5
باب في حفظ المراتب

هذا موضع يتسمَّح الناس فيه فيخِلّون ببعض رٌتَبه تجازوا لها وربما كان سهوا عنها . وإذا تنبهت على ذلك من كلامنا هذا قويت به على ألا تضيع مرتبة يوجبها القياس بإذن الله .

فمِن ذلك قولهم في خطايا : إن أصله كان خطائئ ثم التقت الهمزتان غير عينين فأبدلت الثانية على حركة الأولى فصارت ياء : خطائى ثم أبدلت الياء ألِفا لأن الهمزة عرضت في الجمع واللام معتلة فصارت خطاءا فأبدِلت الهمزة على ما كان في الواحد وهو الياء فصارت خطايا . فتلك أربع مراتب : خطائِئ ثم خطائى ثم خطاءا ثم خطايا . وهو -لعمري - كما ذكروا إلا أنهم قد أخلّوا من الرتب بثنتين : أما إحداهما فإن أصل هذه الكلمة قبل أن تبدَل ياؤها همزة خطايئ بوزن خطايع ثم أبدلت الياء همزة فصارت : خطائئ بوزن خطاعِع . والثانية أنك لمّا صرت إلى خطائى فآثرت إبدال الياء ألِفا لاعتراض الهمزة في الجمع مع اعتلال اللام لاطفت الصنعة فبدأت بإبدال الكسرة فتحة لتنقلب الياء ألِفا فصرت من خطائِى إلى خطاءى بوزن خطاعى ثم أبدلتها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على حد ما تقول في إبدال لامَ رَحًى وعصا فصارت خطاءا بِوزن خطاعى ثم أبدلت الهمزة


6
ياء على ما مضى فصارت خطايا . فالمراتِب إذا سِت لا أربع . وهي خطايِئ ثم خطائِئ ثم خطائى ثم خطاءا ثم خطاءَى ثم خطايا . فإذا أنت حفِظت هذه المراتب ولم تُضِع موضعا منها قويتْ دُرْبتك بأمثالها وتصرفت بك الصنعة فيما هو جارٍ مجراها

ومن ذلك قولهم : إوَزَّة . أصل وضعها إوْزَزَة . فهناك الآن عملان : أحدهما قلب الواو ياء لانكسار ما قبلها ساكنة والآخر وجوب الادّغام . فإن قدّرت أنّ الصنعة وقعت في الأوّل من العملين فلا محالة أنك أبدلت من الواو ياء فصارت إيززة ثم أخذت في حديث الادّغام فأسكنت الزاي الأولى ونقلت فتحتها إلى الياء قبلها فلما تحركت قوِيت بالحركة فرجعت إلى أصلها - وهو الواو - ثم ادّغمت الزاي الأولى في الثانية فصارت اِوزّة كما ترى . فقد عرفت الآن على هذا أن الواو في إوِزة إنما هي بدل من الياء التي في إِيززة وتلك الياء المقدّرة بدل من واو ( إوززة ) التي هي واو وَزّ .

وإن أنت قدَّرت أنك لمِّا بدأتها فأَصَرْتَها إلى إِوززة أخذت في التغيير من آخر الحرف فنقلت الحركة من العين إلى الفاء فصارت إِوَزَّة فإن الواو فيها على هذا التقدير هي الواو الأصلية لم تبدل ياء فيما قبل ثم أعيدت إلى الواو كما قدّرتَ ذلك في الوجه الأوّل . وكان أبو علي - رحمه الله - يذهب إلى أنها لم تصر إلى إيززة . قال لأنها لو كانت كذلك لكنت إذا ألقيت الحركة على الياء بقيت بحالها ياء فكنت تقول إِيَزَّة فأدَرته على ذلك وراجعته فيه مرارا فأقام عليه . واحتجّ


7
بأن الحركة منقولة إليها فلم تقَو بها . وهذا ضعيف جِدّا ألا ترى أنك لمّا حرّكت عين طيّ فقوِيت رجعتْ واوا في طووِيّ وإن كانت الحركة أضعف من تلك لأنها مجتلبة زائدة وليست منقولة من موضع قد كانت فيه قويّة معتدّة .

ومِن ذلك بناؤك مثل فُعلول من طويت . فهذا لا بدّ أن يكون أصله : طُويُويٌ . فإن بدأت بالتغيير من الأوّل فإنك أبدلت الواو الأولى ياء لوقوع الياء بعدها فصار التقدير إلى طُيْيُويٍ ثم ادّغمت الياء في الياء فصارت طُيُّويُ ( ثم أبدلت من الضمة كسرة فصارت طَيُّوي ) ثم أبدلت من الواو ياء فصارت إلى طَيُّيْيٍ ثم أبدلت من الضمة قبل واو فُعلول كسرة فصارت طِيِيُ ثم ادّغمت الياء المبدَلة من واو فعلول في لامه فصارت طِيِّيّ . فلمَّا اجتمعت أربع ياءات ثقلت فأردت التغيير لتختلف الحروف فحرّكت الياء الأولى بالفتح لتنقلب الثانية ألفا فتنقلب الألف واوا فصار بك التقدير إلى طِيَيّ فلمَّا تحرّكت الياء التي هي بدل من واو طويوي الأولى قويت فرجعت بقوّتها إلى الواو فصار التقدير : طِويِيّ فانقلبت الياء الأولى التي هي لام فُعلول الأولى ألِفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت طِوايّ ثم قلبتها واوا لحاجتك إلى حركتها - كما أنك لما احتجت إلى حركة اللام في الإضافة إلى رَحًى قلبتها واوا - فقلت : طِوَوِيّ كما تقول في الإضافة إلى هَوى علما : هَوَوِيّ . فلا بد أن تستقرئ هذه المراتب شيئا فشيئا ولا تسامحك الصنعة بإضاعة شيء منها .


8

وإن قدّرت أنك بدأت بالتغيير من آخر المثال فإنك لمّا بدأته على طُويُوي أبدلت واو فُعلول ياء فصار إلى طُويُيْيٍ ثم ادّغمت فصار إلى طويُيٍّ ( وأبدلت من ضمة العين كسرة فصار التقدير طويِيّ ) ثم أبدلت من الواو ياء فصار طُيْيٌّ ثم ادّغمت الياء الأولى فِي الثانية فصارْ طيِّيّ ثم عملت فيما بعد من تحريك الأولى بالفتح وقلب الثانية ألفا ثم قلبها واوا ما كنت عملته في الوجه الأوّل . ومن شبّه ذلك بلِيّ جمع قَرْن ألوَى فإنه يقول : طِيِّيّ وشِيّي . ومن قال : لُيّ فضمّ فإنه يقول : طُيِّيٌّ وشييّ فيهما من طويت وشويت .

فاعرف بهذا حفظ المراتب فيما يرد عليك من غيره ولا تُضِع رُتْبة البتَّة فإنه أحوط عليك وأبهر في الصناعة بك بحول الله . باب في التغييرين يعترضان فِي المثال الواحد بأيِّهما يُبدأ

اعلم أنّ القياس يسوِّغك أن تبدأ بأيّ العَمَلين شئت : إن شئت بالأوّل وإن شئت بالآخر .

أمّا وجه عِلَّة الأخذ في الابتداء بالأوّل فلأنك إنما تغيّر لتنطق بما تصيِّرك الصنعة إليه ( وإنما ) تبتدئ في النطق بالحرف من أوّله لا من آخره . فعلى هذا


9
ينبغي أن يكون التغيير من أوّله لا من آخره لتجتاز بالحروف وقد رُتّبت على ما يوجبه العمل فيها وما تصير بك الصنعة عليه إليها إلى أن تنتهي كذلك إلى آخرها فتعمل ما تعمله ليرِد اللفظ بك مفروغا منه .

وأمّا وجه عِلّة وجوب الابتداء بالتغيير من الآخِر فمن قِبل أنك إذا أردت التغيير فينبغي أن تبدأ به من أقبل المواضع له . وذلك الموضع آخر الكلمة لا أوّلها لأنه أضعف الجهتين .

مثال ذلك قوله في مثال إوَزَّة من أويت : إيَّاة . وأصلها إئْوَيَة . فإبدال الهمزة التي هي فاء واجب وإبدال الياء التي هي اللام واجب أيضا . فإن بدأت بالعمل من الأوّل صرت إلى إيَويَة ثم إلى إييَية ثم إلى إيّاةٍ . وإن بدأت بالعمل من آخِر المثال صِرت أوّل إلى إئواة ثم إلى إيواةٍ ثم إياةٍ . ففرّقت العمل في هذا الوجه ولم تواله كما واليته في الوجه الأوّل لأنك لم تجد طريقا إلى قلب الواو ياء إلا بعد أن صارت الهمزة قبلها ياء . فلما صارت إلى إيواة أبدلتها ياء فصارت إيَّاة كما ترى .

ومن ذلك قوله في مثال جعفر من الواو : أَوًّى . وأصلها وَوّوُ . وههنا عملان واجبان .


10

أحدهما إبدال الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين في أوّل الكلمة . والآخر إبدال الواو الآخرة ياء لوقوعها رابعة وطرفا ثم إبدال الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها .

فإن بدأت العمل من أوّل المثال صرت إلى أوّوً ثم إلى أوّيً ثم إلى أَوًّي . وإن قدّرت ابتداءك العمل من آخره فإنك تتصور أنه كان ووّو ثم صار إلى ووّيٍ ثم إلى ووى ثم إلى أوّى . هكذا موجب القياس على ما قدمناه .

وتقول على هذا إذا أردت مثال فُعْل من وأيت : وُوْي . ( فإن خففت الهمزة فالقياس أن تِقرّ المثال على صحَّة أوله وآخره فتقول : ووُيُ ) فلا تبدل الواو الأولى همزة لأن الثانية ليست بلازمة فلا تعتدّ إنما هي همزة وؤي خففت فأبدلت في اللفظ واوا وجرت مجرى واو رُويا تخفيف رُؤيا . ولو اعتددتها واوا البتَّة لوجب أن تبدلها للياء التي بعدها . فتقول وُيّ أو أيّ على ما نذكره بعد .

وقول الخليل فِي تحفيف هذا المثال : أُوى طريف وصعب ومُتْعِب . وذلك أنه قدّر الكلمة تقديرين ضدّين لأنه اعتقد صحَّة الواو المبدلة من الهمزة حتى ( قلب لها ) الفاء فقال : أُوى . فهذا وجه اعتداده إياها . ثم إنه مع ذلك لم يعتدِدها ثابتة صحيحة ألا تراه لم يقلبها ياء للياء بعدها . فلذلك قلنا : إن فِي مذهبه هذا


11
ضربا من التناقض . وأقرب ما يجب أن نصرفه إليه أن نقول : قد فعلت العرب مثله فِي قولهم : مررت بزيد ونحوه . ألا تراها تقدّر البَاء تارة كالجزء من الفعل وأخرى كالجزء من الاسم . وقد ذكرنا هذا فيما مضى . يقول : فكذلك يجوز لي أنا أيضا أن أعتقد فِي العين من وُوي من وجه أنها فِي تقدير الهمزة وأُصحّها ولا أعِلّها للياء بعدها ومِن وجه آخر أنها في حكم الواو لأنها بلفظها فأقلب لها الفاء همزة . فلذلك قلت : أُويُ .

وكأنّ ( أبا عمر ) أخذ هذا الموضع من الخليل فقال فِي همزة نحو رأس وبأس إذا خفّفت فِي موضع الرِدف جاز أن تكون رِدفا . فيجوز عنده اجتماع راس وباس مع ناسٍ . وأجاز أيضا أن يراعى ما فيها من نيّة الهمزة فيجيز اجتماع راس مع فلس . وكأنّ أبا عمر إنْ كان أخذ هذا الموضع أعذُر فيه من الخليل فِي مسئلته تلك . وذلك أن أبا عمر لم يقض بجواز كون ألف راس رِدفا وغير ردف فِي قِصيدة واحدة وإنما أجاز ذلك فِي قِصيدتين إحداهما قوافيها نحو حِلْس وضِرس والأخرى قوافيها نحو ناس وقرطاس وقُرنْاس . والخليل جمع في لفظة واحدة أمرين متدافِعين . وذلك أن صحَّة الواو الثانية في وُوي منافٍ لهمزة الأولى


12
منهما . وليس له عندي إلا احتجاجه بقولهم : مررت بزيد ونحوه وبقولهم لا أبالك . وقد ذكرنا ذلك في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين .

ولندع هذا إلى أن نقول : لو وجد في الكلام تركيب ( ووي ) فبنيت منه فُعْلاً لِصرت إلى ووُيٍ . فإن بدأت بالتغيير من الأوّل وجب أن تبدل الواو التي هي فاء همزة فتصير حينئذ إلى أُويٍ ثم تبدل الواو العين ياء لوقوع اللام بعدها ياء فتقول أُيّ .

فإن قلت : أتعيد الفاءُ واوا لزوال الواو من بعدها ( فتقول : وُيّ أو تقرّها على قلبها السابق إليها فتقول : أُيّ ) فالقول عندي إقرار الهمزة بحالها وأن تقول أيّ . وذلك أنا رأيناهم إذا قلبوا العين وهي حرف عِلة همزة أجروا تلك الهمزة مجرى الأصلية . ولذلك قال في تحقير قائم : قويئم فأقرّ الهمزة وإن زالت ألِف فاعِل عنها . فإذا فعِل هذا في العين كانت الفاء أجدر به لأنها أقوى من العين .

فإن قلت : فقد قدّمت في إوَزَّة أنها لمَّا صارت في التقدير إلى إيزَزَة ثم أدرت إليها حركة الزاي بعدها فتحركت بها أعَدْتها إلى الواو فصارت إوَزَّة فهلاَّ أيضا أعَدْت همزة إىّ إلى الواو لزوال العِلة التي كانت قلبتها همزة أعني واو أويٍ


13

قيل : انقلاب حرف العِلة همزة فاء أوعينا ليس كانقلاب الياء واوا ولا الواو ياء بل هو أقوى من انقلابهما إليهما ألا ترى إلى قولهم : ميزان ثم لما زالت الكسرة عادت الواو في موازين ومُويزين . وكذلك عين رِيح قلبت للكسرة ياء ( ثم لما ) زالت الكسرة عادت واوا فقيل : أرواح وروُيَحة . وكذلك قولهم : موسر وموقن لما زالت الضمة عادت الياء فقالوا : مياسِر ومياقِن . فقد ترى أن انقلاب حرف اللين إلى مثله لا يستقِرّ ولا يستعصِم لأنه بعد القلب وقبله كأنه صاحبه والهمزة حرف صحيح وبعيد المخرج فإذا قلب حرف اللين إليه أبعده عن جنسه واجتذبه إلى حيزّه فصار لذلك من وادٍ آخر وقبيل غير القَبيل الأوّل . فلذلك أُقِرّ على ما صار إليه وتمكنت قَدَمه فيما حُمل عليه . فلهذا وجب عندنا أن يقال فيه : أيّ .

( وأما إن ) أخذت العمل من آخر المثال فإنك تقدّره على ما مضى : وُويُ ثم تبدل العين للام فيصير : وُيّ فتقيم حينئذ عليه ولا تبغي بدلا به لأنك لم تضطرَّ إلى تركه لغيره .

وكذلك أيضا يكون هذان الجوابان إن اعتقدت في عين وُؤي أنك أبدلتها إبدالا ولم تخففها تخفيفا : القول في الموضعين واحد . ولكن لو ارتجلت هذا المثال من وأيت على ما تقدم فصرت منه إلى وُؤْي ثم همزت الواو التي هي الفاء همزا


14
مختارا لا مضطرّا إليه لكن على قولك في وجوه : أجوه وفي وُقّتت : أقتت لصرت إلى أُؤْيٍ فوجب إبدال الثانية واوا خالصة فإذا خلصت كما ترى لما تعلم وجب إبدالها للياء بعدها فقلت : أيّ لا غير . فهذا وجه آخر من العمل غير جميع ما تقدم .

فإن قلت : فهلاَّ استدللت بقولهم في مثال فِعْوَلّ من القوّة : قَيَّوّ على أن التغيير إذا وجب في الجهتين فينبغي أن يبدأ بالأوّل منهما ألا ترى أن أصل هذا قوَّوّ فبدأ بتغيير الأوليين فقال : قِيَّوّ ولم يغير الأُخريين فيقولَ : قوَّيّ

قيل هذا اعتبار فاسد . وذلك أنه لو بدأ فغيرَّ من الآخر لما وجد بُدّا من أن يغير الأوّل أيضا ( لأنه لو أبدل الآخر فصار إلى قِوّيّ للزمه أن يبدل الأوّل أيضا ) فيقول : قِيّيّ فتجتمع له أربع ياءات فيلزمه أن يحرَّك الأولى لتنقلب الثانية ألِفا فتنقلب واوا فتختلِف الحروف فتقول : قِوَويّ فتصير من عمل إلى عمل ومن صنعة إلى صنعة . وهو مَكفِيّ ذلك وغير محوَج إليه . وإنما كان يجب عليه أيضا تغيير الأوليين لأنهما ليستا عينين فتصِحّا كبنائك فِعَّلا من قلت : قِوّل وإنما هما عين واو زائدة .


15

ولو قيل لك : ابن مثل خِرْوع من قلت لما قلت إلا قِيَّل لأن واو فِعْوَل لا يجب أن يكون أبدا من لفظ العين ألا ترى إلى خرْوع وبِروع اسم ناقة فقد روي بكسر الفاء وإلى جِدول فقد رويناه عن قطربٍ بكسر الجيم . وكل ذلك لفظ عينه مخالف لواوه وليست كذلك العينان لأنهما لا يكونان أبدا إلا من لفظ واحد فإحداهما تقوِّي صاحبتها وتنهِض مُنَّتها .

فإن قلت : فإذا كنت تفصل بين العينين وبين العين والزائد بعدها فكيف تبني مثل عُلْيب من البيع فجوابه على قول النحويين سوى الخليل بُيَّع . ادغمت عين فُعْيل في يائه فجرى في اللفظ مجرى فُعَّل من الياء نحو قوله :

( وإذا هُمُ نزلوا فمأوى العُيَّل ِ )

وقوله :

( كأنّ ريح المِسك والقَرَنفُلِ نباته بين التِلاع السُيلَّ )

فإن قلت : فهلاَّ فصلت في فُعْيَل بين العين والياء وبين العينين ( كما فصلت في فِعول وفِعَّل بين العين والواو وبين العينين )


16

قيل : الفرق أنك لمَّا أبدلت عين قِوَّل وأنت تريد به مثال فِعول صرت إلى قِيول فقلبت أيضا الواو ياء فصرت إلى قِيَّل . وأما فُعْيَل من البيع فلو أبدلت عينه واوا للضمة قبلها لصرت إلى بويَع . فإذا صرت إلى هنا لزمك أن تعيد الواو ياء لوقوع الياء بعدها فتقول : بُيَّع ولم تجد طريقا إلى قلب الياء واوا لوقوع الواو قبلها كما وجدت السبيل إلى قلب الواو في قِيول ياء لوقوع الياء قبلها لأن الشرط في اجتماع الياء والواو أن تقلب الواو للياء لا أن تقلب الياء للواو . ( وذلك ) كسيّد وميّت وطويت طيّا وشويت شيّا . فلهذا قلنا في فُعْيل من البيع : بُيَّع فجرى في اللفظ مجرى فُعَّل منه وقلنا في فِعْول من القول : قِيَّل فلم يجر مجرى فِعَّل منه .

وأما قياس قول الخليل في فُعْيَل من البيع فأن تقول : بويَع ألا تراه يجري الأصل في نحو هذا مُجرى الزائد فيقول في فُعِل من أفعلت من اليوم على من قال : أطولِت : أووِم فتجري ياء أيمَّ الأولى وإن كانت فاء مجرى ياء فيعل من القول إذا قلت : قَيَّل . فكما تقول الجماعة في فُعِل من قَيَّل هذا قوول وتجري ياء فيعل مجرى ألف فاعَلَ كذلك قال الخليل في فُعِل مما ذكرنا : أُووِم . فقياسه هنا أيضا أن


17
يقول في فُعْيَل من البيع : بويَع . بل إذا لم يدّغم الخليل الفاء في العين - وهي أختها ( وتلِيَّتها ) وهي مع ذلك من لفظها - في أووم حتى أجراها مجرى قوله :

( وفاحِمٍ دووِي حتى اعلنكسا ) فالاَّ يدّغم عين بويع في يائه - ولم يجتمعا في كونهما أختين - ولا هما أيضا في اللفظ الواحد شريكتان - أجدر بالوجوب .

ولو بنيت مثل عُوَّارة من القول لقلت على مذهب الجماعة : قُوَّالة بالادّغام وعلى قول الخليل أيضا كذلك لأن العين لم تنقلب فتشبِهَ عنده ألف فاعَل . لكن يجيء على قياس قوله أن يقول في فِعْول من القول : قِيول لأن العين لمَّا انقلبت أشبهت الزائد . يقول فكما لا تدغم بويع فكذلك لا تدغّم قِيول . اللهم إلا أن تفصل فتقول : راعيت في بويع مالا يدغم وهو ألِف فاعل فلم أدغم وقِيول بضدّ ذلك لأن ياءه بدل من عين القول وادّغامها في قُوَّل وقُوِّل والتقوّل ونحو ذلك جائز حسن فأنا أيضا أدعمها فأقول : قِيَّل . وهذا وجه حسن .

فهذا فصل اتصل بما كنا عليه . فاعرفه متصلا به بإذن الله .


18
باب في العدول عن الثقيل إلى ما هو أثقل منه لضرب من الاستخفاف

اعلم أن هذا موضع يُدفع ظاهره إلى أن يعرف غوره وحقيقته . وذلك أنه أمر يعرض للأمثال إذا ثقلت لتكريرها فيترك الحرف إلى ما هو أثقل منه ليختلف اللفظان فيخِفَّا على اللسان .

وذلك نحو الحيوان ألا ترى أنه عند الجماعة - إلا أبا عثمان - مِن مضاعف الياء وأن أصله حيَيَان فلما ثقل عدلوا عن الياء إلى الواو . وهذا مع إحاطة العلم بأن الواو أثقل من الياء لكنه لماّ اختلف الحرفان ساغ ذلك . وإذا كان اتفاق الحروف الصِحاح القويَّة الناهضة يكره عندهم حتى يبدلوا أحدها ياء نحو دينار وقيراط وديماس ودِيباج ( فيمن قال : دماميس ودبابيج ) كان اجتماع حرفي العِلة مثلين أثقل عليهم .

نعم وإذا كانوا قد أبدلوا الياء واوا كراهية لالتقاء المِثلين في الحيوان فإبدالهم ( الواو ياء ) لذلك أولى بالجواز وأحرى . وذلك قولهم : ديوان ( واجليواذ ) . وليس لقائل أن يقول : فلما صار دوَّان إلى ديوان فاجتمعت الواو والياء وسكنت الأولى هلاّ أبدلت الواو ياء لذِلك لأن هذا ينقض الغرض ألا تراهم إنما


19
كرِهوا التضعيف في دِوّان فأبدلوا ليختلِف الحرفان فلو أبدلوا الواو فيما بعد للزم أن يقولوا : دِيَّان فيعودوا إلى نحو مِما هَربوا منه من التضعيف وهم قد أبدلوا الحييان إلى الحيوان ليختلف الحرفان فإذا أصارتهم الصنعة إلى اختلافهما في ديوان لم يبق هناك مطلب . وأما حَيْوة فاجتمع إلى استكراههم التضعيف فيه وأن يقولوا : حَيَّة أنه علم والأعلام يحتمل لها كثير من كُلَف الأحكام .

ومن ذلك قولهم في الإضافة إلى آية وراية : آئيّ ورائيّ . وأصلهما : آييّ وراييّ إلا أن بعضهم كره ذلك فأبدل الياء همزة لتختلف الحروف ولا تجتمع ثلاث ياءات . هذا مع إحاطتنا علما بأنّ الهمزة أثقل من الياء . وعلى ذلك أيضا قال بعضهم فيهما : راوِيّ وآوِيّ ( فأبدلها ) واوا ومعلوم أيضا أن الواو أثقل من الياء .

وعلى نحو من هذا أجازوا في فعاليل من رميت : رَمَاوِيّ ورمائيّ فأبدلوا الياء من رماييّ تارة واوا وأخرى همزة - وكلتاهما أثقل من الياء - لتختلف الحروف .

وإذا كانوا قد هربوا من التضعيف إلى الحذف نحو ظلت ومست وأحَسْت وظَنْت ذاك أي ظننت كان الإبدال أحسن وأسوغ لأنه أقل فحشا من الحذف وأقرب .


20

ومن الحذف لاجتماع الأمثال قولهم في تحقير أحوى : أُحيّ فحذفوا من الياءات الثلاث واحدة وقد حذفوا أيضا من الثنتين في نحو هيّن ولين وسيد وميت . وهذا واضح فاعرف وقس .

( ومن ذلك قولهم عَمْبَر أبدلوا النون ميما في اللفظ وإن كانت الميم أثقل من النون فخففت الكلمة ولو قيل عنبر بتصحيح النون لكان أثقل ) باب في إقلال الحَفْل بما يلطُف من الحكم

وهذا أمر تجده في باب ما لا ينصرف كثيرا ألا ترى أنه إذا كان في الاسم سبب واحد من المعاني الفرعية فإنه يقلّ عن الاعتداد به فلا يُمنع الصرف له فإذا انضمّ إليه سبب آخر اعتونَا فمنعَا .

ونحو من ذلك جمعهم في الاستقباح بين العطف على الضمير المرفوع المتصل الذي لا لفظ له وبينه إذا كان له لفظ . فقولك : قمت وزيد في الاستقباح كقولك : قام و زيد وإِن لم يكن في قام لفظ بالضمير . وكذلك أيضا سوَّوا في الاستقباح بين قمت و زيد وبين قولنا قمتما وزيد وقمتم ومحمد من حيث كانت تلك الزيادة التي لحقت التاء لا تخرِج الضمير من أن يكون مرفوعا متصلا يغيرّ له الفعل . ومع هذا فلست أدفع أن يكونوا قد أحسّوا فرقا بين قمت وزيد وقام وزيد إلا أنه محسوس عندهم غير مؤثّر في الحكم ولا محدِث أثرا في اللفظ كما قد نجد أشياء كثيرة معلومة ومحسوسة إلا أنها غير معتدّة كحنين الطسّ وطنين البعوض وعفطة العنز وبصبصة الكلب .


21

ومن ذلك قولهم : مررت بحمار قاسم ونزلت سَفَارِ قبل . فكسرة الراء في الموضعين عندهم إلى أثر واحد . وإن كانت في ( حمار ) عارضة وفي ( سفار ) لازمة .

ومن ذلك قولهم : الذي ضربت زيد واللذان ضربت الزيدان فحذف الضمير العائد عندهم على سَمْت واحد وإن كنت في الواحد إنما حذفت حرفا واحدا وهو الهاء في ضربته ( وأما ) الواو بعدها فغير لازمة في كل لغة والوقف أيضا يحذفها وفي التثنية قد حذفت ثلاثة أحرف ثابتة في الوصل والوقف وعند كل قوم وعلى كل لغة .

ومن ذلك جمعهم في الردف بين عمود ويعود من غير تَحَاشٍ ولا استكراه وإن كانت واو عمود أقوى في المدّ من واو يعود من حيث كانت هذه متحركة في كثير من المواضع نحو هو أعْود منك وعاودته وتعاودنا قال :

( وإن شئتم تعاودنا عوادا )


22

وأصلها أيضا في يَعُود يَعْوُد . فهو وإن كان كذلك فإن ذلك القدر بينهما مطرح وملغى غير محتسب . نعم وقد سانَوْا وسامحوا فيما هو أعلى ( من ذا ) وأنأى أمدا . وذلك أنهم جمعوا بين الياء والواو ردفين نحو سعيد وعمود . هذا مع أن الخلاف خارج إلى اللفظ فكيف بما تتصوره وَهْما ولا تمذل به لفظا .

ومن ذلك جمعهم بين باب وكتاب رِدْفين وإن كانت ألف كتاب مدّا صريحا وهي في باب أصل غير زائدة ومنقلبة عن العين المتحركة في كثير من الأماكن نحو بُويب وأبواب ومبوّب وأشباهه .

ومن ذلك جمعهم بين الساكن والمسكَّن في الشعر المقيَّد على اعتدال عندهم وعلى غير حفل محسوس منهم نحو قوله :

( لئن قضيت الشأن من أمري ولم أقض لُبَاناتي وحاجات النَهمْ )

( لأفْرِجَن صدرِك شَقّا بقَدَم )


23

فسوَّى في الرويّ بين سكون ميم ( لم ) وسكون الميمات فيما معها .

ومن ذلك وصلهم الرويّ بالياء الزائدة للمدّ والياء الأصلية نحو الرامي والسامي مع الأنعامي والسلامي .

ومن ذلك أيضا قولهم : إنى وزيدا قائمان وإنيَ وزيدا قائمان لا يدّعي أحد أن العرب تفصل بين العطف على الياء وهي ساكنة وبين العطف عليها وهي مفتوحة . فاعرف هذا مذهبا لهم وسائغا في استعمالهم حتى إن رام رائم أو هَجَر حالم بأن القوم يفصلون في هذه الأماكن وما كان سبيلَه في الحكم سبيلُها بين بعضها وبعضها فإنه مدَّع لما لا يعبئون به وعازٍ إليهم ما لا يلّم بفكر أحد منهم بإذن الله .

فإن انضمَّ شيء إلى ما هذه حاله كان مراعًى معتدّا ألا تراهم يجيزون جَمْع دونِه مع دِينِه رِدْفين . فإن انضمّ إلى هذا الخلاف آخر لم يجز نحو امتناعهم أن يجمعوا بين دونِه ودَينِه لأنه انضمَّ إلى خلاف الحرفين تباعد الحركتين وجاز دُونه مع ديِنه وإن كانت الحركتان مختلفتين لأنهما وإن اختلفتا لفظا فإنهما قد اتفقتا حكما ألا ترى أن الضمّة قبل الواو رسيلة الكسر قبل الياء والفتحة ليست من هذا في شيء لأنها ليست قبل الياء ولا الواو وَفْقا لهما كما تكون وفقا للألف . وكذلك أيضا نحو عِيده مع عُوده وإن كانوا لا يجيزونه مع عَوْده . فاعرف ذلك فرقا .


24
باب في إضافة الاسم إلى المسمَّى والمسمَّى إلى الاسم

هذا موضع كان يعتاده أبو علي رحمه الله كثيرا ويألفه ويأنق له ويرتاح لاستعماله . وفيه دليل نحويّ غير مدفوع يدلّ على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمّى . ولو كان إياه لم تجز إضافة واحد منهما إلى صاحبه لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه .

( فإن قيل : ولم لم يضف الشيء إلى نفسه ) .

قيل : لأن الغرض في الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص والشيء إنما يعرّفه غيره لأنه لو كانت نفسه تعرفه لما احتاج أبدا أن يعرف بغيره لأن نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة وموجودة غير مفتقَدة . ولو كانت نفسه هي المعرِّفة له أيضا لما احتاج إلى إضافته إليها لأنه ليس فيها إلا ما فيه فكان يلزم الاكتفاء به عن إضافته إليها . فلهذا لم يأت عنهم نحو هذا غلامه ومررت بصاحبه والمظهر هو المضمر المضاف إليه . هذا مع فساده في المعنى لأن الإنسان لا يكون أخا نفسه ولا صاحبها .

فإن قلت : فقد تقول : مررت بزيد نفسِه وهذا نفس الحقّ يعني أنه هو الحَقّ لا غيره .

قيل : ليس الثاني هو ما أضيف إليه من المظهر وإنما النفس هنا بمعنى خالِص الشيء وحقيقته . والعرب تحِلّ نفس الشيء من الشيء محل البعض من


25
الكل وما الثاني منه ليس بالأوّل ولهذا حكوا عن أنفسهم مراجعتهم إياها وخطابها لهم وأكثروا من ذكر التردد بينها وبينهم ألا ترى إلى قوله :

( ولي نفس أقول لها إذا ما تنازعني لعلّي أو عساني )

وقوله :

( أقول للنفس تأساء وتعزية إحدى يديّ اصابتني ولم ترِد )

وقوله :

( قالت له النفس تقدم راشِدا إنك لا ترجع إلا حامدا )

وقوله :

( قالت له النفس إني لا أرى طمعا وإن مولاك لم يسلم ولم يصِد )

وأمثال هذا كثيرة جدّا ( وجميع هذا ) يدلّ على أن نفس الشيء عندهم غير الشيء .

فإن قلت : فقد تقول : هذا أخو غلامه وهذه ( جارية بنتها ) فتعرّف الأوّل بما أضيف إلى ضميره والذي أضيف إلى ضمير ( فإنما يعرف ) بذلك الضمير ونفس المضاف الأوّل متعرّف بالمضاف إلى ضميره فقد ترى على هذا أن التعريف


26
الذي استقرّ في ( جارية ) من قولك هذه ( جارية بنتها ) إنما أتاها من قِبل ضميرها وضميرها هو هي فقد آل الأمر إذًا إلى أن الشيء قد يعرّف نفسه وهذا خلاف ما رِكبته وأعطيت يدك به .

قيل : كيف تصّرفت الحال فالجارية إنما تعرّفت بالبنت ( التي هي ) غيرها وهذا شرط التعريف من جهة الإضافة . فأمّا ذلك المضاف إليه أمضاف هو أم غير مضاف فغير قادح فيما مضى . والتعريف الذي أفاده ضمير الأوّل لم يعرّف الأوّل وإنما عرّف ما عرّف الأوّل . والذي عرّف الأوّل غير الأوّل فقد استمرّت الصفة وسقطت المعارضة .

ويؤكّد ذلك أيضا أن الإضافة في الكلام على ضربين : أحدهما ضمّ الاسم إلى اسم هو غيره بمعنى اللام نحو غلام زيد وصاحب بكر . والآخر ضمّ اسم إلى اسم هو بعضه بمعنى مِن نحو هذا ثوب خّزّ وهذه جُبة صوف وكلاهما ليس الثاني فيه بالأوّل ألا ترى أن الغلام ليس بزيد وأن الثوب ليس بجميع الخَزّ ( واستمرار ) هذا عندهم وفشوّه في استعمالهم وعلى أيديهم يدلّ على أن المضاف ليس بالمضاف إليه البّتة . وفي هذا كافٍ .


27

فمما جاء عنهم من إضافة المسمَّى إلى الاسم قول الأعشى :

( فكذَّبوها بما قالت فصبحَّهم ذو آلِ حسَّان يُزْجى الموت والشِرعا )

فقوله : ذو آل حسان معناه : الجمع المسمَّى بهذا الاسم الذي هو آل حسان . ومثله قول كثير :

( بُثَيْنَة من آل النساء وإنما يكنّ للادنى لا وصال لغائب )

أي بثينة من هذا القبيلِ المسمَّى بالنساء هذا الاسم . وقال الكُمَيت :

( إليكم ذوي آلِ النبيِّ تطلعت نوازع من قلبي ظِماء وأَلْبُبُ )

أي إليكم يا أصحاب هذا الاسم الذي هو قولنا : آل النبيْ . وحدّثنا أبو عليّ أن أحمد بن إبراهيم أستاذ ثعلب روى عنهم : هذا ذو زيد ومعناه : هذا زيد أي هذا صاحب هذا الاسم الذي هو زيد ( وأنشد ) :

( وحيّ بكر طعنّا طعنة فجرى )


28

أي وبكرا طعنا وتلخيصه : والشخص الحيّ المسمى بكرا طعنا ( فحيّ ههنا مذكر حَيَّة أي وشخص بكرا الحيَّ طعنا ) وليس الحيّ هنا هو الذي ( يراد به ) القبيلة كقولك : حيّ تميم وقبيلة بكر إنما هو كقولك : هذا رجل حيّ وامرأة حيّة . فهذا من باب إضافة المسمّى إلى اسمه وهو ما نحن عليه .

ومثله قول الآخر :

( يا قرّ إنّ أباك حَيَّ خويلد قد كنتُ خائفه على الإحماق )

أي إنّ أباك خويلدا من أمره كذا فكأنه قال : إن أباك الشخص الحيّ خويلدا من حاله كذا . وكذلك قول الآخر :

( ألا قَبَح الإله بني زِيادٍ وحيّ أبيهم قَبْح الحمار )

أي : وأباهم الشخص الحيّ . وقال عبد الله بن سَبْرة الحَرَشيّ :

( وإن يبغ ذا وُدّي أخِي أسع مخلِصا يأبى فلا يعيا علىّ حَوِيلي )


29

أي إن يبغِ ودّي . وتلخيصه : إن يبغ أخي المعنَى المسمَّى بهذا الاسم الذي هو ودّي . وعليه قول الشمَّاخ :

( وأُدمج دَمْج ذي شَطَن بديع )

أي دَمْج شَطَن بديع أي أدمج دمج الشخص الذي يسمى شطَنا يعني صاحب هذا الاسم .

وقد دعا خفاءُ هذا الموضع أقواما إلى أن ذهبوا إلى زيادة ذي وذات في ( هذه المواضع ) أي وأدمج دمج شطن وإليكم آل النبيّ وصبحهم آل حسان . وإنما ذلك بعد عن إدراكِ هذا الموضع . وكذلك ( قال أبو عبيدة ) في قول لبِيد :

( إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كامِلا فقد اعتذر )

( كأنه قال ) : ثم السلام عليكما . وكذلك قال في قولنا بسم الله : إنما هو بالله واعتقد زيادة ( اسم ) . وعلى هذا عندهم قول غيَلان :

( لا ينعَشُ الطَرْف إلا ما تخوّنه داعٍ يناديه باسم الماءِ مبغوم )


30

( أي بالماء ) كما ( أنشدنا أيضا ) :

( يدعونني بالماء ماء أسودا )

والماء : صوت الشاء أي يدعونني - يعني الغنم - بالماء أي يقلن لي : أصبت ماء أسود . فأبو عبيدة يدّعي زيادة ذي واسم ونحن نحمل الكلام على أن هناك محذوفا . قال أبو علي : وإنما هو على حدّ حذف المضاف أي : ثم اسم معنى السلام عليكما واسم معنى السلام هو السلام فكأنه قال : ثم السلام عليكما . فالمعنى - لعمري - ما قاله أبو عبيدة ولكنه من غير الطريق التي أتاه هو منها ألا تراه هو اعتقد زيادة شيء واعتقدنا نحن نقصان شيء .

ونحو من هذا اعتقادهم زيادة مثل في نحو قولنا : مثلى لا يأتي القبيح ومثلك لا يخفى عليه الجميل أي أنا كذا وأنت كذلك . وعليه قوله :

( مثلى لا يحسن قولا فعفع )

أي أنا لا أحسن ذاك . وكذلك هو لَعمري إلا أنه على غير التأول الذي رأوه : من زيادة مثل وإنما تأويله : أي أنا من جماعة لا يرون القبيح وإنما جعله


31
من جماعة هذه حالها ليكون أثبت للامر إِذ كان له فيه أشباه وأضراب ولو انفرد هو به لكان غير مأمون انتقالُه منه وتراجعه عنه . فإذا كان له فيه نظراء كان حَرًي أن يثبت عليه وترسو قدمه فيه . وعليه قول الآخر :

( ومثلَي لا تنبو عليك مضاربه )

فقوله إذًا : باسم الماء واسم السلام إِنما هو من باب إضافة الاسم إلى المسمى بعكس الفصل الأول . ونقول على هذا : ما هجاء سيف فيقول ( في الجواب ) : س ي ف . فسيف هنا اسم لا مسمى أي ما هجاء هذه الأصوات المقطَّعة ونقول : ضربت بالسيف فالسيف هنا جوهر الحديد هذا الذي يضرب به فقد يكون الشيء الواحد على وجه اسما وعلى آخر مسمّى . وإنما يخلِّص هذا من هذا موقعه والغرض المراد به .

ومن إضافة المسمى إلى اسمه قول الآخر :

( إذا ما كنتُ مثل ذَوَيْ عَدِيّ ودينار فقام علىَّ ناع )


32

أي مثل كل واحد من الرجلين المسمَّيَين عَدِيّا ودينارا . وعليه قولنا : كان عندنا ذات مرة وذات صباح أي صباحا أي الدفعة المسماة مرة والوقت المسمى صباحا قال :

( عزمت على إقامة ذي صباح لأمرٍ ما يسَّود من يسود )

( ما مجرورة الموضع لأنها وصف لأمر أي لأمر معتدّ أو مُؤْثَر يسوّد من يسود )

واعلم ان هذا الفصل من العربية غريب وقلّ من يعتاده أو يتطرّقه . وقد ذكرته لتراه . فتنبه على ما هو في معناه إن شاء الله . باب في اختصاص الأعلام بما لا يكون مثله في الأجناس

وقد ذكرنا هذا الشرح من العربية في جملة كتابنا في تفسير أبيات الحماسة عند ذكرنا أسماء شعرائها . وقسمنا هناك المُوقَع عليه الاسم العلم وأنه شيئان : عين ومعنى . فالعين : الجوهر كزيد وعمرو . والمعنى : هو العَرَض كقوله

( سبحانَ مِن علقمة الفاخِر )

وقوله :

( وإن قال غاوٍ من تَنُوخَ قصيدة بها جرب عُدَّت عليَّ بِزو برا )


33

وكذلك الأمثلة الموزون بها نحو أفعل ومفعِل وفعلة وفعلان وكذلك اسماء الأعداد نحو قولنا : أربعة نصفُ ثمانيَة و ( ستة ضِعف ثلاثة ) وخمسة نصف عشرة . وغرضنا هنا أن نرى مجيء ما جاء منه شاذاً عن القياس لمكان كونه عَلَما معلّقا على أحد الموضعين اللَّذيَن ذكرنا .

فمنه ما جاء مصحَّحا مع وجود سبب العلّة فيه وذلك نحو مَحْبَبٍ وثَهْلَل ومَرْيم ومَكْوزة ومَدْين . ومنه مَعْدِي كَرِب ألا تراه بنى مفعِلا ممّا لامه حرف علّة وذلك غير معروف في هذا الموضع . وإنما يأتي ( في ذلك مفعل ) بفتح للعين نحو المَدْعى والمَقْضَى والمَشْتَى . وعلى أنه قد شذّ في الأجناس شيء من ذلك وهو قول بعضهم : مأوِى الإبل بكسر العين . فأما مأْقٍ فليس من هذا .

ومن ذلك قولهم في العَلَم : مَوّظَب ومَوْرَق ومَوْهَب . وذلك أنه بنى مما فاؤه واو مثل مفَعل . وهذا إنما يجيء أبدا على مفعِل - بكسر العين - نحو الموضِع والموقع والمورِد والموعِد والموجِدة .


34

وأما مَوءْلة عَلَما فإن كان من وأَل أي نجا فهو من هذا وإن كان من قولهم : جاءني وما ( مألت مَأْله ) وما شأنت شأنه فإنه فوعل و ( هذا على هذا ) سرحُ : سهل .

ومِن ذلك قولهم في العَلَم : حَيْوة . وهذه صورة لولا العَلَميّة لم يَجُزْ مثلها لاجتماع الياء والواو وسبق الأولى منهما بالسكون . وعِلَّة مجيء هذه الأعلام مخالِفةً للأجناس هو ما ( هي عليه ) من كثرة استعمالها وهُمْ لِما كثر استعماله أشدّ تغييرا . فكما جاءت هذه الأسماء في الحكاية مخالِفة لغيرها نحو قولك في جواب مررت بزيد : مَن زيدٍ ولقيت عمرا : مَن عمرا كذلك تخطَّوا إلى تغييرها في ذواتها بما قدّمنا ذكره . وهذا من تدريج اللغة الذي قدّمنا شرحه ( فيما مضى ) . باب في تسمية الفعل

اعلم أن العرب قد سمّت الفعل بأسماء لما سنذكره . وذلك على ضربين : أحدهما في الأمر والنهي والآخر في الخبر .


35

الأول منهما نحو قولهم : صَهْ فهذا اسم اسكت ومَهْ فهذا : اكفف ودونك اسم خذ . وكذلك عندك ووراءك اسم تَنَحَّ ومكانك اسم اثبت . قال :

( وقَولِي كلّما جشأتْ وجاشت مكانَكِ تُحمدي أو تستريحي )

فجوابه بالجزم دليل على أنه كأنه قال : اثبُتِي تُحمدي أو تستريحي . وكذلك قول الله جلّ اسمه ( مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ) ف ( أنتم ) توكيد للضمير في ( مكانكم ) كقولك : اثبتوا أنتم وشركاؤكم وعطف على ذلك الضمير بعد أن وكدّه ( الشركاء ) . ويؤكدّ ذلك عندك قول بعضهم : مكانَكَنِي فإلحاقه النون كما تلحق النونُ نفس الفعل في ( أكرمني ) ونحوه دليل على قوّة شبَهه بالفعل . ونحوه قولهم أيضا : كما أنتَنى كقولك : انتظرني .

ومنها هَلُمَّ وهو اسم ائتِ وتعالَ . قال الخليل : هي مركَبة وأصلها عنده ( ها ) للتنبيه ثم قال : "لُمَّ" أي لُمَّ بنا ثم كثر استعمالها فحذفت الألِف تخفيفا ولأن اللام بعدها وإن كانت متحركة فإنها في حكم السكون ألا ترى أن الأصل وأقوى اللغتين - وهي الحجازيّة - ( أن تقول فيها : الْمُمْ بنا ) فلمّا كانت لام ( هَلُمَّ ) في تقدير السكون حذف لها ألف ( ها ) كما تحذف لالتقاء الساكنين فصارت هَلُمَّ . وقال الفرَّاء : أصلها ( هل ) زَجْر وحثّ دخلت على أُمَّ كأنها كانت ( هل أُمَّ ) أي اعجل


36
واقصد وأنكر أبو عليّ عليه ذلك وقال : لا مدخل هنا للاستفهام . وهذا عندي لا يلزم الفرّاء لأنه لم يَدعِ أنّ ( هل ) هنا حرف استفهام وإنما هي عنده زجر ( وحث ) وهي التي في قوله :

( ولقد يسمع قولي حَيَّهَلْ )

قال الفرّاء : فألُزمت الهمزة في ( أُمَّ ) التخفيف فقيل : هَلُمَّ .

وأهل الحجاز يَدَعونها في كلِّ حال على لفظ واحد فيقولون للواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجماعتين : هلمّ يا رجل وهلمّ يا امرأة وهَلُمَّ يا رجلان وهلمّ يا امرأتان وهلمّ يا رجال وهلمّ يا نساء . وعليه قوله :

( يا أيُّها الناسُ ألا هَلُمَّهْ ) وأمَّا التميميون فيُجْرونها مُجْرى ( لُمَّ ) فيغيرِّونها بقدر المخاطب . فيقولون : هلمَّ وهلمَّا وهلمِّي وهلُّموا وهَلْمُمْن يا نسوة . وأعلى اللغتين الحجازيّة وبها نزل القرآن ألا ترى إلى قوله - عز اسمه - ( وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا ) . وأما التميميون فإنها عندهم أيضا اسم سمى به الفعل وليست مبَقَّاة على ما كانت عليه قبل التركيب والضمّ . يدلُّ على ذلك أن بني تميم يختلفون في آخر الأمر من المضاعف فمنهم


37
من يُتبع فيقول : مُدُّ وفرِّ وعَضَّ ومنهم من يكسر فيقول ك مُدِّ وفِر وعَضِّ ومنهم من يفتح لالتقاء الساكنين فيقول : مُدَّ وفِرِّ وَعَضَّ . ثم رأيناهم كلَّهم مع هذا مجتمعين على فتح آخر هَلُمَّ وليس أحد يكسر الميم ولا يضمَّها - فدلّ ذلك على أنها قد خُلِجت عن طريق الفعلية وأخلِصت اسما للفعل بمنزلة دونك وعندك وروَيدك وتَيْدك : اسم اثبت وعليك بكرا : اسم خُذ ( وهو كثير ) .

ومنه قوله :

( أقول وقد تلاحقت المطايا كذاك القولَ إنّ عليك عَيْنَا )

فهذا اسم احفظ أو اتقِ القول .

وقد جاءت هذه التسمية للفعل في الخبر وإنما بابها الأمر والنهي من قِبَل أنهما لا يكونان إلا بالفعل فلّما قويت الدلالة فيهما على الفعل حسُنت إقامة غيره مُقامَه . وليس كذلك الخبر لأنه لا يُخصُّ بالفعل ألا ترى إلى قولهم : زيد أخوك ومحمد صاحبك فالتسمية للفعل في باب الخبر ليست في قوّة ( تسميته في ) باب الأمر والنهي . وعلى ذلك فقد مرَّت بنا ( منه ) ألفاظ صالحة جمعها طول التقرِّي لها . وهي قولهم : أفَّ اسم الضجر وفيه ثماني لغات أفِّ وأفٍّ وأفَّ وأْفٌّ وأفَّ وأفَّا وأفّىِ ممال وهو الذي تقول فيه العامّة : أفى وأفْ خفيفة . والحركة


38
في جميعها لالتقاء الساكنين . فمن كسر فعلى أصل الباب ومن ضمّ فللإتباع ومن فتح فللاّستخفاف ومن لم ينوّن أراد التعريف ومن نوّن أراد التنكير . فمعنى التعريف : التضجّر ومعنى التنكير : تضجُّرا . ومن أمال بناه على فُعْلَى وجاءت ألف التأنيث مع البناء كما جاءت تاؤه معه في ذيَّة وكَيَّة نَعَم وقد جاءت ألفه فيه أيضا في قوله :

( هَنّا وهَنَّا ومن هنَّا لهنّ بها )

ومنها آوّتاه ( وهي اسم أتألّم . وفيها لغات ) : آوَّتاهْ وآوَّهْ وأوَّهْ وأَوْهُ وأَوْهِ وأَوْهَ وأَوِّ قال :

( فأوْهِ من الذِكرى إذا ما ذكرتُها ومن بُعْد أرض بيننا وسماءِ )

ويروى : فأَوِّ لذكراها . والصنعة في تصريفها طويلة حَسَنة . وقد كان أبو عليّ - رحمه الله - كتب إليَّ من حلب - وأنا بالموصل _ مسئلة أطالها في هذه اللفظة جوابا على سؤالي إيّاه عنها وأنت تجدها في مسائله الحلبيّات إلا أن جِماع القول عليها أنها ( فاعلة ) فاؤها همزة وعينها ولامها واوان والتاء فيها للتأنيث . وعلى ذلك قوله : فأوِّ لذكراها قال : فهذا كقولك في مثال الأمر من قويت : قوِّ زيدا ونحوه . ومن قال : فأَوْهِ أو فأوِّهْ فاللام عنده هاء وهي من لفظ قول العَبْديّ :

( إذا ما قمتُ أرحَلُها بليلٍ تأوَّهُ آهَةَ الرجل الحزينِ )


39

ومثلها مما اعتقب عليه الواو والهاء لاما قولهم : سَنة وعِضة ألا تراهم قالوا : سَنَوات وعِضَوات وقالوا أيضا : سانهت وبعير عاضة والعِضاه . وصحَّت الواو في آوَّة ولم تعتل إعلال قاوية وحاوية إذا أردت فاعلة من القوة والحُوَّة من قِبَل أن هذا بني على التأنيث أعني آوَّة فجاء على الصحَّة كما صحَّت واو قَرْنُوة وقَلَنْسُوة لمَّا بنيت الكلمة على التأنيث البتَّة .

ومنها سَرْعان فهذا اسم سَرُع ووَشْكان : اسم وَشُكَ وبطئان : اسم بطؤ . ومن كلامهم : سَرْعان ذي إهالةً أي سَرُعتْ هذه من إهالة . فأمَّا أوائل الخيل فسرعانها بفتح الراء قال :

( فُيغَيِّفون ونَرْجع السَرَعانا )


40

وقد قالوا : وُشْكان وأشْكان . فأمّا أُشْكَ ذا ( فماض وليس ) باسم وإنما أصله وَشُكَ فنُقِلتْ حركة عينه كما قالوا في حَسُن : حُسْن ذا قال :

( لايمنع الناسُ منّي ما أردتُ ولا أعطيهمُ ما أزادوا حُسْن ذا أدبا )

ومنها حَسّ اسم أتوجّع ودُهْدُرَّينِ : اسم بَطَلَ . ومن كلامهم : دُهْدُرَّينِ سعد القين وساعد القين أي هلك سعد القين .

ومنها لَبِّ ( وهو اسم لَبِّيْك ) ووَيْك : اسم أتعجّبُ . وذهب الكسائيّ إلى أن ( ويك ) محذوفة من ويلك قال :

( . . . . . . ويك عنتَر أقدِم )

والكاف عندنا للخطاب حرف عارٍ من الاسمَّية . وأما قوله تعالى : ( وَيْكَأَنَّ الَلَّهَ يَبْسُطُ الرزْقَ لمَنْ يَشَاءُ ) فذهب سيبويه والخليل إلى أنه وَيْ ثم قال : كأنّ الله . وذهب


41
أبو الحسن إلى أنها ويك حتى كأنه قال عنده : أعجب أن الله يبسط الرزق . ومن أبيات الكتاب :

( وَيْ كأنْ مَنْ يكن له نَشَب يُحْبب ومَن يفتقرْ يعش عَيْشَ ضُرِّ )

والرواية تحتمل التأويلين جميعا .

ومنها هيهات وهي عندنا من مضاعف الفاء في ذوات الأربعة . ووزنها فَعْللَة وأصلها هَيْهَيَة كما أن أصل الزَوْزاة والقوقاة والدوداة والشوشاة : الزوزوة والقوقوة والدودوة والشوشوة فانقلبت " اللام ألِفا " فصارت هيهاة . والتاء فيها للتأنيث مثلها في القوقاة والشوشاة . والوقوف عليها بالهاء . وهي مفتوحة فتحة المبنيَّات . ومن كسر التاء فقال : هيهاتِ فإن التاء تاء جماعة التأنيث والكسرة فيها كالفتحة في الواحد . واللام عندنا محذوفة لالتقاء الساكنين ولو جاءت غير محذوفة لكانت هَيْهيَات لكنها حُذفت لأنها في آخر اسم غير متمكّن فجاء


42
جمعه مخالفا لجمع المتمكّن نحو الدوديات والشوشيات كما حذفت في قولك : ذان وتان واللّذان واللّتان .

وأمّا قول أبي الأسود :

( على ذات لَوْث أو بأهْوج شَوْشَوٍ صَنيِع نبيل يملأ الرحلَ كاهلُهْ )

فسألت عنه أبا عليّ فأخذ ينظر فيه . فقلت له : ينبغي أن يكون بنى من لفظ الشوشاة مثال حَجْمَرِش فعاد إلى شَوْشَوِوٍ فأبدل اللام الثالثة ياء لانكسار ما قبلها فعاد : شَوْشَوٍ فتقول على هذا في نصبه : رأيت شَوْشَوِيًا فقَبِل ذلك ورضيَه . ويجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون أراد : شوشويًّا منسوبا إلى شوشاة ثم خفّف إحدى ياءي الإضافة .

وفي هيهات لغات : هيهاةَ وهيهاةً وهيهاتِ وهيهاتٍ وأَيْهاتَ وأَيهْاتِ وأَيهْاتٍ وأيهاتًا وأيهانِ بكسر النون حكاها لنا أبو علي عن أحمد بن يحيى ( وأَيْها ) والاسم بعدها مرفوع على حدّ ارتفاع الفاعل بفعله قال جرير :

( فهيهات هيهات العقيقُ ومَن به وهيهات خلّ بالعقيق نُواصلُهْ )


43
وقال أيضا :

( هيهات منزلنا بنَعْف سُوَيقة كانت مباركةً من الأيّامِ )

وأما قوله :

( هيهات من منخرَق هيهاؤه ) فهذا كقولك : بَعُد بُعْدُه وذلك أنه بنى من هذا اللفظ قَعْلالا فجاء به مجيء القلقال والزلزال . والألف في هيهات غير الألف في هيهاؤه هي في هيهات لام الفعل الثانية كقاف الحقحقة الثانية وهي في هيهاؤه ألف الفَعلال الزائدة . وهي في هيهات فيمن كسر غير تينك إنما هي التي تصحب تاء الهندات والزينبات . وذكر سيبويه أن منهم من يقال له : إليك فيقول : إليّ ( إليّ ) فإليّ هنا : اسم أتنحى . وكذلك قول من قيل له : إيّاك فقال : إيّاي أي إيّاي لأتقين .


44

ومنها قولهم : هَمهامِ وهو اسم فَنِيَ . وفيها لغات : هَمهامِ وحَمحامِ ومَحماحِ وبَحباحِ . أنشد أحمد بن يحيى :

( أَوْلَمْتَ ياخِنَّوتُ شَرَّ إيلامْ في يوم نحسٍ ذي عَجَاجٍ مِظْلامْ )

( ما كان إلاّ كاصطفاق الأقدامْ حتى أتيناهم فقالوا : هَمْهام )

فهذا اسم فنِي وقوله سبحانه : ( أَوْلَى لَكَ فأَوْلَى ) هو اسم دنَوْتَ من الهلَكَة . قال الأصمعيّ في قولها :

( فأَولَى لنفسيَ أَولىَ لها )

قد دنَتْ من الهلاك . وحكى أبو زيد : هاهِ الآن وأَوْلاةُ الآن فأنّث أَولى وهذا يدّل على أنه اسم لا فعل كما يُظنّ وهاهْ اسم قاربت وهي نحو أولى لك .

فأمّا الدليل على أن هذه الألفاظ أسماء فأشياء وجدتْ فيها لا توجد إلاّ في الأسماء . منها التنوين الذي هو عَلَم التنكير . وهذا لا يوجد إلا في الاسم نحو قولك : هذا سيبويهِ وسيبويهٍ آخر . ومنها التثنية وهي من خواصّ الأسماء وذلك قولهم دُهْدُرَّين . وهذه التثنية لا يراد بها ما يشفع الواحد مِمَّا هو دون الثلاثة . وإنما الغرض فيها التوكيد بها والتكرير لذلك المعنى كقولك : بطلَ بطلَ فأنت لا تريد


45
أن تنفي كونه مّرة واحدة بل غرضك فيه متابعة نفيه وموالاة ذلك كما أن قولك : لا يَدْينِ بها لك لستَ تقصد بها نفيَ يدين ثنتين وإنما تريد نفي جميع قُواه وكما قال الخليل في قولهم : لَّبيك وسعديك إن معناهما أن كلما كنتَ في أمر فدعوتني إليه أجبتُك وساعدتُك عليه : وكذلك قوله :

( إذا شُقَّ برد شق بالبُرْد مثلُه دوالَيك حتى ليس للبُرد لابسُ )

أي مداولةً بعد مداولة . فهذا على العموم لا على دولتين ثنتين . وكذلك قولهم : دُهْدَّرينِ أي بَطلَ بُطْلا بعد بُطْل .

ومنها وجود الجمع فيها في هيهات والجمع مما ( يختصّ بالاسم ) . ومنها وجود التأنيث فيها في هيهاة وهيهات وأَوْلاة الآن وأُفّي والتأنيث بالهاء والألف من خواصّ الأسماء . ومنها الإضافة وهي قوّلهم : دونك وعندك ووراءك ومكانك وفَرَطك وحَذَرك . ومنها وجود لام التعريف فيها نحو النَجاءك . فهذا اسم انُج . ومنها التحقير وهو من خواصّ الأسماء . وذلك قولهم : رويدَك وببعض هذا ما ( يثبت ما دعواه ) أضعاف هذا .


46

فإن قيل : فقد ثبت بما أوردتَه كونُ هذا الكلم أسماء ولكن ليت شعري ما كانت الفائدة في التسمية لهذه الأفعال بها

فالجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه :

أحدها السَّعة في اللغة ألا تراك لو احتجت في قافية بوزن قوله

( قُدنا إلى الشأم جياد المِصْرَين )

لأمكنك أن تجعل إحدى قوافيها " دُهْدُرَّين " ولو جعلت هنا ما هذا اسمه - وهو بَطَلَ - لفسد وبطل . وهذا واضح .

والآخر المبالغة . وذلك أنك في المبالغة لا بدّ أن تترك موضعا إلى موضع إما لفظا إلى لفظ وإما جنسَّا إلى جنس فاللفظ كقولك : عُراض فهذا قد تركت فيه لفظ عريض . فعُراض إذًا أبلغ من عريض . وكذلك رجل حُسَّان ووُضّاء فهو أبلغ من قولك : حَسَن ووضِيء وكُراَّم أبلع من كريم لأن كريما على كَرُمَ وهو الباب وكُرَّام خارج عنه . فهذا أشَدّ مبالغة من كريم . قال الأصمعيّ : الشيء إذا فاق في جِنسِه قيل له : خارِجيّ . وتفسير هذا ما نحن بسبيله وذلك أنه لمَّا خرج عن معهود حاله أُخرِج أيضا عن معهود لفظه . ولذلك أيضا إذا أريد بالفعل المبالغة في معناه أُخرِج عن معتاد حاله من التصرف فمنِعه . وذلك نعم وبئس وفعل التعجب . ويشهد لقول الأصمعيّ بيت طُفَيل :

( وعارضتُها رَهْوا على متتابِعٍ شديِد القُصَيري خارِجيّ محنّبِ )


47

والثالث ما في ذلك من الإيجاز والاختصار وذلك أنك تقول للواحد : صه وللاثنين : صه و ( للجماعة : صه ) وللمؤنث . ولو أردت المِثال نفسه لوجب فيه التثنية والجمع والتأنيث وأن تقول : اسكتا ( واسكتوا ) واسكتي واسكتن . وكذلك جميع الباب .

