو تكون مسقطا لذمة المأموم و لو قلنا بأن سقوط القراءة عن المأموم` رخصة لا عزيمة لا دليل عليه بل يشبه المصادرة كما لا يخفى , مع أنه لو سلم` وجود عموم كذلك أى كلما كانت الجماعة صحيحة لكانت قراءة الامام` مسقطة , إلا أنه قابل للتخصيص في المورد , و مجرد وجود هذا الدليل و العلم بعدم` المسقطية لا يوجب الحكم ببطلان الجماعة لاحتمال التخصيص , و أصالة` العموم لا تجرى في مثل المقام الذى يدور الامر فيه بين التخصيص و التخصص` كمامر , و إنما تجرى فيما اذا كان المكلف شاكا في إرادة المولى , لا فيما اذا تردد` بين كون المراد المعلوم من جهة التخصيص أو التخصص , فالصحيح صحة` الجماعة في موارد جواز القراءة على المأموم و لزوم اتيان المأموم بالقراءة` الصحيحة بنفسه , و أما في ما لا يجوز له القراءة فلا يصح الاقتداء , فان` المفروض عدم جواز الاعتماد على قراءة الامام , و عدم جواز قراءته بنفسه , فلا` يمكن الاتيان بالجماعة الصحيحة ` .

قوله (( قده )) : و يشترط في الامام الذكورة إذا كان المأموم ذكرانا أو` ذكرانا و اناثا , و يجوز أن تؤم المرأة للنساء` .

أقول : يكفي في إثبات الاشتراط النبوى (( لا تؤم امرأة رجلا )) ( 1 ) المنجبر` بعمل المشهور , مع أنه لاخلاف في المسألة كما ادعي , بل ادعي عليه الاجماع ,` و يدل عليه أيضا الروايات ( 2 ) الدالة على جواز إمامة المرأة للنساء و فيها` الصحاح , فان الظاهر منها أن عدم جواز إمامتها للرجال مفروغ عنه` .

و أما وجه جواز إمامتها للنساء , فمضافا الى نقل الشهرة و الاجماع , عدة`

( 1 ) سنن البيهقي : ج 3 ص` . 90

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 20 من أبواب صلاة الجماعة . `


98
روايات منها موثقة سماعة قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن المرأة تؤم` النساء ؟ قال : لا بأس ( 1 ) و غيرها من الاخبار و فيها الصحاح أيضا , و بأزاء` ذلك عدة من الروايات تدل على التفصيل بين الفريضة و النافلة , كصحيحة` هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام عن المرأة هل تؤم النساء ؟ قال` : تؤمهن في النافلة و أما في المكتوبة فلا ـ الخبر ( 2 ) . و غيرها ( 3 ) . `

و حمل صاحب الوسائل الطائفة الثانية على الكراهة جمعا , و فيه : أن الظاهر` من جملة (( و اما المكتوبة فلا )) بطلان الجماعة , و حمل الوضع على الكراهة لا` معنى له . و حمل صاحب الحدائق ـ قدس سره ـ النافلة و المكتوبة على كونهما صفة ` للجماعة لا للصلاة , و هذا كما ترى` .

و المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ بعد أن رد علم الجملة الاولى منها و هي` (( تؤمهن في النافلة )) الى أهله , حمل الجملة الثانية على الكراهة , و قد عرفت` ما فيه` .

و الصحيح أن يقال : ( أولا ) لو فرضنا المعارضة و اليأس عن العلاج ,` فتصل النوبة الى التخيير أو الرجوع الى القاعدة , فالقول بالجواز الموافق للمشهور` عدل للتخيير و موافق للقاعدة كما مر . ( و ثانيا ) الشهرة في طرف أخبار الجواز ` مرجحة لها . ( و ثالثا ) أن علائم التقية في الروايات المفصلة ظاهرة` . ( و رابعا ) أخبار الجواز مخالف للعامة فترجح . ( و خامسا ) في روايات الجواز رواية` تدل على الجواز في المكتوبة صريحا و هي رواية الحسن بن زياد الصيقل و فيها` : ففي صلاة المكتوبة أيؤم بعضهن بعضا ؟ قال : نعم` . ( 4 )

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 20 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 11

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 20 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 1

( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 20 من أبواب صلاة الجماعة` .

( 4 ) الوسائل : ج 5 باب 20 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2 . `


99

فابتلت روايات المنع بالمعارض في خصوص المكتوبة , و بعد التعارض` المرجع عموم روايات الجواز , فان مخصصها مبتلى بالمعارض ولا يصلح` للتخصيص حينئذ . `

نعم لو قيل بان تخصيص روايات الجواز بالنافلة تخصيص بالفرد النادر كما` أفاده المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ و غيره فيعامل مع جميع الروايات معاملة` المعارضة بين المتباينات فلا يتم الجمع الاخير , و كيف كان ففي سائر الوجوه` كفاية مع أن المسألة غير خلافية كما مر` .

قوله (( قده )) : و كذا الخنثى ولا تؤم رجلا ولا خنثى` .

أقول : وجه جواز إمامتها للنساء ظاهر , و أما وجه عدم جواز إمامتها للرجال` و الخناثى فلعدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية للمخصص , فان` أدلة الجماعة مجوزة للامامة في جميع الموارد , و قد خرجنا عنها بما دل على عدم` جواز إمامة المرأة لغيرها , و المقام شبهة مصداقية للمخصص , ولكن هذا لو قلنا ` بأن الاصل الاولي يقتضي عدم مشروعية الجماعة , و إلا فكون المورد من الشبهة` المصداقية لا يوجب بطلان الجماعة , فان الاصل الجارى فيها يقتضي الصحة ,` و هذا كاف بعد عدم جواز التمسك بالدليل الاجتهادى , نعم لو قلنا بأن الاصل` في الشبهات الموضوعية الاشتغال يتم ما قيل , ولكن المبنى فاسد كما قرر في` الاصول ` .

قوله (( قده )) : و لو كان الامام يلحن في قراءته لم يجزى إمامته بمتقن` على الاظهر` .

أقول : قد تقدمت المسألة في إمامة الامي لغيره , ولا خصوصية لتلك المسألة` إلا أن الامي يلحن في قراءته فلا وجه لاعادتها` .


100

قوله (( قده )) : اذا ثبت أن الامام فاسق أو كافر أو على غير طهارة` بعد الصلاة لم تبطل صلاة المؤتم` .

أقول : تقدم الكلام في ما اذا ثبت أن الامام فاسق أو كافر , و أما لو تبين أنه ` على غير طهارة بعد الصلاة , فمضافا الى أن عدم بطلان صلاة المأموم هو المشهور , بل` ادعي عليه الاجماع , أنه موافق للقاعدة أيضا اذا لم يأت المأموم بما يكون مبطلا` لصلاته حتى بنحو الانفراد , مثل زيادة الركن أو الشكوك المبطلة للصلاة , فان` مجرد الائتمام بل ترك القراءة , لا يكون مضرا بصحة الصلاة لقاعدة` (( لا تعاد)) , نعم اذا أتى بركن زائد متابعة أو رجع إلى الامام في شكه مع أنه` خلاف وظيفة المنفرد لا يمكن تصحيح الصلاة بهذه القاعدة , بل نحتاج الى` دليل مثبت لصحة جماعته في مفروض المقام , و يترتب عليها آثار الجماعة` الصحيحة و إن كان الامام فاقدا للشرط . و مما يمكن أن يستدل به لاثبات` ذلك عدة روايات و فيها الصحاح , منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر` عليه السلام قال : سألته عن قوم صلى بهم إمامهم و هو غير طاهر , أتجوز صلاتهم` أم يعيدونها ؟ فقال : لا إعادة عليهم تمت صلاتهم و عليه الاعادة ـ الخبر ( 1 ) . فان` ترك استفصال الامام عليه السلام يدل على عدم الفرق بين صورة الاخلال` بوظيفة المنفرد و صورة عدم الاخلال بها , نعم هنا بعض الاخبار تدل على` البطلان مطلقا , ولكنها لا تخلو عن ضعف في السند أو في الدلالة , فلاحظ` .

ثم إنه لو ثبت أن الامام كان فاقدا للشرط غير ما تقدم من العدالة و الطهور` فقد ظهر أن صحة الصلاة فيما إذا لم يخل المأموم بوظيفة المنفرد من زيادة ركن` و نحوها على القاعدة , و أما اذا أخل بذلك فحيث إن بطلان الجماعة بل أصل`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 36 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 5


101
الصلاة موافق للقاعدة , و اثبات الصحة يحتاج الى دليل مفقود في غير مورد` الشرطين المذكورين , نلتزم ببطلان الصلاة , و إلغاء الخصوصية عن الشرطين` ليس بمعلوم , بل تعدى الحكم عنهما إلى غير هما من إسراء الحكم من موضوع الى` موضوع آخر و هو القياس , و استفادة التعميم من جملة (( فانه ليس على الامام` ضمان )) في صحيحة زرارة ( 1 ) و جملة (( فانه تجزى عن القوم صلاتهم )) في` صحيحته الاخرى ( 2 ) , كما في كلام المحقق الهمداني ممنوع , فانهما لا تدلان على` أزيد من صورة وجود شرائط صحة الصلاة بنحو الانفراد فلاحظ` .

و قد ظهر مما مر أنه لو علم بذلك في أثناء الصلاة , فمع عدم الاخلال` بوظيفة المنفرد تصح الصلاة و يتمها منفردا , وإلا ففي مورد الاخلال بالشرطين` لا يبعد استفادة الصحة من الروايات المتقدمة و إن كان الاحتياط في محله , و في` غير هما لابد من استئناف الصلاة , نعم لو حدث سبب البطلان في الاثناء` لايضر بصحة صلاة المأمومين مطلقا , بل يمكنهم إتمام الصلاة جماعة باستنابة` شخص آخر مكان الامام , على ما يستفاد من أخبار جواز الاستنابة فيما اذا` عرض للامام ضرورة , بعد إلغاء الخصوصية عن مواردها . نعم لا يمكن إلغاء` الخصوصية عنها و القول بذلك فيما إذا حدث سبب البطلان باختيار الامام ,` لكن صحة أصل الصلاة بالنسبة الى المأموم على القواعد` .

قوله (( قده )) : لايجوز للمأموم مفارقة الامام بغير عذر , فان نوى` الانفراد جاز` .

أقول : تقدم الكلام في عدم جواز المفارقة في السابق في مسألة المتابعة في`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 36 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 39 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1 . `


102
الافعال , فلا حاجة إلى الاعادة , و ينبغي البحث هنا عن مسألة قصد الانفراد ,` فقد استدل على الجواز بامور ( منها ) دعوى الاجماع على الجواز . ( و منها ) أن` الاصل في المستحب جواز رفع اليد عنه . ( و منها ) فعل النبي صلى الله عليه` و آله , فانه صلى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ثم خرجت من صلاته و أتمت` منفردة ` . ( 1 ) ( و منها ) ما ورد من جواز مفارقة الامام عند إطالته في التشهد ( 2 ) ` و ما ورد من جواز التسليم قبل الامام` . ( 3 )

و شيء من ذلك لايتم فان المسألة خلافية , و جواز رفع اليد عن` المستحب بقاء لا يثبت التلفيق , فان رفع اليد عن الصلاة أو الصوم` الاستحبابي في الاثناء معناه إبطاله بحيث لا يترتب عليه أثر من أوله إلى` آخره , و رفع اليد في المقا معناه صحة الجماعة الى حين قصد الانفراد و بطلانها` بعده , و هذا المعنى لا أصل يثبته , و فعل النبي صلى الله عليه و آله و هكذا` الروايات الواردة في جواز المفارقة كلها واردة في مورد العذر , مع أن جواز` التسليم قبل الامام أجنبي عن المقام , فان التسليم قبل الامام جائز حتى على` القول بعدم جواز قصد الانفراد , بل حتى على كون المأموم باقيا على قصد` الجماعة , لان تقدم المأموم على الامام في الاقوال جائز , ولا يخرج المأموم من` الجماعة إلا بعد تسليمه فلا ارتباط بين المسألتين . `

و بالجملة : ليس الكلام في جواز قصد الانفراد تكليفا ولا وضعا بمعنى كون` صلاته منفردا بمجرد قصد الانفراد و إن لم يستمر في صلاته بنحو صلاة المنفرد ,` بل الكلام في أنه هل شرع التلفيق بين الجماعة والفرادى في صلاة واحدة أو`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 2 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 2

( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث 3 و 4 و 5 . `


103
لا ؟ فعلى الاول يصح إتمام الصلاة المنعقدة جماعة فرادى و بالعكس , إلا أن` جواز العكس خلاف مظنة الاجماع . و على الثاني فحيث إن المفروض الاستمرار` في الصلاة فرادى فلا يمكن الحكم بصحة الجماعة في الكل , فلابد إما من` القول ببطلان الجماعة أو بطلان أصل الصلاة , و هما مبنيان على وقوع الاخلال` بوظيفة المنفرد و عدمه , و هذا المعنى في تحرير محل البحث يشمل جميع موارد وقوع` الانفراد في الاثناء حتى مع عدم قصد الانفراد , و الحاصل : البحث في مشروعية` التلفيق بين الجماعة و الفرادى في صلاة واحدة و شيء من الادلة المتقدمة لا` يثبت ذلك` .

و قد يقال : إن الجماعة أمر عرفي يصدق على الاجتماع حتى في ركعة` واحدة . ولكن هذا المعنى و إن لاينكر , إلا أن مشروعية كل ما يكون اجتماعا` بنظر العرف يحتاج إلى دليل , لا أقل من وجود إطلاق في أدلة الجماعة , و المسلم` بينهم عدم إطلاق في مقام البيان فيها , فالمسألة موقوفة على ما مر من تأسيس` الاصل في الجماعة , فعلى القول بالاطلاقات المقامية أو أصالة البراءة في أمثال` هذه الشكوك تثبت الصحة , و إلا فالاصل الاشتغال و عدم صحة الجماعة ,` و حينئذ فلو أخل بوظيفة المنفرد في الاركان والشكوك تبطل الصلاة أيضا , وإلا` فلا مانع من صحة أصل الصلاة فرادى , لما مر من أن بطلان الجماعة لا يستلزم` بطلان أصل الصلاة . `

إن قلت : إن قصد الانفراد لو حصل في الاثناء فاستصحاب صحة الصلاة` جاربلا مانع , و أما لو كان من أول الامر قاصدا للانفراد في الاثناء فمشروعية` مثل هذه الصلاة مشكوكة من الاول , و الاصل عدم المشروعية` .

قلت : هذا موافق لما استفدنا من سيدنا الاستاذ في هذه المسألة . و فيه : أن ` الكلام ليس في شأن قصد الانفراد بما هو قصد كما مر , فان مجرد هذا القصد لا` يكون مخلا بالصحة بلا فرق بين حصوله في الاثناء أو من الاول , بل الكلام`


104
إنما هو في مشروعية الصلاة ملفقة بين الجماعة و الفرادى , و هذا أيضا لا فرق فيه ` بين حصول القصد في الاثناء أو من الاول , هذا مضافا إلى أن استصحاب` الصحة لا أصل له , فان الصحة ليست بمجعول شرعي ولا بموضوع ذى حكم` كما بنينا عليه في محله , مع أن أصالة عدم المشروعية ليست إلا الاصل المدعى` جريانه في تمام موارد الشك في قيدية شيء لصحة الجماعة , و قد أثبتنا فيما تقدم` أن الاصل يقتضي المشروعية , فالمسألة مبتنية على الاصل المؤسس في شكوك` لجماعة , و عليه لا ينبغي ترك الاحتياط و إن قلنا بأن الاصل الصحة` .

والحمد لله رب العالمين` .


105
رسالة في صلاة الجمعة `

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين , والصلاة و السلام على نبينا محمد و آله الطاهرين ,` والسلام علينا و على عباد الله الصالحين` .

أقول ـ مستعينا بالله ـ : لما وصل بحث سيدنا الاستاذ في باب الصلاة إلى صلاة ` الجمعة شرع فيها و بين أنظاره في أصل حكم صلاة الجمعة بنحو الايجاز و الاختصار` .

و اغتنمت الفرصة و كتبت ما أفاد و علقت عليه بعض الايرادات و ما خطر` بالبال مع مراعاة الاختصار أيضا` .

الكلام في صلاة الجمعة
`

قال : و يقع الكلام فيها في جهتين : ( الجهة الاولى ) في` وجوب عقدها و إقامتها . ( و الجهة الثانية ) في وجوب الحضور بعد` الانعقاد` .

و لنقدم الكلام في الجهة الاولى , و المحتملات في ذلك ثلاثة` :

1 ـ وجوبها تعيينا , و نتيجته عدم إجزاء الظهر عنها` .

2 ـ عدم مشروعيتها , و نتيجته عدم إجزائها عن الظهر` .


106

3 ـ وجوبها تخييرا بينها و بين صلاة الظهر , و نتيجته إجزاؤها عن` الظهر و بالعكس` .

و قد وقع الاختلاف بين العلماء في ذلك بعد اتفاقهم على وجوب` صلاة الجمعة إجمالا , بل قامت عليه ضرورة الدين , و لم يخالف فيه أحد` من المسلمين` .

أما الوجوب التعييني لصلاة الجمعة فهو مذهب الشهيد الثاني` ـ قدس سره ـ في رسالته المؤلفة في صلاة الجمعة . و تبعه صاحب المدارك` ـ قدس سره ـ` .

و أما القول بعدم مشروعيتها فعليه الشهرة بين المتقدمين بل نقل` اتفاقهم على ذلك و الاختلاف نشأ بعد الشهيد ـ قدس سره ـ` .

و أما القول بالتخيير فنسب إلى الشهيد الثاني ـ قدس سره ـ في قوله` الاخر في باقي كتبة . و ذكر صاحب الجواهر ـ قدس سره ـ أن الرسالة قد` يظن صدورها من في حال صغره لما فيها من الجرأة التي ليست من عادته` على أساطين المذهب و كفلاء أيتام آل محمد ( عليهم السلام ) و حفاظ` الشريعة , و لما فيها من الاضطراب والحشو الكثير , و لمخالفتها لما في باقي` كتبه من الوجوب التخييرى` .

أقول : الاقوال في المسأله ثلاثة : الوجوب التعييني مطلقا . الوجوب التعييني ` حال بسط يد الامام و عدم المشروعية حال عدمه . الوجوب التعييني حال بسط` يد الامام و التخيير حال عدمه` .

و أما المحتملات التي أفاده ـ دام ظله ـ فان أراد منها ما هو محتمل بحسب` أصل الشرع لا في خصوص زمان عدم بسط يد الامام كما هو الظاهر لانه ملتزم`


107
بالوجوب التخييرى كذلك , أى يرى أن سنخ تشريع الجمعة هو الوجوب` تخييرا . و قد صرح بذلك في جواب ما سألنا عنه و يظهر أيضا في ضمن استدلاله` على ما اختاره فانه يحمل الاخبار الدالة عنده على الوجوب على الوجوب` التخييرى , و ليس هذا إلا الالتزام بالتخيير بحسب أصل الشرع أى حتى حال` حضور الامام ( عليه السلام ) و بسط يده , فلم يعهد بين القدماء الا القول بالوجوب` التعييني . أما عدم المشروعية فمخالف لضرورة الدين وقد صرح هو به أيضا` .

و أما الوجوب التخييرى فاسناده ـ دام ظله ـ الى الشهيد الثاني ـ قدس سره ـ ` في غير محله . فان مختاره في سائر كتبه هو الوجوب التخييرى في زمان الغيبة لا بحسب اصل الشرع , فانه صرح في الروضة أثناء كلامه في ذيل عبارة الشهيد` الاول - قدس سره - (( مع إمكان الاجتماع في الغيبة )) : والحال أنها في حال الغيبة` لا تجب عندهم عينا و ذلك شرط الواجب العيني خاصة . وصرح في آخر` كلامه : ولو لا دعواهم الاجماع على عدم الوجوب العيني لكان القول به في غاية` القوة , فلا أقل من التخييرى , مع رجحان الجمعة` .

و كلامه صدرا و ذيلا ينادى بأنه يريد اختيار الوجوب التعييني مع حضور` الامام , و الوجوب التخييرى في زمان الغيبة . فما اختاره ـ دام ظله ـ من القول` بالوجوب التخييرى بحسب أصل الشرع حتى حال حضور الامام و بسط يده` فليس في كلمات القدماء منه عين ولا أثر , و إن أراد منها في خصوص زمان` الغيبة فالقول بالتخيير و إن كان صحيحا على ما سنبين , إلا أنه ليس هو` التخيير بحسب أصل الشرع الذى هو ملتزم به , بل ليس هو التخيير في مرحلة` الجعل أيضا حتى حال عدم بسط يد الامام , بل المراد منه هو التخيير في مرحلة` الامتثال حال عدم بسط يد الامام , فان مبنى هذا القول إن صلاة الجمعة` ولائية , أى لا تجب عينا إلا مع وجود الامام أو من نصبه , و مع ذلك ثبتت` المشروعية عند عدم وجود ولي الامر بدليل . و معنى ذلك اشتراط الوجوب`


108
التعييني بوجود ولي الامر وإطلاق المشروعية , و يتضح هذا أزيد من ذلك` أن شاء الله` .

هذا مضافا إلى أن إسناده القول بعدم المشروعية إلى المشهور ليس في محله ,` بل المشهور و المعروف بين القدماء هو القول بالتخيير كما يظهر من كلام` الشهيد الثاني المتقدم أيضا` .

نعم يمكن أن يقال إن مراده ـ مدظله ـ من هذه المحتملات هو الوجوب` التعييني مطلقا , و عدم المشروعية حال الغيبة , و الوجوب التخييرى مطلقا , إلا` أنه بعد الاغماض عن لزوم البيان حينئذ , و عدم معهودية الوجوب التخييرى` مطلقا , يرد عليه بأنه لا ينحصر الاقوال حينئذ بما ذكر , بل هناك قول آخر و هو` المشهور بين القدماء و هو القول بالوجوب التعييني مشروطا بوجود الامام أو من` نصبه , و الوجوب التخييرى في زمان الغيبة و هو الصحيح عندنا بالمعني المذكور ,` أى اشتراط الوجوب و إطلاق المشروعية , و يظهر خلال الابحاث إن شاء الله` و منه التوفيق` .

قال : و كيف كان فالحق في المقام هو القول الثالث و هو` القول بالتخيير فلابد من التكلم في مقامين : ( المقام الاول ) نفي وجوبها` تعيينا في قبال من زعم ذلك . ( المقام الثاني ) إثبات مشروعيتها في قبال` القول بالحرمة . و هذا المقدار كاف في إثبات التخيير كما يظهر` إن شاء الله` .

أما المقام الاول : و هو نفي عينية الوجوب فيكفي فيه عدم الدليل` عليه , فلابد من بطلان أدلة القائلين بالوجوب التعييني` .

و قد أستدلوا على ذلك ( أولا ) بالاية الكريمة . (( يا ايها الذين آمنوا` إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع ذلكم`


109
خير لكم إن كنتم تعلمون )) ( 1 ) . بتقريب أن اختصاص يوم الجمعة` بالذكر يدل على أن النداء إنما هو لصلاة الجمعة , فحينئذ تدل الاية` الكريمة على أنه متى نودى لصلاة الجمعة يجب السعي إليها , فان الامر` ظاهر في الوجوب ولا سيما في الايات القرآنية كما في الحدائق , ولم` نعرف وجها للاختصاص و هذا معنى الوجوب` .

و الجواب عن ذلك يظهر بأدنى تأمل : ( أولا ) أن الاية الكريمة علق` فيها وجوب السعي على تقدير تحقق النداء فلا تدل على وجوب صلاة` الجمعة مطلقا بل تدل على وجوبها مشروطا بتحقق النداء و يحتاج إثبات` وجوب النداء إلى دليل` .

أقول : الاحسن أن يقال : إنه لو كان النداء دخيلا في وجوب صلاة الجمعة` فالاية لا تدل على وجوب العقد , بل غايته أنها تدل على وجوب صلاة الجمعة` عند النداء , فيحتاج وجوب النداء إلى دليل . ولا فرق في ذلك بين أن` يكون المراد من النداء هو الاذان عموما أو الاذان لخصوص صلاة الجمعة` .

ولو كان النداء غير دخيل في ذلك فيكون ما ذكر في الاية عنوانا طريقيا` كفائيا لما هو شرط للوجوب , فيحتمل أن يكون ذو الطريق إرادة من له الاقامة ,` أى إذا أراد من له الاقامة إقامة الصلاة فاسعوا . فتكون الاية من أدلة المنصبية ,` و يحتمل أن تكون ذوالطريق إرادة الاقامة مطلقا . فالاية حينئذ لا تدل على` الوجوب عند عدم الارادة` .

نعم قد يقال بل قيل : إن ذا الطريق دخول الوقت , ولكنه قول بلا شاهد` بعد الاحتمالات السابقة` .

( 1 ) الجمعة` . 9 :


110

و أما ما اعترض على صاحب الحدائق من أنه لانعرف وجها لاختصاص` الاوامر القرآنية بالدلالة على الوجوب , وجهه وحدة الامر و الحاكم ( المولى ) فيها` و تعددهما في غيرها , فان وجه حمل الاوامر على الوجوب إنما يجرى إذا كانت` صادرة عن المولى بداعي البعث , كما هو كذلك في الوامر الواردة في الكتاب` الكريم في مقام بيان الاحكام` .

و أما إذا كانت صادرة للارشاد كما هو الشأن في أوامر المعصومين ( عليهم` السلام ) في بيان الاحكام الشرعية فانها صادرة عنهم ( عليهم السلام ) لحكاية` أحكام الله تعالى لا في مقام إعمال مولويتهم ( عليهم السلام ) بل للارشاد إلى` أحكامه تعالى و هو المولى , فهي تابعة للمرشد إليها , نظير الاوامر الصادرة عن ` الفقهاء في مقام بيان الفتوى , و يسمى هذا النوع من الاوامر ب (( الاوامر` الافتائية )) هذا هو الوجه , و إن كان فيه بحث , و قد بين هذا الوجه والدى` العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ في توجيه ما ذكره صاحب الحدائق ـ قدس سره ـ` و نقلت عنه باسمه اداء لبعض حقوقه مع اعترافي بالعجز عنه فانه قد دأب على` تربيتي و تغذيتي بالاداب الدينية و العلوم الاسلامية و صرف نفسه و نفيسه` لرعايتي و تقويمي و مع ذلك هومن جملة اساتذتي و مشايخي تغمده الله برحمته و رضوانه` و اسكنه بحبوحة جنانه إنه سميع مجيب . `

قال : ( ثانيا ) سلمنا لكن المذكور في الاية وجوب السعي و هوالمشي` السريع, ولم يقل بوجوبه أحد حتى القائلين بالوجوب التعييني . مضافا` إلى أن ترتب المشي السريع على النداء دال على أن المراد بذكر الله هو` الخطبة , و إلا فلا وجه للسعي بمجرد النداء , مع أن الخطبة فاصلة بين` الاذان و الصلاة . ولا نلتزم بوجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة فضلا`


111
عن السعي إليها ولم يلتزم به الخصم أيضا` .

و يدل على أن المراد من ذلك هو الخطبة ما في الاية المباركة` المتأخرة : (( و اذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها و تركوك قائما )) ( 1 ) . فان` الظاهر من ذلك هو القيام للخطبة . على أن الاية المباركة دالة على أن` السعي المذكور فيها غير واجب فقد قال سبحانه : (( ذلكم خير لكم ` (( و كلمة خير أفعل التفضيل و هو ظاهر في أرجحية المفضل على المفضل` عليه , و هذا لا يزيد على المحبوبية و الاستحباب` .

و بهذا ظهر أنه ولو كان المراد من ذكر الله هو الصلاة أيضا لم نلتزم` بأن المذكور في الاية وجوب السعي , لمكان كلمة خير . و أيضا بهذا ظهر` أنه لايمكن التمسك لهذا القول بالاية المتأخرة عن هذه الاية , و هي قوله` تعالى (( و اذارأوا . . . الخ )) بتقريب أنها في مقام ذم تارك صلاة الجمعة` . فان في ذيل هذه الاية أيضا كلمة خير (( قل ما عندالله خير من اللهو و من` التجارة )) ( 2 ) مضافاإلى أن القيام هو القيام للخطبة لا للصلاة كما مر` . فتحصل أنه لا تدل الاية الكريمةعلى وجوب صلاة الجمعة` .

أقول : لو سلمنا أن الامر في كلمة (( اسعوا )) دال على الوجوب فمع ذلك` لا تدل الاية على وجوب عقد صلاة الجمعة مطلقا , فانها في مقام الامر بالسعي` إلى صلاة الجمعة المنعقدة و ليست في مقام إيجاب عقدها , فليست ناظرة إلى` شرائط الانعقاد , و بعبارة اخرى : إن الاية في مقام بيان ما هو في طول تشريع`

( 1 و 2 ) الجمعة` . 11 :


112
صلاة الجمعة و هو وجوب الحضور إليها بعد انعقادها فلا تدل على أصل التشريع` سعة وضيقا الا بالدلالة الاستلزامية , ولا إطلاق لهذا النحو من الدلالة فان غايتها` الدلالة على تشريع الجمعة إجمالا لا تفصيلا , فلا يكن التمسك باطلاق الاية لا` لوجوب عقد الجمعة لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة , ولا لوجوب` الحضور لمطلق صلاة الجمعة المنعقدة بعين تلك العلة . و من هنا ظهر أنه لا` حاجة إلى البحث عن دلالة (( اسعوا )) على الوجوب وعدمها , ولا إلى البحث` عن المراد من ذكر الله` .

إن قلت : إن الجملة الشرطية ظاهرة في بيان الملازمة بين الطرفين ,` و الملازمة إطلاقا و تقييدا تدور مدار طرفيها , فالملازمة المطلقة ما كان طرفاها` مطلقين , فعلى ذلك ظاهر الاية الكريمة إطلاق الملازمة بين وجوب السعي` و تحقق النداء , و هذا لا يتم إلا بتمامية الاطلاق في تحقق النداء , أى متى تحقق` النداء يجب السعي . فعلم وجوب الحضور إلى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة` .

قلت : إن مورد نزول الاية الكريمة , و هكذا ذيلها (( و تركوك قائما )) قرينتان` على أن الاية ليست في مقام بيان الملازمة بين المقدم و التالي بل إنها ناظرة إلى` إثبات التالي على تقدير وجود المقدم الذى اخذ مفروض الوجود , و كم فرق بين` الامرين . و بعبارة اخرى : إن القرينتين تدلان على أن الاية في مقام بيان` وجوب الحضور إلى الجمعة التي اخذت مفروض الانعقاد لا الملازمة بين الوجوب` و الانعقاد . وليس هذا من تخصيص عموم الوارد بقرينة المورد بل إنه قرينة معينة` لمصب عموم الوارد , فليتدبر` .

و أما ما استدل به على عدم دلالة الاية الكريمة على الوجوب من قرينية مادة` السعي على عدم إرادة الوجوب من الهيئة و قرينية (( خير )) على عدم الوجوب` فانه من أفعل التفضيل ففيه ما لا يخفى . فان (( اسعوا )) تدل على شدة الاهتمام` بالحضور , و هذا يدل على أن الحضور مأمور به فلابد من الالتزام بوجوب الحضور`


113
لوجود ملاك حمل الاوامر على الوجوب فيه و هو تمامية حجة المولى على العبد` وعدم ثبوت الاذن في ترك الامتثال , و لم يثبت كون الخير في الاية من أفعل` التفضيل بل لعله نظير الاولوية في آية اولوا الارحام تعييني` .

و في مجمع البحرين : أنه قد يكون اسم فاعل لايراد به التفضيل نحو` (( الصلاة خير من النوم )) و ما قال من عدم وجوب الحضور الى الخطبة غير مسلم ,` والبحث عنه موكول الى محله` .

قال : و أغرب من ذلك التمسك باية اخرى و هي قوله سبحانه` (( حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى )) ( 1 ) . بتقريب أن المراد من` صلاة الوسطى هو الظهر في غير يوم الجمعة , و صلاة الجمعة في هذا` اليوم . و قد فسرت الاية بذلك . إلا أنه لم يعلم تفسير المذكور إلا بما رواه` الطبرسي ـ قدس سره ـ في تفسيره ( 2 ) . و هي رواية مرسلة دالة على ذلك ,` ولكنها من جهة إرسالها , لايعتدبها . مع و أنه لو سلمنا ذلك و قلنا بأن المراد من` الصلاة الوسطى ما يشمل صلاة الجمعة أيضا فحينئذ تدل الاية على وجوب` المحافظة على صلاة الجمعة إلا أنها أجنبية عن بيان شرائط وجوبها` .

أقول : و بعبارة اخرى : إن الاية الكريمة كالاية السابقة ناظرة إلى بيان ما` في طول التشريع و في المرتبة المتأخرة عنه و هي المحافظة على صلاة الجمعة التي ` اخذت مفروض الوجوب , فلا يكون ناظرا الى التشريع نفسه` .

نعم يعلم من ذلك التشريع بالاستلزام , إلا أن غايته الكشف عن ذلك` إجمالا لا تفصيلا , ولذا نقول : إنه لا إطلاق لهذا النحو من الدلالة التي نسميه` بالدلالة الاستلزامية . فلا تدل الاية الكريمة على سعة وجوب صلاة الجمعة`

( 1 ) البقرة` . 238 :

( 2 ) مجمع البيان : ج 2 , ص` . 343


114
وضيقه , ولا يمكن التمسك باطلاقها لاثبات وجوب الجمعة مطلقا و دفع ما شك` في اعتباره في وجوبها` .

قال : ( و ثانيا ) بالروايات , و هي كثيرة تبلغ حد التواتر ولو اجمالا ,` فيعلم صدور بعضها إجمالا مع أن عدة منها صحاح . نذكر جملة منها` .

( فمنها ) صحيحة زرارة عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : إنما` فرض الله عزوجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين` صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة و هي الجمعة` و وضعها عن تسعة ( 1 ) الخبر . و هذه الرواية صحيحة سندا و تامة دلالة` على أن صلاة الجمعة واجبة على جميع الناس عدا ما استثني فيها` .

أقول : الرواية و إن كانت تامة الدلالة على الوجوب إلا أنه لا يستفاد منها` الوجوب بالنسبة إلى عموم المكلفين ( في خصوص صلاة الجمعة ) , فانها مشتملة` على قيد و هو ( في جماعة ) . والا حتمالات في ذلك ثلاثة` :

الاول : وجوب تحصيل الجماعة` .

الثاني : وجوب الحضور للجماعة بمعنى أن كل مكلف موظف بالحضور` حتى تحصل الجماعة` .

الثالث : وجوب الصلاة مشروطا بحصول الجماعة . و مع هذا كيف يمكن` التمسك بالرواية لاثبات المطلق` .

و بغبارة اخرى : إن الرواية و إن كانت دالة على وجوب صلاة الجمعة إلا` أنها دالة على الوجوب في جماعة . ولا يعلم من الرواية أن الجماعة قيد للواجب`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث` . 1


115
أو الوجوب` .

و بعبارة ثالثة : إن (( في جماعة )) ظرف ولا يعلم أنها ظرف للفرض أو` المفروض لولم نقل بظهور العبارة في الاول . هذا . مع احتمال أن تكون الجماعة` دالة على الفرد المجهول والا فلو كان الظرف حالا عن الفرض لم يحتج الى` (( في )) , فكلمة (( في )) تقتضي كون الجماعة ظرفا لا حالا محضا فيكون المراد أنه ` فرضها الله عزوجل في جماعة خاصة من الجماعات , فلا يستفاد الوجوب حينئذ` من الرواية حتى مع إقامة الجمعة و تحقق الجمعة في زمان الغيبة , لعدم العلم` بانطباق الجماعة المذكورة في الرواية على هذه الجماعة المنعقدة , فافهم` .

على أن الادلة الدالة على المنصبية تفسر الجماعة بالحكومة التفسيرية , هذا` والمهم هو الاشكال الاتي , فلاحظ` .

قال : نعم قد يناقش في ذلك : إن الرواية ليست إلا في مقام بيان` أصل وجوب صلاة الجمعة كسائر الصلوات , أى إنما هي في مقام بيان` تعداد الصلوات الواجبة فلا إطلاق لها في مقام البيان لسائر الجهات من` شرائط الوجوب والواجب و غير ذلك` .

أترى إمكان التمسك باطلاق هذه الرواية لدفع ما شك في شرطيته` وجزئيته لسائر الصلوات ؟ ولكن المناقشة واردة على الاخذ بالاطلاق` لدفع شرائط المأمور به المشكوك فيها لا لدفع ما شك في شرطيته` للوجوب , فانها في مقام بيان وجوب ما ذكر فيها من الصلوات على جميع` الناس ولا سيما بملاحظة الاستثناء الوارد في ذيلها فلو كان لوجوب` الصلاة شرط آخر غيرما يفهم من ذيل الرواية لكان الموضوع عنهم عشرة` لا تسعة فاذا الرواية بحسب الدلالة كسندها لا بأس بها` .


116

أقول : التحقيق أن الرواية ليست في مقام بيان مطلق شرائط الوجوب , فانه` بقرينة ذكر من كان على رأس فرسخين في عقد الاستثناء يعلم أنها في مقام` بيان وجوب الحضور إلى الجمعة المنعقدة , فغاية ما تكون الرواية في مقام بيانه` من شرائط الوجوب هي الشرائط المعتبرة في المكلف بالحضور كالبلوغ و العقل` و غير ذلك من المذكورات . و أما غيرها مما هو دخيل في وجوب عقد الجمعة` فليست الرواية ناظرة إليه` .

و من هنا يعلم دفع ما أفاده من أنه لو كان للوجوب شرط آخر غير ما ذكر` في عقد الاستثناء لكان اللازم استثناء غير واجب الشرط أيضا . فان دخول` الوقت أو الاقتدار على الخطبة ولو في الجملة شرط للوجوب يقينا , و مع ذلك لم` يذكر في الرواية` .

والسر في ذلك ما ذكرناه من أن الرواية مسوقة لبيان وجوب الحضور بعد` الانعقاد و شرائط وجوب الحضور لا الانعقاد , و شرائط وجوب العقد . فلا تدل` الرواية لا على وجوب العقد مطلقا ولا على وجوب الحضور إلى مطلق الجمعة` المنعقدة , فتدبر جيدا` .

قال : ( و منها ) حسنة زرارة عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال` : صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الامام , فان ترك رجل` من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض , ولا يدع ثلاث فرائض` من غير علة إلا منافق ( 1 ) ` .

( و منها ) صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم قالا : سمعنا أبا جعفر` محمد بن علي ( عليه السلام ) يقول : من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير `

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 8 و 11 . `


117
علة طبع الله على قلبه ( 1 ) . ولا بأس بدلالة الروايتين كسند هما فانهما` بالعموم تدلان على وجوب الجمعة على كل أحد` .

أقول : ( أولا ) الحسنة مشتملة على كلمة ( مع الامام ) ولا ينبغي الاشكال` في ظهوره في إمام خاص فيها , ولو لم يكن ظاهرا في ذلك في غيرها فانه لو كان` المراد مطلق من يقتدى به لكان القيد مستدركا بذكر الاجتماع إليها و لزم اللغو , ` فدفعا لمحذور اللغوية لابد من أن يكون القيد إشارة إلى اشتراط وجوب الاجتماع بالامام` الخاص , فالرواية من أدلة المنصبية , فهي دالة على خلاف المطلوب . `

( ثانيا ) لو تنزلنا عن ذلك و لم نقل إنه امام خاص فلا أقل من أنه محتمل , لعدم` إرادة الجنس منه يقينا فهو معهود فيكون مجملا . أترى أن ما بين الشرائط ` المعتبرة في الامام ناظر إلى هذه الرواية بلسان التقييد أم يبين المراد منه بنحو` التقيد و من باب ضيق فم الركية` .

( ثالثا ) لو تنزلنا عن ذلك و قلنا إنه ظاهر في مطلق من يقتدى به إلا أن` أدلة المنصبية على ما سيجيء الكلام فيها يعين المراد منه , و إنه ولي الامر أو من نصبه` .

( رابعا ) أن الرواية غير ناظرة إلى بيان كيفية التشريع و شرائطه . و إليك ` تحليل الرواية` :

أما صدرها (( صلاة الجمعة فريضة )) فلا يكون مسوقا إلا لبيان أصل` الشرع , فلا دلالة له حتى بالاطلاق على وجوب الجمعة على كل احد , بل ليس` ذلك مصبا للاستدلال عند المستدل أيضا` .

و أما الجملة الثانية , و هي (( الاجتماع إليها فريضة )) فناظرة إلى بيان` وجوب الاجتماع إلى صلاة الجمعة المنعقدة و ليست ناظرة إلى بيان شرائط` الانعقاد فلا يمكن الاستدلال بها لا ثبات وجوب الانعقاد مطلقا أو وجوب`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 8 و 11 . `


118
الحضور إلى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة` .

و أما الذيل : و هو (( فان ترك رجل . . . الخ )) فيحتمل ثبوتا أن يكون` تفريعا على الجملة الاولى أو على الجملة إلثانية أو كلتيهما , فلو كان تفريعا على ` الجملة الاولى يكون المراد من الترك هو ترك الاتيان بصلاة الجمعة . ولو كان` تفريعا على الجمعة الثانية يكون المراد منه ترك الحضور الى الجمعة المنعقدة . ولو` كان تفريعا على كلتا الجملتين يكون المراد منه أعم من ترك الحضور والاتيان ` .

أما على الاول : فذيل الرواية ناظرة إلى رتبة الامتثال و هو ترك الجمعة` المفروضة , و هذا في الرتبة المتأخرة عن شرع الجمعة , و في طول ذلك فلا تدل` عليه إلا بالاستلزام , و قد ذكرنا أن الدلالة الاستلزامية لا إطلاق لها فلا تدل` على إطلاق شرع الجمعة` .

و أما على الثاني : فمضافا إلى أنها ناظرة إلى مرحلة الامتثال , لا تدل على` أزيد مما يستفاد من الجملة الثانية نفسها و هو وجوب الحضور إلى الجمعة` المنعقدة من دون نظر إلى شرائط الانعقاد . و ظهر بذلك حال الاحتمال الثالث` لعدم استفادة إطلاق الشرع من الرواية على كلا التقديرين . مضافا إلى أن` التفريع على الجملة الاولى فقط مستلزم للفصل بين المعطوف و المعطوف عليه ,` فلابد إما من أن يكون التفريع على الجملة الثانية أو على كلتا الجملتين . أما` التفريع على كلتا الجملتين فمستلزم لاجتماع اللحاظين , ولا أقل من أنه خلاف` الظاهر , فلابد من أن يكون التفريع على الجملة الثانية فقط , و إن أبيت فلا أقل` من عدم الدليل على التفريع على أزيد من الجملة الثانية , فانه القدر المتيقن` والزائد مشكوك , فيه , فلا تدل الرواية بحسب ذيلها أيضا على أزيد من وجوب` الحضور الى الجمعة المنعقدة , ساكتة عن شرائط الانعقاد` .

فتحصل أنه لا إطلاق ولا عموم لهذه الرواية يدل على وجوب الجمعة على` كل أحد حتى مع قطع النظر عن أدلة المنصبية . هذا و سنذكر المستفاد من`


119
الرواية من جهة التفصيل بين أصل الصلاة والاجتماع إليها و إنها ملائمة مع` القول بالمنصبية , فانتظر` .

و قد ظهر مما ذكرناه أخيرا أن الرواية الاخيرة أيضا غير ناظرة إلى مرحلة` الجعل و تشريع صلاة الجمعة , بل هي ناظرة إلى المرتبة المتأخرة عن التشريع` و هي مرحلة الامتثال , فهي مسوقة لبيان ما في طول التشريع فلا تدل على` التشريع إلا بالاستلزام ولا إطلاق للدلالة الاستلزامية كما مر , فكيف تثبت بها` كيفية التشريع` .

و بعبارة اخرى : إن الرواية تدل على حرمة ترك الجمعة المفروضة و ليست` في مقام` بيان شرائط انعقادها و شرائط وجوبها , فلا تدل على وجوب الجمعة لا` عقدا ولا حضورا حتى بالاطلاق` .

قال : ( و منها ) صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن أبي عبدالله` ( عليه السلام ) قال : إن الله عزوجل فرض في كل سبعة أيام خمسا` و ثلاثين صلاة , منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة` : المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصبي ( 1 ) . و عموم هذه الرواية غير` قابل للانكار` .

( و منها ) صحيحة منصور عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) في حديث` قال : الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلاخمسة : المرأة والمملوك` و المسافر والمريض والصبي ( 2 ) . و هذه الرواية كسابقتها في الدلالة` .

أقول : الرواية الاولى دالة على وجوب الشهود إلى الجمعة المنعقدة و ليست في `

( 1 و 2 ) الوسائل : ج 5 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 14 و 16 . `


120
مقام بيان شرائط الانعقاد , فلا تدل لا على وجوب العقد مطلقا , ولا على` وجوب الحضور إلى مطلق الجمعة المنعقدة` .

و الرواية الثانية ليست في مقام بيان وجوب الجمعة على كل شخص , فان` ظهور الاستثناء في الاتصال يقتضي أن يكون المراد من الاحد هو الواحد` النوعي لا الشخصي , فان المستثنى هي الانواع لا الاشخاص , فيكون مفاد` الرواية أن الجمعة واجبة على كل نوع عدا ما خرج فهي في مقام بيان دخل` النوع في الوجوب , لا الوجوب على كل شخص` .

و بعبارة اخرى : إن الرواية ليست في مقام تشريع الجمعة بل إنما هي في` مقام بيان نفي وجوبها مطلقا عن المذكورات , و دخل غيرها في الوجوب لا في مقام` بيان وجوبها المطلق على كل احد , فهي بمثابة أن يقال : الجمعة الثابتة في` الشريعة كيف كانت واجبة على كل احد غير ما استثني , لا تقييدا بل تقيدا` من جهة أن الرواية في مقام بيان ما في طول التشريع , فافهم واغتنم` .

قال : ولكن هذه الروايات و إن دلت على الوجوب على كل أحد` بالعموم إلا أن دلالتها على التعيين إنما هو بالاطلاق ولا بد من رفع اليد` عن هذا الاطلاق , و حمل الوجوب على الوجوب التخييري لوجوه , و هذا` هو المقام الثاني من الكلام` .

أقول : على ما ذكرنا سابقا قد عرفت أنه لم توجد حتى رواية واحدة تدل على` الوجوب التعييني في زمان عدم بسط يد الامام حتى بالاطلاق . فان المهم من الروايات` التي تمسك بها على القول بالوجوب التعييني مامر , وسيجيء بعض آخر منها` .

و حاصل ما يقال في جميع هذه الروايات إنها واردة في مورد حكم مترتب على` التشريع فلا تدل على التشريع نفسه إلا بالاستلزام , و الدلالة الاستلزامية لا إطلاق لها`


121
بل هي مجملة من حيث سعة التشريع وضيقه , و قد مربيان ذلك بنحو أوفى` .

و ليعلم أن دلالة هذه الروايات ولو بملاحظة مجموعها على الوجوب التعييني` في الجملة غير قابل للانكار فمع عدم الدليل على الوجوب التخييرى مطلقا كما` هو كذلك على ما سيظهر , نلتزم بالوجوب التعييني إجمالا . فما التزم به ـ دام` ظله ـ أى الوجوب التخييرى بحسب أصل الشرع مخالف لظاهر هذه الروايات` من دون وجود دليل صالح عليه` .

و محل نظرنا عدم استفادة الوجوب التعييني مطلقا حتى مع عدم بسط يد` الامام من هذه الروايات , فالوجوب المستفاد منها أى الوجوب التعييني إجمالا` لاوجه لحمله على التخييرى كما سيظهر إن شاء الله , و ما يمكن الالتزام بالتخيير` فيه ليست هذه الروايات ناظرة إلى حكمه , فتدبر جيدا` .

قال : ( الاول ) إن صلاة الجمعة من المسائل التي تعم بها البلوى` و محتاج إليها جميع الناس عدا ما استثني في الروايات فلو كانت مثل هذه` الصلاة واجبة تعيينا لبان و ظهر ظهور الشمس في رائعة النهار , كيف` و المشهور بين القدماء عدم وجوبها تعيينا بل نقل على ذلك إجماعهم ,` و هذا أقوى شاهد على عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة` .

( الثاني ) السيرة القطعية بين أصحاب الائمة ( عليهم السلام ) كانت` جارية على ترك صلاة الجمعة مع أنهم أجلاء وردت في حقهم مدائح كثيرة ,` فلو كانت صلاة الجمعة واجبة تعيينا للزم تجاهر هم بالفسق و العياد بالله` .

أترى أن زرارة مع شأنه الجليل و منزلته الرفيعة و هو الذى كان من` أصحاب سر الامام ( عليه السلام ) و ورد في حقه ما هو غني عن البيان` كان تاركا لهذه الفريضة مع وجوبها تعيينا ولا سيما بملاحظة أن عدة`


122

كثيرة من هذه الروايات الدالة على وجوبها وردت بطريقه , و دلت على` كونهم تاركين لصلاة الجمعة . صحيحة زرارة من جهة دلالة الحث على` أن زرارة و أصحابه كانوا تاركين لها . و موثقة عبدالملك , فانها تدل على` أن عبدالملك لم يصل الجمعة حتى مرة واحدة بحيث يقول له الامام` ( عليه السلام ) : مثلك يهلك و لم يصل . و نذكر الروايتين في الوجه` الثالث ` .

أقول : هذان الوجهان لا يدلان على الوجوب التخييرى بحسب أصل` الشرع , بل غايتها الدلالة على عدم الوجوب التعييني في زمان عدم بسط يد` الامام . فانهما دليلان لبيان , ولا إطلاق للدليل اللبي , فلعل منشأ الوجهين` منصبية الجمعة` .

و بعبارة اخرى : إنه لو أراد بذلك أن الوجهين دالان على عدم التعيين حتى` زمان بسط يد الامام ( عليه السلام ) فبطلانه واضح . فمن أين ثبت أن ترك` أصحاب الامام ( عليه السلام ) كان في زمان بسط يد الامام , و أى دليل دل على` أنه لو كان واجبا تعيينيا مشروطا ببسط يد الامام لبان و ظهر` .

و إن أراد بذلك أنهما دالان على عدم الوجوب تعيينا في الجملة فهو مسلم ,` إلا أن الوجوب التخييرى لا يثبت بذلك , هذا لو أغمضنا النظر عن أدلة` المنصبية وإلا فالامر واضح , فلا دلالة لهذه القرينة و ما قبلها على عدم الوجوب` التعييني بالنسبة إلى أصل العقد` .

نعم دلالتهما للوجهين على عدمه في زمان عدم بسط يد الامام تمام و يظهر` من الوجه الاول زائدا على ذلك عدم وجوب الحضور بعد الانعقاد في زمان عدم` بسط يد الامام بنفس التقريب السابق , و نتعرض لذلك إن شاء الله` .


123

قال : و مما يدل على عدم الوجوب التعييني و ثبوت التخيير نفس` المعتبرتين و هما : صحيحة زرارة قال : حثنا أبو عبدالله ( عليه السلام ) على` صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه. فقلت : نغدو عليك ؟ فقال` : لا , إنما عنيت عندكم ( 1 ) . فان الجمع بين ترك زرارة و حث الامام` يثبت التخيير` .

و موثقة عبدالملك بن أعين عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : مثلك` بهلك و لم يصل فريضة فرضها الله . قال : قلت : كيف أصنع ؟ قال` : صلوا جماعة ( 2 ) . و التقريب كسابقتها` .

ولا يمكن حمل المعتبرتين على إرادة حضور جمعة المخالفين بل ظاهر` الروايتين إتيان الجمعة عندهم مع أن صلاة الجمعة معهم باطلة لفسق` الامام . فكيف تكون مثل هذه العبارة (( مثلك يهلك ولم يصل فريضة` فرضها الله )) ناظرة إلى ذلك , فلابد من حمل الروايات السابقة أيضا على` التخيير بقرينة هاتين المعتبرتين` .

أقول : المعتبرتان و إن دلتا على عدم الوجوب التعييني , إلا أنهما غير` صالحتين لاثبات الوجوب التخييري` .

أولا : إنهما من الادلة المنصبية من جهة (( نغدو عليك )) و (( كيف أصنع` (( و الحث إنما هو بلحاظ ما بعد التشريع و فقدان الشرط و هو بسط يد الامام فتدلان` على أنه لو لم يكن من كان من شأنه الاقامة فالمكلف مرخص في تطبيق`

( 1 و 2 ) الوسائل : ج 5 باب 5 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 1 و 2 . `


124
الوظيفة الفعلية على الجمعة , و هذا غير الوجوب التخييرى لاصل العقد , بل` غايته الدلالة على التخيير عند عدم الشرط المذكور` .

ثانيا : الروايتان لا تدلان على الوجوب التخييرى مطلقا حتى مع قطع النظر` عن المنصبية . فان الحث و هكذا صلوا في مقام الجواب عن الكيفية ناظران إلى` مرحلة الامتثال و هو في طول التشريع , فلا يدلان على سنخ التشريع` .

و من هنا يظهر أن الروايتين لا تدلان على الوجوب التخييرى حتى حال` عدم بسط يد الامام أيضا , بل غايته الدلالة على التخيير في مرحلة الامتثال لا` في مرحلة الجعل , فتكون النتيجة من ضم الامرين المذكورين ( أولا و ثانيا` ( اشتراط الوجوب و إطلاق المشروعية` .

و الحاصل : أنه بملاحظة هذه الامور في الرواية أى (( ترك زرارة و أصحابه` و هكذا عبدالملك لصلاة الجمعة )) و (( ارتكازية المنصبية عندهم المستفاد من` الكلمتين ـ نغذو عليك ـ و ـ كيف أصنع ـ )) و (( حث الامام للاتيان` (( يستكشف ما ذكرناه أى الوجوب المشروط و المشروعية المطلقة` .

لا يقال : إن غاية ما يستفاد من الرواية المشروعية بالنسبة إلى زرارة` و أصحابه و عبدالملك , فان الرواية في مقام بيان الترخيص في هذا المورد` الخاص , فكيف يستكشف منها المشروعية المطلقة ؟`

لانا نقول : إن الرواية ليست في مقام بيان الترخيص في المورد الخاص بل` إنما هي في مقام الكشف عن المشروعية الواقعية و تطبيقها على ذلك المورد , فان` الحث و هكذا تعبير (( مثلك يهلك و لم يصل )) يدلان على سبق المشروعية والحث` على متعلقها بعنوان التطبيق , و هذا ظاهر . على أنه لا يستفاد من الروايتين أزيد` مما ذكرناه على القول بعدم المنصبية أيضا , فانها واردة مورد حكم آخر غير` تشريع الجمعة كما ذكرناه . فالمستفاد منهما جواز تطبيق الوظيفة ظهر يوم الجمعة` على صلاة الجمعة حتى على القول بالمنصبية` .


125

و هذا يظهر من كلمة (( صلاة الجمعة )) في صحيحة زرارة و من كلمة` (( فريضة فرضها الله )) في موثقة عبدالملك , و لازم هذا الاجزاء ولو قلنا بالمنصبية` فانه بعد الانطباق كون الوظيفة واحدة بل كون الظهر و الجمعة ماهية واحدة ,` كما يستفاد مما دل على أنه جعلت الخطبتان مكان الركعتين يكون الاجزاء` عقليا لا محالة . و لذا نعبر عن ذلك بتطبيق الوظيفة الفعلية على الجمعة الذى` يستلزم الاجزاء عقلا ولو بنحو إجزاء غير الواجب عن الواجب . و بعبارة اخرى` : حيث إن الروايتين ناظرتان الى مرحلة الامتثال فلا تدلان على مرحلة الجعل` حتى على الوجوب التخييرى في تلك المرحلة . بل غايته الدلالة على إطلاق` المشروعية و يعلم من تطبيق الامام ( عليه السلام ) صلاة الجمعة و الفريضة على` المأتي به ولا سيما بملاحظة ما دل على أن الظهر و الجمعة ماهية واحدة الاجزاء` . و يعلم من أدلة المنصبية اشتراط الوجوب التعييني . فالنتيجة اشتراط الوجوب` و إطلاق المشروعية . و لازم ذلك التخيير في مرحلة الامتثال عند عدم الشرط` .

و لهذا توجد نظائر في الفقه مثل الوضوء الحرجي لو أتى به على قول بعضهم` من صحة الوضوء المذكور مع أنه غير واجب , و الوجه في ذلك أن دليل الحرج` بمقتضى امتنانيته إنما يرفع الالزام فقط دون أصل المشروعية الدال عليها إطلاق` دليل الوضوء فالوجوب مشروط و المشروعية مطلقة . و مثل ما يقال من صحة` صلاة غير البالغ و إن بلغ بعد الاتيان بها في الوقت , و الوجه فيه عين ما ذكر ,` فان دليل رفع القلم عن الصبي بمقتضي امتنانيته لا يدل على أزيد من رفع` الالزام بالنسبة إليه دون المشروعية التي تدل عليها إطلاق دليل الصلاة` .

فبالنتيجة وجوب الصلاة مشروط بالبلوغ و مشروعيتها مطلقة , و هذا غير` الوجوب التخييري , كما لا يخفى , بل هو أمر آخر نعبر عنه باشتراط الوجوب` و إطلاق المشروعية فكما لايقال في مورد كون الوضوء حرجيا إن الواجب` الوضوء أو التيمم تخييرا و إن كان كل منهما صحيحا مع الاتيان به , فكذا`


126
لانقول بأن الواجب في زمان عدم بسط يد الامام الجمعة والظهر تخييرا , بل نقول ` بأن الواجب هو الظهر و يسقط باتيان الجمعة فانها أيضا مشروعة و إن لم تكن` واجبة إلامشروطة باقامة الامام المبسوط اليد` .

قال : و مما يدل على ذلك استثناء كل من كان على رأس فرسخين` عن المكلف لصلاة الجمعة في عدة من الروايات , فلو كانت الجمعة` واجبة تعيينا لكان جعل الحد لغوا محضا , بل كان تجب عليهم الاقامة في` محلهم كغيرهم فانه ليس المراد منهم المسافر , لجعلهم قسيما للمسافر في` مقام الاستثناء , و من البعيد جدا عدم وجود سائر الشرائط كالعدد` والاقتدار على الخطبة في الامام في محل إقامتهم فانه ما من محل لاقامة` أحد إلا ويوجد فيها سبعة نفر من المسلمين و فيهم إمام جماعة و يقتدر على` الخطبة ولو بمقدار أقل الواجب , و هذا ظاهر` .

أقول : لو أثبتنا المنصبية ـ كما هو ثابت بالادلة و يأتي إن شاء الله ـ فوجه عدم` الوجوب بالنسبة الى من كان على رأس فرسخين ظاهر لعدم وجود الامام أو من` يقوم مقامه حينئذ` .

بل لو تنزلناعن ذلك و قطعنا النظر عن أدلة المنصبية فمع ذلك هذه` الروايات لا تدل على الوجوب التخييرى , و هذا ظاهر . بل لا دلالة لها على نفي` الوجوب التعييني على الاطلاق , فان عدم الوجوب بالنسبة إلى من كان على` رأس فرسخين لازم أعم لعدم الوجوب التعييني والوجوب المشروط مع عدم` حصول شرطه بالنسبة اليه , فكيف يتمسك به لاثبات عدم الوجوب التعييني` على الاطلاق حتى مع حصول الشرط , و المراد من الشرط هنا وجود ولي الامر` ( الاعم من الامام أو من نصبه ) و بسط يده للاقامة , كما لايخفى` .


127

قال : و مما يدل على ذلك الروايات الواردة في بيان وظيفة أهل` القرى و أنهم يصلون الجمعة إذا كان من يخطب , و إلايصلون الظهر` أربع ركعات . فانه لاينبغي الاشكال في أن المراد ممن يخطب هو من` يخطب فعلا لظهور الوصف في الفعلية لا من كان من شأنه أن يخطب` لانه مضافا إلى مخالفة الظاهر يكون التقييد في الرواية لغوا محضا , فانه ما` من قرية إلا ولها إمام جماعة و هو يقدر على الخطبة ولو بمقدار أقل الواجب` و من شأنه أن يخطب` .

بل لو فرضنا أن الجمعة واجبة تعيينا لكان اللازم على جميع المكلفين` تعلم الخطبة فان مقدمة الواجب المطلق واجبة , فلا وجه للتقييد , إلا` بأن يكون المراد أنه يجب على أهل القرى حضور الجمعة على تقدير` الاقامة فعلا . و على تقدير عدم الاقامة يصلون الظهر` .

و يدل على أن المراد ممن يخطب ليس مطلق من يقتدر على الخطبة ,` بل المراد منه هو من يخطب فعلا , ترخيص الامام في بعض الروايات في` الاتيان بصلاة الظهر يوم الجمعة جماعة إن لم يكن هناك إمام يخطب` . فلو كان المراد ممن يخطب مطلق من كان من شأنه أن يخطب , و كان` انعقاد الجمعة على تقدير وجود من يقتدر على الخطبة واجبا تعينيا لما صح` إتيان الظهر بالجماعة لان هذا من قبيل الاقتداء بالفاسق , فانه على ما` ذكرنا لا توجد قرية إلا و يوجد فيها من يقدر على الخطبة ولو بمقدار أقل` الواجب . بل لو لم يكن فيها من هو كذلك للزم تعلم الخطبة عليهم ,`


128
فكيف يجوز الاقتداء بمثل شخص يقتدر على إيراد الخطبة مع عدم إقامته` الجمعة أو عدم تعلمه الخطبة . و إليك بعض هذه الروايات` :

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما ( عليهما السلام ) قال : سألته` عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة ؟ قال : نعم , و يصلون أربعا` إذا لم يكن من يخطب ( 1 ) ` .

2 ـ صحيحة عبدالله بن بكير قال : سألت أبا عبدالله ( عليه السلام` ( عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم , أيصلون الظهر يوم الجمعة في` جماعة ؟ قال : نعم إذا لم يخافوا ( 2 ) ` .

3 ـ موثقة سماعة قال : سألت أبا عبدالله ( عليه السلام ) عن الصلاة` يوم الجمعة , فقال : أما مع الامام فركعتان , و أما من يصلي وحده فهي` أربع ركعات بمنزلة الظهر . يعني إذا كان امام يخطب , فان لم يكن إمام` يخطب فهي أربع ركعات و إن صلوا جماعة ( 3 ) ` .

و هذه الروايات تدل على ما ذكرنا من دون التقييد بالقرية لعدم` احتمال الخصوصية . فالمتحصل من هذه الروايات وجوب الحضور إلى` الجمعة عند قيام أحد بالامر و جواز ترك الجمعة عند عدم قيامه` . فبضميمة ما دل على وجوب العقد من الروايات السابقة نستنتج التخيير` بالنسبة إلى العقد` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 3 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 12 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث` . 1

( 3 ) الوسائل : ج 5 باب 5 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 3 . `


129

أقول : ( أولا ) إن غاية ما يستفاد من هذه الروايات أن وجوب الجمعة` مشروط بفعلية الخطبة . و أما شرائط فعليتها فلا يستفاد منها . فلو قلنا بالمنصبية` كما هو المشهور فبحكومة أدلة المنصبية على هذه الروايات حكومة تفسيرية يعلم` أن المراد ممن يخطب هو ولي الامر أو من نصبه . فتدل على عدم الوجوب عند` عدم وجوده بلا فرق بين العقد و الحضور بعد الانعقاد` .

و مع قطع النظر عن أدلة المنصبية فلا يستفاد من الروايات إلا اشتراط` فعلية الخطبة في وجوب صلاة الجمعة لا شرائط الفعلية . فلا يمكننا التمسك` باطلاقها لدفع ما يحتمل كونه شرطا في فعلية الخطبة , فلا تدل الرواية على` وجوب الحضور إلى مطلق الجمعة المنعقدة` .

( ثانيا ) المذكور في الروايات هو اشتراط وجود من يخطب في وجوب الجمعة` ولا يراد منه الجنس يقينا , و المعهود يحتاج في تعيينه من دليل , فالروايات تصبح` مجملة من هذه الجهة . و إن شئت فاعتبر في نفسك أن ما دل على شرائط الخطبة` و قيودها هل هو مقيد لاطلاق من يخطب الواقع في هذه الروايات ؟ أو هو معين` للمراد منها ؟`

و الفرق بين الامرين : أن وزان المطلق و المقيد ـ بالكسر ـ المنفصل عن` المطلق وزان المقتضي و المانع , بخلاف ما سميناه بالمعين للمراد فانه معين لحد` المقتضي من الاول من باب ضيق فم الركية` .

( ثالثا ) إن هذه الروايات مشتملة على كلمة الخطبة فيقع السؤال عن` ذلك , و أنه ماهي الخطبة , و معتبرة العلل الواردة في بيان ماهية الخطبة مشتملة` على كلمة الامير و مطالب لاتناسب إلا بالامير , فيعلم منها أن من يخطب هو` الامير أو من نصبه` .

( رابعا ) لو سلمنا تمامية هذه الروايات في الدلالة على ما أفاده ـ دام ظله ـ` إلا أنه بازاء هذه الروايات ما دل على اعتبار المصرفي وجوب صلاة الجمعة .


130
` و إن شئت فقايس بين هذه الروايات الدالة على تعليق وجوب الجمعة على وجود` من يخطب بالنسبة إلى أهل القرية , و بين هذه الموثقة : (( لا جمعة إلا في مصر` تقام فيه الحدود )) ( 1 ) . فبالمقايسة بين الطائفتين و تحاكمهما يظهر أن دخل المصر` في الموضوع ليس دخلا موضوعيا , بل اشتراطه من جهة كونه وعاء لما هو الشرط` و هو إقامة الحدود , و بعد ذلك فلاحظ أنه أية مناسبة بين إقامة الحدود و وجود` من يخطب . فاذا لا حظت بعين التدقيق و التدبر ترى ما هو المشهور من أن صلاة` الجمعة منصب ولائي بلا غبار عليه , فافهم واغتنم . و إن أبيت فلا أقل من ` اعتبار فعلية إقامة الحدود في صلاة الجمعة فاطلاق وجوب الحضور ممنوع` .

( خامسا ) إن شيئا من هذه الروايات ليست في مقام البيان من جهة` وجوب الحضور بعد الانعقاد بل إنما هي ناظرة إلى بيان حكم آخر في طول` الشرع` .

أما صحيحة محمد بن مسلم فهي ناظرة إلى بيان جواز صلاة الجمعة جماعة` بالنسبة إلى أهل القرى و التنويع بالنسبة إلى الاتيان بالظهر و الجمعة , و ليست` في مقام بيان إطلاق الوجوب و عدمه , و توسعه من حيث الشرط و عدمه . و هكذا` صحيحة عبدالله بن بكير` .

و أما موثقة سماعة فمضافا إلى ما ذكر مشتملة على كلمة الامام و قد مر` ما يناسب أن يقال في ذلك . على أن الرواية وردت بمتون أربعة : منها ما ذكر` و هو مشتمل على كلمة (( يعني . . . الخ )) , و في بعض منها ليست هذه العبارة , ` و في بعض منها جملة (( بمنزلة الظهر )) ساقطة , و في بعض منها عبارة (( يعني` (( المفسرة ساقطة مع وجود (( و إن صلوا جماعة فيها )) . فلا يعلم وجود عبارة (( يعني` إذا كان إمام يخطب )) في الرواية . مضافا إلى أنها لو كانت في الرواية فليست`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 3 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 3 . `


131
من كلام الامام ( عليه السلام ) لعدم إمكان تفسير الامام كلام نفسه الشريف` بجملة يعني . فلابد من كونها من كلام الراوى ولايمكن الاعتماد على ما فهمه` الراوى مع عدم ذكر منشأ فهمه` .

و ليس شيء من الروايات المشتملة على (( من يخطب )) أو ما بمعناه في مقام ` البيان من جهة توسع ذلك و تضيقه , على أن بعضها ناظرة إلى ما هو شرط` للانعقادلا الوجوب لوجود خمسة فيها , فراجع` .

( سادسا ) إن ما استفاده السيد الاستاذ ـ دام ظله ـ مبني على أن يكون` كلمة (( يخطب )) خبر (( كان )) ولكن من المعلوم أن (( كان )) في الرواية ليست` من أفعال الناقصة بل هي فعل تام بقرينة كلمة (( من )) الموصولة , فان` الموصول وصلته بمنزلة الكلمة الواحدة . فمعنى إذا كان من يخطب : أن من` يخطب بوجوده تاما شرط في وجوب صلاة الجمعة لا بوجوده ناقصا أى في حال` الخطبة , فالشرط هو الوجود لا الخطبة , و هذا إنما يناسب إذا كان من يخطب` عنوانا لشخص خاص بحيث يكون وجوده شرطا في الوجوب . فعلى ذلك الرواية` على خلاف المطلوب , و هو القول بالمنصبية أدل` .

نعم هذا البيان في (( إمام يخطب )) غير جار إلا أن يعلم المراد منه مما ذكرنا` في (( من يخطب )) , فتدبر جيدا` .

قال : بقي الكلام في بعض ما استدل به على الوجوب التعييني لصلاة` الجمعة من الروايات` .

الاول : صحيحة زرارة , قال : قلت لابي جعفر ( عليه السلام ) : على من` تجب الجمعة ؟ قال : تجب على سبعة نفر من المسلمين , ولا جمعة لاقل من` خمسة من المسلمين أحدهم الامام . فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم `


132
بعضهم و خطبهم ( 1 ) ` .

فان موضوع الوجوب هو طبيعي السبعة , فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا` وجب أن يؤمهم بعضهم و يخطبهم . ولكن الرواية لاتدل على الوجوب` التعييني . فانه لو كان المراد من الوجوب على السبعة أن السبعة شرط` للصحة , أى لا تصح صلاة الجمعة إلا بوجود السبعة , فمع أنه خلاف` الظاهر تكون الرواية معارضة لما دل على أن الجمعة تصح من خمسة , و منه` ذيل هذه الرواية` .

ولو كان المراد أن السبعة بوجودها شرط للوجوب فيكون بيان هذا` الشرط من اللغو الواضح , فانه ما من قرية بل و ما من محل لاقامة أحد` إلا و توجد فيها سبعة . نعم يمكن فرض عدم وجود السبعة بالنسبة إلى` المسافر , ولكن الجمعة موضوع عنه فتنحصر إفادة الشرط بفرد نادر ,` كالمرتاضين والساكنين في الجبال انفرادا , فاذا يكون الشرط هو` الاجتماع , و تنادى الرواية ـ صدرا و ذيلا ـ بذلك . فاذا اجتمع سبعة` تجب عليهم الجمعة , و حينئذ الرواية دالة على وجوب الحضور بعد` الانعقاد . و أما بالنسبة إلى الاجتماع فنحكم بالوجوب التخييرى لما ` ذكرناه ولاخذه في الموضوع في هذه الروايات شرطا لوجوب الجمعة ,` و طبع كل شرط للوجوب ثبوت التخيير بالنسبة إليه` .

أقول : ( أولا ) نختار أن السبعة بوجودها شرط للوجوب , والمحذور إنما يلزم إذا`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 4 . `


133
كان المراد منها الجنس , و أما إذا كان المراد منها سبعة خاصة فلا` .

و معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : تجب الجمعة على` سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقل منهم : الامام , و قاضيه , والمدعي حقا ,` والمدعى عليه , والشاهدان , و الذى يضرب الحدود بين يدى الامام ( 1 ) دالة على` أن السبعة هي سبعة خاصة . فان الامام في هذه المعتبرة غير صادق إلا على` المعصوم ( عليه السلام ) و نتعدى عن ذلك بالمنصوب من قبله بالدليل , فملاحظة` الروايتين تدل على المنصبية` .

إن قلت : على ذلك لزم عدم وجوب صلاة الجمعة على غير هم فان وجوب` الجمعة في الرواية مقصور على هذه السبعة` .

قلت : نلتزم بذلك و نقول : إن الواجب على غيرهم هو الالتحاق إلى هذه` الجمعة . فان الجمعة فريضة , و الاجتماع إليها فريضة على ما في صحيحة` زرارة , مضافا إلى أن المحذور و هو ظهور الرواية في قصر الوجوب على السبعة` المخصوصة يندفع بحمل من عدا الامام على الطريقية , و بيان أن الشرط ليس زائدا على` وجود الامام و بسط يده وتمكنه من إجراء الحدود فان وجود هؤلاء من لوازم` حضور الامام و بسط يده غالبا , فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الرواية في دخل` الامام في الوجوب . فالرواية الثانية يبين المراد من الرواية الاولى , و ان أحد` السبعة المذكورة فيها هو الامام بشرط اقتداره و تمكنه من إجراء الحدود` .

و الحاصل : أن الاضطرار إلى حمل الرواية على خلاف ظاهرها و هو الحصر` لايوجب حملها على خلاف ظاهرها و هو دخل الامام ( عليه السلام ) في الوجوب ,` فتدبر جيدا` .

( ثانيا ) نختار شرطية الاجتماع إلا أن أدلة المنصبية حاكمة على ذلك ,`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 9 . `


134
فطبعا بمقتضى حكومة أدلة المنصبية عليها يظهر دخل الشرطين في الوجوب` : إجتماع العدد , ووجود صاحب الامر . كما أن هذا البيان يجرى في سائر` الشروط أيضا , و حينئذ وجوب الاجتماع عند الشرط المذكور أى وجود الامام` أو المنصوب من قبله يظهر من الادلة الدالة على وجوب العقد إجمالا كالمطلقات` السابقة و ما دل على وجوب الاجتماع مع الامام كصحيحة زرارة المذكورة آنفا` .

فينتج عدم وجوب الجمعة لا عقدا ولا حضورا عند عدم وجود الامام` ( عليه السلام ) أو المنصوب من قبله و وجوبها حضورا و عقدا عند وجود الشرط` .

( ثالثا ) إن الرواية في نفسها لا تدل على الوجوب التعييني للحضور , ولا على ` التخيير في العقد في زمان عدم بسط يد الامام , و إن شككنا في المنصبية , فان ` فيها كلمة الامام , ولا يراد منها الجنس يقينا و تعيين المعهود يحتاج إلى دليل ,` فالرواية من هذه الجهة مجملة` .

و أيضا يظهر من روايات الخطبة أنها ليست شأن كل أحد , فانها مشتملة` على امور : نظامي عالمي , و الموعظة , و الترغيب في الطاعة , و الترهيب من` المعصية , و التوقيف على (( ما أراده )) الخطيب الذى تبينه رواية العلل من أنه` الامير , و الاخبار بما ورد من الافاق . و الخطبة الاولى مشتملة (( على ما يريده` الخطيب أن يعلمهم من أمره و نهيه ما فيه الصلاح و الفساد )) ـ على ما في رواية` العلل وفيها كلمة الامير ـ أفيمكن الالتزام بأنه إذا اجتمع مطلق السبعة ولو` سبعة نفر من الذين لايعرفون الهر من البر و فقط يتمكنون من المتكلم باتق الله` واحسن , و قراءة سورة قل هو الله أحد مثلا , يجب أن يؤمهم بعضهم ويخطبهم ؟` أفلا يظهر من ذلك أن الخطبة شأن رجل بصير بالوضع العالمي , نافذ الرأى` والارادة , قابل لتوقيف المستمعين على ما أراد , قابل لان يعلمهم من أمره` و نهيه` .

و لعمرى إن هذا واضح غاية الوضوح لمن تأمل في روايات الباب ,`


135
ولا سيما بملاحظة رواية العلل الواردة في بيان كيفية الخطبة لاشتمالها على كلمة` الامير , و هذه المطالب الراقية التي لايناسب إلا الامير , فكيف يمكن التمسك ` بتلك الرواية لاثبات الوجوب التعييني` .

و بعبارة صناعية : إن البعض و إن كان مفهوما كليا قابلا للانطباق على` كل فرد , إلا أنه يخرج عن هذا الاطلاق و الشمول بواسطة معطوفه و هو` (( خطبهم )) و يسأل عن أنه من الخطيب , فارادة الجنس لايمكن قطعا لما ذكرناه` فهو خطيب خاص و معهود , و تعيين المعهود يحتاج إلى قرينة , فعلى الشك في` المنصبية لابد من التوقف لاجمال الدليل` .

فتحصل أن الرواية لا تدل على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة مطلقا , ولا` لوجوب الحضور بعد الانعقاد مطلقا , ولا للتخيير في العقد . أما على المنصبية` فواضح , و أما على الشك فيها فلاجمالها من هذه الجهات حينئذ` .

( رابعا ) لو تنزلنا عن جميع ذلك و كنا نحن و هذه الرواية فكانت النتيجة` وجوب العقد عند اجتماع السبعة , فنفس إجتماع السبعة في محل ظهر يوم` الجمعة موجب لوجوب إمامة بعضهم و خطبته إياهم , و هذا غير الحضور بعد` الانعقاد` .

و لو قيل : بأن المراد من اجتماع السبعة هو انعقاد الجمعة , قلنا : قد أصبح` عنوان الاجتماع عنوانا كذائيا مؤولا بلا موجب له و بلا شاهد عليه` .

قال : الثاني : ما دل على أن صلاة الجمعة واجبة لا يعذر فيها أحد` إلا من استثني كصحيحة منصور السابقة , بتقريب أن عدم العذر` لايناسب الوجوب التخييرى فلابد من الالتزام بالوجوب التعييني` .

والجواب : إن هذه الرواية دالة على وجوب الحضور بعد الانعقاد` لذكر كل من كان على رأس فرسخين في عقد الاستثناء , فان هذا`


136
الاستثناء إنما يصح إذا كان المستثنى منه وجوب الحضور لا وجوب` العقد , لعدم تعين الاستثناء بذلك عن وجوب العقد` .

الثالث : ما دل على أن من ترك الجمعة ثلاث جمع متوالية يطبع الله` على قلبه , بالتقريب السابق والجواب أيضا هو الجواب السابق , فان` ترك الجمعة ظاهر في فعلية الجمعة حال الترك , ولا يناسب هذا إلا` ترك الجمعة المنعقدة` .

فتحصل من جميع ما ذكرناه أن الجمعة واجبة تخييرا بحسب العقد` من جهة الجمع بين الاطلاقات السابقة , والقرائن السالفة . و واجبة` تعيينا بحسب الحضور بعد الانعقاد من جهة الروايات الواردة في بيان` وظيفة أهل القرى المشتملة على كلمة ( ( يخطب )) و غيرها , مما قد` عرفت . و بما ذكرنا ظهر الكلام في المقام الثاني أيضا , و هو حكم الحضور` بعد الانعقاد` .

أقول : قد ذكرنا سابقا أنه لايعلم تشريع الجمعة من هاتين الطائفتين إلا` بالاستلزام , والدلالة الاستلزامية لا إطلاق لها , فان الرواية في مقام بيان حكم` آخر غير التشريع مترتب على التشريع , فلا تدل على سعة التشريع وضيقه . فكما` لايمكن التمسك بهذه الروايات لاثبات الوجوب التعييني للعقد , كذلك لا ` يمكن التمسك بها لا ثبات وجوب الحضور إلى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة . فانها` و إن كانت ظاهرة في وجوب الحضور إلى الجمعة المنعقدة , إلا أنها ليست في` مقام بيان شرائط الانعقاد . فليس في البين حتى رواية واحدة تدل على وجوب` الجمعة مطلقا , لاعقدا و لا حضورا , كما أنه لاإطلاق يدل على الوجوب التخييرى` بحسب العقد مطلقا` .


137

و أما الجواب المذكور في كلام السيد الاستاذ فلا يمكن المساعدة عليه , فان` الروايات المشتملة على عدم العذر غير مشتملة على ذلك الاستثناء , و ما هو` مشتمل على ذلك الاستثناء لم تذكر فيه هذه الكلمة فلاحظ الروايات . و أما` كلمة ترك الجمعة فهي و إن كانت مشعرة بترك الحضور , إلا أنها غير صريحة` في ذلك . نعم الرواية في مقام بيان عقوبة ترك الجمعة , لا شرائط وجوب` الجمعة , ولذا لايمكن التمسك بهذه الروايات , كما أفاده ـ مدظله ـ` .

ولا ينقضي تعجبي أنه ما الوجه في عدم تمسكه ـ دام ظله ـ بعدم وجوب` الحضور بعد الانعقاد بما تمسك به أولا في بيان القرينة على عدم` وجوب العقد تعيينا من أنه لو كان حكم مثل هذه المسألة التي تعم بها البلوى` هو الوجوب كيف يمكن اختفاؤه على أحد , فضلا عن اختفائه على المعظم من الاصحاب` .

فتحصل من جميع ما ذكرناه أنه لو قلنا بالمنصبية كما هو المشهور و نقول به ,` و مدعي القطع بصراحة الادلة في المنصبية غير مجازف , فبمقتضى الجمع بين` ما دل على تشريع الجمعة و أدلة المنصبية نحكم بوجوب العقد و الحضور إلى` الجمعة المنعقدة مطلقا عند وجود الشرائط , ولا نقول بالوجوب عند فقدان` الشرط , لا حضورا ولا عقدا , لعدم موجب لذلك . نعم نحكم باجزاء الجمعة` عن الظهر و مشروعيتها بالمعتبرتين , و قد تقدم بيان ذلك` .

و أما لو لم نقل بالمنصبية , و شككنا فيها فلا نتمكن من استنتاج شيء من` الادلة لا الوجوب التعييني مطلقا , ولا الوجوب التخييرى للعقد , ولاالوجوب` التعييني للحضور , و قد تقدم أيضا . نعم القدر المسلم إجزاء الجمعة عن الظهر` من جهة المعتبرتين , و عند الشك لابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة و نبين إن شاء الله`

ولا بأس بالاشارة إلى ما ذكره المحقق الكركي هنا : و هو أنه ولو قلنا` بالمنصبية إلا أن الادلة الدالة على ولاية الفقيه ولاية عامة , تدلنا على أنه ولي ` الامر فهو منصوب من قبل الامام , و قد حصل الشرط , فتجب الجمعة في زمان`


138
الغيبة أيضا . ولكن هذا و إن استفدناه من أدلة الولاية للفقيه من أنها دلت على ` إعطاء الولاية بجميع مراتبها الثابتة للامام إلى الفقيه , ولا نقول بما قيل من أن ` غاية ما نلتزم به إعطاء منصب الحكومة , و هي فصل الخصومة إليه (( فاني قد` جعلته حاكما )) . و هذا لايلازم إعطاء جميع مناصب الامام له` .

إن ظاهر كلمة الامام هو الامام بالفعل , و هو الحاكم الشرعي المبسوط` اليد , و ولي الامر الامام شأنا و هو من جعل له منصب الامامة و إن لم يكن` مقتدرا و مبسو اليد . و يدل على هذا بعد ظهور لفظ الامام , الروايتان` الاتيتان : رواية طلحة بن زيد , و رواية محمد بن مسلم , فلاحظ` .

فانا و إن لا نقول بظهور الامام في إمام الاصل إلا أنا لا نقول أيضا بظهوره` لمطلق إمام الجماعة , بل نقول بظهوره في الامام بالفعل , و هو الحاكم الشرعي` المبسوط اليد , و منه الفقيه الجامع للشرائط في زمان اقتداره و بسط يده , و في` عصر تشكيل الدولة الاسلامية و الحكومة الشرعية كزماننا و الحمدلله . اللهم` اجعل دولتنا من الدولة الكريمة تعزبها الاسلام و أهله , و تذل بها النفاق و أهله ,` و تجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك , و القادة إلى سبيلك , و ترزقنا بها كرامة ` الدنيا و الاخرة . آمين` .

هذا ولكن لايمكن القول بالوجوب التعييني في مثل هذا الزمان أيضا ,` لعدم وجود دليل مطلق يثبت ذلك , و مقتضى الاصل عدمه . ولا ينافي هذا` منصبية صلاة الجمعة , فان المنصبية أمر والوجوب التعييني أمر آخر , كما لا` يخفى` .

قال : و ذهب جماعة إلى عدم المشروعية في زمان الغيبة , و استدلوا` على ذلك بعدة وجوه , تأتي إن شاء الله` .

فلو أرادوا من ذلك الاستدلال على عدم الوجوب التعييني لاصل`


139
العقد فهو مسلم بلا حاجة إلى تلك الادلة . و قد ذكرنا عدم استفادة` الوجوب التعييني من الروايات في نفسها` .

و إن أرادوا من ذلك الاستدلال على عدم المشروعية في زمان الغيبة` حتى بالنسبة إلى الحضور إلى الجمعة المنعقدة فهذا مناف لاطلاق` الروايات السابقة , و على مدعي الاشتراط , الاثبات . و قد استدل على` ذلك` :

أولا : بالاجماع , إلا أنه لايحتمل الاجماع على عدم المشروعية` لذهاب جمع من العلماء إلى الوجوب التخييرى` .

أقول : ظهر مما ذكرناه عدم وجود إطلاق يدلنا على وجوب العقد , أو` وجوب الحضور إلى الجمعة المنعقدة , فعلى ذلك على مدعي الوجوب الاثبات ,` وإلا فلابد من الرجوع الى مقتضى الاصل العملي . هذا لو لم يتم شيء من أدلة` المنصبية , كيف و دلالة الادلة على المنصبية كالنور على الطور , و كالشمس في` ريعان الظهور` .

و أما الاجماع , فلو اريد به الاجماع على عدم المشروعية فالامر كما ذكره إلا` أنه لا يراد من ذلك الاجماع عليها بل اريد منه الاجماع على المنصبية , و هذا لا` ينافي الالتزام بالوجوب التخييرى في زمان الغيبة و عدم بسط الايد بترخيص` منهم , أو من جهة إطلاق المشروعية , أو من جهة الوجوب التخييرى بحسب` أصل الجعل في خصوص زمان الغيبة , و عدم بسط اليد , بلا فرق بين العقد` و الحضور , لعدم الدليل على الفرق حينئذ` .

ولا ينبغي الشك بعد التتبع في كلمات القدماء قبل زمان الشهيد الثاني` ـ قدس سره ـ في حصول القطع بالمنصبية , و وجود الاجماع عليها بين القدماء` .


140
و كيف كان فلا يهمنا اطالة الكلام في ذلك , فان في الرجوع إلى الروايات غنى` و كفاية كما سيظهر إن شاء الله` .

قال : و ثانيا : بقيام السيرة القطعية في زمان النبي صلى الله عليه` و آله و الائمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين بتعيين إمام الجمعة` . و هذا أقوى دليل على المنصبية , و النتيجة عدم المشروعية عند عدم وجود` الامام أو المنصوب من قبله كزمان الغيبة` .

ولكن هذا الوجه أيضا ساقط , فمن أين علمنا تحقق السيرة في زمان` النبي صلى الله عليه و آله , و هكذا في زمان الائمة ( عليهم السلام ) على` ذلك ؟ بل ولم يعلم حتى تعيين شخص واحد من قبلهم لاقامة الجمعة` .

نعم كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يعين القضاة والولاة , إلا أن تعيين` القاضي والوالي غير تعيين إمام الجمعة و إن قام بها القاضي والوالي` أيضا . `

و ثالثا : بالروايات الدالة على عدم الوجوب بالنسبة إلى من بعد عنها` بفرسخين , فانه لو لم يكن وجوب صلاة الجمعة مشروطا بوجود الامام أو` المنصوب من قبله لم يكن لجعل الحد معنى , لوجوب الاقامة عليهم أيضا` في محلهم . فانه ليس المراد من ذلك المسافر لجعله في مقابل المسافر في` الروايات , فهو مقيم في ذلك المحل ويوجد نوعا في المحلات العدد المعتبر` في صلاة الجمعة , و هكذا من يقتدر على الخطبة ولو بمقدار أقل الواجب ,` فهذه الروايات تدلنا على اشتراط وجوب الجمعة بوجود الامام أو` المنصوب من قبله , و عدم المشروعية عند عدم الشرط موافق للقاعدة` .


141

ولكن هذا الاستدلال أيضا لا يتم , فان غاية ما يستفاد من` الرواية , عدم الوجوب التعييني لاصل العقد , و أما عدم الوجوب` التخييرى فلا , و هكذا يعلم منها اشتراط وجوب الحضور إلى الجمعة` المنعقدة بالحد المذكور . و أما اشتراط الامام أو المنصوب من قبله في` الوجوب فلا` .

و رابعا : أن إطلاق الوجوب مثير للفساد , فانه لاتقام في كل بلد إلا` جمعة واحدة , فيقع التنازع في إمامة الجمعة , و ربما ينجر الى القتل` و القتال و نحو ذلك كما شوهد في الخارج أيضا , ولكن هذا و إن كان` لابأس به إلا أنه قرينة على عدم الوجوب التعييني فقط . أما على ما` اخترناه من الوجوب التخييرى فلا , لامكان ارتفاع النزاع بتركهم` الجمعة جميعا . و أما بالنسبة إلى وجوب الحضور إلى الجمعة المنعقدة فبعد` رعاية الشرائط المعتبرة في الامام ـ و منها العدالة ـ لا يتحقق نزاع أبدا` .

نعم يقع النزاع بناء على مذهب العامة من عدم اعتبار العدالة في الامام` .

أقول : ما أفاده ـ دام ظله ـ من عدم تحقق النزاع بملاحظة الشرائط المعتبرة في ` الامام غير تمام , بل إثارة الفساد بالنسبة إلى ما بعد الانعقاد لعله أزيد منها` بالنسبة إلى أصل العقد , و هذا ظاهر , و الذى يسهل الخطب عدم تسليم إثارة` إطلاق الوجوب للفساد . فان الفساد ليس مسببا عن جعل الشارع , بل إنما هو` مسبب عن سوء اختيار المكلفين ولا دينيتهم . وإلا فمع ملاحظة الحدود الشرعية` لا يجرى نزاع أبدا . فلا محذور لجعل مثل هذا الحكم أصلا , و يكفي لهذا الجعل` أثرا عند تحقق الفساد عصيان المقصرين في ذلك . نعم لايترتب العقاب على`


142
ترك الباقين لكونهم معذورين فيه` .

قال : و خامسا : بالروايات التي توهم دلالتها على اشتراط وجوب` صلاة الجمعة بوجود الامام أو من نصبه` .

