1 3 1 بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله رب العالمين
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمس مئة
قال العماد وكان شمس الدين بن المقدم من أكابر الأمراء وهو السابق إلى مكاتبة السلطان في تصويب رأيه في الوصول إلى الشام وتدارك أمر الإسلام
وكان السلطان عند تسلم بعلبك أنعم بها عليه ورد أمورها إليه فأقام بها مستقرا ولأخلاف أعمالها مستدرا
ولما وصل السلطان في هذه النوبة إلى الشام لم يحضر كما جرت العادة للخدمة والسلام فإنه كان نمى إليه أن الملك المعظم فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بن أيوب طلبها من أخيه وأنه لا يمكنه الرد فخاف من الحضور أن تتم الأمور وروجع في ذلك مرارا سرا وجهارا والتزم له أن يعوض عنها ما هو أوفى منها فأبى إلا الإباء وشارف السلطان منه ومن أخيه الحياء
وشمس الدولة لا يقبل عذرا ولا يرى عما طلبه صبرا
ثم استأذن أخاه في التوجه إليها فأذن له وتوجه عز الدين فرخشاه إلى حوران لحفظ الثغور وسار السلطان إلى حمص ونزل على العاصي عازما على الجهاد
ووردت من الفاضل كتب من بعض فصولها وأما سور القاهرة فعلى 5 ما أمر به المولى شرع فيه وظهر العمل وطلع البناء وسلكت به الطريق المؤدية إلى الساحل بالمقسم والله يعمر المولى إلى أن يراه نطاقا مستديرا على البلدين وسورا بل سوارا يكون به الإسلام محلى اليدين محلا الضدين
والأمير بهاء الدين قراقوش ملازم الاستحثاث بنفسه ورجاله لازم لما يعنيه بخلاف أمثاله قليل التثقيل مع حمله لأعباء التدبير وأثقاله
ومنها في حق نقل القضاء من شرف الدين بن أبي عصرون لما ذهب بصره إلى ولده لن يخلو الأمر من قسمين والله يختار للمولى خيرة الأقسام ولا ينسى له هذا التحرج الذي لا يبلغه ملك من ملوك الإسلام إما إبقاء الأمر باسم الوالد بحيث يبقى رأيه ومشاورته وفتياه وبركته ويتولى ولده النيابة ويشترط عليهما المجازاة لأول زلة وترك الإقالة لأول عثرة فطالما بعث حب المنافسة الراجحة على اكتساب الأخلاق الصالحة
وإما أن يفوض الأمر إلى الإمام قطب الدين فهو بقية المشايخ وصدر الأصحاب ولا يجوز أن يتقدم عليه في بلد إلا من هو أرفع طبقة في العلم منه
ومنها في إقامة عذر التأخر عن الجهاد وأما تأسف المولى على 6 أوقات تنقضي عاطلة من الفريضة التي خرج من بيته لأجلها وتجدد العوائق التي لا يوصل إلى آخر حبلها فللمولى نية رشده وأليس الله العالم بعبده وهو سبحانه لا يسأل الفاعل عن تمام فعله لأنه غير مقدور له ولكن عن النية لأنها محل تكليف الطاعة وعن مقدور صاحبها من الفعل بحسب الاستطاعة
وإذا كان المولى آخذا في أسباب الجهاد وتنظيف الطرق إلى المراد فهو في طاعة قد الله عليه بطول أمدها وهو منه على أمل في نجح موعدها والثواب على قدر مشقته وإنما عظم الحج لأجل جهده وبعد شقته ولو أن المولى فتح الفتوح العظام في أقل الأيام وفصل القضية بين أهل الإسلام وأعداء الإسلام لكانت تكاليف الجهاد قد قضيت وصحائف البر المكتسبة بالمرابطة والانتظار طويت
ومنها في ذكر أولاد السلطان وقبل الإجابة عن الفصول فنبشر بما جرت العادة به لا قطع الله تلك العادة من سلامة وصحة وعافية شملت موالينا أولاده السادة أطاب الله الخبر إليهم عن المولى وإلى المولى عنهم وعجل لقاءه لهم ولقاءهم له فإنهم من يلق منهم بل كل منهم ملك دسته برجه وفارس مهده سرجه فهم بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها وريحان الحياة وزهرتها وإن فؤادا وسع فراقهم لواسع وإن قلبا قنع بأخبارهم لقانع وإن طرفا نام على البعد عنهم لهاجع وإن ملكا ملك تصبره عنهم لحازم وإن نعمة الله فيهم لنعمة بها العيش ناعم أما يشتاق 7 جيد المولى أن يتطوق بدررهم أما تظمأ عينه إلى أن تتروى بنظرهم أما يحن قلبه على قلبه أما يلتقط هذا الطائر بتقبيلهم ما خرج من حبه وللمولى أبقاه الله تعالى أن يقول
( وما مثل هذا الشوق تحمل مضغة
ولكن قلبي في الهوى بقلوب )
وفي أخرى والملوك الأولاد في كفالة العافية لا رفعت عنهم كفالتها وعليهم جلالة السلطنة لا فارقتهم جلالتها وكل من الموالي السادة الأمراء الأولاد والقلادة كلها جوهر وكلهم المقدم وليس فيهم بحمد الله من يؤخر على ما عود الله من صحة وسلامة وكفاية ووقاية ولزوم المستقل منهم لمشهد الكتاب ولموقف الأماج ومخايل الخفر فيهم من تحت ليل الصبا أنور دلالة من ضوء السراج والله تعالى يمد في عمر المولى إلى أن يرى من ظهورهم ما رأى جدهم رحمه الله في أهل بيته من البطن الرابع فوارس الحرب الرائعة وملوك الإسلام التي منهم للإسلام أكاسرة وتبابعة
( ما فيهم عند العلاء صغير
وصغار أبناء الكبار كبار )
نجوم الأرض وذرية بعضها من بعض والخلف الصالح المحض وهم في الدنيا والآخرة فرسان القوة والتقى يوم الحرب ويوم العرض 8
ومنها في ذم ماء دمشق ووخمها عرف المملوك من الكتب الواصلة التياث جسم المولى الأمير عثمان والحقير مما ينال ذلك الجسم الكريم يوقد في قلوب الأولياء الأثر العظيم و
( قليل قذاة العين غير قليل
)
وماذا يقول في بلد لو صحت الحمية من مائه لكانت من أكبر أسباب صحة المحتمي وشفائه فإنه ماء يؤكل وبقية المياه تشرب ويجد وخامته من ينصف ولا يتعصب
ومنها وأما المأمور به في معنى المنكرات الظاهرة وإزالة أسبابها وإغلاق أبوابها وتحصين كل مبتوتة من عصمة وتطهير كل موسومة بوصمة فالله يثيب المولى ثواب من غضب ليرضيه بغضبه وحمل الخلق على منهاج شرعه وأدبه
ثم أورد العماد فصولا كثيرة وقال إنما أوردت الفصول الفاضلية لأن في كل فصل منها ذكر سيرة وفوائد كثيرة
فصل
قال العماد ومن جملة ما أغفلته ذكر ما أسقطه السلطان من مكس 9 مكة شرفها الله تعالى عن الحاج وتعويض أميرها بجلاب غلة تحمل إليه في كل سنة وتعيين ضياع موقوفة عليها بالأعمال المصرية
كان الرسم بمكة أن يؤخذ من حاج المغرب على عدد الرؤوس ما ينسب إلى الضرائب والمكوس فإذا دخل حاج حبس حتى يؤدي مكسه ويفك بما يطلبونه منه نفسه وإذا كان فقيرا لا يملك فهو يحبس ولا يترك وتفوته الوقفة بعرفة ولا تدرك
فقال السلطان نريد أن نعوض أمير مكة عن هذا المكس بمال ونغنيه عنه بنوال وإن أعطيناه ضياعا استوعبها ارتفاعا وانتفاعا فلا يكون لأهل مكة فيها نصيب
فقرر معه أن يحمل إليه في كل سنة مبلغ ثمانية آلاف إردب قمح إلى ساحل جدة فإن الأمير بها يحتاج إلى بيعها للانتفاع بأثمانها ويثق أهل الحرمين من الدولة بدوام إحسانها
وقرر أيضا حمل الغلات إلى المجاورين بالحرمين والفقراء ومن هناك من الشرفاء ووقف لها وقوفا وخلد بها إلى قيام الساعة معروفا فسقطت المكوس واغتبطت النفوس وزاد البشر وزال العبوس واستمرت النعمى ومر البوس وذلك في سنة اثنتين وسبعين
ومن كلام الفاضل في ذلك في بعض كتبه من البشائر التي لا عهد لحاج ديار مصر بمثلها ولا عهد لملك من ملوك الديار المصرية بالحصول على فخرها وأجرها انقطاع المكاسين عن جدة وعن بقية السواحل ويكفي 10 أن تمام هذه المثوبة موجب الاستطاعة مقيم لحجة الله في الحج فقد كانت الفتيا على سقوطه مع وجود الحامل وما أكثر ما أجرى الله للخلائق على يد المولى من الأرزاق التي تفضل عن الاستحقاق وما أولاه أن يتوخى بالمعروف مكانه من هذين الحرمين الشريفين المهجورين من إسعاف أهل الاقتدار والمحروم من قدر فيهما على خير فأضاع فرصته بترك البدار
وغير خاف عن مولانا همة الفرنج بالقدس برا وبحرا ومركبا وظهرا وسلما وحربا وبعدا وقربا وتوافيهم على حمايته وهو أنف في وجه الإسلام ومسارعتهم إلى نصرة أهليه بالأرواح والأموال على مر الأيام
ومعاذ الله أن يستبصروا في الضلال ونصرف نحن عن الحق وتضيق بنا في التوسعة على أهله سعة المجال
المملوك في مستهل رجب بمشيئة الله تعالى يعول على السفر إلى الحجاز لقضاء الفريضة قولا وفعلا والسائرون في هذه السنة بطمعة وقفة الجمعة وبفسحة وضع المكس خلق لا يحصى والمولى شريك في أجرهم فليهنه أن الملوك عمرت بيوتها فخربت وأن المولى عمر بيت الله فمن كرمه سبحانه أن يعمر بيت المولى وما أشد خجل الملوك من النبي في التقصير في قوت جيرانه في هذه السنة وما هكذا وصى ابن 11 اللمطي ولكن للغائب حجته
قلت وفي هذه المكرمة التي فعلها صلاح الدين رحمه الله بالحاج يقول الشيخ الفاضل أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي من قصيدة له يمدح بها صلاح الدين وستأتي فيما بعد أخبرني بها ثقة نقلها من خطه
( رفعت مغارم مكس الحجاز
بإنعامك الشامل الغامر )
( وأمنت أكناف تلك البلاد
فهان السبيل على العابر ) 12
( وسحب أياديك فياضة
على وارد وعلى صادر )
( فكم لك بالشرق من حامد
وكم لك بالغرب من شاكر )
( وكم بالدعاء لكم كل عام
بمكة من معلن جاهر )
( وقد بقيت حسبة في فلان
وتلك الذخيرة للذاخر )
( يعنف حجاج بيت الإله
ويسطو بهم سطوة الجائر )
( ويكشف عما بأيديهم
وناهيك من موقف صاغر )
( وقد وقفوا بعدما كشفوا
كأنهم في يد الآسر )
( ويلزمهم حلفا باطلا
وعقبى اليمين على الفاجر )
( وإن عرضت بينهم حرمة
فليس لها عنه من ساتر )
( يخاف غدا عرضه
على الملك القادر القاهر )
( أليس على حرم المسلمين
بتلك المشاهد من غائر )
( ألا حاضر نافع زجره
فيا ذلة الشاهد الحاضر )
( ألا ناصح مبلغ نصحه
إلى الملك الناصر الظافر )
( ظلوم تضمن مال الزكاة
لقد تعست صفقة الخاسر )
( يسر الخيانة في باطن
ويبدي النصيحة في الظاهر )
( فأوقع به حادثا إنه
يقبح أحدوثة الذاكر )
( فما للمناكر من زاجر
سواك وبالعرف من آمر )
( وحاشاك إن لم تزل رسمها
فما لك في الناس من عاذر )
( ورفعك أمثالها موسع
رداء فخارك للناشر )
( وآثارك الغر تبقى بها
وتلك المآثر للآثر )
( نذرت النصيحة في حقكم
وحق الوفاء على الناذر )
( وحبك أنطقني بالقريض
وما أبتغي صلة الشاعر ) 13
( ولا كان فيما مضى مكسبي
وبئس البضاعة للتاجر )
( إذا الشعر صار شعار الفتى
فناهيك من لقب شاهر )
( وإن كان نظمي له نادرا
فقد قيل لا حكم للنادر )
( ولكنما خطرات الهوى
تعن فتلعب بالخاطر )
( أما وقد زان تلك العلا
فقد فاز بالشرف الباهر )
( وإن كان منك قبول له
فتلك الكرامة للزائر )
( ويكفيه سمعك من سامع
ويكفيه لحظك من ناظر )
( ويزهى على الروض غب الحيا
بما حاز من ذكرك العاطر )
قال العماد وفي المحرم من هذه السنة توفي الحكيم مهذب الدين أبو الحسن علي بن عيسى المعروف بابن النقاش البغدادي بدمشق وكان 14 كنعته مهذبا ومن الملوك لتفرده بفضله مقربا وهو مبرز في فنه حتى إن من شدا شيئا من الطب تبجح بأنه قرأ عليه وتردد لاستفادته إليه وقد راضته العلوم الرياضية وأحكمت أخلاقه المعارف الحكمية
وفي الثاني عشر من جمادى الأولى توفي الأمير نجم الدين بن مصال بمصر وجاءنا نعيه ونحن بحمص فجاوز اغتمام السلطان برزئه حده وجلس في بيت الخشب مستوحشا وحده وقال لا يخلف الدهر لي صديقا مثله بعده
وأجرى ما كان له جميعه لولده وحفظ عهده وكان لجماعة من الأعيان والشعراء والأماثل والأدباء بعنايته ووساطته من السلطان رزق بقاه عليهم كأنه عليه مستحق
