الفهرست

1
الرمز فى قصه ابراهيم

تاليف: احمد العبيدى الاهدا

كلمه المركز

مركز الغدير للدراسات الاسلاميه

توطئه

تداعيات و مقدمات

بدايه الرحله..

المرتبه الاولى.. مرتبه البناء

المرتبه الثانيه.. مرتبه التطهير

ثمره التطهير...

المرتبه العليا الثالثه.. مرتبه الكمال

التمحيص فى حقيقه مرتبه الكمال

خصائص الذبح الابراهيمى

بلوغ الكمال..

معالم التسليم

قطف الثمار

آثار قطف الثمار

الاتمام ونيل العهد فى ذريه ابراهيم

فى من تمت الكلمات؟

الرمزيه فى اسماعيل «الرمز فى قصه ابراهيم‏» احمد العبيدى بحث يستكشف الاشارات الرمزيه فى القصص القرآنى

الفهرست
الاهدا2
كلمه المركز3
مركز الغدير للدراسات الاسلاميه6
تداعيات و مقدمات8
بدايه الرحله..9
المرتبه الاولى.. مرتبه البناء10
المرتبه الثانيه.. مرتبه التطهير11
ثمره التطهير...12
المرتبه العليا الثالثه.. مرتبه الكمال13
التمحيص فى حقيقه مرتبه الكمال14
خصائص الذبح الابراهيمى16
بلوغ الكمال..17
معالم التسليم18
قطف الثمار19
آثار قطف الثمار20
الاتمام ونيل العهد فى ذريه ابراهيم21
فى من تمت الكلمات؟22
الرمزيه فى اسماعيل23
الهامش 27


2
الاهدا

الى بقيه اللّه

وبقيه اسماعيل الذبيح

الى ذخر اللّه الذى ما زال ينتظر المجى‏ء

الى القادم من صلب ذبيح الى صلب ذبيح

اليك، يا سيدى . .

يا وعد

يا صدق

يا ايها العزيز . .

جئت ببضاعه مزجاه،

فاوف لى الكيل،

وتصدق على


3
كلمه المركز

لا نضيف جديدا اذا نحن قلنا ان الامامه تعد امتدادا صريحا وطبيعيا لفكره النبوه نفسها، وهو امتداد اعط‏ى لهذه القضيه‏الساخنه دوما اهميه استثنائيه ترقى فى قوتها وتماسك جذورها الى مساله النبوه ذاتها، مع فارق واحد بينهما هو ان‏النبى من يوحى اليه من اللّه وحيا مباشرا والامام من لم يحظ بهذا النوع من الوحى والعلاقه.

وليس فيما نقوله هنا عن الامام ودوره اى اغراق فى القول او مبالغه فى التعبير، فلقد اقترنت الامامه بالنبوه فى جميع‏ادوار الرسالات واغترفت من ذات المعين الذى صدرت عنه النبوه ذاتها، حتى ليمكن القول ان القضيتين وجهان لاينفصل احدهما عن الاخر ولا يمكن التعرف على احدهما دون الاخر ولا يتقوم احدهما الا بالاخر ووجوده.

فحين نستعيد تاريخ الرساله الاسلاميه لنتعرف على موقع الامامه من الرساله وصاحبها نجد ان من العسير علينا حقاالوصول الى فهم كامل ومحيط بهذه الرساله ان نحن حاولناالفصل بين هذين الوجهين المكملين لبعضهما. فالامامه نمت وترعرعت فى احضان النبوه وعلى عينها رمزا وفكراوممارسه.

رمزا فى كفاله النبى للامام قبل النبوه اذ ضمه وهو طفل الى عياله وقام بنفسه على تربيته وتنشئته تنشئه تعبر اصدق‏تعبير عن هذا الاقتران الذى لا انفكاك فيه بين هذين الاصلين، فلقد استوهبه رسول اللّه من ابيه واستخلصه لنفسه‏وصنعه على عينه او كان كما قال(ع): (ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى فى كل يوم من اخلاقه علماويامرنى بالاقتداء به.

ولقد كان يجاور فى كل سنه بحراء فاراه ولا يراه غيرى... ارى نور الوحى والرساله. واشم ريح‏النبوه ولقد سمعت رنه الشيطان حين نزل الوحى عليه(ص) فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنه؟

فقال: هذا الشيطان قد ايس‏من عبادته. انك تسمع ما اسمع وترى ما ارى الا انك لست بنبى ولكنك لوزير وانك لعلى خير).

نعم (ولكنك لوزير) هذا العباره هى التى تفسر لنا هذا الاهتمام الاستثنائى والعنايه غير العاديه من جانب رسول اللّه(ص)بصبى يصغره ثلاثين عاما، فيمضغ الشى‏ء ويلقمه اياه ويشمه عرفه ويكنفه فراشه ويرفع له كل يوم من اخلاقه علم.

(ولكنك لوزير) قالها(ص) مرارا وربى عليها عليا منذ كفله ودعا الاخرين اليها فى مالا يحصى من الموارد والمواطن فلم‏يقتصر قولها على التلميح بها او الرمز اليها من خلال الكفاله والتنشئه فحسب بل صدع بها الرسول الامين كرارا منذامره ربه باعلان الدعوه وابلاغها. ولعل اول موطن رفع بها رسول اللّه صوته كان يوم الدار (او الانذار) حيث صدع نبى‏اللّه يومها بالرساله والامامه معا، وطلب من عشيرته الاقربين الايمان به والتصديق بنبوته وضمن لمن يوازره‏وينصره الخلافه من بعده، فاحجم القوم عنها جميعا الا عليا الذى نالها(ع) دون عمومته واشراف قومه، فكان ان قال‏له(ص) انت اخى ووصى وخليفتى من بعدى.

وكان قمه التعبير عن حاجه النبوه الى الامامه والارتباط بينهما ما حصل يوم الغدير حين وقف(ص) يعلن الجموع‏المحتشده امتداد الرساله من بعده فى شخص على(ع) وتعيينه من قبل اللّه اماما للامه وهاديا وولي.

كما ان آخر بلاغ صدر منه(ص) عن هذا الاقتران كان فى اواخر ايام حياته الشريفه، او ما صار يعرف فى التاريخ بعدذلك برزيه يوم الخميس، حين طلب من القوم ان يحضروا له دواه وكتفا فيكتب لهم مالو التزموا به وعملوا على وفقه لم‏يضلوا بعده ابدا، غير ان القوم عرفوا ما يريد، وادركوا ما يقصد فحالوا بينه وبين الكتاب وقالوا: حسبنا كتاب اللّه!! وما بين يوم الانذار وبين يوم الخميس - وهو كل عمر الرساله الا قليلا - ايام ملاى بحوادث جسام وامور كبرى عظام‏تعرضت فيها الرساله لاخطر الاحداث واشد الصعاب، تجاوزتها كلها وخرجت منها شامخه الراس قويه البنيان‏راسخه الجذور كان لم يفتا يشير فيها(ص) ويوكد، ويلمح ويصرح، بالقول تاره والفعل اخرى على الامامه مفهوماومصداقا، حتى ليدخل فى روع السامع ويقر فى عقله ان الامامه صنو النبوه وان لا نبوه تودى رسالتها والغرض منهادون ان تمتد بعد رحيل النبى من خلال الامامه، ودون ان تجسد قيمها فى شخص يلى رسول اللّه بعد غيابه.

وهكذا كان.. فما كاد رسول اللّه(ص) يرتحل الى الرفيق الاعلى حتى بدا - من سلوك القوم ومواقفهم يومذاك - وكان النبوه‏لم تستوف اغراضها ولم تترك اثرها فى نفوس الناس يومذاك وعقولهم وكان لابد ان يقوم مقام النبى شخص يكمل مابداه(ص) وينجز مالم يتمه ((1))بل انك لتلمس هذه الحاجه‏وتحس بها اعمق احساس حين تلقى نظره على حال الامه يوم توفى رسول اللّه. فلقد هرع الناس يتناقشون امر هذه‏الخلافه ويتنازعون بينهم ايهم اولى بها من سواه ومن منهم احق بها من غيره، وتركوا رسول اللّه مسجى بين يدى اهله‏يتكفلون وحدهم جهازه: غسله وتكفينه ودفنه. ولو شئت تفسيرا لهذا الموقف من قضيه الخلافه لما وجدت - لو احسنت‏الظن - اقل من شعور القوم بالفراغ بعد رحيل نبيهم ووجوب سد هذا الفراغ دون تاخير. والخشيه من شغور هذاالمنصب.


4

ان كلمات وتعابير من قبيل: الامامه، البيعه، الخلافه، تولى الامر، لتشير الى ما امتازت به الرساله الاسلاميه من‏خصوصيه تميزها عن كثير مما تقدمها من الاديان والنبوات. وهذه الخصوصيه هى صفه الشموليه للاسلام وقيمومه‏هذا الدين على الحياه. فالاسلام ليس مجرد عقيده ترضى تساولات الانسان الحائره او تصيغ له تصوره عن اللّه،الكون، الانسان.

وتضم الى جانبها وصايا وتعليمات اخلاقيه تنظم سلوكه الفردى فحسب. بل الاسلام عقيده واخلاق‏مثلما هو نظام وشريعه تحتاج الى من ينفذها ويحكم نصوصها فى حياه الناس.

وهذه الشموليه تستدعى ان يكون لهاما يعبر عنها فى اصول الاسلام واركانه، فتكيف فى اصل عقائدى يحفظ هذه الشموليه ويضمن امتدادها، ويومن‏للشريعه ان تسير جنبا الى جنب العقيده والاخلاق فلا تنفصل عنهما، بل ان التطبيق‏الامين لنصوص الشريعه هو الذى يضمن سلامه العقيده وبقاء القيم الاخلاقيه نقيه صافيه لا يعبث بها المنحرفون ولايزيفها الطارئون على دين اللّه ورساله السماء.

فهل يا ترى تنبه القوم لامر غفل عنه رسول اللّه - حاشاه - حين اندفعوا ونبيهم لما يدرج فى اكفانه بعد يناقشون بينهم‏امر الخلافه؟

وهل اراد نبى اللّه للقوم حقا ان يقرروا امر رئاستهم كيف شاءو؟

فيبدوا صدر تاريخهم بعده بهذه البيعه‏الفلته ((2))وينهوه بالملك العضوض وتداول السفهاء رئاسه الامه ولعبهم بمقدراته؟

ان ما وقع بعد وفاه رسول اللّه(ص) من مفارقات واحداث لاتتفق مع قيم الرساله وتعاليمها وما تلا ذلك من انحراف كامل‏عن الاسلام ومبادئه حتى لم يبق من هذا الدين الا اسمه ليشير بوضوح الى ما قررناه من ان هناك اصلا فى الاسلام‏يحفظ اللّه به صفه القيمومه لهذا الدين ويناى به عن الانكماش وتحريف المحرفين، فاللّه تعالى احرص على دينه من ان‏يجعله عرضه لتحريف العابثين وانتهاك المارقين بعد سنوات قصار من رحيل نبيه، وهو سبحانه احرص على هذاالدين من ان يسمح‏بانتكاس تجربته بعد انقطاع الوحى وغياب انفاس الرساله، وليس هذا الاصل المهم من اصول الدين سوى اصل‏الامامه الذى تحفظ به خاتميه هذا الدين وقيمومته على الحياه.

ان اصلا له هذه الاهميه فى تثبيت دعائم الدين وترسيخ اركانه بل وحفظ صورته على مر العصور وكر الازمان لايمكن ان يهمل الحديث عنه فى كتاب اللّه فلا يرد له ذكر ولا تسنح له اشاره.

كيف والغرض الذى انزل القرآن وبعث‏الانبياء والرسل من اجله لا يمكن تحققه بعيدا عن اصل الامامه وما تقتضيه من صفات وشرائط فى الامام.

من هنا كانت محاوله الاستاذ العبيدى فى استكشاف هذا الاصل من خلال القرآن الكريم وتسليط الضوء على ما يحتف‏آياته البينات من ايحاءات ويكتنف اجواءها من رموز.

فالكاتب لم يكتف هنا بالطريقه المالوفه فى الاستدلال على اصل‏الامامه من خلال معالجه الايات التى تشير بصراحه ووضوح الى هذا الاصل فحسب. بل انه تعدى ذلك الى استنطاق‏عدد كبير من الايات القرآنيه والاستئناس بدلالاتها المباشره وغير المباشره لتقرير هذا الاصل والتطبيق على مفرداته‏ومصاديقه. وقد اعتمد الكاتب لتحقيق هدفه المذكور على قراءه القرآن قراءه واعيه ومتدبره تاخذ بنظر الاعتبار ان‏القرآن كل واحد تترابط اجزاوه وتتكامل آياته وسوره. كما تاخذ فى الحسبان بركه المعنى القرآنى ووفور عطائه مماقد لا يكون واضحا لدى الكثير ممن يقفون عند المفرده فلا يتعدونها الى غيرها ويتمسكون باللفظه لا يغادرونها الى ماسواها، فالقرآن كما قال امير المومنين: ظاهره انيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضى غرائبه ولا تكشف‏الظلمات الا به((3)).

والقراءه المتدبره هى التى تغوص الى هذا الباطن وتحتاز تلك العجائب وتقف على هاتيك الغرائب.

ومن هذا الفهم للسياق القرآنى ينطلق الكاتب لتقرير قضيه الامامه مفهوما ومصداقا، فيجعل من قصه ابراهيم(ع)ورحلته على درب الكمال والامامه منطلقا لهذه القضيه ويجد فى تفاصيل هذه القصه وثناياها ما يشير الى مستقبل‏الرساله الالهيه، فابراهيم واسماعيل(عليهماالسلام) هما محمد وعلى صلوات اللّه عليهما فى دوريهما وما يقومان به فى سبيل‏الرساله وما يجرى عليهما من احداث ووقائع. ويحتل مفهوم (الذبح) و(الذبيح) جانبا مهما من قصته الرمز والتماهى‏بين هذه الشخصيات العظيمه ويشكل - فى نظر الكاتب - ركنا اساسيا فى حيثيات الامامه وشرائطها: فعلى(ع) هواسماعيل(ع): فى تعريضه للذبح، وتكرار قصه الفداء والتضحيه به، فى تطهير البيت والدعوه الى التوحيد، وفى كونه‏بذره الامامه ومحورا لاكمال الدين واتمام النعمه. على هو اسماعيل هو دعوه ابراهيم المجابه فيه وفى ابنائه‏المعصومين من بعده.


5

ان (الرمز فى قصه ابراهيم) هو فى تقديرنا مسعى جدير بالاهتمام. وجهد حقيق بالتامل..وقراءه واعيه للقرآن الكريم،نتمنى ان تستمر وتوتى آكلها كل حين.

ختاما ندعو القارى‏ء الكريم، الى معايشه هذا الجهد ومواكبه افكاره وجدانيا حيث القرآن الكريم رحله للعقل والروح‏والوجدان.


