1

الرد على المنطقين

الإمام ابن تيمية


4

بسم الله الرحمن الرحيم

فصل ملخص أصول المنطق واصطلاحاته

بنوا المنطق على الكلام في الحد ونوعه والقياس البرهاني ونوعه قالوا لأن العلم إما تصور وإما تصديق وكل منهما بديهي وإما نظري فإنه من المعلوم أنه ليس الجميع بديهيا ولا يجوز أن يكون الجميع نظريا لافتقار النظري إلى البديهي فيلزم الدور القبلي أو التسلسل في العلل التي هي هنا أسباب العلم وهي الأدلة وهما ممتنعان

والنظري منهما لا بد له من طريق ينال به فالطريق الذي ينال به التصور هو الحد والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس


5

فالحد اسم جامع لكل ما يعرف التصور وهو القول الشارح فيدخل فيه الحقيقي والرسمي واللفظي أو هو الحقيقي خاصة فيقرن به الرسمي واللفظي ليس من هذا الباب أو والحد اسم للحقيقي والرسمي دون اللفظي فان كل نوع من هذه الثلاثة اصطلاح طائفة منهم كما قد بسطته وذكرت أسماءهم في غير هذا الموضع والقياس إن كانت مادته يقينية فهو البرهان خاصة وإن كانت مسلمة فهو الجدلى وإن كانت مشهورة فهو الخطابي وإن كانت مخيلة فهو الشعري وإن كانت مموهة فهو السوفسطائي ولهذا قد يتداخل البرهاني والخطابي والجدلي وبعض الناس يجعل الخطابي هو الظنى وبعضهم يجعله الاقناعى ولهم اصطلاحات أخر بعضها موافق لاصطلاح المعلم الأول أرسطو وبعضها مخالف له فان كثيرا من المصنفين فيه خرجوا في كثير منه عن طريقة معلمهم الأول ولكن ليس المقصود هنا بسط هذا

ثم الحد إنما يتألف من الصفات الذاتية إن كان حقيقيا وإلا فلا بد من العرضية وكل منهما إما أن يكون مشتركا بين المحدود وغيره وإما أن يكون مميزا له عن غيره فالمشترك الذاتي الجنس والمميز الذاتي الفصل والمؤلف منهما النوع والمشترك العرضي هو العرض العام والمميز العرضى هو الخاصة وقد يعبر ب الخاصة عما يعرض ل النوع وإن لم يكن عاما لأفراده لكن تلك الخاصة لا يحصل بها التمييز كما قد يعبر ب النوع عن الأنواع الإضافية التي هي بالنسبة إلى ما فوقها نوع وبالنسبة إلى ما تحتها جنس ولكن هذا وأمثاله من جزئيات المنطق التي ليس هنا المقصود الكلام فيها فان للكلام على ما ذكروه في الجنس والنوع مقاما آخر غير ما علق في هذه العجالة

فهذه الكليات الخمس وبازاء الكلى الجزئى وهو ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه والكلام في المركب مسبوق بالكلام على المفرد ودلالة اللفظ عليه


6

والقياس مؤلف من مقدمتين والمقدمة قضية إما موجبة وإما سالبة وكل منهما إما كلية وإما جزئية فلا بد من الكلام في القضايا وأنواعها وجهاتها

وقد يستدل عليها ب نقيضها وب عكسها وب عكس نقيضها فإنها إذا صحت بطل نقيضها وصح عكسها وعكس نقيضها فتكلم في تناقض القضايا وعكسها المستوى وعكس نقيضها

والقضية إما حملية وإما شرطية متصلة وإما شرطية منفصلة فانقسم القياس باعتبار صورته إلى قياس تداخل وهو الحملي وقياس تلازم وهو الشرطي المتصل وقياس تعاند وهو التقسيم والترديد وهو الشرطى المنفصل هذا باعتبار صورته وباعتبار مادته إلى الأصناف الخمسة المتقدمة

فلا بد من الكلام في مواد القياس وهي القضايا التي يستدل بها على غيرها وهذا كله في قياس الشمول وأما قياس التمثيل والاستقراء فله حكم آخر فانهم قالوا الاستدلال ب الكلى على الجزئي هو قياس الشمول وب الجزئي على الكلى هو الاستقراء إما التام إن علم شموله للأفراد وإلا ف الناقص والاستدلال بأحد الجزئيين على الآخر هو قياس التمثيل

مع أنا قد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام على أن كل قياس شمول فانه يعود إلى التمثيل كما أن كل قياس تمثيل فانه يعود إلى شمول وأن جعلهم قياس الشمول يفيد اليقين دون قياس التمثيل خطأ

وذكرنا تنازع الناس في اسم القياس هل يتناولهما جميعا كما عليه جمهور الناس أو هو حقيقة في التمثيل مجاز في قياس الشمول كما اختاره أبو حامد الغزالي وأبو محمد المقدسي أو بالعكس كما اختاره ابن حزم وغيره من أهل المنطق والكلام على هذا مبسوط في مواضع


7

والمقصود هنا ذكر شئ آخر فنقول الكلام في أربع مقامات مقامين سالبين ومقامين موجبين

فالأولان 1 أحدهما في قولهم إن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد 2 والثاني إن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس

والآخران 3 في أن الحد يفيد العلم بالتصورات و 4 أن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات

المقام الأول المقام السلبي في الحدود والتصورات

في قولهم إن التصورات غير البديهية لا تنال إلا بالحد والكلام على هذا من وجوه

أحدها أن يقال لا ريب أن النافي عليه الدليل إذا لم يكن نفيه بديهيا كما أن على المثبت الدليل فالقضية سواء كانت سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية فلا بد لها من دليل وأما السلب بلا علم فهو قول بلا علم فقول القائل إنه لا تحصل هذه التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية فمن أين لهم ذلك وإذا كان هذا قولا بلا علم كان في أول ما أسسوه القول بلا علم فكيف يكون القول بلا علم أساسا لميزان العلم ولما يزعمون انه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره


8

الثاني أن يقال الحد يراد به نفس المحدود وليس هذا مرادهم ههنا ويريدون به القول الدال على ما هيه المحدود وهو مرادهم هنا وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال

فيقال إذا كان الحد قول الحاد فالحاد إما أن يكون قد عرف المحدود بحد وإما أن يكون عرفه بغير حد فان كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام في الأول وهو مستلزم للدور القبلى أو التسلسل في الأسباب والعلل وهما ممتنعان باتفاق العقلاء وإن كان عرفه بغير حد بطل سلبهم وهو قولهم إنه لا يعرف إلا بالحد

الثالث إن الأمم جميعهم من أهل العلم والمقالات وأهل العمل والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها ويحققون ما يعانونه من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد منطقي ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم بهذه الحدود لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود

الرابع أنه إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم بل أظهر الأشياء الإنسان وحده ب الحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة وكذلك حد الشمس وأمثال ذلك حتى إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا ل الاسم بضعة وعشرين حدا وكلها معترض عليها على أصلهم بل إنهم ذكروا ل الاسم سبعين حدا لم يصح منها شئ كما ذكر ذلك ابن الأنباري المتأخر والأصوليون ذكروا ل القياس بضعة وعشرين حدا وكلها معترض على أصلهم وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة والاصوليين والمتكلمة معترضة على أصلهم وإن قيل بسلامة بعضها كان قليلا بل منتفيا فلو كان تصور الأشياء موقوفا على الحدود لم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور والتصديق موقوف على التصور فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق فلا يكون عند بني آدم علم في عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة


9

الخامس إن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الذي هو الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة والمميزة وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد إما متعذر أو متعسر كما قد أقروا بذلك و حينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصورات عن الحد

السادس إن الحدود الحقيقية عندهم إنما تكون الحقائق المركبة وهي الأنواع التي لها جنس وفصل وأما ما لا تركيب فيه وهو ما لا يدخل مع غيره تحت جنس كما م ثله بعضهم ب العقول فليس له حد وقد عرفوه وهو من التصورات المطلوبة عندهم فعلم استغناء التصورات عن الحد بل إذا أمكن معرفة هذه بلا حد فمعرفة تلك الأنواع أولى لأنها أقرب إلى الحس وان أشخاصها مشهودة

وهم يقولون إن التصديق لا يقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي بل يكفي فيه أدنى تصور ولو ب الخاصة وتصور العقول من هذا الباب وهذا اعتراف منهم بأن جنس التصور لا يقف على الحد الحقيقي لكن يقولون الموقوف عليه هو تصور الحقيقة أو التصور التام وسنبين إن شاء الله أنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه وأنا نحن لا نتصور شيئا بجميع لوازمه حتى لا يشذ عنا منها شئ وأنه كلما كان التصور لصفات المتصور أكثر كان التصور أتم

وأما جعل بعض الصفات داخلة في حقيقة الموصوف وبعضها خارجة فلا يعود إلى أمر حقيقي وإنما يعود ذلك إلى جعل الداخل ما دل عليه اللفظ ب التضمن والخارج اللازم ما دل عليه اللفظ ب اللزوم فتعود الصفات الداخلة في الماهية إلى ما دخل في مراد المتكلم بلفظه والخارجة اللازمة للماهية إلى ما يلزم مراده بلفظه وهذا أمر يتبع مراد المتكلم فلا يعود إلى حقيقة ثابتة في نفس الأمر للموصوف وقد بسطنا ألفاظهم في غير هذا الموضع وبينا ذلك بيانا مبسوطا يبين أن ما سموه الماهية أمر يعود إلى ما يقدر في الأذهان لا إلى ما يتحقق في الأعيان والمقدر في الأذهان بحسب ما يقدره كل أحد في ذهنه فيمتنع أن


10

تكون الحقائق الموجودة تابعة لذلك

السابع إن مستمع الحد يسمع الحد الذي هو مركب من ألفاظ كل منها لفظ دال على معنى فان لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات تلك الألفاظ ودلالتها على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام والعلم بأن اللفظ دال على المعنى أو موضوع له مسبوق بتصور المعنى فمن لم يتصور مسمى الخبر والماء والسماء والأرض والأب والأم لم يعرف دلالة اللفظ عليه وإذا كان متصورا لمسمى اللفظ ومعناه قبل استماعه وإن لم يعرف دلالة اللفظ عليه امتنع أن يقال إنه إنما تصوره باستماع اللفظ لأن في ذلك دورا قبليا إذ يستلزم أن يقال لم يتصور المعنى حتى سمع اللفظ وفهمه ولم يمكن أن يفهم المراد باللفظ حتى يكون قد تصور ذلك المعنى قبل ذلك وهذا كما أنه مذكور في دلالة الأسماء على مسمياتها المفردة فهو بعينه وارد في دلالة الحدود على المحدودات إذ كلاهما إنما يدل على معنى مفرد لكن الحد يفيد تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال

وقد يكون فيه عند المنطقين تفصيل صفاته المشتركة والمختصة وإن كان للمتكلمين في الحد طريق آخر إذ لا يحدون إلا ب الخاصة المميزة الفاصلة دون المشتركة بل يمنعون من التركيب الذي يوجبه المنطقيون وهو لعمري اقرب إلى المقصود كما سنبينه إن شاء الله تعالى ونبين أن فائدة الحدود التمييز لا التصوير

وإذا كان المطلوب التمييز فإنما ذاك بالمميز فقط دون المشترك ولأنه كلما كان أوجز واجمع وأخص كان احسن كالأسماء فليس الحد في الحقيقة إلا اسما من الأسماء أو اسمين أو ثلاثة كقولك حيوان ناطق وكذلك قيل في تعليم آدم الأسماء كلها تعليم حدودها وهي من جنس الحدود المحدود المذكورة في قوله تعالى وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله التوبة


11

الثامن إن الحد إذا كان هو قول الحاد فمعلوم أن تصور المعاني لا يفتقر إلى الألفاظ فان المتكلم قد يتصور معنى ما يقوله بدون لفظ والمستمع قد يمكنه تصور تلك المعاني من غير مخاطب بالكلية فكيف يمكن أن يقال لا تتصور المفردات إلا بالحد الذي هو قول الحاد

التاسع إن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة كالطعم واللون والريح والأجسام التي تحمل هذه الصفات وإما أن يتصورها بمشاعره الباطنة كما تتصور الأمور الحسية الباطنة الوجدية مثل الجوع والشبع والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهية والعلم والجهل وأمثال ذلك وكل من الأمرين قد يتصوره معينا وقد يتصوره مطلقا أو عاما وهذه التصورات جميعها غنية عن الحد ولا يمكنه تصور شئ بدون مشاعره الظاهرة والباطنة وما غاب عنه يعرفه بالقياس والاعتبار بما شاهده

العاشر إنهم يقولون إن للمعترض أن يطعن على حد الحاد ب النقض والمعارضة

والنقض إما في الطرد وإما في العكس أما الطرد فهو انه حيث وجد الحد وجد المحدود فيكون الحد مانعا فإذا بين وجود الحد ولا محدود لم يكن مطردا ولا مانعا بل دخل فيه غيره كما لو قال في حد الإنسان إنه الحيوان وأما العكس وهو أن يكون حيث انتفى الحد انتفى المحدود لكون الحد جامعا وإذا لم يكن جامعا انتفى الحد مع بقاء بعض المحدود كما لو قال في حد الإنسان إنه العربي فلا يكون الحد منعكسا ولو استعمل لفظ الطرد في موضع العكس لكان سائغا والمقصود انه لا بد من اتفاق الحد والمحدود في العموم والخصوص فلا بد أن يكون مطابقا للمحدود لا يدخل فيه ما ليس من المحدود ولا يخرج منه ما هو من المحدود فمتى كان أحدهما اعم كان باطلا بالاتفاق وسمى ذلك نقضا


12

فان النقض يرد على الحد والدليل والقضية الكلية والعلة لكن الدليل والقضية الكلية لا يجب فيهما الانعكاس إلا بسبب منفصل مثل المتلازمين إذا استدل بأحدهما على الآخر فهنا يكون الدليل مطردا منعكسا وأما الحد فلا بد فيه من الانعكاس

والعلة إن كانت تامة وجب طردها وإن لم تكن تامة جاز تخلف الحكم عنها لفوات شرط او وجود مانع ويسمى ذلك تخصيصا ونقضا اما وجود الحكم بلا علة فيسمى عدم عكس وعدم تاثير ونفس الحكم المتعلق بها ينتفى لا بانتفائها ولا يجب انتفاء نظيره إذا كان له علة اخرى فمجرد عدم الانعكاس لا يدل على فساد العلة إلا إذا وجد الحكم بدون العلة من غير ان تخلفها علة اخرى وهو في الحقيقة وجود نظير الشخص وهو نوعه فهنا تكون العلة عديمة التأثير فتكون باطلة وبهذا يظهر ان عدم التأثير مبطل لها وعدم الانعكاس ليس مبطلا لها فانها إذا انتفت انتفى الحكم المعلق بها وإذا وجد الحكم بعلة اخرى فان كانت العلة مساوية هي كالأخرى فهى هي وإن كانت مجانبة لها فلا بد إن يختلف الحكم كما ان حل الدم كان اسم جنس فالحل الحاصل بالردة نوع غير النوع الحاصل بالزنا والحل الحاصل بالقتل فان الحل الحاصل بالقتل يجوز فيه الفداء والمعافاة والحل الحاصل بالردة يجوز فيه الغفران بالتوبة والحل الحاصل بالزنا فيه حد الرجم بالحجارة وبحضور شهود وكثير نظائر هذا فالى في احد الحلين إن كان مماثلا للاخر فالعلتان واحدة وإن اختلف الحكم اختلف العلة وانتقاض الوضوء بالبول والغائط نوع واحد ليس هو من باب تغاير الحكم بعلتين كالقتل بالحدود قال المعترض هذه الاوصاف لا تأثير لها في حل الدم فان الردة وزنا المحصن وحراب الكافر الاصلي يبيح الدم مع انتفاء هذه الاوصاف فيقال له فان الحل وجد لسبب آخر لا لعدم تأثر هذه الاوصاف كما يستحق الابن


13

الارث بالنسب والنكاح والولاء ويثبت الملك بالمعاوضة والارث والايهاب والاغتنام وتلك المباحات لو كان للمستدل فيجب القود فياسا على القتل لم يرد عليه هذا السؤال لأن الواجب بالردة والزنا ليس قودا

وأما عدم التأثير مبطل لما هو العلة لان تأثير الدلالة الذي يجمع فيه لا يدل على العلة فان الدليل لا يجب انعكاسه كما لو قال من يركب القياس في مسألة زكوة الصبي ملبوس فلا يجب له الزكوة كلباس الكبير قيل له لا تأثير لكونه لباسا لا في الفرع ولا في الاصل بل هذا الحكم ثابت عند اهل الشرع في جميع مال الصغير وهذه كلمات جوامع في هذه الكليات التي يكثر فيها اضطراب الناس

وأما المعارضة للحد بحد آخر فظاهر

فاذا كان المستمع للحد يبطله ب النقص تارة وب المعارضة أخرى ومعلوم ان كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود علم انه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب

الحادي عشر ان يقال هم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج الى حد وإلا لزم الدور أو التسلسل

وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا او نظريا هو من الامور النسبية الاضافية مثل كون القضية يقينية او ظنية إذ قد يتيقن زيد ما يظنه عمرو وقد يبده زيدا من المعاني ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر وقد يكون حسيا لزيد من العلوم ما هو خبرى عند عمرو وإن كان كثير من الناس يحسب ان كون العلم المعين ضروريا او كسبيا او بديهيا أو نظريا هو من الامور اللازمة له بحيث يشترك في ذلك جميع الناس وهذا غلط عظيم وهو مخالف للواقع

فان من رأى الامور الموجودة في مكانه وزمانه كانت عنده من الحسيات


14

المشاهدات وهي عند من علمها بالتواتر من المتواترات وقد يكون بعض الناس إنما علمها بخبر ظنى فتكون عنده من باب الظنيات فان لم يسمعها فهى عنده من المجهولات وكذلك العقليات فان الناس يتفاوتون في الادراك تفاوتا لا يكاد ينضبط طرفاه ولبعضهم من العلم البديهي عنده والضروري ما ينفيه غيره او يشك فيه وهذا بين في التصورات والتصديقات

وإذا كان ذلك من الامور النسبية الاضافية أمكن ان يكون بديهيا عند بعض الناس من التصورات ما ليس بديهيا لغيره فلا يحتاج الى حد وهذا هو الواقع وإذا قيل فمن لم يحصل له تلك المحدودات بالبداهة حصلت له بالحد قيل كثير منهم يجعل هذا حكما عاما في جنس النظريات لجنس الناس وهذا خطا واضح ومن تفطن لما ذكرناه يقال له ذلك الشخص الذي لم يعلمها بالبديهة يمكن ان تصير بديهة له بمثل الاسباب التي حصلت لغيره فلا يجوز ان يقال لا يعلمها إلا بالحدود

المقام الثاني المقام الايجابي في الحدود والتصورات وهو أنه هل يمكن تصور الاشياء بالحدود

فيقال المحققون من النظار يعلمون ان الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف حقيقته وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليوناني أتباع ارسطو ومن سلك سبيلهم وحذا حذوهم تقليدا لهم من الإسلاميين وغيرهم فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا

وإنما دخل هذا في كلام من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة وأوائل المائة السادسة فأما أبو حامد فقد وضع مقدمة منطقية في أول المستصفى وزعم أن من لم يحط بها علما فلا ثقة له بشئ من


15

علومه وصنف في ذلك محك النظر ومعيار العلم ودواما اشتدت به ثقته وأعجب من ذلك أنه وضع كتابا سماه القسطاس المستقيم ونسبه الى أنه تعليم الانبياء وإنما تعلمه من ابن سينا وهو تعلمه من كتب ارسطو وهؤلاء الذين تكلموا في الحدود بعد أبى حامد هم الذين تكلموا في الحدود بطريقة اهل المنطق اليوناني

وأما سائر طوائف النظار من جميع الطوائف المعتزلة والاشعرية والكرامية والشيعة وغيرهم ممن صنف في هذا الشأن من اتباع الائمة الاربعة وغيرهم فعندهم إنما تفيد الحدود التمييز بين المحدود وغيره بل أكثرهم لا يسوغون الحد إلا بما يميز المحدود عن غيره ولا يجوز ان يذكر في الحد ما يعم المحدود وغيره سواء سمي جنسا او عرضا عاما وإنما يحدون بما يلازم المحدود طردا وعكسا ولا فرق عندهم بين ما يسمى فصلا وخاصة ونحو ذلك مما يتميز به المحدود من غيره

وهذا مشهور في كتب اهل النظر في مواضع يطول وصفها من كتب المتكلمين من اهل الاثبات وغيرهم كأبي الحسن الأشعري والقاضي ابي بكر اسحاق وابي بكر بن فورك والقاضي ابي يعلى وابن عقيل وابي المعالي الجويني وابي الميمون النسفي الحنفي وغيرهم وقبلهم ابو علي وابو هاشم وعبد الجبار وامثالهم من شيوخ المعتزلة وكذلك ابن النوبخت والموسى والطوسي وغيرهم من شيوخ الشيعة وكذلك محمد بن الهيصم وغيره من شيوخ الكرامية فانهم إذا تكلموا في الحد قالوا ان حد الشىء وحقيقته خاصته التي تميزه


16

قال ابو القاسم الانصاري في شرح الارشاد قال امام الحرمين القصد من التحديد في اصطلاح المتكلمين التعرض لخاصة الشيء وحقيقة التي يقع بها الفصل بينه وبين غيره

قال الاستاد حد الشيء معناه الذي لاجله كان بالوصف المقصود بالذكر قال ابو المعالي ولو قال قائل حد الشيء معناه واقتصر عليه كان سديد او قال حد الشيء حقيقته او خاصته كان حسنا

قال فأن قيل اذا قلتم حد العلم أو حقيقة ما يعلم به فلم تذكروا خاصة العلم لأن العلم يشتمل على مختلفات ومتماثلات لا يجمع جميعها في خاصة واحدة فان المجتمعين في الاخص متماثلان فنقول انما غرضنا ان نبين ان المذكور حدا هو خاصة وصف المحدود في مقصود الحد إذ ليس الغرض بالسؤال عن العلم التعرض لتفصيله وإنما الغرض معرفة العلمية بأخص وصف العلم الذي يشترك فيه ما يختلف منه وما يتماثل بما ذكرناه حيث قلنا أنه المعرفة او ما يعلم به أو التبيين

وهذا على طريقة الاستاذ ومن رام ذكر حد من قبيل المعلومات فانما غرضه الوقوف على صفة يشترك فيها القبيل المسئول عنه على وجه يتضح للسائل

قال أبو المعالي فان قيل الحد يرجع الى قول المخبر أو الى صفة في المحدود قلنا ما صار اليه كافة الائمة ان الحد صفة المحدود سكت عنه الواصفون أم نطقوا وهو بمعنى الحقيقة وقد ذكر القاضي في التقريب أن الحد قول الحاد المنبئ عن الصفة التي تشترك فيها آحاد المحدود ووافق الأصحاب في أن حقيقة الشئ ومعناه راجعان الى صفة دون قول القائل وإنما بين ذلك في الحد لمشابهته الوصف ومشابهة الحقيقة الصفة ونحن نفصل بين الوصف والصفة ثم قال القاضي من الاشياء ما يحد ومنها ما لا يحد وما من محقق إلا وله حقيقة ومن صار إلى ان الحد يرجع الى حقيقة المحدود


17

يقول ما من ذي حقيقة إلا وله حد نفيا كان أو إثباتا والغرض من التحديد التعرض لحقيقة الشئ التي بها يتميز عن غيره والشئ إنما يتميز عن غيره بنفسه وحقيقته لا بقول القائل

ثم قال ابو المعالي قال المحققون الاطراد والانعكاس من شرائط الحد وإذا كان الغرض من الحد تمييز المحدود بصفة عما ليس منه فليس يتحقق ذلك إلا مع الاطراد والانعكاس ف الطرد هو تحقق المحدود مع تحقق الحد والعكس هو انتفاء المحدود مع انتفاء الحد

وإذا قيل حد العلم هو العرض لم يطرد ذلك إذ ليس كل عرض علما فهذا نقض الحد ولو قلنا في حد العلم كل معرفة حادثة فهذا لا ينعكس إذ ثبت علم ليس بحادث والسائل عن حد العلم لم يقصد حد ضرب منه تخصيصا وإنما أراد الاحاطة بمعنى سائر العلوم

وإذا قلنا العلم هو المعرفة ف كل معرفة علم وكل علم معرفة وكل ما ليس بعلم فليس بمعرفة وكل ما ليس بمعرفة فليس بعلم وهذه عبارات اربع عبارتان في النفي وعبارتان في الاثبات ولا تستقيم الحدود دون ذلك

قال أبو المعالي فان قال قائل هل يجوز تركيب الحد من وصفين ام لا قلنا اختلف المتكلمون

فذهب كثير منهم الى ان المركب ليس بحد وشيخنا ابو الحسن يميل الى ذلك ويقدح في التركيب وليس المراد بمنع التركيب تكليف المسئول ان يأتى في حد ما يسأل عنه بعبارة واحدة إذ المقصود إتحاد المعنى بدون اللفظ والعبارات لا تقصد لأنفسها وليست هي حدودا بل هي منبئة عن الحدود وقال شيخنا ابو الحسن في حد العلم مع منعه التركيب هو ما اوجب كون محله عالما وهذا يشتمل على كلمات ولم يعد هذا تركيبا فان المقصود بالحد التعرض لصفة واحدة هو إيجاب العلم حكمه وكذلك إذا قيل في حد الجوهر ما قبل العرض فليس


18

بمركب وإن ذكر العرض وقبوله اياه ولكن المقصود بالحد التعرص للقبول فقط

ثم التركيب فيه تقسيم فمنه باطل بالاتفاق ومنه مختلف فيه فالمتفق عليه هو أن يذكر الحاد معنيين يقع الاستقلال بأحدهما وذكر الاخر لغو فى مقصود الحد وشرطه وأما المختلف فيه فكما يقول المعتزلة في حد المرئي ما يكون لونا أو متلونا فهم يصححون هذا الحد ولا يرون هذا التركيب قادحا قالوا لأن المقصود من الحد حصر المحدود مع التعرض للحقيقة فإذا قامت الدلالة على أن المتحيز يرى وعلى أن الألوان مرئية ولا يجتمع الألوان والجوهر في حقيقة واحدة إذ الأوصاف الجامعة لها محدودة منها الوجود والحدوث وباطل تحديد المرئي بالموجود أو المحدث إذ يلزم منه رؤية الطعوم والروائح والعلوم ونحوها فإذا لم يمكن الجمع بين الجواهر والألوان في صفة جامعة لها في حكم الرؤية غير منتقضة فلا وجه إلا ذكر الجواهر بخاصتها وذكر الألوان بحقيقتها

ومعظم المتكلمين على الامتناع من مثل ذلك في الحدود وقالوا المتحيز وكون اللون هيئة حكمان متنافيان فينبغي أن لا يثبت لهما مع تباينهما حكم لا تباين فيه وهو كون المرئي مرئيا

قال الأستاذ أبو المعالي وأحسن طريقة في هذا ما ذكره القاضي فأنه قال ما يذكر من معرفة الحدود ينقسم فربما يتأتى ضبط آحاد المحدود بصفة واحدة يشترك فيها جملة الآحاد نحو تحديدنا العلم ب المعرفة والشيئية ب الوجود وربما لا يتأتي ضبط جميع آحاد المحدود في صفة واحدة يشترك جميعها فيها فلو ذكر في حدها صفة جامعة لبطل فإذا كان الأمر كذلك وتأتي ضبط ما يسأل عنه بذكر صفتين يشتمل إحداهما على قبيل من المسئول والأخرى على القبيل الآخر لصح تحديده قال القاضي ولو حقق ذلك لزال فيه الخلاف فان الذي يحد بصفتين لو قيل له أتدعي


19

اجتماع القبلين في صفة واحدة لما ادعاه ولو قيل لمطالبة اتنكر تحقيق الانحصار عند ذكر الصفتين لما وجد سبيلا الى انكار ذلك والحد ليس بموجب وانما هو بيان وكشف وهذا المعنى يتحقق في الصفتين تحققه في الصفة الواحدة فإن الكلام الى مناقشة في العبارة

وقال القاضي أبو بكر بن الطيب وان قال لنا قائل ما حد العلم عندكم قلنا حده معرفة المعلوم على ما هو به والدليل على ذلك ان هذا الحد يحصره على معناه ولا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه شيء هو فيه والحد إذا أحاط بالمحدود على هذا السبيل وجب ان يكون حدا ثابتا صحيحا فكلما حد به العلم وغيره وكانت حاله في حصر المحدود وتميزه من غيره واحاطته به حال ما حددنا به العلم وجب الاعتراف بصحته وقد ثبت ان كل علم تعلق بمعلوم فأنه معرفة له على ما هو به وكل معرفة بمعلوم فانها علم به فوجب توفيق الحد الذي حددنا به العلم وجعلناه تفسيرا لمعنى منه بانه علم

قلت فقد بين القاضي ان كل ما احاط بالمحدود بحيث لا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما هو منه كان حدا صحيحا

اعتراف الغزالي باستعصاء الحد

وقد ذكر الغزالي في كتابه الكبير في المنطق الذي سماه معيار العلم مذهب المتكلمين هذا بعد ان ذكر استعصاء الحد على طريقة المنطقيين فقال

الفصل السابع

في استعصاء الحد على القوى البشرية الا عند غاية التشمير والجهد ومن عرف ما ذكرناه من مثارات الاشتباه في الحد عرف عن أن القوة البشرية لا تقوى على التحفظ عن كل ذلك الا على الندوز وهي كثيرة واعصاها على الذهن اربعة امور


20

أحدها أن شرطنا أن نأخذ الجنس الاقرب ومن أين للطالب أن لا يغفل عنه فيأخذ جنسا يظن انه اقرب وربما يوجد ما هو أقرب منه فيحد الخمر بأنه مائع مسكر ويذهل عن الشراب الذي هو تحته وهو أقرب منه ويحد الانسان بأنه جسم ناطق مائت ويغفل عن الحيوان وامثاله

الثاني انا إذا شرطنا ان تكون الفصول ذاتية كلها واللازم الذي لا يفارق في الوجود والوهم يشتبه بالذاتي غاية الاشتباه ودرك ذلك من أغمض الامور فمن أين له أن لا يغفل فيأخذ لازما فيورده بدل الفصل ويظن انه ذاتي

الثالث أنا شرطنا أن يأتي بجميع الفصول الذاتيه حتى لا يحل بواحد ومن أين يأمن من شذوذ بعضها عنه لا سيما إذا وجد فصلا حصل به التمييز والمساواه في الاسم في الحمل كالجسم ذى النفس الحساس ومساواته لفظ الحيوان مع إغفال المتحرك بالارادة وهذا من أغمض ما يدرك

الرابع إن الفصل مقوم ل النوع مقسم ل الجنس فاذا لم يراع شرط التقسيم اخذ في القسمة فصولا ليست أولية ل الجنس وهو غير مرضى في الحدود فان الجسم كما أنه ينقسم الى النامى وغير النامى انقساما ب فصل ذاتي فكذلك ينقسم الى الحساس وغير الحساس والى الناطق وغير الناطق فمهما قيل الجسم ينقسم الى الناطق وغير الناطق فقد قسم بما ليس هو الفصل القاسم أوليا بل ينبغي ان يقسم اولا الى النامي وغير النامي ثم النامى ينقسم الى الحيوان وغير الحيوان ثم الحيوان الى الناطق وغير الناطق وكذلك الحيوان ينقسم الى ذي رجلين والى ذي ارجل ولكن هذا التقسيم ليس ل فصول اولية بل ينبغي ان يقسم الحيوان الى ماش وغير ماش ثم الماشى ينقسم الى ذي


21

رجلين وذى أرجل إذ الحيوان لم يستعد ل الرجلين والارجل باعتبار كونه حيوانا بل باعتبار كونه ماشيا واستعد لكونه ماشيا باعتبار كونه حيوانا

فرعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحد وهي في غاية العسر

ولذلك لما عسر اكتفى المتكلمون بالتمييز وقالوا إن الحد هو القول الجامع المانع ولم يشترطوا فيه إلا التمييز

ويلزم عليه الاكتفاء ب الخواص فيقال في حد الفرس إنه الصهال وفي حد الانسان إنه الضحاك وفي الكلب إنه النباح وذلك في غاية البعد عن غرض التعريف لذات المحدود

ولأجل عسر التحديد قد رأينا أن نورد جملة من الحدود المعلومة المحررة في الفن الثاني من كتاب الحدود

ثم قال

الفن الثاني في الحدود المفصلة

اعلم أن الأشياء التي يمكن تحديدها لا نهاية لها لأن العلوم التصديقية غير متناهية وهي تابعة ل التصورات وأقل ما يشتمل عليه التصديق تصوران وعلى الجملة فكل ما له اسم يمكن تحرير حده ورسمه أو شرح اسمه وإذا لم يكن في الاستقصاء مطمع فالأولى الاستقصار على القوانين المعروفة لطريقه وقد حصل ذلك بالفن الأول

ولكنا أوردنا حدودا مفصلة لفائدتين

إحداهما أن تحصل الدربة بكيفية تحرير الحد وتأليفه فان الامتحان والممارسة للشيء يفيد قوة عليه لا محالة

الثانية ان يقع الاطلاع على معاني اسماء اطلقها الفلاسفة وقد اوردناها في كتاب تهافت الفلاسفة إذ لم يمكن مناظرتهم إلا بلغتهم وعلى حكم اصطلاحهم وإذا لم نفهم ما أوردناه من اصطلاحهم لا يمكن مناظرتهم


22

فقد أوردنا ألفاظ أطلقوها في الالهيات والطبيعات وشيئا قليلا من الرياضيات

فلتؤخذ هذه الحدود على أنها شرح الاسم فان قام البرهان على ان ما شرحوه هو كما شرحوه اعتقد حدا وإلا اعتقد شرحا للاسم

كما يقال حد الجنى حيوان هوائي ناطق مشف الجرم من شانه ان يتشكل باشكال مختلفة فيكون هذا شرحا للاسم في تفاهم الناس فاما وجود هذا الشئ على هذا الوجه فيعرف بالبرهان فان دل على وجوده كان حدا بحسب الذات وإن لم يدل عليه بل دل على ان الجنى المراد به في الشرع موجود آخر كان هذا شرحا للاسم في تفاهم الناس

وكما تقول في حد الخلاء إنه بعد يمكن ان يفرض فيه ابعاد ثلاثة قائم لا في مادة من شأنه ان يملأه جسم ويخلو عنه وربما دل الدليل على ان ذلك محال فيؤخذ على انه شرح للاسم في إطلاق النظار

وإنما قدمنا هذه المقدمة ليعلم أن ما نورده من الحدود شرح لما أراده الفلاسفة بالاطلاق لا حكم بأن ما ذكروه كما ذكروه فان ذلك مما يتوقف على ما يوجبه البرهان

الرد على كلام الغزالي

قلت ما ذكره من صعوبة الحد على الشروط التي ذكرها حق لو كان المقصود بالحد تصوير الحدود كما يدعونه وكان ذلك ممكنا لكن ما ذكروه في الحد باطل فإنه يمتنع ان يحصل بمجرد الحد تصور المحدود وما ذكروه من الفرق بين الصفات الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفات الخارجة اللازمة أمر باطل لا حقيقة له وما أوجبوه من ذكر الصفتين في الحدود هو مما يحظره المتكلمون فيمتنعون منه في الحد والتحقيق انه لا واجب ولا محظور كما قد بيناه في موضع آخر


23

وكل ما يذكرونه من الحدود فانما يفيد التمييز وإذا كان لا يحصل بالحد إلا التمييز فالتمييز قد يحصل ب الفصل والخاصة فعلم ان طريقة المتكلمين اسد في تحصيل المقصود الصحيح بالحدود

وأما قوله إن ذلك في غاية البعد عن التعريف لذات المحدود فيقال وكذلك سائر الحدود هي غير محصلة لتصوير ذات المحدود كما سنبينه إن شاء الله تعالى

وما ذكره من الوجوه حجة عليهم

فان ما ذكره من لزوم اخذ الجنس القريب امر اصطلاحي وذلك انه إذا أخذ البعيد كان الفصل يدل على القريب بالتضمن أو الالتزام كدلالة القريب على البعيد ف الناطق عندهم يدل على الحيوان والمسكر على الشراب كما يدل الحيوان على الجسم وكما يدل الشراب على المائع سواء جعلوا هذه دلالة تضمن او التزام فان كانوا يكتفون بمثل هذه الدلالة كان الفصل كافيا وإن كانوا لا يكتفون إلا بما يدل على الذاتيات بالمطابقة لم يكن ذكر الجنس القريب وحده كافيا

فاذا قال مائع مسكر كان لفظ المسكر يدل عل انه الشراب فان المسكر ههنا اخص عندهم من الشراب ومن المائع وهو فصل كالناطق ل الانسان ومعلوم حينئذ ان كل مسكر شراب كما ان كل ناطق حيوان كما أنه إذا قيل في الانسان جسم ناطق ف الناطق عندهم اخص من الجسم ومن الحيوان وهو يدل على الحيوان بالتضمن او الالتزام ودل لفظ المائع على الجنس البعيد بالمطابقة

وإذا قال شراب مسكر دل قوله شراب على انه مائع بالتضمن او الالتزام عندهم ودل على الجنس القريب بالمطابقة فصار الفرق بينهما انه تارة


24

يدل على الجنس البعيد بالمطابقة والقريب بالتضمن وتارة بالعكس

فاذا قالوا الأحسن أن يدل على القريب بالمطابقة لانه اخص بالمحدود وكلما كان اخص كان أكثر تمييزا قيل ليس في ذلك اختصاص احد الحدين بتصوير الماهية دون الآخر بل بأنه اتم تمييزا

وهذا تكلم على المعنى الذي ذكره في حد الخمر بحسب ما قاله ف الخمر اسم ل المسكر عند الشارع سواء كان مائعا او جامدا طعاما او شربا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر فلو كان الخمر جامدة وأكلها كانت خمرا باتفاق المسلمين

وأما الوجه الثاني فقوله اللازم الذي لا يفارق في الوجود والوهم يشتبه بالذاتي غاية الاشتباه كلام صحيح بل ليس بينهما في الحقيقة فرق إلا بمجرد الوضع والاصطلاح كما قد بين في غير هذا الموضع وبين انهم في هذا الوضع المنطقي والاصطلاح المنطقي فرقوا بين المتماثلين وسووا بين المختلفين

وهذا وضع مخالف لصريح العقل وهو اصل صناعة الحدود الحقيقية عندهم فتكون صناعة باطلة إذ الفرق بين الحقائق لا يكون بمجرد امر وضعي بل بما هي عليه الحقائق في نفسها وليس بين ما سموه ذاتيا وما سموه لازما للماهية في الوجود والذهن فرق حقيقي في الخارج وإنما هي فروق اعتبارية تتبع الوضع واختيار الواضع وما يفرضه في ذهنه وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع وذكرنا ألفاظ أئمتهم في هذا الموضع وتفسيرها

وإن حاصل ما عندهم أن ما يسمونه ماهية هي ما يتصوره الذهن فان أجزاء الماهية هي تلك الامور المتصورة فاذا تصور جسما ناميا حساسا


25

متحركا بالارادة ناطقا او ضاحكا كان كل جزء من هذه الاجزاء المعنى المتصور وكان داخلا في هذا التصور وإن تصور حيوانا ناطقا كان أيضا كل منهما جزءا مما تصوره داخلا فيه وكان ما يلزم هذه الصورة الذهنية مثل كونه حيا وحساسا وناميا هو لازما لهذا المتصور في الذهن فالماهية بمنزلة المدلول عليه بالمطابقة وجزؤها المقوم لها الداخل فيها الذي هو وصف ذاتي لها بمنزلة المدلول عليه التضمن واللازم لها الخارج عنها بمنزلة المدلول عليه بالالتزام ومعلوم ان هذا امر يتبع ما يتصوره الانسان سواء كان مطابقا او غير مطابق ليس هو تابع للحقائق في نفسها

وأصل غلط هؤلاء أنه اشتبه عليهم ما في الاذهان بما في الاعيان فالانسان إذا حد شيئا كالانسان مثلا بمن هو جسم حساس نام متحرك بالارادة ناطق كان هذا القول له لفظ ومعنى فكل لفظ من ألفاظه له معنى من هذه المعاني جزء هذا الكلام

وأما قوله في الثالث إنه يشترط جميع الفصول فهذا كاشتراط الجنس وليس في ذلك ما يفيد تصوير الماهية واما التمييز فيحصل بدون ذلك وهذا امر وضعى والمتكلمون قد اتفقوا على انه لا يجوز الجمع بين وصفين متساويين في العموم والخصوص ضد ما يوجبه هؤلاء فلا يجمع بين فصلين وهذا كما إذا حد الحيوان نأنه جسم نام حساس متحرك بالارادة ف الحساس والمتحرك بالارادة فصلان والمنطقيون يوجبون ذكرهما والمنكلمون يمنعون من ذكرهما جميعا ويأمرون بالاقتصار على أحدهما

أما الوجه الرابع فانه من جنس احد الجنس البعيد بدل القريب فان تقسيم


26

الجنس ب الفصول الآخرية دون الأولية مثل تقويم النوع ب الأجناس الأولية دون الآخرية

صناعة الحد وضع اصطلاحي غير فطري

وقوله رعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحد وهو في غاية العسر فيقال

هذه صناعة وضعية اصطلاحية ليست من الأمور الحقيقة العلمية وهي مع ذلك مخالفة لصريح العقل ولما عليه الوجود في مواضع فتكون باطلة ليست من الأوضاع المجردة كوضع أسماء الأعلام فان تلك فيها منفعة وهي لا تخالف عقلا ولا وجودا وأما وضعهم فمخالف لصريح العقل والوجود ولو كان وضعا مجردا لم يكن ميزانا للعلوم والحقائق فان الأمور الحقيقية العلمية لا تختلف باختلاف الأوضاع والاصطلاحات كالمعرفة بصفات الأشياء وحقائقها فالعلم بأن الشيء حي أو عالم أو قادر أو مريد أو متحرك أو ساكن أو حساس أو غير حساس ليس هو من الصناعات الوضعية بل هو من الأمور الحقيقية الفطرية التي فطر الله تعالى عباده عليها كما فطرهم على أنواع الارادات الصحيحة والحركات المستقيمة

لاسيما وهؤلاء يقولون إن المنطق ميزان العلوم العقلية ومراعاته تعصم الذهن عن أن يغلط في فكر 5 كما أن العروض ميزان الشعر والنحو والتصريف ميزان الألفاظ العربية المركبة والمفردة وآلات المواقيت موازين لها

ولكن ليس الأمر كذلك فان العلوم العقلية تعلم بما فطر الله عليه بني آدم من أسباب الادراك لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين ولا يقلد في


27

العقليات أحد بخلاف العربية فانها عادة لقوم لا تعرف الا بالسماع وقوانينها لا تعرف إلا بالاستقراء بخلاف ما به يعرف مقادير المكيلات والمذونات والمزروعات والمعدودات فانها تفتقر إلى ذلك غالبا لكن تعيين ما به يكال ويوزن بقدر مخصوص أمر عادي كعادة الناس في اللغات

وقد تنازع علماء المسلمين في مسمى الدرهم والدينار هل هو مقدر بالشرع أو المرجع فيه الى العرف على قولين أصحهما الثاني وعلى ذلك يبنى النصب الشرعي هل هو مائتا درهم يوزن معين او مائتا درهم مما يتعامل بها الناس باعتبار تقررها

وأما ما ذكروه من صناعة الحد فلا ريب أنهم وضعوها وهم معترفون بأن الواضع لها ارسطو وهم يعظمونه بذلك ويقولون لم يسبقه احد الى جميع اجزاء المنطق وتنازعوا هل سبق بعض اجزائه على قولين

واجزاء المنطق ثمانية

1 المفرادات وهى المقولات المعقولة المفردة و

2 التركيب الاول وهو تركيب القضايا و

3 التركيب الثاني وهو تركيب القياس من القضايا ثم

4 البرهانى و 5 الجدلى 6 الخطابى 7 الشعرى 8 السفسطة

ويسمون الجزء الاول إيساغوجى وقد يقولون أن فرفوريوس هو الذي أدخل ذلك المنطق بعد أرسطو

وقد يجعلون القياس والبرهان واحدا ويجعلون أجزاءه سبعة ويقولون


28

هذا قول أرسطو

والجزء الثاني الذي يشتمل على المقدمات يسمونه هرمينياس ومعناه العبارات

والثالث الذي يشتمل على القياس المطلق يسمونه انولوطيقيا الاول

والبرهاني يسمونه انولوطيقا الثاني

والجدلى يسمونه طوبيقا

والخطابي يسمونه ديطويقا

والشعري يسمونه اوقيوطيقا

والسفسطة يسمونه سوفسطيقا

وهذه عبارات يونانيه فاذا تكلمت بها العرب فانها تعربها وتقربها الى لغاتها كسائر ما تكلمت به العرب من الالفاظ المعجمة فلهذا توجد ألفاظها مختلفة

وقد كانت الامم قبلهم تعرف حقائق الاشياء بدون هذا الوضع وعامة الامم بعدهم تعرف حقائق الاشياء بدون وضعهم فان ارسطو كان وزيرا للاسكندر بن فيلبس المقدوني وليس هذا ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظنه كثير منهم بل هذا كان قبل المسيح بنحو ثلثمائه سنة

وجماهير العقلاء من جميع الامم يعرفون الحقائق من غير تعلم منهم بوضع ارسطو وهم إذا تدبروا انفسهم وجدوا انفسهم تعلم حقائق الاشياء بدون هذه الصناعة الوضعية

ثم إن هذه الصناعة زعموا انها تفيد تعريف حقائق الاشياء ولا تعرف إلا بها وكلا هذين غلط


29

ولما راموا ذلك لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض إذ جعلوا التصور بما جعلوه ذاتيا فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم وما ليس كذلك ولا بد ان يرتبوا ذكرها على ترتيب مخصوص إذ لا تذكر على كل ترتيب فكانت الصفات الذاتية مادة الحد الوضعي والترتيب الذي ذكروه هو صورته

ولما كان ذلك مستلزما للتفريق بين المتماثلين او المتقاربين كان ممتنعا أو عسرا إذ يفرقون بين صفة وصفة يجعل احدهما ذاتية دون اخرى مع تساويهما او تقاربهما ويفرقون بين ترتيب وترتيب بجعل احدهما معرفا للحقيقة دون الآخر مع تساويهما او تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات طلب ما لا حقيقة له فهو ممتنع وإن كان بين المتقاربين كان عسرا فالمطلوب إما متعذرا وإما متعسرا فان كان متعذرا بطل بالكلية وإن كان متعسرا فهو بعد حصوله ليس فيه فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله فصاروا بين ان يمتنع عليهم ما شرطوه او ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه وعلى التقديرين ليس ما وضعوه من الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد وإن كان الحد قد يفيد من تنبيه المخاطب وتمييز المحدود ما قد تفيده الاسماء كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

وما ذكروه من الفرق بين الحد وشرح الاسم فتلخيصه ان المحدود المميز عن غيره إذا تصورت حقيقته فقد يكون هو الموجود الخارجي وقد يكون هو المراد الذهني وقد يراد بالحد تمييز ما عناه المتكلم بالاسم وتفهيمه سواء كان ذلك المعنى الذي اراده بالاسم ثابتا في الخارج او لم يكن وقد يراد به تمييز ما هو موجود في الخارج وهذا شأن كل من فسر كلام متكلم او شرحه فقد يفسر مراد المتكلم ومقصودة سواء كان مطابقا للخارج او لم يكن وقد يتبين مع ذلك انه مطابق


30

للامر الخارج وأنه حق في نفسه

وإذا كان الكلام غير حق لم يكن مطابقا للخارج فيريد المستمع أن يطابق بينه وبين الواقع فلا يطابقه ولا يوافقه حتى قد يظن الظان ان الشارح او المستمع لم يفهم مقصود المتكلم لعسرته ولا يكون كذلك بل لان ما ذكره من الكلام ليس بمطابق للواقع فلا يمكن مطابقته إياه وقد يكون ظن من ظنه مطابقا للخارج إحسانا للظن بالمتكلم ويكون قد ظن أنه لم يفهمه لدقته عليه فلا يكون كذلك

وقولهم في الحد الحقيقي إنه متعسر وإنه لا يتوقف عليه إلا آحاد الناس هو من هذا الباب فان الحد الحقيقي إذا اريد به ما زعموه فإنه لا حقيقة له في الخارج إذ يريدون به أن الموصوف في نفسه مؤلف من بعض صفاته اللازمة له التي بعضها اعم منه وبعضها مطابق له دون بعض صفاته اللازمة المساوية لتلك العامة في العموم وللمطابقة في المطابقة دون بعض وأن حقيقته هي مركبة من تلك الصفات دون غيرها وان تلك الحقيقة يصورها الحد دون غيره فهذا ليس بحق

فدعواهم تأليفه من بعض الصفات اللازمة دون بعض باطلة بل دعواهم انه مركب من الصفات باطلة ودعواهم له حقيقة ثابتة في الخارج يصورها الحد دون غيره باطلة وإنما الواقع ان المحدود الموصوف الذي ميز بالاسم أو الحد عن غيره قد يكون ثابتا في الخارج وقد يكون ثابتا في نفس المتكلم بالاسم او الحد وهو يظن ثبوته في الخارج وليس كذلك

وبهذا يقال الحد يكون تارة بحسب الاسم وتارة بحسب المسمى ويقال الحد يكون تارة بحسب اسم الشئ وتارة بحسب حقيقته وإن كان الحد بحسب الاسم قد يكون مطابقا للخارج لكن المقصود أن الحد تارة يميز بين المراد باللفظ وغير المراد وتارة يميز بين الموجود في الخارج من الاعيان وبين غيره وهذا التمييز إنما يحصل بواسطة ذلك فالتمييز الذي في النفس يجب أن يكون مطابقا للتمييز في الخارج والتمييز الذي يحصل للمستمع هو بواسطة التمييز الذي في نفس المتكلم والله أعلم


31

خلط مقالات أهل المنطق بالعلوم النبوية وإفساد ذلك للعقول والأديان

وقد نفطن ابو عبدالله الرازي بن الخطيب لما عليه ائمة الكلام وقرر في محصله وغيره ان التصورات لا تكون مكتسبة وهذا هو حقيقة قول القائلين إن الحد لا يفيد تصوير المحدود

لكنه لم يهتد هو وأمثاله الى ما سبق اليه ائمة الكلام في هذا المقام

وهذا مقام شريف ينبغي ان يعرف فانه بسبب إهماله دخل الفساد في العقول والاديان على كثير من الناس إذ خلطوا ما ذكره اهل المنطق في الحدود بالعلوم النبوية التي جاءت به الرسل التي عند المسلمين واليهود والنصارى بل وسائر العلوم كالطب والنحو وغير ذلك

وصاروا يعظمون أمر الحدود ويدعون أنهم هم المحققون لذلك وأن ما يذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظية لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان وإتعاب الاذهان وكثرة الهذيان ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان وشغل النفوس بما لا ينفعها بل قد يضلها عما لا بد لها منه وإثبات الجهل الذي هو أصل النفاق في القلوب وإن ادعوا انه أصل المعرفة والتحقيق

وهذا من توابع الكلام الذي كان السلف ينهون عنه وإن كان الذي نهوا عنه خيرا من هذا واحسن إذ هو كلام في أدلة وأحكام ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون ان يخوضوا في الحدود على طريقة المنطقيين كما دخل في ذلك متأخروهم الذين يظنون ذلك من التحقيق وإنما هو زيغ عن سواء الطريق

ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها لا تفيد الانسان علما لم يكن عنده وإنما تفيده كثرة كلام سموهم أهل الكلام


32

وهذا لعمرى في الحدود التي ليس فيها باطل فأما حدود المنطقين التي يدعون انهم يصورون بها الحقائق فانها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ويفرقون بين المتماثلين

الأدلة على بطلان دعواهم ان الحدود تفيد تصوير الحقائق

ونحن نبين ان الحدود لا تفيد تصوير الحقائق وان حدود اهل المنطق التي يسمونها حقيقية تفسد العقل والدليل على ذلك وجوه

الوجه الاول الحد سواء جعل مركبا أو مفردا لا يفيد معرفة المحدود

احدها إن الحد مجرد قول الحاد ودعواه فانه إذا قال حد الانسان مثلا إنه الحيوان الناطق أو الضاحك فهذه قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فاما ان يكون المستمع لها عالما يصدقها بدون هذا القول وإما ان لا يكون فان كان عالما بذلك ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد وإن لم يكن عالما يصدقه بمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه لا يفيده العلم كيف وهو يعلم انه ليس بمعصوم في قوله فقد تبين انه على التقديرين ليس الحد هو الذي يفيده معرفة المحدود

فان قيل الحد ليس هو الجملة الخبرية وإنما هو مجرد قولك حيوان ناطق وهذا مفرد لا جملة وهذا السؤال وارد على احد اصطلاحيهم فانهم تارة يجعلون الحد هو الجملة كما يقول الغزالي وغيره وتارة يجعلون الحد هو المفرد المفيد كالاسم وهو الذي يسمونه التركيب التقييدي كما يذكر ذلك الرازي ونحوه قيل التكلم بالمفرد لا يفيد ولا يكون جوابا للسائل سواء كان موصوفا تركيبا


33

مركبا تركيبا تقييديا او لم يكن كذلك

ولهذا لما مر بعض العرب بمؤذن يقول اشهد ان محمدا رسول الله بالنصب قال فعل ماذا

فاذا قيل ما هذا قيل طعام فهذا خبر مبتدإ محذوف باتفاق الناس تقديره هذا طعام كقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله الزمر وقوله قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس الى قوله قل الله الانعام وكقوله سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم الكهف أي هم ثلاثة وهم خمسة وهم سبعة

ومنه قوله تعالى وقل الحق من ربكم الكهف أي هذا الحق من ربكم ليس كما يظنه بعض الجهال أي قل القول الحق فان هذا لو اريد لنصب لفظ الحق والمراد إثبات ان القرآن حق ولهذا قال الحق من ربكم ليس المراد ههنا بقول حق مطلق بل هذا المعنى مذكور في قوله وإذا قلتم فاعدلوا الانعام وقوله ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق الاعراف

ثم إذا قدر ان الحد هو المفرد فالمفرادات اسماء وغاية السائل ان يتصور مسماها لكن من أين له إذا تصور مسماها أن هذا المسمى هو المسئول عنه وأن هذا المسمى هو حقيقة المحدود

فان قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير ان يحكم أنه هو ذلك أو غير ذلك بل تصور إنسان قيل فحينئذ يكون هذا كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه وهو دلالة الاسم على مسماه كما لو قيل الانسان وهذا يحقق ما قلناه من أن


34

دلالة الحد كدلالة الاسم وهذا هو قول أهل الصواب الذين يقولون الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال وحينئذ فيقال ان لا نزاع بين العقلاء ان مجرد الاسم لا يوجب تصوير المسمى لمن لم يتصوره بدون ذلك وإنما الاسم يفيد الدلالة عليه والاشارة إليه

ولهذا قالوا إن المقصود باللغات ليس هو دلالة اللفظ المفرد على معناه وذلك لان اللفظ المفرد لا يعرف دلالته على المعنى إن لم يعرف أنه موضوع له ولا يعرف انه موضوع له حتى يتصور اللفظ والمعنى فلو كان المقصود بالوضع استفاده معانى الالفاظ المفردة لزم الدور

وإذا لم يكن المقصود من الاسماء تصوير معانيها المفردة ودلالة الحد كدلالة الاسم لم يكن المقصود من الحد تصوير معناه المفرد وإذا كان دلالة الاسم على مسماه مسبوقا بتصور مسماه وجب أن تكون دلالة الحد على المحدود مسبوقا بتصور المحدود وإذا كان كل من المحدود والمسمى متصورا بدون الاسم والحد وكان تصور المسمى والمحدود مشتركا في دلالة الحد والاسم على معناه امتنع أن تتصور المحدودات بمجرد الحدود كما يمتنع تصور المسميات بمجرد الاسماء وهذا هو المطلوب

ولهذا كان من المتفق عليه بين جميع اهل الارض أن الكلام المفيد لا يكون إلاجملة تامة كاسمين أو فعل واسم

هذا مما اعترف به المنطقيون وقسموا الالفاظ الى اسم وكلمة وحرف يسمى اداة وقالوا المراد ب الكلمة ما يريده النحاة بلفظ الفعل لكنهم مع هذا يناقضون ويجعلون ما هو اسم عند النحاة حرفا في اصطلاحهم فالضمائر ضمائر الرفع والنصب والجر والمتصلة والمنفصلة مثل قولك رأيته ومر بي فان هذه اسماء ويسميها النحاة الاسماء المضمرة والمنطقيون يقولون إنها في لغة اليونان من باب الحروف ويسمونها الخوالف كأنها


35

خلف عن الاسماء الظاهرة

فأما الاسم المفرد فلا يكون كلاما مفيدا عند أحد من أهل الارض بل ولا اهل السماء وإن كان وحده كان معه غيره مضمرا أو كان المقصود به تنبيها أو إشارة كما يقصد بالأصوات التي لم توضع لمعنى لا أنه يقصد به المعاني التي تقصد بالكلام استطراد

ولهذا عد الناس من البدع ما يفعله بعض النساك من ذكر اسم الله وحده بدون تأليف كلام فان النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الذكر لا إله إلا الله وافضل الدعاء الحمد لله رواه ابو حاتم في صحيحه وقال أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير رواه مالك وغيره

وقد نواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يعلم امته ذكر الله تعالى بالجمل التامة مثل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله افضل الكلام بعد القرآن أربع وهي من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه مسلم وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأن اقول سبحان الله والحمد لله


36

ولا إله إلا الله والله أكبر أحب الى مما طلعت عليه الشمس وقال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وأمثال ذلك

فظن طائفة من الناس ان ذكر الاسم المفرد مشروع بل ظنه بعضهم افضل في حق الخاصة من قول لا إله إلا الله ونحوها وظن بعضهم ان ذكر الاسم المضمر وهو هو هو افضل من ذكر الاسم المظهر

وأخرجهم الشيطان إلى أن يقولوا لفظا لا يفيد إيمانا ولا هدى بل دخلوا بذلك في مذهب اهل الزندقة والالحاد أهل وحده الوجود الذين يجعلون وجود المخلوقات وجود الخالق ويقول احدهم ليس إلا الله والله فقط ونحو ذلك

وربما احتج بعضهم عليه بقوله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وظنوا انه مأمور بان يقول الاسم مفردا وإنما هو جواب الاستفهام حيث قال وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قال الله تعالى قل ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا الانعام أي الله انزل الكتاب الذي جاء به موسى

عود إلى اصل الموضوع

وإذا عرف ان مجرد الإسم ومجرد الحد لا يفيد ما يفيده الكلام بحال علم ان الحد خبر مبتدإ محذوف لتكون جملة تامة

ثم قد بينا فساد قولهم سواء جعل الحد مفردا كالاسماء او مركبا كالجمل وأنه على التقديرين لا يفيد تصوير المسمى وهو المطلوب


37

ودعوى المدعى أن الحد مجرد المفرد المفيد كدعواهم ان التصور الذي هو احد نوعى العلم هو التصور المجرد عن كل نفي وإثبات ومعلوم أن مثل هذا لا يكون علما عند أحد من العلماء بل إذا خطر ببال الانسان شيء ما ولم يخطر له ثبوته ولا انتفاءه بوجه من الوجوه لم يكن قد علم شيئا مثل من خطر له بحر زئبق أو جبل ياقوت خاطرا مجردا عن كون هذا التصور ثابتا في الخارج أو منتفيا ممكنا أو ممتنعا فان هذا من جنس الوسواس لا من جنس العلم

وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع متعددة مثل الكلام على المحصل وبينا أن المشروط في التصديق من جنس العلم المشروط في القول فمن صدق بما لم يتصوره كان قد تكلم بغير علم ومن صدق بما تصوره كان كالمتكلم بعلم فقولهم في الحدود ألقولية من جنس قولهم في التصورات الذهنية

الوجه الثاني خبر الواحد بلا دليل لا يفيد العلم

الثاني انهم يقولون الحد لا يمنع ولا يقوم عليه دليل وإنما يمكن إبطاله ب النقض والمعارضة بخلاف القياس فانه يمكن فيه الممانعة والمعارضة

فيقال إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد امتنع أن يعرف المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم يعرف صحة الحد إلا بقوله وقوله محتمل للصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله للصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله

ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم بالمفرد أصلا للعلم بالمركب ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا


38

دليل وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب ثم يعيبون على من يعتمد في الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن خبر الواحد لا يفيد العلم ولا ريب أن مجرد خبر الواحد الذي لا دليل على صدقة لا يفيد العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد وإنه خبر واحد لا دليل على صدقه بل ولا يمكن عندهم إقامة دليل على صدقه فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود

ولكن إن كان المستمع قد تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصوير وهذا بين

وتلخيصه أن المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم المحدود بالحد

ومن قال أنا أريد بالحد المفرد لم يكن قوله مفيدا لشيء أصلا فإن التكلم ب الاسم المفرد لا المستمع شيئا بل إن كان تصور المحدود بدون هذا اللفظ كان قد تصوره بدون هذا اللفظ المفرد وإن لم يكن تصوره لا قبله ولا بعده

الوجه الثالث لو حصل تصور المحدود بالحد لحصل ذلك قبل العلم بصحة الحد

الثالث أن يقال لو كان مفيدا لتصور المحدود لم يحصل ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد فانه دليل التصور وطريقه وكاشفه فمن الممتنع أن نعلم صحة المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود إذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل


39

تصور المخبر عنه من غير تقليد المخبر وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر والمخبر ليس هو من باب الاخبار عن الأمور الغائبة

الوجه الرابع معرفة المحدود يتوقف على العلم بالمسمى واسمه فقط

الرابع أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية ويسمونها اجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك من العبارات

فان لم يعلم المستمع ان المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع ان يتصوره وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد فثبت انه على تقدير النقيضين لا يكون قد تصوره بالحد وهذا بين

فانه إذا قيل الانسان هو الحيوان الناطق فان لم يكن قد عرف الانسان قبل هذا كان متصورا لمسمى الحيوان الناطق ولا يعلم انه الانسان احتاج الى العلم بهذه النسبة وإن لم يكن متصورا لمسمى الحيوان الناطق احتاج الى شيئين الى تصور ذلك وإلى العلم بالنسبة المذكورة وإن عرف ذلك كان قد تصور الانسان بدون الحد

الحد قد ينبه تنبيها

نعم الحد قد ينبه على تصور المحدود كما ينبه الاسم فان الذهن قد يكون غافلا عن الشئ فاذا سمع اسمه أو حده اقبل بذهنه الى الشئ الذي اشير اليه بالاسم او الحد فيتصوره فيكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم وهذا هو الصواب وهو التمييز بين الشئ المحدود وغيره


40

ويكون الحدود للانواع بالصفات كالحدود للاعيان بالجهات كما إذا قيل حد الارض من الجانب القبلي كذا ومن الجانب الشرقي كذا وميزت الارض باسمها وحدها وحد الارض يحتاج اليه إذ خيف من الزيادة في المسمى او النقص منه فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس منه كما يفيد الاسم وكذلك حد النوع

وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوصفية أخرى وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط وتمييز المحدود عن غيره لا تصوير المحدود وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم والتسمية امر لغوي وضعي رجع في ذلك الى قصد ذلك المسمى ولغته ولهذا يقول الفقهاء من الاسماء ما يعرف حده ب اللغة ومنه ما يعرف حده ب الشرع ومنه ما يعرف حده ب العرف

ومن هذا تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يبنى على معرفة حدود كلامه وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فانه يحتاج الى معرفة دليل صحة الكلام فالاول فيه بيان تصوير كلامه والثاني بيان تصديق كلامه

وتصوير كلامه كتصوير مسميات الاسماء ب الترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف ان ذلك اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار له إلى المسمى بحسب الامكان إما إلى عينة وإما الى نظيره ولهذا يقال الحد تارة يكون ل الاسم وتارة يكون ل المسمى

وأئمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند التحقيق بهذا كما ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب معيار العلم الذي صنفه في المنطق بعد ان قال


41

البحث النظري الجاري في الطلب إما أن يتجه الى تصور او إلى تصديق فالموصل الى التصور يسمى قولا شارحا فمنه حد ومنه رسم والموصل الى التصديق يسمى حجة فمنه قياس ومنه استقراء وغيره

قال الغزالي

مضمون هذا الكتاب تعريف مبادئ القول الشارح لما أريد تصوره حدا كان أو رسما وتعريف مبادئ الحجة الموصلة الى التصديق قياسا كان او غيره مع التنبيه على شروط صحتها ومثار الغلط فيها

قال

فان قلت كيف يجهل الانسان العلم التصوري حتى يفتقر الى الحد قلنا بان يسمع الانسان اسما لا يعرف معناه كمن قال ما الخلاء وما الملاء وما الشيطان وما العقار فيقال العقار الخمر فان لم يعرفه باسمه المعروف يفهمه بحده فيقال الخمر هو شراب مسكر معتصر من العنب فيحصل له علم تصوري بذات الخمر

قلت فقد بين أن فائدة الحدود من جنس فائدة الاسماء وان ذلك كمن سمع اسما لا يعرف معناه فيذكر له اسم فان لم يتصوره وإلا ذكر له الحد

وهذا مما يعترف به حذاقهم حتى بين معلمهم الثاني ابو نصر الفارابي وهو أعظم الفلاسفة كلاما في المنطق وتفاريعه من برهانه

ومعلوم ان الاسم لا يفيد بنفسه تصوير المسمى وإنما يفيد التمييز بينه وبين غيره وأما تصور المسمى فتارة يتصوره الانسان بذاته بحسه الباطن أو الظاهر وتارة يتصوره بتصور نظيره وهو ابعد فمن عرف عين


42

الخمر إذا لم يعرف مسمى لفظ العقار قيل له هو الخمر او غيرها من الاسماء فعرفها ومن لم يعرف عين الخمر بحال عرف بنظيرها فقيل له هو شراب فاذا تصور القدر المشترك بين النظيرين ذكر له ما يميزها فقيل مسكر

ولكن الكلام في تصوره لمعنى المسكر كالكلام في تصوره لمعنى الخمر فان لم يعرف عين المسكر وإلا لم يمكن تعريفه إلا بنظيره فيقال هو زوال العقل وهذا جنس يشترك فيه النوم والجنون والاغماء والسكر فلا بد ان يميز السكر فيقال زوال العقل بما يلتذ به ثم اللذة لا بد ان يكون قد تصور جنسها ب الاكل والشرب وغيرهما

وهذا يبين أن فائدة الحدود قد تكون اضعف من فائدة الاسماء لأنها تفيد معرفة الشئ بنظيره والاسم يكتفى به من عرفه بنفسه

وحقيقة الامر ان الحد هو ان تصف المحدود بما تفصل به بينه وبين غيره والصفات تفيد معرفة الموصوف خبرا وليس المخبر كالمعاين ولا من عرف المشهود عليه بعينه كمن عرفه بصفته وحليته فمن عرف المسمى بعينه كان الاسم مغنيا له عن الحد كما تقدم ومن لم يعرفه بعينه لم يفده الحد ما يفيد الاسم لمن عرفه بعينه إذ الاسم هناك يدل على العين التي عرفها بنفسها والحد لمن لم يعرف العين إنما يفيده معرفة النوع لا معرفة العين كما يتصور اللذه بشرب الخمر من لم يشربها قياسا على اللذة ب الخبز واللحم ومعلوم فرق ما بين اللذتين

وليس مقصودنا أن فائدة الحدود اضعف مطلقا وإنما المقصود انها من جنس


43

فائدة الاسماء وأنها مذكرة لا مصورة او معرفة بالتسمية مميزة للمسمى من غيره او معرفة بالقياس

اعتراف ابن سينا بأن من الامور ما هو متصور بذاته

وهكذا يقول حذاقهم في تحديد امور كثيرة قد حدها غيرهم يقولون لا يمكن تحديدها تحديد تعريف لماهياتها بل تحديد تنبيه وتمييز كما قال ابن سينا في الشفاء قال

فنقول إن الموجود والشئ والضروري معانيها ترتسم في النفس إرتساما أوليا ليس ذلك الارتسام مما يحتاج أن يجلب بأشياء هو أعرف منها

فانه كما أنه في باب التصديق مباديء أولية يقع التصديق بها لذاتها ويكون التصديق لغيرها بسببها وإذا لم يخطر بالبال أو يفهم اللفظ الدال عليها لم يمكن التوصل إلى معرفة ما يعرف بها وإذا لم يكن التعريف الذي يحاول إخطارها بالبال أو يفهم ما يدل عليها من الألفاظ محاولا لافادة علم ما ليس في الغريزة بل منبها على تفهيم ما يريده القائل أو يذهب إليه وربما كان ذلك بأشياء هي في أنفسها أخفى من المراد تعريفه لكنها لعلة ما وعبارة ما صارت أعرف

كذلك في التصورات أشياء هي مباديء للتصور هي متصورات لذاتها وإذا أريد أن يدل عليها لم يكن ذلك في الحقيقة تعريفا لمجهول بل تنبيها وإخطارا بالبال باسم العلامة وربما كانت في نفسها أخفى منه


44

لكنها لعلة ما وحال ما تكون أظهر دلالة فاذا استعملت تلك العلامة نبهت النفس على إخطار ذلك المعنى بالبال من حيث أنه هو المراد لا غيره من غير أن تكون العلامة بالحقيقة معلمة إياه

ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر إلى غير النهاية أو لدار وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها كالموجود والشيء والواحد وغيره ولهذا ليس يمكن أن يبين شيء منها ببيان لا دور فيه ألبتة أو ببيان وشيء أعرف منها

وكذلك من حاول أن يقول فيها شيئا وقع في اضطراب كمن يقول إن من حقيقة الموجود أن يكون فاعلا أو منفعلا وهذا وإن كان ولا بد فمن اقسام الموجود والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل وجمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود ولا يعرفون ألبتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح لي ذلك إلا بقياس لاغير فكيف يكون حال من يروم أن يعرف الشيء الظاهر بصفة له تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له

وكذلك قول من قال إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر فان يصح أخفى من ل الشيء والخبر أخفى من الشيء فكيف يكون هذا تعريفا ل الشيء وإنما تعرف الصحة ويعرف الخبر بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه شيء أو أنه أمر أو أنه ما أو أنه الذي وجميع ذلك كالمرادفات لاسم الشيء فكيف يصح أن يعرف الشيء تعريفا حقيقيا بما لا يعرف إلا به نعم ربما كان في ذلك وأمثاله تنبيه ما وأما بالحقيقة فانك إذا قلت


45

إن الشيء هو ما يصح ان يخبر عنه تكون كأنك قلت إن الشيء هو الشيء الذي يصح عنه الخبر لأن معنى ما والذي والشيء معنى واحد فتكون قد أخذت الشيء في حد الشيء على أننا لا ننكر أن يقع بهذا وما أشبهه مع فساد مأخذه تنبيه بوجه ما على الشئ ونقول إن معنى الموجود ومعنى الشئ متصوران في الانفس وهما معنيان والموجود والمثبت والمحصل اسماء مترادفة على معنى واحد ولا شك ان معناها قد حصل في نفس من يقرأ هذا الكتاب

وكذلك قال في حد الواحد والكثير قال

فصل في تحقيق الواحد والكثير وإبانة ان العدد عرض والذي يصعب علينا تحقيقه ما هية الواحد وذلك انا إذا قلنا إن الواحد الذي لا ينقسم فقد قلنا إن الواحد الذي لا يتكثر ضرورة فأخذنا في بيان الواحد الكثرة وأما الكثرة فمن الضرورة أن تحد ب الواحد لان الواحد مبدأ الكثرة ومنه وجودها وماهيتها

ثم أي حد حددنا به الكثرة استعملنا فيه الواحد بالضرورة فمن ذلك ما نقول إن الكثرة هو المجتمع من وحدات فقد اخذنا الوحدة في حد الكثرة ثم عملنا شيئا آخر وهو أنا أخذنا المجمتع في حدها والمجتمع يشبه ان يكون هو الكثرة نفسها وإذا قلنا من الوحدات أو الوحدان أو الآحاد فقد أوردنا بدل


46

لفظ الجمع هذا اللفظ ولا يفهم معناه ولا يعرف إلا ب الكثرة وإذا قلنا إن الكثرة هي التي تعد بالواحد فنكون قد أخذنا في حد الكثرة الوحدة ونكون أيضا أخذنا في حدها العدد والتقدير وذلك إنما يفهم ب الكثرة أيضا

فما أغنى علينا أن نقول في هذا الباب شيئا يعتد به لكنه يشبه أن تكون الكثرة أيضا أعرف عند تخيلنا ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي يتصورها بديا فذكر الكثرة نتخيلها أولا والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصورها ثم إن كان ولابد فخيالي ثم تعريفنا الكثرة ب الوحدة تعريفا عقليا وهنالك نأخذ الوحدة متصورة بذاتها ومن أوائل التصور يكون تعريفنا الوحدة ب الكثرة تنبيها يستعمل فيه المذهب الخيالي النومي إلى معقول عندنا لا يتصور حاضرا في الذهن

فاذا قالوا إن الوحدة هي الشيء الذي ليست فيه كثرة دلوا على أن المراد بهذه اللفظة الشيء المعقول عندنا بديا الذي يقابل هذا الآخر وليس هو فينبه عليه بسلب هذا عنه

والعجب ممن يحدد العدد ويقول إن العدد كثرة مؤلفة من وحدة أو آحاد والكثرة نفس العدد ليس كالجنس ل العدد وحقيقة الكثرة أنها مؤلفة من وحدات فقولهم إن الكثرة مؤلفة من وحدات كقولهم إن الكثرة كثرة فان الكثرة ليس إلا اسما ل المؤلف من الوحدات


47

فان قال قائل إن الكثرة قد تؤلف من أشياء غير الوحدات مثل الناس والدواب فنقول إنه هذه كما أن الأشياء ليست كثرات بل أشياء موضوعة ل الكثرة وكما أن تلك الأشياء وحدان لا وحدات فكذلك هي كثيرة لا كثرة والذين يحسبون أنهم اذا قالوا إن العدد كمية منفصلة ذات ترتيب فقد تخلصوا من هذا فما تخلصوا فان الكمية تحوج تصورها للنفس إلى أن تعرف ب الجزء أ أو القسمة أو المساوة أما الجزء والقسمة فانما يمكن تصورهما ب الكثرة وأما المساوة فان الكمية أعرف منها عند العقل الصريح لأن المساواة من الأعراض الخاصة ب الكمية التي يجب أن توخذ في حدها الكمية فيقال إن المساوة هي اتحاد في الكمية والترتيب الذي أخذ في حد العدد أيضا هو ما لا يفهم إلا بعد فهم العدد

فيجب أن يعلم أن هذه كلها تنبيهات مثل الشبيه بالأمثلة والأسماء المترادفة فان هذه المعاني متصورة كلها أو بعضها لذواتها وإنما يدل عليها بهذه الأشياء لينبه عليها وتميز فقط

قلت فهذا الكلام الذي ذكره ابن سينا هنا قد تلقوه عنه بالقبول كما يذكر مثل ذلك أبو حامد والرازي والسهروردي وغيرهم

فيقال هذا الذي ذكروه في حدود هذه الأمور هو موجود في سائر ما يرومون بيانه بحدودهم عند التدبر والتأمل لكن منها ما هو بين لكل أحد كالأمور العامة ومنها ما هو بين لبعض الناس كما يعرف أهل الصناعات والمقالات أمورا لا يعرفها غيرهم فحدودها بالنسبة إلى هؤلاء كحدود تلك الأمور التي يعم علمها بالنسبة إلى العموم


48

وأما الأمور التي تخفى فمجرد الحدود لا تفيد تعريف حقيقتها بعينها وإنما تفيد تمييزها ونوعا من التعريف الشبهي

وهذا يتبين بتقرير قاعدة في ذلك فنقول

التحقيق السديد في مسألة التحديد

المقول في جواب ما هو المطلوب تعريفه بالحد هوجواب لقول سائل قال ما كذا كما يقول ما الخمر أو ما الانسان أو ما الثلج

فهذا الاسم المستفهم عنه المذكور في السؤال إما أن يكون السائل غير عالم بمسماه وإما أن يكون عالما بمسماه

مطلوب السائل المتصور للمعنى الجاهل بدلالة اللفظ عليه

فالأول كالسائل عن اسم تحديد في غير لغته أو عن اسم غريب في لغته أو عن اسم معروف في لغته لكن مقصوده تحديد مسماه مثل العربي إذا سأل عن معاني الأسماء الأعجمية إذا سأل عن معاني الأسماء العربية وبعض الأعاجم إذا سأل بعضا عن معاني الأسماء التي تكون في لغة المسئول دون السائل وهذا هو الترجمة

الترجمة وأحكامها

فالمترجم لا بد أن يعرف اللغتين التي يترجمها والتي يترجم بها وإذا عرف أن المعنى الذي يقصد بهذا الاسم في هذه اللغة هو المعنى الذي يقصد به في اللغة الأخرى ترجمه كما يترجم اسم الخبز والماء والأكل والشرب والسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ونحو ذلك من أسماء الأعيان والأجناس وما تضمنته من الأشخاص سواء كانت مسمياتها أعيانا أو معاني

والترجمة تكون ل المفردات ول الكلام المؤلف التام


49

وإن كان كثير من الترجمة لا يأتي بحقيقة المعنى التي في تلك اللغة بل بما يقاربه لأن تلك المعاني قد لا تكون لها في اللغة الأخرى ألفاظ تطابقها على الحقيقة لا سيما لغة العرب فان ترجمتها في الغالب تقريب

ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما بل وتفسير القرآن وغيره من سائر أنواع الكلام وهو في أول درجاته من هذا الباب فان المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء أو بذلك الكلام

وهذا الحد هم متفقون على أنه من الحدود اللفظية مع أن هذا هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع أنواع المخاطبات بتلك فان من قرأ كتب النحو والطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف وكذلك من قرأكتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك

معرفة الحدود الشرعية من الدين

وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله

والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم غريبا بالنسبة إلى المستمع كلفظ ضيزى وقسورة وعسعس وأمثال ذلك

وقد يكون مشهورا لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الاجمال


50

كاسم الصلوة والزكوة والصيام والحج فان هذه وإن كان جمهور المخاطبين يعلمون معناها على سبيل الاجمال فلا يعلمون مسماها على سبيل التحديد الجامع المانع إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي التي يقال لها الأسماء الشرعية

كما إذا قيل صلوة الجنازة وسجدة السهو وسجود الشكر والطواف هل تدخل في مسمى الصلوة في قوله صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلوة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم فقيل هل كل ذلك صلوة تجب فيها الطهارة وهل لا تجب الطهارة لمثل ذلك فهل تجب لما تحريمه التكبير وتحليله التسليم وهي كصلوة الجنازة وسجد السهو دون الطواف سجود التلاوة

وكذلك اسم الخمر والربوا والميسر ونحو ذلك يعلم أشياء من مسمياتها ومنها ما لا يعلم إلا ببيان آخر فانه قد يكون الشيء داخلا في اسم الربوا والميسر والانسان لا يعلم ذلك إلا بدليل يدل على ذلك شرعي أو غيره

ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حد الغيبة فقال ذكرك أخاك بما يكره فقال له أرأيت إن كان في أخي ما أقول فقال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته

وكذلك قوله لما قال لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر


51

فقال رجل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذلك فقال لا الكبر بطر الحق وغمط الناس

وكذلك لما قيل له ما الإسلام وما الإيمان وما الإحسان ولما سئل عن أشياء أهي من الخمر وغير ذلك

بالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة وفي كل لغة فان معرفتها من ضرورة التخاطب الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم

أقسام الحدود اللفظية

وهذا الذي يقال له حد بحسب الاسم والمقول في جواب ما هو من هذا النوع وقد يكون اسما مرادفا وقد يكون مكافيا غير مرادف بحيث يدل على الذات مع صفة أخرى كما إذا قال ما الصراط المستقيم فقال هو الاسلام واتباع القرآن أو طاعة الله ورسوله والعلم النافع والعمل الصالح وما الصارم فقيل هو المهند وما أشبه ذلك

وقد يكون الجواب ب المثال كما إذا سئل عن لفظ الخبز ورأى


52

رغيفا فقال هذا فان معرفة الشخص يعرف منه النوع

وإذا سئل عن المقتصد والسابق والظالم فقال المقتصد الذي يصلي الفريضة في وقتها ولا يزيد والظالم الذي يؤخرها عن الوقت والسابق الذي يصليها في أول الوقت ويزيد عليها النوافل الراتبة ونحو ذلك من التفسير الذي هو تمثيل يفيد تعريف المسمى ب المثال لا خطاره بالبال لا لأن السائل لم يكن يعرف المصلي في أول الوقت وفي أثنائه والمؤخر عن الوقت لكن لم يكن يعرف أن هذه الثلاثة أمثلة الظالم والمقتصد والسابق فاذا عرف ذلك قاس به ما يماثله من المقتصر على الواجب والزائد عليه والناقص عنه

ثم إن معرفة حدود هذه الأسماء في الغالب تحصل بغير سؤال لمن يباشر المتخاطبين بتلك اللغة أو يقرأ كتبهم فان معرفة معاني اللغات تقع كذلك

وهذه الحدود قد يظن بعض الناس أنها حدود لغوية يكفي في معرفتها العلم باللغة والكتب المصنفة في اللغة وكتب الترجمة وليس كذلك على الاطلاق

بل الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف ألف منها ما يعرف حده ب اللغة كالشمس والقمر والكوكب ونحو ذلك ب ومنها مالا يعرف إلا ب الشرع كأسماء الواجبات الشرعية والمحرمات الشرعية كالصلوة والحج والربوا والميسر ج ومنها ما يعرف ب العرف العادي وهو عرف الخطاب باللفظ كاسم النكاح والبيع والقبض وغير ذلك

هذا في معرفة حدود ها التي هي مسمياتها على العموم


53

الاجتهاد و التأويل

وأما معرفة دخول الأعيان الموجودة في هذه الأسماء والألفاظ فهذا قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا يحتاج إلى اجتهاد وهذا هو التأويل في لفظ الشارع الذي يتفاضل الفقهاء وغيرهم فيه فانهم قد اشتركوا في حفظ الألفاظ الشرعية بما فيها من الأسماء أو حفظ كلام الفقهاء أو النحاة أو الأطباء وغيرهم ثم يتفاضلون بأن يسبق أحدهم إلى أن يعرف أن هذا المعنى الموجود هو المراد أو مراد هذا الاسم كما يسبق الفقيه الفاضل إلى حادثة فينزل عليها كلام الشارع أو كلام الفقهاء وكذلك الطبيب يسبق إلى مرض لشخص معين فينزل عليه كلام الأطباء إذ الكتب والكلام المنقول عن الأنبياء والعلماء إنما هو مطلق بذكر الأشياء لصفاتها وعلاماتها فلا بد يعرف أن هذا المعين هو ذاك

وإذا كان خفيا فقد يسميه بعض الناس تحقيق المناط فان الشارع قد ناط الحكم بوصف كما ناط قبول الشهادة بكونه ذا عدل وكما ناط العشرة المأمور بها بكونها بالمعروف وكما ناط النفقة الواجبة بالمعروف وكما ناط الاستقبال في الصلوة بالتوجه شطر المسجد الحرام يبقي النظر في هذا المعين هل هو شطر المسجد الحرام وهل هذا الشخص ذو عدل وهل هذه النفقة نفقة بالمعروف وأمثال ذلك لابد فيه من نظر خاص لا يعلم ذلك بمجرد الاسم

وقد يكون الاجتهاد في دخول بعض الأنواع في مسمى ذلك الاسم كدخول الأشربة المسكرة من غير العنب والنخل في مسمى الخمر ودخول الشطرنج والنرد ونحوهما في مسمى الميسر ودخول السبق بغير محلل في سباق الخيل ورمى النشاب في ذلك ودخول الرمل ونحوه في الصعيد


54

الذي في قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا ودخول من خرج منه منى فاسد في قوله وإن كنتم جنبا فاطهروا ودخول الساعد في قوله فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ودخول البياض الذي بين العذار والأذن في قوله فاغسلوا وجوهكم ودخول الماء المتغير بالطهارات أو ما أوقعت به نحاسة ولم تغيره في قوله فلم تجدوا ماء ودخول المائع الذي لم يغيره ما مات فيه من الطيبات أو الخبائث ودخول سارق الأموال الرطبة في قوله والسارق والسارقة ودخول النباش في ذلك ودخول الحلفة بما يلزم لله في مسمى الأيمان ودخول بنات البنات والجدات في قوله حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم

ومثل هذا الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين ممن يثبت القياس ومن ينفيه فان بعض الجهال يظن أن من نفى القياس يكفيه في معرفة مراد الشارع مجرد العلم ب اللغة وهذا غلط عظيم جدا

ولهذا قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله والتفسير الذي يعلمه العلماء فيتضمن الأنواع التي لا تعلم بمجرد اللغة كالأسماء الشرعية ويتضمن أعيان المسميات وأنواعها التي يفتقر دخولها في المسمى إلى اجتهاد العلماء

فصل

ثم إن هذا الاسم المسئول عنه الذي لا يعلم السائل معناه إذا أجيب عنه بما يقال


55

في جواب ما هو ينقسم حال السائل فيه إلى نوعين

أحدهما أن يكون قد تصور المعنى بغير ذلك اللفظ ولكن لم يعرف أنه يعنى بذلك اللفظ فهذا لا يفتقر إلا إلى ترجمة اللفظ كالمعاني المشهورة عند الناس من الاعيان والصفات والافعال كالخبز والماء والاكل والشرب والبياض والسواد والطول والقصر والحركة والسكون ونحو ذلك

مطلوب السائل الغير المتصور للمعنى الجاهل باسمه

والثاني أن يكون غير متصور المعنى كما أنه غير عالم بدلالة اللفظ عليه وهذا يحتاج إلى شيئين إلى ترجمة اللفظ وإلى تصور المعنى الى حد الاسم والمسمى

وهذا مثل من يسأل عن لفظ الثلج وهو لم يره قط أو يسأل عن اسم نوع من الفاكهة او الحيوان الذي لم يره أو لم يكن في بلاده أو يسأل عن اسم المسجد والصلوة والحج وكان حديث عهد بالاسلام لم يتصور هذه المعاني او يسأل عن اسم نوع من الاطعمة والاشربة التي لا يعرفها أو اسم نوع من أنواع الثياب والمساكن التي لا يعرفها

وبالجملة فكل ما لا يعرفه الشخص من الاعيان والافعال والصور إذا سمع اسمه إما في كلام الشارع أو كلام العلماء أو كلام بعض الناس فانه إذا كان ذلك المعنى هو لم يتصوره ولا له في لغته لفظ فهنا لا يمكن تعريفه إياه بمجرد ترجمة اللفظ بل الطريق في تعريفه إياه إما التعيين وإما الصفة

وأما التعيين فانه بحضور الشئ المسمى ليراه إن كان مما يرى أو يذوقه او يلمسه ونحو ذلك بحيث يعرف المسمى كما عرفه المتكلمون بذلك الاسم

فاذا رأى الثلج وذاقه ورأى الفاكهة أو الطبيخ أو الحلوى وذاقه أو رأى


56

الحيوان الذي لم يألفه أو رأى العبادات أو الاعمال التي لم يكن يعرفها فحيئذ يتصورها ويتصور اسمها كما تصورها أهل اللغة وهم على قسمين منهم من علم ذلك بالمشاهدة ولم يذق حقيقته ومنهم من يكون قد ذاقه

وأما الطريق الثاني وهو أن يوصف له ذلك والوصف قد يقوم مقام العيان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها

ولهذا جاز عند جمهور العلماء بيع الاعيان الغائبة ب الصفة

هذا مع ان الموصوف شخص واما وصف الانواع فاسهل

ولهذا التعريف ب الوصف هو التعريف ب الحد فانه لا بد ان يذكر من الصفات ما يميز الموصوف والمحدود من غيره بحيث يجمع أفراده وأجزاءه ويمنع أن يدخل فيه ما ليس منه وهي في الحقيقة تعريف ب القياس والتمثيل إذ الشيء لا يتصوره إلا بنفسه أو بنظيرة

وبيان ذلك أنه يذكر من الصفات المشتركة بينه وبين غيره ما يكون مميزا لنوعه فكل صفة من تلك الصفات إنما تدل على القدر المشترك بينه وبين غيره من النوع مثلا والقدر المشترك إنما يفيد المعرفة للعين ب المثال لا يفيد معرفة العين المختصة إذ الدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز لكن يكون مجموع الصفات مميزا له تمييز تمثيل لا تمييز تعيين فان غير نوعه لا تجمع له تلك الصفات وهو نفسه لا يميز إلا بما يخصه


57

فالحد يفيد الدلالة عليه لا تعريف عينه بمنزلة من يقال له فلان في هذه الدار يدل عليه قبل أن يراه وهو قد يصور المشترك بينه وبين غيره بدون هذه الدلالة

ومن تدبر هذا تبين له أن الحدود المصورة للمحدود لمن لا يعرفه إنما هي مؤلفة من الصفات المشتركة لا يدخل فيها وصف مختص به إذ المختص وإن كان لا بد منه في الحد المميز فهو لم يتصوره وأنها لا تفيد تعريف عينه فضلا عن تصوير ما يتنبه له وإنما يفيد تعريفه بطريق التمثيل المقارب إذ لو عرف المثل المطابق لعرف حقيقة

ثم قد يكون المخصص صفة واحدة وقد يكون الاختصاص بمجموع الصفتين

ولو عرف المستمع الوصف الذي يخصه كان قد تصورة ب عينه فيكون هو من القسم الاول الذي يترجم له اللفظ فقط

مثال ذلك أنه إذا سمع لفظ الخمر وهو لا يعرف اللفظ ولا مسماه فيقال له هو الشراب المسكر ولفظ الشراب جنس ل الخمر يدخل فيه الخمر وغيرها من الاشربة وهذا واضح وكذلك لفظ المسكر الذي يظن أنه فصل مختص ب الخمر وهو في الحقيقة جنس فيه يشترك الشراب وغيره فان لفظ المسكر ومعناه لا يختص ب الشراب بل قد يكون ب طعام وقد يحصل السكر بغير طعام وشراب فحينئذ فلا فرق بين ان يقول هو المسكر من الاشربة أو ما اجتمع فيه الشرب والسكر أو يقول الشراب المسكر إنما هو كما يقول ثوب خز وباب حديد ورجل طويل أو قصير فان الرجل أعم من الطويل والطويل اعم من الرجل ولكن باجتماع هذين يتميز

وكذلك قولهم في حد الانسان هو الحيوان الناطق فلما نقضوا عليهم ب الملك زاد المتأخرون المائت وهي زيادة فاسدة فان كونه مائتا ليس بوصف ذاتى له إذ يمكن تصور الانسان مع عدم خطور موته بالبال بل ولا


58

هو صفة لازمة فضلا عن ان تكون ذاتية فان الانسان في الاخرة هو إنسان كامل وهو حي أبدا

وهب ان من الناس من يشك في ذلك او يكذب به أليس هو مما يمكن تصوره في العقل فاذا قدر الانسان على الحال الذي اخبرت به الرسل عليهم السلام اليس هو إنسانا كاملا وهو غير مائت

ثم يقال ايضا والملك يموت عند كثير من المسلمين واليهود والنصارى أو أكثرهم وهب انه لا يموت كما قالته طائفة من اهل الملل وغيرهم كما يقوله من يقوله ولكن ليس ذلك معلوما للمخاطب بالحد لا سيما والنفس الناطقة من جنس ما يسمونه الملائكة وهي العقول والنفوس الفلكية عندهم فظهر ضعف ما يذكره الفارابي وابو حامد وغيرهما من هذا الاحتراز

ولكن يقال اسم الحيوان عندهم مختص ب النامى المغتذى وهذا يخرج الملك ف الحيوان يخرج الملك وحينئذ ف الناطق اعم من الانسان إذ قد يكون إنسانا وغير إنسان كما أن الحيوان أعم منه

وهب أنا نقبل فصلهم ب المائت فنقول المائت ايضا ليس مختصا ب الانسان بل هو من الصفات التي يشترك فيها الحيوان

فقد تبين ان كل صفة من هذه الصفات الحيوان والناطق والمائت ليس منها واحد مختص بنوع الانسان فبطل قولهم إن الفصل لا يكون إلا بالصفات المختصة ب النوع فضلا عن كونها ذاتية وإنما يحصل التمييز بذكر المجموع إما الوصفين وإما الثلاثة

هذا إذا جعل الفصل مصورا للمحدود في نفس من لم يتصوره وأما إذا جعل الفصل مميزا له عن غيره فلا ريب أنه يكون بالصفات المختصة


59

والمقصود انه من تصور المحدود بنفسه فلا بد ان يتصور ما يختصه ويميزه عن غيره وهذا لا يحتاج في تصوره الى حد ولكن يترجم له الاسم الدال عليه ويميز له المسمى عن غيره لكن الحد يكون منبها له على الحقيقة كما ينبهه الاسم إذا كان عارفا بمسماه

وأما من لم يكن متصورا له فلا يمكن ان يذكر له صفة واحدة تختص بالمحدود فلا يمكن تعريفه إياه لا ب فصل ولا خاصة سواء ذكر الجنس والعرض العام او لم يذكر لان الصفة التي تختص المحدود لا تتصور بدون تصور المحدود إذ لا وجود لها بدونه والعقل إنما يجرد الكليات إذا تصور بعض جزئياتها فمن لم يتصور الشيء الموجود كيف يتصور جنسه ونوعه

ولكن يتصور ب التثميل والتشبيه ويتصور القدر المشترك بين تلك الصفة الخاصة وبين نظيرها من الصفات والقدر المشترك ليس هو فصلا ولا خاصة ولكن قد ينتظم من قدر مشترك وقدر مشترك ما يخص المحدود كما في قولك شراب مسكر

وعلى هذا فاذا قيل في الفرس إنه حيوان صاهل وفي الحمار إنه حيوان ناهق وفي البعير إنه حيوان راغ وفي الثور إنه حيوان خائر وفي الشاة إنها حيوان ثاغ وفي الظبي إنه حيوان باغم وامثال ذلك فهذه الاصوات مختصة بهذه الانواع لكن لا تفيد تعريف هذه الحيوانات لمن لم يكن عارفا بها فمن لم يعرف الفرس لا يعرف الصهيل ومن لم يعرف الحمار لا يعرف النهيق أعنى لا يعرف معناه وإن سمع اللفظ فاذا أريد تعريف النهيق قيل له هو صوت الحمار فيلزم الدور إذ يكون قد عرف الحمار ب النهيق والنهيق ب الحمار

وهكذا سائر الخواص المميزة للمحدود لا يعرف بها المحدود لمن لم يكن عرفه

فتبين ان تعريف الشئ إنما هو بتعريف عينه أو بذكر ما يشبهه فمن عرف عين


60

الشئ لا يقتصر في معرفته الى حد ومن لم يعرفه فانما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص المعرف

ومن تدبر هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من الغيب من الملائكة واليوم الاخر وما في الجنة والنار من انواع النعيم والعذاب بل عرف أيضا ما يدخل من ذلك في معرفتهم بالله تعالى وصفاته ولم قال كثير من السلف المتشابه هو الوعد والوعيد والمحكم هو الامر والنهى ولم قيل القرآن يعمل ب محكمة ويؤمن ب متشابهه وعلم أن تأويل المتشابه الذي هو العلم بكيفية ما أخبرنا به لا يعلمه إلا الله وإن كان العلم بتأويله الذي هو تفسيره ومعناه المراد به يعلمه الراسخون في العلم كما قد بسطناه في غير هذا الموضع

هذا كله إذا كان السائل القائل ما هو غير عالم ب المسمى

واما إن كان عالما ب المسمى ودلالة الاسم عليه فلا يحتاج الى التمييز بين المسمى وغيره ولا الى تعريفه دلالة الاسم عليه فيكون مطلوبه قدرا زائدا على التمييز بينه وبين غيره وهذا هو الذي يجعلونه مطلوبا للسائل عن المحدود وجوابه هو عندهم المقول في جواب ما هو

ومعلوم أن مطلوب هذا قد يكون ذكر خصائص له باطنة لم يطلع عليها وقد يكون مطلوبه بيان علته الفاعلية أو الغائية وقد يكون مطلوبه معرفة ما تركب منه شئ ما وقد يكون مطلوبه معرفة حقيقته التي لا يعلمها المسئول او علمها ولا عبارة تدل السائل عليها كالسائل عن حقيقة النفس وأمثال ذلك


61

وجواب مثل هذا لا يجب ان يحصل بذكر صفة مشتركة مع الصفات المختصة بل قد لا يحصل إلا بذكر جميع المشتركات وقد يحصل بذكر بعض المختصات وقد يحصل بغير ذلك بحسب غرض السائل ومقصوده

الوجه الخامس التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة

الخامس إن التصورات المفردة يمتنع ان تكون مطلوبة فيمتنع ان تطلب بالحد وذلك لأن الذهن إما أن يكون شاعرا بها وإما أن لا يكون شاعرا بها فان كان شاعرا بها امتنع طلب الشعور وحصوله لان تحصيل الحاصل ممتنع وإنما قد يطلب دوام الشعور وتكرره او قوته وإن لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به فان الطلب والقصد مسبوق بالشعور

فان قيل فالانسان يطلب تصور الملك والجن والروح واشياء كثيرة وهو لا يشعر بها قيل هو قد سمع هذه الاسماء فهو يطلب تصور مسماها كما يطلب من سمع الفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها سواء كانت المعاني متصورة له قبل ذلك او لم تكن وهو اذا تصور مسمى هذه الاسماء فلا بد ان يعلم انها مسماة بهذا الاسم اذ لو تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات وانها مسماة بكذا من جنس ما يرى الثلج من لم يكن يعرفه فيراه ويعلم ان اسمه الثلج وهذا ليس تصورا للمعنى فقط بل للمعنى ولا سمه وهذا لا ريب ان يكون مطلوبا ولكن هذا لا يوجب ان يكون المعنى المفرد مطلوبا فان المطلوب هنا تصديق وفيه امر لغوي

وايضا فان المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد بل لا بد من تعريف المحدود بالاشارة اليه او غير ذلك مما لا يكتفى فيه بمجرد اللفظ


62

فان قيل جعلتم امتناع الطلب لازما 54 للنقيضين والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان واذا عدم اللازم عدم الملزوم فاذا كان امتناع الطلب وهو اللازم معدوما لزم عدم النقيضين وعدم النقيضين محال قيل هذا الامتناع لازم على تقدير هذا النقيض او تقدير هذا النقيض فأيهما كان ثابتا في نفس الامر كان الامتناع لازما له يلزم به في نفس الامر وليس في هذا جمع بين النقيضين ولا رفع للنقيضين وهذا يقوى المقصود فان هذا الامتناع اذا لزم من انتفائه المحال لم يكن منتفيا بل يكون هذا الامتناع ثابتا وهو المطلوب واذا كان عدم هذا الامتناع مستلزما للنقيضين كان محالا فيكون نقيضه وهو ثبوت هذا الامتناع حقا فيكون امتناع الطلب للتصورات المفردة ثابتا وهو المراد

واذا لم تكن التصورات المفردة مطلوبة فاما ان تكون حاصلة للانسان فلا تحصل بالحد فلا يفيد الحد التصوير واما ان تكون حاصلة فمجرد حصول الحد لا يوجب ذكر الاسماء تصور المسميات لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم يحتج الى الحد في ذلك الشعور الا من جنس ما يحتاج الى الاسم

والمقصود هو التسوية بين فائدة الحدود وفائدة الاسم لكن الحد اذا تعددت فيه الالفاظ كان كتعداد الاسماء سواء كانت مشتقة او غير مشتقة

الوجه السادس التفريق بين الذاتي والعرضي باطل

السادس ان يقال المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام وهو الحقيقي وهو المؤلف من الجنس والفصل من الذاتيات المشتركة والمميزة دون العرضيات العرضيات التي هي العرض العام والخاصة والمثال المشهور


63

عندهم ان الذاتي المميز الانسان الذي هو الفصل هو الناطق والخاصة هي الضاحك

فنقول مبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي

وهم يقولون المحمول الذاتي داخل في حقيقة الموضوع أي الوصف الذاتي داخل في حقيقة الموصوف بخلاف المحمول العرضي فانه خارج عن حقيقة

ويقولون الذاتي هو الذي تتوقف الحقيقة عليه بخلاف العرضي ويقسمون العرضي الى لازم وعارض واللازم الى لازم لوجود الماهية دون حقيقتها كالظل للفرس والموت للحيوان والى لازم للماهية كالزوجية والفردية للا ربعة والثلاثة

والفرق بين لازم الماهيه ولازم وجودها ان لازم وجودها يمكن ان تعقل الماهيه موجودة دونه بخلاف لازم الماهية لا يمكن ان يعقل موجودا دونه

وجعلوا له خاصة ثانيه وهو ان الذاتي ما كان معلولا للماهيه بخلاف للازم ثم قالوا من اللوازم ما يكون معلولا للماهيه بغير وسط وقد يقولون ما كان ثابتا لها بواسطة وقالوا ايضا الذاتي ما يكون سابقا للماهية في الذهن والخارج بخلاف اللازم فانه ما يكون تابعا

فذكروا هذه الفروق الثلاثة وطعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق الثلاثة وبينوا انه لا يحصل به الفرق بين الذاتي وغيره كما قد بسطت كلامهم في غير هذا الموضع

وقد يقولون ايضا هو المقوم للماهية الذي يكون متقدما عليها في الوجود وهذه الماهية وهو ان يسبق الذاتي للماهية فانه لا يتأخر عن الماهية في التصور


64

والفرق الثالث انه لازم لها بواسطة والعرض اللازم لازم لها بوسط والوسط عند ائمتهم كابن سينا وغيره وهو ما يسمونه باللازم في ذلك ولانه معناه الدليل لبعض متأخريهم كالرازي

ثم قد تناقضوا في هذا المقام كما قد بسطته في غير هذا المقام لما حكيت الفاظهم وتناقضهم كما ذكرته من اقوال ابن سينا في الاشارات وغير ذلك من اقوالهم اذ لم نحك هنا نفس الفاظهم وانما القصد التنبيه على جوامع تعرف ما يظهر به بطلان كثير من اقوالهم المنطقية

وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على اصلين فاسدين الفرق بين الماهية ووجودها ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها

الكلام على الفرق بين الماهية ووجودها

فالاصل الاول قولهم ان الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها وهذا هو قولهم بان حقائق الانواع المطلقة التي هي ماهيات الانواع والاجناس وسائر الكليات موجودة في الاعيان وهو يشبه من بعض الوجوه قول من يقول المعدوم شيء وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وهذا من افسد ما يكون

وانما اصل ضلالهم انهم راوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك فقالوا ولو لم يكن ثابتا لما كان كذلك كما انا نتكلم في حقائق الاشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج فنتخيل الغلط ان هذه الحقائق والماهيات امور ثابتة في الخارج

والتحقيق ان ذلك كله امر موجود وثابت في الذهن لا في الخارج عن الذهن والمقدر في الاذهان قد يكون اوسع من الموجود في الاعيان وهو موجود وثابت في الذهن وليس هو في نفس الامر لا موجودا ولا ثابتا فالتفريق بين الوجود


65

والثبوت مع دعوى ان كليهما في الخارج غلط عظيم وكذلك التفريق بين الوجود والماهية مع دعوى ان كليهما في الخارج

وانما نشأت الشبهة من جهة انه غلب على ان ما يوجد في الذهن يسمى ماهية وما يوجد في الخارج يسمى وجودا لان الماهية مأخوذة من قولهم ما هو كسائر الاسماء المأخوذة من الجمل الاستفهامية كما يقولون الكيفية والاينية ويقال ماهية ومايية وهي أسماء مولدة وهي المقول في جواب ما هو بما يصور الشئ في نفس السائل

فلما كانت الماهية منسوبة الى الاستفهام ب ما هو والمستفهم إنما يطلب تصوير الشئ في نفسه كان الجواب عنها هو المقول في جواب ما هو بما يصور الشئ في نفس السائل وهو الثبوت الذهني سواء كان ذلك المقول موجودا في الخارج او لم يكن فصار بحكم الاصطلاح اكثر ما يطلق الماهية على ما في الذهن ويطلق الوجود على ما في الخارج فهذا امر لفظي اصطلاحي

وإذا قيد وقيل الوجود الذهبي كان هو الماهية التي في الذهن وإذا قيل ماهية الشئ في الخارج كان هو عين وجوده الذي في الخارج

فوجود الشئ في الخارج عين ماهيته في الخارج كما اتفق على ذلك أئمة النظار المنتسبين الى أهل السنة والجماعة وسائر أهل الاثبات من المتكلمة الصفاتية وغيرهم كأبى محمد بن كلاب وأبى الحسن الاشعري وابى عبدالله بن كرام وأتباعهم دع أئمة أهل السنة والجماعة من السلف والائمة الكبار

واتفقوا على ان المعدوم ليس له في الخارج ذات قبل وجوده وأما في الذهن فنفس ماهيته التي في الذهن هي ايضا وجوده الذي في الذهن وإذا أريد ب الماهية ما في الذهن وب الوجود ما في الخارج كانت هذه الماهية غير


66

الوجود لكن ذلك لا يقتضى ان يكون وجود الماهيات التي في الخارج زائدا عليها في الخارج وأن يكون للماهيات ثبوت في الخارج غير وجودها في الخارج

ومما يوضح الكلام في الاصل الاول ان المتفلسفة أتباع أرسطو كابن سينا ودونه لا يقولون ان كل معدوم من الاشخاص وغيرها هو ثابت في الخارج

وإنما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة وهم أحسن حالا من المتفلسفة فان المتفلسفة على قولين

وأما قد ماؤهم كفيثاغورس وأتباعه وأفلاطون وأتباعه فقد كانوا في ذلك على ضلال مبين رد عليهم أرسطو وأتباعه كما ذكر ذلك ابن سينا في الشفاء وغيره

كان اصحاب فيثاغورس يظنون ان الاعداد والمقادير امور موجودة في الخارج غير المعدودات والمقدرات

بثم اصحاب أفلاطون تفطنوا لفساد هذا وظنوا ان الحقائق النوعية كحقيقة الانسان والفرس وامثال ذلك ثابتة في الخارج غير الاعيان الموجودة في الخارج وأنها ازلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى المثل الافلاطونية والمثل المعلقة

ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا ذلك ايضا في المادة والمدة والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الاولية التي غلطهم فيها جمهور العقلاء من إخوانهم وغير إخوانهم وأثبتوا مدة وجودية خارجة عن الاجسام وصفاتها وأثبتوا خلاء وجوديا خارجا من الاجسام وصفاتها وتفطن ارسطو وذووه ان هذه كلها امور مقدرة في الاذهان لا ثابتة في الاعيان كالعدد مع المعدود ثم زعم أرسطو وذووه ان المادة موجوده في الخارج غير الصور المشهودة وأن الحقائق النوعية ثابتة في الخارج غير الاشخاص


67

المعينة وهذا أيضا باطل كما بسط في غير هذا الموضع وبين ان قول من يقول إن الجسم مركب من الهيولى والصورة باطل كما ان قول من يقول إنه مركب من الجواهر المفردة باطل وأن اكثر فرق اهل الكلام من المسلمين وغيرهم كالكلابية والنجارية والضرارية والهشامية وكثير من الكرامية لا يقولون بهذا ولا بهذا كما عليه جماهير أهل الفقه وغيرهم

والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجود الماهية في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد

وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود هو نفس ما يكون في الخارج منه وهذا فرق صحيح فان الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهذا باطل

ومعلوم أن لفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج فمتى أريد بهما ما في النفس ف الماهية هي الوجود وإن أريد بهما ما في الخارج ف الماهية هي الوجود أيضا وأما إذا بأحدهما ما في النفس وبالأخر ما في الوجود الخارج ف الماهية غير الوجود

وكلامهم إنما يستلزم ثبوت ماهية في الذهن لا في الوجود الخارجي وهذا لا نزاع فيه ولا فائدة فيه إذ هذا خبر عن مجرد وضع واختراع إذ يقدر كل إنسان أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعه الأخر وإذا ادعى هذا أن الماهية هي الحيوان الناطق أمكن الأخر أن يقول بل هي الحيوان الضاحك وإذا قال هذا إن الحيوانية ذاتية ل الانسان بخلاف العددية ل الزوج والفرد