فلمَّا اجتمع في تسمية هذه الأفعال ما ذكرناه من الاتساع ومن الإيجاز ومن المبالغة عدلوا إليها بما ذكرنا من حالها . ومع ذلك فإنهم أبعدوا أحوالها من أحوال الفعل المسمَى بها وتناسَوا تصريفه لتناسيهم حروفه . يدّل على ذلك أنك لا تقول : صه فتسلَم كما تقول : اسكت فتسلَم ولامَهْ فتستريحَ كما تقول : اكفف فتستريحَ . وذلك أنك إذا أجبت بالفاء فإنك إنما تنصب لتصوّرك في الأوّل معنى المصدر وإنما يصحّ ذلك لاستدلالك عليه بلفظ فعله ألا تراك إذا قلت : زرني فأكرمَك فإنك إنما نصبته لأنك تصوّرت فيه : لتكن زيارة منك فإكرام منّي . ف ( زرني ) دلّ على الزيارة لأنه من لفظه فدلّ الفعل على مصدره كقولهم : مَن كذب كان شّرا له أي كان الكذب فأضمر الكذب لدلالة فعله - وهو كذب - عليه وليس كذلك صه لأنه ليس من الفعل في قَبيلٍ ولا دَبِيرٍ وإنما هو صوت أُوقِع موقع حروف الفعل فإذا لم يكن صه فعلا ولا من لفظه قبح أن يستنبط منه معنى المصدر لبعده عنه .


48

فإن قلت : فقد تقول : أين بيتك فأزورَك وكم مالك فأزيدَك عليه فتعطف بالفعل المنصوب وليس قبله فعل ولا مصدر فما الفرق بين " ذلك وبين صه "

قيل : هذا كلام محمول على معناه ألا ترى أن قولك " أين بيتك " قد دخله معنى أخبرني فكأنه قال : ليكن منك تعريف لي ومنّي زيارة لك .

فإن قيل : ( وكيف ذلك ) أيضا هلاَّ جاز صه فتسلَم لأنه محمول على معناه ألا ترى أنّ قولك : صه في معنى : ليكن منك سكوت فتسلَم .

قيل : يفسد هذا من قِبل أن صه لفظ قد انصُرِف إليه عن لفظ الفعل الذي هو اسكت وترك له ورفض من أجله . فلوذهبت تعاوده وتتصوّره أو تتصوّر مصدره لكانت تلك معاودة له ورجوعا إليه بعد الإبعاد عنه والتحامي للَّفظ به فكان ذلك يكون كادّغام الملحَق لما فيه من نقض الغرض . وليس كذلك أين بيتك لأن هذا ليس لفظا عدل إليه عن : " عَرِّفني بيتك " على وجه التسمية له به ولأن هذا قائم في ظّله الأوّل من كونه مبتدأ ( وخبرا ) وصه ومه قد تنوهِي في إبعاده عن الفعل البتَّة ألا تراه يكون مع الواحد والواحدة والاثنين والاثنتين وجماعة الرجال والنساء : صه على صورة واحدة ولا يظهر فيه ضمير على قيامه بنفسه وشبهه بذلك بالجملة المرَّكبة . فلمَّا تناءى عن الفعل هذا التنائي وتنوِسيتْ أغراضه فيه هذا التناسي لم يجزُ فيما بعد أن تراجَع أحكامُه وقد دَرَست معارفه وأعلامُه فاعرف ذلك .


49

فأما دَرَاكِ ونَزَالِ ونَظَارِ فلا أنكر النصب على الجواب بعده فأقول : دراك زيدا فتظفرَ به ونزالِ إلى الموت فتكسِبَ الذكر الشريف به لأنه وإن لم يتصرَّف فإنه من لفظ الفعل ألا تراك تقول : أأنت سائر فأتبعَك فتقتضب من لفظ اسم الفاعل معنى المصدر وإن لم يكن فعلا كما قال الآخر :

( إذا نُهِيَ السفيهُ جَرَى إليه وخالَفَ والسفيهُ إلى خلافِ )

فاستنبط من السفيه معنى السَّفَه فكذلك ينتزع من لفظ دَرَاكِ معنى المصدر وإن لم يكن فعلا .

هذا حديث هذه الأسماء في باب النصب .

فأما الجزم في جواباتها فجائز حسن وذلك قولك : صه تسلْم ومه تسترحْ ودونك زيدا تظفْر بسَلَبه ألا تراك في الجزم لا تحتاج إلى تصوّر معنى المصدر لأنك لست تنصب الجواب فتُضطرَّ إلى تحصيل معنى المصدر الدالّ على أَنْ والفعل . وهذا واضح .

فإن قيل : فمِن أين وجب بناء هذه الأسماء فصواب القول في ذلك أن عِلَّة بنائها إنما هي تضمُّنها معنى لامِ الأمر ألا ترى أن صَهْ بمعنى اسكت وأنَّ أصل اسكت لِتسكت كما أن أصل قم لتقم واقعد لتقعد فلمَّا ضُمّنتْ هذه الأسماء معنى لام الأمر شابهت الحرف فبنيتْ كما أن كيف ومَنْ وكم لمّا تضمَّن كل واحد منها معنى حرف الاستفهام بنى وكذلك بقيَّة الباب .


50

فأما قول من قال في نحو هذا : إنه إنما بني لوقوعه موقع المبنيّ يعني أَدرِك واسكت فلن يخلو من أحد أمرين : إما أن يريد أن عِلة بنائه إنما هي نفس وقوعه موقع المبنيّ لا غير وإمَّا أن يريد أنّ وقوعه موقع فِعل الأمر ضَمَّنه معنى حرف الأمر . فإن أراد الأوّل فسد لأنه إنما علة بناء الاسم تضمّنه معنى الحرف أو وقوعه موقعه . هذا هو عِلّة بنائه لا غير وعليه قول سيبويه والجماعة .

فقد ثبت بذلك أن هذه الأسماء نحو صه وإيه ووَيْها وأشباه ذلك إنما بنيت لتضمّنها معنى حرف الأمر لا غير .

فإن قيل : ما أنكرتَ من فساد هذا القول من قِبل أن الأسماء التي سُمِّي بها الفعل في الخبر مبنيَّة أيضا نحو أُفّ وآوّتاه وهيهات وليست بينها وبين لام الأمر نسبة قيل : القول هو الأوّل . فأما هذه فإنها محمولة في ذلك على بناء الأسماء المسمّى بها الفعل في الأمر والنهي ألا ترى أن الموضع في ذلك لها لما قدّمناه من ذكرها وأنهما بالأفعال لا غير ولا يكونان إلا به والخبر قد يكون بالأسماء من غير اعتراض فعل فيه نحو أخوك زيد وأبوك جعفر . فلمَّا كان الموضع في ذلك إنما هو لأفعال الأمر والنهي وكانا لا يكونان إلا بحرفيهما : اللام ولا حُمِل ما سميّ به الفعل في الخبر على ما سميّ به في الأمر والنهي كما يحمل هذا الحَسَن الوجه على هذا الضارب الرجل وكما حمل أنت الرجل العبد ( على أنت الرجل العلم والحلم ) ونحو ذلك .


51

فإن قيل : هذا يدعوك إلى حمل شيء على شيء ولو سلكت طريقتنا لَمَا احتجت إلى ذلك ألا ترى أن الأسماء المسمَّى بها الفعل في الخبر واقعة موقع المبنيّ وهو الماضي كما أنها في الأمر واقعة موقع المبنيّ وهو اسكت .

قيل : ما أحسن هذا لو سلِم أوّل ولكن من لك بسلامته ! أم من يتابعك على أن عِلّة بناء الأسماء في العربية كلها شيء غير مشابهتها للحرف فإذا كان كذلك لم يكن لك مَزْحَل عمّا قلناه ولا معدَل عما أفرطناه وقدّمناه . وأيضا فإن اسكت - لعمري - مبنيّ فما تصنع بقولهم : حَذَرك زيدا الذي هو نهى أليس في موضع لا تقرب زيدا و ( تقرب ) مِن لا تقرب مُعَرب ولهذا سماه سيبويه نهيا فإن قلت : إن النهي في هذا محمول على الأمر صرت إلى ما صرفتنا عنه وسوّأت إلينا التمسك به فاعرف هذا فإنه واضح . باب في أن سبب الحكم قد يكون سببا لِضدّه ( على وجه )

هذا باب ظاهره التدافع وهو مع استغرابه صحيح واقع وذلك نحو قولهم : القَوَد والحوكة والخَوَنة وروِع وحوِل وعوِر و ( عوِز لوِز ) وشوِل قال :

( شاوٍ مشَلّ شَلُول شُلْشُل شَوِلُ )


52

وتلخيص هذه الجملة أن كلَّ واحد من هذه الأمثلة قد جاء مجيئا مثلُه مقتضٍ للإعلال وهو مع ذلك مصحَّح وذلك أنه قد تحرّكت عينه وهي معتلَّة وقبلها فتحة وهذا يوجب قلبها ألِفا كباب ودار وعابٍ ونابٍ ويومٍ راحٍ وكبشٍ صافٍ إلاَّ أن سبب صِحَّته طريف وذلك أنهم شَبَّهوا حركة العين التابعة لها بحرف اللين التابع لها فكأن فَعَلاً فَعَال وكأنّ فِعلا فعيل . فكما يصحُّ نحو جواب وهُيام وطويل وحويل فعلى نحوٍ من ذلك صحَّ باب القودِ والحوكة والغَيَب والرِوع والحوِل والشوِل من حيث شُبّهت فتحة العين بالألف من بعدها ( وكسرتها بالياء من بعدها ) .

ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف صارت على وجه آخر ( سببا للتصحيح ) وهذا وجه غريب المأخذ . وينبغي أن يضاف هذا إلى احتجاجهم فيه بأنه خرج على أصله مَنْبَهة على ما غُيِّر من أصل بابه . ويدلك على أنّ فتحة العين قد أجروها في بعض الأحوال مجرى حرف اللين قول مُرَّة بن مَحْكان :

( في ليلةٍ من جُمادَى ذاتِ أنديةٍ لا يبصرِ الكلبُ من ظلمائها الطُنُبا )


53

فتكسيرهم نَدًى على أندية يشهد بأنهم أجرَوا نَدًى - وهو فَعَل - مجرى فعال فصار لذلك ندى وأندية كَغَداء وأغدِية . وعليه قالوا : باب وأبوبة و ( خال وأخوِلة ) . وكما أجروا فتحة العين مجرى الألف الزائدة بعدها كذلك أجروا الألف الزائدة بعدها مجرى الفتحة . وذلك قولهم : جواد وأجواد وصواب وأصواب جاءت في شعر الطِرمَّاح . وقالوا : عَرَاء وأعراء وحَيَاء وأحياء وهباء وأهباء . فتكسيرهم فَعَالا على أفعال كتكسيرهم فَعَلا على أفعِلة . هذا هنا كذلك ثَمَّةَ . وعلى ذلك - عندي - ما جاء عنهم من تكسير فعِيل على أفعال نحو يتيم وأيتام وشريف وأشراف حتى كأنه إنما كسر فَعِل لا فعِيل كنمِر وأنمار وكبِد وأكباد وفخذ وأفخاذ . ومن ذلك قوله :

( إذا المرء لم يخش الكريهة أوشكت حِبال الهُوَينَى بالفتى أن تَقَطَّعا )

وهذا عندهم قبيح وهو إعادة الثاني مظهَرا بغير لفظه الأوّل وإنما سبيله أن يأتي مضمَرا نحو : زيد مررت به . فإن لم يأت مضمرا وجاء مظهرا فأجود ذلك أن يعاد لفظ الأوّل البتّة نحو : زيد مررت بزيد كقول الله سبحانه : ( الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ) و ( الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ ) وقوله :

( لا أرى الموت يسبق الموتَ شيء نغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا )

ولو قال : زيد مررت بأبي محمد ( وكنيته أبو محمد ) لم ( يجز عند ) سيبويه وإن كان أبو الحسن قد أجازه . وذلك أنه لم يعد على الأوّل ضميره كما يجب


54
ولا عاد عليه لفظه . فهذا وجه القبح . ويمكن أن يجعله جاعل سبب الحسن . وذلك أنه لمّا لم يعد لفظ الأوّل البتّة وعاد مخالفا للأوّل شابه - بخلافه له - المضمر الذي هو أبدأ مخالف للمظهر . وعلى ذلك قال :

( . . . . . . . . . . . . أوشكت حبال الهويني بالفتى . . . . . . )

ولم يقل : ( به ولا ) بالمرء . أفلا ترى أن القبح الذي كان في مخالفة الظاهر الثاني للأوّل قد عاد فصار بالتأويل من حيث أرينا حسنا . وسببهما جميعا واحد . وهو وجه المخالفة في الثاني للأوّل .

وأمّا قول ذي الرمة :

( ولا الخُرْق منه يرهبون ولا الخنا عليهم ولكن هيبة هي ما هِيا )

فيجوز أن تكون ( هي ) الثانية فيه إعادة للفظ الأوّل كقوله - عزَّ وجلَّ - ( الْقَارعَةُ مَا الْقَارعَةُ ) وهو الوجه . ويجوز أن تكون ( هي ) الثانية ضمير ( هي ) الأولى كقولك : هي مررت بها . وإنما كان الوجه الأوّل لأنه إنما يعاد لفظ الاوّل في مواضع التعظيم والتفخيم وهذا من مظانّه لأنه في مدحه وتعظيم أمره .

ومن ذلك أنهم قالوا : أبيض لِياح . فقلبوا الواو التي في تصريف لاح يلوح للكسرة قبلها على ضعف ذلك لأنه ليس جمعا كثياب ولا مصدرا


55
كقيام . وإنما استُروح إلى قلب الواو ياء لِما يُعْقِب من الخِفّ كقولهم في صِوار البقر : صيار وفي الصِوانِ للتخت صِيان . ( وكان ) يجب على هذا أنْ متى زالت هذه الكسرة عن لام ( لياح ) أن تعود الواو . وقد قالوا مع هذا : أبيض لَيَاح فأقرّوا القلب بحاله مْع زوال ما كانوا سامحوا أنفسهم في القلب به على ضعفه . ووجه التأوّل منهم في هذا أن قالوا : لمَّا لم يكن القلب مع الكسر عن وجوب واستحكام وإنما ظاهره وباطنه العدول عن الواو إلى الياء هربا منها إليها وطلبا لخفّتها لم تراجَع الواو لزوال الكسرة إذ مثْلها في هذا الموضع في غالب الأمر ساقط غير مؤَثرِّ نحو خِوان وزوان وقِوام وعِواد مصدرَيْ قاومت وعاودت فمضينا على السَمْت في الإقامة على الياء . أفلا ترى إلى ضعف حكم الكسرة في ( لياح ) الذي كان مثله قِمنا بسقوطه لأدنى عارض يعرض له فينقضه كيف صار سببا وداعيا إلى استمراره والتعدّي به إلى ما يعري منه والتعذر في إقرار الحكم به . وهذا ظاهر .

ومن ذلك أن الادّغام يكون في المعتل سببا للصحّة نحو قولك في فِعَّل من القول : قِوَّل وعليه جاء اجلِوَّاذ . والادّغام نفسه يكون في الصحيح سببا


56
للإعلال ألا تراهم كيف جمعوا حَرَّة بالواو والنون فقالوا : إحَرُّون لأن العين أعِلَّت بالادّغام فعوّضوا من ذلك الجمع بالواو والنون . وله نظائر . فاعرفه . باب في اقتضاء الموضع لك لفظا هو معك إلا أنه ليس بصاحبك

من ذلك قولهم : لا رجل عندك ولا غلام لك ف ( لا ) هذه ناصبة اسمها وهو مفتوح إلا أن الفتحة فيه ليست فتحة النصب التي تتقاضاها ( لا ) إنما هذه فتحة بناء وقعت موقع فتحة الإعراب الذي هو عمل لا في المضاف نحو لا غلام رجل عندك والممطول نحو لا خيرا من زيد فيها .

وأصنع من هذا قولك : لا خمسة عشر لك فهذه الفتحة الآن في راء ( عشر ) فتحة بناء التركيب في هذين الاسمين وهي واقعة موقع فتحة البناء في قولك : لا رجل عندك وفتحة لام رجل واقعة موقع فتحة الإعراب في قولك : لا غلام رجل فيها ولا خيرا منك عنده . ويدلّ على أن فتحة راء ( عشر ) من قولك : لا خمسة عشر عندك هي فتحة تركيب الاسمين لا التي تحدثها ( لا ) في نحو قولك : لا غلام لك أن ( خمسة عشر ) لا يغيرّها العامل الأقوى أعني الفِعل في قولك جاءني خمسة عشر والجارّ في نحو قولك : مررت بخمسة عشر . فإذا كان العامل الأقوى لا يؤثّر فيها


57
فالعامل الأضعف الذي هو ( لا ) أحجى بألا يغيِّر . فعلمت بذلك أن فتحة راء عشر من قولك : لا خمسة عشر لك إنما هي فتحة ( للتركيب لا فتحة للإعراب فصح بهذا أن فتحة راء عشر من قولك : لا خمسة عشر لك إنما هي فتحة ) بناء واقعة موقع حركة الإعراب والحركات كلها من جنس واحد وهو الفتح .

ومن ذلك قولك : مررت بغلامي . فالميم موضع جرّة الإعراب المستحَقّة بالباء والكسرة فيها ليست الموجَبة بحرف الجرّ إنما هذه هي التي تصحب ياء المتكلم في الصحيح نحو هذا غلامي ورأيت غلامي فثباتها في الرفع والنصب يؤذنك أنها ليست كسرة الإعراب وإن كانت بلفظها .

ومن ذلك قولهم : يسعني حيث يسعك فالضمة في ( حيث ) ضمة بناء واقعة موقع رفع الفاعل . فاللفظ واحد والتقدير مختلف . ( ومن ذلك قولك : جئتك الآن . فالفتحة فتحة بناء في ( الآن ) وهي واقعة موقع فتحة نصب الظرف ) .

ومِن ذلك قولك : كنت عندك في أمِس . فالكسرة الآن كسرة بناء . وهي واقعة موقع كسرة الإعراب المقتضيها الجرُّ . وأما قوله :

( وإني وقفتُ اليوَم والأمسِ قبَله ببابك حتّى كادت الشمسُ تَغربُ )


58

فيروى : ( والأمس ) جرّا ونصبا . فمن نصبه فلانه لما عرَّفه باللام الظاهرة وأزال عنه تضمُّنه إيّاها أعربه ( والفتحة ) فيه نصبة الظرف كقولك أنا آتيك اليوم وغدا . وأمّا من جرّه فالكسرة فيه كسرة البناء التي في قولك : كان هذا أمسِ واللام فيه زائدة كزيادتها في الذي والتي وفي قوله :

( ولقد جنيتُكَ أكمؤا وعَساقلاً ولقد نهيتُك عن بنات الأوبَرِ )

قال أبو عثمان : سألت الأصمعيّ عن هذا فقال : الألف واللام في ( الأوبر ) زائدة . وإنما تعرَّف ( الأمس ) بلام أخرى مرادةٍ غير هذه مقدّرة . وهذه الظاهرة ملقاة زائدة للتوكيد .

ومثله مما تعرّف بلام مرادة ( وظهرت ) فيه لام أخرى غيرها زائدة قولك : الآن . فهو معرَّف بلام مقدّرة وهذه الظاهرة فيه زائدة . وقد ذكر أبو عليّ هذا قبلنا وأوضحه وذكرناه نحن أيضا في غير هذا الموضع من كتبنا . وقد ذكرت في كتاب التعاقب في العربية من هذا الضرب نحوا كثيرا . فلندَعْه هنا .


59
باب في احتمال القلب لظاهر الحكم

هذا موضع يُحتاج إليه مع السعة ليكون معدّا عند الضرورة .

فمن ذلك قولهم : أسطُر . فهذا وجهه أن يكون جمع سَطْر ككلب وأكلُب وكعب وأكعُب . وقد يجوز أيضا أن يكون جمع سَطَر فيكون حينئذ كزمن وأزمُن وجبل وأجبل قال :

( إني لأكنِي بأجبالٍ عنَ اجبلها وباسم أودية عن اسم وادِيها )

ومثله أسطار وجهه ان يكون جمع سَطَرٍ ( كجبل وأجبال ) وقد يجوز أيضا أن يكون جمع سَطْرِ كثلج وأثلاج وفرخ وأفراخ قال الحطيئة :

( ماذا تقول لأِفراخٍ بذي مَرَخٍ زُغبِ الحواصل لا ماء ولا شجر )

ومثله قولهم : الجباية في الخراج ونحوه : الوجه أن يكون مصدر جبيته ويجوز أن يكون من جبوته كقولهم : شكوته شكاية . وأصحابنا يذهبون في قولهم : الجباوة إلى أنها مقلوبة عن الياء في جبيت ولا يثبتون جبوت .

ونحو مِن ذلك قولهم : القنْية يجب على ظاهرها أن تكون من قنيت . وأما أصحابنا فيحملونها على أنها من قنوت أبدلت لضعف الحاجز - لسكونه - عن الفصل به بين الكسرة وبينها . على أن أعلى اللغتين قنوت .


60

ومن ذلك قولهم : الليل يَغْسَى فهذا يجب أن يكون من غسِي كشقيِ يشقى ويجوز أن يكون من غسا فقد قالوا : غسِى يَغْسَى وغسا يغسو ويَغْسَى أيضا وغَسَا يَغْسَى نحو أبي يأبى وجبا الماء يجباه .

ومن ذلك زيد مررت به واقفا الوجه أن يكون ( واقفا ) حالا من الهاء ( في به ) وقد يجوز أن يكون حالا من نفس ( زيد ) المظهر ويكون مع هذا العامل فيه ما كان عاملا فيه وهو حال من الهاء ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون العامل في الحال هو ( غير العامل في صاحب ) الحال ومِن ذلك قول الله سبحانه ( وهو الحقّ مُصَدِّقا ) ف ( مصدِّقا ) حال من ( الحقّ ) والناصب له غير الرافع للحقّ وعليه البيت :

( أنا ابنُ دارةَ معروفا بها نَسبَي وهل بِدارةَ يا للناس من عارِ )

وكذلك عامّة ما يجوز فيه وجهان أو أوجه ينبغي أن يكون جميع ذلك مجوّزا فيه . ولا يمنعك قوّة القوِيّ من إجازة الضعيف أيضا فإن العرب تفعل ذلك تأنيسا لك بإجازة الوجه الأضعف لتصحّ به طريقُك ويرحب به خناقك إذا لم تجد وجها غيره فتقول : إذا أجازوا نحو هذا ومنه بُدّ وعنه مندوحة فما ظنك بهم إذا لم يجدوا


61
منه بدلا ولا عنه معدِلا ألا تراهم كيف يَدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها ليعِدّوها لوقت الحاجة إليها . فمن ذلك قوله :

( قد أصبحت أمُّ الخِيار تدّعي علىّ ذنبا كلُّه لم أصنعِ )

أفلا تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع ولو نصب لحفظ الوزن وحَمَى جانب الإعراب من الضعف . وكذلك قوله :

( لَم تتلّفع بفضلِ مئزرها دَعْدُ ولم تُغْذَ دعدُ في الحُلَبِ )

كذا الرواية بصرف ( دعد ) الأولى ولو لم يصرفها لما كسر وزنا وأمِن الضرورة أو ضعف إحدى اللغتين . وكذلك قوله :

( أبِيتُ على معارِىَ فاخرات بهنّ ملوَّب كدم العِباطِ )

هكذا أنشده : على معارىَ بإجراء المعتل مُجْرى الصحيح ضرورة ولو أنشد : على معارٍ فاخرات لما كسر وزنا ولا احتمل ضرورة .


62
باب في أنَّ الحكم للطارئ

اعلم أن التضادّ في هذه اللغة جارٍ مجَرى التضادّ عند ذوي الكلامِ . فإذا ترادف الضدّان في شيء منها كان الحكم منهما للطارئ فأزال الأوّل . وذلك كلامِ التعريف إذا دخلت على المنوّن حُذِف لها تنوينه كرجل والرجل وغلام والغلام . وذلك أن اللام للتعريف والتنوين من دلائل التنكير . فلمَّا ترادفا على الكلمة تضادّا فكان الحكم لطارئهما وهو اللام .

وهذا جارٍ مجرى الضدّين المترادِفين على المحلّ الواحد كالأسود يطرأ عليه البياض والساكِن تطرأ عليه الحركة فالحكم للثاني منهما . ولولا أن الحكم للطارئ لما تضادّ في الدنيا عَرَضان أو إن تضادّا أن يحفظ كل ضدّ محلّه فيحمي جانبه أن يلمّ به ضِدّ له فكان ( الساكن أبدا ساكنا والمتحرك أبدا متحركا ) والأسود أبدا أسود والأبيض أبدا أبيض لأنه كان كلّما همّ الضدّ بوروده على المحل الذي فيه ضدّه نفى المقيمُ به الواردَ عليه فلم يوجده إليه طريقا ولا عليه سبيلا .

ومثل حذف التنوين للام حذف تاء التأنيث لياءي الإضافة كقولك في الإضافة إلى البصرة : بصريّ وإلى الكوفة : كوفيّ . وكذلك حذف تاء التأنيث لعلامته أيضا نحو ثمرات وجَمَرات وقائمات وقاعدات . ( وكذلك )


63
تغيير الأولى للثانية بالبدل نحو صحراوات وخُنْفُساوات . وكذلك حذف ياءي الإضافة لياءيه كقولك ( في الإضافة ) ( إلى البصريّ : بصريّ وإلى الكوفيّ : كوفي وكذلك ) إلى كرسيّ : كرسيّ وإلى بُختيّ : بُختيّ . فتحذف ( الأوليين للأْخريين ) . وكذلك لو سمّيت رجلا أو امرأة بهندات لقلت في الجمع أيضا : هندات فحذفت الألف والتاء ( الأوليين للأخريين ) الحادثتين . فإن قلت : كيف جاز أن تحذف لفظا وإنما جِئت بمثله ولم تزد على ذلك فهلاّ كان ذلك في الامتناع بمنزلة امتناعهم من تكسير مساجد ونحوه اسم رجل ألا تراهم قالوا : لو كّسرته لما زدت على مراجعة اللفظ الأوّل وأن تقول فيه : مساجد

فالجواب أن عَلَم التأنيث يلحق الكلمة ( نيفا عليها وزيادة موصولة بها ) وصورة الاسم قبلها قائمة برأسها وذلك نحو قائمْة وعاقلة وظريفة وكذلك حال ياءي الإضافة نحو زيديّ ( وبكريّ ) ومحمديّ وكذلك ما فيه الألف والتاء


64
نحو هندات وزينبات إنما يلحقان ما يدخلان عليه من عَجُزه وبعد تمام صيغته فإذا أنت حذفت شيئا من ذلك فإنك لم تعرض لنفس الصيغة بتحريف وإنما اخترمت زيادة عليها واردة بعد الفراغ من بنيتها فإذا أنت حذفتها وجئت بغيرها ممّا يقوم مقامها فكأن لم تحدِث حَدَثا ولم تستأنف في ذلك عملا . وأما باب مَفاعل فإنك إن اعتزمت تكسيرها لزمك حذف ألف تكسيرها و ( نقض ) المشاهَد من صورتها واستئناف صيغة مجدّدة وصنعة مستحدثة . ثم مع هذا فإن اللفظ الأوّل والثاني واحد وأنت قد هدمت الصورة هدما ولم تبق لها أمارة ولا رسما وإنما اقترحت صورة أخرى ( مثل المستهلكة ) الأولى .

وكذلك ما جاء عنهم من تكسير فُعْل على فُعْل كالفُلْك في قول سيبويه . لمّا كسّرته على الفُلْك فأنت إنما غيرت اعتقادك في الصفة فزعمت أن ضمة فاء الفلك في الواحد كضمّة دال دُرْج وباء بُرْج وضمتها في الجمع كضمة همزة أُسْد وأُثْن جمع أسَد ووَثَن إلا أن صورة فُلْك في الواحد هي صورته في الجمع لم تنقص منها


65
رسما وإنما استحدثت لها اعتقادا وتوهما . وليست كذلك مساجد لأنك لو تجشّمت تكسيرها على مساجد أيضا حذفت الألف ونقضت الصيغة واستحدثت للتكسير المستأنف ألِفا أخرى وصورة غير الأولى . وإنما ألف مساجد لو اعتزمت تكسيرها كألف عُذافر ( وخُرافج ) ( وألف تكسيره كألف عَذافر وخَرافج ) فهذا فرق .

ومن غلبة حكم الطارئ حذف التنوين للإضافة نحو غلام زيد وصاحب عمرو . وذلك لأنهما ضِدّان ألا ترى أن التنوين مؤذِن بتمام ما دخل عليه والإضافة حاكمة بنقص المضاف وقوّة حاجته إلى ما بعده . فلمّا كانت هاتان الصفتان على ما ذكرنا تعادتا وتنافتا فلم يمكن اجتماع علامتيهما . وأيضا فإن التنوين عَلَم للتنكير والإضافة موضوعة للتعريف وهاتان أيضا قضيَّتان متدافعتان إلا أن الحكم للطارئ من العَلَمين وهو الإضافة ألا ترى أن الإفراد أسبق رتبة من الإضافة كما أن التنكير أسبق رُتْبة من التعريف . فاعرف الطريق فإنها مع أدنى تأمّل واضحة .

واعلم أن جميع ما مضى من هذا يدفع قول الفرّاء في قول الله سبحانه ( إِنَّ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) : إنه أراد ياء النصب ثم حذفها لسكونها وسكون الألف قبلها . وذلك أن ياء التثنية هي الطارئة على ألف ( ذا ) فكان يجب أن تحذف الألف لمكانها .


66
باب في الشيء يرِد فيوجب له القياس حكما ويجوز أن يأتي السماع بضدّه أيقطع بظاهره أم يتوقف إلى أن يرد السماع بجلِيَّة حاله

وذلك نحو عنتر وعنبر وحِنزقر وحَنْبَتر وبَلْتَع وقرناس .

فالمذهب أن يحكم في جميع هذه النونات والتاءات وما يجري مجراها - ممِا هو واقع موقع الأصول مثلها - بأصليته مع تجويزنا أن يرِد دليل على زيادة شيء منه كما ورد في عَنْسل وعنبسٍ ما قطعنا به على زيادة نونهما وهو الاشتقاق المأخوذ من عبس وعسل وكما قطعنا على زيادة نون قِنفَخْر لقولهم : امرأة قُفاخريّة . وكذلك تاء تَألَب لقولهم : أَلَب الحمارُ طريدته يألِبها فكذلك يجوز أن يرِد دليل يُقطع به على نون عنبر في الزيادة وإن كان ذلك كالمتعذّر الآن لعدم المسموع من الثقة المأنوس بلغته وقوّة طبيعته ألا ترى أن هذا ونحوه ممّا لو كان له أصل لما تأخّر أمره ولوجد في اللغة ما يقطع له به . وكذلك ألف آءةٍ حملها الخليل - رحمه الله - على أنها منقلبة عن الواو حملا على الأكثر ولسنا ندفع مع ذلك أن يرِد شيء من السماع يقطع معه بكونها منقلبة عن ياء على ما قدمنا من بُعد نحو ذلك وتعذّره .


67

ويجيء على قياس ما نحن عليه أن تسمع نحو بيت وشيخ فظاهره - لعمري- أن يكون فَعْلا مما عينه ياء ثم لا يمنعنا هذا أن نجيز كونها فيِعلا مما عينه واو كمَيْت وهَيْن . ولكن إن وجدت في تصريفه نحو شيوخ وأشياخ ومشيخة قطعت بكونه من باب : بيع وكيل . غير أنّ القول وظاهر العمل أن يكون من باب بيع . بل إذا كان سيبويه قد حمل سِيدا على أنه من الياء تناولا لظاهره مع توجّه كونه فِعلا مما عينه واو كرِيح وعيِد كان حمل نحو شيخ على أن يكون من الياء لمجيء الفتحة قبله أولى وأحجى .

فعلى نحوٍ من هذا فليكن العمل فيما يرِد من هذا . باب في الاقتصار في التقسيم على ما يقرب ويحسن لا على ما يبعد ويقبح

وذلكْ كأن تقسِّم نحو مروان إلى ما يحتمل حالُه من التمثيل له فتقول : لا يخلو من أن يكون فَعْلان أو مفعالا أو فَعْوالا . فهذا ما يبيحك التمثيلُ في بابه .


68

فيفسد كونَه مفعالا أو فعوالا أنهما مثالان لم يجيئا وليس لك أن تقول في تمثيله : لا يخلو أن يكون مَفْلان أو مفوالا أو فعوان أو مفوان أو نحو ذلك لأن هذه ونحوها ( إنما هي ) أمثلة ليست موجودة أصلا ولا قريبة من الموجودة كقرب فَعوال ومَفعال من الأمثلة الموجودة الا ترى أن فَعْوالا أخت فِعوال كقِرواش وأخت فُعْوال كعُصْواد وأن مَفعالا أخت مِفعال كمحراب وأن كل واحد من مَفْلان ومَفْوان وفعوان لا يقرب منه شيء من أمثلة كلامهم .

وتقول على ذلك في تمثيل أيمن من قوله :

( يَبْري لها من أيمُنٍ وأشمُلِ )

لا يخلوا أن يكون أَفْعُلا أو فَعْلُنا أو أيفُلا أو فَيْعُلا . فيجوز هذا كله لأن بعضه له نظير ( وبعضه قريب مما له نظير ) ألا ترى أن أَفعُلا كثير النظير كأكلُب


69
وأفرخ ونحو ذلك وأن أيفلا له نظير ( وهو أينق ) في أحد قولي سيبويه فيه وأن فَعْلُنا يقارب أمثلتهم . وذلك فَعْلَن يقارب أمثلتهم . وذلك فَعْلَن في نحو خَلبن وعَلْجَنِ قال ابن العجّاج :

( وخَلَّطتْ كُلُّ دِلاثٍ عَلْجَنِ تخلِيطَ خرقاءِ اليدين خَلْبَنِ ) وأن فَيْعُلاً أخت فيعَل كصيرف وفيعِل كسيِّد . وأيضا فقد قالوا : أَيْبُلِيّ وهو فيعُلِيّ وهَيْرُدان وهو فيعُلان . ولكن لا يجوز لك في قسمته أن تقول : لا يخلو أيمُن أن يكون أيفُعا ولا فعمُلا ولا أيفما ولا نحو ذلك لأن هذه ونحوها أمثلة لا تقرب من أمثلتهم فيجتازَ بها في جملة تقسيم المُثُل لها .

وكذلك لو مثَّلت نحو عِصِيّ لقلت في قسمته : لا يخلو أن يكون فُعُولا كدِلِيّ أو فِعيلا كشِعير وبِعير أو فِليعا كِقسٍيّ وأصلها فُعول : قووس فغيّرت إلى قسوّ : فلوع ثم إلى قِسيّ : فِليع أو فِعلاّ كطِمِرّ . وليس لك أن تقول في عِصِيّ إذا قسمتها : أو فعِلْيَّا لأن هذا مثال لا موجود ولا قريب من الموجود إلا أن تقول : إنها مقاربة لطِمِرّ .

وتقول في تمثيل إوِيّ من قوله :

( كما تداني الحِدّأُ الإوِيُّ )


70

إذا قسمته : لا يخلو أن يكون فُعُولا كثِدِيّ أو فِعِيلا كشعِير أو فِعِيَّا كمِئِيّ إذا نسبت إلى مائة ولم تردد لامها أو فعِلاّ كطِمِرّ . ولا تقول في قسمتها : أو فوِعْلاً أو إفِعلا أو فوِياَّ أو إفِلعا أو نحو ذلك لبعد هذه الأمثلة ممّا جاء عنهم . فإذا تناءت عن مُثُلهم إلى ههنا لم تمرر بها في التقسيم لأن مِثلها ليس مما يعِرض الشكّ فيه ولا يسلِّم الفكر به ولا توهم الصنعة كونَ مثله . باب في خصوص ما يُقنِع فيه العموم من أحكام صناعة الإعراب

وذلك كأن تقول في تخفيف همزة نحو صَلاءة وعباءة : لا تلقى حركتها على الألف لأن الألف لا تكون مفتوحة أبدا . فقولك : ( مفتوحة ) تخصيص لست بمضطرّ إليه ألا ترى أن الألف لا تكون متحرّكة أبدا بالفتحة ولا غيرها . وإنما صواب ذلك أن تقول : لأن الألف لا تكون متحرّكة أبدا .

وكذلك لو قلت : لأن الألف لا تلقى عليها حركة الهمزة لكان - لعمري - صحيحا كالأوّل إلا أن فيه تخصيصا يُقنِع منه عمومه .

فإن قلت : استظهرتُ بذلك للصنعة قيل : لا بل استظهرتَ به عليها ألا ترى أنك إذا قلت : إن الألف لا تكون مفتوحة أبدا جاز أن يسبقِ إلى نفس


71
من يضعف نظره أنها وإن لم تكن مفتوحة فقد يجوز أن تكون مضمومة أو مكسورة . نعم وكذلك إذا قلت : إنها لا تلقى عليها حركة الهمزة جاز أن يظنّ أنها تلقى عليها حركة غير الهمزة . ( فإذا أنت قلت : لا يلقى عليها الحركة ) أو لا تكون متحركة أبدا احتطت للموضع واستظهرت للفظ والمعنى .

وكذلك لو قلت : إنّ ظننت وأخواتِها تنصب مفعوليها المَعْرِفتين - نحو ظننت أخاك أباك - لكنت - لعمري - صادقا إلا أنك مع ذلك كالموهِم به أنّه إذا كان مفعولاها نكرتين كان لها حكم غير حكمها إذا كانا معرفتين . ولكن إذا قلت : ظننت وأخواتها تنصب مفعوليها عممت الفريقين بالحكم وأسقطت الظِنَّة عن المستضعَف الغُمْر وذكرت هذا النحو من هذا اللفظ حراسة له وتقريبا منه ونفيا لسوء المعتقَد عنه . باب في تركيب المذاهب

قد كنا أفرطنا في هذا الكتاب باب تركيب اللغات . وهذا الباب نذكر فيه كيف تتركب المذاهب إذا ضممت بعضها إلى بعض ( وأنتجت ) بين ذلك مذهبا .

وذلك أن أبا عثمان كان يعتقد مذهب يونس في ردّ المحذوف في التحقير وإن غنِي المثال عنه فيقول في تحقير هارِ : هويئر وفي يضع اسم رجل : يويضِع


72
وفي بالة من قولك ما باليت به بالة : بويلية . وسيبويه إذا استوفى التحقيرُ مثاله لم يردد ما كان قبل ذلك محذوفا . فيقول : هُوَيْر ويُضيعْ وبوَيْلة .

وكان أبو عثمان أيضا يرى رأي سيبويه في صرف نحو جَوَارٍ عَلَما وإجرائه بعد العلميّة على ما كان عليه قبلها . فيقول في رجل أو امرأة اسمها جَوارٍ أو غواشٍ بالصرف في الرفع والجرّ على حاله قبل نقله ويونس لا يصرف ذلك ونحوه عَلَما ويُجريه مُجرى الصحيح في ترك الصرف .

فقد تحصَّل إذًا لأبي عثمان هنا مذهب مركّب من مذهبيَ الرجلين وهو الصرف على مذهب سيبويه والردّ على مذهب يونس . فتقول على قول أبي عثمان في تحقير اسم رجل سمَّيته بيَري : هذا يُرَيْءٍ ( كيرَيع ) . فتردّ الهمزة على قول يونس وتصرف على قول سيبويه يُرَىُّ فلا يردّ وإذا لم يردّ لم يقع الطَرَف بعد كسرة فلا يصرف إذًا كما لم يصرف أُحَيّ تصغير أحْوَى . وقياس قول عيسى أن يصرف فيقول : يُرَيٌّ كما يصرف تحقير أحْوى : أُحَيٌّ .


73

فقد عرفت إذًا تركّب مذهب أبي عثمان من قولي الرجلين .

فإن خفّفت همزة يُرَىًءٍ قلت يريَّي فجمعت في اللفظ بين ثلاث ياءات والوسطى مكسورة . ولم يلزم حذف الطَرف للاستثقال كما حذف في تحقير أحوى إذا قلت : أُحَيّ من قِبَل أن الياء الثانية ليست ياء مخلَصة وإنما هي همزة مخففة فهي في تقدير الهمز . فكما لا تحذف في قولك : يُرَيْءٍ كذلك لا تحذف في قولك : يُرَبَّي . ولو ردّ عيسى كما ردّ يونس للزمه ألاّ يصرف في النصب لتمام مثال الفعل فيقول : رأيت يريئَيِ ويريِّيَ وأن يصرف في الرفع والجر على مذهب سيبويه حملا لذلك على صرف جوارٍ .

و ( مِن ذلك ) قول أبي عُمَر في حرف التثنية : إن الألف حرف الإعراب ولا إعراب فيها وهذا هو قول سيبويه . وكان يقول : إن انقلاب الألف إلى الياء هو الإعراب . وهذا هو قول الفرّاء أفلا تراه كيف تركّب له في التثنية مذهب ليس بواحد من المذهبين الآخرين .


74

وقال أبو العباس في قولهم : " أساء سمعا فأساء جابة " : إن أصلها إجابة كثر فجرى مجرى المَثَل فحذفت همزته تخفيفا فصارت جابة : فقد تركّب الآن من قوله هذا وقولي أبي الحسن والخليل مذهب طريف . وذلك أن أصلها اِجوابة فنقلت الفتحة من العين إلى الفاء فسكنت العين ( وألف إفعالة بعدها ساكنة فحذفت الألف على قول الخليل والعين ) على قول أبي الحسن جريا على خلافهما المتعالَم من مذهبيهما في مقول ومَبيِع . فجابة على قول الخليل إذا ضامَّه ( قول أبي العباس ) فَعْلة ساكنة العين وعلى قول أبي الحسن إذا ضامَّه قول أبي العباس فالة .

( أفلا ترى ) إلى هذا الذي أدّى إليه مذهب أبي العباس في هذه اللفظة ( وأنه قول ) مركّب ومذهب لولا ما أبدعه فيه أبو العباس لكان غير هذا .

وذلك أن الجابة - على الحقيقة - فَعَلة مفتوحة العين جاءت على أفعَل بمنزلة أرزمت السماء رَزَمة وأجلب القوم جَلَبة . ويشهد أن الأمر كذا لا كما ذهب إليه أبو العباس قولهم : أطعت طاعة وأطقت طاقة . وليس واحدة منهما بمَثَل ولا كثرت فتجري مجرى المَثَل فتحذف همزتها إلا أنه تركب من قول أبي العباس فيها إذا سيق على مذهبي الخليل وأبي الحسن ما قدّمناه : من كونها فَعْلة ساكنة العين ( أو فالة ) كما ترى . وكذا كثير من المذاهب التي هي مأخوذة من قولين ومسوقة على أصلين : هذه حالها .


75
باب في السلب

نبَّهنا أبو علي - رحمه الله - من هذا الموضع على ما أذكره وأبسطه لتتعجب من حُسن الصنعة فيه .

اعلم أن كل فعل أو اسم مأخوذٍ من الفعل أو فيه معنى الفعل فإن وضع ذلك في كلامهم على إثبات معناه لا سلبهم إيّاه .

وذلك قولك : قام فهذا لإثبات القيام وجلس لإثبات الجلوس وينطلق لإثبات الانطلاق وكذلك الانطلاق ومنطلق : جميع ذلك وما كان مثلَه إنما هو لإثبات هذه المعاني لا لنفيها . ألا ترى أنك إذا أردت نفي شيء منها ألحقته حرف النفي فقلت : ما فعل ولم يفعل ولن يفعل ( ولا تفعل ) ونحو ذلك .

ثم إنهم مع هذا قد استعملوا ألفاظا من كلامهم من الأفعال ومن الأسماء الضامنة لمعانيها في سلب تلك المعاني لا إثباتها . ألا ترى أن تصريف ( ع ج م ) أين وقعت في كلامهم إنما ( هو للإبهام ) وضدّ البيان . من ذلك العَجَم لأنهم لا يفصحون و عَجَمُ الزبيب ونحوه لاستتاره في ذي العَجَم ومنه عُجْمة الرمل لما اسَتْبهم منه على سالكيه فلم يتوجّه لهم . ومنه عَجَمت العود ونحوه إذا عضضته : لك فيه وجهان : إن شئت قلت : إنما ذلك لإدخالك إياه في فيك وإخفائك له


76
وإن شئت قلت : ( إن ذلك ) لأنك لمّا عضِضته ضغطت بعض ظاهر أجزائه ( فغارت ) في المعجوم فخفيتْ . ومن ذلك استعجمت الدار إذا لم تُجِب سائَلها قال :

( صَمّ صَداها وعَفَا رسمُها واستعجمتْ عن منطِق السائِل )

ومنه " جُرْح العجماء جُبار " لأن البهيمة لا تفصح عما في نفسها . ومنه ( قيل لصلاة ) الظهر والعصر : العجماوان لأنه لا يفصَح فيهما بالقراءة . ( وهذا ) كله على ما تراه من الاستبهام وضدّ البيان ثم إنهم قالوا : أعجمت الكتاب إذا بيّنته وأوضحتَه . فهو إذاً لسلْب معنى الاستبهام لا إثباته .

ومثله تصريف ( ش ك و ) فأين وقع ذلك فمعناه إثبات الشَكْو والشكوى والشَّكاة وشكوت واشتكيت . فالباب فيه كما تراه لإثبات هذا المعنى ثم إنهم


77
قالوا : أشكيت الرجل إذا ( زُلْت له عما يشكوه ) فهو إذًا لسلب معنى الشكوى لا لإثباته أنشد أبو زيد :

( تمدّ بالأعناق أو تلويها وتشتكي لو أننا نُشكيها )

( مسَّ حَوايَا قلمّا نُجفيها )

وفي الحديث : شكونا إلى رسول الله حَرّ الرَّمْضاء فلم يُشكِنا أي فلم يفسح لنا في إزالة ما شكوناه من ذلك إليه .

ومنه تصريف ( م ر ض ) ( إنها لإثبات معنى ) المرض نحو مرض يمرض وهو مريض ( ومارض ) ومَرْضى ومَرَاضَى . ثم إنهم قالوا : مرَّضت الرجل أي داويته من مرضه حتى أزلته عنه أو لتزيله عنه .

وكذلك تصريف ( ق ذ ى ) إنها لإثبْات معنى القذى منه قَذَت عينُه ( وقذيت وأقذيتها ثم إنهم مع هذا يقولون : قَذَّيت عينه ) إذا أزالت عنها القذى ( وهذا ) لسلب القذى لا لإثباته .


78

ومنه حكاية الفرّاء عن أبي الجرّاح : بي إجْل فأَجلُوني أي داووني ليزول عنّي . والإجْل : وجع في العنق .

ومن ذلك تصريف ( أ ث م ) أين هي وقعت لإثبات معنى الإثم نحو أَثِم يأثم وآثم وأَثيم وأَثُوم ( والمأْثم ) وهذا كله لإثباته . ثم إنهم قالوا : تأثَّم أي ترك الإثم . ومثله تحوّب أي ترك الحُوب .

فهذا كله كما تراه في الفعل وفي ذي الزيادة لما سنذكره .

وقد وجدته أيضا في الأسماء غير الجارية على الفعل إلا أن فيها معاني الأفعال كما أن مفتاحا فيه معنى الفتح وخُطّافا فيه معنى الاختطاف وسِكِّينا فيه معنى التسكين وإن لم يكن واحد من ذلك جاريا على الفعل .

فمن تلك الأسماء قولهم : التّوْدية لعُودٍ يُصَرّ على خِلْف الناقة ليمنع اللبن . وهي تفعِلة من ودى يدي إذا سال وجرى وإنما هي لإزالة الوَدْى لا لإثباته . فاعرف ذلك .

ومثله قولهم السُكَاك للجوّ هو لسلب معنى تصريف ( س ك ك ) ألا ترى أن ذلك للضيق أين وقع . منه أذُن سَكّاء أي لاصقة وظَلِيم أسَكّ : إذا ضاق ما بين منِسميه وبئر سُكّ أي ضيِّقة الجِراب ومنه قوله :

( وَمَسِكّ سابِغةٍ هتكتُ فُرُوجها )

يريد ضيق حَلَق الدرع . وعليه بقية الباب . ثم قالوا للجوّ - ولا أوسع منه - : السُكَاك فكأنه سُلِب ما في غيره من الضِيق .


79

ومن ذلك قولهم : النالة لِمَا حول الحَرَم . والتقاؤهما أن من كان فيه لم تنله اليد قال الله - عز اسمه - ( وَمَنْ دخَلَهُ كَانَ آمِنا ) فهذا لِسلب هذا المعنى لا لإثباته .

ومنه : المِئلاة للخِرقة في يد النائحة تشير بها . قال لي أبو عليّ : هي من أَلوت فقلت له : فهذا إذًا من ( ما ألوت ) لأنها لا تألو أن تشِير بها فتبسّم رحمه الله إليّ إيماء إلى ما نحن عليه وإثباتا له واعترافا به . وقد مرّ بنا من ذلك ألفاظ غير هذه .

وكان أبو علي رحمه الله يذهب في الساهر إلى هذا ويقول : إن قولهم : سهِر فلان أي نبا جَنْبه عن الساهرة ( وهي وجه الأرض ) قال الله عزّ وجلّ ( فَإذَا هُمْ بِالسَّاهِرةِ ) فكأنّ الإنسان إذا سهِر قلِق جَنْبُه عن مضجعه ولم يكد يلاقي الأرض فكأنه سُلب الساهرة .

ومنه تصريف ( ب ط ن ) إنما هو لإثبات معنى البطن نحو بَطُن وهو بِطين ومِبطان ثم قالوا : رجل مُبَطَّن للخِميص البطن فكأنه لسلب هذا المعنى قال الهذليّ :

( . . . مخطوفُ الحَشَا زَرِمُ )

وهذا مثله سواءً .


80

وأكثر ما وجدت هذا المعنى من الأفعال فيما كان ذا زيادة ألا ترى أن أعجم ومرَّض وتحوّب وتأثّم كل واحد منها ذو زيادة . فكأنه إنما كثر فيما كان ذا زيادة من قِبَل أن السلب معنى حادث على إثبات الأصل الذي هو الإيجاب فلَّما كان السلب معنى زائدا حادثا لاق به من الفعل ما كان ذا زيادة من حيث كانت الزيادة حادثة طارئة على الأصل الذي هو الفاء والعين واللام كما أنّ التأنيث لمّا كان معنى طارئا على التذكير احتاج إلى زيادة في اللفظ عَلَما له كتاء طلحة وقائمة وألفي بشرى وحمراء ( وسكرى ) وكما أن التعريف لمّا كان طارئا على التنكير احتاج إلى زيادة لفظ به كلام التعريف في الغلام والجارية ( ونحوه ) .

فأما سَهِر فإنه في بابه وإنه خرج إلى سلب أصل الحرف بنفسه من غير زيادة فيه فلك فيه عذران :

إن شئت قلت : إنه وإن عِري من زيادة الحروف فإنه لم يَعْرَ من زيادة ما هو مُجار للحرف وهو ما فيه من الحركات . وقد عرفت من غير وجهٍ مقاربة الحروف للحركات والحركات للحروف فكأن في ( سهِر ) ألِفا وياء حتى كأنه ساهِير فكأنه إذًا ليس بعار من الزيادة إذ كان فيه ما هو مضارع للحرف أعني الحركة . فهذا وجه .


81

وإن شئت قلت : خرج ( سهر ) منتقلا عن أصل بابه إلى سلب معناه مِنه كما خرجت الأعلام عن شِياع الأجناس إلى خصوصها بأنفسها لا بحرف يفيد التعريف فيها ألا ترى أن بكرا وزيدا ونحوهما من الأعلام إنما تعرُّفه بوضعه لا بلام التعريف فيه كلام الرجل والمرأة وما أشبه ذلك . وكما أن ما كان مؤنّثا بالوضع كذلك أيضا نحو هند وجُمْلٍ وزينب وسُعاد فاعرفه . ومثل سهِر في تعرّيه من الزيادة قوله :

( يَخفِي التراب بأظلاف ثمانية )

ومن ذي الزيادة منه قولهم : أخفيت الشيء أي أظهرته .

وأنا أرى في هذا الموضع من العربية ما أذكره لك وهو أن هذا المعنى الذي وجد في الأفعال من الزيادة على معنى الإثبات بسلبه كأنه مسوق على ما جاء من الأسماء ضامنا لمعنى الحرف كالأسماء المستفَهم بها نحوكم ومَن وأيّ وكيف ومتى ( وأين ) وبقيّة الباب . فإن الاستفهام معنى حادث فيها على ما وُضِعت له الأسماء


82
من إفادة معانيها . وكذلك الأسماء المشروط بها : من وما وأيّ وأخواتهنّ فإن الشرط معنى زائد على مقتضاهنّ : من معنى الاسميّة . فأرادوا ألاّ تخلو الأفعال من شيء من هذا الحكم - أعني تضمّنها معنى حرف النفي - كما تضمّنُ الأسماءُ معنى حرف الاستفهام ومعنى حرف الشرط ومعنى حرف التعريف في أمس والآن ومعنى حرف الأمر في تراكِ وحذارِ وصه ومَهْ ونحو ذلك . وكأنّ الحرف الزائد الذي لا يكاد ينفك منه أفعال السلب يصير كأنه عِوض من حرف السلب . وأيضا فإن الماضي وإن عَرِي من حرف الزيادة فإن المضارع لا بدّ له من حرف المضارعة والأفعال كلها تجري مجرى المثال الواحد . فإذا وجد في بعضها شيء فكأنه موجود في بقيتها .

وإنما جعلنا هذه الأفعال في كونها ضامنة لمعنى حرف النفي ملحَقة بالأسماء في ذلك وجعلنا الأسماء أصلا فيه من حيث كانت الأسماء أشدّ تصرُّفا في هذا ونحوه من الأفعال إذ كانت هي الأُوَل والأفعال توابع وثوانٍ لها وللأصول من الاتساع والتصرف ما ليس للفروع .

فإن قيل : فكان يجب على هذا أن يبني من الأسماء ما تضمَّن هذا المعنى وهو ما ذكرته : من التَوْدِية والسُكاك والنالة والمئلاة وأنت ترى كلاّ من ذلك معرَبا .


83

قيل : الموضع في هذا المعنى من السلب إنما هو للفعل وفيه كثرته فلمّا لم يؤثِّر هذا المعنى في نفس الفعل كان ألاّ يؤثّر فيما هو محمول عليه ( أولى و ) أحرى بذلك .

فإن قيل : وهَلاّ أثّر هذا المعنى في الفعل أصلا كما يؤثِّر تضمّن معنى الحرف في الاسم .

قيل : البناء لتضمّن معنى الحرف أمر ( يخص الاسم ) ككم وأين وكيف ومتى ونحو ذلك والأفعال لا تبنى لمشابهتها الحروف . أمّا الماضي فلأنّ فيه من البناء ما يكفيه وكذلك فعل الأمر العاري من حرف المضارعة نحو افعل . وأما المضارع فلأنه لمّا أهيب به ورفع عن ضعة البناء إلى شرف الإعراب لم يروا أن يتراجعوا به إليه وقد انصرفوا به عنه لئلاّ يكون ذلك نقضا .

فإن قلت : فقد بنَوا من الفعل المعرب ما لحقتْه نون التوكيد نحو لتفعلَنّ .

قيل : لمّا خصَّته النون بالاستقبال ومنعته الحالَ التي المضارعُ أولى بها جاز أن يعرض له البناء . وليس كذلك السين وسوف لأنهما لم يبنيا معه بناء نون التوكيد فيبنى هو وإنما هما فيه كلام التعريف ( الذي لا يوجب ) بناء الاسم فاعرفه .


84
باب في وجوب الجائز

وذلك في الكلام على ضربين :

أحدهما أن توجيه الصنعة فلا بدّ إذًا منه .

والآخر أن تعتزمه العرب فتوجبهَ وإن كان القياس يبيح غيره .

الأوّل من ذلك كأن تقول في تحقير أسود : أسيِّد . وإن شئت صحَّحت فقلت : أسيود . والإعلال فيه أقوى لاجتماع الياء والواو وسَبْق الأولى منهما بالسكون . وكذلك جَدْول تقول فيه : جُدَيِّل . وإن شئت صحَّحت فقلت : جُدَيوِل . فإذا صرت إلى تحقير نحو عجوز ويَقُوم اسم رجل قلت بالإعلال لا غير : عُجَيِّز ويقيِّم . وفي مقام : مقيَّم البتَّة . وذلك أنك إنما كنت تجيز أسيود وجديولا لصحَّة الواو في الواحد وظهورها في الجمع نحو أساود وجداول . فأمّا مقام ويقوم عَلَما فإن العين وإن ظهرت في تكسيرهما - وهو مَقاوِم ويقَاوِم - فإنها في الواحد معتلَّة ألا ( ترى أنها ) في ( مقام ) مبدلة وفي ( يقوم ) مضعفة بالإسكان لها ونقل الحركة إلى الفاء عنها . فإذا كنت تختار فيما تحرّكت واو واحدة وظهرت في جمعه الإعلالَ صار القلب فيما ضعفت واوه بالقلب وبأَلاّ تصحَّ في جمعه واجبا لا جائزا . وأمّا واو عجوز فأظهر أمرا في وجوب الإعلال مِن يقوم ومقام


85
( لأنها ) لاحظ لها في الحركة ولا تظهر أيضا في التكسير إنما تقول : عجائز ولا يجوز عجاوِز على كل حال .

وكذلك تقول : ما قام إلا زيدا أحدُ فتوجب النصب إذا تقدّم المستثنى إلا في لغة ضعيفة . وذلك أنك قد كنت تجيز : ما قام أحد إلا زيدا فلما قدّمت المستثنى لم تجد قبله ما تبدله منه فأوجبت من النصب له ما كان جائزا فيه . ومثله : فيها قائما رجل . وهذا معروف .

الثاني منهما وهو اعتزام أحد الجائزين . وذلك قولهم : أُجْنَة في الوُجْنة . قال أبو حاتم : ( ولا ) يقولون : وُجْنة وإن كانت جائزة . ومثله قراءة بعضهم : " إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أُثْنًا " جمع وثَنَ ولم يأت فيه التصحيح : وُثْن . فأمّا أقِّتت ووُقِّتَت ووجُّوه وأجُوه ( وأُرْقة وورُقة ) ونحو ذلك فجميعه مسموع .

ومن ذلك قوله :

( وفوارٍس كأُوار حتر َّ النار أحلاسِ الذكور )


86

فذهب الكسائيّ فيه إلى أن أصله وُآر وأنه فُعَال من وأرت النار إذا حفرت لها الإرة فخفّفت الهمزة فصارت لفظا إلى وُوَار فهمزت الفاء البتّة فصارت : أُوّار . ولم يأت منهم على أصله : وُآر ( ولا ) مخففا ( مبدل العين ) : وُوَار . وكلاهما يبيحه القياس ولا يحظُره .

فأمّا قول الخليل في فُعْل من وأيت إذا خففته : أُوىُ فقد ردّه أبو الحسن وأبو عثمان وما أبَيا منه عندي إلا مأبيّا .

وكذلك البريَّة فيمن أخذها من برأ الله الخلق - وعليه أكثر الناس - والنبي عند سيبويه ومن تبعه فيه والذُرِّية فيمن أخذها من ذرأ الله الخَلْق . وكذلك ترى وأرى ونرى ويرى في أكثر الأمر والخابية ونحو ذلك مما أُلزِم التخفيف . ومنه ما أُلزم البدل وهو النبيّ - عند سيبويه - وعِيد لقولهم : أعياد وعُييَد .

ومن ذلك ما يبيحه القياس في نحو يضرب ويجلس ويدخل ويحَرج : من اعتقاب الكسر والضمّ على كل واحدة من هذه العيون وأن يقال : يخرُج ويخرِج ويدخُل ويدخِل ويضرُب ويضرِب ويجلُس ويجلِس قياسا على ما اعتقبت على عينه الحركتان معا نحو يعرُش ويعرِش ويشنُق ويشنِق ويخلُق ويخلِق وإن كان


87
الكسر في عين مضارع فَعَل أولى به من يفعُل لما قد ذكرناه في شرح تصريف أبي عثمان فإنهما على كل حال مسموعان أكثرَ السماع في عين مضارع فَعَل .

فاعرف ذلك ونحوه مذهبا للعرب فمهما ورد منه فتلّقه عليه . باب في إجراء اللازم مُجرى غير اللازم وإجراء غير اللازم مجرى اللازم

الأوّل منهما كقوله :

( الحمد لله العليِّ الأجلِل )

وقوله :

( تشكو الوَجَى من أظلَلٍ وأظللِ )

وقوله :

( وإن رأيت الحِجَجَ الروادِدا قواصرا بالعُمْر أو موادِدا )

ونحو ذلك مما ظهر تضعيفه . فهذا عندنا على إجراء اللازم مجرى غير اللازم من المنفِصل نحو جعل لك وضرب بكر كما شُبِّه غير اللازم ( من ذلك ) باللازم فادّغم نحو ضَرَ بَّكْر وجَعَلَّك فهذا مشَبَّه في اللفظ بشدّ ومدّ واستعدّ ونحوه مما لزم فلم يفارق .

ومن ذلك ما حكَوه من قول بعضهم : عَوَى الكلب عَوْية . وهذا عندي وإن كان لازما فإنه أجرى مجرى بنائك من باب طِويت فَعِلة وهو قولك : طَوِية


88
كقولك : امرأة جَوِية ولَوِية من الجَوَى واللَوَى فإن خفّفت حركة العين فأسكنتها قلت : طَوْية وجَوْية ولَوْية فصحَّحت العين ولم تعِلّها بالقلب والادغام لأن الحركة فيها منويَّة .

وعلى ذلك قالوا في فَعِلان من قويت : قَوِيَان فإن أسكنوا صحّحوا العين أيضا فقالوا : قَوْيان ولم يردّوا اللام أيضا وإن زالت الكسرة من قَبلها لأنها مرادة في العين فكذلك قالوا : عَوَى الكلب عَوْية تشبيها ( بباب امرأة ) جَوْية ولَوْية وقَوْيان هذا الذي نحن بصدَده .