6
مركز الغدير للدراسات الاسلاميه

توطئه

تحتل الامامه موقع المركزيه بالنسبه الى الرساله، فهى المدار لها، وعلى التبليغ بها تتوقف ثمره التبليغ بماعداها، كما صرحت بذلك الايه الكريمه: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته....)((4))،فالامامه غايه الرساله ومنتهى مسيرتها، والرساله متقومه بالامامه، متكئه عليها، .. ولقد تحدث القرآن عن‏حقيقه الامامه وملاكاتها فى آيات متعدده - سياتى كلام فى بعض ذلك اثناء البحث -، ولكن، السوال‏المفروض هنا: اذا كان القرآن كتاب الرساله المحمديه، وكانت الامامه لازمه الرساله وشرطها، فهل تكفى -والحاله هذه - الاشاره الى الامامه كحدث تاريخى اتسمت به بعض الرسالات التى سبقت الاسلام مع اشارات‏لبعض حيثياتها، ام ان القرآن قد احتوى - فوق ذلك على ذكر لها فى رساله الاسلام او تكريس لابعادهاوامتداداتها ومصاديقها ولو على نحو الاشاره والرمز؟

ولان سوالنا جاء عن القرآن، كان المفروض استنطاق القرآن نفسه، ولاستنطاق القرآن حول هذه القضيه‏للبحث لها عن جواب - الى جانب غيرها من القضايا - لابد ان نتكى‏ء اولا على جمله منطلقات هى بمثابه‏مفاتيح للبحث: الاول: ان ننظر الى القرآن نظره شموليه، اى ان نلحظه بما هو حقيقه واحده متكثره فى آيات والفاظ (ولو كان‏من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ((5))فالقراءه التجزيئيه لايات القرآن والفاظه تبعد الفهم عن روح‏القرآن وحقيقته، وبذلك تفقد هكذا قراءه صلاحيتها على الاستنطاق التام.

الثانى: التزام ان لا يخرج الاستنطاق عن دائره عدل الكتاب وهم اهل البيت(عليهم‏السلام) وهو ما الزمنا به حديث الثقلين‏المتواتر عند الفريقين: (انى قد تركت فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى، واحدهما اكبر من‏الاخر، كتاب اللّه جبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل بيتى، الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على‏الحوض)((6))، وعدم الافتراق هذا، او التلازم بين الثقلين يثبت حقيقه ان فهم القرآن لا يمكن ان ينطلق من غيرهم‏او يعود الى سواهم، بمعنى ان الفهم الحق لا يمكن تحصيله الا منهم اولا، وهو ما صرحت به آيات من الكتاب‏العزيز كقوله تعالى: (لايمسه الا المطهرون)((7))، ومن المطهرون غيرهم؟

، وثانيا فان آيات الكتاب‏بمجموعها او بجمعها لا تعدل عنهم معنى ودلاله ومقصدا فاننا حيثما قرانا من الكتاب وجدناهم، وهذا واضح‏فى عبارات احاديثهم عليهم السلام التفسيريه، اذ نجدهم يرجعون اغلب الايات اليهم معنى، حتى قديستغرب المطالع - بدء - لمثل تلك العبارات لبعد بعضها عن الظاهر الجزئى.. الا ان ذلك بالامكان ان يصبح‏جليا بينا فيما لو كانت القراءه بتدبر، كما سنرى بعض مصاديق ذلك خلال هذا البحث.

الثالث: ان القرآن لا يزال حيا غضا وكذلك سيبقى، لا يبليه الزمن، لا تنقضى عجائبه ولا تنفذ اسراره، وسرذلك كونه تبيانا لكل شى‏ء وكونه كذلك موردا دائما للتفكر والتدبر، اذ يدعوا الحق سبحانه خلقه على الدوام‏للتفكر فيه وتدبره، ولو نفذت اسراره وكشف عن جميع مغازيه لبطلت بذلك دعوه التفكر والتدبر فيه.

وبذلك جاء القرآن عميقا فى معانيه ومغازيه، فمن معانيه ما اشير اليها بوضوح وتصريح، ولكن منها ما اخفى‏فيه بنحو التلميح والترميز، وهو مقتضى عمقه وشموله وكونه تبيانا لكل شى‏ء.

فهل لاهل البيت(عليهم‏السلام) وامامتهم حظ من ذلك فى الكتاب العزيز وهم والكتاب لا يفترقان؟

نعم.. اما هم فالكتاب ملى‏ء بهم وبفضائلهم وطهارتهم، واما امامتهم فهذا البحث وبحوث لاحقه - ان شاء اللّهتعالى - مساهمه للكشف عن ذلك، ولقد وجدنا فى بعض مفاصل قصه ابراهيم النبى وابنه اسماعيل(عليهماالسلام) اشارات‏مهمه تترابط مع غيرها من آيات الكتاب لتكون فى المجموع نسيجا فسيفسائيا تكتمل صورته شيئا فشيئا ثم‏ليتضح الرمز حتى كانه تصريح، وتاتى الاجابه على الابهام تداعيا طبيعيا لا يحتمل تكلفا او تخرص.

ومع ذلك فانى اوكد عدم ادعاء التفسير، فللتفسير اهله، الا انها - على ايه حال - محاوله لامتثال دعوه القراءه‏بتدبر ستاتى بعدها محاولات اخرى - ان شاء اللّه تعالى - بذات السياق والنسق، قد تشكل بمجموعها - اذااكتملت - مساهمه متواضعه فى الوقوف على تناغم الوحده فى آيات الكتاب العزيز من جهه، والسعى‏لاستجلاء العمق القرآنى من جهه اخرى، .. هذا فضلا عما تتمخض عنه تلك البحوث من نتائج جوهريه‏وعرضيه آمل ان تكون جديره بالملاحظه مع ما تفتحه الى جانب ذلك من باب واسع يوسس لمنهجه فى‏القراءه المتدبره التى هى فى حد ذاتها امر فى غايه الاهميه للتعامل مع كلام اللّه الذى خصنا به.


7

تجدر الاشاره هنا الى ان البحث وان كان صغيرا فى حجمه الا انه كتب بعباره مضغوطه مختصره قدتستوجب مزيدا من التامل والتانى فى مطالعتها، ولعل ذلك نابع من ذات الرمزيه التى يبحث عنها ومن عمق‏ما يحاول قراءته واستشفافه.

اخيرا اقدم وافر شكرى وتقدرى للاخوه العلماء والفضلاء والباحثين الذى جادوا بوقتهم فطالعوا البحث‏وقيموه وقوموه فكان ذلك قره عين لى..

والحمد للّه رب العالمين وصل اللهم على محمد وآله، واعل على بناء البانين بناءه واتمم له نوره..

احمد العبيدى صيف عام (عليهماالسلام)199 م الموافق لشهر ربيع الثانى / 1419 ه بسم‏اللّهالرحمن‏الرحيم ( وان من شيعته لابراهيم × اذ جاء ربه بقلب سليم × اذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون × اافكا آلهه غير اللّه تريدون × فما ظنكم‏برب العالمين × فنظر نضره فى النجوم × فقال انى سقيم × فتولوا عنه مدبرين × فراغ الى آلهتهم فقال الا تاكلون × مالكم لاتنطقون × فراغ عليهم ضربا باليمين × فاقبلوا اليه يزفون × قال اتعبدون ما تنحتون × واللّه خلقكم وما تعملون × قالوا ابنواعليه بنيانا فالقوه فى الجحيم × فارادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين × وقال انى ذاهب الى ربى سيهدين × رب هب لى من‏الصالحين × فبشرناه بغلام حليم × فلما بلغ معه السعى قال يابنى انى ارى فى المنام انى اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت‏افعل ما تومر ستجدنى ان شاء اللّه من الصابرين × فلما اسلما وتله للجبين × وناديناه ان يا ابراهيم × قد صدقت الرويا اناكذلك نجزى المحسنين × ان هذا لهو البلاء المبين × وفديناه بذبح عظيم × وتركنا عليه فى الاخرين × سلام على ابراهيم ×كذلك نجزى المحسنين × انه من عبادنا المومنين × ) ((8))


8
تداعيات ومقدمات

ما زال ابراهيم الخليل يحاور قومه ويناورهم مذ كان فيهم فتى غضا، وها قد شارف عقده العاشر على الانتهاء،ومسه الكبر، وهو مذ لبث فيهم يدعوهم الى التوحيد ويسفه طريقتهم وافكهم، اذ غير اللّه آلهه يريدون،فالمناظره قائمه معهم على اشد ما تكون، لكن آيات الخليل تبقى ليس لها الى القلوب الموصده طريق،فالطغيان كان قد القى على القلوب اقفالها، وابراهيم فيهم يرى صدهم ويسمع كفرهم باللّه وآياته ويشهدشركهم وهو مع ذلك دائب فى التبليغ، لا يوقفه صدهم، ولا يثنيه كفرهم، ولا يحرفه شركهم، غير انه يعز عليه‏عنتهم وقد يئس رشادهم، فيضيق صدره ان المحيط يضج بهم وبكفرهم، ويشوشون وما يعبدون صفاء السبيل‏عليه، فانى له، وهو لا غايه له الا اللّه خالقه، وحال الخليل الطهر والصفاء، وهولاء لا يروقهم طهر ولا صفاء،فيعتل حال‏الخليل، وينتابه شعور انه سقيم، (وقال انى سقيم)((9))، سقيم باعراضهم وبصدهم، سقيم بهم ولا بد له البرء منهم‏ومن اصنامهم، فراغ الى الاصنام اولا يجذذها((10)) ليفضح اسطوراتها ويكشف لعبادها فقرها، عل الحجه تتم عليهم‏فيرعووا، لكنهم قد اشرب الشرك فى قلوبهم، واوغل الغى فى ضمائرهم.. فاقبلوا اليه يريدون به كيدا، ينتقمون‏منه لشركائهم.. لن يبرا منهم مالم يعتزلهم وما يعبدون من دون اللّه، فهو خليل اللّه، وهم يشركون به غيره..،فنجى اللّه خليله وجعلهم المكيدون..

وكان ذلك آخر المطاف معهم، فلا امل فيهم.. وفى ذلك المطاف، كان ابراهيم مع كل موقع يرتقى عالما فى‏سلم الصعود، فاتخذه اللّه فى البدء عبدا، ثم نبيا ثم مرسلا، ثم فى آخر المطاف اتخذ اللّه ابراهيم خليلا((11)).. ومقام‏الخله مقام رفيع، ومقام الخله قره عين الخليل.. فهل بعد ذلك المقام مقام؟

، وهل غير ذلك المطاف مطاف،وقد ناهز العمر المائه الا عاما((21))، وهو سقيم بهولاء وما يعبدون؟

لكن من ذاق اللذه يطمع بالمزيد، وهو طمع محمود، طمع اختص به الصديقون والمقربون، وطمع الخليل فى‏الوصول يوصله ويقرب له البعيد يملا له ثغرات الياس المحيطه بالطريق، يبرئه من سقمه، فنواها الخليل‏معتزلا قومه وما يعبدون من دون اللّه متوجها الى الحبيب حاجا اليه، والحج فى نفسه مقام لا يبلغه الا من‏استطاع، وكان الخليل قد استطاع..

وحج ابراهيم كشف وصعود، ففيه وصل الخليل، وفيه رويه الملكوت، وفيه‏يهدى ليكون للناس اماما، وهو ما ترنو اليه عين الخليل حيث هو خليل، وفى الوصل لذه الخليل، فاعلنها اولاعلى الظالمين كاخر ما يسمعون منه، ليعلمهم بالرحيل: (وقال انى ذاهب الى ربى سيهدين)..


9
بدايه الرحله..

من وادى الشام - الذى كان يقطن فيه - يعلن الخليل عن انه ذاهب الى ربه ليشفيه ويهديه، وراح بدء يحددالسبيل، ومن اليه السبيل، فيوجه وجهه اليه اذ يقول: (انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما انامن المشركين)((13))، وتوجه ثم يحضر لوزام الرحيل، والمعين من الزم لوازم الرحيل، لابد له من معين يكون له فى‏معيته تمام شفائه وتمام الرحيل، لابد له من معين يكون كنفسه او عينها.. يحجان معا، ويبرآن معا، ويهديان‏معا.. فانى يكون له المعين، وقومه ليس فيهم الا مشرك .. وانى له المعين، وامراته عاقر، وقد مسه الكبر وبلغ‏التاسعه والتسعين، وايس الوليد.. لكن اللّه على كل شى‏ء قدير..، فيشرع الخليل بخطوته الاولى: (واعتزلكم وماتعبدون من‏دون اللّه وادعو ربى عسى ان لا اكون بدعاء ربى شقيا)((14)).. ويطلب المعين ممن هو على كل شى‏ء قدير: (رب هب لى من‏الصالحين)، فبشرته الملائكه عن اللّه (بغلام حليم) اجابه للدعاء، وابراهيم لم يرزق من زوجتيه الولد قبل‏ذاك، فادهش للبشرى، ولم يكن من شان‏الخليل ان يخفى دهشته، فقال مسفرا لمن بشره من الملائكه:(ابشرتمونى على ان مسنى الكبر فبم تبشرون)((15))، وما ان ولد اسماعيل بكر الخليل حتى شرعا حجهما، وما لبث‏الوليد حتى بدا البلاء، وحج ابراهيم مع البلاء صنوان يدور البلاء مع حجه حيثما دار.

يامر الرحمن خليله ان يحمل اسماعيل وامه - هاجر - الى واد غير ذى زرع، واسماعيل لما يبلغ الفطام، فكيف‏ذاك، وقد رزقه بعد طول انتظار، وبشر به بعد ياس، والامر عسير؟

.. لكن ابراهيم كان قد اسلم وجهه للّه، (اذقال له ربه: اسلم، قال: اسلمت لرب العالمين)((16))، وذاك مقام كان قد بلغه منذ حين، لكن سنه التمحيص جاريه،وابراهيم يراد له مقام كريم..، ففعل ما امر، واحتمل الاثنين يصحبه الامين جبرئيل على البراق..