68

أمكن الآخر أن يعارضه ويقول بل العدد ذاتي ل الزوج والفرد واللون ذاتي ل السواد بخلاف الحيوان فليس ذاتيا ل الانسان إذ مضمون هذا كله أن يأتي شخص إلى صفات متماثلة في الخارج فيدعى أن الماهية التي يخترعها في نفسه هي هذه الصفة دون هذه فأنه إن جعل هذا مطابقا للأمر في نفسه وهو قولهم كان مبطلا وإن قال هذا اصطلاح اصطلحته قوبل باصطلاح آخر وكان هذا مما لا فائدة فيه

فان قيل فهم يردون بذلك ما ذكره ابن سينا وغيره من أن كون العدد زوجا وفردا ليس وصفا بينا لكل عدد بل تارة يعلم ثبوته ل العدد بلا وسط كما يعلم أن الاثنين نصف الأربعة وتارة لا يعلم ثبوته إلا بوسط به يعلم أن هذا نصف هذا كما يعلم أن ألفا وثلاثمائة واثنين وسبعين لها نصف بخلاف الحيوانية ل الحيوان فانها بينة بلا وسط إذ كل حيوان أنه حيوان

قيل هذا باطل من وجهين

أحدهما إن هذا أمر يرجع إلى علم الانسان بأن هذه الصفة ثابتة للموصوف بلا وسط وإلى أن علمه بأن هذه الصفة ثابتة لا بد له من وسط وليس هذا فرقا يعود إلى الموجودات في نفسها فان كون هذا العدد زوجا أو فردا هو مثل كون هذا العدد زوجا أو فردا سواء علم الانسان بذلك أو لم يعلم وإذا كان علمه بأحدهما يحتاج إلى دليل دون الآخر لم يوجب ذلك الفرق بينهما في نفس الأمر ولكن هذا مما يبين حقيقة قولهم الذي بيناه في غير هذا الموضع وهو أن الماهية عندهم عبارة عما دل عليه اللفظ ب المطابقة وجزؤها الداخل فيها ما دل عليه اللفظ ب التضمن واللازم الخارج عنها ما دل عليه ب الالتزام فترجع الماهية وجزؤها الداخل واللازم الخارج إلى مدلول المطابقة والتضمن والالتزام وهذا أمر يتبع قصد المتكلم وغايته وما دل عليه بلفظه لا يتبع الحقائق الموجودة في نفسها فان تصور المتكلم قد يكون مطابقا وقد يكون


69

غير مطابق

وهم هنا فرقوا بين الصفات المتماثلة فجعلوا بعضها ذاتيا داخلا في الحقيقة وبعضها عرضيا خارجا لازما للحقيقة

الوجه الثاني أن يقال علم الناس بلزوم الصفات للموصوف وعدم لزومها أمر يتفاوت فيه الناس فقد يشك بعض الناس في بعض الأشياء أنه حيوان أو أنه لون حتى يعلم ذلك كما يشك في بعض الأعداد أنه زوج حتى يعلم ذلك بالوسط فلا فرق حينئذ بين ما جعلوه ذاتيا وما جعلوه عرضيا لازما للحقيقة وهو المطلوب

وأما اللازم للماهية والعرض لوجودها فملخصه أنه يمكن أن يفرض في الذهن ماهية خالية عن هذا اللازم بخلاف الآخر كما يفرض في الذهن فرس لاظل لها وفرس غير مخلوقة بل كما يفرض في الذهن زنجي غير أسود وغراب غير أسود وأمثال ذلك

فيقال إذا قدر أن هذا الذي في الذهن هو الحقيقة فان عني به هو حقيقة ما في الذهن فهذا حق وهذا وجود ما في الذهن فلا فرق بين الماهية ووجودها وإن عني به أن هذا هو الماهية التي في الخارج كان بمنزلة أن يقال هذا هو الموجود الذي في الخارج فانه إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن هذه الصفات اللازمة أمكن أن يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال هذا الوجود بلوازمه

وعلى التقديرين فلا فرق بين الوجود والماهية إلا فرق بين ما في الذهن وما في الخارج وتقدير ماهية في الخارج بدون هذا اللازم كتقدير وجود في الخارج بدون هذا اللازم وهما باطلان


70

الكلام على التفريق بين الذاتي واللازم

الأصل الثاني وهو المقصود إن ما ذكروه من الفرق بين العرضي اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له فان الزوجية والفردية للعدد الزوج والفرد مثل الناطقية والصاهلية للحيوان الانسان والفرس وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف والصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة

وإذا قيل إنه يمكن أن يخطر بالبال الأربعة والثلاثة فيفهم بدون أن يخطر بالبال كون ذلك عددا شفعا أو وترا قيل يمكن أن يخطر بالبال الانسان مع أنه لم يخطر بالبال أنه ناطق ولا أنه حيوان وإذا قيل إن هذا لا يكون تصورا تاما ل الانسان قيل إن هذا لا يكون تصورا تاما ل الأربعة أو الثلاثة

وكذلك العرض الذي هو سواد إذا خطر بالبال أنه سواد ولم يخطر أنه لون أو لم يخطر بالبال أنه عرض أو صفة لغيره أو قائم بغيره ونحو ذلك فأنه لا يمكن أن يقدر في الذهن سواد أو بياض ويقدر أنه ليس ب قائم بغيره بل إذا خطر بالبال معا فلا بد أن يعلم أنه قائم بغيره كما إذا خطر بالبال الجسم الحساس النامي المتحرك بالارادة مع الانسان فلا بد أن يعلم أنه موصوف بذلك بل لزوم ذلك ل اللون في الذهن آكد

فجعل هذه الصفات اللازمة في الذهن لهذه الموصوفات ليست ذاتية لها وهذه ذاتية ل الانسان تحكم محض ولعلة إلى العكس أقرب إن صح التفريق بينهما

لهذا يتناقضون في التمثيل فهم يقولون الحيوانية ذاتية ل الحيوان كالانسان والفرس وغيرهما ف الحيوان هو الذاتي المشترك والناطق هو


71

الذاتي المميز ويقولون العددية ليست ذاتية مشتركة ل الزوج والفرد ولا الزوجية والفردية ذاتية مميزة ل الزوج والفرد وأما اللونية فتارة يجعلونها ك الحيوانية فيجعلونها ذاتية وتارة يجعلونها ك العددية فيجعلونها غير ذاتية وسسب ذلك دعواهم أن كون العدد المعين زوجا أو فردا قد يخفى فلا يعلم إلا بوسط هو الدليل بخلاف كون الانسان والفرس والجمل والحمار والقرد ونحو ذلك حيوانا فانه بين لكل أحد

ومعلوم أن جميع الصفات اللازمة منها ما هو خاص بالموصوف يصلح أن يكون فصلا ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره وكل منهما في الخارج واحد فكما أن السواد هو اللون وهو العرض القائم بغيره والثلاثة هي العدد وهي الفرد ف الانسان هو الحيوان وهوالناطق والفرس هو الحيوان وهو الصاهل وهكذا سائر المحدودات

وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم تصوره في الذهن لتصور الموصوف دون الآخر فباطل من وجهين

أحدهما إن هذا خبر عن وضعهم إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم ويؤخرون هذا وهذا تحكم محض فكل من قدم هذا دون هذا فانما قلدهم في ذلك ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا بل تصوراتنا تابعة لها فليس إذا فرضنا هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك وسائر بني آدم الذين لم يقلدوهم في هذا الوضع لا يستحضرون هذا التقديم والتأخير ولو كان هذا فطريا لكانت الفطرة تدركه بدون التقليد المغير لها كما تدرك سائر الأمور الفطرية والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد تخطر بالبال وقد لاتخطر وكلما خطرت كان الانسان أعلم بالموصوف وإذا لم تخطر كان علمه بصفاته أقل أما أ أن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا في الذات فهذا


72

تحكم ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة

لاسيما وهم يقولون الذاتي يتقدم على الماهية في الذهن وفي الخارج ويسمونه الجزء المقوم لها ويقولون أجزاء الماهية متقدمة عليها في الذهن وفي الخارج لأن الماهية مركبة منها وكل مركب فانه مسبوق بمفرداته

ومعلوم أن صفات الموصوف قائمة به يمتنع أن تكون مقدمة عليه في الخارج وأما تسمية الصفة جزء فسبب ذلك أنها أجزاء في التصور الذهني وفي اللفظ فانك إذا قلت جسم حساس نام متحرك بالارادة ناطق كان هذا المجموع لفظه ومعناه مركبا من هذه الألفاظ ومعانيها وتلك من أجزاء هذا المركب ولكن هذا تحقيق ما قلناه من أن ما سموه الماهية وجزئها الداخل فيها ولازمها الخارج منها يعود إلى المعاني المتصورة في الذهن التي يدل عليها اللفظ ب المطابقة وجزؤها هو ما دل عليه ب التضمن وخارجها اللازم ما دل عليه ب الالتزام

وهم تارة يقولون الذاتي يسبق الماهية وتارة يقولون لا يتأخر عنها ويجعلون كلا من هذين فرقا وهما متداخلان فان ما يتقدم عنها يمتنع أن يتأخر عنها

الوجه الثاني إن كون الوصف ذاتيا للموصوف هو أمر تابع للحقيقة التي هو بها سواء تصورته أذهاننا أو لم تتصوره فلا بد إذا كان احد الوصفين ذاتيا دون الآخر ان يكون بينهما أمرا يعود الى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون الذهن وأما أن يكون الفرق بين الحقائق الخارجة لا حقيقة له إلا بمجرد التقدم والتأخر في الذهن فهذا لا يكون حقا إلا ان تكون الحقيقة والماهية هي ما تقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام الى امور مقدرة في الاذهان لا حقيقة لها في الخارج وهي التخيلات والوهميات الباطلة وهذا كثير في أصولهم كما بيناه في غير موضع في بيان ما ذكروه في الهيولي والعقول والماهيات وغير ذلك


73

وهنا وجه ثالث يظهر به فساد ما ذكروه وهو أنهم قالوا الذاتيات هي أجزاء الماهية وهي متقدمة عليها في الذهن وفي الخارج والاجزاء هي هذه الصفات فجعلوا صفة الموصوف متقدمة عليه في الخارج وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه

وسبب غلطهم أن ذلك الوصف إذا تكلم به كان جزءا من الكلام متقدما على سائر الجملة في التصور والتعبير وهو في الذهن واللسان جزؤ من الجملة التي هي في الحقيقة وما به الماهية عندهم فلما كان ما يشتبه عليهم ما في الاذهان وما في الاعيان فظنوا أن صفات الاعيان المقومة لماهياتها الثابتة في الخارج هي متقدمة عليها في الخارج وكان هذا من أظهر الغلط لمن تصور ما قالوا وقد يثبتون ماهيته متقدم عليها

الوجه السابع اشتراط الصفات الذاتية المشتركة أمر وضعي محض

الوجه السابع ان يقال قولهم إن الحد التام يفيد تصوير الحقيقة واشتراطهم ان يكون مؤلفا من الذاتي المميز والذاتي المشترك وهو الجنس

يقال لهم هل تشترطون فيه ان تتصور جميع صفاته الذاتيه المشتركة بينه وبين غيره ام لا فان اشترطتم ذلك لزم ان تقولوا مثلا جسم نام حساس متحرك بالارادة فأما لفظ الحيوان فلا يدل على هذه الصفات ب المطابقة ولا ب فصلها وإن لم تشترطوا ذلك فاكتفوا بمجرد المميز ك الناطق مثلا فان الناطق يدل على الحيوان كما يدل الحيوان على النامى إذ النامى جنس قريب ل الحيوان يشترك فيه الحيوان والنبات فاذا اردت حد الحيوان على وضعهم قلت الجسم النامى الحساس المتحرك بالارادة كما تقول في الانسان حيوان ناطق


74

والمقصود انهم إن اكتفوا في الدلالة على الصفات المشتركة بما يدل ب التضمين أو ب الالتزام ف الفصل يدل على ذلك وإن أرادوا تفصيلها بدلالة المطابقة فلم يفعلوا ذلك

وهذا يبين أن إيجابهم في الحد التام الجنس القريب دون غيره تحكم محض ونظير هذا دعواهم أن البرهان لا بد أن يكون مؤلفا من مقدمتين لا أقل ولا أكثر فان اكتفى فبه ب مقدمة واحدة قالوا الأخرى محذوفة وسموه قياس الضمير وإن احتج فيه إلى مقدمات قالوا هذه قياسات متداخلة

فاصطاحوا على انه لابد في الحد من لفظين جنس وفصل ولابد في القياس من مقدمتين وكل هذا تحكم

فان البرهان قد يكتفى فيه ب مقدمة وقد لا يتم إلا ب مقدمتين وقد لايتم إلا بثلاث مقدمات وأربع وخمس بحسب حاجة المستدل وما يعلم مما لا يعلم من المقددمات

وكذلك اكتفاؤهم في الحد بلفظين لفظ يدل على المشترك ولفظ يدل على المميز وزعمهم أن الحد التام لا يحصل إلا بهذا لا يحتاج إلى زيادة عليه ولا يحصل بدونه فانه يقال إن أريد ب الحد التام ما يصور الصفات الذاتيات على التفصيل مشتركها ومميزيها ف الجنس القريب مع الفصل لا يحصل ذلك وإن أريد بما يدل على الذاتيات ولو ب التضمن او الالتزام ف الفصل بل الخاصة يدل على ذلك

وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس او يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم عنه جواب إلا ان هذا وضعهم واصطلاحهم ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع


75

والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف وهذا عين الضلال والاضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين يجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير افتراق بين ذاتيهما وصفاتهما بل بمجرد وضعه واصطلاحه فهم مع دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسوون بين المختلفات

ولهذا كان الذي عليه عامة الناس من نظار المسلمين وغيرهم الاقتصار في الحدود على الوصف المميز الفاصل بن المحدود وغيره إذ التمييز يحصل بهذا وذلك هو الوصف المطابق للمحدود في العموم والخصوص إلى أخرها بحيث يدخل فيه جميع أفراد المحدود وأجزائه ويخرج منه ما ليس منه فهذا هو الحد الذي عليه نظار المسلمين كما يسطنا قولهم في غير هذا الموضع

وأما سائر الصفات المشتركة فقد لا يمكن الاحاطة بها ولا ريب أنه كلما كان الانسان بها أعلم كان بالموصوف اعلم وأنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه ونحن لا سبيل إلى ان نعلم شيئا من كل وجه

ولا نعلم لوازم كل مربوب ولوازم لوازمه إلى آخرها فانه ما من مخلوق إلا وهو مستلزم للخالق والخالق مستلزم لصفاته التي منها علمه وعلمه محيط بكل شئ فلو علمنا لوازم لوازم الشئ الى آخرها لزم أن نعلم كل شئ وهذا ممتنع من البشر فان الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم الاشياء كما هي عليه من غير احتمال زيادة وأما نحن فما من شئ نعلمه إلا ويخفى علينا من أموره ولوازمه ما لا نعلمه

يوضح ذلك انهم يقولون ما ذكره أبو حامد في معيار العلم

أن دلالة التضمن كدلالة لفظ البيت على الحائط ودلالة لفظ الانسان على الحيوان وكذلك دلالة كل وصف اخص على


76

الوصف الاعم الجوهري

ودلالة الالتزام والاستتباع كدلالة لفظ السقف على الحائط فانه مستتبع له استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته ودلالة لفظ الانسان على قابل صنعة الخياطة ومعلمها

قال

والمعتبر في التعريفات دلالة المطابقة والتضمن فأما دلالة الالتزام فلا لأن المدلول عليه فيها غير محدود ولا محصور إذ لوازم الاشياء ولوازم لوازمها لا تنضبط ولا تنحصر فيؤدي الى ان يكون اللفظ الواحد على ما لا يتناهى من المعانى وهو محال

فقد جعل دلالة الخاص على الاسم دلالة تضمن كدلالة الانسان على الحيوان وذكر أنها معتبرة فى التعريفات ومعلوم أن دلالة الحيوان على الحساس المتحرك بالارادة ودلالة الحساس على النامى ودلالة النامى على الجسم هو كذلك عندهم ومعلوم أن دلالة الناطق على الحيوان كدلالة النامى على الجسم فكان الواجب حينئذ ان يكتفى ب الناطق أو لا يكتفي معه بلفظ الحيوان فانهم إن اكتفوا بدلالة التضمن لزم الحذف وإن لم يكتفوا لزم التفصيل

الوجه الثامن اشتراط ذكر الفصول مع التفريق بين الذاتي واللازم غير ممكن

الوجه الثامن وهو أن اشتراطهم مثلا ذكر الفصول التي هي الذاتيات المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضى اللازم للماهية غير ممكن إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن شخصا


77

أن يجعله ذاتيا مميزا ويمكن الآخر ان يجعله عرضيا لازما للماهية

الوجه التاسع توقف معرفة الذات على معرفة الذاتيات وبالعكس يستلزم الدور

الوجه التاسع ان يقال هذا التعليم دوري قبلي فلا يصح

وذلك أنهم يقولون إن المحدود لا يتصور ولا يحد حدا حقيقيا إلا بذكر صفاته الذاتية ثم يقولون الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره فيفرقون بين الذاتي وغير الذاتي ان الذاتي ما يتوقف عليه تصور الماهية فلا بد أن يتصور قبلها

ويقولون تارة لا بد أن يتصور معها فلا يمكن عندهم أن يتأخر تصوره عن تصور الماهية وبذلك يعرف أنه وصف ذاتي

فحقيقة قولهم انه لا يعلم الذاتي من غير الذاتي حتى تعلم الماهية ولا تعلم الماهية حتى تعلم الصفات الذاتية التي منها تؤلف الماهية وهذا دور

فاذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية ولا يعرف ان الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود حتى تتصور فلا يعلم أنها ذاتية حتى يتصور الموصوف ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها داخل فيها وما هو جزء لها فان تصور كون الشيء جزءا لغيره بدون تصور ذلك الغير ممتنع

ونحن لم نقل أنه لا يتصور الوصف الذاتي حتى يتصور الموصوف بل الانسان يتصور أشياء كثيرة ولا يتصور أنها صفات لغيرها ولا أجزاء لها فضلا عن كونها


78

لازمة ذاتية أو غير لازمة وإنا قلنا لا يعلم أنها جزء من الماهية وأنها ذاتية ل الماهية داخلة في حقيقة الماهية إن لم تتصور الماهية

وإن قيل إن مجرد تصور الصفات الذاتيات كاف في تصور الماهية وإن لم أعلم ان تلك الصفات ذاتية قيل من أين يعلم الانسان أن هذه الصفات هي الذاتيات دون غيرها إن لم يعرف الماهية التي هذه الصفات ذاتيه لها داخلة فيها ومن اين يعلم إذا تصور بعض الصفات اللازمة أن هذه هي الذاتية التي تتركب منها الماهية والذات دون غيرها إن لم يعلم الذات فيتوقف معرفة الذات التي هي الماهية على معرفة الذاتيات وتتوقف معرفة الذاتيات أي معرفة كونها هي الذاتيات لهذه الماهية دون غيرها من اللوازم على معرفة الذات فيتوقف معرفتها على معرفتها فلا يعرف هو ولا يعرف الذاتيات

وهذا كلام متين يجتاح اصل كلامهم ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه لم يثبتوه على اصل علمي تابع للحقائق ولكن قالوا هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم ولم يعتمدوا على امر يمكن الفرق به بين الذاتي وغيره إذ هذا غير ممكن فيما وضعوه ويبين ان ما ذكروه مما زعموا انه صفات ذاتية لا يعرف حقيقة الموصوف اصلا بل ما ذكروه يستلزم انه لا يمكن حده فاذا لم يعرف المحدود إلا بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل

مثال ذلك إذا قدر أنه لا تتصور حقيقة الانسان حتى تتصور صفاته الذاتية التي هي عندهم الحيوانية والناطقية وهذه الحيوانية والناطقية لا يعرف انها صفاته الذاتية دون غيرها حتى يعرف ان ذاته لا تتصور إلا بها


79

وأن ذاته تتصور بها دون غيرها ولا يعلم أن ذاته لا تتصور إلا بها حتى تعرف ذاته

فان قيل مجرد تصور الحيوانية والناطقية يوجب تصور الانسان قيل مجرد تصوره بذلك لا يوجب ان يعلم أن هذا هو الانسان حتى يعلم ان الانسان مؤلف من هذه دون غيرها وهذا يوجب معرفته ب الانسان قبل ذلك

وأما مجرد قوله حيوان ناطق إذا جعل مفردا ولم يكن خبر مبتدإ محذوف فانه بمنزلة الاسم المفرد وهذا لا يفيد فهم كلام

وإذا ادعى المدعى أن من تصور هذا فقد تصور الانسان بدون دليل يقيمة على ان هذا هو حقيقة الانسان كان بمنزلة من يقول في حده الحيوان الضاحك ويدعى ان هذا هو حقيقة الانسان فكلاهما دعوى بلا برهان

وهذا يبين ان دلالة الحد بمنزلة دلالة الاسم إنما يفيد التمييز بين المحدود المسمى وغيره ولكنه قد يفيد تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال وذلك التفصيل يتنوع بحسب ما يذكر من الصفات لا يختص ذلك ببعض الصفات المطابقة للموصوف التي هي لازمة ملزومة دون غيرها ويبين أن الالفاظ بمجردها لا تفيد تصور الحقائق لمن لم يتصورها بدون ذلك لكنها تفيد التنبيه والاشارة لمن كان غافلا معرضا

فان قيل تصوره موقوف على تصور الصفات الذاتية لا على معرفة أنها ذاتية وقد يمكن تصورها وإن لم يعرف أنها ذاتية له قيل هب أن الامر كذلك لكن لا بد من التمييز بين الصفات الذاتية التي لا تتصور الذات إلا بها وبين العرضية التي تتصور بدونها ولا يمكن التمييز بين هذين النوعين إلا إذا عرفت ذاته المؤلفة من الصفات الذاتية ولا تعرف ذاته


80

حتى تعرف الصفات الذاتية ولا تميز بين الذاتيات وغيرها حتى تعرف ذاته فصار معرفة الذات موقوفا على معرفة الذات وهذا هوالدور

وكذلك معرفة الذاتيات موقوف على معرفة الذاتيات فلا تعرف الصفات التي هي ذاتية للموصوف حتى تعرف ان تصور الذات موقوف على تصورها ولا يعرف أن تصور الذات موقوف على تصورها حتى تعرف الذات ولا تعرف الذات حتى تعرف الذاتيات وهذا بين عند تأمل مقصودهم فانهم يقولون لا يحد الشيء حدا حقيقيا إلا بذكر صفاته الذاتية فلا بد من الفرق بين صفاته الذاتية والعرضية والفرق بينهما أن الذاتي هو ما لا تتصور الحقيقة إلا به فاذا كنالم نعرف الحقيقة لم نعرف الصفات التي يتوقف معرفة الحقيقة عليها وإذا لم نعرف هذه الصفات لم نعرف الصفات الذاتية من العرضية وهو المطلوب

وهذا بخلاف الفرق بين الصفات اللازمة والعارضة فانه فرق حقيقي ثابت في نفس الأمر

أبحاث في حد العلم والخبر

مثال ذلك إنهم يتنازعون في حد العلم والأمر والخبر ونحو ذلك من الأمور التي شاع الكلام عليها في العلوم المشهورة فمن النظار من يحدها كما يقولون في العلم معرفة المعلوم على ما هو به أو يقولون إعتقاد المعلوم على رأي ال معتزلة الذين لا يقولون إن لله علما أو يقولون العلم ما أوجب لمن قام به أن يكون عالما ونحو ذلك

ويقال في حد الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب أو ما شاع أن يقال لصاحبه في اللغة صدقت أو كذبت ونحو ذلك

ويعترض على هذه الحدود بالاعتراضات المشهورة


81

مثل أن يقال المعلوم مشتق من العلم ومعرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه فلو عرف المشتق بالمشتق منه لزم الدور

أو يقال العلم هو المعرفة وهذا حد لفظي

أو يقال قولك على ما هو به زيادة

ويقال إدخال الصدق والكذب او التصديق والتكذيب في حد الخبر لا يصلح لأنهما نوعا الخبر وتعريفهما إنما يمكن ب الخبر فلو عرف الخبر بهما لزم الدور

وأمثال ذلك من الاعتراضات المشهورة على الحدود المشهورة

ومنهم من يقول هذه الأشياء لا يمكن تحديدها أو لا يحتاج إلى تحديدها بل هي غنية عن الحد

كما يقال في العلم إن غير العلم لا يعرف إلا ب العلم فلو عرف العلم بغيره لزم الدور

أو يقال تصوره العلم لا يحصل إلا ب علم وذلك العلم العين موقوف على العلم فلو توقف تصور العلم على غيره لزم الدور

أو يقال في تعريف العلم والخبر والأمر إن كل أحد يعلم جوعه وشبعه ويعلم أنه عالم بذاك والعلم بالمركب مسبوق ب العلم بالمفرد فاذن كل أحد يعلم العلم فيكون تصوره بديهيا

ويقال في الأمر والخبر كل أحد يحسن أن يأمر وأن يخبر ويعلم أن هذا أمر وهذا خبر والعلم بالمركب مسبوق ب العلم بالمفرد

فيقال له العلم ب الخبر المعين والأمر المعين لا يستلزم العلم بالمطلوب بالحد لأن المطلوب بالحد تعريف الحقيقة العامة الجامعة المانعة وتصور المعين إنما يستلزم تصور الحقيقة مطلقا لا بشرط العموم والمطابقة فان الحقيقة لا توجد


82

عامة في الأعيان اذ الكليات بشرطكونها كليات انما توجد في الذهن والعلم بالعين لا يستلزم العلم بالكلى بشرط كونه كليا فإذن ما علمه بالمعين ليس هو المحدود

يوضح ذلك بأن تصور خر معين وعلم معين تصور لامر جزئي والمطلوب بالحد هو المعنى الكلي الجامع المانع فأن قيل يلزم من وجود الجزئي وجود الكلي او قيل المطلق جزؤ المعين

فأن اريد بذلك انه يوجد جزءا معينا فأن ما هو مطلق في الذهن اذا وجد في الخارج كان معينا فهذا حق ولكن لا يفيدهم واما ان اريد بذلك ان المطلق الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه هو نفسه جزء من هذا المعين مع كونه كليا فهذا مكابرة ظاهرة ونفس تصوره كاف للعلم بفساده فأن الجزئي من معين خاص والكلي اعم واكثر منه فكيف يكون الكثير بعض القليل وإذا كان المطلوب بالحد هو الكلي الجامع المانع الذي يطابق جميع أفراد المحدود فلا يخرج عنه شيء ولا يدخل فيه ما ليس منه فمعلوم أن تصور المعين لا يستلزم مثل هذا

وأيضا فهذا منقوض بسائر المحدودات كالانسان وغيره مما يتصور جنس مفرداته كل أحد

ويقال قوله إن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم فلو عرف العلم بغيره لزم


83

إن أراد به المعلوم لا يعرف إلا بعلمه فهذا حق لكن العلم لا يعرف ب غير العلم فيعرف العلم المطلق أو العام ب علم معين فلفظ العلم في أحد المقدمتين ليس معناه معنى العلم في المقدمة الأخرى فيلزم الدور إذ قول القائل العلم لا يعرف إلا بالعلم معناه أن كل معلوم لا يعرف إلا بالعلم

وقوله فلو عرف العلم بغيره لزم الدور يقال المعرف المحدود ليس هو علما ب معلوم معين بل هو العلم الكلي والعلم الكلي يعلم ب علم جزئي مقيد ولا منافاة في ذلك كما يخبر عن الخبر بخبر فيخبر عن الخبر المطلق أو العام ب خبر معين خاص

وقول القائل في الجواب إن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره أي ب غير العلم لا على تصور العلم فانقطع الدور وهو أحد الجوابين فان حصول العلم بكل معلوم يتوقف على حصول العلم المعين لا على تصوره والمطلوب ما يحد تصور العلم لا حصول العلم بتلك المعلومات

والجواب الآخر أن يقال تصور غير العلم مما يتوقف على حصول العلم بذلك المعلوم لا على حصول العلم المحدود وهو الجامع المانع والمطلوب بالحد هو هذا قدر فلو أن حصول تصور غير العلم موقوف على العلم بذلك المعلوم وعلى تصور ذلك العلم لم يكن هذا مانعا من الحاجة إلى الحد فكيف وقد يقال من علم الشيء قد يعلم أنه عالم ويعود ما ذكر

وإيضاح هذا أن في الخارج امورا معينة كالانسان المعين والعلم المعين


84

والخبر المعين وقد يتصور الانسان أمرا مطلقا كالانسان المطلق والعلم المطلق والخبر المطلق وهذا المطلق قد يراد به المطلق بشرط له إطلاق وهو الذي يقال إنه كل عقل وقد يراد به المطلق لا بشرط وهو الذي يسمى الكلى الطبيعي

وهذا الكلى المطلق لا بشرط قد يتنازعون هل هو موجود في الخارج ام لا والتحقيق انه يوجد في الخارج لكن معينا مشخصا فلا يوجد في الخارج إلا إنسان معين وفيه حيوانية معينة وناطقية معينة ولا يوجد فيه إلا علم معين وخبر معين

ثم من الناس من يقول إن المطلق جزؤ من المعين ويقولون العام جزؤ من الخاص فانه حيث وجد هذا الانسان وهذا الحيوان وجد مسمى الانسان ومسمى الحيوان وهو المطلق

ومن الناس من ينكر هذا ويقول المطلق الكلى هو الذي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فيجوز ان تدخل فيه أفراد كثيرة والمعين هو جزئي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فكيف يكون الكبير بعض القليل وكيف يكون العام أو المطلق الذي يتناول أفرادا كثيرة أو يصلح ليتناول جزءا من المعين الجزئي الذي لا يتناول إلا ذلك الشخص الجزئي الموجود في الخارج

وفصل الخطاب انه ليس في الخارج إلا جزئي معين ليس في الخارج ما هو مطلق عام مع كونه مطلقا عاما وإذا وجد المعين الجزئي ف الانسان والحيوان وجدت فيه إنسانية معينة مختصة مقيدة غير عامة ولا مطلقة

ف المطلق إذا قيل هو جزؤ من المعين فانما يكون جزءا بشرط ان لا يكون مطلقا عاما والمعنى أن ما يتصوره الذهن مطلقا عاما يوجد في الخارج لكن لا يوجد إلا مقيدا خاصا وهذا كما إذا قيل إن ما في نفسي وجد أو فعل أو فعلت ما في نفسي فمعناه ان الصور الذهنية وجدت في الخارج أي


85

وجد ما يطابقها

إذا عرف هذا فكل ما يعلم إنما يعلم بعلم معين وهذا العلم المعين فيه حصة من العلم المطلق العام ليس فيه علم مطلق عام مع كونه مطلقا عاما والانسان إذا تصور هذا الانسان وهذا العلم وهذا الخبر لم يتصوره مطلقا عاما وإنما يتصوره معينا خاصا

وذلك لا يستلزم ان يعلم المحدود الكلى الجامع المانع الشامل لجميع الافراد المانع من دخول غيرها فيه ف غير العلم إذا توقف على حصول العلم فانما توقف على حصول علم معين جزئي لا على تصوره كما قيل في الجواب الاول

فلو قيل إنه موقوف أيضا على تصوره لكان موقوفا على تصور امر جزئي معين لا على تصور المحدود المطلق الجامع المانع فان تصور هذا الكلى الجامع المانع لا يتوقف عليه وجود علم شئ من الاشياء ولا يتوقف على وجوده ولا على تصوره فلا يتوقف العلم بشئ من الاشياء على المحدود وهو العلم الجامع المانع ولا على الحد وهو العلم بهذا الجامع المانع فلا يقف لا على تصوره ولا على وجوده

وكذلك ما ذكروه في إثبات النظر ب النظر يقال فيه صحة جنس النظر ب نظر معين والنظر المعين يعلم صحته بالضرورة فالدليل نظر معين والمدلول عليه جنس النظر والنظر المعين يعلم صحته بالضرورة

وأمثال ذلك من التصورات والتصديقات التي يعلم المعين منها بالضرورة ويعلم جنسها بهذا المعين منها وليس ذلك من باب تعريف الشئ بنفسه

فاذا كان القول ب ان هذه الامور محدودة بالحدود الممكنة ترد عليه الاعتراضات القادحة على أصلهم والقول ب انها غير مفتقرة الى الحدود ترد


86

عليه الاعتراضات الفادحة على أصلهم لم يكن القول على أصلهم لا بأنها محدودة بما يمكن من الحدود ولا بأنها مستغنية عن الحدود وإذا لم تكن غنية عن الحد بل مفتقرة اليه والحدود غير ممكنة لزم توقف تعريفها على ما لا يمكن فيلزم امتناع تعريفها ومعلوم أن معرفتها حاصلة فعلم بطلان قولهم

وأيضا فيبقى الانسان غير متمكن لا من إثبات أن لها حدودا ولا من نفي أن يكون لها حدود وما استلزم المنع من النفي والاثبات أو رفع النفي والاثبات كان باطلا فان كل ما يذكر من الحدود يرد عليه ما يقدح فيه على أصلهم وقد ثبت عندهم انه لا بد لها من حد فيلزم أنه لا بد لها من حد وكل حد فهو باطل فيلزم إثبات الحد ونفيه

وما استلزم ذاك إلا لأنهم جعلوا مقصود الحد تصوير المحدود وإذا قيل المقصود من الحد التمييز بين المحدود وغيره كان كل من القولين حقا ولم يتقابل النفي والاثبات بل الذين حدوها بحدودهم أفادت حدودهم التمييز بينها وبين غيرها والتمييز يحصل بما يطابق المحدود في العموم والخصوص وهو الملازم له من الطرفين في النفي والاثبات

وأما اللوازم فقد تكون أعم من المحدود كما أن الملزومات قد تكون أخص منه فان الملزوم قد يكون اخص من اللازم كما أن اللازم قد يكون أعم من الملزوم فان الانسان مستلزم الحيوان والانسان أخص منه والحيوان لازم له وهو أعم منه بخلاف المتلازمين فانهما متساويان في العموم والخصوص كالانسانية مع الناطقية والصاهلية مع الفرسية ونحو ذلك

والحدود لا تجوز إلا ب الملازم في الطرفين النفي والاثبات لا بمجرد اللوازم كما يطلقه بعضهم ولا بمجرد الملزومات ثم التمييز يحصل ب المطابق الملازم وإن كان قد لا يحتاج الى هذا التمييز إذا حصل الاستغناء عنه بالاسم


87

والذين قالوا إنها غنية عن الحدود بينوا ان مطلق الحقيقة تتصور بلا حد وهذا حق بل هذا ثابت في جميع الحقائق ان مطلقها متصور بلا حد ولكن المقصود التمييز بين مسمى هذا الاسم العام وبين غيره أو التمييز بين المعنى العام المتشابه في افراده وبين غيره وتمييز العام من غيره قد لا يكفى فيه مجرد تصوره مطلقا او تصور بعض افراده فليس كل من تصور معنى مطلقا تصوره عاما مميزا بينه وبين غيره فكيف إذا لم يتصوره إلا خاصا مقيدا معينا إذ قد يقطع في مواضع بأنها خبر وأنها امر وأنها علم ويشك في مواضع كما يشك في الاعتقاد المطابق الذي يحصل للمقلد وفي امر الادنى للاعلى وفي الامر الخالي عن الارادة ونحو ذلك

فالمطلوب من الجمع والمنع الذي هو مقصود الحد لا يحصل بتصور أعيان معينة ولكن يحصل منه تصور الحقيقة في الجملة فان من تصورها معينة تصورها في الجملة وهو تصورها مع كونها مقيدة فيمكنه حينئذ ان يتصورها لا بشرط إذا جردها عن التعريف بمعنى ا انه لا يشترط فيها التعريف ولا انه يشترط عدمه

وهذا المطلق هل هو في الخارج جزؤ من المعين أو هذا المطلق وهوالمطلق لا بشرط ليس هو في الخارج شيئا غير الاعيان الموجودة فيه قولان كما تقدم بيانه وفصل الخطاب فيه

فحينئذ فلا يكون المتصور ل الامر المعين والخبر المعين والعلم المعين قد تصور الاشياء معينة او تصور الحقيقة معينة لا مطلقة ولا عامة


88

المقام الثالث المقام السلبي في الاقيسة والتصديقات

في قولهم إنه لا يعلم شئ من التصديقات إلا بالقياس

فصل

وأما القياس فالكلام في المقامين ايضا

المقام الاول السلبي فنقول

حصر العلم على القياس قول بغير علم

قولهم إنه لا يعلم شئ من التصديقات إلا بالقياس الذي ذكروا صورته ومادته قضية سلبية نافية ليست معلومة بالبديهة ولم يذكروا على هذا السلب دليلا أصلا فصاروا مدعين مالم يبينوه بل قائلين بغير علم إذ العلم بهذا السلب متعذر على أصلهم فمن اين لهم انه لا يمكن أحدا من بني آدم ان يعلم شيئا من التصديقات التي ليست عندهم بديهية إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته وصورته

الفرق بين البديهي والنظري أمر نسبي محض

والثاني أن يقال هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري الى البديهي

وإذا كان كذلك فالفرق بين البديهي والنظري إنما هو بالنسبة الاضافة


89

فد يبده هذا من العلم ويبتدى في نفسه ما يكون بديهيا له وإن كان غيره لا يناله إلا بنظر قصير أو طويل بل قد يكون غيره يتعسر عليه حصوله بالنظر وقد تقدم التنبيه على هذا في التصورات لكن نزيده هنا دليلا يختص هذا فنقول

البديهي من التصديقات هو ما يكفى تصور طرفيه موضوعه ومحموله في حصول تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما وهو الدليل الذي هو الحد الاوسط سواء كان تصور الطرفين بديهيا او لم يكن

ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الاذهان اعظم من تفاوتهم في قوى الابدان فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة كبيرة وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث تتبين بذلك التصور التام اللوازم التي لا تتبين لغيره الذي لم يتصور الطرفين التصور التام

وذلك ان من الناس من يكون لم يتصور الطرفين إلا ببعض صفاتهما المميزة فيكون من تصورهما ببعض صفاتهما المشتركة مع ذلك سواء سميت ذاتية او لم تسم عالما بثبوت تلك الصفات لهما وثبوت كثير مما يكون لازما لهما بخلاف من لم يتصور إلا الصفات المميزة

بطلان التفريق بين الذاتي واللازم لثبوت كل منهما بغير وسط

وذلك أنهم قرروا في المنطق ان من اللوازم ما يكون لازما بغير وسط فهذا يعلم بنفس تصور الملزوم

والوسط المذكور في هذه المواضع هو عند ابن سينا ومحققيهم هو الدليل


90

وهو الحد الاوسط

وهذا يختلف باختلاف الناس فقد يحتاج هذا في العلم ب الملزوم الى دليل بخلاف الاخر

ومن لم يفهم مرادهم في هذا الموضع يظن أنهم أرادوا ب الوسط ما هو وسط في نفس الموصوف بحيث يكون ثبوت الوصف اللازم ل الملزوم بواسطته لا يثبت بنفسه كما قد فهم ذلك عنهم طائفة منهم الرازي وغيره وهذا مع انه غلط عليهم كما بينا الفاظهم في غير هذا الموضع فهو ايضا باطل في نفسه

ولا ريب ان من اللوازم ما يفتقر الى وسط ومنها ما لا يفتقر الى وسط عندهم وهذا احد الفروق الثلاثة التي فرقوا بها بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية وقد أبطلوا هذا الفرق ويعبر بعضهم عن هذا الفرق ب التعليل كما يعبر به ابن حاجب

فاذا كان في اللوازم ما هو ثابت في نفس الامر بغير وسط ولا علة لم يبق هذا فرقا بين الذاتي وبين هذه اللوازم فبطلت التصديق بهذا لكن من تصور الذات بهذه اللوازم فتصوره أتم ممن لم يتصورها بهذه اللوازم

وإذا كان المراد ب الوسط الدليل الذي يعلل به الثبوت الذهني لا الخارجي فهذا يختلف باختلاف الناس ولا ريب أن ما يستدل به سواء سمى قياسا أو برهانا أو غير ذلك قد يكون هو علة لثبوت الحكم في نفس الامر ويسمى قياس العلة وبرهان العلة وبرهان لم وقد لا يكون كذلك وهو الدليل المطلق ويسمى قياس الدلالة وبرهان الدلالة وبرهان ان وهذا مراد ابن سينا وغيره ب الوسط وهذا مما تختلف فيه أحوال الناس


91

فالتقريق بين الذاتي والعرضي اللازم ابعد ولهذا ابطل ابن سينا الفرق بهذا كما قد ذكرنا لفظه في موضع آخر فانه على التفسيرين من اللوازم ما يثبت بغير وسط

فاذا قيل الذاتي ما يثبت بغير وسط وقد عرف ان من اللوازم ما ثبت بغير وسط تبين بطلان هذا الفرق على كل تقدير

اختلاف احوال الناس في احتياجهم وعدم احتياجهم الى الدليل

وأما كون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر اليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض فهذا امر بين فان كثيرا من الناس تكون القضية عنده حسية أو مجربة او برهانية او متواترة وغيره إنما عرفه بالنظر والاستدلال

ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول ل الموضوع الى دليل لنفسه بل لغيره ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى عنها حتى يضرب له أمثالا ويقول له أليس كذا أليس كذا ويحتج عليه من الادلة العقلية والسمعية بما يكون حدا أوسط عند المخاطب مما لا يحتاج اليه المستدل بل قد يعلم الشئ ب الحس ويستدل على ثبوته لغيره ب الدليل

وهذا أكبر من أن يحتاج الى تمثيل فما أكثر من يرى الكواكب ويرى الهلال وغيره فيقول قد طلع الهلال وتكون هذه القضية له حسية وقد تكون عند غيره مشكوكا فيها او مظنونة او خبرية بل قد يظنها كذبا إذا صدق المنجم الخارص القائل إنه لا يرى


92

بطلان منع المنطقيين الاحتجاج بالمتواترات والمجربات والحدسيات

وقد ذكر من ذكر من هؤلاء المنطقيين ان القضايا المعلومة ب التواتر والتجربة والحدس يختص بها من علمها بهذه الطريق فلا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها فانها مشتركة يحتج بها على المنازع

وقد بينا في غير هذا الموضع ان هذا تفريق فاسد

فان الحسيات الظاهرة والباطنة تنقسم الى خاصة وعامة وليس ما رآه زيد أو شمه أو ذاقة او لمسة يجب اشتراك الناس فيه وكذلك ما وجده في نفسه من جوعه وعطشه وألمه ولذته ولكن بعض الحسيات قد تكون مشتركة بين الناس كاشتراكهم في رؤية الشمس والقمر والكواكب وأخص من ذلك اشتراك أهل البلد الواحد في رؤية ما عندهم من جبل وجامع ونهر وغير ذلك من الامور المخلوقة والمصنوعة

وكذلك الامور المعلومة ب التواتر والتجارب قد يشترك فيها عامة الناس كاشتراك الناس في العلم بوجود مكة ونحوها من البلاد الشهورة واشتراكهم في وجود البحر وأكثرهم ما رآه وأشتراكهم في العلم بوجود موسى وعيسى ومحمد وادعائهم النبوة ونحو ذلك فان هؤلاء قد تواتر خبرهم الى عامة بني آدم وإن قدر من لم يبلغه أخبارهم فهم في أطراف المعمورة لا في الوسط

المجربات تحصل بالحس والعقل

وكذلك المجربات فعامة الناس قد جربوا أن شرب الماء يحصل معه الري وأن قطع العنق يحصل معه الموت وأن الضرب الشديد يوجب الالم

والعلم بهذه القضية الكلية تجربي فان الحس إنما يدرك ريا معينا وموت شخص معين وألم شخص معين أما كون كل من فعل به ذلك يحصل له مثل ذلك


93

فهذه القضية الكلية لا تعلم ب الحس بل بما يتركب من الحس والعقل وليس الحس هنا هو السمع

وهذا النوع قد يسميه بعض الناس كله تجربيات وبعضهم يجعله نوعين تجربيات وخدسيات فان كان الحس المقرون ب العقل من فعل الانسان كأكله وشربه وتناوله الدواء سماه تجربيا وإن كان خارجا عن قدرته كتغير أشكال القمر عند مقابلة الشمس سماه حدسيا والاول اشبه باللغة فان العرب تقول رجل مجرب بالفتح لمن جربته الامور واحكمته وإن كانت تلك من أنواع البلايا التي لا تكون باختياره

وذلك ان التجربة تحصل بنظره واعتباره وتدبره كحصول الاثر المعين دائرا مع المؤثر المعين دائما فيرى ذلك عاده مسمرة لا سيما إن شعر بالسبب المناسب فيضم المناسب الى الدوران مع السبر والتقسيم فانه لا بد في جميع ذلك من السبر والتقسيم الذي ينفى المتزاحم وإلا فمتى حصل الاثر مقرونا بأمرين لم تكن إضافته الى أحدهما دون الآخر بأولى من العكس ومن إضافته إلى كليهما

وما يحتج به الفقهاء في إثبات كون الوصف علة للحكم من دوران ومناسبة وغير ذلك إنما يفيد المقصود مع نفى المزاحم وذلك يعلم ب السبر والتقسيم فان كان نفى المزاحم ظنيا كان اعتقاد العلية ظنيا وإن كان قطعيا كان الاعتقاد قطعيا إذا كان قاطعا بأن الحكم لا بد له من علة وقاطعا بأنه لا يصلح للعلة إلا الوصف الفلاني

وهكذا القضايا العادية من قضايا الطب وغيرها هي من هذا الباب وكذلك قضايا النحو والتصريف واللغة من هذا الباب ولكن في اللغة يدور المعنى مع اللفظ لا هذا الباب وفي النحو والتصريف يدور الحكم مع النوع وهذا كالعلم بأن أكل الخبز ونحو ه يشبع وشرب الماء ونحوه يروى ولبس الحشايا


94

يوجب الدفأ والتجرد من الثياب يوجب البرد ونحو ذلك

لكن من لا يثبت الأسباب والعلل من أهل الكلام كالجهم وموافقيه في ذلك مثل ابي الحسن وأتباعه يجعلون المعلوم اقتران احد الامرين بالاخر لمحض مشيئة القادر المريد من غير أن يكون احدهما سببا للاخر ولا مولدا له

وأما جمهور العقلاء من المسلمين وغير المسلمين وأهل السنة من أهل الكلام والفقة والحديث والتصوف وغير أهل السنة من المعتزلة وغيرهم فيثبتون الاسباب ويقولون كما يعلم اقتران احدهما بالاخر فيعلم أن في النار قوة تقتضى التسخين وفي الماء قوة تقتضى التبريد وكذلك في العين قوة تقتضى الابصار وفي اللسان قوة تقتضى الذوق ويثبتون الطبيعة التي تسمى الغريزة والنحيزة والخلق والعادة ونحو ذلك من الاسماء

ولهذا كان السلف كاحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما يقولون العقل غريزة وأما نفاة الطبائع فليس العقل عندهم إلا مجرد العلم كما هو قول أبى الحسن الاشعري والقاضي أبى بكر والقاضي أبى يعلى وأبن عقيل وأبي الخطاب والقاضي ابي بكر بن العربي وغيرهم وإن كان بعض هؤلاء قد يختلف كلامهم فيثبتون في موضع آخر الغرائز والاسباب كما هو مذهب الفقهاء والجمهور

فالمقصود ان لفظ التجربة يستعمل فيما جربه الانسان ب عقله وحسه وإن لم يكن من مقدوراته كما قد جربوا انه إذا طلعت الشمس انتشر الضوء في الافاق وإذ غابت أظلم الليل وجربوا انه إذا بعدت الشمس عن سمت رؤؤسهم جاء البرد وإذا جاء البرد سقط ورق الاشجار وبرد ظاهر الارض وسخن باطنها وإذا قربت من سمت رؤوسهم جاء الحر وإذا جاء الحر أورقت الاشجار وأزهرت فهذا امر يشترك في العلم به جميع الناس لما قد اعتادوه وجربوه


95

ثم يعلم من يثبت الاسباب ان سبب ذلك ان شبيه الشئ منجذب اليه وضده هارب منه فاذا برد الهواء برد ظاهر الارض وظاهر ما عليها فهربت السخونة الى البواطن فيسخن جوف الارض ويسخن الماء الذي في جوفه ولهذا تكون الينابيع في الشتاء حارة وتكون اجواف الحيوان حارة فتاكل في الشتاء أكثر مما تأكل في الصيف بسبب هضم الحرارة للطعام وإذا كان الصيف سخن الهواء فسخنت الظواهر وهربت البرودة الى البواطن فيبرد باطن الارض وأجواف الحيوان وتبرد الينابيع ولهذا يكون الماء النابع في الصيف ابرد منه في الشتاء ويضعف الهضم للطعام

فهذه القضايا ونحوها مجربات عاديات وإن كان كثير منها يقع بغير فعل بنى آدم

وكذلك ماعلم من سنة الله تعالى من نصر أنبيائه وعباده المؤمنين وعقوباته لأعدائه الكافرين هو مما قد علم ويحصل به الاعتبار وإن لم يكن ذلك مما يقدر عليه المجرب نفسه وقد يعلم الانسان من فعل غيره ما يحصل له به العلم التجربي وإن لم يكن له قدرة على فعل الغير

وأيضا فالسبب المقتضى للعلم ب المجربات هو يكرر اقتران أحد الأمرين بالآخر إما مطلقا وإما مع الشعور بالمناسب وهذا القدر يشترك فيه ما تكرر بفعله وما تكرر بغير فعله فكونه بفعله وصف عديم التأثير في اقتضاء العلم فلا يحتاج أن يجعل هذا نوعا غير النوع الآخر مع تساويهما في السبب المقتضى للعلم إلا لبيان شمول المجربات لهذين الصنفين كما يقال في الحسيات أنها تتناول ما أحسه ببصره وسمعه وشمه وذوقه ولمسه ونحو ذلك

مع أن الفرق الذي بين أنواع الحسيات تختلف فيه أنواع العلوم أعظم مما تختلف في هذا فان البصر يرى غير مباشرة المرئي والذوق والشم واللمس


96

لا يحصل له الاحساس إلا بمباشرة المحسوس والسمع وإن كان يحس الأصوات فالمقصود الأعظم به معرفة الكلام وما يخبر به المخبرون من العلم

وهذا سبب تفضيل طائفة من الناس ل السمع على البصر كما ذهب إليه ابن قتيبية وغيره وقال الأكثرون البصر أفضل من السمع والتحقيق أن إدراك البصر أكمل كما قاله الأكثرون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين لكن السمع يحصل به من العلم لنا أكثر مما يحصل ب البصر ف البصر أقوى وأكمل والسمع أعم وأشمل

وهاتان الحاستان هما الأصل في العلم بالمعلومات التي يمتاز بها الانسان عن البهائم

استطراد

ولهذا يقرن الله بينهما الفؤاد في مواضع

كقوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا

وقوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

وقال ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون

وقال وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون


97

وقال تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة

وقال تعالى صم بكم عمي فهم لا يرجعون في حق المنافقين وقال في حق الكافرين فهم لا يعقلون

وقال تعالى وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب

وقال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ونظائر هذا متعددة عود إلى أصل الموضوع

وأما الشم والذوق واللمس فحس محض لا يحصل إلا بمباشرة الحيوان لذلك فالثلاثة كالجنس الواحد وقد قال تعالى ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون

فالجلود إن خصت ب اللمس لم يدخل فيها الشم والذوق وإن قيل بل يدخل فيها عمت الجميع وإنما ميزت عن اللمس لاختصاصها ببعض الأعضاء وبنوع من المدركات وهو الطعوم والروائح فان سائر البدن لا يميز بين طعم وطعم وريح وريح ولكن يميز بين الحار والبارد واللين والصلب والناعم


98

والخشن ويميز بين ما يلتذ به وبين ما يتألم ونحو ذلك

والمقصود انهم جعلوا المجربات والمتواترات مما يختص به من حصل له ذلك فلا يصلح أن يحتج به على غيره وهذه قد يحصل فيها اختصاص واشتراك كما أن الحسيات كذلك قد يحصل فيها اختصاص واشتراك

وأيضا فالاشتراك قد يكون في عين المعلوم المدرك وقد يكون في نوعه فالأول كاشتراك الناس في رؤية الشمس والقمر وغيرهما والثاني كاشتراكهم في معرفة الجوع والعطش والري والشبع واللذة والألم

فان المعين الذي ذاقه هذا الشخص ليس هو المعين الذي ذاقه هذا إذ كل إنسان يذوق ما في باطنه ولكن يشترك الناس في معرفة جنس ذلك

وما يسمونه من الرعد وما يرونه من البرق يشترك أهل المكان الواحد في رؤية المعين وسمعه ويشترك الناس في رؤية النوع وسمعه إذ الرعد والبرق الذي يحصل في زمان ومكان يكون غير ما يحصل في زمان آخر ومكان آخر

ومن المحسوسات المعروفة بالرؤية أنواع كثيرة من الحيوان والنبات وغير ذلك يوجد ببعض البلاد دون بعض فتكون مشهورة ومرئية لمن رآها دون سائر الناس فانهم إنما يعلمون ذلك ب الخبر وذلك الخبر قد يكون المشتركون فيه أكثر من المشتركين في الرؤية

فتبين أن القضايا الحسية والمتواترة والمجربة قد تكون مشتركة وقد تكون مختصة فلا معنى للفرق بأن هذه يحتج بها على المنازع دون هذه

إنكار المتواترات هو من أصول الالحاد والكفر

ثم هذا الفرق مع ظهور بطلانه هو من أصول الالحاد والكفر فان المنقول عن الأنبياء ب التواتر من المعجزات وغيرها يقول احد هؤلاء


99

بناء على هذا الفرق هذا لم يتواتر عندي فلا يقوم به الحجة على فيقال له اسمع كما سمع غيرك وحينئذ يحصل لك العلم

وإنما هذا كقول من يقول رؤية الهلال أو غيره لا تحصل إلا بالحس وانا لم أره فيقال له أنظر إليه كما نظر غيرك فتراه إذا كنت لم تصدق المخبرين

وكمن يقول العلم بالنبوة لا يحصل إلا بعد النظر وأنا لا أنظر أو لا أعلم وجوب النظر حتى أنظر

ومن جواب هؤلاء أن حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم فليس من شرط حجة الله تعالى علم المدعوين بها

ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعا من قيام حجة الله تعالى عليهم وكذلك إعراضهم عن استماع المنقول عن الأنبياء وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة

فلذلك قال تعالى وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم

وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا

وقال تعالى وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا

وقال تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى


100

وقال تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا

وقال ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون

ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث والسنة من الآثار النبوية والسلفية المعلومة عندهم بل المتواترة عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم باحسان

فان هؤلاء يقولون هذه غير معلومة لنا كما يقول من يقول من الكفار إن معجزات الأنبياء غير معلومة لهم وهذا لكونهم لم يطبلوا السبب الموجب للعلم بذلك وإلا فلو سمعوا ما سمع اولئك وقرأوا الكتب المصنفة التي قرأها أولئك تحصل لهم من العلم ما حصل لأولئك

وعدم العلم ليس علما بالعدم وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود فهم إذا لم يعلموا ذلك لم يكن هذا علما منهم بعدم ذلك ولا بعدم علم غيرهم به بل هم كما قال الله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله

وتكذيب من كذب بالجن هو هذا الباب وإلا فليس عند المتطيب والمتفلسف دليل عقلي ينفي وجودهم لكن غايته أنه ليس في صناعته ما يدل على وجودهم وهذا إنما يفيد عدم العلم لا العلم بالعدم وقد اعترف بهذا حذاق الأطباء والفلاسفة كأبقراط وغيره

والمقصود هنا التنبيه على كليات طرق العلم التي تكلم فيها هؤلاء وغيرهم


101

شرك الفلاسفة أشنع من شرك الجاهلية

بحث قيم على سبيل الاستطراد

ولهذا لما صنف طائفة في تقدير الشرك على أصولهم وأثبتوا الشفاعة التي يثبتها المشركون كان شرك هؤلاء شرا من شرك مشركي العرب وغيرهم

فان مشركي العرب وغيرهم ممن يقر بأن الرب فاعل بمشيئته وقدرته وأنه خالق كل شيء وأن السموات والأرض مخلوقة لله ليست مقارنة له في الوجود دائمة بدوامه كانوا يعبدون غير الله ليقربوهم إليه زلفى ويتخذونهم شفعاء يشفعون لهم عند الله بمعنى أنهم يدعون الله لهم فيجيب الله دعاءهم له وهؤلاء المشركون الذين بين القرآن كفرهم وجاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شركهم

قال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله

وقال تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا قالت طائفة من السلف كان اقوام يدعون الملائكة والانبياء فقال تعالى هؤلاء الذين تدعونهم يتوسلون الى كما تتوسلون الى ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي

وقال تعالى ما كان لبشر ان يؤتية الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم ان تتخذوا الملائكة


102

والنبين اربابا يأمر بالكفر بعد اذ انتم مسلمون

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض وما لهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنغع الشفاعة عنده الا لمن اذن له

وقال تعالى وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضى

وقال تعالى ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون

ومثل هذا في القران كثير

والعرب كانوا مع شركهم وكفرهم يقولون ان الملائكة مخلوقون وكان من يقول منهم ان الملائكة بنات يقولون ايضا انهم محدثون ويقولون انه صاهر إلى الجن فولدت له الملائكة

وقولهم من جنس قول النصارى في أن المسيح ابن الله مع ان مريم امه ولهذا قرن سبحانه بين هؤلاء وهؤلاء

وقول هؤلاء الفلاسفة شر من قول هؤلاء كلهم

فان الملائكة عند من آمن بالنبوات منهم هي العقول العشرة وتلك عندهم قديمة ازلية والعقل رب كل ما سوى الرب عندهم وهذا لم يقل مثله احد من اليهود والنصارى ومشركي العرب لم يقل احد ان ملكا من الملائكة رب العالم كله

ويقولون ان العقل الفعال مبدع لما تحت فلك القمر وهذا ايضا كفر لم يصل اليه احد من كفار اهل الكتاب ومشركي العرب


103

وهؤلاء يقولون ما ذكره ابن سينا واتباعه كصاحب الكتب المضنون بها على غير اهلها ومن وافقهم من القرامطة والباطنية من الملاحدة والجهال الذين دخلوا في الصوفية واهل الكلام كأهل وحدة الوجود وغيرهم

يجعلون الشفاعة مبنية على ما يعتقدونه من ان الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالما بالجزئيات ولا يقدر ان يغير العالم بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه

فيقولون اذا توجه المستشفع الى من يعظمه من الجواهر العالية كالعقول والنفوس والكواكب والشمس والقمر او الى النفوس المفارقة مثل بعض


104

الصالحين فانه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فاذا فاض على ذلك ما يفيض من جهة الرب فاض على هذا المستشفع من جهة شفيعة

ويمثلونه بالشمس اذا طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المراة على موضع اخر فأشرق بذلك الشعاع فذلك الشعاع حصل له بمقابلة المراة وحصل للمراة بمقابلة الشمس

فهذا الداعى المستشفع اذا توجه الى شفيعه اشرق عليه من جهته مقصود الشفاعة وذلك الشفيع يشرق عليه من جهة الحق

ولهذا يرى هؤلاء دعاء الموتي عند القبور وغير القبور ويتوجهون اليهم ويستعينون بهم ويقولون ان ارواحنا اذا توجهت الى روح المقبور في القبور اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته

وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون الصلوة والدعاء عند قبور الانبياء والصالحين من اهل البيت وغيرهم افضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد وافضل من حج البيت العتيق

ومعلوم ان كفر هؤلاء بما يقولونه في الشفعاء اعظم من كفر مشركي العرب بما قالوه فيهم لان كلتى الطائفتين عبدوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله لكن العرب اقروا بأن الله عالم بهم قادر عليهم يخلق بمشيئته وقدرته وقالوا إن هؤلاء ينفعونا بدعائهم لنا

وأما مشركوا الفلاسفة كما ذكره ابن سينا ومن اتبعه فيقولون إن من يستشفع به لا يدعو الله لنا بشئ والله لا يعلم دعاءنا ولا دعاءه ولا يسمع نداءنا ولا نداءه بل ولا يعرف بنا ولا نراه ولا يعرف به فانا نحن من الجزئيات والله لا يعلم الجزئيات عندهم ولا يقدر على تغيير شئ من العالم ولا يفعل بمشيئته


105

لكن قالوا لكن نحن إذا توجهنا الى هؤلاء بالدعاء لهم والسؤال منهم بل وبالعبادة لهم فاض علينا ما يفيض منهم وفاض عليهم ما يفيض من جهة الله

ثم إن طائفة من أهل الكلام يردون عليهم باطلهم بقول باطل فيردون فاسدا بفاسد وإن كان أحدهما أكثر فسادا مثل إنكار كثير منهم لكثير من الامور الرياضية كاستدارة الفلك وغير ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة وآثار السلف مع دلالة العقل

أو يفعلون كما فعله الشهرستاني في الملل والنحل حيث اخذ يذكر المفاضلة بين الارواح العلوية وبين الانبياء ويجعل إثبات هذه وسائط آولى من تلك تفضيلا لأقوال الحنفاء على أقوال الصابئة وهذا غلط عظيم

فان الحنفاء لا يثبتون بين الله وبين مخلوقاته واسطة في عبادته وسؤاله وإنما يثبتون الوسائط في تبليغ رسالاته فأصل الحنفاء شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا وغيره من الرسل رسل الله

وأما الوسائط التي يثبتها المشركون فيجعلون الملئكة معبودين وهذا كفر وضلال وتوسط الملئكة بمعنى تبليغ رسالات الله أو بمعنى أنهم يفعلون ما يفعلونه باذن الله مما اتفق عليه الحنفاء

ومعلوم أن المشركين من عباد الاصنام وغيرهم كانت الشياطين تضلهم فتكلمهم وتقضى لهم بعض حوائجهم وتخبرهم بأمور غائبة عنهم

وكان للكهان شياطين تخبرهم وتأمرهم وإن كان الكذب فيما يقولونه اكثر من الصدق

وهكذا المشركون في زماننا الذين يدعون غير الله كالشيوخ الغائبين والموتى تتصور لهم الشياطين في صور الشيوخ حتى يظنوا ان الشيخ حضر وأن الله صور


106

على صورته ملكا وأن ذلك من بركة دعائه وإنما يكون الذي تصور لهم شيطان من الشياطين

وهذا مما نعرف أنه ابتلى في زماننا وغير زماننا خلق كثير أعرف منهم عددا وأعرف من ذلك وقائع متعددة

والشياطين ايضا تضل عباد القبور كما كانت تضل المشركين من العرب وغيرهم

وكانت اليونان من المشركين يعبدون الاوثان ويعانون السحر كما ذكروا ذلك عن أرسطو وغيره وكانت الشياطين تضلهم وبهم يتم سحرهم وقد لا يعرفونهم أن ذلك من الشياطين بل قد لا يقرون بالشياطين بل يظنون ذلك كله من قوة النفس او من أمور طبيعية او من قوى فلكية فان هذه الثلاثة هي اسباب عجائب العالم عند ابن سينا وموافقيه

وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرا في العالم في الشر من هذا كله وجاهلون بملئكة الله الذين يجرى بسببهم كل خير في السماء والارض

وما يدعونه من جعل الملئكة هي العقول العشرة او هي القوى الصالحة في النفس وأن الشياطين هي القوى الخبيئة مما قد عرف فساده بالدلائل العقلية بل بالضرورة من دين الرسول

فاذا كان شرك هؤلاء وكفرهم في نفس التوحيد وعبادة الله وحده أعظم من شرك مشركى العرب وكفرهم فأى كمال للنفس في هذه الجهالات

وهذا وأمثاله يفتقر الى بسط كثير وقد ذكرنا منه طرفا في مواضع غير هذا

والمقصود هنا ذكر ما ادعاه هؤلاء في البرهان المنطقي


107

بطلان دعواهم لا بد في البرهان من قضية كلية

وايضا فاذا قالوا العلوم اليقينية النظرية لا تحصل إلا ب البرهان الذي هو عندهم قياس شمولي وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة

ولهذا قالوا لا نتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شئ من انواع القياس لا بحسب صورته كالحملي والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا البرهانى ولا الخطابي ولا الجدلى بل ولا الشعري

فيقال إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية فلا بد من العلم بتلك القضية الكلية أي من العلم بكونها كلية وإلا فمتى جوز عليها أن لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها والمهملة وهي المطلقة التي يحتمل لفظها أن يكون كلية وجزئية في قوة الجزئية

وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العلم ب قضية كلية موجبة فيقال

العلم بتلك القضية إن كان بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق الاولى

وإن كان نظريا احتاج الى علم بديهي فيفضى الى الدور المعى أو التسلسل في أمور لها مبدأ محدود فان علم ابن آدم إذا توقف على علم منه وعلمه على علم منه فعلمه له مبدأ لانه نفسه مبدأ ليس هذا ك تسلسل الحوادث الماضية وأيضا فانه تسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل

وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان ويسمونها الواجب قبولها سواء كانت حسية ظاهرة او باطنة وهي التي يحسها بنفسه


108

أو كانت من المجربات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو من اليقينيات الواجب قبولها

مثل العلم بكون ضوء القمر مستفادا من الشمس إذا راى اختلاف اشكاله عند اختلاف محاذياته للشمس كما يختلف إذا فارقها بعد الاجتماع كما في ليلة الهلال وإذا كان ليلة الاستقبال عند الابدار

وهم متنازعون هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا

ومثل العقليات المحضة كقولنا الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من الجزء والاشياء المساوية لشئ واحد متساية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان

فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم ب النتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع كثيرا

فاذا علم ان كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهما واحد فانه يعلم ان هذا الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا المعينة من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية

وكذلك كل كل وجزء يمكن العلم بأن هذا الكل اعظم من جزئة بدون توسط القضية الكلية

وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين فانه يعلم انهما لا يجتمعان ولا يرتفعان فكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ولا يخلو من الوجود والعدم كما يعلم المعين الآخر ولا يحتاج ذلك الى ان يستدل عليه بأن كل شئ لا يكون موجودا معدوما معا

وكذلك الضدان فان الانسان يعلم ان هذا الشئ لا يكون اسود ابيض ولا يكون متحركا ساكنا كما يعلم أن الاخر كذلك ولا يحتاج في العلم بذلك


109

الى قضية كلية بان كل شئ لا يكون اسود ابيض ولا يكون متحركا ساكنا وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما فان علم تضاد المعينين علم انهما لا يجتمعان وإن لم يعلم تضادهما لم يغنه العلم بالقضية الكلية وهي علمه بأن كل ضدين لا يجتمعان فان العلم بالقضية الكلية يفيد العلم ب المقدمة الكبرى المشتملة على الحد الاكبر وذلك لا يغنى بدون العلم ب المقدمة الصغرى المشتملة على الحد الاصغر والعلم ب النتيجتة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان يمكن بدون العلم بالمقدمة الكبرى وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلم يفتقر العلم بذلك الى القياس الذي خصوه باسم البرهان

وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله وكلام سائر أصناف العلماء لا يختص بما يسمونه هم البرهان وإنما خصوا هم لفظ البرهان بما اشتمل على القياس الذي خصوا صورته ومادته بما ذكروه

مثال ذلك انه إذا اريد إبطال قول من يثبت الاحوال ويقول إنها لا موجودة ولا معدومة فقيل هذان نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان فان هذا جعل للواحد لا موجودا ولا معدوما ولا يمكن جعل شئ من الاشياء لا موجودا ولا معدوما في حال واحدة فلا يمكن جعل الحال لا موجودة ولا معدومة كان العلم بأن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ممكنا بدون هذه القضية الكلية فلا يفتقر العلم ب النتيجة الى البرهان

وكذلك إذا قيل إن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه على اصح القولين أو لاحد طرفيه على قول طائفة من الناس او قيل هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث فتلك القضية الكلية وهى قولنا كل محدث لا بد له من محدث وكل ممكن لا بد له مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها فيعلم ان هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا


110

الممكن لا بد له من مرجح

فان شك عقله وجوز ان يحدث هو بلا محدث احدثه او ان يكون وهو ممكن يقبل الوجود والعدم بدون مرجح يرجح وجوده جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الاولى وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه ب النتيجة المعينة وهو قولنا وهذا محدث فله محدث أو هذا ممكن فله مرجح الى العلم بالقضية الكلية فلا يحتاج الى القياس البرهاني

ومما يوضح هذا أنك لا تجد أحدا من بني آدم يريد ان يعلم مطلوبا بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي

فساد قولهم بأنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين

ولهذا لا تجد أحدا من سائر اصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول

ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل إذ حاجة الناس تختلف

وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن قال إنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما ولا يحتاج الى أكثر منهما كما يقوله من يقوله من المنطقيين

وهذا ينبغي ان تأخذه من المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص الانبياء فانه يظهر بها فساد منطقهم

الكلام على تمثيلهم كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام

وأما إذا أخذته من المواد المعلومة بأقوال الانبياء فانه يظهر الاحتياج الى القضية


111

الكلية كما إذا أردنا بيان تحريم النبيذ المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر وكل مسكر حرام او قلنا إنه خمر وكل خمر حرام

فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وقولنا كل خمر حرام يعلم بالنص والاجماع وليس في ذلك نزاع وإنما النزاع في المقدمة الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام

وفي لفظ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وقد يظن بعض الناس ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا على النظم المنطقي لتبيين النتيجة ب المقدمتين كما يفعله المنطقيون وهذا جهل عظيم ممن يظنه فان النبي صلى الله عليه وسلم أجل قدرا من ان يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم

بل من هو أضعف عقلا وعلما من آحاد علماء امته لا يرضى لنفسه ان يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين بل يعدونهم من الجهال الذين لا يحسنون الاستدال ويقولون هؤلاء قوم كانوا يحسنون الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الالهية فلم يكونوا من رجالها

وقد بين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم

وذلك أن كون كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون فلا يحتاجون الى معرفة ذلك ب القياس

وإنما شك بعضهم في أنواع من الاشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل والحبوب وغير ذلك كما في الصحيحين عن أبي موسى الاشعري أنه قيل


112

يا رسول الله عندنا شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر قال وكان قد أوتى جوامع الكلم فقال كل مسكر حرام فأجابهم صلى الله عليه وسلم بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم وبين ايضا ان كل ما يسكر فهو خمر

وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم كل مسكر متوقفا على العلم بهما جميعا

فان من علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر حرام وهو من المؤمنين به علم ان النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل له الشك هل أراد القدر المسكر أو أراد جنس المسكر وهذا شك في مدلول قوله فاذا علم مراده صلى الله عليه وسلم علم المطلوب

وكذلك إذا علم ان النبيذ خمر والعلم بهذا او كد في التحريم فان من يحلل النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فاذا علم بالنص ان كل مسكر خمر كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الايمان الذين يعلمون ان الخمر محرم وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا يستدل بنصه

وإن علم ان محمدا رسول الله لكن لم يعلم انه حرم الخمر فهذا لا ينفعه قوله كل مسكر خمر بل ينفعه قوله كل مسكر حرام وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر لأن الخرم والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر

وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية بل التنبيه على التمثيل فان


113

هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء المسلمين

التمثيل بصور مجردة عن المواد المعينة

والمنطقيون يمثلون بصور مجردة عن المواد لا تدل على شئ يعينه لئلا يستفاد العل بالمثال من صورته المعينة كما يقولون كل ا ب وكل ب ج فكل ا ج

لكن المقصود هو العلم المطلوب من المواد المعينة فاذا جردت يظن الظان ان هذا يحتاج اليه في المعينات وليس الامر كذلك

بل إذا طولبوا بالعلم بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي لم تؤخذ عن المعصومين تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم ب المعينات المطلوبة بدون العلم بالقضية الكلية فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان

فالقضايا النبوية لا تحتاج الى القياس العقلى الذي سموه برهانا وما يستفاد بالعقل من العلوم ايضا لا يحتاج الى قياسهم البرهاني فلا يحتاج اليه لا في العقليات ولا في السمعيات

فامتنع أن يقال لا يحصل علم إلا ب القياس البرهاني الذي ذكروه

العلوم الحسية لا تكون إلا جزئية معينة

ومما يوضح ذلك ان القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لم ندرك بالحس إلا إحراق هذه النار وهذه النار لم ندرك ان كل نار محرقة فاذا جعلنا هذه قضية كلية وقلنا كل نار محرقة لم يكن لنا طريق يعلم به صدق هذه القضية الكلية علما يقينيا إلا والعلم بذلك ممكن في الاعيان المعينة بطريق الاولى

وإن قيل ليس المراد العلم ب الامور المعينة فان البرهان لا يفيد إلا العلم بقضية كلية فالنتائج المعلومة ب البرهان لا تكون إلا كلية كما يقولون هم ذلك


114

والكليات إنما تكون كليات في الاذهان لا في الاعيان

قيل فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشئ موجود بل بأمور مقدرة في الاذهان لا يعلم تحققها في الاعيان وإذا لم يكن في هذا علم بشئ موجود لم يكن في البرهان علم بموجود فيكون قليل المنفعة جدا بل عديم المنفعة

وهم لا يقولوك بذلك بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجة الطبيعية والالهية

ولكن حقيقة الامر كما بيناه في غير هذا الموضع ان المطالب الطبيعية التي ليست من الكليات اللازمة بل الاكثرية فلا تفيد مقصود البرهان

وأما الالهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلا عن ان تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان

ولهذا حدثونا باسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب كشف اسرار المنطق والموجز وغيرهما انه قال عند الموت أموت وما عرفت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر الى المؤثر ثم قال الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئا وكذلك حدثونا عن آخر من افاضلهم

فهذا امر يعرفه كل من خبرهم ويعرف انهم اجهل اهل الارض بالطرق التي ينال بها العلوم العقلية والسمعية إلا من علم منهم علما من غير الطريق المنطقية فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان الذين يزعمون أنهم يزنون به العلوم ومن عرف منهم بشئ من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرروه في المنطق


115

القضايا الكلية تعلم ب قياس التمثيل

ومما يبين ان حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر الى برهانهم ان يقال إذا كان لا بد في برهانهم من قضية كلية فالعلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب فان عرفوها ب اعتبار الغائب بالشاهد وان حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن هذا النار محرقة علمنا ان النار الغائبة محرقة لانها مثلها وحكم الشيء حكم مثله فيقال

هذا استدلال ب قياس التمثيل وهم يزعمون انه لا يفيد اليقين بل الظن فاذا كانوا علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين الى ما يقولون إنه لا يفيد إلا الظن

وإن قالوا بل عند الاحساس ب الجزئيات يحصل في النفس علم الكلى من واهب العقل أو تستعد النفس عند الاحساس ب الجزئيات لان يفيض عليها الكلى من واهب العقل او قالوا من العقل الفعال عندهم او نحو ذلك قيل لهم

الكلام فيها به يعلم ان ذلك الحكم الكلى الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل

فان قالوا هذا يعلم بالبديهة والضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة الى هذا العلم وهذا إن كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع

فان جزم العقلاء ب الشخصيات من الحسيات أعظم من جزمهم ب الكليات وجزمهم بكلية الانواع أعظم من جزمهم بكلية الاجناس والعلم ب الجزئيات


116

أسبق الى الفطرة فجزم الفطرة بها اقوى ثم كلما قوى العقل اتسعت الكليات

وحينئذ فلا يجوز ان يقال إن العلم ب الاشخاص موقوف على العلم ب الانواع والاجناس ولا ان العلم ب الانواع موقوف على العلم ب الاجناس بل قد يعلم الانسان انه حساس متحرك بالارادة قبل ان يعلم ان كل إنسان كذلك ويعلم ان الانسان كذلك قبل ان يعلم ان كل حيوان كذلك فلم يبق علمه ب انه أو ب ان غيره من الحيوان حساس متحرك بالارادة موقوفا على البرهان

وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد أو انه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالارادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الاحكام الشرعية

استواء قياس التمثيل وقياس الشمول

وهؤلاء يزعمون ان ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذي يفيد اليقين وقد بينا في غير هذا الموضع ان قولهم هذا من أفسد الاقوال وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلف اليقين والظن بحسب المواد فالمادة المعينة إن كانت يقينية في أحدهما كانت يقينية في الاخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الاخر

وذلك ان قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الاصغر والاوسط والاكبر والحد الاوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا ومشتركا وصفا ومقتضيا ونحو ذلك من العبارات

فاذا قال في مسألة النبيذ كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلا بد له من إثبات المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان

وحينئذ فيمكنه ان يقول النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب


117

بجامع ما يشتركان فيه من الاسكار فان الاسكار هو مناط التحريم في الاصل وهو موجود في الفرع

فيما به يقرر ان كل مسكر حرام به يقرر ان السكر مناط التحريم بطريق الاولى بل التقرير في قياس التمثيل اسهل عليه لشهادة الاصل له بالتحريم

فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات لا يكفى في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزئين لثبوته في الجزء الاخر ل اشتراكهما في امر لم يقم دليل على استلزامه للحكم كما يظنه هؤلاء الغالطون بل لا بد من ان يعلم ان المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الاوسط وهو الذي يسميه الفقهاء واهل اصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم

وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج اليه غالبا في تقرير صحة القياس

فان المعترض قد يمنع الوصف في الاصل وقد يمنع الحكم في الاصل وقد يمنع الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول لا اسلم ان ما ذكرته من الوصف المشترك هو العلة او دليل العلة فلا بد من دليل يدل على ذلك إما من نص او إجماع او سبر وتقسيم أو المناسبة او الدوران عند من يستدل بذلك فما دل على ان الوصف المشترك مستلزم الحكم إما علة وإما دليل العلة هو الذي يدل على ان الحد الاوسط مستلزم الاكبر وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى فان اثبت العلة كان برهان علة وإن اثبت دليلها كان برهان دلالة وإن لم يفد العلم بل افاد الظن فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية وهذا أمر بين

ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولى كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلى وحقيقة احدهما هو حقيقة الاخر


118

رد القول بأنه لا قياس في العقليات إنما هو في الشرعيات

ومن قال من متأخري اهل الكلام والرأى كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم إن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا فقولهم مخالف لقول جمهور نظار المسلمين بل وسائر العقلاء

فان القياس يستدل به في العقليات كما يستدل به في الشرعيات فانه إذا ثبت ان الوصف المشترك مستلزم الحكم كان هذا دليلا في جميع العلوم وكذلك إذا ثبت انه ليس بين الفرع والاصل فرق مؤثر كان هذا دليلا في جميع العلوم وحيث لا يستدل ب القياس التمثيلي لا يستدل ب القياس الشمولي

وأبو المعالي ومن قبله من نظار المتكلمين لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها بل يستدلون بالادلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك

غير ان المنطقيين وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزما للحكم كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل

ومنازعهم يقول لم يثبت الحكم في الغائب لاجل ثبوته في الشاهد بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج الى التمثيل

فيقال لهم وهكذا في الشرعيات فانه متى قام الدليل على ان الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج الى الاصل بل نفس الدليل الدال على ان الحكم معلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليا والكلى لا يوجد إلا معينا كان تعيين الاصل مما يعلم به تحقق هذا الكلى وهذا امر نافع في الشرعيات والعقليات فعلمت ان القياس حيث قام الدليل على ان الجامع مناط الحكم او على إلغاء الفارق بين الاصل والفرع فهو قياس صحيح ودليل صحيح في أي شئ كان

تنازع الناس في مسمى القياس

وقد تنازع الناس في مسمى القياس


119

فقالت طائفة من اهل الاصول هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول كابي حامد الغزالي وابي محمد المقدسي وغيرهما

وقالت طائفة بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل كابن حزم وغيره

وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعا وهذا قول اكثر من تكلم في أصول الدين واصول الفقه وانواع العلوم العقلية وهو الصواب وهو قول الجمهور من أتباع الائمة الاربعة وغيرهم كالشيخ ابي حامد والقاضي ابي الطيب وأمثالهما وكالقاضي ابي يعلى والقاضي يعقوب والحلواني وابي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم فان حقيقة احدهما هو حقيقة الاخر وإنما تختلف صورة الاستدلال

والقياس في اللغة تقدير الشئ بغيره وهذا تتناول تقدير الشئ المعين بنظيره المعين وتقديره بالامر الكلى المتناول له ولأمثاله فان الكلى هو مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا موافقا له

حقيقة قياس الشمول

وقياس الشمول هو انتقال الذهن من المعين الى المعنى العام المشترك الكلى المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلى بأن ينتقل من ذلك الكلى اللازم الى الملزوم الاول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ثم انتقال من ذلك العام الى الخاص من جزئى الى كلى ثم من ذلك الكلى الى الجزئي الاول فيحكم عليه بذلك الكلى

ولهذا كان الدليل اخص من مدلوله الذي هو الحكم فانه يلزم من وجود الدليل وجود الحكم واللازم لا يكون اخص من ملزومه


120

بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى بكونه أعم

والمدلول عليه الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع إما أخص من الدليل وإما مساويه فيطلق عليه القول بأنه اخص منه لا يكون أعم من الدليل إذ لو كان أعم منه لم يكن الدليل لازما له وإذا لم يكن لازما له لم يعلم ان لازم الدليل وهو الحكم لازم له فلا يعلم ثبوت الحكم له فلا يكون الدليل دليلا وإنما يكون إذا كان لازما ل المحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى الموضوع والمبتدأ مستلزما الحكم الذي هو صفة وخبر وحكم وهو الذي يسمى المحمول والخبر

هذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه وأخص من التحريم

وقد يكون الدليل مساويا في العموم والخصوص ل الحكم ول محله

وبأي صورة ذهنية أو لفظية صور الدليل فحقيقته واحدة وإن ما يعتبر في كونه دليلا هو كونه مستلزما للحكم لازما للمحكوم عليه فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك

وهذا امر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان ولهذا كانت أذهان بني آدم تستدل ب الادلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما في نفوسهم وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم فالعلم بذلك الملزوم لا بد ان يكون بينا بنفسه او بدليل آخر

حقيقة قياس التمثيل والموازنة بينه وبين قياس الشمول

وأما قياس التمثيل فهو انتقال المذهن من حكم معين الى حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلى لان ذلك الحكم يلزم ذلك المشترك الكلى ثم العلم بذلك الملزوم لا بد له من سبب إذا لم يكن بينا كما تقدم


121

فهنا يتصور المعينين أولا وهما الاصل والفرع ثم ينتقل الى لازمهما وهو المشترك ثم الى لازم اللازم وهو الحكم

ولا بد ان يعرف ان الحكم لازم المشترك وهو الذي يسمى هناك قضية كبرى ثم ينتقل الى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين

فهذا هو هذا في الحقيقة وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا فالحقيقة التي بها صار دليلا وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة

ومن ظلم هؤلاء وجهلهم انهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسا على الانسان ثم يوردون على هذا القياس ما يختص به لخصوص المادة وهذا يرد عليه لو جعل قياس الشمول فانه لو قيل السماء مؤلفة وكل مؤلف محدث لورد عليه هذه الاسئلة وزيادة

ولكن إذا اخذ قياس الشمول في مادة معلومة بينة لم يكن فرق بينه وبين قياس التمثيل بل قد يكون التمثيل أبين ولهذا كان العقلاء يقيسون به

وكذلك قولهم في الحد إنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي لا يحصل به التمييز بين المحدود وغيره بحيث يعرف به ما يلازم المحدود طردا وعكسا بحيث يوجد حيث وجد وينتفى حيث انتفى فان الحد المميز للمحدود هو ما به يعرف الملازم المطابق طردا وعكسا فكل ما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره وهذا هو الحد عند جماهير النظار ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد

فاذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز فأرى رغيفا وقيل له هذا فقد يفهم ان هذا اللفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف او غير صورته وقد بسط الكلام على ما


122

ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك

وجد هذا في الامثلة المجردة إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الاوسط هو الباء فقيل

كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل الف جيم

ولكن يحتاج ذلك الى إثبات القضية الكبرى مع الصغرى وإذا قيل

كل ألف جيم قياسا عل الدال

لأن الدال هي جيم

وإنما كانت جيما لأنها باء

والألف أيضا باء

فتكون الالف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء

كان هذا صحيحا في معنى الاول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الالف مع ان الحد الاوسط وهو الباء موجود فيهما

دعواهم في البرهان أنه يفيد العلوم الكمالية

فان قيل ما ذكرتموه من كون البرهان لا بد فيه من قضية كلية صحيح ولهذا لا يثبتون به إلا مطلوبا كليا ويقولون البرهان لا يفيد إلا الكليات

ثم اشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل فهى التي تكمل بها النفس وتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير

وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير فتلك إنما تحصل ب القضايا العقلية الواجب قبولها بل إنما تكون في القضايا التي جهتها الوجوب كما يقال كل إنسان حيوان وكل موجود فاما واجب وإما ممكن


123

ونحو ذلك من القضايا الكلية التي لا تقبل التغير

أقسام العلوم عندهم ثلاثة

ولهذا كانت العلوم عندهم ثلاثة

إما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الطبيعي وموضوعه الجسم

وإما علم مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو الرياضي كالكلام في المقدورات المعدودة والمقدار والعدد

وإما ما يتجرد عن المادة فيهما وهو الالهى وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود كانقسامه الى واجب وممكن وجوهر وعرض

الجواهر الخمسة

وانقسام الجوهر الى ما هو حال وما هو محل وما ليس بحال ولا محل بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير والى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك

فالاول هو الصورة

والثاني هوالمادة وهو الهيولي ومعناه في لغتهم المحل

والمركب منهما هو الجسم

والثالث هو النفس

والرابع هو العقل

وهذه الخمسة اقسام الجوهر عندهم

والاول مقالي يجعله اكثرهم من مقولة الجوهر ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا من تسميته جوهرا وقالوا الجوهر ما اذا وجد كان وجوده لا في موضوع أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه وهذا انما يكون فيما وجوده غير ماهيته والاول ليس كذلك فلا يكون جوهرا وهذا خالفو مما


124

فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فان تخصيص أسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي

وأولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز او كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل الاعراض ونحو ذلك

وأما الفرق المعنوي فدعواهم ان وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل ودعواهم ان الاول وجود مقيدة بالسلوب ايضا باطل كما هو مبسوط في موضعه

علم المقولات العشر

مع أن تقسيم الوجود الى واجب وممكن هو تقسيم ابن سينا وأتباعه وأما أرسطو والمتقدمون فلا يقسمونه إلا الى جوهر وعرض والممكن عندهم لا يكون إلا حادثا كما اتفق على ذلك سائر العقلاء وهذا العلم هو علم المقولات العشر وهو المسمى عندهم قاطيغورياس

الادلة على بطلان دعواهم في البرهان

والمقصود هنا الكلام على البرهان فيقال

هذا الكلام وإن ضل به طوائف فهو كلام مزخرف وفيه من الباطل ما يطول وصفه ولكن ننبه هنا على بعض ما فيه وذلك من وجوه

الوجه الاول

البرهان لا يفيد العلم بشئ من الموجودات

الاول أن يقال إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات إنما تتحقق في الاذهان لا في الاعيان وليس في الخارج إلا موجود معين لم يعلم


125

ب البرهان شئ من المعينات فلا يعلم به موجود اصلا بل إنما يعلم به أمور مقدرة في الاذهان

ومعلوم ان النفس لو قدر ان كمالها في العلم فقط وإن كانت هذه قضية كاذبة كما بسط في موضعه فليس هذا علما تكمل به النفس إذ لم تعلم شيئا من الموجودات ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بل صارت عالما لامور كلية مقدرة لا يعلم بها شئ من العالم الموجود وأي خير في هذا فضلا عن ان يكون كمالا

الوجه الثاني

لا يعلم ب البرهان واجب الوجود ولا العقول الخ

الثاني ان يقال اشرف الموجودات هو واجب الوجود ووجوده معين لا كلى فان الكلى لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه بل إنما علم امر كلى مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود

وكذلك الجواهر العقلية عندهم وهي العقول العشرة او اكثر من ذلك عند من يجعلها اكثر من ذلك عندهم كالسهروردى المقتول وأبى البركات وغيرهما كلها جواهر معينة لا امور كلية فاذا لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شئ منها


126

وكذلك الافلاك التي يقولون إنها ازلية ابدية وهي معينة فاذا لم يعلم إلا الكليات لم تكن معلومة

فلا يعلم لا واجب الوجود ولا العقول ولا شئ من النفوس ولا الافلاك بل ولا العناصر ولا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فأي علم هنا تكمل به النفس

الوجه الثالث

ليس العلم الالهي عندهم علما بالخالق ولا بالمخلوق

الثالث ان يقال العلم الاعلى عندهم الذي هو الفلسفة الاولى والحكمة العليا علم ما بعد الطبيعة باعتبار الاستدلال وما هو قبلها باعتبار الوجود وهو الذي يسميه طائفة منهم العلم الالهي

وموضوع هذا العلم هو الوجود المطلق الكلى المنقسم الى واجب وممكن وقديم ومحدث وجوهر وعرض

إيراد لابن المطهر الحلى وتخطئة المصنف له عليه

وقد أورد بعض المتأخرين من الشيعة المصنفين في علمهم ما ذكره انه الاسرار الخفية في العلوم العقلية عليهم سؤالا قال إن كان موضوعه كل موجود فلا يبحث فيه عن عوارض كل موجود وإن كان أخص من ذلك ك الواجب والممكن فذلك جزء منه

التقسيم نوعان تقسيم الكل الى أجزائه وتقسيم الكلى الى جزئياته


127

فيقال له القسمة نوعان قسمة الكلى إلى جزئياته وقسمة الكل الى أجزائه والقسمة الثانية هي المعروفة في الامر العام كما يقول العلماء باب القسمة ويذكرون قسمة المواريث والمغانم والارض وغير ذلك ومنه قوله تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر القمر ومنه قوله تعالى لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم الحجر

أما تقسيم الكلى الى جزئياته فمثل قولنا الحيوان ينقسم الى ناطق وأعجمي وهو قسمة الجنس الى أنواعه والنوع الى اشخاصه

استطراد

ولهذا كان النحاة إذا ارادوا ان يقسموا ما يقسمونه الى اسم وفعل وحرف يختلف كلامهم فكثير منهم يقول الكلام ينقسم الى اسم وفعل وحرف وهذا هو الذي يذكره قدماء النحاة

فاعترض عليهم بعض من صنف في قوانين النحو كالكرولي وقالوا كل جنس قسم الى أنواعه أو انواع اشخاصه ف الاسم المقسوم الاعلى صادق على الانواع والاشخاص وإلا فليست بأقسام له فصاروا يقولون الكلمة تنقسم الى اسم وفعل وحرف ويقولون الكلمة جنس تحته انواع الاسم والفعل والحرف

وهذا الاعتراض خطأ ممن أورده لان اولئك لم يقصدوا تقسيم الكلى الى جزئياته وإنما قصدوا تقسيم الكل الى أجزائه وهو التقسيم المعروف اولا في العقول واللغات كما إذا قلت هذه الارض مقسمومة فلفلان هذا الجانب ولفلان هذا الجانب كما قال تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر القمر والكلام مركب من الاسماء والافعال


128

والحروف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والارض وكما ان بدن الانسان مركب من أعضائه المتميزة وأخلاطه الممتزجة فتقسيمه الى الاعضاء والاخلاط تقسيم كل الى أجزائه ومثل هذا يمتنع ان يصدق فيه اسم المقسوم على الاجزاء فليس كل واحد من أعضائه بدنا ولا كل من أخلاطه بدنا ولا كل من اجزاء السقف بيتا وكذلك الوجه إذا قيل ينقسم الى جبين وأنف وعين وخد وغير ذلك لم يكن كل واحد من هذه الاعضاء وجها ونظائر هذا كثيرة

وأما الكلى فانما يوجد في الذهن لا في الخارج فتبين ان تقسيم الاولين أظهر من تقسيم الآخرين

استطراد آخر

معنى الكلمة والحرف في كلام العرب

ثم إن الاخرين جعلوا ان الكلمة اسم جنس لهذه الانواع ولفظ الكلمة لا يوجد في لغة العرب إلا اسما لجملة تامة اسمية أو فعلية كقول النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان حفيفتان على اللسان حبيبتان الى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وقوله اصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شئ ما خلا الله باطل وقوله في النساء أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ومنه قوله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا التوبة وقوله تعالى وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا


129

الكهف

ومثل هذا كثير في كلام العرب

وبعض متأخرى النحاة لما سمع بعض هذا قال وقد يراد ب الكلام الكلمة

وليس الامر كما زعمه بل لا يوجد في كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة التي هي كلام ولا تطلق العرب لفظ كلمة ولا كلام إلا على جملة تامة ولهذا ذكر سيبويه انهم يحكون ب القول ما كان كلاما ولا يحكون به ما كان قولا

وأما تسمية الاسم وحده كلمة والفعل وحده كلمة والحرف وحده كلمة مثل هل وبل فهذا اصطلاح محض لبعض النحاة ليس هذا من لغة العرب اصلا وانما تسمى العرب هذه المفردات حروفا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم من قرا القران فله بكل حرف عشر حسنات اما اني لا اقول الم حرف ولكن الف حرف ولام حرف وميم حرف والذي عليه محققوا العلماء ان المراد بالحرف الاسم وحده والفعل حرف المعنى لقوله الف حرف وهذا اسم

ولهذا لما سأل الخليل اصحابه عن النطق بالزاء من زيد فقالوا زا فقال نطقتم بالاسم وانما الحرف زه ومنه قول ابي الاسود


130

الدولي وذكر له لفظه من الغريب وقال هذا حرف لم يبلغك فقال كل حرف لم يبلغ عمك فافعل به كذا

ولهذا ذكر سيبويه في اول كتابه التقسيم الى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فجعل الفصل من النوع الثالث انه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فميزه بقوله جاء لمعنى عن حروف الهجاء مثل الف با تا فان هذه حروف هجاء

وهذه الالفاظ اسماء تعرب اذا عقدت وركبت ولكن اذا نطق بها قبل التركيب نطق بها ساكنة كما ينطق بأسماء العدد قبل التركيب والعقد فيقال واحد اثنان ثلاثة ولهذا يعلم الصبيان في اول الامر اسما الحروف المفردة ا ب ت ث ثم المركبة وهو ابجد هوز حطي ويعلمون اسماء الاعداد واحد اثنان ثلاث

عود إلى أصل الموضوع

والمقصود هنا ان التقسيم نوعان تقسيم الكل الى اجزائه وهو اشهرهما واعرفهما في العقول واللغات والثاني تقسيم الكلي الى جزئياته وهو التقسيم الثاني لان الكليات هي المعقولات الثانية

فاذا قال القائل الوجود الذي هو موضوع العلم الالهي عندهم اما ان يكون كل موجود او بعضه وهو الواجب او الممكن كان هذا الحصر خطأ منه لان موضوعه الوجود الكلي المنقسم الى انواعه لا الكل المنقسم الى اجزائه ومعلوم ان الوجود الكلي يتكلمون في لواحقه الذاتيه لا في لواحق كل موجود

العلم الاعلى عند المنطقيين ليس علما بموجود في الخارج

لكن الذي تبين به خساسة ما عند القوم ونقص قدره ان هذا الوجود الكلي


131

انما يكون كليا في الذهن لا في الخارج فاذا كان هذا هو العلم الاعلى عندهم لم يكن الاعلى عندهم علما بشيء موجود في الخارج بل علما بأمر مشترك بين جميع الموجودات وهو مسمى الوجود وذلك كمسمى الشيء والذات والحقيقة والنفس والعين والماهية ونحو ذلك من المعاني العامة ومعلوم ان العلم بهذا ليس هو علما بموجود في الخارج لا بالخالق ولا بالمخلوق وانما هو علم بأمر مشترك كلي يشترك فيه الموجودات لا يوجد الا في الذهن ومن المتصورات ما يشترك فيه الموجود والمعدوم كقولنا مذكور ومعلوم ومخبر عنه فهذا اعم من ذاك

وهذا بخلاف العلم الاعلى عند المسلمين فانه العلم بالله الذي هو في نفسه اعلى من غيره من كل وجه والعلم به اعلى العلوم من كل وجه والعلم به اصل لكل علم وهم يسلمون ان العلم به اذا حصل على الوجه التام يستلزم العلم بكل موجود

وهذا بخلاف العلم بمسمى الوجود فان هذا لا حقيقة له في الخارج ولا العلم بالقدر المشترك يستلزم العلم بأجناسه وأنواعه وما يتميز به كل شئ بل ليس فيه إلا علم بقدر مشترك لا تصور له في الخارج وإنما هو علم بهذه المشتركات

وليس في مجرد العلم بذلك ما يوجب كمال النفس بل ولا في العلم بأقسامه العامة فانا إذا علمنا أن الوجود ينقسم الى جوهر وعرض وأن اقسام الجوهر خمسة كما زعموه مع ان ذلك ليس بصحيح ولا يثبت مما ذكروه إلا الجسم وأما المادة والصورة والنفس والعقل فلا يثبت لها حقيقة في الخارج إلا ان يكون جسما اوعرضا ولكن ما يثبتونه يعود الى امر مقدر في النفس لا في الخارج كما قد بسط في موضعه

وقد اعترف بذلك من ينصرهم ويعظمهم كأبى محمد بن حزم وغيره ولتعظيمه


132

المنطق رواه باسناده الى متى الترجمان الذي ترجمه الى العربية ومع هذا فاعترف بما ذكرناه وقد بسط ذلك في موضعه

ونحن نفرض هنا وجود ذلك في الخارج فالعلم بانقسام ذلك الى جواهر خمسة وانقسام العرض الى الانواع التسعة مع انه لم يقم دليل على انقسامه الى تسعة عند بعضهم وقد انشدوا فيها

زيد الطويل الاسود ابن مالك
في داره بالامس كان يتكى

في يده سيف نضاه فانتضى
فهذه عشر مقولات سوى

فذكر في هذين البيتين الجوهر والكم والكيف والاضافة والاين ومتى والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل

ولما لم يقم دليل على حصر أجناسها العالية في تسعة جعلها بعضهم خمسة وبعضهم ثلاثة الكم والكيف والاضافة

والمقصود هنا أنه إذا علم هذا التقسيم وعندهم كلما كان أعم كان أقرب الى المعقول وكان البرهان عليه أقوم فانه لا يقوم برهان واجب القبول دائما إلا على ما لا يتغير وهذه الاعراض عندهم لا يقوم ب واجب الوجود بل ولا ب العقول إلا بعضها على نزاع بينهم فيعود الكمال الى تصور وجود مطلق لا حقيقة له في الخارج كتصور ذات مطلقة وشئ مطلق وحقيقة مطلقة

وأي كمال للنفس في مجرد تصور هذه الامور العامة الكلية إذا لم تتصور أعيان الموجودات المعينة الجزئية وأي علم في هذا برب العالمين الذي لا تكمل النفوس إلا


133

بمعرفته وعبادته محبة وذلا كما قد بسط في موضعه

ولهذا كانت نهاية الفلاسفة إذا هداهم الله بعض الهداية بداية اليهود والنصارى الكفار فضلا عن المسلمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم فان ما عند اليهود والنصارى الكفار بعد النسخ والتبديل مما هو من نوع كمال النفس افضل في الجنس والكم والكيف مما عند الفلاسفة

الوجه الرابع

العلم الرياضي لا تكمل به النفوس وإن ارتاضت به العقول

إن تقسيمهم العلوم الى الطبيعي والى الرياضي والى الالهي وجعلهم الرياضي اشرف من الطبيعي والالهي اشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق

فان العلم الطبيعي وهو العلم بالاجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال الى حال وما فيها من الطبائع اشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة فان كون الانسان لا يتصور إلا شكلا مدورا او مثلثا أو مربعا ولو تصور كل ما في اقليدس او لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا ان ذلك يطلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما

وإنما جعلوا الهندسة مبدأ لعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة او ينتفعوا به في عمارة الدنيا هذا مع ان براهينهم القياسية لا تدل على شئ دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية

فان علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل والهندسة التي هي علم بالكم المنفصل علم يقينى لا يحتمل النقيض البتة مثل جمع الاعداد وقسمتها


134

وضربها ونسبة بعضها الى بعض

فانك إذا جمعت مائة الى مائة علمت انها مائتان واذا قسمتها على عشرة كان لكل واحد عشرة واذا ضربتها في عشرة كان المرتفع مائة

والضرب مقابل للقسمة فان ضرب الاعداد الصصحيحة تضعيف احاد احد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع احد العددين على آحاد العدد الاخر فاذا قسم المرتفع بالضرب على احد العددين خرج المضروب الاخر واذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه والنسبة تجمع هذا كله فنسبة احد المضروبين الى المرتفع كنسبة الواحد الى المضروب الاخر ونسبة المرتفع الى احد المضروبين كنسبة الاخر الى الواحد

فهذه الامور وامثالها مما يتكلم فيه الحساب امر معقول مما يشترك فيه ذوو العقول وما من احد من الناس الا يعرف منه شيئا فانه ضروري في العلم ضروري في العمل ولهذا يمثلون به في قولهم الواحد نصف الاثنين ولا ريب ان قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض البتة

استطراد

وهذا مبتدا فلسفتهم التي وضعها فيثاغورس وكانوا يسمون اصحابه اصحاب العدد وكانوا يظنون ان الاعداد المجردة موجودة خارج الذهن

ثم تبين لافلاطون واصحابه غلط ذلك وظنوا ان الماهيات المجردة ك الانسان المطلق والفرس المطلق موجودات خارج الذهن وانها ازلية ابدية

ثم تبين لارسطو واصحابه غلط ذلك فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود الاشخاص ومشى من مشى من اتباع ارسطو من المتأخرين


135

على هذا وهو ايضا غلط فان ما في الخارج ليس بكلى اصلا وليس في الخارج الا ما هو معين مخصوص

واذا قيل الكلي الطبيعي في الخارج فمعناه ان ما هو كلي في الذهن هو مطابق للافراد الموجودة في الخارج مطابقة العام لافراده والموجود في الخارج معينا مختص ليس بكلي اصلا ولكن فيه حصة من الكلي

وما في الذهن يطلق عليه انه قد يوجد الخارج كما يقال فعلت ما في نفسي وفي نفسي امور اريد فعلها ومنه قوله تعالى الا حاجة في نفس يعقوب قضاها وقول عمر كنت زورت في نفسي مقالة احببت ان اقولها ونظائره كثيرة

والكلي اذا وجد في الخارج لا يكون الا معينا لا يكون كليا فكونه كليا مشروط بكونه في الذهن

ومن اثبت ماهية لا في الذهن ولا في الخارج فتصور قوله تصورا تاما يكفي في العلم بفساد قوله وهذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع

عود الى اصل الموضوع

والمقصود هنا ان هذا العلم هو الذي تقوم عليه براهين صادقة لكن لا تكمل بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا يحصل لها به سعادة

ولهذا قال ابو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء


136

هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبه لا ثقه بها وان بعض الظن اثم يشيرون بالاول الى العلوم الرياضية وبالثاني الى ما يقولونه في الالهيات وفي احكام النجوم ونحو ذلك

الاسباب المغرية بالاشتغال بالعلم الرياضي وما اشبهه

لكن قد تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك فان الانسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه وسماع ما لم يكن سمعه اذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو اهم عنده منه كما قد يلتذ بأنواع من الافعال التي هي من جنس اللهو واللعب

وايضا ففي الادمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والادراك وتعويد النفس انها تعلم الحق وتقوله لتستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك

ولهذا يقال انه كان اوائل الفلاسفة اول ما يعلمون اولادهم العلم الرياضي وكثير من شيوخهم في اخر امره انما يشتغل بذلك لانه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من اهل الكلام الباطل لم يجد في ذلك ما هو حق اخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي كما كان يجري مثل ذلك لمن هو من ائمة الفلاسفة كابن واصل وغيره

وكذلك كثير من متأخري اصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لان فيه تفريحا للنفس وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط


137

وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال اذا لهوتم فالهوا بالرمي واذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض فان حساب الفرائض علم معقول مبني على اصل مشروع فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع ولكن ليس هو علما يطلب لذاته ولا تكمل به النفس

واولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها بأنواع الدعوات كما هو معروف من اخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعه في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم والاقسام التي بها يعظم ابليس وجنوده وكان الشيطان بسبب السحر والشرك يغويهم بأشياء هي التي دعتهم الى ذلك الشرك والسحر فكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بين بعضها وبعض من الاتصالات ليستعينوا بذلك على ما يرونه مناسبا لها

ولما كانت الافلاك مستديرة ولم يكن معرفة حسابها الا بمعرفة الهندسة واحكام الخطوط المنحنية والمستقيمة تكلموا في الهندسة لذلك ولعمارة الدنيا

فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك والا فلو لم يتعلق بذلك غرض الا مجرد تصور الاعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور

وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك فان لذات النفوس انواع ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار حتى يشغله ذلك عما هو انفع له منه

فكان مبدا وضع المنطق من الهندسة فجعلوه اشكالا كالاشكال الهندسية وسموه حدودا كحدود تلك الاشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس الى الشكل المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم الا بالطريق البعيدة


138

والله تعالى قد يسر للمسلمين من العلم والبيان مع العمل الصالح والايمان ما برزوا به على كل نوع من انواع جنس الانسان والحمد لله رب العالمين

العلم الالهي عندهم ليس له معلوم في الخارج

واما العلم الالهي الذي هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج فقد تبين لك انه ليس له معلوم في الخارج وانما هو علم بأمور كلية مطلقة لا توجد كلية الا في الذهن وليس في هذا من كمال النفس شيء

وان عرفوا واجب الوجود بخصوصه فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وهذا مما لا يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان ف برهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه لا واجب الوجود ولا غيره وانما يدل على امر كلي و الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه و واجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه ومن لم يتصور ما يمتنع الشركة فيه لم يكن قد عرف الله

ومن لم يثبت للرب الا معرفة الكليات كما يزعمه ابن سينا وامثاله وظن ذلك كمالات للرب وكذلك يظن كمالا للنفس بطريق الاولى لا سيما اذا قال ان النفس لا تدرك الا الكليات وانما يدرك الجزئيات البدن فهذا في غاية الجهل

وهذه الكليات التي لا يعرف بها الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البتة والنفس انما تحب معرفة الكليات لتحيط بها بمعرفة الجزئيات فاذا لم يحصل ذلك لم تفرح النفس بذلك

كمال النفس بمعرفة الله مع العمل الصالح لا بمجرد معرفة الله فضلا عن كونه يحصل بمجرد علم الفلسفة

الوجه الخامس ان يقال هب ان النفس تكمل بالكليات المجردة كما زعموه فما يذكرونه في العلم الاعلى عندهم الناظر في الوجود ولو احقه ليس كذلك فان


139

تصور معنى الوجود فقط امر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره فليس هو المطلوب وانما المطلوب اقسامه

ونفس انقسامه الى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث هو اخص من مسمى الوجود وليس في مجرد معرفة انقسام الامر العام في الذهن الى اقسام بدون معرفة الاقسام ما يقتضى علما عظيما عاليا على تصور الوجود

فاذا عرفت الاقسام فليس فيها ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغير والاستحالة فان هذه الاقسام عامتها انما هو في هذا العالم وكل ذلك يقبل التغير والاستحالة وليس معهم دليل اصلا يدلهم على ان العالم لم يزل ولا يزال هكذا

وجميع ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك فانما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لا على قدم شيء معين ولا دوام شيء معين فالجزم بأن مدلول تلك الادلة هو هذا العالم او شيء منه جهل محض لا مستند له الا عدم العلم بموجود غير هذا العالم وعدم العلم ليس علما بالعدم

ولهذا لم يكن عند القوم ايمان بالغيب الذي اخبرت به الانبياء فهم لا يؤمنون لا بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت

واذا قالوا نحن نثبت العالم العقلي او المعقول الخارج عن العالم المحسوس وذلك هو الغيب فان هذا وان كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال فان ما سواء من المعقولات انما يعود عند التحقيق الى امور مقدرة في الاذهان لا موجودة في الاعيان والرسل اخبرت عما هو موجود في الخارج وهو اكمل واعظم وجودا مما نشهده في الدنيا فأين هذا من هذا

وهم لما كانوا مكذبين بما اخبرت به الرسل في نفس الامر واحتاجوا الى الجمع بين قولهم وبين تصديق الرسل لما بهرهم من امر الرسل قالوا ان الرسل قصدوا


