الخصائص ابن جني
1
بسم اللّه الرّحمَن الرّحيم

الحمد لله الواحد العدل القديم وصلى الله على صفوته محمد وآله المنتخبين وعليه وعليهم السلام أجمعين

هذا أطال اللّه بقاء مولانا الملك السيد المنصور المؤيد بهاءِ الدولة وضياء الملّة وغياث الأمّة وأدام ملكه ونصره وسلطانه ومجده وتأييده وسموّه وكبت شانئه وعدوّه كتاب لم أزل على فارِط الحال وتقادم الوقت ملاحظاً له عاكف الفكر عليه منجذب الرأي والرويّة إليه وادّاً أن أجد مهملاً أصله به أو خللاً أرِتُقه بعمله والوقت يزداد بِنواديه ضيقاً ولا ينهج لى إلى الإبتداء طريقاً هذا مع إعظامي له وإعصامي بالأسباب المنتاطة به وإعتقادي فيه أنه من أشرف ما صنّف في علم العرب وأذهبِه في طريق القياس والنظر وأعودِه عليه بِالحَيْطة والصون وآخذِه له من حِصّة التوقير والأون وأجمِعه للأدلّة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة ونِيطت به من علائق الإتقان والصنعة


2
فكانت مسافر وجوهه ومحاسر أذرعه وسوقه تصف لي ما اشتملت عليه مشاعره وتَحِي إلىّ بما خِيطت عليه أقرابه وشواكله وتريني أن تعريد كل من الفريقين البصريين والكوفيين عنه وتحاميَهم طريق الإلمام به والخوضَ في أدنى أوشاله وخُلُجه فضلاً عن اقتحام غِماره ولُجَجه إنما كان لإمتناع جانبه وانتشار شَعاعه وبادى تهاجر قوانينه وأوضاعه وذلك أنّا لم نر أحداً من علماء البلدين تعرّض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه فأما كتاب أصول أبي بكر فلم يلمم فيه بما نحن عليه إلا حرفاً أو حرفين في أوّله وقد تُعلّق عليه به وسنقول في معناه

على أن أبا الحسن قد كان صنّف في شئ من المقاييس كتيباً إذا أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه وكفيناه كُلْفة التعب به وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا حتى


3
دعا ذلك أقواماً نُزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم وتأخّرت عن إدراكه أقدامهم إلى الطعن عليه والقدح في إحتجاجاته وعِلَله وسترى ذلك مشروحاً في الفصول بإذن اللّه تعالى

ثم إن بعض من يعتادني ويُلمّ لقراءة هذا العلم بي ممن آنسُ بصحبته لي وأرتضي حال أخذه عني سأل فأطال المسألة وأكثر الحفاوة والملاينة أن أُمضِي الرأي في إنشاء هذا الكتاب وأُوليه طرفاً من العناية والإنصباب فجمعت بين ما أعتقده من وجوب ذلك علىّ إلى ما أوثره من إجابة هذا السائل لي فبدأت به ووضعت يدي فيه واستعنت اللّه على عمله واستمددته سبحانه من إرشاده وتوفيقه وهو عزّ اسمه مؤتِي ذاك بقدرته وطَوله ومشيئته


5
هذا باب القول على الفصل بين الكلام والقول

ولنقدّم أمام القول على فرق بينِهما طرفاً من ذكر أحوال تصاريفهما واشتقاقهما مع تقلب حروفهما فإن هذا موضع يتجاوز قدر الإشتقاق ويعلوه إلى ما فوقه وستراه فتجده طريقاً غريباً ومسلكاً من هذه اللغة الشريفة عجيباً

فأقول إنّ معنى قول أين وجدت وكيف وقعت من تقدّم بعض حروفها على بعض وتأخّره عنه إنما هو للخفوف والحركة وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها لم يهمل شئ منها وهي ق و ل ق ل و و ق ل و ل ق ل ق و ل و ق

الأصل الأوّل ق و ل وهو القول وذلك أن الفم واللسان يخِفّان له ويقلقان ويمذَلان به وهو بضد السكوت الذي هو داعية إلى السكون ألا ترى أن الإبتداء لما كان أخْذاً في القول لم يكن الحرف المبدوء به إلاّ متحركاً ولمّا كان الإنتهاء أخْذاً في السكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكناً

الأصل الثاني ق ل و منه القِلْو حمار الوحشِ وذلك لخفّته وإسراعه قال العجّاج

( تواضِخ التقريب قِلوا مِغْلجا )


6

ومنه قولهم قلوت البُسر والسّوِيق فهما مقلوّان وذلك لأن الشئ إذا قلى جفّ وخفّ وكان أسرع إلى الحركة وألطف ومنه قولهم اقلوليت يا رجل قال

( قد عجِبَتْ مني ومن يُعَيْلِيَا لمّا رأتني خلَقا مُقْلَوْلِيَا )

أي خفيفاً للكِبَر وطائشاً و قال

( وسِربٍ كعِين الرمل عوُج إلى الصِبا رواعفَ بالجاديّ حُور المدامع )

( سمِعن غِناء بعد ما نمِنْ نومة من الليل فاقْلَوْلَيْنَ فوق المضاجع )

أي خففن لذكره وقلِقن فزال عنهنّ نومهنّ واستثقالهنّ على الأرض وبهذا يعلم أن لام اقلوليت واو لا ياء فأمّا لام اذلوليت فمشكوك فيها

ومن هذا الأصل أيضاً قوله

( أقبُّ كمِقلاءِ الوليد خميص )

فهو مفعال من قلوت بالقُلة ومذكرها القال قال الراجز

( وأنا في الضُرّاب قِيلان القُلَة )


7

فكأنّ القال مقلوب قلوت وياء القِيلان مقلوبة عن واو وهي لام قلوت ومثال الكلمة فِلْعان ونحوها عندي في القلب قولهم بازٌ ومثاله فَلَع واللام منه واو لقولهم في تكسيره ثلاثة أبوازٍ ومثالها أفلاع ويدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه من قلب هذه الكلمة قولهم فيها البازي وقالوا في تكسيرها بُزاة و بوازٍ أنشدنا أبو عليّ لذي الرمّة

( كأنّ على أنيابِها كل سُدفةٍ صِياحَ البوازي من صريف اللوائِك )

وقال جرير

( إذا اجتمعوا عليّ فخلّ عنهم وعن بازٍ يصكّ حُبارياتِ )

فهذا فاعل لاطّراد الإمالة في ألفه وهي في فاعل أكثر منها في نحو مال وباب

وحدثنا أبو عليّ سنة إحدى وأربعين قال قال أبو سعيد الحسن بن الحسين بازٌ وثلاثة أبواز فإن كثرت فهي البِيزان فهذا فَلَع وثلاثة أفلاع وهي الفِلْعان


8

ويدلّ على أن تركيب هذه الكلمة من ب ز و أن الفعل منها عليه تصرف وهو قولهم بزا يبزو إذا غلب وعلا ومنه البازي وهو في الأصل اسم الفاعل ثم استعمل استعمال الأسماء كصاحب ووالد وبُزاة وبوازٍ يؤكّد ذلك وعليه بقيّة الباب من أبزى وبَزْواء وقوله

( فتبازتْ فتبازختُ لها )

والبزا لأن ذلك كله شدة ومقاولة فأعرفه

فمقلاء من قلوت وذلك أن القال وهو المقلاء هو العصا التي يضرب بها القلة وهي الصغيرة وذلك لإستعمالها في الضرب بها

الثالث و ق ل منه الوقل للوعِل وذلك لحركته وقالوا توقّل في الجبل إذا صعّد فيه وذلك لا يكون إلا مع الحركة والإعتمال قال إبن مقبل

( عَوْدا أحمّ القرا إزمولة وقلا يأتي تراث أبيه يتبع القُذَفا )

الرابع و ل ق قالوا ولَق يلِق إذا أسرع


9

قال

( جاءت بِه عَنْس من الشام تَلِق )

أي تخِفّ وتسرع وقرئ ( إذ تِلقونه بألسنتكم ) أي تَخِفّون وتسرعون وعلى هذا فقد يمكن أن يكون الأولق فوعلا من هذا اللفظ وأن يكون أيضاً أفعل منه فإذا كان أفعل فأمره ظاهر وإن سميت به لم تصرفه معرفة وإن كان فوعلاً فأصله وَوْلق فلما إلتقت الواوان في أوّل الكلمة أبدلت الأولى همزة لإستثقالها أوّلاً كقولك في تحقير واصل أويصل ولو سميت بأولق على هذا لصرفته والذي حملته الجماعة عليه أنه فوعل من تألقّ البرق إذا خَفَق وذلك لأن الخفوق مما يصحبه الإنزعاج والإضطراب على أن أبا إسحاق قد كان يجيز فيه أن يكون أفعل من ولَق يلِق والوجه فيه ما عليه الكافّة من كونه فوعلاً من أ ل ق وهو قولهم ألِق الرجل فهو مألوق ألا ترى إلى إنشاد أبي زيد فيه

( تراقب عيناها القطيع كأنما يخالِطها من مسه مس أولِق )


10

وقد قالوا منه ناقة مسعورة أي مجنونة وقيل في قول اللّه سبحانه ( إن المجرمين في ضلال وسُعُر ) إن السُعُر هو الجنون زشاهد هذا القول قول القطامِيّ

( يتبعن سامية العينين تحسبها مسعورة أو ترى ما لا ترى الإبل )

الخامس ل و ق جاء في الحديث لا آكل من الطعام إلا ما لوّق لي أي ماخدِم وأعملت اليد في تحريكه وتلبِيقِهِ حتى يطمئن وتَتضامّ جهاته ومنه اللُوقة للزُبْدة وذلك لخفّتها وإسراع حركتها وأنها ليست لها مُسْكة الجبن وثقل المَصْلِ ونحوهما وتوهم قوم أن الأَلُوقة لما كانت هي اللوقة في المعنى وتقاربت حروفهما من لفظها وذلك باطل لأنه لو كانت من هذا اللفظ لوجب تصحيح عينها إذ كانت الزيادة في أوّلها من زيادة الفعل والمِثال مثاله فكان يجب على هذا أن تكون أَلْوُقة كما قالوا في أثْوُب وأسوق وأعين وأنيب بالصحة ليفرق بذلك بين الإسم والفعل وهذا واضح وإنما الألُوقة فعولة من تألق البرق إذا لمع وبَرَق واٌضطرب وذلك لبريق الزبدة وإضطرابها


11

السادس ل ق و منه الِلَقْوة للعُقَاب قيل لها ذلك لخفّتها وسرعة طيرانها قال

( كأني بفتخاءِ الجناحين لقوة دفوف من العقبان طأطأت شملال ) ومنه اللقوة في الوجه والتقاؤهما أن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش منه وليست له مسكة الصحيح ووفور المستقيم ومنه قوله وكانت لقوة لاقت قبيسا واللقوة الناقة السريقة اللقاح وذلك أنها أسرعت الى ماء الفحل فقبلته ولم تنب عنه نبو العاقر

فهذه الطرائق التي نحن فيها حزنة المذاهب والتورد لها وعر المسلك ولا يجب مع هذا أن تستنكر ولا تستبعد فقد كان أبو علي رحمه الله يراها ويأخذ بها ألا تراه غلب كون لام أثفيه فيمن جعلها أفعولهً على كونها ياء وإن كانوا قد قالوا جاء يثفوه ويثفِيه بقولهم جاء يثفِه قال فيثفه لا يكون إلا من الواو ولم يحفِل بالحرف الشاذّ من هذا وهو قولهم يئِسُ مثل يعِس لقلّته فلمّا وجد فاء وثف واواً قوى عنده في أُثفِية كون لامها واواً فتأنّس للام بموضع الفاء على بعد بينهِما


12

وشاهدته غير مرّة إذا أشكل عليه الحرف الفاء أو العين أو اللام استعان على علمه ومعرفته بتقليب أصول المثال الذي ذلك الحرف فيه فهذا أغرب مأخذاً مما تقتضيه صناعة الاشتقاق لأن ذلك إنما يلتزم فيه شْرج واحد من تتالى الحروف من غير تقليب لها ولا تحريف وقد كان الناس أبو بكر رحمه اللّه وغيره من تلك الطبقة استسرفوا أبا إسحاق رحمه اللّه فيما تجشمه من قوّة حَشْدة وضمّهِ شَعاع ما اٌنتشر من المُثُل المتابينة إلى أصله فأمّا أن يُتكلفّ تقليب الأصل ووضع كل واحد من أحنائه موضع صاحبه فشئ لم يعرِض له ولا تضمّن عهدته وقد قال أبو بكر من عرف أنِس ومن جهل استوحش وإذا قام الشاهد والدليل وضح المنهج والسبيل

وبعد فقد ترى ما قدّمنا في هذا أنُفا وفيه كافٍ من غيره على أن هذا وإن لم يطّرِد وينقد في كل أصل فالعذر على كل حال فيه أبين منه في الأصل الواحد من غير تقليب لشئ من حروفه فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظِمه قضيّة الإشتقاق له كان فيما تقلبت أصوله فاؤه وعينه ولامه أسهل والمعذرة فيه أوضح


13

وعلى أنك إن أنعمت النظر ولاطفته وتركت الضجر وتحاميته لم تكد تعدَم قرب بعض من بعض وإذا تأمّلت ذاك وجدته بإذن اللّه

وأما ك ل م فهذه أيضاً حالها وذلك أنها حيث تقلبت فمعناها الدلالة على القوّة والشدّة والمستعمل منها أصول خمسة وهي ك ل م ك م ل ل ك م م ك ل م ل ك وأهملت منه ل م ك فلم تأتِ في ثَبتٍ

فمن ذلك الأصل الأوّل ك ل م منه الكَلْم للجرح وذلك للشدّة التي فيه وقالوا في قول اللّه سبحانه ( دابّةً مِن الأرض تُكَلّمهم ) قولين أحدهما من الكَلام والآخر من الكِلام أي تجرحهم وتأكلهم وقالوا الكُلاَم ما غلظ من الأرض وذلك لشدّته وقوّته وقالوا رجل كليم أي مجروح وجريح قال

( عليها الشيخ كالأسد الكليم )

ويجوز الكليم بالجرّ والرفع فالرفع على قولك عليها الشيخ الكليم كالأسد والجرّ على قولك عليها الشيخ كالأسد الكليم إذا جرح فحِمى أنَفاً وغضب فلا يقوم له شئ كما قال


14

( كان محرَّبا من أُسْد تَرْجٍ ينازِلهم لِنابيهِ قبِيب )

ومنه الكَلام وذلك أنه سبب لكل شر وشدّة في أكثر الأمر ألا ترى إلى قول رسول اللّه من كُفِي مئونة لَقْلقِه وقَبقبهِ وذَبذبهِ دخل الجنة فاللقلق اللسان والقبقب البطن والذبذب الفرج ومنه قول أبي بكر رضي اللّه عنه في لسانه هذا أوردنِي الموارد

وقال

( وجرح اللسان كجرح اليد )

وقال طَرَفة

( فإن القوافي يتّلِجن موالِجا تضايقُ عنها أن تَولَّجها الإبر )


15

وإمتثله الأخطل وأبرّ عليه فقال

( حتى إتّقَوني وهم منِّى على حذرٍ والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر )

وجاء به الطائيّ الصغير فقال

( عِتاب بِأطرافِ القوافي كأنه طعان بأطراف القنا المتكسِّرِ )

وهو باب واسع

فلما كان الكلام أكثره إلى الشر إشتق له من هذا الموضع فهذا أصل

الثاني ك م ل من ذلك كمَل الشئ وكَمُلَ وكمِل فهو كامل وكَمِيل وعليه بقيّة تصرّفه وإلتقاؤهما أن الشئ إذا تمّ وكمل كان حينئذ أقوى وأشدّ منه إذا كان ناقصاً غير كامل

الثالث ل ك م منه اللكم إذا وجأت الرجل ونحوه ولاشك في شدّة ما هذه سبيله أنشد الأصمعيّ


16

( كأن صوت جرعها تَساجل هاتيك هاتا حتَنى تَكايَل )

( لدم العُجَى تلكمها الجنادل )

وقال

( وخُفَّان لكّامان للقِلِعَ الكُبْد )

الرابع م ك ل منه بئر مَكُول إذا قلّ ماؤها قال القُطاميّ

( كأنها قُلُبٌ عاديّةٌ مُكُلُ )

وإلتقاؤهما أنّ البئر موضوعة الأمر على جُمَّتها بالماء فإذا قلّ ماؤها كرُه موردها وجفا جانبها وتلك شدّة ظاهرة


17

الخامس م ل ك من ذلك ملكت العجين إذا أنعمت عجنه فإشتدّ وقوي ومنه مِلك الإنسان ألا تراهم يقولون قد إشتملت عليه يدي وذلك قوّة وقدرة من المالك على مِلكه ومنه المُلْك لما يعطي صاحبه من القوّة والغلبة وأُملِكت الجارية لأن يد بعلها تقتدر عليها فكذلك بقيّة الباب كله

فهذه أحكام هذين الأصلين على تصرفهما وتقلّبِ حروفهما

فهذا أمر قدمناه أمام القول على الفرق بين الكلام والقول ليرى منه غَور هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة ويُعجَب من وسيِع مذاهبها وبديع ما أمِدّ به واضعها ومبتدئها وهذا أوان القول على الفصل

أما الكلام فكل لفظ مستقلٍ بنفسه مفيدٍ لمعناه وهو الذي يسميه النحويون الجُمَل نحو زيد أخوك وقام محمد وضرب سعيد وفي الدار أبوك وصه ومه ورويد وحاءِ وعاءِ في الأصوات وحسّ ولَبّ وأفّ وأوّه فكل لفظ استقل بنفسه وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام

وأما القول فأصله أنه كل لفظ مذِل به اللسان تامّاً كان أو ناقصاً فالتامّ هو المفيد أعني الجملة وما كان في معناها من نحو صهٍ وإيهٍ والناقص ما كان بضدّ ذلك نحو زيد ومحمد وإن وكان أخوك إذا كانت الزمانية لا الحدثية

فكل كلام قول وليس كل قول كلاماً هذا أصله ثم يُتّسع فيه فيوضع


18
القول على الإعتقادات والآراء وذلك نحو قولك فلان يقول بقول أبي حنيفة ويذهب إلى قول مالك ونحو ذلك أي يعتقد ما كانا يريانه ويقولان به لا أنه يحكي لفظهما عينه من غير تغيير لشئ من حروفه ألا ترى أنك لو سألت رجلاً عن علّة رفع زيد من نحو قولنا زيد قام أخوه فقال لك إرتفع بالإبتداء لقلت هذا قول البصريين ولو قال إرتفع بما يعود عليه من ذكره لقلت هذا قول الكوفيين أي هذا رأي هؤلاء وهذا إعتقاد هؤلاء ولا تقول كلام البصريين ولا كلام الكوفيين إلا أن تضع الكلام موضع القول متجوّزاً بذلك وكذلك لو قلت إرتفع لأن عليه عائداً من بعده أو إرتفع لأن عائداً عاد إليه أو لعود ما عاد من ذكره أو لأنّ ذكره أعيد عليه أو لأن ذِكراً له عاد من بعده او نحو ذلك لقلت في جميعه هذا قول الكوفيين ولم تحفِل بإختلاف ألفاظه لأنك إنما تريد إعتقادهم لا نفس حروفهم وكذلك يقول القائل لأبي الحسن في هذه المسئلة قول حسن أو قول قبيح وهو كذا غير أني لا أضبط كلامه بعينه

ومن أدلّ الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا القرآن كلام اللّه ولا يقال القرآن قول اللّه وذلك أنّ هذا موضع ضيق متحجَّر لا يمكن تحريفه ولا يسوغ تبديل شئ من حروفه فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتاً تامّة مفيدة وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتاً غير مفيدة وآراء معتقدة قال سيبويه وأعلم أنّ قلت في كلام العرب إنما وقعت على أن


19
يحكى بها وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولا ففرق بين الكلام والقول كما ترى نعم وأخرج الكلام هنا مُخرج ما قد استقرّ في النفوس وزالت عنه عوارض الشكوك ثم قال في التمثيل نحو قلت زيد منطلق ألا ترى أنه يحسن أن تقول زيد منطلق فتمثيله بهذا يعلم منه أنّ الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائماً برأسه مستقلاًّ بمعناه وأنّ القول عنده بخلاف ذلك إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدّم الفصل بينهما ولما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلّة بأنفسها الغانية عن غيرها وأنّ القول لا يستحقّ هذه الصفة من حيث كانت الكلمة الواحدة قولا وإن لم تكن كلاماً ومن حيث كان الاعتقاد والرأي قولا وإن لم يكن كلاماً فعلى هذا يكون قولنا قام زيد كلاماً فإن قلت شارطاً إن قام زيد فزدت عليه إن رجع بالزيادة إلى النقصان فصار قولا لا كلاما ألا تراه ناقصاً ومنتظراً للتمام بجواب الشرط وكذلك لو قلت في حكاية القسم حلفت بالله أي كان قسمي هذا لكان كلاماً لكونه مستقلاً ولو أردت به صريح القسم لكان قولا من حيث كان ناقصاً لاحتياجه إلى جوابه فهذا ونحوه من البيان ما تراه

فأما تجوّزهم في تسميتهم الاعتقادات والآراء قولا فلأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول أو بما يقوم مقام القول من شاهد الحال فلمّا كانت لا تظهر إّلا بالقول سّميت قولا إذ كانت سبباً له وكان القول دليلاً عليها كما يسمّى الشئ باسم غيره إذا كان ملابساً له ومثله في الملابسة قول الله سبحانه ( ويأتِيِه الموت مِن كلّ مكانٍ وما هو بِميٍت ) ومعناه والله أعلم أسباب الموت


20
إذ لو جاءه الموت نفسه لمات به لا محالة ومنه تسمية المزادة الراوية والنجو نفسه الغائط وهو كثير

فإن قيل فكيف عبّروا عن الاعتقادات والآراء بالقول ولم يعبّروا عنها بالكلام ولو سوًّوا بينهما أو قلبوا الاستعمال كان ماذا

فالجواب أنهم إنما فعلوا ذلك من حيث كان القول بالاعتقاد أشبه منه بالكلام وذلك أنّ الاعتقاد لا يفهم إلاّ بغيره وهو العبارة عنه كما أنّ القول قد لا يتم معناه إلا بغيره ألا ترى أنك إذا قلت قام وأخليته من ضمير فإنه لا يتم معناه الذي وضع في الكلام عليه وله لأنه إنما وضع على أن يفاد معناه مقترِنا بما يسند إليه من الفاعل وقام هذه نفسها قول وهي ناقصة محتاجة إلى الفاعل كاحتياج الاعتقاد إلى العبارة عنه فلما اشتبها من هنا عبّر عن احدهما بصاحبه وليس كذلك الكلام لأنه وضع على الاستقلال والاستغناء عما سواه والقول قد يكون من الفقر إلى غيره على ما قدّمناه فكان إلى الاعتقاد المحتاج إلى البيان أقرب وبأن يعبّر به عنه أليق فاعرف ذلك


21

فإن قيل ولم وضع الكلام على ما كان مستقلاّ بنفسه البتّة والقول على ما قد يستقل بنفسهّ وقد يحتاج إلى غيره أَلاشتقاق قضى بذلك أم لغيره من سماع متلقَّىً بالقبول والاتّباع قيل لا بل لاشتقاق قضى بذلك دون مجرّد السماع وذلك أنا قد قدّمنا في أوّل القول من هذا الفصل أنّ الكلام إنما هو من الكَلْم والكَلام والكُلوم وهي الجراح لما يدعو إليه ولما يجنيه في أكثر الأمر على المتكلمة وأنشْدنا في ذلك قوله

( وجرح اللسان كجرح اليد )

ومنه قوله

( قوارض تأتيني ويحتقرونها وقد يملا القَطْر الإناء فيفعم )

ونحو ذلك من الأبيات التي جئنا بها هناك وغيرها مما يطول به الكّتاب وإنما ينقم من القول ويحقر ما ينثى ويؤثر وذلك ما كان منه تامّا غير ناقص ومفهوماً غير مستبهِم وهذه صورة الجمل وهو ما كان من الألفاظ قائماً برأسه غير محتاج إلى متمّم له فلهذا سمَّوا ما كان من الألفاظ تاماً مفيداً كلاماً لأنه


22
في غالب الأمر وأكثر الحال مضرّ بصاحبه وكالجارح له فهو إذاً من الكلوم التي هي الجروح وأما القول فليس في أصل اشتقاقه ما هذه سبيله إلا ترى أنا قد عقدنا تصرف ق و ل وما كان أيضاً من تقاليبها الستة فأرينا أنّ جميعها إنما هو للإسراع والخفّة فلذلك سمَّوا كل ما مِذل به اللسان من الأصوات قولا ناقصاً كان ذلك أو تامّا وهذا واضح مع أدنى تأمّل

وأعلم أنه قد يوقع كل واحد من الكلام والقول موقع صاحبه وإن كان أصلهما قبل ما ذكرته ألا ترى إلى رؤبة كيف قال

( لو أننيِ أوتيت علم الحُكْلِ علم سليمان كلام النملِ )

يريد قول الله عز وجل ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكِنكم ) وعلى هذا اتسع فيهما جميعاً اتساعاً واحدا فقال أبو النجم

( قالت له الطير تقدم راشداً إنك لا ترجع إلا حامداً )

وقال الآخر

( وقالت له العينانِ سمعاً وطاعة وأبدت كمثل الدرّ لمّا يثقبِ )


23

وقال الراجز

( امتلأ الحوض وقال قطني )

وقال الآخر

( بينما نحن مُرِتعون بفَلْج قالت الدُلَّج الرِواء إنِيهِ )

انيِه صوت رَزَمة السحاب وحنينِ الرعد وأنشدوا

( قد قالت الأنساع للبطنِ الحقِ )

فهذا كله اتساع في القول الأخر

ومما جاء منه في الكلام قول الأخر

( فصبّحت والطير لم تَكَلّم جابية طُمّت بسيلٍ مفعَم )

وكأن الأصل في هذا الاتّساع إنما هو محمول على القول ألا ترى إلى قلّة الكلام هنا وكثرة القول وسبب ذلك وعلّته عندي ما قدّمناه من سعة مذاهب القول وضيق مذاهب الكلام وإذا جاز أن نسمّي الرأي والاعتقاد قولا وإن لم يكن صوتاً كانت تسمية ما هو أصوات قولا أجدر بالجواز ألا ترى أن الطير لها هدير والحوض له غطيط والانساع لها أطيط والسحاب له دَوِيّ فأما قوله وقالت له العينان سمعاً وطاعة فإنه وإن لم يكن منهما صوت فإن الحال


24
آذنت بأن لو كان لهما جارحةُ نطق لقالتا سمعا وطاعة وقد حرّر هذا الموضع وأوضحه عنترة بقوله

( لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لوعلم الكلام مكلّمي )

وامتثله شاعرناً آخرا فقال

( فلو قدر السِنان على لساٍن لقال لك السنان كما أقول )

وقال ايضاً

( لو تعقل الشجر التي قابلتها مدّت محيّيةً إليك الأغصنا )

ولا تستنكر ذكر هذا الرجل وإن كان مولَّدا في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه ولطف متسرَّبه فإن المعاني يتناهبها المولَّدون كما يتناهبا المتقدّمون وقد كان أبو العباس وهو الكثير التعقب لجِلّة الناس احتج بشئ من شعر حَبيب بن أوس الطائيّ في كتابه في الاشتقاق لما كان غرضه فيه معناه دون لفظه فأنشد فيه له

( لو رأينا التوكيد خُطّة عجز ما شفعنا الأذان بالتتثويب )


25

وإياك والحنبليّة بحتا فإنها خلف ذميم ومطعم على عِلاَّته وخيم

وقال سيبويه هذا باب علم ما الكلُم من العربيّة فاختار الكلم على الكلام وذلك أن الكلام اسم من كَلّم بمنزلة السلام من سلم وهما بمعنى التكليم والتسليم وهما المصدران الجاريان على كلّم وسلّم قال الله سبحانه ( وكلم الله موسى تكِليما ) وقال عزّ اسمه ( صلّوا عليِه وسلّموا تسليما ) فلما كان الكلام مصدرا يصلح لما يصلح له الجنس ولا يختصّ بالعدد دون غيره عَدَل عنه إلى الكلم الذي هو جمع كلمة بمنزلة سِلمة وسلِم ونبِقة ونبِق وثِفنة وثفِن وذلك أنه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة وهي الاسم والفعل والحرف فجاء بما يخص الجمع وهو الكلم وترك ما لايخصّ الجمع وهو الكلام فكان ذلك أليق بمعناه وأوفق لمراده فأمّا قول مزاحم العُقَيليّ

( لظّل رهينا خاشع الطَّرف حطّه تَخلّبُ جَدْوَى والكلامُ الطرائف )


26

ق\فوصفه بالجمع فإنما ذلك وصف على المعنى كما حكى أبو الحسن عنهم من قولهم ذهب به الدينار الحُمْر والدِرهم البيض وكما قال

( تراها الضبع أعظمَهن رأسا )

فأعاد الضمير على معنى الجنسية لا على لفظ الواحد لمّا كانت الضبع هنا جنساً

وبنو تميم يقولون كِلْمة وكِلَم كِكْسرة وكِسَر

فإن قلت قدّمت في أوّل كلامك أن الكلام واقع على الجمل دون الآحاد وأعطيت ههنا أنه اسم الجنس لأن المصدر كذلك حاله والمصدر يتناول الجنس وآحاده تناولا واحدا فقد أراك انصرفت عما عقدته على نفسك من كون الكلام مختصّا بالجمل المركبة وأنه لا يقع على الآحاد المجرّدة وأن ذلك إنما هو القول لأنه فيما زعمت يصلح للآحاد والمفردات وللجمل المركّبات

قيل ما قدّمناه صحيح وهذا الاعتراض ساقط عنه وذلك أنا نقول لا محالة أن الكلام مختّص بالجمل ونقول مع هذا إنه جنس أيْ جنس للجمل كما أن الأنسان من قول الله سبحانه ( إن الإنسان لفى خسر ) جنس للناس فكذلك الكلام جنس للُجَمل فإذا قال قام محمد فهو كلام وإذا قال قام محمد وأخوك جعفر فهو أيضاً كلام كما كان لمّا وقع على الجملة الواحدة كلاماً وإذا قال


27
قام محمد أخوك وجعفر وفي الدار سعيد فهو أيضاً كلام كما كان لمّا وقع على الجملتين كلاماً وهذا طريق المصدر لما كان جنساً لفعله ألا ترى أنه إذا قام قومه واحدة فقد كان منه قيام وإذا قام قومتين فقد كان منه قيام وإذا قام مائة قومه فقد كان منه قيام فالكلام إذّا إنما هو جنس للقومات مفرِدها ومثناها ومجموِعها فنظير القومة الواحدة من القيام الجملة الواحدة من الكلام وهذا جليّ

ومما يؤنسك بأنّ الكلام إنما هو للجمل التوامّ دون الآحاد أنّ العرب لما أرادت الواحد من ذلك خصّته باسم له لا يقع إلاّ على الواحد وهو قولهم كلِمة وهي حجازية وكلْمة وهي تميمية ويزيدك في بيان ذلك قول كُثَيّر

( لو يسمعون كما سمِعت كلامها خرّوا لِعَزّة ركّعا وسجودا )

ومعلوم أنّ الكلمة الواحدة لا تشجو ولا تَحزُن ولا تتملك قلب السامع إنما ذلك فيما طال من الكلام وأمتع سامعيه بعذوبة مستمعه ورقة حواشيه وقد قال سيبويه هذا باب أقلّ ما يكون عليه الكلم فذكر هنالك حرف العطف وفاءه وهمزة الاستفهام ولام الابتداء وغير ذلك مما هو على حرف واحد وسمّى كل واحد من ذلك كلمة فليت شعري كيف يستعذب قول القائل وإنما نطق


28
بحرف واحد لا بل كيف يمكنه أن يجّرد للنطق حرفاً واحدا ألا تراه أن لو كان ساكناً لزمه أن يدخل عليه من أوّله همزة الوصل ليجد سبيلا إلى النطق به نحو اِ ب اِ ص اِ ق وكذلك إن كان متحركاً فأراد الابتداء به والوقوف عليه قال في النطق بالباِء من بكر بَهْ وفي الصاد من صلة صِهْ وفي القاف من قدرة قُهْ فقد علمت بذلك أن لا سبيل إلى النطق بالحرف الواحد مجرّدا من غيره ساكناً كان أو متحركاً فالكلام إذّا من بيت كُثَيّر إنما يعني به المفيد من هذه الألفاظ القائم برأسه المتجاوز لما لا يفيد ولا يقوم برأسه من جنسه ألا ترى إلى قول الآخر

( ولما قضينا مِن مِنى كل حاجةٍ ومسّح بالأركاِن من هو ماسِح )

( أخذنا بأطراِف الأحاديث بيننا وسالت بأعناقِ المطِىّ الأباطِح )

فقوله باطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا جملا كثيرة فضلا عن الجملة الواحدة فإن قلت فقد قال الشَنفَرى

( كأمّ لها في الأرِض نِسْيا تقصّه على أَمّها وإن تخاطِبك تَبْلت )


29
أي تقطّع كلامها ولا تكثّره كما قال ذو الرمّة

( لها بشر مِثل الحريرِ ومنطِق رخيِم الحواشي لا هُراء ولا نَزْر )

فقوله رخيم الحواشي أي مختصر الأطراف وهذا ضِدّ الهَذْر والإكثار وذاهب في التخفيف والاختصار قيل فقد قال أيضاً ولا نزر وأيضاً فلسنا ندفع أنّ الَخفَر يقلّ معه الكلام ويحذف فيه أحناء المقال إلا أنه على كل حال لا يكون ما يجرى منه وإن قلّ ونزُرَ أقلّ من الجمل التي هي قواعد الحديث الذي يشوق موقِعُه ويروق مستمَعُه وقد أكثرت الشعراء في هذا الموضع حتى صار الداّل عليه كالدالّ على المشاهد غير المشكوك فيه ألا ترى إلى قوله

( وحديثها كالغيِث يسمعه راعي سِنين تتابعت جدبا )

( فأصاخ يرجو أن يكون حَياً ويقول مِن فرح هَيَا رباَ )

يعنى حنين السحاب وسجَرْه وهذا لا يكون عن نبْرٍة واحدةٍ ولا رَزَمٍة مختلسةٍ إنما يكون مع البدء فيه والرَّجع وتثنّى الحنين على صفحات السمع وقوِل ابن الرومي


30

( وحدِيثها السحر الحلال لو أنه لم يجِن قتل المسلِم المُتحرّزِ )

( إن طال لم يمُلل وإن هِي أوجزت ودَّ المحدَّث أنها لم توجِزِ )

( شَرَك القلوِب وفِتنة ما مِثلها للِمطمئِنّ وعُقْلة المستوِفزِ )

فذكر أنها تطيل تارة وتوِجز أخرى والإطالة والإيجاز جميعاً إنما هما في كل كلام مفيد مستقل بنفسه ولو بلغ بها الإيجاز غايته لم يكن له بدّ من أن يعطيك تمامه وفائدته مع أنه لا بدّ فيه من تركيب الجملة فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب ألا ترى إلى قوله

( قلنا لها قِفي لنا قالت قاف )

وأن هذاّ القدر من النطق لا يعذب ولا يجفو ولا يرِقّ ولا ينبو وأنه إنما يكون استحسان القول واستقباحه فيما يحتمل ذينك ويؤدّيهما إلى السمع وهو أقلّ ما يكون جملةً مركًبة وكذلك قول الآخر فيما حكاه سيبويه ألا َتا فيقول مجيبه


31
بلى فا فهذا ونحوه مما يقلّ لفظه فلا يحمل حسنا ولا قبحا ولا طِيبا ولا خبثاً لكن قول الآخر مالك بن أسماء

( أذكر مِن جارِتي ومجلِسها طرائفاً مِن حدِيثِها الحسنِ )

( ومِن حدِيثٍ يزِيدنِي مَقة ما لِحدِيثِ الموموِق مِن ثمن )

أدل شئ على أن هناك إطالة وتماماً وإن كان بغير حشو ولا خَطَل ألا ترى إلى

( قوله طرائفاً من حديثها الحسن ) فذا لا يكون مع الحرف الواحد ولا الكلمة الواحدة بل لا يكون مع الجملة الواحدة دون أن يتردّد الكلام وتتكرر فيه الجمل فيبين ما ضُمّنه من العذوبة وما في أعطافه من النعَّمة واللدونة وقد قال بشّار

( وحوراِء المدامِع مِن معدّ كأن حدِيثها ثمر الجِنانِ )

ومعلوم أنّ مِن حرف واحد بل كلمة واحدة بل جملة واحدة لا يجنى ثمر جنة واحدة فضلا عن جِنان كثيرة وأيضاً فكما أنّ المرأة قد توصف بالحياء والخَفَر فكذلك أيضاً قد توصف بتغزّلها ودماثةِ حديثها ألا ترى إلى قول الله سبحانه ( عُرُباً أتراباً لأصحابِ اليِمين ) وأن العَرُوب في التفسير هي المتحببّة إلى زوجها المظهرة له ذلك بذلك فسره أبو عبيدة وهذا لا يكون مع الصمت وحذف أطراف القول بل إنما مع يكون الفكاهة والمداعبة وعليه بيت الشَمّاخ


32

( ولو أني أشاء كننت جِسمِي إلى بيضاء بَهْكَنةٍ شموِع )

قيل فيه الشماعة هي المزح والمداعبة وهذا باب طويل جدا وإنما أفضى بنا إليه ذَرْو من القول أحببنا استيفاءه تأنُّسا به وليكون هذا الكتاب ذاهباً في جهات النظر إذ ليس غرضنا فيه الرفع والنصب والجرّ والجزّم لأن هذا أمر قد فُرغ في أكثر الكتب المصنّفة فيه منه وإنما هذا الكتاب مبنىّ على إثارة معادن المعاني وتقرير حال الأوضاع والبمادي وكيف سَرَت أحكامها في الأحناء والحواشي

فقد ثبت بما شرحناه وأوضحناه أنّ الكلام إنّما هو في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها المستغنية عن غيرها وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجُمَل على اختلاف تركيبها وثبت أنّ القول عندها أوسع من الكلام تصرّفا وأنه قد يقع على الجزء الواحد وعلى الجملة وعلى ما هو اعتقاد ورأى لالفظ وجَرْس

وقد علمت بذلك تعسّف المتكلّمين في هذا الموضع وضِيقَ القول فيه عليهم حتى لم يكادوا يفصلون بينهما والعجب ذهابهم عن نصّ سيبويه فيه وفصلِه بين الكلام والقول

( ولِكل قوٍم سُنّة وإِمامها )


33
باب القول على اللغة وماهي

أمّا حدّها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم هذا حدّها وأمَا اختلافها فلما سنذكره في باب القول عليها أمواضعه هي أم إلهام وأمّا تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فُعْلة من لغوت أى تكلمت وأصلها لُغْوة ككرة وقُلَةٍ وثُبَة كلها لاماتها واوات لقولهم كروت بالكرة وقلوت بالقلة ولأن ثبة كأنها من مقلوب ثاب يثوب وقد دللت على ذلك وغيره من نحوه في كتابي في سرّ الصناعة وقالوا فيها لُغات ولُغُون ككُراتٍ وكُرون وقيل منها لِغي يلغَي اذا هَذَي ومصدره الَّلغا قال

( وَربِّ أسرابِ حَجِيجٍ كُظمِ عن اللَغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ ) وكذلك اللَّغْو قال اللَّه سبحانه وتعالى وإذا مرّوا باللغوِ مرّوا كِراما أي بالباطل وفي الحديث من قال فِي الجمعِة صه فقد لغا أي تكلم وفي هذا كاف


34
باب القول على النحو هو انتحاء سَمْت كلامِ العرب في تصرفه من اعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير روالإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطقَ بها وإن لم يكن منهم وإن شذّ بعضهم عنها رُد به إليها وهو في الأصل مصدر شائع أى نحوت نحوا كقولك قصدت قصداً ثم خصّ به انتحاء هذا القَبِيل من العلم كما انّ الفقه في الأصل مصدر فقِهت الشئ أي عرفته ثم خصّ به علم الشريعة من التحليل والتحريم وكما أن بيت الله خُض به الكعبة وإن كانت البيوت كلّها لله وله نظائر في قصر ما كان شائعاً في جنسه على أحد أنواعه وقد استعملته العرب ظرفاً وأصله المصدر

أنشد أبو الحسن

( ترمى الأماعيز بمُجِمَراتِ بأرجُل رُوحٍ مجنَّبات )

( يحدو بها كلّ فتى هَيّات وهنّ نحوَ البيت عامداتِ )


35
باب القول على الإعراب

هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ ألا ترى إنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه وشكر سعيدا أبوه علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول ولو كان الكلام سِرْجاً واحداً لاٌستبهم أحدهما من صاحبه

فإن قلت فقد تقول ضرب يحيى بُشْرَى فلا تجد هناك إعراباً فاصلا وكذلك نحوه قيل إذا اتفق ما هذه سبيله مما يخفى في اللفظ حاله ألزم الكلامُ من تقديم الفاعل وتأخير المفعول ما يقوم مقام بيان الإعراب فإن كانت هناك دلالة أخرى من قِبَل المعنى وقع التصرف فيه بالتقديم والتأخير نحو أكل يحيى كُمَّثْرَى لك أن تقدّم وأن تؤخر كيف شئت وكذلك ضربَتْ هذا هذه وكلّم هذه هذا وكذلك إن وضح الغرض بالتثنية أو الجمع جاز لك التصرف نحو قولك أكرم اليَحْيَيان البُشْريَيْنِ وضرب البشر بينِ اليحيَوْن وكذلك لو أومأت إلى رجل وفرس فقلت كلّم هذا هذا فلم يجبه لجعلت الفاعل والمفعول أيَهما شئت لأن في الحال بياناً لما تعنِي وكذلك قولك ولدَتْ هذه هذه من حيث كانت حال الأم من البنت معروفة غير منكورة وكذلك إن ألحقت الكلام ضرباً من الإتباع جاز لك التصرف لما تُعِقب من البيان نحو ضرب يحيى نفَسه بشرى أو كلّم بشرى العاقلَ مُعَلّى أو كلم هذا وزيداَ يحيى ومن أجاز قام وزيد عمرو لم يجز ذلك في نحو كلّم هذا وزيد يحيى وهو يريد كلم هذا يحيى وزيد كما يجيز ضرب زيدا وعمرو وجعفر


36

فهذا طرف من القول أدّى إليه ذكر الإعراب

وأمّا لفضه فإنه مصدر أعربت عن الشئ إذا أوضحت عنه وفلان معرب عما في نفسه أىمبين له وموضح عنه ومنه عرّبت الفرس تعريبا إذا بزغته وذلك أن تنسف أسفل حافره ومعناه أنه قد بان بذلك ما كان خفِيّا من أمره لظهوره إلى مَرْآة العين بعد ما كان مستورا وبذلك تعرف حاله أصُلْب هو أم رِخو وأصحيح هو أم سقيم وغير ذلك

وأصل هذا كله قولهم العرب وذلك لما يعزى إليهامن الفصاحة والإعراب والبيان ومنه قوله في الحديث الثيّب تُعرِب عن نفسِها والمُعْرب صاحب الخيل العِرَاب وعليه قول الشاعر

( ويصهِلَ في مثل جوف الطوىّ صَهِيلا يُبيّن للمعرب )


37

أى إذا سمع صاحب الخيل العراب صوته علم أنه عربيّ ومنه عندي عَروبة والعروبة للجمعة وذلك أنّ يوم الجمعة أظهر أمرا من بقيّة أيام الأسبوع لما فيه من التأهب لها والتوجه إليها وقوة الإشعار بها قال

( يوائِم رهطا للعَرُوبةِ صُيّما )

ولما كانت معاني المسمَّين مختلفة كان الإعراب الدالّ عليها مختلفاً أيضاً وكأنه من قولهم عَرِبت معدته أى فسدت كأنها استحالت من حال إلى حال كاستحالة الإعراب من صورة إلى صورة وفي هذا كافٍ بإذن الله باب القول على البناء

وهو لزوم آخر الكلمة ضربا واحدا من السكون أو الحركة لا لشئٍ أحدث ذلك من العوامل وكأنهم إنما سمَّوه بناء لأنه لمّا لزم ضربا واحداَ فلم يتغير تّغير الإعراب سمي بناء من حيث كان البناء لازما موضعه لا يزول من مكان إلى غيره وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المبتذلة كالخيَمة والمِظلة والفُسطاط والسُرِادق ونحو ذلك وعلى أنه قد أوقع على هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء تشبيها لذلك من حيث


38
كان مسكوناً وحاجزاً ومِظّلا بالبناء من الآجُرّ والطين والجِصّ ألا ترى إلى قول أبى مارد الشيباني

( لو وصل الغيث أبنين أمرأً كانت له قُبّةٌ سَحْقَ بجِاد )

أي لو أتصل الغيث لأكلأتِ الأرض وأعشبت فركب الناس خيلهم للغارات فأبدلت الخيل الغنِىّ الذي كانت له قبة من قبتة سحق بجِاد فبناه بيتا له بعد ما كان يبني لنفسه قبة فنسب ذلك البناء إلى الخيل لمّا كانت هي الحاملة للغزاة الذين أغاروا على الملوك فأبدلوهم من قبابهم اكسية أخلاقاً فضربوها لهم أخبية تظلهم

ونظير معنى هذا البيت ما أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى من قول الشاعر

( قد كنتَ تأمنني والجدب دونكم فكيف أنت إذا رُقش الجراد نزا )

ومثله أيضاً ما رويناه عنه عنه أيضاً من قول الآخر

( قوم إذا اخضرّت نعالهم يتناهقون تناهق الحُمر )


39

قالوا في تفسيره إن النعال جمع نعل وهي الحَرّة أي إذا اخضرّت الأرض بِطروا وأشِروا فنزا بعضهم على بعض

وبنحو من هذا فسر أيضا قول النبي ِ إذا ابتلّت النعال فالصلاة في الرحال أي إذا ابتلت الحِرَار ومن هذا اللفظ والمعنى ما حكاه أبو زيد من قولهم المِعزى تُبهى ولا تُبنِى ف تبهى تفعل من البهو أى تتقافز على البيوت من الصوف فتخرقها فتتسع الفواصل من الشعر فيتباعد ما بينها حتى يكون في سعة البهو ولا تبنى أى لا ثَلَّة لها وهي الصوف فهي لا يُجزُّ منها الصوف ثم ينسجونه ثم يبنون منه بيتاً هكذا فسّره أبو زيد

قال ويقال أبنيت الرجل بيتاً إذا أعطيته ما يبنى منه بيتاً

ومن هذا قولهم قد بنى فلان بأهله وذلك ان الرجل كان إذا أراد الدخول بأهله بنى بيتاً من أدَم او قبة او نحو ذلك من غير الحجر والمدر ثم دخل بها فيه فقيل لكل داخل بأهله هو بان بأهله وقد بنى بأهله وابتنى بالمرأة هو افتعل من هذا اللفظ وأصل المعنى منه فهذا كله على التشبيه لبيوت الأعراب ببيوت ذوي الأمصار

ونحو من هذه الاستعارة في هذه الصناعة استعارتهم ذلك في الشرف والمجد قال لبيد

( فبنى لنا بيتاً رفيعا سَمكُه فسما إليه كهلها وغلامها )


40

وقال غيره

( بنى البناة لنا مجداً ومأثُرة لا كالبناء من الآجُرّ والطين )

وقال الآخر

( لسنا وإن كرمت أوائلنا يوماً على الأحساب نتَّكل )

( نبنى كما كانت أوائلنا تبنى ونفعل مثل ما فعلوا )

ومن الضرب الأول قول المولَّد

( وبيٍت قد بنينا فارد كالكوكب الفرد )

( بنيناه على أعمدة من قُضُب الهند )

وهذا واسع غير أن الأصل فيه ما قدمناه باب القول على أصل اللغة أإلهام هي أم أصطلاح

هذا موضع محوج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف إلاّ أن أبا علىّ رحمة الله قال لي يوماً هي من عند اللّه واحتجّ بقوله سبحانه ( وعلم آدم الأسماء كلها ) وهذا لا يتناول موضع الخلاف وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر


41
آدم على أن واضع عليها وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة فإذا كان ذلك محتملاً غير مستنكَر سقط الاستدلال به وقد كان أبو عليّ رحمه الله أيضاً قال به في بعض كلامه وهذا أيضاً رأى أبي الحسن على أنه لم يمنع قول من قال أنها تواضع منه على أنه قد فُسّر هذا بأن قيل إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات فكان آدم وولده يتكلمون بها ثم إنّ ولده تفرقوا في الدنيا وعِلق كل منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحلّ عنه ما سواها لبعد عهدهم بها

وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقّيه باعتقاده والانطواءُ على القول به

فإن قيل فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكون المعلَّم من ذلك الأسماء دون غيرها مما ليس بأسماء فكيف خصّ الأسماء وحدها

قيل اعتَمَد ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القُبُل الثلاثة ولا بدّ لكل كلام مفيد من الاسم وقد تستغني الجملة المستقلّة عن كل واحد من الحرف


42
والفعل فلمّا كانت الأسماء من القوّة والأوّلية في النفْس والرتبة على مالا خفاء به جاز أن يكتفي بها مما هو تال لها ومحمول في الحاجة إليه عليها وهذا كقول المخزوميّ

( الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علَوْا فرسي بأشقر مزبد )

أي فإذا كان الله يعلمه فلا أبالي بغيره سبحانه أذ-كرته واستشهدته أم لم أذكره ولم أستشهده ولا يريد بذلك أنّ هذا أمر خفيّ فلا يعلمه إلا الله وحده بل إنما يحيل فيه على أمر واضح وحال مشهورة حينئذ متعالَمة وكذلك قول الآخر

( الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى أحبابنا صور )


43

وليس بمِدّع أن هذا باب مستور ولا حديث غير مشهور حتى إنه لا يعرفه أحد إلا الله وحده وإنما العادة في أمثاله عموم معرفة الناس به لفشوّه فيهم وكثرة جريانه على ألسنتهم

فإن قيل فقد جاء عنهم في كتمان الحب وطيّه وستره والبَجَح بذلك والادّعاء له مالا خفاء به فقد ترى إلى اعتدال الحالين فيما ذكرت

قيل هذا وإن جاء عنهم فإن إظهاره أنسب عندهم وأعذب على مستمعهم ألا ترى أن فيه إيذاناً من صاحبه بعجزه عنه وعن ستر مثله ولو أمكنه إخفاؤه والتحامل به لكان مطيقا له مقتدراً عليه وليس في هذا من التغزل ما في الاعتراف بالبَعَل به وخَوَر الطبيعة عن الاستقلال بمثله ألا ترى إلى قول عمر بن أبي ربيعة

( فقلت لها ما بي لهم من ترقّبٍ ولكِنّ سِرّى ليس يحمِله مِثلي )

وكذلك قول الاعشى

( وهل تِطيق وداعا أيّها الرجل )

وكذلك قول الآخر

( ودّعته بِدموعي يوم فارقنِي ولم أطِق جزعاً للبينِ مدّ يَدي )


44
والأمر في هذا أظهر وشواهده أسير وأكثر

ثم لنعد فلنقل في الاعتدل لمن قال بأن اللغة لا تكون وحياً وذلك أنهم ذهبوا إلى ان أصل اللغة لا بدّ فيه من المواضعة قالوا وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا فيحتاجوا إلى الإنابة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سِمة ولفظاً إذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز من غيره وليُغْنَى بذكره عن إحضاره إلى مَرْآة العين فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلف إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه كالفاني وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد كيف يكون ذلك لو جاز وغيرِ هذا مما هو جارٍ في الاستعالة والبعد مجراه فكأنهم جاءوا إلى واحد من بنى آدم فأومئوا إليه وقالوا إنسان إنسان أنسان فأىَّ وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق وإن أرادوا سِمة عينه أو يِده أشاروا إلى ذلك فقالوا يد عين رأس قدم أو نحو ذلك فمتى سُمِعت اللفظة من هذا عِرف معنيِهّا وهلم جَرّا فيما سوى هذا من الأسماء والأفعال والحروف ثَم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها فتقول الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه مَرْد والذي اسمه رأس فليجعل مكانه سَرْ وعلى هذا بقيّة الكلام وكذلك لو بدئَت اللغة الفارسية فوقعت المواضعة عليها لجاز أن تنقل ويوَلَّد


45
منها لغات كثيرة من الرومية والزنجية وغيرهما وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصُّناع لآلات صنائعهم من الأسماء كالنجّار والصائغ والحائك والبناء وكذلك الملاّح قالوا ولكن لا بدّ لأوّلها من أن يكون متواضعاً بالمشاهدةِ والإيماء قالوا والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضِع أحدا من عباده على شئ إذ قد ثبت أن المواضعة لا بدّ معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشارِ نحوه والقديم سبحانه لا جارحة له فيصحَّ الإيماء والإشارة بها منه فبطل عندهم أن تصحّ المواضعة على اللغة منه تقدّست أسماؤه قالوا ولكن يجوز أن ينقل الله اللغة التي قد وقع التواضع بين عبادهذ عليها بأن يقول الذي كنتم تعبّرون عنه بكذا عبَّروا عنه بكذا والذي كنتم تسمّونه كذا ينبغي أن تسمّوه كذا وجواز هذا منه سبحانه كجوازه من عباده ومن هذا الذي في الأصوات ما يتعاطاه الناس الآن من مخالفة الأشكال في حروف المعجم كالصورة التي توضع للمعمّيات والتراجم وعلى ذلك أيضاً اختلفت أقلام ذوي
46
اللغات كما اختلفت أنفس الأصوات المرتبة على مذاهبهم في المواضعات وهذا قول من الظهور على ما تراه إلا أثنى سألت يوماً بعض أهله فقلت ما تنكر أن تصحّ المواضعة من الله تعالى وإن لم يكن ذا جارحة بأن يُحدث في جسم من الأجسام خشبٍة أو غيرها إقبالا على شخص من الأشخاص وتحريكا لها نحوه ويُسمع في نَفْس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتاً يضعه اسماً له ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفَعَاتٍ مع أنه عزّ اسمه قادر على أن يُقنع في تعريفه ذلك بالمرة الواحدة فتقوم الخشبة في هذا الإيماء وهذه الإشارة مقام جارحة ابن آدم في الإشارة بها في المواضعة وكما أن الإنسان أيضاً قد يجوز إذا أراد المواضعة أن يشير بخشبة نحو المراد المتواضع عليه فيقيمها في ذلك مقام يده لو أراد الإيماء بها نحوه فلم يجِب عن هذا بأكثر من الاعتراف بوجوبه ولم يخرج من جهته شئ أصلا فأحكيَه عنه وهو عندي وعلى ما تراه الآن لازم لمن قال بامتناع مواضعه القديم تعالى لغة مرتجلة غير ناقلةٍ لساناً إلى لسان فاعرف ذلك

وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسوعات كدوِىّ الريح وحنينِ الرعد وخرِير الماء وشحِيج الحمار ونعيق الغراب


47
وصهيل الفرس ونزِيبِ الظبي ونحو ذلك ثم ولدتِ اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبَّل

واعلم فيما بعد أنني على تقادم الوقت دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع فأجد الدواعي والخوالِج قويّة التجاذب لي مختلفة جِهاتِ التغوّل على فكرى

وذلك أنني إذا تأّملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقّة والإرهاف والرقّة ما يملك علىّ جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غَلْوِة السحر فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا رحمهم الله ومنه ما حذوته على أمثلتهم فعرفت بتتابعه وانقياده وبعد مراميه وآماده صحّة ما وفَّقوا لتقديمه منه ولطفَ ما أُسعدوا به وفُرق لهم عنه وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بانها من عند اللّه جل وعزّ فقوى في نفسى اعتقاد كونها توفيقاً من الله سبحانه وأنها وحي

ثم أقول في ضدّ هذا كما وقع لأصحابنا ولنا وتنبهوا وتنبهنا على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قَبلنا وإن بعد مداه عنا مَن كان ألطف منا أذهانا وأسرع خواطر وأجرأ جَنَاناً فأقف بين تين الخَلّتين حسيراً وأكاثرهما فأنكفئ مكثوراً وإن خطر خاطر فيما بعد يعلّق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به وبالله التوفيق


48
باب ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية

إعلم أن علل النحويين وأعنى بذلك حذاقهم المتقنين لا ألفافهم المستضعفَين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس ويحتجون فيه بثقل الحال أو خِفَتها على النفس وليس كذلك حديث علل الفقه وذلك أنها إنما هي أعلام وأمارات لوقوع الأحكام ووجوُه الحكمة فيها خفيّة عنا غير بادية الصفحة لنا ألا ترى أن ترتيب مناسك الحج وفرائض الطهور والصلاة والطلاق وغير ذلك إنما يرجع في وجوبه إلى ورود الأمر بعمله ولا تعرف علةّ جعل الصلوات في اليوم والليلة خمسا دون غيرها من العدد ولا يعلم أيضاً حال الحكمة والمصلحة في عدد الركعات ولا في اختلاف ما فيها من التسبيح والتلاوات إلى غير ذلك مما يطول ذكره ولا تَحْلَى النفس بمعرفة السبب الذي كان له ومن أجله وليس كذلك علل النحويين وسأذكر طرفاً من ذلك لتصحّ الحال به


49

قال أبو إسحاق في رفع الفاعل ونصب المفعول إنما فُعِل ذلك للفرق بينهما ثم سأل نفسه فقال : فإن قيل : فهلا عُكِست الحال فكانت فرقا أيضاً قيل الذي فعلوه أحزم وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته وذلك ليقلّ في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ما يستخِفّون فجرى ذلك في وجوبه ووضوح أمره مجرى شكر المنعم وذم المسئ في انطواء الأنفس عليه وزوال اختلافها فيه ومجرى وجوب طاعة القديم سبحانه لما يُعقِبه من إنعامه وغفرانه ومن ذلك قولهم إن ياء نحو ميزان وميعاد انقلبت عن واو ساكنة لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة وهذا أمر لا لَبْس في معرفته ولا شكّ في قوّة الكُلْفة في النطق به وكذلك قلب الياء في موِسر وموِقن واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ولا توقف في ثقل الياء الساكنة بعد الضمة لأن حالها في ذلك حال الواو الساكنة بعد الكسرة وهذا كما تراه أمر يدعو الحسُّ إليه ويحدو طلب الاستخفاف عليه وإذا كانت الحال المأخوذ بها المصير بالقياس إليها حسّيّة طبيعية فناهيك بها ولا معدِل بك عنها ومن ذلك قولهم في سيّد وميّت وطويت طيّا وشويت شيّا إن الواو قلبت ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها في سيّد وميّت ووقوع الواو الساكنة قبل الياء في شيّا وطيّا فهذا


50
أمر هذه سبيلة أيضاً ألا ترى إلى ثقل اللفظ بِسَيْوِدٍ ومَيْوِتٍ وطوْيا وشوْيا وأنّ سيّدا وميتّا وشيّا أخفّ على ألسنتهم من اجتماع الياء والواو مع سكون الأوّل منهما فإن قلت فقد جاء عنهم نحو حَيْوة وضَيْوَن وعوى الكلب عَوْية فسنقول في هذا ونظائره في باب يلي هذا باسم الله وأشباه هذا كثيرة جداً

فإن قلت فقد نجد أيضاً في علل الفقه ما يضح أمره وتعرف علته نحو رجم الزاني إذا كان محصناً وحدّه إذا كان غير محصن وذلك لتحصين الفروج وارتفاع الشكّ في الأولاد والنسل وزِيد في حدَّ المحصَن على غيره لتعاظم جرُمْه وجريرته على نفسه وكذلك إقادة القاتل بمن قتله لحقن الدماء وكذلك إِيجاب الله الحج على مستطيعه لما في ذلك من تكليف المشقّة ليستحقّ عليها المثوبة وليكون أيضاً دُرْبة للناس على الطاعة وليشتهر به أيضاًحال الإسلام ويُدَلّ به على ثباتها واستمرار العمل بها فيكون أرسخ له وأدعى إلى ضمّ نَشر الدين وفَثْءِ كيد المشركين وكذلك نظائر هذا كثيرة جداً فقد ترى إلى معرفة أسبابه كمعرفة أسباب ما اٌشتملت عليه علل الإعراب فلم جعلت علل الفقه أخفض رتبة من علل النحو قيل له ما كانت هذه حاله من علل الفقه فأمر لم يستفد من طريق الفقه ولا يخُصّ حديث الفرض والشرع وطيا


51
بل هو قائم في النفوس قبل ورود الشريعة به ألا ترى أن الجاهلية الجهلاء كانت تحصّن فروج مفارشها وإذا شكّ الرجل منهم في بعض ولده لم يُلحقه به خُلُقا قادت إليهِ الأَنَفة والطبيعة ولم يقتضه نّص ولا شريعة وكذلك قول الله تعالى ( وإنْ أحَدٌ من المشرِكين أٌ ستجارك فأجِرهْ ) قد كان هذا من أظهر شئ معهم وأكثره في استعمالهم أعني حفظهم للجار ومدافعتهم عن الذَّمار فكأن الشريعة إنما وردت فيما هذه حاله بما كان معلوما معمولا به حتى انها لو لم ترد بإيجابه لما أخلّ ذلك بحاله لاستمرار الكافّة على فِعاله فما هذه صورته من عللهم جارٍ مجرى علل النحويين ولكن ليت شعري من أين يعلم وجه المصلحة في جعل الفجر ركعتين والظهر والعصر أربعاً أربعاً والمغرب ثلاثاً والعِشاء الآخِرة أربعاً ومن أين يعلم علة ترتيب الأذان على ما هو عليه وكيف تعرف علة تنزيل مناسك الحج على صورتها ومطَّرِد العمل بها ونحو هذا كثير جدّا

ولست تجد شيئاً مما عللّ به القوم وجوه الإعراب إلا والنفس تقبله والحِسّ منطوٍ على الاعتراف به ألا ترى أن عوارض ما يوجد في هذه اللغة شئ سبق وقت الشرع وفُزع في التحاكم فيه إلى بديهة الطبع فجميع علل النحو إذاً مواطئة للطباع وعلل الفقه لا ينقاد جميعها هذا الانقياد فهذا فرق

سؤال قويّ فإن قلت فقد نجد في اللغة أشياء كثيرة غير محصاة ولا محصّلة لا نعرف لها سببا ولا نجد إلى الإحاطة بعللها مذهباً فمن ذلك إهمال ما أهمل وليس في القياس ما يدعو إلى إهماله وهذا أوسع من أن يحوِج إلى ذكر طرف


52
منه ومنه الاقتصار في بعض الأصول على بعض المُثُل ولا نعلم قياساً يدعو إلى تركه نحو امتناعهم أن يأتوا في الرباعي بمثال فَعْلُلٍ أو فُعِلْل أو فَعَلّ أو فِعِلَّ أو فُعُلّ ونحو ذلك وكذلك اقتصارهم في الخماسيّ على الأمثلة الأربعة دون غيرها مما تجوّزه القسمة ومنه أن عدلوا فُعَلا عن فاعل في أحرف محفوظة وهي ثُعَل وزُحَل وغُدَر وعمر وزُفَر وجُشَم وقُثَم وما يِقلّ تعداده ولم يعدلوا في نحو مالك وحاتم وخالد وغير ذلك فيقولوا مُلَك ولا حُتَم ولا خُلَد ولسنا نعرف سببا أوجب هذا العدل في هذه الاسماء التي أريناكها دون غيرها فإن كنت تعرفه فهاتِه

فإن قلت إن العدل ضَرْب من التصرف وفيِه إخراج للاصل عن بابه إلى الفرع وما كانت هذه حالة أقنع منه البعض ولم يجب أن يشيع في الكل

قيل فهبنا سلّمنا ذلك لك تسَليم نظر فمن لك بالإجابة عن قولنا فهلاّ جاء هذا العدل في حاتم ومالك وخالد وصالح ونحوها دون ثاعل وزاحل وغادر وعامر وزافر وجاشم وقائم ألك ههنا نَفَق فتسلكَه أو مُرْتَفَقٌ فتتورّكَه وهل غيرُ أن تخلِد إلى حَيرة الإجبال وتخمِد نار الفكر حالا على حال ولهذا ألف نظير بل ألوف كثيرة ندع الإطالة بأيسر اليسير منها

وبعد فقد صحّ ووضح أن الشريعة إنما جاءت من عند الله تعالى ومعلوم أنه سبحانه لا يفعل شيئاً إلاَ ووجه المصلحة والحكمة قائم فيهَ وإن خفيت عنا


53
أغراضه ومعانيه وليست كذلك حال هذه اللغة ألا ترى إلى قوّة تنازع أهل الشريعة فيها وكثرة الخلاف في مباديها ولا تقطع فيها بيقين ولا منَ الواضع لها ولا كيف وجه الحكمة في كثير مما أريناه آنِفا من حالها وما هذه سبيلة لا يبلغ شأو ما عرف الآمر به سبحانه وجلّ جلاله وشهدت النفوس وأطّردت المقاييس على أنه أحكم الحاكمين سبحانه انقضى السؤال

قيلَّ لعمري إن هذه أسئلة تلزم منَ نَصَب نفسه لَما نصبنا أنفسنا من هذا الموقف له وههنا أيضاً من السؤالات أضعاف هذه المُورَدة وأكثرُ من أضعاف ذلك ومن أضعاف أضعافه غير أنه لا ينبغي أن يُعطىَ فيها باليد بل يجب أن ينعَم الفكر فيها ويكاسَ في الإجابة عنها فأوّل ذلك أنا لسنا ندّعى أن علل أهل العربية في سَمت العلل الكلامية اٌلبتة بل ندّعى أنها أقرب إليها من العلل الفقهيّة وإذا حكّمنا بديهة العقل وترافعنا إلى الطبيعة والحسّ فقد وفّينا الصنعة حقّها وربأنا بها أفرَع مشارفها وقد قال سيبويه وليس شئ مما يُضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها وهذا أصل يدعو إلى البحث عن


54
علل ما أستُكرهوا عليه نعم ويأخذ بيدك الى ما وراء ذلك فتستضئ به وتستمدّ التنُّبه على الأسباب المطلوبات منه ونحن نجيب عما مضى ونورد معه وفي أثنائه ما يستعان به ويفزع فيما يدخل من الشبه إليه بمشيئة الله وتوفيقه

أما إهمال ما أهمل مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة أو المستعملة فأكثره متروك للاستثقال وبقيته ملحقة به ومقفاة على إثره فمن ذلك ما رفض استعماله لتقارب حروفه نحو سص وطس وظث وثظ وضش وشض وهذا حديث واضح لنفور الحس عنه والمشقة على النفس لتكلفه وكذلك نحو قد وجق وكق وقك وكج وجك وكذلك حروف الحلق هي من الائتلاف أبعد لتقارب مخارجها عن معظم الحروف أعنى حروف الفم فإن جمع بين أثنين منها قدّم الأقوى على الأضعف نحو أهلٍ وأحدٍ وأخٍ وعهدٍ وعهْرٍ وكذلك متى تقارب الحرفان لم يجمع بينهما إلا بتقديم الأقٌوى منهما نحو أْرُلٍ ووتِد ووطد يدل على أن الراء أقوى من اللام أن القطع عليها أقوى من القطع على اللام وكأن ضعف اللام إنما أتاها لما تُشْرَبه من الغُنًة عند الوقوف عليها ولذلك لا تكاد تعتاص اللام وقد ترى إلى كثرة الُلثغة في الراء في الكلام وكذلك الطاء والتاء هما أقوى من الدال وذاك لأن


55
جَرْس الصوت بالتاء والطاء عند الوقوف عليهما أقوى منه وأظهر عند الوقوف على الدال وأنا أُرى أنهم إنما يقدّمون الأقوى من المتقاربين من قِبَل أن جمع المتقاربين يثقل على النفس فلما اعتزموا النطق بهما قدّموا أقواهما لأمرين

أحدهما أن رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى والآخر أنهم إنما يقدّمون الأثقل ويؤخّرون الأخفّ من قِبَل أن المتكلم في أوّل نطقة أقوى نَفْسا وأظهر نشاطاً فقدّم أثقل الحرفين وهو على أجمل الحالين كما رفعوا المبتدأ لتقدّمه فأعربوه بأثقل الحركات وهي الضمة وكما رفعوا الفاعل لتقدمه ونصبوا المفعول لتأخّره فإنّ هذا أحد ما يحتجّ به في المبتدأ والفاعل فهذا واضح كما تراه

وأما ما رفِض أن يستعمل وليس فيِه إلا ما استعمل من أصله فعنه السؤال وبه الاشتغال وإن أنصفت نفسك فيما يرد عليك فيه حِليت به وأنِقت له وإن تحاميت الإنصاف وسلكت سبيل الانحراف فذاك إليك ولكن جنايته عليك

جواب قوى أعلم أن الجواب عن هذا الباب تابع لما قبله وكالمحمول على حكمه وذلك أن الأصول ثلاثة ثلاثي ورباعي وخماسي فأكثرها استعمالا وأعدلها تركيبا الثلاثي وذلك لأنه حرف يبتدأ به وحرف يُحشى به وحروف يوقف عليه وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه حسب لو كان كذلك لكان الثنائي أكثر منه لأنه أقل حروفاً وليس الأمر كذلك ألا ترى أن جميع ما جاء من ذوات الحرفين جزء لا قدر له فيما جاء من ذوات الثلاثة نحو مِن وفي وعن وهل وقد وبل وكم ومَن وإذ وصه ومه ولو شئت


56
لأثبتُّ جميع ذلك في هذه الورقة والثلاثي عارياً من الزيادة وملتبِسا بها مما يبعد تداركه وتُتِعب الإحاطة به فإذا ثبت ذلك عرفت منه وبه أن ذوات الثلاثة لم تتمكن في الاستعمال لقلة عددها حسب ألا ترى إلى قلة الثنائي وأقلُّ منه ما جاء على حرف واحد كحرف العطف وفائه وهمزة الاستفهام ولام الابتداء والجرّ والأمر وكاف رأيتك وهاء رأيته وجميعُ ذلك دون باب كم وعن وصه فتمكُّن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه لعمري ولشئ آخر وهو حجز الحشو الذي هو عينه بين فائه ولامه وذلك لتباينهما ولتعادِي حاليهما ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركاً وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكناً فلما تنافرت حالاهما وسّطوا العين حاجزاً بينهما لئلا يفجئوا الحسّ بضدّ ما كان آخذا فيه ومنصباَ إليه

فإن قلت فإنّ ذلك الحرف الفاصل لمِا ذكرت بين الأوّل والآخر وهو العين لا يخلو أن يكون ساكناً أو متحركاً فإن كان ساكناً فقد فَصَلت عن حركة الفاء إلى سكونه وهذا هو الذي قدّمت ذكر الكراهة له وإن كان متحركاً فقد فصلت عن حركته إلى سكون اللام الموقوف عليها وتلك حال ما قبله في انتقاض حال الأوّل بما يليه من بعده

فالجواب أنّ عين الثلاثي إذا كانت متحرّكة والفاء قبلها كذلك فتوالت الحركات حدث هناك لتواليهما ضرب من الملال لهما فاسترُوح حينئذٍ إلى السكون فصار ما في الثنائي من سرعة الانتفاض معِيفا مأبِيّا في الثلاثي خفيفاً مرضيّا وأيضاً


57
فإن المتحرّك حشوا ليس كالمتحرك أوّلا أولا ترى إلى صحة جواز تخفيف الهمزة حشوا وامتناعِ جواز تخفيفها أوّلا وإذا اختلفت أحوال الحروف حسن التأليف وأما إن كانت عين الثلاثي ساكنة فحديثها غيرُ هذا وذلك أن العين إذا كانت ساكنة فليس سكونها كسكون اللام وسأوضح لك حقيقة ذلك لِتعجب من لطف غموِضه وذلك أن الحرف الساكن ليست حاله إذا أدرجته إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليهِ وذلك لأن من الحروف حروفاً إذا وقفت عليها لحقها صُويت ماّ من بعدها فإذا أدرجتها إلى ما بعدها ضعف ذلك الصويت وتضاءل للحِسّ نحو قولك احِ اِص اِث اِف أِخ اِك فإذا قلت يحرِد ويصبر ويسلم ويثرد ويفتح ويخرج خفي ذلك الصويت وقلّ وخفّ ما كان له من الجَرْس عند الوقوف عليه وقد تقدّم سيبويه في هذا المعنى بما هو معلوم واضح وسبب ذلك عندي أنك إذا وقفت عليهِ ولم تتطاول إلى النطق بحرف آخر من بعده تلبثت عليه ولم تسرع الانتقال عنه فقدرت بتلك اللُّبثْة على اتباع ذلك الصوت أيّاه فأماّ إذا تأهّبت للنطق بما بعده وتهيّات له ونشّمت فيه فقد
58
حال ذلك بينك وبين الوقفة التي يتمكن فيها من إشباع ذلك الصويت فيستهلِكُ إدراجُك إيّاه طَرَفا من الصوت الذي كان الوقف يِقرّه عليه ويسوغك إمدادك إياه به

ونحوٌ من هذا ما يحكى أن رجلا من العرب بايع أن يشرب عُلْبة لبن ولا يتنحنح فلمّا شرب بعضه كدّه الأمر فقال كبش أملح فقيل له ما هذا تنحنحت فقال من تنحنح فلا أفلح فنطق بالحاءات كلها سواكَن غير متحرّكة ليكون ما يتبعها من ذلك الصويت عونا له على ما كدّه وتكاءده فإذا ثبت بذلك أن الحرف الساكن حاله في إدراجه مخالفة لحاله في الوقوف عليه ضارع ذلك الساكن المحشوُّ به المتحرّكَ لما ذكرناه من إدراجه لأن أصل الإدراج للمتحرّك إذ كانت الحركة سبباً له وعوناً عليه ألا ترى أن حركته تنتقصه ما يتبعه من ذلك الصويت نحو قولك صبر وسلم فحركة الحرف تسلبه الصوت الذي يُسعفه الوقُف به كما أن تأهبك للنطق بما بعده يستهلك يُبَقَّى بعضَه فأقوى أحوال ذلك الصويت عندك أن تقف عليه فتقول اِص فإن أنت أدرجته انتقصته بعضه فقلت آصبر فإن أنت حركته اخترمت الصوت البتّة وذلك قولك صبر فحركة ذلك الحرف تسلبه ذلك الصوت البتة والوقوفُ عليه يمكّنه فيه وإدراج الساكن يُبَقَّ عليه بعضه فعلمت بذلك مفارقة حال الساكن المحشوّ به لحال أوّل الحرف وآخِره فصار الساكن المتوسّط لما ذكرنا كأنه لا ساكن ولا متحرك وتلك حال تخالف حالى ما قبله وما بعده