وفي العشر الأول من ربيع أغارت طائفة من الفرنج على بلد حماة فخرج إليها متولي عسكر حماة الأمير ناصر الدين منكورس بن خمارتكين صاحب حصن بو قبيس فأسر المقدمين وسفك بسيفه دم الباقين وجاء إلى الخدمة السلطانية بظاهر حمص وساق معه الأسارى فأمر السلطان بضرب أعناقهم وأن يتولى ذلك أهل التقى والدين من الحاضرين
فتقدم إمامه الضياء الطبري وضرب عنق بعضهم وتلاه الشيخ سليمان المغربي ثم الأمير ايطغان بن ياروق واستدعي العماد وأمر 15 بذلك فلم يفعل وطلب أن يملكه السلطان منهم صغيرا فعوض عنه
ثم رحل السلطان على طريق الزراعة إلى بعلبك فنازلها محاصرا من غير قتال فطال أمرها ولم يسمح بها صاحبها ودخل فصل الشتاء فرحل السلطان عنها إلى دمشق ووكل بها من يحصرها بالمنع من الخروج والدخول من غير تال وهم جماعة مع طغرل الجاندار ودخل إلى دمشق في العشر الأواخر من رجب وتمادى الأمر إلى أن رضي ابن المقدم بحصن بعرين وأعماله وببلد كفرطاب وأعيان نواح وقرى من بلد المعرة وسلم بتسليم بعلبك من المضرة والمعرة
وكان الذي أخذه أكثر وأنفع من الذي خلاه وما خطر بباله ما حصل له ولا ترجاه ولا تمناه
فصل كالذي قبله في حوادث متفرقة
قال العماد وكتب النواب بدمشق إلى السلطان أن الأموال ضائعة وأن الأطماع فيها راتعة وأن في أرباب الصدقات أغنياء لا يستحقونها وما لهم رقبة من الله يتقونها وأن أرباب العنايات استوعبوها وما استوجبوها وان المصلحة تقتضي إفراد جهات لما يسنح من مهمات
وكانت الصدقات مبلغ أحد عشر ألف دينار فقال لي اكتب عليها جميعها بالإمضاء ولا تكدر على ذوي الآمال موارد العطاء
فقلت أما أتلو عليك الأسماء فقال لا بل نزهني عن هذه الأشياء
فبقيت تلك الرسوم 16 دارة والآمال بها سارة
قال وفي شعبان من هذه السنة توفي متولي المقياس بمصر ففوض السلطان منصبه إلى أخيه
قال وهذا المقياس موضع مبني من عهد خلفاء بني العباس لتعرف زيادة الماء ونقصانه بالقياس وهناك عمود في الماء مقسوم بالأذرع والأذرع مقسومة بالأصابع في مسجد ينوب في الجزيرة عن الجامع تصلى فيه الجماعات والجمع ويتولاه من العهد القديم متول من بني أبي الرداد ممن هو معروف بالنزاهة والعلم والسداد وله راتب دار ورسم وقرار
قلت بلغني أن أبا الرداد هذا كان معلما من أهل الصدق والصلاح رتبه جعفر المتوكل على الله في ولاية المقياس وبقي من بعده على ولده وقرأت في تاريخ الغرباء الذين قدموا مصر لأبي سعيد بن يونس قال عبد الله بن عبد السلام بن الرداد العمي بصري قدم مصر وحدث بها 17 وكان قد جعل على قياسة النيل توفي بمصر لسبع بقين من رجب سنة ست وستين ومئتين
وذكره أبو سعيد في أهل مصر أيضا وقال فيه ولد هو وأبوه بمصر
قال ابن الأثير وفي سنة أربع وسبعين وخمس مئة اشتد الغلاء وعم أكثر البلاد العراق ومصر وديار بكر وديار الجزيرة والشام وغير ذلك من البلاد ودام إلى أن انقضى أكثر سنة خمس وسبعين وخرج الناس في البلاد يستسقون فلم يسقوا ثم إن الله تعالى رحم عباده ولطف بهم وأنزل عليهم الغيث وأرخص الأسعار
ومن عجيب ما رأيت تلك السنة أنني كنت في الجزيرة فأقبل إنسان تركماني قد أثر فيه الجوع وكأنه قد أخرج من قبر فبكى وشكا الجوع فأرسلت من اشترى له خبزا فتأخر إحضاره لعدمه وهو يبكي ويتمرغ على الأرض فتغيمت السماء وجاءت نقط مطر متفرقة وضج الناس ثم جاء الخبز فأكل التركماني وأخذ الباقي معه ومشى واشتد المطر ودام من تلك الساعة فرخصت الأسعار ووجدت الأقوات بعد أن كانت معدومة
ثم تعقب الغلاء وباء شديد كثير وكان مرض الناس شيئا واحدا هو سرسام فمات فيه من كل بلد أمم لا يحصون كثرة ولقي الناس منه ما أعجزهم حمله ثم إن الله تعالى رفعه 18 في سنة ست وسبعين وخمس مئة وقد ضعضع العالم
فصل في عمارة حصن بيت الأحزان ووقعة الهنفري
قال العماد وفي مدة مقام السلطان على بعلبك واشتغاله به انتهز الفرنج الفرصة فبنوا حصنا على مخاضة بيت الأحزان وبينه وبين دمشق مسافة يوم وبينه وبين صفد وطبرية نصف يوم وقيل للسلطان متى أحكم هذا الحصن تحكم من الثغر الإسلامي الوهن وغلق الرهن
فيقول إذا أتموه نزلنا عليه وهدمناه إلى الأساس وجعلناه من الرسوم الأدراس
فكان الأمر بعد سنة على ما جرى على لفظه من عدة حسنة
فلما انقضى أمر بعلبك وصل السلطان دمشق فأقام بها وأمر الحصن من همه وقصد حصاره من عزمه وكان العام مجدبا والجدب عاما وقيل للسلطان ليس هذه سنة جهاد فإن استمنحوك السلامة فامنح وإن جنحوا للسلم فاجنح
فقال السلطان إن الله أمر بالجهاد وكفل بالرزق فأمره واجب الامتثال ووعده ضامن الصدق فنأتي بما كلفنا لنفوز بما كفله ومن أغفل أمره أغفله 19
قال ووصل في هذه السنة رسول دار الخلافة وهو الخادم فاضل وكان من أفضل الخدم ندب بأفضل الخدم
وفرح السلطان به واستصحبه معه إلى الغزاة ووقف به على الحصن الذي استجده الفرنج بالمشهد اليعقوبي وتخطف من حوله من الفرنج جماعة وأقام على أهل المعصية بجهاده الطاعة وعاد وقد عرف ما يعزم عليه من أمر فتحه
قال وفي مستهل ذي القعدة كانت وقعة هنفري ومقتله وذلك أن الأخبار تواترت بأن الفرنج قد تجمعوا في جمع عظيم وأنهم عازمون على الخروج إلى المسلمين على غرة
فقدم السلطان ابن أخيه فرخشاه على عساكر دمشق وأمره أن يخرج إلى الثغر ففعل وأمره إن علم بخروجهم أن ينفذ إلى السلطان يعلمه بذلك ولا يلقاهم بل يتركهم حتى يتوسطوا البلاد
فلم تشعر طلائع فرخشاه إلا وقد خالطوهم على غرة فوقعت الوقعة فقتل صاحب الناصرة وجماعة من مقدميهم وطلب الملك فطرح حصانه وجرح فرسانه وجاء الهنفري ليحميه فوقعت فيه جراحات أحدها نشابة وقعت في مارنه فجدعته ونفذت إلى فيه ومرت بضرسه فقلعته وخرجت من تحت فكه ووقعت أخرى في مشط رجله فنفذت إلى أخمصه وأخرى في ركبته وضرب بلت في جنبه فكسر له ضلعين
وقتلت عدة من الرجالة والخيالة ورجعت الفرنج بخزي عظيم ليس فيهم 20 إلا مجروح وكل يوم ترد بشرى بموت مقدم من جراحة أصابته
ووردت بطاقة الطير في ذلك اليوم إلى دمشق فخرج السلطان فما وصل إلى الكسوة إلا ورؤوسهم وأسراؤهم قد جيء بها فرجع مظفرا منصورا وذلت الفرنج بعدها وانكسرت لموت الهنفري
ثم سار السلطان إلى الحصن الذي بنوه فأزعجهم وذعرهم وعاد على عزم العود إليه
قال ثم وجه السلطان أخاه الأمير تورانشاه من الشام إلى مصر بمن ضعف من الأجناد لأجل محل البلاد
فرتب في بعلبك نوابه وودعه السلطان من مرج الصفر وذلك في أواخر ذي القعدة ومر على بصرى ومنها إلى الأزرق ومنه إلى الجفر إلى أيلة إلى صدر ووصل معه خلق كثير من التجار والرجال والنساء والأطفال
فصل
قال العماد وسافر الفاضل إلى الحج في هذه السنة وركب البحر فكتبت إليه كتابا فيه طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجا 21 منيل الجدا ومنير الدجى ولندي الكعبة من كعب الندى وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى وللمقام الكريم من مقام الكريم ومن حاطم فقار الفقر للحطيم ومتى رئي هرم في الحرم وحاتم ماتح زمزم ومتى ركب البحر البحر وسلك البر البر لقد عاد قس إلى عكاظه وعاد قيس لحفاظه ويا عجبا لكعبة تقصدها كعبة الفضل والإفضال ولقبلة تستقبلها قبلة القبول والإقبال
قلت ومدحه أبو الحسن بن الذروي عند عوده من الحج بقصيدة حسنة منها
( علم البحر أنك الخلق وافاه
فأمسى حشاه يخفق رعبا )
( وغدا دره لديه حقيرا
إذ رأى الدر منك ينشىء سحبا )
( ولو اختار قطرة منك يا بحر
لأضحى أجاجه الملح عذبا )
( هائج لم يزل دعاؤك حتى
هون الله منه ما كان صعبا )
( ولقد نام إذ ركبت وللريح
هبوب وحيث أرسيت هبا )
( حبذا ما صنعته من أياد
عاد جدب الحجاز منهن خصبا )
( رمت كتمانها فذاعت وهل يقدر
غيث يخفي عن الأرض سكبا )
( قد رأت منك كعبة الله لما
جئتها حاتما وإن شئت كعبا ) 22
( بل رأى منك بيته بيت مجد
أحرم الجود حوله ثم لبى )
( ورأى الركن من يمينك ركنا
جاء للثم أبيض اللون رضي الله عنه طبا )
( وزهت زمزم بشربك منها
وعجيب أن يظهر الماء عجبا )
( وتوجهت للمدينة عن مكرمة
لما تشاركا فيك حبا )
( وأتيت الشام تلو فتوح
سار شرقا بها الهناء وغربا )
( إن تكن غبت عنه والله يبقيك
لأمثاله فما غبت قلبا )
( سرت والرأي فيه منك مقيم
بعثت الدعاء في الليل كتبنا )
وقد وقفت على الرقعة التي كتبها القاضي الفاضل رحمه الله بخطه إلى السلطان يلتمس منه الأذن له في سفر الحج فأحببت نقلها هنا وما كتبت السلطان عليها وما كتب بسببها إلى بعض نوابه
نقلت من خط الفاضل رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم كتب المملوك هذه الرقعة بعد أن استخار الله سبحانه من مستهل رجب في أكثر لياليه وإلى آخر هذه الساعة وهو ينهي أنه قد شارف الأربعين وما يدري لعلها عقبة اللقاء وفرض الله في الحج قد تعين ووعد المولى به قد سبق عند أيلة ومدة الغيبة قصيرة والنائب ينفذ ما يحتاج إليه في السفر والحضر والثقة به حاصلة في المرادين من الكاتب وهما الكتمان والمعرفة وحظ المولى في حجه والله أضعاف حظه في مقامه لأنه إن كان ينفع هنا في الدنيا فهو ينفع هناك في الآخرة وإن لم يكن أهلا لأن يستجاب منه فالله أهل لأن يجيب في المولى والمملوك فما ثقل قط في سؤال وليس لأن المولى لا يقضيها ولكن لأنه يغنيه عن السؤال فيها وهذه حاجة الدنيا والآخرة وبعدها ينشد
( متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة
لنفسي إلا قد قضيت قضاءها )
وما أراد المملوك أن يستشفع بمن يشارك المولى في الأجر وما يريد إلا دستورا عن نفس طيبة ورضى ظاهر وباطن ولا يريد خلاف الفرض فما يقي له بقضاء المفترض والله المعين برحمته الحمد لله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله وسلامه
وعلى رأس الرقعة في سطر البسملة بخط السلطان رحمه الله ما صورته على خيرة الله تعالى يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزا عظيما
نقلته من خطه
ونقلت من خط بعض الكتاب ما نقله من خط السلطان رحمه الله إلى بعض النواب
فصل
من كتاب كريم بالخط العالي الناصري أعلاه الله ورد بتاريخ السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وخمس مئة
وصلني كتاب القاضي الفاضل وهو يذكر أنه مصمم على الحج الله يجعله مباركا ميمونا ولكن لا أفسح له فيه إلا بعد ثنتين واحدة أنه لا يركب بحر يسير من العسكر إلى أيلة ومنها يتوجه ويقيم العسكر على أيلة ليلة وعلى إرم ودون إرم ليلة وقاطع إرم ليلة فيكون هو 23
( متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة
لنفسي إلا قد قضيت قضاءها )
وما أراد المملوك أن يستشفع بمن يشارك المولى في الأجر وما يريد إلا دستورا عن نفس طيبة ورضى ظاهر وباطن ولا يريد خلاف الفرض فما يفي له بقضاء المفترض والله المعين برحمته الحمد لله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله وسلامه
وعلى رأس الرقعة في سطر البسملة بخط السلطان رحمه الله ما صورته على خيرة الله تعالى يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزا عظيما
نقلته من خطه
ونقلت من خط بعض الكتاب ما نقله من خط السلطان رحمه الله إلى بعض النواب
فصل
من كتاب كريم بالخط العالي الناصري أعلاه الله ورد بتاريخ السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وخمس مئة