لم يدر فى البدء اى بقعه ستكون، وكيف هى؟

وهل فيها ما يقوم الحياه؟

.. لكنه اسلم، وليس من شان من اسلم‏للمسبب ان يسال عن الاسباب (وكان ابراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع الا وقال: يا جبرئيل، الى‏هاهن؟

فيقول جبرئيل: لا، امض، امض، حتى وافى مكه ووضعه فى موضع البيت... فلما سرحهم ابراهيم ووضعهم وارادالانصراف الى ساره - زوجته الاخرى - قالت له هاجر: يا ابراهيم لم تدعنا فى موضع ليس فيه انيس ولا ماء ولا زرع، فقال‏ابراهيم عليه السلام: اللّه امرنى ان اضعكم فى هذا المكان...)((17))، فمضى(ع) تاركا خلفه الضعيفين فى مكان لا انيس ولاماء ولا زرع فيه، وقلبه قلب نبى، قلب كله رحمه، لكن قلبه ذاك خال الا من اللّه.. فلا وجود للاغيار فيه، وهوخليل الرحمن،.. فتولى عنهم وهو لا يلوى على شى‏ء الا ان يرفع يد الخله ويكلهم اليه تعالى: (ربنا انى انزلت‏من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاه فاجعل افئده من الناس تهوى اليهم وارزقهم من الثمرات‏لعلهم يشكرون)((18))، واستجاب له ربه، فانبجست لهم اول الامر عين زمزم، (وعكفت الطير والوحش على الماء...)((19))،فعجب الناس لتعكف الطير والوحش فهوت اليهم بنو جرهم (فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فانست هاجرواسماعيل بهم)((20))، وابراهم يراجعهم فى هذه الاثناء مره ومرتين، (فلما رآهم ابراهم(ع) فى المره الثالثه، نظر الى كثره‏الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا...)((21)).وتمضى السنون تلو السنين ويكبر اسماعيل شبيه ابيه، وقد نبا اللّه عنه خليله انه عليم، حليم، من الاخيارالصالحين، لكن اشخص ما فى اسماعيل، كونه حليما، (والحلم صفه لانضباط النفس وسكون الطبع والطمانينه‏والصبر فى مقابل ما لا يلائم الطبع)((22))، ولم يحب اللّه تعالى هذا الاسم - الذى هو من اسمائه تعالى - فى كتابه‏العزيز - لاحد من اوليائه سوى اسماعيل وابيه، فما اعزه‏من اسم ويا لها من صفه، هى من اشرف الصفات واجل الملكات التى ترقى الانسان الى اعلى المقامات بسكون‏وطمانينه، ولعل هذا ما اهل اسماعيل لان يختاره الحق تعالى للدخول فى دائره البلاء الابراهيمى المتعددالمراحل والمقامات، وقد كان اهلا له بصبره، فالصبر لب الحلم ومعدنه.. وابراهيم كان قد علم - فيما نباه اللّه- انه اهل البلاء، واهل الصبر، واهل الحلم...


10
المرتبه الاولى.. مرتبه البناء

(ولما بلغ اسماعيل مبلغ الرجال امر اللّه ابراهيم ان يبنى البيت)((23))، (فقال يا بنى قد امر اللّه ببناء الكعبه)((24))، وشرعا ببناءالبيت.. لم يكن بناء البيت مجرد وضع حجر على حجر، وابراهيم واسماعيل يقدران قيمه ما ينجزان، فهو بيت‏اللّه العتيق، وحرم اللّه الامن، وقبله المومنين.. وبناوه تاسيس لامر عظيم،انهما يرفعان صرح عقيده التوحيدويثبتان اسس الاسلام، ولذاك فهما فى اثناء البناء يتوسلان الى السميع العليم ان يتقبل منهما التاسيس، (واذيرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك انت السميع‏العليم)((25))، وبعمليه البناء اراد اللّه ليصنعهما على عينه، وياخذ بايديهما فى مدارج الكمال مرتبه فمرتبه، فبناءالبيت يعنى فى حقيقته اسلام الظاهر، او ظاهر الاسلام، وهو اول مراتب الاسلام والذى يعنى توحيد الظاهرللّه، حيث يمثله ظاهرا بيته العتيق..، فهما من هذه المرتبه اذ يعيدان بناء البيت، ويرفعان القواعد منه، يرسمان‏اول قدم فى سياق الصعود ويعدان لما بعدها من تسليم، وحصول اليقين للقلب، وما يرافق اول قدم من التضرع‏اليه تعالى لان يتم لهما ما بدءا، فتمام اسلام الظاهر، ان تتحقق واقعيه الاسلام ظاهرا وباطنا، وان يتوجه‏القلب الى اللّه، كما توجه البدن الى بيته، حتى يكون وجود الانسان كاملا فى تسليمه واذعانه لموجوده،فياتزران بالدعاء ويضرعان: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امه مسلمه لك...)((26))، ولكى ينفذ الاسلام من‏القالب الى القلب، لابد من تطهير يبدا بالظاهر وينتهى بالضمير..


11
المرتبه الثانيه.. مرتبه التطهير

فتبدا المرحله الثانيه فى مرتبه لاحقه، وياتى الامرالالهى بتطهير البيت: (وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود)((27))، وبيت اللّهالقلب اذا طهر، (فالقلب حرم اللّه)((28)) و(ما وسعتنى ارضى ولا سمائى ولكن وسعنى قلب عبدى المومن)((29))...

وفى ثانيه مراتب الاسلام، فى مرحله التطهير يدخل الايمان القلب، ويهيمن عليه، ( قولوا اسلمنا ولما يدخل‏الايمان فى قلوبكم...)((30))، ويامر الحق ابراهيم مع اسماعيل ليطهرا بيته - الكعبه والقلب - من رجس ونجس الشرك‏والمشركين، فالايمان اذا دخل القلب بعد التطهر من الشرك، ايما كان ذلك الشرك - جليا كان او خفيا، خارجياكان او باطنيا، غيريا كان او انانيا - صار القلب مذعنا متوجها الى اللّه، ويئين اوان القلب ليستجيب لنداء الحق‏للخشوع: (الم يان للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر اللّه)((31))، والخشوع احساس بالحضور، ومن الاحساس‏بالحضور ينقلب القلب من البيت الى صاحب البيت، ومن القلب الى الساكن فى القلب، ومن (فولوا وجوهكم‏شطره) ((32))الى (اينما تولوا فثم وجه اللّه)((33))، وياخذ ابراهيم مع اسماعيل بتطهير البيتين، ويرفع ابراهيم شعاره الخالدكنتيجه للتطهير: (انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما انا من المشركين)...

فقد طهر القلب فما فيه من شرك، وطهر البيت فما فيه من ديار من المشركين، وصار التوجه اليه دون معيق،فالبيت - الكعبه - بعدما رفعت قواعده لابد ان يطهر، لان بناء البيت وتوجيه الناس اليه لابد ان يعقبه اخراج‏الشرك والمشركين منه، وتطهيره من رجسهم، كيلا تشوب الدين شائبه شرك تصد عن الطريق، فطبيعه المشرك‏باللّه المنحرف عن دينه، الصد عن سبيله، (وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون)((34))، وطبيعه‏الشيطان ان يملا الطريق بالضجيج، وان يقعد فى كل صراط مستقيم...


12
ثمره التطهير...

ويتهيا الجو بعد التطهير لان يضج بيت اللّه - قلبا وكعبه - بالعباده والعابدين.. ويعد البيت لان يضم الطائفين‏والعاكفين والركع السجود، وهل يكون طواف وعكوف وركوع وسجود بغير تطهير، وهو شرطه ومقدمته؟

ويمهد سبيل السلوك الى اللّه..

وهل يمهد الا بقمع الاشواك، ورفع ما يصد عن السبيل، وبذل الجهد عليه؟

(ياايها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)((35))، لكنه جهاد اصغر، لانه جهاد تمهيد، وجهاد فى السبيل، فالجهادفى سبيل اللّه يعنى ان يكون الانسان سليما وبريئا ليكون قابلا للسلوك ويعنى ايضا ان يكون السبيل خلوا ممايصد عن السبيل، وقد تخط‏ى - ابراهيم والذين معه اى اسماعيل - هذه المرتبه، وبرى‏ء من سقمه الذى كان قدالم به، فيعلن هنا - هو والذين معه - براءتهم على رووس الاشهاد: (اذ قالوا لقومهم انا برءآء منكم ومما تعبدون من‏دون اللّه، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم البغضاء ابدا حتى تومنوا باللّهوحده...)((36))، ولقد اعط‏ى ابراهيم ببراءته تلك، الجواب الواقعى لما ساله اللّه: (اذ قال له ربه اسلم)، (اسلاماتخيريا تشريعيا، يكون الرضا والتسليم والاحتساب والصبر والحب والبغض فى اللّه من لوازمه)((37))، (قال اسلمت‏لرب العالمين)... وبذلك يكون واسماعيل - معا - قد رفعا قدما اخرى، هى فى حقيقتها مرتبه اخرى فى سيره‏اسلامهم.. وها قد تهيئا لبلوغ الكمال، ولكن بعد حين..


13
المرتبه العليا الثالثه.. مرتبه الكمال

(فلما كان فى الليل اتى ابراهيم آت من ربه فاراه الرويا فى ذبح اسماعيل...)((38))، تتكرر الرويا على الخليل فى ذبح اسماعيل،وقد كان يوحى اليه فى منامه، الامر يتكرر من الجليل فى ذبح اسماعيل، ولكن لماذا الذبح، لماذا يدخل الابن -فضلا عن ان يكون ذلك الابن اسماعيل بالذات - عنصرا سلبيا فى المرتبه الثالثه من عمليه التكامل؟

((39)).


14
التمحيص فى حقيقه مرتبه الكمال

لقد جرت سنه اللّه التى لن تجد لها تبديلا فى مسير البشريه التكامليه - افرادا وجماعات - على الهدايه‏التشريعيه اولا، ثم يترك لمن بلغته الهدايه الخيار فى الاهتداء او الضلال، (انا هديناه السبيل اما شاكرا واماكفورا)((40))، اما طبيعه ذلك الاختيار، ادائمى هو او غير دائمى، واقعى ام سطحى، حقيقى ام ظاهرى، فهذا مايتكفله الابتلاء والتمحيص، اذ ياتى ثانيا لتثبيت ذلك، ان سلبا فسلب؟

وان ايجابا فايجابا، (وليبتلى ما فى‏صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم واللّه عليم بذات الصدور)((41)).

وابراهيم(ع) بعد ما استجاب لدعوه ربه (اذ قال له‏ربه اسلم قال: اسلمت لرب العالمين) بقيت امامه عمليه التثبيت، ولكن لابد ان يكون للابتلاء والتمحيص نحوتناسب مع خطوره ما يراد تثبيته من مقام ومرتبه، او ما يراد ترتيبه عليه فيما بعد من تنصيب، اذ الابتلاءوالتمحيص تاهيل، وما اريد لابراهيم(ع) هو ان يكون اسوه فى سلامته وطهارته وخضوعه لربه، التى معهن‏يبلغ ابراهيم مع ولده الحاله القصوى من عمليه التكامل فى مرتبتها الثالثه، والتى يترتب على اجتيازها المنحه‏الالهيه الكبرى فى (انى جاعلك للناس اماما)((42))، التى هى فى ذات الوقت تضاهيها، وتتطابق معها..

(والذى نجده فى كلامه تعالى، انه كلما تعرض لمعنى الامامه، تعرض معها للهدايه تعرض التفسير، قال تعالى‏فى قصص ابراهيم(ع): (ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافله وكلا جعلنا صالحين. وجعلناهم ائمه يهدون بامرنا)((43))، وقال‏سبحانه (وجعلنا منهم ائمه يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون)((44))، فوصفها بالهدايه وصف تعريف،ثم قيدها بالامر، فبين ان الامامه ليست مطلق الهدايه، بل هى الهدايه التى تقع بامر اللّه، وهذا الامر هو الذى‏بين حقيقته فى قوله: (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فسبحان الذين بيده ملكوت كل شى‏ء..)((45))، وبالجمله‏فالامام هاد يهدى بامر ملكوتى يصاحبه)((46)).

ان منصب الامامه يتحصل بصبر يبلغ حد الحلم،ويتقوم بيقين يصل حد (عين اليقين)، (وجعلنا منهم ائمه‏يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون)، والصبر سابق على اليقين مود اليه، والا، فلليقين موانع تصد عنه،ومشاغل تحبس من العروج اليه، لخصتها آيات القرآن وجمعتها فى الاموال يقارنها الاولاد..

والاموال والاولاد تعبير جامع لاصول جميع المتعلقات الدنيويه، اذ انهما ادنى - بمعنى الدنو - ما يكونان من‏الانسان فى حياته، وهما الاقرب لان يكونا داخلين فى ملكه وسلطته وتصرفه، حتى ليحسب الانسان - اذا ماغفل - انهما فى عرض ملك اللّه لا فى طوله، فيقول: (انما اوتيته على علم عندى...)((47))، وقد ورد اللفظان - الاموال والاولاد - متقارنين فيما ينيف على العشرين موردافى كتاب اللّه العزيز، قد سبق فى الجميع المال الاولاد، ولعل تعليل ذلك، ان معنى (المال)، هو كل ما دخل فى‏ملك الانسان، فهو اعم من الاولاد، فللوالد نحو ولايه وتسلط بما يشبه التملك على ولده - وان كان للولداستقلال بنحو ما - كما ان الولد بهذا اللحاظ جزء المال، وتقديم المال عليه من باب تقديم الاعم على الاخص‏كما هو مقتضى القاعده وهذا التسلط والتملك على الاثنين - اموالا واولادا - هو ما عمق الارتباط والتعلق،وجعلهما مورد اللعب والزينه والتفاخر والتكاثر، التى تشكل بمجموعها معنى (الحياه الدنيا) فى مقابل(الاخره)، (اعلموا انما الحياه الدنيا لعب ولهو وزينه وتفاخر بينكم وتكاثر فى الاموال والاولاد)((48))، بهما يفتن الانسان،فيفوته ما عند اللّه، (انما اموالكم واولادكم فتنه واللّه عنده اجر عظيم)((49))، وبهمايتلهى فيغفل عن ذكر اللّه، فيكتب فى الخاسرين، (يا ايها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل‏ذلك فاولئك هم الخاسرون)((50))، وفى التلهى بهما، والتكاثر فيهما يحرم الانسان بلوغ اليقين، (الهاكم التكاثر × حتى‏زرتم المقابر × كلا سوف تعلمون × ثم كلا سوف تعلمون × كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم × ثم لترونها عين‏اليقين)((51)).

فلما كان هناك تكاثر، وانغمار فى الاموال والاولاد وتله بهما عن اللّه، لم يكن لليقين طريق الى القلب ليرى‏الجحيم وغير الجحيم، وانسدلت عليه ستائر الظلمات، (اذا اخرج يده لم يكد يراها)((52))، وانسد عليه سبيل سلوكه‏وهو بعد لم يتخط مرتبه ولم يبلغ مقاما، لان (حب الدنيا راس كل خطيئه)، فالانشغال بغيره يعنى التلهى عنه، وفى‏التلهى عنه الاعراض عن ذكره جل ذكره، وفى الاعراض عن ذكره ضنك وعمى، (ومن اعرض عن ذكرى فان له‏معيشه ضنكا ونحشره يوم القيامه اعمى)((53))...


15

وفى قبال ذلك فى الطرف الاخر، قلوب مبصره، تلك التى تشهد نارها وجنتها قبل قيامتها، (فهم والجنه كمن قدرآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون)((54))، وذلك بعد قطع دابره تعلق القلب بكل ما سوى اللّه،واخلاء القلب تماما من ذكر سوى ذكر اللّه، فلا يرى شيئا الا ويرى اللّه قبله ومعه وفيه وبعده ويراه ظاهرا فى‏كل شى‏ء((55))، فيسلم القلب من الاغيار والاكدار، و(يلقى اللّه وليس فيه احد سواه)((56))، (يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى‏اللّه بقلب سليم)((57))...