فإن قلت : فهلاَّ قالوا أيضا على قياس هذا : طويت الثوب طَوْية وشويت اللحم شَوْية رجع الجواب الذي تقدم في أوّل الكتاب : من أنه لو فُعِل ذلك لكان قياسه قياس ما ذكرنا وأنه ليست لعَوَى فيه مزيَّة على طوى وشوى كما لم يكن لجاشم ولا قائم مزيَّة يجب لها العدل بهما إلى جُشَم وقُثَم على مالك وحاتم إذ لم يقولوا : مُلَك ولا حُتَم . وعلى أن ترك الاستكثار مما فيه إعلال أو استثقال هو القياس .


89

ومِن ذلك قراءة ابن مسعود : " فَقُلا لَهُ قَوْلاّ لَيَّناً " وذلك أنه أجرى حركة اللام ههنا - وإن كانت لازمة - مجراها إذا كانت غير لازمة في نحو قول الله تعالى : ( قُلِ اللَّهُمَّ ) و ( قُمِ اللَّيْلَ ) وقوله :

( زِيادَتنا نعمانُ لا تنسيَنَّها خفِ الله فينا والكتاب الذي تتلو )

ويروي " تقِ الله فينا " . ويروي :

( . . . تنسينها اتق الله فينا )

ونحوه ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :

( وأطلسَ يَهدِيه إلى الزاد أَنفُهُ أطافَ بنا والليلُ داجي العساكرِ )

( فقلتُ لعمرٍو صاحبي إذْ رأَيته ونحن على خُوصٍ دُقاقٍ عواسر )

أي عوى الذئب فسِر أنت . فلم يحفِل بحركة الراء فيردَّ العين التي كانت حذفت لالتقاء الساكنين فكذلك شبَّه ابن مسعود حركة اللام من قوله : " فقلا له " -وإن كانت لازمة - بالحركة لالتقاء الساكنين في ( قُلِ اللهُمَّ ) و ( قُمِ اللَّيْلَ ) وحركة الإطلاق الجارية مجرى حركة التقائهما في ( سِرِ ) .


90

ومثله قول الضبّيّ :

في فِتيةٍ كلَّما تجمّعت البَيْداءُ لم يَهْلَعوا ولم يَخِمُوا )

يريد : ولم يخيِموا . فلم يحِفل بضمة الميم وأجراها مجرى غير اللازم فيما ذكرناه وغيره فلم يردد العين المحذوفة من لم يخِم . وإن شئت قلت في هذين : إنه اكتفى بالحركة من الحرف كما اكتفى الآخَر بها منه في قوله :

( كفّاكَ كفٌّ ما تِلُيق درهَما جُواد وأخرى تعطِ بالسيف الدَمَا )

وقول الآخر :

( . . . بالذي تُرِدان )

أي ( بالذي ) تريدانِ . وسيأتي هذه في بابه .

الثاني منهما وهو إجراء غير اللازم مجرى اللازم وهو كثير . من ذلك قول بعضهم في الأحمر إذا خفّفت همزته : لَحْمَر حكاها أبو عثمان . ومن قال : الحمر قال : حركة اللام غير لازمة إنما هي لتخفيف الهمزة والتحقيق لها جائز فيها .

ونحو ذلك قول الآخر :

( قد كنتَ تُخفِي حُبّ سمراءَ حِقْبةً فُبحْ لانَ منها بالذي أنت بائحُ )

فأسكن الحاء التي كانت متحرّكة لالتقاء الساكنين في بُح الآن لمّا تحركت للتخفيف اللامُ .


91

وعليه قراءة من قرأ : ( قَالُوا لاَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) فأثبت واو ( قالوا ) لمّا تحركت لام لان . والقراءة القويّة : " قالُلاَن " بإقرار الواو على حذفها لأن الحركة عارضة للتخفيف .

وعلى القول الأوّل قول الآخر :

( حَدَبْدَبَي بَدَبْدَبَي مِنكْم لاَنْ إنّ بني فزارةَ بنِ ذُبيانْ )

( قد طرَّقتْ ناقتُهم بإنسانْ مًشَيَّأً سبحان ربيّ الرحمن )

أسكن ميم ( منكم ) لمّا تحركت لام ( لاَن ) وقد كانت مضمومةً عند التحقيق في قولك : منكُم الآن فاعتدَّ حركة التخفيف وإن لم تكن لازمة . وينبغي أن تكون قراءة أبي عمرو : ( وأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادا لُّولّى ) على هذه اللغة وهي قولك مبتدئا : لولى لأن الحركة على هذا في اللام أثبت منها على قول من قال : الحَمْرَ . وإن كان حملها أيضا على هذا جائزا لأن الادّغام وإن كان بابه أن يكون في المتحرك فقد ادّغم أيضا في الساكن فحرك في شُدّ ومُدّ وفِرّ يا رجل وعَضّ ونحو ذلك

ومثله ما أنشده أبو زيد :

( ألا يا هندُ هندَ بني عُمَيرٍ أرثٌّ لاَنَ وَصْلُكِ أم جديدُ )

ادّغم تنوين رثّ في لام لان .


92

ومما نحن على سمته قول الله - عَزَّ وجَلّ - ( لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي ) وأصله : لكنْ أَنا فخفّفت الهمزة ( بحذفها وإلقاء ) حركتها على نون لكنْ فصارت لكِنَنَا فأُجري غير اللازم مُجرى اللازم فاستثقل التقاء المِثْلين متحركين فأسكن الأوّل وادّغم في الثاني فصار : لِكنّا كما ترى . وقياس قراءة من قرأ : " قَالُلاَن " فحذفت الواو ولم يحفِل بحركة اللام أن يظهر النونين هنا لأن حركة الثانية غير لازمة فيقولَ : لكنَنا بالإظهار كما تقول في تخفيف حوْأبة وجَيْئل : حَوَبة وجَيَل فيصحّ حرفا اللين هنا ولا يقلبان لمّا كانت حركتهما غير لازمة .

ومِن ذلك قولهم في تخفيف رُؤْيا ونُؤْى : رُويَا ونُوىُ فتصحّ الواو هنا وإن سكنت قبل الياء من قبَل أن التقدير فيهما الهمز كما صحت في ضَوٍ ونَوٍ تخفيف ضَوْء ونَوْء لتقديرك الهمز وإرادتك إياه . وكذلك أيضا صحّ نحو شَي وفَيٍ في تخفيف شيء وفَيْء لذلك .

وسألت أبا عليّ - رحمه الله - فقلت : مَن أجرى غير اللازم مُجرى اللازم فقال : لكنّا كيف قياس قوله إذا خفّف نحو حَوْءبَة وجَيْئل أيقِلبُ فيقولَ : حابة وجال أم يقيم ( على التصحيح فيقولَ حَوَبة وجَيَل ) فقال : القلب هنا لا سبيل إليه . وأومأ إلى أنه أغلظ من الادّغام فلا يقدَم عليه .


93

فإن قيل فيما بعد : فقد قلبت العربُ الحرف للتخفيف وذلك ( قول بعضهم ) رُيَّا ورُيةَّ في تخفيف رؤيا ورؤية ( وهذا واضح قيل : الفرق أنك لما صرت إلى لفظ رُويا ورؤُية ) ثم قلبت الواو ( إلى الياء ) فصار إلى رُيَّا وريَّة إنما قلبت حرفا إلى آخر كأنه هو ألا ترى إلى قوّة شَبهَ الواو بالياء وبعدها عن الألف فكأنك لمَّا قلبت مقيم على الحرف نفسه ولم تقلبه لأن الواو كأنها هي الياء نفسها وليست كذلك الألف لبعدها عنهما بالأحكام الكثيرة التي قد أحطنا بها علما . وهذا فرق . وما يجري من كل واحد من الفريقين مجرى صاحبه كثير وفيما مضى من جملته كاف . باب في إجراء المّتصل مُجرى المنفصل وإجراء المنفصل مجرى المتصل

فمن الأوّل قولهم : اقتتل القوم واشتتموا . فهذا بيانه ( نحو من بيان ) ( شئت تلك ) وجعلَ لك إلا أنه أحسن من قوله :

( الحمد لله العليّ الأجللِ )


94

( وهذا ) لأن هذا إنما يظهر مثله ضرورة وإظهار نحو اقتتل واشتتم مستحسن وعن غير ضرورة .

وكذلك باب قولهم : هم يضربونني وهما يضربانني أُجري - وإن كان متصلا - مُجرى يضربان نُعْمَ ويضربون نافعا . ووجه الشبه بينهما أن نون الإعراب هذه لا يلزم أن يكون بعدها نون ألا ترى أنك تقول : يضربان زيدا ويكرمونك ولا تلزم هي أيضا نحو لم يضرباني . ومَن ادّغم نحو هذا واحتجَّ بأن المثلين في كلمة واحدة فقال : يضربانيّ و ( قال تحاجوُّنّا ) فإنه يدّغم أيضا نحو اقتتل فيقول : قَتَّل . ومنهم من يقول : قِتَّل ومنهم من يقول : قِتِّل . ومنهم من يقول : اِقَتَّل فيثبتُ همزة الوصل مع حركة القاف لمَّا كانت الحركة عارضة للنقل أو ( لالتقاء ) الساكنين . وهذا مبيَّن في فصل الادّغام .

ومِن ضِدّ ذلك قولهم : ها الله ذا أجرى مجرى دابَّةٍ وشابَّةٍ . وكذلك قراءة من قرأ ( فلا تَّناجّوا ) و ( حَتَّى إذَا ادّارَكُوا فِيهَا ) ومنه - عندي - قول الراجز : - فيما أنشده أبو زيد - :

( مِن أيّ يومَيّ من الموت أَفِرّ أيومَ لم يُقْدَرَ أَمْ يومَ قُدِرْ )


95

كذا أنشده أبو زيد : لم يُقْدَرَ بفتح الراء وقال : أراد النون الخفيفة فحذَفها وحَذْف نون التوكيد وغيرها من علاماته جارٍ عندنا مجرى ادّغام الملحق في أنه نقض الغرض إذ كان التوكيد من أماكن الإسهاب والإطناب والحذف من مظانّ الاختصار والإيجاز . لكن القول فيه عندي أنه أراد : أيوم لم يقدّرْ أم يوم قدِر ثم خفّف همزة ( أم ) فحذفها وألقى حركتها على راء ( يقدر ) فصار تقديره ( أيوم لم يقدرَمْ ثم أشبع فتحة الراء فصار تقديره ) : أيوم لم يقدَر امْ فحرّك الألف لالتقاء الساكنين فانقلبت الهمزة فصار تقديره يقدرَ أم ( واختار ) الفتحة إتباعا لفتحة الراء . ونحو من هذا التخفيف قولهم في المرأة والكمأة ( إذا خففت الهمزة : المراة والكماة ) . وكنت ذاكرت الشيخ أبا عليّ - رحمه الله - بهذا منذ بضع عشرة سنة فقال : هذا إنما يجوز في المتصل . قلت له : فأنت أبدا تكرر ذكر إجرائهم المنفصل مجرى المتّصل فلم يردّ شيئا . وقد ذكرت قديما هذا الموضع في كتابي " في سرّ صناعة الإعراب " .

ومن إجراء المنفصل مُجرى المتصل قوله :

( وقد بدا هَنْكِ مِن المئزرِ )

فشبه ( هَنُك ) بِعضد فأسكنه كما يسكّن نحو ذلك .


96

ومنه :

( فاليوم أشربْ غير مستحقِب )

كأنه شَبَّه ( رَ بُ غَ ) بعَضُد . وكذلك ما أنشده أبو زيد :

( قالت سُلَيمى اشترْ لنا سَويقا )

هو مشبَّه بقولهم في علِم : عَلْم لأن ( ترِل ) بوزن علِم . وكذلك ما أنشده أيضا من قول الراجز :

( فاحذر ولا تكترْ كرِيّا أَعوجا )

لأن ( تِرِك ) بوزن عَلِم . وهذا الباب نحو من الذي قبله . وفيه ما يحسن ويقاس وفيه مالا يحسن ولا يقاس . ولكلُّ وجه . فاعرفه إلى ما يليه من نظيره . باب في احتمال اللفظ الثقيل لضرورة التمثيل

هذا موضع يتهاداه أهل هذه الصناعة بينهم ولا يستنكره - على ما فيه -أحد منهم .

وذلك كقولهم في التمثيل من الفعل في حَبَنْطي : فَعَنْلي . فيظهرون النون ساكنة قبل اللام . وهذا شيء ليس موجودا في شيء من كلامهم ألا ترى أن صاحب الكتاب قال : ليس في الكلام مثل قِنْرٍ وعَنْلِ . وتقول في تمثيل عُرُنْد : فُعُنْل وهو كالأوّل . وكذلك مثال جَحَنْفَل : فَعَنْلَل ومثال عَرَنْقُصان : فَعَنْلُلاَن .


97

وهذا لا بدّ أن يكون هو ونحوه مظهَرا ولا يجوز ادّغام النون في اللام في هذه الأماكن لأنه لو فُعِل ذلك لفسد الغرض وبطل المراد المعتمد ألا تراك لو ادّغمت نحو هذا للزمك أن تقول في مثل عُرُنْدٍ : إنه فُعُلّ فكان إذًا لا فرق بينه وبين قُمُدٍّ وعُتُلٍّ وصُمُلّ . وكذلك لو قلت في تمثيل جَحَنْفَل : إنه فَعَلَّل لالتبس ذلك بباب سَفَرْجل وفرزدق وباب عَدَبَّس وهَمَلَّع وعَمَلّس . وكذلك لو ادّغمت مثال حَبَنْطي فقلت : فَعَلّي لالتبس بباب صَلَخْدَي وجَلَعْبي .

وذكرت ذَرْأ من هذا ليقوم وجهُ العذر فيه بإذن الله . وبهذا تعلم أن التمثيل للصناعة ليس ببناء معتمد ألا تراك لو قيل لك : ابنِ من دخل مثل جَحَنْفَل لم يجز لأنك كنت تصير به إلى دَخَنْلَل فتظهر النون ساكنة قبل اللام وهذا غير موجود . فدلّ أنك في التمثيل لست ببانٍ ولا جاعل ما تمثّله من جملة كلام العرب كما تجعله منها إذا بنيته غير ممثَّل . ولو كانت عادة هذه الصناعة أن يمثّل فيها من الدخول كما مثّل من الفعل لجاز أن تقول : وزن جحنفل من دخل دخنلل كما قلت في التمثيل : وزن جحنفل من الفعل فعنلل . فاعرف ذلك فرقا بين الموضعين


98
باب في الدلالة اللفظيّة والصناعيّة والمعنويَّة

اعلم أن كل واحد من هذه الدلائل معتدّ مراعًى مُؤْثَر إلا أنها في القوّة والضعف على ثلاث مراتب :

فأقواهنّ الدلالة اللفظية ثم تليها الصناعية ثم تليها المعنوية . ولنذكر من ذلك ما يصحّ به الغرض .

فمِنه جميع الأفعال . ففي كل واحد منها الأدِلَّة الثلاثة . ألا ترى إلى قام و ( دلالة لفظه على مصدره ) ودلالة بنائه على زمانه ودلالة معناه على فاعله . فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه . وإنما كانت الدلالة الصناعيّة أقوى من المعنويّة من قِبَل أنها وإن لم تكن لفظا فإنها صورة يحملها اللفظ ويخرج عليها ويستقرّ على المثال المعتزَم بها . فلمّا كانت كذلك لحِقت بحكمه وجرت مجرى اللفظ المنطوق به فدخلا بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة . وأما المعنى فإنما دلالته لاحقة بعلوم الاستدلال وليست في حيزّ الضروريات ألا تراك حين تسمع ضَرَب قد عرفت حدثه وزمانه ثم تنتظر فيما بعد فتقول : هذا فِعل ولا بدّ له من فاعل فليت شعري من هو وما هو فتبحث حينئذ إلى أن تعلم الفاعل من هو وما حاله مِن موضع آخر لا من مسموع ضرب ألا ترى أنه


99
يصلح أن يكون فاعله كلّ مذكّر يصحّ منه الفعل مجملا غير مفصَّل . فقولك : ضرب زيد وضرب عمرو وضرب جعفر ونحو ذلك شَرَع سواء وليس لضرب بأحد الفاعلين هؤلاء ( ولا ) غيرهم خصوص ليس له بصاحبه كما يخصّ بالضرب دون غيره من الأحداث وبالماضي دون غيره من الأبنية . ولو كنت إنما تستفيد الفاعل ( من لفظ ) ضَرَب لا معناه للزمك إذا قلت : قام أن تختلف دلالتهما على الفاعل لاختلاف لفظيهما كما اختلفت دلالتهما على الحدث لاختلاف لفظيهما وليس الأمر في هذا كذلك بل دلالة ضرَبَ على الفاعل كدلالة قام وقعد وأكل وشرب وانطلق واستخرج عليه لا فرق بين جميع ذلك .

فقد علمت أن دلالة المِثال على الفاعل من جهة معناه لا من جهة لفظه ألا ترى أن كل واحد من هذه الأفعال وغيرها يَحتاج إلى الفاعل حاجة واحدة وهو استقلاله به وانتسابه إليه وحدوثه عنه أو كونه بمنزلة الحادث عنه على ما هو مبيّنُ في باب الفاعل . وكان أبو عليّ يقوّي قول أبي الحسن في نحو قولهم : إني لأمرّ بالرجل مثلك : إن اللام زائدة حتى كأنه قال : إني لأمرّ برجل مثلك لمَّا لم يكن الرجل هنا مقصودا معيِّنا على قول الخليل : إنه تراد اللام في المِثل حتى كأنه قال : إني لأمرّ بالرجل المِثل لك أو نحو ذلك قال : لأن الدلالة


100
اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية أي أن اللام ( في قول أبي الحسن ) ملفوظ بها وهي في قول الخليل مرادة مقدّرة .

واعلم أنّ هذا القول من أبي عليّ غير مرضيّ عندي لما أذكره لك . وذلك أنه جعل لفظ اللام دلالة على زيادتها وهذا محال وكيف يكون لفظ الشيء دلالة على زيادته وإنما جعلت الألفاظ أدِلَّة على إثبات معانيها لا على سلبها وإنما الذي يدلّ على زيادة اللام هو كونه مبهَما لا مخصوصا أَلا ترى أنك لا تفصل بين معني قولك : إني لأمر برجل مثلك وإني لأمرّ بالرجل مثلك في كون كلّ واحد منهما منكورا غير معروف ولا مومأ به إلى شيء بعينه فالدلالة أيضا من هذا الوجه ( كما ترى ) معنويّة كما أن إرادة الخليل اللام في ( مثلك ) إنما دعا إليها جَرْيه صفة على شيء هو في اللفظ معرفة فالدلالتان إذًا كلتاهما معنويتان .

ومن ذلك قولهم للسُلَّم : مِرْقاة وللدرجة مَرْقاة فنفس اللفظ يدلّ على الحدث الذي هو الرقيّ وكسر الميم يدلّ على أنها مما ينقل ويعتمل عليه ( وبه ) كالمِطرقة والمئزر والمِنجل وفتحة ميم مَرْقاة تدلّ على أنه مستقِرّ في موضعه


101
كالمنارة والمثابة . ولو كانت المنارة ممَّا يجوز كسر ميمها لوجب تصحيح عينها وأن تقول فيها : مِنْوَرة ( لأنه كانت ) تكون حينئذ منقوصة من مثال مِفعال كمِرْوَحة ومِسْوَرة ومِعْول ومِجْول فنفْس ( ر ق ي ) يفيد معنى الارتقاء و ( كسرة الميم وفتحتها تدلاَّن ) على ما قدّمناه : من معنى الثبات أو الانتقال . وكذلك الضرب والقتل : نفس اللفظ يفيد الحدث فيهما ونفس الصيغة تفيد فيهما صلاحهما للأزمنة الثلاثة على ما نقوله في المصادر . وكذلك اسم الفاعل - نحو قائم وقاعد - لفظه يفيد الحدث الذي هو القيام والقعود وصيغته وبناؤه يفيد كونه صاحب الفعل . وكذلك قَطَّع وكسَّر فنفس اللفظ ها هنا يفيد معنى الحدث وصورته تفيد شيئين : أحدهما الماضي والآخر تكثير الفعل كما أن ضارَب يفيد بلفظه الحدث وبِبِنائه الماضي وكونَ الفعل من اثنين وبمعناه على أن له فاعلا . فتلك أربعة معانٍ . فاعرف ذلك إلى ما يليه فإنه كثير لكن هذه طريقه . باب في الاحتياط

اعلم أن العرب إذا أرادت المعنى مكَّنته ( واحتاطت ) له .

فمِن ذلك التوكيد وهو على ضربين :


102

أحدهما تكرير الأوّل بلفظه . وهو نحو قولك : قام زيد ( قام زيد ) و ( ضربت زيدا ضربت ) وقد قامت الصلاة قد قامت الصلاة والله أكبر الله أكبر وقال :

( إذا التَّيّار ذو العضَلات قلنا إليكّ إليك ضاق بها ذِراعا )

وقال :

( وإيّاك إيّاك المراءَ فإنه إلى الشر دَعَّاء وللشرّ جالبُ )

وقال :

( إن قوما منهمْ عُمَير وأشباه هُ عميرٍ ومنهم السفّاحُ )

( لجديرون بالوفاء إذا قال أخو النجدة : السلاحُ السلاح )

وقال :

( أخاك أخاك إنّ مَن لا أخا له كساع إلى الهَيْجا بغير سلاح )

وقال :

( أبوك أبوك أَرْبَدُ غيرَ شكّ أحلّك في المخازِي حَيْثُ حلاَ )


103

يجوز أن يكون من هذا ( تجعل ) أبوك الثاني منهما تكريرا للأوّل وأربد الخبر ويجوز أن يكون أبوك الثاني خبرا عن الأوّل أي أبوك الرجل المشهور بالدناءة والقِلّة . وقال :

( قم قائما قم قائما رأيتَ عبدا نائما )

( وأَمَة مراغِما وعُشَراء رائما )

هذا رجل يدعو لابنه وهو صغير وقال :

( فأينَ إلى أين النجاءُ ببغلتي أتاكَ أتاكَ اللاحقون احبِس احبِس )

وقالوا في قول امرئ القيس :

( نَطْعُنهم سُلُكَى ومخلوجةً كرّ كلامين على نابِل )

قولين : أحدهما ما نحن عليه أي تثنية كلامين على ذي النَبْل إذا قيل له : ارِم ارِم والآخر : كَّرك لامين وهما السهمان أي كما تردّ السهمين على البرّاء للسهام إذا أخذتهما لتنظر إليهما ثم رميتهما إليه فوقعا مختلفين : هكذا أحدهما وهكذا الآخر . وهذا الباب كثير جدّا . وهو في الجُمَل والاحاد جميعا .


104

والثاني تكرير الأوّل بمعناه . وهو على ضربين : أحدهما للإحاطة والعموم والآخر للتثبيت والتمكين .

الأوّل كقولنا : قام القوم كلّهم ورأيتهم أجمعين - ويتبع ذلك من اكتع وأبضع وأبتع وأكتعين وأبضعين وأبتعين ما هو معروف - ( ومررت بهما كليهما ) .

والثاني نحو قولك : قام زيد نفسُه ورأيته نفسَه .

ومن ذلك الاحتياط في التأنيث كقولهم : فَرَسة وعجوزة . ومنه ناقة لأنهم لو اكتفَوا بخلاف مذكَّرها لها - وهو جَمَل - لغنُوا بذلك .

ومنه الاحتياط في إشباع معنى الصفة كقوله :

( والدهرُ بالإنسان دَوَّاريُّ )

أي دوّار وقوله :

( غُضْفُ طواها الأمسَ كَلاّبِيُّ )


105

أي كَلاّب وقوله :

( كان حَدّاءً قُرَاقِرِيَا )

أي قُراقِرا . حدّثنا أبو علي قال : يقال خطيب مِصْقَع وشاعر مِرْقَع وحَدّاء قُراقِر ثم أنشدنا البيت . وقد ذكرنا من أين صارت ياءا الإضافة إذا لحقتا الصفة قوّتا معناها .

وقد يؤكَّد بالصفة كما تؤكد هي نحو قولهم : أمس الدابر وأمسِ المدبر وقول الله - عزّ اسمه - ( إلهَهْينِ اثْنَيْن ) وقوله تعالى : ( وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ) وقوله سبحانه : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ وَاحِدَةُ ) .

ومنه قولهم : لم يقم زيد . جاءوا فيه بلفظ المضارع وإن كان معناه المضيّ . وذلك أن المضارع أسبق رُتْبة في النفْس من الماضي الا ترى أن أوّل أحوال الحوادث أن تكون معدومة ثم توجد فيما بعد . فإذا نُفي المضارع الذي هو الأصل فما ظنّك بالماضي الذي هو الفرع .

وكذلك قولهم : إن قمت قمت فيجيء بلفظ الماضي والمعنى ( معنى المضارع ) . وذلك أنه أراد الاحتياط للمعنى فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ الماضي المقطوع ) بكونه حتى كأنّ هذا قد وقع واستقرّ ( لا أنه ) متوقَّع مترقَّب . وهذا تفسير أبي عليّ عن أبي بكر وما أحسنه ! .


106

ومنه قوله :

( قالت بنو عامر خالَوا بني أَسَدٍ يا بُؤَس للجهل ضَرّارا لأِقوام )

أراد : يا بُؤس الجهل فأقحم لام الإضافة ( تمكينا واحتياطا لمعنى الإضافة ) وكذلك قول الآخر :

( يا بُؤسَ للحرب التّي وضعتْ أراهِطَ فاستراحوا )

أي يا بؤس الحرب إلا أن الجرّ في هذا ونحوه إنما هو للاّم الداخلة عليه وإن كانت زائدة . وذلك أن الحرف العامل وإن كان زائدا فإنه لابدّ عامل الا ترى إلى قوله :

( بحَسْبِك في القوم أن يعلموا بأنّك فيهمْ غَنِيّ مُضِرّْ )

فالباء زائدة وهي ( مع ذا ) عاملة . وكذلك قولهم : قد كان من مِطر وقد كان مِن حديث فخَلَّ عنّي ف ( من ) زائدة وهي جارّة ولا يجوز أن تكون ( الحرب ) من قوله :


107
يا بؤس للحرب مجرورة بإضافة ( بؤس ) إليها واللام معلَّقة من قِبَل أن تعليق اسم المضاف والتأوّل له أسهل من تعليق حرف الجرّ والتأوّل له لقوّة الاسم وضعف الحرف . فأما قوله :

( لو كنت في خَلْقاء من رأس شاهقٍ وليس إلى منها النزوِل سبيلُ )

فإن هذا إنما هو فَصْل بحرف الجرّ لا تعليق .

فإن قلت : فما تقول في قوله :

( أَنَّي جَزَوا عامِرا سُوءا بفعلِهِم أم كيف يجزوننيِ السُوءَى من الحسنِ )

وجمعه بين أم وكيف فالقول أنهما ليسا لمعنى واحد . وذلك أنّ ( أم ) هنا جُرّدت لمعنى الترك والتحوّل وجرّدت من معنى الاستفهام ( وأفيد ) ذلك من ( كيف ) لا منها . وقد دللنا على ذلك فيما مضى .

فإن قِيل : فَهلاّ وكّدتْ إحداهما الأخرى كتوكيد اللام لمعنى الإضافة وياءي النسب لمعنى الصفة .

قِيل : يَمنع من ذلك أنّ ( كيف ) لمّا بُنيت واقتُصر بها على الاستفهام البتّة جرت مجرى الحرف البتة وليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحد لأن في ذلك نقضا


108
لما اعتُزِم عليه من الاختصار في استعمال الحروف . وليس كذلك يا بُؤس للحرب وأحمرِيّ وأشقرِيّ . وذلك أنّ هنا إنما انضم الحرف إلى الاسم فهما مختلفان فجاز أن يترادفا في موضعهما لاختلاف جنسيهما .

فإن قلت : فقد قال :

( وما إن طِبُّنا جُبْنُ ولكنْ )

وقال :

( ما إن يكاد يخلِّيهم لِوجهتهم )

فجمع بين ما وإنْ وكلاهما لِمعنى النفي وهما - كما ترى - حرفان .

قيل : ليست إن من قوله :

( ما إن يكاد يخلِّيهم لوجهتهم )

بحرف نفي فيلزمَ ما رُمت إلزامه وإنما هي حرف يؤكّد به بمنزلة ما ولا والباء ومِن وغير ذلك ألا ترى إلى قولهم في الاستثبات عن زيد من نحو قولك جاءني زيد : أزيد إنيه وفي باب رأيت زيدا : أزيدا إنيه فكما زيدت ( إن ) هنا توكيدا مع غير ( ما ) فكذلك زيدت مع ( ما ) توكيدا .

وأما قوله :

( طعامُهمُ لئن أكلوا مُعَدٌّ وما إن لا تُحاكُ لهمْ ثيابُ )


109
فإنّ ( ما ) وحدها أيضا للنفي ( وإن ) و ( لا ) جميعا للتوكيد ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام . وذلك أنهم قد وكّدوا بأكثر من الحرف الواحد في غير هذا . وذلك قولهم : لتقَومنّ ولتقعدنّ . فاللام والنون جميعا للتوكيد . وكذلك قول الله - جَلّ وعزّ - ( فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحدا ) فما والنون جميعا مؤكّدتان . فأما اجتماع الحرفين في قوله :

( وما إن لا تحاك لهم ثياب )

وافتراقهما في لتفعلنّ وإمّا تريِنّ فلأنهم أشعروا لجمعهم إياهما في موضع واحد بقوّة عنايتهم بتوكيد ما هم عليه لأنهم كما جمعوا بين حرفين لمعنى واحد كذلك أيضا جعلوا اجتماعهما وتجاورهما تنويها وعَلَما على قوّة العناية بالحال . وكأنهم حذَوا ذلك على الشائع الذائع عنهم من احتمال تكرير الأسماء المؤكّد بها في نحو أجمع وأكتع وأبضع وأبتع وما يجري مجراه . فلّما شاع ذلك وتنوزع في غالب الأمرِ في الأسماء لم يخلوا الحروف من نحوٍ منه إيذانا بما هم عليه مما اعتزموه ووكّدوه . وعليه أيضا ما جاء عنهم من تكرير الفعل فيه نحو قولهم : اضرب اضربْ وقم قم وارم ارم وقوله :

( أتاك أتاك اللاّحقوك احبِس احبِس )


110

فاعرف ذلك فرقا بين توكيد المعنى الواحد - نحو الأمر والنهي والإضافة - وتوكيد معنى الجملة في ( امتناع اجتماع ) حرفين لمعنى واحد وجواز اجتماع حرفين لمعنى جملة الكلام في لتقربنّ وإمّا ترِينّ ألا ترى أنك إذا قلت : هل تقومنّ ف ( هل ) وحدها للاستفهام وأما النون فلتوكيد جملة الكلام . يدل على أنها لذلك لا لتوكيد معنى الاستفهام وحده وجودُك إياها في الأمر نحو اضربَنّ زيدا وفي النهي في لا تضربَنّ زيدا والخبر في لَتضربنّ زيدا والنفي في نحو قلمَّا تقومَنّ . فشِياعها في جميع هذه المواضع أدلّ دليل على ما نعتقده : من كونها توكيدا لجملة القول لا لمعنى مفرد منه مخصوص لأنها لو كانت موضوعة له وحده لُخصّت به ولم تِشع في غيره كغيرها من الحروف .

فإن قلت : يكون من الحروف ما يصلح من المعاني لأكثر من الواحد نحو : مِن فإنها تكون تبعيضا وابتداء ولا تكون نفيا ونهيا وتوكيدا واِن فإنها تكون شرطا ونفيا وتوكيدا .

قيل : هذا إلزام يسقطه تأمّله . وذلك أن مِن ولا وإنْ ونحوَ ذلك لم يقتصَر بها على معنى واحد لأنها حروف وقعت مشتركة كما وقعت الأسماء مشتركة نحو الصَدَى فإنه ما يعارض الصوت وهو بَدَن الميت وهو طائر يخرج فيما يدّعون


111
من رأس القتيل إذا لم يؤخذ بثأره . وهو أيضا الرجل الجيِّد الرِعية للمال في قولهم : هو صَدَى مالٍ وخائلُ مالٍ وخالُ مال وسُرْ سُور مالِ وإزاء مالٍ و ( نحو ذلك من ) الشَوَى ونحوه مما اتفق لفظه واختلف معناه . وكما وقعت الأفعال مشتركة نحو وجدت في الحزن ووجدت في الغضب ووجدت في الغِنى ووجدت في الضالّة ووجدت بمعنى علمت ونحو ذلك فكذلك جاء نحو هذا في الحروف . وليست كذلك النون لأنها وُضعت لتوكيد ما قد أخذ مأخذه واستقرّ من الكلام بمعانيه المفادة من أسمائه وأفعاله وحروفه . فليست لتوكيد شيء مخصوص من ذلك دون غيره ألا تراها للشيء وضدّه نحو اذهبنّ ولا تذهبنّ والإثبات في لتَقومنّ والنفي في قَلّما تقومَنْ . فهي إذًا لمعنى واحد وهو التوكيد لا غير .

ومِن الاحتياط إعادة العامل في العطف والبدل . فالعطف نحو مررت بزيد وبعمرو فهذا أوكد معنى من مررت بزيد وعمرو . والبدل كقولك : مررت بقومك بأكثرهم فهذا أوكد معنى من قولك : مرت بقومك أكثرِهم .

ووجوه الاحتياط في الكلام كثيرة و ( هذا طريقها ) ( فتنبه عليها ) . باب في فَك الصِيَغ

اعلم أن هذا موضع من العربيّة لطيف ومغفول عنه وغير مأبوه له . وفيه من لُطْف المأخذ وحسن الصنعة ما أذكره لِتعجب منه وتأنَق له .


112

وذلك أن العرب إذا حذفت من الكلمة حرفا إمّا ضرورة أو إيثارا فإنها تصوّر تلك الكلمة بعد الحذف منها تصويرا تقبله أمثلة كلامها ولا تعافه وتمّجه لخروجه عنها سواء كان ذلك الحرف المحذوف أصلا أم زائدا . فإن كان ما يبقى بعد ذلك الحرف مثالا تقبله مُثُلهم أقرّوه عليه . وإن نافرها وخالف ما عليها أوضاعُ كلمتها نقِض عن تلك الصورة وأصِير إلى احتذاء رسومها .

فمن ذلك أن تعتزم تحقير نحو منطلق أو تكسيرَه فلا بدّ من حذف نونه . فإذا أنت حذفتها بقى لفظه بعد حذفها : مُطَلِق ومثاله مُفَعِل . وهذا وزن ليس في كلامهم فلا بدّ إذًا من نقله إلى أمثلتهم . ويجب حينئذ أن يُنقل في التقدير إلى أقرب المُثُل منه ليقرب المأخذ ويقلّ التعسّف . فينبغي أن تقدّره قد صار بعد حذفه إلى مُطْلِق لأنه أقرب إلى مُطَلِق من غيره ثم حينئذ من بعدُ تحقّره فتقول : مُطَيلق وتكسّره فتقول : مَطالق كما تقول في تحقير مكرم وتكسيره : مكيرِم ومكارم . فهذا باب قد استقرّ ووضح فلتَغْنَ به عن إطالة القول بإعادة مثله . وسنذكر العِلّة التي لها ومن أجلها وجب عندنا اعتقادُ هذا فيه بإذن الله . فإن كان حذف ما حذف


113
من الكلمة يُبَقّي منها بعده مثالا مقبولا ( لم يكن لك بدّ في الاعتزام عليه وإقراره ) على صورته تلك البتّة . وذلك كقولك في تحقير حارث على الترخيم : حُريث . فهذا لمّا حذفت ألفه بقي من بعد على حَرِث فلم يُعرض له بتغيير لأنه كنَمِر وسبِط وحذِر .

فمن مسائل هذا الباب أن تحقّر حَجنفلا أو تكسّره فلا بدّ من حذف نونه فيبقى بعدُ : حَجَفَلُ فلا بدّ من إسكان عينه إلى أن يصير : حَجْفَل . ثم بعدُ ما تقول : حُجيِفل وحَجافل . وإن شئت لم تغيّر واحتججت بما جاء عنهم من قولهم في عَرَنْتُن : عَرَتُن . فهذا وجه . ومنها تحقير سَفَرجل . فلا بدّ من حذف لامه فيبقى : سَفَرَج وليس من أمثلتهم فتنقله إلى أقرب ما يجاوره وهو سَفْرَج كجعفر فتقول : سفيرج . وكذلك إن استكرهته على التكسير فقلت : سفارج . فإن كسّرت حَبَنْطًي أو حقّرته بحذف نونه بقي معك : حَبَطًي . وهذا مثال لا يكون في الكلام وألفه للإلحاق فلا بدّ من أن تُصيره إلى حَبْطَي ليكون كأرْطي . ثم تقول : حُبيطٍ وحَبَاطٍ كأريطٍ وأراطٍ . فإن حذفت ألفه بقي حَبَنْط وهذا مثال غير معروف لأنه ليس في الكلام فَعَنْل فتنقُله أيضا إلى حَبْنَط ثم تقول : حُبيِنط وحبانِط . فإن قلت : ولا في الكلام أيضا فَعْنَل قيل : هو وإن لم يأت اسما فقد أتى فعلا وهو قَلْنسته فهذا فعنلته .


114
وتقول في تحقير جِرْدَحَلٍ : جُريدِح . وكذلك إن استكرهته على التكسير فقلت : جَرادِح وذلك أنك لمّا حذفت لامه بقى : جِرْدَح وهذا مثال معروف كدِرهم وهجِرع فلم يُعرض للبقية بعد حذف الآخر . فإن حقّرت أو كسّرت ( مستخرج ) حذفت السين والتاء فبقي : مُخْرِج فلم تغيّره فتقول : مُخيرج ومَخارج . فإن سمّيت رجلا دراهم ثم حقّرته حذفت الألف فبقي دَرَهِم فأقررته على صورته ولم تغيّره لأنه مثال قد جاء عنهم وذلك قولهم : جَنَدل وذَلذِل وخَنَثِر . فتقول دريهم . ولا تكسِّره لأنك تعود إلى اللفظ الذي انصرفتَ عنه . فإن حقّرت نحو عُذافر فحذفت ألِفه لم تَعرض لبقيتّه لأنه يبرد في يدك حينئذ عُذَفِر وهذا قد جاء عنهم نحو عُلَبِط وخُزِخز و ( عُجَلطِ وعُكَلِطٍ ) ثم تقول : عَذيفِر وفي تكسيره : عَذَافِر . فإن حقرت نحو قِنْفَخْرٍ حذفت نونه ولم تعرض لبقيتّه لأنه يبقى : قِفَخْر . وهذا نظير دِمَثْرٍ وحِبَجْرٍ فتقول : قُفَيِخر وقَفاخر . فإن حقّرت نحو عُوارض ودُواسِرٍ حذفت الألف فبقي عُوَرِض ودُوَسِر وهذا مثال ليس من كلامهم لأنه فُوَعل .
115
إلا أنك مع ذلك لا تغيّره لأنه هو فُواعل وإنما حذفت الألف وهي في تقدير الثبات . ودليل ذلك توالي حركاته كتوالي حركات عُلَبِطٍ وبابه فتقول في تحقيره وتكسيره : عُويرض وعَوَارض . ومثله هُداهِد وقُناقن وقَناقِن وجُوالِق وجَوالَق . فإن حقّرت نحو عَنْتَرِيسٍ أو كسّرته حذفت نونه فبقي في التقدير عَتَريس . وليس في الكلام شيء على فَعَليل فيجب أن تعدِله إلى أقرب الأشياء منه فتصِير إلى فِعلِيل : عِتْريسٍ فتقول : عتيريس وعتاريس . فإن حقّرت خَنُفَقِيا حذفت القاف الأخيرة فيبقى : خَنْفَقي وهذا فَنْعَلِي وهو مثال غير معهود فتحذف الياء فيبقى خَنْفَق : فَنْعَل كعنبس وعَنْسل فتقول فيه : خُنيِفق وخنافق . وعليه قول الراجز :

( بني عُقَيِل ماذِهِ الخنافِق )

وليس عنتريس كخنفقيق لأنه رباعيّ فلا بد من حذف نونه وخنفقيق ثلاثيّ فإحدى قافيه زائدة فلذلك حذفت الثانية وفيه شاهد لقول يونس في أن الثاني من المكرّر هو الزائد .

والذي يدلّ على أن العرب إذا حَذفت من الكلمة حرفا راعت حال ما بقي منه فإن كان مما تقبله أمثلتهم أقرّوه على صورته وإن خالف ذلك مالوا به إلى نحو صُوَرهم قول الشَّماخ :


116

( حَذَاها من الصيْداء نعلا طراقُها حوامِي الكُراع المؤيَدَاتُ العشاوِزُ )

ووجه الدلالة من ذلك أنه تكسير عَشَوْزَن فحذف النون لشبهها بالزائد كما حذفت الهمزة في تحقير إسماعيل وإبراهيم لشبهها بالزائد في قولهم : بُريهِم وسُميِعيل وإن كانت عندنا أصلا . فلمَّا حذف النون بقي معه عَشَوْز وهذا مثال فَعَوْل وليس من صُور أبنيتهم فعدله إلى عَشْوَز وهذا مثال فَعْول ليلحق بجَدْول وقَسْور ثم كسّره فقال : عشاوِز . والدليل على أنه قد نقله من عَشَوز إلى عَشْوز أنه لو كان كسّره وهو على ما كان عليه من سكون واوه دون أن يكون قد حرّكها لوجب عليه همزها وأن يقال : عشائز لسكون الواو في الواحد كسكونها في عجوز ونحوها . فأما انفتاح ما قبلها في عَشَوْزٍ فلا يمنعها الإعلال . وذلك أن سبب همزها في التكسير إنما هو سكونها في الواحد لا غير . فأما اتّباعها ما قبلها وغير اتّباعها إياه فليس مما يتعلق عليه حالُ وجوب الهمز أو ترِكه . فإذا ثبت بهذه المسئلة حالُ هذا الحرف قياسا وسماعا جعلته أصلا في جميع ما يعرِض له شيء من هذا التحريف . ويدلّ عليه أيضا قولهم في تحقير أَلندَدٍ أُلَيْدّ ألا ترى أنه لمّا حذف النون بقيِ معه أَلَدَد


117
وهذا مثال منكور فلمّا نبا عنه أماله إلى أقرب الأمثلة منه وهو أفْعَل فصار أَلَدَد فلمّا أَفضى إلى ذلك ادّغمه فصار أَلَدّ لأنه جرى حينئذ مجرى ألدّ الذي هو مذكر لدّاء إذ كان صفة وعلى أَفعل فانجذب حينئذ إلى باب أصمّ من صمّاء وأَيّل من يَلاَّء قال :

( وكُوني على الواشين لَدَّاءَ شَغْبةً كما أنا لِلواشي ألدُّ شَغُوبُ )

فلذلك قالوا في تحقيره : أُلَيْدّ فادّغموه ومنعوه الصرف . وفي هذا بيان ما نحن عليه . فأمّا قول سيبويه في نحو سفيرج وسفارج : إنه إنما حذف آخره لأن مثال التحقير والتكسير انتهى دونه فوجه آخر من الحجِاج . والذي قلناه نحن شاهده العشاوز وأُليدّ .

ومن فكّ الصيغة أن تريد البناء من أصلٍ ذي زيادة فتلقيها عنه ثم ترتجل البناء منه مجرّدا منها . وذلك كأن تبني من ساعدٍ أو كاهل مثل جعفر أو غيره من الأمثلة فتفكّ عنه زائدة وهو الألف فيبقى ( ك ه ل ) و ( س ع د ) لا عليك على أيّ صورة بقى بعد حذف زائده - لأنه إنما غرضك البناء من هذه المادّة مرتِّبة من تقديم حروفها وتأخيرها على هذا الوضع - أَفَعْلا كانت أم فُعْلا أم فِعْلا أم غير ذلك لأنه على أيهّا بقي فالبناء منه سَعْدَد وكَهْلَل . وكذلك إن أردت البناء من منصور مثلَ قَمَحْدوُة قلت : نَصَرُّوة . وذلك أنك لمّا أردت ذلك حذفت ميمه وواوه فبقي معك ( ن ص ر ) ولا عليك أيّ مثال بقي على ما مضى .


118

ومن ذلك جميع ما كسِّرته العرب على حذف زائده كقولهم في جمع كَرَوان : كِرْوان . وذلك أنك لمّا حذفت ألفه ونونه بقي معك كَرَوَ فقلبت واوه ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها طَرَفا فصارت كرا ثم كسّرت ( كرا ) هذا على كِرْوان كشَبَث وشِبْثان وخَرَب وخِرْبان . وعليه قولهم في المثل : أطرِق كرا إنما هو عندنا ترخيم كَرَوان على قولهم : يا حارُ . وأنشدنا لذي الرمة :

( مِن آل أبي موسى ترى الناس حولَه كأنهم الكِرْوانُ أبصرن بازيا )

( فالواو الآن في كِروان إنما هي بدل من ألف كرا المبدَلة من واو كَرَوان ) .

ومنه قول الله سبحانه : ( حتى إذا بلغ أشُدَّه ) وهو عند سيبويه تكسير شِدّة على حذف زائدته . وذلك أنه لمَّا حذف التاء بقي الاسم على شِدّ ثم كسّره على أشُدّ فصار كذئب وأَذْؤُب وقِطْع وأَقْطُع . ونظير شِدّة وأشُدّ قولهم : نِعمة وأنْعُم وقال أبو عُبيدة : هو جمع أشَدّ على حذف الزيادة . قال : وربما استكرِهوا على ذلك في الشعر وأنشد بيت عنترة :

( عَهْدِي به شَدّ النهارِ كأنمَّا خُضِب اللَّبان ورأسُه بالعِظلِم )


119

ألا تراه لمّا حذف همزة أشدّ بقي معه شَدّ كما ترى فكسّره على أَشُدّ فصار كضَبّ وأَضُبّ وصَكّ وأَصُكّ .

ومِن فَكّ الصيغة - إلا أن ذلك إلى الزيادة لا إلى النقص - ما حكاه الفرّاء من قولهم في جمع أَتُون : أتاتين . فهذا كأنه زاد على عينه عينا أخرى فصار من فَعُول مخّفف العين إلى فَعُّول مشدّدها فتصوّره حينئذ على أَتُّون فقال فيه : أتاتين كَسفُّود وسفافيد وكَلُّوب وكلاليب . وكذلك قولهم في تحقير رجل : رُويجل ( فهذا ليس ) بتحقير رَجُل لكنه نقله من فَعُل إلى فاعِل فصار إلى راجل ثم حينئذ قال في تحقيره : رُوَيجل . وعليه عندي قولهم في جمع دانَق : دوانيق . وذلك أنه زاد على فتحة عينه ألِفا فصار داناق ثم كسَّره على دوانيق كساباط وسوابِيط . ولا يحسن أن يكون زاد حرف اللين على المكسور العين منهما لأنه كان يصير حينئذ إلى دانيق وهذا مثال معدوم عندهم ألا ترى أنه ليس في كلامهم فاعِيل . ولك في دانق لغتان : دانَق ودانِق كخاتَم وخاتِم وطابَق وطابِق . وإن شئت قلت : لما كسّره فصار إلى دوانق أشبع الكسرة فصار : دوانيق كالصياريف ( والمطافيل ) وهذا التغيير المتوهّم كثير . وعليه باب جميع ما غيَّرته الصنعة عن حاله ونقلته من صورة إلى صورة ألا تراك لمّا أردت الإضافة إلى عَدِيّ فحذفت ياءه الزائدة بقي معك عَدِيُ فأبدلت من الكسرة فتحة فصار إلى عَدَيٍ ثم أبدلت من يائه ألِفا فصار إلى عَدًا ثم وقعت ياء الإضافة من


120
بعد فصار التقدير به إلى عدايّ ثم احتجت إلى حركة الألف التي هي لام لينكسر ما قبل ياء الإضافة فقلبتها واوا فقلت : عَدَويّ . فالواو الآن في ( عَدَوِيّ ) إنما هي بدل من ألف عدايّ وتلك الألف بدل من ياء عدي وتلك الياء بدل واو عدوت على ما قدّمنا من حفظ المراتب فاعرف ذلك .

ومن فكّ الصيغة قوله :

( قد دنا الفِصْح فالولائد ينظمنْ ن سِراعا أكِلَّة المَرْجانِ )

فهذا جمع إكليل فلمّا حذفت الهمزة وبقيت الكاف ساكنة فتحت فصار إلى كِليل ليكون كدليل ونحوه فعليه جاء أكِلّة كدليل وأدلّة . باب في كَمِّيّة الحركات

أمّا ما في أيدي الناس في ظاهر الأمر فثلاث . وهي الضمة والكسرة والفتحة . ومحصولها على الحقيقة ستّ . وذلك أن بين كل حركتين حركة . فالتي بين الفتحة والكسرة هي الفتحة قبل الألِف الممالة نحو فتحة عين عالِم وكاف كاتب . فهذه حركة بين الفتحة والكسرة كما أن الألف التي بعدها بين الألف والياء والتي بين الفتحة والضمة هي التي قبل ألِف التفخيم نحو فتحة لام الصلاة ( والزكاة )


121
والحياة . وكذلك ألف قام وعاد . والتي بين الكسرة والضمة ككسرة قاف قيل و ( سين سير ) فهذه الكسرة المشَّمة ضَمّا . ومثلها الضمة المشمَّة كسرا كضمة قاف المُنْقُرِ وضمة عين مذعور و ( باء ابن بور ) فهذه ضمة أُشِربت كسرا كما أنها في قيل وسير كسرة أُشربت ضما . فهما لذلك كالصوت الواحد لكن ليس في كلامهم ضمة مشَربة فتحة ولا كسرة مشرَبة فتحة . فاعرف ذلك . ويدلّ على أن هذه الحركات معتدّات اعتدادُ سيبويه بألف الإمالة وألف التفخيم حرفين غير الألف ( المفتوح ما قبلها ) . باب في مَطْل الحركات

وإذا فعلتِ العرب ذلك أنشأت عن الحركة الحرف من جنسها . فتنشئ بعد الفتحة الألف وبعد الكسرة الياء وبعد الضمة الواو . فالألف المنشأة عن إشباع الفتحة ما أنشدناه أبو عليّ لابن هَرْمة يرثي ابنه : من قوله :

( فأنتَ من الغوائل حين تُرْمَى ومن ذمّ الرجال بمنّزاح )

أراد : بمنّزح : مفتعَل من النازح . وأنشدنا أيضا لعتنرة :

( ينباع من ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرة )


122

وقال : أراد ينبع فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألِفا . وقال الأصمعيّ : يقال انباع الشجاع ينباع انبياعا إذا انخرط بين الصفّين ماضيا وأنشد فيه :

( يُطرِق حِلما وأناةً معا ثُمَّتَ ينَباع انبياع الشجاعْ )

فهذا : انفعل ينفعل انفعالا والألف فيه عين . وينبغي أن تكون عينه واوا لأنها أقرب معنى من الياء هنا . نعم وقد يمكن عندي أن تكون هذه لغة تولّدت . وذلك أنه لمّا سمع ( ينباع ) أشبه في اللفظ ينفعِل فجاءوا منه بماض ومصدر كما ذهب أبو بكر فيما حكاه أبو زيد من قولهم : ضَفَن الرجل يَضْفِن إذا جاء ضيفا مع الضيف . وذلك أنه لمّا سمعهم يقولون : ضَيْفَنُ وكانت فيعل أكثر في الكلام من فَعْلَن توهّمه فيعلا فاشتّق الفعل منه بعد أن سبق إلى وَهْمه هذا فيه فقال : ضفن يضفن . فلو سئلت عن مثال ضفن يضفن على هذا القول لقلت إذا مثلّته على لفظه : فلن يفلن لأن العين قد حذفت . ولهذا موضع نذكره فيه مع بقيَّة أغلاط العرب .

ومِن مَطْل الفتحة عندنا قول الهذليّ :

( بَيْنا تعنُّقِه الكُماةَ ورَوْغه يوما أُتيح له جَرئُ سَلْفَعُ )

أي بين أوقات تعنقه ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا .


123

وحدّثنا أبو عليّ أن أحمد بن يحيى حكى : خذه من حَيْث وليسا قال وهو إشباع ليس . وذهب إلى مثل ذلك في قولهم آمين وقال : هو إشباع ( فتحة الهمزة من أمين ) . فأمَّا قول أبي العباس : إن آمين بمنزلة عاصين فإنما يريد به أن الميم خفيفة كعين عاصين . وكيف يجوز أن يريد به حقيقة الجمع وقد حَكَى عن الحسن رحمه الله أنه كان يقول : آمين : اسم من أسماء الله عز وجلّ . فأين بك في اعتقاد معنى الجمع من هذا التفسير تعالى الله علوا كبيرا .

وحكى الفرّاء عنهم : أكلت لحما شاةٍ أراد : لحم شاة فمطل الفتحة فأنشأ عنها ألِفا .

ومن إشباع الكسرة ومطلها ما جاء عنهم من الصياريف والمطافيل والجلاعيد . فأما ياء مطاليق ومطيليق فعوض من النون المحذوفة وليست مَطْلا . قال أبو النجم :

( منها المطافيل وغير المُطْفِل )

وأجود من ذلك قول الهذليّ :

( جَنَى النحلِ في ألبان عُوذٍ مَطافلِ )


124

وكذلك قول الآخر :

( . . . الخُضْر الجلاعيد )

وإنما هي الجلاعد جمع جَلْعَد وهو الشديد .

ومن مطل الضمّة قوله - فيما أنشدناه وغيره - :

( وأنني حيث ما يُشْرِي الهوى بصري من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور )

( يشرى : يحرّك ويقلق . ورواه لنا يَسْري ) .

وقول الآخر :

( ممكورة جُمّ العظام عُطْبولْ كأنّ في أنيابها القَرَنُفولْ )

فهذه هي الطريق . فما جاء منها قِسه عليها . باب في مَطْل الحروف

والحروف الممطولة هي الحروف الثلاثة الليِّنة المصوِّتة . وهي الألف والياء والواو . اعلم أن هذه الحروف أين وقعت وكيف وجدت ( بعد أن تكون سواكن يتبعن بعضهن غير مدّغمات ) ففيها امتداد ولين نحو قام وسير به وحُوتٍ وكوز


125
وكتاب وسعيد وعجوز . إلا أن الأماكن التي يطول فيها صوتها وتتمكن مدّتها ثلاثة . وهي أن تقع بعدها - وهي سواكن توابع لما ( هو منهن ) وهو الحركات من جنسهن - الهمزة أو الحرف المشدّد أو أن يوقف عليها عند التذكّر .

فالهمزة نحو كساء ورداء و ( خطيئة ورزيئة ) ومقروءة ومخبوءة . وإنما تمكن المدّ فيهن مع الهمز أن الهمزة حرف نأى منشؤه وتراخى مخرجه فإذا أنت نطقت بهذه الأحرف المصوّتة قبله ثم تماديت بهن نحوه طُلْن وشِعن في الصوت فوفَين له وزدن ( في بيانه ) و ( مكانه ) وليس كذلك إذا وقع بعدهن غيرها وغير المشدّد ألا تراك إذا قلت : كتاب وحساب وسعيد وعمود وضروب وركوب لم تجِدهن لَدْنات ولا ناعمات ولا وافيات مستطيلات كما تجدهن كذلك إذا تلاهن الهمز أو الحرف المشدّد .


126

وأما سبب نَعْمتهنّ ووفائهن وتماديهن إذا وقع المشدّد بعدهن فلأنهن - كما ترى - سواكن وأوّل المثلين مع التشديد ساكن فيجفو عليهم أن يلتقي الساكنان حشوا في كلامهم فحينئذ مّا ينهضون بالألف بقوّة الاعتماد عليها فيجعلون طولها ووفاء الصوت بها عِوضا ممّا كان يجب لالتقاء الساكنين : من تحريكها إذا لم يجدوا عليها تطرّقا ولا بالاستراحة إليه تعلقّا . وذلك نحو شابّة ودابّة وهذا قضيب بكَّر في قضيبِ بَكْر وقد تمودّ الثوب وقد قوصّ بما عليه . وإذا كان كذلك فكلمّا رسخ الحرف في المدّ كان حينئذ محفوظا بتمامه وتمادى الصوت به وذلك الألف ثم الياء ثم الواو . فشابّة إذًا أوفى صوتا وأنعم جَرْ من أختيها وقضيب بَّكر أنعم وأتمّ من قُوصَّ به وتمودّ ثوبه لبعد الواو من أعرق الثلاث في المدّ - وهي الألف - وقربِ الياء إليها . نعم وربما لم يكتفِ مَن تقوى لغته ويتعالى تمكينه وجهارته بما تجشمه من مدّ الألف في هذا الموضع دون أن يطغى به طبعه ويتخطى به اعتماده ووطؤه إلى أن يبدل من هذه الألف همزة فيحمّلها الحركة التي كان كلِفا بها و ( مصانعا بِطول ) المَدّة عنها فيقول : شأبّة ودأبّة . وسنأتي بنحو هذا في بابه قال كثَيِّر .

( إذا ما العوالي بالعبيط احمأرّت )


127

وقال :

( وللأرض أمّا سُودُها فتجللَّتْ بياضا وأمّا بِيضُها فاسوأَدَّتِ )

وهذا الهمز الذي تراه أمر يخصّ الألِف دون أختيها . وعِلّته في اختصاصه بها دونهما أن همزها في بعض الأحوال إنما هو لكثرة ورودها ساكنة بعدها الحرف المدّغم فتحاملوا وحملوا أنفسهم على قلبها همزة تطرّقا إلى الحركة وتطاولا إليها إذ لم يجدوا إلى تحريكها هي سبيلا لا في هذا الموضع ولا في غيره . وليست كذلك أختاها لأنهما وإن سكنتا في نحو هذا قضيب بَّكر وتمودّ الثوب فإنهما قد تحرّكان كثيرا في غير هذا الموضع . فصار تحرّكهما في غير هذا الموضع عوضا من سكونهما فيه . فاعرف ذلك فرقا .

وقد أَجْرَوُا الياء والواو الساكنتين المفتوح ما قبلهما مجرى التابعتين لما هو منهما . وذلك نحو قولهم : هذا جَيْب بَّكر أي جَيْبُ بَكر وثَوْب بَّكر أي ثَوْبُ بَكر . وذلك أن الفتحة وإن كانت مخالفة الجنس للياء والواو فإن فيها سِرّا له ومن أجله جاز أن تمتدّ الياء والواو بعدها في نحو ما رأينا . وذلك أن أصل المدّ وأقواه وأعلاه وأنعمه وأنداه إنما هو للألف . وإنما الياء والواو في ذلك محمولان عليها وملحقان في الحكم بها والفتحة بعض الألف فكأنها إذا قدِّمت قبلهما في نحو بيت وسوط إنما قدمت الألف إذ كانت الفتحة


128
بعضها فإذا جاءتا بعد الفتحة جاءتا في موضع قد سبقتهما إليه الفتحة التي هي ألف صغيرة فكان ذلك سببا للأنس بالمدّ لا سيما وهما بعد الفتحة - لسكونهما - أختا الألف وقوِّيتا الشبه بها فصار ثوب وشيخ نحوا من شاخ وثاب فلذلك ساغ وقوع المدّغم بعدهما . فاعرف ذلك .

وأمّا مدّها عند التذكر فنحو قولك : أخواك ضربا إذا كنت متذكّرا للمفعول به ( أو الظرف أو نحو ذلك ) أي ضربا زيدا ونحوه . وكذلك تمطل الواو إذا تذكّرت في نحو ضربوا إذا كنت تتذكر المفعول أو الظرف أو نحو ذلك : أي ضربوا زيدا أو ضربوا يوم الجمعة أو ضربوا قياما فتتذكر الحال . وكذلك الياء في نحو اضربي أي اضربي زيدا ونحوه .

وإنما مُطِلت ومدّت هذه الأحرف في الوقِف وعند التذكر من قِبل أنك لو وقفت عليها غير ممطولة ولا ممكَّنة المَدّة فقلت : ضربا وضربوا واضربي وما كانت هذه حاله وأنت مع ذلك متذكر لم ( توجد في ) لفظك دليلا على أنك متذكّر شيئا ولأوهمت كل الإيهام أنك قد أتممت كلامك ولم يبق من بعده مطلوب متوقّع لك لكنك لمّا وقفت ومطلت الحرف علم بذلك أنك متطاول إلى كلام تالٍ للأوّل منوطٍ به معقود ما قبله على تضمّنه وخلطه بجملته .


129

ووجه الدلالة من ذلك أن حروف اللين هذه الثلاثة إذا وقِف عليهنّ ضَعُفن ولم يِف مدّهنّ وإذا وقعن بين الحرفين تمكّنّ واعترض الصدى معهنّ . ولذلك قال أبو الحسن : إن الألف إذا وقعت يبن الحرفين كان لها صدى . ويدلّ على ذلك أن العرب لمّا أرادت مطلهنّ للندبة وإطالة الصوت بهنّ في الوقف وعلمت أن السكوت عليهن ينتقصهنّ ولا يفي بهن أَتبعتهنّ الهاء في الوقف توفية لهنّ وتطاولا إلى إطالتهنّ . وذلك قولك : وازيداهْ واجعفراهُ . ولا بدّ من الهاء في الوقف فإن وصلت أسقطتها وقام التابع غيرُها في إطالة الصوت مقامها . وذلك قولك : وازيدا واعمراه . وكذلك أختاها . وذلك قولهم : وانقِطاع ظهرِهِيه وواغلامكِيه وواغلامهوه وواغلامهموه . وتقول في الوصل : واغلامهمو لقد كان كريما ! وانقطاع ظهرِهي من هذا الأمر !

والمعنى الجامع بين التذكّر والندبة قوّة الحاجة إلى إطالة الصوت في الموضعين .