وصلني كتاب القاضي الفاضل وهو يذكر أنه مصمم على الحج الله يجعله مباركا ميمونا ولكن لا أفسح له فيه إلا بعد ثنتين واحدة أنه لا يركب بحر يسير من العسكر إلى أيلة ومنها يتوجه ويقيم العسكر على أيلة ليلة وعلى إرم ليلة ودون إرم ليلة وقاطع إرم ليلة فيكون هو 24 قد بعد وما يبقى عليه خوف إن شاء الله تعالى
وثانية تأخذ يده وتحلفه برأسي أنه لا يجاور
وثالثة تعطيه من مال الجوالي ثلاثة آلاف دينار وتقول له لا بد ما تخرج هذا عني لا عنك في المجاورين بمكة والمدينة وفي أهلها هذا أمر لا بد منه فإن الناس لا بد لهم من الطلب ولا بد لك من العطاء وإن قال إن الشيء قليل
فأنت تقرضني هذا المبلغ من مالك وتعطيه إياه فلا بد وإلا فلا إذن له في الرواح إلى الحج إلا على هذه الشروط التي قد شرطتها وأما مجيئه فيجيء إلى الشام فأنا ما بقي لي دار إلا هي حتى يقضي الله بيننا وبين الفرنج (
وهو خير الحاكمين )
وكتب الفاضل إلى بعض مشايخ مكة بعد رجوعه سقى الله الحجاز وحيا كعبته ويا طول ما ترشقني سهام الشوق الذي أصبح الذكر جعبته آها على تلك المواقف وتبا لمن رضي أن يكون مع الخوالف فرعيا ونعمى وحسنة وحسنى لمجاوري ذاك الحرم ولعامري أيامه التي هي الأيام لا أيام ذي سلم
فيالهف الصدور وطول غليلها إلى ورود ماء زمزمه وطوبى لمن استضاء في مضال الظلم بعلمه ومهما نسيت فلا أنسى برد الكبد بحر صيفها وموسم الأنس بثلاث مناها وخيفها
( آها عليها ليال ما تركن لنا
إلا الأسى وعلالات من الحلم )
( عسى الرياح إذا سارت مبلغة
توفي فقد غدر الأحباب بالذمم )
ثم قال فأما الطريق المباركة فقد جرى فيها خطوب وشؤون وأحاديث كلها شجون وكانت العقبى إلى سلامة ولما قاربنا الكرك نهض العدو فلم تمكن الرجعة ولا التعريج جانبا ثم من الله تعالى بانجلاء 25
النوبة ووصلنا إلى بلاد السلطان ولقينا ذلك الوجه فلا عدمنا بشره وذلك الفضل فلا فارقت أعيننا فجره ووجدناه في الغزاة جاهدا وللعدو مجاهدا أوقاته مستغرقة وعزماته محققة
فصل فيما فعل مع الفرنج في باقي هذه السنة وأول الأخرى ووقعة مرج عيون
قال ابن أبي طي كانت الفرنج قد عمرت بيت الأحزان وكان على المسلمين منه ضرر عظيم فراسل السلطان الفرنج في هدمه فأجابوا أنه لا سبيل إلى هدمه إلا أن يعطينا ما غرمنا عليه
فبذل لهم السلطان ستين ألف دينار فامتنعوا فزادهم إلى أن بلغ مئة ألف دينار وكان هذا الحصن للداوية وكانوا يقوون من فيه بالأموال والنفقات لقطع الطرقات على قوافل المسلمين فأشار تقي الدين على السلطان ببذل هذا المال لأجناد المسلمين ونخرج بهم إلى الحصن ونهدمه
ففعل ذلك كما سنذكره
قال العماد ولما ودع السلطان أخاه ورجع أغار في طريقه على بلاد الفرنج وقصد الحصن الذي بنوه ورجع بالأسرى والغنائم وخيم السلطان بمروج الشعراء ثم انتقل إلى بانياس وبلغت الخيم إلى حدود بلاد الكفرة وأضرم عليهم لهب النيران المستعرة وكان كل يوم يركب بحجة الصيد وينزل على النهر ويجرد فرسان الجلاد والقهر ويسير قبائل العرب 26 إلى بلد صيدا وبيروت حتى يحصدوا غلات العدو ولا يبرح مكانه حتى يعودوا بجمالهم وأحمالها موثقة بأثقالها حتى خف زرع الكفار
قال وفي هذه السنة اقتضى رأي الفرنج أن يرعبوا المسلمين في كل ناحية خوفا من اجتماعهم على جهة واحدة فغدر إبرنس أنطاكية وأغار على شيزر وغدر القومص بطرابلس بجماعة من التركمان بعد الأمان
فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر في ثغر حماة ومعه شمس الدين بن المقدم وسيف الدين علي المشطوب
ورتب ابن عمه ناصر الدين في ثغر حمص في مقابلة القومص وكتب السلطان إلى أخيه العادل وهو نائبه بمصر أن ينتخب له من عسكر مصر ألفا وخمس مئة فارس يتقوى بهم مع عسكر الشام على العدو
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمس مئة
والسلطان نازل على تل القاضي ببانياس فأجمع رأيه مع بقية المسلمين على أن يقتحموا على الكفار ديارهم ويستوعبوا ما بقي في أيديهم من الغلات في يوم واحد ثم يرجعوا فيرحلوا صوب البقاع
فنهضوا تلك الليلة وهي ليلة الأحد ثاني محرم فلما أصبح السلطان جاءه الخبر 27 بأن الفرنج قد خرجت فالتقاهم وأنزل الله نصره على المسلمين وأسر فرسانهم وشجعانهم وانهزمت رجالتهم في أول اللقاء فكان من جملة الأسرى مقدم الداوية ومقدم الإسبتارية وصاحب طبرية وأخو صاحب جبيل وابن القومصية وابن بارزان صاحب الرملة وصاحب جينين وقسطلان يافا وابن صاحب مرقية وعدة كثيرة من خيالة القدس وعكا من البارونية وغيرهم من المقدمين الأكابر ما زاد على مئتين ونيف وسبعين سوى غيرهم
ثم قدمت الأسارى وهم يتهادون كأنهم سكارى
قال العماد وأنا جالس بقرب السلطان استعرضهم بقلمي ومن ألطاف الله تعالى أنا وخواصه الحاضرين لم نزد على عشرين والأسرى قد أنافوا على سبعين وقد أنزل الله علينا السكينة وخصهم بالذلة المستكينة وطلع الصباح ورفع المصباح وقمنا وصلينا بالوضوء الذي صلينا به العشاء ثم عرض الباقون من الأسرى ثم نقلوا إلى دمشق فأما ابن بارزان فإنه بعد سنة بذل في نفسه مئة وخمسين ألف دينار صورية وإطلاق ألف أسير من المسلمين وكان الفقيه ضياء الدين عيسى من نوبة الرملة عندهم 28 من المأسورين فالتزم إدراكه وأن يؤدي من قطيعة المذكور القطيعة التي قرر بها فكاكه
وأما ابن القومصية فإنه استفكته أمه بخمسة وخمسين ألفا من الدنانير الصورية
وأما أود مقدم الداوية فإنه انتقل من سجنه إلى سجين فطلبت جيفته فأخذوها بإطلاق أسير من مقدمي المؤمنين وطال أسر الباقين فمنهم من هلك وهو عان ومنهم من خرج بقطيعة وأمان
وهذه هي وقعة مرج عيون وكان العدو في عشرة آلاف مقاتل وانهزم ملكهم مجروحا
وكان لعز الدين فرخشاه في هذه الوقعة بلاء حسن
حكى حسام الدين تميرك بن يونس وكان مع عز الدين قال كنا في أقل من ثلاثين فارسا قد تقدمنا العسكر فشاهدنا خيل الفرنج في ست مئة فارس واقفين على جبل وبيننا وبينهم الماء فأشار عز الدين أن نعبر النهر إليهم ففعلنا ولحقنا عسكر السلطان فهزمناهم
ومن أحسن ما اتفق أن اليوم الذي كسرت فيه الفرنج بمرج عيون ظفر الأسطول المصري ببطسة كبيرة فاستولى عليها وعلى أخرى وعاد إلى الثغر مستصحبا ألف رأس من السبي
فما أقرب ما بين النصرين في المصرين وما أعذب عذاب الفئتين وتجريعهما الأمرين الأمرين لقد عم النصر وتساوى فيه البر والبحر 29
ومما مدح به السلطان في هذا الفتح مدحة سيرها من مصر إليه فخر الكتاب أبو علي الحسن بن علي العراقي الجويني أولها
( لك رب السماء خير معين
وكفيل بما تحب ضمين )
( فله الحمد أي نصر عزيز
قد حبانا به وفتح مبين )
( أدرك الثأر حين نازله المغوار
حتف الكفار ليث العرين )
( الهمام الغضنفر الملك الناصر
مولى الورى صلاح الدين )
( يا مليكا أضحى الزمان يناجيه
بلفظ المذلل المستكين )
( قذفت أهلها الحصون إلى بأسك
حتى عوضتهم بالسجون )
( وأراهم رب السماء بأسيافك
مالم يجل لهم في ظنون )
( لك قلب عند اللقاء مكين
وله من تقاه ألف كمين )
( يا مليكا يلقى الحروب بحول الله
مستعصما وصدق اليقين )
( إن هذا الفتح المبين شفاء
لصدور وقرة لعيون )
( هو يوم أضحى كيوم حنين
سهل الله نصره في الحزون ) 30
قال العماد وكان تقي الدين غائبا عن هذه الوقعة واشتغل عنها بغيرها وذلك أن سلطان الروم قليج أرسلان طلب حصن رعبان وادعى أنه من بلاده وإنما أخذه منه نور الدين رحمه الله على خلاف مراده وأن الملك الصالح ولده قد أنعم به عليه ورضي بعوده إليه
فلم يفعل السلطان
وكان هذا الحصن مع ابن المقدم فأرسل قليج أرسلان عسكرا مجمعا في عشرين ألفا لحصار الحصن فلقيهم تقي الدين ومعه سيف الدين علي المشطوب في ألف مقاتل فهزمهم
قال ولم يزل تقي الدين يدل بهذه النصرة فإنه هزم بآحاد ألوفا وأرغم بأعداد من الأعداء أنوفا
وقال ابن أبي طي واتصل بالسلطان أن قليج أرسلان قد طمع في أخذ رعبان وكيسون فلما دخل دمشق وصله رسوله يطلبهما منه ويدعي أن نور الدين بن زنكي اغتصبهما منه وأن الملك الصالح قد أنعم عليه بهما
فاغتاظ السلطان وزبر الرسول وتوعد صاحبه فعاد الرسول وأخبر قليج أرسلان فغضب وسير عسكرا إلى رعبان فحاصرها وسمع السلطان فندب تقي الدين عمر في ثماني مئة فارس فسار فلما قارب رعبان أخذ معه جماعة من أصحابه مقدار مئتي فارس وتقدم عسكره وسار حتى أشرف على عسكر قليج أرسلان ليلا فرآهم قد سدوا الفضاء وهم 31 قارون آمنون وادعون فقال تقي الدين لأصحابه هؤلاء على ما ترون من الطمأنينة والأمن والغفلة وقد رأيت أن نحمل فيهم بعد أن نتفرق في جوانب عسكرهم ونصيح فيهم فإنهم لا يثبتون لنا
فأجابوه إلى ذلك فأنفذ واحدا من أصحابه إلى باقي عسكره وأمرهم أن يتفرقوا أطلابا وأن يجعل في كل طلب قطعة من الكوسات والبوقات فإذا سمعوا الضجة ضربوا بكوساتهم وبوقاتهم وجدوا في السير حتى يلحقوا به
ففعلوا ما أمرهم
ثم إنه حمل في عسكر قليج أرسلان وصرخ أصحابه في جوانبه وكان عدة عسكر قليج أرسلان ثلاثة آلاف فارس
فلما سمعوا الضجة وحس الكوسات والبوقات وشدة وقع حوافر الخيل وجلبة الرجال واصطكاك أجرام الحديد هالهم ذلك وظنوا أنهم قد فوجئوا بعالم عظيم فلم يكن لهم إلا أن جالوا في كواثب خيولهم عريا وطلبوا النجاة وأخذتهم السيوف فتركوا خيامهم وأثقالهم بحالها وأكثر تقي الدين فيهم القتل والأسر وحصل على جميع ما تركوه
فلما أصبح جمع المأسورين ومن عليهم بأموالهم وكراعهم وسرحهم إلى بلادهم
قال وقيل إن الخبر بهذه الكسرة وصل إلى السلطان في اليوم الذي كسر فيه السلطان الفرنج على مرج عيون فتوافت البشارتان إلى البلاد
قال وقد مدح ابن التعاويذي السلطان الملك الناصر بقصيدة أنفذها إليه من بغداد يذكر فيها وقعة مرج عيون يقول فيها 32
( كاد الأعادي أن يصيبك كيدها
لو لم تكدك برأيها المأفون )
( تخفي عداوتها وراء بشاشة
فتشف عن نظر لها مشفون )
( دفنت حبائل مكرها فرددتها
تدوى بغيظ صدورها المدفون )
( وعلمت ما أخفوا كأن قلوبهم
أفضت إليك بسرها المخزون )
( كمنوا وكم لك من كمين سعادة
في الغيب يظهر من وراء كمين )
( فهوت نجوم سعودهم وقضى لهم
بالنحس طائرهم بمرج عيون )
قلت هكذا أنشده وهو حسن وقد كشفته من نسخة من ديوان ابن التعاويذي فوجدت آخر هذا البيت
( طائر جدك الميمون
)
وأول هذه القصيدة
( إن كان دينك في الصبابة ديني
فقف المطي برملتي يبرين )
ثم قال بعد تمام الغزل
( ليت الضنين على المحب بوصله
لقن السماحة من صلاح الدين )
( ملك إذا علقت يد بذمامه
علقت بحبل في الحفاظ متين )
( قاد الجياد معاقلا وإن اكتفى
بمعاقل من رأيه وحصون ) 33
( سهرت جفون عداه خيفة ماجد
خلقت صوارمه بغير جفون )
( لو أن لليث الهزبر سطاه لم
يلجأ إلى غاب له وعرين )
( أضحت دمشق وقد حللت بجوها
مأوى الطريد وموئل المسكين )
( لك عفة في قدرة وتواضع
في عزة وشراسة في لين )
( وأريتنا بجميل صنعك ما روى
الراوون عن أمم خلت وقرون )
( وضمنت أن تحيي لنا أيامهم
بالمكرمات فكنت خير ضمين )
قال ابن أبي طي نزل السلطان على تل القاضي ببانياس على المرج الذي يعرف بمرج عيون وأنفذ في ثاني المحرم قطعة من عسكره مع عز الدين فرخشاه لشن الغارة على بلاد الفرنج
فلما أصبح ركب يستوكف أخبار فرخشاه فما هو إلا أن خرج من الخيم حتى رأى أغنام بانياس قد أقبلت من المراعي هاجة على وجوهها من الغياض والأودية