فيظهر هنا ان اليقين - الذين يعنى ان ليس فى البين سانحه شك - مرادف للتسليم، وهو معنى الاسلام،(فالاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين)((58))، فمن بلغ اليقين بلغ التسليم، ومن بلغ التسليم كان مظهرا حقاللاسلام...


16
خصائص الذبح الابراهيمى

ولما بلغ ابراهيم(ع) نبا الذبح اتى اسماعيله يخبره: (يا بنى انى ارى فى المنام انى اذبحك)، يعرض عليه امرالرحمن، امر كلاهما طرفاه، بلاء هو خاتمه المطاف، اختار الرحمن خليله فيه ذابحا لابنه متخليا عن كل‏علاقه له بغير ربه، واختار اسماعيل ذبيحا للخليل، او شريكا له فى البلاء، فكما كان على ابراهيم ان يمتثل امرالذبح، فان على اسماعيل ان يقبل الذبح ايضا، فامر الذبح متعلقه طرفان، ذابح ومذبوح، ابراهيم فى طرف‏الايجاب منه واسماعيل فى طرف السلب، ابراهيم فى طرف الفعل، واسماعيل فى طرف الانفعال والخضوع‏للفعل، ومن ها هنا تبزغ حقيقتان: الاولى: ان الامر الذى جاء ابراهيم: (ان اذبح اسماعيل)، يتضمن امرا مقدرا لاسماعيل: (ان اقبل الذبح)،فالبلاء والتمحيص اذن لم يختص بابراهيم فقط، وانما شمل الاثنين معا، اذ لو فرض امتناع اسماعيل عن قبول‏الذبح، لسقط الامر فيما يخص ابراهيم، وكذا لو فرض عصيان ابراهيم لامر الذبح لما تعدى التكليف لاسماعيل‏فيمتحن بالذبح، ولهذه النكته ثمره تتضح فيما بعد.

والثانيه: ان الترتيب المنطقى للتجاوب مع امر الذبح، هو ان يقبل اسماعيل الذبح اولا، ثم يقوم ابراهيم (ع) بعدذلك بعمليه الذبح فى صورتها الفعليه، وهذا ما حدا بالخليل ان يعرض الامر اولا على اسماعيل: (قال يا بنى‏انى ارى فى المنام انى اذبحك فانظر ماذا ترى)، وعرضه عليه الامر لم يكن لشكه فى تصديقه وخضوعه وتسليمه،بل لم يدر فى خلد ابراهيم من اسماعيل عناد او امتناع، وهو الذى خبر اسماعيل - فيما نباه اللّه - انه، غلام عليم‏حليم من الاخيار الصالحين، وهو هو اسماعيل الذى درج معه مدارج السعى، فكان معه اذ يرفع القواعد من‏البيت، وكان معه اذ يضرعان الى اللّه: (ربنا واجعلنا مسلمين لك)، وكان بمعيته فى التطهير والبراءه، وكانا معافى انساك المناسك ورويتها، فهو معه فى مراتبه ومقاماته مطيعا وخاضعا ومسددا، ولن تتخلف تلك المعيه‏آخرالشوط، وقد كانت منذ بدئها حتى منتهاها من اللّه بامره، والى اللّه بهديه، لكن ابراهيم يريد لقلبه ان يطمئن،وذلك ديدن الخليل، وقد فعل مثله لما سال ربه ان يريه احياء الموتى ليطمئن قلبه بما انعقد فيه من ايمان يقربقدره اللّه على ذلك، (واذ قال ابراهيم رب ارنى كيف تحيى الموتى قال اولم تومن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى)((59)).. فياتيه‏جواب الذبيح: (قال: يا ابت افعل ما تومر ستجدنى ان شاء اللّه من الصابرين). فاطمان قلب الخليل لجواب الذبيح،وجواب الذبيح لم يفجع قلب ابيه اذ (قال يا ابت افعل ما تومر)، ولم يقل: (اذبحنى)، اذ هو امر، ذبحا كان، او لم‏يكن، فحقيقه الامر الالهى كان قد طغى لديه على طبيعه ذلك الامر وتفاصيله فى عمليه الذبح، كما اراد بقوله‏ذاك الشد على قلب ابيه الخليل، والزياده فى سكينته.. ليكونا فى تلك الاثناء بالذات قد استوعبا الامر الالهى‏وعزما عليه، بنحو يشد احدهما على الاخر، فان فى امر الذبح خصوصيه تفرقه عما امتثلاه قبلا.. اما البناء،فان متعلق الفعل كان خارجا عن ذاتيهما، وبناء كل منهما مستقل عن الاخر، وان‏كان هناك اشتراك، فهو اشتراك فى المتعلق وفى الهدف الذى هو خارجى، وكذا مع امر التطهير فالاستقلال‏ظاهر، ان كان خارجا، اذ يطهران البيت الحرام من الشرك والمشركين، او كان باطنا اذ يخليان قلبيهما من‏التعلقات، وكل‏بحسبه، وان كان اشتراك فى نوع الفعل وهدفه، وكذا البراءه وغيرها.. واما مع امر الذبح، فلا بدلهما ان يندمجا فى فعلهما وتتحد ارادتاهما بنحو يكون الفاعل فيه عين المفعول، والمفعول عين الفاعل - وهناتتضح ثمره الامر الاول -، اذ لا بد ان تقترب المعيه التى كانت بينه فيما سبق بين ابراهيم واسماعيل، حتى تبلغ‏الذوبان فيصير الاثنان اراده واحده وعزما واحدا، وفعلا واحدا، وهو معنى: (فلما اسلما)، اى خضعا برتبه‏واحده قدما بقدم، لم يتقدم احدهما على الاخر، بل هما حقيقه واحده متفرقه فى شانين.


17
بلوغ الكمال..

وفى ال(اسلما) هذه يبلغ ابراهيم مع اسماعيل المرتبه الثالثه والقصوى للاسلام، بلحاظين: الاول: ذوبان الاثنين معا فى الامر الالهى.

والثانى: الخضوع التام فى كل منهما مستقلا، فابراهيم يسلم بقطع كل علاقه له بغير اللّه، واسماعيل يسلم فى‏افناء ذاته فى طاعه اللّه، وقد لخص البارى تعالى فى مطلع آيات القصه - جريا على داب القرآن - المرتبه التى‏بلغها ابراهيم - وهو مركز القصه وقطبها - بقوله: (وان من شيعته لابراهيم اذ جاء ربه بقلب سليم)، اى (ليس فيه‏احد سوى اللّه)، وكذلك فعل مع اسماعيل، فاسماعيل لما وعد اباه بالصبر على امر الذبح، علق صبره على مشيئه‏اللّه، وقد قدم الحق تعالى قبل سرد القصه، ان مشيئته تعالى اقتضت ان يكون حليما، فقال فى البشرى:(فبشرناه بغلام حليم)، والتقديم فى الموردين يوكد، ان بلاء الذبح انما كان لتثبيت واثبات وتبيين ما كانا بلغاه‏قبلا، فهو بلاء مبين (ان هذا لهو البلاء المبين).

فالذبح اذا لم يكن بذاته هدفا، انما اراد اللّه ان يعلم من ابراهيم واسماعيل التصديق، فحصول التصديق فى‏النفس مبدوه اليقين وماله العمل، (واليقين هو التصديق والتصديق هو الاقرار والاقرار هو الاداء والاداء هو العمل)((60))،وابراهيم صدق الرويا اذ تكررت، فعزم على الذبح، اما اسماعيل، فما ان عرض ابوه عليه امر الذبح حتى كان‏تصديقه بان الرويا امر من الحق تعالى بديهيا فى سياق جوابه لابيه اذ قال: (يا ابت افعل ما تومر)، ولما تبين‏التصديق من الاثنين، كان حقا على اللّه ان يوقف الاداء: (وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرويا)، وقد دلل واقع‏ابراهيم بعد امر الايقاف على ان تصديقه كان بمثابه ادائه وان لم يفعل، فهو (يتمنى ان لو ذبح! اسماعيل بيده ولم‏يومر بذبح الكبش مكانه)((61))، لكن الذبح لم يكن هدفا، (وفديناه بذبح عظيم).


18
معالم التسليم

الى هنا تبين ان سيره ابراهيم مع ولده اسماعيل بمراحلها مثلت انتقالا من السقم الى البرء، او من الملك الى‏الملكوت، ومن اراده النفس الى الفناء فى اراده اللّه، وفى ذلك تجسد المعنى العميق للاسلام، فتشخصت معالم‏سبيل الخضوع والتسليم والسلوك الى اللّه، ورسم صوره دين اللّه القيم، الذى لن يقبل من العبد غيره، (ومن يبتغ‏غيرالاسلام دينا فلن يقبل منه)((62))، اسلام بالمعنى الذى جسده ابراهيم فى سيره وسلوكه وجهاده، (وجاهدوا فى اللّه حق‏جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج مله ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل)((63))، فتسميه بالقول،وبدعاء توجه به هو واسماعيل اذ يوسسان للاسلام: (ومن ذريتنا امه مسلمه لك)، وتسميه بالاقتداء والتقليدوالتاسى، (قد كانت لكم اسوه حسنه فى ابراهيم والذين معه...)((64))، فهو(ع) واضع اسس الدين القيم وبانى اصوله‏ومسميه ومكمله، وكماله فى ان يثبت بعد ما تحصل، وثبوته فى دوامه واستمراره فى دعائه(ع): (ومن ذريتنا امه‏مسلمه لك)، وفى تسميته: (هو سماكم المسلمين من قبل)، ثم احكمها بتوصيه بنيه وذرياتهم، (ووصى بهاابراهيم بنيه: با بنى ان اللّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون)((65))، وعلى تلك الثلاثه - الدعاء والتسميه‏والتوصيه - اجرى الحق تعالى مشيئته فى ثبوت دينه وكماله، وعد بذلك فى قوله جل شانه: (وجعلها كلمه باقيه فى عقبه)((66))..


19
قطف الثمار

فها قد طهر ابراهيم من سقمه، وحاز التصديق واليقين والتسليم، وهداه اللّه اذ (قال انى ذاهب الى ربى سيهدين)،وكانت حقيقه تلك الهدايه ان تحقق كمال الاسلام لديه، فكان حج ابراهيم جهادا فى سبيل اللّه، ثم جهادا فى‏اللّه مع احسان فى الجهادين، وقد اخذ اللّه على نفسه ان يسدد بالهدايه اليه من جاهد فيه وان يكون فى معيه‏المحسن، معيه نصره وتاييد، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا انا اللّه لمع المحسنين)((67))، بل قد جعل تلك الهدايه،هى الجزاء الاوفى لذلك الاحسان، بعدما قرر صدق ابراهيم فى بلاء الذبح فى قوله تعالى: (قد صدقت الرويا اناكذلك نجزى المحسنين)، فتكون ثمره تلك الهدايه، وحاصل ذلك الاحسان او بقول اجمالى، يكون تجسم ذلك‏الاسلام الباطنى والظاهرى، وانعكاسه البرزخى هو: (سلام على ابراهيم كذلك نجزى المحسنين)، وهذا السلام‏هو: (سلام قولا من رب رحيم)((68))، وهو لب العطاء الالهى وقلبه((69)).


20
آثار قطف الثمار

لقد كانت طهاره ابراهيم وبراءته مقدمه لاسلامه، وكمال اسلامه مقدمه لاصطفائه، (ولقد اصطفيناه فى الدنياوانه فى الاخره لمن الصالحين اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين)، فهو لما اسلم صار اهلا للاصطفاء،والاصطفاء مبالغه فى الاستخلاص ودقه الاختيار، فاصطفاه اللّه للناس اماما لما طهر وبرى وسلم وتمت فيه‏الكلمات، (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال انى جاعلك للناس اماما)((70))، فالكلمات التى ابتلى بها ابراهيم انماهى مراتب الاسلام، او هى الاسلام فى حقيقته الكامله وتحققه التام، وقد سال ابراهيم ربه فى دعائه: (ربناواجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امه مسلمه لك)، اسلاما بهذا المضمون فى شطرين، الاول له‏ولولده، والثانى لذريته، وقد استجاب له اللّه فى الشطر الاول بقوله تعالى: (فلما اسلما)، وفى الثانى فى قوله:(وجعلها كلمه باقيه فى عقبه)، وعبر بالكلمه عن الاسلام ببعديه - النفى والاثبات - نفى الاغيار، واثبات اللّهالواحد القهار((71))، فالاسلام اجمالا بمراحله التى طواها ابراهيم سمه اطلقها ابراهيم على من اتسم بها بعده (هوسماكم المسلمن من قبل)، والسمه لا تعدو ان تكون كلمه.. وقد اجمل الحق تعالى ذاكين الشطرين الواردين فى‏دعاء ابراهيم واسماعيل: (ربنا واجعلنا...) فى آيه الكلمات جوابا للدعاء ونتيجه له، بعبارات لخصت سيرابراهيم ونتائج سيره، فقد ذكر تعالى - اولا - انه ابتلى ابراهيم بالبلاء المبين الذى بين ما كان طوى ابراهيم فى‏سيره من مراتب فى قوله تعالى: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات)، ثم عقب - ثانيا - جوابا للشطر الثانى بقوله:(فاتمهن)، (لان الضمير فى اتمهن راجع اليه تعالى كما هو الظاهر)((72))، فيكون معنى (فاتمهن): اتم اجابه شطرالدعاء الاول(واجعلنا مسلمين لك) باجابه شطر الدعاء الثانى (ومن ذريتنا امه مسلمه لك)، اذ اختار من ذريه ابراهيم من‏يتحقق فيهم دوام الاسلام بمعناه الابراهيمى، وهم محمد وعلى وذريتهم من الائمه المعصومين صلوات اللّهعليهم اجمعين((73))، ثم بعد ذلك لما كانت الامامه مضاهيه للاسلام بمعناه الكامل ومترتبه عليه، فان اللّه تعالى‏بشر ابراهيم بالامامه تفريعا على الابتلاء، (قال: انى جاعلك للناس اماما) ولما علم ابرهيم منه تعالى ان نفس‏المعنى قد تم فى بعض ذريته، كان حريا بالخليل ان يسال الامامه لهم، فيحبوهم بها كما حباه، ويترتب على‏اسلامهم ما ترتب على اسلامه (قال ومن ذريتى)، فاجاب الحق تعالى له ذلك: ان نعم حبوت من ذريتك من‏لا ظلم له، (قال لا ينال عهدى الظالمين)، اذ من ذريته (محسن وظالم لنفسه مبين)((74)).


21
الاتمام ونيل العهد فى ذريه ابراهيم

كان لابراهيم من الذريه ولدان، هما اسماعيل واسحاق، وكلاهما اوتى الكتاب والحكمه والنبوه، وقد سال‏ابراهيم(ع) الامامه لبعض ذريته - واسماعيل مع اسحاق مع ذراريهم مصداق لذريه ابراهيم - غير ان القرآن‏الكريم قد صرح بان اسحاق ويعقوب من بعده قد تقلدا الامامه بقوله (ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافله وكلاجعلنا صالحين وجعلنهم ائمه يهدون بامرنا..)، كذلك صرح بجعل الامامه فى بعض من بنى اسرائيل الذين هم‏ذريه يعقوب ولد اسحاق بقوله تعالى: (..