( منها ) رواية الصدوق في العلل و عيون الاخبار : باسناده عن` الفضل بن شاذان , عن الرضا ( عليه السلام ) قال : إنما جعلت الخطبة يوم` الجمعة لان الجمعة مشهد عام , فأراد أن يكون للامير سبب إلى موعظتهم` و ترغيبهم في الطاعة , و ترهيبهم من المعصية , و توقيفهم على ما أراد من` مصلحة دينهم و دنياهم , و يخبر هم بماورد عليهم من الافاق ( و ) من` الاهوال التي لهم فيها المضرة و المنفعة , ولا يكون الصابر في الصلاة` منفصلا , و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة . و انما` جعلت خطبتين لتكون واحدة للثناء على الله والتمجيد و التقديس لله` عزوجل , والاخرى للحوائج و الاعذار و الانذار , والدعاء , و لما يريد أن` يعلمهم من أمره , و نهيه , ما فيه الصلاح و الفساد ( 1 ) . `

تقريب الاستدلال بوجهين : ( الاول ) : أن الرواية مشتملة على` كلمة الامير , و مطالب لا تناسب الاية . ( و ثانيا ) أنها مشتملة على جملة` (( ليس بفاعل غيره )) ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة . فدلت الرواية` بهذين الوجهين على أن الصلاة الجمعة لم تشرع إلا بوجود الامام أو من`

( 1 ) عيون اخبار الرضا ( ع ) : ج 2 , ص 110 , ب 34 , ح 1 , علل الشرايع : ج 1 , ص 265 , ب 182 ,` ح 9 , مع اختلاف يسير . `


143
نصبه . ولكن هذا الاستدلال لا يتم` .

( أولا ) الرواية ضعيفة سندا , فان في الطريق عبدالواحد بن` عبدوس النيسابورى العطار , و علي بن محمد بن قتيبة ولم يثبت وثاقتهما` .

أقول : الظاهر صحة طريق الصدوق إلى فضل بن شاذان , فانه يروى عن` عبدالواحد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل , و الرجلان و إن` لم يرد في حقهما توثيق في كلمات القدماء إلا أنه لم يرد في حقهما قدح أيضا` . و هنا قرائن يحصل من ملاحظة مجموعها الوثوق بحسن حالهما لا أقل . ويكفي هذا` المقدار في صحة الرواية , و إليك القرائن المذكورة` :

أما بالنسبة إلى عبدالواحد بن عبدوس : 1 ـ هو من مشايخ الصدوق التي` يروى عنه بلا واسطة مع تكرر ذلك كما عن الشهيد , أو مترضيا عليه كما عن` العلامة , و هذا يدلنا على أنه من الامامية , و حسن الحال` .

2 ـ ذكر الصدوق ـ قدس سره ـ في كتاب عيون الاخبار رواية من ثلاث` طرق : أحدها عبدالواحد , وقال عقيب ذلك , و حديث عبدالواحد بن عبدوس` عندى أصح , و هذه شهادة منه بصحة الرواية الناشئة من صحة الراوى` .

3 ـ نقل عن آخر الجلد الاول من العيون للصدوق من أن كلما لم يصححه` شيخه محمد بن الحسن بن الوليد فهو لا يذكره في مصنفاته . فمع ذكر هذه` الرواية فيها يعلم تصحيح محمد بن الحسن بن الوليد لها . و بعد هذه القرائن` يحصل الاطمئنان بوثاقته . ولا أقل من حسن حاله` .

و أما بالنسبة إلى علي بن محمد بن قتيبة` :

1 ـ ذكر الشيخ ـ قدس سره ـ في حقه أنه تلميذ الفضل بن شاذان` النيسابورى , فاضل . و هذا مدح له` .

2 ـ ذكر النجاشي في حقه عليه اعتمد أبو عمرو الكشي في الرجال . و هذا`


144
أيضا يعد من المدح` .

3 ـ اعتمد عليه أبو عمرو الكشي و قال : إنه صاحب الفضل بن شاذان` . و رواية كتبه له . و بعد ذلك يحصل الاطمئنان بوثاقته , ولا أقل من حسن` حاله` .

و يؤيد ما ذكرنا تصحيح العلامة والشهيد و الجزائرى و صاحب المدارك` للاول , ولا سيما بملاحظة مسلك الثلاثة الاخيرة المعروف في الروايات من` أنهم صحيح أعلائي , و تصحيح العلامة و السيد الداماد و الجزائرى للثانية ,` فالظاهر صحة هذا الطريق` .

قال : ( ثانيا ) الرواية لا تدل على المدعى , فان ذكر الامير و ما لا` يناسب إلا به لا يدل على اعتبار الامير في الوجوب , بل ذكر ذلك من` جهة طبع إمامة صلاة الجمعة , و عدم تحققها خارجا لاشرعا إلا من` شخص بصير قابل للترغيب و الترهيب لا من كل إمام جماعة` .

و بهذا يظهر الجواب عن الوجه الثاني و التمسك بجملة (( ليس بفاعل` غيره )) فانها إشارة إلى ما في الخارج , لا إلى اشتراط المنصبية في إقامة` الجمعة . `

أقول : ( أولا ) لا إطلاق يدلنا على وجوب صلاة الجمعة مطلقا لا حضورا` ولا انعقادا كما مر , فعلى ذلك لا دليل على الوجوب بالنسبة إلى غير مفروض` الرواية , و هو إقامة الامير لصلاة الجمعة و إن لم تدل الرواية على الاشتراط` .

( ثانيا ) حمل الرواية على بيان ما هو الواقع تكوينا خلاف الظاهر , بل` الظاهر من جملة (( ليس بفاعل غيره )) سلب الفاعلية في وعاء الشرع . كما أن`


145
الظاهر من (( أن الجمعة مشهد عام , فأراد أن يكون للامير سبب )) اعتبار جميع هذه` القيود شرعا` .

( ثالثا ) كيف يمكن صرف الرواية إلى بيان ما هو واقع في الخارج , مع أن` المذكور فيها كلمة الامير , أفهل يكون إمام صلاة الجمعة الواقعة في الخارج نوعا ` على تقدير عدم القول بالمنصبية الامير ؟ فذكر الامير كاف في إثبات المنصبية .

قال : ( و منها ) موثقة سماعة : قال : سألت أبا عبدالله عن الصلاة` يوم الجمعة , فقال : أما مع الامام فركعتان , و أما لمن صلى وحده فهي` أربع ركعات , و إن صلوا جماعة ( 1 ) . بتقريب أن كلمة الامام تدل على` الامام الاصل أو من نصبه , بقرينة ذكر (( و إن صلوا جماعة )) في الرواية` . فانه لو كان المراد من الامام مطلق من يقتدى به لم يكن وجه لذكر هذه` العبارة` .

إلا أن هذه الرواية وردت بطريق الصدوق من دون هذا القيد , أى` (( و إن صلوا جماعة )) . و وردت بطريق الكليني مشتملة على تفسير الامام` بجملة يعني إذا كان إمام يخطب . فاذا لا وجه لحمل الامام على إمام` الاصل أو من نصبه , بل المتعين هو حمله على ما ذكرناه من إمام صلاة` الجمعة , و هو من يخطب , و التفسير و إن ورد من سماعة إلا أنه لا بأس` بالاخذ به , ولو بقرينة سائر الروايات الدالة على ذلك` .

أقول : هذه الموثقة و إن وردت بمتون أربعة مختلفة كما مر منا أيضا , فلا تدل` على المنصبية إلا أنا قد ذكرنا عدم دلالتها على ما أفاده ـ دام ظله ـ أيضا لعدم `

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 8 . `


146
ثبوت إمام يخطب فيها و عدم دلالة غيرها أيضا على ذلك , و من هنا يعلم أنه` ليس الوجه في عدم دلالة الرواية على المنصبية الاحتمال الذى ذكره ـ مدظله ـ` في الامام , فان هذا الاحتمال لا منشأ له , بل الامر دائر بين كون الامام` المذكور في الرواية هو الامام ألاصل أو المنصوب من قبله أو مطلق من يقتدى به` مع اقتداره على الخطبة , و هذا الاحتمال نشأ من الروايات المشتملة على من` يخطب , و قد ذكرنا ما فيها بل وجه عدم الدلالة سقوط (( و إن صلوا جماعة )) في` بعض المتون الواردة في هذه الرواية , وإلا لكانت الدلالة تامة , فلا تغفل` .

قال : ( و منها ) عدة روايات كلها مراسيل . كمرسلة دعائم الاسلام` عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة` إلا بامام أو من يقيمه ( 1 ) ` .

و مرسلة الاشعثيات : أن الجمعة , و الحكومة لامام المسلمين` . ( 2 )

و مرسلة ابن عصفور : الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا` . ( 3 )

ولكن لا يمكن الاعتماد على هذه المراسيل . مع إمكان أن يقال` : إنه لا منافاة بين وجوب الجمعة مطلقا و كون الجمعة لهم , بمعنى أنه في` زمان الحضور إقامة الجمعة مختصة بهم , ولا يجوز لاحد مزاحمتهم في ذلك ,` و إطلاق الوجوب لا ينافي هذا` .

و بهذا يظهر الجواب عن الاستدلال بما في الصحيفة السجادية` :

( 1 ) دعائم الاسلام , ج 1 , ص` . 182

( 2 ) نفس المصدر السابق` .

( 3 ) نفس المصدر السابق` .


147
اللهم إن هذا المقام لخلفائك قد ابتزوها ( 1 ) فانه لا منافاة بين الامرين` كما ذكرنا` .

أقول : ( أولا ) لا دليل على الوجوب مطلقا ـ على مامر ـ حتى يقال بعدم` التنافي بين اختصاص هذه الصلاة بالامام و إطلاق الوجوب . بل غاية ما` يستفاد من هذه الروايات اختصاص صلاة الجمعة بالامام , فينتفي الحكم في` غير مورد وجود الامام بعدم الدليل عليه` .

( ثانيا ) كيف يقال بعدم التنافي بين إطلاق الوجوب و اختصاص الجمعة` شرعا بالامام ؟ فان معنى الاختصاص المستفاد من ( ل ) عدم جواز إقامة الغير` للجمعة . و هذا مناف لاطلاق الوجوب , لو كان في البين إطلاق , فكيف بعدم` ثبوته . فمع تمامية سند الصحيفة السجادية , كما هو المفروض في كلامه , يكفينا` ذلك لاثبات المنصبية` .

قال : ( و منها ) ما ورد من ترخيص أمير المؤمنين لعدم الاتيان` بالجمعة في يوم اجتمع فيه العيد و الجمعة . و هذا يدل على اختصاص` الجمعة بالامام , و الا فلم يكن لهذا الترخيص وجه . إلا أن الروايات` الواردة في هذا الباب ثلاث : `

الاولى : صحيحة الحلبي سأل أبا عبدالله ( عليه السلام ) عن الفطر` والاضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال : اجتمعا في زمان علي` ( عليه السلام ) , فقال : من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت , و من قعد فلا`

( 1 ) الصحيفة السجادية : ص 160 رقم` . 48


148
يضره , وليصل الظهر ( 1 ) الحديث` .

و هذه الرواية غير دالة على ترخيص الامام بعنوان أنه مختص به , بل` تدل على أنه ( عليه السلام ) بين الحكم الكلي الواقعي , و صرف بيان` الامام ( عليه السلام ) أنه (( من شاء يأتي إلى الجمعة فليأت , و من قعد فلا` يضره )) لا يدل على أن الجمعة حق له , و أنه ( عليه السلام ) في مقام إعمال` المنصب , فيخصص بظاهر هذه الرواية الادلة الدالة على وجوب الحضور` إلى صلاة الجمعة المنعقدة بغير يوم الجمعة التي وقع فيه العيد` .

الثانية رواية سلمة عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : اجتمع عيدان` على عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فخطب الناس فقال : هذا يوم اجتمع` فيه عيدان , فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل , و من لم يفعل فان له` رخصة ( 2 ) , يعني من كان متنحيا` .

و هذه الرواية ضعيفة بحسب السند , فان معلى بن محمد لم يوثق` ( بل ورد القدح في حقه ) , و دلالتها أيضا قاصرة , لان صرف اشتمالها` على كلمة الرخصة لا يدل على أن الرخصة من قبل الامام , بل لعلها` هي الرخصة من الله . بل الظاهر من الرواية هو أن الرخصة , رخصة` واقعية , فتكون النتيجة كالرواية الاولى` .

الثالثة : رواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه , إن علي بن أبي` طالب ( عليه السلام ) كان يقول : اذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد `

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 15 من أبواب صلاة العيد حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 15 من أبواب صلاة العيد حديث` . 2


149
فانه ينبغي للامام أن يقول للناس في خطبته الاولى : إنه قد اجتمع لكم` عيدان , فأنا اصليهما جميعا , فمن كان مكانه قاصيا فأحب أن ينصرف` عن الاخر فقد أذنت له ( 1 ) ` .

و هذه الرواية ضعيفة سندا فان محمد بن أحمد بن يحيى أخذ هذا` الحديث من كتاب محمد بن حمزة بن اليسع , رواه عن محمد بن` الفضيل , و كلا الرجلين لم يثبت و ثاقتها , مضافا إلى أنها و إن دلت على أن` الامام يرخص إلا أن التعبير بالرخصة في مقام بيان الواقع , لا في مقام الترخيص` في ترك الجمعة المختصة به شايع , فلا دلالة لهذه الرواية على أزيد مما دلت عليه` الروايتان السابقتان` .

فتحصل من جميع ما ذكرناه , أن القول بالوجوب التعييني , و القول بعدم` المشروعية كليهما باطلان . والحق هو القول الوسط , و هو الوجوب التخييرى` بحسب اصل العقد , و وجوب الحضور إلى الجمعة المنعقدة` .

أقول : تحصل من جميع ما ذكرناه إلى حد الان امور , نذكرها بضميمة امور` اخرى لتتميم الكلام في بحث صلاة الجمعة و منصبيتها و تأييد ما بنينا عليه في` حكمها ` :

1 ـ عدم دليل لفظي يدل على وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة لا عقدا` ولا حضورا حتى بالاطلاق . فلو قلنا بالمنصبية , وإلا فالمرجع ما هو مقتضى` القاعدة . `

2 ـ إجزاء صلاة الجمعة عن صلاة الظهر حتى في زمان الغيبة و هذا يظهر`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 15 من أبواب صلاة العيد حديث 3 .


150
من صحيحة زرارة و موثقة عبدالملك السابقتين . وليس هذا هو القول بالوجوب` التخييرى بحسب أصل الشرع حتى حال حضور الامام , كما يدعيه السيد` الاستاذ , ولا الوجوب التخييرى في زمان الغيبة , كما عليه بعض الفقهاء` العظام . بل المراد منه هو إطلاق المشروعية و إجزائها عن الظهر , ولو من قبيل` إجزاء غير الواجب عن الواجب لعدم ظهور الروايتين في أزيد من ذلك` .

3 ـ إشتراط وجوب الجمعة بوجود الامام أو من نصبه , بلا فرق بين العقد` و الحضور , لعدم احتمال أن يكون وجوب العقد مشروطا و وجوب الحضور` مطلقا , أى يكون الحضور إلى مطلق الجمعة المنعقدة واجبة تعيينا , لعدم الدليل` عليه , أى على وجوب الحضور إلى مطلق الجمعة المنعقدة ( أولا ) كما ذكرنا ,` وحكومة أدلة المنصبية باطلاقها عليه ولو سلم وجوده ( ثانيا ) و قد بينا بعض ما` دل على المنصبية` :

( منها ) الاجماع بين القدماء على اشتراط الوجوب بوجود الامام أو من نصبه ,` والاختلاف نشأ من زمان الشهيد الثاني ـ قدس سره ـ` .

( و منها ) القطع بعدم وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة و عدم بسط اليد` تعيينا لا عقدا ولا حضورا , فان المسألة مما تعم بها البلوى . فلو كان مثل حكم ` هذه المسألة هو الوجوب لبان و ظهر ظهور الشمس في رائعة النهار و النار على ` المنار , كيف و المتقدمون من الاصحاب متسالمون على عدم الوجوب تعيينا` حضوراو عقدا` .

( و منها ) معتبرة العلل على ما ذكرنا` .

( و منها ) ما في صحيحة السجادية على ما مر` .

( و منها ) المعتبرتان لزرارة و عبدالملك من جهة (( نغذو عليك )) و (( كيف ` أصنع )) لدلالة ذلك على أن مرتكز زرارة و هكذا عبدالملك المنصبية , ولا` موجب لاحتمال غير ذلك , كاحتمال أن يكون مرتكزهم أن الامام يريد أن`


151
يخطب فيصير مصداقا لمن يخطب فعلا , و لذا لم يحتمل ذلك أحد غير السيد` الاستاذ ـ مدظله ـ , مضافا إلى أن السؤال عن كيفية الصنع , لا يلائم هذا` الاحتمال كما هو واضح` .

هذا , و الروايتان دالتان على عدم وجوب الحضور إلى مطلق الجمعة` المنعقدة , فان الامام في مقام حث زرارة و أصحابه و عبدالملك على صلاة الجمعة` بأن يصلوها جماعة عندهم و بلد زرارة و أصحابه و عبدالملك و الامام ( عليه السلام` ( كان محلا واحدا , فانهم من أصحاب الامام ( عليه السلام ) , بل من أصحاب` سره . و من المقطوع به عدم حضور الامام في جمعتهم بحيث يقتدى بهم لو أقاموها ,` فانه مخالف لدلالة الرواية على الاتيان عندهم أولا , و عدم قبول مثل زرارة` و عبدالملك لاقتداء الامام بصلاتهم , بل وعدم مناسبة لذلك بعد إمكان إقامة` صلاة الجمعة كما هو المفروض , فيمكن إقامة الامام ( عليه السلام ) ولو سرا ,` و اقتداء زرارة و أصحابه و عبدالملك به , و مع ذلك لايقيمه ( عليه السلام ) و يحثهم` على صلاة الجمعة عندهم , فالجمع بين الحث على صلاة الجمعة عندهم و عدم ` حضور الامام في تلك الجمعة المنعقدة يدلنا على عدم وجوب الحضور إلى مطلق ` صلاة الجمعة المنعقدة` .

( و منها ) حسنة زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : صلاة الجمعة` فريضة , والا جتماع إليها فريضة مع الامام ( 1 ) لظهور لفظ الامام في إمام` الاصل , لعدم إرادة مطلق من يقتدى به منه جزما , للزوم اللغوية في الكلام ,` لاستدراكه بقيد الاجتماع إليها , و عدم الموجب لاحتمال غيره , كمن يخطب` فعلا , الذى ادعاه السيد الاستاذ ـ مدظله ـ بعد ما ذكرنا في بيان هذه الكلمة` والمراد منها , و استظهرنا من الدليل عدم وجوب الحضور إلى مطلق الجمعة المنعقدة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 1 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 8 . `


152

( و منها ) صحيحة عبدالرحمن بن سيابة عن أبى عبدالله ( عليه السلام ) قال` : على الامام أن يخرج المحبوسين يوم الجمعة إلى الجمعة و يوم العيد إلى العيد ,` و يرسل معهم , فاذا قضوا الصلاة و العيد ردهم إلى السجن ( 1 ) . `

و الدلالة بوجهين : ( الاول ) وحدة السياق بين الجمعة و العيد في الرواية ,` و المفروض أن الامام في صلاة العيد هو ولي الامر . ( الثاني ) إخراج المحبوسين` و ردهم إلى السجن , فانهما ليسا شأن غير إمام الاصل` .

و ما ذكره ـ دام ظله ـ سابقا من أن هذا من باب تطبيق الرواية , على ما في` الخارج و التكوين , لا من باب اشتراط الجمعة بوجود الامام قد عرفت ما فيه ,` و أنه على القول بعدم المنصبية و إقامة واحد من العلماء العظام في هذا الزمان` مثلا للجمعة هل يخرج المحبوسين , و هل يقتدر عليه ؟ فكيف يدعي ان هذا من` باب تطبيق الرواية على ما في الخارج و التكوين , لا من باب التشريع` .

نعم قد يقال : إن الامام المذكور في الرواية هو الامام الاصل , أو من يكون` إخراج المحبوسين وردهم تحت سلطنته . فعلى ذلك ـ غاية ما تدل عليه الرواية ـ أن` وظيفة الامام إخراجهم لصلاة الجمعة وردهم , لا منصبية الجمعة , و عدم إقامة` الجمعة إلا بالامام , فالرواية ناظرة إلى وجوب الاخراج على الامير , لا اشتراط` الجمعة بالامير , إلا أن هذا مسلم على أن يكون المراد من الامام المأخوذ في` الرواية , هو الرئيس لا الامام في صلاة الجمعة , فلو كان المراد منه هو الامام` فيها فتدل الرواية على المنصبية لدلالتها على أن من شأن إمام الجمعة إخراج` المحبوسين وردهم إلى السجن . والظاهر من العدول عن التعبير بالامير أو الرئيس` إلى الامام , ولا سيما بمناسبة الحكم و الموضوع , أن المراد من الامام هو الامام في ` الصلاة , و الله العالم` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 21 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 1 . `


153

و هنا روايتان موثقتان ذكرناهما سابقا , ولم يتعرض لهما السيد الاستاذ ,` و هما صريحتان في عدم الوجوب تعيينا في زمان الغيبة و عدم بسط اليد . و قبل` بيانهما نتعرض لبيان مقدمة مفيدة في جميع أبواب الفقه , و هي مشتملة على` امور` :

الاول : الحق عندنا عدم التعبد في شيء من الطرق و الامارات , بل كلها` كواشف عقلائية حاكية عن الواقع بنظرهم , ولو سلم ورود أمر باتباع أمارة ما` من الشارع , فهو إرشاد محض , و ليس البرهان على ذلك أن الالتزام بالتعبد بلا` موجب ثبوتا كما عليه بعض أساتيذنا , بتقريب أن جعل الحجية للحجة عند` العقلاء تحصيل للحاصل , و جعلها لماهو ليست بحجة عندهم يعد من اللغو` . فانه بلا ملاك يستدعي ذلك فيلزم الترجيح بلا مرجح , و هو قبيح , تعالى الله` عن ذلك علوا كبيرا` .

و لا يقاس ذلك بالاحكام المجعولة , فان الحجية هي الطريقية , و هي من` الامور الواقعية لا الاعتبارية . و الامور الواقعية غير قابلة للاعتبار , فلو صح اعتبار` الطريقية لما هو ليس بطريق لصح اعتبار البرودة للنار و الحرارة للثلج أيضا . ` و من هنا ظهر أن جعل الطريقية مستحيل , فان اعتبار الموصل لا يمكن ,` و الاعتبار المحض غير الطريقية , فافهم` .

و وجه بطلان ذلك يظهر من بعض ما كتبناه في المقام الحاصل منه إمكان` جعل الطريقية لما ليس بطريق تكوينا قابل لاعتباره طريقا بنظر العقلاء ,` بحيث لو لا جعل ذلك لما كان حجة . وتتمة الكلام في محله , بل البرهان عدم` الملزم له بحسب الاثبات , فانه لا دليل على جعل الحجية لشيء من` الامارات . و ما ذكر في هذا الباب إما أجنبي عن المقام , أو مشتمل على ما` ينادى بالارشاد إلى بناء العقلاء , و تمام الكلام في محله` .

فما دار في الالسنة من أن المجعول في الطريق هو تتميم الكشف , أو إلغاء`


154
احتمال الخلاف , أو تنزيل النفس منزلة العالم , أو تنزيل المؤدى منزلة الواقع , ` أو العلم التعبدى , أو غير ذلك مما يسمع , مجرد تعابير الذى يقال له بالفارسية` ( فرمايش محض ) ولا واقع لشيء منها` .

هذا في الامارات , و أما في الاصول العملية فلا نلتزم بالاصل العقلي غير` الاحتياط . نعم نلتزم بالاصل المرخص الشرعي في موارد البراءة , و نلتزم` بالاصل الشرعي في موارد الاستصحاب أيضا و التفصيل في محله` .

الثاني : المدار في الطريقية بنظر العقلاء هو الكشف عن الواقع و الوصول` إليه لا غير , فان الظاهر من ملاحظة حالهم في امورهم المعاشية , و في محاوراتهم` إنما هو اتباع ما يحصل منه الاطمئنان , و ترتيب آثار الواقع على ما أدى إليه` الوثوق` .

الثالث : ضم الامرين المذكورين ينتج , أن المدار في حجية الروايات` بحسب السند هو الوثوق بالصدور لا غير , فان المهم هو تبوت الحكم بسبب` الرواية , ولا عبرة بكون الراوى ثقة , و عدمه , ( بالمصطلح الدارج` . (

نعم الوثوق بالراوى يورث الوثوق بالصدور , عند العقلاء . إلا أنه لا ينحصر` حصول مناط الحجية و هو الوثوق بالصدور من الوثوق بالراوى . و لذا بنينا على` أن استناد المشهور من القدماء جابر للسند , فانه موجب للوثوق بالصدور , ولا` سيما بملاحظة كثرة تورعهم في الفقه , و شدة تحفظهم على عدم الاخذ بالروايات` المجعولة , أو الواردة في غير مقام البيان , كما يظهر من التتبع في أحوالهم . بل` نفس استناد المشهور بالرواية هو مقوم للوثوق النوعي , لا موجب له , فانهم من` أظهر مصاديق العقلاء . فالوثوق النوعي حاصل من نفس الرواية , فالرواية في ` نفسها حجة , و استناد المشهور إليها كاشف عنها لا موجب لها , فتدبر جيدا` .

إن قلت : إن الالتزام بذلك مستلزم للالتزام بحجية الشهرة الفتوائية أيضا` .

قلت : الشهرة إنما تكون حجة أى يحصل منه الوثوق إلى الواقع اذا لم تكن`


155
مستندة إلى المباني النظرية المختلفة , و إلا فلا تتحقق الشهرة أصلا , فان كلا` يكذب الاخر لعدم حجية مبناه بنظره , و الشهرة الفتوائية من هذا القبيل . نعم` لو علمنا بأن مستند الشهرة الفتوائية أمرا واحدا نلتزم بحجيتها أيضا` .

و قد سمعت من بعض من يدافع عن القول بعدم الانجبار بأنه لعل أخذ` المشهور بالرواية نشأ من حسن ظنهم بالسلف السابق فلا يعلم استنادهم إليها` بما هي حجة . و هذا كما ترى بأن لايجاب عنه أحرى . أفهل يجوز هذا النحو من` الاتهام بهؤلاء العلماء العظام مع جلالة شأنهم و علو مرتبتهم في المباحث العلمية` و دقائقها ؟ أفهل يعقل حصول الظن مما لا يورث الظن لمتعارف العقلاء ؟ و هل` يكون حسن الظن منهم بالقدماء , ناشئا عن مجرد الوسوسة ؟ أو ليس حسن` الظن من هؤلاء لهؤلاء مستندا إلى انكشاف ملكاتهم الفاضلة دقة و ورعا` و كمالا , و غير ذلك لديهم . `

و بنينا أيضا على أن إعراض المشهور عن الرواية موجب لوهن الرواية` المستلزم لطرحها عقلا , لا بمعنى الحكم بعدم صدورها حتى يقال : إن الرواة` كلهم ثقات , بل بمعنى عدم إمكان التمسك بها لاثبات مدلولها , فان هذه هي` الغاية بنظر العقلاء , و مناط الحجية غير حاصل و الحال هذا لكشف الاعراض` عن خلل في جهة الصدور . و ما يمكن أن يقال بأن الحمل على التقية له مقام` مخصوص , و هو ما اذا عارضه دليل معادل له في الحجية مدفوع بعدم قيام دليل` على الحصر , و تمام الكلام في محله` .

الرابع : قال شيخ الطائفة في العدة : ميزت الطائفة بين ما يرويه محمد بن` أبي عمير و صفوان بن يحيى و أحمد بن محمد بن أبي نصر و غير هم من الثقات` الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به و بين ما أسنده` غيرهم و لذلك عملوا بمراسيلهم . انتهى موضع الحاجة من كلامه` .

و هذا كما ترى شهادة منه ـ قدس سره ـ بعمل الطائفة على ما يرويه أحد`


156
هؤلاء , و معرفتهم بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة . و هذه الشهادة` مستندة إلى الحس , كما هو ظاهر , فيثبت بها المشهود به . و بما أن الطائفة هم` أهل الخبرة للروايات تثبت بهذه السيرة العملية المذكورة منهم حجية مايرويه` أحد هؤلاء و وثاقة من روى عنه أحدهم , ولا سيما بملاحظة تراكم آراء الطائفة` مع جلالة قدرهم علما و عملا , و عدم تصور الاقتراح في حقهم` .

إن قلت : إنا نرى بالوجدان رواية هؤلاء عن الضعاف كرواية ابن أبي` عمير عن أبي حمزة البطائني , و هذا يوهن ما ذكر` .

قلت : إن أقوى ما تمسك به لو هن ما حكاه الشيخ عن عمل الطائفة` و نظرهم , هو رواية ابن أبي عمير عن البطائني , إلا أن حاله معروف في` الرجال , و أنه ذو حالتين , عدل عن الاستقامة أواخر عمره , و يروى عنه عدة` من أصحاب الاجماع , و منهم ابن أبي عمير حال استقامته . و إليك نص ما ذكره` النجاشي في شرح حال الرجل : (( روى عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ,` وروى عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) ثم وقف` . ((

و يظهر من هذه العبارة أن الوقف كان بعد ماروى عن أبي الحسن موسى` ( عليه السلام ) , فمع رواية ابن أبي عمير عنه لا بد لنا من الاخذ بالرواية لوجهين` : شهادة الشيخ بأن الطائفة يرون أنه لا يروى إلا عن ثقة , و عدم وجود رواية` واحدة من البطائني عن الرضا ( سلام الله عليه ) . فاذا جميع روايات الرجل حجة` لثبوت و ثاقته حال روايته لعدم رواية ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى و أحمد بن ` محمد البزنطي إلا عن ثقة` .

الخامس : الحكم بن مسكين المكفوف , لم يرد في حقه توثيق من القدماء ,` ولكن لم يرد في حقه طعن أيضا . و الحق وثاقة الرجل , و ذلك يظهر بملاحظة هذه الامور ` :

1 ـ أنه إمامي لذكر النجاشي و الشيخ ـ قدس سرهما ـ أنه من أصحاب` الصادق ( عليه السلام` . (


157

2 ـ أنه كثير الرواية و مقبولها , و كونه صاحب كتب متعددة` .

3 ـ يروي عنه عدة من الاجلة و فيهم أصحاب الاجماع , كابن أبي عمير` و علي بن أسباط و محمد بن حسين بن أبي الخطاب النهدي و معاوية بن حكيم` و الحسن بن علي بن فضال و أحمد بن محمد بن أبي نصر و الحسن بن محبوب` .

4 ـ حكم المحقق ـ قدس سره ـ بصحة رواياته` .

و بعد ملاحظة هذه الامور يحصل الوثوق بحسن حال الرجل بل بوثاقته ,` و هذا هو مناط الحجية كما مر مضافا إلى أنا قد ذكرنا أن رواية ابن أبي عمير` و أحمد بن محمد بن أبي نصر عن رجل تدل على وثاقته , فالحكم بن مسكين ثقة` بلا كلام ينبغي` .

السادس : طلحة بن زيد . لم يرد في حقه توثيق من القدماء , ولكن لم يرد` في حقه طعن أيضا . والحق وثاقة الرجل , و ذلك يظهر بملاحظة هذه الامور` :

1 ـ ذكر الشيخ ـ قدس سره ـ في الفهرست أن كتابه معتمد` .

2 ـ يروى عنه عدة من الاجلة , و فيهم أصحاب الاجماع , كمنصور بن` يونس و إبراهيم بن هاشم و محمد بن أحمد بن يحيى و صفوان بن يحيى و موسى بن` بكر و عبدالله بن المغيرة و منصور بن حازم و عثمان بن عيسى` .

3 ـ يظهر من المحكي عن الاقا باقر ( البهباني ) أنه كالسكوني عملت` الطائفة بأخباره` .

و بعد ملاحظة هذه الامور يحصل الوثوق بحسن حال الرجل , بل بوثاقته` . و هذا هو مناط الحجية كمامر . فلا يضر كونه عاميا , بل ولو كان بتريا إذالمدار` في الحجية ماذكرنا و هو حاصل . مضافا إلى أنا قد ذكرنا : أن رواية صفوان بن` يحيى عن رجل تدل على وثاقته` .

و السيد الاستاذ ـ مدظله ـ أيضا ملتزم بوثاقة الرجلين لا لما ذكرنا , بل` لوجود هما في أسناد كامل الزيارات , و قد شهد ابن قولويه في أول هذا الكتاب


158
` بأن جميع الروايات الواردة فيه قد وردت من الثقات` .

السابع : و ليعلم أنه لابد في حمل الرواية على التقية من موجب له , و إلا` فالاصل العقلائي الجارى في جهة الصدور يقتضي الحكم بورودها بداعي الجد` وهذا ظاهر , والموجب له أحد الامور` :

1 ـ التعارض بين الروايتين إحدا هما موافقة للعامة والاخرى مخالفة لها , مع` وجود شرائط الترجيح بهذا المرجح , أى عدم إمكان الجمع الدلالي بينهما , و عدم` وجود مرجح سابق عليه لو قلنا بالترتيب بين المرجحات , و هذا هو القسم الاكثر`

2 ـ الشاهد الداخلي في نفس الرواية على وجود خلل في جهة صدورها` . وقد اشير إلى ذلك بأن لنا معاريض عن الكذب , أو أن فيه ما يشهد بأنه خرج` من جراب النورة` .

3 ـ الشاهد الخارجي على ذلك . و من القسم الاخير إعراض القدماء عن` الرواية , و قد مر` .

الثامن : أن إجراء الحدود من الامور الولائية , أى مما هو مشروط بوجود` الامام ( عليه السلام ) و إقامته ذلك , أو الحاكم الشرعي المبسوط اليد , والدليل` عليه موثق حفص بن غياث , قال : سألت أبا عبدالله ( عليه السلام ) : من يقيم` الحدود السلطان أو القاضي ؟ فقال : الحدود إلى من إليه الحكم ( 1 ) . فاقامة` الحدود مربوط بالحاكم` .

إن قلت : الحاكم الشرعي أيضا حاكم , و ليس في الرواية ما يدل على` اختصاص الاقامة بالامام ( عليه السلام ) لعدم اختصاص الحاكم به` .

قلت : نعم و ان كان الظاهر من الرواية أن المقيم هو الاعم من الحاكم` بالاصل , و من الحاكم بالتنزيل , و إعطاء الحكومة للفقيه يلازم إعطاء آثارها`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 28 من أبواب مقدمات الحدود و أحكامها العامة حديث 1 . `


159
أيضا . و بعبارة اخرى تنزيل الفقيه منزلة الامام في الحكومة يلازم التنزيل في` آثارها التي منها إقامة الحدود , إلا أن ظاهر الحاكم في الرواية هو الحاكم` بالفعل , و ليس هذا إلا في مورد بسط اليد , و كما أن ظاهر الرواية الاتية و هي ` رواية طلحة بن زيد أن الجمعة مشروطة بفعلية إقامة الحدود , و من المعلوم أن` فعليتها لا يمكن إلا إذا كان الحاكم الشرعي ولو كان هو الفقيه مبسوط اليد ,` فمع عدم بسط اليد لا تقام الحدود ولا تجب الجمعة , و هذا معنى المنصبية` .

إذا عرفت ذلك , فنقول : إن في المقام روايتين دالتين على المنصبية , أى` اشتراط الوجوب بوجود الامام أو من نصبه` .

( إحداهما ) محمد بن الحسن , باسناده عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى` عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي ( عليه السلام ) قال : لا جمعة إلا في` مصر تقام فيه الحدود ( 1 ) . `

أما السند : فبقرينة المروى عنه , و هو محمد بن يحيى العطار , أحمد بن محمد` هو أحمد بن محمد بن عيسى , و سند الشيخ إليه صحيح , و طلحة بن زيد ثقة ,` على مامر , فالرواية موثقة` .

و أما الدلالة : فظاهر الرواية اعتبار القيدين في الجمعة : المصر , و إقامة` الحدود . وقد ذكرنا أن إقامة الحدود من الامور الولائية , و المشروط بأمر ولائي` يسقط باسقاط شرطه الساقط بانتفاء شرطه أيضا . مضافا إلى أنه قد مر من أن` التحاكم بين هذه الرواية و الروايات الواردة في بيان وظيفة أهل القرى الدالة ` على وجوب الجمعة عليهم عند وجود من يخطب يدل على المنصبية , فراجع` .

و إنأبيت عن جميع ذلك , فلا أقل من ظهور الرواية في اعتبار فعلية إقامة` الحدود في الجمعة , فتنتفي بانتفاء شرطها , فالجمعة منتفية إلا إذا كان هناك`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 3 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 3 . `


160
حاكم شرعي مبسوط اليد مجر للحدود , فبلسان الحكومة يقيد جميع روايات` وجوب صلاة الجمعة . فاذا كان أصل الجمعة مشروطا يكون الحضور إلى الجمعة` أيضا مشروطا لاشتراط الشهود بتحقق المشهود إليه . فلا وجه لان يقال : إنه لا` مانع من اشتراط الانعقاد و إطلاق الحضور . نعم يمكن هذا ثبوتا إلا أن في مقام` الاثبات أخذت الجمعة موضوعا لوجوب الاجتماع , فان الجمعة فريضة` والاجتماع إليها فريضة , و قد استشكلوا على ذلك بأمرين` :

1 ـ ضعف السند . و قد عرفت الجواب عن ذلك` .

2 ـ أخذ المصر في موضوع الجمعة في الرواية ( 1 ) و هو موافق لمذهب أكثر العامة ,` فلابد من حمل الرواية على التقية كما في الوسائل . قال الشيخ : هذا محمول` على التقية لانه موافق لاكثر مذاهب العامة . والجواب عن ذلك بوجوه : `

الاول : أنه لا موجب للحمل على التقية` .

إن قلت : الموجب هو التعارض بين هذه الرواية , و الروايات الدالة على` وجوب الجمعة على أهل القرى إذا كان فيهم من يخطب` .

قلت : ( أولا ) هذا لو لم يمكن الجمع بينهما , و هو هنا ممكن , فانه بحكومة` الرواية الثانية على الاولى يستكشف أن أخذ القيد ليس من باب التعبد` الشرعي , بل من باب الارشاد إلى ما هو وعاء للقيد الثاني و هو إقامة الحدود` .

( و ثانيا ) أنه ليس مذهب أكثر العامة اعتبار المصر في الجمعة كما نسب` إلى الشيخ ـ قدس سره ـ بل هو مذهب أبي حنيفة , فليرجع إلى مظانه . على أنه` أيضا لايرى اعتبار المصر من حيث إقامة الحدود في وجوب الجمعة بل يرى` الاعتبار من حيث العدد في ذلك , فكيف يمكن حمل الرواية على التقية` .

( و ثالثا ) سلمنا ورود القيد الاول مورد التقية , إلا أنه لا موجب لحمل`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 3 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 3 . `


161
القيد الثاني عليها ولا سيما بملاحظة عدم قائل بدخله في وجوب الجمعة من` العامة . فالانصاف الموافق للتحقيق تمامية هذه الرواية للدلالة على المنصبية . `

( و ثانيتهما ) محمد بن الحسن , باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد` ابن الحسين عن الحكم بن مسكين عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر` ( عليه السلام ) قال : تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ( المؤمنين ) , ولا تجب` على أقل منهم : الامام وقاضيه , والمدعي حقا و المدعى عليه و الشاهدان والذي` يضرب الحدود بين يدى الامام ( 1 ) . `

أما السند : فليس فيه من لم يوثق إلا الحكم بن مسكين , و قد عرفت أنه ثقة` .

و أما الدلالة : فظاهر الرواية دخل الامام في الوجوب و هو الامام الاصل` بقرينة ما ذكر بعده . و قد حكى صاحب الحدائق ـ قدس سره ـ عن رسالة الشهيد` الثاني ـ قدس سره ـ وجوبها في مقام الجواب عن الاستدلال بهذه الرواية نذكر ما هو` المهم منها` :

1 ـ أن الخبر متروك الظاهر , لان مقتضى الظاهر أن الجمعة لا تنعقد` إلا باجتماع هؤلاء , و اجتماعهم جميعا ليس بشرط إجماعا` .

و الجواب : أن عهدة دعوى الاجماع على مدعيه , ولا سيما إذا كان المراد منه` الاجماع على عدم الشرطية , لا عدم القول بالشرطية . فنستدل بالرواية على` اعتبار اجتماع هؤلاء في الوجوب . مضافا إلى أن حضور غيره خرج بالاجماع ,` فيكون هو المخصص لمدلول الخبر , فتبقى دلالته على ما لم يجمع عليه باقية , و ليس` مخالفة ظاهر أكثر مدلوله موجبا لطرح الرواية من رأس` .

و الحاصل : أنه ـ بعد ملاحظة الرواية و الاطمئنان بعدم دخل من عدا` الامام ( عليه السلام ) في الوجوب ـ لا وجه لرفع اليد عن ظهور الرواية في دخل`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث` . 9


162
الامام ( عليه السلام ) فيه , ولعل ذكر الستة أعني غير الامام ( عليه السلام ) من باب` أن حضور هذه الستة عند الامام من لوازم بسط يده و تمكنه من رتق الامور` وفتقه و إجرائه الحدود و قضائه , فان حضور هذه الستة عنده من لوازم سلطته` و اقتداره , لا لخصوصية أشخاصهم في الموضوع . فعلى ذلك لا تجب الجمعة إلا` اذا كان هناك حاكم شرعي , و ولي ديني ذو سلطة و اقتدار متصد لادارة` الحكومة الاسلامية , و كان الحاكم الشرعي متصديا للقضاء فعلا , و تجرى` الحدود الشرعية فعلا , و لا نريد من المنصبية إلا هذا المعنى` .

2 ـ أن مدلوله من حيث العدد و هو السبعة متروك أيضا , و معارض` بالاخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة` .

و الجواب عن ذلك ظاهر , فان المستفاد من الاخبار اعتبار الخمسة في` الانعقاد , و السبعة في الوجوب` .

3 ـ أن العمل بظاهر الخبر يقتضي أن لا يقوم نائبه مقامه , و هو خلاف` إجماع المسلمين` .

و الجواب عن ذلك أن النيابة بعد إعطاء المنصب إلى النائب مؤكدة` للمنصبية لا منافية لها` .

4 ـ لا ريب في أنه ليس المراد من الرواية حصر متعلق الوجوب في هذه` السبعة , بمعنى السقوط عن غير هم . فلابد من حمل الرواية على أن اجتماع هؤلاء` محقق لسائر الشرائط كعدم الخوف مثلا , فان هذا يقتضي بسط اليد و انتفاء` الخوف , بخلاف ما لو اجتمعت سواهم . و بعبارة اخرى : اخذت السبعة في` موضوع الوجوب في الرواية طريقا لا موضوعا` .

و الجواب ( أولا ) يمكن أن نلتزم بحصر الوجوب على نفس هذه السبعة` و دخلها موضوعا في وجوب صلاة الجمعة , و أما بالنسبة إلى سائر الناس فيجب` الالتحاق في حقهم , فان الجمعة فريضة , و الاجتماع إليها فريضة مع الامام` .


163

( و ثانيا ) أن الجزم بعدم السقوط عن غيرهم لا يوجب حمل اجتماع جميع` ذلك على الطريقية , بل لابد من ارتكاب خلاف الظاهر في الرواية , لما يندفع` المحذور , و هذا يتم بالتحفظ على ظهور الرواية في دخل الامام في موضوع` الوجوب , و حمل من عداه على الطريقية , و بيان أن الشرط حضور الامام مع` بسط يده , و تمكنه من إجراء الحدود , فان حضور هؤلاء عند الامام من لوازم` بسط يده و سلطته و اقتداره غالبا , فيكون حاصل الرواية أن وجوب الجمعة` مشروط بوجود الامام , و تمكنه من إجراء الحدود , كما في الرواية السابقة` و موضوع الوجوب سبعة نفر من المسلمين , احد هم الامام , كما في رواية محمد بن` مسلم السالفة . و بهذا يظهر عدم موجب لحمل ذلك على المثال , أو غير ذلك` مما هو خلاف ظاهر الرواية . فالانصاف الموافق للتحقيق تمامية هذه الرواية` أيضا للدلالة على مذهب المشهور , و هو القول بالمنصبية` .

فتحصل أن الجمعة أمر ولائي منصبي لا تجب إلا مع إقامة ولي الامر` ذلك و مع وجوده و تحقق الشرائط تجب تعيينا , لا تخييرا . ولا دليل على وجوب` الحضور إلى مطلق الجمعة المنعقدة , نعم لو أتى بها مع عدم إقامة من له المنصب` يجزى عن الظهر , و النتيجة هو اشتراط الوجوب التعييني و إطلاق المشروعية` .

قال : الكلام في ما هو مقتضى القاعدة في حكم صلاة الجمعة مع` صرف النظر عن الادلة اللفظية` .

لو قلنا : بأن ما دل على أن صلوات اليومية سبعة عشر ركعة لغير` المسافر , له إطلاق بالنسبة إلى جميع الايام كما هو كذلك , فالامر واضح , فان` أصالة الاطلاق تقتضي الاتيان بأربع ركعات ظهر يوم الجمعة` .

ولو صرفنا النظر عن ذلك , فلو كان طرفي الاحتمال الوجوب`


164
التعييني لصلاة الجمعة و الوجوب التخييرى لها فالامر دائر بين التعيين` و التخيير , و المرجع أصالة البراءة عن التعيين . ولو كان للاحتمال طرف` آخر و هو عدم مشروعيتها , فأيضا يرجع إلى أصالة البراءة عن التعيين` . ولو كان الاحتمال دائرا بين الوجوب التعييني و عدم المشروعية , فلو لم` يحتمل عدم المشروعية بالنسبة الى صلاة الظهر أيضا فيدور الامر بين` التعيين والتخيير بالنسبة إلى الظهر , و المرجع أصالة البراءة عن التعيين` . ولو احتملنا عدم المشروعية بالنسبة إليها فيتشكل العلم الاجمالي , ولابد` من الجمع بينهما . هذا إذا لم نعلم بالوجوب التعييني لصلاة الجمعة في` زمان الحضور , و إلا فلو بنينا على جريان الاستصحاب في الاحكام` الكلية يجري الاستصحاب , وإلا كما هو الحق عندنا فلا` .

أقول : الحق عدم جريان الاستصحاب , و إن قلنا بالوجوب التعييني حال` الحضور , فان الشك في سنخ الحكم المستصحب و انه هل هو مطلق أو مشروط ؟` فلا نعلم كيفية الجعل من الاول . فالوجوب المطلق غير متيقن حدوثا , و مطلق` الوجوب و إن كان مجرى الاستصحاب , إلا أنه لا أثر له ما لم يعلم فعليته بفعلية` موضوعه بجميع قيوده , ولا يمكن إثبات ذلك حتى على القول بالاصل المثبت ,` لعدم إثبات الحكم وجود موضوعه ولو كان محرزا بالوجدان` .

و بهذا ظهر الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية , فان` الحكم في مرحلة الجعل لا شبهة في بقائها على نحو حدوثها مشروطا , أو مطلقا` إلا من ناحية عدم احتمال النسخ المفروض عدمه و في مرحلة الفعلية لا شك في` البقاء , إلا مع الشك في الموضوع بالبيان المتقدم . و قد ظهر بهذا البيان , أنه` ليس الوجه في عدم الجريان ما أفاده السيد الاستاذ ـ دام ظله ـ من معارضة`


165
الاستصحاب مع استصحاب عدم الجعل , لعدم جريان الاستصحاب لا في` مرحلة الفعلية , ولا في مرحلة الجعل , فضلا عن المعارضة بينهما , هذا أولا` .

و ثانيا أن عدم الجعل ليس أثرا شرعيا , ولا موضوعا لاثر شرعي , و عدم` الحكم لازم عقلي له , فلا يجرى الاستصحاب فيه , واستصحاب نفس عدم` الحكم في مرحلة الجعل لا يعارض استصحاب الحكم في مرحلة الفعلية , فان` المرحلتين مرتبتان عقلا . و كما أن استصحاب وجود الحكم في مرحلة الجعل , لا` يثبت فعليته بالبيان المتقدم , كذلك استصحاب عدمه في تلك المرحلة لا يثبت` عدمه في مرحلة الفعلية , فاستصحاب الوجوب في مرحلة الفعلية بلا معارض` . و تفصيل الكلام في محله` .

و حيث إن المحتملات ثلاثة ( في زمان الغيبة ) : الوجوب التعييني للظهر ,` و الوجوب التعييني للجمعة , و التخيير بينهما , فيرجع إلى البراءة عن التعيين ,` و النتيجة هو التخيير . و أما الاصل اللفظي فالحق كما أفاده , إلا أنه يرفع اليد عن` ظهور المطلقات في الوجوب التعييني للظهر , بما دل على جواز الاتيان بالجمعة` و الاكتفاء بها , قلنا بالمنصبية أو لم نقل بها فالنتيجة هو التخيير أيضا` .

و هنا طريق آخر لبيان الاصل اللفظي فى المقام , و هو أن الظاهر من قوله` ( عليه السلام ) فى صحيح زرارة : و إنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي` صلى الله عليه و آله يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين ( 1 ) و غيره من الاخبار` المشتملة على تعليل سقوط الركعتين في صلاة الجمعة بوجود الخطبتين , كون` المجعول الاولي لظهر يوم الجمعة أربع ركعات كالظهر في سائر الايام . و وضعت` الركعتان في ذلك اليوم لمكان الخطبتين . فيكون وزان ذلك وزان دليلين` : ( أحدهما ) عام يدل على أن الوظيفة الاولية يوم الجمعة هي أربع ركعات` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 1 . `


166
( و الثاني ) ما يخصص ذلك بغير يوم الجمعة . فمع الشك في التخصيص نتمسك` بعموم العام , و هو القول بأصالة الاربع` .

نعم من رأى عدم جواز التمسك في موارد الشك في التخصيص لما يرى من` أن المخصص ينظر إلى العام بلسان تنويع موضوعه , فلا يمكنه الاستدلال بذلك ,` ولكن الحق المحقق في محله هو الجواز . فالاصل اللفظي يقتضي وجوب الظهر` عند عدم بسط يد الامام , و بضميمة ذلك إلى مادل على مشروعية الجمعة` مطلقا يثبت التخيير بالمعنى الذى ذكرناه على البيان المتقدم` .

فالنتيجة هو التخيير في مقام الامتثال على أى تقريب كان , أى سواء كان` بالنظر إلى الروايات , أو بالنظر إلى مقتضى القاعدة اللفظية , أو بالنظر إلى` مقتضى الاصول العملية` .

تنبيه
`

قد ذكرنا أن ما يستفاد من الروايات في حكم صلاة الجمعة هو اشتراط` الوجوب التعييني و إطلاق المشروعية , و هذا غير الوجوب التخييرى بحسب أصل` الشرع , و هذا ظاهر . و ليس من الوجوب التخييرى في مقام الجعل حتى في زمان` الغيبة أيضا` .

إن قلت : إنه ما الفرق بين الوجوب التخييرى للجمعة والظهر , و بين` مشروعية الجمعة و إجزائها عن الظهر , و ليس هذا الا مجرد تفنن في التعبير` .

قلت : الفرق بين الامرين يظهر من تفصيل , و هو أن الحق المحقق في محله ,` أن الاحكام ولو كانت بعنوانها مجعولة إلا أن البعث و الزجر أو اعتبار إيجاد` الشيء أو تركه على ذمة المكلف حجة على الوجوب أو الحرمة , لحكم العقل` بلزوم الخروج عن العهدة بالنظر إلى البعث و الزجر , أو اعتبار المولى إيجاد` الشيء و تركه على المكلف من دون الاذن في ترك الامتثال . كما أنه يكشف` الاستحباب أو الكراهة بالنظر إلى البعث أو الزجر , أو ذلك الاعتبار مع`


167
الترخيص في ترك الامتثال من قبل المولى . فالبعث أو الزجر أو الاعتبار` المذكور في موارد الوجوب والاستحباب و في موارد الحرمة و الكراهة سواء ,` و الفارق إنما هو الاذن في ترك الامتثال و عدمه الناشىء من عدم إرادة الالزام` و وجوده , و تمام الكلام في محله` .

و من هنا بنينا على شرعية عبادات الصبي على خلاف ما أفاده السيد` الاستاذ ـ دام ظله ـ فان أدلة التكاليف باطلاقها تشمل غير البالغين أيضا ,` بحيث لو لم يكن هنا دليل الحاكم لالتزمنا بالوجوب بالنسبة إليه أيضا , إلا أنه` مع وجوده لابد من الحكم بعدم الوجوب` .

إن قلت : إن المعتبر المجعول أمر بسيط لا تركيب فيه حتى يمكن ارتفاع أحد` جزئيه بدليل الحاكم و بقاء الجزء الاخر , فالمرتفع بذلك هو نفس ذلك الامر` البسيط , فدليل الحاكم يرفع أصل الاعتبار , فأين المشروعية بالنسبة إلى غير البالغ ؟`

قلت : إن المعتبر و إن كان بسيطا , إلا أن الدليل الحاكم غير ناظر إلى` إرتفاعه عن غير البالغ , فانه وارد مورد الامتنان , و رفع أصل الاعتبار لا منة` فيه , بل خلاف الامتنان جدا , فهو ناظر إلى الترخيص في ترك الامتثال ,` و العقل بملاحظة أصل الاعتبار , و هذا الترخيص يكشف الاستحباب ,` فعبادات الصبي مشروعة . و لذا بنينا على خلاف مسلك السيد الاستاذ : أنه لو` أقدم الصبي المميز بتكفين الميت أو تغسيله أو الصلاة عليه يسقط التكليف عن` الباقين , لاطلاق دليل الاعتبار . و الماهية واحدة , غاية الامر الصبي مرخص` في ترك الامتثال دون غيره , و أما عدم إجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام` إنما هو بالدليل الكاشف عن دخل البلوغ في سنخ الحكم ( الالزامي ) كما بينا` في بحث الحج` .

و قد ظهر بهذا البيان أن البلوغ شرط للوجوب فقط , لا للمشروعية , و أيضا` في موارد التكاليف الحرجية , نلتزم باشتراط الوجوب و إطلاق المشروعية بعين`


168
البيان المتقدم , و نحكم بصحة العبادة الحرجية` .

و ما نحن فيه من هذا القبيل , فان الجمع بين الادلة الدالة على وجوب` الجمعة إجمالا و ما دل على المنصبية يقتضي اشتراط الوجوب التعييني بالامام ,` أو من نصبه . ولو كنا نحن و هذه الادلة فقط , لالتزمنا بعدم المشروعية بالنسبة` إلى غير واجد الشرط , لعدم وجود إطلاق يدلنا على المشروعية المطلقة , إلا أن` صحيحة زرارة و عبدالملك تدلنا على المشروعية بالنسبة إلى غيرهم أيضا , لا من` جهة ترخيص الامام ( عليه السلام ) تشريعا , بل من جهة كشف قوله` ( عليه السلام ) عن الواقع , فانه في مقام الارشاد إلى الواقع , و هي الرخصة في` التطبيق لا التشريع الفعلي . وقد مر ذلك` .

هذا من ناحية , و من ناحية اخرى أن ترك زرارة و عبدالملك يكشف عن` عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة حينئذ . فحكم العقل بلزوم الخروج عن` العهدة باتيان الجمعة ساقط . و أيضا أن الحث إنما هو ناظر إلى مرحلة الامتثال` لا مرحلة الجعل , فمشروعية صلاة الجمعة مسلمة . و أما الوجوب التخييرى فلا` . فالنتيجة هو اشتراط الوجوب , و إطلاق المشروعية . فقد ظهر الفرق بين الوجوب` التخييرى وما ذكرناه من إطلاق المشروعية غاية الظهور` .

و أما الاجزاء عن الظهر فمن وجهين` :

الاول : إنهما ماهية واحدة , لظهور ما دل على أنه وضعت الركعتان لمكان` الخطبتين على ذلك , فيجزى الاتيان بالجمعة عن الاتيان بالظهر ولو على نحو` إجزاء غير الواجب عن الواجب , مثل إجزاء تغسيل الصبي للميت عن الواقع` و إسقاط ذلك لتكليف البالغين` .

الثاني : إن لسان صحيحة زرارة و موثقة عبدالملك هو تطبيق الوظيفة` الفعلية على صلاة الجمعة و لازم ذلك الاجزاء عن الوظيفة كيف كانت` .

والحمد لله رب العالمين` .


169
رسالة في التقية `

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين , و الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ,` و السلام علينا و على عباد الله الصالحين , و اللعن الدائم على أعداء آل محمد` أجمعين` .

التقية
`

و قبل الورود في أصل المطلب لابد من تقديم امور` :

الاول : التقية لغة هي تحفظ الشيء عن أمر ما , كوقاية المال عن السرق` والطفل عن الغرق و الكتاب عن الحرق . و من ذلك التقية المصطلحة و هو تحفظ` النفس عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق كما عرفها الشيخ` ـ قدس سره ـ بذلك . فليس في التقية جعل قبال المعنى اللغوى , مضافا إلى أن` الالتزام بذلك بلا ملزم ثبوتا مع عدم الدليل عليه إثباتا` .

و أما التعريفات الواقعة في كلمات العلماء لذلك فليست من جهة` الالتزام بالوضع الجديد بل إنما هي في مقام الاشارة إلى المصداق الخاص من` التقية المعروض للاحكام الخاصة` .

الثاني : التقية ليست من العناوين المتأصلة التي لها مطابق في الاعيان بل` هي عارضة على الشيء كالفعل النحوي المسمى بالحركة الفاعلية في اصطلاح`


170

المعقول , و حيث إنه ليس للحركة الفاعلية جنس ولا فصل فليس لها عنوان` منتزع من صميم ذاتها فلا يكون عنوان التقية عنوانا متأصلا بمعنى الانتزاع عن` ذاتيات شيء ما حتى يكون التطبيق عليها بلحاظ ذلك , و إنما تكون معنونا` بالعناوين الخاصة بواسطة الحيثيات و الاضافات كالاكل و الشرب و غير ذلك` . ثم إن تلك العناوين حيث تطرأ عليها بسبب الحيثيات و الاضافات الاولية` تسمى بالعناوين الاولية` .

و أما ما قد ينطبق عليها من العناوين بعد تعنونها بالعنوان الاولي فيكون` عنوانا ثانويا لها , إذ هو في طول العنوان الاولي كالجهل في الاكل جهلا` والاضطرار في الشرب اضطرارا , و التقية في العبادة تقية من هذا القبيل ,` فالتقية من العناوين الثانوية الطارئة على الحركة الفاعلية بعد عروض` العناوين الاولية عليها و في طولها , ولذا قد يثبت العنوان الاولي بدون التقية ,` و قد تثبت التقية في غير مورد ذلك العنوان` .

الثالث : يظهر بالتأمل مما ذكرنا أنه لا ملازمة بين ثبوت حكم ما على` عنوان التقية وثبوته على معروضها وهو الشيء بعنوانه الاولي , بل الظاهر من` كل دليل دل على ثبوت حكم على عنوان موضوع كون الموضوع بماله من العنوان` معروضا للحكم مستقلا و بنفسه لا أن يكون سببا لعروض الحكم على أمر آخر` و إن كان هو الموضوع لا معنونا بذلك العنوان` .

و على هذا فالظهور الاولي لدليل التقية يقتضي كونها واسطة لعروض` الاحكام على عنوانها لا واسطة للثبوت فقط فيكون نفس العمل الواقع تقية` محكوما بالحكم , و على ذلك الاخير يحتمل في مقام الثبوت كون ما هو المجعول` بدليل التقية بدلا عن المأمور به ولو على نحو تنزيل المبائن منزلة المبائن كما` يحتمل كون لسانه تقييدا للحكم الثابت على الشيء بعنوانه الاولي , و ذلك` أيضا على أنحاء ثلاثة : رفع الحكم عن الموضوع المركب بأجمعه , و رفع الحكم عن`


171
مورد التعذر فقط جزء أو شرطا , و رفع الالزام كما سيتضح إن شاء الله تعالى` .

الرابع : و ليعلم أن أدلة الحواكم مطلقا سواء كانت ناظرة إلى أصل الشرع` أو الالزام ـ على ما سيجيء الكلام في ذلك ـ ترفع الحكم عن موردها لان عنوان` الحاكم إنما ينطبق على مورد معنونه فقط , فلسانه قاصر عن رفع الحكم عن غير` موردانطباق عنوانه , فهو يرفع مورد عنوانه و هو مورد التعذر فقط` .

نعم لو بنينا على التنافر ثبوتا بين بساطة الحكم الوارد على المركب و تبعضه` بالنسبة إلى كل جزء منه بسبب الاعذار فلا محالة يرتفع أصل الحكم بارتفاع` بعضه للعذر , و حينئذ يكون ارتفاع الكل بارتفاع البعض بالاستلزام العقلي , و قد` دار في ألسنة القوم أن المركب عدم بعدم بعضه , و هذا نسميه ب (( وحدة` المطلوب` . ((

فلو دل دليل على ثبوت الحكم على الباقي كالميسور مثلا فلابد من الالتزام` بالتنزيل أو تشريع جديد طولي , إذ الحكم الاولي قد ارتفع بالعذر بالنسبة إلى` بعض متعلقه و استلزم ذلك ارتفاع الحكم عن البقية , فيكون هذا الحكم` الثابت بالدليل حسب الفرض حكما مغايرا مع الاخر` .

و إنا لو بنينا على عدم التنافر و إمكان التبعض ثبوتا فالامكان الثبوتي` ملازم للوقوع لاقتضاء الظهور المحاورى ذلك , إذ هو مقتضى الجمع بين الدليل` المثبت للحكم الاولي المتعلق بالمركب و الدليل الحاكم الرافع للحكم عن مورد` انطباق عنوان الحاكم . فرفع الحكم عن المعسور لا يستلزم رفع الحكم عن` الميسور , و نتيجة ذلك بقاء الحكم بالنسبة إلى البقية بنفس دليل الحكم الاولي` ولا يحتاج إلى دليل آخر مثبت له , فدليل الميسور يصبح موافقا للقاعدة وتقريرا` لدليل الحكم الاولي لا تأسيسا لحكم جديد , و هذا نسميه ب (( تعدد المطلوب` . ((

فعلى ذلك لو دل دليل على رفع الحكم عن الباقي أيضا كعقد الاستثناء في`


172
حديث لا تعاد ( 1 ) فلابد من الالتزام بوحدة المطلوب , و يكون هذا اللسان في` الرتبة الثالثة , إذ مرتبة ثبوت الحكم للمركب هي الرتبة الاولى , و مرتبة سقوطه` عن البعض المعذور هي الرتبة الثانية , و مرتبة سقوط الحكم عن الجميع بسبب` سقوطه عن البعض هي الرتبة الثالثة . مثلا قوله عليه السلام (( أقيموا الصلاة )) ` إنما هو في مرتبة جعل الحكم بالنسبة إلى جميع أجزاء الصلاة و شرائطها . وقوله` عليه السلام (( لاتعاد )) في مرتبة رفع الحكم عن جزء أو شرط منسي أو مضطر` إلى تركه , و مرتبة قوله عليه السلام (( إلا من خمسة )) في مرتبة سقوط الحكم عن` البقية حين سقوط عن تلك الامور التي نسميها بالاجزاء و الشرائط الركنية` و نجعلها عللا لقوام الصلاة` .

ثم لو فرض دليل رابع دال على عدم سقوط الحكم عن البقية حين سقوط` الحكم عن تلك الامور أيضا في مورد من الموارد ـ كباب صلاة الجماعة بالنسبة` إلى زيادة ركوع مثلا ـ نقول بأن هذا الدليل واقع في المرتبة الرابعة` .

اذا عرفت ذلك فلاحظ لسان الموثقة (( التقية في كل شيء يضطر إليه ابن` آدم فقد أحله الله له )) ( 2 ) حتى ترى بأن هذا اللسان هل هو واقع في الرتبة` الثانية كسائر الادلة الحاكمة أم الرابعة ؟ و سيأتي بيان ذلك إن شاء الله` .

هكذا أفاد بعض أساتيذنا ولكن لا يمكن المساعدة لتمام ما ذكره و بيان` ذلك : `

( اولا ) بعد ثبوت الحكم بنفس الدليل الاولي بالنسبة الى موارد الاستثناء` في حديث (( لا تعاد )) لانحتاج الى عقد الاستثناء حتى نجعل له رتبة محكومة أو` حاكمة` .

( 1 ) الوسائل : ج 3 باب 9 من أبواب القبلة حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 11 باب 25 من أبواب الامر والنهي و مايناسبه حديث 2 . `


173

( ثانيا ) أن الاستثناء حد للمستثنى منه لا أنه مثبت لشيء بعد الاستثناء ,` و ما قيل من أن الاستثناء إخراج بظاهره لا يصح فان قوله جاء القوم إلا زيد` في مقام إثبات المجىء لمن عدا زيد لا عدم المجيء له , ولو فهم عدم مجيئه أيضا` ليس لدلالة الاستثناء على الاخراج , بل تحديد الجائي بغير زيد كاف لانفهام` ذلك , فتدبر جيدا . و كيف كان فذيل دليل (( لا تعاد )) حافظ لا طلاق الدليل` الاول لا أنه مثبت لشيء` .

( و ثالثا ) أن الركنيات أعم من ذيل (( لا تعاد )) ولا سيما بملاحظتها في غير ` باب الصلاة كالحج , ولا دليل في مطلقها حتى يكون حكمها حكم موارد` الاستثناء في حديث (( لا تعاد )) , فما أفاده من الترتيب بين دليل المأمور به و أدلة` الحواكم لا يصح مع أنه غير مفيد لما هو بصدده , على ما سيأتي الكلام فيه عند` تعرضه إن شاء الله` .

الخامس : لو لم يكن دليل الحاكم بلسان التنزيل و جعل بدلية الناقص مقام` التام أو المبائن , منزلة المبائن , بل كان بلسان التقييد و رفع الحكم الاولي عن` مورد العذر فهل يرفع بذلك أصل الشرع أو الالزام ؟ فيه كلام , فالمتقدمون` حيث كانوا ملتزمين بالتركيب في الحكم من الجنس و الفصل , و أن الوجوب` مركب من رجحان الفعل مع المنع من الترك اختلفوا في أنه إذا ارتفع الوجوب` هل يبقى الجواز أم لا يرتفع بارتفاعه ؟ إلا أن مبنى هذا الاختلاف فاسد , فان` الحكم لو كان أمرا تكوينيا بمعنى أن طلب المولى أى تصديه نحو البعث , فقد مر` عدم تصور التركيب في الحركة الفاعلية سواء كان فعلا جارحيا أم جانحيا` .

ولو كان أمرا اعتباريا بأن يكون مفاد الهيئة أى النسبة البعثية أو جعل` المادة على ذمة المكلف اعتبارا أو البعث في مقام التشريع جعلا من الشارع` النافذ اعتباره أو غير ذلك من التعبيرات فبساطته أوضح من أن يخفى , لعدم` واقع للامر الاعتبارى في عالم العين فضلا عن تركبه من الجنس و الفصل , و لذا`


174
توهم جمع من المتأخرين أن أدلة الحواكم ترفع أصل الشرع , فان الحكم` الاولي قد ارتفع على الفرض ولا دليل على ثبوت حكم آخر للعمل العذرى , إلا` أن هذا أيضا باطل ضرورة أن المجعول كما بينا في موضعه عبارة عن ايجاد البعث` أو الزجر و إنشائهما و هو المنشأ لاعتبار أهل الاعتبار عنوان الطلب و ما بمعناه في` الوجوب و الندب , و غيرهما كالابتعاد و التسخير مثلا خارج عن هذا المفهوم` عارض عليه بنحو الوصف المفارق , فان المجعول في مورد الوجوب و الندب واحد ` من حيث الذات و الحقيقة , ولا جزء لهذا الواحد إذا الجزئية نوع التركب و هو ` لاجزء له حسب الفرض من عدم التركب في الفعل النحوى , والوصف المقارن` غير مجعول بل هو حكم العقل بلزوم تطبيق مراد المولى على الخارج و وجوب` إطاعته فلو أذن الشارع في ترك الامتثال يحكم العقل بالاستحباب بخلاف` عدم ترخيصه في ذلك فانه يحكم بالوجوب` .

و بعبارة اخرى : الوجوب عبارة عن حكم العقل بلزوم العمل في مورد` الاعتبار مع عدم المؤمن , و الاستحباب حكمه في مورد الاعتبار و وجود المؤمن` . و حينئذ دليل الحاكم غير ناظر إلى الاحكام بهذا المعنى فانه تقييد في حكم` العقل ولا معنى له , و أما رفع أصل الاعتبار أى تقييد الدليل و تنويع متعلق` الحكم مناف للامتنان الذي مستفاد من مساق أدلة الحواكم , و احتمال رفع` استحقاق العقاب أيضا ساقط لان الحاكم بذلك هو العقل , فانحصر ورودها` في مقام الترخيص و الاذن في ترك الامتثال , و هذا تقييد في مورد حكم العقل` لا في نفسه , و يكون من شأن الشارع ذلك فان جعل الترخيص و التأمين إنما هو` بيده , فهذا ترخيص بلسان الحكومة . وبهذا ظهر شرعية عبادات الصبي بل` المجنون أيضا` .

و من الحواكم دليل التقية , و قد مر أن التقية كما أنها معروضة للحكم` و هو الوجوب كذلك سبب لعروض الحكم على الفعل , أى يكون دليلها`


175
حاكما على الدليل الاولي فتكون رافعة للالزام لا لاصل الشرع , و بهذا صححنا` المسح على البشرة في مورد التقية و إن كان مخالفا لها , و أجبنا عن الاشكالين في ` المقام , الاول : أن جواز المسح على البشرة في مورد التقية مرفوع , فكيف يحكم ` بالصحة ؟ الثاني : أن المسح على البشرة مخالف للتقية الواجبة فيحرم فيبطل . ` و قد ظهر الجواب عنهما . فان المرفوع إنما هوالالزام لا أصل الشرع , والمسح على ` البشرة مخالف للواجب التطبيقي أى الاتقاء فمن جهة المسح يصح و من جهة` مخالفة الاتقاء يحرم فالمسح صحيح بلا حاجة إلى الترتب . نعم , يمكن تصوير` البطلان من جهة عدم التمكن من قصد القربة , و هذا أمر آخر` .

هذا ولكن كل ما ذكر مبني على أن لايكون الوجوب حكما شرعيا بل` هو حكم عقلي , و الحكم الشرعي إنما هو البعث أو اعتبار المادة على ذمة` المكلف أو المشروعية , و غير ذلك من التعبيرات , و حيث إن رفع ما هو المجعول` شرعا مناف للامتنان فيكون وزان دليل الحاكم وزان المؤمن فلا يحكم العقل` بالوجوب , و هذا ما نعني من رفع الالتزام , ولكن الصحيح أن الوجوب كسائر` الاحكام الخمسة حكم شرعي مجعول و يختلف عن الاستحباب من جهة داعي` المولى , فان البعث بداعي الالزام هو الوجوب و بداعي المحبوبية هو الندب` .

نعم , توهم أن في رفعه خلاف الامتنان آت هنا أيضا , لكن يدفع بان` الامتنان في جعل مفاد دليل الحاكم لا يقتضي كونه موافقا للامتنان في الموارد` الشخصية , بل الامتنان اقتضى جعل قانون و هو رفع الوجوب و الالزام عند` طرو عنوان موضوع دليل الحاكم كالتقية مثلا , و هذا لايستلزم لزوم موافقة` الرفع للامتنان في كل مورد من موارد تطبيق الدليل , و لذا لا نرى صحة الوضوء` في موارد الوضوء الضررى والحرجي , و إن حكم بعض الفقهاء بالصحة ولا` سيما في مورد الحرج , بدعوى أن امتنانية دليل الحرج تقتضي رفع الالزام لا` المشروعية , فان حديث الامتنان لا يقتضي أزيد من نفي الجعل في مورد الحرج ,`


176
فاذا انتفى المجعول و هو الالزام أو المشروعية أو الجزئية أو غير ذلك يحتاج إثبات` غيره إلى دليل` .

نعم , لا نضايق عن الالتزام بعدم رفع أصل الحكم المجعول و كون الرفع` بمعنى الاذن في الترك في بعض الموارد إذا دل عليه الدليل مثل مورد عبادات` الصبي , و الكلام فعلا مع عدم وجود دليل غير دليل الحاكم مثل موارد التقية ,` فان الظاهرمن أدلتها نفي الاحكام الاولية و تبديلها بغيرها` .

فالنتيجة أن العمل على خلاف التقية باطل لعدم الامر به ومع جعل` الشارع بدلا عن الوظيفة الاولية لابد من الاتيان به , و مع عدم الاتيان يحكم` ببطلان أصل العمل من جهة فقد الجزء , فالمسح على البشرة في مورد التقية لم` يشرع بأى كيفية كانت شرعية المسح , و المسح على غيرها الموافق للتقية الذى` اقتضى الدليل الزوم الاتيان بها يكون جزء للوضوء حينئذ , و مع تركه والاتيان` بالمسح على البشرة يبطل الوضوء فان الجزء فيه لم يؤت به و ما أتى به ليس بجزء` في هذا المورد ` .

و الحاصل : أن الوجوب مجعول قابل للرفع كما هو قابل للجعل , و ظاهر دليل` الحاكم رفعه ولا يلاحظ الامتنان في المورد الشخصي , بل إنه في أصل جعل` القانون , و عليه يحتاج أى حكم آخر ثابت في المقام من دليل على حدة` .

السادس : هل يعتبر عدم المندوحة في تطبيق عنوان المأمور به على المأتي به` تقية أم لا . و بعبارة اخرى : هل يعتبر في شمول إطلاقات التقية للمورد عدم` التمكن من إتيان العمل في غير ذلك المورد فلا يجزى الاتيان بالفرد المنطبق عليه ` عنوان التقية عن المأمور به أولا يعتبر ذلك فيكون المأتي به مشمولا لاطلاق` دليل التقية ؟ و بما أن دليل التقية حافظ لاطلاق دليل الحكم و متمم لموضوعه` فيكونمجزيا عن المأمور به لكونه فردا له حقيقة , و ليعلم أن المندوحة تتصور على` ثلاثة أقسام` :


177

الاول : المندوحة بالنسبة إلى الافراد الطولية و هو إمكان إتيان العمل في غير ` زمان الاضطرار و إمكان تطبيق المأمور به على الفرد الاختيارى منه في الزمان` المضروب ظرفا له` .

الثاني : المندوحة بالنسبة إلى الافراد العرضية و هو إمكان إتيان العمل في` غير مكان الاضطرار ولو في زمان الاضطرار و إمكان تطبيق المأمور به على الفرد` الاختيارى منه في مكان آخر غير مكان الاضطرار` .

الثالث : المندوحة بالنسبة إلى حالات نفس المكلف ولو في الظرف الواحد` من الزمان و المكان مثل المسح على الرجل في مورد الابتلاء بالعامة على نحو` يتوهم الناظر أنه غسل رجله` .

( أما الاول ) و هي المندوحة بالنسبة إلى الافراد الطولية فقد قيل باعتبار` عدمها في التقية , و استدل على ذلك بوجهين` :

الاول : إنصراف دليل العذر عن مورد وجودها , بتقريب أن مصب الادلة` العذرية ما إذا كان العذر مستوعبا لجميع أزمنة إمكان إيجاد المأمور به , و يظهر` ذلك من المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ . ولكن دعوى الانصراف لابرهان عليه` بعد إمكان اجتزاء المولى بهذا الفرد إما لوجود ملاك يناسب الاجتزاء بهذا الفرد` علاوة عن كفايته في الوفاء بغرضه و هو محبوبية الاستباق الى العمل و الاسراع` في الامتثال , و إما لوجود ملاك في مرحلة الامتثال موجب للاجتزاء بهذا الفرد` كمصلحة التسهيل مثلا` .

الثاني : ـ و هو العمدة ـ اقتضاء الاخذ باطلاق دليل الحكم ذلك بتقريب` أن متعلق الحكم هي الطبيعة السارية وهي السعي القابلة للانطباق على كل` فرد من العمل في ظرف المأمور به زمانا ما بين المبدأ و المنتهى , و دليل العذر إنما ` هو ناظر إلى تعذر المأمور به , و ما لم يكن العذر مستوعبا لم يكن المأمور به متعذرا ,` فالعذر في أول الوقت مع وجود المندوحة بعده غير مشمول لدليل الحاكم فيبقى`


178
إطلاق دليل الحكم الدال على لزوم الاتيان بالعمل تام الاجزاء و الشرائط على` حاله ` .

ولكن هذا أيضا لايتم , فان المأمور به إنما هو الطبيعي الصالح للانطباق` على كل فرد , و من الافراد الفرد المتعذر تطبيق الطبيعي التام عليه , فالمتعذر في` آن التعذر إنما هو نفس الطبيعي المأمور به , و الفرد بخصوصيته الفردية غير متعذر` لخروج المفردات عن دائرة الحكم نفيا و إثباتا , و حينئذ لا يعقل تعلق الامر به` كتعلق دليل الحاكم به حرفا بحرف , فالمتعذر هو الطبيعي المنطبق على هذا` الفرد على نحو القضية الحينية لا بنحو يكون الزمان قيدا لمتعلق العذر حتى يقال` بأن المكلف غير مضطر إلى هذا الفرد الناقص` .

و بعبارة اخرى : أن الالتزام بعدم شمول دليل العذر للفرد المتعذر مع وجود` المندوحة مستلزم لتقييد دليل الحكم بغير ذلك الفرد أو تقييد دليل الحاكم` بالعذر المستوعب , و كلاهما بلا موجب فالتحفظ على الاطلاقين يقتضي كون` دليل الحاكم معمما لاطلاق دليل الحكم و حافظا له , أى كون المأتي به عذرا` مصداقا للمأمور به مجزيا عنه و هو ما ذكرناه , و المتحصل منه جواز البدار لاولي` الاعذار و منها التقية` .

( و أما الثاني ) و هي المندوحة بالنسبة إلى الافراد العرضية فحيث إنه مع` وجودها لايصدق عنوان الاضطرار و العذر على الطبيعة المأمور بها ولو حينا ما ,` فلابد من الالتزام باعتبار عدمها في إتيان الفرد المتعذر والاجتزاء به` .

بيان ذلك : أن القدرة على امتثال التكليف صادقة ولو بالقدرة على ايجاد` مقدماته , فايجاد المقدمة إعمال القدرة في سبيل إيجاد المكلف به لاتحصيل لها ,` فالمكلف العاجز عن امتثال التكليف في مكان خاص القادر على امتثاله في ` مكان آخر ولو بايجاد مقدمته بأن يذهب إلى ذلك المكان غير عاجز عن امتثال` التكليف الاختيارى ولو في مكان الاضطرار , إذ في ذلك المكان قادر على`


179
امتثال التكليف بايجاد مقدمته فلا يصدق عليه عنوان المضطر فلا تشمله أدلة` الحواكم . نعم , لايمكنه امتثال التكليف بتطبيق الطبيعي الاختيارى على` الفرد الواقع في ذلك المكان , و هذا غير ضائر , فان فردية هذا الفرد للطبيعي` المأمور به سالبة بانتفاء الموضوع , و ليس هذا تقييدا في دليل المأمور به , فان` المأمور به هو الطبيعي , و الامر به فعلي بالنسبة إلى القادر والمفروض أن المكلف` قادر على الامتثال فخروج هذا الفرد عنه خروج تقيدى لا تقييدى , فافهم` .

و قد ظهر مما ذكرنا الفرق بين وجود المندوحة في الافراد الطولية` و وجودها في الافراد العرضية , فانه في الاول يصدق عنوان الاضطرار بالنسبة` إلى الطبيعي في آن الاضطرار لعدم القدرة على تطبيق الطبيعي الاختيارى على` الفرد الواقع في ذلك الان على الفرض و عدم القدرة على المأمور به ولو بايجاد` مقدمته , فان مرور الزمان أمر غير اختيارى للمكلف فهو عاجز عن الامتثال` الاختيارى فيشمله دليل الحاكم` .

نعم , بعد مرور الزمان تحصل القدرة على الامتثال إلا أن الصبر إلى أن` تحصل القدرة غير واجب بعد شمول دليل الحاكم للمورد , بخلاف الثاني` لصدق القدرة على الامتثال ولو في مكان الاضطرار فانه قادر على إيجاد المقدمة` الاختيارية على الفرض` .

و الحاصل : أن التحول من مكان إلى مكان أمر اختيارى بخلاف مرور` الزمان , فالتحول إعمال للقدرة و الانتظار صبر إلى حصول القدرة طبعا من دون` دخل لقدرة المكلف في تحصيل تلك القدرة على المأمور به , و بهذا الفرق يفصل` بين المقامين` .

و تو هم عدم كون الفرق فارقا بعد كون المأمور به الطبيعي بما هو طبيعي ,` و المفروض التمكن من ايجاده في ضمن الفرد المقدور ولو بعد مضي زمان تحصل` القدرة فيه بالطبع مدفوع بأنه كيف لا يكون فارقا بعد كفايته في صدق`


180
الاضطرار الحيني في القسم الاول دون الثاني ؟ ولذا ذكرنا في بحث التيمم أن` مقتضى القاعدة أنه لو كان تحصيل الماء موقوفا على ايجاد مقدمات اختيارية له` كحفر البئر أو تحصيل آلة النزح و غير ذلك يجب الوضوء ولا ينتقل الامر إلى` التيمم , بخلاف ما إذا كان وجدان الماء موقوفا على مضي زمان فانه يجوز على` المكلف البدار فانه من اولي الاعذار . نعم , لابد من الاحتياط في المبحث` المذكور نظرا إلى وجود بعض الاخبار وفتوى الاخيار , وقد ظهر بذلك الحكم في` ( القسم الثالث ) و هي المندوحة بالنسبة إلى حالة المكلف فلابد من القول` باعتبار عدمها لعدم صدق الاضطرار بالنسبة إلى الطبيعي ولو في زمان` الامتثال . `

نعم , يجوز اجتزاء الشارع بالفرد الاضطرارى في القسم الثاني و الثالث` تسهيلا أو لمصلحة اخرى , إلا أنه لابد في إثبات ذلك من التماس دليل خاص` لعدم شمول مطلقات اولي الاعذار له , و قد دل اخبار التقية على الاجتزاء في` الثاني دون الثالث و يأتي إن شاء الله بيانه` .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد يتمسك لاثبات الاجزاء في العمل الواقع` تقية بوجوه` :

الاول : السيرة بتقريب أنه لا إشكال في وقوع الاختلاف في يومي عرفة` والعيد بين الشيعة و السنة من لدن أئمتنا المعصومين سلام الله عليهم أجمعين ,` كما أنه لا إشكال في عدم تمكن الشيعة من درك الوقوفين الواقعيين عندهم` و كانوا يتبعون السنة في ذلك , و لم يعهد منهم أعادة الحج ولا من الائمة` عليهم السلام الامر بها , و هذا أقوى دليل على إجزاء العمل المأتي به تقية عن` الواقع ولو كانت التقية في الاجزاء الركنية التي تتقوم بها الماهية المأمور بها` . والجواب عن ذلك : أن الاستدلال بهذه السيرة موقوف على إثبات امور` :

( الاول ) أنهم كانوا يكتفون بما أتوا به من الحج في صورة العلم بالمخالفة ,


181
` وإلا فلا يدل ذلك على المدعي , فانه يمكن أن يقال بأن الاجزاء في صورة عدم` العلم بالمخالفة ثابت بالنص لا من جهة تطبيق عنوان التقية على المأتي به ,` و النص المدعى في المقام هو رواية أبي الجارود ـ و سيأتي التعرض لها ـ ولكنها` مطلقة بالنسبة إلى صورتي العلم بالمخالفة و عدم العلم بها , فلو كانت حجة معتبرة` تكون بنفسها دليلا على الاجزاء في الحج . ولا يخفى أن ما ذكر من الامور لا` تدفع السيرة المدعاة و هي أقوى دليل على المطلب` .

( الثاني ) أن ذلك كانت سيرة من كان مستقرا عليه الحج أو الصرورة مع` استطاعته بعد ذلك , و إلا فعدم الاعادة ليس إلا من جهة السلب بانتفاء` الموضوع و هي الاستطاعة` .

( الثالث ) أنهم لم يدركوا حتى الاضطرارى من أحد الموقفين , و إلا فعدم` الاعادة من جهة درك الجزء الركني و هو الوقوف ولو اضطرارا` .

( الرابع ) أنه قد عرض ذلك على الامام عليه السلام , أو كان بمرأى منه و لم` يردعهم عن ذلك , و إلا فصرف قيام السيرة لا تدل على التشريع` .

الثاني : عقد الاستثناء في صحيحة ابن أبي عمير عن أبي عبدالله عليه السلام` أنه قال : لا دين لمن لا تقية له , التقية في كل شيء إلا في النبيذ و المسح على` الخفين ( 1 ) . بتقريب أن ذكر المسح على الخفين في المستثنى , و ظهور الاستثناء في ` الاتصال يدل على عموم التقية للاحكام التكليفية و الوضعية , ولا معنى لشمول` ذلك للوضع إلا برفع الجزئية أو شرطية ما اضطر إلى تركه أو رفع مانعية ما` اضطر إلى فعله , و هذا معنى الصحة و يلزمه الاجزاء قهرا . و الجواب عن ذلك` :

( أولا ) أن عدم جريان التقية في المسح على الخفين الذى هو مركز` الاستدلال غير مفتى به بين الاصحاب و مخالف للنصوص , فلابد من حمل ذلك`

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 25 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 3 `


182
على أن عدم جريان التقية في المسح على الخفين إنما هو من جهة خروج ذلك` عن التقية موضوعا أى لم يضطر أحد خارجا إلى ذلك , و الامر كذلك أيضا ,` فان العامة لم يذهبوا إلى وجوب المسح على الخفين بل يرون غسل الرجل عدلا` له . نعم , يجوزون المسح على الخفين . فبناء على عدم منافاة غسل الرجل و مسحه` كما هوالصحيح ففي جميع الموارد المندوحة موجودة فلا يمكن الاكتفاء بغسل` الرجل فكيف بالمسح على الخفين` .

( ثانيا ) لو سلمنا دلالة الرواية على الاجزاء إلا أنه لايكون شأنها أزيد من` سائر الادلة الحاكمة , و قد نقلنا سابقا عن بعض أساتيذنا أن ما دل على لزوم` الا عادة في فرض الاخلال بالاجزاء الركنية التي قوام الماهية بها و لم تتحفظ` صورتها النوعية إلا بها حاكم على ذلك , فلا يمكن التمسك بعقد الاستثناء لهذه` الرواية لاثبات الاجزاء في صورة الاخلال بالاجزاء الركنية ولكن لم يمكن` المساعدة له , وقد مر الوجه فيه و يأتي ان شاء الله أيضا` .

الثالث : عقد المستثنى منه للرواية السابقة و صحيحة زرارة عن أبي جعفر` عليه السلام : التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله ( 1 ) . ` بتقريب أن ظهور (( في )) في الظرفية أى التقية منطبقة على كل شيء , ولا معنى` لذلك إلا اذا كان الشيء ذاحكم عند المخالف , فيكون مفاد الرواية أن كل` شيء ذا حكم عندهم فهو ظرف للتقية , أى كل ما كان مصداقا للشيء بما له` من الحكم ينطبق عليه عنوان التقية , فلو اضطر إلى شرب النبيذ لوجود المخالف` ينطبق عليه عنوان التقية , فيحل , ولو اضطر إلى إتيان الصلاة متكتفا تنطبق` عليه التقية فتجب وتصح , فظهور الرواية في تطبيق عنوان التقية على العمل المتقى` به ـ لمكان في ـ دال على ثبوت حكم ذلك العمل حال التقية , فلو كان العمل`

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 25 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 2 `


183
ذا حكم تكليفي و وقع الاضطرار إلى تركه يرتفع بالتقية , ولو كان ذا حكم` وضعي كالماهيات المركبة يثبت بالتقية كما ذكرناه من المثال` .

و قد ظهر بذلك أن هذا الكلام جار بالنسبة إلى الاجزاء الركنية أيضا` للظهور الاطلاقي للرواية في التطبيق , غاية الامر أن تطبيق عنوان التقية على` العمل المتقى به في غير مورد الركنيات ملازم للتنزل بخلاف موارد تلك الاجزاء` فانه ملازم للتنزيل , و غير خفي أن هذا لا يلازم الجمع بين اللحاظين التنزيل` و التنزل , لان كل ذلك من اللوازم القهرية للتطبيق ولا يحتاج إلى أى لحاظ` .

و الحاصل : أن ظهور الرواية في التطبيق يدل على الاجزاء في الركنيات` و غيرها و إن كان التطبيق قد يلازم التنزيل و قد يلازم التنزل قهرا لا لحاظا ,` و الجواب عن ذلك : أنه لو كنا نحن و (( التقية في كل شيء )) صرفا لامكننا` الالتزام بذلك , إلا أن ذيل هذه الرواية و هو (( فقد أحله الله )) يدل على أن وزان` ذلك وزان سائر الادلة الحاكمة أى يكون بلسان الترخيص في إتيان العمل` العذرى فقط , بعبارة اخرى أنه يحتمل أن تكون جملة (( فقد أحله الله )) خبرا` للتقية فيكون الظرف و هو (( في كل شيء )) لغوا , و يحتمل أن يكون الظرف هو` الخبر فيكون مستقرا , و على كلا الاحتمالين تدل الرواية على الترخيص في` تطبيق المأمور به على العمل المتقى به فقط` .

( أما ) على الاول فواضح لعدم الدلالة على تطبيق عنوان التقية على العمل` كي يقال أن التطبيق فرع التشريع , بل غاية الدلالة على أن التقية محللة` .

( و أما ) على الثاني فالرواية و إن كانت داله على التطبيق إلا أنها لا تدل` عليه بلحاظ ما للعمل من الحكم عند المخالف , بل تدل عليه بلحاظ ما يظهر` من الذيل و هو الترخيص و التحليل , فان جملة (( فقد أحله الله )) مفسرة للظرف , ` فافهم جيدا` .

فالمتحصل من الرواية على كلا الاحتمالين أن التقية محللة و مرخصة لكل`


184
شيء , و هذا هو ما ذكرناه من أن وزان هذه الرواية وزان سائر الادلة` الحاكمة , فلا تشمل الركنيات على مبنى بعض أساتيذنا من خروجها عن هذه` الادلة بالحكومة , هذا فيما كان مشتملا على هذا الذيل (( فقد أحله الله )) من` الروايات , و أما ما لم يكن كذلك فيفسر بما يشتمل عليه بالحكومة التفسيرية` . و قد ظهر بما ذكرنا على هذا المبنى الجواب عن تقريب آخر للاستدلال و هو` الاخذ باطلاق دليل الحاكم و هو العقد المستثنى منه (( التقية في كل شيء )) ولو` مع قطع النظر عن التطبيق , فانه دال على جريان التقية في كل شيء ولو في` الاجزاء الركنية , فانه حيث أن لسان دليل الحاكم لسان التقييد لا التنزيل` والمفروض على هذا المبنى أن هذا اللسان محكوم بمثل ذيل حديث (( لا تعاد )) فانه` في الرتبة المتأخرة عن ذلك و لذا لايمكن الاخذ بالاطلاق لاثبات الاجزاء في` الاجزاء الركنية ` .