فقال هذه غارة
فأمر بلبس السلاح والاستعداد للحرب فوصل بعض الرعاة فأخبر أن الفرنج قد عبروا وصاروا قريبا منه على هيئة المتغفلة فسار حتى أشرف على الفرنج فإذا هم في ألف رمح فأخذتهم السيوف والدبابيس حتى فرشت الأرض منهم وألقى جماعة منهم سلاحهم وسلموا أنفسهم أسارى ونجا ملك الفرنج هنفري هاربا
ويقال إنه وقف به فرسه 34 فحمله أحد خيالته على ظهره ثم رجع السلطان إلى معسكره وسيفه يقطر دما وجلس لاستعراض الأسارى
فذكر نحو ما سبق
وفي كتاب الفاضل إلى صاحب له بمكة وقد سبق بعضه قال وجرت نوبه منها نوبة قتل الهنفري لعنه الله وتمام سبعين فارسا من كبار الخيالة وطرح ملك الفرنج من على ظهر دابته وتحامله بآخر رمق مع بقية من نجا من خيالته
ومنها نوبة وادي الحريق وقد جمع الله العدو فارسه وراجله
ومنها نصر الله الذي ما كان قبله لملك من ملوك الأرض قتل ابن بارزان ومقدم الداوية وابن صاحب طبرية وأخو أسقف صور وصاحب جبيل وأصحاب الحصون والقلاع ومقطعو الأقاليم والضياع وحصل تحت اليد الناصرية أعلاها الله مئة وستون كلهم تثنى عليهم الخناصر وتقطر بهم العساكر
ومنها دخول العساكر إلى عمل بيروت وصور وغارتها على غرة من أهلها وقطع كل شجرة مثمرة من أصلها
قال وكانت الأساطيل المنصورة قد تضاعفت عدتها إلى أن بلغت ستين شينيا وعشرين طريدة فسارت الشواني خاصة فدخلت البلاد الرومية ودوخت السواحل الفرنجية وأسرت ألف علج أحضرتهم أسرى 35 في قيد الإسار وقتلت الرفاق الكبار وغنمت من هذه الغزوة أقوام كانت أعينهم لا تعرف عين الدرهم ولا وجه الدينار
فصل في تخريب حصن بيت الأحزان وذلك في شهر ربيع الأول
قال العماد جمع السلطان جموعا كثيرة من الخيالة والرجالة وسار فوصل إلى المخاضة يوم السبت تاسع عشر الشهر والحصن مبني دونها من الغرب فخيم منها بالقرب وضاق ذلك المرج عن العسكر واحتاج إلى نصب ستائر لأجل المنجنيقات فركب السلطان بكرة الأحد إلى ضياع صفد وكانت قلعة صفد يومئذ للداوية وهو عش البلية
وأمر بقطع كرومها وحمل أخشابها فأخذ كل ما احتاج إليه ورجع بعد الظهر وزحفوا إلى الحصن بعد العصر فما أمسى المساء إلا وهم قد استولوا على الباشورة وانتقلوا بكليتهم إليها وباتوا طول الليل يحرسون وخافوا أن تفتح الفرنج الأبواب ويغيروا عليهم على غرة وإذا الفرنج قد أوقدوا خلف كل باب نارا ليأمنوا من المسلمين اغترارا
فاطمأن المسلمون وقالوا ما بقي إلا نقب البرج
ففرقه السلطان على الأمراء فأخذ فرخشاه الجانب القبلي وأخذ السلطان الجانب الشمالي وقصد ناصر الدين بن شيركوه بقربه نقبا وكذلك تقي الدين وكل كبير في الدولة جعل له قسما وكان البرج محكم البناء فصعب نقبه لكن ما انقضى يوم الأحد إلا وقد تم نقب السلطان وعلق وحشي بالحطب ليلة الاثنين وحرق وكان النقب في طول ثلاثين ذراعا في عرض ثلاث أذرع وكان عرض السور تسع أذرع فما تأثر 36 بذلك فاحتاج السلطان صبيحة يوم الاثنين إلى إطفاء النيران ليتم نقبه وقال من جاء بقربة ماء فله دينار
قال العماد فرأيت الناس للقرب حاملين ولأوعية الماء ناقلين حتى أغرقوا تلك النقوب فخمدت فعاد نقابوها وقد بردت فخرقوه وعمقوه وفتحوه وفتقوه و شقوا حجره وفلقوه ثم حشوه وعلقوه واستظهروا فيه يومي الثلاثاء والأربعاء ثم أحرقوه
واشتد الحرص عليه لأن الخبر أتاهم بأن الفرنج قد اجتمعوا بطبرية في جمع كثير فلما أصبح يوم الخميس الرابع والعشرين من ربيع الأول وتعالى النهار انقض الجدار وتباشرت الأبرار
وكان الفرنج قد جمعوا وراء ذلك الواقع حطبا فلما وقع الجدار دخلت الرياح فردت النار عليهم وأحرقت بيوتهم وطائفة منهم فاجتمعوا إلى الجانب البعيد من النار وطلبوا الأمان
فلما خمدت النيران دخل الناس وقتلوا وأسروا وغنموا مئة ألف قطعة من الحديد من جميع أنواع الأسلحة وشيئا كثيرا من الأقوات وغيرها وجيء بالأسارى إلى السلطان فمن كان مرتدا أو راميا ضربت عنقه وأكثر من أسر قتله في الطريق الغزاة المطوعة وكان عدة الأسارى نحو سبع مئة وخلص من الأسر أكثر من مئة مسلم وسير باقي الأسارى إلى دمشق
وأقام السلطان بمنزلته حتى هدوا الحصن إلى الأساس وطم جب ماء معين كانوا حفروه في وسطه ورمى فيه القتلى
وكان عند السلطان رسول القومص معافى وهو يشاهد بلية أهل ملته
وقد كان السلطان بذل لهم في هدمه ستين ألف دينار فلم يفعلوا فزادهم حتى بلغ مئة ألف فأبوا
وكان مدة المقام على الحصن في أيام فتحه وبعدها أربعة عشر يوما 37
وبعد ذلك سار السلطان إلى أعمال طبرية وصور وبيروت وغيرها فأغار عليها وأرجف قلوبهم بوصوله إليها ورجع السلطان إلى دمشق يوم الأربعاء ومرض جماعة من ذلك الوباء لأن الحر كان شديدا وأنتنت جيف القتلى
وطول السلطان المقام عليه بعد فتحه لأجل تتميم هدمه فتوفي أكثر من عشرة أمراء وعاد المشهد اليعقوبي كما كان مزورا وبتكبير المسلمين وصلاتهم معمورا
وهنأ الشعراء السلطان بفتح هذا الحصن فمن ذلك ما أنشده نشو الدولة أحمد بن نفاذة الدمشقي من جملة مدائحه
( هلاك الفرنج أتى عاجلا
وقد آن تكسير صلبانها )
( ولو لم يكن قد دنا حتفها
لما عمرت بيت أحزانها )
ولأبي الحسن علي بن محمد بن رستم الساعاتي الخراساني ثم الدمشقي من قصيدة أولها 38
( بجدك أعطاف القنا تتعطف
وطرف الأعادي دون مجدك يطرف )
( شهاب هدى في ظلمة الشك ثاقب
وسيف إذا ما هزه الله مرهف )
( وقفت على حصن المخاض وإنه
لموقف حق لا يوازيه موقف )
( فلم يبد وجه الأرض بل حال دونه
رجال كآساد الشرى وهي تزحف )
( وجرداء سلهوب ودرع مضاعف
وأبيض هندي ولدن مثقف )
( وما رجعت أعلامك الصفر ساعة
إلى أن غدت أكبادها السود ترجف )
( كبا من أعاليه صليب وبيعة
وشاد به دين حنيف ومصحف )
( صليبة عباد الصليب ومنزل النزال
لقد غادرته وهو صفصف )
( أيسكن أوطان النبيين عصبة
تمين لدى أيمانها وهي تحلف )
ومنها
( نصحتكم والنصح في الدين واجب
ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف ) 39
ومن قصيدة لسعادة الضرير الحمصي
( حللت فكنت الألمعي المسددا
وسرت فكنت الشمري المؤيدا )
( وقمت بأعباء الممالك ناهضا
فأقعدت أعداء ولم تخش مقعدا )
( تعودت ضرب السيف والطعن بالقنا
وكل امرىء مغرى بما قد تعودا )
( نصرت الهدى لما تخاذل حزبه
فناداك حزب الله يا ناصر الهدى )
( غضبت لدين أنت حقا صلاحه
فأرضيت لما أن غضبت محمدا )
( فيا يوسف الخير الذي في يمينه
من الخير ما قد غار فينا وأنجدا )
( وصلت لذي سلم وصلت لذي وغى
ففقت جميع الناس بالبأس والندى )
( وقدت إلى الأعداء جيشا عرمرما
إذا أبرقت فيه الصوارم أرعدا )
( فلم تبق للطغيان شملا مجمعا
ولم تبق للإيمان شملا مبددا )
( فناهيك من جيش نهضت بعبئه
فأقعدت لما أن نهضت به العدى )
( حملت ذبالا في ذوابل سمره
فلما دجا ليل العجاج توقدا )
( وزرت به الحصن الذي لو تحصنت
فوارسه بالنجم أوردته الردى )
( قصمت به صلب الصليب ورعته
وسهدته لما غفا فتسهدا ) 40
( وفض بما قد فضه من سهامه
نواجذ ثغر الهنفري وقددا )
( هببت إليه هبة يوسفية
تعيد هباء كل ما كان جلمدا )
قال ومنهم الأمير نجم الدين محمود بن الحسن بن نبهان العراقي من أهل الحلة المزيدية كان حاضرا في نوبة ابن بارزان له من قصيدة أولها
( هنيئا صلاح الدين بالفتح والنصر
ونيل الأماني الغر والفتكة البكر )
( وما حزت فيها من فخار ومن علا
وحسن ثنا يبقى إلى آخر الدهر )
( سموت لها بالمشرفية والقنا
سمو أبي لا ينام على وتر )
( وصلت بها حبل المفاخر مثلما
قطعت بها يوم الوغى دابر الكفر )
( سللت بياض الصبح وهو صوارم
وخضت سواد الليل وهو دم يجري )
( وقد عرف الإفرنج بأسك في الوغى
وجرعتهم منه أمر من الصبر )
( وظنوا بناء الحصن صونا لملكهم
فأصبح بالشعراء منهتك الستر )
( فما قبضت منهم يد الغدر قطعت
أناملها إلا على صفقة الخسر )
( هي الفتكة الغراء لا زلت قائما
بأمثالها للدين في السر والجهر )
( وأصبح في أقصى خراسان ذكرها
وفي كل قلب منه جيش من الذعر )
( فلا ترض منهم بعدها بذل طاعة
فما خلقوا إلا على شيمة الغدر )
( وسر واملك الأرض التي لو تركتها
لأغضت عيون المجد منها على أمر ) 41
( فيا آل أيوب حويتم مناقبا
بأخمصها تعلو على الأنجم الزهر )
( إذا عد أرباب الفخار فأنتم
ذوو الفعلات الغر والنائل الغمر )
( وأنت الذي أصبحت بالبأس والتقى
وبذل اللهى عالي السنا عطر الذكر )
ومن كتاب فاضلي إلى بغداد في وصف الحصن وقد عرض حائطه إلى أن زاد على عشرة أذرع وقطعت له عظام الحجارة كل فص منها من سبع أذرع إلى ما فوقها وما دونها وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر لا يستقر الحجر في مكانه ولا يستقل في بنيانه إلا بأربعة دنانير فما فوقها وفيما بين الحائطين حشو من الحجارة الصم المرغم بها أنوف الجبال الشم وقد جعلت تسقيته بالكلس الذي إذا أحاطت قبضته بالحجر مازجه بمثل جسمه وصاحبه بأوثق وأصلب من جرمه وأوعز إلى خصمه من الحديد بالا يتعرض لهدمه
ومنه في وصف النار قال وبات الناس في ليلة الجمعة مطيفين بالحصن والنار به مطيفة وعليه مشتملة وعذبات ألسنتها على تاجه منسدلة وعلى خلفه مسبلة ونارهم قد أطفأها الله بتلك النار الواقدة ومنعتهم قد أذهبها الله بتلك الأبرجة الساجدة وبنفسج الظلماء قد استحال جلنارا والشفق قد عم الليلة فلم يختص آصالا ولا أسحارا
ونفحاتها حميمية وقودها الناس والحجارة والبلاء ينادي بلسان مصابها إياك أعني 42 واسمعي يا جارة
فولجت النار موالج تضيق منها الفكر وتعجز عنها الإبر ونقلت النبأ من العين إلى الأثر وقال الكفر إنها لإحدى الكبر
وخولف المثل إن السعادة لتلحظ الحجر
وأغنى ضوؤها لسان كل إمعة أن يسأل هذا وهذا ما الخبر وقذفت بشرر كالجمالات الصفر وزفرت بغيظ تعفر له خدود الجبال الصُّغْر وتلحقها بالكثب العفر
وبات الليل والنهار يشله وكلما أغمده الخمود جعل الوقود يسله إلى أن بدا الصباح كأنه منها امتار الأنوار وانشق الشرق ومن عصفرها صبغ الإزار فحينئذ تقدم الخادم فاقتلع شده الأحجار من أسها ومحا حروف البنيان من طرسها وتبعه الجيش ورفاقه وكافة من اشتمل عليه نطاقه
وفي كتاب آخر وكان مبنيا على تل وفيه صهريج لما فتح المسلمون الحصن رموا فيه ما يناهز ألف قتيل ودابة محرقة بالنار فما سدت عرصته ولا ملأت حفرته وكان فيه نحو ألف زردية والمقاتلة ثمانون فارسا بغلمانهم وخمسة عشر مقدما للرجال مع كل مقدم خمسون رجلا هذا إلى الصناع ما بين بناء ومعمار وحداد ونجار وصيقل وسيوفي وصناع أنواع الأسلحة
وكان به من أسرى المسلمين ما يزيد على مئة رجل نزعت القيود من أرجلهم وجعلت في أرجل الفرنج
وكانت فيه أقوات لعدة سنين وأنواع اللحوم الطيبة والخبيثة فيها بلاغ ومتاع إلى حين
ولما قوتل 43 أول يوم هجم حوشه وفيه جماعة من المقاتلة فضربت رقابهم وأخذت دوابهم وفي الحال علقت النقوب على خمس جهات وحشيت بالنيران وتأخر وقوع الجدران لفرط عرض البنيان ولم تزل النار توقد ثم تخرج ثم تشعل ثم تخمد إلى أن تمكنت النقوب وحشيت بالأحطاب وأطلقت فيها النيران في يوم الخميس فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت الأبرجة فهي يومئذ واهية وملك المسلمون الحصن بما فيه ومن فيه واشتعلت النيران في أرجائه ونواحيه