59
وهو الغرض الذي أريد منه وجئ به من أجله لأنه لا يبلغ حركة ما قبله فيجفوَ تتابعُ المتحرّكين ولا سكونَ ما بعده فيفجأَ بسكونه المتحرّك الذي قبله فينقُضَ عليه جهته وسَمْته فتلك إذا ثلاث أحوال متعادية لثلاثة أحرف متتالية فكما يحسن تألّف الحروف المتفاوتة كذلك يحسن تتابع الأحوال المتغايرة على اعتدال وقرب لا على إيغال في البعد لذلك كان مثال فَعْل أعدل الأبنية حتى كثر وشاع وانتشر وذلك أن فتحه الفاء وسكون العين وإسكان اللام أحوال مع اختلافها متقاربة ألا ترى إلى مضارعة الفتحة للسكون في أشياء منها أن كل واحد منهما يُهرَب إليه مما هو أثقل منه نحو قولك في جمع فُعْلة وفِعْلةٍ فُعُلاتٍ بضم العين نحو غرفات وفِعِلات بكسرها نحو كسرات ثم يستثقل توالى الضمتين والكسرتين فيهرب عنهما تارة إلى الفتح فتقول غُرَفات وكِسرَات وأخرى إلى السكون فتقول غُرفات وكِسرات أفلا تراهم كيف سوَّوا بين الفتحة والسكون في العدول عن الضمة والكسرة إليهما ومنها أنهم يقولون في تكسير ما كان من فَعْل ساكن العين وهي واو على فِعال بقلب الواو ياء نحو حوض وحياض وثوب وثياب فإذا كانت واو واحدِه متحرّكة صحّت في هذا المثال
60
من التكسير نحو طويل وطوال فإذا كانت العين من الواحد مفتوحة اعتلت في هذا المثال كاعتلال الساكن نحو جواد وجياد فجرت واو جواد مجرى واو ثوب فقد ترى إلى مضارعة الساكن للمفتوح وإذا كان الساكن من حيث أرينا كالمفتوح كان بالمسكّن أشبه فلذلك كان مثال فَعْلٍ أخفّ وأكثر من غيره لأنه إذا كان مع تقارب أحواله مختلَفها كان أمثل من التقارب بغير خلاف أو الاتفاق البتة والاشتباه ومما يدل على أن الساكن أذا أدرج ليست له حال الموقوف عليه أنك قد تجمع في الوقف بين الساكنين نحو بكر وعمرو فلو كانت حال سكون كاف بكر كحال سكون رائه لما جاز أن تجمع بينهما من حيث كان الوقف للسكون على الكاف كحاله لو لم يكن بعده شئ فكان يلزمك حينئذ أن تبتدئ بالراء ساكنة والابتداء بالساكن ليس في هذه اللغة العربية لا بل دل ذلك على أن كاف بكر لم تتمكن في السكون تمكّن ما يوقف عليه ولا يتطاول إلى ما وراءه ويزيد في بيان ذلك أنك تقول في الوقف النفّسْ فتجد السين أتمّ صوتاً من الفاء فإن قلبت فقلت النَّسْفْ وجدت الفاء أتمّ صوتاً وليس هنا أمر يصرف هذا إليه ولا يجوز حمله عليه إلا زيادة الصوت عند الوقوف على الحرف البَتّة وهذا برهان ملحق بالهندسي في الوضوح والبيان
61

فقد وضح إذاً بما أوردناه وجه خفّة الثلاثيّ من الكلام وإذا كان كذلك فذوات الأربعة مستثقلة غير متمكّنة تمكّن الثلاثي لأنه إذا كان الثلاثيّ أخفّ وأمكن من الثنائي على قلة حروفه فلا محالة أنه أخفّ وأمكن من الرباعي لكثرة حروفه ثم لا شكّ فيما بعد في ثقل الخماسي وقوّة الكُلْفة به فإذا كان كذلك ثقل عليهم مع تناهيه وطوله أن يستعملوا في الأصل الواحد جميع ما ينقسم إليه به جهات تركيبه ذلك أن الثلاثيّ يتركب منه ستة أصول نحو جَعَل جَلَع عَجَل عِلَجَ لَجَع لَعجَ والرباعي يتركب منه أربعة وعشرون أصلا وذلك أنك تضرب الأربعة في التراكيب التي خرجت عن الثلاثي وهي ستة فيكون ذلك أربعة وعشرين تركيباً المستعمل منها قليل وهي عقرب وبرقع وعرقب وعبقر وإن جاء منه غير هذه الأحرف فعسى أن يكون ذلك والباقي كله مهمل وإذا كان الرباعيّ مع قربه من الثلاثيّ إنما استعمل منه الأقل النَزْر فما ظنك بالخماسيّ على طوله وتقاصر الفعل الذي هو مِئنّة من التصريف والتنقّل عنه فلذلك قلّ الخماسي أصلا نعم ثم لا تجد أصلا مما ركّب منه قد تُصَّرف فيه بتغيير نظمه ونَضْده كما تصرف في باب عقرب وبرِْقِع وبرْقُع ألا ترى أنك لا تجد شيئاً من نحو سفرجل قالوا فيه سرفجل ولا نحو ذلك مع أن تقليبه يبلغ به مائة وعشرين أصلا ثم لم يستعمل من جميع ذلك


62
إلا سفرجل وحده فأما قول بعضهم زبردج فقَلْبٌ لَحِق الكلمة ضرورةً في بعض الشعر ولا يقاس فدّل ذلك على استكراههم ذوات الخمسة لإفراط طولها فأوجبت الحالُ الإقلال منها وقبض اللسان عن النطق بها إلا فيما قلّ ونزُر ولما كانت ذوات الأربعة تليها وتتجاوز أعدل الأصول . . . وهو الثلاثيّ إليها مسّها بقرباها منها قلّةُ التصرف فيها غير أنها في ذلك أحسن حالا من ذوات الخمسةلأنها أدنى إلى الثلاثة منها فكان التصرّف فيها دون تصرف الثلاثي وفوق تصرف الخماسيّ ثم إنهم لما أمَسّوا الرباعيّ طَرَفا صالحاً من إهمال أصوله وإعدام حال التمكن في تصرفه تخطَّوا بذلك إلى إهمال بعض الثلاثيّ لا من أجل جفاء تركّبه بتقاربه نحو سص وصس ولكن من قِبل أنهم حَذَوه على الرباعيّ كما حذَوا الرباعيّ على الخماسيّ ألا ترى أن لجع لم يترك استعماله لثقله من حيث كانت اللام أخت الراء والنون وقد قالوا نجع فيه ورجع عنه واللام أخت الحرفين وقد أهملت في باب اللجع فدل على أن ذلك ليس للاستثقال وثبت أنه لما ذكرناه من إخلالهم ببعض أصول الثلاثى لئلا يخلو هذا الأصل من ضرب من الإجماد له مع شِبَاعه واطّراده في الأصلين اللذين فوقه كما أنهم لم يخلوا ذوات الخمسة من بعض التصرف فيها وذلك ما استعملوه من تحقيرها وتكسيرها وترخيمها نحو قولك في تحقير سفرجل سُفَيْرِج وفي تكسيره
63
سفارج وفي ترخيمه علما يا سَفَرْجُ أقبل وكما أنهم لما أعربوا المضارع لشبهه باسم الفاعل تخطَّوا ذاك أيضا إلى أن شّبهوا الماضى بالمضارع فبنوه على الحركة لتكون له مزِيّة على مالا نسبة بينه وبين المضارع أعنى مثال أمر المواجَه فاسم الفاعل في هذه القضية كالخماسّي والمضارع كالرباعىّ والماضى كالثلاثىّ وكذلك أيضا الحرف في استحقاقه البناء كالخماسي في استكراههم إيّاه والمضمرُ في إلحاقهم إياه ببنائه كالرباعيّ في إقلالهم تصرّفه والمنادى المفرد المعرفة في إلحاقه في البناء بالمضمر كالثلاثيّ في منع بعضه التصرف وإهماله البَتّةَ ولهذا التنزيل نظائر كثيرة فأمّا قوله

( ماَل إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فالْطَجَع )

فإنه ليس بأصل إنما أبدلت الضاد من اضطجع لاما فاعرفه

فقد عرفت إذا أنّ ما أهمل من الثلاثيّ لغير قبح التأليف نحو ضثّ وثضّ وثذّ وذثّ إنما هو لأن محله من الرباعي محل الرباعي من الخماسي فأتاه ذلك القدر من الجمود من حيث ذكرنا كما أتى الخماسيَّ ما فيه من التصرف في التكسير والتحقير والترخيم من حيث كان محلّه من الرباعي محلّ الرباعيّ من الثلاثيّ وهذا عادة للعرب مألوفة وسنة مسلوكة إذا أعطوا شيئاً من شئ حكماً مّا قابلوا ذلك بأن يعطوا المأخوذ منه حكماً من أحكام صاحبه عمارة لبينهما وتتميماً للشبه الجامع لهما وعليه باب مالا ينصرف ألا تراهم لما شبّهوا الاسم بالفعل فلم يصرفوه كذلك شبهوا الفعل بلإسم فأعربوه


64
وإذ قد ثبت ما أردناه من أن الثلاثي في الإهمال محمول على حكم الراباعي فيه لقربه من الخماسي بقي علينا أن نورد العِلّة التي لها استعمل بعض الأصول من الثلاثي والرباعي والخماسي دون بعض وقد كانت الحال في الجميع متساوية والجواب عنه ما أذكره

أعلم أن واضع اللغة لمّا أراد صوغها وترتيب أحوالها هجم بفكره على جميعها ورأى بعين تصوّره وجوه جملها وتفاصيلها وعلم أنه لا بدّ من رفض ما شنُع تألّفه منها نحو هع وقج وكق فنفاه عن نفسه ولم يُمرِره بشئ من لفظه وعلِم أيضاً أن ما طال وأملّ بكثرة حروفه لا يمكن فيه من التصرف ما أمكن في أعدل الأصول وأخفّها وهو الثلاثى وذلك أن التصرف في الأصل وإن دعا إليه قياس وهو الاتساع به في الأسماء والأفعال والحروف فإن هناك من وجه آخر ناهيا عنه وموِحشاً منه وهو أن في نقل الأصل إلى أصل آخر نحو صبر وبصر وصرب وربص صورة الإعلال نحو قولهم ما اطيبه وأيطبه وأضمحلّ واٌمضحلّ وقِسِىّ وأينقٍ وقوله

( مَرْوَانُ مَرْوَانُ أخُو اليَوْمِ اليَمِى )

وهذا كله إعلال لهذه الكلم وما جرى مجراها فلمّا كان انتقالهم من أصل إلى أصل نحو صبر وبصر مشابها للإعلال من حيث ذكرناه كان من هذا الوجه كالعاذر لهم في الامتناع من استيفاءِ جميع ما تحتمله قسمة التركيب في الأصول فلما كان الأمر كذلك واقتضت الصورة رفض البعض واستعمال


65
البعض وكانت الأصول وموادّ الكلم مُعرِضة لهم وعارضة أنفسها على تخيرهم جرت لذلك عندهم مَجرى مال مُلْقًى بين يدى صاحبهِ وقد أجمع إنفاق بعضه دون بعضه فميز رديئه وزائفه فنفاه البتة كما نفَوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه ثم ضرب بيده إلى ما أطفّ له من عُرْض جيّده فتناوله للحاجة إليه وترك البعض لأنه لم يُرِد استيعاب جميع ما بين يديه منه لما قدمنا ذكره وهو يرى أنه لو أخذ ما ترك مكان أخذِ ما أخذ لأغنى عن صاحبه ولأدّى في الحاجة إليه تأديته ألا ترى أنهم لو استعملوا لجع مكان نجع لقام مقامه وأغنى مغناه ثم لا أدفع أيضاً أن تكون في بعض ذلك أغراض لهم عدلوا إليه لها ومن أجلها فإن كثيراً من هذه اللغة وجدْته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها ألا تراهم قالوا قِضم في اليابس وخِضم في الرّطْب وذلك لقوة القاف وضعف الخاء فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف وكذلك قالوا صرّ الجندب فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته وقالوا صرصر البازي فقطّعوه لما هناك من تقطيع صوته وسمَّوا الغراب غاقِ حكاية لصوته والبط بطّا حكاية لأصواتها
66
وقالوا قطّ الشئ إذا قطعه عَرْضا وقدّه إذا قطعه طُولا وذلك لأن منقَطع الطاء أقصر مُدّة من منقطع الدال وكذلك قالوا مدّ الحبل ومتّ إليه بقرابة فجعلوا الدال لأنها مجهورة لما فيه علاج وجعلوا التاء لأنها مهموسة لما لا علاج فيه وقالوا الخَدَأ بالهمزة في ضعف النفْس والخَذَا غير مهموز في استرخاء الأُذُن يقال أُذُنٌ خذواء وآذان خُذْو ومعلوم أن الواو لا تبلغ قوة الهمزة فجعلوا الواو لضعفها للعيب في الأذن والهمزة لقوّتها للعيب في النفْس من حيث كان عيب النفس أفحش من عيب الأذن وسنستقصى هذا الموضع فإنه عظيم شريف في باب نفرده به

نعم وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا ألا ترى إلى قول سيبويه أو لعلّ الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخِر يعنى أن يكون الأوّل الحاضر شاهَد الحال فعرف السبب الذي له ومن أجله ما وقعت عليه التسمية والآخِر لبعده عن الحال لم يعرف السبب للتسمية ألا ترى إلى قولهم للإنسان إذا رفع صوته قد رفع عقيرته فلو ذهبت تشتق هذا بأن تجمع بين معنى الصوت وبين معنى ع ق ر لبعد عنك وتعسّفت وأصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضّعها على الأخرى ثم صرخ بأرفع صوته فقال الناس رفع عقيرته وهذا مما ألزمه أبو بكر أبا إسحاق


67
فقبله منه ولم يردده والكلام هنا أطول من هذا لكن هذا مَقَاده فأعلِق يدك بما ذكرناه من أن سبب إهمال ما أهمل إنما هو لضرب من ضروب الاستخفاف لكن كيف ومن أين فقد تراه على ما أوضحناه فهذا الجواب عن إهمالهم ما أهملوه من محتمِل القسمة لوجوه التراكيب فاعرفه ولا تستطِله فإن هذا الكتاب ليس مبنيّا على حديث وجوه الإعراب وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام وكيف بدئ وإلام نُحِى وهو كتاب يتساهم ذوو النظر من المتكلّمين والفقهاء والمتفلسفين والنحاة والكُتّاب والمتأدّبين التأمّل له والبحث عن مستودعه فقد وجب أن يخاطب كل إنسان منهم بما يعتاده ويأنس به ليكون له سهم منه وحِصّة فيه وأما ما أورده السائل في أوّل هذا السؤال الذي نحن منه على سمتِ الجواب من علة امتناعهم من تحميل الأصل الذي استعملوا بعض مُثُله ورفضهم بعضاً نحو آمتناعهم أن يأتوا في الرباعي بمثال فَعْلُلٍ وفَعْلِلٍ وفُعْلَلٍ في غير قول أبي الحسن فجوابه نحو من الذي قدّمناه من تحاميهم فيه الاستثقال وذلك أنهم كما حَمَوا أنفسهم من اٌستيعاب جميع ما تحتمله قسمة تراكيب الأصول من حيث قدّمنا وأرينا كذلك أيضاً توقّفوا عن اٌستيفاء جميع تراكيب الأصول من حيث كان انتقالك في الأصل الواحد رباعيّاً كان أو خماسياً من مثال إلى مثال في النقص والاٌختلال كانتقالك في المادّة الواحدة من تركيب إلى تركيب أعنى به حال التقديم والتأخير لكن
68
الثلاثيّ جاء فيه لخِفّته جميعُ ما تحتمله القسمة وهي الاٌثنا عشر مثالا إلاّ مثالا وحدا فإنه رفض أيضاً لما نحن عليه من حديث الاستثقال وهو فِعُل وذلك لخروجهم فيه من كسر إلى ضّم وكذلك ما اٌمتنعوا من بنائه في الرباعي وهو فِعْلُل هو لاستكراههم الخروج من كسر إلى ضمّ وإن كان بينهما حاجز لأنه ساكن فضعف لسكونه عن الاعتداد به حاجزا على أن بعضهم حكىِ زِئبُر وضئبل وحرْفُع وحكيت عن بعض البصريين إصبُع وهذه ألفاظ شاذّة لا تعقد بابا ولا يتخذ مثلها قياسا وحكى بعض الكوفيين ما رأيته مِذُسِتّ وهذا أسهل وإن كان لا حاجز بين الكسر والضم من حيث كانت الضمّة غير لازمة لأنّ الوقف يستهلكها ولأنها أيضاً من الشذوذ بحيث لا يعقد عليها باب فإن قلت فما بالهم كثر عنهم باب فُعُل نحو عنق وطُنُب وقلّ عنهم باب فِعل نحو أبل وإطِل مع أن الضمة أثقل من الكسرة فالجواب عنه من موضعين أحدهما ان سيبويه قال واٌعلم أنه قد يقّل الشئ في كلامهم وغيره
69
أثقل منه كل ذلك لئّلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون فهذا قول والآخر أن الضمّة وإن كانت أثقل من الكسرة فإنها أقوى منها وقد يُحتمل للقوّة مالا يحتمل للضعف ألا ترى إلى احتمال الهمزة مع ثقلها للحركات وعجز الألف عن احتمالهن وإن كانت خفيفة لضعفها وقوّة الهمزة وإنما ضعفت الكسرة عن الضمة لقرب الياء من الألف وبعد الواو عنها

ومن حديث الاستثقال والاستخفاف أنك لا تجد في الثنائي على قلة حروفه ما أوّله مضموم إلا القليل وإنما عامتّه على الفتح نحو هل وبل وقد وأن وعن وكم ومن وفي المعتلّ أو ولو وكي وأَىْ أو على الكسر نحو إن ومن وإذ وفي المعتل إي وفي وهي ولا يعرف الضم في هذا النحو إلا قليلا قالوا هو وأما هم فمحذوفة من همو كما أن مذ محذوفة من منذ وأما هُوْ من نحو قولك رأيتهو وكلمتهو فليس شيئاً لأن هذه ضمة مشبعة في الوصل ألا تراها يستهلكها الوقف وواو هو في الضمير المنفصل ثابتة في الوقف والوصل فأما قوله

( فبيناه يشرى رحله قال قائل لمن جمل رِخو المِلاط نجِيب )

فللضرورة والتشبيِه للضمير المنفصل بالضمير المتصل في عصاه وقناه فإن قلت فقد قال

( أعِنّى على برقٍ أريك وميضهو )

فوقف بالواو وليست اللفظة قافية وقد قدّمت أن هذه المدّة مستهلَكة في حال الوقف قيل هذه اللفظة وإن لم تكن قافية فيكونَ البيت بها مقفىّ أو مصرعاً


70
فإن العرب قد تقف على العَرُوض نحوا من وقوفها على الضرب أعنى مخالفة ذلك لوقف الكلام المنثور غير الموزون ألا ترى إلى قوله أيضاً

( فأضحى يسحّ الماء حول كتيفتن )

فوقف بالتنوين خلافاً على الوقف في غير الشعر فإن قلت فأقصى حال قوله كتيفتن إذ ليست قافية أن تجرى مجرى القافية في الوقف عليها وأنت ترى الرواة أكثرَهم على إطلاق هذه القصيدة ونحوها بحرف اللين للوصل نحو قوله ومنزلي وحوملي وشمألي ومحملي فقوله كتيفتن ليس على وقف الكلام ولا وقف القافية قيل الأمر على ما ذكرت من خلافة له غير أن هذا أيضاً أمر يِخصّ المنظوم دون المنثور لاستمر ذلك عنهم ألا ترى إلى قوله

( أنَّى آهتديتِ لتسليم على دمَنِنْ بالغَمْر غيْرهن الأعصر الأولو )

وقوله

( كأن حُدُوج المالكية غُدْوَتَنْ خلايا سَفِين بالنواصف من دَدِى )

وقوله

( فمضى وقدّمها وكانت عادتن منه إذا هى عرّدت إقدامها )


71

وقوله

( فوالله لا أنسى قتيلا رُزئتهو بجانب قَوْسَى ما شئت على الأرضى )

وفيها

( ولم أدر من ألقى عليه رداء هو على أنه قد سُلّ عن ماجد مَحْضِى )

وأمثالهٍ كثير كل ذلك الوقوف على عَرُوضه مخالف للوقوف على ضربه ومخالف أيضا لوقوف الكلام غير الشعر ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا الموضع في علم القوافي وقد كان يجب أن يذكر ولا يهمل

رجع وكذلك جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد عامته على الفتح إلا الأقلّ وذلك نحوهمزة الاستفهام وواو العطف وفائه ولام الابتداء وكاف التشبيه وغير ذلك وقليل منه مكسور كباء الإضافة ولامها ولام الأمر ولو عِرى ذلك من المعنى الذي اضطّره إلى الكسر لما كان إلاّ مفتوحاً ولا نجد في الحروف المنفردة ذوات المعاني ما جاء مضموماً هرباً من ثقل الضمة فامّا نحو قولك أُقتل أُدخل اُستقصِى عليه فامره غير معتدّ إذ كانت هذه الهمزة إنما يُتبلّغ بها في حال الابتداء ثم يسقطها الإدراج الذي عليه مدار الكلام ومتصرفه


72
فإن قلت ومن أين يعلم أن العرب قد راعت هذا الأمر واستشفَّته وعُنيت بأحواله وتتبعته حتى تحامت هذه المواضع التحامي الذي نسبتْه إليها وزعمته مُرَادا لها وما أنكرت أن يكون القوم أجفى طباعاً وأيبس طيناً من أن يصلوا من النظر إلى هذا القدر اللطيف الدقيق الذي لا يصح لذي الرقة والدقة منا أن يتصوّره إلا بعد أن تُوضح له أنحاؤه بل أن تُشَرّح له أعضاؤه

قيل له هيهات ما أبعدك عن تصوّر أحوالهم وبعد أغراضهم ولطف أسرارهم حتى كأنك لم ترهم وقد ضايقوا أنفسهم وخففوا عن ألسنتهم بأن اختلسوا الحركات اختلاساً وأخفَوها فلم يمكّنوها في أماكن كثيرة ولم يشبعوها ألا ترى إلى قراءة أبي عمرو ( مالك لا تأمننا على يوسف ) مختلِسا لا محقّقا وكذلك قوله عز وجل ( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْييَ المْوَتَى ) مخفًي لا مستوفي وكذلك قوله عزّ وجلّ ( فَتُوبوُا إلَى بارِئكُمْ ) مختِلسا غير ممكّن كسر الهمزة حتى دعا ذلك مَن لطف عليه تحصيل اللفظ إلى أن ادّعى أن أبا عمرو كان يسكّن الهمزة والذي رواه صاحب الكتاب اختلاس هذه الحركة لاحذفها البتة وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القرّاء الذين روَوه ساكناً ولم يُؤْت القوم في ذلك


73
من ضعف أمانة لكن أتُوا من ضعف دراية وأبلغ من هذا في المعنى ما رواه من قول الراجز

( متى أنامُ لا يؤرقْني الكَرِى ليلا ولا أسمع أجراس المطِى )

بإشمام القاف من يؤرقْني ومعلوم أن هذا الإشمام إنما هو للعين لا للأذن وليست هناك حركة البتة ولو كانت فيه حركة لكسرت الوزن ألا ترى ان الوزن من الرجز ولو اٌعتدّت القاف متحرّكة لصار من الكامل فإذا قنعوا من الحركة بأن يومئوا إليها بالآلة التي من عادتها أن تستعمل في النطق بها من غير أن يخرجوا إلى حسّ السمع شيئاً من الحركة مشبَعة ولا مختلَسة أعنى إعمالهم الشفتين للإشمام في المرفوع بغير صوت يسمع هناك لم يبق وراء ذلك شئ يستدلّ به على عنايتهم بهذا الأمر ألا ترى إلى مصارفتهم أنفسهم في الحركة على قلتها ولطفها حتى يخرجوها تارة مختلسة غير مشبعة وأخرى مُشَمّة للعين لا للأذن ومما أسكنوا فيه الحرف إسكاناً صريحاً ما أنشده من قوله


74

( رُحْتِ وفي رجليك ما فيهما وقد بدا هَنْك من المئزر )

بسكون النون اٌلبتة من هنك وأنشدنا أبو علي رحمه اللّه لجرير

( سيروا بِني العّم بالموصل سنة فالأهواز منزِلكم ونهر تِيرَى فلا تعرفْكم العرب )

بسكون فاء تعرفكم أنشدنا هذا إحدى وأربعين وقد سئل عن قول الشاعر

( فلما تبينْ غِبّ أمرِى وأمرِه وولّت بأعجاز الأمور صدور )

وقال الراعي

( تأبى قضاعة أن تعرفْ لكم نسبا واٌبنا نزار فأنتم بَيْضة البلد )

وعلى هذا حملوا بيت لبيد

( تَرّاك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبطّ بعضَ النفوس حمامُها )

وبيتَ الكتاب

( فاليوم أشربْ غير مستحِقبٍ إثمًا من الله ولا واغل )


75

وعليه ما أنشده من قوله

( إذا اٌعوجَجْنَ قلت صاحبْ قوِّمِ )

واعتراض أبي العباس في هذا الموضع إنما هو ردّ للرواية وتحكّم على السماع بالشهوة مجردة من النَصَفة ونفسَه ظلم لا من جعله خصمه وهذا واضح

ومنه إسكانهم نحو رُسُلٍ وعَجُزٍ وعضدٍ وظرُفَ وكرمَ وعلِمَ وكِتفٍ وكبِد وعُصِر واستمرار ذلك في المضموم والمكسور دون المفتوح أدلّ دليل بفصلهم بين الفتحة وأختيها على ذوقهم الحركات واستثقالهم بعضها واستخفافهم الآخر فهل هذا ونحوه إلا لإنعامهم النظر في هذا القدر اليسير المحتقَر من الأصوات فكيف بما فوقه من الحروف التوامّ بل الكلمِة من جملة الكلام

وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد القرميسينيّ عن أبي بكر محمد بن هارون الرُياَنيّ عن أبي حاتم سهل بن محمد السجِسْتانيّ في كتابه الكبير في القراءات قال


76
قرأ علىّ أعرابيّ بالحَرَم طِيبى لهم وحُسْنُ مآب فقلت طُوبىَ فقال طِيَبى فأعَدْت فقلت طوبى فقال طيبى فلما طال علىّ قلت طوطو قال طى طى أفلا ترى إلى هذا الأعرابيّ وأنت تعتقده جافيا كَراّ لادّمِثاً ولا طّيعاَ كيف نبا طبعه عن ثقل الواو إلى الياء فلم يؤثرّ فيه التلقين ولا ثنى طبعَه عن التماس الخفة هَزّ ولا تمرين وما ظنك به إذا خُلّى مع سَوْمه وتساند إلى سليقّيته ونجْره

وسألت يوما أبا عبد اللّه محمد بن العسّاف العُقَيليّ الجُوثيِ التمينيّ تميم جُوثة فقلت له كيف تقول ضربت أخوك فقال أقول ضربت أخاك فأدرته على الرفع فأبى وقال لا أقول أخوك أبداً قلت فكيف تقول ضربني أخوك فرفع فقلت ألست زعمت أنك لا تقول أخوك أبداً فقال أيٍش هذا اختلفت جهتا الكلام فهل هذا إلاّ أدلّ شئ على تأمّلهم مواقع الكلام وإعطائهم أيّاه في كل موضع حقًه وحِصَته من الإعراب عن مِيزة وعلى بصيرة وأنه ليس استرسالا ولا ترجيما ولو كان كما توهمه هذا


77
السائل لكثر اختلافه وانتشرت جهاته ولم تَنْقدْ مقاييسه وهذا موضع نفرد له بابا بإذن اللّه تعالى فيما بعد وإنما أزيد في إيضاح هذه الفصول من هذا الكتاب لأنه موضع الغرض فيه تقرير الأصول وإحكام معاقدها والتنبيه على شرف هذه اللغة وسداد مصادرها ومواردها وبه وبأمثاله تُخرج أضغانها وتُبَعج أحضانها ولا سيّما هذا السمت الذي نحن عليه ومُرْزُون إليه فاعرفه فإنّ أحدا لم يتكلّف الكلام على علة إهمال ما أهمل واستعمال ما استعمل وجِماع أمر القول فيه والاستعانةِ على إصابة غُرُوره ومطاويهِ لزومك محجّة القول بالاستثقال والاستخفاف ولكن كيف وعلام ومن أين فإنه باب يَحتاج منك إلى تأنّ وفضل بيانٍ وتأتّ وقد دققت لك بابه بل خرقت بك حجابه ولا تستطل كلامى في هذا الفصل أو تَرَيَنَّ أن المقَنْع فيه كان دون هذا القدر فإنك إذا راجعته وأنعمت تأمّله علمت أنه مَنْبهة للحِسّ مَشْجَعة للنفْس

وأما السؤال عن علة عدل عامر وجاشم وثاعل وتلك الأسماء المحفوظة إلى فُعَل عمر وجشم وثعل وزُحَل وغُدَر دون أن يكون هذا العدل في مالك وحاتم وخالد ونحو ذلك فقد تقدّم الجواب عنه فيما فرط أنهم لم يخُصّوا ما هذه سبيله بالحكم دون غيره إلا لاعتراضهم طرفاً مما أَطَفّ لهم من جملة لغتهم كما عنّ وعلى ما اتّجه لا لأمر خَصّ هذا دون غيره مما هذه سبيله وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يكون العمل فيما يَرِد عليك من السؤال عما هذه حاله ولكن لا ينبغي أن تُخلِد إليها إلا بعد السبر والتأمّل والإنعام والتصفّح فإن


78
وجدت عذراً مقطوعاً به صرت إليه واعتمدته وإن تعذر ذلك جنحت إلى طريق الاستخفاف والاستثقال فإنك لا تعدَم هناك مذهباً تسلكه ومَأمَّا تتورّده فقد أريتك في ذلك أشياء أحدها استثقالهم الحركة التي هي أقل من الحرف حتى أفضَوا في ذلك إلى أن أضعفوها واختلسوها ثم تجاوزوا ذلك إلى أن انتهكوا حرمتها فخذفوها ثم ميّلوا بين الحركات فأنْحَوا على الضمة والكسرة لثقلهما وأجمّوا الفتحة في غالب الأمر لخفتها فهل هذا إلا لقوّة نظرهم ولطف استشفافهم وتصفّحهم

أنشدنا مرة أبو عبد الله الشجريّ شعراً لنفسه فيه بنو عوف فقال له بعض الحاضرين أتقول بنو عوٍف أم بنى عوفٍ شكَّا من السائل في بنى وبنو فلم يفهم الشجريّ ما أراده وكان في تنايا السائل فضل فَرَق فأشبع الصويت الذي يتبع الفاء في الوقف فقال الشجري مستنكراً لذلك لا أقوى في الكلام على هذا النفخ

وسألت غلاماً من آل المهيّا فصيحاً عن لفظه من كلامه لا يحضرني الآن ذكرها فقلت أكذا أم كذا فقال كذا بالنصب لأنه أخف فجنح إلى الخفة وعجبت من هذا مع ذكره النصب بهذا اللفظ وأظنه استعمل هذه اللفظة لأنها مذكورة عندهم في الإنشاد الذي يقال له النَصْب مما يتغنّى به الركبان وسنذكر فيما بعد باباً نفصل فيه بين ما يجوز السؤال عنه مما لا يجوز ذلك فيه بإذن اللّه


79

ومما يدلك على لطف القوم ورقّتهم مع تبذّلهم وبذاذة ظواهرهم مدحهم بالسباطة والرشاقة وذمّهم بضدّها من الغلظة والغباوة ألا ترى إلى قولها

( فتى قُدّ قُدّ السيف لا متآزِف ولا رِهل لبّاته وبآدِله )

وقول جَميل في خبرٍ له

( وقد رابني من جعفرٍ أن جعفرا يبثُّ هوى ليلى ويشكو هوى جُمْلِ )

( فلو كنت عُذْرِىّ الصبابةِ لم تكن بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل )

وقول عمر

( قليلاً على ظهر المطّيِة ظِلّه سوى ما نفى عنه الرداءُ المحبرَّ )

وإلى الأبيات المحفوظة في ذلك وهي قوله

( ولقد سريت على الظلامِ بِمِغشم جَلْدٍ من الفِتيانِ غيرِ مثقَّلِ )

وأظن هذا الموضع لو جمع لجاء مجلدا عظيماً


80

وحدّثني أبو الحسن علي بن عمرو عقِيب منصرفَه من مصر هارباً متعسّفاً قال أذَمّ لنا غلام أحسبه قال من طّيئ من بادية الشام وكان نجيباً متيقّظاً يكنى أبا الحسين ويخاطب بالأمير فبعدنا عن الماء في بعض الوقت فأضرّ ذلك بنا قال فقال لنا ذلك الغلام على رِسْلكم فإني أشَمّ رائحة الماء فأوقفنا بحيث كُنَّا وأجرى فرسه فتشرف ههنا مستشِفّا ثم عدل عن ذلك الموضع إلى آخرَ مستروِحا للماء ففعل ذلك دَفَعات ثم غاب عنا شيئاً وعاد إلينا فقال النجاة والغنيمة سيروا على اسم الله تعالى فسرنا معه قَدْرا من الأرض صالحاً فأشرف بنا على بئر فاستقينا وأرْوَينا ويكفى من ذلك ما حكاه من قول بعضهم لصاحبه ألاتا فيقول الآخر مجيبا له بلى فا وقولِ الآخر

( قلنا لها قفى لنا قالت قاف )

ثم تجاوزوا ذلك إلى أن قالوا رُبَّ إشارة أبلغ مِن عِبارة نعم وقد يحذفون بعض الكلم استخفافا حذفاً يخِلّ بالبقية ويعرّض لها الشُبَه ألا ترى إلى قول علقمة

( كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدّم بِسبا الَكتّان ملثوم


81

أراد بسبائب وقول لبيد

( درس المنا بمتُالِع فأباِن )

أراد المنازل وقول الآخر

( حِين ألقت دُوَاد بِقُبَاء بَرْكها واستحرّ القتل في عبدِ الأشل )

يريد عبد الأشهِل من الأنصار وقول أبي دُاود

( يذرِين جندل حائِرٍ لجنوبها فكأنما تذكِى سنابِكها الحبا )

أي تصيب بالحصى في جريها جنوبها وأراد الحُبَاحِب وقال الأخطل

( أمست مَناَها بأرضٍ ما يبلغها بصاحب الهمّ إلاّ الجَسْرة الأُجُد )

قالوا يريد منازلها ويجوز أن يكون مناها قصدها


82

ودع هذا كلّه ألم تسمع إلى ما جاء ا بقية الأسماء من نحو كيف وأىّ وأيان وأنّى وكذلك الشرط في قولك مَن يقم أقم معه فقد كفاك ذلك من ذكر جميع الناس ولولا هو لاٌحتجت أن تقول إن يقم زيد أو عمرو أو جعفر أوققاسم ونحو ذلك ثم تقف حسيراً مبهوراً ولمّا تجد إلى غرضك سبيلاً وكذلك بقية أسماء العموم في غير الإيجاب نحو أحَد ودياّر وكَتِيع وأَرِم وبقية الباب فإذا قلت هل عندك أحد أغناك ذلك عن ان تقول هل عندك زيد أو عمرو أو جعفر أو سعيد أو صالح فتطيل ثم تُقصر إقصار المعترف الكليِل وهذا وغيره أظهر أمراً وأبدى صفحة وعنواناً فجميع ما مضى وما نحن بسبيلِه مما أحضرناه أو نبهنا عليه فتركناه شاهد بإيثار القوم قوّم إيجازهم وحذف فضول كلامهم هذا مع أنهم في بعض الأحوال قد يمكّنون ويحتاطون وينحطّون في الشَّق الذي


83
يؤمّون وذلك في التوكيد نحو جاء القوم اجمعون أكتعون أبصعون أبتعون وقد قال جرير

( تزوّد مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زاداً )

فزاد الزاد في آخر البيت توكيداً لا غير

وقيل لأبي عمرو أكانت العرب تطيل فقال نعم لتبلغ قيل أفكانت توجز قال نعم ليحفظ عنها

وآعلم أن العرب مع ما ذكرنا إلى الإيجاز أميل وعن الإكثار أبعد ألا ترى انها في حال إطالتها وتكريرها مؤِذنة باستكراه تلك الحال وملالها ودالّة على أنها إنما تجشّمتها لمِا عناها هناك وأهمّها فجعلوا تحمّل ما في ذلك على العلم بقوّة الكُلْفة فيهِ دليلا على إحكام الأمر فيما هم عليه

ووجه ما ذكرناه من ملالتها الإطالة مع مجيئها بها للضرورة الداعية إليها أنهم لما أكّدوا فقالوا أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون لم يعيدوا أجمعون اٌلبتة فيكرروها فيقولوا أجمعون أجمعون أجمعون أجمعون فعدلوا عن إعادة جميع الحروف إلى البعض تحامياً مع الإطالة لتكرير الحروف كلها

فإن قيل فلم اٌقتصروا على إعادة العين وحدها دون سائر حروف الكلمة قيل لأنها أقوى في السجعة من الحرفين اللذين قبلها وذلك أنها لام فهي قافية لأنها آخر حروف الأصل فجئ بها لأنها مقطع الأصول والعمل في المبالغة والتكرير إنما هو على المقطع لا على المبدأ ولا المحَشْيَ


84
ألا ترى أن العناية في الشعر إنما هي بالقوافي لأنها المقاطع وفي السجع كمثل ذلك نعم وآخر السجعة والقافية أشرف عندهم من أوّلها والعناية بها أمَسّ والحشد عليها أوفى وأهمّ وكذلك كلما تطرّف الحرف في القافية ازدادوا عناية بهِ ومحافظة على حكمه

ألا تعلم كيف استجازوا الجمع بين الياء والواو رِدْفينِ نحو سعيد وعمود وكيف استكرهوا اجتماعهما وصلين نحو قوله الغراب الأسودو مع قوله أو مغتدى وقوله في غدى وبقية قوافيها وعلة جواز اختلاف الردف وقبحِ اختلاف الوصل هو حديث التقدم والتأخر لا غير وقد أحكمنا هذا الموضع في كتابنا المعرب وهو تفسير قوافي أبي الحسن بما أغنى عن إعادته هنا فلذلك جاءوا لمّا كرهوا إعادة جميع حروف أجمعين بقافيتها وهي العين لأنها أشهر حروفها إذ كانت مقطعا لها فأما الواو والنون فزائدتان لا يعتدّان لحذفهما في أجمع وجُمَع وأيضاً فلأن الواو قد تترك فيه إلى الياء نحو أجمعون وأجمعين وأيضاً لثبات النون تارة وحذفها أخرى في غير هذا الموضع فلذلك لم يُعتدّا مقطعاً


85

فإن قلت إن هذه النون إنما تحذف مع الإضافة وهذه الأسماء التوابع نحو أجمعين وبابه مما لم تسمع إضافته فالنون فيها ثابتة على كل حال فهلاّ اقتصر عليها وقُفّيت الكلم كلّها بها

قيل إنها وإن لم يضف هذا الضرب من الأسماء فإن إضافة هذا القبيل من الكلم في غير هذا الموضع مطّرِدة منقادة نحو مسلمون وضاربو زيد وشاتموَّ جعفر فلما كان الأكثر فيما جمع بالواو والنون إنما هو جواز إضافتة حمل الأقل في ذلك عليه وألحق في الحكم به

فأما قولهم أخذ المال بأجمعه فليس أجمع هذا هو أجمع من قولهم جاء الجيش أجمع وأكلت الرغيف أجمع من قِبَل أن أجمع هذا الذي يؤكّد به لا يتنكر هو ولا ما يتبعه أبداً نحو أكتع وجميع هذا الباب وإذا لم يِجز تنكيره كان من الإضافة أبعد إذ لا سبيل إلى إضافة اسم إلا بعد تنكيره وتصوّره كذلك ولهذا لم يأت عنهم شئ من إضافة أسماء الإشارة ولا الأسماء المضمرة إذ ليس فيها ما ينكّر ويؤكد ذلك عندك أنهم قد قالوا في هذا المعنى جاء القوم بأجمعُهم بضم الميم فكما أن هذه غير تلك لا محالة فكذلك المفتوحة الميم هي غير تلك وهذا واضح

وينبغي أن تكون أجمع هذه المضمومة العين جمعاً مكسّراً لا واحدا مفرداً من حيث كان هذا المثال مما يخصّ التكسير دون الإفراد وإذا كان كذلك فيجب أن يعرف خبر واحده ما هو فأقرب ذلك إليه أن يكون جمع جمع من قول


86
الله سبحانه ( سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) ويجوز عندي أيضاً أن يكون جمع أجمع على حذف الزيادة وعليه حمل أبو عُبَيدة قول الله تعالى ( ولمَّا بَلَغَ أشُدّه ) أنه جمع أشَدّ على حذف الزيادة قال وربما استُكرِهوا على حذف هذه الزيادة في الواحد وأنشد بيت عنترة

( عهدي به شدّ النهار )

أى أشدّ النهار يعنى اعلاه وامتعه وذهب سيبويه في أشُدّ هذه إلى أنها جمع شِدّة كنِعمة وأنْعُم وذهب أبو عثمان فيما رويناه عن أحمد بن يحيى عنه إلى أنه جمع لا واحد له

ثم لنعد فنقولَ إنهم إذا كانوا في حال إكثارهم وتوكيدهم مستوِحشين منه مصانِعين عنه علم أنهم إلى الإيجاز أميل وبه أعنى وفيه أرغب ألا ترى إلى ما في القرآن وفصيح الكلام من كثرة الحذوف كحذف المضاف وحذف الموصوف والاكتفاء بالقليل من الكثير كالواحد من الجماعة وكالتلويح من التصريح فهذا ونحوه مما يطول إيراده وشرحه مما يزيل الشّك عنك في رغبتهم فيما خفّ وأُوجِز عما طال وأمَل وأنهم متى اضطرّوا إلى الإطالة لداعي حاجة أبانوا عن ثقلها عليهم واعتدّوا بما كلّفوه من ذلك أنفسهم وجعلوه كالمَنْبهَة على فَرْط عنايتهم وتمكّن الموضع عندهم وأنه ليس كغيره مما ليست له حرمته ولا النفس معّنِية به


87

نعم ولو لم يكن في الإطالة في بعض الأحوال إلا الخروج إليها عما قد ألِف ومُلّ من الإيجاز لكان مقنعاً

ألا ترى إلى كثرة غلبة الياء على الواو في عامّ الحال ثمّ مع هذا فقد ملّوا ذلك إلى ان قلبوا الياء واواً قلباً ساذجاً أو كالساذج لا شيء أكثر من الانتقال من حال إلى حال فإن المحبوب إذا كثر مُلّ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة زُرْ غِبّا تزدد حُبّا والطريق في هذا بحمد الله واضحة مَهْيعَ وذلك الموضع الذي قلبت فيه الياء واوا على ما ذكرنا لام فَعلى إذا كانت اسما من نحو الفتوى والرعوى والثنوى والبقوى والتقوى والشروى والهوّى لهذا النجم وعلى ذلك أو قريب منه قالوا عوى الكلب عوَّة وقالوا الفُتّوَة وهي من الياء وكذلك النُّدُوُة وقالوا هذا أمر مَمْضُوّ عليه وهي المضُواء وإنما هي من مضيت لا غير

وقد جاء عنهم رجل مَهُوب وبُرّ مكول ورجل مَسُور به فقياس هذا كله على قول الخليل أن يكون مما قلِت فيه الياء واوا لأنه يعتقد أن المحذوف من هذا ونحوه إنما هو واو مفعول لا عينه وأنسّة بذلك قولهم قد هوب وسور به وكول

واعلم انا مع ما شرحناه وعُنينِا به فأوضحناه من ترجيح علل النحو على علل الفقه وإلحاقها بعلل الكلام لا ندّعى أنها تبلغ قدر علل المتكلمين ولا عليها


88

براهين المهندسين غير أنا نقول إن علل النحويين على ضربين أحدهما واجب لا بدّ منه لأنّ النفس لا تطيق في معناه غيره والآخر ما يمكن تحمله إلا أنه على تجشّم واستكراه له

الأول وهو مالا بدً للطبع منه قلب الألف واوا للضمة قبلها وياء للكسرة قبلها أمّا الواو فنحو قولك في سائر سويئر وفي ضارب ضويرب وأمّا الياء فنحو قولك في نحو تحقير قرطاس وتكسيره قريطيس وقراطيس فهذا ونحوه مما لا بدّ منه من قِبَل أنه ليس في القوّة ولا احتمال الطبيعة وقوع الألف المدة الساكنة بعد الكسرة ولا الضمة فقلب الألف على هذا الحدّ علتّه الكسرة والضمة قبلها فهذه علّة برهانية ولا لبس فيها ولا توقّف للنفس عنها وليس كذلك قلب واو عصفور ونحوه ياء إذا أنكسر ما قبلها نحو عصيفير وعصافير ألا ترى أنه قد يمكنك تحمّل المشقّة في تصحيح هذه الواو بعد الكسرة وذلك بأن تقول عصيِفْور وعصافِوْر وكذلك نحو موسر وموقن وميزان وميعاد لو اكرهت نفسك على تصحيح أصلها لأطاعتك عليه وأمكنَتْك منه وذلك قولك مِوْزان وموعاد ومُيْسر ومُيْقن وكذلك ريح وقيل قد كنت قادرا أن تقول قِوْل ورِوْح لكن مجئ الألف بعد الضمة أو السكرة أو السكون محال ومثله لا يكون ومن المستحيل جمعك بين الألفين المَدّتين نحو ما صار إليه قلب لام


89
كساء ونحوه قبل إبدال الألف همزة وهو خطّا كساا أو قضاا فهذا تتوهمه تقديرا ولا تلفظ به اٌلبتة قال أبو إسحاق يوماً لخصم نازعه في جواز اجتماع الألفين المَدّتين ومدّ الرجل الألف في نحو هذا وأطال فقال له أبو إسحاق لو مددتها إلى العصر ما كانت إلا ألفا واحدة وعلّة امتناع ذلك عندي أنه قد ثبت أن الألف لا يكون ما قبلها إلاّ مفتوحا فلو التقَّت ألفان مَدّتان لاٌنتقضت القضية في ذلك ألا ترى أن الألف الأولى قبل الثانية ساكنة وإذا كان ما قبل الثانية ساكناً كان ذلك نقضاً في الشرط لا محالة فأما قول أبي العباس في إنشاد سيبويه

( دار لسعدي إذه من هواكا )

إنه خرج من باب الخطأ إلى باب الإحالة لأن الحرف الواحد لا يكون ساكنا متحرّكا في حال فخطأ عندنا وذلك أن الذي قال إذه من هواك هو الذي يقول في الوصل هِي قامت فيسكّن الياء وهي لغة معروفة فإذا حذفها في الوصل اضطرارا واحتاج إلى الوقف ردّها حينئذ فقال هي فصار الحرف المبدوء به غيرَ الموقوف عليه فلم يَجِب من هذا أن يكون ساكناً متحرّكا في حال وإنما كان قوله إذه على لغة من أسكن الياء لا على لغة من حرّكها من قِبَل أن الحذف ضرب من الإعلال والإعلال إلى السواكن لضعفها أسبق منه إلى المتحرّكات لقوتها وعلى هذا قبح قوله


90

( لم يك الحقّ سِوى أن هاجه رسم دار قد تعفّى بالسَرَر )

لأنه موضع يتحرّك فيه الحرف في نحو قولك لم يكن الحق

وعلّة جواز هذا البيت ونحوه مما حذف فيه ما يقوى بالحركة هي أن هذه الحركة إنما هي لالتقاء الساكنين وأحداث التقائهما ملغاة غير معتدّة فكأن النون ساكنة وإن كانت لو أقِرّت لُحرّكت فإن لم تقل بهذا لزمك أن تمتنع من إجماع العرب الحجازيين على قولهم آردد الباب واٌصبب الماء واٌسلُلِ السيف وأن تحتجّ في دفع ذلك بأن تقول لا أجمع بين مِثلْين متحرّكين وهذا واضح

ومن طريف حديث اجتماع السواكن شئ وإن كان في لغة العجم فإن طريق الحسّ موضع تتلاقى عليه طباع البشر ويتحاكم إليه الأسود والأحمر وذلك قولهم آرْد للدقيق وماسْت لِلَّبن فيجمعون بين ثلاثة سواكن إلا أنني لم أر ذلك إلاّ فيما كان ساكنه الأوّل ألفاً وذلك أن الألف لمّا قاربت بضعفها وخفائها الحركة صارت ماستْ كأنها مَسْت


91

فإن قلت فأجِز على هذا الجمع بين الألفين المدّتين واعتقد أن الأولى منهما كالفتحة قبل الثانية

قيل هذا فاسد وذلك أن الألف قبل السين في ماست إذا انت استوفيتها أدّتك إلى شيء آخر غيرها مخالف لها وتلك حال الحركة قبل الحرف أن يكون بينهما فرق مّا ولو تجشّمت نحو ذلك في جمعك في اللفظ بين ألفين مدّتين نحو كساا وحمراا لكان مضافا إلى اجتماع ساكنين أنك خرجت من الألف إلى ألف مثلها وعلى سمتها والحركة لا بدّ لها أن تكون مخالفة للحرف بعدها هذا مع انتقاض القضية في سكون ما قبل الألف الثانية

ورأيت مع هذا أبا على رحمه الله كغير المستوحش من الابتداء بالساكن في كلام العجم ولعمري إنه لم بإجازته لكنه لم يتشدد فيه تشدُده في إفساد إجازة ابتداء العرب بالساكن قال وذلك أن العرب قد امتنعت من الابتداء بما يقارب حال الساكن وإن كان في الحقيقة متحركا يعنى همزة بَيْنَ بينَ قال فإذا كان بعض المتحرك لمضارعته الساكن لا يمكن الابتداء بهِ فما الظن بالساكن نفسه قال وإنما خفى حال هذا في اللغة العجميه لما فيها من الزمزمة يريد أنها لمُا كثر ذلك فيها ضعفت حركاتها وخفيت واما انا فأسمعهم كثيرا إذا أرادوا المفتاح قالوا كليد فإن لم تبلغ الكاف ان تكون


92

ساكنه فإنّ حركتها جِدّ مُضْعَفة حتى إنها ليخفى حالها علىّ فلا أدرى أفتحة هي أم كسرة وقد تاملت ذلك طويلا فلم أحلَ منه بطائل

وحدّثنى أبو علىّ رحمه الله قال دخلت هِيتا وأنا أريد الانحدار منها الى بغداد فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل فعجبت منها وأقمنا هناك أياما إلى ان صلح الطريق للمسير فإذا أننى قد تكلمت مع القوم بها وأظنه قال لى إننى لما بعدت عنهم أُنسيتها

ومما نحن بسبيله مذهب يونس في إلحاقه النون الخفيفة للتوكيد في التثنيه وجماعة النساء وجمعه بين ساكنين في الوصل نحو قوله اضربانّ زيدا واضربنان عْمرا وليس ذلك وإن كان في الإدراج بالممتنع في الحسّ وإن كان غيرة أسوغ فيه منه من قِبَل أن الالف إذا أشبع مدّها صار ذلك كالحركة فيها الا ترى إلى اطّراد نحو شاّبة ودابَّة وادهامّت والضالّين

فإن قلت فان الحرف لمّا كان مدغما خفى فنبا اللسان عنه وعن الآخر بعده نَبْوة واحدة فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد وليست كذلك نون اضربانْ زيدا واكرمنانْ جعفرا قيل فالنون الساكنة أيضا حرف خفىّ فجرت لذلك نحواً من الحرف المدغم وقد قرأ نافع مَحْيَاي وَمَمَاتيِ بسكون الياء من محياي وذلك لما نحن عليه من حديث الخفاء والياء المتحركة إذا وقعت بعد الألف اٌحتيج لها إلى فضل اعتماد وإبانة وذلك قول الله تعالى ( وَلْنَحْمِلْ خَطَاياَكُمْ ) وذلك يخُصّ المبتدئون والمتلقّنون على إبانة هذه الياء لوقوعها بعد الألف فإذا


93
كانت من الخفاء على ما ذكرناه وهي متحركة ازدادت خفاء بالسكون نحو محياي فأشبهت حينئذ الحرف المدغم ونحوٌ من ذلك ما يحكى عنهم من قولهم القتت حلقتا البِطَان بإثبات الألف ساكنة في اللفظ قبل اللام وكأن ذلك إنما جاز ههنا لمضارعة اللام النون ألا ترى أن في مَقطَع اللام غُنّة كالنون وهي أيضاً تقرب من الياء حتى يجعلها بعضهم في اللفظ ياء فحملت اللام في هذا على النون كما حملت أيضاً عليها في لَعَلِّي ألا تراهم كيف كرهوا النون من لعلَّنى مع اللام كما كرهوا النون في إنني وعلى ذلك قالوا هذا بِلْوُسَفَر وبِلْىُ سفرٍ فأبدلوا الواو ياء لضعف حجز اللام كما أبدلوها في قنية ياء لضعف حجز النون وكأن قِنية وهي عندنا من قنوت وبِلْياً أشبه من عِذي وصبيان لأنه لا غُنّة في الذال والباء ومثل بلى قولهم فلان من عِلْيَة الناس وناقة عِلْياَن فأمّا إبدال يونس هذه النون في الوقف ألفا وجمعه بين ألفين في اضربا ا واضربنا ا فهو الضعيف المستكره الذي أباه أبو إسحاق وقال فيِه ما قال

ومن الأمر الطبيعي الذي لا بدّ منه ولا وَعْىَ عنه أن يلتقى الحرفان الصحيحان فيسكن الأوّل منهما في الإدراج فلا يكون حينئذ بُدّ من الإدغام


94
متصلين كانا أو منفصلين فالمتصلان نحو قولك شدّ وصبّ وحلّ فالادّغام واجب لا محالة ولا يوجدك اللفظ به بُدَّا منه والمنفصلان نحو قولك خذ ذَّاك ودَع عَّامرا فإن قلت فقد أقدر أن أقول شُدْدَ وحُلْلَ فلا أَدّغم قيل متى تجشّمت ذلك وقفت على الحرف الأوّل وقفة مّا وكلامنا إنما هو على الوصل فأما قراءة عاصم ( وقيل من راقٍ ) ببيان النون منْ ( مَنْ ) فمعيب في الإعراب مِعيف في الأسماع وذلك أن النون الساكنة لا توقّف في وجوب ادّغامها في الراء نحو من رأيت ومن رآك فإن كان ارتكب ذلك ووقف على النون صحيحة غير مدّغمة لُيَنبَّه به على انفصال المبتدأ من خبره فغير مرضيّ أيضا ألا ترى إلى قول عَدِىّ

( مَن رَّأيت المنون عَرّين أم من ذا عليه من أن يُضام خَفير )

بإدغام نون من في راء رأيت ويكفى من هذا إجماع الجماعة على ادّغام ( من راَّقٍ ) وغيره مما تلك سبيله وعاصم في هذا مناقض لمن قرأ فإذا هِيَتّلَقّف بإدغام تاء تلقف وهذا عندي يدل على شدة اتصال المبتدأ بخبره حتى صارا معا ههنا كالجزء الواحد فجرى هِيَتّ في اللفظ مجرى خِدَبّ وهِجَفّ ولولا أن الأمر كذلك للزمك أن تقدّر الابتداء بالساكن أعنى تاء المضارعة من تتلقف فاعرف ذلك وأمّا المعتلان فإن كانا مَدّين منفصلين فالبيان لا غير نحو في يده وذو وفَرْةٍ


95
وإن كانا متصلين ادّغما نحو مرضيّة ومدعوّة فإن كان الأوّل غير لازم فك في المتصل أيضاً نحو قوله

( بان الخَلِيط ولو طُووِعْتُ ما بانا )

وقول العجّاج

( وفاحمٍ دُووِيَ حتى اٌعلنكسا )

ألا ترى أن الأصل داويت وطاوعت فالحرف الأوّل إذَّا ليس لازما فإن كانا بعد الفتحة ادّغما لا غير متصلين ومنفصلين وذلك نحو قوّة وجوّ وحيّ وعيّ ومصطَفَوْ واقدٍ وغلامَيْ ياسرٍ وهذا ظاهر

فهذا ونحوه طريق ما لا بدّ منه وما لا يجرى مجرى التحيزّ إليه والتخيرّ له

وما منه بدّ هو الأكثر وعليه اعتماد القول وفيه يطول السؤال والخوض وقد تقدم صَدْرٌ منه ونحن نغترِق في آتى الأبواب جميعه ولا قوة إلا بالله فأما إن استوفينا في الباب الواحد كل ما يتصل به على تزاحم هذا الشأن وتقاود بعضه مع بعض اضطرّت الحال إلى إعادة كثير منه وتكريره في الأبواب المضاهية لبابه وسترى ذلك مشروحاً بحسب ما يعين الله عليه ويُنهض به


96
باب القول على الأطّراد والشَّذوذ

أصل مواضع ط ر د في كلامهم التتابع والاستمرار من ذلك طردتُ الطّريدة إذ اتّبعتها واستمرّت بين يديك ومنه مُطاردة الفُرسان بعضِهم بعضاً ألا ترى انّ هناك كَرَّا وفَرَّا فكَلُّ يطرد صاحبه ومنه المِطْرد رمح قصير يُطرد به الوحش واطّرد الجدول إذا تتابع ماؤه بالريح أنشدني بعض أصحابنا لأعرابيّ

( مالَكَ لا تذكر أو تزور بيضاء بين حاجِبَيْهاَ نُورُ )

( تمشي كما يطّرد الغدير )

ومنه بيت الأنصاري

( أتعرف رسمْاً كاطّراد المذاهب )

أي كتتابع المذاهب وهي جمع مُذهَب وعليه قول الآخر

( سيكفيِك الإلهُ ومُسْنَماتٌ كجَنْدَل لُبْن تُطّرد الصِّلالاَ )

أي تَتَابعُ إلى الأرضين الممطورة لتشرب منها فهي تسِرع وتستمرّ إليها وعليه بقية الباب

وأما مواضع ش ذذ في كلامهم فهو التَّفَرُّق والتَّفَرُّد من ذلك قوله

( يتركن شَذّان الحصى جوافلا )


97
اى ما تطاير وتهافت منه وشذّ الشىء يشذّ ويَشُذّ شُذوذاً وشَذَّا وأشذذته أنا وشذَذته أيضاً أشذّه بالضم لا غير وأباها الأصمعيّ وقال لا أعرف إلاّ شاذّا أي متفرّقا وجمع شاذّ شُذَّاذ قال

( كبعض مَن مَرّ من الشُّذَّاذ )

هذا أصل هذين الأصلين في اللغة ثم قيل ذلك في الكلام والأصوات على سَمْته وطريقة في غيرها فجعل أهلُ علم العرب ما استمرّ من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطّردا وجعلوا ما فارق ما عليه بقيّة بابه واٌنفرد عن ذلك إلى غيره شاذّا حملاً لهذين الموضعين على أحكام غيرها

ثم اعلم من بعد هذا أن الكلام في الإّطراد والشذوذ على أربعة أضرب

مطّرد في القياس والاستعمال جميعاً وهذا هو الغايةُ المطلوبة والمثابةُ المَنُوبة وذلك نحو قام زيد وضربت عمرا ومررت بسعيد

ومطّرد في القياس شاذّ في الاستعمال وذلك نحو الماضي من يَذَر ويَذَع ويَدَع وكذلك قولهم مَكانٌ مُبقِل هذا هو القياس والأكثر في السماع بأقل والأوّل مسموع أيضاً قال أبو دُواد لابنه دواد يا بنيّ ما أعاشك بعدي فقال دواد

( أعاشني بعدك وادٍ مُبْقِلُ آكُلُ مِن حَوْذانة وأَنْسِل )

وقد حكى أيضاً أبو زيد في كتاب حيلة ومحالة مَكانٌ مُبْقلِ ومما يقوى في القياس ويضعف في الاستعمال مفعول عسى اٌسمْاً صَرِيحاً نحو قولك عسى زيد


98
قائماً أو قياماً هذا هو القياس غير أن السماع ورد بحَظْره والاقتصار على ترك استعمال الاسم ههنا وذلك قولهم عسى زيد أن يقوم و ( عَسَى اللَّةُ أنْ ياَتَيِ بالِفْتَحِْ ) وقد جاء عنهم شئ من الأوّل أنشدنا أبو علي

( أكثرتَ في العَدْل مُلِحّاً دائماً لا تَعْذُلاً إنّي عَسِيتُ صائماً )

ومنه المثل السائر عسى الغُوَيْر أبؤسا

والثالث المطّرد في الاستعمال الشاذّ في القياس نحو قولهم أخوْص الرِمْث واستصوبت الأمر أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال يقال استصْوبت الشئ ولا يقال استصبت الشئ ومنه استحوذ وأغْيَلت المرأةُ واٌسْتَنوَق الجملُ واسْتَتْيَسَتِ الشاةُ وقول زُهير

( هنالك إن يُسْتَخْوَلوا المال يُخْوِلُوا )

ومنه اسْتَفْيَلَ الجَمَل قال أبو النجم

( يدير عَيْنَيْ مُصْعَب مُسْتَفْيِل )

والرابع الشاذّ في القياس والاستعمال جميعاً وهو كتتميم مفعول فيما عينه واو نحو ثوب مَصْوُون ومسك مَدْوُوف وحكى البغداديون فرس مَقْوُود


99
ورجل مَعْوُود من مرضه وكل ذلك شاذّ في القياس والاستعمال فلا يسوع القياس عليه ولا ردّ غيره إليه ولا يحسن أيضاً استعماله فيما استعملته فيه إلا على وجه الحكاية

وأعلم أن الشئ إذا اٌطّرد في الاستعمال وشذّ عن القياس فلا بدّ من اٌتباع السمع الوارد به فيه نفسه لكنه لا يُتّخذ أصلا يقاس عليه غيره ألا ترى انك إذا سمعت استحوذ واستصوب أدّيْتهما بحالهما ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيره ألا تراك لا تقول في استقام اسْتَقْوَم ولا في استساغ اسْتَسْوَغ ولا في استباع اسْتَبْيَع ولا في أعاد أعْود لو لم تسمع شيئاً من ذلك قياساً على قولهم أخْوَص الرِّمْث فإن كان الشئ شاذّا في السماع مطّردا في القياس تحامَيْتَ ما تحامت العرب من ذلك وجَرَيت في نظيره على الواجب في أمثاله من ذلك امتناعك من وَذَر ووَدَع لأنهم لم يقولوهما ولا غرو عليك أن تستعمل نظيرهما نحو وَزَن ووَعَد لو لم تسمعهما فأما قول أبي الأسْوَد

( لَيْتَ شِعْرِي عن خلِيلي ما الذِي غاله في الُحبّ حتى ودَعَه )

فشاذّ وكذلك قراءة بعضهم ( ما وَدَعَك رَبُّكَ ومَاَ قلَىَ ) فأما قولهم وَدَع الشئُ يَدع إذا سكن فاٌتّدع فمسمُوعٌ مُتَّبعَ وعليه أُنشد بيت الفَرَزْدَق

( وعَضُّ زمانٍ يابنَ مَرْوانَ لم يِدَع من المال إلاّ مُسْحَتٌ أو مُجَلّفُ )

فمعنى لم يدَع بكسر الدال أي لم يتّدع ولم يثبت والجملة بعد زمان في موضع جَّر لكونها صفة له والعائد منها إليه محذوف للعلم بموضعه وتقديره لم يدع فيه


100
أولأجله من المال إلا مُسْحَتٌ أو مُجَلَّف فيرتفع مسحت بفعله ومجلف عصف عليه وهذا أمر ظاهر ليس فيه من الاعتذار والاعتلال ما في الرواية الأخرى

ويحكى عن معاوية أنه قال خير المجالس ما سافر فيه البصر واتّدع فيه البدن

ومن ذلك استعمالك أنْ بعد كاد نحو كاد زيد أن يقوم هو قليل شاذّ في الاستعمال وإن لم يكن قبيحا ولا مَأبِياَّ في القياس ومن ذلك قول العرب أقائم أخواك أم قاعدان هذا كلامها قال أبو عثمان والقياس يوجب أن تقول أقائم أخواك أم قاعدُهما إلا أن العرب لا تقوله إلا قاعدان فتصل الضمير والقياس يوجب فصله ليعادل الجملة الأولى باب في تَقاوُد السماع وتقارُع الانتزاع

هذا الموضع كأنه أصل الخلاف الشاجر بين النحويين وسنفرد له بابا غير أنا نقدم ها هنا ما كان لائقا به ومقدمة للقول من بعده وذلك على أضرٍب

فمنها أن يكثر الشيء فيسئل عن علَتِه كرفع الفاعل ونصب المفعول فيذهب قوم إلى شئ ويذهب آخرون إلى غيره فقد وجب إذاً تأمّل القولين


101
وأعتماد أقواهما ورفض صاحبهِ فإن تساويا في القوّة لم ينكر اعتقادهما جميعا فقد يكون الحكم الواحد معلولا بعلّتين وسنفرد لذلك بابا وعلى هذا معظم قوانين العربية وأمره واضح فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيهِ

ومنها أن يسمع الشئ فيستدلّ به من وجه على تصحيح شئ أو إفساد غيره ويستدلّ به من وجه آخر على شئ غير الأوّل وذلك كقولك ضربتك وأكرمته ونحو ذلك مما يتصل فيهِ الضمير المنصوب بالضمير قبله المرفوعِ فهذا موضع يمكن أن يستدلّ به على شدّة اتصال الفعل بفاعله

ووجه الدلالة منه على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن الكاف في نحو ضرتبك من الضمير المتصل كما أن الكاف في نحو ضربك زيد كذلك ونحن نرى الكاف في ضربتك لم تباشر نفس الفعل كما باشرته في نحو ضربك زيد وإنما باشرت الفاعل الذي هو التاء فلولا أن الفاعل قد مُزِج بالفعل وصِيغ معه حتى صار جزءا من جملتهِ لما كانت الكاف من الضمير المتصل ولاعتُدّت لذلك منفصلة لامتصلة لكنهم أجَروُا التاء التى هي ضمير الفاعل في نحو ضربتُك وإن لم تكن من نفس حروف الفعل مُجرى نون التوكيد التي يبنى الفعل عليها ويضمّ إليها في نحو لأضرِبنّك فكما أنّ الكاف في نحو هذا معتدّة من الضمير المتصل وإن لم تلِ نفس الفعل كذلك الكاف في نحو ضربتك ضمير متصل وإن لم تلِ نفس الفعل

فهذا وجه الاستدلال بهذة المسالة ونحوها على شدّة اتصال الفعل بفاعله وتصحيحِ القول بذلك


102

وأمّا وجه إفساده شيئاً آخر فمن قِبلِ أنّ فيهِ ردّاً على من قال إن المفعول إنما نصبه الفاعل وحده لا الفعل وحه ولا الفعل والفاعل جميعاً

وطريق الاستدلال بذلك أنا قد علمنا أنهم إنما يعنون بقولهم الضمير المتصل أنه متصل بالعامل فيهِ لا محالة ألا تراهم يقولون إن الهاء في نحو مررت بهِ ونزلت عليهِ ضمير متصل أى متصل بما عمِل فيهِ وهو الجارّ وليس لك أن تقول إنه متصل بالفعل لأن الباء كأنها جزء من الفعل من حيث كانت معاقِبة لأحد أجزائه المصوغة فيه وهي همزة أفعل وذلك نحو أنزلته ونزلت به وأدخلته ودخلت به وأخرجته وخرجت به لأمرين

أحدهما أنك إن اعتددت الباء لِما ذكرت كأنها بعض الفعل فإنّ هنا دليلا آخر يدل على أنها كبعض الاسم ألا ترى أنك تحكم عليها وعلى ما جرّته بأنهما جميعاً في موضع نصب بالفعل حتى إنك لتجِيز العطف عليهما جميعاً بالنصب نحو قولك مررت بك وزيدا ونزلت عليه وجعفراً فإذا كان هنا أمرانِ أحدهما على حكم والآخر على ضدّه وتعارضا هذا التعارض ترافعا أحكامهما وتبت أن الكاف في نحو


103
مررت بك متصلة بنفس الباء لأنها هي العاملة فيها وكذلك الهاء في نحو إنه أخوك وكأنه صاحبك وكأنه جعفر هي ضمير متصل أى متصل بالعامل فيه وهذا واضح

والآخر إطباق النحويين على أن يقولوا في نجو هذا إن الضمير قد خرج عن الفعل وانفصل من الفعل وهذا تصريح منهم بانه متصل أى متصل بالباء العاملة فيه فلو كانت التاء في ضربتك هي العاملة في الكاف لفسد ذلك من قِبل أن أصل عمل النصب إنما هو للفعل وغيره من النواصب مشبَّه في ذلك بالفعل والضمير بالإجماع أبعد شئ عن الفعل من حيث كان الفعل موغِلا في التنكير والاسم المضمر متناهٍ في التعريف بل إذا لم يعمل الضمير في الظرف ولا في الحال وهما مِما تعمل فيه المعانِي كان الضمير من نصب المفعول به أبعد وفي التقصير عن الوصول إليه أقعد وإيضاً فإنك تقول زيد ضرب عمرا والفاعل مضمر في نفسك لا موجود في لفظك فإذا لم يعمل المضمر ملفوظاً به كأن ألاّ يعمل غير ملفوظ به أحرى وأجدر

وأمّا الاستدلال بنحو ضربتك على شئ غيرِ الموضعين المتقدّمين فأن يقول قائل إنّ الكاف في نحو ضربتك منصوبة بالفعل والفاعل جميعاً ويقول إنه متصل بهما كاتصاله بالعامل فيه في نحو إنك قائم ونظيرِه وهذا أيضاً وإن كان قد ذهب إليهِ هِشام فإنه عندنا فاسد من أوجهٍ


104

أحدهما أنه قد صحّ ووضح أن الفعل والفاعل قد تنزّلا باثنى عشر دليلا منزلة الجزء الواحد فالعمل إذاً إنما هو للفعل وحده واتصل به الفاعل فصار جزءا منه كما صارت النون في نحو لتضرِبنَّ زيداً كالجزء منه حتى خِلط بها وبنِى معها

ومنها أن الفعل والفاعل إنما هو معنى والمعاني لا تعمل في المفعول به إنما تعمل في الظروف

ومن ذلك أن تستدلّ بقول ضَيْغم الأَسَديّ

( إذا هو لم يخَفْنى في ابن عميّ وإن لم ألقَه الرجلُ الظلومُ )

على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء ألا ترى أن هو من قوله إذا هو لم يخفني ضمير الشأن والحديث وأنه مرفوع لا محالة فلا يخلو رفعه من أن يكون بالابتداء كما قلنا أو بفعل مضمر فيفسد أن يكون مرفوعاً بفعل مضمر لأن ذلك المضمر لا دليل عليه ولا تفسير له وما كانت هذه سبيله لم يجز إضماره

فإن قلت فلم لا يكون قوله لم يخفني في ابن عمي الرجل الظلوم تفسيراً للفعل الرافع ل هو كقولك إذا زيد لم يلقني غلامه فعلت كذا فترفع زيداً بفعل مضمر يكون ما بعده تفسيرا له

قيل هذا فاسد من موضعين أحدهما أنا لم نر هذا الضمير على شريطة التفسير عاملا فيه فعلٌ محتاج إلى تفسير فإذا أدّى هذا القول إلى مالا نظير له


105
وجب رفضه واطّراح الذهاب إليه والآخر أن قولك لم يخفني الرجل الظلوم إنما هو تفسير ل هو من حيث كان ضميرُ الشأن والقصّة لا بدّ له أن تفسره الجملة نحو قول اللّه عز وجل ( قل هو اللّه أحد ) فقولنا ( اللّه أحد ) تفسير ل هو وكذلك قوله تعالى ( فإنّها لا تَعْمَى الأبصارُ ) فقولك ( لا تعمى الأبصار ) تفسيرها ل ها من قولك فإنها من حيث كانت ضميرَ القصّة فكذلك قوله لم يخفني الرجل الظلوم إنما هذه الجملة تفسير ل هو فإذا ثبت أن هذه الجملة إنما هي تفسير لنفس الاسم المضمر بقي ذلك الفعل المضمر لا دليل عليه وإذا لم يقم عليه دليل بطل إضماره لما في ذلك من تكليف علم الغيب وليس كذلك إذا زيد قام أكرمتك ونحوه من قبل ان زيداً تامّ غير محتاج إلى تفسير

فإذا لم يكن محتاجاً إليه صارت الجملة بعده تفسيراً للفعل الرافع له لا له نفسه

فإذا ثبت بما أوردناه ما أوردناه علمت وتحققّت أن هو من قوله

إذا هو لم يخفي الرجل الظلوم مرفوع بالابتداء لا بفعل مضمر

وفي هذا البيت تقوية لمذهب أبي الحسن في إجازته الرفع بعد إذا الزمانية بالابتداء في نحو قوله تعالى ( إذا السماءُ انشقَّتْ ) و ( وإذا الشمسُ كُوِّرَت )

ومعنا ما يشهد لقوله هذا شئ غير هذا غير أنه ليس ذلك غرضنا هنا إنما الغرض إعلامنا أن في البيت دلالة على صحّة مذهب أبي الحسن هذا فهذا وجه صحيح يمكن أن يستنبط من بيت ضيغم الذي أنشدناه


106
وفيهِ دليل آخر على جواز خلوّ الجملة الجارية خبرا عن المبتدأ من ضمير يعود إليهِ منها ألا ترى أن قوله لم يخفني الرجل الظلوم ليس فيهِ عائد على هو وكيف يكون الأمر إلا هكذا ألا تعلم ان هذا المضمر على شريطه التفسير لا يوصف ولا يؤكّد ولا يعطف عليهِ ولا يبدل منه ولا يعود عائِد ذكرٍ عليهِ وذلك لضعفهِ من حيث كان مفتقِراً إلى تفسيره وعلى هذا ونحوه عامّة ما يرد عليك من هذا الضرب ألا ترى أن قول اللّه عز وجل ( اللّه أحد ) لا ضمير فيهِ يعود على هو مِن قبله

وأعلم أن اللفظ قد يرد شئ منه فيجوز جوازاً صحيحاً أن يستدلّ به على أمرٍ مّا وأن يستدلّ به على ضدّه البتّة وذلك نحو مررت بزيد ورغِبْت في عمرو وعجبت من محمد وغيرِ ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجرّ

فأحد ما يدلّ عليه هذا الضرب من القول أنّ الجارّ معتدّ من جملة الفعل الواصل به ألا ترى أن الباء في نحو مررت بزيد معاقبة لهمزة النقل في نحو أمررت زيداً وكذلك قولك أخرجته وخرجت به وأنزلته ونزلت به فكما أن همزة أفعل مصوغة فيه كائنة من جملته فكذلك ما عاقبها من حروف الجرّ ينبغي أن يعتدّ أيضاً من جملة الفعل لمعاقبته ما هو من جملته فهذا وجه

والآخر أن يدلّ ذلك على أن حرف الجرّ جارٍ مجرى بعض ما جرّه ألا ترى أنك تحكم لموضع الجارّ والمجرور بالنصب فيعطف عليه فينصب لذلك فتقول مررت بزيد وعمرا وكذلك أيضاً لا يفصل بين الجارّ والمجرور لكونهما في كثير


107
من المواضع بمنزلة الجزء الواحد أفلا تراك كيف تقدّر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقىًّ بالبِشرِ والإيناس

ومن ذلك قول الآخر

( زمانَ عَلىَّ غُرابٌ غُدَافٌ فَطَيَّرَهُ الشيبُ عنِّى فطارا )

فهذا موضع يمكن أن يذهب ذاهب فيه إلى سقوط حكم ما تعلّق به الظرف من الفعل ويمكن أيضاً أن يستدلّ به على ثباته وبقاء حكمه وذلك أن الظرف الذي هو عليّ متعلق بمحذوف وتقديره غداة ثبت علىّ أو استقر علىّ غراب ثم حذف الفعل وأقيم الظرف مقامه وقوله فطيّره كما ترى معطوف فأما من أثبت به حكم الفعل المحذوف فله أن يقول إِن طيّره معطوف على ثبت أو استقرّ وجواز العطف عليه أدلّ دليل على اعتداده وبقاء حكمه وأن العَقْد عليه والمعاملة في هذا ونحوه إنما هي معه ألا ترى أن العطف نظير التثنية ومحال أن يثنّى الشئ فيصيرَ مع صاحبه شيئين إلاّ وحالهما في الثبات والاعتِداد واحدة

فهذا وجه جواز الاستدلال به على بقاء حكم ما تعلّق به الظرف وأنه ليس أصلا متروكا ولا شَرْعاً منسوخاً