وجعلنا منهم ائمه يهدون بامرنا..)، وقد انقطع امتداد الامامه‏ومقدماتها فى هذا الفرع من ذريه ابراهيم - اى المتولد من اسحاق - كما يحدثنا الواقع التاريخى، اما اسماعيل‏فانه لم تصرح آيه من القرآن بامامته، غير انه ورد فى اكثر من آيه انه اعط‏ى الكتاب والحكمه والنبوه، كماخصه الكتاب بصفات واسماء هى فى حقيقتها مقومات الامامه ومقدماتها، فهوالصادق الوعد، اذ وعد اباه الصبر على الذبح فصدق وعده (واذكر فى الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد)((75))، ولقدكان صديقا اذ صدق الرويا مع ابيه فى امر الذبح فبلغ اليقين (واليقين هو التصديق)، اما الحلم، فانه - كما مر - قداختص به هو وابوه الخليل(ع)، اذ قال اللّه تعالى مثنيا على ابراهيم: (ان ابراهيم لاواه حليم)، وقال فى اسماعيل‏مبشرا اياه: (فبشرناه بغلام حليم)((76))، والحلم والتصديق بايات اللّه مقوما الامامه وملاكاها، وقد تجلى حلم‏اسماعيل مع يقينه، فى البلاء المبين حتى كانهما مرادفان لحلم ويقين الخليل فيه، فلقد (اسلما) - معا - فى‏البلاء المبين بحلمهما ويقينهما.. وما ان اسلما وتم البلاء حتى بشر الرحمن ابراهيم بامامته للناس، وما كان‏من ابراهيم الا ان طلب الامامه لذريته، وهو يعلم ان للامامه اشراطها وانما بشر بها لما تحققت فيه اشراطها،لكن تحققها فيه كان مساوقا لتحققها فى اسماعيل حلما، وتصديقا وتسليما..

فهل يخط‏ى‏ء الدعاء اسماعيل؟

ام‏هل‏تخطئه الاجابه، وهو لا ظلم فيه؟

اننا لو تدبرنا آيه الكلمات وجدنا ان فى قوله (فاتمهن) اشارتين: الاولى: ان الاتمام هنا مرتبط باسماعيل، لان الشطر الاول من الايه: (واذ ابتلى ابراهيم...) خص ابراهيم فقط،والحال ان ابراهيم واسماعيل كانا شريكين فى كلمات الابتلاء، والاشتراك كان دائرا بينهما بنحو التتميم، على‏ان يبدا الامر بابراهيم ثم ينتقل ليتم باسماعيل، فكان قبول اسماعيل الذبح تماما لعزم ابراهيم وتصديقه، وفى‏استخدام ماده (الاتمام) فى الايه اشاره لهذه النكته، لان الاثر - الذى هو الامامه - ما كان له ان يترتب لولا تمام‏الابتلاء بقبول اسماعيل وتسليمه، فالشى‏ء لا ترتب آثاره ما لم يتم، كالصوم: فان اليوم منه لو انخرم بافطارلحظه قبل الغروب لما ترتب عليه اثر الصوم واعتبر فاسدا، (واتموا الصيام الى الليل)((77))، فتمام الصيام من الفجرالصادق الى دخول الليل دون ان يتخلله نقص.

والثانيه: فى كون الضمير فى (فاتمهن) راجعا الى‏اللّه تعالى: فاسماعيل حينما اجاب اباه - فى معرض موافقته على الذبح - جعل صبره على القبول معلقا على‏مشيئه اللّه تعالى فقال: (ستجدنى ان شاء اللّه من الصابرين)، وعليه فنسبه الاتمام الى اللّه ادق، لانه تعالى هوالذى شاء ان يقبل اسماعيل الذبح، فيكون المعنى (ان اللّه اتم الكلمات باسماعيل)، فالتمام بمشيئه اللّه بالاصاله،وبصبر اسماعيل تبعا لتلك المشيئه، وفى انتساب الاتمام الى اللّه يكون الاتمام نعمه وتفضلا، بل هو تمام‏النعمه والفضل.


22
فى من تمت الكلمات؟

من ذلك يتاكد ان الاتمام فى (فاتمهن) متعلق باسماعيل، كما تبين - مما مر - ان تمام الكلمات فى جعلها باقيه‏فى عقب الخليل، متمثل ذلك البقاء باسماعيل وبنيه، وينتج من ذلك ان الذريه التى طلب لها ابراهيم الامامه‏بقوله: (ومن ذريتى) هم نسله المتفرع عن اسماعيل وهم محمد وعلى وذريتهم من الائمه المعصومين صلوات‏اللّه عليهم اجمعين، وتوضيح ذلك - فضلا عما مر -، ان ابراهيم(ع) انما جعل اماما للناس لتحقق الكلمات فيه،ولتمامها باسماعيل وذريته، وهذا ما ترسمه مقاطع الايه، كما يتضح لو قطعناها كما يلى: (واذ ابتلى ...

فاتمهن...قال انى جاعلك...)، فلاسماعيل وذريته - الذين بهم تمت الكلمات - مدخليه اصيله فى نيل ابراهيم الامامه،وعليه، فان ابراهيم لما يبشر بها يجد ان تمام امامته فى امامه ذريته، فيسال ذلك ربه بقوله: (ومن ذريتى)،وهى ذات الذريه التى سبق لابراهيم ان حباها بدعائه لما انزل اسماعيل وامه وادى مكه، اذ قال: (رب انى‏انزلت من ذريتى بواد غير ذى زرع...)، ولا مجال لتحديد الذريه هنا - كما هناك - باسماعيل فقط، فلفظ الذريه -كما قيل - : اصله الذر، وهو النشر، او ان اصله صغار النمل، وواحدته ذره((78))، فالذريه جمع على القولين، وقد وردعن باقر هذه الذريه فى تحديد مصداق (ومن ذريتى) فى الايه المباركه انه قال: (نحن هم، ونحن بقيه تلك‏الذريه)((79))، وللاستثناء فى آيه الكلمات اشاره تاكيد على ذلك فى قوله: (لا ينال عهدى الظالمين)، فلو كان المقصودمن الذريه اسماعيل فقط، لما كان مناسبا ذكر الظالمين واستثناوهم من نيل العهد، وهو اسماعيل ذو المحامد، سيما وان الاستثناء قد وقع بعدبلاء الذبح حيث بلغ اسماعيل هناك قمه التسليم والخضوع للّه، فلا يستقيم الاستثناء ما لم يوخذ فى معنى‏الذريه ما ينتج عنه من ذريه يكون منها (محسن وظالم لنفسه) كما هى سنه اللّه فى خلقه، وهذا اولا...

اما ثانيا: اننا فهمنا مما مر ان امامه ابراهيم كانت ثمره لتمام اسلامه باسماعيل عندما (اسلما)، والتى تحقق‏فيها جواب (واجعلنا مسلمين لك)، غير ان هذا فى حقيقته احد شطرين اذ الشطر الثانى متمثل فى (ومن‏ذريتنا امه مسلمه لك)، وتمام الشطر الاول بتحقق الشطر الثانى، فاسلام اسماعيل وذريته - اى التمام مع تمام‏التمام - مجموعا تمام لاسلام ابراهيم(ع) وامامتهم تمام لامامته.

فمن هنا وهناك انكشف، ان من سئل لهم الاسلام ثم الامامه هم اسماعيل وذريته، وتعين ايضا، ان تمام الاسلام‏وتمام الامامه يتحقق فى جعلها كلمه باقيه فى عقب الخليل، منحصر هذا البقاء فى اسماعيل وذريته الذين فى‏اصلابهم حفظ الرحمن نور محمد وعلى صلوات اللّه عليهم، ومن هنا - ايضا - كان اسماعيل ابا لرسول اللّه والائمه المعصومين وهو معنى قوله(ص): (انا ابن‏الذبيحين)((80))، ويعنى بالذبيح الاول اسماعيل النبى(ع) وبالثانى والده عبد اللّه بن عبد المطلب...

فوقوع الاتمام‏الحقيقى او (تمام الاتمام) هو فى نبوه محمد(ص) وامامه على وابنائه(عليهم‏السلام)، وهو قوله تعالى يوم غدير التنصيب:(اليوم اكملت لكمم دينكم واتممت عليكم نعمتى)((81))، بمعنى ان امامه على وبنيه هى آخر مطاف الاتمام الذى وعداللّه به ابراهيم اذ ابتلاه بكلمات، اما اسماعيل فواسطه ذلك الاتمام ورمزه...((82)) اما واسطته، فبما اتم الكلمات مع ابيه الخليل(ع) اولا، وبما كانت الذريه الحامله للواء الاسلام والامامه‏وتمامها محفوظه فى صلبه، باقيه فى عقبه ثاني.


23
الرمزيه فى اسماعيل

واما انه رمز، فان الرمزيه تعتور مقاطع الوجود الاسماعيلى وقصته بتمامها، فقد كان منذ بدايه وجوده‏الارضى محورا للابتلاءات الابراهيميه، يتدرج ابراهيم بتلك الابتلاءات فى مراتب الكمال حتى توجه‏الرحمن مع بلاء الذبح بان جعله للناس اماما كقمه لمراتب صعوده، واسماعيل فى مرتبه الامامه كان رمزها،لان الذبح رمز الامامه وملاكها فالامام اما ان يكون ذبحا او مذبوحا او كليهما، واسماعيل هناك كان محوراللذبح ورمزا له..

ان حج ابراهيم الخليل ورحلته الى اللّه وبيته العتيق لخصت مسيرته الصعوديه وطيه لمراتب اسلامه‏ومقاماته، فصار حجه ذاك - هو ومن معه - اسوه للمسلمين، (قد كانت لكم اسوه حسنه فى ابراهيم والذين معه..)((83))،وفى التاسى اقتداء واحتذاء، بحيث يكون المتاسى به رمزا وشاخصا للمسير، وحج ابراهيم ومن معه رمز واسوه، واسماعيل كان مع الخليل معيه تلازم، فبولاده اسماعيل يبدا ابراهيم حجه، ويختمه بذبحه، وكان مولداسماعيل ميقات لحج الخليل وذبحه ختمه، وبين الولاده والذبح سبح طويل.. اذ يسرحان معا فى بناء البيت،وفى التطهير، معيه ما انفصمت عراها، فاسماعيل من ذاك - اذا - اسوه كالخليل، واسماعيل رمز كذلك فضلا عن‏كونه اسوه.

وبين الرمز والاسوه بون، فالاسره افصاح وتصريح، والرمز اشاره وتلميح، وقد كان اسماعيل رمزا لجميع مقاطع‏حج الخليل لانه كان المحور فيه، ولما كان حج ابراهيم قد لخص الاسلام حتى تم بالامامه، واسماعيل محورذلك التلخيص والاتمام، كان اسماعيل رمز الاسلام ورمز الامامه...

فاما رمزيته للاسلام، فان ذريه ابراهيم انقسمت فى شعبتين، شعبه انطلقت من اسحاق لتكون التاريخ النبوى‏المنتهى بعيسى، والذى لم يضمن بمجموعه (كمال الاسلام)، بل بقى ينتظر التكميل..، وسكنت شعبه اسماعيل‏وبقيت ذريته تنتظر الظهور، لياتى اسلاما بكامل ما فيه (مله ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل...)،ويظهرالخاتم(ص) على فتره((84)) تطول، ليكمل اللّه به - وبمن معه - دينه (اليوم اكملت لكم دينكم.. ورضيت لكم الاسلام دينا)..فوجود اسماعيل - بهذا اللحاظ - يشير الى وجود كان مخفيا فيه، وجود يتحقق فيه كمال الدين، وهو وجودمحمد وعلى وبنيه، فاسماعيل - بهذا اللحاظ - رمز ذلك الوجود..

ورمزيه اسماعيل للاسلام - ايضا - من رمزيه القصه برمتها، فالمسيره التى اختطها ابراهيم صورت طريقايحتذى للسلوك والوصول، (واذ بوانا لابراهيم مكان البيت ان لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع‏السجود، واذن فى الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق)((85))، فما ان بوى‏ء للخليل مكان‏البيت وتم له التطهير وجعل للناس اماما، آن له ان يوذن فى الناس ليلتمسوا معالم السبيل ويحتذوا الطريق،فاذن فى الناس الخليل: (هلم، هلم الحج... فلبى الناس فى اصلاب‏الرجال: لبيك داعى اللّه، لبيك داعى اللّه)((86)).

وفى تلبيه الناس تلك تاس بالخليل، اقتفاء لاثره فى المسير، واستحضار لجميع ما فى مسيره من رموزوتفاصيل، وهو ما ردده من فى اصلاب الرجال ونهج عليه، وبقى الطريق رمزا يتقلده السائرون،.. ولكن، ان‏يعاد المسير وتتكرر التفاصيل فى سيره النبى وآل النبى، فذلك تجسيد((87)) لتلبيه اذان الخليل، فاذان الخليل دلاله‏واشاره فى المسير، والتجسيد امساك لزمام المسير، ففيه يتحقق كمال الدين - الذى هو مله ابراهيم -، وفيه‏تمام النعمه ورضى الجليل بان يكون هذا الدين سبيل السلوك اليه بما فيه، وبمن فيه،..

نعم، فقد كان التجسيد بمحمد وعلى وبابناء على، اكمالا واتماما، اسلاما وامامه وهذا التجسيد هو المعنى الذى‏اشار اليه الرمز فى قصه ابراهيم، وبين الرمزوالتجسيد ما بين اللفظ ومعناه، اذ اللفظ حاك عن معناه، دال عليه، وهو شان من شوونه ومظهر من مظاهره،..واللفظ ينوب عن معناه، نيابه دلاله واشاره، يتفرد بتفرده، ويتكثر بتكثره،.. وكذا الرمز مع التجسيد، فهو دال‏عليه.. يتفرد بتفرده ويتكثر بتكثره،..