وكان الطاغية مقدم الحصن يشاهد ما حل ببنيانه وما نزل من البلاء بأصحابه وأعوانه
ولما وصلت إلى جهته ألقى نفسه في خندق نار صابرا على حرها ففي الحال نقلته هذه النار إلى تلك النار ولما أخذ أسارى الإفرنج وهم عدة تزيد على سبع مئة بعد المقتولين وما تقصر عدتهم عن مثلها توفرت الهمة على هدم هذا الحصن وتعفيه أثره وإزالة ضرره فألحقت أعاليه بقواعده وصار أثرا بعد عين في عين مشاهده هذا والفرنج مجتمعون في طبرية يشاهدون الأمر عيانا وينظرون إلى الحصن قد مليء نيرانا وارتفع دخانا
وسارت العساكر إلى أعمال صيدا وبيروت وصور فأنثنت مغيرة فاستثارت كل غامضة ووصلت إلى كل ذخيرة وصارت بلاد الفرنج لا يسكن منها إلا كل قلعة أو مدينة ولا يقيم فيها إلا من نفسه لشدة الخوف معتقلة في نفسه أو مشحونة
ومن كتاب آخر فاضلي عن السلطان إلى وزير بغداد تأخر فلان 44 لضرورات منها أمراض كانت قد عمت بها البلوى وكثرت بها الشكوى وكان أكثرها خاصا بالعائدين من العساكر من نوبة فتح الحصن
وكان خادما المجلس السامي ابن أخيه تقي الدين وابن عمه ناصر الدين قد جهدا وأثخنا وبلغا حد اليأس وامتحنا وكادا يسقطان من ضمير المنى فمن الله تعالى بالشفا وهذه البشرى بفتح الحصن وإن كانت شريفة مواقفها عامة منافعها فقد تجددت بعدها بشارة طلعت بشارة رائقة وجاءت في مكان الرديف لأخرى لا فرق بينهما إلا أن تلك سابقة وهذه لاحقة وذلك أن الأسطول المصري غزا غزوة أخرى غير الأولى وتوجه عن السواحل الإسلامية مرة أخرى من الله فيها منة أخرى
وكانت عدته في هذه السنة قد أضعفت وقويت واستفرغت فيها عزائم الجهاد واستقصيت واحتلت به الرجال الذين يعملون في البحر ويفتكون في البر ومن هو معروف من المغاربة لغزو بلاد الكفر فسارت على سوار هي كنائن إلا أنها تمرق مروق السهام ورواكد هي مدائن إلا أنها تمر مر السحاب غير الجهام فلا أعجب منها تسمى غربانا وتنشر من ضلوعها أجنحة الحمام وتسمى جواري وكم مبشر مجريها من النصر بغلام
وطوقت في الأحد حادي عشر جمادى الأولى ميناء عكا وهي قسطنطينية الفرنج ودار كفرهم أبدلها الله من الكفر إسلاما وخلع عنها الشرك البالي وخلع عليها من التوحيد أعلاما
وكانت مفروسة فأصبحت مفترسة 45 وباتت جميع الفرنج محترسة وغدت مترسة فما هي إلا أن حذفت والجة على المينا وفيه المراكب والبضائع فاستولت على عدة من المراكب تحطيما وتكسيرا ونطاحا يقلقل ولو كان ثبيرا وأخلت ساحل الفرنج بقتالها وباشرت مثل الماء بنزولها ونزالها وهذا مما لم يعهد من الأسطول الإسلامي مثله في سالف الدهر لا في حالة قوة إسلام ولا ضعف كفر ومما سبيله أن تطرز السير الكريمة بفخره كما طرز الله الصحيفة الشريفة بأجره
وقتل على قلعة عكا ثلاثة نفر بأليم السهام أبعد ما كانوا وقفوا عنها وآمن ما كانوا منها فصرعتهم الأيدي والأفواه وخروا سجدا على الجباه سجودا لا يرفعون منه الرؤوس ولا ينتقلون منه إلى حالة الجلوس ولا يرفع فيما يرفع لهم من عمل ولا لهم فيه من قبلة ولا لهم به من قبل
وأقامت المراكب يومين تقابلها وتقاتلها وتناضلها
فصل في باقي حوادث هذه السنة
منها حجة الفاضل الثانية ووفاة الخليفة المستضيء بالله وغير ذلك
قال العماد وفي العشر الأخير من شوال خرج الفاضل من دمشق إلى الحج ثم عاد إلى مصر من مكة
قلت وقفت على نسخة كتاب الفاضل إلى الصفي بن القابض 46 يصف له ما لقي في طريقه إلى مصر وركوب البحر وكانت جماله ذهبت بمكة في خامس عشر ذي الحجة فقال خرجنا من مكة شرفها الله يوم الخامس والعشرين من ذي الحجة وفي هذه الأيام زاد تبسط المفسدين وإسراف المسرفين وظهر من هوان أمير الحاج العراقي ومن ضعف نفسه وانخفاض جناحه ما أطمع المفسد وأخاف المصلح
ووصلنا إلى جدة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة وركبنا البحر يوم الثلاثاء التاسع والعشرين منه وبتنا فيه ليلتي الأربعاء والخميس ورمتنا الريح إلى جزيرة بالقرب من بلاد اليمن تسمى دبادب
وكانت إحدى الليلتين في البحر من ليالي البلاء وبالله أقسم لقد شاب بعض رؤوس أصحابنا في تلك الليلة وأيسوا من الأنفس وتمنوا معاجلة الأمر وتقصير العذاب وظنوا أنهم أحيط بهم وعاتبوا أنفسهم ثم احتجوا عليها بالأقدار التي لا حيلة فيها
وصبرنا إلى أن فرج الله سبحانه ونزلنا البرية بحيث لا ماء يشرب ولا جمل يركب ونفذ إلى البجاة النازلين على ساحل البحر فأحضروا جمالا ضعيفة أجرتها أكثر من ثمنها وثمن ما تحمله فركبنا ووصلنا إلى عيذاب بعد عشرة أيام وقد هلكنا ضعفا وتعبا وجوعا وعطشا لأن الخلق كانوا كثيرا والزاد يسيرا
وركبنا البرية من عيذاب إلى أسوان فكانت أشق من كل طريق سلكناها ومن كل مسافة قطعناها لأنا وردنا الماء في إحدى عشرة ليلة مرتين وكانت الهمة قاصرة في المزاد وكانت البلوى عظيمة في العطش
فأما الحزون والوعر فهي تزيد على ما في 47 برية الشام بكونها طريقا بين جبلين كالدرب المتضايق والزقاق المتقارب وحر الشمس شديد وقريب الوعد بينهما بعيد ولطف الله إلى أن وصلنا مصر في السابع عشر من صفر
قلت وللوجيه ابن الذروي في الفاضل
( لك الله إما حجة أو وفادة
فمن مشهد يرضي الإله وموسم )
( ترى تارة بين الصوارم والقنا
وطورا ترى بين الحطيم وزمزم )
( وكم لك يا عبد الرحيم مآثر
لها في سماء الفخر إشراق أنجم )
( كأنك لم تخلق لغير عبادة
وإظهار فضل في الورى وتكرم )
قال العماد وفي هذه السنة ظهر الملك العزيز أبو الفتح عثمان عماد الدين بن السلطان وكان أحب أولاده إليه وهو الذي قام بتدبير الملك بعده وولد بمصر ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمس مئة كما سبق ذكره
وكان السلطان لما قدم الشام زاد شوقه إليه فاستقدمه فقدم عليه عاشر رجب سنة إحدى وسبعين وأنشد العماد السلطان عند قدومه قصيدة منها
( يا أسدا يحمي عرين العلا
هنيت جمع الشمل بالشبل )
( عثمان ذي النورين بين الورى
من سؤدد سام ومن فضل )
( يحكيك إقداما وبأسا فما
أشبه هذا الفرع بالأصل ) 48
( مخايل الرشد على بشره
شاهدة بالفضل والنبل )
( ملك قضى الله له أنه
على ملوك الأرض يستعلي )
( بالملك الناصر سلطاننا
طالت يد الإحسان والعدل )
ثم لم يفارقه واستصحبه إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ثم عاد به معه إلى الشام في شوال سنة ثلاث وسبعين واتخذ له معلما من مصر وهو نجم الدين يوسف بن الحسين المجاور فحصل من صحبته رزقا واسعا لا سيما في عام الطهور فإنه عم فيه السرور والحبور وكان متولي الإنفاق في الطهور صفي الدين بن القابض لأنه كان متولي الخزانة والديوان والأعمال بدمشق
قال وحج يعني ابن القابض سنة أربع وسبعين وفيها حج 49 الفاضل من مصر يعني حجته الأولى وعاد إلى الشام ومعه ابن القابض
قلت فلما رجعا معا في حجة الفاضل الأولى إلى الشام ثم انفرد الفاضل بالحج ثانيا من العام المقبل وهو سنة خمس وسبعين وتم له في رجوعه ما تم كاتبه بالكتاب الذي سبق ذكره يصف له ما لقي في رجوعه
وكانت حجة الفاضل الأولى من مصر ورجع إلى الشام وكانت الثانية من الشام ورجع إلى مصر
وفي هذه السنة توفي الملك المنصور حسن بن السلطان صلاح الدين وقبره القبر القبلي من القبور الأربعة بالقبة التي فيها شاهنشاه بن أيوب بالمقبرة النجمية بالعوينة ظاهر دمشق
قال العماد وفيها خرجوا إلى بعلبك لتسليمها إلى عز الدين فرخشاه فسلكوا طريق الرواديف وهي طريق شاقة
وفيها أغار عز الدين على صفد ثامن عشر ذي القعدة وكان قد جمع لهم من رجال بانياس وما حولها ورجع غانما سالما
قال وفي مستهل ذي القعدة أو ثانيه توفي ببغداد الخليفة الإمام المستضيء بالله أمير المؤمنين واستخلف ولده الناصر لدين الله أبو العباس أحمد
وكان رسول السلطان ضياء الدين بن الشهرزوري حاضرا فحضر 50 وبايع وأخبر بجلية الحال فبادر السلطان إلى الخطبة له في جميع البلاد ومضى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل من بغداد رسولا إلى بهلوان وألزمه حتى خطب بهمذان وأصفهان وعمت الدعوة الهادية في جميع بلاد خراسان
ثم لما رجع شيخ الشيوخ جاء إلينا رسولا في سنة ست وسبعين وأخذه السلطان معه إلى مصر وحج منها وركب البحر كما سيأتي ذكره
وللعماد في مدح الإمام الناصر قصائد منها قصيدة بائية مدحه بها سنة فتح القدس وسيأتي منها أبيات عند ذكر فتحه ومنها
( الدهر ينصرني ما دام ينسبني
لخدمة الناصر المنصور نساب )
( بطاعة الناصر بن المستضيء أبي العباس
أحمد للأيام إصحاب )
وقال محمد بن القادسي في تذييل تاريخ أبي الفرج بن الجوزي 51 مولد المستضيء ثالث عشري شعبان من سنة ست وثلاثين وكانت خلافته تسع سنين وستة أشهر وواحدا وعشرين يوما
بويع تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وكان كريما رحوما بارا بالرعية يعفو عن الجرائم الكبار عادلا
ظهر يوم مبايعته من رد المظالم والأملاك المقبوضة والإفراج عن المسجونين وإسقاط الضرائب والمكوس ما شاع واشتهر
قال وتقدم إلى شيخ الشيوخ عبد الرحيم وإلى عبد الرحمن بن الجوزي فصليا عليه
ثم بايع الناصر أخوه الأمير أبو منصور هاشم ثم بنو أعمامه وخواصه ثم الولاة وأرباب المناصب والأعيان والوافدون للحج من بلاد خراسان وغيرهم
وكان والده المستضيء قد عهد إليه قبل وفاته بيوم واحد
قلت كذا نقلته من خطه ولعله أراد بأسبوع واحد فسبق به قلمه فإن ابن الدبيثي ذكر أنه خطب للناصر بولاية العهد يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال
ثم قال ابن القادسي وفي سابع ذي القعدة قبض على صاحب المخزن ظهير الدين أبي بكر بن العطار ووكل به وتتبع أصحابه ومن يتعلق به 52 وقتل النقيب مسعود الذي كان بين يديه وكان أحد الأعوان بباب النوبي قد نزعت الرحمة من قلبه فقطع قطعا وربط في رجله حبل وسحبته العامة في الدروب ثم أحرق بعد ذلك
قال وفي حادي عشره حمل ابن العطار ميتا وعلم به العامة فرجموا تابوته بالآجر فألقاه الحمالون وهربوا فأخذه العامة وشدوا في رجله شريطا وسحب في جميع بغداد ومنافذها ودروبها ومحالها وقطع لحمه قطعا
قال وتوجه شيخ الشيوخ أبو القاسم عبد الرحيم إلى البهلوان بن إيلدكز شحنة همذان لأجل الخطبة فتوقف عن ذلك فهاجت العامة عليه ووثب أهل المذكور وخطبوا
وجاء كتاب شيخ الشيوخ إلى الديوان سطرها فلان والحال في الجنوح كقصة نوح من قرأ السورة عرف الصورة
قال وفي هذه السنة اشتد الغلاء وكثر الوباء ببغداد وغيرها من البلاد وذكر أن رجلا بواسط ذبح بنتا له وأكلها وآخر بقر بطن صبي وأخذ كبده وشواها وأكلها
قال وفي رابع عشر ربيع الآخر زلزلت بعد العتمة فوق بلاد 53 إربل فلما أصبح الناس عادت الزلزلة في الجبال فتصادمت ووقع منها الحجارة وسقطت قلاع كثيرة وهلكت قرى بمن فيها وكان يكون بين الجمل والجمل عشرون ذراعا فتقذفهما الزلزلة فيتصادمان ويعودان إلى مكانهما
قال ابن أبي طي وفيها أحرق الإسماعيلية أسواق حلب وافتقر أهلها بذلك وكانت إحدى الجوائح التي أصابت حلب وأهلها
قال وفيها خرج قراقوش التقوي إلى طرابلس المغرب ففتح بلادا وصلى حروبا مع إبراهيم السلاح دار الذي دخل بلاد المغرب أيضا من أ صحاب تقي الدين لأن نفسه أطمعته أن يفعل فعل قراقوش في تملك البلاد ثم أصلح بينهما
ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمس مئة
وفيها توفي الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله بالإسكندرية وقد زرت قبره بها داخل الباب الأخضر
قال العماد وفيها هادن السلطان صلاح الدين الفرنج وتوجه إلى بلد 54 الروم فأصلح بين نور الدين محمد بن قرأ أرسلان بن داود بن أرتق صاحب حصن كيفا وبين زوج ابنته السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان واجتمعوا على نهر يقال له كوك سو وكثرت ثم الهدايا والدعوات والأفراح والهبات
وفيها دخل السلطان بلاد الأرمن لقلع ملكهم ابن لاون لأنه كان استمال قوما من التركمان حتى يرعوا في مراعي بلاده بالأمان ثم صبحهم بغدره وحصلوا بأسرهم في أسره
فدخل السلطان بلاده وأذل أعوانه وأجناده ونصر الله المسلمين بالرعب فأحرق من الخوف قلعة شامخة تعرف بالمانقير وبادر المسلمون إلى إخراج ما فيها من والغلات فتقووا بها وتمموا هدمها إلى الأساس 55
قال ابن أبي طي ووجد المسلمون في أرضها صهريجا مملوءا آلات نحاس وفضة وذهب لها زمن طويل
قال وبذل للسلطان جملة من المال وأنه يطلق من عنده من الأسارى
فلم يرض السلطان بما بذله فزاد في المال وأنه يشتري خمس مئة أسير من بلاد الفرنج ويعتقهم فأجاب السلطان وأخذ منهم رهينة على ذلك
قال العماد وأذعن الأرمني وذل وأطلق ما بيده من الأسارى ورجع السلطان مؤيدا منصورا ووصل إلى حماة في أواخر جمادى الآخرة
وكان الجمال الواسطي أبو غالب محمد بن سلطان بن الخطاب المقرىء شاهدا هذه الغزاة فنظم قصيدة في السلطان منها
( لقد جمل الله منك الورى
بأوفى مليك وفي هجان )
( تهش إلى نغمات السيوف
في الهام لا نغمات القيان )
( أزرت ابن لاون لأواءه
فأضحى به خبرا عن عيان )
( ودان من الذل لا يرعوي
حذارا من الراعفات اللدان )
( فلا قدم عنده للثبات
وليس له بسطاكم يدان ) 56
( وأخلى لهيبتك المانقير
وغادر للهدم تلك المباني )
( وأرسل بالأسراء العناة
يسأل إطلاقه فهو عاني )
( رتقت بعزمك والمكرمات
فتوقا من الأرتقي الهجان )
( ورعت ابن سلجق في ملكه
فقعقع من رعبه بالشنان )
قال ولما وصل السلطان إلى حمص وخيم بالعاصي أتاه الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي وأنشده وله في السلطان مدائح منها قصيدة غراء مطلعها
( أما وجفونك المرضى الصحاح
وسكرة مقلتيك وأنت صاحي )
( لقد أصبحت في العشاق فردا
كما أصبحت فردا في الملاح )
( يهز الغصن فوق نقى ويرنو
بحد ظبى ويبسم عن أقاح )
( وقد غرس القضيب على كثيب
فأثمر بالظلام وبالصباح )
( ومال مع الوشاة ولا عجيب
لغصن أن يميل مع الرياح )
( قطعنا الليل في عتب وشكوى
إلى أن قيل حي على الفلاح )
( ولاح الصبح يحكي في سناه
صلاح الدين يوسف ذا الصلاح )
( ولما ضاق حد عن مداه
لقيناه بآمال فساح ) 57
( فمن هرم وكعب وابن سعدى
رعاء الشاء والنعم المراح )
( جواد بالبلاد وما حوته
إذا جادوا بألبان اللقاح )
( ليفد حياء وجهك كل وجه
إذا سئل الندى جهم وقاح )
( ملوك جلهم مغرى بظلم
ومشغول بلهو أو مزاح )
( إذا ما جالت الأبطال ولى
ويقدم نحو حائلة الوشاح )
( وبون بين مالك بيت مال
ومالك رق أملاك النواحي )
( هم جمعوا وقد فرقت لكن
جمعت به الرجال مع السلاح )
( وما خضع الفرنج لديك حتى
رأوا ما لا يطاق من الكفاح )
( وما سألوك عقد الصلح ودا
ولكن خوف معلمة رداح )
( ملأت بلادهم سهلا وحزنا
أسودا تحت غابات الرماح ) 58
وقال ابن شداد لما عاد السلطان بعد الكسرة يعني كسرة الرملة إلى الديار المصرية وأقام فيها ريثما لم الناس شعثهم وعلم تخبط الشام عزم على العود إليه وكان عوده للغزاة فوصله رسل قليج أرسلان يلتمسون منه الموافقة ويستغيث إليه من الأرمن
فاشتمل نحو بلاد ابن لاون لنصرة قليج أرسلان عليه ونزل بقراحصار وأخذ عسكر حلب في خدمته لأنه كان قد اشترط في الصلح ذلك واجتمعوا على نهر الأزرق بين بهسنى وحصن منصور وعبر منه إلى النهر الأسود طرف بلاد ابن لاون فأخذ منهم حصنا وأخربه وبذلوا له أسارى والتمسوا منه الصلح وعاد عنهم
ثم راسله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم واستقر الصلح في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وأهل ديار بكر وكان ذلك على نهر سنجة 59 وهو نهر يرمي إلى الفرات وسار السلطان نحو دمشق
فصل في وفاة صاحب الموصل
قال العماد وفي أوائل هذه السنة توفي صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي والسلطان مخيم على كوك سو من حدود بلاد الروم وجلس مكانه أخوه عز الدين مسعود بن مودود
وجاء رسول مجاهد الدين قايماز وهو الشيخ الفقيه فخر الدين أبو شجاع بن الدهان البغدادي إلى السلطان يطلب منه أن يكون معه كما كان مع أخيه من إبقاء سروج والرها والرقة وحران والخابور ونصيبين في يده فلم يفعل السلطان
وقد كانت له بإطلاق الخليفة وإنما جعلها في يد سيف الدين غازي بالشفاعة على شرط أن يقوي السلطان بالعساكر
فلما مات سيف الدين كتب السلطان إلى الخليفة الناصر يعلمه بذلك وأن هذه البلاد لم يزل يتقوى بها ثغر الشام
ففوضت إليه على ما أراد
وكان الكتاب إلى صدر الدين عبد الرحيم شيخ الشيوخ من إنشاء 60 العماد وفيه قد عرف اختصاصنا من الطاعة والعبودية للدار العزيزة النبوية بما لم يختص به أحد وامتدت اليد منا في إقامة الدعوة الهادية بمصر واليمن والمغرب بما لم تمتد إليه يد وأزلنا من الأقاليم الثلاثة ثلاثة أدعيا وخلفناهم للردى حيث دعوا بلسان الغواية خلفا
ولا خفاء أن مصر إقليم عظيم وبلد كريم بقيت مئتين وخمسين سنة مضيمة وعانت كل هضيمة وعاينت كل عظيمة حتى أنقذها الله عز وجل بنا من عبيد بني عبيد وأطلقها بمطلقات أعنتنا إليها من عناء كل قيد وفيها شيعة القوم وهم غير مأموني الشر إلى اليوم
وطوائف أقاليم الروم والفرنج من البر والبحر بها مطيفة فمن حقها أن يتوفر عسكرها فلو حصل والعياذ بالله فتق لأعضل رتقه واتسع على الراقع خرقه
واحتجنا لحفظ بلاد الشام وثغور الإسلام إلى استصحاب العسكر المصري إليها وله مدة خمس سنين في بيكارها منتقما من كفارها متحملا لمشاقها على غلاء أسعارها
وإنما أحوج إلى ذلك أن بلاد هذا الثغر قد اقتطعت عنه وعساكرها أخذت منه وكانت في تولي نور الدين رحمه الله
ثم ذكرها كما سبق ففوضت إليه كما سيأتي
وقال ابن الأثير توفي سيف الدين يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وكان مرضه السل وطال به
قال ومن العجائب أن الناس لما خرجوا يستسقون بالموصل سنة 61 خمس وسبعين للغلاء الحادث في البلاد خرج سيف الدين في موكبه فثار الناس وقصدوه مستغيثين به وطلبوا منه أن يأمر بالمنع من بيع الخمر فأجابهم إلى ذلك
فدخلوا البلد وقصدوا مساكن الخمارين وخربوا أبوابها ونهبوها وأراقوا الخمور وكسروا الأواني وعملوا ما لا يحل
فاستغاث أصحاب الدور إلى نواب السلطان وخصوا بالشكوى رجلا من الصالحين يقال له أبو الفرج الدقاق ولم يكن له في الذي فعله الناس من النهب فعل إنما هو أراق الخمور ولما رأى فعل العامة نهاهم فلم يسمعوا منه
فلما شكي أحضر بالقلعة وضرب على رأسه فسقطت عمامته فلما أطلق لينزل من القلعة نزل مكشوف الرأس فأرادوا تغطيته بعمامته فلم يفعل وقال والله لا غطيته حتى ينتقم الله لي ممن ظلمني
فلم يمض غير قليل حتى توفي الدزدار المباشر لأذاه ثم بعقبه مرض سيف الدين ودام مرضه إلى أن توفي
وكان عمره نحو ثلاثين سنة وكانت ولايته عشر سنين وشهورا
وكان من أحسن الناس صورة تام القامة مليح الشمائل أبيض اللون مستدير اللحية متوسط البدن بين السمين والدقيق
وكان عاقلا وقورا قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس عفيفا لم يذكر عنه شيء من الأسباب التي تنافي العفة
وكان غيورا شديد الغيرة لم يترك أحدا من الخدم يدخل دور نسائه إذا كبر إنما يدخل عليهن الخدم الصغار
وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ الأموال مع شح فيه
قال ولما اشتد مرضه أراد أن يعهد بالملك لولده معز الدين سنجرشاه فخاف من ذلك لأن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قد 62 تمكن بالشام وقويت شوكته وامتنع أخوه عز الدين من الإذعان والإجابة إلى ذلك فأشار الأمراء الكبار ومجاهد الدين قايماز بأن يجعل الملك بعده لأخيه لما هو عليه من كبر السن والشجاعة والعقل وقوة النفس وحسن سياسة الملك وأن يعطي ابنيه بعض البلاد ويكون مرجعهما إلى عمهما عز الدين ليبقى لهما ذلك
ففعل ذلك وحلف الناس لأخيه
فلما توفي سيف الدين كان مجاهد الدين هو المدبر للدولة والنائب فيها والمرجع إلى قوله ورأيه فركب إلى الخدمة العزية وعزاه وركبه إلى دار المملكة ومشى في ركابه راجلا فدخلها وجلس للعزاء
وكانت الرعية تخافه قبل أن يملك لإقدامه وجرأته وحدة كانت فيه وكان لا يلتفت إلى أخيه سيف الدين إذا أراد أمرا فلما تولى تغيرت أخلاقه وصار رفيقا بالرعية محسنا إليهم قريبا منهم
قال ابن شداد وفي عاشر المحرم سنة ست وسبعين بلغ الملك الصالح بن نور الدين عصيان غرس الدين قليج بتل خالد فأخرج إليه العسكر ثم بلغه وفاة ابن عمه صاحب الموصل ثالث صفر
فصل في وفاة شمس الدولة بن أيوب أخي السلطان الأكبر وقدوم رسل الديوان بالتفويض إلى السلطان ما طلبه
قال ابن أبي طي كان السلطان قد أنفذ أخاه شمس الدولة إلى الإسكندرية وجعل إليه ولايتها فلما حصل بها لم توافقه وكان يعتاده 63 القولنج فهلك به ودفن بقصر الإسكندرية
وكان أحد الأجواد الكرماء الأفراد شجاعا باسلا عظيم الهيبة كبير النفس واسع الصدر ممدحا فيه يقول ابن سعدان الحلبي من قصيدة
( هو الملك إن تسمع بكسرى وقيصر
فإنهما في الجود والبأس عبداه )
( وما حاتم ممن يقاس بمثله
فخذ ما رأيناه ودع ما رويناه )
( ولذ بذراه مستجيرا فإنه
يجيرك من جور الزمان وعدواه )
( فلا تتحمل للسحائب منة
إذا هطلت جودا سحائب جدواه )
( ويرسل كفيه بما اشتق منهما
فلليمن يمناه ولليسر يسراه )
قال العماد وفيها في المحرم توفي بثغر الإسكندرية تورانشاه أخو صلاح الدين ووصل الخبر بذلك إلى السلطان وهو نازل بظاهر حمص فحزن عليه حزنا شديدا وجعل يكثر إنشاد أبيات المراثي وكان كتاب الحماسة من حفظه وكان صلاح الدين لما ملك مصر أرسله إلى اليمن فملكها ثم استناب فيها وقدم الشام سنة إحدى وسبعين فلما وصل تيماء جاء منه كتاب وفيه أبيات لشاعره ابن المنجم منها
( فهل لأخي بل مالكي علم أنني
إليه وإن طال التردد راجع )
( وإني بيوم واحد من لقائه
لملكي على عظم المزية بائع )
( ولم يبق إلا دون عشرين ليلة
وتجني المنى أبصارنا والمسامع )
( لدى ملك تعنو الملوك إذا بدا
وتخشع إعظاما له وهو خاشع ) 64
( كتبت وأشواقي إليك ببعضها
تعلمت النوح الحمام السواجع )
( وما الملك إلا راحة أنت زندها
تضم على الدنيا ونحن الأصابع )
قلت وقبر تورانشاه الآن بالتربة الحسامية بالعوينة ظاهر دمشق نقلته إليها أخته ست الشام بنت أيوب وبنت القبة عليه وعلى زوجها ناصر الدين محمد بن شيركوه وهو ابن عمها وعلى قبرها وقبر ابنها حسام الدين عمر بن لاجين وسيأتي ذكره وإليه تنسب التربة فهي ثلاثة قبور القبلي لتورانشاه والأوسط لابن شيركوه والشامي لست الشام وابنها رحمهم الله