140

اخبار الجمهور بما يتخيل اليهم لينتفعوا بذلك في العدل الذي اقاموه لهم

ثم منهم من يقول ان الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه الامور ومنهم من يقول بل لم يكونوا يعرفون هذا وانما كان كمالهم في القوة العملية لا النظرية واقل اتباع الرسل اذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به اقل اتباع الرسل

و اذا علم بالادلة العقلية ان هذا العالم يمتنع ان يكون شيء منه قديما ازليا وعلم بأخبار الانبياء المؤيدة بالعقل انه كان قبله عالم اخر منه خلق وانه سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك علم ان غاية ما عندهم من الاحكام الكلية ليست مطابقة بل هي جهل لا علم

وهب انهم لم يعلموا ما اخبرت به الرسل فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الانواع الكلية التي في هذا العالم ازلية ابدية لم تزل ولا تزال فلا يكون العلم بذلك علما بكليات ثابتة وعامة فلسفتهم الاولى وحكمتهم العليا 127 من هذا النمط

وكذلك من صنف على طريقتهم كصاحب المباحث المشرقية وصاحب حكمة الاشراق وصاحب دقائق الحقائق ورموز الكنوز وصاحب


141

كشف الحقائق وصاحب الاسرار الخفية في العلوم العقلية وامثال هؤلاء ممن لم يجرد القول لنصر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من اشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم فى كثير من ضلالهم و شاركهم فى كثير من محالهم وتخلص من بعض و بالهم و ان كان ايضا لم ينصفهم فى بعض ما اصابوا فيه و اخطا لعدم علمه بمرادهم او لعدم معرفته ان ما قالوه صواب

مأخذ علوم ابي علي ابن سينا وشيء من احواله

ثم ان هؤلاء انما يتبعون كلام ابن سينا وابن سينا تكلم في اشياء من الالهات والنبويات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه ولا وصلت اليها عقولهم ولا بلغتها علومهم فإنه استفادها من المسلمين وان كان انما اخذ عن الملاحدة المنتسبين الى المسلمين كالاسماعيلية وكان اهل بيته من اهل دعوتهم من اتباع الحاكم العبيدي


142

الذي كان هو اهل بيته واتباعه معروفين عند المسلمين بالالحاد احسن ما يظهرونه دين الرفض وهم في الباطن يبطون الكفر المحض

وقد صنف المسلمون في كشف اسرارهم وهتك استارهم كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم باللسان واليد اذ كانوا احق بذلك من اليهود والنصارى ولو لم يكن الا كتاب كشف الاسرار وهتك الاستار للقاضي ابي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد الجبار بن احمد وكتاب ابي حامد الغزالي وكلام ابي اسحاق وكلام ابن فورك والقاضي ابي يعلى وابن عقيل والشهر ستاني


143

وغير هؤلاء مما يطول وصفه

والمقصود هنا ان ابن سينا اخبر عن نفسه ان اهل بيته اباه واخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة وانه انما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك فانه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس

وهؤلاء المسلمين الذين كان ينتسب اليهم هم مع الالحاد الظاهر والكفر الباطن اعلم بالله من سلفه الفلاسفة كأرسطو واتباعه فان اولئك ليس عندهم من العلم بالله الا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه

وقد ذكرت كلام ارسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة اللام وغيرها وهو اخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فانه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الالهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى واهل البدع من المسلمين وغيرهم اجهل من هؤلاء ولا ابعد عن العلم بالله تعالى منهم

نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد لكنهم جهال ب العلم الالهي الى الغاية ليس عندهم منه الا قليل كثير الخطأ

وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة اراد ان يجمع بين ما عرفه بعقله


144

من هؤلاء وبين ما اخذه من سلفه فتكلم في الفلسفة بكلام مركب من كلام سلفه ومما احدثه مثل كلامه في النبوات واسرار الايات والمنامات بل وكلامه في بعض الطبيعيات و المنطقيات وكلامه واجب الوجود ونحو ذلك

والا فأرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شيء من الاحكام التي ل واجب الوجود وانما يذكرون العلة الاولى ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به

فابن سينا اصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض اصلاح حتى راجت على من لم يعرف دين الاسلام من الطلبة النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم اصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والالهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا الى ضلالهم في مطالب عالية ايمانية ومقاصد سامية قرانية خرجوا بها عن حقيقة العلم والايمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يستسفطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات

والمقصود هنا التنبيه على انه لو قدر ان النفس تكمل بمجرد العلم كما زعموه مع انه قول باطل فان النفس لها قوتان قوة علمية نظرية وقوة ارادية علمية فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته

وعبادته تجمع محبته والذل له فلا تكمل نفس قط الا بعبادة الله وحده


145

لا شريك له والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له وبهذا بعث الله الرسل وانزل الكتب الالهية كلها تدعو الى عبادة الله وحده لا شريك له

وهؤلاء يجعلون العبادات التي امرت بها الرسل مقصودها اصلاح اخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا انه كمال النفس او مقصودها اصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية فيجعلون العبادات وسائل محضة الى ما يدعونه من العلم ولهذا يرون ذلك ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الاسماعيلية ومن دخل في الالحاد او بعضه وانتسب الى الصوفية او المتكلمين او الشيعة او غيرهم

تزييف القول بأن الايمان مجرد معرفة الله

والجهمية قالوا الايمان مجرد معرفة الله وهذا القول وان كان خيرا من قولهم فانه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولو احقه وهذا امر لو كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس الا بمعرفة خالقها سبحانه وتعالى

فهؤلاء الجهمية من اعظم مبتدعة المسلمين بل جعلهم غير واحد خارجين عن


146

اثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن اسباط وهو قول طائفة من المتأخرين من اصحاب احمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من الائمة كوكيع بن الجراح واحمد بن حنبل وغيرهما لمن يقول هذا القول وقالوا هذا يلزم منه ان يكون ابليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه كما يعرفون ابناءهم مؤمنين

فقول الجهمية خير من قول هؤلاء فان ما ذكروه هو اصل ما تكمل به النفوس لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين ارادتها التي هي مبدا القوة العملية وجعلوا الكمال في نفس العلم وان لم يصدقه قول ولا عمل ولا اقترن به من الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من اصول الايمان ولوازمه

واما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد

والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط وانما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب اصولهم الفاسدة

واعلم ان بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض لا يستلزم كونهم اشقياء في الاخرة الا اذا بعث الله اليهم رسولا فلم يتبعوه

بل يعرف به ان من جاءته الرسل بالحق فعدل عن طريقهم الى طريق هؤلاء كان من الاشقياء في الاخرة


147

والقوم لولا الانبياء لكانوا اعقل من غيرهم لكن الانبياء جاؤا بالحق وبقاياه في الامم وان كفروا ببعضه حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا من دين ابراهيم فكانوا بها خيرا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون ارسطو وامثاله على اصولهم

الوجه السادس

البرهان لا يفيد امورا كلية واجبة البقاء في الممكنات

الوجه السادس

انه ان كان المطلوب ب قياسهم البرهاني معرفة الموجودات الممكنة فتلك ليس فيها واجب البقاء على حال واحدة ازلا وابدا بل هي قابلة للتغير والاستحالة وما قدر انه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس بواجب البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود

وليس لهم على ازلية شيء من العالم دليل صحيح كما قد بسط في موضعه وانما غاية ادلتهم تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة وذلك ممكن موجود عين بعد عين من ذلك النوع ابدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم كما هو مقتضى العقل الصريح والنقل الصحيح فان القول ب ان المفعول المعين مقارن لفاعله ازلا وابدا مما يقضي صريح العقل بامتناعه أي شيء قدر فاعله لا سيما اذا كان فاعلا باختياره كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التي يذكرها المقصرون في معرفة اصول العلم والدين كالرازي وامثاله كما بسط في موضعه

وما يذكرونه من اقتران المعلول بعلته فاذا اريد ب العلة ما يكون مبدعا للمعلول فهذا باطل بصريح العقل ولهذا تقر بذلك جميع الفطر السليمة التي لم تفسد بالتقليد الباطل ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان نفس الاقرار بأنه خالق كل شيء وموجبا لان يكون كل ما سواه محدثا مسبوقا بالعدم

وان قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافي ان يكون خالقا لكل


148

شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ليس معه شيء سواه قديم بقدمه بل ذلك اعظم في الكمال والجود والافضال

واما اذا اريد ب العلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليد وحصول الشعاع عن الشمس فليس هذا من باب الفاعل من شيء بل هو من باب المشروط والشرط قد يقارن المشروط

واما الفاعل فيمتنع ان يقارنه مفعوله المعين وان لم يمتنع ان يكون فاعلا لشيء بعد شيء فقدم نوع الفعل كقدم نوع الحركة وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من اجزائها بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه

وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الامم حتى ارسطو واتباعه فانهم وان قالوا بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ولا علة فاعلة بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها لان حركة الفلك ارادية

وهذا القول وهو ان الاول ليس مبدعا للعالم وانما هو علة غائية للتشبه به وان كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود انهم وافقوا سائر العقلاء في ان الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه

ولهذا انكر هذا القول ابن رشد وامثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة ارسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا ان ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه وجماهير العقلاء وكان قصده ان يركب مذهبا من مذهب المتكلمين ومذهب سلفه فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب مفعولا له مع كونه ازليا قديما بقدمه واتبعه على امكان ذلك اتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي


149

والرازي والامدي والطوسي وغيرهم

زعم الرازي ما ذكره في محصلة ان القول ب كون الممكن المفعول المغلول يكون قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة والمتكلمون لكن المتكلمون يقولون بالحدوث ولكون الفاعل عندهم فاعلا بالاختيار

وهذا غلط على الطائفتين بل لم يقل ذلك احد لا من المتكلمين ولا من الفلاسفة المتقدمين الذين نقلت الينا اقوالهم كأرسطو وامثاله وانما قاله ابن سينا وامثاله

والمتكلمون اذا قالوا بقدم ما يقوم بالرب من الصفات ونحوها فلا يقولون انها مفعولة ولا معلولة لعلة فاعلة بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما الا ب صفاته اللازمة له كما قد بسط في موضعه ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن فاعله

وكذلك اساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع ان يكون الممكن لم يزل واجبا سواء قيل انه واجب بنفسه او بغيره

ولكن ما ذكره ابن سينا وامثاله في ان الممكن قد يكون قديما واجبا بغيره ازليا ابديا كما يقولونه في الفلك هو الذي فتح عليهم في الامكان من الاسئلة القادحة في قولهم ما لا يمكنهم ان يجيبوا عنه كما قد بسط في موضعه فان ليس موضع تقريره هذا ولكن نبهنا به على ان برهانهم القياسي الي لا يفيد امورا كلية واجبة البقاء في الممكنات


150

واما واجب الوجود تبارك وتعالى فالقياس الذي يدعونه لا يدل على ما يختص به وانما يدل على امر مشترك كلى بينه وبين غيره اذا كان مدلول القياس الشمولي عندهم ليس الا امور كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب العالمين سبحانه وتعالى

فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الامور التي يجب دوامها لا من الواجب ولا من الممكنات

واذا كانت النفس انما تكمل بالعلم الذي يبقى ببقاء معلومه وهم لم يعلموا علما يبقى ببقاء معلومه لم يستفيدوا ب برهانهم ما تكمل به النفس من العلم فضلا عن ان يقال ان ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل الا ببرهانهم

طريقة الانبياء في الاستدلال

ولهذا كانت طريقة الانبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر اياته وان استعملوا في ذلك القياس استعملوا القياس الا ولى ولم يستعملوا قياس شمول يستوى افراده ولا قياس تمثيل محض فان الرب تعالى لا مثل له ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي يستوي افراده بل ما ثبت بغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الاولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الاولى

استعمال قياس الاولى في القران

ولهذا كانت الاقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القران من هذا الباب كما يذكره في دلائل ربو بيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وامكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم الالهية التي هي اشرف العلوم واعظم ما تكمل به النفوس من المعارف وان كان كما لها لا بد فيه من كمال علمها وقصدها جميعا فلا بد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له


151

الاستدلال ب الايات في القران

واما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القران والفرق بين الايات وبين القياس ان الاية هي العلامة وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول لا يكون مدلوله امرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره بل نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول كما ان الشمس آية النهار قال تعالى وجعلنا اليل والنهار ايتين فمحونا اية اليل وجعلنا اية النهار مبصرة فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار

وكذلك آيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نفس العلم بها يوجب العلم بنبوته بعينه لا يوجب امرا كليا مشتركا بينه وبين غيره

وكذلك آيات الرب تعالى نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى لا يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره

والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل

فكل دليل في الوجود لا بد ان يكون مستلزما للمدلول والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب اقرب الى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة والقضايا الكلية هذا شأنها فان القضايا الكلية ان لم تعلم معيناتها بغير التمثيل والا لم تعلم الا بالتمثيل فلا بد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الاوسط

فلا بد ان يعرف ان كل فرد من افراد الحكم الكلي المطلوب يلزم كل فرد من افراد الدليل كما اذا قيل كل ا ب وكل ب ج فكل ج ا فلا بد ان يعرف ان كل فرد من افراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل فرد من أفراد الالف ومعلوم ان العلم بلزوم الجيم المعين للباء المعين والباء المعين للالف المعين اقرب الى الفطرة من هذا

وهذا كما قدمناه في امثلة اقيستهم البرهانية مثل قولهم الكل اعظم من الجزء


152

و الاشياء المساوية لشيء واحد متساوية و الضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ونحو ذلك فان هذه قضايا كلية

ومعلوم ان الانسان اذا تصور ما يتصوره من معين او جزئه فان تصوره لكون هذا الكل المعين اعظم من جزئه اسبق الى عقله من ان يتخيل ان كل كل اعظم من جزئه فهو يتصور ان بدنه اعظم من يده ورجله وان السماء اعظم من كواكبها والجبل اعظم من بعضه والمدينة اعظم من بعضها ونحو ذلك قبل ان يتصور القضية الكلية الشاملة لجميع هذه الافراد

ولذلك اذا تصور شيئا معينا يعلم انه لا يكون موجودا معدوما في حال واحدة قبل ان يتصور ان كل نقيضين لا يجتمعان ولذلك اذا تصور سوادا معينا علم انه لا يكون اللون الواحد سوادا بياضا قبل ان يتصور ان كل ضدين لا يجتمعان وامثال ذلك كثيرة

واذا قيل تلك القضية الكلية تحصل في الذهن ضرورة او بديهة من واهب العقل قيل فحصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل اقرب

عظم الفرق بين اثبات الرب بالايات وبين اثباته بالقياس البرهاني

ومعلوم ان كل ما سوى الله من الممكنات فانه مستلزم لذات الرب تعالى يمتنع وجوده بدون وجود ذات الرب تعالى وتقدس

وان كان مستلزما ايضا لامور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه يلزم من وجوده وجود لوازمه وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين اعني يلزمه ما يخصه من ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه بشرط وجوده ووجود العالم الذي يتصور القدر المشترك وهو سبحانه يعلم الامور على ما هي عليه فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها ويعلم الكليات انها كليات فيلزم من وجود الخاص وجود العام


153

المطلق أي حصة المعين من ذلك العام كما يلزم من وجود هذا الانسان وجود الانسان ومن وجود هذا الانسان وجود الانسانية والحيوانية القائمة به

فكل ما سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها يمتنع وجود شيء سواه بدون وجود نفسه المقدسة فان الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الاعيان فضلا عن ان يكون خالقا لها مبدعا

ثم يلزم من وجوده المعين الوجود المطلق المطابق للمعين فاذا تحقق الوجود الواجب تحقق الوجود المطلق المطابق للمعين واذا تحقق الفاعل لكل شيء تحقق الفاعل المطلق المطابق واذا تحقق القديم الازلي تحقق القديم المطلق المطابق واذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطابق واذا تحقق رب كل شيء تحقق الرب المطابق كما ذكرنا انه اذا تحقق هذا الانسان وهذا الحيوان تحقق الانسان المطلق المطابق والحيوان المطلق المطابق

لكن المطلق لا يكون مطلقا الا في الاذهان لا في الاعيان والله تعالى هو الخالق للامور الموجودة في الاعيان والمعلم للصور الذهنية المطابقة لما في الاعيان

ولهذا كان اول ما انزل على رسوله اقرا باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرا وربك الاكرم الى قوله ما لم يعلم بين في اول ما انزل انه خالق الاعيان عموما وخصوصا فكما انه خالق الموجودات العينية فهو المعلم للماهيات الذهنية فالموجودات الخارجية ايات مستلزمة لوجود عينه واذا تصورتها الاذهان معينة او مطلقة فهو المعلم لهذا المتصور إذ الصور الذهنية ايضا من آياته المستلزمة لوجود عينه لكنها تدل مع ذلك على هدايته وتعليمه كما قال تعالى سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى


154

الاعلى وقال موسى ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى

كما ان الموجودات العينية من آيات وجوده والصور الذهنية من حيث انها موجودات عينيه من هذا الباب كما أنها من جهة مطابقتها للموجودات الخارجية من الباب الاول

لكن إذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان مطلق لم يكن عالما بنفس المعين كذلك من علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقا وغنيا مطلقا لم يكن عالما بنفس رب العالمين وما يختص به عن غيره

وذلك هو مدلول آياته تعالى فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها وكل ما سواه دليل على عينه وآية له فانه ملزوم لعينه وكل ملزوم فانه دليل على لازمة ويمتنع تحقق شئ من الممكنات إلا مع تحقق عينه فكلها ملزوم لنفس الرب دليل عليه آية له

ودلالتها بطريق قياسهم على الامر المطلق الكلى الذي لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ب برهانهم ما يختص بالرب تعالى ولهذا ما يثبتونه من واجب الوجود عند التحقيق إنما هو أمر كلى لا يختص بالرب تعالى حتى قد يجعلونه مجرد الوجود

دلالة قياس الاولى في إثبات صفات الكمال

وأما قياس الاولى الذي كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن فيدل على انه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتا لغيره مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا يحصر قدره وهو يعلم ان فضل الله على كل مخلوق اعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له ان ما يثبت للرب اعظم مما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره فكأن قياس الاولى يفيده


155

امرا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الامر

لا بد من الاسماء المشككة من معنى كلى مشترك

ولهذا كان الحذاق يختارون ان الاسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك الذي هو نوع من التواطئ العام ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل افراده بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو في الواجب أكمل وافضل من فضل هذا البياض على هذا البياض

لكن التفاضل في الاسماء المشككة لا يمنع ان يكون اصل المعنى مشتركا كليا بينهما فلا بد في الاسماء المشككة من معنى كلي مشترك وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن وذلك مورد التقسيم تقسيم الكلي الى جزئياته إذا قيل الموجود ينقسم الى واجب وممكن فان مورد التقسيم مشترك بين الاقسام ثم كون وجود هذا الواجب اكمل من وجود الممكن لا يمنع ان يكون مسمى الوجود معنى كليا مشتركا بينهما

وهكذا في سائر الاسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته

الخلاف في الاسماء التي تطلق عليه تعالى وعلى العباد

والناس تنازعوا في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشئ من شيوخ


156

المعتزلة الذين كانوا اسبق من ابي علي هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق

وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة وبالعكس هي مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق

وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما وهذا قول طوائف النظار من المعتزلة والاشعرية والكرامية والفقهاء واهل الحديث والصوفية وهو قول الفلاسفة

لكن كثيرا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بانها حقيقة كاسم الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك وينازع في بعضها لشبه نفاه الجميع والقول فيما نفاه نظير القول فيما اثبته ولكن هو لقصوره فرق بين المتماثلين ونفي الجميع يمتنع ان يكون موجودا

وقد علم ان الموجود ينقسم الى واجب وممكن وقديم وحادث وغنى وفقير ومفعول وغير مفعول وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغنى ووجود المفعول يستلزم وجود غير المفعول وحينئذ فبين الوجودين امر مشترك والواجب يختص بما يتميز به فكذلك القول في الجميع

والاسماء المشككة هو متواطئة باعتبار القدر بالمشترك ولهذا كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم بل لفظ المتواطئة يتناول ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسيم المتواطئة الخاصة

وإذا كان كذلك فلا بد في المشككة من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى المتواطئة العامة وذلك لا يكون مطلقا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم البرهاني


157

ولا بد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة الخاصة وذلك هو مدلول الاقيسة البرهانية القرانية وهي قياس الاولى

ولا بد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه وذلك مدلول آياته سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه لا يدل على هذه قياس لا برهانى ولا غير برهانى

فتبين بذلك ان قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها فضلا عن ان يقال لا تعلم المطالب إلا به

وهذا باب واسع لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان قضيتهم السالبة وهي قولهم إن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة برهانهم

شناعة زعمهم أن علم الله أيضا يحصل بواسطة القياس

ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا وقصروا العلوم على طريق ضيقه لا تحصل إلا مطلوبا لا طائل فيه حتى زعموا ان علم الله وعلم انبيائه وأوليائه إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الاوسط كما يذكر ذلك ابن سينا وأتباعه

وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم انبيائه من سلفهم الذين هم من اجهل الناس برب العالمين وبأنبيائه وبكتبه

فابن سينا لما تميز عن أولئك بمزيد عقل وعلم سلك طريقهم المنطقي في تقرير ذلك وصاروا سالكوا هذه الطريق وإن كانوا اعلم من سلفهم وأكمل فهم اضل من اليهود والنصارى وأجهل إذ كان أولئك حصل لهم من الايمان ب واجب الوجود وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال وهم من أتباع فرعون وأمثاله ولهذا تجدهم لموسى ومن معه من أهل الملل والشرائع متنقصين او معادين


158

قال الله تعالى إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه المؤمن وقال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار المؤمن وقال فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون المؤمن

وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرود بن كنعان وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل الله صلوات الله عليهم في مواضع

وقد جعل الله آل ابراهيم أئمة للمؤمنين أهل الجنة وآل فرعون ائمة لاهل النار

وقال تعالى واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون الى قوله قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين القصص

وقال في آل ابراهيم وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون


159

السجدة

والمقصود ان متأخريهم الذين هم اعلم منهم جعلوا علم الرب يحصل بواسطة القياس البرهاني وكذلك علم انبيائه وقد سطنا الكلام في الرد عليهم في غير هذا الموضع

والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم إنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان الذي وصفوه وإذا كان هذا السلب باطلا في حكم آحاد الناس كان بطلانه اولى في علم رب العالمين سبحانه وتعالى ثم ملئكته وأنبيائه صلوات الله عليهم اجمعين

فصل اقوال المنطقيين في الدليل والقياس

وايضا فانهم قسموا جنس الدليل الى القياس والاستقراء والتمثيل قالوا لان الاستدلال إما ان يكون ب الكلى على الجزئي او ب الجزئي على الكلي او بأحد الجزئين على الاخر وربما عبروا عن ذلك ب الخاص والعام فقالوا إما أن يستدل ب العام على الخاص أو ب الخاص على العام أو بأحد الخاصين على الاخر

قالوا والاول هو القياس يعنون به قياس الشمول فانهم يخصونه باسم القياس وكثير من أهل الاصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل واما جمهور العقلاء فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا

قالوا والاستدلال ب الجزئيات على الكلي هو الاستقراء فان كان تاما فهو الاستقراء التام وهو يفيد اليقين وإن كان ناقصا لم يفد اليقين فالاول هو استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما وجد في جزئياته والثاني استقراء أكثرها وقد يكذب كقول القائل الحيوان إذا أكل حرك فكه الاسفل


160

لأنا استقريناها فوجدناها هكذا فيقال هل التمساح يحرك الاعلى

ثم قالوا القياس ينقسم الى الاقتراني والاستثنائي ف الاستثنائي ما تكون النتيجة او نقيضها مذكورة فيه بالفعل والاقترانى ما تكون فيه بالقوة كالمؤلف من القضايا الحملية كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام

والاستثنائي ما يؤلف من الشرطيات وهو نوعان

احدهما متصلة كقولنا إن كانت الصلوة صحيحة فالمصلى متطهر واستثناء عين المقدم ينتج عين التالى واستثناء نقيض التالى ينتج نقيض المقدم

والثاني المنفصلة هي إما مانعة الجمع والخلو كقولنا العدد إما زوج وإما فرد فان هذين لا يجتمعان ولا يخلو العدد عن أحدهما وإما مانعة الجمع فقط كقولنا هذا إما ابيض وإما اسود أي لا يجتمع السواد والبياض وقد يخلو المحل عنهما وإما مانعه الخلو فهى التي يمتنع فيها عدم الجزئين جميعا ولا يمتنع اجتماعهما

وقد يقولون مانعة الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية وهي مطابقة للنقيضين في العموم والخصوص ومانعة الجمع هي أخص من النقيضين فان الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما اخص من النقيضين

وأما مانعة الخلو فانها أعم من النقيضين وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف النوعين الاولين فان أمثالهما كثيرة ويمثلونه بقول القائل هذا راكب البحر أو لا يغرق فيه أي لا يخلو منهما فانه لا يغرق إلا إذا كان في البحر فاما أن لا يغرق فيه وحينئذ لا يكون راكبه وإما أن يكون راكبه وقد يجتمع ان يركب ويغرق

والامثال كثيرة كقولنا هذا حي او ليس بعالم أو قادر او سميع او


161

بصير او متكلم فانه إن وجدت الحيوة فهو احد القسمين وإن عدمت عدمت هذه الصفات وقد يكون حيا من لا يوصف بذلك وكذلك إذا قيل هذا متطهر او ليس بمصل فانه إن عدمت الصلوة عدمت الطهارة وإن وجدت الطهارة فهو القسم الاخر فلا يخلو الامر منهما

وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه فانه إذا ردد الامر بين وجود المشروط وعدم الشرط كان ذلك مانعا من الخلو فانه لا يخلو الامر من وجود الشرط وعدمه وإذا عدم عدم الشرط فصار الامر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط

ثم قسموا الاقترانى الى الاشكال الأربعة لكون الحد الاوسط إما محمولا في الاولى موضوعا في الصغرى وهو الشكل الطبيعي وهو ينتج المطالب الاربعة الجزئي والكلى والايجابي والسلبي وإما ان يكون الاوسط محمولا فيهما وهو الثاني ولا ينتج إلا السلب وإما ان يكون موضوعا فيهما ولا ينتج إلا الجزئيات والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلى لكنه بعيد عن الطبع

ثم إذا ارادوا بيان إنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب احتاجوا الى الاستدلال ب النقيض والعكس وعكس النقيض فانه يلزم من صدق القضية كذب نقيضها وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فاذا صدق قولنا ليس احد من الحجاج بكافر صح قولنا ليس احد من الكفار حاجا وإذا صح قولنا كل حاج مسلم صح قولنا بعض المسلمين حاج وقولنا من ليس بمسلم فليس بحاج

رد المصنف أقوالهم في الدليل والقياس

فنقول هذا الذي قالوه إما أن يكون باطلا وإما أن يكون تطويلا يبعد


162

الطريق على الطالب المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق او طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل الى الحق مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له أين أذنك فرفع يده فوق رأسه رفعا شديدا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى وقد كان يمكنه الاشارة الى اليمنى او اليسرى من طريق مستقيم وما أشبه هؤلاء بقول القائل

اقام يعمل أياما رويته
وشبه الماء بعد الجهد بالماء

وبقول الاخر

وإنى وإنى ثم إنى وإننى
إذا انقطعت نعلى جعلت لها شسعا

وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم الاسراء فأقوم الطرق الى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله وأما طريق هؤلاء فهى مع ضلالهم في البعض وأعوجاج طريقهم وطولها في البعض الاخرى إنما يوصلهم الى امر لا ينجى من عذاب الله فضلا عن ان يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم

بطلان حصر الادلة في القياس والاستقراء والتمثيل

بيان ذلك ان ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل حصر لا دليل عليه بل هو باطل وقولهم أيضا إن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل

واستدلالهم على الحصر بقولهم إما ان يستدل بالكلى على الجزئي او بالحزئي على الكلى او بأحد الجزئين على الاخر والاول هو القياس والثاني هو الاستقراء والثالث هو التمثيل

يقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة فانكم إذا عنيتم


163

بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل لم يكن ما ذكرتموه حاصرا وقد بقى الاستدلال بالكلى على الكلي الملازم له وهو المطابق له في العموم والخصوص وكذلك الاستدلال بالجزئي الملازم له بحيث يلزم من وجود احدهما وجود الاخر ومن عدمه عدمه فان هذا ليس مما سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه هي الايات

الاستدلال بالكلى على الكلى وبالجزئي على الجزئي الملازم له

وهذا كالاستدلال بطوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس هذا استدلالا بكلى على جزئي بل الاستدلال بطوع معين على نهار معين استدلالا بجزئي على جزئي وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلالا بكلى على كلى

وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلالا بجزئي على جزئي كالاستدلال ب الجدي وبنات نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب كما يسمى بعض الناس الجدي القطب وإن كان القطب في الحقيقة جزءا من الفلك قريبا من ذلك الكوكب الصغير

وكذلك الاستدلال بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال


164

بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر ونحو ذلك من الادلة التي اتفق عليها الناس قال تعالى وبالنجم هم يهتدون

والاستدلال على المواقيت والامكنة بالامكنة امر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة فاذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب كان استدلالا بجزئي على جزئي لتلازمهما وليس ذلك من قياس التمثيل وإن قضى به قضاء كليا كان استدلالا بكلى على كلى وليس استدلالا بكلى على جزئي بل بأحد الكليين المتلازمين على الاخر

ومن عرف مقدار ابعاد الكواكب بعضها من بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر استدل بما رآه منها على مقدار ما مضى من الليل وما بقى منه وهو استدلال بأحد المتلازمين على الاخر ومن علم الجبال والانهار والرياح استدل بها على ما يلازمها من الامكنة

ثم اللزوم إن كان دائما لا يعرف له ابتداء بل هو منذ خلق الله الارض كوجود الجبال والانهار العظيمة النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر كان الاستدلال مطردا

وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة شرفها الله فان الخليل بناها ولم تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط استدل بها بحسب ذلك فيستدل بها وعليها فان أركان الكعبة مقابلة لجهات الارض الاربعة الحجر الاسود يقابل المشرق والغربي الذي يقابله ويقال له الشامي يقابل المغرب واليماني يقابل الجنوب وما يقابله يقال له العراقى إذا قيل الذي من ناحية الحجر الشامي وإن قيل لذاك الشامي قيل لهذا العراقى فهذا الشامي العراقي


165

يقابل الشمال وهو يقابل القطب وحينئذ فيستدل بها على الجهات ويستدل بالجهات عليها

وما كان مدته اقصر من مدة الكعبة كالابنية التي في الامصار والاشجار كان الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال علامة الدار الفلانية ان على بابها شجرة من صفتها كذا وكذا وهما متلازمان مدة من الزمان

فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الاخر وكلاهما معين جزئي وليس هو من قياس التمثيل

حد الدليل عند النظار

ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا الدليل هو المرشد الى المطلوب وهو الموصل الى المقصود وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب

أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا الى المطلوب وهو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا الى علم او الى اعتقاد راجح

ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلا او يخص باسم الامارة والجمهور يسمون الجميع دليلا ومن اهل الكلام من لا يسمى ب الدليل الا الاول

ثم الضابط في الدليل ان يكون مسستلزما للمدلول فكل ما كان مستلزما لغيره امكن ان يستدل به عليه ان كان التلازم من الطرفين امكن ان يستدل بكل منهما على الاخر فيستدل المستدل مما علمه منهما على الاخر الذي لم يعلمه

ثم ان كان اللزوم قطعيا كان الدليل قطعيا وان كان ظاهرا وقد يتخلف كان الدليل ظنيا

فالاول كدلالة المخلوقات على خالقها سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته فان وجودها مستلزم لوجود ذلك ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا توجد الا دالة على ذلك

ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما اخبر به عن الله فانه لا يقول عليه الا


166

الحق اذ كان معصوما في خبره عن الله لا يستقر في خبره عنه خطأ البتة

فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزوما واجبا لا ينفك عنه بحال وسواء كان الملزوم المستدل به وجودا او عدما فقد يكون الدليل وجودا وعدما ويستدل بكل منهما على وجود وعدم فانه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده ويستدل بأنتقاء نقيضه على ثبوته ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتقاء اللازم على انتقاء الملزوم بل كل دليل يستدل به فانه ملزوم لمدلولة وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه

فان ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم سواء عبر عن هذا المعنى بصيغة الشرط او بصيغة الجزم واختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه لا يغير حقيقية والكلام إنما هو في المعاني لا في الالفاظ

فاذا قال القائل إن كانت الصلوة صحيحة فالمصلى متطهر وإن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإن كان الفاعل عالما قادرا فهو حي ونحو ذلك فهذا معنى قوله صحة الصلوة تستلزم صحة الطهارة وقوله يلزم من صحة الصلوه صحة ثبوت الطهارة وقوله لا يكون مصليا إلا مع الطهارة وقوله الطهارة شرط في صحة الصلوة وإذا عدم الشرط عدم المشروط وقوله كل مصل متطهر فمن ليس بمتطهر فليس بمصل وأمثال ذلك من انواع التأليف للالفاظ والمعاني التي يتضمن هذا الاستدلال من غير حصر الناس في عبارة واحدة

أستطرد

وإذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها وإذا ضاقت العقول والتصورات بقى صاحبها كانه محبوس العقل واللسان كما يصيب اهل المنطق اليوناني تجدهم من أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا


167

ولهذا من كان منهم ذكيا إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك اهل المنطق طول وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين وايضاح الواضح من العي وقد يوقعه ذلك في انواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم

مثل ما ذكروه عن يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف انه قال في بعض مناظراته هذا من باب فقد عدم الوجود ومثل هذه العبارات الطويلة الركيكة كثير في كلامهم حتى في كلام افضل متأخريهم مع انه افضلهم واحسنهم بيانا

وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدهم ل الانسان والشمس بانها كوكب يطلع نهارا وهل من يحد الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من هو من أجهل الناس وهل عند الناس شئ أظهر من الشمس حتى يحد الشمس به ومن لم يعرف الشمس فاما ان يجهل اللفظ فيترجم له وليس هذا من الحد الذي ذكروه وإما أن لا يكون رآها لعماه فهذا لا يرى النهار ولا الكواكب بطرق الاولى مع أنه لا بد ان يسمع من الناس ما يعرف ذلك دون طريقهم

عود الى اصل الموضوع

وهم معترفون بان الشكل الاول من الحمليات يغنى عن جميع صور القياس وتصويره نطرى لا يحتاح احد الى تعلمه منهم مع ان الاستدلال لا يحتاج الى تصوره على الوجه الذي يزعمونه

فصل إبطال قولهم إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين

وأما قولهم إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان


168

فان كان الدليل مقدمة واحدة قالوا الاخرى محذوفة وسموه هو قياس الضمير وإن كان مقدمات قالوا هي اقيسة مركبة ليس هو قياسا واحدا فهذا قول باطل طردا وعكسا

وذلك ان احتياج المستدل الى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس فمن الناس من لا يحتاج إلا الى مقدمة واحدة لعلمه مما سوى ذلك كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال بل قد يعلمة بالضرورة ومنهم من يحتاج الى مقدمتين ومنهم من يحتاج الى ثلاث ومنهم من يحتاج الى اربع واكثر

فمن أراد ان يعرف ان هذا المسكر المعين محرم فان كان يعرف أن كل مسكر محرم ولكن لا يعرف هل هذا المعين مسكر ام لا لم يحتج إلا الى مقدمة واحدة وهو ان يعمل ان هذا مسكر فاذا قيل له هذا حرام فقال ما الدليل عليه فقال المستدل الدليل على ذلك انه مسكر فقال لا نسلم انه مسكر فمتى أقام الدليل على انه مسكر تم المطلوب

وكذلك لو تنازع اثنان في بعض انواع الاشربة هل هو مسكر ام لا كما يسأل الناس كثيرا عن بعض الاشربة فلا يكون السائل ممن يعلم انها تسكر او لا تسكر ولكن قد علم ان كل مسكر حرام فاذا ثبت عنده بخبر من يصدقه او بغير من الادلة انه مسكر علم تحريمه وكذلك سائر ما يقع الشك في الدراجه تحت قضية كلية من الانواع والاعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس في النرد والشطرنج هل هما من الميسر أم لا وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه هل هو من الخمر ام لا وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل في قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم ام لا وتنازعهم في قوله أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح البقرة هل هو الزوج او الولى المستقل وأمثال ذلك


169

وقد يحتاج الاستدلال الى مقدمتين لمن لم يعلم ان النبيذ المسكر المتنازع فيه محرم ولم يعلم ان هذا المعين مسكر فهو لا يعلم انه محرم حتى يعلم انه مسكر ويعلم ان كل مسكر حرام

وقد يعلم ان هذا مسكر ويعلم ان كل مسكر خمر لكن لم يعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لقرب عهده بالاسلام أو لنشأه بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك

أو يعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر حرام او يعلم ان هذا خمر وان البي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لكن لم يعلم ان محمدا رسول الله او لم يعلم انه حرمها على جميع المؤمنين بل ظن انه اباحها لبعض الناس وظن انه منهم كمن ظن انه اباح شربها للتداوي أوغير ذلك فهذا لا يكفيه في العلم بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما إلا ان يعلم انه مسكر وأنه خمر وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر او ان النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر وانه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا فما حرمه فقد حرمه الله وأنه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوي ولا للتلذذ

ومما يبين ان تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل انهم قالوا في حد القياس الذي يشمل البرهانى والخطابي والجدلى والشعري والسوفسطائي إنه قول مؤلف من أقوال او عبارة عما ألف من أقوال إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر قالوا واحترزنا بقولنا من أقوال عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها صدق عكسها وعكس نقيضها وكذب نقيضها وليست قياسا قالوا ولم نقل مؤلف من مقدمات لانا لا يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة إلا بكونها جزء القياس فلو أخذناها في حد القياس كان دورا

والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها مقدمة وإن كانت مستفادة ب القياس سموها نتيجة وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية وتسمى


170

ايضا قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة بل أعم منه فان المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة اسمية والقضية الخبرية قد تكون اسمية وفعلية كما لو قيل في قوله يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم الفتح وقوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق الفتح فان هذه جملة خبرية وليست المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة

والمقصود هنا انهم ارادوا ب القول في قولهم القياس قول مؤلف من اقوال القضية التي هي جملة تامة خبرية لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو الحد فان القياس مشتمل على ثلاثة حدود اصغر وأوسط واكبر كما إذا قيل النبيذ المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام ف النبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد وهي الحدود في القياس فليس مرادهم ب القول هذا بل مرادهم ان كل قضية قول كما فسروا مرادهم بذلك ولهذا قالوا قول مؤلف من اقوال إذا سلمت لزم عنها قول آخر واللازم إنما هو النتيجة وهي قضية وخبر وجملة تامة ليست مفردا ولذلك قالوا القياس قول فسموا مجموع القضيتين قولا

وإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال وهي القضايا لم يجب ان يراد بذلك قولان فقط لان لفظ الجمع إما ان يكون متناولا ل اثنين فصاعدا كقوله فإن كان له إخوة فلأمه السدس النساء وإما ان يراد به الثلاثة فصاعدا وهو الاصل عند الجمهور

ولكن قد يراد به جنس العدد فيتناول الاثنين فصاعدا ولا يكون الجمع مختصا ب اثنين فاذا قالوا هو مؤلف من أقوال إن أرادوا جنس العدد كان المعنى من اثنين فصاعدا فيجوز ان يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات واربع مقدمات فلا يختص بالاثنين وإن ارادوا الجمع الحقيقي لم يكن مؤلفا إلا من ثلاثة


171

فصاعدا وهم قطعا ما ارادوا هذا لم يبق إلا الاول

فاذا قيل هم يلتزمون ذلك ويقولون نحن نقول اقل ما يكون القياس من مقدمتين وقد يكون من مقدمات فيقال اولا هذا خلاف ما في كتبكم فانكم لا تلتزمون إلا مقدمتين فقط وقد صرحوا أن القياس الموصل الى المطلوب سواء كان اقترانيا او استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما

وعللوا ذلك بان المطلوب المتحد لا يزيد على جزئين مبتدأ وخبر فان كان القياس اقترانيا فكل واحد من جزئي المطلوب لا بد وان يناسب مقدمة منه أي يكون فيها إما مبتدأ وإما خبرا ولا يكون هو نفس المقدمة قالوا وليس المطلوب اكثر من جزئين فلا يفتقر الى اكثر من مقدمتين وإن كان القياس استثنائيا فلا بد فيه من مقدمة شرطية متصلة او منفصلة تكون مناسبة لكل مطلوب او نقيضه ولا بد من مقدمة استثنائية فلا حاجة الى ثالثة

قالوا لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي القياس إما غير متعلق بالقياس او متعلق به والمتعلق بالقياس إما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان المقدمتين أو إحداهما ويسمون هذا القياس المركب قالوا وحاصلة يرجع الى اقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا ان القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحدا والباقي لبيان مقدمات القياس قالوا وربما حذوا بعض مقدمات القياس إما تعويلا على فهم الذههن لها او لترويج المغلطة حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها قالوا ثم إن كانت الاقيسة لبيان المقدمات قد صرح فيها بنتائجها فيسمى القياس مفصولا وإلا ف موصول

ومثلوا الموصول بقول القائل كل انسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان جوهر

والمفصول بقولهم كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان


172

جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان حيوان فيلزم منهما أن كل إنسان جوهر

فيقال لهم أما المطلوب الذي لا يزيد على جزئين فذاك في النطق به والمطلوب في العقل إنما هو شئ واحد لا اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية او انتفاؤها وإن شئت قلت اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو إثباتا وإن شئت قلت نسبة المحمول الى الموضوع والخبر الى المبتدأ نفيا او إثباتا وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود ب القضية

فاذا كان النتيجة ان النبيذ حرام أو ليس بحرام او الانسان حساس او ليس بحساس او نحو ذلك فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ او انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس للانسان او انتفاؤه والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها المقصود وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب وكذلك قولنا الانسان حيوان

فاذا كان الانسان يعلم ان كل خمر حرام ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه هل يسمى في لغة الشارع خمرا فقيل النبيذ حرام لانه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال كل مسكر حرام كانت هذا القضية وهي قولنا قد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن كل مسكر خمر يفيد تحريم النبيذ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية اخرى

والاستدلال بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع وهي إن ما صححه اهل العلم بالحديث فقد وجب التصديق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وإن ما حرمه الرسول فهو حرام ونحو ذلك

فلو لزم ان يذكر كل ما يتوقف عليه العلم وإن كان معلوما كانت المقدمات اكثر من اثنتين بل قد تكون اكثر من عشر وعلى ما قالوه فينبغي لكل من استدل


173

بقول النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول النبي حرم ذلك وما حرمه فهو حرام فهذا حرام وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم اوجب وما أوجبه النبي فقد وجب فهذا قد وجب

وإذا احتج على تحريم الامهات والبنات ونحو ذلك يحتاج ان يقول إن الله حرم هذا في القران وما حرمه الله فهو حرام واذا احتج على وجوب الصلوة والزكوة والحج بمثل قول الله تعالى ولله على الناس حج البيت ال عمران يقول إن الله اوجب الحج في كتابه وما أوجبه الله فهو واجب وأمثال ذلك ما يعده العقلاء لكنه وعيا وإيضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة اليها

وهذا التطويل الذي لا يفيد في قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم كقولهم في حد الشمس إنها كوكب يطلع نهارا وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا تضييع الزمان وإتعاب الاذهان وكثرة الهذيان ثم إن الذين يتبعونهم في حدودهم وبراهينهم لا يزالون مختلفين في تحديد الامور المعروفة بدون تحديدهم ويتنازعون في البرهان على امور مستغنية عن براهينهم

إبطال قولهم ليس المطلوب اكثر من جزئين

وقولهم ليس المطلوب اكثر من جزئين فلا يفتقر الى اكثر من مقدمتين فيقال إن اردتم ليس له إلا اسمان مفردان فليس الامر كذلك بل قد يكون التعبير عنه بأسماء متعددة مثل من شك في النبيذ هل هو حرام بالنص أم ليس حراما لا بنص ولا قياس فاذا قال المجيب النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ثلاثة اجزاء وكذلك لو سأل هل الاجماع دليل قطعي فقال الاجماع دليل قطعي كان المطلوب ثلاثة أجزاء فاذا قال هل الانسان جسم حساس نام متحرك بالارادة ناطق ام لا فالمطلوب هنا له ستة أجزاء

وفي الجملة فالموضوع والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر وهو جملة خبرية قد تكون جملة مركبة من لفظين وقد تكون من الفاظ متعددة إذا كان مضمونها مقيدا قيود


174

كثيرة مثل قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه التوبة وقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله البقرة وقوله والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم الانفال وأمثال ذلك من القيود التي يسميها النحاة الصفات والعطف والاحوال وظرف المكان وظرف الزمان ونحو ذلك

فاذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين بل من الفاظ متعدده ومعان متعددة

وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان سواء عبر عنهما بلفظين او الفاظ متعددة قيل وليس الامر كذلك بل قد يكون المطلوب معنى واحدا وقد يكون معنين وقد يكون معاني متعددة فان المطلوب بحسب طلب الطالب وهو الناظر المستدل والسائل المتعلم المناظر وكل منهما قد يطلب معنى واحدا وقد يطلب معنيين وقد يطلب معانى والعبارة عن مطلوبه قد تكون بلفظ واحد وقد تكون بلفظين وقد تكون بأكثر فاذا قال النبيذ حرام قيل له نعم كان هذا اللفظ وحده كافيا في جوابه كما لو قيل له هو حرام

فان قالوا القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا كما ذكرتموه من التمثيل ب الانسان فان هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس مطالب والتقدير هل هو جسم ام لا وهل هو حساس ام لا وهل هو نام أم لا وهل هو متحرك بالارادة ام لا وهل هو ناطق ام لا وكذلك فيما تقدم هل النبيذ حرام ام لا فاذا كان حراما فهل تحريمه بالنص او بالقياس

فيقال إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد فالمفرد قد


175

يكون في معنى قضية فاذا قال النبيذ المسكر حرام فقال المجيب نعم فلفظ نعم في تقدير قوله هو حرام

وإذا قال ما الدليل عليه فقال الدليل عليه تحريم كل مسكر او أن كل مسكر حرام أو قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام ونحو ذلك من العبارات التي جعل الدليل فيها اسما مفردا وهو جزء واحد لم يجعله قضية مؤلفه من اسمين مبتدأ وخبر فان قوله تحريم كل مسكر اسم مضاف

وقوله ان كل مسكر حرام بالفتح مفرد ايضا فان أن وما في حيزها في تقدير المصدر المفرد وإن المكسورة وما في حيزها جملة تامة ولهذا قال النحاة قاطبة ان إن تكسر إذا كانت في موضع الجملة والجملة خبر وقضية وتفتح في موضع المفرد الذي هو جزء القضية ولهذا يكسرونها بعد القول لانهم إنما يحكون ب القول الجملة التامة

وكذلك إذا قلت الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم او الدليل عليه النص او اجماع الصحابة او الدليل عليه الاية الفلانية او الحديث الفلاني او الدليل عليه قيام المقتضى للتحريم السالم عن المعارض المقاوم او الدليل عليه انه مشارك لخمر العنب فيما يستلزم التحريم وامثال ذلك مما يعبر فيه عن الدليل اسم مفرد لا بالقضية التي هي جملة تامة ثم هذا الدليل الذي عبر عنه باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه بالفاظ متعدده

والمقصود ان قولكم إن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزئين فقط إن أردتم لفظين فقط وإن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لان ذلك اللفظ الموصوف بصفات تحتاج كل صفة الى دليل قيل لكم وكذلك يمكن ان يقال في اللفظين هما دليلان لا دليل واحد فان كل مقدمة تحتاج الى دليل

وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له فانه اذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة


176

او اربعة واكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الاصل الواجب دون ما زاد وما نقص وان الزائد ان كان في المطلوب جعل مطالب متعددة وان كان في الدليل يذكر مقدمات جعل ذلك في تقدير اقيسة متعددة تحكم محض ليس هو اولى من ان يقال بل الاصل في المطلوب ان يكون واحدا ودليله جزء واحد فاذا زاد المطلوب على ذلك جعل ممطلوبين اوثلاثة او اربعة بحسب زيادته وجعل الدليل دليلين او ثلاثة او اربعة بحسب دلالته وهذا اذا قيل فهو احسن من قولهم لان اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا والقباس هو الدليل ولفظ القياس يقتضى التقدير كما يقال قست هذا بهذا والتقدير يحصل بواحد كما يحصل باثنين وبثلاثة فأصل التقدير بواحد واذا قدر باثنين او ثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا فكون تلك التقديرات اقيسة لا قياسا واحدا

فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى اقيسة متعددة وما نقص عن الاثنتين نصف قياس لا قياس تام اصطلاح محض لا يرجع الى معنى معقول كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة ل الماهية والوجود بمثل هذا التحكم

تنازع اصطلاحي في مسمى العلة والدليل

وحينئذ فيعلم ان القوم لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا الى حقيقة موجودة ولا الى امر معقول بل الى اصطلاح مجرد كتنازع الناس في العلة هل هي اسم لما يستلزم المعلوم بحيث لا يختلف عنها بحال فلا يقبل النقيض والتخصيص أو هو اسم لما يكون مقتضيا للمعلول وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط او وجود مانع وكاصطلاح بعض اهل النظر والجدل في تسمية احدهم الدليل ل ما هو مستلزم للمدلول مطلقا حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والاخر يسمى الدليل ل ما كان من شأنه ان يستلزم المدلول وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط او وجود مانع وتنازع اهل الجدل هل على المستدل ان يتعرض في ذكر الدليل


177

لتبيين المعارض جملة او تفصيلا حيث يمكن التفصيل أو لا يتعرض لتبيينه لا جملة ولا تفصيلا او يتعرض لتبيينه جملة لا تفصيلا

وهذه امور وضعية اصطلاحية بمنزلة الالفاظ التي يصطلح عليها الناس للتعبير عما في انفسهم وبمنزلة ما يعتاده الناس في بعض الافعال لكونهم رأوا ذلك اولى بهم من غيره وإن كان غيره اولى منه ليست حقائق ثابتة في انفسها لامور معقولة يتفق فيها الامم كما يدعيه هؤلاء في منطقهم

بل هؤلاء الذين يجعلون العلة والدليل يراد به هذا او هذا اقرب الى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا من مقدمتين فان هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب وأولئك لحظوا صفات ثابتة في العلة والدليل وهو وصف التمام او مجرد الاقتضاء فكان ما اعتبره اولئك اولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا إلا الى مجرد التحكم

المنطق امر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان

ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه امر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان لا يحتاج اليه العقلاء ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل فيلاسوفيا وسوفسطيقا وانولوطيقا وإثولوجيا وقاطيغورياس وإيساغوجى ومثل تسميتهم للفعل ب الكلمة وللحرف ب الاداة ونحو ذلك من لغاتهم التي يعبرون بها عن معانيهم


178

تعلم العربية فرض على الكفاية بخلاف المنطق

فلا يقول احد إن سائر العقلاء يحتاجون الى هذه اللغة لا سيما من كرمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الاذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف

وهذا ما احتج به ابو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة لمتى الفيلسوف لما اخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء اليه ورد عليه ابو سعيد بعدم الحاجة اليه وأن الحاجة انما تدعو الى تعلم العربية لان المعاني فطرية عقلية لا تحتاج الى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج اليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني فانه لا بد فيها من التعلم ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القران والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف المنطق


179

بطلان القول بأن تعلم المنطق فرض على الكفاية

ومن قال من المتأخرين إن تعلم المنطق فرض على الكفاية فانه يدل على جهلة بالشرع وجهله بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الاسلام وأجهل منه من قال إنه فرض على الاعيان مع ان كثيرا من هؤلاء ليسوا مقرين بايجاب ما اوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله

ومعلوم ان افضل هذه الامة من الصحابة والتابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم وكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف منطق اليونان فكيف يقال إنه لا يوثق بالعلم إن لم يوزن به او يقال إن فطر بني آدم في الغالب لا تستقيم إلا به

فان قالوا نحن لا نقول إن الناس يحتاجون الى اصطلاح المنطق بل الى المعاني التي توزن بها العلوم قيل لا ريب أن المجهولات لا تعرف إلا بالمعلومات والناس يحتاجون الى ان يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التي انزلها الله حيث قال الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان الشورى وقال لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان الحديد وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان فعلم أن الامم غير محتاجة إليه

ملخص دعاوي أهل المنطق وكذبها

وهم لا يدعون احتياج الناس الى نفس الفاظ اليونان بل يدعون الحاجة الى المعاني المنطقية التي عبروا عنها بلسانهم وهو كلامهم في المعقولات الثانية فان موضوع المنطق هو المعقولات الثانية من حيث يتوصل بها الى علم ما لم يعلم فانه ينظر في أحوال المعقولات الثابتة وهي النسب الثابتة للماهيات من حيث هي مطلقة عرض لها إن كانت موصولة الى تحصيل ما ليس بحاصل او معينة في ذلك لا على وجه جزئي بل على قانون كلي


180

ويدعون ان صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل كما ان صاحب اصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز بين ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم من الشرعي ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل

ويدعون ان نسبة منطقهم الى المعاني كنسبة العروض الى الشعر وموازين الاموال الى الاموال وموازين الاوقات الى الاوقات وكنسبة الذراع الى المذروعات

وهذا هو الذي قاله جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء إنه باطل فان منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل لا في صورة الدليل ولا في مادته ولا يحتاج ان يوزن به المعاني بل ولا يصح وزن المعاني به على ما هو عليه وإن كان فيه ما هو حق فلا بد في كلام كل مصنف من حق بل فيه امور باطلة إذا وزنت بها العلوم افسدتها

ودعواهم انه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن ان يزل في فكره دعوى كاذبة بل من أكذب الدعاوي

والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق وزعموا ان التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها فدكروا لمنطقهم اربع دعاوي دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان

أدعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وان


181

التصديقات لا تنال بغير ما ذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوتان من أظهر الدعاوي كذبا وأدعوا ان ما ذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التي لم تكن متصورة وهذا ايضا باطل وقد تقدم البينة على هذه الدعاوي الثلاثة وسياتي الكلام على دعواهم الرابعة التي هي امثل من غيرها وهى دعواهم ان برهانهم يفيد العلم التصديقى

فان قالوا إن العلم التصديقي او التصوري ايضا لا ينال بدونه فهم ادعوا ان طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة إلا من الطريقين اللتين ذكروهما ما ذكروه من الحد وما ذكروه من القياس وادعوا ان ما ذكروه من الطريقين يوصلان الى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم بمعنى ان ما يوصل لا بد ان يكون على الطريق الذي ذكروه لا على غيره فما ذكروه آلة قانونية به توزن الطرق العلمية ويميز به بين الطريق الصحيحة والفاسدة فمراعاة هذا القانون يعصم الذهن ان يزل في الفكر الذي ينال به تصور او تصديق

هذا ملخص دعاويهم وكل هذه الدعاوي كذب في النفي والاثبات فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها باطل ولا ما اثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ادعوه فيه وإن كان في طرقهم ما هو حق كما ان في طرق غيرهم ما هو باطل فما احد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولا بد ان يتضمن ما هو حق

ما معهم من الحق أقل مما مع اليهود والنصارى والمشركين

فمع اليهود والنصارى من الحق بالنسبة الى مجموع ما معهم اكثر مما مع هؤلاء من الحق بل ومع المشركين عباد الاصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر مما مع هؤلاء بالنسبة الى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعلمية الاخلاق والمنازل والمداين


182

ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب والاصنام شرا من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير ولولا ان الله من عليهم بدخول دين المسيح اليهم فحصل لهم من الهدى والتوحيد وما استفادوه من دين المسيح ما داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل لكانوا من جنس أمثالهم من المشركين

ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا على دين مركب من حنيفية وشرك بعضه حق وبعضه باطل وهو خير من الدين الذي كان عليه اسلافهم

وقد قيل إن آخر ملوكهم كان صاحب المجسطى بطلميوس

والمشهور المتواتر ان ارسطو وزير الاسكندر بن فيلبس كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وكثير من الجهال يحسب ان هذا هو ذو القرنين المذكور في


183

القرآن ويعظم أرسطو بكونه كان وزيرا له كما ذكر ذلك ابن سينا وامثاله من الجهال باخبار الامم

مقالات سخيفة للمتفلسفة والمتصوفة في الانبياء المرسلين

ومن ملاحدة المتصوفة من يزعم ان ارسطو كان هو الخضر خضر موسى

وهؤلاء منهم من يفضل الفلاسفة على الانبياء في العلم ويقول إن هارون كان أعلم من موسى وإن عليا كان أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون ان الخضر كان أعلم من موسى وأن عليا وهارون والخضر كانوا فلاسفة يعلمون الحقائق العقلية العلمية اكثر من موسى وعيسى ومحمد لكن هؤلاء كانوا في القوة العلمية اكمل ولهذا وضعوا الشرائع العلمية

وهؤلاء يفضلون فرعون على موسى ويسمونه أفلاطن القبطي وقد يقولون إن صاحب مدين الذي تزوج موسى بنته هو أفلاطن اليوناني استاذ ارسطو ويقولون إن موسى كان أعلم من غيره بالسحر وإنه استفاد ذلك من حموه إذ كان عندهم ليست المعجزات إلا قوى نفسانية أو طبيعية أو فلكية من جنس السحر ولكن موسى كان مبرزا على غيره في ذلك

إلى أمثال ذلك من المقالات التي تقولها الملاحدة المتفلسفة المنتمون الى الاسلام في الظاهر من متشيع ومتصوف كابن سبعين وابن عربي وأصحابه


184

ولهم من هذا الجنس ما يطول حكايته مما يدل على انهم من اجهل الناس بالمعقول والمنقول ولم يكفهم جهلهم بما جاءت به النبوات حتى ضموا الى ذلك الجهل بأخبار العالم وأيام الناس والجهل بالعقليات

فان أفلاطن استاذ ارسطو كان قبل المسيح بأقل من اربعمائة سنة وذلك بعد موسى بمدة طويلة تزيد على فكيف يتعلم منه

إيطال القول بحياة الخضر

وقولهم إن الخضر هو ارسطو من اظهر الكذب البارد والخضر على الصواب مات قبل ذلك بزمان طويل والذين يقولون انه حي كبعض العباد وبعض العامة وكثير من اليهود والنصارى غالطون في ذلك غلطا لا ريب فيه

وسبب غلطهم انهم يرون في الاماكن المنقطعة وغيرها من يظن انه من الزهاد ويقول انا الخضر وقد يكون ذلك شيطانا قد يتمثل بصورة آدمي

وهذا مما علمنا في وقائع كثيرة حتى في مكان الذي كتبت فيه هذا عند الربوة


185

بدمشق رأى شخص بين الجبلين صورة رجل قد سد ما بين الجبلين وبلغ راسه راس الجبل وقال انا الخضر وانا نقيب الاولياء وقال للرجل الرائي انت رجل صالح وانت ولي الله ومد يده الى فأس كان الرجل نسيه في مكان وهو ذاهب اليه فناوله اياه وكان بينه وبين ذلك المكان نحو ميل ومثل هذه الحكاية كثير

وكل من قال انه راى الخضر وهو صادق اما ان يتخيل له في نفسه انه راه ويظل ما في نفسه كان في الخارج كما يقع لكثير من ارباب الرياضات واما ان يكون جنيا يتصور له بصورة انسان ليضله وهذا كثير جدا قد علمنا منه ما يطول وصفه واما ان يكون راى انسيا ظن انه الخضر وهو غالط في ظنه فان قال له ذلك الجني او الانسي انه الخضر فيكون قد كذب عليه لا يخرج الصدق في هذا الباب عن هذه الاقسام الثلاثة

واما الاحاديث فكثيرة ولهذا لم ينقل عن احد من الصحابة انه راى الخضر ولا اجتمع به لانهم كانوا اكمل علما وايمانا من غيرهم فلم يكن يمكن الشيطان التلبيس عليهم كما لبس على كثير من العباد ولهذا كثير من الكفار اليهود والنصارى يأتيهم من يظنون انه الخضر ويحضر في كنائسهم وربما حدثهم بأشياء وانما هو شيطان جاء اليهم فيضلهم

ولو كان الخضر حيا لوجب عليه ان يأتي الى النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن به ويجاهد معه كما اخذ الله الميثاق على الانبياء واتباعهم بقوله وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ال عمران والخضر قد اصلح السفينة لقوم من عرض الناس فكيف لا يكون بين محمد واصحابه

وهو ان كان نبيا فنبينا افضل منه وان لم يكن نبيا فأبو بكر وعمر افضل منه وهذا مبسوط في موضعه


186

حقيقة شخصيات أرسطو والاسكندر وذي القرنين

وكلامنا هنا في ضلال هؤلاء المتفلسفة الذين يبنون ضلالهم بضلال غيرهم فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات كقولهم إن أرسطو وزير ذي القرنين المذكور في القرآن لأنهم سمعوا انه كان وزير الاسكندر وذو القرنين يقال له الاسكندر

وهذا من جهلهم فان الاسكندر الذي وزر له ارسطو هو ابن فيلبس المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب الى ارض القدس لم يصل الى السد عند من يعرف اخباره وكان مشركا يعبد الاصنام وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الاصنام

وذو القرنين كان موحدا مؤمنا بالله وكان متقدما على هذا ومن يسميه الاسكندر يقول هو الاسكندر بن دارا


187

ولهذا كان هؤلاء المفلسفة إنما راجوا على ابعد الناس عن العقل والدين كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض وكجهال المتصوفة وأهل الكلام وإنما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والايمان إما كفارا وإما منافقين كما نفق منهم من نفق على المنافقين الملاحدة ثم نفق على المشركين الترك وكذلك إنما ينفقون دائما على اعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين

مزيد الكلام على تحديدهم الاستدلال بمقدمتين فقط

وكلامنا الان فيما احتجوا به على انه لا بد في الدليل من مقدمتين لا اكثر ولا اقل وقد عرف ضعفه

ثم إنهم لما علموا ان الدليل قد يحتاج الى مقدمات وقد يكفى فيه مقدمة واحدة قالوا إنه ربما ادرج في القياس قول زائد أي مقدمة ثالثة زائدة على مقدمتين لغرض فاسد او صحيح كبيان المقدمتين ويسمونه المركب قالوا ومضمونه اقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا ان المطلوب منها بالذات


188

ليس إلا واحدا قالوا وربما حذفت إحدى القدمات إما للعلم بها او لغرض فاسد وقسموا المركب الى مفصول و موصول كما تقدم

فيقال هذا اعتراف منكم بان من المطالب ما يحتاج الى مقدمات و منها ما يكفى فيه مقدمة واحدة ثم قلتم ان ذلك الذى يحتاج الى مقدمات هو فى معنى اقيسة متعددة فيقال لكم اذا ادعيتم ان الذى لا بد منه انما هو قياس واحد يشتمل على مقدمتين وان ما زاد على ذلك هو في معنى اقيسة كل قياس لبيان مقدمة من المقدمات فقولوا ان الذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وان ما زاد على تلك المقدمة من المقدمات فانما هو لبيان تلك المقدمة

وهذا اقرب الى المعقول فانه اذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم للمحكوم عليه وهو ثبوت الخبر للمبتدا او المحمول للموضوع الا بوسط بينهما هو الدليل فالذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك فقد يحتاج اليه وقد لا يحتاج اليه

واما دعوى الحاجة الى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج الى ذلك في بعض المطالب فهو كدعوى الاحتياج في بعضها الى ثلاث مقدمات واربع وخمس للاحتياج الى ذلك في بعض المطالب وليس تقدير عدد باولى من عدد وما يذكرونه من حذف احدى المقدمتين لوضوحها او للتغليط يوجد مثله في حذف الثالثة والرابعة

ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفي وحدها في بيان المطلوب او مقدمتين او ثلاثة لا تكفي طولب بالتمام الذي يحصل به الكفاية واذا ذكرت المقدمات منع منها ما يقبل المنع وعورض منها ما يقبل المعارضة حتى يتم الاستدلال كمن


189

طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص حين قال هذا حرام فقيل له لم قال لانه نبيذ مسكر فهذه المقدمة كافية إن كان المستمع ممن يعلم ان كل مسكر حرام اذا سلم له تلك المقدمة

وان منعه اياها وقال لا نسلم ان هذا مسكر احتاج الى بيانها بخبر من يوثق بخبره او بالتجربة في نظيرها وهذا قياس تمثيل وهو مفيد لليقين فان الشراب الكثير اذا جرب بعضه وعلم انه مسكر علم ان الباقي منه مسكر لان حكم بعضه مثل بعض وكذلك سائر القضايا التجربية كالعلم بأن الخبز يشبع والماء يروي وامثال ذلك انما مبناها على قياس التمثيل بل وكذلك سائر الحسيات التي علم انها كلية انما هو بواسطة قياس التمثيل

وان كان ممن ينازعه في ان النبيذ المسكر حرام احتاج الى مقدمتين الى اثبات ان هذا مسكر والى ان كل مسكر خمر فيثبت الثانية بأدلة متعددة كقول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وكل شراب اسكر فهو حرام وبأنه سئل عن شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر وكان قد اوتي جوامع الكلم فقال كل مسكر حرام وهذه الاحاديث في الصحيح وهي واضعافها معروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على انه حرام كل شراب اسكر

فان قال انا اعلم انه خمر لكن لا اسلم ان الخمر حرام او لا اسلم انه حرام مطلقا اثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا

مزيد البيان ان المقدمة الواحدة قد تكفي

ومما يبين لك ان المقدمة الواحدة قد تكفي في حصول المطلوب ان الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه كما تقدم بيانه ولما كان الحد الاول مستلزما للاوسط


190

و الاوسط للثالث ثبت ان الاول مستلزم للثالث فان ملزوم الملزوم ملزوم ولازم اللازم لازم فالحكم لازم من لوازم الدليل لكن لم يعرف لزومه اياه الا بوسط بينهما والوسط ما يقرن بقولك لانه

و هذا مما ذكره المنطقيون ابن سينا وغيره ذكروا الصفات اللازمة للموصوف وان منها ما يكون بين اللزوم وردوا بذلك على من فرق من اصحابهم بين الذاتي واللازم للماهية بأن اللازم ما افتقر الى وسط بخلاف الذاتي فقالوا له كثير من الصفات اللازمة لا يفتقر الى وسط وهي البينة اللزوم والوسط عند هؤلاء هو الدليل

واما ما ظنه بعض الناس ان الوسط هو ما يكون متوسطا في نفس الامر بين اللازم القريب واللازم البعيد فهذا خطا ومع هذا يتبين حصول المراد على التقديرين فنقول

اذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا يحتاج الى دليل يتوسط بينهما فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في العلم بثبوته له واذا كان بينهما وسط فذاك الوسط اذا كان لزومه للملزوم الاول ولزوم الثاني له بينا لم يفتقر الى وسط ثان

وان كان احد الملزومين غير بين بنفسه احتاج الى وسط وان لم يكن واحد منهما بينا احتاج الى وسطين وهذا الوسط هو حد تكفي فيه مقدمة واحدة

فاذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر فقيل لانه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر او كل مسكر حرام فهذا الوسط وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر له الى وسط ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر الى وسط فان كل احد يعلم انه اذا حرم كل مسكر حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه وكل


191

مؤمن يعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حرم شيئا حرم

ولو قال الدليل على تحريمه انه مسكر فالمخاطب ان كان يعرف ان ذلك مسكر والمسكر محرم سلم له التحريم ولكنه كان غافلا عن كونه مسكرا او جاهلا بكونه مسكرا

وكذلك اذا قال لانه خمر فان اقر انه خمر ثبت التحريم واذا اقر بعد انكاره فقد يكون كان جاهلا فعلم او غافلا فذكر فليس كل من علم شيئا كان ذاكرا له

الخلاف في ان العلم بالمقدمتين كاف في العلم بالنتيجة ام لا

ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين هل هو كاف في العلم بالنتيجة ام لا بد من التفطن لامر ثالث وهذا الثاني هو قول ابن سينا وغيره قالوا لان الانسان قد يكون عالما ب ان البغلة لا تلد ثم يغفل عن ذلك ويرى بغلة منتفخة البطن فيقول اهذه حامل ام لا فيقال له اما تعلم انها بغلة فيقول بلى ويقال له اما تعلم ان البغلة لا تلد فيقول بلى قال فحينئذ يتفطن لكونها لا تلد

ونازعه الرازي وغيره وقالوا هذا ضعيف لان اندراج احدى المقدمتين تحت الاخرى ان كان مغايرا للمقدمتين كان ذلك مقدمة اخرى لا بد فيها من الانتاج ويكون الكلام في كيفية التيامها مع الاوليين كالكلام في كيفية التيام الاوليين ويفضى ذلك الى اعتبار ما لا نهاية له من المقدمات وان لم يكن ذلك معلوما مغايرا للمقدمتين استحال ان يكون شرطا في الانتاج لان الشرط مغاير للمشروط وهنا لا مغايرة فلا يكون شرطا واما حديث البغلة فذلك انما يمكن اذا كان الحاضر في الذهن احدى المقدمتين فقط اما الصغرى واما الكبرى واما عند اجتماعهما في الذهن فلا نسلم انه يمكن الشك اصلا في النتيجة

قلت وحقيقة الامر ان هذا النزاع لزمهم في ظنهم الحاجة الى مقدمتين فقط


192

وليس الامر كذلك بل المحتاج اليه هو ما به يعلم المطلوب سواء كانت مقدمة او اثنتين او ثلاثا والمغفول عنه ليس بمعلوم حال الغفلة فاذا تذكر صار معلوما بالفعل وهنا الدليل هو العلم بأن البغلة لا تحبل وهذه المقدمة كان زاهلا عنها فلم يكن عالما بها العلم الذي يحصل به الدلالة فان المغفول عنه لا يدل حين ما يكون مغفولا عنه بل انما يدل حال كونه مذكورا اذ هو بذلك يكون معلوما علما حاضرا

والرب تعالى منزه عن الغفلة والنسيان لان ذلك يناقض حقيقة العلم كما انه منزه عن السنة والنوم لان ذلك يناقض كمال الحياة والقيومية فان النوم اخو الموت ولهذا كان اهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون وكانوا يلهمون التسبيح كما يلهم احدنا النفس

والمقصود هنا ان وجه الدليل العلم بلزوم المدلول له سواء سمي استحضارا او تفطنا او غير ذلك فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له علم انه دال عليه وهذا اللزوم ان كان بينا له والا فقد يحتاج في بيانه الى مقدمة او ثنتين او ثلاثة او اكثر

و الاوساط تتنوع بتنوع الناس فليس ما كان وسطا مستلزما للحكم في حق هذا هو الذي يجب ان يكون وسطا في حق الاخر بل قد يحصل له وسط اخر

فالاوساط هو الدليل وهو الواسطة في العلم بين اللازم والملزوم وهما المحكوم والمحكوم عليه فان الحكم لازم للمحكوم عليه ما دام حكما له والاواسط التي هي الادلة مما يتنوع ويتعدد بحسب ما يفتحه الله للناس من الهداية كما اذا كان الوسط خبر صادق فقد يكون الخبر لهذا غير الخبر لهذا

واذا راى الناس الهلال وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس فأشاعوا ذلك في البلد فكل قوم يحصل لهم العلم بخبر من غير المخبرين الذين اخبروا غيرهم

والقران والسنة الذي بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط غير


193

وسائط غيرهم لا سيما في القرن الثاني والثالث فهؤلاء هم مقرئون ومعلمون وهؤلاء مقرئون ومعلمون وهؤلاء هم وسائط وهم الاواسط بينهم وبين معرفة ما قاله الرسول وفعله وهم الذين دلوهم على ذلك باخبارهم وتعليمهم

وكذلك المعلومات التي تنال بالعقل او الحس اذا نبه عليها منه وارشد اليها مرشد فذلك ايضا مما يختللف ويتنوع ونفس الوسائط العقلية تتنوع وتختلف

واما من جعل الوسط في اللوازم هو وسطا في نفس ثبوتها للموصوف فهذا باطل من وجوه كما قد بسط في موضعه وبتقدير صحته فالوسط الذهني اعم من الخارجي كما ان الدليل اعم من العلة فكل علة يمكن الاستدلال بها على المعلول وليس كل دليل يكون علة في نفس الامر

وكذلك ما كان متوسطا في نفس الامر امكن جعله متوسطا في الذهن فيكون دليلا ولا ينعكس لان الدليل هو ما كان مستلزما للمدلول فالعلة المستلزمة للمعلول يمكن الاستدلال بها والوسط الذي يلزم الملزوم ويلزمه اللازم البعيد هو مستلزم لذلك اللازم فيمكن الاستدلال به

فتبين انه على كل تقدير يمكن الاستدلال على المطلوب بمقدمة واحدة اذا لم يحتج الى غيرها وقد لا يمكن الا بمقدمات فيحتاج الى معرفتهن وان تخصيص الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقص تحكم محض

لا يلتزم الاستدلال بمقدمتين فقط الا اهل المنطق

ولهذا لا تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفي العلوم من يلتزم في استدلاله البيان بمقدمتين لا اكثر ولا اقل ويجتهد في رد الزيادة الى ثنتين وفي تكميل النقص بجعله مقدمتين الا اهل منطق اليونان ومن سلك سبيلهم دون من كان باقيا على فطرته السليمة او سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والانصار والتابعين لهم باحسان


194

وسائر ائمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل

وكذلك اهل النحو والطب والهندسة لا يدخل في هذا الباب الا من اتبع في ذلك هؤلاء المنطقيين كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل وما استفادوا بما تلقوه عنهم علما الا علما يستغني عن باطل كلامهم او ما يضر ولا ينفع لما فيه من الجهل او التطويل الكثير

ولهذا لما كان الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين وتارة على مقدمات كانت طريقة نظار المسلمين ان يذكروا من الادلة على المقدمات ما يحتاجون اليه ولا يلتزمون في كل استدلال ان يذكروا مقدمتين كما يفعله من يسلك سبيل المنطقيين بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم وسلوكهم في نظرهم لانفسهم ومناظرتهم لغيرهم تعليما وارشادا ومجادلة على ما ذكرت وكذلك سائر اصناف العقلاء من اهل الملل وغيرهم الا من سلك طريق هؤلاء

وما زال نظار المسلمين يعيبون طريق اهل المنطق ويبينون ما فيها من العي واللكنة وقصور العقل وعجز النطق ويبينون انها الى افساد المنطق العقلي واللساني اقرب منها الى تقويم ذلك ولا يرضون ان يسلكوها في نظرهم ومناظرتهم لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه

الامام الغزالي وعلم المنطق

وانما كثراستعمالها من زمن ابي حامد فانه ادخل مقدمة من المنطق في اول كتابه المستصفى وزعم انه لا يثق بعلمه الا من عرف هذا المنطق


195

وصنف فيه معيار العلم ومحك النظر

وصنف كتابا سماه القسطاس المستقيم ذكر فيه خمس موازين الضروب الثلاثة الحمليات والشرطى المتصل والشرطى المنفصل وغير عبارتها الى امثلة اخذها من كلام المسلمين وزعم انه اخذ تلك الموازين من الانبياء وذكر انه خاطب بذلك بعض اهل التعليم

وصنف كتابا في مقاصدهم وصنف كتابا في تهافتهم وبين كفرهم بسبب مسأله قدم العالم وانكار العلم بالجزئيات وانكار المعاد

وبين في اخر كتبه ان طريقهم فاسدة لا توصل الى يقين وذمها اكثر مما ذم طريقة المتكلمين لكن بعد ان اودع كتبه المضنون بها على غير اهلها وغيرها من معاني كلامهم الباطل المخالف لدين المسلمين ما غير عبارته وعبر عنه بعبارة المسلمين


196

التي لم يريدوا بها ما اراده كما يأخذ لفظ الملك و الملكوت والجبروت

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة والجبروت والملكوت فعلوت الجبر والملك كالرحموت والرغبوت والرهبوت فعلوت من الرحمة والرغبة والرهبة والعرب تقول رهبوت خير من رحموت أي ان ترهب خير من من ان ترحم

ف الجبروت والملكوت يتضمن من معاني اسماء الله تعالى وصفاته ما دل عليه معنر الملك الجبار وابو حامد يجعل عالم الملك عالم الاجسام وعالم الملكوت والجبروت عالم النفس والعقل ومعلوم ان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لم يقصدوا بهذا اللفظ هذا

بل ما يثبته المتفلسفة من العقل باطل عند المسلمين بل هو من أعظم الكفر فان العقل الاول عندهم مبدع كل ما سوى الله والعقل العاشر مبدع ما تحت فلك القمر وهذا من اعظم الكفر عند المسلمين واليهود والنصارى

و العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا وهو ايضا غريزة في الانسان فمسماه من باب الاعراض لا من باب الجواهر القائمة بأنفسها وعند المتفلسفة مسماه من النوع الثاني

والملئكة التي أخبرت بها الرسل وإن كان بعض من يريد بالجمع بين النبوة والفلسفة يقول إنها العقول فهذا من أبطل الباطل فبين ما وصف الله به الملئكة في كتابه وبين العقول التي يثبتها هؤلاء من الفروق ما لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته كما قد بسطنا ذلك في موضعه

والحديث الذي يروى أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتى ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك


197

آخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب هو حديث موضوع باتفاق اهل المعرفة بالحديث كما ذكر ذلك الدارقطني وبين من وضعه وكذلك ذكر ضعفه ابو حاتم بن حيان والعقيلي وابن الجوزي وغيرهم

ومع هذا فلفظه اول ما خلق الله العقل قال له فمدلوله انه خاطبه في اول اوقاته خلقه ليس مدلوله انه اول المخلوقات وفي تمامه انه قال ما خلقت خلقا اكرم على منك فدل انه خلق قبله غيره وفيه انه مخلوق

وابو حامد يفرق بين عالم الخلق وعالم الامر فيجعل الأجسام عالم الخلق والنفوس والعقول عالم الامر وهذا ايضا ليس من دين المسلمين بل كل ما سوى الله مخلوق عند المسلمين والله تعالى خالق كل شئ

وإذا ادعو ان العقول التي اثبتوها هي الملئكة في كلام الانبياء فقد ثبت بالنص والاجماع أن الله خلق الملئكة بل خلقهم من مادة كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله الملئكة من نور وخلق


198

الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم فبين ان الملئكة مخلوقون من مادة موجودة قبلهم فأين هذا من قول من ينفى الخلق عنها ويقول إنها مبتدعة لا مخلوقة او يقول إنها قديمة أزلية لم تكن من مادة اصلا وهذه الامور مبسوطة في موضع آخر

والمقصود هنا أن كتب أبى حامد وإن كان يذكر فيها كثيرا من كلامهم الباطل إما بعبارتهم أو بعبارة أخرى فهو في آخر أمره يبالغ في ذمهم ويبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريقة المتكلمين ومات وهو مشتغل ب البخاري ومسلم والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة بل كان متوقفا حائرا فيما هو من أعظم المطالب العالية الالهية والمقاصد الساميه الربانية ولم يغن عنه المنطق شيئا

ولكن بسبب ما وقع منه في أثناء عمره وغير ذلك صار كثير من النظار يدخلون المنطق اليوناني في علومهم حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن انه لا طريق إلا هذا وأن ما ادعوه من الحد والبرهان هو امر صحيح مسلم عند العقلاء ولا يعلم انه ما زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ذلك ويطعنون فيه وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة وجمهور المسلمين يعيبونه عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما في اهله مما يناقض العلم والايمان ويفضى بهم الحال إلى انواع من الجهل والكفر والضلال

والمقصود هنا أن ما يدعونه من توقف كل مطلوب نظري على مقدمتين لا أكثر ليس كذلك


199

دعواهم إضمار إحدى المقدمتين في قياس الضمير

وهم يسمون القياس الذي حذفت إحدى مقدمتيه قياس الضمير ويقولون إنها قد تحذف إما للعلم بها وإما غلطا وإما تغليطا

فيقال إذا كانت معلومة كانت كغيرها من المقدمات المعلومة وحينئذ فليس إضمار مقدمة بأولى من إضمار ثنتين وثلاثة وأربعة فان جاز أن يدعى في الدليل الذي لا يحتاج إلا الى مقدمة ان الاخرى مضمرة محذوفة جاز أن يدعى فيما يحتاج الى ثنتين ان الثالثة محذوفة وكذلك فيما يحتاج الى ثلاث وليس لذلك حد ومن تدبر هذا وجد الامر كذلك

وجود الركة والعى في كلام اهل المنطق

ولهذا لا يوجد في كلام البلغاء أهل البيان الذين يقيمون البراهين والحجج اليقينية بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم ما يوجد في كلام اهل المنطق بل من سلك طريقهم كان من المضيقين لطريق العلم عقولا وألسنة ومعانيهم من جنس ألفاظهم تجد فيها من الركة والعى ما لا يرضاه عاقل

وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الاسلام في وقته أعنى الفيلسوف الذي في الاسلام وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا لبعض اعيان القضاة الذين كانوا في زماننا ابن سينا من فلاسفة الاسلام فقال ليس للاسلام فلاسفة كان يعقوب يقول في أثناء كلامه لعدم فقد وجود كذا وأنواع هذه الاضافات

ومن وجد في بعض كلامه فصاحة او بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن سينا وغيره فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم وإلا فلو مشى على طريقة سلفه وأعرض عما تعلمه من المسلمين لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم وألسنتهم

التباس أمر المنطق على طائفة لم يتصوروا حقائقه

وهم أكثر ما ينفقون على من لا يفهم ما يقولونه ويعظمهم بالجهل والوهم


200

أو يفهم بعض ما يقولونه او اكثره او كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما يعرف بالعقول السليمة وما قاله سائر العقلاء مناقضا لما قالوه وهو انما وصل الى منتهى امرهم بعد كلفة ومشقه واقترن بها حسن الظن فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله

ثم إن تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرا من الفضلاء الذين احسنوا بهم الظن ابتداء ثم انكشف لهم من ضلالهم ما أوجب رجوعهم عنهم وتبر اهم منهم بل وردهم عليهم وإلا بقى في الضلال

وضلالهم في الالهيات ظاهر لاكثر الناس ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة وإنما المنطق التبس الامر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه ولم يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه

واتفق أن فيه امورا ظاهرة مثل الشكل الاول ولا يعرفون ان ما فيه من الحق لا يحتاج اليهم فيه بل طولوا فيه الطريق وسلكوا الوعر والضيق ولم يهتدوا فيه الى ما يفيد التحقيق

وليس المقصود في هذا المقام بيان ما أخطأوا في إثباته بل ما أخطأوا في نفيه حيث زعموا ان العلم النظري لا يحصل إلا ببرهانهم وهو من القياس

تلازم قياس الشمول وقياس التمثيل وبيانه بالامثلة

وجعلوا أصناف الحجج ثلاثة القياس والاستقراء والتمثيل وزعموا ان التمثيل لا يفيد اليقين وإنما يفيده القياس الذي تكون مادته من القضايا التي ذكروها

وقد بينا في غير هذا الموضع ان قياس التمثيل وقياس الشمول متلازمان وأن ما حصل بأحدهما من علم او ظن حصل بالاخر مثله إذا كانت المادة واحدة


201

والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية بل إذا كانت المادة يقينية سواء كانت صورتها في صورة قياس التمثيل او صورة قياس الشمول فهى واحدة وسواء كانت صورة القياس اقترانيا اواستثنائيا بعبارتهم أو بأي عبارة شئت لا سيما في العبارات التي هي خير من عباراتهم وأبين في العقل وأوجز في اللفظ والمعنى واحد

وحد هذا في أظهر الامثلة إذا قلت هذا إنسان وكل إنسان مخلوق او حيوان او حساس او متحرك بالارادة أو ناطق أو ما شئت من لوازم الانسان فان شئت صورت الدليل على هذه الصورة وإن شئت قلت هو انسان فهو مخلوق او حساس او حيوان او متحرك كغيره من الناس لاشتراكهما في الانسانية المستلزمة لهذه الصفات وإن شئت قلت هذا إنسان والانسانية مستلزمة لهذه الاحكام فهى لازمة له وإن شئت قلت إن كان أنسانا فهو متصف بهذا الصفات اللازمة للانسان وإن شئت قلت إما ان يتصف بهذه الصفات وإما ان لا يتصف والثاني باطل فتعين الاول لان هذه لازمة للانسان لا يتصور وجوده بدونها

الاستقراء ليس استدلالا بجزئي على كلي

وأما الاستقراء فانما يكون يقينيا إذا كان استقراء تاما وحينئذ فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الافراد وهذا ليس استدلالا يجزئى على كلى ولا بخاص على عام بل استدلال بأحد المتلازمين على الاخر فان وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلى العام يوجب ان يكون لازما لذلك الكلى العام

فقولهم إن هذا استدلال بخاص جزئي على عام كلي ليس بحق وكيف ذلك والدليل لا بد أن يكون ملزوما للمدلول فانه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه ولم يكن المدلول لازما له لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل نعلم ثبوت


202

المدلول معه إذا علمنا أنه تارة يكون معه وتارة لا يكون معه فانا إذا علمنا ذلك ثم قلنا إنه معه دائما كنا قد جمعنا بين النقيضين

وهذا اللزوم الذي نذكره هنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم وكلما كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر كانت الدلالة اقوى واتم وأظهر كالمخلوقات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى فانه ما منها مخلوق إلا وهو ملزوم لخالقه لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه بل ولا بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته فكل مخلوق دال على ذلك كله

واذا كان المدلول لازما للدليل فمعلوم ان اللازم إما ان يكون مساويا للملزوم وإما أن يكون أعم منه فالدليل إما أن يكون مساويا للحكم المدلول في العموم والخصوص وإما أن يكون اخص منه لا يكون الدليل أعم منه

القياس استدلال بكلى على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى

وإذا قالوا في القياس يستدل بالكلى على الجزئي فليس الجزئي هو الحكم المدلول عليه إنما الجزئي هو الموصوف المخبر عنه محل الحكم فهذا قد يكون أخص من الدليل وقد يكون مساويا له بخلاف الحكم الذي هو صفة هذا وحكمه الذي اخبر به عنه فانه لا يكون إلا اعم من الدليل او مساويا له فان ذلك هو المدلول اللازم للدليل والدليل هو لازم المخبر عنه الموصوف

فاذا قيل النبيذ حرام لانه خمر كونه خمرا هو الدليل وهو لازم للنبيذ والتحريم لازم للخمر

والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت النبيذ المتنازع فيه مسكر او خمر وكل مسكر او كل خمر حرام فأنت لم تستدل ب المسكر او الخمر الذي هو كلى على نفس محل النزاع الذي هو اخص من الخمر وهو النبيذ فليس هو استدلالا بذلك الكلى عل هذا الجزئي بل استدللت به على تحريم هذا النبيذ فلما كان


203

تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر قال من قال إنه استدلال بالكلى على الجزئي والتحقيق ان ما ثبت للكلى فقد ثبت لكل واحد من جزئياته والتحريم أعم من الخمر وهو ثابت لها فهو ثابت لكل فرد فرد من جزئياتها فهو استدلال بكلى على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى وذلك الدليل هو كالجزئي بالنسبة الى ذلك الكلى الذي هو الحكم وهو كلى بالنسبة الى تلك الجزئيات التي هي المحكوم عليها

وهذا مما لا يتنازعون فيه فان الدليل ه الحد الاوسط وهو اعم من الاصغر أو مساو له والاكبر اعم منه او مساو له والاكبر هو الحكم والصفة والخبر وهو محمول النتيجة والاصغر هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ وهو موضوع النتيجة

قياس التمثيل هو اشتراك الجزئيين في علة الحكم

وأما قولهم في التمثيل إنه استدلال بجزئي على جزئي فان أطلق ذلك وقيل إنه استدلال بمجرد الجزئي على الجزئي فهو غلط فان قياس التمثيل إنما يدل بحد اوسط وهو اشتراكهما في علة الحكم أو دليل الحكم مع العلة فانه قياس علة او قياس دلالة

لا تعلم صحة القياس في قياس الشبه

وأما قياس الشبة فاذا قيل به لم يخرج عن أحدهما فان الجامع المشترك بين الاصل والفرع إما أن يكون هو العلة او ما يستلزم العلة وما استلزمها فهو دليلها وإذا كان الجامع لا علة ولا ما يستلزم العلة لم يكن الاشتراك فيه مقتضيا للاشتراك في الحكم بل كان المشترك قد يكون معه العلة وقد لا يكون فلا يعلم حينئذ أن علة الاصل موجودة في الفرع فلا يعلم صحة القياس بل لا يكن صحيحا إلا إذا اشتركا فيها ونحن لا نعلم الاشتراك فيها إلا إذا علمنا اشتراكهما فيها او في ملزومها فان ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم فاذا قدرنا انهما لم


204

يشتركا في الملزوم ولا فيها كان القياس باطلا قطعا لانه حينئذ تكون العلة مختصة بالاصل وإن لم يعلم ذلك لم تعلم صحة القياس

وقد يعلم صحة القياس بانتفاء الفارق بين الاصل والفرع وإن لم يعلم عين العلة ولا دليلها فانه يلزم من انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم

وإذا كان قياس التمثيل إنما يكون تاما بانتفاء الفارق وإما بابداء جامع وهو كلى يجمعهما يستلزم الحكم وكل منهما يمكن تصويره بصورة قياس الشمول وهو يتضمن لزوم الحكم للكلى ولزوم الكلى لجزئياته وهذا حقيقة قياس الشمول ليس ذلك استدلالا بمجرد ثبوته لجزئي على ثبوته لجزئي آخر

فأما إذا قيل بما يعلم ان المشترك مستلزم الحكم قيل مما تعلم القضية الكبرى في القياس فبيان الحد الاوسط هو المشترك الجامع ولزوم الحد الاكبر له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما قد تقدم التنبيه على هذا

وقد يستدل بجزئي على جزئي إذا كانا متلازمين أو كان احدهما ملزوم الاخر من غير عكس فان كان اللزوم عن الذات كانت الدلالة على الذات وإن كان في صفة او حكم كانت الدلالة على الصفة والحكم

فقد تبين ما في حصرهم من الخلل وأما تقسيمهم الى الانواع الثلاثة فكلها تعود الى ما ذكروه في استلزام الدليل للمدلول

عود الاقترانى والاستثنائى الى معنى واحد

وما ذكروه في الاقترانى يمكن تصويره بصورة الاستثنائي وكذلك الاستثنائي يمكن تصويره بصورة الاقتراني فيعود الامر الى معنى واحد


205

وهو مادة الدليل والمادة لا تعلم من صور القياس الذي ذكروه بل من عرف المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا علم الدلالة سواء صورت بصورة القياس أو لم تصور وسواء عبر عنها بعباراتهم او بغيرها بل العبارات التي صقلها عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير

والاقترانى كله يعود الى لزوم هذا لهذا وهذا لهذا كما ذكر وهذا بعينه هو الاستثنائي المؤلف من المتصل والمنفصل

فان الشرطى المتصل استدلال باللزوم بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم هو التالي وهو الجزاء او بانتفاء اللازم وهو التالي الذي هو الجزاء على انتفاء الملزوم هو المقدم وهو الشرط

وأما الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الاصوليون السبر والتقسيم وقد تسميه ايضا الجدليون التقسيم والترديد فمضمونه الاستدلال بثبوت احد النقضين على انتفاء الاخر وبانتفائه على ثبوته أو الإستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر واقسامه اربعة ولهذا كان في مانعة الجمع والخلو الاستثناءات الاربعة وهو أنه إن ثبت هذا انتفى نقيضه وكذلك الآخر وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذلك الاخر

ومانعة الجمع الاستدلال بثبوت احد الضدين على انتفاء الاخر والامران متنافيان


206

ومانعة الخلو فيها تناقض ولزوم والنقيضان لا يرتفعان فمنعت الخلو منهما ولكن جزاءها وجود شئ وعدم آخر ليس هو وجود الشئ وعدمه ووجود شئ وعدم آخر قد يكون أحدهما لازما للاخر وإن كانا لا يرتفعان لان ارتفاعهما يقتضى ارتفاع وجود شئ وعدمه معا

مدار الاستدلال على مادة العلم لا على صورة القياس

وبالجملة ما من شئ إلا وله لازم لا يوجد بدونه وله مناف مضاد لوجوده فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه

ويستدل على انتفائه بوجود منافيه ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده إذا انحصر الامر فيهما فلم يمكن عدمهما جميعا كما لم يمكن وجودهما جمعيا

وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشئ وملزومها ولوازمها وإذا تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من العبارات وصورته في أنواع من صور الادلة لا يختص شيء من ذلك بالصورة التي ذكروها في القياس فضلا عما سموه البرهان فان البرهان شرطوا له مادة معينة وهي القضايا التي ذكروها واخرجوا من الاوليات ما سموه وهميات وما سموه مشهورات وحكم الفطرة بهما لا سيما بما سموه وهميات اعظم من حكمها بكثير من اليقينيات التي جعلوها مواد البرهان

وقد بسطت القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأن ما اخرجوه يخرج به ما ينال به اشرف العلوم من العلوم النطرية والعلوم العملية ولا يبقى بأيديهم إلا امور مقدرة في الاذهان لا حقيقة لها في الاعيان ولولا ان هذا الموضع لا يتسع لحكاية الفاظهم في هذا وما أوردته عليهم لذكرته فقد ذكرت ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والالهية فانها هي المطوبة

والكلام في المنطق إنما وقع لما زعموا انه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن


207

يزل في فكره فاحتجنا ان ننظر في هذه الالة هل هي كما قالوا او ليس الامر كذلك

تزييف القول بأن هذه علوم قد صقلتها الاذهان الخ

ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد اقولهم ما يتبين به ضلالهم وعجز عن دفع ذلك يقول هذه علوم قد صقلتها الاذهان اكثر من الف سنة وقبلها الفضلاء فيقال له عن هذا أجوبة

أحدها إنه ليس الامر كذلك فما زال العقلاء الذين هم افضل من هؤلاء ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم

فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف وفي كتب اخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره

وأما ايام الاسلام فان كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما افسدوه من اصولهم المنطقية والالهية بل والطبيعية بل والرياضية كثير قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة

وأما شهادة سائر العلماء وطوائف أهل الايمان بضلالهم وكفرهم فهذا البيان عام لا يدفعه إلا معاند والمؤمنون شهداء الله في الارض

فاذا كان اعيان الاذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر اهل العلم والايمان معلنين بتخطئتهم وتضليلهم إما جملة وإما تفصيلا امتنع ان كون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم بالقبول

الوجه الثاني إن هذا ليس بحجة فان الفلسفة التي كانت قبل أرسطو وتلقاها من قبلة بالقبول طعن ارسطو في كثير منها وبين خطأهم وابن سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من اقاويلهم المنطقية وغيرها وبينوا خطأهم ورد الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض وأبو البركات وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس قصدنا التعصب لقائل معين ولا لقول معين


208

الثالث إن دين عباد الاصنام اقدم من فلسفتهم وقد دخل فيه من الطوائف اعظم ممن دخل في فلسفتهم وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو ودين النصارى المبدل قريب من زمن ارسطو فان ارسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة فانه كان في زمن الاسكندر بن فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم الذي يستعمله اليهود والنصارى

الرابع أن يقال فهب ان الامر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها تقليد لقائل وإنما تعلم بمجرد العقل فلا يجوز ان تصحح بالنقل بل ولا يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد فاذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم يجز رده فان أهلها لم يدعوا انها مأخوذة عمن يجب تصديقه بل عن عقل محض فيجب التحاكم فيها الى موجب العقل الصريح

فصل قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن عند المناطقة بخلاف الاستقراء

وقد احتجوا بما ذكروه من أن الاستقراء دون القياس الذي هو قياس الشمول وأن قياس التمثيل دون الاستقراء فقالوا إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن وإن المحكوم عليه قد يكون جزئيا بخلاف الاستقرا ء فانه قد يفيد اليقين والمحكوم عليه لا يكون إلا كليا

قالوا وذلك ان الاستقراء هو الحكم على كلى بما تحقق في جزئياته فان كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تاما كالحكم على المتحرك ب الجسمية لكونها محكوما بها على جميع جزئيات المتحرك من الحيوان والجماد والنبات


209

والناقص كالحكم على الحيوان ب انه إذا أكل تحرك فكه الاسفل عند المضغ لوجود ذلك في أكثر جزئياته ولعله فيما لم يستقرا على خلافه كالتمساح والاول ينتفع به في اليقينيات بخلاف الثاني وإن كان منتفعا به في الجدليات

وأما قياس التمثيل فهو الحكم على شئ بما حكم به على غيره بناء على جامع مشترك بينهما كقولهم العالم موجود فكان قديما كالباري او هو جسم فكان محدثا كالانسان وهو مشتمل على فرع واصل وعلة وحكم فالفرع ما هو مثل العالم في هذا المثال والاصل ما هو مثل الباري او الانسان والعلة الموجود او الجسم والحكم القديم او المحدث

قالوا ويفارق الاستقراء من جهة ان المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيا والمحكوم عليه في الاستقراء لا يكون إلا كليا

إشكالات أوردها نظار المسلمين على قياس التمثيل

قالوا وهو غير مفيد لليقين فانه ليس من ضرورة اشتراك امرين فيما يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على احدهما إلا ان يبين أن ما به الاشتراك علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فظنى فان المساعد على ذلك في العقليات عند القائلين به لا يخرج عن الطرد والعكس والسبر والتقسيم

أما الطرد والعكس فلا معنى له غير تلازم الحكم والعلة وجودا وعدما ولا بد في ذلك من الاستقراء ولا سبيل الى دعواه في الفرع إذ هو غير المطلوب فيكون الاسقراء ناقصا لا سيما ويجوز ان تكون علة الحكم في الاصل مركبة من أوصاف المشترك ومن غيرها ويكون وجودها في الاوصاف متحققا فيها فاذا وجد المشترك في الاصل ثبت الحكم لكمال علته وعند انتفائه فينتفى لنقضان العلة وعند ذلك فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع ثبوت الحكم لجواز تخلف باقي الاوصاف أو بعضها


210

وأما السبر والتقسيم فحاصله يرجع الى دعوى حصر اوصاف الاصل في جملة معينة وابطال كل ما عدى المستبقى وهو ايضا غير يقيني لجواز ان يكون الحكم ثابتا في الاصل لذات الاصل لا لخارج والا لزم التسلسل وان ثبت لخارج فمن الجائز ان يكون لغيرها ابدا وان لم يطلع عليه البحث عنه وليس الامر كذلك في العاديات فانا لا نشك مع سلامة البصر وارتفاع الموانع في عدم بحر من زئبق وجبل من ذهب بين ايدينا ونحن لا نشاهده وان كان منحصرا فمن الجائز ان يكون معللا بالمجموع او بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع وثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تحلف غيره من الاوصاف المقارنة له في الاصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز ان يكون في تلك معلالا بعلة اخرى ولا امتناع فيه وان كان لا علة له سواه فجائز ان يكون علة لخصوصه لا لعمومه وان بين ان ذلك الوصف يلزمه لعموم ذاته الحكم فمع بعده يستغنى عن التمثل

قالوا والفراسة البدنية هي عين التمثيل غير ان الجامع فيها بين الاصل والفرع دليل العلة لا نفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء ب قياس الدلالة فانها استدلال بمعلول العلة على ثبوتها ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها الاخر اذ مبناها على ان المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر فيستدل بالخلق الظاهر على المزاج ثم بالمزاج على الخلق الباطن كالاستدلال ب عرض الاعلى على الشجاعة بناء على كونهما معلولي مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الاسد

ثم اثبات العلة في الاصل لا بد فيها من الدوران او التقسيم كما تقدم وان قدر ان علة الحكمين في الاصل واحدة فلا مانع من ثبوت احدهما في الفرع بغير علة الاصل وعند ذلك فلا يلزم الحكم الاخر

هذا كلامهم على ما حرره لهم نظار المسلمين الذين اوردوا على قياس التمثيل هذه الاشكالات والا فكلام ائمتهم في قياس التمثيل ليس فيه هذا التحرير الذي


211

حرره لهم نظار المسلمين

رد المنصف اشكالاتهم على قياس التمثيل

فيقال تفريقهم بين قياس المشمول وقياس التمثيل بأن الاول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد الا الظن فرق باطل بل حيث افاد احدهما اليقين افاد الاخر اليقين وحيث لا يفيد احدهما الا الظن لا يفيد الاخر الا الظن فان افادة الدليل لليقين او الظن ليس لكونه عل صورة احدهما دون الاخر بل باعتبار تضمن احدهما لما يفيد اليقين فان كان احدهما اشتمل على امر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين وان لم يشتمل الا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد الا الظن

والذي يسمى في احدهما حدا اوسط هو في الاخر الوصف المشترك والقضية الكبرى المتضمنة لزوم الحد الاكبر للاوسط هو بيان تأثير الوصف المشترك بين الاصل والفرع فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين ان الجامع المشترك مستلزم للحكم فلزوم الاكبر للاوسط هو لزوم الحكم للمشترك

فاذا قلت النبيذ حرام قياسا على الخمر لان الخمر انما حرمت لكونها مسكرة وهذا الوصف موجود في النبيذ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالنتيجة قولك النبيذ حرام و النبيذ هو موضوعها وهو الحد الاصغر والحرام محمولها وهو الحد الاكبر والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد الاوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى

فاذا قلت النبيذ حرام قياسا على خمر العنب لان العلة في الاصل هو الاسكار وهو موجود في الفرع فثبت التحريم لوجود علته فانما استدللت على تحريم النبيذ ب المسكر وهو الحد الاوسط لكن زدت في قياس التمثيل ذكر الاصل الذي ضربته مثلا للفرع وهذا لان شعور النفس بنظير الفرع اقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكلي واذا قام الدليل على تأثير الوصف


212

المشترك لم يكن ذكر الاصل محتاجا اليه

والقياس لا يخلو اما ان يكون ب ابداء الجامع او ب الغاء الفارق والجامع اما العلة واما دليلها واما القياس بالغاء الفارق فهنا الغاء الفارق هو الحد الاوسط

فاذا قيل هذا مساو لهذا ومساوي المساوي مساو كانت المساواة هى الحد الاوسط وإلغاء الفارق عبارة عن المساواة فاذا قيل لا فرق بين الفرع والاصل إلا كذا وهو مهدر فهو بمنزلة قولك هذا مساو لهذا وحكم المساوى حكم مساويه

وأما قولهم كل ما يدل على ان ما به الاشتراك علة للحكم فظنى فيقال لا نسلم فان هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا ثم نقول الذي يدل به على عليه المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى وكل ما يدل به على صدق الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس الثمثيل سواء كان علميا او ظنيا فان الجامع المشترك في التمثيل هو الحد الاوسط ولزوم الحكم له هو لزوم الاكبر للاوسط ولزوم الاوسط للاصغر هو لزوم الجامع المشترك للاصغر وهو ثبوت العلة في الفرع

فاذا كان الوصف المشترك وهو المسمى ب الجامع والعلة أو دليل العلة او المناط او ما كان من الاسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتا في الفرع لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى وإذا كان الحكم ثابتا للوصف لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى وذكر الاصل يتوصل به الى إثبات إحدى المقدمتين

فان كان القياس ب إلغاء الفارق فلا بد من الاصل المعين فان المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما وهو إلغاء الفارق وهو الحد الاوسط وإن كان


213

القياس ب إبداء العلة فقد يستغنى عن ذكر الاصل إذا كان الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر اليه وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف اليه فيذكر الاصل لانه من تمام ما يدل على علية المشترك وهو الحد الاكبر

وهؤلاء الذين فرقوا بين قياس التمثيل و قيلس الشمول اخذوا يظهرون كون احدهما ظنيا في مواد معينة وتلك المواد التي لا تفيد الا الظن في قياس التمثيل لا تفيد الا الظن في قياس الشمول والا فاذا اخذوه فيما يستفاد به اليقين من قياس الشمول افاد اليقين في قياس التمثيل ايضا وكان ظهور اليقين به هناك اتم

فاذا قيل في قياس الشمول كل انسان حيوان وكل حيوان جسم فكل انسان جسم كان الحيوان هو الحد الاوسط وهو المشترك في قياس التمثيل بأن يقال الانسان جسم قياسا على الفرس وغيره من الحيوانات فان كون تلك الحيوانات حيوانا هو مستلزم لكونها اجساما سواء كان علة او دليل العلة والحيوانية موجودة في الانسان فيكون جسما

واذا نوزع في علية الحكم في الاصل فقيل له لا نسلم ان الحيوانية تستلزم الجسمية كان هذا نزاعا في قوله كل حيوان جسم وذلك ان المشترك بين الاصل والفرع اذا سمى علة فانما يراد به ما يستلزم الحكم سواء كان هو العلة الموجبة لوجوده في الخارج او كان مستلزما لذلك يسمى الاول قياس علة والثاني قياس دلالة

ومن الناس من يسمى الجميع علة لا سيما من يقول ان العلة انما يراد بها المعرف وهو الامارة والعلامة والدليل لا يراد بها الباعث والداعي

ومن قال انه قد يراد بها الداعي وهو الباعث وهذا قول ائمة الفقهاء وجمهور المسلمين فانه يقول ذلك في علل الافعال واما غير الافعال فقد تفسر العلة فيها ب الوصف المستلزم كاستلزام الانسانية ل الحيوانية والحيوانية


214

ل الجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الاخر

عل أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما به يعلم كون الحيوان جسما به يعلم ان الانسان جسم حيث بينا ان قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات به يعلم صدق أفرادها التي منها الصغرى بل وبذلك يعلم صدق النتيجة كما في قول القائل الكل أعظم من الجزء والاشياء المساوية لشئ واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان

حقيقة توحيد الفلاسفة

وهذا كقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه إن ثبت لهم ان الرب تعالى بمعنى الواحد الذي يدعونه وهو انه ليس له صفة ثبوتية أصلا بل هو مسلوب لكل امر ثبوتي لا يوصف إلا بالسلب المحض او بما لا يتضمن إلا السلب كالاضافة التي هي معنى السلب وجعلوا إبداعه للعالم امرا عدميا لكونه إضافة عندهم وجعلوا العلم والعالم والمعلوم والعشق والعاشق والمعشوق واللذة كل ذلك امورا عدمية ليس فيها امر ثبوتي وادعوا ان نفس العلم والعناية والقدرة هو نفس العالم القادر المريد ونفس العلم هو نفس القدرة ونفس القدرة هو نفس العناية وهذا كله هو العشق وهو اللذة والعشق واللذة هو العاشق الملتذ والعشق واللذة هو نفس العلم ونفس القدرة وعلمه بنفسه هو علمه بالمعلومات إلى أمثال ذلك مما يتضمنه قولهم الذي يسمونه توحيد واجب الوجود

رد قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد

فان قدر ثبوت هذا المعنى الذي يسمونه توحيدا مع ان جماهير العقلاء من جميع الامم إذا تصوروا ذلك علموا بضرورة العقل ان هذا قول باطل متناقض فان قدر ثبوته قيل حئنئذ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقررونه بقولهم


215

لانه لو صدر عنه اثنان لكان مصدر الالف غير مصدر الجيم وكان المصدر مع هذا الصادر مخالفا لهذا المصدر مع هذا الصادر فيكون في المصدر جهتان وذلك ينافى الوحدة وبهذا اثبتوا ان الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لئلا يكون فيه جهتان جهة فعل وجهة قبول فيكون مركبا

فيقال لهم إذا كان صدور الصادرات عنه هو فعله لها والفعل إضافة محضة اليه وهو عندكم لا يوصف بصفة ثبوتية بل لا يوصف إلا بما هو سلب وقلتم إن الاضافة هنا سلب لم يكن ولو صدر عنه الف صادر إلا بمنزلة سلب الاشياء عنه وإذا قلتم ليس هو بعرض ولا ممكن ولا محدث ونحو ذلك لم تكن كثرة السلوب توجب أمرا ثبوتيا والابداع عندكم لا يوجب له وصفا ثبوتيا فكثرة الابداعات منه لا توجب له وصفا ثبوتيا