108

وأمّا جواز اعتقاد سقوط حكم ما تعلّق به الظرف من هذا البيت فلأنه قد عطف قوله فطيّره على قوله علىّ وإذا جاز عطف الفعل على الظرف قوى حكم الظرف في قيامهِ مقامَ الفعل المتعلِّق هو بهِ وإسقاطه حكمه وتولِّيه من العمل ما كان الفعل يتولاّه وتناوُله بِه ما كان هو متناوِلا له

فهذان وجهان من الاستدلال بالشئ الواحد على الحُكْمين الضدّين وإن كان وجه الدلالة بهِ على قوّة حكم الظرف وضعف حكم الفعل في هذا وما يجرى مجراه هو الصواب عندنا وعليه اعتمادنا وعَقْدنا وليس هذا موضع الانتصار لما نعتقده فيهِ وإنما الغرض منه أن نُرِى وجه ابتداء تفرّع القول وكيف يأخذ بصاحبهِ ومن أين يقتاد الناظرَ فيهِ إلى أنحائهِ ومصارفه

ونظير هذا البيت في حديث الظرف والفعل من طريق العطف قول الله عزّ اسمه ( يوم تُبْلَى السرائِرُ فما له مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ) أفلا تراه كيف عطف الظرف الذي هو له من قوّة على قوله تبلى وهو فِعل فالآية نظيرة البيت في العطف وإن اختلفا في تقدّم الظرف تارة وتأخّره أخرى

وهذا أمر فيهِ أنتشار وامتداد وإنما أفرض منه وممّا يجرى مجراه ما يستدلّ بهِ ويجعل عِيارا على غيره والأمر أوسع شُقّة وأظهر كُلْفة ومشقّة ولكن إن طبِنت له ورفَقت بهِ أولاك جانِبه وأمطاك كاهِله وغارِبه وإن خبطته وتورّطته كدّك مَهَلهُ وأوعرت بك سبلُه فرِفقا وتأمّلا


109
باب في مقاييس العربيّة

وهي ضربان أحدهما معنويّ والآخَر لفظِيّ وهذان الضربان وإن عمّا وفَشَوَا في هذه اللغة فإن أقواهما وأوسعهما هو القياس المعنوىّ ألا ترى أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة واحد منها لفظىّ وهو شَبَه الفعل لفظا نحو أحمد ويَرْمَع وتَنْضُب وإثُمِد وأُبْلُم وبَقّم وإستبرق والثمانية الباقية كلها معنويّة كالتعريف والوصف والعدل والتأنيث وغير ذلك فهذا دليل

ومثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول بِه بأن تقول رفعت هذا لأنه فاعل ونصبت هذا لأنه مفعول فهذا اعتبار معنوىّ لا لفظىّ ولأجله ما كانت العوامل اللفظية راجعة في الحقيقة الى أنها معنوية ألا تراك إذا قلت ضرب سعيد جعفرا فإن ضرب لم تعمل في الحقيقة شيئا وهل تَحْصل من قولك ضرب إلاّ علىاللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فَعَلَ فهذا هو الصوت والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوباً إليه الفعل

وإنما قال النحويّون عامل لفظيّ وعامل معنويّ ِليُرُوك أن بعض العمل يأتي مسبّباً عن لفظ يصحبه كمررت بزيد وليت عمرا قائم وبعضه يأتي عاريا من مصاحبه لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء ورفع الفعل لقوعه موقع الاسم هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول فأما في الحقيقة


110
ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو للمتكلّم نفسِه لا لشئ غيرهِ وإنما قالوا لفظيّ ومعنويّ لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ وهذا واضح

وأعلم أن القياس اللفظيّ إذا تأمّلته لم تجده عاريا من اشتمال المعنى عليه ألا ترى انك إذا سئلت عن إنْ من قوله

( ورجّ الفتى للخيرِ ما إن رأيته على السنّ خيرا لا يزال يزِيد )

فإنك قائل دخلت على ما وإن كانت ما ههنا مصدريّة لشبهها لفظا بما النافية التي تؤكِّد بإنْ من قوله

( ما إن يكاد يخلّيهِم ِلوِجهتِهِم تَخَالُج الأمر إن الأمر مشترك )

وشَبَه اللفظ بينهما يصيّر ما المصدريّة إلى أنها كأنها ما التي معناها النفي أفلا ترى أنك لو لم تجذب إحداهما إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق إنْ بها


111

فالمعنى إذاً أشْيّع وأسير حُكْما من اللفظ لأنك في اللفظيّ متصوّر لحال المعنويّ ولست في المعنويّ بمحتاج إلى تصوّر حكم اللفظيّ فاعرف ذلك

وأعلم أن العرب تؤثر من التجانس والتشابه وحمل الفرع على الأصل ما إذا تأمّلته عرفت منه قوّة عنايتها بهذا الشان وأنه منها على اقوى بال ألا ترى أنهم لَمّا أعربوا بالحروف في التثنية والجمع الذي على حدّه فأعطَوُا الرفع في التثنية الألف والرفع في الجمع الواو والجرّ فيهما الياء وبقي النصب لا حرف له فيُمازَ بهِ جذبوه إلى الجرّ فحملوه عليه دون الرفع لتلك الأسباب المعروفة هناك فلا حاجة بنا هنا إلى الإطالة بذكرها ففعلوا ذلك ضرورة ثم لمّا صاروا إلى جمع التأنيث حملوا النصب أيضاً على الجرّ فقالوا ضربت الهنداتِ كما قالوا مررت بالهندات ولا ضرورة هنا لأنهم قد كانوا قادرين على أن لفتحوا التاء فيقولوا رأيت الهنداتَ فلم يفعلوا ذلك مع إمكانه وزوال الضرورة التي عارضت في المذكر عنه فدلّ دخولهم تحت هذا مع أن الحال لا تَضطرّ إليه على إيثارهم واستحبابهم حمل الفرع على الأصل وإن عَرِى من ضرورة الأصل وهذا جلىّ كما ترى

ومن ذلك حملهم حروف المضارعة بعضَها على حكم بعض في نحو حذفهم الهمزة في نكرم وتكرم ويكرم لحذفهم إيّاها في أُكرِمُ لِمَا كان يكون هناك من الاستثقال لاجتماع الهمزتين في نحو أُؤكرم وإن عَرِيت بقيّة حروف المضارعة لو لم تحذف من اجتماع همزتين وحذفهم أيضاً الفاء من نحو وعد وورد في يعد ويرد لما كان يلزم لو لم تحذف من وقوع الواو بين ياء وكسرة


112

ثم حملوا على ذلك ما لو لم يحذفوه لم يقع بين ياء وكسرة نحو أعِدُ وتَعِد ونَعِد لا للاستثقال بل لتتساوى أحوالُ حروف المضارعة في حذف الفاء معها

فإذا جاز أن يحمل حروف المضارعة بعضها على بعض ومراتبها متساوية وليس بعضها أصلا لبعض كان حمل المؤنّث على المذكرّ لأن المذكرّ أسبق رتبة من المؤنّث أولى وأجدر

ومن ذلك مراعاتهم في الجمع حال الواحد لأنه أسبق من الجمع ألا تراهم لَما أعلّت الواو في الواحد أعلّوها أيضاً في الجمع في نحو قِيمة وقِيَم ودِيمة ودِيَم ولمّا صحّت في الواحد صحّحوها في الجمع فقالوا زَوْج وزِوَجة وثَوْر وثِوَرة

فأمّا ثِيَرة ففي إعلال واوه ثلاثة أقوال

أما صاحب الكتاب فحمله على الشذوذ وأما أبو العباس فذكر أنهم أعلّوه ليفصلوا بذلك بين الثور من الحيوان وبين الثور وهو القطعة من الأقِط لأنهم لا يقولون فيه إلا ثِوَرة بالتصحيح لا غير وأمّا أبو بكر فذهب في إعلال ثِيَرة إلى أن ذلك لأنها منقوصة من ثيارة فتركوا الإعلال في العين أمارةً لما نوَوْه من الألف كما جعلوا تصحيح نحو اجتوروا واعتونوا دليلا على أنه في معنى ما لابدّ من صحته وهو تجاوروا وتعاونوا وقد قالوا أيضاً ثِيْرة قال


113

( صدْرَ النهار يراعي ثِيرةً رُتُعاً )

وهذا لا نكير له في وجوبه لسكون عينه

نعم وقد دعاهم إيثارهم لتشبيه الأشياء بعضها ببعض أن حملوا الأصل على الفرع ألا تراهم يعلّون المصدر لإعلال فعله ويصحّحونه لصحّته وذلك نحو قولك قمت قياماً وقاومت قِوَاماً فإذا حملوا الأصل الذي هو المصدر على الفرع الذي هو الفعل فهل بقي في وضوح الدلالة على إيثارهم تشبيه الأشياء المتقاربة بعضها ببعض شبهة

وعلى ذلك أيضاً عوّضوا في المصدر ما حذفوه في الفعل فقالوا أكرم يُكرم فلّما حذفوا الهمزة في المضارع أثبتوها في المصدر فقالوا الإكرام فدلّ هذا


114
على أن هذه المُثُل كلّها جارية مجرى المثال الواحد ألا تراهم لمّا حذفوا ياء فرازِين عوّضوا منها الهاء في نفس المثال فقالوا فرازِنة وكذلك لمّا حذفوا فاء عِدة عوّضوا منها نفسها التاء وكذلك أَيْنُق في أحد قولى سيبويه فيها لمّا حذفوا عينها عوّضوا منها الياء في نفس المثال

فدلّ هذا وغيره ممّا يطول تعداده على أن المثال والمصدر واسم الفاعل كلّ واحد منها يجرى عندهم وفي محصول اعتدادهم مجرى الصورة الواحدة حتى إنه إذا لزم في بعضها شئ لِعلّة مّا أوجبوه في الآخَر وإن عِرى في الظاهر من تلك العلّة فأمّا في الحقيقة فكأنها فيه نفسِه ألا ترى أنه إذا صحّ أنّ جميع هذه الأشياء على اختلاف أحوالها تجرى عندهم مجرى المثال الواحد فإذا وجب في شئ منها حكم فإنه لذلك كأنه أمر لا يخصّه من بقيّة الباب بل هو جارٍ في الجميع مجرىً واحداً لِمَا قدّمنا ذكره من الحال آنفاً

وأعلم أنّ من قوّة القياس عندهم اعتقادَ النحويّين أن ما قيس على كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب نحو قولك في قوله كيف تبنى من ضرب مثل جعفرٍ ضربب هذا من كلام العرب ولو بنيت مثله ضَيرب أو ضَوْرب أو ضَرْوَب أو نحو ذلك لم يُعتَقد من كلام العرب لأنه قياس على الأقلّ استعمالا والأضعفِ قياساً وسنفرد لهذا الفصل بابا فإنه فيهِ نظراً صالحاً


115
باب في جواز القياس على ما يقِلّ ورفضِه فيما هو أكثر منه

هذا باب ظاهره إلى أن تعرف صورته ظاهر التناقض إِلا أنه مع تأمّله صحيح وذلك أن يقِلّ الشئ وهو قياس ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس

الأوّل قولهم في النسب إلى شَنُوءةَ شَنَئىّ فلك من بعدُ أن تقول في الإضافة إلى قَتُوبةٍ قَتَبِىّ وإلى رَكُوبة رَكبىّ وإلى حَلُوبة حَلَبِيّ قياسا على شَنَئىّ وذلك أنهم أجَروْا فَعُولة مجرى فَعِيلة لمشابهتها إيّاها من عِدّة أوجه أحدها أن كل واحدة من فعولة وفعيلة ثلاثيّ ثم إن ثالث كل واحد منهما حرف لين يجرى مجرى صاحبه ألا ترى إلى اجتماع الواو والياء رِدْفين وامتناع ذلك في الألف وإلى جواز حركة كل واحدة من الياء والواو مع امتناع ذلك في الألف إلى غير ذلك ومنها أن في كل واحدة من فَعُولة وفَعِيلة تاءَ التأنيث ومنها اصطحاب فَعول وفَعِيل على الموضع الواحد نحو أَثِيم وأَثُوم ورحيم ورَحُوم ومَشِىّ ومَشُوّ ونَهِىّ عن الشئ ونَهُوّ

فلمّا استمرّت حال فَعِيلة وفَعُولة هذا الاستمرار جرت واو شَنُوءة مجرى ياء حنيفة فكما قالوا حَنَفِىّ قياسا قالوا شَنَئىّ أيضاً قياسا


116

قال أبو الحسن فإن قلت إنما جاء هذا في حرف واحد يعنى شَنُوءة قال فإنه جميع ما جاء وما ألطف هذا القول من أبي الحسن وتفسيره أن الذي جاء في فَعُولة هو هذا الحرف والقياس قابِلُه ولم يأت فيه شئ ينقضه

فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضاً صحيحاً في القياس مقبولا فلا غَرْو ولا ملام

وأمّا ما هو أكثر من باب شَنَئىّ ولا يجوز القياس عليه لأنه لم يكن هو على قياس فقولهم في ثَقِيف ثَقَفِيّ وفي قُرَيش قرشيّ وفي سُلَيم سُلَمِىّ فهذا وإن كان أكثر من شنئىّ فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس فلا يجيز على هذا في سعيد سَعَدِيّ ولا في كَرِيم كَرَمِىّ

فقد بَرَد في اليد من هذا الموضع قانون يُحمل عليه ويُردّ غيره إليه وإنما أذكر من هذا ونحوه رسوما لتُقتدى وأفرض منه آثارا لتُقتفى ولو التزمتُ الاستكثار منه لطال الكتاب به وأملّ قارئه

واعلم أن من قال في حَلُوبة حَلَبىّ قياسا على قولك في حنيفة حنفىّ فإنه لا يجيز في النسب إلى حَرُورةٍ حَرَرِىّ ولا صَرُورةٍ صَرَرِىّ ولا في قَوُولة قَوَلىّ


117

وذلك أن فَعُولة في هذا محمولة الحكم على فَعِيلة وأنت لا تقول في الإضافة إلى فعيلة إذا كانت مضعّفة أو معتلّة العين إلا بالتصحيح نحو قولهم في شديد شَدِيدي وفي طويلة طَوِيلى استثقالا لقولك شَدَدِىّ وطَوَلىّ فإذا كانت فَعُولة محمولة على فَعِيلة وفَعِيلة لا تقول فيها مع التضعيف واعتلال العين إلاّ بالإتمام فما كان محمولا عليها أولى بأن يصحّ ولا يعلّ ومن قال في شنوءة شنئىّ فأعلّ فإنه لا يقول في نحو جرادة وسعادة إلا بالإتمام جرادىّ وسعادىّ وذلك لبعد الألف عن الياء و لِمَا فيها من الخِفّة ولو جاز أن يقول في نحو جرادة جَرَدِىّ لم يجز ذلك في نحو حَمَامة وعَجَاجة حَمَمِىّ ولا عَجَجِىّ استكراها للتضعيف إلا أن يأنس بإظهار تضعيف فَعَلٍ ولا في نحو سَيَابة وحَوَالة سَيَبىّ ولا حَوَلىّ استكراها لحركة المعتلّ في هذا الموضع وعلّة ذلك ثابتة في التصريف فغَنِينا عن ذكرها الآن باب في تعارُض السماع والقياس

إذا تعارضا نطقْتَ بالمسموع على ما جاء عليه ولم تَقِسْه في غيره وذلك نحو قول الله تعالى ( استَحْوَذ عليهِم الشيطانُ ) فهذا ليس بقياس لكنه لا بدّ من قبوله لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذِى في جميع ذلك أمثلتهم ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره ألا تراك لا تقول في استقام استقْوَم ولا في استباع استبْيع


118

فأمّا قولهم استنْوق الجمل واستَتْيَست الشاة واستَفْيل الجمل فكأنه أسهلُ من استحوذ وذلك أن استحوذ قد تقدّمه الثلاثيّ معتلاّ نحو قوله

( يحوذُهنّ وله حُوذِىُّ كما يحوذ الفِئةَ الكمِىُّ )

يروى بالذال والزاي يحوذهن ويحوزهن فلما كان استحوذ خارجاً عن معتلّ أعنى حاذ يحوذ وجب إِعلاله إلحاقاً في الإعلال بهِ وكذلك باب أقام وأطال واستعاذ واستزاد مما يسكن ما قبل عينه في الأصل ألا ترى أن أصل أقام أقْوم وأصل استعاذ استعْوَذ فلو أُخلِينا وهذا اللفظَ لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها غير أنه لَمّا كان منقولا وَمُخْرجاً من معتلّ هو قام وعاذ أُجْرِى أيضاً في الإعلال عليه وليس كذلك استنوق الجمل واستتيست الشاة لأن هذا ليس منه فِعْل معتلّ ألا تراك لا تقول نَاقَ ولا تاسَ إنما الناقة والتيس اسمان لجوهر لم يُصَرَّف منهما فِعْل معتلّ فكان خروجهما على الصحّة أمثل منه في باب استقام واستعاذ وكذلك استَفْيل

ومع هذا أيضاً فإن استنوق واستتيس شاذّ ألا تراك لو تكلّفت أن تأتي باستفعل من الطَود لما قلت استطْوَد ولا من الحُوت استحْوَت ولا من الخُوط استَخْوط ولكان القياس أن تقول استطاد واستحات واستخاط


119

والعلّة في وجوب إعلاله وإعلال استنوق واستفيل واستتيست أنا قد أحَطْنا عِلْماً بأن الفعل إنّما يُشتقّ من الحدث لا من الجوهر ألا ترى إلى قوله وأمّا الفِعْل فأمثِلة أُخِذت من لفظ أحداث الأسماء فإذا كان كذلك وجب أن يكون استنوق مشتقّاً من المصدر وكان قياس مصدره أن يكون معتلاّ فيقال استِناقة كاستعانة واستشارة وذلك انه وإن لم يكن تحته ثلاثيّ معتلّ كقام وباع فيلزَم إجراؤه في الإعلال عليه فإن باب الفِعْل إذا كانت عينه أحد الحرفين أن يجئ معتلاّ إلاّ ما يستثنى من ذلك نحو طاوَل وبايع وحَوِل وعَوِر واجتَوَرُوا واعتَوَنُوا لتلك العلل المذكورة هناك وليس باب أفعل ولا استفعل منه فلمّا كان الباب في الفعل ما ذكرناه من وجوب إِعلاله وجب أيضاً أن يجئ استنوق ونحوُه بالإِعلال لاطّراد ذلك في الفعل كما أن الاسم إِذا كان على فاعِل كالكاهل والغارب إلا أن عينه حرف علّة لم يأتِ عنهم إِلاّ مهموزا وإِن لم يَجْرِ على فِعْل ألا تراهم همزوا الحائش وهو اسم لا صفة ولا هو جارٍ على فعل فأعلُّوا عينه وهي في الأصل واو من الحَوْش

فإن قلت فلعلّه جارٍ على حاشَ جريان قائم على قام قيل لم نرهم أجرَوْه صفة ولا أعملوه عمل الفعل وإنما الحائش البستان بمنزلة الصّوْر وبمنزلة الحديقة فإن قلت فإن فيه معنى الفعل لأنه يَحُوش ما فيه من النخل وغيره وهذا يؤكّد كونه في الأصل صفة وإن كان قد استَعمل استعمال الأسماء كصاحب ووالد


120

قيل ما فيه من معنى الفعليّة لا يوجب كونه صفة ألا ترى إلى قولهم الكاهل والغارِب وهما وإن كان فيهما معنى الاكتهال والغروب فإنهما اسمان

ولا يستنكر أن يكون في الأسماء غيرِ الجارية على الأفعال معاني الأفعال

من ذلك قولهم مِفتاح ومِنْسَج ومُسْعُط ومِنديل ودار ونحو ذلك تجد في كل واحد منها معنى الفعل وإن لم تكن جارية عليه فمفتاح من الفتح ومِنْسَج من النسج ومُسْعُط من الإسعاط ومِنديل من النَدْل وهو التناول قال الشاعر

( على حينِ أَلْهى الناسَ جُلُّ أُمورهم فندلاً زُرَيقُ المالَ نَدْلَ الثعالِب )

وكذلك دار من دار يدور لكثرة حركة الناس فيها وكذلك كثير من هذه المشتقّات تجد فيها معانيَ الأفعال وإن لم تكن جارية عليها فكذلك الحائش جاء مهموزا وإن لم يكن اسم فاعل لا لشئٍ غيرِ مجيئه على ما يلزم اعتلال عينه نحو قائمٍ وبائع وصائمٍ فاعرف ذلك وهو رأى أبي عليّ رحمه اللّه وعنه أخذته لفظاً ومراجعة وبحثاً

ومثله سواءً الحائط هو اسم بمنزلة الركن والسقف وإن كان فيه معنى الحَوِط ومثله أيضاً العائر للرمَد هو اسم مصدر بمنزلة الفالج والباطل والباغِز وليس اسم فاعل ولا جارياً على معتلّ وهو كما تراه معتلّ


121
فإن قلت فما تقول في استعان وقد أُعِلّ وليس تحته ثلاثيّ معتلّ ألا تراك لا تقول عان يعون كقام يقوم قيل هو وإن لم يُنطَق بثلاثيّة فإنه في حكم المنطوق بهِ وعليه جاء أعان يعين

وقد شاع الإعلال في هذا الأصل ألا تراهم قالوا المَعُونة فأعلّوها كالمَثُوبة والمَعُوضة والإعانة والاستعانةَ فأمّا المعاونة فكالمعاودة صحّت لوقوع الألف قبلها

فلمّا أطّرد الإعلال في جميع ذلك دلّ أن ثلاثيّة وإن لم يكن متسعمَلا فإنه في حكم ذلك وليس هذا بأبعد من اعتقاد موضع أنْ لنصب الأفعال في تلك الأجوبة وهي الأمر والنهي وبقيّة ذلك وإن لم تستعمل قطّ فإذا جاز اعتقاد ذلك وطَرْد المسائل عليه لدلالة الحال على ثبوته في النفس كان إعلال نحو أعان واستعان ومُعِينٍ ومستعين والإعانةِ والاستعانة لاعتقاد كون الثلاثيّ من ذلك في حكم الملفوظ بهِ أحرى وأولى

وأيضاً فقد نطقوا من ثلاثيّة بالعَوْن وهو مصدر وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يَتَخالج شكَ في الفعل الذي هو الفرع قال لي أبو عليّ بالشام إذا صحّت الصفة فالفعل في الكفّ وإذا كان هذا حكم الصفة كان في المصدر أجدر لأن المصدر أشدّ ملابَسة للفعل من الصفة ألا ترى أن في الصفة ما ليس بمشتقّ نحو قولك مررت بإبلٍ مائةٍ ومررت برجل


122
أبي عشرة أبوه ومررت بقاعٍ عَرْفجٍ كلُّه ومررت بصحيفةٍ طِينٍ خاتَمُها ومررت بحيّةٍ ذِراعٍ طولُها وليس هذا مما يُشاب بهِ المَصْدر إنما هو ذلك الحدث الصافي كالضرب والقتل والأكل والشرب

فإن قلت ألا تعلم أن في الناقة معنى الفعل وذلك أنها فَعَلة من التنوّق في الشئ وتحسينه قال ذو الرمّة

( . . . . . . . . تنوّقَتْ بِه حَضْرَمِيّاتُ الأكُفّ الحوائِك )

والتقاؤهما أن الناقة عندهم مما يُتحسّن به ويُزدان بملكه وبالإبل يتباهَون وعليها يُحملون ويتحمّلون ولذلك قالوا لمذكّرها الجمل لأنه فَعَلٌ من الجمَال كما أن الناقة فَعَلة من التنوّق وعلى هذا قالوا قد كثر عليه المَشَاء والفَشَاء والوَشَاء إذا تناسل عليه المال فالوشاء فَعَال من الوَشْى كأنّ المال عندهم زينة وجمال لهم كما يُلبس من الوشى للتحسّن به وعلى ذلك قالوا ما بالدار دِبِّيج فهو فِعِّيل من لفظ الديباج ومعناه وذلك أن الناس هم الذين يشَوُن الأرض وبهم تَحْسُن وعلى إيديهم وبعمارتهم تَجمل وعليه قالوا إنسان لأنه فعْلان من الأُنْس


123

فقد ترى إلى توافي هذه الأشياء على انتشارها وتباين شَعَاعها وكونِها عائدة إلى موضع واحد لأن التنوّق والجمَال والأُنْس والوَشْى والديباج مما يُؤثَر ويستحسن وكنت عرضت هذا الموضع على أبي عليّ رحمه اللّه فرضية وأحسن تقبّله فكذلك يكون استنوق من باب استحوذ من حاذ يحوذ من حيث كان في الناقة معنى الفِعل من التنوّق دون أن يكون بعيداً عنه كما رُمْت أنت في أوّل الفصل انقضى السؤال

فالجواب أن استنوق أبعدُ عن الفعل من استحوذ على ما قدّمنا فامّا ما في الناقة من معنى الفعليّة والتنوّق فليس بأكثر مما في الحَجَر من معنَى الاستحجار والصلابة فكما أن استحجر الطين واستنسر البغاث من لفظ الحَجَر والنَسْر فكذلك استنوق من لفظ الناقة والجميع ناءٍ عن الفعل وما فيه من معنى الفعليّة إنما هو كما في مفتاح ومُدُقّ ومنديل ونحو ذلك منه

ومما ورد شاذاً عن القياس ومطّرداً في الاستعمال قولهم الحَوَكة والخَونة فهذا من الشذوذ عن القياس على ما ترى وهو في الاستعمال منقاد غير متأبّ ولا تقول على هذا في جميع قائم قَوَمة ولا في صائم صَوَمة ولو جاء على فَعَلة ما كان إلا مُعَلاّ وقد قالوا على القياس خانة

ولا تكاد تجد شيئاً من تصحيح نحو مثل هذا في الياء لم يأت عنهم في نحو بائع وسائرٍ بَيَعة ولا سَيَرة وإنما شذّ ما شذّ من هذا مما عينه واولاياء نحو الحَوكة والخَوَنة والخَوَلِ والدَوَل وعلّته عندي قرب الألف من الياء


124

وبعدُها عن الواو فإذا صحّحت نحو الحَوَكة كان أسهل من تصحيح نحو البَيَعة

وذلك أن الألف لَمّا قربت من الياء أسرع انقلاب الياء إليها فكان ذلك أسْوَغ من انقلاب الواو إِليها لبعد الواو عنها ألا ترى إلى كثرة قلب الياء ألفا استحساناً ولا وجوباً نحو قولهم في طّئٍ طائِيّ وفي الحِيرة حارِيّ وقولهم في حيحيت وعيعيت وهيهيت وحاحيت وعاعيت وهاهيت وقَلّما ترى في الواو مثل هذا

فإذا كان بين الألف والياء هذه الوُصَل والقُرَب كان تصحيح نحو بَيَعة وسَيَرة أشقّ عليهم من تصحيح نحو الحَوَكة والخَوَنة لبعد الواو من الألف وبقدر بعدها عنها ما يقلّ انقلابها إليها

ولأجل هذا الذي ذكرناه عندي ما كثر عنهم نحو اجتوروا واعتونوا واهتوشوا ولم يأتِ عنهم من هذا التصحيح شئ في الياء ألا تراهم لا يقولون ابتَيَعوا ولا استَيَروا ولا نحوَ ذلك وإِن كان في معنى تبايعوا وتسايروا وعلى أنه قد جاء حرف واحد من الياء في هذا فلم يأتِ إلا مُعَلاّ وهو قولهم استافوا في معنى تسايفوا ولم يقولوا استيفوا لما ذكرناه من جفاء ترك قلب الياء ألفا في هذا الموضع الذي قد قويت فيه داعية القلب وقد ذكرنا هذا في كتابنا في شعر هذيل بمقتضَى الحال فيه

وإِن شَذّ الشئ في الاستعمال وقوى في القياس كان استعمال ما كثر استعماله أولى وإن لم ينتهِ قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله


125
من ذلك اللغة التميميّة في ما هي أقوى قياساً وإن كانت الحجازيّة أسْير استعمالاً وإنما كانت التميميّة أقوى قياساً من حيث كانت عندهم ك هل في دخولها على الكلام مباشِرةً كلَّ واحد من صدرى الجملتين الفعل والمبتدأ كما أن هل كذلك إلا أنك إذا استعملت أنت شيئاً من ذلك فالوجه أن تحمله على ما كثر استعماله وهو اللغة الحجازيّة ألا ترى أن القرآن بها نزل وأيضاً فمتى رابك في الحجازيّة رَيْب من تقديم خبر أو نقض النفي فزِعت إذ ذاك إلى التميميّة فكأنك من الحجازيّة على حَرْد وإِن كثرت في النظم والنثر

ويدلُّك على أن الفصيح من العرب قد يتكلّم باللغة غيرها أقوى في القياس عنده منها ما حدّثنا به أبو عليّ رحمه اللّه قال عن أبي بكر عن أبي العباس أن عُمَارة كان يقرأ ( ولا الليل سابِقُ النهارَ ) بالنصب قال أبو العباس فقلت له ما أردت فقال أردت ( سابِقٌ النهار ) قال فقلت له فهلاّ قلته فقال لو قلتُه لكان أوزن فقوله أوزن أى أقوى وأمكن في النفس أفلا تراه كيف جَنَح إلى لغة وغيرها أقوى في نفسه منها ولهذا موضع نذكره فيه

وأعلم أنك إذا أدّاك القياس إِلى شئ مّا ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشئ آخر على قياسٍ غيره فدَعْ ما كنت عليه إلى ما هم عليه فإن سمعت من آخَر مثل ما أجَزْته فأنت فيه مخيَّر تستعمل أيَّهما شئت فإن صحّ عندك أن العرب


126
لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة وأعددت ما كان قياسُك أدّاك إليه لشاعرٍ مولَّد أو لساجع أو لضرورة لأنه على قياس كلامهم بذلك وصّى أبو الحسن

وإِذا فشا الشئ في الاستعمال وقوِى في القياس فذلك مالا غاية وراءه نحوُ منقاد اللغة من النصب بحروف النصب والجرّ بحروف الجرّ والجزمِ بحروف الجزم وغير ذلك مما هو فاشٍ في الاستعمال قوىّ في القياس

وأمّا ضعف الشئ في القياس وقلّته في الإستعمال فمرذول مطرح غير أنه قد يجيء منه الشيء إلا أنه قليل وذلك نحو ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر

( اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس )

قالوا أراد اضربن عنك فحذف نون التوكيد وهذا من الشذوذ في الاستعمال على ما تراه ومن الضعيف في القياس على ما أذكره لك وذلك أن الغرض في التوكيد إنما هو التحقيق والتسديد وهذا مما يليق به الأطناب والإسهاب وينتفى عنه الإيجاز والاختصار ففي حذف هذه النون نقص الغرض فجرى وجوب استقباح هذا في القياس مجرى امتناعهم من ادغام الملحق نحو مهدد وقردد


127
وجَلْبَبَ وشملل وسَبَهْلَل وقَفَعْددٍ في تسليمة وترك التعرّض لما اجتمع فيه من توالي المثلين متحرّكين ليبلغ المثالُ الغرضَ المطلوب في حركاته وسكونه ولو ادّغمتَ لنقَضْتَ الغرض الذي اعتزمت

ومثل امتناعهم من نقض الغرض امتناع أبي الحسن من توكيد الضمير المحذوف المنصوب في نحو الذي ضربت زيد ألا ترى أنه مَنَع أن تقول الذي ضربت نفْسَه زيد على أن نَفْسَه توكيد للهاء المحذوفة من الصِلَة

ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعاً بيت الكتاب

( له زَجَلٌ كأنّهُ صَوْتُ حادٍ إذا طلب الوَسِيقَةَ أو زَمِيرُ )

فقوله كأنه بحذف الواو وتبقية الضمّة ضعيف في القياس قليل في الاستعمال ووجه ضعف قياسه أنه ليس على حدّ الوصل ولا على حدّ الوقف

وذلك أن الوصل يجب أن تتمكّن فيه واوه كما تمكّنَتْ في قوله في أوّل البيت لهو زجل والوقف يجب أن تُحذَف الواو والضمّة فيه جميعاً وتسكّن الهاء فيقال كأنَّهْ


128
فضمّ الهاء بغير واو مَنْزِلة بين منزلتي الوصل والوقف وهذا موضع ضيق ومقام زلْخ لا يتّقِيك بإيناس ولا ترسو فيه قدم قياس وقال أبو إسحاق في نحو هذا إنه أجرى الوصل مجرى الوقف وليس الأمر كذلك ِلمَا أريتك من أنه لا على حدّ الوصل ولا على حدّ الوقف لكن ما أُجرِى من نحو هذا في الوصل على حدّ الوقف قول الآخر

( فِظَلْت لَدى البيتِ العتِيق أُخِيلة ومِطْواى مشتاقانِ لهْ أرِقانِ )

على أن أبا الحسن حَكَى أن سكون الهاء في هذا النحو لغة لأَزْدِ السَرَاةِ ومثل هذا البيت ما رويناه عن قُطْرُبٍ من قول الشاعر

( وأشرب الماء ما بِي نحوَه عَطَشٌ إِلاّ لأن عيونَهُ سيلُ وادِيها )

وروينا أيضاً عن غيره

( إنّ لنا لَكَنّة مِبَقَّةً مِفَنّة )

( مِتْيَحَةً مِعَنّة سِمْعَنَّةً نِظْرَنة )

( كالذئب وسط القُنّة إلاّ تَرَهْ تَظُنّه )


129

فقوله تَرَهْ مما أجرى في الوصل مجراه في الوقف أراد إلاّ تر ثم بين الحركة في الوقف بالهاء فقال تَرَهْ ثم وصل ما كان وقف عليه

فأما قوله

( أتَوْا ناري فقلت مَنُونَ أنتم فقالوا الجِنُّ قلت عِمُوا ظلاماً )

ويروى

( . . . . . . . . . منون قالوا سَرَاةُ الجنّ قلت عِمُوا ظلاماً )

فمن رواه هكذا فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف

فإن قلت فإنه في الوقف إنما يكون مَنُونْ ساكن النون وأنت في البيت قد حرّكته فهذا إذاً ليس على نيّة الوقف ولا على نيّة الوصل فالجواب أنه لَمّا أجراه في الوصل على حدّه في الوقف فأثبت الواو والنون التقيا ساكنين فاضطُرّ حينئذ إلى أن حرّك النون لإقامة الوزن فهذه الحركة إذاً إنما هي حركة مستحدَثة لم تكن في الوقف وإنما اضطّرَ إليها الوصل


130

وأما من رواه منونَ أنتم فأمره مشكل وذلك أنه شبّه مَنْ بأىّ فقال منون أنتم على قوله أيُّون أنتم وكما حُمل ههنا أحدهما على الآخر كذلك جُمِع بينهما في أن جُرّد من الاستفهام كلُّ منهما ألا ترى إلى حكاية يونس عنهم ضَرَب مَنٌ مَنّا كقولك ضرب رجل رجلا فنظير هذا في التجريد له من معنى الاستفهام ما أنشدناه من قول الآخر

( وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت إلىّ وأصحابي بأيَّ وأينما )

فجعل أيّ اسماً للجهة فلمّا اجتمع فيها التعريف والتأنيث منعها الصرف


131

وأما قوله وأينما ففيه نظر وذلك أنه جرّده أيضاً من الاستفهام كما جرّد أىّ فإذا هو فعل ذلك احتمل هنا مِن بعدُ أمرين أحدهما أن يكون جعل أين علما أيضاً للبقعة فمنعها الصرف للتعريف والتأنيث كأيّ فتكون الفتحة في آخِر أين على هذا فتحةَ الجرّ وإعراباً مثلها في مررت بأحمد فتكون ما على هذا زائدة وأين وحدها هي الاسم كما كانت أيّ وحدها هي الاسم والآخر أن يكون ركّب أين مع ما فلمّا فعل ذلك فتح الأوّل منهما كفتحة الياء من حيَّهل لمّا ضمّ حىَّ إلى هل فالفتحة في النون على هذا حادثة للتركيب وليست بالتي كانت في أين وهي استفهام لأن حركة التركيب خَلَفتها ونابت عنها وإذا كانت فتحةُ التركيب تؤثّر في حركة الإعراب فتزيلها إليها نحو قولك هذه خمسةَ معرب ثم تقول في التركيب هذه خمسةَ عشرَ فتخلف فتحةُ التركيب ضمّةَ الإعراب على قوة حركة الإعراب كان إبدال حركة البناء من حركة البناء أحرى بالجواز وأقربَ في القياس وإن شئت قلت إن فتحة النون في قوله بأيّ وأينما هي الفتحة التي كانت في أين وهي استفهام من قَبْل تجريدها أقرّها بحالها بعد التركيب على ما كانت عليه ولم يُحْدِث خالفاً لها من فتحة التركيب واستدللت على ذلك بقولهم قمتُ إِذْ قمتَ فالذال كما ترى ساكنة ثم لمّا ضمّ إليها ما وركّبها معها أقرّها علّى سكونها فقال

( إِذْ ما أتيتَ على الرسولِ فقل له )


132

فكما لا يُشكّ في أنّ هذا السكون في إِذ ما هو السكون في ذال إِذْ فكذلك ينبغي أن تكون فتحة النون من أينما هي فتحة النون من أين وهي استفهام

والعلّة في جواز بقاء الحال بعد التركيب على ما كانت عليه قبله عندي هي أنّ ما يُحدثه التركيب من الحركة ليس بأقوى مما يُحدثه العامل فيها ونحن نرى العامل غير مؤثّر في المبنىّ نحو من أين أقبلتَ وإلى أين تذهب فإذا كان حرف الجرّ على قوّته لا يؤثّر في حركة البناءِ فحدَثُ التركيب على تقصيره عن حَدَث الجارّ أحرى بألاّ يؤثِّر في حركة البناء فاعرف ذلك فرقاً وقِس عليه تُصِب إِن شاء اللّه

وفي ألف ما من أينما على هذا القول تقدير حركة إِعرابٍ فتحةٍ في موضع الجرّ لأنه لا ينصرف

وإن شئت كان تقديره منون كالقول الأوّل ثم قال أنتم أى أنتم المقصودون بهذا الاستثبات كقوله

( أنت فانظر لأىّ حالٍ تصِير )


133

إذا أراد أنت الهالك

وما يَرِد في هذه اللغة مما يضعف في القياس ويقِلّ في الاستعمال كثير جِدّاً وإن تقصّيتُ بعضه طال ولكن أضع لك منه ومن غيره من أغراض كلامهم ما تستدّل بِه وتستغنِي ببعضه من كلّه بإذن اللّه وطَوْلِه باب في الاستحسان

وجِمَاعُة أن علّته ضعيفة غير مستحكِمةٍ إلاّ أنّ فيه ضرباً من الاتّساع والتصرّف

من ذلك تركُك الأخفّ إلى الأثقل من غير ضرورة نحو قولهم الفَتْوى والبَقْوَى والتقوى والشَرْوَى ونحو ذلك ألا ترى أنهم قلبوا الياء هنا


134
واوا من غير استحكام علّة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة وهذه ليست عِلّة معتدّة ألا تعلم كيف يشارك الاسم الصفة في أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها من ذلك قولهم في تكسير حَسَن حِسان فهذا كجبلٍ وجبال وقالوا فَرَس وَرْد وخيل وُرْد فهذا كسَقْف وسُقْف

وقالوا رجل غَفُور وقوم غُفُر وفخور وفُخُر فهذا كعمود وعُمُد وقالوا جمل بازل وإبل بوازل وشُغُل شاغل وأشغال شواغل فهذا كغارِب وغوارب وكاهل وكواهل ولسنا ندفع أن يكونوا قد فَصَلوا بين الاسم والصفة في أشياء غير هذه إلاّ أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علّة وليس بجارٍ مَجْرى رفِع الفاعل ونصب المفعول ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجباً لجاء في جميع الباب كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقادٌ في جميع الباب

فإن قلت فقد قال الجعديّ

( حتى لحِقنا بهم تُعْدِى فوارسُنا كأنَّنا رَعْنُ قُفٍّ يرفعُ الآلا )


135
فرفع المفعول ونصب الفاعل قيل لو لم يَحتمِل هذا البيتُ إلاّ ما ذكرتَه لقد كان على سَمْت من القياس ومَطْرَب متورَّد بين الناس ألا ترى أنه على كل حال قد فُرِق فيه بين الفاعل والمفعول وإن اختلفت جهتا الفرق كيف ووجهه في أن يكون الفاعل فيه مرفوعاً والمفعول منصوباً قائم صحيح مَقُول به وذلك أن رعَنْ هذا القُفّ لَمّا رفعه الآل فُرئِى فيه ظهر به الآل إلى مَرْآة العين ظهوراً لولا هذا الرعن لم يَبِنْ للعين فيه بيانَة إذا كان فيه ألا تعلم أن الآل إذا بَرَق للبصر رافعاً شخصاً كان أبدى للناظر إليه منه لو لم يلاق شخصاً يَزْهاه فيزداد بالصورة التي حملها سفوراً وفي مَسْرح الطَرْف تجلِّياً وظهوراً

فإن قلت فقد قال الأعشى

( إذ يرفعُ الآلُ رأسَ الكلب فارتفعاً )

فجعل الآل هو الفاعل والشخص هو المفعول قيل ليس في هذا أكثر من أنّ هذا جائز وليس فيه دليل على أن غيره غير جائز ألا ترى انك إذا قلت ما جاءني غير زيد فإنما في هذا دليل على أن الذي هو غيره لم يأتك فأمّا زيد نفسه فلم تَعْرِض للإخبار بإثبات مجئ له أو نفيه عنه فقد يجوز أن يكون قد جاء وأن يكون أيضا لم يجيء


136
إن قلت فهل تجد لبيت الجعديّ على تفسيرك الذي حكيته ورأيته نظيراً قيل لا يُنكَر وجود ذلك مع الاستقراء وأعمَلْ فيما بعدُ على أنْ لا نظير له ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئاً وسُمِع ذلك الشئ عينه فقد ثبت قَدَمُه وأخذ من الصحّة والقوّة مأخذه ثم لا يقدح فيه ألاَّ يوجد له نظير لأنّ إيجاد النظير وإن كان مأنوساً به فليس في واجب النظر إيجاده ألا ترى أن قولهم في شَنُوءة شَنَئِىّ لَمّا قبله القياس لم يَقْدَح فيه عدمُ نظيره نعم ولم يرض له أبو الحسن بهذا القدر من القوّة حتى جعله أصلاً يُردّ إليه ويُحمل غيره عليه وسنورد فيما بعدُ بابا لِمَا يسوّغه القياس وإن لم يَرِدْ به السماع بإذن اللّه وحوله

ومن ذلك أعني الاستحسان أيضاً قول الشاعر

( أريتَ إن جئتُ بهِ أمْلُوداً مُرَجَّلاً ويلبس البُرُودا )

( أقائِلُنَّ أحضِروا الشُهُودا )

فألحق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيها له بالفعل المضارع فهذا إذاً استحسان لا عن قوّة علّة ولا عن استمرار عادة ألا تراك لا تقول أقائُمنَّ يا زيدون ولا أَمنطلقُنَّ يا رجال إِنما تقوله بحيث سمعتَه وتعتذر له وتنسُبه إلى أنّه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة له


137

ومن الاستحسان قولهم صِبْية وقِنْية وعِذْيٌ وبِلْىُ سَفَرٍ وناقةٌ عِلْيان ودَبَّةٌ مِهْيار فهذا كلّه استحسان لا عن استحكام علّة وذلك أنهم لم يعتدّوا الساكن حائلا بين الكسرة والواو لضعفه وكلّه من الواو وذلك إن قِنية من قَنَوْت ولم يُثْبت أصحابنا قَنَيْت وإن كان البغداديّون قد حَكَوها وصبِية من صبوت وعِلْية من علوت وعِذْي من قولهم أرَضُون عَذَوَات وبِلْى سفرٍ من قولهم في معناه بِلْوٌ أيضاً ومنه البلوى وإن لم يكن فيها دليل إلاّ أن الواو مطّردة في هذا الأصل قال

( فأبلاهما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلو )

وهو راجع إلى معنى بِلْو سفر وقالوا فلان مَبْلُوّ بمحنة وغير ذلك والأمر فيه واضح وناقة عِلْيان من علوت أيضاً كما قيل لها ناقة سِناد أى أعلاها متسانِد إلى أسفلها ومنه سَنَدْنا إلى الجبل أى علونا وقال الأصمعي قيل لأعرابيّ ما الناقة القِرْواح فقال التي كأنها تمشي على أرماح ودبَّة مهيار من قولهم هار يَهُور وتهوّر الليل على أن أبا الحسن قد حَكَى فيهِ هار يهِير وجعل الياء فيه لغة وعلى قياس قول الخليل في طاح يَطِيح وتاه يتيه لا يكون في يهِير دليل لأنه قد يمكن أن يكون فَعِل يَفْعِل مثلهما وكلّه لا يقاس ألا تراك لا تقول في جِرْوٍ جِرْى ولا في عِدْوة الوادي عِدْية ولا نحو ذلك ولا يجوز في قياس قول من


138
قال عِلْيان ومهيار أن تقول في قِرْواح ودِرْواس قِرْياح ودِرْياس وذلك لئلا يلتبِس مثال فِعْوال بِفعْيال فيصير قرياح ودرياس كسِرياح وكرياس وإنما يجوز هذا فيما كانت واوه أصليّة لا زائدة وذلك أن الأصليّ يَحفظ نفسه بظهوره في تصرّف أصله ألا تراك إذا قلت عِلْيه ثم قلت علوت وعلوّ وعلوة وعِلاوة ويعلو ونحو ذلك دَلّك وجود الواو في تصرف هذا الأصل على أنها هي الأصلية وأن الياء في علية بدل منها وأنّ الكسرة هي التي عَذَرت بعض العذر في قلبها وليس كذلك الزائد ألا تراه لا يستمرّ في تصرف الأصل استمرار الأصليّ فإذا عرض له عارض من بدل أو حذف لم يبق هناك في أكثر الأمر ما يدل عليه وما يشهد به ألا تراك لو حقّرت قرياحاً بعدَ أن أبدلت واوه ياء على حذف زوائده لقلت قُرَيح فلم تجد للواو أثرا يدلّك على أن ياء قِرْياح بدل من الواو كما دلّك علوت وعلو ورجل مَعْلُوٌّ بالحجّة ونحو ذلك على أنّ ياء عِلْية بدل من الواو

فإن قلت فقد قالوا في قرواح قرياح أيضاً سُمعاً جميعاً فإن هذا ليس على أبدال الياء من الواو لا بل كلّ واحد منها مثال برأسه مقصود قصدُه


139

فقرْواح كقِرْاوش وجِلْواخ وقِرْياح ككِرياس وسِرْياح ألا ترى أنّ أحداً لا يقول كرواس ولا سرواح ولا يقول أحد أيضاً في شِرواط وهلواع شِرياط ولا هلياع وهذا أحد ما يدلّك على ضعف القلب فيما هذه صورته لأنّ القلب للكسرة مع الحاجز لو كان قرياً في القياس لجاء في الزائد مجيئه في الأصليّ كأشياء كثيرة من ذلك

ومثل امتناعهم من قلب الواو في نحو هذا ياءً من حيث كانت زائدة فلا عِصْمة لها ولا تلزمُ لزوم الأصليّ فيعرفَ بذلك أصلُها أن ترى الواو الزائدة مضمومة ضمّاً لازماً ثم لا ترى العربَ أبدلتها همزة كما أبدلت الواو الأصليّة نحو أُجُوه وأُقِّتَتْ وذلك نحو التَرَهْوُك والتَدَهْوُر والتَسَهْوُك لا يَقلِب أحد هذه الواو وإن انضمّت ضمّاً لازماً همزة من قِبَل أنها زائدة فلو قلبت فقيل الترهؤُك لم يؤمن أن يُظَنّ أنها همزة أصليَّة غير مبدلة من واو

فإن قلت ما تنكر أن يكون تركهم قلْبَ هذه الواو همزة مخافة ان تقع الهمزة بعد الهاء وهما حَلْقِيّان وشديداً التجاور قيل يُفسِد هذا أن هذين الحرفين قد تجاورا والهاء مقدّمة على الهمزة نحو قولهم هأهأت في الدعاء


140

فإن قلت هذا إنما جاء في التكرير والتكرير قد يجوز فيه ما لولاه لم يجز ألا ترى أن الواو لا توجد منفرِدة في ذوات الأربعة إلاّ في ذلك الحرف وحده وهو وَرَنْتَل ثم إنها قد جاءت مع التكرير مجيئاً متعالَما نحو وَحْوَحَ ووَزْوَزَ ووكواك ووُزَاوِزة وقوقيت وضوضيت وزوزيت ومَوْماة ودَوْداة وشَوْشاة قيل قد جاء امتناعهم من هَمْز نظير هذه الواوات بحيث لا هاء ألا تراهم قالوا زَحْولته فتزحول تَزَحْوُلا وليس أحد يقول تَزَحْؤُلاً وقد جمعوا بينهما متقدّمة الحاء على الهمزة نحو قولهم في الدعاء حُؤْ حُؤْ

فإن قيل فهذا أيضاً إنما جاء في الأصوات المكَرَّرة كما جاء في الأوّل أيضاً في الأصوات المكرّرة نحو هُؤْهُؤْ وقد ثبت أن التكرير محتمل فيه مالا يكون في غيره

قيل هذه مطاولة نحن فتحنا لك بابها وشَرَعنا منهجها ثم إنها مع ذلك لا تَصحبك ولا تستمرّ بك ألا تراهم قد قالوا في عنونت الكتاب إنه يجوز


141
أن يكون فَعْوَلْت من عنّ يعِنّ ومطاوِعُة تَعَنْوَنَ ومصدره التَعَنْوُن وهذه الواو لا يجوز هَمْزها لِمَا قدّمنا ذكره وأيضاً فقد قالوا في عَلْونته يجوز أن يكون فَعْولت من العلانية وحاله في ذلك حال عنونته على ما مضى وقد قالوا أيضاً سَرْولته تسرْوُلاً ولم يهمزوا هذه الواو لما ذكرنا فإن قيل فلو همزوا فقالوا التَسَرْؤُل لَمَا خافوا لَبْساً لقولهم مع زوال الضمّة عنها تَسَرْوَل وسَرْوَلْته ومُسَرْوِلَ كما أنهم لَمّا قالوا وَقْتٌ واوقات ومَوْقِت ووَقَّته أعلمهم ذلك أن همزة أُقِّتت إنما هي بدل من واو فقد ترى الأصل والزائد جميعاً متساويين متساوقين في دلالة الحال بما يصحب كلَّ واحد منهما من تصريفه وتحريفه وفي هذا نقض لما رُمْت به الفصل بين الزائد والأصل

قيل كيف تصرَّفت الحال فالأصل أحفظ لنفسه وأدلُّ عليها من الزائد ألا ترى أنك لو حقّرت تَسَرْوُلاً وقد همزته تحقير الترخيم لقلت سُرَيْل فحذفت الزائد ولم يبق معك دليل عليه ولِو حقّرت نحو أُقِّتت وقد نقلتها إلى التسمية فصارت أُقِّتَة تحقير الترخيم لقلت وُقَيتة وظهرت الواو التي هي فاء

فإن قلت فقد تجيز ههنا أيضاً أُقَيتة قيل الهمز هنا جائز لاواجب وحذف الزوائد من تسرؤل في تحقير الترخيم واجب لا جائز فإن قلت وكذلك همز الواو في تَسَرْؤُل إنما يكون جائزاً أيضاً لا واجباً قيل همز الواو حشوا أثبتُ قدماً من همزها مبتدأة أعنى في بقائها وإن زالت الضمّة عنها ألا ترى إلى قوله في تحقير قائم قويئم وثباتِ الهمزة وإن زالت الألف الموجِبة


142
لها فجرت لذلك مجرى الهمزة الأصليّة في نحو سائل وثائر من سأل وثأر كذا قال فلذلك اجتنبوا أن يهمزوا واو تسرول لئلا تثبت قدم الهمزة فيرى أنها ليست بدلا وليس كذلك همزة أُقِّتت ألا تراها متى زالت الضمّة عنها عادت واوا نحو مَوْقت ومويقِتٍ

فإن قلت فهلاّ أجازوا همز واو تَسَرْوُل وأمِنوا اللبس وإن قالوا في تحقير ترخيمه سُرَيل من حيث كان وسط الكلمة ليس بموضع لزيادة الهمزة إنما هو موضع زيادة الواو نحو جَدْول وخِرْوَع وعجوز وعمود فإذا رأوا الهمزة موجودة في تَسَرْؤُل محذوفة من سُرَيْل علموا بما فيها من الضمّة أنها بدل من واو زائدةٍ فكان ذلك يكون أمنا من اللبس

قيل قد زادوا الهمزة وسطاً في أحرف صالحة وهي شَمْأل وشَأْمَل وجُرَائض وحُطَائط بُطَائط ونِئْدُلان وتَأْبَل وخَأْتم وعَأْلم وتأَبلْتُ القِدْر والرئبال فلَمّا جاء ذلك كرِهوا أن يَقْرَبوا باب لَبْس

فإن قلت فإن همزة تأبل وخأتم والعألم إنما هي بدل من الألف قيل هي وإن كانت بدلا فإنها بدل من الزائد والبدل من الزائد زائد وليس البدل من الأصل بأصل


143

فقد ترى أن حال البدل من الزائد أذهب به في حكم ما هو بدل منه من الأصل في ذلك فاعرف هذا

ومن الاستحسان قولهم رجل غَدْيان وعَشْيان وقياسه غَدْوان وعَشْوان لأنهما من غَدَوت وعَشَوت أنشدنا أبو عليّ

( بات ابنُ أسماءَ يعشوه ويصبَحُه من هَجْمةٍ كأَشَاءِ النَخْلِ دُرّارِ )

ومثله أيضاً دامتِ السماء تَدِيم دَيْما وهو من الواو لإجتماع العرب طُرًّا على الدوام وهو أدوم من كذا

ومن ذلك ما يخرج تنبيها على أصل بابه نحو استحوذ وأغْيَلَتِ المرأة و

( صددتَ فأطوَلْتَ الصدود . . . )


144

وقالوا هذا شرابٌ مَبْوَلة وهو مَطْيَبة للنفس وقالوا

( فإنه أهل لأن يؤكرما )

ونظائره كثيرة غير أن ذلك يخرج ليعلم به أن أصل استقام استَقْوَم وأصل مَقَامةٍ مَقْوَمة وأصل يُحسِن يُؤَحْسِن ولا يقاس هذا ولا ما قبله لأنه لم تستحكم علّته وإنما خرج تنبيها وتصرّفاً واتّساعاً باب في تخصيص العلل

إعلم أن محصول مذهب أصحابنا ومتصرَّف أقوالهم مبنيّ على جواز تخصيص العلل وذلك أنها وإن تقدّمت علَل الفقه فإنها أو أكثرها إنما تجرى مجرى


145
التخفيف والفرق ولو تكلّف متكلّف نقضها لكان ذلك ممكناً وإن كان على غير قياس ومستثقَلا ألا تراك لو تكلّفت تصحيح فاء ميزان وميعاد لقدرت على ذلك فقلت مِوْزان ومِوْعاد وكذلك لو آثرت تصحيح فاء مُوسِرٍ ومُوقِنٍ لقدرت على ذلك فقلت مُيْسِر ومُيْقِن وكذلك لو نصبت الفاعل ورفعت المفعول أو ألغيت العوامل من الجوارّ والنواصب والجوازم لكنت مقتدراً على النطق بذلك وإن نفي القياسُ تلك الحال وليست كذلك عِلَلُ المتكلّمين لأنها لا قدرة على غيرها ألا ترى أن اجتماع السواد والبياض في محلّ واحد ممتنع لا مستكره وكون الجسم متحرّكاً ساكناً في حال واحدة فاسد لا طريق إلى ظهوره ولا إلى تصوّره وكذلك ما كان من هذا القبيل فقد ثبت بذلك تأخُّر علل النحويين عن علل المتكلمين وإن تقدَّمت عِلَل المتفقّهين ثم أعلم من بعد هذا أن علل النحويين على ضربين

أحدهما مالا بدّ منه فهو لاحق بعلل المتكلمين وهو قلب الألف واوا لانضمام ما قبلها وياءً لانكسار ما قبلها نحو ضُوِرب وقراطيس وقد تقدّم ذكره ومن ذلك امتناع الابتداء بالساكن وقد تقدّم ما فيه

ثم يبقى النظر فيما بعد فنقول إن هذه العلل التي يجوز تخصيصها كصحة الواو إذا اجتمعت مع الياء وسَبَقت الأولى منهما بالسكون نحو حَيْوَةَ وعَوَى الكلب عَوْيةً ونحو صحّة الواو والياء في نحو غَزَوَا ورَمَيَاً والنِّزَوَان والغلَيان وصحّة الواو في نحو اجْتَوّرُوا واعتَوَنُوا واهتوَشُوا


146

إنما اضطُرّ القائل بتخصيص العلّة فيها وفي أشباهها لأنه لم يحتَطْ في وصف العلّة ولو قدّم الاحتياط فيها لأمِن الاعتذار بتخصيصها وذلك أنه إذا عَقَد هذا الموضع قال في علّة قلب الواو والياء ألفا إن الواو والياء متى تحرّكتا وانفتح ما قبلهما قُلبتا ألفين نحو قام وباع وغزا ورمى وبابٍ وعابٍ وعصاً ورحىً فإذا أُدخِل عليه فقيل له قد صحّتا في نحو غَزَوَا ورميا وغَزَوان وصَمَيان وصحّت الواو خاصّة في نحو اعتونوا واهتوشوا أخذ يتطلّب ويتعذّر فيقول إنما صحّتا في نحو رَمَيا وغَزَوَا مخافة أن تقلبا ألفين فتحذف إحداهما فيصير اللفظ بهما غزا ورمى فتلتبس التثنية بالواحد وكذلك لو قلبوهما ألفين في نحو نَفَيان ونَزَوان لحذفت إحداهما فصار اللفظ بهما نفان ونزان فالتبس فَعَلان مما لامه حرف علّة بفَعَال مما لامه نون وكذلك يقولون صحّت الواو في نحو اعتونوا واهتَوشُوا لأنهما في معنى ما لا بدّ من صحّته أعنى تعاونوا وتهاوشوا وكذلك يقولون صحّتا في نحو عَوِر وصَيِد لأنهما في معنى أعورّ وأصيدّ وكذلك يقولون في نحو بيت الكتاب

( وما مِثْلُه في الناس إلاّ مملَّكاً أبو أمِّهِ حَىُّ أبوه يقارِبه )


147
إنما جاز ما فيه من الفصل بين ما لا يحْسن فصله لضرورة الشعر وكذلك ما جاء من قَصْر الممدود ومدِّ المقصور وتذكير المؤنث وتأنيث المذكّر ومن وضع الكلام في غير موضعه يحتجّون في ذلك وغيره بضرورة الشعر ويجنحون إليها مرسَلة غير متحجَّرة وكذلك ما عدا هذا يسوُّون بينه ولا يحتاطون فيه فيحرسوا أوائل التعليل له وهذا هو الذي نَتَقَ عليهم هذا الموضع حتى اضطَرَّهم إلى القول بتخصيص العلل وأصارهم إلى حَيز التعذّر والتمحُّل وسأضع في ذلك رسما يُقتاس فينتفع به بإذن اللّه ومشيئته

وذلك أن تقول في علّة قلب الواو والياء ألفا إنهما متى تحرّكتا حركة لازمة وانفتح ما قبلهما وعرِى الموضع من اللَّبْس أو أن يكون في معنى ما لابدّ من صحّة الواو والياء فيه أو أن يحرج على الصحّة مَنْبَهة على أصل بأبه فإنهما يُقلبان ألفا ألا ترى أنك إذا احْتَطْت في وصف العلّة بما ذكرناه سقط عنك الاعتراض عليك بصحّة الواو والياء في حَوَبةٍ وجَيَلٍ إذْ كانت الحركة فيهما عارضة غير لازمة إنما هي منقولة إليهما من الهمزة المحذوفة للتخفيف في حَوْأبة وجَيْأَل

وكذلك يسقط عنك الإلزام لك بصحّة الواو والياء في نحو قوله تعالى ( لوِ أطّلعْتَ عليهم ) وفي قولك في تفسير قوله عزّ وجلْ ( وانطلق الملأُ منهم أنِ امْشُوا


148
واصبروا على آلِهتكم ) معناه أيِ امشوا فتصحّ الياء والواو متحركتين مفتوحا ما قبلها من حيث كانت الحركة فيهما لالتقاء الساكنين فلم يعتد لذلك

وكذلك يسقط عنك الاعتراض بصحة الواو والياء في عور وصيد بأنهما في معنى ما لا بد فيه من صحة الواو والياء وهما اعور واصيد وكذلك صحت في نحو اعتونوا وازدوجوا لما كان في معنى ما لا بد فيه صحتها وهو تعاونوا وتزاوجوا وكذلك صحتا في كروان وصميان مخافة أن يصيرا من مثال فعلان واللام معتلة إلى فعال واللام صحيحة وكذلك صحتا في رجل سميته بكروان وصميان ثم رخمته ترخيم قولك يا حار فقلت يا كرو ويا صَمَيَ لأنك لو قلبتهما فيه فقلت يا كرا ويا صما لالتبس فعلان بفَعَل ولأن الألف والنون فيهما مقدّرتان أيضاً فصحّتا كما صحّتا وهما موجودتان وكذلك صحّت أيضاً الواو والياء في قوله عزّ اسمه ( وعَصَوُا الرسول ) وقولِه تعالى ( لتُبْلَوُنَّ في أموالكم وأنفسكم ) وقولِه تعالى ( فإمّا تَرَيِنَّ مِن البشرِ أحدا ) من حيث كانت الحركة عارضة لالتقاء الساكنين غيرَ لازمة وكذلك صحّتا في القَوَد والحَوَكة والغَيَب تنبيها على أصل بابٍ ودارٍ وعابٍ

افلا ترى إلى احتياطك في العلّة كيف أسقط عنك هذه الالتزامات كلّها ولو لم تقدّم الأخذ بالحزم لآضطُرِرت إلى تخصيص العلّة وأن تقول هذا من أمره وهذا من حاله والعذر في كذا وكذا . . . . . وفي كذا وكذا


149

وأنت إذا قدّمت ذلك الاحتياط لم يتوجَّه عليك سؤال لأنه متى قال لك فقد صحّت الياء والواو في جَيَلٍ وحَوَبةٍ قلت هذا سؤال يسقطه ما تقدّم إذ كانت الحركة عارضة لا لازمة ولو لم تحتَطْ بما قدّمت لأجاءتك الحال إلى تمحّلِ الاعتذار

وهذا عينه موجود في العِلَل الكلاميّة ألا ترى أنك تقول في إِفساد اجتماع الحركة والسكون على المحلِّ الواحد لو اجتمعا لوجب أن يكون المحلّ الواحد ساكنا متحرّكا في حال واحدة ولولا قولك في حال واحدة لفسدت العلَّة ألا ترى أنّ المحلّ الواحد قد يكون ساكنا متحركا في حالينِ اثنتين

فقد علمت بهذا وغيره مما هوجارٍ مجراه قوّة الحاجة إلى الاحتياط في تخصيص العلة

فإن قلت فأنت إذا حُصِّل عليك هذا الموضع لم تلجأ في قلب الواو والياء إذا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما ألفين إلا إلى الهرب من اجتماع الأشباه وهي حرف العلّة والحركتان اللتان اكتنفتاه وقد عُلِم مضارَعة الحركات لحروف اللين وهذا أمر موجود في قام وخاف وهاب كوجوده في حَوِل وعَوِر وصيِد وعيِن ألا ترى أن أصل خاف وهاب خوِف وهَيِب فهما في الأصل كحوِل وصيِد وقد تجشّمْتَ في حوِل وصيِد من الصحّة ما تحاميته في خَوِف وهَيِب

فأمَّا احتياطك بزعمِك في العلّة بقولك إذا عَرِى الموضع من اللَّبْس وقولِك إذا


150
كان في معنى ما لا بدّ من صحَّته وقولِك وكانت الحركة غير لازمة فلم نَرَك أوردته إلاَّ لتستثني به ما يورده الخَصْم عليك مما صحّ من الياء والواو وهو متحرّك وقبله فتحة وكأنك إِنما جئت إلى هذه الشواذّ التي تضطَرُّك إلى القول بتخصيص العلل فحشَوت بها حديث عِلّتك لا غير وإِلاّ فالذي أوجب القلب في خاف وهاب من استثقال حرفي اللين متحرّكين مفتوحا ما قبلهما موجود البتة في حول وصيِد وإِذا كان الأمر كذلك دلّ على انتقاض العلّة وفسادها

قيل لعمرِي إنّ صورة حوِل وصيِد لفظاً هي صورة خوِف وهيِب إلا أنّ هناك من بعدِ هذا فرقا وإن صغُر في نفسك وقلّ في تصوّرك وحِسّك فإنه معنىً عند العرب مَكِين في أنفُسها متقدّم في إيجابه التأثير الظاهر عندها وهو ما أوردناه وشرطناه من كون الحركة غير لازمة وكوِن الكلمة في معنى ما لا بدّ من صحّة حرف لِينِه ومن تخوّفهم التباسَه بغيره فإن العرب فيما أخذناه عنها وعرفناه من تصرُّف مذاهبها عنايتُها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها وسنفرِد لهذا بابا نتقصّاه فيه بمعونة اللّه أوَ لا تعلم عاجلاً إلى أن تصير إلى ذلك الباب آجِلاً أنّ سبب إصلاحِها ألفاظَها وطَرْدِها إيّاها على المُثُلِ والأحذِية التي قنَّنتها لها وقصرتها عليها إنما هو لتحصين المعنى وتشريفه والإبانةِ عنه وتصويره ألا ترى أن استمرار رفع الفاعل ونصبِ المفعول إِنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول وهذا الفرق أمر معنويّ أصلِح اللفظ له وقِيد مَقَاده الأوفق من أَجْله

فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ وحِلْيتها لم يُقصد بها إلاّ تحصين المعاني وحياطتها فالمعنى إذا هو المُكَرَّم المخدوم واللفظ هو المبتذَل الخادم


151

وبعد فإذا جرت العِلّة في معلولها واستتبَّتْ على مَنْهَجها وأَمِّها قوِى حكمها واحتَمَى جانبُها ولم يَسَع أحداً أن يعرِض لها إلا بإخراجه شيئاً إن قدر على إخراجه منها فأمّا أن يفصِّلها ويقولَ بعضها هكذا وبعضها هكذا فمردود عليه ومرذول عند أهل النظر فيما جاء به وذلك أن مجموع ما يورِده المعتلّ بها هو حدّها ووصفها فإذا انقادت وأثّرت وجَرَت في معلولاتها فاستمرّت لم يبق على بادئها وناصبِ نفسه للمراماة عنها بقيّة فيطالبَ بها ولا قِصْمَةُ سِواكٍ فيفُكَّ يدَ ذِمَّته عنها

فإن قلت فقد قال الهذليّ

فقد كنتُ قلت في هذه اللفظة في كتابي في ديوان هُذَيلٍ إنه إنما أعِلّت هذه العين هناك ولم تصحّ كما صحّت عين اجتَورُوا واعتونوا من حيث كان ترك قلب الياء ألِفا أثقل عليهم من ترك قلب الواو ألفا لبعد ما بين الألف والواو وقربها من الياء وكلّما تدانى الحرفان أسرع انقلاب أحدهما إلى صاحبه وانجذابُه نحوه وإذا تباعدا كانا بالصحّة والظهور قَمَناً وهذا لعمرِي جواب جرى هناك


152
على مألوف العرف في تخصيص العِلّة فأمَّا هذا الموضع فمِظنَّة من استمرار المحجَّة واحتماء العلّة وذلك أن يقال إِنّ استاف هنا لا يراد بهِ تسايفوا أي تضاربوا بالسيوف فتلزمَ صحَّته كصحّة عين تسبا يفوا كما لزمت صحّة اجتوَرُوا لمّا كان في معنى ما لا بدّ من صحّة عينه وهو تجاوروا بل تكون استافوا هنا تناولوا سيوفهم وجرَّدوها ثم يعلم من بعدُ أنهم تضاربوا مما دلّ عليه قولهم استافوا فكأنه من باب الاكتفاء بالسبب عن المسبَّب كقوله

( ذَرِ الآكِلين الماء ظلما فما أُرى ينالون خيراً بعد أكلهم الماءَ )

يريد قوماً كانوا يبيعون الماء فيشترون بثمنه ما يأكلونه فاكتفَى بذكر الماء الذي هو سبب المأكول من ذكر المأكول

فأمّا تفسير أهل اللغة أنّ استاف القوم في معنى تسايفوا فتفسير على المعنى كعادتهم في أمثال ذلك ألا تراهم قالوا في قول اللّه عزّ وجلّ ( مِن ماءٍ دافِقٍ ) إنه بمعنى مدفوق فهذا لعمري معناه غير أن طريق الصنعة فيه أنه ذو دَفْق كما حكاه الأصمعيّ عنهم من قولهم ناقةٌ ضارب إذا ضُرِبت وتفسيره أنها ذات ضَرْب أي ضُرِبت وكذلك قوله تعالى ( لا عاصِمَ اليومَ مِن أمراللّهِ ) أي لا ذا عِصْمةٍ وذو العصمة يكون مفعولا كما يكون فاعلا فمن هنا قيل إِن معناه لا معصوم وكذلك قوله

( لقد عَيَّل الأيتامَ طعنةُ ناشِرَهْ أناشِرَ لازالت يمينك آشِرَه )


153

أي ذات أشْرٍ والأشْر الحزّ والقطع وذو الشئ قد يكون مفعولا كما يكون فاعلا وعلى ذلك عامّة باب طاهر وطالقٍ وحائضٍ وطامث ألا ترى أن معناه ذات طُهْر وذات طلاق وذات حيض وذات طَمْثٍ فهذه ألفاظ ليست جارية على الفعل لأنها لو جرت عليه لزم إلحاقها تاء التأنيثِ كما لحقت نفس الفعل وعلى هذا قول اللّه تعالى ( في عيشةٍ راضيةٍ ) أي ذات رضا فمِن هنا صارت بمعنى مَرْضِيَّة ولو جاءت مذكَّرة لكانت كضاربٍ وبازلٍ كباب حائضٍ وطاهرٍ إذِ الجميع غير جارٍ على الفعل لكن قوله تعالى ( راضيةٍ ) كقوله لا زالت يمينك آشِرة

وينبغي أن يعلم أن هذه التاء في راضية وآشرةٍ ليست التاء التي يخرج بها اسم الفاعل على التأنيث لتأنيث الفعل من لفظه لأنها لو كانت تلك لفسد القول ألا ترى أنه لا يقال ضَرَبت الناقةُ ولا رَضِيت العِيشةُ وإذا لم تكن إيّاها وجب أن تكون التي للمبالغة كفَرُوقةٍ وصَرُوةٍ وداهيةٍ وراويةٍ مما لحقته التاء للمبالغة والغاية وحَسَّن ذلك أيضاً شئ آخر وهو جَرَيانها صفة


154
على مؤنث وهي بلفظ الجاري على الفعل فزاد ذلك فيما ذكرنا ألا ترى إلى همز حائض وإن لم يجر على الفعل إنما سببه أنه شابه في اللفظ ما اطّرد هَمْزه من الجارى على الفعل نحو قائم وصائم وأشباهِ ذلك ويدلُّك على أن عين حائض همزة وليست ياء خالصة كما لعلّه يظنّه كذلك ظانّ قولُهم امرأة زائر من زيارة النساء وهذا واضح ألا ترى أنه لو كانت العين صحيحة لوجب ظهورها واوا وأن يقال زاوِر وعليه قالوا الحائش والعائر للرمد وإن لم يجريا على الفعل لمّا جاءا مجئ ما يجب هَمْزه وأعلاله في غالب الأمر

نعم وإذا كانوا قد أنَّثُوا المصدر لَمّا جرى وصفا على المؤنّث نحو امرأة عَدْلةٍ وفرسٍ طَوْعِة القِياد وقولِ أُمَيّة

( والحيّةُ الحتفةُ الرقشاء أخرجها مِن جُحْرِها آمِنات اللّهِ والكلِمُ )

وإذا جاز دخول التاء على المصادر وليست على صورة اسم الفاعل ولا هي الفاعل في الحقيقة وإنما استهوَى لذلك جريُها وصفا على المؤنّث كان باب عيشة راضية و يدٍ آشرةٍ أحرى بجوار ذلك فيه وجرية عليه


155

فإن قلت فقد قالوا في يَوْجل ياجل وفي يَيْأس ياءس وفي طّئٍ طائِيّ وقالوا حاحيت وعاييت وهاهيت فقلبوا الياء والواو هنا ألِفين وهما ساكنتان وفي هذه نقض لقولك ألا تراك إنما جعلت علة قلب الواو والياء ألفين تلك الأسباب التي أحدها كونهما متحرّكتين وأنت تجدهما ساكنتين ومع ذلك فقد تراهما منقلبتين

قيل ليس هذا نقضا ولا يراه أهل النظر قدحاً وذلك أن الحكم الواحد قد يكون معلولا بعلّتين ثنتين في وقت واحد تارة وفي وقتين اثنين وسنذكر ذلك في باب المعلول بعلّتين

فإن قلت فما شرطك واحتياطك في باب قلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء في نحو سيِّدٍ وهيّنٍ وجيِّدٍ وشويت شيّاً ولويت يده ليّاً وقد تراهم قالوا حَيْوةُ وضَيْوَنٌ وقالوا عوى الكلبُ عَوْية وقالوا في تحقير أسود وجَدْول جُدَيوِل وأُسيوِد وأجازوا قياس ذلك فيما كان مثله مما واوه عين متحركة أو زائدة قبل الطَرَف

فالذي نقول في هذا ونحوه أن الياء والواو متى اجتمَعَتا وسَبَقت الأولى بالسكون منهما ولم تكن الكلمة عَلَما ولا مرادا بصحّة واوها التنبيه على اصول امثالها ولا كانت تحقيراً محمولا على تكسير فإن الواو منه تقلب ياء فإذا فعلْتَ هذا واحتطْتَ للعلّة به أسقطت تلك الإلزامات عنك ألا ترى أن حَيْوة علم والأعلام تأتي مخالفة للأجناس في كثير من الأحكام وأن ضيون إنما صحّ لأنه


156
خرج على الصحَّة تنبيها على أن أصل سيّد وميّت سَيْوِد ومَيْوِت وكذلك عَوْية خَرَجت سالمة ليعلم بذلك أن أصل لَيّة لَوْية وأن أصل طيّةٍ طَوْية وليعلم أن هذا الضرب من التركيب وإن قلّ في الاستعمال فإنه مراد على كل حال

وكذلك أجازوا تصحيح نحو أسَيود وجُديول إرادةً للتنبيه على أن التحقير والتكسير في هذا النحو من المُثُل من قبيلٍ واحدٍ

فإن قلت فقد قالوا في العَلَم أُسَيِّد فأعلُّوا كما أعلُّوا في الجنس نحو قوله

( أُسَيِّد ذو خرِّيطةٍ نهارا من المتلَقِّطِي قَرَدِ القُمَامِ )

فعن ذلك أجوبة منها أن القلب الذي في أسيّد قد كان سبق إليهِ وهو جنس كقولك غُلَيمِّ أسَيِّدُ ثم نُقِل إلى العلميّة بعد أن أسرَع فيه القلبُ فبقي بحاله