ولكن قد مر عدم إمكان المساعدة على هذا المبنى , فان الرواية و إن دلت` على أن التطبيق بلحاظ ما يظهر من الذيل و هو التحليل إلا أن ظهورها في أن` التطبيق بهذا اللحاظ في كل شيء غير قابل للانكار فتشمله جميع الاجزاء` و الشرائط حتى الركنيات` .

و أما التقريب الثاني الذى ذكره في الجواب عن الوجه الثاني أيضا` فمخدوش ( أولا ) ذيل حديث (( لا تعاد )) لا يدل على الاستثناء في` الاجزاء الركنية بهذا العنوان حتى تسرى إلى جميع الموارد و الابواب مثل الحج` مثلا . ( و ثانيا ) لا نسلم وجود إطلاق في عقد الاستثناء من دون ملاحظة` تمام الجملة , و بهذا اللحاظ لا يحصل من الاستثناء أزيد من ثبوت الجزئية` و الشرطية في الموارد المذكورة على نحو يستفاد من الادلة الاولية` .

و بعبارة اخرى : عقد الاستثناء في حديث (( لا تعاد )) حافظ لاطلاق الادلة` الاولية لا أن له بنفسه إطلاق , و نتيجة ذلك شمول المستثنى و هو (( لا تعاد )) بالنسبة`


185
إلى غير ما ورد في الاستثناء و أما في موارد الاستثناء فالدليل الاول باق على` إطلاقه , و على هذا التقريب يظهر حكومة دليل التقية على ذلك حتى في` الركنيات , فتدبر جيدا` .

الرابع : موثقة سماعة ( 1 ) قال : سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام` و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة ؟ قال : إن كان إماما عدلا فليصل` اخرى و ينصرف و يجعلهما تطوعا و ليدخل مع الامام في صلاته كما هو , و إن لم` يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلي ركعة اخرى و يجلس قدر` ما يقول : (( أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له , و أشهد أن محمدا عبده و` رسوله )) ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة و ليس شيء` من التقية إلا و صاحبها مأجور عليها إن شاء الله` .

و تقريب الاستدلال على الاجزاء مطلقا حتى في الركنيات بهذه الرواية` الشريفة من وجوه ثلاثة` :

( الاول ) مفهوم كلمة (( ما استطاع )) فانها ليست ناظرة الى بيان وجوب` إتمام الصلاة مهما أمكن أى العقد الايجابي للقضية , فان المتكفل لبيان هذه` الجهة نفس الادلة الاولية , فبيان هذه الجهة في الرواية غير محتاج إليه بل لغو ` محض , فانها في مقام بيان سعة التقية و حكمها لا التحفظ على الاطلاقات` و تأكيدها , فهذه الكلمة ناظرة إلى العقد السلبي للقضية و هو الترخيص في ترك` مالم يستطع من إتمامه بسبب التقية بلسان تطبيق الوظيفة على الناقص و هذا` معنى الاجزاء , و باطلاقه يشمل الركنيات أيضا` .

( الثاني ) التعليل الوارد في الرواية للحكم المذكور , و هو (( فان التقية` واسعة )) فانه لا شبهة في أنه ليس ناظرا إلى العقد الايجابي للقضية بل سعة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 56 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2 . `


186
التقية لا تناسب إلا الترخيص في ترك المعسور , و حيث إن الرواية واردة في` بيان تطبيق الوظيفة على الميسور نستكشف الاجزاء , و بالاطلاق نلتزم به في` الركنيات أيضا` .

( الثالث ) ذيل الرواية الدالة على ترتب الاجر على التقية , و حيث إن مورد` التقية في الرواية هو تطبيق الوظيفة على العمل المتقى به فلابد من ترتب الاجر ` على ذلك , و هذا لا يستقيم إلا مع صحة العمل و إجزائه عن الواقع , فانه لا` معنىلترتب الاجر على العمل الباطل . و بعبارة اخرى : أن ذيل الرواية دليل` إني على صحة التطبيق , و بعد الانطباق لابد من الالتزام بالاجزاء فانه عقلي ,` و بالاطلاق نلتزم بذلك في الركنيات أيضا . و ذكر السيد الاستاذ أن شيئا من` هذه الوجوه لايتم` .

أولا : لو سلم جميع ذلك فان ذيل حديث (( لا تعاد )) حاكم على ذلك فلا` يمكن الالتزام بالاجزاء في الركنيات , اللهم إلا أن يقال إن ترتيب الاجر على` التطبيق يكشف إنا عن صحة التطبيق فيدل على تنزيل المأتي منزلة الواقع ,` و مع التنزيل يكون الامر بالعكس أى حديث المنزلة حاكم على حديث` (( لا تعاد )) لا العكس` .

و قد مر بيان ذلك و قلنا : إن الادلة الاولية باطلاقها شاملة لوجوب` الاتيان بالميسور في مورد الاضطرار إلى ترك بعض الاجزاء و الادلة الحاكمة` كلها يرفع الحكم عن مورد الاضطرار , فقاعدة الميسور موافقة للقاعدة , فأدلة` الميسور على فرض تماميتها حافظة للاطلاق ومؤكدة له , فلو دل دليل على عدم` الاجزاء في مورد ما يكون هذا الدليل في الرتبة الثالثة و حاكما على الحاكم ,` ولكن هذا في ماإذا كان دليل الحاكم الاول بلسان التقييد و رفع الحكم عن` مورد الاضطرار لابلسان تنزيل المطبق عليه منزلة الواقع و كفايته عنه , و إلا فهذا` مترتب على مثل ذيل (( لا تعاد )) و لذلك ترى صحة الصلاة في مورد ازدياد`


187
الركن في باب صلاة الجماعة , و في ما نحن فيه أيضا الامر كذلك فان لسان` الرواية هو التطبيق و التنزيل كما عرفت` .

ثانيا : لا نسلم أن تكون الرواية بلسان التطبيق و التنزيل بل المسلم عدمه ,` فان التنويع في الرواية بين كون الامام عدلا و بين كونه غير عدل , و نقل النية` إلى النفل في الاول دون الثاني يدلنا على أن الاقتداء في الثاني صورى و هو` مأمور باتمام صلاة نفسه معه على نحو يشبه عليهم` .

و يدل على ذلك أيضا أضافة الصلاة بالضمير الراجع إلى المصلي في (( ثم` ليتم صلاته معه )) والجلوس بقدر الشهادتين , فان ذلك يدل على لزوم الاتيان` بالعمل ولو استعجالا على نحو مشبه , فعلى ذلك الرواية ناظرة إلى بيان كيفية` الفرار و الارشاد إلى ترتيب المندوحة حال التقية , لا في مقام تطبيق الوظيفة` على العمل الناقص بل إنما هو ناظر إلى لزوم الاتمام بجميع الاجزاء , غاية الامر` على نحو مشبه عليهم , فعلى ذلك جملة ما استطاع ناظرة إلى لزوم حفظ الواقع مهما` تيسر و سقوط مالم يستطع عن التنجز إلا أن السقوط بالتقية كالسقوط بسائر` الاعذار تعبدى تنجيزى للواقع فيكون في رتبة سائرا الحواكم على ما أسلفنا` و يكون أدلة الركنيات حاكمة عليه قهرا , فلو لم تكن تلك الجملة ناظرة إلى` العقد الايجابي لم يكن التعبير قياسيا كما أن التعليل و إن كان ناظرا إلى السقوط` إلا أالمراد منه أن باب التقية واسع , أليس مما يفر منه ! و هل هو إلا كسائر` الاعذار` !

و أما ما ذكر في الوجه الثالث من أن ترتب الاجر يدل على صحة التطبيق` و التنزيل منزلة الواقع فغير صحيح , فان ترتب الاجر مستلزم لكون التقية` مشروعة لا لكونها مشرعة , فلا تدل الرواية على التطبيق و تنزيل الناقص منزلة` التام حتى لا يمكن تقييدها بمثل ذيل (( لا تعاد )) بل الامر بالعكس , فانها في` مقام بيان الاهتمام بالعمل و إتمامه على ما هو عليه غاية الامر على ما استطاع ,`


188
و من البديهي أن القدرة شرط للتنجز , و العجز مسقط له . `

والحاصل : أنه لم يثبت بهذا الدليل أن وزان التقية غير وزان سائر` الحكومات بحيث لم يمكن تقييدها بغير الركنيات` .

أقول : قد مر أنه ليس لدليل الركنيات ترتب على دليل الحاكم بحيث` يكون حاكما على الحاكم , فان ذيل (( لاتعاد )) استثناء عن السابق والاستثناء` محدد لحكم المستثنى منه لا أنه مثبت لحكم آخر في مورده , بل حكم مورد` الاستثناء يستفاد من نفس الدليل الاولي , فالاستثناء في ذيل (( لا تعاد )) و سائر` الركنيات ـ لو كان لها أيضا ـ دليل حافظ لاطلاق الدليل الاول فيرد عليه` دليل الحاكم لا أنه يرد على دليل الحاكم , فتدبر جيدا` .

الخامس : الروايات الدالة على محبوبية التقية أو العبادة سرا أو أن التقية من ` الدين التي يستكشف فيها تطبيق العبادة أو الدين على العمل المتقى به , و لازم ` ذلك التنويع في العبادة عبادة خبأية أو سرية وهي الواقعة في مورد التقية , ` و عبادة غير خبأية و هي الواقعة في غير هذا المورد , و لازم ذلك التنزيل ولو بنحو` تنزيل المبائن منزلة المبائن أى تنزيل العبادة الخبأية الواقعة تقية منزلة الواقع` و هو العمل التام جزء أو شرطا فلا تكون أدلة الركنيات حاكمة على ذلك حتى` على تلك المبني , فهذه الروايات دالة على إجزاء العمل المتقى به عن الواقع ولو` كان فاقدا للاركان أو مشتملا على زيادة الركن , إلا أنه لابد من ملاحظة هذه` الروايات و دلالتها حتى يظهر الحال و نذكر المهم منها` :

( الاول ) رواية معلى بن خنيس قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام : يا` معلى اكتم أمرنا ولا تذعه فانه من كتم أمرنا ولا يذيعه أعزه الله في الدنيا و جعله` نورا بين عينيه يقوده إلى الجنة , يا معلى إن التقية ديني و دين آبائي ولا دين لمن` لا تقية له , يا معلى إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية `


189
و المذيع لامرنا كالجاحد له ( 1 ) و يقع الكلام في هذه الرواية تارة من جهة السند` و اخرى من جهة الدلالة ` .

أما من جهة السند فقد يقال : إن معلى بن خنيس لم يوثق بل هو مذيعا` لامرهم عليهم السلام كما يظهر من هذه الرواية و من غيرها فلا يمكن الاعتماد` على روايته , إلا أن التتبع في أحوال الرجل يشهد بأنه كان إماميا فضائليا محبا` لهم عليهم السلام . نعم , كان ينشر فضائلهم و يبينها حتى في مورد التقية ولذا` أمره الامام عليه السلام بالاخفاء والعبادة سرا لا أمرا مولويا بل إرشاديا إلى أنه` يقتل كما في بعض الروايات , بل يعلم من استرحام الامام ـ بعد قتل معلى ـ له` أن هذا التظاهر و الاذاعة ليس أمرا محرما و إن صار سببا لقتله أيضا كما في مورد ` قتل ميثم . فالانصاف أن ما ذكر قدحا للرجل فهو مدح له , على أن المعتبر في` باب حجبة الرواية الوثاقة في القول لا في العقيدة و ملاحظة أحوال المعلى إن لم ` تشهد بوثاقته في العقيدة والقول تشهد بوثاقته في القول , فالرواية من جهة السند` لا بأس بها` .

نعم , لا دلالة للرواية على الاجزاء فان (( التقية ديني و دين آبائي )) لا تدل` إلا على مشروعية التقية , فان ذكر العنوان في الموضوع دال على دخله في` الموضوعية , فالتقية بنفسها لا من جهة انطباقها على الحركة الفاعلية دين , و أين ` هذا من التقييد فضلا عن التنزيل . و أما (( يعبد في السر )) فأيضا لا تدل إلا على` المشروعية , فان المستفاد من ذلك أن السير ظرف للعبادة لا قيد لها بحيث تنوع` العبادة إلى نوعين سرى و غير سرى` .

و حاصل ذلك : أن الله تعالى يحب أن يعبد في حالة الخفاء , و بما أن العبادة ` اخذت سابقة على وقوعه في ذلك الظرف فتدل الرواية على محبوبية العبادة`

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 23 . `


190
التامة في السر فهي على خلاف المقصود أدل` .

( الثاني ) صحيحة هشام بن سالم على الصحيح , قال : سمعت أبا عبدالله` عليه السلام يقول : ما عبدالله بشيء احب إليه من الخباء . قلت : و ما الخباء ؟` قال : التقية ( 1 ) . و قد ظهر الاستدلال بهذه الرواية تقريبا و جوابا من رواية` المعلى , فان الرواية لا تدل على أزيد من مشروعية التقية` .

أولا : أن أخذ العنوان في الموضوع ظاهر في دخله فيه فلا تدل الرواية على` حيثية تطبيق العنوان` .

و ثانيا : ان الخباء ظرف للعبادة على ما يظهر من الرواية السابقة لا قيد لها` فلا تدل الرواية على التنويع` .

( الثالث ) رواية الكندى : إياكم أن تعملوا عملا نعير به , فان ولد السؤء` يعير والده بعمله , كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا علينا شينا , صلوا في` عشائرهم وعودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير` فأنتم أولى به منهم والله ما عبدالله بشيء أحب إليه من الخباء . قلت : و ما ` الخباء ؟ قال التقية ( 2 ) . و تقريب الاستدلال و الجواب كالرواية السابقة , مضافا` إلى أن الاوامر الواردة في هذه الرواية كلها أخلاقية بقرينة صدرها , فلايمكن` التمسك بهذه الرواية للالتزام بالتنويع أيضا` .

( الرابع ) الروايات الكثيرة الواردة لبيان أنه : لا دين لمن لا تقية له ( 3 ) ولا ` إيمان لمن لا تقية له . بتقريب أن هذه الروايات ظاهرة في أن التقية مشرعة` و منوعة للدين إلى نوعين , و هذا هو التنزيل . ولكن لايخفى ما في ذلك فان كون `

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث ` . 14

( 2 ) الوسائل : ج 11 باب 26 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 2 و الرواية هكذا : عن هشام` الكندى قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام . . . الخ` .

( 3 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 2 و 3 . `


191
التقية من الدين لا يستلزم كونها مشرعة بل هي لازمة لمشروعيتها , فالحق أنه لا` دلالة لهذه الروايات أيضا على التنزيل` .

السادس : الروايات الخاصة الواردة في الابواب المختلفة و منها في باب صلاة ` الجماعة` .

( فمنها ) صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : من` صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه` وآله في الصف الاول ( 1 ) بتقريب أن مقايسة القيدين و هو الاقتداء في الصف` الاول مستلزم لمقايسة المقيدين , فالرواية تدل التزاما على أن الصلاة معهم` كان كالصلاة خلف رسول الله في الصحة والاجزاء , فان الصلاة خلفه صلى` الله عليه و آله صحيح جزما فكذلك الصلاة مع المخالف , و هذا يدل باطلاقه` على الاجزاء في الركنيات و غيره , فالاقتداء لهم في صلاة الجمعة مجز عن الظهر` ولو فات منه أركان` .

( و منها ) رواية حفص البخترى عن أبي عبدالله عليه السلام : يحسب لك` إذا دخلت معهم و إن كنت لا تقتدى بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من` تقتدى به ( 2 ) . فان المراد من (( لا تقتدى )) نفي صحة الاقتداء بقرينة الدخول` معهم و جملة (( من تقتدي به )) فان المراد منها صحة الاقتداء جزما , فالرواية تدل` على أن الاقتداء لهم صحيح مجز عن الواقع و يحسب للانسان , و بالاطلاق يدل` على الاجزاء في الركنيات أيضا` .

( و منها ) صحيحة ابن سنان قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام إلى أن` قال ـ : ثم قال : عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم و اشهدوا لهم و عليهم و صلوا` معهم في مساجدهم ( 3 ) . و هذا أمر بتطبيق الصلاة على الواقع معهم في`

( 1 و 2 و 3 ) الوسائل : ج 5 باب 5 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1 و 3 و 8 . `


192
مساجدهم فتدل على الاجزاء ولو في الاجزاء الركنية` .

ولكن هذه الروايات لا تدل على الاجزاء بالنسبة إلى العمل الواقع تقية` أبدا فان مقايسة الصلاة مع المخالف و الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه` وآله أو ترتب الثواب على الدخول في الصلاة معهم أو الامر بالصلاة معهم في` مساجدهم أو في عشائرهم ـ كما في بعض الروايات ـ غير ظاهرة في ذلك , بل` من المحتمل بل المطمأن به ـ على ما يظهر إن شاء الله ـ أن تكون هذه الروايات` ناظرة إلى مرغوبية العبادة الواقعة مع المخالف في نفسها بحيث يكون العنوان` واسطة في العروض و الحيثية تقييدية , لا مرغوبيتها بعنوان تطبيق الوظيفة عليها` بحيث يكون عنوان التقية واسطة في الثبوت , و الحيثية حيثية تعليلية` .

ولا تدل هذه الروايات على أزيد من مطلوبية العبادة معهم . و إن شئت` فلاحظ الروايات الاتية الواردة في باب استحباب ايقاع الفريضة قبل المخالف` أو بعده و حضورها معه , فانه بعد البناء على عدم تصور الامتثال عقيب الامتثال` أو البناء على إمكان الاعادة في مورد الاجادة فقط كما بنى عليه المحقق الهمداني` ـ قدس سره ـ . و دلالة هذه الروايات على أن لا يكتفي بالصلاة مع المخالف و أن` يؤتي بالفريضة قبل المخالف أو بعده نستكشف أن مطلوبية الصلاة معهم ليست` من باب تطبيق الوظيفة على الواقع معهم بل من باب مرغوبية نفس الشركة` معهم في العبادة و إراءتهم أن يعبد معهم , وإلا فما معنى الامر بالجمع بين` العبادتين و الامر بالرغبة في ذلك ؟ فلو كان الفرد الكامل هو الواقع لا عن تقية` فتطبيق الوظيفة على الواقع عن تقية لغو , فتطبيق الوظيفة على الواقع لا عن تقية لغو , فلا يستقيم الامر بالجمع إلا` بأن يقال : إن الوظيفة هو العمل التام الواقع لا عن تقية , والدخول معهم إنما` هو مرغوب في نفسه مطلوب بحياله . و إليك بعض هذه الروايات` :

1 ـ صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : ما منكم `


193
أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية و هو متوضىء إلا ` كتب الله له بها خمسا و عشرين درجة , فارغبوا في ذلك ( 1 ) . و بمضمونها` صحيحتان لعبدالله بن سنان ( 2 ) و رواية نشيط بن صالح ( 3 ) . و رواية` الارجاني ( 4 ) و في الاخيرتين الارشاد بأن من دخل معهم في صلاتهم يخلف` عليهم ذنوبه و يخرج بحسناتهم , و إن من صلى في مساجدهم خرج بحسناتهم . `

فالظاهر من هذه الطائفة أن المقصود من الصلاة معهم هو الاجر و تخليف` الذنوب عليهم و الخروج بحسناتهم ولا سيما بعد ما ذكرنا من عدم إمكان` الامتثال بعد الامتثال ولو في الجملة , لا تطبيق الوظيفة على المأتي معهم . ولا` يتوهم أن الامر بالتوضو يدل على أن الصلاة معهم فرد من الصلاة المأمور به` وإلا لم يحتج إلى الوضوء , فانه يمكن أن يكون الوجه في ذلك عدم الدخول في` العبادة بدون الوضوء , فانا لا ننكر العبادية بل ندعي عدم فرديتها للمأمور به ,` فتأمل` .

2 ـ رواية عمر بن ربيع عن جعفر بن محمد ( في حديث ) أنه سأل عن` الامام إن لم أكن أثق به أصلي خلفه و أقرأ ؟ قال : لا , صل قبله أو بعده . قيل` له : أفاصلي خلفه و أجعلها تطوعا ؟ قال : لو قبل التطوع لقبلت الفريضة ولكن` اجعلها سبحة ( ه ) . فالامر بجعلها سبحة أدل دليل على ما ذكرنا` .

3 ـ رواية ناصح المؤذن , قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : إني اصلي` في البيت و أخرج إليهم . قال : اجعلها نافلة ولا تكبر معهم فتدخل معهم في` الصلاة فان مفتاح الصلاة التكبير ( 6 ) . و هذه الرواية تدلنا على أن المطلوب هو` الاشتراك معهم في صورة العبادة لا بواقعها` .

( 1 و 2 و 3 و 4 ) الوسائل : ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1 و 2 و 3 و 6 و` . 9

( 5 و 6 ) الوسائل : ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5 و 7 .


194

4 ـ رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قلت : إني` أدخل المسجد و قد صليت فاصلي معهم فلا ( ولا ) أحتسب بتلك الصلاة` . قال : لا بأس , فأما أنا فاصلي معهم و اريهم أني أسجد و ما أسجد ( 1 ) . و هذه` أيضا كسابقتها في الدلالة على محبوبية العبادة معهم ولو بنحو الاشتراك في` الصورة` .

فتحصل من جميع ذلك : أن غاية ما يستفاد من هذه الروايات هي` مطلوبية الدخول في مساجدهم و في صلواتهم و إراءتهم الموافقة معهم , و أين هذا` من الترخيص في تطبيق الواجب على المأتي به معهم حتى يستكشف منه` الاجزاء` .

نعم , للخصم أن يقول : أنه في مفروض الروايات المندوحة موجودة` فلايقاس بذلك مورد عدم وجود المندوحة . إلا أن المقصود من بيان هذه` الروايات إثبات أن مادل على مطلوبية الصلاة معهم أو الصلاة في عشائرهم لا` تدل على أزيد من مفاد هذه الروايات , و أن الشركة معهم في عباداتهم مطلوبة` مرغوبة , فانه على مدعي الاجزاء الاثبات , ولا نريد بذلك بيان المعارض` للروايات السابقة بعد تسليم دلالتها , بل المراد بيان عدم دلالة الروايات السابقة` على الاجزاء . نعم , هنا عدة روايات تدل على الاجزاء عند سقوط بعض` الاجزاء أو الشرائط نعم ليس فيها رواية ناظرة إلى الركنيات و الاجزاء فيها` .

ولكن قد مر أن حكومة دليل العذر على دليل الحكم الاولي يقتضي` الاجزاء مطلقا , فعدم الاجزاء في مورد كالركنيات يحتاج إلى دليل , ولا دليل` في شيء من مواردها . نعم , حديث (( لا تعاد )) بمقتضى ذيلها لا يدل على` الاجزاء إلا بالنسبة إلى غير موارد الاستثناء , ففي موارد الاستثناء لا دليل على`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة حديث 8 . `


195
الاجزاء , و إطلاق دليل الحكم يقتضي عدم الاجزاء لا أن الاستثناء دال` على عدم الاجزاء حتى تصل النوبة إلى التماس حاكم على الذيل , مع أنه يمكننا` استظهار الاطلاق من هذه الروايات أيضا , فتأمل فيها جيدا . و على هذا حكومة` مطلقات التقية الاتية على الادلة الاولية بلامحذور فانها في عرض أدلة الاعدار` بلا وساطة دليل خاص للركنيات , ولا بأس بالاشارة الى بعض ذلك` :

( فمنها ) صحيحة علي بن يقطين , قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن` الرجل يصلي خلف من لا يقتدى بصلاته والامام يجهر بالقراءة ؟ قال : اقرأ` لنفسك , و إن لم تسمع نفسك فلا بأس ( 1 ) . هذه الرواية تدل على سقوط صفة` القراءة و هو الجهر في مورد التقية` .

( و منها ) صحيحة أبي بصير , قال : قلت لابي جعفر عليه السلام : من` لا أقتدى الصلاة , قال : افرغ قبل أن يفرغ فانك في حصار , فان فرغ قبلك فاقطع` القراءة واركع معه ( 2 ) . هذه الرواية تدل على سقوط بعض القراءة في مورد` التقية` .

( و منها ) مصحح بكير , قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الناصب` يؤمنا , ما تقول في الصلاة معه ؟ فقال : أما إذا جهر فأنصت للقراءة واسمع ثم` اركع واسجد أنت لنفسك ( 3 ) . و هذه الرواية تدل على سقوط القراءة في مورد` التقية رأسا` .

( و منها ) رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام , قال : لا بأس بأن تصلي` خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه , فأن قراءته يجزيك إذا سمعتها ( 4 ) . `

ولكن هذه الروايات لا تدل على الاجزاء في الركنيات , إلا أن يقال`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 1

( 2 و 3 و 4 ) الوسائل : ج 5 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة حديث 1 و 3 و 5 . `


196
ظاهر هذه الروايات ولا سيما الاخيرة إن الصلاة مع المخالف جماعة حقيقة ولها` أحكام الجماعة كسقوط القراءة عن المأموم , و من الاحكام اغتفار زيادة الركن` في بعض الموارد فشملت الركنيات أيضا , فتأمل` .

والذى يسهل الخطب عدم الحاجة إلى دليل لاثبات الاجزاء في الركنيات` مستقلا , والدليل على الاجزاء فيها هو الدليل على الاجزاء في غيرها , و قد مر` الدليل و تقريبه . نعم , يستكشف بملاحظة الروايات الواردة في هذا الباب` اهتمام الشارع باتيان العمل بتمام الاجزاء والشرائط ولزوم التحفظ على ذلك` مهما أمكن حتى في المستحبات فكيف بالاجزاء الركنية , و إليك بعض ما دل` على ذلك من الروايات` :

( منها ) مصحح إبراهيم بن شيبة , قال : كتبت إلى أبى جعفر الثاني` عليه السلام أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين عليه السلام و هو` يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح و هو يمسح , فكتب عليه السلام` إن جامعك و إياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك وأقم , فان` سبقك إلى القراءة فسبح ( 1 ) . و هذه الرواية تدل على الاهتمام باتيان العمل` التام حتى مع الاذان و الاقامة في مورد حدوث الاضطرار بالطبع , فكيف` بالركنيات و بمورد حدوث ذلك بالاختيار` .

( و منها ) صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبدالله عليه السلام قال : اذا` صليت خلف إمام لا يقتدى به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع ( 2 ) . و هذه` الرواية تدل على لزوم التحفظ على القراءة كيف كان . و يدل على ذلك` الروايات الاخر يظهر بالمراجعة , و ما ذكرنا يكفي لما نحن بصدده . `

قال السيد الاستاذ : لو سقط الدليلان من الجانبين يرجع الامر إلى مقتضى`

( 1 و 2 ) الوسائل : ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2 و 9 . `


197
القاعدة و هو الاجزاء بالنسبة إلى غير الركنيات تحفظا على إطلاق دليل الاول` بالنسبة إلى سائر الاجزاء أى الباقي بعد ارتفاع بعضها بالعذر و عدم الاجزاء` بالنسبة إلى الركنيات لحكومة دليلها على دليل الحاكم على الاطلاق` .

أقول : قد مر أن مقتضى القاعدة الاجزاء مطلقا على ما مر من التقريب مع` أن الجمع بين الادلة يقتضي حمل الطائفة الاخيرة على الاستحباب و شدة` الاهتمام ولا تصل النوبة إلى التساقط , واستحباب إتيان العمل التام لا` يستدعي أزيد من الاستحباب في الركنيات و غيرها` .

السابع : الروايات الواردة في باب الصوم من أن الفطر يوم يفطر الناس و فيها` أن الاضحى يوم يضحي الناس . بتقريب أنه لا إشكال في أن الوقوف منسك` في الحج متقوم بزمان خاص كما في بعض النصوص , و بمكان خاص كما يظهر` من بعضها الاخر , بحيث لو أخل بذلك و لم يحصل في ذلك الزمان أو في ذلك` المكان لم يحصل الوقوف , فان وقوع الوقوف في الزمان المعين . و هكذا وقوعه` في المكان المعين مقوم للوقوف وركن له , و هذه تدل على كفاية الوقوف في غير` زمانه الخاص في مورد التقية , فان كون الاضحى يوم يضحي الناس يستلزم` عدم اعتبار كون الوقوف في زمانه الواقعي بالدلالة الالتزامية , و بالغاء ` الخصوصية نستكشف منها الاجزاء في الركنيات مطلقا , هذا بالنسبة إلى` الاضحى ` .

و أما بالنسبة إلى الفطر فقد وردت عدة روايات دالة على ما ذكر ,` و ظاهرها جواز الافطار في ذلك اليوم و كونه فطرا بالتنزيل و هذا معنى الاجزاء ,` ولكن لابد من ملاحظة الروايات و التأمل في مفادها حتى يظهر الامر` .

تعرض السيد الاستاذ للروايات و ناقش في جميعها و نحن نذكرها مع تلك` المناقشات و نجيب عنها بعد بيان تمامها` :

( منها ) موثقة عيسى بن أبي منصور قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام`


198
في اليوم الذى يشك فيه . فقال : يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا` . فذهب ثم عاد . فقال : لا , فدعا بالغداء و تغدينا معه ( 1 ) . `

و تقريب الاستدلال ما مر من أن جواز الافطار في يوم أفطر السلطان` ظاهر في أن ذلك اليوم فطر ولو بالتنزيل , ولكن لا يخفى ما فيه` :

أولا : الرواية في نفسها ساكتة عن الاجزاء و عدمه بمعنى لزوم القضاء` و عدمه ` .

و ثانيا : قد أخذ الشك في الموضوع , فكما يحتمل أن يكون الافطار في يوم` أفطر السلطان من جهة التنزيل يحتمل أيضا كون إفطار السلطان امارة على` ثبوت الهلال و الفطر في طرف الشك لو لم نقل بأن التحفظ على ظهور أخذ` الشك في الموضوع في الاختصاص , و لم نقل أيضا بأن طبع هذا الامر الطريقية ,` ولا ظهور للرواية في ثبوت التنزيل فتكون مجملة , مضافا إلى أن معتبرة أبي` الجارود قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول : صم حين` يصوم الناس و افطر حين يفطر الناس , فان الله جعل الاهلة مواقيت ( 2 ) . دالة` على الطريقية لعدم ملاءمة التعليل الوارد فيها إلا مع ذلك , فاذا الرواية غير دالة` على الاجزاء ولا سيما مع العلم بالمخالفة` .

( و منها ) مرسلة داود بن الحصين عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال - و هو` بالحيرة في زمان أبي العباس ـ : إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم و هو` و الله من شهر رمضان , فسلمت عليه فقال : يا أباعبدالله أصمت اليوم ؟ فقلت` : لا ـ والمائدة بين يديه ـ قال : فادن فكل . قال : فدنوت فأكلت . قال : و قلت` : الصوم معك و الفطر معك . فقال الرجل لابي عبدالله عليه السلام : تفطر يوما من `

( 1 ) الوسائل : ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك حديث` . 1

( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 1 باب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 1 . `


199
شهر رمضان ؟ فقال : اى والله أفطر يوما من شهر رمضان أحب الي من أن` يضرب عنقي ( 1 ) . `

و تقريب الاستدلال ظاهر فان قوله عليه السلام : (( الفطر معك )) ظاهر` في التنزيل , فلابد من القول بالاجزاء` .

و الجواب : أولا : الرواية مرسلة` .

و ثانيا : أنها ساكتة عن حكم القضاء و الاجزاء , و أما قوله عليه السلام` (( الفطر معك )) فهو وارد مورد التقية , ولا يمكن إجراء الاصل في الجهة هنا ولو` مع الشك في ذلك , فان الكلام وارد في ذلك المورد , و العرف و العقلاء لايرون ` ورود مثل هذه العبارة في هذا المورد بداعي الجد , ولا سيما بملاحظة ذيل الرواية ` الدالة على أن الافطار في يوم أحب إليه عليه السلام من أن يضرب عنقه , فمع` ورود الرواية في مثل هذا الحال كيف يمكن استنباط التنزيل مع عدم ذكر` الاجزاء و عدمه فيها ؟`

( و منها ) مرسلة رفاعة عن أبي عبدالله عليه السلام , قال : دخلت علي أبي` العباس بالحيرة . فقال : يا أبا عبدالله ما تقول في صيام اليوم ؟ فقال : ذاك إلى` الامام , إن صمت صمنا و إن أفطرت أفطرنا . فقال : يا غلام علي بالمائدة` . فأكلت معه و أنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان . فكان إفطارى يوما` وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله ( 2 ) . و تقريب الاستدلال` ظهور (( إن أفطرت أفطرنا )) في التنزيل و الاجزاء ` .

و الجواب : ـ بعد الارسال و ورود هذه الجملة مورد التقية ولو لم نقل بورود` الكبرى و هي ذاك إلى الامام في ذلك المورد , و لذا قد يتمسك لا ثبات نفوذ` حكم الحاكم في ثبوت الفطر بهذه الرواية ـ إن الرواية دالة على خلاف`

( 1 و 2 ) الوسائل : ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك حديث 4 و 5 . `


200
المطلوب , فانها تدل على ثبوت القضاء و إن كان محمولا على الاستحباب جمعا` إلا أن الكلام في نفس الرواية` .

( و منها ) موثقة خلاد , قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : دخلت على أبي` العباس في يوم شك و أنا أعلم أنه من شهر رمضان و هو يتغدى . فقال : يا` أبا عبدالله ليس هذا من أيامك . قلت : لم يا أمير المؤمنين ؟ ماصومي إلا` بصومك ولا إفطارى إلا بافطارك . قال : فقال : ادن , قال : فدنوت فأكلت` و أنا والله أعلم أنه من شهر رمضان ` . ( 1 )

و تقريب الاستدلال و الجواب قد ظهر مما تقدم فان إفطارى بافطارك` وارد مورد التقية , مع أنها ساكتة عن حكم القضاء و غاية ما يستفاد من الرواية` جواز الافطار عند إفطار الرجل , و هذا لا يلازم التنزيل` .

( و منها ) معتبرة أبي الجارود , قال : سألت أبا جعفر عليه السلام إنا شككنا` سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى , فلما دخلت على أبي جعفر` عليه السلام و كان بعض أصحابنا يضحي فقال : الفطر يوم يفطر الناس ,` والاضحى يوم يضحي الناس , و الصوم يوم يصوم الناس ( 2 ) . `

و تقريب الاستدلال و جوابه ظهر مما مر لسكوت الرواية عن القضاء , و` الالتزام بالتنزيل لا موجب له و بلا ملزم . و قد اخذ في موضوعها الشك فلا تدل` الرواية على الاجزاء حتى مع العلم بالمخالفة لاحتمال الطريقية بل الجزم بها من` جهة نفس هذه المعتبرة أو رواية أبي الجارود السابقة , فهذه الروايات أيضا لا` تدل على الاجزاء في الركنيات` .

أقول : هذه الكيفية التي عامل الاستاذ مع هذه الروايات كيفية دفاعية` عن مطلب مفروض لا كيفية التدقيق في الروايات و تحقيق مفادها فكأنه بين`

( 1 و 2 ) الوسائل : ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك حديث 6 و 7 . `


201
الروايات بداعي النقاش فيها لا بداعي فهم أمر ما منها , مع أن شيئا من` المناقشات التي ذكرها ليس بشيء , فان ضعف السند أو الارسال في بعضها` منجبرة , مع كفاية ما هو صحيح السند , و السكوت عن القضاء بعد التنزيل في` بعضها يدل على عدم لزومها مثل الرواية الاخيرة , فان قوله عليه السلام (( الفطر` يوم يفطر الناس )) صريح في التنزيل و لازمه سقوط القضاء , و الجمع بينها و مادل على` ثبوت القضاء كمرسلة رفاعة يقتضي الحكم باستحباب القضاء , و ما ذكر من` أخذ الشك في موضوع الرواية الاخيرة و موثقة عيسى يوجب عدم دلالة الرواية` على الاجزاء لاحتمال الطريقية أغرب من سابقه , فان الشك في مورد الرواية` لا في موضوع حكمها , مع أنه لا يحتمل جواز الافطار أو التضحية عند الشك اذا` لم تكن عن تقية , فالموجب للافطار و التضحية هو التقية لا جعل طريق في مورد` الشك ولو كان شيء مجعولا في مورد التقية بهذا اللسان لايمكن إلا تنزيل` العمل المتقى به منزلة الواقع و كفاية عنه` .

و أعجب من جميع هذه المناقشات ما ذكره في مرسلة داود و مرسلة رفاعة` والرواية الاخيرة من ورودها مورد التقية فلا يمكن التمسك بها , فان ما نحن` بصدده إثبات حكم مورد التقية فلو لم نتمكن من أخذ الحكم من الروايات` الواردة في مورد كان الامام في تقية فمن أين يمكننا أخذه ؟`

و الحاصل : إن كون الامام في مورد التقية بعينه موضوع مسألتنا و عمله في` مورد التقية حجة لنا ولا موجب لحمل كلامه عليه السلام على التقية , فان` التقية فيتطبيق الكلام لا إصل الحكم المستفاد منه , فتدبر جيدا` .

الثامن : الروايات الواردة في بيان حسن المعاشرة معهم ولا سيما مع . الامر` بالصلاة في عشائرهم , فان هذه الروايات بالدلالة الالتزامية تدل على` الاجزاء . `

و الجواب ( أولا ) أنه لا يعلم من الروايات أن الامر بالصلاة في عشائرهم`


202
هو الامر بتطبيق الوظيفة عليها بل غايته أن يستفاد منها محبوبية نفس الدخول` في عشائرهم و الصلاة معهم و حسن معاشرتهم , و قد ظهر سابقا أن الروايات` الدالة على ذلك دلت على لزوم إتيان الصلاة قبله أو بعده , و هذا لا يلائم` الاجزاء ولا سيما على القول بعدم تصور الامتثال عقيب الامتثال , و فصلنا` سابقا بما لا مزيد عليه , و إنما خصصناه بالذكر ( ثانيا ) من جهة حيثية` الاستدلال , فان الحيثيتين هنا و في السابق مختلفة , فلاحظ` .

التاسع : أن أدلة مشروعية التقية كافية لا ثبات الاجزاء في العمل المتقى به , ` فان المشروعية تستلزم ذلك , ألا ترى أن مشروعية التقية في مورد شرب النبيذ ` يستلزم ارتفاع الحرمة عنه , فيعلم أن مشروعية التقية في كل مورد مستلزمة لما` يناسبها في ذلك المورد و ليس في العبادات إلا الصحة و الاجزاء` .

و بعبارة اخرى : أن تطبيق عنوان التقية على العمل ـ بما لها من` المشروعية ـ دال على تنزيل العمل المتقى به منزلة العمل الصحيح بالدلالة` الاستلزامية , وهذا معنى الاجزاء , ولا فرق فيما ذكر بين الركنيات و غيرها` .

و الجواب : أن هذا النحو من الدلالة أى الدلالة الاستلزامية متوقفة على` دوام الملازمة أو غلبتها , مثلا أن عفو الدم بمقدار أقل من درهم في البدن أو` اللباس في الصلاة يستلزم عفو محل الدم بالدلالة الاستلزامية , فانه لو لم يكن` المحل معفوا عنه مع الملازمة الغالبية بين ثبوت الدم و نجاسة محله به للزم اللغوية` في مثل هذا الجعل أى عفو الدم لعدم وجود أثر له غالبا , ولكن لا ملازمة` غالبية بين مشروعية التقية واجزاء العمل المتقى به , فليس لهذه الروايات مثل` هذه النحو من الدلالة` .

العاشر : أن كثرة أخبار التقية والاهتمام بها في الروايات دالة على الاجزاء , ` فان أصل المشروعية لا تحتاج إلى هذا الاهتمام و هذه الاخبار الكثيرة ,` فبملاحظة هذه الكثرة و شدة التأكيد نستفيد الاجزاء و هذا مثل أخبار (( من`


203
بلغ )) , فان كثرة هذه الاخبار أيضا تدل على استحباب العمل مع بلوغ الثواب` عليه` .

و الجواب عن ذلك واضح , فان كثرة الاخبار و شدة الاهتمام لازم أعم` للاجزاء , بل ذكرنا سابقا أن أصل العنوان ـ بما هو - مرغوب فيه عند الشارع ,` و القياس بأخبار من بلغ فيه ما فيه , فان تلك الاخبار أيضا لا تدل على` الاستحباب , و التفصيل في محله` .

قال السيد الاستاذ : فتحصل من جميع ما مر أنه لا دليل على الاجزاء في` الركنيات , فانا و إن نقول بأن مقتضى الاطلاق الاولي الاجزاء إلا أن أدلة` الركنيات حاكمة على ذلك , ولا يمكن التمسك بهذه الروايات لاثبات الاجزاء` في الركنيات` .

أقول : قد مر عدم وجود أى دليل في الركنيات حتى يكون حاكما على` ما دل على الاجزاء , و إنا و إن لانقول بأن مقتضى الاطلاق الاولي الاجزاء إلا إذا` كان لدليل حكم الطبيعة إطلاق وعدم وجود إطلاق لادلة الاجزاء والشرائط` إلا أنا نقول بأن نفس ما دل على الاجزاء في غير الركنيات بعينها يدل عليه في` الركنيات أيضا , و قد علقنا بعض ما هو أدل من غيره على الموارد المناسبة التي` تعرض لها الاستاذ , ولم نصر على المناقشة في كلامه في سائر الموارد لا للارتضاء` بما قال بل لعدم الحاجة إليه بعد ما ذكرنا في غيرها` .

و مما استدل به على عدم الاجزاء في الركنيات الروايات ( 1 ) الدالة` بعضها على إتيان أمير المؤمنين عليه السلام أربع ركعات بعد صلاة الجمعة التي` اقتدى بهم فيها , و بعضها دالة على وجوب أضافة ركعتين بالصلاة الواقعة معهم` في جمعتهم بعد تماميتها , بتقريب أنه لوجاز الاكتفاء بما يقتدى بهم لكان إضافة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 29 , من ابواب صلاة الجمعة و آدابها` .


204
الركعتين أو الاتيان بأربع ركعات زائدا , ولا سيما بناء على عدم إمكان` الامتثال بعد الامتثال , فمن هنا يعلم عدم الاجزاء عند ترك الركن و لزوم` تداركه مطلقا . `

إن قلت : الكلام في مورد الخالي عن المندوحة والمفروض في الروايات` وجود المندوحة` .

قلت : قد ذكرنا سابقا أن موضوع دليل الحاكم هو العذر بالنسبة إلى المأمور` به , و هذا يصدق بالعذر في آن مع تجديد القدرة بعد ذلك . و بعبارة اخرى : لا` تفيد المندوحة بالنسبة إلى الافراد الطولية في رفع اليد عن دليل الاضطرار` والاعذار, بل العمل الواقع حال الاضطرار صحيح لحكومة دليل الاعذار على` الدليل الاول و ان وجدت المندوحة بالنسبة إلى تلك الافراد , فمن عدم الصحة` في باب صلاة الجمعة مع تحقق العذر في آن الاتيان بالصلاة والصحة في سائر` الموارد يستكشف عدم الاجزاء في الركنيات` .

ولا يتوهم أن هنا مورد وجود المندوحة حال العمل , فان الظاهر من` الروايات خلاف ذلك بل الظاهر منها تطبيق الوظيفة على ما يؤتى معهم تقية` و تتميمها بالركعتين أو الاعادة , فالمورد من قبيل وجود المندوحة بعد العمل` لا حاله , و نشير إلى روايتين في هذا الباب` :

( الاولى ) موثقة حمران و هي كالصحيح لوجود صفوان في السند عن أبي` عبدالله عليه السلام ( في حديث ) اذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا` تقومن مقعدك حتى تصلي ركعتين اخريين , قلت : فأكون قد صليت أربعا` لنفسي لم - أقتد به , فقال : نعم ( 1 ) . `

( الثانية ) صحيحة زرارة على الصحيح . قال : قلت لابي جعفر عليه السلام` :

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 29 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها حديث 1 . `


205
إن أناسا رووا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه صلى أربع ركعات بعد الجمعة` لم يفصل بينهن بتسليم , فقال : يازرارة إن أمير المؤمنين عليه السلام صلى خلف` فاسق فلما سلم و انصرف قام أمير المؤمنين عليه السلام فصلى أربع ركعات لم` يفصل بينهن بتسليم . فقال رجل إلى جنبه : يا أبا الحسن صليت أربع ركعات لم` تفصل بينهن , فقال : ( اما ) انها أربع ركعات مشبهات , و سكت , فوالله ما عقل` ما قال له ( 1 ) . `

و المتحصل من هذا الاستدلال امور ثلاثة : استحباب الدخول معهم في` صلواتهم . الاجزاء بالنسبة إلى غير الركنيات عند عدم إمكان التحفظ عليها` . عدم الاجزاء بالنسبة إلى الركنيات` .

ولكن المتحصل مما أسلفناه الاجزاء مطلقا و يكفيه معتبرة إبي الجارود` السابقة الواردة في الاضحى , بل استفيد الاجزاء من غيرها ايضا كروايات` الافطار و غيرها , و أما ما استدل به لعدم الاجزاء في الركنيات من روايات باب` صلاة الجمعة فلا يتم` .

أولا : أنه ليس وزان هذه الروايات بأزيد من وزان الروايات السابقة` الدالة على ثبوت الاتيان في الاجزاء غير الركنية المحمولة على الاستحباب` .

ثانيا : أن صلاة الجمعة لها خصوصية حيث إنها منصبية ولائية لايقاس` غيرها بها ` .

ثالثا : ان الجمع بينها و بين غيرها بحملها على الركنيات و حمل غيرها على` غيرها جمع تبرعي لاشاهد عليها` .

و ينبغي التنبيه على امور` :

الاول : أنه هل يكون مناط شرع التقية في موردها وجود الضرر الحالي`

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 29 من أبواب صلاة الجمعة وادابها حديث 4 . `


206
الفعلي الشخصي أو يعم الضرر الاستقبالي و الشأني والنوعي أيضا ؟ ظاهر بعض` الاخبار الاول , كقوله عليه السلام : إن كان عنده آخر فعل أو إن جامعك` معهم مورد لم تجد بدا من الصلاة معهم فأذن لنفسك و أقم ( 1 ) أو الروايات التي` اخذ الخوف فيها موضوعا للتقية ( 2 ) . إلا أن هذا الظهور لهذه الروايات محكوم بما` دل على أن التقية لاجل صيانة النفس أو الاخوان المؤمنين أو الامام أوالدين ,` فان العلة تعمم` .

فيستفاد من ذلك أن الضرر النوعي أيضا يكفي في مشروعية التقية , كما` أنه محكوم بما دل على أنه ليس منا من لم يجعلها شعاره و دثاره مع من يأمنه` لتكون سجيته مع من يحذره ( 3 ) . فان المستفاد من ذلك عموم المناط للضرر` الشأني الاستقبالي أيضا , مضافا إلى أنه لا ظهور للطائفة الاولى أصلا , فانها` واردة في مقام بيان حكم آخر مترتب على التقية لا في مقام بيان مناط ثبوت` التقية` .

الثاني : أنه تفترق التقية عن سائر الاعذار بكفاية ثبوت العنوان حال العمل` في مشروعية التقية من دون الاعتبار عدم المندوحة بالنسبة إلى الافراد الطولية أو ` العرضية فيها بخلاف غيرها من الاعذار في الجملة على ما أسلفنا سابقا , فان` المستفاد من أخبار التقية كما مر هو ذلك , و بهذا تظهر الثمرة في الامرين الاتيين` .

الثالث : أنه هل تختص مشروعية التقية بكون من يتقى منه مخالفا أو تعم` غيره من الكفار و المعاند للحق و غيرهما ؟ فالمشهور على الاول , و قد استدل بامور` ثلاثة` :

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 11 باب 29 من أبواب الامر و النهى و ما يناسبهما حديث 9 و ` . 11

( 3 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 28 . `


207

( الاول ) أن إطلاقات مشروعية مثل لا دين لمن لا تقية له ( 1 ) أو التقية في` كل شيء ( 2 ) أو التقية في دار التقية واجبة ( 3 ) , أو غير ذلك كلها مسوقة لبيان ` شرعها من دون نظر إلى عموم من يتقى منه أو خصوصه , فلايمكن الاخذ بها لا` لاثبات العموم ولا لاثبات الخصوص , إلا أن الحكم على خلاف القاعدة` يقتصر على المتيقن من ثبوته و هو كون من يتقى منه مخالفا فقط` .

( الثاني ) الانصراف , بدعوى أن أخبار التقية كلها صدرت في زمان شوكة` المخالفين فهي منصرفة إلى مشروعية التقية منهم` .

( الثالث ) الصرف , بدعوى أن الوارد في بعض أخبار التقية هو الامر` بالخلطة والمعاشرة معهم و الضمير راجع الى المخالفين و قد صرح في بعضها , فبهذه` القرائن يستفاد مصب إطلاقات التقية , و أنها واردة في خصوص التقية من` المخالفين . إلا أن شيئا من ذلك لا يصلح لاثبات الاختصاص` .

( أما الاول ) فلاخذ عنوان التقية في موضوع الاطلاقات و الحكم يدور مدار` موضوعه , فمع عموم الموضوع كيف يختص الحكم ببعض أفراده ؟ و بعبارة` اخرى : أنالروايات مسوقة لبيان المشروعية لما صدق عليه عنوان التقية و معه` لامجال للاخذ بالقدر المتيقن` .

( و أما الثاني ) فلعدم صلاحية ما ذكر لكونه منشأ للانصراف` .

( و أما الثالث ) فلعدم ثبوت عقد سلبي لما ورد في خصوص التقوى من` المخالفين و معه لا وجه لتقييد مطلقات التقية , هذا مع أن في بعض الروايات` ما يدل على العموم كما ورد في تفسير ذلك مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم`

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث ` . 22

( 2 ) الوسائل : ج 11 باب 25 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث ` . 22

( 3 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث ` . 21


208
و فعلهم على غير حكم الحق و فعله ( 1 ) و ما اشتمل على قصة إبراهيم عليه السلام` و أنه اتقى في قوله : إني سقيم . أو قصة يوسف و أنه اتقى في قوله : أيتها العير إنكم` لسارقون ( 2 ) , فتأمل` .

الرابع : أنه هل تختص مشروعية التقية بمورد جهل المتقى منه بمذهب المتقي أو` تعم مورد العلم أيضا ؟ ظهر مما ذكرناه العموم , فانه اخذت عنوان التقية` موضوعا لادلة مشروعيتها فتدور المشروعية مدار ثبوت هذا العنوان , و التقية بمعنى` التحفظ عن الضرر فتعم صورة العلم و الجهل كليهما , إلا أنه قد يدعى` الاختصاص و يستدل على ذلك بامور` :

1 ـ ظاهر خبر ابن أبي يعفور : اتقوا في دينكم واحجبوه ( 3 ) . أن التقية` مختصة بمورد حجب الدين و إلا فلا يكون معنى للامر بالحجب` .

2 ـ ظاهر جعل المقابلة بين التقية و الاذاعة في المستفيضة الدالة على أن` الحسنة التقية , و السيئة الاذاعة ( 4 ) . أن التقية مختصة بمورد عدم الاذاعة وإلا` فلا وجه للمقابلة` .

3 ـ ظاهر ما عبر فيها عن التقية بالخباء ( 5 ) اختصاص التقية بمورد الخباء , ` إلا أن شيئا من ذلك لا يصلح لتقييد المطلقات السابقة` .

( أولا ) لعدم وجود عقد سلبي في هذه الروايات يدل على أنه لا تقية في غير` مورد الحجب أو الاذاعة أو الخباء , و ذكر التقية في مورد الحجب و عدم الاذاعة ` والخباء في الروايات من باب التطبيق على المصداق الغالب لا من باب` الاختصاص بذلك المصداق` .

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 25 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 6 ` .

( 2 ) الوسائل : ج 11 باب 25 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 4 ` .

( 3 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر والنهي و ما يناسبهما حديث 7 ` .

( 4 و 5 ) الوسائل : ج 11 باب 24 من أبواب الامر و النهي و ما يناسبهما حديث 1 و 14 . `


209

( و ثانيا ) لا ستفادة العموم من بعض الروايات أيضا كأخبار البراءة الواردة ` في شرح قضية عمار بن ياسر و تفسير الاية المباركة النازلة فيها (( إلا من أكره` و قلبه مطمئن بالايمان )) ( 1 ) . فان المورد مورد العلم كما يشهد له الامر بالبراءة` منه و قتل أبوى عمار لعدم البراءة` .

ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأن أخبار البراءة واردة مورد قلب الايمان` إلى الكفر بحسب الظاهر فلايمكن الاستدلال بها للتقية في مقام العمل , و في` ماذكرناه غنى و كفاية , ومع ذلك لابأس بالاحتياط لدعوى التسالم على` الاختصاص لدى قاطبة الفقهاء - رضي الله عنهم` . -

الخامس : أنه هل تكون مشروعية التقية , حينية أو دائمية ؟ بمعنى أنه هل` يختص ترتيب آثار العمل المتقى به عليه بزمان ثبوت العنوان أو ترتب عليه بعد` زوال العنوان أيضا ؟ مثاله هل يكون الوضوء الناقص الواقع تقية مطهرا مادام` بقاء التقية فقط أو يكون مطهرا مطلقا بحيث تبقى الطهارة بعد ارتفاع التقية` أيضا ؟`

فنقول : إن الاثر المنظور فيه إما أن يكون عقليا كالا جزاء بالنسبة إلى` العمل العبادى الواقع حال التقية أو يكون شرعيا كالطهارة و الحديث على القول` بكونهما أثرا شرعيا` .

فعلى ( الاول ) لا معنى للمشروعية الحينية أبدا , فان المأتي به إما أن يكون` فردا واقعيا للمكلف به - على القول بأن عنوان التقية حيثية تعليلية للحكم - أو ` يكون فردا تنزيليا له - على القول بأنها حيثية تقييدية لذلك - . و في كلا` الفرضين الانطباق قهرى والا جزاء عقلي , فلا معنى للا جزاء حين التقية أصلا` .

و على ( الثاني ) فاما أن يكون أثر العمل المترتب مناقضا أو مضادا للاثر`

( 1 ) الوسائل : ج 11 باب 29 من أبواب الامر والنهي وما يناسبهما حديث 2` . 3

و
210
الثابت قبل العمل كالطهارة المترتبة على الوضوء المناقضة لعدم الطهارة أو` المضادة للحدث الثابتين قبل الوضوء بسبب النوم و نحوه أو يكون مخالفا له` كالاباحة المترتبة على الوضوء الناقص تقية على القول بها والحدث` .

أما على ( الاول ) فلا تتصور المشروعية الحينية أيضا , فان المأتي به بنظر` الشارع موضوع للاثر الرافع للاثر السابق , وعود الاثر السابق بعد ارتفاع العذر` يحتاج إلى موضوع جديد` .

نعم , تتصور المشروعية الحينية على الثاني , فان الاثرين مجتمعان حال` التقية , ويمكن بقاء الاثر الاول بعد ارتفاع التقية مع زوال الاثر الثاني` بارتفاعها . `

ولا بأس بتتميم الكلام في الوضوء الناقص حال التقية . فنقول : لو بنينا` في باب الطهارة على أن الطهارة و النجاسة و الطهارة و الحدث من الامور الواقعية ` و كشف عنها الشارع كما بنى عليه الشيخ الاعظم ـ قدس سره ـ يدخل المقام في` الصورة الاولى التي فرض فيها كون الاثر عقليا و قلنا إن الحينية لا معنى لها` حينئذ . ولو فرضنا أنها ليست من الامور الواقعية بل إنما هي اعتبارية محضة فمع ` ذلك لا يتصور فيها الحينية , لدخول المقام حينئذ في الصورة الثانية التي فرض` فيها كون الاثر الشرعي مناقضا أو مضادا للاثر السابق على العمل . و ما قد ` يقال من أن الوضوء الواقع تقية ليست بطهارة واقعا بل إنما هو مبيح فقط لا` يرجع إلى محصل , فان عروص عنوان التقية على الوضوء يوجب فردية الوضوء` المأتي به للمكلف به موافقا للقاعدة , فان فردية الميسور بعد ثبوت العسر بالنسبة` إلى المعسور للواقع موافق لها سواء كان منشأ رفع الحكم عن المعسور عموم` الاضطرار أو خصوص التقية , مضافا إلى أن الالتزام بالاباحة موجب للتقييد في` اشتراط الصلاة بالطهارة ولا وجه له , فالصحيح بقاء أثر الوضوء الناقص الواقع` حال التقية بعد ارتفاعها و عدم وجوب إعادته بزوالها , فافهم` .


211

أقول : أما ما بنى عليه الشيخ الاعظم ـ قدس سره ـ من كون الطهارة` و النجاسة و الطهارة و الحدث من الامور الواقعية , فقد بنى الفقهاء في باب` الطهارة على خلافه و كونها اعتبارية محضة , و أما توهم الاباحة التي يلزم من` الالتزام بها التقييد في أدلة اعتبار الطهارة في الصلاة فلم يعهد من ذهب اليها` بهذا المعنى , بل ما يظهر من الكلمات أن مراد من قال بالاباحة هو الطهارة` الحينية , فالنزاع في أن الوضوء العذرى أو التيمم رافع أو مبيح هو النزاع في أن` ذلك طهارة حينية أو دائمية , و أما ما ذكر في وجه عدم تصور الحينية في الصورة` الثانية التي فرض فيها كون الاثر الشرعي المترتب علي العمل مناقضا أو مضادا` للاثر السابق على العمل من ارتفاع الاثر السابق باللاحق , و عوده يحتاج إلى` موضوع فلا يمكن المساعدة عليه , فان الباب باب الاعتبار و هو سهل المؤونة` فيمكن اعتبار الموضوع السابق لاثره مطلقا , و مع تخلل الموضوع الثاني في` الاثناء يعتبر ثبوت الاثر الثاني مادام بقاء موضوعه , و يلزمه انقطاع الاثر الاول` في البين فقط , فالاثر الثابت بعد ارتفاع الاثر الثاني بارتفاع موضوعه مستند الى` الموضوع السابق , و من هذا القبيل إجارة المستأجر العين المستأجرة بعض مدة` إجارته في وسط تلك المدة فانه بعد انقضاء هذا البعض من المدة تعود ملكية` المنفعة للمستأجر الاول لا بسبب جديد بل بسبب سابق و هي الاجارة الاولى ,` و يمكن أن يعتبر الشارع كون النوم مثلا موضوعا للحدث مطلقا , و يعتبر أيضا رفع` ذلك الحدث بالطهارة العذرية مادام العذر فقط مع ارتفاع الطهارة بزوال العذر` بحيث يكون الحدث اللاحق مستندا إلى النوم السابق , ولا محذور يتصور في` ذلك بوجه . فللنزاع في أن الطهارة العذرية هل هي طهارة مادامية أو دائمية` مجال . `

و بعد الفراغ عن إمكان اعتبار كلتا الصورتين ثبوتا لابد من ملاحظة دليل` الاثبات على كيفية الاعتبار , و مع عدم تقييد الدليل بشيء منهما يكون إطلاق`


212
دليل الحاكم حاكما على دليل المحكوم , فالنتيجة بقاء الطهارة بعد ارتفاع` التقية , و لذا أفتوا في الوضوء على الجبيرة أو الغسل عليها أيضا على بقاء الطهارة` مع برء المحل . نعم , ترتفع الطهارة في التيمم بوجدان الماء بالدليل ` .

و نختم الرسالة ببعض ما أفاده استاذنا المحقق مدظله في رسالته` .

ختامها مسك :
`

1 ـ قسم التقية باعتبار التقية خوفا و التقية مداراة و قال : المراد بالتقية` مداراة أن يكون المطلوب فيها نفس شمل الكلمة و وحدتها بتحبيب المخالفين` وجر مودتهم من غير خوف ضرر كما في التقية خوفا . و يمكننا إرجاع هذا القسم` إلى القسم الاول و هو التقية خوفا , فان مطلوبية تحبيبهم و وحدة الكلمة بيننا` و بينهم إنما هو لترتب الضرر بواسطة التفرق و العداوة بين فرق المسلمين على` نفس المتقي أو اخوانه المؤمنين بل يمكن ترتب ذلك على حوزة الاسلام , و إلا` فنفس وحدة الكلمة من دون ترتب أى ضرر بواسطة التفرق لا تكون مطلوبة ,` فالتقسيم بهذا الاعتبار من تقسيم التقية خوفا إلى قسمين , و المداراة إنما يكون` محبوبا اذا كان في تركها خوف تفرق المسلمين و تسلط الكفار عليهم كأمثال` زماننا` .

و على هذا : الدليل على مشروعية القسمين و إجزاء العمل المتقى به عن` الواقع دليل واحد ولا نحتاج إلى تجزئتهما و جعل عنوان لكل منهما و إقامة دليل` مستقل لكل منهما كما فعله ـ مدظله ـ فلاحظ كلامه الشريف و تدبر فيه جيدا ,` فانه نافع جدا و استفاد الاجزاء من أدلة التقية , و الحق معه و هو مع الحق` .

2 ـ قال في بعض كلماته : و ليعلم أن المستفاد من تلك الروايات صحة` العمل الذى يؤتى به تقية سواء كانت التقية لاختلاف بيننا و بينهم في الحكم` كما في المسح على الخفين و الافطار لدى السقوط أو في ثبوت الموضوع الخارجي` كالوقوف بعرفات اليوم الثامن لاجل ثبوت الهلال عندهم , والظاهر عدم`


213
الفرق بين العلم بالخلاف و الشك , و مما يشهد لترتب أثر التقية في الموضوعات ` و أن الوتوفين في غير وقتهما مجزيان أنه من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى` زمان خلافة أمير المؤمنين و من بعده إلى زمن الغيبة كان الائمة و شيعتهم مبتلين` بالتقية اكثر من مائتي سنة , و كانوا يحجون مع امراء الحاج من قبل خلفاء الجور` أو معهم , و كان أمر الحج وقوفا و إفاضة بأيديهم لكونه من شؤون السلطنة` والامارة , ولا ريب في كثرة تحقق يوم الشك في تلك السنين المتمادية , و لم يرو` من الائمة عليهم السلام ما يدل على جواز التخلف عنهم أو لزوم إعادة الحج في` سنة يكون هلال شهر ذى الحجة ثابتا لدى الشيعة مع كثرة ابتلائهم , ولا مجال` لتوهم عدم الخلاف في أول الشهر في نحو مائتي و أربعين سنة , ولا في بنائهم على` إدراك الوقوف خفاء كما يصنع جهال الشيعة في هذه الازمنة , ضرورة أنه لو` وقع ذلك منهم ولو مرة أو أمروا به ولو دفعة لكان منقولا إلينا لتوفر الدواعي به ,` فعدم أمرهم به و متابعتهم لهم أول دليل على إجزاء العمل تقية ولو في الخلاف` الموضوعي , و هذا مما لا إشكال فيه ظاهرا` .

إنما الاشكال في أنه هل تثبت الموضوعات الخارجية بحكم حاكمهم مع` الشك في الثبوت فيكون حكمهم كحكم حكام العدل ؟ أو يجب ترتب آثارها` عليها ولو مع العلم بالخلاف ؟ أو لا تترتب ولا تثبت مطلقا ؟ الظاهر هو الاخير` لان عمومات التقية و إطلاقاتها لا تفي بذلك , لان مثل قوله : التقية في كل` شيء يضطر إليه ابن آدم . أو قوله : التقية في كل شيء إلا المسح على الخفين` . ظاهر في إجزاء العمل على وجه التقية لا لثبوت الموضوع تعبدا أو لزوم ترتيب` آثار الواقع مطلقا على ما ثبت عندهم , و هذا واضح` .

نعم , روى الشيخ باسناده عن أبي الجارود زياد بن منذر قال : سألت` أبا جعفر عليه السلام إنا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى ,` فلما دخلت على أبي جعفر عليه السلام و كان بعض أصحابنا يضحي فقال` :


214
الفطر يوم يفطر الناس , والاضحى يوم يضحي الناس , والصوم يوم يصوم` الناس . والظاهر منه أن يوم يضحي الناس يكون أضحى و يترتب عليه آثار` الموضوع واقعا و بالقاء الخصوصية عرفا يفهم الحكم في سائر الموضوعات التي` تترتب عليها الاثار الشرعية` .

فحينئذ إن قلنا بان التعبد لا يناسب ولا يكون مع العلم بالخلاف يختص` بمورد الشك فيكون حكم حكامهم كحكم الحاكم العدل , و إن قلنا بأنه` - بملاحظة وروده في باب التقية ـ يترتب الاثر حتى مع العلم بالخلاف , فحينئذ` يقيد إطلاقه بالروايات الواردة في قضية إفطار أبي عبدالله عليه السلام تقية عن` أبي العباس في يوم يعلم أنه من شهر رمضان قائلا : إن إفطارى يوما و قضاءه` أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله . لكن إثبات الحكم بمثل رواية أبي` الجارود الضعيف غير ممكن فترك الصوم يوم الشك تقية لا يوجب سقوط` القضاء على الظاهر , و هذا بخلاف إتيان أعمال الحج على وفق التقية , فان` مقتضى إطلاق أدلة التقية أجزاؤه حتى مع العلم بالخلاف كما يصح الوضوء` و الصلاة مع العلم بكونهما خلاف الواقع الاولي` .

أقول : كم فرق بين من عبر عن هذه الرواية بالصحيحة كالاستاذ في ما` تقدم و سيدنا الاستاذ المحقق في هذا الكلام بقوله بمثل رواية أبي الجارود` الضعيف . والحق ان الرواية معتبرة , فان أبا الجارود كان ذاحالتين حالة` استقامة و حالة قلب كما يظهر من مراجعة حاله و الرواية الواردة فيه و غيرها` . والظاهر صدور هذه الرواية عنه حال استقامته لدلالة نفس الموضوع على ذلك` أولا` .

و ثانيا الراوى عنه صفوان بن يحيى , و من المطمأن به أنه لا يروى عنه` حال قلبه , بل نفس وجود صفوان في السند كاف لاعتبار السند , بناء على` كون أصحاب الاجماع في السند كافيا لاعتباره بالنسبة إلى من بعدهم , و كيف`


215
كان الاطمئنان حاصل بعدم كذب أبي الجارود في هذه الرواية فالرواية معتبرة` تثبت الموضوع في حال التقية كامثال زماننا , فاللازم متابعتهم في الوقوفين` و سائر الاعمال , فان الاضحى يوم يضحي الناس , و لازم هذا التنزيل الاجزاء` والسقوط , بل في الصوم أيضا بنينا على السقوط و استحباب القضاء للجمع بين` مادل على التنزيل و مادل على إفطار أبي عبدالله عليه السلام تقية قائلا : إن` افطارى يوما و قضاءه أيسر علي من أن يضرب عنقي` .

نقلنا هذا الكلام بعينه عن الرسالة الشريفة للسيد الاستاذ حول التقية` لاهمية الموضوع و كون المسألة محلا للابتلاء جدا في زماننا في الحج , و ملاحظة` أن وجه تفصيل السيد الاستاذ في المناسك و غيره بين الوقوفين و أعمال منى` بلزوم متابعتهم فيهما و لزوم إحراز الواقع فيها غير صحيح` .

( أولا ) لوجود التعبد في الموضوع كما تدل عليه المعتبرة , بل و غيرها مما ورد ` في الصوم بعد ملاحظة عدم الفرق قطعا بين الموارد , والالتزام بالتعبد و التنزيل` في الصوم دون الحج بلا وجه` .

( و ثانيا ) نفس ما استدل به لزوم المتابعة في الوقوفين من بناء الائمة عليهم ` السلام طول السنين المتمادية عليها تدل على لزوم المتابعة في أعمال منى أيضا ,` ضرورة أنه لو وقع منهم خلاف ذلك ولو مرة أو أمروا به ولو دفعة لكان منقولا` إلينا لتوفر الدواعي به , فعدم أمرهم به و متابعتهم لهم أدل دليل على إجزاء` العمل تقية و لزوم متابعتهم في أعمال منى أيضا كالوقوفين حرفا بحرف` .

3 ـ تعرض السيد الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ لمسألة لم نتعرض لها و هي هل` ترك التقية مفسد للعمل أولا ؟`

أفاد أن مقتضى الفواعد صحته لان الامر بالتقية لا يوجب النهي عن العمل ,` و نسب إلى الشيخ الاعظم ـ قدس سره ـ التفصيل بين الموارد ففي مثل السجدة` على التربة مع اقتضاء التقية تركه حكم بالبطلان لكونه منهيا عنه و في مثل ترك`


216
التكفير حكم بالصحة لعدم اعتباره في المأمور به , و اعترض عليه بما أفاده قبل ` ذلك من أن الامر بالتقية لايوجب النهي عن العمل حتى في الصورة الاولى` .

أقول : لو كان الدليل على الاجزاء مادل على الترخيص و التحليل في مورد` التقية كقوله : التقية في كل شيء اضطر اليه ابن آدم فقد أحله الله . فالحق مع ` ما أفاد و أجاد , فان الامر بالتقية لا يدل على النهي عن العمل الصادر عن غير ` تقية , و التحليل لايوجب رفع اليد عن الحكم الاولي فلا دليل على بطلان` العمل ` .

ولو كان الدليل على ذلك أدلة الاعذار و قلنا بأن التقية أيضا منها فالعمل` المتقى به عمل عذرى , فالمسألة تبتني حينئذ على أن دليل الحاكم في مورد` الاعذار هل يدل على كفاية العمل العذرى أو يدل على تبديل الوظيفة بذلك` مثل ما يقال من أن الرفع في دليل الرفع واقعي أو ظاهرى , فلابد من ملاحظة` لسان دليل الحاكم , ولا مجال لدعوى التبديل إذا كان الدليل إطلاق دليل` الاعذار كما لايخفى ` .

ولو كان الدليل على ذلك ما يكون بلسان التنزيل كالمعتبرة في الصوم` والحج فالظاهر فساد العمل عن غير تقية فان لازم التعبد في الموضوع هو التعبد` بالاثار , فلزم ترتيب الاثار على الموضوع المتعبد به وإلا يفسد العمل , فلو خالف` التقية و أتى بالوقوفين الواقعيين لا يمكن الحكم بصحة حجة , فان لازم القول` بأن الاضحي يوم يضحي الناس أن يكون الوقوف بوقوفهم والوقوف غير وقوفهم` لغوا . `

والحمد لله رب العالمين` .


217
رسالة في اللباس المشكوك
`

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين , و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين ,` و لعنة الله على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين` .

الكلام في اللباس المشكوك كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه `

و الاقوال في المسألة عديدة : عدم الجواز على الاطلاق , نسب إلى المشهور` . الجواز على الاطلاق , نسب إلى المحقق القمي ـ قدس سره ـ و مال إليه صاحب` المدارك ـ قدس سره ـ أيضا . التفصيل بين الشرطية والمانعية , كما ذكره صاحب ` الجواهر ـ قدس سره ـ أى لو قلنا بشرطية كون اللباس مما يؤكل لحمه في الصلاة ` فلابد من أحراز الشرط , و مع الشك يحكم ببطلان الصلاة . ولو قلنا بمانعية` كون اللباس من غير مأكول اللحم فلابد من إحرازه للحكم بالبطلان , و مع` الشك يحكم بالصحة . بل ذكر المرحوم النائيني ـ رحمه الله ـ في رسالته المفردة في` المشكوك أن مبني النزاع هو القول بالمانعية و إلا فعلى القول بالشرطية لامجال ` للقول بالجواز , وسيجيء أن بعض الوجوه المذكورة في الكلمات دليلا على عدم` الجواز يلائم القول بالشرطية أيضا , فالنزاع جار على كلا الوجهين . والتفصيل` بين اللبس من أول الصلاة و في الاثناء ففي الاول لايجوز دون الثاني` .

و هناك تفاصيل مبنى جميعها التفصيل المتقدم أى الشرطية و المانعية , و هو`


218
التفصيل بين اللباس و غيره . و التفصيل بين الساتر و غيره . و التفصيل بين ما` علم بكون المشكوك من أجزاء الحيوان و ما لم يعلم , كما يظهر من العروة الوثقى ` فانه اختار في الاول الجواز و نفى الاشكال في الجواز في الثاني` .

ثم إن الجواز في المقام ليس تكليفيا متعلقا بذات العمل , فانه لا يحتمل` كون لبس ما لا يؤكل لحمه محرما من المحرمات الالهية , بل إما أنه وضعي بمعنى` المضي والنفوذ الملازم للصحة أو تشريعي من جهة الاستناد إلى الشارع الملازم` لها أيضا` .

ثم إنه هل الجواز في المقام ظاهرى بمعنى أن الحكم به يتوقف على إجراء` القواعد والاصول , و مع انكشاف الخلاف بعد ذلك لابد من إعادة الصلاة بناء` على القول بعدم الاجزاء في الاحكام الظاهرية ؟ أو واقعي بمعنى أن الحكم به` غير متوقف إلا على نفس الدليل الدال على الواقع , ولا موضوع للاعادة فيه` حتى مع انكشاف الخلاف ؟ أو ظاهرى بحسب الابتداء و واقعي بحسب جواز` الاكتفاء بمعنى أنه لايحكم به إلا بملاحظة أصل جار في المقام , ولا يحتاج إلى` الاعادة ولو انكشف الخلاف بعد العمل في الجملة ؟`

ذكر المحقق القمي ـ رحمه الله ـ في بعض أجوبة مسائله أن مقتضى التبادر` والانصراف أخذ العلم في موضوع أدلة المانعية أو الشرطية , أى مانعية لبس غير` المأكول أو شرطية لباس المأكول مترتبة على صورة العلم بكون اللباس من` المأكول أو غيره , وإلا فمع الجهل يحكم بصحة الصلاة واقعا فانها واجدة لجميع` شرائطها فاقدة لجميع موانعها` .

و منع ما ذكره ظاهر , فان التبادر والانصراف ممنوع , والالفاظ وضعت` للمعاني الواقعية من دون دخل العلم و غيره من الحالات النفسانية فيها , و لذا ` ذكر المرحوم النائيني ـ رحمه الله ـ أن الجواز ظاهرى , و نحتاج في ذلك إلى اجراء` أمارة أو أصل , و بنى على لزوم الاعادة بعد انكشاف الخلاف , و حكمه هذا `


219
مبني على عدم شمول حديث (( لا تعاد )) ( 1 ) لمورد الجهل , بل كون مورده السهو ` فقط , فان الحكم بالاعادة و عدمها موقوف على عدم اقتضاء الخطاب الاولي` للفعل كما في النسيان , و إلا ففي مورد الجهل نفس الخطاب الواقعي شامل له` و يقتضي العمل على وفقه تاما فلا معنى لان يقال للجاهل أعد أو لا تعد` . ولكن لا يخفى أن خطاب الجاهل بعد العمل بذلك الخطاب لا محذور فيه أبدا ,` و في الروايات عبر بذلك كثيرا حتى في مورد العمل كمن تكلم في صلاته` متعمدا أعاد صلاته ( 2 ) . هذا في الجاهل القاصر` .

و أما في المقصر , فان كان ملتفتا حال العمل فلا يشمله حديث (( لا تعاد` (( لان الظاهر منه أنه بعد العمل على ما يراه وظيفته و انكشاف الخلاف لاتعاد` الصلاة , فلايمكن تصحيح هذه الصلاة بحديث لا تعاد , و بعين هذا البيان` يظهر عدم شمول الحديث لمورد العمد أيضا مع أنه لو فرض شمول إطلاق` الحديث له يخرج عنه في مورد العمد بالدليل . و أما الجاهل المقصر الغير الملتفت` فيمكن أن يلتزم بخروجه أيضا عن الدليل لا من جهة عدم شموله له بظاهره بل` لامر آخر , و هو أنه لو لم يكن خارجا عنه يختص مادل على لزوم إعادة الصلاة` عند الاخلال بها شرطا أو جزء بمورد العمد فقط , و هذا تقييد بفرد نادر , فتأمل` .

فالمتحصل مما ذكرنا أن الجواز في المقام ظاهرى أى يحتاج إلى اجراء` الاصول , و مع انكشاف الخلاف بعد العمل لاحاجة الى الاعادة واقعا فيما إذا` وقعت المخالفة عن عذر , و إلا تجب الاعادة بل لا تجرى الاصول حينئذ , كما` لايخفى` .

ثم إنه لا فرق في الاحتياج إلى احراز الامتثال ولو بجريان الاصل بين`

( 1 ) الوسائل : ج 1 , باب 3 من أبواب الوضوء , حديث` . 8

( 2 ) الوسائل : ج 4 , باب 25 , من أبواب قواطع الصلاة , حديث 2 و 5 . `


220
الشرطية والمانعية و إن قلنا بأن الاول مجرى الاشتغال والثاني مجرى البراءة ,` و هذا ظاهر . و أما ما يقال من أن نفس الشك في المانعية كاف في البناء على ` عدمها بلاحاجة إلى إحرازها أو أجراء أصل فيها و ذلك من باب قاعدة المقتضي` والمانع فمدفوع صغرى و كبرى , أما الكبرى فلا تتم هذه القاعدة لعدم الدليل` عليها لا لفظيا ولا لبيا ببناء العقلاء , و أما الصغرى فلو تمت القاعدة فانما تتم` في موارد المقتضي والمانع الحقيقيين , و أما في مثل المقام الذى قوامه ليس إلا` بالاعتبار فليس فيه إلا الموضوع وقيوده , و الحكم أجنبي عن المقتضي والمانع ,` بل الشيء لو اعتبر وجوده في الموضوع فهو شرط ولو اعتبار عدمه فيه فهو مانع ,` و هذا مجرد تعبير و ليس من ذلك الباب` .

ثم إن الشرط أو المانع في المقام لابد و أن يكون أمرا اختياريا فانه مأخوذ` في المأمور به ولو تقيدا لا قيدا , ولايمكن تعلق الامر إلا بما يكون اختياريا بجميع` قيوده حتى تقيده بشيء ما , فحرمة أكل الحيوان أو عدم حليته , و حليته أو عدم` حرمته أجنبية عن ذلك , بل المعقول كونه شرطا وقوع الصلاة في محلل الاكل أو` غير محرم الاكل , والمعقول كونه مانعا وقوعها في محرم الاكل أو غير محلل الاكل ,` فلا فرق بين استفادة حرمة الاكل عن الدليل أو عدم حليته , ولا فرق بين` استفادة حلية الاكل عنه أو عدم حرمته , و إن التزم بعض الاساطين بالفرق` بأن الاولين ظاهران في الشرطية و الاخرين في المانعية , و قد ظهر ضعفه` .

ثم إنه لا يعقل كون أحد الضدين شرطا لشيء والاخر مانعا عنه . ( أما` تكوينا ) فان المانع أمر يزاحم مقتضي الشيء عن التأثير بعد تمامية أجزاء علته` سوى عدم هذا المانع , ولا يعقل اتصاف شيء بالمانعية مالم تتم تلك الاجزاء ,` فعلى ذلك مع وجود الضد الذى فرض أنه شرط ينتفي الضد الاخر لا محالة ,` فأين المانع ؟ و مع عدمه و وجود الضد الاخر فلا يتصف هذا الموجود بالمانع لعدم` وجود شرط تأثير المقتضي , فكون أحد الضدين شرطا تكوينيا و الاخر مانعا`


221
كذلك غير معقول . ( و أما اعتبارا ) فبما أنه ليس تأثير ولا تأثر في الاعتباريات ,` بل ما اعتبر وجوده في المأمور به شرط له , و ما اعتبر عدمه فيه مانع عنه لابد من` ملاحظة إمكان الاعتبار و عدمه , و الحق أنه لايمكن اعتبار الشرطية لاحد` الضدين و المانعية للاخر مطلقا . أما في الضدين لاثالث لهما فأحد الاعتبارين` يغني عن الاخر فأحد هما لغو , و أما فيما له ثالث فاعتبار الشرطية يغني عن اعتبار` المانعية و إن لم يكن اعتبار المانعية مغنيا عن اعتبار الشرطية` .

و وجه الاغناء أنه مع وجود ما اعتبار شرطا ينتفي الاخر لا محالة و مع عدمه` يبطل العمل لعدم شرطه فجعل المانعية يصبح لغوا محضا , و وجه عدم الاغناء في` العكس فان نتيجة جعل المانعية لاحد الاضداد ترك هذا الضد حال العمل ,` ولا يلازم وجود ضد معين له في هذا الحال , فان المفروض الاضداد متعددة` بخلاف مالو لم يكن في البين ثالث , فان ترك الضد المانع يلازم وجود الضد` الاخر` .

ثم إنه هل يستفاد من الادلة الشرطية أو المانعية ؟ فيه كلام بين الاعلام ,` و المستفاد من كثير من الروايات ـ و فيها الصحاح ـ المانعية صريحا . إلا أنه قد` يتوهم من جملة الروايات الشرطية` .

( منها ) ذيل موثقة ابن بكير التي هي العمدة في أدلة الباب : (( لاتقبل تلك ` الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل الله أكله ( 1 ) . و وجه استفادة الشرطية غير` ظاهرة , ذكر المرحوم النائيني ـ قدس سره ـ ان المستفاد من صدر الرواية المانعية` (( فالصلاة في و بره و . . . فاسدة )) . و هذا يكون قرينة على أن المراد من الذيل` أيضا ذلك حيث إنه معتمد على الصدر , و التعبير بمايشعر بالشرطية من سوء` تعبير الراوى فانه نقل الرواية بالمعنى` .

( 1 ) الوسائل : ج 3 , باب 2 , من أبواب لباس المصلي , حديث 1 .


222

و قد يقال بتعارض الصدر و الذيل و تساقطهما و الرجوع إلى الاصول` العملية . و قد يقال بأن الصدر دال على المانعية في غير الساتر بقرينة بعض` المذكورات كالبول و الروث و الذيل دال على الشرطية في الساتر , فان عمومه` لغير الساتر غير معقول فانه ليس شرطا بنفسه , فلا يعقل كونه من المأكول شرطا` حتى على فرض الوجود أى اللبس , لانه إما من اشتراط الشيء لنفسه أو` لضده , فمع لبس المأكول يكون اشتراطه بكونه من المأكول من قبيل الاول ,` و مع لبس غيره يكون من قبيل الثاني , هذا` .

و إن أمكن أن يجاب عن ذلك بمثل ما يجاب عن الاشكال المعروف في` القضايا الحملية بأن المشروط له نفس اللبس لا بشرط , وب هذا يمكن اشتراطه` بكونه من المأكول . و دقيق النظر يقتضي عدم استفادة الشرطية من الرواية ,` فان ظاهر الصدر المانعية و الذيل الذى ادعي أنه ظاهر في المانعية مشتمل على` كلمة الاشارة (( تلك )) و المشار إليه ليس نفس الصلاة الشخصية لفسادها على` أى حال و غير قابلة للتعدد حتى يحكم بفسادها بوجه و صحتها بوجه آخر فهي` إما طبيعي الصلاة بجنسها أو نوعها كصلاة الفجر أو غيره` .

أما الصلاة الواقعة في أجزاء الحيوان التي هي مورد الرواية , فعلى الاول` يمكن دعوى استفادة الشرطية من الذيل , إلا أنه خلاف الظاهر , فان السؤال` عن الصلاة في الفنك و غيره من الحيوان فلابد من كون الاشارة الى ذلك ,` و نتيجة الصدر أن الصلاة في الحيوان قسمان قسم في المأكول و قسم في غير` المأكول , و القسم الثاني منها فاسد , فلابد في الحكم بالصحة من وقوع الصلاة` على نحو القسم الاول , و هذا أمر واقعي غير محتاج إلى الجعل , و جملة الذيل إنما` هي مشيرة الى نفس هذا الامر الواقعي , و ليس في مقام بيان اشتراط الصلاة` بوقوعها في محلل الاكل , فأصل ظهور الذيل ممنوع فضلا عن وقوع المعارضة` والعلاج` .


223

و هنا بعض روايات اخرى يمكن الاستدلال بها على الشرطية ولا تخلو إما` من الضعف في السند أو الدلالة , و تعرف حالها مما ذكرنا , فلا نطيل` .

ثم إنه لو شككنا في أن المعتبر هل هو الشرطية أو المانعية و لم يمكننا استفادة ` ذلك من الروايات , فقد يقال إن الشك في الشرطية يوجب الشك في التكليف ` الزائد , و الاصل البراءة عن ذلك . ولكن ضعفه ظاهر فان كلا من الشرطية` والمانعية يوجب التضييق بالنسبة إلى المكلف , و يلزم التكليف الزائد والاصل` البراءة , فالحق أن العلم الاجمالي بثبوت أحد الحكمين ـ الشرطية أو المانعية ـ ` يقتضي العلم بالبراءة و الخروج عن عهدة ذلك فالاصل الاشتغال , و الاصلان` المذكوران إما غير جار أو معارض على الخلاف في جريان الاصل في إطراف` العلم الاجمالي` .

ثم إن عنوان حرمة الاكل المأخوذ في الروايات هل هو معرف الى العناوين` الذاتية الثابتة للحيوانات كالاسد و الارنب و غير ذلك ؟ أو أنه اخذ موضوعا` للحكم بما هو عنوان حرمة الاكل ؟ مال المرحوم النائيني ـ قدس سره ـ إلى` الاول , ولكن لايمكن المساعدة عليه فان ظاهر كل عنوان مأخوذ في لسان` دليل دخله في الموضوعية و ثبوت الحكم له` .

و أيضا هل يكون المأخوذ في لسان دليل الحرمة الطبيعة والشأنية التي هي` ثابتة للحيوان بطبعه و في ذاته أو الحرمة الفعلية التي قد تختلف باختلاف` الاشخاص و الحالات و لازمنة , فان لحم الغنم حلال بطبعه ولكن أكله حرام` في نهار شهر رمضان مثلا , أو لحم الارنب حرام بطبعه و لكنه حلال في حال` الضرورة مثلا ؟ ظاهر الدليل الاول , فان إسناد حرمة الاكل الى الحيوان ظاهر` في أنه لابد و أن يكون الحيوان بطبعه محرم الاكل , و عروض العوارض الخارجية` لايوجب تبديلا في ذلك و إن كان الحكم الفعلي دائرا مدار تلك الطوارىء` و العوارض` .


224

و على ذلك هل يختص بما هو ثابت لطبع الحيوان لذاته ؟ أو يعم ذلك` و ما هو ثابت له بواسطة أمر خارجي كعنوان الموطؤءة مثلا ؟ الاطلاق يقتضي` التعميم ولا يختص ذلك بما لو لم يكن هذا العنوان الطارىء قابلا للزوال` كالموطوءة و الجدى المسترضع من الخنزيرة , بل يعم ذلك و ما كان قابلا له` كعنوان الجلل الذى هو قابل للزوال بالاستبراء , فان الاطلاق يقتضي ذلك ,` فانه قبل الاستبراء حيوان محرم الاكل . و لم يرض المرحوم النائيني ـ قدس سره ـ` بذلك مع أنه في باب النجاسات ذهب إلى أن بول محرم الاكل و خرءه نجس` ولو كانت الحرمة ناشئة من الجلل , أخذا باطلاق (( اغسل ثوبك من أبوال ما لا` يؤكل لحمه )) ( 1 ) و الحال أن المسألتين من واد واحد` .

و الحاصل : ان عنوان محرم الاكل من جهة أخذه في الرواية يعلم أخذه` موضوعا لا طريقا , و من جهة إضافته الى الحيوان يظهر ثبوت الحكم بما لو كان` الحيوان محرما ولو لعارض قابل للزوال أو غير قابل له , لكن لابد و أن يكون هذا` العارض على نحو يمكن إسناد الحرمة إلى الحيوان كالوطىء والجلل . و أما لو لم ` يكن كذلك كالافطار في نهار شهر رمضان أو الضرورة مثلا , فلا` .

و بعبارة اخرى : أن القابل لتعلق الحرمة أوالحلية به الذى هو فعل المكلف` أكل الحيوان في المقام , لكن تعلق الحرمة أو الحلية به إما من جهة خصوصية في` الحيوان بطبعه أو لعارض عليه أو خصوصية في الاكل بطبعه أو لعارض عليه ,` المأخوذ في لسان الدليل من جهة ظهور الاضافة هو الاول لا الثاني , فلا يجوز` الصلاة في شيء من الاسد مطلقا و إن كان محلل الاكل في موضوع الضرورة` لان الضرورة توجب خصوصية في الاكل لا في الحيوان , و أيضا لايجوز الصلاة` في الغنم الموطوء أو المسترضع من لبن الخنزيرة أو الجلال لان الحكم بالحرمة فيها`

( 1 ) الوسائل : ج 2 , باب 8 من أبواب النجاسات حديث 2 . `


225
من جهة خصوصية في الحيوان لا في الاكل` .

ثم إنه هل اعتبار المانعية أو الشرطية راجع إلى الصلاة أى يعتبر في الصلاة` أن تقع في محلل الاكل أو لاتقع في محرم الاكل ؟ أو راجع إلى اللباس أى يعتبر` في اللباس أن يكون من المأكول أو لا يكون من غيره ؟ أو راجع إلى المصلي أى` يعتبر في المصلي أن يكون لابسا للمأكول أو لا يكون لابسا لغيره ؟ كل ذلك` محتمل , والثمرة تظهر بينها في التفصيل بين إمكان التمسك بالاصل لو كان` اللبس في الاثناء بخلاف مالو كان من الاول في الاخيرين دون الاول على` بعض المباني , و سيجيء الكلام في جريان الاصول العملية في المشكوك` .

و الكلام هنا في صغرى المسألة , و أن الاعتبار راجع إلى أى من` المذكورات . و التحقيق أن الاعتبارين الاخيرين غير معقول , فان الشرط و المانع` ما يكون دخيلا في متعلق الامر تقيدا لا تقييدا , فلابد و أن يكون تحت اختيار` المكلف و راجعا إلى فعله , فعلى ذلك لابد من أن يقال إن الاعتبار راجع إلى` نفس الصلاة` .