ان سيره المصطفى الخاتم(ص) بتمامها تجسيد للرمز الابراهيمى، اذ انه(ع) اقتفى اثر الخليل فى المفردات البارزه‏لمسيرته، فكان من ها هنا كمالا لمله ابراهيم ومصداقا اتم لما سماه الخليل: (المسلمين).. وقد راينا - مما مر- ان محور مسير ابراهيم، منطلقه ومنتهاه، ميقاته وخاتمته، والرمز لكل ما فيه هو ولده اسماعيل ورسول اللّهالخاتم راح - ايضا - منذ اول المسير يلتمس اسماعيل لمسيره تاسيا بالخليل، فكان على الاسماعيل، ففى مبداالمسير ياتى الامر النبى: (وانذر عشيرتك الاقربين)((88))، فيمتثل الامين، ويدعو الاقربين من بنى هاشم الى الدارليعلن لهم عما القى اليه، ينذر ويرغب، يبسط الحديث لينفذ من بعد الى لب الحديث: (يا بنى عبد المطلب، انى‏واللّه ما اعلم شابا فى العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به جئتكم بخير الدنيا والاخره، وقد امرنى اللّه ان ادعوكم اليه، فايكم‏يوازرنى على امرى هذا على ان يكون اخى ووصيى وخليفتى فيكم..)، يعرض عليهم الامر، ويلتمس فيهم وزيرا، ففى‏المسير لابد من وزير، فابراهيم قد بدا بالوزير: (رب هب لى من الصالحين)، وكذا فعل الكليم: (واجعل لى وزيرامن اهلى...)، فالوزير من الزم لوازم المسير..، ويحجم الجميع، فالقول ثقيل، ومن يرضى ان يكون وزيرا لنبى مااوذى نبى مثله((89))، اللهم الا ان يكون رجلا منه كنفسه، مخلوق من طينته، وله نصيب من روحه، ومن ذلك غيرعلى: (انا يا رسول اللّه اكون وزيرك عليه)، ويكرر النبى الحديث، يريد ان يقول: ليس فيكم كعلى، وليس الا على،ويوكد على موازرته للنبى..، فياخذ رسول اللّه برقبه على وهو يقول: (انت هو)((90))، نعم انت الوزير يا على...


24

ورسول اللّه كان قد انتجب عليا وهو بعد وليد من بين اولاد عمه ابى طالب، يسكنه بيته، ويضمه الى صدره،ويكنفه فراشه، ويمسه جسده ويشمه عرفه وكان يمضع الطعام ثم يلقمه اياه، وما وجد له كذبه فى قول اوخطله فى فعل، ولقد قرن اللّه تعالى برسوله من لدن ان كان فطيما اعظم ملك من ملائكته يسلك به سبيل‏المكارم ومحاسن الاخلاق، وعلى معه ينتهل من نوره، يرفع له رسول اللّه(ص) فى كل يوم من اخلاقه علما،ويامره بالاقتداء به، ولم يجمع بيت واحد فى الاسلام غير رسول اللّه وخديجه، وعلى ثالثهما، يرى نور الوحى‏ويشم ريح النبوه، ولقد سمع رنه الشيطان حين نزل الوحى على النبى، فقال: له: يا رسول اللّه، ما هذه الرنه؟

، فقال:(هذا الشيطان قد ايس من عبادته، انك تسمع ما اسمع وترى ما ارى، الا انك لست بنبى ولكنك لوزير، وانك لعلى خير)((91)).

ويبدا النبى دعوته بموازره على، ويعلن حملته من مكه - موطنه - لاجتثاث جذور الشرك والشركاء، فانطلق‏يبشر وينذر فى قريش، لكن قريشا وبطونها ومن حولها من الاعراب والاحزاب كانوا قد اشرب فى قلوبهم‏شركاوهم، الا من آمن منهم، وقليل ما هم، والنبى ماض فيما انزل اليه، وهم (يصدون عن اللّه والمسجد الحرام)((92))،وما تزيدهم الايات الا نفورا، ويصدون عن النبى صدودا، فيوذونه ثم يوذونه حتى يقول: (ما اذوى نبى مثلمااوذيت).

ويضيق صدر النبى بما يقولون((93))، فيشعر بسقم كما شعر الخليل، ولابد مع السقم من الرحيل،.. ولكن، انى الرحيل‏وقريش قد اجمعت امرها على قتل النبى قبل الرحيل؟

..

وياتى هنا دور الوزير، ليفعل كما فعل الذبيح‏اسماعيل، فعلى على ان يكون ذبيحا للنبى، يبيت فى موضعه، ليوهم قريشاانه‏هوالنبى، - وهو حقا نفس النبى،وينفذ النبى من طوق الجمع ويبقى على منتظرا للذبح مكان النبى،.. النبى يامر عليا ان يرقد فى الفراش مكانه،على ان تكون العاقبه الذبح، وعلى يقبل الذبح، والنبى لا ينطق عن هوى، والامر امر الجليل، فمن يقبلها غيرعلى؟

ويبيت على فى فراش النبى، ولم يفعل احد مع النبى كما فعل على، (لقد اشبهت فى البيات على الفراش الذبيح(ع) اذاجبت كما اجاب واطعت كما اطاع اسماعيل صابرا محتسبا، اذ قال له - ابوه - (يا بنى انى ارى فى المنام انى اذبحك، فانظرماذا ترى؟

قال: يا ابت افعل ما تومر ستجدنى ان شاء اللّه من الصابرين)..

وكذلك انت، لما اباتك النبى وامرك ان تضجع فى‏مرقده واقيا له بنفسك، اسرعت الى اجابته..)((94))، وينجو النبى بمبيت على، فيسلك صعاب الشعاب مهاجرا الى يثرب‏التى تنورت من بعد بنوره، فكانت مسكن النور ومنطلق النور..

ورسول اللّه عندما يقدم عليا للذبح، فانه انما يطوى‏تلك المرتبه العليا من الاسلام، ولم يكن ذلك مقتصرا على امره عليا بالمبيت مكانه فى الفراش، اذ تكررت‏قضيه الذبح هذه فى مفاصل كثيره من سيرته(ص)، فهو يقدم عليا فى بدر ليقف فى الصف الاول قباله ابطال‏قريش، ويندبه فى احد: (اكفنيهم يا على) حين يفر عنه الاخرون، وكذا الخندق وخيبر وحنين..

وعلى يقف فى‏الجميع ذابا عن وجه الرسول واقيا له بنفسه فى بدر والخندق وحنين وغيرهن..

ومن هنا فان قضيه الذبح وتكررها فى سيره النبى مع على توحى بتاكيد الرمزيه فى اسماعيل مع ابراهيم، وبان‏مرتبه (الاسلما) قد بلغت كمالها فى محمد وعلى، وان هذا التكرر حقيق بما يترتب عليه بان تختم النبوه وفيض‏الوحى بمحمد، وتنحصر الامامه من بعده بدائره على، وانه لامر عظيم..، فالنبوه بتمام ما فيها من تاريخ من لدن‏آدم(ع) تجتمع وتنتهى بمحمد، والامامه كذلك بما فيها من تراث ترتكز فى على ونسل على، فالبلاء الابراهيمى‏المبين لابد له - والحاله هذه - من ملازمه قطبى الظاهره المحمديه او اقطابها على طول المسير، وكذلك كان..

اما التطهير للبيت الذى سبق عهده الى ابراهيم واسماعيل فانه بالنسبه للرسول الخاتم تطهير خاتم، وهو لايوديه الا هو او على، اذ التطهير لا يتم الا بطهور.

ولان تطهير البيت تاسيس، ولان عاقبه الرحيل بعد السقم بالكافرين شفاء وبرء من ذلك المحيط، وهم‏يملوون المحيط، (وانهم ليصدونهم عن السبيل)، فيحين الحين بعد ثمان من السنين، ليحج المسلمون، فيدفع‏الرسول ببراءه التطهير((95)) لابى بكر ليبلغها على اسماع الحجيج، واختيار ابى بكر ليس من قبيل الترجيح، لكنه من‏قبيل التلميح والتدليل، اذ يسرع جبريل الى النبى، يحمل اليه امر الجليل: (يا محمد، ربك يقول انه لا يبلغ عنك الا انت‏او على)((96)).. نعم، التاسيس لا يخرج عن دائرتك، وعلى منك، فيتضح التلميح، فالمقصود على، والمزاحمون لابد ان‏يوقفوا على حدهم، فانتحال الادوار لا يودى الى ترتب اثر التطهير او ما بعد التطهير، فلابد ان يحسم الموقف‏منذالان ليعلم الناس كيف التطهير وبمن التطهير..، فيجذبها على من ابى بكر ليعلنها عن النبى كما اعلنها الخليل‏واسماعيل: (براءه من اللّه وسوله الى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا فى الارض اربعه اشهر واعلموا انكم غيرمعجزى اللّه ورسوله وان اللّه مخزى الكافرين. واذان من اللّه ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان اللّه برى‏ء من المشركين‏ورسوله..)((98))، فيكتمها ابو بكر فى نفسه، ليستفهم من نفس النبى اذا رآه: يا رسول اللّه، انزل اللّه فى شيئ؟


25

فقال:(لا، ان اللّه امرنى ان لا يودى عنى الا انا او رجل منى).

ان البراءه تطهير، والتطهير تمهيد لطواف الطائفين وعكوف العاكفين وركوع الراكعين وسجود الساجدين،..والتطهير تمهيد لان يدخل الناس فى الدين افواجا، فان تطهر القبله للعابدين وترفع عوائق السبيل، فذلك اتم‏للحجه على السائرين.. فاذا الحجه تمت، كان حقا على اللّه ان يبشر نبيه باثار الفتح المبين وقطع دابر الصد عن‏السبيل، فالفتح فتح لبقيه سبيل الكمال، فهو فاتحه كمال الدين وتمام النعمه على النبى، وينزل جبريل ببشرى‏الجليل: (انا فتحنا لك فتحا مبينا)((99))، وفتح البيت يعنى ان لا يقربه ثم نجس، (انما المشركون نجس فلا يقربواالمسجد الحرام بعد عامهم هذا...)((100))، وتطهير البيت من تطهير المحيط، واراده اللّه اقتضت تطهير المحيط بدين نبى‏المحيط، ليكون ذلك التطهير ممهدا لاكمال الدين، (وما يريد اللّه ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم‏نعمته عليكم ولعلكم تشكرون)((101))، وعلاقه المحيط بالنبى وآل النبى، علاقه الماموم بالامام، وعلاقه الموجود بمن‏به الوجود، فتطهير المحيط تطهير لمن به المحيط ومن هنا كان وقوع آيه التطهير (انما يريد اللّه ليذهب‏عنكم‏الرجس اهل البيت ويطهركم تطهرا) ((102))ضمن آيات تقويم نساء النبى‏وتخييرهن ان يلتزمن اوامر النبى وطريقته، حاكيا لذلك التطهير وموكدا عليه، فنساء النبى اقرب المحيطلدائره النبى وآل النبى، وقد اراد اللّه ليذهب الرجس عن تلك الدائره، وقرينه ذلك السياق المجتمع فى آيات‏النساء، وتعديه الاذهاب ب(عنكم) بدل (منكم، فالرجس خارج وفى المحيط، واذهابه يكون (عن) اهل البيت،لا انه ذاتى ليكون اذهابه (منهم)((104))...

والفتح المبين والتطهير مقدمه، لا غايه، وعله ناقصه، لا تمام العله، او منتهى الغايه، فحقيقه الفتح، فتح لابواب‏الدين ليدخل الناس افواجا فيه، وغلق لابواب الصد التى تنتشر على الطريق ما تقدم منها وما تاخر، لتنتهى‏عاقبه الفتح المبين بنصر عزيز...

ولذلك لم تترك آيه الفتح دون تعليل، فما تلاها من آيه او آيات تعليل للفتح،فايه الفتح مشفوعه بتعليل الفتح((105)): (ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تاخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطامستقيما وينصرك اللّه نصرا عزيزا)((106)).ولم يكن احد اعظم ذنبا - فيما تقدم - عند مشركى اهل مكه من رسول اللّه اذ جعل الالهه الها واحدا، فلما كان‏الفتح فى تسع سنين خلت من هجرته(ص)، اظهر اللّه نبيه على عدوه، حتى اتوه صاغرين يستعطفونه ويلتمسون‏منه الامان والعذر، فيقف النبى على باب الكعبه مناديا: (يا معشر قريش، ماذا تقولون؟

وماذا تظنون انى فاعل بكم؟

)قالوا: خيرا، اخ كريم وابن اخ كريم، قال(ص): (اقول كما قال اخى يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم، وهو ارحم‏الراحمين.. اذهبوا فانتم الطلقاء)((107)).. فاطلقهم وغفر الذنب عفوا بعفو((108)).

ولم يكن كذلك احد اعظم ذنبا - فيما تاخر - عند اخلاف اولئك من رسول اللّه اذ يحوز عنهم الملك كله، وهم‏يكرهون ان تجتمع النبوه والامامه فى بيت واحد((109))، فالنفاق باق، وهم ان قبلوا التوحيد احجموا عن قبول نبوه‏محمد، وان قبلوا بنبوه محمد احجموا عن قبول امامه على، (ويقولون نومن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان‏يتخذوا بين ذلك سبيلا)((110))، وواقع حال هولاء انهم لما طغى‏عليهم موج الاسلام لم يجدوا بدا من ركوب ذلك الموج، للتخطيط من الداخل فيما بعد لاعاقه النبى عن اتمام‏الدعوه التى يكون فى تمامها عزلتهم الاجتماعيه والدنيويه..، لكن ظهور الجلال المحمدى بعد الفتح، وتلاحق‏الهزائم التى منى بها هولاء فى طول تلك المده السابقه افرز الياس فى نفوس الذين كفروا، فتهيا من ذلك‏الظرف اللازم ل(واللّه يعصمك من الناس)((111))، اى يمنعك من ان يصلوا اليك بشر، فالعصمه من الناس يترتب عليهافسح المجال للنبى ان يبلغ ما انزل اليه، (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم: تفعل فما بلغت رسالته واللّهيعصمك من الناس)((112))، فتبليغ الامر بامامه على له موقع‏المركزيه فى دائره الرساله، لانها الحافظ للدعوه ومسيرتها كما انزلت على النبى بعد غيابه، والا فان حرفها اوتحريفها يعنى امحاءها واجتثاثها، وفى هذا تعود الامه كان لم ياتها نذير ولم تبلغها رساله، بل تعود الامه‏برمتها جاهليه كانها لم تبلغ رساله قط، لان الرساله المحمديه لها صفه الشمول والهيمنه على كل رساله سابقه(وانزلنا اليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..)((113))، وهى هيمنه تحدد مصير الرسالات، وعليه‏فعدم التبليغ لمحور الرساله موداه التفريط بكل جهود الانبياء ورسالاتهم من لدن اولهم آدم(ع). من هنا تتضح‏خطوره تلك القضيه، ويظهر السر فى الاعداد الالهى للرساله المحمديه وروادها محمد وآله، ومن هنا - ايضا -كان خلق آدم لاجلهم، كما يظهر من حديث للرضا(ع)، اذ يخاطب اللّه تعالى آدم مشيرا الى اسماء محمد وعلى‏وفاطمه والحسن والحسين وهى مكتوبه على ساق عرشه: (هولاء ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقى، ولولاهم ماخلقتك...)((114)).