157
لا أن القلب إنما وجب فيهِ بعد العلميّة وقد كان قبلها وهو جنس نكرةٌ صحيحاً ويؤَنِّس بهذا أيضاً أن الإعلال في هذا النحو هو الاختيار في الأجناس فلمّا سَبَق القلب الذي هو أقوى وأقيس القولين سمِّى بهِ فعلا فبقي بعد النقل على صُورته ومثل ذلك ما نقوله في عُيَينة أنه إنما سُمِّى بهِ مصغَّراً فبقى بعدُ بحاله قبلُ ولو كان إنما حُقِّر بعد أن سمِّى بهِ لوجب ترك إلحاق علامة التأنيث بهِ كما أنك لو سمَّيت رجلا هندا ثم حقَّرت قلت هُنَيد ولو سمّيته بها محقَّرة قبل التسمية لوجب أن تُقِرَّ التاء بحالها فتقول هذا هُنَيدة مقبِلا هذا مذهب الكتاب وإن كان يونس يقول بضدّه ومنها أنا لسنا نقول إن كلّ عَلَم فلا بدّ من صحَّة واوه إِذا اجتمعت مع الياء ساكنةً أُولاهما فيلزَمنا ما رمت إلزامَنا وإنما قلنا إذا اجتمعت الياء والواو وسَبَقت الأولى منهما بالسكون ولم يكن الاسم عَلَماً ولا على تلك الأوصاف التي ذكرنا فإن الواو تقلب ياء وتدَّغم الياء في الياء فهذه عِلّة من علل قلب الواو ياء فأمّا ألا تعتلّ الواو إِذا اجتمعت مع الياء ساكنه أُولاهما إلاّ من هذا الوجه فلم نقل بهِ وكيف يمكن أن نقول بهِ وقد قدَّمنا أن الحكم الواحد قد يكون معلولا بعلّتين وأكثرَ من ذلك وتضمَّنَّا أن نفرد لهذا الفصل بابا

فإن قلت ألسنا إذا رافعناك في صحَّة حَيْوة إِنما نفزع إلى أن نقول إِنما صحّت لكونها علما والأعلام تأتي كثيرا احكامها تخالف أحكام الاجناس وانت تروم في اعتلالك هذا الثاني ان تسوي بين احكامهما وتَطْرُد على سَمْتٍ واحد كلاّ منهما


158

قيل الجواب الأوّل قد استمرّ ولم تعرِض له ولا سوَّغتْك الحالُ الطعن فيهِ وإِنما هذا الاعتراض على الجواب الثاني والخَطْب فيهِ أيسر وذلك أنّ لنا مذهبا سنوضِّحه في بابٍ يلي هذا وهو حديث الفراق بين علّة الجواز وعلّة الوجوب

ومن ذلك ان يقال لك ما علّة قلب واو سَوْطٍ وثوبٍ إذا كسّرت فقلت ثياب وسياط

وهذا حكم لا بُدّ في تعليله من جَمْع خمسة اغراض فإن نقصْتَ واحداً فسد الجواب وتوجه عليهِ الإلزام

والخمسة أنّ ثياباً وسِيَاطاً وحِياضا وبابَه جَمْع والجمع أثقل من الواحد وأنّ عين واحِده ضعيفة بالسكون وقد يُراعَى في الجَمْع حكم الواحد وأنّ قبل عينه كسرةً وهي مَجْلبَة في كثير من الأمْر لقلب الواو ياء وأنّ بعدها ألِفا والألف شبيهة بالياء وأنّ لام سوط وثوب صحيحة

فتلك خمسة اوصاف لا غِنَى بك عن واحد منها ألا ترى إِلى صحّة خِوَانٍ وبِوَانٍ وصِوانٍ لمّا كان مفردا لا جمعا فهذا باب ثم ألا ترى إلى صحّة واو زِوَجة وعِوَدة وهي جمع واحدٍ ساكن العين وهو زَوْج وعَوْد ولامه أيضا صحيحة وقبلها في الجمع كسرة ولكن بقي من مجموع العلة أنه لا ألِف بعد عينه كألِف حِياض ورِياض وهذ ا باب أيضا


159

ثم ألا ترى إلى صحّة طِوالٍ وقِوامٍ وهما جمعان وقبل عينهما كسرة وبعدهما ألِف ولاماهما صحيحتان لكن بقي من مجموع العلّة أنّ عينه في الواحد متحركة وهي في طويل وقويم وهذا أيضا باب

ثم ألا ترى إلى صحّة طِوَاءٍ ورِوَاءٍ جمع طَيّان ورَيّان فيهِ الجمعيّة وأنّ عين واحده ساكنه بل معتلّة وقبل عينه كسرة وبعدها ألِف لكن بقي عليك أنّ لامه معتلّة فكرهوا إعلال عينه لئلا يجمعوا بين إِعلالين

وهذا الموضع ممّا يَسترسِل فيهِ المعتلّ لاعتلاله فلعلّه أن يذكر من الاوصاف الخمسة التي ذكرناها وصفين او أكثره ثلاثة ويُغفِل الباقي فيدخلَ عليه الدخل منه فيرى أن ذلك نقض للعلة ويفزع إِلى ما يفزع إِليهِ مَن لا عِصْمة له ولا مُسْكة عنده ولعمرِي إِنه كسْر لعلّته هو لاعتلالها في نفسها فأمّا مع إحكام علَّة الحكم فإنّ هذا ونحوَه ساقط عنه

ومن ذلك ما يعتقده في علّة الادّغام وهو ان يقال إِن الحرفين المِثْلين إذا كانا لازمين متحرّكين حركه لازمة ولم يكن هناك إلحاق ولا كانت الكلمة مخالِفة لمثال فَعِل وفَعُل أو كانت فَعَل فِعْلا ولا خرجت مُنَبِّهة على بقيّة بابها فإن الأوّل منها يُسكَّن ويدْغم في الثاني وذلك نحو شَدّ وشَلَّت يدُه وحبَّذا


160
زيد وما كان عاريا مما استثنيناه ألا ترى أنّ شدَّ وإن كان فَعَل فإنه فِعْل وليس كَطلَلٍ وشَرَرٍ وَجَددٍ فيظهرَ وكذلك شَلّت يده فَعِلَتْ وحبّذا زيد أصله حَبُبَ ككرم وقَضُوَ الرجل ومثله شَرَّ الرجلُ من الشرِّ هو فَعُلَ لقولهم شَرُرْتَ يا رجل وعليه جاء رجل شَرِيرٌ كردِىء وعلى ذلك قالوا أجدّ في الامر وأسرّ الحديثَ واستعدّ لخلوّه ممّا شرطناه

فلو عارضك معارض بقولهم اصبُبِ الماء وامدُد الحبل لقلت ليست الحركتان لازمتين لأن الثانية لالتقاء الساكنين وكذلك إن ألزمك ظهورَ نحو جَلْبَبَ وشَمْلَلَ وقُعْدُدٍ ورِمْدِدٍ قلت هذا كلّه ملحَق فلذلك ظهر وكذلك إنْ أَدْخَل على قولك هما يضربانِنِي ويكرمانِنِي ويدخلانِنا قلتَ سبب ظهوره ان الحرفين ليسا لازمين ألا ترى أن الثاني من الحرفين ليس ملازما لقولك هما يضربان زيدا ويكرمانك ونحو ذلك وكذلك إِن الزمك ظهورَ نحو جُدَدٍ وقِدَدٍ وسُرُرٍ قلت هذا مخالف لمثال فَعُلٍ وفَعِل

فإن ألزمك نحوَ قولِ قَعْنَبٍ

( مَهْلاً أعاذِلَ قد جرَّبتِ مِن خُلُقِي أَنِّي أجود لأقوام وإِن ضنِنُوا )


161
وقول العجَّاج

( تشكو الوَجَى من أَظْلَلٍ وأضللِ )

وقول الآخَر

( وإن رأيت الحِجَج الروادِدا قواصِراً بالعُمْر أو موادِدا )

قلت هذا ظَهَر على أصله مَنْبَهة على بقيَّة بابِه فتعلم بهِ أنّ أصل الأصمّ أصَمْمَ وأصل صَبٍّ صَبِبٌ وأصل الدوابّ والشوابّ الدوابِب والشوابِب على ما نقوله في نحو استصوب وبابِه إِنما خرج على أصله إِيذانا بأصول ما كان مثلَه

فإن قيل فكيف اختَصّت هذه الألفاظ ونحوُها بإخراجها على اصولها دون غيرها قيل رجع الكلام بنا وبك إلى ما كنّا فرغنا منه معك في باب استعمال بعض الاصول وإِهمال بعضها فارجع إليه تَرَهُ إن شاء اللّه

وهذا الذي قدَّمنا آنفا هو الذي عناه أبو بكر رحمه اللّه بقوله قد تكون علَّة الشىء الواحد أشياء كثيرة فمتى عُدِم بعضها لم تكن علّة قال ويكون ايضا عكسُ هذا وهو أن تكون علّة واحدة لأشياء كثيرة أمّا الأوّل فإنه ما نحن بصدَدِه من اجتماع أشياء تكون كلُّها عِلّة وأمَّا الثاني فمعظمه الجُنُوح إلى


162
المستخَفّ والعدول عن المستثقَل وهو أصل الاصولِ في هذا الحديثِ وقد مضى صَدْر منه وسترى بإذن اللّه بقيَّته

واعلم أن هذه المواضع التي ضممتها وعقدت العلة على مجموعِها قد أرادها أصحابنا وعنَوها وإِن لم يكونوا جاءوا بها مقدَّمة محروسة فإنهم لها أرادواوإِيّاها نَووْا ألا ترى أنهم إذا استرسَلوا في وصف العلَّة وتحديدها قالوا إِن علّة شدّ ومدّ ونحو ذلك في الإدّغام إِنما هي اجتماع حرفين متحرّكين من جنس واحد فإذا قيل لهم فقد قالوا قُعْدُد وجلبب واسحنكك قالوا هذا ملحَق فلذلك ظهر واذا أُلزِموا نحو اردُدِ الباب واصبُبِ الماء قالوا الحركة الثانية عارضة لالتقاء الساكنين وليست بلازمة وإذا أُدخِل عليهم نحوُ جُدَدٍ وقِدَدٍ وخُلَلٍ قالوا هذا مخالف لبناء الفعل وإذا عورضوا بنحو طَلَلٍ ومَدَدٍ فقيل لهم هذا على وزن الفعل قالوا هو كذلك إِلاّ أن الفتحة خفيفة والاسم أخفّ من الفعل فظهر التظعيف في الاسم لخفَّتهِ ولم يظهر في الفعل نحو قصّ ونصّ لثقلِه وإذا قيل لهم قالوا هما يضربانني وهم يحاجّوننا قالوا المِثل الثاني ليس بلازم واذا أوجِب عليهم نحوُ قوله وإِن ضنِنوا ولحِحَتْ عينُه وضَبِب البلدُ وألِل السِقَاءُ قالوا خرج هذا شاذًّا ليدلّ على أن أصل قَرَّتْ عينه قَرِرَتْ وأن أصل حَلَّ الحبلَ ونحوه حَلَل فهذا الذي يرجعون إليهِ فيما بعد متفرِّقا قدّمناه نحن مجتمِعا


163
وكذلك كتُبُ محمد بن الحسن رحمه اللّه إِنما ينتزع أصحابنا منها العلل لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامِه فيُجْمَع بعضها إلى بعض بالملاطفَة والرِّفق ولا تجد له عِلَّة في شىء من كلامهِ مستوفاة محرَّرة وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غيرُ منكور

الآن قد أريتُك بما مثَّلته لك من الاحتياط في وضع العلّة كيف حاله والطريقَ إلى استعمالِ مثلهِ فيما عدا ما أوردته وأن تستشِفّ ذلك الموضع فتنظر إلى آخِر ما يُلزِمك إِيّاه الخصم فتُدْخِل الاستظهار بذكره في أضعاف ما تنصِبه من علّتهِ لتُسقِط عنك فيما بعد الأسوِلة والإلزامات التي يروم مراسلك الاعتراض بها عليك والإفساد لما قرَّرتَه من عَقْد علَّتِك ولا سبيل إلى ذكر جميع ذلك لطُولِه ومخافةِ الإملالِ ببعضه وإنما تراد المُثُل ليكفِي قليلُها من كثيرِ غيرها ولا قوَّة إلاَّ باللّه


164
باب ذكر الفرق بين العلَّة الموجِبة وبين العلَّة المجوِّزة

أعلم أن أكثر العِلَل عندنا مبناها على الإيجاب بها كنصبِ الفَضْلة أو ما شابه في اللفظ الفضلة ورفع المبتدأ والخبر والفاعل وجرّ المضاف إليه وغير ذلك فعِلَلُ هذه الداعيةُ إليها موجِبة لها غير مقتَصَر بها على تجويزها وعلى هذا مَقادُ كلام العرب

وضرب آخر يسمَّى علّة وإِنما هو في الحقيقةِ سبب يجوِّز ولا يوجِب

من ذلك الأسباب الستَّة الداعية إلى الإمالة هي علّة الجواز لا علّة الوجوبِ ألا ترى أنه ليس في الدنيا أمر يوجِب الإمالة لا بدّ منها وأن كلّ مُمَالٍ لعلّةٍ من تلك الأسباب الستّةِ لك أن تترك إمالته مع وجودِها فيه فهذه إذاً علّة الجواز لا علة الوجوبِ . ومن ذلك أن يقال لك ما علّة قلب واو أقِّتت همزة فتقول عِلّة ذلك أن الواو انضمّت ضمّا لازما وأنت مع هذا تجيز ظهورها واوا غير


165
مبدَلة فتقول وُقّتت فهذه عِلّة الجوازِ إِذاً لا علّة الوجوبِ وهذا وإِن كان في ظاهر ما تراه فإنه معنى صحيح وذلك أن الجواز معنى تعقِله النفس كما أن الوجوب كذلك فكما أن هنا علّة للوجوب فكذلك هنا علّة للجواز هذا أمر لا ينكَر ومعنى مفهوم لا يُتدافَع .

ومن عللِ الجواز أن تقع النكرة بعد المعرفةِ التي يتمّ الكلام بها وتلك النكِرة هي المعرفة في المعنى فتكون حينئذٍ مخيَّرا في جعلك تلك النكرة إن شئت حالا وإن شئتَ بدلا فتقول على هذا مررت بزيدٍ رجلٍ صالح على البدلِ وإن شئت قلت مررت بزيد رجلا صالحا على الحال أفلا ترى كيف كان وقوع النكرة عقِيب المعرفة على هذا الوصف علّة لجواز كلّ واحدٍ من الأمرين لا علّة لوجوبهِ

وكذلك كلّ ما جاز لك فيهِ من المسائل الجوابان والثلاثة وأكثر من ذلك على هذا الحدّ فوقوعه عليه علّة لجواز ما جاز منه لا عِلّة لوجوبهِ فلا تستنكر هذا الموضع

فإن قلت فهل تجيز أن يحلّ السوادُ محلا مّا فيكون ذلك علّة لجواز اسودادِه لا لوجوبهِ قيل هذا في هذا ونحوه لا يجوز بل لا بدّ من اسوداده البتّة وكذلك البياض والحركة والسكون ونحو ذلك متى حلّ شئ منها في محلّ لم يكن له بُدّ من وجودِ حكمهِ فيهِ ووجوبهِ البتّة له لأن هناك أمرا لا بدّ من ظهور أثره وإذا تأمّلت ما قدّمناه رأيته عائدا إلى هذا الموضع غير مخالف له ولا بعيدٍ عنه وذلك أن وقوع النكرة تِليَّة المعرفةِ على ما شرحناه من تلك الصفة سبب لجواز


166
الحكمين اللذين جازا فيهِ فصار مجموع الأمرين في وجوبِ جوازهما كالمعنى المفرِد الذي استبدَّ بهِ ما أرَيتناه من تمسُّكِك بكلّ واحد من السواد والبياض والحركة والسكون

فقد زالت عنك إِذاً شناعة هذا الظاهر وآلت بك الحال إلى صحَّةِ معنى ما قدّمته من كونِ الشئ علَّة للجوازِ لا للوجوبِ فاعرِف ذلك وقِسه فإنه باب واسع باب في تعارُضِ العِللِ

الكلام في هذا المعنى من موضعين أحدهما الحكم الواحد تتجاذب كونه العلتان أو أكثر منهما والآخر الحكمان في الشيء الواحد المختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان الأول منهما كرفع المبتدأ فإننا نحن نعتل لرفعه بالابتداء على ما قد بيناه وأوضحناه من شرحه وتلخيص معناه والكوفيون يرفعونه إما بالجزاء الثاني الذى هو مرافعة عندهم وإما بما يعود عليه من ذكره على حسب مواقعه وكذلك رفع الخبر ورفع الفاعل ورفع ما أقيم مقامه ورفع خبر إن وأخواتها وكذلك نصب ما انتصب وجر ما انجر وجزم ما انجزم مما يتجاذب الخلاف في علله فكل واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العِلل على ما هو مشروح من حاله في أماكنهِ


167
وإنما غرضنا أنْ نُرِى هنا جُمَلهُ لا أن نشرحه ولا أن نتكلم على تقوِيةِ ما قوِى منه وإضعافِ ما ضعف منه

الثاني منهما الحكمان في الشئ الواحدِ المختلفان دعت إليهما عِلَّتان مختلفتان وذلك كإعمال أهلِ الحجاز ما النافيةَ للحال وتركِ بني تميم إعمالها وإجرائهم إِيّاها مجرى هل ونحوِها ممّا لا يعمل فكأنّ أهل الحجاز لمّا رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول ليس عليهما ونافية للحال نفيها إِيّاها أجرَوها في الرفع والنصبِ مجراها إذا اجتمع فيها الشبهانِ بها وكأنّ بني تميم لمّا رأوها حرفا داخلا بمعناه على الجملةِ المستقلَّةِ بنفسها ومباشِرةً لكلِّ واحدٍ من جزأيها كقولك ما زيد أخوك وما قام زيد أجروها مجرى هل ألا تراها داخِلة على الجملة لمعنى النفي دخول هل عليها للاستفهام ولذلك كانت عند سيبويه لغة التميميين أقوى قِياسا من لغة الحجازيّين

ومن ذلك ليتما ألا ترى أن بعضهم يركِّبهما جميعاً فيسلبُ بذلك ليت عملها وبعضهم يلغي ما عنها فيُقِرُّ عملها عليها فمن ضمَّ ما إلى ليت وكفّها بها عن عملها ألحقها بأخواتها مِن كأنَّ ولعلّ ولكنَّ وقال أيضاً لا تكون ليت في وجوب العمل بها أقوى من الفعل و قد نراه إذا كُفَّ ب ما زال عنه عمله وذلك كقولِهم قلَّما يقوم زيد ف ما


168
دخلت على قلّ كافّة لها عن عملها ومثله كَثُرَ ما وطالما فكما دخلت ما على الفعل نفسِه فكفّته عن عمله وهيَّأته لغير ما كان قبلها متقاضِيا له كذلك تكون ما كافَّة ل ليت عن عملها ومصيِّرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعا بعدها ومَنْ ألغى ما عنها وأقرَّ عملها جعلها كحرف الجرّ في إِلغاءِ ما معه نحو قول اللّه تعالى ( فبما نقضِهم مِيثاقهم ) وقوله ( عما قليل ) و ( مما خطيئاتهم ) ونحو ذلك وفصل بينها وبين كأنَّ ولعلَّ بأنها أشبه بالفعل منهما ألا تراها مفردة وهما مركَّبتان لأن الكاف زائدة واللام زائدة

هذا طريق اختلاف العللِ لاختلافِ الأحكامِ في الشئ الواحدِ فأمَّا أيُّها أقوى وبأيها يجب أن يؤخذ فشئ آخر ليس هذا موضعه ولا وُضِع هذا الكتاب له

ومن ذلك اختلاف أهل الحجاز وبني تميم في هَلُمَّ

فأهل الحجاز يُجرونها مجرى صَهْ ومَهْ ورُوَيدَ ونحو ذلك مما سمِّى بهِ الفعل وألزِم طريقا واحدا وبنو تميم يُلحقونها عَلَم التثنية والتأنيث والجمع ويراعون أصل ما كانت عليه لُمَّ وعلى هذا مسَاق جميع ما اختلفت العرب فيه

فالخلاف إِذاً بين العلماء أعمّ منه بين العرب وذلك أن العلماء اختلفوا في الاعتلال لما اتّفقت العرب عليه كما اختلفوا أيضاً فيما اختلفت العرب فيهِ وكلّ ذهب مَذْهبا وإن كان بعضه قويّاً وبعضه ضعيفاً


169
باب في أن العلَّة إذا لم تتعدَّ لم تصِحَّ

من ذلك قول من اعتلّ لبناء نحوكَمْ ومَنْ وما وإِذْ ونحوِ ذلك بأنّ هذه الأسماء لمّا كانت على حرفين شابهت بذلك ما جاء من الحروف على حرفين نحو هَلْ وبل وقد قال فلمَّا شابهت الحرف من هذا الموضع وجب بناؤها كما أن الحروف مبنيَّة وهذه علَّة غير متعدّية وذلك أنه كان يجب على هذا أن يُبنى ما كان من الأسماء أيضا على حرفين نحو يدٍ وأخ وأبٍ ودمٍ وفمٍ وحِرٍ وهَنٍ ونحو ذلك

فإن قيل هذه الأسماء لها أصل في الثلاثة وإِنما حذف منها حرف فهو لذلك معتدّ فالجواب أَنّ هذه زيادة في وصف العلّة لم تأت بها في اوّل اعتلالك وهَبْنا سامحناك بذلك قد كان يجب على هذا أن يبنى باب يدٍ وأخٍ وأبٍ ونحو ذلك لأنه لمّا حُذِف فنقص شابه الحرف وإن كان أصله الثلاثة ألا ترى أن المنادى المفرد المعرفة قد كان أصله أن يعرب فلمّا دخله شَبَهُ الحرف لوقوعه موقع المضمر بُنِي ولم يَمنع من بنائه جَرْيه معرَبا قبل حال البناء وهذا شَبَه


0
حذف
170
معنويّ كما ترى مؤثِّر داع إلى البناء والشَبَه اللفظيّ أقوى من الشَبَه المعنويّ فقد كان يجب على هذا أن يبنى ما جاء من الأسماء على حرفين وله أصل في الثلاثة وألاَّ يَمنع من بنائه كونُه في الأصل ثلاثيّاً كما لم يمنع من بناء زيد في النداء كونه في الأصل معربا بل إذا كانت صورة إعراب زيد قبل ندائهِ معلومة مشاهدة ثم لم يمنع ذاك من بنائه كان ان يبنى باب يد ودم وهن لنقصه ولأنه لم يأتِ تامّاً على أصله إلا في أماكن شاذَّة أجدر وعلى أن منها مالم يأتِ على أصله البتّة وهو معرب وهو حِرٌ وسَهٌ وفم فأمّا قوله

( يا حبَّذا عينا سُليمَى والفما )

وقول الآخر

( هُمَا نفثا فِي فِيَّ مِن فَمَويهِما )

فإنه على كلّ حال لم يأتِ على أصله وإن كان قد زيد فيهِ ما ليس منه


171
فإن قلت فقد ظهرت اللام في تكسير ذلك نحو أفواهٍ وأستاهٍ وأحراحٍ قيل قد ظهر أيضاً الإعراب في زيد نفِسِه لا في جمعه ولم يمنع ذلك من بنائه وكذلك القول في تحقيره وتصريفهِ نحو فُوَيه وأسْتَه وحَرِحٍ

ومن ذلك قول أبي إسحاق في التنوين اللاحق في مثال الجمع الأكبر نحو جوارٍ وغوٍاش أنه عِوَض من ضمَّه الياء وهذه علَّة غير جارية ألا ترى انها لو كانت متعَّدية لوجب أن تُعَوَّض من ضمَّة ياء يرمى فتقول هذا يرٍم ويٍقض ويستقٍض

فإن قيل الأفعال لا يدخلها التنوين ففي هذا جوابان أحدهما أن يقال له علَّتك ألزمتك إيَّاه فلا تَلُم إلاّ نفسك والآخرأن يقال له إن الأفعال إنما يمتنع منها التنوين اللاحق للصرف فأمّا التنوين غير ذاك فلا مانع له ألا ترى إلى تنوينهم الأفعال في القوافي لمّا لم يكن ذلك الذي هو عَلَم للصرف كقول العجّاج

( مِن طللٍ كالأتحِمىّ أنهجَنْ )

وقول جرير

( وقُولى إِن أصبت لقد أصابن )

ومع هذا فهل التنوين إلا نون وقد ألحقوا الفعل النونين الخفيفة والثقيلة وههنا إفساد لقول أبي إسحاق آخر وهو أن يقال له إن هذه الأسماء قد عاقبت


172
ياءاتُها ضَّماتها ألا تراها لا تجتمع معها فلمَّا عاقبتها جرت لذلك مجراها فكما أنك لا تعوّض من الشئِ وهو موجود فكذلك أيضاً يجب ألا تعَّوض منه وهناك ما يعاقبه ويجرى مجراه غير أن الغرض في هذا الكتاب إنما هو الإلزام الأوّل لأنه بهِ ما يصحّ تصور العلَّة وأنها غير متعدّية

ومن ذلك قول الفرّاء في نحو لغةٍ وثُبةٍ وِرئةٍ ومئةٍ إن ما كان من ذلك المحذوفُ منه الواو فإنه يأتي مضموم الأوّل نحو لغةٍ وبُرَةٍ وثُبَةٍ وكُرٍة وقُلَةٍ وما كان من الياء فإنه يأتي مكسور الأوّل نحو مئةٍ ورئةٍ وهذا يفسده قولهم سَنَة فيمن قال سنوات وهي من الواو كما ترى وليست مضمومة الأول

وكذلك قولهم عِضة محذوفها الواو لقولهم فيها عِضَوات قال

( هذا طريق يأْزِم المآزما وعِضَوَات تقطع اللهازما )

وقالوا أيضاً ضَعَة وهي من الواو مفتوحة الأوّل ألا تراه قال

( مّتِخدًا مِن ضَعَواتٍ تَوْلجَا )

فهذا وجه فساد العلل إِذا كانت واقفة غير متعدّية وهو كثير فطالب فيه بواجبه وتأمل ما يَرِد عليك من أمثاله


173
باب في العِلّة وعلّة العلّة

ذكر أبو بكر في أوّل أصوله هذا ومثَّل منه برفِع الفاعل قال فإذا سئلنا عن عِلّة رفعه قلنا ارتفع بفعله فإذا قيل ولِم صار الفاعل مرفوعا فهذا سؤال عن عِلّة العلّة

وهذا موِضع ينبغي أنّ تعلم منه أنّ هذا الذي سّماه علّة العلّة إنما هو بحوّز في اللفظ فأمّا في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلّة ألا ترى انه إذا قيل له فِلم ارتفع الفاعل قال لإسنادِ الفعل إليهِ ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيدٍ من قوِلنا قام زيد إنما ارتفع لإسناِد الفعل إليهِ فكان مغنِيا عن قوله إنما ارتفع بفعله حتى تسأله فيما بعد عن العلّة التي ارتفع لها الفاعل

وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله ارتفع بفعله أى بإسناد الفعل اليهِ

نعم ولو شاء لماطله فقال له ولِم صار المسند إليهِ الفعل مرفوعا فكان جوابه أن يقول إن صاحب الحديث أقوى الأسماء والضمّة أقوى من الحركاتِ فجعل الأقوى للأقوى وكان يجب على ما رتبّه أبو بكر أن تكون هنا علّة وعِلّة العلّة وعِلّة علّة العلّةِ وأيضاً فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إلى ما وراءه فيقول وهلاّ عكسوا الأمر فأعطَوُا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة لئلا يجمعوا بين ثقيلين فإن تكلّف متكلّف جوابا عن هذا تصاعدت عِدّة العلل وأدّى ذاك إلى هُجْنة القوِل وضَعْفة القائل بهِ وكذلك لو قال لك قائل في قولك قام القوم إلاّ زيدا لِم نصبت زيدا لقلت لأنه مستثنى وله من بعد ان يقول


174
ولم نصبت المستثنى فيكون من جوابه لأنه فضله ولو شئت أجبت مبتدئا بهذا فقلت إنما نصبتُ زيدا في قولك قام القوم إلا زيدا لأنه فضله والباب واحد والمسائل كثيرة فتأمل وقِسْ

فقد ثبت بذلك أن هذا موضع تسَّمح فيِه أبو بكر أو لم ينعِم تأمّله

ومن بعد فالعلّة الحقيقية عند أهل النظر لا تكون معلولة ألا ترى أن السواد الذي هو علّة لتسويدِ ما يحلّه إنما صار كذلك لنفسِه لالأن جاعلا جعله على هذه القضيّةِ وفي هذا بيان

فقد ثبت إذّا أن قوله عِلّة العلّة إنما غرضه فيهِ انه تتميم وشرح لهذه العلّة المقدّمِة عليِه وإنما ذكرناه في جملة هذه الأبواب لأن أبا بكر رحمه الله ذكره فأحببنا أن نذكر ما عندنا فيِه وبالله التوفيق باب في حكم المعلوِل بعلّتين

وهو على ضربين أحدهما مالا نظر فيِه والآخرَ محتاج إلى النظر

الأوّل منهما نحو قولك هذه عِشرِىَّ وهؤلاء مسلمىَّ فقياس هذا على قولك عِشروك ومسلمِوك أن يكون أصله عِشْرُوىَ ومُسْلُمِوىَ فقلبت الواو ياء لأمرين كلّ واحد منهما موجِب للقلب غير محتاج إلى صاحبه للاستعانة بهِ على قلبهِ أحدهما اجتماع الواو والياء وسَبْق الأولى منهما بالسكون والآخر ان ياء المتكلّم أبدا تكِسر الحرف الذي قبلها إذا كان صحيحاً نحو هذا غلامِي ورأيت صاحبي وقد ثبت فيما قبل أن نظير الكسرِ في الصحيح الياء في هذه الأسماء


175
نحو مررت بزيِد ومررت بالزيدين ونظرت إلى العِشرين فقد وجب إذًا ألاّ يقال هذه عِشْرُوىَ بالواو كما لا يقال هذا غلاُمَي بضمّ الميم فهذه عِلّة غير الاولى في وجوبِ قلب الواو في عِشروى وصاِلُحوىَ ونحو ذلك وان يقال عِشرِىَّ بالياء البتّه كما يقال هذا غلاِمي بكسر الميم البتّه

ويدلّ على وجوب قلب هذه الواو إلى الياء في هذا الموضع من هذا الوجه ولهذه العلَّة لا للطريق الأوّل من استكراههم إظهار الواو ساكنه قبل الياءِ أنهم لم يقولوا رأيت فاَيَ وإنما يقولون رأيت فيِّ هذا مع أنّ هذه الياء لا ينكر أن تأتي بعد الأِلف نحو رَحَاي وعَصَايَ لِخفَّةِ الأِلف فدلّ امتناعهم من إيقاع الأِلف قبل هذه الياء على أنه ليس طريقة طريق الاستخفاف والاستثقال وإنما هو لاعتزامهم ترك الألف والواوِ قبلها كتركهم الفتحة والضمَّةَ قبل الياءِ في الصحيح نحو غلامِي ودارِي

فإن قيل فأصل هذا إنما هو لاستثقالهم الياء بعد الضمَّة لو قالوا هذا غلامُي قيل لو كان لهذا الموضع البتّه لفتحوا ما قبلها لأن الفتحة على كل حال أخفّ قبل الياء من الكسرة فقالوا رأيت غلامَي فإن قيل لمّا تركوا الضمّة هنا وهي عَلَم للرفع اتبعوها الفتحه ليكون العمل من موضع واحدٍ كما أنهم لمّا استكرهوا الواو بعد الياء نحو بعد حذفوها ايضا بعد الهمزة والنون والتاء في نحو أَعِد ونِعد وتِعد قيل يَفسُدُ هذا من اوجهٍ وذلك ان حروف المضارعة تجري مجرى الحرف الواحد من حيث كانت كلّها متساوية في جعلها الفعل صالحا لزمانين الحِال والاستقبالِ فإذا وجب في أحدها شىء اتبعوه سائرها وليس كذلك عَلمُ الإعراب ألاترى أن موضوع الإعرابِ على مخالفة بعضه بعضا من حيث كان إِنما جِىء بهِ دالاّ على اختلاف المعاني


176
فإن قلت فحروف المضارعة أيضا موضوعة على اختلاف معانيها لان الهمزة للمتكلّمِ والنون للمتكلّم إذا كان معه غيره وكذلك بقيَّتها قيل أجَلْ إلا أنها كلها مع ذلك مجتمعة على معنى واحٍد وهو جعلها الفعل صالحا للزمانين على ما مضى فإن قلت فالإعراب ايضا كلّه مجتِمع على جريانِه على حرفِه قيل هذا عمل لفظي والمعانِي أَشرف من الالفاظ

وايضا فترَكهم إظهار الألِف قبل هذه الياء مع ما يعُتَقد من خِفَّة الالف حتى إنه لم يسمع منهم نحو فاى ولا أَباى ولا أخاى وإنما المسموع عنهم رأيت ابي واخِي وحكى سيبويه كَسَرت فِيَّ ادلُّ دليٍل على انهم لم يراعوا حديث الاستخفافِ والاستثقال حَسْبُ وأنّه أمر غيرهما وهو اعتزامهم الاّ تجئ هذه الياء إلاّ بعد كسرٍة أو ياٍء أو ألٍف لا تكون عَلَما للنصبِ نحو هذه عصاي وهذا مُصَلاّي وعلى ان بعضهم راعي هذا الموضع أيضا فقلب هذه الالف ياء فقال عَصَىَّ ورَحَىَّ ويا بُشْرَىَّ ( هذا غلام ) وقال أبو دُوَادٍ

( فأبلوني بَلَّيِتكم لَعَلىِّ أُصالُحكم واستدِرج نَوَيَّاً )


177
وروينا أيضا عن قُطْرُبٍ

( يطِّوف بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ ويَطْعُن بِالصُمُلَّة في قَفَيّا )

( فإن لم تثأراني من عِكَبِّ فلا أرْوَيتما أبداً صَدَيّا )

وهو كثير ومن قال هذا لم يقل في هذان غلاماي غُلامَيّ بقلبِ الألف ياء لئلا يذهب عَلَم الرفع

ومن المعلول بعلّتين قولهم سِىٌّ ورِىٌّ واصله سِوْىٌ ورِوْىٌ فانقلبت الواو ياء ان شئت لانها ساكنه غير مدَّغمة وبعد كسرة وإن شئت لانها ساكنه قبل الياء فهاتانِ علَّتان إحداهما كعِلَّة قلبِ ميزانٍ والاخرى كعلَّةِ طيَّاً وليَّا مصدَريْ طويت ولويت وكل واحدةٍ منهما مؤثِّرة

فهذا ونحوه أحد ضربى الحكم المعلوِل بعلّتين الذي لا نظر فيه

والآخر منهما ما فيه النظر وهو باب ما لا ينصرف وذلك أن عِلّة امتناعه من الصرف أنما هي لاجتماع شَبَهين فيه من اشبِاه الفعل فأمَّا السبب الواحد فيِقلُّ عن ان يُتمِ علَّة بنفسه حتى ينضمّ إليه الشَبَه الآخر من الفعل


178

فإن قيل فإذا كان في الاسم شَبَه واحد من أشباهِ الفعل ألَهُ فيه تأثير أم لا

فإن كان له فيه تأثير فماذا التأثير وهل صَرْف زيدٍ إلا كصرِف كلبِ وكعبٍ وإن لم يكن للسببِ الواحد إذا حلّ الاسم تأثير فيه فما بالُه إذا انضمَّ إليه سبب آخر أثرَّا فيه فمعناه الصرف وهلاَّ إذا كان السبب الواحد لا تأثير له فيه لم يؤثَِّر فيه الآخر كما لم يؤثر فيه الأوّل وما الفرق بين الأوّل والآخِر فكما لم يؤثِّر الأولُ هلاَّ لم يؤثِّر الآخِر

فالجواب أن السبب الواحد وإن لم يَقْوَ حكمه إلى ان يَمنع الصرف فإنه لا بدّ في حالِ انفراده مِن تأثير فيما حلَّه وذلك التأثير الذي نومئ إليه وندّعى حصوله هو تصويره الاسم الذي حله على صورة ما إذا انضمَّ إليه سبب آخر اعتَوَنا معاً على منع الصرِف ألا ترى أن الأوّل لو لم تجعله على هذه الصفةِ التي قدّمنا ذكرها لكان مجئ الثاني مضموما إليه لا يؤثِّر أيضاً كما لم يؤثِّر الأوّل ثم كذلك إلى ان تفنى أسباب منع الصرف فتجتمع كلها فيه وهو مع ذلك منصرف لا بل دلَّ تأثير الثاني على أن الأوّل قد كان شكَّل الاسم على صورةٍ إذا انضمّ إليه سبب آخر انضمَّ إليها مثلها وكان من مجموع الصورتين ما يوجِب ترك الصرف

فإن قلت ما تقول في اسم أعجميّ عَلَم في بابهِ مذكَّرِ متجاوزٍ للثلاثةِ نحو يوسف وإبراهيم ونحن نعلم أنه الآن غير مصروف لاجتماِع التعريِف والعُجْمةِ عليه فلو سمَّيت بِه من بعدُ مؤنّثا ألست قد جمعت فيه بعد ما كان عليه من التعريِف والعجمة التأنيثَ فليت شعري أبِالأسباب الثلاثِة منعته الصرف أم باثنين منها


179

فإن كان بالثلاثة كلها فما الذي زاد فيه التأنيثُ الطارئ عليه فإن كان لم يزِد فيه شيئاً فقد رأيت أحد أشباه الفعل غير مؤثِّر وليس هذا من قولك وإن كان أثَّر فيه التأنيثُ الطارئ عليه شيئاً فعرِّفنا ما ذلك المعنى

فالجواب هو أنه جَعَله على صورة ما إذِا حُذف منه سبب من أسباب الفعل بقي بعد ذلك غير مصروف أيضاً ألا تراك لو حذفت من يوسف اسمَ امرأةٍ التأنيثَ فأعدْتَه إلى التذكير لأقررتَه أيضاً على ما كان عليه من ترك الصرف وليس كذلك امراة سمَّيتَها بجعفرٍ ومالكٍ ألا تراك لو نزَعت عن الإسم تأنيثه لصرفته لأنك لم تُبَقِّ فيه بعدُ إلاَّ شَبَها واحدا من أشباِه الفعل فقد صار إذًا المعنى الثالث مؤثِّرا أثرا مَّا كما كان السبب الواحد مؤثِّرا أثرا مَّا على ما قدَّمنا ذكره فاعرف ذلك

وإيضاً فإن يوسف اسم امرأةٍ أثقلُ منه اسمَ رجل كما أن عقرب اسم امراة أثقل من هند ألا تراك تجيز صرفها ولا تجيز صرف عقرب عَلَما فهذا إِذًا معنًى حصل ليوسف عند تسمية المؤنث بِه وهو معنى زائد بالشّبَه الثالث

فأمّا قول من قال إن الاسم الذي اجتمَع فيه سببان من أسباب منع الصرف فمُنَعِه إذا انضمَّ إلى ذلك ثالثٌ امتنع من الإعراب أصلاً ففاسد عندنا من أوجه أحدها أن سبب البناء في الاسم ليس طريقه طريق حديث الصرف وترِك الصرف إِنما سببه مشابهة الاسم للحرف لا غير وأمَّا تمثيله ذلك بمنع إِعراب حَذَاِم وقَطَام وبقوله فيه إنه لمَّا كان معدولا عن حاذمة وقاطمة وقد كانتا معرفتين لا ينصرفان وليس بعد منع الصرف إِلا ترك الإعراب البتَّة فلاِحقٌ في الفساد بما قبله لأنه منه وعليه حذاه وذلك أن علّة منع هذه


180
الإعرابَ إنما هو شئ أتاها من باب دَرَاكِ ونَزَاِل ثمَّ شُبِّهت حذام وقطام ورَقَاش بالمِثال والتعريف والتأنيث بباب دراك ونزال على ما بيَّنَّاه هناك فأمَّا أنه لأنه ليس بعد منع الصرف إِلاَّ رفع الإعراب أصلاً فلا

ومما يُفسِد قول من قال إن الاسم إذا مَنعه السببان الصرفَ فإن اجتماع الثلاثة فيه ترفع عنه الإعراب أنا نجد في كلامهم من الأسماء ما يجتمع فيه خمسة أسباب من موانع الصرف وهو مع ذلك معَرب غير مبنيّ وذلك كامرأة سمَّيتها بأَذْرَبِيجان فهذا اسم قد اجتمعت فيه خمسة موانع وهي التعريف والتأنيث والُعجْمة والتركيب والأِلف والنون وكذلك إِن عَنَيت بأذربيجان البلدة والمدينة لأن البلد فيه الأسباب الخمسة وهو مع ذلك معرب كما ترى فإذا كانت الأسباب الخمسة لا ترفع الإعراب فالثلاثة أحجى بألاَّ ترفعه وهذا بيان ولتِحامِي الإطالة ما أحِذف أطرافا من القول على أنّ فيما يخرج إلى الظاهر كافيا بإذن الله


181
باب في إدراج العلَّة واختصارها

هذا موضع يستمرُّ النحويّون عليه فيفُتق عليهم ما يتعبون بتدارُكه والتعذّر منه وذلك كسائل سأل عن قولهم آسيت الرجل فأنا أواسيه وآخيته فأنا أواخيه فقال و ما أصله فقلت أؤاسيه و أؤاخيه و كذلك نقول فيقول لك فما عِلَّته في التغيير فتقول أجتمعت الهمزتان فقلبت الثانية واوا لانضمام ما قبلها و في ذلك شيئان أحدهما أنك لم تستوفِ ذكر الأصل و الآخر أنك لم تتقصّ شرح العلَّة

أمَّا إخلالك بذكر حقيقة الأصل فلأن أصله أؤاسِوُك لأنه أُفاعِلك من الأُسوة فقلبت الواو ياء لوقوعها طَرَفا بعد الكسرة و كذلك أؤاخيك أصله أؤاخوُك لأنه من الأُخُوة فانقلبت اللام لِمَا ذكرنا كما تنقلب في نحو أُعِطى و استقصِى

و أما تقصِّى عِلَّة تغيير الهمزة بقلبها واوا فالقول فيه أنه أجتمع في كلمة واحدة همزتان غير عينين الأولى منهما مضمومة و الثانية مفتوحة و هي حَشْو غير طَرَف فاستثِقل ذلك فقلبت الثانية على حركة ما قبلها و هي الضمَّة


0
حذف
182
واوا ولا بدّ من ذكر جميع ذلك و إلاَّ أخللت ألا ترى أنك قد تجمع في الكلمة الواحدة بين همزتين فتكونان عينين فلا تغيّر ذلك وذلك نحو ساّل وراّس وكبنائك من سألت نحو تُبَّع فتقول سُؤَّل فتصحاّن لأنهما عينان ألا ترى أن لو بنيت من قرأت مثل جُرْشُع لقلت قُرْءٍ وأصله قُرْؤُؤٌ فقُلبت الثانية ياء وإن كانت قبلها همزة مضمومة وكانتا في كلمة واحدة لمَّا كانت الثانية منهما طَرَفا لا حَشْوا وكذلك ايضا ذكرك كونَهما في كلمة واحدة ألا ترى ان من العرب من يحقَّق الهمزتين إذا كانتا من كلمتين نحو قول الله تعالى ( السفهاءُ أَلا ) فإذا كانتا في كلمة واحدة فكلّهم يقلب نحو جاءٍ وشاءٍ ونحو خطايا ورزايا في قول الكاّفة غير الخليل

فأمّا ما يحكى عن بعضهم من تحقيقهما في الكلمة الواحدةِ نحو ائمِة وخطائيء مثل خطا عع وجائىء فشاذّ لايجوز ان يُعقَد عليه باب ولو اقتصرت في تعليل التغيير في أؤاسيك ونحوه على ان تقول اجتمعت الهمزتانِ في كلمةٍ واحدة فقلبت الثانية واوا لوجب عليك ان تقلِب الهمزةَ الثانية في نحو سأآلٍ ورأآسٍ واوا وان تقلِب همزة أَأُدَم وأَأْمَن واوا وأن تقلِب الهمزة الثانية في خطأئىء واوا ونحو ذلك كثير لا يحصى وإنما أذكر من كلّ نَبْدًا لئلا يطول الكتاب جِدّاً


183
باب في دوَْرِ الاعتلالِ

هذا موضع طريف ذهب محّمد بن يزيد في وجوبِ إسكان اللام في نحو ضَرَبْن وَضَربْت إلى أنه لحركِة ما بعده من الضميرِ يعني مع الحركتينِ قبل وذهب ايضا في حركةِ الضمير من نحو هذا انها إنما وجبت لسكونِ ما قبله فتارة اعتلّ لهذا بهذا ثمّ دار تارةً أخرى فاعتلّ لهذا بهذا وفي ظاهر ذلك اعتراف بأن كلّ واحد منهما ليست له حالٌ مستَحَّقةٌ تخصُّه في نفسهِ وإنما استقرّ على ما استقرّ عليه لامر راجع إلى صاحبه

ومثله ما أجازه سيبويه في جرّ الوجه من قولك هذا الحَسُن الوجهِ وذلك أنه أجاز فيه الجرَّ من وجهين احدهما طريق الإضافة الظاهرة والآخر تشبيهه بالضاربِ الرجل وقد أحَطْنا عِلماً بأن الجرّ انما جاز في الضاربِ الرجل ونحوه ممّا كان الثاني منهما منصوباً لتشبيههم إيّاه بالحسن الوجهِ افلا ترى كيف صار كلّ واحدٍ من الموضعين عِلَّة لصاحبه في الحكم الواحدِ الجاري عليهما جميعا وهذا من طريِف امر هذه اللغة وشدّةِ تداخلها وتزاحم الالفاظ والأغراِض على جهاتها والعُذْر أن الجر لمّا فَشَا واتَسع في نحو الضارب الرجلِ والشاتمِ الغلامِ والقاتلِ البطلِ صار لتمكّنه فيه وشِياعه في استعماله كأنه أصل في بابه وإن كان إنما سرى إليه لتشبيهه بالحسن الوجه فلمّا كان كذلك قِوى في بابه حتى صار لقوَّتِهِ


184
قياسا وسماعا كأنه أصل للجرّ في هذا الحسن الوجه وسنأتي على بقيَّة هذا الموضع في باب نفرده له بإذن الله

لكن ما اجازه أبو العبَاس وذهب إليه في باب ضَرَبْنَ وضربت من تسكين اللامِ لحركة الضمير وتحريك الضمير لسكون اللامِ شنيع الظاهر والعذر فيه أضعف منه في مسئلة الكتاب ألاترى ان الشىء لا يكون عِلَّة نفسه وإذا لم يكن كذلك كان مِنْ ان يكون علَّةَ علّتِه أبعد وليس كذلك قول سيبويه وذلك أن الفروع إذا تمكنت قويت قوة تسوغ حمل الأصول عليها وذلك لإرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوة الحكم باب في الرد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو في نفسه عن إحكام العلة

اعلم أن هذا الموضع هو الذى يتعسف بأكثر من ترى وذلك أنه لا يعرف أغراض القوم فيرى لذلك أن ما أوردوه من العلة ضعيف واه ساقط غير متعال

وهذا كقولهم يقول النحويون إن الفاعل رفع والمفعول به نصب وقد ترى الأمر بضد ذلك ألا ترانا نقول ضرب زيد فنرفعه وإن كان مفعولا به ونقول إن زيدا قام مننصبه وإن كان فاعلا ونقول عجبت من قيام زيد فنجرُّه وإن كان فاعلا ونقول أيضا قد قال الله عزّ وجلّ ( ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ) فرفع ( حَيثُ ) وإن كان بعد حرِف الخفض ومثله عندهم في الشناعة قوله عزَّ وجلّ ( للّه الأمر من قبلُ ومن بعدُ ) وما يجري هذا المجرى


185
ومثل هذا يُتْعِب مع هذه الطائفة لا سَّيما إذا كان السائل عنه مَنْ يلزم الصبُر عليه ولو بدأ الأمر بإحكام الأصل لسقط عنه هذا الَهَوس وذا اللغْوُ ألا ترى أنه لو عرف أن الفاعل عند أهل العربيِةَّ ليس كلَّ من كان فاعلا في المعنى وأن الفاعل عندهم إنمِا هو كلّ اسم ذكرته بعد الفعل وأسنَدْت ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم وأن الفعل الواجب وغير الواجب في ذلك سواء لسقط صداع هذا المضعوف السؤال

وكذلك القول على المفعول أنه إِنما يُنصب إِذا أسْنِد الفعل إلى الفاعل فجاء هو فضلةً وكذلك لو عرف أن الضمَّة في نحو حيثُ وقبلُ وبعدُ ليست إعرابا وإنما هي بِناء

وإنما ذكرت هذا الظاهر الواضح ليقع الاحتياط في المشكل الغامض وكذلك ما يحكى عن الجاحظ من أنه قال قال النحويون إن أفعل الذي مؤنّثه فُعْلى لا يجتمع فيه الألف واللام ومِن وإنِما هو بِمن او بالألف واللام نحو قولك الأفضل وأفضل منك والأحسن وأحسن من جعفرٍ ثم قال وقد قال الأعشى

( فلستَ بالأكثر منهم حَصًى وإنَّما الِعزَّة للكاثر )

ورحم الله أبا عثمان اما إِنه لو علِم ان مِن في هذا البيت ليست التي تصحب افعل للمبالغة نحو أحسن منك وأكرم منك لضَرَب عن هذا القول الى


186
غيره مما يعلو فيه قولُه ويعنو لسداده وصّحته خصمُه وذلك أن مِن في بيت الاعشى إنما هي كالتي في قولنا انت من الناس حُرٌّ وهذا الفرس من الخيل كريم فكأنه قال لستَ من بيِنهم بالكثير الحَصَى ولست فيهم بالأكثر حَصًى فاعرف ذلك باب في الإعتلال لهم بأفعالهم

ظاهر هذا الحديثِ طريف ومحصوله صحيح وذلك إِذا كان الاوَّل المردود اليه الثاني جاريا على صِحّةِ عِلّةٍ 0

مِن ذلك أن يقول قائل : إذا كان الفعل قد حذِف في الموضع الذي لو ظهر فيه لما أفسد معنى كان ترك إظهاره في الموضع الذي لو ظهر فيه لأحال المعنى وأفسده أولى وأحجى ألا ترى أنهم يقولون : الذي في الدار زيد وأصله الذي استقر أو ثبت في الدار زيد ولو أظهروا هذا الفعل هنا لما أحال معنىً ولا أزال غَرَضا فكيف بهم في ترك إظهاره في النداء ألا ترى انه لو تُجُشِّم إظهاره فقيل : " أدعو زيدا وأنادى زيدا لاستحال أمر النداءِ فصار إلى لفظِ الخبر المحتمل للصدق والكذب والنداء مِمّا لا يصحّ فيه تصديق ولا تكذيب

ومن الاعتلال لهم بأفعالهم ان تقول : إذا كان اسم الفاعل على قوَّةِ تحمّله للضمير - متى جرى على غير مَن هو له - صِفةً أو صِلةً او حالا او خبرا لم يحتمل الضمِيرَ كما يحتمله الفعل فما ظنُّك بالصفة المشبَّهة باسم الفاعل نحو


187

قولك : زيدٌ هنٌد شديد عليها هو إذا أَجْرَيت شديدا خبرا عن هند وكذلك قولك : أخواك زيٌد حَسَنٌ في عينه هما والزيدون هِند ظريفٌ في نفِسها هم وما ظنّك أيضا بالشَّفِة المشبِّهِة بالصفة المشبّهة باسم الفاعل نحو قولك : أخوك جاريتُك أكرمُ عليها من عمرو هو وغلاماك أبوك احسنُ عنده من جعفرٍ هما والحَجرُ الحيَّةُ اشدُّ عليها من العصا هو

ومن قال : مررت برجل أبي عشرةٍ ابوه قال : اخواك جاريتهما ابو عشرة عندها هما فأظهرت الضمير وكان ذلك احسن من رفعهِ الظاهر لأن هذا الضمير وإِن كان منفصلا ومُشْبِها للظاهر بانفصاله فإنه على كلّ حال ضمير وإنما وحَّدْت فقلت : أبو عشرة عندها هما ولم تُثَنِّه فتقولَ ابواَ عشرةٍ من قَبِلِ انه قد رفع ضميرا منفصلا مشابِها للظاهر فجرى مجرى قولك مررت برجل أبِي عشرة ابواه

فلّما رفع الظاهر وما يجرى مجرى الظاهر شبَّهه بالفعل فوحّد البتّة ومن قال مررت برجل قائمَينِ اخواه فأجراه مجرى قاما اخواه فإنه يقول مررت برجلٍ أبَوىْ عشرة ابواه والتثنية في ابوى عشرة من وجهٍ تَقْوى ومن آخر تَضْعُف أمّا وجه القوة فلأنها بعيدة عن اسم الفاعل الجاري مجرى الفعل فالتثنية فيه لأنه اسم حَسَنة وامّا وجه الضعف فلأنه على كل حال قد أُعمِل في الظاهر ولم يُعَمل إِلاّ لشَبَهةِ بالفعل وإذا كان كذلك وجب له ان يقوى شَبَه الفعل ليقوم العُذر بذلك في إِعماله عمله ألا ترى أنهم لمَّا شبَّهوا الفعل باسم الفاعِل فأعربوه كنَفُوا هذا المعنى بينهما وايَّدوه بان شبَّهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه وهذا في معناه واضح سديد كما تراه


188

وأمثال هذا في الاحتجاج لهم بأفعالهم كثيرة وإنما أضع من كل شىء رسما مّا ليُحَتَذى فأمّا الإطالة والاستيعاب فلا 0 باب في الاحتجاج بقول المخالِف

اعلم أن هذا على ما في ظاهره صحيح ومستقيم وذلك ان ينبغ من أصحابه نابغ فيُنْشىءِ خلافا مّا على أهل مذهبِه فإذا سَمَّع خصمهُ به واجلب عليه قال هذا لا يقول به احد من الفريقين فيخرجه مُخْرَج التقبيح له والتشنيع عليه 0

وذلك كإنكار أبي العبّاس جواز تقديم خبر ليس عليها فأحَدُ ما يحتّج به عليه أن يقال له إجازةُ هذا مذهب سيبويه وأبي الحسن وكافّة اصحابنا والكوفيّون أيضا معنا فإذا كانت إجازة ذلك مذهبا للكافّة من البلدين وجب عليك


189
يا أبا العبّاس أن تنفِر عن خِلافِه وتستوِحش منه ولا تأنس بأول خاطرٍ يبدو لك فيه

ولَعَمري إن هذا ليس بموضع قَطْع على الخصم إلاّ أن فيه تشنيعا عليه وإهابة به إلى تركهِ وإضافة لعذره في استمراره عليه وتهالُكه فيه من غير إحكامه وإنعام الفحص عنه وإنما لم يكن فيه قَطْع لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يُلوِ بنصّ أو ينْتهك حُرْمة شرع فقسْ على ما ترى فإنني إنما أضع من كل شىء مثالا موجَزا باب القول على إجماع أهل العربيَّة متى يكون حُجَّة

اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حُجّة إذا اعطاك خصمُك يدَه ألاّ يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص فأمَّا إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّة عليه وذلك انه لم يِرَد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سُنَّة أنهم لا يجتمعون على الخطأ كما جاء النصّ عن رسول الله ص ‌ من قوله أُمَّتيِ لا تجتمع على صلالة وإنما هو عِلْم منتَزع من استقراء هذه اللغة


190

فكلّ من فُرق له عن علّةٍ صحيحة وطريقٍ نَهْجٍه كان خَلِيل نفِسه وأبا عَمْرو فكرِه

إلا اننا مع هذا الذي رأيناه وسوَّغنا مرتكبَه لا نسمح له بالإقدام على مخالفِة الجماعة التي قد طال بحثُها وتقدَّم نظرها وتتالت أواخِرَ على أوائلِ وأعجازا على كلا ِكل والقومِ الذين لا نشكّ في أن الله سبحانه وتقدّست اسماؤه قد هداهم لهذا الِعلْم الكريم واراهم وجَهَ الحكمة في الترجيب له والتعظيم وجعله ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم خادما للكتاب المنزل وكلام نبيه المرسل وعَوْناً على فهمهما ومعرفة ما أُِمَر به او نُهِى عنه الثَّقَلان منهما إلاَّ بعد أن يناهضه إتقانا ويثابته عِرفانا ولا يُخلِد إلى سانح خاطره ولا إلى نَزْوةٍ من نَزَواتِ تفكّره فإذا هو حذا على هذا المثالِ وباشر بإنعام تصفُّحه أحناء الحال أمضى الرأي فيما يريه الله منه غير معازّ به ولا غاضّ من السَّلَف رحمهم الله في شىء منه فإنه إذا فعل ذلك سُدِّد رأيه وشُيِّع خاطره وكان بالصواب مئِنَّة ومن التوفيق مِظنَّة وقد قال ابو عثمان عمرو بن بَحْر الجاحظ ما على الناس شىء اضرّ من قولهم :


191
ما ترك الأوّل للآخِر شيئا وقال أبو عثمان المازنيّ وإذا قال العالِم قولا متقدّما فللمتعلّم الاقتداء به والانتصار له والاحتجاج لخلافه إن وجد إلى ذلك سبيلا وقال الطائيّ الكبير

( يقول مَن تطرُق أسماعَه كم ترك الأوّلُ للآخِر )

فممّا جاز خلافُ الإجماع الواقِع فيه منذ بُدِىء هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت ما رأيته انا في قولهم هذا جُحْر ضَبٍّ خَربٍ فهذا يتناوله آخِرٌ عن أوّلٍ وتالٍ


192
عن ماض على أنه غَلَط من العرب لا يختلفون فيه ولا يتوقّفون عنه وانه من الشاذّ الذي لا يُحمل عليه ولا يجوز ردّ غيره إليه

وامّا أنا فعندي أنّ في القرآن مِثْل هذا الموضع نيِّفاً على ألْفِ موضِع وذلك انه على حذفِ المضافِ لا غير فإذا حملته على هذا الذي هو حَشْو الكلام من القرآن والشعر ساغ وسَلِس وشاع وقُبِل

وتلخيص هذا ان أصله هذا جُحْر ضَبٍّ خَرِبٍ جُحْرُه فيجرى خرب وصفا على ضبّ وإن كان في الحقيقة للجُحْر كما تقول مررت برجل قائم ابوه فتجرى قائما وصفا على رجل وإن كان القيام للاب لا للرجُل لما ضمِن من ذِكره والامر في هذا اظهر من ان يؤتى بمثال له او شاهد عليه فلمّا كان أصله كذلك حذِف الجُحْر المضاف إلى الهاء وأقيمت الهاء مُقامه فارتفعت لأن المضاف المحذوف كان مرفوعا فلمَّا ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفسِ خرِبٍ فجرى وصفا على ضبّ وإن كان الخراب للجحر لا للضبّ علىتقدير حذف المضاف على ما أرينا وقلَّت آية تخلو من حذف المضاف نعم وربّما كان في الآية الواحدة من ذلك عدّة مواضع

وعلى نحو من هذا حَمَل أبو علىّ رحمه اللّه

( كبيرُ أُناس في بِجادٍ مزمّل )


193

ولم يحمله على الغلط قال لأنه اراد مزمَّل فيه ثم حَذَف حرف الجرّ فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول

فإذا امكن ما قلنا ولم يكن أكثر من حذف المضاف الذي قد شاع واطّرد كان حمله عليه أولى من حمله على الغلط الذي لا يحمل غيره عليه ولا يقاس به ومثله قول لَبِيد :

( أو مُذْهَبٌ جُدَدٌ على ألواحِه النَاطِقُ المبروزُ والمختوم )

أى المبروز به ثم حذف حرف الجرّ فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول وعليه قول الاخر :

( إلى غيرِ موثوقٍ مِن الأرضِ تَذهَبُ )

أى موثوق به ثم حذف حرف الجرّ فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول


194
باب في الزيادة في صِفَة العلَّة لضرب من الاحتياط

قد يفعل أصحابنا ذلك إذا كانت الزيادة مُثَبِّتة لحال المزيد عليه وذلك كقولك في همز أَوائل أصله أَوَاوِل فلمَّا اكتنفت الألفَ واوان وقرُبت الثانية منهما من الطَرَف ولم يُؤْثَرْ إخراجُ ذلك على الأصل تنبيها على غيره من المغيَّرات في معناه ولا هناك ياء قبل الطَرَف منويَّة مقدَّرة وكانت الكلمة جمعا ثقل ذلك فأبدِلت الواو همزة فصار أوائل

فجميع ما أوردتَه محتاج إليه إلاّ ما استظهرت به من قولك وكانت الكلمة جَمْعاً فإنك لو لم تذكره لم يُخْلِل ذلك بالعلَّة ألا ترى أنك لو بنيت من قُلْت وبِعت واحدا على فُوَاعِل كعُوَارض او أُفَاعِل من أوّل أو يوم أو وَيْح كأباتر لهمزت كما تهمِز في الجمع

فذكرك الجمع في اثناء الحديث إنما زدت الحال به أُنْسا من حيث كان الجمع في غير هذا ممَّا يدعو إلى قلب الواو ياء في نحو حُقِيّ ودُلِيّ فذكرته هنا تأكيدا لا وجوبا وذِكرك أنهم لم يُؤْثِروا في هذا إخراج الحرف على أصله دلالةً على أصل ما غُيِّر من غيره في نحوه لئلاَّ يدخل عليك ان يقال لك قد قال الراجز : تَسمعُ مِن شُدّانِها عَوَاوِلا


195

وذكرت ايضا قولك ولم يكن هناك ياء قبل الطرف مقدّرة لئلا يلزمك قوله

( وكَحَلَ العينين بالعوِاوِر )

الا ترى أن أصله عواوير من حيث كان جمعَ عُوَّار والاستظهار في هذين الموضعين أعنى حديث عواول وعواور أسهل إحتمالا ممن دخولك تحت الإفساد عليك بهما واعتذارِك من بعدُ بما قدَّمته في صدر العلّة فإذا كان لا بدّ من إيراده فيما بعد إذا لم تحتَطْ بذكره فيما قبل كان الرأي تقديم ذكره والاستراحة من التعقّب عليك بهِ فهذا ضرب

ولو استظهرتَ بذكر ما لا يؤثرِّ في الحكم لكان ذلك منك خَطَلا ولَغْوا من القول الا ترى انك لو سئلت عن رفع طلْحَةُ من قولك جاءني طلْحَةُ فقلتَ ارتفع لإسناد الفعل إليه ولأنه مؤنَّث أو لأنه علم لم يكن ذكرك التأنيث والعلمية إلا كقولك ولأنه مفتوح الطاء أو لأنه ساكنُ عينِ الفعل ونحو ذلك مما لا يؤثرِّ في الحال فاعرف بذلك موضع ما يمكن الاحتياط به للحكم مما يَعْرَى من ذلك فلا يكون له فيه حَجْم وإنما المراعَي من ذلك كلّه كونُه مسنَدا إليه الفعل


196

فإن قيل هلاَّ كان ذكرك انت أيضا هنا الفعل لا وجه له ألا ترى انه إنما ارتفع بإسناد غيره إليه فاعلا كان أو مبتدأ والعلَّة في رفع الفاعل هي العلَّة في رفع المبتدأ وإن اختلفا من جهة التقديم والتأخير

قلنا لا لسنا نقول هكذا مجرَّدا وإنما نقول في رفع المبتدأ إنه إنما وجب ذلك له من حيث كان مسنَداً إليه عاريا من العوامل اللفظيةّ قبله فيه وليس كذلك الفاعل لأنه وإن كان مسنَدا إليه فإن قبله عاملا لفِظياًّ قد عمل فيه وهو الفعل وليس كذلك قولنا زيد قام لان هذا لم يرتفع لإسناد الفعل إليه حَسْبُ دون أن اٌنضمَّ إلى ذلك تَعَرِّيه من العوامل اللفظيّة من قبله فلهذا قلنا اٌرتفع الفاعل بإسناد الفعل إليه ولم نحتَجْ فيما بعدُ إلى شىء نذكره كما احتجنا إلى ذلك في باب المبتدأ الا تراك تقول إنّ زيدا قام فتنصبه وإن كان الفعل مسندا إليه لَمّا لم يَعْرَ من العامل اللفظيّ الناصبِه

فقد وضح بذلك فرق ما بين حالى المبتدأ والفاعل في وصف تعليل ارتفاعهما وانهما وإن اشتركا في كون كلّ واحد منهما مسنَدا إليه فإن هناك فرَقْا من حيث أَرَينا

ومن ذلك قولك في جواب من سألك عن علّة انتصاب زيد من قولك ضربت زيدا إنه إنما انتصب لأنه فَضْلة ومفعول به فالجواب قد استقلّ بقولك لأنه فضلة وقولُك من بعد ومفعول به تأنيس وتأييد لا ضرورة بك اليه ألا ترى انك تقول في نصب نفس من قولك طِبْت به نَفساً إنما انتصب لأنه فضلة وإن كانت النفس هنا فاعلة في المعنى فقد علمت بذلك أن قولك ومفعول به


197
زيادة على العلّة تطوّعت بها غير أنه في ذكرك كونه مفعولا معنى مّا وإن كان صغيرا وذلك انه قد ثبت وشاع في الكلام أن الفاعل رَفْع والمفعول به نَصْب وكأنك أنِستَ بذلك شيئا وأيضا فإن فيه ضربا من الشرح وذلك أن كون الشىء فضلة لا يدلّ على أنه لا بدّ من أن يكون مفعولا به ألا ترى أن الفَضَلات كثيرة كالمفعول به والظرف والمفعول له والمفعول معه والمصدر والحال والتمييز والاستثناء فلمَّا قلت ومفعول به ميَّزت أىُّ الفضلات هو فاعرف ذلك وقِسْه باب في عَدَم النظير

اما إذا دلّ الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير وذلك مذهب الكِتاب فإنه حَكَى فيما جاء على فِعِلٍ إبِلا وحدها ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأُنْس به لا للحاجة اليه

فأمّا إن لم يَقُم دليل فإنك محتاج إلى إِيجاد النظير ألا ترى إلى عِزْويتٍ لمّا لم يقم الدليل على أن واوه وتاءه اصلان احتجت إلى التعلّل بالنظير فمنعت من أن يكون فِعْوِيلا لمَّا لم تجِد له نظيرا وحملته على فِعليتِ لوجود النظير وهو عِفريت ونِفريت

وكذلك قال أبو عثمان في الردّ على من ادّعى أن السين وسوف ترفعان الأفعال المضارِعة لم نر عاملا في الفعل تدخل عليه اللام وقد قال سبحانه ( ولسوف تعلمون ) فجعل عدم النظير ردّا على من أنكر قوله


198

وأمّا إن لم يَقُم الدليل ولم يوجد النظير فإنك تحكم مع عدم النظير وذلك كقولك في الهمزة والنون من أَنْدَلُس إنهما زائدتان وإن وزن الكلمة بهما أَنفْعَلُ وإن كان مثالا لا نظير له وذلك أن النون لا محالة زائدة لأنه ليس في ذوات الخمسة شىء على فَعْلَلُل فتكونَ النون فيه أصلا لوقوعها موقع العين وإذا ثبت أن النون زائدة فقد بَرَدَ في يدك ثلاثة أحرف اصول وهي الدال واللام والسين وفي أوّل الكلمة همزة ومتى وقع ذلك حكمت بكون الهمزة زائدة ولا تكون النون أصلا والهمزة زائدة لأن ذواتِ الأربعة لا تلحقها الزوائد من أوائلها إلا في الأسماءِ الجاريةِ على أفعالها نحو مُدَحرِج وبابهِ فقد وجب إذاً أن الهمزة والنون زائدتان وأن الكلمة بهما على أَنْفَعُل وإن كان هذا مثالا لا نظير له

فإنْ ضامّ الدليلُ النظيرَ فلا مذهب بك عن ذلك وهذا كنوِن عَنْتَر فالدليل يقضى بكونها اصلا لأنها مقابلِة لعين جعفر والمثال ايضا معك وهو فَعْلَل وكذلك القول على بابه فاعرف ذلك وقِسْ


199
باب في إسقاط الدليل

وذلك كقول أبي عثمان لا تكون الصفة غير مُفيدة فلذلك قُلْت مررت برجل أفعل فصرف أفعل هذه لمَّا لم تكن الصفة مفيدة وإسقاط هذا أن يقال له قد جاءت الصفة غير مفيدة وذلك كقولك في جواب من قال رأيت زيدا آلمِنيّ يا فتى فالمنىّ صفة وغير مفيدة

ومن ذلك قول البغدادّيين إن الاسم يرتفع بما يعود عليه من ذِكره نحو زيد مررت بِه وأخوك أكرمته فارتفاعه عندهم إنما هو لأن عائدا عاد عليه فارتفع بذلك العائد وإسقاط هذا الدليل ان يقال لهم فنحن نقول زَيْدٌ هل ضربته واخوك متى كلَّمته ومعلوم أن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله فكما اعتبر ابو عثمان انَّ كل صفة فينبغى ان تكون مفيدة فأُوجِدَ أنّ من الصفاتِ ما لا يفيد وكان ذلك كَسْرا لقوله كذلك قول هؤلاء إن كلّ عائد على اسم عارٍ من العوامل يرفعه يفِسده وجود عائد على اسم عارٍ من العوامل وهو غير رافع له فهذا طريق هذا


200
باب في اللفظين على المعنى الواحد يرِدَان عن العالِم متضادَّين

وذلك عندنا على أوجه احدها أن يكون أحدهما مُرْسَلا والآخَر معَّلًلا فإذا اتّفق ذلك كان المذهب الأَخْذ بالمعلَّل ووجب مع ذلك ان يُتأوّل المرسَل وذلك كقول صاحب الكتاب في غير موضع في التاِء من بنت وأخت إنها للتأنيث وقال أيضا مع ذلك في باب ما ينصِرف وما لا ينصرف إنها ليست للتأنيث واعتلّ لهذا القول بان ما قبلها ساكن وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنا إلا أن يكون أَلفاً كقناة وفتاة وحَصَاة والباقي كلّه مفتوح كُرطَبة وعِنَبة وعلاّمة ونسّابة قال ولو سّميت رجلا بِبِنتٍ وأخت لصرفته وهذا واضح فإذا ثبت هذا القول الثاني بما ذكرناه وكانت التاء فيه إنما هي عنده على ما قاله بمنزلة تاء عفريتٍ ومَلَكُوت وجب أن يُحمل قوله فيها إنها للتأنيث على المجاز وأن يُتأوّل ولا يُحمل القولان على التضادّ

ووجه الجمع بين القولين أن هذه التاء وإِن لم تكن عنده للتأنيث فإنها لمَّا لم توجد في الكلمة إِلاَّ في حال التأنيث استجاز أن يقول فيها إنها للتأنيث ألا ترى انك إذا ذكَّرت قلت ابن فزالت التاء كما تزول التاء من قولك ابنة فلمَّا ساوقت تاء بنت تاء ابنة وكانت تاءَ ابنة للتأنيث قال في تاء بنت ما قال في تاء ابنة وهذا من أقرب ما يتسمَّح به في هذه الصناعة ألا ترى انه قال في عدَّة مواضع في نحو حمراء


201
وأصدقاء وعُشَراء وبابها إن الأِلفين للتأنيث وإنما صاحبة التأنيث منهما الأخيرة التي قُلِبت همزة لا الأولى وإنما الأُولى زيادة لحقت قبل الثانية التى هي كأِلف سَكْرَى وعَطْشَى فلمَّا التقت الأِلفان وتحرّكت الثانية قُلبت همزة ويدلّ على ان الثانية للتأنيث وأن الأولى ليست له أنك لو اعتزمت إِزالة العَلامة للتأنيث في هذا الضرب من الأسماء غيَّرت الثانية وحدها ولم تعرِض للاولى وذلك قولهم حمراوانِ وعُشَراوات وصحراوِىّ وهذا واضح

قال أبو على رحمه الله ليس بنت من ابن كصعْبٍة من صَعْبٍ إِنما تأنيث ابن على لفظه ابنة والأمرعلى ما ذَكَر

فإن قلت فهل في بنت وأُخت عَلَم تأنيث أوْلا

قيل بل فيهما عَلَم تأنيث فإن قيل وما ذلك العَلَم قيل الصيغة فيهما علامة تأنيثهما وذلك أن أصل هذين الاسمين عندنا فَعَل بنَو واخَو بدلالة تكسيرهم إيّاهما على أفعالٍ في قولهم أبناء وآخاء قال بِشر بن المهلَّب

( وجدتم بنيكم دوننا إذا نُسِبتم وأىُّ بِني الآخاءِ تنبو مناسِبة )

فلمَّا عُدِلا عن فَعَلٍ إلى فِعْلٍ وفُعْلٍ وأبدلت لا ماهما تاء فصارتا بنتا وأُختا كان هذا العمل وهذه الصيغة عَلَما لتأنيثهما ألا تراك إِذا فارقْتَ هذا الموضع من التأنيث رفضت هذه الصيغة اٌلبتَّة فقلت في الإضافة إِليهما بَنَوِىّ وأَخَوِىّ كما أنك إِذا أضفت إلى ما فيه علامة تأنيث أزلتها اٌلبتة نحو حمراويّ وطَلْحِيّ وحُبْلَويّ فأمّا قول يونس بِنْتيّ وأخْتيّ فمردود عند سيبويه وليس هذا الموضع موضوعا للحكم بينهما وإن كان لقول يونس اصول تجتذبه وتسوِّغه


202

وكذلك إن قلت إذا كان سيبويه لا يَجمع بين ياءي الإضافة وبين صيغة بنت وأخت من حيث كانت الصيغة عَلمَا لتأنيثهما فلَمِ صرفهما عَلَمين لمذكَّر وقد أثبتَ فيهما علامة تأنيث بفكّها ونقضها مع ما لا يجامع علامة التأنيث من ياءي الإضافة في بَنَوِيّ وأَخَوِيّ فإذا أثبتَ في الاسمين بها علامة للتأنيث فهلاَّ منع الاسمين الصرفَ بها مع التعريف كما تمنع الصرف بإجتماع التأنيث إلى التعريف في نحو طلحة وحمزة وبأنهما فإن هذا أيضا ممّا قد أجبنا عنه في موضع آخر

وكذلك القول في تاء ثنتان وتاِء ذَيْتَ وَكْيت وِكلْتَى التاء في جميع ذلك بدل من حرف علَّة كتاِء بنت وأخت وليست للتأنيث إنما التاء في ذيَّة وكيَّة واثنتان وابنتان للتأنيث

فإن قلت فمن أين لنا في علامات التأنيث ما يكون معنى لا لفظا قيل إذا قام الدليل لم يلزم النظير وأيضا فإن التاء في هذا وإن لم تكن للتأنيث فإنها بدل خص التأنيث والبدل وإن كان كالأصل لأنه بدل منه فإنه له أيضا سبها بالزائد من موضع آخر وهو كونه غير أصل كما أن الزائد غير أصل ألا ترى إلى ما حكاه عن أبي الخطاب من قول بعضهم في راية راءة بالهمز كيف شبه ألف


203
راية وأن كانت لا بدلا من العين بالألف الزائدة فهمز اللام بعدها كما يهمزها بعد الزائدة في نحو سقاء وقضاء وأما قول أبي عمر إن التاء في كلتى زائدة وإن مثال الكلمة بها فعتل فمردود عند أصحابنا لما قد ذكر في معناه من قولهم إن التاء لا تزاد حشوا إلا في افتعل وما تصرف منه ولغير ذلك

غير أني قد وجدت لهذا القول نحوا ونظيرا وذلك فيما حكاه الأصمعيّ من قولهم للرجل القَوّاد الكَلْتَبان وقال مع ذلك هو من الكَلَب وهو القيادة فقد ترى التاء على هذا زائدة حَشْوا ووزنه فَعْتَلان ففي هذا شيئان أحدهما التسديد من قول أبي عُمَر والآخر إثبات مثال فائت للكتاب وأمثلُ ما يصرف إليه ذلك أن يكون الكَلَب ثلاثيّا والكَلْتَبان رباعيّا كزَرِم وازرَأم وضَفِد واضفأَدّ وكزغَّب الفَرْخ وازْلَغبّ ونحو ذلك من الأصلين الثلاثيّ والرباعيّ المتداخِلين وهذا غَوْر عَرَض فقلنا فيه ولنعد