نعم يمكن تصوير الاختلاف في مركز الاعتبار , أى يقال إنه هل المعتبر في` الصلاة كونها واقعة في كذا أو عدم كونها واقعة في كذا ؟ أو المعتبر فيها كون` المصلي لابسا لكذا أو عدم كونه لابسا لكذا ؟ أو المعتبر فيها كون اللباس من` كذا أو عدم كونه من كذا ؟ و حينئذ نقول إن الاخير أيضا غير معقول , فان كون` اللباس من المأكول أو عدم كونه من غير مأكول خارج عن تحت اختيار` المكلف , و نتيجة اعتباره في الصلاة تقيدها بأمر غير اختياري` .

نعم الاولان معقولان في نفسهما , لكن المستفاد من موثقة سماعة (( ولا` تلبسوا منها شيئا تصلون فيه )) ( 1 ) أن مركز الاعتبار المصلي , و إن كان ظاهر`

( 1 ) الوسائل : ج 3 باب 5 من أبواب لباس المصلي حديث 3 . `


226
موثقة ابن بكير ( 1 ) أنه هو الصلاة , إلا أنه بالدقة يكشف عن أن المراد منها أيضا` الاول نظير ما في موثقة سماعة` .

الكلام فيما يقتضيه الاصل في اللباس المشكوك : و يقع أولا فيما تقتضيه` الادلة الاجتهادية , ثم ما تقتضيه الاصول العملية` .

أما الادلة الاجتهادية `

فقد استدل على جواز الصلاة في اللباس المشكوك بوجوه` :

الاول : ما ذكره المحقق القمي ـ قدس سره ـ و هو أن المستفاد من أدلة` الاعتبار أنه ينحصر بمورد الاحراز فقط , و يدفعه اطلاقات دليل الاعتبار كموثقة` ابن بكير و سماعة المتقدمة , و الالفاظ موضوعة لنقل المعاني الواقعية , و الاحراز` و عدمه خارج عن دائرة المعنى` .

الثاني : و هو عمدة ما يمكن الاستدلال به لذلك , الاخذ باطلاقات أو` عمومات جواز الصلاة في أى لباس , و التقييد بعدم كون اللباس من غير` المأكول و إن كان ثابتا , إلا أن حجية دليل المقيد مشروطة باحرازه صغرى` و كبرى , و مع عدم الاحراز ـ كما في المقام للشك في صغرى ذلك الدليل فيه ـ` يتمسك باطلاق دليل الاول أو عمومه للشك في تخصيصها أو تقييدها بغير المقام` .

و الجواب عن ذلك ظهر في الاصول في بحث العموم و الخصوص في التمسك` في الشبهات المصداقية للمخصص من أن الشك في صغرى المخصص و إن كان` موجبا لسقوط دليل المخصص عن الحجية إلا أنه لا حجية للعموم أيضا في ذلك ,` فانه مخصص بعنوان المأخوذ في المخصص واقعا , فدائرة العام و ان كانت شاملة` للمصداق المشكوك فيه بحسب الارادة الاستعمالية إلا أنه بعد فرض تخصيص`

( 1 ) الوسائل : ج 3 باب 2 من أبواب لباس المصلي حديث 1 . `


227
العام بعنوان المخصص والشك في انطباق المخصص على المشكوك فيه و عدمه لا` يمكن أحراز أن دائرة العام بحسب الارادة الجدية شاملة له فيسقط العام عن` الحجية فيه` .

و بعبارة اخرى : المعتبر عند العقلاء في أصالة العموم هو ما إذا كان الشك` في التخصيص والاخراج , و أما إذا علم بالتخصيص والاخراج و لم يعلم انطباق` المخصص و الخارج فلم يعهد من العقلاء التمسك بها , و تمام الكلام في محله` .

الثالث : ما يظهر من بعض كلمات المحقق القمي ـ رحمه الله ـ أيضا و هو أن ` فعلية الحكم موقوفة إلى الوصول فما لم يصل الحكم لم يكن فعليا . نعم في` الوضعيات الفعلية لا تدور مدار ذلك , إلا أنه في الاحكام التكليفية حيث إن` البعث أو الزجر يكون بداعي الانبعاث أو الانزجار ولا يتحقق إلا بالوصول` فلابد في فعليتها ذلك , و في المقام أن دليل عدم جواز الصلاة في غير المأكول` كموثقة سماعة (( لا تلبسوا منها . . . الخ )) إنما هو بلسان النهي و الزجر فلابد في` فعلية مدلوله الوصول , والمفروض أن الموضوع مشكوك فيه , فدليل المانعية` ساقط عن إثباتها فيه , فنتمسك بالاطلاقات لاثبات الصحة` .

و الجواب : ( أولا ) أن دليل مانعية لبس غير المأكول لا ينحصر بما هو بلسان` الزجر كموثقة سماعة بل ظاهر موثقة ابن بكير المانعية و هي من الوضعيات` .

( و ثانيا ) لو سلم ما ذكر فيما لو كان التكليف بداعي الانبعاث و الانزجار` لا نسلمه فيما لو كان بداعي الارشاد الى الشرطية و المانعية و غيرهما من الاحكام ` الوضعية , و المفروض أن النواهي الموجودة في المقام و أمثاله ليست بنواهي نفسية` بل كلها ارشادية إلى ذلك` .

( و ثالثا ) أن المبنى فاسد فان اشتراط فعلية الحكم بالوصول بعد تسليم أن` الوصول غير مأخوذ في موضوعه خلف , فان فعلية الحكم دائرة مدار وجود` موضوعه , و لذا يقال إن الاحتياط حسن حتى في مورد عدم وجوبه , فلو لم يكن`


228
الحكم فعليا في فرض عدم الوصول لم يكن موضوع للاحتياط فضلا عن حسنه` . نعم الوصول معتبر في تنجز التكليف , أى المكلف معذور في مخالفة التكليف` الغير الواصل , و أين هذا من دخله في موضوع الحكم و فعليته ؟`

( و رابعا ) أن ما ذكره تقريب آخر عن الشبهة المصداقية فان التكليف` بحسب الكبرى واصل و إنما الشك في الصغرى و انطباق ذلك التكليف على` مورد الشك , و حينئذ و إن لايمكن التمسك بدليل التكليف لاثبات فعليته في` مورد الشك إلا أنه لايمكن التمسك بالاطلاقات أيضا لاثبات الصحة لعدم` جواز التمسك بالعموم والاطلاق في الشبهات المصداقية` .

( و خامسا ) لو سلمنا جميع ما ذكره في ذلك لا نسلم سقوط دليل المانعية` عن شموله للموضوع المشكوك و إن كان بلسان النهي والزجر , فان الساقط` ليس إلا النهي والزجر عن الفعلية لا أن الكراهة و المبغوضية الواقعية التي` يكشف عنها إطلاق دليل المانعية ولو قبل الوصول ساقطة , و تكفي نفس` الكراهة الواقعية لحكم العقل بلزوم الامتثال . نعم في موارد الشبهات المصداقية` يختلف الحال و الكلام فعلا مع قطع النظر عنه` .

بيان ذلك : أن ظاهر أدلة التكاليف المشتملة على الامر و النهي هو البعث` والزجر , و البعث إذا كان بداعي الالزام فهو وجوب و إلا فندب و كذا الزجر اذا` كان بداعي الالزام فهو حرمة و إلا فكراهة , هذا في مقام الثبوت` .

و أما في مقام الاثبات فالبعث و الزجر حجة على المكلف إلا إذا ثبت` الترخيص من الشارع . و أما ما بنى عليه سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ من أن الامر` والنهي دالان على اعتبار شيء على ذمة المكلف لايتم . نعم في مثل ( لله على` الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ( 1 ) يمكن دعوى ذلك , و أما في موارد`

( 1 ) آل عمران` . 97 :


229
الاوامر و النواهي فلا . نعم في المرتبة السابقة على البعث و الزجر لابد من تعلق ` المطلوبية أو المبغوضية الواقعية بالفعل , و إذا علم المكلف بتلك المطلوبية أو` المبغوضية يجب عليه الجرى على طبقه بحكم العقل و إن لم يكن في مورده بعث` أو زجر لجهة من الجهات` .

و بنينا أيضا في مسألة الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي أن الجمع بين` البعث و الزجر الواقعيين و الترخيص في الظاهر مستحيل , فان البعث و الزجر إنما` هو بداعي الانبعاث و الانزجار , والمفروض ثبوت الرخصة في ترك الامتثال ,` ولايمكن انقداح إرادة البعث أو الزجر و الترخيص في ترك الامتثال` .

و ما أفادة السيد الاستاذ ـ في هذا المقام ـ من أن الحكمين ليسا بمتضادين` بالذات فانهما اعتباريان , و التنا في بحسب المبدأ و هو اجتماع المصلحة و المفسدة` غير موجود في الجمع بين الظاهرى و الواقعي , والمفروض أن التنافي بحسب` المنتهى و مرحلة الامتثال أيضا مفقود لان في ظرف امتثال الحكم الظاهرى` اواقعي غير ثابت , و في ظرف ثبوته لا موضوع للحكم الظاهرى لا يمكن` المساعدة عليه , فان البعث و الزجر و هكذا الترخيص في مرحلة الانشاء مسبوقة` بمبادىء خاصة منها داعي الالزام في الاولين وعدمه في الاخير , و اجتماع` الداعي و عدمه مستحيل فانه من اجتماع النقيضين في التكوين . و لذا بنينا على` أنه لو كنا نحن و نفس إطلاقات الادلة لقلنا بلزوم الاحتياط عقلا , لعدم ثبوت` حكم العقل بقبحالعقاب بلا بيان بالمعنى الذى اريد من البيان في مورد` الشك في التكليف ولا سيما في الشبهات الموضوعية` .

نعم لابد من تقييدها بغير مورد العجز عقلا , فان تكليف العاجز قبيح` عقلا بل غير معقول إذا كان المولى عالما بعجز العبد عن الامتثال ـ كما هو` كذلك في المولى الحقيقي ـ لعدم انقداح داعي البعث و الزجر في محله حينئذ ,` وقانونية الجعل التي بنى عليه استاذنا المحقق ـ مدظله ـ لاتصحح المطلب بعد`


230
فرض شمول القانون للمورد , ولا يقاس قيود الموضوع في الواجبات العينية بقيود ` المتعلق , فان المطلوب في الثاني نفس الطبيعة , و مع العجز عن البعض و القدرة` على الاخر يصدق القدرة على الطبيعة بخلاف الاول , فان المطلوب منه ليس ` نفس الطبيعة بل هي بقيد التكثر في العمومات و السريان في الاطلاقات , و لذا ` يجب على جميع الافراد بحيث يكون كل منهم مكلفا بتكليف نفسه لا بتكليف ` الاخرين , و التكثير و السريان بحيث يشمل العاجز ـ مضافا إلى كونها لغوا لعدم` ترتب أثر عليه في الخارج ـ غير معقول لعدم انقداح الداعي في محله , فتكليف` العاجز بمعنى البعث والزجر قبيح عقلا بل مستحيل بخلاف الجاهل` .

نعم بحسب الادلة الشرعية علمنا أن الجاهل معذور في مقام الامتثال ,` و قد ذكرنا أن الجمع بين البعث و الزجر و المعذورية في مقام الامتثال غير ممكن ,` فلابد من رفع اليد عن ظهور الادلة الواقعية في البعث والزجر بالنسبة إلى` الجاهل أيضا كالعاجز , إلا أنه حيث إن الاجماع و الضرورة و بعض النصوص` الدالة على اشتراك العالم و الجاهل في التكليف تمنعنا عن الالتزام بعدم ثبوت ` التكليف الواقعي على الجاهل , نلتزم بأن الساقط هو البعث أو الزجر و المطلوبية` أو المبغوضية الواقعية بعد باقية , و بما أن مثل هذا الاجماع و الضرورة و غيرهما` مفقود في العاجز ـ و المفروض أن إطلاق الدليل سقط عن الشمول ـ فلا دليل` على بقاء ذلك بالنسبة إليه` .

و نتيجة ما ذكرنا إجزاء الامر الاضطرارى عن الواقع بل لا واقع له غير` الحكم في مورد الاضطرار حتى يبحث عن الاجزاء . نعم يمكن البحث على مبنى` تعدد المراتب المطلوبية , و تمام الكلام في محله , بخلاف الامر الظاهرى فانه لا` يجزى عن الواقع , و العقل يحكم بلزوم الجرى على تلك المطلوبية أو المبغوضية` الثابتة بالاجماع والضرورة , و نتيجته لزوم الامتثال ولو قضاء , فان القضاء و إن` كان بأمر جديد إلا أن ظاهر دليله أن مطلوبية القضاء مرتبة من مراتب`


231
مطلوبية نفس الطبيعة , أى الثابت في مورد القضاء نفس ما ثبت في مورد` الاداء , غاية الامر سقط بعض مراتبه` .

و مما ذكرنا ظهر الحال في الاحكام الوضعية فانها عامة للجاهل و العاجز` لوجود المقتضي و عدم المانع . نعم حيث إنه قد يجعل ذلك استقلالا و قد يجعل` تبعا فلابد من ملاحظة لسان الدليل , فمع كونه بلسان البعث و الزجر فالنتيجة` و إن كان جعل الشرطية و الجزئية مثلا إلا أنهما منتزعان من مدلول ذلك` الدليل و هو البعث نحو شيء في شيء آخر أو لشيء آخر , فيجرى فيه ما ذكرنا` في التكاليف النفسية ` .

و حاصل ما ذكرنا أن ما بنى عليه المحقق القمي ـ رحمه الله ـ من عدم فعلية` الشرطية أو المانعية يتم بالنسبة إلى نفس البعث أو الزجر الراجع إلى اللبس مع` بقاء أصل المطلوبية أو المبغوضية ولو قلنا بالمعذورية في الترك` .

و أما الاصول العملية
`

فقد يستدل على ذلك بقاعدة الحلية بتقريب أن الشك في اللباس مسبب` عن الشك في أن الحيوان المأخوذ منه ذلك هل هو حلال أكل لحمه أو حرام` أكل لحمه , و كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه . فبجريان هذا` الاصل ينقح موضوع جواز الصلاة و هو لبس محلل الاكل أو عدم لبس محرمه` .

و قد أشكل المرحوم النائيني ـ قدس سره ـ على ذلك بوجوه` :

الاول : أن قاعدة الحلية إنما تجرى في شيء له واقع شك في حليته و حرمته` و في المقام لا شك كذلك , فان الحيوان المأخوذ منه اللباس مردد بين فردين` محلل الاكل جزما و محرم الاكل قطعا , و عنوان أحدهما لا واقع له حتى يحكم` بحليته فلا يجرى الاصل . ولكن لايمكن المساعدة على ذلك فانه لامانع من`


232
جريان الاصل في هذا النحو من الترديد , فان المفروض وقوع الشك في الحيوان` المأخوذ منه اللباس ولو كان طرفا الشك محكومين بحكم جزما , فنشير إلى ذلك` الحيوان و نقول : إن هذا المردد بين كونه غنما أو أرنبا شك في حليته و حرمته فهو` حلال , كما إذا وجدت قطعة لحم شك فيها كذلك , و هنا و إن اخذ اللباس من` أحد الحيوانين الغير الموجودين بالفعل لكن يمكن الاشارة المذكورة , كما لا يخفى` .

الثاني : أن عنوان الحل و الحرمة في روايات اللباس قد اخذ مشيرا إلى` العناوين الواقعية كالاسد والارنب والغنم و البقر و هكذا , فعلى ذلك ما هو` موضوع للروايات غير جار فيه الاصل لعدم الشك في شيء منها و ما هو مجرى` الاصل و هو ما اخذ منه اللباس على إهماله ليس بموضوع للروايات . و قد تقدم ما` يمكنالجواب به عن ذلك , و هو أن ظاهر العنوانين المأخوذين في الروايات` دخلهما في الموضوع على النحو الموضوعية لا الطريقية فلا يجوز الصلاة في محرم` الاكل و يجوز في محلل الاكل , و المفروض الشك في حلية المأخوذ منه اللباس` و حرمته و الاصل الحلية` .

الثالث : أن المأخوذ في الروايات الحرمة و الحلية الطبعيتان لا الفعليتان , ` و قاعدة الحلية إنما تثبت الحلية الفعلية في مورد الشك لا الطبعية إلا على القول` بالاصل المثبت . و هذا جواب متين فانه لا ملازمة بين الحرمة الفعلية و عدم` جواز الصلاة , فان الصلاة في صوف الغنم صحيح و إن لم يذك و الثابت هو` الملازمة بين حرمة أكل الحيوان بطبعه و عدم جواز الصلاة و لذا الصلاة في أجزاء` الارنب لايصح و إن كان مذكى` .

و من هنا يعلم أنه لو بني على جواز التمسك بالاستصحاب في الاعدام` الازلية و جريان استصحاب عدم التذكية مع ذلك لايمكن التمسك` باستصحاب عدم التذكية لاثبات عدم جواز الصلاة , فان ما يثبت استصحاب` عدم التذكية هي الحرمة الفعلية لا الطبيعة للحيوان , و ما هو موضوع لعدم جواز`


233
الصلاة هي الطبعية . نعم لو كان الاصل مثبتا للحلية الطبعية في مورد مثل` مورد الشك في حصول الجلل في الحيوان المحلل أكله لقلنا بجريانه و جواز الصلاة` فيه , إلا أن المقام ليس كذلك كما هو ظاهر` .

و قد يستدل على ذلك أيضا بقاعدة الطهارة , لكن طهارة الحيوان لا يلازم` حلية أكله , بل و مع الملازمة لا يثبت الاصل ذلك إلا على القول بالاصل` المثبت` .

و قد يستدل على أيضا باستصحاب عدم الحرمة الثابتة لكل شخص قبل` بلوغه . و يرد على هذا الاستدلال أيضا ماورد على الاستدلال بقاعدة الحلية ,` فان عدم الحرمة المستصحبة حينئذ حكم فعلي لهم لا طبعي للحيوان ,` و استصحاب عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلى الشخص لا يثبت أن الحيوان` بطبعه حلال بحيث يجوز أكله بالنسبة إلى البالغين` .

و بعبارة اخرى : لازم الحرمة الطبعية للحيوان حرمة أكله على البالغين ,` و استصحاب عدم الحرمة الثابتة لغير البالغ لا يثبت عدم الحرمة على البالغ ولا` عدم حرمة أكل الحيوان بطبعه , فهذا الاستصحاب لا يفيد , و لذا نحكم بعدم` جواز الصلاة في غير المأكول حتى بالنسبة إلى غير البالغين` .

و هنا استدلال آخر و هو استصحاب عدم جعل الحرمة للحيوان المأخوذ منه` اللباس بلا فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية , فانه في الثاني أيضا يمكن` إجراء ذلك الاستصحاب فيقال إن هذا الحيوان مردد أمره بين كونه داخلا في` المحلل أكله أو داخلا في المحرم أكله فيشك في حرمته و حليته فيستصحب عدم` حرمته` .

و قد يستشكل على هذا الاستصحاب من وجوه ذكرها المرحوم النائيني` ـ قدس سره ـ` :

الاول : أن موضوع الاثر في المقام هو عدم الحرمة النعتي , و هو غير متيقن`


234
سابقا , فانه لايعلم عدم حرمة الحيوان في الشريعة المقدسة سابقا حتى يستصحب . ` و ما هو المتيقن سابقا العدم المحمولي و ليس بموضوع للاثر , و التمسك باستصحاب` العدم المحمولي لاثبات العدم النعتي مثبت فلا يجرى هذا الاستصحاب ` .

والجواب عن ذلك أن الاحكام الثابتة في الشريعة المقدسة لم تجعل من` أول انعقادها بل إنما جعلت تدريجا , فنعلم أن في أول انعقاد الشرع لم يجعل` الحرمة للحيوان فيستصحب عدم الجعل في نفس الشرع , فالمستصحب العدم` النعتي و المفروض أنه الموضوع للاثر` .

الثاني : أن الاصل المذكور معارض لاصالة الاباحة فان كلا من الحرمة` و الاباحة حكمان مجعولان حادثان مسبوقا بالعدم` .

و الجواب عن ذلك : ( أولا ) ظهر مما تقدم , فانا نعلم باباحة أكل الحيوان` في أول الشرع فالمستصحب هو الاباحة لاعدمها . ( و ثانيا ) أن موضوع الاثر في` المقام حرمة الاكل و عدمها كما مر في بيان ما يستفاد من موثقة ابن بكير لا` إباحته و عدمها , فالاستصحاب غير جار في الاباحة في نفسه` .

الثالث : أن موضوع الاثر هو الحرمة الفعليه لا الانشائية , و الفرق بينهما أنه ` في الثاني مقام جعل الحكم و الاول مرحلة المجعول و وجود الموضوع ,` فاستصحاب عدم جعل الحرمة ليس له أثر , و الحرمة الفعلية غير متيقن سابقا` فانه ليس زمان علم فيه عدم حرمة الحيوان بعد وجوده , و استصحاب عدم` الجعل لا يثبت عدم الفعلية إلا على القول بالاصل المثبت` .

قال السيد الاستاذ في الجواب عن ذلك : إن مقام الجعل و المجعول لا يغير` الحكم ولا ينوعه إلى نوعين , بل الحكم في مرحلة الفعلية هو الحكم في مرحلة` الجعل . غاية الامر أنه في مرحلة الجعل جعل على الموضوع , ولو لم يكن موجودا` بالفعل و الموضوع في مرحلة الفعلية موجود بالفعل , فالموضوع الموجود محكوم` بالحكم من الاول حتى قبل وجوده لعدم دخل وجوده في موضوعيته . فعلى ذلك`


235

يمكن الاشارة إلى الموضوع الموجود و يقال إن هذا لم يجعل له الحرمة أى لم يكن ` محرما في الشرع والان كما كان` .

أقول : إن جعل الاحكام و إن كان على نحو قضايا الحقيقية و بنحو القانون` و فعلية وجود الموضوع غير دخيل فيه , إلا أن جريان الاستصحاب لا تثبت` ترتب المستصحب على الموضوع الموجود بالفعل إلا على الاثبات , فعدم جعل` حرمة الاكل للحيوان المشكوك حكمه أمر و ترتبه على الموجود أمر آخر , و إن أراد` ماهو ظاهر أخير كلامه من أن موضوع المستصحب نفس الموجود , و بالاشارة` يقال إن هذا لم يجعل له الحرمة وإلان كما كان . ففيه أن عدم جعل الحرمة لهذا` ـ أى الموجود ـ معلوم لا يحتاج إلى الاستصحاب , فان الحكم لم يجعل على الفرد` الموجود جزما , ولا شك في ذلك حتى يستصحب , لكن عدم جعل الحرمة` للموجود لا ينفي عدم فردية الموجود للموضوع و عدم انطباق المجعول على الموجود` . و الصحيح أن هذا الاستصحاب أيضا لايفيد و إن بنى عليه السيد الاستاذ` ـ مدظله ـ و قال بأنه يجوز الصلاة في المشكوك من جهة تنقيح موضوعه` باستصحاب عدم الحرمة` .

ثم إنه على تقدير جريان الاستصحاب لا فرق فيه بين القول بالشرطية` والمانعية , فانه كما يمكن استصحاب عدم الحرمة بناء على المانعية يمكن` استصحاب الاباحة بناء على الشرطية أيضا , هذا مضافا إلى إمكان` استصحاب عدم مانعية هذا اللباس للصلاة , بناء على القول بأنه كما أن جعل` الاحكام الاستقلالية تدريجي جعل الاحكام الضمنية أيضا كذلك , فانه يقال` إن هذا اللبس لم يكن مانعا للصلاة في زمان هذا الشرع والان كما كان , ولا` يجرى هذا الاستصحاب بناء على الشرطية , كما هو ظاهر ` .

هذا ما تم به السيد الاستاذ ـ مدظله ـ كلامه في هذا الاستصحاب و بنى` عليه . ولكنك خبير بأنه إذا وصلت النوبة الى استصحاب عدم المانعية تكفي`


236
لاثبات جواز الصلاة في المشكوك نفس أدلة البراءة حتى في الشبهة الموضوعية` بلاحاجة إلى الاستصحاب حتى يرد عليه بأن عدم مانعية الموجود غير متيقنة` سابقا وعدم المانعية بنحو القانون لا يثبت فردية الموجود لموضوعها و ترتبها عليه` . و الصحيح جواز الصلاة في المشكوك فان مانعية المشكوك أو شرطية غيره` مشكوك , والاصل البراءة , ولا نحتاج إلى اثبات أى أمر آخر حتى يقال بأنها` مثبتة , فان ما تمت الحجة عليه و هو أصل الصلاة قد أتى بها و ما احتمل دخله` فيها لم تقم حجة عليه و مرفوع و هذا معنى صحة الصلاة المأتي بها , و نتعرض` لذلك إن شاء الله فيما سيأتي` .

ثم إن السيد الاستاذ ـ مد ظله ـ أفاد فرعا في المقام لا يجرى عليه` استصحاب الحرمة الذى جرى بنظره على الفرع السابق , و تمسك فيه` باستصحاب العدم الازلي و صرف عنان كلامه فيه . و نحن أيضا نتبع ما أفاده` لنرى أنه هل يمكن المساعدة لما بنى عليه أولا ؟`

قال : ولا يخفى أن الاستصحاب المذكور إنما يتم فيما إذا علم بكون اللباس` من أجزاء الحيوان , فلو تردد أمره بين كونه من محرم الاكل أو من القطن مثلا` لايجرى استصحاب عدم الحرمة , فلا بد لاثبات الجواز من التمسك بأصل` موضوعي آخر و هو أصالة عدم جزئية هذا اللباس للحيوان المحرم أكل لحمه ,` و هل هذا الاستصحاب حجة أم لا ؟ مبني على جريان الاستصحاب في الاعدام` الازلية و عدمه` .

ثم قال : ولا بأس بصرف عنان الكلام في ذلك فنقول : يقع الكلام أولا` في عدة امور` :

الاول : أن موضوع الحكم ـ الاعم من المتعلق ـ قد يكون بسيطا و قد يكون` مركبا من أمرين أو عدة امور , أما ( الاول ) فلا إشكال في جريان الاستصحاب` فيه إذا تم فيه أركانه . و أما ( الثاني ) فجريان الاستصحاب في نفس المركب عند`


237
تمامية الاركان فيه أيضا كذلك , و أما لو فرضنا حصول العلم ببعض أجزائه` ـ الاعم من الشرائط ـ و الشك في الباقي فهل يمكن إجراء الاصل في المشكوك` فيه و إحراز الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل أم لا ؟ المشهور و المعروف إمكان` ذلك , و قد يقال إن الاصل الجارى في الجزء المشكوك فيه معارض بأصالة عدم` حصول المركب عند فقدان ذلك الجزء . لكنه فاسد جزما لان موضوع الحكم لو` كان العنوان المأخوذ من الاجزاء بحيث تكون الاجزاء محصلا له , فمع أنه` خارج عن الفرض ـ فان الكلام فيما اذا كان الموضوع مركبا لا بسيطا ـ لايجرى` الاصل في الجزء المشكوك فيه لعدم ترتب أثر عليه فضلا عن وقوع المعارضة بين` الاصلين . ولوكان الموضوع ذوات الاجزاء بأسرها فأصالة عدم المركب لامعنى` لها , فان المركب محرز على الفرض بضم الوجدان الى الاصل , فالاصلان لا` يجريان في مورد واحد حتى تقع المعارضة بينهما` .

و قد ذكر المرحوم النائيني ـ قدس سره ـ في مقام الجواب عن الشبهة بأن` الاصل الجارى في الجزء حاكم على الاصل الجارى في المركب حكومة الاصل` الجارى في السبب على الاصل الجارى في مسببه . ولا يتم ما ذكره بوجه , فان` السببية و إن كانت صحيحة إلا أنها غير شرعية و معه لا حكومة إلا بناء على` جريان الاصول المثبتة , ولا نقول به` .

أقول : لو كانت بين الجزء والمركب سببية شرعية كالطهارة و الصلاة فما` ذكره النائيني هو الصحيح , و إلا فلايمكن تصديق السيد الاستاذ بما ذكره من` أن اصالة عدم المركب لا معنى لها مع جريان الاصل في الجزء , فان هذا الاصل` الجارى في الجزء ليس بمفروض الوجود حتى يقال بعدم وجود المعنى للاصل في` المركب مع هذا الاصل , بل الاصلان في مرتبة واحدة ولا يلزم أن يكون` جريانهما في مورد واحد حتى تقع المعارضة بينهما , بل نفس العلم بعدم جريان` أحد الاصلين كاف في وقوع المعارضة بينهما , فتدبر جيدا . نعم أصالة عدم`


238
المركب غير جارية في نفسه لعدم ترتب أثر شرعي عليها فتبقى الاصل الجارى في` الجزء بلا معارض` .

ثم قال : هذا اذا كان الموضوع مركبا من جوهرين أو عرضين أو جوهر` و عرض قائم بغير ذلك الجوهر , مثال الاول وجود الاخوة في حجب الام , و مثال` الثاني كالطهارة والصلاة , و مثال الثالث كوجود الوارث و موت المورث . و أما لو` كان الموضوع مركبا من جوهر و عرضه القائم به فهل يجرى الاصل في ذلك أم` لا ؟ فليعلم أن تركب الموضوع من العرض و محله لايمكن إلا اذا اخذ العرض` ناعتا في محله , أى كون المأخوذ في الموضوع الاتصاف بكذا لا بما ذكره المرحوم` النائيني ـ رحمه الله ـ من أن انقسام المعروض كزيد مثلا باتصافه بالعرض` كالقيام و عدمه يقدم على انقسام العرض كزيد مثلا باتصافه بالعرض` كالقيام وعدمه يقدم على انقسام العرض بكونه قائما بالمعروض و عدمه , فلابد` من أخذ الاتصاف في المعروض , و إلا فيقع التهافت بين إطلاق المحل و ثبوت` العرض له أو تقديم انقسام العرض على انقسام معروضه لان المعروض لا يخلو` أمره عن التقييد بالاتصاف و هو المطلوب أو الاطلاق فيقع التهافت , فان` المفروض أخذ العرض القائم بمحله في الموضوع أو عدمه فيقدم انقسام العرض` على انقسام المعروض . فان ما ذكره كلام لا يرجع إلى معنى صحيح , لان` العرض ليس له وجودان وجود في نفسه و وجود في غيره بل له وجود واحد` والاختلاف انما هو باللحاظ , فلو لو حظ قائما بالغير يقال له الاتصاف ولو` لوحظ مستقلا يقال له العرض , فاتصاف المعروض بالعرض عين قيام العرض` به فأين التقدم و التأخر ؟ بل وجه ذلك ما ذكرنا من أن وجود العرض في نفسه` عين وجوده في غيره فلا يعقل أخذ العرض و محله في الموضوع إلا مع كون المحل` متصفا بذلك , فانه لو كان العرض مع ذلك مطلقا لزم الخلف , فان المعروض` ليس محلا لعرضه على إطلاق العرض , أى ولو كان ثابتا في غير ذلك المحل ,` و هذا ظاهر , و اذا كان الامر كذلك لايمكن إجراء الاصل في الموضوع إلا اذا`


239
كان الاتصاف أو عدمه مسبوقا بحالة سابقة كاستصحاب كرية الماء أو` عدمها , و أما مع عدم السبق بذلك لايمكن إثبات الاتصاف باستصحاب` محمولي فانه من الاصل المثبت , فلو شككنا في عمى زيد و عدمه أى اتصافه` بعدم البصر و عدمه مع عدم وجود حالة سابقة معلومة له كذلك لايمكن اثبات` اتصافه بالعمى باستصحاب عدم البصر له فانه من المثبت` .

الثاني : أن الموضوع أو المتعلق في مقام الثبوت بالنسبة إلى المولى الملتفت إلى` موضوع حكمه و متعلقه لا يخلو أمره ـ بالنظر إلى كل خصوصية ـ من الاطلاق أو` التقييد بذلك , ولا يعقل الاهمال في هذا المقام لان هذه الخصوصية إما هي` معتبرة في الموضوع أو المتعلق أولا , فالاول التقييد والثاني الاطلاق , و أما في` مقام الاثبات فيمكن الاهمال من جهة عدم كون المتكلم في مقام بيان اعتبار` تلك الخصوصية في متعلق حكمه أو موضوعه و عدم اعتبارها , و هذا ظاهر` .

الثالث : كما أن تخصيص العام بالمتصل يوجب تعنونه بعنوان الخاص من` جهة عدم انعقاد الظهور للكلام إلا في ذلك كذلك تخصيصه بالمنفصل أيضا` يوجب تعنونه بغير العنوان المأخوذ في المخصص لا من جهة هدم الظهور ولا` كشف الخاص من` المستعمل فيه في لفظ العام , بل لان حجية العام في` مدلوله موقوف بعدم وجود حجة أقوى على خلافه , و مع وجود ذلك فحجية العام` منحصرة بما وراء ذلك الخاص , فبما أن الاهمال في مقام الثبوت غير معقول` نستكشف من التخصيص أن الجد في العام متحقق في غير مورد التخصيص ,` والارادة الجدية في مقام تعلق الحكم ـ لا في مقام الاستعمال ـ متعلق بغير ذلك` المورد` .

الرابع : ذكرنا أن موضوع الحكم أو متعلقه لو كان مركبا من العرض و محله` لابد من أن يؤخذ العرض ناعتا , فان وجود العرض في نفسه عين وجوده لغيره` هذا اذا كان التركيب من الذات و وجود العرض , و أما إذا كان منه و من عدم`


240
عرضه القائم به فلا , لان القضية السالبة لايحتاج إلى وجود الموضوع بل لا يعقل` الربط بين العدم والشيء , فان العدم بطلان محض , فلو اخذ ناعتا كما في` القضايا المعدولة لا يؤخذ بنفسه ناعتا بل يؤخذ عنوان وجودى مقارن له كذلك` كالعمى مثلا المقارن لعدم البصر , و من المعلوم أن هذا خلاف الظاهر من أخذ` عنوان العدم في الموضوع , فطبع أخذ العدم في الموضوع يقتضي أخذه محمولا على` نحو سلب الربط و سالبة محصلة لا أخذه ناعتا على نحو ربط السلب و موجبة` معدولة , و بهذا يظهر عدم تمامية جملة مما ذكره المرحوم النائيني ـ رحمه الله ـ في` هذا المقام فراجع كلامه ـ أعلى الله مقامه ـ` .

و قد ظهر بما ذكرنا أنه فيما إذا كان الموضوع مركبا من الذات و عدم اتصافه` بالعرض يجرى استصحاب عدم الاتصاف و يلتئم الموضوع بصم الوجدان إلى` الاصل , فانه كما أن الذات مسبوق بالعدم كذلك اتصافه بالعرض أيضا مسبوق` بالعدم , فأركان الاستصحاب تامة , بخلاف ما لو اخذ العدم فيه على النحو` الناعتية , فلايجرى الاستصحاب فيه إلا إذا كان لنفس الاتصاف بالعدم` حالة سابقة , و إلا فلايجرى الاستصحاب فيه ولايمكن إثباته بجريان` الاستصحاب في العدم المحمولي , كما لايخفى , هذا` .

و قد فصل بعض الاعاظم بين ما لو كان موضوع الحكم المركب من` العرض و محله على النحو المركبات الناقصة التقييدية كزيد العالم فيجرى` الاستصحاب عند الشك فيه لو كان مسبوقا بالوجود أو في عدمه لو كان مسبوقا` بالعدم , بخلاف ما لو كان من قبيل الجمل الخبرية التامة التي يؤخذ الموضوع` فيها مفروض الوجود كزيد الذى هو عالم فلايجرى الاستصحاب في عدمه و إن كان` يجرى في وجوده لو كانت له حالة سابقة , فان عدم البديل للشيء في مرتبة` نفسه , فكما أخذ الموضوع مفروض الوجود بالنسبة إلى وجود العرض لابد من` أخذه كذلك بالنسبة إلى عدم ذلك أيضا , فلايمكن جريان استصحاب العدم`


241
حينئذ لعدم العلم بسبق عدم العرض مع كون الموضوع مفروض الوجود` .

ولكن لايتم شيء مما أفاده ـ قدس سره ـ أما في المركبات التقييدية فهي` و إن كان الامر فيها كما ذكره من امكان جريان الاستصحاب إلا أنها خارجة` عن محل الكلام , فان محل الكلام ما إذا اخذ العدم في الموضوع نعتا أو محمولا لا` إذا اخذ عنوان وجودى كذلك فانه لا إشكال حينئذ في جريان الاستصحاب` فيه إذا كان مسبوقا بحالة سابقة . و إما في الجمل الخبرية فما ذكره من أن عدم` البديل للشيء في مرتبة نفس الشيء لا يتم , لان نقيض وجود الخاص عدم` الخاص لا العدم الخاص , أى نقيض عدالة زيد ولو اخذ ناعتيا عدم اتصاف` زيد بها لا اتصاف زيد بالعدم , و المفروض أن عدم النعت أمر أزلي له حالة` سابقة يجرى فيه الاستصحاب` .

و الحاصل : أنه لو اخذ الموضوع مركبا من الذات و عدم اتصافه بالوصف` يمكن أجراء الاستصحاب في العدم , و يلتئم الموضوع حينئذ بضم الوجدان إلى` الاصل , بخلاف ما لو اخذ مركبا من الذات و اتصافه بالعدم أو اتصافه بعرضه` ـ كما هو قضية الاخذ مركبا من العرض و محله ـ فلايمكن إجراء الاستصحاب إلا` إذا كان لنفس الاتصاف أو لعدمه حالة سابقة , ولا يمكن إثبات الاتصاف` بالعدم باستصحاب عدم الاتصاف لكونه مثبتا , فيمكن إجراء استصحاب` عدم قرشية المرأة إذا اخذ الموضوع مركبا من المرأة و عدم انتسابها إلى قريش ,` بخلاف ما إذا اخذ مركبا منها و من اتصافها بعدم القرشية أو كونها غير قرشية` فلايجرى الاستصحاب حينئذ لا نعتا ولا محمولا` .

ففي محل كلامنا ـ و هو اللباس المشكوك فيه ـ يمكن إجراء استصحاب عدم` كونه من غير المأكول لالتئام الموضوع بضم الوجدان و هو اللباس والاصل و هو` عدم كونه كذلك بناء على مانعية لبس غير المأكول للصلاة , و أما بناء على` الشرطية والقول باشتراط وقوع الصلاة في اللباس الغير المأخوذ من غير المأكول`


242
فلا , فان استصحاب عدم كون اللباس من غير المأكول لايثبت به وقوع` الصلاة في غير المأخوذ من غير المأكول , و حيث إنا استفدنا من الروايات المانعية` فيجرى الاستصحاب بلا اشكال . هذا ما استفدنا من كلام السيد الاستاذ` ـ دام ظله ـ في الدرس و نقلناه بطوله` .

ولنا كلام آخر من سيدنا الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ استفدناه من الدرس` أيضا ننقله في هذا المقام , و يستفاد منه عدم جريان الاستصحاب في الاعدام` الازلية حتى بنحو استصحاب عدم الاتصاف , و عليه استصحاب عدم انتساب` المرأة إلى قريش أو استصحاب عدم اتصاف اللباس بكونه من غير المأكول` أيضا لايجريان . و الحق معه ـ مدظله ـ فلاحظ ماننقله من كلامه تعرف حقيقة` مرامه إن شاء الله . `

قال في بيان أدلة لزوم المعاطاة و نقلنا عنه في التقريرات و لم يتعرض هو` ـ دام ظله ـ عن ذلك في كتابه ( كتاب البيع ) : ولا بأس بجر الكلام إلى` استصحاب عدم تأثير الفسخ و ملاحظة الحال في الاعدام الازلية , و هل يجرى` الاستصحاب فيها أم لا ؟ و قبل الورود في ذلك لابد من ملاحظة وضع القضايا` السالبة لتوقفه عليه , و نبين القضايا الحملية الموجبة أولا استطرادا لما فيها من` الفائدة` .

فاعلم أن المعروف بين المحققين ـ خلفا عن سلف ـ أن القضية مركبة من` الموضوع و المحمول والنسبة , لكن لما تفحصنا عن ذلك وفتشنا القضايا على` اختلافها حملا و محمولا ايجابا و سلبا ما وجدنا لافي الخارج ولا في القضية` المعقولة ولا في الملفوظة مايكون نسبة بين المحمول والموضوع , إلا في القضايا ` الموجبة التي لوحظ فيها النسبة بين الامرين و سيمناها بالقضايا الحملية المؤولة` نحو : زيد في الدار و عمرو على السطح و غير ذلك , بلا فرق بين الخارج والمعقولة` والملفوظة , و لذلك يعبر عن تلك النسبة في هذه القضايا بحرف من الحروف` .


243

والدليل على ما ادعينا من أن القضايا الحملية الحقيقية فاقدة للنسبة أن` طرفيها متحدان في الخارج بالضرورة بل الحمل حقيقة عبارة عن الهوهوية` والاتحاد , والنسبة لا يعقل قيامها إلا بالمنتسبين , فمع فرض الاتحاد خارجا` و الحكم بالهوهوية كيف يعقل وجود النسبة خارجا ؟ بل ليس في الخارج إلا` شيء واحد منتزع منه عنوانان أحدهما موضوع والاخر محمول , و الحمل في طرف` المباينة من النسبة لما ذكرنا من أن النسبة قائمة بالمنتسبين والحمل عبارة عن` الهوهوية . فالقول بوجود النسبة في القضايا الحملية خارجا خلف و مناقضة ,` ولذلك ترى أنه في أمثل هذا التركيب من القضايا : زيد زيد , الوجود موجود ,` الله ـ جل جلاله ـ موجود أو عالم , زيد موجود , لا يعقل وجود النسبة بين عقديها` في الخارج , فان الالتزام به إلتزام بمغايرة الشيء و نفسه والتزام بأصالة الماهية` والتزام بزيادة الصفات عن البارى والشرك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ,` فليكن الامر في الهليات المركبة مثل زيد قائم كذلك أيضا بعين البيان , هذا` بحسب الخارج` .

و أما المعقولة و الملفوظة فهما حاكيان عن الخارج فوجود النسبة فيهما دون` الخارج مستلزم لعدم تطابق الحاكي و المحكي , و هذا كبطلانه ظاهر` .

وبعبارة اخرى : أن الحاجة إلى تفهيم الواقعيات و تفهمها اقتضت وضع` الالفاظ لمداليلها , فلابد من ملاحظة الواقع و ما هو المتكلم بصدد بيانه , ففي` مثل القيام لزيد الواقع هو الربط بين العرض والجوهر القائم به , فهنا عارض` و معروض و عروض , كل منها مدلول لدال لفظي , و حيث إن هذا المقدار غير` كاف للدلالة على تصديق المتكلم بالربط , و لذلك ترى عدم دلالة موضوع هذه` الجملة ( القيام لزيد ثابت ) على ذلك وضعت الهيئة للدلالة عليه و نسميه` بالدلالة التصديقية , فهنا نسبة و طرفاها و التصديق بثبوتها لها ولكل منها دال` و ليس في البين حمل إلا بالتأويل والاستمداد من كون الرابط , و في مثل زيد`


244
موجود أو الله موجود أو عالم الواقع ليس إلا الاتحاد بين العنوانين المنتزعين أو ` المدركين , فلو اريد من ذلك زيد له الوجود أو الله ـ جل جلاله ـ له الوجود أو له` العلم فهي خلاف الواقع و خلاف ما كان المتكلم بصدد بيانه , مع أنه يلزم من ` الاول زيادة الوجود عن الماهية و أصالتها كالوجود , و من الثاني أن يكون البارى` ـ جل اسمه ـ معروضا لعوارض قد برهن فساد كل منها في محله , و هكذا الحال في ` الحمل الاولي الذاتي كحمل الحد على المحدود و ما كان كذلك من الحمل` الشائع كحمل الذاتيات على الشيء` .

و أما في موارد الهليات المركبة كزيد قائم فالامر أيضا كذلك و إن لم يلزم` منه تلك الاستحالات , فان الواقع هو الاتحاد لا الربط بين الموضوع و المحمول` والمتكلم في مقام بيان هذا الاتحاد و الهوهوية , فلو اخذت النسبة بينهما في` الملفوظة تكون خلاف الواقع , ففي هذا القسم من الحمل الذى هو الحمل` الحقيقي موضوع و محمول ولكل منهما دال و الهيئة دالة على الهوهوية التصديقية ,` و في مثل زيد القائم الهيئة دالة على الهوهوية التصورية` .

أقول : تتميما لما استفدته مما أفاده ـ مدظله ـ : إن الهيئة غير دالة إلا على ` التصديق بمفاد الجملة و هي مشتركة بين جميع ما افيد من القضايا و يعبر عنها` ب (( أست )) بالفارسية , كما أنها موجودة في القضايا السالبة أيضا مع أنه لا` هوهوية فيها , و أما الاتحاد و الهوهوية فيفهم من مقام الحمل الذى موجود في` زيد القائم أيضا , فهنا دوال أربعة : زيد , و القائم , و الحمل , و الهيئة , و هذا` بخلاف القسم الاول , فان الحمل غير موجود هناك بل الموجود فيه الربط` و النسبة` .

فتحصل أن في القسم الاول منسوب و منسوب إليه و النسبة و التصديق` بها , و في القسم الثاني محمول و موضوع و الحمل و التصديق به , و لذا الانسب` تسمية القضايا في القسم الاول بالقضايا النسبية , و في القسم الثاني بالقضايا`


245
الحملية , ولو قيل بأن الحمل أيضا قسم من النسبة و هي النسبة الاتحادية فانها` تدل على اتحاد العنوانين المتغايرين بحسب المفهوم خارجا لم يكن به بأس ,` و الجهات في القضايا الموجهة كزيد كاتب بالامكان راجع إلى هذا المعنى من` النسبة و الشك و الظن و القطع متعلق بها أيضا , و لعل القوم أيضا أرادوا بالنسبة` ذلك فيصبح النزاع لفظيا . و على أى تقدير لابد من التفصيل المذكور الذى` أفاده ـ مدظله ـ فان القسم الاول مما أفاد لا حمل فيه إلا مؤولا والامر ظاهر ` .

و هنا نكتة لابأس بالتنبيه بها و هي أن المحكي بالقضية ليس هو الخارج` أو الواقع , فانه قد لايكون للقضية واقع أصلا بل في نفس القضية يحكم بعدم` الواقع كالقضايا السالبة و الموجبة المعدولة المحمول , بل المحكي بها هي المفاهيم` فمحكي زيد مفهومه , كما أن محكي شريك البارى أيضا مفهومه , لا اريد من` المفهوم الوجود الذهني بل اريد منه ما هو منسلخ عنه قابل للانطباق عليه الذى` قد يعبرون عنه بالماهية , و لذا يقال إن الالفاظ موضوعة للمفاهيم و الوجود` الخارجي أو الذهني غير دخيلين في الموضوع له , فزيد قائم قضية مركبة مما دل` على مفهوم زيد و هو الموضوع و ما دل على مفهوم القائم و هو المحمول , و مما دل على` اتحاد هما و هو الحمل و ما دل على التصديق بالحمل و هي الهيئة` .

و أما خصوصية الخارجية فيفهم من المقام بمعنى أنه مع إمكان تطبيق` أجزاء القضية على الخارج و وجود المصداق لها خارجا العقلاء يفهمون من` القضية الاتحاد الخارجي و إلا فلا يفهمون منها الا مجرد المفهوم . وقد ظهر أن` معنى قضية شريك البارى ممتنع مثلا اتحاد مفهوم شريك البارى و الممتنع` . و بهذا أيضا يمكن تصوير النسبة الاتحادية , فان المفهومين المحكيين متغايران ,` فليتدبر` .

ثم قال ـ مدظله ـ هذا حال القضايا الموجبة , و أما السوالب فلا نسبة في` شيء منها , أما في الهليات البسيطة كزيد ليس بموجود و القضايا السالبة المحصلة`


246
السالبة الموضوع كالعنقاء ليس بأبيض فلا واقع لشيء من طرفيها أصلا فضلا` عن النسبة بينهما , بل مفادها سلب تحقق الشيء في الاول وسلب الوصف من` باب سلب الموصوف في الثاني , ففرض وجود النسبة واقعا خلاف الواقع بل` خلف` .

و أما في الهليات المركبة كزيد ليس بقائم و القضايا الحملية المؤولة كزيد ` على السطح فسالبتها يمكن بوجهين ( أحدهما ) أن تكون من باب سلب الموضوع` وقد ذكر حاله . ( و ثانيهما ) أن تكون سالبة محققة الموضوع . ففي ذلك لا واقع` لاجزاء القضية إلا لموضوعها , و أما المحمول أو النسبة فلا , و فرض وجودهما` ـ مضافا إلى أنه خلاف الواقع ـ خلف , ولا يتوهم أن السلب أيضا نسبة , فان` السلب نفي الهوهوية في الاول و نفي النسبة في الثاني , فكيف يعقل أنها نسبة ؟` مضافا إلى أن النسبة قائمة بالمنتسبين والمفروض انتفاء أحدهما , بل لو فرض ` وجودهما تنقلب السالبة موجبة , هذا حال القضية الواقعية` .

و أما المعقولة و الملفوظة فقد عرفت لزوم تطابقهما والواقع , فلايمكن` اشتمالهما على النسبة , و أما الطرفان فيهما و إن كان لا واقع لشيء منهما في` الهليات البسيطة و السوالب السالبة الموضوع ولا واقع لاحدهما في السوالب` المحققة الموضوع لكنهما مدركان في المعقولة و ملفوظان في اللفظية لا للحكاية عن ` وجودهما خارجا بل لتعلق السلب بهما للحكاية عن عدم التحقق خارجا` موضوعا و محمولا فقط في الثاني` .

أقول : قد عرفت ـ مما ذكرنا سابقا ـ وجود الحكاية هنا أيضا , فان المحكي` هو المفهوم مع قطع النظر عن الوجود و السلب أيضا متعلق بذلك , و سلب` التحقق خارجا أو سلب الهوهوية في الخارج أو سلب النسبة في الخارج يعلم` من المقام بالمعنى المتقدم . نعم لا ينبغي الاشكال في عدم اشتمال السالبة` للنسبة , فان نفي النسبة أو الهوهوية في طرف المباينة للنسبة فلايعقل كونها`


247
نسبة , إلا أن يقال إن سلب مفهوم عن مفهوم أيضا نسبة كالاتحاد بينهما . لكن` هذا مجرد تعبير لا واقع له والقياس مع الفارق , كما لا يخفى` .

ثم قال ـ مدظله ـ : و الحاصل إن الموجبة على قسمين : ( الاول ) ما كان` مفادها الحمل و الهوهوية . ( والثاني ) ما كان مفادها النسبة بين العرض و نحوه` و محله . والسالبة على قسمين : ( الاول ) ما كان مفادها سلب الهوهوية . ` ( والثاني ) ما كان مفادها سلب النسبة , و شيء من هذه القضايا غير مشتمل` على النسبة إلا القسم الثاني من الموجبات` .

و أما القضايا الموجبة المعدولة أيضا حكمها حكم الموجبات فان المعتبر من` القضايا المعدولة ما كان المنفي فيها من باب العدم والملكة فلا يقال للجدار أنه` لا بصير , ولو اريد هذا المفاد يلقى بالسالبة التحصيلية أى الجدار ليس له البصر ,` فعلى ذلك أن له حظا من الوجود فيمكن جعلها محمولا للقضية الحملية ` أو موضوعا لها أو طرفا للنسبة في الحملية المؤولة . فقد علم أن وضع الحكاية في` الوجبات تختلف وضعها في السوالب , و في الاول الحكاية عن أمر واقع في نفس` الامر بخلاف الثاني فان الحكاية فيه عن عدم التحقق في الواقع و نفس الامر` .

و بهذا ظهر أن مناط الصدق في القضايا الموجبة و السالبة هو موافقة القضية` وصفحة الوجود , لكن تختلف الموجبة عن السالبة بأن المحكي في الاول أمر له` واقع في صفحة الكون و باعتبار توافقه مع ذلك الواقع و عدمه يتصف بالصدق` و الكذب بخلاف الثاني , فان المفروض أنه لا واقع له في صفحة الكون` و باعتبار توافقه مع ذلك و عدمه أى خلو صفحة الوجود عنه و عدمه يتصف بهما ,` هذا حال القضايا . `

فلنرجع إلى ما كنا بصدد بيانه ـ و هو جريان الاستصحاب في الاعدام` الازلية كاستصحاب عدم قرشية المرأة للحكم بعدم تحيضها بعد خمسين ـ فنقول` : إن موضوع الحكم الذى هو المستصحب يتصور على أنحاء ثلاثة` :


248

1 ـ المرأة المتصفة بغير القرشية بحيث تكون القضية المتشكلة عن ذلك قضية` ايجابية معدولة المحمول و هي المرأة غير القرشية` .

2 ـ المرأة التي ليست بقرشية بحيث تكون القضية المتشكلة عن ذلك قضية` ايجابية سالبة المحمول و هي المرأة هي التي ليست بقرشية` .

3 ـ من لم تكن قرشية بحيث تكون القضية المتشكلة عن ذلك قضية سالبة` محصلة و هي المرأة ليست بقرشية . و هذا الاخير يتصور على أنحاء ثلاثة أيضا` :

1 ـ سالبة تحصيلية مع فرض وجود الموضوع` .

2 ـ سالبة تحصيلية بسلب الموضوع` .

3 ـ سالبة تحصيلية أعم منها` .

و من الظاهر أن الاخيرين لايكونان موضوعا للحكم , فان الحكم مترتب` على المرأة مع رؤيتها الدم , فانحصرت المحتملات على أنحاء ثلاثة , أما الاولان فعدم ` جريان الاستصحاب فيها ظاهر لفقد الحالة السابقة فيها , فأى زمان كان` و كانت المرأة غير قرشية أو التي ليست بقرشية حتى يحكم ببقاء ذلك ؟ و أى` زمان كان و كانت غير القرشية موجودة يقينا حتى يستصحب ؟ و أما الاخير و هو` السالبة مع وجود الموضوع فأيضا لايجرى فيه الاستصحاب , و ذلك لان` القضية المتيقنة ليست سالبة مع وجود الموضوع فانه أى زمان كانت المرأة` موجودة و لم نكن قرشية ؟ بل هي سالبة بسلب الموضوع و القضية المشكوكة` سالبة مع فرض وجود الموضوع , فالقضيتان متغايرتان فلا يجرى فيهما` الاستصحاب . ولو قيل بجريان استصحاب الاعم لايمكن إثبات الاخص إلا` على القول بالاصل المثبت , فالاستصحاب في هذا القسم إما غير جار أو مثبت` .

أقول : قد يتوهم أن هذا لو كانت القضية المتيقنة قضية سلبية بسلب` الموضوع و هي المرأة لم تكن بقرشية و المفروض أنها لم تكن فلم تكن قرشية ,` لكن إذا شكلنا قضية سالبة موضوعها المرأة الموجودة بالفعل فتتحد القضيتان` .


249
والحاصل أنه لا فاصل بين الوجود و العدم , فلو لم يمكننا أن نقول هذه المرأة` الموجودة كانت متصفة بالقرشية فلا محالة يصح لنا أن نقول هذه المرأة الموجودة` بالفعل لم تكن قرشية سابقا فالان أيضا ليست بقرشية` .

ولا يتوهم أن عدم كون هذه المرأة قرشية سابقا من باب عدم الموضوع فان` هذا هو منشأ السلب وإلا فأركان الاستصحاب تامة على ما ذكرنا . ولكن هذا` غفلة عن دقيقة و هي أن القضية المتيقنة فيما ذكر وهي أن المرأة الموجودة بالفعل` لم تكن قرشية سابقا أى قبل وجوده ليست بقضية سالبة تحصيلية بل هي قضية` موجبة سالبة المحمول , بخلاف القضية المشكوكة فانها سالبة تحصيلية مع فرض` وجود الموضوع فاختلفت القضيتان , فلا يجرى الاستصحاب على هذا التوهم` أيضا` .

هذا ما استفدناه من كلام سيدنا الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ ولا يحتاج إلى` أى توضيح و بيان و إقامة دليل و برهان , فان الشمس بازغة بالعين والبصر` .

و ظهر مما أفاده ـ مدظله ـ عدم جريان الاستصحاب في المسألة المبحوث` عنها ـ و هي مسألة الصلاة في اللباس المشكوك ـ فان ظاهر الدليل أن اللباس` المفروض الوجود إذا كان من الحيوان المحرم أكل لحمه موجب لبطلان الصلاة ,` و إذا لم يكن كذلك لايوجب البطلان فلايجرى الاستصحاب مع هذه الحالة ,` فان القضية المتيقنة في استصحاب عدم كون الحيوان من غير المأكول سالبة` بسلب الموضوع أو أعم , والقضية المشكوك فيها سالبة مع وجود الموضوع فلا` يمكن الحكم بصحة الصلاة بجريان هذا الاستصحاب على أنحاء تصوراته , و قد` مربيانها . `

و حينئذ لو استظهرنا من الادلة أن اعتبار عدم لبس غير المأكول راجع إلى` اللباس فالمرجع هو البراءة أو الاشتغال على كلام يأتي إن شاء الله . ولو استظهر` منها أن الاعتبار راجع إلى الصلاة فلابد من التفصيل بين اللبس في الاثناء


250
` واللبس من الاول , فعلى الاول يجرى استصحاب عدم كون الصلاة مقارنا` للبس غير المأكول و على الثاني فلايجرى الاستصحاب إلا إذا بنينا على جريان` الاستصحاب التعليقي , بأن يقال هذه الصلاة لو كانت واقعة قبل ذلك لم تكن` مقارنة للبس غير المأكول والان أيضا كذلك , و إلا فالمرجع هو البراءة أو` الاشتغال أيضا على الكلام الاتي` .

ولو استظهرنا من الادلة رجوع الاعتبار إلى المصلي فيمكننا استصحاب` عدم كون المصلي لابسا لغير المأكول و وجهه ظاهر . و حيث إنه ظهر في` المقدمات أن المستفاد من الادلة ذلك أى رجوع الاعتبار إلى المصلي فيجرى` الاستصحاب و يحرز به صحة الصلاة لوجود شرائطها و تمامية اجزائها و فقد` موانعها ولو بالاصل` .

ثم لو قلنا بأن الاعتبار راجع إلى الصلاة فهل يجرى الاستصحاب التعليقي` لاثبات عدم اقترانها بلبس غير المأكول لو كان اللبس من الاول أم لا ؟ ذكر` المرحوم النائيني ـ رحمه الله ـ أن الاستصحاب التعليقي غير جار في الاحكام فضلا` عن الموضوعات , و مع تسليم الجريان ففي المقام لايجرى لتبدل الموضوع نظير` استصحاب الحرمة على تقدير الغليان الثابت الماء العنب بالنسبة إلى الزبيب` المغلي في الماء الخارج` .

و قال سيدنا الاستاذ ـ مد ظله ـ : إن ما ذكره من منع الاستصحاب التعليقي` في الاحكام هو الصحيح فان الحكم في مقام الجعل متيقن لاشك فيه و في` مرحلة المجعول غير متحقق سابقا , نعم لو كان الغليان متحققا سابقا كانت` الحرمة متحققة , إلا أن هذا ليس بحكم شرعي , بل ليس إلا الملازمة بين` مقارنة أحد جزءى الموضوع و جزئه الاخر و بين الحكم , و هذا أمر عقلي لاحكم` شرعي , كما أن ما ذكره من منع الاستصحاب التعليقي في الموضوعات حتى مع` البناء على جريانه في الاحكام أيضا متين , و وجهه أن الاثر الشرعي تترتب`


251
على الوجود الحقيقي لا التقديرى , فمع عدم وجود الموضوع سابقا إلا تقديرا لا أثر ` للمستصحب , و إثبات أثر الوجود الحقيقي باستصحاب وجود التقديرى مثبت ,` ففي مقامنا وقوع الصلاة في غير المأكول و صحتها من آثار الوجود الحقيقي للصلاة` لا التقديرى , فلو قيل هذه الصلاة لو وقعت سابقا لكانت واقعة في المأكول أو لم ` تكن واقعة في غير المأكول والان كما كان لم يثبت إلا ترتب الاثر على الوجود ` التقديرى و أما الحقيقي فلا , و أيضا ما ذكره من أن الموضوع في مثال العصير` متبدل صحيح , لان الموضوع هو غليان عصير العنب لاغليان أمر آخر ,` و المفروض أن الزبيب لا ماء له فلا عصير والغليان إنما يعرض الماء الخارجي` حينئذ , ولا نريد من تبدل الموضوع مغايرة العنب والزبيب فانهما أمر واحد , إنما` الاشكال فيما ذكره من أن المقام أيضا من هذا القبيل , فان الموضوع للصحة` فيه هو طبيعي الصلاة , و الطبيعي لو وجد سابقا لم يكن واقعا في غير المأكول` و كان صحيحا والان كما كان فالموضوع غير متبدل , فوجه عدم جريان` الاستصحاب فيه ـ ولو سلم جريانه في الاحكام ـ ما مر من أن الاثر غير مترتب` على الوجود التقديرى` .

أقول : أما ما ذكره من الحرمة المتحققة سابقا على تقدير الغليان ليس بحكم` شرعي بل ليس إلا الملازمة بين مقارنة جزءى الموضوع و بين الحكم ففيه إشكال` ظاهر , فان الملازمة أمر و الحكم على تقدير وجود الموضوع أمر آخر والاول عقلي` والثاني شرعي , كما لا يخفى` .

و أما ما ذكره من أن الموضوع في مسألة العصير غليان عصير العنب لاغليان` أمر آخر فهو و إن كان صحيحا إلا أن موضوع الاستصحاب غير موضوع الدليل ,` فلو أشرنا إلى الزبيب المغلي و قلنا بأن هذا إذا غلى سابقا يحرم و الان كما كان` ليس الموضوع إلا هذا لا العصير` .

نعم يمكن منع هذه القضية و إنكار حرمة هذا على تقدير الغليان سابقا ,`


252
فان نتيجة قياس هذا كان عنبا , و العنب عصيره إذا غلى يحرم فهذا كان` عصيره إذا غلى يحرم و الان كما كان لكن بما أنه لا عصير للزبيب لا ينطبق هذه` النتيجة عليه , و المقصود مما ذكرنا التنبيه على أنه يختلف موضوع الاستصحاب` و موضوع الدليل . و أما ما قال من عدم المغايرة بين الزبيب والعنب و أنهما أمر` واحد فليس عرفيا ولعله ظاهر` .

ولا بأس بالتعرض لما أفاده سيدنا الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ حول` الاستصحاب التعليقي بمناسبة في المعاطاة نقلنا عنه في التقريرات , و ما أفاده` نافع جدا في مسألتنا و غيرها , قال : قد يكون التعليق شرعيا و قد يكون عقليا ,` و في الاول أما أن يكون المجعول الحكم المعلق علي شيء , أو سببية المعلق عليه` للحكم , أو الملازمة بين المعلق عليه و الحكم , فعلى الاول لامانع من جريان` الاستصحاب في الحكم المعلق مع تمامية أركانه , و توهم الاثبات مندفع بأن` وزان هذا الاستصحاب وزان الاستصحاب التنجيزى في الاحكام , فكما أن` استصحاب الحكم التنجيزى لا يكون مثبتا بعد تحقق موضوعه و ينطبق الحكم` المستصحب على ذلك الموضوع قهرا كذلك الاستصحاب التعليقي أيضا غير` مثبت بعد تحقق المعلق عليه بل الانطباق هنا أيضا قهرى , و أما على الثاني` و الثالث فاستصحاب السببية و الملازمة و إن كان صحيحا في نفسه ـ لجعلهما ـ ,` إلا أن ترتب المسبب و هو الحكم على السبب بعد تحققه أمر عقلي لايثبته` الاستصحاب , و إن شئت فطبق ما ذكر على المثال المعروف في الباب و هو أن` العصير العنبي إذا غلى و نش يحرم فانه بعد صيرورته زبيبا يجرى فيه` الاستصحاب على الاول ولا يجرى بناء على الاخيرين` .

لا يقال إن موضوع النص العنب و المفروض أنه انقلب زبيبا فلا يجرى` الاستصحاب بناء على الاول أيضا ولو قيل بأنهما واحد فيشمله النص بلاحاجة` الى الاستصحاب . فانه يقال إن موضوع النص و إن كان منقلبا الا أن موضوع`


253
الاستصحاب لم ينقلب , فان في ظرف اليقين بعد ضم كبرى تعليقية و هو` النص إلى صغرى وجدانية و هي (( هذاعنب )) يحصل ان هذا إذا غلى يحرم` فموضوع الاستصحاب (( هذا لاعنب )) و هو باق في ظرف الشك . ولا يتوهم` أخذ عنوان عنب في هذا , فان موضوع الصغرى هذا لا هذا العنب وإلا لزم أخذ` المحمول في الموضوع و هو مستحيل , هذا إذا كان التعليق شرعيا` .

و أما إذا كان عقليا كما إذا ورد أن العصير المغلي يحرم الراجع عند العقل` إلى تعليق و هو أن العصير إذا غلى يحرم , فوجه عدم جريان الاستصحاب حينئذ` لاثبات الحكم ظاهر لاستلزامه الاثبات , فان موضوع الحكم و هو العصير المغلي` لازم عقلي للحرمة التقديرية , ولا فرق فيما ذكرنا بين الاستصحاب في الاحكام` كما مر والاستصحاب في الموضوعات , كالماء إذا بلغ حجمه كذا فهو كر أو` الماء البالغ أشبارا معلومة فهو كر ( المثال الاول للتعليق الشرعي والمثال الثاني` للتعليق العقلي ) . هذا , و حيث إن في مسألتنا التعليق غير شرعي فلا يجرى فيه` الاستصحاب التعليقي , هذا تمام الكلام في التمسك بالاصول المحرزة` .

و اما الاصول غير المحرزة فهل المقام مجرى البراءة أو الاشتغال ؟ التحقيق` الاول فانه من الشك في التكليف المردد بين الاقل والاكثر والمورد من قبيل` الشك في التطبيق و الشبهة في الموضوع الخارجي , و قد ثبت في الاصول أن` الشبهات الموضوعية للتكليف المشكوك فيه مجرى البراءة كما أن المرجع في` دوران الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين أيضا ذلك` .

أما الاول فلان تنجز التكليف متوقف على ضميمة كبرى شرعية إلى` صغرى وجدانية فمع إحراز الصغرى مع الشك في الكبرى يرجع إلى البراءة , كما` إنه مع إحراز الكبرى و الشك في الصغرى أيضا كذلك` .

و بعبارة اخرى حيث إن القضايا المتكفلة لاثبات الاحكام الشرعية قضايا` كلية وقانونية لا يمكن إحراز شمولها للمورد و توجهها إلى المكلف إلا إذا كان`


254
الانطباق معلوما , و إلا فالشك في الانطباق شك في ثبوت الحكم في المورد` و المرجع البراءة , فالشك في مانعية اللباس المشكوك فيه عن الصلاة شك في` انطباق ماجعل مانعا على المورد و هذا شك في الحكم والاصل البراءة , هذا بناء ` على استفادة المانعية من روايات الباب` .

و أما بناء على ما ذكره العلامة ـ قدس سره ـ من أن المجعول شرطية وقوع` الصلاة و اللباس المأخوذ من الحيوان المحلل أكل لحمه فلايمكن إجراء البراءة ,` فان الشك راجع إلى الامتثال لا الانطباق . نعم لو كان أصل جاريا في الموضوع` ولو استصحاب العدم الازلي على القول به بحيث يحرز به وجود الشرط تصح` الصلاة لاحراز شرطه بالاصل , وإلا فالمرجع الاشتغال` .

و أما الثاني فلان العلم الاجمالي بوجوب الاقل لا بشرط أو بشرط شيء` وإن لاينحل حقيقة إلى العلم التفصيلي والشك البدوى إلا أنه ينحل حكما` لعدم تعارض الاصل في الطرفين , فانه لايجرى أصالة البراءة عن الاقل لا` بشرط بخلاف الاول بشرط شيء و هو الاكثر , فالامر دائر بين السعة والضيق ,` و المرجع البراءة و التفصيل موكول إلى محله` .

والحمدلله رب العالمين` .


255
رسالة في حديث الرفع
`

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين , والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين , و السلام` علينا و على عباد الله الصالحين , و اللعن على أعداء آل محمد أجمعين الى يوم` الدين` .

الكلام في حديث الرفع
`

روى المرحوم الشيخ الصدوق ـ رحمه الله ـ في الخصال بسند عن حريز عن` أبي عبدالله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : رفع عن` امتي تسعة : الخطأ , والنسيان , و ما اكرهوا عليه , و ما لا يعلمون , و ما لايطيقون ,` و ما اضطروا إليه , و الحسد , و الطيرة , والتفكر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق` بشفة ( 1 ) . هذه الرواية وصفوها بالصحيحة و في سندها أحمد بن محمد بن يحيى` و لم يوثق في الرجال . فلو بنينا على انجبارها باستناد المشهور إليها كما هو الصحيح` خلافا لمبنى سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ وإلا فلا يمكن الاعتماد عليها في مقام` الافتاء بحكم شرعي` .

( 1 ) الخصال : ج 2 , باب 9 , حديث 9 . و جامع احاديث الشيعة : ج 1 , باب 8 من ابواب` المقدمات , حديث 3 . `


256

و هنا رواية اخرى دالة على رفع الستة ( 1 ) ذكرها سيدنا الاستاذ في المجلد` الثالث من التنقيح في مسألة الاضطرار إلى شرب النجس و وصفها بالصحة ,` و عدل عن ذلك في الدورة الاخيرة في بحث الاصول و قال في سندها قطع لعدم` تمامية السند بحسب طبقة الرواة . و كيف كان فيكفينا في صحة الرواية` اشتهارها بين الاصحاب` .

أصل : هل الرفع ظاهرى أو واقعي أو هنا تفصيل بين ما لايعلمون و غيره ؟` أفاد سيدنا الاستاذ ـ دام ظله ـ أن الرفع في ما لا يعلمون ظاهرى و في غيره` واقعي . و ما يمكن أن يقال في وجه ما أفاده : أنه في ما لايعلمون الرفع الواقعي` مستلزم للتصويب . و لذا نحكم بالرفع الظاهرى فيه , و أما في غيره فلا موجب` لرفع اليد عن ظهور الرفع في الرفع واقعا . حينئذ أن رفع الاضطرار و ما لايطاق والسهو ` بل الاكراه في بعض موارده عقلي والدليل إرشاد الى ذلك . و هكذا يظهر من` استاذنا المحقق ـ مدظله ـ أن مقتضى حكومة دليل الرفع على الادلة الواقعية` اختصاص الحكم المجعول فيها بغير موارد هذه العناوين` .

أقول : الظاهر أن حديث الرفع لايرفع الاحكام الواقعية , بل المستفاد منه العذر ` عند مخالفتها في الموارد المذكورة فيه ولنا قرائن على ذلك` :

1 ـ كون الحديث امتنانيا , والامتنان لايقتضي رفع الحكم الواقعي , فلو` اكره على الافطار في شهر رمضان و تحمل الضرر المتوعد به ولم يفطر لا منة في` الحكم ببطلان هذا الصوم و سقوط أمره بالاكراه , بل المنة لا يقتضي أزيد من` جعل المكلف في عذر عند مخالفة الواقع` .

2 ـ ظاهر الدليل أن الرفع من جهة عروض عنوان ثانوى على الواقع الاولي` و بما أن كل عنوان مأخوذ في دليل الحكم ظاهر في موضوعيته للحكم , فتكون`

( 1 ) جامع احاديث الشيعة , ج 1 , باب 8 من ابواب المقدمات , حديث 3 . `


257
النتيجة ثبوت حكمين في المورد حكم أولي و حكم ثانوى , مثلا لو اكره على` شرب الخمر فمن حيث إنه شرب الخمر حرام و من حيث إنه مكره عليه مرفوع` والجمع بين الامرين يقتضي ثبوت الحكم الواقعي و كون الرفع عذرا على` المكلف لا تقييدا في الواقع` .

3 ـ يؤيد ذلك حكمهم بالتفصيل في مورد الاكراه على الافطار في شهر` رمضان بأنه لو اكرهه عليه بحيث لم يصدق عليه عنوان الافطار العمدى لا` يبطل الصوم و إلا يبطل , فان قضية عموم الرفع لو كان تقييدا في الادلة , الصحة` حتى في مورد الثاني , و هكذا حكمهم بثبوت بعض الكفارات حتى في مورد` الاكراه بل النسيان , فليراجع` .

و أما ما أفاده سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ من أنه لا موجب لرفع اليد عن ظهور` الرفع في الرفع الواقعي ففيه ( أولا ) لابد له من الالتزام بالرفع الواقعي في` الشبهات الموضوعية أيضا , والقول باختصاص الحرمة بالمعلوم الخمرية مثلا بعين ` الدليل , و التصويب المستحيل أو الباطل هو التصويب في الاحكام لا في` الموضوعات . ( و ثانيا ) قد عرفت أن الرفع الواقعي خلاف الظاهر بالوجوه` المتقدمة` .

و أما ما ذكرنا في وجه ما أفاده من أن العقل حاكم بما ذكر و الحديث` إرشاد الى ذلك قلت : ( أولا ) لو كان الامر كما ذكر لما صح الامتنان و لما كان` ذلك مختصا بهذه الامة . ( و ثانيا ) العقل غير حاكم بالرفع في غير مورد العجز عن` غير اختيار و في مورده أيضا لايحكم بالرفع واقعا بل يحكم بالمعذورية في مخالفة ` الواقع , و أما في غير ذلك فلا مانع عقلا من وجوب تحمل الضرر في مورد` الاكراه أو الاضطرار و ايجاب التحفظ في مورد النسيان لئلا يحصل . و وجوب` الاتيان بما لا يطاق فان عدم الطاقة غير العجز والاول بمعنى المشقة الشديدة` التي يمكن طرو مرض أو ضرر بل موت على المتحمل لهذه المشقة . و الثانى لا`


258
يمكن الايجاد في مورده . نعم الامتنان يقتضي جعل اللطيف المنان عباده في` عذر عند طرو هذه العناوين` .

و يؤيد ذلك بل يؤكده أن العجز في مورده عذر عقلي لمخالفة التكليف` الثابت , لاقيد في الادلة الواقعية , ولا يكون أمر العناوين المذكورة أشد من` العذر العقلي . فالصحيح أن الرفع في جميع العناوين المذكورة في الرواية عذرى ,` بمعنى أن الحديث يرفع العناوين ادعاء , و المصحح لذلك عدم الالزام في الاتيان ` بالواقع كيف كان فكأنه لم يكن واقع , و المكلف معذور من قبل الشارع في` مخالفته . و ان شئت قلت المصحح للرفع الادعائي في ما لا يعلمون عدم ايجاب` الاحتياط , و في مورد النسيان عدم ايجاب التحفظ , و في غيره عدم ايجاب` الاهتمام بالامتثال , كيف كان و جامع ما ذكر أن حديث الرفع ناظر الى` جعل المكلف في العذر في مخالفة الواقع` .

ففي الكلام ادعاء ان ( أحدهما ) في إطلاق الرفع مع أنه لم يرفع واقعا` . ( و ثانيهما ) تعلق الرفع بالعناوين مع أنها غير قابلة للرفع , و يكفي ما ذكرنا في ` تصحيح كلا الا دعاءين . و من هنا ظهر أن المناسب للاستعمال كلمة الرفع لا` الدفع , فلا تصل النوبة الى توجيه هذا الاطلاق بما ذكروا ولا سيما المرحوم` النائيني ـ قدس سره ـ مع أن فيه ما فيه فلاحظ , ولا حاجة الى ما أفاده استاذنا` المحقق ـ مدظله ـ من أن الرفع بلحاظ شمول خطاب القانون للموارد و غير ذلك` مما أفادوا فيه` .

إن قلت : جعل المكلف في العذر إنما يتم في الاحكام التكليفية , و أما` الاحكام الوضعية فلا معنى لذلك فيه و إطلاق الدليل يشمل كلا الحكمين ,` فلابد من الالتزام بالرفع واقعا ولو في الجملة` .

قلت : الاحكام الوصعية على أنحاء : ( منها ) ما هو مترتب على المعاملات` بعد تحققها كالملكية و الزوجية و نحو ذلك لا الصحة و الفساد لعدم قابليتهما`


259
للجعل فانهما أمران انتزاعيان عقلا كما حقق في محله . ( و منها ) ما هو مترتب على` الذوات لا الافعال بحيث تكون الافعال واسطة لثبوت الحكم الوضعي لموضوعه ` نظير نجاسة الملاقي للنجس أو لا تكون الافعال دخيلة في ذلك كنجاسة الاعيان` النجسة . و من هذا النحو من الاحكام الوضعية جنابة الشخص عند عروض` أحد أسبابها أو ضمان الشخص عند عروض سببه . ( و منها ) ما هو مترتب على` الافعال حتى في باب التكاليف و هو الشرطية و الجزئية والمانعية . اما النحو` الاول فخارج عن حديث الرفع بالكلية . أما في ما لايعلمون فواضح لعدم` التقييد في مورده قطعا . و أما في الاضطرار الى المعاملة فلا يصح التمسك برفع ما` اضطروا إليه للحكم بفسادها لما في الرفع من خلاف المنة . و أما في الاكراه` إليها فلاعتبار الرضا والطيب المعاملي فيها , فدليل تنفيذها مقيد بنفسه بالرضا` والطيب المنافي للاكراه , فلاتصل النوبة الى حكومة دليل الرفع على أدلة` التنفيذ` .

و أما ما أفاده سيدنا الاستاذ في مكاسبه من أن دليل الرفع و اعتبار الرضا` وارادن في مرتبة واحدة على الادلة المطلقة أو العامة الدالة على تنفيذ المعاملات ` ففيه` :

( أولا ) دليل الرفع متكفل لبيان حكم ثانوى في طول الحكم الاولي كما هو` ظاهر من لسان الرفع المتعلق بالعناوين , و دليل اعتبار الرضا يقيد أدلة التنفيذ` بالنسبة إلى الحكم الاولي , فكيف يمكن القول بأنهما في مرتبة واحدة ؟`

( و ثانيا ) عمدة الدليل على تنفيذ المعاملات بناء العقلاء و سيرتهم فيها` و المعتبر منها عندهم ما كان عن رضا مالكه و الادلة العامة كلها منصرفة الى` المعتبر عند العقلاء , فاذا ليس لنا عام أو مطلق يقيد بدليل الرضا , بل لا دليل ` على اعتبار الرضا في المعاملات غير ما ذكرنا . أما دليل عدم حلية مال الغير إلا` بطيبة نفس منه فغير ناظر الى المعاملات , و دليل التجارة عن تراض لا مفهوم له`


260
فان القيد غالبي , و تمام الكلام في محله . فما أفاده بعض المحققين في حاشيته على` المكاسب من أن حديث رفع الاكراه مختص بباب المعاملات , و رفع الاضطرار` مختص بباب العبادات غير تام . و أما سائر العناوين فما يمكن فرضها في` المعاملات ليس إلا الخطأ و النسيان , و معهما لا مقتضي لترتب الاثر على` المعاملة للاخلال بموضوعها بهما فان حديث الرفع دال على رفع الشيء لا إثباته` . و رفع الشرطية والجزئية بالنسبة الى ترتب الاثر لايمكن بالنسبة الى ما هو شرط ` أو جزء في الموضوع بنظر العقلاء لفقد الموضوع . و أما بالنسبة الى ما هو دخيل ` فيه شرعا ففي فرض نقص الشرط أو الجزء فالمأتي به لا أثر له شرعا حتى يرفع` و ما هو موضوع للاثر لم يؤت به , و هكذا في فرض زيادة المانع و نفس رفع اعتبار ` الشرطية أو الجزئية أو المانعية لا يوجب اعتبار غيره تمام الموضوع للاثر , و لذا لم` يفت فقيه بوقوع الطلاق بقوله أنت طلاق بدل أنت طالق خطأ أو نسيانا , ` فتأمل , مع انه يمكن تصوير الرفع بمعنى العذر في ذلك كما لا يخفى` .

و أما النحو الثاني فأيضا خارج عن حديث الرفع . أما بالنسبة الى ما` لايعلمون فواضح . و أما بالنسبة إلى ما اضطروا إليه و ما اكرهوا عليه و الخطأ و ما` لايطيقون فلان متعلقها الافعال لا الذوات , فما يمكن أن يرفع بها لا حكم له` و ما له حكم لم تتعلق به شيء من هذه العناوين . و أما النسيان فهو و إن يمكن` تعلقه بالذوات أو حكمها إلا أن حكمه حكم ما لايعلمون في الشبهات` الموضوعية و الحكمية فان ظاهر هما ثبوت الحكم الواقعي في مورد هما و تعلق الجهل` والنسيان به , فلا معنى للقول بتقييد الواقع بغير هما` .

و أما النحو الثالث فيمكن تصوير الرفع بمعنى العذر فيه مع كون ذلك` ظاهر الدليل . و الحديث لا يساعد برفع الشرطية أو الجزئية أو المانعية في موردها` واقعا على ما مر فلا ملزم للالتزام بالرفع واقعا في شيء من موارد إمكان شمول` الحديث لها` .


261

أصل : لو اضطر المكلف الى ترك جزء أو شرط من المركب أو ايجاد مانع في فرد أو` اكره على ذلك أو نسى أحدها فترك الاولان أو أوجد الاخير و هكذا في مورد الخطأ` والجهل فهل يحكم بالاجزاء عند كشف الخلاف أولا ؟ ظهر مما تقدم من أن الرفع في` هذه الموارد عذرى لا واقعي , أن مقتضى القاعده عدم الاجزاء في شيء من هذه الموارد ,` فان قضية تقييد المطلقات بأدلة الاجزاء و الشرائط و الموانع الجزئية المطلقة أو الشرطية` المطلقة أو المانعية المطلقة و العذر لاينافي ترك الواقع فالمأمور به لم يؤت به و المأتي به فاقد` للقيد المعتبر فيه فلا دليل على سقوط الامر بذلك , و من هنا يعلم أنه لايمكن إثبات` الاجزاء إلابدليل آخر غير حديث الرفع نظير لا تعاد ( 1 ) في الصلاة` .

و قد أفاد سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ من آنه لابد من التفصيل بين مورد الجهل` و غيره دليلا والقول بعدم الاجزاء في كليهما . أما وجه عدم الاجزاء في مورد` الجهل من جهة أن الرفع في مورده ظاهرى ولا دليل على الاجزاء في موارد` الاوامر الظاهرية مع كشف الخلاف . و أما وجه عدم الاجزاء في غير ذلك ,` فان رفع الشرطية أو الجزئية أو المانعية و إن كان واقعيا إلا أن حديث الرفع لا` يمكنه إثبات الامر بالفاقد بنفس رفع القيد . و بعبارة اخرى أن الشرطية` و الجزئية والمانعية و ان كانت مجعولة إلا أن جعلها بتبع منشأ انتزاعها و هو الامر` بالمركب لعدم تعدد الامر في المركبات كما هو المفروض , فمع رفع الشرطية أو` الجزئية أو المانعية يسقط الامر لا محالة , فلابد من إثبات الامر بالباقي من إقامة` دليل . `

و قد أفاد استاذنا المحقق ـ مدظله ـ في مورد الجهل أن لسان الرفع يقتضي` الاجزاء نظير قاعدة الطهارة , فلو صلى مع لباس شك في طهارته و نجاسته` بالبناء على الطهارة لقاعدتها يجزى ذلك و إن انكشف الخلاف بعد ذلك , فان`

( 1 ) جامع أحاديث الشيعة , ج 1 , باب 1 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة , حديث 1 . `


262
لسان دليلها يقتضي حكومتها على أدلة اشتراط الصلاة بطهارة اللباس , فتكون` النتيجة اشتراطها بالاعم من الطهارة الواقعية و البنائية . و في المقام لسان رفع ` الجزئية يقتضي الاكتفاء بفاقد الجزء في المورد . و في باقي العناوين أن حكومة ` دليل الرفع على أدلة الاجزاء و الشرائط والموانع تقتضي اختصاص الجزئية` و غيرها بغير مورد طرو هذه العناوين , ففي موردها لا دليل . على تقييد المطلقات` الاولية , فالقاعدة تقتضي الاجزاء بلاحاجة الى حديث لا تعاد . و قد فصل في` مبحث إجزاء الامر الظاهرى عن الواقع بين موارد الامارات و الاصول بالاجزاء` من الثاني دون الاول من جهة إستفادة ذلك من لسان الدليل في الثاني` بخلاف الاول فانها طريق إلى الواقع يمكن فيه فرض كشف الخلاف و هذا كما` ترى مبتني على القول بتقييد الواقع بسبب تحكيم دليل الرفع على دليل الواقع` . و أما لو قلنا بأنه لا يستفاد من ذلك إلا العذر في مخالفة الواقع فقد عرفت أن` مقتضى القاعدة عدم الاجزاء مطلقا , و أما لو فرضنا تقييد الواقع في غير مورد` الجهل من سائر العناوين فالحق كما أفاده استاذنا المحقق ـ مدظله ـ و وجهه` مابينه . `

و أما ما أفاده سيدنا الاستاذ من عدم الدليل على إثبات الامر بالفاقد بعد` رفع القيد بالحديث فانما يتم لو تعلق الامر بالمركب بأمر واحد , و أما مع تعلق` الامر بنفس الطبيعة و بيان قيوده و شرائطه بدليل آخر فلا , فان مقتضى دليل` القيود و إن كان القيدية المطلقة إلا أنه يقيد بدليل الرفع فلا دليل على القيدية ` في مورد العناوين , و إلاطلاقات محكمة . و أما في مورد الجهل فالحق مع سيدنا ` الاستاذ ـ مدظله ـ فان المفروض عدم الاتيان بالواقع و المأتي به موافق للامر` الظاهرى فقط ولا معنى للقول بأن لسان الدليل يقتضي التعميم في الواقع مع` الالتزام بعدم التصويب . ففي موارد العلم باشتراك الجاهل و العالم في الحكم` الواقعي لابد من الحكم بعدم الاجزاء . نعم في موارد إمكان الاختلاف نظير`


263
المثال في قاعدة الطهارة نبني على الاجزاء , ولا محذور في ذلك , إلا أنه لا يتم في` المقام و في موارد الاصول لان المفروض عدم استفادة أزيد من العذر من حديث ` الرفع و عدم استفادة أزيد من الحكم الظاهرى في موارد جريان الاصول` .

أصل : ذكر استاذنا المحقق ـ مدظله ـ أنه حيث إن الظاهر من الحديث` الشريف أن المرفوع لابد و أن يكون ما هو متعلق العنوان فيظهر الفرق بين` النسيان و الخطأو ما لا يطاق و بين الاكراه و الاضطرار في مورد ترك الجزء أو` الشرط من جهة طرو أحدها والحكم بصحة العمل في الاولى و عدمها في الثانية` . و أما في مورد ايجاد المانع فلا فرق بينها , و يحكم بالصحة في جميعها . و وجه ما` أفاد أن نسيان الجزء مثلا أو ايجاد المانع يرفع أثر المنسي و هو وجود الجزء و المانع` و هو الجزئية والمانعية فيصح العمل بترك الجزء أو ايجاد المانع نسيانا . و أما لو` اكره على ترك الجزء فالمكره عليه الترك ولا أثر للترك بما هو غير البطلان ` و وجوب الاعادة و هما عقليان لا شرعيان فلا يمكن الحكم بصحة العمل حينئذ ,` بخلاف ما لو اكره على ايجاد المانع فان المكره عليه و هو ايجاد المانع يرفع أثره` و هي المانعية , فيصح العمل حينئذ . و قد أفاد ـ مدظله ـ أنه لا فرق في ما ذكرنا` بين العبادات و المعاملات لو كان المنسي الجزء أو الشرط الشرعيان لا المعتبران` بنظر العقلاء في قوام ماهية المعاملة أو دخيلان في ترتب الاثر بنظر هم , وهكذا` في المانع سواء وجد نسيانا أو عن إكراه , و هذا على مبناه ـ دام ظله ـ من أن الرفع` في المذكورات واقعي متين بجميع ما أفاد لكن على ما بنينا عليه من أن` الامتنان لا يقتضي أزيد من جعل المكلف في عذر حتى في المعاملات , و الرفع` عذرى لا واقعي يظهر عدم الفرق في الحكم بالبطلان و عدم الاجزاء في جميع` ذلك و إن كان المكلف معذورا في مخالفة الواقع في موارد العناوين . نعم لودل` دليل على الاجزاء في مورد نتمسك به و نحكم بالصحة و الاجزاء بلا فرق بين` ما ذكر أيضا` .


264

و أيضا يظهر عن بعض الاعاظم ـ قدس سرهم ـ اختصاص الرفع بالامور` الوجودية حيث قال : إن شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم . لا تنزيل` المعدوم منزلة الموجود لان تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنما يكون وضعا لا رفعا` . وأورد عليه استاذنا المحقق ـ دام ظله ـ بأنه لا مانع من تعلق الرفع بالامور العدمية` إذ الرفع رفع إدعائي لا حقيقي والمصحح له ليس إلا آثار ذلك العدم` و أحكامها , كما أن المصحح لرفع الامور الوجودية هو آثارها و أحكامها , و أنت` خبير بأن كلا من الاستدلال والايراد مبنيان على كون الرفع واقعيا , و مع كون` الرفع عذريا فلا مجال لذلك البحث , فان حاصل الحديث على هذا المبنى أنه` عند طرو أحد هذه العناوين المكلف معذور في مخالفة الواقع , ولا فرق في ذلك` بين الوجودى و العدمي . هذا و إن كان الحق على ذلك المبنى مع استاذنا ,` و لكلامه بقية يرجع إلى التقريرات` .

أصل : ذكروا أن المرفوع في الموارد المذكورة هو آثار العناوين المأخوذة طريقا ` الى معنوناتها و أما الاثار المترتبة على نفس العناوين فغير مرفوع قطعا بل لايعقل` رفع تلك الاثار بما يوجبها` .

و فصل استاذنا المحقق بين الرفع في الموارد الثلاثة الاخيرة` و ماعداها و التزم برفع آثار المعنونات في ماعداها , فان العناوين المذكورة فيها` كلها طريقية لتبادرها بخلاف الثلاثة فانها عناوين نفسية لا مناص فيها إلا` رفع ما هو آثار لانفسها لعدم قابليتها على الطريقية و إن لزم منه التفكيك إلا أن` هذا المقدار مما لابد منه . بل يمكن أن يقال : إن الرفع قد تعلق في الجميع` بعناوين نفسية حسب الارادة الجدية إلا أن ذلك إما بذكر نفس تلك` العناوين النفسية في الثلاثة أو بذكر ما هو طريق إليها في غيرها من دون` تفكيك` .