هذا مع أنهم متناقضون في جعلهم الابداع أمرا عدميا بل في قولهم هو إضافة والاضافة امرأ عدميا قد قرروا في العلم الاعلى عندهم القاسم ل الوجود ولواحقه ان الوجود ينقسم الى جوهر وعرض ومن الاعراض أن يفعل ومنها الاضافة والابداع هو من مقولة أن يفعل وهو أمر وجودى وإبداع الباري أكمل من كل إبداع فكيف يكون اكمل انواع ان يفعل عدميا

ثم هم جعلوا الاضافة جنسا غير أن يفعل فان ثبت هذا بطل جعل إبداعه للعالم مجرد إضافة وإن سلم أنه إضافة ف الاضافة عندهم من جملة الاجناس الوجودية وهذا وأمثاله مما يبين فساد ما قالوه في الالهيات من التعطيل مما يطول وصفه

ثم إذا سلم هذا وسلم ان الاضافة عدمية وكثرة العدميات له لا توجب تكثر امور ثبوتية فيه مثل تكثر سائر السلوب وإذا قدر انه أبدع كل شئ بلا واسطة لم يكن في هذا إلا كثرة امور عدمية يتصف بها وتلك لا توجب كثرة في


216

ذاته مثل سلب جميع المبدعات عنه فاذا قيل ليس بفلك ولا كوكب ولا شمس ولا جنة ولا نار ولا هواء ولا تراب ولا حيوان ولا انسان ولا نبات كان سلبها عنه بمنزلة إضافتها اليه عندهم وإذا لم يكن هذا إثبات كثرة في ذاته فكذلك الاخر

وقولهم مصدر الف غير مصدر باء وهو مع هذا غير كونه مع هذا كما يقال سلب الف عنه غير سلب باء عنه والشئ مع سلب الف عنه ليس هو ذاك مع سلب باء عنه واذا قيل كثرة السلوب لا توجب تعدد امر ثبوتى له قيل وكثرة الاضافات كذلك عندكم

ثم يقال الاضافات اليه مثل كونه علة ومبدعا وخالقا وفاعلا ونحو ذلك إما أن يوجب كون الفعل أمرا ثبوتيا يقوم به وإما أن لا يوجب ذلك فان كان الفعل أمرا ثبوتيا قام به بطل نفيكم للصفات ولزم انه موصوف بالامور الثبوتية التي منها تهربون وإن لم يكن ثبوتيا كان عدميا فلم يكن في كثرة المفعولات إلا كثرة الافعال التي هي عدمية وكثرة العدميات لا توجب اتصافه بأمر ثبوتى وإذا كان كونه فاعلا عندكم ليس وصفا ثبوتيا فكونه قابلا كذلك بطريق الاولى وحينئذ فلا يمتنع كون الشئ فاعلا وقابلا

ومعلوم ان هذا التناقض لزمهم لكونهم جعلوا الامور الوجودية عدما كما جعلوا نفس الفعل والتأثير ليس إلا إضافة عدمية ثم ادعوا ذلك في اكمل الفاعلين فعلا وأحقهم بالوجود التام من سائر الموجودات وإلا فهم قد قرروا في العلم الكلى أن الفعل والانفعال أمران وجوديان وهما من الاعراض الموجودة وهما مقولة ان يفعل وأن ينفعل وأن يفعل هو الفعل وأن ينفعل هو القبول وأثبتوا في بعض الافعال الطبيعية انها امور وجودية وأن الفعل هناك وجودى ولكن نقضوا ما ذكروا هناك في العلم الالهي


217

وكان ما نفوه احق بالاثبات مما اثبتوه إذ كانوا معرضين عن الله ومعرفته وعبادته جاهلين بما يجب له ويستحقه يعبدون المخلوقات ويعظمونها ويعرفون من كمالها ما يتخذونها به آلهة إشراكا منهم بالله ويدعون رب العالمين لا يعرفونه ولا يعبدونه ولا يعرفون ما يستحقه من الكمال الذي به يجب ان يعبد بل الذي يعلم به انه لا يستحق العبادة إلا هو وهذا كله مبسوط في مواضعه

وأرسطو وأصحابه القدماء لم يثبتوا له فعلا ولا جعلوه مبدعا لبعدهم عن معرفته ولهذا كان في قولهم من الفساد ما يطول وصفه ولكن ابن سينا وأتباعه لما جعلوه مبدعا ظهر في كلامهم مثل هذا التناقض

والمقصود هنا الكلام على المنطق ومثلنا بهذا إلا ان هذا من اشرف المطالب الالهية التي يختصون هم بأثباتها والمقصود ان نبين انه لا فرق بين القياس الشمولي والتمثيلي إذا اعطى كل منهما حقه

ما أمكن إثباته ب قياس الشمول كان إثباته ب التمثيل أظهر

ثم إذا قدر ان ما ذكروه يدلهم على ان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بهذا الطريق أثبت ذلك ب قياس التمثيل وكان أحسن مثل أن يقال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فالاول لا يصدر عنه إلا واحد لان الواحد بسيط والبسيط لا يصدر عنه إلا بسيط كما ان الحار لا يصدر عنه إلا الحرارة والبارد لا يصدر عنه إلا البرودة وأمثال ذلك مما يذكر في الطبيعيات

ومن هنا قالوا في الالهيات الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لكن إذا أرادوا ان يثبتوا ذلك في الالهيات ب قياس شمولي وقدر صحته امكن جعله قياسا تمثيلا وإن قدر انهم عجزوا إما مطلقا وإما في رب العالمين لكون الوحدة التي وصفوه بها تعطيلا له في الحقيقة ونفيا لوجوده وعجزوا عنه ولم يكن معهم إلا هذا القياس التمثيلي وإذا اثبتوه ب القياس التمثيلي واثبتوا فيه ان الحكم تعلق بالقدر المشترك فقد افاد هذا ما أفاده قياس الشمول وزيادة


218

مثل ان يقولوا ان الواحد في مورد الاجماع إنما لم يصدر عنه إلا واحد لانه بسيط فلو صدر عنه اثنان لكان مركبا فالنار البسيطة لا تصدر عنها إلا الحرارة ومتى قدر صدور الحر والبرد جميعا لزم ان تكون مركبة فهذا إن مشى لهم في قياس التمثيل مشى لهم في قياس الشمول وإن بطل هناك كان هناك أبطل

وأما إثباته ب قياس الشمول دون التمثيل فممتنع فلا يمكن احدا ان يثبت قضية كلية ب قياس شمول إلا وإثباتها ب التمثيل أيسر وأظهر وإن عجزعن إثباتها ب التمثيل فعجزه عن إثباتها ب الشمول اقوى وأشد

فانهم إذا قالوا الحار لا يصدر عنه إلا الحار لانه واحد والواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه قد يقال لهم ما تعنون ب الصدور أتعنون به استقلاله بصدور الاثر عنه أو ان يكون سببا في صدور الاثر بحيث إذ انضم الى غيره حصل المؤثر التام

ليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده

فان أردتم الاول لم نسلم لكم أن في الوجود ما هو مؤثر تام ولا شئ مستقل بالفعل غير الله تعالى والحار الذي اثر حرارة والبارد الذي أثر برودة إنما اثر في محل قابل للتسخين والتبريد فكانت الحرارة الحاصلة في القابل بسببه وبسبب الحار معا وأيضا فذلك مشروط بانتفاء العائق المانع وإلا فلو حصل ما يمنع وصول الاثر اليه لم يحصل وكذلك الشعاع إذا قيل الشمس مستقله به لم يسلم ذلك فانه مشروط بالجسم الذي ينعكس الشعاع عليه ومشروط بعدم المانع كالسحاب والسقف

وعلى هذا فليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده قال تعالى ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون الذاريات قال مجاهد وغيره تذكرون فتعلمون ان خالق الارواح واحد

قال تعالى أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم


219

الانعام فنفى التولد عنه لامتناع التولد من شئ واحد وأن التولد إنما يكون بين اثنين وهو سبحانه لا صاحبة له وأيضا فانه خلق كل شئ وخلقه لكل شئ يناقض ان يتولد عنه شئ وهو بكل شئ عليم وعلمه بكل شئ يستلزم ان يكون فاعلا بارادته فان الشعور فارق بين الفاعل بالارادة والفاعل بالطبع فيمتنع مع كونه عالما ان يكون كالامور الطبيعية التي يتولد عنها الاشياء بلا شعور كالحار والبارد فلا يجوز إضافة الولد اليه بوجه سبحانه قال تعالى وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم الانعام

والذين قالوا إن العقول والنفوس صدرت عنه خرقوا له بنين وبنات بغير علم فان اولئك لم يكونوا يجعلون شيئا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه وهؤلاء يجعلون احد البنين وهو العقل أبدع كل ما سواه ويجعلون العقل كالذكر والنفس كالانثى وهذا مما صرحوا به وكانت العرب تقر بأنه خلق السموات والارض وأحدثهما بعد أن لم تكونا ولم يكونوا يقولون إنها قديمة أزلية معه لم تزل معه وهذا مبسوط في موضع آخر

والمقصود هنا أنهم لم يعلموا في الوجود شيئا واحدا صدر عنه وحده شئ عل سبيل الاستقلال فصار قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد باطلا في قياس الشمول وباطلا في قياس التمثيل لكن الغرض انه لو أثبت هذا وأمثاله ب قياس الشمول لكان إثباته ب قياس التمثيل أولى

وأيضا فهذا الحار الذي يفعل الحرارة والبارد الذي يفعل برودة إنما يفعل ذلك مع عدم العلم والارادة بخلاف ما يفعل بعلم واختيار كالانسان فان هذا


220

يفعل افعالا متنوعة وتصدر عنه أمور مختلفة وهم يسلمون ذلك ويقولون إن الفاعل بالطبع يتحد فعله والفاعل الاختيار يتنوع فعله وإذا كان كذلك فمعلوم أن ما يفعل بالعلم والارادة أكمل مما يفعل بلا علم ولا إرادة فالانسان أكمل من الجماد وحينئذ فان كان باب القياس صحيحا فقياس الرب بما يفعل بعلم واختيار اولى من قياسه بما يفعل بلا علم ولا اختيار فما بالهم شبهوا رب العالمين بالجمادات ونزهوه ان يشبهوه بالاحياء الناطقين

وهذا الخذلان أصابهم في باب صفاته وأفعاله فهم في باب الصفات يقولون إذا قلنا إنه حي عالم قادر مريد فقد شبهناه ب النفس الفلكية او الانسانية فيقال لهم إذا نفيم عنه العلم والحيوة والقدرة والارادة فقد شبهتموه بالجمادات كالتراب والماء فان كنتم إنما هربتم من التشبيه فالذي اليه شر مما هربتم منه

ثم إنكم تزعمون ان الفلسفة هي التشبة بالاله على قدر الطاقة وان الفلك يتشبه به بحسب الامكان فتجعلون مخلوقاته قادرة على التشبه به من بعض الوجوه فان كان التشبه به منفيا عنه من كل وجه امتنع ان يكون مقدورا للمخلوقات وإن جاز أو وجب إثباته من بعض الوجوه كان هو أقدر عليه من مخلوقاته فكان إذا كان التشبه من بعض الوجوه ممكنا أن يخلق ما فيه من صفات الكمال ما يشبهه من بعض الوجوه اولى من أن يقدر ذلك لمخلوق على ان يحدث لنفسه ما يصير به مشابها له من بعض الوجوه سواء قيل إنه خالق افعال المخلوقات او لم يقل بذلك فانه على الاول يكون هو الخالق لما فيه شبه له وحينئذ فيبطل قولهم وعلى الثاني فيكون المخلوق بدون إعانة الخالق له يقدر على ان يحدث ما يشبه الرب والرب لا يقدر على ذلك

فتبين ان قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لا يصح استدلالهم به في حق الله تعالى بأي قياس استدلوا


221

وإن قالو إن الواحد من الوجه الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وان صدر منه اثنان فمن وجهين أو قالوا هذا معلوم بالضرورة فلا يحتاج الى دليل فانه لا بد بين المصدر والصادر من مناسبة والوجه الواحد لا يناسب اثنين قيل لهم هذا يبطل قولكم في نفي الصفات فان الرب قد صدر عنه مخلوقات كثيرة واذا كان الواحد لا يصدر عنه من الوجه الواحد إلا واحد امتنع ان تصدر هذه المخلوقات عن خالقها من وجه واحد فدل ذلك على انه متصف بامور متنوعه من صفات متنوعه وأفعال متنوعه صدر عنه باعتبارها ما وجد من المخلوقات فكان اصل ضلالهم توهمهم إمكان صدور المخلوقات عما قدروه من الواحد الذي لا يوجد إلا في الاذهان لا في الاعيان ولقد احسن بعض الفضلاء إذ قال الصفع احسن من توحيد الفلاسفة بل قصر فيما قال

وإذا قالوا هو واحد ليس له صفات وأفعال تقوم به فلو صدر عنه اكثر من واحد لكان قد صدر عن الواحد من الوجه الواحد اكثر من واحد قيل لهم فذلك الاول ان كان واحدا من كل وجه لزم ان لا يصدر عنه الا واحد من كل وجه وهذا خلاف المشاهدة وان كان فيه كثرة بوجه ما فقد صدر عن الواحد من الوجه الواحد اكثر من واحد وان قالوا تلك الوجوه التي في الصادر الاول امور عدمية قيل فقد صدر عنه باعتبارها كثرة واذا جاز هذا جاز ان تجعل الامور الاضافية الكثيرة في الاول مبدا الكثرة فكيفما ادير قولهم تبين انه افسد من قول النصارى في التثليث

وحقيقة قولهم الذي قرره ابن سينا وامثاله انه أي موجود فرض في الوجود كان اكمل من رب العالمين وذلك انه قرر انه وجود مشروط بسلب جميع الامور الثبوتية عنه وهو معنى قولهم هو الوجود المقيد بسلب جميع الماهيات وقولهم الوجود الذي لا يعرض له شيء من الماهيات فان هذا بناه على قوله ان وجود الماهيات عارض لها بناء على ان في الخارج لكل ممكن وجودا وماهية غير


222

الوجود وان ذلك الوجود عرض لتلك الماهية وان كان لازما لها ولهذا قالوا ان واجب الوجود وجوده لا يعرض لشيء من الماهيات لئلا يلزم التركيب والتعليل فيكون وجودا مقيدا بأن لا يعرض لشيء من الماهيات فلا يجوز ان يكون له حقيقة في نفسه غير الوجود المحض الذي لا يتقيد بأمر ثبوتي

فيقال له فعلى هذا التقدير قد شارك جميع الموجودات في مسمى الوجود وامتاز عنها بقيد عدمي وهو سلب كل ثبوت وامتاز به كل منها عنه بما يخصه من الحقيقة الموجودة ومعلوم ان الوجود اكمل من العدم وهم يسلمون ذلك فاذا اشترك اثنان في الوجود وامتاز احدهما عن الاخر بأمر وجودي والاخر لم يميز الا بأمر عدمي كان الممتاز بأمر وجودي اكمل من الممتاز بأمر عدمي لانه شارك هذا في الوجود المشترك وامتاز عنه بالوجود المختص وذلك لم يمتز عنه الا بعدم كل وجود خاص وسواء جعل الوجود المشترك جنسا او عرضا عاما وجعل المميز بينهما فصلا او خاصة فعلى كل تقدير يلزم ان يكون ما لم يتميز الا بعدم دون ما تميز بوجود

وهم يقولون انما فررنا الى هذا من التركيب فيقال ان كان التركيب نقصا لكان ما فررتم اليه شرا مما فررتم منه فان الذي فررتم اليه يوجب ان لا يكون له وجود في الخارج لان الموجود الذي لا يختص بأمر ثبوتي لا يوجد الا في الاذهان لا في الاعيان واذا قدر ثبوته في الخارج فكل موجود ممكن اكمل منه فيلزم ان يكون كل مخلوق ولو انه ذرة او بعوضة اكمل من رب العالمين رب الارض والسموات والقول المستلزم هذا في غاية الفساد

فالحمد لله الذي هدانا لمعرفة الحق وبيان ما التبس على هؤلاء الذين يدعون انهم اكمل الناس وهم اجهل الناس برب العالمين

والله تعالى اخبر عن المشركين ما ذكره في سورة الشعراء من قوله وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين


223

فهذا حال من سوى المخلوقات برب العالمين فكيف حال من فضل كل مخلوق على رب العالمين

واذا قيل هم لم يفهموا ولم يقصدوه قيل ونحن لم نقل انهم تعمدوا مثل هذا الباطل لكن هذا لازم قولهم وهو دليل على غاية فساده وغاية جهلهم بالله تعالى وانهم اضل من اليهود والنصارى ومشركي العرب وامثالهم من المشركين الذين يعظمون الخالق أكثر من تعظيم هؤلاء المعطلين

فان كنت لا تدري فتلك مصيبة
وان كنت تدري فالمصيبة اعظم

كون لفظ التركيب مجملا يطلق على معان

وما فروا منه من التركيب قد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع وبينا ان لفظ التركيب مجمل يراد به تركيب الجسم من اجزاء كانت متفرقة فاجتمعت كتركيب السكنجبين وغيره من الادوية بل ومن الاطعمة والاشربة والملابس والمساكن من اجزائها التي كانت متفرقة فألف بينها وركب بعضها مع بعض حتى صارت على الحال المركبة

وقد يراد ب المركب ما لا يمتزج فيه احد الاثنين بالاخر كما يقال ركب الباب في موضعه وركب المسمار في الباب وهذا التركيب اخص من الاول وهو المشهور من الكلام وقد قال تعالى في أي صورة ما شاء ركبك الانفطار ومعلوم ان عاقلا لا يقول ان الله تعالى مركب بهذا المعنى الاول ولا بالثاني

وقد يقال المركب على ما يمكن مفارقة بعض اجزائه لبعض كأخلاط الانسان واعضائه فانها وان لم يعقل انها كانت مفترقة فاجتمعت بل خلقه الله


224

من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولكن يمكن تفريق بعض اعضائه عن بعض ويعقل ايضا انه اذا مات استحال فصار بعضه ترابا وبعضه هواء فتفرقت اعضائه واخلاطه وكذلك سائر الحيوان والنبات ومعلوم ان عاقلا لا يقول ان هذا مركب بهذا الاعتبار

واما تسمية الواحد الموصوف بصفاته مركبا كتسمية الحي العالم القادر الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركبا فهذا اصطلاح لهم لا يعرف شيء من الشرائع ولا اللغات ولا عقول جماهير العقلاء جعلوا هذا تركيبا وان تسميته مركبا

فاذا قالوا نحن نسميه تركيبا لان فيه اثبات معان متعددة لذات واحدة ونحن نسمي ذلك تركيبا ونقيم الدليل العقلي على امتناعه قيل اذا كان الا كذلك فالنظر في المعاني المعقولة لا في الالفاظ السمعية ونحن لا نوافقكم على جعل الانسان مركبا من الحيوانية والناطقية ولا ان في الوجود شيئا مركبا من اجزاء عقلية بل المركب من الاجزاء العقلية انما يكون في الاذهان لا الاعيان وكل ما في الوجود من المركبات فانما هو مركب من اجزاء حسية موجودة في الخارج

والناس قد تنازعوا في الجسم هل هو مركب من اجزاء حسية وهو الجواهر المفردة او من اجزاء عقلية وهي المادة والصورة او لا من هذا ولا من هذا على ثلاثة اقوال والصحيح عندنا القول الثالث ثم يليه قول من جعله مركبا من الاجزاء الحسية وافسد الثلاثة قول من جعله مركبا من الاجزاء العقلية كما قد بسط في موضعه

وحينئذ فمن قال ان الباري جسم وان الجسم مركب من الاجزاء الحسية او العقلية كان الاستدلال على بطلان هذا التركيب استدلالا مقبولا ممن يقوله


225

فان مطلوبه صحيح لكن يبقى النظر هل يحسن هذا المستدل الإستدلال عليه او لا يحسنه

واما من قال انه ليس ب مركب لا هذا التركيب ولا هذا التركيب وانما اسميه جسما او جوهرا لان الجسم و الجوهر عندي اسم لكل موجود قائم بنفسه فهذا النزاع معه في اسم الجسم والجوهر نزاع لفظي لا عقلي ولا شرعي فان الشرع لم ينطق بهذا الاسم لا نفيا ولا اثباتا والعقل انما ينظر في المعاني لا في مجرد اللفظ فالنظر مع هذا اما في اثبات كون الجسم مركبا احد التركيبين وهذا بحث عقلي معروف واما في كون لفظ الجسم في اللغة لكل مركب وهذا مركب وهذا بحث لغوي له موضع اخر

وهؤلاء ليس مقصودهم بنفي التركيب هذا المعنى فقط فان هذا يوافقهم عليه كثير من مثبتة الصفات لكن مقصودهم انه لا يتصف بصفة ثبوتية اصلا واخذوا لفظ التركيب الذي وافقتهم بعض اهل الكلام على نفي معناه وتوسعوا فيه حتى جعلوه اعم مما وافقهم عليه اولئك المتكلمون ونفوه وصاروا كالجهمية المحضة التي تنفي الاسماء والصفات او تثبتها على وجه المجاز

دليل نفاة الصفات والرد عليه

والمقصود هنا ان نقول قولهم الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركب من هذا وهذا يقال لهم سموا هذا تركيبا او تجسيما او ما شئتم من الاسماء فما الدليل على نفي هذا عقلا او سمعا قالوا الدليل على ذلك ان كل مركب مفتقر الى اجزائه وجزؤه غيره ف المركب مفتقر الى غيره والمفتقر الى غيره ليس واجبا بنفسه

فيقال اجزاء هذا الدليل والفاظه التي تسمونها حدودا كلها الفاظ مجملة تحتمل حقا وباطلا واستعمال الالفاظ المجملة في الحدود والقياس من باب السفسطة

فيقال لكم قد عرف ان لفظ المركب مجمل وان المراد به هنا ذات تقوم بها صفات وحينئذ فالمراد ب الافتقار تلازم الذات والصفات بمعنى


226

انه لا توجد الذات الا مع وجود صفتها الملازمة لها ولا توجد الصفة الا مع وجود الذات الملازمة لها ولو قدر انه اريد ب التركيب التركيب من الاجزاء الحسية او العقلية مع تلازم الاجزاء فهذا معناه

فاذا قيل كل مركب مفتقر الى جزئه ان عني به انه مستلزم لجزئه وانه لا يوجد الا بوجود جزئه فهذا صحيح فان وجود المجموع بدون كل من احاده ممتنع وان اريد انه يفتقر اليه افقار المفعول الى فاعله والمعلول الى علته الفاعلة او القابلة او الغائية او الصورية فهذا باطل فان الواحد من العشرة والجزء من الجملة لا يجوز ان يكون فاعلا ولا غاية ولا هي هو الصورة

ثم قولكم وجزؤه غيره يقال لفظ الغير يراد به ما كان مباينا للشيء وما يجوز مفارقته له وما ليس اياه فان اردتم ان جزء المجموع ما هو مباين له فهذا باطل فانه يمتنع ان يكون مباينا له مع كونه جزءا منه فيمتنع ان يكون غيرا له بهذا الاعتبار وان قلتم يجوز ان يفارقه فهذا ليس عام على الاطلاق بل يجوز في بعض الافراد ان يفارق غيره من الاجزاء ويفارق المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية ولا يلزم ذلك في كل مجموع لا سيما على اصلهم فان الفلك عندهم مركب من اجزائه وصفاته ولا يجوز عندهم على اجزائه التفرق

والمسلمون وجمهور العقلاء عندهم ان الله حي عليم قدير ولا يجوز ان يفارقه كونه حيا عالما قادرا بل لم يزل ولا يزال كذلك وكونه حيا عالما قادرا من لوازم ذاته وهي ملازمة لذاته لا يجوز عليه الافتراق بوجه من الوجوه فامتنع ان تكون صفاته هذه اغيارا بهذا الاعتبار

وان فسر الغيران بما ليس احدهما هو الاخر او بما يجوز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالاخر فلا ريب ان صفة الموصوف التي يمكن معرفتها


227

بدونه غير له بهذا الاعتبار لكن اذا كانت تلك الصفة لازمة له وهو لازم لها لم يكن في ذلك ما يوجب ان يكون احدهما مفتقرا الى الاخر مفعولا للاخر ولا علة فاعلة ولا غائية ولا صورية اكثر ما في ذلك ان تكون الصفة مفتقرة الى الذات افتقار الحال الى محله القابل له وهم يسمون القابل علة قابلة لكن فيما يحدث لها من المقبولات لا فيما يكون لازما لها ازلا وابدا وان قدر انهم يسمون جميع ذلك علة ومعلولا فتكون الذات علة قابلة للصفة بهذا الاعتبار وكون الصفة معلولة هو معنى كونها صفة قائمة بالموصوف

مجموع الذات والصفة لا يفتقر الى العلل الاربع

ومع هذا فليس مجموع الذات والصفة مفتقرا الى شيء من انواع العلل الاربع لا الى الفاعل ولا الى الغاية ولا الى القابل ولا الى الصورة فبطل ان يقال المجموع مفتقر الى جزئه افتقار المعلول الى علته بوجه من الوجوه لكن غايته ان فيه افتقار الصفة الى الموصوف افتقار الحال اللازم لمحله الى محله المستلزم له فيقال لهم واي شيء في كونه موجودا بنفسه لا فاعل له ما يوجب نفي هذا التلازم الذي سموه افتقار نحو ذاته وصفاته

وقولهم ما افتقر الى غيره لم يكن واجبا بنفسه يقال لهم قد علم ان المراد ب الافتقار التلازم والمراد ب الغير ما هو داخل في المجموع اما الذات واما الصفات ليس المراد به ما هو مباين له وما يجوز مفارقته له وغايته ان يراد ان الصفة لا بد لها من الموصوف فليس المراد افتقار المعلول الى علته الفاعلة وحينئذ فليس في هذا التلازم الذي سميتموه افتقارا ولا في هذه الصفات التي سميتموها اغيارا ما يوجب ان يكون شيء من ذلك مفعولا لفاعل ولا لعلة فاعلة

و واجب الوجود الذي دلت الممكنات عليه هو الموجود بنفسه القائم بنفسه رب العالمين الذي لا يفتقر الى فاعل ولا علة فاعلة بل هو بنفسه وصفاته


228

لا يفتقر الى شيء من العلل الاربع

كون صفاته تعالى واجبة الوجود

واما نفس صفاته فليس لها فاعل ولا علة فاعلة ولا علة غائية ولا صورية فهي واجبة الوجود اذا عنى ب واجب الوجود احد هذه المعاني

وان عنى ب واجب الوجود ما هو اعم من ذلك حتى يدخل فيه ما ليس له محل يقوم به فليست واجبة الوجود بهذا التفسير بل هي ممكنة الوجود والذات مستلزمة لها وهي محل لها

واذا قيل فيلزم ان يكون الذات فاعلة وقابلة وذاك باطل قيل كلا المقدمتين ممنوعة فان كون الذات مستلزمة لصفتها القائمة بها لا يقتضى ان تكون فاعلة لها بل يمتنع ان تكون الذات فاعلة للصفة اللازمة في الممكن فكيف في رب العالمين بل يمتنع ان يكون الرب فاعلا لما هو لازم له وان كان بائنا عنه كالفلك فكيف يكون فاعلا لصفته اللازمة له وان قدر انهم سموا هذا الاستلزام فعلا وقالوا هي فاعلة بهذا الاعتبار قيل لهم فلا نسلم انه لا يجوز كون الشيء الواحد فاعلا وقابلا بهذا الاعتبار بل ولا باعتبار اخر

فان استدلوا على ذلك بحجتهم المعروفة المبينة على نفي التركيب فلا يمكنهم جعل ذلك مقدمة في نفس الدليل لان هذا مصادرة على المطلوب وهو جعل المطلوب مقدمة في اثبات نفسه بعبارة اخرى فانهم اذا نفوا التركيب عن الواجب بناء على مقدمات منها ان الواحد لا يكون فاعلا وقابلا واثبتوا هذه المقدمة بناء على نفي التركيب كانوا قد اثبتوا كلا من المقدمتين بالاخرى فلا تكون واحدة منهما ثابتة

والدليل الدال على اثبات واجب الوجود دل على اثبات فاعل مبدع ل الممكنات والمبدع لها يمتنع ان يكون صفة قائمة بغيره فان ذلك الموصوف هو الفاعل حينئذ دون مجرد الصفة وهذا الواجب الذي دلت عليه اياته ليس


229

يفتقر الى علة من العلل الاربع مع اتصافه بصفاته اللازمة له

اذا جاز استلزام الذات للمفعولات فاستلزامها للصفات اولى

ومن اعظم تناقض هؤلاء انهم يقولون الذات اذا استلزمت الصفات كان ذلك افتقارا منها الى الغير فلا تكون واجبة وهم يقولون ان الذات مستلزمة لمفعولاتها المنفصلة عنها ولا يجعلون ذلك منافيا لوجوب وجودها بنفسها فان كان الاستلزام للمفعولات لا ينافي وجوب الوجود فالاستلزام للصفات اولى ان لا ينافيه

وان كان ذلك الاستلزام ينافي وجوب الوجود كان حينئذ قد عرض له ان يفعل بعد ان لم يكن فاعلا وهذا ممتنع عندهم وهذا اظهر المعقولات التي قهروا بها المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الاشعرية والكلابية واتباعهم ولم يميز الطائفتان بين فاعل النوع وفاعل العين

ثم إذا جاز ان يفعل ف الفعل ثبوتي فيلزم قيامه به ودعوى ان المفعول عين الفعل مكابرة للعقل واذا جاز قيام الفعل به كان قيام الصفات بطريق الاولى

فساد القول بأن المفعول عين الفعل

والذين جعلوا المفعول عين الفعل من اهل الكلام كالاشعرية ومن وافقهم من حنبلي وشافعي ومالكي وغيرهم انما الجاهم الى ذلك فرارهم من قيام الحوادث بالقديم وتسلسل الحوادث وهذان كل منهما غير ممتنع عند هؤلاء الفلاسفة مع ان اولئك المتكلمين النفاة حجتهم على النفي ضعيفة

وجماهير المسلمين وطوائفهم على خلاف ذلك والقول بأن الخلق غير المخلوق هو مذهب السلف قاطبة وذكر البخاري في كتاب خلق افعال العباد


230

انه قول العلماء مطلقا بلا نزاع وهو قول ائمة الحديث وجمهورهم وقول اكثر طوائف الكلام كالهشامية والكلابية والكرامية وقول جمهور الفقهاء من اصحاب ابي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وقول الصوفية كما حكاه عنهم صاحب التعرف لمذهب التصوف وهو قول اهل السنة فيما حكاه البغوي صاحب شرح السنة

وحجة هؤلاء انه لو كان الخلق غير المخلوق لكان اما قديما واما حادثا فان كان قديما لزم قدم المخلوق فيلزم قدم العالم وان كان حادثا فانه يفتقر الى خلق اخر ويلزم التسلسل ويلزم ايضا كون الرب محلا للحوادث

فيقال لهم جميع هذه المقدمات مما ينازعكم الناس فيها ولا تقدرون على اثبات واحدة منها فقولكم لو كان قديما لزم قدم المخلوق يقول لكم من توافقونه على قدم الارادة نحن وانتم متفقون على قدم الارادة وان تأخر المراد فتأخر المخلوق عن الخلق كذلك او اولى وهذا جواب الحنفية والكرامية


231

وكثير من الحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية واهل الحديث لهم

واما قولهم ان كان محدثا افتقر الى خلق اخر فهذا ايضا ممنوع فانهم يسلمون ان المخلوقات محدثة منفصلة بدون حدوث خلق فاذا جاز هذا في الحادث المنفصل عن المحدث فلان يجوز حدوث الحادث المتصل به بدون خلق بطريق الاولى والاخرى

ولهذا كان كثير من هؤلاء او اكثرهم هم يقولون ان الخلق الذي قام به حادث لا محدث ويقولون ما قام به من الفعل حدث بنفس القدرة والارادة لا يفتقر الى خلق وانما يفتقر الى الخلق المخلوق والمخلوق ما كان منفصلا عنه وكثير منهم يسمونه محدثا ويقولون هو محدث ليس ب مخلوق فان المخلوق ما خلقه بائنا عنه واما نفس فعله وكلامه ورضاه وغضبه وفرحه الذي يقوم بذاته ب قدرته فانه وان كان حادثا ومحدثا فليس ب مخلوق وليس كل حادث ولا محدث مخلوقا عند هؤلاء

فان قيل النزاع في ذلك لفظي قيل هذا لا يضرهم فان من سمى ذلك القائم به مخلوقا قالوا له غايته ان المخلوق الذي هو نفس الخلق لا يفتقر الى خلق اخر ولا يلزم من ذلك ان المخلوق الذي ليس ب خلق لا يفتقر الى الخلق فان من المعقول ان المخلوق لا بد له من خلق واما الخلق نفسه اذا جوز وجود مخلوق بلا خلق فتجويز خلق بلا خلق اولى والمنازع لهم يجوز وجود كل مخلوق بلا خلق فاذا جوزوا هم نوعا منه بلا خلق كان ذلك اولى بالجواز والفرق بين نفس الخلق الذي به خلق المخلوق وبين المخلوق معقول

البحث في قيام الحوادث به تعالى

وكذلك احتجاجهم بامتناع حلول الحوادث لا ينفع الفلاسفة فان هذا انما نفوه لامتناع قيام الحادث بالقديم وهؤلاء الفلاسفة يجوزون قيام الحادث


232

بالقديم ومن جوز قيام الصفات بالباري منهم جوز قيام الحوادث به مثل كثير من اساطينهم القدماء والمتأخرين كأبي البركات وغيره فهذان قولان معروفان لهم اما القول الثالث وهو تجويز الصفات دون الافعال فهذا لا اعرف به قائلا منهم فان كان قد قاله بعضهم فالكلام معه كالكلام مع من قال ذلك من اهل الكلام

وعلى هذا فلا يلزم التسلسل وان لزم فانما هو تسلسل في الاثار وهو وجود كلام بعد كلام او فعل بعد فعل والنزاع في هذا مشهور وانما يعرف نفيه عن الجهمية والقدرية ومن وافقهم من كلابي وكرامي ومن وافقهم من المتفقه واما ائمة السلف وائمة السنة فلا يمنعون هذا بل يجوزونه بل يوجبونه ويقولون ان الله لم يزل متكلما اذا شاء بل يقولون انه لم يزل فاعلا يقوم به الافعال الاختيارية بمشيئته وقدرته وهذا كله مبسوط في مواضعه

والمقصود هنا انه يلزم من كونه فاعلا قيام الصفات به فان الفعل امر وجودى وان يفعل من اقسام الوجود ووجود المخلوق المفعول بلا خلق ولا فعل ممتنع واذا قام الخلق به ف العلم والقدرة لازمة الخلق وقيامهما به اولى

وانهم ان قالوا يستلزم المفعول ولا يستلزم الصفة لكون الملزوم مفتقرا الى اللازم فهذا من اعظم التناقض وان قالوا انه لا يستلزمه كان ذلك ادل على بطلان قولهم في الصفات والافعال وكان الدليل يدل على قيام الافعال به والصفات وقيام الصفات به اولى من قيام الافعال فبطل ما نفوا به الصفات وسموه تركيبا

والواحد الذي قالوا انه لا يصدر عنه الا واحد هو الواحد المسلوب عنه الصفات كلها بل هو الوجود المقيد بكل سلب وهذا لا حقيقة له الا في الذهن واي موجود مخلوق قدر فهو اكمل من هذا الخيال الذي لا حقيقة له في الخارج


233

والتعظيم له انما نشأ من اعتقاد انه رب العالمين وانه واجب الوجود ونحو ذلك من الصفات التي تظهر كمالها واما من هذه الجهة النافية السلبية فما من وجود الا وهو اكمل منه واذا كانوا قد جمعوا بين وصفه بذلك الكمال وهذا النقصان الذي يكون كل موجود اكمل منه دل على تناقضهم وفساد قولهم وكان ما قالوه من الحق حقا وما قالوه من الباطل باطلا وهذه المسائل الالهية مبسوطة في موضعها

رد القول بأن قياس التمثيل لا يفيد الا الظن

والمقصود هنا الكلام على المنطق وما ذكروه من البرهان وانهم يعظمون قياس الشمول ويستخفون ب قياس التمثيل ويزعمون انه انما يفيد الظن وان العلم لا يحصل الا بذلك وليس الامر كذلك بل هما في الحقيقة من جنس واحد وقياس التمثيل الصحيح اولى بافادة المطلوب علما كان او ظنا من مجرد قياس الشمول ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون ب قياس التمثيل اكثر مما يستدلون ب قياس الشمول بل لا يصح قياس الشمول في الامر العام الا بتوسط قياس التمثيل وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فانه يحتج به على صحة قياس التمثيل في تلك الصورة ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه الا واحد فانه من اشهر اقوالهم الالهية الفاسدة

واما الاقوال الصحيحة فهذا ايضا ظاهر فيها فان قياس الشمولي لا بد فيه من قضية كلية موجبة ولا نتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم والكلي لا يكون كليا الا في الذهن فاذا عرف تحقق بعض افراده في الخارج كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليا موجبا فانه اذا احس الانسان ببعض الافراد الخارجية انتزع منه وصفا كليا لا سيما اذا كثرت افراده فالعلم بثبوت الوصف المشترك لاصل في الخارج هو اصل العلم بالقضية الكلية وحينئذ ف القياس التمثيلي اصل


234

ل القياس الشمولي اما ان يكون سببا في حصوله واما ان يقال لا يوجد بدونه فكيف يكون وحده اقوى منه

وهؤلاء يمثلون الكليات بمثل قول القائل الكل اعظم من الجزء و النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان والاشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلي من هذه الكليات الا وقد علم من افراده الخارجة امور كثيرة واذا اريد تحقق هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل بفرد من افرادها وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره او ثبوت الجامع وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي وهذا حقيقة قياس التمثيل

ولو قدرنا ان قياس الشمول لا يفتقر الى التمثيل وان العلم بالقضايا الكلية لا يفتقر الى العلم بمعين اصلا فلا يمكن ان يقال اذا علم الكلي مع العلم بثبوت بعض افراده في الخارج كان انقص من ان يعلمه بدون العلم بذالك المعين فان العلم بالمعين ما زاده الا كمالا فتبين ان ما نفوه من صورة القياس اكمل مما اثبتوه

ما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل هو من كلام متأخريهم

واعلم انهم في المنطق الالهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره ارسطو لكن ما زادوه في الالهي خير من كلام ارسطو فاني قد رايت الكلامين وارسطو واتباعه في الالهيات اجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير واما في الطبيعيات فغالب كلامه جيد واما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الالهي

وما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل والاحتجاج عليه بما ذكروه هو من كلام متأخريهم لما راوا استعمال الفقهاء له غالبا والفقهاء يستعملونه كثيرا في المواد الظنية وهناك الظن حصل من المادة لا من صورة القياس فو صوروا تلك المادة ب قياس الشمول لم يفد ايضا الا الظن لكن هؤلاء ظنوا ان الضعف من جهة الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينيا وصورة قياس الفقهاء ظنيا


235

ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا ان المتكلمين يحتجون علينا بالاقيسة الظنية كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن الفلك جسم او مؤلف فكان محدثا قياسا على الانسان وغيره من المولدات ثم اخذوا يضعفون هذا القياس لكن انما ضعفوه بضعف مادته فان هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الاشعرية وغيرهم على حدوث الاجسام ادلة ضعيفة لاجل مادتها لا لكون صورتها ظنية ولهذا لا فرق بين ان يصوروها بصورة التمثيل او الشمول

والآمدى ونحوه ممن يصنف في الفلسفة ويكره التمثيل بمثل هذا لما فيه من التشنيع على المتكلمين فيمثل بمثال متفق عليه كقوله العالم موجود فكان قديما كالباري فان احدا من العقلاء لا يحتج على قدم العالم بكونه موجودا والا لزم قدم كل موجود وهذا لا يقوله عاقل

ابطال القول بأن الدوران والتقسيم لا يفيدان الا الظن

وما ذكروه من ان قياس التمثيل انما يثبت ب الدوران او التقسيم وكلاهما لا يفيد الا الظن قول باطل ويلزمهم مثل ذلك في قياس الشمول

اما التقسيم فانهم يسلمون انه يفيد اليقين اذا كان حاصرا واذا كان كذلك فانه يمكن حصر المشترك في اقسام لا يزيد عليها وابطال التعليل بجميعها الا بواحد وان لم يمكن ذلك لم يمكن جعل ذلك المشترك حدا اوسط فلا يفيد اليقين ولو استعمل فيه قياس الشمول

جواب اعتراضهم على السبر والتقسيم بقولهم

واما قوله يجوز ان يكون الحكم ثابتا في الاصل لذات الاصل والا لزم التسلسل فنقول لا يلزم التسلسل الا اذا كان لا يثبت الا لخارج اما اذا كان تارة يثبت لخارج وتارة لغير خارج لم يلزم التسلسل وحينئذ فلا يمتنع ان


236

تعلم ان الحكم في هذا الاصل المعين لم يثبت لما يختص به بل لوصف مشترك بينه وبين غيره

فائدتان في تعليل الحكم ب علة قاصرة

وهذا كما يقول الفقهاء ان الحكم يعلل تارة ب علة متعدية وتارة ب علة قاصرة والتعليل ب القاصرة اذا كانت منصوصة جائز باتفاق الفقهاء وانما تنازعوا فيما اذا كانت مستنبطة والاكثرون على جواز ذلك وهو الصحيح وهو مذهب مالك والشافعي واحمد بن حنبل في المنصوص عنه فانه دائما يعلل ب العلل القاصرة وهو اختيار ابي الخطاب وغيره من اصحابه

ولكن القاضي ابو يعلى وطائفه وافقوا اصحاب ابي حنيفة في منعهم التعليل ب القاصرة وهذا من كلام متأخريهم وسبب ذلك النزاع في مسئلة تعليل الربو في المذهب والفضة وامثالهما هل العلة فيه متعدية او قاصرة واما ابو حنيفة نفسه وصاحباه لم ينقل عنهم في ذلك شيء والذي يليق بعقلهم وفضلهم انهم لا يمنعون ذلك مطلقا كما لا يمتنع في المنصوصة

وفي ذلك فائدتان قصر الحكم على مورد النص ومنع الالحاق لئلا يظن الظان ان الحكم يثبت فيما سوى مورد النص كما يعلل تحريم الميته بعلة تمنع دخول المذكي فيها ويعلل تحريم الدم بعلة تمنع دخول العرق والريق وغيرهما فيها ويعلل اختصاص الهدى والاضحية بالانعام بعلة تمنع دخول غيرها فيها ويعلل وجوب الحد في الخمر بعلة تمنع دخول الدم والميتة فيها وامثال ذلك كثيرة بل من يقول ان جميع


237

الاحكام يثبت بالنص يقول انها معللة ب علل قاصرة لكن انما يعلل ب العلة المتعدية نص يتناول بعض انواع الحكم فيعلل ذلك الحكم بعلة تتعدى الى سائر النوع الذي دل على ثبوت الحكم فيه نص اخر

والفائدة الثانية معرفة حكم الشرع وما اشتمل عليه من مصالح العباد في المعاش والمعاد فان ذلك مما يزيد به الايمان والعلم ويكون اعون على التصديق والطاعة واقطع لشبه اهل الالحاد والشناعة وانصر لقول من يقول ان الشرع جميعه انما شرع لحكمة ورحمة لم يشرع لا لحكمة ورحمة بل لمجرد قهر التعبد ومحض المشيئة

واذا كانت الاوصاف في الاصل قد تكون مختصة بذات الاصل وقد تكون مشتركة بينه وبين غيره خارجة عنه لم يلزم اذا كان هذا الاصل ثبت الحكم فيه لخارج مشترك ان يكون الحكم في كل اصل لخارج مشترك

جواب قولهم

قوله وان ثبت لخارج فمن الجائز ان يكون لغير ما ابدى وان لم يطلع عليه مع البحث عنه بخلاف الحسيات فيقال اما ان يكون التقسيم في العقليات قد يفيد اليقين واما ان لا يفيده بحال فان كان الاول بطل جعلهم الشرطى المنفصل من صور القياس والبرهان وان كان الثاني بطل كلامهم هذا ومعلوم ان هذا احق بالبطلان من ذاك فان القائل اذا قال الوجود اما ان يكون واجبا واما ان يكون ممكنا واما ان يكون قديما واما ان يكون حادثا واما ان يكون قائما بنفسه واما ان يكون قائما بغيره واما ان يكون مخلوقا واما ان يكون خالقا ونحو ذلك من التقسيم الحاصر لجنس الوجود كان هذا حصرا


238

لكلي عقلي بل الوجود اعم الكليات واذا امكن العقل ان يحصر اقسامه فحصر اقسام بعض انواعه اولى وهم يسلمون هذا كله وهذا هو العلم الاعلى عندهم فكيف يقولون ان السبر والتقسيم لا يفيد اليقين

تمثيل التقسيم الحاصر في مسئلة الرؤية

ثم اذا اختلف الناس في ما يجوز رؤيته فقال بعضهم المصحح للرؤية امر لا يكون الا وجوديا محضا فما كان وجوده اكمل كان احق ان يرى وقال اخر بل المصحح لها ما يختص بالوجود الناقص الذي هو اولى بالعدم مثل كون كل الشيء محدثا مسبوقا بالعدم او ممكنا يقبل العدم كان قول من علل امكان الرؤية بما يشترك فيه القديم والحادث والواجب والممكن اولى من هذا فان الرؤية وجود محض وهي انما تتعلق بموجود لا بمعدوم فما كان اكمل وجودا بل كان وجوده واجبا فهو احق بها مما يلازمه العدم ولهذا يشترط فيها النور الذي هو بالوجود اولى من الظلمة والنور الاشد كالشمس لم يمتنع رؤيته لذاته بل لضعف الابصار فهذا يقتضى انا نعجز عن رؤية الله مع ضعف ابصارنا ولهذا لم يطق موسى رؤية الله في الدنيا لكن لا يمتنع ان تكون رؤيته ممكنه والله قادر على تقوية ابصارنا لنراه

واذا قيل هي مشروطة ب اللون و الجهة ونحو ذلك مما يمتنع على الله قيل له كل ما لا بد منه في الرؤية لا يمتنع في حق الله فاذا قال القائل لو رؤى للزم كذا واللازم منتف كانت احدى مقدمتيه كاذبة وهكذا كل ما اخبر به الصادق الذي اخبر بأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر كل ما اخبر به وظن الظان ان في العقل ما يناقضة لا بد ان يكون احدى مقدماته باطلة

فاذا قال لو رؤى لكان متحيزا او جسما او كان في جهة او كان ذا لون وذلك منتف عن الله قيل له جميع هذه الالفاظ مجملة لم يأت شرع بنفي


239

مسماها حتى تنفى بالشرع وإنما ينفيها من ينفيها فيستفسر عن مراده إذ البحث في المعاني المعقولة لا في مجرد هذه الالفاظ

فيقال ما تريد بأن المرئي لا بد أن يكون متحيزا فان المتحيز في لغة العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى أو متحيزا إلى فئة الانفال فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره الى موجودات تحيط به وسمى متحيزا لانه تحيز من هؤلاء الى هؤلاء والمتكلمون يريدون ب التحيز ما شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا فالعالم عندهم متحيز وليس في حيز وجودى والمكان عند أكثرهم وجودى

فاذا أريد ب المتحيز ما يكون في حيز وجودى منعت المقدمة الاولى وهو قوله كل مرئى متحيز فان سطح العالم يمكن أن يرى وليس في عالم آخر وإن قال بل أريد به لا بد أن يكون في حيز وإن كان عدميا قيل له العدم ليس بشئ فمن جعله في الحيز العدمى لم يجعله في شئ موجود ومعلوم انه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق فاذا كان الخالق بائنا عن المخلوقات كلها لم يكن في شئ موجود وإذا قيل هو في حيز معدوم كان حقيقته انه ليس في شئ فلم قلت إن هذا محال

وكذلك إذا قال يلزم ان يكون جسما ففيه إجمال التنبيه عليه

وكذلك إذا قال في جهة فان الجهة يراد بها شئ موجود وشئ معدوم فان شرط في المرئي ان يكون في جهة موجودة كان هذا باطلا برؤية سطح العالم وإن جعل العدم جهة قيل له إذا كان بائنا عن العالم ليس معه هناك غيره فليس في جهة وجودية وإذا سميت ما هنالك جهة وقلت هو في جهة على هذا التقدير منعت انتفاء اللازم وقيل لك العقل والسمع يدلان على ثبوت هذا اللازم لا


240

على انتفائه

وهذا التقسيم مثلنا به في مسئلة الرؤية فانها من أشكل المسائل العلقية وأبعدها من قبول التقسيم المنحصر ومع هذا فان حصر الاقسام فيها ممكن فكيف يغيرها

وحيئنذ فاذا احتج عليها ب قياس التمثيل فقيل المخلوقات الموجودة يمكن رؤيتها فالخالق احق بامكان الرؤية لان المصحح للرؤية في المخلوقات امر مشترك بين الخالق والمخلوق لا يختص بالمخلوق وإذا كان المشترك مستلزما لصحة الرؤية ثبتت صحة الرؤية

ولا يجعل المشترك المصحح هو مجرد الوجود كما يسلكه الاشعري ومن اتبعه كالقاضي أبى بكر وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي ابى يعلى بل يجعله القيام بالنفس كما يسلكه ابن كلاب وغيره من مثبتي الرؤية من اصحاب احمد وغيرهم كأبي الحسن الزاغونى أو لا يعين المصحح بل يجعل قدرا مشتركا


241

كالتقسيم الحاصر وهو أيضا يفيد اليقين كما قد بسط في موضعه

وإذا كانت مسئلة الرؤية والمصحح لها أمكن تقريره على هذا الوجه فكيف فيما هو أوضح منها إذا قيل الفاعل منا مريد وهو متصور لما يفعله فالخالق آولى أن يعلم ما خلق او قيل إذا كان الفعل الاختياري فينا مشروطا بالعلم فهو في حق الخالق أولى لأن ما به استلزمت الإرادة العلم إما أن يختص بالعبد أو يكون مشتركا والاول باطل فتعين الثاني لان استلزام الارادة العلم كمال للفاعل لا نقص فيه والواجب احق بالكمال الذي لا نقص فيه من الممكن المخلوق فاذا كان العبد يعلم ما يفعل فالباري آولى أن يعلم ما يفعل

وإذا قيل إذا كان الرب حيا امكن كونه سميعا بصيرا متكلما وما جاز له من الصفات وجب له لان ثبوت صفاته له لا تتوقف على غيره ولا يجعله غيره متصفا بصفات الكمال لان من جعل غيره كاملا فهو أحق بالكمال منه وغيره مخلوقه ويمتنع ان يكون مخلوقه اكمل منه بل ويمتنع ان يكون هو الذي اعطاه صفات الكمال لان ذلك يستلزم الدور القبلي او غير ذلك من الادلة التي بسطت في غير هذا الموضع

وهم في كلامهم في جنس القياس لم يتعرضوا لآحاد المسائل ونحن لا نحتاج الى ذلك لكن الغرض التمثيل لمسائل قد يشكل على كثير من الناس استعمال القياس فيها لأجل المادة فتبين أن لها مادة يمكن ان يستخرج منها أدلة تلك المطالب وتلك المادة تصور بصورة الشمول تارة وبصورة التمثيل أخرى لكن إذا صورت بصورة الشمول علم ان افرادها لا تتساوى وإذا صورت بصورة التمثيل علم أن الرب أحق بكل كمال لا نقص فيه ان يثبت له واحق بنفى كل نقص عنه من نفيه عن سائر الموجودات

جواب قولهم

وإن كان منحصرا فمن الجائز ان يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع


242

وأما قولهم إذا انحصرت الاقسام فمن الجائز ان يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع فيقال هذا ممكن في بعض الصور كالمسائل الظنية من الفقه او غيره إذا قيل خيار الامة المعتقة تحت العبد كقصة بريرة إما أن يكون ثبت لكونها كانت تحت ناقص وإما ان يكون لكونها ملكت نفسها أمكن أن يقال وإما أن يكون لمجموع الامرين

لكن تعليله بما يختص الاصل سواء كان هو المجموع او بعض منه إنما يمكن العلم بنفيه كما يمكن العلم بغيره من المنفيات كما إذا قيل الانسان إنما كان حساسا متحركا بالارادة لحيوانيته لا لانسانيته والحيوانية مشتركة بينه وبين الفرس وسائر الحيوان فيكون حساسا متحركا بالارادة فلا يمكن ان يدعى في مثل هذه ان المختص بالانسان هو علة كونه حساسا متحركا بالارادة بل العلة ليست إلا المشترك بينه وبين الحيوان

وكذلك إذا قيل القديم لا يجوز عدمه لان قدمه إما بنفسه أو بموجب يجب قدمه بنفسه وما كان قديما بنفسه كان موجودا بنفسه بالضرورة فان القدم أخص من الوجود فيلزم من ثبوته ثبوت الوجود فاذا قديما بنفسه فهو موجود بنفسه بالضرورة وما كان موجودا بنفسه فهو واجب بنفسه وإلا لافتقر الى فاعل فالقديم إما واجب بنفسه وإما لازم للواجب بنفسه وكلاهما ممتنع العدم لانه يستلزم عدم الواجب بنفسه ولو عدم لكان قابلا للعدم فلا يكون واجبا بنفسه ولهذا اتفق العقلاء على هذا وهو ان القديم إما موجود واجب بنفسه وإما لازم لما هو كذلك


243

فاذا قال القائل لو كانت الافلاك قديمة لامتنع عدمها لكن عدمها ممكن بالادلة الدالة عليه فلا تكون قديمة لم يجز ان يقال بل القديم لا يجوز عدمه لعلة مختصة بالقديم بنفسه دون ما كان معلولا لغيره فالافلاك وإن قيل هي قديمة فهى ممكنة العدم فان هذا باطل لما ذكرناه من ان المشترك بين الواجب بنفسه والواجب بغيره هو مستلزم لقدم المشترك بين القديم الموجود بنفسه والقديم الموجود بغيره فمن ادعى قديما موجودا بغيره وقال إنه مع هذا يمكن عدمه فقوله متناقض كما بسط في موضعه ولهذا لم يقل احد من العقلاء إنها قديمة يمكن عدمها الامكان المعروف وإنما ادعوا ان لها ماهية باعتبار نفسها فقيل الوجود والعدم ولكن وجب لها الوجود من غيرها

وقد تبين بطلان هذا في غير هذا الموضع وبين ان هذا قول مخالف لجميع العقلاء حتى ارسطو واتباعه لا يكون عندهم ممكنا الا المحدث الذي يمكن وجوده وعدمه او حتى هؤلاء الذين قالوا بأنها قديمة يمكن وجودها وعدمها كابن سينا واتباعه تناقضوا ووافقوا سلفهم وسائر العقلاء فذكروا في عدة مواضع ان الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون الا محدثا وان كل ما كان دائما لا يكون ممكنا واما القديم الذي لا يمكن عدمه فليس عندهم ممكنا وان كان وجوبه بغيره

وانما خالف في هذا طائفة من الفلاسفة كابن سينا وامثاله الذين ارادوا ان يجمعوا بين قول سلفهم وبين ما جاءت به الرسل مع دلالة العقول عليه فلم يمكنهم ذلك الا بما خالفوا به الرسل مع مخالفة العقول مع مخالفة سلفهم فيما اصابوا فيه وموافقتهم فيما اخطئوا فيه وكان كفرا في الملل ومع تناقضهم ومخالفة جميع العقلاء

واما قولهم ب ثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تخلف غيره من الاوصاف المقارنة له في الاصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز ان يكون الحكم في تلك معللا بعلة اخرى فيقال هذا غلط وذلك انه متى ثبت الحكم مع المشترك في


244

صورة تمتنع ان تكون الاوصاف الزائدة المقارنة له في الاصل مؤثرة في الحكم مع تخلف غيره من الاوصاف فانها مختصة بالاصل فلو كانت مؤثرة لم يجز ان يوجد الحكم في غير الاصل وحينئذ فعدمها لا يؤثر والصورة الاخرى قد يثبت فيها وجود المشترك

واما امكان وجود وصف اخر مستقل بعلة فهذا لا بد من نفيه اما بدليل قاطع او ظاهر او بأن الاصل عدمه ويكون القياس حينئذ يقينيا او ظنيا

والكلام فيما اذا حصرت اقسام العلة ونفي التعليل عن كل منها الا واحد والنفي قد يكون لنفي التعليل بها من الاصل وقد يكون لنفي التعليل مطلقا فالاول يحتاج معه الى الثاني في تلك الصورة وأما الثاني فهو يتناول النفي في تلك الصورة وغيرها

وقولهم وإن كان لا علة له سواه فجائز ان يكون علة لخصوصه لا لعمومه فيقال هذا هو في معنى السؤال الاول وهو ان يكون الحكم ثبت لذات المحل لا لامر منفصل وهو التعليل بالعلة القاصرة الواقفة على مورد النص

وأما قولهم إن بين أن ذلك الوصف يستلزم الحكم وأن الحكم لازم لعموم ذاته فمع بعده يستغنى عن التمثيل فيقال لا بعد في ذلك بل كلما دل عل ان الحد الاوسط يستلزم الاكبر فانه يستدل به على جعل ذلك الحد وصفا مشتركا بين أصل وفرع ويلزمه الحكم

وأما قوله إنه يستغنى عن التمثيل فيقال نعم والتمثيل في مثل هذا يذكر للايضاح وليتصور للفرع نظير لان الكلى إنما وجوده كلى في الذهن لا في الخارج فاذا عرف تحققه في الخارج كان أيسر لوجود نظيره ولان المثال قد يكون ميسرا لاثبات التعليل بل قد لا يمكن بدونه وسائر ما تثبت به العلة من الدوران والمناسبة وغير ذلك إذا اخذ معه السبر والتقسيم أمكن كون القياس قطعيا


245

وأيضا فقد يكون قياس التمثيل يقينيا في كذا فان الجمع بين الاصل والفرع كما يكون بابداء الجامع يكون بالغاء الفارق وهو ان يعلم ان هذا مثل هذا لا يفترقان في مثل هذا الحكم ومساوى المساوى مساو والعلم بالمساواة والمماثلة مما قد يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع فاذا علم حكم أحد المتماثلين علم ان الاخر مثله لا سيما إذا كان الكلام فيما تجرد من المعقولات مثل القول بأن شيئا من السواد عرض مفتقر الى المحل فيقال سائر أفراد السواد كذلك بل ويقال وسائر الالوان كذلك وكذلك إن قيل إن حركة الكواكب تحدث شيئا بعد شئ قيل وسائر الحركات كذلك

وبالجملة فقد بينا أن كل قياس لا بد فيه من قضية كلية إيجابية وبينا أن تلك القضية لا بد أن يعلم صدق كونها كلية وكل ما به يعلم ذلك به يعلم ان الحكم لازم لذلك الكلى المشترك فيمكن جعل ذلك الكلى المشترك هو الجامع بين الاصل والفرع فكل قياس شمول يمكن جعلة قياس تمثيل فاذا أفاد اليقين لم يزده التمثيل إلا قوة

إذا علمت إحدى المقدمتين بنص المعصوم فاستعمال الشمول اولى

وقياس التمثيل يمكن جعله قياس شمول لكن قد يكون بيان صحته محتاجا الى بيان إحدى مقدمتيه لا سيما الكبرى فانها هى في الغالب التي تحتاج الى البيان وإذا كان كذلك الاصل المقيس عليه أولا أسهل في البيان ف قياس التمثيل أعون على البيان إلا إذا كانت القضية الكلية معلومة بنص المعصوم فهنا يكون الاستدلال بها اولى من الاستدلال بقياس التمثيل لكن الدليل هنا يكون شرعيا لم تعلم إحدى مقدمتيه إلا بنص المعصوم أو الاجماع المعصوم لم تعلم بمجرد العقل وهم

والكلام مع من يجعل مواد البرهان القضايا الكلية المعلومة بدون قول


246

المعصوم بل قد يسمون القياس المستدل على إحدى مقدماته بقول المعصوم من الخطابي والجدلى لانهم يجعلون تلك القضايا من المسلمات والمقبولات لا من البرهانيات اليقينيات

وهذا ايضا من ضلالهم فان القضية اليقينية ما علم انها حق علما يقينيا فاذا علم بدليل قطعي أن المعصوم لا يقول إلا حقا وعلم بالضرورة أنه قضى بهذه القضية الكلية كما قضى ب ان الله بكل شئ عليم وأن الله خالق كل شيء وانه لا نبي بعده ونحو ذلك من القضايا الخبرية التي علم بالضرورة ان المعصوم أخبر بها عامة كلية كان هذا من أحسن الطرق في حصول اليقين وهذا الطريق لا يدخل في قياسهم البرهاني ولكن هذا لما كان مبنيا على مقدمات سمعية لم نقررها في هذا الموضع لم نحتج به عليهم بل احتججنا عليهم بما يسلمونه

وما بيناه بمجرد العقل من ان قولهم العلوم الكسبية لا تحصل إلا بقياسهم البرهاني قول باطل بل هو من ابطل الاباطيل

هذا في جانب النفي

المقام الرابع المقام الايجابي في الاقيسة والتصديقات في قولهم إن القياس يفيد العلم بالتصديقات فصل

وأما المقام الثاني وهو المقام الرابع من المقامات الاربعة المذكورة أولا وهو أدق المقامات


247

تبصرة على ما تقدم من المقامات

فان ما نبهنا عليه خطأهم في منع إمكان التصور إلا ب الحد بل ومن نفى دعوى حصول التصور ب الحد وبقى انحصار التصديق فيما ذكروه من والقياس مدركه قريب والعلم به ظاهر وخطأ المنطقيين فيه واضح بأدنى تدبر وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل

المقامان الاول والثاني

وأظهرها خطأ دعواهم ان التصورات المطلوبه لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد ثم أن مجرد الحد يفيد تصور الحقائق الثابتة في الخارج بمجرد قول الحاد سواء جعل الحد هو الجملة التامة الخبرية التي يسمونها القضية والتقييد الجزئي او جعل الحد هو خبر المبتدأ المفرد وإن كان له صفات تقيده وتميزه

فإنه إذا قال ما الانسان فقيل الحيوان الناطق أو قيل الانسان الحيوان الناطق فقد يقال الحد هو قولك الانسان هو الحيوان الناطق وقد يقال بل الحد الحيوان الناطق وهذا في حكم المفرد وليس هذا كلاما تاما يحسن السكوت عليه إن لم يقدر له مبتدأ يكون خبرا عنه أو جعل مبتدأ خبر محذوف ومن جعل هذا وحده هو الحد وجعله بمجرده يفيد تصور الحقيقة فقوله أبعد عن الصواب

المقام الثالث

وبعد ذلك قولهم إن شيئا من التصديقات المطلوبة لا ينال إلا بما ذكروه من القياس فان هذا النفي العام امر لا سبيل الى العلم به ولا يقوم عليه دليل أصلا وقد اشرنا الى فساد ما ذكروه مع انه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس كما يحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد

بخلاف هذا المقام الرابع فان كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد


248

النتيجة هو امر صحيح في نفسه

كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم

لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب الى أرسطو صاحب التعاليم أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه ب قياسهم المنطقي يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي وما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه ب قياسهم فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة به الى ما يمكن العلم به بدونه فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما ولكن فيه تطويل كثير متعب فهو مع انه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الاذهان وتصنييع الزمان وكثرة الهذيان

والمطلوب من الادلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية الى العلم وقالوا يعنى نظار المسلمين هذا لا يفيد هذا المطلوب بل قد يكون من الاسباب المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب الى مكة أو غيرها من البلاد فاذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعى معتدل وإذا قيض له من يسلك به التعاسيف والعسف في اللغة الاخذ عل غير طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة فانه يتعب تعبا كثيرا حتى يصل الى الطريق المستقيمة إن وصل وإلا فقد يصل الى غير المطلوب فيعتقد اعتقادات فاسدة وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والاعياء فلا هو نال مطوبه ولا هو استراح هذا إذا بقى في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء

ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي صاحب الموجز وكشف الاسرار وغيرهما انه قال عند موته اموت وما


249

علمت شيئا إلا علمى بأن الممكن يفتقر الى الواجب ثم قال الافتقار وصف سلبي اموت وما علمت شيئا

فهذا حالهم إذا كان منتهى احدهم الجهل البسيط وأما من كان منتهاه الجهل المركب فكثير والواصل منهم الى علم يشبهونه بمن قيل له أين أذنك فأدار يده فوق رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها الى أذنه من تحت رأسه فهو أسهل وأقرب

استعمال طرق غير الفطرية تعذيب للنفوس بلا منفعة

والامور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا منفعة لها كما لو قيل لرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فان هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل اصبر فانه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها وتميز بينها وبين الضرب فان القسمة عكس الضرب فان الضرب هو تضعيف آحاد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد الاخر ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الاخر ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح فانه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح لا يتناول ضرب المكسور بل الحد الجامع لهما أن يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها الى احد المضروبين كنسبة الواحد الى المضروب الاخر فاذا قيل اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته الى الربع كنسبة النصف الى الواحد

فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أنه لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان هذا


250

تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد يعرض له فيه إشكالات

الدليل ما كان موصلا الى المطوب

فكذلك الدليل والبرهان فان الدليل هو المرشد الى المطلوب والموصل الى المقصود وكل ما كان مستلزما لغيره فانه يمكن ان يستدل به عليه ولهذا قيل الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا الى علم أو ظن وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل الى العلم ويسمى ما يوصل الى الظن أمارة وهذا اصطلاح من اصطلح عليه من المعتزلة ومن تلقاه عنهم

فالمقصود ان كل ما كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوما له فانه يكون دليلا عليه وبرهانا له سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا والاخر عدميا فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه والمدلول لازم للدليل

ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت علم المطلوب وقد يحتاج المستدل الى مقدمتين وقد يحتاج الى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ليس لذلك حد مقدر يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب بل ذلك بحسب علم المستدل الطالب بأحوال المطلوب والدليل ولوازم ذلك وملزوماته

فاذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب إلا مقدمة واحدة كان دليله الذي يحتاج الى بيانه له تلك المقدمة كمن علم أن الخمر محرم وعلم ان النبيذ المتنازع فيه مسكر لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر فهو لا يحتاج إلا الى هذه المقدمة فاذا قيل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكرخمر حصل مطلوبه ولم يحتج إلى ان يقال كل نبيذ مسكر وكل مسكر خمر ولا ان يقال كل مسكر خمر وكل خمر حرام فان هذا كله معلوم له لم يكن يخفى عليه إلا ان اسم الخمر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء المسلمين أو هو شامل لكل مسكر فاذا ثبت له عن صاحب الشرع


251

أنه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه وهذا الحديث في صحيح مسلم ويروى بلفظين كل مسكر خمر وكل مسكر حرام

ولم يقل كل مسكر خمر وكل خمر حرام كالنظم اليوناني وإن كان روى في بعض طرق الحديث فليس بثابت فان النبي صلى الله عليه وسلم اجل قدرا في عمله وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم فانه إن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله الى دليل وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في القران عامة المطالب الالهية التي تقرر الايمان بالله ورسله واليوم الاخر فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق وأحسنهم بيانا له

فعلم أنه ليس جميع المطالب يحتاج الى مقدمتين ولا يكفى في جميعها مقدمتان بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة او مقدمتين أو اكثر وما قصد به هدى عاما كالقرآن الذي انزله الله بيانا للناس يذكر فيه من الادلة ما ينتفع به الناس عامة

وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الاحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ونحو ذلك

وأيضا فما يذكرونه من القياس لا يفيد إلا العلم بأمور كلية لا يفيد العلم بشئ معين من الموجودات ثم تلك الامور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما هو أيسر من قياسهم فلا تعلم كلية ب قياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون


252

قياسهم الشمولى وربما كان أيسر فان العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم بالكليات وهذا مسبوط فى موضعه

ليس في قياسهم إلا صورة الدليل من غير بيان صحته او فساده

والمقصود هنا أن المطلوب هو العلم والطريق اليه هو الدليل فمن عرف دليل مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم ام لا ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم ولا يقال إن قياسهم يعرف صحيح الادلة من فاسدها فان هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم فان قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته وأما كون الدليل المعين مستلزما لمدلوله فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض له بنفي ولا إثبات وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التي اشتمل عليها الدليل وليس في قياسهم بيان صحة شئ من المقدمات ولا فسادها وإنما يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ما يصدق بها وكلامهم في هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه في موضع آخر

الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو اللزوم

والمقصود هنا ان الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم فمن عرف ان هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف أن كذا لا بد له من كذا او أنه إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا فقد علم اللزوم كما يعرف ان كل ما في الوجود فهو أية لله فانه مفتقر اليه محتاج اليه لا بد له منه فيلزم من وجوده وجود الصانع

وكما يعلم ان المحدث لا بد له من محدث كما قال تعالى أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون الطور وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم انه لما قدم في فداء الاسرى عام بدر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ب الطور قال فلما سمعت قوله أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون الطور


253

أحسست بفؤادي قد انصدع

فان هذا تقسيم حاصر يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم فهذا ممتنع في بداية العقول ام هم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا فعلم ان لهم خالقا خلقهم وهو سبحانه وتعالى ذكر الدليل بصيغة استفهام الانكار ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن أحدا إنكارها فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه

وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من الحدوث والامكان وعلة الافتقار الى المؤثر وذكرنا عامة طرائق اهل الارض في إثبات الصانع من المتكلمين والفلاسفة وطرق الانبياء صلوات الله عليهم وما سلكه عامة نظار الاسلام من معتزلي وكرامى وكلابي واشعري وفيلسوف وغيرهم في غير موضع مثل كتاب تعارض العقل والنقل وغير ذلك


254

وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح الاصبهانية وكتاب الرد على النصارى وغيرهما

وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول لا يوصل الى المطلوب إلا بهذا الطريق ولا يكون الامر كما قاله في النفى وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق فان المطلوب كلما كان الناس الى معرفته أحوج يسر الله على


255

عقول الناس معرفة أدلته فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج اليه اكثر الناس وإنما يحتاج اليه من لم يعرف غيره أو من أعرض عن غيره وبعض الناس يكون الطريق كلما كان ادق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان انفع له لان نفسه اعتادت النظر الطويل في الامور الدقيقة فاذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا علهيا مطلقا فان من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الاذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم فيجب معرفة الامور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات وهذا يسلك معه هذه السبيل

وأيضا فان النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدر به ويقويه على العلم فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل تعين على قوة الرمي والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال وهذا مقصد حسن

ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرايض والوصايا والدور لشحذ الذهن فانه علم صحيح في نفسه ولهذا يسمى الرياضي فان لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة انواع في رياضة الابدان بالحركة والمشي كما يذكر ذلك الاطباء وغيرهم وفي رياضة النفوس بالاخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة وفي رياضة الاذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الامور الغامضة

ويروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال إذا لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض اراد إذا لهوا بعمل ان يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي وإذا لهوا بكلام لهوا بكلام ينفعهم ايضا


256

في عقلهم ودينهم وهو الفرائض

وعلم الفرائض نوعان احكام وحساب

فالاحكام ثلاثة انواع احدها علم الاحكام على مذهب بعض الفقهاء وهذا اولها ويليه علم أقاويل الصحابة والعلماء فيما اختلف فيه منها ويليه علم ادلة ذلك من الكتاب والسنة

وأما علم حساب الفرائض فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات وللفرائض في ذلك طريق معلومة وكتب مصنفة وهذا الثاني كله علم معقول يعلم بالعقل كما يعلم بالعقل سائر حساب المعاملات وغير ذلك من الانواع التي يحتاجها اليها الناس

ثم قد ذكروا حساب المجهولات الملقب بحساب الجبر والمقابلة وهو علم قديم لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ذلك اول من عرف انه ادخله في ذلك محمد بن موسى الخوارزمي وبعض الناس يذكر عن علي بن ابي طالب رضى الله عنه انه تكلم في ذلك وانه تعلم زيادة ذلك من يهودي وهذا كذب على علي رضى الله عنه


257

ونحن قد بينا في الكتاب المصنف في الدور لما ذكرنا فيه ان لفظ الدور يقال على ثلاثة انواع

الدور الكوني الذي يذكر في الادلة العقلية أنه لا يكون هذا حتى يكون هذا ولا يكون هذا حتى يكون هذا وطائفة من النظار كالرازي يقولون هو ممتنع والصواب انه نوعان كما يقوله الامدي وغيره دور قبلي ودور معي في الدور القبلي ممتنع والدور المعى ممكن

ف الدور القبلي الذي يذكر في العل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ذلك مثل ان يقال لا يجوز ان يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر لانه يفضى الى الدور

وهو ان يكون هذا قبل ذاك وذاك قبل هذا وذاك فاعل لهذا وهذا فاعل لذاك فيكون الشئ فاعلا لفاعله ويكون قبل قبله وقد اورد الرازي وغيره عليه إشكالات ذكرناها وبينا وجه حلها طرق إثبات الصانع

وأما الدور المعى فهو كدور الشرط مع الشروط وأحد المتضائفين مع الاخر إذا قيل صفات الرب لا تكون إلا مع ذاته ولا تكون ذاته إلا مع صفاته فهذا صحيح وكذلك إذا قيل لا تكون الابوة إلا مع النبوة ولا تكون النبوة إلا مع الابوة

والنوع الثاني مما يسمى دورا الدور الحكمى الفقهي المذكور في المسئلة السريجية وغيرها وقد افردنا في هذا مصنفات وبينا حقيقة هذا الدور وأنه باطل عقلا وشرعا وبينا في مصنف آخر هل في الشريعة شئ من هذا الدور ام لا

والنوع الثالث الدور الحسابي وهو ان يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا فهذا هو الذي يطلب حله بحساب الجبر والمقابلة


258

وقد ذكر كثير من متأخرى الفقهاء مسائل وذكروا أنها لا تنحل إلا بطريق الجبر والمقابلة وقد بينا انه يمكن الجواب عن كل مسئلة شرعية جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بدون حساب الجبر والمقابلة وإن كان ايضا حساب الجبر والمقابلة صحيحا وقد كان لابي وجدي رحمهما الله فيه من النصيب ما قد عرف

ليست شريعة الاسلام موقوفة على شئ من علومهم

فنحن قد بينا ان شريعة الاسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شئ يتعلم من غير المسلمين أصلا وإن كان طريقا صحيحا بل طريق الجبر والمقابلة فيها تطويل يغنى الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق

وهكذا كل ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلوة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هاذ يمكن العلم به بالطرق المعروفة التي كان الصحابة والتابعون لهم باحسان يسلكونها ولا يحتاج معها الى شئ آخر وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقا أخر وكثير منهم يظن انه لا يمكن المعرفة بالشريعة إلا بها وهذا من جهلهم

العلم بجهة القبلة

كما قد يظن طائفة من الناس ان العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها


259

وعرض البلد هو بعد ما بينه وبين خط الاستواء والموازي كدائرة معدل النهار وذلك يعرف بارتفاع القطب الشمالي فان القطبين إذا كانا على دائرة الافق كان بعد كل منها عن خط الاستواء بعدا واحدا وليس لخط الاستواء عرض فاذا بعد الانسان عن خط الاستواء مقدار درجة فلكية ارتفع القطب في قطره عن دائرة الافق مقدار درجة ثم إذا بعد درجتين ارتفع القطب درجتين وهلم جرأ ف عرض البلد يعرف بارتفاع القطب فاذا كان البلدان عرضهما سواء ك دمشق وبغداد وعرض كل منهما ثلاثا وثلاثين درجة يكون ارتفاع القطب فيهما واحدا

وأما الطول فليس له حد في السماء يضبط به إذ هو بحسب المعمور من الارض فيجعل الطول مبدأ العمارة وكانوا يحدون بجزائر تسمى جزائر الخالدات من جهة الغرب ويمكن ان تفرض بلدة ويجعل الطول شرقيا وغربيا كما فعل بعضهم حيث جعل مكة شرفها الله تعالى هي التي يعتبر بها الطول لانها باقية محفوظة محروسة وجعل الطول نوعين شرقيا وغربيا

فهذا علم صحيح حسابي يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم في الصلوة ليست موقوفة على هذا بل قد ثبت عن صاحب الشرع صلوات الله عليه انه قال ما بين المشرق والمغرب قبلة قال الترمذي حديث صحيح وبهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلى ليس عليه ان يستدل ب القطب ولا الجدى ولا غير ذلك بل إذا جعل من في الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق


260

عن شماله كانت صلوته صحيحة فان الله إنما امر باستقبال شطر المسجد الحرام وفي الحديث المسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الارض ولهذا لم يعرف عن الصحابة انهم ألزموا الناس في الصلوة ان يعتبروا الجدى

كون اعتبار الجدى لمعرفة القبلة بدعة

ولهذا انكر الامام احمد وغيره من العلماء على من ألزم الناس باعتبار الجدي فضلا عن طول البلاد وعرضها بل المساجد التي صلى فيها الصحابة كمسجد دمشق وغيره فيه انحراف يسير عن مسامتة عين الكعبة وكذلك غيره فكان هذا من الحكمة أن يعرف إجماع الصحابة والتابعين لهم باحسان على ان المصلى ليس عليه مسامتة عين الكعبة بل تكفيه الجهة التي هي شطر المسجد الحرام

من بدع المتكلمين ردهم ما صح من الفلسفة

وكذلك ما يعلم بالمشاهدة والحساب الصحيح من أحوال الفلك علم صحيح لا يدفع والافلاك مستديرة ليست مضلعة ومن قال إنها مضلعة أو جوز ذلك من أهل الكلام فهو وأمثاله ممن يرد على الفلاسفة وغيرهم ما قالوه من علم صحيح معقول مع كونه موافقا للمشروع وهذا من بدع اهل الكلام الذي ذمه السلف وعابوه فانهم ناظروا الفلاسفة في العلم الالهي في مسئلة حدوث العالم وإثبات الصانع ومسائل المعاد والنبوات وغير ذلك بطرق فاسدة حائدة من مسلك الشرع والعقل

وكان ذلك من أسباب ضلال كثير من الناس حيث ظنوا ان ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول وليس الامر كذلك بل كلما علم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول إلا ما يوافقه ويصدقه

إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير

وما نحن فيه من كرية الافلاك واستدارتها من هذا الباب بل هذا مما أجمع


261

عليه سلف الامة من الصحابة والتابعين لا يعرف بينهم نزاع في ان الفلك مستدير وقد حكى إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم ابو الحسين بن المنادى الامام الذي له أربعمائة مصنف وكان من الطبقة الثانية من اصحاب احمد ومنهم ابو محمد بن حزم ومنهم ابو الفزج بن الجوزي والاثار بذلك معروفة ثابتة عن السلف كما دل على ذلك الكتاب والسنة

وقد ذكرنا طرفا من ذلك في جواب مسئلة سئلنا عنها في هذا الباب فذكرنا دلالة الكتاب والسنة على ذلك موافقا لما علم بالحساب العقلي

وقد قال تعالى وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون الانبياء وقال تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون يس

تفسير قوله تعالى كل في فلك يسبحون

وقد ذكر الامام ابو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم في تفسيره ثنا ابى يعنى الامام ابا حاتم الرازي ثنا نصر بن علي حدثني ابي عن شعبة بن الحجاج عن الاعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله كل في فلك يسبحوق قال في فلكة مثل فلكة المغزل

وذكر عن احمد الزبيري عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في


262

قوله يسبحون قال يدورون في أبواب السماء كما يدور المغزل في الفلكة

وقال ثنا الحسن بن الحسن ثنا إبراهيم بن عبدالله بن الهروى ثنا حجاج عن ابي جريج اخبرني عبدالله بن كثير انه سمع مجاهدا يقول وكل في فلك يسبحون قال النجوم والشمس والقمر فلكة كفلكة المغزل وقال مثل ذلك الحسبان يعنى مجاهد حسبان الرحى وهو سفودها القائم الذي يدور عليه والحسبان في اللغة سهام قصار الواحدة حسبانة وكان مجاهد يفسر قوله الشمس والقمر بحسبان الرحمن بهذا وقال غيره هو من الحساب قيل هو مصدر وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان

قال مجاهد ولا يدور المغزل إلا بالفلكه ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ولا يدور الرحى إلا بالحسبان قال فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يدمن إلا به ولا يدوم إلا بهن قال فنقر بأصبعه قال فقال مجاهد يدمن كذلك كما نقر قال فالحسبان والفلك يصيران الى شئ واحد غير ان الحسبان في الرحى والفلك في المغزل كل ذلك عن مجاهد

قلت قوله لا يدوم إلا به أي لا يدور إلا به ومنه الدوامة بالضم والتشديد وهي فلكة يرميها الصبي بخيط فتدوم على الارض أي تدور ومنه تدويم الطير وهو تحليقه وهو دورانه في طيرانه ليرتفع الى السماء وقوله نقر بأصبعه يعنى نقر بها من الارض وأدارها ليشبه بذلك دوران الفلك

وقال ابن ابي حاتم قرى على يونس بن عبد الاعلى ثنا ابن وهب ثنا السري ابن يحيى قال سأل رجل الحسن البصري عن قوله كل في فلك يسبحون


263

قال يعنى استدارتهم

وقال بندة ثنا أبي ثنا عبيد الله بن عائشة ثنا عبدالواحد بن زياد ثنا ابو روق سمعت الضحاك في قوله كل في فلك يسبحون قال يدور ويذهب

ثنا ابي ثنا مسروق بن المرزبان ثنا يحي بن ابي زائدة ثنا ورقاء عن ابن ابي نجيح عن مجاهد كل في فلك يسبحون قال الفلك كحديدة الرحى يعنى قطب كحديدة الرحى وهو قطب الرحى وهو السفود القائم الذي يسمى أيضا حسبانا

ثنا بن على الحسين بن حنيد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا مروان بن معاوية عن جويبر عن الضحاك في فلك يسبحون قال الفلك السرعة والجري في الاستدارة ويسبحون يعملون يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى سرعة الحركة كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى

وقال ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله في فلك يقول دوران وقوله يسبحون يعني يجرون

وعن إياس بن معاوية قال السماء على الأرض مثل القبة

وقد بسط القول في ذلك بدلائله من الكتاب والسنة في غير هذا الموضع

ولفظ الفلك في لغة العرب يدل على الاستدارة قال الجوهري فلكة المغزل سميت بذلك لاستدارتها والفلكة قطعة من الأرض أو


264

الرمل تستدير وترتفع على ما حولها والجمع فلك وقال ومنه قيل فلك ثدى الجارية تفليكا وتفلك استدار قلت والسباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر ذلك أهل اللغة

العلم بالهلال

وكذلك أيضا الهلال فان الشارع جعله معلقا بالرؤية فقال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وقال إنا أمة أمية لانكتب ولا نحسب إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وقال صوموا من الوضح الى الوضح

والعارفون بالحساب لا يتنازعون في ان الهلال لا يمكن ضبط وقت طلوعه بالحساب فانهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس وعرفوا انه إذا اجتمع القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فاذا فارق الشمس صار فيه النور فهم أكثر ما يمكنهم ان يضبطوا بالحساب كم بعده عند غروب الشمس عن الشمس هذا إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله فانهم يسمونه علم التقويم والتعديل لانهم يأخذون اعلى مسير الكواكب وادناه فيأخذون معدله فيحسبونه

فاذا قدر انهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها لان الرؤية امر حسى لها اسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره وارتفاع المنظر وانخفاضه وحدة البصر وكلاله فمن الناس من لا يراه ويراه من هو أحد بصرا منه ويرى من مكان عال ولا يرى من منخفض


265

ويكون الجو صافيا فيرى ويكون كدرا فلا يرى

فلما كانت اسباب الرؤية لا تنضبط بالحساب لم تمكن معرفة وقت الرؤية بالحساب ولهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطلميوس صاحب المجسطي وغيره لم يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمي ونحوه لما رأوا الشريعة قد جاءت باعتبار الرؤية احبوا ان يعرفوا ذلك بالحساب فضلوا وأضلوا

ومن قال إنه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر او نحو ذلك فقد أخطأ فان من الناس من يراه على أقل من ذلك ومنهم من لا يراه على ذلك بل قد يراه نصف النهار إذا فارق الشمس أدنى مفارقة فلا للعقل اعتبروا ولا للشرع عرفوا ولهذا انكر عليهم ذلك حذاق ضاعتهم

العلم بطلوع الفجر

وهكذا امر الفجر فان الزمان يوم واسبوع وشهر وعام فأما اليوم فيعلم بالحس والمشاهدة وكذلك الشهر والعام يعرف بالعدد في القمرية وبالرؤية في الشمسية قال تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا الكهف كانت ثلثمائة شمسية وثلثمائة وتسع هلالية

وأما الاسبوع فليس له حد يعرف بالحس والعقل وإنما عرف باخبار الانبياء ان الله خلق هذا العالم في ستة ايام ثم استوى على العرش ولهذا شرع الله لاهل الملل ان يجتمعوا في الاسبوع يوما لعبادة الله وحده ويكون ذلك سببا لحفظ الاسبوع


266

الذي به يعلم ان الله خلق هذا العالم في ستة ايام ولهذا لا توجد اسماء الاسبوع في لغة من لا يعرفون شرائع الانبياء كالمشركين من الترك وغيرهم فانهم لا يعرفونه والعادة تتبع التصور فمن لم يتصور شيئا لم يعرفه

واليوم يعرف بطلوع الفجر وهو النور الذي يظهر من جهة المشرق وهو أول نور الشمس المتصل الذي لا ينقطع بخلاف الفجر الاول فانه يأتي بعده ظلمة والاعتبار في الشرع في الصلوة والصيام وغير ذلك بالثاني ويعرف بالحس والمشاهدة كما يعرف الهلال ويعرف بالقياس على ما قرب منه تقريبا إذا عرف عند طلوعه مواضع الكواكب من السماء فيستدل في اليوم الثاني بذلك على وقت طلوعه

وأما تقدير حصة الفجر بأمر محدود من حركة الفلك مساو لحصة العشاء كما فعله طائفة من الموقتين فغلطوا في ذلك كما غلط من قدر قوس الرؤية تقديرا مطلقا وذلك لان الفجر نور الشمس وهو شعاعها المنعكس الذي يكون من الهواء والارض وهذا يختلف باختلاف مطارحة التي ينعكس عليها فاذا كان الجو صافيا من الغيوم لم يظهر فيه النور كما يظهر اذا كان فيه بخار فان البخار لغلظه وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق الا ترى ان الشمس اذا طلعت انما يظر شعاعها على الارض والجبال ونحو ذلك من الاجسام الكثيفة وان كانت صقيلة كالمراة والماء كان اظهر واما الهواء فانه وان استنار بها فان الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه الى ان يصل الى جسم كثيف فينعكس

ففي الشتاء تكون الابخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الارض بسبب رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما يظهر لو لم يكن بخار واما الصيف فان الشمس بالنهار تحلل البخار فاذا غربت الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا


267

السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر لتأخر ظهور الشعاع اذ لا بخار يرده لان الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة العشاء في نهار الشتاء لكثرة الابخرة في الشتاء فحاصلة ان كلا من الحصتين تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي

والذين ظنوا ان ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء اقصر منها في الصيف وحصة العشاء في الصيف اقصر منها في الشتاء فان هذه جزء من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فان الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس عليه من الهواء الابخرة وهذا امر له سبب ارضي ليس مثل حركة الفلك

ولهذا كان ما قالوه بالقياس الفاسد امرا يخالقه الحس ويعرف كذب ما قالوه باتفاق طوائف بني ادم فالذي يعرف بالحس والعقل الصريح لا يخالفه شرع ولا عقل ولا حس فان الادلة الصادقة لا تتعارض مدلولاتها ولكن ما يقال بقياس فاسد وظن فاسد يقع فيه الاختلاف

كون عدد الافلاك تسعة ليس عليه دليل

وعدد الافلاك وكونها تسعة ليس امرا معلوما ولا قام دليل على انه ليس وراء التسعة شيء بل صرح ائمتهم بأنه يجوز ان تكون اشياء اخر وهذه التسعة انما اثبتوها بما راوه من اختلاف حركات الكواكب وكذلك اثبتوا لكل كوكب من الخمسة المتحيزة عددا من الافلاك بسبب اختلاف حركاته وعرفوا ارتفاع بعضها فوق بعض بكسوف الاسفل للاعلى وبينهم اختلاف كثير يطول وصفه في الامور الفلكية التي لا تعرف بالحس وكثير مما يقولونه في ذلك لا يقوم عليه دليل

ولهذا لما اخبرت الانبياء بعرش الرب وكرسيه ظن بعضهم ان الكرسي هو الفلك الثامن والعرش هو الفلك التاسع وهذا القول مع انه لا دليل عليه اصلا فهو


268

باطل من وجوه كثيرة قد بينا بعضها في مسئلة الاحاطة

وجمهورهم يقولون بحدوث هذا العالم وانما عرف القول بقدمه من ارسطو ومتبعيه وقد رايت كلام ارسطو في ذلك في مقالة اللام وهي اخر العلم الالهي ومنتهى فلسفته وتكلمنا على ما ذكره هو وغيره من الفلاسفة وبينا ان ما قاله خالف فيه جمهور الفلاسفة واساطينهم وليس معه قط دليل يدل على قدم شيء من العالم وانما تدل على دوام الفاعلية وتوابع ذلك

وقد بسطنا الكلام على ذلك في الكلام على هذا الاصل وما اضطربوا فيه وهم المبتدعون من المتكلمين الذين يضيفون الى الشريعة ما لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا قاله احد من سلف الامة ولا ائمتها فيجمعون في كلامهم بين حق وباطل والمتفلسفة في كلامهم حق وباطل وكلا الطائفتين لا يوافق ما دل عليه العقل الصريح المطابق لما جاءت به الرسل

اختلافهم في مدة بقاء العالم

ثم الجمهور منهم القائلون بحدوث هذا العالم تكلم منهم طوائف في بقائه وفي وقت فنائه من الروم والهند وغيرهم لكن بلا دليل صحيح وسبب ذلك انهم لم يعرفوا للحوادث التي في هذا العالم سببا الا حركة الفلك وما يتجدد فيه من الاشكال واتصالات الكواكب فقاسوا بقاءه على ذلك فمنهم من قال يبقى اثني عشر الف سنة ومنهم من قال ستة وثلاثين الف سنة ومنهم من قال ثلثمائة الف وستون الف سنة ومنهم من قال ثمانية واربعين الف سنة او اربعة وعشرين الف سنة وكل ذلك قول بلا علم


269

فإن منشأ النزاع ان الثوابت كان المعروف عندهم انها تقطع الفلك كل مائة سنة درجة من درجات الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة فلما رصدوها زمن المأمون زعموا ان الصحيح انها تقطعها في ثلثي هذه المدة كل سنة وستين سنة وثلثي سنة والصواب ان الرصد الاول هو الصحيح وقد اعتبر ذلك بمواضع الكواكب التي ذكرها غير واحد من القدماء في كتبهم واصطرلاباتهم ومواضعها الان تدل على اعتبار ذلك على ان الرصد القديم هو الصحيح وانها تقطع الدرجة في مائة سنة

واذا ضرب ذلك في ثلثمائة وستين كان على القول الاول ستة وثلاثين الفا وعلى القول الثاني اربعة وعشرين الفا ومن قال ثلثمائة الف وستون الفا قال هذا دور في عشرة ادوار ومن قال اثنا عشر الف سنة جعل لكل برج الف سنة وليس معهم دليل يدل على ان هذه المدة هي مدة بقاء الفلك

والاصل الذي بنوا عليه فاسد وهو ظنهم ان الحوادث جميعها سببها حركات الفلك

تقابلهم لمنكري تأثير حركات الفلك في الحوادث مطلقا

وهذا الاصل قد تقابلوا فيه هم والمبتدعة من اهل الكلام فأولئك يقولون ليس لشيء من حركات الفلك تأثير في هذا العالم ولا شيء منها سبب في حدوث شيء


270

بل يطردون هذا في جميع الموجودات فلا يجعلون الله خلق شيئا لسبب ولا لحكمة ولا يجعلون للانسان قدرة تؤثر في مقدورها ولا لشيء من الاجسام طبيعة ولا غريزة بل يقولون فعل عنده لا به وخالفوا بذلك الكتاب والسنة واجماع السلف والائمة وصرائح العقول

فان الله تعالى يقول إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون البقرة وقال تعالى وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون الاعراف وقال ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة يذكر سبحانه انه فعل هذا بهذا كما ذكر انه انزل الماء بالسحاب وانه احيا الارض بالماء

والعلماء متفقون على اثبات حكمة الله في خلقه وامره واثبات الاسباب والقوى كما قد ذكرنا اقوالهم في موضعها وليس من السلف من انكر كون حركات الكواكب قد تكون من تمام اسباب الحوادث كما ان الله جعل هبوب الرياح ونور الشمس والقمر من اسباب الحوادث

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الشمس والقمر ايتان من ايات الله لا تنكسفان لموت احد ولا لحياته ولكنهما ايتان من ايات الله يخوف الله بهما عباده فاذا رايتموهما فافزعوا الى الصلوة


271

وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالصلوة والذكر والدعاء والصدقة والعتاقة والاستغفار وكذلك عند سائر الايات التي يخوف الله بها عباده

وقوله لا تنكسفان لموت احد ولا لحياته رد لما كان قد توهمه بعض الناس من ان كسوف الشمس كان لاجل موت ابراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد مات وكسفت الشمس فتوهم بعض الجهال من المسلمين ان الكسوف كان لاجل هذا فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم ان الكسوف لا يكون سببه موت احد من اهل الارض ونفى بذلك ان يكون الكسوف معلولا عن ذلك وظنوا ان هذا من جنس اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ كما ثبت ذلك في الصحيح فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وبين ان ذلك من ايات الله التي يخوف بها عباده

والتخويف انما يكون بما يكون سببا للشر قال تعالى وما نرسل بالايت الا تخويفا فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة الى الحوادث لم يكن سببا لشر وهو خلاف نص الرسول

وايضا في السير ان النبي صلى الله عليه وسلم نظر الى القمر وقال لعائشة يا عائشة تعوذي بالله من شر هذا فان هذا هو الغاسق اذا وقب والاستعاذة انما تكون مما يحدث عنه شر

وامر صلى الله عليه وسلم عند انعقاد اسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئتة الله تعالى وقدرته من الصلوة والدعاء والذكر والاستغفار والتوبة والاحسان بالصدقة والعتاقة فان هذه الاعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه كما في الحديث


272

ان الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والارض فيعتلجان

وهذا كما لو جاء عدو فانه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له واذا هجم البرد يدفع باتخاذ الدفء فكذلك الاعمال الصالحة والدعاء

وهذا ما اتفق عليه الملل واساطين الفلاسفة حتى يذكر عن بطلميوس انه قال واعلم ان ضجيج الاصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الافلاك الدائرات

وكسوف الشمس انما يكون وقت استسرار القمر اخر الشهر وخسوف القمر انما يكون ليالي الابدار الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر كما ان الهلال قد يكون ليلة الثلاثين او الحادي والثلاثين هذا الذي اجرى الله به عادته في حركات الشمس والقمر

وما ذكره بعض الفقهاء من تقدير اجتماع الكسوف وصلوة العيد فهذا لم يقله احد من الصحابة ولا ذكره اكثر العلماء لا احمد ولا غيره ولكن ذكره طائفة من الفقهاء من اصحاب الشافعي واحمد وغيرهما تبعا لما ذكره الشافعي وانه رضي الله عنه لما تكلم فيما اذا اجتمع صلوتان كيف يصنع وذكر انه يقدم ما يفوت على ما لا يفوت ذكر من جملة التقدير صلوة العيد والكسوف طردا للقاعدة مع اعراضه عن كون ذلك يقع او لا يقع كما يقدر الفقهاء مسائل كثيرة لطرد القياس مع اعراضهم عن وقوع ذلك في الوجود بل يقدرون ما يعلمون انه لا يقع عادة كعشرين جدة وفروع الوصايا فجاء بعض الفقهاء فأخذ يكابر ويقول ان هذا قد يقع


273

وذكروا عن الواقدي انه قال ابراهيم مات يوم العاشر وذلك اليوم كسفت الشمس وهذا كله باطل والواقدي ليس بحجة بالاجماع اذا اسند ما ينقله فكيف اذا كان مقطوعا وقول القائل انها كسفت يوم العاشر بمنزلة قوله طلع الهلال في عشرين من الشهر لكن هذه عادة ظاهرة يعرفها الناس كلهم وتلك عادة يعرفها من استقراها وعرف اسبابها ومجاري النيرين من الناس

التكلم بلاعلم في الشرعيات وفي العقليات وضرره

فليس لاحد ان يتكلم بلا علم بل يحذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم وفي العقليات بلا علم فان قوما ارادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة واقيستهم الفاسدة فكان ما فعلوه مما جرا الملحدين اعداء الدين عليه فلا للاسلام نصروا ولا لاعدائه كسروا

واقوام يدعون انهم يعرفون العلوم العقلية وانها قد تخالف الشريعة وهم من


274

اجهل الناس بالعقليات والشرعيات واكثر ما عندهم من العقليات امور قلدوا من قالها لو سئلوا عن دليل عقلي يدل عليها لعجزوا عن بيانه والجواب عما يعارضه ثم من العجائب انهم يتركون اتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون الا الحق ويعرضون عن تقليدهم ثم يقلدون في مخالفة 2 ما جاءوا به من يعلمون هم انه ليس بمعصوم وانه قد يخطىء تارة ويصيب اخرى

وهؤلاء عندهم امور معلومة من الحسابيات مثل وقت الكسوف والخسوف ومثل كرية الافلاك ووجود السحاب من البخاري ونحو ذلك من الامور الطبيعية والرياضية فيحتجون بها على من يظن انه من اهل الشرع فيسرع ذلك المنتسب الى الشرع برد ما يقولونه بجهله فيكون رد ما قالوه من الحق سببا لتنفيرهم عما جاء به الرسول من الحق بسبب مناظرة هذا الجاهل

والله تعالى امرنا ان لا نكذب ولا نكذب بحق وانما مدح سبحانه من يصدق فيتكلم بعلم ويصدق ما يقال له من الحق قال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين العنكبوت والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون الزمر وهاتان صفتان لنوع واحد وهو من يجى بالصدق ويصدق بالحق اذا جاءه فهذا هو المحمود عند الله واما من كذب او كذب بما جاءه من الحق فذلك مذموم عند الله تعالى

وكذلك قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم أي لا تقل ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا الاسراء


275

وقال تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون الاعراف وقال تعالى إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا النجم ومثل هذا متعدد في كتاب الله تعالى

حقيقة ملائكة الله تعالى وعقول الفلاسفة

ثم ان حركات الافلاك وان كانت من جملة الاسباب فليس الحوادث كلها صادرة عن حركة الفلك بل فوق ذلك من مخلوقات الله امور اخر

وملائكة الله الذين يدبر بهم امر السماء والارض وهم المدبرات امرا والمقسمات امرا التي اقسم الله بها في كتابه ليست هي الكواكب عند احد من سلف الامة وليست الملائكة هي العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة المشاون اتباع ارسطو ونحوهم كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وبين خطأ من يظن ذلك ويجمع بين ما قالوه وبين ما جاءت به الرسل

ويقول ان قوله اول ما خلق الله العقل هو حجة لهم على العقل الاول ويسمونه القلم ليجعلوا ذلك مطابقا لقوله اول ما خلق الله القلم بسطنا الكلام على ذلك في نحو مجلد في الكلام على السبعينية وغيرها وذكرنا ان حديث العقل ضعيف باتفاق اهل المعرفة بالحديث كأبي حاتم بن حبان وابي جعفر العقيلي وابي الحسن الدار قطني وابي الفرج بن الجوزي وغيرهم بل هو موضوع عندهم


276

ومع هذا فلفظه اول ما خلق الله العقل قال له اقبل فأقبل فقال له ادبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا اكرم على منك فبك اخذ ربك اعطى وبك الثواب وبك العقاب فان كان الحديث صحيحا فهو حجة عليهم لان معناه انه خاطب العقل في اول اوقات خلقه بهذا الخطاب وفيه انه لم يخلق خلقا اكرم عليه منه فهذا يدل على انه خلق قبله غيره

وايضا ف العقل في لغة الرسول وأصحابه وامته عرض من الاعراض يكون مصدر عقل يعقل عقلا كما في قوله لعلهم يعقلون ولعلكم تعقلون ولهم قلوب لا يعقلون بها ونحو ذلك وقد يراد به الغريزة التي في الانسان قال احمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما ان العقل غريزة

والعقل في لغة فلاسفة اليونان جوهر قائم بنفسه فأين هذا من هذا ولهذا قال في الحديث فبك اخذ وبك اعطى وبك الثواب وبك العقاب وهذا يقال في عقل بني ادم

وهم يزعمون ان اول ما صدر عن رب العالمين جوهر قائم بنفسه وانه رب جميع العالم وان العقل العاشر هو رب كل ما تحت فلك القمر ومنه تنزلت الكتب على الانبياء


277

وعندهم ان الله لا يعرف عين موسى ولا عيسى ولا محمد ولا غير ذلك من جزئيات هذا العالم فضلا عن علمه بتفاصيل ما جرى يوم بدر ويوم احد ويوم الاحزاب وغير ذلك من الاحوال التي يذكرها الله في القران ويخبر بما كان ويكون من الامور المعينة الجزئية

ولهذا كان قولهم في النبوة انها مكتسبة وانها فيض يفيض على روح النبي اذا استعدت نفسه لذلك فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه وان الملائكة هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية وكلام الله هو ما يسمعه في نفسه من الاصوات بمنزلة ما يراه النائم في منامه

ومن عرف ما اخبر الله به عن ملائكته جبريل وغيره في غير موضع علم ان هذا الذي قالوه اشد مخالفة لما جاءت به الرسل من اقوال الكفار المبدلين من اليهود والنصارى فان الله اخبر عن الملائكة لما جاءوا الى ابراهيم في صورة البشر اضيافا ثم ذهبوا الى لوط في غير موضع واخبر عن جبريل حين ذهب الى مريم وتمثل لها بشرا سويا ونفخ فيها

وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي غير مرة واتاه مرة في صورة اعرابي وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ان الحرث بن هشام قال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي قال يأتيني احيانا


278

في مثل صلصلة الجرس وهو اشد على فيفصم عني وقد وعيت ما قال واحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعى ما يقول قالت عائشة لقد رايته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا

وقد قال تعالى إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم التكوير واكثر القراء يقرءون بظنين يعني بمتهم وقد قرى بضنين أي ببخيل وزعم بعض المتفلسفة ان هذا هو العقل الفعال لانه دائم الفيض فيقال قد قال لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم والعقل الفعال لو قدر وجوده فلا تأثير له فيما ثم وانما تأثيره فيما تحت فلك القمر فكيف ولا حقيقة له

بل ما يدعونه من المجردات والمفارقات غير النفس الناطقة ك العقول والنفوس انما وجودها في الاذهان لا في الاعيان كما بسط الكلام عليها في الصفدية وغيرها فان ما يقولونه من العقليات في الطبيعيات غالبه صحيح وكذلك في الحساب المجرد حساب العدد والمقدار الكم والكيف فان هذا كله صحيح وانما يغلط الانسان فيه من نفسه

ابن سينا والعبيديون الاسماعيلية

واما الالهيات فكلام ارسطو واصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل اكثره خطأ ولكن ابن سينا اخذ ما ذكروه وضم اليه امورا اخر من اصول المتكلمين واخذ يقول ما ذكره على بعض الفاظ الشرع وكان هو 8 واهل


279

بيته من الملاحدة الباطنية اتباع الحاكم وعيرة من العبيديين الاسماعيلية وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع امور الشريعة علميها وعمليها حتى تأولوا الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت لكن كانوا يأمرون بالشريعة لعوامهم فانهم كانوا يتظاهرون بالتشيع

وكانت الرافضة الاثناعشرية تدعى ان الامامة بعد جعفر في ابنه موسى بن جعفر فادعى هؤلاء انها في ابنه إسمعيل بن جعفر وانتقلت الى ابنه محمد بن إسمعيل وادعوا ان ميمون القداح بن محمد هذا وسموا محمد هذا هو الامام المخفى وإنما كان ميمون هذا يعرف بالانتساب الى باهلة وقد ذكر غير واحد من اهل المعرفة أنه كان يهوديا وكان من أبناء المجوس كما ذكر ذلك القاضي ابو بكر ابن الطيب في كتاب كشف اسرارهم وهتك أستارهم وغيره من علماء المسلمين

وأما قرامطة البحرين ابو سعيد بن الجنابى واصحابه فأولئك كانوا يتظاهرون بالكفر الصريح ولهذا قتلوا الحجاج والقوهم في بئر زمزم واخذوا الحجر


280

الاسود وبقى عندهم مدة

بخلاف العبيديين فانهم كانوا يتظاهرون بالاسلام ويقولون إنهم شيعة فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الالحاد والزندقة كما قال ابو حامد الغزالي في كتاب المستظهري ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وهذا الذي قاله ابو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين وكانوا يأمرون عامتهم بالعبادات وهم على درجات مرتبة عندهم كلما ارتفع درجة عبروا الشريعة عنده فاذا انتهى اسقطوا عنه الشرع

وكان ابن صباح من أتباعهم احنا عن المستنصر الذي جرى في ايامه فتنه البساسيرى وهو الذي احدث السكين واصحاب الالموت من اتباعه والذين كانوا بالشام كسنان ونحوه هم من اتباع اولئك وباطنهم مركب من مذهب 4 المجوس والفلاسفة واخذوا عن المجوس الاصلين النور والظلمة واخذوا عن الفلاسفة العقل والنفس وعبروا هم عن ذلك ب السابق والتالي


281

فلما دخل معهم المتفلسفة كابن سينا وأمثاله تبين لهم ان ما يدعونه على الرسول من التأويلات مما يعلم بطلان كثير منها بالضرورة والفيلسوف من حيث هو فيلسوف ليس له غرض فيما يعلم أنه باطل فسلكوا مسلكا بين مسلك هؤلاء الملاحدة وبين دين المسلمين فالشرائع الظاهرة أقروها ولم يتأولوها لكن قد يقولون إن بعضها يسقط عن الخاصة ودخل معهم في هذا طائفة من متصوفة الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وغيرهما وأما العلميات فتأولوا بعضها كاللوح قالوا هو النفس الكلية والقلم هو العقل الفعال وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر التي رآها إبراهيم إنها النفس والعقل الفعال والعقل الاول وتأولوا الملئكة ونحو ذلك

وأما صفات الرب ومعاد الابدان وغير ذلك فمذهب محققيهم كابن سينا وأمثاله أنها لا تتأول وأن ما دلت عليه ليس ثابتا في نفس الامر ولا يستفاد منها علم قالوا بل المراد منها خطاب الجمهور بما يخيل اليهم ما يعتقدونه في امر الايمان بالله واليوم الاخر لينتفعوا بذلك الاعتقاد وإن كان باطلا لا حقيقة له في نفس الامر فان هذا غايته ان الانبياء كذبوا لمصلحة الجمهور وهم يرون مثل ذلك من تمام حكمتهم وهم يعظمون شرائع الانبياء العملية وأما العلمية فعندهم العلم في ذلك بما يقوله الفلاسفة وأما الانبياء فلا يستفاد من جهتهم علم بذلك

ثم منهم من يقول النبي أعظم من الفيلسوف فيقولون النبي كان في الباطن على مذهب هؤلاء الفلاسفة لكن خاصته التخييل وإن كان كذبا في الحقيقة لمصلحة الجمهور ومنهم من يقول بل الفيلسوف أعظم من النبى والنبي قد لا يكون عارفا في الباطن بما يجوز على الله وما لا يجوز وحقيقة الامر في المعاد لكن هو حاذق في وضع الشرائع العملية

وكثير من ملاحدة المتصوفة كابن عربي وابن سبعين والقونوي


282

والتلمساني وغيرهم يوافقونهم في أصولهم لكن يغيرون العبارات فيعبرون بالعبارات الاسلامية عما هو قولهم وفي الكتب المضنون بها على غير اهلها وغيرها من كتب مصنفيها قطعة من هذا وبسبب ذلك وقع ابن عربي وامثاله من ملاحدة المتصوفة مع هؤلاء ولهذا كثر كلام علماء المسلمين في مصنفيها ومن الناس من ينكر ان تكون من كلام ابي حامد لما رأى ما فيها من المصائب العظيمة وآخرون يقولون بل رجع عن ذلك وختم له بالاشتغال بالبخاري ومسلم كما قد ذكر ذلك في سيرته