ومن ذلك ان يَرِد اللفظان عن العالمِ متضادَّين على غير هذا الوجه وهو أن يحكم في شىء بحكمٍ مّا ثم يَحكم فيه نفِسه بضدّه غير انه لم يعلّل أحد القولين فينبغى حينئذ أن ينظر إلى الأليق بالمذهب والأجرى على قوانينه فيجعل هو المراد المعتزَم منهما ويتأوًّل الآخَر إن أمكن


204
وذلك كقوله حتّى الناصبة للفعل وقد تكرر من قوله انها حرف من حروف الجرّ وهذا ناف لكونها ناصبة له من حيث كانت عواملُ الأسماء لا تباشر الأفعال فضلا عن أن تُعمل فيها وقد استقرّ من قوله في غير مكان ذكْرُ عدّة الحروف الناصبة للفعل وليست فيها حتَّى فعلم بذلك وبنصِّه عليه في غير هذا الموضع أنّ أنْ مضمَرة عنده بعد حتَّى كما تضمَر مع اللام الجارّة في نحو قوله سبحانه ( لِيَغفرَ لك الله ) ونحو ذلك فالمذهب إذا هو هذا

ووجه القوِل في الجمع بين القولين بالتأويل أن الفعل لمَّا انتصب بعد حتى ولم تظهر هناك أنْ وصارت حتَّى عوضا منها ونائبة عنها نَسَب النصب إلى حتَّى وإن كان في الحقيقة ل أنْ

ومثله معنَى لا إعرابا قول الله سبحانه ( وما رميتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ الله رمى ) فظاهر هذا تنافٍ بين الحالتين لأنه أثبت في أحِد القولين ما نفاه قبله وهو قوله ما رميت إذ رميت ووجه الجمع بينهما أنه لمَّا كان الله أقدره على الرمى ومكَّنه منه وسدّده له وأمره به فأطاعه في فعله نسب الرمي إلى الله وإن كان مكتسبَا للنبي صلى الله عليه وسلم مشاهَدا منه

ومثله معنًى قولُهم أذَّن ولم يؤذّن وصَلىّ ولم يصلّ ليس أن الثاني ناٍف للأَوَّل لكنه لمَّا لم يَعتقد الأوّل مُجزِئا لم يثبته صلاةً ولا أذانا


205
وكلام العرب لمن عرفه وتدرب بطريقها فيه جارٍ مجرى السِحْر لَطَفا وإن جسا عنه اكثر من ترى وجفا

ومن ذلك أن يرِد اللفظان عن العالمِ متضادّين غير أنه قد نَصَّ في أحدهما على الرجوع عن القول الآخَر فيعلم بذلك أن رأيه مستقِرّ على ما أثبته ولم ينفهِ وان القول الآخَر مطَّرَح من رايه

فإن تعارض القولان مرسَلين غير مُبانٍ احدُهما من صاحبه بقاطع يحكم عليه به بُحث عن تاريخهما فعلم أن الثاني هو ما اعتزمه وان قوله به انصراف منه عن القول الأوّل إذ لم يوجد في أحدهما ما يُمَاُز به عن صاحبه

فإن استبَهم الأمرُ فلمُ يعرف التاريخ وجب سَبْر المذهبين وإنعام الفَحص عن حال القولين فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه وجب إحسان الظنّ بذلك العالمِ وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله الثاني الذي به يقول وله يعتقد وان الأضعف منهما هو الأوّل منهما الذي تركه إلى الثاني فإن تساوى القولان في القوة وجب أن يُعتقد فيهما أنهما رأيان له فإنّ الدواعي إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التى دعت القائل بهما إلى ان اعتقد كلاّ منهما

هذا بمقتضى العُرْف وعلى إحسان الظن فأمّا القطع الباتّ فعند الله علْمه وعليه طريق الشافعيّ في قوله بالقولين فصاعداً وقد كان ابو الحسن ركّابا لهذا الثّبَج آخذاً به غير محتشِم منه واكثرُ كلامه في عامة كتبِه عليه وكنت إذا


206
ألزمْتُ عند أبي علي رحمه الله قولا لأبي الحسن شيئاً لا بدّ للنظر من إلزامه إيّاه يقول لي مذاهب أبي الحسن كثيرة

ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتَبَّع به كلام سيبويه وسمّاه مسائل الغَلَط فحدّثني أبو عليّ عن أبي بكر أن أبا العبّاس كان يعتذر منه ويقول هذا شئ كنّا رأيناه في أيّام الحَدَائِة فأما الآن فلا وحدثنا أبو عليّ قال كان أبو يوسف إذا أفتى بشئ أو أمَلّ شيئا فقيل له قد قلتَ في موضع كذا غيرَ هذا يقول هذا يعِرفه من يعرِفه أي إذا أُنعِم النظر في القولين وجُدِا مَذْهبا واحدا

وكان أبو عليّ رحمه الله يقول في هَيْهاتَ أنا أفتى مرّة بكونها اسما سمّى بِه الفعل كصَهْ ومَهْ وأُفتى مّرة أخرى بكونها ظَرفا على قدر ما يحضُرني في الحال

وقال مرّة أخرى إنها وإن كانت ظرفا فغير ممتنِع أن تكون مع ذلك اسما سمّى به الفعل كعندك ودونك وكان إذا سمع شيئا من كلام أبي الحسن يخالف قولهَ يقول عكَّر الشيخ وهذا ونحوه من خِلاِج الخاطر وتعادى المناظرِ هو الذي دعا أقواما إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلّة واحتملوا أثقال الصَّغَاِر والذِّلّة


207

وحدّثني أبو علي قال قلت لأبي عبد الله البصريّ أنا أعجب من هذا الخاطِر في حضورهِ تارة ومغيبِه أخرى وهذا يدّل على أنه مِن عنِد اللِه فقال نعم هو من عند اللهِ إلا أنه لا بدّ من تقديم النظرِ ألا ترى أن حاِمدا البقّال لا يخطر له

ومن طريف حديث هذا الخاطِر أنني كنت منذ زمان طويلِ رأيت رأيا جمعت فيه بين معنى آيةِ ومعنى قول الشاعر

( وكنت أمشي على رِجْلين معتدلاِ فصرت أمشي على أخرى من الشجرِ )

ولم أُثبت حينئذٍ شرح حال الجمع بينهما ثقةً بحضوره متى استحضرتُه ثم إني الآن وقد مضى له سِنون أعان الخاطر وأستثمِده وأفانِيِه وأتودّده على أن يسمح لي بما كان أرانِيه من الجمع بين معنى الآية والبيت وهو معتاصٌ متأبً وضَنين به غير مُعطٍ

وكنت وأنا أنسخ التذكرِة لأبي عليّ إذا مَّر بي شئ قد كنت رأيت طَرَفا منه أو الممتُ به فيما قبل أقول له قد كنتُ شارفت هذا الموضع وتلوَّح لي بعضُه ولم أنتِه إلى آخره وأراك أنت قد جئت بِه واستوفيته وتمكّنت فيه فيتبسمّ رحمه الله له ويتطلّق إليه سرورا باستماعه ومعرفة بقدْرِ نعمةِ الله عنِده فيه وفي أمثاله


208

وقلت مرّة لأبي بكر أحمد بن علي الرازيّ رحمه الله وقد افَضْنا في ذكر أبي عليّ ونُبْلِ قَدْره ونباوة محلِّهِ أحسب أن أبا عليّ قد خطر له وانتزَع من عِلل هذا العلِم ثلثَ ما وقع لجميع أصحابنا فأصغى أبو بكر إليه ولم يتبشّع هذا القول عليه

وإنما تبّسطت في هذا الحديث ليكون باعثا على إرهاف الفكر واستحضارِ الخاطرِ والتطاولِ إلى ما أوفى نَهْدُه وأوعر سَمْتُه وبالله سبحانه الثقة باب في الدَوْر والوقوِف منه على أوّل رُتْبة

هذا موضع كان أبو حنيفة رحمه الله يراه ويأخذ بِه وذلك أن تؤدّي الصنعة إلى حكمٍ مّا مثلُه مما يقتضي التغيير فإن أنت غيّرت صرت أيضاً إلى مراجعة مثِل ما منه هَرَبت فإذا حَصَلت على هذا وجب أن تقيم على أوَّل رُتْبٍة


209
ولا تتكلّف عناء ولا مشقّة وأنشدنا أبو عليّ رحمه الله غير دَفْعة بيتا مَبْنَى معناه على هذا وهو

( رأى الأمر يُفْضِي إلى آخِرٍ فصيرّ آخِرَه أوّلا )

وذلك كأن تبنى من قِويت مثل رِسالة فتقول على التذكير قِواءة وعلى التأنيث قِواوة ثم تكّسرها على حدّ قول الشاعر

( مواِلىَ حِلْفٍ لا موالىِ قرابةٍ ولكن قَطِينا يُحْلَبُون الأتاويِا )

جمع إتاوة فيلزمك أن تقول حينئذ قَوَاوٍ فتجمع بين واوين مكتنفتي ألِفِ التكسير ولا حاِجز بين الأخيرة منهما وبين الطَّرِفَ

ووجه ذلك أن الذي قال الأوتاِويا إنما أراد جمع إتاوة وكان قياسه أن يقول أتَاوَى كقوله في عِلاوةٍ وهِراوة عَلاَوى وهراوى غير أنّ هذا الشاعر سلك طريقا أخرى غير هذه وذلك أنه لما كّسر إتاوة حدث في مثال التكسير همزةٌ بعد ألفه بدلا من ألِف فِعالة كهمزِة رسائل وكنائن فصار التقدير بهِ إلى أتاءٍ ثم تبِدل من كسرِة الهمزِة فتحة لأنها عارضة في الجمع واللام معتلّة


210
كباب مطايا وعطايا فتصير حينئذ إلى أتاَءَى ثم تبدل من الياء ألفا فتصير إلى أتاءا ثم تبدل من الهمزة واوا لظهورها لاما في الواحد فتقول أَتَاَوى كعَلاَوَى وكذا تقول العرب في تكسير إتاوةٍ أَتَاَوى غير أنّ هذا الشاعر لو فعل ذلك لأفسد قافيته فاحتاج إلى إقرارِ الكسرة بحالها لتِصِحّ بعدها الياء التي هي رَوِىّ القافيةِ كما معها من القوافي التي هي الروابيا والأدانيا ونحو ذلك فلم يَستجِزْ أن يُقِرّ الهمزة العارضة في الجمع بحالها إذ كانت العادة في هذه الهمزة أن تُعلّ وتُغيرَّ إذا كانت اللام معتلّة فراى إبدال همزة أَتاءٍ واوا ليزول لفظ الهمزة التي من عادتها في هذا الموضع أن تعلّ ولا تصحّ لما ذكرنا فصار الأتاوِيا

وكذلك قياس فِعالة من القوّة إذا كُسِّرت أن تصير بها الصنعة إلى قَوَاءٍ ثم تبدل من الهمزة الواو كما فَعَل مَنْ قال الأتاوِيا فيصير اللفظ إلى قواوٍ

فإن أنت استوحشت من اكتناف الواوين لألف التكسير على هذا الحدّ وقلت أَهْمِزُ كما هَمَزتُ في أوائل لزمك أن تقول قَوَاءٍ ثم يلزمك ثانيا أن تبدل من هذه الهمزة الواو على ما مضى من حديث الأتاويا فتعاوِد أيضا قواوٍ ثم لا تزال بك قوانين الصنعة إلى أن تبدل من الهمزة الواو ثم من الواو الهمزةَ ثم كذلك ثم كذلك إلى ما لا غاية فإذا أدّت الصنعة إلى هذا ونحوه وجبت الإقامة على أوّل رُتْبة منه وألاّ تتجاوز إلى أمر تُرَدّ بعد إِليها ولا تُوَجد سبيلا ولا منصرفَاً عنها


211

فإن قلت إن بين المسألتين فرقا وذلك أن الذي قال الأتاويا إنما دخل تحت هذه الكُلْفة والتزم ما فيها من المشقّة وهي ضرورة واحدة وأنت إذا قلت في تكسير مثال فعالة من القوّة قَوَاوٍ قد التزمت ضرورتين إحداهما إبدالك الهمزة الحادثَة في هذا المثال واوا على ضرورة الأتَاويا والأخرى كَنْفك الألف بالواوين مجاورا آخِرهما الطَرَف فتانِك ضرورتان وإنما هي في الأتاويا واحدة وهذا فرق يقود إلى اعتذار وترك

قيل هذا ساقط وذلك أن نفس السؤال قد كان ضَمِن ما يُلغي هذا الاعتراض ألا ترى انه كان كيف يكسّرِ مثال فِعالة من القوة على قوِل من قال الأتاويا والذي قال ذلك كان قد أبدل من الهمزة العارضة في الجمع واوا فكذلك فأبِدلْها أنت أيضا في مسألتك فأما كون ما قبلَ الألِف واوا او غير ذلك من الحروف فلم يتضمّن السؤالُ ذِكرا له ولا عَيْجًا بهِ فلا يغنى إذاً ذكره ولا الاعتراض على ما مضى بحديثهِ أفلا ترى أن هذا الشاعر لو كان يسمح نفسا بأن يُقر هذه الهمزة العارِضة في أتاٍء مكسورة بحالها كما أقرَّها الآخَر في قوله

( له ما رأت عينُ البصير وفوقه سماءُ الإله فوق سبع سمائيا )


212

وكان أبو عليّ ينشدناه

( فرق ستّ سمائيا ) لقال الأتائيا كقوله

( سمائيا ) فقد علمت بذلك شِدّة نفوره عن إقرار الهمزِة العارضةِ في هذا الجمع مكسورة

وإنما اشتدّ ذلك عليه ونبا عنه لأمر ليس موجودا في واحد سمائيا الذي هو سماء وذلك أن في إتاوة واوا ظاهرة فكما أبدل غيره منها الواو مفتوحة في قوله الأتاوَى كالعَلاوَى والهَرَاوَى تنبيها على كون الواو ظاهرة في واحده أعنى إتاوة كوجودها في هراوة وعِلاوة كذلك أبدل منها الواو في أتاوٍ وإن كانت مكسورة شُحًّا على الدلالة على حال الواحد وليس كذلك قوله

( فوق سبع سمائيا ) ألا ترى أن لام واحدة ليست واوا في اللفظ فتراعى في تكسيره كما روعيت في تكسير هِراوة وعِلاوة فهذا فرق كما تراه واضح نعم وقد يلتزم الشاعر لإصلاح البيِت ما تتجمَّع فيه أشياء مستكرهة لاشيئان اثنان وذلك أكثر من أن يحاط بِه فإذا كان كذلك لزِم ما رُمْناه و صحّ بِه ما قدّمناه

فهذا طريق ما يجئ عليه فقِس ما يرِد عليك به باب في الحمل على أحسن الأقجين

إعلم أن هذا موضع من مواضع الضرورة المُمَيَّلة و ذلك أن تُحِضرك الحاُل ضرورتين لا بدّ من أرتكاب إحداهما فينبغي حينئذ أن تَحمل الأمر على أقربهما و أقلِّهما فُحشا

و ذلك كواوِ وَرَنْتَل أنت فيها بين ضرورتين إحداهما أن تدّعي كونها أصلا في ذوات الأربعة غير مكرَّرة و الواو لا توجد في ذواتِ الأربعة إلا مع


213
التكرير نحو الوصوصة و الوحوحة و ضوضيت و قوقيت و الآخر أن تجعلها زائدة أولا و الواو لا تزاد أولا فإذا كان كذلك كان أن تجعلها أصلاً أولى من أن تجعلها زائدة و ذلك أن الواو قد تكون أصلاً في ذواتِ الأربعة على وجهٍ من الوجوه أعنى في حال التضعيف فأما أن تزاد أولا فإن هذا أمر لم يوجد على حال فإذا كان كذلك رفضته و لم تحمل الكلمة عليه

و مثل ذلك قولك فيها قائما رجل لمَّا كنت بين أن ترفع قائما فتقدِّم الصفة على الموصوف و هذا لا يكون و بين أن تنصب الحال من النكرة و هذا على قلّته جائز حملت المسئلة على الحال فنصبت

و كذلك ما قام إلاّ زيدا أحد عدلتَ إلى النصب لأنك إن رفعت لم تجد قبله ما تبِدلُه منه و إن نصبت دخلت تحت تقديم المستثنىَ على ما أستُثْنِى منه و هذا و إن كان ليس في قوِة تأخيرهِ عنه فقد جاء على كلّ حال فاعرف ذلك أصلا في العربية تحِملُ عليه غيره باب في حمل الشيء على الشيء من غير الوجه الذي أعْطَى الأوّلَ ذلك الحُكْمَ

أعلم أن هذا باب طريقة الشَبَه اللفضيّ و ذلك كقولنا في الإضافة إلى ما فيه همزة التأنيث بالواو و ذلك نحو حَمْراويّ و صفراويّ و عُشَراويّ و إنما قُلِبت الهمزة فيه و لم تُقَر بحالها لئلاَّ تقع علامةُ التأنيث حَشْوا فمضَى هذا على هذا لا يختلف


214

ثم إنهم قالوا في الإضافة إلى عِلْباء عِلْباوِيّ و إلى حِرْباء حِرْباويّ فأبدلوا هذه الهمزة و إن لم تكن للتأنيث لكنها لمَّا شابهت همزةّ حمراء و بابِها بالزيادة حملوا عليها همزة عِلباء و نحن نعلم أن همزة حمراء لم تُقلب في حمراويّ لكونها زائدة فتُشَبَّهَ بها همزةُ علباء من حيث كانت زائدة مثلها لكن لمّا أتّفقتا في الزيادة حُملت همزةُ علباء على همزة حمراء ثم إنهم تجاوزوا هذا إلى أن قالوا في كِساءِ و قَضَاٍء كِساويّ و قضاويّ فأبدلوا الهمزة واوا حملا لها على همزة عِلْباء من حيث كانت همزة كساءٍ و قضاءٍ مبدَلة من حرف ليس للتأنيث فهذه علَّة غير الأولى ألا تراك لم تبدِل همزة علباء واوا في علباويّ لأنها ليست للتأنيث فتحملَ عليها همزة كساءٍ و قضاٍء من حيث كانتا لغير التأنيث

ثم إنهم قالوا من بعدُ في قُرّاءٍ قُرّاويّ فشبّهوا همزة قُرّاء بهمزةِ كساء من حيث كانت أصلا غير زائدة كما أن همزة كساٍء غير زائدة و أنت لم تكن أبدلتَ همزة كساء فيِ كساويّ من حيث كانت غير زائدة لكن هذه أشباه لفظيّة يُحمل أحدها على ما قبله تشبُّثا بِه و تصوُّرا له و اليه و إلى نحوه أومأ سيبويه بقوله و ليس شيء يُضطَرُّون اليه إلاَّ وهم يحاولون بِه وجها

وعلى ذلك قالوا صحراوات فأبدلوا الهمزة واوا لئلا يجمعوا بين عَلَمي تأنيث ثم حملوا التثنية عليه من حيث كان هذا الجمع على طريق التثنية ثم قالوا عِلْبا وان حملا بالزيادة على حمراوان ثم قالوا كِساوان تشبيها له بعِلباوان ثم قالوا قُرّاوان حملا له على كساوان على ما تقدّم


215

وسبب هذه الحمول واِلإضافات والإلحاقات كثيرة هذه اللغة وسعتها وغلبة حاجة أهلها إلى التصرف فيها والتّركُّح في اثنائها لمِا يلابسونه ويكُثرون استعماله من الكلام المنثور والشعر الموزون والخُطَب والسُّجوع ولقوّة إحساسهم في كلّ شئ شيئا وتخيّلِهم مالا يكاد يَشعر بِه منَ لم يألف مذاهبهم

وعلى هذا ما مُنِع الصرف من الأسماء للشَّبَه اللفظيّ نحوُ أحمر وأصفر وأصرم وأحمد وتألَب وتْنضُب عَلَمين لِمَا في ذلك من شَبَه لفظ الفعل فحذفوا التنوين من الإسم لمشابهته مالا حِصَّة له في التنوين وهو الفعل والشبَّه اللفظيّ كثير وهذا كافٍ باب في الردّ على من ادّعى على العرب عنايتَها بالألفاظ وإغفالهَا المعاني

أعلم أن هذا الباب مِن أشرف فصول العربيَّة وأكرمها وأعلاها وأنزهها وإذا تأملته عرفت منه وبِه ما يؤِنقك ويذهب في الاستحسان له كل مَذْهَب بك

وذلك أن العرب كما تُعْنَى بألفاظها فُتصلحها وتهذِّبها وتراعيها وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة وبالُخَطب أُخرى وبالأسماع التي تلتزمها وتتكّلف استمرارها فإن المعانَي أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قَدْرا في نفوسها

فأوّل ذلك عنايتها بألفاظها فإنها لمَّا كانت عُنوان معانيها وطريقا إلى إظهار أغراضها ومراميها أصلحوها ورتّبوها وبالغوا في تحبيرها وتحسينها ليكون


216
ذلك أوقع لها في السمع وأذهبَ بها في الدلالة على القصد ألا ترى أن المثَلَ إذا كان مسجوعا لذَّ لسامعه فِحفظه فإذا هو حفظه كان جديرا باستعماله ولو لم يكن مسجوعا لم تأنس النفسُ وبهِ ولا أنِقت لمستمعه وإِذا كان كذلك لم تحفظه وإذا لم تحفظه لم تطالبِ أنفسها باستعمال ما وضع له وجئ بِه من أجله

وقال لنا أبو عليّ يوما قال لنا أبو بكر إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه فإنكم إِذا حفظتموه فهمتموه وكذلك الشعر النفس له أحفظ وإليه أسرع ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيا جِلْفا أو عبدا عَسِيفا تنبو صورته وتُمَجّ جُمْلُته فيقول ما يُقوله من الشعر فلأجل قبوله وما يورده عليه من طلاوتهِ وعذوبة مستمَعِه ما يصير قوله حُكْما يرجع إليه ويُقتاس بهِ ألا ترى إلى قول العبد الأسود

( إن كنتُ عبداً فنفسِي حُرَّة كرَماً أو أسودَ اللونِ إِني أبيض الخُلُقِ )

وقول نُصَيْب

( سِودت فلم أمِلك سوادِي وتحته قميصٌ من القُوهِيِّ بِيضٌ بنائِفُه )


217

وقول الآخر

( إِنِّي وإن كنتُ صغيرا سِنِّي وكان في العين نُبُوُّ عنيِّ )

( فإن شيطانِي أمِيرُ الجنِّ يذهبُ بي في الشِّعْر كلَّ فَنِّ )

( حتَّى يُزِيلَ عَنِّي التظنىِّ )

فإذا رأيتَ العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسَّنوها وحَمَوْا حواشيهَا وهذَّبوها وصقَلوا غُرُوبها وأرهفوها فلا تَرَيَنَّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خِدْمة منهم للمعاني وتنويه بها وتشريف منها ونظير ذلك إصلاح الوعاءِ وتحصينه وتزكيته وتقديسه وإِنما المبَغىُّ بذلك منه الاحتياط للموعى عليه وجِواره بما يُعَطِّر بَشَره ولا يَعُرُّ جوهَرَه كما قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما يهجِّنه ويَغضُّ منه كُدْرةُ لفظه وسوء العبارة عنه

فإن قلت فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقَّوه وزخرفوه ووشَّوه ودبَّجوه ولسنا نجد مع ذلك تحته معنىً شريفا بل لا نجده قَصْدا ولا مقارِبا ألا ترى إلى قوله


218

( ولمَّا قَضَينا من مِنيً كلَّ حاجةٍ ومسَّح بالأركان مَنْ هو ماسحُ )

( أخذنا بأطراِف الأحاديثِ بيننا وسالت بأعناق المطيِّ الأباطِحُ )

فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه وصِقالِه وتلامِح أَنحائه ومعناه مع هذا ما تحِسُّه وتراه إِنما هو لمَّا فرغنا من الحجّ ركبنا الطريق راجعين وتحدّثنا على ظهور الإبل ولهذا نظائر كثيرة شريفةُ الألفاظ رفيعتها مشروفة المعاني خفيضتها

قيل هذا الموضع قد سَبَق إلى التعلُّق بِه مَن لم يُنْعِم النظر فيه ولا رأى ما أراه القومُ منه وإنما ذلك لجفاءِ طبع الناظر وخفاء غرض الناطق وذلك أَن في قوله كل حاجة ما يفيد منه أهل النسيب والرّقَّة وذوو الأهواء والِمَقِة مالا يفيده غيرهم ولا يشاركهم فيه مَن ليس منهم ألا ترى أن من حوائج مِنًى أشياءَ كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواها لأن منها التلاقي ومنها التشاكي ومنها التخلّى إلى غير ذلك ممّا هو تالٍ له ومعقود الكون بِه

وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه بقوله في آخِر البيت

( ومسّح بالأركان من هو ماسح )


219

أي إنما كانت حوائجنا التي قضيَناها وآرابنا التي انضيناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق بهِ وجارٍ في الُقْربِة من الله مَجراه أي لم يتعدَّ هذا القَدْرَ المذكور إلى ما يحتمله أوّلُ البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح

وأمّا البيت الثاني فإنّ فيِه

( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا )

وفي هذا ما أذكره لتراه فتعجبَ ممنّ عجِب منه ووضع ِمن معناه وذلك أنه لو قال أخذنا في أحاديثنا ونحو ذلك لكان فيه معنىً يُكبِره أهل النسيب وتعنو له مَيْعة الماضي الصليب وذلك أنهم قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قُّدر الحديث بين الالِيفَين والفكاهة بِجمع شَمْل المتواصِليَن ألا ترى إلى قول الهذلى

( وإن حديثا منك لو تعلمينه جنى النحل في ألبان عُوٍذ مطافِلِ

وقال آخر

( وحديثها كالغيِث يسمعه راعى سنين تتابعتْ جَدْبا )

( فأصاخ يرجو أن يكون حَيًا ويقولُ من فرٍح هَيَا ربا )

وقال الآخر

( وحَدَّثْتني يا سعدُ عنها فزدتنِي جنوناً فِزدْني من حديثِك يا سعدُ )


220

وقال المولَّد

( وحديُثها السِّحْر الحلال لَو اٌنه لم يَجْنِ قتلَ المسلِم المتحرِّزِ )

الأبياتَ الثلاثة فإذا كان قدر الحديث مُرْسَلا عندهم هذا على ما ترى فكيف به إذا قيَّده بقوله بأطراف الأحاديث وذلك أن في قوله أطراف الأحاديث وَحْيا خفيّا ورمزا حُلْوا ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبُّون ويتفاوضه ذوو الصبَابِة المتيَّمون من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفا ومصارحة وجهرا وإذا كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشدُّ تقدُّما في نفوسهم من لفظهما وإن عذُب موقعه وأنِق له مستمِعه

نعم وفي قوله

( وسالت بأعناق المطيّ الأباطح )

من الفصاحة مالا خفاء بِه والأمر في هذا أسْير وأعرف وأشهر

فكأن العرب إنما تحلىِّ ألفاظها وتدبجها وتَشيِها وتزخرِفها عنايةً بالمعاني التي وراءها وتوصُّلا بها إلى إدراك مطالبها وقد قال رسول الله ص ‌ إنّ من الشعر لحكما وإنّ من البيان لسِحرا فإذا كان رسول الله ص ‌ يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم التي جُعِلت مصايد وأشراكا للقلوب وسَبَبا وسُلَّما إلى تحصيل المطلوب عُرِف بذلك أن الألفاظ خَدَم للمعاني والمخدوم لاشكّ أشرفُ من الخادم


221

والأخبار في التلطّف بعذوبة الألفاظ إلى قضاء الحوائج أكثر من أن يؤتى عليها أو يُتجشَّم للحال نعت لها ألا ترى إلى قول بعضهم وقد سأل آخر حاجة فقال المسئول إن علىَّ يمينا ألاّ أفعلَ هذا فقال له السائل إن كنت أيَّدك الله لم تحلف يمينا قطُّ على أمرٍ فرأيت غيره خيرا منه فكفَّرت عنها له وأمضيته فما أُحِبُّ أن أُحْنِثك وإن كان ذلك قد كان منك فلا تجعلنى أدون الرجلين عندك فقال له سحرتنى وقضى حاجته

وندع هذا ونحوه لوضوحه ولنأخذ لما كنا عليه فنقول

مما يدل على اهتمام العرب بمعانيها وتقدمها في أنفسها على ألفاظها أنهم قالوا في شمللت وصعررت وبيطرت وحوقلت ودهورت وسلقيت وجعبيب إنها ملحقة بباب دحرجت وذلك أنهم وجدوها على سمتها عدد حروف وموافقة بالحركة والسكون فكانت هذه صناعة لفظية ليس فيها أكثر من إلحاقها ببنائها واتساع العرب بها في محاوراتها وطرق كلامها

والدليل على أن فعللت وفعيلت وفوعلت وفعليت ملحقة بباب دحرجت مجىء مصادرها على مثل مصادر باب دحرجت وذلك قولهم الشمللة والبيطرة والحوقلة والدهورة والسَلْقاة والجَعْباة فهذا ونحوه كالدحرجة والهملجةِ


222
والقوقاِة والزوزاِة فلمّا جاءت مصادرها على مصادر الرباعيّة والمصادر أصول للافعال حكِم بإلحاقها بها ولذلك استمرّت في تصريفها استمرار ذوات الأربعة فقولك بَيْطِر يُبَيِطر بَيْطرة كدحرج يدحرج دحرجة ومُبَيِطر كمدحرج وكذلك شملل يشملِل شمللة وهو مُشَملِل فظهور تضعيفه على هذا الوجه اوضح دليل على إرادة إلحاقه ثم إنهم قالوا قاتل يقاتل قِتالا ومقاتَلة وأكرم يكرم إكراما وقطَّع يقطع تقطيعا فجاءوا بأفعلَ وفاعَل وفعَّل غير ملَحقة بدحرج وإن كانت على سَمْتِه وبِوزنِه كما كانت فعلل وفَيْعَل وفَوْعَل وفَعْوَل وفَعْلَى على سَمْته ووزنه ملحقة والدليل على ان فاعَل وأفعَل وفعَّل غير ملحَقة بدحرج وبابِه امتناع مصادرها أن تأتي على مثال الفَعْلَلة ألا تراهم لا يقولون ضارب ضاَربة ولا اكرم أَكْرَمة ولا قَطَّع قَطّعةً فلمَّا امتنع فيها هذا وهو الِعبْرة في صحَّة الإلحاق عُلِم أنها ليست ملحَقة بباب دَحْرَج

فإذا قيل فقد تجىء مصادرها من غير هذا الوجه على مثال مصادر ذوات الاربعة ألا تراهم يقولون قاتل قِيتالا وأكرم إكراما ( وكذَّبوا بآياتنا كِذَّابا ) فهذا بوزن الدِحراج والسِرْهاف والزِلزال والِقلقال قال

( سَرْهَفْتُه ما شئتَ من سِرهافِ )


223
قيل الاعتبار بالإلحاق بها ليس إلاَّ من جهة الفَعْلَلة دون الفعْلال وبِه كان يعتبر سيبويه ويدلّ على صحَّة ذلك ان مثال الفعللة لا زيادة فيه فهو بَفْعَلل أشبه من مثال الفِعلال والاعتبار بالأصول أشبه منه وأوكد منه بالفروع

فإن قلت ففي الفعللة الهاء زائدة قيل الهاء في غالب امرها وأكثر أحوالها غير معتدَّةٍ من حيث كانت في تقدير المنفصلة

فإن قيل فقد صحَّ إذًا أن فاعَل وأفعل وفعّل وإن كانت بوزن دحرج غير ملحَقة به فلِم لم تلحَق بِه قيل العلَّة في ذلك أن كلّ واحد من هذه المُثُل جاء لمعنىً فأفعلَ للنقل وجعلِ الفاعلِ مفعولا نحو دخل وأدخلته وخرج وأخرجته ويكون أيضا للبلوغ نحو أحصدَ الزرعُ وأركَبَ الُمْهُر وأَقطفَ الزرعُ ولغير ذلك من المعاني وأمَّا فاعَل فلكونه من اثنين فصاعدا نحو ضاربَ زيد عمرا وشاتم جعفر بِشرًا وأما فعَّل فللتكثير نحو غلَّق الأبواب وقطَّع الحِبال وكسَّر الجِرَار

فلمّا كانت هذه الزوائد في هذه الُمُثِل إنما جىء بها للمعاني خَشُوا إن هم جعلوها ملحَقة بذوات الأربعة أن يقدّر أن غرضهم فيها إنما هو إلحاق اللفظ باللفظ نحو شملل وجهور وبيطر فتنكَّبوا إلحاقها بها صوناً للمعنى وذَباً عنه أن يُستهلَك ويسقط حكمه فأخلُّوا بالإلحاق لمَّا كان صناعة لفظيَّة ووقَّروا المعنى


224
ورجَّبوه لشرفه عندهم وتقدّمه في أنفسهم فرأواُ الإخلال باللفظ في جنب الإخلال بالمعنى يسيرا سهلا وحَجْما مْحتقَرا وهذا الشمسُ إنارةً مع أدنى تأمّل

ومن ذلك أيضا أنهم لا يلِحقون الكلمة من أوّلها إلا أن يكون مع الحرف الأوّل غيره ألا ترى ان مَفْعلا لما كانت زيارته في أوّله لم يكن ملحَقا بها نحو مَضْرَب ومَقْتَل وكذلك مِفْعَل نحو مِقطَع ومِنْسَج وإن كان مَفْعل بوزن جعفر ومفعل بوزن هِجْرَع يدلُّ على أنهما ليسا ملحَقين بهما ما نشاهده من ادّغامهما نحو مَسَدّ ومَرَدّ ومِثلّ ومِشَلّ ولو كانا ملحقين لكَانا حَرًى ان يخرجا على أصولهما كما خرج شملَل وصعررَ على أصله فأمَّا مَحْبَب فَعلَم خرج شاذَّا كتَهْلَلٍ ومَكوزة ونحو ذلك مما احتُمِل لعَلَميتَّه

وسبب امتناع مَفْعٍل ومِفْعَلٍ أن يكونا ملحَقَين وإن كانا على وزن جَعْفَر وهِجْرَع أن الحرف الزائد في أوّلهما وهو لِمعنى وذلك أن مَفْعَلاً يأتي للمصادر نحو ذهب مَذْهَبا ودخل مَدْخلا وخرج مخرجا ومِفْعَلاً يأتي للآلات والمستعملات نحو مِطْرق ومِرْوَحٍ ومِخصَفٍ ومِئزرٍ فلما كانت الميمان ذواتَيْ معنىً خَشُوا إن هم ألحقوا بهما أن يتوهّم أن الغرض فيهما إنما هو الإلحاق حَسْبُ فُيستهلَكَ المعنى المقصودُ بهما فتحامَوُا الإلحاق بهما ليكون ذلك موفِّرا على المعنى لهما

ويدلّك على تمكنّ المعنى في أنفسهم وتقدّمه للفّظ عندهم تقديمُهم لحرف المعنى في أوّل الكلمة وذلك لقوّة العناية بِه فقدّموا دليله ليكون ذلك أَمَارة لتمكّنه عندهم


225

وعلى ذلك تقدّمت حروف المضارعة في أوّل الفعل إذ كُنّ دلائل على الفاعِلِين مَنْ هم وماهم وكم عِدّتهم نحو أفعل ونفعل وتفعل ويفعل وحكموا بضدّ هذا لِلّفظ ألا ترى إلى ما قاله أبو عثمان في الإلحاق إن أقْيَسه ان يكون بتكرير اللام فقال باب شمللت وصعررت أقيس من باب حوقلت وبيطرت وجهورت

أفلا ترى إلى حروف المعاني كيف بابها التقدّم وإلى حروف الإلحاق والصناعة كيف بابها التأخّر فلو لم يعرف سبق المعنى عندهم وعلوه في تصوّرهم إلا بتقدّم دليله وتأخّر دليل نقيضه لكان مغنيا من غيره كافيا

وعلى هذا حَشَوا بحروف المعاني فحصَّنوها بكونها حَشْوا وأمِنوا عليها ما لا يؤمن على الأطراف المعرَّضة للحذف والإجحاف وذلك كألف التكسير وياء التصغير نحو دراهم ودُرَيهم وقماطر وقُميِطر فجَرت في ذلك لكونها حَشْوا مجرى عين الِفْعل المحصَّنة في غالب الامر المرفوعة عن حال الطرفين من الحذف ألا ترى إلى كثرة باب عِدَة وزنه وناسٍ والله في أظهر قولَيْ سيبويه وما حكاه أبو زيد من قولهم لاَبَ لك وويِلمِه


226
ويابا المغيرة وكثرة باب يدٍ ودٍم وأٍخ وأبٍ وغَدٍ وهَنٍ وحِرٍ واٌست وباب ثُبَهٍ وقُلَةٍ وعِزَةٍ وقِلَّة باب مُذْ وسَهٍ إنما هما هذان الحرفان بلا خلاف وأما ثُبة ولِثة فعلى الخلاف فهذا يدلّك على ضنّهم بحروف المعاني وشُحّهم عليها حتى قدّموها عناية بها أو وسَّطوها تحصينا لها

فإن قلت فقد نجد حرف المعنى آخِراً كما نجده أوّلا ووَسَطا وذلك تاء التأنيث والف التثنية وواو الجمع على حَدّه والألف والتاء في المؤنّث وألفا التأنيث في حمراء وبابها وسَكْرَى وبابها وياء الإضافة كهنىّ فما ذلك

قيل ليس شىء مما تأخَّرت فيه علامة معناه إلا لعاذر مُقْنِع وذلك أن تاء التأنيث إِنما جاءت في طلحة وبابِها آخِراً من قِبلِ أنهم أرادوا أن يُعرَّفونا تأنيث ما هو وما مذكَّره فجاءوا بصورة المذكَّر 4كاملة مصحَّحة ثم ألحقوها تاء التأنيث ليُعْلموا حال صورة التذكير وأنه قد استحال بما لحقه إلى التأنيث فجمعوا بين الأمرين ودلّوا على الغرضين ولوجاءوا بعَلَم التأنيث حَشْواً لا نكسر المثال ولم يعلم تأنيث أيّ شىء هو


227

فإن قلت فإن ألف التكسير وياء التحقير قد تكسِران مثال الواحد والمبكَّر وتخترمان صورتيهما لأنهما حشولا آخر وذلك قولك دفاتر ودُفيتر وكذلك كليب وحُجَير ونحو ذلك قيل أمّا التحقير فإنه أحفظ للصورة من التكسير ألا تراك تقول في تحقير حبلى حُبَيْلَى وفي صحراء صُحَيْرَاء فُتقِرّ ألف التأنيث بحالها فإذا كسَّرت قلتَ حبالَى وصحارىَ وأصل حبالَى حبالٍ كدعاوٍ تكسيِر دعوى فتغيّر عَلَم التأنيث وإنما كان الأمر كذلك من حيث كان تحقير الإسم لا يخرجه عن رُتْبته الأولى أعنى الإفراد فأُقِرَّ بعض لفظه لذلك وأمّا التكسير فيبعده عن الواحد الذي هو الأصل فيحتمل التغيير لا سيمَّا مع اختلاف معاني الجمع فوجب اختلاف اللفظ وأمّا ألف التأنيث المقصورة والممدودة فمحمولتان على تاء التأنيث وكذلك عَلَم التثنية والجمع على حدّة لاحق بالهاء أيضا وكذلك ياء النسب وإذا كان الزائد غير ذي المعنى قد قوى سببه حتى لحق بالأصول عندهم فما ظنُّك بالزائد ذي المعنى وذلك قولهم في اشتقاق الفعل من قَلَنْسُوة تارة تَقَلْنَس وأخرى تَقَلْسَى فأقرّوا النون وإن كانت زائدة وأقرّوا أيضا الواو حتى قلبوها ياء في تقلسيت وكذلك قالوا قَرْنُوَة فلما اشتقُّوا الفعل منها قالوا قرنيت السِّقَاء فأثبتوا الواو كما أثبتوا بقَّية حروف الأصل من القاف والراء والنون ثم قلبوها ياء في قَرنْيت هذا مع أن الواو في قَرْنُوةٍ زائدة للتكثير والصيغة لا للإحاق ولا للمعنى وكذلك الواو في قَلَنْسُوة للزيادة غير الإلحاق وغير المعنى وقالوا في نحوه تعفرت الرجل إذا


228
صار عفريتا فهذا تَفْعَلت وعليهِ جاء تَمَسْكن وتَمَدْرَع وتمنطق وتمنْدَل ومَخْرق وكان يسمَّى محمدا ثم تَمَسْلم أي صار يسمَّى مُسْلِما ومَرْحَبَك اللهُ ومَسْهَلك فتحمَّلوا ما فيه تبقية الزائد مع الأصل في حال الاشتقاق كلُّ ذلك توفِية للمعنى وحراسة له ودِلالة عليه ألا تراهم إذْ قالوا تدرَّع وتسكَّن وإن كانت أقوى اللغتين عند أصحابنا فقد عرَّضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم أمِن الدرِع والسكون امِ من المدرعة والمَسْكنة وكذلك بقيَّة الباب

ففي هذا شيئان أحدهما حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى أقرّوه إقرار الأصول والآخَر ما يوجبه ويَقضي بِه من ضعف تحقير الترخيم وتكسيره عندهم لمَا يقضي بِه ويُفضِى بك إليه من حذف الزوائد على معرفتك بُحرْمتها عندهم

فإن قلت فإذا كان الزائد إذا وقع أوّلا لم يكن للإلحاق فكيف ألحقوا بالهمزة في أَلَنْددٍ وأَلَنْجَج وبالياء في يَلَنْددٍ ويَلَنْجَج والدليل على الإلحاق ظهور التضعيف قيل قد قلنا قَبْلُ إنهم لا يلحقون الزائد من أوّل الكلمة إلا أن يكون معه زائد آخَر فلذلك جاز الإلحاق بالهمزة والياءِ في ألَنْدَدٍ ويَلَنْدَدٍ لمَّا انضم إلى الهمزة والياء النون


229

وكذلك ما جاء عنهم من إنْقَحْلٍ في قول صاحب الكتاب ينبغي أن تكون الهمزة في أوّله للإلحاق بما اقترن بها من النون بباب جِرْدَحْلٍ ومثله ما رويناه عنهم من قولهم رجل إِنْزَهْوٌ وامرأة إِنْزَهْوة ورجال إنْزَهَوْوُن ونساء إنْزَهْوات إذا كان ذا زَهْوٍ فهذا إذًا إنْفَعْل ولم يحك سيبويه من هذا الوزن إلا إنقحلا وحده وأنشد الأصمعي رحمه الله

( لمَّا رأتني خَلَقًا إنْقَحْلا )

ويجوز عندي في إنزهوٍ غيرُ هذا وهو ان تكون همزته بدلا من عين فيكون أصلَه عِنْزَهْو فِنْعَلْو من العِزْهَاة وهو الذي لا يقربُ النساء والتقاؤهما أن فيه انقباضا وإعراضا وذلك طَرَف من أطراف الزهو قال

( إذا كنت عِزْهاةً عن اللهو والصِّبَا فكن حَجَرا مِن يابِس الصخرِ جَلْمَدا )

وإذا حملته على هذا لحِق ببابٍ أوسع من إنقحل وهو باب قِنْدَأْوٍ وسِنْدَأْوٍ وحِنْطَأوٍ وِكْنَتأْوٍ

فإن قيل ولِم لمّا كان مع الحرف الزائد إذا وقع أوَّلا زائدٌ ثانٍ غيرُه صارا جميعا للإلحاق وإذا انفرد الأوّل لم يكن له قيل لِمَا كنّا عليه من غلبة المعاني للألفاظ على ما تقدّم


230

وذلك أن أصل الزيادة في أوّل الكلمة إنما هو للفعل وتلك حروف المضارعة في أفعلُ ونَفْعلُ وتفعلُ ويفعلُ وكلّ واحد من أدِلّة المضارعة إنما هو حرف واحد فلمّا انضّم إليهِ حرف آخَر فارق بذلك طريقة في باب الدلالة على المعنى فلم يُنكَر أن يُصار بِه حينئذٍ إلى صَنْعة اللفظ وهي الإلحاق

ويدلّك على تمكّن الزيادة إذا وقعت أوّلا في الدلالة على المعنى تركُهم صرف أحمد وأرمل وأزمَل وتَنْضُبٍ ونَرِجْسٍ معرفة لأن هذه الزوائد في أوائل الأسماء وقعت موقع ما هو أقعد منها في ذلك الموضع وهي حروف المضارعة فمضارع أحمدُ أركب وتَنْضُب تقتل ونرجس نضرِب فحمل زوائد الأسماء في هذا على أحكام زوائد الأفعال دلالة على أن الزيادة في أوائل الكَلِم إنما بابها الفعل

فإن قلت فقد نجدها للمعنى ومعها زائد آخَر غيرها وذلك نحو ينطلق وأَنطِلق وأَحرنِجم ويخرنِطم ويقعنسِس قيل المزيد للمضارعة هو حرفها وحده فأما النون فمصوغة في حشو الكلمة في الماضي نحو احرنجم ولم تجتمع مع حرف المضارعة في وقت واحد كما التقت الهمزة والياء مع النون في ألنجج ويلنددٍ في وقت واحد

فإن قلت فقد تقول رجل ألدّ ثم تُلِحق النون فيما بعد فتقول ألندد فقد رأيت الهمزة والنون غير مصطحِبتَين قيل هاتان حالان متعاديتان وذلك ان ألدّ ليس من صيغة ألندد في شىء إنما ألدّ مذكر لَدَّاء كما أن أصمّ تذكير صمَّاء وامّا ألندد فهمزته مرتجَلة مع النون في حال واحدة ولا يمكنك أن تدَّعى أن احرنجم لمّا صرت إلى مضارِعِه فككتَ يَدَه عمّا كان فيها من الزوائد ثم ارتجلت


231
له زوائد غيرها ألا ترى أن المضارعَ مبناه على ان ينتظِم جميعَ حروف الماضي من اصل أو زائد كبيطر ويبيطر وحوقل ويحوقل وجَهْور ويجهور وسَلْقَى ويُسَلْقىِ وقطَّع ويَقطِّع وتكّسر ويتكسَّر وضاربَ ويضارب

فامّا أكرمَ يُكرم فلولا ما كُرِه من التقاء الهمزتين في أوَ كرم لو جىء بِه على أصله للزم أن يؤتى بزيادته فيهِ كما جىء بالزيادة في نحو يتدحرج وينطلق وأمّا همزة اٌنطلق فإنما حذفت في ينطلق للاستغناء عنها بل قد كانت في حال ثباتها في حكم الساقط أصلا فهذا واضح ولأجل ما قلناه من أن الحرف المفرد في أوَّل الكلمة لا يكون للإلحاق ما حَمَل أصحابنا تَهْلَل على أن ظهور تضعيفه إنما جاز لأنه عَلَم والأعلام تغيرَّ كثيرا ومثله عندهم مَحّبب لما ذكرناه

وسألت يوما أبا عليّ رحمه الله عن تِجفافٍ اتاؤه للإلحاق بباب قِرطاس فقال نعم واحتجّ في ذلك بما انضاف إليها من زيادة الألف معها فعلى هذا يجوز ان يكون ما جاء عنهم من باب أُمُلوٍد وأُظفورٍ ملَحقا بباب عُسْلوج ودُمْلوج وأن يكون إطريح وإسليِح ملحَقا بباب شِنظير وخنزير ويبعد هذا عندي لأنه يلزم منه أن


232
يكون باب إِعصارٍ وإسنامٍ ملحَقا بباب حِدْبارٍ وهِلقامٍ وباب إفعالٍ لا يكون ملحَقا ألا ترى أنه في الأصل للمصدر نحو إكرام وإحسان وإجمال وإنعام وهذا مصدر فعل غير ملحَق فيجب ان يكون المصدر في ذلك على سَمْت فعله غير مخالف له وكأنّ هذا ونحوه إنما لا يجوز أن يكون ملحَقا من قِبَل ان ما زيد على الزيادة الأولى في أوّله إِنما هو حرف لِين وحرف اللين لا يكون للإلحاق إنما جىء به لمعنىً وهو امتداد الصوت به وهذا حديث غير حديث الإلحاق ألا ترى أنك إنما تقابِل بالملحق الأصل وباب المدّ إنما هو الزيادة ابداً فالأمران على ما ترى في البعد غايتان

فإن قلت على هذا فما تقول في باب إزْمَوْلٍ وإدْرَوْنٍ أملحَق هو ام غير ملحَق وفيه كما ترى مع الهمزة الزائدةً الواو زائدة قيل لا بل هو ملحَق بباب جِرْدَحْلٍ وحِنْزَقْرٍ وذلك ان الواو التي فيه ليست مَدّا لأنها مفتوح ما قبلها فشابهت الأصولَ بذلك فأَلحْقَت بها

فإن قلت فقد قال في طُومَار إنه ملحق بقُسْطَاس والواو كما ترى بعد الضمَّة أفلا تراه كيف أَلْحَق بها مضموما ما قبلها قيل الأمر كذلك وذلك


233
أن موضوع المدّ إنما هو قُبَيل الطَرَف مجاورِاً له كألِف عماَد وياء سعيد وواو عَمُود فأمَّا واو طُومار وياء ديِمَاس فيمن قال دياميس فليستا للمدّ لأنهما لم تجاورا الطَّرَف وعلى ذلك قال في طُومَار إنه ملحَق لَمَّا تقدّمت الواو فيه فلم تجاور طَرَفه

فلو بنيت على هذا من سألت مثل طُوماٍر وديِماسٍ لقلت سُوءال وسِيئال فإن خفَّفت الهمزة ألقيت حركتها على الحرفين قبلها ولم تحتشِم ذلك فقلت سُوَال وسِيَال ولم تُجْرِهما مُجْرَى واو مقروءة وياء خطيئة في إبدالك الهمزة بعدهما إلى لفظهما واٌدّغامك إيّاهما فيها في نحو مقرُوَّة وخِطيَّة فلذلك لم يُقَل في تخفيف سوءال وسيئال سُوَّال ولا سيَّال فاعرفه

فإن قيل ولِمَ لَمْ يتمكَّن حالُ المد إلاّ أن يجاور الطَّرَف قيل إنما جىء بالمدّ في هذه المواضع لنَعْمته ولِلين الصوت به وذلك أن آخِر الكلمة موضعُ الوقف ومكانُ الاستراحة والأونِ فقدّموا أمام الحرف الموقوف عليهِ ما يُؤْذِن بسكونه وما يخُفَضِّ من غُلَوَاء الناطق واستمراره على سَنَن جَرْيِه وتتابع نطقه ولذلك كثرت


234
حروف المدّ قبل حرف الروىّ كالتأسيس والرِّدْف ليكون ذلك مؤذِنا بالوقوف ومؤدّيا إلى الراحة والسكون وكُلَّما جاور حرفُ المدّ الَروِى كان آنس به وأشدّ إنعاما لمستمعِه نعم وقد نجد حرف اللين في القافية عِوَضا عن حرف متحرك أوْزِنَة حرف متحرِّك حذف من آخر البيت في أتمّ ابيات ذلك البحر كثالث الطويل وثاني البسيط والكامل فلذلك كان موضعُ حرف اللين إنما هو لِمَا جاور الطَرَف فأمَّا ألِف فاعَل وفاعال وفاعول ونحو ذلك فإنها وإن كانت راسخة في اللِّين وعَرِيقة في المدّ فليس ذلك لاعتزامهم المد بها بل المدّ فيها أين وقعت شىء يَرِجع إليها في ذوقها وحسن النطق بها ألا تراها دخولهَا في فاعلَ لتجعل الفعل من اثنين فصاعدا نحو ضارَب وشاتَم فهذا معنًى غير معنى المدّ وحديثٌ غير حديثه وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان وغيره من كتبي وما خرج من كلامي

فإن قلت فإذا كان الأمر كذا فهلاَّ زيدت المدَّات في اواخر الكَلِم للمدّ فإن ذلك أنْأَى لهنَّ وأشدّ تماديا بهنَّ قيل يَفسد ذاك من حيث كان مؤدّيا إلى نقض الغَرَض وذلك أنهنّ لو تطرفْن لتسلّط الحذفُ عليهنّ فكان يكون ما أرادوه من زيادة الصوت بهنّ داعيا إلى استهلاكه بحذفهنّ ألا ترى ان ما جاء في آخِره الياءُ والواو قد حُفِظن عليه وارتُبِطن له بما زيد عليهن من التاء من بعدهن وذلك كِعْفِرية وحدْرِية وعُفَاِرية وقُرَاسٍية وعَلاَنية ورفَاهية


235
وبُلَهْنِية وسُحَفْنِية وكذلك عَرْقُوة وتَرْقُوة وقَلَنْسُوة وقَمَحْدُوة فأما رَبَاٍع وثَمَانٍ وشَنَاجٍ فإنما احُتِمل ذلك فيه للفرق بين المذكَّر والمؤنَّث في رَبَاعيِة وثمانية وشَنَاجِية وأيضا فلو زادوا الواو طَرَفا لوجب قلبها ياء ألا تراها لمَّا حذفت التاء عنها في الجمع قلبوها ياء قال

( اهل الرياطِ البِيِض والقَلَنْسِى ) وقال المجنون

( وبيض القَلَنْسِي من رجال أطاول ) وقال

( حتى تَقُضِّى عَرِقْىَ الدُلِىِّ )

وأيضا فلو زيدت هذه الحروف طَرفَا للمدّ بها لانتقَض الغرضُ من موضع آخَر وذلك ان الوقف على حرف اللين ينَقصُه ويَستهلك بعض مَدّةِ ولذلك احتاجوا لهنّ إلى الهاء في الوقف ليبِيَن بها حرفُ المدّ وذلك قولك وازَيْداه وواغلا مهموه وواغلام غلامِهيِه وهذا شىء اعترض فقلنا فيه ولْنعد


236
فإن قيل زيادةً على ما مضى إذا كان موضع زيادة الفعل أوّله بما قدّمته وبدلالة اٌجتماع ثلاث زوائد فيِه نحو استفعل وباب زيادة الاسم آخِرا بدلالة اٌجتماع ثلاث زوائد فيهِ نحو عِنْظِيَان وخِنْذِيان وخُنْزُوَان وعُنْفُوان فما بالهم جعلوا الميم وهي من زوائد الأسماء مخصوصا بها أوّلُ المثال نحو مَفْعَل ومفعول ومِفْعال ومُفعِل وذلك الباب على طوله

قيل لَمَّا جاءت لمعنًى ضارعَتْ بذلك حروف المضارعة فقُدّمت وجِعل ذلك عِوَضا من غلبة زيادة الفعل على أوّل الجزء كما جعل قلب الياء واوا في التَقْوَى والبَقْوَى عِوَضا من كثرة دخول الواو على الياء وعلى الجملة فالاسم أحمل للزيادة في آخره من الفعل وذلك لقوة الاسم وخِفّته فاحتمَل سَحْبَ الزيادة من آخرِه والفعل لضعفه وثِقله لا يتحامل بما يتحامل بهِ الاسم من ذلك لقوّته ويدلّك على ثِقلِ الزيادة في آخِر الكلمة أنك لا تجد في ذوات الخمسة ما زيد فيِه من آخرِه إلاَّ الألِف لخفّتها وذلك قَبَعْثَرَى وضَبَغْطَرَى وإنما ذلك لطول ذوات الخمسة فلا ينُتهى إلى آخرها إلا وقد مُلَّت لِطولها فلم يَجمعوا على آخِرها تمادِيَه وتحميلَه الزيادة عليه فإنما زيادتها في حَشْوها نحو عَضْرَفُوطٍ وقَرْطَبُوِس ويَسْتَعُورٍ وصَهْصَليق وجعفليقٍ وعندليبٍ وحَنْبرِيتٍ وذلك انهم لمَّا أرادوا ألاَّ يخُلوا ذواتِ الخمسة


237
من الزيادة كما لم يخلوا منها الأصلين اللذين قبلها حَشَوْا بالزيادة تقديما لها كراهية أن يُنتَهى إلى آخِر الكلمة على طولها ثم يتجشّموا حينئذٍ زيادة هناك فيثقلَ أمرُها ويتشَنَّع عليهم تحملها

فقد رأيت بما أوردناه غلبةَ المعنى للفظ وكونَ اللفظ خادما له مُشيدا بِه وأنه إنما جىء بِه له ومن أجلهِ وأمّا غير هذه الطريق من الحمل على المعنى وترك اللفظ كَتذكير المؤنّث وتأنيث المذكَّر وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه وحذف الحروف والأجزاء التوامّ والجُمَل وغير ذلك حملا عليِه وتصوّرا له وغير ذلك مما يطول ذكره ويُمِلّ أيسرُه فأمر مستقِرّ ومذهب غير مستنكَر باب في أن العرب قد أرادت من الِعلَل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها

اٌعلم أن هذا موضع في تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة وللنفس به مُسْكة وعِصْمة لأن فيه تصحيح ما ندّعيه على العرب من أنّها أرادت كذا لكذا وفعلت كذا لكذا وهو أحزم لها وأجمل بها وأدلّ على الحكمة المنسوبة إليها من ان تكون تكّلفت ما تكلّفته من استمرارها على وَتِيرٍة واحدة وتقرِّيها منهجا واحدا تراعيه


238
وتلاحِظه وتتحمَّل لذلك مشاقَّه وكُلَفه وتعتذر من تقصير إن جرى وقتا منها في شىء منه

وليس يجوز أن يكون ذلك كلّه في كل لغة لهم وعند كلّ قوم منهم حتى لا يختلف ولا ينتقض ولا يتهاجر على كثرتهم وسعة بلادهم وطول عهد زمان هذه اللغة لهم وتصرّفها على ألسنتهم اتّفاقا وقع حتى لم يختلف فيه اثنان ولا تنازعه فريقان إلاّ وهم له مريدون وبِسياقه على اوضاعهم فيِه مَعْنِيُّون ألا ترى إلى اطّراد رفع الفاعل ونصب المفعول والجرّ بحروف الجر والنصب بحروفه والجزم بحروفه وغير ذلك من حديث التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحُه فهل يُحسن بِذى لبّ أن يعتقد أنّ هذا كله اتّفاق وقع وتوارُد اتّجه

فإن قلت فما تُنكِر أن يكون ذلك شيئا طُبِعوا عليهِ واجيئوا إليهِ من غير اعتقاد منهم لعِللِه ولا لقصدٍ من القُصود التي تنسبها إليهم في قوانينِه وأغراضه بل لأن آخِرا منهم حذا على ما نهج الأوّل فقال بِه وقام الأوّل للثاني في كونه إماما له فيِه مقَام من هَدَى الأوّل إليهِ وبعثه عليه ملَكا كان أو خاطِرا

قيل لن يخلو ذلك أن يكون خبرا روِسلوا به أو تيقُّظا نُبِّهُوا على وجِه الحكمة فيه فإن كان وَحْيا أو ما يجرى مجراه فهو أَنْبه له وأذهبُ في شرف الحال


239
بِه لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووقَفَهم عليه لأن في طِباعهم قبولا له وانِطواء على صحَّة الوضع فيهِ لأنهم مع ما قدّمناه من ذكر كونهم عليه في أوّل الكتاب من لُطْف الحّس وصفائِه ونصاعِة جوهر الفكر ونقائه لم يُؤْتَوْا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلاَّ ونفوسهم قابلة لها مُحِسَّة لقوَّة الصنعة فيها معترفة بَقدر النِّعمة عليهم بما وهُب لهم منها ألا ترى إلى قوِل أبي مهديّة

( يقولون لي شنبِذْ ولست مشنبذاً طًواَل اللياليِ ما أقام ثَبِير )

( ولا قائلا زوذاً ليعجل صاحِبي وبِستان في صدري علىَّ كبير )

( ولا تاركا لَحنِى لأُحِسن لَحْنهم ولو دار صرف الدهر حيث يدور )

وحدّثني المتنبي شاعرنا وما عرفته إلا صادقا قال كنت عند منصرَفي من مِصْر في جماعة من العرب واحدهم يتحدّث فذكر في كلامه فلاة واسعة فقال يِحير فيها الطَرْف قال وآخَر منهم يلقِّنه سرّا من الجماعة بينه وبينه فيقول له يحار يحار أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض وتنبيهِه إياه على الصواب

وقال عّمار الكلبيّ وقد عِيب عليه بيت من شعرهِ فامتعض لذلك

( ماذا لِقينا مِن المستعرِبين ومِن قياس نحوِهِم هذا الذي ابتدَعوا )


240

( إن قلت قافية بِكْرا يكون بها بيت خلاف الذي قاسُوه أو ذَرعوا )

( قالوا لَحنت وهذا ليس منتصِباً وذاك خَفْض وهذا ليس يرتِفع )

( وحرّضوا بين عبِد الله من حُمُقٍ وبين زيدٍ فطال الضرب والوجع )

( كم بين قومٍ قد احتالوا لِمِنطِقهم وبين قومٍ على إعرابهِم طُبِعوا )

( ما كُّل قوليَ مشروحا لكم فخذوا ما تعرِفون وما لم تعرفوا فدَعوا )

( لأن أرضِيَ أرض لا تُشَبُّ بها نارُ الَمجُوِس ولا تُبنَى البِيَع )

والخبرالمشهور في هذا للنابغة وقد عِيب عليه قوله في الداليّة المجرورة

( وبذاك خبَّرنا الغراب الأسودُ )

فلمَّا لم يفهمه أُتِيَ بمغنيّة فغنتّه

( مِنْ آلِ ميَّة رائح أو مغتدِ عجلانَ ذا زادٍ وغير مزوَّدِ ) ومدّت الوصل وأشبعته ثم قالت

( وبذاك خبَّرنا الغراب الأسودُ ) ومَطَلت واو الوصلِ فلمَّا أَحَسّه عرفه واعتذر منه وغيَّره فيما يقال إلى قوله

( وبذاك تَنْعابُ الغرابِ الأسودِ )

وقال دخلتُ يثرِب وفي شعرِي صنعة ثم خرجت منها وأنا أَشعر العرب كذا الرواية وأمّا أبو الحسن فكان يرى ويعتقد ان العرب لا تستنكر الإقواء ويقول قلَّت قصيدةٌ إلاّ وفيها الإقواء ويعتلّ لذلك بأن يقول إن كل بيت منها شِعْر قائم برأسه وهذا الاعتلال منه يُضعِف ويقبِّح التضمين في الشعر وأنشدنا أبو عبد الله الشجَرىّ يوما لنفسه شعرا مرفوعا وهو قوله

( نظرتُ بِسنجارٍ كنظرة ذي هوى رأى وَطَنا فانهلّ بالماء غالِبُةْ )


241

( لأونِس من أبناءِ سعدٍ ظعائِنا يزِنّ الذي من نحوِهن مناسِبُة )

يقول فيها يصف البعير

( فقامت إليهِ خَدْلُة الساقِ أَعلقت بهِ منه مسموما دُوَينةَ حاجِبِه )

فقلت يا أبا عبد الله أتقول دُوَيْنة حاجبِه مع قولك مناسبهُ وأشانُبِه فلم يفهم ما أردتُ فقال فكيف أصنع أليس ههنا تضع الجرَير على الَقِرْمة على الَجِرْفة وأومأ إلى أنفه فقلتُ صدقتَ غير انك قلت أشانُبه وغالبُه فلم يفهم وأعاد اعتذاره الأوّل فلمَّا طال هذا قلت له أيحسن أن يقول الشاعر

( آذنتنا بِبينها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنه الثَّوَاء ) ومطَلْتُ الصوت ومكّنته ثم يقول مع ذلك

( مَلَك المنذرُ بن ماءِ السمائي )


242

فأحّس حينئذٍ وقال أهذا أين هذا من ذاك إن هذا طويل وذاك قصير فاسترْوَح إلى قِصر الحركة في حاجبه وأنها أقلّ من الحرف في أسماء والسماء

وسألته يوما فقلت له كيف تجمع دُكَّاناً فقال دكاكين قلت فِسرْحاناً قال سراحين قلت فُقرْطانا قال قَرَاطِين قلت فعثمان قال عثمانون فقلت له هَلاَّ قلت أيضا عثامين قال أَيشٍ عثامين أرأيت إنسانا يتكلّم بما ليس من لغته والله لا أقولها أبدا

والمروىّ عنهم في شغَفهم بلغتهم وتعظيِمهم لها واعتقادِهم أجمل الجميل فيها أكثر من ان يُورَد او جزَء من اجزاء كثيرة منه

فإن قلت فإن العَجَم أيضا بلغتهم مشغوفون ولها مُؤْثِرون ولأَن يدخلها شىء من العربيّ كارهون ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعر منهم شِعْرا فيهِ ألفاظ من العربيّ عِيب بِه وطُعِن لأجل ذلك عليه فقد تساوت حال اللغتين في ذلك فأيَّة فضيلةٍ للعربية على العجميّة

قيل لو أحسَّت العَجَم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة وما فيها من الغموِض والرّقة والدّقة لأعتذرت من اعترافها بلغتها فضلا عن التقديم لها والتنويه منها

فإن قيل لا بل لو عرفت العرب مذاهب العَجَم في حسن لغتها وسَدَاد تصُّرفها وعذوبة طرائقها لم تَبء بلغتها ولا رفعت من رءوسها باستحسانها وتقديمها


243
قيل قد اعتبرنا ما تقوله فوجدنا الأمر فيه بضِدّه وذلك أنا نسأل علماء العربية ممن أصله عَجَميّ وقد تدرَّب بلغته قبل استِعرابه عن حال اللغتين فلا يجمع بينهما بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسِه وتقدّم لطف العربيّة في رأيه وحِسّهِ سألت غير مرّة أبا عليّ رضى اللّه عنه عن ذلك فكان جوابه عنه نحوا مما حكيته

فإن قلت ما تنكر ان يكون ذلك لأنه كان عالما بالعربيّة ولم يكن عالما باللغة العجميّة ولعلّه لو كان عالما بها لأجاب بغير ما أجاب بهِ قيل نحن قد قطعنا بيقين وانت إِنما عارضت بشكّ ولعلّ هذا ليس قطعا كقطعنا ولا يقينا كيقيننا وأيضا فإن العَجَم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العَجَم فإن قُوَاهم في العربيّة تؤيِّد معرفتهم بالعجميّة وتؤنِسهم بها وتزيد في تنبيههم على احوالها لاشتراك العلوم اللغويّة واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها ولم نر أحدا من أشياخنا فيها كأبي حاتم وبُنْدار وأبي علىّ وفلان وفلان يسوُّون بينهما ولا يُقَرِّبون بين حاليهما وكأنّ هذا موضع ليس للخلاف فيهِ مَجَال لوضوحه عند الكافّة وإِنما أوردنا منه هذا القدر احتياطا به واستظهارا على مُورِد له عسى أن يُورده

فإن قلت زعمتَ أن العرب تجتمع على لغتها فلا تختلف فيها وقد نراها ظاهرة الخلافِ ألا ترى إلى الخلاف في ما الحجازيّة والتميميّة وإلى الحكاية في الاستفهام


244
عن الأعلام في الحجازيّة وترِك ذلك في التميميّة إلى غير ذلك قيل هذا القَدْر من الخلاف لِقلّته ونزارتِه محتقَر غير محتفَل بهِ ولا مَعِيج عليهِ وإنما هو في شىء من الفروع يسير فأمّا الأصول وما عليهِ العامّة والجمهور فلا خلاف فيهِ ولا مَذهَب للطاعن بِه وأيضا فإن أهل كلّ واحدة من اللغتين عدد كثير وخَلْق من اللّه عظيم وكلّ واحد منهم محافظ على لغته لا يخالف شيئا منها ولا يوجد عنده تعادٍ فيها فهل ذلك إلاّ لأنهم يحتاطون ويقتاسون ولا يفرّطون ولا يُخَلِّطون ومع هذا فليس شىء مما يختلفون فيه على قلّته وخفَّته إلا له من القياس وجه يؤخذ بهِ ولو كانت هذه اللغة حَشْوا مَكيلا وحَثْوا مَهِيلا لكثر خلافها وتعادت اوصافها فجاء عنهم جرّ الفاعل ورفع المضاف إِليه والمفعول بهِ والجزم بحروف النصب والنصب بحروف الجزم بل جاء عنهم الكلام سُدىً غيرَ محصَّل وغُفْلاً من الإعراب ولأستُغنِى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه والكُلَف الظاهرة بالمحاماة على طَرْد أحكامه

هذا كلّه وما أكْنِى عنه من مثله تحاميا للإطالة بِه إن كانت هذه اللغة شيئا خوطبوا بهِ وأُخِذوا باستعماله وإن كانت شيئا اصطلحوا عليهِ وترافدوا


245
بخواطرهم وموادّ حُكْمهم على عمله وترتيبه وقسمة أنحائه وتقديمهم أصولَه وإتْباعِهم إيّاها فروعَه وكذا ينبغي أن يُعتقد ذلك منهم لِمَا نذكره آنفا فهو مَفْخَر لهم ومَعْلَمٌ من معالم السَّدَاد دلّ على فضيلتهم

والذي يدلّ على أنهم قد أحسُّوا ما أحسسنا وأرادوا وقصدوا ما نسبنا إليهم إرادته وقصدَه شيئان أحدهما حاضر معنا والآخر غائب عنا إلا أنه مع أدنى تأمّل في حكم الحاضر معنا

فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من أحوال العرب ووجوهها وتُضطرّ إلى معرفته من أغراضها وقُصودها من استخفافها شيئا أو استثقاله وتقبُّله أو إنكاره والأُنْس بهِ أو الاستِيحاش منه والرضا بهِ أو التعجُّب من قائله وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقُصود بل الحالِفةِ على ما في النفوس ألا ترى إلى قوله

( تقول وصكَّت وجهَها بِيمِينها أبَعْلِيَ هذا بالرحَى المتقاعِسُ )

فلو قال حاكيا عنها أبعلي هذا بالرحى المتقاعس من غير أن يذكر صكَّ الوجه لأعلمَنا بذلك أنها كانت متعجِّبة منكِرة لكنّه لمَّا حكى الحال فقال وصكَّت وجهها عُلِم بذلك قوّة إنكارها وتعاظُم الصورة لها هذا مع أنك سامع لحكاية الحال غيرُ مشاهِد لها ولو شاهدتها لكنت بها أعرف ولِعظم الحال في نَفْس تلك


246
المرأة أبين وقد قيل ليس المخبَر كالمعاينِ ولو لم يَنقل الينا هذا الشاعر حال هذه المراة بقوله وصكّت وجهها لم نعرف به حقيقة تعاظُم الأمر لها وليست كلّ حكاية تُروَى لنا ولا كلّ خبرٍ يُنقل إلينا يُشْفع بهِ شرحُ الأحوال التابعة له المقترنة كانت بهِ نعم ولو نُقلت إلينا لم نُفِد بسماعها ما كنا نفيده لو حضرناها وكذلك قول الآخر

( قلنا لها قِفِى لنا قالت قاف )

لو نَقَل إِلينا هذا الشاعر شيئا آخَر من جملة الحال فقال مع قوله قالت قاف وأمسكت بزِمَام بعيرها أو عاجته علينا لكان أبين لِمَا كانوا عليه وأدلَّ على أنها أرادت وقفْتُ أو توقَّفْتُ دون أن يُظنّ أنها أرادت قفِى لنا أي يقول لي قفى لنا متعجِّبة منه وهو إذا شاهدها وقد وقفَتْ علِم أن قولها قاف إجابة له لا ردّ لقوله وتعجّب منه في قوله قفى لنا

وبعد فالحمّالون والحمّاميُّون والساسة والوقَّادون ومن يلِيهم ويُعتدُّ منهم يستوضِحون مِن مشاهدة الأحوال مالا يحصِّله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذ أُخبِر بهِ عنه ولم يَحضره يُنشده أَوَ لا تعلم أن الانسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطِب بهِ صاحبه ويُنْعِم تصويره له في نفسه استعطفه ليُقبل عليه فيقول له


247
يا فلان أين أنت أرِني وجهك أقبِل علىّ أُحدِّثك أمَا أنت حاضر يا هناهْ فإذا أقبل عليه وأصغى إليه اندفع يحدّثه أو يأمره أو ينهاه أو نحو ذلك فلو كان استماع الأُذُن مغنِيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلّف القائل ولا كلّف صاحبَه الإقبالَ عليهِ والإصغاء إليهِ وعلى ذلك قال

( العينُ تبدِى الذي في نفسِ صاحِبها من العداوة أو ودٍّ إِذا كانا ) وقال الهُذَليّ

( رَفَوْنِي وقالوا يا خُويلدُ لا تُرَعْ فقلت وأنكرتُ الوجوه هم هم )

أفلا ترى إلى اعتبارِه بمشاهدة الوجوه وجعلِها دليلا على ما في النفوس وعلى ذلك قالوا رب إشارةٍ أبلغُ من عبارة وحكاية الكتاب من هذا الحديث وهي قوله ألاتا و بلى فا وقال لي بعض مشايخنا رحمه اللّه أنا لا أحسِن أن أكلِّم إنسانا في الظلمة


248

ولهذا الموضع نفسِه ما توقّف أبو بكر عن كثير ممّا أسرع إليهِ أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق واحتجّ أبو بكر عليه بانه لا يؤمَن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ولم ندرِ ما حديثها ومثَّل له بقولهم رفع عَقِيرته إذا رفع صوته قال له ابو بكر فلو ذهبنا نشتقّ لقولهم ع ق ر من معنى الصوت لبُعد الأمر جِدَّا وإنما هو أنّ رجلا قُطِعت إحدى رِجْليه فرفعها ووضعها على الأخرى ثم نادى وصرخ بأعلى صوته فقال الناس رفع عِقيرته أي رِجله المعقورة قال أبو بكر فقال أبو إسحاق لستُ أدفع هذا ولذلك قال سيبويه في نحوٍ من هذا أو لأن الأوّل وصل إليهِ عِلْم لم يصل إلى الآخِر يعنى ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل

فليت شِعرِي إذا شاهد أبو عمرٍو وابن أبي إسحاق ويونس وعيسى بن عُمر والخليل وسيبويه وأبو الحسن وأبو زيد وخَلَف الأحمر والأصمعيّ ومَن في الطبقة والوقت من علماء البلدين وجوهَ العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصد له من أغراضها أَلاَ تستفِيد بتلك المشاهدة وذلك الحضور مالا تؤدّيه الحكاياتُ ولا تضبِطه الروايات فتُضطرّ إلى قُصود العرب وغوامض ما في أنفسها حتى لو حلف منهم حالِف على غرٍض دلّته عليه إشارة لا عبارة لكان عند نفسه وعند جميع من يَحضُر حاله صادقا فيه غير متَّهَمِ الرأى والنَحِيزة والعقل

فهذا حديثُ ما غاب عنا فلم يُنقل إلينا وكأنه حاضر معنا مناجٍ لنا


249

وأمّا ما رُوى لنا فكثير منه ما حَكَى الأصمعيّ عن أبي عمرو قال سمعت رجلا من اليمن يقول فلان لَغُوبٌ جاءته كتابي فاحتقرها فقلت له أتقول جاءته كتابي قال نعم أليس بصحيفة أفتُراك تِريد من أبي عمرو وطبقتة وقد نظروا وتدرَّبوا وقاسُوا وتصرّفوا أن يسمعوا أعرابياً جافيا غُفْلا يعلّل هذا الموضع بهذه العلَّة ويحتجّ لتأنيث المذكّر بما ذكَره فلا يهتاجواهم لمثله ولا يسلكوا فيه طريقته فيقولوا فعلوا كذا لكذا وصنعوا كذا لكذا وقد شرع لهم العربيّ ذلك ووقَفهم على سَمْتِه وأَمِّه