26

فالعصمه من الناس غفران الذنب فى آيات الفتح، وكما كان الفتح مقدمه غفران الذنب، كان غفران الذنب فى‏آيات الفتح مقدمه - كذلك - لاتمام النعمه واكمال الدين وهو معنى قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من‏دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا)((115)) ولقد اجتهدالرسول فى العباده بعد نزول آيات الفتح وبشراه بغفران الذنب وتمام النعمه حتى تورمت قدماه، ولما سئل فى‏ذلك قال: (فلا اكون عبدا شكور؟

)((117))، وهو دعاء كان قد تقبل من قبل لما توجه الخليل بذريته الى وادى مكه: (ربناانى انزلت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاه، فاجعل افئده من الناس تهوى اليهم وارزقهم‏من الثمرات لعلهم يشكرون)، وترجى الشكر فى (لعلهم يشكرون) يترتب على ما قبله من اقامه الصلاه وجعل‏افئده الناس تهوى اليهم ورزقهم، فان تم لهم ذلك، كان حقا عليهم ان يشكروا اللّه شكرا لا كفر معه (قال هذا من‏فضل ربى ليبلونى ااشكر ام اكفر ومن يشكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان اللّه غنى حميد)((118))، وهكذا فخلاف الشكر اوالتقصيرفيه لا يخرج عن ان يكون كفرا، وآيات الكتاب تقابل دوما بين ان يكون الانسان (اما شاكرا واما كفورا)، لكن‏مرتبه الشكر العاليه لا ينالها كل احد، (وقليل من عبادى الشكور)((119)).. فالشكر الذى ترجاه ابراهيم لذريته من‏قبل لما انبت بذرتهم عند بيت اللّه الحرام شكر مطلق لا يشوبه كفر، وابراهيم اذ يحمل ذريته الى واد غير ذى‏زرع، انما يبعدهم عن محيط الكفر الذى اسقمه، فالكفر مجمع الرجس، واراده اللّه اقتضت ان تذهب عن‏ذريته الرجس، (ليقيموا الصلاه)((120))، فالصلاه مبدا الدين ومنتهاه، وملخصه وعموده، واقامه الصلاه صنو الايمان‏لا تفارقه الا بعدمه، (وبين الايمان والكفر ترك الصلاه)((121)).

ان اقامه الصلاه من آثار الفتح، ففتح البيت يعنى تطهيره للعابدين والعاكفين والركع السجود، وتعميم اقامه‏الصلاه يترتب على ظهور الدين (الذين ان مكناهم فى الارض اقاموا الصلاه...)((122))، والفتح مقدمه لدخول الناس‏افواجا فى الدين، فمكه قبل الفتح كانت ام من حولها من القرى، يقدمها الناس تجارا وحجاجا على ما بقى من‏شعائر الخليل، فيجتهد الكفار فى محافل الناس فى تحريف الدين، لاقصاء الراى عن قبول الحق وصم الاذان عن‏سماع كلمات الوحى التى كانت تنزل على قلب محمد نجوما.. فلما كان الفتح، وانتثر مكر الذين كفروا هباء،اقبل الناس على الدين افواجا، وهو قوله تعالى: (اذا جاء نصر اللّه والفتح ورايت الناس يدخلون فى دين اللّه افواجافسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا)((123))، استغفار من الذنب بذاك المعنى الذى اشير اليه، فاذا تم الغفران لماتقدم من الذنب وما تاخر انفتحت بركات السماء بنعمه اللّه ورزق بانواع الثمرات، ثمرات الارض، وثمرات‏القلوب، والشكر ملازم لابتداء النعمه ودوامها، واما اكمل الشكر فهو لتمام النعمه.

واتمام النعمه فى آيات الفتح بشرى للنبى من طرف، واعلام للنبى بمعالم سبيل الرساله ومراحلها من طرف‏آخر، ولقد بشر ابراهيم بوقوع الاتمام فى اسماعيل تبشيرا فى صوره الاخبار عن الوقوع الحتمى فى قوله تعالى:(فاتمهن)، فرمزيه اسماعيل - هنا وهناك - فى ربطه للاتمامين اللذين بلغا غايه التحقق فى: (واتممت عليكم‏نعمتى)((124)) بولايه على(ع)...

ورمزيه اسماعيل كرابط، تتركز فى كونه بذره الامامه، والمعرف لحركتها فى نسله، فامير المومنين على(ع)عرفه للامامه كونه ذبيحا كاسماعيل، وكونه كذلك محورا لاكمال الدين، وتمام النعمه، ومستودعا لامتدادالامامه من بعده، فاستمرت فى الحسن والحسين ولديه، وهما امامان ان قاما وان قعدا((125))، اما فيمن ستستمرالامامه من بعدهما، وكلاهما سيد، وكلاهما سبط، وكلاهما امام فالمعرف لذلك هو نفس اسماعيل، فاسماعيل‏لما قدمه ابوه للذبح واراد ان يحتز راسه - كما اراه اللّه فى الرويا - نودى: (ان يا ابراهيم قد صدقت الرويا..)،(وامر اللّه تعالى ابراهيم(ع) ان يذبح مكان ابنه اسماعيل الكبش الذى انزله عليه)، لكن ابراهيم تمنى (ان يكون ذبح ابنه‏اسماعيل بيده، وان لم يومر بذبح الكبش مكانه، ليرجع الى قلبه ما يرجع الى قلب الوالد الذى يذبح ولده بيده، فيستحق‏بذلك ارفع درجات اهل الثواب على المصائب، فاوحى اللّه عز وجل اليه: يا ابراهيم، من احب الخلق اليك؟

قال: يا رب ما خلقت‏خلقا احب الى من حبيبك محمد(ص)، فاوحى اللّه عز وجل اليه: يا ابراهيم، فهو احب اليك او نفسك؟


27

، فقال: بل هو احب الى من‏نفسى، قال: فولده احب اليك ام ولدك؟

قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلما على ايدى اعدائه اوجع‏لقلبك او ذبح ولدك بيدك فى طاعتى؟

، قال: يا رب بل ذبحه على ايدى اعدائه اوجع لقلبى، قال: يا ابراهيم، ان طائفه تزعم انهامن امه محمد(ص) ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما ذبح الكبش، فيستوجبون بذلك غضبى، فجزع ابراهيم(ع)لذلك وتوجع قلبه واقبل يبكى، فاوحى اللّه عز وجل اليه: يا ابراهيم، قد فديت جزعك على ابنك لو ذبحته بجزعك على‏الحسين(ع) وقتله، اوجبت لك ارفع درجاتك على الثواب على المصائب، وذلك قول اللّه عز وجل: (وفديناه بذبح عظيم)((126))...).

فالذبيح هو الحسين، والذى توجع له قلب ابراهيم هو الحسين، والذى فدى به اسماعيل هو الحسين، والذى تمت به الكلمات هو الحسين، والذبح العظيم هو الحسين..

اما الكبش، فكان للتمثيل، واما اسماعيل، فكان رمزا عن الحسين، فالامامه اذن فى نسل الحسين، واسماعيل رمز الحسين وابناء الحسين، كما هو رمز ابى الحسين واخى الحسين.

فذكر اسماعيل فى كتاب اللّه العزيز - اذن - يضمر فيه اشاره الى الائمه من ذريته على نحو المجاز والتلميح‏والترميز، وفى تكرر ذكره نحو مغزى عددى يشير اليهم بعدتهم، اذ يتكرر ذكر اسماعيل اثنتى عشره مره فى‏كتاب اللّه الذى كان (موعظه وتفصيلا لكل شى‏ء)((127))، وهى عدتهم، (قل ربى اعلم بعدتهم)((128)) اثنا عشر اماما قد نص‏عليهم رسول اللّه الخاتم(ص) انهم نقباء، ساده، امراء، ائمه، وعدهم باسمائهم، يبدوون بعلى، ويختمون بالقائم‏محمد بن الحسن صلوات اللّه عليه وعليهم((129))، فالعلاقه بين ذكر اسماعيل والائمه - من على الى محمد بن الحسن‏بن على - علاقه الرمز بالتجسيد، فاسماعيل الرمز وهم التجسيد او المصداق لذلك الرمز، وتكرر ذكره رمزلعددهم، لان الرمز - كما قدمنا - يتكرر بتكرر التجسيد،تكرر الدليل بتكرر المدلول،ففى اسماعيل السر اذن..وفيه التلميح..ففى القرآن تبيان لكل شى‏ء(وكل شى‏ء عنده بمقدار)((130)).

(افلا يتدبرون القرآن...) ((131)).

الهامش

1- وقد اشار القرآن الى دور الاكمال هذا بقوله (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا) بعد ان اعلن‏رسول اللّه(ص) ولايه على فى يوم الغدير واكمال دين اللّه بهذه الولايه. وبقى على الامه ان تفسح المجال لهذا الدور وتحكمه فى حياتها وهو مالم‏يقع بعد وفاه رسول اللّه(ص).

2- اشاره الى قول عمر بن الخطاب: كانت بيعه ابى بكر فلته وقى اللّه المسلمين شره.

3- نهج البلاغه: فصل الحكم للقرآن. 4- المائده: 67. 5- النساء: 82. 6- بحار الانوار محمد باقر المجلسى: 23/106. كما تواتر نقل الحديث ايضا بالفاظ متقاربه عن طريق اهل السنه، (حتى قال ابن حجرالعسقلانى فى صواعقه المحرقه ص‏89 فى شان هذا الحديث (ثم اعلم ان لحديث التمسك بهما طرقا كثيره وردت عن نيف وعشرين‏صحابيا)، انظر ايضا مسند الامام احمد ج‏3 ص‏17 كما اورده بطريق آخر ص‏26، وذكره الهندى فى كنز العمال برقم 945 ج‏1 ص 47 كمااخرجه الحاكم فى مستدركه ج‏3 ص‏109 ثم قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله، كما اورده الذهبى ايضا معترفابصحته) - عن المراجعات للامام شرف الدين الموسوى ص 26.

7- الواقعه: 89. 8- الصافات: 84/ 111. 9- تفسير الصافى للفيض الكاشانى: 4/273: فى الكافى عن الباقر(ع): واللّه ما كان سقيما وما كذب، وفى المعانى والقمى عن الصادق(ع) مثله‏وزاد: وانما عنى سقيما فى دينه مرتاد.

10- يجذذها: يقطعها. 11- تفسير الصافى: 1/187: فى الكافى عن الصادق(ع) قال: ان اللّه تبارك وتعالى اتخذ ابراهيم عبدا قبل ان يتخذه نبيا وان اللّه اتخذه نبيا قبل‏ان يتخذه رسولا وان اللّه اتخذه رسولا قبل ان يتخذه خليلا وان اللّه اتخذه خليلا قبل ان يتخذه اماما فلما جمع له الاشياء قال: انى جاعلك للناس اماما...

12- كان رحيل ابراهيم الخليل الى بيت اللّه الحرام بعد ولاده اسماعيل وكان عمر ابراهيم عندما ولد اسماعيل تسعا وتسعين عاما، كما رجح‏ذلك الفيض الكاشانى فى تفسيره 3/94: فى تفسير قوله تعالى: (الحمد للّه الذى وهب لى على الكبر اسماعيل...) ابراهيم: 39.

13- الانعام: 79. 14- مريم: 48. 15- الحجر: 54. 16- البقره: 131. 17- مقتطفات من حديث للصادق(ع) ينقله صاحب تفسير الصافى عن القمى: 3/92.


28

18- ابراهيم: 37. 19- مقتطفات من حديث للصادق(ع) ينقله صاحب تفسير الصافى عن القمى:3/92.

20- مقتطفات من حديث للصادق(ع) ينقله صاحب تفسير الصافى عن القمى:3/92.

21- مقتطفات من حديث للصادق(ع) ينقله صاحب تفسير الصافى عن القمى: 3/92.

22- التحقيق فى كلمات القرآن الكريم حسن المصطفوى ج‏2 ماده (حلم).

23- تفسير الصافى عن القمى عن الصادق(ع): 1/189. 24 تفسير الصافى عن القمى عن الصادق(ع): 1/189.

25- البقره: 127. 26- البقره: 128. 27- البقره: 125. 28- عن الصادق(ع) قال: القلب حرم اللّه فلا تدخل حرم اللّه غير اللّه.

29- حديث قدسى. 30- الحجرات: 14. 31- الحديد: 16. 32- البقره: 144. 33- البقره: 115. 34- الزخرف: 37. 35- التوبه: 73. 36- الممتحنه: 4. 37- الميزان فى تفسير القرآن / محمد حسين الطباطبائى (العلامه): 1/36.

38- الصافى عن العياشى عن الصادق(ع): 4/276. 39- من الجدير ذكره ان العلامه الطباطبائى فى سفره الميزان الجزء الاول فى تفسيره للايات (130 - 134) من سوره البقره يستنبط اربع‏مراتب للاسلام الا انه يقول فى شان المرتبه (الثانيه والثالثه) ما نصه (وربما عدت المرتبتان الثانيه والثالثه مرتبه واحده). وبذلك يكون التقسيم‏الذى اخترناه قريبا من تقسيم العلامه مع جمع المرتبتين الاولى والثانيه.

40- الانسان: 3. 41- آل عمران: 154. 42- البقره: 124. 43- الانبياء: 72/73. 44- السجده: 24. 45- يس: 83. 46- الميزان فى تفسير القرآن: 1/274. 47- القصص: 78. 48- الحديد: 20. 49- التغابن: 15. 50- المنافقون: 9. 51- التكاثر: 1/ 6. 52- القصص: 122. 53- طه: 124. 54- نهج البلاغه من كلام لامير المومنين(ع) يصف فيه المتقين.

55- ورد فى الزياده التى يذكرها السيد ابن طاووس فى الاقبال لدعاء الامام الحسين(ع) المعروف فى يوم عرفه قوله: (انت الذى تعرفت الى‏فى كل شى‏ء فرايت‏ك ظاهرا فى كل شى‏ء).

56- فى تفسير الصافى: 4/41: عن المجمع عن الصادق(ع) فى معنى الايه(الا من اتى اللّه بقلب سليم) قال: (القلب السليم الذى يلقى ربه‏وليس فيه احد سواه).

57- الشعراء: 89. 58- نهج البلاغه عن امير المومنين قال: (لانسبن الاسلام نسبه لم ينسبها احد قبلى، الاسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين...).

59- البقره: 260. 60- تتمه كلام امير المومنين(ع): (لانسبن الاسلام...). 61- تفسير الصافى: 4/279، عن العيون من حديث للرضا(ع). 62- آل عمران: 85. 63- الحج: 78. 64- الممتحنه: 4. 65- البقره: 132. 66- الزخرف: 28. 67- العنكبوت: 69. 68- يس: 58. 69- تفسير الصافى: 4/263، عن المجمع عن الصادق(ع) قال: ان لكل شى‏ء قلبا وان قلب القرآن يس (اى سوره يس). وزاد بعض العرفان:وقلب سوره يس، (سلام قولا من رب رحيم) يس: 58.

70- البقره: 124. 71- وهو معنى كلمه التوحيد (لا اله الا اللّه). 72- الميزان فى تفسير القرآن: 1/273. 73- الميزان فى تفسير القرآن: 1/282: وفى تفسير العياشى باسانيد عن صفوان الجمال، قال: كنا بمكه فجرى الحديث فى قول اللّه (واذابتلى ابراهيم رب‏ه بكلمات فاتمهن)، قال: فاتمهن بمحمد وعلى والائمه من ولد على فى قول اللّه: (ذريه بعضها من بعض واللّه سميع عليم)آل عمران: 34.