وهؤلاء المتفلسفة ومتصوفوهم كابن سبعين وأتباعه يجوزون ان يكون الرجل يهوديا او نصرانيا او مشركا يعبد الاوثان فليس الاسلام عندهم واجبا ولا التهود والتنصر والشرك محرما لكن قد يرجحون شريعة الاسلام على غيرها وإذا جاء المريد الى شيخ من شيوخهم وقال اريد ان اسلك على يديك يقول له على دين المسلمين أو اليهود أو النصارى فاذا قال له المريد اليهود والنصارى أما هم كفار يقول لا ولكن المسلمون خير منهم وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا فان الاسلام عندهم خير من غيره وإن كان غيره جائزا لا يوالون عليه ويعادون عليه

وهذا أيضا اكثر اعتقاد علماء النصارى أو كثير من اليهود يرون دين المسلمين واليهود والنصارى بمنزلة المذاهب في دين المسليمن فيجوز للرجل عندهم ان


283

ينتقل من هذه الملة الى تلك إما لرجحانها عنده في الدين وإما لمصلحة دنياه كما ينتقل الانسان من مذهب بعض ائمة المسلمين الى مذهب إمام آخر كما ينتقل من مذهب مالك إلى الشافعي ومن مذهب ابي حنيفة الى مذهب احمد ونحو ذلك

أرسطو ومشركوا اليونان

واما ارسطو واصحابه فكانوا مشركين يعبدون الاصنام والكواكب وهكذا كان دين اليونان والروم قبل ظهور دين المسيح فيهم وكان ارسطو قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وكان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى التأريخ الرومي وكان قد ذهب الى ارض الفرس واستولى عليها

وطائفة من الناس تظن انه كان وزير الاسكندر ذي القرنين المذكور في القران وهذا جهل فان ذا القرنين كان مقدما على ارسطو بمدة عظيمة وكان مسلما يعبد الله وحده لم يكن مشركا بخلاف المقدوني وذو القرنين بلغ اقصى المشرق والمغرب وبنى سد يأجوج ومأجوج كما ذكر الله في كتابه والمقدوني لم يصل لا الى هذا ولا الى هذا ولا وصل الى السد

واخر ملوكهم كان بطلميوس صاحب المجسطي وبعده صاروا نصارى وكانت اليونان والروم مشركين كما ذكر يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويبنون لها هياكل في الارض ويصورون لها اصناما يجعلون لها طلاسم من جنس شرك النمرود بن كنعان وقومه الذين بعث اليهم ابراهيم الخليل صلوات الله


284

وسلامه عليه

وبقايا هذا الشرك في بلاد الشرق في بلاد الخطا والترك يصنعون الاصنام على صورة النمرود ويكون الصنم كبيرا جدا ويعلقون السبح في اعناقهم ويسبحون باسم النمرود ويشتمون ابراهيم الخليل

وكان من النفر القادمين الى دمشق سنة 699 تسع وتسعين وستمائة بعض هؤلاء وهو يجمع بين أن يصلي الصلوات الخمس وبين ان يسبح باسم نمرود وهذا ايضا مذهب كثير من هؤلاء المتفلسفة وعلمائهم وعبادهم يصلون الصلوات الخمس ويعبدون الشمس والقر او غيرهما من الكواكب ومن هؤلاء طوائف موجودون في الشام ومصر والعراق وغير ذلك

وسبب ذلك انه يحصل لهم احيانا من جنس ما يظهر للمشركين الذين كانو يعبدون الكواكب والاصنام فأنه كانت من الشياطين تدخل في الصنم وتكلم عابديه فتخبرهم بأمور مكاشفة لهم وتأمرهم بأمور يطلبون منهم قضاء حوائجهم

قال الله تعالى ان يدعون من دونه الا انثا وان يدعون الا شيطنا مريدا قال ابن عباس كان في كل صنم شيطان يترااى للسدنة فيكلمهم وقال ابي بن كعب مع كل صنم جنية

ولهذا لما ارسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد الى العزى وكانت العزى عند عرفات خرجت منها عجوز ناشرة شعرها وقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه شيطانة العزى وقد يئست العزى ان تعبد بأرض العرب وكان خالد يقول يا عزى كفرانك لا سبحانك اني رايت الله قد اهانك وأما اللات فكانت عند الطائف ومناة الثالثة الاخرى كانت حذو قديد بالساحل


285

فان المدائن التي للمشركين بأرض الحجاز كانت ثالاثة مكة والمدينة والطائف وكان لكل أهل مدينة طاغوت من هذه الثلاثة ولهذا خصصها سبحانه بالذكر في قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان النجم فانهم كانوا يجعلون لله أولادا إناثا وشركاء إناثا فقال الكم الذكر وله الانثى تلك اذا قسمة ضيزى

اصل الشرك من تعظيم القبور وعبادة الكواكب

والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين

أولهما تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها وهذا اول الاسباب التي بها ابتدع الادميون الشرك وهو شرك قوم نوح قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان نوحا اول رسول بعث الى اهل الارض ولهذا لم يذكر الله في القرآن قبله رسولا فان الشرك إنما ظهر في زمانه

وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره اهل التفسير والسير من غير واحد من السلف في قوله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا نوح أن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وأن هذه الاصنام صارت الى العرب وذكر ابن عباس قبائل العرب التي كانت فيهم مثل هذه الاصنام


286

والسبب الثاني عبادة الكواكب فكانوا يصنعون للاصنام طلاسم للكواكب ويتحرون الوقت المناسب لصنعة ذلك الطلسم ويصنعونه من مادة تناسب ما يرونه من طبيعة ذلك الكوكب ويتكلمون عليها بالشرك والكفر فتأتى الشياطين فتكلمهم وتقضى بعض حوائجهم ويسمونها روحانية الكواكب وهي الشيطان او الشيطانة التي تضلهم

والكتاب الذي صنفه بعض الناس وسماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم فان هذا كان شرك الكلدانيين والكشدانيين وهم الذين بعث إليهم الخليل صلوات الله عليه وهذا أعظم انواع السحر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابو داود وغيره من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد

ولهذا صنف تنكلوشاه البابلي كتابه في درجات الفلك وكذلك


287

شرك الهند وسحرهم من هذا مثل كتاب طمطم الهندي وكذلك ابو معشر البلغي له كتاب سماه مصحف القمر وكذلك ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج

حران دار الصابئة

فان حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم أو انتقل اليها من العراق على اختلاف القولين

وكان بها هيكل العلة الاولى هيكل العقل الاول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس وكذلك الزهرة وعطارد والقمر

وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانيه فيهم ثم ظهرت النصرانيه فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الاسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الاسلام الى آخر وقت ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتابا وبعضهم لم يسلم

ولما قدم الفارابي حران في اثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ


288

عنهم ما أخذ من المتفلسفة وكان ثابت بن قرة قد شرح كلام ارسطو في الالهيات وقد رايته وبينت بعض ما فيه من الفساد فان فيه ضلالا كثيرا

وكذلك كان دين اهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون الى القطب الشمالي ولهذا توجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبله الى القطب الشمالي وتحت جامع دمشق معبد كبيرله قبلة الى القطب الشمالي كان لهؤلاء

فان الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون وصابئة مشركون فالاولون هم الذين اثنى الله عليهم بقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة فأثنى على من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا من هذه الملل الاربع المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين

فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ و التبديل و كذلك الذين دانوا بالانجيل قبل النسخ و التبديل و الصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين لملة ابراهيم امام الحنفاء صلى الله عليه وصلى الله على محمد وعلى ال محمد كما صلى على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انه حميد مجيد قبل نزول التوراة والانجيل

وهذا بخلاف المجوس والمشركين فأنه ليس فيهم مؤمن فلهذا قال الله تعالى ان الذين امنوا والذين هادوا الصابئين والنصرى والمجوس والذين اشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد فذكر الملل الست هؤلاء واخبرانه يفصل بينهم يوم القيمة لم يذكر في الست من كان مؤمنا انما ذكر ذلك في الاربعة فقط


289

ثم ان الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين اما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الابدان فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين اثنى الله عليهم

ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب تقر بحدوثه وكذلك المشركون من الهند وقد ذكر اهل المقالات ان اول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هم ارسطو

قسطنطين اول ملك اظهر دين النصارى

وكان دين المسيح لما دخل فيه طائفة من أهل حران وفيهم هيلانة الحرانية الفندقانية فهولها ملك الروم أبو قسطنطين فتزوجها فولدت له قسطنطين فنصرت ابنها قسطنطين وهو الذي اظهر دين النصارى وبنى القسطنطينية وفي زمنه ابتدع النصارى هذه الامانة التي اتفقت عليها طوائفهم اليوم فانه اتفق عليها ثلثمائة وبضعة عشرة من علمائهم وعبادهم

قالوا وهو الذي ابتدع الصلوة الى الشرق وإلا فلم يصل قط أحد من انبيائهم وأتباعهم الى الشرق ولم يشرع الله مكانا يصلى اليه إلا الكعبة

والانبياء الخليل ومن قبله إنما كانوا يصلون الى الكعبة وموسى صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلى الى بيت المقدس بل قالوا إنه كان ينصب قبة العهد الى


290

العرب ويصلى إليها في التيه فلما فتح يوشع بيت المقدس بعد موت موسى نصب القبة على الصخرة فكانوا يصلون اليها فلما خرب بيت المقدس وذهبت القبة صارت اليهود يصلون الى الصخرة لانه موضع القبة والسامرة يصلون الى جبل هناك قالوا لانه كان عليه التابوت

ولما رأى علماء النصارى وعبادهم أن الروم واليونان مشركون واستصعبوا نقلهم الى التوحيد المحض وضعوا لهم دينا مركبا من دين الانبياء ودين المشركين فكان اولئك اليونان والروم يتخذون الاصنام المجسدة التي لها ظل فاتخذ النصارى الصور المرقومة في الحيطان والسقوف التي لا ظل لها وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر فصارت النصارى يسجدون اليها وجعلوا السجود اليها بدلا من السجود لها

فضل محمد صلى الله عليه وسلم إمام التوحيد وأمته على من تقدم

ولهذا لما بعث الله خاتم المرسلين وافضل النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم إمام التوحيد الذي بعث الله به الرسل قبلة وأظهره وخلصه من شوائب الشرك فظهر التوحيد بسببه ظهورا فضله الله به وفضل به امته على سائر من تقدم

الانبياء كلهم كانوا مسلمين

فان الانبياء جميعهم وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين موحدين لم يكن قط دين يقبله الله غير الاسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون الزخرف وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون الانبياء وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت النحل

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال انا معشر الانبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي وقد أخبر


291

الله في القرآن عن جميع الانبياء وأممهم من نوح الى الحواريين أنهم كانوا مسلمين مؤمنين كما قد بسط في موضع آخر

وقد قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه الشورى فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم وذكرهم الله في آيتين من كتابه هذه السورة وفي قوله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا الاحزاب

وقال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون المؤمنون

وقال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون الروم

وقال تعالى كان الناس امة واحدة فاختلفوا كما قال في يونس فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما


292

اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم البقرة

فالمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين أولهم وأخرهم بعثوا بدين الاسلام وهو عبادة الله وحدة لا شريك له يعبد في كل وقت بما امر ان يعبد به في ذلك الوقت فالصلوة الى بيت المقدس كان لما امر الله به من دين الاسلام ثم لما نهى عنه وأمر بالصلوة الى الكعبة صارت الصلوة الى الكعبة من دين الاسلام دون الصلوة الى الصخرة

فتنوع شرائع الانبياء كتنوع الشريعة الواحدة ولهذا قال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة فالشرعة الشريعة والمنهاج الطريق والسبيل فالشرعة كالباب الذي يدخل منه والمنهاج كالطريق الذي يسلك فيه والمقصود هو حقيقة الدين بان يعبد الله وحده لا شريك له وهذه الحقيقة الدينية التي اتفق عليها الرسل هي دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره والشرك الذي حرمه على السن رسله ان يعبد مع الله غيره

ومن لم يعبد الله اصلا كفرعون ونحوه ممن قال الله فيهم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين المؤمن فهولاء معطلة وهم شر الكفار ومع هذا يكون لهم ما يعبدونه دون الله كما قال تعالى في قوم فرعون ويذرك وآلهتك الاعراف فقال غير واحد من السلف كان له آلهة يعبدها

ومن عبد مع الله إلها آخر فهو مشرك الشرك الاكبر الذي لا يغفره الله وإن


293

كان مع ذلك يعتقد ان الله وحده خالق العالم وهذا كان شرك العرب كما أخبر الله عنهم في غير موضع من القرآن انهم كانوا يقولون إن الله خلق العالم ولكن كانوا يتخذون الالهة شفعاء يشفعون لهم يتقربون بهم الى الله كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله الزمر ولقمان

وقال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض يونس وقال تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر وبسط هذا له موضع آخر

والمقصود هنا ان الحوادث كان لها أسباب وإن كانت حركات الفلك من جملة الاسباب

فصل القياس مع صحته لا يستفاد به علم بالموجودات

فصورة القياس لا يدفع صحتها لكن يبين أنه لا يستفاد به علم بالموجودات كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل فهو وإن حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه نفس مطلوب شئ من الموجودات بل ما يحصل به قد يحصل بدونه وقد يحصل بدونه ما لا يحصل به

فنقول إن صورة القياس إذا كانت مواده معلومة فلا ريب أنه يفيد اليقين وإذا قيل كل أ ب وكل ب ج وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب ان هذا التأليف يفيد العلم بأن كل أ ج وهذا لا نزاع فيه

فصورة القياس لا يتكلم على صحتها فان ذلك ظاهر سواء في ذلك الاقترانى المؤلف من الحمليات الذي هو قياس التداخل والاستثنائي المؤلف


294

من الشرطيات المتصلة الذي هو التلازم والتقسيم

وكذلك ما ذكروه من أن الشكل الاول من الاقتران يفيد المطالب الاربعة النتائج الاربعة الموجبة والسالبة والجزئية والكلية وان الثاني يفيد السالبة الكلية والجزئية وأن الثالث يفيد الجزئية سالبة كانت أو موجبة

وفي التلازم استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم وهو قول نظار المسلمين وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم وانتفاء اللازم يقتضى انتفاء الملزوم بل هذا مع اختصاره فانه يشمل جميع أنواع الادلة سواء سميت براهين او اقيسة او غير ذلك فان كل ما يستدل به على غيره فانه مستلزم له فيلزم من تحقق الملزوم الذي هو الدليل تحقق اللازم الذي هو المطلوب المدلول عليه ويلزم من انتفاء اللازم الذي هو المدلول عليه انتفاء الملزوم الذي هو الدليل

ولهذا كان من عرف ان المدعى باطل علم انه لا يقوم عليه دليل صحيح فانه يمتنع ان يقوم على الباطل دليل صحيح ومن عرف ان الدليل صحيح علم ان لازمه الذي هو المطلوب حق فانه يجب إذا كان الدليل حقا ان يكون المطلوب المدلول عليه حقا وإن تنوعت صور الادلة ومقدماتها وترتيبها

ولهذا كان الدليل الذي يصور بصورة القياس الاقترانى يصور ايضا بصورة الاستثنائي ويصور بصورة اخرى غيرما ذكروه من الالفاظ وترتيبها والمقصود هنا الكلام على ما ذكروه كما ذكرنا الكلام على الشرطي المتصل

والتقسيم قد يكون مانعا من الجمع والخلو كما يقال العدد إما شفع وإما وتر وهما في معنى النقيضين الذين لا يجتمعان ولا يرتفعان فقد يكون مانعا من الجمع دون الخلو كالضدين الذين لا يجتمعان وقد يرتفعان كما يقال هذا إما أسود وإما أحمر وقد يخلو منهما


295

وقد يكون مانعا من الخلو دون الجمع كعدم المشروط ووجود الشرط والمراد بالشرط هنا ما يلزم من عدمه عدم الحكم سواء عرف ذلك بالشرع او بالعقل مثل كون الطهارة شرطا في الصلوة والحيوة شرطا في العلم ليس المراد ما يسميه النحاة شرطا كالجملة الشرطية المعلقة ب إن واخواتها فان هذا في المعنى سبب لوجود الجزاء ولفظ الشرط يقال على هذا وهذا بالاشتراك

ومن جعل لفظ الشرط ينقسم الى الثلاثة فقد غلط فانه قد يجتمع عدم المشروط ووجود الشرط إذ وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط ولكن لا يرتفعان جميعا فلا يرتفع وجود الشرط وعدم المشروط لانه حينئذ يعدم الشرط ويوجد المشروط وهذا لا يكون كما إذا قيل هذا غرق بغير ماء او صحت صلوته بغير وضوء او وجب رجمه بغير زناء فيقال هذا إما أن يكون في ماء وإما أن لا يغرق وإما أن يكون متطهرا وإما ان لا تصح صلوته وإما ان يكون زانيا وإما أن لا يجوز رجمه

وكذلك لو قيل ليس في الوجود واجب ولا ممكن ولا قديم ولا محدث فقيل لا بد في الوجود من واجب او ممكن او قديم او محدث فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان

وكذلك إذا قيل الوجود إما قائم بنفسه ك الجسم وإما قائم بغيره ك العرض فهذان لا يرتفعان وقد يجتمعان فكل ما لا يخلو الوجود عنهما مع إمكان اجتماعهما او لا يخلو بعض الانواع عنهما مع إمكان اجتماعهما فهو من هذا الباب كما إذا قيل الوارث بطريق الاصالة إما أن يرث بفرض وإما ان يرث بتعصيب وقد يجتمع في الشخص الواحد ان يكون ذا فرض وعصبة كالزوج إذا كان ابن عم او معتقا

فالشرطى المتصل هو من التلازم والمنفصل هو في الثاني كما في الضدين والنقيضين وهذه الصورة صورة التقسيم الذي هو الشرطي المنفصل هي


296

أيضا تعود الى اللزوم فانه يلزم من وجود احد الضدين عدم الاخر ومن عدمه وجوده وهذه مانعة الجمع والخلو

فهذه الاشكال وإن تكثرت فجميعها يعود الى ان الدليل يستلزم المدلول ويمكن تصوير ذلك بصور متعددة مما ذكروه ومما لم يذكروه

فهم يقولون البرهان ينحصر في الاقترانى والاستثنائى فان الاقترانى ينحصر في أربعة اشكال والاستثناي ينحصر في الشرطى المتصل والشرطى المنفصل فيعود الى ستة أشكال وجمهورهم لا يذكرون الشكل الرابع من الاقترانيات لبعده عن الطبع وحصروها في أربعة بناء على حصرهم الدليل في مقدمتين تشتركان في حد أوسط ثم الاوسط إن كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فهو الشكل الاول المنتج للمطالب الاربعة وإن كان موضوعا فيهما فهو الثاني المنتج للسلبيات وإن كان محمولا فيهما فهو الثالث المنتج للايجابيات وإن كان محمولا في الكبرى موضوعا في الصغرى عكس الاول فهو الرابع وهو أبعدها عن الطبع وأكثرهم لا يذكونه فيجعلون الاشكال خمسة هذه الثلاثة مع الاستثنائي الشرطى المتصل والشرطى المنفصل

فهذه الاشكال إذا قدر إفادتها فهى صورة من صور الادلة لا ينحصر تصوير الادلة في هذه الاشكال كما لا ينحصر تصوير الدليل في مقدمتين بل هذا الحصر خطأ في النفي والاثبات فقد يكون الدليل مقدمة وقد يكون مقدمات وهذه الاشكال تكثر تصوير الدليل على أشكال اخر غير هذه فللا تنحصر في خمسة أو سته وقد يؤتى بالدليل بدون هذه الاشكال جميعها وبدون المقدمتين إذا كان مقدمة واحدة

وإذا قالوا إن جميع ما يذكر من الادلة يرجع الى هذه الاشكال قيل لهم بل جميع الادلة يرجع الى ان الدليل مستلزم للمدلول وحينئذ فاما أن يكون الاعتبار بما ذكروه من صور الاشكال ولفظها أو بما ذكروه من المعنى فان كانت العبرة


297

بالصورة لم يكن تخصيص صورة الدليل بخمسة أو ستة صوابا كما لم يكن تخصيصه بمقدمتين صوابا إذ كان يمكن تصويره بصور كثيرة متنوعة ليس فيها لفظ شرط لا متصل ولا منفصل ولا هو على صورة القياس الحملى كما ذكروه وإن كانت العبرة بالمعنى كان ذلك أدل عل فساد ما ذكروه فان المعنى هو ان يكون ما يستدل به مستلزما لما يستدل به عليه سواء كان مقدمة او مقدمتان او اكثر وسواء كان على الشكل والترتيب الذي ذكروه او غيره

والصواب في هذا الباب ان يقال ما ذكروه إذا كان صوابا فانه تطويل للطريق وتبعيد للمطلوب وعكس للمقصود فانهم زعموا انهم جعلوه آلة قانونية تمنع الذهن أن يزل في فكره وما ذكروه إذا كلفوا الناظر المستدل ان يلزمه في تصوراته وتصديقاته كان اقرب الى زلله في فكره وضلاله عن مطلوبه كما هو الواقع فلا تجد أحدا التزم وضع هؤلاء واصطلاحهم إلا كان أكثر خطأ واقل صوابا ممن لم يلتزم وضعهم وسلك الى المطلوب بفطرة الله التي فطر عباده عليها ولهذا لا يوجد أحد ممن حقق علما من العلوم كان ملتزما لوضعه

ولهذا يقال كثرة هذه الأشكال وشروط نتاجها تطويل قليل الفائدة كثير التعب فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فانه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري فبقية الأشكال لا يحتاج إليها وإنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول إما بابطال النقيض الذي يتضمنه قياس الخلف وإما بالعكس المستوي أو عكس النقيض فان ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر إداء روعي التناقض من كل وجه فهم يستدلون بصحة القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوي وعكس نقيضها بل تصور الذهن بصورة الدليل يشبه حساب الانسان لما معه من الرقيق والعقار

والفطرة تصور القياس الصحيح من غير تعليم والناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة التداخل والتلازم والتقسيم كما يتكلمون بالحساب ونحوه والمنطقيون


298

قد يسلمون ذلك

ويقولون إن المقدمتين لا بد منها لا أكثر ولا اقل ويقولون اكثر الناس يحذفون احدى المقدمتين لظهورها اختصارا ويسمون هذا قياس الضمير وإن احتجاج المطلوب إلى مقدمات جعلوا القياس معنى أقيسة متعددة بناء على قولهم إنه لابد في القياس من مقدمتين ويسمونه القياس المركب ويقسمونه الى موصول وهو ما لا يذكر فيه إلا نتيجة واحدة والى مفصول وهو ما يذكر فيه عقب كل مقدمتين نتيجة فالاول كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فهذا حرام والثاني كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر فهذا مسكر ثم تقول وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام ثم تقول هذا مسكر وكل مسكر حرام فهذا حرام

وهذا كله مما غلطوا فيه والصواب الذي عليه جماهير النظار من المسلمين وغيرهم أن الدليل قد يتوقف على مقدمة تارة وقد يتوقف على مقدمتين تارة وعلى ثلاث تارة وعلى أكثر من تلك فما كان من المقدمات معلوما لم يحتج ان يستدل عليه وإنما يستدل على المجهول والمطلوب المجهول يعلم بدليله ودليله ما استلزمه وكل ملزوم فانه يصح الاستدلال به على لازمه وحينئذ فاذا كان المطلوب ملزوم يعلم لزومه له استدل عليه به وكفى ذلك وإن لم يكن المستدل يعلم إلا ملزوم ملزومه احتاج الى مقدمتين وإن لم يعلم إلا ملزوم ملزوم ملزومه احتجاج الى ثلاث وهلم جرا

بيان ان حصول العلم لا يتوقف على القياس المنطقي

وإذا كان كذلك فنقول لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت مواده يقينية لكن نحن نبين ان العلم الحاصل به لا يحتاج فيه الى القياس المنطقي بل يحصل بدون ذلك فلا يكون شئ من العلم متوقفا على هذا القياس


299

ونبين ان المواد اليقينية التي ذكروها لا يحصل بها علم بالامور الموجودة فلا يحصل بها مقصود تزكو به النفوس

بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ما يحصل ب قياس التمثيل فلا يمكن قط ان يحصل ب القياس الشمولى المنطقي الذي يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل ب قياس التمثيل الذي يستضعفونه فان ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك وهذا يحصل ب قياس التمثيل

وكلا القياسين ينتفع به إذا تلقت بعض مقدماته الكلية عن خبر المعصوم إذا استعملت في الالهيات بطريق الاولى كما جاء به القران واما بدون هذين فلا ينفع في الالهيات ولا ينفع ايضا في الطبيعيات منفعة علمية برهانية وإنما يفيد قضايا عادية قد تنحرف فتكون من باب الاغلب

وأما الرياضي المجرد عن المادة كالحساب والهندسة فهذا حق في نفسه لكن ليس له معلوم في الخارج وإنما هو تقدير عدد ومقدار في النفس لكن ذلك يطابق أي معدود ومقدر واقعه في الخارج والبرهان لا يقوم إلا على ما في النفس لا يقوم على ما في الخارج واكثر ما تعبوا في الهندسة ليتوصلوا بذلك الى علم الهيئة كصفة الافلاك والكواكب ومقادير ذلك وحركاته وهذا بعضه معلوم ب البرهان وأكثره غير معلوم ب البرهان وبينهم فيه من الاختلاف ما يطول وصفه فصار المعلوم ببراهينهم من الرياضي وغيره امر لا تزكو به النفوس ولا يعلم به الامور الموجودة إلا كما يعلم ب قياس الثمثيل

وهذا يظهر بالكلام في مادة القياس فنقول هم لا ريب عندهم انه لا بد في كل قياس من قضية كلية ولا قياس في جميع الاشكال لا عن سالبتين ولا عن جزئيتين ولا عن صغرى سالبة مع كبرى جزئية لكن قد يكون عن صغرى جزئية مع كبرى سالبه كلية والمقصود انه لا بد في القياس في جميع صورة من قضية كلية وفي أكثر


300

القياس لا بد من موجبة كلية بل النتيجة الكلية لا تكون إلا عن موجبة كلية والسالبة الكلية لا تفيد حكما كليا إلا مع موجبه كلية

بيان أصناف اليقينيات عندهم التي ليس فيها قضية كلية

فاذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فنقول المواد اليقينيات قد حصروها في الاصناف المعروفة عندهم

أحدها الحسيات ومعلوم ان الحس لا يدرك امرا كليا عاما أصلا فليس في الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح ان تكون مقدمة في البرهان اليقيني وإذا مثلوا ذلك ب ان النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية وإنما معهم التجربة والعادة التي هي من جنس قياس التمثيل لما يعلمونه من الحكم الكلى لا فرق بينه وبين قياس الشمول وقياس التمثيل وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو ايضا حكم كلى

وإن قيل إن الصورة النارية لا بد ان تشتمل على هذه القوة وأن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إذا قيل إنه صحيح قيل إنه لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه وإن كان هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص ومعلوم ان كل من قال إن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ فانه لا بد من كون المحل قابلا للاحراق إذ قد علم انها لا تحرق كل شئ كما لا تحرق السمندل والياقوت وكما لا تحرق الاجسام المطلية بأمور مصبوغة وأما خرق العادة فمقام آخر

ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع ان القضية الكلية ليست حسية وإنما القضية الحسية ان هذه النار تحرق فان الحس لا يدرك إلا شيئا خاصا وأما الحكم العقلي فيقولون إن النفس عند رؤيتها هذه المعينات تستعد لان


301

تفيض عليها قضية كلي بالعموم ومعلوم ان هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق بعمومه إن لم يعلم أن الحكم العام لازم للقدر للمشترك وهذا إذا علم علم في جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا

مع انه ليس من القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء بل والفلاسفة يجوزون خرق العادات لكن يذكرون أن لها أسبابا فلكية او قوى نفسانية أو أسبابا طبيعية فهذه الثلاثة هي أسباب خرق العادات عندهم والى ذلك ينسبون معجزات الانبياء وكرامات الاولياء والسحر وغير ذلك وقد بسطنا الكلام على ذلك في مسئلة معجزات الانبياء هل هي قوى نفسانية ام لا وبينا فساد قولهم هذا حتى عند جماهير أساطين الفلاسفة بالادلة الصحيحة بما ليس هذا موضعه وهي المعروفة ب مسئلة الصفدية

والثاني الوجديات الباطنة كادراك كل احد جوعه وعطشه وحبه وبغضه وألمه ولذته وهذه كلها جزئيات وإنما يعلم الانسان حال غيره والقضية الكلية ب قياس التمثيل بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزئي منها كما قد يشتركون في إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ففيها من الخصوص في المدرك والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة وإن اشتركوا في نوعها فهى تشبه العاديات

زعمهم تساوي النفوس سبب ضلالهم في معرفة النبوات

ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الاحوال بل ولا على النفس الناطقة أنها مستوية الافراد وهذا من أسباب ضلالهم في معرفة النبوات فانهم عرفوا كثيرا من الاحكام التي تشترك فيها النفوس عادة وإن جاز أنخرامها


302

ثم بلغهم أمور أخرى خارجة عن قياسهم فأرادوا إجراء تلك على ذلك القياس فرأوا ان لبعض النفوس قوة حدسية وانه قد يكون لها تأثير في بعض الامور وقد يتخيل اليها ما تعلمه كما يتخيل الى النائم ما يراه فظنوا ان جميع ما يحصل للنفوس من الوحي ونزول الملائكة وسمع كلام الله هو من هذا الباب وجعلوا خاصة النبوة هي هذه الثلاث فمن وجدت فيه كان نبيا وقالوا النبوة مكتسبة وصار فضلاؤهم تتعرض لان يصيروا انبياء كما جرى للسهرودي المقتول ولابن سبعين وغيرهم

وابن عربي لما علم انه لا يمكن دعوى النبوة ادعى ختم الولاية وادعى ان خاتم الاولياء اكمل في العلم بالله من خاتم الانبياء وانه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به الى النبي وكان سبب هذا اعتقاد قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة ان النبي يأخذ عن جبريل الذي هو خيال في نفسه وذلك الخيال يأخذ عن العقل قال فالنبي يأخذ عن هذا الخيال وانا اخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال

وضموا هذا الى ان جميع الحوادث انما تحدث عن حركة الفلك وهو من افسد اصولهم التي ضلوا بها

والثالث المجريات وهي كلها جزئية فان التجربة انما تقع على امور معينة وكذلك المتواترات فان المتواترات انما هو ما علم بالحس من مسموع او مرئي فالمسموع قول معين والمرئي جسم معين او لون معين او عمل معين او امر ما معين

واما الحدسيات ان جعلت يقينية فهي نظير المجريات اذا الفرق بينهما لا يعود الى العموم والخصوص وانما يعود الى ان المجريات تتعلق بما هو من افعال المجربين والحدسيات تكون عن افعالهم وبعض الناس يسمى الكل تجربيات

لا تستعمل القضايا الكلية في شيء من الموجودات

فلم يبق معهم الا الاوليات التي هي البديهيات العقلية والاوليات الكلية انما هي قضايا مطلقة في الاعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم الواحد نصف الاثنين


303

والاشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في الذهن ليست في الخارج كلية

فقد تبين ان القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في شيء من الامور الموجودة المعينة وانما تستعمل في مقدرات ذهنية فاذا لا يمكنهم معرفة الامور الموجودة المعينة ب القياس البرهاني وهذا هو المطلوب

لا دليل لهم على حصر اقسام الوجود في المقولات العشر

ولهذا لم يكن لهم علم بحصر اقسام الوجود بل أرسطو لما حصر أجناس الموجودات من المقولات العشر الجوهر والكم والكيف والاين ومتى والوضع وأن يفعل وان ينفعل والملك وقد مجعها بعضهم في بيتين فقال

زيد الطويل الاسود ابن مالك
في داره بالامس كان يتكى

في يده سيف نضاه فانتضى
فهذه عشر مقولات سوى

لما حصرهم المعلم الاول في الجوهر والاعراض التسعة اتفقوا على انه لا سبيل الى معرفة صحة هذا الحصر حتى جعل بعضهم اجناس الاعراض ثلاثة وقيل غير ذلك لا دليل لهم على حصر الموجودات في الجواهر الخمسة

وكذلك لما قسموا الجوهر الى خمسة اقسام العقل والنفس والمادة والصورة والجسم وجعلوا الجسم قسمين فلكيا وعنصريا و العنصري الاركان التي هي الاستقصاآت والمولدات الحيوان والنبات والمعدن كان هذا التقسيم مع فساده في الاثبات ليس حصر الموجودات فيه معلوما فانه لا دليل لهم على حصر الاجسام في الفلكيات والعنصريات وهم معترفون بامكان وجود اجسام وراء


304

الافلاك فلا يمكن الحصر فيما ذكر حتى يعلم انتفاء ذلك وهم لا يعلمون انتفاءه فكيف وقد قامت الادلة على ثبوت اعيان قائمة بأنفسها فوق الافلاك كما قد بسط في موضعه

وهم منازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مقولة الجوهر فأرسطو والقدماء كانوا يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا امتنع من ذلك لكن ارسطو واتباعه لم يكونوا يقولون واجب الوجود انما يقولون العلة الاولى والمبدا وليس في كلام ارسطو تقسيم الموجودات الى واجب بنفسه وممكن بنفسه مع كونه قديما ازليا بل كان الممكن عندهم الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون الا محدثا وانما قسمه هذه القسمة متأخروهم من الملاحدة الذين انتسبوا الى الاسلام كابن سينا وامثاله وجعلوا هذا عوضا عن تقسيم المتكلمين الموجود الى قديم وحادث وسلكوا طريقة وركبوها من كلام المتكلمين ومن كلام سلفهم مثل استدلال اولئك ب التركيب على الحدوث فاستدل هو ب التركيب على الامكان

الكلام على قول الخليل عليه السلام هذا ربي

واولئك زعموا ان قول ابراهيم لا أحب الآفلين الانعام المراد به المتحركين لان الحركة حادثة والحادث لا يقوم الا بحادث فهي سمة الحدوث فاستدل بالحدوث على حدوث المتحرك والمعنى لا احب المحدثين الذين تقوم بهم الحوادث

فقال هؤلاء بل الافول الذي هو الحركة دليل على ان المتحرك ممكن وان كان قديما ازليا قالوا و الافول هوى في حظيرة الامكان وقوله لا احب الافلين أي الممكنين وان كان الممكن قديما

وكان قدماء المتكلمين يمثلون الدليل العقلي بقولهم كل متغير محدث والعالم متغير فهو محدث فجاء الرازي في محصله فجعل يمثل ذلك بقوله كل متغير ممكن والعالم متغير فهو ممكن


305

وابراهيم صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا ولا هذا كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين ان كل واحد من الاستدلال بالحركة على الحدوث او الامكان دليل باطل كما يقول ذلك اكثر العقلاء من اتباع الانبياء واهل الكلام واساطين الفلاسفة

ولكن كان قومه يعبدون الكواكب مع اعترافهم بوجود رب العالمين وكانوا مشركين يتخذ احدهم له كوكبا يعبده ويطلب حوائجه منه كما تقدم الاشارة اليه ولهذا قال الخليل عليه السلام أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الشعراء

وقال تعالى ايضا قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء الممتحنة فأمر سبحانه بالتأسي بابراهيم والذين معه في قولهم لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله

وكذلك ذكر الله عنه في سورة الصافات انه قال لقومه فما ظنكم برب العالمين الصفت وقال لهم أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون الصفت

فالقوم لم يكونوا جاحدين لرب العالمين ولا كان قوله هذا ربي الانعام هذا الذي هو خلق السموات والارض على أي وجه قاله سواء قاله الزاما لقومه او تقديرا او غير ذلك ولا قال احد قط من الادميين ان كوكبا من الكواكب او ان الشمس والقمر ابدعت السموات كلها


306

ولا يقول هذا عاقل بل عباد الشمس والقمر والكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الاصنام للاصنام وكما يعبد عباد الانبياء والصالحين لهم ولتماثيلهم وكما يعبدون اخرون الملائكة واخرون يعبدون الجن لما يرجون بعبادتها من جلب منفعة او دفع مضرة لا لاعتقادهم انها خلقت العالم

بل قد يجعلونها شفعاء ووسائط بينهم وبين رب العالمين كما قال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض يونس وقال تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر وقال تعالى وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع الانعام وقال تعالى أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع الانعام وقال تعالى الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع السجدة

والشفاعة التي اخبرت بها الرسل هي ان يأذن الله للشفيع فيشفع فيكون الامر كله لله كما قال تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه البقرة وقال ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الانبياء وهذا بخلاف ما اتخذه المشركون من الشفعاء

واما الفلاسفة القائلون بقدم العالم فالشفاعة عندهم ان يفيض على المستشفع من الشفيع ما يقصده من غير قصد الشفيع ولا سؤال منه كما ينعكس شعاع الشمس من المرآة على الحائط وقد ذكر ذلك ابن سينا ومن تلقى عنه كصاحب الكتب المضنون بها على غير اهلها ومن اخذ عنه


307

وهذا الشرك اعظم من شرك مشركي العرب والنصارى ونحوهم فان اولئك كانوا يقولون صانع العلم فاعل مختار وان الشافع يستله ويدعوه لكن يثبتون شفاعة بغير اذنه وشفاعة لما ليس له شفاعة ويعبدون الشافع ويسألونه من دون الله ويصورون على تمثاله صورة يعبدونها وكانت الشياطين تدخل في تلك الاصنام وتكلمهم وتتراأي للسدنة احيانا كما يوجد نظير ذلك في هذا الزمان مواضع كثيرة

بقية الكلام على الجواهر الخمسة

وايضا فدعواهم ان الجوهر جنس تحته اربعة وهي العقل والنفس والمادة والصورة والخامس هو الجسم اذا حقق الامر عليهم كان ما يثبتونه من العقليات إنما هو موجود في الذهن والعقل بمنزلة الكليات لا وجود لها في الخارج وقداعترف بهذا من ينصرهم ويعظمهم كابن حزم وغيره

رد لقول من زعم ان عالم الغيب هو العالم العقلي

ومن زعم ان عالم الغيب أخبرت به الرسل هو العالم العقلي الذي يثبته هؤلاء فهو من اضل الناس فان ابن سينا ومن سلك سبيله في هذا كالشهرستاني ستانى والرازي وغيرهما يقولون إن الالهيين يثبتون العالم العقلي ويردون على الطبيعيين منهم الذين لا يثبتون إلا العالم الحسي ويدعون ان العالم العقلي الذي يثبتونه هو ما اخبرت به الرسل من الغيب الذي امروا بالايمان به مثل وجود الرب والملئكة والجنة

وليس الامر كذلك فان ما يثبتونه من العقليات إذا حقق الامر لم يكن لها وجود إلا في العقل وسميت مجردات ومفارقات لان العقل يجرد الامور الكلية على المعينات

وأما تسميتها مفارقات فكان أصله أن النفس الناطقة تفارق البدن وتصير حينئذ عقلا وكانوا يسمون ما جامع المادة بالتدبير لها كالنفس قبل الموت


308

نفسا وما فارقها بالكلية فلم يتعلق بها لا تعلق تدبير ولا غيره عقلا ولا ريب ان النفس الناطقة قائمة بنفسها باقية بعد الموت منعمة او معذبة كما دل على ذلك نصوب الكتاب والسنة وإجماع سلف الامة وائمتها ثم تعاد الى الابدان ومن قال من أهل الكلام إن النفس عرض من أعراض البدن أو جزء من أجزائه فقوله بدعة ولم يقل ذلك أحد من سلف الامة

ولكن ما يدعون ثبوته في الخارج من المجردات العقلية لا يثبت على السير العقلي له تحقق إلا في الذهن

إثبات المجردات في الخارج هو مبدأ فلسفتهم

وهذا كان مبدأ فلسفة هؤلاء فانهم نظروا في الاجسام الطبيعية فعلموا القدر المشترك الكلى فصاروا يظنون ثبوته في الخارج فكان اولهم فيثاغورس وشيعته أثبتوا أعدادا مجردة في الخارج ثم رد ذلك عليهم أفلاطون وشيعته وأثبتوا ماهيات كلية مجردة مثل إنسان كلى وفرس كلى أزلى ابدى خارج الذهن وأثبتوا ايضا زمانا مجردا سموه الدهر وأثبتوا مكانا مجردا سموه الخلاء واثبتوا مادة مجردة عن الصور وهي المادة الاولى والهيولى الاولى عندهم

فجاء أرسطو وشيعته فردوا ذلك كله عليهم ولكن أثبتوا هذه المجردات في الخارج مقارنة للاعيان وفرقوا بين الشئ الموجود في الخارج وبين ماهيتة الكلية المقارنة لافرادها في الخارج كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله وغلط هؤلاء في هذا وكذلك أثبتوا العقول العشرة وظنوا وجودها في الخارج وهم غالطون في ذلك وأدلتهم عليها في غاية الفساد واما النفوس الفلكية فكان قدماؤهم يجعلونها أعراضنا لكن ابن سينا وطائفة رجحوا أنها جواهر قائمة بنفسها كنفس الانسان وهذا لبسطه موضع آخر

كون منتهى محققيهم الوجود المطلق الكلى الخيالي

والمقصود هنا ان ما يثبتونه من العقليات إذا حققت لم تكن إلا ما ثبت في


309

عقل الانسان كالامور الكلية فانها عقلية مطابقة لأفرادها الموجودة في الخارج وكذلك العدد المجرد عن المعدود والمقدار المجرد عن المقدور والماهية المجردة عن الوجود والزمان المجرد عن الحركة والمكان المجرد عن الجسم وأعراضهم

ولهذا كان منتهى محققيهم الوجود المطلق وهو الوجود المشترك بين الموجودات وهذا انما يكون مطلقا في الاذهان لا في الاعيان والمتفلسفة يجعلون الكلي المشترك موضوع العلم الالهي

واما الوجود الواجب فتارة يقولون هو الوجود المقيد بالقيود السلبية كما يقوله ابن سينا وتارة يجعلونه المجرد عن كل قيد سلبي وثبوتي كما يقوله بعض الملاحدة من باطنية الرافضة والاتحادية وتارة يجعلونه نفس وجود الموجودات فلا يجعلون للممكنات وجودا غير الوجود الواجب وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع

وغايتهم انهم يجعلون في انفسهم شيئا ويظنون ان ذلك موجود في الخارج ولهذا تمدهم الشياطين فان الشياطين تتصرف في الخيال وتلقى في خيالات الناس امورا لا حقيقة لها ومحققو هؤلاء يقولون ارض الحقيقة هي ارض الخيال

كون امور الغيب موجودة ثابتة مشهودة

واما ما اخبرت به الرسل صلى الله عليه وسلم من الغيب فهو امور موجودة ثابتة اكمل واعظم مما نشهده نحن في هذه الدار وتلك امور محسوسة تشاهد وتحس ولكن بعد الموت وفي الدار الاخرة ويمكن ان يشهدها في هذه الدار من يختصه الله بذلك ليست عقلية قائمة بالعقل ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات


310

التي تشهدها ان تلك غيب وهذه شهادة قال تعالى الذين يؤمنون بالغيب البقرة

وكون الشيء غائبا وشاهدا امر اضافي بالنسبة الينا فاذا غاب عنا كان غيبا واذا شهدناه كان شهادة وليس هو فرقا يعود الى ان ذاته تعقل ولا تشهد ولا تحس بل كل ما يعقل ولا يمكن ان يشهد بحال فانما يكون في الذهن

والملائكة يمكن ان يشهدوا ويروا والرب تعالى يمكن رؤيته بالابصار والمؤمنون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت النصوص في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق على ذلك سلف الامة وائمتها

وامكان رؤيته يعلم بالدلائل العقلية القاطعة لكن ليس هو الدليل الذي سلكه طائفة من اهل الكلام كأبي الحسن وامثاله حيث ادعوا ان كل موجود يمكن رؤيته بل قالوا ويمكن ان تتعلق به الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس فان هذا مما يعلم فساده بالضرورة عند جماهير العقلاء

اغاليط المتكلمين والمتفلسفة

وهذا من اغاليط بعض المتكلمين كغلطهم في قولهم ان الاعراض يمتنع بقاؤها وان الاجسام متماثلة وانها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل قسمة ولا يتميز منها جانب من جانب فان هذا غلط وقول المتفلسفة بأنها مركبة من المادة والصورة العقليين ايضا غلط كما قد بسط هذا كله في غير هذا الموضع

وكذلك غلط من غلط من المتكلمين وادعى ان الله لم يخلق شيئا لسبب ولا لحكمة ولا خص شيئا من الاجسام بقوى وطبائع وادعى ان كل ما يحدث فان الفاعل المختار الذي يخص احد المتماثلين بلا تخصيص اصلا يحدثه وانكر ما في


311

مخلوقات الله وما في شرعه من الحكم التي خلق وامر لاجلها

فان غلط هؤلاء مما سلط اولئك المتفلسفة وظنوا ان ما يقول هؤلاء وامثالهم هو دين المسلمين او قول الرسول واصحابه ولهذا كانت مناظرة ابن سينا وامثاله في كتبهم لمبتدعة اهل الكلام فعامة مناظرة ابن سينا هي للمعتزلة وابن رشد للكلابية وكانوا اذا بينوا فساد بعض ما يقوله مبتدعة اهل الكلام يظنون انه لم يبق حق إلا ما يقولونه هم وذلك بالعكس وليس الأمر كذلك بل ما يقوله مبتدعة اهل الكلام فيه خطأ مخالف للشرع والعقل

والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الالهيات والنبوات والمعاد والشرائع اعظم من خطأ المتكلمين وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون صواب المتفلسفة اكثر من صواب من رد عليهم من اهل الكلام فإن اكثر كلام اهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع

ونحن لم نقدح فيما علم من الأمور الطبيعية والرياضية لكن ذكرنا ان ما يدعونه من البرهان الذي يفيد علوما يقينية كلية بالأمور الطبيعية ليس كما يدعونه بل غالب الطبيعيات إنما هي عادات تقبل التغير ولها شروط وموانع وهم لايريدون بالقضايا البرهانية الواجب قبولها إلا ما يكون لزوم المحمول منها للموضوع لزوما ذاتيا لايقبل التغير بحال فاذا قالوا كل ا ب لم يريدوا ان كل ما هو في الوجود ا فهو ب ولا كل ما جد او سيوجد وإنما يريدون ان كل ما يفرض ويقدر في العقل بل في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوجودين الذهني والخارجي فهو ب كما قالوا كل انسان حيوان فالطبيعة الانسانية من حيث هي تستلزم الحيوانية

وهم يدعون ان الماهية قد تنفك عن الوجودين الخارجي والذهني وهي من اغاليطهم ومعلوم ان هذا إن اريد به الإنسان المعروف فالانسان المعروف لا يكون إلا حيوانا وهذا امر واضح ليس هو مما يطلب علمه بالبراهين فالصفات


312

اللازمة للموصوف التي لايكون له حقيقة إلا بها لاتوجد بدونها

وقد بسط الكلام على فرقهم بين اللازمة وبين الذاتية المقومة الداخلة في الماهية وبين اللازمة للماهية واللازمة لوجودها وبين ان هذا كله باطل إلا اذا اريد ب الماهية ما يتصور في الذهن وبالوجود ما يكون في الخارج فالفرق بين مصورات الأذهان وموجودات الأعيان فرق صحيح وأما ان يدعي في الخارج جوهرين قائمين بأنفسهما أحدهما الانسان المحسوس والاخر إنسان معقول ينطبق على كل واحد من افراد الانسان ويدعي ان الصفات اللازمة التي لا يمكن تحقق الموصوف إلا بها منها ما هو داخل مقوم لما هيته الموجودة في الخارج ومنها ما هو خارج عارض لماهيته الموجودة في الخارج فهذا كله باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع

أقيستهم مبنية على القضايا الكلية لا علم لهم بها

والمقصود ان ما يذكرونه من الألهية في العلوم الاهية والطبيعية ومايتعلق بها فلا يفيد يقينا إلا كما يفيد قياس التمثيل إذ هي مبنية على قضية كلية لا يقين عندهم بأنها كلية إلا كاليقين الذي عندهم بقياس التمثيل ولا سبيل لهم الى ذلك مثل قولهم في العلم الالهي الواحد لايصدر عنه إلا واحد والشيء الواحد لايكون فاعلا وقابلا وامثال هذه القضايا الكلية التي لاعلم لهم بها ولا يستدلون على ذلك إلا بقياس فيه قضية كلية لاعلم لهم بها وإن كان يمكن إبطالها

لكن المقصود هنا بيان انه لاعلم بالموجود يحصل عن قياسهم وهذا باب واسع يظهر بالتدبر

الكلام على الواحد البسيط الذي يجعلونه مبدأ المركبات

فإن قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية وهم لم يعرفوا في الوجود قط شيئا واحدا من كل وجه صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان


313

والواحد البسيط الذي يصفون به واجب الوجود من جنس الواحد البسيط الذي يجعلونه مبدأ المركبات اذا قالوا الانسان مركب من الحيوانية والناطقية وينتهي الامر الى واحد بسيط لا تركيب فيه فان هذا الواحد لا يوجد الا في الذهن لا في الخارج

فان قولهم انسان مركب من الحيوان والناطق والحيوانية والناطقية لا يصح منه الا ما يتصور في الذهن فان المتصور يتصور في نفسه انسانا ناطقا وجسما حساسا متحركا بالارادة ناطقا فيكون كل من هذه الاجزاء جزءا مما تصوره في نفسه واللفظ الدال على جميعها يدل عليها بالمطابقة وعلى ابعاضها بالتضمن وعلى لازمها بالالتزام ومجموعها هي تمام الماهية المتصورة في الذهن والداخل فيها هو الداخل في تلك الماهية والخارج عنها هو الخارج عن تلك الماهية وتلك الماهية بحسب ما يتصوره الذهن فاذا تصور انسانا ضاحكا كان الضاحك جزء هذه الماهية

واما دعوى المدعي ان الانسان الموجود في الخارج مركب من وهذا فلا يصح الا اذا اريد به انه متصف بهذين الوصفين وهما قائمان به وهو حامل لهما كما يحمل الجوهر اعراضه والموصوف صفاته

واما ان يقال ان الجوهر مركب من اعراض او مركب من جواهر احدها جسم والاخر حساس والاخر نام والاخر متحرك بالارادة وان هذا الانسان المعين فيه جواهر متعددة بتعدد هذه الاسماء وان الجوهر الذي هو الحساس ليس هو الذي هو متحركا بالارادة ولا الذي هو جسم ولا الذي هو ناطق ولا الناطق هو الحساس فهذا مما يعلم فساده بعد تصوره بالصورة

توحيد واجب الوجود عند الفلاسفة

وكذلك الواحد الذي يصفون به واجب الوجود وانه مجرد عن جميع


314

الصفات الثبوتية ليس له حياوة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ويقولون مع ذلك هو عاقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق ويقولون ان كل صفة من هذه الصفات هي الاخرى فاللذة هي العقل والعقل هي العشق ويقولون ان كل صفة من هذه الصفات هي الموصوف والعلم هو العالم واللذة واللذة هي الملتذ والعشق هو العاشق فهذا ونحوه من اقوالهم في صفات واجب الوجود مما اذا تصوره المتصور تصورا صحيحا كان مجرد تصوره يوجب العلم الضروي بفساده

وقد بسطنا الكلام عليه وبينا ما الجاهم الى القول بهذا وكلامهم في التركيب وبينا ان اكثر الفلاسفة المتقدمين قبل ارسطو وكثير من المتأخرين كأبي البركات صاحب المعتبر وغيره لا يقولون بهذا بل ردوا على من قاله واصل هذا كله ما ادعوه من ان اثبات الصفات تركيب ممتنع وهذا اخذوه عن المعتزلة ليس هذا من كلام ارسطو وذويه وقد تكلمنا في بيان فساده في مصنف مفرد في توحيد الفلاسفة وفي شرح الاصبهانية والصفدية وغير ذلك

ثم بنوا هذا على ان الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لان ذلك يستلزم التركيب وان الواحد لا يصدر عنه الا واحد لان صدور اثنين يقتضى تعدد المصدر فمصدر ج غير مصدر ب وذلك يستلزم التركيب الممتنع

فمدار كلامهم في التوحيد والصفات كله على لفظ التركيب وقد بسطنا القول فيه وبينا ما في هذا اللفظ من اجمال فان التركيب خمسة انواع احدها تركب الذات من وجود وماهية والثاني تركيبها من وصف عام


315

ووصف خاص كالمركب من الجنس والفصل والثالث تركيب من ذات وصفات والرابع تركيب الجسم من المادة والصورة والخامس تركيبه من الجواهر المنفردة

وقد بينا أن ما يدعونه من التركيب من الوجود والماهية ومن الجنس والفصل باطل واما تركيب الجسم من هذا وهذا فاكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركبا لا من المادة والصورة ولا من الجواهر المنفردة لم يبق الا ذات لها صفات

وقد بينا ان المركب يقال على ما ركبه غيره وعلى ما كانت اجزاؤه متفرقة فاجتمعت وعلى ما يقبل مفارقة بعضه بعضا وهذه الانواع الثلاثة منتفية عن رب العالمين باتفاق المسلمين

وهم جعلوا ما يوصف بالصفات تركيبا وهذا اصطلاح لهم وحقيقة الامر تعود الى موصوف له صفات متعددة فتسمية المسمى هذا تركيبا اصطلاح لهم والنظر انما هو في المعاني العقلية واما الالفاظ فان وردت عن صاحب الشرع المعصوم كان لها حرمة والا لم يلتفت الى من اخذ يعبر عن المعاني الصحيحة المعلومة بالعقل والشرع بعبارة مجملة توهم معاني فاسدة وقيل لهم البحث في المعاني لا في الالفاظ كما بسط في موضعه

الوجه الثاني

ان المعين المطلوب علمه بالقضايا الكلية يعلم قبلها وبدونها

الوجه الثاني

ان يقال اذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فتلك القضية


316

الكلية لا بد ان تنتهي الى ان تعلم بغير قياس والا لزم الدور والتسلسل فاذا كان لا بد ان تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس فنقول

ليس في الموجودات ما تعلم الفطرة له قضية كلية بغير قياس الا وعلمها بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية اقوى من علمها بتلك القضية الكلية مثل قولنا الواحد نصف الاثنين والجسم لا يكون في مكانين والضدان لا يجتمعان فان العلم بأن هذا الواحد نصف هذين الاثنين اقدم في الفطرة من العلم بأن كل واحد نصف كل اثنين وهكذا كل ما يفرض من الاحاد

فيقال المقصود بهذه القضايا الكلية اما ان يكون العلم بالموجود الخارجي او العلم بالمقدرات الذهنية اما الثاني ففائدته قليلة واما الاول فما من موجود معين الا وحكمه بعلم تعينه اظهر واقوى من العلم به عن قياس كلى يتناوله فلا يحصل بالقياس كثير فائدة بل يكون ذلك تطويلا وانما يستعمل القياس في مثل ذلك لاجل الغالط والمعاند فيضرب له المثل وتذكر الكلية ردا لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة

وكذلك قولهم الضدان لا يجتمعان فأي شيئين علم تضادهما فانه يعلم انها لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان وما من جسم معين الا يعلم انه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن كل جسم لا يكون في مكانين وكذلك قولهم النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فان مرادهم بذلك ان وجود الشيء وعدمه لا يجتمعان ولا يرتفعان فما من شيء معين الا ويعلم انه لا يكون موجودا معدوما وانه لا يخلو عن الوجود والعدم قبل العلم بهذه القضية العامة وامثال ذلك كثير لمن تدبره

ويعلم ان المعين المطلوب علمه بهذه القضايا الكلية الاولية يعلم قبل ان تعلم هذه القضية الكلية ويعلم بدونها ولا يحتاج العلم به الى القضية الكلية وانما يعلم بالقضية الكلية ما يقدر في الذهن من امثال ذلك مما لم يوجد في الخارج واما الموجودات


317

الخارجية فتعلم بدون هذا القياس

قياس الشمول مبناه على قياس التمثيل

واذا قيل ان من الناس من يعلم بعض الاعيان الخارجية بهذا القياس فيكون مبناه على قياس التمثيل الذي ينكرون انه يقيني فهم بين امرين ان اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم الى يقيني وظني بطل تفريقهم وان ادعوا الفرق بينهما وان قياس الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك وبين لهم ان اليقين لا يحصل في مثل هذه الامور الا ان يحصل ب التمثيل فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات الموجودة في الخارج قياسا على ما علم منها وهذا حق لا ينازع فيه عاقل

بل هذا من اخص صفات العقل التي فارق بها الحس اذا الحس لا يعلم الا معينا والعقل يدركه كليا مطلقا لكن بواسطة التمثيل ثم العقل يدركها كلها مع عزوب الامثلة المعينة عنه لكن هي في الاصل انما صارت في ذهنه كلية عامة بعد تصوره لامثال معينة من افرادها واذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة فقد يغلط كثيرا بأن يجعل الحكم اما اعم واما اخص وهذا يعرض للناس كثيرا

انواع المفروضات الذهنية

ومن هنا يغلط كثيرا ممن يسلك سبيلهم حيث يظن ان ما عنده من القضايا الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك وهم يتصورون الشيء بعقولهم ويكون ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون انهم تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي من غير ان تكون ثابتة في الخارج ولا في الذهن فيقولون الانسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك ويظنون ان هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة في الخارج على هذا التجريد وذلك غلط كغلط اوليهم فيما جردوه


318

من العدد و المثل الافلاطونية وغيرها بل هذه المجردات المسلوب عنها كل قيد ثبوتي وسلبي لا تكون الا مقدرة في الذهن

واذا قال القائل فأنا افرض الانسان مجردا عن الوجودين الخارجي والذهني قيل له هذا الفرض في الذهن ايضا كما تفرض سائر الممتنعات في الذهن مثل ان يفرض موجودا لا واجبا ولا ممكنا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا مبائنا لغيره ولا مجانبا له وهذا كله مفروض في الذهن وليس كل ما فرضه الذهن امكن وجوده في الخارج وليس كل ما حكم به الانسان على ما يقدره ويفرضه في ذهنه يكون حكما صحيحا على ما يوجد في الخارج ولا كل ما امكن تصور الذهن له يكون وجوده في الخارج

بل الذهن يتصور اشياء ويقدرها مع علمه بامتناعها ومع علمه بامكانها في الخارج ومع عدم علمه بالامتناع الخارجي والامكان الخارجي وهذا الذي يسمى الامكان الذهني فان الامكان يستعمل على وجهين امكان ذهني وامكان خارجي ف الامكان الذهني ان يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا لا لعلمه بامكانه بل لعدم علمه بامتناعه مع ان ذاك الشيء قد يكون ممتنعا في الخارج

واما الامكان الخارجي فأن يعلم امكان الشيء في الخارج وهذا يكون بأن يعلم وجوده في الخارج او وجود نظيره او وجود ما هو ابعد عن الوجود منه فاذا كان الابعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالاقرب الى الوجود منه اولى

طريقة القران في بيان امكان المعاد

وهذه طريقة القران في بيان امكان المعاد يبين ذلك بهذه الطريق

فتارة يخبر عمن اماتهم ثم احياهم كما اخبر عن قوم موسى بقوله وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون البقرة


319

وكما اخبر عن المضروب بالبقرة بقوله فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى البقرة وكما اخبر عن الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم البقرة

وكما اخبر عن كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير البقرة وعن ابراهيم وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم البقرة وكما اخبر عن المسيح عليه السلام انه كان يحيى الموتى باذن الله

وكما اخبر عن اصحاب الكهف انهم ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا وقال تعالى وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم الكهف وقد ذكر غير واحد من العلماء ان الناس كانوا قد تنازعوا في زمانهم هل يبعث الله الارواح فقط او يبعث الارواح والاجساد فأعثر الله هؤلاء على اهل الكهف وعلموا انهم بقوا نياما لا يأكلون ولا يشربون ثلثمائة سنة شمسية وهي ثلثمائة وتسع هلالية فأعلمهم الله بذلك امكان اعادة الابدان


320

فهذه احدى الطرق التي يبين الله بها امكان المعاد

وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الاولى وان الاعادة اهون من الابتداء كما في قوله يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم الحج وكما في قوله وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ياسين وكما قوله وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة الاسراء وكما في قوله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه الروم

وتارة يستدل على امكان ذلك بخلق السموات والارض فان خلقها اعظم من اعادة الانسان كما في قوله وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه الاسراء وكما في قوله تعالى أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ياسين وقوله أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير الاحقاف

وتارة يستدل على امكانه بخلق النبات كما في قوله وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون


321

الاعراف وكما في قوله والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور فاطر

وقد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع وبين أن ما عند ائمة النظار اهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الالهية فقد جاء القران بما فيها من الحق وما هو اكمل وابلغ منها على احسن وجه مع تنزهه عن الاغاليط الكبيرة الموجودة عند هؤلاء فأن خطأهم فيها كثير جدا ولعل ضلالهم اكثر من هداهم وجهلهم اكثر من علمهم

ولهذا قال أبو عبدالله الرازي في اخر عمره فى كتا به اقسام اللذات لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروى غليلا ورايت اقرب الطرق طريقة القران اقرأ في الاثبات الرحمن على العرش استوى إليه يصعد الكلم الطيب واقرأ في النفي ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي

فساد اثبات الامكان الخارجي بمجرد عدم العلم والامتناع

والمقصود هنا ان الامكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع كما يقوله طائفة منهم الامدى اذا ارادوا واثبات امكان امر قالوا لو


322

قدرنا هذا لم يلزم منه ممتنع فأن هذه القضية الشرطية غير معلومة فان كونه لا يلزم منه محذور ليس معلوما بالبديهة ولا اقام عليه دليلا نظريا

وابعد من اثباته الامكان الخارجي بالامكان الذهني ما يسلكه طائفة من المتفلسفة والمتكلمة كابن سينا والرازي وغيرهما في اثبات الامكان الخارجي بمجرد امكان تصوره في الذهن كما ان ابن سينا واتباعه لما أداروا اثبات موجودفي الخارج معقول لا يكون محسوسا بحال استدلوا على ذلك بتصور الانسان الكلي المطلق المتناول للافراد الموجودة في الخارج وهذا انما يفيد امكان وجود هذه المعقولات في الذهن فإن الكلي لا يوجد كليا إلا في الذهن وهذا ليس مورود النزاع وإنما النزاع في امكان وجود مثل هذا المعقول في الخارج وليس كل ما تصوره الذهن يكون موجودا في الخارج كما يتصور الذهن فأن الذهن يتصور ما يمتنع وجوده في الخارج كما يتصور الجمع بين النقيضين والضدين

وقد تبعه الرازي على الاستدلال بهذا واستدل هو غيره على امكان ذلك بأن قال يمكن ان يقال الموجود اما ان يكون مجانبا لغيره و اما ان يكون مبائنا لغيره و اما ان لا يكون لا مجانبا لا مبائنا فظنوا انه بامكان هذا التقسيم العقلى يستدل على امكان وجود كل من الاقسام فى الخارج وهذا غلط فان هذا التقسيم كقو ل القائل الموجود اما ان يكون واجبا و اما ان يكون ممكنا وإما ان لا يكون واجبا ولا ممكنا وإما ان يكون قديما وإما ان يكون محدثا وإما ان لا يكون قديما ولا محدثا وإما ان يكون قائما بنفسه وإما ان يكون قائما بغيره وإما ان لا يكون قائما بنفسه ولا بغيره وأمثال ذلك من التقسيمات التي يقدرها الذهن ومعلوم ان هذا لا يدل على إمكان وجود موجود لا واجب ولا ممكن ولا قديم ولا حادث ولا قائم بنفسه ولا بغيره وكذلك ما تقدم فأين طرق هؤلاء في إثبات الامكان الخارجي من طريقة القران


323

محاولتهم معارضة الفطر وتعاليم الرسل

ثم إنهم بمثل هذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية وما جاءت به الرسل من الأخبار الالهية عن الله تعالى واليوم الاخر

وبينوا لرب العالمين من الوجود ما يستلزم الجمع بين النقيضين فيكذبوا بصريح المعقول وصحيح المنقول كقولهم لاهو مبائن للمخلوقات ولا مجانب لها ولا يشار إليه ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصفون بها رب العالمين مما لا يتضمن وصفه بصفة كمال بل يشاركه فيها الممتنعات والمعدومات وتستلزم كون الموصوف بها معدوما بل ممتنعا

ويريدون ان يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة والخيالات الفاسدة اصولا عقلية يعارض بها ما ارسل الله به رسله وأنزل به كتبه من الايات وما فطر الله عليه عباده وما تقوم عليه الأدلة العقلية التي لا شبهة فيها

ولهذا كان أساطين الفلاسفة القدماء وكثير من المتأخرين منهم على خلاف قول هؤلاء النفاة وكانوا أقرب إلى موافقة الأنبياء وأتباع الأنبياء من هؤلاء النفاة من المتفلسفة والجهمية والمتكلمة كما قد بسطت اقوالهم في غير هذا الموضع

والمقصود هنا التنبيه على اصول سلموها أفسدوا بها العلوم العقلية والسمعية فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها ومبنى السمع على تصديق الأنبياء صلواة الله عليهم

كون تعليم الأنبياء جامعا للأدلة العقلية والسمعية جميعا

ثم الأنبياء ص كملوا للناس الأمرين فدلوهم على الأدلة العقلية التي بها تعلم المطالب الالهية التي يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم


324

وليس تعليم الأنبياء ص مقصورا على مجرد الخبر كما يظنه كثير من النظار بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها يعلم العلوم الالهية ما لا يوجد عند هؤلاء البتة فتعليمهم ص جامع للادلة العقلية والسمعية جميعا بخلاف الذين خالفوهم فان تعليمهم غير مفيد للادلة العقلية والسمعية مع ما في نفوسهم من الكبر الذي ما هم ببالغيه كما قال تعالى إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير المؤمن وقال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار المؤمن وقال تعالى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون المؤمن ومثل هذا كثير في القران وقد بسطنا القول فيه في بيان درء تعارض الشرع والعقل

ولهذا لما كانوا يتصورون في اذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج جعلوا علومهم ثلاثة انواع ادناها عندهم الطبيعي وهو ما لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الكلام في الجسم واحكامه واقسامه واوسطها الرياضي وهو ما بتجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج مثل الحساب والهندسة فانه


325

لا يوجد في الخارج ذو مقدار إلا جسما ولكن يجرد المقدار في النفس واعلاها عندهم ما يسمونه علم ما بعد الطبيعة باعتبار الوجود العيني وقد يسمونه العلم الالهي ويسمونه الفلسفة الأولى والحكمة العليا وهو ما تجرد عن المادة في الذهن والخارج

وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في هذه الأنواع لم يجد عندهم علما بمعلومات موجودة في الخارج إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي وما يتبعه من الرياضي وأما الرياضي المجرد في الذهن فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج والذي سموه علم ما بعد الطبيعة وهو ما جردوه عن المادة في الذهن والخارج إذا تدبر لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا أمورا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا كان منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلى او المشروط بسلب جميع الامور الوجودية

فموضوع العلم الالهى الناظر في الوجود ولواحقه هو الوجود الكلى المنقسم الى جوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث وهذا لا وجود له في الخارج وإنما يوجد في الذهن وهو العلم الاعلى عندهم فهذا العلم الاعلى مقدر في الذهن والعلى الاعلى الموجود في الخارج هو الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل قوله سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى الاعلى

وأما واجب الوجود الذي يثبتونه فاما ان يجعلوه وجودا مجردا عن كل قيد ثبوتي وعدمى وإما أن يقولوا بل هو مقيد بالامور السلبية دون الثبوتية كقول ابن سينا وأمثاله وهذا إنما يوجد في الذهن لا في الخارج فانه يمتنع ثبوث موجود خارجي لا يوصف بشئ من الامور الثبوتية أو لا من الثبوتية ولا السلبية بل أي موجود حقير فرضته كان خيرا من هذا الذي لا يوصف بشئ ثبوتي فانه قد شارك ذلك الموجود الحقير في مسمى الوجود ولم يمتز عنه إلا بوصف عدمى


326

وذلك الموجود الحقير امتاز عنه بأمر وجودى الوجود خير من العدم فكان ما امتاز به ذلك الموجود الحقير خيرا مما ميزوا به واجب الوجود يزعمهم وقد بسط هذا في موضع آخر وبين أن ما يثبتونه ويجعلونه واجب الوجود هو ممتنع الوجود ولكن يفرض في الذهن كما يفرض سائر الممتنعات

والمقصود هنا أنهم كثيرا ما يدعون في المطالب البرهانية من الامور العقلية ما يكونوا قد قدروه في أذهانهم ويقولن نحن نتكم في الامور الكلية والعقليات المحضة وإذا ذكر لهم شئ قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك وفي الحقيقة من حيث هى هى ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه في الخارج ويقال يبنوا هذا أي شئ هو فهنالك يظهر بجهلهم وأن ما يقولونه هو امر مقدر في الاذهان لا حقيقة له في الاعيان وهذا مثل ان يقال لهم اذكروا مثال ذلك والمثال امر جزئي فاذا عجزوا عن التمثيل وقالوا نحن نتكم في الامور الكلية فاعلم انهم يتكلمون بلا علم وفيما لا يعلمون ان له معلوما في الخارج بل فيما ليس له معلوم في الخارج وفيما قد يمتنع ان يكون له معلوم في الخارج وإلا فالعلم بالامور الموجودة إذا كان كليا كان له معلومات ثابتة في الخارج

ولفظ الكلى يريدون به ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ثم قد يكون ممتنعا في الخارج كشريك الباري وقد يكون معدوما وإنما يقدره الذهن كما يقدر عنز ايل وهذا تمثيل أرسطو

وقد يكون موجودا في الخارج لكن لا يقبل الشركة وقد يمكن وقوع الشركة فيه ولم تقع وهم يمثلون هذا باسم الاله والشمس ويجعلون مسمى هذا كليا لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما امتنعت الشركة فيه لسبب خارجي فانحصر نوعه في شخصه لا لمجرد تصور معناه وهذا مشهور بينهم

وإنما يصح هذا إذا كان لفظ الاله ولفظ الشمس اسم جنس بحيث لا يقصد به الشمس المعينة ولا الاله المعين المعروف فان الكلى عندهم مثل


327

اسم جنس في اصطلاح النحاة وهو ما علق على الشئ وعلى كل ما اشبهه والناس لا يقصدون بلفظ الشمس إلا الشمس المعينة واللام فيها لتعريف العهد لا للجنس كما قال تعالى وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون الانبياء فمسمى الشمس والقمر هنا جزئي لا كلى بخلاف لفظ الكوكب والنجم ونحو ذلك فانه كلى وكذلك اسم الاله عند المسلمين إنما يريدون به إلههم وهو الله لا إله إلا هو

وعلى هذا فليس هذا ولا هذا كليا مشتركا بل نفس تصور معناه يمنع من وقوع الشركة فيه فهو معين مختص وهو الذي يسمونه الجزئي ليس مطلقا مشتركا وهو الذي يسمونه الكلى

وكان الخسر وشاهى من أعيانهم وأعيان اصحاب الرازي وكان يقول ما عثرنا إلا على هذه الكليات وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول والله ما أدرى ما أعتقد والله ما أدرى ما أعتقد والله ما أدري ما اعتقد

الاستدلال بالكيات على أفرادها استدلال بالخفي على الجلي

والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات هو إذا كان علما فهو مما يعرف ب قياس التمثيل لا يقف على القياس المنطقى الشمولي أصلا بل ما يدعون توقفه على هذا القياس تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس وذلك أيسر وأسهل فيكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالا على الاجلى بالاخفى

وإذا قيل فالبرهان يفيد قضية كلية قيل اما البرهان الذي يستحق اسم البرهان عندهم وهو ما كان مؤلفا من المقدمات اليقينية المحضة الواجب قبولها التي يمتنع


328

نقيضها فانها بهذه المنزلة واما ما لا يكون كذلك بل يكون مؤلفا من القضايا التجريبة العادية كالقضايا الطبيعية والطبية والنحوية ونحو ذلك فهذه كثيرا ما تكون منتقضة ولا يجزم العقل بامتناع انتقاضها إلا بشروط فان العاديات يجوز انتقاضها والقضية الكلية إذا جاز انتقاضها لم يكن عندهم مادة للبرهان بل للجدل والخطابة

فان قيل وأنتم تجزمون بمراد المتكلم بكلامه في غالب المواضع كما تجزمون بمراد الرسول ومراد علماء الشرع والطب والنحو والعلم باللغات مبناه على القضايا العادية قيل الجزم بمراد الشخص المعين ليس هو قضية كلية بل هو علم بمراد شخص معين وهذا وإن كان علمنا بلغته وعادته هو مما يعين على العلم بمراده فلا بد مع ذلك من علم يختص به يعرف أنه إنما تكلمه بتلك العادة ليفهمنا مراده وحينئذ فليس هذا مما نحن فيه ولهذا لا نستدل على هذا بمجرد ما ذكروه من برهانهم

وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلى بالخفي وهذا في صناعة البرهان اشد عيبا فان البرهان لا يراد به إلا به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وإيضاحه فاذا كان هو أوضح وأظهر كان هذا بيانا للجلى بالخفي وأما الحد فالصواب أن المراد به التمييز بينه وبين المحدود لا تعريف الماهية وإذا كان مطلوبه هو التمييز فقد يكون المميز اخفى وقد يكون أجلى

المقدمات الخفية قد تنفع بعض الناس وفي المناظرة

ومع هذا فلما كان الجلاء والخفاء من الامور النسبية فقد ينتفع بالدليل الخفي والحد الخفي بعض الناس وكثير من الناس إذا ذكر له الواضح لم يعبا به وقد لا يسلمه حتى يذكر له دليل مستلزم ثبوته فانه يسلمه وكذلك إذا ذكر له حد يميزه وهذا في الغالب يكون من معاند أو ممن تعودت نفسه انها لا تعلم إلا ما تعنت عليه وفكرت فيه وانتقلت فيه من مقدمة الى مقدمة فان العادة طبيعة ثانية فكثير ممن تعود البحث والنظر صارت عادة نفسه كالطبيعة له لا يعرف ولا يقبل ولا يسلم


329

إلا ما حصل له بعد بحث ونظر بل وجدل ومنع ومعارضة فحينئذ يعرف به ويقبله ويسلمه وإن كان عند اكثر الناس من الامور الواضحة البينة لا تحتاج الى بحث ونظر فالطريق الطويلة والمقدمات الخفية التي يذكرها كثير من النظار تنفع لمثل هؤلاء في النظر وتنفع في المناظرة لقطع المعاند وتبكيت الجاحد

فان السفسطة امر يعرض لكثير من النفوس وهي جحد الحق وهي لفظه معربة من اليونانية أصلها سوفسطيا أي حكمه مموهة فلما عربت قيل سفسطة

وأما ما يذكره طائفة من أهل الكلام وناقلي المقالات أن في الناس رجل يقال له سوفسطا وانه وأصحابه ينكرون جميع الحقائق والعلوم فهذا باطل لا حقيقة له ولا يتصور ان يعيش احد من بني آدم بل ولا من البهائم مع جحد جميع الحقائق والشعور بها فان الانسان مدنى بالطبع فلا بد ان يعرف بعض الناس بعضا ويعرف الانسان جوعه وشبعه وعطشه وريه ولذته وألمه ويميز بين ما يأكله وما لا يأكله وما يلبسه وما لا يلبسه وبين مسكنه ومسكن جاره وبين الليل والنهار وغير ذلك من الامور التي هي ضرورية في الحياة

وكذلك ما يذكرونه ان في السمنية قوم ينكرون من العلوم ما سوى الحسيات حتى ينكروا المتواترات غلط على القوم فانهم انكروا وجود ما لا يمكن الاحساس به لم ينكروا وجود ما لا يحسونه مم به وقد ذكر الامام احمد مناظرتهم للجهم بن صفوان وهي تقتضى ذلك وإلا فهؤلاء من عقلاء


330

الهند وحكمائهم وإن كانوا مشركين يعبدون الاصنام فلا يتصور ان احدهم ينكر ما كان قبل مولده فلا ينكر وجود البلاد والانهار والجبال والدور التي لم يرها ولا ينكر وجود كل إنسان أو بهمة لم يرها فان هذا ليس عليه أحد من بنى آدم بل بنو آدم كلهم متفقون على ان ما شاهدوه علموه بالمشاهدة وما غاب عنهم علموه بالاخبار فلا يتصور ان كل طائفة من الطوائف تتفق على حجد جنس الاخبار

ولكن قد تعرض السفسطة لبعض الطوائف ولبعض الاشخاص في بعض المعارف فان أمراض القلوب كأمراض الاجسام فكما أنها ليس في الوجود أمة ولا شخص يمرض بكل مرض فليس فيهم من هو جاهل بكل شئ وفاسد الاعتقاد في كل شئ وفاسد القصد في كل شئ بل قد يوجد فيهم من هو مريض ببعض الامراض بل قد يوجد بعض الطوائف يكثر فيهم بعض الامراض وهؤلاء المرضى لا ينتفعون بالاغذية الفطرية بل يحتاجون الى علاج وادوية تناسب مزاجهم

وكذلك من كان به سفسطة ومرضت فطرته في بعض المعارف لا يستعمل معه الادلة النظرية بل يستعمل معه نوع من العلاج والادوية فقد تكون الحدود والادلة التي تحوجه الى النظر والفكر إذا تصورها مقدمة مما يزيل


331

سفسطته وتحوجه الى الاعتراف بالحق وهذا بمنزلة من يغلط في الحساب والحساب لا يحتمل وجهين وقد يكون غلطه ظاهرا وهو لا يعرفه أو لا يعترف به فيسلك معه طريق طويل يعرف بها الحق ويقال له أخذت كذا وأخذت كذا فصار كذا وأخذت كذا واخذت كذا فصار كذا

وكذلك للمناظر قد تضرب له الامثال فان المثال يكشف الحال حتى في المعلومات بالحس والبديهة وقد تستسلف معه المقدمات وإلا فقد يجحد إذا عرف أنه يلزمه الاعتراف بما ينكره وهي طريقة المتقدمين من نظار المسلمين وقدماء اليونان في المناظرة يكون المستدل هو السائل لا المعترض فيستسلف المقدمات ويقول ما تقول في كذا وفي كذا أو يقول ليبين كذا وكذا مقدمة مقدمة فاذا اعترف بتلك المقدمات بين ما تستلزمه من النتائج المطلوبه

فيجب الفرق بين ما يقف معرفة الحق عليه ويحتاج اليه وبين ما يعرف الحق بدونه ولكن قد يزال به بعض الامراض ويقطع به بعض المعاندين والله سبحانه اعلم

وكثير من النظار يسلك في معرفة المطلوب طريقا يقولون لا طريق إلا هو وكذلك في الحدود وقد تكون تلك الطريق فاسدة وقد تكون صحيحة ولكن للناس طرق اخرى كما قد يقوله كثير منهم في معرفة الصانع أو معرفة صدق رسوله إنه لا طريق إليها إلا هذه الطريق ويكون للناس طرق خير منها

كتاب الآراء والديانات للنوبختي

وكنت قد علقت الكلام على أهل المنطق في مجلس واحد بسرعة لسبب اقتضى ذلك ثم بعد مدة نظرت في كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختى فرأيته قد ذكر نحو هذا المعنى عمن تقدم من متكلمى المسلمين فانه


332

ذكر كلام أرسطوا مختصرا

اختلاف الفلاسفة فيما بينهم

وأرسطو هو المعلم الاول لاصحاب هذه التعاليم الذي يسمون المشائين وهم اصحاب هذا المنطق اليوناني الذي وضعه ارسطو وما يتبعه من الطبيعي والالهي فان الفلاسفة ليسوا امة واحدة لها مقالة في العلم الالهي والطبيعي وغيرهما بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله اعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى اضعافا للضاعفة

كلما كان القوم عن اتباع الرسل أبعد كان اختلافهم اكثر

فان القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب المنزلة كان أعظم في تفرقهم واختلافهم فانهم يكونوا أضل كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن ابي امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم قرأ قوله ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون الزخرف إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم البقرة


333

ولهذا قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا النساء وقد أنزل مع رسله الكتاب والميزان كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز الحديد وقال الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان

والميزان قال كثير من المفسرين هو العدل وقال بعضهم هو ما به توزن الامور وهو ما به يعرف العدل وكذلك قالوا في قوله والسماء رفعها ووضع الميزان الرحمن الامثال المضروبة والاقيسة العقلية التي تجمع بين المتماثلات وتفرق بين المختلفات وإذا أطلق لفظ الكتاب كما في قوله وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه البقرة دخل فيه الميزان لان الله تعالى بين في كتابه من الامثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل

وهذا كلفظ الحكمة تارة يقرن ب الكتاب كما في قوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة النساء وتارة يفرد الكتاب كقوله الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب الكهف وإذا افرد دخلت الحكم في معناه وكذلك في لفظ القرآن والايمان قال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم


334

الشورى وإذا أفرد لفظ القرآن فهو يدل على الايمان كما الايمان يدل على القرآن فهما متلازمان وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا وقد امر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ال عمران وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء الانعام وقال ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ال عمران وقد اخبر ان اهل الرحمة لا يختلفون فقال تعالى ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك هود

ولهذا يوجد اتبع الناس للرسول اقلهم اختلافا كأهل الحديث والسنة فانهم اقل اختلافا من جميع الطوائف ثم من كان إليهم اقرب من جميع الطوائف المنتسبة الى السنة كانوا أقل أختلافا فأما من بعد من السنة كالمعتزلة والرافضة فتجدهم اكثر الطوائف اختلافا

كثرة اختلاف الفلاسفة

وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره احد وقد ذكر ابو الحسن الاشعري في كتاب المقالات مقالات غير الاسلاميين عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي وابن سينا وامثالهما وكذلك القاضي ابو بكر بن الطيب في كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجدمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة ذكروا انواعا من المقالات وردوها


335

ولكن مذهب الفلاسفة الذين نصره الفارابي وابن سينا وأمثالها كالسهروردي وردى المقتول على الزندقة وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب المشائين اتباع ارسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب


336

مقاصد الفلاسفة وعليه رد في التهافت وهو الذي يذكره الرازي في الملخص و المباحث المشرقية ويذكره الامدى في دقائق الحقائق ورموز الكنوز وغير ذلك

وعلى طريقهم مشى ابو ابركات صاحب المعتبر لكن لم يقلدهم تقليد غيره بل اعتبر ما ذكروه بحسب نظره وعقله وكذلك الرازي والامدى يعترضان عليهم في كثير مما يذكرونه بحسب ما يسنح لهم وابن سينا ايضا قد يخالف الاولين في بعض ما ذكروه ولهذا ذكر في كتابه المسمى ب الشفاء ان الحق الذي ثبت عنده ذكره في الحكمة المشرقية والسهروردي ذكر ما ثبت عنده في حكمة الاشراق والرازي في المباحث المشرقية

واتباع ارسطو من الاولين اشهرهم ثلاثة برقلس والاسكندر الافرديوسي وثامسطيوس صاحب الشروح والترجمة واذا قال الرازي في كتبه اتفقت الفلاسفة فهم هؤلاء والا فالفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والالهيات وفي الهيئة ايضا وقد ذكروا انه اول من قال منهم بقدم العالم ارسطو


337

وقد ذكر محمد بن يوسف العامري وهو من المصنفين في مذاهبم ان قدماءهم دخلوا الشام واخذوا عن اتباع الانبياء داود وسليمان وان فيثاغورس معلم سقراط اخذ عن لقمان الحكيم وسقراط هو معلم افلاطن وافلاطن معلم ارسطو

والمقصود هنا ان نظار المسلمين ما زالوا يصنفون في الرد عليهم في المنطق وغير المنطق ويبينون خطاهم فيما ذكروه في الحد والقياس جميعا كما يبينون خطأهم في الالهيات وغيرها ولم يكن احد من نظار المسلمين يلتفت الى طريقتهم بل المعتزلة والاشعرية والكرامية والشيعة وسائر طوائف النظر كانوا يعيبونها و يثبتون فسادها واول من خلط منطقهم بأصول المسلمين ابو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره

كلام النوبختي في الرد على المنطق

وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب اهل الكلام لكن اتفق اني رايت هذا الفصل اولا في كلام النوبختي فانه بعد ان ذكر طريقة ارسطو في المنطق قال

وقد اعترض قوم من متكلمي اهل الاسلام على اوضاع المنطق هذه وقالوا اما قول صاحب المنطق ان القياس لا يبنى من مقدمة واحدة فغلط لان القائل اذا اراد مثلا ان يدل على ان الانسان جوهر فقال استدل على نفس الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين وهو ان يقول ان الدليل على ان الانسان جوهر انه يقبل المتضادات في ازمان مختلفة وليس يحتاج الى مقدمة ثانية هي قول القائل ان كل قابل للمتضادات في ازمان مختلفة فجوهر لان دلالته على ان كل قابل للمتضادات في ازمان مختلفة فجوهر هو نفس ما خولف فيه واراد الدلالة عليه لان الخاص داخل في العام فعلى ايهما دل استغنى عن الاخر وقد يستدل الانسان اذا شاهد الاثر على ان له مؤثرا والكتابة على ان لها


338

كاتبا من غير ان يحتاج في استدلاله على صحة ذلك الى المقدمتين قالوا فنقول انه لا بد من مقدمتين فاذا ذكرت احداهما استغنى بمعرفة المخاطب بالاخرى فترك ذكرها لا لانه مستغن عنها

قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لان القائل اذا قال الجوهر لكل حي والحيوة لكل انسان فتكون النتيجة ان الجوهر لكل انسان فسواء في العقول قول القائل الجوهر لكل حي وقوله لكل انسان

قلت معنى ذلك انا اذا قلنا كل انسان حي وكل حي جوهر كما يقولون كل انسان حيوان وكل حيوان جوهر او جسم فسواء في العقول علمنا بان كل انسان جوهر او جسم وعلمنا بأن كل حيوان جوهر او جسم فمن علم ان كل حيوان جوهر فقد علم ايضا ان كل إنسان جوهر

ومقصوده أنهم لا يجدون مقدمتين أوليتين بديهيتين يستدل بهما على شئ من موارد النزاع التي تحتاج الى البرهان بل لا بد ان يكون إحداهما او كلاهما غير بديهية ومتى قدر أنهما بديهيتان فاحداهما تكفى كما ذكره من المثال وإن قدرت إحداهما نظرية فهى التي يحتاج الى بيانها وإذا كانتا جميعا نظريتين احتيج الى بيانهما جميعا كما لو كانت ثلاث مقدمات وما يحتاج الى انه يستدل عليه ثم يستدل به وإنما يستدل إبتداء بما هو بين بنفسه كالبديهيات

قال ولا يجدون في المطالب العلمية ان المطلوب يقف على مقدمتين بينتين بأنفسهما بل إذا كان الامر كذلك كانت إحداهما كافية

قال ونقول لهم أرونا مقدمتين أوليتين لا تحتاجان الى برهان يتقدمهما يستدل بهما على شئ مختلف فيه وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة فاذا كنتم لا تجدون ذلك بطل ما ادعيتموه

قال أبو محمد الحسن بن موسى النوبخي وقد سألت غير واحد من رؤسائهم


339

ان يوجد بينة فما أوجد بينة

قال فما ذكره أرسطو طاليس غير موجود ولا معروف

قال وأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين فهما غير مستعملين على ما بناهما عليه وإذا كانا يصحان بقلب مقدماتهما حتى يعودا الى الشكل الاول فالكلام حينئذ في الشكل الاول هو الكلام فيهما

وذكر كلاما آخر ليس هذا موضعه ومقصوده ان سائر الاشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل الاول إما بقياس الخلف الذي يتضمن إثبات الشئ بابطال نقيضه وإما بواسطة حكم نقيض القضية أو عكسها المستوى أو عكس نقيضها فبيان الاشكال ونتاجها فيه كلفة ومشقة مع انه لا حاجة اليها فان الشكل الاول يمكن ان يستعمل فيه جميع المواد الثبوتية والسلبية الكلية والجزئية وقد عرفت انتفاء فائدته فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد إلا بالرد اليه أولى وأحرى

والمقصود هنا ان هذه الامة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفظن لما في كلام اهل الباطل من الباطل ويرده وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيا وراية من غر تشاعر ولا تواطؤ

بطلان دعواهم ان النتائج النظرية تحتاج الى مقدمتين

وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه فان القياس مشتمل على مقدمتين صغرى وكبرى فالكبرى هي العامة والصغرى اخص منها كما إذا قلت كل نبيذ خمر وكل خمر حرام فان النبيذ المتنازع فيه اخص من الخمر والخمر اخص من الحرام فالاول هو الحد الاصغر والاخر هو الحد الاكبر والاوسط المتكرر فيهها هو الحد الاوسط وحاصل القياس إدراج خاص تحت عام

ومعلوم ان من علم العام فقد علم شموله لافراده ولكن قد يعزب عنه دخول


340

بعض الافراد فيه إما لعزوب علمه بالعام او لعزوب علمه بالخاص كما مثله المنطقيون ابن سينا وغيره فيمن ظن ان هذه الدابة تحمل فيقال له اما تعلم ان هذه بغلة فيقول نعم ويقال له اما تعلم ان البغلة لا تحمل فحينئذ يتفطن لانها لم تحمل فهذا وان ذكر بشيء كان غافلا عنه لم يستفد بذلك علم ما لم يكن يعلمه فان لم يخطر بقلبه هذا لم يلزم من علمه بأنها بغلة انها لا تحمل

لكن هذا قد لا يحتاج الا الى مقدمة واحدة وهي التي يذكرها فانه ان كان يعلم ان هذه الدابة بغلة ونسى ان البغلة لا تحمل بحمل وهو قد جهل او نسى ان هذه بغلة عرف بهذه وحدها

وقد تنازع في هذا الموضع طائفتان ابن سينا ومن معه والرازي ومن معه وسبب نزاعهما الاصل الفاسد الذي اخذوه تقليدا لارسطو فقال ابن سينا لا بد مع المقدمتين من التفطن لاندراج الخاص تحت العام ومثله بهذا فقال قد يكون الرجل يعلم ان هذه الدابة المعينة بغلة ويعلم ان البغلة لا تحمل لكن يذهل عن دخول هذا المعين تحت ذلك العام فاذا تفطن لذلك حصل النتاج والا فلا

وقال الرازي وهذا يقتضى انه لا بد من ثلاث مقدمات مقدمة بأن يعلم ان هذه بغلة ومقدمة ان البغلة لا تحمل ومقدمة ان هذا يتناول هذا واختار انه لا يحتاج الا الى مقدمتين ان هذه بغلة وان البغلة لا تحمل وانه اذا كان غافلا عن هذه الكلية لم يكن عالما بها بالفعل فاذا صار عالما بها بالفعل بحيث تكون حاضرة في ذهنه امتنع مع ذلك ان لا يعلم ان هذه البغلة لا تحمل

وفصل الخطاب ان المطلوب قد يحتاج الى مقدمة والى اثنتين والى ثلاث والى اربع فأصل الاضطراب دعواهم ان النتائج النظرية تحتاج الى مقدمتين وتكفى فيها مقدمتان فجعلوا لا بد في كل مطلوب نظري من مقدمتين وادعوا انه يكفى في كل مطلوب نظري مقدمتان وكلا الامرين باطل


341

فالشخص المعين إذا راى دابة وظنها حاملا إن كان ممن لم يعلم أنها بغلة ولم يعلم أن البغال عقم او يعلم الامرين ونسيهها او نسى احدهما وجهل الاخر فانه يحتاج الى العلم بمقدمتين وتذكر المنسي نوع من العلم يحتاج ان يعلم انها بغلة ويعلم ان البغلات لا يحملن وإن كان يعلم ان البغلة لا تحمل لكن لم يعرف انها بغلة احتاج الى مقدمة واحدة فاذا قيل له هذه بغلة فاذا عرف انها بغلة وفي نفسه معلوم ان البغلة لا تحمل علم ان هذه المعينة لا تحمل وإن كان يعلم ان هذه بغلة وقد علم قديما ان البغلة لا تحمل لكن عزب هذا العلم عن ذهنه في هذا الوقت ونسيه فهذا قد نسى علمه والنسيان من اضداد العلم فاذا ذكر بعلمه ذكره فاذا ذكر أن البغلة لا تحمل حصل له مقدمة واحدة

والعلم يحصل بالعلم بالدليل لمن لم يكن عالما به قط ولمن يذكره بعد النسيان إذا كان قد علمه ثم نسيه ولهذا قال سبحانه أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ق فبين سبحانه ان آياته تبصرة وتذكرة فالتبصرة بعد العمى وهو الجهل والتذكرة بعد النسيان وهو ضد العلم

وهؤلاء لما تقلدوا قول من يقول إنه لا بد من مقدمتين وبهما يحصل النتاج فرأى بعضهم ان المقدمتين معلومتان لهذا الظان أن هذه البغلة حامل مع عدم العلم قال فلا بد من التفطن فيقال له ما ذكرته من التفطن هو الذي يحتاج اليه هذا لا يحتاج الى شئ من المقدمات غير هذه وهذا التفطن هو تذكر ما نسيه وهو مقدمة واحده

ومن قال إن هذا هو إحدى المقدمتين فقد أصاب في ذلك لكن يقال له لا تحتاج إلا الى هذه المقدمة فقط لا تحتاج الى غيرها وهذا الظان متى حضر في


342

ذهنه أن هذه بغلة وان البغلة لا تحمل لزم قطعا ان يحضر في ذهنه انها لا تحمل

فالمدلول لازم للدليل فمتى تصور الانسان الدليل ولزوم المدلول له تصور المدلول فاذا تصور انها بغلة وتصور لازم ذلك وهو نفى الحمل عن البغلة تصور قطعا نفيه عن هذه فأما مجرد الدليل بدون تصور لزوم المدلول له فلا يحصل به العلم واللوازم البين لزومها للدليل تعلم بمجرد العلم به وبلزومها له واللوازم الخفية التي يفتقر العلم بلزومها الى وسط وهو دليل ثان على اللزوم يقف على ذلك والاذهان في هذا متفاوقة فقد يحتاج هذا الذهن في معرفة اللزوم الى وسط وهو الدليل والاخر لا يحتاج اليه

وقد تنازع النظار في العلم الحاصل بالدليل هل هو لزومه عن الدليل لزوما عاديا كما يقولونه في الشبع مع الاكل أو لزوما عقليا يسمى التضمن بحيث لا يمكن الانفكاك عنه كما يمتنع وجود العلم والارادة بدون الحيوة

والاول قول قدماء النظار كالاشعري وغيره ولهذا جعله المعتزلة من باب التولد وهذا كالرؤية مع التحديق وكالسمع مع الاصغاء وإلا فحصول العلم بالدليل دون المدلول عليه ليس ممتنعا لذاته بل الاول سبب للثاني ومقتض له وموجب له بحكم سنة الله تعالى في عباده بخلاف الحيوة مع العلم فان الاول شرط للثاني ولهذا كان العلم يوجد مع الحيوة ليست الحيوة متقدمة عليه كما يتقدم العلم بالدليل على العلم بالمدلول عليه

ونظار المسلمين مع تنازعهم في هذا متفقون على ان الدليل مقدمة واحدة كما ذكرناه وما ذكروه من البغلة موجود في سائر النظريات فان الانسان قد يعلم الخاص ولا يعلم العام وقد يعلم العام ولا يعلم الخاص كما قد يعلم ان هذه بغلة ولا يعلم ان البغلة لا تحمل وقد يعلم أن البغلة لا تحمل ولا يعلم ان هذه بغلة ولا يجب ان يكون علمه بالخاص مقدما على العام ولا متاخرا بل قد يتفق في بعض الناس علمه بالخاص قبل العام وفي بعض الناس يعلم العام قبل الخاص


343

وكذلك المعينات وذلك أن علمه بأن هذه البغلة لا تحمل كعلمه بأن هذه لا تحمل وبأن هذه لا تحمل فلا يجب أن يعلم ان هذا المعين مثل هذا المعين بل قد يعلم احد المعينين ولا يعلم الاخر ولا يجب ان يكون علمه بالمعينات قبل علمه بالقضية العامة ولا ان يكون بالمعينات أعلم ولا يجب ان يكون بالقضية العامة الكلية التي يستفيد بها العلم بحكم الققضايا المعينة اعلم منه بوصف القضايا المعينة أي لا يجب ان يكون علمه بأن كل بغلة لا تحمل اقوى ولا يجب ان يكون العلم العام الذي يفيده علم المعينات في نفسه اسبق من علم معين علم به انها بغلة أي العلم بأن البغلة لا تحمل لا يجب ان يكون اقوى ولا اسبق في الذهن من العلم بأن هذه الدابة بغلة بل قد يجهل انها بغلة كما قد يجهل أن البغلة لا تحمل فاذا قدر انه يعلم ان البغلة لا تحمل ومستنده في ذلك ما اشتهر من خبر الناس فذلك يتناول المعين كتناوله لما هو اعم منه مثل تناوله للبغلات الحمراء والسوداء ولما تكون امه اتانا فلو خطر له ان ما تكون امه اتانا وابوه حصانا يحمل قيل له اما تعلم ان هذا البغلة وان البغلة لا تحمل

وان كان مستنده في ان البغلة لا تحمل هو تجربته فالتجربة لا تكون عامة وانما جرب ذلك في بغلات معينة فما به يعلم مساواة سائر البغلات لها يعلم مساواة هذه البغلة لها

واعتبر هذا بنظائره يتبين لك انه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي بل يكون استعماله تطويلا وتكثيرا للفكر والنظر والكلام بلا فائدة وان الحاجة الى المقدمات بحسب حال المستدل فقد يحتاج تارة الى مقدمة وتارة الى ثنتين وتارة الى ثلاث وتارة الى اكثر من ذلك وانه تارة يجهل كون المعين بغلة واذا كان كذلك فمتى علم ان هذه بغلة علم انها لا تحمل اذا كان قد حصل في نفسه علم عام يتناول جميع البغلات واذا علم المعين وهو انها بغلة ولم يعلم المطلق لم يحتج الا الى علم العام وهو ان البغلة لا تحمل واعتبر هذا بسائر الامور تجده كذلك


344

الوجه الثالث

عدم دلالة القياس البرهاني على اثبات الصانع

الوجه الثالث ان القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة وانما تكون كلية في الاذهان لا في الاعيان واما الموجودات في الخارج فهي امور معينة كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشاركه فيها غيره فحينئذ لا يمكن الاستدلال ب القياس على خصوص وجود معين وهم معترفون بذلك وقائلون ان القياس لا يدل على امر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وانما يدل على كلي والمراد بالجزئي ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وكل موجود له حقيقة تخصه يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها فاذن القياس لا يفيد معرفة امر موجود بعينه وكل موجود فانما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات وانما يفيد امورا كلية مطلقة مقدرة في الاذهان لا محققة في الاعيان

وقد بسطنا الكلام على هذا وغيره في غير هذا الموضع وبين ان ما يذكره النظار من الادلة القياسية التي يسمونها براهين على اثبات الصانع سبحانه وتعالى لا يدل شيء منها على عينه وانما يدل على امر مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه

فانا اذا قلنا هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث او ممكن والممكن لا بد له من واجب انما يدل هذا على محدث مطلق او واجب مطلق ولو عين بأنه قديم ازلي عالم بكل شيء وغير ذلك فكل هذا انما يدل فيه القياس على امر مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وانما يعلم عينه بعلم اخر يجعله الله في القلوب وهم معترفون بهذا لان النتيجة لا تكون ابلغ من المقدمات والمقدمات فيها قضية كلية لا بد من ذلك والكلي لا يدل على معين

وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الايات كقوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار الى قوله لقوم يعقلون البقرة


345

وقوله ان في ذلك لايات لقوم يعقلون لقوم يتفكرون وغير ذلك فانه يدل على المعين كالشمس التي هي اية النهار وقال تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا الاسراء والدليل اتم من القياس فان الدليل قد يكون بمعين على معين كما يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة ف الايات تدل على نفس الخالق سبحانه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره فان كل ما سواه مفتقر اليه نفسه فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه

الكلام على علة الافتقار الى الصانع

وقد بسط الكلام على هذا في مواضع مثل ما ذكرناه من طرق اثبات العلم بالصانع والطرق التي سلكها عامة النظار في هذا المطلوب والكلام على المحصل وغير ذلك فان المتأخرين من النظار تكلموا في علة الافتقار الى المؤثر وان شئت قلت الى الصانع هل هو الامكان او الحدوث او مجموعهما

فالاول قول المتفلسفة المتأخرين ومن وافقهم كالرازي ومقصودهم بذلك ان مجرد الامكان بدون الحدوث يوجب الافتقار الى الصانع فيمكن كون الممكن قديما لا محدثا مع كونه مفتقرا الى المؤثر وهذا القول مما اتفق جماهير العقلاء من الاولين والاخرين على فساده حتى ارسطو وقدماء الفلاسفة ومن اتبعه من متأخريهم كابن رشد الحفيد وغيره كلهم يقولون ان ما امكن وجوده وامكن عدمه لا يكون الا محدثا وانما قال هذا القول ابن سينا وامثاله واتبعهم الرازي وامثاله وهؤلاء يجعلون الشيء الممكن مفتقرا الى الفاعل في حال بقائه فقط فانه لم يكن له حال حدوث ولهذا لما جعلوا مثل هذا ممكنا اضطرب كلامهم في الممكن وورد عليهم اشكالات لا جواب لهم عنها كما ذكر في كتبه كلها الكبار والصغار ك الاربعين ونهاية العقول والمطالب العالية والمحصل وغيرها وقد بسطناه في غير هذا الموضع


346

والقول الثاني ان علة الافتقار مجرد الحدوث وان المحدث يفتقر الى الفاعل حال حدوثه لا حال بقائه وهذا قول طائفة من اهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهذا ايضا قول فاسد

والقول الثالث ان علة الافتقار هي الامكان والحدوث ولم يجعل احدهما شرطا في الاخر وقد يجعل احد الشطرين وقد بينا في غير هذا الموضع ان كل واحد من الحدوث والامكان دليل على الافتقار الى الصانع وان كانا متلازمين فاذا علمنا ان هذا محدث علمنا انه مفتقر الى من يحدثه واذا علمنا ان هذا ممكن وجوده وممكن عدمه علمنا انه لا يرجح وجوده على عدمه الا بفاعل يجعله موجودا

وكونه مفتقرا الى الفاعل هو من لوازم حقيقته لايحتاج ان يعلل بعلة جعلته مفتقرا بل الفقر لازم لذاته فكل ما سوى الله فقير اليه دائما لايستغني عنه طرفة عين وهذا من معاني اسمه الصمد ف الصمد الذي يحتاج اليه كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكما ان غنى الرب ثبت له لنفسه لا لعلة جعلته غنيا فكذلك فقر المخلوقات وحاجتها اليه ثبت لذواتها لا لعلة جعلتها مفتقرة اليه

فمن قال علة الافتقار الى الفاعل هي الحدوث أو الامكان أو مجموعهما إن اراد ان هذه المعاني جعلت الذات فقيرة لم يصح شئ من ذلك وإن أراد أن هذه المعاني يعلم بها فقر الذات فهو حق فكل منهما مستلزم لفقر الذات وهي مفتقرة اليه حال حدوثها وحال بقائها لا يمكن استغناؤها عنه لا في هذه الحال ولا في هذه الحال

وأما تقدير ممكن يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما مع انه واجب الوجود لغيره أزلا وابدا فهذا جمع بين المتناقضين فان ما يجب وجوده أزلا وأبدا لا يقبل العدم أصلا وقول القائل إنه باعتبار ذاته مع قطع النظر


347

عن موجبه يقبل الوجود والعدم باطل لوجوه

منها ان هذا مبنى على أن له ذاتا محققة في الخارج غير الموجود المعين وأن تلك الذات تكون ثابتة مع عدمه وهذا باطل بل ليس له حقيقة في الخارج إلا الموجود الثابت في الخارج وما يكون حقيقة الوجود لا يقبل العدم اصلا فليس في الخارج ماهية ثابتة تكون ثابتة في الخارج في حال العدم حتى يقال إن الوجود يعرض ولكن الذات المعلومة المتصورة في الذهن تكون تارة موجودة في الخارج وتارة معدومة

وقد بسط هذا في غير هذا الموضع فان هذا يتعلق بقول من يقول المعدوم شئ من المعتزلة وغيرهم ويقول من يقول الماهيات ثابتة في الخارج وهي الموجودات المعينة كقول من يقول ذلك من المتفلسفة ومن وافقهم وكلاهما باطل بل الفرق المعقول هو الفرق بين ما يعلم في الاذهان وبين ما يوجد في الاعيان فاذا قيل لما يعلم في الذهن إنه شئ في الذهن او العلم او ثابت في العلم او الذهن او سمى ذلك ماهية وقيل إن المثلث تثبت ماهيته في الذهن مع الشك في وجوده فهذا صحيح وأما إذا قيل في الخارج ذات ثابتة لا موجودة أو في الخارج ماهيه المثلث او غيره ثابتة مع انه ليس موجودا فهذا باطل يعلم بطلانه بالتصور الجيد السليم والدلائل الكثيرة كما قد بسط في موضعه

ومنها أنه لو فرض ان ل الممكن ذاتا غير وجوده فاذا كان الموجود لازما لها أبدا وأزلا واجبا بغيرها لم تقبل هذه الذات ان تكون معدومة قط وقول القائل هى في نفسها ليس لها وجود إذا قدر أن هناك ذاتا غير الوجود لا يقتضى أنه يمكن عدمها ويمكن وجودها مع القول بوجوب وجودها أزلا وأبدا

ومنها ان الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله المعين لا يجوز مقارنته له في الزمان وما يذكرونه من تقدم حركة اليد على حركة الخاتم ونحو ذلك ويجعلونه تقدما بالعلة ليس في شئ من ذلك علة فاعلة اصلا وإنما ذلك شرط في هذا ولا يمكن أحدا


348

قط أن يبين في الوجود علة فاعلة لمعلول مفعول مع مقارنتها له في الزمان اصلا وإنما يمكن المقارنة بين الشرط والمشروط ولكن لفظ العلة فيه إجمال يراد به الفاعل ويراد به القابل والشروط

وهذا أيضا مما حصل فيه تلبيس في صفات واجب الوجدود لما قالوا لو كانت له صفات لكانت معلولة للذات والواجب لا يكون معلولا فيقال لهم واجب الوجود قد يعنى به ما لايحتاج الى فاعل فالصفات واجبة بهذا الاعتبار وقد يعنى به ما لا يفتقر الى محل وعلى هذا فالذات واجبة وأما الصفات فليست واجبة بهذا التفسير والبرهان قام على ان الممكنات لا بد لها من فاعل لا يفتقر الى ما سواه لم يقم على ان صفاته كذاته لا تفتقر الى محل وهذه الامور مبسوطة في موضعها

الكلام على جنس القياس والدليل مطلقا

والمقصود هنا الكلام على جنس القياس والدليل مطلقا وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على ما ذكروه من أن الاستدلال تارة يكون بالعام على الخاص وهو القياس وتارة بالخاص على العام وهو الاستقراء وتارة بأحد الخاصين على الاخر وهو التمثيل وبينا فساد هذا الحصر والتقسيم وفساد ما ذكر في حكم الاقسام فان من أنواع الاستدلال ما يستدل فيه بمعين على معين وبالمساوى على المساوى سواء كان معينا أو كليا

فليس من ضرورة الدليل أن يكون أعم أو اخص بل لا بد في الدليل من أن يكون ملزوما للحكم والملزوم قد يكون اخص من اللازم وقد يكون متساويا له ولا يجوز ان يكون أعم منه لكن قد يكون اعم من المحكوم عليه الموصوف الذي هو موضوع النتيجة المخبر عنه

فان المطلوب الذي هو النتيجة إذا كانت هو أن النبيذ المسكر المتنازع فيه حرام فاستدل على ذلك بان النبيذ المسكر خمر بالنص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر رواه مسلم وغيره ف الخمر أعم من النبيذ المتنازع فيه


349

أخص من الحرام والحرام هو الحكم وهو الخبر وهو الصفة وهو المطلوب بالدليل وهو الذي يسمونه الحد الاكبر ويسمونه محمول النتيجة والنبيذ هو المحكوم عليه وهو المخبر عنه وهو الموصوف وهو محل الحكم وهو الذي يسمونه الحد الاصغر وموضوع النتيجة والخمر هو الدليل وهو الحد الاوسط والمطلوب بالدليل معرفة الحكم لا معرفة عينة فهذا الدليل يجب أن لا يكون أخص من محل الحكم بل يكون إما مساويا له وإما أعم منه لانه لا بد ان يشمل جميع محل الحكم فاذا كان اخص لم يشمله