وحدّثنا أبو عليّ عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال سمعت عُمَارة بن عَقِيل ابن بِلاَل بن جَرِير يقرأ ( ولا الليلُ سابقُ النهارَ ) فقلت له ما تريد قال أردتُ سابقٌ النهارَ فقلت له فهَلاَّ قلته فقال لو قلُته لكان أوزن ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراضٍ مستنبَطَة منها أحدها تصحيح قولنا إن أصل كذا كذا والآخر قولنا إنها فَعَلتْ كذا لكذا ألا تراه إنما طلب الِخفّة يدلّ عليه قولُه لكان أوزان أي أثقلَ في النفس وأقوى من قولهم هذا درهم وازن أي ثقيل له وزن والثالث أنها قد تنطق بالشئ غيره في أَنفُسَها اقوى منه لإيثارها التخفيف

وقال سيبويه حدثنا من نِثق به أن بعض العرب قيل له أمَا بمكان كذا وكذا وَجْدٌ فقال بلى وِجَاذاً أي أعرِفُ بها وِجَاذاً وقال أيضا وسمعنا بعضهم


250
يدعو على غَنَم رَجُل فقال اللهم ضَبُعا وذئبا فقلنا له ما أردت فقال أردتُ اللهمّ أجمع فيها ضبُعا وذئبا كلّهم يفسّر ما ينوى

فهذا تصريح منهم بما ندَّعيه عليهم وننسبُه إليهم

وسألت الشجرِيّ يوما فقلت يا أبا عبد الله كيف تقول ضربت أخاك فقال كذاك فقلت أفتقول ضربت أخوك فقال لا أقول أخوك أبدا قلت فكيف تقول ضربني أخوك فقال كذاك فقلت ألستَ زعمت أنك لا تقول أخوك أبدا فقال أيشٍ ذا اختلفت جهتا الكلام فهل هذا في معناه إلا كقولنا نحن صار المفعول فاعلا وإن لم يكن بهذا اللفظ البتَّة فإنه هو لا محالة

ومن ذلك ما يروى عن النبي ص ‌ أن قوما من العرب أتَوه فقال لهم مَن أنتم فقالوا نحن بنو غَيّان فقال بل أنتم بنو رَشْدان فهل هذا إلا كقول أهل الصناعة إن الألِف والنون زائدتان وإن كان عليه السلام لم يتفوه بذلك غير أن اشتقاقه إيّاه من الغيّ بمنزلة قولنا نحن إن الألِف


251
والنون فيه زائدتان وهذا واضح وكذلك قولهم إنما سمِّيتَ هانئا لتَهْنأ قد عرفنا منه أنهم كأنهم قد قالوا إن الألف في هانئ زائدة وكذلك قولهم فجاء يَدْرِم من تحتها أي يقارب خُطَاه لثقل الخرَيِطة بما فيها فسمى دارِما قد أفادنا اعتقادَهم زيادةَ الألِف في دارِم عندهم باب في الحمل على الظاهر وإن أمكن أن يكون المراد غيره

إعلم أن المذهب هو هذا الذي ذكرناه والعمل عليه والوصيّة بِه فإذا شاهدت ظاهرا يكون مثله أصلا أمضيت الحكُمْ على ما شاهدته من حاله وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه ألا ترى ان سيبويه حمل سِيداً على انه مما عينه ياء فقال في تحقيره سُييد كدِيك ودُييِك وفيل وفُيِيل وذلك أن عين الفِعْل لا ينكَر أن تكون ياء وقد وُجدت في سيدٍ ياء فهي في ظاهر أمرها إلى أن يرد ما يَستنزِل عن بادي حالها


252

فإن قلت فإنا لا نعرف في الكلام تركيب س ى د فهلاَّ لمَّا لم يجد ذلك حَمَل الكلمة على ما في الكلام مثلُه وهو ما عينه من هذا اللفظ واو وهو السواد والسُّودد ونحو ذلك

قيل هذا يدلك على قوّة الظاهر عندهم وأنه إِذا كان ممّا تحتمله القسمة وتنتظِمه القضيّة حُكم بهِ وصار أصلا على بابه وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألاّ يحكم بِه حتى يوجد له نظير وذلك أن النظير لعمري مما يؤنَس بهِ فأمّا ألاّ تثبت الأحكام إلاّ بِه فلا ألا ترى أنه قد أثبَت في الكلام فَعُلْت تَفْعَل وهو كُدتَ تَكاد وإن لم يوجدنا غيره وأثبت بإنَقحْل باب إنْفَعْلِ وإن لم يحِك هو غيره وأثبت بسُخَاخِين فُعَاعِيلاً وإن لم يأتِ بغيره

فإن قلت فإنّ سِيداً ممّا يمكن أن يكون من باب ريحٍ ودِيمٍة فهلاّ توقّف عن الحكم بكون عينه ياء لأنه لا يأمن أن تكون واوا قيل هذا الذي تقوله إنما تدعى فيهِ ألاَّ يؤمن أن يكون من الواو وأمّا الظاهر فهو ما تراه ولسنا ندع حاضرا له وجه من القياس لغائبٍ مجوّزٍ ليس عليه دليل

فإن قيل كثرة عين الفعل واوا تقود إلى الحكم بذلك قيل إنما يُحكم بذاك مع عدم الظاهر فأمّا والظاهر معك فلا معدِلَ عنه بك لكن لعمري


253
إن لم يكن معك ظاهر احتجت إلى التعديل والحكم بالأليق والحملِ على الأكثر وذلك إذا كانت العين ألِفا مجهولة فحينئذ ما تحتاج إلى تعديل الأمر فتحمل على الأكثر فلذلك قال في ألِف آءة إنها بدل من واو وكذلك ينبغي أن تكون ألِف الراءِ لضربٍ من النَبْت وكذلك ألف الصاب لضربٍ من الشجر فأمَّا ألاّ يجئ من ذلك اللفظ نظير فتعلُّل بغير نافع ولا مُجْدٍ ألا ترى أنك تجد من الأصول ما لم يتجاوز به موضع واحد كثيرا من ذلك في الثلاثي حَوشَب وكوكب ودَوْدَرَّى وأَبَنْبَم فهذه ونحوها لا تفارق موضعا واحدا ومع ذلك فالزوائد فيها لا تفارقها

وعلى نحوٍ ممّا جئنا به في سِيدٍ حَمَل سيبويَه عَيَّناً فأثبت بِه فَيْعَلاً ممّا عينه ياء وقد كان يمكن أن يكون فَوْعَلاً وفَعْوَلاً من لفظ العَين ومعناها ولو حَكَم بأحد هذين المثالين لَحَمل على مألوٍف غيرِ منكورٍ ألا ترى أن فَوْعَلا وفَعْوَلا


254
لا مانع لكلّ واحدٍ منهما أن يكون في المعتلّ كما يكون في الصحيح وأمّا فَيْعَل بفتح العين مّما عينه معتلّة فعزيز ثمّ لم يمنعه عِزَّةُ ذلك أن حَكَم بِه على عَيَّن وعَدَل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونِه في المعتلّ العينِ كونَه في الصحيحِها وهذا أيضا مما يبصِّرك بقوّة الأخذ بالظاهر عندهم وأنه مِكين الَقَدم راسِيها في أنفسهم

وكذلك يوجب القياس فيما جاء من الممدود لا يُعرف له تصرُّف ولا مانع من الحكم بجعل همزته أصلا فينبغي حينئذٍ أن يُعتقَد فيها أنها أَصلية وكذلك همزة قُسَاء فالقياس يقتضي اعتقاد كونها أصلا اللهمّ إلاَّ أن يكون قُسَاء هو قَسًى في قوله

( بجَوّ من قَسًى ذَفِرِ الخُزَامَى تَداعَى الِجرْبِياُء بِه الحنيِنا )


255

فإن كان كذلك وجب أن يحُكم بكون همزة قُسَاء أنها بدل من حرف العلّة الذي أبِدلت منه ألِف قَسًى وأن يكون ياءً أولى من أن يكون واوا لما ذكرناه في كتابنا في شرح المقصور والممدود ليعقوب بن السكِّيت

فإن قلت فلعلَّ قَسًى هذا مبدَل من قُسَاء والهمزة فيه هي الأصل قيل هذا حمل على الشذوذ لأن إبدال الهمز شاذّ والأوّل أقوى لأن إبدال حرف العلة همزة إذا وقع طَرَفاً بعد ألفٍ زائدة هو الباب

وذكر محمد بن الحِسن أَرْوَى في باب أرو فقلت لأبي علي مِن أين له أن اللام واو وما يؤمِنه أن تكونَ ياء فتكونَ من باب التَّقْوَى والرَعْوَى فجنح إلى ما نحن عليه من الأخذ بالظاهر وهو القول

فاعرف بما ذكرته قوَّة اعتقادِ العرب في الحمل على الظاهر ما لم يمنع منه مانع وأمّا حَيْوة والحَيَوان فيَمنع من حمله على الظاهر أنا لا نعرف في الكلام ما عينه


256
ياء ولامه واو فلا بد أن تكون الواوبدلا من ياء لضرب من الاتساع مع استثقال التضعيف في الياء ولمعنى العلمية في حَيْوَة وإذا كانوا قد كرِهوا تضعيف الياء مع الفصل حتى دعاهم ذلك إلى التغيير في حاحيت وهاهيت وعاعيت كان إبدال اللام في الحيوان ليختلف الحرفان أولى وأحجى

فإن قلت فهلاّ حملتَ الحيوان على ظاهره وإن لم يكن له نظير كما حملت سِيدًا على ظاهره وإن لم تعرف تركيب س ى د قيل ما عينه ياء كَثُر وما عينه ياء ولامه واو مفقود أصلا من الكلام فلهذا اثبتنا سِيدا ونفينا ظاهر أمرِ الحيوان

وكذلك القول في نون عنتر وعنبر ينبغي أن تكون أصلا وإن كان قد جاء عنهم نحو عَنْبَس وعَنْسَل لأن ذينك اخرجهما الاشتقاق وأما عنتر وعنبر وخَنْشَلْت وحِنْزَقْر وحِنْبَتْر ونحو ذلك فلا اشتقاق يحكم له بكون شئ منه زائدا فلا بدّ من القضيَّة بكونه كله أصلا فاعرف ذلك واكتِف به بإذن الله تعالى باب في مراتب الأشياء وتنزيلها تقديرا وحُكْما لا زمانا ووقتا

هذا الموضع كثير الإبهام لأكثرَ من يسمعه لا حقيقة تحته وذلك كقولنا الأصل في قام قوَم وفي باع بيَع وفي طال طوُل وفي خاف ونام وهاب خوِف ونوِم وهيِب وفي شدّ شدَد و في استقام استقْوَم وفي يستعين يستَعْوِن


257
وفي يستعدّ يستعدِد فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها مما يُدعى أن له أصلا يخالف ظاهر لفظِه قد كان مرّة يقال حتى إنهم كانوا يقولون في موضع قام زيد قَوَم زيد وكذلك نوِم جعفر وطَوُلَ محمد وشدَد أخوك يده واستعدد الأمير لعدوّه وليس الأمر كذلك بل بضدّه وذلك أنه لم يكن قطّ مع اللفظ بِه إلاّ على ما تراه وتسمعه

وإنما معنى قولنا أنه كان أصله كذا أنه لو جاء مجىء الصحيح ولم يُعلَل لوجب أن يكون مجيئه على ما ذكرنا فأمّا أن يكون استُعمِل وقتا من الزمان كذلك ثم انُصرِف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر

ويدلّ على أن ذلك عند العرب معتقَد كما أنه عندنا مراد معتقَد إخراجُها بعض ذلك مع الضرورة على الحدّ الذي نتصوّره نحن فيه وذلك قوله

( صددت فأطْولت الصدود وقلّما وِصال على طوِل الصدودِ يدوم ) هذا يدلّك على أن أصل أقام أقْوم وهو الذى نومىء نحن إليِه ونتخيّله فربّ حرف يخرج هكذا مَنْبهة على أصل بابهِ ولعلّه إنما أخرِج على أصله فَتُجُشِّم ذلك فيه لمِاَ يُعقِب من الدلالة على أوّليَّة أحوال أمثالِه

وكذلك قوله

( أنى أجود لأقوام وإن ضننِوا )


258
فأنت تعلم بهذا أن أصل شلت يدُه شلِلَتْ أي لو جاء مجىء الصحيح لوجب فيه إظهار تضعيفه وقد قال الفرزدق

( ولو رِضَيتْ يداي بها وضَّنتْ لكان علىّ في القَدَر الخيار ) فأصل ضَنّتْ إذا صننت بدلالة قوله ضننِوا وكذلك قوله

( تراه وقد فات الرماةَ كأنه أمامَ الكلاب مُصْغِىُ الخدّ أصلم ) تعلم منه أن أصل قولك هذا معطى زيدٍ معطِىُ زيد


259

ومن ادلّ الدليل على أن هذه الأشياء التي ندّعى أنها أصول مرفوضة لا يعتقد أنها قد كانت مرّة مستعملَة ثم صارت من بعد مهمَلة ما تعرضه الصنعة فيها من تقدير ما لا يطُوع النطق به لتعذّره وذلك كقولنا في شرح حالِ الممدودِ غير المهموزِ الأصل نحو سماء وقضاء ألا ترى أن الأصل سماوٌ وقضاىٌ فلمّا وقعت الواو والياء طَرفا بعدَ ألفٍ زائدة قلبتا ألفين فصار التقدير بهما إلى سماا وقضاا فلمّا التقت الألفانِ تحرّكت الثانيه منهما فأنقلبت همزة فصار ذلك إلى سماء وقضاء أفلا تعلم ان أحد ما قدّرته وهو التقاء الالفين لا قدرة لأحدٍ على النطق به

وكذلك ما نتصوّره وننّبه عليِه أبدا من تقدير مفعوٍل مما عينه أحَد حرفي العلّة وذلك نحو مبِيع ومكيول ومقول ومَصُوغ ألا تعلم أن الأصل مبْيُوع ومكبول ومقوول ومصووغ فنقلت الضمّة من العين إلى الفاء فسكنت وواو مفعولٍ بعدها ساكنه فحذفت إحداهما على الخلاف فيهما لالتقاء الساكنين فهذا جمع لهما تقديرا وحكما فأمّا أن يمكن النطق بهما على حالٍ فلا

واعلم مع هذا أن بعض ما ندّعى أصلَّيته من هذا الفنّ قد يُنطَق به على ما ندّعيه من حاله وهو أقوى الأدلة على صِحَة ما نعتقده من تصوّر الأحوال الأوَل وذلك اللغتان تختلف فيهما القبيلتان كالحِجازّية والتميمية ألا ترى انا نقول في الأمر من المضاعف في التميمية نحو شُدّ وضَنّ وفِرّ واستَعِدّ واصطبّ يا رجل


260
واطمئنَ يا غلام إن الأصل اشدُدْ واضنَنْ وافرِرْ واستعدِدْ واصطَبِبْ وأطمأْنِنْ ومع هذا فهكذا لغة أهل الحجاز وهي اللغة الفُصْحَى القُدْمَى

ويؤكِّد ذلك قولُ الله سبحانه ( فما اسطاعوا ان يظهروه ) أصله استطاعوا فحذفت التاء لكثرة الاستعمال ولقرب التاء من الطاء وهذا الأصل مستعمل ألا ترى أن عقيبه قوله تعالى ( وما استطاعوا له نقبا ) وفيه لغة أخرى وهي استَعْت بحذف الطاء كحذف التاء ولغة ثالثه أَسطعت بقطع الهمزة مفتوحةً ولغة رابعة أَستعت مقطوعة الهمزة مفتوحة أيضا فتلك خمس لغات اٌستطعت واٌسطعت وأَستعت وأسطعت وأستعت وروينا بيت الجران

( وفيك إذا لا قيتَنا عجرِفّية مِرارا فما نُستيع مَنْ يتعجرف ) بضم حرف المضارعِة وبالتاء

ومن ذلك اسم المفعول من الثلاثيّ المعتلِّ العين نحو مبيع ومخَيِط ورجل مَدِين من الدَين فهذا كله مغيّر وأصله مبيوع ومديون ومخيوط فغير على ما مضى ومع ذلك فبنو تميم على ما حكاه أبو عثمان عن الأصمعيّ يُتمنون مفعولا من الياء فيقولون مخيوط ومكيول قال


261

( قد كان قومُك يزعمونك سيِّدا وإحالُ أنك سيِّد معيون ) وأنشد أبو عمرو بن العلاء

( وكأنها تفّاحة مطيوبة ) وقال علقمة بن عَبَدة

( يومُ رَذَاذٍ عليهِ الدَجْن مغيوم ) ويروى يومٌ رذاذٌ

وربما تخَّطوا الياء في هذه إلى الواو وأخرجوا مفعولا منها على أصله وإن كان أثقل منه من الياء وذلك قول بعضهم ثوب مَصْووُن وفرس مقوود ورجل معوود من مرِضِه وأنشدوا فيه

( والمسك في عنبرِه مَدْووف ) ولهذا نظائر كثيرة إلا أن هذا سَمْتها وطريقها فقد ثبت بذلك أن هذه الأصول المومأ إليها على أضرب منها ما لا يمكن النطق بهِ أصلا نحو ما اجتمع فيِه ساكنان كسماء ومبِيع ومصوغ ونحو ذلك


262
ومنها ما يمكن النطق به غير أن فيه من الاستثقال ما دعا إلى رفضهِ واطّراحه إلا أن يِشذّ الشىء القليل منه فيخرجَ على أصله مَنْبَهة ودليلا على أوّليَّة حالِه كقولهم لحِحَتْ عينه وألِل الِسقاء إذا تغيّرت رِيحه وكقوله

( لا بارك الله في الغواِنيِ هل يُصبحَن إلاَّ لهنّ مطَّلبَ )

ومن ذلك امتناعهم من تصحيح الياء في نحو موسرٍ وموقِن والواِو في نحو ميزٍان وميِعاد وامتناُعهم من إخراج افتعل وما تصرّف منه إذا كانت فاؤه صادا أو ضادا أو طاء او ظاء أو دالا أو ذالا او زايا على أصله وامتناعُهم من تصحيح الياء والواو إذا وقعتا طرفين بعد ألف زائدة وامتناعهم من جمع الهمزتين في كلمٍة واحدةٍ ملتقِيتين غير عينين فكل هذا وغيره مما يكثر تَعداده يُمتنع منه استكراها للكُلْفِة فيه وإن كان النطق بِه ممكنا غير متعذِّر

وحدّثنا أبو علىّ رحمه الله فيما حكاه أظنّه عن خَلَف الأحمرِ قال يقال التقطت النوى واشتقطته واضتقطته فصَحَّح تاء افتعل وفاؤه ضاد ونظائره مما يمكن النطق بِه إلا أنه رُفِض استثقالا له كثيرة قال أبو الفتح ينبغي


263
أن تكون الضاد في اضتقطت بدلا من شين اشتقطت فلذلك ظهرت كما تصحّ التاء مع الشين ونظيره قوله

( مال إلى أرطاة حِقْفٍ فالْطَجع ) اللام بدل من الضادِ فلذلك أقِرت الطاء بدلا من التاء وجِعل ذلك دليلا على البدل

ومنها مايمكن النطق بِه إلاّ أنه لم يستعمل لا لثقله لكن لغير ذلك من التعويض منه او لأن الصنعة أدّت إلى رِفضه وذلك نحو أنْ مع الفعل إذا كان جوابا للأمر والنهى وتلك الأماكن السبعِة نحو أذهب فيذهبَ معك ( ولا تفتروا على الله كذبا فيُسحِتكم بعذاب ) وذلك أنهم عوضوا من أنِ الناصبة حرف العطف وكذلك قولهم لا يَسَعُنى شىء ويعجزَ عنك وقوله

( 00000000إنما نحاول ملكا او نموتَ فنُعْذَرا )


264
صارت أو والواو فيه عوضا من انْ وكذلك الواو التي تحذف معها ربّ في أكثرِ الأمرِ نحو قوله

( وقاتِم الأعماق خاوِي المخترَق )

غير أن الجرّ لِربّ لا للواو كما أن النصب في الفعل إنما هو لأنِ المضمرِة لا للفاء ولا للواو ولا لأو

ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره مصدرا كان او غيره نحو ضَرْبا زيدا وشتماً عمرا وكذلك دونك زيدا وعندك جعفرا ونحو ذلك من الأسماءِ المسمَّى بها الفعل فالعمل الآن إنما هو لهذهِ الظواهرِ المُقاماتِ مُقام الفعِل الناصبِ

ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعالِ الناصبِة نحو قولك إذا رأيت قادما خيرَ مَقْدٍم أي قِدمت خير مقدم فنابت الحال المشاهدَة منابَ الفعل الناصب وكذلك قولك للرجل يُهوِي بالسيِف ليضرب بهِ عمرا وللرامي للهَدَفِ إذا ارسل النزع فسمعت صوتا القرطاسَ والله أي اضِربْ عمرا وأصاب القرطاس

فهذا ونحوه لم يُرفَض ناصبة لثقله بل لأن ما ناب عنه جارٍ عندهم مجراه ومؤدٍّ تأديته وقد ذكرناه في كتابنا الموسوِم بالتعاقبُ من هذا النحو ما فيهِ كافٍ بإذن الله تعالى


265
باب في فَرْقٍ بين البدل والعوَض

جِمَاع ما في هذا ان البدل أشبه بالمبَدل منه من العِوَض بالمعوَّض منه وإنما يقع البدُل في موضع المبَدل منه والعِوض لا يلزم فيه ذلك ألا تراك تقول في الألف من قام إنها بدل من الواو التي هي عين الفعل ولا تقول فيها إنها عِوَض منها وكذلك يقال في واو جُوَنٍ وياء مِيَرٍ إِنها بدل للتخفيف من همزة جؤَنٍ ومِئرٍ ولا تقول إنها عِوض منها وكذلك تقول في لام غْازٍ وداٍع إنها بدل من الواو ولا تقول إنها عِوض منها وتقول في العوض إن التاء في عِدٍة وزِنٍة عِوض من فاِء الفعل ولا تقول إنها بدل منها فإن قلت ذاك فما أقلّه وهو تجوز في العبارة وسنذكر لِم ذلك وتقول في ميم الّلُهَّم إنها عِوض من يا في أولهِ ولا تقول بدل وتقول في ياِء زنادِقةٍ إنها عوض من يِاء زناديق ولا تقول بدل وتقول في ياءِ أَيْنٍق إنّها عوض من عين انوق فيمن جعلها أَيفُل ومن جعلها عينا مقدّمة مغيّرة إلى الياء جعلها بدلا من الواو

فالبدل اعمّ تصرّفا من الِعوض فكل عِوَضٍ بدل وليس كل بدل عِوضا

وينبغي ان تعلم أن العوض من لفظ عَوْضُ وهو الدهر ومعناه قال الأعشى

( رِضيعَيْ لِبان ثَدْي أمًّ تقاسما بأسحمَ داجٍ عوضُ لا نتفرَّق )


266
والتقاؤهما ان الدهر إنما هو مرور الليل والنهار وتصرُّم أجزائهما فكلّما مضى جزء منه خَلفَه جزء آخر يكون عِوضا منه فالوقت الكائن الثاني غير الوقت الماضي الأول فلهذا كان الِعوض أشدّ مخالفة للمعوَّض منه من البدل

وقد ذكرت في موضع من كلامي مفرٍد اشتقاق أسماء الدهر والزمان وتقصّيته هناك وأتيت أيضا في كتابي الموسوم بالتعاقب على كثير من هذا الباب ونهجت الطريقَ إلى ما أذكره بما نبّهت بِه عليِه باب في الاستغناء بالشىء عن الشىء

قال سيبويِه واعلم ان العرب قد تستغني بالشىء عن الشىء حتى يصير المستغنىَ عنه مُسقَطا من كلامهم البتَّة

فمن ذلك استغناؤهم بتَركَ عن وَدَع ووَذِر فأمَّا قراءة بعضهم ( ما ودَعك ربّك وما قلى ) وقولُ أبي الأسود حتى وَدَعه فلغة شاذّة وقد تقدّم القولُ عليها


267

ومن ذلك استغناؤهم بَلْمحٍة عن مَلْمحة وعليها كسرت مَلامح وِبِشْبٍه عن مَشْبٍه وعليه جاء مَشابه وبليلةٍ عن ليلاةٍ وعليها جاءت ليالٍ وعلى أن ابن الأعرابيّ قد أنَشد

( في كّل يوم مّا وكّل لَيْلاه حتى يقولَ كُّل راء إِذ راه )

( يا ويحَه مِن جَمَلٍ ما أشقاه )

وهذا شاذّ لم يُسمع إلا من هذه الجهة وكذلك استغنوَا بذَكَرٍ عن مِذكار أو مِذكير وعليه جاء مذاكير وكذلك استغنوَا بأيُنق عن أن يأتوا بِه والعين في موضعها فألزموه القلبَ أو الإبدال فلم يقولوا أَنْوُق إلا في شىء شاذّ حكاه الفرّاء وكذلك استغْنوا بقِسِىّ عن قُووُسٍ فلم يأتِ إلا مقلوبا ومن ذلك استغناؤهم بجمع القِلَّة عن جمع الكثرة نحو قولهم أَرْجُل لم يأتوا فيهِ بجمع الكثرة وكذلك شُسُوع لم يأتوا فيِه بجمع القِلّة وكذلك أيّام لم يستعملوا فيه جمع الكثرة فأما جِيِران فقد اتَوا فيه بمثال الِقلَّة أنشَد الأصمعيّ :

( مذَمَّة الأجوارِ والُحقُوق )

وذكره أيضا ابن الأعرابيّ فيما أحسب فأمّا دراهم ودنانير ونحو ذلك من الرباعيّ وما أُلحِق بهِ فلا سبيل فيِه إلى جمع القِلّة وكذلك اليد التي هي الِعُضْو قالوا فيها أَيْدٍ البتّة فأمّا أيادٍ فتكسير أيدٍ لا تكسير يٍد وعلى أن أيادٍ أكثر ماتستعمل في النِعم لا في الأعضاء وقد جاءت أيضا فيها أنشد أبو الخَطَّاب :

( ساءها ما تأمَّلتْ في أيادينا وإشناقُها إلى الأعناِق )


268

وأنشد أبو زيد :

( أَمّا واحدا فكفاكَ مِثليِ فمن لِيٍد تُطاوِحها الأيادي )

ومن أبيات المعاني في ذلك قوله :

( ومستامٍة تُستام وهْي رخِيصة تُباع بساحاتِ الأيادِي وتُمسَح )

مستامة يعني أرضا تسوم فيها الإِبل من السير لا من السوم الذي هو البيع وتباع أي تَمدّ فيهل الإبلُ أبواعها وأيديَها وتُمْسَح من المَسْح وهو القطع من قول الله تبارك وتعالى ( فَطَفِق مَسْحاً بالسُّوِق والأعناقِ وقال العجَّاج :

( وخَطَرت فيِه الأيادِي وخَطَرْ رَايٌ إذا أورده الطعنُ صدر )


269

وقال الراجز :

( كأنه بالصحْصحانِ الأنَجلِ قُطْنٌ سُخَامٌ بأيادِي غُزَّل )

ومن ذلك استغناؤهم بقولهم ما أجود جوابه عن هو أفعل منك من الجواب

فاما قولهم ما أشدّ سواده وبياضه وعَوَره وحَوَله فما لا بدّ منه ومنه أيضا استغناؤهم بأشتدّ وافتقر عن قولهم فَقُر وشَدّ وعليه جاء فقير . فأمّا شدّ فحكاها أبو زيد في المصادر ولم يحكها سيبويه ومن ذلك استغناؤهم عن الأصل مجرّدا من الزيادة بما استُعمل منه حاملا للزيادة وهو صدرٌ صالح من اللغة وذلك قولهم حوشب هذا لم يستعمل منه حشب عاريةً من الواو الزائدة ومثله كوكب الا ترى أنك لا تعرف في الكلام حشب عاريا من الزيادة ولا ككب ومنه قولهم دَوْدَرَّى لأنا لا نعرف ددر ومثله كثير في ذوات الأربعة وهو في الخمسة أكثر منه في الأربعة فمن الأربعة فَلنْقَس وصَرَنْفَح وسَمَيدع وعَمَيثل وسرومط وحَجْجَبَي وقُسْقُبّ وقُسْحُبّ وهِرْشَفّ ومن


270
ذوات الخمسة جَعْفَليق وحَنْبريت ودَرْدَبِيس وعَضْرَفوُط وقَرْطَبُوس وقَرَعْبلانة وفنْجلِيس فأما عَرْطلِيل وهو رباعيّ فقد استعمل بغير زيادة قال أبو النجم :

( في سَرْطَم هادٍ وعُنْقٍ عَرْطَلِ )

وكذلك خَنْشليل ألا ترى إلى قولهم خَنْشلَتِ المرأةُ والفرس إذا أسنَّت وكذلك عنترِيس الا ترى أنه من العَتْرسة وهي الشدَّة فاما قِنْفَخْر فإن النون فيِه زائدة وقد حذفت لعمري في قولهم امرأة قُفَاخريَّة إذا كانت فائقة في معناها غير أنك وإن كنت قد حذَفْت النون فإنك قد صِرْت إلى زيادة أخرى خلفتْها وشغلَتِ الأصلَ شَغْلَها وهي الألف وياء الإضافة فأمّا تاء التأنيث فغير معتدّة وامَّا حَيْزَبُون فرباعيّ لزمته زيادة الواو فإن قلت فهلاَّ جعلته ثلاثيّا من لفظ الحَزْبِ قيل يُفسد هذا أن النون في موضع زاي عَيْضَمُوز فيجب لذلك ان تكون أصلا كجيم خَيْسَفُوج وأما عُرَيقِصان فتناوبته زيادتان وهما الياء في عرِيقصان والنون في عَرَنْقُصان كلاهما يقال بالنون


271
والياء وأمّا عِزْوِيت فمن لفظ عزوت لأنه فِعليت والواو لام وأمّا قِندِيل فكذلك أيضا ألا ترى إلى قول العجلىّ

( رُكب في ضخم الذفاري قندل )

واما عَلَنْدي فتناهبته الزوائد وذلك أنهم قد قالوا فيه علْوَدّ وعُلاَدَي وعُلَنْدًي وعَلَنْدًي الا تراه غير منفكً من الزيادة

ولزوم الزيادة لما لزمته من الأصول يُضعف تحقير الترخيم لأن فيه حذفا للزوائد وبإزاء ذلك ما حذِف من الأصول كلام يدٍ ودٍم وأبٍ وأخ وعينِ سهٍ ومُذْ وفاِء عِدةٍ وزَنِةٍ وناٍس والله في أقوى قولي سيبويه فإذا جاز حذف الأصول فيما أرينا وغيرِه كان حذف الزوائد التي ليست لها حرمة الأصول احْجَى وأحرى

واجاز أبو الحسن أظْننت زيدا عمرا عاقلا ونحو ذلك وامتنع منه أبو عثمان وقال استغنِت العرب عن ذلك بقولهم جعلته يظنّه عاقلا

ومن ذلك استغناؤهم بواحد عن اثنٍ وباثنين عن واحِدين وبستة عن ثلاثتين وبعشرة عن خمستين وبعشرين عن عشرتين ونحو ذلك


272
باب في عكس التقدير

هذا موضع من العربيَّة غريب وذلك أن تعتقد في أمر من الأمور حكما مّا وقتامّا ثم تحورَ في ذلك الشىء عينِه في وقت آخر فتعتِقدَ فيِه حكما آخر

من ذلك الحكاية عن أبي عُبَيدة وهو قوله ما رأيت أطرف من أمر النحويين يقولون إن علامة التانيث لا تدخل على علامة التأنيث وهم يقولون عَلْقاة وقد قال العجّاج

( فَكَرَّ في عَلْقَي وفي مُكُورِ )

يريد أبو عُبَيدة أنه قال في عَلْقَي فلم يصرف للتأنيث ثم قالوا مع هذا عَلْقَاة أي فألحقوا تاء التأنيث ألِفَه قال أبو عثمان كان أبو عبيدة أجفى من ان يعرف هذا وذلك أن من قال عَلْقاة فالألف عنده للإلحاق بباب جعفر كألِف أرْطًى فإذا نزع الهاء احال اعتقاده الأول عمّا كان عليه وجعل الألف للتانيث فيما بعد فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث وللتأنيث إِذا فقَد التاء ولهذا نظائر هي قولهم بُهْمَي وبُهْمَاة وشُكَاعَي وشُكَاعاَة وباقلَّي وباقلاَّة ونُقَاوَي ونُقَاواة


273
وسُمَانَي وسُمَاناة ومثل ذلك من الممدود قولهم طَرْفاء وطرفاءة وقَصْباء وقَصْباءة وحَلْفاء وحلفاءة وباقِلاَء وباقِلاَءة فمن قال طرفاء فالهمزة عنده للتأنيث ومَن قال طرفاءة فالتاء عنده للتأنيث وأمّا الهمزة على قوله فزيادة لغير التأنيث وأقوى القولين فيها عندي أن تكون همزةً مرتجلَة غير منقلبة لأنها إذا كانت منقلبة في هذا المثال فإنها عن ألف التأنيث لا غير نحو صحراء وصَلْفاء وخَبْراء والَحرْشاء وقد يجوز أن تكون منقلبة عن حرف لغير الإلحاق فتكون في الإنقلاب لا في الإلحاق كألف عِلْباء وحِرباء وهذا مما يؤكّد عندك حال الهاء ألا ترى أنها إذا لحقت اعتقدت فيما قبلها حكما مّا فإن لم تلحق حار الحكم إلى غيره ونحو منه قولهم الصَفنة والصَفن والرضاع والرضاعة وهو صَفْو الشىِء وصفْوته وله نظائر قد ذكرت ومنه البَرْك والبِرْكة للصدر

ومن ذلك قولنا كان يقوم زيد ونحن نعتقد رفع زيد بكان ويكون يقوم خبرا مقدّما عليه فإن قيل ألا تعلم أنّ كان إنما تدخل على الكلام الذي كان قبلها


274
مبتدأ وخبرا وأنت إذا قلت يقوم زيد فإنما الكلام من فعل وفاعل فكيف ذلك فالجواب أنه لا يمتنع أن يعتقد مع كان في قولنا كان يقوم زيد أن زيدا أمر مرتفع بكان وانَّ يقوم مقدّم عن موضعه فإذا حذفت كان زال الاتّساع وتأخّر الخبر الذي هو يقوم فصار بعد زيد كما ان ألف عَلْقاةٍ للإلحاق فإذا حذفت الهاء استحال التقدير فصارت للتأنيث حتى قال

( فكَرِّ في عَلْقَي وفي مُكُور )

على ذا تأوله أبو عثمان ولم يحمله على أنهما لغتان واظنه إنما ذهب إلى ذلك لما رآه قد كثرت نظائره نحو سُمَانَي وسُمَاناة وشُكَاعَي وشُكَاعاة وبُهْميَ وبُهْماة فألف بُهْمَي للتأنيث وألف بُهْماة زيادة لغير الإلحاق كألف قَبَعْثَريً وضَبَغْطرى ويجوز أن تكون للإلحاق بجُخْدَب على قياس قول أبي الحسن الأخفش إلا أنه إلحاق اختصّ مع التانيث ألا ترى ان احدا لا ينوِّن بُهْمَى فعلى ذلك يكون الحكم على قولنا كان يقوم زيد ونحن نعتقد ان زيدا مرفوع بكان

ومن ذلك نعتقده في همزة حمراء وصفراء ونحوهما انهما للتأنيث فإن ركِّبت الإسم مع آخر قبله حُرْت عن ذلك الاستشعار والتقدير فيها واعتقدت غيره وذلك أن تركّب مع حمراء اسما قبلها فتجعلهما جميعا كاسم واحد فتَصْرِف حمراء حينئذ وذلك قولك هذا دار حمراءُ ورأيت دارَ حمراءَ ومررت


275
بدارَ حمراءَ وكذلك هذا كلْبَصفراُء ورأيت كلبصفراء ومررت بكلبصفراء فلا تصرف الإسم للتعريف والتركيب كحضرموت فإن نكَّرت صرفت فقلت رُبَّ كلْبَصفراٍء مررت به وكلْبَصفرٍاء آخر فتصرف في النكرة وتعتقد في هذه الهمزة مع التركيب انها لغير التأنيث وقد كانت قبل التركيب له ونحوٌ من ذلك ما نعتقده في الألفاتِ إذا كنّ في الحروف والأصوات انها غير منقلبة وذلك نحو ألف لا وما وألف قافٍ وكافٍ ودالٍ وأَخَواتها وألف عَلىَ وإلى ولَدَي وإذا فإن نقلتها فجعلتها أسماًء أو اشتققت منها فعلا استحال ذلك التقدير واعتقدت فيها ما تعتقده في المنقلِب وذلك قولك موَّيت إذا كتبت ما ولوَّيت إذا كتبتَ لا و كوّفت كافا حسنة و دوّلت دالا جيدة وزويت زايا قويّة ولو سَميتَ رجلا بعلى أو إلى أو لدى أو ألا أو إذا لقلت في التثنية عَلَواِن وإلَواِن ولَدَواِن وأَلَوان وإذَوَان فاعتقدت في هذه الألِفات مع التسمية بها وعند الإشتقاق منها الإنقلاب وقد كانت قبل ذلك عندك غير منقلبة وأغربُ من ذلك قولك : بأبي أنت فالباء في أول الاسم حرف جرّ بمنزلة اللام في قولك لله أنت فإذا اشتققت منه فعلا اشتقاقا صوتيا استحال ذلك التقدير فقلت بأبأت به بئباء وقد أكثرتُ من البأبأة فالباء الآن في لفظ الأصل وإن كنا قد أحطنا علما بأنها فيما اشتقت منه زائدة للجر ومثال
276
البِئباء على هذا الفِعلالُ كالزِلزال والقِلقال والبأبأةِ الفَعللةُ كالقلقلة والزلزلة وعلى هذا اشتقُّوا منهما الِبَئب فصار فِعَلاً من باب سلس وقلق قال

( يا بأبي أنت ويا فوق البِئب )

فالبِئب الآن بمنزلة الضِلَع والعنب والقِمَع والِقرَب ومن ذلك قولهم القرَنْوُة للنبت وقالوا قرنيت الِسقَاء إذا دبغته بالقَرْنُوَة فالياء في قرنيت الآن للإلحاق بمنزلة ياء سَلْقَيت وجَعْبيت وإنما هي بدل من واو قَرْنَوة التي هي لغير الإلحاق وسألني ابو علي رحمه الله عن ألف يا من قوله فيما أنشده أبو زيد

( فخيرٌ نحن عند الناس منكم إذا الداعي المثوِّب قال يالا )

فقال أمنقلبة هي قلت لا لأنها في حرف أعني يا فقال بل هي منقلبة فاستدللته على ذلك فاعتصم بانها قد خُلِطت باللام بعدها ووُقِف عليها فصارت اللام كانها جزء منها فصارت يال بمنزلة قال والألف في موضع العين وهي مجهولة فينبغي ان يحكم عليها بالإنقلاب عن الواو هذا جُمَل ما قاله ولله هو وعليِه رحمته


277
فما كان أقوى قياسَه وأشدَّ بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه فكأنه إنما كان مخلوقا له وكيف كان لا يكون كذلك وقد أقام على هذه الطريقة مع جِلَّة أصحابها واعيان شيوخها سبعين سنة زائحةً علَلُه ساقطةً عنه كُلَفُه وجعله هَمَّه وسَدَمه لا يعتاقه عنه وَلَد ولا يعارضه فيه مَتْجَر ولا يسوم بِه مَطْلبا ولا يخدُم به رئيسا إلاّ بأخَره وقد حط من أثقالِه وألقى عصا تَرحاله ثم إني ولا أقول إلاّ حقًّا لاعجب من نفسي في وقتي هذا كيف تُطوع لي بمسئلة ام كيف تطمح بي إلى انتزاع عِلة مع ما الحال عليهِ من عُلَقِ الوقت وأشجانه وتذاؤبهِ وخَلْج أشطانِه ولولا معازة الخاطرِ واعتناقه ومساورة الفكر واكتداده لكنت عن هذا الشأن بَمْعِزل وبأمرِ سواه على شُغُل

وقال لي مَّرة رحمه الله تأنيسا بهذه الانتقالات كما جاز إذا سمَّيت بضَرَب أن تُخرجه من البناء إلى الإعراب كذلك يجوز أيضا أن تخرجه من جنس إلى جنس إذا أنت نقلته من موضعه إلى غيره

ومن طريف ما ألقاه رضي الله تعالى عنه على أنه سألني يوما عن قولهم هات لا هاتيتَ فقال ما هاتيت فقلت فاعلت فهاِت من هاتيت كعاطِ من عاطيت فقال أشىء آخر فلم يحضر إذ ذاك فقال أنا أرى فيه غير هذا فسألته عنه فقال يكون فعليت قلت مِمّه قال من الهُوَتْة


278
وهي المنخِفض من الأرض قال وكذلك هِيتٌ لهذا البلد لأنه منخفِض من الأرض فأصله هَوْتَيت ثم أبدلت الواو التي هي عين فعليت وإن كانت ساكنة كما أبدلت في ياجَل وياحَلُ فصار هاتيت وهذا لطيف حسن على أن صاحب العين قد قال إن الهاء فيهِ بدل من همزة كهرَقَت ونحوه والذي يجمع بين هاتيت وبين الهوتة حتى دعا ذلك أبا علىّ إلى ما قال به أن الأرض المنخِفضة تجذِب إلى نفسها بإنخفاضها وكذلك قولك هاتِ إنما هو استدعاء منك للشىء واجتذابُه إليك وكذلك صاحب العين إنما حمله على اعتقاد بدل الهاءِ من الهمزة أنه اخذه من أتيت الشىء والإتيان ضرب من الانجذاب إلى الشىء والذي ذهب إليه ابو عليّ في هاتيت غريب لطيف

ومما يستحيل فيه التقدير لانتقاله من صورة إلى أخرى قولهم هلممت إذا قلت هَلُمَّ فهلممت الآن كصعررت وشمللت وأصله قبلُ غيرُ هذا إنما هو أوّل ها للتنبيه لِحقت مثال الأمر للمواجَه توكيدا وأصلها معاُلمَّ فكثر أستعمالها وخُلِطت ها بلُمّ توكيدا للمعنى لشدّة الاتصال فحذفت الألف لذلك ولأن لام لُمّ في الأصل ساكنة ألا ترى أن تقديرها أوّلُ الُمْم وكذلك يقولها أهل الحجاز ثم زال هذا كلُّه بقولهم هلممت فصارت كأنها فعللت من لفظ الهِلمام وتنوسيت حالُ التركيب وكأنّ الذي صرفهما جميعا عن ظاهر حاله حتى دعا أبا عليّ إلى أن جعله من الهوتِة وغيرَه من لفظ أتيت عدُم تركيبِ ظاهره


279
ألا ترى انه ليس في كلامهم تركيب ( ه ت و ) ( ه ت ى ) فنزلا جميعا عن بادي أمرِه إلى لفظ غيره

فهذه طريق اختلاف التقدير وهي واسعة غير أني قد نبَّهت عليها فأَمْضِ الرأى والصنعة فيما يأتى منها

ومن لفظ الهوتة ومعناها قولهم مضىِ هيتاءٌ من الليل وهو فِعلاء منه ألا تراهم قالوا قد تهوّر الليل ولو كسَّرت هِيتاء لقلت هواتيّ وقريب من لفظه ومعناه قول الله سبحانه ( هَيت لك ) إنما معناه هلمَّ لك وهذا اجتذاب واستدعاء له قال :

( أن العراقَ واهلَه عُنُق إِليك فَهيْت هيتا ) باب في الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى

هذا الموضع كثيرا مّا يستهوي مَنْ يضعف نظرهُ إلى أن يقوده إلى إفساد الصنعة وذلك كقولهم في تفسير قولنا أهلَكَ والليلَ معناه الحْق أهلك قبل الليل فربما دعا ذاك مَنْ لا دُرْبة له إلى ان يقول أهلك والليلِ فيجرّه وإنما تقديره اٌلحق أهلك وسابِق الليلَ وكذلك قولنا زيد قام ربمّا ظنّ بعضهم أن زيدا


280
هنا فاعل في الصنعة كما انه فاعل في المعنى وكذلك تفسير معنى قولنا سرَّني قيامُ هذا وقعودُ ذاك بأنه سرَّني أنْ قام هذا وأن قعد ذاك ربما اعتُقد في هذا وذاك انهما في موضع رفع لأنهما فاعلان في المعنى ولا تستصغر هذا الموضع فإن العرب أيضا قد مَّرت به وشمَّت روائحه وراعته وذلك أن الأصمعي أنشد في جملة أراجيزه شعرا من مشطور السريع طويلا ممدودا مقيدَّا التزم الشاعر فيه ان جعل قوافيه كلها في موضع جرّ إلا بيتا واحدا من الشعر

( يستمِسكون من حِذار الإلقاء مبتَلَعات كجذوع الصِيصاء )

( رِدِى رِدِى وِرْدَ قطاة صمّاء كُدْريَّةٍ أعجبها بَرْدُ الماء ) تطَّرِد قوافيها كلُّها على الجرّ إلا بيتا واحدا وهو قوله

( كأنها وقد رآها الرؤاء ) والذي سوّغه ذاك على ما التزمه في جميع القوافي ما كنَّا على سَمتْه من القول وذلك أنه لمَّا كان معناه كأنها في وقت رؤية الرؤّاء تصوّر معنى الجرّ من هذا الموضع فجاز أن يَخِلطَ هذا البيت بسائر الأبيات وكأنه لذلك لم يخالِف


281
ونظير هذا عندي قول طَرَفة

( في جِفانٍ تعترِي نادِيَنا وسَدِيٍف حين هاج الصِنبَّرِ )

يريد الصِنَّبْر فاحتاج للقافية إلى تحريك الباء فتطرّق إلى ذلك بنقل حركة الإعراب إليها تشبيها بباب قولهم هذا بَكُرْ ومررت بَبَكْر وكان يجب على هذا أن يضمّ الباء فيقول الصِنَّبُرْ لأن الراء مضمومة إلا أنه تصوّر معنى إضافة الظرف إلى الفعل فصار إلى انه كأنه قال حين هَيْج الصِنَّبر فلمَّا احتاج إلى حركة الباء تصور معنى الجرّ فكسر الباء وكأنه قد نَقَل الكسرة عن الراء إليها ولولا ما اوردته في هذا لكان الضمّ مكان الكسر وهذا أقرب مأخذا من ان تقول إنه حرّف القافية للضرورة كما حرّفها الآخَر في قوله

( هل عرفتَ الدار أم انكرتها بين تِبراكٍ فشَسَّىْ عَبقُر )

في قول من قال أراد عَبْقَر ثم حرّف الكلمة ونحُوه في التحريف قول العبد


282

( وما دُمْية مِن دمُىَ ميَسْنَاَنَ معجِبة نظرا واتّصافا )

أراد فيما قيل مَيْسان فزاد النون ضرورة فهذا لعمري تحريف بتعجرف عارٍ من الصنعة والذي ذهبت أنا إليه هناك في الصنبر ليس عاريا من الصنعة فإن قلت فإن الإضافة في قوله حين هاج الصنبر إنما هي إلى الفعل لا إلى الفاعل فكيف حرّفت غير المضاف إليهِ قيل الفعل مع الفاعل كالجزء الواحد وأقوى الجزأين منهما هو الفاعل فكأن الإضافة إنما هي إليهِ لا إلى الفعل فلذلك جاز أن يتصوّر فيهِ معنى الجرّ

فإن قيل فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ واعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع فإذا كان في اللفظ أيضا مرفوعا فكيف يسوغ لك بعد حصوله في موضعه من استحقاقه الرفع لفظاً ومعنى أن تَحُور بهِ فتتوهَّمَه مجرورا قيل هذا الذي أردناه وتصوّرناه هو مؤكِّد للمعنى الأوّل لأنك كما تصوّرت في المجرور معنى الرفع كذلك تممَّت حال الشبه بينهما فتصوّرت في المرفوع معنى الجرّ ألا ترى أن سيبويِه لمَّا شبَّه الضارب الرجل بالحسن الوجه وتمثَّل ذلك في نفسهِ ورَسَا في تصوّره زاد في تمكين هذه الحال له وتثبيتها عليه بأن عاد فشبَّه الحسن الوجه بالضارب الرجل في الجرّ كلُّ ذلك تفعله العرب وتعتِقده العلماء في الأمرين ليقوى تشابههما وتَعمر ذاتُ بينهِما ولا يكونا على


283
حَرْدٍ وتناظر غير مُجْدٍ فاعِرف هذا من مذهب القوم واقتفِه تِصب بإذن الله تعالى

ومن ذلك قولهم في قول العرب كلُّ رجل وصَنْعُته وأنت وشأنُك معناه أنت مع شأنِك وكل رجل مع صنعته فهذا يوهم مِن أمَمٍ أن الثاني خبر عن الأوّل كما أنه إذا قال أنت مع شأنك فإن قوله مع شأنك خبر عن أنت وليس الأمر كذلك بل لعمري إن المعنى عليهِ غير أن تقدير الإعراب على غيره وإنما شأنك معطوف على أنت والخبر محذوف للحمل على المعنى فكأنه قال كلُّ رجل وصنعته مقرونان وأنت وشانُك مصطحِبان وعليِه جاء العطف بالنصب مع أنّ قال

( أغار على مِعزايَ لم يدرِ أنني وصفراءَ منها عبلة الصفَواِت )

ومن ذلك قولهم أنت ظالم إن فعلت ألا تراهم يقولون في معناه إن فعلت فأنت ظالم فهذا ربما أوهم أن أنت ظالم جواب مقدَّم ومعاذ الله أن يقدم جواب الشرط عليِه وإنما قوله أنت ظالم داّل على الجواب وسادّ مسدَّه فإماَّ أن يكون هو الجوابَ فلا

ومن ذلك قولهم في عليك زيدا إن معناه خُدْ زيدا وهو لعمري كذلك إلا أن زيدا الآن إنما هو منصوب بنفس عليك من حيث كان اسما لفعلٍ متعدّ لا أنه منصوب ب خذ

ألا ترى إلى فرق ما بين تقديرِ الإعراب وتفسيرِ المعنى فإذا مرّ بك شئ من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليهِ فإن أمكنك أن يكون


284
تقدير الإعراب على سَمْت تفسير المعنى فهو مالا غاية وراءه وإن كان تقدير الإعراب مخالفا لتفسير المعنى تقبَّلت تفسير المعنى على ما هو عليه وصحَّحت طريق تقدير الإعراب حتى لا يشِذّ شئ منها عليك وإيّاك أن تسترسل فتفسد ما تُؤْثِر إصلاحه ألا تراك تفسِّر نحو قولهم ضربت زيدا أضربه سوطا أن معناه ضربت بسوط وهو لا شكَّ كذلك ولكن طريق إعرابه أنه على حذف المضاف أي ضربته ضربة سوٍط ثم حذفت الضربة على عِبْرة حذِف المضاف ولو ذهبت تتأول ضربته سوطا على أن تقدير إعرابهِ ضربةً بسوطٍ كما أن معناه كذلك للزمك أن تقدّر أنك حذفت الباء كما تحِذف حرف الجر في نحو قوله أمرتك الخير وأستغفر الله ذنبا فتحتاج إلى اعتذار من حذف حرف الجرّ وقد غنِيت عن ذلك كلّه بقولك إنه على حذف المضاف أي ضربةِ سوط ومعناه ضربة بسوط فهذا لعمري معناه فأماً طريق إعرابه وتقديره فحذف المضاف باب في أن المحذوف إذا دلّت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظِ بهِ إلا أن يعترِض هناك من صِناعة اللِفظ ما يَمنع منه

من ذلك أن ترى رجلا قد سدَّد سهما نحو الغرض ثم أرسله فتسمع صوتا فتقول القرطاسَ والله أى أصاب القرطاس ف أصاب الآن في حكم الملفوظ بِه


285
البتَّة وإن لم يوجد في اللفظ غير أن دلالة الحال عليه نابت مَناب اللفظ به وكذلك قولهم لرِجل مُهْوٍ بسيفٍ في يدِه زيدا أي اٌضرب زيدا فصارت شهادةُ الحال بالفعل بدلا من اللفظ به وكذلك قولك للقادِم من سفر خيرَ مقْدَم أي قِدمت خير مقدم وقولك قد مررت برجلٍ إنْ زيدا وإن عمرا أي إن كان زيدا وإن كان عمرا وقولك للقادِم من حّجِه مبرور مأجور أي أنت مبرور مأجور ومبرورا مأجورا أي قدِمت مبرورا مأجورا وكذلك قوله

( رَسِم دار وقفتُ في طلَله كدتُ أقِضي الغداة من جَلَله )

أي ربَّ رسم دار وكان رُؤبة إذا قيل له كيف أصبحت يقول خيرٍ عافاك الله أي بخير يحذف الباء لدلالة الحال عليها بجرى العادة والعرف بها وكذلك قولهم الذي ضربت زيد تريد الهاء وتحذفها لأن في الموضع دليلا عليها وعلى نحو من هذا تتوجَّه عندنا قراءةُ حمزة وهي قوله سبحانه ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ ) ليست هذه القراءة عندنا من الإبعادِ والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس بل الأمر فيها دون ذلك وأقربُ وأخّف وألطف وذلك أن لحمزة أن يقول لأبي العباس إنني لم أحِمل الأرحام على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدتُ أن تكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت وبالأرحام ثم حذفت الباء لتقدّم ذكرها كما حُذِفتْ لتقدّم


286
ذكرها في نحو قولك بَمْن تمررْ أَمُرْر وعلى من تنزِلْ أنزِلْ ولم تقل أمرر به ولا أنزل عليه لكن حذفت الحرفين لتقدّم ذكرهما وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجرّ لدلالة ما قبله عليه مع مخالفته له في الحكم في قوله

( وإنِّيَ من قوم بهم يُتَّقيَ العِدا ورَأْبُ الثأَي والجانبُ المتخوَّف )

أراد وبهم رأب الثأَى فحذف الباء في هذا الموضع لتقدّمها في قوله بهم يتقي الِعدا وإن كانت حالاهما مختلفتين ألا ترى أن الباء في قوله بهم يتقي العدا منصوبُة الموضع لتعلّقها بالفعل الظاهر الذي هو يتّقي كقولك بالسيف يَضِرب زيد والباء في قوله وبهم رأْب الثأَى مرفوعةُ الموضع عند قوم وعلى كلّ حال فهي متعلّقة بمحذوف ورافعه الرأبُ ونظائر هذا كثيرة كان حذف الباء من قوله والأرحاِم لمشابهتها الباء في بِهِ موضعا وحُكْما أجدرَ وقد أجازوا تباَّ له وويلٌ على تقدير وويل له فحذفوها وإن كانت اللام في تّبا له لا ضمير فيها وهي


287
متعلِّقة بنفس تبّا مثلها في هلّم لك وكانت اللام في ويل له خبرا ومتعلّقة بمحذوف وفيها ضمير فهذا عَرُوض بيتِ الفرزدق

فإن قلت فإذا كان المحذوف للدّلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاءِ المحذوفِة في نحو قولك الذي ضربت زيد فتقولَ الذي ضربت نفسَه زيد كما تقول الذي ضربته نفسَه زيد قيل هذا عندنا غير جائز و ليس ذلك لأن المحذوف هنا ليس بمنزلةِ المثبَت بل لأمر آخر و هو أن الحذف هنا إنما الغرض به التخفيف لطول الأسم فلو ذهبْتَ تؤكِّده لنقضْت الغرض و ذلك أن التوكيد و الإسهاب ضدّ التخفيِف و الإيجاز فلمّا كان الأمر كذلك تدافع الحُكْمان فلم يجز أن يجتمعا كما لا يجوز ادّغام الملحَقِ لما فيِه من نَقْضِ الغَرض و كذلك قولهم لمن سدّد سهماً ثم أرسله نحو الغرض فسمعت صوتاً فقلت القرطاس و الله أي أصاب القرطاس لا يجوز توكيد الفعل الذي نصب القرطاس لو قلت إصابةً القرطاسَ فجعلت إصابةً مصدراً للفعلِ الناصبِ للقرطاس لم يجز من قِبَل أن الفعل هنا قد حذفته العرب و جعلَت الحال المشاهدةَ دالّة عليهِ و نائبة عنه فلو أكّدته لنقضْت الغرض لأن في توكيده تثبيتاً للفظِه المحتزل و رجوعاً عن المعتزم من حذفهِ و إطِّراحه و الأكتفاءِ بغيره منه و كذلك قولك للمُهوِي


288
بالسيِف في يِده زيداً أي أضِرب زيداً لم يجز أن تؤكّد ذلك الفعل الناصب لزيد إلا تراك لا تقول ضرباً زيدا و أنت تجعل ضرباً توكيداً لاٌضرب المقدّرة من قِبَل أن تلك اللفظة قد أُنِيبت عنها الحال الدالة عليها و حذفت هي إختصاراً فلو أكّدتها لنقضْتَ القضيَّة التي كنت حكمت بها لها لكن لك أن تقول ضرباً زيدا لا على أن تجعل ضربا توكيدا للفعل الناصب لزيد بل على أن تُبدله منه فتقيمَه مقامه فتنصب بِه زيدا فأمّا على التوكيد به لفعله وأن يكون زيد منصوبا بالفعل الذي هذا توكيد له فلا

فهذه الأشياء لولا ما عَرَض من صناعة اللفظ أعنى الاقتصار على شئ دون شئ لكان توكيدها جائزا حسنا لكن عارض ما مَنَع فلذلك لم يجز لا لأن المحذوف ليس في تقدير الملفوظ به

ومما يؤكِّد لك ان المحذوف للدلالة عليِه بمنزلة الملفوظ بهِ إنشادهم قول الشاعر

( قاتليِ القومَ يا خُزاعَ ولا يأخُذْكُمُ مِن قتالهم فَشَل )

فتمام الوزن أن يقال فقاتلي القوم فلولا أنّ المحذوف إذا دلّ الدليل عليه بمنزلة المثبّت لكان هذا كسرا لا زِحافا وهذا من أقوى وأعلى ما يحتجّ بهِ لأن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ بهِ البتّة فاعرفه واشدُدْ يدك بِه


289

وعلى الجملة فكّل ما حُذف تخفيفا فلا يجوز توكيده لتدافُع حالية به من حيث التوكيد لإسهاب والاطناب والحذف للاختصار والإيجاز فاعرف ذلك مذهبا للعرب

ومما يدلّك على صحّة ذلك قول العرب فيما رويناه عن محمد بن الحسن عن أحمد اٌبن يحيى راكب الناقةِ طَلِيحانِ كذا رويناه هكذا وهو يحتمل عندي وجهين

أحدهما ما نحن عليه من الحذف فكأنه قال راكبُ الناقِة والناقةُ طليحان فحذف المعطوف لأمرين أحدهما تقدُّم ذكر الناقة والشئ إذا تقدّم ذكره دلّ على ما هو مثله ومثله من حذف المعطوف قول الله عز وجل ( فقلنا اٌضْرِب بِعَصَاك الحَجَرَ فانفجرتْ منه اٌثنتا عَشْرَة عَيْنا ) أي فضرب فانفجرت فحذف فضرب لأنه معطوف على قوله فقلنا وكذلك قول التغلبيّ

( إذا ما الماء خالطها سخِينا )

أي شِربنا فسخِينا فكذلك قوله راكب الناقة طليحان أي راكب الناقة والناقةُ طليحان

فإن قلت فهلاَّ كان التقدير على حذف المعطوف عليه أي الناقةُ وراكبُ الناقة طليحان قيل يبعد ذلك من وجهين


290

أحدهما أن الحذف اتّساع والاتّساع بابه آخِر الكلام وأوسطه لا صدره وأوّله ألا ترى أن من اتّسع بزيادة كان حَشْواً أو آخِرا لا يجيز زيادتها اوّلا وأن من اتّسع بزيادة ما حشوا وغير أوّلٍ لم يستجز زيادتها اولا إلا في شاذّ من القول نحو قوله

( وقَدْ ما هاجنِي فازددت شوقا بكاءُ حمامتينِ تَجاوبانِ )

فيمن رواه وَقَدْمَا بزيادة ما على أنه يريد وقد هاجني لا فيمن رواه فقال وقِدْماً هاجني أي وقديما هاجني

والآخَر أنه لو كان تقديره الناقة وراكب الناقة طليحان لكان قد حذَف حرف العطف وبقيَّ المعطوفَ به وهذا شاذّ إنما حَكَى منه أبو عثمان عن أبي زيد أكلت لحما سمكا تمرا وأنشد أبو الحسن

( كيف أصبحتَ كيف أمسيتَ مِمّا يَزْرَعُ الوُدَّ في فؤاد الكريم )

وأنشد ابن الإعرابي

( وكيف لا أَبِكي على علاّتي صبائحي غبائِقِي قَبْلاتيِ )


291

وهذا كله شاذّ ولعلّه جميع ما جاء منه وأما على القوِل الآخَر فإنه لعمري قد حذف حرف العطف مع المعطوف بهِ وهذا ما لا بدّ منه ألا ترى أنه إذا حذف المعطوف لم يجز أن يبقى الحرف العاطُفُة قبله بحاله لأن حرف العطف لا يجوز تعليقه فإن قلت فقد قال

( قد وعدتني أمُّ عمروٍ أنْ تاتَدْهُنَ رأسي وتُفَلَينيِ وا )

( وتمسحَ القَنْفاء حتى تَنْتا )

فإنما جاز هذا لضرورة الشعر ولأنه أيضا قد أعاد الحرف في أوّل البيت الثاني فجاز تعليق الأوّل بعد أن دَعَمه بحرف الإطلاق وأعاده فعُرف ما أراد بالأوّل فجرى مَجْرىَ قوِله

( عجِّل لنا هذا وألِحقنا بذا اٌلْ اَلَّشحم إنّا قد مِلَلناه بَجَل ) فكما علّق حرف التعريف مَدْعُوما بألف الوصل وأعاده فيما بعد فكذلك عَلَق حرف العطف مدعوما بحرف الإطلاق وأعاده فيما بعد فإن قلت فألف قوله وا ملفوظ بها وألف الوصل في قوله بذَا اٌلْ غير ملفوظ بها قيل لو ابتدأت اللام لم يكن من الهمزة بُدّ فإن قلت أفيجوز على هذا قام زيدوَهْ وعمرو فتجري


292
هاء بيان الحركة مُجرى ألِف الإطلاق فإنه أضعف القِيَاسين وذلك ان ألف الإطلاق أشبهُ بما صيغ في الكلمة من هاء بيان الحركة ألا ترى إلى ما جاء من قوله

( ولاعَبَ بالعشيِّ بني بنيِهِ كِفعْل الهِرِّ يحترِش العَظايا )

( فأبعده الإله ولا يوبىَّ ولا يُسْقَى من المرض الشِفايا ) وقرأته على أبي على ولا يُشْفَى ألا ترى أن أبا عثمان قال شبّه ألف الإطلاق بتاء التأنيث أى فصحَّح اللام لها كما يصحِّحها للهاء وليست كذلك هاء بيان الحركة لانها لم تَقْوَ قُوَّة تاء التأنيث أولا ترى ان ياء الإطلاق في قوله

( . . . . . . كُلُّه لم أصغِي ) قد نابت عن الضمير العائد حتى كأنه قال لم أصنعه فلذلك كان وا من قوله وتفليني وكأنه لاّتصاله بالألف غيرُ معلَّق فإذا كان في اللفظ كأنه غير معلق وعاد من بعدُ معطوفا بهِ لم يكن هناك كبيرُ مكروه فيعتذَرَ منه


293

فإن قلت فإنّ هاء بيان الحركة قد عاقبتْ لام الفعل نحو أرْمِهْ واغزُهْ واخشَهْ فهذا يقوّيها فإنه موضع لا يجوز ان يسوّي بِه بينها وبين ألف الإطلاق والوجه الآخر الذي لاجله حَسُن حذف المعطوف ان الخبر جاء بلفظ التثنية فكان ذلك دليلا على ان المخَبر عنه اثنان فدلّ الخبر على حال المخبر عنه إذ كان الثاني هو الأوّل فهذا أحَد وجَهيْ ما تحتمله الحكاية

والآخَر ان يكون الكلام محمولا على حذف المضاف أي راكب الناقة أحَدُ طليحين كما يَحتِمل ذلك قولهُ سبحانه ( يَخْرُج منهما اللؤلؤ والمَرْجان ) أي من أحدهما وقد ذُهِب فيه إليه فيما حكاه أبو الحسن فالوجه الأوّل وهو ما كنا عليه من أن المحذوف من اللفظ إذا دلّت الدلالة عليه كان بمنزلة الملفوظ بِه ألا ترى أن الخبر لمّا جاء مثنًّى دل على أن المخبر عنه مثنى كذلك أيضا وفي هذا القول دليل على ما يِرد من نحوه بمشيئة الله وحَوْلة باب في نَقْض المراتب إذا عَرَض هناك عارض

من ذلك امتناعهم من تقديم الفاعل في نحو ضرب غلاُمه زيدا فهذا لم يمَتنع من حيث كان الفاعل ليس رتبته التقديم وإنما أمتنع لقرينه انضمَّت إليه وهي


294
إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول وفسادُ تقدّم المضمر على مُظَهره لفظا ومعنى فلهذا وجب إذا أردت تصحيح المسئلة ان تؤخِّر الفاعل فتقولَ ضرب زيدا غلامُه وعليه قول الله سبحانه ( وإذاِ اٌبتلى إبراهيمَ ربُّه ) وأجمعوا على أن ليس بجائز ضرب غلامهُ زيدا لتقدّم المضمر على مظهَره لفظا ومعنى وقالوا في قول النابغة

( جزى ربُّه عنّي عديَّ بن حاتم جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فعل ) إن الهاء عائدة على مذكور متقدّم كُّل ذلك لئلا يتقدم ضميرُ المفعول عليه مضافا إلى الفاعل فيكونَ مقدَّما عليه لفظا ومعنى وأماَّ انا فأجيز ان تكون الهاء في قوله

( جزى ربُّه عنّي عديَّ بن حاتم ) عائدةً على عديّ خلافا على الجماعة

فإن قيل ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدّم والمفعول رتبته التأخُّر فقد وقع كلّ منهما الموقعَ الذي هو أولى به فليس لك ان تعتقد في الفاعل وقد وقع مقدَّما أنَّ


295
موضعه التأخير وإنمّا المأخوذ بِه في ذلك أن يُعتقَد في الفاعل إذا وقع مؤخَّرا ان موضعه التقديم فإذا وقع مقدّما فقد اخَذ مأخذه ورَسَت به قدمُه وإذا كان كذلك فقد وقع المضمر قبل مظهره لفظا ومعنى وهذا ما لا يجوزه القياس

قيل الأمر وإن كان ظاهره ما تقوله فإن هنا طريقا آخر يُسوّغك غيرَه وذلك ان المفعول قد شاع عنهم واطَّرد من مذاهبهم كثرةُ تقدّمه على الفاعل حتى دعا ذاك أبا علىّ إلى ان قال إن تقدّم المفعول على الفاعل قِسْم قائم برأسه كما أن تقدّم الفاعل قسم أيضا قائم برأسه وإن كان تقديم الفاعل اكثر وقد جاء به الاستعمال مجيئا واسعا نحو قول الله عزَّ وجلَّ ( إنما يخشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ ) وقول ذي الرمّة

( أستحدثَ الركبُ من أشياعِهم خبرا أم عاود القلبَ من أطراِبِه طَرَب ) وقول مُعَقِّر بن حِمارٍ البارِقيّ

( أجدّ الركب بعد غَدٍ خُفوف وأمست مِن لُباَنِتَكَ الأَلوف ) وقول دُرْنَي بنت عَبعَبة


296

( إذا هبطا الارضَ المخوفَ بها الرّدَى يخُفِّض مِن جَأشَيهما منْصُلاهما ) وقول لَبِيد

( فمَدافع الريّان عُرِّىَ رسَمْهُا خَلَقاً كما ضَمِن الوُحِىَّ سِلاُمها ) ومن ابيات الكتاب

( اِعتاد قلَبك من سَلْمَى عوائُده وهاج أهواءَك المكنونةَ الطَلَلُ ) فقدّم المفعول في المصراعين جميعا وللبيد أيضا

( رُزِقَتْ مرابيعَ النجومِ وصابهَا ودْقُ الرواعِدِ جَوْدُها فرِهامُها ) وله ايضا

( لمعفَّرٍ قَهْدٍ تنازع شِلْوَهُ غُبْسٌ كواسبُ ما يُمَنُّ طعامُها ) وقال الله عزَّ وجلَّ ( ألهاكم التكاثر ) وقال الآخَر

( أبعدك الله مِن قلب نَصَحتُ له في حُبِّ جُملٍ ويأبى غير عِصياني ) وقال المرقِّشُ الاكبر

( لم يَشْجُ قلبي مِلْحوادثِ إلْلا صاحبِي المتروكَ في تَغْلَمْ )


297
وفيها

( في باذخاتٍ من عَمَايةَ أو يرفُعه دون السماء خِيَم ) والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن وفصيح الكلام متعالَم غير مستنكَر فلمَّا كَثُر وشاع تقديم المفعول على الفاعل كان الموضع له حتى إنه إذا أخِّر فموضعه التقديم فعلى ذلك كانه قال جزى عديَّ بن حاتم ربُّه ثم قدّم الفاعل على انه قد قدّره مقدّما عليه مفعوله فجاز ذلك ولا تستنكر هذا الذي صوّرته لك ولا يَجْفُ عليك فإنه مما تقبله هذه اللغة ولا تعافه ولا تتبشَّعُه ألا ترى ان سيبويه اجاز في جرّ الوجه من قولك هذا الحسَن الوجهِ أن يكون من موضعين احدهما بإضافة الحسَن إليه والآخر تشبيه له بالضارب الرجلِ هذا مع أنّا قد أحطنا علماً بأن الجرّ في الرجل من قولك هذا الضارب الرجل إنما جاءه واتاه من جهة تشبيههم إِيّاه بالحسن الوجه لكن لما اطّرد الجرّ في نحو هذا الضارب الرجل والشاتم الغلام صار كأنه أصل في بابه حتى دعا ذاك سيبويه إلى ان عاد فشبّه الحسن الوجه بالضارب الرجل من الجهة التي إنما صحَّت للضارب الرجل تشبيها بالحسن الوجه وهذا يدلّك على تمكُّن الفروع عندهم حتى إن أصولها


298
التي أعطتها حكما من أحكامها قد حارت فأستعادت من فروعها ما كانت هي أدَّله إليها وجعلته عِطيّه منها لها فكذلك أيضا يصير تقديم المفعول لمَّا استمرّ وكثر كأنه هو الأصل وتأخير الفاعل كأنه ايضا هو الأصل

فإن قلت إنّ هذا ليس مرفوعا إلى العرب ولا محكيَّاً عنها أنها رأته مذهبا وإنما هو شىء رآه سيبويه واعتقده قولا ولسنا نقلِّد سيبويه ولا غيره في هذه العلّة ولاغيرها فإن الجواب عن هذا حاضر عتيد والخَطْب فيه ايسر وسنذكره في بابٍ يلي هذا بإذن اللّه ويؤكِّد أن الهاء في ربه لعديّ بن حاتم من جهة المعنى عادةُ العرب في الدعاء ألا تراك لا تكاد تقول جزى ربُّ زيدٍ عمرا وإنما يقال جزاك ربُّك خيرا أو شرّا وذلك أوفق لأنه إذا كان مجازيه ربّه كان أقدر على جزائه وأملأ به ولذلك جرى العرفُ بذلك فاعرفه

ومما نُقِضتْ مرتبته المفعول في الاستفهام والشرط فإنهما يجيئان مقدَّمين على الفعلين الناصبين لهما وإن كانت رُتْبة المعمول أن يكون بعد العامل فيهِ وذلك قوله سبحانه وتعالى ( وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلَبٍ ينقلبون ) ف أيَّ منقلب منصوب على المصدر بينقلبون لا بسيعلم وكذلك قوله تعالى ( أيَّما الأجلينِ


299
قضيت فلا عدوان علىَّ ) وقال ( أيّامّا تدعوا فله الأسماء الحسنى ) فهذا ونحوه لم يلزم تقديمه من حيث كان مفعولا وكيف يكون ذلك وقد قال عزّ اسمه ( وضرب اللّه مثلا ) وقال تعالى ( ولقد علمتم الذين اعتدَوا منكم في السبت ) وقال ( يحرفون الكلم عن مواضِعه ) وقال ( قد فرض اللّه لكم تَحِلَّة أيمانِكم ) وهو مِلْءُ الدنيا كثرةً وسعة لكن إنما وجب تقديمه لقرينة انضمَّت إلى ذلك وهي وجوب تقدُّم الأسماء المستفهَم بها والأسماءِ المشروط بها فهذا من النقض العارض

ومن ذلك وجوب تأخير المبتدأ إذا كان نكرة وكان الخبر عنه ظرفا نحو قولهم عندك مال وعليك دَين وتحتك بساطانِ ومعك أَلْفان فهذه الأسماء كلُّها مرفوعة بالإبتداء ومواضعها التقديم على الظروف قبلها التي هي أخبار عنها إِلا ان مانعا مَنع من ذلك حتى لا تقدّمها عليها ألا ترى انك لو قلت غلام لك أو بساطان تحتك ونحو ذلك لم يحسن لا لأن المبتدأ ليس موضعه التقديم لكن لأمر حدث وهو كون المبتدأ هنا نكرة ألا تراه لو كان معرفة لاستمرّ وتوجَّه تقديمه فتقول البساطان تحتك والغلام لك أفلا ترى أنّ ذلك إنما فسد تقديمه لِمَا ذكرناه من قبح تقديم المبتدأ نكرة في الواجب ولكن لو أَزَلْتَ الكلام إلى غير الواجب لجاز تقديم النكرة كقولك هل غلام عندك وما بساط تحتك فجُنيتِ الفائدة من حيث كنتَ قد أفدت بنفيك عنه كونَ البساط تحته واستفهامك عن الغلام أهو عنده أم لا إذ كان هذا معنى جليّا مفهوما ولو اخبرت عن النكرة في الإيجاب مقدَّمة فقلت رجل عندك كنت قد أخبرت عن


300
منكور لا يعرف وإِنما ينبغي أن تقدّم المعرفة ثم تخبر عنها بخبر يستفاد منه معنى منكور نحو زيد عندك ومحمد منطلق وهذا واضح فإن قلت فلم وجب مع هذا تأخيرُ النكرة في الإخبار عنها بالواجب قيل لمّا قبح ابتداؤها نكرة لما ذكرناه رأَوْا تأخيرها وإيقاعها في موقع الخبر الذي بابه أن يكون نكرة فكان ذلك إصلاحا للَّفظ كما أحَّروا اللام لام الابتداء مع إنّ في قولهم إن زيدا لقائم لإصلاح اللفظ وسترى ذلك في بابه بعون اللّه وقدرته فاعلم إذاً أنه لا تُنقَض مرتبة إلاّ لأمر حادث فتأمَّله وابحث عنه باب من غلبة الفروع على الأصول

هذا فصل من فصول العربيَّة طريف تجده في معاني العرب كما تجده في معانى الإعراب ولا تكاد تجد شيئا من ذلك إلاّ والغرض فيه المبالغة

فمِمّا جاء فيه ذلك للعرب قولُ ذي الرُمَّة

( ورَملٍ كأوراكِ العذارَى قطعتُه إذا أَلْبَسته المُظلماتُ الحنادِسُ )

أفلا ترى ذا الرَّمة كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وذلك أن العادة والعرف في نحو هذا أن تشبَّه أعجاز النساء بكُثْبان الأنقاء ألا ترى إلى قوله

( ليلَى قضيبٌ تحته كثِيب وفي القِلاَدِ رَشَأٌ رَبيب )


301

وإِلى قول ذي الرمّة أيضا وهو من أبيات الكتاب

( ترى خَلْفها نصفاً قناة قِويمةً ونِصفاً نقاً يرتجُّ أو يتمرمر ) وإلى قول الآخر

( خُلِقْتِ غير خِلقةِ النسوانِ إن قمتِ فالأعلى قضيبُ بان )