أقول : على ما ذكرنا لا موضوع لهذا الكلام أصلا فان المرفوع في الجميع على`


265
سياق واحد وماله الى جعل العذر في مخالفة الواقع فان هنا ادعاء ان ( أحدهما ) في` نفس إطلاق الرفع ( و ثانيهما ) في إسناد الرفع الى الذوات و مصحح كليهما عدم` ايجاب التحفظ أو عدم ايجاب الاحتياط كما مر , و تؤكد ذلك بعض الروايات ` الواردة في الصفات الذميمة مالم يظهرها الشخص في الخارج الدالة على العفو ` عنها . و هذا لا يصح إلا اذا كان الواقع في مورد العفو موجودا . و مما يؤيد كون ` الرفع عذريا وحدة السياق بين الثلاثة و غيرها ولا تتم الوحدة إلا بذلك , فان` الرفع الواقعي لايمكن إلا باسناده الى الثلاثة نفسيا و الى غيرها طريقيا . و ما ` أفاده من وحدة السياق بحسب الارادة الجدية أجنبي عن ذلك , فان السياق` إنما يلحظ في الارادة الاستعمالية لا الجدية , و الارادة الاستعمالية في الثلاثة` نفسية و في غيرها طريقية و مما يؤيد ذلك أيضا وحدة السياق بين ما` لايعلمون والنسيان و غيرهما بناء على تعميمهما للاحكام , فان الرفع فيهما عذرى` قطعا و إلا يلزم الدور و إن ابيت فلا أقل من لزوم التصويب` .

أصل : ذكر بعضهم إن الرفع في ما لايعلمون مختص بالشبهات الموضوعية` و ذكروا في وجه ذلك` :

1 ـ وحدة السياق و عدم إمكان تعلق الاضطرار أو الاكراه إلا بالموضوع` الخارجي أى الفعل , و فيه أن الالتزام بعموم الرفع في ما لا يعلمون لا ينافي` وحدة السياق فان الاستحالة المذكورة من جهة استحالة الانطباق لا من جهة` استعمال الموصول في الفعل بل الموصول مستعمل في معناه في جميع ما ذكر` وسعته وضيقه بسعة صلته وضيقه` .

2 ـ إسناد الرفع الى الحكم حقيقي و الى الفعل مجازى ولا يمكن الاسناد` بكلا النحوين باسناد واحد . أجاب عن ذلك سيدنا الاستاذ بأن المحذور إنما` هو في الرفع التكويني لا التشريعي فانه حقيقي في الفعل أيضا . و ذكر في بيان` المراد من الرفع التشريعي أنه تشريع رفعا في مقابل التشريع وضعا فكما أن`


266
الحكم قابل للتشريع وضعا قابل للتشريع رفعا غايته أن الرفع في المقام ظاهرى` و نتيجته الترخيص الظاهرى , ولا منافاة بين اجتماع الحكمين واقعي و ظاهرى` كما حقق في محله . و فيه ـ بعد تسليم الرفع التشريعي ـ أنه في الحكم من الوصف ` بحال نفس الموصوف و في متعلق الحكم من الوصف بحال متعلقه و دعوى` استحالة جمعهما في إسناد واحد من جهة عدم الجامع بين الامرين . وصرف رد` المجاز الى الحقيقة لا يدفع المحذور` .

و أجاب عنه ثانيا : بأن الاسناد حينئذ ليس بحقيقي ولا بحقيقي و مجازى , بل` مجازى لان النتيجة تابعة لاخس المقدمتين نظير الماء والميزاب قد جريا , فان` إسناد الشيء الى أمرين جمعا بهذا النحو إسناد الى غير ما هو له . و فيه أن هذا أيضا` لايدفع الاستحالة المذكورة , فان الكلام ليس في كيفية الاسناد بل في` إمكانه` .

أجاب بعض الاعاظم ـ قدس سرهم ـ عن ذلك بأن المرفوع في جميع التسعة إنما` هو الحكم الشرعي والاضافة الى الافعال الخارجية لاجل تعلق العناوين بها ,` وإلا فالمرفوع فيها هو الحكم الشرعي و هو الجامع بين الشبهات الموضوعية` و الحكمية , و مجرد اختلاف منشأ الشبهة لايقتضي الاختلاف فيما اسند الرفع` اليه . و قد أشكل عليه استاذنا المحقق ـ مدظله ـ بأن مناط الاشكال إنما هو في` الاسناد بحسب الارادة الاستعمالية , فان الاسناد الى الحكم إسناد الى ما هو له` دون الاسناد الى الموضوع فلابد أن يراد في جميعها الموضوع حتى يصح الاسناد` المجازى في الجميع , فكون المرفوع بحسب الجد الحكم الشرعي لا يدفع` الاشكال . و قد أجاب هو عن الاشكال بما أجاب به شيخه الاستاذ العلامة` بتقريب أن المتكلم ادعي قابلية رفع ما لا يقبل الرفع تكوينا , ثم أسند الرفع` الى جميعها حقيقة , و بعبارة اخرى جعل كل العناوين بحسب الادعاء في رتبة` واحدة وصنف واحد في قبولها الرفع و أسند الرفع اليها حقيقة فلايلزم منه محذور` .


267

أقول : أما ما أفاده بعض الاعظم فان الحكم في مورد الشبهة الموضوعية هو` الحكم الواقع في النتيجة , وهذا لم يتعلق به , قلم الجعل والوضع حتى يرفع , بل ` الجعل والوضع متعلقان بالحكم الواقع في الكبرى فالشبهة الموضوعية لا ترجع` الى الشبهة في الحكم بل إنما هي الشبهة في الموضوع والشبهة في انطباق الحكم` عليه وكلاهما أمر واحد فان الجهل بالخمرية بمجرده لا يكون مشمولا لحديث` الرفع إلا بأن يكون للخمر حكم كالحرمة , فالشبهة في الحقيقة في أن هذا` مصداق لموضوع الحرمة أم لا . و إن شئت فعبر بأن الحرمة المجعولة على الخمر` منطبقة على هذا أم لا . فالشبهة الموضوعية هي الشبهة في الموضوع و الانطباق لا` في نفس الحكم . `

و أما ما أشكل عليه استاذنا المحقق فليت شعرى كيف يجتمع ما ذكره هنا` من أن الاسناد بحسب الارادة الاستعمالية . و ما ذكره و نقلنا عنه في تصحيح` وحدة السياق في الرواية من أن الرفع قد تعلق بعناوين نفسية في الجميع بحسب` الارادة الجدية فالسياق واحد ولا تفكيك . فان مرحلة الاسناد هو مرحلة` السياق فاما هما يلحظان بحسب الارادة الاستعمالية أو بحسب الارادة الجدية` . والصحيح أنهما بحسب الارادة الاستعمالية لا بأن يستعمل اللفظ في الاسناد بل` الاسناد يتحصل من مقال المتكلم باستعمال جميع مفردات كلامه في معانيها ,` و لذا قد يكون استعمال المفردات كلها حقيقيا والاسناد مجازى , ويجيء زيادة` توضيح لذلك إن شاء الله ` .

ولا يخفى أن الايراد الصحيح على ما ذكره بعض الاعاظم ما ذكرنا لا` ما أفاده استاذنا المحقق , فان الحكم في موارد الشبهات الموضوعية غير مشكوك فيه ,` فان الكبرى مسلمة على الفرض , و الشك في الصغرى و إن أوجب الشك في` النتيجة إلا أنه راجع الى الشك في الانطباق لا الجعل , فالحكم غير مرتفع حتى` بحسب الارادة الجدية . و أما وجه شمول الدليل لموارد الشبهات الموضوعية ,`


268
فيجيء الكلام فيه , و أنه هو وجه الشمول لموارد الشبهات الحكمية بعينه . و أما` ما أجاب به استاذنا المحقق عن الاشكال فهو مناف لما أفاده هو بنفسه في ` مبحث حديث الرفع من أن الرفع ادعائي في ما لا يعلمون نظير نفي الحرج` و الضرر في أدلتهما , فكيف يجتمع كون الرفع حقيقيا لادعاء كون متعلقه قابلا` للرفع و كون الرفع ادعائيا ؟ على أن دعوى قابلية ما لا يقبل الرفع للرفع وضمه` الى ما يقبل الرفع وإسناد الرفع إلى المجموع حقيقة إنما يتم لو ذكر الجميع في` الكلام بعنوان مستقل , و أما لو ذكر بعنوان عام كما لا يعلمون الشامل للحكمية` والموضوعية معا على الفرض فلا . فان كل لفظ لايحكي إلا عن معناه ولا يمكن` في هذه اللحاظ إلا لحاظ نفس المعنى و من المعلوم أن المعنى في (( ما لايعلمون )) ` أمر واحد فكيف يمكن ادعاء قبوله للرفع لينطبق على الموضوعية و عدم الا دعاء ` لكونه شاملا للحكمية` .

إن قلت : إن الموصول مشير الى الذوات ولو كانت الحيثية تعليلية يدور` الرفع مدارها و ليست نكتة للرفع , و الذوات امور متعددة بعضها قابلة للرفع` حقيقة و بعضها ادعاء و يجمعها المتكلم بعنوان عام و يسند الرفع اليه حقيقة` . و بالجملة الامر الواحد غير قابل للادعاء و عدمه لكن المعنى في (( ما لا يعلمون ` (( لا يكون واحدا إلا إذا كانت الحيثية تقييدية بحيث يكون المفهوم ملحوظا اسميا` و أما لو لوحظ حرفيا كما هو الحق في الموصولات فالمعنى متعدد` .

قلت : كون الموصول من قبيل أداة الاشارة مسلم , لكن ليس معنى هذا أن` المتكلم بالموصول يلحظ الذوات أولا تفصيلا ثم يجمعها بعنوان واحد بل معناه` تعلق الرفع بالذوات الملحوظة إجمالا حال الكلام , فالملحوظ في هذا الحال ليس` إلا أمرا واحدا غايته إجمال للتفصيل المتعلق به الرفع حقيقة , و في هذا اللحاظ ` لا يجتمع الادعاء و عدمه , و هكذا الكلام في صدر الحديث . و هو (( رفع عن امتي ` تسعة )) فكيف يجتمع الادعاء و عدمه في التسعة في هذا اللحاظ الاجمالي ؟`


269

و الصحيح في الجواب ان يقال : أما بناء على مسلكنا من كون الرفع عذريا` لا واقعيا فليس في البين إسناد واقع في محله فان الحكم أيضا غير مرفوع` كالموضوع غايته ادعي أنه مرفوع و مصحح الادعاء في مورد النسيان و الخطأ` والثلاثة الاخيرة عدم إيجاب التحفظ و في ما لايعلمون عدم ايجاب الاحتياط` و في الاكراه و الاضطرار و ما لايطيقون عدم ايجاب تحمل الضرر و الجامع عدم` ايجاب الاهتمام في مقام الامتثال للاتيان بالواقع , فاسناد الرفع الى الحكم` و الموضوع كليهما على نسق واحد ادعائي والمصحح ما ذكر . و أما بناء على` مسلكهم من كون الرفع في غير ما لايعلمون واقعيا فليس في ما لايعلمون` إسناد واقع في محله , ولو قلنا بشموله للاحكام فانهم لا يلتزمون بالرفع الواقعي` في مورده , فالرفع ادعائي و المصحح مامر ـ نعم بالنسبة الى نسيان الحكم ـ الكلام` في محله لرفع الحكم المنسي واقعا , و هذا خارج عما نحن بصدده و هو شمول ما` لايعلمون للشبهات الحكمية , و هل الاسناد في النسيان في محله أولا ؟ فالتحقيق أن` يقال أنه مركب من الاسناد في محله و من الاسناد في غير محله . و هكذا في صدر` الحديث إسناد الرفع إلى التسعة مركب من الاسناد في محله و هو إسناد الرفع الى` الحكم المنسي و من الاسناد في غير محله و هو ما عداه . و ذلك فان المجازفي` الاسناد يغاير المجاز فى الكلمة و هذا ظاهر , وفي المقام المجاز المدعى إنما هو في` الاسناد كما لايخفى . و حينئذ , نقول : لو قلنا بأن الماء جرى فقد استعملنا` الكلمتين و الهيئة في معناها , و إسنادنا في محله , و هذا هو الاسناد الحقيقي . و لو` قلنا بأن الميزاب جرى فقد استعملنا الكلمتين والهيئة في معناها كالسابق , والاسناد في غير محله , و هذا هو الاسناد المجازى . ولو قلنا بأن الميزاب والماء قد` جريا . فالكلمات كلها قد استعملت في معناها . و بما أنه اسند الجرى إلى` أمرين : الماء و الميزاب و الاسناد الى أحدهما في محله و الى الاخر في غير محله` فلابد من الالتزام بأن الاسناد حقيقي و مجازى . لايقال : الاسناد واحد فكيف`


270
يتصف بوصفين ؟ فانه يقال : الاسناد ليس معنى الهيئة حتى يقال إن الهيئة أمر` واحد بل الاسناد ما يوجده المتكلم من استعمال الكلمات في معانيها , و هذا قد` تعلق بأمرين أحدهما حقيقي والاخر مجازى . و هكذا في ما نحن فيه فلو قال بأنه` رفع الحكم الاسناد كالاستعمال في جميع الكلمات حقيقي . ولو قال بأنه رفع` الفعل الاسناد مجازى بخلاف الاستعمال , وأما لوقال رفع الحكم و الفعل` فالاسناد حقيقي و مجازى و الاستعمال حقيقي . و لا محذور في ذلك , و الايراد` المذكور بأنه لايمكن كلا النحوين باسناد واحد خلط بين مقام الاستعمال` والاسناد فان الاسناد لباراجع الى إسنادين` .

و هكذا الكلام بالنسبة الى صدر الحديث و إسناد الرفع إلى التسعة . نعم` هنا إشكال آخر و هو أنه في غير ما لا يعلمون الرفع واقعي و فيه عذرى , و في` مورد النسيان الرفع حقيقي في الاحكام لا يحتاج في ذلك الى الادعاء و في` الموضوعات المنسية و في غير النسيان مما عدا ما لايعلمون الرفع ادعائي يحتاج` الى مصحح , و المصحح رفع الاثار الواقعية على الفرض , و مصحح الادعاء في ما` لايعلمون رفع ايجاب الاحتياط كما مر فكيف يجتمع الادعاء و عدمه في إسناد` الرفع إلى النسيان ؟ و كيف يجتمع نحوان من الادعاء و عدم الادعاء في إسناد` الرفع إلى التسعة ؟`

و ما ذكرنا في الجمع بين الكيفيتين من الاسناد إنما هو في ما اذا ذكر المسند إليه` في الكلام تفصيلا ولو بنحو العطف في الموضوع . و أما اذا ذكر بعنوان عام إجمالي` كالنسيان أو التسعة فلا يلحظ المتكلم حال الاسناد إلا هذا المعنى الاجمالي ` الملحوظ بنعت الوحدة لا الكثرة و في هذا اللحاظ إما أن يدعى اولا , و مع` الادعاء فاما أن يدعى بالكيفية الواقعة في ما لايعلمون أو بالكيفية الواقعة في ` غيره . والجمع بين هذه الامور في لحاظ واحد لايمكن , و هذا مما يدل على أن` الرفع عذرى في جميع الموارد , فان الادعاء و مصحح الادعاء في الجميع واحد`


271
ـ كما مر ـ اللهم إلا أن يقال إن الملحوظ حال الكلام إنما هو نفس معاني` المفردات و ما هو بصدد بيانه . و أما وجه تصحيح الاستعمال فلا يلزم لحاظه` حال الاستعمال والادعاء في مرتبة سابقة على الاستعمال و الاسناد , فيمكن` ادعاء المتكلم كل من الكثرات بنحو مناسب له , و يلحظ هذه الكثرات` بعنوان إجمالي عام ملحوظ بنعت الوحدة , ففي مقام لحاظ المصحح الكثرات` ملحوظة بنعت الكثرة و في مقام لحاظها بنعت الوحدة لا نحتاج الى لحاظ` المصحح . فحينئذ الاسناد يتصف بالحقيقي والمجازى معا باعتبار الكثرات` الملحوظة قبله , و بالمجازى باعتبار الوحدة الملحوظة حاله , و على ذلك الاشكال` بعدم تصوير الجامع بين هذه الامور أيضا مندفع . فانه بعد لحاظ رفع ما` لايعلمون بمصحح رفع ايجاب الاحتياط و رفع الحكم المنسي واقعا و رفع موضوع` المنسي و سائر العناوين بمصحح رفع الاثار يمكن أن يقال رفع النسيان , و هكذا` رفع التسعة كما هو ظاهر , ولكنك خبير بأن هذا النحو من الكلام يناسب` المعيات لا المحاورات العرفية , فلو لا حظنا الحديث بالنظر العرفي لايمكننا حملها` على ما ذكر , و هذا شاهد على أن الرفع عذرى في الجميع` .

3 ـ أن مفهوم الرفع يقتضي أن يكون متعلقه ثقيلا , و الثقيل هو الفعل ولا` ثقل في الحكم نفسه . أجاب سيدنا الاستاذ عن ذلك بأنه كما يصح إسناد` الرفع الى الفعل لكونه ثقيلا كذلك يصح الاسناد إلى الحكم لكونه سببا موجبا` له` .

أقول : لو قلنا بأن متعلق الرفع هو الفعل لكنه من الواضح عدم تعلقه` بالفعل الواقع في الخارج كما هو كذلك في جميع الاحكام و المتعلقات` و الموضوعات , بل متعلق الحكم و موضوعه ليس إلا نفس الطبيعة . نعم اختار` سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ تبعا لشيخه الاستاذ ـ قدس سره ـ أن موضوعات` الاحكام هي الوجودات و في مقام الانشاء لاحظها الجاعل مفروض الوجود`


272
وجعل الحكم للموجود و فسر القضية الحقيقية بذلك , و إن مال كل قضية` حقيقية الى شرطية و بنيا على ذلك استحالة اجتماع الامر و النهي في موارد` التركيب الاتحادى , ولكن جميع ما ذكراه خلاف التحقيق فان المتكلم بقضية` الخمر حرام لايلحظفي مقام التكلم إلا نفس معاني مفردات هذه القضية ,` و فرض الوجود أجنبي عن مفاد هذا الكلام بالكلية , بل لايعقل لحاظ غير معنى` الكلام حين الكلام لعدم تحقق مبادى اللحاظ الا بالنسبة الى معنى الكلام ,` بل الحكم في مقام الانشاء مترتب على نفس العنوان و مرحلة الفعلية هي مرحلة` انطباق الحكم لوجود موضوعه` .

و أما ما فسرا القضية الحقيقية به و إن يمكن استفادته من كلام بعض` الفلاسفة إلا أنه ليس بصحيح . و الموضوع في القضية الحقيقية و الخارجية` العنوان , غاية الامر أن أفراد الموضوع في الخارجية منحصرة بالموجود بخلاف` القضية الحقيقية فان أفراد موضوعها غير منحصرة بذلك بل يعم الموجود و ما` يوجد فيما بعد , و لذا لايمكن أن يقال في متعلقات الاحكام (( على اصطلاحهما` (( مثل الصلاة واجبة ما ذكراه مع أن هذه القضية حقيقية بلا إشكال , فلو كان` الموضوع فيها الوجود يلزم الامر بالحاصل و هو مستحيل . و مما ذكرنا ظهر أن` اجتماع الامر و النهي جائز فان متعلق الحكم العنوان و الخارج مجمع العنوانين` ولا يسرى الحكم من متعلقه الى غيره , و تمام الكلام في محله` .

فلو اكره أحد على شرب الخمر مثلا فلا يقال إن شرب الخمر الواقع في` الخارج مرفوع بحيث لا ينطبق الحديث على المورد قبل تحقق الشرب , و لذا` يحكم بجواز الشرب حتى قبل تحققه , فنفس طبيعة شرب الخمر مرفوع بما أنها` مكره عليها . و عليه أى ثقل في نفس الطبيعة على المكلف مع قطع النظر عن` حكمها ؟ أى لم يكن ملزما في الاتيان بها , فان الموجب للثقل هو الالزام المتعلق` بها . فلا يصح أن يقال إن المرفوع هو نفس الطبيعة , بل المرفوع ما يوجب`


273
الثقل و الموجب هو الالزام . و لذا قلنا بأن اسناد الرفع الى الفعل يحتاج الى` العناية والادعاء , على أن الرفع في عالم التشريع هو رفع لامر تشريعي يوجب` الثقل , و هذا لايناسب الموضوع , فلو كنا نحن و نفس إسناد الرفع لقلنا` باختصاص الحديث بالشبهات الحكمية إلا أن القرينة الداخلية في غير ما` لايعلمون والداخلية و الخارجية في ما لايعلمون دلتنا على اختصاص الرفع` بالموضوعية في الاول و بشموله له في الثاني على مامر` .

4 ـ أن الرفع و الوضع متقابلان يتواردان على مورد واحد , و متعلق الوضع` إنما هو الفعل أو الترك على ذمة المكلف . فلا مناص من كون متعلق الرفع` كذلك فيختص الحديث بالشبهات الموضوعية . و أجاب سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ` عن ذلك بأن هذا إنما يتم اذا كان ظرف الرفع أو الوضع ذمة المكلف . و أما اذا` كان ظرفه الشرع كما هو ظاهر الحديث كان متعلقهما هو الحكم لا محالة ,` فيكون المرفوع هو الحكم` .

أقول : ( أولا ) هذا مناف لمبناه ـ دام ظله ـ من أن الالزامات الشرعية ليس` إلا اعتبار شيء على ذمة المكلف , والرفع في عالم التشريع أيضا هو رفع هذا` الاعتبار فظرف الرفع أيضا الذمة . و عليه لابد من أن يجيب الاستاذ عن` الاشكال بأن الموضوع في الشبهات الحكمية أيضا هو الفعل أو الترك على ذمة` المكلف , فهذا لا يوجب اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية` .

( و ثانيا ) إن أصل وضع الفعل أو الترك على ذمة المكلف لا نعقل له معنى` إلا بأن يعتبرا في الذمة نظير الدين كالاية الكريمة (( لله على الناس حج` البيت )) ( 1 ) و هذا لايوجب اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية كما ترى في` الاية الكريمة , و أما جعل الحكم فليس مرتبطا بذمة المكلف , أما في مرحلة`

( 1 ) آل عمران : 97 .

`
274
جعل القانون فظاهر , و أما في موارد الشبهات الموضوعية فلم يوضع فيها حكم` بالخصوص حتى يقال بأن في هذه الموارد وضع الفعل أو الترك على الذمة , بل` الشبهة في طول الوضع و في المرتبة المتأخرة عنه , فالجهل بالخمرية لايوجب قلب` ما هو المجعول واقعا من حرمة شرب الخمر ( الغير المتعلق كما هو مفروض` الاشكال ) الى وضع آخر و هو وضع الترك الى الذمة حتى يرفع` .

و الحاصل : أن في موارد الشبهات الموضوعية لم يوضع شيء غير ما هو` الموضوع قانونا , فلو لم يكن حديث الرفع شاملا للجهل بنفس القانون لم يكن` شاملا للشبهة الموضوعية أيضا . ويمكن تقريب الاشكال بوجه يسلم من بعض` هذه الايرادات , و هو أن في مورد الشبهة الحكمية تعلق قلم الوضع بالحكم` نفسه , و في مورد الشبهة الموضوعية و إن لم يوضع حكم بالخصوص إلا أنه لو وضع` شيء لوضع الفعل أو الترك على الذمة و بما أن الوضع ظاهر في ذلك و الرفع في` ما يقابله فيختص الرفع بالشبهات الموضوعية . و هذا مخدوش طردا و عكسا , فان` في مورد الحكمية قد يتعلق الوضع بالحكم كعمدة الاحكام , و قد يتعلق بالفعل` كالحج , هذا تنجيزا , و أما تعليقا فأيضا كذلك لامكان أن يقال فيها لو وضع` لوضع الحكم أو الموضوع , و أما في مورد الموضوعية فلم يجعل حكم بالخصوص` كما مر . و أما قضية التعليق فكلا الامرين ممكن لانه يمكن أن يقال فيها إنه لو` وضع لوضع الفعل على الذمة , أو لوضع الحكم على الفعل فلا محصل لاصل` الاشكال ولا لما سلمه سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ` .

و الصحيح في الجواب أن يقال : إن هذا الاشكال لو لم يكن دليلا على` اختصاص الحديث بالشبهات الحكمية لا يكون دليلا على اختصاصه بالشبهات` الموضوعية , فان الشبهة في الموضوع هي الشبهة في صغرى فعلية الحكم ( كالشبهة` في أن هذا خمر) والشبهة في الحكم هي الشبهة في الكبرى ( كالشبهة في حرمة` الخمر ) و النتيجة في كلا الموردين الشبهة في حرمة هذا . و الوضع إنما هو في`


275
الكبرى و بنحو من المسامحة في النتيجة . و أما في الصغرى فلا وضع كما هو` واضح فلو لاحظنا الوضع في الكبرى يكون الحديث مختصا بالشبهات الحكمية ,` ولو لا حظنا الوضع في النتيجة ولو بنحو من العناية يعم الحديث لكلا الموردين ,` فتأمل , حتى لا يتوهم أن المرفوع في الشبهات الموضوعية على هذا الحكم لا الموضوع ` فان عموم الحديث لكلا الموردين بلحاظ الحكم غير عمومه لرفع الحكم بل` الظاهر من الحديث رفع المشتبه و المصحح لاسناد الرفع الى الموضوع المشتبه رفع` الحكم على ما مر هذا . ولا يخفى أن ما ذكرنا في الجواب عن الاشكالين ( 3 و` ( 4 إنما هو على مبنى القوم من كون الحديث ناظرا الى رفع الحكم , أما على مسلكنا` من أن الرفع عذرى و الاسناد في كلتا الشبهتين الموضوعية والحكمية يحتاج الى` مصحح الادعاء , و المصحح رفع ايجاب الاحتياط , فالجواب عنهما أظهر من أن` يخفى لان المرفوع حقيقة ليس هو الفعل حتى يقال بأن رفع الفعل يناسب الشبهة` الموضوعية بل المرفوع حقيقة ايجاب الاحتياط والموصول كما هو صالح للانطباق` على الفعل صالح للانطباق على الحكم و إسناد الرفع الى كلا الامرين يحتاج` الى المصحح بلا فرق بينهما , و الثقل إنما هو في إيجاب الاحتياط لا الفعل نفسه` و الموضوع ليس هو الفعل أو الترك على الذمة بل إنما هو ايجاب الاحتياط` فكذلك الموضوع على تفصيل ظهر مما تقدم` .

والحمد لله رب العالمين` .


276

277
رسالة في فروع العلم الاجمالي
`

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين , و الصلاة على سيدنا محمد و آله الطاهرين , و اللعن على` أعدائهم أجمعين الى يوم الدين` .

الكلام في فروع العلم الاجمالي
`

و نقدم أقسام الخلل الواقع في الصلاة , و بيان بعض أحكامها بنحو` الاختصار , فانه لا يخلو عن المناسبة و الفائدة , و قبل بيان ذلك لا بأس` بالتعرض لصحيحة زرارة الدالة على القاعدة المعروفة ب (( لا تعاد )) و موارد شمولها` و موارد عدم شمولها , و أنه هل يكون من باب الصرف أو الانصراف` .

روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : لا تعاد الصلاة إلا من` خمسة : الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود . ثم قال : القراءة سنة و التشهد` سنة ولا تنقض السنة الفريضة ( 1 ) ` .

مقتضى إطلاق الصحيحة عدم الفرق بين جميع الصور من العمد و السهو` و الجهل . و ما يقال : من أنه لابد من تقييدها بغير العمد ـ وإلا تنافي الصحيحة` أدلة الاجزاء والشرائط والقواطع والموانع , فانه لو لم يكن العمل باطلا حتى في`

( 1 ) الوسائل : ج 4 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 5 .

`
278
مورد الخلل العمدى فما معنى الجزئية و غيرها ـ مدفوع` .

أولا : النقض بغير العمد أيضا , إلا أن يلتزم بالتقييد واختصاص الجزئية` والشرطية مثلا بمورد العمد فقط , و المفروض عدم الاختصاص للاجماع و ظواهر` الادلة ` .

و ثانيا : لا منافاة أبدا لامكان مطلوبية الاجزاء و الشرائط و غير هما بنحو` تعدد المراتب المطلوبية , فيصح العمل عند وجود الخلل و إن لم يشتمل على` المرتبة الكاملة من المطلوبية التي كان اللازم تحصيلها أيضا . و تفصيل الكلام` في محله ` .

و قد يقال بانصراف الصحيحة عن صورة العمد` .

و الجواب : أن الانصراف بدوى ولا منشأ لدعوى الانصراف . فعلى ذلك` لو كنا نحن و هذه الصحيحة لكانت معارضة لادلة الاجزاء و الشرائط والقواطع` و الموانع . فلو كان في أدلتها قيد العمد يحكم ببطلان الخلل العمدى , وإلا` فيحكم بالبطلان مطلقا , فان تلك الادلة بالنسبة الى حديث (( لا تعاد )) خاص` بالنسبة الى العام , إلا أن يجمع بينهما بتعدد المراتب المطلوبية , ولكن هذا الجمع` إنما يتصور في موارد أدلة الاجزاء والشرائط و غيرها , التي تكفلت لبيان الجزئية` و الشرطية و غيرها محضا . و أما في مثل أدلة القواطع التي ذكر فيها لزوم الاعادة` بفعل القاطع فلا يمكن هذا الجمع , فتدبر` .

ولكن وردت في باب القراءة , صحيحة زرارة عن أحد هما عليهما السلام ,` قال : إن الله تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود , و القراءة سنة , فمن ترك` القراءة متعمدا أعاد الصلاة و من نسي فلا شيء عليه ( 1 ) . `

فيعلم من هذه الصحيحة أن ترك الفريضة مبطلة عمدا و سهوا , و أما ترك`

( 1 ) الوسائل : ج 4 باب 27 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 1 . `


279
السنة مبطلة عمدا لا سهوا فيقيد بذلك ذيل صحيحة (( لا تعاد )) من أنه لا` تنقض السنة الفريضة` .

فالنتيجة : أنه لاتنقض السنة الفريضة اذا حصلت بلا عمد , فقيدت` صحيحة (( لاتعاد )) بغير العمد . و حينئذ لو ترك الجزء أو الشرط , أو وجد المانع` من دون عمد لا تعاد قضية لحكومة الصحيحة على أدلتها . و الجواب عن` اشكال المنافاة , فرغنا عنه بامكان تعدد المراتب المطلوبية` .

و أما اذا كان الاخلال عمديا , فيحكم بالبطلان لوجهين` : ( الاول ) صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على أن ترك السنة متعمدا مبطلة` .

( الثاني ) إطلاق دليل الجزئية و الشرطية و غيرهما , فان ظاهره الدخل` مطلقا بحيث لم يمتثل التكليف من دون الاتيان به , و المفروض أنه لا حاكم` عليه , بخلاف صورة غير العمد , فتدبر جيدا` .

ويقع الكلام في أقسام خلل الصلاة , و هي أما بنقيصة أو زيادة , وكل` منهما إما عمدى أو جهلي أو سهوى` .

اما النقيصة العمدية , فقد أفاد المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ أن من القضايا` التي قياساتها معها بطلان الصلاة بذلك لعدم تمامية المأمور به على الفرض` . و عدم الاجزاء حينئذ مقتضى القاعدة` .

و التحقيق أن دليل الجزء أو الشرط أو المانع التي وقع الاخلال به لو كان` له إطلاق يشمل صورة تركه أيضا يتم ما ذكره , و إلا فلا . و أيضا بحسب الثبوت` كما يمكن جعل الجزء بنحو يكون مع سائر الاجزاء دخيلا في أصل المطلوبية ,` يمكن جعله بنحو يكون دخيلا في تمام المطلوب بحيث يكون المأمور به مطلوبا` بنحو تعدد مراتب المطلوبية , مع أنه لو قلنا بذلك على القواعد إلا أنه للشارع` الاجتزاء بالفاقد , غاية الامر في مقام الاثبات يحتاج إلى دليل , فلقائل أن` يدعي أن دليل (( لا تعاد )) يشمل صورة العمد أيضا , ولكن لا خلاف في`


280
البطلان بالخلل العمدى , مع أن (( لا تعاد )) مقيد بغير العمد بقرينة سائر` الروايات , و إن كان دعوى الانصراف الى غير العمد بلاوجه . و قد انقدح` بذلك عدم تمامية الاستدلال على المطلب , بأن الجزئية و الشرطية و الاجزاء على` تقدير الاخلال لايجتمعان , و حيث إن حديث (( لا تعاد )) دل على الاجزاء ,` فلابد من القول بعدم الجزئية و الشرطية في مورد الحديث , ولايمكن الاخذ` باطلاقه لمنافاته لادلة الاجزاء و الشرائط , و لزوم اللغوية في جعل الجزئية` والشرطية , فلابد من الالتزام بالتقييد فيه , والقدر المتيقن من التقييد إخراج` العمد عن مورده , فلابد من الحكم بالبطلان فيه , هذا`

و وجه عدم تمامية الاستدلال ( أولا ) عدم المنافاة بين الجزئية و الشرطية` والاجزاء على تقدير الاخلال , لامكان الجعل بنحو تعدد المراتب` .

( و ثانيا ) نفس (( لا تعاد )) ظاهر في عدم لزوم الاعادة في مورد الجزئية` والشرطية , وإلايلزم منه السلب بانتفاء الموضوع , و هذا خلاف الظاهر` .

( و ثالثا ) يستفاد من ملاحظة الادلة الدالة على كيفية الصلاة في مورد` السهو أو الاضطرار بترك الاجزاء والشرائط و فواتها في بعض الموارد , كباب` القضاء إن جعل الاجزاء و الشرائط كلها إلا الاركان بنحو تعدد المراتب` .

فالحق ما مر من أن مقتضى الصناعة أولا الاخذ باطلاق أدلة الاجزاء` والشرائط لو كان لها إطلاق , و الحكم بالبطلان على تقدير الخلل , إلا أن` (( لا تعاد )) يثبت الصحة , و بما أنه مقيد بغير العمد ففي مورد العمد يحكم` بالبطلان دون غيره , ولا بأس بذكر وجه التقييد بغير العمد . ففي صحيح زرارة` علل عدم لزوم الاعادة في غير الخمسة , بأنه : لاتنقض السنة الفريضة . و في` صحيح محمد بن مسلم : القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة` . ( 1 )

( 1 ) الوسائل : ج 4 باب 27 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 2 . `


281
فيستفاد من التفريع أن كل سنة حكمه هكذا فيقيد صحيح زرارة بغير العمد` بهذه القرينة` .

ثم إن الماتن بين محل النقص , واختار بالاخرة أن المحل باق حتى يدخل في` الركن , فانه مع التدارك و تحصيل الترتيب في ما اذا ترك جزء و اشتغل بغيره ` لا إشكال إلا من جهة الزيادة , و هذا ليس من ايجاد الزائد , بل هو من قبيل ايجاد ` وصف الزيادة في المتقدم . ولكن يرد عليه بأن الجزء المأتي به قبل التدارك ليس` بجزء وقد أتي به بهذا القصد فهو من ايجاد الزائد بالفعل , و توهم أن اتصافه` بالزائد موقوف على كون العمل ناقصا بالجزء السابق , و لازمه كون البطلان` مستندا الى النقص , فبالنقص يبطل العمل في المرتبة المتقدمة فليس من ايجاد` الزائد , فلزم من اتصافها بالزيادة عدم الاتصاف , مستدفع بأن الامر دائر بين` النقص الفعلي ( لو لم يتدارك ) و الزيادة الفعلية ( لو تدارك ) , فلا يمكن تصحيح` هذه الصلاة` .

و أما النقيصة عن جهل , فقد تقدم أن الاصل الاولي و إن كان مقتضيا` للاعادة على تقدير الاخلال بالنقيصة إلا أن الاصل الثانوى بملاحظة حديث` (( لا تعاد )) المخصص بغير العمد عدم لزوم الاعادة في غير موارد المستثنى , بلا فرق` بين كون الخلل للجهل حكما أو موضوعا أو السهو أو النسيان , لكن قد يقال` بأن الحديث لا يشمل صورة الجهل بالحكم . و قيل في وجهه امور` :

1 ـ لو كان الحديث شاملا لصورة الجهل يلزم اختصاص الجزئية أو` الشرطية بصورة العلم , و يلزم الدور ( و الجواب ) أن هذا مبني على القول بعدم` الجزئية في مورد شمول الحديث , و قد مر أن ظاهر نفس الحديث ثبوت الجزئية` والشرطية . `

2 ـ إطلاق العمد في صحيحة محمد بن مسلم , الدالة على لزوم الاعادة` بترك القراءة عمدا , الشامل لصورة الجهل ( و الجواب ) أن الرواية واردة في`


282
مورد العلم وقد اخذ العلم مفروضا فيها فلا إطلاق لها من هذه الحيثية` .

3 ـ ما أفاده المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ من أن الحديث لم يرد في مقام` بيان الاطلاق , فان صورة العمد خارجة عنه قطعا , فيدور الامر بين اختصاصه` بالسهو و ما يضاهيه , أو هو والجهل ولا قرينة , و القدر المتيقن الاول , مع أنه لو` فرض وروده في مقام البيان لكن يدور الامر بين تقييده و تقييد أدلة الجزئية` والشرطية و اختصاصها بصوره العلم , والثاني ممتنع , فلابد من تقييد الحديث` وإلحاق الجاهل بالعامد . ( والجواب ) أما عن الاول , فبما مر من أن ظاهر` الحديث الاطلاق , حتى بالنسبة الى العمد فضلا عن الجهل , و التقييد بغير` العمد من جهة الدليل الخارجي و هو صحيح محمد بن مسلم , و أما عن الثاني ,` فبما مر أيضا من أن عدم الاعادة , لايستلزم نفي الجزئية والشرطية حتى يقال` بالامتناع في تقييد أدلة الجزئية أو الشرطية بل لابد من تقديم (( لاتعاد )) لحكومته` على أدلتها` .

4 ـ ما أفاده الميرزا النائيني ـ قدس سره ـ ولا بأس بالاشارة الى جميع أطراف` كلامه ملخصا و محصلا . ذكر أن الجاهل ملحق بالعامد , لا من جهة إطلاق` أدلةالجزئية بالنسبة الى العالم و الجاهل , لان الاطلاق من هذه الجهة كالتقييد` بالعالم في الاستحالة , لكن لما كان الاهمال في الواقع غير معقول , فالواقع إما` مقيد ذاتا , أو مطلق كذلك , و كل من التقييد والاطلاق لابد من إثباته بدليل` آخر, و نسمي ذلك بنتيجة أو نتيجة الاطلاق . و بما أن إطلاقات كثيرة ` دلت على اشتراك العالم و الجاهل في الاحكام , فمن هذه الجهة نستكشف` بنتيجة الاطلاق أن الجاهل ملحق بالعامد . نعم لو كان حديث (( لا تعاد` (( شاملا للجاهل لقلنا بعدم الاعادة في حقه . لحكومة (( لا تعاد )) على أدلة` الاشتراك , ولكن الحديث لايشمل الجاهل , فان الحكم بنفي الاعادة في مقابل` الحكم بالاعادة ظاهر في أن مورد الحكم قابل للحكم بالاعادة و نفيها , وليس`


283
الامر كذلك بالنسبة الى الجاهل , فان الجاهل مكلف بالواقع حين تركه الجزء` أو الشرط . و نفس هذا الامر يدعو إلى الاتيان بمتعلقه مع تمام الاجزاء` والشرائط , لا الامر بالاعادة , بخلاف الساهي و الناسي , فان الامر بالاتيان` بالمركب كذلك ساقط في حالة السهو و النسيان , للزوم تكليف العاجز ,` فالاتيان بتمام الاجزاء ثانيا موضوع للامر بالاعادة , كما أن الاكتفاء بالناقص` و عدم لزوم الاتيان كذلك موضوع للحكم بنفي الاعادة . فالقابل للامر بالاعادة` أو الحكم بنفيها إنما هو مورد السهو و النسيان لا الجهل , فان نفس الامر الاول` متوجه الى الجاهل , و يستدعي الاتيان بمتعلقه تاما` .

هذا ما استفدنا من وجه قوله بعدم شمول الحديث للجاهل , و إن ذكر` بعض تلامذته تقريبات اخرى يستبعد عما هو بصدده . و فيه` :

أولا : ما ذكره من أن إطلاق دليل الحكم بالنسبة الى العالم و الجاهل` مستحيل نشأ من مبناه في الاطلاق , و أن الاطلاق هو الاطلاق اللحاظي` المسمى باللابشرط القسمي , و قد حقق في محله أن الاطلاق هو جعل نفس` الطبيعة موضوعا للحكم بنحو اللابشرط المقسمي . ولا يلحظ فيه إلا نفس` طبيعة المتعلق , لا أصنافه و أفراده . فلو قلنا باستحالة التقييد لا نقول باستحالة` الاطلاق من جهة استحالة اللحاظ . و أما توهم عدم تمامية مقدمات الحكمة من` جهة عدم كون المولى في مقام البيان من جهة هذا التقيد فمدفوع بأن اللازم كون` المولى في مقام بيان ما تعلق به الحكم , و هو نفس الطبيعة , بلالحاظ شيء آخر ,` و هذا بمكان من الامكان` .

و ثانيا : الحكم في مقام الثبوت إما مطلق أو مقيد أو مهمل , والدليل الدال ` عليه إما مطلق أو مقيد أو مهمل أو مجمل , و ليس في البين أمر آخر نسميه` بالاطلاق الذاتي أو التقييد الذاتي , فمع القول باستحالة الاطلاق و التقييد ثبوتا ` لابد من الالتزام بالاهمال , و هكذا في مقام الاثبات لو استحال الاطلاق`


284
و التقييد يلزم الاهمال أو الاجمال` .

و ثالثا : لا استحالة في التقييد ثبوتا و إثباتا , فضلا عن الاطلاق أما` الثبوت فلانه متقوم باللحاظ , و لحاظ المتأخر ممكن . و أما الاثبات فلانه` كاشف عن الثبوت و عالم اللحاظ , ولا مانع من بيان ما لوحظ ثبوتا في مقام` الاثبات` .

و رابعا : ليس في البين إطلاق واحد دال على اشتراك العالم و الجاهل في` الاحكام بالاطلاق , فضلا عن إطلاقات كثيرة , و ما دل على ثبوت بعض` الاثار على المصيب والمخطىء ناظر الى بيان حكم آخر , والدليل على الاشتراك` ليس إلا الاجماع المفقود في المقام` .

و خامسا : ما ذكره في الحديث منقوض بأنه لو نسي الركن و تذكر بعد` الصلاة في الوقت , أفهل يلتزم بأن الملزم للاتيان ثانيا هو الامر بالاعادة ولولاه` لما وجب ؟ و من هذا يعلم أن الامر بالاعادة في جميع المقامات إرشاد إلى بقاء` الامر الاول , و عدم تحقق امتثاله` .

و سادسا : تكليف العاجز بنحو الجعل القانوني أمر ممكن , كما قرر في محله , ` و القدرة قيد للتنجز , لاشرط للتعلق , ولو سلم فانما هو قيد للتكليف لا للوضع , ` و منه الجزئية , و لازمه سقوط الامر بالمركب في مورد السهو و النسيان , و بعد ` رفعهما لابد من امتثال الامر الاول , ولو قيل بأن نفي الاعادة يثبت أن الشارع` اكتفى بالناقص , يقال عليه : فلماذالا نقول به في مورد الجهل ايضا ؟`

و سابعا : لو سلمنا جميع ما ذكره , إلا أن اللازم اختصاص وجوب الاعادة` بمورد السهو و النسيان فانه قابل للخطاب بأعد , و أما الجاهل فلا يقال عليه` أعد , بل يقال : صل , و أما نفي الاعادة بمعنى أن الشارع اكتفى بالناقص ,` فمشترك بين الساهي و الناسي والجاهل , و هذا ظاهر` .

و ثامنا : كل ذلك مبني على القول بسقوط الجزئية و الشرطية في مورد`


285
(( لا تعاد )) و أما على القول بالثبوت , كما هو ظاهر (( لا تعاد )) أيضا لا موضوع لما` ذكره أصلا , لثبوت الجزئية و الشرطية بالنسبة الى الناسي و الجاهل , و مع` الالتزام بتعدد المراتب و اكتفاء الشارع بالناقص فهدم لزوم الاعادة مشترك` فيهما , و مع الالتزام بوحدة المرتبة و عدم اكتفاء الشارع بالناقص لزوم الاعادة ` مشترك فيهما . هذا وقد ظهر مما مر أن الحق شمول الحديث للجاهل أيضا ولا` تجب عليه الاعادة لاطلاق الحديث , ولولاه لكان اللازم الاعادة لا لادلة` الاشتراك و نتيجة الاطلاق , بل لنفس إطلاق دليل الجزئية و الشرطية كما مر` .

ثم إنه لو قلنا بلزوم الاعادة بالنسبة إلى الجاهل فقد استثنى منه المحقق` ـ قدس سره ـ موارد` :

الاول : الجهر في موضع الاخفات و بالعكس . و وجهه صحيحة زرارة عن` أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه , و أخفى فيما لا` ينبغي الاخفاء فيه فقال : أى ذلك فعل معتمدا , فقد نقض صلاته و عليه` الاعادة , فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدرى فلا شيء عليه و قد تمت` صلاته ( 1 ) . `

الثاني : الصلاة في الثوب أو المكان المغصوب . والظاهر عدم صحة` الاستثناء , فانه لو قلنا بجواز اجتماع الامر والنهي والحكم بالبطلان من جهة` الاجماع فالقدر المتيقن من الاجماع صورة العمد , بل المتيقن عدم الاجماع في` غيرها فالصحة في مورد الجهل على القاعدة , ولو لم نقل بدلالة (( لا تعاد )) على` الصحة فيه . ولو قلنا بعدم الجواز , فاما أن يكون وجهه عدم إمكان قصد القربة , ` فاختصاصه بمورد العمد ظاهر , فالصلاة كذلك جهلا صحيح , و إن لاتكون` مشمولة للحديث . و إما ان يكون وجهه عدم صلاحية المحرم , لكونه مصداقا`

( 1 ) الوسائل : ج 4 , باب 26 من ابواب القراءة في الصلاة , حديث 1 . `


286
للواجب , فلابد من الحكم بالبطلان , حتى في مورد الجهل , ولو قلنا بشمول` (( لا تعاد )) للجاهل فان موضوع (( لا تعاد )) هو الصلاة التي يمكن أن تكون` مأمورا به , في مورد الخلل , و الصلاة في المغصوب ليس كذلك , لامتناع كون` المحرم مصداقا للواجب` .

و بعبارة اخرى : الوجه العقلي غير قابل للتخصيص , و المفروض عموم الوجه` لمورد الجهل أيضا , فتجب الاعادة لثبوت المقتضي و فقد المانع , فان شمول` (( لا تعاد )) للمورد مستلزم للتخصيص في الدليل العقلي , فليتدبر . و الكلام في` الوضوء بالماء المغصوب هو الكلام بعينه فلا نطيل بذكره , و إن جعله المحقق` فرعا مستقلا في المقام` .

الثالث : الجهل بنجاسة الثوب أو البدن أو موضع السجود . وجه الاستثناء` أن ما دل على الطهارة في مورد الشك , ينقح موضوع دليل الاشتراط بالطهارة ,` فيكون حاكما عليه , و كشف الخلاف انما هو بحسب نفس الطهارة الواقعية , لا` ما هو الشرط في الصلاة و بعبارة اخرى : ما هو دائر في الالسنة من أن الشرط` الطهارة الاعم من الواقعية و الظاهرية , و هذا لم ينكشف الخلاف فيه كما لا` يخفى` .

فرعان
`

الاول : لو أحرز تذكية الحيوان و صلى في جلده , فانكشف الخلاف تصح` الصلاة ولا تجب الاعادة . فان الشرط طهارة الثوب الاعم من الواقع و الظاهر` كما مر , و هذا حاصل مع كفاية حديث (( لا تعاد )) لاثبات الصحة , لو لم نقل` بذلك . و لا فرق في ذلك بين كون الاحراز واقعيا أو بامارة أو أصل لاشتراك` الجميع في العلة . و أما الصلاة فيه مع الشك في التذكية فلا تصح` لا لاستصحاب عدم التذكية , فانه لا يتم , بل لدلالة الروايات عليها , و بعضها` مذكور في المتن , فراجع ( مصباح الفقيه` . (


287

الثاني : الصلاة في اللباس المشكوك في كونه مما يؤكل أو ما لا يؤكل ,` صحيحة لا لاستصحاب عدم كونها فيما لايؤكل , لانه من الاستصحاب في` العدم الازلي , ولا نقول به , بل لاصالة البراءة من مانعية اللباس المذكور عن` الصلاة , و هذا مبني على القول بالمانعية لا الشرطية . و المستفاد من الادلة مثل` موثقة ابن بكير ( 1 ) المانعية , مع أن المانع المستفاد من الادلة , مصاحبة ما` لايؤكل في الصلاة و إن لم يكن في اللباس , و هذه قابلة لاستصحاب العدم فيها` بلامحذور , وقد أجرى السيد الاستاذ البراءة حتى على القول بالشرطية , و هذا كما ` ترى لا يثبت وقوع الصلاة مع الشرط كما لايخفى` .

و أما النقيصة السهوية , فقد تقدم أن مقتضى القاعدة , و إن كان هو` البطلان بالاخلال ولو سهوا , إلا أن حديث (( لا تعاد )) يثبت الصحة في موارد` المستثنى منه , ولا فرق بين الجهل و السهو و النسيان , و يستفاد من الصحيحة` البطلان مع الاخلال بالمذكورات في المستثنى , مع أن القاعدة أيضا تقتضي` ذلك . والمذكورات بعضها شرط , و هو الطهور و الوقت والقبلة والباقي جزء و هو` الركوع و السجود . و يلحق بذلك تكبيرة الافتتاح , فان الاخلال بها ـ ولو جهلا` أو سهوا ـ يوجب البطلان لصحيحة زرارة ( 2 ) , بل الاخلال بالقيام حالها أيضا` يوجب ذلك لموثقة عمار ( 3 ) . و أما النية فخارجة عن العمل , و إن كان دخيلا` في قوام العمل . فالاخلال بها يوجب عدم تحقق العمل . و القيام المتصل بالركوع` مقوم للركوع , فحالة حال الركوع , فلم يبق من أركان الصلاة الا الركوع` والسجود , ولابد من البحث عنهما في جهات` :

1 ـ هل الاخلال بهما يوجب فساد الصلاة , أو لا ؟`

( 1 ) الوسائل : ج 3 , باب 2 من ابواب لباس المصلي , حديث` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 4 , باب 2 من ابواب تكبيرة الاحرام , حديث` . 1

( 3 ) الوسائل : ج 4 , باب 13 من ابواب القيام , حديث 1 . `


288

2 ـ حد إمكان التدارك فيهما , و هل يوجب الدخول في السجدة الاولى` بطلان الصلاة لو علم بنسيانه الركوع , أو لا ؟`

أما الجهة الاولى فيدل على البطلان الاجماع و الاخبار الدالة على إعادة` الصلاة بنسيانهما , و المستثنى في (( لاتعاد )) مضافا الى أن القاعدة تقتضي` البطلان , و مع صرف النظر عن الادلة الدالة على البطلان , فلا أقل من عدم` الدليل على الخروج عن القاعدة , و هذا ظاهر ` .

نعم استدلال المحقق الهمداني , بما دل على كون الركوع و السجود فريضة لا` يتم , فان الفريضة ما ذكر في القرآن في قبال السنة التي سنها رسول الله صلى` الله عليه و آله , لا الوجوب في قبال الاستحباب , ولا ما هو داخل في قوام` الماهية في قبال سائر الاجزاء` .

و أما الجهة الثانية , فحد إمكان تدارك السجود الدخول في الركوع` . فالدليل على فوت محل التدارك بالدخول فيه عدم إمكان تصحيح الصلاة لا` بالتدارك للزوم زيادة الركن , ولا بعدمه للزوم النقيصة . و توهم إمكان التدارك` و سقوط الترتيب فاسد , فان الترتيب ليس بشيء معتبر في الصلاة ماوراء نفس` الاجزاء المترتبة , و على ذلك الجزء الغير المترتب ليس بجزء حقيقة , لا أنه جزء` غير مترتب . فالركوع المأتي به بلا سجود قبله ليس بجزء للصلاة , بل زيادة` محضة , و عليه يمكننا القول ببطلان الصلاة من جهة زيادة الركن حتى مع` التدارك , فتدبر ` .

و أما ما ورد من اسقاط الزائد والاتيان بالفائت كصحيحة محمد بن` مسلم ( 1 ) , مع أنه مخالف للمشهور ففي نفسه ليس بحجة , معارض , لعدة من` الروايات الدالة على البطلان , مع أن الصحيحة واردة في مورد نسيان الركوع ,`

( 1 ) الوسائل : ج 4 , باب 11 من ابواب الركوع , حديث 2 . `


289
فيمكن منع شمولها للمسألة , و أما الدليل على بقاء محل التدارك ما لم يدخل في ` الركوع شمول دليل (( لا تعاد )) للزيادة السهوية , فلا مانع من التدارك من` جهةالزيادة الحاصلة , والاشتغال بالصلاة يقتضي الاتيان , والامتثال على` وجهه , يقتضي الاجزاء . و بعبارة اخرى : مع التدارك لاخلل إلا من جهة` الزيادة , و هي غير مانعة . هذا مع إستفادة الحكم من الروايات أيضا مع أنه` لاخلاف فيه . وحد إمكان تدارك الركوع بالدخول في السجدة الاخيرة` .

أما فوات محل التدارك بعدها , لما ذكرنا في الركوع من الدوران بين نقص` الركن و زيادته , و المانع لا يصلح للمانعية , لسقوطه عن الحجية بمخالفة المشهور ` و معارضته بعدة من الروايات . فلو لم نقل بترجيحها فلا أقل من التساقط` و الرجوع الى القاعدة . و أما ما ذكره المحقق الهمداني من امكان حملها على ` الاستحباب , ففيه : أنها إرشاد الى البطلان , ولا معنى للحمل على الاستحباب` في ذلك , فعلم من ذلك عدم تمامية التفصيلات المذكورة في المسألة , مع عدم` دلالة شيء من الادلة على التفصيل , و الجمع بين الطائفتين بما ذكر من` التفصيل , جمع تبرعي بلا شاهد` .

و أما الدليل على بقاء محل التدارك قبل الدخول في السجدة الاولى ما مر في` نسيان السجود قبل الدخول في الركوع بلاتفاوت` .

بقي الكلام في نسيان الركوع , والدخول في السجدة الاولى , والتذكر` حينئذ . فهل هنا مجال للتدارك , أو لا ؟ فيه خلاف , ذكر المحقق الهمداني` ـ قدس سره ـ أن مقتضى إطلاق الامر بالاستقبال و إعادة الصلاة في موثقة` إسحاق ( 1 ) و رواية أبي بصير ( 2 ) الثانية من غير استفصال هو لزوم الاستئناف` بالدخول في السجدة . و فيه : أن الموضوع في الروايتين نسيان الركوع , و من`

( 1 و 2 ) الوسائل : ج 4 , باب 10 من أبواب الركوع , حديث 2 و 4 . `


290
المعلوم أن النسيان بوجوده آنا لا يوجب البطلان , بل النسيان مع عدم الاتيان` بالمنسي الى أن يفوت محله موجب له , فاذا ما دل على اغتفار زيادة السجدة` الواحدة سهوا حاكم على ذلك فانه يدل على بقاء المحل , فلا موضوع للروايتين` .

و ذكر المرحوم النائينى ـ قدس سره ـ أن من المعلوم على المراجع الى أدلة` اغتفار زيادة السجدة الواحدة سهوا أنها تدل على اغتفارها فيما اذا كان السهو` متعلقا الى السجدة , لا فيما اذا أتى بها عمدا للسهو عن أمر آخر كالركوع في` المقام , فأدلة الاغتفار لا تشمل الفرض , و القاعدة تقتضي البطلان . و فيه : أن ` هذا اشتباه في متعلق السهو , فان السهو غير متعلق بالسجدة في شيء من` الموارد , حتى موارد الاغتفار بنظره , بل السجدة اوتي بها عمدا و اختيارا , و إنما` السهو متعلق بالزيادة , فالزيادة سهوية , لا أن السجدة سهوية , و تعلق السهو` بالزيادة مشترك بين ما كان من جهة السهو في امر آخر و بين مالم يكن` كذلك , فمن أتى بالسجدة الثالثة سهوا زاد سجدة واحدة في صلاته سهوا , بعين` زيادة السجدة الواحدة سهوا الحاصلة من جهة ترك الركوع سهوا , فلا فرق بينهما` من هذه الجهة , فيشمل دليل الاغتفار لكلا الموردين` .

و في أثناء كلامه عبارة و هي (( فعلى هذا , فتكون السجدة الواحدة ركنا ,` بالقياس الى عدم جواز زيادتها لتدارك منسي غيرها )) و هذا العبارة , توهم أنه` ـ قدس سره ـ يرى أن الاتيان بالسجدة بعد تدارك الركوع المنسي زيادة ,` والحال أن الزيادة هي السجود المأتي به بلا ركوع قبله , فلاحظ كلامه و تأمل` فيه . `

والصحيح شمول أدلة اغتفار زيادة السجدة الواحدة للموارد , و نتيجة` ذلك بقاء محل التدارك , فلا تبطل الصلاة بترك الركوع سهوا ما لم يدخل في` السجدة الثانية , و يؤيد ذلك خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال : اذا` أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين أو ترك الركوع `


291
استأنف الصلاة ( 1 ) . فانه ظاهر في دخل سجود سجدتين في الحكم , سواء كان` من جهة مفهوم الوصف , أو الشرط . فان التقييد او التعليق بشيء لو كان بصدد` بيان الضابط يستفاد منهما المفهوم بلافرق بينهما , فالرواية دالة على أن بالدخول` في السجدة الاولى لايجب الاستئناف . فعلم مما ذكرنا في تقريب المفهوم عدم` تمامية ايراد صاحب الجواهر ـ قدس سره ـ من أن الوصف لا مفهوم له , والشرط` في الرواية اليقين بترك الركعة و سجود سجدتين , وانتفائه انتفاء اليقين بذلك` في مورد سجود سجدتين , لا انتفاء السجدتين` .

وجه عدم تمامية ما ذكره : ( أولا ) ما ذكرنا من أنه يستفاد من الرواية` دخل سجود سجدتين في الحكم , لكونها في مقام إلقاء القاعدة والضابط , فلو` كان من قبيل الوصف أيضا يدل على المفهوم` .

( و ثانيا ) اليقين في الرواية , طريقي لا موضوعي , و الرواية غير ناظرة الى ` بيان مورد الشك بل ناظرة الى بيان مورد ترك الركعة و سجود سجدتين , فايراده` ـ قدس سره ـ على مفهوم الشرط ليس في محله . كما ان توهم أن المفهوم من قبيل ` السلب بانتفاء الموضوع , فان نفي الشرط هو عدم ترك الركعة و سجود سجدتين , ` فاسد , لما ذكرنا من دلالة الرواية على دخالة سجود سجدتين في الحكم . و أن` ترك الركعة إنما يضر في مورد سجود سجدتين , و مفهوم الرواية أنه لو ترك` الركعة و لم يسجد سجدتين لم يستأنف الصلاة , فتدبر جيدا` .

و أما الزيادة العمدية , فيكفي في وجه البطلان بها خبر أبي بصير : من زاد` في صلاته فعليه الاعادة ( 2 ) والقدر المتيقن منها العمد , و أما ما قيل من أن وجه` البطلان بالزيادة وقوع النقيصة في المأتي به , فان المأمور به مقيد بعدم الزيادة ,`

( 1 ) الوسائل : ج 4 باب 10 من أبواب الركوع حديث` . 3

( 2 ) الوسائل : ج 5 باب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 2 . `


292
ولم يحصل القيد فحصلت النقيصة , مدفوع , بأن اعتبار المانع لايرجع الى اعتبار ` الشرطية , و وجود الزيادة مانع , لا أنه عدمها شرط , و هذا ظاهر` .

و أما الزيادة عن جهل أو سهو في غير الاركان فمقتضى القاعدة و إن كان` هو البطلان , إلا أن صدر (( لا تعاد )) مثبت للصحة على ما مر . و يستفاد من` الروايات الخاصة أيضا , و المهم هو البحث عن زيادة الاركان` .

أما زيادة النية , فلا معنى لها بناء على الحق من أنها ليست إلا الداعي الى` العمل , لا الاخطار بالقلب , ولو قلنا بانها الاخطار , فالزيادة فيها لايضر , لعدم` صدق الزيادة في الصلاة , فان النية خارجة عن الصلاة , و ليست مسانخة لاجزاء` الصلاة , فلا يصدق على تكرارها الزيادة في الصلاة` .

و أما زيادة التكبيرة , فتعد من الزيادة في الصلاة , فتكون مبطلة لها في` صورة العمد . و أما غير العمد فالظاهر عدم البطلان بزيادتها كذلك , لشمول` (( لا تعاد )) لها . والدليل الخارجي قد دل على البطلان بنقيصتها , و قد مر , فتبقى` الزيادة مشمولة للحديث . ثم إنه لو قلنا بكونها مبطلة للصلاة كصورة العمد فهل` يمكن احتسابها من تكبير الصلاة , والاتيان بالصلاة بعدها ؟ أم لابد من تكبير` جديد ؟ فقد يقال بأنهازيادة , والزيادة منهية , فهي فاسدة للنهي عنها . و فيه ` : أن النهي إرشادى أولا , ولا يدل على الفساد . و ثانيا : النهي متعلق بالزيادة ` لابالتكبيرة , فالمقام من اجتماع الامر و النهي , لا النهي في العبادة` .

و قد يقال بأن التكبيرة الزائدة غير مأمور بها , و إن لم يكن منهيا عنها , و هذا` يكفي في الفساد . وفيه : أن التكبيرة و الزيادة موجودتان بوجود واحد , و بتحقق` الزيادة تبطل الصلاة , و ينتفي المانع من كون التكبيرة مأمورا بها , و بعبارة` اخرى : مع فرض صحة الصلاة لا تكون التكبيرة مأمورا بها , و هذا ظاهر , إلا` أنه لا يلزم من ذلك كون الامر بالتكبيرة مترتبا على بطلان الصلاة بحيث يكون` في طوله و في المرتبة المتأخرة عنه , بل يمكن فرض كون التكبيرة المقارنة للبطلان`


293
مأمورا بها فتشملها إطلاقات أدلة التكبيرة , هذا , والاحتياط في محله , من جهة ` نقل الاجماع على البطلان` .

و أما زيادة القيام حال التكبيرة , أو زيادة القيام المتصل بالركوع فلا` تحقق إلا بزيادة التكبيرة و الركوع , كما هو ظاهر , و قد مر حال زيادة التكبيرة ,` و يأتي حال زيادة الركوع` .

و قد بقي من زيادة الاركان , زيادة الركوع و السجود , و ذكروا قبل ذلك` زيادة الركعة من جهة ورود النصوص فيها . واستدلوا على البطلان فيها بامور` :

الاول : خبر أبي بصير (( من زاد في صلاته فعليه الاعادة )) ( 1 ) ولكنه محكوم` بحديث (( لاتعاد )) , فان الخلل بالزيادة , مندرج في عقد المستثنى منه , و الخلل` الاتي من الركوع و السجود الواقع فى المستثنى انما هو بتركهما , و أما زيادتهما فليس` خللا فى الصلاة من جهة الركوع و السجود , بل إنما هو من جهة الزيادة ,` و بعبارة اخرى : حديث (( لا تعاد )) دال على صحة الصلاة من جهة وقوع خلل` فيها , لو كان الخلل من غير المذكورات في المستثنى . و أما فيها فتبطل الصلاة ,` و معنى الخلل في الصلاة ترك الاتيان بما اعتبر فيها جزء أو شرطا , أو الاتيان بما` اعتبار فيها قاطعا و مانعا . و الركوع و السجود معتبران في الصلاة جزء , فمعنى الخلل` من جهتهما ترك الاتيان بهما . و أما زيادة الركوع و السجود قاطعة أو مانعة` للصلاة والخلل الاتي منها إنما هو باتيانها , وهذا غير مشمول لعقد الاستثناء , بل` داخل في المستثنى منه . فمقتضى ظهور (( لا تعاد )) صحة الصلاة في جميع موارد` الزيادات السهوية , فبحكومتها على الخبر يستكشف اختصاص الخبر بصورة` العمد , كالخلل في سائر الاجزاء والشرائط` .

الثاني : ما رواه الشيخ عن زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام قال` :

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 19 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة , حديث 2 . `


294
اذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة , لم يعتد بها , و استقبل` صلاته استقبالا ( 1 ) . بل في رواية الكليني إضافة ركعة . ولا يرد على هذا` الاستدلال مارود على سابقه من حكومة (( لا تعاد )) عليه , فان مورد الرواية` الزيادة الغير العمدية كما لايخفى` .

الثالث : التعليل في رواية الاعمش : و من لم يقصر في السفر لم تجز صلاته ,` لانه قد زاد في فرض الله عزوجل ( 2 ) . والقدر المتيقن من التعليل , زيادة الركعة ,` ولكن هذا أيضا قابل لكونه محكوما (( بلاتعاد )) و يؤيد ذلك أن الاتمام في` السفر جهلا بالحكم صحيح` .

الرابع : خبر عبدالله بن محمد عن أبي الحسن عليه السلام قال : الطواف` المفروض اذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة اذا زدت عليها , فعليك` الاعادة ( 3 ) . `

و هذا أيضا قابل لكونه محكوما (( بلا تعاد )) , ولا سيما بملاحظة أن` الزيادة السهوية في الطواف لاتضر به` .

الخامس : ما ورد في صحيحة منصور و خبر عبيد , من أنه لايعيد صلاته` من سجدة , و يعيدها من ركعة ( 4 ) . بناء على كون الركعة ظاهرة فيها تماما , لا` مجرد الركوع المقابل للسجدة , أو القول بأن زيادة الركعة تماما مشتملة على` زيادة الركوع أيضا . و مورد الروايتين السهو فلا يمكن تحكيم (( لا تعاد )) عليهما ,` إلا أن الظاهر من الركعة الركوع بقرينة المقابلة . و أما القول باشتمال` زيادة الركعة على زيادة الركوع , فلايتم , لانا لو بنينا على عدم البطلان بزيادة` الركعة مطلقا , أو في الجملة نقول بعدم البطلان في زيادة الركوع آخر الصلاة`

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة , حديث 1 . `

( 2 ) الوسائل : ج 5 , باب 17 من أبواب صلاة المسافر , حديث` . 8

( 3 ) الوسائل : ج 9 , باب 34 من أبواب الطواف , حديث` . 11

( 4 ) الوسائل : ج 4 , باب 14 من أبواب الركوع , حديث 2 و 3 . `


295
على نحو زيادة الركعة . والحكم بالبطلان بزيادة الركوع مختص بمورد الزيادة` في الصلاة , لا على الصلاة , كما هو ظاهر الاخبار , فيختص الحكم بالزيادة في` الاثناء` .

السادس : مضمرة الشحام , قال : سألته عن الرجل يصلي العصرست` ركعات , أو خمس ركعات , قال : إن استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد` . ( 1 ) و هذه الرواية لابأس بدلالتها , فانحصر الدليل برواية زرارة و بكير و مضمرة` الشحام . وقد حكي عن المحقق ـ قدس سره ـ الحكم بالصحة بزيادة الركعة إن` جلس في الرابعة قدر التشهد , و استدل بامور` :

الاول : بأن نسيان التشهد غير مبطل` .

الثاني : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن رجل` صلى خسما . فقال : إن كان قد جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت` صلاته ( 2 ) ` .

الثالث : صحيحة جميل ( 3 ) و صحيحة محمد بن مسلم ( 4 ) الدالتان على مفاد` صحيحة زرارة المتقدمة و قد ظهر حكم زيادة الركوع و السجود مما مر فلا نطيل فراجع ` المفصلات هذا بعض الكلام في أقسام الخلل , و بعض أحكامها بنحو الايجاز` .

ولنشرع في بيان فروع العلم الاجمالي
`

قال السيد (( رحمه الله )) : الاولى : اذا شك في أن ما بيده ظهر أو عصر ,` فان كان قد صلى الظهر بطل ما بيده , و إن كان لم يصلها أو شك في أنه` صلاها , أو لا , عدل به اليها` .

( 1 ) الوسائل : ج 5 , باب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة , حديث 3 . `

( 2 و 3 و 4 ) الوسائل : ج 5 باب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 4 و 6 و 5 . `


296

أقول : أما وجه وجوب العدول في الصورة الثانية فظاهر , لاحرازه امتثال` الامر بالظهر حينئذ . و أما وجه البطلان في الصورة الاولى , فقد ذكروا في ذلك` أن ما بيده لا يصح ظهرا لانه قد صلاها , ولا عصرا لعدم إحراز نيتها , ولا مجال` لاحرازها بقاعدة التجاوز , لان صدق التجاوز يتوقف على إحراز العنوان , و هو` موقوف على النية , فلايمكن إثباتها به , فالحكم البطلان` .

و فصل الماتن ـ قدس سره ـ في مبحث النية في هذه المسألة (( مسألة 19 )) , ` بين مالو رأى نفسه في صلاة العصر و شك في أنه من الاول نواها أو نوى غيرها , ` و بين مالو كان شاكا بالفعل بالنسبة إلى ما بيده . و اختار سيدنا الاستاذ` ـ مدظله ـ أيضا هذا التفصيل . و أفاد في وجه ذلك أن محل نية العصر و إن كان` قبل صلاة المعنونة بالعصر , و إحراز التعنون بصلاة العصر موقوف على إحراز` النية , فلا تجرى القاعدة في النية مطلقا . إلا أنه لو رأى نفسه في صلاة العصر` و شك في أنه من الاول بأى نية شرع في الصلاة , فيمكن إجراء القاعدة في` المنوى لا في النية , و هي الاجزاء السابقة . فانا نشك في وجود تكبيرة موافقة` للامر و عدمه , فتشملها القاعدة , لانها كما تشمل الشك في الوجود تشمل الشك` في الموجود أيضا , بل الشك في الموجود يرجع حقيقة الى الشك في الوجود , و قد` حقق ذلك في محله . لكن ما أفاده و إن كان تاما بالنسبة الى تصحيح الاجزاء` السابقة , إلا أنه لايتم بالنسبة إلى تصحيح الاجزاء الاتية , فان صحتها موقوفة` على إحراز أن الداعي اليها هي نية الصلاة بنحو المجموع من الاول , ولايمكن` إحراز ذلك بالقاعدة` .

وجه بعض الاكابر ـ قدس سره ـ حكمه بالصحة في الفرض , بأن النية` موجودة لم تتخلف , فان الداعي للشخص , هو امتثال أمره الواقعي , المتعلق` بما هو في يده . وقد أخطأ في التطبيق . وفيه : أن الخطأ في التطبيق إنما يتصور في ما اذا ` لم يعتبر قصد العنوان في المأمور به , كمسألة الاقتداء , و في المقام يعتبر ذلك فيه ,`


297
فان تعنون صلاة الظهر بها موقوف على الاتيان بها بهذا العنوان , فلا معنى للخطأ` في التطبيق في ذلك , و لذا بنينا على أن العدول من صلاة الى صلاة في مورد` تذكر عدم الاتيان بها و لزوم الاتيان بها أولا , أو مورد تذكر الاتيان بالمعدول` عنه , والاستغناء عنه على خلاف القاعدة و النص يصحح العدول من اللاحقة` الى السابقة , لا العكس , و إن علم الاتيان بالسابقة أثناء الاشتغال بها , مع أن` تعليل المذكور للحكم بالصحة جار في هذا أيضا , بل لاحاجة الى العدول` لحصول النية من الاول , و إنما حصل الاشتباه في التطبيق , بناء على هذا` القول . و من هنا ظهر عدم تمامية ما افاده الماتن ـ قدس سره ـ في مسألة` (( 30 )) من مسائل النية , فلاحظ` .

فالمتحصل مما ذكرناه بطلان الصلاة في مفروض المسألة , لعدم إحراز` قصد العنوان و عدم إمكان تصحيح الصلاة بقاعدة التجاوز , لا من جهة عدم` جريانها في النية حتى يقال بكفاية جريانها في المنوى . ولا من جهة عدم جريانها` في موارد الشك في الموجود حتى يقال بأن الشك في الموجود أيضا راجع الى` الشك في الوجود , أو استفادة العموم من دليل القاعدة . ولا من جهة عدم` إحراز نشوء العمل عن قصد العنوان حتى يقال بعدم اعتبار ذلك , بل لان صحة` الاجزاء اللاحقة موقوفة على الاتيان بمجموع هذه الصلاة , من أولها الى آخرها` بقصد العنوان , والقاعدة لاتثبت ذلك , لعدم جريانها في النية و عدم إثبات` ذلك بجريانها في المنوى , إلا على القول بالاصل المثبت . و الحاصل أن تعنون` عنوان العصرية مثلا موقوف على قصد عنوان العصرية , فلابد من إحراز ذلك ,` ولايمكن الاحراز بقاعدة التجاوز بالنسبة الى ما مضى , كما هو واضح , بل` الاحراز بجريان القاعدة دورى` .

قال : الثانية : اذا شك في أن ما بيده مغرب أو عشاء , فمع علمه`


298
باتيان المغرب بطل و مع علمه بعدم الاتيان بها أو الشك فيه , عدل` بنيته اليها إن لم يدخل في ركوع الرابعة , وإلا بطل أيضا` .

أقول : الوجه في هذه المسألة عين الوجه في المسألة السابقة . نعم تمتاز هذه المسألة` عن سابقتها بأنه لو حصل العلم بعدم الاتيان بالمغرب بعد الدخول في ركوع` الركعة الرابعة فانه لايمكن العدول حينئذ , بل لامصحح لهذه الصلاة إلا على ` مبنى الميرزا النائيني ـ رحمه الله ـ من سقوط شرطية الترتيب , ولكن لا تصح هذه` الدعوى , إذ الترتيب المعتبر إنما هو بين الصلاتين بتمام أجزائهما , ولا دليل على` سقوط بينهما بالنسبة الى ما لم يؤت به من الاجزاء` .

لا أقول : إن دليل الترتيب يعتبر الترتيب بين أجزاء الصلاة حتى يقال بأن` هذا خلاف الظاهر و أن الترتيب المعتبر إنما هو بين الصلاتين ولا يمكن إحرازه` إلا باعادة الصلاة . بل أقول بأن الترتيب , و إن كان معتبرا بين الصلاتين إلا` أن اعتباره إنما هو بالنسبة اليهما بنحو جميع الاجزاء لا مجموع الاجزاء . فالترتيب` معتبر بين الجميع و الجميع , لا المجموع و المجموع , فتدبر جيدا` .

قال : الثالثة : اذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنه ترك سجدتين` من ركعتين سواء كانتا من الاولتين أو الاخيرتين صحت و عليه` قضاؤ هما و سجدتا السهو مرتين , و كذا إن لم يدر أنهما من أى الركعات` بعد العلم بأنهما من الركعتين` .

أقول : وجهه , أن السلام مفرغ , ففات محل التدارك , حتى بالنسبة إلى` الركعة الاخيرة . نعم لو كان قبل السلام واحتمل تركها من الركعة الاخيرة` يأتي بها و يقضي الاخرى بعد السلام و يسجد سجدتين بناء على القول بها`


299
لسقوط قاعدة التجاوز بالنسبة الى ما ياتي بها في الاثناء` .

قال : الرابعة : اذا كان في الركعة الرابعة مثلا و شك في أن شكه` السابق بين اثنتين والثلاث كان قبل إكمال السجدتين أو بعدهما بنى` على الثاني , كما أنه كذلك اذا شك بعد الصلاة` .

أقول : و الاقوى لزوم إعادة الصلاة , و جواز رفع اليد عما بيده في الاثناء` . فان رجوع هذا العلم الاجمالي الى انه هل يسقط الامر باتيان هذا الفرد أو لا ,` بل لابد من الاعادة . و الشك انما هو في فردية الفرد و كونه مسقطا للامر . نعم` على فرض كونه مسقطا لابد من إتمامها و الاتيان بالركعة المفصولة . و هذا حكم` موضوعه نفس ذلك الشك . و قاعدة الاشتغال بالصلاة تقتضي لزوم الاعادة ,` و لزوم إتمام الصلاة و الاتبان بالركعة يدفع بأصالة البراءة . ولا معارضة بين` أصالة الاشتغال بالنسبة الى الاعادة , و أصالة البراءة بالنسبة إلى الاتمام . بل` الثاني في طول الاول , و يقدم الاول عليه , و ينحل العلم الاجمالي` .

قال : الخامسة : اذا شك في الركعة التي بيده آخر الظهر , أو أنه أتمها` و هذه أول العصر , جعلها آخر الظهر` .

أقول : لاصالة الاشتغال بالنسبة اليه` .

قال : السادسة : اذا شك في العشاء بين الثلاث و الاربع , و تذكر أنه سها` عن المغرب , بطلت صلاته , و إن كان الاحوط إتمامها عشاء ,` والاتيان بالاحتياط , ثم إعادتها بعد الاتيان بالمغرب` .

أقول : الوجه في البطلان أن إتمامها عشاء مستلزم لعدم مراعاة الترتيب بين`


300
صلاة المغرب و باقي العشاء , ولايمكن العدول من العشاء الى المغرب في` مفروض المسألة . فلا مصحح لهذه الصلاة , و مع التنزل عن ذلك و الحكم` بصحة صلاة اللاحقة اذا لم يمكن العدول الى السابقة و أن لايراعى الترتيب` بينهما بالنسبة الى الاجزاء الاتية نقول : الامر حينئذ يدور بين وجوب العدول` الى المغرب و وجوب إتمام العشاء , ولايمكنه الجمع بينهما , و التخيير لا يحرز به` الامتثال , والرجوع الى أدلة العلاج موقوف الى إحراز الرباعية , و المفروض أنه` مردد بين وجوب العدول حتى تكون الصلاة ثلاثية , و وجوب الاتمام حتى` تكون رباعية . و إحراز الثاني بأدلة العلاج دورى , إلا أن يقال : إنه مشغول` باتيان الرباعية وجدانا , وبالعدول تنقلب الرباعية الى الثلاثية , فيمكننا` التمسك بالعلاج . لكن مع ذلك , لايمكنه الرجوع الى أدلة العلاج , للعلم بعدم` جعل صلاة الاحتياط في حقه , فانها تتميم ما نقص , و مع النقصان لابد من` العدول` .

و التحقيق أن الترتيب , شرط إحرازى لا واقعي , فمع إحراز إمكان` العدول لابد منه , و مع عدمه ـ كما في المقام ـ دليل اعتبار الترتيب ساقط , فليس` لنا علم إجمالي بوجوب العدول أو إتمام الصلاة , فيصح إتمام الصلاة عشاء ,` والاتيان بصلاة الاحتياط , ولا يحصل العلم بعدم جعل الاحتياط في حقه , بل` خلافه معلوم , لعدم شمول دليل الترتيب المقام` .

قال : السابعة : اذا تذكر في أثناء العصر أنه ترك من الظهر ركعة ,` قطعها و أتم الظهر , ثم أعاد الصلاتين . و يحتمل العدول الى الظهر , بجعل` ما بيده رابعة لها , اذا لم يدخل في ركوع الثانية . ثم إعادة الصلاتين` .

و كذا اذا تذكر في أثناء العشاء أنه ترك من المغرب ركعة` .

أقول : أما مع إمكان العدول فنحكم بالعدول الى الركعة الفائتة لاطلاق`


301
دليله . و مع عدم الامكان . فان كان هذا من جهة فعل المنافي بين الصلاتين` تبطل الظهر , فلابد من العدول الى الظهر , و الاتيان بها ظهرا . ولو كان من` جهة تجاوز محل العدول , فلو قلنا بأن زيادة الركن , مبطل للصلاة و إن لم يكن` بقصد الجزئية فتبطل الظهر , ولابد من العدول اليه . و مع عدم القول بذلك ,` فيؤتى بالركعة أثناء العصر إلا أن يقال إنه لم يعهد مثل هذه الصلاة في الشريعة` المقدسة , فيحكم ببطلان صلاة الظهر و لزوم العدول , فلا يستقيم شيء مما` ذكر في المتن . و المختار لزوم العدول و تتميمها ظهرا لبطلان الظهر بالزيادة ,` فيشملها دليل العدول . و سند عدم اعتبار قصد الجزئية في زيادة الاركان` ماروى في بطلان الصلاة بالاتيان بسجدة آية العزيمة فيها , معللا بأنها زيادة في` الفريضة , مع امكان دعوى عدم اعتبار ذلك في مطلق الزيادة لعدم حصول` الجد بذلك بالنسبة الى العالم , و الجاهل القاصر مشمول لدليل (( لا تعاد` . ((

و كذلك الجاهل المقصر لوزاد في الصلاة سهوا , فتبقى الزيادة العمدية` بالنسبة الى الجاهل المقصر تحت دليل من زاد , و هذا من إخراج الاكثر` المستهجن .فالزيادة إضافة ما يشبه الاجزاء اليها , سواء كانت بقصد الجزئية أو` لا . فمثل حك الجسد خارج عنه تخصصا . نعم الجاهل القاصر و الساهي خارج` عنه بدليل (( لا تعاد )) . و العالم العامد في مثل القراءة والاذكار خارج بدليل` خاص , ولا يحصل الجد بالجزئية منه , في مثل ذلك أيضا كما مر . فالخارج هو` القراءة والذكر, و الحال أنه لم يقصد به الجزئية لعدم إمكانه . و يبقى العالم` العامد في غير ذلك , و الجاهل المقصر تحت الدليل , ولا استهجان` .

قال : الثامنة : اذا صلى صلاتين , ثم علم نقصان ركعة أو ركعتين` من إحداهما , من غير تعيين , فان كان قبل الاتيان بالمنافي ضم الى` الثانية ما يحتمل من النقص ثم أعاد الاولى فقط بعد الاتيان بسجدتي`


302
السهو لاجل السلام احتياطا , و إن كان بعد الاتيان بالمنافي , فان` اختلفتا في العدد أعادهما , و إلا أتى بصلاة واحدة , بقصد ما في الذمة` .

أقول : مفروض الكلام ما اذا كان الاتيان بالمنافي بعد الثانية , سواء أتى` بالمنافي بعد الاولى أم لا . و ما ذكره هو الصحيح , تحصيلا للقطع بالفراغ بعد كون ` الاشتغال معلوما . ولا يبعد في الصورة الاولى جواز الاتيان بالمنافي , ثم العمل بما` ذكر في الصورة الثانية` .

و قد افيد أنه مع عدم الاتيان بالمنافي بعد هما يمكن الاكتفاء بركعة متصلة ,` أو ركعتين متصلتين بقصد ما في الذمة . و هذا مبني على جواز إقحام الصلاة في` الصلاة , و هو خلاف التحقيق , لتخلل الزيادة على ما مر , و الاخلال بالموالاة` .

قال : التاسعة : اذا شك بين الاثنتين و الثلاث , أو غيره من` الشكوك الصحيحة , ثم شك في أن الركعة التي بيده آخر صلاته , او` اولى صلاة الاحتياط , جعلها آخر صلاته و أتم ثم أعاد الصلاة احتياطا ,` بعد الاتيان بصلاة الاحتياط` .

أقول : وجه هذه المسألة أيضا جريان قاعدة الاشتغال فيها , بلا وجود أصل` مرخص . نعم قيل : إن مقتضى أصالة عدم الاتيان بالمنافي عدم الاعتناء` باحتمال الفصل , فلا تجب إعادة الصلاة لكنها من الاصل المثبت , فان أصالة` عدم الاتيان بالمنافي لايدفع احتمال الفصل وجدانا , و هو واضح , ولا تعبدا` لعدم كونها موضوعا له في دليل شرعي . نعم يمكن الاحتياط بوجه آخر , و هو` الاتيان بالركعة بقصد ما في الذمة ثم الاتيان بصلاة الاحتياط , و حينئذ لاتجب` إعادة الصلاة للقطع بعدم تحقق الفصل` .


303

قال : العاشرة : اذا شك في أن الركعة التي بيده رابعة المغرب , أو أنه` سلم على الثلاث و هذه اولى العشاء , فان كان بعد الركوع بطلت` و وجب عليه إعادة المغرب . و إن كان قبله يجعلها من المغرب و يجلس` و يتشهد و يسلم , ثم يسجد سجدتي السهو لكل زيادة ـ من قوله (( بحول` الله )) وللقيام وللتسبيحات ـ احتياطا , و إن كان في وجوبها إشكال من` حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب` .

أقول : ما أفاده في هذه المسألة أيضا مقتضى قاعدة الاشتغال بالنسبة الى` أصل الصلاة , و أصل البراءة بالنسبة الى سجدتي السهو , بناء على وجوبهما لكل` زيادة . و المراد بالبطلان عدم إمكان التصحيح , فلا يجوز الشروع في إعادة` المغرب بلافصلبعد الشك المزبور , إلا بعد فوات الموالاة , أو الاتيان بمناف` آخر للصلاة , و وجهه ظاهر` .

و هنا كلام لبعض الاساتيذ , و هو الحكم بصحة المغرب و وجوب استئناف` العشاء لجريان قاعدة التجاوز بالنسبة الى صلاة المغرب . و فيه أن صدق` التجاوز موقوف على إحراز تحقق المغرب والفراغ منه بالتشهد و التسليم ,` و المفروض وقوع الشك فيه` .

قال : الحادية عشرة : اذا شك ـ و هو جالس بعد السجدتين ـ بين` الاثنتين و الثلاث , و علم بعدم إتيان التشهد في هذه الصلاة , فلا` إشكال في أنه يجب عليه أن يبني على الثلاث , لكن هل عليه أن يتشهد` أم لا ؟ وجهان , لايبعد عدم الوجوب , بل وجوب قضائه بعد الفراغ ,`


304
إما لانه مقتضى البناء على الثلاث , و إما لانه لا يعلم بقاء محل` التشهد , من حيث إن محله الركعة الثانية , و كونه فيها مشكوك بل محكوم` بالعدم . و أما لو شك ـ و هو قائم ـ بين الثلاث و الاربع مع علمه بعدم` الاتيان بالتشهد في الثانية فحكمه المضي والقضاء بعد السلام , لان` الشك بعد تجاوز محله` .

أقول : لايخفى ما في التعليل الاخير , فان المفروض العلم بعدم إتيان` التشهد , إلا أن يكون المراد أن الشك بين الثلاث و الاربع بعد تجاوز محل` التشهد , أى الركعة الثانية , فلا يمكن تدارك التشهد في الصلاة , و يجب قضاؤه` بعدها` .

و كيف كان , الحكم في الصورتين البناء على الاكثر , و عدم الاتيان` بالتشهد في أثناء الصلاة , و وجوب قضائه بعد الفراغ , لما ذكره أولا , بأنه` مقتضى البناء على الاكثر . ولا يخفى ضعف ما علل به ثانيا , فان نفس الشك` في المحل لايوجب الحكم بعدم وجوب التشهد , فانه من التمسك بالمخصص في` موارد شبهات مصداقه , و أصالة البراءة لاتجرى بعد الجزم بالاشتغال ,` و استصحاب عدم المحل الذى أشار اليه بقوله : (( بل محكوم بالعدم )) من قبيل` استصحاب العدم الازلي , ولا يصح` .

قال : الثانية عشرة : اذا شك في أنه بعد الركوع من الثالثة أو قبل` الركوع من الرابعة , بنى على الثاني لانه شاك بين الثلاث والاربع ,` و يجب عليه الركوع لانه شاك فيه مع بقاء محله , و أيضا هو مقتضى البناء` على الاربع في هذه الصورة . و أما لوانعكس , بأن كان شاكا في أنه قبل`


305
الركوع من الثالثة أو بعده من الرابعة , فيحتمل وجوب البناء على الاربع` بعد الركوع فلا يركع , بل يسجد و يتم , و ذلك لان مقتضى البناء على` الاكثر البناء عليه من حيث إنه أحد طرفي شكه , و طرف الشك , الاربع` بعد الركوع , لكن لا يبعد بطلان صلاته لانه شاك في الركوع من هذه` الركعة , و محله باق , فيجب عليه أن يركع , و معه يعلم إجمالا أنه إما زاد` ركوعا أو نقص ركعة , فلايمكن إتمام الصلاة , مع البناء على الاربع` والاتيان بالركوع مع هذا العلم الاجمالي` .

أقول : الظاهر عدم إمكان تصحيح الصلاة في الصورة الاولى بوجه , فانه لو` لم يركع و بنى على الاربع , يعلم تفصيلا بأن سلامه يقع على صلاة باطلة , إما` لنقص الركعة , أو الركوع , و معه لا موضوع لادلة العلاج . ولو ركع يعلم بعدم` جعل الاحتياط في حقه , لانه إتمام للنقص , والمفروض أنه مع فرض النقص` والاحتياج الى الركعة , الصلاة باطلة بزيادة الركوع` .

والرجوع الى الاستصحاب لا مجال له , بعد إلغاء الشارع الاستصحاب في` الشك في الركعات . ولابد من الحكم بالبطلان في الصورة الثانية أيضا , فانه لو` أتى بالركوع و بنى على الاربع , يعلم تفصيلا بأن سلامه يقع على صلاة باطلة` إما لنقص الركعة , أو زيادة الركوع , و معه لا موضوع لادلة العلاج . ولو لم يأت` به يعلم بعدم جعل الاحتياط في حقه , لانه إتمام للنقص , والمفروض أنه مع` فرض النقص والاحتياج الى الركعة تبطل الصلاة بنقص الركوع` .

نعم يمكن أن يقال في هذه الصورة , بامكان تصحيح الصلاة , بالاتيان` بالركوع , و البناء على الاربع . والقول بأن سلامه يقع على صلاة باطلة , لا يصح ,` فان السلام على الركعة الثالثة عند الشك في الركعات لايقع على صلاة باطلة ,`


306
لجبر الركعة الناقصة بصلاة الاحتياط . و كيف كان الاحتياط حسن على كل` حال` .

قال : الثالثة عشرة : اذا كان قائما و هو في الركعة الثانية من الصلاة` و علم أنه أتى في هذه الصلاة بركوعين , ولا يدرى أنه أتى بكليهما في` الركعة الاولى حتى تكون الصلاة باطلة , أو أتى فيها بواحد وأتى بالاخرى` في هذه الركعة , فالظاهر بطلان الصلاة , لانه شاك في ركوع هذه` الركعة , و محله باق , فيجب عليه أن يركع , مع أنه اذ اركع يعلم بزيادة` ركوع في صلاته , ولا يجوز له أن لا يركع مع بقاء محله , فلايمكنه` تصحيح الصلاة` .