قال العماد وفيها في رجب وصلت رسل الديوان العزيز الناصري صدر الدين شيخ الشيوخ أبو القاسم عبد الرحيم ومعه شهاب الدين بشير الخاص بالتفويض والتقليد والتشريف الجديد فتلقيناهم بالتعظيم 65 والتمجيد وركب السلطان للتلقي وعلى صفحاته بشائر الترقي فلما تراءى له الرسل الكرام ووجب له الإجلال والإعظام نزل وترجل وأبدى الخضوع وتوجل ونزل الرسل إليه وسلموا عن أمير المؤمنين عليه فتقبل الفرض وقبل الأرض ثم ركبوا ودخلوا المدينة
قال ابن أبي طي وكانت هذه أول خلعة قدمت من الإمام الناصر على الملك الناصر وكانت ثوب أطلس أسود واسع الكم مذهب وبقيار أسود مذهب وطيلسان أسود مذهب ومشدة سوداء مذهبة وطوق وتخت وسرفسار وجواد كميت من مراكب الخليفة عليه سرج أسود وسلال أسود وطوق مجوهر وقصبة ذهب وعلم أسود وعدة خيول وبقج وركب السلطان بالخلعة وزينت له دمشق وكان يوما عظيما
قال العماد وظفر السلطان من صدر الدين بصديق صدوق وكان قد عزم على قصد الديار المصرية وسلوك طريق أيلة والبرية فحسن لشيخ الشيوخ مصاحبته ورغبه في زيارة قبر الشافعي رضي الله عنه فقال قد عزمت في هذه السنة على الحج فأصل معكم إلى القاهرة بشرط إقامة يومين ولا أدخلها وإنما أسكن بالتربة الشافعية وأسير منها إلى بحر عيذاب 66 فلعلي أدرك صوم رمضان بمكة
فالتزم له ذلك وأعاد أصحابه إلى بغداد ليأتوه من طريقها إلى الحجاز ورجع شهاب الدين بشير في جواب رسالته ومعه رسوله ضياء الدين الشهرزوري وأنشأ العماد كتابا في الجواب إلى الديوان وفيه وقد توجه الخادم إلى الديار المصرية لتجديد النظر فيها ثم يستخير الله في الحج وأدائه ويعود إلى مجاهدة أعدائه
فصل في رجوع السلطان إلى مصر مرة ثانية
قال العماد ولما عزم السلطان على الرحيل استناب بالشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه وكان عزيز المثل غزير الفضل
وقال فيه العماد عند توديعه قصيدة منها
( أسأل الله ذا العلا أن تعيشا
ألف عام لنصره مستجيشا )
ومنها
( ما أكدي شيئا سوى فروة منك
وأبغي لسفرتي إكديشا ) 67
( كيف يخلو من دفء ظهر وظهر
سالك طرق أيلة والعريشا )
ووقفت على ثلاثة كتب للفاضل عن العادل إلى الولاة باليمن يعلمهم أن ملوك الشرق قد دخلوا في طاعة السلطان وأنه عازم على القدوم إلى مصر وصوم رمضان بها والحج إلى بيت الله الحرام منها ويأمرهم بالاستكثار مما يحمل لأجله إلى مكة من المال والأزواد والخلع مما تشتمل عليه تلك الأعمال
ووقفت على كتابين أخريين أحدهما إلى أمير مكة والآخر إلى أمير ينبع يعلمهما بذلك ليتأهبا لقدومه
ووقفت على كتاب سادس للفاضل إلى السلطان في ذلك يقول فيه جعل الله الملوك ذمة لسيفه وشرد منام الأعداء منهم بطيفه وأمن أهل الإسلام بعدله من جور الدهر وحيفه وأشهده موقف الحج الأكبر وزان بمحضره مشهد خيفه وجعل وفده الأكرم وضيف بيته منتظمين في هذه السنة في وفده وضيفه
ثم هنأه بما فتح الله عليه من محبة الجهاد وما أثره في بلاد الأرمن وغيرها من البلاد وما تبع ذلك من نية الحج بلغه الله منه المراد 68
ودخول السلطان بلاد الأرمن كان في هذه السنة كما سبق فلعله سنح له الحج مع شيخ الشيوخ ثم حصل له ما منعه منه
قال العماد ورحل السلطان إلى مصر يوم الاثنين ثامن عشر رجب ومعه صدر الدين شيخ الشيوخ فأقام يومين كما ذكر وتوجه منها إلى مكة على البحر فأدرك الصوم
قال العماد ووصلنا إلى القاهرة على طريق أيلة ثالث عشر شعبان واستقبلنا أهلها ولقينا الأكابر والأعيان والملك العادل أخو السلطان حينئذ بها نائبه وتلقتنا مواكبه ومواهبه وخدمته بقصيدة ذكرت فيها المنازل والمناهل من يوم الرحيل من دمشق إلى الوصول بالقاهرة منها
( أحبة قلبي طال ليلي بعدكم
أسى فمتى ألقى بوجهكم الفجرا )
( فقدت حياتي مذ فقدت لقاءكم
فهل لحياتي منكم نشأة أخرى )
( أجيران جيرون المجيرين جارهم
من الجور حوزوا في مشوقكم الأجرا )
( محبكم قد خانه الصبر فاطلبوا
محبا سواه عنكم يحسن الصبرا )
( ومذ غبت عن مقرى مقري قد نبا
سقى ورعى ربي مقري في مقرى )
( أحن إلى عذرا وعذري واضح
لأن الهوى العذري مني في عذرا ) 69
( إن القدر المحتوم من جلق بنا
إلى مصر أسرى فالقلوب بها أسرى )
( رحلنا فما باحت بأسرارنا سوى
عبارة عين خوف يوم النوى عبرى )
( تركنا دمشقا والجنان وراءنا
وقدامنا بالكسوة الرفقة السفرا )
( وجئنا إلى المرج الذي طاب نشره
فلا زال من أحبابنا طيبا نشرا )
( رحلنا بمرج الصفر العيس غدوة
فسارت وحطت في محجتها ظهرا )
( وقد قطعت تبنى إلى الدير بعدها
وما عرست حتى أناخت على بصرى )
( نزلنا الدناح والجلاعب بعدها
وبعدهما غدر البشامية الغزرا )
( ورأس الحسا والقريتين وكلها
موارد فيها السحب قد غادرت غدرا )
( وردنا من الزيتون حسمى وأيلة
وجزنا عقابا كان مسلكها وعرا )
( إلى قلتة الراعي إلى نابع إلى
جراول فالنخل الذي لم يزل قفرا )
( إلى منزل في روضة الجمل اغتدت
به عيسنا في صدر شارحه صدرا )
( ودون حثا لما حثثنا ركابنا
عيون لموسى لم يزل ماؤها مرا )
( هناك تلقانا الوفود ببرهم
فسروا بنا نفسا وزادوا بنا بشرا ) 70
( قطعنا إلى بحر الندى بحر قلزم
ومن قصده بحر الندى يقطع البحرا )
( عبرنا إلى من كاثر الرمل جوده
وجزنا إليه ذلك الرمل والجسرا )
( ولم يرونا ماء الثماد بعجرد
ولم يقتنع بالقل من يأمل الكثرا )
( وجئنا البويب والمصانع قبله
إلى بركة الجب التي قربت مصرا )
( إلى عزمة في المجد غير قصيرة
وكان قصارى أمرنا أن نرى القصرا )
( ولما نزلنا مصر في شهر طوبة
وردنا بكف العادل النيل في مسرى )
( غدا قاصرا عن قصره قصر قيصر
وإيوان كسرى عند إيوانه كسرا )
قال العماد وفي هذه السنة بمصر عربت كتاب كيمياء السعادة تصنيف الإمام أبي حامد الغزالي في مجلدين وفزت من تعريبه وعلم ما فيه بسعادتين وذلك بأمر فاضلي لزمني امتثاله وشملني في إتمامه إقباله
قال وفيها في خامس عشر شوال توفي صاحبي المعتمد إبراهيم بدمشق وأنا بمصر
قلت وهذا غير والي دمشق المعروف بالمبارز إبراهيم بن موسى ويلقب أيضا بالمعتمد 71
ورثى العماد صاحبه بقصيدة منها
( أرى الحزن لا يجدي على من فقدته
ولو كان في حزني مزيد لزدته )
( تغيرت الأحوال بعدك كلها
فلست أرى الدنيا على ما عهدته )
( عقدت بك الآمال بالنجح واثقا
فحلت يد الأقدار ما قد عقدته )
( وكان اعتقادي أنك الدهر مسعدي
فخانتني الأيام فيما اعتقدته )
( أردت لك العمر الطويل فلم يكن
سوى ما أراد الله لا ما أردته )
( وداع دعاني باسمه ذاكرا له
فأطربني ذكر اسمه فاستعدته )
( فقدت أحب الناس عندي وخيرهم
فمن لائمي فيه إذا ما نشدته )
قال ورثيته ببيتين وذكرت العناصر الأربعة في واحد منهما
( لهفي على من كان صبحي وجهه
فعدمت حين عدمته أنواره )
( سكن التراب وغاض ماء حياته
مذ أطفات ريح المنية ناره )
قال ابن أبي طي وفي هذه السنة سافر قراقوش إلى قابس
فذكر محاصرته لجملة من القلاع وقتله جماعة من البربر ومما ذكره أنه أسر جماعة على حصن وأمر بقتلهم وفيهم صبي أمرد فبذل فيه أهل القلعة عشرة آلاف دينار على أن لا يقتله فأبى فزادوه إلى مئة ألف فأبى وقتله 72 فما استتم قتله حتى نزل شيخ من القلعة ومعه مفاتيحها وقدمها لقراقوش فسأله عن الخبر فقال هذا الصبي الذي قتله ولدي ولم يكن لي سواه ولأجله كنت أحفظ هذه القلعة فلما قتلته علمت إن بقيت هذه القلعة بيدي ومت صارت إلى أولاد أخي وأنا أبغضهم
فرده إلى القلعة وأخذ منه أموالا
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمس مئة
قال العماد والسلطان مقيم بالقاهرة وقد عين لسماع الأحاديث النبوية بقراءة الإمام تاج الدين البندهي المسعودي ميقاتا وجمع به 73 من العلم والعلماء عنده أشتاتا
وورد كتاب عز الدين فرخشاه من الشام يذكر ما من الله به على الأنام من الإنعام بكثرة ولادة التوأم في ذلك العام وجبر الله به ما كان قبله من الوباء وتفاءلوا بالخصب بعد الجدب والغلاء
قال ودخلت الحمام الذي بناه زين الدين أبو الحسن علي بن نجا الواعظ في داره خارج باب زويلة بالقاهرة في ذي القعدة فقلت
( ما منزل من يرى فيه
غير عار فعار )
( به تماط الأذايا
وترخص الأوضار )
( والعيش فيه قرار
والطيش فيه وقار )
( والسبت في كل يوم
لمن يرى مختار )
( نار تطيب ألا اعجب
لجنة هي نار )
وله فيه
( ومنزل يدخله
لشغله كل أحد )
( يوجد فيه السبت في
كل خميس وأحد ) 74
فصل في ذكر وفاة الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين رحمهما الله وما تم في بلاده بعده وذلك بحلب
قال ابن شداد وكان مرضه بالقولنج وكان أول مرضه في تاسع رجب وفي الثالث والعشرين منه أغلق باب قلعة حلب لشدة مرضه واستدعى الأمراء واحدا واحدا واستحلفوا لعز الدين صاحب الموصل
وفي الخامس والعشرين منه توفي رحمه الله وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس
وقال ابن أبي طي كان سبب موته أن علم الدين سليمان بن جندر سقاه سما في عنقود عنب وهو في الصيد
وقيل الذي سقاه ياقوت الأسدي في شراب
وقيل إنه أطعمه خشكنانكه وهو في الصيد
قال ودفن بالمقام الكبير الذي في القلعة وحزن الناس له حزنا عظيما وكان من أحسن الناس صورة وألبقهم أعطافا
قلت وبلغني أنه كان يقال إن موت الملك الصالح صغيرا كان من 75 كرامات نور الدين رحمه الله فإنه سأل الله تعالى ألا يعذب شيئا من أجزائه بالنار وولده جزؤه فمات قبل أن يطول عمره على أحسن سيرة وحالة رحمهما الله
قال ابن الأثير ولم يبلغ عشرين سنة ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر تداويا بها فقال لا أفعل حتى استفتي الفقهاء
وكان عنده علاء الدين الكاساني الفقيه الحنفي بمنزلة كبيرة يعتقد فيه اعتقادا حسنا ويكرمه فاستفتاه فأفتاه بجواز شربها
فقال له يا علاء الدين إن كان الله سبحانه وتعالى قد قرب أجلي هل يؤخره شرب الخمر قال لا والله
قال والله لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرمه علي
قلت يحتمل أنه ذكر له أن من العلماء من ذهب إلى جواز ذلك لا أنه كان يرى ذلك فإن مذهبه بخلافه والله أعلم 76 ثم قال ابن الأثير فلما أيس من نفسه أحضر الأمراء كلهم وسائر الأجناد واستحلفهم لابن عمه أتابك عز الدين وأمرهم بتسليم مملكته جميعها إليه فقال له بعضهم إن ابن عمك عز الدين له الموصل وغيرها من البلاد من همذان إلى الفرات فلو أوصيت بحلب لابن عمك عماد الدين لكان أحسن ثم هو تربية والدك وزوج أختك وهو أيضا عديم المثل في الشجاعة والعقل والتدبير وشرف الأعراق وطهارة الأخلاق والخلال التي تفرد بها
فقال إن هذا لم يغب عني ولكن قد علمتم تغلب صلاح الدين على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي ومعي فإن سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها من صلاح الدين وإن ملكها صلاح الدين فلا يبقى لأهلنا معه مقام وإذا سلمتها إلى عز الدين أمكنه أن يحفظها لكثرة عساكره وبلاده وأمواله
فاستحسن الحاضرون قوله وعلموا صحته وعجبوا من جودة رأيه مع شدة مرضه ومن أشبه أباه فما ظلم