ويجب ان لا يكون أعم من الحكم بل يكون إما مساويا له وإما اخص منه لانه مستلزم للحكم والحكم لازم له فاذا كان أعم منه امكن وجوده بدون وجود الحكم فلا يصلح أن يكون دليلا مستلزما له فلا بد في الدليل أن يكون مساويا للحكم أو أخص منه ليكون مستلزما له ولا بد ان يكون أعم من المحكوم عليه او مساويا له ليتناول جميع صور المحكوم عليه وإلا لم يكن دليلا على حكمه بل على حكم بعضه

والناس هنا قد يضطرب أذهانهم في الدليل هل يجب ان لا يكون اعم من المدلول عليه أو لا يكون اخص وسبب ذلك أن المدلول عليه قد يعنى به الحكم نفسه وقد يعنى به المحكوم عليه فاذا أقمنا الدليل على ان النبيذ حرام فقد يقال المدلول عليه هو النبيذ وهذا يجب أن لا يكون أعم من الدليل بل إما مساويا وإما أخص وقد يقال المدلول عليه هو الحكم وهو حرمة النبيذ وهذا الحكم يجب ان لا يكون اخص من الدليل بل يكون إما مساويا له وإما أعم منه لان الحكم لازم للدليل والدليل لازم للمحكوم عليه فلا بد ان يكون المحكوم عليه مستلزما للدليل بحيث يكون حيث وجد وجد الدليل ليشمله الدليل ولا بد أن


350

يكون الحكم لازما للدليل بحيث يكون حيث تحقق الدليل تحقق الحكم حتى يثبت الحكم في جميع صور المحكوم عليه

وإذا كان كذلك فقد يستدل بالمعين على المعين المساوى له في العموم والخصوص كالاستدلال باحدى كواكب السماء على الملازم كما يستدل بالجدى على بنات نعش وببنات نعش على الجدى ويستدل بالجدى على جهة الشمال وبجهة الشمال على الجدى ويستدل بالشمس على المشرق وبالمشرق على الشمس ومن هذا الباب ما ذكر من اخبار نبينا صلى الله عليه وسلم في كتب الانبياء قبله فانها صفات مطابقة له ليست اعم منه ولا أحص منه وكذلك سائر الامور المتلازمة فانه يستدل بأحد المتلازمين على ثبوت الاخر وبانتفائه على انتفائه فاذا كان المدلول معينا كانت الاية معينة

وقد تكون الاية تستلزم وجود المدلول من غير عكس كآيات الخالق سبحانه وتعالى فانه يلزم من وجوده وجدوده ولا يلزم من وجوده وجودها وهي كلها آيات دالة على نفسه المقدسة لا على أمر كلى لا يمنع تصوره من وقوع الاشتراك فيه بينه وبين غيره بل ذلك مدلول القياس

والقرآن يستعمل الاستدلال ب الايات ويستعمل ايضا في إثبات الالهية قياس الاولى وهو أن ما ثبت لموجود مخلوق من كمال لا نقص فيه فالرب احق به وما نزه عنه مخلوق من النقائص فالرب أحق بتنزيهه عنه كما ذكر سبحانه وتعالى هذا في محاجته للمشركين الذين جعلوا له شركاء فقال ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم الروم

وقال تعالى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم


351

النحل وقال أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى النجم وكذلك في إثبات صفاته وإثبات النبوة والمعاد كما قد بسط في موضعه

وأما القياس الذي يستوى افراده ويماثل الفرع فيه أصله فهذا يمتنع استعماله في حق الله تعالى فان الله لا مثل له سبحانه وتعالى وإذا استعمل فيه مثل هذا القياس لم يفد إلا أمرا كليا مشتركا بينه وبين غيره لا يدل على ما يختص به الرب سبحانه إلا أن يضم اليه علم آخر فان هذا الكلى الذي هو مدلول القياس قد انحصر نوعه في شخصه وهذا ايضا لا يفيد التعيين بل لا بد في التعيين من علم آخر

الوجه الرابع

التصور التام للحد الاوسط يغنى عن القياس المنطقي

الوجه الرابع أن يقال القياس ثلاثة انواع قياس التداخل وقياس التلازم وقياس التعاند باعتبار القضايا الحملية والشرطية المتصلة والشرطية المنفصلة ومن ذلك تعرف المختلطات فنقول مثلا في قياس التداخل له ثلاثة حدود الحد الاصغر والحد الاوسط والحد الاكبر إذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام ف المسكر مثلا هو الحد الاصغر والخمر الاوسط والحرام الاكبر والاصغر لا بد ان يكون داخلا في الاوسط لانه اخص منه او مساويا له والشئ يدخل في أكثر منه وفي نظيره كما يدخل الانسان في الحيوان فان الحيوان اعم وكذلك الانسان والناطق والضحاك متلازمة فكل منها يتناول الاخر فكذلك التداخل في الاحكام الشرعية فان من شرب الخمر ثم شرب ثم شرب كفاه حد


352

واحد والنتيجة المطلوبة هى كل مسكر حرام

والنظر نوعان أحدهما النظر في المسئلة التي هي القضية المطلوب حكمها ليطلب دليلها الذي هو الحد الاوسط مثلا وهذا هو النظر الذي لا يجامع العلم بل يضاده لان هذا الناظر طالب للعلم بها ولو كان عالما بها لم يطلب العلم لان ذلك تحصيل الحاصل والثاني النظر في الدليل وهو العلم بالدليل المستلزم للعلم بالمدلول عليه وهو تصور الحد الاوسط المستلزم لثبوت الاكبر للاصغر مثل من يعلم ان الخمر حرام وأن كل مسكر خمر فيلزم أن يعلم أن كل مسكر حرام وهذا النظر هو ترتيب المقدمتين في النفس وهذا النظر هو الذي يوجب العلم ولا ينافى العلم

وللناس في هذا الباب اضطراب عظيم هل النظر مفيد للعلم أو غير مفيد وهل هو ضد العلم ام لا وأمثال ذلك وكثير من النظار يقول في مصنفه إن النظر يضاد العلم ويقول ايضا إنه مستلزم للعلم وهذا تناقض بين فان ملزوم الشئ لا يكون مضادا له لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده فذاك هو النظر الاستدلالى وهذا هو النظر الطلبي ذاك هو نظر في الدليل فاذا تصوره وتصور استلزامه للحكم علم الحكم والنظر الطلبي نظر في المطلوب حكمه هل يظفر بدليل يدله على حكمه أو لا يظفر كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده وقد يعرض عنهما فان الاول انتقال من المبادئ الى المطالب والاخر انتقال من المطالب الى المبادئ

وتحقيق الامر ان النظر نوعان بمنزلة نظر العين وهو نوعان احدهما التحديق لطلب الرؤية وهو بمنزلة تحديق القلب في المسئلة لطلب حكمها وهذا قد يحصل معه العلم وقد لا يحصل ولا يكون طالب العلم حين الطلب عالما بمطلوبة تصديقا كان علمه أو تصورا على رأى من جعل التصور المطلوب خارجا عن التصديق والثاني نفس الرؤية وهو بمنزلة رؤية الدليل كترتيب المقدمتين والظفر بالحد الاوسط


353

فهذا يوجب العلم كما توجب رؤية العين العلم بالمرئى ولا ينافى هذا النظر العلم فهذا الثاني نظر في الدليل كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم والاول نظر في الحكم كالذي ينظر في المسئلة لينال دليلها من القرآن والحديث

فنقول من المعلوم أن معرفة القلب بثبوت المحمول للموضوع وهو ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم المسئول عنه مثل حرمة المسكر قد تحصل بواسطة هذا الحد وهو أن يعلم ان هذا خمر مع علمه أن الخمر حرام وهذا قياس الشمول وقد يحصل بغير هذا مثل أن يرى ان المسكر مساو لخمر العنب في مناط التحريم فيستوى بينهما في التحريم وهذا قياس التمثيل وقد يحصل بأن يرى فيه المفسدة التي في الخمر فيحكم بالتحريم لدرء تلك المفسدة وهذا قياس التعليل

وقياس التمثيل وقياس التعليل يشملهما جنس القياس لكن القياس قد يحتاج في إثبات الحكم في الفرع الى اصل معين فيلحق الفرع به إما لابداء الجامع وإما لالغاء الفارق فان إبداء الجامع وهو علة الحكم في الاصل يسمى قياس العلة وأما ما يدل على العلة وهو قياس الدلالة فهذا صار قياس تمثيل وتعليل معا وإن قاس بالغاء الفارق وهو أن يبين له أنه ليس بينهما فرق مؤثر وإن لم يعلم عين العلة فهذا قياس تمثيل لا تعليل وقد يقوم دليل على ان الوصف الفلاني مستلزم للحكم وإن لم يعرف له أصل معين وهذا قياس تعليل وهو يشبه قياس الشمول

وقياس الشمول وقياس التمثيل متلازمان فكل ما ذكر بهذا القياس يمكن ذكره بهذا القياس فان قياس الشمول لا بد فيه من حد أوسط مكرر وذاك هو مناط الحكم في قياس التمثيل وهو القدر المشترك وهو الجامع بين الاصل والفرع مثال ذلك إذا قيل النبيذ حرام قياسا على الخمر لان فيه الشدة المطربة


354

وهذه هى العلة في التحريم أو لانه مسكر والمسكر هو علة التحريم وبين ذلك بدليله كان قياسا صحيحا وإذا قيل النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو النبيذ فيه الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو حرام فهذا أيضا صحيح وكل ما امكن أن يستدل به على صحة المقدمة الكبرى أمكن ان يستدل به على كون الوصف المشترك علة للحكم في الاصل وكل ما أمكن يستدل به على الصغرى فانه يستدل به على ثبوت الوصف في الفرع

ثم إن كان ذاك الدليل قطعيا فهو قطعي في القياسين وإن كان ظنيا فهو ظنى في القياسين وأما دعوى من يدعى من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل ب قياس الشمول دون قياس التمثيل فهو قول في غاية الفساد وهو قول من لم يتصور حقيقة القياسين كما قد بسط في موضعه

وقد يعلم الحكم المطلوب بنص على أن كل مسكر حرام كما قد ثبت هذا الحديث في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول لافادة الحكم بل ولا قياس من الاقيسة فانه قد يعلم بلا قياس

وإذا علم بقياس الشمول فكل ما يعلم بقياس الشمول فانه يعلم بقياس التمثيل أيضا كما تقدم ويجعل الحد الاوسط هو الجامع بين الاصل والفرع والدليل الذي يقيمه صاحب قياس الشمول على صحة المقدمة الكبرى الكلية يقيمه صاحب قياس التمثيل على علية الوصف وإن الجامع وهو الوصف المشترك الذي هو الحد الاوسط في قياس الشمول هو مستلزم للحكم وهو علية في الاصل كما يقيمه في ذاك على أن الحد الاكبر لازم للحد الاوسط فالحد الاكبر في قياس الشمول هو الحكم في قياس التمثيل والحد الاوسط هو الجامع المشترك ويسمى المناط والحد الاصغر هو الفرع ويمتاز قياس التمثيل بأن فيه ذكر اصل يكون نظيرا للفرع الذي هو الحد الاصغر وقياس الشمول ليس فيه هذا فصار في قياس التمثيل ما


355

في قياس الشمول وزيادة وقد بسط هذا في موضع آخر

وقد لا يحتاج الى دليل آخر ذى مقدمتين ولا قياس ولا غيره بل يكفيه مقدمة واحدة وقد يستغنى ايضا عن تلك المقدمة بتصوره التام ابتداء مثل أن يكون نفس علمه بأن الخمر حرام قد تصور معه مسمى الخمر أنها المسكر فصار علمه بجميع مفردات الخمر سواء فيعلم ان هذا المسكر خمر حرام وهذا المسكر خمر حرام وامثال ذلك او يعلم ان الخمر حرام ولا يعلم أن كل مسكر يسمى خمرا بل يظن ذلك الاسم مختصا ببعض المسكرات فاذا علم بنص الشارع أو باستعمال الصحابة الذين نزل فيهم القرآن أو بأنها لما حرمت لم يكن عندهم من عصير الاعناب شئ وإنما كان الذي يسمونه خمرا هو المسكر من نبيذ التمر او بغير ذلك من الادلة إذا علم هذه المقدمة الواحدة وهو أن كل مسكر خمر علم الحكم

فتبين أن قولهم إن المطلوب لا بد فيه من القياس وذلك القياس يجب أن يكون القياس المنطقى الشمولي ولا بد فيه من مقدمتين ليس بصواب وهذا يبطل قولهم لا علم تصديقى إلا بالقياس المنطقي كما تقدم وأما هنا فالمقصود بيان قلة منفعته او عدمها وذلك أن هذا المطلوب إن كان معه قضية علمت من جهة الرسول تفيده العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه فالقضايا الكلية المتلقاه عن الرسل تفيد العلم في المطالب الالهية

وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه إما منتقضة وإما أنها بمنزلة قياس التمثيل وإما انها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة بل بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة فانه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس فلم يكن القياس محصلا للمقصود أو تكون مما لا اختصاص لهم بها بل يشترك فيها سائر الامم بدون خطور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول


356

وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على شئ من الاقيسة بل يعلم بالايات الدالة على شئ معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر الى نظر وما يحصل منها بالقياس الشمولي فهو بمنزلة ما يحصل بقياس التمثيل فهو أمر كلى لا يحصل به العلم بما يختص به الرب وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم آخر اليه

والعلم بصدق المخبر المعين وإن لم يكن نبيا يعلم بأسباب متعددة غير القياس ويعلم ايضا بقياس التمثيل كما يعلم بقياس الشمول فكيف العلم بصدق النبي الصادق صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا طرقا من الطرق التي يعلم بها صدق الانبياء في غير هذا الموضع

والناس يعلمون الامور الموجودة وصفاتها وأحوالها من غير قياس شمولي فضلا عن أن يقال لا بد هنا من مقدمتين صغرى وكبرى فالصغرى هي المشتملة على الحد الاصغر والكبرى المشتملة على الحد الاكبر والحد الاوسط متكرر فيها خبر محمول في الصغرى ومبتدأ موضوع في الكبرى كقولك كل خمر حرام فيقال إذا علم أن كل خمر حرام فقد يعلم ابتداء مفردات الخمر وأنها شاملة لكل مسكر بل يظن انها متناولة لبعض المسكر كعصير العنب النى المشتد ثم يعلم بعد ذلك شمولها لكل مسكر وهو إذا تجدد له هذا العلم فانما يجدد له علمه بالعموم وعلمه بالعموم إنما يعود بتصوره التام لمسمى الخمر فانه كان قبل ذلك لم يتصورها تصورا جامعا بل تصورا غير جامع ولو حصل له هذا التصور الجامع لم يحتج الى قياس فقد تبين أن القياس المفيد للتصديق يغنى عنه التصور التام للحد الاوسط

كل تصور يمكن جعله تصديقا وبالعكس

وهذا يؤول الى امر وهو أن كل ما يسمونه تصورا يمكن جعله تصديقا وما يسمونه تصديقا يمكن جعله تصورا فان القائل إذا قال ما الخمر


357

المحرمة فقال المجيب هى المسكر كان هذا عندهم تصورا واحدا وهو تصور مسمى الخمر وهذا في الحقيقة تصديق مركب من موضوع ومحمول وإذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام كان هذا قياسا وهو يفيد التصديق الذي هو المسكر حرام ويفيد ان المسكر داخل في مسمى الخمر وإن أريد بيان الحد المطرد المنعكس قيل المسكر هو الخمر وكل خمر حرام فيفيد هذا القياس تصور معنى الخمر

وسبب ذلك أن كل ما يتكلم به في الحد والقياس هو قضية تامة وهي الجملة في اصطلاح النحاة والجواب في السؤال عن التصور وعن التصديق هو بقضية تامة هي جملة خبرية فكلاهما قول مركب في السؤال والجواب وكلاهما فيه إثبات صفة لموصوف كاثبات الخمرية للمسكر وهو إثبات محمول لموضوع والانسان هو في الموضعين قد تصور ان المسكر هو الخمر وصدق بأن المسكر هو الخمر فأما التصور المفرد الذي لا يعبر عنه إلا ب اسم مفرد فذلك لا يسأل عنه باللفظ المفرد ولا يجاب عنه باللفظ المفرد حتى يفصل نوع تفصيل يصلح لمثله لان يكون جملة

وهذا قد بسط في غير هذا الموضع كما بسط في الكلام على المحصل وغيره وبين ان قولهم العلم ينقسم الى تصور وتصديق وأن التصور وهو التصور الساذج العرى عن جميع القيود الثبوتية والسلبية كلام باطل فان كل ما عرى عن كل قيد ثبوتى وسلبى يكون خاطرا من الخواطر ليس هو علما أصلا بشئ من الاشياء فان من خطر بقلبه شئ من الاشياء ولم يخطر بقلبه صفة لاثبوتية ولا سلبية لم يكن قد علم شيئا

وإذا قيل الانسان حيوان والعالم مخلوق ونحو ذلك فهنا قد تصور إنسانا علم انه موجود لم يتصور شيئا تصورا ساذجا لا نفى فيه ولا إثبات بل تصور وجوده وغير ذلك من صفاته وكذلك العالم قد تصور وجوده وإذا تصور بحر زئبق وجبل ياقوت فان لم يتصور مع هذا عدمه في الخارج


358

ولا امتناعه ولا شئ من الاشياء كان هذا خيالا من الخيالات ووسواسا من الوساوس ليس هذا من العلم في شئ فان تصور مع ذلك عدمه في الخارج كان قد تصور تصورا مقيدا بالعدم لم يكن تصوره خاليا من جميع القيود

فان قلت فما التصور القابل للتصديق المشروط فيه قيل هو التصور الخالي عن معرفة ذلك التصديق ليس هو الخالي عن جميع القيود السلبية والثبوتية فاذا كان يشك هل النبيذ حرام ام لا فقد تصور النبيذ وتصور الحرام وكل من التصورين متصور بقيود فهو يعلم أن النبيذ شراب وأنه موجود وأنه يشرب وأنه يسكر وغير ذلك من صفاته لكن لم يعلم أنه حرام فليس من شرط التصور المشروط في التصديق أن يكون ساذجا خاليا عن كل قيد ثبوتى وسلبى بل أن يكون خاليا عن التقييد بذلك التصديق

وقول القائل التصديق مسيوق بالتصور مثل قوله القول مسبوق بالعلم فليس لأحد أن يتكلم بمالا يعلم كذلك لا يصدق ولا يكذب لما لا يتصوره وحينئذ فالتصور التام مستلزم للتصديق والتصور الناقص يحتاج معه الى دليل يثبت له حكم

وهذا يقرر ما عليه نظار المسلمين كما قررنا ذلك من قبل من أن التصورات المفردة لا تعلم بمجرد الحد وأن المطلوب بالحد هو تصديق يفتقر إلى ما تفتقر اليه التصديقات فكما ذكرنا هناك ان الذي يحعلونه حدا هو تصديق يفتقر الى دليل فيقال هنا ما يجعلونه قياسا يعود في الحقيقة الى الحد والتصور كما يعود هذا القياس الى ان يعلم مسمى الخمر وإذا كان كذلك فاذا كانوا يقولون إن الحد لا يقام عليه دليل ولا يحتاج الى قيام دليل فنقول العلم بمسمى الخمر لا يحتاج الى قياس بل قد يعلم بما يعلم به سائر التصورات المفردة ومسميات جميع الاسماء من تفطن النفس لشمول ذلك المعنى لهذه الصورة وثبوته فيها

وكلما تدبر العاقل هذا وعرفه معرفة جيدة تبين له أن الصواب ماعليه نظار المسلمين


359

وجماهير العقلاء من أن الحدود بمنزلة الاسماء وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال وأن المطلوب من الحد هو التمييز بين المحدود وغيره وذلك يكون بالوصف الملازم له طردا وعكسا بحيث يكون الحد جامعا مانعا

وأنه مع ذلك ليس لاحد ان يدعي دعوى غير بديهية إلا بدليل فالحاد إن كان يحد مسمى اسم كما يقول في الخمر إنها المسكر وفي الغيبة إنها ذكرك أخاك بما يكره وفي الكبر إنه بطر الحق وغمط الناس فعليه ان يبين أن ما ذكره مطابق لمسمى ذلك الاسم إما بالنقل عن الشارع المتكلم بهذه الاسماء مثل أن يقول قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر وما ليس بمسكر فليس بخمر بالاجماع فيثبت ان الخمر هو المسكر او يقول ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قيل يا رسول الله ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره فقال أرأيت إن كان في أخى ما أقول فقال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته

فاذا عورض هذا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة بنت قيس لما استشارته فيمن خطبها فقالت خطبني أبو جهم ومعاوية فقال أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء وفي لفظ لا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحى اسامة فاذا قال المعترض هنا قد ذكر كلا منهما بما يكره والغيبة محرمة كان الجواب مع إحدى المقدمتين بأن يقال لا نسلم أن هذا داخل في حد الغيبة وإن سلم دخوله في الحد دل على جواز الغيبة لمصلحة راجحة مثل نصيحة المستشير فانها لما استشارته وجب نصحها ومثل ذلك الكلام في جرح الرواة الكاذبين والغالطين وشهادة الشاهد الكاذب وشكاية المظلوم وغير


360

ذلك عما دل الشرع على جوازه

فانه يقال فيه أحد الامرين لازم إما أن يقال المؤمن لا يكره ذلك إذا كان صادق الايمان لان المؤمن لا يكره ما امر الله ورسوله به وهذا مما أمر الله به ورسوله ويقال إن كرهه فهو من هذه الجهة ناقص الايمان فيه شعبة نفاق فلا يكون هو الاخ الذي قيل فيه ذكرك أخاك بما يكره وهذا مبنى على ان الشخص الواحد يكون فيه طاعة ومعصية وبر وفجور وخير وشر وشعبة إيمان وشعبة نفاق أو يقول إذا سلم شمول اللفظ له هذا من الغيبة المباحة فلا بد من التزام أحد أمرين إما أنه لم يدخل في مسمى الغيبه وإما انه لم يدخل فيما حرم منها ولهذا نظائر

والقصود التنبيه على المثال وأن من ادعى حد اسم فلا بد له من دليل وكذلك إن ادعى حدا بحسب الحقيقة

وهذا الذي عليه نظار المسلمين وغيرهم أصح مما عليه أهل المنطق اليوناني من وجوه فان أولئك يدعون ان الحد يفيد تصوير الماهية في نفس المستمع ويدعون أن ذلك يحصل بمجرد قول الحاد من غير دليل اصلا

ثم إنهم عمدوا الى الصفات اللازمة للموصوف ففرقوا بينها وجعلوها ثلاثة اصناف ذاتية داخلة في الماهية وخارجة لازمة للماهية دون وجودها وخارجة لازمة لوجودها وهذا كله باطل إذا اريد ب الماهية الموجودات الخارجية وهي التي تقصد بالحد والتعريف وأما إذا قدر ان الماهية هي مجرد ما يتصوره النفس فقدر تلك الماهية وصفتها يتبع تصور المتصور فتارة يتصور جسما حساسا ناميا متحركا بالارادة ناطقا فتكون الماهية هي هذه الاجزاء كلها وتارة يتصور حيوانا ناطقا وتارة يتصور حيوانا ضاحكا وتارة يتصور ضاحكا فقط وتارة يتصور ناطقا فقط فاذا جعل ما دخل في تصوره داخلا فيه وما


361

خرج عنه لازما له او غير لازم كما ذكر ذلك بعضهم وكما ذكروه من دلالة المطابقة والتضمن الالتزام كان هذا صحيحا لكن ليس فيه منفعة في العلوم والحقائق ومعرفة صفاتها الذاتية وغير الذاتية أصلا بل هذا يرجع الى تصور مراد المتكلم سواء كان حقا أو باطلا

وأما نظار المسلمين فالحد عندهم يكون بالوصف الملازم والوصف الواحد الملازم كاف لا يذكرون معه الوصف المشترك لا الجنس ولا العرض العام بل يعيبون على من يذكر ذلك في الحدود وهل يحد بالتقسيم لهم فيه قولان والصفات تنقسم الى قسمين لازمه للموصوف وغير لازمة والذي عليه نظار أهل السنة وسائر المثبتين للصفات والقدر أن وجود كل شئ في الخارج عين حقيقته فاللازم للموجود الخارجي لازم للحقيقة الخارجية ولا يقبل من أحد دعوى غير معلومة إلا بدليل فأين هذا المنطق وأين هذا الميزان المستقيمة العادلة من ميزان أولئك الجائرة الغائلة التي ليس فيها لا صدق ولا عدل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته الانعام

الوجه الخامس

من الاقيسة ما تكون مقدمتاه ونتيجته بديهية

الوجه الخامس ان يقال هذا القياس هو قياس الشمول وهو العلم بثبوت الحكم لكل فرد من الافراد

فنقول قد علم وسلموا انه لا بد ان يكون العلم بثبوت بعض الاحكام لبعض


362

أفرادها بديهيا فان النتيجة إذا افتقرت الى مقدمتين فلا بد ان ينتهي الامر الى مقدمتين تعلم بدون مقدمتين وإلا لزم الدور أو التسلسل الباطلان ولهذا كان من المقرر عند أهل النظر انه لا بد في التصورات والتصديقات من تصورات بديهية وتصديقات بديهية

ولفرض المقدمتين البديهيتين كل مسكر خمر وكل خمر حرام وإن لم يكن هذا بديهيا لكن المقصود التمثيل ليعلم بالمثال حكم سائر القضايا فاذا قدر انه علم بالبديهة أن كل فرد من أفراد الخمر حرام وعلم بالبديهة ان كل فرد من افراد المسكر خمر كان علمنا بالبديهة ان هذه الافراد حرام من أسهل الاشياء

وإنما يخفى ذلك لكون أكثر المقدمات لا يكون بديهية بل مبينة بغيرها كا في هذا المثال فان المقدمة الثانية ثابتة بالنص والاجماع والاولى ثابتة بالسنة الصحيحة لكن لم يعرفها كثير من العلماء فطريق العلم بالمقدمتين يختلف

وأما إذا أفردنا ذلك في مقدمتين طريق العلم بهما واحد لم نحتج الى القياس مثل العلم بأن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس متحرك بالارادة فهنا قد يكون العلم بأن كل إنسان حساس متحرك بالارادة أبين وأظهر وكذلك إذا قلنا كل إنسان جسم أو جوهر أو حامل للصفات ثم قلنا كل ما هو جسم او جوهر او حامل للصفات فليس بعرض أو هو قائم بنفسه او هو موصوف بالصفات ونحو ذلك كان العلم بأن كل انسان هو كذلك مما لا يحتاج الى هذا التطويل فالمقدمتان إن كان طريق العلم بهما واحدا وقد علمتا فلا حاجة الى بيانهما وإن كان طريق العلم بهما مختلفا فمن لم يعلم إحداهما احتاج الى بيانها وإن لم يحتج الى الاخرى التي علمهاوهذا ظاهر في كل ما تقدره

فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الاذهان وكذلك إذا علمنا أن كل رسول نبي وكل نبي فهو في الجنة فعلمنا ان كل


363

رسول فهو في الجنة أبين من هذا وهذ كثير جدا

الوجه السادس

من القضايا الكلية ما يمكن العلم به بغير توسط القياس

وهو يتضح بالوجه السادس وهو أن يقال لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها لا يكون أخص منها والنتيجة اخص من الكبرى أومساوية لها واعم من الصغرى أو مساوية لها كالحدود الثلاثة فان الاكبر أعم من الاصغر او مثله والاوسط مثل الاصغر أو اعم ومثل الاكبر أو اخص ولا ريب ان الحس يدرك المعينات اولا ثم ينتقل منها الى القضايا العامة فان الانسان يرى هذا الانسان وهذا الانسان وهذا الانسان ويرى أن هذا حساس متحرك بالارادة ناطق وهذا كذا وهذا كذا فيقضى قضاء عاما أن كل إنسان حساس متحرك بالارادة ناطق

فنقول العلم بالقضية العامة إما ان يكون بتوسط قياس او بغير توسط قياس فان كان لا بد من توسط قياس والقياس لا بد فيه من قضية عامة لزم ان لا يعلم العام إلا بالعام وذلك يستلزم الدور أو التسلسل فلا بد ان ينتهى الامر الى قضية كلية عامة معلومة بالبديهة وهم يسلمون ذلك

وإن أمكن علم القضية العامة بغير توسط قياس أمكن علم الاخرى فان كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها يجب استواء جميع الناس فيه بل هو امر نسبى إضافي بحسب حال علم الناس بها فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له ومن احتاج الى نظر واستدلال بدليل كانت نظرية له

وكذلك كونها معلومة بالعقل أو الخبر المتواتر أو خبر النبي الصادق أو الحس ليس هو أمرا لازما لها بل كذب مسيلمة الكذاب مثلا قد يعلم بقول


364

النبي الصادق إنه كذاب وقد يعلم ذلك من باشره ورآه يكذب ويعلم ذلك من غاب عنه بالتواتر ويعلم ذلك بالاستدلال فانه ادعى النبوة وأتى يناقض النبوة فيعلم بالاستدلال وكذلك الهلال قد يعلم طلوعه بالرؤية فتكون القضية حسية ويعلم ذلك من لم يره بالاخبار المتواترة فتكون القضية عنده من المواترات ويعلم ذلك من علم أن تلك الليلة إحدى وثلاثون بالحساب والاستدلال ومثل هذا كثير فالمعلوم الواحد يعلمه هذا بالحس وهذا بالخبر وهذا بالنظر وهذه طرق العلم لبني آدم وهكذا القضايا الكلية إذا كان منها ما يعلم بلا قياس ولا دليل وليس لذلك حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب احوال بنى آدم لم يمكن ان يقال فيما علمه زيد بالقياس إنه لا يمكن غيره ان يعلمه بلا قياس بل هذا نفى كاذب

الوجه السابع

الادلة القاطعة على استواء قياسي الشمول والتمثيل

الوجه السابع أن يقال هم يدعون ان المفيد لليقين هو قياس الشمول فأما قياس التمثيل فيزعمون انه لا يفيد اليقين ونحن نعلم ان من التمثيل ما يفيد اليقين ومنه ما لا يفيده ك الشمول فان الشيئين قد يكون تماثلهما معلوما وقد يكون مظنونا كالعموم وإن جمع بينهما بالعلة فالعلة في معنى عموم الشمول

يوضح هذا أن يقال قياس الشمول يؤول في الحقيقة الى قياس التمثيل كما ان الاخر في الحقيقة يؤول الى الاول ولهذا تنازع الناس في مسمى القياس فقيل هو قياس التمثيل فقط وهو قول اكثر الاصوليين وقيل قياس الشمول فقط وهو قول اكثر المنطقيين وقيل بل القياسان جميعا وهو قول اكثر الفقهاء والمتكلمين وذلك أن قياس الشمول مبناه على اشتراك الافراد في الحكم العام وشموله لها وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الاثنين في الحكم الذي يعمهما


365

ومآل الامرين واحد وقد بسط هذا في غير هذا الموضع

ونحن نذكر هنا ما لم نذكره في غير هذا الموضع فنقول قد تبين فيما تقدم ان قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل وبالعكس فاذا قال القائل في مسئلة القتل بالمثقل قتل عمد عدوان محض لمن يكافئ القاتل فأوجب القود كالقتل بالمحدد فقد جعل القدر المشترك الذي هو مناط الحكم القتل العمد العدوان المحض للمكافئ وهذا يسمى العلة والمناط والجامع والمشترك والمقتضى والموجب والباعث والامارة وغير ذلك من الاسماء فاذا أراد أن يصوغه ب قياس الشمول قال هذا قتل عمد عدوان محض للمكافئ وما كان كذلك فهوموجب للقود

والنزاع في الصورتين هو في كونه عمدا محضا فان المنازع يقول العمدية لم تتمحض وليس المقصود هنا ذكر خصوص المسئلة بل التمثيل وهذا نزاع في المقدمة الصغرى وهو نزاع في ثبوت الوصف في الفرع فان قياس التمثيل قد يمنع فيه ثبوت الوصف في الاصل ويمنع ثبوته في الفرع وقد يمنع كونه علة الحكم

ويسمى هذا السؤال سؤال المطالبة وهو اعظم أسئلة القياس وجوابه عمدة القياس فان عمدة القياس على كون المشترك مناط الحكم وهذا هو المقدمة الكبرى وهو كما لو قال في هذه المسئلة لا نسلم ان كل ما كان عمدا محضا يوجب القصاص وكذلك منع الحكم في الاصل أو منع الوصف في الاصل وهو منع للمقدمة الكبرى في قياس الشمول

أللهم إلا ان يقيم المستدل دليلا على تأثير الوصف في غير أصل معين وهذا قياس التعليل المحض كما لو قال النبيذ المسكر محرم لان المعنى الموجب للتحريم


366

وهو كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلوة موجود فيها وهذا المعنى قد دل النص على انه علة التحريم وقد وجد فيثبت فيه التحريم

وهم في قياس الشمول إذا أرادوا إثبات المقدمة الكبرى التي هي نظير جعل المشترك بين الاصل والفرع مناط الحكم فلا بد من دليل يبين ثبوت الحكم لجميع أفراد المقدمة باعتبار القدر المشترك الكلى بين الافراد وهذا هو القدر المشترك الجامع في قياس التمثيل فالجامع هو الكلى والكلى هو الجامع

ومن قال من متأخرى النظار كأبي المعالى وأبي حامد والرازي وابي محمد إن العقليات ليس فيها قياس بل الاعتبار فيها بالدليل فهذا مع انهم خالفوا فيه جماهير النظار وأئمة النظر فنزاعهم فيها يرجع الى اللفظ فانهم يقولون العقليات لا تحتاج الى ان يعين فيها أصل يلحق فيه الفرع وليس جعل احدهما اصلا والاخر فرعا بأولى من العكس بل الاعتبار بالدليل الشامل للصورتين فيقال لهم لا ريب انه في العقليات والشرعيات لم يقع النزاع في جميع أفراد المعنى العام الذي يسمى الجامع المشترك بل وقع في بعضها وبعضها متفق عليه فتسمية هذا أصلا وهذا فرعا أمر إضافي ولو قدر أن بعض الناس علم حكم الفرع بنص وخفى عليه حكم الاصل لجعل الاصل فرعا والفرع أصلا والجمع إما ان يكون بالغاء الفارق وإما أن يكون بابداء الجامع وهذا يكون في العقليات قطعيا وظنيا كما يكون في الشرعيات


367

فاذا قيل الاحكام والاتقان يدل على علم الفاعل شاهدا فكذلك غائبا او قيل علة كون العالم عالما قيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب أو قيل الحيوة شرط في العلم شاهدا فكذلك غائبا او قيل حد العالم في الشاهد من قام به العلم فكذلك في الغائب فهذه الجوامع الاربعة التي تذكرها الصفاتية من الجمع بين الغائب والشاهد في الصفات الحد والدليل والعلة والشرط فذكر الشاهد حتى يمثل القلب صورة معينة ثم يعلم بالعقل عموم الحكم وهو ان الاحكام والاتقان مستلزم لعلم الفاعل فان الفعل المحكم المتقن لا يكون إلا من عالم وكذلك سائرها

وهذا كسائر ما يعلم من الكليات العادية إذا قيل هذا الدواء مسهل للصفراء ومنضج للخلط الفلاني ونحو ذلك فان التجربة إنما دلت على اشياء معينة لم تدل على امر عام لكن العقل يعلم ان المناط هو القدر المشترك بما يعلم من انتفاء ما سواه ومناسبته او لا يعلم مناسبته وهذا قد يكون معلوما تارة كما يعلم ان أكل الخبز يشبع وشرب الماء يروي وأن السقمونيا مسهل للصفراء وإن كان قد يتخلف الحكم بفوات شرطه إذ قدمنا ان الطبيعيات التي هي العاديات ليس فيها كليات لا تقبل النقض بحال فكان ذكر الاصل في القياس العقلي لتنبيه العقل على المشترك الكلى المستلزم للحكم لا لأن مجرد ثبوت الحكم في صورة يوجب ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم

وإذا قيل فمن أين يعلم أن الجامع مستلزم للحكم قيل من حيث يعلم القضية الكبرى في قياس المشول فاذا قال القائل هذا فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله فهو عالم فأي شئ ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل وزيادة ان هناك اصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك وفي قياس الشمول لم يذكر شئ من الافراد التي يثبت الحكم فيها ومعلوم أن ذكر الكلى المشترك مع


368

بعض افراده اثبت في العقل من ذكره مجردا عن جميع الافراد باتفاق العقلاء

ولهذا هم يقولون إن العقل بحسب إحساسه بالجزئيات يدرك العقل بينها قدرا مشتركا كليا فالكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الاسباب في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا للقياس ويكون عدم ذكرها موجبا لقوته وهذه خاصة العقل فان خاصة العقل معرفته الكليات بتوسط معرفته بالجزئيات فمن أنكرها انكر خاصة عقل الانسان ومن جعل ذكرها بدون شئ من محالها المعينة أقوى من ذكرها مع التمثيل لمواضعها المعينة كان مكابرا والعقلاء باتفاقهم يعلمون ان ضرب المثل الكلى مما يعين على معرفته وانه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجردا عن الامثال

ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والطبيعيات والصناعات والتجارات وغير ذلك وجد الامر كذلك فاذا قيل يسخن جوف الانسان في الشتاء ويبرد في الصيف لانه في الشتاء يكون الهواء باردا فيبرد ظاهر البدن فتهرب الحرارة الى باطن البدن لان الضد يهرب من الضد والشبيه ينجذب الى شبيه فتظهر البرودة الى الظاهر لان شبه الشئ منجذب اليه كان هذا أمرا كليا مطلقا فاذا قيل ولهذا يسخن جوف الارض في الشتاء وجوف الحيوان كله ولهذا تبرد الاجواف في الصيف لسخونة الظواهر فتهرب البرودة الى الاجواف كان كلما تصور الانسان النظائر قويت معرفته بتكلك الكلية وهو ان الضد يهرب من ضده والنظير ينجذب الى نظيره وهذا معلوم في الطبيعيات والنفسانيات وغيرهما لكن إذا ذكرت النظائر قوى العلم بذلك وقد يعبر عن ذلك بأن الجنسية علة الضم

وكذلك إذا قيل الشمس إذا وقعت على البحر أو غيره تسخنه فتصاعد منه بخار لان الحرارة تحلل الرطوبة ثم قيل كما يتصاعد البخار من القدر التي فيها الماء الحار


369

كان هذا المثال مما يؤكد معرفة الاول

والاقيسة التي يستعملها الفلاسفة في علومهم ويجعلونها كلية كلها يعتضدون فيها بالامثلة وليس مع القوم إلا ما علموه من صفات الامور المشاهدة ثم قاسوا الغائب على المشاهد به بالجامع المشترك الذي يجعلونه كليا فان لم يكن هذا صحيحا لم يكن مع أحد من أهل الارض علم كلى يشترك فيه ما شهده وما غاب عنه حتى قوله الخبز يشبع والماء يروي ونحو ذلك فانه لم يعلم بحسه إلا امورا معينة فمن أين له أن الغائب بمنزلة الشاهد إلا بهذه الطريق والانسان قد ينكر امرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر بالنوع ويستفيد بذلك حكما كليا

ولهذا يقول سبحانه كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين كذبت ثمود المرسلين ونحو ذلك وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد لكن كانوا مكذبين بجنس الرسل لم يكن تكذيبهم بالواحد لخصوصه وهذا بخلاف تكذيب اليهود والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم فانهم لم يكذبوا جنس الرسل إنما كذبوا واحدا بعينه بخلاف مشركي العرب الذين لم يعرفوا الرسل فان الله يحتج عليهم في القرآن باثبات جنس الرسالة

ولهذا يجيب سبحانه عن شبه منكري جنس الرسالة كقولهم أبعث الله بشرا رسولا الاسراء فيقول وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون النحل أي هذا متواتر عند أهل الكتاب فاسئلوهم عن الرسل الذين جاءتهم أكانوا بشرا أم لا وكذلك قوله وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون الانعام فانهم لا يستطيعون الاخذ عن الملك في صورته فلو أرسلنا اليهم ملكا لجعلناه رجلا في صورة الانسان وحينئذ كان يلتبس عليهم الامر ويقولون هو رجل والرجل لا يكون رسولا وكذلك الرسل قبله قال تعالى أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم


370

الاعراف كما قال تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس يونس وكما قال تعالى قل ما كنت بدعا من الرسل الاحقاف ونحو ذلك

فكان علمهم بثبوت معين من هذا النوع يوجب العلم بقضية مطلقة وهو ان هذا النوع موجود بخلاف ما إذا اثبت ذلك ابتداء بلا وجود نظير فانه يكون اصعب وإن كان ممكنا فان نوحا اول رسول بعثه الله الى اهل الارض ولم يكن قبله رسول بعث الى الكفار المشركين يدعوهم الى الانتقال عن الشرك الى التوحيد وآدم والذين كانوا بعده كان الناس في زمهنم مسلمين كما قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشر قرون كلهم على الاسلام لكن لما بعث الله نوحا وانجى من آمن به وأهلك من كذبه صار هذا المعين يثبت هذا النوع أقوى مما كان يثبت ابتداء

والذين قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان مبدأ كلامهم في الامور الطبيعية فانهم رأوا البارد إنما يقتضى التبريد فقط والحار إنما يقتضي التسخين فقط وكذلك سائرها لكن هذا ليس فيه إحداث واحد لواحد فان البرودة الحاصلة لا بد لها مع السبب من محل قابل وارتفاع موانع فلم يحصل السبب إلا عن شيئين لا عن واحد لكن هذا كان مبدأ كلامهم

وأما احتجاج ابن سينا وامثاله بأنه لو صدر اثنان لكان مصدر هذا غير مصدر هذا ولزم التركيب المنافي للوحدة فهذه الحجة تبع لحجة التركيب وهذه اخذوها من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم ليست هذه من كلام أئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه لا سيما أكثر أساطين الفلاسفة فانهم كانوا يقولون باثبات الصفات لله تعالى بل وبقيام الامور الاختيارية كما ذكرنا كلامهم في غير هذا الموضع وهو اختيار ابي البركات صاحب المعتبر ومن قال إنه خالف اكثر الفلاسفة فمراده المشائين وأما الاساطين قبل هؤلاء فكلام كثير منهم يدل على هذا الاصل كما هو مذكور في موضعه


371

ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف فاذا رأى الشيئين المتماثلين علم ان هذا مثل هذا يجعل حكمهما واحدا كما إذا رأى الماء والماء والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلى على القدر المشترك وإذا حكم على بعض الاعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان أحسن في البيان فهذا قياس الطرد إذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس العكس

وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس فانه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار ان يعلم ان من فعل ما فعلوا أصابه ما أصابهم فيتقى تكذيب الرسل حذرا من العقوبة وهذا قياس الطرد ويعلم أن من لم يكذب الرسل بل أتبعهم لا يصيبه ما اصاب هؤلاء وهذا قياس العكس وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين فان المقصود ثبت في الفرع عكس حكم الاصل لا نظيره والاعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب يوسف وقال قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ال عمران

الميزان المنزل من الله هو القياس الصحيح

وقد قال سبحانه وتعالى الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان الشورى وقال لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط الحديد والميزان يفسره السلف بالعدل ويفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان وقد أخبر انه انزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط

فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات فمعرفة أن هذه الدارهم أو غيرها من الاجسام الثقيلة


372

بقدر هذه تعرف بموازينها وكذلك معرفة أن هذا الكيل مثل هذا يعرف بميزانه وهو المكاييل وكذلك معرفة أن هذا الزمان مثل هذا الزمان يعرف بموازينه التي يقدر بها الاوقات كما يعرف به مظلال وكما يعرف بجرى من ماء ورمل وغير ذلك وكذلك معرفة أن هذا بطول هذا يعرف بميزانه وهو الذارع فلا بد بين كل متماثلين من قدر مشترك كلى يعرف به ان احدهما مثل الاخر

فكذلك الفروع المقيسة على اصولها في الشرعيات والعقليات تعرف بالموازين المشتركة بينهما وهي الوصف الجامع المشترك الذي يسمى الحد الاوسط فانا إذا علمنا أن الله حرم خمر العنب لما ذكره من انها تصد عن ذكر الله وعن الصلوة وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء ثم رأينا نبيذ الحبوب من الحنطة والشعير والرز وغير ذلك يماثلها في المعنى الكلى المشترك الذي هو علة التحريم كان هذا القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان التي انزلها الله في قلوبنا لنزن بها هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق بين المتماثلين والقياس الصحيح هو من العدل الذي امر الله تعالى به

ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط والمقصود بها وزن الامور الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينات لم يكن بها اعتبار كما أنه لولا الموزونات لم يكن الى الميزان من حاجة ولا ريب أنه إذا احضر احد الموزونين واعتبر بالاخر بالميزان كان اتم في الوزن من ان يكون الميزان وهو الوصف المشترك الكلى في العقل أي شئ حضر من الاعيان المفردة وزن بها فان هذا ايضا وزن صحيح وذلك احسن في الوزن فانك إذا وزنت بالصنجة


373

قدرا من النقدين ثم وزنت بها نظيره والاول شاهد والناس يشهدون ان هذا وزن به هذا فظهر مثله او اكثر او اقل كان احسن من ان يوزن احدهما في مغيب الاخر فانه قد يظن ان الوازن لم يعدل في الوزن كما يعدل إذا وزنها معا فان هذا يعتبر بأن يوزن أحدهما بالاخر بلا صنجة وهكذا الموزونات بالعقل

وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع وبينا ان القياس الصحيح هو من العدل الذي انزله وانه لا يجوز قط ان يختلف الكتاب والميزان فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح لا قياس شرعي ولا عقلي ولا يجوز قط ان الادلة الصحيحة النقلية تخالف الادلة الصحيحة العقلية وأن القياس الشرعي الذي روعيت شروط صحته يخالف نصا من النصوص وليس في الشريعة شئ على خلاف القياس الصحيح بل على خلاف القياس الفاسد كما قد بسطنا ذلك في مصنف مفرد وذكرنا في كتاب درء تعارض العقل والنقل ومتى تعارض في ظن الظان الكتاب والميزان النص والقياس الشرعي او العقلي فأحد الامرين لازم إما فساد دلالة ما احتج به من النص إما بأن لا يكون ثابتا عن المعصوم او لا يكون دالا على ما ظنه او فساد دلالة ما احتج به من القياس سواء كان شرعيا او عقليا بفساد بعض مقدماته او كلها لما يقع في الاقيسة من الالفاظ المجملة المشتبهة

وأبو حامد ذكر في القسطاس المستقيم الموازين الخمسة وهي منطق اليونان بعينة غير عبارته ولا يجوز لعاقل ان يظن ان الميزان العقلي الذي انزل الله هو منطق اليونان لوجوه احدها إن الله انزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح وابراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلثمائة سنة فكيف كانت الامم المتقدمة تزن بهذا الثاني إن امتنا أهل


374

الاسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية ولم يسمع سلفنا بذكر هذا المنطق اليوناني وإنما ظهر في الاسلام لما عربت الكتب الرومية في دولة المأمون او قريبا منها الثالث انه ما زال نظار المسلمين بعد ان عرب وعرفوه يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا الى اهله في موازينهم العقلية والشرعية

ولا يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا إصطلاحات لفظية وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الامم فانه ليس الامر كذلك بل فيه معان كثير فاسدة ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي هي الاقيسة العقلية وزعموا انه آله قانونية


375

تعصم مراعاتها الذهن ان يزل في فكره وليس الامر كذلك فانه لو احتاج الميزان الى ميزان لزم التسلسل وايضا فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي وإن كانت بليدة او فاسدة لم يزدها المنطق لوكان صحيحا إلا بلادة وفسادا ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لا بد ان يتخبط ولا يأتي بالادلة العقلية على الوجه المحمود ومتى اتى بها على الوجه المحمود اعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط

كل قياس في العالم يمكن رده الى القياس الاقتراني

فان قيل ما ذكرته من أن قياس الشمول يرجع الى قياس التمثيل يتوجه في قياس الاقترانى دون الاستثنائى فان الاستثنائى ما تكون النتيجة او نقيضها مذكورة فيه بالفعل بخلاف الاقترانى فان النتيجة إنما هي فيه بالقوة والاستثنائي مولف من الشرطيات المتصلة وهو التلازم ومن المنفصلة وهو التقسيم ولا ريب أن الحد الاوسط في الاقترانى يمكن جعله الجامع المشترك في القياس التمثيلي بخلاف الاستثنائى قيل الجواب من وجوه

منها ان التلازم والتقسيم إذا قيل هذا مستلزم لهذا حيث وجد وجد فان هذا قضية كلية فتستعمل على وجه التمثيل وعلى وجه الشمول بأن يقاس بعض أفرادها ببعض ويجعل القدر المشترك هو مناط الحكم وكذلك إذا قيل هذا إما كذا وإما كذا فهو أيضا كلى يبين بصيغة التمثيل وبصيغة الشمول ولهذا كانت الاحكام الثابتة بصيغة العموم يمكن استعمال قياس التمثيل فيها بأن يقاس بعض أفرادها ببعض ويجعل المعنى المشترك هو مناط الحكم

ومنها أن كل قياس في العالم يمكن رده الى الاقترانى فاذا قيل بصيغة الشرط إن كانت الصلوة صحيحة فالمصلى متطهر أمكن أن يقال كل مصل فهو متطهر وأن يقال الصلوة مستلزمة الطهارة ونحو ذلك من صور القياس الاقتراني والحد الاوسط فيه ان استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض


376

المقدم وهذا معنى قولنا إذا وجد الملزوم وجد اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فان المقدم هو الملزوم والتالي هو اللازم وهكذا كل شرط وجزاء فالشرط ملزوم والجزاء لازم له

وهذا إذا جعل بصيغة الاقترانى فقيل هذا مصل وكل مصل متطهر فهذا متطهر أو قيل هذا ليس بمتطهر ومن لا يكون متطهرا ليس بمصل فهذا ليس بمصل والقضية الكلية فيه ان كل مصل متطهر وأن كل من ليس بمتطهر فليس بمصل فالسالبة والموجبة كلاهما كليتان وهذه الكلية معروفة بنص الشارع ليست مما عرفت بالعقل ولو كانت مما تعرف بالعقل المجرد لعرفت ب قياس التمثيل مع انها تصاغ ب قياس التمثيل فيقال هذا مصل فهو متطهر كسائر المصلين او هذا ليس بمتطهر فليس بمصل كسائر من ليس بمتطهر ثم يبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم كما في الاول

وكذلك الشرطي المنفصل الذي هو التقسيم والترديد إذا قيل هذا إما أن يكون شفعا أو وترا ونحو ذلك قيل هذا لا يخلو من كونه شفعا او وترا ولا يجتمع هذاوهذا معا وهو شفع فلا يكون وترا أو هو وتر فلا يكون شفعا وهذه القضية معلومة بالبديهة لكن تصور أفرادها أبين من تصور كليتها فلا يحتاج شئ من أفرادها أن يبين بالقياس الكلى المنطقي فانه أي شئ علم انه شفع علم انه ليس بوتر بدون ان يوزن بامر كلى عنده ولا بقياس على نظيره فلا يحتاج ان يقال وكل شفع فليس بوتر أو كل وتر فليس بشفع

وهذا كما تقدم التنبيه عليه ان ما يثبتونه بالقضايا الكلية تعلم مفرداتها بدون تلك القضايا بل وتعرف بدون قياس التمثيل فاذا عرف ان هذا الثوب او غيرة اسود عرف انه ليس بأبيض بدون أن يقال كل اسود فانه ليس بابيض وهذه الكلية من أن كل أسود لا يكون ابيض يعرف بدون أن يعرف أن كل ضدين لا يجتمعان ولو أثبت تلك المعينات بهذه الكلية لا حتيج أن يبين أنهما ضدان فانه لا يعلم انهما


377

ضدان حتى يعلم انهما لا يجتمعان وإذا علم انهما لا يجتمعان أغنى ذلك عن الاستدلال عليه بكونهما ضدين

فعلم انه لا يحتاج أن يبين ما يندرج في هذا الكلى لا من الانواع ولا من الاعيان المعينة به بل العلم بها أبين من العلم بهذه الكلية بل إذا أرادوا أن يبينوا ان الضدين لا يجتمعان قالوا المراد بالضدين هما الوصفان الوجوديان الذان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض فيعود الامر الى تعريفهم مرادهم بهذا اللفظ وأما بيان ما دل عليه من المعاني المعقولة فلا يحتاج الى الاستدلال عليه بالكلى وكذلك في النقيضين وكذلك في الشرط والمشروط والعلة والمعلول وسائر هذه الامور الكلية

إبطال القول باقتران العلة والمعلول في الزمان

ولهذا من لم يحكم معرفة هذا وإلا التبست عليه المعقولات ودخل عليه غلطهم سواء كانوا قد غلطوا هم في التصور وهو الغالب على أئمتهم أو كانوا يقصدون التغليط كما يفعله بعضهم

مثال ذلك انه إذا قيل لهم في مسئلة حدوث العالم كيف يكون العالم مفعولا مصنوعا للرب وهو مساوق له أزلا وأبدا مقارن له في الزمان هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل فان المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان قالوا بل هذا ممكن وهو أن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما كتقدم حركة اليد على حركة الخاتم الذي فيها وتقدم الشمس على الشعاع وتقدم الحركة على الصوت الناشئ عنها ثم إن كان ممن تكلم في العلة والمعلول المذكور في الصفات والاحوال وهو يقول العلم علة كون العالم عالما كما يقوله مثبتوا الاحوال من النظار كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي في أول قوليه والقاضي أبي يعلى وأمثالهم فانه قد ألف أن العلة والمعلول متلازمان مقترنان فلا يستنكر مثل هذا هنا


378

ولهذا غلط بسبب متابعتهم في هذا طوائف من الفقهاء في الفقه كأبي المعالي واتباعه ابي حامد والرافعي وغيرهم فادعوا شيئا خالفوا فيه جميع أئمة الفقه المتقدمين من اصحاب الائمة الاربعة وغيرهم ولم يقله الشافعي ولا احد من ائمة أصحابه ولا غيرهم وهو انه إذا قال لامرأته إذا شربت أو زنيت أو فعلت كذا فأنت طالق وقصده أن يقع بها الطلاق إذا وجد ذلك الشرط أو قال إذا أعطيتني الفا فأنت طالق أو قال إذا طلقتك فانت طالق طلقة أخرى أو إذا وقع عليك طلاقي فانت طالق أو قال مثل ذلك في العتق فزعموا ان الحكم المعلق بشرط يقع هو والشرط معا في زمن واحد بناء على أن الشرط علة للحكم والمعلول يقارن العلة في الزمان

وهذا خطأ شرعا ولغة وعقلا أما الشرع فان جميع الاحكام المعلقة بالشروط لا تقع شئ منها إلا عقيب الشروط لا تقع مع الشروط والفروع المنقولة عن الائمة تبين ذلك واما لغة فإن الجزاء عند أهل اللغة يكون عقب الشرط وبعده ولا يكون الجزاء مع الشرط في الزمان ولهذا قد يكون الجزاء مما يتأخر زمانه كقوله تعالى ف فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزال وفي النذر إذا قال إن شفى الله مريضى فعلى صوم سنة فلا يجب عليه الصوم إلا بعد الشفاء لا مقارنا للشفاء ولا في زمن الشفاء وكذلك إذا قال إن سلم الله مالى الغائب وكذلك إذا قال من رد عبدي الآبق أو بنى لى هذا الحائط ونحو ذلك وأيضا فهذا يذكر بحرف الفاء والفاء للتعقيب يوجب ان يكون الثاني عقيب الاول لا معه وأما عقلا فلأن الاول هنا كالفاعل


379

الموجب للثاني ولا يعرف قط أن الفاعل يقارنه مفعوله

وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها ك العلم والعالمية فجوابه أنه عند جماهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول بل العلم هو العالمية وهذا مذهب جمهور نظار اهل السنة والبدعة وهو نفي الاحوال فلا علة ولا معلول وإن جعلت المعلول الحكم بكونه عالما والخبر عنه بكونه عالما فهذا قد يتأخر عن العلم وعلى قول من أثبت الحال هو يقول إنها ليست موجودة ولا معدومة فليست نظير المعلولات الوجودية

وأيضا فهولاء يقولون إن العالم فاعل للعالمية ولا هو جاعل العالمية ولا هذا عنده من باب تأثير الوجود كالاسباب والعلل فان كونه عالما لازم للعلم بما يلزم العلم انه علم ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت ولا كون الاكل سببا للشبع من الاسباب التي خلقها الله فكيف بالاسباب التي يصنعها العباد كقوله إذا زنيت فأنت طالق فهنا علق حادثا بحادث وحكم بكون ذلك الاول سببا للثاني فأين هذا من العلم والعالمية وإنما غرهم الاشتراك في لفظ العلة

وكذلك المتفلسفة ليس في جميع ما مثلوا به علة فاعله قارنت مفعولها في الزمان فحركة اليد ليست هي الفاعلة لحركة الخاتم بل المحرك لهما واحد ولكن حركتهما متلازمة لاتصال الخاتم باليد كحركة بعض اليد مع بعض وكما يقال حركت يدى فتحرك الخاتم وكما يقال حركت كفى فتحركت اصابعي وليست حركة الكف فاعلة لحركة الاصابع وإن قدر انها بعدها لم يسلم اقترانهما في الزمان بل تكون كأجزاء الزمان المتصل بعضها ببعض فانه لا فصل بينهما وإن كان الجزء الثاني متصلا بالاول كذلك أجزاء الحركة كحركة الظل وغيره كل جزء منها يحدث بعد الاخر وفي الزمان الذي يلى حركة الجزء الاول فأما أن يقال الحركتان وجدتا معا وأحدهما فاعلة للاخرى فهذا باطل

وأيضا فان المعروف أنه إذا قيل حركت يدى فتحرك خاتمى او المفتاح في


380

كمى ونحو ذلك إذا تحرك بحركة تخصه مثل ان يكون الخاتم ملقى فاذا حرك يده علق في يده فتحرك وهذه الحركة بعد حركة اليد في الزمان واما إذا كان الخاتم متصلا بالاصبع ثابتا فيها وإنما يتحرك كما تتحرك الاصابع فالمحرك للجميع واحد ولو كان الانسان نائما او ميتا فرفع رجل يده وفيها الخاتم لكانت أيضا متحركة بحركة اليد وهى حركة واحدة شملت الجميع لاتصال بعضه ببعض ليس هنا حركتان إحداهما سبب الاخرى فضلا عن ان تكون فاعلة لها ومن قال في مثل هذا حركت يده فتحرك خاتمه فانما هو كقوله فتحركت اليد فانما يريد بذلك أن الحركة شملت الجميع ولم يرد بذلك أن حركة اليد كانت سببا للحركة الاولى ولا نعرف عاقلا يقول هذا ويقصد هذا وإن قدر انه وجد فليس قوله حجة على سائر العقلاء ومن رفع يد ميت أو نائم وفيها خاتم لم تكن حركة بعض ذلك سببا لبعض بل الجميع موجود في زمان واحد لفاعل واحد وسبب واحد

فبطل أن يكون في الوجود سبب يقارن مسببه في الزمان بل لا يكون إلا قبله فكيف بالفاعل المستقل وإنما الذي يقارن الشئ في الزمان شرطه وتقدم الواحد على الاثنين هو من هذا الباب لا من باب تقدم الشرط على المشروط وحركة الخاتم مع اليد هي من باب المشروط مع الشرط ليست من باب المفعول مع الفاعل ولكن لفظ العلة فيه إجمال

وكذلك الصوت مع الحركة فان الصوت يحدث عقيب الحركة وغايته أن يكون معها كالجزء الثاني من الحركة مع الاول والحركة المتصلة والزمان المتصل ليس بعضه مع بعض في الزمان فغاية الصوت مع الحركة أن تكون كذلك وكذلك الشعاع مع ظهور الشمس مع أن الشمس ليست فاعلة للشعاع بل الشعاع يحدث في الارض إذا قابل الشمس ما ينعكس الشعاع عليه وكذلك الحركة ليست


381

هى الفاعلة للصوت ولكن الشمس شرط في الشعاع والحركة شرط في الصوت

وأما فاعل يبدع مفعوله ويكون مقارنا له في الزمان فهذا لا يوجد قط لكن لفظ العلة فيه إجمال ف العلة الفاعلة شئ والعلة التي هي شرط شئ آخر والشرط قد يقارن المشروط في زمانه بخلاف الفاعل فانه لا بد ان يتقدم فعله على المعين وإذا قدر انه لم يزل فاعلا فكل جزء من أجزاء الفعل مسبوق بجزء آخر وإن كان نوع الفعل لم يزل فلا يتصور أن يكون فعله أو مفعوله معينا مع الله أزلا وابدا وإن قيل إنه لم يزل فاعلا بمشيئته فدوام نوع الفعل شئ ودوام الفعل المعين والمفعول المعين شئ آخر

والذي أخبرت به الرسل ودلت عليه العقول واتفق عليه جماهير العقلاء من الاولين والاخرين أن الله خالق كل شئ وأن كل ما سواه فهو مخلوق له وكل مخلوق محدث مسبوق بالعدم وأما تغيير هولاء للفظ المحدث وقولهم إنا نقول إنه محدث حدوثا ذاتيا بمعنى أنه معلول فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه فان المحدث معلوم انه قد كان بعد أن لم يكن وأنه مفعول أحدثه محدث إحداثا وما لم يزل ولا يزال فلا يسميه أحد من العقلاء في لغة من اللغات محدثا بل ولا يقول أحد من العقلاء أنه مفول مصنوع مخلوق ولا يقول أحد أنه ممكن يمكن وجوده ويمكن عدمه إلا هذه الشرذمة من الفلاسفة

الميزان العقلي هو المعرفة الفطرية للتماثل والاختلاف

وهذه الامور مبسوطة في مواضعها وإنما المقصود هنا أنهم إذا عدلوا عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات الى اقيسة كلية وضعوا الفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون


382

وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون المطففين واين البخس في الاموال من البخس في العقول والاديان مع ان اكثرهم لا يقصدون البخس بل هم بمنزلة من قد ورث موازين من ابيه يزن بها تارة له وتارة عليه ولا يعرف أهى عادلة ام عائلة

والميزان التي انزلها الله مع الكتاب حيث قال الله تعالى الذي انزل الكتب بالحق والميزان وقال لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وانزلنا معهم الكتب والميزان هي ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشئ بمثله وخلافه فيسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين بما جعله الله في فطر عبادة وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف

فان قيل إذا كان هذا مما يعرف بالعقل فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل قيل لان الرسل ضربت للناس الامثال العقليه التي يعرفون بها التماثل والاختلاف فان الرسل دلت الناس وارشدتهم الى ما به يعرفون العدل ويعرفون الاقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية فليست العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيما للعلوم النبوية بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علما وعملا وضربت الامثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه او كانت الفطرة قد فسدت بما حصل لها من الاراء والاهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد وبينت ما كانت الفطرة معرضة عنه حتى صار عند الفطرة معرفة الميزان التي أنزلها الله وبينها رسله

والقرآن والحديث مملوء من هذا يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والامثال المضروبة ويبين طرق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين امنوا وعملوا الصلحت سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون الجاثية وقوله أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون القلم أي هذا


383

حكم جائر لا عادل فان فيه تسوية بين المختلفين وقال أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ص ومن التسوية بين المتماثلين قوله أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر القمر وقوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا البقرة

والقرآن مملوء من ذلك لكن ليس هذا موضعه وإنما المقصود التنبيه على جنس الميزان العقلى وانها حق كما ذكر الله في كتابه وليست هي مختصة بمنطق اليونان وإن كان فيه قسط منها بل هى الاقيسة الصحيحة المتضمنة التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل وصيغ التمثيل هى الاصل وهي أكمل والميزان القدر المشترك وهو الجامع وهو الحد الاوسط

وإنزاله تعالى الميزان مع الرسل كانزاله الايمان وهو الامانة معهم والايمان لم يحصل إلا بهم كما قال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم الشورى وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاخر حدثنا ان الامانة نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة وحدثنا عن رفع الامانة قال ينام الرجل النومة فتقبض الامانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام الرجل النومة فتقبض الامانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منترا وليس فيه شئ فقد بين في هذا الحديث


384

أن الامانة التي هى الايمان أنزلها في أصل القلوب فان الجذر هو الاصل وهذا إنما كان بواسطة الرسل لما اخبروا بما اخبروا به فسمع ذلك ف ألهم الله القلوب الايمان وانزله في القلوب

وكذلك أنزل الله سبحانه الميزان في القلوب لما بينت الرسل العدل وما يوزن به عرفت القلوب ذلك فأنزل الله على القلوب من العلم ما تزن به الامور حتى تعرف التماثل والاختلاف وتضع من الالات الحسية ما يحتاج اليه في ذلك كما وضعت موازين النقدين وغير ذلك وهذا من وضعه تعالى الميزان قال تعالى والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان الرحمن وقال كثير من المفسرين هو العدل وقال بعضهم ما يوزن به ويعرف العدل وهما متلازمان

الوجه الثامن

ليس عندهم برهان على علومهم الفلسفية

إنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا الحسيات والاوليات والمتواترات والمجربات والحدسيات ومعلوم أنه لا دليل على نفى ما سوى هذه القضايا كما تقدم البينة عليه

ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة باشتراك بنى آدم فيه وتناقضوا في ذلك وذلك ان بنى آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات فانهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون جنس السحاب والبرق وإن لم يكن ما رآه هؤلاء من ذلك هو ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد وأما ما يسمعه بعضهم من كلام


385

بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذلك اكثر المرئيات فانه ما من شخص ولا أهل درب ولا مدينة ولا إقليم إلا ويرون من المرئيات ما لا يراه غيره وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شئ معين فيه بل الذي يشمونه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين كما يتفقون في شرب جنس الماء ومس جنس النساء

وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فانه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ولم يجربوه ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الادوية ويجرب الاخرون جنس تلك الادوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب

ثم هم مع هذا يقولون في المنطق إن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات بل اشتراك الناس في المتواترات اكثر فان الخبر المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر السامعون له ويشتركون في سماعه من العدد الكثير لا سيما إذا كان العدد الكثير مئين وألوفا فبطائفة من هؤلاء يحصل العلم المتواتر فاذا نقل هؤلاء لقوم وهولاء لقوم وهؤلاء لقوم حصل العلم المتواتر لامم لا يحصى عددهم إلا الله بخلاف ما يدرك بالحواس فانه يختص بمن احسه فاذا قال رأيت او سمعت او ذقت او لمست او شممت فكيف يمكنه ان يقيم من هذا برهانا على غيره ولو قدر انه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم احسها ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر فاذا ادعوا أن الخبر المتواتر مختص بالحسيات فلا يقوم به البرهان على المنازع فالحسيات اعظم اختصاصا فيلزم ان لا يقوم بها برهان على المنازع وليس في الحسيات اكثر اشتراكا


386

الرؤية فان الناس يشتركون في رؤية الانوار العلوية كالشمس والقمر والكواكب ولكن مواد البرهان لا يختص بذلك

وإن قالوا الحسيات تحصل ب الاشتراك في جنسها كاشتراك الناس في معرفة الالوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة وإن لم يكن عين ما احسه هؤلاء هو عين ما احسه هؤلاء لكن اشتركا في الجنس قيل والمتواترات والمجربات قد يشتركون في جنسها كما تقدم بل وجود الشبع والري عقيب الاكل والشرب هو من المجربات والناس يشتركون في جنسه وكذلك وجود اللذة بذلك وبالجماع وغير ذلك بما إذا فعله الانسان وجد عقيبه اثرا من الاثار ثم يتكرر ذلك حتى يعلم ان ذاك سبب هذا الاثر فهذا هو التجربيات

والقضايا الظنية أصلها التجربيات وهو من هذا الباب فان المراد أنه إذا استعمل الدواء الفلاني وجد زوال المرض أو حصل به ألم المرض فوجود المرض بهذا ووجود زواله بهذا هو من التجربيات وكذلك الالام واللذات التي تحصل بالمشمومات والمسموعات والمرئيات والملموسات فان الحس ينال كذا ويرى هذا ويسمع هذا ويذوق هذا ويلمس هذا ثم وجود اللذة في النفس هو من الوجديات المعلومة بالحس الباطن وهو من جنس الحسيات الظاهرة

وأما الاعتقاد الكلى القائم في النفس من أن هذا الجنس يحصل به اللذة وهذا الجنس يحصل به الالم فهذا من التجربيات إذ الحسيات الظاهرة والباطنة ليس فيها شئ كلى فالقضاء الكلى الذي يقوم بالقلب هو مركب من الحس والعقل وهو التجربيات كما في اعتقاد حصول الشبع والري بما يعرف من المأكولات والمشروبات والموت والمرض بما يعرف من السموم القاتلة والاسباب الممرضة وزوال ذلك بالاسباب المعروفة وكل هذا من القضايا التجربية فالحس به يعرف الامور المعينة ثم إذا تكررت مرة بعد مرة أدرك العقل ان هذا بسبب القدر المشترك الكلى فقضى فضاء كليا أن هذا يورث اللذة الفلانية وهذا يورث الالم الفلاني


387

والحدسيات هى كذلك فبالحس يعرف أعيانها ثم يتكرر فتعلم بالعقل القدر المشترك لكن ذلك التكرر لا يكون بفعل الانسان بل هو كما يعرف من الامور السماوية مثل ان يرى اختلاف انوار القمر عند اختلاف مقابلته للشمس فيحدس أن ضوءه مستفاد منها ومثل ما يرى الثوابت لا تختلف حركتها بالطول والعرض بل حركتها حركة واحدة فيحدس أن فلكها واحد وإلا فيجوز أن يكون لكل واحد فلكا حركته مثل حركة الاخر ومثل ما يرى اختلاف حركات السبعة فيحدس عن اختلاف أفلاكها وهذا يسمى في اللغة تجربيات وكثير منهم ايضا يسميه تجربيات ولا يجعل قسما غير المجربات

وبالجملة الامور العادية سواء كان سبب العادة إرادة نفسانية أو قوة طبيعية فالعلم بكونها كلية هو من التجربيات او الحدسيات إن جعلت نوعا أخر حتى العلم بمعانى اللغات هو من الحدسيات فان الانسان يسمع لفظ المتكلم ثم قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى ثم إذا تكرر تكلمه بذلك اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى علم ان هذه عادته الارادية وهو إرادة هذا المعنى بهذا اللفظ إذا قصد إفهام المخاطب وهذا مما يسمونه الحدسيات إذ ليس كلام المتكلم موقوفا على اختيار المستمع وهو من التجربيات العامة فان السمع إنما عرف به الصوت والمعنى المعين قد يفهم أولا بأسباب متعددة إما كون هذا المتكلم من عادته ولغته انه إذا تكلم بهذا اللفظ أراد ذلك المعنى فهذا من هذا الباب وكذلك سائر ما يعلم من عادات الناس وعادات البهائم وعادات النبات وعادات سائر الاعيان هو من هذا الباب

وقد يعلم احد الشخصين بعادة نظيره فاذا كان من عادة شخص إذا قال أو فعل أمرا اراد به شيئا ورأى نظيره يقول ذلك او يفعله فقد اعتقد انه اراد ما اراد لان العادة عرف أنها للنوع لا للشخص كعادة الناس في اللغات والافعال


388

من العبادات وغير العبادات فاذا رأى الرجل يدخل المسجد قرب صلوة الجمعة وعليه أهبة أهل الصلوة اعتقد أنه يدخله للصلوة لان هذا عادة هذا النوع وكذلك إذا رأى قاعدا في محل التطهير شارعا فيما يشرع فيه المتطهر عرف أنه يتطهر ثم العاديات قد تنتقض وقد يعلم ما يفعله الفاعل من العلم بصفاته ويعلم صفاته من افعاله لكن ذاك من باب الاستدلال النظري العقلي وهو الاستدلال بالملزوم على اللازم فليس ذاك من هذا

كون العلوم الفلسفية من المجربات

فعامة ما عند الفلاسفة بل وسائر العقلاء من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هو من العلم بعادة ذلك الموجود وهو مما يسمونه الحدسيات وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من هذا القسم من المجربات ان كان علما فان هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع فليس عند القوم برهان على المنازع وايضا فان كون هذه الاجسام الطبيعية جربت وكون الحركات الفلكية جربت لا يعرفه اكثر الناس الا بالنقل والتواتر في هذا قليل وانما الغاية ان تنتقل التجربة في ذلك عن بعض الاطباء او بعض اهل الحساب

وعلم الهيئة الذي هو اعظم علومهم الرياضية العقلية الذي جعله ارسطو اهله هم ائمة الفلاسفة وعلمهم اصل الفلسفة فانه منه تعرف عدد الافلاك وحركاتها والا فالحس لا يرى الا حركة الاجسام المعينة فيرى الشمس متحركة والقمر متحركا والكواكب متحركة هذا الذي يعلم بالحس واما كون هذه مذكورة في افلاك متحركة فهذا انما يعلمونه من علم الهيئة والعلم بأن بعض الافلاك فوق بعض علموه بكسوف الاعلى الاسفل فلما راوا القمر يكسف سائرها استدلوا بذلك على انه تحت الجميع ولما راوا زحل لا يكسف شيئا والجميع تكسفه استدلوا بذلك على انه فوق


389

الجميع وكذلك كون الثوابت في الثامن ادعوا علمه بأنها لا تكسف شيئا بل قد يكسفها غيرها واما افلاكها فاستدلوا عليها بالحركات

والعلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك مداره على الارصاد وغايته ان بعض الناس راى هذا فأخبر به غيره وليس هذا خبرا متواترا بل غالبه خبر واحد ثم ان الارصاد يقع فيها من الغلط ما هو معروف ولهذا اختلفت ارصاد المتقدمين والمتأخرين في حركة الثوابت هل تقطع درجة فلكية في كل مائة سنة او في ستة وستين وثلثي سنه كما زعمه اهل الرصد المأموني ولما اخبرهم اهل الهيئة بحركة الفك استدلوا بذلك على ان لها نفسا تحركه بالارادة لان حركته دورية ليست طبيعية واستدلوا على عدد النفوس التسعة بالافلاك التسعة وعلى العقول العشرة بالافلاك التسعة مع العقل العاشرة الذي هو اول صادر عن واجب الوجود وجعلوا الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الاولى ليخرج ما فيه من الايون والاوضاع وغاية الفلسفة عندهم التشبه بالعلة الاولى بحسب الامكان فهذا هو العلم الالهي الذي هو الفلسفة الاولى والحكمة العليا وفيه من المقدمات الضعيفة ما ليس هذا موضع بسطه

وانما المقصود ان مبناه على قضايا يخبر بها بعض الناس عن قضايا حدسية فاذا قالوا ان هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع والقضايا الطبيعية مبناها على ما ينقله بعض الناس من التجارب فاذا لم يكن في هذا ولا هذا برهان لم يكن عند القوم برهان على ما يختصون به واما ما يشتركون فيه هم وسائر الناس فهذا ليس مضافا اليهم ولا هو من علمهم فأين البرهان على العلوم الفلسفية مع العلم بأن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة كما بيناه في غير هذا الموضع فنحن نعلم انه ليس معهم في عامة ما يدعونه برهانيا برهان يقيني ولكن مع هذا نذكر بعض تناقضهم


390

سنة الله التي لا تنتقض بحال

ولكن العادة التي لا تنتقض بحال ما اخبر الله انها لا تنتقض كقوله تعالى لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا الاحزاب وقال ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا الفتح وقال وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا فاطر

فهذه سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين اذا قاموا بالواجب على الكافرين وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدى المؤمنين هى سنة الله التي لا توجد منتقضة قط وكما قال قبل هذا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان امر الله قدرا مقدورا الاحزاب لم يقل هنا ولن تجد لان هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين وعقوبته للمنذرين فانه امر مشاهد فلن يوجد منتقضا

وقد أراد بعض الملاحدة كالسهروردي المفتول في كتابه المبدأ والمعاد الذي سماه الالواح العمادية أن يجعل له دليلا من القرآن والسنة على إلحاده فاستدل


391

بهذه الاية على ان العالم لا يتغير بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب لانها عادة الله فيقال له انخراق العادات امر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثا وباطلا بل لأجل الجزاء فكان هذا من سنته الجميلة وهو جزاؤه الناس باعمالهم في الدار الاخرة كما أخبر به من نصر أوليائه وعقوبة أعدائه فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة وهو لم يخبر بان كل عادة لا تنتقض بل أخبر عن السنة التي هى عواقب أفعال العباد باثابته أولياءه ونصرهم على الاعداء فهذه هى التي اخبر لن يوجد لها تبديل ولا تحويل كما قال فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا فاطر

وذلك لان العادة تتبع إرادة الفاعل وإرادة الفاعل الحكيم هى إرادة حكيمة فتسوى بين المتماثلات ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل وهو إكرام اهل ولايته وطاعته ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين فهذه السنة تقتضيها حكمته سبحانه فلا انتقاض لها بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره فذاك تغييره من الحكمة ايضا ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل لكن في هذه الايات رد على من يجعله يفعل بمجرد إرادة ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح فان هؤلاء ليس عندهم له سنة لا تتبدل ولا حكمة تقصد وهذا خلاف النصوص والعقول فإن السنة تقتضي تماثل الآحاد وأن حكم الشيء نظيره فيقتضي التسوية بين المتماثلات وهذا خلاف قولهم

المتواتر عن الانبياء أعظم من المتواتر عن الفلاسفة

والمقصود هنا الكلام على الفلاسفة فنقول معلوم أن من شياطينهم من يقول المتواترات لا يقوم بها البرهان على المنازع ليدخل في ذلك ما تواتر عن الانبياء صلوات الله عليهم من الايات والبراهين والمعجزات التي بعثوا بها كما


392

يدخلون ما اخذ عن الانبياء من المقبولات

فيقال لهم من المعلوم بالاضطرار أن تواتر خروج محمد صلى الله عليه وسلم ومجيئه بهذا القرآن أعظم عند أهل الارض من تواتر وجود الفلاسفة كلهم فضلا عما يخبرون به من القضايا التجربية والحدسية التي استدلوا بها على الطبيعيات والفلكيات وكذلك ما تواتر من سائر معجزاته وما تواتر من اخبار موسى والمسيح صلوات الله عليهما هذا معلوم عند الناس أعظم من تواتر وجود أولئك فضلا عن تواتر ما يخبرون به

ولهذا صار ظهور الانبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم بظهور أمرهم عند الخاصة والعامة فان التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى بعده وقبله كما ان النهار يعرف بطلوع الشمس والشهر بالهلال لانه نور ظاهر يشترك الناس في رؤيته ولهذا جعل عمر تاريخ المسلمين من الهجرة النبوية فانها أظهر أحوال الرسول المشهورة وهو خروجه من بلد الى بلد وبها اعز الله الاسلام وكانت العرب قبل الاسلام تؤرخ بالحوادث المشهورة وكذلك الروم والفرس والقبط وسائر الامم يؤرخون مثل ذلك فنحن اليوم إذا اردنا ان نعرف زمان واحد من هؤلاء المتفلسفة قلنا كان قبل المسيح بكذا وكذا سنة

بل ارسطو إنما عرف زمانه لانه قد عرف أنه كان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني ملك اليونان وكانوا مشركين يعبدون الكواكب والاصنام ويعانون السحر ارسطو وملكه وغيرهما وهذا الاسكندر لما جاء الى الشام اقام ايام بني اسرائيل غلب عليهم فذكروا أنه طلب ان يكتب في التوراة فقالوا ما يمكن هذا فقال اجعلوا لي تأريخا فصار التاريخ الرومي الذي تؤرخ به اليهود والنصارى مؤرخا به وأرسطو وزيره فعرف وقته من هذا الوجه وكان قبل المسيح بثلثمائة سنة


393

والتواريخ التي تختص بها اليهود هي من الانبياء وأحوال بيت المقدس يقولون في البيت الاول في البيت الثاني

ثم عرف أرسطوا بهذه الكتب المنسوبة اليه كما عرف بطليموس المجسطى وكما عرف ابقراط وجالينوس بما ينسب اليهما من كتب الطب وإلا فأي شئ هو الذي تواتر عند الناس من أخبار هؤلاء فضلا عن ان يتواتر عنهم ما يذكرونه في كتبهم من القضايا التجربية والحدسية وغاية ما يوجد أن يقول بطلميوس هذا مما رصده فلان وأن يقول جالينوس هذا مما جربته أنا أو ذكر لى فلان انه جربه او نحو ذلك من الحكايات التي ملأ بها جالينوس كتابه وليس في هذه شئ من المتواتر وإن قدر ان غيره جرب ايضا فذاك خبر واحد

ولكن ما يدعى في تجارب الاطباء من الادوية أقرب الى التسليم مما يدعونه في تجاربهم الرصدية وذلك لاشتراك كثير من الاطباء في تجربة الدواء الواحد وأيضا فلكثرة وجود ما يدعى فيه التجربة من النبات وتواطؤ المجربين له وليس كذلك ما يدعونه من فلسفتهم فانا رأينا تجارب الاطباء على غير منوالهم وعلمنا صدقها كثيرا وليس القصد إلا بفساد تأصيلهم فقط وإلا فالاطباء في تجاربهم أسد حالا منهم لان القوم إنما يذكرون دواء موجودا يمكن تجربته كثيرا لوجوده ولكثرة المحتاجين اليه ممن يصيبه ما يقال إن ذلك الدواء يؤثر فيه شفاء والله فاعل ذلك الشفاء في ذلك الدواء فبينهم حينئذ فرق من حيث ما قررته


394

فالتواتر عزيز عندهم جدا واكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا علموا بالارصاد ما ادعوا انهم علموه وإذا قيل قد اتفق على ذلك رصد فلان وفلان كان غاية ما عندهم أن يذكروا جماعة رصدوا وهذا غاية ان يكون من المتواتر الخاص الذي ينقله طائفة

فمن زعم انه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الانبياء كيف يمكنه أن ان يقيم على غيره برهانا بمثل هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعى انه علم عقلى معلوم بالبرهان

كون الفلاسفة من أجهل الخلق برب العالمين

وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله فما الظن بالالهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الاول أرسطو وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين وصار يتعجب تعجبا لا ينقضى ممن يقرن علم هؤلاء بالالهيات الى ما جاءت به الانبياء ويرى ان هذا من جنس من يقرن الحدادين بالملئكة بل من يقرن دهاقين القرى بملوك العالم فهو أقرب الى العلم والعدل ممن يقرن هؤلاء بالانبياء فان دهقان القرية متول عليها كتولى الملك على مملكته فله جزء من الملك

وأما ما جاءت به الانبياء فلا يعرفه هؤلاء ألبتة وليسوا قريبين منه بل كفار اليهود والنصارى أعلم بالامور الالهية ولست اعنى بذلك ما اختص الانبياء بعلمه من الوحي الذي لا ينال غيرهم فان هذا ليس من علمهم ولا من علم غيرهم وإنما أعنى العلوم العقلية التي بينها الرسل للناس بالبراهين العقلية في امر معرفة الرب وتوحيده ومعرفة اسمائه وصفاته وفي النبوات والمعاد وما جاءوا به من مصالح الاعمال التي تورث السعادة في الاخرة فان كثيرا من ذلك قد بينه الرسل بالادلة العقلية فهذه العقليات الدينية الشرعية الالهية هي التي لم يشموا رائحتها ولا في علومهم ما يدل عليها وأما ما اختصت الرسل بمعرفته واخبرت به من الغيب فذاك


395

امر أعظم من ان يذكر في ترجيحه على الفلسفة وانما المقصود الكلام في العلوم العقلية التي تعلم بالادلة العقلية دع ما جاءت به الانبياء فانه مرتبة عالية

وهؤلاء المتكلمون من اهل الملل الذين يدعهم اهل السنة من اهل الملل كالجهمية والمعتزلة وما يفرع على هؤلاء من جميع طوائف الكلام فان الفلاسفة تقول ان هؤلاء اهل جدل ليسوا اصحاب برهان ويجعلون نفوسهم هم اصحاب البرهان ويسمون هؤلاء اهل الجدل ويجعلون ادلتهم من المقاييس الجدلية اذ كانوا قد قسموا القياس خمسة اقسام برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي كما سنتكلم عليه ان شاء الله ولهذا تجد ابن سينا وابن رشد وغيرهما من المتفلسفة يجعل هؤلاء اهل الجدل وان مقدماتهم التي يحتجون بها جدلية ليست برهانية ويجعلون انفسهم اصحاب البرهان

ونحن لا ننازعهم ان كثيرا مما يتكلمه المتكلمون باطل لكن اذا تكلم بالانصاف والعدل ونظر في كلام معلمهم الاول ارسطو وامثاله في الالهيات وفي كلام من هم عند المسلمين من شر طوائف المتكلمين كالجهمية والمعتزلة مثلا وجد بين ما يقوله هؤلاء المتفلسفة وبين ما يقوله هؤلاء من العلوم التي يقوم عليها البرهان العقلي من الفروق التي تبين فرط جهل اولئك بالنسبة الى هؤلاء ما لا يمكن ضبطه وهذا كلام ارسطو موجود وكلام هؤلاء موجود فان هؤلاء المتكلمين يتكلمون بالمقدمات البرهانية اليقينية اكثر من اولئك بكثير كثير وارسطو اكثر ما يبني الامور الالهية على مقدمات سوفسطاية في غاية الفساد ولولا ان هذا ليس موضع ذكره لذكرت كلامه في مقالة اللام التي هي اخر علومه بالفاظها وكذلك كلامه في اثولوجيا


396

6

وهذا ابن سينا افضل متأخريهم الذي ضم الى كلامه في الالهيات من القواعد التي اخذها عن المتكلمين اكثر مما اخذه عن سلفه الفلاسفة اكثر كلامه فيها مبني على مقدمات سوفسطائية ملبسة ليست خطابية ولا جدلية ولا برهانية مثل كلامه في توحيد الفلاسفة وكلامه في اسرار الايات وكلامه في قدم العالم كما بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع

الوجه التاسع

الرد على ابن سينا والرازي في كلامهما في القضايا المشهورة المشتمل على ثمانية انواع

الوجه التاسع انهم اخرجوا القضايا التي يسمونها الوهميات والتي يسمونها الاراء المحودة عن ان تكون يقينيات وقد بينا في غير هذا الموضع انها وغيرها من العقليات سواء ولا يجوز التفريق بينهما وان اقتضاء الفطرة لهما واحد

اما المشهورات فان ابن سينا قال في اشاراته

اصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم اربعة مسلمات ومظنونات وما معها ومشبهات بغيرها ومتخيلات والمسلمات اما معتقدات واما مأخوذات والمعتقدات اصنافها ثلاثة الواجب قبولها والمشهورات والوهميات والواجب قبولها اوليات ومشاهدات ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا قياساتها معها الى ان قال

فأما المشهورات في هذه الجملة فمنها ايضا هذه الاوليات ونحوها مما يوجب قبوله لا من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها


397

قال ومنها الاراء المسمات ب المحمودة وربما خصصناها باسم المشهورة اذ لا عمدة لها الا الشهرة وهو انه لو خلى انسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم يؤدب بقبول قضاياها ولم يفد الاستقراء ظنه القوى الى حكم لكثرة الجزئيات ولم يستدع اليها ما في طبعه الانساني من الرحمة والخجل والانفة والحمية وغير ذلك لم يقض بها الانسان طاعة لعقله او وهمه او حسه مثل حكمنا ان سلب مال الانسان قبيح وان الكذب قبيح لا ينبغي ان يقدم عليه

قال ومن هذا الجنس ما يسبق وهم كثير من الناس وليس شيء من هذا يوجه العقل الساذج ولو توهم الانسان بنفسه انه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع ادبا ولم يطع انفعالا نفسانيا او خلقا لم يقض في امثال هذه القضايا بشيء بل امكنه ان يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه ان الكل اعظم من الجزء

وهذه المشهورات قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وان كانت صادقة ليست تنسب الى الاوليات ونحوها اذا لم تكن بينة عند العقل الاول الا بنظر وان كانت محمودة عنده والصادق غير المحمود وكذلك الكاذب غير الشنيع ورب شنيع حق ورب محمود كاذب

والمشهورات اما من الواجبات واما من التأديبات الصلاحية وما تطابق عليها الشرائع الالهية واما خلقيات وانفعاليات واما استقرائيات وهي اما بحسب الاطلاق واما بحسب اصحاب صناعة وحكمة

وقد ذكر الرازي في شرحه للاشارات تقرير الفرق بين الاوليات العقلية والمشهوارات والوهميات

وقالوا المشهورات تشبه بالاوليات ووجه الفرق ظاهر فان الاولى


398

هو الذي يكون حكمه على موضوعه في الوجودين حملا اولا لا ثانيا أي لا يكون حمله بتوسط فان المحمول على غيره بتوسط شئ اخر كان بعد حمل ذلك الشئ فلا يكون حمله عليه اولا بل ثانيا

وهذا إنما يظهر إذا لم يكن للعقل في ذلك الحكم موجب آخر إلا مجرد حضور طرفى الموضوع والمحمول أما إذا كان هناك اسباب أخر من الرقة او الانفة أو الحمية او العادة او الحمد على النظام الكلى والمصلحة العامة فحينئذ لا يعرف ان الموجب لحكم العقل بذلك هو نفس حضور طرفي الموضوع والمحمول او ذلك لاسباب اخر

فاذا اردت ان تمتحن ذلك فعليك ان تقدر نفسك كأنك خلقت في هذه الحال ولا تلتفت الى مقتضيات العادات واحكام سائر القوى من الرأفة والرقة وتجرد عما تعودته والفتة من القضايا المصلحية ثم تعرض على نفسك طرفى الموضوع والمحمول فان كان نفس حضورهما يوجب حكم العقل بتلك النسبة كانت القضية اولية وإلا كانت مشهورة وهو مثل قولنا الكذب قبيح فان السبب في شهرته تعلق المصلحة العامة به وقولنا الايلام قبيح والسبب فيه الرقة والدليل على ان ذلك ليس من الاوليات انا عند الفرض المذكور إذا عرضنا على العقل ان الشئ لا يخلو عن النفى والاثبات وعرضنا عليه ان الكذب قبيح وجدنا العقل جازما بالاول متوقفا في الثاني فعرفنا أن ذلك ليس من المحولات الاولية

ثم إن المشهور قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا فالصادق قد يكون أوليا وقد لا يكون بل يحتاج في إثباته الى البرهان فان كل اولى لا بد ان يكون مشهورا لكن لا ينعكس فان السبب في الشهرة إما كونه اوليا أو تعلق النظام به او الانفعالات النفسانية كما ذكرنا او الاستقراء العام فان لكل مذهب أمورا مشهورة عندهم ربما لا تكون


399

مشهورة عند من يخالفهم

قلت والكلام على هذا بأنواع متعددة

النوع الاول

الكلام على تفريقهم بين الاوليات والمشهورات

النوع الاول إن التفريق بين الاوليات وغيرها بأن الاوليات ما كان ثبوت الموضوع للمحمول وهو ثبوت الصفة للموصوف والمحكوم به للمحكوم عليه والمخبر به للمخبر عنه كثبوت الخبر للمبتدأ بالتفريق بين الاولى وغيره بان الموضوع إن ثبت للمحمول بنفسه في الوجودين الذهنى والخارجي فهو اولى وإن افتقر الى وسط فليس بأولى فرق بنى على اصل فاسد وهو ان الصفات اللازمة للموصوف منها ما يلزم بنفسه ليس بينه وبين الموصوف وسط في نفس الامر ومنها ما لا يلزم بنفسه بل بوسط في نفس الامر يكون ذلك الوسط لازما للموصوف ويكون هذا المحمول لازما لذلك اللازم

وهذا الفرق قد ذكره غير واحد كالرازي وغيره في الصفات اللازمة وابن سينا ذكره ايضا لكن ابن سينا ذكر انه إنما اراد ب الوسط الحد الاوسط في القياس وهو ما يقرن باللام في قولك لانه وهذا هو الدليل والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطا في نفس ثبوت الصفة للموصوف فانه قد يستدل بالمعلول على العلة كما يستدل بالعلة على المعلول ويستدل بأحد المعلولين على الاخر ويستدل بثبوت احد الضدين على انتفاء الاخر وبثبوت احد المتلازمين على تحقق الاخر

ولا ريب أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم الى ما لزومه بين للإنسان والى ما ليس هو بينا بل يفتقر ملزومه الى دليل وكونه بينا للانسان وغير بين ليس هو صفة الشئ في نفسه وإنما هو إخبار عن علم الانسان به وتنبيه له فهو


400

إخبار عن الوجود الذهني لا الخارجي فما كان بينا للانسان معلوما له موجودا في ذهنه لم يحتج فيه الى دليل وما لم يكن كذلك احتاج فيه الى دليل وكون الشئ بينا وغير بين نسبة وإضافة بين المعلوم والانسان العالم وهذا يختلف فيه احوال الناس فقد يتبين لزيد ما لا يتبين لعمرو فان اسباب العلم وقوة الشعور وجودة الاذهان متفاوته فلا يلزم إذا تبين لانسان ثبوت بعض الصفات او لزومها او اتصاف الموصوف بها ان يتبين ذلك لكل احد ولا يلزم اذا خفى على بعض الناس ان يكون خفيا على كل احد

وحينئذ فإذا فرق بين الاولى وغيره بان الاولى لا يحتاج الى وسط فبين كون القضية اولية او غير اولية فرق إضافي بحسب احوال الناس فيكون ذلك بمنزلة ان يقال القضية إما ان تكون معلومة وإما ان لا تكون وإما ان تكون ظاهرة وإما ان لا تكون وإما ان تكون واضحة وإما ان لا تكون وإما ان تكون جلية وإما ان لا تكون وإما ان يتصور الانسان صدقها وإما ان لا يتصور وهذا فرق صحيح فإن كل قضية بالنسبة الى كل احد إما ان تكون بينة له وإما ان لا تكون بينة له ولكن ليس هذا الفرق يميز بين اجناس القضايا حتى يجعل جنس منها بتمامه من قبيل غير البين وجنس آخر بتمامه من جنس البين فإن هذا الفرق لا يعود الى صفة لازمة للقضية كما ادعاه من ان اللازم البين ما ثبت للموصوف بلا وسط في نفس الأمر واللازم غير البين ما كان ثبوته بوسط في نفس الأمر بل جميع اللوازم للموصوف ليس بينها وبين الموصوف وسط اصلا في نفس الأمر وإن احتجاج الانسان في علمه بثبوتها الى دليل فليس كل ما لا يعلم لزومه للموصوف إلا بدليل لايكون ثبوته له إلا بوسط كما تقدم بيانه فإن المعلول لازم لعلته المعينة لا يمكن تخلف المعلول عن علته التامة التي دخل فيها وجود الشروط وانتفاء الموانع ومع هذا فقد لا يعلم ثبوت المعلول إلا بوسط بأن يستدل بمعلول آخر على العلة


401

ثم بالعلة على المعلول كما يستدل بالرائحة التي في الشراب على انه مسكر ويستدل بالمسكر على التحريم كقوله ص كل مسكر خمر وكل مسكر حرام رواه مسلم وكما يستدل بثبوت كفارة اليمين في الالتزام على انه يمين ويستدل بأنه يمين على انعقاد الايلاء به وكذلك بالعكس وكما يستدل بالشعاع المنتشر على طلوع الشمس وبطلوعها على فوات الفجر وكما يستدل بفيء الظلال على زوال الشمس وبزوالها على دخول وقت الظهر فانها لا تفيء من المغرب الى المشرق إلا اذا زالت الشمس ولا يسمى فيئا إلا ما كان بعد الزوال والظل اسم عام لما كان في اول النهار وآخره وإن شئت تستدل بتزايد الظلال بعد تناهي قصرها على الزوال وبه على دخول وقت الظهر وكما يستدل بالجدي على جهة الشمال ويستدل بها على جهة الكعبة بأن يعلم ان الكعبة في تلك الأرض من جهة الجنوب والقطب شماليها إما محاذيا للركن الشامي سواء كما في أرض حران وما سامتها وإما مائلا الى المشرق وجهة الباب فينحرف الى المغرب كما في ارض العراق ومثل هذا كثير

وبالجملة ف الدليل باتفاق العقلاء اعم من العلة بل كل ملزوم يستلزم غيره يمكن الاستدلال به عليه مطلقا ولا يفرق في هذا بين لازم ولازم ولا يقال من اللوازم ما يلزم بوسط فلا يمكن العلم به إلا بعد ذلك الوسط بل يمكن الاستدلال به عليه كما يمكن الاستدلال بكل ملزوم على لازمه فإن شرط ذلك العلم بالملزوم متى علم ان هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم

فقد يكون ما هو لازم بغير وسط عندهم ولا يعرف لزومه إلا بالوسط 2 الذي هو الدليل كالمعلول مع العلة وقد يكون ما يزعمون انه لازم بوسط ويمكن العلم بلزومه بلا وسط كما ذكروه من المثال في ذلك فزعموا ان اللونية للسواد والجسمية للحيوان ذاتية لثبوتها بلا وسط وزعموا ان الزوجية والفردية للعدد عرضية قالوا لأنا وإن علمنا ان الأربعة زوج والثلاثة فرد فلا يعلم ذلك في كل الأعداد بل يفتقر علمنا بأن المائتين واثنين وستين زوج والاحدى


402

وستون فرد الى وسط وهو ان يقسم هذه فاذا انقسمت بقسيمين متساويين علمنا انها زوج

وقد بينا في كلامنا على فساد قولهم في الفرق بين الذاتي واللازم ان الفرق لا يعود الى صفة الموصوف في نفس الامر بل كون الزوجية والفردية لازمة للزوج والفرد كلزوم العددية للعدد ولزوم اللونية للبياض والسواد ولزوم الجسمية للحيوان ولكن بعض اللوازم بين لبعض الناس انه لازم لجميع الافراد وبعضها يخفي ثبوته لبعض الافراد وهذا فرق يعود الى الانسان كما ان من الاشياء ما نراها ومن الاشياء ما لا نراها وكذلك من الاشياء ما نعلمها ومن الاشياء ما لا نعلمها ولا يقتضى ذلك ان يكون ما علمه من الصفات هو اجزاء للماهية تركبت منها لو جاز ان تتركب الماهية من الاوصاف وما لم يعلمه لا يكون اجزاء للماهية فكيف اذا كان تركب الماهية الموجودة في الخارج من صفات قائمة بها ودعوى ان تلك الصفات اجزاء لها مقومة وهي سابقة عليها في غاية الفساد

والرازي وامثاله لما شاركوا المنطقيين في هذا الخطأ زعموا ان الوسط الذهني هو وسط خارجي فهذا باطل وما علمت قدماء المنطقيين يقولونه ولا رايته في كلام ابن سينا وامثاله وانما الذي رايته في كلامه ان الوسط هو الدليل

برهان للرازي على هذا التفريق وبيان تناقضه من ثلاثة عشر طريقا

فالرازي لما ادعى ما ادعاه لزمه تناقض زائد على تناقض المنطقيين

قال الرازي والبرهان على ان ما يكون لزومه بغير وسط كان بينا هو ان الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم فاذا عقلنا الماهية وجب ان نعقل منها انها


403

لما هي هي تقتضى ذلك اللازم والا لما كنا عقلنا الماهية لما هي هي واذا عقلنا منها لما هي مقتضية للازم الفلاني وجب ان نعقل اللازم الفلاني لان العلم باضافة امر الى امر يتضمن العلم بكل المضافين

قال فهذا ما قيل في هذا الباب وفيه بحث لا بد من ذكره فان لقائل ان يقول ان ما يحصل لزومه من العلم بالماهية العلم بلازمها القريب وذلك القريب علة قريبة للازم الثاني فحينئذ يجب ان يعلم اللازم الثاني وان يعلم من ذلك الثاني اللازم الثالث فكان يجب ان يكون العلم بالماهية مقتضيا للعلم بجميع لوازمها القريبة والبعيدة وذلك محال فثبت ان العلم بالماهية لا يقتضى العلم بلازمها

قال ايضا فان ماهية العلة غير مقولة بالقياس الى المعلوم وعلته والعلة مقولة بالقياس الى المعلول فاذن ماهية العلة مغايرة لعلتها فاذن لا يلزم من العلم بماهية العلة العلم بدليل المعلول

ثم قال لكنا نقول في جواب هذا الشك العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول الا بشرط اخر وهو حصول تصور المعلول فان العلية امر اضافي لا يحصل بمجرد ذات العلة فلا يكون العلم بذات العلة كافيا في العلم بالعلية لكن ذات العلة وذات المعلول هما لذاتيهما يقتضيان الوصف الاضافي وهو العلية والمعلولية لا جرم عند حصول تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب احدهما الى الاخر وهذا هو المعنى بقولنا اللازم الذي يكون بغير وسط يكون بين الثبوت

قال واذا ثبت ان تصور العلة انما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب له عند تصور المعلول ثم من الجائز ان لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بثبوت كل


404

اللوازم القريبة والبعيدة

قال واما الشك الثاني فهو ايضا خارج لانا لا نسلم ان العلية مغايرة لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي ان تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول

قلت فهذا الكلام الذي زعموا انه برهان قرروا به الاصول الكلية ل الحد والبرهان وفيه من الفساد والخطأ والتناقض ما يطول وصفه لكن ننبه على بعضه وذلك من طرق

الطريق الاول

ان قوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم ان عني به ان الماهية الملزومة هي العلة في حصول لازمها في نفس الامر كما يقتضية كلامه فهذا من ابطل الباطل فليس كل ما كان لازما لغيره يكون ذلك الغير هو العلة المقتضية لوجوده في نفس الامر فان العلة نفسها لازمة لمعلولها المعين لا يوجد المعلول المعين الا بتلك العلة وان قدر وجود ما هو من جنسه بغير تلك العلة فليس هو ذلك المعين والعلة لا تكون معلولة لمعلولها وهي لازمة له

وكذلك احد المعلولين يلازم المعلول الاخر كالابوة والبنوة هما متلازمان وليس وجود احدهما علة للاخر بل كلاهما معلول علة اخرى وكذلك جميع المتلازمات كالناطقية والضاحكية للانسان متلازمان وليس احدهما علة للاخر وكذلك الحس والحركة الارادية متلازمان وليس احدهما علة الاخر ونظير هذا كثير في الحسيات والعقليات والشرعيات وكل شيء فان نجوم الثريا متلازمة ما دام الفلك موجودا على هذه الصفة وليس بعضها علة لبعض وكذلك الاخلاط الاربعة في جسد ابن ادم متلازمة وليس بعضها علة لبعض وصفات الرب تعالى كعلمه وقدرته متلازمة وليس احدى الصفتين علة للاخرى والادلة الدالة على


405

الصانع جل جلاله وهي جميع مخلوقاته ملزومة لوجوده وليس فيها والعياذ بالله ما يجوز ان يقال انه علة له

وبالجملة فكل دليل فهو مستلزم لمدلوله والمدلول لازم للدليل وهذا متفق عليه بين العقلاء ومتفق بين العقلاء على ان الدليل لا يختص بان يكون معلولا لمدلوله بل الدليل اعم وكل من هذين امر بين مع اتفاق العقلاء عليه فكيف يجوز ان يقال ان كل ما لزم غيره فان الملزوم هو العلة المقتضية للازم وكل مدلول فهو لازم لدليله مع انتفاء هذا الاقتضاء في اكثر الادلة

فان قيل نحن لا نعني اللازم هنا الا الصفات اللازمة لموصوف وتلك الماهية الموصوفة مقتضية لذاتها لتلك الصفات قيل هذا خطأ من وجوه

احدها انهم لم يعنوا ذلك كما حكينا كلامهم بل جعلوا القضايا التي ليست اولية هي ما يفتقر الى هذا الوسط الذي جعلوه هنا معلولا للماهية كما قد حكينا كلامهم وان الاوليات حمل محمولها على موضوعها في الوجودين الذهني والخارجي حملا اوليا بلا وسط فجعلوا الوسط الذهني هو الخارجي والخارجي هو الذي ذكروه هنا وجعلوه معلول الماهية وايضا فانهم بهذا فرقوا بين اللازم البين واللازم غير البين

الوجه الثاني ان يقال هب انهم ارادوا الصفات اللازمة للماهية فكل دليل فهو ملزوم لمدلوله فكونه مستلزما لمدلوله صفة له لازمة له وهي على قولهم اما ان تكون بوسط واما ان تكون بغير وسط فآيات الله المخلوقة وهي العالم جميعه مستلزمة لوجود الرب تعالى ووجوده لازم لها وكونها ملزومة لذلك صفة لها لازمة لا يتصور قط ان يزول عنها هذا اللازم فانها مفتقرة بالذات الى الخالق وهذا الفقر لازم لها لا يفارقها البتة وحدوثها دليل على الباري وليست هي التي اقتضت وجوده وكذلك المعلول تقوم به صفات لازمة له وهو وصفاته تستلزم العلة


406

والمعلول وصفاته من العلة ليس هو علة لصفاته

الوجه الثالث ان يقال لا نسلم ان في الموصوفات ما هو علة فاعلة لصفته اصلا بل هو محل لصفاته القائمة به والموصوف ان كان رب العالمين فلا فاعل لصفاته كما لا فاعل لذاته وان كان مخلوقا فالفاعل لذاته هو الفاعل لصفاته اما كون ذاته علة فاعلة لصفاته فهذا باطل قطعا

ومما يتبين بطلانه ان الكلام في صفاته اللازمة وتلك لا تفارقه ولا يتصور ان يكون فاعلا الا بعد وجودها فيمتنع كونه هو الموجد لها واما صفاته المقومة فتلك عندهم هي المقومة لذاته ليست ذاته السابقة لها وهي كالعلة فجعلوا بعض صفاته اللازمة علة لذاته وهي الصفات المقومة وبعضها معلولة وهي اللازمة غير المقومة والقسمان خطأ فليس في صفات الموصوف اللازمة ما هو علة للذات ولا معلول للذات بل هي صفات قائمة بالذات وفاعل الذات فاعل صفاتها ان كانت الذات من الذوات المفعولة والذي خلق الانسان خلق الحيوانية والناطقية وخلق الضاحكية وغيرها ليس بعض هذه الصفات سابقا لذات الانسان او مادة لها ولا علة لها ولا بعضها معلول لها بل هي صفات قائمة بالانسان لازمة له والذي خلقه خلق هذه الصفات اللازمة له وكذلك سائر المخلوقات

الوجه الرابع ان يقال ما تعني بقولك وتلك الماهية الموصوفة مقتضية بصفاتها ان عنيت انها مستلزمة لها فحينئذ جميع الملزومات كذلك كما تقدم فبطل كونهم ارادوا بعض الملزومات وان عنيت انها فاعلة للزومها فليس في الماهيات ما يفعل شيئا من صفاتها

الطريق الثاني

ان يقال لو سلم انها مقتضية لذلك اللازم بمعنى انها علة كما ادعاه او بمعنى انها ملزومة لذلك اللازم كما هو الحق في نفس الامر فان كون الملزوم ملزوما واللازم لازما له هو ثابت لا ريب فيه واما كون الملزوم فعل اللازم او علة للازم


407

فهذا قد يكون في بعض الملزومات كالمعلول المعين اللازم لعلته والا فأكثر اللوازم ليست معلولة لملزوماتها وسواء قدر انها معلولة او لم يقدر فقوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام مجمل فان كون الشيء ملزوما لغيره هو انه متى تحقق الملزوم تحقق اللازم فقوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام فيه اجمال فان كونها ملزومة حقيقة معقولة فقول القائل لما هي هي يقتضى ان اللزوم قسمان لزوم لما هي هي ولزوم لغير ما هي هي

فان قيل نعم عندي اللزوم نوعان فاللازم البين الذي لا يفتقر الى وسط هو اللازم لما هي هي واللازم الذي يفتقر الى وسط هو اللازم لاجل الوسط لا لما هي هي قيل له الكلام في هذا الفرق فأنت تريد ان تقيم البرهان على ان ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يفتقر الى دليل بل كان من الاوليات فمجرد تصور طرفي القضية كاف في العلم به والمنازع يقول لك قد يكون اللازم بغير وسط كالعلة مع معلولها لا يعلم الا بدليل ووسط فيكون وسطا في العلم والذهن لا وسطا في الخارج وانت قد ادعيت ان كل ما كان مفتقرا الى وسط في الذهن فانه يفتقر الى وسط في الوجود وان ما لا يفتقر الى وسط في الوجود لا يفتقر الى وسط في الذهن وعلى هذا ادعيت اقامة البرهان