أقول : التعليل المذكور لا يصح , للعلم بعدم شمول قاعدة الشك في المحل` للمورد , فان الامر دائر بين بطلان الصلاة , فلا موضوع لوجوب الركوع في` الركعة الثانية و بين سقوط الامر بالركوع , لانه أتى به , فلايجب الركوع في` الركعة الثانية جزما . نعم قاعدة الاشتغال بالنسبة الى أصل الصلاة تقتضي` تحصيل الجزم بالفراغ . و مع عدم وجود أصل يقتضي صحة الصلاة تجب إعادتها` بحكم العقل , إلا أن يقال : إن الجزم بعدم لزوم الاتيان بالركوع و أصالة الصحة` في الصلاة يقتضيان جواز إتمام الصلاة بلا ركوع لهذه الركعة , ولا يلزم إثبات` تحقق الركوع في الركعة الثانية , حتى يقال بأن الاصل مثبت , ولا يلزم إثبات` عنوان عدم تحقق ركوعين أيضا , بل نفس التعبد بصحة الصلاة الى الان ,` والجزم بعدم لزوم الركوع كاف في جواز إتمام الصلاة بلاركوع جديد في` الثانية , بلاحاجة إلى اثبات أى عنوان آخر لازم , أو ملازم لمجرى الاصل` .

لا أقول بأن الحكم بصحة الصلاة من جهة قاعدة الفراغ في الركوع , فان`


307
القاعدة لا تثبت تحقق الركوع في الركعة الثانية , ولا تثبت عدم زيادة الركوع في` الاولى , فما أفاده بعض أساتيذنا لوجه صحة الصلاة لايتم . و بعبارة اخرى : ` منشأ بطلان هذه الصلاة إما زيادة الركوع في الاولى أو نقص الركوع في الثانية` ولا ثالث , والاصل يقتضي عدم زيادة الركوع في الاولى للتجاوز عن محله ,` والجزم بعدم الاشتغال بركوع الثانية في هذه الصلاة موجب لعدم شمول قاعدة` المحل لها , فاتمام الصلاة بلا ركوع جديد في الثانية مطابق للقواعد , و إن كان` الاحتياط في الاتمام ثم الاعادة` .

قال : الرابعة عشرة : اذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنه ترك` سجدتين , ولكن لم يدر أنهما من ركعة واحدة أو من ركعتين , وجب عليه` الاعادة , ولكن الاحوط قضاء السجدة مرتين , و كذا سجود السهو مرتين` أولا , ثم الاعادة , و كذا يجب الاعادة اذا كان ذلك في أثناء الصلاة` والاحوط إتمام الصلاة , و قضاء كل منهما , و سجود السهو مرتين , ثم` الاعادة` .

أقول : هذه المسألة من أفراد دوران الامر بين بطلان الصلاة بترك ركن` و بين لزوم قضاء ما يجب القضاء بتركه , أو لزوم سجدتي السهو بترك ما يوجبه` تركه و فوت محل التدارك . والصحيح أنه لابد من إعادة الصلاة , لعدم` المصحح لها مع الاشتغال بها , و عدم وجوب القضاء أو السجدتين للسهو ,` لاصالة , البراءة` .

ولايتم ما أفاده بعض من أن وجه لزوم الاعادة أصالة عدم الاتيان , لانه` يرد عليه بأنها معارضة بمثلها , مع أنه بعد معارضة القواعد المصححة تصل النوبة` الى أصالة الاشتغال , ولا معنى لاصالة العدم إلا أن يراد بها قاعدة الاشتغال` .


308
فالوجه الصحيح للبطلان هو أن الترديد في المقام راجع الى الترديد في سقوط` الامر بالصلاة و ثبوت أمر آخر بالقضاء أو سجدتي السهو . و في عدم سقوطه و عدم` ثبوت أمر آخر و كلما دار الامر بين السقوط و عدم الثبوت ينحل العلم الاجمالي` لجريان قاعدة الاشتغال في الاول , و أصالة البراءة في الثاني` .

و أما ما ذكره بعض الاعاظم ـ قدس سره ـ من أن العلم الاجمالي منحل` بالقطع الوجداني والشك البدوى , فان الاشتغال بالجزء الغير الركني معلوم سواء` أتى بالركن أو تركه , فانه إما لم يؤت به أصلا , أو لم يؤت به على وفق أمره ,` فلا تجرى القاعدة فيه , و تجرى في الجزء الركني . ففيه أن العلم الاجمالي ,` لايوجب انحلال نفسه , إلا على وجه دائر , و يلزم من جريان القاعدة في الجزء` الركني انقلاب العلم التفصيلي شكا , و يلزم منه عدم جريان القاعدة في الاول` أيضا لسقوطها بالمعارضة` .

و أما ما ذكره الاستاذ من أن ترتب الاثر على ما ليس أثره البطلان ,` موقوف على جريان القاعدة فيما أثره البطلان . فهذا مدفوع لوجهين` :

( الاول ) أن قاعدة التجاوز توجب صحة حيثيته لا مطلقة . و بعبارة اخرى` : عند الشك فى الركوع مفاد القاعدة (( بلى قد ركع )) ( 1 ) و أما صحة سائر الاجزاء , ` فلابد فيها من مؤمن آخر , ولا يرتبط أحدهما بالاخر . نعم لا تجرى القاعدة في` صلاة محرز البطلان , لعدم ترتب أثر عليها . و أما في صلاة يمكن تصحيحها , فلا` مانع من جريانها في الجزء الغير الركني في عرض تصحيح الصلاة , بجريان` القاعدة في الجزء الركني , لاندفاع محذور اللغوية بجريانهما في عرض واحد` .

( و الثاني ) الطولية لاتوجب عدم جريانها في المتأخر بعد عدم كون الملازمة` شرعية , فان جريانها فيما أثره البطلان يثبت الصحة , و جريانها في الاخر يثبت `

( 1 ) هذه القاعدة هو مضمون ماورد في الوسائل : ج 4 , باب 13 , من أبواب الركوع . `


309
عدم القضاء و السجدتين , ولا ربط بينهما شرعا . نعم لا يجرى في الاخير , إلا بعد` جريانها في الاول على الفرض , إلا أنه بعد جريانها في الاول لامانع من جريانها` في الثاني . والحاصل : القول بالصحة لجرى القاعدة في ما أثره البطلان اعتراف ` بجريها في ما ليس أثره ذلك , و إن قلنا باعتبار صحة العمل من سائر الجهات في` جرى القاعدة , لتحقيق موضوعها , و هو الصحة من سائر الجهات بجريها في` الاول` .

و بعبارة اخرى : إنا و إن سلمنا ما أفاده من أن تريب الاثر فيما ليس له` البطلان متوقف على جريان القاعدة فيما أثره البطلان لعدم إحراز الصحة` بدونه , إلا أنه بناء على ذلك لازم جريان القاعدة فيما أثره البطلان , عدم` جريانها فيه , فانه بجريانها فيه يحرز صحة العمل , و معها تجرى القاعدة فيما ليس` أثره البطلان أيضا , فتتعارض القاعدتان و تسقطان معا . فالصحيح الحكم` بالبطلان في مفروض المسألة . و اما مع بقاء المحل بالنسبة الى أحدهما , أو عدم` ترتب أثر على فوت الجزء الغير الركني , فالامر واضح , و ينحل العلم الاجمالي ,` و تصح الصلاة` .

قال : الخامسة عشرة : إن علم بعد ما دخل في السجدة الثانية مثلا ,` أنه إما ترك القراءة أو الركوع , أو أنه إما ترك سجدة من الركعة السابقة` او ركوع هذه الركعة , وجب عليه الاعادة لكن الاحوط هنا أيضا إتمام` الصلاة و سجدتا السهو في الفرض الاول , و قضاء السجدة مع سجدتي` السهو في الفرض الثاني , ثم الاعادة . ولو كان ذلك بعد الفراغ من` الصلاة , فكذلك` .

أقول : ظهر مما ذكرنا في المسألة السابقة , أنه في الفرض الاول يحكم بصحة`


310
الصلاة , لعدم ترتب أثر على ترك القراءة سهوا , و عدم وجوب سجدتي السهو` فيه أيضا , فتكون جريان القاعدة في الركوع بلا معارض . و أما في الفرض الثاني ` فينحل العلم الاجمالي بجريان الاشتغال بالنسبة الى الجزء الركني و هو الركوع , ` و أصالة البراءة بالنسبة الى قضاء السجدة . و بالجملة حكم هذه المسألة يظهر` من التفصيل الذى ذكرناه في المسألة السابقة , فلا حاجة الى إعادة التفصيل` .

قال : السادسة عشرة : لو علم بعد الدخول في القنوت , قبل أن يدخل` في الركوع , أنه إما ترك سجدتين من الركعة السابقة , أو ترك القراءة ,` وجب عليهالعود لتداركهما , والاتمام , ثم الاعادة` .

أقول : الظاهر وجوب العود لتداركهما والاتمام , و عدم وجوب الاعادة . فانه` بعد تعارض القاعدتين , و الاصول المرخصة لابد من العود للتدارك , قضية` للاشتغال , و بعد الاتيان بهما لو كان العلم الاجمالي بترك السجدتين او القراءة` على نحو منع الخلو , تتم صلاته ولا شيء عليه , لاحتمال عدم الاتيان بهما معا` . ولو علم إجمالا باتيان أحدهما أيضا , فيحصل العلم الاجمالي بزيادة السجدتين` عمدا أو زيادة القراءة سهوا , لانه لو أتى بالسجدة فالثانية زيادة عمدية , ولو لم` يأت بها و أتى بالقراءة فالقراءة الاولى زيادة سهوية , لوقوعها في غير محلها , ` والثانية واقعة في محلها . فلو قلنا بأن لكل زيادة و نقيصة سجدتين , تقع الصلاة` باطلة , لعدم المصحح لها بعد حصول العلم الاجمالي بالبطلان , أو لزوم` السجدتين , المنحل بقاعدة الاشتغال في الاول وأصالة البراءة في الثاني . ولو لم` نقل بذلك , فمتقضى أصالة عدم زيادة السجدتين صحة الصلاة لعدم معارضتها` بأصالة عدم زيادة القراءة , لعدم ترتب أثر عليها . و حيث إن الصحيح عدم` وجوب السجدتين لكل زيادة ونقيضة , فلا نحكم بلزوم إعادة الصلاة . و ما`


311
أفاده الماتن ـ قدس سره ـ , مبني على ما اختاره في سجدتي السهو , من وجوبهما ` لكل زيادة و نقيصة` .

ثم قال : و يحتمل الاكتفاء بالاتيان بالقراءة , والاتمام من غير` لزوم الاعادة , اذا كان ذلك بعد الاتيان بالقنوت , بدعوى أن وجوب` القراءة عليه معلوم , لانه , اما تركها أو ترك السجدتين , فعلى التقديرين` يجب الاتيان بها , و يكون الشك بالنسبة إلى السجدتين بعد الدخول في` الغير الذى هو القنوت` .

أقول : ما ذكره مبني على القول بامكان انحلال العلم الاجمالي بالعلم` التفصيلي المتولد منه . و أما على القول بعدم الامكان , للزوم الدور و الخلف` والمحال كما مر , فلا يكون العلم بوجوب القراءة على أى حال , موجبا لجريان` القاعدة في السجدتين بلا معارض . فالصحيح ما مر من لزوم العود لتداركهما` و عدم وجوب الاعادة , إلا اذا قلنا بلزوم سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة ,` و حينئذ تجب الاعادة , ولا يجب العود للتدارك . هذا ولا يخفى أن محقق التجاوز` عن السجدتين القيام لا القنوت , و لعل ما ذكره من سهو القلم` .

ثم قال : و أما اذا كان قبل الدخول في القنوت , فيكفي الاتيان` بالقراءة , لان الشك فيها في محلها , و بالنسبة إلى السجدتين بعد` التجاوز` .

أقول : ما أفاده هو الصحيح , و وجهه ظاهر كما بينه` .


312

ثم قال : و كذا الحال لو علم بعد القيام الى الثالثة أنه إما ترك` السجدتين أو التشهد , أو ترك سجدة واحدة أو التشهد . و أما لو كان` قبل القيام فيتعين الاتيان بهما مع الاحتياط بالاعادة` .

أقول : ظهر مما مر أنه لا فرق بين صورة قبل القيام و بعده في هذه المسألة ,` ولا تجب إعادة الصلاة في شيء منهما , للزوم تدارك أطراف العلم الاجمالي في` كلتا الصورتين و كلتا المسألتين . و بعد التدارك يحصل العلم الاجمالي بالزيادة` العمدية في السجدتين في الاولى , و السجدة الواحدة في الثانية , و الزيادة` السهوية بالنسبة الى التشهد . و حيث إنه لا أثر للزيادة السهوية في التشهد حتى` وجوب سجدتي السهو تجرى أصالة عدم الزيادة في السجدة , بلا معارض كما` مر . نعم على مبناه ـ رحمه الله ـ من وجوب سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة ,` تعارض الاصل المذكور أصالة عدم زيادة التشهد , و بعد تساقطهما تصل النوبة` الى قاعدة الاشتغال بالنسبة الى الزيادة العمدية و أصالة البراءة عن سجدتي` السهو , فلابد حينئذ من إعادة الصلاة بلا حاجة الى تداركهما` .

قال : السابعة عشرة : اذا علم بعد القيام الى الثالثة أنه ترك التشهد ,` و شك في أنه ترك السجدة أيضا , أم لا . يحتمل أن يقال : يكفي الاتيان` بالتشهد , لان الشك بالنسبة إلى السجدة بعد الدخول في الغير الذى هو` القيام , فلا اعتناء به , والاحوط الاعادة بعد الاتمام سواء أتى بهما أو` بالتشهد فقط` .

أقول : لايعتبر الدخول في الغير , في جريان قاعدة التجاوز , بل نفس الفراغ`


313

والتجاوز كاف فيه , فالاقوى ما ذكره من الاحتمال , لتحقق التجاوز . ولو` اعتبرنا الدخول في الغير فيه , و قلنا بأن الغير هو الغير المترتب , كما قيل , لاتجرى` القاعدة , و حينئذ تجب الاتيان بالسجدة , و بعدها التشهد كما لا يخفى` .

قال : الثامنة عشرة : اذا علم إجمالا أنه أتى بأحد الامرين من` السجدة و التشهد من غير تعيين , و شك في الاخرى , فان كان بعد` الدخول في القيام لم يعتن بشكه , و إن كان قبله يجب عليه الاتيان بهما ,` لانه شاك في كل منهما مع بقاء المحل , ولا يجب الاعادة بعد الاتمام ,` و إن كان أحوط` .

أقول : ما ذكره في الصورة الاولى ظاهر , لصدق الشك بعد المحل , و أيضا ما` حكم به في الصورة الثانية هو الصحيح . و توهم أنه مع هذا العلم تحصل زيادة` في الصلاة , مدفوع بأنها لاتكون عمدية , بل بعد الاتيان بهما يحصل العلم` الاجمالي بأنه إما زاد سجدة عمدا أو زاد تشهدا سهوا , فانه على فرض عدم` الاتيان بالسجدة يكون التشهد زائدا ولابد من إعادتها أيضا , و عليه لا يكون` التشهد الثاني زائدا , بل الزائد التشهد الاول , وقد أتى به سهوا` .

و حينئذ , لو قلنا بوجوب سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة , كما بنى عليه` الماتن , يجب الاتيان بهما , و إعادة الصلاة . فما ذكره من عدم وجوب الاعادة` لايتم على مبناه . و أما على ما هو الصحيح من عدم وجوب سجدتي السهو يكون` الشك في زيادة السجدة عمدا شكا بدويا , يدفع بالاصل , ولا أثر لزيادة` التشهد سهوا , فلا حاجة الى الاعادة , هذا` .

و قد ذكر الاستاذ في التعليقة , أنه يجب عليه الاتيان بالتشهد فقط , لان` السجدة إما قد أتى بها , أو أن الشك فيها بعد تجاوز المحل . و هذا غريب , فان `


314
مفاد قاعدة التجاوز , التعبد بوقوع ما شك فيه , كما يظهر من قوله عليه السلام : ` (( بلى قد ركع )) , فلا تجرى في المقام , لان معنى جريانها التعبد بالوقوع في فرض` عدم الوقوع جزما , و المفروض أن مجرى القاعدة والتعبد الشك لا القطع` .

قال : التاسعة عشرة : اذا علم أنه إما ترك السجدة من الركعة` السابقة أو التشهد من هذه الركعة , فان كان جالسا ولم يدخل في القيام` أتى بالتشهد و أتم الصلاة و ليس عليه شيء , و إن كان حال النهوض الى` القيام أو بعد الدخول فيه مضى و أتم الصلاة , و أتى بقضاء كل منهما مع` سجدتي السهو , والاحوط إعادة الصلاة أيضا . و يحتمل وجوب العود` لتدارك التشهد و الاتمام , و قضاء السجدة فقط مع سجود السهو , و عليه` أيضا الاحوط الاعادة أيضا` .

أقول : أما ما ذكره في الصورة الاولى فواضح , لانحلال العلم الاجمالي بلزوم` الاتيان بالتشهد لكون شكه في المحل , و عدم لزوم تدارك السجدة لكون شكها` بعد المحل . و أما في الصورة الثانية , فالظاهر وجوب العود لتدارك التشهد و قضاء ` السجدة مع سجود السهو كما احتمله , و ذلك مقتضى قاعدة الاشتغال بعد` سقوط القاعدة . و أما ما اختاره من المضي بلا العود لتدارك التشهد فلاوجه له` بعد وقوع الشك في التشهد و سقوط القاعدة , و الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ` اليقيني` .

و هنا تنبيه , و هو أن النهوض في القيام , لا يكون محققا للتجاوز , على مبنى ` من يعتبر الدخول في الغير في جريان القاعدة . و على هذا لو كان العلم الاجمالي` حال النهوض الى القيام حكمه ما ذكره في الصورة الاولى , أى وجوب الاتيان`


315
بالتشهد و عدم الاعتناء بالشك في السجود . و أما على المختار من أن ظاهر دليل ` (( إنما الشك اذا كنت في شيء لم تجزه )) ( 1 ) أن صدق التجاوز كاف في جريان ` القاعدة , و إن لم يدخل في الغير . فالحال هو الحال فيما اذا علم إجمالا بذلك بعد` الدخول في القيام , هذا ولا يتوهم إلحاق المورد بمورد الشك في السجود حال ` النهوض الى القيام , الذى دلت صحيحة عبدالرحمن على أن النهوض فيه لا يكفي ` للتجاوز , فانه مختص بمورد الرواية , و هو الشك في السجود لاغير` .

قال : العشرون : اذا علم أنه ترك سجدة , أما من الركعة السابقة أو` من هذه الركعة , فان كان قبل الدخول في التشهد أو قبل النهوض الى` القيام أو في أثناء النهوض قبل الدخول فيه , وجب عليه العود إليها ,` لبقاء المحل ولا شيء عليه , لانه بالنسبة الى الركعة السابقة شك بعد` تجاوز المحل . و ان كان بعد الدخول في التشهد أو في القيام , مضى و أتم` الصلاة , و أتى بقضاء السجدة و سجدتي السهو , و يحتمل وجوب العود ,` لتدارك السجدة من هذه الركعة والاتمام , و قضاء السجدة مع سجود` السهو . والاحوط على التقديرين إعادة الصلاة أيضا` .

أقول : أما ما ذكره في الصورة الاولى , فهو الصحيح , لما ذكره من الوجه` . و قد مر في المسألة السابقة مايظهر منه أن الشك حال النهوض الى القيام , في` خصوص السجدة محكوم بحكم الشك في المحل , لصحيحة عبدالرحمن , و إن` صدق عليه التجاوز . و بعبارة اخرى : قاعدة التجاوز مخصص في خصوص هذا`

( 1 ) الوسائل : ج 1 , باب 42 من أبواب الوضوء , حديث 2 . `


316
المورد . و أما في الصورة الثانية فالصحيح ما ذكره من الاحتمال بعين الوجه` المذكور في المسألة السابقة` .

قال : الحادية و العشرون : اذا علم أنه أما ترك جزء مستحبا` كالقنوت مثلا , أو جزء واجبا سواء كان ركنا أو غيره من الاجزاء التي` لها قضاء كالسجدة و التشهد , أو من الاجزاء التي يجب سجود السهو` لاجل نقصها , صحت صلاته ولاشيء عليه . و كذا لو علم أنه إما ترك` الجهر أو الاخفات في موضعهما , أو بعض الافعال الواجبة المذكورة لعدم` الاثر لترك الجهر والاخفات , فيكون الشك بالنسبة الى الطرف الاخر` بحكم الشك البدوى` .

أقول : لو كان في محل الجزء الواجب يجب الاتيان به , ولو كان في محل` الجزء المستحب يجوز الاتيان به , و تجرى القاعدة في الاخر بعد فوات محله . و أما` مع فوات محلهما , فلو كانت لجزء المستحب أثر أيضا كقضاء القنوت ـ على القول` به ـ تتعارض القاعدتان , و النتيجة بطلان الصلاة في مثال الركن , لما مر في` المسائل المتقدمة كرارا , و لزوم القضاء , أو السجدتين في غير الاركان مما وجب ` في تركه القضاء أو سجدتي السهو . و يترتب أثر ترك الجزء المستحب أيضا . نعم ` لو لم يكن أثر لترك الجزء المستحب تجرى القاعدة في الواجب الذى تجاوز محله ` . كما أنه اذا كان طرف العلم الاجمالي واجبا ولكن لم يكن أثر في تركه كالجهر ` والاخفات يكون الشك في الجزء الاخر بعد محله , من الشك بعد التجاوز كما` أفاده الماتن أيضا` .

قال : الثانية والعشرون : لا إشكال في بطلان الفريضة اذا علم`


317
إجمالا أنه إمازاد فيها ركنا أو نقص ركنا . و أما في النافلة فلا تكون` باطلة , لان زيادة الركن فيها مغتفرة والنقصان مشكوك . نعم لو علم أنه` إما نقص فيها ركوعا أوسجدتين بطلت . ولو علم إجمالا أنه أما نقص` فيها ركوعا فعلا أو سجدة واحدة أو ركوعا أو تشهدا أو نحو ذلك مما` ليس بركن لم يحكم باعادتها , لان نقصان ما عدا الركن فيها لا أثر له ,` من بطلان أو قضاء أو سجود سهو , فيكون احتمال نقص الركن` كالشك البدوى` .

أقول : وجه المسألة ظاهر , و أشار اليه الماتن أيضا في مورد النافلة . نعم ` ما ذكره من البطلان اذا علم أنه إما نقص فيها ركوعا أو سجدتين مبني على` القول بالبطلان في نقص الركن في النافلة سهوا , كما هو مقتضى الاحتياط` . ولا يخفى أن ما ذكره من الفروع في هذه المسألة , كلها مفروض بنحو لا يمكن` تدارك ماشك فيه , و كان الشك بعد تجاوز المحل . وإلا فلو كان الشك في المحل` لابد من الاتيان والتدارك` .

قال : الثالثة والعشرون : اذا تذكر ـ و هو في السجدة أو بعدها , من` الركعة الثانية مثلا ـ أنه ترك سجدة من الركعة الاولى و ترك أيضا ركوع` هذه الركعة , جعل السجدة التي أتى بها للركعة الاولى , و قام و قرأ وقنت` واتم صلاته . و كذا لو علم أنه ترك سجدتين من الاولى و هو في السجدة` الثانية من الثانية , فيجعلهما للاولى ويقوم الى الركعة الثانية . و إن تذكر` بين السجدتين , سجد اخرى بقصد الركعة الاولى و يتم . و هكذا بالنسبة` الى سائر الركعات , اذا تذكر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية`


318
أنه ترك السجدة من السابقة و ركوع هذه الركعة , ولكن الاحوط في جميع` هذه الصور , إعادة الصلاة بعد الاتمام` .

أقول : ما أفاده هو الصحيح و مقتضى القاعدة , ولا يحتاج الى مزيد بيان` و إقامة برهان . نعم ما ذكره بقوله : سجد اخرى بقصد الركعة الاولى , يريد به` سجد اخرى و يحسب للركعة الاولى , فانه لاحاجة الى القصد كما لايخفى` .

قال : الرابعة و العشرون : اذا صلى الظهر و العصر , و علم بعد السلام` نقصان إحدى الصلاتين ركعة . فان كان بعد الاتيان بالمنافي عمدا` و سهوا أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمة . و إن كان قبل ذلك قام` فأضاف الى الثانية ركعة , ثم سجد للسهو عن السلام في غير المحل , ثم` أعاد الاول , بل الاحوط أن لا ينوى الاولى بل يصلي أربع ركعات` بقصد مافي الذمة , لاحتمال كون الثانية على فرض كونها تامة محسوبة` ظهرا` .

الخامسة و العشرون : اذا صلى المغرب و العشاء , ثم علم بعد السلام` من العشاء أنه نقص من إحدى الصلاتين ركعة . فأن كان بعد الاتيان` بالمنافي عمدا وسهوا وجب عليه إعادتهما . و إن كان قبل ذلك قام` فأضاف الى العشاء ركعة , ثم يسجد سجدتي السهو , ثم يعيد المغرب` .

أقول : هاتان المسألتان قد تقدم الكلام فيهما في المسألة الثامنة , و تكرار` لتلك المسألة` .


319

قال : السادسة و العشرون : اذا صلى الظهرين , و قبل أن يسلم` للعصر علم إجمالا أنه إما ترك ركعة من الظهر , والتي بيده رابعة العصر ,` أو أن ظهره تامة و هذه الركعة ثالثة العصر . فبالنسبة إلى الظهر , شك` بعد الفراغ , و مقتضى القاعدة البناء على كونها تامة . و بالنسبة إلى` العصر , شك بين الثلاث والاربع , و مقتضى البناء على الاكثر الحكم` بأن ما بيده رابعتها , والاتيان بصلاة الاحتياط بعد إتمامها , إلا أنه` لايمكن إعمال القاعدتين معا , لان الظهر إن كانت تامة فلا يكون ما بيده` رابعة , و إن كان ما بيده رابعة فلا تكون الظهر تامة , فيجب إعادة` الصلاتين , لعدم الترجيح في إعمال إحدى القاعدتين . نعم الاحوط ,` الاتيان بركعة اخرى للعصر , ثم إعادة الصلاتين , لاحتمال كون قاعدة` الفراغ من باب الامارات . و كذا الحال في العشاءين , اذا علم أنه إما` صلى المغرب ركعتين , و ما بيده رابعة العشاء , أو صلاها ثلاث ركعات ,` و ما بيده ثالثة العشاء` .

أقول : لكل من الاعلام في تعليقاتهم كلام في هذه المسألة , نشير الى بعض` منها` :

1 ـ هذا على تقدير كون الحكم بتمامية الظهر بقاعدة الفراغ مستلزما` للحكم بنقص العصر , و البناء على أن ما بيده ثالثة العصر تعبدا . و كذلك يكون` مفاد أدلة البناء على الاكثر , هو البناء والالتزام على أن ما بيده في فرض الشك` بين الثلاث والاربع هو الاربع , والالتزام بعدم النقص , وإلا فلا تدافع بين`


320
القاعدتين أصلا , كما هو كذلك جزما , فلا يتحقق العلم الاجمالي بكذب مفاد` أحد الاصلين . و على فرص التنافي , فيما أن جريان قاعدة البناء على الاكثر في` العصر فرع جريان قاعدة الفراغ في الظهر , فلايمكن أن يكون معارضا لها , و إن` لم تكن امارة , فعليه أن يأتي بركعة متصلة , ولا يحتاج لصلاة الاحتياط , ولا` باعادة الصلاة أصلا , إنتهى` .

وليت شعرى , كيف لايكون تنافيا بين القاعدتين مع العلم الاجمالي` المذكور ؟ أليس معنى جريانهما , الحكم بالتمام في الظهر , والبناء على الاربع` في العصر ؟ أو ليس هذا منافيا للعلم بنقصان إحداهما ؟ و قضية الفرعية أيضا لا` محصل له , فانه لم يؤخذ في دليل البناء على الاكثر في العصر تقديم جريان` القاعدة في الظهر , بل دليل كلتيهما مطلق , و ينطبقان على الصلاتين معا في` عرض واحد , و يحصل التنافي , بل لو فرضنا الطولية , فبعد تصحيح صلاة الظهر` باحدى القاعدتين ينقح موضوع الاخرى , فيجرى في العصر , و يحصل المحذور . ثم` إن ما ذكره من لزوم الاتيان بالركعة المتصلة غريب , لان المفروض وجود` الشك بعد , و بالاتيان بالركعة المتصلة , لايكون المكلف جازما بالاتيان بأربع` ركعات` .

2 ـ أدلة البناء على الاكثر قاصرة عن شمول مثل المقام , حيث إن` موضوعها هو الشك الساذج بين الاقل و الاكثر في الركعات . أما هنا , فالشك` ناش عن علم إجمالي بين نقص هذه و الاخرى , فليس شكا مستقلا في نقص هذه , أو` تمامها , الذى هو موضوع أدلة البناء . و على ذلك , فلا تدافع بين القاعدتين ,` لان قاعدة البناء على الاكثر لاتجري في الثانية رأسا , بل مقتضى قاعدة` الاشتغال فيها هو الاتيان بركعة متصلة , و تجرى قاعدة الفراغ بالنسبة الى` الاولى , إنتهى` .

و ملخص ما ذكره , أن موضوع أدلة البناء الشك الساذج , و هو الشك`


321
البدوى , لا المقرون بالعلم الاجمالي . و هذا مع أنه خلاف ظاهر الدليل , و أن` موضوعه الشك , سواء كان بدويا , أو مقرونا , ينافي ما التزم به من جريان` قاعدة الفراغ في الاولى . فان موضوع القاعدة أيضا الشك . ولنا أن ندعي أنه هو ` الشك البدوى لا المقرون . ثم إن قاعدة الاشتغال , لا يقتضي الاتيان بركعة` متصلة , لانه لا يحصل به القطع بالفراغ كما لايخفى` .

3 ـ قاعدة البناء على الاكثر لاتشمل المقام , للعلم بعدم صحة إتمام` الصلاة عصرا , فانها إما ناقصة ركعة , أو يجب العدول بها الى الظهر . و يعتبر في` جريان القاعدة احتمال صحة الصلاة في نفسها إنتهى` .

ولا يخفى أنه لو سلمنا كون احتمال صحة الصلاة في نفسها معتبرا في` جريان القاعدة , أى لاتجرى القاعدة في الصلاة التي نجزم ببطلانها , إلا أن` تقييدها بأزيد من ذلك , و اعتبار احتمال صحتها عصرا , ممنوع , لعدم الدليل` عليه بعد إطلاق دليلها . بل لا نسلم دخل احتمال الصحة في جريانها أيضا ,` و يكفي تصحيحها بنفس القاعدة , من دون أن يكون احتمال الصحة موضوعا` لها , كل ذلك للتمسك باطلاق دليل القاعدة . فالقاعدتان في عرض واحد` تنطبقان على الصلاتين , و تصححان الصلاتين , ولا ترتب بينهما أصلا . نعم` إشكال , التنافي الذى ذكره الماتن بعد باق على حاله` .

4 ـ لامانع من اعمالهما , فان إعمال قاعدة الفراغ لايثبت كون العصر` ناقصا , و مع بقاء الشك يجبر نقصه إن كان بصلاة الاحتياط , فمع احتمال` تمامية الظهر و نقص العصر يكون المورد مجرى القاعدتين , إنتهى` .

نعم الشك في طرفي العلم الاجمالي مجرى القاعدتين , إلا أن إشكال التنافي` يوجب سقوطهما عن الطرفين , كما ذكره الماتن ـ قدس سره ـ إلا أن يقال إنه` لامعنى للتنافي في المسألة , إلا مخالفة مفاد القاعدتين مع المعلوم بالاجمال , و هذا` لا إشكال فيه في ركعات الصلاة , فان وزان القاعدة خصوصا البناء على الاكثر وزان`


322
تقييد الواقع , ولذا لو شك في صلاة و بنى على الاكثر , و بعد صلاة الاحتياط` انكشف الخلاف لاتجب اعادة الصلاة . أو لو فرض أنه شك في صلاة الظهر` و بنى على الاكثر و أتى بصلاة الاحتياط , ثم شك في العصر و بنى على الاكثر فيها` وأتى بصلاة الاحتياط , ثم علم إجمالا بنقص إحداهما , لاتجب الاعادة . نعم في` قاعدة الفراغ , لايحكم بالصحة واقعا , و لذا لو انكشف الخلاف يحكم بلزوم` الاعادة , لكن يكفي في رفع التنافي , ما ذكرنا في البناء على الاكثر . فلامانع` من إجراء القاعدتين ولا تنافي أصلا` .

قال : السابعة و العشرون : لو علم أنه صلى الظهرين ثماني ركعات` ولكن لم يدر أنه صلى كلا منهما أربع ركعات , أو نقص من أحداهما` ركعة وزاد في الاخرى , بنى على أنه صلى كلا منهما أربع ركعات ,` عملا بقاعدة عدم اعتبار الشك بعد السلام . و كذا اذا علم أنه صلى` العشاءين سبع ركعات , و شك بعد السلام في أنه صلى المغرب ثلاثة` و العشاء أربعة , أو نقص من أحداهما وزاد في الاخرى , فيبني على` صحتها` .

أقول : ما أفاده هو الصحيح , و وجهه ظاهر`

قال : الثامنة و العشرون : اذا علم انه صلى الظهرين ثمان ركعات ,` و قبل السلام من العصر شك في أنه هل صلى الظهر أربع ركعات فالتي` بيده رابعة العصر , أو انه نقص من الظهر ركعة فسلم على الثلاث و هذه` التي بيده خامسة العصر . فبالنسبة الى الظهر شك بعد السلام . و بالنسبة` الى العصر شك بين الاربع و الخمس , فيحكم بصحة الصلاتين , إذ`


323
لامانع من إجراء القاعدتين . فبالنسبة الى الظهر تجرى قاعدة الفراغ` و الشك بعد السلام , فيبني على أنه سلم على الاربع . و بالنسبة الى العصر` يجرى حكم الشك بين الاربع و الخمس , فيبني على الاربع اذا كان بعد` إكمال السجدتين فيتشهد و يسلم , ثم يسجد سجدتي السهو . و كذا الحال` في العشاءين , اذا علم قبل السلام من العشاء أنه صلى سبع ركعات ,` و شك في أنه سلم من المغرب على ثلاث فالتي بيده رابعة العشاء أو سلم` على الاثنتين فالتي بيده خامسة العشاء , فانه يحكم بصحة الصلاتين` و إجراء القاعدتين` .

أقول : قد ظهر وجه هذه المسألة أيضا , مما ذكرنا في المسألة السادسة و العشرين ,` بل لو قلنا بالتنافي بين القاعدتين هناك لانقول به هنا , كما بنى الماتن ` ـ قدس سره ـ على التنافي هناك , و أجراهما في المسألة . والسرفيه , أنه في مسألتنا` لايحصل مخالفة عملية للواقع , بخلاف تلك المسألة على مبناه ـ رحمه الله ـ` .

قال : التاسعة و العشرون : لو انعكس الفرض السابق , بأن شك` بعد العلم بأنه صلى الظهرين ثمان ركعات قبل السلام من العصر في` أنه صلى الظهر أربع فالتي بيده رابعة العصر . أو صلاها خمسا فالتي بيده` ثالثة العصر . فبالنسبة الى الظهر شك بعد السلام , و بالنسبة الى العصر` شك بين الثلاث والاربع . ولا وجه لاعمال قاعده الشك بين الثلاث` والاربع في العصر , لانه إن صلى الظهر أربعا فعصره أيضا أربع , فلا` محل لصلاة الاحتياط . و إن صلى الظهر خمسا فلاوجه للبناء على الاربع`


324
في العصر و صلاة الاحتياط . فمقتضى القاعدة إعادة الصلاتين` .

نعم لو عدل بالعصر الى الظهر و أتى بركعة اخرى و أتمها , يحصل له` العلم بتحقق ظهر صحيحة مرددة بين الاولى إن كان في الواقع سلم` فيها على الاربع , و بين الثانية المعدول بها إليها إن كان سلم فيها على` الخمس . و كذا الحال في العشاءين , اذا شك بعد العلم بأنه صلى سبع` ركعات قبل السلام من العشاء , في إنه سلم في المغرب على الثلاث حتى` يكون ما بيده رابعة العشاء . أو على الاربع حتى يكون ما بيده ثالثتها` . و هنا أيضا اذا عدل الى المغرب و أتمها يحصل له العلم , بتحقيق مغرب` صحيحة , أما الاولى أوالثانية المعدول إليها . و كونه شاكا بين الثلاث` والاربع , مع أن الشك في المغرب مبطل لايضر بالعدول , لان في هذه ` الصورة يحصل العلم بصحتها , مرددة بين هذه والاولى , فلايكتفي بهذه` فقط حتى يقال إن الشك في ركعاتها يضر بصحتها` .

أقول : نتيجة ما ذكره من التعليل , لعدم إعمال قاعدة الشك بين الثلاث` والاربعفي العصر , عدم إمكان تصحيح العصر , لاعدم جريان قاعدة الفراغ في` صلاة الظهر . فقوله (( فمقتضى القاعدة اعادة الصلاتين )) غير مترتب على ذلك ,` بل نتيجة ما أفاد صحة صلاة الظهر و لزوم إعادة العصر , مع أنه لايخفى ما في` التعليل المزبور , فان قوله : (( إن صلى الظهر أربعا فعصره أيضا أربع , فلا محل ` لصلاة الاحتياط . و إن صلى الظهر خمسا , فلا وجه للبناء على الاربع في العصر` و صلاة الاحتياط )) في قوة أن يقال في جميع موارد الشك بين الثلاث و الاربع في` الصلاة , أنه إن صلى أربعا فلا محل لصلاة الاحتياط , و إن صلى ثلاثا فلا`


325
وجه للبناء على الاربع وصلاة الاحتياط . وجوابه : أن نفس الشك بين الثلاث` والاربعموضوع للبناء على الاربع وصلاة الاحتياط . و في المقام أيضا هذا الشك` موجود , فقاعدة البناء شاملة له بحسب الاقتضاء , و أما معارضتها مع قاعدة` الفراغ في الظهر أمر آخر نذكرها , و لم تذكر في عبارة الماتن` .

و مما ذكرنا ظهر ما في كلام بعض أساتيذنا في التعليقة فانه قال على` التعليل المذكور (( لايخفى ما في هذا التعليل )) و الصحيح هو التعليل بأن العلم` بعدم الحاجة الى صلاة الاحتياط لجبر النقص المحتمل في العصر مانع عن شمول` القاعدة لها , لانها إن كانت تامة لم تحتج الى صلاة الاحتياط . و إن كانت ناقصة` وجب العدول بها الى الظهر . و على كل حال لايجبر نقصها المحتمل بصلاة` الاحتياط . و عليه فلامانع من جريان قاعدة الفراغ في الظهر , فتجب إعادة` العصر خاصة . هذا , فان نتيجة التفكيك بين طرفي الشك , و ملاحظة كل` منهما , و إن كان عدم لزوم صلاة الاحتياط على كل حال , إلا أن هذا لازم في` جميع موارد الشك . و اذا كان نفس الشك موضوعا لصلاة الاحتياط فهو موجود` فيما نحن فيه أيضا , فتجب صلاة الاحتياط ` .

نعم يمكن أن يعبر عما أفاده , و الظاهر أن مراده أيضا ذلك أن جبر صلاة` الاحتياط في موارد الشك إنما يكون على تقدير النقص , و هذا ظاهر قوله` عليه السلام (( ألا اعلمك شيئا اذا فعلته ثم ذكرت أنك إن أتممت أو نقصت لم` يكن عليك شيء )) ( 1 ) و في المقام على تقدير النقص لايجبر بصلاة الاحتياط فانه` على هذا التقدير صلاة الظهر باطلة , فيجب العدول إليها . ولكن لايمكن` المساعدة لهذا أيضا , فان التعبد بصحة الظهر مطلقا يرفع موضوع وجوب` العدول , والتزم هو أيضا بذلك . `

( 1 ) الوسائل : ج 5 باب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 3 . `


326

و بعبارة اخرى : الملازمة بين وجوب العدول و نقص العصر إنما هي فيما اذا` لم يتعبد الشارع بصحة الظهر , وإلا فبتحكيم دليل التعبد نثبت تمامية صلاة` الظهر حتى اذا كان العصر ناقصا , كما اختاره أيضا , و حينئذ يمكن جبر النقص` بصلاة الاحتياط . نعم نبقى نحن و معارضة قاعدة الفراغ في الظهر , و قاعدة البناء` في العصر . و بما أنه لايحصل قطع بالمخالفة العملية , فلا مانع من جريانهما , فان ` غاية ما يمكن أن يلزم في المقام كون صلاة الظهر خمسا و العصر ثلاثا . ولكن` هذا ليس جزميا , بل غايته الاحتمال , و قد ألغى الشارع احتمال ذلك بجريان` القاعدتين , كما لايخفى` .

و بالجملة أن المعارضة انما توجب رفع اليد عن القواعد اذا لزم من جريانها` مخالفة عملية جزمية . و مع جريان القاعدتين في المقام لايلزم ذلك , فالصحيح` الالتزام بصحة الظهر و لزوم البناء و صلاة الاحتياط في العصر` .

قال : الثلاثون : اذا علم أنه صلى الظهرين تسع ركعات , ولا يدرى` أنه زاد ركعة في الظهر او في العصر . فان كان بعد السلام من العصر` وجب عليه إتيان صلاة أربع ركعات بقصد ما في الذمة . و إن كان قبل` السلام , فبالنسبة الى الظهر يكون من الشك بعد السلام , و بالنسبة الى` العصر من الشك بين الاربع والخمس . ولايمكن إعمال الحكمين . لكن` لو كان بعد إكمال السجدتين و عدل الى الظهر و أتم الصلاة و سجد` للسهو يحصل له اليقين بظهر صحيحة , إما الاولى أو الثانية` .

أقول : أما ما أفاده من وجوب الاتيان بصلاة أربع ركعات بقصد ما في` الذمة في الصورة الاولى , أى حصول العلم الاجمالي بعد السلام , فوجهه ظاهر ,` لعدم جواز الرجوع الى القواعد والاصول المصححة لكلتا الصلاتين , فان فساد`


327
إحداهما معلوم إجمالا , فمقتضى لزوم إحراز الفراغ عن عهدة التكليف المعلوم` الاتيان بما ذكر` .

و أما ما أفاده في الصورة الثانية , و هي حصول العلم الاجمالي قبل السلام ,` فقد تقدم في المسألة السابقة , عدم إمكان المساعدة له و مقتضى التعبد الحكم` بصحة الظهر , و لزوم عمل الشك بين الاربع والخمس في صلاة العصر , ولا` بأس بالعلم بالخلاف في أحد الحكمين , فان باب التعبد والتنزيل واسع ,` ويجيء توضيحه في المسألة الاتية . ولايتم ماذكره السيد الاستاذ في هذه` المسألة , كالمسألة السابقة بعين البيان المتقدم` .

قال : الحادية والثلاثون : اذا علم أنه صلى العشاءين ثمان ركعات` ولا يدرى أنه زاد الركعة الزائدة في المغرب أو في العشاء , وجب` إعادتهما , سواء كان الشك بعد السلام من العشاء أو قبله` .

أقول : ظهر مما تقدم لزوم التفصيل بين الصورتين , بوجوب إعادتهما , لو` كان الشك بعد السلام . و اما قبله , فالظاهر الحكم بصحة المغرب , و وجوب` عمل الشك بين الاربع و الخمس في صلاة العشاء . ولا بأس بحصول العلم` بالخلاف في الحكمين لعدم إحراز المخالفة العملية , كما ذكرنا في المسألة` السابقة . فان هذا هو مقتضى التعبد و التنزيل في المقام` .

و بعبارة اخرى : ليس حال العلاج في شكوك الصلاة حال الاحكام` الظاهرية التي تكون مفاد أدلة الامارات و الاصول , حتى يحكم بعدمها في موارد` العلم الاجمالي , بل لادلة العلاج في المقام نحو تنزيل و تحكيم , و لذا لا يجب` إعادة الصلاة في مورد تبين نقصان الصلاة بعد صلاة الاحتياط في الشكوك` الصحيحة التي توجبها , فتدبر جيدا . و بعد في النفس شيء في المسألتين ,`


328
و طريق الاحتياط واضح` .

قال : الثانية و الثلاثون : لو أتى بالمغرب ثم نسي الاتيان بها , بأن` اعتقد عدم الاتيان , أو شك فيه فأتى بها ثانيا , و تذكر قبل السلام أنه` كان آتيا بها , ولكن علم بزيادة ركعة , إما في الاولى أو الثانية , له أن` يتم الثانية و يكتفي بها بحصول العلم بالاتيان بها , إما أولا أو ثانيا` . ولايضره كونه شاكا في الثانية بين الثلاث و الاربع , مع أن الشك في` ركعات المغرب موجب للبطلان , لما عرفت سابقا من أن ذلك اذا لم` يكن هناك طرف آخر يحصل معه اليقين بالاتيان صحيحا . و كذا` الحال اذا أتى بالصبح , ثم نسي و أتى بها ثانيا , و علم بالزيادة إما في` الاولى أو الثانية` .

أقول : ما أفاده في هذه المسألة صحيح , و وجهه ظاهر , كما ذكره . نعم يبقى` في المسألة شيء , تعرض له غير واحد من المحشين , و هو أنه يجوز له الاكتفاء` بالاولى , و يبني على صحتها بقاعدة الفراغ , و مع عدم تسليم ما أفاده في المتن في` جواب المناقشة يمكننا الحكم بصحة الصلاة الاولى على أى حال` .

قال : الثالثة و الثلاثون : اذا شك في الركوع و هو قائم وجب عليه` الاتيان به , فلو نسي حتى دخل في السجود فهل يجرى عليه حكم الشك` بعد تجاوز المحل أم لا ؟ الظاهر عدم الجريان , لان الشك السابق باق و` كان قبل تجاوز المحل . و هكذا لوشك في السجود قبل أن يدخل في` التشهد ثم دخل فيه نسيانا و هكذا` .


329

أقول : ليس الوجه في عدم جريان حكم الشك بعد تجاوز المحل ما ذكره من` بقاء الشك السابق , فان الشك ـ و هو الحالة النفسانية الترديدية الاولى ـ قد` ارتفع بالنسيان جزما , و الحالة الثانية وجدت بعد تجاوز المحل قطعا . بل الوجه` في ذلك أنه حين حصول الشك أولا كان في المحل , و تنجز عليه وجوب الاتيان` بالركوع , و لم يأت به , و الشك الثاني ليس في إتيان هذا التكليف المنجز , حتى` يقال بأنه شك بعد المحل , فان المفروض العلم بعدم الاتيان بالركوع بعد` حصول الشك في المحل` .

قال : الرابعة و الثلاثون : لو علم نسيان شيء قبل فوات محل` المنسي , و وجب عليه التدارك , فنسي حتى دخل في ركن بعده , ثم` انقلب علمه بالنسيان شكا , يمكن إجراء قاعدة الشك بعد تجاوز المحل ,` و الحكم بالصحة إن كان ذلك الشيء ركنا , و الحكم بعدم وجوب` القضاء , و سجدتي السهو فيما يجب فيه ذلك . لكن الاحوط مع الاتمام` إعادة الصلاة اذا كان ركنا . و القضاء و سجدتا السهو في مثل السجدة` و التشهد , و سجدتا السهو فيما يجب في تركه السجود` .

الخامسة و الثلاثون : اذا اعتقد نقصان السجدة أو التشهد مما يجب` قضاؤه , أو ترك ما يوجب سجود السهو في أثناء الصلاة , ثم تبدل` اعتقاده بالشك في الاثناء , أو بعد الصلاة , قبل الاتيان به , سقط` وجوبه . و كذا اذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها , ثم زال` اعتقاده` .

أقول : الوجه في هاتين المسألتين أن المدار في جريان أحكام الشك و السهو`


330
و غير هما , الحالة الفعلية للمكلف , فالشاك الفعلي مع كونه معتقدا سابقا او ` ناسيا يعمل بوظيفة الشك . و المعتقد الفعلي و إن كان شاكا قبلا , يعمل` باعتقاده` .

نعم , هنا أمر لا بأس بالتنبيه عليه , و هو أنه يمكن دعوى اختصاص ذلك` بما اذا حصل العلم بالنسيان في المسألة الاولى , و العلم بالنقصان في المسألة` الثانية بعد التجاوز , و أما اذا حصل العلم بهما في المحل فاجراء القاعدة بالنظر` الى الحالة الفعلية محل إشكال , لا لما افيد من انصراف دليل القاعدة عن` ذلك , بل لما مر من أن تنجز التكليف قبل النسيان و التبدل يوجب الخروج ` عن عهدته , و عروض الشك بعد النسيان أو تبدل الاعتقاد بالشك لا يوجب` ذلك ` .

قال : السادسة و الثلاثون : اذا تيقن بعد السلام ـ قبل إتيان المنافي` عمدا أو سهوا ـ نقصان الصلاة , و شك في أن الناقص ركعة أو ركعتان ,` فالظاهر أنه يجرى عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث , فيبني على` الاكثر , و يأتي بالقدر المتيقن نقصانه , و هو ركعة اخرى , و يأتي بصلاة` احتياطية . و كذا اذا تيقن نقصان ركعة , و بعد الشروع فيها شك في ركعة` اخرى . و على هذا فاذا كان مثل ذلك في صلاة المغرب و الصبح , يحكم` ببطلانهما , و يحتمل جريان حكم الشك بعد السلام بالنسبة الى الركعة` المشكوكة , فيأتي بركعة واحدة من دون الاتيان بصلاة الاحتياط , و عليه` فلا تبطل الصبح و المغرب أيضا بمثل ذلك , ويكون كمن علم نقصان` ركعة فقط` .


331

أقول : أفاد سيدنا الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ في التعليقة على (( يحتمل )) لكنه ` لا وجه له , و قال السيد الاستاذ ـ مدظله ـ في تعليقته على ذلك : هذا الاحتمال ` ضعيف جدا . و ما ذكراه هو الصحيح , فان عدم اعتبار الشك بعد السلام , إنما ` يكون في السلام الصلاتي , لا السلام الزائد , كما هو المفروض في المسألة` . و الوجه في المسألة ما أفاده الماتن قبل الاحتمال بما لا مزيد عليه` .

قال : السابعة و الثلاثون : لو ثيقن بعد السلام قبل إتيان المنافي` نقصان ركعة , ثم شك في أنه أتي بها أم لا , ففي وجوب الاتيان بها ,` لاصالة عدمه أو جريان حكم الشك في الركعات عليه و جهان , والاوجه` الثاني` .

و أما احتمال جريان حكم الشك بعد السلام عليه فلا وجه له ,` لان الشك بعد السلام لايعتنى به اذا تعلق بما في الصلاة , و بما قبل` السلام , و هذا متعلق بما وجب بعد السلام` .

أقول : لايخفى ما فيما ذكره أخيرا من دليل نفي احتمال جريان الشك بعد` السلام , بأن هذا متعلق بما وجب بعد السلام . فانه بعد فرض اليقين بنقص` الركعة لايكونالسلام سلاما صلاتيا , بل هو سلام زائد واقع في الصلاة` . و بهذا يرد الاحتمال المذكور أيضا . فان جريان حكم الشك بعد السلام على المورد` موقوف على كون السلام سلاما صلاتيا , و هذا سلام زائد على الفرض` .

و أما أصل المسألة : فقد أفاد سيدنا الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ في التعليقة على` (( والاوجه الثاني )) . بل الاوجه الاول على ما هو ظاهر المفروض من الشك في` إتيانها تاما , و عدم إتيانها رأسا . فانه مع الاتيان بركعة متصلة يقطع ببراءة


332
` الذمة , و أدلة البناء على الاكثر لاتشمل المفروض , نعم مع القطع بعدم تحقق` السلام و عروض الشك في حينه , فالظاهر جريان حكم الشك , لكنه خلاف` المفروض ظاهرا , إنتهى` .

و قال السيد الاستاذ في تعليقته على ذلك : هذا اذا لم يعلم بقوع السلام` على تقدير الاتيان بالركعة الناقصة , و أما مع العلم بوقوعه على تقديره فلا يخلو` الوجه الاول عن وجه وجيه , إنتهى` .

والوجه الوجيه ما في كلام الاستاذ المحقق , من أن الاتيان بركعة متصلة` في هذا الفرض يوجب القطع ببراءة الذمة , ولا تجرى أدلة العلاج بالبناء على` الاكثر و الاتيان بالركعة المفصولة , لان موردها حصول الشك في الصلاة` لامطلقا . و في الفرض يحتمل تمامية الصلاة و حصول الشك بعدها` . والاستصحاب لا يثبت موضوع دليل العلاج , فلايمكن التمسك به , إلا اذا قلنا` بجواز التمسك بالدليل في الشبهات المصداقية , ولا نقول به . فالصحيح ما أفاده` ـ مدظله ـ في التعليقة من التفصيل` .

قال : الثامنة و الثلاثون : اذا علم أن ما بيده رابعة و يأتي به بهذا` العنوان , لكن لايدرى أنها رابعة واقعية أو رابعة بنائية , و أنه شك سابقا` بين الاثنتين والثلاث فبنى على الثلاث , فتكون هذه رابعة بعد البناء` على الثلاث , فهل تجب عليه صلاة الاحتياط لانه و إن كان عالما بأنها` رابعة في الظاهر إلا أنه شاك من حيث الواقع فعلا بين الثلاث والاربع ,` أو لا تجب , لاصالة عدم شك سابق . والمفروض أنه عالم بأنها رابعة` فعلا ؟ وجهان : والاوجه الاول` .

أقول : بل الوجه هو الاول , ولا وجه للثاني , فانه لا أثر لاصالة عدم الشك`


333
السابق , والمدار على الحال الفعلي , و هو الشك بين الثلاث والاربع , سواء كان ` شاكا قبلا أم لا` .

قال : التاسعة والثلاثون : اذا تيقن بعد القيام الى الركعة التالية أنه` ترك سجدة أو سجدتين أو تشهدا , ثم شك في أنه هل رجع و تدارك ثم` قام , أو هذا القيام هو القيام الاول ؟ فالظاهر وجوب العود الى` التدارك , لاصالة عدم الاتيان بها بعد تحقق الوجوب . و احتمال جريان` حكم الشك بعد تجاوز المحل ـ لان المفروض أنه فعلا شاك و تجاوز عن` محل الشك ـ لا وجه له , لان الشك إنما حدث بعد تعلق الوجوب , مع` كونه في المحل بالنسبة الى النسيان , و لم يتحقق التجاوز بالنسبة الى هذا` الواجب` .

أقول : الاولى أن يقال : إن الترديد المزبور مساوق للشك في أن ما بيده من` القيام هو القيام الزائد أو القيام الصلاتي , و معه لم يحرز التجاوز , و يكون المورد` من موارد الشبهة المصداقية لقاعدة التجاوز , و حينئذ لابد من الاتيان` بالمشكوك , عملا بقاعدة الاشتغال المعبر عنها بأصالة عدم الاتيان في المتن` .

ذكر المحقق العراقي ـ رحمه الله ـ مالفظه : بعد فرض حدوث الشك في قيام` يصلح للجزئية , لاقصور حينئذ في جريان القاعدة بالنسبة الى السجدة` المشكوكة , و مجرد العلم بوجود قيام باطل في البين ـ مع احتمال كون ذلك غيره ـ` غير مضر بوجود موضوع القاعدة كما لايخفى فتأمل , إنتهى` .

و فيه : أنه لو أراد من (( قيام يصلح للجزئية )) أنه صالح لها , فالصغرى غير` محرزة , فان القيام الباطل , غير صالح للجزئية , و المفروض احتمال كون هذا` القيام هو القيام الباطل . ولو أراد من ذلك أنه يحتمل أن يكون جزء , فالكبرى `


334
ممنوعة , لعدم جواز التمسك بالدليل في موارد الشبهات المصداقية` .

و ذكر سيدنا الاستاذ في رد ما ذكره المحقق المذكور ـ رحمه الله ـ أن المعتبر هو ` الدخول في الغير المترتب , فصرف كونه في القيام مع احتمال كونه غير داخل في ` الغير أصلا لايكفي في جريانها , بل لابد من أحراز الدخول في الغير المترتب ,` إنتهى موضع الحاجة` .

و فيه : منع اعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز , فضلا عن اعتبار` كون الغير من الغير المترتب , بل موضوع القاعدة هو صدق التجاوز فان الشك` اذا كنت في شيء لم تجزه , و المصداق مشكوك في المقام , و تمام الكلام في` محله . `

قال : الاربعون : اذا شك بين الثلاث و الاربع مثلا , فبنى على` الاربع , ثم أتى بركعة اخرى سهوا , فهل تبطل صلاته من جهة زيادة` الركعة , أم يجرى عليه حكم الشك بين الاربع والخمس ؟ و جهان ,` و الاوجه الاول` .

أقول : الوجه في ذلك تنجز حكم الشك بين الثلاث والاربع في حقه ,` والمفروض عدم الاتيان بهذه الوظيفة , و الاتيان بركعة زائدة عليها . و هي تبطل` الصلاة ولو كان سهوا . و تبدل الشك بالشك بين الاربع والخمس لايوجب` الانقلاب في ما تنجز على المكلف . و مخالفته بما تبطل الصلاة به , قبل انقلاب` الشك الاول بشك آخر` .

هذا هو الوجه , لا ما يقال من انصراف دليل علاج الشك بين الاربع` والخمس , بالشك الحادث , لا الشك المتولد من الشك الاخر , ولا تعارض` القاعدتين والرجوعالى الاشتغال , فانه يمكن منع الانصراف , و دعوى إطلاق`


335
الدليل . ولا تعارض بين القاعدتين اذا كانت إحدا هما جارية في صلاة باطلة ,` كما في المقام . فان الشك بين الاربع و الخمس إنما حدث بعد تعبد الشارع` ببطلان الصلاة , كما ذكرنا` .

قال : الحادية والاربعون : اذا شك في ركن بعد تجاوز المحل , ثم أتى` به نسيانا , فهل تبطل صلاته من جهة الزيادة الظاهرية أو لا ؟ من جهة` عدم العلم بها بحسب الواقع . و جهان , والاحوط الاتمام و الاعادة` .

أقول : في تعليقة استاذنا المحقق ـ مدظله ـ أوجههما الاول , و في تعليقة السيد ` الاستاذ ـ مدظله ـ أظهرها البطلان . ولكن لاوجاهة ولا ظهور للثاني , أى` الصحة . فان الحكم بالصحة من جهة عدم العلم بالزيادة ـ بحسب الواقع أيضا ـ` ليس إلا حكما ظاهريا , يحكم بها لاصالة البراءة عن مانعية ما احتمل زيادته` .

و هذا محكوم بالدليل الاجتهادى الدال على عدم جواز الاعتناء بالشك في المحل . ` فالزيادة و إن كانت ظاهرية إلا أن دليل البطلان بها هو الدليل الاجتهادى ,` و دليل الصحة أصالة البراءة , ولا يخفى تقدم الدليل على الاصل العملي` .

قال : الثانية والاربعون : اذا كان في التشهد , فذكر أنه نسي` الركوع , و مع ذلك شك في السجدتين أيضا , ففي بطلان الصلاة من` حيث إنه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنه أتى بالسجدتين , فلا محل` لتدارك الركوع . أو عدمه , إما لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم` من أجرائها بطلان الصلاة , و إما لعدم إحراز الدخول في ركن آخر ,` و مجرد الحكم بالمضي لايثبت الاتيان . و جهان , و الاوجه الثاني ` .


336
و يحتمل الفرق بين سبق تذكر النسيان و بين سبق الشك في السجدتين ,` والاحوط العود الى التدارك , ثم الاتيان بالسجدتين , و إتمام الصلاة ,` ثم الاعادة , بل لايترك هذا الاحتياط` .

أقول : مقتضى أصالة عدم الاتيان بالسجدتين هوالرجوع والاتيان بالركوع` و بالسجدتين و إتمام الصلاة , و تكون محكومة بالصحة . ولا تجرى قاعدة` التجاوز بالنسبة الى السجدتين , و ذلك لما في المتن من الوجه الاول , و هو أن` مورد جريان القاعدة ما تكون القاعدة مصححة للصلاة لا مبطلة كما في المقام` . مع أن السجدتين المشكوك فيهما لم يؤمر بهما قطعا , فلا معنى لجريان قاعدة` التجاوز بالاضافة اليهما . و أما ما في المتن من الوجه الثاني فلا يتم لان لسان أدلة` القاعدة ليس مجرد المضي , بل لسان بعضها التعبد بالجزء المشكوك فيه كقوله` (( بلى قد ركع` . ((

و ذكر سيدنا الاستاذ وجها آخر لعدم جريان القاعدة في المقام , و هو أن` التشهد لم يقع جزء من الصلاة قطعا , فلا يتحقق معه الدخول في الغير . و قد مر` عدم إمكان المساعدة لهذا المبنى , و عدم اعتبار الدخول في الغير في جريان` القاعدة , و كفاية المضي و التجاوز في ذلك . فالصحيح ما مر من لزوم الرجوع , ` والاتيان بالمنسي و المشكوك , و إتمام الصلاة , بلا فرق بين سبق تذكر النسيان` و بين سبق الشك في السجدتين . فان الشك السابق يرتفع موضوعه بتذكر` النسيان , كما أن الشك يوجب تغيير حكم النسيان` .

قال : الثالثة و الاربعون : اذا شك بين الثلاث والاربع مثلا , و علم` أنه على فرض الثلاث ترك ركنا , أو ما يوجب القضاء , أو ما يوجب` سجود السهو , لا إشكال في البناء على الاربع , و عدم وجوب شيء`


337
عليه , و هو واضح , و كذا اذا علم أنه على فرض الاربع ترك ما يوجب` القضاء , أو ما يوجب سجود السهو , لعدم إحراز ذلك بمجرد التعبد` بالبناء على الاربع . و أما اذا علم أنه على فرض الاربع ترك ركنا أو غيره` مما يوجب بطلان الصلاة , فالاقوى بطلان صلاته , لا لاستلزام البناء` على الاربع ذلك , لانه لايثبت ذلك بل للعلم الاجمالي بنقصان الركعة` أو ترك الركن مثلا , فلايمكن البناء على الاربع حينئذ` .

أقول : لا فرق بين الفرض الاول و الاخير في أن الاقوى بطلان الصلاة` . والوجه فيه ما ذكره سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ من أن جريان قاعدة البناء على` الاكثر , يتوقف على أمرين , احتمال صحة الصلاة في نفسها , و احتمال جبر` النقص المحتمل بصلاة الاحتياط . و عليه فاذا علم الشاك بترك ركن على تقدير` الصلاة فلا يحتمل جابرية الركعة المنفصلة , لانه إما أن صلاته أربع ركعات` فلاحاجة الى الركعة المنفصلة , أو باطلة على تقدير النقص . و اذا علم بترك ركن` على تقدير الاربع فجابرية الركعة المنفصلة , و إن كانت محتملة , إلا أن الصلاة` ـ على تقدير كونها أربع ركعات ـ مقطوعة البطلان , فلا تجرى القاعدة في شيء` من الفرضين , فيحكم ببطلان الصلاة في كليهما , لقاعدة الاشتغال` .

قال : الرابعة والاربعون : اذا تذكر بعد القيام أنه ترك سجدة من` الركعة التي قام عنها , فان أتى بالجلوس بين السجدتين ثم نسي السجدة` الثانية يجوز له الانحناء الى السجود من غير جلوس . و إن لم يجلس أصلا` وجب عليه الجلوس ثم السجود . و إن جلس بقصد الاستراحة والجلوس` بعد السجدتين , ففي كفايته عن الجلوس بينهما و عدمهما وجهان , الاوجه`


338
الاول . ولا يضر نية الخلاف , لكن الاحوط الثاني , فيجلس ثم يسجد` .

أقول : وجه هذه المسألة ظاهر , ولا حاجة الى الاحتياط في الفرض الاخير ,` فانه لم يثبت للجلسة بين السجدتين أو بعد هما عنوان قصدى في الادلة . بل` الثابت مجرد الجلوس بقصد القربة , و المفروض حصوله , فالانطباق قهرى ,` و الاجزاء عقلي` .

قال : الخامسة والاربعون : اذا علم بعد القيام , أو الدخول في` التشهد , نسيان إحدى السجدتين , و شك في الاخرى , فهل يجب عليه` إتيانهما , لانه اذ ارجع الى تدارك المعلوم يعود محل المشكوك أيضا , أو` يجرى بالنسبة الى المشكوك حكم الشك بعد تجاوز المحل ؟ و جهان ,` أو جههما الاول , و الاحوط إعادة الصلاة أيضا` .

أقول : تقدم الكلام في نظير هذه المسألة , في المسألة السابعة عشرة , و قوينا ` هناك احتمال العمل بحكم الشك بعد تجاوز المحل , لصدق المضي و التجاوز` بالنسبة إلى المشكوك , و عود محل المشكوك لادليل عليه , فان المضي بعد تحققه ` لاينقلب عما وقع عليه` .

و ما ذكره السيد الاستاذ ـ مدظله ـ من أن التشهد أو القيام وقع في غير` محله , فالشك في إتيان السجدة الاولى شك في محله , مبني على مبناه , من` اعتبار الدخول في الغير المترتب في جريان القاعدة . ولانقول به , فان الظاهر` من الادلة عدم لزوم الدخول في الغير , فضلا عن الغير المترتب بل اللازم هو` التجاوز عن المحل المفروض في المقام وجوده` .


339

قال : السادسة و الاربعون : اذا شك بين الثلاث و الاربع مثلا` و بعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أنها كانت أربعا , ثم` عاد شكه , فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لعود الموجب و هو الشك . أو` لا , لسقوط التكليف عنه حين العلم , و الشك بعده شك بعد الفراغ ؟` و جهان , والاحوط الاول` .

أقول : عود الشك بحيث يكون العائد عين الزائل غير معقول . و الشك الاول` قد ارتفع بحدوث العلم , و الثاني شك جديد . فأدلة البناء لا تشمل المسألة . و مع ` ذلك لاتجرى قاعدة الفراغ أيضا , لا لما ذكره السيد الاستاذ ـ مدظله ـ من أن` إطلاق دليل البناء يشمل الشك الاول , فان المتيقن من الخارج عن ذلك` الحكم , صورة علمه بتمامية الصلاة اذا لم يتبدل بالشك . و أما في مورد التبدل` فلابد من العمل بما يقتضيه الشك الاول لاطلاق الدليل , فان لازمه جريان` الحكم المذكور حال العلم المتوسط بين الشكين , و هذا كما ترى . و الحكم يدور مدار` موضوعه , و موضوع الحكم قدزال بالعلم . و الشك الثاني لا يوجب عود الموضوع` الزائل لانه مستحيل , بل لما ذكره أخيرا , و هو عدم جريان قاعدة الفراغ في مثله` لفرض الشك في حال العمل , و عدم احتمال الالتفات و اختصاص القاعدة` بصورة عدم الشك حين الفراغ منه` .

فلم يبق إلا قاعدة الاشتغال المقتضية للاتيان بركعة متصلة , و السجدتين` للسلام الزائد , فان الامر دائر بين كون صلاته تامة أو ناقصة , و مع الاتيان` بركعة متصلة , يقطع بالخروج عن العهدة , فمع كونها تامة تكون الركعة زائدة بعد` السلام , و مع كونها ناقصة تكون الركعة جابرة , و السلام الواقع قبلها سلاما` زائدا موجبا لسجود السهو` .


340

قال : السابعة و الاربعون : اذا دخل في السجود من الركعة الثانية` فشك في ركوع هذه الركعة و في السجدتين من الاولى ففي البناء على` إتيانها من حيث إنه شك بعد تجاوز المحل , أو الحكم بالبطلان , لاوله` الى الشك بين الواحدة والاثنتين وجهان , والاوجه الاول . و على هذا فلو` فرض الشك بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين , مع الشك` في ركوع الركعة التي بيده و في السجدتين من السابقة لايرجع الى الشك` بين الواحدة والاثنتين حتى تبطل الصلاة . بل هو من الشك بين` الاثنتين والثلاث بعد الاكمال . نعم لو علم بتركهما مع الشك المذكور` يرجع الى الشك بين الواحدة والاثنتين , لانه عالم حينئذ باحتساب` ركعتيه بركعة` .

أقول : ما ذكره الماتن في هذه المسألة ظاهر , بل تعبيره بأن الاوجه الاول` ليس بوجيه . فانه لا وجاهة للوجه الثاني , لانه بدخوله في القيام الى الثانية` تجاوز عن محل السجدتين , و بدخوله في السجدة تجاوز عن محل ركوع الركعة` الثانية التي قام لها . ولا موجب لاحتمال الغاء القيام الى الركعة الثانية , حتى` يحصل الشك في الركعات` .

قال : الثامنة و الاربعون : لايجرى حكم كثير الشك في صورة العلم` الاجمالي . فلو علم ترك أحد الشيئين إجمالا من غير تعيين يجب عليه` مراعاته . و إن كان شاكا بالنسبة الى كل منهما , كما لو علم حال القيام` أنه إما ترك التشهد أو السجدة , أو لم أجمالا أنه إما ترك الركوع أو`


341
القراءة . و هكذا لو علم بعد الدخول في الركوع أنه أما ترك سجدة` واحدة أو تشهدا , فيعمل في كل واحد من هذه الفروض حكم العلم` الاجمالي المتعلق به , كما في غير كثير الشك` .

أقول : في الامثلة مناقشة , و هي أنه لا خصوصية لكثرة الشك في ملاك` شبهة المسألة , و هي عدم الاعتناء بشك كثير الشك , فان هذه الشبهة جارية ولو` في غير كثير الشك أيضا في هذه الامثلة . فانه بعد التجاوز لا يعتني بالشك , ولو ` لم يكن كثير الشك . والمناسب المثال بالعلم الاجمالي مع كون الشخص باقيا في ` المحل , بحيث لو لم يكن كثير الشك يجب عليه الاتيان` .

و هنا مناقشة اخرى في المثال الثاني , فان ما ذكره مبني على أن يكون` ترك القراءة موجبا لسجدة السهو , وإلا فلا أثر للعلم الاجمالي , و يجرى عليه` حكم كثير الشك بالنسبة الى شكه في الركوع . و كيف كان , التحقيق هو` التفصيل بين ما لو قلنا بالعزيمة أو الرخصة , لعدم الاعتناء بالشك المذكور ,` فعلى الثاني , لابد من الاتيان بالمعلوم بالاجمال و تصح الصلاة . و أما على القول` الاول , فلايجب الاتيان بالمعلوم بالاجمال , بل اللازم إعادة الصلاة , فان العلم` الاجمالي لا يلاحظ فيه العلم فقط , بل إنه علم و شك , و لذا يعبر عن الشك في` طرفه أنه شك مقرون بالعلم الاجمالي . و من هنا يظهر أنه لو علم إجمالا بترك` أحد الجزئين , و علم أيضا الاتيان بأحد هما , لايجب عليه الاتيان بهما , و عليه` إعادة الصلاة فقط , ولو قلنا بالرخصة في ترك الاعتناء` .

و حيث إن الصحيح البناء على العزيمة , لايمكن تصحيح الصلاة بالاتيان` بالجزئين فيها , و تجب إعادة الصلاة` .

قال : التاسعة و الاربعون : لو اعتقد أنه قرأ السورة مثلا , و شك في`


342
قراءة الحمد فبنى على أنه قرأها , لتجاوز محله , ثم بعد الدخول في القنوت` تذكر أنه لم يقرأ السورة . فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضا , لان شكه` الفعلي و إن كان بعد تجاوز المحل بالنسبة الى الحمد لله , أنه هو الشك` الاول الذى كان في الواقع قبل تجاوز المحل , و حكمه الاعتناء به , والعود` الى الاتيان بما شك فيه` .

أقول : ما ذكره هو الصحيح , فان شكه الفعلي بعينه الشك الاول , وليس` شكا جديدا حتى يعامل معه معاملة الشك بعد تجاوز المحل . و أما ما ذكره السيد ` الاستاذ ـ مدظله ـ من لغوية القنوت من جهة وجوب تدارك السورة , فلا تكون` القنوت من الغير المترتب , فقد مر عدم تمامية مبنى هذا البناء . و أغرب من` ذلك ما ذكره بعض الاعاظم من أن لغوية القنوت مانعة من صدق التجاوز` بالنسبة الى الشك في الفاتحة , فان التجاوز والمضي وجداني لايحتاج الى` الاستدلال والبرهان` .

قال : الخمسون : اذا علم أنه إما ترك سجدة أوزاد ركوعا فالاحوط` قضاء السجدة وسجدتا السهو , ثم إعادة الصلاة , ولكن لايبعد جواز` الاكتفاء بالقضاء وسجدة السهو , عملا بأصالة عدم الاتيان بالسجدة` و عدم زيادة الركوع` .

أقول : ذكر السيد الاستاذ في تعليقته على (( ولكن لايبعد جواز الاكتفاء` (( بل هو الاظهر , لا لما ذكر , بل لجريان قاعدة التجاوز في الشك في زيادة الركوع` من دون معارض لان كل ما لايترتب عليه البطلان لا يعارض جريان القاعدة` فيه جريانها فيما يترتب عليه البطلان . و عليه فتجرى أصالة عدم الاتيان`


343
بالسجدة , و يترتب عليه أثره , إنتهى` .

و بعد ما فهمت معنى جريان قاعدة التجاوز في الشك في زيادة الركوع فأين محل ` زيادة الركوع أو عدمها في الصلاة حتى نعرف التجاوز والمضي عنه , ولا سيما` على مبناه , من اعتبار الدخول في الغير المترتب ؟ فأى جزء من أجزاء الصلاة` مترتب على زيادة الركوع أو عدمها ؟ نعم أصالة عدم الاتيان جارية في الركوع` الزائد , و هذا غير قاعدة التجاوز . و أما ما ذكره من المبنى ما مر سابقا , من أنه` لاتجرىالقاعدة لاثبات السجدة للعلم بعدم امتثال أمرها , إما لعدم الاتيان بها ,` أو لبطلان الصلاة . فأصالة عدم الاتيان جارية في الركوع الزائد بلا معارض` . فلو كان الشك في محل السجدة , تجب الاتيان بها , و مع فوت المحل الذكرى` لابد من قضاء السجدة و سجدتا السهو , بلاحاجة الى إعادة الصلاة` .

ولكن ذكرنا سابقا من استحالة انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي` المتولد منه , و لزوم مراعاة مورد الشك في نفسه لتطبيق القواعد , فتقع المعارضة` بين قاعدة التجاوز عن محل السجدة , و أصالة عدم زيادة الركوع , فتسقطان ,` فتصل النوبة إلى أصالة البراءة بالنسبة الى قضاء السجدة و سجدتا السهو ,` و قاعدة الاشتغال بالنسبة إلى إعادة الصلاة . هذا اذا حصل العلم الاجمالي بعد` فوات المحل الذكرى للسجدة . و أما قبل ذلك , و بعد المحل الشكي , فلابد من` التدارك في الصلاة , و إعادة الصلاة لقاعدة الاشتغال في كلتيهما . نعم اذا` حصل العلم في المحل الشكي , فلا معارضة بين قاعدة الاعتناء بالشك في` المحل , و أصالة عدم زيادة الركوع , فيكتفي بتدارك السجدة فقط . و قد مر في` المسائل السابقة توضيحا أكثر مما ذكرنا , فراجع . وقد يتوهم أنه في مورد حصول` العلم الاجمالي بعد المحل الشكي تجرى أصالة عدم الاتيان بالسجدة , و قاعدة` الاشتغال بالنسبة الى أصل الصلاة , ولذا لابد من الجمع بين الوظيفتين` .

و ناقش استاذنا المحقق في جريان أصالة عدم الاتيان بالسجدة , بأن`


344
الموضوع للحكم ليس الترك المطلق , والترك عن سهو ليس له الحالة السابقة` . و هذا إشكال حسن , و نتيجته أن حصول العلم اذا كان قبل المحل الذكرى` فقاعدة الاشتغال بالنسبة الى السجدة تقتضي الاتيان بها , كما أن قاعدة` الاشتغال بالنسبة الى أصل الصلاة تقتضي إعادتها , فيجب الجمع بينهما` .

نعم حصول العلم بعد المحل الذكرى لايقتضي الجمع بين القضاء` والاعادة على هذا المبنى , بل يقتضي لزوم الاعادة فقط , لقاعدة الاشتغال` . و أما التكليف بالقضاء فمورد لاصالة البراءة فينحل العلم الاجمالي حينئذ` .

و نقتصر بما ذكرنا من خمسين فرع من فروع العلم الاجمالي , لما نرى من` كفاية ذلك , و ظهور بقية الفروع المذكورة في العروة و غيرها , مما بيناه في هذه` المسائل` .

والحمد لله رب العالمين` .


345
رسالة في اعتبار اتفاق الافق في اثبات رؤية الهلال `

بسم الله الرحمن الرحيم`

هل تكفي رؤية الهلال في بلد مالاثبات الشهر في جميع البلدان سواء اتفق` الافق بينه و بينها أم اختلف حتى اذا كان البلد المرئي فيه الهلال غربيا` بالنسبة الى تلك البلدان أو لايكفي ذلك ؟ فقد اختار السيد الاستاذ كفاية ذلك` لجميع البلاد و استدل عليه بأمرين . و ملخص دليله الاول ما ذكره في آخر` كلامه بقوله : و من هنا يظهر أن ذهاب المشهور الى اتحاد البلدين في الافق مبني` على تخيل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الارض كارتباط طلوع` الشمس و غروبها , إلا أنه لاصلة لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون اخرى فان` حاله مع وجود الكرة الارضية وعدمها سواء` .

أقول : ليت شعرى أنه لو قطعنا النظر عن بقاع الارض فأى ارتباط بين` القمر و الشمس نسميه بالمحاق أو تحت الشعاع ؟ و أى معنى محصل لقوله لارتباط` خاص بينالقمر و الشمس من دون ارتباط له ببقاع الارض ؟ فلو فهم من تحت` الشعاع أن القمر يكون بين أشعة الشمس يرد عليه أن القمر دائما تحت الشعاع` بهذا المعنى إلا عند الخسوف بلافرق بين كون القمر في المحاق أو لا , فان نصف` القمر منور دائما بالشمس في جميع حالاته طول الشهر , ولو فهم أن القمر في` حالة المحاق يكون في مسافة خاصة للشمس بحيث لايرى . يرد عليه أن القرب` والبعد بالنسبة الى الشمس لايؤثران في الرؤية مادام القمر موجود و يستضيء`


346
من نور الشمس والمانع بين الارض و القمر مفقود` .

فلو قيل : إن أشعة الشمس مانعة عن الرؤية . يقال : مع أن شعاع الشمس` مثبت للرؤية لا أنه مانع لها فافهم , لازم ذلك الحكم بوجود القمر و ترتيب آثار` الشهر , فان المفروض أن عدم الرؤية من جهة المانع و هو شعاع الشمس و مانعية` شعاع الشمس كمانعية الغيم` .

ولو قيل : إن بقاع الارض مانعة عن الرؤية يرد عليه مع أنه خلاف ما هو` بصدده و هو أن حالة المحاق تستدعي عدم الرؤية لازم ذلك ارتباط الارض` أيضا في الخروج عن المحاق ولكن شيئا من ذلك لايتم , و الصحيح أن تحت` الشعاع و كذا المحاق ربط بين القمر و الشمس و بقاع الارض لان الشهر نتيجة` حركة القمر الانتقالية حول الارض على خلاف حركة الارض الوضعية أى` من المشرق الى المغرب , و أسرعية حركة الارض عن حركة القمر بمقدار يقرب` أربعون دقيقة في دور واحد , فان حركة الارض الوضعية من المغرب الى المشرق` و حركة القمر الانتقالية حول الارض من المشرق الى المغرب و تختلف الحركتان` بمقدار أربعين دقيقة في دور واحد , و نتيجة هذا الاختلاف تأخير غروب القمر` عن غروب الشمس كل ليلة بمقدار أربعين دقيقة , فيحصل في كل ليلة موضع` خاص للقمر بالنسبة الى الشمس و بالنسبة الى الارض , و حيث إن نصف كرة` القمر منور دائما بالشمس و نصف كرة القمر المواجه لكرة الارض يختلف` النصف المواجه اللارض باختلاف موضع القمر بحسب الليالي , فقد يكون` النصف المواجه للارض مواجها للشمس أيضا تماما , و لذا يرى تمام هذا` النصف كليالي البيض , و قد يكون بعض النصف المواجه للارض مواجها` للشمس فيرى ذلك البعض و يختلف ذلك باختلاف موضع القمر في الليالي ` و يحصل منه الهلال والتربيع و غير هما , و قد لايكون شيء من النصف المواجه` للارض مواجها للشمس والنصف المنور في الطرف الاخر فلايرى من القمر `


347
شيء و هذا يسمى بالمحاق` .

هذا من ناحية , و من ناحية اخرى أن في ليالي آخر الشهر يكون غروب` الهلال إما مع غروب الشمس أو يختلف بمقدار قليل , و يكون المقدار المنور من` القمر المواجه للشمس و الارض أيضا قليلا فيكون مقهورا لاشعة الشمس بحيث` لايكون قابلا للرؤية , و هذا يسمى بتحت الشعاع , فعلة عدم رؤية الهلال في` الليالي الاخيرة أحد أمرين على سبيل منع الخلو المحاق أو كون القمر تحت` الشعاع , و القوم أطلقوا تحت الشعاع على المحاق أيضا , و عبروا عن ذلك بتحت` الشعاع فقط و قالوا إن بداية الشهر هو خروج القمر عن تحت الشعاع . و من` المعلوم اختلاف كلا الامرين المحاق و تحت الشعاع باختلاف البقاع , فان` ارتباط بقاع الارض في كلا الامرين ارتباط ركني , فلو لم تكن الارض لم يكن` محاق ولا تحت شعاع , فان الاول يحصل من مواجهة النصف المظلم للقمر الى` الارض , والثاني يحصل من اتحاد الغروبين زمانا أو اختلافها يسيرا بحيث يكون` المقدار المنور من القمر ـ اليسير أيضا ـ مقهورا لاشعة الشمس , ولا معنى لشيء` من ذلك مع قطع النظر عن بقاع الارض , و من الظاهر انه تختلف الحالتين` باختلاف البقاع` .

فما ذكره من أن المحاق فرد واحد في الكون لايعقل تعدده بتعدد البقاع مع` أنه مصادرة غير صحيح , فان المحاق وضع القمر للشمس بحيث لاترى الجهة` المنورة منه بالنسبة الى الرائي الواقع في بقعة من بقاع الارض , و اختلاف هذا` باختلاف البقاع ظاهر` .

وما ذكره من أن عدم الرؤية في بلد مع الرؤية في البلد الاخر لمانع` خارجي كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الارض أو ماشاكل ذلك أيضا` لايصح , فانه قد يكون موضع القمر للشمس بالنسبة الى بقعة موضعا لايرى أصلا` و بالنسبة الى البقعة الاخرى لايكون كذلك فيرى . مضافا الى أن ما ذكره`


348
خلف الفرض فان المفروض أن عدم الرؤية في محل دون الاخر من جهة` الاختلاف في الافق لا من جهة المانع الخارجي كشعاع الشمس و بقاع` الارض و ما شاكل ذلك , فقد علم بوضوح أن عدم الرؤية في بلد و الرؤية في` الاخر من جهة إن البلد الاول غير مواجه للجهة المنورة القابلة للرؤية من القمر` والبلد الاخر مواجه لبعض منها , فما ذكره من الدليل الاول دليل على اعتبار` اتحاد الافق , أو كون البلد المرئي فيه بحيث يقطع بوجود الهلال في مطلع البلد` الاخر لا أن يكون دليلا على عدم الاعتبار` .

و أما الدليل الثاني : و هو النصوص , فقد تمسك بجملة من الروايات` و استنتج منها أن رؤية الهلال في بقعة كافية لثبوته في بقية البقاع من دون فرق` في ذلك بين الاتفاق في الافق أو الاختلاف فيه` .

و نحن نبحث لذلك في ضمن أمرين : ( الاول ) هل يصح التمسك باطلاق` الدليل الشرعي لاثبات ذلك أولا ؟ ( الثاني ) هل يتم ما ذكره من الادلة أو` لا ؟`

أما الاول : فالمسلم بينه و بين غيره أن بداية الشهر هو خروج القمر عن` المحاق و عن تحت الشعاع كما ذكره في الامر الاول , و إنما الاختلاف بينه و بين` غيره في أن الخروج عن هذا الوضع هل يختلف باختلاف البقاع أولا ؟` ولايمكن التمسك بالاطلاق لرفع هذا الشك و إثبات أنه لايختلف الخروج عن` المحاق باختلاف البقاع , فان هذا أمر تكويني عبر هو عنه بالظاهرة الكونية ,` ولا مجال لاثبات الامور التكوينية بالاطلاقات بل لابد من مراجعة الفن` المربوط بهذا الامر , و تحقيق أنه هل يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع` او لا يختلف من العلم المدون له` .

إن قلت : الامر التكويني و إن لايثبت باطلاق الدليل الشرعي إلا أن` الاطلاق يثبت حكم ذلك الامر , فلو قال الشارع : إن الفقاع خمر يثبت حكم`


349
الخمر للفقاع و إن لايثبت خمرية الفقاع فانه من الامور التكوينية , و في ما نحن` فيه لو قال الشارع (( فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه )) يثبت حكم ` وجوب القضاء و إن لايثبت أن اليوم الذى أفطر فيه كان من شهر رمضان` .

قلت : مضافا الى أنه خلاف ما هو بصدده فانه في مقام إثبات أن اليوم` المذكور من شهر رمضان و الافطار الواقع فيه إفطار في شهر رمضان , و مضافا إلى` أنه خلاف المقطوع به بيننا و بين الاصحاب من عدم وجوب القضاء لو لم يكن` الافطار في شهر رمضان و من عدم جواز الافطار لو علم أن اليوم من شهر رمضان` بل لايقول بذلك مسلم فضلا عن الفقهاء لايكفي إطلاق المذكور لاثبات` ذلك بل لابد من دليل خاص لاثبات الحكم في صورة عدم الموضوع و هو` الشهر` .

فان المحتمل في هذه المطلقات أمران : ( احدهما ) أن يكون التعبد بالقضاء` مطلقا ولو لم يكن اليوم المفطر فيه من الشهر . ( و ثانيهما ) اختصاص الحكم بصورة` كون اليوم المذكور من الشهر والثاني لو لم يكن موافقا لظاهر الدليل من جهة` التعبير بالقضاء فانه ظاهر في فوت الصوم في الوقت فلا أقل من احتمال` الامرين , فيسقط الاطلاق عن الاستدلال لمخالفة كل من الاحتمالين للظاهر` من جهة` .

فالمتحصل أنه لو أراد من التمسك بالاطلاقات إثبات الشهر واقعا في بلد لم` ير فيه الهلال فهذا من إثبات التكوين بالتعبد , ولو أراد من ذلك إثبات حكم` الشهر فمع أنه خلاف المقطوع به دون إثباته خرط القتاد . فان جميع المطلقات` ناظرة الى بيان لزوم قضاء صوم يوم افطر فيه مع رؤية الهلال في غير البلد , و هذا` لو لم يكن دالا على أن فوت صوم شهر رمضان مفروض في المطلقات ولذا عبر ` فيها بالقضاء و هو التدارك , فلا إطلاق للرواية حتى يلزم التقييد بل الحكم` متقيد من الاول لايكون دالا على الاطلاق أيضا , فان الاطلاق خلاف ظاهر`


350
لفظ القضاء والتحفظ بظاهر القضاء ينافي الاطلاق فلا يمكن التمسك بأصالة` الاطلاق مع هذه الحالة` .

و أما الثاني : فقد تمسك بعدة روايات ( منها ) صحيحة هشام بن الحكم عن` أبي عبدالله عليه السلام أنه قال فيمن صام تسعة و عشرين : قال (( إن كانت له` بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما )) ` ( 1 ) بتقريب أن هذه الصحيحة باطلاقها تدلنا بوضوح على أن الشهر اذا كان` ثلاثين يوما في مصر كان كذلك في بقية الامصار , و إطلاقها يشمل صورتي` اتحاد الافق و اختلافه` .

أقول : الرواية غير ناظرة الى بيان أنه لو رئي الهلال في مصر يثبت الشهر في ` غير هذا المصر , فان الشهر أمر تكويني لا يتغير بالتعبد , و القول بالتعبد بالحكم ` خلاف ما هو بصدده و خلاف المقطوع به كما مر , مضافا الى ظهور لفظ القضاء` في أن فوت صوم شهر رمضان مفروض الوجود فلابد من حمل الرواية على اتحاد` الافق بين المصرين أو كون المصر المرئي فيه الهلال غربيا بالنسبة الى المصر` الاخر , مع أن في الرواية لم يعلم رجوع ضمير رؤيته الى الهلال , فان الهلال غير` مذكور في الرواية بل ظاهر تعبيرات الرواية أن الضمير راجع الى من صام تسعة` و عشرين , و على هذا يكون اليوم المفطر فيه من آخر الشهر لا من أوله , فيحصل` في الرواية إشكال , فان يوم الشك الاخر لابد من صومه و مع الافطار لابد من` قضائه , بلافرق بين قيام البينة على أنه من شهر رمضان و عدم قيام البينة ,` فتأمل` .

( و منها ) صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن اليوم` الذى يقتضى من شهر رمضان فقال : لاتقضه إلا أن يثبت شاهدان عادلان من `

( 1 ) الوسائل : ج 7 , باب 5 من أبواب احكام شهر رمضان , ح 13 . `


351
جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر , و قال : لاتصم ذلك اليوم الذى` يقتضى إلا أن يقتضي أهل الامصار , فان فعلوا فصمه ( 1 ) بتقريب أن الشاهد في` الصحيحة جملتان (( من جميع أهل الصلاة )) و (( أهل الامصار` . ((

أقول : مضافا الى ما ذكرنا من عدم إمكان التعبد في التكوين و ظهور لفظ` القضاء في أن فوت صوم الشهر مفروض أنه يحتمل في الجملة الاولى تعلق الجار` والمجرور ب (( يثبت )) فتكون الرواية في مقام بيان كفاية شاهدين عادلين و عدم لزوم` الزائد عليهما لا أن تكون ناظرة الى مكان الرؤية , و الجملة الثانية على خلاف` مطلوبه أدل , فان الجمود على ظاهرها يقتضي الحكم بعدم وجوب القضاء إلا ` اذا قضى أهل الامصار عموما فان هذه الجملة ظاهرة في العموم , فقضاء` بعضهم دون البعض لايوجب القضاء , و هذا يدلنا على إمكان قضاء بعض` دون بعض , فلا تكفي رؤية بعض لثبوت الهلال عند الاخر` .