( وإن تولَّيتِ فدِعْصَتانِ وكلَّ إِدٍّ تفعَلُ العينانِ ) وإِلى قوله

( كدِعصِ النَقَا يمشى الولِيدان فوقه بما احتسَبا من لينِ مس وتَسهالِ ) وما أحسن ما ساق الصنعة فيه الطائىُّ الكبير

( كم أحرزتْ قُضُبُ الهندِيّ مُصلَتةً تهتزّ من قُضُبٍ تهتزّ في كُثُبِ )


302
ولله البُحترىّ فما أعذب وأظرف وأدمث قولَه

( أين الغزالُ المستعير من التَقا كَفَلا ومن نَوْرِ الأَقاحِي مَبْسِما )

فقلب ذو الرمَّة العادة والعُرف في هذا فشبَّه كُثْبان الأنقاء بأعجاز النساء وهذا كأنه يَخرج مَخرج المبالغة أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كانه الأصل فيه حتى شبّه به كُثْبان الأنقاء ومثله للطائىّ الصغير

( في طَلْعة البدرِ شىء من ملاحتِها وللقضِيب نصِيب من تثنِّيها ) وآخِر من جاء به شاعرُنا فقال

( نحن رَكْب مِلْجِنِّ في زِيِّ ناسٍ فوق طيرٍ لها شخوصُ الجِمال ) فجعل كونهم جِنّا أصلا وجعل كونهم ناسا فرعا وجعل كون مطاياه طيرا أصلا وكونَها جِمالا فرعا فشبَّه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي منه أفاد المجازُ من الحقيقة


303
ما أفاد وعلى نحو من هذا قالوا للناقة جُمَالِيَّة لأنهم شبَّهوها بالجَمَل في شدّته وعلو خَلْقه قال الأعشى

( جُمَالِيَةٍ تغتلى بالرِداف إذا كَذَب الآِثماتُ الهِجيرا ) وقال الراعي

( على جُمالّيٍة كالَفحْل هِملاِج ) وهو كثير فلمّا شاع ذلك واطّرد صار كأنه أصل في بابِه حتى عادوا فشبّهوا الجمل بالناقة في ذلك فقال

( وقرَّبوا كل جُمَالِيّ عَضِةْ قريبٍة نُدْوتُه من مَحَمِضهْ )

فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل ونظائره في هذه اللغة كثيرة

وهذا المعنى عينُه قد استعمله النحويون في صناعتهم فشبَّهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي افاده ذلك الفرع من ذلك الأصل ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك هذا الحسن الوجهِ ان يكون الجرّ في الوجه من موضعين أحدهما


304
الإضافة والآخر تشبيهه بالضارب الرجل الذي إنما جاز فيه الجر تشبيها له بالحسن الوجه على ما تقدّم في الباب قبل هذا

فإن قيل وما الذي سوّغ سيبويه هذا وليس ممَّا يرويه عن العرب روايةً وإنما هو شىء رآه وأعتقده لنفسه وعلَّل به قيل يدّل على صّحة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عَرفه وعرفناه معه من أن العرب إذا شبَّهت شيئا بشىء مكَّنت ذلك الشّبَه لهما وعَمَرت به الحالَ بينهما الا تراهم لمَّا شبّهوا الفعل المضارع بالإسم فأعربوه تَّمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبّهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه وكذلك لمّا شبّهوا الوقف بالوصل في نحو قولهم عليه السلام والرحَمتْ وقوِله

( بَلْ جَوْزِ تَيهاء كظَهْرِ الحَجَفتْ ) وقوله

( اللهُ نجّاك بكَفَّىْ مَسْلَمَتْ من بعدِما وبعدمِا وبعدمَتْ )

( صارت نفوسُ القوم عند الغَلصَمَتْ وكادِت الحُرَّة أن تُدعَى أمت )


305
كذلك شبّهوا أيضا الوصل بالوقف في قولهم ثلاثَةَ اٌربعةْ يريد ثلاثةْ أربعةْ ثم تخفَّف الهمزة فتقول ثَلاثَةَ اٌرْبَعَةْ وفي قولهم سَبْسَباَّ وكَلْكَلاّ وكما أجرَوا غير اللازم مجرى اللازم في قولهم لَحْمَر ورُيّا وقولهم وَهْوَ الله وَهْيَ التي فعلتْ وقوله

( فقمتُ للطيف مرتاعا وأرَّقني فقلت أهْيَ سرت أم عادني حُلُم )


306
وقولهم ها اللهِ ذا اجروه مُجرى دابّة وقوله

( ومن يتَّقْ فإن الله مَعْهُ ورِزقُ الله مؤتابٌ وغادي )

أجرى تَقِ فَ مجرى عَلَمِ حتى صار تَقْفَ كعَلْمَ كذلك أيضا أجرَوُا اللازم مُجرى غير اللازم في قول الله سبحانه ( أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى ) فأجرى النصب مجرى الرفع الذي لا تلزم فيه الحركة ومجرى الجزم الذي لا يلزم فيه الحرف أصلا وكما حُمِل النصب على الجرّ في التثنية والجمع الذي على حدّ التثنية كذلك حُمِل الجرّ على النصب فيما لا ينصرف وكما شّبهت الياء بالألف في قوله

( كأنَّ أيدِيهنَّ بالقاِع القَرِق )


307
وقوله

( يا دار هندٍ عَفَت إلاّ أثافيها )

كذلك حملت الألف على الياء في قوله فيما أنشَد أبو زيد

( إذا العجوزُ غِضبت فطلِّقِ ولا تَرضّاها ولا تَمَلَّقِ )

وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتّصل في قوله

( إليك حتى بلغت إيَّاكا )

ومنه قول أمية

( بالوارث الباعثِ الأمواتِ قد ضِمنت إيّاهم الأرضُ في دَهرِ الدهارِيِر )

كذلك وضع أيضا المتّصل موضع المنفصل في قوله

( فما نبالِي إذا ما كنتِ جارتنا ألاَّ يجاورنا إلاّك ديار )

وكما قلبت الواو ياء استحسانا لا عن قوّة علّة في نحو غَدْيان وعَشْيان وأبيض لَيَاح كذلك أيضا قلبت الياء واوا في نحو الفَتْوَى والَرعْوَى والتقوى


308
والبَقْوَى والَثْنَوى والشروَى وقد ذُكِر ذلك وقولهم عَوَى الكلب عَوَّة

وكما اتبعوا الثانيَ الأوّل في نحو شُدُّ وفِرِّ وعَضَّ ومُنذُ كذلك اتبعوا الأوّل الثانيَ في نحو أُقتل اُخرج اُدخل وأشباه هذا كثير فلمّا رأى سيبويه العرب إذا شبَّهت شيئا بشىء فحملته على حكمه عادت أيضا فحملت الاخرَ على حكم صاحبه تثبيتا لهما وتتميما لمعنى الشَبَه بينهما حَكَم أيضا لجرّ الوجه من قوله هذا الحسن الوجهِ أن يكون محمولا على جرّ الرجل في قولهم هذا الضارب الرجلِ كما اجازوا أيضا النصب في قولهم هذا الحسن الوجهَ حملا له منهم على هذا الضارب الرجلَ ونظيره قولهم يا أُمَيمةَ ألا تراهم حذفوا الهاء فقالوا أُمَيمَ فلمّا أعادوا الهاء أقروا الفتحة بحالها اعتيادا للفتحة في الميم وإن كان الحذف فرعا وكذلك قولهم اجتمعت أهل اليمامة أصله اجتمع أهلُ اليمامة ثم حذف المضاف فانث الفعل فصار اجتمعت اليمامةُ ثم أعيد المحذوف فاقِرَّ التأنيث الذي هو الفرع بحاله فقيل اجتمعت اهل اليمامة نعم وأيد ذلك ما قدّمنا ذكره من عكسهم التشبيه وجعلهم فيه الأصول محمولة على الفروع في تشبيههم كُثْبان الأنقاء بأعجاز النساءِ وغير ذلك مما قدّمنا ذكره

ولمّا كان النحويُّون بالعرب لاحقين وعلى سَمْتِهِم آخذين وبألفاظهم متحليِّن ولمعانيهم وقُصوُدهم آميِّن جاز لصاحب هذا العلم الذي جمع شَعاعه وشرع اوضاعه ورسم أشكاله ورسم أغفاله وخلج أشطانه


309
وبغج أحضانه وزَّم شوارده وأفاء فوارده أن يرى فيه نحوا مما راوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذَوا وأن يَعتقد في هذا الموضع نحوا مما اعتقدوا في امثاله لا سيّما والقياس إليه مُصْغٍ وله قابل وعنه غير متثاقل فأعرِف إذاً ما نحن عليه للعرب مذهبا ولمن شرح لغاتها مُضطَربا وأن سيبويه لاحق بهم وغير بعيد فيه عنهم ولذلك عندنا لم يتعقّب هذا الموضع عليه احد من اصحابه ولا غيرهم ولا أضافوه إلى مانَعوه عليه وإن كان بحمد الله ساقطا عنه وحرًى بالإعتذار هم منه وأجاز سيبويه أيضا نحو هذا وهو قوله زيدا إذا يأتيني أضِربُ فنصبه بِأضرب ونوى تقديمه حتى كأنه قال زيدا أضرب إذا يأتيني ألا ترى إلى نيَّته بما يكون جوابا إذا وقد وقع في موقعه أن يكون التقدير فيه تقديمه عن موضعه

ومن غلبة الفروع للأصول إعرابهم في الآحاد بالحركات نحو زيدٌ وزيدا وزيدٍ وهو يقوم وإذا تجووِزت رُتْبة الآحاد أعربوا بالحروف نحو الزيدان والزيدَين والزيدون والعُمَرِين وهما يقومان وهم ينطلقون فأمّا ما جاء في الواحد من ذلك نحو اخوك وأباك وهَنِيك فإن أبا بكر ذهب فيه إلى أنّ العرب قدمت منه هذا القدر توطئة لما أجمعوه من الإعراب في التثنية والجمع بالحروف وهذا أيضا نحوٌ آخرَ من حمل الأصل على الفرع ألا تراهم أعربوا بعض الآحاد بالحروف حملا لهم على ذلك في التثنية والجمع فأما قولهم أنِت تفعلين


310
فانهم إِنما أعربوه بالحرف وإن كان في رُتْبة الآحاد وهي الأوَل من حيث كان قد صار بالتأنيث إلى حكم الفرعيّة ومعلوم أن الحرف أقوى من الحركة فقد ترى إلى عَلَم إِعراب الواحد أضعفَ لفظا من إعراب ما فوقه فصار لذلك الأقوى كانه الأصل والأضعفُ كأنه الفرع

ومن ذلك حذفهم الأصل لشَبهَه عندهم بالفرع ألا تراهم لمّا حذفوا الحركات ونحن نعلم أنها زوائد في نحو لم يذهب ولم ينطلق تجاوزوا ذلك إلى أن حذفوا للجزم أيضا الحروفَ الأصول فقالوا لم يخشَ ولم يرِم ولم يغزُ ومن ذلك أيضا أنهم حذفوا ألفِ مَغْزًى ومَدْعًى في الإضافة فأجازوا مَغْزِىّ ومَرِمىّ ومَدْعِىّ فحملوا الألف هنا وهي لام على الألف الزائدة في نحو حُبلىّ وسكرىّ ومن ذلك حذفهم ياء تحيّة وإن كانت أصلا حملا لها على ياء شقيَّة وإن كانت زائدة فلذلك قالوا تَحَوِىّ كما قالوا شَقوىّ وغَنَوىّ في شقيَّة وغنيّة وحذفوا أيضا النون الأصلّية في قوله

( ولاكِ اسقنِيِ إن كان ماؤك ذا فضل ) وفي قوله

( كأنهما مِلآْنَ لم يتغيرّا )


311
وقوله

( أبلغ أبا دَخْتَنُوسَ مألُكهً غيرَ الذي قد يُقال مِلْكذِب ) كما حذفوا الزائدة في قوله

( وحاتُم الطائيُّ وهَّاب المئيِ ) وقوله

( ولا ذاكِر اللهَ إلاّ قليلا )

ومن ذلك حملهم التثنية وهي أقرب إلى الواحد على الجمع وهو أنأى عنه ألا تراهم قلبوا همزة التأنيث فيها واوا فقالوا حمراوات وأربعاوان كما قلبوها فيه واوا فقالوا حمروات عَلَما وصحراوات وأربعاوات ومن ذلك حملهم الاسم وهو الأصل على الفعل وهو الفرع في باب مالا ينصرف نعم وتجاوزوا بالاسم رُتْبة الفعل إلى ان شبهَوه بما وراءه وهو الحرف فبنَوه نحو أمس وأين وكيف وكَمْ وإذا وعلى ذلك ذهب بعضهم في ترك تصرّف ليس إلى أنها أُلحِقت ب ما فيه كما ألحقت ما بها في الفعل في اللغة الحجازيَّة وكذلك قال أيضا في عسى إنها منعت التصرُّف لحملهم إِياها على لعلَّ فهذا ونحوه يدلّك


312
على قوَّة تداخُل هذه اللغة وتلامُحها واتصال أجزائها وتلاحُقِها وتناسُب أوضاعها وأنها لم تُقَتعثِ اقتِعاثا ولا هيِلت هَيْلا وأن واضعها عُنيِ بها وأحسَن جِوارها وأمِدّ بالإصابة والأصالة فيها باب في إصلاحِ اللفظ

أعلم أنه لمَّا كانت الألفاظ للمعاني أزِمَّة وعليها أدِلَّة وإليها موصِّلة وعلى المراد منها محصِّلة عُنيت العرب بها فأولتها صدرا صالحا من تثقِيفها وإصلاحها .

فمن ذلك قولهم أمَّا زيد فمنطلق ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرَّحت بلفظ الشرط فيه صِرت إلى أنك كأنك قلت مهما يكن من شئ فزيد منطلق فتحد الفاء في جواب الشرط في صدر الجزأين مقدَّمة عليهما وأنت في قولك أمَّا زيد فمنطلق إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين ولا تقول أمَّا فزيد منطلق كما تقول فيما هو في معناه مهما يكن من شئ فزيد منطلق وإنما فُعِل ذلك لإصلاح اللفظ

ووجه إصلاحه أن هذه الفاء وإن كانت جوابا ولم تكن عاطفة فإنها على مذهب لفظ العاطفة وبصورتها فلو قالوا أمَّا فزيد منطلق كما يقولون مهما يكن من شئ فزيد منطلق لوقعت الفاء الجارية مَجرى فاءِ العطف بعدها اسم


313
وليس قبلها اسم إنما قبلها في اللفظ حرف وهو أمَّا فتنكَّبوا ذلك لمَا ذكرنا ووسَّطوها بين الحرفين ليكون قبلها اسم وبعدها آخر فتأتَي على صورة العاطفة فقالوا أمَّا زيد فمنطلق كما تأتي عاطفةً بين الاسمين في نحو قام زيد فعمرو وهذا تفسير أبي عليّ رحمه الله تعالى وهو الصواب

ومثله امتناعهم أن يقولوا انتظرتُك وطلوعَ الشمس أي مع طلوع الشمس فينصبوه على أنه مفعول معه كما ينصبون نحو قمت وزيدا أي مع زيد قال أبو الحسن وإنما ذلك لأن الواو التي بمعنى مع لاتستعمل إلاَّ في الموضع الذي لو استُعِملت فيه عاطفةً لجاز ولو قلت انتظرتك وطلوعُ الشمس أي وانتظركَ طلوعُ الشمس لم يجز أفلا ترى إلى إجرائهم الواو غير العاطفة في هذا مُجرى العاطفة فكذلك أيضا تجرى الفاء غير العاطفة في نحو أمّا زيد فمنطلق مجرى العاطفة فلا يؤتى بعدها بمالا شبيه له في جواز العطف عليه قبلها

ومن ذلك قولهم في جمع تمرة وبُسْرة ونحو ذلك تَمَرات وبُسرات فكرِهوا إقرار التاء تناكُرا لاجتماع علامتي تأنيث في لفظ اسم واحد فحذفت وهي في النيَّة مرادة البتَّة لا لشئ إلا لإصلاح اللفظ لأنها في المعنى مقدَّرة منويّة


314
لا غير ألا تراك إذا قلت تَمَرات لم يعترض شكّ في أن الواحدة منها تمرة وهذا واضح والعناية إذاً في الحذف إنما هي بإصلاح اللفظ إذ المعنى ناطق بالتاء مقتضٍ لها حاكم بموضعها

ومن ذلك قولهم إن زيداً لقائم فهذه لام الابتداء وموضعها أوّل الجملة وصدرُها لا آخِرها وعَجزُها فتقديرها أوّلُ لَئِنَّ زيدا منطلق فلمَّا كُرِه تلاقى حرفين لمعنى واحد وهو التوكيد أخِّرت اللام إلى الخبر فصار إن زيدا لمنطلق

فإن قيل هَلاَّ أخِّرت إنّ وقدّمت اللام قيل لفساد ذلك من أوجهٍ أحدها أنّ اللام لو تقدّمت وتأخّرت إنّ لم يجز أن تنصب إنّ اسَمها الذي مِن عادتها نصبه مِن قِبِل أن لام الابتداء إذا لقيت الاسم المبتدأ قوّت سببه وحَمَت من العوامل جانبه فكان يلزمك أن ترفعه فتقولَ لَزَيدٌ إنَّ قائم ولم يكن إلى نصب زيد وفيه لام الابتداء سبيل ومنها أنك لو تكلَّفت نصبَ زيد وقد أخّرت عنه إنّ لأعملت إنّ فيما قبلها وإنّ لا تعمل أبدا إلا فيما بعدها ومنها أنّ إنّ عاملة واللام غير عاملة والمبتدأ لا يكون إلا اسما وخبره قد يكون جملة وفعلا وظرفا وحرفا فجعلت اللام فيه لأنها غير عاملةّ ومنعت منه إن لأنها لا تعمل في الفعل ولا في الجملة كلّها النصب إنما تعمله في أحد جزأيها ولا تعمل أيضا في الظرف ولا في حرف الجرّ ويدلّ على أنّ موضع اللام في خبر إنّ أول الجملة قبل إن أنّ العرب لَّما جفا عليها اجتماعُ هذين الحرفين قلبوا الهمزة هاء ليزول لفظ إنّ


315
فيزولَ أيضا ما كان مستْكَرها من ذلك فقالوا لهّنِك قائم أي لَئنَّك قائم وعليه قوله فيما رويناه عن محمد بن سلمة عن أبي العباس

( ألا ياسَنَا برقٍ على قُلَلِ الحِمَى لِهنَّكَ مِن برقٍ علَّى كريمُ )

فإن قلت فما تصنع بقول الآخر

( ثمانين حولا لا أرى مسِك راحة لِهنَّكِ في الدنيا لباقيةُ العُمْرِ )

وما هاتان اللامان

قيل أمَّا الأولى فلام الابتداء على ما تقدّم وأمَّا الثانية في قوله لباقية العمر فزائدة كزيادتها في قراءة سعيد بن جُبَير ( إلا أنهم ليأكلون الطعام ) ونحوه ما رويناه عن قُطْرُب من قول الشاعر

( ألم تكن حلفت بالله العلىِ أن مطاياك لَمِن خير المِطى )

بفتح أنّ في الآية وفي البيت وروينا عن أحمد بن يحيى وأنشدناه أبو علىّ رحمه اللّه تعالى


316

( مَرُّوا عِجالاً وقالوا كيف صاحِبكم قال الذي سألوا أمسى لمَجهودا )

فزاد اللام وكذلك اللام عندنا في لَعَلَّ زائدة ألا ترى ان العرب قد تحذفها قال

( عَلَّ صُرُوفَ الدهر أو دُولاتِها يُدِلْنَنَا اللَمَّةَ من لَمَّاتِها )

( فتستريحَ النفْس من زَفْراتِها )

وكذلك ما أنشده ابن الأعرابيّ من قول الراجز

( ثُمَّتَ يغدو لكأن لم يَشعُرِ رِخْوَ الإزارِ زُمَّحَ التبخترِ )

أي كأن لم يشعر فكذلك تكون اللام الثانية في قوله

( لِهَّنِك في الدنيا لباقِيةُ العمرِ )

زائدة

فإن قلت فلم لا تكون الأولى هي الزائدة والأخرى غير زائدة قيل يَفسُد ذلك من جهتين إحداهما أنها قد ثبتت في قوله لِهنَّك من برقٍ علىً كريمُ )

هي لام الابتداء لا زائدة فكذلك ينبغي أن تكون في هذا الموضع أيضا هي لام الابتداء والأخرى أنك لو جعلت الأولى هي الزائدة لكنت قد قدّمت الحرف الزائد والحروف إنما تزاد لضرب من ضروب الاتّساع فإذا كانت للاتّساع كان آخِر الكلام أولى بها من أوَّله ألا تراك لا تزيد كان مبتدأة وإنما تزيدها حَشْوا أو آخِرا وقد تقدّم ذكر ذلك


317

فامّا قول من قال إن قولهم لهِنَّك إن أصله لِله إنك فقد تقدّم ذكرنا ذلك مع ما عليه فيهِ موضع آخَر وعلىّ أن أبا علي قد كان قواَّه بأخَرةٍ وفيهِ تعسُف

ومِن أصلاح اللفظ قولهم كأن زيدا عمرو اعلم أن أصل هذا الكلام زيد كعمرو ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيِه إنّ فقالوا إنّ زيدا كعمرو ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه فقدّموا حرفه إلى أوّل الكلام عنايةًّ به وإعلاما أن عَقْد الكلام عليِه فلمَّا تقدّمت الكافُ وهي جارَّة لم يجز أن تباشر إنّ لأنها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل فوجب لذلك فتحُها فقالوا كأن زيدا عمرو

ومن ذلك أيضا قولهم لك مال وعليك دَيْن فالمال والدين هنا مبتدآن وما قبلهما خبر عنهما إلا أنك لو رُمْت تقديمهما إلى المكان المقدَّر لهما لم يجز لقبح الابتداء بالنكرة في الواجب فلمَّا جفا ذلك في اللفظ أخَّروا المبتدأ وقدَّموا الخبر وكان ذلك سهلا عليهم ومُصْلِحا لما فسد عندهم وإنّما كان تأخُّره مستحسَنا من قِبِل أنه لمَّا تأخر وقع موقع الخبر ومن شرط الخبر أن يكون نكرة فلذلك صلح بهِ اللفظ وإن كنا قد أحطنا علما بأنه في المعنى مبتدأ فأمَّا مَن رفع الاسم في نحو هذا بالظرفيّة فُقد كِفى مئونة هذا الاعتذار لأنه ليس مبتدأ عنده


318

فإن قلت فقد حَكَى عن العرب أمْتٌ في حَجَرٍ لا فِيك وقولهم شرُ أهَرَّ ذا نابٍ وقولهم سلام عليك قال اللّه سبحانه وتعالى ( سلام عليك سأستغِفر لك ربِّي ) وقال ( ويل للمطففِين ) ونحو ذلك والمبتدأ في جميع هذا نكرة مقدّمة

قيل أمّا قوله سلام عليك وويل له وأمت في حجر لا فيك فإنه جاز لأنه ليس في المعنى خبرا إنما هو دعاء ومسألة أي لِيسلِّم الله عليك وليُلزِمه الويلَ وليكنِ الأمت في الحجارة لا فيك والأمت الانخفاض والارتفاع والاختلاف قال الله عزّ وجّل ( لا ترى فيها عِوَجاَّ ولا أمتْاً ) أي اختلافا ومعناه أبقاك الله بعد فناء الحجارة وهي ممَّا توصف بالخلود والبقاء ألا تراه كيف قال

( ما أطيبَ العيشَ لوْ أن الفتى حَجَرٌ تنبو الحوادثُ عنه وهْوَ ملموم )

وقال

( بقاء الوحِى في الصُمّ الصِلاب )


319

وأمّا قولهم شرُ أهَّر ذا ناب فإنما جاز الابتداء فيه بالنكرة من حيث كان الكلام عائدا إلى معنى النفي أي ما أهَّر ذا ناب إلا شرّ وإنما كان المعنى هذا لأن الخبريّة عليه أقوى ألا ترى أنك لو قلت أهَّر ذا ناب شرّ لكنت على طَرَف من الإخبار غير مؤكَّد فإذا قلت ما أهرَّذا ناب إلا شرّ كان ذلك أوكد ألا ترى أن قّولك ما قام إلا زيد أوكد من قولك قام زيد وإنما احتيج إلى التوكيد في هذا الموضع من حيث كان أمرا عانيا مُهِمَا وذلك أن قائل هذا القول سمع هرير كلب فأضاف منه وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شرّ فقال شر أهرّ ذا ناب أي ما أهرّ ذا ناب إلا شر تعظيما عند نفسه أو عند مستمِعه وليس هذا في نفسه كأن يطرُق بابه ضيف أو يلم به مسترشد فلّما عناه وأهَّمه وكَّدَ الإخبارَ عنه وأخرج القول مخرج الإغلاظ بِه والتأهيب لما دعا إليه

ومن ذلك امتناعهم من الإلحاق بالألف إلا أن تقع آخرا نحو أرطيّ ومِعْزَّى وحَبَنْطىً وسَرَنْدًى وزِبَعْرًى وصَلَخْدًي وذلك أنها إذا وقعت طَرَفا وقعت موقع حرف متحرّك فدلَّ ذلك على قوَّتها عندهم وإذا وقعت حشوا وقعت موقع الساكن فضعُفت لذلك فلم تَقْوَ فيعلمَ بذلك إلحاقُها بما هي على سَمْت متحِّركة ألا ترى أنك لو ألحقت بها ثانية فقلت خاتَم ملحق بجعفر لكانت مقابِلة لعينه وهي ساكنة فاحتاطوا لّلفظ بأن قابلوا بالألِف فيه الحرف المتحرك ليكون أقوى لها وأدلّ على شدّة تمكنّها بتنوينها أيضا وكون ما هي فيهِ على وزنِ أصلٍ من الأصول له أنها للإلحاق بهِ وليست كذلك ألِف قَبَعْثَرًى وضَبَغْطرًى لأنها


320
وأن كانت طرَفا ومنوَّنه فإن المثال الذي هي فيهِ لا مَصْعَد للأصول إليه فيلحَقَ هذا بهِ لأنه لا أصل لها سداسيّا فإنما ألِف قبعثرى قسم من الأِلفات الزوائد في أواخر الكلم ثالثٌ لا للتأنيث ولا للإلحاق فاعرف ذلك

ومن ذلك أنهم لمَّا أجمعوا الزيادة في آخِر بنات الخمسة كما زادوا في آخر بنات الأربعة خصّوا بالزيادة فيهِ الأِلف استخفافا لها ورغبة فيها هناك دون أختيها الياء والواو وذلك أن بنات الخمسة لطولها لا يُنتهَى إلى آخِرها إلاّ وقد مُلّت فلمّا تحّملوا الزيادة في آخرها طلبوا أخفَّ الثلاث وهي الأِلف فخصّوها بها وجعلوا الواو والياء حَشْوا في نحو عَضْرَ فُوط وجَعْفَلِيق لأنهم لو جاء وابهما طَرَفًا وسُداسَّيين مع ثقلهما لظهرت الكُلفْة في تجشّمِهما وكَدَّت في احتمال النطق بهما كلُّ ذلك لإصلاح اللفظ

ومن ذلك باب الادّغام في المتقاِرب نحو وَدًّ في وِتد ومن الناس مَيَّقول في من يقول ومنه جميع باب التقريب نحو اصطبر وازدان وجميع باب المضارَعة نحو مَصْدَرٍ وبابه

ومن ذلك تسكينُهم لامَ الفعل إذا اتّصل بها عَلَمُ الضمير المرفوعُ نحو ضَرَبْت و ضَرَبْن وضربْنا وذلك أنهم أجْرَوُا الفاعل هنا مُجرى جزء من الفعل فكُرِه


321
اجتماع الحركات الذي لا يوجد في الواحد فأسكنوا اللام إصلاحا للَّفظ فقالوا ضربْت ودخلْنا وخرجتم نعم وقد كان يجتمع فيهِ أيضا خمس متحركات نحو خرجتما فالإسكان إذَّا أشدّ وجوبا وطريق إصلاح اللفظ كثير واسع فتفطّن له

ومن ذلك أنهم لمَّا أرادوا أن يِصفوا المعرفة بالجملة كما وصفوا بها النكرة ولم يجز أن يُجروها عليها لكونها نكرة أصلحوا اللفظ بإدخال الذي لتباشر بلفظ حرف التعريف المعرفة فقالوا مررت بزيد الذي قام أخوه ونحوه باب في تلاقي اللغة

هذا موضع لم أسمع فيِه لأحدٍ شيئا إلا لأبي علىّ رحمه الله

وذلك انه كان يقول في باب أجمع وجمعاء وما يتبع ذلك من أكتع وكتعاء وبقيّتِه إن هذا اتّفاق وتوارُد وقع في اللغة على غير ما كان في وزنه منها قال لأن باب أفعل وفعلاء إنما هو للصفات وجميعها تجئ على هذا الوضع نكراتٍ نحوأحمر وحمراء وأصفر وصفراء وأسود وسوادء وأبلق وبلقاء وأخرق وخرقاء هذا كلُّه صفات نكرات فأمَّا أجمع وجمعاء فاسمان معرفتان وليسا بصفتين فإنما ذلك اتّفاق وقع بين هذه الكِلَم المؤكَّد بها

قال ومثله ليلٌة طَلْقة وليالٍ طوالق قال فليس طوالق تكسيرَ طلَقْة لأن فعَلْة لا تكسَّر على فواعل وإنما طوالق جمع طالقة وقعت موقع جمع طَلْقة


322

وهذا الذي قاله وجه صحيح وأبين منه عندي وأوضح قولهم في العلم سَلْمان وسَلْمى فليس سلمان إذاً من سَْلمى كسكران من سكرى ألا ترى ان فعلان الذي يقاوده فَعْلَى إنما بابه الصفة كغضبان وغضبى وعطشان وعطشى وخَزْيان وخَزْيا وصَدْيان وصَدْيا وليس سلمان ولا سلمى بصفتين ولا نكرتين وإنما سلمان من سلمى كقحطان من ليلى غير أنهما كانا من لفظ واحدٍ فتلاقيا في عُرْض اللغة من غير قصد لجمعهما ولا إيثارٍ لتقاوُدهما ألا تراك لا تقول هذا رجل سلمان ولا إمرأة سلمى كما تقول هذا سكران وهذه سكرى وهذا غضبان وهذه غضبى وكذلك لو جاء في العَلَم ليلان لكان ليلان من ليلى كسلمان من سلمى وكذلك لو وُجد في العلم قَحْطَى لكان من قحطان كَسْلمى من سَلمْان

وأقرب إلى ذلك من سلمان وسلمى قولهم في العَلَم عَدْوان والعَدْوَى مصدر أعداه الجَرَب ونحوه ومن ذلك قولهم أسعد لبَطْنٍ من العرب ليس هذا من سُعْدَى كالأكبر من الكبرى والأصغِر من الصغرى وذلك أن هذا إنما هو تقاوُد الصفة وأنت لا تقول مررت بالمرأة السُعْدَى ولا بالرجل الأسعد فينبغي على هذا أن يكون أسعد من سُعْدَى كأسلم من بُشْرَى وذهب بعضهم إلى أنّ أسعد تذكير سُعْدَى ولو كان كذلك لكان حًرى أنّ يجىء بهِ سماع ولم نسمعهم قطُّ وصفوا بسعدى وإنما هذا تلاقٍ وقع بين هذين الحرفين المَّتَفِقِي اللفظ كما يقع هذان المثالان في المُخْتَلِفَيه نحو أسلم وبشرى


323

وكذلك أيْهَم ويهماء ليسا كأدهم ودهماء لأمرين احدهما ان الأيهم الجمل الهائج أو السيل واليهماء الفلاة فهما مختلفان والآخر أنّ أيْهم لو كان مذكَّر يَهْماء لوجب أن يأتي فيهما يُهْم كُدْهم ولم نسمع ذلك فعلمت بذلك أن هذا تلاقٍ بين اللغة وأن أيْهم لا مؤنّث له ويهماء لا مذكَّرلها

ومن التلاقي قولهم في العَلَم أسلم وسُلْمَى وليس هذا كالأكبر والكبرى لأنه ليس وصفا فتأمَّل أمثاله في اللغة ومثله شتَّان وشتّى إنما هما كَسْرعان وسكرى

وإنما وضعت من هذا الحديث رَسْما لتتنبَّه على ما يجىء من مثله فتعلمَ به أنه توارد وتلاقٍ وقع في أثناء هذه اللغة عن غير قصدٍ له ولا مراسَلة بين بعضه وبعض

وليس من هذا الباب سَعْد وَسْعدة من قبل أن هاتين صفتان مَسُوقتان على منهاج واستمرارٍ فَسْعد من سَعْدة كَجْلد من جَلْدة وَنْدبٍ من نَدْبة ألا تراك تقول هذا يوْم سَعْد وهذه ليلة سَعْدة كما تقول هذا شعر جَعْد وهذه جُمةٌ جَعْدة فأعرف ذلك إلى ما يِلِيه وقِسْه بما قَّررتُه عليه بإذن اللّه تعالى باب في هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أوْلا

سألت أبا عليّ رحمة اللّه عن هذا فقال كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا وما حظَرته عليهم حظرته علينا


324
وإذا كان كذلك فما كان من احسن ضروراتهم فليكن من أحسن ضروراتنا وما كان من اقبحها عندهم فليكن من أقبحها عندنا وما بين ذلك بين ذلك

فإن قيل هلاَّ لم يجز لنا متابعتهم على الضرورة من حيث كان القوم لا يترسّلون في عمل أشعارهم ترسّل المولَّدِين ولا يتأنَّون فيهِ ولا يتلوَّمون على حَوْكِه وعمله وإنما كان اكثره ارتجالا قصيدا كان او رَجَزا أو رَمَلا فضرورتهم إذاً أقوى من ضرورة المحدَثيِن فعلى هذا ينبغي ان يكون عذرهم فيهِ أوسع وعذر المولَّدين أضيق

قيل يَسقط هذا من أوجهٍ أحدها أنه ليس جميع الشعر القديم مرتجلا بل قد كان يعرِض لهم فيهِ من الصبر عليهِ والملاطفة له والتلوُّم على رياضته وإحكام صنعته نحوٌ مما يعرِض لكثير من المولَّدين ألا ترى إلى ما يروى عن زُهَير مِن أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين فكانت تسمَّى حولَّياتِ زهير لأنه كان يحوك القصيده في سنة والحكاية في ذلك عن ابن أبي حفصة أنه قال كنت أعمل القصيدة في أربعة اشهر وأحِكّكها في أربعة أشهر وأعِرضها في أربعة أشهر ثم أخرج بها إلى الناس


325
فقيل له فهذا هو الَحْولِى المنقّح وكذلك الحكاية عن ذي الرُمَّة أنه قال لما قال

( بيضاءُ في نَعَج صفراءُ في بَرَج )

أجْبل حولا لا يدري ما يقول إلى أن مرَّت به صِينِيَّةُ فضَّةٍ قد أشِربت ذهبا فقال

( كأنها فَضَّةٌ قد مسَّها ذهب ) وقد وردت أيضا بذلك أشعارُهم قال ذو الرمة

( أجَنِّبه المُسَانَد والمُحَالا )

ألا تراه كيف اعترف بتأنِّيه فيه وصنعته إياه وقال عدِيّ بن الرقاع العامليّ

( وقصيدةٍ قد بتُ اجمع بينها حتى أقوِّم مَيلها وسِنادها )

( نظر المثقِّف في كُعُوِب قَنابّه حتى يقيم ثِقافُة مُنْآدها )


326
وقال سُوَيد بن كُراع

( أبيت بأبوابِ القوافي كأنما أذود بها سرْبا من الوحِش نُزَّعا ) وإنما يبيت عليها لخلّوه بها ومراجعته النظَر فيها وقال

( أعددتُ للحرب التي أعنَى بها قوافيا لم أعْيَ بإجتلابها )

( حتى إذا أذللتُ من صِعابها واستوسَقَتْ ليِ صِجْتُ في أعقابِها ) فهذا كما ترى مزاولة ومطالبة واغتصاب لها ومعاناة كُلْفةٍ بها

ومن ذلك الحكاية عن الكُمَيت وقد افتتح قصيدته التي أوّلها

( ألا حُيَّيتِ عنّا يا مَدِينا ) ثم أقام بُرْهَة لا يدري بماذا يعجِّز على هذا الصدر إلى أن دخل حمَّاما وسمع إنسانا دَخَله فسلَّم على أخَر فيه فأنكر ذلك عليه فأنتصر بعض الحاضرين له فقال

( وهل بأس بقول المسلَمين فاهتبلها الكُميت فقال

( وهل بأسٌ بقول مسلَّمينا )


327
ومثل هذا في أشعارهم الدَّالة على الإهتمام بها والتعب في إحكامها كثير معروف فهذا وجه

وثانٍ أن من المحَدثين أيضا مَن يسرِع العمَل ولا يعتاقه بُطْء ولا يستوقف فكره ولا يتعتع خاطره فمن ذلك ما حدّثني بِه من شاهَد المتنبي وقد حضر عند أبي على الأوارِجِىّ وقد وصف له طَرَدا كان فيه وأراده على وصفه فأخذ الكاغَد والدواة وأستند إلى جانب المجلس وأبو على يكتب كتابا فسبقه المتنبي في كَتْبِه الكتاب فقطعه عليه ثم أنشده

( ومنزل ليس لنا بمنزلٍ ) وهي طويلة مشهورة في شعره

وحضرت انا مجلسا لبعض الرؤساء ليلة وقد جرى ذكر السرعة وتقدُّم البديهة وهنالك حَدَثٌ من غير شعراء بغداد فتكفَّل ان يعمل في ليلته تلك مائتي بيت في ثلاث قصائد على اوزانٍ اخترناها عليه ومعانٍ حدَدناها له فلما كان الغد في آخر النهار أنشدنا القصائد الثلاث على الشرط والاقتراح وقد صنعها وظاهر إحكامها وأكثر من البديع المستحَسن فيها

وثالث كثرة ما ورد في أشعار المحدَثين من الضرورات كَقصْر الممدود وصرف ما لا ينصرف وتذكير المؤنَّث ونحوه وقد حضر ذلك وشاهَده جِلَّة أصحابنا


328
من أبي عمروا إلى آخر وقت والشعراءُ من بشّار إلى فلان وفلان ولم نر أحدا من هؤلاء العلماء أنكر على أحد من المولَّدين ما ورد في شعره من هذه الضرورات التي ذكرناها وما كان نحوها فدلّ ذلك على رضاهم بِه وترك تناكُرهم إيّاه

فإن قلت فقد عِيب بعضهم كأبي نُوَاس وغيره في أحرفٍ أخِذت عليهم قيل هذا كما عيب الفرزدقُ وغيره في أشياء استنكرها أصحابنا فإذا جاز عيب أرباب اللغة وفصحاءِ شعرائنا كان مثلُ ذلك في أشعار المولَّدين أحرى بالجواز

فإذا كانوا قد عابوا بعض ما جاء بهِ القدماءُ في غير الشعر بل في حال السَّعة وموقف الدَّعةِ كان ما يرِد من المولدَّين في الشعر وهو موقف فُسْحةٍ وعذر أولى بجواز مثله

فمن ذلك استنكارهم همز مصائب وقالوا : مَنارة ومنائر ومَزَادة ومزائد فهمزوا ذلك في الشعر وغيره وعليه قال الطِرِمَاح

( مزائِدُ خرقِاء اليدين مُسِيفةٍ يُخِبّ بها مستخِلف غير آئنِ )


329

وإنما الصواب مزاوِد ومصاوِب ومناوِر قال

( يصاحب الشيطان مَن يصاحبه فَهْو أذِىُّ جَمّةٌ مَصاوِبه )

ومن ذلك قولهم في غيرِ الضرورة ضَبِب البلد كثر ضِبَابة وألِل السِقاء فغيَّرت رِيحه ولِححَتْ عنه التصقت ومشِشت الدابَّة وقالوا إن الفكاهة مَقْوَدة إلى الأذى وقرأ بعضهم ( لمَئوَبة من عند الله خير ) وقالوا كثرة الشراب مَبْوَلة وكثرة الأكل مَنْوَمة وهذا شىء مَطْيَبة للنفْس وهذا طريق مَهَيع إلى غير ذلك مما جاء في السَّعة ومع غير الضرورة وإنما صوابه لَّحت عينه وضبَّ البلد وأل السقاء ومشَّت الدابّة ومقادة إلى الأذى ومثابة ومبالة ومنامة ومطابة ومهاع

فإذا جار هذا للعرب عن غير حَصَر ولا ضرورة قول كان استعمال الضرورةِ في الشعر للمولَّدين أسهل وهم فيه أعذر

فأما ما يأتى عن العرب لحنا فلا نعِذر في مثله مولدا . فمن ذلك بيت الكتِاب :

( وما مِثْله في الناس إلا مملَّكا أبو أمّة حيّ أبوه يقارِبه )


330
ومراده فيهِ معروف وهو فيهِ غير معذور ومثله في الفصل قول الآخر فيما أنشده ابن الأعرابي

( فأصَبحَتْ بعد خطَّ بهجتِها كأنَّ قَفْرا رُسومَها قَلَما )

أراد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قَلَما خَطّ رسومَها فأوقع من الفصل والتقديم والتأخير ما تراه

وانشدنا أيضا

( فَقدْ والشكُ بينّ لي عَناءٌ بَوشْكِ فِراقهم صُرَدٌ يصِيح )

أراد فقد بيَّن لي صُرَد يصيح بوشْكِ فراقهم والشكُّ عناء فقد ترى إلى ما فيهِ من الفصول التي لا وجه لها ولا لشىء منها

وأغربُ من ذلك وأفحش وأذهب في القبح قول الآخَر

( لها مُقْلتا حوراءَ طُلَّ خَميِلةً مِن الوحِش ما تنفكّ تَرْعَى عَرَارُها )

أراد لها مقلتا حوراء من الوحش ما تنفكُّ ترعى خميلة طُلّ عرارها فمثل هذا لا نجيزه للعربيّ أصلا فضلا عن أن نتّخذه للمولَّدين رَسْما

وأمّا قول الآخر

( معاوىَ لم ترع الأمانةَ فارعها وكن حافظا للّه والدينِ شاكِر )

فحسن جميل وذلك أنّ شاكِرَ هذه قبيلة وتقديره معاوى لم ترعى الأمانة شاكرُ فارعَها أنت وكن حافظا للّه والدين فأكثر ما في هذا الاعتراضُ بين الفعل والفاعل


331

والإعتراض للتسديد قد جاء بين الفعل والفاعل وبين المبتدأ والخبر وبين الموصول والصلة وغير ذلك مجيئا كثيرا في القرآن وفصيح الكلام ومثله من الإعتراض بين الفعل والفاعل قوله

( وقد أدركَتنِي والحوادث جَمَّة أسِنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزْل )

والإعتراض في هذه اللغة كثير حسن ونحن نفرد له بابا يلي هذا الباب بإذن الله سبحانه وتعالى

ومن طرِيف الضرورات وغريبها ووَحْشّيِها وعجيبها ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر

( هل تعرف الدار ِبَبيدا إنَّه دار لَخْودٍ قد تعفّت إنَّه )

( فانهلّتِ العينانِ تسفَحَنَّه مثلَ الجُمَانِ جال في سِلِكنَّهْ )

( لا تعجبي منّا سُلَيَمى إنه إنا لحلاّلون بالثَغْرِنَّة ) وهذه الأبيات قد شرحها أبو عليّ رحمه اللّه في البغداديّات فلا وجه لإعادة ذلك هنا فإذا آثرت معرفة ما فيها فالتمسه منها


332

وكذلك ما أنشده أيضا أبو زيد للزفَيانِ السَعْديّ

( يا إِبِليِ ما ذامُة فتأبَيَهْ ماء رَوَاء ونَصِيٌّ حولِيَهْ )

( هذًّا بأفواهكِ حتى تأبَيَهْ حتى تروحي أصُلاً تُبارِيَهْ )

( تَبارِىَ العانِة فوق الزازِيَةْ )

هكذا روينا عن أبي زيد وأمّا الكوفيون فرَوْوَه على خلاف هذا يقولون فتأبَيْهْ ونَصيّ حولَيْهْ وحتى تأبَيْه وفوق الزازيْةْ فينشدونه من السريع لا من الرجز كما أنشده أبو زيد وقد ذكرت هذه الأبيات بما يجب فيها في كتابي في النوادر الممتعِه ومقداره ألف ورقة وفيه من كلتا الروايتين صنعة طريفة

وأخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى أحِسبه عن ابن الأعرابيّ بقول الشاعر

( وما كنتُ أخشى الدهرَ إِحلاس مسلم من الناس ذنبا جاءه وهَوْ مسلمِا )

وقال في تفسيره معناه ما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم مسلما ذنبا جاءه وهو ولو وكَّد الضمير في جاء فقال جاءه هو وهو لكان أحسن وغير التوكيد أيضا جائز


333
وأبيات الإعراب كثيرة وليس على ذكرها وضعنا هذا الباب ولكن أعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران زَيْغ الإعراب وقبح الزِحاف فإن الجفاة الفصحاء لا يحِفلون بقبح الزحاف إذا ادَّى إلى صحَّة الإعراب كذلك قال أبو عثمان وهو كما ذَكَر وإذا كان الأمر كذلك فلو قال في قوله

( ألم يأتِيك والأنباءُ تِنمى )

ألم يأتك والأنباءُ تنمِى لكان أقوى قياسا على ما رتبَّه أبو عثمان ألا ترى أن الجزء كان يصير منقوصا لأنه يرجع إلى مفاعيلُ ألم ياتِ مفاعيل وكذلك بيت الأخطل

( كلَمْعِ أيدِى مثاكيٍل مسلِّبةٍ يندُبن ضِرس بنات الدهر والُخُطب )

أقوى القياسين على ما مضى أن ينشَد مثاكيلَ غير مصروف لأنه يصير الجزء فيه من مستفعلن إلى مفتعلن وهو مَطْوِىّ والذي رِوى مثاكيٍل بالصرف وكذلك بقيّة هذا

فإن كان ترك زيغ الإعراب يكسر البيت كسرا لا يزاحفه زحافا فإنه لا بدّ من ضعف زيغ الإعراب واحتمال ضرورته وذلك كقوله

( سماء الإله فوق سبع سمائِيا )


334
فهذا لا بدّ من التزام ضرورته لأنه لو قال سمايا لصار من الضرب الثاني إلى الثالث وإنما مَبْنَى هذا الشعر على الضرب الثاني لا الثالث وليس كذلك قوله

( أبيتُ على معارِىَ فاخِراتٍ بهن مُلوَّب كدم العِباطِ )

لأنه لو قال معارٍ لما كسر الوزن لأنه إنما كان يصير من مفاعلتن إلى مفاعيلن وهو العَصْب لكن مما لا بدّ من التزام ضرورته مخافَة كسر وزنه قولُ الاخر

( خريع دَوَادِيَ في مَلْعَبٍ تأزَّرُ طَوْرا وتُرخِى الإزارا )

فهذا لا بدّ من تصحيح معتلّه ألا ترى أنه لو أعلّ اللام وحذفها فقال دوادٍ لكسر البيت اٌلبتَّة

فاٌعرف إذاً حال ضعف الإعراب الذي لا بدّ من التزامه مخافة كسر البيت من الزحاف الذي يرتكبه الُجفَاة الفصحاء إذا أمِنوا كَسر البيت ويَدَعُه مَن حافظ على صحّة الوزن من غير زحاف وهو كثير فإن أمِنت كسر


335
البيت اجتنبْتَ ضعف الإعراب وإن اشفقْتَ من كسره ألبتَّة دخلت تحت كسر الإعراب باب في الإعتراض

اعلم أن هذا القبيل من هذا العلم كثير قد جاء في القرآن وفصيح الِشْعر ومنثور الكلام وهو جارٍ عند العرب مجرى التأكيد فلذلك لا يَشْنُع عليهم ولا يُستنكَر عندهم أن يُعتَرض بهِ بين الفعل وفاعله والمبتدأ وخبره وغير ذلك ممَّا لا يجوز الفصل فيِه بغيره إلا شاذّا أو متأوَّلا قال الله سبحانه وتعالى ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمواقِع النُّجُومِ وَإنّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيِمٌ إنّهُ لَقُرْآنٌ كَريِمٌ ) فهذا فيه اعتراضان احدهما قوله ( وإنّه لَقَسمٌ لو تعلمون عظيم ) لأنه اعترُاِض بِه بين القَسَم الذي هو قوله ( فلا أُقسِم بِمواقِعِ النجوم ) وبين جوابه الذي هو قوله ( إنه لقرآنٌ كريمٌ ) وفي نفسِ هذا الاعتراض اعتراض آخَر بين الموصوف الذي هو ( قَسَم ) وبين صفته التي هي ( عظيم ) وهو قوله ( لو تعلمون ) فذانك اعتراضان كما ترى ولو جاء الكلام غير معترَض فيِه لوجب أن يكون فلا أقسِم بمواقِع النجوِم إنه لقرآن كريم وإنه لقَسَم عظيم لو تعلمون

ومن ذلك قول امرىء القيس

( أَلا هل أتاها والحوِادثُ جَمَّةٌ بِأن امرأَ القيس بن تَمِلَكْ بيَقْرا )


336
فقوله والحوِادثُ جَمَّة اعتراض بين الفعل وفاعله ومثله قوله

( ألا هل أتاها والحوِادث كالحصى ) وأنشدَنا أبو عليّ

( وقد أدركتنِي والحواِدثُ جَمَّة أسِنَّةُ قوٍم لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ ) فهذا كله اعتراض بين الفعل وفاعله وأنشدَنا أيضا

( ذاك الذِي وأبِيك تعرف مالكِ والَحقُّ يدفع تُرَّهاتِ الباطِلِ ) فقوله وأبيك اعتراض بين الموصول والصِلَة وروينا لُعَبيِد الله بنِ الُحر

( تعلَّم ولو كاتمُته الناس أننِي عليك ولم اظلِم بذلك عاتِب ) فقوله ولو كاتمته الناس اعتراض بين الفعل ومفعوله وقوله ولم أظلم بذلك اعتراض بين اسم أن وخبرِها ومن ذلك قول أبي النَّجم انشدَناه

( وبُدّلَتْ والدهر ذو تبدُّل هيَفْاً دَبُورا بالصَبا والشَمْألِ ) فقوله والدَهُر ذو تبدّل اعتراض بين المفعول الأوّل والثاني ومن الاعتراض قوله

( ألم يأتِيكَ والأنباءُ تَنْمِى بِما لاقت لَبُونُ بِنَي زِيادِ )


337
فقوله والأنباء تنِمى اعتراض بين الفعل وفاعله وهذا أحسن مأخذاً في الشعر مِن أن يكون في يأتيك ضمير من متقدّم مذكور فامّا ما أنشده أبو عليّ من قول الشاعر

( أتنسَى لا هداك الله ليلى وعهدُ شبابِها الحَسَنُ الجمِيلُ )

( كأنَّ وقد أتى حَوْل جدِيد أثافَيِها حَمَامات مُثُول ) فإنه لا اعتراض فيهِ وذلك أن الاعتراض لا موضِع له من الإعراب ولا يعمل فيه شىء من الكلام المعترَض به بين بعضه وبعض على ما تقدَّم فأماَّ قوله وقد أتى حوْل جديد فذو موضع من الإعراب وموضعه النصب بما في كأنَّ من معنى التشبيه ألا ترى ان معناه أشبهَتْ وقد أتى حَوْلٌ جدِيد حَماَمات مُثُولا او أُشبهِّها وقد مضى حَوْل جديد بِحماماتٍ مثولٍ أي أشبهِّها في هذا الوقت وعلى هذه الحال بكذا وأنشدنا

( أرانِي ولا كُفران لِلِه أيَّةً لنفسي لقد طالبتُ غير مُنيِلِ )


338
ففي هذا اعتراضان أحدهما ولا كفران لله والآخَر قوله أيّة أَيْ أَوَيت لنفسي أيَّة معناه رِحَمتها ورقَقت لها فقوله أويت لها لا موضع له من الإعراب وسألْنا الشجرىَّ أبا عبد الله يوما عن فرسٍ كانت له فقال هي بالبادية قلنا لم قال إنها وَجِيَه فأنا أوِي لها أي أرحمها وأرِقُّ لها وكذلك قول الآخر

( أرانِي ولا كفران لله إنَّما أُواخِي مِن الأقواِم كلَّ بخيلِ ) ومن الاعتراض قولهم زيد ولا أقول إلاّ حقّا كريم وعلى ذلك مسئلة الكتاب إنه المسكينُ احمق ألا ترى أن تقديره إنه أحمق وقوله المسكين أي هو المسكين وذلك اعتراض بين اسم إنّ وخبرِها ومن ذلك مسئلة لا أخا فاعلم لك فقوله فاعلم اعتراض بين المضاف والمضاف إليه كذا الظاهر وأجاز أبو عليّ رحمه الله أن يكون لك خبرا ويكون اخا اٌسماً مقصورا تامّا غير مضاف كقولك لا عَصَا لك ويدّل على صحَّة هذا القول انهم قد كَّسروه على أفعال وفاؤه مفتوحة فهو إذا فَعَلٌ وذلك قولهم أخ وآخاء فيما حكاه يونس وقال بعض آل المهلَّب

( وجدتم بنيكم دوننا إذ نَسَبْتم وايُّ بني الآخاِء تنبو مناسِبه )


339
فغيرمنكرٍ أن يخرج واحدها على أصله كما خَرَج واحد الآباء على أصله وذلك قولهم هذا أباً ورأيت أباً ومررت بأباً وروينا عن محمد بن الحسن عن أحمدَ بن يحيى قال يقال هذا أبوك وهذا أَباكَ وهذا أبُك فمن قال هذا أبوك او أباك فتثنيته أبوان ومن قال هذا أبك فتثنيته أبان وأبوان وأنشد

( سِوى أبِك الأدنى وإنّ محمدا علا كلَّ عالٍ ياٌبن عمّ محمد ) وأنشد أبو عليّ عن أبي الاحسن

( تقول ابنتي لَمَّا رأتنِيَ شاحِباً كأنك فينا يا أباتِ غريب ) قال فهذا تأنيث أبا وإذا كان كذلك جاز جوازا حسنا أن يكون قولهم لا أبالك أبا منه اسم مقصوركما كان ذلك في أخالك ويحسِّنه أنك إذا حملت الكلام عليه جعلت له خبرا ولم يكن في الكلام فصل بين المضاف والمضاف إليهِ بحرف الجرّ غير أنه يؤنِّس بمعنى إرادة الإضافة قولُ الفرزدق

( ظلمتَ ولكن لا يَدَىْ لك بالظلِم ) فلهذا جوَّزناهما جميعا وروينا لمَعْن بن أَوْس

( وفيهن والأيام يعثُرن بالفتى نوادبُ لا يمللنه ونوائح )


340
ففصل بقوله والأيام يعثرن بالفتى بين المبتدأ وخبره وأنشدنا

( لعلّك والموعود صِدْق لقاؤه بدا لك في تِلك القلوص بَدَاء ) وسألته عن بيت كُثَيِّر

( وإني وتَهْيامِي بِعَزَّة بعدما تخليّتُ مما بيننا وتخلّت ) فأجاز أن يكون قوله وتهيامي بعزة جملة من مبتدأ وخبر اعتراض بها بين اسم إن وخبرها الذي هو قوله

( لكالمرتجِى ظِلَّ الغمامةِ كلَّما تبوّأ منها للمِقيِل اضمحلّتِ ) فقلت له أيجوز أن يكون وتهيامي بعزَّة قَسَما فأجاز ذلك ولم يدفعه وقال الله عزَّ وجلَّ ( هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَميمٌ وغَسَّاقٌ ) فقوله تعالى فليذوقوه اعتراض بين المبتدأ وخبره وقال رُؤبة

( إني وأسطارٍ سُطِرن سَطْرا لقائل يا نصرُ نصرٌ نصرا ) فاٌعترض بالقسم بين اٌسم إنّ وخبرها


341
والاعتراض في شعر العرب ومنثورها كثير وحسن ودالّ على فصاحة المتكلم وقوّة نَفْسه وامتدادِ نَفَسِه وقد رأيته في أشعار المحدَثين وهو في شعر إبراهيم ابن المهدىّ أكثر منه في شعره غيره من المولَّدين باب في التقديرين المخِتلفين لمعنيين مختلفين هذا في كلام العرب كثير فاشٍ والقياس له قابل مسوغ فمن ذلك قولهم مررت بزيد وما كان نحوه مما يلحق من حروف الجرّ مَعُونة لتعدِّي الفعل فمن وجهٍ يُعتقَد في الباء أنها بعض الفعل من حيث كانت معدّية وموصلة له كما أن همزة النقل في أفعلت وتكريرَ العين في فَعَّلت يأتيان لنقل الفعل وتعديته نحو قام وأقمته وقوّمته وسار وأسَرَّته وسيرته فلمَّا كان حرفُ الجرّ الموصلُ للفعل معاقِبا لأحد شيئين كلّ واحد منهما مَصُوغ في نفس المثال جرى مَجراهما في كونه جزءا من الفعل او كالجزء منه فهذا وجه اعتدادِه كبعض الفعل وأمّا وجه اعتداده كجزٍء اعتداده كجزء من الاسم فمن حيث كان مع ما جرّه في موضع نصب وهذا يقضي له بكونه جزءا ممّا بعده او كالجزء منه ألا تراك تعطف على مجموعهما بالنصب كما تعطف على الجزء الواحد في نحو قولك ضربت زيدا وعَمْرا وذلك
342
قولك مررت بزيد وعمرا ورغبتُ فيك وجعفرا ونظرت إليك وسعيدا أفلا ترى إلى حرف الجرّ الموصِّل للفعل كيف قُدِّر تقديرَين مختِلفين لمعنيين مختلفين ووجه جوازه من قِبَل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختِلفين لمعنيين متّفقين وذلك كان تروم أن تدل على قوّة اتصال حرف الجرّ بالفعل فتعتده تارة كالبعض له والأخرى كالبعض للاسم فهذا مالا يجوز مثله لأنه لا يكون كونهُ كبعض الاسم دليلا على شدّة امتزاجه بالفعل لكن لمّا اختلف المعنَيان جاز أن يختلف التقديران فاعرف ذلك فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه

ومثل ذلك قولهم لا أبالك فههنا تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين وذلك أن ثبات الألف في أبا من لا أبالك دليل الإضافة فهذا وجه ووجه آخر أن ثبات اللام وعمَل لا في هذا الاسم يوجب التنكير والفصل فثبات الألف دليل الإضافة والتعريف ووجود اللام دليل الفصل والتنكير وليس هذا في الفساد والاستحالة بمنزلة فساد تحقير مثال الكثرة الذي جاء فساده من قبل تدافُع حاليَه وذلك أنّ وجود ياء التحقير يقتضي كونَه دليلا على القلّة وكونه مثالا موضوعا للكثرة دليل على الكثرة وهذا يجب منه أن يكون الشىء الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرا وهذا ما لا يجوز لأحد اعتقاده

وليس كذلك تقديرك الباء في نحو مررت بزيد تارة كبعض الاسم وأخرى كبعض الفعل من قَبِل ان هذه إنما هي صناعة لفظية يسوغ معها تنقل


343
الحال وتغيّرها فأمَّا المعاني فأمر ضِّيق ومَذْهَب مستصعَب ألا تراك إذا سئلت عن زيد من قولنا قام زيد سَّميته فاعلا وإن سئلت عن زيد من قولنا زيد قام سمَّيته مبتدَأ لا فاعلا وإن كان فاعلا في المعنى وذلك أنك سلكت طريق صنعة اللفظ فاٌختلفت السِمَة فأمّا المعنى فواحد فقد ترى إلى سعة طريق اللفظ وضيق طريق المعنى

فإن قلت فأنت إذا قلت في لا أبالك إن الألف تؤذن بالإضافة والتعريف واللام تؤذن بالفصل والتنكير فقد جمعت على الشىِء الواحد في الوقت الواحد معنيين ضِدَّين وهما التعريف والتنكير وهذان كما ترى متدافعان

قيل الفرق بين الموضعين واضح وذلك أن قولهم لا أبالك كلام جَرَى مجرى الَمَثل وذلك أنك إذا قلت هذا فإنك لا تنفى في الحقيقة أباه وإنما تخرجه مُخْرَج الدعاء أي أنت عندي مّمن يَستحقّ أن يُدْعى عليه بفقد أبيه كذا فسّره أبو عليّ وكذلك هو لمتأمِّله ألا ترى أنه قد أنَشد توكيدا لمّا رآه من هذا المعنى فيه قوله

( وتُتَرك أخرى فَرْدة لا أخَا لها )

ولم يقل لا أخت لها ولكن لّما جرى هذا الكلام على أفواههم لا أبالك ولا أخا لك قيل مع المؤنَّث على حدّ ما يكون عليه مع المذكّر فجرى هذا نحواً من قولهم لكل أحدٍ من ذكر وانثى واثنين وجماعةٍ الصيفَ ضيعتِ اللبن على التأنيث لأنه كذا جرى أوَّلُه وإذا كان الأمر كذلك علِم أن قولهم لا أبالك إنما فيه تَعادِى ظاهرِه واجتماعُ صورتي الفصل والوصل والتعريف والتنكير لفظا لا معنى وإذا آل الأمر إلى ذلك عُدْنا إلى مثل ما كنا عليه من تنافر


344
قضيَّتي اللفظ في نحو مررت بزيدٍ إذا أردت بذلك أن تدلّ على شدّة اتصال حرف الجرّ بالفعل وحده دون الاسم ونحن إنما عقدنا فساد الأمر وصلاحَه على المعنى كأن يكون الشىء الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرا وهذا ما لا يدَّعِيه مُدّعٍ ولا يرضاه مذهبا لنفسه راضٍ

ويؤكِّد عندك خروجَ هذا الكلام مَخْرَج الَمثَل كثرتُه في الشِعْر وأنه يقال لمن له أب ولمن ليس له أب فهذا الكلام دعاء في المعنى لا محالة وإن كان في اللفظ خبرا ولو كان دعاء مصرحَا وأمرا معينّاً لمَاَ جاز أن يقال لمن لا أب له لأنه إذا كان لا أب له لم يجر أن يُدْعَى عليه بما هو فيه لا محالة ألا ترى أنك لا تقول للأعمى أعماه الله ولا للفقير أفقره الله وهذا ظاهر بادٍ وقد مرَّ بهِ الطائىّ الكبير فقال

( نِعمةُ اللِه فيك لا أسأل اللهَ إليها نُعْمَى سوى ان تدوما )

( ولو اٌني فعلت كنتُ كمن يسأله وَهْو قائم أن يقوما ) فكما لا تقول لمن لا أب له أفقدك الله أباك كذلك يعلم أن قولهن لمن لا أب له لا أبالك لا حقيقة لمعناه مطابِقة للفظه وإنما هي خارجة مَخْرَج الَمثَل على ما فسَّره أبو عليّ قال عنترة

( فاقْنَيْ حياءكِ لا أبالكِ واعلمِي أنِّي امرؤ سأموت إن لم أُقتل )


345
وقال

( ألقِ الصحيفة لا أبالكَ إنه يُخشَى عليك من الحِباَء الِنقْرس ) وقال

( أَبِا لموت الذي لا بُدَّ أني مُلاقٍ لا أباكِ تخوِّفِينِي ) أراد لا أبالكِ فحذف اللام من جارِى عُرْف الكلام وقال جرير

( يا تَيمْ تَيم عَدِيً لا أبالكم لا يُلْقَيّنكم في سَوْأةٍ عُمَر ) وهذا أقوى دليل على كون هذا القول مثلا لا حقيقة ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون للتيَمْ كلّها أب واحد ولكن معناه كلكم أهل للدعاء عليه والإغلاظ له وقال الحُطَيئة

( أقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم من الَلْوِم أوسُدُّوا المكان الذي سَدّوا ) فإن قلت فقد أثبت الحطيئة في هذا البيت ما نفيته أنت في البيت الذي قبله وذلك أنه قال لأبيكم فجعل للجماعة أباً واحدا وانت قلت هناك إنه لا يكون لجماعة تَيْم أب واحد فالجواب عن هذا من موضعين أحدهما قدّمناه من أنه لا يريد حقيقة الأب وإنما غرضه الدعاء مُرْسَلا ففحش بذكر الأب على ما مضى والآخر أنه قد يجوز أن يكون أراد بقوله لأبيكم الجمعَ أي لا أبا لآبائكم يريد


346
الدعاء على آبائهم من حيث ذَكَرها فجاء به جمعا مصحَّحا على قولك أب وأبُون وأبِين قال

( فلَّما تبيَّنَّ أصواتَنا بكَيَن وفَدَّيننا بالأبينا ) وعليه قول الآخر أنشدناه

( فمن يك سائلا عنى فإني بمكَّة مَوِلدي وبها رَبِيت )

( وقد شُنئِتّ بها الآباءُ قبلي فما شِنُئت أبِيَّ ولا شُنِيتُ ) أي ما شُنئِتْ آبائي فهذا شىء عرض ولنعد

ومِن ذلك قولهم مختار ومعتاد ونحو ذلك فهذا يَحمل تقديرين مختِلفين لمعنيين مختلفين وذلك انه إن كان اسمَ الفاعل فأصله مختيِر ومعتوِد كمقتطِع بكسر العين وإن كان مفعولا فأصله مختيرَ ومُعْتَوَد كمقتطعَ ف مختار من قولك أنت مختار للثياب أي مستجيد لها أصله مختير ومختار من قولك : هذا ثوب مختار أصله مختيرَ فهذان تقديران مختلفان لمعنيين وإنما كان يكون هذا منكرا لو كان تقدير فتح العين وكسرها لمعنى واحد فأمّا وهما لمعنيين فسائغ حسن وكذلك ما كان من المضعف في هذا الشَرْج من الكلام نحو قولك هذا رجل معتدّ للمجد ونحوه فهذا هو اسم الفاعل وأصله معتدد بكسر العين وهذا رجل معتدّ أي منظور إليه فهذا مفتعَل بفتح العين وأصله معتدَد كقولك هذا مَعْنىً مَعْنِىُّ معتبرَ أي ليس


347
بصغير محتقَر وكذلك هذا جَوْز معتدّ فهذا ايضا اسم المفعول وأصله معتدَد كمقتسَم ومقتطَع ونظائر هذا وما قبله كثيرة فاشية

ومن ذلك قولهم كِساء وقضاء ونحوه أعَلْلتَ اللام لأنك لم تعتدّ بالألف حاجزا لسكونها وقلبتها أيضا لسكونها وسكون الألف قبلها فاعتددتها من وجه ولم تعتِددْها من آخَر .