فلمّا كانت هذه حال هذه الأحرف وكنت عند التذكّر كالناطق ( بالحرف ) المستذكَر صار كأنه هو ملفوظ به . فتمّت هذه الأحرف وإن وقعن أطرافا كما يتممن إذا وقعن حَشْوا لا أواخر . فاعرف ذلك . ( فهذه حال الأحرف الممطولة ) .

وكذلك الحركات عند التذكّر يُمطلن حتى يفِين حروفا . فإذا صرنها جرين مجرى الحروف المبتدأة توامَّ فيُمطلن أيضا حينئذ كما تُمطل الحروف . ( وذلك ) قولهم


130
عند التذكر مع الفتحة في قمت : قمتا أي قمت يوم الجمعة ونحو ذلك ومع الكسرة : أنتي أي أنت عاقلة ونحو ذلك ومع الضمة : قمتو في قُمت إلى زيد ونحو ذلك .

فإن كان الحرف الموقوف عليه ساكنا فعلى ضربين : ( صحيح ومعتلّ ) .

فالصحيح في نحو هذا يكسر لأنه لا يجري الصوت في الساكن فإذا حرّك انبعث الصوت في الحركة ثم انتهى إلى الحرف ثم أشبعت ذلك الحرف ومطلته . وذلك قولك في نحو قد - وأنت تريد قد قام ونحوه إلا أنك تشكّ أو تتلوّم لرأي تراه من ترك المبادرة بما بعد ذلك - : قدِي وفي من : منِي وفي هل : هلِي وفي نعم : نَعَمِي أي نعم قد كان أو نعم هو هو ( أو نحوه ) مما تستذكر أو ( تراخى بذكره ) . وعليه تقول في التذكّر إذا وقفت على لام التعريف : اَليِ وأنت تريد : الغلام أو الخليل أو نحو ذلك .

وإنما كانت حركة هذا ونحوه الكسرة دون أختيها من قِبل أنه ساكن قد احتيج إلى حركته فجرت حركته إذًا مجرى حركة التقاء الساكنين في نحو ( قُلِ اللهُمَّ ) و ( قُمِ اللَّيْلَ ) وعليه أطلِق المجزوم والموقوف في القوافي المطلقَة إلى الكسر نحو قوله :

( وأنّكِ مهما تأمري القلبَ يفعلِ )


131

وقوله :

( لمّا تَزُلْ برحالنا وكأنْ قَدِ )

ونحو ممّا نحن عليه حكاية الكتاب : هذا سَيْفُنِي وهو يريد : سيفُ من أمره كذا أو من حديثه كذا . فلمّا أراد الوصل أثبت التنوين ولمّا كان ساكنا صحيحا لم يجر الصوت فيه فلما لم يجر فيه حركّه بالكسر - كما يجب في مثله - ثم أشبع كسرته فأنشأ عنها ياء فقال سيفني .

هذا حكم الساكن الصحيح عند التذكّر .

وأمّا الحرف المعتلّ فعلى ضربين : ساكن تابع لما قبله كقاما وقاموا وقُومي وقد قدّمنا ذكر هذا ومعتل غير تابع لما قبله وهو الياء والواو الساكنتان بعد الفتحة نحو أَيْ وكَيْ ولَوْ وأَوْ . فإذا وقفت على شيء من ذلك مستذكرا كسرته فقلت : قمت كيِ أَيْ كي تقوم ونحوه . وتقول في العبارة : قد فعل كذا أَيِي معناه : أي أنه كذا ونحو ذلك . ومن كان من لغته أن يفتح أو يضمّ لالتقاء الساكنين فقياس قوله أن يفتح أيضا أو يضمّ عند التذكّر . روينا ذلك عن قُطْرُب : قمَ الليل وبِعَ الثوب فإذا تذكّرت قلت : قما وبِعا وفي سر : سِرا . وليس كذلك قراءة ابن مسعود " فَقُلاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً " لأن الألِف عَلَم ضمير


132
تثنية موسى وهرون عليهما السلام . وأيضا فإنه لم يقف عليه ألا ترى أن بعده ( لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ) وإنما هذه لغة لبعضهم يجري حركة ألف التثنية و واو الجمع مجرى حركة التقاء الساكنين فيقول في التثنية : بِعا يا رجلان ويا رجال بِعوا ويا غلامان قما . وعليه قراءة ابن مسعود هذه وبيت الضبّيّ :

( . . . لم يهلعوا ولم يخموا )

يريد : يخيموا فجاء به على ما ترى . وروينا عن قُطْرُب أن منهم من يقول : شُمُّ يا رجل . فإن تذكرت على هذه اللغة مطلت الضمة فوفَّيتها واوا فقلت : شُمُّو . ومن العرب من يقرأ ( اشُتَرَوُا الضَّلاّلَةَ ) ومنهم من يكسر فيقول : اشتروِا الضلالة . ومنهم من يفتح فيقول : اشتروَا الضلالة . فإن مطلت متذكّرا قلت على من ضمّ : اشتروُوا وعلى من كسر : اشتروِي وعلى من فتح : اشترَوَا . وروينا عن محمد بن محمد عن أحمد بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد قول الشاعر :

( فهُم بِطانتهم وهم وزراؤهم وهُمِ القضاة ومنهمِ الحكام )

فإن وقفت على " هم " من قوله : وهمِ القضاة قلت : هُمِي . وكذلك الوقوف على منهمِ الحكام : منهمِي . فإن وقفت على " هم " من قوله : وهم وزراؤهم قلت : همو لأنك كذا رأيته فعل الشاعر لمّا قال في أوّل البيت : فهمو ففصلتَ بين حركة


133
التقاء الساكنين وغيرها كما فصل وإن شئت قلت : وهِمي تريد : وهم وزراؤهم وقلت : وهمو تريد : وهم القضاة حملا على قوله : فهم بطانتهم لأنك إذا فعلت ذلك لم تَعْدُ أن حملت على نظير . وكلّما جاز شيء من ذلك عند وقفة التذكّر جاز في القافية البتّة على ما تقدم . وعليه تقول : عجبت مِنَا إذا أردت : مِن القوم على من فتح النون . ومن كسرها فقال : مِن القوم قال : مِنِي . فاعرف ذلك إلى ما يليه إن شاء الله . باب في إنابة الحركة عن الحرف والحرف عن الحركة

الأوّل منهما أن تحذف الحرف وتقِرَّ الحركة قبله نائبةً عنه ودليلةً عليه كقوله :

( كفَّاك كفٌّ لا تُليق درهَما جُوداً وأخرى تُعطِ بالسَّيف الدما )

يريد : تعطي . وعليه بيت الكتاب :

( وأخو الغَوَانِ متى يشأ يَصْرِ مْنَهُ )

وبيته :

( دوامي الأَيْد يخبِطن السَريحا )


134

ومنه قول الله تعالى : ( يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) وهو كثير في الكسرة . وقد جاء في الضمة منه قوله :

( إنّ الفقير بينَنا قاضٍ حكم أن ترد الماء إذا غار النُجُمْ )

يريد النجوم فحذف الواو وأناب عنها الضمة وقوله :

( حتى إذا بلّت حلاقيم الحُلُق )

يريد الحلوق . وقال الأخطل :

( كَلْمعِ أيدي مَثاكيلٍ مُسَلِّبةٍ يندبن ضَرس بناتِ الدهر والخُطُبِ )

ومنه قول الله عزّ اسمه ( ويَمْحُ اللهُُ الْبَاطِلَ ) و ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ) و ( سَنَدْعُ الزَّبَانَيِةَ ) وكتب ذلك بغير واو ( دليلا في الخطّ على الوقوف عليه بغير واو ) في اللفظ . وله نظائر ( وهذا ) في المفتوح قليل لخفَّة الألف قال :

( مثل النقا لبّده ضربُ الطِللْ )

ونحو منه قوله :

( ألاَ لا بارَكَ اللهُ في سُهَيْلٍ إذا ما اللهُ بارَكَ في الرجالِ )


135

فحذف الألف من هذه اللفظة ( الله ) . ومنه بيت الكتاب :

( أوالفًا مكَّة مِن وُرق الحِمى ) يريد الحمام فحذف الألف فالتقت الميمان فغيِّر على ما ترى . وقال أبو عثمان في قول الله سبحانه ( يَا أَبتِ ) أراد : يا أبتا فحذف الألف . وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابيّ :

( فلستُ بمدرك ما فات مّي بلَهْف ولا بِلَيتَ ولا لو انّي )

يريد بلهفي . وقد مضى نحو هذا .

الثاني منهما وهو إنابة الحرف عن الحركة . وذلك في بعض الآحاد وجمع التثنية وكثير من الجمع .

فالآحاد نحو أبوك وأخوك وحماكِ وفاكِ وهنيكِ وذي مال . فالألف والياء والواو في جميع هذه الأسماء الستة دواخل على الفتح والكسر والضم . أَلا تراها تفيد من الإعراب ما تفيده الحركات : الضمة والفتحة والكسرة .

والتثنية نحو الزيدان والرجلين .

والجمع نحو الزيدون والمسلمين .

وأعربوا بالنون أيضا فرفعوا بها في الفعل : يقومان ويقومون ( وتقومين ) فالنون في هذا نائبة عن الضمّة في يفعل . وكما أن ألف التثنية وواو الجمع نائبتان عن الضمة والياء فهما نائبتان عن الكسرة والفتحة وإنما الموضع في الإعراب للحركات فأمّا الحروف فدواخل عليها .


136

وليس من هذا الباب إشباع الحركات في نحو منزاح وأنظور والمطافيل لأن الحركة في نحو هذا لم تحذف وأنيب الحرف عنها بل هي موجودة ومزيد فيها لا منتَقص منها . باب في هجوم الحركات على الحركات

وذلك على ضربين : أحدهما كثير مقِيس والآخر قليل غير مقيس .

الأوّل منهما وهو قسمان : أحدهما أن تتّفق فيه الحركتان . والآخر أن تختلفا فيه فيكون الحكم للطارئ منهما على ما مضى .

فالمتفِقتان نحو قولك : هم يغزون ويَدْعُون . وأصله يغزوون فأسكِنت الواو الأولى التي هي اللام وحذفت لسكونها وسكون واو الضمير والجمع بعدها ونقلت تلك الضمة المحذوفة عن اللام إلى الزاي التي هي العين فحذفت لها الضمة الأصليّة في الزاي لطروء الثانية المنقولة من اللام إليها عليها . ولابدّ من هذا التقدير في هجوم الثانية الحادثة على الأولى الراتبة اعتبارا في ذلك بحكم المختلفتين ألا تراك تقول في العين المكسورة بنقل الضمة إليها مكان كسرتها وذلك نحو يرمون ويقضون ألا ( تراك ) نقلت ضمّة ياء يرمِيون إلى ميمها فابتزَّت الضمةُ الميمَ كسرتَها وحلّت


137
محّلها فصار : يرمون . فكما لا يُشكّ في أن ضمّة ميم يرمون غير كسرتها في يرميون لفظا فكذلك فلنحكم على أن ضمّة زاي يغزون غير ضمتها في يغزوون تقديرا وحكما .

ونحو من ذلك قولهم في جمع مائة : مِئون . فكسرة ميم مِئون غير كسرتها في مائة اعتبارا بحال المختلفين في سنة وسنين وبُرَة وبُرِين . ومثله ترخيم بُرثُن ومنصور فيمن قال : يا حارُ إذا قلت : يا بُرْثُ ويا مَنْص ُفهذه الضمة في ثاء برث وصاد منص غير الضمة فيمن قال يا برث ويا منص على يا حار اعتبارا بالمختلفتين . فكما لا شكّ في أن ضمّة راء يا حارُ غير كسرة راء يا حارِ سماعا ولفظا فكذلك الضمّة على يا حارُ في يا برث ويا منص غير الضمة فيهما على يا حارِ تقديرا وحكما . وعلى ذلك كسرة صاد صِنْو وقاف قِنْو غير كسرتها في قِنوانٍ وصِنوانٍ . وهذا باب وقد تقدّم في فصله .

وكذلك كسرة ضاد تقضِين غير كسرتها المقدّرة فيها في أصل حالها وهو تقضِيِين . والقول هنا هو ما تقدّم في يدعون ويغزون .

فهذا حكم الحركتين المتفِقتين .


138

وأما المختلفتان فأمرهما واضح . وذلك نحو يرمون ويقضون . والأصل : يرميون ويقضيون فأسِكنت الياء استثقالا للضمّة عليها ونُقلت إلى ما قبلها فابتزّته كسرته لطروئها عليها فصار : يرمون ويقضون . وكذلك قولهم : أنتِ تغزِين أصله تغزُوين فنقِلت الكسرة من الواو إلى الزاي فابتزَّتها ضمتها فصار : تغزين . إلا أن منهم من يُشِمّ الضمّة إرادة للضمّة المقدّرة ومنهم من يُخلِص الكسرة فلا يُشِمّ . ويدلّك على مراعاتهم لتلك الكسرة والضمة المبتزّتين عن هذين الموضعين أنهم إذا أمروا ضمّوا همزة الوصل وكسروها إرادة لهما وذلك كقولهم : اُقضوا اُبنوا وقولهم : اُغزي اُدعي . فكسرهم مع ضمة الثالث وضمّهم مع كسرته يدّل على قوّة مراعاتهم للأَصل المغيَّر وأنه عندهم مراعّي معتدّ مقدّر .

ومن المتّفِقة حركاته ما كانت فيه الفتحتان نحو اسم المفعول من نحو اشتدّ واحمرّ وذلك قولهم : مشتدّ ومحمرّ من قولك : هذا رجل مشتدّ عليه وهذا مكان محمرّ فيه ( وأصله مشتدَدُ ومحمرَرُ ) فأسكِنت الدال والراء الأوليان وادّغمتا في مثلهما من بعدهما ولم ننقل الحركة إلى ما قبلها فتغلِبه على حركته التي فيه


139
كما تغلب في يغزون ويرمين . يدل على أنك لم تنقل الحركة هنا كما نقلتها هناك قولُهم في اسم الفاعل أيضا كذلك وهو ( مشتدّ ومحمرّ ألا ترى أنّ أصله ) مشتدِد ومحمرِر . فلو نقلت هذا لوجب أن تقول : مشتِدّ ومحمرّ . فلما لم تقل ذلك وصحّ في المختلفين اللذين النقل فيهما موجود لفظا امتنعت من الحكم به فيما تحصل الصنعة فيه تقديرا ووَهْما . وسبب ترك النقل في المفتوح انفراد الفتح عن الضمّ والكسر في هذا النحو لزوال الضرورة فيه ومعه ألا ترى إلى صحَّة الياء والواو جميعا بعد الفتحة وتعذّر الياء الساكنة بعد الضمّة والواو الساكنة بعد الكسرة . وذلك أنك لو حذفت الضمة في يرميون ولم تنقلها إلى الميم لصار التقدير إلى يرِمون ثم وجب قلب الواو ياء وأن تقول : هم يرِمين فتصير إلى لفظ جماعة المؤنث . وكذلك لو لم تنقل كسرة الواو في تغزوِين إلى الزاي لصار التقدير إلى تغزُيْنَ . فوجب أن تقلب الياء لانضمام الزاي قبلها واوا فتقول للمرأة : أنت تغزون فيلتبس بجماعة المذكّر .

فهذا حكم المضموم مع المكسور . وليس كذلك المفتوح ألا ترى الواو والياء صحيحتين بعد الفتحة نحو هؤلاء يخشَوْن ويسعَوْن وأَنتِ ترضَين وتخشَين . فلمّا لم تغيرَّ الفتحة هنا في المختلفين اللذين تغييرهما واجب لم تغير الفتحتان اللتان إنما هما في التغيير محمولتان على الضمّ مع الكسر . فإن قلت : فقد يقع اللبس أيضا بحيث


140
رُمت الفرق ألا تراك تقول للرجال : أنتم تغزون ( وللنساء : أنتنّ تغزون ) وتقول للمرأة : أنت ترمِين ولجماعة النساء : أنتنّ ترمِين .

قيل : إنما احتُمل هذا النحو في هذه الأماكن ضرورة ولولا ذلك لما احتمِل . ووجه الضرورة أن أصل أنتم تغزون : تغزوون فالحركتان - كما ترى - متفقتان لأنهما ضمتان . وكذلك أنت ترمين الأصل فيه ترميين فالحركتان أيضا متفقتان لأنهما كسرتان . فإذا أنت أسكنت المضموم الأوّل ( ونقلت ) إليه ضمة الثاني وأسكنت المكسور الأوّل ونقلت إليه كسرة الثاني . بقي اللفظ بحاله كأن لم تنقله ولم تغيّر شيئا منه فوقع اللبس فاحتمل لما يصحب الكلام من أوّله ( وآخره ) كأشياء كثيرة يقع اللبس في لفظها فيعتَمد في بيانها على ما يقارنها كالتحقير والتكسير وغير ذلك فلما وجدَت إلى رفع اللبس بحيث وجدته طريقا سلكتها ولمّا لم تجد إليه طريقا في موضع آخر احتملته ودللت بما يقارنه عليه .

فهذه أحوال الحركات المنقولة وغير المنقولة فيما كان فيه الحرفان جميعا متحرّكين .

فأمّا إن سكن الأوّل فإنك تنقل الحركات جُمَع إليه . وذلك نحو أقام ومُقيم ومُقام وأَسار ومُسِير ومُسَار ألا ترى أن أصل ذلك أقْوَم وأسْيَر ومُقْوِم ومُسيِر ومُقْوَم ومُسْيرَ . وكذلك يقوم ويسِير : أصلهما يَقْومُ ويَسْيِر فنقل ذلك كله لسكون الأوّل .


141

والضرب الثانِي ممّا هجمت فيه الحركة على الحركة من غير قياس . وهو كبيت الكتاب :

( وقال اضرب الساقين إِمِّك هابل )

وأصله : امك هابل إلا أن همزة ( أمّك ) كُسرت لانكسار ما قبلها على حدّ قراءة من قرأ : ( فلأَمِّه الثلث ) فصار : إِمُّكَ هابل ثم أتبع الكسر الكسر فهجمت كسرة الإتباع على ضمة الإعراب فابتَّزتها موضعها فهذا شاذٌّ لا يقاس عليه ألا تراك لا تقول : قِدرِك واسعة ولا عِدْلِك ثقيل ولا بنتِك عاقلة .

ونحو من ذلك في الشذوذ قراءة الكسائيّ " بما أنزِلَّيْكَ " وقياسه في تخفيف الهمزة أن تجعل الهمزة بينَ بينَ فتقولَ : بما أنزل إليك لكنه حذف الهمزة حذفا وألقى حركتها على لام أنزل وقد كانت مفتوحة فغلبت الكسرة الفتحة على الموضع فصار تقديره : بما أنزلِلَيك فالتقت اللامان متحركتين فأسكنت الأولى وادّغمت في الثانية كقوله تعالى ( لكنّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ) .

ونحو منه ما حكاه لنا أبو عليّ عن أبي عُبَيدة أنه سمع : دعه فيِ حِرُامِّه . وذلك أنه نقل ضمة الهمزة - بعد أن حذفها - على الراء وهي مكسورة فنفى الكسرة وأعقب منها ضّمة .


142

ومنه ما حكاه أحمد بن يحيى في خبر له مع ابن الأعرابيّ بحضرة سعيد بن سَلْم عن امرأة قالت لبنات لها وقد خلون إِلى أعرابيّ كان يألفهنّ : أفي السَوَ تَنْتُنَّهْ ! قال أحمد بن يحيى فقال لي ابن الأعرابيّ : تعال إلى هنا اسمع ما تقول . قلت : وما في هذا ! أرادت : أفِي السوْأةِ أَنْتُنَّهْ ! فألقت فتحة ( أنتنّ ) على كسرة الهاء فصارت بعد تخفيف همزْة السوأة : أفي السَوَ تنتنه . فهذا نحو مما نحن بسبيله . وجميعه غير مَقيس لأنه ليس على حدّ التخفيف القياسيّ ألا ترى أن طريق قياسه أن يقول : في حِرأُمّه فيقِرّ كسرة الراء عليها ويجعل همزة أُمَه بين بين أي بين الهمزة والواو لأنها مضمومة كقول الله سبحانه : يستهزئون فيمن خفّف أو في حِريُمِّه فيبدلها ياء البتة ( على يستهزيون وهو رأي أبي الحسن ) وكذلك قياس تخفيف قولها : أفي السوأة أنتنه : أفي السوءة يَنْتنه فيخلص همزة ( أنتنه ) ياء البتة لانفتاحها وانكسار ما قبلها كقولك في تخفيف مِئر : مِيَر . وسنذكر شواذّ الهمز في بابه بإذن الله . باب في شواذ الهمز

وذلك في كلامهم على ضربين وكلاهما غير مقيس .

أحدهما أن تقِرّ الهمزة الواجب تغييرها فلا تغيّرها .

والآخر أن ترتجل همزا لا أصل له ولا قياس يعضُده .


143

الأول من هذين ما حكاه عنهم أبو زيد وأبو الحسن من قولهم : غَفَر الله له خطائئه . وحكى أبو زيد وغيره : دَرِيئة ودرائئ . وروينا عن قُطْرُب : لَفيئة ولفائئ . وأنشدوا :

( فإنّك لا تَدْرِي متى الموت جائئُ إليك ولا ما يُحدِث الله في غدِ )

وفيما جاء من هذه الأحرف دليل على صحّة ما يقوله النحويون دون الخليل : من أن هذه الكلم غير مقلوبة وأنه قد كانت التقت فيها الهمزتان على ما ذهبوا إليه لا ما رآه هو .

ومن شاذّ الهمز عندنا قراءة الكسائيّ ( أئِمة ) بالتحقيق فيهما . فالهمزتان لا تلتقيان في كلمة واحدة إلا أن تكونا عينين نحو سئَّال وسئّار ( وجَئّار ) فأما التقاؤهما على التحقيق من كلمتين فضعيف عندنا وليس لحنا . وذلك نحو قرأ أبوك و ( السُّفَهَاء أَلاَ ) و ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ ) و ( أَنْبْئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ إنْ كُنْتُمْ ) فهذا كله جائز عندنا على ضعفه لكن التقاؤهما في كلمة واحدة غيرَ عينيين لحن إلاّ ما شدّ ممّا حكيناه من خطائئ وبابِه . وقد تقدّم . وأنشدني بعض من ينتمي إلى الفصاحة شعرا لنفسه مهموزا يقول فيه : أشأؤها


144
وأدأؤهَا فنبهّته عليه فلم يكد يرجع عنه ( وهذا ) مّمِا لو كان ( همزُه أصلا ) لوجب تركه وإبداله فكيف أن يرتجل همزا لا أصل له ولا عذر في إبداله من حرف لين ولا غيره .

الثاني من الهمز . وهو ما جاء من غير أصل له ولا إبدال ( دعا قياس إليه ) وهو كثير .

منه قولهم : مصائب . وهذا ممّا لا ينبغي همزه في وجه من القياس . وذلك أن مصيبة مفعِلة . وأصلها مُصْوِبة فعينها كما ترى متحرّكة في الأصل فإذا احتيج إلى حركتها في الجمع حُمِّلت الحركة . ( وقياسه ) مصاوِب . وقد جاء ذلك أيضا قال :

( يصاحب الشيطان من يصاحبُهْ وهو أذِيٌّ جَمِّة مَصاوِبُهْ )

ويقال فيها أيضا : مَصُوبة ومُصَابة . ومثله قراءة أهل المدينة : " مَعَائش " بالهمز . ( وجاء ) أيضا في شعر الطرمّاح مزائد جمع مزادة وصوابها مزايد . قال :

( مزائد خرقاءِ اليدين مِسيفةٍ )


145

وقالوا أيضا : منارة ومنائر وإنما صوابها : مناور لأن الألف عين وليست بزائدة . ومن الجيّد قول الأخطل :

( وإني لقوَّام مقاوِمَ لم يكن جريرُ ولا مولَى جريرٍ يقومها )

ومن شاذّ الهمز ما أنشده ابن الأعرابيّ لابن كَثْوة :

( وَليّ نَعامُ بني صَفْوان زَوْزأَةً لمّا رأى أسَدا في الغاب قد وثبا )

وإنما هي زوزاة : فعللة من مضاعف الواو بمنزلة القوقاة والضوضاة .

وأنشدوا بيت امرئ القيس :

( كأنّي بفَتْخاء الجناحين لَقْوةٍ دَفوفٍ من العِقبانِ طاطات شِئمالي )

يريد شِماله أي خفضها بِعنان فرسه . وقالوا : تأْبلت القدْر بالهمز . ومثله التأبل والخأتَم ( والعألم ) . ونحو منه ما حكَوه من قول بعضهم : بأز بالهمز وهي البِئزان بالهمز أيضا . وقرأ ابن كَثِير : ( وَكَشَفَتْ عَنْ سَأْقَيْهَا ) وقِيل في جمعه : سُؤْق مهموزا على فُعْل . وحكى أبو زيد : شِئمة للخليقة بالهمز وأنشد الفرّاء :

( يا دارميّ بدكادِيكِ البُرَقْ صبرا فقد هيَّجتِ شوق المشتئِق )

يريد المشتاق . وحكى أيضا رجل مئل ( بوزن معِل ) إذا كان كثير المال . وحكَوا أيضا : الرئبال بالهمز . وأما شأمل وشمأل وجُرائض وحُطائط بُطائط والضهيأ


146
فمشهور بزيادة الهمز فيه . وحكى لنا أبو عليّ في النيدُلان : النِئْدُلان بالكسر ومثاله فئعلان . وأنشدوا لجرير :

( لَحُبّ المؤِقدانِ إليَّ مؤسى )

بالهمز في ( الموقدان ) و ( موسى ) . وحَكَى أنه وجِد بخطّ الأصمعي : قَطًا جُؤْنِيّ . وحكى عنه أيضا فيه جُوِنيّ .

ومن ذلك قولهم : لبّأْت بالحجّ ورثأت زوجي بأبيات وحَّلأْت السَوِيق واستْلأَمت الحجَرَ وإنما هو استلمت : افتعلت قال :

( يكاد يُمسِكه عرفانَ راحتِه ركنُ الحَطِيم إذا ما جاء يستلُم )

فوزن استلأم على ما ترى : افتعْأَل وهو مثال مبدَع غريب .

ونحو منه ما رويناه عن أحمد بن يحيى لبلال بن جرير جدّ عُمارة :

( إذا ضِفْتهم أو سآيَلْتهم وجدت بهم عِلّة حاضرهْ )

يريد : ساءلتهم . فإمّا زاد الياء وغيّر الصورة فصار مثاله : فعايلتهم . وإما أراد : ساءلتهم كالأوّل إلا أنه زاد الهمزة الأولى فصار تقديره : سئاءَلتهم بوزن : فعاءَلتهم فجفا عليه التقاء الهمزتين هكذا ليس بينهما إلا الألف فأبدل الثانية ياء كما أنه لمّا كره أصل تكسير ذؤابة - وهو ذآئب - أبدل الأولى واوا . ويجوز أن يكون


147
أراد : ساءلتهم ثم أبدل من الهمزة ياء فصار : سايلتهم ثم جَمَع بين المعوّض والمعوّض منه فقال : سآيلتهم فوزنه الآن على هذا : فعاعلتهم .

ومثله مما جُمع فيه بين العِوض والمعوّض منه في العين ما ذهب إليه أبو إسحاق وأبو بكر في قول الفرزدق :

( هما نَفَثَا في فِيَّ من فَمَويْهِما )

فوزن ( فمويهما ) على قياس مذهبهما : فَعَعَيْهما .

وأنا أرى ما ورد عنهم من همز الألف الساكنة في بأز وسأق وتأبَل ونحو ذلك إنما هو عن تطرّق وصنعة وليس اعتباطا هكذا من غير مُسْكة . وذلك أنه قد ثبت عندنا من عِدّة أوجه أن الحركة إذا جاورت الحرف الساكن فكثيرا ما تجريها العرب مجراها فيه فيصير لجواره إياها كأنه محرّك بها . فإذا كان كذلك فكأن فتحة باء باز إنما هي في نفس الألف . فالألف لذلك وعلى هذا التنزيل كأنها محرّكة ( وإذا ) تحرّكت الألف انقلبت همزة . من ذلك قراءة أيُّوب السِّختيانيّ : " غير المغضوب عليهم ولا الضأَلّين " . وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد قال :


148
سمعت عمرو بن عُبَيد يقرأ : ( فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسُ وَلاَ جَأَنُ ) ( فظننت أنه ) قد لحن إلى أن سمعت العرب تقول : شَأَبَّة ودَأَبَّة . وقال كُثَيّر :

( إذا ما العوالي بالعَبِيط احمأرّت )

( يريد احمارت ) وقال أيضا :

( وللأرض أمّا سُودُها فتجلّلتْ بياضا وأمّا بِيضُها فاسوأدّتِ )

وأنشد قوله :

( يا عجبا لقد رأيت عجبَا حِمار قبّان يسوق أرنبَا )

( خاطِمها زَأَمِّها أن تذهبَا )

وقال دُكَين :

( وجله حتى أبيأَضّ ملببه )

فإن قلت : فما أنكرت أن يكون ذلك فاسدا لقولهم في جمع بأز : بئزان بالهمز . وهذا يدلّ على كون الهمزة فيه عينا أصلا كرأل ورِئلانٍ .

قيل : هذا غير لازم . وذلك أنه لمّا وجِد الواحد - وهو بأز - مهموزا - نَعَمْ وهمزته غير مستحكِمة السبب - جرى عِنده وفي نفسه مجرى ما همزته أصليّة فصارت بئزان كرئلان . وإذا كانوا قد أجروا ما قويت علّة قلبه مجرى الأصليّ في قولهم :


149
ميثاق ومياثق كان إجراء بأز مجرى رأل أولى وأحرى . وسيأتي نحو هذه في باب له .

وعليه أيضا قوله :

( لَحُبّ المؤقدان إليّ مؤسى )

ألا ترى أن ضمة الميم في ( الموقدان ) و ( موسى ) لمّا جاورت الواو الساكنة صارت كأنها فيها والواو إذا انضمّت ضما لازما همزت نحو أجوه وأُقِّتت . فاعرف ذلك . وعليه جاء قوله :

( . . . فَرَأُ مُتَار )

يريد : مُتْأَرا فلما جاورت الفتحة في الهمزة التاء صارت كأنها فيها فجرى ذلك مجرى مُتَأْر فخفف على نحو من تخفيف رأس وبأس . وسيأتي ذلك في بابه بإذن الله . باب في حذف الهمز وإبداله

قد جاء هذا الموضع في النثر والنظم جميعا . وكلاهما غير مقيس عليه إلا عند الضرورة .

فإن قلت : فهلاّ قست على ما جاء منه في النثر لأنه ليس موضع اضطرار

قيل : تلك مواضع كثر استعمالها فعرفتْ أحوالُها فجاز الحذف فيها - وسنذكرها - كما حذفت لم يك ( ولم يبل ) ولا أدرِ في النثر لكثرة الاستعمال ولم يقس عليها غيرها .


150

فمِما جاء من ذلك في النثر قولهم : وَيْلِمِّه . وإنما أصله ويل لأمّه . يدلّ على ذلك ما أنشده الأصمعيّ :

( لأمّ الأرض ويل ! ما أجنَّت غداة أضرَّ بالحسَن السبيلُ )

فحذف لام ( ويل ) وتنوينه لمِا ذكرنا وحذفت همزة أمّ فبقي : ويلِمّه . فاللام الآن لام الجرّ ألا تراها مكسورة . وقد يجوز أن تكون اللام المحذوفة هي لام الجرّ كما حذف حرف الجرّ من قوله : اَلله أفعل وقولِ رؤبة : خيرٍ عافاك الله وقولِ الآخر :

( رسمِ دارٍ وقفتَ في طللِه )

( وهو من المقلوب أي طلل دار وقفت في رسمه ) وعليه قراءة الكسائيّ : ( بما أنزِلَّيك ) - وقد ذكرناه - وقراءة ابن كثير ( إنها لَحْدَي الكُبَر ) وحكاية أحمد ابن يحيى قول المرأة لبناتها وقد خلا الأعرابيّ بهن : أفي السوَتَنْتُنَّهْ ( تريد : أفي السوءة أنتنَّهْ ) ومنه قولهم : الله هذه الكلمة في أحد قولي سيبويه وهو أعلاهما . وذلك أن يكون أصله إلاه فحذفت الهمزة التي هي فاء . وكذلك الناس لان أصله أناس قال :

( وإنا أُناس لا نرى القتل سُبَّة إذا ما رأته عامر وسَلُولُ )


151

ولا تكاد الهمزة تستعمل مع لام التعريف غير أن أبا عثمان أنشد :

( إن المنايا يطَّلِعن على الأناس الآمنينا )

ومنه قولهم : لن في قول الخليل . وذلك أن أصلها عنده ( لا أن ) فحذفت الهمزة عنده تخفيفا لكثرته في الكلام ثم حذفت الألف لسكونها وسكون النون بعدها . فما جاء من نحوه فهذه سبيله . وقد اطّرد الحذف في كُلْ وخُذْ ومُرْ . وحَكَى أبو زيد : لابَ لك ( يريد : لا أب لك ) وأنشد أبو الحسن :

( تَضِبُّ لِثاتُ الخيل في حَجَراتها وتسمع من تحت العَجاج لها ازمِلاَ )

وأنشدنا أبو عليّ :

( إن لم أقاتل فالبِسوني برقُعا )

وحُكى لنا عن أبي عبيدة : دعه في حِرِامّه وروينا عن أحمد بن يحيى :

( هوىّ جُنْدِ ابليسٍ المِرِّيدِ )

( وهو كثير ) ومنه قوله :

( أريتَ إن جئتُ به أُملودا )

وقوله :

( حتى يقول من رآه قد راه )

وهو كثير .


152

فأمّا الإبدال على غير قياس فقولهم : قَرَيت وأخطيت وتوضّيت . وأنشدني بعض أصحابنا لابن هَرْمة :

( ليت السباع لنا كانت مجاوِرة وأننا لا نرى ممن نرى أحدا )

( إنّ السباع لتَهدا عن فرائسها والناس ليس بهادٍ شرُّهم أبدا )

ومن أبيات الكتاب لعبد الرحمن بن حسّان :

( وكنتَ أذلَّ من وتِد بقاع يشجِّج رأسَه بالفِهْرواجي )

يريد : واجئ كما أراد الأوّل : ليس بهادئ ومن أبياته أيضا :

( راحت بَمْسلَمة البغالُ عشيَّةً فارعَىْ فزارةُ لا هناكِ المرتَع )

ومن حكاياته بيس في بئس أبدل الهمزة ياء . ونحوه قول ابن ميَّادة :

( فكان لها يومَذٍ أَمرها )


153

وقرأ عاصم في رواية حفص : ( أن تَبَوَّيَا ) في الوقف أي تبوَّءا . وقال :

( تقاذفه الروّاد حتى رَموا به ورا طرق الشأم البلاد الأقاصيا )

أراد : وراء طرق الشام فقصر الكلمة . فكان ينبغي إذ ذاك أن يقول : ورأ بوزن قرأ لأن الهمزة أصلية عندنا إلا أنه أبدلها ضرورة ( فقلبها ياء وكذلك ما كان من هذا النحو فإنه إذا أبدل ) صار إلى أحكام ذوات الياء ألا ترى أن قريت مبدلة من قرأت بوزن قريت من قريت الضيف ونحو ذلك . ومن البدل البتَّة النبيّ في مذهب سيبويه . وقد ذكرناه . وكذلك البريَّة عند غيره . ومنه الخابية لم تسمع مهموزة . فإما أن يكون تخفيفا اجتُمع عليه كيرى وأخواته وإمّا أن يكون بدلا قال :

( أُرِي عينَّي ما لم ترْأياه كلانا عالمُ بالتُرَّهاتِ )

والنبوّة عندنا مخفَّفة لا مبدَلة . وكذلك الحكم على ما جاء من هذا : أن يحكم عليه بالتخفيف إلى أن يقوم الدليل فيه على الإبدال . فاعرف ذلك مذهبا للعرب نهجا بإذن الله . وحدّثنا أبو عليّ قال : لقي أبو زيد سيبويه فقال له : سمعت العرب


154
تقول : قريت وتوضّيت . فقال له سيبويه : كيف تقول في أفعلُ منه قال : أقرأ . وزاد أبو العباس هنا : فقال له سيبويه : فقد تركَت مذهبك أي لو كان البدل قويّا للزم ( ووجب ) أن تقول : أقرِي كرميت أرمِي . وهذا بيان . باب في حرف اللِين المجهول

وذلك مَدّة الإنكار نحو قولك في جواب من قال : رأيت بكرا : أَبكرِنيه وفي جاءني محمد : أمحمدُنيه وفي مررت على قاسم : أقاسِمِنيه ! وذلك أنك ألحقت مدّة الإنكار وهي لا محالة ساكنة فوافقت التنوين ساكنا فكسر ( لالتقاء الساكنين ) فوجب أن تكون المدّة ياء لتتبع الكسرة . وأيّ المدّات الثلاث كانت فإنها لابدّ أن توجد في اللفظ بعد كسرة التنوين ياء لأنها إن كانت في الأصل ياء فقد كُفِينا النظر في أمرها . وإن كانت ألِفا أو واوا فالكسرة قبلها تقلبها إلى الياء البتّة .

فإن قيل : أفتنصّ في هذه المَدّة على حرف معيَّن : الألف أو الياء أو الواو .

قيل لم تظهر في شيء من الإنكار على صورة مخصوصة فيقطعَ بها عليها دون أختيها وإنما تأتي تابعة لما قبلها ألا تراك تقول في قام عُمَر : أعمروه وفي رأيت أحمد : أأحمداه وفي مررت بالرجل آلرجليه وليست كذلك مَدّة الندبة لأن تلك ألف لا محالة وليست مَدّة مجهولة مدبَّرة بما قبلها ألا تراها تَفتح ما قبلها أبدا مالم تُحدث هناك لَبْسا ونحو ذلك نحو وازيداه ولم يقولوا : وازيدوه وإن


155
كانت الدال مضمومة في وازيد . وكذلك واعبد الملكاه وواغلام زيداه لمّا حذفت لها التنوين ( من زيد ) صادفت الدال مكسورة ففتحتها .

غير أننا نقول : إن أخلق الأحوال بها أن تكون ألِفا من موضعين .

أحدهما أن الإنكار مضاه للندبة . وذلك أنه موضع أريد فيه معنى الإنكار والتعجّب فمُطِل الصوتُ به وجعل ذلك أمارة لتناكره كما جاءت مدّة الندبة إظهارا للتفجُّع وإيذانا بتناكر الخَطْب الفاجع والحَدَث الواقع . فكما أن مَدّة الندبة ألف فكذلك ينبغي أن تكون مدّة الإنكار ألفا .

والآخر أن الغرض في الموضعين جميعا إنما هو مَطْل الصوت ومدّه وتراخيه والإبعاد فيه لمعنى الحادث هناك . وإذا كان الأمر كذلك فالألف أحقّ به دون أختيها لأنها أمَدّهنّ صوتا وأنداهنّ وأشدّهنّ إبعادا ( وأنآهنّ ) . فأمّا مجيئها تارة واوا وأخرى ياء فثانٍ لحالها وعن ضرورة دعت ( إلى ذلك ) لوقوع الضمّة والكسرة قبلها . ولولا ذلك لما كانت إلا ألفا أبدا .

فإن قلت : فهلاّ تبعها ما قبلها في الإنكار كما تبعها في الندبة فقلت في جاءني عمر : أعمراه كما تقول في الندبة : واعمراه .

قيل : فرقُ ما بينهما أن الإنكار جارٍ مجرى الحكاية والمعنى الجامع بينهما أنك مع إنكارك للأمر مستثبت ولذلك قدّمت في أوّل كلامك همزة الاستفهام .


156
فكما تقول في جواب رأيت زيدا : من زيدا كذلك قلت أيضا في جواب جاءني عُمَر : أعمروه .

وأيضا فإن مدّة الإنكار لا تتصل بما قبلها اتصال مَدّة الندبة بما قبلها ألا ترى التنوين فاصلا بينهما في نحو أزيدنيه ولا يفصل به بين المندوب ومدّة الندبة في نحو واغلام زيداه بل تحذفه لمكان مدّة الندبة وتعاقب بينهما لقوة اتصالها به كقوّة اتصال التنوين به فكرهوا أن يظاهروا بينهما في آخر الاسم لتثاقله عن احتمال زيادتين في آخره . فلمّا حذف التنوين لمدّة الندبة قوي اتصالها بالمندوب فخالطته فأثَّرت فيه الفتح . ولمّا تأخّرت عنه مدّة الإنكار ولم تماسّه مماسّة مَدّة الندبة له لم تغيره تغييرها إياه . ويزيدك في علمك ببعد مَدّة الإنكار عن الاسم الذي تبعته وقوعُ ( إنْ ) بعد التنوين فاصلة بينهما نحو أزيدا إنيه ! وأزيدُ إنيه ! وهذا ظاهر للإبعاد لها عنه . وأغرب من هذا أنك قد تباشر بعلامة الإنكار غير اللفظ الأوّل . وذلك في قول بعضهم وقد قيل له : أتخرج إلى البادية إن أخصبَتْ فقال : أَنا إنيه ! فهذا أمر آخر أطَمّ من الأوّل ألا تراك إذا ندبت زيدا ونحوه فإنما تأتي بنفس اللفظ الذي هو عبارة عنه لا بلفظ آخر ليس بعبارة عنه . وهذا تناهٍ في ترك مباشرة مَدّة الإنكار للفظ الاسم المتناكَرة حالهُ وما أبعد هذا عن حديث الندبة !


157

فإن قلت : فقد تقول في ندبة زيد ( وا أبا محمداه ) فتأتي بلفظ آخر وكذلك إذا ندبت جعفرا قلت : وا مَن كان كريماه ! فتأتي بلفظ غير لفظ زيد وجعفر .

قيل : أجل إلا أن ( أبا محمد ) و ( من كان كريما ) كلاهما عبارة عينيهما وقوله : أنا إنيه ليس باللفظ الأوّل ولا بعبارة عن معناه . وهذا كما تراه واضح جليّ .

ومثل مَدّة الإنكار هذه البتّة في جهلها مَدّة التذكّر في قولك إذا تذكرت الخليل ونحوه : اَليِ وعَنِي ومِنا ومُنْذُو أي الخليل وعن الرجل ومِن الغلام ومنذ الليلة . باب في بقاء الحكم مع زوال العلَّة

هذا موضع ربما أوهم فساد العلّة . وهو مع التأمّل بضدّ ذلك نحو قولهم فيما أنشده أبو زيد :

( حِمَّي لا يُحَلّ الدهرَ إلاّ بإذننا ولا نسأل الأقوام عقد المياثقِ )


158

ألا ترى أن فاء ميثاق - التي هي واو وثقْت - انقلبت للكسرة قبلها ياء كما انقلبت في ميزان وميعاد فكان يجب على هذا لمّا زالت الكسرة في التكسير أن تعاوِد الواو فتقول على قول الجماعة : المواثيق كما تقول : الموازين والمواعيد . فتركهم الياء بحالها ربما أوهم أن انقلاب هذه الواو ياء ليس للكسرة قبلها بل هو لأمر آخر غيرها إذ لو كان لها لوجب زواله مع زوالها . ومثل ذلك ( ما أنشده ) خَلَف الأحمر من قول الشاعر :

( عداني أن أزورِك أُمَّ عمرو دياوين تُشَقَّق بالمداد )

فللقائل أيضا أن يقول : لو أن ياء ديوان إنما قلبت عن واو دِوّان للكسرة قبلها لعادت عند زوالها .

وكذلك للمعترض في هذا أن يقول : لو كانت ألف باز إنما قلبت همزة في لغة من قال : بأز لأنها جاورت الفتحة فصارت الحركة كأنها فيها فانقلبت همزة كما انقلبت لمّا حركت في نحو شأبّة ودأبّة لكان ينبغي أن تزول الهمزة


159
عند زوال الألف في قولهم : بئزان فقد حُكِيت أيضا بالهمز إذ كانت الياء ( إذا تحركت ) لم تقلب همزة في نحو قول جرير :

( فيوما يجازين الهوى غير ماضيٍ ويوما ترى منهن غُولا تغوَّل )

وكذلك لو كانت الواو إنما انقلبت في صِبْية وقِنية وصبيان ولِياح للكسرة قبلها لوجب إذا زالت الكسرة أن تعود الواو فتقول : صُبْوة وصُبْوان وقُنْوة ولَوَاح لزوال الكسرة .

والجواب عن هذا وغيره مما هذه حاله أن العلَّة في قلب هذه الأشياء هو ما ذكره القوم : من وقوع الكسرة قبلها لأِشياء .

منها أن أكثر اللغة وشائَع الاستعمال هو إعادة الواو عند زوال الكسرة . وذلك قولهم : موازين ومواعيد وقولهم في ريح : أرواح وفي قِيل : أقوال وفي ميثاق : مواثيق وفي ديوان : دواوين . فأما مياثق ودياوين فإنه لمَّا كثر عندهم واطّرد في الواحد القلب وكانوا كثيرا ما يحملون الجمع على حكم الواحد وإن لم يستوف الجمُع جميعَ أحكام الواحد نحو دِيمة ودِيم وقيمة وقيم صار الأثر في الواحد كأنه ليس عندهم مسبَّبا عن أمر ومعرَّضا لانتقاله بانتقاله بل تجاوزوا به ذلك وطغَوا به إلى ما وراءه حتى صار الحرف المقلوب إليه لتمكّنه في القلب كأنه أصل


160
في موضعه وغير مسبِّب عندهم عن عِلّة فمعَّرٍض لانتقاله بانتقالها حتى أجروا ياء ميثاق مجرى الياء الأصلية وذلك كبنائك من اليسر مِفعالا وتكسيرك إياه على مفاعيل كِميسار ومياسير فمكَّنوا قَدَم الياء في ميثاق أُنْسابها واسترواحا إليها ودلالة على تقبُّل الموضع لها .

وكذلك - عندي - قياس تحقيره على هذه اللغة أن تقول : مُيَيْثِيق .

ومنها أن الغرض في هذا القلب إنما هو طلب للخفَّة فمتى وجدوا طريقا أو شبهة في الإقامة عليها والتعلّل بخفتّها سلكوها واهتبلوها . وليس غرضهم وإن كان قلبها مسبَّبا عن الكسرة أن يتناهّوا في إعلامنا ذلك بأن يعيدوها واوا مع زوالها . وإنما غالب الأمر ومجموع الغرض القلب لها لما يُعقِب من الاسترواح إلى انقلابها . فكأنّهم قَنَّعوا أنفسهم بتصوّر القلب في الواحد لمّا انتقلوا عنه إلى الجمع ملاحظة لأحواله ومحافظة على أحكامه واسترواحا إلى خفَّة المقلوب إليه ودلالة على تمكّن القلب في الواحد حتى ألحقوه بما أصله الياء .

وعندي مَثَل يوضّح ( الحال في ) إقرار الحكم مع زوال العلَّة على قلّة ذلك في ( الكلام ) وكثرة ضدّه في الاستعمال . وهو العُود تقطعه من شجرته غَضّا رطيبا


161
فيقيم على ذلك زمانا ثم يعرض له فيما بعد من الجفوف واليُبْس ما يعرض لما هذه سبيله فإذا استقرَّ على ذلك اليُبْس وتمكّن فيه ( حتى ينخَر ) لم يُغْن عنه فيما بعد أن تعيده إلى قعر البحر فيقيم فيه مائة عام لأنه قد كان بَعُد عن الرطوبة بعدا أوغل فيه حتى أيأس من معاودته البتَّة إليها .

فهذه حال إقرار الحكم مع زوال العلّة وهو الأقلّ في كلامهم . وعلى طَرَف من الملامحة له قول الله عز وجل : ( آلآنَ وقد عصيتَ قبل ) .

ومنها أنهم قد قلبوا الواو ياء قلبا صريحا لا عن علّة مؤثّرة أكثر من الاستخفاف نحو قولهم : رجل غَدْيان وعَشيان والأَريحِيّة ورَياح ولا كسرة هناك ولا اعتقاد كسرة فيه قد كانت في واحده لأنه ليس جمعا فيحتذى به ويقتاس به على حكم واحده . وكذلك قول الآخر :

( جَوْل التراب فهو جَيْلانيّ )

فإذا جنحوا إلى الياء هذا الجُنوح العاري من السبب المؤثّر سوى ما فيه من الاسترواح إليه كان قلب الأثقل إلى الأخفّ وبقاؤه على ذلك لضرب من التأوّل أولى وأجدر .


162

نعم وإذا كانوا قد أقرّوا حكم الواحد على تكسيره مع ثقل ما صاروا إليه مراعاة لأحكامه نحو بأز وبئزان حتى شبهوه برأل ورِئلان كان إقرار قلب الأثقل إلى الأخفّ عند التكسير أولى وأجدر ألا ترى أن الهمزة أثقل من الياء . وكذلك قولهم لَيَاح - وإنما هو فَعَال من لاح يلوح لبياضه - قد راعَوا فيه انقلاب عينه مع الكسرة في ( لِياح ) على ضعف هذا الأثر لأنه ليس بجمع ( كحياض ورياض ) ولا مصدر كقيام وصيام . فإقرار الحكم القويّ الوجوب في الواحد عند تكسيره أجدر بالجواز .

وكذلك حديث قِنية وصِبيان وصِبية في إقرار الياء بحالها مع زوال الكسرة في صُبيان وقُنية . وذلك أن القلب مع الكسرة لم يكن له قوّة في القياس وإنما كان مجنوحا به إلى الاستخفاف . وذلك أن الكسرة لم تلِ الواو ألا ترى أن بينهما حاجزا وإن كان ساكنا فإن مثله في أكثر اللغة يَحجِز . وذلك نحو جِرو وعِلْوٍ وصِنو وقِنو ومِجْولٍ ومِقْولٍ و ( قِرواح وجِلواخ وقِرواش ودرواس ) وهذا كثير فاشٍ . فلما أعلّوا في صبية وبابه علم أن أقوى سببى القلب إنما هو طلب الاستخفاف لا متابعة الكسر مضطرّا إلى الإعلال . فلمّا كان الأمر كذلك أمضَوا العَزْمة في ملازمة الياء لأنه لم يَزُل من الكسرة مؤثِّر يحكم القياسُ


163
له بقوّة فيدعو زواله إلى المصير إلى ضدّ الحكم الذي كان وجب به . وليس هذا كمياثق من قِبل أن القلب في ميثاق واجب والقلب في قنية وصبية ليس بواجب . فكأنّ باب ميثاق أثَّر في النفس أَثرا قوَّي الحكم فقرّره هناك فلمّا زال بقي حكمه دالاّ على قوّة الحكم الذي كان به وباب صِبية وعِلية أُقِرّ حكمه مع زوال الكسرة عنه اعتذارا في ذلك بأن الأوّل لم يكن عن وجوب فيزالَ عنه لزوالِ ما دعا إليه وإنما كان استحسانا فليكن مع زوال الكسر أيضا استحسانا .

أفلا ترى إلى اختلاف حال الأصلين في الضعف والقوّة كيف صرت له بهما إلى فرع واحد وهو القلب . فإنه جيّد في معناه ونافع في سواه مما هو شَرْواه

( ومن بعد ) فقد قالوا أيضا : صُبْوان وصُبْوة وقُنْوة وعلى أن البغداديّين قالوا : قنوت وقنيت وإنما كلامنا على ما أثبته أصحابنا وهو قنوت لا غير .

ومن بقاء الحكم مع زوال عِلّته قول الراجز :

( لمّا رأى أن لادَعَهْ ولا شِبَعْ مال إلى أرطاة حِقْفٍ فالْطَجع )

وهو افتعل من الضجعة . وأصله : ( فاضتجع فأبدلت التاء طاء لوقوع الضاد قبلها فصارت ) : فاضطجع ثم أبدل الضاد لاما . وكان سبيله ( إذ أزال ) جَرْس الضاد أن تصح التاء فيقال : فالتجع كما يقال : التحم والتجأ لكنه أُقِرّت الطاء


164
بحالها إيذانا بأن هذا القلب الذي دخل الضاد إلى اللام لم يكن عن استحكام ولا عن وجوب كما أن صحَّة الواو في قوله :

( وكَحَل العينين بالعواور )

إنما جاء لإرادة الياء في العواوير ولِيعلم أن هذا الحرف ليس بقياس ولا منقاد .

فهذه طريق بقاء الأحكام مع زوال العِلل والأسباب . فاعرف ذلك فإنه كثير جّدا . باب في توجّه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين

وذلك في الكلام على ضربين : أحدهما - وهو الأكثر - أن يتفق اللفظ البتَّة ويُختلَف في تأويله . وعليه عامّة الخلاف نحو قولهم : هذا أمر لا ينادَى وليده فاللفظ غير مختلَف فيه لكن يختلَف في تفسيره .

فقال قوم : إن الإنسان يذهل عن ولده لشدّته فيكون هذا كقول الله تعالى : ( يومَ تَرَوْنَها تذهَلُ كُلُّ مُرْضِعة عَمَّا أَرْضَعَتْ ) وقوله سبحانه : ( يوم يفرُّ المَرْءُ من أخيه وأُمّه وأبيه ) ( والآي في هذا المعنى كثيرة )


165

وقال قوم : أي هو أمر عظيم فإنما ينادَى فيه الرجال والجِلَّة لا الإماء والصبية .

وقال آخرون : الصبيان إذا ورد الحيّ كاهن أو حوّاء أو رَقَّاء حُشِدوا عليه واجتمعوا له . أي ليس هذا اليوم بيوم أنس ولهو إنما هو يوم تجرّد وجِدّ .

وقال آخرون - وهم أصحاب المعاني - : أي لا وليد فيه فينادى ( وإنما فيه الكُفاة والنهضة ) ومثله قوله :

( على لا حب لا يُهتدَى بمناره )

أي لا منار فيه فيهتدى به وقوله أيضا :

( لا تفزِعُ الأرنبَ أهوالُها ولا ترى الذئب بها ينجحرْ )

أي لا أرنب بها فتفزِعها أهوالها .

ونحوه - عندي - بيت الكتاب :

( وقِدرٍ ككفّ القِرْد لا مستعيرُها يُعار ولا مَن يأتِها يتدَسِّمِ )


166
أي لا مستعير يستعيرها فيُعارُها لأنها - لصغرها ولؤمها - مأبِيَّة معِيفة . وكذلك قوله :

( زعموا أن كل من ضرب العَيْر مَوَالٍ لنا وأنا الولاء )

على ما فيه من الخلاف .

وعلى ذلك عامّة ما جاء في القرآن وفي حديث النبيّ ومَن بعده رضوان الله عليهم وما وردت به الأشعار وفصيح الكلام .

وهذا باب في نهاية الانتشار وليس عليه عَقْد هذا الباب . وإنما الغرض الباب الآخر الأضيق الذي ترى لفظه على صورة ويحتمل أن يكون على غيرها كقوله :

( نطُعنهم سُلْكَى ومخلوجةً كَرَّك لامين على نابل )

فهذا ينشد على أنه ما تراه : كرك لامين ( أي زدّك لامين ) - وهما سهمان - على نابل . وذلك أن تعترض من صاحب النبل شيأ منها فتتأمله تردّه إليه فيقع


167
بعضه كذا وبعضه كذا . فكذلك قوله : كرك لامين أي طعنا مختلفا : بعضه كذا وبعضه كذا . ويروى أيضا على أنه : كر كلامين أي كَرَّك كلامين على صاحب النبل كما تقول له : ارم ارم تريد السرعة والعجلة . ونحو من ذلك - وإن كان فيه أيسر خلافٍ - بيت المثقّب العبديّ :

( أفاطمَ قبل بينك نوِّليني ومَنْعُكِ ما سألتُ كأن تبيني )

فهذه رواية الأصمعيّ : أي منعك كبينك وإن كنتِ مقيمة . ومثله : ( قول الطائيّ ) الكبير :

( لا أظلم النأي قد كانت خلائقُها من قبل وَشْك النوى عندي نَوىً قُدُفا )

ورواه ابن الأعرابيّ :

( ومنعك ما سأَلتُكِ أن تبيني )

أي منعك إياي ما سألتك هو بينك . ورواية الأصمعيّ أعلى وأذهب في معاني الشعر . ومن ذلك ما أنشده أبو زيد :

( وأطلَس يهديه إلى الزاد أنفه أطاف بنا والليل داجي العساكر )

( فقلت لعمرو صاحبي إذ رأيته ونحن على خًوص دقاق عواسر )

أي عوى هذا الذئب فسر أنت .


168

وأنشدنا أبو عليّ : خليلّيَّ لا يبقى على الدهر فادر بتَيْهُورة بين الطَخَا فالعصائب )

أي بين هذين الموضعين وأنشدناه أيضا : بين الطخافِ العصائب .

وأنشد ( أيضا ) :

( أقول للضحَّاك والمُهَاجر إنَّا وربّ القُلُص الضوامر )

إنَّا أي تعبنا من الأين وهو التعب والإعياء . وأنشد أبو زيد :

( هل تعرف الدار بَبيْدا إنَّهْ دار لخَوْد قد تعفَّت إنَّهْ )

( فانهلَّت العينان تسفحَنَّهْ مثل الجُمَان جال في سِلْكِنَّهْ )

( لا تعجبي منّي سُلَيْمَى إنَّهْ إنا لحلاَّلون بالثَغْرِنَّهْ )

وهذه أبيات عملها أبو عليّ في المسائل البغدادية . فأجاز في جميع قوافيها أن يكون أراد : إنَّ وبيَّن الحركة بالهاء وأطال فيها هناك . وأجاز أيضا أن يكون أراد : ببيداء ثم صرف وشدّد التنوين للقافية وأراد : في سلك فبنى منه فِعْلِناً كفِرْسِن


169
ثم شدّده لنيّة الوقف فصارْ : سلكنَّ . وأراد : بالثغر فبنى منه للضرورة فَعْلِنا وإن لم يكن هذا مثالا معروفا لأنه أمر ارتجله مع الضرورة إليه وألحق الهاء في سلكنه والثغرنه كحكاية الكتاب : أعطني أَبْيَضَّهْ . وأنشدوا قوله :

( نُفلِّق هاماً لم تنَلْه سيوفُنا بأيماننا هامَ الملوك القماقم )

وإنما هو : ها من لم تنله سيوفنا . ف ( ها ) تنبيه و ( من لم تنله سيوفنا ) نداء أي يا من لم تنله سيوفنا خَفْنا فإنا من عادتنا أن نفلّق بسيوفنا هام الملوك فكيف مِن سواهم .

ومنه المَثَل السائر : زاحم بَعوْد أو دَعْ أي زاحم بقوّة أو فاترك ذلك حتى توهَّمه بعضهم : بِعَوْد أودعَ فذهب إلى أن ( أودع ) صفة لعَود كقوله : بعَود أوقص أو أوطف أو نحو ذلك مما جاء على أفعل وفاؤه واو .

ومن ذلك قول الله تعالى ( وِيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافرونَ ) . فذهب الخليل وسيبويه فيه إلى أنه وَيْ مفصول وهو اسم سمِّي به الفعل في الخبر وهو معنى أعجب ثم قال مبتدئا : كأنه لا يفلح الكافرون وأنشد فيه :

( وَيْ كأن من يكن له نشب يُحبب ومن يفتقر يعِشْ عيش ضرِّ )


170

وذهب أبو الحسن فيه إلى أنه : وَيْكَ أنه لا يفلح الكافرون أراد : ويك أي أعجب أنه لا يفلح الكافرون أي أعجب لسوء اختيارهم ( ونحو ذلك ) فعلَّق ( أنّ ) بما في ( ويك ) من معنى الفعل وجعل الكاف حرف خطاب بمنزلة كاف ذلك وهنالك . قال أبو عليّ ناصرا لقول سيبويه : قد جاءت كأنّ كالزائدة وأنشد بيت عمر :

( كأنني حين أمسي لا تكلَّمني ذو بُغية يشتهي ما ليس موجودا )

أي أنا كذلك . و ( كذلك ) قول الله سبحانه ( ويكأنه لا يفلح الكافرون ) أي ( هم لا يفلحون ) . ( وقال الكسائيّ : أراد : ويلك ثم حذف اللام ) .

ومن ذلك بيت الطِرِمَّاح :

( وما جَلْسُ أبكار أطاع لسَرْحها جَنَى ثمر بالواديين وَشوع )

قيل فيه قولان : وَشُوع أي كثير . ومنه قوله :

( إني امرؤ لم أتوشَّع بالكذب )

أي لم أتحسّن به ولم أتكثّر به . وقيل : إنها واو العطف والشُوع : ضَرْب من النبت .


171

ونحو من ذلك ما أنشده أبو زيد ( من قول الشاعر ) :

( خالت خُوَيلة أنّي هالك ودأ )

قيل : إنه واو عطف أي إني هالك ( وداء ) من قولهم : رجل داُء أي دَوٍ ثم قلب . وحَدَّثنا عن ابن سَلاَّم أن أعرابيا قال للكحَّال : كحلني بالمكحال الذي تُكحَل به العيون الداءة . وأجاز أيضا في قوله : ( ودأ ) أن يكون فَعَلا من قوله :

( وللأرض كم من صالح قد تودّأت عليه فوارته بلمَّاعةٍ قَفْرِ )

أي غطَّته وثقَّلت عليه . فكذلك يكون قوله : إني هالك كَدّا وثقلا وكان يعتمد التفسير الأوّل ويقول : إذا كانت الواو للعطف كان المعنى أبلغ ( وأقوى ) وأعلى كأنه ذهب إلى ما يراه أصحابنا من قولهم في التشهد : التحيّات لله والصلوات لله والطيّبات . قالوا : لأنه إذا عطف كان أقوى له وأكثر لمعناه من أن يجعل الثاني مكررا على الأوّل بدلا أو وصفا . وقال الأصمعيّ في قوله :

( وأخلفوك عِدَا الأمر الذي وعدوا )


172

أراد جمع عِدَة . وقال الفرّاء : أراد عدة الأمر فلمَّا أضاف حذف الهاء كقول الله سبحانه ( وإقام الصلاة ) وهذا يجيء في قول الأصمعيّ على القلب فوزنه على قوله عِلَفَ الأمر .