( ومنها ) صحيحة إسحاق بن عمار , قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام` عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال` لاتصمه إلا أن تراه , فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه )) ( 2 ) بتقريب أن` إطلاق بلد آخر يشمل موردى إتحاد الافق و اختلافه` .

أقول : مضافا الى ما مر أن السؤال في مورد الغمام و هو الغيم فان الغمام` السحاب ـ كما في المنجد ـ فالسائل يحتمل وجود الهلال في المطلع و كون الغيم` مانعا عن رؤيته و جواب الامام عن حكم هذه المسألة و وارد في مورد احتمال` وجود الهلال في المطلع , فلا تشمل الرواية صورة عدم الرؤية لاجل الاختلاف` في الافق ولم يذكر في الجواب كبرى كلية حتى نتمسك بها و يقال إن المورد`

( 1 ) الوسائل : ج 7 , باب 12 من ابواب احكام شهر رمضان , ح` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 7 باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 3 . `


352
لايختصص عموم الوارد` .

بقي و جهان آخران أستشهد بواحد منهما و استدل بالاخر . ( أما الاول ) ما` يقال في صلاة العيدين و هو (( أسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين` عيدا )) ( 1 ) بتقريب أن الظاهر أن المشار إليه يوم معين خاص لا أنه كل يوم` ينطبق عليه أنه يوم العيد , و أيضا الظاهر منه أن هذا العيد عيد للمسلمين كلهم` لالخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد` .

أقول : لعل وجه الاستشهاد لا الاستدلال سند الدعاء , و كيف كان` لايمكن التصرف في الواقع بمثل هذه التعبيرات والقول بالتعبد خلاف المقطوع به` مع أن في المقام خصوصية و هو أن التعبد بمثل هذه العبارة هو التعبد بالتنزيل ,` والتنزيل التعبدى الحكمي إنما يتصور في مورد عدم الموضوع فلابد من لحاظ عدم` الموضوع فيه , و المفروض شمول إلاطلاق لصورة وجود الموضوع أيضا . ولحاظ` عدم الموضوع و عدم هذا اللحاظ في لحاظ واحد غير معقول و على هذا يعلم أحد` أمرين , إما أن المشار إليه عنوان الفطر أوالاضحى أو أن المسلمين خصوص` مسلمي بلد العيد` .

( و أما الثاني ) الاية الكريمة الظاهرة في أن ليلة القدر ليلة واحدة شخصية` ضرورة أن القرآن نزل في اليلة واحدة وهي ليلة القدر , و فيها يفرق كل أمر` حكيم , و يكتب الارزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة , و هذا لايتم إلا بكونها` ليلة واحدة شخصية` .

أقول : مضافا الى مامر نفس هذا الاستدلال لايتم , فان نزول القرآن في` ليلة واحدة و هي ليلة القدر لايستلزم انحصار ليلة القدر بما انزل فيه القرآن بل` يمكن تعدد الليلة و القرآن انزل في ليلة واحدة منها , و يصح أن يقال إنا أنزلناه في`

( 1 ) الوسائل : ج 1 , باب 26 من أبواب صلاة العيد , حديث 2 و 5 . `


353
ليلة القدر . و هكذا قضية كتابة الارزاق والبلايا والمنايا في ليلة القدر` لاتستدعيالوحدة . و هكذا الكلام في تفريق كل أمر حكيم فانه أيضا لايستلزم` وحدة الليلة . والذى يسهل الخطب أن المقام ليس مقام التمسك بالالفاظ` و الاطلاقات , فما ذكره أخيرا من قوله (( هذا مضافا الى سكوت الروايات` بأجمعها عن اعتبار اتحاد الافق في هذه المسألة , و لم يرد ذلك حتى في رواية` ضعيفة )) أيضا غير وجيه , فان المسألة غير مرتبطة بالرواية عن المعصوم ولا تنالها` يد التعبد حتى تطلب من الروايات , بل لابد من أخذها من العلم المعد له , و قد` ثبت الاختلاف باختلاف الافق الا أن يكون البلد المرئي فيه شرقيا , فمع` رؤيته في البلاد الشرقية يرى في البلاد الغريبة بخلاف العكس , وقد مروجه` ذلك , وهنا إشكال نقضي يرد على السيد الاستاذ ـ مدظله ـ و هو الحكم في` البلاد التي يكون اليوم فيها مقارنا لليل في بلادنا , والليل فيها مقارنا لليوم فيه` . فاذا كان اليوم في بلادنا يوم العيد فهل يلتزم بأنه عيد بالنسبة إليهم مع كونهم` في الليل ؟ و كذا لو كان الليل في بلادنا ليلة القدر فهل يلتزم بأنه ليلة القدر في` بلادهم أيضا مع كونهم في اليوم ؟ ولايمكن التفصي عن هذا الاشكال إلا بأن` يلتزم باختلاف عيدنا مع عيدهم و اختلاف ليلة القدر بالنسبة إلينا و إليهم ,` و هذا هو المطلوب` .

ولا بأس بالتعرض لما ذكره بعض أساتذتنا أداء لحقه . و هو أن الدليل قد` دل على أنه صم للرؤية و افطر للرؤية ( 1 ) فيعلم من ذلك أن الشهر من الرؤية` الى الرؤية , و أما الخروج عن المحاق أو وجود الهلال في المطلع فخارج عما` اعتبره الشارع في الشهر . وبما أن الرؤية ظاهرة في صرف وجود طبيعتها فالنتيجة` أنه لو تحقق صرف وجود الرؤية يحكم بأول الشهر , و وجوب الصوم والافطار`

( 1 ) الوسائل : ج 7 , باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان , حديث` . 13


354
مطلقا بالنسبة الى بلد الرؤية و غيره مع اتحاد الافق واختلافه` .

أقول : لايرد على هذا التقريب مامر من التعبد في التكوين موضوعا أو` حكما فانه يرى للشهر حقيقة شرعية من صرف وجود الرؤية الى صرف وجود` الرؤية . ولكن يرد عليه أن الشهر أمر واقعي يرجع الى العرف في مفهومه ,` وليس للشارع إصطلاح خاص فيه , و الرؤية المأخوذة في الرواية قد أخذت` طريقا الى ما هو ملاك , أول الشهر ولا موضوعية لها , و هذا نظير ما ذكرنا في` الاستطاعة من أنها أمر واقعي عقلائي , و ليس للشارع إصطلاح خاص فيها` حتى يمكن الاخذ بالادلة المفسرة للاية ( 1 ) الشريفة من أن الاستطاعة هي الزاد` والراحلة` .

والحمد لله رب العالمين` .

( 1 ) آل عمران : 97 . `


355
رسالة في عدم حجية الخبر الواحد في الموضوعات
`

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين` والسلام علينا و على عباد الله الصالحين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى` يوم الدين` .

الكلام في حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية وعدمها , و حجية البينة` فيها : و حيث إن بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ تعرض للمسألة مفصلا في` المجلد الثاني من بحوثه رأيت كفاية الاكتفاء بنقل مواضع النظر من كلامه` و بيان النظر فيه و التحقيق حولها , والله هو الموفق والمعين` .

تعرض ـ رحمه الله ـ لهذه المسألة مفصلا في ذيل المسألة السادسة من العروة` الوثقى , و هي المسألة المبينة لطرق ثبوت النجاسة` .

قال : و توضيح الحال في ذلك أن الفقهاء ذكروا عدة طرق لاثبات` النجاسة و هي كمايلي : 1 ـ العلم : ولا شك في الخروج به عن عموم` أصل الطهارة لكونه محققا للغاية التي أخذت في دليل القاعدة , و إنما` الكلام في أن العلم المأخوذ غاية لها هل هو طريق صرف الى النجاسة` الواقعية أو مأخوذ في موضوعها ؟`


356

أقول : العلم مأخوذ في الموضوع في قاعدة الطهارة و إن كان طريقا بالنسبة` الى النجاسة الواقعية , و قد اخذ موضوعها على وجه الطريقية الى النجاسات` الواقعية , فتقوم مقامها الامارات و بعض الاصول على ما حقق في الاصول` .

قال : 2 ـ البينة و يمكن الاستدلال على حجيته بوجوه` :

الاول : استفادة ذلك مما دل على حجيتها في باب القضاء , و حيث` إن هذا الدليل وارد في القضاء وفصل الخصومة فالاستناد إليه لاثبات` حجية البينة في أمثال المقام يحتاج إلى توجيه , و يمكن أن يقرب هذا` التوجيه بعدة تقريبات : ( أحدها ) ما ذكره المحقق الهمداني ـ قدس سره ـ` من التعدى عن مورد الدليل بالاولوية أو المساواة , فانه إذا كانت البينة` حجة رغم معارضتها للقواعد التي توافق قول المنكر , فحجيتها في أمثال` المقام مما لايكون فيه معارض لها سوى أصالة الطهارة و نحوها أوضح ` .

إلى أن قال : وقد اعترض السيد الاستاذ على ذلك نقضا وحلا , أما` النقض فبأن حجية شيء في باب القضاء لايستلزم حجيته في غير هذا` الباب لوضوح أن اليمين حجة في ذلك الباب مع عدم حجيته في غيره` .

و أما الحل فبان باب القضاء يتميز بنكتة و هي لزوم فصل الخصومة` حفظا للنظام , ومثل هذه النكتة غير موجودة في سائر الموارد` .

الى أن قال : و التحقيق أنه لايتم النقض ولا الحل ولا التقريب` . أما النقض فبتوضيح الفرق بين البينة و اليمين , فان حجية اليمين في باب` القضاء ليست بمعنى حجيتها في إثبات الواقع الذى يطابق قول المنكر ,` فان هذا الواقع يثبت بالاصل الجارى دائما على طبق قول المنكر , و لهذا` يصح لنا ترتيب الاثر عليه ولو لم يكن هناك يمين من المنكر و إنما حجية`


357
اليمين بمعنى حجيته في فصل الخصومة , أى كونه موضوعا لحكم الحاكم` بفصل الخصومة على طبق الاصل , و مثل هذه الحجية لا معنى لجريانها في` غير باب القضاء , و أما بينة المدعي فحجيتها ليست بمعنى كونها فاصلة` للخصومة فقط بل هي حجة أيضا بلحاظ إثبات الواقع على طبق كلام` المدعي إذ لا مثبت له سوى البينة , و من هنا أمكن دعوى التعدى من` حجيتها في إثبات الواقع في باب القضاء الى سائر الموارد` .

أقول : ( أولا ) الفرق الذى ذكره ـ رحمه الله ـ لايضر بالنقض , فان جعل` شيء طريقا في مورد له خصوصية لايستلزم جعله طريقا في غير هذا المورد بل` ولو لم يعلم له خصوصية مع احتمالها` .

( و ثانيا ) كأنه ـ رحمه الله ـ جعل الحجية للبينة مفروضة , و قد أشكل على` النقض مع أنها أول الدعوى فان المدعى استفادة حجية البينة على الاطلاق` من مثل (( إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان )) ( 1 ) . فقوله إن حجية اليمين بمعنى ` حجيته في فصل الخصومة و حجية البينة بلحاظ إثبات الواقع تقريب للدليل` بعين المدعى , بل يمكن أن يقال إن عطف الايمان على البينات وجعلهما مستندا` للقضاء يدل على أن حجية البينة كاليمين في مقام فصل الخصومة لاغير` .

قال : و أما الحل : ـ إلى أن قال ( صفحة 80 س 7 ) : ـ لان نكتة` فصل الخصومة إنما تستدعي جعل الحجية التي يقضي الحاكم على` أساسها , ولكنها لاتعين هذه الحجة في البينة المطابقة لقول المدعي أو في` الاصل المطابق لقول المنكر , فترجيح البينة على الاصل في الحجية إنما`

( 1 ) الوسائل : ج 18 , باب 2 من أبواب كتاب القضاء , حديث 1 . `


358
يكون لطريقية البينة في نظر الشارع . و كونها أقوى كشفا من الاصول` المعارضة , فيتجه التعدى حينئذ` .

أقول : إن نكتة فصل الخصومة تستدعي جعل شيء مستندا له , فكما أن` اليمين جعلت مستندا له كذلك البينة جعلت مستندا له , و مجرد أنها جعلت` مستندا للفصل في باب القضاء لايوجب جعلها حجة في جميع الموارد , و صرف` أن البينة بلحاظ طريقيتها جعلت مستندا في باب القضاء لايوجب جعلها` طريقا في جميع الموارد فاشكاله ـ رحمه الله ـ على السيد الاستاذ في نقضه وحله غير وارد` .

قال : و أما أصل التقريب فلان اعتماد الشارع على البينة في مورد` القضاء , و إلغاء الاصول في مقابلها و إن كان يكشف عن كونها في نظره` أقوى و أصوب كشفا , ولكن لايلزم من إلزام الشارع بالاخذ بها في باب` القضاء إلزامه بالاخذ بها في غير هذا الباب وإلغاء الاصول , لان مراتب` اهتمام الشارع بالايصال الى الواقع متفاوتة . فقد يكون غرضه في` الايصال الى الواقع في موارد حقوق الناس و خصوماتهم أشد من غرضه` في الايصال الى الواقع في مثل الطهارة و النجاسة` .

أقول : المستدل لايحتاج الى دعوى الملازمة بين الالزام في باب القضاء` والالزام في غيره بل يكفيه جواز الاخذ بالبينة في غير باب القضاء , بتقريب أنه` لو كانت البينة لازمة الاخذ في مورد اهتمام الشارع بالايصال الى الواقع يجوز` الاخذ بها في سائر الموارد بالاولوية العرفية , و جواز الاخذ ملازم للزوم الاخذ` لانه لا معنى لجواز الاخذ بالشيء إلا حجيته , فلابد من ترتيب آثار الحجية` عليه . فما أورده على التقريب أيضا لايتم , و الصحيح ما ذكره السيد الاستاذ من`


359
عدم إمكان التعدى عن موارد القضاء الى غيرها . نعم نتعبد بالحجية في موارد` الحدود أيضا للادلة الخاصة , و أما الحجية في غير موارد القضاء والحدود` فلا تستفاد من هذه الادة , فلابد من ملاحظة غيرها` .

قال : ( ثانيها ) ما ذكره السيد الاستاذ , و توضيحه : أن البينة في قوله` صلى الله عليه وآله (( إنما أقضي بينكم بالبينات )) اذا حملت على معناها` اللغوى العرفي كانت بمعنى ما يبين الشيء و يكون حجة عليه , و حيث إن` هذا القول نفسه في مقام إنشاء الحجية القضائية للبينة , أى كونها حجة` في مقام القضاء , فهناك حجيتان في القول المذكور : إحداهما مجعولة فيه` و هي حجية البينة في القضاء` . والاخرى الحجية المأخوذة في موضوعه` التي تدل عليها نفس كلمة البينة بمعناها اللغوى والعرفي , ولابد أن تكون` هذه الحجية غير الحجية المجعولة في نفس ذلك القول . فهي إذن الحجية` في نفسها . و حيث إن النبي صلى الله عليه و آله طبق الموضوع على شهادة` عدلين فيثبت أنها حجة في نفسها و بذلك يتم المطلوب . و أما اذا حملنا` البينة المأخوذة موضوعا لقوله (( أقضي بينكم بالبينات )) على شهادة` عدلين ابتداء فلا يستفاد من القول المذكور نحوان من الحجية ليتم هذا` التقريب` .

و يرد عليه ( أولا ) أنه لو سلمت الاستفادة المذكورة فلا يكون في` الدليل إطلاق يتمسك به لاثبات أن حجية البينة في نفسها ثابتة في` جميع الموارد , لان الدليل كان مسوقا لبيان الحجية القضائية للبينة ,` لالحجيتها الاخرى , و انما اخذت الحجية الاخرى مفروغا عنها في موضوع` الكلام , ومادام الدليل غير مسوق لبيانها فلا يمكن إثبات الاطلاق في`


360
حجية البينة` .

( و ثانيا ) أن قوله (( إنما أقضي بينكم بالبينات )) لو كان في مقام` إنشاء الحجية في باب القضاء بهذا الخطاب فقد يتجه ما ذكر , و أما اذا` كان في مقام الاخبار و توضيح أن النبي صلى الله عليه و آله لا يستعمل` في مقام القضاء علمه الغيبي و إنما يعمل الموازين و الحجج الظاهرية ,` فلايتضمن القول المذكور حينئذ نحوين من الحجية , بل نحوا واحدا . ففرق` بين أن يقال جعلت الحجية في باب القضاء لما هو حجة , أو يقال` : لا أعتمد في باب القضاء على علم الغيب بل على الحجة , فان الاول` تستفاد منه حجية في المرتبة السابقة على الحجية القضائية , بخلاف` الثاني` .

أقول : إن جعل البينة بمعنى الحجة موضوعا للقضاء و جعلها مقابلة لليمين` و تطبيقها على شهادة عدلين تدل عرفا على أن شهادة عدلين طريق و حجة` . والمفروض إلغاء خصوصية مورد القضاء لان الحجية اخذت مفروضة . فقوله` (( إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان )) مساوق للقول بأنه إنما أقضي بينكم` بالحجج , أى الطرق و الايمان , و تطبيق الحجة في قبال اليمين على شهادة عدلين` وإلغاء خصوصية مورد القضاء للمفروغية يدلنا على أن شهادة عدلين طريق` و حجة مطلقا عرفا , فالصحيح ما أفاده الاستاذ` .

و ما أورده عليه من الاشكال غير وارد , و من الغرائب الاشكال الثاني` فانه يرد عليه` :

( أولا ) أن جعل الحجية للحجة غير معقول ولا يقول به الاستاذ أيضا , بل` المراد أن الحجة مستند للحكم في القضاء , و أين هذا من جعل الحجية للحجة ؟`


361

( و ثانيا ) كيف لا يدل القول بأني لا أعتمد إلا على الحجة مفروغية` الحجية قبل الاعتماد مع أنها مستندة للاعتماد` .

قال : ( ثالثها ) أن يقال إن قوله (( أقضي بينكم بالبينات )) بعد ضم` الصغرى إليه المتحصلة من فعل البني صلى الله عليه و آله و تطبيقه لعنوان` البينة على شهادة عدلين الذى هو أمر معلوم و واضح يدل على أن شهادة` عدلين بينة أى مما يبين المطلب و يوضحه , و هذه الدلالة و إن لم يكن لها` إطلاق في نفسها , ولكن بضم ارتكازية حجية البينة عقلائيا ينعقد لمثل` تلك الدلالة ظهور في إمضاء ما عليه العقلاء من حجية البينة , و بذلك` يكسب الدليل الاطلاق من إطلاق الارتكاز الممضى . فان الادلة التي` تتكفل قضايا مركوزة عقلائيا ينشأ لها ظهور في إمضاء الارتكاز , بنحو` يكون مفادها تابعا لدائرتة سعة وضيقا . ولعل هذا التقريب أوجه من سابقية` .

أقول : ( أولا ) ليس هذا تقريبا للادلة اللفظية فان مال ذلك إلى أن البينة` حجة للارتكاز العقلائي , و يكفي الاستناد الى الشارع عدم الردع عنها بلاحاجة` الى الامضاء . و بعبارة اخرى الدليل هوالارتكاز العقلائي بضم عدم الردع لا` الادلة الواردة في القضاء بضم الارتكاز` .

( و ثانيا ) لا إطلاق لهذا التقريب فان الارتكاز دليل لبي لايمكن التمسك` به في الموارد المشكوكة . و أحسن التقريب ما ذكره الاستاذ على ما مر` .

قال : الثاني من الوجوه الدالة على حجية البينة : الاستدلال برواية` مسعدة بن صدقة ( 1 ) , التي ورد في ذيلها (( والاشياء كلها على هذا حتى`

( 1 ) الوسائل : ج 12 باب 4 من كتاب التجارة حديث 4 .

`
362
يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة )) وقد يستشكل في ذلك` باختصاصها بحجية البينة في مقابل الحل المشار إليه بكلمة (( هذا )) لا في` مقابل الطهارة ` .

و بعد فرض التجاوز عن هذا الاشكال , إما بدعوى إلغاء العرف` لخصوصية الحال في مقابل الطهارة , و فهمه جعل الحجية للبينة في مقابل` الاصول و القواعد الترخيصية أو بتوسيع نطاق الحل و إعطائه معنى يشمل` الحلية الوضعية على نحو تكون الطهارة معه نحوا من الحل أيضا . أو` بملاحظة آثار الطهارة فتكون البينة حجة على نفي الحلية التي هي أثر` الطهارة , و مع عدم إمكان التفكيك عرفا بين نفي الاثر ونفي سببه في` الامارات المركوز كون مثبتاتها حجة أيضا يثبت نفي الطهارة` .

أقول : لاتصل النوبة الى هذه الدعاوى , فان البينة في الامثلة غير قائمة على ` الحرمة , بل هي قائمة على كون الثوب سرقة أو كون المبيع حرا أو كون المرأة ` الاخت أو كونها رضيعة . فالرواية تدل على حجية البينة في هذه الموضوعات` و غيرها بالغاء الخصوصية عرفا . و البينة و إن كانت رافعة لقاعدة الحل لكن لا` بملاحظة مقابلتها لها بل بلحاظ بيان الموضوع فتستفاد من الرواية حجية البينة` في الموضوعات فيترتب عليها آثارها حرمة أو نجاسة أو غير هما , و لذا يستفاد من` الرواية فساد البيع في المثالين الاولين و فساد النكاح في الاخيرين , مع أن ` الفساد غير الحرمة` .

قال : يبقى الاشكال من ناحية سند الرواية لعدم ثبوت وثاقة مسعدة` بن صدقة , و دعوى أن رواياته كلها متقنة و محكمة , إنما تدل على فضله` لا على وثاقته` .


363

أقول : الرواية معمول بها بين الاصحاب , و لذا نرى أن أساطين الفقه لم` يناقشوا في سندها , ولم يتعرضوا للمناقشات التي ذكرها غيرهم أيضا و يستندون ` اليها , فلا مجال للمناقشة السندية فيها لحصول ملاك الاعتبار و هو الوثوق` بالصدور على ماقالوا , أو احتجاج العقلاء بمثل هذا الخبر على مطلوبات المولى` من العبيد على ما اخترناه في ملاك حجية الخبر` .

قال : الثالث من الوجوه : الاجماع , ولا ينبغي الاستشكال فيه لمن` لاحظ كلماتهم في الموارد المتفرقة في الفقه التي يستظهر منها المفروغية` عند الجميع عن حجية البينة على الاطلاق , فان كان هذا الاجماع` مستندا إلى رواية مسعدة بن صدقة كان بنفسه سببا صالحا للوثوق` بالرواية و ان كان مستندا الى استظهار الكلية من روايات القضاء` . فهذا بنفسه يؤكد عرفية هذا الاستظهار و صحته و إن كان غير مستند إلى` ماتقدم , فهو إجماع تعبدى صالح لان يكشف عن تلقي معقده بطريق` معتبر , فالاعتماد على الاجماع في المقام بمثل هذا البيان ليس ببعيد` .

أقول : الوجه غير منحصر بالوجوه الثلاثة التي ذكرها , لاحتمال استناد` بعض الاصحاب إلى رواية , مسعدة , و استناد البعض إلى استظهار الكلية من` روايات القضاء , و استناد البعض الى أنها أمر ارتكازى عقلائي , فعلى ذلك لا` يمكن دعوى الوثوق بالرواية ولا عرفية الاستظهار ولا تعبدية الاجماع` .

قال : 3 ـ خبر العدل الواحد : و مرد البحث في ذلك الى الكلام عن` حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية بعد الفراغ في الاصول عن` حجيته في الشبهات الحكمية , و البحث في ذلك يقع في ثلاث جهات` :


364

الجهة الاولى : في إمكان التمسك بنفس دليل حجية خبر الواحد في` الشبهة الحكمية لاثبات حجيتة في الشبهة الموضوعية , ولو لم تكن الشبهة` الموضوعية ملحوظة فيه بالاطلاق , و ذلك بأحد تقريبين` :

( الاول ) أن يدعى رجوع الشبهة الحكمية إلى الشبهة الموضوعية في` الحقيقة فيكون دليل الحجية في الاولى دليلا عليها في الثانية . فان زرارة` ـ مثلا ـ في الشبهة الحكمية لايخبر عن الحكم الكلي الالهي بوجوب` السورة ابتداء , بل عن ظهور كلام الامام الذى هو مصداق لكبرى` حجية الظهور شرعا . فيكون إخبارا عن الموضوع في الحقيقة . والجواب` على ذلك : أن فرقا يظل ثابتا بين خبر زرارة و أخبار العادل عن نجاسة` الثوب رغم هذا الارجاع . و هو أن خبر زرارة فيه حيثيتان : إحداهما` كونه إخبارا عن الموضوع لحجية الظهور , والاخرى كونه كاشفا ـ ولو` بتوسط كشفه عن كلام المعصوم ـ عن الحكم الكلي بوجوب السورة ,` و اخبار العادل بنجاسة الثوب يشترك مع خبر زرارة في الحيثية الاولى` دون الثانية فلايمكنالتعدى` .

أقول : ليس المخبر به في الاحكام الكلية ظهور كلام الامام , بل المخبر به نص ` قول الامام و مقالته هو الحكم الكلي , و الفرق بينه و بين الشبهة الموضوعية أن` فيه يلاحظ القول طريقا الى الحكم الكلي دونها , و لذا يشمل دليل الحجية` للوسائط في الاخبار مع الواسطة في الاحكام الكلية . مع أن المخبر به في الوسائط` قول الراوى لا الامام عليه السلام ولا يشمل ما يؤخذ قول الامام موضوعا فيه ,` كما أنه لو نذر أنه لوسمع كلام الامام يتصدق فلا يشمل دليل الحجية الخبر` الذى يخبر عن أن هذا كلام الامام` .


365

و الحاصل : أن قول الراوى و هكذا قول الامام في الشبهات الحكمية` يلاحظ طريقا الى بيان الحكم بخلاف الشبهات الموضوعية , فان الموضوع فيها` يلاحظ موضوعا و استقلالا , و لذا لانرى شمول دليل الحجية لاخبار التحليل` مع الالتزام بالتحليل المالكي الا مع التعدد , و قد ظهر مما ذكرنا مواقع للنظر` في كلامه ـ قدس سره ـ` .

( منها ) ما قال بأن أخبار العادل في الشبهة الموضوعية يشترك مع خبر زرارة ` في الحيثية الاولى ـ و هي الاخبار عن الموضوع ـ دون الثاني ـ و هو كونه كاشفا ولو` بتوسط كشفه عن كلام المعصوم ـ فلايمكن التعدى . و وجه النظر أن الحيثية` الثانية في طول الاولى و متفرعة عليها , فلو لم يشمل دليل الحجية للشبهات` الموضوعية لا يشمل للشبهات الحكمية أيضا` .

و الصحيح الفرق الماهوى بينهما , فان الموضوع في الشبهة الموضوعية لوحظ` مستقلا بخلاف قول الامام في الشبهة الحكمية . فانه كقول الراوى لوحظ آليا` .

( و منها ) ما قال بعد هذا ما لفظه : والتحقيق أن دليل حجية الخبر في` الشبهة الحكمية لم يدل على حجية الخبر عن الحكم الكلي بهذا العنوان . ليبذل` الجهد في إرجاع بعض الاخبار في الموضوعات الى الخبر عن الحكم الكلي` بالالتزام و إنما دل الدليل المتحصل من السنة المتواترة إجمالا على مضمون , مثل` قوله ( 1 ) : (( العمرى وابنه ثقتان , فما أديا إليك فعني يؤديان , و ما قالا لك فعني ` يقولان , فاسمع لهما و أطعهما فانهما الثقتان المأمونان )) فموضوع الحجية هو الخبر`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي حديث 4 . و الرواية هكذا (( عن محمد بن` عبدالله الحميرى , و محمد بن يحيى جميعا , عن عبدالله بن جعفر الحميرى , عن أحمد بن إسحاق , عن أبي` الحسن عليه السلام قال : سألته وقلت : من اعامل ؟ و عمن آخذ ؟ و قول من أقبل ؟ فقال : العمرى ثقتي` فما أدى إليك عني فعني يؤدى , و ما قال لك عني فعني يقول , فاسمع له و أطع , فانه الثقة المأمون ,` قال : و سألت أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك فقال : العمرى وابنه . . . الخ )) . `


366
الذى يعتبر أداء عن الامام , و هذا ينطبق على خبر زرارة دون خبر العادل عن` الاجتهاد . و من أجل ذلك قلنا في موضعه من كتاب الخمس : إن اخبار` التحليل قد يقال بشمول الدليل المذكور على الحجية لها و إن حملت على التحليل` المالكي , لانها و إن لم تكن اخبارا عن الحكم الكلي , ولكنها أداء عن الامام` فيشملها موضوع الحجية في ذلك الدليل` .

أقول : لازم ما ذكره ـ رحمه الله ـ شمول الدليل لمثال النذر المتقدم , و الحق ما مر من` الفرق , فلايشمل الدليل لالاخبار التحليل بناء على المالكي الامع التعدد , ولالمثال` النذر . هذا لو قلنا بأن دليل الحجية يدل على أمر تأسيسي من الشارع` .

ولو قلنا بالحجية العقلائية فالقدر المتيقن من بناء العقلاء المتصل بزمان` المعصوم عليه السلام هو الاحتجاج بالاخبار في مقام الاحتجاج , و إتمام` الحجة على مطلوبات المولى من العبد , فتختص الحجية حينئذ بالشبهات الحكمية` لاالموضوعية ` .

قال : ( الثاني ) التعدى بملاك الاولوية العرفية : بمعنى أن العرف` يرى أن المولى اذا كان يعتمد على خبر الواحد في ايصال الحكم الكلي` أو نفيه ـ مع ما يترتب على ذلك من وقائع كثيرة من الامتثال` و العصيان ـ فهو يعتمد عليه في ايصال الموضوع و نفيه الذى لايترتب عليه` إلا واقعة واحدة من وقائع الامتثال أو العصيان . و هذه الاولوية العرفية` تجعل دلالة التزامية عرفية في دليل الحجية , يثبت بها حجية الخبر في` الموضوعات , ولا يخلو هذا البيان من وجاهة ` .

أقول : لا وجاهة فيه , فان الدلالة الالتزامية إنما هي دلالة المعنى المطابقي


367
` على المعنى الالتزامي , لا دلالة اللفظ على المعنى الالتزامي , لعدم دلالة للفظ` إلا على نفس معناه , و هو المعنى المطابقي , ولا يعقل أزيد من ذلك كما قرر في ` محله` .

فلو اريد من الدلالة دلالة المعنى المطابقي و هو الحجية في الشبهة الحكمية على ` الحجية في الشبهة الموضوعية فلايمكن دعوى ذلك إلا مع القطع بالمناط , ولاظن ` بالمناط فضلا عن القطع به` .

ولو اريد منها دلالة اللفظ عليها فاللفظ لا دلالة له إلا على معناه . نعم لو` كان القيد في الكلام بحيث لايراه العرف دخيلا في الموضوع و يفهم المعنى` الجامع بين المقيد وفاقد القيد من اللفظ يكون هذا من دلالة اللفظ , و نسميه` بالغاء الخصوصية كالغاء الخصوصية عن ثوب زرارة في قوله (( اغسل ثوبك من` أبوال ما لا يؤكل لحمه )) ( 1 ) و من الظاهر أن قيد الشبهة الحكمية ليس من هذا ` القبيل بحيث لايفهم العرف من دليل الحجية فيها القيدية . كل ذلك مع` الالتزام بالتعبد فيه , و إلا فلا موضوع لالغاء الخصوصية . بل لابد من الاخذ` بالقدر المتيقن و هو الحجية في الشبهات الحكمية` .

قال : الجهة الثانية في دعوى أن دليل حجية الخبر في الشبهة الحكمية` له إطلاق في نفسه للشبهة الموضوعية أيضا . و تحقيق هذه الدعوى` باستعراض المهم من أدلة تلك الحجية , ليرى مدى الاطلاق فيها للشبهة` الموضوعية . و مهم تلك الادلة امور` :

أحدها : السيرة العقلائية : ولا إشكال في شمولها للشبهة الموضوعية ,` و إنما الكلام في دعوى الردع عن إطلاقها لهذه الشبهة لاحدى روايتين` .

( 1 ) الوسائل : ج 2 , من أبواب النجاسات , حديث 2 . `


368

أقول : بل لعله لا إشكال في عدم شمولها له فان ما توهم من أمثلة ذلك` كلها في موارد احتمال الضرر الذى ينجزه نفس الاحتمال بلاحاجة الى الخبر ,` أترى أنه لو احتمال السم في طعامه فأخبره الثقة بعدم السم فيه ولكن بعد يحتمل` السم ؟ أفهل يرى العقلاء هذا الخبر حجة بحيث لايذم لو شرب و صادف السم ؟` نعم العقلاء يحتجون في مطلوبات الموالي من العبيد بخبر الثقة , ولذا نلتزم` بالحجية العقلائية في الشبهات الحكمية و في مثله كفتوى الفقيه من جهة بناء` العقلاء , و أما في الموضوعات فلابد من دق باب الشرع فيها لعدم إحراز بناء` العقلاء على العمل بالخبر فيها , بل لعل عدم البناء محرز` .

قال : الرواية الاولى : خبر مسعدة بن صدقة المتقدم , حيث حصر` الاثبات بالعلم و البينة فيدل على عدم حجية خبر الواحد بتقريب` التمسك باطلاق المغيى في قوله (( و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين` لك غير ذلك أو تقوم به البينة` . ((

أقول : ليس للمغيى وحدها ولا للغاية وحدها إطلاق يؤخذ به , بل` الاطلاق الذى يمكن الاخذ به إنما هو بعد تمام الكلام بتمام لواحقه . مضافا` الى أن المورد مورد التمسك بالعموم لا الاطلاق , فكأنه قال : (( كل شيء حلال` حتى تقوم بحرمته البينة )) فما لم تقم عليها البينة يبقى تحت عموم الحلية` .

قال : و الجواب عن دعوى الرادعية المذكورة عن السيرة بهذا الخبر` يمكن بوجوه ` :

( الاول ) أن الرواية ضعيفة السند , فهي لاتوجب ثبوت الردع` . فان قيل : إن احتمال صدقها يوجب على الاقل احتمال الردع , و هو`


369
كاف لاسقاط السيرة عن الحجية لتوقف حجيتها على الجزم بالامضاء` الموقوف على الجزم بعدم الردع . قلنا : إن عدم الردع قبل الامام الصادق` عليه السلام في صدر الاسلام محرز لعدم نقل مايدل على الردع ,` و يكشف ذلك عن الامضاء حدوثا . فاذا أوجب خبر مسعدة عن` الصادق عليه السلام الشك في نسخ ذلك الامضاء الثابت في أول` الشريعة جرى استصحابه` .

أقول : من أين أحرزتم ذلك ؟ و مجرد عدم نقل ما يدل على الردع لايوجب` الاحراز حتى يتم اركان الاستصحاب . مضافا الى أن الامضاء المستفاد من` عدم الردع لايوجب كون الحجية من الاحكام الشرعية , بل عقلائي على` الفرض لم يردع عنه الشارع فيمكن الاحتجاج به حينئذ عقلا , و على ذلك لو` كانت الحجية مجرى الاستصحاب فهذه ليست بحكم شرعي ولا موضوع له ,` ولو كان المستصحب غيرها كالامضاء و نحوه , فمضافا الى الاشكال المذكور` يكون الاستصحاب مثبتا , هذا و يظهر مما ذكره ـ رحمه الله ـ أنه سلم الردع مع` قطع النظر عن هذا الاستصحاب . والصحيح أن مجرد احتمال الردع لايوجب` سقوط السيرة عن الحجية لو فرض وجودها , و إلا لم يمكن التمسك بأى سيرة` عقلائية , فان باب الاحتمال واسع . ألا ترى أنهم يستدلون بالسيرة العقلائية` في باب المعاطاة و في باب رجوع الجاهل الى العالم مع أنه يحتمل ردع الشارع` عنها . و الوجه في ذلك بتقريبين` :

1 ـ التمسك بنفس السيرة , أى أن السيرة قائمة على العمل بالخبر أو المعاطاة ` أو رجوع الجاهل الى العالم حتى مع احتمال ردع الشارع عنها و هي حجة إلا اذا` ثبت الردع , والا فالكلام بعينه` .

2 ـ السيرة بنفسها حجة مع عدم الردع , وردع الشارع حجة توجب هدم`


370
حجية السيرة , فمع قيام السيرة على شيء واحتمال الردع قامت الحجة عليه ,` ولم نحرز قيام حجة هادمة لحجيتها , ولا يجوز عقلا رفع اليد عن الحجة بمجرد` احتمال قيام الحجة الهادمة . و بعبارة اخرى ليس عدم الردع دخيلا في` الحجية , بل الردع هادم للحجية , فرفع اليد عن السيرة بمجرد احتمال الردع` رفع لليد عن الحجة بغير الحجة , و هو احتمال الهدم` .

قال : ( الثاني ) أن الرواية حتى لوصح سندها لا تكفي لاثبات` الردع , لان مستوى الردع يجب أن يتناسب مع درجة قوة السيرة` و ترسخها , و مثل هذه السيرة على العمل بخبر الثقة لو كان الشارع قاصدا` ردعها و مقاومتها لصدرت بيانات عديدة من أجل ذلك كما صدر` بالنسبة الى القياس , لشدة ترسخ السيرة العقلائية على العمل بخبر الثقة` و تركزها , و لما اكتفى باطلاق خبر من هذا القبيل` .

أقول : هذا صحيح , إلا أنه مع تسليم قيام السيرة على العمل بالخبر في الشبهة ` الموضوعية وإلا فتبقى رواية مسعدة على حجيتها , فلو دل دليل لفظي من الشرع` علي حجية الخبر في الموضوعات يقع التعارض بين هذه الروايات و رواية` مسعدة , فلابد من الجمع الدلالي أو العلاج , وإلا فلابد من العمل بالرواية` .

قال : ( الثالث ) أن تحمل البينة في الخبر على المعنى اللغوى أى مطلق` الكاشف فلا تكون الرواية رادعة , بل يكون دليل حجية الخبر محققا` مصداقا للبينة , و هذا بعيد` .

الى أن قال : ( الرابع ) أن الغاية في خبر مسعدة مشتملة على عنواني` (( الاستبانة )) المساوقة للعلم , (( والبينة )) . و دليل حجية الخبر ـ و هو`


371
السيرة ـ يجعل خبر الواحد علما بالتعبد , فيكون مصداقا للغاية , ومعه` لايعقل الردع عنه باطلاق المغيى` .

و يرد عليه ( أولا ) أن هذه الحكومة سنخ ما يدعى في الاصول من` حكومة دليل حجية الخبر على الايات الناهية عن العمل بالظن` لاقتضائه كون الخبر علما . و قد أجبنا هناك بأن مفاد الايات هو النهي` عن العمل بالظن إرشادا الى عدم حجيته , فاذا كانت الحجية بمعنى` جعل الامارة علما فمفاد الايات نفسه هو نفي العلمية التعبدية عن الظن ,` فيكون في عرض دليل الحجية , ولايعقل حكومة هذا الدليل عليه` . و نفس هذا الكلام يأتي في المقام لان مفاد خبر مسعدة هو حصر الحجة` بالعلم و البينة و نفي حجية ماعداها` .

أقول : هذا لو كان موضوع دليل الحجية الظن لا الخبر فان مفاد دليل نفي` اعتبار الظن بناء على ما أفاده ـ رحمه الله ـ أن الظن ليس بعلم تعبدا . فلو دل` دليل على أن الظن علم تعبدا يقع التعارض بينهما لا محالة , الا أن الدليل قد دل` على أن الخبر علم تعبدا , و هذا حاكم على دليل عدم اعتبار الظن , فان الخبر` ليس بظن لدليل اعتبار الخبر , فلا ينطبق عليه دليل أن الظن ليس بعلم تعبدا` حتى تقع المعارضة بين الدليلين , هذا` .

ولو سلم التعارض فالنسبة بينهما عموم و خصوص مطلق فان دليل اعتبار` الخبر ناظر الى مورد لم يحصل منه العلم , وإلا فاعتباره غير قابل للجعل , و النتيجة ` نتيجة الحكومة . والتحقيق عدم دلالة دليل الحجية على العلمية التعبدية . و ما` ذكر من العلم التعبدى او تنزيل النفس منزلة العالم أو أن الشارع في عالم` التشريع قد أوجد فردا من العلم كلها مجرد تعابير لا واقع لها لعدم ورودها في`


372
شيء من الادلة , بل مفاد الادلة نفس الاعتبار بلالحاظ شيء آخر من` العلمية أو غيرها , مع أن جعل العلم غير معقول كما حقق في الاصول , فالنتيجة` عدم الحكومة , فلو دل الدليل على اعتبار الخبر في الشبهات الموضوعية يكون` مخصصا لرواية مسعدة أو معارضا لها على ما يأتي . كما أن دليل اعتبار الخبر في` الشبهات الحكمية مخصص لدليل عدم اعتبار الظن` .

قال : ( و ثانيا ) أن الحكومة إنما تتم عرفا لو لم تقم قرينة في دليل` المحكوم على أن العلم لوحظ بما هو علم وجداني خاصة كما في المقام , فان` العلم جعل في مقابل البينة التي هي علم تعبدى , و هذه المقابلة بنفسها` قرينة عرفا على أن المولى لاحظ في العلم خصوص الفرد الوجداني بنحو` يأبي عن التوسعة بالحكومة . `

أقول : ما أفاده ـ رحمه الله ـ استظهار صحيح من الرواية فالمقابلة بين الامرين` والحصر بهما يدلان على حصر الاعتبار بالعلم الوجداني والبينة . و على هذا لو دل` خبر على حجية الخبر في الموضوعات لايكون مخصصا للرواية بل يعامل معهما` معاملة التعارض بنحو التباين , فان الحكومة مدفوعة بما ذكرنا أو باستظهار` العلم الوجداني من الاستبانة بقرينة المقابلة , و التخصيص مناف لخصوصية` البينة في الحصر , فلابد من إعمال قواعد التعارض بين المتباينين` .

قال : الرواية الثانية : رواية عبدالله بن سليمان الواردة في الجبن` (( كل شيء لك حلال , حتى يجبيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة` ( 1 ) ((

( 1 ) الوسائل : ج 17 , باب 61 , من أبواب الاطعمة المباحة حديث 2 . `


373
و جملة من المناقشات في رادعية خبر مسعدة عن السيرة لاتأتي في المقام , إلا أنها ` تختص بمناقشة اخرى و هي ورودها في مورد مخصوص مع أن الرواية ضعيفة` السند` .

الى أن قال : ثانيها : سيرة أصحاب الائمة على الرجوع إلى الروايات` والاعتماد عليها في مقام التعرف على الحكم الشرعي , وقد اثبتنا في` الاصول ثبوت هذه السيرة على العمل بالاخبار في مقام الاستنباط , و أما` انعقادها على العمل بالخبر في الموضوعات على الاطلاق فلا دليل عليه` .

ثم قال : ثالثها : الكتاب الكريم ـ إلى أن قال : ـ و إنما الجدير بالبحث` علاج المعارضة بين إطلاق مفهوم آية النبأ ( 1 ) وإطلاق خبر مسعدة بن` صدقة , فان كان أحدهما أخص من الاخر قدم الاخص , و إن كان بينهما` عموم من وجه سقط إطلاقالخبر لدخوله في عنوان الخبر المخالف للكتاب` .

أقول : الظاهر عدم دخول مثل ذلك تحت هذا العنوان حتى في باب` التعارض بين الروايات فضلا عن غير مورد التعارض بينهما , كما بنينا عليه في` الاصول , وبملاحظة ما مر يظهر أن النسبة ـ مع قطع النظر عن إطلاق الاية` بالنسبة الى التعدد ـ هو التباين لا العموم من وجه ولا العموم المطلق , والوجه في` ذلك أن خبر مسعدة دال على عدم اعتبار الخبر الواحد في الموضوعات لدلالة` خصوصية البينة في الحصر , فلو كان خبر الواحد حجة لكان ذكر البينة لغوا` . والاية تدل على اعتبار خبر العادل في الموضوعات من جهة تيقن شمولها لموردها ,` فتقع المعارضة بينهما بنحو التباين , إلا أن إطلاق الاية من جهة الوحدة و التعدد` يوجب خصوصية الخبر فتخصص الاية به` .

( 1 ) الحجرات : 6 .

`
374

بيان ذلك : أن الخبر دال على عدم اعتبار الخبر في الموضوعات , وإلا لم تصل ` النوبة الى البينة . و أما الاية فبناء على مفهوم الوصف فيها تدل على تعليق` الحكم بوصف الفسق بلا فرق بين التعدد و عدمه , و لذا يجب التبين مع مجيء` فاسقين أو اكثر بالنبأ مالم يحصل العلم بمنطوق الاية الشريفة . و هذا يدل على` الانتفاء عند الانتفاء بلافرق بين التعدد و عدمه . فان المفهوم ظل المنطوق` . فالمتحصل عدم وجوب التبين عند انتفاء صفة الفسق عن المخبر , و هذا مطلق` من جهة تعدد المخبر و عدمه , فيقيد بخبر مسعدة الدال على عدم الاعتبار مالم يتعدد ` .

و بناء على مفهوم الشرط في الاية تدل على أن النبأ لو أن الجائي به الفاسق` يجب التبين , ولو لم يكن الجائي به الفاسق لايجب التبين , و من جهة استلزام ` وجود النبأ و عدم مجيء الفاسق به لكون الجائي به العادل يظهر اعتبار خبر` العادل , لكن هذا أيضا مطلق من جهة تعدد المخبر و عدمه لعدم تقييد المنطوق ` بالوحدة , و إلا لكان خبر الفاسقين أو أكثر معتبرا بمفهوم الاية , فتقييد الاية ` بالخبر بلا محذور` .

و مما ذكرنا ظهر أن ما ذكره ـ رحمه الله ـ من أن النسبة بناء على ملاحظة` إطلاق الاية من جهة تعدد المخبر هو العموم من وجه غفلة عن دقيقة و هي أن` دلالة الخبر على عدم اعتبار خبر الواحد ليست من جهة إطلاقه بالنسبة الى عدم` اعتبار البينة حتى يقال كما قال ـ رحمه الله . خبر مسعدة يقول لا حجة في الشبهة` الموضوعية غير البينة سواء كان خبر الواحد أولا . بل دلالته من جهة دلالته على` حصر الاعتبار بالبينة , فلو كان خبر الواحد حجة لكان جعل الاعتبار للبينة` لغوا ظاهرا , و إن شئت قلت : إن خبر مسعدة نص في عدم حجية خبر الواحد في` الموضوعات , و الاية ظاهرة من جهة الاطلاق فتقيد الاية بنص الخبر` .

قال : رابعها : الاخبار المستدل بها على حجية خبر الواحد في الشبهة`


375
الحكمية مثل رواية (( العمرى وابنه ثقتان فما أديا فعني يؤديان )) فان` التفريع في الرواية يجعلها مشتملة على حكم و تعليل , فكأنه قيل ما أديا` فعني يؤديان لانهما ثقتان , و هذا تعليل بالصغرى مع حذف الكبرى ,` و تقدير حجية خبر الثقة في الاحكام كبرى في القياس و إن كان يكفي ,` ولكن حيث إن كبرى حجية خبر الثقة بنحو أوسع مركوزة فينصرف` ملك الفراغ إليها حفظا لمناسبات الصغرى والكبرى المركوزة في الذهن` العرفي . ومعه يتم الاستدلال على المطلوب` .

أقول : مع فرض كون كبرى حجية خبر الثقة مركوزة فأى معنى للتمسك` برواية (( العمرى وابنه ثقتان الخ )) ؟ و تتميم الاستدلال بضم هذه الكبرى إليها` فان الكبرى المركوزة بنفسها حجة ما لم يدل دليل شرعي على خلافها` .

و الصحيح كون الرواية إرشادا الى الكبرى المركوزة فلا يمكن التمسك بها` لاثبات التعبد بالخبر بل لابد من ملاحظة حدود هذه الكبرى , و قد تقدم أن` ماهو المرتكز عند العقلاء هو الاحتجاج على مطلوبات الموالي من العبيد بخبر` الثقة , والرواية إرشاد الى هذا المعنى لاغير . هذا مضافا الى أنه لو سلم تمامية` دلالة مثل هذه الرواية على اعتبار خبر الواحد نقيدها بالشبهات الحكمية بقرينة` خبر مسعدة الخاصة بالشبهات الموضوعية` .

بقي الكلام في الروايات الخاصة , و قد جمعها ـ رحمه الله ـ و ذكر وجه عدم` دلالة جميعها إلا الروايتين الاخيرتين , و هما رواية هشام بن سالم ( 1 ) الدالة على` أن الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافهه بالعزل عن` الوكالة . و رواية إسحاق بن عمار ( 2 ) الدالة على أن الامام عليه السلام بعدما`

( 1 ) الوسائل : ج 13 , باب 2 من كتاب الوكالة , ح` . 1

( 2 ) الوسائل : ج 13 , باب 97 من كتاب الوصية , ح 1 . `


376
قال السائل إنه أخبره مسلم صادق بأن الموصي قد أوصى بالتصديق بعشرة` دنانير , قال : أرى أن تصدق منها بعشرة دنانير` .

و قال ـ رحمه الله ـ : و هكذا يظهر أن أحسن روايات الباب` الروايتان الاخيرتان` .

أقول : أما الرواية الاخيرة فيحتمل أنه كان الخبر بالوصية محفوفا بالقرينة` القطعية و هو اخبار المخبر بالدنانير أو غيره , و وجه السؤال عن الامام أنه هل` يعمل بالوصية الاولى أو الثانية ؟`

و أما الرواية الاولى فاحتمال خصوصية المورد فيها يمنعنا عن التعدى` ولا دافع لهذا الاحتمال , ولا سيما بملاحظة كون الحكم على خلاف القاعدة , اذا` لا دليل على اعتبار خبر الواحد في الشبهات الموضوعية , بل الدليل على خلافه ,` و هو رواية مسعدة بن صدقة الدالة على عدم اعتبار غير البينة فيها , بل أصالة` عدم الحجية كافية في ذلك بعد ما مر من عدم تمامية السيرة والادلة , و مما يدل` على عدم حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية عدة من الروايات الواردة في` الموارد الخاصة بعد إلغاء خصوصية المورد . و قد ذكر ـ رحمه الله ـ رواية الحسن بن` زياد و الحلبي و ابن أبي نصر , وعدم التزام الاصحاب بانتهاء عدة الوفاة الدالة` عليه الاولتان لايضر بما نحن بصدده , و هو عدم اعتبار غير البينة في ذلك ` .

و نذكر رواية لم يتعرض لها و هي رواية يونس ( 1 ) (( سألته عن رجل تزوج` امرأة في بلد من البلدان فسألها : ألك زوج ؟ فقالت : لا , فتزوجها ثم إن رجلا ` أتاه فقال : هي امرأتي , فأنكرت المرأة ذلك , مايلزم الزوج ؟ قال : هي امرأته` إلا أن يقيم البينة )) و ظاهر هذه الرواية أن الزوج لايعتني بقول المدعي إلا أن`

( 1 ) الوسائل : ج 14 , باب 23 من ابواب عقد النكاح و اولياء العقد , ح 3 .


377
يقيم البينة عنده , و ليس فيها إقامة البينة عند الحاكم حتى يقال عدم اعتبار غير` البينة في مقام فصل الخصومة عند الحاكم لايدل على عدم اعتباره في غير هذا` المقام` .

قال : و قد تلخص من مجموع ما ذكرناه أن خبر الثقة حجة في` الشبهات الموضوعية , إلا في مورد دل الدليل فيه على عدم الحجية` .

أقول : و قد تحصل مما ذكرناه عدم حجية خبر الثقة فيها بل الحجة فيها هي` البينة , إلا إذا دل الدليل على خلافها` .

والحمد لله رب العالمين` .


378

379
رسالة في علاج الخبرين المتعارضين و الجمع بين أخبار العلاج `

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين` والسلام علينا و على عباد الله الصالحين , واللعن الدائم على أعداء آل محمد` أجمعين الى يوم الدين` .

الكلام في الخبرين المتعارضين والجمع بين الاخبار العلاجية . أقول ـ و من` الله الاستعانة ـ` :

تأسيس الاصل في المسألة : هل القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير ؟`

قد يقال في وجه التساقط` :

1 ـ بناء على الحق المحقق في حجية الامارات من أنها طريق مجعول الى` الواقع ولا موضوعية لها ولا سببية , لابد من الالتزام بالتساقط في مورد المعارضة` فان جعل طريقين متعارضين غير معقول وجعلها لواحد منهما دون الاخر` بلادليل` .

2 ـ لاتشمل إطلاقات أدلة الحجية لشيء من المتعارضين , فان شمولها` للمتعارضين لايمكن لفرض التعارض و شمولها للواحد المعين منهما بلا معين ,` و شمولها للواحد المردد لادليل عليه مع أن الواحد المردد لامعنى له , و شمولها` للجامع بينهما خلاف ظاهر الدليل وقول بلا دليل فلا تشمل الادلة للمورد` .

و يرد على الاول : 1 ـ ليس معنى حجية الامارة جعل الطريقية لها , فان`


380
الطريقية ليست من الامور المجعولة بل هي تكوينية محضة و جعلها نظير جعل` البرودة والحرارة , فما قيل من أن الامارة علم تعبدى مجرد عبارة , فان التعبد` بالعلم من قبيل التعبد بالبرودة والحرارة تعبد في الامور التكوينية . لا أقول` بعدم إمكان التعبد بذلك , فان معناه ليس إلا التنزيل , و هذا بمكان من` الامكان , لكن الاشكال في أنه هل هذا الاعتبار عقلائي أولا ؟ ولو فرض أنه` عقلائي فلا دليل على أن المجعول في الامارات العلم و الطريقية ونحو ذلك , فأى` دليل دل على أن الخبر مثلا علم أو طريق ؟ أو أى دليل دل على أن المجعول` تنزيل النفس منزلة العالم أو تنزيل المؤدى منزلة الواقع ؟ أو غير ذلك مما أفادوا` من التعبيرات . كل هذه تصورات و تخيلات و ليس في دليل واحد عين منها` ولا أثر . بل معنى الحجية في الامارة أنها معتبرة عند معتبرها , أى يستند إليها و يحتج` بها , فالخبر اذا كان حجة يحتج به فيكون منجزا للواقع عند الاصابة و موجبا` للعذر عند المخالفة , و هذا المعنى من الحجية عقلائي و شرعي فيمكن أن يكون` شيء حجة عقلائية أى يكون موجبا للاحتجاج به عندهم مع ردع الشارع عنه` نظير القياس , و يمكن العكس كالخبر على القول بالتعبد فيه . و على هذا فلا مانع` من جعل الحجية بهذا النحو للخبرين المتعارضين , بأن يكون كل منهما موجبا` للاحتجاج به عند الاصابة والخطأ , إلا في مورد عدم إمكان الامتثال و هو` دوران الامر بين النفي والاثبات و بين المحذورين` .

بيان ذلك : ذكروا أن التعارض أصلي و عرفي . فالاول هو الدوران بين` النفي و الاثبات , نظير ما اذا دل دليل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال` و دليل آخر على عدمه . و الثاني غير ذلك مع العلم بالمخالفة في واحد منهما , نظير` ما اذا دل دليل على وجوب الظهر و دليل آخر على وجوب الجمعة , وجعل` الحجية بهذا المعنى غير ممكن في الاول , بأن يجعل الدليل الدال على وجوب` الدعاء , موجبا للتنجز عند الاصابة , و ان كان الدليل الدال على نفي الوجوب`


381
أيضا حجة , فان معنى حجيته أنه موجب للعذر لو كان خطأ , و إن كان الاول` مصيبا و التنجز و العذر في مورد واحد لايجتمعان` .

و أما الثاني فلا مانع من جعل الحجية بهذا المعنى للخبر الدال على وجوب` الجمعة و الخبر الدال على وجوب الظهر معا و إن علم عدم وجوب الجمعة والظهر` معا . فان معنى حجيتهما أن الواقع منجز لو كان واحد من الدليلين مصادفا له ,` و المكلف معذور في ترك الواقع لو كان الواقع على خلاف كلا الدليلين . و هذا` أمر معقول لا محذور فيه بوجه ولا يتوهم أن العلم الاجمالي كاف في ذلك ,` فان العلم بنفي التكليف لا الاثبات , فتدبر` .

نعم لو دلت الامارتين على النفي و تعلق العلم الاجمالي بالاثبات فلا تجرى` الامارتين , لان العذر و العلم بالتكليف لايجتمعان , فتأمل` .

2 ـ لوسلمنا أن الطريقية أمر جعلي إلا أن ما ذكر من عدم إمكان جعلها` في مورد التعارض خلط بين الاحكام القانونية والشخصية , و أن الشارع لم يجعل` الخبر من المتعارضين طريقا الى الواقع حتى يقال إنه غير معقول , بل جعل الخبر` طريقا و مورد التعارض مورد التطبيق لا الجعل , و تطبيق الدليل على المورد مع` الاشكال العقلي يتقيد بمقدار المحذور و الاشكال , لا أن يرفع اليد عن أصله ,` و يظهر من جواب الوجه الثاني إن شاء الله كل ذلك مع القول بقيام دليل` شرعي مطلق على حجية الامارة , و إلا فلو قلنا بعدم الدليل الشرعي أو قلنا بأنه` إرشاد الى بناء العقلاء ولا إطلاق له فالعقلاء لايرون شيئا من المتعارضين` حجة ولا يعتبرون شيئا منهما` .

و المتحصل من جميع ذلك أن الامارات العقلائية تسقط في مورد التعارض` لعدم بناء العقلاء فيه و عدم قيام دليل شرعي مطلق فيه على الفرض` . والامارات الشرعية على فرض وجوده لامانع من شمولها لمورد المعارضة على` المبنى الصحيح في معنى حجية الامارة إلا اذا كان الدوران بين النفي`


382
وإلاثبات و منها الدوران بين المحذورين` .

و يرد على الثاني : أن الاطلاقات ـ لو سلم وجودها ـ غير واردة في مورد` التعارض بل هي ناظرة الى نفس طبيعة الامارة , و بما أن تطبيقها على مورد` التعارض مستلزم للمحذور العقلي و هو لزوم التنجز و العذر في مورد الاصابة ,` و هذا غير ممكن , فلابد من تقييد الاطلاقات بغير مورد لزوم المحذور , فالنتيجة` الامارة حجة و يتقيد بصورة عدم لزوم المحذور و يمكن انطباق هذا على مورد` التعارض أى كل من المتعارضين حجة في صورة عدم الاخذ بالاخر , أى لو` أخذ به وكان الاخر مصادفا يكون معذورا , و لو لم يؤخذ به ولا بالاخر و كان` مصادفا أو الاخر مصادفا لم يعذر , ومع إمكان التطبيق بهذا النحو الذى نتيجته` التخيير أو الترجيح مع وجوده لابد من التمسك بالدليل , ولا وجه للالتزام` بالتساقط , و هذا البيان لا يختص بالمبنى الصحيح في حجية الامارات بل يجرى` على جميع المباني بناء على أن الامارة شرعية دل عليها الاطلاق . نعم بناء على` أن الامارة عقلائية لايعتبر العقلاء شيئا من الامارتين حجة في مورد التعارض` فتحصل أن مقتضى القواعد التساقط اذا كانت الامارة معتبرة بنظر العقلاء ولم` يكن فيها تأسيس من الشارع و التخيير بناء على الجعل الشرعي الدال عليه` الاطلاقات , و بما أن الخبر حجة عقلائية ولم يدل على حجيتها الشرعية دليل بل` جميع الادلة إرشاد الى ما عليه العقلاء فالاصل الاولي في الخبرين المتعارضين` التساقط` .

و مما ذكرنا ظهر ضعف ما أفاده السيد الاستاذ ـ مدظله ـ في وجه التساقط` من عدم شمول الادلة لمورد التعارض , فان شمولها للجميع غير معقول , ولواحد` دون آخر ترجيح بلا مرجح , و التخيير لادليل عليه` .

وجه الضعف مامر من أنه لو كانت الحجية ببناء العقلاء نظير حجية الخبر` لايشمل الدليل لمورد التعارض لا لما أفاد بل لعدم بناء العقلاء , ولو كانت`


383
بالاطلاقات . الاطلاق حجة في مورد عدم القيد , و يرفع اليد عن الاطلاق` بمقدار القيد , و القيد العقلي في المورد لايمنع إلا عن شمول الدليل لجميع` الطرفين . و أما الشمول و الانطباق بمقدار لايستلزم المحذور فلامانع منه , فيجب` الاخذ بالاطلاق بهذا المقدار , و النتيجة التخيير على مامر` .

ثم إن معنى التخيير في المقام ليس هو التخيير بحسب الحكم الواقعي لعدم` العلم بالصابة أولا , ولا معنى للتخيير بين الحكم الواقعي و غيره ثانيا . وليس ` معناه حجية أحدهما مرددا , فان أحدهما المردد لا واقع لها , ولا الحجية` التخييرية فانها مساوق للترديد في الحجية , بل معناه أنه مع الاخذ بواحد منهما ` يكون معذورا عند الخطأ , و مع عدم الاخذ بشيء منهما يكون التكليف منجزا` عليه بسبب الامارة المصيبة هذا على ما اخترناه من معنى الحجية و أن الحجة` ما بهالاحتجاج` .

و أما بناء على مبنى جعل الطريقية أن كلا منهما طريق للواقع , و المكلف` مخير في تطبيق العمل على كل منهما , و هذا المعنى نظير ما يقال في الواجب` التخييرى إن كلا من الطرفين أو الاطراف واجب , والمكلف مخير في مقام` الامتثال فليتأمل` .

علاج الخبرين المتعارضين بحسب الاخبار : و الكلام في هذا المقام تارة في` صورة عدم المرجح واخرى في صورة وجوده` .

أما الصورة الاولى فالاقوال فيها ثلاثة : التخيير , التساقط , التوقف في الحكم ` والاحتياط في مقام العمل , ولا يخفى أن شيئا من أدلة الباب لايدل على` التساقط , و ما يمكن أن يقال في وجه هذا القول إن أخبار التخيير و التوقف` متعارضة ولايمكن علاجها بأدلة العلاج , فان الكلام في نفس أدلة العلاج ,` فيرجع الى القاعدة الاولية و هي تساقط نفس هذه الادلة و تساقط الخبرين` المتعارضين المفروضين أو يضعف كلا الطرفين من أخبار التخيير و التوقف`


384
بحسب السند و يرجع الى هذه القاعدة , فلابد من ملاحظة أخبار التخيير` والتوقف , فلو أمكن الاخذ بها والجمع أو الترجيح وإلا فيرجع الى القاعدة` الاولية التى أسسناها` .

أما أخبار التخيير ( فمنها ) رواية مكاتبة حميرى (( بأيهما اخذت من باب` التسليم كان صوابا )) ( 1 ) و هذه الرواية لا تدل على المطلوب إذ لعلها ناظرة الى` بيان أن التكبير لما كان مستحبا و ورد فيه حديثان أحدهما يأمر باتيانه , ` و ثانيهما يرخصه في تركه , فالاتيان به صواب , لانه مستحب , و كذا تركه إذ الاخذ` بالدليل المرخص في المستحب صواب , فالاخذ بكل واحد منهما صواب لا من ` حيث التخيير بل من حيث كون الواقع كذلك , فتكون الرواية أجنبية عن` أخبار التعارض` .

( و منها ) رواية علي بن مهزيار (( موسع عليك بأية عملت )) ( 2 ) و هذه أيضا ` كسابقتها تدل على أن التوسعة في العمل من حيث كون الواقع كذلك لا من` حيث التخيير فأجنبية عن أخبار التعارض` .

( و منها ) مرفوعة زرارة (( إذا فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الاخر )) ( 3 ) وقد ` طعن صاحب الحدائق الذى ليس دأبه المناقشة في الاسناد في التأليف و المؤلف` إذ قال (( فانا لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللئالي مع ما هي عليه من الرفع` و الارسال و ما عليه الكتاب من نسبة صاحبه الى التساهل في نقل الاخبار` والاهمال و خلط غثها بسمينها و صحيحها بسقيمها )) ( 4 ) فالاولى عدم التكلم في` هذه المرفوعة` .

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 39

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 44

( 3 ) مستدرك الوسائل ـ ط الاسلامية : ج 3 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 2

( 4 ) الحدائق الناضرة : ج 1 ص 99 المقدمة السادسة . `


385

( و منها ) مرسلة الكليني (( بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك )) ( 1 ) و من` المطمأن به أن هذه لا تكون رواية مستقلة بل مأخوذة من روايات الباب فلا` تنفع لاثبات التخيير` .

( و منها ) رواية ابن المغيرة ( 2 ) و هي ليست من روايات الباب بل تدل على` حجية خبر الثقة` .

( و منها ) رواية الفقه الرضوى ( 3 ) (( و بأى هذه الاحاديث أخذ من باب` التسليم جاز )) و الفقه الرضوى فيه ما فيه , ولا تنطبق هذه الكبرى على مورد` الرواية فضلا عن غيره` .

( و منها ) رواية الميثمي ( 4 ) ولا تدل إلا على التخيير في موارد النهي إعافة أو` الامر فضلا , فلا تثبت الكلية` .

( و منها ) رواية حسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام (( قال : قلت يجيئنا` الرجلان كلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق . قال : فاذا لم تعلم` فموسع عليك بأيهما أخذت )) ( 5 ) و المهم في المقام هذه الرواية و هي دالة على` التخيير إلا أن في سندها ضعف لايبعد جبره بعمل الاصحاب , إلا أن` الاطمئنان بكون مستند الاصحاب هذه الرواية غير حاصل , والله العالم` .

هذه هي ما ذكر من أدلة التخيير و شيء منها غير قابل للاستناد إليه إلا` رواية ابن الجهم على تأمل` .

و أما أخبار التوقف ( فمنها ) خبر سماعة : سألته عن رجل اختلف عليه`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 6

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 41

( 3 ) مستدرك الوسائل ـ ط الاسلامية : ج 3 باب 9 من أبواب صفات القاضي ص 186 حديث` . 12

( 4 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 21

( 5 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث 40 .


386
رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه والاخرينهاه عنه` كيف يصنع ؟ قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه` ( 1 ) و يحتمل في هذه الرواية وجوه` :

1 ـ أن يروى كلا الرجلين رواية واحدة , و كان الاختلاف في لزوم` الاخذ بها و لزوم ردها من جهة احتمال التقية مثلا` .

2 ـ أن يروى كلاهما هذه الرواية و كان الاختلاف في مضمونها كأن` يرويها أحدهما بالامر و الاخر بالنهي , و هذا يعد من اشتباه الراوى فلا يعلم` ماهي الرواية الصادرة` .

3 ـ أن يروى كل منهما رواية في إحداهما الامر و في الاخرى النهي ,` و الرواية لو لم تكن ظاهرة في أحد الاحتمالين الاولين غير ظاهرة في خصوص` الاخير فلايمكن التمسك بها لاثبات التوقف في مورد التعارض` .

( و منها ) خبر سماعة أيضا : عن أبي عبدالله عليه السلام , قلت : يرد علينا ` حديثان واحد يأمرنا بالاخذ به والاخرينهانا عنه قال : لاتعمل بواحد منهما حتى` تلقى صاحبك : فتسأله عنه . قلت : لابد أن نعمل بواحد منهما . قال : خذبمافيه` خلاف العامة ( 2 ) . و هذا الخبر أيضا لا يدل على المطلوب , فان ذيله يدل على أن` الصدر إنما يكون في ما اذا لم يكن لابدية في العمل بأن أمكن تأخير العمل حتى` يسأل عن الامام عليه السلام , و هذا غير ما نحن بصدده مع أن هذا الخبر و سابقة` واردان في مورد دوران الامر بين المحذورين . و حينئذ لو كان الامر بالارجاء` حتى يسأل عن الامام عليه السلام في سعة الوقت فهذا خارج عن محل النزاع` ولو كان في مورد عدم إمكان رفع الجهل في الوقت , فيمكن أن يكون الامر `

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 5

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث 42 . `


387
بالارجاء من جهة أنه لا أثر للامر بالتخيير في الاخذ بالخبرين فان المكلف` بنفسه إما فاعل أو تارك , فتدبر جيدا` .

( و منها ) مرسلة عوالي اللئالي (( اذا فارجئه حتى تلقى امامك فتسأله )) ( ` ( 1 ولايزيد مرسلته عن مرفوعته` .

( و منها ) رواية الميثمي : و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا ` علمه فنحن أولى بذلك , ولا تقولوا فيه بارائكم و عليكم بالكف و التثبت` و الوقوف ( 2 ) . و غاية ما تدل هذه الرواية عليه أن لا يقال في الروايتين المختلفتين` بالرأى , و يلزم التوقف عن ذلك , و أما العمل بواحد من الخبرين تخييرا فلا تدل` الرواية على نفيه` .

( و منها ) ذيل المقبولة : فارجئه حتى تلقى امامك , فان الوقوف عند الشبهات ` خير من الاقتحام في الهلكات ( 3 ) ولكن بما أن المقبولة واردة في القضاء و فصل` الخصومة , و من الظاهر أنه لا ترتفع الخصومة بالتخيير , فلايمكن الاستدلال بها` في غير ذلك من تعارض الروايتين` .

( و منها ) بعض روايات ضعيفة قاصرة الدلالة نظير رواية السرائر : ما علمتم` أنه قولنا فالزموه و ما لم تعلموا فردوه إلينا ( 4 ) و قريب منها ما في : المستدرك عن` البصائر ( 5 ) . ولا تدل الرواية على وجوب التوقف و لزوم الرد إليهم عليهم السلام` أعم من التوقف في العمل , مع أن طرفي المعارضة ما علم بأنه قولهم عليهم السلام` و ما لم يعلم , و من البديهي أن اللازم حينئذ الاخذ بالمعلوم دون غيره , و هذا غير`

( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 3 باب 9 من كتاب القضاء حديث` . 2

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 21

( 3 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 1

( 4 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 36

( 5 ) مستدرك الوسائل : ج 3 باب 9 كتاب القضاء حديث 9 . `


388
ما نحن فيه كما لايخفى . فشيء مما تمسك به من روايات التوقف لا تدل على` المطلوب , فلا معارض لرواية ابن الجهم مع البناء على جبر سندها بالعمل ,` ولكن لم يحرز الاستناد إليها . نعم المتسالم بين الفقهاء التخيير في مورد التعادل` و رواية ابن الجهم بضميمة التسالم , ولا سيما مع احتمال استناد الاصحاب الى` الرواية مورث للاطمئنان بأن الحكم في تعارض الروايتين مع عدم المرجح` التخيير , فيرفع اليد عن الاصل الاولي و هو التساقط و يلتزم بالتخيير , ولايخفى` أن هنا فرقا بين ما لو أحرز استناد الاصحاب الى الخبر و بين مالو لم يحرز ذلك` و كان الحكم بالتخيير من جهة الاطمئنان الحاصل من التسالم بضميمة الخبر` ولاسيمامع احتمال الاستناد , و الفرق أن مدرك التخيير على الاول الخبر فيمكن` التمسك باطلاقه في موارد الشك . و أما على الثاني المدرك هو الاطمئنان ` الحاصل , ولا إطلاق له كي يتمسك به في موارد الشك . هذا تمام الكلام في` الصورة الاولى` .

و أما الصورة الثانية , و هي صورة وجود المرجح : فالاصل الاولي فيها التخيير بناء` على تمامية رواية ابن الجهم سندا بحيث يطمأن باستناد الاصحاب إليها , و أما` بناء على ما أتممنا الصورة الاولى و هي صورة التعادل من أن ضم المتسالم بين` الاصحاب الى الرواية موجب للاطمئنان بأن الحكم في صورة التعادل التخيير ,` فالاصل في المقام الترجيح لدوران الامر بين التعيين و التخيير في الحجية ,` و الاصل هو التعيين` .

لايقال : إن الاصل الاولي التساقط , لانه يقال : نعم , ولكن خرجنا عنه` بما تسالم عليه الاصحاب بضميمة الخبر في صورة التعادل , ولايحتمل أن تكون` صورة الترجيح أسوء حالا من صورة التعادل , فالامر دائر بين التخيير` والترجيح , فيؤخذ بالراجح عملا بقاعدة دوران الامر بين التعيين والتخيير في` الحجية . و أما بحسب الاخبار الواردة فلا تدل الروايات على الترجيح في مورد`


389
فانها بين ضعيفة السند غير المنجبر كالمرفوعة , أو أجنبية عن حكم الرواية` كالمقبولة ( 1 ) أو دالة على التمييز بين الحجة واللاحجة` .

بيان ذلك : أن الترجيح بالصفات لم يذكر في غير المرفوعة ( 2 ) و المقبولة ,` والاولى علم حالها , و الثانية واردة في ترجيح الحكم لا الرواية , و أيضا الترجيح` بالشهرة غير مذكورة في غيرهما . وقد عرفت أن الاولى غير قابلة للاستناد , و الثانية` واردة في ترجيح الحكم مع أنها في مقام تمييز الحجة عن غيرها , فان تطبيق` التعليل الوارد فيها على ما اشتهر يدل على أنه بين الرشد فمخالفه بين الغي فلابد` من طرحه , و هذا من معارضة الحجة واللاحجة , و الترجيح بموافقة الاحتياط لم` يذكر في غير المرفوعة فلا يتم . بقي الترجيح بموافقة الكتاب , و مخالفة العامة , و هما` أيضا من قبيل التمييز لا الترجيح فان المراد بلفظ الكتاب ليس ظاهر كلام` القرآن بل المراد منه الحلال والحرام والواجب الذى في القرآن كما هو ظاهر لفظ` الكتاب . و يدل عليه خبر الميثمي أيضا . فالمراد من مخالفة الكتاب مخالفة حكم` الله الثابت في الكتاب , و من المعلوم أن هذا المعنى من المخالفة يعد من الزخرف` ولايقوله الامام , فجميع روايات العرض على الكتاب و ترجيح الرواية بموافقة` الكتاب ناظرة الى مطلب واحد و هو أن مخالفة القرآن ـ أى حكم الله الثابت` فيه ـ لايصدرمن الامام , و ما ذكر من لفظ الموافقة في الروايات يراد منها ما` لايخالف أى يمكن الجمع بينهما لا أن يكون في الكتاب ما يكون بمضمونه , وإلا` للزم طرح أكثر الروايات , مع أن نفس هذه الروايات الدالة على أن موافقة` الرواية للكتاب شرط لجواز أخذ الرواية لا موافق لها في الكتاب فلا يجوز الاخذ` بها , و ليعلم أن هذا لاأثر له في الروايتين المتعارضتين , فان موافقة أحدهما`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 1

( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 3 باب 9 من كتاب القضاء حديث 3 . `


390
للكتاب لايتصور إلا مع مخالفة الاخر له , وعلى هذا لا محصل للتفصيل بين` المخالفة بالتباين و غيره , و هذا أجنبي عن مطلب الروايات` .

فالمتحصل أن ماثبت أنه حكم الله في الكتاب أو السنة يطرح ما يخالفه من` الرواية في مورد المعارضة و غيرها , فانها ليست بحجة` .

لايقال : ظاهر الكتاب دليل على الكتاب , لانه يقال : الرواية المخالفة` للظاهر أيضا بمدلولها الالتزامي تدل على أن الكتاب الواقعي ـ أى حكم` الكتاب ـ ليس موافقا لظاهره , فلا يمكن الاخذ بظاهر الكتاب لاثبات` الكتاب و طرح الخبر . نعم لو ثبت حكم الكتاب يطرح الخبر المخالف له` بخلاف ما لو لم يثبت و نريد أن نثبته بظاهر الكتاب , هذا حكم الترجيح` بموافقة الكتاب و أنه ليس من الترجيح بل تمييز` .

و أما الترجيح بمخالفة العامة فهذا أيضا ليس ترجيحا لاحد المتعارضين ,` بل تمييز بين الحجة و غيرها , فان أصالة الجهة في الروايات عقلائية , فلو فرضنا` ورود روايتين متعارضتين إحداهما موافقة للعامة والاخرى مخالفة لها لايرى` العقلاء الرواية الموافقة للعامة مع وجود المعارض لها واردة لبيان الواقع ,` فلايجرى أصالة الجهة , و إن شئت قلت : أصالة الجد في الرواية الموافقة , فلايمكن` الاخذ بها بخلاف الرواية المخالفة , فان شرائط الحجية فيها موجودة بتمامها ,` والمعارض غير ممكن الاخذ لعدم جريان أصالة الجهة فيه , فيؤخذ بالمخالف` و يطرح الموافق , فالمخالف حجة و الموافق ليس بحجة , فما دل من الروايات على` لزوم الاخذ بالمخالف و أن الرشد في ذلك من باب أنه حجة والموافق غير حجة ,` فهذا أيضا ليس مرجحا بل يكون مميزا بين الحجة و اللاحجة , هذا ولم نذكر` الروايات بتفصيلها لعدم الحاجة إلى الذكر بعد هذا التقريب` .

فتحصل من جميع ما مر أنه لا دليل على ثبوت الترجيح من الروايات , فلو` تم خبر أبن الجهم يؤخذ باطلاقه و يحكم بالتخيير حتى في مورد وجود المرجح` .


391
و أما مع التأمل في سند الخبر فلا يمكننا التمسك بالاطلاق , و في كل مورد` احتملنا لزوم الترجيح من المرجحات المنصوصة و من غيرها فلابد من الاخذ` بذى المزية عملا بقاعدة الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية , و هذا مضافا` إلى أنه موافق للصناعة موافق للاحتياط ايضا و هو طريق النجاة , فافهم` .
و ينبغي التنبيه على امور : `

ورد في بعض الروايات الترجيح بالاحدثية , فما كان من الروايتين أحدث` فليؤخذ , كرواية الكناني : قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام : يا باعمرو` أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه` فأخبرتك بخلاف ماكنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت` تأخذ ؟ قلت : بأحدثهما و أدع الاخر , فقال : قد أصبت يا باعمرو أبى الله إلا أن` يعبد سرا , أما والله لئن فعلتم ذلك أنه لخير لي ولكم أبى الله عزوجل لنا في دينه` إلا التقية ( 1 ) . ولكن لا تدل الرواية على أن وجه إصابة أبي عمرو في الاخذ` بالاحدث أن الاحدث موافق للواقع , بل ذيل الرواية تدل على أن هذا` الاختلاف من جهة التقية ولعل التقية في الاحدث , ففي زماننا و بالنسبة إلينا` مع عدم التقية و تكليفنا بتحصيل الحجة على الواقع لاموضوع لمثل هذه الرواية` .

2 ـ لابأس بتطبيق ما ذكرنا سابقا على رواية أيوب : ما لم يوافق من` الحديث القرآن فهو زخرف` . ( 2 )

( أولا ) من الحكم نستكشف الموضوع فقوله (( زخرف )) تدل على أن (( ما لم` يوافق )) بمعنى مخالفة الكتاب التي بيناها` .

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 17

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث 12 . `


392

( ثانيا ) نقول : إما ان يسلم بأن المراد من (( ما لم يوافق )) المخالف فتدل ` الرواية على المخالفة بالمعنى المتقدم , و إما أن يؤخذ بظاهره و يقال : إنه لابد من` أن يكون الحديث موافقا للقرآن وله شاهد من الكتاب العزيز , فنقول نفس` هذه الرواية غير موافقة للقرآن بهذا المعنى فلايمكن الاخذ بها لدلالة نفسها على` أن ما لم يوافق فهو زخرف` .

و بعين هذا البيان يقال في رواية ابن أبي يعفور : قال : سألت أبا عبدالله` عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لانثق به , قال` : اذا ورد عليكم حديث فوجدتهم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله` صلى الله عليه و آله وإلا فالذى جاءكم به أولى به ( 1 ) مع أن في الرواية شهادة` على أن المقام من قبيل معارضة الحجة باللاحجة لقوله (( يرويه من نثق به و منهم` من لانثق به )) و شهادة اخرى على أن الموافقة و المخالفة للكتاب في الروايتين` المتعارضتين والرواية الواحدة غير معارضة بمعنى واحد لتطبيق الامام عليه السلام` الكبرى الكلية التي ليس فيها قيد التعارض على مورد التعارض , و هذه الكبرى` بعينها قد انطبقت في الرواية على غير مورد التعارض أيضا . فما ذكر في بيان` المخالفة للكتاب من المعنيين مخالف لتطبيق هذه الكبرى في الروايات على` الموردين` .

3 ـ مما يدل على أن المراد من الكتاب أحكامه لاظاهره ضميمة السنة` إليه في رواية أيوب : قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : كل شيء` مردود إلى الكتاب والسنة , و كل حديث لايوافق كتاب الله فهو زخرف ( 2 ) ` . والحكم بكفر المخالف للكتاب والسنة في رواية ابن أبي عمير : عن بعض`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 11

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث 14 . `


393
أصحابه قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : من خالف كتاب الله` وسنة محمد صلى الله عليه وآله فقد كفر ( 1 ) ` .

لا يقال إن هذه الروايات واردة في غير مورد التعارض , فانه يقال : التعبير ` في الموردين مخالفة الكتاب و موافقة الكتاب , و يعلم من هذه الرواية أن مخالفة ` الكتاب والسنة هي التي توجب الكفر , فينطبق عليها كبرى تلك المسألة أيضا ` مع ما ذكرنا سابقا من ظهور لفظ مخالفة الكتاب و موافقة الكتاب , و رواية` الميثمي ( 2 ) على ذلك` .

4 ـ الظاهر أن ما اسند الى الكليني و عبر عنه بمرسلة الكليني ( 3 ) ليست` رواية اخرى غير روايات الباب , فلاحظ` .

5 ـ مما يشهد على أن الروايات في مقام بيان تمييز الحجة عن غيرها` تعرض بعضها لموافقة الكتاب و مخالفة الكتاب و عدم تعرضها لموافقة العامة` و مخالفتها , و تعرض بعض بالعكس . و المقبولة جمعت بين موافقة الكتاب` و مخالفة العامة بعبارة واحدة , و في بعض النصوص تقديم موافقة الكتاب على` مخالفة العامة , و هذا لايستقيم مع كونهما مرجحا . فلاحظ رواية ابن عبدالله ,` قال : قلت للرضا عليه السلام كيف نصنع بالخبرين المختلفين ؟ فقال : اذا ورد` عليكم خبران مختلفان فانظروا الى ما يخالف منهما العامة فخذوه , وانظروا الى` مايوافق أخبارهم فدعوه ( 4 ) فيسأل أن موافقة الكتاب لو كانت مرجحة لم` اهملت في هذه الرواية مع أن الترجيح بها مقدم على الترجيح بمخالفة العامة ؟` و مما يؤكد ذلك التعبير الوارد في رواية ابن الجهم (( فاذا لم تعلم )) و إليك`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 6

( 2 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي كتاب القضاء حديث 21 ` .

( 3 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي كتاب القضاء حديث 6 . `

( 4 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث 34 . `


394
الرواية` :

عن ابن الجهم عن الرضا عليه السلام قال : قلت له : تجبيئنا الاحاديث` عنكم مختلفة فقال : ما جاءك عنا فقس على كتاب الله عزوجل وأحاديثنا ,` فان كان يشبههما فهو منا و ان لم يكن يشبههما فليس منا , قلت : يجبيئنا الرجلان` وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق , قال : فاذا لم تعلم فموسع` عليك بأيهما أخذت ( 1 ) . فمن هذا التعبير يعلم أنه قبل وصول النوبة الى التخيير` تعلم الرواية ولو بالمقايسة على الكتاب والسنة , ولو علمت الرواية التي لابد من` الاخذ بها يعلم لزوم طرح الاخر وليس هذا الا التمييز بين الحجة و غيرها` .

6 ـ بناء على ما اخترناه من أن الروايات في مقام التمييز لا الترجيح يعلم أن ` العلل الواردة فيها من (( أن المجمع عليه لاريب فيه )) ( 2 ) أو (( فان الرشد في` خلافهم )) ( 3 ) و غير ذلك كلها منطبقة على التمييز لا الترجيح فلايمكن الاخذ` بعمومها والقول بلزوم التعدى عن المرجحات المنصوصة , فانها ليست بمرجحات` و انها مميزات , ولايسرى حكم المميز على المرجح , ولا تنطبق كبرى المنطبقة` على الاول على الثاني` .

7 ـ أحسن رواية سندا و دلالة على كون موافقة الكتاب ثم مخالفة العامة` مرجحا في باب التعارض أو مميزا على ما اخترناه رواية عبدالرحمن بن أبي` عبدالله , قال : قال الصادق عليه السلام : اذا ورد عليكم حديثان مختلفان` فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله` فردوه , فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة , فما وافق `

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 40

( 2 ) مقبولة عمر بن حنظلة , راجع وسائل الشيعة : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 1

( 3 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 19


395

أخبار هم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه ( 1 ) ` .

8 ـ لوفرضنا المعارضة بين أخبار التوقف والتخيير تكون نتيجتها لتخيير` أيضا , فان ظاهر أخبار التوقف هو التوقف في الاخذ والاحتياط في مقام` العمل , وهذا القول شاذ , فان الفقهاء اما ملتزمون بالتخيير أو التساقط و الرجوع` الى ساير القواعد , و أما الاحتياط فيعد من الشاذ و بمقتضى لزوم ترك الشاذ` والاخذ بغير الشاذ الدال عليه أخبار الترجيح , بل نفس الشذوذ مانع عن` العمل بالشاذ على مامريحكم بالتخيير مضافا الى أن أخبار التخيير نص فيه ,` و أخبار التوقف ظاهر في وجوب التوقف قضية لظهور الامر , فيؤخذ بالنص` و يحمل الظاهر على الرجحان , و هذا جمع عقلائي مقبول , و مع هذا الجمع` لاتصل النوبة الى سابقة , كمالايخفى` .

9 ـ النسبة بين الروايتين لو كانت عموما و خصوصا مطلقا فهما لايعدان` من المتعارضين لوجود الجمع العقلائي بينهما و لزوم حمل الاعم على الاخص . ولو` كانت النسبة بينهما التباين فيشملهما ما مر من الترجيح و التخيير قطعا . و أما لو` كانت النسبة بينهما عموما و خصوصا من وجه فهل تكونان مشمولة لذلك أو` لا ؟ فيه كلام بين الاعلام , والحق عدم الشمول , فان غاية دليلنا في التخيير` والترجيح التسالم و دوران الامر بين التعيين و التخيير , ولا تسالم في المقام , والامر` غير دائر بينهما بل يحتمل التساقط , و هو الاصل الاولي في الامارتين المتعارضتين` على ما مر , فبمقتضى هذا الاصل يحكم بالتساقط لعدم تمامية الدليل الثانوي في` هذا المورد , مع أن معنى التخيير والترجيح الاخذ باحدى الروايتين تخييرا أو` ترجيحا وطرح الاخر , و هذا لاينطبق على العامين من وجه` .

10 ـ هل التخيير ابتدائي أو استمراري ؟ أما على ما اخترناه من أن دليل`

( 1 ) الوسائل : ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث` . 29


396
التخيير لا إطلاق له فالقدر المتيقن هو الابتدائي ولابد من الأخذبه . و أما على ` تمامية سند رواية ابن الجهم فيمكن القول بشمول الدليل للوقايع المتأخرة` أيضا . إلا أن العلم إجمالا بالمخالفة القطعية لو كان له أثر في كلا الطرفين` بالفعل لابد من مراعاته على مابين في دوران الأمر بين المحذورين , و تفصيل` الكلام في محله ` .

والحمد الله رب العالمين` .


397
رسالة في الاجتهاد والتقليد
`

بسم الله الرحمن الرحيم`

الحمد لله رب العالمين و الصلاة على سيدنا محمد و آله الطاهرين والسلام` علينا و على عباد الله الصالحين , واللعن على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين` .

الكلام في الاجتهاد والتقليد :
`

إعلم أن كل مكلف اذا التفت الى حكم شرعي فاما أن يحصل له القطع به` أولا . أما اذا حصل له القطع به فيقطع باستحقاق العقاب بمخالفة قطعه و لذا` يجب عليه الجري على وفقه عقلا من دون حاجة إلى أي جعل شرعا , و هذه` الصورة خارجة عن محل الكلام و هو الاجتهاد . و أما اذا لم يحصل له القطع بالحكم كما هو الحال غالبا فلا يحتمل أن لا تكون التكاليف الواقعية موجهة` إليه , فلابد له من تحصيل البراءة اليقينية عنها , و بعبارة اخرى : العقل يحكم` بلزوم عمل يحصل بسببه القطع بالفراغ عن عهدة تلك التكاليف الواقعية وإلا` لم يؤمن من العقاب . و إن أبيت إلا عن إحتمال تلك التكاليف غير مقرون` بالعلم الاجمالي فالحكم أيضا كذلك من جهة أن تلك الشبهة شبهة قبل` الفحص ولا تجري فيها أدلة البراءة لا عقلا ولا شرعا كما قرر في محله فلابد له` من عمل يقطع به الامن من العقاب , و هذا لايحصل إلا بالاستناد الى حجة` ثبتت حجيتها بدليل قطعي , و ذلك إما الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط التام في`


398
كل محتمل التكليف` .

لكن يشكل الاخير ( أولا ) في موارد لايتمكن من الاحتياط مثل موارد` دوران الامر بين المحذورين فلابد له من الاجتهاد فيها أو التقليد` .

( و ثانيا ) في موارد عدم تمكن الشخص من الاحتياط .