ونحن نقول مجرد التصور التام لما ادعيته يوجب العلم الضروري بفساده لكن نبين مع ذلك فساد ما دللت به على دعواك كما نبين فساد شبه السوفسطائية وان سموها براهين وهو انك صادرت على المطلوب فجعلت المطلوب مقدمة في اثبات نفسه فانك لم يمكنك الاستدلال حتى اخذت مسلما ان اللوازم تنقسم الى البين الذي يلزم لما هي هي والى اللازم بوسط الذي يفتقر الى وسط في نفس الامر والمنازع لك يقول لا نسلم افتقار شيء من اللوازم الى وسط في نفس الامر بل جميع اللوازم يلزم الملزوم نفسه وان كان بعض الملزومات شرطا في البعض كما ان العلم مشروط بالحيوة والارادة مشروطة بالعلم فليس الشرط وسطا ملزوما للازم الثاني كما


408

ادعيته بل الذات مستلزمة الجميع ومتى تحققت تحقق الجميع ولا يتحقق شيء منها الا مع الذات وبعضها لا يتحقق الا مع بعض بل قد تكون متلازمة كصفات الله تعالى لا يتحقق شيء منها الا مع الاخرى فحياته لازمة لعلمه وقدرته ومشيئته وكذلك قدرته ملازمة لعلمه وحياته فهي كلها متلازمة وهي ايضا لازمة للذات والذات لازمة لها وليس شيء من الصفات هو وسطا للاخرى كما ادعيته من ان بعض اللوازم لازم للذات وبعضها لازم اللازم وبعضها لازم لازم اللازم بل جميعها لازمة للذات وهي ايضا متلازمة

والذي ذكرناه من ان بعض الصفات قد يكون شرطا وهو من جنس الصفات واما الصفات اللازمة للموصوف مطلقا سواء كان هو الخالق او كان الملزوم مخلوقا كصفات الانسان اللازمة كلها متلازمة فحيوانية الانسان وناطقيته وضاحكيته متلازمة لا يوجد واحد منها دون الاخر وان وجدت حيوانية في غيره فتلك حيوانية غير حيوانيتة والفصول والخواص كلها متلازمة كالناطقية والضاحكية واذا كانت متلازمة وبعضها شرطا في بعض امتنع ان يكون الشرط هو الوسط الذي به يثبت المشروط كما ادعوه لان ذلك مستلزم ان يكون كل صفة لازمة وسطا للاخرى وان يكون ليس شيء من الصفات اللازمة يلزم بنفسه فيلزم الجمع بين النقيضين فعلم ان كون احدى الصفتين شرطا في الاخرى لا يقتضى كونها وسطا في الثبوت كما ادعوه واذا كان المنازع يمنع انقسام اللوازم الى ما لا يلزم بنفسه وبوسط وبرهانك مبنى على اخذ هذا التقسيم مسلما كنت مصادرا على المطلوب مثبتا للشيء بنفسه

فان قلت انا اقيم هذا البرهان على من يسلم لي من المنطقيين ان من اللوازم ما يلزم بوسط وبغير وسط قيل لك فهذا ايضا خطأ من وجوه احدها ان القياس يكون حينئذ جدليا لا برهانيا وانت جعلته برهانيا الثاني ان المنطق الذي هو ميزان العلوم عندكم لا يجوز ان تجعل المقدمات المبينة له جدلية فانه حينئذ لا


409

يكون علما بل يكون شيئا اتفق بعض الناس على دعواه ونحن نعلم ان كثيرا من الناس يدعون صحة المنطق ولكن أي فائدة في هذا الثالث ان يقال ولو سلم لك هذا التقسيم فالبرهان خطأ كما سيأتي بيانه وخطأه دليل على فساد اصل التقسيم واذا كان اصل التقسيم خطا كان البرهان باطلا وكان التقسيم باطلا وهو المطلوب

الطريق الثالث

ان يقال قولكم فاذا عقلنا الماهية وجب ان نعقل منها انها لما هي هي تقتضى ذلك اللازم يقال هذا ممنوع وذلك ان قول القائل عقلنا الماهية وتصورنا الماهية ونحو ذلك من العبارات لفظ مجمل فانه قد يعني به التصور التام والعقل التام الذي يتضمن تصور الملزوم وقد نعني به انا عقلناها وتصورنا نوعا من العقل والتصور وان لم يكن تاما ولا شك ان مثل هذا لا يستلزم تصور الملزوم فدعواك ان كل عقل للماهية يوجب ان نعقل منها انها لما هي هي تقتضى ذلك اللازم ممنوع وهو خلاف الواقع فان الناس لا يزالون يعقلون بعض الماهيات نوعا من العقل فلا يعقلون انها لما هي هي تقتضى اللازم وبالجملة فنحن في هذا المقام يكفينا المنع فان الدعوى ليست بديهية ولم يقم عليها دليلا الا قوله والا لما عقلنا الماهية لما هي هي فان اراد بهذا اللازم المنفي العقل التام الذي هو التصور التام فنحن نسلم ذلك ونقول ليس كل من تصور ماهية ما وعقلها نوعا من العقل والتصور يكون قد عقلها وتصورها عقلا تاما وتصورا تاما وان اراد بهذا اللازم المنفي انا لا يكون حصل لنا شيء من التصور والعقل فهذا ممنوع

الطريق الرابع

ان يقال ما ذكره يستلزم ان لا يعقل شيء من المفردات البسائط ولا يعقل شيء وحده بل كل من عقل شيئا فلا بد ان يعقل لازمه القريب فيكون قد عقل اثنين وتصور اثنين لم يعقل واحدا ولم يتصور واحدا وهذا مناقض لما زعموه من


410

ان العلم ينقسم الى تصور وتصديق وان التصور هو التصور الساذج الذي لا يكون معه حكم بشيء اصلا لا بنفي ولا باثبات ونحن وان كنا قلنا ان مثل هذا ليس بعلم وانه لا يسمى علما الا ما تضمن العلم بنفي او اثبات فلا يمتنع ان يتصور الشيء من بعض الوجوه وان لم يتصور انه ملزوم للوازم له يلزمه بنفسها فقد ثبت ان قوله باطل باتفاق العقلاء

الطريق الخامس

ان يقال لو كان ما ذكرته صحيحا للزم ان من عقل شيئا عقل لوازم الشيء جميعها فانه اذا عقل الملزوم وجب ان يعقل لازمه الذي بغير وسط ثم عقل ذلك اللازم يوجب عقل الاخر وهلم جرا فيلزم ان يكون قد عقل اللوازم جميعها وهذا كما انه يبطل حجته فهو يبطل اصل قولهم ان اللازم بغير وسط لا يفتقر الى دليل في حق احد

فانه لو كان كذلك لكان من تصور شيئا تصور جميع لوازمه ويلزم ان من عرف الله عرف جميع ما يعلمه الله فيعلم كل شيء لان علمه سبحانه من لوازم ذاته بل يلزم ان من علم شيئا من مخلوقاته علم كل شيء فان المخلوق مستلزم للخالق والخالق مستلزم لعلمه بكل شيء بل وهو مستلزم لمشيئته ومشيئته مستلزمة لجميع ما خلقه فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلو كان من علم الملزوم لا بد ان يعلم لازمه لزم ان من علم شيئا فقد علم كل شيء

وفساد هذا بين مع ان فساد هذه الدعوى اظهر من ان يحتاج الى دليل لكن اذا عرف شناعة لوازمها كان ادل على قبحها وفسادها وهذا يتضمن السؤال الذي ذكره وقال فيه بحث لا بد من ذكره كما تقدم حكاية لفظه والجواب الذي ذكره عنه باطل وقد تناقض فيه وذلك يتبين بذكر


411

الطريق السادس

وهو ان قوله العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول الا بشرط اخر وهو حضور تصور المعلول فيقال المعلول عندكم هنا هو اللازم الاول الذي كان الموصوف علة له في ذاته لم يفتقر في كونه علة له إلى المعلول فان العلة لو افتقرت في كونها علة الى المعلول لم تكن وحدها علة وللزم تقدم المعلول على علية علته وعلية علته متقدمة على ذاته وهذا دور ممتنع باتفاق العقلاء

وانتم جعلتم ما كان يفتقر لزومه الى وسط افتقر العلم به الى وسط وما لزم بلا وسط علم بلا وسط فاذا جعلتم العلم بلزومه موقوفا على تصور المعلول والعلة والملزوم واللازم جميعا وقلتم لا يعلم اللزوم الا بعد هذين التصورين واللزوم الخارجي موقوف على العلة وحدها لا على الاثنين بطل قولكم ان الوسط الذهني هو الخارجي فان هذا يتوقف العلم بلزومه على تصورين ولزومه في الخارج انما هو لازم لواحد لا لاثنين

الطريق السابع

قولك في الجواب ان الماهية وحدها لا تكفي في حصول العلية لان العلية امر اضافي والامور الاضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين كلام باطل سواء كانت العلية امرا عدميا او وجوديا فانها ان كانت عدمية بطل هذا الكلام وان كان امرا وجوديا فمعلوم ان العلة وحدها هي الموجبة للمعلول والا لم تكن علة له بل جزء علة والمعلول لا يكون الا بعد العلة فاذا كانت وحدها موجبة وهو لا يوجد الا بوجود العلة علم انها وحدها توجب المعلول والعلية

الطريق الثامن

قولك الامور الاضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد تعني به في الذهن او في الخارج فان هذا الموضع فيه التباس ان عنيت انها لا تتصور الا بتصور


412

شيئين فهذا صحيح ولا ريب ان العلية لا تتصور الا بتصور العلة والمعلول فحصولها في التصور الذهني مشروط بحصول تصور المضافين في الذهن وان عنيت انها لا توجد في الخارج الا بالشيئين فهذا باطل بالضرورة واتفاق العقلاء فان ذات الرب وحدها مستلزمة لكل ما يتصف به من الامور الثبوتية والاضافية وهذا متفق عليه بين المسلمين والفلاسفة وسائر الناس فان كونه خالقا للعالم وربا وفاعلا هو الذي يسمونه علة ومؤثرا والناس متنازعون في الخلق هل هو امر عدمي وهو نفس المخلوق كما يقوله اكثر المعتزلة والاشعرية ام الخلق زائد على المخلوق كما هو قول جماهير المسلمين وهو قول السلف والائمة وذكر البخاري انه قول العلماء مطلقا لم يذكر فيه نزاع وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع

والمقصود هنا انه على كل قول فلا يقول عاقل ان المخلوق اوجب كونه خالقا ولا المعلول جعل العلة علة ولا انه شرط في ذلك بل الخالق سبحانه هو وحده خلق جميع المخلوقات وكونه خالقا على قول الجمهور حاصل بقدرته ومشيئته عند المسلمين ليس خاصا بالمخلوقات بل خلق المخلوق متقدم عليه في نفس الامر فكيف يكون الخلق معلولا ل المخلوق وكذلك علية العلة متقدمة على المعلول في نفس الامر فكيف يكون المعلول جزء علية العلة فقوله ان العلية امر اضافي والامور الاضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فيه تغليط بسبب الاجمال في قوله فالشيء الواحد لا يكفي في حصولها فان ما ذكره صحيح في الحصول في العلم والتصور واما الحصول الخارجي فالشيء الواحد قد يكون علة لامور كثيرة اضافية والعلة علة المعلول وعلة عليتها وهما جميعا حاصلان بالعلة وكذلك الابوة والبنوة من المتضائفات وهما لازمان للايلاد فعلة الايلاد اوجبت هذين المتضائفين


413

فان قيل اراد ان الامور الاضافية لا توجد الا بوجود المضافين وان كان احدهما مستقلا بوجود المضافين قيل عن هذا جوابات احدها بأنه لم يرد هذا ولو اراده لم ينفعه وكان خطأ فهذه ثلاثة اجوبة

وذلك ان كلامه في وجود علية العلة هو حصل بالعلة وحدها او بها وبالمعلول فلا بد ان يدخل صورة الدعوى في دليله ولفظه تقدم قال فيه وبيانه ان ماهية العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لان العلية امر اضافي والامور الاضافية لا تكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فاذا لم تكن ذات العلة مستقلة باقتضاء حصول صفة العلية لا جرم لم يكن العلم بذات العلة كافيا في حصول العلم بالعلية فقد تبين مراده وهو ان العلة لا تستقل باقتضاء صفة العلية بل المقتضى بحصول هذه الصفة العلة والمعلول جميعا وهذا باطل

ولو قدر انه اراد ان الامور الاضافية تتوقف على وجود المضافين وان لم يكن احدهما علة بل شرطا أي لا توجد الاضافة الا مع وجود المضافين لم ينفعه هذا فانه يقول العة اوجبت الامرين معا ولم يوجد احدهما الا مع الاخر ويلزمه ان يقول في العلم مثل ذلك فيقول العلم بالملزوم يوجب العلم باللازم وبالملزوم فان الملزوم هو العلة عندهم في هذا موضع واللازم هو المعلول

ثم انه لا يسلم له ان كل اضافة تتوقف على وجود المضافين في ان واحد فان التقدم والسبق ونحو ذلك من الامور الاضافية توجد قبل وجود احد المضافين وكذلك علية العلة التي ليست تامة توصف بها العلة قبل وجود المعلول وهي التي يسميها الفقهاء الاسباب فيقال ملك النصاب سبب لوجوب الزكوة والسببية من الأمور الإضافية والنصاب موصوف بها قبل وجوب الزكاة وكذلك يقال هذا موجود قبل هذا او هو متقدم على هذا او هو اسبق من هذا


414

ومثل هذا كثير

الطريق التاسع

انه قال ان ذات العلة والمعلول يعني اللازم والملزوم بغير وسط عند تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب احدهما الى الاخر فيقال هذا اول الدعوى فانه ان اراد بالتصور التام الذي يحصل معه تصور الملزوم فهذا حق ولكن لا ينفعه فانه ادعى ان مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وايضا فانا نلزمه مثل ذلك في جميع الملزومات انها متى تصورت تصور اللازم وهو باطل وايضا فانا نحن نلتزم مثل ذلك في التصور التام فنقول في جميع اللوازم متى تصور الملزوم تصورا تاما يحصل به تصور الملزوم حصل معه العلم بأن هذا لازم وان لم يحصل هذا التصور لم يجب العلم باللازم في شيء من الامور كما سيأتي ذكر ذلك

وقوله متى تصورنا حقيقة العلة وحقيقة المعلول امتنع عند ذلك ان لا نصدق بثبوت احدهما للاخر ان اراد التصور التام فهذا مشترك بين جميع اللوازم وان اراد غيره فالحكم ممنوع وهو انما ادعى ان مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وقد بينا ان عقلها او تصورها ينقسم الى تام وغير تام وان ما ذكره انما يلزم في التام

الطريق العاشر

ان يقال ان كنت تعني باللزوم البين هذا فهكذا يفسر به لازم اللازم فيقال اذا تصور اللازم الاول وتصور لازم لازمه امتنع حينئذ ان لا بعرف ان احدهما علة للاخر فيلزم ما فررت منه وهو انه متى تصور شيئا تصور جميع لوازمه

الطريق الحادي عشر

قوله اذا اثبت ان تصور العلة انما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب عند تصور المعلول ثم من الجائز ان لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بكل اللوازم القريبة والبعيدة فيقال له انت فرقت


415

بين اللوازم القريبة والبعيدة بأن القريبة ما كان بين اللزوم وادعيت ان ما كان بين اللزوم وهو ما ثبت بغير وسط يجب ان يعلم إذا تصور الملزوم فلا يفتقر الى وسط وقد فسرت ذلك في آخر الأمر بأن المراد إذا تصور الملزوم واللازم جميعا فيجب ان يعلم الملزوم فيقال لك وهكذا ايضا إذا تصور اللازم الأول ولازمه الثاني فقد تصور الملزوم ولازمه القريب فيجب ان يتصور لزومه له وقد كان تصور لزوم الأول فيلزم ما فررت منه من انه إذا عرف لزوم الأول عرف لزوم سائر اللوازم فإذا شرطت في العلم بلزوم الأول حضورهما جميعا فكذلك فاشرطه في العلم بلزوم الثاني وإن حذفت الشرط في الثاني فاحذفه من الأول حتى يكون الكلام عدلا

وعلى التقديرين يلزم بطلان الفرق بين لازم ولازم بأن هذا بوسط وبأن هذا بغير وسط اذا فسر الوسط بوسط في نفس الأمر وبطلان ما ادعوه من ان اللازم بغير وسط يجب العلم به بلا دليل وان اللازم بوسط لا يعلم إلا بالعلم بالوسط فما ادعوه من هذا وهذا باطل فبطل ما ذكروه من دليل الفرق بين الأوليات والمشهورات وهو المطلوب

الطريق الثاني عشر

انه قال في جواب السؤال الثاني لا نسلم ان العلية مغايرة لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي ان تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول فيقال هذا كلام مناقض لما تقدم مع تناقضه في نفسه فان العلية ان لم تكن مغايرة لذات العلة بطل قولك ان ماهية العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لان العلية امر اضافي والامور الاضافية لا تكفي في حصولها الشيء الواحد فانها اذا لم تغايرها لم يكن هناك شيء يكون معلولا لا للعلة ولا لها ولغيرها بل ولا هناك شيء يتصور اذا تصورت العلة والمعلول وان قيل هي مغايرة في العلم لا في الاعيان فانها امر عدمي قيل وهذا يبطل قوله فان العدم المحض لا


416

حصول له فضلا عن ان يفتقر الى علة لحصوله ولكن تصورها في الذهن يتوقف على المضافين وهذا مما قدمنا انه حق وهو مبطل لما قاله

الطريق الثالث عشر

انهم قد زعموا ان اللوازم مترتبة في نفسها بالذات مستلزمة للاول والثاني مستلزم للثالث والثالث للرابع وان ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يحتاج الى دليل وقد تناقض تفسيره لذلك لتناقض القول في نفسه فيقال له أي شيء قلته في لزوم الاول للملزوم الاول يقال في اللازم الثاني للاول سواء بسواء من كل وجه وحينئذ فأي شيء فسرت به العلم بلزوم الاول لا يفتقر الى وسط يلزمك مثله في الثاني فيكون موجب برهانك ان من علم شيئا علم جميع لوازمه وهذا في غاية الفساد

فصل برهان اخر للرازي على هذا التفريق

ثم ذكر برهانا اخر على ما ادعاه من ان ما كان لزومه بغير وسط كان بينا فقال برهان اخر وهو انا اذا عقلنا ماهية فانه تبقى بعض لوازمها مجهولة ويمكننا تعرف تلك اللوازم المجهولة فلو لا وجود لوازم بينه الثبوت للشيء والا لزم التسلسل واما عدم تعرف تلك اللوازم وكلاهما باطلان

قال وهذا البرهان كاف في اثبات اصل المقصود من ان الصفات اللازمة في نفسها يلزم بعضها بوسط في نفس الامر وبعضها بغير وسط وانما يدل هذا على ان الانسان قد يتبين له لزوم بعض اللوازم بلا دليل وبعضها لا يتبين الا بدليل

وهذا لا ريب فيه لكن الدليل كل ما كان مستلزما للمدلول لا يختص بما يكون علة للمدلول ولا بعض اللوازم في نفس الامر علة لبعض ولا كل ما كان بينا لزيد يجب ان يكون بينا لعمرو

فتبين ان الفرق الذي ذكره بين الاوليات والمشهورات من ان الاولى هو الذي يكون حمله على موضوعه اولا في الوجودين حملا ثانيا غلط لا يستقيم الا


417

في الوجود الخارجي فانه ليس في اللوازم ترتيب حتى يكون بعضها اولا وبعضها ثانيا ولا في الذهن فان الوسط انما هو الدليل فيعود الفرق الى ان الاوليات ما لا يفتقر الى دليل والنظريات ما يفتقر الى دليل وهذا كلام صحيح متفق عليه لا يحتاج الى ما ذكروه ولكن هذا يوجب كون القضية اولية ونظرية هو من الامور الاضافية فقد تكون بديهية لزيد نظرية لعمرو باعتبار تمام التصور فمتى تصور الشيء تصورا اتم من تصور غيره تصور من لوازمه ما لم يتصوره ذو التصور الناقص فلم يحتج في معرفته بتلك اللوازم الى وسط واحتاج صاحب التصور الناقص الى وسط وايضا فهذا لا يوجب كون المشهورات ليست يقينية كما سنذكره ان شاء الله

رد ابن سينا تفريقهم بين الصفات الذاتية واللازمة

ولفظ ابن سينا في اشاراته قال واما اللازم غير المقوم يخص باسم اللازم فان كان المقوم ايضا لازما فهو الذي يصحب الماهية ولا يكون جزءا منها مثل كون المثلث مساوي الزوايا القائمتين

قال وامثال هذا ان كان لزومها بغير وسط كانت معلومة واجبة اللزوم وكانت ممتنعة الرفع من الوهم مع كونها غير مقومة وان كان لها وسط بين يبين به علمت واجبة به

قال واعني ب الوسط ما يقرن بقولنا لانه كذا وهذا الوسط ان كان مقوما للشيء لم يكن اللازم مقوما له لان مقوم المقوم مقوم بل كان لازما له ايضا فان احتاج الى وسط تسلسل الى غير نهاية فلم يكن وسطا وان لم يحتج فهناك لازم بين اللزوم بلا وسط وان كان الوسط لازما متقدما واحتاج الى توسط لازم اخر او مقوم غير منته من ذلك الى لازم بلا وسط تسلسل الى غير النهاية فلا بد في كل حال من


418

لازم بغير وسط وقد بان انه ممتنع الرفع في الوهم فلا يلتفت اذا الى ما يقال ان كل ما ليس بمقوم فقد يصح رفعه من الوهم ومن امثلة كون كل عدد مساويا للاخر او مفاوتا

قلت مقصوده بهذا الرد على من قال من المنطقيين ان الفرق بين الصفة الذاتية والعرضية اللازمة ان ما ليس بذاتي يمكن رفعه في الوهم فيمكن تصور الموصوف بدون تصوره بخلاف الذاتي فتبين ان اللوازم لا بد ان تنتهي الى لازم بين لا يفتقر الى وسط وذاك يمتنع رفعه في الوهم اذا تصور الموصوف وهذا الذي قاله جيد وهو يبطل الفرق الذي هو عمدتهم

ولهم فرق ثان بأن الذاتي ما لا يفتقر الى علة واللازم ما يفتقر الى علة والعلة هي الوسط وهذا الفرق افسد من الذي قبله فان كون بعض الصفات اللازمة تفتقر الى علة دون بعض باطل ثم سواء قيل يفتقر الى علة او وسط وسواء جعل ذلك هو الدليل او هو ايضا علة لثبوته في الخارج فان من اللوازم ما لا يفتقر الى علة فبطل هذا الفرق الثاني

والفرق الثالث التقدم في الذهن او في الخارج وهو ان الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف الا بعد تصوره بخلاف اللازم العرضي فانه متصور بعد تصور الملزوم والذاتي هو المقوم وهذا الفرق ايضا فاسد فان الصفة لا تتقدم على الموصوف في الخارج اصلا واما في الذهن فقد تتصور الصفة والموصوف جميعا فلا يتقدم تصور الصفة وبتقدير التقدم فهذا يختلف باختلاف التصور التام والناقص لا باختلاف اللوازم نفسها

فعلى هذه الفروق الثلاثة او احدها يعتمدون حتى الذين صاروا يجعلون المنطق في اول اصول الفقه من المتأخرين هذا عمدتهم كما يذكر ذلك الامدي وابن الحاجب وغيرهما وكلها باطلة اما التقدم الخارجي فمن المعلوم بصريح العقل


419

ان الصفة القائمة بالموصوف والعرض القائم بالجوهر لا يعقل تقدمه عليه بوجه من الوجوه بل اذا اعتبر تقدم عقلي او غيره فالذات متقدمة على الصفات

واما في التصور فالتصور مراتب متعددة يكون مجملا ومفصلا فالانسان قد يخطر له الانسان ولا يستحضر شيئا من صفاته فهذا تصوره تصورا مجملا وقد يخطر له مع ذلك انه ناطق كما قد يخطر له مع ذلك انه ضاحك واذا تصور الحيوان قد يخطر له انه حساس كما قد يخطر له انه متحرك بالارادة وكما يخطر له انه متألم او متلذذ وانه يحب ويبغض واذا تصور ان الانسان حيوان ناطق ولم يتصور الحيوان مفصلا لم يكن قد تصور الانسان مفصلا فما من صفة لازمة الا ويمكن وجودها في التصور المفصل وحذفها في التصور المجمل

وحينئذ فقول القائل ان الذاتي ما لا يتصور الموصوف الا بعد تصوره ان ادعاه في كل تصور فهذا باطل وهو ممن يسلم بطلانه فانه يقول قولك عن الانسان انه حيوان ناطق حمد تام يفيد تصور حقيقته ومع هذا لم يتصور الذاتيات مفصلة فانه لم يستحضر في ذهنه ان الحيوان هو الجسم الحساس النامي المتحرك بالارادة فثبت انهم يجعلونه متصور الحقيقة بدون استحضار الذاتيات على وجه التفصيل فلا يجب في كل ذاتي ان يتقدم تصوره المفصل

واما التصور المجمل فلا يجب فيه استحضار شيء من الصفات وتصور الانسان مجملا كتصور الحيوان مجملا ومعلوم ان الموصوف يشاركه غيره في صفات ويفارقه في صفات فاذا لم يجب ذكر جميع الصفات المشتركة على وجه التفصيل فدعوى الاكتفاء ببعضها دون بعض تحكم محض واذا كانت حقيقة الانسان عندهم متصورة بدون تصور الصفات الذاتية المشتركة على وجه التفصيل علم ان ما ذكروه من ان


420

الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف بدونه باطل وان اكتفوا بالتصور المجمل فمن تصور الانسان مطلقا فقد دخل في جميع ذلك صفاته وبسط هذا له موضع اخر

والمقصود هنا الكلام على ما فرقوا به بين الاوليات والمشهورات من ان الاوليات ليس بين الموصوف وصفته وسط في نفس الامر بخلاف غيره وقد تبين بطلان هذا الفرق طردا وعكسا وانه قد يكون من اللوازم التي لا وسط لها في نفس الامر ما يفتقر الى دليل ومن اللوازم التي يدعون افتقارها الى وسط ما يعلم ثبوته بلا دليل وان التفريق بين اللوازم بوسط في نفس الامر باطل وان الوسط الذي هو الدليل يختلف باختلاف احوال الناس ليس هو امرا لازما للقضايا فهذه عدة اوجه من هذا الطريق الاول

النوع الثاني

لا دليل على دعواهم ان المشهورات ليست من اليقينيات

النوع الثاني ان يقال المراد ب المشهورات عندهم هي القضايا العلمية كلها مثل كون العدل حسنا والظلم قبيحا والعلم حسنا والجهل قبيحا والصدق حسنا والكذب قبيحا والاحسان حسنا ونحو ذلك من الامور التي تنازع الناس هل حسنها وقبحها بالعقل ام لا

المثبتة والنفاة للحسن والقبح العقليين

واكثر الطوائف على اثبات الحسن والقبح العقليين لكن لا يثبتونه كما يثبته نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم بل القائلون بالتحسين والتقبيح من اهل السنة والجماعة من السلف والخلف كمن يقول به من الطوائف الاربعة وغيرهم يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة اهل السنة ويقولون مع هذا باثبات الحسن والقبح العقليين وهذا قول الحنفية ونقلوه ايضا عن ابي حنيفة نفسه وهو قول كثير من المالكية والشافعية والحنبلية كأبي الحسن التميمي وابي الخطاب وغيرهما


421

من ائمة اصحاب احمد كأبي علي بن ابي هريرة و ابي بكر القفال الشاشي وغيرهما من الشافعية وكذلك من اصحاب مالك وكذلك اهل الحديث كأبي نضر السجزي وابي القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما

بل هؤلاء ذكروا ان نفي ذلك هو من البدع التي حدثت في الاسلام في زمن ابي الحسن الاشعري لما ناظر المعتزلة في القدر بطريق الجهم بن صفوان ونحوه من ائمة الجبر فاحتاج الى هذا النفي قالوا والا فنفي الحسن والقبح العقليين مطلقا لم يقله احد من سلف الامة ولا ائمتها بل ما يؤخذ من كلام الائمة والسلف في تعليل الاحكام وبيان حكمة الله في خلقه وامره وبيان ما فيما امر الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ينافي قول النفاة

والنفاة ليس لهم حجة في النفي اصلا وقد استقصى ابو الحسن الآمدي ما ذكروه من الحجج وبين انها عامتها فاسدة وذكر هو حجة اضعف من غيرها وهو ان الحسن والقبح عرض والعرض لا يقوم بالعرض فان اثبات هذا لا


422

يحتاج الى قيام العرض بالعرض كما توصف الاعراض بالصفات وجميع ذلك قائم بالعين الموصوفة فنقول هذا سواد شديد وهذه حركة سريعة وبطيئة وهم يسلمون ان كون الفعل صفة كمال او صفة نقص او ملائما للفاعل او منافرا له قد يعلم بالعقل وهذه صفات للفعل وهي قائمة بالموصوف

ومن الناس من يظن ان الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف وان معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الامر كذلك بل قد يكون الشيء حسنا في حال قبيحا في حال كما يكون نافعا ومحبوبا في حال وضارا وبغيضا في حال والحسن والقبح يرجع الى هذا وكذلك يكون حسنا في حال وسيئا في حال باعتبار تغير الصفات

والحسن والقبح من افعال العباد يرجع الى كون الافعال نافعة لهم وضارة لهم وهذا مما لا ريب فيه انه يعرف بالعقل ولهذا اختار الرازي في اخر امره ان الحسن والقبح العقليين ثابتان في افعال العباد واما اثبات ذلك في حق الله تعالى فهو مبني على معنى محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وفرحه بتوبة التائب ونحو ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع وهل ذلك صفات ليست هي الارادة كما اتفق عليه السلف والائمة او ذلك هو الارادة بعينها كما يقوله من يقوله من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم

بيان ان قضايا التحسين والتقبيح من اعظم اليقينيات

والمقصود هنا ذكر هذه القضايا المشهورة من بني ادم كلهم كقولهم العدل حسن وجميل وصاحبه يستحق المدح والكرامة والظلم قبيح مذموم سيء وصاحبه يستحق الذم والاهانة فان هؤلاء نفوا كونها من اليقينيات وهذا يستلزم ان لا يقول الفلاسفة بالحسن والقبح العقليين اذ لم يكن في العقل قضية برهانية عقلية ومن الناس


423

من حكى عنهم القول بذلك والتحقيق انهم في ذلك متنازعون مضطربون كما في امثال ذلك

فنقول دعوى المدعي ان هذه القضايا ليست من اليقينيات دعوى باطلة بل هذه من اعظم اليقينيات المعلومة بالعقل وذلك ان التصديق مسبوق بالتصور فينبغي ان ننظر معنى قولنا العدل حسن والظلم قبيح ثم ننظر في ثبوت هذا المحمول لهذا الموضوع ولنتكلم في عدل الناس وظلمهم

فنقول الناس اذا قالوا العدل حسن والظلم قبيح فهم يعنون بهذا ان العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذة وفرح نافع لصاحبه ولغير صاحبه يحصل به اللذة والفرح وما تتنعم به النفوس واذا قالوا الظلم قبيح فهم يعنون به انه ضار لصاحبه ولغير صاحبه وانه بغيض يحصل به الالم والغم وما تتعذب به النفوس ومعلوم ان هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة اعظم من اكثر قضايا الطب مثل كون السقمونيا تسهل الصفراء فلم كانت التجربيات يقينية وهذه التي هي اشهر منها وقد جربها الناس اكثر من تلك لا تكون يقينية مع ان المجربين لها اكثر واعلم واصدق وجزئياتها في العالم اكثر من جزئيات تلك والمخبرون بذلك عنها ايضا اكثر واعلم واصدق

فان الانسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والاحسان والسرور بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل والناس الذين وصل اليهم ذلك والذين لم يصل اليهم ذلك يجدون في انفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل وبصدق الصادق وعلم العالم واحسان المحسن ما لا يجدونه في الظلم والكذب والجهل والاساءة ولهذا يجدون في انفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناء عليه ودعاء له وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به لا يمكنهم دفع ذلك من انفسهم كما فطروا على وجود اللذة بالاكل والشرب والالم بالجوع والعطش فلم كانت تلك القضايا من اليقينيات المعلومة بالحس والعقل كالتجربة وغيرها ولم تكن هذه من القضايا


424

العقلية المعلومة ايضا بالحس والعقل والامر فيها اعظم واللذة التي توجد بهذه لذة روحانية عقلية شريفة والانسان كلما كمل عقله كانت هذه اللذة احب اليه من تلك اللذة

ثم الفلاسفة اثبتوا معاد الارواح واللذة العقلية وهي مبنية على هذه القضايا التي سموها المشهورات فان لم تكن معلومة كان ما اثبتوه من ذلك ليس فيه شيء من العلم بل يقولون ما يقوله غيرهم من ان اللذات الباطنة اقوى واشرف من اللذات الظاهرة ويدعون الضرورة في اثبات لذة وراء اللذات الحسية الظاهرة واذا كانت اللذة اما ادراك الملائم كما قد يزعمونه او هي تابعة ولازمة للادراك الملائم كما يقوله غيرهم وهو الصحيح فمعلوم ان العلم والعدل والصدق والاحسان ملائم لبني آدم فيكونوا ملتذين بذلك بل يكون التذاذهم بذلك اعظم من غيره وهذا معنى كون الفعل حسنا ومعنى كونه قبيحا ضد ذلك

واذا تصور معنى الحسن والقبح علم ان هذه المشهورات من اعظم اليقينيات فانها ما اتفقت عليها الامم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق الناس على هذه اعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادى العلم كقول القائل النفي والاثبات لا يجتمعان وان يعلم ان هذا الشيء المعين اذا كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لاكثر الناس ولا توجد طائفة الا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك

وايضا ف الحكمة عندهم وعند سائر الامم نوعان علم وعمل وهذه الحكمة عند المسلمين قال مالك رحمه الله الحكمة معرفة الدين والعمل به ولذلك قال ابن قتيبة الحكمة عند العرب العلم و العمل و الحكمة العملية عندهم و عند غيرهم


425

تتضمن علم الأخلاق وسياسة المنزل وسياسة المدنية وبنى ذلك كله على هذه القضايا المشهورة بل وكل عمل يؤمر به فلا بد فيه من العدل فالعدل مأمور به في جميع الأعمال والظلم منهى عنه نهيا مطلقا

ولهذا جاءت أفضل الشرائع والمناهج بتحقيق هذا كله وتكلميه فأوجب الله العدل لكل أحد على كل أحد في كل حال كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا و قال تعالى وقال تعالى يأيها الذين امنوا كونوا قومين لله شهدآء بالقسط ولا يجر منكم شنان قوم أي يحملنكم بغض قوم كعدوكم الكفار على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى وقال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وقال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل النساء وقال تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون النحل ومثل هذا كثير

وكذلك تحريم الظلم بمجموع أنواعه كثير في النصوص الالهية حتى في الحديث الالهى حديث ابي ذر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني اغفر لكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرى فتضروني ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى يا عبادي لو ان أولكم وأخركم وإنسكم


426

وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا يا عبادي لو ان أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا يا عبادي لو أن اولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكى إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط يا عبادي إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم اوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه

والمقصود أن الحكمة العملية كلها مبنية على هذه القضايا والنفس لها قوتان العلمية والعملية والعمل لا بد ان يكون بعلم فان لم يكن هذه القضايا معلومة لم يكن شئ من الحكمة العملية معلوما ولا شئ من الاعمال والاخلاق المحمودة والمذمومة معلوما وهذا مع ما فيه من المناقضة لما يقولونه هو وغيرهم من العقلاء فهو مكابرة ظاهرة مع أنا في هذا النوع من الكلام لم نقصد إقامة الدليل على فساد قولهم بل صورناه لتعلم حقيقته وطالبناهم بالدليل على أن هذه المشورات ليست يقينية فانهم لم يذكروا على ذلك دليلا اصلا وسنتكلم على ما توهموه دليلا من

النوع الثالث

في بيان كون المشهورات من جملة القضايا الواجب قبولها

قولهم هذه القضايا ليست بأولية لما ذكروه من الفرق بين الاولى


427

وغيره قد تقدم بطلان هذا الفرق ولكن نحن نسلم ان من القضايا ما يكون بديهيا أوليا لبعض الناس أو لكلهم ويكون مجرد تصور طرفى القضية موجبا للحكم لكن ليس علة ذلك كون المحمول لازما للموضوع بلا وسط في نفس الامر كما ذكر ذلك الرازي ونحوه وإن كان هذا لم نجده في كلام ابن سينا وامثاله بل الوسط عنده الدليل كما تقدم بل ولا ذاك امرا لازما للقضية بل قد تكون بديهية لزيد ونظرية لعمرو بحسب المتصور لتمامه ونقضانه

وهذا مما قد تنازع فيه بعضهم ويدعون أن كل ما كان اوليا لزيد فهو اولى لغيره كما يدل كلامهم على ذلك وأن الادميين يشتركون في العلم بكل ما هو أولى لكل شخص منهم لانها موجب العقل والعقل مشترك وهذا القول إن كنا نبطله ونقول القضية قد تكون ضرورية لزيد نظرية لعمرو كذلك غير ذلك من القضايا قد تكون المتواترة لهذا محسوسة لهذا والمجربة لهذا معلومة بالاستدلال لهذا ونحو ذلك

وإذا كان كذلك فنحن ليس مقصودنا أن هذه القضايا المشهورة أولية أو ليست أولية ولا انها اوليه لجميع الناس أو لبعضهم بل المقصود انها من جملة القضايا الواجب قبولها التي يجب التصديق بها وتكون مادة للبرهان فانهم جعلوا المعتقدات ثلاثة الواجب قبوها والمشهورات والوهميات والمقصود هنا ان المشهورات العامة مثل حسن العدل وقبح الظلم هى من الواجب قبولها وإن لم نقل هى اولية فان الواجب قبولها قد جعلوها اصناقا اوليات ومشاهدات ومجربات وحدسيات ومتواترات وقضايا قياساتها معها

وهذه المشهورات إذا لم تكن اولية لم تكن بدون كثير من المجربات والحدسيات ونحو ذلك فتكون مادة للبرهان اليقيني كالمتواترات والمجربات فان المتواترات


428

والمجربات ليست اوليات وهذه المشهورات ابلغ من كثير من المجربات والعلم بها والتصديق بها في نفوس الامم قاطبة أقوى واثبت من العلم بكثير من المجربات والمتواترات التي تواترت عند بعض الامم دون بعض

وبهذا الاعتبار فلم يذكروا حجة على انها ليست من اليقينيات فان قولهم موجب الحكم بها العادات او الاحوال النفسانية أو مصلحة النظام هذا لا ينافي كونها يقينية بل هو دليل على ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى فان المجربات كلها عاديات فكونها عاديات لا ينافى كونها يقينيات وكذلك كون قوى النفس تقتضيها فان هذا يدل على الملائمة والمنافرة وهذا هو معنى الحسن والقبح فلذلك لا ينافى كونها قضايا صادقة معلومة الصدق وكذلك كون نظام العالم مربوطا بها لا ينافى كونها صادقة معلومة فليس فيما ذكروه ما ينافي العلم بها ولا يدعى كونها أولية بالمعنى الذي ذكروه كما لا يدعى ذلك في المجربات والمتواترات وذلك لا ينافى كونها من اليقينيات

النوع الرابع

خاصة العقل والفطرة استحسان الحسن واستقباح القبيح

النوع الرابع أن يقال قوله لا عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى الانسان وعقله المجرد ووهمه وحسه الى قوله لم يقض بها الانسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه مثل حكمنا بأن سلب مال الانسان قبيح وأن الكذب قبيح لا ينبغي ان يقدم عليه

فيقال لا نسلم هذا فان هذا دعوى مجردة وقوله سلب مال الانسان قبيح لفظ عام وقد يسلب ماله بعدل وقد يسلب بظلم والكلام فيما إذا علم الانسان أنه سلب ماله ظلما مثل أن يعلم ان الاثنين المشتركين في المال من كل وجه استولى أحدهما على الاخر فسلبه أكثر من نصف ونحو ذلك فان عقول العقلاء قاطبة


429

وأوهامهم تقضى بقبح هذا

أما الوهم فانه قد فسره بقوله في الاشارات

وايضا فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معانى جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده فعندك قوة هذا شأنها

فهذه القوة التي سموها الوهم هى التي يدرك بها الانسان صداقة الصديق وعدواة العدو ويدرك بها كل من الزوجين ما في الزوج الاخر من الامر المحبوب وبها يميل الانسان الى غيره وبها ينفر عنه ولهذا يقولون اكبر حاكم على النفوس الوهم

ومعلوم أن هذه القوة تميل الى الشخص الذي تعلم انه عادل صادق محسن وتنفر عن الشخص الذي تعلم انه كاذب ظالم مسئ بل تميل الى هذا الشخص وإن لم يصل اليها من جهته نفع وضرر والنفوس مجبولة على محبة العدل وأهله وبغض الظلم وأهله وهذه المحبة التي في الفطرة هو المعنى بكونه حسنا وهذا البغض هو المعنى بكونه قبيحا كما يقال في الصورة الظاهرة هذا حسن وهذا قبيح فالحسن الظاهر ما يحسه الحس الظاهر والحسن الباطن ما يحسه القلب الباطن وإذا كانت النفوس مجبولة على محبة هذا وبغض هذا فهذا معنى الحسن والقبح فكيف يقال لو ترك الانسان وحسه وعقله ووهمه لم يقض بها ونفوس بنى آدم مجبولة على استحسان هذا واستقباح هذا

وأما العقل فأخص صفات العقل عند الانسان ان يعلم الانسان ما ينفعه ويفعله ويعلم ما يضره ويتركه والمراد بالحسن هو النافع والمراد بالقبيح هو الضار فكيف يقال إن عقل الانسان لا يميز بين الحسن وبين القبيح وهل اعظم تفاضل


430

العقلاء إلا بمعرفة هذا من هذا بل وجنس الناس يميل الى من يتصف بالصفات الجميلة وينفر عمن يتصف بالقبائح فذاك يميل جنس الانسان الى سمع كلامه ورؤيته وهذا ينفر عن رؤيته وسمع كلامه

النوع الخامس

في بيان كون هذه المشورات معلومة بالفطرة

النوع الخامس إن مبادى هذه القضايا أمر ضروري في النفوس فانها مفطورة على حب ما يلائمها وبغض ما يضرها والمراد بالحسن ما يلائمها وبالقبيح ما يضرها وإذا كانت مفطورة على حب هذا وبغض هذا فالمراد بقولنا حسن إنه ملائم نافع والمراد بقولنا قبيح إنه ضار مؤذ وهذا أمر فطري فعلم ان الناس بفطرتهم يعلمون هذه القضايا المشهورة بينهم

النوع السادس

في بيان كون الموجب لاعتقاد هذه المشهورات من لوازم الانسانية

النوع السادس ان يقال لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الانسان لم تشتهر في جميع الامم فان المشهور في جميع الامم لا بد ان يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الامم فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا امر اشتركت فيه الامم وذلك لا يكون إلا من لوازم الانسانية فان الامم لم تشترك كلها في غير لوازم الانسانية

النوع السابع

رد ابن سينا على نفسه في قوله بأن المشهورات لا تدرك بقوى النفس

النوع السابع قوله لو توهم الانسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع ادبا ولم يطع انفعالا نفسانيا ولا خلقا لم يقض في امثاله بشئ هذا ممنوع بل إن كان تام العقل علم ان العلم والعدل والصدق ينفعه وتصلح به نفسه وتلتذ وأن الكذب والظلم يضره ويفسد نفسه ويؤلمها ولو قدر أنه لا يعلم به أحد غير


431

علم العقل بأنه إذا ظلم أبغضه الناس وعادوه وغير علمه بأن الله يعاقبه

فان قيل الانسان يلتذ بما يراه قبيحا كما قد يلتذ بما يأخذه ظلما فيأكله ويشربه قيل وإن التذ بدنه فان قلبه وعقله لا يلتذ بذلك بل يلتذ إذا عدل وإن قدر انه يلتذ به لذة حاضرة فانه يتألم بقبح عاقبته عنده وإذا لم يتألم فلغيبة عقله عن إدراك المؤلم كما قد يحصل للسكران وغيره من أمور تؤلمه ولا يتألم بها لغيبة عقله عن إدراكها

وهذا مما قد ذكره ابن سينا نفسه فقال في نمط البهجة والسعادة

إنه قد يسبق الى الاوهام العامية أن اللذات القوية المستعلية هي الحسية وأن ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقة

وقد يمكن ان ينبه من جملتهم من له تمييز ما فيقال له اليس الذ ما يصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمور تجرى مجراها وانتم تعلمون ان المتمكن من غلبة ما ولو في امر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له منكوح ومطعوم فيرفضه لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية وقد يعرض منكوح ومطعوم لطالب العفة والرياسة مع صحة جسمه في صحبة حشمه فينفض اليد منهما مراعاة للحشمة فيكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا محالة هناك من المنكوح والمطعوم

وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بانعام يصيبون موضعه أثروه على الالتذاذ بمشتهى حيوانى متنافس فيه وآثروا فيه غيرهم على انفسهم مسرعين الى الانعام به


432

وكذلك فان كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ويستحقر هول الموت ومفاجاة العطب عند مناجزة المبارزين وربما اقتحم الواحد على عدد دهم ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد ولو بعد الموت كأن تلك تصل اليه وهو ميت

فقد بان ان اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية وليس ذلك في العاقل فقط بل وفي العجم من الحيوانات فان من كلاب الصيد ما يقنص الصيد على الجوع ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله اليه والراضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها وربما خاطرت محامية عليه اعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها

فاذا كانت اللذات الباطنة اعظم من الظاهرة وإن لم تكن عقلية فما قولك في العقلية

فيقال له هذا كله حجة عليك في قولك إن استحسان الحسن واستقباح القبيح لا يدركه الانسان لا بحسه ولا بعقله ولا بوهمه وانت قد ذكرت ان الانسان بل الحيوان يلتذ بالحمد والثناء ويلتذ بالغلبة ويلتذ بالانعام والاحسان والرحمة أعظم من التذاذة بالأكل والشرب ومعلوم ان لذة الاكل والشرب مما يعلم بالحس الظاهر فهذه اللذه الباطنة يعلم بالحس الباطن وبالوهم فكيف تقول إن الحسن والوهم والعقل لا يعلم به حسن الحسن وقبح القبيح وما ذكرته من التذاذ الانسان بالايثار وتركه الطعام الشهى مراعاة الحشمة ونحو ذلك إنما هو لكونه يرى ذاك قبيحا وهذا جميلا ويلتذ بفعل الجميل لذة باطنة يحس بها فكيف يقال إن الحسن والقبيح لا ينال بشئ من قوى النفس وإنما يصدق به لمجرد الشهرة فقط من غير موجب حسي ولا وهمى ولا عقلى


433

النوع الثامن

رد قولهم إن العقل بمجرده لا يقضى في المشهورات بشئ

النوع الثامن انه قال

تنبيه إن اللذة هى إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك والالم هو إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك نقص وشر من حيث هو كذلك وقد يختلف الخير والشر بحسب القياس فالشئ الذي هو عند الشهوة خير هو مثل المطعم الملائم والملمس الملائم والذي هو عند الغضب خير فهو الغلبة والذي عند العقل فتارة وباعتبار فالحق وتارة وباعتبار فالجميل ومن العقليات نيل الشكر ووفور الحمد والمدح والكرامة وبالجملة فان همم ذوي العقول في ذلك مختلفة

وكل خير بالقياس 4 الى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده الأول وكل لذة فانها تتعلق بأمرين بكمال خيري وبادراك له من حيث هو كذلك

فيقال هذا تصريح بان العقل يحب الحق ويلتذ به ويحب الجميل ويلتذ به وان محبة الحمد والشكر والكرم هي من العقليات وهذا صحيح فان للانسان قوتين قوة علمية فهى تحب الحق وقوة عملية فهى تحب الجميل والجميل هو الحسن والقبيح ضده

وتفريقه بين الحق والجميل هو بحسب اصطلاحه وإلا فاللغة التي جاء بها القرآن وتكلم بها الرسول لفظ الحق منها يتضمن النوعين كقوله ص


434

كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فانهن من الحق وقوله الوتر حق فمن شاء أوتر بركعة ومن شاء اوتر بثلاث ومن شاء اوتر بخمس او سبع ومثل هذا موجود في غير موضع من كلامه ومن هذا الباب قوله اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شئ ما خلا الله باطل

ومنه قوله تعالى ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل الحج وقوله فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال يونس ومعلوم أن ما عبد من دونه موجود مخلوق ولكن عبادته باطلة وهو باطل لان المقصود منه بالعبادة معدوم ولهذا يقول الفقهاء بطلت العبادة وبطل العقد وقد قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم محمد والابطال ضد الاحقاق وقال تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم


435

وقد بين الله ان الاعمال السيئة القبيحة باطلة في مثل قوله والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج النور فهذا الثاني مثل ما يصدر عن الجهل البسيط والاول الجهل المركب وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا البقرة فهذا مثل إبطال العمل بالمن والاذى وبالرياء والكفر والمقصود انها لم تبق نافعة بخلاف العمل الحق المحمود فانه نافع ومنه قوله تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان

وبالجملة فما ذكروه تصريح منهم بأن العقل يميز بين الجميل والقبيح وأن العاقل يلتذ بالجميل ويتألم بالقبيح وأن الجميل كمال وخير للقوة العاقلة من حيث هى كذلك وهذا مناقض لقولهم إن العقل بمجرده لا يقضى في أمثال هذا بشئ لا بحسن ولا بقبيح وهكذا تناقضوا في نفس الوهميات كما سنذكره إن شاء الله وسبب ذلك انهم تارة يقولون بموجب الفطرة فيكون كلامهم صحيحا وتارة يقولون بمقتضى الفطرة الفاسدة التي قد فسدت بالاعتقادات الفاسدة فيقولون باطلا

كون الوجود كله مبنيا على الحق والعدل

وهذه القضايا التي اتفقت الامم عليها مثل حسن الصدق والعدل وقبح الكذب والظلم داخلة في مسمى الحق كما تقدم في كلام الله ورسوله وكذلك كلام العقلاء قاطبة يسمون هذا كله حقا ويقولون لصاحب الدين له عليه حق


436

وأعطيه حقه وإذا حكم بينهما بعدل وقسم بانصاف يقولون هذا حق وإن حكم بخلاف ذلك يقولون هذا ظلم وجور وإذا لم يكن عنده شيء حق بل هو يدعى الباطل فيسمون الصدق حقا والكذب باطلا كما في كلام الله ورسوله قال النبي صلى الله عليه وسلم إن لصاحب الحق مقالا وفي لفظ إن لصاحب الحق اللسان واليد وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك لما طلب غريمه أي كعب دع الشطر قال قد فعلت يا رسول الله قال قم فاقضه

وذلك لان الامور الحسنة تتضمن امرا موجودا ماضيا ومستقبلا ففيها وجود وكمال الوجود والامور القبيحة تتضمن عدما ماضيا او مستقبلا ففيها نفى الوجود أو كمال الوجود فان كان موجودا كان العلم بوجوده حقا مطابقا له والاخبار عن وجوده كذلك وأما الكذب المتضمن نفيه والجهل الذي هو عدم العلم به فهو عدم علم وعدم قول حق بل الكذب من جنس الجهل المركب وأيضا العلم كمال وجود والصدق كمال وجود والجهل والكذب صفة نقص

وكذلك العدل كالتسوية بين المتماثلين والتفصيل بين المختلفين هو تحقيق الامور على ما هى عليه وتكميلها ولهذا مبنى الوجود كله على العدل حتى في المطاعم والملابس والابنية ونحو ذلك فالبيت المبنى إن لم تكن حيطانه معتدلة بل كان بعضها اطول من بعض طولا فاحشا او كان منحنيا غير مستقيم فسد السقف وكذلك الثياب إن لم تكن على مقدار لا بسيها معادلة لهم وإلا لم ينتفعوا بها وكذلك ما يضع من المطاعم والادوية إن لم أجزاؤه معتدلة في الصفة والقدر في الكم والكيف فسد وكان مضرا لا نافعا فهذا موجود في الامور المحسوسة ان العدل فيها حسن أي تحصل به المنفعة والمصلحة والظلم فيها قبيح أي تحصل به المضرة والفساد


437

وعلم الاخلاق والسياسة عندهم وعند سائر العقلاء مبنى على العدل ولهذا جعلوا كمال الانسان العملى اربعة امور إصلاح الشهوة والغضب والعدل بينهما وفي العلم بذلك والذي ذكروه هو بعض صفات الكمال التي أرسل الله بها رسله وانزل بها كتبه والاقتصار على ما ذكروه لا تحصل به السعادة التي هى كمال الانسان ولكنه من الامور المعتبرة فيها

وقد بسطنا هذه الامور وبينا قصور فلسفتهم عن حصول السعادة والكمال بها وأنها ابلغ في القصور من دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل وان ما عندهم إذا اخذ منه الحق وترك الباطل كان جزءا من الاجزاء المحصلة للسعادة وفيه امور كثيرة باطلة وأمور هي حق لكن ليس مما تحصل به السعادة والكمال

الوجه العاشر

لا حجة على تكذيبهم بأخبار الانبياء الخارجة عن قياسهم

الوجه العاشر ان الانبياء والاولياء لهم من علم الوحي والالهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة ايضا وامثالها فان ادخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات لم يمكنهم نفى ما لم يدركوه ولم يبق لهم ضابط وهذا موضع ينبغى تحقيقه

وهم اعنى ابن سينا واتباعه جعلوا القضايا من جهة ما يصدق بها المستعملة بين القائسن ومن يجرى مجراهم أربعة اصناف الاول الواجب قبولها التي هى مادة البرهان وهي الاوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا الى ذلك قضايا معها حدودها ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ولهذا اعترف المنتضرون لهم ان هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه

وإذا كان كذلك لم يلزم ان كل ما لم يدخل في قياسهم أن لا يكون معلوما وحينئذ


438

فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ فانه إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذه الطرق لم يمكن وزنها بهذه الالة وعامة هؤلاء المنطقيون يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم وهذا في غاية الجهل لا سيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الانبياء فيكونون ممن قال الله فيه بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله يونس وهذا صار بمنزلة المنجم إذا كذب بعلم الطب أو الطبيب إذا كذب بعلم النجوم والناس أعداء ما جهلوا ومن جهل شيئا عاداه

فاذا كان اشرف العلوم لا سبيل الى معرفتها بطريقهم لزم امران أحدهما انه لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه والثاني أن ما علموه خسيس بالنسبة الى ما جهلوه فكيف إذا علم انه لا يفيد النجاة ولا السعادة

الوجه الحادى عشر

بطلان قولهم إن البرهانى والخطابي والجدلى هي المذكورة في قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة الاية

الوجه الحادي عشر إنهم يجعلون ما هو حق وعلم يجب تصديقه ليس علما وما هو باطل ليس بعلم علما وذلك أن هؤلاء جعلوا اجناس الاقيسة باعتبار مادتها خمسة البرهان والخطابة والجدل والشعر والسفسطة اصله سوفسطيقا وكذلك سائرها لها اسماء باليونانية ولسائر اجناس المنطق لكنها الفاظ طويلة مثل قاطيغورياس وانولوطيقا الى غير ذلك واللغة العربية اوجز وأبين فهى أكمل بيانا واوجز لفظا

ويجعلون القياس باعتبار صورته قسمين الاقترانى والاستثنائى لتأليفه من الحمليات والشرطيات المتصلة والمنفصلة ويتكلمون قبل القياس في القضايا واقسامها


439

وأحكامها مثل النقيض والعكس المستوى وعكس النقيض فانها إذا صحت بطل نقيضها وصح عكسها وعكس نقيضها فاذا قيل كل إنسان حيوان فنقيضه باطل وهو انه ليس شيء من الانسان حيوان وصح عكسه وهو ان بعض الحيوان إنسان وعكس نقيضه وهو ان ما ليس بحيوان فليس بانسان فإن التناقض اختلاف القضيتين بالسلب والايجاب على وجه يلزم من صدق احدهما كذب الأخرى وإن العكس جعل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا مع بقاء الصدق وعكس النقيض والسالبة هو ان يجعل الموضوع محمولا مع جعل الايجاب سلبا

واقسامها الكلية والجزئية والموجبة والسالبة أي العامة والخاصة والمثبتة والنافية وقبل ذلك يتكلمون في مفردات القضية وهي المعاني المفردة مثل الكلام في الكلي والجزئي والذاتي والعرضى وقبل ذلك في الالفاظ الدالة على المعاني كدلالة المطابقة والتضمن والالتزام

والمقصود في هذا كله هو الحد والقياس والقياس هو المطلوب الاعظم والمطلوب الاعظم من انواع القياس هو القياس البرهاني قالوا والبرهان ما كانت مواده يقينية وهي التي يجب قبولها كما تقدم واما الخطابي فمواده هي المشهورات التي تصلح لخطاب الجمهور سواء كانت علمية او ظنية والجدلي هو الذي مواده ما يسلمها المجادل سواء كانت علمية او ظنية او مشهورة او غير مشهورة وهذا احسن ما تفسر به هذه الاصناف الثلاثة

وكثير منهم يقول بل البرهاني ما كانت مقدماته واجبة القبول كما تقدم والجدلي ما كانت مقدماته مشهورة سواء كانت حقا او باطلا او واجبة او ممتنعة او ممكنة والخطابي ما كانت مقدماته ظنية كيف كانت فالخطابي هو الذي يفيد الظن مطلقا سواء كانت مقدماته مسلمة او مشهورة والجدلي ما يكون مقدماته مشهورة


440

ومنهم من يقول بل البرهاني مؤلف من الواجبات والجدلي من الاكثريات والخطابي من المتساويات والشعري من الممتنعات وهذا ليس بشيء فان الشعري ما تشعر به النفس فيقصد به تنفيرها وترغيبها وترهيبها وقد يكون صدقا وقد يكون كذبا ولكن المقصود بالشعريات تحريك النفس لا لإفادتها علما

وابن سينا رد هذا القول فقال ولا يلفت الى ما يقال من ان البرهانيات واجبة والجدلية ممكنة اكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا مثل فيها ولا قدرة والشعرية كاذبة ممتنعة فليس الاعتبار بذلك ولا اشار اليه صاحب المنطق لكنه مع رده لهذا ذكر القول الثاني فقال القياسات البرهانية مؤلفة من المقدمات الواجب قبولها والجدلية مؤلفة من المشهورات والتقريرية ما كانت واجبة او ممكنة او ممتنعة والخطابية مؤلفة من المظنونات والمقبولات التي ليست بمشهورة وما يشبهها كيف كانت ولو ممتنعة والشعرية مؤلفة من المقدمات المخيلة من حيث يشعر من يخيلها كانت صادقة او كاذبة واما السوفسطائية فهي التي تستعمل الشبهة ويشاركها في ذلك الممتحنة المجربة على سبيل التغليط فان كان التشبيه بالواجبات ونحو استعمالها سمي صاحبها سوفسطائيا وان كان بالمشهورات سمي صاحبها مشاغبا ومماريا والمشاغب بازاء الجدلي والسوفسطائي بازاء الحليم

وهذا الذي ذكره في مواد الجدلي والخطابي ضعيف ايضا بل مواد الجدلي هي المسلمات التي يسلمها المجادل سواء كانت مشهورة او لم تكن وسواء كانت حقا او باطلا ومواد الخطابي هي المشهورات ونحوها التي يخاطب بها الجمهور وكل من ذلك يكون برهانيا وغير برهاني ويكون صادقا وكاذبا هذا مراد قدمائهم وهو اشبه باللفظ والتقسيم 8

واما كون الخطابيات هي الظنيات مطلقا فهذا خطا عند القوم فانه اذا كانت الجدليات قد تكون علمية فالخطابيات التي هي اشرف منها اولى انها قد تكون علمية فان


441

الخطاب ارفع من الجدل عندهم والتفسير الاول تفسير محققيهم المتقدمين فانه ليس من شرط الخطابي ولا الجدلي ان لا يكون علميا كما انه ليس من شرط البرهاني ان لا يخاطب به الجمهور وان لا يجادل به المنازع بل البرهاني اذا كان مشهورا صلح للبرهان والخطابة والجدلي اذا كان برهانيا صلح للبرهان والجدل واذا كانت القضية مبرهنة وهي مشهورة مسلمة من المناظر صلحت للبرهان والخطابة والجدل بخلاف الشعري فان المقصود به تحريك النفس ليس المراد به ان يفيد لا علما ولا ظنا فلهذا لم يدخل مع الثلاثة وايضا فالخطابيات يراد بها خطاب الجمهور وهذا انما يكون بالقضايا المشهورة عند الجمهور وان كانت ظنية واذا كانت علمية فهو اجود فليس من شرطها ان لا تكون علمية واما الجدلي فانما هو خطاب لناس معينين فاذا سلموا تلك المقدمات حصل مقصود الجدلي وان لم تكن مشهورة

واما السوفسطائي فهو المشبه الملبس وهو الباطل الذي اخرج في صورة الحق والمراد بيان فساده والا فليس لاحد ان يتكلم به فانه كذب في صورة صدق وباطل في صورة حق لكن المقصود بذكره تعريفه وامتحان الاذهان بحل شبه السوفسطائية

ثم قد يقول من يقول من حذاقهم ومن يروم ان يقرن بين طريقهم وطريق الانبياء ان الاقسام الثلاثة البرهان والجدل والخطابة هي المذكورة في قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن النحل

كلام اهل الفلسفة في الانبياء عليهم السلام

ثم يقولون ان ما جاءت به الانبياء فهو من جنس الخطابة التي قصد بها خطاب الجمهور لم يقصد به تعريف الحقائق هذا في الامور العملية فان مبادى الامور العلمية قد لا يجعلونها من البرهانيات بل من المشهورات كالعلم بحسن العدل وقبح


442

الظلم واما العلميات فيقولون ان الانبياء لم يذكروا حقائق الامور في معرفة الله والمعاد وانما اخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك لينتفعوا به في اقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق ويقولون انهم ارادوا بخطابهم للناس ان يعتقدوا الامور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة الناس وهم يعلمون هذه المرتبة ثم النبي عندهم هل يعرف الامور العلمية فيه نزاع بينهم

وهم يعظمون محمدا صلى الله عليه وسلم يقولون لم يأت الى العالم ناموس افضل من ناموسه ويفضله كثير منهم على الفيلسوف ومنهم من يفضل الفيلسوف عليه وهم حائرون في امور الانبياء ولهذا كلامهم في الانبياء في غاية الاضطراب ولم ينقلوا عن ارسطو واتباعه فيهم شيئا بل ذكروا من كلام افلاطون وغيره في النواميس ما جعلوا به واضعى النواميس من اليونان وغيرهم من جنس الانبياء الذين ذكرهم الله في القران ونحن نعلم ان الرسل جميعهم دعوا الى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون الزخرف وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت النحل والنواميس التي يذكرونها فيها شرك لا يأمر به احد من انبياء الله فعلم ان كل من ذكروه من واضعى النواميس المخالفة لما اتفقت عليه الرسل فليس بني ولا متبع لنبي بل هو من جنس واضعي النواميس من ملوك الكفار ووزرائهم وعقلائهم وعلمائهم وعبادهم

وهم وان عظموا الانبياء ونواميسهم فلاجل انهم اقاموا قانون العدل الذي لا تقوم مصلحة العالم الا به ويوجبون طاعة الانبياء والعمل بنواميسهم وهي الشرائع التي جاؤا بها ولكنهم لم يأتوا بالامور العلمية بل بالعمليات النافعة والعلميات عندهم اما ان تكون التي علمها وما امكنه اظهارها بل اظهر ما يخالف الحق عنده لمصلحة الجمهور واما انه لم يعلمها والا فهم يجوزون للرجل ان يتمسك بأي ناموس كان ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا غيره الا من جهة مصلحة دنياهم بذلك


443

لا لانه يعذب في الاخرة على مخالفة شريعة محمد او غيره

ولهذا لما ظهرت الترك الكفار واراد من أراد منهم ان يدخل في الاسلام قبل ظهور الاسلام عليهم اشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل فان ذاك لسانه عربي ولا يحتاجون الى شريعته ونحو هذا الكلام يبين ان الشريعة التي جاء بها محمد لا يحتاج اليها مثلكم وامثالكم وقد قيل ان الذي اراد الدخول في الاسلام وقال له منجمه هذا هو هولاكو ولما قدم هلاكو الشام وتقلد القضاء من جهته بعض قضاة الشام الذين كانوا يعظمون صوفية الفلاسفة كابن عربي ونحوه ودخل الى البلد اخذ يثني على ملك الكفار ويعظمه ويذكر ما يذكر من فضائله بزعمه فقال له بعض الحاضرين ياليته كان مسلما فقال القاضي واي حاجة لهذا الى الاسلام سواء كان مسلما او لم يكن وهذا بناء على هذا الاصل

فالنبي عندهم يشبه من بعض الوجوه ائمة المذاهب عند المتكلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وسفيان الثوري والليث بن سعد والاوزاعي وداود بن علي وغير هؤلاء من ائمة الفقهاء


444

فان المتكلمين يعظمون هؤلاء في علم الشريعة العملية والقضايا الفقهية واما في الكلام واصول الدين مثل مسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات والمعاد فلا يلتزمون موافقة هؤلاء بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين افضل منهم في ذلك وقد يقولون انهم وان علموا ذلك لكن لم يبسطوا القول فيه ولم يبينوه كما فعل ذلك شيوخ المتكلمين

فالنبي عند هؤلاء المتفلسفة يشبه المجتهد المتبوع عند المتكلمين ولهذا يقول من يقرنهم بالانبياء كأصحاب رسائل اخوان الصفا وامثالهم اتفقت الانبياء والحكماء او يقولون الانبياء والفلاسفة كما يقول الاصوليون اتفق الفقهاء والمتكلمون وهذا قول الفقهاء والمتكلمين ونحو ذلك والذين يعظمونهم يريدون التوفيق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الانبياء كما تقدم انهم يجعلون الاقيسة الثلاثة هي المذكورة في صورة النحل ويجعلون الملائكة هي هي العقول والنفوس ومنهم طائفة ادعت كثرة الملائكة كأبي البركات صاحب المعتبر وهؤلاء اقرب عندهم فان الانبياء صرحوا بكثرة الملائكة وقد يجعلون الجن والشياطين هي قوى النفوس الصالحة والفلسفة وقد بسط القول عليهم في غير هذا الموضع وبين ان الملائكة التي اخبرت بها الرسل من ابعد الاشياء عما يدعونه من العقول والنفوس وان الجن والشياطين احياء ناطقون موجودون ليسوا اعراضا قائمة بغيرها

الكلام على جعلهم الاقيسة الثلاثة من القران

والمقصود هنا كلامهم في المنطق فنقول قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن


445

النحل ليس المراد به ما يذكونه من القياس البرهاني والخطابي والجدلي فان الاقيسة التي هي عندهم برهانية قد تقدم بعض وصفها وانها لا تفيد قط الا امرا كليا لا يدل على شيء معين وتلك الكليات غالبها انما توجد في الاذهان لا في الاعيان والذي جاء به الرسول امران خبر وامر

فأما الخبر فانه اخبر عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وهذا امر يعترفون هم انه لا يعرف ببرهانهم وما اخبر به الرسول عن ربه عز وجل فهم من ابعد الناس عن معرفته وكفار اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل اقرب الى الرسول فيه منهم اليه وكذلك ما اخبر به عن الملائكة والعرش والكرسي والحنة والنار ليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم وليس المراد بالعرش الفلك التاسع ولا بالكرسي الثامن كما قد بسط في موضع اخر ولو قدر انه كذلك فليس هذا مما يعلم بالقياس المنطقي

والرسول اخبر عن امور معينة مثل نوح وخطابه لقومه واحواله المعينة ومثل ابراهيم واحواله المعينة ومثل موسى وعيسى واحوالهما المعينة وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره فان اقيستهم لا تفيد الا امورا كلية وهذه امور خاصة

وكذلك اخبر عما كان وعما سيكون بعده من الحوادث المعينة حتى اخبر عن التتر بما ثبت في الصحيحين عنه من غير وجه انه قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الاعين ذلف الانوف حمر الخدود ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة فهل يتصور ان قياسهم وبرهانهم يدل على ادمي معين او امة معينة فضلا عن ان يوصف بهذه الصفات قبل ظهورهم بنحو سبعمائة سنة


446

وكذلك قوله الثابت في الصحيح لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ارض الحجاز تضيء بها اعناق الابل ببصرى وهذه النار قد خرجت قبل مجيء اكثر الكفار الى بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة وقد تواتر عن اهل بصرى انهم راوا ببصرى اعناق الابل من ضوء تلك النار وخبر هذه النار مشهور متواتر بعد ان خرجت بجبال الحجاز وكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم وفزع لها الناس فزعا شديدا فهل يدل قياس برهاني او غير برهاني على هذا الامر المعين ويخبر به المخبر قبل حدوثه بأكثر من ستمائة وخمسين سنة فان هذا اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في اخر ايام النبوة وابو هريرة انما اسلم عام خير سنة سبع من الهجرة وصحب النبي صلى الله عليه وسلم اقل من اربع سنين فأخباره كلها متأخرة

وكذلك سائر ما اخبر به من الامور الماضية والمستقبلة والامور الحاضرة مما يعلمون هم انه يمتنع ان يعرف ذلك بالقياس البرهاني وغيره فان ذاك انما يدل على امر مطلق كلي لا على شيء معين

واما العمليات التي امر بها فهم وان ادعوا ان ما عندهم من الحكمة الخلفية والمنزلة والمدنية تشبه ما جاء به من الشريعة العملية فهذا من اعظم البهتان وذاك ان حكمتهم العملية انما مبناها على انهم عرفوا ان النفس لها قوة الشهوة والغضب الشهوة لجلب


447

الملائم والغضب لدفع المنافي فجعلوا الحكمة الخلقية مبناها على ذلك فقالوا ينبغي تهذيب الشهوة والغضب لكون كل منهما بين الافراط والتفريط وهذا يسمى عفة وهذا يسمى شجاعة والتعديل بينهما عدلا وهذه الثلث تطلب لتكميل النفس بالحكمة النظرية العلمية فصار الكمال عندهم هذه الامور العفة والشجاعة والعدل والعلم

وقد تكلم في هذا طوائف من الداخلين في الاسلام واستشهدوا على ذلك بما وجدوه في القران والحديث وكلام السلف في مدح هذه الامور والذين صنفوا في الاخلاق والاعمال على طريق هؤلاء مثل كتاب موازين الاعمال لابي حامد ومثل اصحاب رسائل اخوان الصفا ومثل كتب محمد بن يوسف العامري وغيره يبنون كلامهم على هذا الاصل

لكن غلطوا فان مراد الله ورسوله بالعلم الذي يمدحه ليس هو العلم النظري الذي هو عند فلاسفة اليونان بل الحكمة اسم يجمع العلم والعمل به في كل امة قال ابن قتيبة وغيره الحكمة عند العرب العلم والعمل به وسئل مالك عن الحكمة فقال هو معرفة الدين والعمل به وكل امة لها حكمة بحسب علمها ودينها فالهند لهم حكمة مع انهم مشركون كفار والعرب قبل الاسلام كانت لهم حكمة وكان فيهم حكماء العرب مع كونهم مشركين يعبدون الاوثان فكذلك اليونان لهم حكمة كحكمتهم

وحكماء كل طائفة هم افضل تلك الطائفة علما وعملا لكن لا يلزم من ذلك ان يكونوا ممدوحين عند الله وعند رسوله فان الممدوح عند الله وعند رسوله لا يكون قط الا من المؤمنين المسلمين الذين امنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وعبدوا الله وحده لم يشركوا به شيئا ولم يكذبوا نبيا من انبيائه ولا كتابا من كتبه


448

ولا يثنى الله قط الا على هؤلاء كما قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة وقال تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة وقال ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا النساء

وقد ذكر الله عن الانبياء واتباعهم انهم كانوا مسلمين مؤمنين من نوح الى الحواريين وقال تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ال عمران وهذا عام في الاولين والاخرين وقال إن الدين عند الله الإسلام ال عمران وقال ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة النحل وقوله تعالى أسلم وجهه لله وهو محسن أي اخلص قصده وعمله لله وهو محسن يفعل الصالحات وهذا هو الاسلام وهو ان يكون عمله عملا صالحا ويعمله لله تعالى وهذا هو عبادة الله وحده لا شريك له وبهذا بعث الله الرسل جميعهم

سبب نزول قوله ان الذين آمنوا والذين هادوا الآية

وكذلك لما ذكر الملل الاربعة الذين فيهم من هو محمود سعيد قال تعالى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة وروى الناس كابن أبي حاتم وغيره بالاسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن ابي نجيح عن مجاهد قال قال سلمان سألت النبي صلى الله عليه وسلم


449

عن اهل دين كنت معهم فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وكذلك ذكر السدي عن اشياخه في تفسيره المعروف قال نزلت هذه الاية في اصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم اذ ذكر اصحابه فأخبره فقال كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ويشهدون انك ستبعث نبيا فأنزل الله هذه الاية إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر فقال كان ايمان اليهود انه من تمسك بالتوراة وبسنة موسى حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة واخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا وايمان النصارى ان من تمسك بالانجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والانجيل كان هالكا قال ابن ابي حاتم وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا

و الذين آمنوا أولا المراد بهم امة محمد

واما ما يذكره طائفة من المفسرين في قوله إن الذين آمنوا ان فيهم اقوالا احدها انهم هم الذين آمنوا بعيسى قبل ان يبعث محمد قاله ابن عباس والثاني انهم الذين آمنوا بموسى وعملوا بشريعته الى ان جاء عيسى فآمنوا به وعملوا


450

بشريعته لما أن جاء محمد وقالوا هذا قول السدى عن اشياخه والثالث انهم طلاب الدين كحبيب النجار وقس بن ساعدة وسلمان الفارسي وابي ذر وبحيرا الراهب آمنو بالنبي قبل مبعثه فمنهم من ادركه وتابعه ومنهم من لم يدركه والخامس انهم المنافقون والسادس انهم الذين آمنوا بالانبياء الماضين والكتب المتقدمة فلا يؤمنوا بك ولا بكتابك

فهذه الاقوال ذكرها الثعلبي وامثاله ولم يسموا قائلها وذكرها ابو الفرج ابن لجوزي الا السادس وسمي قائل الاولين وذكر انهم المنافقون عن الثورى وهذه الاقوال كلها مبتدعة لم يقل الصحابة والتابعون لهم باحسان شيئا منها وما نقل عن السدي غلط عليه وقد ذكرنا لفظه الموجود في تفسيره المنقول بالاسناد الثابت في تفاسير الذين يذكرون الاسانيد كتفسير عبد الرحمن بن ابي حاتم وتفسير ابي بكر بن المنذر وتفسير محمد بن جرير الطبري وامثال هذه التفاسير وما


451

نقل عن ابن عباس لا يثبت

وهي أقوال باطلة فان من كان متمسكا بشريعة عيسى قبل ان يبعث محمد صلى الله عليه وسلم من غير تبديل فهم النصارى الذين اثنى الله عليهم وكذلك من تمسك بشريعة موسى قبل النسخ و التبديل فهم اليهود الذين اثنى الله عليهم و طلاب الدين كحبيب النجار كان على دين المسيح و كذلك بحيرا الراهب و غيره و كل من تقدم من الانبياء و امتهم يؤمنون بمحمد فليس هذا من خصائص هذا النفر القليل

الكلام على اخذ الله ميثاق النبيين على الايمان بمحمد

قال تعالى و اذا اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه قال اقررتم و اخذتم على ذلكم اصرى قالوا اقررنا قال فاشهدوا و انا معكم من الشهدين و عن علي بن ابى طالب انه قال لم يبعث الله نبيا ادم و من بعده الا اخذ عليه العهد فى محمد و امره و اخذ العهد على قومه ليؤمنن به و لئن بعث و هم احياء لينصرنه و كذلك عن ابن عباس انه قال ما بعث الله نبيا الا اخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به و امره ان ياخذ الميثاق على أمته ان بعث محمد و هم احياء ليؤمنن به و لينصرنه

و قال بعض العلماء اخذ الميثاق على النبيين و امتهم فاجتزا بذكر الانبياء عن ذكر الامم لان فى اخذ الميثاق على المتبوع دلالة على اخذه على التابع و حقيقة الامر ان الميثاق اذا اخذ على الانبياء دخل فيه غيرهم لكونه تابعا لهم و لانه اذا وجب على الانبياء الايمان به و نصره فوجوب ذلك على من اتبعهم اولى و احرى و لهذا ذكر عن الانبياء فقط


452

و قد قيل ان المراد باخذ الميثاق على الأنبياء هو اخذه على قومهم فإنهم هم الذين يدركون النبي الآتي وقالوا هي في قراءة ابن مسعود و ابي بن كعب وإذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وزعم بعضهم ان هذه القراءة هي الصواب والأولى غلط من الكتاب وهذا قول باطل ولولا انه ذكر لما حكيته فإن ما بين لوحي المصحف متواتر والقرآن صريح في ان الله اخذ الميثاق على النبيين فلا يلتفت الى من قال إنما اخذ على اممهم

لكن الأنبياء امروا ان يلتزموا هذا الميثاق مع علم الله وعلم من اعلمه منهم انهم لا يدركونه كما نؤمن نحن بما تقدمنا من الأنبياء والكتب وإن لم ندركهم وأمر الجميع بتقدير إدراكه ان يؤمنوا به وينصروه كما ان النبي صلى الله عليه وسلم اخبرنا بنزول عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق واخبر انه يقتل المسيح الدجال فنحن مأمورون بالايمان بالمسيح ابن مريم وطاعته إن ادركناه وإن كان لا يأمرنا إلا بشريعة محمد و مامورون بتكذيب المسيح الدجال و اكثر المسلمين لا يدركون ذلك بل انما يدركه بعضهم

قال طاوس اخذ الله ميثاق النبيين بعضهم على بعض ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه فقال هذه الاية لاهل الكتاب اخذ الله ميثاقهم ان يؤمنوا بمحمد و يصدقوه يعني بذلك ان من ادرك نبوة محمد منهم يعنى هم الذين ادركهم العمل بالاية و الا فذكر ان الميثاق اخذ على النبيين بعضهم على بعض لكن ذلك عهد واقرار مع العلم بانهم لا يدركونه و كذلك عن السدى لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح الا اخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد و لينصرنه ان خرج و هو حى و الا اخذ على قومه ان يؤمنوا به و ينصروه ان خرج و هم احياء و قال محمد بن اسحق ثم ذكر ما اخذ عليهم و على انبيائهم الميثاق بتصديقه اذا هو جاءهم ه


453

واقرارهم به على انفسهم فقال واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم الاية

وقوله رسول مصدق لما معكم متناول لمحمد بالاتفاق فان رسالته كانت عامة وقد قال الله له وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه المائدة فكتابه مهيمن على ما بين يديه من كتب السماء وقد اوجب الله على اهل الكتابين وسائر اهل الارض الايمان به وهذا مذكور في غير موضع من القران والحديث وهو مع انه اجماع من المسلمين فهو معلوم بالاضطرار من دينه متواتر عنه كما تواتر عنه غزوه اليهود والنصارى

وهل يدخل في ذلك غيره من الرسل فيه قولان قيل ان الله اخذ ميثاق الاول من الانبياء ان يصدق الثاني وينصره وامره ان يأخذ الميثاق على قومه بذلك وقيل بل هذا الرسول هو محمد خاصة وهذا قول الجمهور وهو الصواب لان الانبياء قبله انما كانت دعوتهم خاصة لم يكونوا مبعوثين الى كل احد فاذا لم يدخل في دعوته جميع اهل زمنهم ومن بعدهم كيف يدخل فيها من ادركهم من الانبياء قبلهم والله تعالى قد بعث في كل قوم نبيا كما قال تعالى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير فاطر وقال ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت النحل وكذلك قوله لتؤمنن به ولتنصرنه والنصرة مع الايمان به هو الجهاد ونوح وهود ونحوهم من الرسل لم يؤمروا بجهاد ولكن موسى وبنوا اسرائيل امروا بالجهاد

وقوله لما هذه اللام تسمى الموطئة للقسم فان الكلام اذا كان فيه شرط متقدم وقسم كان جواب القسم يسد مسد جواب الشرط والقسم جميعا وادخلت اللام الموطئة على اداة الشرط وما هنا شرطية واللام في قوله لتؤمنن به هي جواب القسم ونظير اللام المؤطئة في قوله ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك البقرة ونظير هذه الآية قوله ولئن


454

جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم العنكبوت وقوله ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك الاسراء ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه هود

ولهذا قال النحاة كالمبرد والزجاج هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء أي الشرطية كما تدخل على ان ومعناه لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به واللام في لتؤمنن به جواب الجزاء وكذلك قال الفراء من فتح اللام جعلها لاما زائدة بمنزلة اليمين اذا وقعت على جزاء صرف بعد ذلك الجزاء على جهة فعل وحرف جوابه كجواب اليمين والمعنى أي كتاب اتيتكم ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به وجواب الجزاء في قوله لتؤمن به ومعنى قولهم جواب الجزاء في هذا أي جواب القسم تضمن ايضا جواب الجزاء فهو جواب لهما في المعنى

والمقصود ان ما عليه جميع الامم من حكمة علمية وعملية اذا لم يكونوا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا فان الله لا يمدحهم ولا يثني عليهم وهؤلاء الفلاسفة ارسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الاوثان ويبنون الهياكل للكواكب فليست حكمتهم من الحكمة التي اثنى الله عليها وعلى اهلها ومن كان من الفلاسفة الصابئة المشركين فهو من جنسهم

الصابئة وصواب التحقيق عنهم

واما الصابئون الحنفاء فهم في الصابئين بمنزلة من كان متبعا لشريعة التوراة والانجيل


455

قبل النسخ والتبديل من اليهود والنصارى وهؤلاء ممن حمدهم الله واثنى عليهم وبعض الناس يقول ان بقراط كان من هؤلاء

ووهب بن منبه من اعلم الناس بأخبار الامم المتقدمة وقد روى ابن ابي حاتم بالاسناد الثابت انه قيل لوهب بن منبه ما الصابئون قال الذي يعرف الله وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا وكذلك روى عن الثورى عن ليث عن مجاهد قال هم قوم من المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين قال وروى عن علماء نحو ذلك أي ليس لهم شريعة مأخوذة عن نبي ولم يرد بذلك انهم كفار فان الله قد اثنى على بعضهم فهم متمسكون بالاسلام المشترك وهو عبادة الله وحده وايجاب الصدق والعدل وتحريم الفواحش والظلم ونحو ذلك مما اتفقت الرسل على ايجابه وتحريمه فان هذا دخل في الاسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره وكذلك قال عبد الرحمن بن زيد هم قد يقولون لا اله الا الله فقط وليس لهم كتاب ولا نبي

وهذا كما كانت العرب عليه قبل ان يبتدع عمرو بن لحي الشرك وعبادة الاوثان فانهم كانوا حنفاء يعبدون الله وحده ويعظمون ابراهيم واسماعيل ولم يكن لهم كتاب يقرؤنه ويتبعون شريعته وكان موسى قد بعث الى بني اسرائيل بشريعة التوراة وحج البيت العتيق ولم يبعث الى العرب لا عدنان ولد اسماعيل ولا قحطان والناس


456

متفقون على ان عدنان ولد اسماعيل وربيعة ومضر واما قحطان فقال بعضهم هم ايضا من ولد اسماعيل والصحيح انهم كانوا موجودين قبل ابراهيم بأرض اليمن ومنهم جرهم الذين سكنوا مكة ومنهم تعلم اسماعيل العربية

واما من قال من السلف الصابئون فرقة من اهل الكتاب يقرؤن الزبور كما نقل ذلك عن ابي العالية والضحاك والسدي وجابر بن يزيد والربيع ابن انس فهؤلاء ارادوا من دخل في دين اهل الكتاب منهم وكذلك من قال هم صنف من النصارى كما يروى عن ابن عباس انه قال هم صنف من النصارى وهم السائحون المحلقة اوساط رؤسهم فهؤلاء عرفوا منهم من دخل في اهل الكتاب

ومن قال انهم يعبدون الملائكة كما يروي عن الحسن قال هم قوم يعبدون الملائكة وعن ابي جعفر الرازي قال بلغني ان الصابئين قوم يعبدون الملائكة ويقرؤن الزبور ويصلون فهذا ايضا صحيح وهم صنف منهم وهؤلاء كثير من الصابئين يعبدون الروحانيات العلوية لكن هؤلاء من المشركين منهم ليسوا من الحنفاء

وكذلك اختلاف الفقهاء في الصابئين هل هم من اهل الكتاب ام لا ويذكر فيه عن احمد روايتان وكذلك قولان للشافعي والذي عليه محققوا الفقهاء انهم صنفان فمن دان بدين اهل الكتاب كان منهم والا فلا

وقال ابو الزناد الصابئون قوم مما يلى العراق وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون الى الشمس كل يوم خمس صلوات فهؤلاء الصابئة الذين ادركهم الاسلام وكانوا بأرض حران والذين خبروهم عرفوا انهم ليسوا من اهل الكتاب بل مشركون يعبدون الكواكب ولا يحل اكل


457

ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وان اظهروا الايمان بالنبيين فهو من جنس ايمان الفلاسفة بالنبيين والفلاسفة الصابئون من هؤلاء

واما قبول الجزية منهم فهو على خلاف المشهور فمن قبلها من غير اهل الكتاب كما يقبل من المجوس قبلها من هؤلاء وهذا مذهب مالك وابي حنيفة واحمد في احدى الروايتين ومن لم يقبلها الا من اهل الكتاب لم يقبلها من هؤلاء كما اذا لم يدخلوا في دين اهل الكتاب كما هو قول الشافعي واحمد في الرواية الاخرى عنه وكان ابو سعيد الاصطخري افتى بأن لا تقبل منهم الجزية ونازعه في ذلك جماعة من الفقهاء

كون ايمان الفلاسفة كايمان المنافقين

وهذا كما ان كثيرا من الفلاسفة وغيرهم من الزنادقة يدخلون في دين المسلمين واليهود والنصارى من الشرائع الظاهرة وان لم يكونوا في الباطن مقرين بحقيقة ما جاءت به الانبياء كالمنافقين في المسلمين يجري عليهم احكام الاسلام في الظاهر وهم في الاخرة في الدرك الاسفل من النار

فان قيل هؤلاء الفلاسفة يؤمنون بالله واليوم الاخر فانهم يقرون بواجب الوجود وبمعاد الارواح قيل النصارى خير منهم ومن اسلافهم وهم مع هذا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين


458

الحق فلا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يعملون صالحا فكيف هؤلاء قال تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة مع ان النصارى يقرون بمعاد الابدان لكن لما انكروا ما اخبر به الرسول من الاكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر وهؤلاء الفلاسفة لا يقرون بمعاد الابدان

ولهم في معاد النفوس ثلاثة اقوال والثلاثة تذكر عن الفارابي نفسه انه كان يقول تارة هذا وتارة هذا وتارة هذا منهم من يقر بمعاد الانفس مطلقا ومنهم من يقول انما تعاد النفوس العالمة دون الجاهلة فان العالمة تبقى بالعلم فان النفس تبقى ببقاء معلومها والجاهلة التي ليس لها معلوم باق تفسد وهذا قول طائفة من اعيانهم ولهم فيه مصنفات ومنهم من ينكر معاد الانفس كما ينكر معاد الابدان وهو قول طوائف منهم وكثير منهم يقول بالتناسخ

اليوم الآخر كما هو مذكور في القران

وليس شيء من ذلك ايمانا باليوم الاخر فان اليوم الاخر هو الذي ذكره الله في قوله تعالى ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ال عمران وقوله تعالى قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم الواقعة وقوله تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن التغابن وقوله تعالى وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين الى قوله انطلقوا الى ما كنتم به تكذبون انطلقوا الى ظل ذي ثلث شعب لا ظليل ولا يغنى من اللهب انها ترمي بشرر كالقصر كأنه جملت صفر ويل يومئذ


459

للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين المرسلت وقوله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد هود وقوله ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين المطففين وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يوم يقوم الناس لرب العالمين يقوم احدهم في العرق الى انصاف اذنيه

وقوله القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش القارعة وقوله فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية الحاقة وقوله أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون الصافات وقوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره الى قوله يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه


460

المعارج وقوله تعالى فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا يومهم الذين يوعودن يوم يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم الى نصب يوفضون خاشعة ابصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون وقوله فتول عنهم يوم يدع الداع الى شيء نكر خشعا ابصارهم يخرجون من الاجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين الى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر وقوله تعالى فكيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا السماء منفطر به كان وعده مفعولا وقوله تعالى ان زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد ومثل هذا في القران كثير فهولاء لا يؤمنون باليوم الاخر فلم يدخلوا في من مدح من الصابئين

بيان بعض ضلالات من معتقدات الفلاسفة

وايضا لأنبياء واتباعهم بل وجماهير الأمم متفقون على ان الله خلق السموات والأرض فهي محدثة بعد ان لم تكن وكذلك اساطين الفلاسفة والقول بقدمها هو عن ارسطو وشيعته ومن وافقهم فكيف يجوز ان يقال إن الحكمة التي امر الله نبيه ان يدعو الخلق بها هو هذا

وايضا فحكمتهم غايتها تعديل اخلاق النفس لتستعد للعلم الذي هو كمالها وهذا من اقل ما جاء به الرسل ومن توابعه والمقصود بالعبادات التي امرت بها الرسل تكميل النفس بمحبة الله تعالى وتألهه فإن النفس لها قوتان علمية وعملية وهؤلاء جعلوا كمالها في العلم فقط ثم ظنوا ذلك هو العلم بالوجود المطلق حتى يصير الانسان عالما معقولا موازيا للعالم الموجود ومنهم من يقول النفس إنما تبقى ببقاء


461

معلومها وهم يعتقدون بقاء الأفلاك والعقول والنفوس فجعلوا كمالها في العلم بالموجودات التي اعتقدوا بقاءها ومن تقرب الى الاسلام منهم يقول بل كمالها في العلم بواجب الوجود وهذا يشبه قول الجهم بن صفوان ومن وافقه في ان الايمان مجرد العلم بالله

وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع في جواب المسئلة الصفدية وغير ذلك وبينا انهم غلطوا من وجوه منها ظنهم ان كمال النفس في مجرد العلم ومنها ظنهم ان هذا الكمال يحصل بمعرفة امور كلية لا موجودات معينة ومنها ظنهم ان ما عندهم في الالهيات علم واكثر جهل ولهذا كان الغاية عندهم التشبه بالفلك

ولهذا يصنف من يصنف منهم في الصلوة فليس المقصود منها عبادة الله ولا دعاؤه فانه لا يعلم الجزئيات عندهم ولا يميز بين المصلي وغير المصلي بل مقصود الصلوة هو العلم بالوجود المطلق الذي يزعمون انه كمال النفس والصلوة الظاهرة يطلب منها سياسة البدن ورياضته وانما قالوا ان يسأل القمر ويستعيذه فانه يدبر هذا العالم بواسطة العقل الفعال فهو عندهم الرب الذي يسأل ويستعاذ به ومنه فاضت العلوم على الانبياء وغيرهم

وربما قالو المقصود بالصلوة تذكر الشرع الذي شرعه الشارع ليحفظ به القانون الذي شرعه لهم لمصلحة الدنيا كما يذكر ذلك ابن سينا وغيره وذلك انهم لا يثبتون ان الله يسمع كلام العباد ولا يرى افعالهم ولا يجيب دعاءهم بل الدعاء عندهم هو تصرف النفس في هيولي العالم فيحصل لها بما تهتم به من تجردها عن البدن نوع تجريد حتى تتصرف في هيولي العالم واما الرب تعالى فليس هو عندهم لا بكل شيء عليم ولا على كل شيء قدير ولا يعلم لا السر ولا النجوى ولا غير ذلك من


462

احوال العباد ولا له ملئكة كثير ينزلون ويصعدون اليه عندهم ولا يصعد اليه لا الكلم الطيب ولا العمل الصالح وغاية الانفس عندهم ان تكون متصلة بالعقل الفعال الذي هو ربها عندهم لا تصعد الى الله

واذا قالوا سعادة النفس ان تشهد الله وتراه فحقيقة ذلك عندهم هو العلم بما تصورته من الوجود المطلق او من وجود واجب الوجود وصاحب الكتب المضنون بها على غير اهلها اذا تكلم في رؤية الحق ورؤية وجهه في كتابه الاحياء او غيره قال هذا يعود مراده وهو معرفة النفس الناطقة بربها هذه هي الرؤية عندهم كما قد بين ذلك في غير موضع لان الاصول التي اعتقدوها من اقوال النفاة المعلطلة الجأتهم الى هذه العقائد الفاسدة كما قد بسط في موضعه فكيف تكون الحكمة العلمية التي امر الله بها ورسوله موافقة لحكمة هؤلاء

ضلالهم في نفي علم الله وغيره من الصفات ورده

ونحن قد بسطنا الكلام على فساد قولهم في العلم وغيره من الصفات وبينا اصولهم التي اوجبت ان قالوا مثل هذه الاقوال التي هي من اعظم الفرية على الله


463

وبينا فسادها ولهذا لما تفطن ابو البركات لفساد قول ارسطو افرد مقالة في العلم وتكلم على بعض ما قاله في المعتبر وانتصف منه بعض الانتصاف مع ان الامر اعظم مما ذكره ابو البركات واعظم عمدهم في نفيه انه يستلزم التكثر والتغير

ف التكثر يريدون به اثبات الصفات ثم ابن سينا وغيره اثبتوا علمه بنفسه وبلوازم نفسه معينا كالافلاك كليا كغيرها فيلزمهم ما فروا منه من تعدد الصفات وهم يقولون انه عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة وربما قالوا مبتهج وهي معان متعددة ثم يكابرون فيقولون العلم هو الحب وهو القدرة وهو اللذة فيجعلون كل صفة هي الصفة الاخرى ويزيدون مكابرة اخرى فيقولون العلم هو العالم والحب هو المحب والذة هو الملتذ فيجعلون الصفات عين الموصوف ولما راى الطوسي شارح الاشارات ما لزم صاحبها سلك طريقة اخرى جعل فيها العلم بالمعقولات هو نفس المعقولات مع انهم ليس لهم قط حجة على نفي الصفات الا ما تخيلوه من ان هذا تركيب وقد بينا فساده من وجوه كثيرة

اما التغير فقالوا العلم بالمتغيرات يستلزم ان يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأن قد كان فيلزم ان يكون محلا للحوادث وهم ليس عندهم على نفي هذه اللوازم حجة اصلا لا بينة ولا شبهة وانما نفوه لنفيهم الصفات لا لامر يختص بذلك بخلاف من نفي ذلك من الكلابية ونحوهم فانهم لما اعتقدوا ان القديم لا تقوم به الحوادث قالوا لانها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وقد بين اتباعهم كالرازي والامدي وغيرهم فساد المقدمة الاولى التي يخالفهم فيها جمهور العقلاء ويقولون بل القابل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده اما المقدمة الثانية فهي حجة المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من اهل الكلام على اثبات حدوث الاجسام باستلزامها للحوادث وقالوا ما لا يخلو عن


464

الحوادث او ما لا يسبقها فهو حادث لبطلان حوادث لا اول لها وهو التسلسل في الاثار

والفلاسفة لا يقولون بشيء من ذلك بل عندهم القديم تحله الحوادث ويجوزون الحوادث لا اول لها ولهذا كان كثير من اساطينهم ومتأخريهم كأبي البركات يخالفونهم في اثبات الصفات وقيام الحوادث بالواجب وقالوا لا خوانهم الفلاسفة ليس معكم حجة على نفي ذلك بل هذه الحجة اثبتموها من جهة التنزيه والتعظيم بلا حجة والرب لا يكون مدبرا للعالم الا بهذه القضية فكان من تنزيه الرب واجلاله تنزيهه عن هذا التنزيه واجلاله عن هذا الاجلال

وللنظار في جوابهم عن هذا طريقان منهم من يمنع المقدمة الاولى ومنهم من يمنع الثانية فالاول جواب كثير من المعتزلة والاشعري واصحابه وغيرهم ممن ينفي حلول الحوادث فادعى هؤلاء ان العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان وان المتجدد انما هو نسبته بين المعلوم والعلم لا امر ثبوتي والثاني جواب هشام وابن كرام وابي الحسين البصري وابي عبد الله بن الخطيب وطوائف غير هؤلاء قالوا لا محذور في هذا وانما المحذور في ان لا يعلم الشيء حتى يكون فان هذا يستلزم انه لم يكن عالما وانه احدث بلا علم وهذا قول باطل

ادلة القران والحديث على اثبات العلم لله تعالى

وعامة من يستشكل الايات الواردة في هذا المعنى كقوله الا لنعلم حتى


465

نعلم يتوهم ان هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون وهذا جهل فان القران قد اخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع بل ابلغ من ذلك انه قدر مقادير الخلائق كلها وكتب ذلك قبل ان يخلقها فقد علم ما سيخلقه علما مفصلا وكتب ذلك واخبر بما اخبر به من ذلك قبل ان يكون وقد اخبر بعلمه المتقدم على وجوده ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم انه سيكون فهذا هو الكمال وبذلك جاء القران في غير موضع بل وباثبات رؤية الرب له بعد وجوده كما قال تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون التوبة فأخبر انه سيرى اعمالهم

وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الامة ودلائل العقل على انه سميع بصير والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فاذا خلق الاشياء راها سبحانه واذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما المجادلة أي تشتكي اليه وهو يسمع التحاور والتحاور تراجع الكلام بينها وبين الرسول قالت عائشة سبحان الذي وسع سمعه الاصوات لقد كانت المجادلة تشتكي الى النبي صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وانه ليخفي على بعض كلامها فأنزل الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما وكما قال تعالى لموسى وهارون لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى طه وقال أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون الزخرف

وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد ان يكون في بضعة عشر موضعا في القران مع اخباره في مواضع اكثر من ذلك انه يعلم ما يكون قبل ان يكون وقد اخبر في القران من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله بل اخبر بذلك نبيه وغير


466

نبيه ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لو كان كيف كان يكون كقوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه الانعام بل وقد يعلم بعض عباده بما شاء ان يعلمه من هذا وهذا وهذا ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء

قال تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه البقرة وقال أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ال عمران وقوله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ال عمران وقوله وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ال عمران وقوله أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة التوبة وقوله ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا الكهف وقوله ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين الى قوله وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين العنكبوت وقوله ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم محمد وغير ذلك من المواضع

روى عن ابن عباس في قوله الا لنعلم أي لنرى وروي لنميز وهكذا قال عامة المفسرين الا لنرى ونميز وكذلك قال جماعة من اهل العلم قالوا لنعلمه موجودا واقعا بعد ان كان قد علم انه سيكون ولفظ بعضهم قال العلم على منزلتين علم بالشيء قبل وجوده وعلم به بعد وجوده والحكم للعلم به بعد وجوده لانه يوجب الثواب والعقاب قال فمعنى قوله لنعلم أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب ولا ريب انه كان عالما سبحانه بأنه سيكون لكن لم يكن المعلوم قد وجد وهذا كقوله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض


467

يونس أي بما لم يوجد فانه لو وجد لعلمه فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان يلزم من ثبوت احدهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاوه والكلام على هذا مبسوط في موضع اخر

والمقصود ان يعرف الانسان انهم يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية الضلال فرارا من لازم ليس لهم قط دليل على نفيه ولو قدر شبهة تعارض ثبوت العلم فأين هذا من هذا واين الادلة الدالة على ثبوت علمه والمحذور في نفي علمه مما يظن انه يدل على نفي الصفات او نفي بعضها دليلا ومحذورا

بطلان قولهم الثلاثة المذكورة في النحل هي البرهان والخطابة والجدل

والمقصود هنا ان ما يجعلونه من القران مطابقا لاصولهم ليس كما يقولون فان قيل لا ريب ان ما جاء به الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة والجدل يخالف اقوال هؤلاء الفلاسفة اعظم من مخالفته لاقوال اليهود والنصارى لكن المقصود ان الثلاثة المذكورة في القران هي البرهان الصحيح والخطابة الصحيحة والجدل الصحيح وان لم تكن هي عين ما ذكره اليونان اذ المنطق لا يتعرض لشيء من المواد وانما الغرض ان هذه الثلاثة هي جنس هذه الثلاثة

قيل وهذا ايضا باطل فان الخطابة عندهم ما كان مقدماته مشهورة سواء كانت علما مجردا او علما يقينيا والوعظ في القران هو الامر والنهي والترغيب والترهيب كقوله تعالى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما النساء فقوله ما يوعظون به أي ما يؤمرون به وقال يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين النور أي ينهاكم عن ذلك

وايضا فالقرآن ليس فيه انه قال ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بل قال ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم وذلك


468

لان الانسان له ثلاثة احوال اما ان يعرف الحق ويعمل به واما ان يعرفه ولا يعمل به واما ان يجحده فأفضلها ان يعرف الحق ويعمل به والثاني أن يعرفه لكن نفسه تخافه فلا توافقه على العمل به والثالث من لا يعرفه بل يعارضه فصاحب الحال الاول هو الذي يدعى بالحكمة فأن الحكمة هي اللم بالحق والعمل به فالنوع الاكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة والثاني من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعضة الحسنة فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون الى هذا وهذا فأن النفس لها اهواء تدعوها الى خلاف الحق وان عرفته فالناس يحتاجون الى الموعظة الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا

واما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فاذا عارض الحق معارض جودل بالتي هى أحسن ولهذا قال وجادلهم فجعله فعلا مأمورا به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره ان يجادل بالتي هى أحسن وقال في الجدال بالتي هى أحسن ولم يقل بالحسنة كما قال في الموعظة لان الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي احسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعا لم يحتج الى مجادلة فاذا مانع جودل بالتي هى أحسن

والمجادلة يعلم كما أن الحكمة بعلم وقد ذم الله من يجادل بغير علم فقال تعالى ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ال عمران والله لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم إن لم تكن علما فلو قدر انه قال باطلا لم يأمر الله ان يحتج عليهم بالباطل لكن هذا قدر يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه لا لبيان الدعوة الى القول الحق والقرآن مقصوده بيان الحق ودعوة العباد إليه وليس المقصود ذكر ما تناقضوا فيه من أقوالهم ليبين


469

خطأ احدهما لا بعينه فالمقدمات الجدلية التي ليست علما هذا فائدتها وهذا يصلح لبيان خطأ الناس مجملا

ثم إنهم تارة يجعلون النبوة إنما هى من باب الخطابة وتارة يجعلون الخطابة احد انواع كلامها فيتناقضون وسبب ذلك أن القرآن أمر عظيم باهر لم يعرفوا قدره ولا دروا ما فيه من العلم والحكمة وأرادوا أن يشبهوا به كلام قوم كفار اليهود والنصارى أقل ضلالا منهم في معرفة الله ومعرفة أنبيائه وكتبه وامره ونهيه ووعده ووعيده ولو شبه مشبه القرآن بالتوارة والانجيل لظهر خطأه غاية الظهور والجميع كلام الله تعالى فكيف بكلام هؤلاء الملاحدة

الوجه الثاني عشر

كون نفيهم وجود الجن والمئلكة والوحي قولا بلا علم

الوجه الثاني عشر أن يقال هم معترفون بالحسيات الظاهرة وبالحسيات الباطنة التي يحس بها الانسان ما في نفسه كاحساسه بجوعه وعطشه ولذته وألمه وشهوته وغضبه وفرحه وغمه وكذلك ما يتخيله في نفسه من أمثلة الحسيات التي أحسها فانه يتخيل ذلك من نفسه

وقد فرقوا بين قوة التخيل والوهم فالتخيل ان يتخيل الحسيات والوهم أن يتصور في الحسيات معنى غير محسوس كما يتصور الصداقة والعداوة فان الشاة تتصور في الذئب معنى هو العداوة وهو غير محسوس ولا تتخيل وتتصور في التيس معنى الصداقة فالموالات والمعادات يسمون الشعور بها توهما وهم لم يتكلموا في ذلك بلغة العرب فان الوهم في لغة العرب معنى آخر كما قد بين في موضعه

ولسي معهم ما ينفى وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس بالباطن كالملائكة والجن بل ولا معهم ما ينفى تمثل هذه الارواح أجساما حتى ترى بالحس


470

الظاهر ولا معهم ان النفس قد ترى غيرهما ما هو من أحوالها مثل ان ترى عند الموت امورا موجودة لم تكن تراها وهي متعلقة بالبدن وكذلك النائم وإن كان قد يتخيل فليس معهم علم بأن كل ما يراه يكون تخيلا مع إمكان أن يرى في منامه من جنس ما يراه الميت عند مفارقة روحه بدنه فان النفس الناطقة هى الرائية وإنما يمنعها من ذلك تعلقها بالبدن فاذا تم تجردها بالموت رأت ما لم تكن تراه كما قال تعالى فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ق وقال تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون الواقعة قال المفسرون يعنى الملائكة وكذلك بالنوم قد يحصل لها نوع تجريد ولهذا من الناس من يرى في منامه شيئا فيأتى كما يراه من غير تغيير أصلا بل يكون المرئى في المنام هو الموجود في اليقظة

وأما رؤية كثير من الناس للجن حال الصرع وغير الصرع فهذا أكثر وأشهر من أن يذكر وما يدعيه الاطباء من أن الصرع كله من الاخلاط فغلطه ظاهر فان دخول الجنى بدن الانسى وتكلمه على لسانه بأنواع من الكلام وغير ذلك أمر قد علمه كثير من الناس بالضرورة وقد اتفق عليه أئمة الاسلام كما اتفقوا على وجود الجن وقد رآهم غير واحد من الناس وخاطبوهم فهذا باب واسع فما الظن بالملائكة الكرام التي يراهم الانبياء صلوات الله عليهم يرونهم بباطنهم وظاهرهم

وايضا فقد تواتر في الكتب الالهية والاحاديث النبوية ان الملائكة تتصور بصورة البشر وكذلك الجن ويرون في تلك الصورة كما أخبر الله عن ضيف إبراهيم في غير موضع من كتابه وكما اخبر عن مريم انه ارسل اليها الروح وهو جبريل فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا مريم

وجميع هذه الامور ليس معهم على نفيها إلا ما هو من أضعف الشبه فنفيهم مثل هذه الحسيات الباطنة والظاهرة قول بلا علم ولهذا صاروا يحملون ما جاءت به


471

الانبياء على أنه من باب التخيل في النفس ويجعلون الملئكة وكلام الله الذي بلغوه هو ما يتخيل في نفس النبي من الصور والاصوات كما يتخيل للنائم وذلك من أعراضه القائمة به ليس هناك عندهم ملك منفصل ولا كلام نزل به الملك من الله عندهم

وكل ما ينفونه من هذا ليس معهم فيه إلا الجهل المحض فهم يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله مع ان عامه أساطين الفلاسفة كانوا يقرون بهذه الاشياء وكذلك ائمة الاطباء كأبقراط وغيره يقر بالجن ويجعل الصرع نوعين صرعا من الخلط وصرعا من الجن ويقول في بعض الادوية هذا ينفع من الصرع الذي يعالجه الاطباء لا الصرع الذي يعالجه أرباب الهياكل ونقل عنه أنه قال طبنا بالنسبة الى طب أرباب الهياكل كطب العجائز بالنسبة الى طبنا وهذه الامور لبسطها موضع آخر

وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفى ما لم يعلم نفيه اوجب لهم من الجهل والكفر ما صاروا به اسوأ حالا من كفار اليهود والنصارى وادعى ابن سينا وموافقوه ان اسباب العجائب في العالم إما قوة فلكية وإما قوة نفسانية وإما قوة طبيعية وأهل السحر منهم والطلسمات يعلمون من وجود الجن ومعاونتهم لهم على الامور العجيبة ما هو متواتر مشهور عندهم فضلا عما يعلمه المسلمون وسائر أهل الملل من ذلك فضلا عن العلم بالملئكة وما وكلهم الله من الامور التي يدبرونها كما قال فيهم فالمدبرات أمرا النازعات وقال فالمقسمات أمرا الذاريات وهم الملئكة باتفاق السلف وغيرهم من علماء المسلمين لم يقل أحد من السلف إنها الكواكب