وهذا باب واسع . وأكثره في الشعر . فإذا مرَّ بك فتنبِّهْ عليه ( ومنه قوله :

( وغَلَتْ بهم سَجْحاءُ جارية تَهْوِي بهم في لُجَّة البحر )

يكون : فعلت من التوغل . وتكون الواو أيضا عاطفة فيكون من الغليان . ومنه قوله :

( غدوت بها طَيَّا يدي برشائها )

يكون فَعْلَى من طويت . ويجوز أن يكون تثنية طيّ أي طيَّا يدي وأراد : طياها بيدي فقلب ) .

ومنه بيت أوس :

( فملَّكَ بالليط الذي تحت قشرها كغِرِقِئ بَيْض كَنَّه القيضُ من علُ )

( الأصمعيّ : هو من المَلْك وهو التشديد . وقال ابن الأعرابيّ ) : أراد : من لك بهذا الليط .

ومنه بيت الخنساء :

( أبعد ابن عمرو مِن ال الشريد ِحَلَّتْ به الأرضُ أثقالها )


173
هو من الْحِلية أي زينَّت به موتاها . وقال ابن الأعرابيّ : هو من الحلّ كأنه لمّا مات ( انحلّ به ) عَقْد الأمور . باب في الاكتفاء بالسبب من المسبَّب وبالمسبّب من السبب

هذا موضع من العربية شريف لطيف وواسع لمتأمِّله كثير . وكان أبو علي -رحمه الله - يستحسنه ويُعنى به . وذكر منه مواضع قليلة . ومرَّ بنا نحن منه ما لا نكاد نحصيه .

فمن ذلك قول الله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) ( وتأويله ) - والله أعلم - : فإذا أردت قراءة القرآن فاكتفي بالمسبَّب الذي هو القراءة من السبب الذي هو الإرادة . وهذا أولى من تأوّل من ذهب إلى أنه أراد : فإذا استعذت فاقرأ لأن فيه قلبا لا ضرورة بك إليه . وأيضا فإنه ليس كل مستعيذ بالله واجبةً عليه القراءة ألا ترى إلى قوله :

( أعوذ بالله وبابن مُصْعَبِ اَلفرع من قريشٍ المهذَّب )

وليس أحد أَوجب عليه من طريق الشرع القراءة في هذا الموضع .

وقد يكون على ما قدّمنا قوله عزّ اسمه : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) أي إذا أردتم القيام لها والانتصاب فيها .

ونحو ما أنشده أبو بكر :

( قد علَمتْ إن لم أجد معينا لأخلطنّ بالخَلُوق طينا )


174

يعني امرأته . يقول : إن لم أجد من يعينني على سَقْي الإبل قامت فاستقت معي فوقع الطين على خَلُوق يديها . فاكتفى بالمسبَّب الذي هو اختلاط الطين بالخلوق من السبب الذي هو الاستقاء معه .

ومثله قول الآخر :

( يا عاذلاتي لا ترِدن ملامتي إن العواذل لسن لي بأمير )

أراد : لا تلمنني فاكتفى بإرادة اللوم منه وهو تالٍ لها ومسبَّب عنها . وعليه قول الله تعالى ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) أي فضرب فانفجرت فاكتفى بالمسبَّب الذي هو الانفجار من السبب الذي هو الضرب . وإن شئت أن تعكس هذا فتقول : اكتفى بالسبب الذي هو القول من المسبب الذي هو الضرب .

ومثله قوله :

( إذا ما الماءُ خالطها سخينا )

إن شئت قلت : اكتفى بذكر مخالطة الماء لها - وهو السبب - من الشرب وهو المسبّب . وإن شئت قلت اكتفى بذكر السخاء - وهو المسبَّب - من ذكر الشرب وهو السبب .

ومثله قول الله عز اسمه ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ) أي فحلق فعليه فدية . وكذلك قوله : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدَّة من أيام أخر ) أي فأفطر فعليه كذا .


175

ومنه قول رؤبة :

( يا رب إن أخطأتُ أو نسيتُ فأنت لا تنسى ولا تموت )

وذلك أن حقيقة الشرط وجوابه أن يكون الثاني مسبَّبا عن الأوّل ( نحو قوله : إن زرتني أكرمتك فالكرامة مسبَّبة عن الزيارة ) وليس كون الله سبحانه غير ناس ولا مخطِئا أمرا مسبّبا عن خطأ رؤبة ولا عن إصابته إنما تلك صفة له - عزّ اسمه - من صفات نفسه . لكنه كلام محمول على معناه أي إن أخطأت أو نِسيت فاعف عنّي لنقصي وفضلك . فاكتفى بذكر الكمال والفضل - وهو السبب - من العفْو وهو المسبَّب .

ومثله بيت الكتاب :

( إني إذا ما خَبَتْ نار لُمرِملة أُلْفَي بأرفع تلّ رافعا ناري )

وذلك ( أنه إنما ) يفخر ببروز بيته لِقرى الضيف وإجارة المستصرِخ كما أنه إنما يذمّ من أخفى بيته وضاءل شخصه بامتناعه من ذلك . فكأنه قال إذًا : إني إذا منع غيري وجبن أعطيت وشُجعت . فاكتفى بذكر السبب - وهو ( التضاؤل والشخوص ) - من المسبَّب وهو المنع والعطاء .


176

ومنه بيت الكتاب :

( فإن تبخل سَدُوسُ بدرهميها فإن الريح طيبّة قَبولُ )

أي إن بخِلت تركناها وانصرفنا عنها . فاكتفى بذكر طِيب الريح المعِين على الارتحال عنها .

ومنه قول الآخر :

( فإن تعافُوا العدل والإيمانا فإن في أَيمْاننا نِيرانا )

يعني سيوفا أي ( فإنا ) نضربكم بسيوفنا . فاكتفى بذكر السيوف من ذكر الضرب بها . وقال :

( يا ناقَ ذات الوَخْد والعَنيِق أَمَا ترين وَضَح الطريقِ )

أي فعليِك بالسير . وأنشد أبو العبّاس :

( ذَرِ الآكِلين الماء ظلما فما أرى ينالون خيرا بعد أكلهم الماء )

وقال : هؤلاء قوم كانوا يبيعون الماء فيشترون بثمنه ما يأكلون فقال : الآكلين الماء لأن ثمنه سبب أكلهم ما يأكلونه . ومرّ بهذا الموضع بعض مولَّدِي البصرة فقال :

( جُزْتُ بالساباط يوما فإذا القَينَةُ تُلْجَمْ )


177

وهذا إنسان كانت له جارية تغنّي فباعها واشترى بثمنها برذونا فمرّ به هذا الشاعر وهو يلجَم فسمَّاه قَينة إذ كان شراؤه مسبَّبا عن ثمن القَينة . وعليه قول الله سبحانه : ( إني أراني أعصر خمرا ) ( وإنما يعصِر عنبا يصير خمرا ) فاكتفى بالمسبّب الذي هو الخمر من السبب الذي هو العنب . وقال الفرزدق :

( قتلتُ قتيلا لم يَرَ الناسُ مثلَه أقبِّله ذا تُومَتين مسوّرا )

وإنما قتل حيّا يصير بعد قتله قتيلا فاكتفى بالمسبَّب من السبب . وقال :

( قد سَبَق الأشقر وَهوْ رابضُ فكيف لا يَسبِق إذ يراكضُ )

يعني مُهْرا سَبَقت أُمُّه وهو في جوفها فاكتفى بالمسبَّب الذي هو المهر من السبب الذي هو الأمّ . وهو كثير جدّا . فإذا مرّ بك فاضممه إلى ما ( ذكرنا منه ) باب في كثرة الثقيل وقِلَّة الخفيف

هذا موضع من كلامهم طريف . وذلك أنا قد أحطنا علما بأنّ الضمة أثقل من الكسرة وقد ترى مع ذلك إلى كثرة ما توالت فيه الضمَّتان نحو طُنُب وعُنُق وفُنُق وحُشُد وجُمُد وسُهُد وطُنُف وقِلَّة نحو إبل . وهذا موضع محتاج إلى نظر .

وعِلَّة ذلك عندي أن بين المفرد والجملة أشباها .


178

منها وقوعُ الجملة موقعَ المفرد في الصفة والخبر والحال . فالصفة نحو مررت برجل وجهُه حسن . والخبر نحو زيد قام أخوه . والحال كقولنا : مررت بزيد فرسه واقفة .

ومنها أن بعض الجُمَل قد تحتاج إلى جملة ثانية احتياج المفرد إلى المفرد . وذلك في الشرط وجزائه والقسم وجوابه .

فالشرط نحو قولك : إن قام زيد قام عمرو . والقَسَم نحوُ قولك : أُقسِمُ ليقومنّ زيد . فحاجة الجملة الأولى إلى الجملة الثانية كحاجة الجزء الأوّل من الجملة إلى الجزء الثاني نحو زيد أخوك وقام أبوك .

ومنها أن المفرد قد أُوقِع موقع الجملة في مواضع كنَعَمْ ولا لأن كل واحد من هذين الحرفين نائب عن الجملة ألا ترى إلى قولك : نَعَمْ في موضعِ قد كان ذاك ( ولا في موضع لم يكن ذاك ) وكذلك صَهْ ومَهْ وإيِه وأفّ وآوَّتاه وهيهات : كل واحد منها جزء مفرد وهو قائم برأسه وليس للضمير الذي فيه استحكام الضمير في الفعل . ( يدّل على ذلك أنه لمّا ظهر في بعض أحواله ظهر مخالفا للضمير في الفعل ) وذلك قول الله سبحانه : ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) وأنت لا تقول في الفعل : اضربُم ولا ادخُلُمْ ولا اخرجُمْ ولا نحو ذلك .


179

فلمّا كانت بين المفرد وبين الجملة هذه الأشباه والمقارَبات وغيرها شبَّهوا توالي الضمتين في نحو سُرُح وعُلُط بتواليهما في نحو زيد قائم ومحمد سائر . وعلى ذلك قال بعضهم : الحمدُ لُلّه فضم لام الجرّ إتباعا لضمَّة الدال وليس كذلك الكسر في نحو إبِل لأنه لا يتوالى في الجملة الجرّان كما يتوالى الرفعان .

فإن قلت : فقد قالوا : الحمدِ لِلّه فوالوا بين الكسرتين كما والَوا بين الضمَّتين قيل : الحمدُ لُلّه هو الأصل ثم شبِّه به الحمدِ لِلّه ألا ترى أن إتباع الثاني للأوّل - نحو مُدُّ وفِرِّ وضَنَّ - أكثر من إتباع الأوّل للثاني نحو : اُقْتُل . وإنما كان كذلك لأن تقدّم السبب أولى من تقدّم المسبَّب لأنهما يجريان مَجرى العِلَّة والمعلول وعلى أن ضمة الهمزة في نحو : اُقتل ولا تعتدّ لأن الوصل يزيلها فإنما هي عارضة وحركة نحو مُدُّ وفرَّ وعَضَّ ثابتة مستمرّة في الوصل الذي هو العِيار وبه الاعتبار . وأيضا فإنه إذا انضمّ الأوّل وأريد تحريك الثاني كانت الضمّة أولى به من الكسرة والفتحة . أما الكسرة فلأنك تصير إلى لفظ فُعِل وهذا مثال لا حظَّ فيه للاسم وإنما هو أمر يخصّ الفعل . وأما دُئل فشاذّ . وقد يجوز أن يكون منقولا أيضا كبَذَّر وعَثَّر .


180

فإن قيل : فإن دُئِلا نكرة غير علم وهذا النقل إنما هو أمر يخصّ العَلَم نحو يشكر ويزيد وتغلب .

قيل : قد يقع النقل في النكرة أيضا . وذلك الينجلِب . فهذا منقول من مضارع انجلب الذي هو مطاوعُ جلبته ألا ترى إلى قولهم في التأخيذ : أخَّذته بالينحلِب فلم يَحُرْ ولم يغب . ومثله رجل أُباتُر . وهو منقول من مضارع باترت فنقِل فوصف به . وله نظائر فهذا حديث فُعِل .

وأما فُعَل فدون فُعُل أيضا . وذلك أنه كثيرا ما يُعدَل عن أصول كلامهم نحو عُمِر وزُفَر وجُشَم وقُثَم وثُعَل وزُحَل . فلما كان كذلك لم يتمكَّن عِندهم تمكُّن فُعُل الذي ليس معدولا . ويدلّك على انحراف فُعَل عن بقية الأمثلة الثلاثية غير ذوات الزيادة انحرافهم بتكسيره عن جمهور تكاسيرها . وذلك نحو جُعَلٍ وجِعْلان وصُرَد وصِردان ونُغَر ونِغران ( وسُلَك وسِلْكان ) فاطّراد هذا في فُعَل مع عِزَّته في غيرها يدلّك على أن له فيه خاصية انفرد بها وعُدِل عن نظائره إليها . نعم وقد ذهب أبو العباس إلى أنه ( كأنه منقوص ) من فُعَالٍ . واستدل على ذلك


181
باستمراره على فِعلان قال : فجِرذان وصِردان في بابه كغُراب وغربان وعُقَاب وعقبان . وإذا كان كذلك ففيه تقوية لما نحن عليه ألا ترى أن فُعَالا أيضا مِثال قد يؤلِف العدل نحو أحاد وثُناء وثلاث ورُباع . وكذلك إلى عشار قال :

( ولم يَسْتريثوك حتى عَلَوت َ فوق الرجال خِصالا عُشارا )

ومما يُسأل عنه من هذا الباب كثرةُ الواو فاءً وقِلَّة الياء هناك . وذلك نحو وعد و وزن و ورد و وقع وضع و وفد على قلّة باب يمن ويسر .

وذلك أن سبب كثرة الواو هناك أنك قادر متى انضمَّت أو انكسرت أن تقلبها همزة . وذلك نحو أُعِد وأجوهٍ وأُرقة وأصْلة وإسادة وإفادة . وإذا تغيَّر الحرف الثقيل فكان تارة كذا وأخرى كذا كان أمثل من أن يلزم محجَّة واحدة . والياء ( إذا وقعت أوّلا و ) انضمَّت أو انكسرت لم تقلب همزة ولا غيرها .

فإن قلت فقد قالوا : باهلة بن أَعْصُرَ ويَعْصُر وقالوا :

( طافَ والركبُ بصحراءِ يُسُر )

وأسُر وقالوا : قطع الله يَديَه وأَدَيْه .


182
قيل : أمّا أَعصر فهمزته هي الأصل والياء في يَعصر بدل منها . يدلُّ على هذا أنه إنما سُمَّي بذلك لبيت قاله وهو :

( أبنيَّ إن أباكَ شيَّبَ رأسَه كرُّ الليالي واختلافُ الأعصُرِ ) فالياء في يعصر إذًا بدل من همزة أعصر . وهذا ضدّ ما أردته وبخلاف ما توهَّمته . وأمّا أُسُر ويُسُر فأصلان كلّ واحد منهما قائم بنفسه كَيتْن وأَتْن وألمَلْمَ ويلملم . وأما أَدَيه ويديه فلعمري إن الهمزة فيه بدل من الياء بدلالة يَدَيت إليه وأيدٍ ويُديّ ونحو ذلك لكنه ليس البدل من ضرب إبدال الواو همزة . وذلك أن الياء مفتوحة والواو إذا كانت مفتوحة شذّ فيها البدل نحو أناة وأجَم . فإذا كان هذا حديث الواو التي يطَّرد إبدالها فالياء حَرًي ألاّ يكون البدل فيها إلا لضرب من الاّتساع وليس طريقه طريق الاستخفاف والاستثقال .

فإن قلت : فالهمزة على كل حال أثقل من الواو فكيف عُدِل عن الأثقل إلى ما هو أثقل منه .


183

قيل : الهمزة وإن كانت أثقل من الواو على الإطلاق فإِن الواو إذا انضمَّت كانت أثقل من الهمزة لأن ضمتها تزيدها ثِقَلا . فأمّا إسادة وإعاء فإن الكسرة فيهما محمولة على الضمَّة في أُقِّتت فلذلك قلَّ نحو إسادة وكثر نحو أجوه وأرقة حتى إنهم قالوا في الوُجْنة : الأُجْنة فأبدلوها مع الضمَّة البتّة ولم يقولوا : وُجْنة .

وأيضا فإن الواو إذا وقعت بين ياء وكسرة في نحو يَعِد ويَرِد حُذفت والياء ليست كذلك ألا ترى إلى صِحَّتها في نحو يَيْعِر وييسِر ( وكأنهم إنما ) استكثروا مما هو معرّض تارة للقلب وأخرى للحذف وهذا غير موجود في الياء . فلذلك قلَّت بحيث كثرت الواو .

فإن قلت : فقد كثر عنهم توالي الكسرتين في نحو سِدِراتٍ وكِسِراتٍ وعِجِلاتٍ .

قيل : هذا إنما احتُمِل لمكان الألف والتاء كما احتُمِل لهما صحَّة الواو في نحو خُطُوات وخُطَوات . ولأجل ذلك ما أجاز في جمع ذَيت إذا سمَّيت بها ذياتٍ


184
بتخفيف الياء وإن كان يبقى معك من الاسم حرفان الثاني منهما حرف لين . ولأجل ذلك ما صَحَّ في لغة هُذَيل قولهم : جَوَزات وبَيَضات لمَّا كان التحريك أمرا عرض مع تاء جماعة المؤنَّث قال :

( أبو بَيَضات رائح متأوّب رفيق بمسح المنكبين سَبوحُ ) فهذا طريق من الجواب عمَّا تقدم من السؤال في هذا الباب .

وإن شئت سلكت فيه مذهب الكِتَاب فقلت : كثر فُعُل وقلّ فِعِل وكثرت الواو فاء وقلَّت الياء هنالك لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون . ولعمري إن هذه محافلة في الجواب وربما أتعَبت وترامت ( ألا ترى أن ) لقائل أن يقول فإذا كان الأمر كذلك فهلاَّ كثر أخفّ الأثقلين لا أثقلهما ( فكان ) يكون أقيسَ المذهبين لا أضعفَهما .

وكذلك قولهم : سُرْت سُوُورا وغارت عينُه غُوُورا وحال عن العهد حُووُلا هذا مع عِزَّة باب سُوك الإسحل وفي غوور وسوور فضل واو وهي واو فعول .


185

وجواب هذا أن الواو وإن زادت في عِدّة المعتدّ فإن الصوت أيضا ( بِلِينها يَلَذُّ وينعُم ) ألا ترى أن غُوورا وحوولا وإن كان أطول من سُوُك وسُوُر فإنه ليس فيه قلق سوك وسور فتوالي الضمتين مع الواو غير ( موفّ لك ) بلين الواو المنعِّمة للصوت . يدلّ على ذلك أنهم إذا أضافوا إلى نحو أُسَيِّد حذفوا الياء المحرّكة فقالوا أسَيْدِيّ كراهية لتقارب أربع ياءات فإذا أضافوا إلى نحو مُهَيِّيم لم يحذفوا فقالوا : مُهَيَّيميّ فقاربوا بين خمس ياءات لَمَّا مُطِل الصوت فلان بياء المدّ . وهذا واضح . فمذهب الكتاب - على شرفه وعلوّ طريقتِه - يدخل عليه هذا . وما قدّمناه نحن فيه لا يكاد يعرِض شيء من هذا الدَخَل له . فاعرفه وقِسه وتأتَّ له ولا تَحْرَجْ صَدْرا به . باب القول على فوائت الكِتاب

اعلم أن الأمثلة المأخوذة على صاحبه سنذكرها ونقول فيها ما يَدْحَضُ عنه ظاهر معَرَّتها لو صحَّت عليه . ولو لم تكن فيها حيلة تدرأ شناعة إخلاله بها عنه لكانت مَعْلاة له لا مَزْراة عليه وشاهدة بفضله ونقصِ المتتبّع ( له بها ) لا نقصِه


186
إن كان أوردها مريدا بها حطَّ رتبته والغَضّ من فِضيلتِه . وذلك لِكُلْفة هذا الأمر وبعد أطرافه وإيعار أكنافه أن يُحاط بها أو يشتمِل تحجّر عليها . وإن إنسانا أحاط بِقاصي هذه اللغات المنتشِرة وتحجّر أذراءها المترامية على سعة البلاد وتعادي ألسنتها اللِداد وكثرة التواضع بين أهليها من حاضر وباد حتى اغترق جميع كلام الصُرَحاء والهُجَناء والعبيد والإماء في أطرار الأرض ذات الطول والعرض ( ما بين ) منثور إلى منظومٍ ومخطوب به ( إلى مسجوع ) حتى لغات الرعاة الأجلاف والرواعي ذوات صِرَار الأخلاف وعقلائهم والمدخولين وهُذاتهم الموسوسين في جِدّهم وهَزْلهم وحربهم وسَلْمهم وتغاير الأحوال عليهم فلم يُخلِل من جميع ذلك - على سعته وانبثاثه وتناشره واختلافه - إلا بأحرف تافهة المقدار متهافتةٍ على البحث والاعتبار - ولعلها أو أكثرها مأخوذة عمَّن فسدت لغته فلم تلزم عهدته - لجدير أن يعلم بذلك توفيقه وأن يُخَلَّى له إلى غايته طريقه .
187
ولنذكر ما أورد عليه معقّبا به ولنقل فيه ما يحضرنا من إماطة الفحش به عنه بإذن الله . ذكر الأمثلة الفائتة للكتاب

وهي : تِلِقّامة وتِلِعَّابة فِرْناس فُرَانِس تَنُوفَي تَرُجمان شحم أُمْهُج مُهْوَأَنّ عُياهِم ترامِز وتُماضر ينابعات دِحِنْدِح عِفِرِّين تِرْعاية الصِّنِّبِر زَيْتُون مَيْسُون كُذُبْذُب ( وكُذُّبْذُب ) هَزَنْبَزَان عَفَزَّران هَدَيْكُر هُنْدَلِع دُرْداقِس خُزْرانق شَمَنْصِير مُؤْقٍ مأقٍ جَبَرُوَّة مَسْكِين مَنديل حُوْرِت تَرْقُؤَة خَلْبُوت حَيُّوت سَمَرْطُول قَرَعْبَلانة عُقْرُبَّان مَأْلُك إِصرِّي إِزِلْزِل إصْبُع خِرْفُع زِئْبُر ضِئْبُل خُرُنْباش زَرْنُوق صَعْفوق كُنادِرُ الماطِرون خَزْعال قِسْطال وَيْلمَّة فِرْنَوس سُرَاوع ضَهْيَد عَتْيَد الحُبْلِيل الأُرْبُعاوَي مُقْبَئنّ ( يَرْنَأ تَعَفْرَت ) .

أما تِلِقَّامة وتِلِعَّابة فإنه وإن لم يّذكر ذلك في الصفات فقد ذكر في المصادر تفعلّت تِفِعَّالا نحو تحملت تِحمَّالا . ومثله تقرَّبت تِقِرَّابا . ولو أردتّ الواحدة من


188
هذا لوجب أن تكون تِحِمَّالة . فإذا ذكر تِفِعَّالا فكأنه قد ذكره بالهاء . وذلك لأن الهاء زائدة أبدا في تقدير الانفصال على غالب الأمر .

وعلى الجملة فإن هذه الفوائت عند أكثر الناس إذا فُحِص عن حالها وتؤمِّلت حقَّ تأمّلها فإنها - إلا ما لا بال به - ساقطة عن صاحب الكتاب . وذلك على أنها أضرب .

فمنها ما ليس قائله فصيحا عنده .

ومنها لم يُسمع إلا في الشعر والشعر موضع اضطرار وموقف اعتذار . وكثيرا ما يحرَّف فيه الكلم عن أبنيته وتحال فيه المُثُل عن أوضاع صِيغَتها لأجله ألا ترى قوله :

( أبوك عطاء ألأم الناس كلهم )

يريد عَطِيَّة . وقالت امرأة ترثى ابنا لها يقال له حازوق :

( أقلّب طَرْفي في الفوارس لا أرى حِزَاقا وعيني كالحَجَاة من القَطْرِ )

وأمثاله كثيرة . وقد ذكرناها في فصل التحريف .


189

ومنها ما هو لازم له . وعلى أنا قد قلنا في ذلك ودللنا به على أنه من مناقب هذا الرجل ومحاسنه : أن يستدرك عليه من هذه اللغة الفائضة السائرة المنتشرة ما هذا قدره وهذه حال محصوله .

وليس لقائل أن يدّعي أن تِلِقَّامة وتلعَّابة في الأصل المرّة الواحدة ثم وصف بها على حدّ ما يقال في المصدر ( يوصف به ) نحو قول الله سبحانه : ( إن أصْبَحَ ماؤكم غَوْرا ) أي غائرا ونحو قولها :

( فإنما هي إقبالُ وإدبار )

وما كان مثله من قِبل أن مَن وَصَف بالمصدر فقال : هذا رجل زَوْر وصَوم ونحو ذلك فإنما ساغ ذلك له لأنه أراد المبالغة وأن يجعله هو نفس الحَدَث لكثرة ذلك منه والمرة الواحدة هي أقلّ القليل من ذلك الفعل فلا يجوز أن يريد معنى غاية الكثرة فيأتي لذلك بلفظ غاية القلَّة . ولذلك لم يجيزوا : زيد إقبالة وإدبارة قياسا على زيد إقبال وإدبار . فعلى هذا لا يجوز أن يكون قولهم : تِلِقَّامة على حدّ قولك : هذا رجل صوم . لكن الهاء فيه كالهاء في عَلاَّمة ونسَّابة للمبالغة . وإذا كان كذلك فإنه قد ( كاد يفارق ) مذهب الصفة ألا ترى أنّ من شرط الصفة أن تطابق موصوفها في تذكيره وتأنيثه فوصف المذكر بالمؤنث ووصف المونث بالمذكر ليس متمكنا في الوصف تمكّن وصف المؤنّث بالمؤنّث والمذكّر بالمذكّر . فقولك إذًا : هذا رجل عليم أمكن في الوصف من قولك : هذا رجل


190
عَلاَّمة كما أن قولك : مررت بامرأة كافرة أمكن في الوصف من قولك : مررت بامرأة كَفُور . وإذا كان كذلك جرى تِلِقَّامة من قولك ( مررت برجل ) تلقّامة نحوا من مجرى مررت بنسوة أربع في أن أربعا ليس بوصف متمكّن ( ولذلك صرفته ) وإن كان ( صفة وصف ) على أفعل . فكأنّ تلقّامة بعد ذلك كله اسم لا صفة وإذا كان اسما أو كالاسم سقط الاعتذار منه لأن سيبويه قد ذكر في المصادر تفعّلت تِفِعّالا فإذا ذكره أغنى عن ذكره في الأبنية ولم يجز لقائل أن يذكره مثالا معتدّا عليه .

كما أن ترعاية في الصفات تسقط عنه أيضا من هذا الوجه ألا تراه صفة مؤنثَّة جرت على موصوف مذكّر فأوحش ذلك منها في الوصف وجرى لذلك مجرى : مررت برجال أربعة في أن أربعة ليس وصفا محضا وإنما هو اسم عدد بمنزلة نِسوة أربع كما أن رَبْعة لمّا لم يخصّ المؤنّث دون المذكّر جرى لذلك مجرى الاسم فلذلك قالوا في جمعه : رَبَعات فحرّكوا كما يحرّكون في الاسم نحو قَصَعات .

و ( إذا كان كذلك سقط عنه أيضا أن لم يذكر تِفِعَّالا في الصفة . و ) كذلك ما حكاه الأصمعيّ من قولهم ناقة تِضِرَّاب لأنها لمَّا كانت صفة مذكَّرة جارية على مؤنّث لم تستحكِم في الصفة .


191

وأما فِرناس فقد ذكره في الأبنية في آخر ما لحقته الألف رابعة مع غيرها من الزوائد .

وأما فُرانِس فلعمري إنه لم يذكره . وظاهر أمره أنه فُعانِل من لفظ الفَرس قال : أأن رأيت أَسَدا فُرَانسا الَوجهَ كَرْها والجبينَ عابسا )

وأما تَنُوفى فمختلَف في أمرها . وأكثر أحوالها ضعف روايتها والاختلاف الواقع في لفظها . وإنما رواها السُكَّري وحده وأسندها إلى امرئ القيس ( في قوله ) :

( كأنّ دِثارا حَلَّقت بلَبُونه عُقَابُ تَنُوفَي لا عُقَاب الفواعِل )

( والذي ) رويته عن أحمد بن يحيى :

( عقاب تَنُوَفَ لا عقاب القواعل )


192

وقال : القواعل إكام حولها وقال أبو حاتم : هِي ثَنَّيِة طّيئ ( وهي مرتفعة ) . وكذا رواها ابن الأعرابيّ وأبو عَمْرو الشيباني . ورِواية أبي عبيدة : تَنُوفَي . وأنا أرى أنّ تنوف ليست فَعُولاً بل هي تَفْعُل من النَوْف وهو الارتفاع . سميت بذلك لعلوّها . ومنه أناف على الشيء إذا ارتفع عليه والنَيِّف في العدد من هذا هو فَيْعِل بمنزلة صِيِّب وَمَيِّت . ولو كَسِّرْت النيف على مذهب أبي الحسن لقلت : نياوف فأظهرْت عينه . فتنوف - في أنه علم على تفعُل - بمنزلة يشكر ويعصر . وقلت مرّة لأبي عليّ - ( وهذا الموضع يقرأ عليه من كتاب أصول أبي بكر رحمه الله ) - : يجوز أن يكون ( تنوفي ) مقصورة من تنوفاء بمنزلة بَروُكاء فسمع ذلك وعرف صِحَّته .

وكذلك القول عندي في مَسُولي في بيت المرّار :

( فأصبحتُ مهموما كأنّ مطيّتي بجَنْب مَسُولَي أو بوَجْرة ظالعُ )

ينبغي أن تكون مقصورة من مَسُولاء بمنزلة جَلُولاء .

فإن قلت : فإنا لم نسمع بتنوفي ولا مَسُولَي ممدودين ولو كانا أو أحدهما ممدودا لخرج ذلك إلى الاستعمال .


193

قيل : ولم يكثر أيضا استعمال هذين الاسمين وإنما جاءا في هذين الموضعين . بل لو كثر استعمالهما مقصورين لصحَّ ما ( أردته ) ولزم ما أوردته فإنه يجوز أن يكون ألف ( تنوفي ) إشباعا للفتحة لا سيما وقد رويناه ( تنوف ) مفتوحا كما ترى وتكون هذه الألف ملحقة مع الإشباع لإقامة الوزن ألا تراها مقابِلة لياء مفاعلين كما أنّ الألِف في قوله :

( ينباع من ذِفْرَي غضُوب جسرة )

إنما هي إشباع للفتحة طلبا لإقامة الوزن ألا ترى أنه لو قال : " ينبع من ذفري" لصحَّ الوزن إلا أن فيه زِحافا هو الخَزْل كما أنه لو قال : "تنوف " لكان الجزء مقبوضا . فالإشباع إذًا في الموضعين إنما هو مخافة الزحاف الذي مثلُه جائِز .

وأما تَرجمان فقد حكِي فيه تُرْجُمان بضم أوّله . ومِثاله فُعْلُلان كعُتْرُفان ودُ حْمُسان . وكذلك التاء أيضا فيمن فتحها أصليةُ وإن لم يكن في الكلام مثال جَعْفرُ لأنه قد يجوز مع الألِف والنون من الأمثلة ما لولاهما لم يَجُزْ . مِن ذلك عُنْفُوان ألا ترى أنه ليس في الكلام فُعْلُوُ . وكذلك خِنْظِيان لأنه ليس في الكلام فِعْلِيُ إلا بالهاء نحو حِدْرِية وعفرِية كما أنه ليس فيه فُعْلُو إلا بالهاء نحو عُنْصُوة .


194

وكذلك الرَيْهُقان لأنه ليس في الكلام فَيْعُل . ونظير ذلك كثير . فكذلك يكون ترجمان فَعْلُلاَنا وإن لم يكن في الكلام فَعْلُل . ومثله قوله :

( وما أَيْبُلِيٌّ على هَيْكَلٍ )

هو فَيْعُلِيّ لأنه قد يجيء مع ياءي الإضافة ما لولاهما لم يجيء نحو قولهم : تَحَوِيّ في الإضافة إلى تحيّة وهو تفَلِيّ .

وأمّا شحم أُمْهُج فلعمري إنّ سيبويه قد حَظر في الصفة أُفْعُل . وقد يمكن أن يكون محذوفا من أُمهوج كأُسكوب . وجدت بخط أبي عليّ عن الفرّاء : لَبَن أُمهوج . فيكون أُمهج هذا مقصورا منه لضرورة الشعر وأنشد أبو زيد :

( يُطعمها اللحم وشحما أُمْهُجا )


195

ولم نسمعه في النثر أُمْهُجا . وقد يقال : لبن أمْهُجان وماهج قال هِميان بن قُحَافة :

( وعرَّضوا المجلس محضا ماهِجا )

( ويروي : وأروت المجلس ) وكنت قلت لأبي عليّ - رحمه الله - وقت القراءة : يكون أُمْهُج محذوفا من أُمهوج فقبِل ذلك ولم يأبُه .

وقد يجوز أن يكون أُمْهُج في الأصل اسما غير صفة إلا أنه وصِف به لما فيه من معنى الصفاء ( والرقة ) كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعاني الأوصاف ( كما أنشد أبو عثمان من ) قول الراجز :

( مئبرة العرقوب إشْفَي المِرفع )

فوصف بإشفى ( وهو اسم ) لما فيه من معنى الحِدّة وكقول الآخر :

( فلولا الله والمُهْر المفدَّى لرحتَ وأنت غِربال الإهاب )

فهذا كقولك : وأنت مخرّق الإهاب وله نظائر .

وأما مُهْوَأَنّ ففائت للكتاب . وذهب بعضهم إلى أنه بمنزلة مطمأنّ . وهذا سهو ظاهر . وذلك لأن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا عن تضعيف .


196

فأما وَرَنْتَل فشاذّ . فمُهْوَأَنّ إذًا مُفْوَعَلّ . وكأنه جارٍ على اهوأَنّ . وقد قالوا : اكوهَدّ واقوهدّ وهو افْوَعَلّ ( ونحوه ) قول الهذليّ :

( فشايع وَسْط ذَوْدِك مقبئنَّا لتُحسَب سيّدا ضبُعا تبولُ )

مقبئنّا : منتصِبا . فهذا مُفْعَلِلّ كما ترى . وشبَّه هذا المجوّز لأن يكون مُهْوَأَنّ بمنزلة مطمأنّ الواو فيه بالواو في غوغاء وضوضاء وليس هذا من خطأ أهل الصناعة لأن غوغاء وضوضاء من ذوات تضعيف الواو بمنزلة ضوضيت وقوقيت . وقد يجوز من وجه آخر أن يكون واو مُهْوأنّ أصلا . وذلك بأن يكون سيبويه قد سأل جماعة من الفصحاء عن تحقير مُهوأنّ على الترخيم فحذفوا الميم وإحدى النونين ولم يحذفوا الواو البتّة مع حذفهم واو كوثر على الترخيم ( في قولهم ) : كُثَيْر وحذفِهم واو جدول وقولهم : جُدَيْل وامتنعوا من حذف واو مهوأنّ فقطع سيبويه بأنها أصل فلم يذكره . وإذا كان هذا جائزا وعلى مذهب إحسان الظنّ به سائغا كان فيه نُصرة له و ( تجميل لأثره ) فاعرفه فتكون الواو مثلها في وَرَنْتَلٍ . وكذلك يمكن أن يحتجّ بنحو هذا في فُرَانسٍ وكُنادِر فتكون النون فيهما أصلا .


197

وأما عُيَاهم فحاكيه صاحب العين وهو مجهول . وذاكرت أبا عليّ - رحمه الله- يوما بهذا الكتاب فأساء نَثاه . فقلت له : إن تصنيفه أصحّ وأمثل من تصنيف الجمهرة فقال : الساعةَ لو صنّف إنسان لغة بالتركيّة تصنيفا جيّدا ( أكانت ) تُعتدّ عربيّة لجودة تصنيفها أو كلاما هذا نحوه . وعلى أن صاحب العين أيضا إنما قال فيها : وقال بعضهم : عُيامِمة وعُياهِم كعُذَافِرة وعُذَافِر . فإن صحّ فهو فُيَاعِل ملحق بُعذافِر . وقلت فيه أبي علي : يجوز أن تكونّ العين فيه بدلا من همزة كأنه أُياهِم كأباتر وأحامِر فقبل ذلك .

وأما تُمَاضِر وتُرامز فذهب أبو بكر إلى أن التاء فيهما زائدة . ولا وجه لذلك لأنّها في موضع عين عُذافر فهذا يقضي بكونها أصلا وليس معنا اشتقاق فيقطعَ بزيادتها . قال أبو زيد : ( وهو ) الجمل القويّ الشديد وأنشد :

( إذا أردت طلب المفَاوِزِ فاعمِدْ لكلّ بازلٍ تَرامزِ )

وذهب بعضهم في تُماضر إلى أنه تُفاعِل وأنه فِعل منقول كيزيد وتغلب . ولا حاجة به إلى ذلك بل تماضر رباعيّ وتاؤه فاء كترامز . فإن توهَّم ذلك لامتناع صرفه في قوله :

( حَيُّوا تُماضِرَ واربَعُوا صحبي وقفوا فإنّ وقوفكم حَسْبي )


198
فليس شيئا لأن تماضر علم مؤنّث وهو اسم الخنساء الشاعرة . وإنما مُنِع الصرفَ لاجتماع التأنيث والتعريف كامرأة سميتها بعُذَافر وعُمَاهِج . وهذا واضح .

وأما يَنَابِعات فما أظرف أبا بكر أن أورده على أنه أحد الفوائت! ألا يعلم أن سيبويه قد قال : ويكون على يَفَاعِل نحو اليحامِدِ واليرامِع . فأمّا لحاق عَلَم التأنيث والجمع به فزائد على المثال وغير محتسَب به فيه . وإن رواه راوٍ يُنَابِعات فيُنابِع يُفَاعِل كيضارِب ويقاتِل نُقل وجُمع .

وأمّا دِحِنْدِحْ فإنه صوتان : الأوّل منهما منوّن : دِحٍ والآخر مِنهما غير منوّن : دِحْ ( وكأنّ الأوّل نوّن للوصل . ويؤكّد ذلك قولهم في معناه : دِحْ دِحْ ) فهذا كصهٍ صهٍ في النكرة وصَهْ صَهْ في المعرفة . فظنّته الرواة كلمة واحدة . ومن هنا قلنا : إن صاحب اللغة إن لم يكن له نظر أحال كثيرا منها وهو يُرِى أنه على صواب . ولم يؤت من أمانته وإنما أُتِي من معرفته . ونحو هذا الشاهدُ إذا لم يكن فقيها : يشهد بما لا يعلم وهو يُرى أنه يعلم . ولذلك ما استدّ عندنا أبو عمرو الشيبانيّ


199
لملازمته ليونس وأخذه عنه . ومعنى هذه الكلمة فيما ذكر ( محمد بن الحسن أبو بكر : قد أقررت فاسكت ) ( وذكر محمد بن حبيب أن دحندح دُوَيْبّة صغيرة : يقال : هو أهون عليّ من دحندح ) ومثل هذين الصوتين عندي قول الآخر :

( إن الدقيق يلتوي بالجُنْبُخِ حتى يقولَ بطنُه جِخٍ جِخِ ) فهذا حكاية صوت بطنه .

وأمّا عِفِرّين فقد ذكر سيبويه فِعِلاّ كِطِمرّ وحِبِرّ . فكأنه أُلحِق عَلَمَ الجمع كالبِرِجين والفُتَكْرِين . إلا أن بينهما فرقا . وذلك أن هذا يقال فيه : البِرَحُون والفِتَكرون ولم يسمع في عِفِرِّين الواو . وجواب هذا أنه لم يسمع عِفِرّين في الرفع بالياء وإنما سُمع في موضع الجرّ وهو قولهم : ليث عِفِرّين . فيجب أن يقال فيه في الرفع : هذا عِفِرّون . لكن لو سمع في موضع الرفع بالياء لكان أشبه بأن يكون فيه النظر . فأمّا وهو في موضع الجر فلا يستنكَر فيه الياء .


200

وأما تِرعاية فقد قيل فيه أيضا : رجل تِرِعَّية وتُرْعاية . وكان أبو عليّ صنع تِرعاية فقال : أصلها تِرْعِيَّة ثم أبدلت الياء الأولى للتخفيف ألِفا كقولهم في الحِيرة : حاريّ . وإذا كان ذاك أمرا محتمَلا لم يُقطع بيقين على أنه مثال فائت في الصفات . ولكن قد حكى الأصمعيّ : ناقة تِضْرَاب إذا ضربها الفحل . فظاهر هذا أنه تِفعال في الصفة كما ترى . وقد ذكرنا ما فيه في أوّل الباب .

وأما الصِّنَّبِر فقد كنت قلت فيه في هذا الكتاب في قول طَرَفة :

( بجِفان تعتري نادِينَا وسَدِيف حين هاج الصِنَّبِرْ )

ما قد مضى وإنه يرجع بالصنعة إلى أنه من نحو مررت بِبَكِرْ . وذهب بعضهم إلى أنه كسر الباء لسكونها وسكون الراء . وفيه ضعف . وذلك أن الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرّك الآخِر منهما نحو أمس وجَيْرِ وأين وسوف ورُبَّ . وإنما يحرّك الأوّل منهما إذا كانا من كلمتين نحو قدِ انقطع وقم الليل . وأيضا فإن الساكنين لا ينكَر اجتماعهما في الوقف .

فإن قلت : فالوزن اقتضى تحريك الأوّل قيل : أجلْ إلا أنه لم يقتِضك فسادَ الاعتلال . فإذا قلت ما قلنا نحن في هذا فيما مضى من كتابنا سِلم على يديك وثِلج به صدرك إن شاء الله .

فإن قلت : فقد قالوا في الوقف : ضَرَبَتِهْ .


201

قيل : هذا أمر يخص تاء التأنيث رغبة في الكسرة الدالّة على التأنيث . وأيضا فإن التاء آخر الكلمة والهاء زائدة من بعدها ليست منها . وكذلك القول في ادعِه واغزِه ألا ترى ( أن الهاء زائدة ) من بعد الكلمة . وعلى أنه قد يجوز أن تكون الكسرة فيهما إنما هي على حدّ قولك : ادعْ واغزْ ثم لِحقت الهاء . ونحوه ما أنشده أبو سهل أحمد بن زياد القطّان :

( كأنّ رِيح دَبِرات خمسِ وظَرِبانا بينهنّ يفسي )

( ريحُ ثناياها بُعيد النَعْس )

أراد : يفسو ثم حذف الواو استخفافا وأسكن للسين والفاءُ قبلها ساكنة فكسر السين لالتقائهما ثم أشبع للإطلاق فقال : يفسي . فاعرف ذلك .

وأما هَزَنْبَزان وعَفَزَّران فقد ذكرا في بعض نسخ الكتاب . والهزنبزان السِّيئ الخُلُق قال :

( لقد مُنِيتُ بهزنبزانِ لقد نسيتُ غَفَل الزمانِ )


202

وعَفَزَّران : اسم رجل . وقد يجوز أن يكون أصله : عَفَزَّر كشَعَلَّع وعَدَبَّسٍ ثم ثنّي وسمّي به وجعلت النون حرف إعراب كما حَكَى أبو الحسن عنهم في اسم رجل : خليلان . وكذلك أيضا ذهب في قوله :

( ألا يا ديار الحيّ بالسَبعُانِ )

إلى أنه تثنية سَبُع وجعل النون حرف إعراب . وليس لك مثل هذا التأويل في هَزَنْبَران لأنه نكرة وصفة للواحد . وهذا ( يبعده عن ) العلميّة والتثنية .

وأمّا هَدَيْكُر فقال أبو عليّ : سألت محمد بن الحسن عن الهَيْدَكُر فقال : لا أعرفه وأعرف الهيدكور . قال أبو بكر : وإن سُمع فلا يمتنع . هذا حديث الهَيْدَكُر ( وأما ) الهَدَيْكُر فغير محفوظ عنهم وأظنّه من تحريف النَقَلة ألا ترى إلى بيت طَرفَة :

( فهْيَ بَدَّاءُ إذا ما أقبلت فَخْمةُ الجسم رَدَاح هيدكر )

و ( كأن ) الواو حذفت من هيدكور ضرورة . فإذا جاز أن تحذف الواو الأصلية لذلك في قولك ( الأسود بن يعفر ) .

( فألحقت أخراهم طريق ألاَهم )


203

كان حذف الزيادة أولى . ويقال : تهدكرت المرأة تهدكُرا في مشيها . وذلك إذا ترجرجت .

وأما زيتون فأمره واضح وأنه فَعْلُون ومثال فائت . والعجب أنه في القرآن وعلى أفواه الناس ( للاستعمال ) . وقد كان بعضهم تجشّم أنْ أخذه من الزَتْن وإن كان أصلا مماتا فجعله فيعولا . وصاحب هذا القول ابن كَيسان أو ابن دريد : أحد الرجلين .

ومثل زيتون - عندي - مَيْسُون بنت بَحْدَل الكلبيّة أمّ يزيد بن معاوية . وكان سمعها تهجوه فقال لها : الحقي بأهلك .

وأمّا قِيْطُون فإنه فيعول من قَطَنت بالمكان لأنه بيت في جوف بيت .

وأما الهُنْدَلِع فبقلة وقيل : إنها غريبة ولا تنبت في كل سنة . وما كانت هذه سبيله كان الإخلال بذكره قدرا مسموحا به ومعفوّا عنه . وإذا صحّ أنه من كلامهم فيجب أن تكون نونه زائدة لأنه لا أصل بإزالتها فتقابلَه . فهي إذًا كنون كُنْتَأْل . ومثال الكلمة على هذا فُنْعَلِل . ومن ادّعى أنها أصل وأن الكلمة بها خماسيّة فلا دلالة له ولا برهان معه . ولا فرق بين أن يدّعي أصليّة هذه النون وبين ادّعائه أصلية نون كُنْتَأْل وكَنَهْبُل .


204

وأما كُذُبْذُب خفيفا وكُذُّبْذُب ثقيلا ففائتان . ونحوهما ما رويته عن بعض أصحابنا من قول بعضهم : ذُرُّحْرُح في هذا ( الذُرَحْرَح بفتح الراءين ) ( أنشد أبو زيد ) :

( وإذا أتاك بأنني قد بعتُها بوصال غانية فقل كُذُّبْذُبُ )

ولسنا نعرف كلمة فيها ثلاث عينات غير كُذُّبذب وذُرُّحرح . وقد أنشد بعض البغداديين ( قول الشاعر ) :

( بات يقاسي ليلهنّ زمَّامْ والفَقْعَسِيّ حاتم بن همّام )

( مسترعِفات لِصِلِلَّخْم سامْ )

( اللام الأولى هي الزائدة هنا لأنه لا يلتقي عينان إلا والأولى ساكنة ) وهذا مصنوع للضرورة يريد : لِصلَّخْم فاحتاج لإقامة الوزن فزاد على العينين أخرى فصار من فِعَّلّ إلى فِعِعَّلّ .

وأما الدُرْداقِس فقيل فيه : إنه أعجميّ وقال الأصمعيّ : أحسبه روميّا وهو طَرَف العظم الناتئ فوق القفا . وأنشد أبو زيد :

( من زَلَّ عن قَصْد السبيل تزايلت بالسيف هامتُه عن الدرداقس )


205

وكذلك الخُزْرانِق أعجميّ أيضا . وهو فارسيّ يُعنى به ضرب من ثياب الديباج . ويجب أن تكون ( نونه زائدة ) إن كان الدرداقس أعجميّا . فإن كان عربيا فيجب أن تكون نونه أصلا لمقابلتها قاف درداقس العربيّ .

وأما شَمَنْصِير ففائت أيضا إن كان عربيا . قال الهذليّ :

( لعلّك هالك إمّا غلام تبوّأ من شَمَنصِير مُقاما )

وقد يجوز أن يكون محرّفا من شَمْنَصِير لضرورة الوزن .

وأما مُؤقٍ فظاهر أمره أنه فُعْلٍ وفائت . وقد يجوز أن يكون مخففا من فُعْلِيّ كأنه في الأصل مؤقيّ بمعنى مُؤْقٍ وزيدت الياء لا للنسب بل كزيادتها في كرسيّ وإن كانت في كرسيّ لازمة وفي مؤقيّ غير لازمة لقولهم فيه : مُؤْقٍ . لكنها في أحمريّ وأشقريّ غير لازمة . وأنشدنا أبو عليّ :

( كان حَدّاء قُراقِريّا )

( يريد قراقرا ) وأنشدنا أيضا العجاج :

( غُضْف طواها الأمس كَلاّبيّ )

( أي كلاَّب يعني صاحب كِلاَب ) وأنشدنا أيضا له :

( والدهرُ بالإنسان دَوَّاريّ )


206

أي دوّار إلا أن زيادة هذه الياء في الصفة أكثر منها في الاسم لأن الغرض فيها توكيد الوصف .

ومثل مُؤْقٍ في هذه القضيَّة ما رواه الفرّاء من قول بعضهم فيه : مَأْقٍ . فيجب أيضا أن يكون مخففا من ثقيله . وأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :

( يا من لعين لم تَذُقْ تغميضا وما قِيين اكتحلا مَضِيضا )

( كأن فيها فُلْفُلا رَضيضا )

فمقلوب . وذلك أنه أراد من المَأْق مثال فاعل فكان قياسه مائق إلا أنه قلبه إلى فالع فصار : ماقٍ بمنزلة شاكٍ ولاثٍ في شائك ولائث . ومثله قوله :

( وأَمنع عِرْسِي أن يُزنّ بها الخالي )

أراد : الخائل : فاعلا من الخُيَلاء .

وجَبَرُوَّةُ من قِبل الكوفِيين . وهو فائت . ومثاله فَعَلُوَّة .

وأما مَسْكِين ومَنديل فرواهما اللحيانيّ . وذاكرت يوما أبا عليّ بِنوادره فقال : كُنَّاش . وكان أبو بكر - رحمه الله - يقول : إن كتابه لا تصله به رواية قَدْحا فيه وغضّا منه .


207

وأمّا حَوْرِيت فدخلت يوما على أبي علي - رحمه الله - فحين رآني قال : أين أنت ! أنا أطلبك . قلت : وما هو قال : ما تقول في حَوْرِيت فخضنا فيه فرأيناه خارجا عن الكتاب . وصانع أبو عليّ عنه بأن قال : إنه ليس من لغة ابْنَيْ نِزار فأقلَّ الحَفْل به لذلك . وأقرب ما ينسب إليه أن يكون فَعْلِيتا قريبا من عِفِريت . ونحوه ما أخبرنا به أبو عليّ من قول بعضهم في الخَلَبُوت : الخَلْبُوت وأنشد :

( ويأكل الحيَّة والحَيُّوتا )

وهو ذكر الحيَّات فهذان فَعْلُوت .

وأما تَرقُؤة فبادِي أمرِها أنها فائتة لكونها فَعْلُؤَة . ورويناها عن قطرب وذكر أنها لغة لبعض عُكْل . ووجه القول عليها - عندي - أن تكون ممّا همز من غير المهموز بمنزلة اسْتَلأَمت الحجر واستنشأت الرائحة - وقد ذكرنا ذلك في بابه- وأصلها ترقوة ثم هُمِزت على ما قلنا .

وأما سَمَرْطُول فأظنه تحريف سَمْرطُول بمنزلة عَضْرَفُوط ولم نسمعه في نثر . قال :

( على سَمَرْطُولٍ نيافٍ شَعْشَع )


208

وإذا استكرِهوا في الشعر لإقامة الوزن خلّطوا فيه قال :

( بِسَبْحَل الدَّفَّين عَيْسَجُور )

أراد سِبَحلا فغيّر كما ترى . وله نظائر قد ذُكِرت في باب التحريف .

وقَرَعْبَلانة كأنها قَرَعْبَل ولا اعتداد بالألف والنون وما بعدهما . ويدلّك على إقلالهم الحَفْل بهما ادّغامهم الإمِدّان كما يدغم أَفْعُل من المضاعف نحو أَرُدّ وأَشُدّ ولو كانت الألف والنون معتدّة لخرج بهما المثال عن وزن الفعل فوجب إظهاره كما يظهر ما ( خرج عن مثاله نحو حُضَض وسُرَر وسِرَر . وعلى أن هذه اللفظة ) لم تسمع إلاّ من كتاب العين . وهي - فيما ذكر - دُوَيْبَّة . وفيه وجه آخر . وهو أن الألف والنون قد عاقبتا تاء التأنيث وجَرَتا مجراها . وذلك في ( حذفهم لهما ) عند إرادة الجمع كما تحذف ألا تراهم قالوا في استخلاص الواحد من الجمع بالهاء . وذلك شعير وشعيرة وتمر وتمرة وبَطّ وبطّة وسفرجل وسفرجلة . فكذلك انتزعوا الواحد من الجمع بالألف والنون أيضا . وذلك قولهم : إنس فإذا أرادوا الواحد قالوا : إنسان وظَرِب فإذا أرادوا الواحد قالوا : ظَرِبان قال :

( قبِّحتمُ يا ظَرِبا مُجَحِّرَهْ )


209

وكذلك أيضا حذفوا الألف والنون لياءي الإضافة كما حذفت التاء لهما قالوا في خراسان : خَراسيّ كما يقولون في خُرَاشة : خُرَاشي . وكسّروا أيضا الكلمة على حذفهما كما يكسرونها على حذف التاء . وذلك قولهم كَرَوان وكِروان ( وشَقَذان وشِقْذان ) كما قالوا : بَرَق وبِرْقان وخَرَب وخرْبان . فنظير هذا قولهم : نِعمة وأنعم وشِدّة وأَشُدّ عند سيبويه . فهذا نظير ذئب وأذؤب وقِطْع وأقْطُع وضِرْس وأَضْرُس قال :

( وقرعن نابك قَرْعة بالأَضْرُس )

وقالوا أيضا : رجل كُذُبْذُب وكُذبذبان حتى كأنهما مثال واحد كما أن دما ودمة وكوكبا وكوكبة مثال واحد . ومثله الشَعْشع والشعشعان والهزنبر والهزنبران و ( الفُرْعُل والفُرْعُلان ) .

فلما تراسلت الألف والنون والتاء في هذه المواضع وغيرها جرتا مجرى المتعاقبتين فإذا التقتا في مثال واحد ترافعتا أحكامهما على ما ( قدمناه في ) ترافع الأحكام . فكذلك قَرَعبلانة لمّا اجتمعت عليه التاء مع الألف والنون ترافعتا


210
أحكامهما فكأن لا تاء هناك ولا ألف ولا نونا فبقي الاسم على هذا كأنه قرعبل . وذلك ما أردنا بيانه . فاعرفه .

وأما عُقْرُبّان ( مشدد الباء ) فلك فيه أمران : إن شئت قلت : إنه لا اعتداد بالألف والنون فيه - على ما مضى - فيبقى حينئذ كأنه عُقْرُبّ بمنزلة قُسقبّ وقُسْحُبّ وطُرْطُبّ . وإن شئت ذهبت مذهبا أصنع من هذا . وذلك أنه قد جرت الألف والنون من حيث ذكرنا في كثير من كلامهم مجرى ما ليس موجودا على ما بينّا . وإذا كان كذلك كانت الباء لذلك كأنها حرف الإعراب وحرف الإعراب قد يلحقه التثقيل في الوقف نحو هذا خالدّْ وهو يجعلّْ . ثم إنه قد يطلق ويَقرّ تثقيله عليه نحو الاضْخَمَّا وعَيْهَلِّ . فكأن عُقْرُبّانا لذلك عُقْرُب ثم لحقها التثقيل لتصوّر معنى الوقف عليها عند اعتقاد حذف الألف والنون من بعدها فصارت كأنها عُقْرُبّ ثم لحقتها الألف والنون فبقي على تثقيله كما بقي ( الأضخما ) عند إطلاقه على تثقيله إذا أجرى الوصل مجرى الوقف فقيل : عقربّان على ما شرحنا وأوضحنا . فتأمله ولا ( يَجْفُ عليك ) ولا تَنْبُ عنه فإن له نظيرا بل نظراء ألا تراهم قالوا في الواحد : سِيد فإذا أرادوا الواحدة قالوا سِيدانة فألحقوا علم التأنيث بعد


211
الألف والنون وإنما يجب أن يلحق بعد حرف إعراب المذكّر كذئب وذئبة وثعلب وثعلبة وقد ترى إلى قلة اعتدادهم بالألف والنون في سِيدانة حتى كأنهم قالوا : سِيدة . وهذا تناهٍ في إضعاف حكم الألف والنون . وقد قالوا : ( الفُرْعُل والفُرْعُلان ) والشَعشع والشعشعان ( والصَحصح والصحصحان ) بمعنى واحد فكأنّ اللفظ لم يتغيّر .

ومثل التثقيل في الحشو لنيّة الوقف ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر :

( غَضٌّ نِجَاري طيّب عُنْصُرِّي )

فثقلَّ الراء من عُنْصُرّي وإن كانت الكلمة مضافة إلى مضمر . وهذا يحظُر عليك الوقوف على الراء كما يثقلها في عنصر نفسه .

ومثله أيضا قول الآخر :

( يا ليتها قد خرجت من فَمِّهِ )

فثقَّل آخر الكلمة وهي مضافة إلى مضمر فكذلك حديث عقربّان . فاعرفه فإنه غامض .


212

وأمّا مَأْلُك فإنه أراد : مَأْلُكة فحذف الهاء ضرورة كما حذفها الآخر من قوله :

( إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم ولا نصالحكم إلا على ناح )

أراد : ناحية . وكذلك قول الآخر :

( ليوم رَوْع أو فَعَال مَكْرُم )

أراد : مكرمة وقول الآخر :

( بُثَين الزمي لا إنّ لا إن لزمتِه على كثرة الواشين أيُّ مَعُون )

أراد : أيّ معونة فحذف التاء . وقد كثر حذفها في غير هذا .

وأما أَصِري فإن أبا العباس استدركها . ( وقال ) : وقد جاءت أيضا إصْبُع . وحدّثنا أبو عليّ قال : قال إبراهيم الحربيّ : في إصبع وأنملة جميع ما يقول الناس . ووجدت بخطّ أبي عليّ : قال الفرّاء : لا يلتفت إلى ما رواه البصريون من قولهم : إصْبعُ فإنا بحثنا عنها فلم نجدها . وقد حكيت أيضا : زئبر وضئبل وخرْفُع وجميع ذلك شاذّ لا يلتفت إلى مثله لضعفه في القياس وقلّته في الاستعمال . ووجه ضعف قياسه خروجك من كسر إلى ضمّ بناء لازما وليس بينهما إلا الساكن . ونحو منه ما رويناه عن قطرب من ( قول بعضهم ) في الأمر : اِقتُل اِعبُد . ونحو منه في الشذوذ عن الاستعمال قول بعضهم : إزِلْزِل وهي كلمة تقال عند الزلزلة .


213

وينبغي أن تكون من معناها وقريبة من لفظها ولا تكون من حروف الزلزلة . وإنما حكمنا بذلك لأنها لو كانت منها لكانت إفِعلِل فهو مع أنه مثال فائت فيه بليّة من جهة أخرى . وذلك أن ذوات الأربعة لا تدركها الزيادة من أوّلها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج وليس إزِلزِل من ذلك . فيجب أن تكون من لفظ الأزل ( ومعناه ) . ومثاله فِعِلعِل نحو كذبذب فيما مضى .

وأما مدّ المقصور وقصر الممدود والإشباع والتحريف فلا تعتدّ أصولا ولا تثبت بها مُثُل موافِقة ولا مخالِفة .

وقال : الفَعْلال لا يأتي إلا مضاعفا نحو القَلقال والزلزال . وحكى الفرّاء : ناقة بها خَزْعال أي داء . وقال أوس :

( ولنعم مأوى المستضيِف إذا دعا والخيلُ خارجة من القَسْطال )

وقد يمكن أن يكون أراد : القَسْطَل فاحتاج الفتحة على قوله :

( ينباع من ذِفْرَي . . . )

وقد جاء في شعر ابن ذَرِيح سُراوِع اسم مكان قال :

( عفا سَرِفُ من أهله فسُرَاوِعُ )


214

وقالوا : جلس الأُربُعَاوَي .

وجاء الفِرنْوَس في أسماء الأسد .

والحبْلِيل : دُوَيْبَّة يموت فإذا أصابه المطر عاش . وقالوا : رجل وَيْلِمَّة ووَيْلِمّ للداهية . وهذا خارج على الحكاية أي يقال له من دهائه : ويلّمه ثم ألحقت الهاء للمبالغة كداهية ومنكرة . وقد روَوا قوله :

( وجُلَنْداءَ في عُمَانَ مقِيما )

وإنما هو : جُلَنْدَى مقصورا . وكذلك ما أنشأه من قول رؤبة :

( ما بالُ عينِي كالشَعِيب العَيَّن )

حملوه على فَيْعَل ممّا اعتلّت عينه . وهو شاذّ . وأَوفُق من هذا - عندي - أن يكون : فَوْعَلا أو فَعْوَلا حتى لا يُرتكب شذوذه . وكأن الذي سوّغهم هذا ظاهرُ


215
الأمر وأنه أيضا قد رُوِي ( العين ) بكسر العين . وكذلك طيلِسان مع الألف والنون : فيعِل في الصحيح على أن الأصمعيّ قد أنكر كسر اللام . وذهب أحمد بن يحيى وابن دُرَيد في يَسْتَعُور إلى أنه يفتعول . وليس هذا من غلط أهل الصناعة . وكذلك ذهب ابن الأعرابيّ في يوم أرْوَنانٍ إلى أنه أَفْوَعال من الرّنة وهذا كيَسْتَعُورٍ في الفساد . ونحوه في الفساد قول أحمد بن يحيى في أُسْكفَّة : إنها من استكفّ وقوله في تواطخ القوم : إنه من الطِيْخ وهو الفساد . وقد قال أُمَيّة :

( إن الأنام رعايا الله كلَّهم هو السَليطيط فوق الأرض مستطر )

ويروي السِلِطليط وكلاهما شاذّ .