( و ثالثا ) من جهة عدم حصول الأمن بالاحتياط فقط , فقد يكون` التكليف المحتمل أمرا عباديا , فالعمل به في ذلك رجاء مناف للجزم في النية` المحتمل وجوبه , و قد يكون الاحتياط مستلزما للتكرار المحتمل إفساده للعبادة ,` و بعبارة اخرى نفس جواز الاحتياط في العبادات عموما و في موارد يلزم منه` التكرار في العمل خصوصا حكم مشكوك فيه والاحتياط فيه غير ممكن فلابد` من الاجتهاد فيه أو التقليد . `

ومما ذكرنا يظهر ان جواز التقليد أيضا لابد و أن يثبت بدليل قطعي غير` التقليد للزوم الدور أو التسلسل فلابد من الاجتهاد فيه . فتحصل أن المكلف` لابد و أن يستند في عمله إلى حجة ثبتت حجيتها بدليل قطعي , و هي إما في` نفس المورد و إما الاحتياط الذي ثبتت حجيته بالاجتهاد أو التقليد , أو التقليد` الذي ثبتت حجيته بالاجتهاد , فالاساس هو الاجتهاد في مقام العمل` .

ثم إن هذا الوجوب هل هو عقلي أو غيري أو نفسي أو طريقي ؟ والحق في` المقام أنه عقلي و هو من أفراد وجوب الاطاعة لأن العقل يحكم بعدم حصول` الاطاعة يقينا إلا بذلك فيجب فظهر من ذلك أن عدم جواز الاجتزاء` بعبادات العامي أو معاملاته الذي تارك للاحتياط أو التقليد والقول ببطلانهما` كما يظهر من المسألة السابعة من فروع العروة عقلي في مقام الظاهر لاواقعي ,` فلايجوز الاكتفاء بذلك ما لم يعلم مطابقته للواقع , فاذا كان العمل مطابقا` للواقع ولم يعلم هو بذلك أبدا فأيضا صحيح في الواقع غاية الأمر لايجوز له` الاكتفاء بذلك عقلا في مقام الظاهر . فتحصل أن هذا الوجوب من باب دفع`


399
الضرر المحتمل و هو عقلي . و قد يقال إن التعلم مقدمة لحصول تلك التكاليف` فيجب غيريا , لكنه فاسد من وجهين` :

أولا : ثبت في بحث مقدمة الواجب أن القول بالوجوب الغيري للمقدمة` لايرجع إلى محصل و وجوب المقدمة أيضا وجوب عقلي من أفراد وجوب الطاعة` .

ثانيا : لوتنزلنا عن ذلك و قلنا أن مقدمة الواجب واجبة بوجوب مولوي` ناش عن وجوب ذيها , و هذا معنى الوجوب الغيري إلا أنه إنما يتم في مقدمات` الواجب لا في مقدمات حصول العلم بحصوله , و بعبارة اخرى : وجود ذات` الواجب محكوم بالوجوب فمقدماته تجب بوجوبه لكن العلم بوجود الواجب` وجوبه غير مسلم , و ما نحن فيه لس من المقدمات الوجودية في شيء , أما في` مورد الاحتياط الغير المستلزم للتكرار فلا تتصور مقدمة حتى يلتزم بوجوبها فان` الاحتياط في موارد الشبهات الوجوبية بالفعل و في موارد الشبهات التحريمية` بالترك , و حينئذ ذلك الفعل أو الترك إما نفس الفعل المكلف به أولا يكون` متعلقا للتكليف أصلا فأين المقدمة حتى تجب ؟`

و أما في موارد يستلزم الاحتياط فيها للتكرار فتكرار العمل ليس مقدمة` وجودية بل مقدمة علمية كما هو واضح , و هكذا الكلام في الاجتهاد والتقليد` أيضا , فان التعلم ليس مقدمة وجودية دائما , بل في بعض الموارد تحصيل العلم` مقدمة للعلم بحصول الواجب مثل رد السلام فتحصيل العلم بوجوبه ليس مقدمة` لذاته بل يمكن رد السلام ولو جاهلا بحكمه` .

نعم قد يكون التعلم مقدمة وجودية مثل الصلاة للفارسي فلا توجد الصلاة` إلا بالتعلم أو الحج والواجبات المركبة التي بينها ترتيب فلا يوجد إلا بالتعلم ,` ولكن يمكن أن يقال بأنه لو سلم تصور ذلك الكبرى و هو إمكان فرض لم يوجد` الواجب إلا في فرض التعلم لكن المثالين والواجبات المركبة خارجة عن ذلك` فان التعلم هو تحصيل الحجة و يمكن أن توجد المذكورات من دون ذلك بل`


400
بتحصيل غير حجة مع مطابقتها الواقع فافهم` .

و أما احتمال الوجوب النفسي فلا وجه له إلا الايات والروايات التي` يدعى دلالتها على ذلك مثل آية النفر ( 1 ) والأخبار الدالة على وجوب التعلم ,` لكن هذا واضح البطلان فقد ذكر في محله دلالة المذكورات على الوجوب` الطريقي , و تدل عليه هذه الرواية إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي` كنت عالما ؟ فان قال : نعم قال له : أفلا عملت ؟ و إن قال : كنت جاهلا قال` : أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ ( 2 ) ثم على تقدير التسليم بأن التعلم واجب نفسي لكن` الاحتياط غير التعلم , فكيف يصير واجبا من باب وجوب التعلم ؟ فان` الاحتياط هو إحراز إتيان العمل بجميع محتملاته لا تعلم الحكم كما هو أوضح` من أن يخفى و أيضا التقليد على الصحيح من أنه استناد الى قول الغير ليس` بتعلم والتعلم مقدمته` .

و أما احتمال الوجوب الطريقي لهذه الثلاثة فأيضا ساقط من جهة أن الاحتياط` لايكون معذرا لعدم تصور مخالفة الواقع في مورده , ولايكون منجزا أيضا لما` ذكرنا من أن التكليف الواقعي بنفسه منجز إما للعلم أو الاحتمال قبل` الفحص فلا يحتاج الى منجز آخر فكيف يكون الاحتياط منجزا له ؟ فلا يكون` الاحتياط واجبا كذلك` .

و أما الاجتهاد و التقليد فأيضا لايكونان منجزين للتكليف بعين ما ذكرنا`

( 1 ) التوبة` . 122 :

( 2 ) جامع أحاديث الشيعه : ج 1 , ص 94 , حديث 25 ـ نقلا عن أمالي المفيد , و في المصدر هكذا` ( قال حدثني ـ 3 ـ ) هارون بن مسلم قال : حدثني مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفر بن محمد ( ع ) و قد` سئل عن قوله تعالى فلله الحجة البالغة فقال : ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي اكنت عالمأ ؟` فان قال : نعم قال : أفلا عملت بما علمت ؟ و ان قال كنت جاهلا قال له أفلا تعلمت حتى تعمل ؟` فيخصمه و ذلك ( فتلك ) الحجة البالغة ( لله عزوجل في خلقه ) . `


401
في سابقهما و مع التسليم والقول باحتياج الأحكام الى منجز آخر غير ماذكر` فلايكون الاجتهاد و التقليد مع ذلك منجزا للتكليف , فان المنجز في الاجتهاد هو` الدليل الدال على الحكم عند المجتهد لا اجتهاده , و في التقليد هو فتوى الغير` لااستناده , نعم لابأس بالقول بكونهما معذرين , فاذا اجتهدوأخطأ أو قلد العامي ولم` يصل الى الواقع فيصح الاعتذار عند المولى بأني استفرغت الوسع في تحصيل` الواقع وأخطأت , أو أني عملت استنادا الى قول المجتهد ولم أصل , هذا , ولكن ` لايمكن المساعدة لذلك فان لازمه أن لايكون وجوب العمل على وفق جميع` الطرق والامارات طريقيا لعدم كونها منجزة لأن الحكم منجز في المرتبة السابقة` من جهة العلم الاجمالي أو الاحتمال` .

نعم يكون معذرا عند مخالفة المؤدي للواقع و هذا كما ترى فمعنى الوجوب` الطريقي هو الالزام بالعمل على شيء بلحاظ وصوله الى الواقع سواء كانت` نتيجته التعذر أو لم تكن , و سواء كانت نتيجتها التنجز أو لم تكن , و هذا في ما` نحن فيه موجود فان ذلك الوجوب العقلي الذي مر بيانه ولو كان من باب` وجوب دفع الضرر المحتمل إلا أنه بلحاظ الوصول الى الواقع , و هذا معنى` الوجوب الطريقي ولا يضر اجتماع وجوب عقلي و طريقي` .

الكلام في الاجتهاد

و يقع الكلام أولا في تعريفه . أما لغة فانه مأخوذ من الجهد و هو` المشقة , أو الجهد و هو الطاقة أو المشقة . فاجتهد فلان أي بذل طاقته أو تحمل` المشقة , و الظاهر أنه لايفرق في معناه بين الأخذ من أي المادتين .

و أما بحسب الاصطلاح فقد عرف بأنه استفراغ الوسع في تحصيل الظن` بالحكم الشرعي , والعامة أصل لهذا التعريف كما يظهر من الحاجبي و غيره ,` و تبعهم جمع من الخاصة أيضا , لكن هذا التعريف على مسلك العامة و إن كان`


402
لاضير فيه لأنهم يرون الظن حجة مطلقا إلا أنه على مذهب الخاصة لايستقيم ,` فان الظن ليس بحجة عندهم والاستناد إليه بدعة محرم على مسلكهم , بل هذا` لايصح على مذهب العامة أيضا , فان جل الحجج الشرعية غير مفيدة للظن` كأصالة البراءة و غيرها , والمدار كما ذكرنا تحصيل الحجة سواء كان مفيدا للظن` أو لم يكن ولا عبرة بما ليس بحجة سواء كان مفيدا له أو لم يكن` .

وقد عرف الاجتهاد بأنه ملكة يقتدر بها لاستنباط الأحكام الشرعية . و هذا` التعريف و إن كان سالما عن ما أوردنا على سابقه لكنه لايستقيم على مامر من` كونه طرفا للواجب التخييري , و أن الأمن من الضرر لايحصل إلا بالاجتهاد أو` التقليد أو الاحتياط . فان الملكة بنفسها لا دخل لها في ذلك و إن لم يستنبط` شيئا فعلا , نعم سيجيء في بحث التقليد من أن المقلد لابد و أن يكون مجتهدا` . و أيضا لايجوز للمجتهد تقليد غيره , فهل معنى المجتهد في ذلك المقام ما ذكرناه من` أنه لايكون صاحب الملكة صرفا بل لابد فيه من الاستنباط فعلا أو غير ذلك` فهذا خارج عن ما نحن فيه . و سيجيء الكلام فيه مفصلا` .

قال سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ : الصحيح في المقام تعريفه بأنه تحصيل الحجة` على الحكم الشرعي . والظاهر أن الصحيح تعريفه بأنه تحصيل الحكم الشرعي` عن حجة تفصيلية , فان المجتهد يبذل طاقته لتحصيل الحكم الالهي لا الحجة` عليه و أن لاينفك أحدهما عن الاخر , و قيدنا الحجة بالتفصيلية لأن المقلد أيضا` يحصل الحكم عن الحجة , و هي فتوى مرجعه إلا أنها حجة إجمالية فالأولى` تعريف الاجتهاد بأنه تحصيل الوظيفة الشرعية عن الأدلة التفصيلية` .

هذا وقد وقع التصالح بين الأخباريين والاصوليين و ارتفع استيحاشهم ,` فانهم إنما ينكرون الاجتهاد على المجتهدين لزعمهم أنهم يريدون من الاجتهاد` المعنى الأول و هو استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي . و على هذا` الاستيحاش في محله . لكن على ماذكرنا يرتفع الاستيحاش , فان الأخباري`


403
أيضا لاينكر لزوم تحصيل الامن من الضرر في مقام امتثال الأحكام الشرعية` ولا يحصل الا بالعمل على وفق الحجة .

الجهة الثانية : حيث إن الاجتهاد من المقدمات العقلية قليل جدا مثل` وجوب المقدمة و حكم الضد و جواز اجتماع الأمر والنهي فلابد من الرجوع إلى` الايات والروايات كثيرا . و حيث إن ذلك من اللغة العربية فلابد من تحصيل` علم اللغات فنحتاج الى علم اللغة , و أيضا لابد من العلم بقواعد اللغة العربية` و هو الصرف والنحو والمعاني والبيان بمقدار يفهم منه ظواهر ألفاظ الكتاب` والسنة, والزائد على ذلك من تلك العلوم غير محتاج إليه , و أما علم المنطق` فلادخل له في الاستنباط أبدا وذلك من جهة أن مقدار مالابد منه من ذلك` ضرورية والزائد على ذلك لايحتاج إليه .

بقي هنا علمان : علم الاصول و علم الرجال . أما الأول , فوجه الاحتياج إليه واضح بين في أول الاصول . و أما علم الرجال , فان قلنا بحجية جميع` الروايات المذكورة في الكتب الأربعة , أو قلنا بعدم حجية مالم يكن معتمدا` بفتوى المشهور فأيضا لايحتاج إليه , و ذلك ظاهر و أما بناء على الصحيح من أنه` لابد في حجية الروايات من أحد أمرين إما الوثوق بالصدور أو الوثوق بالراوي` فيحتاج إلى علم الرجال و إن كان استناد المشهور ايضا كاف في دخول الخبر في` ملاك الحجية أي الأمرين المذكورين خلافا للسيد الاستاذ ـ مدظله ـ لكن هذا` لايوجب عدم الحاجة إلى علم الرجال في موارد عدم إحراز استناد المشهور و هذا ظاهر .

الجهة الثالثة : ينقسم المجتهد باعتبار إلى من استنبط الحكم و علم به فعلا` و إلى من لم يستنبط كذلك بل له ملكة يقتدربها من الاستنباط , و بعبارة اخرى` إلى المستنبط بالفعل و المستنبط بالملكة . وأيضا ينقسم باعتبار إلى من له ملكة ` يقتدربها من استنباط جميع الأحكام و إلى من ليس له إلا بالنسبة إلى بعض`


404
ذلك , و بعبارة اخرى إلى المطلق والمتجزي . فالصور أربعة و في كل واحد منها` يقع الكلام إما في حكم نفسه و ذلك جواز تقليده للغير , و إما في حكم غيره ,` و ذلك إما في جواز تقليد الغير له , و إما في جواز تصديه للحسبيات و نفوذ` أحكامه , و غير ذلك من المناصب المربوطة بالمجتهد , و القدر المتيقن من ذلك هو` المجتهد المطلق المستنبط بالفعل` .

و أما في المجتهد المطلق الغير المستنبط بالفعل فبالنسبة إلى جواز تقليده للغير ` فقد ادعى الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ في رسالته المخصوصة بالاجتهاد و التقليد` الاجماع على عدم الجواز والحق كما ذكره ـ قدس سره ـ و إن خالفه صاحب` المناهل ـ قدس سره ـ و ذلك من جهة أن الاحكام الواقعية منجزة في حقه إما من` جهة العلم الاجمالي و إما من جهة قيام الحجة عليها و تمكنه من الوصول إليها ,` ولابد له من إحراز الامتثال لذلك التكليف المنجز , ولايحصل إلا باجتهاد` نفسه للشك في الخروج عن عهدة ذلك استنادا الى فتوى الغير , ولايمكن إحراز` ذلك بواسطة إطلاق أدلة جواز تقليد الجاهل للعالم لأن القدر المتيقن من السيرة` العقلائية غير ذلك . والأدلة اللفظية أيضا غير شاملة له لان المتبادر من (( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون )) ( 1 ) مثلا من لم يتمكن من تحصيل العلم الا` بالسؤال , وهكذا سائر الأدلة . و لايخفى أن هذا البحث غير مجد بالنسبة إلى ذلك` المجتهد من جهة أن نفس هذه المسألة أعني جواز تقليده للغير مما يمكنه` الاستنباط فعلا بحسب الفرض ولايمكنه الاستناد إلى الغير فيها للزوم الدور` فلابد له من الاجتهاد فيه فعلا و يعمل حسب ما ادى إليه رأيه , على أن كل` مجتهد يعلم إجمالا بمخالفة رأي مجتهد آخر لما يؤدي إليه اجتهاده لو استنبط فكيف` يعمل بقوله مع ذلك العلم الاجمالي ؟`

( 1 ) النحل : 43 .

`
405

و أما الحكمان الثاني والثالث ـ أعني جواز رجوع الغير إليه و نفوذ قضائه` و أحكامه ـ فالمناسب أن يبحث عنه في بحث التقليد , إلا أنه لاضير في التكلم` فيه هنا أيضا .

فنقول : إن المتبادر من أدلة التقليد كون المرجع فقيها أو عالما أو عارفا` بالحكم فهذا المجتهد المستنبط بالملكة إن لم يستنبط ولو حكما فلا يعقل تقليده , ` و إن استنبط لكن لا بمقدار يصدق عليه العناوين المذكورة فلا يجوز تقليده لان إحرازامتثال التكاليف الواقعية متوقف على تقليد من كان معنونا بتلك` العناوين , والمتبادر من العناوين من كان متلبسا بالمادة بالفعل . و أما بالنسبة` إلى الحكم الثالث فحيث إن نفوذ قضاء أحد على أحد أو جواز تصرف أحد في` مال الغير وغير ذلك من المناصب الثابتة للفقيه خلاف الأصل , فلابد من` ملاحظة الادلة المخرجة عن ذلك والادلة مشتملة على تلك العناوين ولا تصدق` إلا على المجتهد المستنبط بالفعل` .

بقي الكلام في المتجزي بقسميه , فتارة يقع الكلام في إمكان التجزي` واخرى في الأحكام الثلاثة المذكورة . أما الاول فلا شبهة في إمكانه بل وقوعه` لان أدلة المسائل مختلفة سهولة و غموضة عقلية و شرعية . فقد يكون الشخص` مجتهدا في المعاملات بخلاف العبادات من جهة قلة الروايات في ذلك و تسلطه` على القواعد الكلية المذكورة في أبواب المعاملات , وقد يكون بالعكس من جهة` تسلطه على الجمع بين الروايات والاستظهار فيها . والقول بأن الاجتهاد ملكة` ولاتتصور القسمة في ذلك لانها من الكيف النفساني والقسمة من مختصات` الكم , فالملكة إن حصلت تحصل في الجميع وإلا فليس الشخص بمجتهد أصلا` مغالطة , لانا لانقول بتقسيم نفس الملكة , بل حصول الملكة مختلف باعتبار` اختلاف متعلقة , فقد تحصل الملكة بحيث يسهل له أشكل المسائل الرياضية` ولكن لايقدر على إنشاء شعر واحد , فقد تحصل الملكة بالنسبة إلى باب من`


406
أبواب الفقه من جهة خصوصية في ذلك ولم تحصل بالنسبة إلى غيره لعدم تلك` الخصوصية فيه . و كيف كان فلا إشكال في أصل تصوره` .

و أما الأحكام الثلاثة فيعلم مما ذكرنا سابقا فان المتجزي المستنبط` بالفعل لايجوز له تقليد الغير في المسألة المستنبط فيها فانه من باب رجوع العالم` إلى الجاهل في نظره و كذلك المتجزي المستنبط بالملكة لعدم إحراز الامتثال إلا` بتحصيل الحجة على الحكم بنفسه , و أما رجوع الغير إلى المتجزي و نفوذ قضائه` و تصرفاته في أموال القصر والغيب فعين مامر في المجتهد بالملكة` .

الكلام في التخطئة و التصويب : لا إشكال في ثبوت التخطئة في الامور` الواقعية حتى بالنسبة إلى غير مقولة الجواهر والاعراض من تلك الامور مثل اجتماع النقيضين مثلا فكل من قال بجوازه فقد أخطأ و هكذا مثل اجتماع` الامر والنهي فأحد القولين القول بجوازه , والقول بعدمه خطأ , وإلا لزم اجتماع` النقيضين , و هذا واضح . إنما الكلام في أن الامور الاعتبارية التي قوامها باعتبار` المعتبر هل هي كذلك أيضا أم لا ؟ ففي الأحكام الشرعية هل هي تابعة لقيام` الامارة عليها ـ و منها نظر المجتهد ـ و هذا هو التصويب أم لله أحكام يشترك فيها` الجاهل والعالم و انما الامارة طريق إليها فقد تصيب وقد تخطىء , و هذه هي` التخطئة الذي نسب الى العامة هو التصويب , و هذا بمعنى غير معقول و هو` المنتسب الى الاشاعرة و بمعنى غير واقع و هو المنتسب الى المعتزلة ؟ أما الاول و هو` عدم وجود حكم في الواقع أصلا ولا حكم إلا بعد قيام الامارة فبطانه أوضح` من أن يخفى , والظاهر أن الأشاعرة أيضا غير قائلين به , فاذا لم يكن حكم في` الواقع فما هو المخبر به والمحكي عنه و ذو الطريق ؟ و هل هذا الا فرض غير معقول` . و أما الثاني و هو أن الأحكام الثابتة في الواقع إنشائيات محضة ولا تصير فعلية` منبعثا نحوها أو منزجرا عنها إلا بعد قيام الامارة عليها فانه و ان لم يرد عليه ` الاشكال العقلي السابق إلا أنه غير واقع من جهة الادلة الدالة على ثبوت`


407
الاحكام المشتركة بين الجاهل والعالم مضافا الى الاتفاق القطعي على خلاف` ذلك مع أن إطلاقات أدلة الاحكام تدل على هذا الاشتراك , فان الدليل` الدال على أن الخمر حرام` مطلق بالاضافة إلى صورتي العلم والجهل فتلخص أن` الثابت في الواقع أحكام فعليات تشترك بين العالم والجاهل والامارات طرق` محضة , فان وافقها فصواب و إلا فخطأ` .

نعم يبقى الاشكال المشهور المنسوب بابن قبة و هو في كيفية الجمع بين` الحكم الواقعي والظاهري وقد دفع الاشكال في أول مبحث الظن وأثبت أنه` لامانع من أن يكون في الواقع حكم فعلي والامارة قائمة على خلافه والمكلف` معذور حينئذ والتفصيليرجع الى محله . هذا تصوير التخطئة بالنسبة الى` الاحكام الواقعية , و أما بالنسبة إلى الاحكام الظاهرية فبالنسبة إلى مرحلة` الجعل منها فكذلك فلابد من القول بالتخطئة في مثل أصل حجية` الاستصحاب , و أما بالنسبة إلى مرحلة المجعول فلا محيص إلا عن القول` بالتصويب فان الاستصحاب حجة بالنسبة إلى من كان على يقين فشك دون` غيره` .

الكلام في الاجزاء و عدمه : اذا تبدل فتوى المجتهد بحيث تعلق نظره بحكم` مناف لما تعلق به أولا و كان إتيان عمل موافق للاول مخالفا للثاني و باطلا` بحسب الفتوى الثانية . و هكذا اذا عدل عن فتوى مجتهد الى مجتهد آخر بحيث` يكونلهما نظران في مورد واحد كسابقه سواء كان المجتهد المعدول عنه حيا أو` ميتا فهل يحكم بالاجزاء مطلقا أو يحكم بعدمه مطلقا أو يفصل ؟ فقد وقع` الكلام في ذلك بين الأعلام . و قبل تنقيح المرام و بيان ماله من النقض والابرام` لابد من تنبيه في المقام , و هو أن النزاع إنما يقع على القول بالتخطئة حتى يتصور` مخالفة المأتي به بمقتضى الفتوى الاول الواقع كي يعقل القول بعدم الاجزاء ,` وإلا فعلى القول بالتصويب و أن ما أدى إليه نظر المجتهد هو حكم الله الواقعي`


408
فلا يتصور مخالفة حتى يبحث عن إجزاء المأتي به عن المأمور به وعدمه كما لايخفى ` .

اذا عرفت ذلك فاعلم أن التفصيل الذي ذهب إليه صاحب العروة` ـ قدس سره ـ لاوجه له , حيث أفاد في المسألة الثالثة والخمسين ما هذا لفظه` : اذا قلد مجتهدا يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع واكتفى بها , أو قلد من` يكتفي بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد لايجب` عليه إعادة الاعمال السابقة . و كذا لو أوقع عقدا أو إيقاعا بتقليد مجتهد يحكم` بالصحة ثم مات و قلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة . نعم فيما` سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني , و أما اذا قلد من يقول` بطهارة شيء كالغاسالة ثم مات و قلد من يقول بنجاسته , فالصلوات والاعمال` السابقة محكومة بالصحة و إن كانت مع استعمال ذلك الشيء , وأما نفس` ذلك الشيء اذا كان باقيا فلا يحكم بعد ذلك بطهارته و كذا في الحلية` والحرمة . فاذا أفتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا فذبح حيوانا` كذلك فمات المجتهد و قلد من يقول بحرمته فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع` و إباحة الاكل , و أما اذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلايجوز بيعه ولا أكله` و هكذا , انتهى . `

والمتحصل من ذلك التفصيل بين الأعمال السابقة واللاحقة بالاجزاء في` الاولى , وأما في الثانية فان كان العمل عباديا أو عقدا أو إيقاعا فكذلك يحكم` بالصحة و تترتب عليه الاثار , و إلا فلابد من الالتزام بفسادها , و هذا التفصيل` لايمكن المساعدة عليه من جهة عدم الدليل عليه` .

وأما القول بالاجزاء مطلقا فقد يقال بأنه مبني على ظاهر الاجماع لكنه مع` أنه غير ثابت بل صرح بعض بالخلاف لايكون كاشفا في مثل هذه المسألة` الجديدة المستحدثة . و بذلك يظهر ما في دعوى قيام السيرة على ترتيب آثار`


409
الصحة مطلقا لأنها مع فرض تسليم ذلك مبنية على فتاوى المجتهدين عصرا بعد` عصر ولا يعلم قيامها في زمان المعصوم سلام الله عليه . بل لايعلم قيام واحد` على ذلك , فكيف يمكن استكشاف رأى المعصوم عليه السلام مع هذه` الاحتمالات ؟ و أما ما يدعى من كونه مقتضى نقي العسر والحرج فأيضا غير` سديد لكونه أخص من المدعى لعدم لزوم ذلك في جميع الموارد . بل لابد في` موارد لزوم العسر من رفع اليد بمقدار يرفع العسر فان المحذورات تتقدر بقدرها` . والمهم في المقام ما قيل بأن الفتوى اللاحق لا يكشف عن عدم حجية السابق` و عدم كونه معذرا و منجزا بل كما أن الثانية حجة في ظرفه الاولي أيضا حجة في` ظرفه و احتمال عدم المطابقة للواقع مشترك بينهما , والمفروض أن العمل اتي به` موافقا للحجة الموجودة في ظرفه فلا وجه للتمسك بالفتوى الثانية على ذلك حتى` يحكم بعدم الاجزاء` .

و بعبارة اخرى : الحجج الشرعية بالنسبة الى مرحلة المجعول كلها حجة` واقعا ولا يتصور فيها تصويب أصلا كما ذكرناه سابقا لقيام موضوعها بنفس` المكلف و ذلك من الامور التكوينية التي أمرها دائر بين الوجود والعدم , فاذا` كان موجودا فالحجة موجودة واقعا و ألا فلا . مثلا دليل حجية الاستصحاب هو` لاتنقض اليقين بالشك , فقوام حجية الاستصحاب واقعا باليقين السابق` والشك اللاحق , و هذا إما موجود في نفس المكلف أو غير موجود , و لذلك بنينا` على أنه لايتصور شبهة في الموضوع في الأحكام الظاهرية أبدا , فاذا كان الحكم` كذلك ففي محل الكلام الفتوى الاولى كانت حجة إلى زمان الثانية واقعا` والعمل واقع موافقا للحجة . وحجية الثانية في ظرفها لاتنافي حجية الاولى` فيكون العمل مجزيا عن الواقع` .

وليعلم أن هذا الوهم إنما يتم في الاعمال السابقة فقط دون اللاحقة كما` لايخفى , لعدم حجية الاولى بعد الثانية قطعا والعمل و ان كان موافقا للحجة`


410
حدوثا إلا أن بقاءه أيضا يحتاج إلى حجة . و هذا كما تراه لايتم أيضا فان حجية` كل منهما في ظرفه و إن كان ثابتا إلا أن فتوى الثانية لاتكشف عن الحكم من` زمان وقوعها فقط بل تكشف عن وجوده من أول الامر . فان كانت الصلاة` بلاسورة صحيحة بمقتضى الفتوى الاولى و فاسدة بمقتضى الثانية فالفتوى اللاحقة` تكشف عن جزئية السورة للصلاة من الأول . فالحجة قائمة على عدم إتيان` المكلف بالصلاة الواقعية فلابد من القول بعدم الاجزاء . هذا ولكن لابد من` ملاحظة دليل الحجة الثانية فان كان له إطلاق يمكن الاخذ به فالحكم كما` ذكر و إلا فالقدر المتيقن من حجية ذلك بعد زمان قيامه فالعمل موافق للحجة` في ظرفه . والحجة الثانية غير قابلة للقيام على مخالفتة للواقع و لعل مسألة تبديل` الفتوى أو المجتهد من هذا القبيل , فافهم . والنتيجة حينئذ الاجزاء بالنسبة الى` السابق دون اللاحق , و كيف كان فلوقلنا بعدم الاجزاء لكن لابد من الخروج` عنه بالنسبة إلى الصلاة من جهة حديث : (( لاتعاد الصلاة الا من خمس` . ( 1 ) (( هذا تمام الكلام في الاجتهاد ` .
و أما التقليد

فقد يقال في تعريفه بأنه الالتزام بقول الغير , و قد يقال بأنه العمل على قول` الغير . و قد يقال بأنه أخذ رسالة الغير , ولايمكن المساعدة على شيء من هذه` التعاريف فانه ليس للتقليد معنى مغايرا لمعناه العرفي . و هو جعل الشيء ذا` قلادة والعامي يجعل العمل على عنق المفتي و يقلده . فالتقليد هو الاستناد بقول` الغير في مقام العمل فهو مقارن للتقليد . هذا معنى التقليد , و أما الثمرات التي`

( 1 ) الوسائل : ج 4 , باب 1 من ابواب أفعال الصلاة , حديث 14 . و باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة , حديث 5 . و باب 10 من ابواب الركوع , حديث 5 . و باب 1 من أبواب قواطع الصلاة , حديث 4 . `


411
يرتبونها على هذه التعاريف فغير مترتبة عليها لعدم وجود لفظ التقليد في موضوع` تلك الاثار المترتبة في المقام , و سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله` .

و أما الادلة الدالة على حجية قول الغير في حق العامي و وجوب التقليد فوجوه . ذكرها السيد الاستاذ ـ مدظله ـ` .

الاول : السيرة العقلائية قامت على رجوع الجاهل إلى العالم والشارع لم يردع` عنه فيستكشف بذلك حجية قول العالم في الشرعيات أيضا` .

الثاني : دليل الانسداد , و هو أنه بعد العلم بثبوت التكاليف الواقعية و عدم ` التمكن من الامتثال علما تفصيليا و عدم الجواز أو عدم وجوب الامتثال علما` إجماليا و هو الاحتياط فلابد من الاستناد إلى الحجة الموجودة في البين ,` والمفروض أن المكلف عامي لايمكن في حقه ذلك . بل لايوجد ظن بالواقع` لعدم تمكنه من السير في الا دلة فلايتمكن من الامتثال إلا بالاستناد إلى قول` العالم و هذا معنى التقليد` .

الثالث : آية النفر (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين` و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )) ( 1 ) دلت هذه الاية على` وجوب الحذر عند الانذار الذى غاية للتفقه الذي هو غاية للنفر الواجب ,` والفتوى بالدلالة الالتزامية إنذار فيجب الاخذ به على العامي . بل لفظة التفقه` أيضا شاهدة على ذلك . و وجوب الحذر عند إنذار المنذر غير مقيد بصورة` حصول العلم فلايصغى إلى ما قيل من عدم دلالة الاية على حجية الفتوى` لاحتمال وجوب الحذر عند حصول العلم` .

إن قلت : إن في زمان صدور الاية التفقة والاجتهاد لم يكن كالتفقه` والاجتهاد في زماننا فلا تدل الاية الكريمة على حجية الفتوى في هذه الأزمنة` .

( 1 ) التوبة : 122 .


412

قلت : التفقه في زمانين بمعنى واحد غاية الأمر إختلافهما سهولة و غموضة` لقربهم بالمعصومين عليهم السلام و عدم توسعة المباحث مثل زماننا . مثلا في ذلك ` الزمان أيضا كانوا يفتون بما يفهمون من ظواهر الكتاب والسنة فكانت الظواهر` حجة في ذلك الزمان أيضا . غاية الأمر ما كانوا محتاجين الى الرجال لقربهم` بالمعصوم عليه السلام , و هكذا . فدلالة الاية تامة لحجية الفتوى و وجوب استناد ` العامي إلى قول المجتهد في مقام العمل` .

الرابع : آية السؤال : (( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون )) ( 1 ) دلت هذه الاية على وجوب السؤال عند عدم العلم و هو الاخذ بالفتوى , فالعامي` حيث لم يعلم بتكليفه يجب عليه الخذ بقول أهل الذكر و هم العلماء . و تقييد` الاية بعدم لزوم ترتيب الاثار حتى يحصل له العلم مناف للظاهر بلادليل عليه ,` والمراد من أهل الذكر ما يشمل العلماء و إن فسرت بالائمة أو علماء اليهود لانه` من باب الجري بالمصداق` .

الخامس : الروايات الكثيرة الدالة على إثبات حجية قول الفقيه في الجملة` فلاحظ هذا . ولكن شيئا من هذه الوجوه لايتم` .

أما السيرة العقلائية فلا يعلم قيامها في مثل الرجوع الى المفتي الذي تكون` مبادى فتواه حدسية اجتهادية كثيرة الخطأ , و مع قيامها لم تعهد في زمان` الشارع و الائمة المعصومين عليهم السلام حتى نكشف رأيهم عليهم السلام من` عدم ردعهم عنها , و تنظير المسألة بمثل رجوع المريض الى الطيب قياس مع` الفارق فتدبر جيدا` .

و أما دليل الانسداد فلا يثبت إلا لزوم التبعيض في الاحتياط , و أما حجية` قول العالم فأجنبية عن مدلوله كما لايخفى` .

( 1 ) النحل : 43 .


413

و أما آية النفر فلا تدل الا على لزوم الانذار بعد التفقه والرجوع حتى يحصل` الخوف عند تخويفهم والحذر عند إنذارهم , و هذا لايستلزم حجية قول المنذرين` فضلا عن حجية فتواهم , و بالجملة التخويف لغرض خصول الخوف لايستلزم` الحجية , فان الخوف قد يحصل من تخويف من لايكون قوله حجة كالصبي` والمجنون بل الفاسق و غيرهم . والحاصل أن الاية ليست في مقام جعل الحجية` لشيء فضلا عن الفتوى و الاجتهاد مع أن ذلك لايستلزم الانذار كما لايخفى` .

و أما آية السؤال فموردها معرفة النبي صلى الله عليه وآله والسؤال فيها لايغني من الحق شيئا حتى يحصل به العلم` .

فلا تبقى الا الروايات , ولا ننكر دلالة بعضها على حجية الفتوى , و يكفي` في ذلك ماقاله الصادق عليه السلام لابان بن تغلب (( اجلس في مسجد المدينة` وأفت الناس فاني أحب أن أرى في شيعتي مثلك )) ( 1 ) ولكن لا إطلاق لهذه` الروايات نتمسك بها في مورد الشك مع أنه لاحاجة إليها مع وجود دليل آخر` في باب التقليد أقوى من الجميع و هو قيام السيرة المتشرعة في شرع الاسلام بل` في جميع الأديان على التقليد و رجوع الناس إلى لمائهم في مسائلهم والسؤال` عنهم و قبول الجواب عنهم بلا تأمل , وليس هذا من جهة حصول الاطمئنان كما` توهم بل يرون موضوعية لقول عالم الشرع و يجعلون عملهم الموافق لقول العالم` على عاتقه , و يظهر هذا من ملاحظة حال الناس في مراجعتهم العلماء ولا يختص` هذا بمذهب دون مذهب حتى يقال لعل ذلك من جهة فتوى المجتهدين , فان غير` المسلمين أيضا متعبدون بذلك بل ظهوره في بعضهم أشد من المسلمين` .

( 1 ) معجم رجال الحديث : ج 1 , ص 147 . و كذا اختيار معرفة الرجال : ص 330 حديث 603 مع` اختلاف في العبارة عما في معجم رجال الحديث , و كذا في رجال النجاشي : ص 10 باب الالف منه` ويطابق ما في النجاشي مع المتن المذكور هنا . `


414

والحاصل : أن الرجوع إلى العالم الديني و أخذ المسائل منه أمر مسلم بين` جميع الملل والاديان و هذا هو التقليد و نكشف قطعيا عن وجوده في شريعتنا ,` و هذا أقوى دليل على التقليد , بل يمكن استفادة ذلك من بعض روايات الباب` مثل رواية علي بن المسيب قال : قلت للرضا عليه السلام : إن شقتي بعيدة` ولست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني ؟ قال عليه السلام : من` زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا ( 1 ) . فان سؤاله (( عمن آخذ معالم` ديني )) يدل على أن هذا أمر إرتكازي له و بما أنه متدين بالدين يرى أنه لابد من` أخذ معالم دينه من أحد و يسأل عمن يعينه الامام عليه السلام و جوابه` عليه السلام أيضا يؤيد ذلك , فان توصيف من عينه بالمأمون على الدين و الدنيا` بيان لما هو المرتكز عند السائل و هو لزوم أخذ معالم الدين من شخص مأمون على` الدين والدنيا و هو ما ذكرنا من التقليد` .

و هكذا رواية عبدالعزيز قال : قلت للرضا عليه السلام : إن شقتي بعيدة` فلست أصل إليك في كل وقت فاخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين ؟` قال عليه السلام : نعم ( 2 ) . والتقريب عين ما قلناه في الرواية السابقة , و من` الغرائب أن يلتزم بأن السؤال في هذه الرواية عن وثاقة يونس و هكذا جواب` الامام فيها و في الرواية السابقة مجرد توثيق لا أزيد . بل المسألة في الروايتين تنشأ` من الأمر المسلم عند المتدينين و هو لزوم أخذ المتدين معالم دينه من عالم دينه` و لذا يسأل الراوي عن تعيينه في الاولى و عن أهلية يونس لذلك في الثانية` .

فالتقليد أمر شرعي ليس من قبيل الامور العقلائية في غير مورده كالطب` ورجوع الجاهل إلى العالم و هو جعل العمل على عاتق مرجع التقليد والاستناد` إليه في مقام العمل , و دليله السيرة المتشرعة والمتدينين ولو في غير الاسلام`

( 1و2 ) الوسائل : ج 18 , باب 11 من ابواب صفات القاضي , حديث 27 و 35 .


415
والروايات و إن كانت مبينة و مؤكدة الى تلك السيرة , و يمكن إستفادة ذلك من التوقيع الشريف (( و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا , فانهم` حجتي عليكم و أنا حجة الله )) ( 1 ) فان حجية الشخص غير حجية قوله . و معنى` ذلك أن من يكون مرجعا للناس في الحوادث والامور التي ترجع إليه في الشريعة` هو راوي الحديث والمعين له الامام عليه السلام , كما أن شأن الامام` عليه السلام أيضا كذلك إلا أنه بتعيين الله عزوجل` .

الكلام في تقليد الأعلم : الأعلم في مقام الثبوت ليس من كان أعرف` بمباني الاستنباط و مبادئه من غيره ولا من كان أعرف من غيره بالفروع` العملية , بل الأعلم من كان في مقام تطبيق القواعد على الفروع أقوى إستنباطا` و أمتي استنتاجا. فمن كان في مقام الاستنباط أقوى و في مقام الاستنتاج أمتن` فهو أعلم كما يظهر ذلك بملاحظة أرباب الصنايع و الحرف ولا يحتاج إلى مزيد` بيان إنما الكلام في وجوب تقليد الاعلم و عدمه` .

و يقع الكلام في ذلك في مقامين ( الاول ) في وظيفة العامي حسب` ارتكازه . ( والثاني ) في ما يستفاد من الادلة للفقيه` .

أما الاول : فحيث إن العامي عالم بتكاليف واقعية منجزة عليه لابد له من` العلم بالخروج عن عهدة ذلك ولا يقطع بالفراغ إلا بالرجوع إلى الاعلم من` جهة دوران الامر بين حجية فتواه تعيينا و بين حجيته تخييرا بينه و بين غير` الاعلم , فحجية فتوى الاعلم مقطوع بها و حجية فتوى غيره مشكوك فيها تدفع` بالاصل فيعلم وجوب الرجوع إلى الاعلم إبتداء . نعم اذا أفتى الاعلم بحجية` فتوى غير الاعلم فقد ذكر سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ أنه يجوز الرجوع إلى غير` الاعلم ولا يصغى إلى ما في العروة من عدم جواز الرجوع حتى عند ذلك , لان`

( 1 ) الوسائل : ج 18 , باب 11 من ابواب صفات القاضي , حديث 9 .

`
416
الرجوع حينئذ بواسطة الاستناد إلى فتوى الاعلم فيقطع بالفراغ عن العهدة` . على أن المستشكل حينئذ إن كان هو الاعلم فخارج عن الفرض و إن كان غير` الاعلم فلا أثر لاستشكاله هذا و لكن الكلام هنا في موضعين` :

الاول : أنه هل يجوز للمجتهد أن يجوز تقليد غيره في المسألة المخالفة فيها` الفتوى أم لا ؟ والظاهر أنه لا , فانه يرى بطلان رأي الاخر فكيف يجوز الرجوع` إلى ذلك الرأي الباطل عنده ! و بهذا ظهر عدم جواز الافتاء بجواز تقليد الغير` حيا كان أو ميتا حدوثا أو بقاء` .

الثاني : هل يصح للعامي تقليد غير الاعلم اذا جوزه الاعلم أم لا ؟ والظاهر` أنه لا . وذلك فان فتوى الاعلم لايسقط عن الحجية بتجويزه الرجوع إلى غيره` بل تصير فتوى الغير أيضا ححة بفتواه , فتكون في المقام حجتان للعامي` متعارضتان فتسقطان معا فلابد له من الاحتياط , و مع فرض عدم جوازه أو عدم` وجوبه لابد له من الرجوع إلى الاعلم أيضا فتدبر جيدا . ثم إنه إذا فرضنا أن` للمقلد مرتبة من العلم بحيث علم عدم جواز تقليد غير الاعلم فلا يجوز له` تقليده , و إن جوزه الاعلم كما اذا تعلق نظره بالجواز فيجوز له و إن أفتى الاعلم` بعدم الجواز لانه في نظره يرى خطأ الاعلم في هذه المسألة . والحاصل أن المدار` هو الاستناد الى الحجة في مقام العمل فكلما علم به , وإلا فمقتضى القاعدة عدم` الحجية للاصل وحينئذ لا أثر لفتوى غير الاعلم حجية فتوى غير الاعلم في حق` العامي و عدمه كما لايخفى` .

و أما الثاني : فصور المسألة ثلاث : ( الاولى ) ما اذا علم ـ ولو إجمالا ـ بموافقة` فتوى غير الاعلم لفتوى الاعلم . ( الثانية ) ما اذا علم بالاختلاف` . ( الثالثة ) ما اذا يعلم لابالموافقة ولا بالمخالفة` .

أما الاولى : فلا شك في جواز تقليد غير الاعلم فان دليل حجية الطرق يدل` على نحو صرف الوجود , فالمقلد يعلم بمطابقة عمله للحجة حينئذ` .


417

و أما الثانية : فالمشهور وجوب تقليد الاعلم فيها كما يظهر من شيخنا` الانصاري ـ قدس سره ـ بل ادعى جامع المقاصد الاجماع عليه . و مع ذلك ذهب` إلى عدمه جماعة . فالمهم النظر في استدلال الطرفين حتى يظهر الامر , فنقول` :

أما الادلة التي أقاموها على عدم وجوب تقليد الاعلم فالمهم منها` الاطلاقات الواردة في أصل حجية التقليد مثل آيتي السؤال ( 1 ) والنفر` ( 2 ) والروايات الواردة في المقام , لكن لايمكن التمسك باطلاق دليل الحجية لاثبات الحجية` في موارد التعارض بناء على أن المجعول في الطرق والامارات الطريقية , فان` شمول الاطلاق لمورد التعارض مستلزم لجعل الطريقية بالنسبة إليهما , و جعلها` للمتعارضين ولو تخييرا لا معنى له , وهذا عمدة الاشكال في ذلك , لاماذكره` سيدنا الاستاذ من أن جعل الحجية لكلا الفتويين جعل المتناقض و هو محال` بالنسبة إلى الحكيم تعالى , و جعل الحجية لواحد معين منهما و إن كان ممكنا ثبوتا` إلا أنه في مقام الاثبات ترجيح بلا مرجح , والحجية التخييرية قول بلا دليل ,` فلم يبق إلا القول بالتساقط . وذلك فان الحجية بمعنى غير الطريقية كالمنجزية` والمعذرية قابلة للجعل في مورد التعارض بجعل أحدهما منجزا و معذرا , و في` مقام الاثبات أيضا لابد من تقييد الاطلاق بالمقدار المتيقن , ونتيجة شمول` الاطلاق للمورد و التقييد بالقدر المتيقن رفع اليد عن حجية كل بالاستناد` بالاخر , وهذا معنى التخيير , و نظير هذا الكلام ذكر في باب الترتب فلاحظ` .

نعم بناء على أن المجعول الطريقية لا معنى لشمول الاطلاق لمورد التعارض` فان حقيقة الطريقية و مورد المعارضة متغايران و متنافيان حتى بنحو التخيير هذا ,` و حيث إنه لا دليل على أزيد من التعذير و التنجيز في الحجج لابد من الالتزام` بالتخيير بناء على أن يكون دليل التقليد الاطلاقات , فالنتيجة جواز تقليد غير`

( 1 ) النحل` . 43 :

( 2 ) التوبة : 122 . `


418
الاعلم , وحيث لم نقل بذلك لابد من ملاحظة ساير الوجوه الدالة على التقليد` و سياتي إن شاءالله` .

و قد يتمسك لاثبات جواز تقليد غير الاعلم بوجوه اخر : ( منها ) تعيين` الامام عليه السلام أشخاصا متعددة للفتوى , والظاهر إختلافهم في العلم` والفتوى بل يعلم بواسطة القرائن إختلافهم في الفتوى , و نتيجة ذلك حجية` فتوى غير الاعلم مع اختلاف فتواه لنظر الاعلم . ولكن هذا أيضا لايمكن` المساعدة عليه لعدم العلم باختلافهم في الفتوى و وجود القرينة على ذلك ممنوع` . على أن الامام عليه السلام في مقام بيان أصل حجية الفتوى لا أحكامها و موارد` التعارض` .

( ومنها ) أن وجوب الرجوع إلى الاعلم موجب للحرج لصعوبة تشخيصه` مفهوما و مصداقا وعدم إمكان رجوع الناس إلى شخص واحد` .

و فيه ( أولا ) أن مفهوم الاعلم كما ذكرناه من كان في مقام الاستنباط` أقوى و في مقام الاستنتاج أمتن , و هذا لا صعوبة في تشخيصه أصلا , و مصداقه` يعلم بالاختبار شخصا أو بقيام الامارة عليه مثل البينة والشياع المفيد` للاطمئنان , و هذا أيضا لاحرج فيه أبدا . و رجوع الناس إلى شخص واحد سيما` في هذا العصر لا استبعاد فيه` .

( و ثانيا ) أن محل الكلام صورة العلم باختلاف الاعلم و غير الاعلم` ولاحرج في الرجوع الى الاعلم حينئذ` .

( و منها ) أن الامام عليه السلام عين المفتي في عصره عليه السلام , و هذا` لايستقيم إلا اذا فرض حجية فتوى غير الاعلم مع وجود الاعلم , و إلافلا معنى` لحجية فتوى أحد مع وجود الامام عليه السلام , و فيه أن محل الكلام صورة العلم` بالاختلاف في الفتوى كما عرفت . و في صورة العلم باختلاف فتوى شخص` لقول الامام عليه السلام لاحجية لتلك الفتوى قطعا , فلا محيص إلا عن`


419
الالتزام بحجية فتوى من عينه الامام عليه السلام لذلك في موارد عدم العلم بالاختلاف , و حينئذ يسقط الدليل عن الاستدلال لما نحن فيه` .

و استدل على وجوب تقليد الاعلم بوجوه : الاول : أن السيرة العقلائية` قامت على الرجوع الى الاعلم في مقام المخالفة في الرأي , و الشارع لم يردع عنها ,` فيستكشف وجوب الرجوع الى الاعلم في الشرعيات أيضا في مقام المخالفة في` الفتوى . قال سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ : إن هذا هو الوجه المهم الصحيح في` الاستدلال على وجوب تقليد الاعلم , لكنه مبني على كون دليل التقليد السيرة` العقلائية , و قد مر عدم إمكان المساعدة عليه , و أن أقوى دليل على التقليد` السيرة المتشرعية , و أن التقليد أمر شرعي فلايتم هذا الاستدلال , فان قيام` السيرة على الرجوع إلى الاعلم في الامور العقلائية والعادية سيرة عقلائية` لايستلزم قيام السيرة على الرجوع الى الاعلم في التقليد لاسيرة عقلائية` ولامتشرعية فانهما ليسا بملاك واحد و مناط فارد` .

الثاني : الاجماع المدعى عن جامع المقاصد , و فيه ـ مضافا إلى عدم حجية` الاجماع المحكي و ذهاب جماعة على خلافه ـ عدم استكشاف مثل هذا الاجماع` عن رأي المعصوم عليه السلام لاحتمال أن يكون مدرك المجمعين هذه الوجوه` التي استدل بها على وجوب تقليد الاعلم` .

الثالث : دلالة مقبولة عمر بن حنظلة ( 1 ) بأنه في مقام المخالفة في القول لابد ` من الرجوع إلى الافقه . إن الترجيح بالافقهية المذكورة في الرواية في الحكمين ` والقاضيين لافي المفتي , و لذالا يعتبر الا صدقية في المفتي مع أنها مذكورة في` الرواية , مع أن الافقهية المذكورة فيها إضافية بالنسبة الى القاضي الاخير لا أفقه` الناس و هذا غير المدعى` .

( 1 ) الوسائل : ج 18 , باب 9 من ابواب صفات القاضي , حديث 1 .


420

هذا و استشكل سيدنا الاستاذ في سند المقبولة و قال إنها ضعيفة بعمر بن` حنظلة فانه لم يوثق و قبول الاصحاب الرواية غير معلوم لنا , على أنه لايجبر به` السند و لايمكن تصحيح الرواية برواية يزيد بن خليفة ( 1 ) حيث قال سلام الله` عليه فيها : بأن عمر بن حنظلة لايكذب علينا فان يزيد بن خليفة أيضا ضعيف` لايمكن الاخذ بروايته . ولكن هذا على مبناه من عدم الاعتبار بقبول` الاصحاب الرواية و عدم جابرية الشهرة لسند الرواية و إلافالرواية منجبرة ,` فانها متلقاة بالقبول عندهم بحيث عبر عنها بالمقبولة , و قوله (( قبول الاصحاب` الرواية )) غير معلوم لنا إنكار لأمر مسلم . فمن جهة السند لا إشكال في الرواية` .

الرابع : أن فتوى الاعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غيره , ولذا يجب` التمسك به والاستناد إليه في مقام العمل . و أجاب السيد الاستاذ عن ذلك بأن` الاقربية الطبعية و إن كانت موجودة في فتوى الاعلم إلا أنه لا دليل على وجوب` الترجيح بها . والاقربية الفعلية في فتوى الاعلم ممنوعة لامكان موافقة فتوى غير` الاعلم لفتوى المشهور مثلا , و غير ذلك من المرجحات` .

أقول : لو تمسكنا بالسيرة العقلائية على لزوم تقليد الاعلم يمكن القول بأن` السيرة قائمة على الرجوع الى من كان رأيه أقرب الى الواقع فعلا . و لذا إن كان ` غير الاعلم أوثق من الا علم في مطابقة قوله للواقع يأخذون بقوله . فالواجب` الرجوع إلى من كان أوثق من غيره في الفتوى , وإلا فتقليد الاعلم بما هو أعلم` غير واجب تعبدا لعدم التعبد في طريقة العقلاء , فعلى هذا السيرة العقلائية أيضا` لا تدل على أزيد مما يستفاد من هذا الدليل بضميمة جواب السيد الاستاذ` ـ مدظله ـ فلم يثبت من هذه الادلة تعين الرجوع إلى الاعلم حتى في موارد` الاختلاف إلا اذا كان رأيه أقرب إلى الواقع فعلا . هذا بناء على التمسك`

( 1 ) الوسائل : ج 3 , باب 5 من ابواب المواقيت , حديث 6 .


421
بالسيرة العقلائية في المقام , وإلا فلا يمكن إثبات التعين من هذه الادلة حتى من تلك الحيثية أيضا` .

فتلخص مما ذكرناه أن شيئا من أدلة الطرفين لايتم . فلم يثبت لزوم` الرجوع إلى الاعلم ولا جواز الرجوع إلى غيره من هذه الادلة . نعم بناء على` ما بنينا عليه من دليل التقليد و هو أن التقليد أمر شرعي قامت عليه السيرة` المتشرعية يمكن القول بالتخيير و جواز الرجوع إلى الاعلم , فان المتشرعة بماهم` متشرعة و المتدين بالدين يرجع إلى العالم بالدين و يأخذ معالم دينه منه بشرط` كونه ثقة أيضا كما يستفاد من الروايات السابقة أيضا . بل يمكن الاستدلال` بتلك الروايات أيضا على ذلك , فان توصيف الرضا عليه السلام زكريا بن آدم` بالمأمون على الدين والدنيا والارجاع إليه يدلنا على كفاية كون العالم بالدين` المأخوذ منه معالم الدين مأمونا على الدين والدنيا . و هكذا الارجاع في التوقيع` الشريف الى رواة حديثهم يدل على كفاية ذلك , فعلى هذا يتم الدليل على` جواز تقليد غير الاعلم , والله العالم و هو الموفق والمعين` .

ثم إنه لو فرضنا عدم صلاحية كلى من الدليلين المثبت والنافي لاثبات` مدلولهما فلابد من الرجوع الى الاصل العملي . والمقام من صغريات باب` الاشتغال لدوران الامر بين التعيين والتخيير في الحجية بمعنى المعذرية , فلابد من` الرجوع الى الاعلم . فان العلم الاجمالي بثبوت التكاليف الواقعية موجود` فيجب الخروج عن العهدة إما علما و إما بالاستناد الى امارة علم بمعذريتها عن` الواقع . والمفروض أن فتوى الاعلم معذر يقينا ولا يعلم بمعذرية فتوى غيره` فيتعين الاستناد إليه , و هذا هو الحال في كل مادار الامر بين الحجية التعيينية` و التخييرية كذلك بمعنى المعذرية` .

و أما دوران الامر بينهما بمعنى المنجزية مثل موارد الدوران بين التعيين` والتخيير في الاحكام فلا يقتضي إلا أصالة البراءة عن التعيين , و كما اذا دار`


422
الامر في مورد بين وجوب صلاة الظهر تماما تعيينا أو تخييرا بينه و بين القصر` يرجع إلى أصالة البراءة عن الكلفة الزائدة و هو تعين التمام . هكذا اذا فرضنا ` قيام امارة على وجوب التمام و قيام امارة اخرى على وجوب القصر , والمفروض` أنهه لايكون منجز آخر للتكليف مثل العلم الاجمالي و غيره غير هاتين الامارتين` ودار الامربين أن تكون الاولى حجة تعيينا لوجود رجحان فيه أو تخييرا بينها` و بين الثانية , فدار الامر بين الحجية التعيينية والتخييرية , لكن لا ندري هل` يتعين الاخذ بمدلول الاول فقط أو نحن في سعة عن ذلك و يمكننا الاخذ بأيهما` نريد ؟`

و بعبارة اخرى : العقاب و عدمه لا يترتبان على مخالفة الواقع بما هو واقع` بل يترتبان على مخالفة الواقع المنجز . فعند الشك في منجزية امارة و عدمها تجرى` أصالة البراءة عن التكليف لعدم وصوله الى المكلف بما يرفع شكه في` التكليف . و حيث إن دوران الامربين التعيين والتخيير في المنجزية يرجع إلى` الشك في منجزية ما احتمل تعينه في المنجزية تعيينا لابد من الرجوع الى أصالة` البراءة للشك في الكلفة الزائدة , هذا` .

ولكن مقامنا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير في المعذرية بعد ما` صار التكليف منجزا على المكلف بسبب علمه الاجمالي فلابد من تحصيل العذر` القطعي ولايمكن إلا بالرجوع الى مقطوع المعذرية و هو فتوى الاعلم . فتحصل` مما ذكرناه أنه لابد من الرجوع إلى الاعلم اذا كان مدرك الحكم في هذه` المسألة الاصل العملي , و إلا فمقتضى قيام السيرة المتشرعة المؤيدة بالادلة` اللفظية جواز الرجوع الى غير الاعلم , وحيث إنه مع هذا الدليل لاتصل النوبة` الى الاصل نلتزم بعدم وجوب تقليد الاعلم وجواز تقليد غيره . نعم الاحوط` تقليد الاعلم من جهة فتاوى عدة من الاعاظم المؤيدة بالاصل , و الاشكال في` ماذكرناه من السيرة المتشرعة , والله العالم` .


423

و أما الصورة الثالة من صور المسألة و هي مالم يعلم مخالفة فتوى غير` الاعلم مع الاعلم , فلوقلنا بعدم وجوب تقليد الاعلم في الصورة الثانية و هي` صورة العلم بالمخالفة فعدم الوجوب في هذه الصورة أولى و أظهر . ولو قلنا` بالوجوب في الصورة السابقة فهل يجب في هذه الصورة أيضا أولا ؟ فقد يقال` بالوجوب لوجوه` :

الاول : مقبولة عمر بن حنظلة . و قد عرفت الجواب عن هذا الوجه` .

الثاني : أن قول الاعلم أقرب إلى الواقع فلابد من الاخذ به في مقام تحصيل` العلم بالفراغ , و قد عرفت الجواب عن هذا أيضا . و يمكن الجواب عن هذين` الوجهين بأنهما في مورد التعارض والفرض عدم العلم بالتعارض في المورد` .

الثالث : الاصل يقتضي وجوب تقليد الاعلم تعيينا , لان الامر دائر بين` التعيين والتخيير في الحجية و في مقام الامتثال . ولايخفى أن هذا الوجه إنما يتم لو` لم يدل على خلافه دليل , فلابد من ملاحظة ما استدل به على الحجية التخييرية` والوجوه الدالة على تخيير المقلد بين الرجوع الى الاعلم و غيره في هذا المورد` .

الوجه الاول : الاطلاقات الواردة في إثبات حجية الفتوى تثبت ذلك` بتقريب أن الاطلاقات ولو لم تكن شاملة لموارد التعارض إلا أنه غير معلوم في` المقام حسب الفرض فلا مانع من شمول الاطلاق له` .

إن قلت : التمسك بالاطلاق في هذا المورد من قبيل التمسك به في الشبهة` المصداقية لاحتمال وجود المعارضة` .

قلت : هذه الشبهة ترتفع بواسطة الاستصحاب المنقحة لمجرى الاطلاق ,` و ذلك لان المعارضة أمر حادث مسبوق بالعدم أزليا و نعتيا فتدفع باستصحاب` العدم الازلي والنعتي , فان قبل وجود المجتهدين المعارضة لم تكن والان كما` كان , أو أن المعارضة قبل إجتهاد المجتهدين لم تكن والان كما كان , فاذا لم تكن` المعارضة بينهما بحكم الاصل فلا مانع من شمول الاطلاق له` .


424

إن قلت : الاستصحاب لايجري قبل الفحص` .

قلت : الفحص في الشبهات الموضوعية غير لازم والمورد منها . و قد يقال` : بأن المقيد لبي ولا مانع من التمسك بالاطلاق المقيد بالتقييد اللبي في الشبهات` المصداقية ولكنه كما ترى فان ملاك عدم جواز التمسك مشترك بين أن يكون` المقيد لبيا أو لفظيا . هذا ما يمكن أن يقال في توجيه الوجه الاول , و بينه السيد` الاستاذ ـ مدظله ـ ولكن يظهر مما مر أنه : ( أولا ) لا إطلاق في باب التقليد` يمكن التمسك به في موارد الشك . ( وثانيا ) الاستصحاب في المورد و أمثاله غير` جار لا أزليا ولا نعتيا على ما ذكرنا برهانه في الاصول و بنينا عليه , فهذا الوجه` لايتم` .

الوجه الثاني : أن سيرة العقلاء قائمة على الرجوع إلى غير الاعلم في موارد` احتمال المخالفة , وإلالكان غير الاعلمين معطلين في المجتمع , والمشاهد خلافه ,` و الشارع لم يردع عن ذلك , فيستكشف عنه في الشرعيات أيضا . و فيه أن دليل` التقليد ليس سيرة العقلاء كما مرمع أن إحراز اتصاله إلى زمان المعصوم بحيث` يكشف عدم ردعهم عنها لامضائهم ممنوع , فهذا أيضا لايتم` .

الوجه الثالث : إرجاع الامام عليه السلام الناس إلى أشخاص خاصة مثل` يونس عبدالرحمن , و زكريا بن آدم , مع إحتمالهم بمخالفة فتواهم للامام` عليه السلام . ولايخفى ضعف هذا الوجه أيضا , فانه من أين احرز احتمال` المراجعين إلى يونس أو زكريا مخالفة فتواهما للامام عليه السلام واحتمالنا` لايستلزم احتمالهم , فهذا أيضا لايتم فلم يبق ما يتمسك به في مقابل الاصل` العملي القائم بوجوب تقليد الاعلم فلابد من التمسك بالاصل والقول بوجوب` تقليد الاعلم في هذه الصورة أيضا . نعم لو بنينا على ما قلناه في الصورة السابقة من` السيرة المتشرعية فالحق عدم وجوب تقليد الاعلم في الصورتين , لكن الكلام` على فرض تسليم وجوب تقليد الاعلم في الصورة السابقة و صرف النظر عن`


425
السيرة المتشرعية , و حينئذ تصل النوبة إلى الاصل العملي و مقتضاه وجوب` تقليد الاعلم بلافرق بين الصورتين . ولو قلنا بالاحتياط نقول به في الصورتين` أيضا . هذا اذا علم الاعلم بشخصة , فان كان مرددا بين شخصين أو لم يكن` أعلم في البين بل كانا متساويين فالمعروف بين الاصحاب الحكم بالتخيير` . ولكن قال سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ : إن أدلة الحجية لاتشمخل موارد التعارض` فلا تثبت حجية أي منهما , فلابد للعامي الاحتياط حتى يقطع بالفراغ . لكن قد` مر أن الدليل على التقليد هو السيرة المتشرعة على أخذ معالم الدين من أهله ,` ولايفرقون بين وجود الاعلم و عدمه ولابين العلم بمخالفتهم في الفتوى و عدمه . فما` عليه المشهور هو المنصور . فمقتضى هذا الدليل التخيير في جميع الصور` .

ومما ذكرنا ظهر أنه لا اعتبار للاورعية في وجوب الاخذ بالفتوى اذا كان` الدليل غير الاصل العملي , و تمسكنا بالسيرة المتشرعية بخلاف ما اذا كان` الدليل الاصل , فانه لابد من الاخذ بقول الاورع لدوران الامربين التعيين` والتخيير في الحجية بمعنى المعذرية . ولكنه أجاب شيخنا الانصاري ـ قدس سره ـ عن الدوران بأنه إذا لم يكن لشيء دخل في ملاك الحجية فلا أثر لدوران الامر` بين الحجية التعيينية والتخييرية والاورعية من هذا القبيل , ولكن هذا الجواب` غير واف بحل الاشكال من جهة دوران الامر في ذلك مدار القطع والشك فان` أحدهما مقطوع الحجية والاخر مشكوك الحجية , و دعوى عدم دخل الاورعية في` ملاك الحجية بلا دليل فان الحجية بمعنى كون الشيء بحيث يكون قابلا` للاحتجاج به , ولا نرى أي مانع من اعتبار الشارع هذا المعنى في قول الاورع` دون غيره` .

هذا على ما اخترناه في المتساويين من القول بالتخيير , و أما على ما ذكره السيد الاستاذ ـ مدظله ـ من أنه لابد من الاحتياط لعدم شمول دليل الحجية لمورد` المعارضة فلابد من الاحتياط في مورد كون أحذ المجتهدين أورع أيضا بعين البيان .


426
`

ثم إنه لو قلنا بوجوب تقليد الاعلم لابد من القول بوجوب التبعيض في` التقليد اذا كان أحد المجتهدين أعلم من الاخر في بعض الاحكام والاخر كان` أعلم من الاول في الباقي . و وجهه ظاهر كما أنه لو قلنا بالتخيير في مورد` التساوي لابد منالقول بجواز التبعيض في التقليد عنهما إلا اذا لزم منه المخالفة` العملية على رأيهما معا مثل أن يقلد المجتهد في جواز ترك السورة مع أن الاخر` يرى وجوبها و يقلد الاخر في جواز الاكتفاء بالمرة في التسبيحات مع أن الاول` يرى وجوب الثلاث , فهذه الصلاة الفاقدة للسورة والواجدة للتسبيحة الواحدة` باطل برأي كل من المجتهدين فلا يجوز الاكتفاء بها` .

ثم إن وجوب تقليد الاعلم على القول به ثابت في ما اذا كان له فتوى , أما` اذا لم يكن له فتوى أصلا فلا إشكال في جواز تقليد غير الاعلم و قيام السيرة` المتشرعة عليه . لكن الاشكال فيما اذا افتى الاعلم بلزوم الاحتياط في مسألة` فهل يجوز تقليد غيره فيها بناء على القول بوجوب تقليد الاعلم أولا ؟ الظاهر` عدم الجواز , فان الفتوى بلزوم الاحتياط ليس إلا من جهة عدم وجود دليل` صالح على خلاف الاحتياط بنظرة , و لذا يرى فساد مستند فتوى غيره , لانه` فحص عن جميع الادلة ولم ير دليلا على ذلك , ففي هذا المورد لايجوز الرجوع الى` غيرالاعلم لبطلان فتواه بنظر الاعلم . مثلا اذا فحص فحصا تاما عن الادلة` المربوطة بتكليف المسافر أربعة فراسخ الغير الراجع ليومه فرأى عدم صلاحية` الادلة لوجوب القصر ولا التمام فأفتي بالاحتياط بالجمع بين الصلاتين , فكيف` يجوز للعامي أن يقلد غير الاعلم الذي يفتي بوجوب القصر حينئذ ـ على مبنى` وجوب تقليد الاعلم ـ ؟ نعم على ما اخترناه من عدم الوجوب يجوز في المقام` أيضا كغيره` .

الكلام في تقليد الميت
`

ويقع الكلام في ذلك في مقامين : ( الاول ) التقليد الابتدائي` .


427
( الثاني ) التقليد الاستمراري المعبر عنه بالبقاء على تقليد الميت` .

أما المقام الاول : و هو التقليد الابتدائي عن الميت , فالعامة ذهبوا بأجمعهم` إلى جوازه و لذا يقلدون عدة مخصوصة منهم . و أما الخاصة فالاخباريون منهم أيضا ` على ذلك , والمحقق القمي ـ قدس سره ـ من الاصوليين أيضا من المجوزين , ولكن` ذهاب الاخباريين والمحقق المذكور لايضر بدعوى الاجماع` .

أما المحقق القمي ـ قدس سره ـ فلاحتمال أن تكون مبنى فتواه على الجواز` نظره بتمامية مقدمات الانسداد , ولذا يفتي بجواز تقليد الميت عند حصول` الظن . والمبنى والبناء المذكور لايصحان . ( أما ) المبنى فلما تبين في محله من عدم` تمامية مقدمات الانسداد فانه ثبتت حجية إلظواهر بالنسبة الى من قصد افهامه` ومن لم يقصد , وأيضا ثبتت حجية خبر الثقة , فباب العلمي مفتوح حينئذ` فلا تصل النوبة إلى الامتثال الظني . ( وأما ) البناء فحصول الظن بفتوى الميت` ممنوع , ولا سيما اذا كان فتواه مخالفا لفتوى جماعة من العلماء` .

وأما الاخباريون فلان مدركهم في ذلك ما استفادوا من التوقيع الشريف` : أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا . من أن رجوع الجاهل الى` العالم من باب الاخذ بالرواية ولا يشترط في الراوي الحياة قطعا . و هذا أيضا` لايتم مبنى و بناء . ( أما ) المبنى فلان رجوع الجاهل إلى العالم ليس من باب الاخذ` بالرواية بل من باب الاخذ بقول أهل الخبرة مع أن التوقيع ليس في مقام بيان` ذلك و أجنبي عن رجوع الجاهل الى العالم , و التقليد أيضا ليس من هذا الباب` كما مربل التقليد أمر شرعي مدركه السيرة المتشرعة , و لم يثبت رجوعهم الى` الاموات في ذلك إن لم نقل ثبوت خلافه , و ظاهر التوقيع أيضا هو الرجوع إلى` الاحياء بتناسب الحكم و الموضوع و ان لم نستفد منه إعتبار الحياة في التقليد` . ( وأما ) البناء فلان الاموات مختلفين في الفتوى فلا يجوز للعامي الاخذ بقولهم` إلا بأعمال المرجحات , وإلا فالعمل على طبق مايعالج به الروايات المتعارضة`


428
والقواعد الاخرى من التساقط والتخيير , فان الرجوع الى رواة الحديث لو كان` من باب أخذ الرواية لابد و أن يكون مطابقا لقواعد أخذ الرواية , ولا أظن` بالاخباري القول بذلك بالنسبة الى العامي , و هذا الاشكال و إن لاينحصر` بتقليد الميت بل يعم تقليد الاحياء أيضا على مبناهم , إلا أن تعميم الاشكال` لايدفع الاشكال , والمقصود أنه لو كان التقليد من باب الاخذ بالرواية للزم على` العامي إعمال قواعد الاخذ بالرواية ولا يسعه ذلك ولايخرج عن كونه عاميا` .

و أما سائر أدلة المجوزين فقد يقال أن مقتضى الاطلاقات عدم الفرق بين` الحي والميت في جواز التقليد . ولكن على ما مرمن أن المطلقات لا تدل على` التقليد , و مع الدلالة لا تدل عليه مطلقا و ليست في مقام بيان ما يعتبر في جواز` التمسك بالاطلاق كونها بصدد بيانه` .

ذكر سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ ان ظاهر المطلقات إعتبار الحياة في المفتي ,` فان الاية الشريفة توجب الحذر عند إنذار الفقيه القوم فتقوم الحجية بمقتضى` الاية ( 1 ) بصدق هذا العنوان , ولا يصدق هذا العنوان إلا اذا كان الفقيه حيا . ` لا أقول باعتبار المقارنة بين الانذار والحذر , بل أقول بأنه لابد في الحجية من` صدق عنوان إنذار الفقيه القوم , فان مات الفقيه قبل وجود القوم لايصدق هذا` العنوان . و أما الروايات ففي مثل الارجاع إلى الاشخاص الخاصة ليس إطلاق` يؤخذ به . و في بعضها الاخر اخذ عنوان العالم و العارف بالاحكام والفقيه وغير` ذلك موضوعا لجواز التقليد , و هذه العناوين ظاهرة في فعلية التلبس فلا يصدق` إلا على الحي , فلايصدق الرجوع الى العالم إلا أن يكون المفتي عالما حال` الرجوع , و الميت ليس بعالم حال الرجوع` .

ولايمكن المساعدة على شيء مما ذكره في هذا المقام . أولا : إنا نفرض`

( 1 ) التوبة : 122 .


429
صدور الفتوى قبل تولد الشخص و بعد بلوغه إلى حد التكليف أن المفتي حي` بعد لم يمت فيجوز لهذا الشخص العمل بذلك الفتوى مع أن إشكال صدق` العنوان موجود فيه أيضا , فأي زمان أنذر الفقيه هذا الشخص ؟ والجواب عن` هذا هو الجواب عن أصل الاشكال` .

و ثانيا : لازم ما ذكره أنه اذا أنذر الفقيه شخصا و قبل الحذرمات الفقيه` يجوز التقليد لصدق العنوان حينئذ , والمدعى عدم الجواز بحيث تشمل هذا المورد` أيضا` .

وثالثا : الاية في مقام بيان التحريص والترغيب إلى التفقه , والانذار` والحذر بواسطة الانذار لا في مقام بيان أنه يشترط في المنذر الحياة , فلايمكن` التمسك بها . هذا مع أنه ذكرنا سابقا عدم دلالة الرواية على التقليد فكيف` باطلاقها !

ورابعا : غاية ما يستفاد من الروايات أنه لابد من الرجوع إلى العالم حال` الرأي بل عن بعض التعليلات الواردة في بعضها من أنه يروي عني و غير ذلك` يظهر أنه لاموضوعية في المقام أبدا . والمدار صدق الرواية عن الامام , ولو بمعنى ` الفتوى . مع أنه قد مر عدم كون الروايات في مقام جعل الحجية تأسيسا , بل` أنها ناظرة إلى بيان أمر في طولها , فلايمكن التمسك باطلاقها كما حقق في محله` من عدم وجود شرائط التمسك بالاطلاق في هذا النحو من الدلالة , و قد` سميناها تبعا لبعض أساتيذنا بالدلالة الاستلزامية` .

وقد يقال بأن السيرة العقلائية القائمة بالرجوع إلى الاعلم لاتفرق بين` الحي والميت , فان المريض اذا علم بطبابة ابن سينا لمرضه مثلا لايرجع إلى` الحي المخالف لذلك الميت الادون منه في الفضيلة . ذكر سيدنا الاستاذ` ـ مدظله ـ : أن هذه السيرة و إن كانت قائمة لايمكن إنكارها , إلا أنه مضافا إلى` ردع الشارع عنها أن فتاوى الاموات متعارضة ولا تشمل السيرة للفتاوى`


430
المعارضة` .

أقول : ( أولا ) لا دليل في المقام يوجب ردع السيرة غير الاجماع المدعى ,` ولاأقل من احتمال كون مدركه ما ذكرنا من الوجوه , فلايكون كاشفا عن قول` المعصوم عليه السلام` .

( وثانيا ) المعارضة بين الفتاوى لاتنحصر في فتاوى الاموات بل المعارضة` موجودة بين فتاوى الاحياء والاموات جميعا , فأي تدبير جرى في علاج المعارضة` في الاحياء يجري في الاموات أيضا` .

( وثالثا ) لاينقضي تعجبي عما ذكره من أن السيرة غير شاملة لمورد` التعارض , مع أن السيرة العقلائية القائمة على الرجوع إلى الاعلم على مبناه` ـ مدظله ـ إنما هي في مورد المعارضة و اختلاف الفتوى كما قاله هو أيضا . فتحصل أنه لو كان دليل التقليد السيرة العقلائية لابد من القول بجواز تقليد` الميت ولو ابتداء , إلا أن يثبت ردع الشارع عنها . والذي يسهل الخطب` ما ذكرناه من أن التقليد أمر شرعي ولايكون مدركه السيرة العقلائية , و رجوع` الجاهل إلى العالم في كل فن , بل الدليل عليه السيرة المتشرعة في كل شرع , و بناء المتدينين في كل دين على أخذ معالمهم من عالمهم المأمون على الدين` والدنيا , و هذا لو لم نقل بانحصاره إلى الرجوع إلى الاحياء لايدل على جواز` الرجوع إلى الاموات , فلا نحتاج إلى دليل الردع` .

و قد يقال بأن الاستصحاب يدل على جواز تقليد الميت بدعوى أن فتوى` الميت كانت حجة في زمان حياة المجتهد فيستصحب بالنسبة إلى ما بعد الموت` أيضا . `

ذكر سيدنا الاستاذ ـ مدظله ـ أن هذا الاستصحاب و إن كانت أركانه تامة` ولم يكن فيه إشكال في نفسه إلا أن المعارضة المذكورة بين فتاوى الاموات` مانعة عن جريانها . مضافا إلى أن الاستصحاب في الشبهات الحكمية غير جار ,`


431
على أن الحجية الفعلية لفتوى الميت بالنسبة الى العامي الموجود متيقن العدم` حدوثا . والحجية التعليقية أي الانشائية التي مفاد القضية الحقيقية مشكوك` الحدوث بالنسبة إلى هذا الشخص , فان القدر المتيقن من ذلك حجيته بالنسبة` إلى الموجودين` .

وأما جعل الحجية بالنسبة إلى المعدومين فمشكوك الحدوث . فأركان` الاستصحاب غير تامة , و هذا نظير ما يقال في موارد إستصحاب عدم النسخ ,` و إن ادعى المحقق الاسترابادي ـ قدس سره ـ الاجماع على الجريان فيها فان` الحجية الفعلية مقطوع العدم حدوثا , والحجية الشأنية مشكوك الحدوث بالنسبة` إلى هذا الشخص ` .

أقول : أما ما ذكره من أن المعارضة بين فتاوى الاموات مانعة عن جريان الاستصحاب ففيه ما مر من أنه ليس إشكالا في جريان الاستصحاب غايته` ترتيب حكم الاحياء على الاموات بواسطة الاستصحاب , مضافا إلى إمكان` استصحاب حجية فتوى الاعلم منهم إن علم به , وإلا فعلى القول بالتخيير` يستصحب التخيير أو يستصحب الحجية في الجميع , والنتيجة التخيير بعد ذلك ,` وإلا فلا أقل من سقوط حجية فتوى المجتهد الحي أيضا لو لم يكن أعلم من الاموات ,` والمقصود أن المعارضة بين الفتاوى لاتكون مانعة عن الاستصحاب` .

وأما ما ذكره من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فنوافقه` ـ دام ظله ـ في المدعى لا في الدليل , فان عدم الجريان فيها ليس لاجل التعارض` بين الاستصحاب فيها واستصحاب عدم الجعل كما قال , بل الوجه فيه تبدل` الموضوع و تغاير القضية المتيقنة والمشكوكة , والتفصيل في محله . و أما ما ذكره من` الاشكال فمدفوع بأن الحجية المجعولة للامارة ـ و منها فتوى المجتهد ـ لاتكون إلا` أمرا واحدا و حكما فاردا نظير سائر الاحكام المجعولة قانونا , ولايكون فيها` قسمان فعلية و شأنية , و لم تجعل إلا لنفس الفتوى , و ليست فيها أي نسبة حتى`


432
يقال بالنسبة إلى هذا كذا و بالنسبة إلى ذاك كذا , بل انها مجعولة بنحو القانون ` لنفس الفتوى ولو كان قيدا كالحياة دخيلا فيها يدخل في موضوعها فتجعل` الحجية لفتوى المجتهد الحي والا فالموضوع لايقيد بها` .

و على هذا نشير إلى فتوى المجتهد في زمان حياته و نقول كانت حجة في` ذلك الزمان قطعا سواء كان المجعول حجية فتوى المجتهد الحي أو كان المجعول` حجية فتوى المجتهد مطلقا , لانطباق كليهما عليها , والمفروض وقوع الشك بعد` الموت فتتم الاركان و تستصحب حجيتها . هذا تمام الكلام في أدلة المجوزين` .

و أما أدلة المانعين فوجوه` :

الاول : دعوى الاجماع من علماء الشيعة , و مخالفة الاخباريين والمحقق القمي` لايضر كما مر من إحتمال المدرك , ولكن هذا الوجه لايمكن المساعدة عليه` لانه يحتمل استناد المجمعين إلى الوجوه الاتية , فلايكون كاشفا عن قول` المعصوم , على أن مخالفتهم و إن يحتمل فيها الاستناد إلى ما ذكر سابقا , إلا أن` احتمال عدم ذلك كاف في عدم كون الاجماع كاشفا` .

الثاني : الاطلاقات الدالة على جواز التقليد ظاهرة في اعتبار الحياة . وفيه أن ` الاطلاقات وإن كان موضوعها الحي إلا أنها ليست في مقام الحصر , و اعتبار` الحياة في المفتي فبالنسبة إلى الميت من قبيل عدم الدليل على الجواز , لا الدليل` على عدم جواز تقليده` .

الثالث : أنه إن اريد من جواز تقليد الميت جواز تقليد أي واحد منهم فهذا` و إن كان لا إشكال فيه ثبوتا . إلا أنه لا دليل عليه لعدم شمول الاطلاقات` لجميع الاموات لمعارضة فتاواهم بل الحجية لجميعها أمر غير معقول , و الحجية` التخييرية ليست مفاد الادلة . و إن اريد من ذلك جواز تقليد الاعلم بين` الاحياء و الاموات فينحصر في الواحد ولابد من مراجعة جميع الناس لهذا` الشخص , وهذا خلاف ضرورة الشيعة` .


433

ولكن بطلان هذا الوجه غني عن البيان و إن رضي به السيد الاستاذ` ـ مدظله ـ وقال : المهم هذا الوجه , فانه لاينحصر في الواحد بل يجوز أن يكون في` عصر شخص أعلما و في العصر المتأخر شخص أعلم منه و هكذا , مع أنه لايرد` الاشكال على القول بعدم وجوب تقليد الاعلم . و كيف كان فهذا الوجه أيضا` لايتم , والمهم ما مر من أن التقليد أمر شرعي لا دليل عليه إلا السيرة المتشرعة ,` و بعض الاطلاقات التي لاتكون متكفلة لتأسيس الحجية على الفتوى بل كلها` إرشاديات و في طول الجعل . و هذا الدليل لو لم نقل باختصاصه بالاحياء` فلا أقل من عدم وجود إطلاق له يشمل الاموات أيضا` .

المقام الثاني : التقليد الاستمراري و البقاء على تقليد الميت , فقد يستدل على ` جوازه بالسيرة العقلائية بدعوى أن السيرة قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم حيا ` كان أو ميتا , ولم يردع عنها الشارع المقدس إلا بالنسبة إلى التقليد الابتدائي ` . وجوابه يظهر مما سبق في المقام الاول , و بالاطلاقات و تقريبها , و اعتراض` السيد الاستاذ ـ مدظله ـ عليها والجواب عنه` .

ووجه عدم جواز التمسك بها يعلم مما سبق أيضا و بالاستصحاب , فان` الفتوى كانت حجة في حق هذا العامي حال الحياة فيستصحب بعد وفاته ,` ولايرد على هذا التقريب ما أشكل السيد الاستاذ ـ مدظله ـ على جريان الاستصحاب` في التقليد الابتدائي . فان الحجية كانت فعلية في حق العامي , و يستصحب` الحجية الفعلية بعد الموت و إن أجبنا عنه هناك أيضا , إلا أن جريان هذا` الاستصحاب موقوف على جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الذي` لانقول به , بل لواريد به الاستصحاب في الحكم الجزئي فأيضا لا نقول به , فان` قضية هذه الفتوى كانت حجة و إن كانت مسلمة و صادقة , إلا أن حجيتها` لاتكون بهذيته قطعا , بل حيث إنه لاندرى بموضوع الحجية في مقام الجعل سعة` وضيقا نتردد في موضوع هذه القضية , و أن المشار إليها في موضوعها هل فتوى`


434
المجتهد الحي أو فتوى المجتهد مطلقا ؟ فان الحكم المترتب على الموضوع ولو سمي` بالحكم الجزئي مترتب على حيثية عنوان موضوعه لا أمر آخر فتصبح القضية` المتيقنة قضية منفصلة , و المفروض أن القضية المشكوكة قضية حملية , وإلا` فلاشك في المنفصلة حتى في الزمان اللاحق , فتغايرت القضيتان فلا تجري` الاستصحاب . هذا و من هنا ظهر عدم إمكان المساعدة لما أفاده سيدنا الاستاذ المحقق ـ مدظله ـ في هذا الباب من التمسك بالاستصحاب , فراجع كلامه` الشريف ` .

فلم يبق إلا الوجه الذي اخترناه و بنينا عليه في أصل التقليد و هو قيام` السيرة المتشرعة على ذلك , فلو أحرزنا ذلك في موارد البقاء على تقليد الميت ,` وإلا فيقع الاشكال فيه , والله أعلم .

والحمدلله رب العالمين` .


435
محتويات الكتاب
+
العنوان الصفحة`
# الكلام في صلاة الجماعة #
`
ما استدل به على مشروعية الجماعة في صلاة الطواف` 6
حكم الجماعة في الفرائض بالعرض` 11
حكم الجماعة في الصلوات المنذورة` 12
عدم مشروعية الجماعة في النافلة` 15
درك الجماعة بادراك ركوع الامام` 17
حكم الشك في درك الامام راكعا` 19
حكم الدخول في الصلاة مع الشك في درك ركوع الامام` 22
حكم عدم درك الركوع في غير الركعة الاولى` 23
حكم عدم درك ركوع الامام بعد الاقتداء` 24
مقتضى الاصل في القيود المشكوكة في الجماعة` 27
ما استدل به على حكم الجماعة مع وجود الحائل` 31
حكم الجماعة مع وجود الحائل` 32
حكم الجماعة اذا كان الامام أعلى من المأمومين` 38
حكم الجماعة اذا كان المأموم على بناء عال` 40
حكم الجماعة اذا تباعد المأموم عن الامام` 41

436
حكم قراءة المأموم خلف الامام` 44
حكم القراءة في الجماعة خلف إمام لايقتدى به` 53
حكم متابعة المأموم للامام` 56
حكم رفع المأموم رأسه عامدا قبل الامام` 63
حكم رفع المأموم رأسه ناسيا قبل الامام` 66
حكم ما اذا أهوى المأموم قبل الامام` 69
حكم وقوف المأموم قدام الامام أو مساويه` 75
اعتبار نية الائتمام في الجماعة` 80
لونوى الاقتداء بزيد فبان أنه عمرو` 83
حكم الشك في نية الائتمام` 84
جواز الائتمام ولو اختلف الفرضان` 85
استحباب إعادة المنفرد صلاته اذا وجد الجماعة` 86
اعتبار الايمان و العدالة في الامام` 89
سائر الشرائط المعتبرة في الامام` 93
حكم ما اذا ثبت بعد الصلاة أن الامام على غير طهارة` 100
حكم قصد الانفراد في الجماعة` 102
# الكلام في صلاة الجمعة #
`
الاقوال في وجوب صلاة الجمعة` 106
أدلة القائلين بالوجوب التعييني لصلاة الجمعة` 108
أدلة نفي الوجوب التعييني لصلاة الجمعة` 121
ما يستفاد من النص في حكم صلاة الجمعة` 124
ما استدل به على الوجوب التخييري لصلاة الجمعة` 127
ما استدل به على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة` 131

437
ما استفاده الاستاذ من الجمع بين الادلة السابقة` 136
ما يستفاد من الجمع بين الادلة السابقة` 137
ما استدل به على عدم مشروعية صلاة الجمعة في زمان الغيبة` 139
المتحصل من جميع المباحث السابقة` 149
أدلة المنصبية لصلاة الجمعة` 150
نتيجة المباحث السابقة في حكم صلاة الجمعة` 163
مقتضى الاصول العملية في حكم صلاة الجمعة` 164
الفرق بين المستفاد من الادلة والوجوب التخييري` 166
# الكلام في التقية #
`
في اعتبار عدم المندوحة في التقية وعدمه` 176
ما استدل به لاثبات الاجزاء في مورد التقية` 180
مناط شرع التقية` 205
هل تعم مشروعية التقية الكفار و المعاندين ؟` 206
هل تعم مشروعية التقية مورد علم المتقى منه ؟` 208
هل تكون مشروعية التقية حينية أو دائمية ؟` 209
الوضوء الناقص حال التقية` 210
بعض ما أفاده استاذنا المحقق مدظله في رسالته في التقية` 212
التمسك بمعتبرة أبي الجارود لاثبات الاجزاء في الحج` 214
# الكلام في اللباس المشكوك #
`
هل يستفاد من الادلة الشرطية أو المانعية ؟` 221
حكم الشك في أن المعتبر الشرطية أو المانعية` 223
هل المأخوذ في الادلة الحرمة الطبعية أو الفعلية ؟` 224

438
هل الشرطية أو المانعية راجع الى الصلاة أو اللباس أو المصلي ؟` 225
ما تقتضيه الادلة في اللباس المشكوك` 226
ما تقتضيه الاصول في اللباس المشكوك` 231
جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية وعدمه` 236
بعض الكلام في الاستصحاب التعليقي` 251
تتمة الكلام في ما تقتضية الاصول في اللباس المشكوك` 253
# الكلام في حديث الرفع #
`
هل الرفع ظاهري أو واقعي ؟` 256
هل يحكم بالاجزاء في الموارد المذكورة في الحديث ؟` 261
تفصيل سيدنا الاستاذ المحقق بين الموارد` 263
هل المرفوع آثار المعنونات أو العناوين ؟` 264
هل الرفع في مالايعلمون مختص بالشبهات الموضوعية ؟` 265
# الكلام في فروع العلم الاجمالي #
`
مفاد صحيحة لاتعاد` 278
حكم خلل الصلاة بالنقيصة العمدية` 279
حكم خلل الصلاة بالنقيصة عن جهل` 281
حكم خلل الصلاة بالنقيصة السهوية` 287
حكم خلل الصلاة بالزيادة العمدية` 291
حكم خلل الصلاة بالزيادة جهلا أو سهوا` 292
حكم زيادة الركعة في الصلاة` 293
فروع العلم الاجمالي` 296

439
الكلام في اعتبار اتفاق الافق في إثبات رؤية الهلال
+
التمسك بالاطلاق في مثل هذه المسألة في غير محله` 348
مااستدل به من الروايات` 350
ما ذكره بعض الاساتيذ` 353
# الكلام في عدم حجية الخبر الواحد في الشبهات الموضوعية #
`
الاستدلال علي حجية البينة` 356
الاستدلال على حجية البينة برواية مسعدة` 361
الاستدلال بالاجماع على حجية البينة` 363
حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية وعدمها` 364
ما استدل به على عدم حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية` 368
ما استدل به على حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية` 373
الاستدلال بالروايات على الحجية` 375
نتيجة البحث` 376
# الكلام في الخبرين المتعارضين #
`
شمول دليل الحجية للخبرين المتعارضين و عدمه` 380
علاج الخبرين المتعارضين بحسب الاخبار` 383
علاج الخبرين المتعارضين مع وجود المرجح` 388
العلاج في أخبار العلاج` 395
هل التخيير ابتدائي أو استمراري ؟` 396
# الكلام في الاجتهاد والتقليد #
`
هل وجوب التعلم نفسي أو غيري أو طريقي أو عقلي ؟` 399

440
هل وجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط نفسي أو غيري أو طريقي أو عقلي ؟ 400 `
# الكلام في الاجتهاد #
`
الكلام في المتجزي` 405
الكلام في التخطئة و التصويب` 406
الكلام في الاجزاء وعدمه` 407
الكلام في التقليد` 410
الكلام في تقليد الاعلم` 415
الكلام في تقليد الميت` 426
الكلام في تقليد الميت ابتداء` 427
الكلام في البقاء على تقليد الميت` 433
الفهرس` 435