الوجه الثالث عشر

طريقهم لا يفرق بين الحق والباطل بخلاف طريقة الانبياء

الوجه الثالث عشر ان يقال كون القضية برهانية معناه عندهم انها معلومة


472

للمستدل بها وكونها جدلية معناه كونها مسلمة وكونها خطابية معناه كونها مشهورة او مقبولة او مظنونة وجميع هذه الفروق هى نسب وإضافات عارضة للقضية ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها فضلا عن ان تكون ذاتية لها على أصلهم بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها ومعلوم أن القضية قد تكون حقا والانسان لا يشعر بها فضلا عن أن يظنها او يعلمها وكذلك قد تكون خطابية او جدلية وهى حق في نفسها بل قد تكون برهانية ايضا كما قد سلموا ذلك

وإذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هى حق في نفسها لا تكون كذبا باطلا قط وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق تلك القضايا ما هو مشترك ينتفع به جنس بني آدم وهذا هو العلم النافع للناس

وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك بل سلكوا في القضايا الامر النسبى فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيات وإن علمه مستدل آخر والجدليات ما سلمه المنازع وإن لم يسلمه غيره وعلى هذا فتكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات عند إنسان وطائفة أخرى فلا يمكن ان تحد القضايا العلمية بحد جامع مانع بل تختلف باختلاف احوال من علمها ومن لم يعلمها حتى إن اهل الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم

وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الامر عليه في نفسه ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الادميين بخلاف طريقة الانبياء فانهم اخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل فلهذا جعل الله ما انزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه وانزل ايضا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل ولكل حق ميزان


473

يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون فانه لا يمكن ان يكون هاديا للحق ولا مفرقا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل واما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الانبياء فهو منه وما خالفه فهو من البدع الباطلة شرعا وعقلا

فان قيل نحن نجعل البرهانيات اضافية فكل ما علمه الانسان بمقدماته فهو برهاني عنده وان لم يكن برهانيا عند غيره قيل لم يفعلوا ذلك فان من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان في اشياء معينة مع امكان علم كثير من الناس لامور اخر بغيرتلك المواد المعينة التي عينوها واذا قالوا نحن لا نعين المواد فقد بطل احد اجزاء المنطق وهو المطلوب

الوجه الرابع عشر

فساد جعلهم علوم الانبياء تحصل بواسطة القياس المنطقي

الوجه الرابع عشر إنهم لما ظنوا ان طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل لبني آدم مع ان الامر ليس كذلك وقد علم الناس إما بالحس وإما بالعقل وإما بالاخبار الصادقة علوما كثيرة لا تعلم بطرقهم التي ذكروها ومن ذلك ما علمته الانبياء صلوات الله عليهم من المعلوم فأرادوا إجراء ذلك على قانونهم الفاسد فقالوا النبي له قوة أقوى من قوة غيره في العلم والعمل وربما سموها قوة قدسية وهو أن يكون بحيث ينال الحد الاوسط من غير تعليم معلم له فاذا تصور طرفي القضية أدراك بتلك القوة القدسية الحد الاوسط الذي قد يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم لان قوى الانفس في الادراك غير محدودة فجعلوا ما تخبر به الانبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي وهذا في غاية الفساد

فان القياس المنطقي إنما يعرف به أمور كلية كما تقدم وهم يسلمون ذلك والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة كما في القرآن من قصة نوح والخطاب والاحوال التي جرت بينه وبين قومه وكذلك هود وصالح


474

وشعيب وسائر الرسل وكذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من المستقبلات فعلم بذلك أن ما علمه الرسول لم يكن بواسطة القياس المنطقي

بل قد جعل ابن سينا علم الرب بمفعولاته من هذا الباب فانه يعلم نفسه والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فجعل علمه يحصل بهذه الواسطة وهذا يصلح ان يكون دليلا على علمه بمخلوقاته لا ان يكون علمه بمخلوقاته يفتقر الى حد اوسط مع انه لم يعط هذا البرهان موجبه بل انكر علمه بالجزئيات التي في الموجودات الاخرى فان لم يعلم الجزئيات لم يعلم شيئا من المخلوقات مع ان العقول والنفوس والافلاك كلها جزئية ونفسه أيضا معينة ولهذا أراد بعضهم جبر هذا التناقض فقال إنما نفى علمه بالجزئيات في الامور الممتغيرة فيقال التغير من لوازم الفلك فلا يكون الفلك إلا متغيرا وصدور المعلول المتغير عن علة غير متغيرة ممتنع بالضرورة كما قد بسط في موضعه

جعلهم معرفة النبي بالغيب مستفادة من النفس الفلكية وبيان فساده من عشرة وجوه

فان قيل هم يذكرون لمعرفة النبي بالغيب سببا آخر وهو انهم يقولون إن الحوادث التي في الارض تعلمها النفس الفلكية ويسميها من أراد الجمع بين الفلسفة والشريعة ب اللوح المحفوظ كما يوجد في كلام أبى حامد ونحوه وهذا فاسد فان اللوح المحفوظ الذي وردت به الشريعة كتب الله فيه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والارض بخمسين الف سنة كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم واللوح المحفوظ لا يطلع عليه غير الله والنفس الفكلية تحت


475

العقول ونفوس البشر عندهم تتصل بها وتنقش في نفوس البشر ما فيها

ولهذا يقول بعض الشيوخ الذين يتكلمون باللوح المحفوظ على طريقة هؤلاء إما عن معرفة بأن هذا قولهم وإما عن متابعة منهم لمن قال ذلك من شيوخهم الذين أخذوا ذلك عن الفلاسفة كما يوجد في كلام أبن عربي وابن سبعين والشاذلى وغيرهم يقولون إن العارف قد يطلع على اللوح المحفوظ وأنه يعلم أسماء مريديه من اللوح المحفوظ أو انه يعلم كل ولى كان ويكون من اللوح المحفوظ ونحو هذه الدعاوى التي مضمونها انهم يعلمون ما في اللوح المحفوظ وهذا باطل مخالف لدين المسلمين وغيرهم من أتباع الرسل

والمقصود هنا أنهم يقولون إن النفس إذا حصل لها تجرد عن البدن إما بالنوم وإما بالرياضة وإما بقوتها في نفسها اتصلت بالنفس الفلكية وانتقش فيها ما في النفس الفلكية من العلم بالحوادث الارضية ثم ذلك العلم العقلى قد تخبر به النفس مجردا وقد تصوره القوة المخيلة في صور مناسبة له ثم تلك الصور تنتقش في الحس المشترك كما أنه إذا احس اشياء بالظاهر ثم تخيلها فانها تنتقش في الحس المشترك فالحس المشترك يرتسم فيه ما يوجد من الحواس الظاهرة وينتقش فيه ما تصوره القوة المتخيلة في الباطن وما يراه الانسان في منامه والمحرور في حال مرضه من الصور الباطنة هو من هذا لكن نفس النبي عليه السلام لها قوة كاملة فيحصل لها تجرد في اليقظة فتعلم وتتخيل وترى ما يحصل لغيرها في النوم

قيل هذا الكلام أولا ليس من كلام قدماء الفلاسفة كارسطو واصحابه ولا جمهورهم إنما هو معروف عن ابن سينا وأمثاله وقد انكر ذلك عليه إخوانه الفلاسفة كابن رشد وغيره وزعموه أن هذا كلام باطل لم يتبع فيه سلفه وثانيا


476

إنه مبنى على أصول فاسدة كثيرة

الاول إنه لا سبب للحوادث إلا الحركة الفلكية وهذا من ابطل الاصول

الثاني إثبات العقول والنفوس التي يثبتونها وهو باطل

هل منبع الفيض هو النفس الفلكية أو العقل الفعال

الثالث إثبات كون الفيض يحصل من النفس الفلكية فانهم لو سلم لهم ما يذكرونه من أصولهم فعندهم ما يفيض على النفوس إنما هو من العقل الفعال المدبر لكل ما تحت فلك القمر ومنه تفيض العلوم عندهم على نفوس البشر الانبياء وغيرهم والعقل الفعال لا يتمثل فيه شئ من الجزئيات المتغيرة بل إنما فيه امر كلى لكنه بزعمهم دائم الفيض فاذا استعدت النفس لان يفيض عليها منه شئ فاض وذلك الفيض لا يكون بجزئي فانه لا جزئى فيه فكيف يقولون هنا إن الفيض على النفوس هو من النفس الفلكية

فان قيل هم يقولون إن الجزئيات معلومة للعقول على وجه كلى وللنفوس الفلكية على وجه جزئي قيل العلم بالكلى وهو القدر المشترك بين الجزئيات لا يفيد العلم بشئ من الجزئيات البتة فان علم الانسان بمسمى الوجود أو بمسمى الجسم او بمسمى الحيوان أو الانسان او البياض او السواد لا يفيده العلم قط بموجود معين ولا بجسم معين ولا حيوان معين ولا إنسان معين ولا بياض معين ولا سواد معين ولو كانت الجزئيات تعلم من الكليات لكان من علم مسمى شئ قد علم كل شئ فانها كلها جزئيات هذا المسمى

وهذا أيضا مما يدل على فساد قول ابن سينا ومن وافقه على ان الباري يعلم الجزئيات على وجه كلى بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذره في السموات 1 ولا في الارض فان هذا تناقض بين لمن تصور حقيقة الأمر فان من لم يتصور إلا كليا ويمتنع عنده ان يتصور جزئيا معينا إما مطلقا وإما إذا كان متغيرا كان قد عزب عن علمه كل شئ في الوجود إما مطلقا واما إذا كان متغيرا وعلمه الكلى لا


477

يفيده شيئا من معرفة المعينات وهم دائما ما يشبعون انفسهم بالمحال بمثل هذه الكليات

ولهذا كان موضوع الفلسفة الاولى والحكمة العليا هو الوجود الكلى المشترك بين الموجودات المنقسم الى جوهر وعرض وعلة ومعلول وهذا الموضوع ليس له وجود في الخارج ولا يعلم بمعرفة الوجود المطلق شئ من الموجودات الثابته في نفس الامر اصلا فان كل موجود فانه موجود خاص متميز عما سواه وصفاته القائمة به إن كانت جوهرا فهى مختصة به وإن كان عرضا فهو عرض معين في محل معين فمن لم يعرف إلا الكلى المشترك لم يعرف شيئا من الموجودات التي هى في نفسها موجودات وانما علم امرا كليا لا يكون كليا إلا في الاذهان لا في الاعيان

إن نفس فلك القمر لا تعلم إلا جزءا من الحوادث

الرابع إن النفوس عندهم تسعة بعدد الافلاك وحركات الافلاك عندهم هى تسبب الحوادث ومعلوم ان كل نفس تعلم حركة فلكها فنفس فلك القمر لا تعلم ما في نفس الفلك الاطلس وفلك الثوابت وغيره والنفوس البشرية إنما تتصل إن اتصلت بنفس فلك القمر كما أنه إنما يفيض عليها ما يفيض من العقل الفعال وحينئذ فلا تعلم إلا جزءا يسيرا من أسباب الحوادث فمن اين تعلم الحوادث المنفصلة

ليست حركة الافلاك علة تامة للحوادث

الخامس إنه لو قدر انها تعلم حركات الافلاك كلها وانه لا سبب للحوادث إلا حركة الافلاك فحركة الافلاك ليست علة تامة للحوادث بل تختلف افعالها باختلاف القوابل فتؤثر في كل شئ بحسبه فمن لم يعلم احوال القوابل مع الفواعل لم يعلم الحوادث فلا يكون عالما بها والنفوس الفلكية غايتها ان تعلم حركات أفلاكها لا تعلم ما ليس داخلا فيها


478

وإذا قيل إن حركات العناصر والمتولدات إنما تختلف لاختلاف حركة الافلاك فالعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول قيل تختلف باختلاف القوابل كما تختلف باختلاف الفواعل والعناصر موجودة قبل حركات الافلاك فلا يلزم من العلم بها العلم بنفس العناصر ومقاديرها ليعلم بحركات الافلاك العلم بالحوادث الارضية وقول القائل العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول إنما يستقيم في العلة التامة المستلزمة للمعلول وحركات الافلاك غايتها أن تكون جزءا صغيرا من أسباب الحوادث

لا يلزم علم النفس الفلكية بكل ما يحدث من الامور

السادس إنه بتقدير ان تكون للفلك نفس فلكية متحركة كما تحرك نفس الانسان لبدنه فانها تتصور ما تريد فعله كما يتصور الانسان ما يريد فعله وأما الامور المتولدة الحاصلة بأسباب منفصلة مع فعله فلا يجب أن يكون شاعرا بها فمن أين يلزم علم النفس الفلكية بكل ما يحدث من الامور الحاصلة لحركاتها وبأمور اخر فانهم يقولون الفلك إذا تحرك حرك العناصر فامتزجت نوعا من الامتزاج وتحرك العناصر وامتزاجها ليس هو نفس حركة الفلك ولا حركة الفلك تامة له ثم إذا امتزجت فاض عليها من العقل الفعال ما يفيض فبتقدير أن تستعد نفس الانسان لان يفيض عليها من العقل الفعال ما يفيض لا يجب ان تعلم النفس الفلكية ذلك مع ان كلامهم في هذا الموضع قد عرف تناقضه وفساده فان العقل إن كان يفيض عنه ما ليس هو فيه كان في المعلول ما ليس في العلة وإن كان لا يفيض إلا ما فيه فليس فيه إلا الكليات ليس فيه صور جسمانية ولا علم بجزئيات ولا مزاج ولا غير ذلك مما يدعون فيضه عن العقل

بيان أن الحوادث الماضية ليست منتقشة في النفس الفلكية

السابع إن النفس الفلكية تحرك الفلك دائما فيلزم أن تعلم كل وقت الحركة التي تريدها وإذا سلم له انها تعلم ما تولد عنها وعن غيرها قيل لهم لا ريب أن ما مضى قبل تلك الحركة المعينة من الجزئيات لا يكون معلوما للنفس على سبيل


479

التفصيل فانه لو كان معلوما للنفس على سبيل التفصيل للزم وجود ما لا نهاية له في آن واحد فان الحوادث الماضية لا نهاية لها فلو كان العلم بكل منها موجودا على سبيل التفصيل في النفس الفلكية للزم وجود أمور لا نهاية لها في آن واحد وهذا ممتنع

فان قيل هم يجوزون هذا كما يجوزون وجود نفوس لا نهاية لها في آن واحد فان قاعدتهم في هذا ان ما هو مجتمع وله ترتيب طبيعي كالفلك أو وضعي كالاجسام يمتنع وجود ما لا نهاية فيه فاذا انتفى احد القيدين جوزوا وجود ما لا نهاية له إما بأن لا يكون مجتمعا كالحوادث المتعاقبة وإما ان يكون مجتمعا غير مترتب كالنفوس الفلكية قيل الجواب من وجوه أحدها إن هذا قول طائفة منهم كابن سينا وغيره وقد انكر عليه ذلك إخوانه الفلاسفة كابن رشد وغيره وزعموا أن هذا ليس هو قول أئمتهم الفلاسفة وبينهم في ذلك مشاجرات ليس هذا موضعها الثاني إن الحركات الفلكية مترتبة كل واحد على ما قبلها فاذا قدر اجتماع العلم المفصل بها كان قد اجتمع حوادث مترتبة والعلوم ايضا مجتمعة في النفس الفلكية والجزئيات عندهم لا تنطبع عندهم إلا في قوى جسمانية فيلزم وجود ما لا يتناهى من الاعراض في صورة جسمانية وهذا هو أعظم ما ينكرونه فان القوة الجسمانية عندهم لا تقوى على أفعال لا تتناهى فضلا عن ان تقوى عى أعراض لا نهاية لها الثالث أن يقال إن قالوا إن جميع ما يحدث لم تزل نفس الفلك عالمة به على التفصيل كان علمها قديما أزليا والحركات حادثة شيئا بعد شئ والحوادث الجزئية لا بد لها من تصورات جزئية حادثة معها وهم يسلمون ذلك وإن قالوا إنها لم تعلمها مفصلة إلا شيئا بعد شئ حصل المقصود ايضا وعلى التقديرين لا بد عندهم للنفس الفلكية من علوم متعاقبه كما يحصل لنفس الانسان وحينئذ فان كانت علومها باقية لم تزل الامور المرتبة تحدث شيئا بعد شئ وهى مجتمعه في محل واحد بل في قوة جسمانية فيلزم وجود أعراض مجتمعة لا نهاية لها في محل واحد بل في قوة جسمانية وهذا من أعظم الامور إحالة عندهم في نفس الامر


480

وإذا كان كذلك تبين ان الحوادث الماضية ليست منتقشة في النفس الفلكية

والانبياء بل وغير الانبياء يخبرون بالحوادث المتقدمة كالاخبار بما جرى في زمن نوح وقبل نوح وبعد نوح فيمتنع ان يكون الخبر بذلك استفادة من النفس الفلكية التي يسميها الملاحدة الذين ينزلون الكتاب والسنة على أصول هؤلاء المشركين المعطلين يسمونها اللوح المحفوظ وهكذا العلم بالحوادث المستقبلة قبل أن تكون بمئين من السنين او بألوف من السنين فان تلك لم تنتقش بعد عندهم في النفس الفلكية وقد يخبر بها الانبياء كما بشر متقدموهم بممحد وكما أخبر محمد بما سيأتي بل ويعلم ايضا بالرؤيا وغير ذلك

لا سبيل لنفى كون الارواح تلقى الاخبار في نفوس البشر

الوجه الثامن إنه لو قدر ان النفوس الفلكية تعلم الجزئيات فالجزم بكون ما يحدث في نفوس البشر من العلم بالجزئيات هو منها او من العقل الفعال لو قدر وجوده إنما يجوز إذا علم انتفاء سبب آخر وهذا لا سبيل لهم الى العلم بنفيه فلم لا يجوز ان يكون ذلك مما يلقيه الملائكة بل ومما يلقيه الجن أيضا كما تواترت الاخبار عن الانبياء صلوات الله عليهم بأنهم يذكرون أن الملائكة تخبرهم بما تخبرهم به وكما تواتر إخبار الجن لبنى آدم تارة بما يسترقونه من خبر السماء وتارة بغير ذلك والعلم بالمغيبات من هذا الوجه هو مما اتفق عليه الانبياء وأتباعهم المسلمون واليهود والنصارى واتفق عليه جماهير بنى آدم من غير أهل الملل كالمشركين من العرب ومن الهند ومن الكلدانيين وغيرهم كلهم يذكرون ما تخبر به الارواح إما مطلقا وإما إن تعين

وقد ذكرنا ان الصابئة نوعان حنفاء ومشركون فالحنفاء هم من المسلمين المؤمنين وأما المشركون كالصابئة الذين بعث الله اليهم الخيل عليه السلام وغيرهم فهؤلاء يقرون بهذا والصابئة الحرانيون لهم نبي على أصلهم يقال له البابا وله مصحف يذكر فيه كثيرا من الاخبار المستقبلة ويذكرون أن سيدته يعنى روحانية الزهرة


481

أخبرته بذلك وكثير منها صحيح كإخبار بدخول المسلمين بلاد حران وغيرها وفتحهم البلاد وإهانتهم لطائفته وكان بحران بئر يقال لها بئر عزون يعظمونها تعظيما كثيرا وكان يذكر ان الارواح تجتمع اليها ويذكر أنواعا من هذه الامور في مصحف له وهو موجود قد قرأته أنا وغيرى

وهذه الارواح منهم من يطلق عليها اسم الارواح والروحانيات ولا يفصل ومنهم من يسميها جميعها الملائكة ولا يفرقون بين الجن والملائكة لا سيما وطائفة من أهل الكلام وغيرهم يجعلون الجن والملائكة جنسا واحدا وإنما يفرقون بالاعمال الصالحة والفاسدة كالادميين ومن هذا تنازع العلماء في إبليس هل كان من الملائكة ام لا وقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وأما من يعرف حقيقة الامر من علماء المسلمين فيعلمون ان الارواح التي تعين المشركين هى الشياطين ويفرقون بين الملائكة وبين الجن كما هو ثابت بالكتاب والسنة والاجماع

بيان كون الغلط في هذه الاخبارات أكثر من الصواب

التاسع إنه بتقدير أن يكون سبب الاخبارات هو اتصال النفس بالقوة النفسانية الفلكية أو هو إخبار الارواح كما تقدم فمعلوم ان الغلط في هذا أكثر من الصواب أما على اصلهم فلأن الخيال يصور للحس المشترك ما علمته النفس من الصور المناسبة والخيال يكذب اكثر مما يصدق وأما على قول المسلمين وغيرهم فلأن الجن يكذبون كثيرا في إخبارهم وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه لما ذكر إخبار الكهان قال إنهم يسمعون الكلمة فيكذبون مائة كذبة وهذا امر معلوم بالتجربة والتواتر فان الذين يخبرون بما يخبرون به عن الجن يكثر الكذب في إخبارهم


482

وأما الرؤيا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الرؤيا ثلاثة رؤيا من الله ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة فيراه في المنام ورؤيا من الشيطان فقد بين الصادق المصدوق أن من الرؤيا ما هو من حديث النفس ومنها ما هو من وسوسة الشيطان وقد امرنا سبحانه أن نستعيذ من هذين الواسواسين في قوله قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس الناس

ولا بد من التمييز بين الصدق والكذب وليس فيما ذكروه ولا فيما يذكره غيرهم ما يميز بين هذا وهذا ولا يميز بين هذا وهذا مطلقا إلا الانبياء ولهذا أمرنا الله ان نؤمن بكل ما جاؤا به الانبياء فانهم معصومون لا يقرون على الخطأ فيما يبلغونهه عن الله باتفاق المسلمين قال تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم البقرة وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين البقرة

ولهذا كان اهل الرياضة والزهد والعبادة من الصوفية وغيرهم يرون اشياء في الباطن يظنونها حقا ويكون باطلا ولهذا يقول من يقول من أهل العلم كأبى القاسم السهيلى وغيره نعوذ بالله من قياس فلسفى وخيال صوفى وهذا مما كان يقوله شيخه ابو بكر بن العربي وكان مع تعظيمه لشيخه ابى حامد الغزالي يقول


483

شيخنا ابو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم اراد ان يخرج منهم فما قدر وكان يذكر عنه انه كان يقول أنا مزجى البضاعة في الحديث

وهؤلاء المتفلسفة يقولون إن غاية ما عند النبي قياس من جنس القياس الفلسفي او خيال من جنس الخيال الصوفي فان ما ذكروه للنبي يتصف به آحاد الناس فان اتصال النفوس بالنفس الفلكية وانعقاد الاقيسة العقلية في النفس هو قدر مشترك بين الناس إنما هو بحسب استعداد النفوس ثم هم أعنى ابن سينا وأمثاله يقولون إن النفوس الناطقة متماثلة بحسب الحقيقة وإنما اختلفت باعتبار أبدانها فهى كماء واحد وضعته في آنية مختلفة فاختلف لاختلاف الاوعية واسباب صفات النفس عندهم إما المزاج وإما العادة وإما ما يتبع ذلك ويا ليت شعري كم مقدار ما يوجب التفاوت بين النفوس إن لم يكن التفاوت إلا بهذا السبب فيلزم من هذا ان تكون نفس اخس الناس مشاركة في الحقيقة لنفس ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد وانما امتازت عنها بأمور عارضة وأن تكون نفس كثير من الناس قريبة من نفوسهم او افضل وتكون مستعدة لان يحصل لها ما حصل لنفوسهم

ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب ان يؤتى مثل ما اوتى رسل الله وأن يؤتى صحفا منشرة كما طلب ذلك غير واحد في زماننا وكما طلبه السهروردي المقتول وابن سبعين وغيرهما وسبب ذلك أن هذه النبوة التي أثبتوها امرها من جنس منامات الناس

ولهذا كان عمدتهم في إثبات النبوة هو المنامات ولما أراد ابن سينا وأمثاله ان


484

يقرروا ذلك قالوا التجربة والقياس مطابقان على ان للنفس الانسانية أن تنال من الغيب نيلا ما وقرروا ذلك بأن معرفة المغيبات في النوم ممكنة فوجب ان يكون ايضا في اليقظة ممكنا والمقدمة الاولى معلومة بالتجربة والتواتر وأما الثانية فهو انه لما صح ذلك في النوم لم يمكن القطع باستحالته في اليقظة بل لو قدرنا ان الناس ما جربوا وقوع ذلك في النوم لكان استبعادهم بحصول هذا حال النوم اشد من استبعادهم لحصوله حال اليقظة فانه لو قيل لواحد ان جمعا من الاذكياء مع كمال عقولهم وسلامة حواسهم وذكاء قرائحهم وقوة افكارهم وانظارهم احتالوا بكل حيلة لتحصيل معرفة بعض المغيبات فعجزوا ثم إن واحدا منهم لما صار كالميت وبطلت حركته وإدراكه عرف ذلك المغيب لقيل بأن ذلك محال ولاحتجوا عليه بأنه لما عجز عنه القوى الكامل فالضعيف الناقص أولى بالعجز عنه ولكن وقوع هذا المعنى مرارا كثيرة حال النوم مما ازال الاستبعاد والعناد فثبت ان حصول معرفة المغيبات لما كان ممكنا حال النوم فبأن يكون ممكنا حال اليقظة اولى قالوا ونحن لا نستدل بصحة إحدى الحالين على القطع بالحال الاخرى ولكن على دفع استبعاد المنكر وحصول الرأى الاخلق الاولى

قلت فهذه المقدمة التي بنوا عليها معرفة الغيب للانبياء وغيرهم ومعلوم أن النائم تتجرد نفسه عن بدنه نوع تجرد فان النوم أخو الموت وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى الى فراشه اللهم أنت خلقت نفسي وانت تتوفاها لك مماتها ومحياها إن امسكتها فارحمها وإن ارسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ويقول ايضا باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه إن امسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن ارسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين


485

وكان ذا استيقظ يقول الحمد لله الذي احيانا بعد ما اماتنا واليه النشور وقد قال الله نعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون الزمر فأخبر سبحانه أنه يتوفى الانفس حين النوم وحين الموت وأن ما يتوفاه حين النوم منه ما يقضى عليه الموت في نومه ومنه ما يرسله وبسبب تجردها عن البدن يحصل لها من العلم ما يلقيه الله اليها إما بواسطة الملك الذي يريها ويحدثها من الرؤيا وإما بغير ذلك

قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم الشورى قال عبادة ابن الصامت رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لم يبق بعدى من النبوة إلا المبشرات وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له وقال الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وفي الصحيحن عن عائشة


486

قالت أول ما بدى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد وقد قال تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالته الانعام فلا ريب ان ما يجعله الله في النفوس وغيرها يجعله بعد إعدادها لذلك وتسويتها لما يلقى فيها فهذا ونحوه حق يقول به السلف وجمهور المسلمين وإنما ينكر ذلك من ينكر الحكم والاسباب من اهل الكلام

والنبي صلى الله عليه وسلم بدى اولا بالرؤيا الصادقة فانه رؤيا الانبياء وحي معصوم كما قال ابن عباس وعبيد بن عمير وغيرهما رؤيا الانبياء وحى وقرأ قول ابراهيم عليه السلام إني أرى في المنام أني أذبحك الصافات ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نقل من درجة الى درجة ثم بعد هذا جاءه الملك فخاطبه بالكلام فأحيانا يأتيه في الباطن فيكلمه وأحيانا يتمثل له في صورة رجل فيكلمه ثم عرج به الى ربه ليلة الاسراء

فما ادعوه من أن الرؤيا قد يحصل بها معرفة المغيبات حق وهذا يحتج به على من ينكر هذا الجنس مطلقا ولكن لا تجعل النبوة كلها من هذا الجنس فمن الباطل ما ادعوه في النبوة وفي كيفيتها حيث زعموا أنه ليس هناك ملك حى يأتى بالوحى من الله ولا لله كلام يتكلم به يسمعه الملك فينزل به ولا يعرف الله جزئيات الامور حتى يكتبها عنده أو حتى يخبر بها الملك والملك يخبر بها النبي او يخبر بها النبي ابتداء

وزعموا انه ليس لله ما يدبر به امر السموات والارض إلا مجرد حركة الفلك وأثبتوا نبوة حال كثير من احوال اوساط المسلمين خير منها فان كثيرا من اوساط المسلمين له من العلم والعمل أعظم مما أثبته هؤلاء للانبياء فانهم جعلوا خواص النبوة نوعين القوة العلمية التي ينال بها العلم إما بواسطة القياس المنطقي وإما بواسطة


487

التجرد الذي هو كتجرد النائم حتى تتصل بالنفس الفلكية والثاني القوة العملية وهو ان تكون نفسه قوية على التصرف في هيولى العالم بحيث تحدث عنه عجائب والنوع الاول يتضمن أمرين أحدهما معرفة العلوم الكلية بالقياس المنطقي والثاني معرفة الجزئيات بهذا الاتصال ثم الخيال يصور المعقولات في الصور المناسبة لها وينقشها في الحس المشترك فيرى الانسان في باطنه صورا ويسمع اصواتا وتلك الصور عندهم ملائكة الله وتلك الاصوات كلام الله

ولهذا كان الملاحدة من المتصوفة على طريقهم كابن عربي وابن سبعين وغيرهما قد سلكوا مسلك ملاحد الشيعة كأصحاب رسائل إخوان الصفا واتبعوا ما وجدوه من كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير اهلها وغير ذلك مما يناسب ذلك فصار بعضهم يرى ان باب النبوة مفتوح لا يمكن إغلاقه فيقول كما كان ابن سبعين يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدى او يرى لكونه اشد تعظيما للشريعة أن باب النبوة قد اغلق فيدعى ان الولاية أعظم من النبوة وأن خاتم الاولياء اعلم بالله من خاتم الانبياء وأن خاتم الانبياء بل وجميع الانبياء إنما يستفيدون معرفة الله من مشكوة خاتم الاولياء ويقول إنه يوافق النبي في معرفة الشريعة العملية لانه يرى الامر على ما هو عليه فلا بد ان يراه هكذا وإنه أعلم من النبي بالحقائق العلمية لانه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به الى الرسول


488

وهذا بناء على اصول هؤلاء الفلاسفة الكفار الذين هم اكفر من اليهود والنصارى الذين سلك هؤلاء سبيلهم ولكن غيروا عباراتهم فأخذوا عبارات المسلمين الموجودة في كلام الله ورسوله وسلف الامة وعلمائها وعبادها ومن دخل في هؤلاء من الصوفية المتبعين للكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وابي سليمان الداراني ومعروف الكرخى والسري السقطي والجنيد وسهل بن عبدالله وغيرهم اخذوا معانى اولئك الملاحدة فعبروا عنها بالعبارات الموجودة في كلام من هو معظم عند المسلمين فيظن من سمع ذلك ان اولئك المعظمين إنما عنوا بهذه العبارات الموجودة في كلامهم ما أراده هؤلاء الملحدون كما فعلت ملاحدة الشيعة الاسماعيلية ونحوهم

فحمد عندهم يأخذ من الملك الذي هو عندهم خيال في نفسه وذلك الخيال يأخذ عن العقل فمحمد عندهم يأخذ عن جبريل وهذا الخيال هو جبريل وجبريل يأخذ عن ما علمه من النفس الفلكية فزعم ابن عربي انه يأخذ من العقل وهو المعدن الذي يأخذ منه جبريل فان ابن عربي وهؤلاء يعظمون طريق الكشف


489

والمشاهدة والرياضة والعبادة ويذمون طريق النظر والقياس وما يدعونه من الكشف والمشاهدة عامتة خيالات في انفسهم ويسمونها حقيقة ولهذا يقول باب ارض الحقيقة وهى ارض الخيال وقد ادعى ان الفتوحات الملكية القاها اليه روح بمكة وإذا كان صادقا فقد القاها اليه شيطان من الشياطين كما كان مسيلمة الكذاب يلقى اليه شيطان وكذلك الاسود العنسى وكذلك غيرهما من المتنبئين الكذابين

وكذلك الذين يدعون الولاية بدون متابعة الرسول تنزل عليهم الشياطين وتخبرهم بأشياء وتأمرهم باشياء وربما أحضرت لهم طعاما ونفقة وغيرذلك وربما حملت أحدهم في الهواء الى مكان ونحو ذلك فهم في الاولياء من جنس مسيلمة الكذاب وأمثاله في الانبياء ولهم أحوال شيطانية يظنونها من كرامات اولياء الله وأنما هى من احوال اعداء الله وهؤلاء من جنس كهان العرب الذين كان يكون لاحدهم رئي من الجن من جنس شيوخ العباد الذين للمشركين من الهند والترك والحبشة وغيرهم الكفار أو من جنس شيوخ النصارى فان هؤلاء شيوخ المشركين وأهل الكتاب لهم شياطين تقترن بهم وكذلك للداخل في المشيخة والدين والزهد والعبادة مع الخروج عن الكتاب والسنة ممن يدعى الاسلام ثم إن كانوا كفارا منافقين فجنهم من جنسهم وإن كانوا فساقا فجنهم من جنسهم وإن كانوا أهل جهل وبدعة بلا علم كان جهنم من جنسهم

كون الملائكة احياء ناطقين لا صورا خالية

الوجه العاشر إنه من المتواتر عن الانبياء صلوات الله عليهم أن الملائكة


490

احياء ناطقون يأتونهم عن الله بما يخبر به ويامر به تارة وينصرونهم ويقاتلون معهم تارة وكانت الملائكة احيانا تأتيهم في صورة البشر والحاضرون يرونهم وقد اخبر الله عن الملائكة في كتاب بأخبار متنوعة وذلك يناقض ما يزعمونه من ان الملك انما هوالصورة الخيالية التي ترتسم في الحس المشترك او انها العقول والنفوس

الاخبار المتواترة بمجئ الملائكة في صورة البشر

قال الله تعالى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى النجم

وفي الصحيحين عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة رضى الله عنها فقالت يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد اعظم على الله الفريه قلت ماهن قالت من زعم ان محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفقرية ومن زعم انه يعلم ما في غد فقد اعظم على الله الفرية ومن أعظم انه كتم شيئا مما اوحى اليه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم المؤمنين انظري ولا تعجلينى الم يقل الله تعالى ولقد رآه بالأفق المبين التكوير ولقد رآه نزلة أخرى النجم فقالت أنا أول هذه الامة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما هو جبريل لم اره على صورته التي خلق عليها هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والارض وفي لفظ فقلت فأين قوله عزوجل ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم


491

قالت إنما ذاك جبريل عليه السلام كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء

وفي الصحيحين ايضا عن الشيباني قال سألت زر بن حبيش عن قول الله فكان قاب قوسين أو أدنى قال اخبرني ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم راى جبريل له ستمائة جناح وعن ابن مسعود ايضا قال ما كذب الفؤاد ما راى قال راى جبريل له ستمائة جناح وعنه ايضا لقد راى من ايات ربه الكبرى قال راى جبريل في صورته له ستمائة جناح وقال البخاري في بعض طرقه راى رفرفا اخضر قد سد الافق وعن عبد الله قال لقد راى من ايات ربه الكبرى قال راى رفرفا اخضر قد سد الافق وفي صحيح مسلم عن ابي هريرة ولقد رآه نزلة أخرى قال راى جبريل

وقد قال سبحانه انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم التكوير فبين ان الرسول الذي جاء به الى محمد رسول كريم ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم امين وهذه صفة لا تنطبق على ما في النفس من الخيال ولا على العقل الفعال فانه اخبر انه مطاع والمطاع فوق السموات ليس هذا ولا هذا وكذلك قوله نزل به الروح الأمين على قلبك وقوله قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين البقرة وقال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق


492

النحل

وفي الصحيحين عن عائشة ان الحرث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي قال احيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو اشده على فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال واحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعى ما يقول قالت عائشة ولقد رايته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا

وفي الصحيحين عن عائشة قالت كان اول ما بدى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل ان ينزع الى اهله ويتزود لذلك ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئة الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرا قال ما انا بقارىء قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرا قلت ما انا بقارىء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرا قلت ما انا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم العلق وذكر الحديث بطوله وذكر فترة الوحي قال جابر في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في فترة الوحي قال بينا انا امشي اذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والارض فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني


493

زملوني فأنزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر المدثر فحمى الوحي وتتابع

وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابي هريرة وهو في الصحيحين ومن حديث عمر وهو في مسلم ومن حديث غيرهما انه جاءه اعرابي شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه منا احد فسأله عن الاسلام والايمان والاحسان فقال النبي صلى الله عليه وسلم الاسلام ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله وتقيم الصلوة وتؤتي الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال وسأله عن الايمان فقال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت وقال في الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك وسأله عن الساعة فقال ما المسئول عنها بأعلم من السائل وسأله عن اشراطها فقال ما ذكروه فلما ادبر قال على بالرجل فطلب فلم يوجد فقال هذا جبريل جاءكم يعلمكم امر دينكم

وقد استفاض انه كان يأتيه في صورة دحية الكلبي وكان من اجمل الناس صورة وقد اخبر الله في القران ان الملائكة اتوا الى ابراهيم ثم لوطا في صورة رجال فقال تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم


494

الذاريات فأخبر انهم دخلوا على ابراهيم وسلموا عليه فرد عليهم وانكرهم لما راى من صورهم العجيبة واتاهم بالعجل السمين ضيافة لهم فلما راهم لا يأكلون او جس منهم خيفة فقالوا له لا تخف واخبروه انهم رسل الله وبشروه بالغلام العليم اسحاق بعد كبره وكبر امراته وذلك من خوارق العادات وقالوا انا ارسلنا الى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين والملائكة ارسلوا الحجارة من السماء على قرى قوم لوط وقد ذكر الله قصتهم في مواضع من القران في سورة هود والحجر والعنكبوت وفي كل موضع يذكر نوعا مما جرى

واخبر الله تعالى أنه ارسل الى مريم العذراء البتول ملكا في صورة بشر فقال تعالى واذكر في الكتب مريم اذ انتبذت من اهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونه حجابا فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت اني اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا قال انما انا رسول ربك لاهب لك غلما زكيا قالت اني يكون لي غلم ولم يمسسني بشر ولم اك بغيا قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان امرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجآءها المخاض الى جذع النخلة قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها الا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي اليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربي وقرى عينا فاما ترين من البشر احدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم


495

اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم مريم وقد ذكر الله النفخ في فرجها من هذا الروح في موضعين اخرين من القران

فهذه الاخبار المتواترة من مجيء الملائكة في صورة البشر

اخبار نزول الملائكة لنصر الانبياء وتأييدهم

واما نزولهم لنصر الانبياء وتأييدهم فقد ذكره الله في غير موضع من كتابه في قصة بدر إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم الى قوله إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا الانفال وقوله ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق الانفال

وقوله تعالى في يوم احد إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ال عمران


496

وقال تعالى في يوم الخندق يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا الاحزاب

وقال تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء التوبة

وقال عند خروجه للهجرة إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم التوبة

انواع اخر من اخبار الملائكة

وقد اخبر سبحانه عن الملائكة بقوله إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون البقرة

واخبر عنهم سبحانه بقوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم الانبياء فأين هذا النعت من قول هؤلاء المتفلسفة الذين يدعون ان العقل الاول رب جميع العالمين العلوي والسفلي


497

وكذلك كل عقل حتى ينتهي الى الفعال فيزعمون انه رب لما تحت فلك القمر وقد قال سبحانه وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى النجم

وقال تعالى فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون فصلت وقال تعالى وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون الانبياء وقال إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون الاعراف

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يسدون الاول فالاول ويتراصون في الصف وهذا موافق لقوله تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا الصفات ولقوله عنهم وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون الصافات

وقال تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم المؤمن

وقال تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون التحريم وقال


498

تعالى في صفة اهل النار سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر المدثر وقال تعالى فليدع ناديه سندع الزبانية العلق قال غير واحد من الصحابة والتابعين كأبي هريرة وعبد الله بن الحارث وعطاء هم الملائكة وقال قتادة الزبانية في كلام العرب الشرط وقال مقاتل هم خزنة جهنم قال اهل اللغة كابن قتية وغيره هو مأخوذ من الزبن وهو الدفع كأنهم يدفعون اهل النار اليها قال ابن دريد الزبن الدفع يقال ناقة زبون اذا زبنت حالبها دفعته برجلها وتزابن القوم تداراوا واشتقاق الزبانية من الزبن

وايضا في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه اخبر ليلة المعراج بما رآه من الملائكة والجنة والنار واخبر عن البيت المعمور انه يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون آخر ما عليهم

وما في القران والاحاديث وكلام السلف من ذكر الملائكة واحوالهم يفوق الاحصاء وكذلك عند اهل التوراة والانجيل ونبوات سائر الانبياء


499

بيان كذبهم على الانبياء وان النبوة ليست كما يدعونه

وما اخبر به الانبياء يناقض قول من قال عن الانبياء ان الذي راوه من الملائكة انما هو ما يخيل في انفسهم وان الذي سمعوه انما هو ما سمعوه في نفوسهم فان كان مقصوده انهم ارادوا بما اخبروا به هذا فهذا كذب صريح عليهم لا حيلة فيه وان كان مكذبا لهم يقول انهم لم يروا شيئا او انهم غلطوا فيما اخبروا به من ذلك فهذا ليس مقام من يفسر كلامهم ويبين مرادهم كما يزعمه هؤلاء المتفلسفة الذين يتكلمون على النبوة بما يدعون انه تفسير لها والمقصود هنا بيان كذبهم على الانبياء وان النبوة ليست كما يدعونه

واما الكذب للانبياء فلخطابه مقام اخر مع ان هذا من اجهل اهل الارض واكفرهم وذلك ان الانبياء عدد كثيرون وهم باجماع العقلاء العلم والعدل في غاية صفات الكمال من العقل والعلم والعدل والصدق والاخلاق الحسنة وكل منهم لم ير الآخر ولم يستمع منه لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم فانه لم يكن بمكة على عهده احد يعرف شيئا من كتب الانبياء البتة وكل منهم يخبر عما راى وسمع اخبارا يصدق بعضها بعضا فلو لم تثبت عصمة الانبياء وصدقهم بل كان المخبر بمثل هذا مجهولا لوجب تواتر جنس ما راوه كما ان العدد الكثير اذا اخبر كل منهم انه راى اسود تواتر وجود السودان عند من لم يرهم ولهذا لما اخبر كثير من المصروعين عن وجود الصرع ثبت بهذا وجوده في الجملة ولم يكن تكذيب المصروعين فيما يخبرون به مما يعاينونه بل عامة العقلاء يعلم انهم راوا الجن الاحياء الناطقين وهذا معلوم عند جمهور العقلاء علما ضروريا لا يمكنهم النزاع فيه

تدبير الله امر السماء والارض بواسطة الملائكة

وايضا فالادلة العقلية تدل على ان الملائكة بهم يدبر الله امر السماء والارض كما قد بسط الكلام على هذا في غير موضعه وبين فيه ان الحركات ثلاثة طبيعية


500

وقسرية وارادية لان المتحرك انما يتحرك بقوة فيه او خارجة عنه والثاني هو المقسور المتحرك قسرا والاول ان لم يكن له شعور فهي الحركة الطبيعية وان كان له شعور فهي الارادية والقسرية تابعة للقاسر فلولا هو لم يتحرك المقسور والطبيعية انما يكون اذا خرج الجسم الطبيعي عن محله فيطلب بطبعه العود الى محله فاذا عاد سكن كالتراب اذا سقط على الارض والماء اذا وصل الى مقره ونحو ذلك فلم يبق هنا متحرك ابتداء الا المتحرك بالحركة الارادية فعلم ان جميع الحركات مبداها حركة ارادية ومعلوم ان الادميين لا يحركون الهواء والسحاب وغير ذلك من الاجسام فالمحرك لها احياء يحركون لها بالارادة وهؤلاء هم الملائكة

والملك معناه الرسول واصله ملاك على وزن مفعل ولكن القيت حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفت وهذه المادة معناها الرسالة سواء تقدمت اللام على الهمزة كما في صيغة الملك او تقدمت الهمزة على اللام وهذه الامور لبسطها موضع آخر

وانما المقصود ان نعرف ان ما يفسرون به الملائكة والوحي مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول انه مناقض لما جاء به فعلم ان ما يثبتونه من النبوة لا حقيقة له وان ادعاءهم ان علم الانبياء انما يحصل بالقياس المنطقي واما باتصال نفسه بالنفس الفلكية من ابطل الكلام وذلك مما يبين فساد ما ذكروه في المنطق من حصر طرق العلم مادة وصورة وهو المطلوب في هذا الموضع ويبين انهم اخرجوا من العلوم الصادقة اجل واعظم واكبر مما اثبتوه وان ما ذكروه من الطرق انما يفيد علوما قليلة خسيسة لا كثيرة ولا شريفة وهذه مرتبة القوم فانهم من اخس الناس علما وعملا وكفار اليهود والنصارى اشرف منهم علما وعملا من وجوه كثيرة


501

كون حصول العلم في قلوب الانبياء من الملائكة

ومما يبين ذلك ان يقال ما يحصل في قلوب الانبياء وغيرهم من العلم بأمور معينة اما ان يكون له سبب يقتضى حصول ذلك العلم او يحصل بلا سبب كما يقول ذلك من اهل الكلام من ينكر الاسباب في الوجود فان لم يكن له سبب بطل قولهم ان ذلك من العقل والنفس وان كان له سبب امكن ان يكون ذلك هو ملائكة تعلمهم بذلك او جن تعلم بعض الناس وهم ليس لهم حجة اصلا على نفي ذلك بتقدير ما يقولونه من قدم الافلاك وصدورها عن علة مستلزمة لها كما يقوله ابن سينا او ان العلة تحركها تحريك القدوة للمقتدى به على قول ارسطو واتباعه فعلى قول ارسطو واتباعه وعلى كل قول ليس في العقل حجة تنفي ذلك واذا امكن كون ذلك من الملائكة بطل قولهم بل نقول يجب ان يكون ذلك من الملائكة اذا كان له سبب فان كون ذلك من النفس الفلكية قد ظهر بطلانه فوجب ان يكون ذلك من الملائكة وهو المطلوب

وقد اثبت طائفة من نظار المسلمين والفلاسفة وجود الملائكة والجن بهذه الطريق وقالوا نحن نجد امورا تحدث في نفوسنا بغير قصد منا من العلوم والارادات وما هو من جنس العلوم والارادات من الخواطر خواطر الشبهات والشهوات فلا بد لتلك من فاعل يحدثها في قلوبنا والله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء لكن لم يخلق شيئا الا لسبب كما دل على ذلك استقراء خلقه للموجودات ولا يحدث حادثا الا بسبب حادث والانسان يكون قلبه خاليا من اعتقاد الضدين ومن ارادة الضدين فيحدث احدهما في قلبه فلا بد لذلك من سبب حادث اوجب ذلك ولا يجوز اضافة ذلك الى مجرد حركات الفلكية فان نسبة الحركة الفلكية في اليوم المعين الى الاشخاص نسبة واحدة والناس مختلفون في هذه الخواطر اختلافا لا مزيد عليه والشخص الواحد يختلف حاله فتارة يكون مؤمنا وتارة يكون كافرا وتارة برا


502

وتارة فاجرا وتارة عالما وتارة جاهلا وتارة ناسيا وتارة ذاكرا بدون حدوث سبب فلكي يرجح احد هذين الحالين على الآخر واهل الارض الواحدة والبلد الواحد والاقليم الواحد تختلف احوالهم في ذلك مع ان طالع البلد لم يختلف ومع ان المتجدد من الاشكال الفلكية قد يكون متشابه الاحوال واحوالهم مع هذا تختلف وهذا لبسطه موضع اخر

فان ظن هؤلاء ان الحوادث التي تحت الفلك ليس سببها الا تغير اشكال الفلك واتصالات الكواكب من افسد الاقوال ولهذا كان اصحاب هذا القول من اكثر الناس جهلا وكذبا وتناقضا وحيرة

استطراد

حيرة الفلكيين في امر الكعبة وما لها من التعظيم والمهابة

ولهذا حاروا في مكة شرفها الله واي شيء هو الطالع الذي بنيت عليه على زعمهم حتى رزقت هذه السعادة العظيمة وهذا البناء العظيم مع طول الازمان مع انه لم يقصدها احد بسوء الا انتقم الله منه كما فعل بأصحاب الفيل ولم يعل عليها عدو قط والحجاج بن يوسف لم يكن عدوا لها ولا اراد هدمها ولا اذاها بوجه من الوجوه ولا رماها بمنجنيق اصلا ولكن كان محاصرا لابن الزبير وكان ابن الزبير واصحابه في المسجد وكانوا يرمون بالمنجنيق له ولاصحابه لا لقصد الكعبة وإن يهدموا الكعبة ولا وقع فيها شرعي من جهارة الحجاج


503

بل كان ابن الزبير قد بناها على قواعد ابراهيم والصقها بالارض وجعل لها بابين كما اخبرته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لولا قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضة الكعبة والصقتها بالارض وجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه ووصف لعائشة من الحجر ما هو من البيت قريبا من سبعة ازرع موضع انحناء الحجر وكانت القريش قد بنتها فقصرت بها النفقة فتركوا ما تركوه من الحجر ورفعوها

فلما ولي الزبير شاور الناس في ذلك فمنهم من راى ذلك مصلحة ومنهم من اشار عليه بأن لا يفعل وقال هذه الكعبة هي التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعليها اسلم الناس وهذا كان راي ابن عباس وطائفة

والفقهاء متنازعون في هذه المسئلة منهم من يرى اقرارها كقول ابن عباس وهو قول مالك وغيره ويقال ان الرشيد شاوره ان يفعل كما فعل ابن الزبير فأشار عليه ان لا يفعل وراى ان هذا يفضي الى انتقاض حرمة الكعبة باختلاف الملوك في ذلك هذا يهدمها ليبنيها كما فعل ابن الزبير وهذا يرى أن يعيدها


504

كما كانت ومنهم من يرى تصويب ما فعله ابن الزبير ويقال ان الشافعي يميل الى هذا

فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج الى عبد الملك بن مروان يخبره بما فعل ابن الزبير فيخبره بأنهم وجدوا قواعد ابراهيم وانه ارى ذلك لاهل مكة فكتب اليه عبد الملك ان يعيدها كما كانت الا ما زاده من الطول فلا يغيره ويذكر ان ما فعله ابن الزبير لا يعلم اصله

ثم ان عبد الملك حدثه بعض الناس بحديث عائشة فقال وددت اني وليت ابن الزبير من ذلك ما تولى

والمقصود انه ولله الحمد لم يردها احد من المسلمين بسوء لا الحجاج ولا غيره ولكن قرامطة البحرين بعد ذلك بمدة اخذوا الحجر الاسود وبقي عندهم مدة فانتقم الله منهم وجرت فيهم المثلات

فصار هؤلاء الفلكيون حائرين في امرها لما جعل الله لها من العز والمهابة والتعظيم مع المحبة ومع كون الناس من مشارق الارض ومغاربها يأتونها بمحبة ورغبة وذل مع المشاق العظيمة التي تزيد على مشقة عامة الاسفار من الجوع والعطش والخوف والتعب وانه ليس بمكة بساتين ولا انهار ولا غير ذلك مما تطلبه النفوس حتى الجا بعضهم الحيرة الى ان زعم ان تحتها مغارة فيها طلاسم موجهة الى جميع الجهات


505

وانها تبخر في شهر رجب او غيره لتصرف وجوه الناس اليها ونحو هذه الاقوال المكذوبة التي يعلم كل من له علم بمكة انها كذب مختلق وانه لا ينزل احد قط الى اسفل الكعبة ولا مغارة تحتها

ونفس التبخير لا يفعله المسلمون عبادة وقربانا كما كان يفعل ذلك من قبلهم بل هو عندهم من جنس الطيب فتقصد رائحته ومن كان قبل المسلمين من اهل الكتاب كانوا يقربون القرابين فتنزل النار تأكله وقد يدخنون بدخن وأما المشركون من عباد الكواكب والأصنام فالتدخين عندهم من اصول العبادات

بل وجود مكة مما يدل على القادر المختار وانه يخلق بمشيئته وقدرته وعلمه كما قال تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم وقد قال ابن عباس لو ترك الناس الحج سنة واحدة لما نوظروا ولهذا كان حج البيت كل عام فرضا على الكفاية كما ذكر ذلك الفقهاء من اصحاب الشافعي كالقاضي ابي بكر وغيره

والمقصود هنا انه اذا علم ما يحدث في النفوس ليس سببه مجرد حركة الفلك مع انه لا بدل منه من سبب دل ذلك على وجود الملائكة والجن وهذا سلف الامة والتابعين لهم بأحسان وائمة المسلمين فأنهم يقولون ان الشياطين توسوس في نفوس بني ادم كالعقائد الفاسدة والامر باتباع الهوى وان الملائكة بالعكس انما تقذف في القلوب الصدق والعدل قال ابن مسعود ان للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك ايعاد


506

بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان ايعاد بالشر وتكذيب بالحق وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما منكم من احد الا وقد وكل به قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا واياك يا رسول الله قال واياي الا ان الله اعانني عليه فأسلم وفي لفظ فلا يأمرني الا بخير

قال تعالى قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس الناس والقول الصحيح الذي عليه اكثر السلف ان المعنى من شر الموسوس من الجنة ومن الناس من شياطين الانس والجن

وقال وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطان الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابي ذر يا ابا ذر تعوذ بالله من شياطين الانس والجن قال يا رسول الله او للانس وشياطين قال نعم شر من شياطين الجن قال تعالى اذا لقوا الذين امنوا قالوا امنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزءون وهم شياطينهم من الانس كما قال ذلك عامة السلف وكما يدل


507

عليه سباق القران فان شياطين الجن لم يكونوا يحتاجون الى ان يخلوا بهم و لا هم يقولون لهم انا معكم انما نحن مستهزءون

كون الصواب من الهام الملك و الخطا من القاء الشيطان

وقد تنازع الناس في العلم الحاصل في القلب عقيب النظر والاستدلال على اقوال فهؤلاء المتفلسفة يقولون ان ذلك من فيض العقل الفعال عند استعداد النفس والمعتزلة يقولون هو حاصل على سبيل التولد والاشعري وغيره يقولون هو حاصل بفعل الله تعالى كما تحصل سائر الحوادث عندهم لا يجعلون لشيء من الحوادث سببا ولا حكمة

والذي عليه السلف والائمة ان الله جعل للحوادث اسبابا وحكمة وهذه الحوادث قد تحدث باسباب من الملائكة اومن الجن وان ما يحصل في القلب من العلم والقوة ونحو ذلك قد يجعله الله بواسطة فعل الملئكة كما قال تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا وقال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه المجادلة وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم من سأل القضاء واستعان عليه وكل اليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه انزل الله اليه ملكا يسدده والتسديد هو القاء القول السداد في قلبه وقال تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه قصص وقال تعالى وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا المائدة وهؤلاء لم يكونوا انبياء بل ذلك الهام وقد يكون بتوسط الملك كما قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء


508

والاراء والخطا في الراي من القاء الشيطان ولو كان صاحبها مجتهدا معذورا كما قال غير واحد من الصحابة كأبي بكر وابن مسعود في بعض المسائل اقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله وان يكن خطا فمني ومن الشيطان والله ورسوله برىء منه

وما يكون من الشيطان اذا لم يقدر الانسان على دفعه لا يأثم به كما يراه النائم من اضغاث الشيطان وكاحتلامه في المنام فانه وان كان من الشيطان فقد رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ

وكذلك ما يحدث به الانسان نفسه من الشر قد تجاوز الله له عنه حتى يتكلم به او يعمل به وإن كان من الشيطان ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به انفسها ما لم تتكلم به وفي الصحيحين من غير وجه عن ابي هريرة وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر انه اذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر حسنات واذا هم بسيئة فلا تكتبوها عليه فان عملها فاكتبوها سيتئة وان تركها فاكتبوها له حسنة فانه انما تركها من جرائي

وفي الصحيح ان الصحابة سألوا النبي عن الوسوسة التي يكرهها


509

المؤمن وهي ما يلقي في قلبه من خواطر الكفر فقالوا يا رسول الله ان احدنا ليجد في نفسه ما لان يحرق حتى يصير حممة او يخر من السماء الى الارض احب اليه من ان يتكلم به قال ذلك صريح الايمان وفي حديث اخر الحمد لله الذي رد كيده الى الوسوسة

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا اذن المؤذن ادير الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فاذا قضى التأذين اقبل فاذا اقيمت الصلوة ادبر فاذا قضيت اقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه فيقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل ان يدري كم صلى فاذا وجد ذلك احدكم فليسجد سجدتين فقد اخبر ان الشيطان يوسوس في الصلوة ولم يأمر باعادة الصلوة

فالاعتقادات والارادات الفاسدة تحصل بسبب شياطين الانس والجن والاعتقادات الصحيحة والارادات المحمودة قد تحصل بسبب الملائكة وصالحي الانس فان سماع الكلم قد يؤثر في قلب المستمع فالمتكلم فاعل فان كان السامع قابلا انتقش كلامه في قلبه وان لم يكن قابلا لم ينتقش فيه

ابطال القول بمعرفة الغيب بدون توسط الانبياء

وما يذكره طوائف من الباطنية باطنية الشيعة كأصحاب رسائل اخوان الصفا وباطنية الصوفية كابن سبعين وابن عربي وغيرهما وما يوجد في كلام ابي حامد وغيره من اهل الرياضة وتصفية القلب وتزكية النفس بالاخلاق المحمودة قد يعلمون


510

حقائق ما اخبرت به الانبياء من امر الايمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين واليوم الاخر ومعرفة الجن والشياطين بدون توسط خبر الانبياء هو بناء على هذا الاصل الفاسد وهو انهم اذا صفوا نفوسهم نزل على قلوبهم ذلك اما من جهة العقل الفعال او غيره

كلام في الغزالي قادح فيه

وابو حامد يكثر ذكر هذا وهو مما انكره عليه المسلمون وقالوا فيه اقوالا غليظة بهذا السبب الذي اسقط فيه توسط الانبياء في الامور الخبرية وجعل ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة لا يفيد معرفة شيء من الغيب ولا يعرف معنى كلامه وما يتأول منه وما لا يتأول لكن اذا ارتاض الانسان انكشفت له الحقائق فما وافق كشفه اقره وما لم يوافقه تأوله ولهذا قالوا كلامه يقدح في الايمان بالانبياء وذلك ان هذا مأخوذ من اصول هؤلاء الفلاسفة ولهذا كانوا يقولون ابو حامد امرضه الشفاء وانشد فيه ابن العربي الابيات المعروفة عنه حيث قال

برئنا الى الله من معشر
بهم مرض من كتاب الشفا


511

وكم قلت يا قوم انتم على
شفا جرف من كتاب الشفا

فلما استهانوا بتنبيهنا
رجعنا الى الله حتى كفى

فماتوا على دين رسطالس
وعشنا على ملة المصطفى

وكلامه في مشكوة الانوار وفي كيمياء السعادة هو قول هؤلاء ولهذا يذكر ان صاحب الرياضة قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران عليه السلام وامثال هذه الاقاويل التي انكرها علماء المسلمين العارفين بما جاء به الرسول من الكتاب والسنة من الطوائف كلها من اصحاب الشافعي ومالك وابي حنيفة واحمد بن حنبل والصوفية المحققين المتبعين للرسول واهل الحديث ونظار اهل السنة

وقد انكر عليه طائفة من اهل الكلام والراي كثيرا مما قاله من الحق وزعموا ان طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم واخطاوا ايضا في هذا النفي بل الحق ان التقوى وتصفية القلب من اعظم الاسباب على نيل العلم

لكن لا بد من الاعتصام بالكتاب والسنة في العلم والعمل ولا يمكن ان احدا بعد الرسول يعلم ما اخبر به الرسول من الغيب بنفسه بلا واسطة الرسول ولا يستغني احد في معرفة الغيب عما جاء به الرسول وكلام الرسول مبين للحق بنفسه ليس كشف احد ولا قياسه عيارا عليه فما وافق كشف الانسان وقياسه وافقه وما لم يكن كذلك خالفه بل ما يسمى كشفا وقياسا هو مخالف للرسول فهذا قياس فاسد وخيال فاسد وهو الذي يقال فيه نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي

والانسان قد يصفي نفسه ويلقى الشيطان في نفسه اشياء فان لم يعتصم بالذكر المنزل والا اقترن به الشيطان كما قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين الزخرف وقوله فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى طه

الفرق بين طرق متكلمي الاسلام وطرق المناطقة الفلاسفة

فإن قيل ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم يوجد نحو منه في كلام متكلمي


512

المسلمين بل منهم من يذكره بعينه اما بعباراتهم واما بتغيير العبارة قيل الجواب من وجهين

احدهما ان ليس كل ما يقوله المتكلمون حقا بل كل ما جاء به الرسول فهو حق وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يخالف ذلك فهو باطل وقد عرف ذم السلف والائمة لاهل الكلام المحدث المشتمل على الباطل المخالف للكتاب والسنة وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع ومر ان الكلام المذموم الذي ذمه السلف الطيب اتباع الصحابة والتابعين لهم باحسان هو الكلام الباطل وهو المخالف لما جاء به الرسول

وهذان وصفان ملازمان فكل ما خالف ما جاء به الرسول فهو باطل وكل كلام في الدين باطل فهو مخالف لما جاء به الرسول وبطلان ذلك قد يعلم بالادلة العقلية مع دلالة الشرع على بطلانه ودلالة الشرع تكون تارة بالاخبار عن الحق والباطل وتارة بالارشاد والهداية الى الادلة التي بها يعرف الحق وينظر العاقل في تلك الادلة التي ارشد الرسول اليها ودل عليها

الثاني ان يقال متكلموا الاسلام لم يسلكوا طريق هؤلاء الفلاسفة فانه ليس فيهم احد يحصر طرق العلم حصرا يدخل فيه الانبياء كما فعل هؤلاء حيث جعلوا ما علمه الانبياء داخلا في طريقهم فجعلوا النبوة من جنس ما يكون لبعض الناس اذا كان فيه ذكاء وزهد بل المتكلمون متفقون على ان النبي يعلمه الله بما لا يعلم به غيره بمشيئة الرب وقدرته فانهم متفقون على ان الله يفعل بمشيئته وقدرته وانه يرسل ملكا الى النبي وهو يعلم الملك ويعلم ما يقول وما يقوله للنبي ليس فيهم من يقول ان الله لا يعلم الجزئيات ولا ان الله ليس بقادر مختار ولا ان الافلاك قديمة ازليه ولا من ينكر معاد الابدان ولا من يقول ان ملائكة الله مجرد ما يتخيل في النفوس كما يتخيل للنائم ولا كلام الله مجرد ما يتخيل في النفوس من الاصوات ولا من يقول ان ما يعلمه الانبياء من الغيب انما يفيض على نفوسهم من النفس الفلكية


513

ولا يجعل احدهم اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية

ولا يقول احد منهم ان شيئا غير الله ابدع ما سواه كما يقوله هؤلاء ان العقل الاول ابدع كل ما سواه من الممكنات ويسميه من ينتسب الى الاسلام منهم القلم ويظنون ان الحديث المروي ان اول ما خلق الله العقل قال له اقبل فأقبل ثم قال له ادبر فأدبر هو هذا العقل والحديث لفظه حجة عليهم لا لهم ومع هذا فلو كان حجة لهم لم يجز التمسك به لانه موضوع باتفاق اهل المعرفة بالحديث كما ذكر ذلك الدارقطني وابن حبان وابو الفرج ابن الجوزي وغيرهم

بطلان جعلهم النبوة جزءا من الفلسفة

والمتكلمون اذا حصروا طرق العلم حصروا طرق مثلهم وامثالهم فيذكرون الحسيات والعقليات الضرورية والنظرية سواء كان ذلك الحصر مطابقا او ليس بمطابق لم يقصدوا ان يذكروا الطريق التي بها يعلم النبي ما يوحي اليه بل هذه الطريق خارجة عما يقدرون عليه هم وامثالهم من الطرق وليست من جنسها عندهم بخلاف المتفلسفة فان النبي عندهم من جنس غيره من الاذكياء الزهاد لكنه قد يكون افضل والنبوة عندهم جزء من الفلسفة وهذا هو الضلال العظيم فان الفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل فضلا عن درجتهم قبل ذلك فضلا عن درجة المؤمنين اهل القران كالصحابة والتابعين فضلا عن درجة واحد من الانبياء فضلا عن الرسل فضلا عن اولي العزم منهم بل عامة اذكياء الناس وازهد الناس ان يكون مشبها للتابعين باحسان للسابقين الاولين

فأما درجة السابقين الاولين كأبي بكر وعمر فتلك لا يبلغها احد وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال قد كان في الامم قبلكم محدثون فان


514

يكن في امتي فعمر وفي حديث اخر ان الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وقال على كنا نتحدث ان السكينة تنطق على لسان عمر وفي الترمذي وغيره لو لم ابعث فيكم لبعث فيكم عمر ولو كان بعدي نبي ينتظر لكان عمر

ومع هذا فالصديق اكمل منه فان الصديق كمل في تصديقه للنبي فلا يتلقى الا عن النبي والنبي معصوم والمحدث كعمر يأخذ احيانا عن قلبه ما يلهمه ويحدث به لكن قلبه ليس معصوما فعليه ان يعرض ما القي عليه على ما جاء به الرسول فان وافقه قبله وان خالفه رده ولهذا قد رجع عمر عن اشياء وكان الصحابة يناظرونه ويحتجون عليه فاذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة رجع اليها وترك ما راه والصديق انما يتلقى عن الرسول لا عن قلبه فهو اكمل من المحدث وليس بعد ابي بكر صديق افضل منه ولا بعد عمر محدث افضل منه

كون معيار الولايات عند العارفين هو لزوم الكتاب والسنة

ولهذا كان الشيوخ العارفون المستقيمون من مشايخ التصوف وغيرهم يأمرون اهل


515

القلوب ارباب الزهد والعبادة والمعرفة والمكاشفة بلزوم الكتاب والسنة قال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرا القران ويكتب الحديث لا يصلح له ان يتكلم بعلمنا وقال الشيخ ابو سليمان الداراني انه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا اقبلها الا بشاهدين الكتاب والسنة وقال ايضا ليس لمن الهم شيئا من الخير ان يفعله حتى يسمع فيه بأثر وقال ابو عثمان النيسابوري من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة فان الله يقول وإن تطيعوه تهتدوا النور وقال اخر من لم يتهم خواطره في كل حال فلا تعده في ديوان الرجال

وقيل لابي يزيد البسطامي قد قدم شيخ من اصحابك فذهب ليزوره فراه قد بصق في القبلة فقال ارجعوا بنا هذا رجل لم يأتمنه الله على ادب من اداب الشريعة فكيف يأتمنه على سره وهذا الذي فعله ابو يزيد يستدل عليه بما في السنن سنن ابي داود وغيره ان رجلا كان اماما في مسجد من مساجد الانصار فان كل قبيلة كان لها مسجد فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فراى بصاقا في القبلة فقال من فعل هذا فذكرا الامام فنهاهم ان يصلوا خلفه فلما جاء ليؤمهم منعوه وقالوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا ان نصلي خلفك فجاء اليه فذكر ذلك له فقال صدقوا انك آذيت الله ورسوله

وقال غير واحد من الشيوخ والعلماء لو رايتم الرجل يطير في الهواء ويمشي


516

على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الامر والنهي ومثل هذا كثير في كلام المشائخ والعارفين وائمة الهدى وافضل اولياء الله عندهم اكملهم متابعة للانبياء ولهذا كان الصديق افضل الاولياء بعد النبين فما طلعت شمس ولا غربت على احد بعد النبيين والمرسلين افضل من ابي بكر لكمال متابعته وهم كلهم متفقون على انه لا طريق للعباد الى الله الا باتباع الواسطة الذي بينهم وبين الله وهو الرسول

ولكن دخل في طريقهم اقوام ببدع وفسوق والحاد وهؤلاء مذمومون عند الله وعند رسوله وعند اوليا الله المتقين وهم صالحوا عباده مثل من يظن ان لبعض الاولياء طريقا الى الله بدون اتباع الرسول او يظن ان من الاولياء من يكون مثل النبي او افضل منه او انه يكون من هو خاتم الاولياء افضل من السابقين الاولين او اعلم بالله من خاتم الانبياء وامثال هذه المقالات التي تقولها من دخل فيهم من الملاحدة الضالين ومن هذا الوجه صار قوم متصوفون يتفلسفون

وتكلم ابن سينا في اشاراته على مقامات العارفين وقال الرازي في شرحه هذا الباب اجل ما في الكتاب فانه رتب علم الصوفية ترتيبا ما سبقه اليه من قبله ولا يلحقه من بعده وهذا الذي قاله الرازي قاله بحسب معرفته فانه لم يكن عارفا بطريق الصوفية العارفين المتبعين للكتاب والسنة ولعله قد راى من صوفية وقته وفيه من الجهالات والضلالات ما راى ان هذا الكلام احسن ما يرتب عليه طريقهم وقد ذكر في مقامات العارفين امر النبوة التي يثبتونها الفناء المذموم والفناء المحمود

وآخر ما انتهى إليه العارفون في تسليكه هو الفناء عما سوى الحق الذي أثبته والبقاء


517

به وهذا لو كان سالكه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر ويفعل ما امر الله به وينتهي عما نهى الله عنه فيسلك سلوك اتباع الرسل لكانت هذه الغاية سلوكا ناقصا عند ائمة العارفين فان الفناء الذي اثبته انما هو الفناء عن شهود السوي وكذلك من اتبعه مثل ابن الطفيل المغربي صاحب رسالة حي بن يقظان وامثاله وهذا فناء عن ذكر السوى وشهوده وخطوره بالقلب وهذا حال ناقص يعرض لبعض السالكين ليس هو الغاية ولا شرطا في الغاية

بل الغاية الفناء عن عبادة السوي وهو حال ابراهيم ومحمد الخليلين صلى الله عليه وسلم فانه قد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه انه قال ان الله اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا

وحقيقة هذا الفناء هو تحقيق الحنيفية وهو اخلاص الدين لله وهو ان يغني يفني بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالحب فيه والبغض فيه عن الحب فيما سواه والبغض فيه فلا يكون لمخلوق من المخلوقين لا لنفسه ولا لغير نفسه على قلبه شركة مع الله تعالى ولهذا امر ابراهيم الخليل بذبح ابنه فانه كان قد سأل الله ان يهبه اياه ولم يكن له ابن غيره

فان الذبيح هو اسمعيل على اصح القولين للعلماء وقول اكثرهم كما دل عليه الكتاب والسنة فقال الخليل رب هب لي من الصالحين الصافات قال


518

الله فبشرناه بغلام حليم الصافات والغلام الحليم اسماعيل واما اسحاق فقال فيه فبشرنه بغلام عليم واسحاق بشرت به سارة ايضا لما غارت من هاجر والله ذكر قصته بعد قصة الذببح فانه لما ذكر قصة الذببح قال بعدها وبشرناه باسحق نبيا من الصلحين والمقصود هنا أن الله امر الخليل بذبح ابنه بكره امتحانا له وابتلاء ليخرج من قلبه محبة ما سوى الله ليتم كونه خليلا بذلك فهذا هو الكمال

واما مجرد شهوده الحق من غير فعل ما يحبه ويرضاه فهذا ليس بايمان ينجي من عذاب الله فضلا عن ان يكون هذا غاية العارفين

ثم الذي لا يشهد السوي مطلقا ان شهده عين السوي فهذا قول الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وان كان ذلك لغيبته واعراضه عن شهود السوي فمن شهد ما سواه مخلوقا له اية له وشهد ما فيه من اياته كان اكمل ممن لم يشهد هذا وهؤلاء قد يبلغ بهم الامر الى ان يروا ان شهود الذات مجردة عين الصفات هو اعلى مقامات الشهود وهذا من جهلهم فان الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج وليس ذاك رب العالمين ولكن هم في انفسهم جردوها عن الصفات وشهدوا مجرد الذات كما يشهد الانسان تارة علم الرب وتارة قدرته فهؤلاء شهدوا مجرد ذات مجردة فهذا في غاية النقص في معرفة الله والايمان به فكيف يكون هذا غاية ومنهم من ينظر هذا شرطا في السلوك وليس كذلك بل السابقون الاولون اكمل الناس ولم يكن مثل هذا يخطر بقلوبهم ولو ذكره احد عندهم لذموه وعابوه

الفرق بين شهود الخلق وشهود الشرع

ومن جعل من الصوفية هذا الفناء غاية وقال انه يفني عن شهود فعل الرب حتى لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة فهذا غلط عند ائمة القوم واصحاب هذا الفناء


519

يسمون هذا اصطلاما ومحوا وجمعا وكان الجنيد رضي الله عنه لما راى طائفة من اصحابه وصلوا الى هذا امرهم بالفرق الثاني وهو ان يفرقوا بين المأمور والمحظور وما يحبه الله وما يسخطه حتى يحبوا ما احب ويبغضوا ما ابغض والا فاذا شهدوا خلقه لكل شيء ولم يشهدوا الا هذا الجمع استوت الاشياء كلها في شهودهم لشمول الخلق والمشيئة والقدرة لكل شيء وهذا شهود لقدره لا لشرعه ودينه فلم يبق في قلوبهم حب لما يحبه وبغض لما يبغضه وموالاة لما يواليه ومعاداة لما يعاديه وكانوا ممن انكر عليهم سبحانه بقوله أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال فيهم أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون الجاثية وقال أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون القلم

ونفس ولاية الله مخالفة لعداوته واصل الولاية والعداوة الحب والبغض فأولياء الله هم الذين يحبون ما احب ويبغضون ما ابغض واعداؤه الذين ما يحب ويحبون ما يبغض وقد قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه المجادلة وقال تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم المائدة وقال إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ال عمران

فمن لم يشهد بقلبه الا خلقه الشامل ومشيئته العامة وربوبيته الشاملة لكل شيء لم يفرق بين وليه وعدوه ولم تتميز عنده الفرائض والنوافل وغيرها وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب الى عبدي بمثل ما افترضت عليه


520

ولا يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لاعطينه ولئن استعاذني لاعذته وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه

فالناظر الى القدر لا يفرق بين مأمور ومحذور سواء كان فرضا او نفلا وهو مع هذا لا بد لنفسه ان تميل الى شيء وتنفر عن شيء فان خلو الحي عن الارادة مطلقا محال فان لم يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه احب ما تحبه نفسه وابغض ما تبغضه نفسه فيخرج عن الفرق الالهي النبوي الذي هو حقيقة قول لا اله الا الله وحقيقة دين الاسلام الى الفرق النفساني الشيطاني

ثم هؤلاء صاروا فرقا اما ابن سينا وامثاله من الملاحدة فانهم يأمرون بهذا مع سائر الحادهم من نفي الصفات وقدم الافلاك وانكار معاد الابدان وجعل النبوة تنال بالكسب كالذكاء والزهد وانما يفيض عليها فيض من العقل الفعال فيخرج من دين المسلمين واليهود والنصارى

بل الفناء المحمود عند العارفين هو تحقيق شهادة ان لا اله الا الله فلا يشهد لمخلوق شيئا من الالهية فيشهد انه لا خالق غيره ويشهد انه لا يستحق العبادة غيره ويتحقق بحقيقة قوله إياك نعبد وإياك نستعين الفاتحة وقوله فاعبده وتوكل


521

عليه هود والا فاذا شهدت انه المستحق للعبادة مع رؤيتك نفسك لم تشهد حقيقة اياك نستعين واذا شهدت حقيقة انه الفاعل لكل شيء ولم تشهد انه المستحق للعبادة دون ما سواه وان عبادته انما تكون بطاعة رسوله لم تشهد حقيقة اياك نعبد واذا تحققت بقوله اياك نعبد واياك نستعين تحققت بالفناء في التوحيد الذي بعث الله به رسله وانزل به كتبه قال الله تعالى واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا المزمل

وقال تعال فاعبده وتوكل عليه هود وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق وقال تعالى قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب الرعد

ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطريق الفاسدة اورثهم ذلك الفناء عن وجود السوي فجعلوا الموجود واحدا ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق وحقيقة الفناء عندهم ان لا يرى الا الحق وهو الرائي والمرئي والعابد والمعبود والذاكر والمذكور والناكح والمنكوح والامر الخالق هو الامر المخلوق وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم وعباد الاصنام ما عبدوا غيره وما ثم موجود مغاير له البتة عندهم وهذا منتهي سلوك هؤلاء الملحدين

فحقيقته قول فرعون لان فرعون كان في الباطن عالما بأن ما يقوله باطل وكان جاحدا مريدا للعلو والفساد ولهذا جحد وجود الصانع بالكلية واما هؤلاء فجهال ضلال يحسبون ان ما يقولونه هو حقيقة اثبات الرب وتعظيمه وهو في الحقيقة قول فرعون فان فرعون ما كان ينكر وجود هذا العالم ولا ينكر ان الموجودات تشترك في مسمى الوجود وانما كان ينكر ان لهذا الوجود خالقا مباينا له ولهذا امر ببناء ليكذب موسى بزعمه ان للعالم آلها فوقه قال تعالى وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب


522

الغافرة وقال تعالى وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين القصص

واكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون ان فرعون اكمل من موسى وان فرعون صادق في قوله انا ربكم الاعلى لان الوجود فاضل ومفضول والفاضل يستحق ان يكون رب المفضول ومنهم من يقول مات مؤمنا وان تغريقه كان ليغتسل غسل الاسلام فانهم مع قولهم بأن الوجود واحد قد يقولون اما بقول بعضهم ان الثبوت غير الوجود وان ماهيات الممكنات ثابتة وان وجود الحق قاض عليها كما يقول ذلك ابن عربي وغيره واما ان يفرق بين المطلق والمعين كما يقوله صاحبه القونوي وابن سبعين قوله قريب من هذا وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وانما ذكروا هنا لان هؤلاء هم آخر مراتب فلاسفة الصوفية الذين يقولون انهم اهل التحقيق والعرفان وكل من سواهم عندهم ناقص بالنسبة اليهم وقد رايت من هؤلاء غير واحد

وهم يرتبون الناس طبقات ادناها عندهم الفقيه ثم المتكلم ثم الفيلسوف ثم الصوفي أي صوفي الفلاسفة ثم المحقق ويجعلون ابن سينا وامثاله من الفلاسفة في الثانية وابا حامد وامثاله من الصوفية من العشرة ويجعلون المحقق هو الواحد


523

ولهذا ذكر ابن عرابي في الفتوحات له اربع عقائد الاول عقيدة ابي المعالي وامثاله مجردة عن الحجة ثم هذه العقيدة بحجتها ثم عقيدة الفلاسفة ثم عقيدة المحققين وذلك ان الفيلسوف يفرق بين الوجود والممكن والواجب وهؤلاء يقولون الوجود واحد والصوفي الذي يعظمه هؤلاء هو الصوفي الذي عظمه ابن سينا وبعده المحقق

وهؤلاء ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى بل كثير من المشركين احسن حالا منهم وهؤلاء ائمة النظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من اسباب تسلطهم وظهورهم هو بدع اهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة ومن نحا نحوهم في بعض الاصول الفاسدة فان هؤلاء اشتركوا هم واولائك الملاحدة في اصول فاسدة يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل

مقالات للفلاسفة لم يذهب اليها احد من طوائف المسلمين

ثم أراد هؤلاء المتكلمون الرد عليهم في إلحادهم الظاهر الذي يظهر فيه فخالفتهم للمسلمين مثل القول بقدم العالم وانكار علم الله بالجزئيات والقول بانكار المعاد وهذه الثلاثة هي التي يكفرهم بها ابو حامد الغزالي في تهافت الفلاسفة وطائفة يقولون ان سائر اقوالهم الباطلة هي البدع التي ذهب اليها بعض اهل الكلام كانكار الصفات وليس الامر كما قاله هؤلاء بل مقالاتهم التي لم يذهب اليها احد من طوائف المسلمين لا اهل البدعة ولااهل السنة كثيرة مثل قولهم في النبوات والملائكة وكلام الله وقولهم في الشفاعة وانكار مشيئة الله وقدرته وليس هذا من لوازم القول بقدم العالم بل في القائلين بذلك من يقول ان الله يفعل بمشيئته وقدرته كأحد القولين الذين ذكرهما ابو البركات واختاره وكذلك ما يقولونه في الملائكة انها مجرد ما يتخيل في النفوس او انها العقول وان الواحد منها ابدع كل ما سواه وان العقل الفعال هو المدبر لكل ما تحت الفلك وان الوحي على


524

الانبياء انما يجيء منه وانه منتهى معاد الانفس

فانكارهم لقدرة الله ومشيئته اعظم من انكارهم لعلمه بالجزئيات فان كثير من الناس كان لا يعرف ذلك ولكن يعلم ان الله قادر خلق الاشياء بمشيئته كما في الصحيحين عن ابن معسود قال اجتمع عند البيت ثلثة نفر قرشيان وثقفى او ثقفيان وقرشى كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم أترون الله يسمع ما نقول فقال الثاني يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الثالث إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا اخفينا فأنزل الله وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فصلت وهؤلاء يقرون بأن الله خلق السموات والارض بمشيئته وقدرته وكذلك كان بعض أحداث من المسلمين قد يجهل هذه المسئلة فيقول يا رسول الله مهما يكتم الناس يعلمه الله فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم نعم ولم يكن هؤلاء يجهلون أن الله خلق كل شئ بمشيئته وقدرته بل كان هذا من أظهر الأمور وأعرفها عند عامة المسلمين بل وعامة المشركين الذين كانوا يعبدون الاصنام وهم كفار وهم مشركون وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم اول من يتناوله ذم القرآن للمشركين ومع هذا فكانوا مقرين بأن الله خلق السموات والارض وما بينهما وخلق كل شئ بقدرته ومشيئته فكانوا احسن حالا من هؤلاء الفلاسفة في الاقرار بأن الله خالق كل شئ وربه ومليكه وانه خلق الاشياء بمشيئة وقدرته

فان هؤلاء حقيقة قولهم أنه لم يخلق شيئا ومتقدموهم كأرسطو وأتباعه على انه علة يتحرك الفلك للتشبه بها فليس هو عندهم لا موجبا بالذات ولا فاعلا بالمشيئة وأما ابن سينا وأمثاله ممن يقول إنه موجب بذاته فهم يقولون ما يعلم جماهير العقلاء


525

أنه مخالف لضرورة العقل إذ يثبتون مفعولا ممكنا يمكن وجوده ويمكن عدمه وهو مع هذا قديم أزلى لم يزل ولا يزال وهو مفعول معلول لعلة فاعلة لم يزل مقارنا لها في الزمان فكل من هذين القولين مما خالفوا فيه جماهير العقلاء من الاولين والاخرين حتى سلفهم كأرسطو ونحوه فانهم لم يقولوا بهذا ولا بهذا بل أولئك يقولون إن الفلك قديم أزلى بنفسه ليس له مبدع ولكن يتحرك للتشبه بالعلة الاولى فهو مفتقر إليها من هذه الجهة لا من جهة أنها مبدعة له وحقيقة قوله أنها شرط في وجود العالم مع وجوبه بنفسه فيجعلون الواجب بنفسه مفتقرا الى غيره وهذا مما ينكره متأخروهم كابن سينا وامثاله

وكذلك القائلون بالعلة الموجبة كابن سينا وابن رشد والسهروردى وغيرهم حقيقة قولهم أنه شرط في وجود الممكنات لا مبدع لها ولا فاعل فانهم لا يثبتون للحوادث محدثا اصلا في نفس الامر إذ الفلك عندهم ممكن له مبدع وهو متحرك باختياره كما يتحرك الانسان باختياره وله نفس فلكية كما للانسان نفس وليس عندهم فوقه شئ يحدث عنه شئ

وإن قالوا إنه معلول فقولهم في الفلك أقبح من قول القدرية في أفعال الحيوان فان القدرية يقولون إن الله خلق الحيوان بقدرته ومشيئته فجعل له قدرة تصلح للضدين فهو يحدث إرادته وأفعاله بقدرته ومشيئته وهؤلاء لا يجعلون الفلك مخلوقا في الحقيقة وإن قالوا هو معلول ولو جعلوه مخلوقا فعندهم هو متحرك حركة إختيارية نفسانية بمشيئة وقوة فيه وليس فوقه شئ يحدث هذه الحركة ولا يفعلها وإنما الفلك متحرك للتشبه بالاول لاستخراج أيونه وأوضاعه إذ هى غاية كماله

وإن قالوا إن حركته تصدر عن الاول فكلام لا حقيقة له فانهم وكل عاقل يعلم أن الشئ البسيط الذي هو على حال واحدة أزلا وأبدا لا يحدث عنه شئ فضلا عن حوادث مختلفة ويعلمون أن المتغيرات لا تصدر عن بسيط ألبتة وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع


526

والمقصود هنا التنبيه على ان الكفر الذي يوجد فيهم قولا وفعلا أعظم من كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين هم أول من بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن بكفره واستحقاقه النار

الشفاعة الشركية المنفية والشفاعة الشرعية الثابتة

ومن ذلك ان أولئك المشركين كانوا يجعلون ما يشركون به شفعاء يشفعون لهم الى الله والله يقبل شفاعتهم وهو سؤالهم ودعاؤهم بقدرته ومشيئته كما ذكر الله ذلك في مواضع من كتابه فقال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض يونس

ولهذا نفى الله شفاعة احد إلا باذنه في غير موضع من القرآن بقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه البقرة وقوله وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع الانعام وقال وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون الانعام وقال الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون 6 السجدة وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين الانبياء وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له


527

سباء وقال تعالى وكم من ملك في السموات لا تغنى شفعتهم شيئا إلا من بعد أن بأذن الله لمن يشاء ويرضى النجم

فهذه الشفاعة التي نفاها القرآن تتضمن نفى ما كان يقوله مشركوا العرب وأمثالهم من المشركين وهى من جنس شرك النصارى ونحوهم من الضلال المنتسبين إلى الاسلام حيث يعتقدون في الملائكة او الانبياء أو الشيوخ انهم شفعاء لهم عند الله كما يشفع الشفعاء الى ملوك الدنيا ويضربون لله مثلا فيقولون من أراد أن يتقرب الى ملك عظيم فلا ينبغى له ان يأتيى اليه اولا بل يتقرب الى خاصته وهم يرفعون حوائجه ويقربونه اليه قال تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ذكر سبحانه هذا بعد قوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار الزمر

وقال في هذه السورة أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون الزمر وقال فيها قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين


528

الزمر وقال فيها قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين الزمر

تفسير قوله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون الاية

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا الاسراء

روى ابن ابي حاتم وغيره بأسانيد ثابتة عن شعبة عن السدي سمع ابا صالح عن ابن عباس في قول الله أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة هو عيسى وامه وعزير والملائكة وكذلك في تفسير عطية عن ابن عباس قال كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا وعن اسرائيل عن السدي عن ابي صالح عيسى وعزير والملائكة وكذلك في تفسير أسباط عن السدي قال ذكروا انهم اتخذوا الالهة وهو حين عبدوا الملائكة والمسيح وعزيرا قال الله أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة

وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن مسعود قال كان ناس من الانس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك الاخرون بعبادتهم فنزلت أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته الى اخر الاية وكذلك


529

روى ابن ابي حاتم وغيره إن ابن شوذب عن مطر الوراق قال انزلها الله في حى من العرب كانوا يعبدون حيا من الجن وفي تفسير مقاتل إن المشركين كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هى تشفع لنا عند الله فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين قيل لهم ادعوا الذين زعمتم

والاية تتناول كل من دعى غير الله وذلك المدعو يبتغى الى الله الوسيلة اى القربى والزلفى ويرجو رحمة الله ويخاف عذابه وهذا يدخل فيه الملائكة والانبياء والصالحون الانس والجن وقد قرأ طائفة اولئك الذين تدعون فبين ان الذين يدعونهم المشركون هم يتقربون الى الله ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم وهذا كقوله أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء الكهف

حصر اقسام المدعوين من دون الله ونفى كل واحد منهم

وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له سبأ فذكر سبحانه الاقسام الممكنة فان المشرك الذي يدعو غير الله ويرجوه ويخافه إما أن يجعله مالكا أو شريكا أو ظهيرا أو شفيعا وهكذا كل من طلب منه امر من الامور إما أن يكون مالكا مستقلا به وإما أن يكون شريكا فيه وإما أن يكون عونا وظهيرا لرب الامر وإما أن يكون سائلا محضا وشافعا الى رب الامر فاذا انتفت هذه الوجوه امتنعت الاستغاثة به

ولهذا كان الناس بعضهم مع بعض من الملوك وغيرهم فيما يتسأءلونه لا يخرجون عن هذه الاقسام إما إن يكون لكل منهما ملك متميز عن الاخر فيطلب من هذا ما في ملكه ومن هذا ما في ملكه وإما أن يكون أحدهما شريكا للاخر فيطلب منه ما يطلب من الشريك وإما ان يكون أحدهما من أعوان الاخر وانصاره وظهرانه


530

كأعوان الملوك فهو محتاج اليهم فيطلب منهم ما يحتاج اليه وإذا انتفت هذه الوجوده لم يبق إلا مجرد طلب محض وسؤال من غير حاجة بالمسئول الى السائل الشافع

والمشركون بالله كل منهم في نوع من هذه الانواع منهم من اثبت فاعلا مستقلا غير الله لكن لم يثبتوه مماثلا له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في افعاله وهذا كالمجوس الذين أثبتوا قديما شريرا يستقل بفعل الشر وكذلك القائلون منهم انه خلق الشر والقدرية من جميع الامم أثبتوا غير الله يحدث أشياء ينفرد باحداثها دون الله وإن كان الله خالقا له ولهذا قال السلف القدرية مجوس هذه الامة

والقائلون بقدم العالم كلهم لا بد لهم من إثبات غير الله فاعلا اما ارسطو وأتباعه فان الفلك عندهم بحركته هو المحدث للحركات وما يتولد عنها ثم من أثبت له شريكا من العقول والنفوس جعله مستقلا باحداث شئ وذاك مستقلا باحداث شئ ومن قال منهم بالعلة المشبهة بها ومن قال بالموجب بالذات فان الطائفتين لا يثبتون في الحقيقة ان الله احدث شيئا ولا خلقه

والله سبحانه نفى ان يكون لغير ملك أو شرك في الملك او يكون له ظهير فانه سبحانه هو وحده خالق كل شئ وربه ومليكه وهذا هو مذهب اهل السنة المثبتين للقدر القائلين بأن الله خالق كل شئ بمشيئته وقدرته لكن السلف والائمة وأتباعهم يثبتون قدره العبد وفعله ويثبتون الحكمة والاسباب وجهم ومن اتبعه من اهل الكلام ينفون ذلك كله كما قد بسط في موضعه

تفسير قوله تعالى حتى إذا فزع عن قلوبهم الاية

ولم يثبت سبحانه إلا الشفاعة لكن اثبت شفاعة مفيدة ليست هي الشفاعة


531

التي يظنها المشركون فقال تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير 6 سبا وقد جاءت الاحاديث الصحيحة والاثار عن الصحابة والتابعين تخبر بما يوافق تفسيرهذه الاية من حال الملائكة مع الله كما وصفهم تعالى في الاية الاخرى فقال بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ففي الحديث الصحيح الذي رواه احمد والبخاري وغيرهما عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله اذا قضى الامر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فاذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير فيسمعها مسترقو السمع وهم هكذا ووصف سفيان بيده فأقامها منحرفة فربما ادرك الشهاب المسترق قبل ان يرمى بها الى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه فيرمى بها الى الذي يليه ثم يرمى بها الى الذي يليه الى الذي يليه ثم يلقيها الى الارض فتلقى على لسان الساحراو لسان الكاهن فيكذب عليها مائة كذبة فيقولون قد اخبر يوم كذا وكذا بكذا وكذا فوجدنا حقا للكلمة التي سمعت من السماء

وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن الزهرى عن علي بن الحسين عن عبدالله بن عباس حدثني رجل من الانصار انهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم


532

ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية قالوا كنا نقول ولد عظيم او مات عظيم قال فانه لا يرمى بها لموت احد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى امرا سبحه حمله العرش ثم سبحه اهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح اهل السماء الدنيا ثم يقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير فيقولون كذا وكذا فيخبر اهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر اهل السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيلقونه الى أوليائهم فيلقون الى اوليائهم فيرمون فما جاءوا به على وجهه فهو الحق ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون

وكذلك في الحديث الاخر المعروف من رواية نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن ابي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد الله ان يوحى بأمره تكلم بالوحي فاذا تكلم اخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من خوف الله فاذا سمع بذلك اهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون اول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما اراد فيمضي به جبريل على الملئكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ما ذا قال ربنا يا جبريل فيقول قال الحق وهو العلى الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهى جبريل بالوحى إلى حيث امره الله من السماء والارض وقد رواه ابن ابي حاتم والطبري وغيرهما

وقوله فزع عن قلوبهم أي ازال عنها الفزع وكذلك قال غير واحد من


533

السلف جلى عن قلوبهم وهذا كما يقال قرد البعير إذا ازال عنه القراد ويقال تحرج وتحوب وتأثم وتحنث إذا أزال عنه الحرج والحوب والاثم والحنث

وروى ابن أبي حاتم ثنا الحسن بن محمد الواسطي ثنا يزيد بن هارون عن شريك عن يزيد بن ابي زياد عن مقسم عن ابن عباس في قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم قال كان إذا نزل الوحي كان صوته كوقع الحديد على الصفوان قال فيصعق اهل السماء حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالت الرسل الحق وهو العلى الكبير وقال عن الحادث الدمشقي ثنا أبى عن عن جعفر بن ابي المغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قال تنزل الامر الى السماء الدنيا له وقعة كوقعة السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع اهل السموات فيقولون ما ذا قال ربكم ثم يرجعون الى انفسهم فيقولون الحق وهو العلى الكبير

ويروى من تفسير عطية عن ابن عباس حتى إذا فزع عن قلوبهم الاية قال لما اوحى الله الى محمد دعا الرسول من الملئكة ليبعثه بالوحي سمعت الملئكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله فقالوا الحق وعلموا ان الله لا يقول إلا حقا وانه منجزة قال ابن عباس وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا فلما سمعوه خروا سجدا فلما رفعوا رؤسهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير

وباسناده من تفسير قتادة رواية عبد الرزاق عن معمر عنه حتى إذا فزع عن قلوبهم قال لما كانت الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فنزل الوحى مثل صوت الحديد فأفزع الملئكة ذلك فقال الله حتى إذا فزع


534


535

الملائكة والنبيين اربابا فهو كافر مع ان المشركين إنما كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بهم الى الله زلفى فاذا كان هؤلاء الذين دعوا مخلوقا ليشفع لهم عند الله كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيسأله ويرغب اليه بلا إذنه وقد جعلهم الله مشركين كفارا مأواهم جهنم فكيف بشرك هؤلاء الفلاسفة وما يثبتونه من الشفاعة فانهم يجوزون دعاء الجواهر العلوية الشمس والقمر والكواكب وكذلك الارواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب الى اهل الملل الملائكة وهؤلاء المشركون قد تنزل عليهم أرواح تقضى بعض مطالبهم وتخبرهم ببعض الامور وهم لا يميزون بين الملائكة والجن بل قد يسمون الجميع ملائكة وارواحا ويقولون روحانية الشمس روحانية عطارد روحانية الزهرة وهى الشيطان والشيطانة التي تضل من اشرك بها كما ان لنفس الاصنام وهي التماثيل المصنوعة على اسم الوثن من الانبياء والصالحين او على اسم كوكب من الكواكب أو روح من الارواح والاصنام ايضا لها شياطين تدخل فيها وتكلم أحيانا بعض المشركين وقد تترايا احيانا فيراها بعض الناس من السدنة وغيرهم

فالمشركون من الفلاسفة القائلين بقدم العالم هم اعظم شركا وما يدعونه من الشفاعة لالهتم أعظم كفرا من مشركى العرب فانهم لا يقولون إن الشفيع يسأل الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون إن الله خالق بقدرته ومشيئته فان هؤلاء عندهم انه لا يعلم الجزئيات ولا يحدث شيئا بمشيئته وقدرته وإنما العالم فاض عنه

فيقولون إذا توجه الداعى الى من يدعوه كتوجه الى الموتى عند قبورهم وغير قفبورهم وتوجهه الى الارواح العالية فانه يفيض عليهم ما يفيض من ذلك المعظم الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه لله تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الاجسام الصقيلة كالمرآة وغيرها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل الى حائط أو ما ء وهذا قد ذكره غير


536

واحد من هؤلاء كابن سينا ومن اتبعه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره

وهؤلاء يزورون القبور الزيارة المنهى عنه بهذا القصد فان الزيارة الشرعية مقصودها مثل مقصود الصلوة على الجنازة يقصد بها السلام على الميت والدعاء له بالمغفرة والرحمة وأما الزيارة المبتدعة التي هى من جنس زيادة المشركين فمقصودهم بها طلب الحوائج من الميت أو الغائب إما ان يطلب الحاجة منه او يطلب منه ان يطلبها من الله وإما ان يقسم على الله به ثم كثير من هؤلاء يقول إن ذلك المدعو يطلب تلك الحاجة من الله او أن الله يقضيها بمشيئته واختياره للاقسام على الله بهذا المخلوق وأما أولئك الفلاسفة فيقولون بل نفس التوجه الى هذه الروح يوجب ان يفيض منها على المتوجه ما يفيض كما يفيض الشعاع من الشمس من غير ان تقصد هى قضاء حاجة احد ومن غير ان يكون الله يعلم بشئ من ذلك على اصلهم الفاسد

فتبين ان شرك هؤلاء وكفرهم اعظم من شرك مشركى العرب وكفرهم وأن اتخاذ هؤلاء الشفعاء الذين يشركون بهم من دون الله اعظم كفرا من اتخاذ اولئك

ليس توسط البشر عند الحنفاء كتوسط العلويات عند الفلاسفة

ولهذا كانت مناظرة كثير من أهل الكلام لهم مناظرة قاصرة حيث لم يعرف أولئك حقيقة ما بعث الله به رسله وانزل به كتبه وما ذمه من الشرك ثم يكشفون بنور النبوة ما عند هؤلاء من الضلال كما ناظرهم الشهر ستانى في كتاب الملل والنحل لما ذكر فصلا في المناظرة بين الحنفاء وبين الصابئة المشركين فان الحنفاء يقولون بتوسط البشر وأولئك يقولون بتوسط العلويات فأخذ يبين أن القول بتوسط البشر


537

أولى من القول بتوسط العلويات ومعلوم انه إذا اخذ التوسط على ما يعتقدونه في العلويات كان قولهم اظهر فكان رده عليهم ضعيفا لضعف العلم بحقيقة دين الاسلام

فان الحنفاء ليس فيهم من يقول باثبات البشر وسائط في الخلق والتدبير والرزق والاحياء والاماتة وسماع الدعاء وإجابة الداعي بل الرسل كلهم وأتباع الرسل متفقون على انه لا يعبد إلا الله وحده فهو الذي يسأل ويعبد وله يصلى ويسجد وهو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف الضر عن المضرورين ويغيث عباده المستغيثين ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده الفاطر وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون النحل

وليس عند الحنفاء ان احدا غير الله يستقل بفعل شئ بل غايته أن يكون سببا والاثر لا يحصل إلا به وبغيره من الاسباب وبصرف الموانع والله تعالى هو الذي يخلق بتأثير الاسباب وبدفع الموانع مع خلقه سبحانه ايضا لهذا السبب لكن المقصود انه ليس في الوجود ما يستقل باحداث شئ ولا ثم شئ يوجب كل اثر إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن

والرسل هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ رسالاته وامره ونهيه ووعده ووعيده كما قال تعالى وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين الانعام والكهف وقال إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا الاحزاب فاخبر انه ارسله شاهدا كما قال ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس الحج وقال فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا النساء وقال وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا البقرة ولما دفن النبي صلى الله عليه وسلم شهداء احد قال اما انا فشهيد


538

على هؤلاء وقوله مبشرا ونذيرا بالوعد والوعيد وداعيا الى الله باذنه بالامر والنهى

وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون الزخرف وقال ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة النحل وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون الانبياء وقد اخبر الله عن اول الرسل نوح عليه السلام ومن بعده من الرسل انهم قالوا يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره الاعراف وقال نوح ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين هود وكذلك قال لخاتم الرسل قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي الانعام

فتوسط البشر بالرساله مثل توسط الملك بالرسالة كما قال تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس الحج وقال تعالى إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين التكوير فهذا جبريل ثم قال وما صاحبكم بمجنون التكوير وقوله وما صاحبكم كقوله في الاية الاخرى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى النجم


539

استطراد

الحكمة في إرسال الرسول البشري الى البشر دون الملكى

فقوله صاحبكم تنبيه على نعمته على البشر واحسانه اليهم إذ بعث اليهم من يصحبهم ويصحبونه بشرا مثلهم فانهم لا يطيقون الاخذ عن الملك كما قال تعالى وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون الانعام

وروى ابن ابي حاتم عن ابي زرعة عن منجاب بن الحرث عن بشر بن عمارة عن ابي روق عن الضحاك عن ابن عباس ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر لأهلكناهم ثم لا ينظرون لا يؤخرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا يقول لو اتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لانهم لا يستطيعون النظر الى الملئكة وكذلك قال غيره من المفسرين وللبسنا عليهم قالوا لخلطنا ولشبهنا عليهم ما يخلطون ويشبهون على انفسهم حتى يشكوا فلا يدروا املك هو او ادمى

فبين سبحانه انه لو أنزل ملكا لم يمكنهم ان يروه إلا في صورة بشر كما كان جبريل يأتى النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه الناس في صورة دحية الكلبى او في صورة اعرابي لما اتاه وسأله عن الاسلام والايمان والاحسان وكذلك لما اتوا إبراهيم ولوطا ورأتهم سارة وقم لوط لم يأتوا إلا في صورة رجال وكذلك لما اتى جبريل مريم علهيا السلام لينفخ فيها اتاها في صورة رجل قال تعالى فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا مريم وإذا كانوا لا يستطيعون ان يروا الملك إلا في صورة رجل فلو جاءهم لقالوا هذا بشر ليس بملك واشتبه الامر واختلط والتبس الامر عليهم فلم تكن هذه شبهة تنقطع بانزال ملك


540

وهذا كما قال في السورة الاخرى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا الى قوله وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا الاسراء

وايضا في قوله صاحبكم بيان انه عربي بعث بلسانهم كما قال وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ابراهيم وقد قال تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم التوبة

قيل المراد من انفس العرب فالخطاب لهم

وقيل من انفس بني ادم فهو بشر لا ملك ولا جني لان الخطاب لجميع الخلق الذين ارسل اليهم لا سيما وهذه في سورة براءة وهي من اخر القران نزولا وقيل ان هذه الاية اخر ما نزل وقد نزلت بعد دعوة الروم والفرس والقبط وهو بالمؤمنين من هؤلاء كلهم رؤف رحيم ولا ريب انه صلى الله عليه وسلم من الانس ومن العرب افضل الانس ومن قريش افضل العرب ومن بني هاشم افضل قريش والانفس يراد بهم جنس الانسان كما قال تعالى لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا النور فقوله صاحبكم مثل قوله من انفسكم ومثل قوله أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس يونس

وقوله سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا الاسراء لم يقصد بهذا اللفظ تفضيل الملك عليه كما توهمه بعض الناس كما ان قوله ان اوحينا الى رجل


541

منهم وقوله سبحان ربي هل كنت الا بشرا رسولا لم يقصد به ان غيره افضل منه

استطراد آخر

كون الرسول مبلغا للقرآن عن الله لا محدثا له

وقال سبحانه وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم التكوير فالرسول هنا هو الرسول الملكي جبريل وقال في السورة الاخرى إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين الحاقة فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم

واضافه الى هذا الرسول تارة والى هذا تارة لان كلا من الرسولين بلغه واداه ولفظ الرسول يتضمن مرسلا ارسله فكان في اللفظ ما يبين ان الرسول مبلغ له عن غيره لا ان الرسول احدث شيئا منه كما توهمه بعض الناس وظن ان اضافته الى رسول يقتضى انه هو الذي احدث القران العربي فانه قد اضافه الى هذا تارة والى هذا تارة فلو كان المراد الاحداث لتناقض الخبران

ولانه اضافه اليه باسم رسول لم يقل انه لقول ملك ولا قول بشر بل قد كفر من قال انه قول البشر في قوله ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الى قوله إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر المدثر والكلام


542

الذي توعد بسقر من قال انه قول البشر هو الكلام الذي اضافه الى رسول من البشر تارة والى رسول من الملئكة تارة لان المراد هناك انه بلغه والذي كفره قال انه انشأه وانه كلام نفسه سواء كان المراد المعنى او اللفظ او كلاهما فان الذي لعنه الله هو الذي قال ان هذا الا قول البشر

فمن قال ان هذا القران قول البشر فهو من جنس قوله من بعض الوجوه ولهذا قال تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه التوبة فأخبر ان ما يسمعه المستجير هو كلام الله والمستجير يسمعه بصوت القارىء والصوت صوت القارى والكلام كلام الباري كما قال النبي صلى الله عليه وسلم زينوا القران بأصواتكم وقال لله اشد اذنا الى الرجل الحسن الصوت بالقران من صاحب القينة الى قينته

وكذلك ذكر في غير موضع ان الصوت المسموع من العبد هو صوت العبد كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض الحجرات وقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى الحجرات وقال لقمن لابنه واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير لقمان

وفي سنن ابي داود عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الموسم الا رجل يحملني الى قومه لابلغ كلام ربي فان قريشا قد منعوني ان ابلغ كلام ربي


543

عود الى اصل الموضوع

فرسل الله وسائط في تبليغ رسالاته كما قال تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك المائدة وقال تعالى إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم الجن وقال تعالى عن نوح ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي الاعراف وكذلك قال هود الاعراف

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال بلغوا عني ولو اية وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار وفي السنن عن زيد بن ثابت وابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال نضر الله امرا سمع منا حديثا فبلغه الى من يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه الى من هو افقه منه وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في حجة الوداع ليبلغ الشاهد الغائب فرب من مبلغ اوعى من سامع

والمقصود هنا ان الحنفاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له وهم مسلمون وجميع الانبياء واممهم كانوا مسلمين مؤمنين ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل


544

منه ال عمران لان الدين عند الله الاسلام ال عمران في كل زمان ومكان وقد اخبر الله عن نوح وابراهيم واسرائيل وغيرهم الى الحواريين انهم كانوا مسلمين ونوح اول رسول بعث الى اهل الارض كما ثبت ذلك في الحديث المتفق على صحته حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم

فمن جعل ما يثبته الحنفاء من توسط البشر او توسط الملئكة من جنس ما يثبته المشركون واخذ يفاضل بين البشر والملئكة لم يكن عارفا بدين الاسلام

بل قول الحنفاء هو ما قاله الله تعالى في كتابه حيث قال ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ال عمران فمن اتخذ هؤلاء او هؤلاء اربابا كما يقول من يجعلهم وسائط في العبادة والدعاء ونحو ذلك فهو كافر

وصاحب الكتب المضنون بها قد جعل الملئكة والنبيين وسائط وجعل هذه شفاعتهم موافقة للفلاسفة كما تقدم من ان هذا القول شر من قول مشركي العرب

وجاء بعده صاحب كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم فذكر فيه الشرك الصريح من عبادة الكواكب والجن والشياطين ودعواتها وبخورها وخواتيمها واصنامها التي تجعل لها على مذهب المشركين الكلدانيين والكشدانيين الذين بعث اليهم ابراهيم الخليل وبنى على ذلك القول بقدم العالم وان لا سبب


545

لحدوث الحوادث الا مجرد حركة الفلك كما يقوله هؤلاء القائلون بقدم العالم الذين هم شر من مشركي العرب

وكذلك ذكر في تفسير حديث المعراج ما هو مبني على اصول هؤلاء الذين هم اكفر الكفار كقوله ان الانبياء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم هم الكواكب فآدم القمر ويوسف الزهرة ونحو هذا الهذيان وان المعراج انما هو رؤية قلبه الوجود كما يذكر ابن عربي وغيره مثل هذا المعراج ويثبتون لانفسهم اسراء ومعراجا

وهذه خيالات تلقيها الشياطين مناسبة لما يعتقدونه من الالحاد على عادة الشياطين في إضلال بني آدم فانما يضلونهم بما يقبلونه منهم وما يوافق اهواءهم

والحمد لله رب العالمين