وأما صَعْفُوق فقيل : إنه أعجميّ . وهم خَوَل باليمامة قال العجَّاج :

( مِن آل صَعْفُوقٍ وأتباعٍ أُخَر )

وقد جاء في شعر أميَّة بن أبي عائذ :

( مطارِيحَ بالوَعْث مَرَّ الحُشُور ِ هاجرن رَمّاحة زَيزْفونا )


216

يعني قَوسا . وهي في ظاهر الأمر : فيفعول من الزَفْن لأنه ضرب من الحركة مع صوت . وقد يجوز أن يكون ( زيزفون ) رباعيّا قريبا من لفظ الزفن . ومثله من الرباعيّ دَيْدَبون .

وأما الماطِرون فذهب أبو الحسن إلى أنه رباعيّ . واستدل على ذلك بكسر النون مع الواو ولو كانت زائدة لتعذّر ذلك فيها .

ومثله الماجُشون وهي ثياب مصبَّغة قال :

( طال ليلي وبتُّ كالمحزون واعترتني الهمومُ بالماطِرونِ )

وقال أُمَيَّة الهُذَليّ أيضا :

( ويخفي بفَيحاء مغبرَّة تخال القَتَام به الماجُشونا )

وينبغي أن يكون السَقْلاطون على هذا خماسيّا لرفع النون وجرّها مع الواو . وكذلك أيضا نون أَطْرَنُون قال :

( وإن لم يكن أَطْرَبونُ الروم قطَّعها فإنّ فيها بحمد الله منتفَعا )

والكلمة بها خماسيّة كعَضْرَفُوط .

وضَهْيَد : اسم موضع . ومثله عَتْيَد . وكلاهما مصنوع .


217

وقيل : الخُرُنْباش : نَبْت طيِّب الريح قال :

( أتتنا رياحُ الغَوْر من نحو أرضها برِيح خُرُنْباش الصرائم والحَقْل )

وقد يمكن أن يكون في الأصل خُرُنْبَش ثم أُشبعت فتحته فصار : خرنباش .

وحكى أبو عُبَيدة القَهَوْباة . وقد قال سيبويه : ليس في الكلام فَعَوْلَى . وقد يمكن أن يحتجّ له فيقال : قد يأتي مع الهاء ما لولا هي لَمَا أتى نحو تَرْقُوة وحِذْرِية .

وأنشد ابن الأعرابيّ :

( إن تك ذا بَزّ فإنّ بَزِّي سابغةُ فوق وأي إِوَزِّ )

قال أبو عليّ : لا يكون إوزّ من لفظ الوَزّ لأنه قد قال : ليس في الكلام إِفْعَل صفة . وقد يمكن - عندي - أن يكون وُصف به لتضمّنه معنى الشدّة كقوله :

( لرحتَ وأنت غِربالُ الإهابِ )

وقد مضى ذكره . ويجوز أيضا أن يكون كقولك : مررت بقائمٍ رجلٍ . وقال أبو زيد : الزَوَنَّك : اللَحِيم القصير الحيّاك في مَشيه . زاك يزوك زَوَكانا . فهذا يدلّ على أنه فَعَنَّل .

وقيل : الضفَنَّط من الضفاطة وهو الرجل الضخم الرِخو البطنِ .


218

وأما زَوَنْزَك فإنه فَوَنَعل ( فيجب أن يكونا من أصلين ) . وأما زَوَزّي فإنه من مضاعف الواو . وهو فَعَلَّل كعَدَبَّس .

وحكى أبو زيد زَرْنوق بفتح الزاي فهذا فَعْنُول . وهو غريب . وجميع هذا شاذّ . وقد تقدّم في أوّل الباب وصفُ حاله ووضوح العذر في الإخلال به . ( وقالوا : تَعَفْرت الرجل . فهذا تَفَعْلَتَ . وقالوا : يَرْنَأَ لحيته إذا صبغها باليَرَنَّأ . ( وهو الحناء ) وهذا يَفْعَلَ في الماضي . وما أغربه وأظرفه ) . باب في الجِوار

وذلك في كلامهم على ضربين : أحدهما تجاور الألفاظ والآخر تجاور لأحوال .

فأمّا تجاورُ الألفاظ فعلى ضربين : أحدهما في المتَّصل والآخرَ في المنفصل . فأما المتَّصل فمنه مجاورة العين لِلاّم بحملها على حكمها . وذلك قولهم في صُوّم


219
: صُيَّم ألا تراه قال : إنهم شبَّهوا باب صُوّم بباب عصيّ فقلبه بعضهم . ومثله قولهم في جُوَّع : جُيَّع قال :

( بادرتُ طَبْختها لرهط جُيَّعِ )

وأنشدوا :

( لولا الإله ما سَكَّنا خَضَّما ولا ظلِلنا بالمَشَاء قُيَّما )

وعليه ما أنشده محمد بن حبيب من قوله :

( بُرَيذينة بَلَّ البراذينُ ثَفْرَها وقد شربتْ من آخِر الصيف أُيَّلا )

أجازوا فيه أن يكون أراد : جمع لبن آئل أي خاثر من قولهم : آل اللبن يئول إذا خَثَر فقلبت العين حملا على قلب اللام كما تقدّم .

ومن الجِوار في المتصل قول جرير :

( لحبّ المؤقِدان إليَّ مؤسى )

وقد ذكرنا أنه تصورّ الضمة - لمجاورتها الواو - إنها كأنها فيها فهمزها كما تهمز في أَدْؤُرٍ والنؤَور ونحو ذلك .


220

وعليه أيضا أجازوا النقل لحركة الإعراب إلى ما قبلها في الوقف نحو هذا بَكُرْ ومررت بِبَكْرِ ألا تراها لمّا جاورت اللام بكونها في العين صارت لذلك كأنها في اللام لم تفارقها .

وكذلك أيضا قولهم : شابَّة ودابَّة صار فضل الاعتماد بالمدّ في الألف كأنه تحريك للحرف الأوّل المدّغم حتى كأنه لذلك لم يجمع بين ساكنين . فهذا نحو من الحكم على جِوار الحركة للحرف .

ومن جوار المتّصل استقباح الخليل نحو العقُق مع الحِمَق مع المخترَق . وذلك لأن هذه الحركات قبل الرويّ المقيّد لمّا جاورته وكان الرويّ في أكثر الأمر وغالب العرف مطلقا لا مقيّدا صارت الحركة قبله كأنها فيه فكاد يلحق ذلك بقبح الإقواء . وقد تقدّم ذكر نحو هذا . وله نظائر .

وأما الجِوار في المنفصل فنحو ما ذهبت الكافّة إليه في قولهم : هذا جُحْر ضبّ خربٍ وقول الحُطَيئة :

( فإيّاكم وحيّةَ بطن واد هموزِ الناب ليس لكم بِسِيّ )


221

فيمن جرّ ( هموز الناب ) وقول الآخر :

( كأن نسْج العنكبوت المُرْمَل )

( وإنما صوابه المرملا ) وأما قوله :

( كبيُر أُناس في بِجاد مزمَّل )

فقد يكون أيضا على هذا النحو من الجِوار . فأمّا عندنا نحن فإنه أراد : مزمَّل فيه فحذف حرف الجرّ الضمير فاستتر في اسم المفعول . وقد ذكرنا هذا أيضا .

وتجد في تجاور المنفصلين ما هو لاحق بقبيل المنفصل الذي أُجري مُجرى المتَّصل في نحو قولهم : ها الله ذا أجروه في الادّغام مجرى دابّة ( وشابّة ) ومنه قراءة بعضهم : ( فَلاَ تَّنَاجَوْا ) و ( حَتَّى إِذَا ادَّاَركُوا فِيهَا ) ( بإثبات الألف في ذا ولا ) .

ومنه ما رأيته أنا في إنشاد أبي زيد :

( من أي يوميَّ من الموت أفِرّ أيوم لم يقدَرَ أم يوم قُدِرْ )


222

أعني فتح راء يقدر . وقد ذكرته . فهذا طريق تجاور الألفاظ وهو باب .

وأما تجاور الأحوال ( فهو غريب ) . وذلك أنهم لتجاور الأزمنة ما يعمل في بعضها ظرفا ما لم يقع فيه من الفعل وإنما وقع فيما يليه نحو قولهم : أحسنت إليه إذْ أطاعني وأنت لم تحسن إليه في أوّل وقت الطاعة وإنما أحسنَت إليه في ثاني ذلك ألا ترى أن الإحسان مسبَّب عن الطاعة وهي كالعِلَّة له ولا بدّ من تقدّم وقت السبب على وقت المسبَّب كما لا بدّ من ذلك مع العِلَّة . لكنه لمَّا تقارب الزمانان وتجاورت الحالان في الطاعة والإحسان أو الطاعة واستحقاق الإحسان صارا كأنهما إنما وقعا في زمان واحد . ودليل ذلك أن ( لمّا ) من قولك : لمّا أطاعني أحسنت إليه إنما هي منصوبة بالإحسان وظرف له كقولك : أحسنت إليه وقت طاعته وأنت لم تحسن إليه لأوّل وقت الطاعة وإنما كان الإحسان في ثاني ذلك أو ما يليه ومن شرط الفعل إذا نَصَب ظرفا أن يكون واقعا فيه أو في بعضه كقولك : صمت يوما وسرت فرسخا وزرتك يوم الجمعة وجلست عندك . فكل واحد من هذه الأفعال واقع في الظرف الذي نصبه لا محالة ونحن نعلم أنه لم يحُسن إليه إلا بعد أن أطاعه لكن لمّا كان الثاني مسبّبا عن الأوّل وتاليا له فاقتربت الحالان وتجاور الزمانان صار الإحسان كأنه إنما هو والطاعة في زمان واحد فعمِل الإحسان في الزمان الذي يجاور وقته كما يعمل في الزمان الواقع فيه هو نفسُه . فاعرفه .


223

ومثله : لمّا شكرني زرته ولمّا استكفاني كفيتُه وزرته إذا أستزارني وأثنيت عليه حين أعطاني وإذا أتتيته رحب بي وكلما استنصرته نصرني ( أي كلّ وقت استنصره فيه ينصرني ) وإنما ينصرك فيما بعد زمان الاستنصار . ويؤكّد عندك حالَ إتباع الثاني للأوّل وأنه ليس معه في وقته دخولُ الفاء في هذا النحو من الكلام كقولك : إذا سألته فإنه يعطيني وإذا لقِيته فإنه يَبشّ بي . فدخول الفاء هنا أوّل دليل على التعقيب وأن الفعلين لم يقعا معا في زمان واحد . وقد ذكرنا هذا ليزداد القول به وضوحا وإن كان ما مضى كافيا .

ولمّا اطّرد هذا في كلامهم وكثر على ألسنتهم وفي استعمالهم تجاوزه واتّسعوا فيه إلى ما تناءت حالاه وتفاوت زماناه . وذلك كأن يقول رجل بمصر في رجل آخر بخراسان : لمّا ساءت حاله حسَّنتها ولمّا اختلّت معيشته عمرتها . ولعله أن يكون بين هاتين الحالين السَنة والسنتان .

فإن قلت فلعل هذا مما اكتُفي فيه بذكر السبب - وهو الاختلال - من ذكر المسبَّب عنه وهو المعرفة بذلك فيصير كأنه قال : لما عرفت اختلال حاله عمرتها .

قيل : لو كان الأمر على ذلك لما عَدَوْتَ ما كنا عليه ألا ترى أنه قد يعرف ذلك مِن حال صاحبه وهو معه في بلد واحد ( بل منزل واحد ) فيكون بين المعرفة بذلك والتغير له الشهر والشهران والأكثر . فكيف بمن بينه وبينه الشُقّة


224
الشاسعة المحتاجة إلى المدّة المتراخية . فإن قيل : فيكون الثاني من هذا كالأوّل أيضا في الاكتفاء فيه بالمسبّب من السبب أي لمّا عرفت ذلك فكّرت في إصلاحه فاكتفى بالمسبّب الذي هو العمارة من السبب الذي هو الفكر فيه قيل : هذا وإن كان مِثلُه مما يجوز فإنه ترك للظاهر وإبعاد في المتناوَل . ومع هذا فإنك كيف تصرّفت بك الحال إنما أوقعت الفكر في عمارة حاله بعد أن عرفت ذلك منها . فوقعت العمارة إذًا بعد وقت المعرفة . فإذا كان كذلك ركبت سَمْت الظاهر فغنيِت به عن التطالّ والتطاول .

وعلى هذا يتوجّه عندي قول الله - سبحانه - : ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ اليَوْمَ إذْ ظَلَمُتمْ أنكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونّ ) وذلك أن تجعل ( إذْ ) بدلا من قوله ( اليوم ) وإلاّ بقيت بلا ناصب . وجاز إبدال ( إذ ) - وهو ماضٍ ( في الدنيا ) - من قوله : ( اليوم ) وهو حينئذ حاضر في الآخرة لمّا كان عدم الانتفاع بالاشتراك في العذاب إنما هو مسبَّب عن الظلم وكانت أيضا الآخِرةُ تلى الدنيا بلا وقفة ولا فصل صار الوقتان على تباينهما ( وتنائيهما ) كالوقتين المقترنِين الدانيين المتلاصقين نحو أحسنت إليه إذ شكرني وأعطيته حين سألني . وهذا أمر استقرّ بيني وبين أبي عليّ - رحمه الله - مع المباحثة . وقد يجوز أيضا أن تنصب ( اليوم ) بما دلّ عليه قوله تعالى : ( مشتركون )


225
فيصير معناه لا إعرابه : ولن ينفعكم إذ ظلمتم اشتراككم اليوم في العذاب فينتزّع من معنى ( مشتركون ) ما يعمل في ( اليوم ) على حدّ قولنا في قوله - سبحانه - ( أَلاَ يَوْمَ يَأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْروُفاً عَنْهُمْ ) في أحد الأقوال الثلاثة فيه وعلى قوله تعالى : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمينَ ) وإذا أنت فعلت هذا أيضا لم تخرج به من أن يكون ( إذ ظلمتم ) في اللفظ معمولا لقوله ( لن ينفعكم ) لما ذكرنا من الجِوارَ وتُلُوّ الآخرة الأولى بلا فصل .

وكأنه إنما جاء هذا النحوُ في الأزمنة دون الأمكنة من حيث كان كلّ جزء من الزمان لا يجتمع مع جزء آخر منه إنما يلي الثاني الأوّل خالفا له وعوضا منه . ولهذا قيل - عندي - للدهر عَوْضُ - وقد ذكرت هذا في كتابي في التعاقب - فصار الوقتان كأنهما واحد وليس كذلك المكان لأن المكانين يوجَدان في الوقت الواحد ( بل في أوقات كثيرة غير منقضية . فلمّا كان المكانان بل الأمكنة كلها تجتمع في الوقت الواحد ) والأوقات كلها لم يقم بعضها مَقامَ بعض ولم يجرِ مَجراه . فلهذا لا نقول : جلست في البيت من خارج أسْكُفَّته وإن كان ذلك موضعا يجاور البيت ويماسّه لأن البيت لا يُعدَم فيكونَ خارجُ بابه نائبا عنه وخالفا في الوجود له كما يُعدم الوقت فيعوّض منه ما بعده .


226

فإن قلت : فقد تقول : سرت من بغداد إلى البصرة نهرِ الدَيْر قيل : ليس هذا من حديث الجِوار في شيء وإنما هو من باب بدل البعض لأنه بعض طريق البصرة يدّل على ذلك أنك لا تقول : سرت من بغداد إلى البصرة ( نهر الأمير لأنه أطول من طريق البصرة ) زائد عليه والبدل لا يجوز إذا كان ( الثاني أكثر من الأوّل كما يجوز إذا كان ) الأوّل أكثر من الثاني ألا ترى أنهم لم يجيزوا أن يكون ( رَبْع ) من قوله :

( اِعتاد قلبَك من سَلْمَى عوائدُه وهاج أهواءك المكنونةَ الطللُ )

( رَبْعُ قَوَاء أذاع المعِصراتُ به وكلُّ حَيْران سارٍ ماؤه خَضِل )

بدلا من ( الطلل ) من حيث كان الربع أكثر من الطلل . ولهذا ما حمله سيبويه على القطع والابتداء دون البدل والإتباع ( هذا إن ) أردت بالبصرة حقيقةَ نفِس البلد . فإن أردت جهتها وصُقْعها جاز : انحدرت من بغداد إلى البصرة نهرِ الأمير . وغرضنا فيما قدّمناه أن تريد ( بالبصرة ) نفس البلد البتّة .


227

وهذا التجاور الذي ذكرناه في الأحوال والأحيان لم يعرِض له أحد من أصحابنا . وإنما ذكروا تجاور الألفاظ فيما مضى . وقد مرّ بنا شيء من هذا النحو في المكان قال :

( وهم إذا الخيلُ جالوا في كواثبها )

وإنما يجول الراكب في صَهْوة الفرس لا في كاثبته لكنهما لمّا تجاورا جريا مجرى الجزء الواحد . باب في نَقض الأصول وإنشاء أصول ( غيرِها منها )

رأيت أبا عليّ - رحمه الله - معتمِدا هذا الفصل من العربيّة ملمّا به دائم التطرّق له والفَزَع فيما يحدث إليه . وسنذكر من أين أنِس به حتى عوّل في كثير من الأمر عليه .

وذلك كقولنا : بأبأت بالصبيّ بأبأة وبِئباء إذا قلت له : بِئبا . وقد علمنا أن أصل هذا أن الباء حرف جرّ والهمزة فاء الفعل فوزن هذا على هذه المقدّمة : بفبفت بَفْبَفة وبِفْبافا إلا أنا لا نقول مع هذا : إن هذه المُثُل على ما ترى لكن نقول : إنّ بأبأت الآن بمنزلة رأرأت عيناه وطأطأت رأسي ونحو ذلك ممّا ليس منتزّعا ولا مركبّا . فمثاله إذًا : فعللت فعللة وفِعلالا كدحرجت دحرجة ودحراجا .


228

ومن ذلك قولهم : الخازِبازِ . فالألف عندنا فيهما أصل بمنزلة ألف كافٍ ودال . وذلك لأنها أسماء مبنية وبعيدة عن التصرّف والاشتقاق . فألِفاتها إذًا أصول فيها كألِفات ما ولا وإذا وألا وإلاّ وكَلاّ وحتّى . ثم إنه قال :

( ورِمت لهازِمُها من الخزْبازِ )

فالخِزْباز الآن بمنزلة السِربال والغِربال وألفه محكوم عليها بالزيادة كألفهما ألا ترى الأصل كيف استحال زائدا كما استحالت ( باء الجر الزائدة في بأبي أنت فاء في بأبأت بالصبيّ . وكذلك أيضا استحالت ) ألف قافٍ ( ودالٍ ونحوهما ) وأنت تعتقد ( فيها كونها أصلا ) غير منقلبة إلى اعتقادك فيها القلب لمَّا اعتزمت فيها الاشتقاق . وذلك قولك : قوَّفت قافا ودوّلت دالا . وسألني أبو عليّ - رحمه الله - يوما عن إنشاد أبي زيد :

( فخيرُ نحنُ عند الناس منكم إذا الداعي المثِّوبُ قال يالا )

فقال : ما تقول في هذه الألف من قوله : يالا يعني الأولى . فقلت : أصل لأنها كألف ما ولا ونحوهما . فقال : بل هي الآن محكوم عليها بالانقلاب كألف باب ودار . فسألته عن عِلّة ذلك فقال : لمّا خِلطت بها لام الجرّ من بعدها


229
وحَسن قطعها والوقوف عليها والتعليق لها في قوله : يالا أشبهت ( يال ) هذه الكلمةَ الثلاثية التي عينها ألف فأوجب القياسُ أن يحكم عليها بأنها كباب وساق ونحو ذلك . فأنِقت لذلك وذهب بي استحساني إياه كل مذهب .

وهذا الحديث الذي نحن الآن عليه هو الذي سوَّغ عندي أن يكتب نحو قوله :

( يال بكر أنشِروا لي كُلَيبا )

ونحو ذلك مفصولة اللام الجارّة عمّا جرّته . وذلك أنها حِيزت إلى ( يا ) من قبلها حتى صارت ( يال ) كباب ودار وحُكِم على ألفها ( من الانقلاب ) بما يحكم به على العَينات إذا كنّ ألِفات . وبهذا أيضا نفسه يستدلّ على شدّة اتصال حروف الجرّ بما تدخل عليه من الأفعال لِتقوِّيه فتعدِّيه نحو مررت بزيد ونظرت إلى جعفر ألا ترى أنّ لام الجرّ ( في نحو ) يالزَيد دخلت موصِّلة ل ( يا ) إلى المنادى


230
كما توصِّل الباءُ الفعل في نزلت بك وظفِرت به . وقد تراها مَحُوزة إلى ( يا ) حتى قال ( يالا ) فعلّق حرف الجرّ ولو لم يكن لاحقا ب ( يا ) وكالمحتسَب جزءا منها لما ساغ تعليقه دون مجروره نحو قوله : يال بكر ويال الرجال ويال الله و :

( يالكِ من قُبَّرة بمَعْمَر )

ونحو ذلك . فاعرفه غرضا اعتنّ فيما كنا فيه فقلنا عليه . وإن فُسِح في المدّة أنشأنا كتابا في الهجاء وأودعناه ما هذه سبيله وهذا شرحه ممّا لم تَجْر عادة بإيداع مثله . و ( من الله المعونة ) .

ومِمّا كنا عليه ما حكاه الأصمعيّ من أنهم إذا قيل لهم هلمَّ إلى كذا فإذا أرادوا الامتناع منه قالوا : لا أُهَلِمّ فجاءوا بوزن أُهَرِيقُ وإنما هاء هَلَّم ها في التنبيه في نحو هذا وهذه ألا ترى إلى قول الخليل فيها : إن أصلها هالُمَّ بنا ثم حذفت الألف تخفيفا وهاء أهَرِيق إنما هي بدل من همزة أرقت لمّا صارت إلى هرقت وليست من حديث التنبيه في قَبِيل ولا دَبِير .

ومن ذلك قولهم في التصويت : هاهيت وعاعيت وحاحيت فهذه الألف عندهم الآن في موضع العين ومحكوم عليها بالانقلاب وعن الياء أيضا وإن كان أصلها


231
ألفا أصلا في قولهم : هاءِ وعاءِ وحاءِ . فهي هنا كألف قاف وكاف ودال ( ولام ) أصلُ غير زائدة ولا منقلبة وهي في هاهيت وأختيها ( عين منقلبة ) عن ياء عندهم أَفلا ترى إلى استحالة التقدير فيها وتلعّب الصنعة بها .

ونحو من ذلك قولهم دعدعت بالغنم إذا قلت لها : داعِ داعِ وجهجهت بالإبل إذا قلت لها : جاه جاه فجرى دعدعت وجهجهت عندهم الآن مجرى قلقلت ( وصلصلت ) ولو راعيت أصولها وعملت على ملاحظة أوائل أحوالها لكانت فلفلت لأن الألف التي هي عين عند تجشّم التمثيل في داع وجاه قد حذفت في دعدعت وجهجهت . وقد كنتُ عملت كتاب الزجر عن ثابت بن محمد وشرحت أحوال تصريف ألفاظه واشتقاقِها فجاء منه شيء صالح وطريف . وإذا ضممته إلى هذا الفصل كَثُر به وأنِس بانضمامه إليه . باب في الامتناع من نقض الغرض

اعلم أن هذا المعنى الذي تحامته العرب - أعني امتناعها من نقض أغراضها - يشبه البَدَاء الذي تروم اليهود إلزامنا إياه في نسخ الشرائع وامتناعهم منه إلا أنّ الذي


232
رامته العرب من ذلك صحيح على السَبْر والذي ذهبوا هم إليه فاسد غير مستقيم . وذلك أن نَسْخ الشرائع ليس ببَداءٍ عندنا لأنه ليس نهيا عمّا أمر الله تعالى به وإنما هو نهي عن مثل ما أمر الله تعالى به في وقت آخر غير الوقت الذي كان - سبحانه - أمر بالأوّل فيه ألا ترى أنه - عزّ اسمه - لو قال لهم : صوموا يوم كذا ثم نهاهم عن الصوم فيه فيما بعد لكان إنما نهاهم عن مثل ذلك الصوم لا عنه نفسه . فهذا ليس بَدَاء . لكنه لو قال : صوموا يوم الجمعة ثم قال لهم قبل مضيّه : لا ( تصوموه ) لكان - لعمري - بَدَاء وتنقّلا والله - سبحانه - يجِلّ عن هذا لأن فيه انتِكاثا وتراجعا واستدراكا وتتبعا . فكذلك امتناع العرب من نقض أغراضها هو في الفساد مثل ما نزَّهْنا القديم - سبحانه - عنه من البداء .

فمن ذلك امتناعهم من ادّغام الملحَق نحو جَلْبب وشَمْلَل وشُرْبُب ( ورِمدِد ومَهْدَد ) وذلك أنك إنما أردت بالزيادة والتكثير البلوغ إلى مثال معلوم فلو ادّغمت


233
في نحو شُرْبُب فقلت : شُرُبّ لانتقض غرضك الذي اعتزمته : من مقابلة الساكن بالساكن والمتحرّك بالمتحرّك فأدّى ذلك إلى ضدّ ما اعتزمتَه ونقضِ ما رُمته . فاحتُمِل التقاء المثلين متحرّكين لما ذكرنا من حِراسة هذا الموضع وحفظه .

ومِن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل . وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته فلا بدّ من أن يكون منكورا لا يسوغ تعريفه لأنه لو كان معرفة لما كان مستفادا لأن المعروف قد غَنِي بتعريفه عن اجتلابه ليفاد من جملة الكلام . ولذلك قال أصحابنا : اعلم أن حكم الجزء المستفاد من الجملة أن يكون منكورا والمفاد هو الفعل لا الفاعل . ولذلك لو أخبرنا بما لا شكّ فيه لعُجِب منه وهُزِئ ( من قوله ) . فلمّا كان كذلك لم يجز تعريف ما وَضْعه على التنكير ألا تراه يجري وصفا على النكرة ( وذلك ) نحو مررت برجل يقرأ فهذا كقولك : قارئٍ ولو كان معرفة لاستحال جريه وصفا على النكرة .

ومِن ذلك امتناعهم من إلحاق " مِن " بأفعل إذا عرَّفته باللام نحو الأحسن منه والأطول منه . وذلك أنّ ( مِن ) - لعمري - تكسب ما يتصل به : من أفعل هذا تخصيصا مّا ألا تراك لو قلت : دخلت البصرة فرأيت أفضل من ابن سيرين لم يسبق


234
الوهم إلا إلى الحسن رضي الله عنه ( فبِمِن ما صحَّت لك ) هذه الفائدة وإذا قلت : الأحسن أو الأفضل أو نحوَ ذلك فقد استوعبت اللامُ من التعريف أكثر مما تفيده ( مِن ) من حصّتها من التخصيص فكرِهوا أن يتراجعوا بعد ما حكموا به من قوّة التعريف إلى الاعتراف بضعفه إذا هم أتبعوه مِن الدالة على حاجته إليها وإلى قدر ما تفيده : من التخصيص المفاد منه .

فأمّا ما ظنّ أبو عثمان الجاحظ من أنه يدخل على قول أصحابنا ( في هذا من قول الشاعر ) :

( فلستَ بالأكثر منهم حَصَّى وإنما العِزَةُ للكاثرِ )

فساقط عنهم . وذلك أن ( مِن ) هذه ليست هي التي تصحب ( أفعل ) هذا لتخصيصه فيكونَ ما رامه أبو عثمان من جمعها مع لام التعريف . وذلك لأنها إنما هي حال من تَاء ( لَسْت ) كقولك : لست فيهم بالكثير مالا وما أنت منهم بالحَسَن وجها أي لست من بينهم وفي جملتهم بهذه الصفة كقولك : أنت والله من بين الناس حُرّ وزيد من جُمْلة رهطه كريم .


235

ومِن ذلك امتناعهم من إلحاق عَلَم التأنيث لما فيه عَلَمه حتى دعاهم ذلك إلى أن قالوا : مسلمات ولم يقولوا : مسلمتات لئلا يُلِحقوا ( علامة تأنيث مثلها ) . وذلك أن إلحاق علامة التأنيث إنما هو ليُخرج المذكّر قبله إليه ويَنقله إلى حكمه فهذا أمر يجب عنه وله أن يكون ما نقل إلى التأنيث قبل نقله إليه مذكّرا كقائم من قائمة وظريف من ظريفة . فلو ذهبت تلحِق العلامة العلامة لنقضت الغرض . وذلك أن التاء في قائمة قد أفادت تأنيثه وحصَّلت له حكمه فلو ذهبت تُلحقها علامةً أخرى فتقول : قائمتات لنقضْتَ ما أثبتّ من التأنيث الأوّل بما تجشّمته من إلحاق عَلَم التأنيث الثاني له لأن في ذلك إيذانا بأن الأوّل به لم يكن مؤنّثا وكنت أعطيتَ اليَدَ بصحّة تأنيثه لحصول ما حَصَل فيه من عَلَمه وهذا هو النقض والبداء البتَّة . ولذلك أيضا لم يثَنّ الاسم المثنّى لأن ما حصل فيه من عَلَم التثنية مؤذِن بكونه اثنين وما يلحقه من علم التثنية ثانيا يؤذن بكونه في الحال الأولى مفردا وهذا هو الانتقاض والانتكاث لا غير .

فإن قلت : فقد يُجمع الجمع نحو أكلُب وأكالِب ( وأسقية وأساقٍ ) فكيف القول في ذلك


236

قيل له : فرق بينِهما أنّ عَلمي التأنيث في ( مسلمات لو قيل مسلمتات ) لكانا لمعنى واحدٍ وهو التأنيث فيهما جميعا وليس كذلك مَعْنَيا التكسير في أكلب وأكالب . وذلك أن معنى أكلب أنها دون العشرة ومعنى أكالب أنها للكثرة التي أوّل رتبتها فوق العشرة . فهذان معنيان - كما تراهما - اثنان فلم ينكر اجتماع لفظيهما لاختلاف معنييهما .

فإن قلت : فهلاَّ أجازوا - على هذا - مسلمتات فكانت التاء الأولى لتأنيث الواحد والتاء الثانية لتأنيث الجماعة

قيل : كيف تصرَّفت الحال فلم تفِد واحدة من التاءين شيئا غير التأنيث البتّة . فأما عِدة المؤنَّث في إفراده وجمعه فلم يفده العَلمَان فيجوزَ اجتماعهما كما جاز تكسير التكسير في نحو أكلُب وأكالب .

فإن قلت : فقد يجمع أيضا جمعُ الكثرة نحو بيوت وبيوتات وحُمُر وحُمُرات ونحو قولهم : صواحبات يوسف ومواليات العرب وقوله :

( قد جَرَت الطير أيامِنِينا )

فهذا جمع أيامن وأنشدوا :

( فهنّ يعلُكْن حَدائداتها )


237

وكسَّروا أيضا مُثُل الكثرة قال :

( عقابين يوم الدَجْن تعلو وتسفُل )

وقال آخر :

( ستشرب كأسا مُرّة تترك الفتى تَلِيلا لِفِيه للغرابين والرَخَمْ

وأجاز أبو الحسن في قوله :

( في ليلة من جُمَادَى ذات أندِية )

أن يكون كسَّر نَدًى على نِداء كجبل وجبال ثم كسَّر نِداء على أندية كرداء وأردية .

قيل : جميع ذلك و ( ما كان ) مثلَه - وما أكثره ! - ( إنما جاز ) لأنه لا ينكَر أن يكون جمعان أحدهما أكثر من صاحبه وكلاهما مثال الكثرة ألا ترى أن مائة للكثرة وألفا أيضا كذلك وعشرة آلاف أيضا كذلك ثم على هذا ونحوه . فكأنّ بيوتا مائة وبيوتات مائة ألف وكأن عِقبانا خمسون وعقابين أضعاف ذلك . وإذا كان ذلك علمت اختلاف المعنين لاختلاف اللفظين . وإذا آل بك الأمر إلى هذا لم ( تبق وراءه مضطربا ) فهذا قول .


238

وجواب ثان : أنك إنما تكسِّر نحو أكُلب وعِقبان ونداء لمجيء كل واحد من ذلك على أمثلة الآحاد وفي طريقها فلمّا جاءت هذا المجيء جرت مجرى الآحاد فجاز تكسيرها كما يجوز تكسيرها ألا ترى أنْ لذلك ما جاز صرفها وتُرِك الاعتداد بمعنى الجمعيَّة فيها لمّا جاءت مجيء الآحاد فصُرِف كلاب لشبهه بكتاب وصُرف بيوت لشَبَهه ( بأُتِيّ وسُدُوس ) ومُرور وصرف عِقْبان لشَبَهه بعصيان وضِبْعان . وصرف قُضْبان لأنه علِى مثال قُرْطان . وصرف أكلُب لأنه قد جاء عنهم أَصْبُع وأَرُزّ ( وأَسْنُمَة ) ولأنه أيضا لما كان لجمع القلّة أشبه في المعنى الواحدّ لأن محلّ مثال القلّة من مثال الكثرة في المعنى محلّ الواحد من الجمع فكما كسَّروا الواحد كذلك كسّروا ما قاربه من الجمع . وفي هذا كاف .

فإن قلت : فهلاّ ثنّيت التثنية كما جمعت الجمع قيل : قد كفتنا العرب بقولهم : أربعة ( عن قولهم ) اثنانان . وأيضا فكرهوا أن يجمعوا في ( اثنانان ) ونحوه بين إعرابين متفَقين كانا أو مختلفَين وليس شيء من ذلك في نحو أكلُب وأكالب .

ومن ذلك ما قال أصحابنا : إن وصف العَلَم جارٍ مجرى نقض الغرض . وذلك أن العلم إنما وضع ليغني عن الأوصاف الكثيرة ألا ترى أنك إذا قلت : قال


239
الحسن في هذه المسئلة كذا فقد استغنيت ( بقولك : الحسن ) عن قولك : الرجل الفقيه القاضي العالم الزاهد البصريّ الذي كان من حاله كذا ومن أمره كذا فلمّا قلت : الحسن أغناك عن جميع ذلك . فإذا وصِف العَلَم فلأنه كثر المسمَّون به فدخله اللبس فيما بعد فلذلك وُصف ألا ترى أن ما كان مِن الأعلام لا شريك له في العلمية فإنه لا يوصف . وذلك كقولنا : الفرزدق فإنه لا يوصف فيقال : التميميّ ولا نحو ذلك لأنه لم يسمَّ به أحد غيره . وإذا ذكرته باسمه الذي هو همَّام جاز وصفه فقلت همَّام بن غالب لأن همّاما شورك فيه فجاز لذلك لحاق الوصف له .

فإن قلت : فقد يكثر في الأنساب وصف كثيرٍ من الأعلام التي لا شركة فيها نحو قولهم : فلان بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان ونظائره كثيرة قيل : ليس ( الغرض إلا التنقّل به ) والتصعّد إلى فوق وإعلام السامع وجهَ النَسَب وأن فلانا اسم أبيه كذا واسم جدّه كذا . فإنما البغية بذلك استمرار النسب وذكر الآباء شيئا فشيئا على توالٍ . وعلى هذا يجوز أيضا أن يقال : الفرزدق بن غالب فأمّا على التخليص ( والتخصيص ) فلا .


240
ومن ذلك امتناعهم من تنوين الفعل . وذلك أنه قد استمرّ فيه الحذف والجزم بالسكون لثقله . فلمّا كان موضعا للنقص منه لم تِلْق به الزيادة فيه . فهذا قول .

وإن شئت قلت : إن التنوين إنما لحق في الوقف مؤذنا بالتمام والفعل أحوجُ شيء إلى الفاعل فإذا كان من الحاجة إليه مِن بعده على هذه الحال لم يلِق به التنوين اللاحق للإيذان بالتكامل والتمام فالحالان إذًا كما ترى ضدّان . ولأجل ذلك ما امتنعوا من لحاق التنوين للمضاف . وذلك أن المضاف على غاية الحاجة إلى المضاف إليه من بعده . فلو ألحقته التنوين المؤذِن بالوقف وهو متناهٍ في قوّة الحاجة إلى الوصل جمعتَ بين الضدّين . وهذا جليّ غير خاف . وأيضا فإن التنوين دليل التنكير والإضافة موضوعة للتخصيص فكيف لك باجتماعهما مع ما ذكرنا من حالهما .

فإن قلت : فإذا كان الأمر كذلك فما بالهم نوَّنوا الأعلام كزيد وبكر .

قيل : جاز ذلك لأنها ضارعت بألفاظها النكِرات إذ كان تعرّفها معنويّا لا لفظيّا لأنه لا لام تعريف فيها ولا إضافة كما صرفوا من الجمع ما ضارع الواحد ببنائه نحو كلاب ( لأنه ككتاب ) وشيوخ لأنه كسُدُوس ودخول وخروج . وهذا باب مطّرد فاعرفه .


241
باب في التراجع عند التناهِي

هذا معنى مطروق في غير صناعة الإعراب كما أنه مطروق فيها . وإذا تشاهدت حالاهما كان أقوى لها وأذهب في الأُنْس بها .

فمن ذلك قولهم : إن الإنسان إذا تناهى في الضحك بكى وإذا تناهى فِي الغمّ ضحك وإذا تناهى في العظة أهمل وإذا تناهت العداوة استحالت مودّة . وقد قال :

( وكُّل شيء بلغ الحدّ انتهى )

وأبلغ من هذا قول شاعرنا :

( ولَجُدت حتى كِدتَ تبخل حائلا للمنتَهى ومن السرور بكاء )

والطريق في هذا ونحوه معروفة مسلوكة .

وأمّا طريق صناعة الإعراب في مثله فقول أبي إسحاق في ذكر العِلّة التي امتَنع لها أن يقولوا ما زال زيد إلاّ قائما : ( نفي و ) نفي النفي إيجاب . وعلى نحو هذا ينبغي أن يكون قولهم : ظُلّمة وظُلَم وسِدْرة وسِدَر وقصعة وقِصاع ( وشَفْرة وشفار ) . وذلك أن الجمع يحدث للواحد تأنيثا نحو قولهم : هذا جمل وهذه جمال وهذا رجل وهذه رجال قد أقبلت . وكذلك بَكْر وبِكارة وعَيْر وعُيورة وجَريب وأجربة وصبيّ وصِبية ونحو ذلك . فلمّا كانت ظلمة


242
وسِدرة وقصعة مؤنَّثاتٍ - كما ترى - وأردت أن تكسّرها صرت كأنك أردت تأنيث المؤنّث : فاستحال بك الأمر إلى التذكير فقلت ظُلَم وسِدَر وقصاع وشِفار . فتراجعت للإيغال في التأنيث إلى لفظ التذكير . فعلى هذا النحو لو دعا داع أو حمل حامل على ( تأنيث نحو ) قائمة ومسلمة لكان طريقه - على ما أرينا - أن نعيده إلى التذكير فنقول : قائم ومسلم . هذا لو سوّغ مسوّغ تأنيث نحو قائمة وكريمة ونحو ذلك .

فإن قيل : فيلزم على هذا أن لو أريد تذكير المذكّر أن يؤنَّث قيل : هذا تقرير فاسد ووضع غير متقبَّل . وذلك أن التذكير هو الأوّل والأصل . فليس لك التراجع عن الأصول لأنها أوائل وليس تحت الأصل ما يرجع إليه . وليس كذلك التأنيث لأنه فرع على التذكير . وقد يكون الأصل واحدا وفروعه متضعفة ( ومتصعّدة ) ألا ترى أن الاشتقاق تجد له أصولا ثم تجد لها فروعا ثم تجد لتلك الفروع فروعا صاعدة عنها ن نحو قولك : نَبْت فهو الأصل لأنه جوهر ثم ( يشتقّ منه فرع ) هو النبات وهو حَدَث ثم يشتقّ من النبات الفعل فتقول : نَبَت . فهذا أصل وفرع وفرع فرع . فلذلك جاز تصوّر تأنيث المؤنثّ ولم يجز تصوّر تذكير المذكّر . نعم ولو جاز تصوّر


243
تذكير المذكّر لأوجب فيه القياسُ أن يعاد به إلى التأنيث . كذا وجه النظر . وما ( في هذا ) من المنكَر ! . فعلى هذا السَمْت لو ساغ تذكير قائم لوجب أن يقال فيه : قائمة . فاعرف ذلك وأْنَس به ولا تَنْبُ عنه .

فإن قلت : فلسنا نجد كلّ المذكّر إذا أريد تكسيره أنِّث ألا تراك تقول : رجل ورجال وغلام وغلمان وكلب وأكلب . فهذا بخلاف ذكر وذِكارة وذكورة وفحل وفحالة وفحولة .

قيل : لم ندّع أن كل مذكّر كسِّر فلا بدّ في مثال تكسيره من عَلَم تأنيث وإنما أرينا أن هذا المعنى قد يوجد فيه فاستدللنا بذلك على صحّة ما كنا عليه وبسبيله . وكيف تصرّفت الحال فأنت قد تلاحظ تأنيث الجماعة في نحو رجال فتقول : قامت الرجال و ( إذا عاديت الرجال فاصبر لها أي للرجال وإن شئت كانت الهاء للمعاداة ) .

وعلى نحو مما نحن بصدده ما قالوا : ثلاثة رجال وثلاث نسوة فعكسوا الأمر على ما تراه . ولأجل ذلك ما قالوا : امرأة صابرة ( وغادرة فألحقوا علم التأنيث فإذا تناهَوْا في ذلك قالوا : صَبُور ) وغَدُور فذكَّروا . وكذلك رجل ناكح فإذا بالغوا قالوا : رجل نُكَحة .


244

ونحو من ذلك سواءً اطّرادُ التصرّف في الأفعال نحو قام ويقوم وقم وما كان مثله . فإذا بالغوا وتناهَوا منعوه التصرّف فقالوا : نعم الرجل وبئس الغلام فلم يصرَّفوهما وجعلوا ترك التصرّف في الفعل الذي هو أصله وأخصّ الكلام به أمارة للأمر الحادث له وأن حكما من أحكام المبالغة قد طرأ عليه كما تركوا لذلك أيضا تأنيثه دليلا عليه في نحو قولهم : نعم المرأة وبئس الجارية .

فإن قلت : فما بالهم منعوا هذين الفعلين التصرّف البتَّة ولم يمنعوهما عَلَم التأنيث البتّة ألا تراك أيضا قد تقول : نعمت المرأة وبئست الجارية وأنت لا تصرِّف واحدا منهما على وجه

قيل إنما حظروا عليهما ما هو أخصّ الأوصاف بهما - أعني التصرّف - ليكون حظره عليهما أدلّ شيء على حدوث عائق لهما وليست كذلك علامة التأنيث لأن الفعل لم يكن في القياس تأنيثه ألا تراه مفيدا للمصدر الدالّ على الجنس والجنس أسبق شيء إلى التذكير وإنما دخل عَلَم التأنيث في نحو قامت هند وانطلقت جُمْل لتأنيث فاعله ولو كان تأنيث الفعل لشيء يرجع إليه هو لا إلى فاعله لجاز قامت زيد وانطلقت جعفر . فلأجل ذلك ما اعتزموا الدلالة على خروج هذين الفعلين إلى معنى المبالغة بترك تصرّفهما الذي هو أقعد من غيره فيهما دون الاقتصار على ترك تأنيثهما إذ التأنيث فيهما ليس في الأصل مستحَقّا لهما ولا راجعا إليهما وإنما هو مراعًي به تأنيث فاعليهما . ويؤكّد ذلك عندك


245
ما رواه الأصمعيّ عنهم من قوله : إذا فاق الشيءُ في بابه سمَّوه خارجيّا وأنشد بيت طُفَيل الغَنَويّ :

( وعارضتها رهوا على متتابع شديد القُصَيري خارجيّ محنّب )

فقولهم في هذا المعنى : خارجيّ واستعمالهم فيه لفظ خرج من أوثق ما يستدلّ به على هذا المعنى وهو الغاية فيه . فاعرفه واشدد يدك به . باب فيما يُؤِمنه علم العربيّة من الاعتقادات الدينيّة

اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب وأن الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية . وذلك أن أكثر مَن ضلّ مِن أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد عن الطريقة المثلى إليها فإنما استهواه ( واستخفّ حِلمه ) ضعفُه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافّة بها وعرضت عليها الجنة والنار من حواشيها وأحنائها وأصل اعتقاد التشبيه لله تعالى بخلقه منها وجاز عليهم بها وعنها . وذلك أنهم لمّا سمعوا قول الله - سبحانه وعلا عما يقول الجاهلون علوّا كبيرا - ( يا حَسْرَتي عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله ) وقوله - عزّ اسمه - ( فأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَّم وَجْهُ اللهِ ) وقوله : ( لِمَا خلقتُ بَيَديَّ ) وقوله


246
تعالى ( مِما عَمِلَتْ أَيْدِينَا ) وقوله : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك ) وقوله : ( ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) وقوله : ( والسموات مَطْوِيَّات بيمينه ) ونحو ذلك من الآيات الجارية هذا المجرى وقوله في الحديث : خلق الله آدم على صورته حتى ذهب بعض هؤلاء الجهَّال في قوله تعالى : ( يوم يكَشفُ عن ساق ) أنها ساق ربهم - ونعوذ بالله من ضَعْفة النظر وفساد المعتبر - ولم يشكّوا أن هذه أعضاء له وإذا كانت أعضاء كان هو لا محالة جسما مُعَضًّى على ما يشاهدون من خَلْقه عزَّ وجهه وعلا قدره وانحطّت سوامي ( الأقدار و ) الأفكار دونه . ولو كان لهم أنسْ بهذه اللغة الشريفة أو تصرّف فيها أو مزاولة لها لحمتهم السعادة بها ما أصارتهم الشِقوة إليه بالبعد عنها . وسنقول في هذا ونحوه ما يجب في مثله . ولذلك ما قال رسول الله لرجل لحن أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل فسمى اللحن ضلالا وقال عليه السلام : ( رحم الله امرأ اصلح من لسانه ) وذلك لما ( علمه مما يُعِقب ) الجهلُ لذلك من ضدّ السداد وزيغ الاعتقاد .
247

وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جارٍ على المجاز وقلمّا يخرج الشيء منها على الحقيقة . وقد قدّمنا ذكر ذلك في كتابنا هذا وفي غيره . فلمّا كانت كذلك وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها وانتشار أنجائها جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه ويعتادونه منها وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عُرْفهم وعادتهم في استعمالها . وذلك أنهم يقولون : هذا الأمر يصفر في جَنْب هذا أي بالإضافة إليه و ( قرنه به ) . فكذلك قول الله تعالى : ( يا حسرتي على ما فرّطت في جنب الله ) ( أي فيما بيني وبين الله ) إذا أضفت تفريطي إلى أمره لي ونهيه إياي . وإذا كان أصله اتساعا جرى بعضه مجرى بعض . وكذلك قوله - - : ( كُلّ الصيد في جَنْب الفرأ ) ( وجوف الفرأ ) أي ( كأنه يصغُر ) بالإضافة إليه وإذا قيس به .

وكذلك قوله - سبحانه - : ( فأينما تُوَلُّوا فثّمَّ وَجْهُ الله ) إنما هو الاتجاه ( إلى الله ) ألا ترى إلى بيت الكتاب :

( أستغفر الله ذنبا لستُ مُحْصَيهُ رَبَّ العباد إليه الوجه والعمل )


248

أي الاتجاه . فإن شئت قلت : إن الوجه هنا مصدر محذوف الزيادة كأنه وضع الفَعْل موضع الافتعال كوحده وقيدِ الأوابد ( - في أحد القولين - ) ونحوهما . وإن شئت قلت : خرج مخرج الاستعارة . وذلك أن وجه الشيء أبدا هو أكرمه وأوضحه فهو المراد منه والمقصود إليه . فجرى استعمال هذا في القديم - سبحانه - مجرى العرف فيه والعادة في أمثاله . أي لو كان - تعالى - ممّا يكون له وجه لكان كلّ موضع تُوجّه إليه فيه وجها له إلا أنك إذا جعلت الوجه في القول الأوّل مصدرا كان في المعنى مضافا إلى المفعول دون الفاعل لأن المتوجَّه إليه مفعول ( في المعنى فيكون ) إذًا من باب قوله - عزّ وجلّ - ( لايسئم الإنسان من دعاء الخير ) و ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك ) ونحو ذلك ممّا أضيف فيه المصدر إلى المفعول به .

وقوله تعالى ( مما عملته أيدينا ) إن شئت قلت : لمّا كان العُرْف أن يكون أكثر الأعمال باليد جرى هذا مجراه . وإن شئت قلت : الأيدي هنا جمع اليد التي هي القوّة فكأنه قال : مما عملته قوانا أي القُوَى التي أعطيناها الأشياء لا أنّ له - سبحانه - جسما تحلّه القوّة أو الضعف . ونحوه قولهم في القسم : لعمر الله إنما هو : وحياةِ الله أي والحياة التي آتانيها الله لا أن القديم سبحانه محلّ


249
للحياة كسائر الحيوانات . ونسب العمل إلى القدرة وإن كان في الحقيقة للقادر لأن بالقدرة ما يتمّ له العمل كما يقال : قطعه السيف وخرقه الرمح . فيضاف الفعل إليهما لأنه إنما كان بهما .

وقوله تعالى : ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) أي تكون مكنوفا برأفتي بك وكلاءتي لك كما أن مَن يشاهده الناظر له والكافل به أدنى إلى صلاح أموره وانتظام أحواله ممن يبعد عمن يدبّره ويلي أمره قال المولَّد :

( شهِدوا وغبنا عنهم فتحكّموا فينا وليس كغائب من يشهد )

وهو باب واسع .

وقوله : ( والسَّموَاتُ مَطْوِيّاتُ بِيَمِينِهِ ) إن شئت جعلت اليمين هنا الجارحة فيكون على ( ما ذهبنا ) إليه من المجاز والتشبيه أي حصلت السموات تحت قدرته حصول ما تحيط اليد به في يمين القابض عليه وذُكرت اليمين هنا دون الشِمال لأنها أقوى اليدين وهو من مواضع ذكر الاشتمال والقوّة . وإن شئت جعلت اليمين هنا القوّة كقوله :

( إذا ما رايةُ رُفِعتْ لمجد تلقّاها عَرَابةُ باليمينِ )

أي بقوّته وقدرته . ويجوز أن يكون أراد بيد عرابة : اليمنى على ما مضى . وحدّثنا أبو علي سنة إحدى وأربعين قال : في قول الله - جلّ اسمه - ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ


250
ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) ثلاثة أقوال : أحدها : باليمين التي هي خلاف الشمال . والاخر باليمين التي هي للقوّة . والثالث ( باليمين التي هي ) قوله : ( وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ) فإن جعلت يمينه من قوله : ( مطويّات بيمينه ) ( هي الجارجة مجازا وتشبيها كانت الباء هنا ظرفا ) أي مطويّات في يمينه وتحت يمينه . وإن جعلتها القوّة لم تكن الباء ظرفا لكنها تكون حرفا معناه الإلصاق والاستعانة به على التشبيه بما يستعان به كقولهم : ضرب بالسيف وقطع بالسكين وحفر بالفأس . هذا هو المعنى الظاهر وإن كان غيره جائزا على التشبيه والسعة .

وقوله في الحديث : خلق الله آدم على صورته يحتمل الهاء فيه أن تكون راجعة على اسم الله تعالى وأن تكون راجعة على آدم . فإذا كانت عائدة على اسم الله تعالى كان معناه : على الصورة التي أنشأها الله وقدّرها . فيكون المصدر حينئذ مضافا إلى الفاعل لأنه - سبحانه - هو المصوّر لها لا أن له - عزّ اسمه - صورة و ( مثالا ) كما أن قولهم : لعمر الله إنما معناه : والحياةِ التي كانت بالله والتي آتانيها الله لا أن له - تعالى - حياة تحلُّه ولا أنه - عزَّ وجهه - محلّ للأعراض . وإن جعلتها عائدة على آدم كان معناه : على صورة آدم أي على


251
صورة أمثاله ممن هو مخلوق ومدبَّر فيكون هذا حينئذ كقولك في السيد والرئيس : قد خدمته خِدمته أي الخدمة التي تحِقّ لأمثاله وفي العبد والمبتذَل : قد استخدمته استِخدامه أي استخدام أمثاله ممن هو مأمور بالخفوف والتصرّف فيكون إذًا كقوله - عزّ وجلّ - ( فِي أَيِّ صُورَة مَّا شَاء رَكَّبك ) وكذلك نظائر هذا : هذه سبيله .

فأمّا قول من طغى به جهله وغلبت عليه شِقوته حتى قال في قول الله تعالى ( يومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) : إنه أراد به عِضو القديم وإنها جوهر كهذه الجواهر الشاغلة للأماكن وإنها ذات شَعَر وكذا وكذا ممّا تتابعوا ( في شناعته ) وركِسوا في ( غوايته ) فأمر نحمد الله على أن نزَّهنا عن الإِلمام بحرَاه . وإنما الساق هنا يراد بها شِدّة الأمر كقولهم : قد قامت الحرب على ساق . ولسنا ندفع مع ذلك أن الساق إذا أريدت بها الشدّة فإنما هي مشبَّهة بالساق هذه التي تعلق القدم وأنه إنما قيل ذلك لأن الساق هي الحاملة للجملة المنهِضة لها . فذكِرت هنا لذلك تشبيها وتشنيعا . فأما أن تكون للقديم - تعالى - جارحة : ساق أو غيرها فنعوذ بالله من اعتقاده ( أو الاجتياز ) بطَوَاره . وعليه بيت الحماسة :


252

( كشفَت لهم عن ساقها وبدا من الشرّ الصراحُ )

وأمّا قول ابن قيس في صفة الحرب والشدّة فيها :

( تُذهل الشيخ عن بنيه وتُبدِي عن خِدامِ العقيلةُ العذراءُ )

فإنه وجه آخر وطريق من طرق الشدّة غير ما تقدّم . وإنما الغرض فيه أن الرّوع قد بزّ العقِيلة - وهي المرأة الكريمة - حياءها حتى ابدت عن ساقها للحيرة والهرب كقول الآخر :

( لمَّا رأيت نساءنا يفحَصن بالمَعْزاء شَدّا )

( وبدت محاسنها التي تخفي وكان الأمر جِدّا )


253

وقوله :

( إذا أبرز الرَوْعُ الكَعاب فإنهم مصَادُ لمن يأوى إليهم ومعقِل )

وهو باب . وضدّه ما أنشده أبو الحسن :

( اِرفعن أذيال الحُقِيِّ واربَعْنْ مَشْي حَيِيَّاتٍ كأن لم يفزعن )

( إن تُمنعِ اليوم نساء تُمنعن )

وأذكر يوما وقد خطر لي خاطر مما نحن بسبيله فقلت : لو أقام إنسان على خدمة هذا العلم سِتّين سنة حتى لا يحظى منه إلا بهذا الموضع لما كان مغبونا فيه ولا منتقَص الحظّ منه ولا السعادة به . وذلك قول الله - عزّ اسمه ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) ولن يخلو ( أغفلنا ) هنا من أن يكون من باب أفعلت الشيء أي صادفته ووافقته كذلك كقوله :

( وأَهْيَج الخَلْصاءَ من ذات البُرِق )

أي صادفها هائجة النبات ( وقوله :

( فمضى وأخلف من قُتَيلة موعدا )


254

أي صادفه مخلفَا ) وقوله :

( أَصَمَّ دعاءُ عاذلتي تَحَجَّى بآخرنا وتنسى أوّلِينا )

أي صادف قوما صُمّا وقول الآخر :

( فأصممتُ عمرا وأَعميته عن الجود والمجد يوم الفخار )

أي صادفته أعمى . وحكى الكسائيّ : دخلت بلدة فأعمرتها أي وجدتها عامرة ودخلت بلدة فأخربتها أي وجدتها خرابا ونحو ذلك أو يكون ما قاله الخصم : أن معنى أغفلنا قلبه : منعْنا وصددنا نعوذ بالله من ذلك . فلو كان الأمر على ما ذهبوا إليه منه لوجب أن يكون العطف عليه بالفاء دون الواو وأن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتَّبع هواه . وذلك أنه كان يكون على هذا الأوّلُ عِلَّة للثاني والثاني مسببَّا عن الأوّل ومطاوِعا له كقولك : أعطيته فأخذ وسألته فبذل لما كان الأخذ مسبَّبا عن العطِيَّة والبذل مسبَّبا عن السؤال . وهذا من مواضع الفاء لا الواو ألا ( ترى أنك ) إنما تقول : جذبته فانجذب ولا تقول : وانجذب إذا جعلت الثاني مسبَّبا عن الأوّل . وتقول : كسرته فانكسر واستخبرته فأخبر كلّه بالفاء . فمجيء قوله تعالى ( واتبع هواه ) بالواو دليل على أنّ الثاني ليس مسبَّبا عن الأوّل على ما يعتقده المخالف . وإذا لم ( يكن عليه ) كان معنى أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي صادفناه غافلا على ما مضى


255
وإذا صودف غافلا فقد غفل لا محالة . فكأنه - والله أعلم - : ولا تطع من غفل قلبُه عن ذكرنا واتَّبع هواه وكان أمره فُرُطا أي لا تطع من فعل كذا وفعل كذا . وإذا صحَّ هذا الموضع ثبت به لنا أصل شريف يعرفه من يعرفه . ولولا ما تعطيه العربيَّة صاحبها من قوّة النفْس ودُرْبة الفكر لكان هذا الموضع ونحوه مَجُوزا عليه غير مأبوه له . وأنا أعجب من الشيخين أبوي عليّ رحمهما الله وقد دوّخا هذا الأمر وجوّلاه وامتخضاه وسقياه ولم يمرر واحد منهما ولا من غيرهما - فيما علِمته ( به ) - على قربه وسهولة مأخذه . ولله قُطْرُب ! فإنه قد أحرز عندي أجرا عظيما فيما صنّفه من كتابه الصغير في الردّ على الملحِدين وعليه عقد أبو عليّ - رحمه الله - كتابه في تفسير القرآن . وإذا قرأته سقطت عنك الشبهة في هذا الأمر بإذن الله وعَونه . باب في تجاذُب المعاني والإعراب

هذا موضع كان أبو عليّ - رحمه الله - يعتاده ويُلمّ كثيرا به ويبعث على المراجعة له وإلطاف النظر فيه . وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذِبين : هذا يدعوك إلى أمر وهذا يمنعك منه . فمتى اعتورا كلاما ما أمسكت بعُرْوة المعنى وارتحت لتصحيح الإعراب .

فمِن ذلك قول الله تعالى : ( إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرُ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) فمعنى هذا : إنه على رَجْعه يوم تُبلى السرائر لقادر فإن حملته في الإعراب على هذا كان


256
خطأ لفصلك بين الظرف الذي هو ( يوم تبلى ) وبين ما هو معلَّق به مِن المصدر الذي هو الرَجْع والظرف من صلته والفصل بين الصلة والموصول الأجنبيّ أمر لا يجوز . فإذا كان المعنى مقتِضيا له والإعراب مانعا منه احتلت له بأن تضمر ناصبا يتناول الظرف ويكون المصدر الملفوظ به دَّالا على ذلك الفعل حتى كأنه قال فيما بعد : يَرجعه يوم تُبلى السرائر . ودلَّ ( رجعه ) على ( يرجعه ) دلالة المصدر على فعله .

ونحوه قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسِكُمْ إذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيْمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) ف ( إذ ) هذه في المعنى متعلِّقة بنفس قوله : لمقتُ الله أي يقال لهم : لمقت الله إياكم وقت دعائكم إلى الإيمان فكفرِكم أكبر من مقتكم أنفسكم الآن إلا أنك إن حملت الأمر على هذا كان فيه الفصل بين الصلة التي هي إذ وبين الموصول الذي هو لمقت الله . فإذا كان المعنى عليه ومَنَع جانبُ الإعْراب منه أضمرت ناصبا يتناول الظرف ويدلّ المصدر عليه حتى كأنه قال بِأَخرة : مَقَتكم إذ تدعون .

وإذا كان هذا ونحوه قد جاء في القرآن فما أكثره وأوسعه في الشعر ! فمن ذلك ما أنشده أبو الحسن من قوله :

( لَسْنا كمن حلَّت إيادٍ دارَها تَكْرِيتَ ترقبُ حَبَّها أن يُحْصَدا )


257

ف ( إياد ) بدل مِن ( مَن ) وإذا كان كذلك لم يمكنك أن تنصب ( دارها ) ب ( حلّت ) هذه الظاهرة لما فيه من الفصل فحينئذ ما تضمر له فعلا يتناوله فكأنه قال فيما بعد : حلَّت دارها . وإذا جازت دلالة المصدر على فعله والفعلِ على مصدره كانت دلالة الفعل على الفعل الذي هو مثله أدنى إلى الجواز وأقرب مأخذا في الاستعمال .

ومثله قول الكُميت في ناقته :

( كذلِك تيك وكالناظرات صواحبُها ما يرى المِسْحَل )

أي وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها . فإن حملْته على هذا كان فيه الفصل المكروه . فإذا كان المعنى عليه ومَنَع طريقُ الإعراب منه أضمر له ما يتناوله ودلَّ ( الناظرات ) على ذلك المضمر . فكأنه قال فيما بعد : نظرن ما يرى المسحل ألا تراك لو قلت : كالضارب زيدُ جعفرا وأنت تريد : كالضارب جعفرا زيد لم يجز كما أنك لو قلت : إنك على صومك لقادر شهرَ رمضان وأنت تريد : إنك على صومك شهر رمضان لقادر لم يجز شيء من ذلك للفصل .