74- الصافات: 113. 75- مريم: 54. 76- التوبه: 114. 77- البقره: 187. 78- التحقيق فى كلمات القرآن الكريم ج‏3، ماده (ذر). 79- عن العياشى عن الباقر(ع) فى تفسير الايه (انى انزلت من ذريتى...) قال... تفسير الصافى: 3/90.

80- تفسير الصافى 4/279: فى حديث طويل نقله عن عيون اخبار الرضا(ع).

81- المائده: 3. 82- الرمز: الاشاره الداله على معنى، وهى اعم من كونها باليد او بالعين وقد وردت هذه اللفظه مره واحده فى القرآن فى قوله تعالى: (قال‏آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثه ايام الا رمزا) آل عمران: 41.

83- الممتحنه: 4. 84- اى فتور: (قد جاءكم رسولنا يبى‏ن لكم على فتره من الرسل...) المائده: 19.

85- الحج: 26 /27. 86- تفسير الصافى 3/373: فى حديث عن الكافى والعلل عن الصادق(ع).

87- التجسيد والتجس‏د بمعنى الظهور والتجلى، وهى مشتقه من الجسد الذى هو الجسم الظاهرى المادى، وسنستخدم هذا اللفظ مجازا فى‏مقابل الرمز، فالرمز اشاره، والتجسيد ظهور وتجل.


29

88- الشعراء: 214. 89- اشاره الى الحديث المشهور عنه(ص) (ما اوذى نبى مثلما اوذيت) او كما ورد فى لفظ آخر (ما اوذى احد مثلما اوذيت) انظر كنز العمال‏للمتقى الهندى / الحديث رقم 5818.

90- مقاطع من حديث الدار يوم الانذار الصحيح الذى اطبقت على نقله اغلب صحاح السنن الماثوره من الفريقين بهذا اللفظ او قريب منه وقدنقلنا مقاطع منه عن المراجعات للعلامه شرف الدين العاملى / المراجعه رقم (20) ومقاطع اخرى عن تفسير الصافى فى تفسيره لايه الانذار.

91- الكلام من (ويضمه الى صدره...) عدا عباره (وعلى ينهل من نوره) مقتطف من كلام لامير المومنين فى نهج البلاغه يبى‏ن فيه موضعه من‏رسول اللّه، وقد نقلناه مع تغيير فى الضمائر بما يتناسب مع سياق حديثنا، فمثلا امير المومنين يقول: (ويضمنى الى صدره ويكنفنى فراشه...).

92- الحج: 25. 93-(ولقد نعلم ان‏ك يضيق صدرك بما يقولون) الحجر: 97. 94- مقطع من زياره امير المومنين(ع) فى يوم الغدير، رواها الشيخ المفيد والشهيد عن الامام الحسن العسكرى عن ابيه‏8.

95- نقصد بها سوره براءه التى فيها يتبرا اللّه ورسوله من المشركين ويعلن منعهم دخول البيت...

96- هذه النصوص ومضمون قصه البراءه ماخوذه من حديث لابى عبد اللّه الصادق(ع) فى البرهان فى تفسير القرآن للعلامه السيد هاشم‏البحرانى 2: فى تفسير سوره براءه.

97- هذه النصوص ومضمون قصه البراءه ماخوذه من حديث لابى عبد اللّه الصادق(ع) فى البرهان فى تفسير القرآن للعلامه السيد هاشم‏البحرانى 2: فى تفسير سوره براءه.

98- التوبه: 1/ 2. 99- الفتح: 1. 100- التوبه: 28. 101- المائده: 6. 102- السجده: 33. 103- قد اجمعت الروايات الصحيحه عن العامه فضلا عن الخاصه فى نزول هذا المقطع من الايه والمعروفه بايه التطهير فى شان الخمسه‏اصحاب الكساء (محمد وعلى وفاطمه والحسن والحسين) وحسبك فى ذلك ما اورده الشيخ اسد حيدر من مصادر فى كتابه (الامام الصادق‏والمذاهب الاربعه) وقد الفت فى الايه كتب وبحوث مستقله كثيره ومعروفه.

104- هاتان القرينتان - اعنى السياق والتعديه بعنكم - ذكرها احد الباحثين فى بحثه فى آيه التطهير واستدل فيما استدل بالقرينتين على ان‏المراد بالرجس هو ما يمكن ان يقع فى نساء النبى من انحراف.

105- المقصود بالتعليل هنا لام التعليل فى (ليغفر...). 106- الفتح: 3/4. 107- بحار الانوار 21: فصل فتح مكه. 108- فى تفسير الصافى 4: فى تفسير سوره الفتح عن ابن بابويه... عن الرضا(ع) قال فى تفسير الايه (ليغفر لك...): لم يكن احد عند مشركى‏اهل مكه اعظم ذنبا من رسول اللّه(ص) لانهم كانوا يعبدون ثلثمائه وستين صنما فلما جاءهم(ع) بالدعوه الى كلمه الاخلاص كبر ذلك عليهم‏وعظم وقالوا: (اجعل الاله الها واحدا ان هذا لشى‏ء عجاب) ص‏ك:5. وقال العلامه الطباطبائى فى الميزان 18/276 - 277 فى تفسير الايه نفسها: (فالمراد بالذنب التبعه السيئه التى لدعوته(ص) عند الكفاروالمشركين وهو ذنب لهم عليه كما فى قول موسى لربه (ولهم على ذنب فاخاف ان يقتلون) الشعراء: 14، وما تقدم من ذنبه هو ما كان منه(ص)بمكه قبل الهجره وما تاخر من ذنبه هو ما كان منه بعد الهجره، ومغفرته تعالى لذنبه هى ستره عليه بابطال تبعته باذهاب شوكتهم وهدم بنيتهم‏ويويد ذلك ما يتلوه من قوله: (ويتم نعمته على‏ك... وينصرك اللّه نصرا عزيزا)، ثم قال العلامه: وللمفسرين فى الايه مذاهب مختلفه اخر.

ثم‏ياتى بثمانيه منها بعضها للخاصه وبعضها للعامه، فيردها جميعا لمخالفتها ظاهر الايات.

109- اشاره الى تبرير عمر بن الخطاب لغصب الخلافه من على فى حوار له مع ابن عباس يقول فيه (كرهوا ان يجمعوا لكم النبوه والخلافه...)تاريخ الطبرى 1/30: ومثله فى شرح النهج لابن ابى الحديد الجزء السادس.

110- النساء: 150. 111- المائده: 67. 112- شواهد التنزيل للحاكم الحسكانى: 1/191: عن زياد بن المنذر انه كان يقول: كنت عند ابى جعفر محمد بن على(ع) وهو يحدث الناس اذقام اليه رجل من اهل البصره يساله فيمن نزلت الايه (يا اى‏ها الرسول بلغ...) فقال(ع): ان جبرئيل هبط على النبى(ص) - الى قوله - فقال: ان‏اللّه يامرك ان تدل امتك على وليهم مثلما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحج‏هم، ليلزمهم الحجه من جميع ذلك فقال رسول اللّه(ص):يارب ان قومى قريبو عهد بالجاهليه وفيهم تنافس وفخر وما منهم رجل الا وقد وتره ولى‏هم، وانى اخاف - اى تكذيبهم - فانزل اللّه تعالى: (ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته - يريد فما بلغت‏ها تامه - واللّه يعصمك من الناس)، فلما ضمن اللّه له العصمه‏وخوفه اخذ بيد على..) عن معالم المدرستين للعلامه السيد مرتضى العسكرى: 1/491.


30

113- المائده: 48. 114- تفسير الصافى 1/117: فى العيون عن الرضا (ع) فى حديث طويل عن قصه شجره آدم قال: (فناداه ارفع راس‏ك يا آدم وانظر الى ساق‏عرشى، فرفع راسه الى ساق العرش فوجد عليه مكتوبا: لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه(ص) وعلى بن ابى طالب امير المومنين وزوجته فاطمه‏سيده نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنه، فقال آدم: يارب من هولاء، فقال اللّه عز وجل: هولاء ذرى‏ت‏ك...) الحديث.

115- آل عمران: 5. 116- تفسير الميزان: 5/213: فى امالى الشيخ باسناده عن محمد بن جعفر بن محمد عن ابيه ابى عبد اللّه(ع) عن امير المومنين(ع) قال سمعت‏رسول اللّه(ص) يقول: بناء الاسلام على خمس خصال، على الشهادتين والقرينتين، قيل له: اما الشهادتان فقد عرفنا، فما القرينتان؟

قال: الصلاه‏والزكاه فانه لا تقبل احدهما الا بالاخرى والصيام وحج بيت اللّه من استطاع اليه سبيلا، وختم ذلك بالولايه فانزل اللّه (اليوم اكملت لكم‏دينكم...).

117- مضمون القصه والحديث فى بحار الانوار: 16/678. 118- النمل: 40. 119- سبا: 13. 120- قال العلامه فى الميزان: 12/77: وقوله: (... ربنا ليقيموا الصلاه...) بيان لغرضه من اسكانهم هناك، وهو بانضمام ما تقدم من قوله:(بواد غير ذى زرع...) وما يعقبه من قوله: (... فاجعل افئده من الناس تهوى اليهم) يفيد انه(ع) انمااختار واديا غيرذى زرع اعزل من امتعه‏الحياه من ماء عذب ونبات ذى خضره وشجر ذى بهجه وهواء معتدل خاليا من السكنه، ليتمحضوا فى عباده اللّه من غير ان تشغلهم شواغل‏الدني.

121- فى كتاب (كنز العمال) باب ترك الصلاه عن رسول اللّه(ص) انه قال: (بين الايمان والكفر...).

122- الحج: 41. 123- النصر: 1/ 3. 124- لا كلام فى نزول هذه الايه فى على بن ابى طالب بعد ان نصبه رسول اللّه اماما على امته فى اليوم الثامن عشر من ذى الحجه فى مكان‏يقال له غدير خم، وقد تكاثر نقل نزولها فى غدير خم عن طرق اهل السنه فضلا عن الشيعه، وان شئت فراجع كتاب الغدير للعلامه الامينى‏وكتاب المراجعات للسيد شرف الدين بتحقيق الشيخ حسين الراضى بطبعه المجمع العالمى لاهل البيت.

125- كما ورد فى الحديث الشريف: (الحسن والحسين امامان قاما او قعدا) او كما فى لفظ بحار الانوار: 43/278 (ابناى هذان امامان قاما اوقعدا).

126- مقاطع من حديث للرضا(ع) فى محضر المامون العباسى عن البرهان، المجلد الرابع تفسير سوره الصافات.

127- الاعراف: 145. 128- الكهف: 22. 129- قال الشهيد محمد باقر الصدر(رضى‏اللّه) فى بحثه حول المهدى ص‏54 ما نصه: (وقد احصى بعض المولفين روايات هذا الحديث النبوى الشريف‏عن الائمه او الخلفاء او الامراء بعده وانهم اثنا عشر فبلغت روياته اكثر من ماتين وسبعين روايه ماخوذه من اشهر كتب الحديث عن الشيعه‏والسنه بما فى ذلك البخارى ومسلم والترمذى ومسند احمد ومستدرك الحاكم على الصحيحين).

وفيما يلى المواضع التى ورد فيها اسم اسماعيل(ع) فى القرآن الكريم وهى اثنا عشره آيه، ومقطع من التوراه ونماذج من الروايات فى الائمه‏بعد النبى وعددهم عن طريق الخاصه والعامه.الايات الشريفه التى ورد فيها اسم اسماعيل(ع): 1.(... وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طه‏را بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود) البقر: 125.

2.(واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقب‏ل منا ان‏ك انت السميع العليم) البقره: 127.

3. (... قالوا نعبد اله‏ك واله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق الها واحدا ونحن له مسلمون) البقره: 132.

4.(قالوا آمنا باللّه وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط...) البقره: 136.

5.(ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا او نصارى...) البقره: 140.

6.(قل آمنا باللّه وما انزل علينا وما انزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط..) آل عمران: 84.

7.(انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده واوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط...) النساء: 163.

8.(واسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فض‏لنا على العالمين) الانعام: 86.

9.(الحمد للّه الذى وهب لى على الكبر اسماعيل واسحاق ان ربى لسميع الدعاء) ابراهيم: 39.

10.(واذكر فى الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) مريم: 54.11.(واسماعيل وادريس وذا الكفل وكل من الصالحين) الانبياء: 85.


31

12.(واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) ص‏ك: 48.وجاء فى (لعهد القديم) سفر التكوين الاصحاح: 17/ الرقم 18 / 20 قول الرب لابراهيم (ما ترجمته عن العبريه) (واسماعيل اباركه، واثم‏ره،واكث‏ره جدا جدا، اثنا عشر اماما يلد، واجعله امه كبيره) (يوجد النص العبرى مع ترجمته التى نقلناها هنا فى مقال الاستاذ احمد الواسط‏ى /مجله التوحيد، العدد:. 54/127)نماذج من روايات اهل البيت التى تشير الى ان الائمه اثنا عشر امام.

1. عن ابى سعيد الخدرى قال: سمعت رسول اللّه(ص) يقول للحسين: (انت الامام ابن الامام واخو الامام، تسعه من صلبك ائمه ابرار والتاسع‏قائمهم) (بحار الانوار:. 36/290) 2. عن ابى ذر، قال سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (من احبنى واهل بيتى كنا وهو كهاتين - واشار بالسبابه والوسط‏ى - ثم قال(ص) اخى خيرالاوصياء وسبط‏ى خير الاسباط، وسوف يخرج اللّه تبارك وتعالى من صلب الحسين ائمه ابرار، ومنا مهدى هذه الامه).قلت: يا رسول اللّه وكم الائمه بعدك؟

قال: (عدد نقباء بنى اسرائيل) (بحار الانوار:. 36/293) 3. عن ابى جعفر الباقر(ع)، عن جابر بن عبد اللّه الانصارى قال: (دخلت على فاطمه(ع) وبين يديها لوح (مكتوب) فيه اسماء الاوصياء،فعددت اثنى عشر آخرهم القائم، ثلاثه منهم محمد واربعه منهم على) (كمال الدين وتمام النعمه:. 311)الى كثير من الروايات التى تتفق على نفس المعنى ولا يمكن حصرها هن.

وتجنبا للاطاله نورد نموذجا واحدا من الاحاديث التى ضمتها كتب اهل السنه والتى تشير الى ان الائمه بعد النبى اثنا عشر اماما او نقيبا اواميرا...عن جابر بن سمره قال سمعت النبى(ص) يقول: (يكون اثنا عشر اميرا، فقال كلمه لم اسمعها، فقال ابى: انه قال: كلهم من قريش) (البخارى:127) وقد روى الحديث نفسه عن جابر مع تغيير طفيف فى اللفظ مسلم فى صحيحه 6/3: وكذا الترمذى فى‏سننه: 3/340.

130- الرعد: 8. 131- النساء: 82.