ومن ذلك أيضا قولهم أيَّهم تضربْ يقم زيد ف أيَّهُمْ من حيث كانت جازمة ل تضربْ يجب أن تكون مقدّمة عليها ومن منصوبة بتضرب يجب أن تكون في الرُتْبة مؤخَّرة عنها فلم يمتنع أن يقع هذان التقديران على اختلافهما من حيث كان هذا إنما هو عما صناعيّ لفظيّ ولو كان التعادي والتخالف في المعنى لفسد ولم يجز وأيضا فإن حقيقة الجزم إِنما هو لحرف الجزاء المقدّر المراد لا ل أيّ فإذا كان كذلك كان الأمر أقرب مأخذاً وألين ملمسا باب في تدريِج اللغة

وذلك أن يُشْبِه شىء شيئا من موضع فُيمْضَى حكمه على حكم الأوّل ثم يُرَقَّى منه إلى غيره

فمن ذلك قولهم جالِسِ الحسن أو ابن سيِرين ولو جالسهما جميعا لكان مصيبا مطيعا لا مخالفا وإن كانت أو إنما هي في أصل وضعِها لأحد الشيئين


348
وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشىء رجع إلى نفِس أو بل لقرينه انضمَّت من جهة المعنى إلى أو وذلك لإنه قد عُرِف أنه إنما رُغِّب في مجالسة الحسن لِما لمِجالِسِةِ في ذلك من الحظّ وهذه الحال موجودة في مجالسةِ ابن سيرين أيضا وكأنه قال جالِسْ هذا الضرب من الناس وعلى ذلك جرى النهى في هذا الَطِرزِ من القول في قول الله سبحانه ( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُم آثِماً أَوْ كَفُورًا ) وكأنه والله أعلم قال لا تطع هذا الضرب من الناس ثم إنه لما رأى أو في هذا الموضع قد جرت مجرى الواوِ تدرَّج من ذلك إلى غيره فأجراها مجرى الواو في موضع عار من هذه القرينة التي سوَّغته استعمِال أو في معنى الواو ألا تراه كيف قال

( وكان سِيَّان أَّلا يَسرحوا نَعَما أو يَسْرَحوه بِها واغبرِت السُوحُ ) وسواء وسِيَّان لا يستعمل إلا بالواو وعليه قول الآخر

( فِسيَّانِ حَرْبٌ أو تُبوءوا بمثلِهِ وقد يقبل الضيمَ الذليِل المُسَّير )


349

أي فِسيَّان حرب وبَواؤكم بمثله كما أن معنى الاوّل فكان سيَّان ألا يسِرحوا نَعَما وأن يسرحوه بها وهذا واضح

ومن ذلك قولهم صِبْية وصِبيان قلبت الواو من صِبْوان وصِبْوه في التقدير لأنه من صَبوت لانكسار الصاد قلبها وضعفِ الباء أن تُعتدَّ حاجزا لسكونها وقد ذكرنا ذلك فلمّا ألِف هذا واستمَّر تدرَّجوا منه إلى ان أقرّوا قلب الواو ياء بحاله وإن زالت الكسرة وذلك قولهم أيضا صُبْيان وصُبْية وقد كان يجب لمَّا زالت الكسرة أن تعود الياء واوا إلى أصلها لكنهم أقرّوا الياء بحالها لاعتيادهم إيَّاها حتى صارت كأنها كانت أصلا وحسَّن ذلك لهم شىء آخر وهو أن القلب في صِبية وصِبيان إنما كان استحسانا وإيثارا لا عن وجوب عِلَّة ولا قوَّة قياس فلمَّا لم تتمكَّن عِلّةُ القلب ورأوُا اللفظ بياء قوِى عندهم إقرارُ الياء بحالها لأن السبب الأوّل إلى قلبها لم يكن قوياّ ولا ممَّا يُعتاد في مثله أن يكون مؤثرِّا

ومن ذلك قولهم في الاستثبات عمن قال ضربت رجلا منا ومررت برجلٍ مني وعندي رجل منو فلما شاع هذا ونحوه عنهم تدرَّجوا منه إلى أن قالوا ضَرب مَنٌ مناً كقولك ضرب رجل رجلا

ومن ذلك قولهم أبيض لِياَح وهو من الواو لأنه بياضه ما يلوح للناظر فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وليس ذلك عن قوَّة عِلَّة إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أنى سبب وهو التطرق إليها بالكسرة طلبا للاستخفاف لاعن وجوب قياس ألا ترى ان هذا الضرب من الاسماء التي ليست جمعا كرياضٍ


350
وحياضٍ ولا مصدرا جاريا على فِعْلٍ معتلّ كقيام وصيام إنما يأتي مصحَّحا نحو خوانٍ وصِوانٍ غير انهم لميلهم عن الواو إلى الياء ما اقنعوا انفسهم في لِياح في قلبهم إيَّاه إلى الواو بتلك الكسرة قبلها وإن كانت ليس مما يؤثِّر حقيقة التأثير مثلُها ولأنهم شبَّهوه لفظا إمَّا بالمصدر كحيالٍ وصِيالٍ وإمَّا بالجمع كسوطٍ وسِياطٍ ونَوطٍ ونِياطٍ نعم وقد فعلوا مثل هذا سواء في موضع آخَر وذلك قول بعضهم في صِوانٍ صِيان وفي صِوارٍ صِيار فلمَّا ساغ ذلك من حيث أرينا او كاد تدرَّجوا منه إلى ان فتحوا فاء لياٍح ثم اقرُّوا الياء بحالها وإن كانت الكسرة قبلها قد زايلتها وذلك قولهم فيه لَياح وشجّعه على ذلك شيئا أن قلب الواو ياء في لِياح لم يكن عن قوَّة ولا استحكام عِلَّة وإنما هو لإيثارِ الاخفّ على الأثقل فاستمرّ على ذلك وتدرَّج منه إلى أن أقرّ الياء بحالها مع الفتح إذ كان قلبها مع الكسر أيضا ليس بحقيقةِ موجِبٍ قال وكما أن القلب مع الكسر لم يكن عن صحَّة عمل وإنما هو لتخفيف مؤثر فكذلك أقلب أيضا مع الفتح وإن لم يكن موجِبا غير ان الكسر هنا على ضعفه ادعى إلى القلب من الفتح فلذلك جعلنا ذاك تدرُّجا عنه إليه ولم نُسَوِّ بينهما فيهِ فاٌعرف ذلك

وقريب من ذلك قول الشاعر

( ولقد رأيتك بالقوادِمِ مَرَّة وعلىَّ من سَدَفِ العِشىّ رَيَاح )


351

قياسه رَوَاح لأنه فَعَال من راح يروح لكنه لمَّا كثر قلب هذه الواو في تصريف هذه الكلمة ياء نحو ريِح ورِياح ومُريح ومستريح وكانت الياء أيضا عليهم أخفّ وإليهم أحَبَّ تدرَّجوا من ذلك إلى ان قلبوها في رَياَح وإن زالت الكسرة التي كانت قَلَبتها في تلك الأماكن

ومن ذلك قلبهم الذال دالا في ادَّكر وما تصرَّف منه نحو يدَّكِر ومُدَّكر وادِّكار وغير ذلك تدَّرجوا من هذا إلى غيره بأن قلبوها دالا في غير بناء افتعل فقال ابن مُقبِل مِن بعض ما يعتريِ قلبي من الدِكَر

ومن ذلك قولهم الِطنَّة بالطاء في الظِنِة وذلك في اعتيادهم اطَّنَّ ومُطَّن واطِّنَان كما جاءت الدِكَر على الاكثر

ومن ذلك حذفهم الفاء على القياس من ضِعة وقِحهٍ كما حذفت من عَدِةٍ وزِنةٍ ثم إنهم عدلوا بها عن فِعْلة إلى فَعْلة فأقرُّوا الحذف بحاله وإن زالت الكسرة التي كانت موجِبة له فقالوا الضَعَة والقَحَة فتدرجوا بالضِعة والقِحة إلى الضَعَة والقَحَة وهي عندنا فَعْلة كقَصعٍة وجَفْنة لا أن فتحت لأجل الحرف الحلقيّ فيما ذهب إليِه محمد بن يزيد


352
ومن ذلك قولهم بأيِّهم تمرر أمررْ فقدَّموا حرف الجرّ على الشرط فأعملو فيه وإن كان الشرط لا يعمل فيه ما قبله لكنهم لمَّا لم يجدوا طريقا إلى تعليق حرف الجرّ استجازوا إعماله في الشرط فلمَّا ساغ لهم ذلك تدرَّجوا منه إلى ان اضافوا إليه الاسم فقالوا غُلامَ مَنْ تضربْ أضربْه وجاريةَ من تلق ألقها فالاسم في هذا إنما جاز عمله في الشرط من حيث كان محمولا في ذلك على حرف الجرّ وجميع هذا حكمه في الاستفهام حكمه في الشرط من حيث كان الاستفهام له صَدْر الكلام كما أن الشرط كذلك فعلى هذه جاز بأيِّهِم تمرُّ وغلامَ مَنْ تضربُ فأماً قولهم

( أتذكر إذْ مَنْ يأتِنا نأِتِه )

فلا يجوز إلا في ضرورة الشعر وإنما يجوز على تقدير حذف المبتدأ أي اتذكر إذ الناس مَنْ يأتِنا نأتِهِ فلمَّا باشر المضافَ غيرُ المضاف إليهِ في اللفظ أشبه الفصل بين المضافِ والمضاف إليه فلذلك أجازوه في الضرورة

فإن قيل فما الذي يمنع من إضافتهِ إلى الشرط وهو ضرب من الخبر قيل لأن الشرط له صَدْر الكلاِم فلو أضفت إليهِ لعلَّقته بما قبله وتانك حالتان متدافعتان فأمّا بأيِّهم تمررْ أمررْ ونحوه فإن حرف الجرِّ متعلِّق بالفعل بعد الاسم والظرف في قولك اتذكر إذ من يأتِنا نأتهِ متعلِّق بقولك أتذكر وإذا خرج ما يتعلَّق بِه حرف الجرّ من حَيِّز الاستفهام لم يعمل في الاسم المستفَهم بِه ولا المشروط بِه


353

ومن التدريج في اللغة أن يكتسِي المضافُ من المضاف إليهِ كثيرا من احكامه من التعريف والتنكير والاستفهام والشِيَاع وغيره ألا ترى ان مالا يستعمل من الاسماء في الواجب إذا اضيف إليه شىء منها صار في ذلك إلى حكمه وذلك قولك ما قرعت حَلْقة بابِ دارِ أحدٍ قطُّ فسرى ما في أحد من العموم والشِياع إلى الحَلْقة ولو قلت قرعت حَلْقة بابِ دارِ أحدٍ أو نحوَ ذلك لم يجز

ومن التدريج في اللغة إجراؤهم الهمزة المنقلبة عن حرفى العِلَّة عينا مُجْرَى الهمزة الأصليَّة وذلك نحو قولهم في تحقير قائم وبائع قُوَيئم وبُوَيئع فألحقوا الهمزة المنقلبة بالهمزة الأصليَّة في سائلٍ وثائرٍ من سأل وثأر إذا قلت سويئِل وثويئر وليست كذلك اللام إذا إنقلبت همزة عن أحَد الحرفين نحو كساءٍ وقضاءٍ ألا تراك تقول في التحقير كُسَىٌّ وقُضَىّ فتردّ حرف العِلَّة وتحذفه لإجتماع الياءات وليست كذلك الهمزة الأصليَّة ألا تراك تقول في تحقيرِ سلاءٍ وخِلاءٍ بإقرار الهمزة لكونها أصلية وذلك سُلَيِّىء وخُلَيِّىء وتقول أيضا في تكسير كِساءٍ وقَضاءٍ بترك الهمزة البتَّة وذلك قولك أكْسِية وأقضية وتقول في سِلاءِ وخِلاءِ أسلئة وأخلئة فأعرف ذلك

لكنك لوبنيت من قائم وبائع شيئا مرتَجلا أعدْت الحرفين البتَّةَ وذلك كأن تبنى منهما مثل جعفر فتقول قَوْمَم وبَيْعَع ولم تقل قَأْمم ولا بأعع لأنك إنما تبنى من أصل المثال لا من حروفه المغيَّرة ألا تراك لو بنيت من قِيلٍ ودِيمةٍ مثال فَعْل لقلت دَوْم وقَوْل لاغير


354

فإن قلت ولم لم تُقْرِر الهمزة في قائم وبائع فيما تبنيه منهما كما أقررتها في تحقيرهما

قيل البناء من الشىء ان تعمِد لأصوله فتصوغَ منها وتطرح زوائده فلا تحفِل بها وليس كذلك التحقير وذلك أن صورة المحقَّر معك ومعنى التكبير والتحقير في أن كل واحدٍ منهما واحد واحد وإنما بينهما ان أحدهما كبير والآخر صغير فأما الإفراد والتوحيد فيهما كليهما فلا نظر فيهِ قال أبو علي رحمه اللّه في صحَّة الواو في نحو أُسيوِد وجُدَيوِل مما أعان على ذلك وسوغه أنه في معنى جَدْول صغير فكما تصحُّ الواو في جدول صغير فكذلك أُنسِ بصحَّة الواو في جُدَيول وليس كذلك الجمع لأنه رُتْبة غير رتبة الآحاد فهو شىء آخر فلذلك سقطت في الجمع حُرْمة الواحد ألا تراك تقول في تكسير قائم قُوَّام وقُوَّم فتطرح الهمزة وتراجع لفظ الأصل ولا تقول قُؤَّام ولا قُؤَّم كما قلت في التحقير قويئم بالهمز

وسألت مرَّة أبا علي رحمه اللّه عن ردّ سيبويه كثيرا من أحكام التحقير إلى أحكام التكسير وحَمْلِه إيَّاها عليها ألاتراه قال تقول سُرَيحين لقولك سراحين ولا تقول عثيمين لأنك لا تقول عَثَامين ونحو ذلك فقال إنما حُمِل التحقير في هذا على التكسير من حيث كان التكسير بعيدا عن رتبة الآحاد فاعتَدّ ما يعرِض فيه لاعتداده بمعناه والمحقَّر هو المكبَّر والتحقير فيه جارٍ مجرى الصفة فكأنْ لم يحدث بالتحقير أمر يحمل عليه غيره كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد هذا معقِد معناه وما أحسنه وأعلاه


355

ومن التدريج قولهم هذا حَضْرُمَوْتٍ بالإضافة على منهاج اقتران الاٌسمين احِدهما بصاحبه ثم تدرّجوا من هذا إلى التركيب فقالوا هذا حَضْرَمَوْتُ ثم تدرّجوا من هذا إلى أن صاغوهما جميعا صياغة المفرد فقالوا هذا حَضْرَمُوتٌ فجرى لذلك مجرى عَضْرَفُوٍط ويَسْتَعُور

ومن التدريج في اللغة قولهم ديِمة ودِيمَ واستمرار القلب في العين للكسرة قبلها ثم تجاوزوا ذلك لمّا كثر وشاع إلى ان قالوا ديَمَّتِ السماء ودَوَّمت فأمّا دوّمت فعلى القياس وأما ديَّمت فلاستمرار القلب في ديِمة ودِيَم أنشد أبو زيد

( هو الجواد ابنُ الجواِد ابنِ سَبَل إن دوَّموا جاد وإن جادوا وبل ) ورواه أيضا ديمَّوا بالياء نعم ثم قالوا دامتِ السماء تدِيم فظاهر هذا أنه أجرىِ مجرى باع يبيع وإن كان من الواو

فإن قلت فلعله فَعِل يَفْعِل من الواو كما ذهب الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه قيل حَمْلُه على الإبدال أقوى ألا ترى أنه قد حُكى في مصدره دَيْماً فهذا مُجتذَب إلى الياء مُدَرَّج إليها مأخوذ به نحوهَا

فإن قلت فلعلّ الياء لغة في هذا الأصل كالواو بمنزلة ضاره يضيره ضَيرْا وضاره يضُوره ضَوْرا قيل يبعد ذلك هنا ألا ترى إلى اجتماع الكافةَّ على


356
قولهم الدَوَام وليس أحد يقول الدَيَام فعلمت بذلك أن العارض في هذا الموضع إنما هو من جهة الصنعة لا من جهة اللغة

ومثل ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم ما هتِ الرِكَّية تَمِيةُ مَيْها مع إجماعهم على امواه وانه لا أحد يقول أمياه ونحوٌ من ذلك ما يحكى عن عُمَارة بن عَقِيل مِن أنه قال في جمع ريح أرياح حتى نُبِّه عليه فعاد إلى أرواح وكأن أرياحا أسهل قليلا لأنه قد جاء عنهم قوله

( وعلىَّ من سدَف العشىّ رَياَح ) فهو بالياء لهذا آنس

وجماع هذا الباب غلبة الياء على الواوِ لخفَّتها فهم لا يزالون تسببُّا إليها ونَجْشا عنها واستثارة لها وتقرُّبا ما استطاعوا منها

ونحو هذه الطريق في التدريج حملهم عِلْباوان على حمراوان ثم حملهم رِداَواِن على عِلْبَاوان ثم حملهم قُرَّاوان على رِدَاوان وقد تقدّم ذكره وفي هذا كافٍ ممَا يرد في معناه بإذن الله تعالى

ومن ذلك أنه لمّا إطَّردت إضافة أسماء الزمان إلى الفعل نحو قمتُ يوم قمتَ وأجلسُ حين تجلس شبهَّوا ظرف المكان بها في حيث فتدرّجوا من حِين إلى حيث فقالوا قمت حيث قمت ونظائره كثيرة


357
باب في أن ما قِيس على كلام العرب فهو من كلام العرب

هذا موضع شريف وأكثر الناس يضَعُف عن احتماله لغموضهِ ولطفهِ والمنفعةُ به عامَّة والتسانُد إليِه مُقَو مُجْدٍ وقد نصَّ أبو عثمان عليِه فقال ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ألا ترى انك لم تسمع انت ولا غيرُك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمْعتَ البعضِ فقسْت عليه غيره فإذا سمعت قام زيد أجزْتَ ظَرُف بِشر وكرم خالد

قال أبو علي إذا قلت طاب الخُشْكُنَان فهذا من كلام العرب لأنك بإعرابك إيَّاه قد أدخلته كلامَ العرب

ويؤكِّد هذا عندك أن ما أعرِب من أجناس الأعجميَّة قد أجرتْه العرب مجرى أصول كلامها ألا تراهم يصرفون في العلم نحو آجُرّ وإبْرَيْسَيم وفِرِنْدٍ وفيروزٍج وجميعَ ما تدخله لام التعريف وذلك انه لمّا دخلته اللام في نحو الدِيباج والِفِرنْدِ والسِهُريز والآجُرّ أشبه أصول كلام العرب أعنى النكرات فجرى في الصرف ومَنْعِه مجراها


358

قال أبو علي ويؤكِّد ذلك أن العرب اشتقَّت من الأعجميّ النكرِة كما تشتّق من أصول كلامها قال رُؤْبة

( هل يُنْجَينّي حَلِف سخْتِيت أو فضَّة أو ذهبِ كبريت ) قال ف سِخْتيت من السَخْت ك من الزحل

وحكى لنا أبو علي عن اٌبن الأعرابيِ أظنه قال يقال دَرْهمت الخُبَّازَي أي صارت كالدراهم فاشتُقَّ من الدرهم وهو اسم أعجميّ وحَكَى أبو زيد رجل مُدَرْهَم قال ولم يقولوا منه دُرْهِم إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسَه حاصل في الكفّ ولهذا أشباه

وقال أبو عثمان في الإلحاق المطرَّدِ إن موضعه من جهة اللام نحو قُعْدُدٍ ورِمِدٍد وشَمْلَلَ وصَعْرَرَ وجعل الإلحاق بغير اللام شاذّا لا يقاس عليه وذلك نحو جوهرٍ وبَيْطَر وجَدْول وحِذْيَم ورهَوْك وأرْطىً ومِعْزىً وسَلْقَى وجَعْبَي قال أبو علي وقت القراءة عليه كتابَ أبي عثمان لو شاء شاعر أو ساجع او متَّسِع أن يبني بإلحاق اللام اسما وفعلا وصفة لجازله ولكان ذلك من كلام العرب وذلك نحو قولك خرْجَجٌ أكرُم من دَخْلَلٍ وضرببَ زيد عمرا ومررت برجل ضَرْبَبٍ وكَرْممٍ


359
ونحو ذلك قلت له أفترتجل اللغة ارتِجالا قال ليس بارتجال لكنه مقيِس على كلامهم فهو إذاً من كلامهم قال ألا ترى أنك تقول طاب الخُشْكُنَانُ فتجعله من كلام العرب وإن لم تكن العرب تكلَّمت بهِ هكذا قال فبرفِعك إيّاه كرفعها ما صار لذلك محمولا على كلامها ومنسوبا إلى لغتها

ومما اشتقَّته العرب من كلام العجم ما أنشدَناه من قول الراجز

( هل تعرِف الدار لأُمِّ الخزرِج منها فظَلْتَ اليوم كالمزرَّجِ )

أي الذي شرب الزَرَجُون وهي الخمر فاشتق المزرجَّ من الَزرجُون وكان قياسه كالمزرْجَن من حيث كانت النون في زَرَجُون قياسها أن تكون أصلا إذا كانت بمنزلة السين من قَرَبُوس قال أبو علي ولكن العرب إذا اشتقَّت من الأعجميّ خلَّطت فيهِ قال والصحيح من نحو هذا الاشتقاق قول رؤْبة

( في خِدْرِ مَياَّس الدُمَى معُرَجْنَ )

وأنشدَناه المعرجن باللام فقوله المعرجن يشهد بكون النون من عُرْجُون أصلا وإن كان من معنى الانِعراج ألا تراهم فسّروا قول الله تعالى ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرجُونِ الْقَديم ) فقالوا هي الكِبَاسة إذا قدمت فاٌنحنت فقد كان على هذا القياس يجب أن يكون نون عرجون زائدة كزيادتها في زيتون غير ان بيت رؤبة الذي يقول فيه المعرجن منع هذا وأعلمنا انه أصل رباعي قريب من لفظ


360
الثلاثيّ كِسَبْطرٍ من سَبِطٍ ودِمَثْر من دَمِث ألا ترى انه ليس في الأفعال فَعْلَن وإنِما ذلك في الأسماء نحو عَلْجَن وخَلْبَن

ومما يدّلك على أنّ ما قيس على كلام العرب فإنه من كلامها أنك لو مررت على قوم يتلاقَون بينهم مسائلَ أبنيِة التصريف نحو قولهم في مثال صَمَجْمَح من الضرب ضَرَبْرَب ومن القتل قَتَلْتَل ومن الأكل أَكَلكَل ومن الشرب شَرَبربَ ومن الخروج خَرَجرَج ومن الدخول دَخَلْخَل وفي مثل سفرجل من جعفر جَعَفْرَر ومن صقعب صَقَعْبَب ومن زِبْرٍج زَبَرْجَج ومن ثُرْتُم ثَرَتْمَم ونحو ذلك فقال لك قائل بأيّ لغة كان هؤلاء يتكلمون لم تجد بُدَّا من ان تقول بالعربيَّة وإِن كانت العرب لم تَنطق بواحد من هذه الحروف

فإن قلت فما تصنع بما حدّثكم به أبو صالح السَلِيل بن أحمد بن عيسى ابن الشَيْخ عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أَسَد النُوشَجانيّ قال قرأتُ على الأصمعيّ هذه الأرجوزة للعجَّاج

( يا صاِح هل تعرف رَسْماً مُكْرَساً ) فلما بلغْتُ

( تقاعس الِعزُّ بنا فاقعنسسا ) قال لي الأصمعيّ قال لي الخليل أنشدنا رجل

( ترافع الِعزّ بنا فارفنععا )


361
فقلت هذا لا يكون فقال كيف جاز للعجّاج أن يقول

( تقاعس الِعزُّ بنا فاقعنسسا )

فهذا يدل على امتناع القوم من أن يقيسوا على كلامهم ما كان من هذا النحو من الأبنية على أنه من كلامهم ألا ترى إلى قول الخليل وهو سيِّد قومِه وكاشِف قِناِع القياس في علمِه كيف مَنَع ولو كان ما قاله أبو عثمان صحيحا ومَذْهبا مَرضيّا لما أباه الخليل ولا مَنَع منه

فالجواب عن هذا من أوجٍه عدٍة أحدها أن الأصمعيّ لم يحِك عن الخليل أنه انقطع هنا ولا أنه تكلّم بشىء بعده فقد يجوز أن يكون الخليل لمَّا احتجَّ عليهِ مُنِشده ذلك البيت ببيت العجَّاج عَرَف الخليلُ حُجَّته فترك مراجعته وقَطْع الحكاية على هذا الموضع يكاد يَقطع بانقطاع الخليل عنده ولا ينكَر أن يَسبِق الخليل إلى القول بشىء فيكونَ فيِه تعقُّب له فينَّبه عليه فينتبه

وقد يجوز أيضا أن يكون الأصمعيّ سمع من الخليل في هذا من قبوله أورده على المحتجِّ به ما لم يحكه للخليل بن أَسَد لا سيَّما والأصمعيّ ليس ممن ينشَط للمقاييس ولا لحكاية التعليل

نعم وقد يجوز أن يكون الخليل أيضا أَمسك عن شرح الحال في ذلك وما قاله لمنشده البيتَ من تصحيح قوله أو إفساده للأصمعيّ لمعرفته بقلَّة انبعاثه في النظر وتوفّره على ما يُروَى ويُحفظ وتؤكِّد هذا عندك الحكاية عنه وعن


362
الأصمعيّ وقد كان أراده الأصمعيّ على أن يعلِّمه العرُوض فتعذَّر ذلك على الأصمعيّ وبَعُد عنه فيئس الخليل منه فقال له يوما يا أبا سعيد كيف تقطِّع قول الشاعر

( إذا لم تستطيع شيئا فدَعْه وجاوِزه إلى ما تستطيع ) قال فعلِم الأصمعيّ أن الخليل قد تأذَّى ببعده عن علم العَرُوض فلم يعاوده فيِه

ووجه غير هذا وهو ألطف من جميع ما جرى وأصنعُه وأغمضُه وذلك أن يكون الخليل إنما أنكر ذلك لأنه بناه ممّا لامه حرف حَلقْىّ والعرب لم تبنِ هذا المثال مما لامه أحد حروف الحلق إنما هو مما لامه حرف فَمِوىّ وذلك نحو اقعنسس واسحنكك واكلندد واعفنجج فلمّا قال الرجل للخليل فارفنععا أنكر ذلك من حيث أرينا

فإن قيل وليس ترك العرب أن تبني هذا المثال مما لامه حرف حلقىّ بمانع أحدا من بنائه من ذلك ألا ترى أنه ليس كلُّ ما يجوز في القياس يخرج به سماع فإذا حذا إنسان على مُثُلهِمِ وأَمَّ مذهبهَم لم يجب عليهِ أن يورِد في ذلك سماعا ولا أن يرويه رواية

قيل إذا تركت العرب أمرا من الأمور لعلَّةٍ داعيٍة إلى تركه وجب اتّباعها عليهِ ولم يسَعْ أحدا بعد ذلك العدولُ عنه وعلَّة امتناع ذلك عندي ما أذكره لتتأملَّه فتعجَب منه وتأنَق لحسن الصنعة فيِه


363
وذلك أن العرب زادت هذه النون الثالثة الساكنة في موضع حروف اللين أحقُّ بهِ وأكثرُ من النون فيه ألا ترى أنك إذا وجدت النون ثالثة ساكنة فيما عدّته خمسة أحرف قطعت بزيادتها نحو نون جحَنفل وعَبَنْقَس وجَرَنْفَس وفَلَنْقَس وعَرِنْدَس عرفت الاشتقاق او لم تعرفه حتى يأتيك ثَبَت بِضدّه

قال أصحابنا وإنما كان ذلك لأن هذا الموضع إنما هو للحروف الثلاثة الزوائد نحو واو فَدَوْكسٍ وسَرَوْمَطٍ وياء سميدٍع وعميثٍل وألفِ جُرَافِيٍس وعُذَافرٍ والنون حرف من حروف الزيادة أغنّ ومضارع لحروف اللين وبينه وبينها من القُرْب والمشابَهات ما قد شاع وذاع فألحقوا النون في ذلك بالحروف اللينة الزائدة وإذا كان كذلك فيجب أن تكون هذه النون إذا وقعت ثالثة في هذه المواضع قوِيَّة الشّبَه بحروف المدّ وإنما يقوى شَبَهها بها متى كانت ذات غُنَّة لتضارع بها حروف المدّ للينها وإنما تكون فيها الُغنَّة متى كانت من الأنْف وإنما تكون من الأنف متى وقعت ساكنة وبعدها حرف فَمَوِيّ لا حَلْقيّ نحو جحنفلِ وبابه وكذلك أيضا طريقها وحديثها في الفعل ألا ترى أن النون في باب احرنجم وادْلَنْظَي إنما هي محمولة من حيث كانت ثالثة ساكنة على الألِف نحو اشهاببت وادهاممت وابياضضت واسواددت والواوِ في نحو اغدودن واعشوشب


364
واخلولق واعروريت واذلوليت واقطوطيت واحلوليت وإذا كانت النون في باب احرنجم واقعنسس إنما هي أيضا محمولة على الواو والألف في هذه الألفاظ التي ذكرناها وغيرها وجب ان تضارعها وهي أقوى شبها بها وإنما يقوى شبهها بها إذا كانت غناء وإنما تكون كذلك إذا وقعت قبل حروف الفم نحوها في اسحكك واقعنسس واحرنجم واخرنطم وإذا كان كذلك لم يجز أن يقع بعدها حرف حلقي لأنها إذا كانت كذلك من الفمْ وإذا كانت من الفم سقطت غُنَّتها وإذا سقطت غُنتَّها زال شَبَهها بحرفي المدّ الواو والألف فلذلك أنكره الخليل وقال هذا لا يكون وذلك أنه رأى نون ارفنعع في موضع لا تستعملها العرب فيه إلا غَنّاء غير مبينّة فأنكره وليست كذلك في اقعنسس لأنها قبل السين وهذا موضع تكون فيه مُغنَّة مشابهة لحرفي اللين ولهذا ما كانت النون في عَجَّنسٍ وهجنع كباء عَدَبَّسٍ ولامي شَلَعْلَع ولم يقطع على أن الأولى منهما الزائدة كما قطع على نون جحنفل بذلك من حيث كانت مدغَّمة وادّغامها يخرجها من الألف لأنها تصير إلى لفظ المتحركة بعدها وهي من الفم وهذا اقوى ما يمكن أن يحتجَّ بِه في هذا الموضع
365
وعلى ما نحن عليه فلو قال لك قائل كيف تبني من ضرب مثل حبنطًي لقلت فيِه ضَرَبْنًي ولو قال كيف تبني مثله من قرأ لقلت هذا لا يجوز لأنه يلزمنى أن أقول قرنأي فأبيّن النون لوقوعها قبل الهمزة وإذا بانت ذهبت عنها غُنتَّها وإذا ذهبت غُنَّتها زال شَبَهها بحروف اللين في نحو عَثَوثلٍ وخفَيدٍد وسَرَومٍط وفدوكسٍ وزَرارق وسلالم وعُذَافر وقَراِقر على ما تقدَّم ولا يجوز أن تذهب عنها الغنَّة في هذا الموضع الذي هي محمولة فيه على حروف اللين بما فيها من الغُنة التي ضارعتها بها وكذلك جميع حروف الحَلقْ فلا يجوز أيضا أن تبني من صرع ولا من جبه ولا من سنح ولا من سلخ ولا من فرغ لأنه كان يلزمك أن تقول صَرَنْعَي وجَبَنهْيَ وسَنَنْحَي وسَلَنْخَي وفَرَنَغْيَ فتبينِّ النون في هذا الموضع وهذا لا يجوز لما قدّمنا ذكره ولكنّ من أخفى النون عند الخاء والغين في نحو مُنْخُل ومُنْغِل يجوز على مذهبه ان يبني نحو حبنطي من سلخ وفرغ لأنه قد يكون هناك في لغته من الغُنَّة ما يكون مع حروف الفم

وقلت مرة لأبي علي رحمه الله قد حضرني شىء في علة الإتباع في نِقيِذ وإن عرِى أن تكون عينه حلقيه وهو قرب القاف من الخاء والغين فكما جاء عنهم النخير والرغيف كذلك جاء عنهم النقيذ فجاز أن تشبَّه القاف لقربها من حروف الحلق بها كما شبَّه من أخفى النون عند الخاء والغين إياهما بحروف الفم فالنقيذ في الإتباع


366
كالمُنْخُل والمُنْغِل فيمن اخفى النون فرِضية وتقبَّله ثم رأيته وقد أثبته فيما بعد بخطّه في تذِكرته ولم أر أحدا من أصحابنا ذكر امتناع فعنلى وبابِه فيما لامه حرف حلقىّ لمِا يُعْقِب ذلك من ظهور النون وزوال شبهها بحروف اللين والقياس يوجبه فلنكن عليه ويؤكِّده عندك انك لا تجد شيئا من باب فعنلى ولا فعنلل ولا فعنعل بعد نونه حرف حلقي

وقد يجوز أن يكون إنكار الخليل قوله فارفنععا إنما هو لتكرر الحرف الحلقيّ مع استنكارهم ذلك الا ترى إلى قلَّة التضعيف في باب المَهَهِ والرَخَخِ والبَعَاع والبَحَح والضَغيِغة والرَغيِغة هذا مع ما قدّمناه من ظهور النون في هذا الموضع

ومن ذلك قول أصحابنا إن اسم المكان والمصدر على وزن المفعول في الرباعيّ قليل إِلا أن تقيسه وذلك نحو المدحرج تقول دحرجته مُدَحْرَجا وهذا مُدَحرجنا وقلقلته مقلقلا وهذا مقلقلنا وكذلك أكرمته مكْرَما وهذا مُكْرَمك أي موضع إكرامك وعليه قول الله تعالى ( وَمَزَّقْنَاُهمْ كُلَّ مُمَزَّق ) أي تمزيقٍ وهذا ممزَّق الثياب أي الموضع الذي تمزَّق فيه قال أبو حاتم قرأت على الأصمعيّ في جيميَّة العجّاج

( جَأباً ترى بِلِيتِه مُسَحَّجا )


367

فقال تليله فقلت بلِيِته فقال هذا لا يكون فقلت أخبرني به مَنْ سمعه من فِلْقِ في رؤبة أعنى أبا زيد الأنصاريّ فقال هذا لا يكون فقلت جعله مصدرا أي تسحِيجا فقال هذا لا يكون فقلت فقد قال جرير

( ألم تعلم مُسَرَّحِيَ القوافِي فلا عِياًّ بهنّ ولا اجتِلابا )

أي تسريحي فكأنه أراد أن يدفعه فقلت له فقد قال الله عزَّ وجلَّ ( ومزَّقناهم كل ممزَّقٍ ) فأمسك

وتقول على ما مضى تألفَّته متألفَّا وهذا متألَّفا وتدهورتَ متدهْوَرا وهذا متدهورك وتقاضيتك متقاضًي وهذا متقاضانا وتقول وهذا مخروطنا واغدودن مغدودنا وهذا مغدودننا وتقول اٌذلوليت مُذْلَوْليً وهذا مذلولانا ومذلولاكنَّ يا نسوة وتقول اكوهدَّ مكوهدَّا وهذا مُكْوَهَدُّكما فهذا كله من كلام العرب ولم يسُمع منهم ولكنك سمعت ما هو مثله وقياسه قياسه ألا ترى إلى قوله

( أُقاتِل حتىّ لا أرى لي مُقَاتَلاً وأنجو إذا غُمَّ الجبان من الكربِ ) وقوله

( أقاتِل حتى لا أرى لي مقاتَلاً وانجو إذا لم يَنْجُ إلاَّ المكيَّس )


368
وقوله

( كأنّ صوت الصَنْجِ في مُصَلْصَلْهِ ) فقوله مصلصلة يجوز ان يكون مصدرا أي صلصلته ويجوز ان يكون موضعا للصلصلة وأمّا قوله

( حتى لا أرى لي مقاتلا )

فمصدر ويبعد ان يكون موضعا أي حتى لا أرى لي موضعا للقتال المصدر هنا أقوى وأعلى وقال

( ترادُ على دمْن الحِياض فإن تَعَفْ فإنَّ الُمَندَّى رحِلة فركوب ) أي مكان تندِيتنا إيَّاها أن نرحلها فنركبها وهذا كقوله

( تحَّيةُ بينِهم ضرب وجِيع )

أي ليست هناك تحَّية بل مكانَ التحيَّة ضرب فهذا كقول الله سبحانه ( فبشِّرهم بعذابٍ أليم ) وقال رؤبة

( جَدْبِ المندَّى شئزِ الُمَعوَّهِ ) فهذا اسم لموضع التندية أي جَدْب هذا المكاِن وكذلك المعوّه مكان ايضا والقول فيهما واحد


369
وهذا باب مطَّرِد متقاوِد وقد كنت ذكرت طَرفَا منه في كتابي شرح تصريف أبي عثمان غير أن الطريق ما ذكرت لك فكل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم ولهذا قال مَن قال في العجَّاج ورؤبة إنهما قاسا اللغة و تصرَّفا فيها وأقدما على ما لم يأتِ بهِ مَنْ قَبلهما وقد كان الفرزدق يُلْغز بالأبيات ويأمر بإلقائها على ابن أبي إسحاق

وحَكَى الكسائيّ أنه سأل بعض العرب عن أحد مطايب الجزُور فقال مَطِيب وضِحك الأعرابيُّ من نفسِه كيف تكلَّف لهم ذلك من كلامه فهذا ضرب من القياس ركبه الأعرابي حتى دعاه إلى الضحك من نفسه في تعاطيه إيّاه

وذكر أبو بكر أنّ منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع الرجل اللفظة فيشكّ فيها فإذا رأى الاشتقاق قابلا لها أنِس بها وزال استيحاشه منها فهل هذا إلا اعتماد في تثبيت اللغة على القياس ومع هذا أنك لو سمعت ظَرُف ولم تسمع يَظْرُف هل كنت تتوقف عن أن تقول يظرف راكبا له غير مستحْيٍ منه وكذلك لو سمعت سلم ولم تسمع مضارعه اكنت ترع او ترتدع أن تقول يسلم قياسا أقوى من كثير من سماع غيره ونظائر ذلك فاشية كثيرة


370
باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدا من ذلك قول لبَيد

( سقىَ قوميِ بِني مَجْد وأسقى نُمَيرا والقبائلَ من هِلال ) وقال

( أمّا ابن طَوْقٍ فقد أوفى بِذمتَّه كما وفى بِقلاص النجم حاديها ) وقال

( فظَلْت لَدَي البيت العتيِق أُخيلُهو وِمطْواىَ مشتاقانِ لهْ أرِقانِ ) فهاتان لغتان أعنى إثبات الواو في أُخيلهو وتسكينَ الهاء في قوله له لأن أبا الحسن زعم أنها لغة لأزْدِ السَّرَاة وإذا كان كذلك فهما لغتان وليس إسكان الهاء في له عن حذفٍ لحق بالصنعة الكلمة لكن ذاك لغة


371
ومثله ما رويناه عن قُطْرُب

( وأشرب الماء مابي نحو هو عطش إلا لأنّ عيونَهْ سيلُ واديها ) فقال نحوهو بالواو وقال عيونْه ساكن الهاء وأمَّا قول الشمَّاخ

( له زَجلٌ كأنه صوت حا إذا طلب الَوِسيقةَ او زَمِير )

فليس هذا لغتين لأنا لا نعلم رواية حذف هذه الواو وإبقاء الضمة قبلها لغة فينبغى أن يكون ذلك ضرورة وصنعة لا مذهبا ولغة وكذلك يجب عندي وينبغي ألا يكون لغة لضعفه في القياس ووجه ضعفه أنه ليس على مذهب الوصل ولا مذهب الوقف أما الوصل فيوجب إثبات واوه كلقيتهو أمِس وأمّا الوقف فيوجب الإسكان كلقيته وكلمته فيجب أن يكون ذلك ضرورة للوزن لا لغة

وأنشدني الشجرىّ لنفسه

( وإنا ليرعَى في الَمُخوِف سَوَامُنا كأنه لم يشعر بِه مَن يحارِبه ) فاختلس ما بعد هاء كأنه ومَطَل ما بعد هاء بِهىِ واختلاس ذلك ضرورة وصنعة على ماتقدّم به القول


372

ومن ذلك قولهم بغداد وبغدان وقالوا أيضا مغدان وطبرزل وطبرزن وقالوا للحْيَّة أَيْم وأَيْن وأَعصُر ويعْصُر أبو باهلة والطِنفِسة والطُنْفُسة وما اجتمعت فيه لغتان او ثلاث أكثر من ان يحاط بهِ فإذا ورد شىء من ذلك كأن يجتمع في لغة رجلٍ واحدٍ لغتان فصيحتان فينبغي أن تتأمّل حال كلامه فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال كثرتُهما واحدة فإن أخلَق الأمر بِه أن تكون قبيلُته تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللفظين لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليِه في أوزان أشعارها وسعة تصُّرف أقوالها وقد يجوز ان تكون لغته في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال بها عهده وكثر استعماله لها فلحقت لطول المدّة وإتصال استعمالها بلغته الأولى

وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامِه من صاحبتها فأخلَقُ الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المُفادَة والكثيرته هي الأولى الأصليَّة نعم وقد يمكن في هذا أيضا ان تكون القلىَّ منهما إنما قلَّت في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه وإن كانتا جميعا لغتين له ولقبيلته وذلك


373
أن من مذهبهم ان يستعملوا من اللغة ماغيُره أقوى في القياس منه ألا ترى إلى حكاية أبي العباس عن عُمَارة قراءتَه ( ولا الليلُ سابقُ النهارَ ) بنصب النهار وان أبا العباس قال له ما أردت فقال أردتُ ( سابق النهار ) قال أبو العباس فقلت له فهلاَّ قلته فقال لو قلته لكان أوزن أي أقوى فهذا يدلك على أنهم قد يتكلَّمون بما غُيره عندهم أقوى منه وذلك لاستخفافهم الأضعفَ إذ لولا ذلك لكان الأقوى احقَّ واحرى كما أنهم لا يستعملون المجاز إلا لضرب من المبالغة إذ لو لا ذلك لكانت الحقيقُة أولى من المسامحة

وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسِمُعت في لغة إنسان واحد فإن اخرى ذلك ان يكون قد أفاد أكثرها او طَرَفا منها من حيث كانت القبيلة الواحدة لا تتواطأ في المعنى الواحد على ذلك كله هذا غالب الأمر وإن كان الآخَر في وجه من القياس جائزا

وذلك كما جاء عنهم في أسماء الأسَد والسيف والخمر وغير ذلك وكما تنحرف الصيغة واللفظ واحد نحو قولهم هي رَغْوة اللبن ورُغْوتة ورِغوتة ورُغاوتة ورِغَاوتة ورُغَايته وكقولهم الذَرُوح والذُرُّوح والذِّرِّيح والذُراَّح والذُرَّح والذُرْنُوح والذُرَحْرُح والذُرَّحْرَح روينا ذلك كله وكقولهم جئته من عَلُ


374
ومن عِل ومن علا ومن عَلْوُ ومن عَلْوَ ومن عَلْو ومن عُلُو ومن عالٍ ومن مُعَالٍ فإذا أرادوا النكرة قالواَ من علِ وههنا من هذا ونحوه أشباه له كثيرة

وكلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك اولى بأن تكون لغاتٍ لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هَنَّا ومن هَنَّا ورَوَيتُ عن الأصمعيّ قال اختلف رجلان في الصَقْر فقال أحدهما الصقر بالصاد وقال الآخر السَقْر بالسين فتراضيا بأوّل وارِد عليهما فحكيا له ما هُمَا فيهِ فقال لا أقول كما قلتا إنما هو الزَقْر أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أُخريين معها وهكذا تتداخل اللغات وسنفرد لذلك بابا بإذن الله عزَّ وجلَّ

فقد وضح ما أردنا بيانه من حال اجتماع اللغتين أو اللغات في كلام الواحد من العرب باب في تركُّب اللغات

اعلم أن هذا موضع قد دعا أقواما ضعف نظرهم وخفَّت إلى تلقيّ ظاهر هذه اللغة أفهامُهم أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذِ عندهم وآدّعَوا أنها موضوعة في أصل اللغة على ما سمعوه بِآخَرةٍ من أصحابها وأُنْسُوا ما كان ينبغي أن يذكروه وأضاعوا ما كان واجبا أن يحفظوه ألا تراهم كيف ذكروا في الشذوذ ما جاء على


375
فَعِل يفعُل نحو نعِم ينعُم ودِمْتَ تدوم ومِتّ تموت وقالوا أيضا فيما جاء من فَعَل يَفْعَل وليس عينه ولا لامه حرفا حَلْقِيّا نحو قَلَى يَقْلَى وسَلاَ يسلىَ وجَبَى يَجْبَى ورَكَن يركَن وقَنَط يَقْنَط

ومما عدّوه شاذَّا ما ذكروه من فَعُل فهو فاعل نحو طَهُر فهو طاهر وشَعُر فهو شاعر وحَمُض فهو حامِض وعَقُرت المرأة فهي عاقِر ولذلك نظائر كثيرة

واعلم ان أكثر ذلك وعامته إنما هو لغات تداخلت فتركبت على ما قدّمناه في الباب الذي هذا الباب يليه هكذا ينبغي أن يُعتقد وهو أشبه بحكمة العرب

وذلك انه قد دلّت الدلالة على وجوب مخالَفة صيغة الماضي لصيغة المضارع إذ الغرض في صِيغ هذه المُثُل إنما هو لإفادة الأزمنة فجعِل لكل زمان مثالٌ مخالف لصاحبه وكلّما ازداد الخلاف كانت في ذلك قوّة الدلالة على الزمان

فمن ذلك أن جعلوا بإزِاء حركة فاءِ الماضي سكونَ فاء المضارع وخالفوا بين عينيهما فقالوا ضرب يضرب وقتل يقتُل وعلِم يعلمَ

فإن قلت فقد قالوا دحرج يدحرِج فحرّكوا فاء المضارع والماضي جميعا وسكّنوا عينيهما أيضا قيل لمّا فعلوا ذلك في الثلاثيّ الذي هو أكثر استعمالا وأعمَ تصرُّفاً وهو كالأصل للرباعيّ لم يبالوا ما فوق ذلك ممّا جاوز الثلاثة وكذلك أيضا قالوا تقطع يتقطّع وتقاعس يتقاعس وتدهور يتدهور ونحو ذلك لأنهم احكموا الأصل الأول الذي هو الثلاثيّ فقّل حَفْلهم بما وراءه كما أنهم لمَّا أحكموا أمر المذكور في التثنية فصاغوها على ألفِها لم يحفِلوا بما عرض


376
في المؤنَّث من اعتراض عَلَم التأنيث بين الاسم وبين ما هو مَصُوغ عليه من عَلَمهِا نحو قائمتان وقاعدتان

فإن قلت فقد نجد في الثلاثيّ ما تكون حركةُ عينية في الماضي والمضارع سواءً وهو باب فَعُل نحو كَرُم يَكُرُم وظَرُف يَظْرُف

قيل على كل حال فاؤه في المضارع ساكنة وأمّا موافقة حركة عينيه فلأنه ضَرْب قائم في الثلاثيّ برأسه ألا تراه غير متعدّ البتَّة وأكثر باب فَعَل وفَعِل متعدّ فلمّا جاء هذا مخالفا لهما وهما أقوى وأكثر منه خولف بينهما وبينه فوُفِّق بين حركتي عينيه وخولف بين حركتي عينيهما

وإذا ثبت وجوبُ خلاِف صيغة الماضي صيغة المضارع وجب أن يكون ما جاء من نحو سَلاَ يَسْلَي وقلى يقلي ونحو ذلك ممّا التقت فيه حركتا عينيه منظورا في أمره ومحكوما عليه بواجبه فنقول إنهم قد قالوا قَليتَ الرجل وقلِيته فمن قال قَلَيته فإنه يقول أقلِيه ومن قال قليِته قال أقلاه وكذلك من قال سلوته قال أسلوه ومن قال سلِيته قال أسلاه ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا وهذا لغة هذا فأخذ كل واحد منهما من صاحبه ما ضمَّه إلى لغته فتركّبت هناك لغة ثالثة كأنّ من يقول سلا اخذ مضارع من يقول سليِ فصار في لغته سَلاَ يسلي

فإن قلت فكان يجب على هذا أن يأخذ من يقول سلِي مضارع من يقول سلا فيجىء من هذا ان يقال سَليِ يسلو


377

قيل منَع من ذلك ان الفعل إذا أزيل ماضيه عن أصله سرى ذلك في مضارعه وإذا اعتلَّ مضارعه سرى ذلك في ماضيه إذ كانت هذه الُمثُل تجرى عندهم مَجْرَى المثالِ الواحد ألا تراهم لمّا أعُّلوا شَقيِ أعلُّوا أيضا مضارعه فقالوا يشقيان ولمّا أعلّوا يُغْزِى أعلّوا أيضا أغْزيت ولمّا أعلّوا قام أعلوا أيضا يقوم فلذلك لم يقولوا سِليت تسلو فيعلّوا الماضي ويصحِّحوا المضارع

فإن قيل فقد قالوا محوَت تمحَي وبأوت تَبْأَي وسعيت تسعى ونأيت تنأى فصحَّحوا الماضي وأعلُّوا المستقبل

قيل إعلال الحرفين إلى الألف لا يخرجهما كل الإخراج عن أصلهما ألا ترى أن الألف حرف ينُصْرَف إليه عن الياء والواو جميعا فليس للألف خصوص بأحد حرفي العلّة فإذا قُلب واحد منهما إليه فكأنه مُقَر على بابه ألا ترى أن الألف لا تكون أصلا في الأسماءِ ولا في الأفعال وإنما هي مؤِذنة بما هي بدل منه وكأنها هي هو وليست كذلك الواو والياء لأن كل واحدة منهما قد تكون أصلا كما تكون بدلا فإذا أخرجت الواو إلى الياء اعُتدّ ذلك لأنك أخرجتها إلى صورة تكون الأصول عليها والألف لا تكون أصلا أبدا فيهما فكأنها هي ما قلبت عنه البتَّة فاعرف ذلك فإن احدا من أصحابنا لم يذكره

ومما يدلَك على صحَّة الحال في ذلك انهم قالوا غزا يغزو ورمى يرميِ فأعلّوا الماضي بالقلب ولم يقلبوا المضارع لمّا كان اعتلال لام الماضي إنما هو بقلبها ألفا والألف لدلالتها على ما قلبت عنه كأنها هي هو فكأنْ لاقلب هناك فأعرف ذلك


378
ويدّلك على استنكارهم أن يقولوا سليت تسلو لئلا يقلبوا في الماضي ولا يقلبوا في المضارع أنهم قد جاءوا في الصحيح بذلك لمّا لم يكن فيه من قلب الحرف في الماضي وترك قلبه في المضارع ما جفا عليهم وهو قولهم نعِم ينعمُ وفِضل يفضُل وقالوا في المعتّل مِت تموت ودِمت تدوم وحُكِى في الصحيح أيضا حِضر القاضي يحضُره فنِعم في الأصل ماضي ينعَم وينعُم في الأصل مضارع نَعُم ثم تداخلت اللغتان فاستضاف من يقول نعِم لغة من يقول ينُعم فحدثت هناك لغة ثالثة

فإن قلت فكان يجب على هذا أن يستضيف من يقول نَعُم مضارع من يقول نعِم فتركَّب من هذا أيضا لغة ثالثة وهي نَعُم ينعَم

قيل مَنَع من هذا أن فَعُل لا يختلف مضارعه أبدا وليس كذلك نعِم لأن نعِم قد يأتي فيه ينعِم وينعَم جميعا فاحُتمِل خلافُ مضارعه وفعُل لا يحتمل مضارعه الخلاف ألا تراك كيف تحذف فاء وعد في يِعد لوقوعها بين ياء وكسرة وانت مع ذلك تصحِّح نحو وَضُؤ ووَطُؤ إذا قلت يَوْضُؤ ويَوْطُؤ وإن وقعت الواو بين ياء وضمة ومعلوم أن الضمّة أثقل من الكسرة لكنه لمّا كان مضارع فَعُل لا يجىء مختلفا لم يحذفوا فاء وضؤ ولا وطؤ ولا وضَعُ لئلا يختلف بابٌ ليس من عادته ان يجىء مختلفا

فإن قلت فما بالهم كسروا عين ينعِم وليس في ماضيه إلاّ نعِم ونَعُم وكل واحد من فعِل وفَعُل ليس له حظّ من باب يفعِل

قيل هذا طريقة غير طريِق ما قبله فإما ان يكون ينعِم بكسر العين جاء على ماٍض وزنه فَعَل غير أنهم لم ينطقوا بِه استغناء عنه بنِعم ونَعُم كما استغنَوا بتَركَ عن وذَرَ ووَدَع وكما استغنوا بملامح عن تكسير لمَحْة وغير ذلك أو يكون


379
فعل في هذا داخلا على فَعُل فكما أن فَعُل بابه يفُعل كذلك شبَّهوا بعض فعِل به فكسروا عين مضارعه كما ضُّموا في ظرفُ عين ماضيه ومضارعه فنعِم ينعمِ في هذا محمول على كرم يكرم كما دخل يفعُل فيما ماضيه فعَل نحو قتل يقتل على باب يشرف ويظرف وكان باب يفعُل إنما هو لما ماضيه فعُل ثم دخلت يفعُل في فعلَ على يفعِل لأن ضرب يضرب أقيس من قتل يقتل ألا ترى ان ما ماضيه فعِل إنما بابه فتح عين مضارعه نحو رِكب يركب وشرب يشرب فكما فُتح المضارع لكسر الماضي فكذلك أيضا ينبغي أن يكسر المضارع لفتح الماضي وإنما دخلت يَفْعُل في باب فعل على يفعل من حيث كانت كل واحدة من الضمّة والكسرة مخالفة للفتحه ولمّا آثروا خلاف حركة عين المضارع لحركة عين الماضي ووجدوا الضمة مخالفة للفتحة خلافَ الكسرة لها عدلوا في بعض ذاك إليها فقالوا قتل يقُتل ودخل يدخل وخرج يخرج

وأنا أرى أن يفُعل فيما ماضيه فَعَل في غير المتعدّي أقيس من يفعِل فضرب يضرِب إذاً أقيسُ من قتل يقتل وقعد يقعد اقيسُ من جلس يجلسِ وذلك أن يفعُل إنما هي في الأصل لمَا لا يتعدّى نحو كرم يكرم على ما شرحنا من حالها فإذا كان كذلك كان أن يكون في غير المتعدّي فيما ماضيه فَعَل اولى وأقيس

فإن قيل فكيف ذلك ونحن نعلم أن يفُعل في المضاعف المتعدّي أكثر من يفعِل نحو شدّة يُشدُّه ومدّه يُمدّه وقدّه يُقدّه وجزّه يُجزّه وعزَّه يُعزّه


380
وأزّه يؤزّه وعمهّ يُعمّه وأمّه يؤمّه وضمّه يضُمّه وحلّه يُحلّه وسلّه يُسلّه وتلّه يتلّه ويفعِل في المضاعف قليل محفوظ نحو هرّه يهرّه وعلّه يعِلّه وأحرٍف قليلة وجميعها يجوز فيِه أَفْعُله نحو عَلَّه يعُلَّه وهرّه يهرّه إلا حبّه يِحبّه فإنه مكسور المضارع لا غير

قيل إنما جاز هذا في المضاعف لاعتلاله والمعتلّ كثيرا ما يأتي مخالفا للصحيح نحو سيّد وميّت وقُضَاة وغُزَاة ودام ديمومة وسار سيرورة فهذا شيء عَرَض قلنا فيهِ ولنعد

وكذلك حالُ قولهم قنَط يقنَط إنما هو لغتان تداخلتا وذلك ان قنطَ يقنطِ لغة وقنِط يقنَط اخرى ثم تداخلتا فتركبّت لغة ثالثة فقال من قال قنطّ يقنطَ ولم يقولوا قنِط يقنِط لأن آخذ إلى لغته لغة غيره قد يجوز أن يقتصِر على بعض اللغة التي أضافها إلى لغته دون بعض وأمّا حسِب يحسِب ويئس ييئِس ويِبس ييِبس فمشبَّه بباب كَرُم يكرم على ما قلنا في نعِم ينعِم وكذلك مِتّ تموت ودِمت تدوم وإنما تدوم وتموت على من قال مُتّ ودُمْت وأمّا مِتّ ودِمت فمضارعهما تمات وتدام قال

( ياميّ لا غَرْو ولا مَلاما في الحبّ إن الحبّ لن يَدَاما )


381

وقال

( بُنىَّ يا سِّيدة البنات عِيشِي ولا يؤمن أن تماتي )

ثم تلاقي صاحبا اللغتين فاستضاف هذا بعضَ لغِة هذا وهذا بعضَ لغة هذا فتركّبت لغة ثالثة قال الكسائيّ سمعت من أخوين من بني سُلَيم يقولان نما ينمو ثم سألت بني سُلَيم عنه فلم يعرفوه وأنشد أبو زيد لرجل من بني عُقَيل

( ألم تعلميِ ما ظِلتُ بالقوم واقفا على طَلَلٍ أضحت معارِفُه قَفْرا ) فكسروا الظاء في إنشادهم وليس من لغتهم

وكذلك القول فيمن قال شعُر فهو شاعر وحمُض فهو حامض وخَثُر فهو خاثر إنما هي على نحوٍ من هذا وذلك انه يقال خَثُر وخَثَر وحَمُض وحَمَض وشعُر وشعَر وطُهر وطَهر فجاء شاعر وحامض وخاثرِ وطاهر على حَمض وشعَر وخثَر وطَهر ثم استُغنى بفاعل عن فعيل وهو في انفسهم وعلى بالٍ من تصوّرهم يدّل على ذلك تكسيرهم لشاعر شعراء لمّا كان فاعل هنا واقعا موقع فعيل كُسّر تكسيره ليكون ذلك أمارة ودليلا على إرادته وأنه مغنِ عنه وبدل منه كما صحّح العواور ليكون دليلا على إرادة الياء في العواوير ونحو ذلك


382

وعلى ذلك قالوا عالم وعلماء قال سيبويه يقولها من لا يقول عليم لكنه لمّا كان العِلْم إنما يكون الوصف بِه بعد المزاولة له وطول الملابسَة صار كأنه غريزة ولم يكن على أوّل دخوله فيه ولو كان كذلك لكان متعلّما لا عالما فلمّا خرج بالغريزة إلى باب فُعل صار عالم في المعنى كعليم فكُسّر تكسيره ثم حملوا عليه ضدّه فقالوا جهلاء كعلماء وصار علماء كحلماء لأن العلم مَحْلَمَة لصاحبه وعلى ذلك جاء عنهم فاحش وفحشاء لمّا كان الفُحْش ضربا من ضروب الجهل ونقيضا للحلم أنشد الأصمعيّ فيما روينا عنه

( وهل علمِتِ فُحَشاَء جهلة )

وأما غسا يَغْسَى وجَبَى يجبَى فإنه كأبى يأْبَى وذلك انهم شبّهوا الألف في آخره بالهمزة في قرأ يقرأ وهدأ يهدأ وقد قالوا غَسِىَ يَغْسَى فقد يجوز أن يكون غَسَاَ يَغْسَى من التركّب الذي تقدّم ذكره وقالوا أيضا جَبَى يَجْبى وقد أنشَد أبو زيد

( يا إبلي ماذا مُه فَتأْبِيِهْ )

فجاء بهِ على وجه القياس كَأتَى يَأْتِى كذا رويناه عنه وقد تقدم ذكره وانني قد شرحت حال هذا الرجز في كتابي في النوادر الممتعة


383

واعلم أن العرب تختلف أحوالها في تلقّي الواحد منها لغةَ غيره فمنهم من يخّف ويسرع قبولَ ما يسمعه ومنهم من يستعصِم فيقيم على لغته البتّة ومنهم من إذا طال تكرر لغِة غيره عليه لصِقت به ووُجدت في كلامه ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد قيل يا نبىء اللّه فقال لست بنبىء اللّه ولكنني نبيّ اللّه وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أنكر الهمزة في اُسمه فردّه على قائله لأنه لم يدر بم سمَّاه فأشفق أن يمِسك على ذلك وفيه شىء يتعلق بالشرع فيكون بالإمساك عنه مبيحَ محظورٍ أو حاظَر مباحٍ وحّدثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال اجتمع أبو عبد الله ابن الأعرابيّ وأبو زياد الكَلابيّ على الِجَسر ببغداد فسأل أبو زياد أبا عبد الله عن قول النابغة الذبيانيّ

( على ظهِر مَبِناةٍ )

فقال أبو عبد الّله النَّطع فقال ابو زياد لا أعرفه فقال النِطع فقال أبو زياد نعم أفلا ترى كيف أنكر غير لغته على قرب بينِهما


384

وحدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبي بكر محمد بن هرون الرُّويَاني عن أبي حاتم قال قرأ علي أعرابيّ بالحرم طيبي لهم وحُسْنُ مآب فقلت طوبيَ فقال طيبي قلت طوبَى قال طيبي فلمّا طال علىّ قلت طوطو فقال طي طِي أفلا ترى إلى استعصام هذا الأعرابيّ بلغته وتركِه متابعة أبي حاتم

والخبر المرفوع في ذلك وهو سؤال أبي عمرو أبا خَيْرة عن قولهم استأصل اللّه عِرْقاتهم فنصب أبو خَيْرة التاء من عِرْقاتهم فقال له أبو عمرو هيهات أبا خيرة لان جِلدك وذلك ان أبا عمرو استضعف النصب بعد ما كان سمعها منه بالجّر قال ثم رواها فيما بعد أبو عمرو بالنصب والجّر فإمّا أن يكون سمع النصب من غير أبي خَيْرة ممن يرَضى عربيَّته وإما أن يكون قوِى في نفسه ما سمعه من أبي خيرة مِن نصبها ويجوز أيضا أن يكون قد أقام الضعفُ في نفسِه فحكى النصب على اعتقادهِ ضعفه وذلك أن الأعرابيّ قد ينَطق بالكلمة يَعتقد أن غيرها أقوى في نفْسه منها ألا ترى أن أبا العباس حكى عن عُمَارة انه كان يقرأ ( ولا الليلُ سابقُ النهارَ ) بالنصب قال أبو العباس فقلت له ما أردت فقال سابق النهار فقلت له فهَّلا قلتَه فقال لو قلته لكان أوزن أي أقوى وقد ذكرنا هذه الحكاية للحاجة إليها في موضع آخر ولا تستنكِر إعادة الحكاية فربما كان في الواحدة عّدةُ أماكن مختلفة يُحتاج فيها إليها

فأمّا قولهم عَقُرت فهي عاقِر فليس عاقر عندنا بجارٍ على الفِعْل جريان قائم وقاعد عليِه وإنما هو اسم بمعنى النسب بمنزلة امراة طاهِر وحائض وطالق


385

وكذلك قولهم طَلُقت فهي طالِق فليس عاقِر من عُقرتْ بمنزلة حامِض من حَمُض ولا خاثرٍ من خثُر ولا طاهِر من طهُر ولا شاعِرٍ من شعُر لأن كل واحد من هذه هو اسم الفاعل وهو جارٍ على فَعَل فاستغنِى بِه عما يجرى على فَعُل وهو فعِيل على ما قدّمناه

وسألت أبا على رحمه اللّه فقلت قولهم حائِض بالهمزة يَحكم بأنه جارٍ على حاضت لاعتلال عينِ فعلت فقال هذا لا يدلّ وذلك ان صورة فاعِلٍ مما عينه معتلّة لا يجىء إلا مهموزا جرى على الفعل أو لم يَجْرِ لأن بابه أن يَجري عليِه فحملوا ما ليس جارِيا عليِه على حكم الجاري عليِه لغلبته إيّاه فيِه وقد ذكرت هذا فيما مضى

فاعِرف ما رسمُت لك واحمِل ما يجىء منه عليه فإنه كثير وهذا طريق قياسِه باب فيما يرد عن العربيّ مخالِفا لِمَا عليه الجمهور

إذا اتَّفق شىء من ذلك نُظِر في حال ذلك العربيّ وفيما جاء بِه فإن كان الإنسان فصيحا في جميع ما عدا ذلك القدرَ الذي انفرد بِه وكان ما اورده ممّا يقبله القياس إلا أنه لم يَرِد بِه استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان فإن الأولى في ذلك أن يُحْسَن الظنّ بِه ولا يُحمَل على فساده فإن قيل فمن أين ذلك له وليس مسوَّغا أن يرتجل لغة لنفسه


386
قيل قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغةٍ قديمةٍ قد طال عهدُها وعفا رسمها وتأبَّدت معالمها أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجَّاج عن أبي خَليفة الفضل بن الحُبَاب قال قال ابن عَونٍ ابن سِيرِين قال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه كان الشِعْر عِلْم القوم ولم يكن لهم عِلْم أصّح منه فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العربُ بالجهاد وغَزْو فارسَ والروم ولِهيت عن الشعر وروايته فلَّما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنّت العربُ في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوانٍ مدوَّن ولا كتابٍ مكتوب وألفْوَ ذلك وقد هلك من العربَ من هلك بالموت والقتل فحفِظوا أقلَّ ذلك وذهب عنهم كثيره

وحدَّثنا أبو بكر أيضا عن أبي خليفة قال قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو ابن العلاء ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُه ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير فهذا ما تراه وقد روى في معناه كثير

وبعد فلسنا نشكّ في بعدِ لغة حِمْيَرَ ونحوها عن لغة ابني نزارٍ فقد يمكن ان يقع شىء من تلك اللغة في لغتهم فيساءَ الظنُ فيهِ بمن سمِع منه وإنما هو منقول من تلك اللغة


387
ودخلت يوما على أبي عليّ رحمة اللّه خاليا في آخِر النهار فحين رآني قال لي أين أنت أنا أطلبك قلت وما ذلك قال ما تقول فيما جاء عنهم من حَوْرِيت فخضنا معا فيه فلم نحلَ بطائل منه فقال هو من لغة اليمن ومخالف للغة ابني نزار فلا ينكرَ أن يجىء مخالفا لأمثلتهم

وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ قال حدثنا أبو عبداللّه محمد بن العباس اليزيديّ قال حدثنا الخليل بن أسَد النُوشَجانيّ قال حدّثني محمد بن يزيد بن ربّان قال أخبرني رجل عن حمّادٍ الرّاوية قال امر النعمان فُنسِخت له اشعارُ العرب في الطُنُوج قال وهي الكراريس ثم دفنها في قصره الأبيض فلّما كان المختار بن أبي عُبَيد قيل له إنّ تحت القصر كنزا فاحتفَره فأخرج تلك الأشعار فمن ثَمَّ اهلُ الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة وهذا ونحوه مما يدلّك على تنقّل الأحوال بهذه اللغة واعتراِض الأحداث عليها وكثرةِ تغوّلها وتغيرها

فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح يُسمَع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ما وُجِد طريق إلى تقبّل ما يورِده إذا كان القياس يعاضده فإن لم يكن القياس مسوّغا له كرفع المفعول وجرّ الفاعل ورفع المضاف إليه فينبغي أن يُردّ وذلك لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا فلم يبق له عِصْمة تُضيفه ولا مُسْكة تجمع شعاعه


388
فأمّا قول الشاعر فيما أنشده أبو الحسن

( يوم الصُلَيفاءِ لم يوفون بِالجارِ ) فإنه شبّه للضرورة لم بلا فقد يشبّه حروفُ النفي بعضُها ببعض وذلك لاشتراك الجميع في دلالته عليه ألا ترى إلى قوله أنشدْناه

( أجِدَّك لم تغتمض ليلة فترقدَها مع رُقَّادها ) فاستعمل لم في موضع الحال وإنما ذلك من مواضع ما النافية للحال وأنشدنا أيضا

( أجِدّك لن ترى بثعيِلباتٍ ولا بَيْدَان ناجِيةً ذَمولا ) استعمل أيضا لن في موضع ما

وسالت أبا علىّ رحمه اللّه عن قوله

( أبِيتُ اسِرى وبتيِتِي تدلِكي وجهِك بالعنبرِ والمسِك الذكي ) فخضنا فيِه واستقرّ الأمر فيِه على أنه حذف النون من تبيتين كما حذف الحركة للضرورة في قوله

( فاليومَ أشْرَبْ غير مستَحقِبٍ )


389
كذا وجَّهته معه فقال لي فكيف تصنع بقوله تدلكي قلت نجعله بدلا من تبيتي أو حالا فنحذف النون كما حذفها من الأوّل في الموضعين فاطمأنّ الأمرُ على هذا وقد يجوز ان يكون تبيتي في موضع النصب بإضمار أن في غير الجواب كما جاء بيت الأعشى

لنا هَضْبة لا يَنزل الذلُ وسطَها ويأوِى إليها المستجيرُ فَيُعْصَمَا ) وأنشد أبو زيد وقرأته عليه بياض بالأصل

فجاء بِه على إضمار ان كبيت الأعشى

فأما قول الآخر

( إن تهبطين بلاد قوم يَرْتَعُون من الطِلاحِ ) فيجوز أن تكون أن هي الناصبة للإسم مخفّفة غير أنه أولاها الفعل بلا فصل كما قال الآخر


390

( إن تحمِلا حاجة لي خَفّ محملها تستوجِبا نِعمةً عنِدي بها ويدا )

( أن تقرآن على أسماء ويحكما منّي السلام وألاّ تعلِما أحدا ) سألت عنه أبا عليّ رحمه الله فقال هي مخفَّفة من الثقيلة كأنه قال انكما تقرآن إلاأنه خفّف من غير تعويِض وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال شبّه أن ب ما فلم يُعملها كما لم يُعمل ما

فأمّا ما حكاه الكسائىّ عن قُضَاعة من ولها مررت بَه والمال لِه فإن هذا فاشٍ في لغتها كلها لا في واحد من القبيلة وهذا غير الأوّل

فإن كان الرجل الذي سُمعت منه تلك اللغة المخالفِة للغاتِ الجماعة مضعوفا في قوله مألوفا منه لحُنه وفسادُ كلامه حُكِم عليه ولم يُسمع ذلك منه هذا هو الوجه وعليِه ينبغي أن يكون العمل وإن كان قد يمكن أن يكون مِصيبا في ذلك لغةً قديمة مع ما في كلامه من الفساد في غيره إلا أنّ هذا أضعف القياسين والصواب أن يُردّ ذلك عليه ولا يتقبَّل منه فعلى هذا مَقَاد هذا الباب فاعمل عليه


391
باب في امتناع العرب من الكلام بما يجوز في القياس

وإنما يقع ذلك في كلامهم إذا استغَنتْ بلفظ عن لفظ كإستغنائهم بقولهم ما أجْود جوابَه عن قولهم ما أجْوبه أو لأن قياسا آخر عارضه فعاق عن استعمالهم إيّاه وكإستغنائهم ب كاد زيد يقوم عن قولهم كاد زيد قائما أو قياما وربما خرج ذلك في كلامهم قال تأبَّط شرّا

( فأبتُ إلى فَهْمٍ وما كِدت آئبا وكم مثلِها فارقتها وهي تصِفر )

هكذا صحّة روايةِ هذا البيت وكذلك هو في شعره فأمَّا رواية من لا يضبِطه وما كنت آئبا ولم أك آئبا فلبعده عن ضبطه ويؤكَّد ما رويناه نحن مع وجوده في الديوان ان المعنى عليه ألا تّرى أن معناه فأبت وما كدت أءوب فأما كنت فلا وجه لها في هذا الموضع

ومثل ذلك استغناؤهم بالفعل عن اسم الفاعل في خبر ما في التعجّب نحو قولهم ما أحسن زيدا ولم يستعملوا هنا اسم الفاعل وإن كان الموضع في خبر المبتدأ إنما هو للمفرد دون الجملة

وممّا رفضوه استعمالا وإن كان مسوَّغا قياسا وذَر ووَدَع استغُنى عنهما بترك


392

ومما يجوز في القياس وإن لم يرد به استعمال الأفعال التي وردت مصادرها ورُفضت هي نحو قولهم فاظ المِّيت يَفِيظ فَيْظا وفَوْظا ولم يستعملوا من فَوْظ فِعْلا وكذلك الأين للإعياء لم يستعملوا منه فِعْلا قال أبو زيد وقالوا رجل مُدَرْهَم ولم يقولوا دُرْهِم وحدثنا أبو عليّ اظنّه عن ابن الأعرابيّ أنهم يقولون دَرْهَمَت الخُبّازَى فهذا غير الأول وقالوا رجل مفئود ولم يصرِّفوا فِعْله ومفعولٌ الصفة إنما يأتي على الفِعْل نحو مضروب من ضُرِب ومقتول من قُتِل

فأمّا امتناعهم من استعمال أفعال الوَيْح والوَيْلِ والوَيْسِ والوَيْبِ فليس للإستغناء بل لأن القياس نفاه ومَنَع منه وذلك أنه لو صرِّف الفعل من ذلك لوجب اعتلال فائِه كوعد وعينِه كباع فتحامَوا استعماله لِمَا كان يُعقِب من اجتماع إعلالين

فإن قيل فهلاَّ صُرَّفت هذه الأفعال واقتُصِر في الإعلال لها على إعلال أحد حرفيها كراهية لتوالي الإعلالين كما أن شويت ورويت ونحو ذلك لّما وقعت عينها ولامها حرفي عِلّة صحَّحوا العين لاعتلال اللام تحاميِاً لاجتماع الإعلالين فقالوا شَوَى يشوِي كقوله رمَى يرمي

قيل لو فُعل ذلك في فِعْل وَيْح وويلٍ لوجب أن تعلّ العين وتصحَّح الفاء كما أنه لمّا وجب إعلال أحد حرفي شويت وطويت وتصحيح صاحبه أعلّوا اللام وصححَّوا العين ومحّل الفاء من العين محلّ العين من اللام فالفاء اقوى


393
من العين كما أن العين أقوى من اللام فلو أعلّوا العين في الفعل من الويل ونحوه لقالوا والَ يَوِيل وواح يَويِح وواس يويِس وواب يوِيب فكانت الواو تَثبت هنا مكسورة وذلك أثقل منها في باب وعد ألا تراها هناك إنما كُرِهت مجاوِرةً للكسرة فحذفت وأصلها يوعِد والواو ساكنة والكسرة في العين بعدها ولو قالوا يَوِيل لأثبتوها والكسرة فيها نفسها وذلك أثقل من يوعِد لو أخرجوه على أصله وليس كذلك يَشوِي ويطوي لأن أكثر ما في ذلك أن أخرجوه والحركة فيه وهكذا كانت حاله أيضا فيما صحَّت لامه ألا ترى ان يَقُوم أصله يَقْوُم فالعين في الصحيح اللام إنما غاية أصلَّيتها أن تقع متحركة ثم سكّنت فقيل يَقُوم فأمّا ما صحَّت عينه وفاؤه واو نحو وعد ووجد فإن أصل بنائه إنما هو سكون فائه وكسرة عينه نحو يوِعد ويوِزن ويوجد والواو كما ترى ساكنة فلو أنك تجشّمت تصحيحها في يَويل ويويح لتجاوزت بالفاء حدّها المقدّر لها فيما صحَّت عينه فإن أحللت الكسرة فيها نفسها فكان ذلك يكون لو تُكلِّف أثقلَ من باب يوعد ويوجد لو خرج على الصحَّة فاعرف ذلك فرقا لطيفا بين الموضعين

ومما يجيزه القياس غير أن لم يرد به الاستعمال خبر العَمْر والاٌيمنُ من قولهم لعَمْرُك لأقومنّ ولأيمْنُ الله لأنطلقنّ فهذان مبتدآن محذوفا الخبرين وأصلهما لو خرج خبراهما لعمركُ ما أقسم به لأقومن ولأيمنُ الله ما أحِلف به لأنطلقن فحِذف الخبران وصار طول الكلام بجواب القسم عِوضا من الخبر


394

ومن ذلك قولهم لا أدري أيُّ الجراِد عاره أي ذَهَب به ولا يكادون ينطقون بمضارعه والقياس مقتضٍ له وبعضهم يقول يَعُوره وكأنهم إنما لم يكادوا يستعملون مضارع هذا الفعل لمّا كان مثَلاَ جاريا في الأمر المقتضىِّ الفائت وإِذا كان كذلك فلا وجه لذكر المضارع هنا لأنه ليس بمتقَضِّ

ومن ذلك امتناعهم من استعمال استحْوذ معتلاّ وإن كان القياس داعيا إلى ذلك ومؤِذنا به لكن عارض فيه إجماعهم على إخراجه مصحَّحا ليكون دليلا على أصول ما غُير من نحوه كاستقام واستعان

ومن ذلك امتناعهم من إظهار الحرف الذي تَعَرَّف به أمس حتى اضطُرّوا لذلك إلى بنائه لتضمّنه معناه فلو أظهروا ذلك الحرف فقالوا مضَى الأمس بما فيه لمَا كان خَلْفا ولاخطأ

فأمّا قوله

( وإنِي وقفت اليوم والأمِس قبله ببابِك حتى كادتِ الشمس تغرب )

فرواه ابن الأعرابيّ والأمِس جرّا ونصبا

فمن جرّه فعلى الباب فيه وجَعَل اللام مع الجرّ زائدة حتى كأنه قال وإِني وقفت اليوم وأمس كما أن اللام في قوله تعالى ( قالوا الآن جئت بالحق ) زائدة واللام المعِّرفة له مرادة فيه وهو نائب عنها ومتضمِّن لها فلذلك كُسِر فقال


395
والأمِس فهذه اللام فيه زائدة والمعرِّفة له مرادة فيه ومحذوفة منه يدّل على ذلك بناؤه على الكسر وهو في موضع نصب كما يكون مبنياً إذا لم تظهر إلى لفظه

وامّا من قال والأمَس فنصب فإنه لم يضمِّنه معنى اللام فيبنيَه ولكنه عرّفه بها كما عَّرف اليوم بها فليست هذه اللام في قول من قال والأمَس فنصب هي تلك اللاَم التي هي في قول من قال والأمسِ فجرّ تلك لا تظهر ابدا لأنها في تلك اللغة لم تستعمل مظَهرة الا ترى ان من ينصب غير من يجرّ فلكل منهما لغته وقياسها على ما نطق به منها لا تداخِل أختها ولا نسبه في ذلك بينها وبينها كما أن اللام في قولهم الآن حدّ الزمانين غير اللام في قوله سبحانه ( قالوا الآن جئت بالحقِّ ) لأن الآن من قولهم الآن حدّ الزمانين بمنزلة الرجل أفضل من المرأة والملَك أفضل من الإنسان أي هذا الجنس أفضل من هذا الجنس فكذلك الآن إذا رفعه جعله جنس هذا المستعمَل في قولك كنت الان عنده وسمعت الآن كلامه فمعنى هذا كنت في هذا الوقت الحاضر بعضه وقد تصرّمت أجزاء منه فهذا معنى غير المعنى في قولهم الآنُ حدّ الزمانين فاعرفه

ونظير ذلك ان الرجل من نحو قولهم نِعم الرجل زيد غير الرجل المضمر في نِعم إذا قلت نعِم رجلا زيد لأن المضمر على شريطة التفسير لا يظهر


396
ولا يستعمل ملفوظا به ولذلك قال سيبويه هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا أي إذا فسّر بالنكرة في نحو نِعم رجلا زيد فإنه لا يظهر أبدا

وإذا كان كذلك علمت زيادة الزاد في قول جرير

( تزود مثل زادِ أبيك فينا فنِعم الزاد زاد أبِيك زادا )

وذلك ان فاعل نعِم مُظْهَر فلا حاجة به إلى ان يفسّر فهذا يسقط اعتراض محمد بن يزيد عن صاحب الكتاب في هذا الموضع

واعلم ان الشاعر إذا اضطُرّ جاز له ان ينطق بما يبيحه القياس وإن لم يَرِد به سماع ألا ترى إلى قول أبي الأسود

( ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحبّ حتى ودَعَهْ )

وعلى ذلك قراءة بعضهم ( ما وَدَعك ربك وما قلى ) بالتخفيف أي ما تركك دلّ عليه قوله ( وما قلى ) لأن الترك ضَرْب من القلِىَ فهذا أحسن من أن يعلَّ باب استحوذ واستنوق الجمل لأن استعمال ودع مراجعة أصلٍ وإعلال استحوذ واستنوق ونحوهما من المصحَّح ترك أصلٍ وبين مراجعة الأصول إلى تركها مالا خفاء به

واعلم أن استعمال ما رفضته العرب لاستغنائها بغيره جار في حكم العربيّة مجرى اجتماع الضدّين على المحلّ الواحد في حكم النظر وذلك أنهما إذا كانا يعتقبان في اللغة على الاستعمال جَرَيا مجرى الضدّين اللذين يتناوبان المحلّ الواحد فكما لا يجوز


397
اجتماعهما عليه فكذلك لا ينبغى أن يستعمل هذان وان يكتفي بأحدهما عن صاحبه كما يحتمِل المحلّ الواحد الضدّ الواحد دون مراسلِه

ونظير ذلك في إقامة غير المحل مُقام المحلّ ما يعتقدونه في مضادّة الفناء للأجسام فتضادّهما إنما هو على الوجود لا على المحلّ ألا ترى ان الجوهر لا يحلّ الجوهر بل يتضمنه في حال التضادّ الوجود لا المحلّ فاللغة في هذه القضيَّة كالوجود واللفظان المقام أحدهما مُقَام صاحبه كالجوهر وفنائه فهما يتعاقبان على الوجود لا على المحلّ كذلك الكلمتان تتعاقبان على اللغة والاستعمال فاعرف هذا إلى ما قبله

وأجاز أبو الحسن ضُرِب الضربُ الشديدُ زيدا ودُفِع الدفعُ الذي تعرِف إلى محمد دينارا وقتِل القتلُ يوم الجمعة أخاك ونحو هذه من المسائل ثم قال هو جائز في القياس وإن لم يرد بهِ الاستعمال فإن قلت فقد قال

( ولو وَلَدتْ قُفَيرةُ جَرِو كلب لُسبَّ بذلك الجرِو الكلابا ) فأقام حرف الجرّ ومجرورة مقام الفاعل وهناك مفعول به صحيح قيل هذا من أقبح الضرورة ومثله لا يعتدّ أصلا بل لا يثبت إلا محتقَرا شاذاً


398
وأمّا قراءة من قرأ ( وكذلك نُجِّى المؤمنين ) فليس على إقامة المصدر مُقام الفاعل ونصب المفعول الصريح لأنه عندنا على حذف إحدى نونى ( نُنّجى ) كما حذف ما بعد حرف المضارعة في قول الله سبحانه ( تَذَكّرون ) أي تتذكرون ويشهد أيضا لذلك سكون لام نُجِّي ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة وعليِه قول المثقِّب العَبْديّ

( لِمن ظُعُن تَطَالُع مِن ضُبَيبٍ فما خرجت من الوادِي لِحينِ ) أي تتطالع فحذف الثانية على ما مضى

وما يحتمله القياس ولم يَرِد به السماع كثير منه القراءات التي تُؤثْرَ رِوايةً ولا تُتجاوز لأنها لم يسمع فيها ذلك كقوله عزّ اسمه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فالُسنَّة المأخوذ بها في ذلك إتباع الصفتين إعرابَ اسم الله سبحانه والقياس يبيح أشياء فيها وإن لم يكن سبيل إلى استعمال شىء منها نعم وهناك من قوة غير هذا المقروء به ما لا يشكّ أحد من أهل هذه الصناعة في حُسْنه كأن يُقرأ ( بسم الله الرحمنُ الرحيمُ ) بنصبهما جميعا عليه ويجوز ( الرحمنُ الرحيمَ ) برفع الصفتين جميعا على المدح ويجوز ( الرحمنَ الرحيمَ ) برفع الأول ونصب الثاني ويجوز ( الرحمنَ الرحيمُ ) بنصب الأوّل ورفع الثاني كلّ ذلك على وجه المدح وما أحسنه ههنا وذلك ان الله تعالى إذا وُصِف فليس الغرض في ذلك تعريفه بما يتبعه من صفته لأن هذا الاسم لا يعترِض شكّ فيِه فيحتاجَ إلى وصفه لتخليصه لأنه الاسم


399
الذي لا يشارَك فيه على وجه وبقيَّة أسمائه عزّ وعلا كالأوصاف التابعة لهذا الاسم وإذا لم يَعترض شكّ فيه لم تجىء صفته لتخليصه بل للثناء على الله تعالى وإذا كان ثناء فالعدول عن إعراب الأوّل أولى به وذلك أن إتباعه إعرابه جارٍ في اللفظ مَجرى ما يتبع للتخليص والتخصيص فإذا هو عُدِل به عن إعرابه علِم أنه للمدح او الذمّ في غير هذا عزّ الله وتعالى فلم يبق فيه هنا إلا المدح

فلذلك قوى عندنا اختلاف الإعراب في الرحمن الرحيم بتلك الأوجه التي ذكرناها ولهذا في القرآن والشعر نظائر كثيرة