وما أكثَر استعمال الناس لهذا الموضع في محاوراتهم وتصرُّف الأنحاء ( في كلامهم ) ! وأحد من اجتاز به البحتريّ في قوله :

( لا هَنَاك الشْغُل الجديد بحُزْوَي عن رسوم برامتين قِفارِ )


258

ف ( عن ) في المعنى متعلِّقة ( بالشغل ) أي لا هناك الشغل عن هذه الأماكن إلا أن الإعراب مانع منه وإن كان المعنى متقاضيا له . وذلك أن قوله ( الجديد ) صفة للشغل والصفة إذا جرت على الموصوف آذنت بتمامه وانقضاء أجزائه . فإن ذهبْتَ تعلِّق ( عن ) بنفس ( الشغل ) على ظاهر المعنى كان فيه الفصل بين الموصول وصِلته وهذا فاسد ألا تراك لو قلت : عجبت من ضربك الشديد عمرا لم يجز لأنك وصفت المصدر وقد بقيْت منه بقِيَّة فكان ذلك فصلا بين الموصول وصلته بصفته . وصحَّتها أن تقول : عجبتُ من ضربك الشديدَ عمرا لأنه مفعول الضرب وتنصب عمرا بدل من الشديد كقولك . مررت بالظريف عمرٍو ونظرت إلى الكريم جعفر . فإن أردت أن تصف المصدر بعد إعمالك إياه قلت : عجبت من ضربك الشديدَ عمرا الضعيِف أي عجبت من أن ضربت هذا الشديد ضربا ضعيفا . هذا تفسير المعنى .

وهذا الموضع من هذا العلم كثير في الشعر القديم والمولَّد . فإذا اجتاز بك شيء منه فقد عرفت طريق القول فيه والرفق به إلى أن يأخذ مأخذه بإذن الله تعالى . ومنه قول الحُطيئة :

( أزمعتُ يأسا مبينا من نوالكُم ولن ترى طاردا للحرّ كالياسِ )


259

أي يأسا من نوالكم مبينا . فلا يجوز أن يكون قوله ( من نوالكم ) متعلِّقا بيأس وقد وصفه بمبين وإن كان المعنى يقتضيه لأن الإعراب مانع منه . لكن تضمِر له حتى كأنك قلت : يئست من نوالكم .

ومِن تجاذب الإعراب والمعنى ما جرى من المصادر وصفا نحو قولك : هذا رجل دَنَف وقوم رِضا ورجل عَدْل . فإن وصفته بالصفة الصريحة قلت : رجل دنِف وقوم مرضيّون ورجل عادل . هذا هو الأصل . وإنما انصرفت العرب عنه في بعض الأحوال إلى أن وصفَتْ بالمصدر لأمرين : أحدهما صناعيّ والآخر معنويّ . أما الصناعيّ فليزيدك أُنسا بَشبَه المصدر للصفة التي أوقعْتَه موقعها كما أُوقعت الصفة موقع المصدر في نحو قولك : أقائما والناس قعود ( أي تقوم قياما والناس قعود ) ونحو ذلك .

وأما المعنويّ فلأنه إذا وُصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل . وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه . ويدلّ على أن هذا معنى لهم ومتصوَّر في نفوسهم قوله - ( فيما أنشدناه ) - :

( ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل وضَنَّت علينا والضنينُ من البخل )

أي كأنه مخلوق من البخل لكثرة ما يأتي به منه . ومنه قول الآخر :

( وهُنَّ من الإخلاف والوَلَعان )


260

وقوله :

( وهنّ من الإخلاف بعدك والمطلِ )

وأصل هذا الباب عندي قول الله - عزّ وجلّ - ( خُلِق الإنسان من عجل ) . وقد ذكرنا هذا الفصل فيما مضى . فقولك إذًا : هذا رجل دنِف - بكسر النون - أقوى إعرابا لأنه هو الصفة المحضة غير المتجوّزة . وقولك : رجل دَنَف أقوى معنى لما ذكرناه : من كونه كأنه مخلوق من ذلك الفعل . وهذا معنى لا تجده ولا تتمكن منه مع الصفة الصريحة . فهذا وجه تجاذب الإعراب والمعنى فاعرفه وأمِض الحكم فيه على أيّ الأمرين شئت . باب في التفسير على المعنى دون اللفظ

اعلم أن هذا موضع قد أتعب كثيرا من الناس واستهواهم ودعاهم من سوء الرأي وفساد الاعتقاد إلى ما مذِلوا به وتتايعوا فيه حتى إن أكثر ما ترى من هذه الآراء المختلفة والأقوال المستشنعة إنما دعا إليها القائلين بها تعلُّقهم بظواهر هذه الأماكن دون أن يبحثوا عن سرّ معانيها ومعاقد أغراضها .

فمن ذلك قول سيبويه في بعض ألفاظه : حتَّى الناصبة للفعل يعني في نحو قولنا : اتَّق الله حتى يُدخلك الجنَّة . فإذا سمع هذا مَن يضعف نظره اعتدّها في جملة


261
الحروف الناصبة للفعل وإنما النصب بعدها بأن مضمرة . وإنما جاز أن يتسمَّح بذلك مِن حيث كان الفعل بعدها منصوبا بحرف لا يذكر معها فصارت في اللفظ كالخَلَف له والعِوض منه وإنما هي في الحقيقة جارّة لا ناصبة .

ومِنه قوله أيضا في قول الشاعر :

( أنا اقتسمنا خَّطتينا بيننا فحملتُ بَرّة واحتملتَ فجارِ )

إن فَجَار معدولة عن الفَجْرة . وإنما غرضه أنها معدولة عن فجرة ( معرفة علما ) على ذا يدلّ هذا الموضع من الكتاب . ويقوّيه ورود بَرّة معه في البيت وهي - كما ترى - عَلَم . لكنه فسَّره على المعنى دون اللفظ . وسوّغه ذلك أنه لمَّا أراد تعريف الكلمة المعدول عنها مثَّل ذلك ( بِما تعرَّف ) باللام لأنه لفظ معتاد وترك لفظ فَجْرة لأنه لا يعتاد ذلك عَلَما وإنما يعتاد نكِرة ( وجنسا ) نحو فجرت فجرة كقولك : تجرت تجرة ولو عُدِلت برّة هذه على هذا الحدّ لوجب أن يقال فيها : بَرَار كفجار .

ومنه قولهم : أهْلَك والليل فإذا فسَّروه قالوا : أراد الحْقْ أهلك قبل الليل . وهذا - لعمري - تفسير المعنى لا تقدير الإعراب فإنه على : الحق أهلك وسابق الليل .


262

ومنه ما حكاه الفَرَّاء من قولهم : معي عشرة فاحْدُهُنّ أي اجعلهنّ أحد عشر . وهذا تفسير المعنى أي أتبعهنّ ما يليهنّ ( وهو ) من حدوث الشيء إذا جئت بعده . وأما اللفظ فإنه من ( و ح د ) لأن أصل أَحَد وَحَد ألا ترى إلى قول النابغة :

( كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجَليل على مستأنِس وَحَدِ )

أي منفرد وكذلك الواحد إنما هو منفرد . وقلب هذه الواو المفتوحة المنفردة شاذّ ومذكور في التصريف . وقال لي أبو عليّ - رحمه الله - بحلب سنة ست وأربعين : إن الهمزة في قولهم : ما بها أحد ونحو ذلك مما أَحد فيه للعموم ليست بدلا من واو بل هي أصل في موضعها . قال : وذلك أنه ليس من معنى أحد في قولنا : أحد عشر وأحد وعشرون . قال : لأن الغرض في هذه الانفراد والذي هو نصف الاثنين قال : وأما أحد في نحو قولنا : ما بها أحد ودَيَّار فإنما هي للإحاطة والعموم . ( والمعنيان ) - كما ترى - مختلفان . هكذا قال وهو الظاهر .


263

ومِنه قول المفسرين في قول الله تعالى : ( مَنْ أنصارِي إلى الله ) أي مع الله ليس أنّ ( إلى ) في اللغة بمعنى مع ألا تراك لا تقول : سرت إلى زيد وأنت تريد : سرت مع زيد هذا لا يُعرف في كلامهم . وإنما جاز هذا التفسير في هذا الموضع لأن النبيّ إذا كان له أنصار فقد انضمُّوا في نُصْرته إلى الله فكأنه قال : مَن أنصاري منضمِّين إلى الله كما تقول : زيد إلى خير وإلى دَعَة وستر أي آوٍ إلى هذه الأشياء ومنضمّ إليها . فإذا انضمَّ إلى الله فهو معه لا محالة . فعلى هذا فَسَّر المفسرون هذا الموضع .

ومِن ذلك قول الله - عزّ وجلَّ - ( يوم نقولُ لجهنَّم هل امتلأتِ وتقولُ هل من مزيد ) قالوا : معناه : قد امتلأْتِ وهذا أيضا تفسير على المعنى دون اللفظ و ( هل ) مبَقَّاة على استفهامها . وذلك كقولك للرجل لا تشكّ في ضعفه عن الأمر : هل ضعفت عنه وللإنسان ( يحبّ الحياة ) : هل تحبّ الحياة أي فكما تحبّها فليكن حفظك نفسك لها وكما ضعفت عن هذا الأمر فلا تتعرّض لمثله مما تضعف عنه . وكأن الاستفهام إنما دخل هذا الموضع ليتبع الجواب عنه بأن يقال : نعم ( فإن كان كذلك ) فيحتجّ عليه باعترافه به فيجعل ذلك طريقا إلى وعظه أو تبكيته .


264

ولو لم يعترف في ظاهر الأمر به لم يقو توقيفه عليه وتحذيره من مثله قُوَّته إذا اعترف به لأن الاحتجاج على المعترِف أقوى منه على المنكِر أو المتوقّف فكذلك قوله سبحانه : هل امتلات فكأنها قالت : لا فقيل لها : بالغي في إحراق المنكِر ( كان لكِ ) فيكون هذا خطابا في اللفظ لجهنم وفي المعنى للكفار . ( وكذلك ) جواب هذا من قولها : هل من مزيد أي أتعلم يا ربنا أن عندي مزيدا . فجواب هذا منه - عزَّ اسمه - لا أي فكما تعلم أن لا مزيد فحسبي ما عندي . فعليه قالوا في تفسيره : قد امتلأت فتقول : ما من مزيد . فاعرف هذا ونحوه . وبالله التوفيق . باب في قوّة اللفظ لقوّة المعنى

هذا فصل من العربية حَسَن . منه قولهم : خَشُن واخشوشن . فمعنى خَشُن دون معنى اخشوشن لِما فيه من تكرير العين وزيادة الواو . ومنه قول عمر رضي الله عنه : اخشوشِنوا وتمعددوا : أي اصلُبوا وتناهَوا في الخُشْنة . وكذلك قولهم : أعشب المكان فإذا أرادوا كثرة العُشْب فيه قالوا : اعشوشب . ومثله حلا واحلولي وخَلُق واخلولق وغدِن واغدودن . ومثله باب فَعَل وافتعل نحو قدر واقتدر . فاقتدر أقوى معنى من قولهم : قدر . كذلك قال أبو العباس


265
وهو محض القياس قال الله سبحانه : ( أخذ عزيز مقتدر ) فمقتدر هنا أوفق من قادر من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر وشدّة الأخذ . وعليه - عندي - قول الله - عزَّ وجلَّ - : ( لها ما كَسَبَتْ وعليها ما اكتسبَتْ ) وتأويل ذلك أن كسب الحسنة بالإضافة إلى اكتساب السيئة أمر يسير ومستصغَر . وذلك لقوله - عزَّ اسمه - : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها ) أفلا ترى أن الحسنة تصغر بإضافتها إلى جزائها صِغر الواحد إلى العشرة ولمَّا كان جزاء السيئة إنما هو بمثلها لم تحتقر إلى الجزاء عنها فعلم بذلك قوّة فعل السيِّئة على فعل الحسنة ولذلك قال - تبارك وتعالى - : ( تكاد السموات يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا أن دعوا للرحمن ولدا ) فإذا كان فعل السيئة ذاهبا بصاحبه إلى هذه الغاية البعيدة المترامية عُظِّم قدرها وفُخِّم لفظ العبارة عنها فقيل : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . فزِيد في لفظ فِعل السيئة وانتقِص من لفظ فعل الحسنة لما ذكرنا . ومثله سواءً بيت الكتاب :

( أنا اقتسمنا خُطَّتَيْنا بيننا فحملت برة واْحتملت فجارِ )


266
فعبَّر عن البِرّ بالحمل وعن الفَجْرة بالاحتمال . ( وهذا ) هو ما قلناه في قوله - عزَّ اسمه - : ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) لا فرق بينهما . وذاكرت بهذا الموضع بعض أشياخنا من المتكلمين فُسَّر به وحَسُن في نفسه .

ومِن ذلك أيضا قولهم : رجل جميل ووضيء فإذا أرادوا المبالغة في ذلك قالوا : وُضَّاء وجُمَّال فزادوا في اللفظ ( هذه الزيادة ) لزيادة معناه قال :

( والمرءُ يلِحقه بفتيان النَدَى خُلُق الكريم وليس بالوُضَّاء )

وقال :

( تمشي بجَهم حسن مُلاَّح اجِمَّ حتى همَّ بالصِيَاح )

وقال :

( منه صَفِيحة وجه غير جُمَّالِ )

وكذلك حَسَن وحُسَّان قال :

( دارُ الفتاة التي كنا نقول لها يا ظبيةً عُطُلا حُسَّانه الجِيد )

وكأن أصل هذا إنما هو لتضعيف العين في نحو المثال نحو قَطَّع وكسَّر وبابهما . وإنما جعلنا هذا هو الأصل لأنه مطرَّد في بابه أشدّ من اطّراد باب الصفة . وذلك نحو قولك : قَطَع وقطَّع وقام الفرس وقوَّمتِ الخيلُ ومات البعير وموّتت الإبل ولأن العين قد تضعَّف في الاسم الذي ليس بوصف نحو قُبَّر وتُمَّر وحُمَّر .


267

فدل ذلك على سعة زيادة العين . فأما قولهم : خُطَّاف وإن كان اسما فإنه لاحق بالصفة في إفادة معنى الكثرة ألا تراه موضوعا لكثرة الاختطاف به . وكذلك سِكّين إنما هو موضوع لكثرة تسكين الذابح به . وكذلك البزّار والعطّار والقصّار ونحو ذلك إنما هي لكثرة تعاطي هذه الأشياء وإن لم تكن مأخوذة من الفعل . وكذلك النُسَّاف لهذا الطائر كأنه قيل له ذلك لكثرة نسفه بجناحيه وكذلك الخضارى للطائر أيضا كأنه قيل له ذلك لكثرة خُضْرته والحوّاري لقوّة حَوَره وهو بياصه . وكذلك الزُمَّل والزُمَّيْل والزمّال إنما كررت عينه لقوّة حاجته إلى أن يكون تابعا وزَمِيلا . وهو باب منقاد .

ونحو من تكثير اللفظ لتكثير المعنى العدولُ عن معتاد حاله . وذلك فُعَال في معنى فعيل نحو طُوَال فهو أبلغ ( معنى من ) طويل وعراض فإنه أبلغ معنى من عريض . وكذلك خُفَاف من خفيف وقُلال من قليل وسُرَاع من سريع . ففُعال - لعمري - وإن كانت أخت فِعيل في باب الصفة فإن فعيلا أخصّ بالباب من فعال ألا تراه أشدّ انقيادا منه تقول : جميل ولا تقول : جُمَال وبطيء ولا تقول : بُطاء وشديد ولا تقول : شُداد ( ولحم غريض


268
ولا يقال غُرَاض ) . فلمَّا كانت فعِيل هي الباب المطَّرد وأريدت المبالغة عدِلت إلى فُعَال . فضارعت فُعال بذلك فُعَّالا . والمعنى الجامع بينهما خروج كل واحد منهما عن أصله . أما فُعال فبالزيادة وأمّا فُعَال فبالانحراف به عن فِعيل .

وبعد فإذا كانت الألفاظ أدلة المعاني ثم زيد فيها شيء أوجبت القسمة له زيادة المعنى به . وكذلك إن انحُرِف به عن سَمْته ( وهدَيِتَه ) كان ذلك دليلا على حادث متجدّد له . وأكثر ذلك أن يكون ما حدث له زائدا فيه لا منتقصا منه ألا ترى أن كل واحد من مثالي التحقير والتكسير عارضان للواحد إلا أن أقوى التغيرين هو ما عرض لمثال التكسير . وذلك أنه أمر عرض للإخراج عن الواحد والزيادة في العدّة فكان أقوى من التحقير لأنه مُبَقٍّ للواحد على إفراده . ولذلك لم يعتدّ التحقير سببا مانعا من الصرف كما اعتدّ التكسير مانعا منه ألا تراك تصرف دريهما ودنينِرا ولا تصرف دراهم ولا دنانير لما ذكرنا . ومن هنا حمل سيبويه مثال التحقير على مثال التكسير فقال تقول : سريحين لقولك : سراحين وضبيعين لقولك : ضباعين : وتقول سكيران : لأنك لا تقول :


269
سكارين . هذا معنى قوله وإن لم يحضرنا الآن حقيقةُ لفظه . وسألت أبا عليّ عن ردّ سيبويه مثال التحقير إلى مثال التكسير فأجاب بما أثبتنا آنفا . فاعرف ذلك إلى ما تقدّمه . باب في نقض الأوضاع إذا ضامّها طارئ عليها

من ذلك لفظ الاستفهام إذا ضامّه معنى التعجّب استحال خبرا . وذلك قولك : مررت برجل أيّ رجل . فأنت الآن مخبِر بتناهي الرجل في الفضل ولست مستفهِما . وكذلك مررت برجل أيِّما رجل لأن ما زائدة . وإنما كان كذلك لأن أصل الاستفهام الخبر والتعجّب ضرب من الخبر . فكأن التعجّب لمّا طرأ على الاستفهام إنما أعاده إلى أصله : من الخبريّة .

ومِن ذلك لفظ الواجب إذا لحِقته همزة التقرير عاد نفيا وإذا لحقت لفظ النفي عاد إيجابا . وذلك كقول الله سبحانه : ( أأنت قلت للناس ) أي ما قلت لهم وقوله : ( الله آذن لكم ) أي لم يأذن لكم . وأما دخولها على النفي فكقوله - عزّ وجلّ - ( أَلَسْتُ بربكم ) أي أنا كذلك وقولِ جرير :

( أَلستم خير من ركب المطايا )

أي أنتم كذلك . وإنما كان الإنكار كذلك لأن منكِر الشيء إنما غرضه أن يحيله إلى عكسه وضدّه فلذلك استحال به الإيجاب نفيا والنفي إيجابا .


270

ومن ذلك أن تصف العَلَم فإذا أنت فعلت ذلك فقد أخرجته به عن حقيقة ما وُضع له ( فأدخلته ) معنى لولا الصفة لم تدخله إياه . وذلك أنّ وضع العلم أن يكون ( مستغنِيا بلفظه ) عن عِدّة من الصفات فإذا أنت وصفته فقد سلبتْه ( الصفة له ما كان ) في أصل وضعه مرادا فيه : من الاستغناء بلفظه عن كثير من صفاته . وقد ذكرنا هذا الموضع فيما مضى . فتأمّل هذه الطريق حتى إذا ورد شيء منها عرفت مذهبه . باب في الاستخلاص من الأعلام معانَي الأوصاف

من ذلك ما أنشدناه أبو علي - رحمه الله - من قول الشاعر :

( أنا أبو المِنهال بعضَ الأحيان ليس عليّ حَسَبي بضُؤْلان )

أنشدنيه - رحمه الله - ونحن في دار المُلْك . وسألني عما يتعلّق به الظرف الذي هو ( بعض الأحيان ) فخضنا فيه إلى أن بَرَدَ في اليد من جهته أنه يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون أراد : أنا مثل أبي المنهال فيعمل في الظرف على هذا معنى التشبيه أي أُشبه أبا المنهال في بعض الأحيان . والآخر أن يكون قد عُرف


271
من أبي المنهال هذا الغَنَاءُ والنجْدة فإذا ذكر فكأنه قد ذُكرا فيصير معناه إلى أنه كأنه قال : أنا المغني في بعض الأحيان أو أنا النجد في بعض تلك الأوقات .

أفلا تراك كيف انتزعت من العَلَم الذي هو ( أبو المنهال ) معنى الصفة والفعلية . ومنه قولهم في الخبر . إنما سُمِّيت هانئا لنهنأ . وعليه جاء نابغة لأنه نبغ فسمّى بذلك . فهذا - لعمري - صفة غلبت فبقي عليها بعد التسمية بها بعصُ ما كانت تفيده من معنى الفعل من قبل . وعليه مذهب الكتاب في ترك صرف أحمر إذا سميَّ به ثم نكِّر . وقد ذكرنا ذلك في غير موضع ( إلا أنك ) على الأحوال قد انتزعت من العَلَم معنى الصفة . وقد مرّ بهذا الموضع الطائيّ الكبير فأحسن فيه واستوفى معناه فقال :

( فلا تَحْسَباً هِنْداً لها الغدرُ وحدها سجِيَّةُ نفسٍ كلُّ غانية هند

فقوله ( كلُّ غانية هند ) متناه في معناه وآخذ لأقصى مداه ألا ( ترى أنه ) كأنه قال : كلُّ غانية غادرة أو قاطعة ( أو خائنة ) أو نحو ذلك .


272

ومنه قول الآخر :

( إن الذئاب قد اخضرَّت براثنُها والناس كلُّهمُ بَكْر إذا شبِعوا )

أي إذا شبعوا تعادَوا وتغادروا لأن بكرا هكذا فعلها

ونحو من هذا - وإن لم يكن الاسم المقول عليه عَلَما - قول الآخر :

( ما أُمَّك اجتاحتِ المنايا كلُّ فؤادٍ عليك أُمّ )

كأنه قال : كلّ فؤاد عليك حزين أو كئيب إذْ كانت الأمّ هكذا غالب أمرها لا سيما مع المصيبة وعند نزول الشدّة .

ومثله في النكرة أيضا قولهم : مررت برجل صُوفٍ تِكَّتهُ أي خشِنة ونظرت إلى رجل خزٍّ قميصُه أي ناعم ومررت بقاع عَرْفَجٍ كُلُّه أي جافٍ وخشن . وإن جعلت ( كله ) توكيدا لما في ( عَرْفَج ) من الضمير فالحال واحدة لأنه لم يتضمَّن الضمير إلا لما فيه من معنى الصفة .

ومن العَلَم أيضا قوله :

( أنا أبو بُردة إذ جَدَّ الوَهَلْ )

أي أنا المغنى والمجدى عند اشتداد الأمر .


273

وقريب منه قوله :

( أنا أبوها حِينَ تستبغي أبا )

أي أنا صاحبها وكافلها وقت حاجتها إلى ذلك .

ومثله وأحسن ( صنعة منه ) :

( لا ذعرتُ السَوامَ في فَلقَ الصبح مغيرا ولا دُعِيتُ يزيدا )

أي لا دُعيت الفاضل المغُنِي هذا يريد وليس يتمدّح بأن اسمه يزيد لأن يزيد ليس موضوعا بعد النقل عن الفعلية إلا للعَلَميّة . فإنما تمدّح هنا بما عرِف من فضله وغنَائه . وهو كثير . فإذا مرّ بك شيء منه فقد عرّفتك طريقه . باب في أغلاط العرب كان أبو عليّ - رحمه الله - يُرى وجه ذلك ويقول : إنما دخل هذا النحوُ في كلامهم لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها ولا قوانين يعتصمون بها . وإنما تهجُمُ بهم طباعهم على ما ينطقون به فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد . هذا معنى قوله وإن لم يكن صريح لفظه .

فمن ذلك ما أنشده أحمد بن يحيى :

( غدا مالِك يرمي نسائي كأنما نسائي لسهَمْي مالِكٍ غَرضَان )

( فياربّ فاترك لي جُهَينة أعصُرا فمالِك موتٍ بالقضاء دهاني )


274

هذا رجل مات نساؤه شيئا فشيئا فتظلّم من مَلَك الموت عليه السلام . وحقيقة لفظه غلط وفساد . وذلك أن هذا الأعرابيّ لمّا سمعهم يقولون : مَلَك الموت وكثر ذلك في الكلام سبق إليه أن هذه اللفظة مركبة من ظاهر لفظها فصارت عنده كأنها فَعَلى لأنّ مَلَكا في اللفظ ( على صورة ) فَلَك فبنى منها فاعِلا فقال : مالِك موتٍ وغدا مالك فصار في ظاهر لفظه كأنه فاعِل وإنما مالك هنا على الحقيقة والتحصيل ما فِل كما أن مَلَكا على التحقيق مَفَل وأصله مَلأَك فأُلزمت همزته التخفيف فصار مَلَكا . واللام فيه فاء والهمزة عين والكاف لام هذا أصل تركيبه وهو ( ل أ ك ) وعليه تصرّفه ومجيء الفعل ( منه في الأمر الأكثر ) قال :

( ألِكْني إليها وخيرُ الرسول أعلمهم بنواحي الخبرْ )

وأصله : ألْئِكني فخففت همزته . وقال :

( ألِكْنِي إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى بآية ما جاءت إلينا تهاديَا )

وقال :

( ألِكْني إلى قومي السلام رَسالة بآية ما كانوا ضعافا ولا عُزْلا )

( وقال يونس ألك يِألك )


275

فإذا كان كذلك فقول لِبِيد :

( بِأَلُوكٍ فبذلنا ما سأل )

إنما هو عَفُول قدّمت عينه على فائه . وعلى أنه قد جاء عنهم أَلك يألك من الرسالة إلا أنه قليل .

وعلى ما قلنا فقوله :

( أبلغ أبا دَخْتَنُوسَ مَأْلُكَةً غير الذي قد يقال مِلكذِبِ )

( إنما هي ) مَعْفُلة . وأصلها مَلْئُكة فقَلَب على ما مضى . وقد ذكرنا هذا الموضع في شرح تصريف أبي عثمان رحمه الله .

فإن قلت : فمن أين لهذا الأعرابيّ - مع جفائه وغلظ طبعه - معرفُة التصريف حتى بنى من ( ظاهر لفظ ) مَلَكٍ فاعلا فقال : مالِك .

قيل : هَبْه لا يعرف التصريف ( أتراه لا ) يحسن بطبعه وقوّة نفسه ولطف حِسّه هذا القدر ! هذا ما لا يجب أن يعتقده عارف بهم أو آلِف لمذاهبهم لأنه وإن لم يعلم حقيقة تصريفه بالصنعة فإنه يجده بالقوّة ألا ترى أن أعرابيّا بايع أن يشرب عُلبة لبن ولا يتنحنح فلمّا شرب بعضها كظّه الأمر فقال : كبش أملح . فقيل له : ما هذا ! تنحنحت . فقال : من تنحنح فلا أفلح . أفلا تراه كيف


276
استعان لنَفسه بِبُحَّة الحاء واستروح إلى مُسْكة النفْس بها وعَلَّلَها بالصُوَيت اللاحق ( لها في الوقف ) ونحن مع هذا نعلم أن هذا الأعرابيّ لا يعلم أن في الكلام شيئا يقال له حاء فضلا عن أن يعلم أنها من الحروف المهموسة وأن الصوت يلحقها في حال سكونها والوقِف عليها ما لا يلحقها في حال حركتها أو إدراجها في حال سكونها في نحو بحر ودحر إلا أنه وإن لم يحسن شيئا من هذه الأوصاف صنعة ولا علما فإنه يجدها طبعا ووَهْما . فكذلك الآخر : لمّا سمع مَلَكا وطال ذلِك عليه أحسّ من مَلَك في اللفظ ما يحسّه مِن حَلَك . فكما أنه يقال : أسود حالِك قال هنا من لفظة ملك : مالِك وإن لم يَدْرِ أن مثال ملك فَعَل أو مَفَل ولا أن مالكا هنا فاعِل أو مافِل . ولو بُني من ملك على حقيقة الصنعة فاعِل لقيل : لائك كبائك وحائك .

وإنما مكّنت القول في هذا الموضع ليقوى في نفسه قوّة حِسّ هؤلاءِ القوم وأنهم قد يلاحظون بالمُنّة والطباع ما لا نلاحظه نحن عن طول المباحثة والسماع . فتأمّله فإن الحاجة إلى مثله ظاهرة .


277

ومِن ذلك همزهم مصائب . وهو غلط منهم . وذلك أنّهم شبهوا مصيبة بصحيفة ( فكما همزوا صحائف همزوا أيضا مصائب وليست ياء مصيبة زائدة كياء صحيفة ) لأنها عين ومنقلبة عن واو هي العين الأصلية . وأصلها مُصْوِبة لأنها اسم الفاعل من أصاب كما أن أصل مقِيمة مقوِمة وأصل مريدة مُرْوِدة فنقِلتِ الكسرة من العين إلى الفاء فانقلبت الواو ياء على ما ترى . وجمعها القياسيّ مصاوب . وقد جاء ذلك قال :

( يصاحب الشيطان من يصاحبه فهْو أذِيّ جَمّة مصاوِبه )

وقالوا في واحدتها : مصِيبة ومَصُوبة ومصَابة . وكأن الذي استهوى في تشبيه ياء مصيبة بياء صحيفة أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل وإنما هي بدل من الأصل والبدل من الأصل ليس أصلا . وقد عومل لذلك معاملة الزائد حَكَى سيبويه عن أبي الخطّاب أنهم يقولون في راية : راءة . فهؤلاء همزوا بعد الألف وإن لم تكن زائدة وكانت بدلا كما يهمزون بعد الألف الزائدة في فضاء وسقاء . وعِلّة ذلك أن هذه الألف وإن لم تكن زائدة فإنها بدل والبدل مشبِه للزائد . والتقاؤهما أن كل واحد منهما ليس أصلا .

ونحو منه ما حكوه في قولهم في زاي : زاء . وهذا أشدّ ( وأشدّ ) من راءة لأن الألف في راءة على كل حال بدل وهي أشبه بالزائد وألف زاي ليست منقلبة بل هي أصل لأنها في حرف فكان ينبغي ألا تشبه بالزائد إلا أنها


278
وإن لم تكن منقلبة فإنها وقعت موقع المنقلبة لأن الألف هنا في الأسماء لا تكون أصلا . فلمّا كان كذلك شبهّت ألف زاي لفظا بألف باب ودار كما أنهم لمّا احتاجوا إلى تصريف أخواتها قالوا : قَّوفت قافا ودَوَّلت دالا وكَوَّفت كافا ونحو ذلك . وعلى هذا ( أيضا قالوا ) زويت زايا وحكي : إنها زاي فزَوِّها . فلما كان كذلك انجذب حكم زاي إلى حكم راءة .

وقد حُكيت عنهم منارة ومنائر ومزادة ومزائد . وكأنّ هذا أسهل من مصائب لأن الألف أشبه بالزائد من الياء .

ومِن البدل الجاري مجرى الزائد - عندي لا عند أبي عليّ - همزة وواء . ويجب أن تكون مبدلة من حرف عِلّة لقولهم : تواريت عنك إلا أن اللام لمّا أبدلت همزة أشبهت الزائدة التي في ضَهْيأَة فكما أنك لو حقَّرت ضَهْيأة لقلت : ضُهَيِّئة فأقررت الهمزة فكذلك قالوا في تحقير وراء : وُرَيِّئة . ويؤكِّد ذلك قول بعضهم فيها : وُرَيَّة كما قالوا في صلاءة : صُلَيَّة . فهذا ما أراه أنا وأعتقده في ( وراء ) هذه . وأمّا أبو عليّ - رحمه الله - فكان يذهب إلى أن لامها في الأصل همزة وأنها من تركيب ( ورأ ) وأنها ليست من تركيب ( ورى ) . واستدلّ على ذلك بثبات الهمزة في التحقير على ما ذكرنا . وهذا - لعمري - وجه من القول إلا أنك تدع معه الظاهر والقياس جميعا . أمّا الظاهر فلأنها في معنى تواريت وهذه اللام


279
حرف عِلّة لا همزة وأن تكون ياء واجب لكون الفاء واوا . وأمّا القياس فما قدّمناه : من تشبيه البدل بالزائد . فاعرف ما رأيناه في هذا .

ومِن أغلاطهم قولهم : حَلأَّت السّوِيق ورثأت زوجي بأبيات واستْلأمَت الحَجَر ولبَّأْت بالحج وقوله :

( كمشتريءٍ بالحمد أحمرة بُتْرا )

وأمَّا مَسِيل فذهب بعضهم في قولهم في جمعه : أَمْسِلة إلى أنه من باب الغلط . وذلك لأنه أخذه من سال يسيل ( فهو عندهم على مفعِل كالمسير والمحيض ) وهو عندنا غير غلط لأنهم قد قالوا فيه : مُسُل وهذا يشهد بكون الميم فاء . فأَمْسِلة ومُسْلان : أفعِلة وفُعْلان كأَجربة وجُرْبان . ولو كانت أمسلة ومُسْلان من السيل لكان مثالهما : أَمفِلَة ومُفْلان والعين منهما محذوفة وهي ياء السيل . وكذلك قال بعضهم في مَعين لأنه أخذه من العين لأنه من ماء العيون فحمله على الغلط لأنهم قد قالوا : قد سالت مُعْنانُه وإنما هو عندنا من قولهم أمعن له بحقّه إذا طاع له بِه . وكذلك الماء إذا جرى من العين فقد أمعن بنفسه وطاع بها . ومِنه الماعون لأنه ( ما من ) العادة المسامحة به والانقياد إلى فعله .


280

وأنشدني ( أبو عبد الله الشجريّ ) لنفسه من قصيدة :

( ترود ولا ترى فيها أريبا سوى ذي شَجّة فيها وحيدْ )

( كذا أنشدني هذه القصيدة مقيّدة ) فقلت له : ما معنى أريبا فقال : من الريبة . وأخبرنا أبو عليّ ( عن الأصمعيّ أنه ) كان يقول في قولهم للبحر : المُهْرُقان : إنه من قولهم : هرقت الماء . وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى يقول ( بلال بن ) جرير :

( إذا ضِفتهمْ أو سايلتهمْ وجدت بهم عِلَّة حاضرهْ )

أراد : ساءلتهم ( فاعلتهم ) من السؤال ثم عنَّ له أن يبدل الهمزة على قول من قال : سايلتهم فاضطرب عليه الموضع فجمع بين الهمزة والياء فقال : سآيلتهم . فوزنه على هذا : فعاعلتهم . وإن جعلت الياء زائدة لا بدلا كان : فعايلتهم . وفي هذا ما تراه فاعجب له .

ومِن أغلاطهم ما يتعايبون به في الألفاظ والمعاني من نحو قول ذي الرمّة :

( والجِيِد من أدْمانةٍ عَنُودِ )


281

وقوله :

( حتى إذا دوّمت في الأرض راجعه كِبْر ولو شاء نجَّى نفسَه الهربُ )

وسنذكر هذا ونحوه في باب سَقَطات العلماء لما فيه من الصنعة . وكذلك غمز بعضهم على بعض في معانيهم كقول بعضهم لكثيِّر في قوله :

( فما روضة بالحزَنْ طيِّبة الثَرَى يَمُجُّ الندى جَثْجاثُها وعَرَارها )

( بأطيب من أرادان عَزَّة موِهنا وقد أُوقدت بالمَنْدَل الرَطْب نارُها )

والله لو فعل هذا بأمَة زَنْجيِّة لطاب ريحها ألاَّ قلت كما قال سيَّدك :

( ألم تراني كلما جئتُ طارقا وجدتُ بها طيبا وإن لم تَطَيِّب )

وكقول بشَّار في قول كُثَيِّر :

( ألا إنما ليلى عصا خيزُرانة إذا غمزوها بالأكُفِّ تلين )

: لقد قبح بذكره العصا في لفظ الغَزَل هلاَّ قال كما قلتُ :

( وحوراءِ المدامع من مَعَدّ كأنّ حديثها ( قِطع الجُمَان ) )

( إذا قامت لسُبْحتها تثَنَّت كأنّ عظامها من خيزُرانِ )


282

وكان الأصمعيّ يعيب الحُطَيئة ويتعقّبه فقيل له في ذلك فقال : وجدت شعره كله جَيِّدا فدلَّني على أنه كان يصنعه . وليس هكذا الشاعر المطبوع : إنما الشاعر المطبوع الذي يرَمي بالكلام على عواهنه : جيِّده على رديئه . وهذا باب في غاية السعة . وتقصِّية يذهب بنا كل مذهب . وإنما ذكرت طريقه ( وسَمْته ) لتأتَّم بذلك وتتحقّق سعة طرقات القوم في القول . فاعرفه بإذن الله تعالى . باب في سَقَطات العلماء

حُكي عن الأصمعيّ أنه صّحف قول الحُطَيئة :

( وغررتَني وزعمتَ أنّك َ لابن في الصيف تامر )

فأنشده :

( . . . لاتَني بالضيف تامُر )

أي تأمر بإنزاله وإكرامه . وتبعد هذه الحكاية ( في نفسي ) لفضل الأصمعيّ وعلوّه غير أني رأيت أصحابنا على القديم يسندونها إليه ويحملونها عليه .


283

وحكِي أن الفرّاء ( صّحف فقال ) الجَرّ : أصل الجبل يريد الحُرَاصل : الجَبَل .

وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيديّ عن الخليل بن أَسَد النَوْشَجاني عن التوّزيّ قال قلت لأبي زيد الأنصاريّ : أنتم تنشدون قول الأعشى :

( بساباط حتى مات وهو مُحَزْرَق )

وأبو عمرو الشيبانيّ ينشدها : محرزق فقال : إنها نَبَطيَّة وأم أبي عمرو نبطيَّة فهو أعلم بها منّا .

وذهب أبو عُبَيدة في قولهم : لي عن هذا الأمر مندوحة أي متَّسع إلى أنه من قولهم : انداح بطنه أي اتّسع . وليس هذا من غلط أهل الصناعة . وذلك


284
أن انداح : انفعل وتركيبه من دوح ومندوحة : مفعولة وهي من تركيب ( ن د ح ) والنَدْح : جانب الجبل وطَرَفه وهو إلى السعة وجمعه أنداح . أفلا ترى إلى هذين الأصلين : تبايُناً وتباعُداً فكيف يجوز أن يُشتقّ أحدهما من صاحبه على بعد بيِنهما وتعادي وضعِهما .

وذهب ابن الأعرابيّ في قولهم : يوم أَرْونان إلى أنه من الرَّنَّة . وذلك أنها تكون مع البلاء والشدّة . وقال أبو عليّ - رحمه الله - : ليس هذا من غلط أهل الصناعة لأنه ليس في الكلام أَفْوَعال وأصحابنا يذهبون إلى أنه أَفعلان من الرُونة وهي الشدّة في الأمر .

وذهب أبو العباس أحمد بن يحيى في قولهم : اُسْكُفَّة الباب إلى أنها من قولهم : استكفَّ أي اجتمع . وهذا أمر ظاهر الشناعة . وذلك أن أُسْكُفَّة : أُفْعُلَّة والسين فيها فاء وتركيبه من ( س ك ف وأما استكفَّ فسينه زائدة لأنه استفعل وتركيبه من ) ك ف ف . فأين هذان الأصلان حتى يُجمعا ويدانَي من شملهما . ولو كانت أسكفّة من استكفّ لكانت أُسْفُعْلة وهذا مثال لم يطرق فكرا ولا شاعَرَ - فيما علمناه - قلبا . وكذلك لو كانت مندوحة من انداح بطنه - كما ذهب إليه أبو عبيدة - لكانت مَنْفُعلة . وهذا أيضا في البعد والفحش كأُسْفْعلة . ومع هذا فقد وقع الإجماع على أن السين لا تزاد إلا في استفعل وما تصرّف منه . وأسكفة ليس من الفعل في قَبيل ولا دَبِير .


285

وذهب أحمد أيضا في تَنُّور إلى أنه تَفْعُول من النار - ونعوذ بالله من عدم التوفيق . هذا على سَدَاد هذا الرجل وتميّزه من أكثر أصحابه - ولو كان تفعولا من النار لوجب أن يقال فيه : تَنْوُور كما أنك لو بنيته من القول لكان : تقوولا ومن العَوْد : تعوودا . وهذا في نهاية الوضوح . وإنما تَنُّور : فَعُّول من لفظ ( ت ن ر ) وهو أصل لم يستعمل إلا في هذا الحرف وبالزيادة كما ترى . ومثله ما لم يستعمل إلا بالزيادة كثير . منه حَوْشَب وكوكب ( وشَعَلَّع ) ( وهَزَنبران ) ودَوْدرّي ( ومَنْجَوُن ) وهو واسع جدّا . ويجوز في التنُّور أن يكون فَعْنُولا من ( ت ن ر ) فقد حكى أبو زيد في زُرنوق : زَرنوقا .

ويقال : إن التنُّور لفظة اشترك فيها جميع اللغات من العرب وغيرهم . فإن كان كذلك فهو طريف إلا أنه على كل حال فَعُّول أَو فَعْنُول لأنه جنس ولو كان أعجميّا لا غير لجاز تمثيله ( لكونه جنسا ولاحقا ) بالعربيّ فكيف وهو أيضا


286
عربيّ لكونه في لغة العرب غير منقول إليها وإنما هو وِفاق وقع ولو كان منقولا ( إلى اللغة العربية من غيرها ) لوجب أن يكون أيضا وِفاقا بين جميع اللغات غيرها . ومعلوم سعة اللغات ( غير العربية ) فإن جاز أن يكون مشتركا في جميع ما عدا العربية جاز أيضا أن يكون وفاقا وقع فيها . ويبعد في نفسي أن يكون في الأصل للغةٍ واحدة ثم نقل إلى جميع اللغات لأنا لا نعرف له في ذلك نظيرا . وقد يجوز أيضا أن يكون وفاقا وقع بين لغتين أو ثلاث أو نحو ذلك ثمّ انتشر بالنقل في جميعها . وما أقرب هذا في نفسي ! لأنا لا نعرف شيئا من الكلام وقع الاتفاق عليه في كل لغة وعند كل أمّة : هذا كله إن كان في جميع اللغات هكذا . وإن لم يكن كذلك كان الخَطْب فيه أيسر .

وروينا ( هذه المواضع ) عن أحمد بن يحيى . وروينا عنه أيضا أنه قال : التواطخ من الطيخ وهو الفساد . وهذا - على إفحاشه - مما يجمل الظن به لأنه من الوضوح بحيث لا يذهب على أصغر صغير من أهل هذا العلم . وإذا كان كذلك وجب أن يُحَسَّن الظنّ به ويقال إنه ( أراد به ) : كأنه مقلوب منه . هذا أوجه عندي من أن يحمل عليه هذا الفحش والتفاوت كله .


287

ومِن هذا ما يحكى عن خَلَف أنه قال : أخذت على المفضَّل الضبيّ في مجلس واحد ثلاث سَقَطات : أنشَد لامرئ القيس :

( نَمَسّ بأعراف الجياد أكفَّنا إذا نحن قمنا عن شِواء مضهَّب )

فقلت له : عافاك الله ! إنما هو نَمُشّ : أي نمسح ومنه سمّي منديل الغَمَر مَشُوشا وأنشد للمخبَّل السعديّ :

( وإذا ألمَّ خيالُها طرقتْ عيني فماء شُئونها سَجْم )

فقلت : عافاك الله ! إنما هو طُرِفت وأنشد للأعشى :

( ساعةً أكبر النهارِ كما شد مُحِيل لَبُونه إعتاما )

فقلت : عافاك الله ! إنما هو مُخِيل بالخاء المعجمة ( وهو الذي ) رأى خال السحابة فأشفق منها على بَهْمه فشدّها .

وأمّا ما تعقب به أبو العبَّاس محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سمَّاها مسائل الغلط فَقلَّما يلزم صاحبَ الكتاب منه إلا الشيء النَزْر . وهو أيضا - مع قِلَّته - من كلام غير أبي العباس . وحدّثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي عباس أنه قال : إن هذا كتاب كنا عملناه في أوان الشبيبة والحداثة واعتذر أبو العباس منه .


288
وأمّا كتاب العين ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يُحمل على أصغر أتباع الخليل فضلا ( عن نفسه ) ولا محالة أن ( هذا تخليط لحِق ) هذا الكتاب من قِبل غيره رحمه الله . وإن كان للخليل فيه عمل فإنما هو أنه أوما إلى عمل هذا الكتاب إيماء ولم يلِهِ بنفسه ولا قرَّره ولا حرَّره . ويدلّ على أنه قد كان نحا نحوه أني أجد فيه معانيَ غامضة ونَزَوات للفكر لطيفة وصَنعة في بعض الأحوال مستحكِمة . وذاكرت به يوما أبا عليّ - رحمه الله - فرأيته منكِرا له . فقلت له : إن تصنيفه منساق متوجِّه وليس فيه التعسّف الذي في كتاب الجمهرة فقال : الآن إذا صنَّف إنسان لغة بالتركيّة تصنيفا جيّدا أيؤخذ به في العربيّة ! أو كلاما هذا نحوه .

وأمّا كتاب الجمهرة ففيه أيضا من اضطراب التصنيف وفساد التصريف ما أعذِر واضعه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر . ولمَّا كتبته وقَّعت في متونه وحواشيه جميعا من التنبيه على هذه المواضع ما استحييت من كثرته . ثم إنه لمَّا طال عليّ أومأت إلى بعضه وأضربت البتّة عن بعضه . وكان أبو علي يقول : لمَّا هممت بقراءة رسالة هذا الكتاب على محمد بن الحسن قال لي : يا أبا عليّ : لا تقرأ هذا الموضع عليّ فأنت أعلم به منّي . وكان قد ثبت في نفس أبي عليّ


289
على أبي العباس في تعاطيه الرد على سيبويه ما كان لا يكاد يملك معه نفسه . ومعذورا كان ( عندي في ذلك ) لأنه أمر وضع من أبي العباس وقَدَح فيه وغضّ كل الغضّ منه .

وذكر النضر عند الأصمعيّ فقال : قد كان يجيئني وكان إذا أَراد أن يقول : ألف قال : إِلف .

ومن ذلك اختلاف الكسائيّ وأبي محمد اليزيديّ عند أبي عبيد الله في الشراء أممدود هو أم مقصور . فمدّه اليزيديّ وقصره الكسائيّ فتراضيا ببعض ( فصحاء العرب و ) كانوا بالباب فمدّوه على قول اليزيديّ . وعلى كل حال فهو يمدّ ويقصر . وقولهم : أَشِرية دليل المدّ ( كسِقاء ) وأسقِية .

ومِن ذلك ما رواه الأعمش في حديث عبد الله بن مسعود : أن رسول الله كان يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة . وكان أبو عمرو بن العلاء قاعدا عنده بالكوفة فقال ( الأعمش : يتخوّلنا وقال أبو عمرو يتخوّننا ) فقال الأعمش : وما


290
يُدريك فقال أبو عمرو : إن شئت أن أعلمك أن الله - عزّ وجلّ - لم يعلمك ( حرفا من العربية ) أعلمتك . فسأل عنه الأعمش فأُخبِره بمكانه من العلم . فكان بعد ذلك يُدينه ويسأله عن الشيء إذا أشكل عليه . هذا ما في هذه الحكاية .

وعلى ذلك فيتخوّلنا صحيحة . وأصحابنا يثبتونها . ومنها - عندي - قول البَرْجُميّ :

( يُساقط عنه روْقُه ضارياتِها سِقاط حديد القَيْن أَخْولَ اخولا )

أي شيئا بعد شيء . وهذا هو معنى قوله : يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة أي يفرّقها ولا يتابعها .

ومِن ذلك اجتماع الكُميت مع نُصيب وقد استنشده نُصَيب من شعره فأنشده الكميت :

( هل أنت عن طلب الأَيفاع منقلب )

حتى إذا بلغ إلى قوله :

( أم هل ظعائن بالعلياء نافعة وإن تكامل فيها الدَّلُّ والشَنَبُ )


291

عقد نُصَيب بيده واحدا فقال الكميت : ما هذا فقال أُحصي خطأك . تباعدت في قولك : الدلُّ والشَنَب ألاَّ قلت كما قال ذو الرمّة :

( لمياء في شفتيها حوّة لَعس وفي الِلثات وفي أنيابها شَنَب )

ثم أنشده :

( أَبت هذه النفس إلاَّ ادِّكارا )

حتى إذا بلغ إلى قوله :

( كأن الغُطامِط من غَلْيه أراجيزُ أسلم تهجو غِفارا )

قال نصيب : ما هجت أسلم غفارا قطُّ . فَوَجم الكميت .

وسئل الكسائيّ في مجلس يونس عن أولقٍ : ما مثاله من الفعل فقال : أَفعل . فقال له يونس : استحييت لك يا شيخ ! والظاهر عندنا من أمر أولق أنه فوعل من قولهم : أُلِق الرجلُ فهو مألوق أنشد أبو زيد :

( تراقب عيناها القَطِيعَ كأنما يخالطها من مَسِّه مَسُّ أولقِ )

وقد يجوز أن يكون : أفعل من وَلَق ويَلِق إذا خَفّ وأسرع قال :

( جاءت به عنس من الشأم تلِقْ )


292

أي تِخفّ وتسرع . وهم يصفون الناقة - لسرعتها - بالحدّة والجنون قال القَطَاميّ :

( يتبعن ساميةَ العينين تحسبها مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل )

والأولق : الحنون . ويجوز أيضا أن يكون فَوْعَلا من وَلَق هذه . وأصلها - على هذا - وَوْلق . فلمّا التقت الواوان في أوّل الكلمة همزوا الأولى منهما على العبرة في ذلك .

وسئل الكسائيّ أيضا في مجلس يونس عن قولهم : لأضربنّ أيّهم يقوم لم لا يقال : لأضربن أيهم . فقال : أيّ هكذا خُلِقَتْ .

ومن ذلك إنشاد الأصمعيّ لشُعْبة بن الحجّاج قول فَرْوة بن مُسَيك المُراديّ :

( فما جَبُنوا أني أشدُّ عليهم ولكن رأوا نارا تَحُسّ وتَسْفَع )

فقال شعبة : ما هكذا أنشدنا سِمَاك بن حرب . إنما أنشدنا : ( تُحَشّ ) بالشين معجمة . قال الأصمعيّ : فقلت : تَحُسّ : تقتل من قول الله - تعالى - ( إذ تَحُسُّونهم بإذنه ) أي تقتلونهم وتُحَشّ : توقَد . فقال لي شعبة : لو فرغتُ للزِمتك .


293

وأنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس الرُقَيَّات :

( إن الحوادث بالمدينة قد أوجعْنَني وقَرَعن مَرْوِتِيَهْ )

فانتهره أبو عمرو فقال : ما لنا ولهذا الشعر الرخو ! إن هذه الهاء لم توجد في شيء من الكلام إلا أَرْخَتْه . فقال له المدينيّ : قاتلك الله ! ما أجهلك بكلام العرب ! قال الله - عزّ وجَلّ - في كتابه : ( ما أغْنَى عَنِّي مالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطانَيِهْ ) وقال : ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ . ولم أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ) فانكسر أبو عمرو انكسارا شديدا . قال أبو هِفَّان : وأنشدَ هذا الشعر عبدَ الملك بن مَرْوان فقال : أحسنت يا ابن قيس لولا أنك خَنَّثْت قافيته . فقال يا أمير المؤمنين ما عدوتُ قول الله - عز وجل - في كتابه ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانَيهْ ) فقال له عبد الملك : أنت في هذه أشعر منك في شعرك .

قال أبو حاتم : قلت للأصمعيّ : أتجيز : إنك لتُبْرِق لي وتُرْعِد فقال : لا إنما هو تَبْرُقُ وتَرْعُدُ . فقلت له : فقد قال الكُمَيت :

( أبْرِق وأرعِد يا يزيد د فما وعيدُك لي بضائر )


294

فقال : هذا جُرْ مُقانيّ من أهل الموصِل ولا آخُذُ بلغته . فسألت عنها أبا زيد الأنصاريّ فأجازها . فنحن كذلك إذ وقف علينا أعرابيّ مُحْرِم فأخذنا نسأله . فقال ( أبو زيد ) : لستم تحسنوني أن تسألوه . ثم قال له : كيف تقول : إنك لتبرق لي وترعد . فقال له الأعرابيّ : أفي الجَخِيف تعني أي التهدّد . فقال : نعم . فقال الأعرابيّ : إنك لتُبْرِق لي وتُرْعِد . فعدت إلى الأصمعيّ فأخبرته فأنشدني :

( إذا جاوزَتْ من ذات عِرقْ ثَنِيَّةً فقل لأبي قابوسَ : ما شئتَ فارعُد )

ثم قال لي : هكذا كلام العرب .

وقال أبو حاتم أيضا : قرأت على الأصمعيّ رَجَز العجَّاج حتى وصلت إلى قوله :

( جَأْباً ترى بِلِيته مُسَحَّجا )

فقال : . . . تَلِيله ( فقلت : بليته . فقال تليله ) مسحَّجا فقلت له : أخبرني به مَن سمعه من فِلق فِي رؤبة أعني أبا زيد الأنصاريّ فقال : هذا لا يكون ( فقلت : جعل ( مُسَحّجا ) مصدرا أي تسحيجا . فقال : هذا لا يكون ) . فقلت : قال جرير :

( ألم تعلم مُسَرِحَي القوافي )

أي تسريحي . فكأنه توقّف . فقلت : قد قال الله - تعالى - ( وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزٍقَّ ) فأمسك .


295

ومن ذلك إنكار أبي حاتم على عُمَارة بن عَقِيل جمعه الريح على أرياح . قال : فقلت ( له فيه ) : إنما هي أرواح . فقال : قد قال - عز وجل - ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) وإنما الأرواح جمع رُوح . فعلمت بذلك أنه ( ممن لا ) يجب أن يؤخذ عنه .

وقال أبو حاتم : كان الأصمعيّ ينكر زوجة ويقول : إنما هي زوج . ويحتجّ بقول الله - تعالى - ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) قال : فأنشدته قول ذي الرمّة :

( أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة أَراك لها بالبصرة العام ثاويا )

فقال : ذو الرمّة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقّالين . قال وقد قرأنا عليه ( من قبل ) لأفصح الناس فلم ينكره :

( فبكى بناتي شجوَهنّ وزوجتي والطامعون إليّ ثم تصدّعوا )

وقال آخر :

( مِن منزلي قد أخرجتني زوجتي تهِرُّ في وجهي هرير الكلبةِ )


296

وقد كان يعاب ذو الرمّة بقوله :

( حتى إذا دوّمت في الأرض راجعه كِبْر ولو شاء نَجَّى نفسَه الهربُ )

فقيل : إنما يقال : دوّى في الأرض ودوّم في السماء .

وعيب أيضا في قوله :

( والجيدِ من أُدمانة عَنُودِ )

فقيل : إنما يقال : أدماء وآدم . والأُدْمان جمع كأحمر وحُمْران وأنت لا تقول : حُمرانة ولا صُفْرانة . وكان أبو عليّ يقول : بَنَى من هذا الأصل فُعلانة كخُمصانة .

وهذا ونحوه مما يُعتدّ في أغلاط العرب إلا أنه لمّا كان من أغلاط هذه الطائفة القريبة العهد جاز أن نذكره في سَقَطات العلماء . ويحكى أن أبا عمرو رأى ذا الرُمَّة في دكّان طحّان بالبصرة يكتب قال : فقلت : ما هذا يا ذا الرمة ! فقال : اكتم عليّ يا أبا عمرو . ولمّا قال أيضا :

( كأنمّا عينُها منها وقد ضَمَرت وضمَّها السير في بعض الأَضَي مِيمُ )

فقيل له : من أين عرفت الميم فقال : والله ما أعرفها إلا أني رأيت معلّما خرج إلى البادية فكتب حرفا فسألته عنه فقال : هذا الميم فشبّهت به عين الناقة . وقد أنشدوا :

( كما بُيّنت كاف تلوح وميمها )


297
وقد قال أبو النجم :

( أقبلتُ من عند زياد كالخرِف تخطُّ رجلاي بخط مختلف )

( تكتِّبان في الطريق لامَ الِف )

وحكى أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيديّ عن أحمد بن يحيى عن سَلَمة قال : حضر الأصمعيّ وأبو عَمْرو الشيبانيّ عند أبي السمراء فأنشده الأصمعيّ :

( بضرب كآذان الفِراء فُضولُه وطعنٍ كتَشْهاق العَفَا هَمّ بالنهق )

ثم ضرب بيده إلى فَرْوكان بقربه يوهم أن الشاعر أراد : فَرْوًا . فقال أبو عمرو : أراد الفَرْو . فقال الأصمعيّ : هكذا روايتكم ! .

ويحكى عن رؤبة في توجّهه إلى قُتَيبة بن مسلم أنه قال : جاءني رجلان فجلسا إليّ وأنا أنشد شيئا من شعري فهمسا بينهما فتفقت عليهما فهمدا .


298

ثم سألت عنهما فقيل لي : الطِرِمَّاح والكُمَيت . فرأيتهما ظريفين فأنِست بهما . ثم كانا يأتياني فيأخذان الشيء بعد الشيء من شعري فيودعانه أشعارهما .

وقد كان قدماء أصحابنا يتعقّبون رؤبة وأباه ويقولون : تهضّما اللغة وولّداها وتصرّفا فيها غير تصرّف الأقحاح فيها . وذلك لإيغالهما في الرجز وهو مما يَضطرّ إلى كثير من التفريع والتوليد لِقصره ومسابقة قوافيه .

وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد بإسناده عن الأصمعيّ قال : قال لي الخليل : جاءنا رجل فأنشدنا :

( ترافع العزّ بنا فارفنععا )

فقلنا : هذا لا يكون . فقال كيف جاز للعجّاج أن يقول :

( تقاعس العزُّ بنا فاقعنسسا )

فهذا ونحوه يدلّك على منافرة القوم لهما وتعقّبهم إياهما وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما مضى من هذا الكتاب وقلنا في معناها : ما وجب هناك .

وحَكَى الأصمعيّ قال : دخلت على حمّاد بن سَلَمة وأنا حَدَث فقال لي : كيف تنشد قول الحُطَيئة : ( أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ماذا . فقلت ) :

( أولئك قوم إن بَنَوا أحسنوا البِنَى وإن عاهدوا أوفَوا وإن عقدوا شدّوا )


299

فقال : يا بُنَيّ أحسنوا البُنَا . يقال : بنى يبني بِناء في العُمْران وبنا يبنو بُنًا في الشرف . هكذا هذه الحكاية رويناها عن بعض أصحابنا . وأمَّا الجماعة فعندها أن الواحد من ذلك : بُنْية وبِنْية فالجمع على ذلك : البُنَى والبِنَى .

وأخبرنا أبو بكر محمد بن عليّ بن القاسم الذهبيّ بإسناده عن أبي عثمان أنه كان عند أبي عُبَيدة فجاءه رجل فسأله فقال له كيف تأمر من قولنا : عُنِيتُ بحاجتك فقال له أبو عُبَيدة : اُعْنَ بحاجتي . فأومأت إلى الرجل : أي ليس كذلك . فلمَّا خلونا قلت له : إنما يقال : لِتُعْنَ بحاجتي . قال : فقال لي أبو عبيدة : لاتدخل إليّ . فقلت : لم فقال : لأنك كنت مع رجل خُوزيّ سرق مني عاما أوّل قَطِيفة لي . فقلت : لا والله ما الأمر كذلك : ولكنك سمعتني أقول ما سمعت أو كلاما هذا معناه .

وحدّثنا أبو بكر محمد بن عليّ المراغيّ قال : حضر الفرّاءُ أبا عُمَر الجَرْميّ فأكثر سؤاله إياه . قال : فقيل لأبي عُمَر : قد أطال سؤالك أفلا تسأله ! فقال له أبو عمر : يا أبا زكرياء ما الأصل في قُمْ فقال : اُقْوُمْ . قال : فصنعوا ماذا قال استثقلوا الضمة على الواو فأسكنوها ونقلوها إلى القاف . فقال له أبو عُمَر : ( هذا خطأ ) : الواو إذا سكن ما قبلها جرت مجرى الصحيح ولم تستثقل الحركات فيها . ويدلّ على صحّة قول أبي عمر إسكانهم إياها وهي مفتوحة في نحو يخاف وينام ألا ترى أن أصلهما : يَخْوَف ويَنْوَم . وإنما إعلال المضارع هنا محمول على إعلال الماضي . وهذا مشروح في موضعه .


300

ومن ذلك حكاية أبي عُمَر مع الأصمعيّ وقد سمعه يقول : أنا أعلم الناس بالنحو فقال له الأصمعيّ : ( يا أبا عمر ) كيف تنشد ( قول الشاعر ) :

( قد كنْ يَخْبَأن الوجوه تسترا فالآن حين بدأن للنُظَّار )

بدأن أو بدين فقال أبو عمر : بَدَأْنَ . فقال الأصمعيّ : يا أبا عمر أنت أعلم الناس بالنحو ! - يمازحه - إنما هو بَدَوْن أي ظهرن . فيقال : إن أبا عمر تغفّل الأصمعيّ فجاءه يوما وهو في مجلسه فقال له أبو عمر : كيف تحقّر مختارا فقال الأصمعيّ : مخيتير . فقال له أبو عمر : أخطأت إنما هو مخيِّر أو مخيِّير تحذف التاء لأنها زائدة .

حدّثني أبو عليّ قال : اجتمعت مع أبي بكر بن الخيّاط عند أبي العبّاس المعمريّ بنهر مَعْقِل في حديث حدّثنيه طويل . فسألته عن العامل في ( إذا ) من قوله - سبحانه - : ( هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) قال : فسلك فيها مسلك الكوفيين . فكلّمته إلى أن أمسك . وسألته عن غيرها وعن غيرها وافترقنا . فلمّا كان الغد اجتمعْتُ معه عند أبي العباس


301
وقد أحضر جماعة من أصحابه فسألوني فلم أَرَ فيهم طائلا . فلمّا انقَضى سؤالهم قلت لأكبرهم : كيف تبني من سفرجل مثل عنكبوت فقال : سَفْرَرُوت . فلما سمعت ذلك قمت في المسجد قائما وصفَّقت بين الجماعة : سفرروت ! سفرروت ! فالتفت إليهم أبو بكر فقال : لا أحسن الله جزاءكم ! ولا أكثر في الناس مثلكم ! وافترقنا فكان آخر العهد به .

قال أبو حاتم : قرأ الأخفش - يعني أبا الحسن - : " وقولوا للناس حُسْنَى " فقلت : هذا لا يجوز لأن ( حُسْنَى ) مثل فُعْلَى وهذا لا يجوز إلا بالألف واللام . قال : فسكت . قال أبو الفتح : هذا عندي غير لازم لأبي الحسن لأن ( حسنى ) هنا غير صفة وإنما هو مصدر بمنزلة الحُسْن كقراءة غيره : ( وقولوا للناس حُسْناً ) ومثله في الفِعْل والفِعُلَى : الذِكْر والذِكْرَى وكلاهما مصدر . ومن الأوّل البؤس والبؤسى والنُعْم والنعمى . ولذلك نظائر .

وروينا - فيما أظنّ - عن محمد بن سَلاَّم الجمحيّ قال : قال لي يونس ابن حبيب : كان عيسى بن عُمَر يتحدّث في مجلس فيه أبو عمرو بن العلاء . فقال عيسى في حديثه : ضربه فَحُشَّت يدهُ . فقال أبو عمرو : ما تقول يا أبا عمر ! فقال عيسى : فَحُشَّت يدُه . فقال أبو عمرو : فَحَشَّت يده . قال يونس : التي ردّه عنها جيّدة . يقال : حُشّت يده - بالضمّ - وحَشَّت يدُه - بالفتح - وأحَشَّتْ . وقال يونس : وكانا إذا اجتمعا في مجلس لم يتكلّم أبو عمرو مع عيسى لحسن إنشاده وفصاحته .


310
حذف
302

الزياديّ عن الأصمعيّ قال : حضر الفرزدق مجلس ابن أبي إسحق فقال له : كيف تنشد هذا البيت :

( وعينان قال الله كُونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر )

فقال الفرزدق : كذا أنْشِد . فقال ابن أبي إسحق : ما كان عليك لو قلت : فَعُولَين ! فقال الفرزدق : لو شئت أن تسبِّح لسبَّحت . ونهض فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد بقوله : لو شئتَ أن تسبّح لسبَّحت أي لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك وإنما أراد : أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر ( قال أبو الفتح : كان هنا ثامّة غير محتاجة إلى الخبر فكأنه قال : وعينان قال الله : احدُثا فحدثتا أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا ) .

وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال : سأل رجل سيبويه عن قول الشاعر :

( يا صاحِ ياذا الضامرُ العَنْسِ )

فرفع سيبويه ( الضامر ) فقال له الرجل : إن فيها

( والرحلِ ( ذي الأقتاد ) والحِلْس )


303

فقال سيبويه : من هذا هَرَبت . وصعد في الدَرَجة . قال أبو الفتح : هذا عندنا محمول على معناه دون لفظه . وإنما أراد : ياذا العنسِ الضامر والرحل ( ذي الأقتاد ) فحمله على معناه ( دون لفظه ) .

قال أبو العباس : حدَّثني أبو عثمان قال : جلست في حَلْقة الفرّاء فسمتعه يقول لأصحابه : لا يجوز حذف لام الأمر إلاَّ في شعر . وأنشد :

( مَن كان لا يزعم أَني شاعرُ فَيدْنُ مِنيّ تنهه المزاجرُ )

قال : فقلت له : لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام فقال : لأن الشعر يُضطرّ فيه الشاعر فيحذِف . قال : فقلت : وما الذي اضطرّه هنا وهو يمكنه أن يقول : فليدن منيّ قال : فسأل عنيّ فقيل له : المازنيّ فأوسع لي . قال أبو الفتح : قد كان يمكن الفرّاءَ أن يقول له : إن العرب قد تلزم الضرورة في الشعر في حال السعة أُنْساً بها ( واعتيادا لها ) وإعدادا لها لذلك عند وقت الحاجة إليها ألا ترى إلى قوله :

( قد أصبحت أمُّ الخِيار تَدّعي عليّ ذنبا كُلُّه لم أصنع )


304

فرفع للضرورة ولو نصب لَمَا كسر الوزن . وله نظائر . فكذلك قال : ( فيدن مني ) وهو قادر على أن يقول : ( فليدن مني ) لِمَا ذكرت .

والمحفوظ في هذا قول أبي عمرو لأبي خَيْرة وقد قال : استأصل الله عِرْقاتَهم - بنصب التاء - : هيهات أبا خيرة لان جِلدك ! ثم رواها أبو عمرو فيما بعد . وأجاز أيضا أبو خَيْرة : حَفَرْت إراتَك جمع إرة . وعلى نحو إنشاد الكوفييين :

( ألا يزجرُ الشيخ الغيورُ بناتَهُ )

وإنشادهم أيضا :

( فلمَّا جلاها بالإيام تحيَّزَتْ ثُبَاتًا عليها ذُلُّها واكتئابها )

وأصحابنا لا يرون فتح هذه التاء في موضع النصب . ( وأما ) عِرقاتهم فواحدة كسِعلاة . وكذلك إراة : عِلَفة وأصلها : وِئرة : فِعَلة فقلبت الفاء إلى موضع اللام فصار : ( إرَوَة ثم قلبت الواو ألفا فصار ) إراة مثل الحادي وأصله : الواحد فقلبت الفاء إلى موضع اللام فصار وزنه على اللفظ : عالفا . ومثله قول القطاميّ :

( ولا تَقَضَّى بواقي دَيْنها الطادي )

أصله : الواطد ثم قُلِب إلى عالف . وأما ثُبَاة ففُعَلة من الثبتة وأما بناته ففَعَلة كَقناة كما أن ثُبَاة وسمعت لغاتهم إنما ( هي واحدة ) كرُطَبة .


305

هذا كله إن كان ما رووه - من فتح هذه التاء - صحيحا ومسموعا من فصيح يؤخذ بلغته ولم يُجز أصحابنا فتح هذه التاء في الجماعة إلا شيئا قاسه أبو عثمان فقال : أقول : لا مسلماتَ لك - بفتح التاء - قال : لأن الفتحة الآن ليست ل ( مسلمات ) وحدها وإنما هي لها ول ( لا ) قبلها . وإنما يُمتنع من فتح هذه التاء ما دامت الحركة في آخرها لها وحدها . فإذا كانت لها ولغيرها فقد زال طريق ذلك الحظ الذي كان عليها . وتقول على هذا : لا سِمَاتَ بإبلك - بفتح التاء - على ما مضى . وغيره يقول : لاسِماتِ بها - بكسر التاء - على كل حال . وفي هذا مسألة لأبي عليّ - رحمه الله - طويلة حَسَنة .

وقال الرياشيّ : سمعت أبا زيد يقول : قال المنتَجِع : أُغْمي على المريض وقال أبو خَيرة : غُمِي عليه . فأرسلوا إلى أمّ أبي خَيْرة فقالت : غُمِي على المريض . فقال لها المنتجع : أفسدك ابنك وكان وَرَّاقا .

وقال أبو زيد : قال منتجع : كمء واحدة وكمأة للجميع . وقال أبو خَيْرة : كمأة واحدة وكمء للجميع مثل تمرة وتمر قال : فمرّ بهما رؤبة فسألوه فقال كما قال منتجع . وقال أبو زيد : قد يقال : كمأة وكمء كما قال أبو خيرة .

وأخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجّاج عن أبي عليّ بشر بن موسى الأسديّ عن الأصمعيّ قال : اختلف رجلان فقال أحدهما : الصقر وقال الآخر : السَقْر . فتراضيا بأوّل وارد يرد عليهما فإذا رجل قد أقبل فسألاه فقال : ليس كما قلت أنت ولا ( كما قلت أنت ) إنما هو الزَقْر .


306
وقال الرياشيّ : حدّثني الأصمعيّ قال : ناظرني المفضّل عند عيسى بن جعفر فأنشد بيت أوس :

( وذاتُ هِدْم عارٍ نواشرُها تُصْمِتُ بالماء تَوْلَبا جَذعا )

فقلت : هذا تصحيف لا يوصف التولب بالإجذاع وإنما هو : جَدِعا وهو السيّء الغِذاء . قال : فجعل المفضّل يُشَغِّب فقلت له : تكلم كلام النمل وأصب . لو نفخت في شَبُّور يهوديّ ما نفعك شيئا .

ومن ذلك إنكار الأصمعيّ على ابن الأعرابيّ ما كان رواه ابن الأعرابيّ لبعض ولد سعيد بن سَلْم بحضرة سعيد بن سلم لبعض بني كلاب :

( سمين الضواحي لم تؤرّقه ليلة وأنعم أبكار الهموم وعُونها )


307

فرفع ابن الأعرابيّ ( ليلة ) ونصبها الأصمعيّ وقال : إنما أراد : لم تؤرّقه أبكار الهموم وعُونها ليلةً وأنعم أي زاد على ذلك . فأُحضر ابن الأعرابيّ وسئل عن ذلك فرفع ( ليلة ) فقال للأصمعيّ لسعيد : من لم يحسن هذا القدر فليس بموضع لتأديب ولدك فنحَّاه سعيد فكان ذلك سبب طعن ابن الأعرابيّ على الأصمعيّ .

محمد بن يزيد قال ك حدّثني أبو محمد التَوَّزيّ عن أبي عمرو الشيبانيّ قال : كنا بالرَقَّة فأنشد الأصمعيّ :

( عنَناً باطلا وظلما كما تُعْتز عن حَجْرة الرَيبض الظباء )

فقلت : يا سبحان الله ! تُعْتَر من العَتيرة . فقال الأصمعيّ : تعتز أي تطعن بعَنَزَة . فقلت : لو نَفَخت في شَبُّور اليهوديّ وصحت إلى التنادي ما كان إلا تعتر ولا ترويه بعد اليوم إلا تُعْتَرُ . قال أبو العباس قال لي التوزيّ قال لي أبو عمرو : فقال : والله لا أعود بعده إلى تُعنز .


308
وأنشد الأصمعيّ أبا توبة ميمون بن حفص مؤدّب عمرو بن سعيد بن سَلْم بحضرة سعيد :

( واحدةُ أعضلكم شأنُها فكيف لو قمتَ على أربَع ! )

قال : ونهض الأصمعيّ فدار على أربع يَلْبِس بذلك على أبي توبة . فأجابه أبو توبة بما يشاكل فعل الأصمعيّ . فضحك سعيد وقال ( لأبي توبة ) : ألم أنهك عن مجاراته في المعاني هذه صناعته .

وروى أبو زيد : ما يُعْوِز له شيء إلاَّ أخذه فأنكرها الأصمعيّ وقال : إنما هو ( يُعْوِر ) - بالراء - . وهو كما قال الأصمعيّ .

وقال الأثرم عليّ بن المغيرة : مثقَل استعان بدَفَّيه ويعقوب بن السكِّيت حاضر . فقال يعقوب : هذا تصحيف إنما هو : مثقل استعان بذَقَنه . فقال الأثرم : إنه يريد الرياسة بسرعة ودخل بيته . هذا في حديث لهما .

وقال أبو الحسن لأبي حاتم : ما صنعت في كتاب المذكّر والمؤنّث قال : قلت : قد صنعتُ فيه شيئا . قال : فما تقول في الفردوس قال : ذكر . قال : فإن الله - عزّ وجلّ - يقول : ( الفِرْدَوْسَ هُمْ فيها خالدون ) قال : قلت :


309
ذهب إلى الجنَّة فأنَّث . قال أبو حاتم : فقال لي التوّزي : يا عاقل ! أما سمعت قول الناس : أسألك الفردوس الأعلى ( فقلت : يا نائم : الأعلى هنا ) أفعل لا فَعْلَى ! قال أبو الفتح : لا وجه لذكره هنا لأن الأعلى لا يكون أبدا فعلى .

أبو عثمان قال : قال لي أبو عُبَيدة : ما أكذب النحويين ! يقولون : إن هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث وسمعتُ رؤبة ينشد :

( فكَرَّ في عَلْقَي وفي مُكور )

فقلت له : ما واحد العلقي فقال : عَلْقاة . قال أبو عثمان : فلم أفسِّر له لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا . وقد ذكرنا نحو هذا فيما قبل أو شرحناه .

قال أبو الفتح : قد أتينا في هذا الباب من هذا الشأن على أكثر مما يحتمله هذا الكتاب تأنيسا به وبسطا للنفس بقراءته . وفيه أضعاف هذا إلا أن في هذا كافيا من غيره بعون الله . باب في صدق النَقَلة وثقة الرُواة والحَمَلة

هذا موضع من هذا الأمر لا يعرِف صحَّته إلا مَن تصوّر أحوال السلف فيه تصوّرهم ورآهم من الوفور والجلالة بأعيانهم واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له وعلم أنه لم يوفَّق لاختراعه وابتداء قوانينه وأوضاعه إلا البَرّ عند الله سبحانه الحظيظ بما نوّه به وأعلى شأنه . أوَ لا يعلم أن أمير المؤمنين


310
عليّا - رضي الله عنه - هو البادئه والمنبّه عليه والمنشئه والمرشد إليه . ثم تحقُّق ابن عباس رضي الله عنه به واكتفال أبي الأسود - رحمه الله - إياه . هذا بعد تنبيه رسول الله - - عليه وحضّه على الأخذ بالحظّ منه ثم تتالى السلف - رحمهم الله - عليه واقتفائهم - آخرا على أوّل - طريقه . ويكفي من بَعْدُ ما تعرِف حاله ويُتشاهد به من عِفَّة أبي عمرو بن العلاء ومن كان معه ومجاورا زمانه . حدَّثنا بعض أصحابنا - يرفعه - قال : قال أبو عمرو بن العلاء - رحمه الله - : ما زدت في شعر العرب إلا بيتا واحدا . يعني ما يرويه للأعشى من قوله :

( وأنكرتني وما كان الذي نكِرت من الحوادث إلا الشيب والصَلَعا )

أفلا ترى إلى هذا البدر الطالع الباهر والبحر الزاخر الذي هو أبو العلماء وكهفهم وبَدْء الرواة وسيفهم كيف تخلُّصه من تبعات هذا العلم وتحرّجه وتراجعه فيه إلى الله وتحوّبه حتى إنه لمّا زاد فيه - على سعته وانبثاقه وتراميه وانتشاره - بيتا واحدا وفّقه الله للاعتراف به ( وجعل ذلك ) عنوانا على توفيق ذويه وأهليه .


311

وهذا الأصمعيّ - وهو صَنَّاجة الروُاة والنَقَلة وإليه محطّ الأعباء والثَقَلة ومنه تُجْنَى الفِقَر والمُلَح وهو ريحانة كل مغتبَق ومصطبَح - كانت مشيخة القرّاء وأماثلهم تحضره - وهو حَدَث - لأخذ قراءة نافع عنه . ومعلوم ( كم قدر ما ) حذف من اللغة فلم يثبته لأنه لم يقَو عنده إذ لم يسمعه . وقد ذكرنا في الباب الذي هذا يليه طَرَفا منه .

فأما إسفاف من لا عِلْم له وقولُ من لا مُسْكة به : إن الأصمعيّ كان يزيد في كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا فكلامُ معفوّ عنه غير معبوء به ولا منقوم من مثله حتى كأنه لم يتأدّ إليه توقُّفه عن تفسير القرآن وحديث رسول الله - - وتحوّبه من الكلام في الأنواء .

ويكفيك من ذا خُشْنة أبي زيد وأبي عُبَيدة . وهذا أبو حاتم بالأمس وما كان عليه من الجِدّ والانهماك والعِصمة والاستمساك .

وقال لنا أبو عليّ - رحمه الله - يَكاد يُعرف صدق أبي الحسن ضرورة . وذلك أنه كان مع الخليل في بلد واحد ( فلم يحكِ عنه حرفا واحدا ) .

هذا إلى ما يعرف عن عقل الكسائيّ وعِفّته وظلفه ونزاهته حتى إن الرشيد كان يُجلسه ومحمدَ بن الحسن على كرسيّين بحضرته ويأمرهما ألاّ ينزعجا لنهضته .


312

وحكى أبو الفضل الرِّياشيّ قال : جئت أبا زيد لأقرأ عليه كتابه في النبات فقال : لا تقرأه عليَّ فإني قد أُنسِيتُهُ .

وحَسْبُنا من هذا حديثُ سيبويه وقد حطب بكتابه - ( وهو ) ألف ورقة - عِلْما مبتكَرا ووضعا متجاوزا لما يسمع ويرى قلَّما تُسند إليه حكاية أو توصل به رواية إلا الشاذّ الفذّ الذي لا حفْل به ولا قدر . فلولا تحفُّظ من يليه ولزومه طريق ما يعنيه لكثرت الحكايات عنه ونيطت أسبابها به لكن أخلد كل إنسان منهم إلى عصمته وادّرع جلباب ثقته وحمى جانبه من صدقه وأمانته ما أريد من صون هذا العلم الشريف ( له به ) .

فإن قلت : فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين والمتحلِّين به في المِصْرين كثيرا ما يهجّن بعضهُم بعضا ( ولا ) يترك له في ذلك سماء ولا أرضا .

قيل له : هذا أوّل دليل على كَرَم هذا الأمر ونزاهة هذا العلم ألا ترى أنه إذا سَبَقت إلى أحدهم ظِنَّة أو توجَّهت نحوه شبهة سُبَّ بها وبرئ إلى الله منه لمكانها . ولعل أكثر من يُرْمَى يسقطة في رواية أو غَمْر في حكاية محمِيّ جانب الصدق فيها بريء عند الله ذكره من تبعتها لكن أُخِذت عليه إما لاعتنان شبهة عرضت له أو لمن أخذ عنه وإمّا لأن ثالبه ومتعيّبه مقصِّر عن مغزاه مغضوض


313
الطَرْف دون مداه . وقد تعرِض الشُبَه للفريقين ( وتعترِض على كلتا الطريقتين ) . فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله والمتفيئين بظلّه كريم الطرفين جَدَد السمتين لما تسابّوا بالهُجْنة فيه ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه ليطووا ثوبه على أعدل غروره ومطاويه .

نعم وإذا كانت هذه المناقضات والمثاقفات موجودة بين السَلَف القديم ومن باء فيه بالمنصِب والشرف العميم ممن هم سُرُج الأنام والمؤتمّ بهديهم في الحلال والحرام ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه ولا غاضّا منه ولا عائدا بطَرفَ من أطراف التبِعة عليه جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب الذي لا يخلُص جميعه للدين خلوصَ الكلام والفقه له ولا يكاد يعدَم أهلُه الأَنَقَ به والارتياح لمحاسنه . ولله أبو العباس أحمد بن يحيى وتقدّمه في نفوس أصحاب الحديث ثقةً وأمانة وعصمة وحصانة . وهم عِيار هذا الشان وأساس هذا البنيان .

وهذا أبو عليّ رحمه الله كأنه بَعْدُ معنا ولم تَبِنْ به الحالُ عنّا كان من تحوّ به وتأنّيه وتحرّجه كثير التوقّف فيما يحكيه دائم الاستظهار لإيراد ما يرويه . فكان تارة يقول : أنشدت لجرير فيما أحسب وأخرى : قال لي أبو بكر فيما أظنّ وأخرى : في غالب ظنّي كذا وأُرى أنيّ قد سمعت كذا .

هذا جزء من جملة وغصن من دَوْحة وقَطْرة من بحر ممّا يقال في هذا الأمر . وإنما أَنَّسنا بذكره ووكَلنا الحال فيه إلى تحقيق ما يضاهيه .


314
باب في الجمع بين الأضعف والأقوى في عَقْد واحد

وذلك جائز عنهم وظاهُر وجهِ الحكمة في لغتهم قال الفرزدق :

( كلاهما حين جَدّ الجَرْيُ بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي )

( فقوله : كلاهما قد أقلعا ضعيف لأنه حَمْل على المعنى وقوله : وكلا أنفيهما رابي ) قويّ لأنه حَمْل على اللفظ . وأنشد أبو عمرو الشيبانيّ :

( كلا جانبيه يَعْسِلان كلاهما كما اهتزّ خُوطُ النَبْعَة المتتابع )

فإخباره ب ( يعسلان ) عن ( كلا جانبيه ) ضعيف على ما ذكرنا . وأمّا ( كلاهما ) فإن جعلته توكيدا ل ( كلا ) ففيه ضعف لأنه حَمْل على المعنى دون اللفظ . ولو كان على اللفظ لوجب أن يقول : كلا جانبيه يعسل كلّه أو قال : يعسلان كلّه فحمل ( يعسلان ) على المعنى و ( كلّه ) على اللفظ وإن كان في هذا ضعف لمراجعة اللفظ بعد الحمل على المعنى . وإن جعلت ( كلاهما ) توكيدا للضمير في ( يعسلان ) فإنه قويّ لأنهما في اللفظ اثنان كما أنهما في المعنى كذلك .

وقال الله - سبحانه - : ( بَلَى مَن أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِله وهُوَ مُحْسِن فله أَجْرُهُ عند رَبِّه ولا خُوْفُ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنون ) فحمل أوّل الكلام على اللفظ وآخره على المعنى والحملُ على اللفظ أقوى .


315

وتقول : أنتم كلّكم بينكم درهم . فظاهر هذا أن يكون ( كلكم ) توكيدا ل ( أنتم ) والجملة بعده خبر ( عنه . ويجوز أن يكون كلكم مبتدأ ثانيا والجملة بعده خبر ) عن ( كلكم ) . وكان أجودَ من ذلك أن يقال ك بينه درهم لأن لفظ كلّ مفرد ليكون كقولك أنتم غلامكم له مال . ويجوز أيضا : أنتم كلكم بينهم درهم فيكون عود الضمير بلفظ الغائب حملا على اللفظ وجمعه حملا على المعنى . كل ذلك ( مساغ عندهم ) ومُجاز بينهم .

وقال ابن قيس :

( لئن فتنتني لهْيَ بالأمس أفتنت سعيدا فأضحى قد قَلَى كلَّ مسلم )

وفتن أقوى من أفتن حتى إن الأصمعيّ لمّا أنشِد هذا البيت شاهدا لأفتن قال : ذلك مخنَّث ولست آخذ بلغته . وقد جاء به رؤبة إلا أنه لم يضممه إلى غيره قال :

( يُعرِضن إعراضا لدِين المفتَنِ )

ولسنا ندفع أن في الكلام كثيرا من الضعف فاشيا وسَمْتا منه مسلوكا متطرَّقا . وإنما غرضنا هنا أن نُرِي إجازة العرب جمعها بين قويّ الكلام وضعيفه في عَقْد واحد وأن لذلك وجها من النظر صحيحا . وسنذكره .


316

وأمّا قوله :

( أمّا ابن طَوق فقد أوفى بذمّته كما وَفَى بِقلاص النجم حاديها )

فلغتان قويّتان .

وقال :

( لم تتلفَّع بفضل مئزرها دعدُ ولم تُسق دَعدُ في العُلب )

فصرَف ولم يصرِف . وأجود اللغتين ترك الصرف .

وقال : إني لأكني بأجبال عن اجبلُها وبآسم أودية عن اسم واديها )

وأجبال أقوى من أجبل وهما - كما ترى - في بيت واحد .

ومثله في المعنى لا في الصنعة قول الآخر :

( أبكي إلى الشرق ما كانت منازلها ممَّا يلي الغرب خوف القيل والقال )

( وأذكر الخال في الخدّ اليمين لها خوف الوشاة وما في الخدّ من خال )

وقال :

( أنك يا معاوِ يابن الأفضل )


317

قال صاحب الكتاب : أراد يا معاوية فرخَّمه على ياحارُ فصار يا معاوي ثم رخّمه ثانيا على قولك : يا حارِ فصار : يا معاوِ كما ترى . أفلا تراه كيف جمع بين الترخيمين : أحدهما على يا حارُ وهو الضعيف والآخر على يا حارِ وهو القويّ .

ووجه الحكمة ( في الجمع بين اللغتين ) : القويّة والضعيفة في كلام واحد هو : أن يُروك أن جميع كلامهم - وإن تفاوتت أحواله فيما ذكرنا وغيره - على ذُكْر منهم وثابت في نفوسهم . نعم وليؤنِّسوك بذاك حتى إنك إذا رأيتهم وقد جمعوا بين ما يَقْوى وما يضعف في عَقْد واحد ولم ( يتحامَوه ولم يتجنَّبوه ) ولم يقدح أقواهما في أضعفهما كنت إذا أفردت الضعيف منهما بنفسه ولم تضممه إلى القويّ فيتبينَ به ضعفُه وتقصيره عنه انسَ به وأقلَّ احتشاما لاستعماله فقد عرفت ما جاء عنهم من نحو قولهم : كل مُجْرٍ بالخَلاء يُسَرّ . وأنشد الأصمعيّ :

( فلا تَصِلي بمطروق إذا ما سَرَى في القوم أصبح مستكينا )

( إذا شِرب المُرِضّةَ قال : أَوكِي على ما في سِقَائك قد روِينا )


318

وغرضه في هذين البيتين أن يريك خَفْضه في حال دعته . وقريب منه قول لبيد :

( يا عينِ هلاَّ بكيتِ أرْبَد إذ قمنا وقام الخصومُ في كَبَد )

أي : هناك يُعرف قدر الإنسان لا في حال الخلوة والخَفِضة . وعليه قولها :

( يذكّرني طلوعُ الشمس صخرا وأَذكره لكل غروب شمس )

أي وقَتِي الإغارة والإضافة . وقد كثر جدّا . وآخر من جاء به شاعرنا قال :

( وإذا ما خلا الجبانُ بأرض طلب الطعن وحده والنزالا )

ونظير هذا الإنسانُ يكون له ابنان أو أكثر من ذلك فلا يمنعه نجابة النجيب منهما الاعترافَ بأدْونهما وجمَعه بينهما في المقام الواحد إذا احتاج إلى ذلك .

وقد كنا قدّمنا في هذا الكتاب حكاية أبي العباس مع عُمَارة وقد قرأ : ( ولا الليل سابُق النهارَ ) فقال له ( أبو العباس ) : ما أردتَ فقال : أردت : سابقُ النهارَ . فقال : فهلاّ قلته ! فقال عمارة : لو قلتُه لكان أوزن .


319

وهذا يدلّك على أنهم قد يستعملون من الكلام ما غيره ( آثر في نفوسهم منه ) سعه في التفسّح وإرخاء للتنفّس وشُحّا على ما جَشِموه فتواضعوه أن يتكارهوه فيُلْغوه ويَّطرحوه . فاعرف ذلك مذهبا لهم ولا ( تطعن عليهم ) متى ورد عنهم شيء منه . باب في جمع الأشباه من حيث يَغْمُض الاشتباه

هذا غَور من اللغة بَطين يَحتاج مجتابه إلى فَقاهة في النفس ونصاعة من الفكر ومساءلة خاصّيّة ليست بمبتذَلة ولا ذات هُجْنة .

ألقيت يوما على بعض من كان يعتادني فقلت : من أين تجمع بين قوله :

( لَدْن بِهَزّ الكفّ يعسِل مَتْنُه فيه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ )

وبين قولنا : اختصم زيد عمرو فأجبل ورجع مستفهما . فقلت : اجتماعهما من حيث وَضْع كل واحد منهما في غير الموضع الذي بدئ له . وذلك أن الطريق خاصّ وضع موضع العامّ . ( وذلك ) أن وضع هذا أن يقال : كما عسل أمامَه الثعلب وذلك الأمام قد كان يصلح لأِشياء من الأماكن كثيرة : من طريق وعَسف


320
وغيرهما . فوضع الطريق - وهو بعض ما كان يصلح للأمام أن يقع عليه - موضع الأمام . فنظير هذا أنّ واو العطف وَضْعُها لغير الترتيب وأن تصلح للأَوقات الثلاثة نحو جاء زيد وبكر . فيصلح أن يكونا جاءا معا وأن يكون زيد قبل بكر وأن يكون بكر قبل زيد . ثم إنك قد تنقلها من هذا العموم إلى الخصوص . وذلك قولهم : اختصم زيد وعمرو . فهذا لا يجوز أن يكون الواو فيه إلا لوقوع الأمرين في وقت واحد . ففي هذا أيضا إخراج الواو عن أوّل ما وُضعت له في الأصل : من صلاحها للأزمنة الثلاثة والاقتصار بها على بعضها كما اقتُصر على الطريق من بعض ما كان يصلح له الأمام .

ومن ذلك أن يقال لك : من أين تجمع بين قول الله سبحانه ( يوم تُبْلَى السرائر فما لَهُ مِن قُوَّة ولا ناصر ) مع قول الشاعر :

( زمانَ عليّ غراب غُدَاف فطيرَّه الدهرُ عنيّ فطارا )

فالجواب : أن في كل واحد من الآية والبيت دليلا على قوّة شبه الظرف بالفعل . أمَّا الآية فلأنه عطف الظرف في قوله : ( فما له من قوّة ) على قوله : ( يوم تبلى السرائر ) والعطف نظير التثنية وهو مُؤْذن بالتماثل والتشابه . وأما البيت فلأنه عطف الفعل فيه على الظرف الذي هو قوله : ( عليّ غراب غداف ) . وهذا واضح . وبهذا يقوى عندي قول مَبْرَمان : إن الفاء في نحو قولك : خرجت فإذا زيد عاطفة وليست زائدة كما قال أبو عثمان ولا للجزاء كما قال الزِيَاديّ .


321

ومن ذلك أن يقال : من أين تجمع قول الله سبحانه : ( ولم يكن له وليّ مِنَ الذُلّ ) مع قول امرئ القيس :

( على لاحب لايهُتدى بمناره إذا سافه العَوْد النباطيّ جرجرا )

والجواب أن معنى قوله : ( ولم يكن له وليّ من الذل ) : لم يذِلّ فيحتاجَ إلى وليّ من الذلّ كما أن هذا معناه : لا منار به فيهتدى به . ومثله قول الآخر :

( لا تُفزِعُ الأرانبَ أهوالُها ولا يُرَى الضبُّ بها ينجحر )

وعليه قول الله تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) أي لا يشفعون لهم فينتفعوا بذلك . يدلّ عليه قوله عزَّ اسمه : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) وإذا كان كذلك فلا شفاعة إلا للمرتضَى . فعلمتَ بذلك أن لو ( شُفِع لهم ولا ينتفِعون ) بذلك . ومنه قولهم : هذا أمر لا ينادَى وليدُه أي لا وليدَ فيه فينادَى .

فإن قيل : فإذا كان لا مَنار به ولا وليد فيه ( ولا أرنب هناك ) فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه

قيل : لا بل هناك ملابسة لأجلها ما صحَّت الإضافة . وذلك أن العُرْف أن يكون في الأرض الواسعة مَنار يُهتدى به وأرنب تحلّها . فإذا شاهد الإنسان هذا البَسَاط من الأرض خاليا من المنار والأرنب ضرب بفكره إلى ما فقده


322
منهما فصار ذلك القدر من الفكر وصُلْة بين الشيئين وجامعا لمعتاد الأمرين . وكذلك إذا عظم الأمر واشتدّ الخطب عُلم أنه لا يقوم له ولا يحضر فيه إلاّ الأجلاد وذوو البسالة دون الوِلدان وذوي الضراعة . فصار العلم بفقد هذا الضرب من الناس وُصْلة فيه بينهما وعذرا في تصاقُبهما وتداني حاليهما .

ومن ذلك أن يقال : من أين تجمع قول الأعشى :

( ألم تغتمض عيناك ليلةَ أرمدا وبِتَّ كما بات السَليمُ مُسَّهدا )

مع قول الآخَر - فيما رويناه عن ابن الأعرابيّ - :

( وطعنةُ مستبسل ثائر تردّ الكتيبة نصف النهار )

ومع قول العجاج :

( ولم يضعْ جارُكُمُ لحَم الوَضَمْ )

ومع قوله أيضا :

( حتى إذا اصطَفُّوا له جِدَارا )


323

والجواب : أن التقاء هذه المواضع كلّها هو في أن نُصِب في جميعها ( على المصدر ) ما ليس مصدرا . وذلك أن قوله : ( ليلة أرمدا ) انتصب ( ليلة ) منه على المصدر وتقديره : ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد فلّما حَذَف المضاف الذي هو ( اغتماض ) اقام ( ليلة ) مقامه فنصبها على المصدر كما كان الاغتماض منصوبا عليه . فالليلة إذّا ههنا منصوبة على المصدر لا على الظرف . كذا قال أبو عليّ لنا . وهو كما ذَكر لِمَا ذكرنا . فكذلك إذًا قوله :

( تردّ الكتيبة نصفَ النهار )

( إنما نصف النهار ) منصوب على المصدر لا على الظرف ألا ترى أن ابن الأعرابيّ قال في تفسيره : إن معناه : تردّ الكتيبة مقدار نصف يوم أي مقدارَ مسيرة نصف يوم . فليس إذًا معناه : تردّها في وقت نصف النهار بل : الردَّ الذي لو بدئ أوّل النهار لبلغ نصف يوم . وكذلك قول العجَّاج :

( ولم يَضِعْ جارُكم لحمَ الوضَمْ )

ف ( لحم الوضم ) منصوب على المصدر أي ضياع لحم الوضم . وكذلك قوله أيضا :

( حتى إذا اصطفّوا له جِدارا )

ف ( جدارا ) منصوب على المصدر . هذا هو الظاهر ألا ترى أن معناه : ( حتى إذا اصطفوا له ) اصطفاف جدار ثم حذف المضاف واقيم المضاف إليه مُقامه


324
على ما مضى . وقد يجوز أن يكون ( جدارا ) حالا أي مثل الجدار وأن يكون أيضا منصوبا على فعل آخر أي صاروا جدارا أي مثل جدار فنصبه في هذا الموضع على أنه خبر صاروا . والأوّل أظهر وأصنع .

ومن ذلك أن يقال : من أين يجمع قول الله سبحانه : ( فما استكانُوا لربهم ) مع قوله تعالى : ( يذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) . والتقاؤهما أن أبا عليّ - رحمه الله - كان يقول : إن عين ( استكانوا ) من الياء وكان يأخذه من لفظ الكَيْن ومعناه وهو لحم باطن الفرج أي فما ذلّوا وما خضعوا . وذلك لذلّ هذا الموضع ومهانته . وكذلك قوله : ( ويستحيون نساءكم ) إنما هو من لفظ الحياء ومعناه ( أي الفرج ) أي يطئوهنّ . وهذا واضح .

ومن ذلك أن يقال : من أين ( يجمع بين ) قول الله تعالى : ( قل إن الموت الذي تفِرُّون منه فإنه ملاقيكم ) ( وبين ) قوله : ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) . والتقاؤهما من قِبل أن الفاء في قوله سبحانه : ( فإنه ملاقيكم ) إنما دخلت لِمَا في الصفة التي هي قوله : ( الذي تفرّون منه ) ( من معنى الشرط ) أي إن فررتم منه لاقاكم _ فجعل - عزّ اسمه - هربهم منه سببا للقيّه إيّاهم على وجه المبالغة حتى كأنّ هذا مسبَّب عن هذا كما قال زهير :

( ومن هاب أسباب المنايا ينلنه )


325

فمعنى الشرط إذًا إنما هو مُفاد من الصفة لا الموصوف . وكذلك قوله عزّ وجل : ( فويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) إنما استحقّوا الويل لسهوهم عن الصلاة لا للصلاة نفسها والسهو مفاد من الصفة لا من الموصوف . فقد ترى إلى اجتماع الصفتين في أن المستحَقّ من المعنى إنما هو لما فيهما من الفعل الذي هو الفِرار والسهو وليس من نفس الموصوفَين اللذين هما الموت والمصلّون . وليس كذلك قوله تعالى : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرَّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ) من قِبَل أن معنى الفعل المشروط به هنا إنما هو مفاد من نفس الاسم الذي ليس موصوفا أعني : الذين ينفقون . وهذا واضح .

وقال لي أبو عليّ - رحمه الله - : " إني لم أودع كتابي " في الحجة " شيئا من انتزاع أبي العباس غير هذا الموضع أعني قوله : ( قل إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم ) مع قوله :

( ومن هاب أسباب المنايا ينلنه )

وكان - رحمه الله - يستحسن الجمع بينهما .

ومن ذلك أن يقال : من أين يجمع قول الله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) مع قول الأعشى :

( حتى يقول الناس مما رأَوا يا عَجَبا للميّت الناشر )

والتقاؤهما أن معناه : فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة وكذلك قوله : حتى يقول الناس أي حتى يقول كل واحد من الناس : يا عجبا ! ألا ترى أنه


326
لولا ذلك لقيل : يا عجبنا . ومثل ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم : أتينا الأمير فكسانا كلَّنا حُلَّة وأعطانا كلَّنا مائة أي كسا كل واحد منا حُلَّة وأعطاه مائة . ومثل قوله سبحانه : ( أو لم نعمِّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر ) أي : أو لم نعمر كلّ واحد منكم ما يتذكّر فيه مَن تذكّر .

ومن ذلك أن يقال ك من أين يجمع قولُ العجّاج :

( وكَحَل العينين بالعواور )

مع قول الآخر :

( لمَّا رأى أن لا دعَهْ ولا شِبَعْ مال إلى أَرطاة حِقْف فالْطَجَعْ )

واجتماعهما أنه صحَّح الواو في العواور لإرادة الياء في العواوير كما أنه أراد : فاضطجع ثم أبدل من الضاد لاما . فكان قياسه إذ زالت الضاد وخلفتها اللام أن تظهر تاء افتعل فيقال : الْتَجَع كما يقال : التفت والتقم والتحف . لكن أُقِرَّت الطاء بحالها ليكون اللفظ بها دليلا على إرادة الضاد التي هذه اللام بدل منها كما دلَّت صحَّة الواو ( في العواور ) على إرادة الياء في العواوير وكما دلّت الهمزة في أوائيل - إذا مددت مضطرَّا - على زيادة الياء فيها وأن الغرض إنما هو أفاعل لا أفاعيل .

ونحو من الْطَجع في إقرار الطاء لإرادة الضاد ما حكَى لنا أبو عليّ عن خَلَف من قولهم : التقطْت النوى واستقطته واضتقتطته . فصِحَّة التاء مع الضاد في اضتقطته


327
دليل على إرادة اللام في التقطته وأن هذه الضاد بدل من تلك اللام كما أن لام الطجع بدل من ضاد اضطجع : هذا هنا كذلك ثَمَّة .

ونحو من ذلك ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم : لا أكلّمك حيرِي دَهْرٍ بإسكان الياء في الكلام وعن غير ضرورة من الشعر . وذلك أنه أراد : حِيريّ دهر - أي امتداد الدهر وهو من الحَيْرة لأنها مؤذنة بالوقوف والمطاولة - فحذف الياء الأخيرة وبقيت الياء الأولى على سكونها وجعل بقاؤها ساكنة على الحال التي كانت عليها قبل حذف الأخرى من بعدها دليلا على إرادة هذا المعنى فيها وأنها ليست مبنيَّة على التخفيف في أوّل أمرها إذ لو كانت كذلك لوجب تحريكها بالفتح فيقال : لا أكلمك حيريَ دهر كقولك : مُدّة الدهر ( وأبد الأبد ويد المُسْنَد ) و

( بقاء الوَحْي في الصُمِّ الصِلاب )

ونحو ذلك . وهذا يدلّ على أن المحذوف من الياءين في قوله :

( بَكّى بِعينك واكفُ القَطْر ابِنَ الحوارِي العاليَ الذكر )

إنما هو الياء الثانية في الحواريّ كما أن المحذوف من حِيرِي دهر إنما هو الثانية في حيريّ . فاعرفه .

ومثله إنشاد أبي الحسن :

( اِرهن بَنيك عنهمُ أَرْهَنْ بَنِي )


328

يريد بنيّ فحذف الياء الثانية للقافية ولم يُعِد النون التي كان حذَفها للإضافة فيقولَ : بنين لأنه نوى الياء الثانية فجعل ذلك دليلا على إرادتها ونيَّته إياها .

فهذا شرح من خاصّيّ السؤال لم تكدَ تجري به عادة في الاستعمال . وقد كان أبو عليّ رحمه الله - وإن لم يكن تَطَرّقه - يعتاد من الإلقاء نحوا منه فيتلو الآية وينشد البيت ثم يقول : ما في هذا مما يُسأل عنه من غير أن ( يبرز ) ( نفس حال ) المسئول عنه ولا يسمح بذكره من جهته ويكِله إلى استنباط المسئول عنه حتى إذا وقع له غرض أبي عليّ فيه أخذ في الجواب عليه . باب في المستحيل وصحَّة قياس الفُروع على فساد الأصول

اعلم أن هذا الباب وإن أَلانه عندك ظاهرُ ترجمته وغَضّ منه في نفسك بَذاذَة سَمْته فإن فيه ومن ورائه تحصينا للمعاني وتحريرا للألفاظ وتشجيعا على مزاولة الأغراض .

والكلام فيه من موضعين : أحدهما : ذكر استقامة المعنى من استحالته والآخر : الاستطالة على اللفظ بتحريفه والتلعّب به ليكون ذلك مَدْرجة للفكر ومَشْجَعة للنفْس وارتياضا لِمَا يرد من ذلك الطرز . وليس لك أن تقول : فما في الاشتغال بإنشاء فروع كاذبة عن


329
أصول فاسدة ! وقد كان في التشاغل بالصحيح مُغْنٍ عن التكلّف للسقيم . هذا خطأ من القول من قِبَل أنه إذا أَصلح الفكر وشَحَذ البصر وفَتق النظر كان ذلك عونا لك وسيفا ماضيا في يدك ألا ترى إلى ما كان نحوَ هذا من الحساب وما فيه من التصرّف والاعتمال .

وذلك قولك : إذا فرضت أن سبعة في خمسة أربعون فكم يجب أن يكون على هذا ثمانية في ثلاثة فجوابه أن تقول : سبعة وعشرون وثلاثة أسباع . وبابه - على الاختصار - أن تزيد على الأربعة والعشرين سُبُعها وهو ثلاثة وثلاثة أسباع كما زدت على الخمسة والثلاثين سبعها - وهو خمسة - حتى صارت : أربعين .

وكذلك لو قال : لو كانت سبعة في خمسة ثلاثين كم كان يجب أن تكون ثمانية في ثلاثة لقلت : عشرين وأربعة أسباع نقصت من الأربعة والعشرين سبعها كما نقصت من الخمسة والثلاثين سبعها . وكذلك لو كان نصف المائة أربعين لكان نصف الثلاثين اثني عشر . ( وكذلك لو كان نصف المائة ستّين لكان نصف الثلاثين ثمانية عشر ) .

ومن المحال أن يقول لك : ما تقول في مال نصفه ثلثاه كم ينبغي أن يكون ثلثه فجوابه أن تقول : أربعة أتساعه . وكذلك لو قال : ما تقول في مال ربعه وخمسه نصفه وعشره كم ينبغي أن يكون نصفه وثلثه فجوابه أن يكون : جميعه وتسعه . وكذلك لو قال : ما تقول في مال نصفه ثلاثة أمثاله كم يجب أن تكون


330
سبعة أمثاله فجوابه أن تقول : اثنين وأربعين مِثْلا له . ( وكذلك لو قال : ما تقول في مال ضعفه ثلثه كم ينبغي أن يكون أربعة أخماسه وجوابه أن تقول : عشره وثلث عشره ) . وكذلك لو قال لك : إذا كانت أربعة وخمسة ثلاثة عشر فكم يجب أن يكون تسعة وستة فجوابه أن تقول : أحدا وعشرين وثلثين .

وكذلك طريق الفرائض أيضا ألا تراه لو قال : مات رجل وخلّف ابنا وثلاث عشرة بنتا فأصاب الواحدة ثلاثةُ أرباع ما خلّفه المتوفَّى كم يجب أن يصيب الجماعة فالجواب أنه يصيب جميعَ الورثة مثلُ ما خلَّفه المتوفَّى إحدى عشرة مرّة وربعا .

وكذلك لو قال : امرأة ماتت وخلّفت زوجا وأختين لأب وأم فأصاب كلَّ واحدة منهما أربعةُ أتساع ما خلَّفته المتوفَّاة كم ينبغي أن يصيب جميع الورثة والجواب أنه يصبهم ما خلّفته المرأة وخمسةُ أتساعه .

فهذه كلها ونحوه من غير ما ذكرنا أجوبة صحيحة على أصول فاسدة .

ولو شئت أن تزيد وتغمض في السؤال لكان ذلك لك . وإنما الغرض في هذا ونحوه التدرّب به والارتياض بالصنعة فيه . وستراه بإذن الله .

فمن المحال أن تنقض أوّل كلامك بآخره . وذلك كقولك : قمت غدا وسأقوم أمس ونحو هذا . فإن قلت : فقد تقول إن قمت غدا قمُت معك وتقول : لم أُقم أمس وتقول : أعزَّك الله وأطال بقاءك فتأتي بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال :

( ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني فمضيتُ ثُمَّتَ قلت لا يعنيني )


331

أي : ولقد مررت . وقال :

( وإني لآتيكم تشكُّرَ ما مضى من الأمر واستيجاب ما كان في غد )

أي ما يكون . وقال :

( أوديتُ إن لم تحبُ حَبْوَ المعتنِكْ )

أي أُودِي - وأمثاله كثيرة - .

قيل : ما قدّمناه على ما أردنا فيه . فأما هذه المواضع المتجوّزة وما كان نحوها فقد ذكرنا أكثرها فيما حكيناه عن أبي عليّ وقد سأل أبا بكر عنه في نحو هذا فقال ( أبو بكر ) كان حكم الأفعال أن تأتي كلها بلفظ واحد لأنها لمعنى واحد غير أنه لمَّا كان الغرض في صناعتها أن تفيد أزمنتها خولف بين مُثُلها ليكون ذلك دليلا على المراد فيها . قال : فإن أُمِن اللبس فيها جاز أن يقع بعضها موقع بعض . وذلك مع حرف الشرط نحو إن قمت جلست لأن الشرط معلوم أنه لا يصحّ إلا مع الاستقبال . وكذلك لم يُقم أمس وجب لدخول لم ما لولا هي لم يجز . قال : ولأن المضارع أسبق في الرتبة من الماضي فإذا نفى الأصل كان الفرع أشدّ انتفاء . وكذلك أيضا حديث الشرط في نحو إن قمت قمت جئتَ فيه بلفظ الماضي الواجب تحقيقا للأمر وتثبيتا له أي إن هذا وعد مَوْفِيّ به لا محالة كما أن الماضي واجب ثابت لا محالة .


332

ونحو من ذلك لفظ الدعاء ومجيئه على صورة الماضي الواقع نحو أيّدك الله وحرسك الله إنما كان ذلك تحقيقا له وتفؤّلا بوقوعه أن هذا ثابت بإذن الله وواقع غيرَ ذي شكّ . وعلى ذلك يقول السامع للدعاء إذا كان مريدا لمعناه : وقع إن شاء الله ووجب لا محالة أن يقع ويجب .

وأما قوله :

( ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني )

فإنما حَكَى فيه الحال الماضية والحال لفظها أبدا بالمضارع نحو قولك : زيد يتحدّث ويقرأ أي هو في حال تحدّث وقراءة . وعلى نحو من حكاية الحال في نحو هذا قولك : كان زيد سيقوم أمس أي كان متوقَّعا ( منه القيام ) فيما مضى . وكذلك قول الطرِمَّاح :

( . . . واستيجاب ما كان في غد )

يكون عذره فيه : أنه جاء بلفظ الواجب تحقيقا له وثقة بوقوعه أي إن الجميل منكم واقع متى أريد وواجب متى طُلِب .

وكذلك قوله :

( أوديتُ إن لم تحب حَبْو المعتنِك )

جاء به بلفظ الواجب لمكان حرف الشرط الذي معه أي إن هذا كذا لا شكّ فيه فاللهَ اللهَ ( في أمري ) يؤكّد بذلك على حَكَم في قوله :

( يا حَكَم الوارث عن عبد الملك )


333

أي إن لم تتداركني هلكتُ الساعة غيرَ شكّ هكذا يريد . فلأجله ما جاء بلفظ الواجب الواقع غير المرتاب به ولا المشكوك في وقوعه . وقد نظر إلى هذا الموضع أبو العتاهية فاتّبعه فيه وإن صغر لفظه وتحاقر دونه . قال :

( عُتْب الساعةَ الساعهْ أموت الساعةَ الساعهْ )

وهذا - على نذالة لفظه - وَفْق ما نحن على سَمْته . وهذا هذا . وليس كذلك قولك : قمت غدا وسأقوم أمس لأنه عارٍ من جميع ما نحن فيه إلا أنه لو دلَّ دليل من لفظ أو حال لجاز نحو هذا . فأمّا على تعرّيه منه وخلوّه مما شرطناه فيه فلا .

ومن المحال قولك : زيد أفضل إخوته ونحو ذلك . وذلك أن أفضل : أفعل وأفعل هذه التي معناها المبالغة والمفاضلة متى أضيفت إلى شيء فهي بعضه كقولك : زيد أفضل الناس فهذا جائز لأنه منهم والياقوت أنفس الأحجار لأنه بعضها . ولا تقول : زيد أفضل الحمير ولا الياقوت أنفس الطعام لأنهما ليسا منهما . وهذا مفاد هذا . فعلى ذلك لم يجيزوا : زيد أفضل إخوته لأنه ليس واحدا من إخوته وإنما هو واحد من بني أبيه ألا ترى أنه لو كان له إخوة بالبصرة وهو ببغداد ( وكان ) بعضهم وهم بالبصرة لوجب من هذا أن يكون من ببغداد البتّة في حال كونه بها مقيما بالبصرة البتّة في تلك الحال . وأيضا فإن الإخوة مضافون إلى ضمير زيد وهي الهاء في إخوته فلو كان واحدا منهم وهم مضافون إلى ضميره كما ترى لوجب أيضا أن يكون داخلا معهم في إضافته


334
إلى ضميره وضمير الشيء هو الشيء البتَّة والشيء لا يضاف إلى نفسه . ( وأما ) قوله الله تعالى ( وإنه لحق اليقين ) فإن الحق هنا غير اليقين وإنما هو خالصه وواضحه فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكلّ نحو هذا ثوب خَزّ . ونحوه قولهم : الواحد بعض العشرة . ولا يلزم من حيث كان الواحد بعض العشرة أن يكون بعضَ نفسه لأنه لم يضف إلى نفسه وإنما أضيف إلى جماعة نفسُه بعضها وليس كذلك زيد أفضل إخوته لأن الإخوة مضافة إلى نفس زيد وهي الهاء التي هي ضميره . ولو كان زيد بعضهم وهم مضافون إلى ضميره لكان هو أيضا مضافا إلى ضميره الذي هو نفسه وهذا محال . فاعرف ذلك فرقا بين الموضعين فإنه واضح .

فأمَّا قولنا : أخذت كلّ المال وضربت كل القوم فليس الكل هو ما أضيف إليه . قال أبو بكر : إنما الكل عبارة عن أجزاء الشيء وكما جاز أن يضاف أجزاء الجزء الواحد إلى الجملة جاز أيضا أن تضاف الأجزاء كلها إليه .

فإن قيل : فالأجزاء كلّها هي الجملة فقد عاد الأمر إلى إضافة الشيء إلىنفسه .

قيل : هذا فاسد وليس أجزاء الشيء هي الشيء وإن كان مركّبا منها . بل الكل في هذا جارٍ مجرى البعض في أنه ليس بالشيء نفسه أن البعض ليس به نفسه . يدلّ على ذلك وأن حال البعض متصوَّرة في الكل قولك : كل


335
القوم عاقل أي كل واحد منهم على انفراده عاقل . هذا هو الظاهر وهو طريق الحمل على اللفظ قال الله تعالى : ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) وقال الله تعالى : ( كلتا الجنتين آتت أكلها ) فوحَّد وقال :

( كلا أبويكم كان فرع دعامة )

فلم يقل : كانا وهو الباب . ومثله قول الأعشى أيضا :

( حتى يقول الناس مما رأَوا يا عجبا للميت الناشر )

أي حتى يقول كل واحد منهم : يا عجبا . وعليه قول الآخر ك

( تفوَّقت مال ابني حجير وما هما بذي حَطْمْة فانٍ ولا ضَرَع غُمّرِ )

أي : وما كل واحد منهما كذلك .

فأما قوله تعالى : ( وكلّ أَتَوه داخِرين ) و ( كل له قانتون ) فمحمول على المعنى دون اللفظ . وكأنه إنما حمل عليه هنا لأن كلاّ فيه غير مضافة فلمّا لم تضَف إلى جماعة عُوّض من ذلك ذكر الجماعة في الخبر . ألا ترى أنه لو قال : وكل له


336
قانت لم يكن فيه لفظ الجمع البتَّة ولما قال : ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) فجاء بلفظ الجماعة مضافا إليها استغنى به عن ذكر الجماعة في الخبر .

وتقول - على اللفظ - : كل نسائك قائم ويجوز : قائمة إفرادا على اللفظ أيضا وقائمات على المعنى البتّة قال الله - سبحانه - : ( يا نساء النبيّ لستنّ كأحد من النساء ) ولم يقل : كواحدة لأن الموضع موضع عموم فغلب فيه التذكير وإن كان معناه : ليست كلّ واحدة منكن كواحدة من النساء لما ذكرناه من دخول الكلام ( معنى العموم ) . فاعرف ذلك .

وصواب المسألة أن تقول : زيد أفضل بني أبيه وأكرم نَجْل أبيه ( وعترةِ أبيه ) ونحو ذلك وأن تقول : زيد أفضل من إخوته لأن بدخول ( مِن ) ارتفعت الإضافة فجازت المسألة .

ومن المحال قولك : أحقّ الناس بمال أبيه ابنه . وذلك أنك إذا ذكرت الأبوّة فقد انطوت على البنوّة فكأنك إذًا إنما قلت : أحقّ الناس بمال أبيه أحقّ الناس بمال أبيه . فجرى ذلك مجرى قولك : زيد زيد والقائم القائم ونحو ذلك مما ليس في الجزء الثاني منه إلا ما في الجزء الأوّل البتّة وليس على ذلك عَقد الإخبار لأنه ( يجب أن يستفاد من الجزء الثاني ) ما ليس مستفادا من الجزء الأوّل . ولذلك لم يجيزوا : ناكح الجارية واطئها ولا ربّ الجارية مالكها لأن الجزء الأوّل مستوف لما انطوى عليه الثاني .


337

فإن قلت : فقد قال أبو النجم :

( أنا أبو النجم وشعري شعري )

قال الآخر :

( إذِ الناس ناسُ والبلاد بِغرَّة وإذ أمُّ عَمّار صديقُ مساعِفُ )

( وقال آخر ) :

( بلادُ بها كنّا وكنا نحلّها إذَ الناس ناس والبلاد بلادُ )

وقال الآخر :

( هذا رجائي وهذي مصر عامرةً وأنت أنت وقد ناديتُ من كَثَب )

وأنشد أبو زيد :

( رفَوْني وقالوا يا خُوَيْلِد لا تُرَعْ فقلت وأنكرت الوجوه همُ همُ )

وأمثاله كثيرة .


338

قيل : هذا كله وغيره مما هو جار مجراه محمول عندنا على معناه دون لفظه ألا ترى أن المعنى : وشعري متناهٍ في الجودة على ما تعرفه وكما بلغك وقوله : إذِ الناس ناس أي : إذ الناس أحرار والبلاد أحرار وأنت أنت أي : وأنت المعروف بالكرم وهم هم أي : هم الذين أعرفهم بالشر والنُكْر لم يستحيلوا ولم يتغيرّوا

فلولا هذه الأغراض وأنها مرادة معتزمَة لم يجز شيء من ذلك لتعرّي الجزء الآخر من زيادة الفائدة على الجزء الأوّل . وكأنه إنما أعيد لفظ الأوّل لضرب من الإدلال والثقة بمحصول الحال . أي أنا أبو النجم الذي يكتفي باسمه من صفته ونعته . وكذلك بقيّة الباب كما قال :

( أنا الحُبَاب الذي يكفي سُمِي نسبي )

ونظر إليه شاعرنا وقَلَبه فقال :

( ومن يصفِك فقد سمَّاكِ للعرب )

ولكن صحّة المسألة أن تقول : أحقّ الناس بمال أبيه أبرّهم به وأقومهم بحقوقه . فتزيد في الثاني ما ليس موجودا في الأوّل .


339

فهذه طريقة استحالة المعنى . وهو باب .

وأمّا صحَّة قياس الفروع على فساد الأصول فكأن يقول لك قائل : لو كانت الناقة من لفظ ( القنو ) ما كان يكون مثالها من الفعل .

فجوابه أن تقول : عَلَفة . وذلك أن النون عين ( والألف منقلبة عن واو والواو لام ) القنو والقاف فاؤه . ولو كان القنو مشتقّا من لفظ الناقة لكان مثَاله لَفَع . فهذان أصلان فاسدان والقياس عليهما آوٍ بالفرعين إليهما .

وكذلك لو كانت الأُسْكُفّة مشتقّة من استكفّ الشيءُ - على ما قال وذهب إليه أحمد بن يحيى لكانت أُسْفعُلة - ولو كان استكفّ مشتقّا من الأسكفّة لكان على اللفظ : افتعلّ بتشديد اللام وعلى الأصل : افتعلل لأن أصله على الحقيقة : استكفف .

ومن ذلك ( أن لو كان ماهان عربيّا ) فكان من لفظ هوَّم أو هيمَّ لكان لعفان . ( ولو كان من لفظ الوهم لكان لفعان ) . ولو كان من لفظ هَمَى لكان : علفان . ولو وجد في الكلام تركيب ( و م ه ) فكان ماهان من لفظه لكان مثاله : عفلان . ولو كان في الكلام تركيب ( م ن ه ) فكان ماهان منه لكان : فالاعا . ولو كان فيه تركيب ( ن م ه ) ( فكان منه ) لكان : عالافا .

وذهب أبو عُبيدة في المندوحة إلى أنها من قولهم : انداح بطنه إذا اتَسع . وذلك خطأ فاحش . ولو كانت منه لكانت : مَنْفُعْلة . وقد ذكرنا ذلك في باب


340
سَقَطات العلماء . نعم ولو كانت من لفظ الواحد لكانت : مَنْلُفعة . ولو كانت من لفظ حدوت لكانت : مَنْعُلْفة . ولو كانت من دحوت لكانت : مَنْفُلْعَة . ولو كان في الكلام تركيب ( ودح ) فكانت مندوحة منه لكانت : مَنْعُفْلة . ولو كان قولهم : انداح بطنه من لفظ مندوحة لكانت : افعال ( بألف ) موصولة ( واللام مخففة ) .

وذهب بعض أشياخ اللغة في يستعور إلى أنه : يفتعول وأخذه من سعر . وهذا غلط . ولو كان من قولهم : عرَّس بالمكان لكان : يلتفوعا . ولو كان من سَرُع لكان : يفتلوعا . ولو كان من عسر لكان : يعتفولا . ولو كان من لفظ رسع لكان : يعتلوفا . ولو كان من لفظ رعس لكان : يلتعوفا .

وأما تيهورة فلو كانت من تركيب ( ه ر ت ) لكانت : لَيْفُوعة . ( ولو كانت من لفظ ( ت ر ه ) لكانت : فيلوعة . ولو كانت من لفظ ( ه ت ر ) لكانت : عيفولة ) . ولو كانت من لفظ ( ر ه ت ) لكانت : ليعوفة . ولو كانت من لفظ ( ر ت ه ) لكانت : عيلوفة . ومع هذا فليست من لفظ ( ت ه ر ) وإن كانت - في الظاهر وعلى البادي - منه بل هي عندنا من لفظ ( ه و ر ) . وقد ذكر ذلك أبو علي في تذكرته فَغنِينا عن إعادته . وإنما غرضنا هنا مساق الفروع على فساد الأصول لما يُعقِب ذلك من قوّة الصنعة وإرهاف الفكرة .

وأمّا مَرْمَرِيس فلو كانت من لفظ ( س م ر ) لكانت : علعليف . ولو كانت من لفظ ( ر س م ) : لكانت لفلفيع ولو كانت من لفظ ( ر م س ) لكانت : عفعفيل . ولو كانت من لفظ ( س ر م ) لكانت : لعلعيف . ( ولو كانت من لفظ ( م س ر )


341
لكانت : فلفليع ) . لكنها عندنا من لفظ ( م ر س ) وهي على الحقيقة فعفعيل منه .

وأما قرقرير لقرقرة الحَمَام فإنها فعلليل وهو رباعيّ وليست من هذا الطرز الذي مضى .

وأما قِنْدَأْو فإنها فِنْعَلْو من لفظ ( ق د أ ) ولو كانت من لفظ ( ق د و ) لكانت : فِنْعَأْل . ولو كانت من لفظ ( د و ق ) لكانت : لِنْفَأْع . ولو كان من لفظ ( ن ق د ) لكانت : عِفْلأْو . ولو كانت من لفظ ( ن د ق ) لكانت : لِفْعَأْو . ولو كانت من لفظ ( الندأة ) لكانت قِفْلَعْو فحكمت بزيادة القاف وهذا أغرب مما قبله . ولو كانت من لفظ النآدي لكانت : قِفْلَعْو بزيادة القاف أيضا .

والمسائل ( من هذا النَجْر ) تمتدّ وتنقاد إلا أن هذا طريق صنعتها . فاعرفه وقِسة بإذن الله تعالى .