فلما توفي أرسل دزدار حلب وهو شاذبخت وسائر الأمراء إلى أتابك عز الدين يدعونه إلى حلب ليسلموها إليه فورد الخبر ومجاهد الدين قايماز قد سار إلى ماردين لمهم عرض فلقي القاصدين عندها فأخبروه الخبر فسار إلى الفرات وأرسل إلى أتابك عز الدين يعرفه الحال ويشير بتعجيل الحركة وأقام 77 على الفرات ينتظره وسار أتابك مجدا فلما وصل إلى المنزلة التي بها مجاهد الدين أقام معه وأرسل إلى حلب يستحضر الأمراء فحضروا كلهم عنده وجددوا اليمين له فسار حينئذ إلى حلب ودخلها وكان يوما مشهودا
ولما عبر الفرات كان تقي الدين عمر بن أخي صلاح الدين بمدينة منبج فسار عنها هاربا إلى مدينة حماة وثار أهل حماة ونادوا بشعار أتابك
وكان صلاح الدين بمصر فأشار عسكر حلب على عز الدين بقصد دمشق وأطمعوه فيها وفي غيرها من البلاد الشامية وأعلموه محبة أهلها للبيت الأتابكي فلم يفعل وقال بيننا يمين فلا نغدر به
وأقام بحلب عدة شهور ثم سار منها إلى الرقة فأقام بها وجاءته رسل أخيه عماد الدين يطلب منه أن يسلم إليه حلب ويأخذ عوضها \مدينة سنجار فلم يجبه إلى ذلك ولج عماد الدين وقال إن سلمتم إلي حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين فأشار حينئذ الجماعة بتسليمها إليه وكان أكثرهم في ذلك مجاهد الدين قايماز فإنه لج في تسليمها إلى عماد الدين ولم يمكن أتابك عز الدين مخالفته لتمكنه في الدولة وكثرة عساكره وبلاده فوافقه وهو كاره فسلم حلب إلى أخيه وتسلم سنجار وعاد إلى الموصل
وكان صلاح الدين بمصر وقد أيس من العود إلى الشام فلما بلغه ذلك برز عن القاهرة إلى الشام فلما سمع أتابك عز الدين بوصول 78 صلاح الدين إلى الشام جمع عساكره وسار عن الموصل خوفا على حلب من صلاح الدين
فاتفق أن بعض الأمراء الأكابر مال إلى صلاح الدين وعبر الفرات إليه فلما رأى أتابك ذلك لم يثق بعده إلى أحد من أمرائه إذ كان ذلك الأمير أوثقهم في نفسه فعاد إلى الموصل
وعبر صلاح الدين الفرات وملك البلاد الجزرية ونازل الموصل فلم يتمكن من النزول عليها وعاد إلى حلب وحصرها فسلمها عماد الدين إليه وسبب ذلك أن عز الدين لما تسلم حلب لم يترك في خزائنها من السلاح والأموال شيئا إلا نقله إلى الموصل وتسلمها عماد الدين وهي كما يقال بطن حمار فهو كان السبب في تسليمها لصلاح الدين وأخذ عوضها سنجار والخابور ونصيبين وسروج والرقة وغير ذلك
قال ابن شداد ولما توفي الملك الصالح سارعوا إلى إعلام عز الدين مسعود بن قطب الدين بذلك وبما جرى له من الوصية إليه وتحليف الناس له فسارع سائرا إلى حلب مبادرا خوفا من السلطان فكان أول قادم من أمرائه إلى حلب مظفر الدين بن زين الدين وصاحب سروج ووصل معهما من حلف جميع الأمراء له وكان وصولهم في ثالث شعبان 79
وفي العشرين منه وصل عز الدين إلى حلب وصعد القلعة واستولى على خزائنها وذخائرها وتزوج أم الملك الصالح في خامس شوال من السنة المذكورة
ثم أقام عز الدين بقلعة حلب إلى سادس عشر شوال وعلم أنه لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لحاجته إلى ملازمة الشام لأجل السلطان وألح عليه الأمراء في طلب الزيادات ورأوا أنفسهم أنهم قد اختاروه وضاق عطنه
وكان صاحب أمره مجاهد الدين قايماز وكان ضيق العطن لم يعتد مقاساة أمراء الشام فرحل من حلب طالب الرقة وخلفه ولده ومظفر الدين بن زين الدين بها فأتى الرقة ولقيه أخوه عماد الدين عن قرار بينهما واستقر مقايضة حلب بسنجار وحلف عز الدين لأخيه عماد الدين على ذلك في حادي عشر شوال وسار من جانب عماد الدين من تسلم حلب ومن جانب عز الدين من تسلم سنجار وفي ثالث عشر المحرم سنة ثمان وسبعين صعد عماد الدين قلعة حلب
قلت ووقفت على كتاب فاضلي عن السلطان إلى عز الدين 80 فرخشاه وهو نائبه دمشق وقفنا على كتابه وعلمنا ما تجدد من الخبر بمرض الملك الصالح واشتداد حاله وانقطاع الداخل عليه
ثم أشار بتنفيذ عسكر إلى جهة أخيه تقي الدين على إظهار قاعدة النظر في القضية يالحادثة بين أهل ديار بكر وابن قرا أرسلان والتوجه لفصلها قال فيكون ظاهر حركة العسكر لهذا السبب المتقدم وباطنها لهذا السبب المتأخر
وقد كوتب الولد تقي الدين أن يتوجه إلى منبج على الظاهر والباطن المذكورين وأن يحفظ المغازي ويرابط الفرات ويمنع المعابر ولنا بالس وقلعة جعبر ومنبج وتل باشر وهي جمهور الطرق بل كلها وقد أوعزنا إلى تقي الدين بأن يكون حمام حماة في حلب وحمام دمشق في حماة
وإلى الأجل ناصر الدين بأن يكون حمام دمشق في حمص وحمام حمص في حلب
وولدنا عز الدين يؤمر بأن يكون حمام بصرى في دمشق
وقد بعثنا نجابين يكونون منبجين ببصرى فإن تحققت الوفاة فنحن أسبق إأليكم من الجواب قولا وفعلا ووعدا ونجحا فالعلة مزاحة والعساكر مستريحة والظهر قد استعد والمصلحة في الحركة ظاهرة وحجج انتقاد المنتقدين في هذه القضية ساقطة
وقال العماد كان قصد السلطان إصلاح حال الملك الصالح وأنه القائم مقام أبيه فصده عنه مماليكه فأخذت بلاده بلجاجهم ومرضت دولته لسوء علاجهم فامتنع بحلب إلى أن توفي
ووصل ابن عمه عز الدين 81 مسعود صاحب الموصل إلى حلب فجمع ظاهره وباطنه وأخذ خزائنه واستخرج دفائنه وأخلى كنائنه ثم إنه عرف أنه لا يستقر له بها أمر فرغب أخاه عماد الدين تزنكي صاحب سنجار في تعويضها له بحلب فمال إلى بذله ورغب
ولما سمع السلطان في مصر بوفاة الملك الصالح تحرك عزمه وندم على النزوح من الشام مع قرب هذا المرام فكتب إلى ابن أخيه تقي الدين وهو يتولى له المعرة وحماة وأمره بالتأهب والنهوض وكذلك شحذ عزائم نوابه بالشام بتجديد المكاتبات لهم وبعثهم على الاستعداد وحملهم
وكان نائبه بدمشق ابن أخيه عز الدين مزخشاه قد نهض في مقابلة الفرنج بالكرك فإن الإبرنس الكركي كان يحدث نفسه بقصد تيماء في البرية فما زال فرخشاه في مقابلته حتى نكص اللعين على عقبيه ذليلا ولم يجد إلى ما حدثته به نفسه سبيلا فعرف السلطان اشتغاله بهذا المهم
فكتب كتابا بشرح الحال إلى بغداد باللفظ العمادي يقول فيه وشاع الخبر بغارة فرنج أنطاكية على حارم وأتوا من السبي والنهب بالعظائم وشاع أيضا أن عسكر حلب أغار على الراوندان وهي في عملنا ورسولهم عند الفرنج يستنجد بهم ويغريهم بنا وقد راسلوا الحشيشية والمراد من الرسالة 82 غير خاف والعلم بالمعتاد منه كاف
وابن أخينا غائب في أقصى بلاد الفرنج في أول برية الحجاز فإن طاغية منهم جمع خيله ورجله وحدثته نفسه الخبيثة بقصد تيماء وهي دهليز المدينة على ساكنها السلام واغتنم كون البرية معشبة مخصبة في هذا العام
والعجب أنا نحامي عن قبر النبي صلوات الله عليه وسلامه مشتغلين بمهمه والمذكور يعني صاحب الموصل ينازع في ولاية هي لنا ليأخذها بيد ظلمه وكم بين من يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال وبين من يتخذهم بطانة دون المؤمنين ويحمل إليهم كرائم الأموال
هذا مع ما نعد في الملة الحنيفية والدولة الهادية العباسية من آثار لا يعد مثلها أولا لأبي مسلم لأنه أقدم ثم خام ووالى ثم ولى ولا آخرا لطغرلبك فإنه نصر ونصب ثم حجر وحجب وقد عرف 83 ما فضلنا الله به عليهما في نصر الدولة وقطع من كان ينازع الخلافة رداءها وتطهير المنابر من رجس الأدعياء ولم نفعل ما فعلنا لأجل الدنيا غير أن التحدث بنعمة الله واجب والتبجح بالخدمة الشريفة والافتخار بالتوفيق فيها على السجية غالب
ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة إلى المذكور بأن يلزم حده ولا يتجاوز حقه فإن دخول الأيدي المختلفة عن الأعداء المتفقة شاغل ويحتاج إلى مغرم ينفق فيه العمر بغير طائل فإن الأعمال تمر مر السحاب والفرص تمض ومض السراب
وبقاؤنا في هذه الدار القليل اللبث القصير المكث نؤثر أنت نغتنمه في مجاهدة العدو الكافر الذي صار به البيت المقدس محلا للأرجاس ومضت عليه دهور وملوك لم يحصلوا من رجاء تطهيره إلا على الياس وإن كان القوم قد بذلوا للدار العزيزة بذولا معارة فقد أسلف الخادم خدمات ليست بعوار فإنهم لو بذلوا بلادهم كلها ما وفت بفتح مصر التي رجل بها أسامي الأدعياء الراكبة أعوادها وأعاد إلى عينها بعد بياض عماها من نور الشعار العباسي سوادها فإن اقتضت الأوامر الشريفة أن يوعز للمذكور في حلب بتقليد فالأولى أن يقلد الجميع فلا رغبة فيما لا يؤمن معه شر الشريك ولمالك الأمر الحكم في ممالك المماليك
وكان في الكتاب أيضا معناه إن حلب من جملة البلاد التي اشتمل 84 عليها تقليد أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله له وإنما تركها في يد ابن نور الدين لأجل أبيه والآن فليرجع كل إلى حقه وليقنع برز قه
ومن كتاب آخر فاضلي فقد صرف وجهنا في هذا الوقت عن جهاد لو كنا بصدده وعن فرض لو وصلنا يومه بغده لكان الإسلام قد أعفي من شركة الشرك وانفك أهله من ربقة أهل الإفك
ولكانت الأسماء الشريفة قد قرعت منابر طالما عزلت الصلب خطباءها ولكان الدين الخالص قد خلص إلى بلاد صار المشركون متوطنيها والمسلمون غرباءها
وفي كتاب آخر له وقد علم الله سبحانه أنا لهدنتهم كارهون وفي مصلحة أهل الإسلام وفي مصالحهم راغبون ولكنا قد بلينا بقوم كالفراش أو أخف عقولا وكالأنعام أو أضل سبيلا إن بني معهم فعلى غير أساس وإن عدد الغدر منهم فهو أكثر من الأنفاس
وفي كتاب آخر والخادم والحمد لله يعدد سوابق في الإسلام والدولة العباسية لا تعدها أولية أبي مسلم لأنه والى ثم وارى ولا آخرية طغرلبك لأنه نصر ثم حجر
والخادم بحمد الله خلع من كان ينازع الخلافة رداءها وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على وأعز بتأييد إبراهيمي فكسر الأصنام 85 الباطنة بسيفه الظاهر لا وفعل وما فعل للدنيا ولا معنى للاعتداد بما هو متوقع الجزاء عنه في اليوم الآخر
ومن كتاب آخر عند دخول صاحب الموصل حلب واستيلائه عليها وكانت داخلة في تقليد السلطان السابق فقال دخل حلب مستوليا وحصل بها معتديا وعقود الخلفاء لا تحل والسيوف في أوجه أوليائهم لا تسل وإنه إن فتح باب المنازعة أدني من ندامة وأبعد من سلامة وخرق ما يعيي على الراقع وجذب الرداء فلم تغن فيه إلا حيلة الخالع
وليس الاستيلاء بحجة في الولايات لطالبها ولا الدخول إلى الدار بموجب ملك غاصبها إلا أن تكون البلاد كالديار المصرية حين فتحها الخادم وأهله حيث الجمعة مستريبة والخلافة في غير أهلها غريبة والعقائد لغير الحق مستجيبة فتلك الولاية أولى بها ممن منحها من فتحها وكان سلطانها من أدخل في خبر كان شيطانها
وأما حلب التي الكلمة فيها عالية والمنابر فيها بالاسم الشريف حالية فإنما تكون لمن قلدها لا لمن توردها ولمن بالحق تسلمها لا لمن بالباطل تسنمها ولو كانت حلب كما كانت مصر لدخلها الخادم ولم يشاور ولولجها ولم يناظر ولكنه أتى البيوت من أبوابها واستمطر القطار من سحابها
ثم ذكر أن المواصلة راسلوا الملاحدة الحشيشية واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين وواسطة بينهم وبين الفرنج الكافرين ووعدوهم بقلاع من يد 86 الإسلام تقلع وبضياع من فيء المسلمين توضع وبدار دعوة بحلب ينصب فيها علم الضلالة ويرفع وياللعجب من الخصم يهدم دولة حق وهي تبنيه ومن العبد يبني ملكها بنفسه وماله وذويه وهي تراقب أعداءه فيه ودعواه في رسائلهم وغوائلهم ليست بدعوى لا يقوم شاهدها ولا هي بشناعة لا يهتدي قائدها بل هذا رسولهم عند سنان صاحب الملاحدة ورسولهم عند القومص ملك الفرنج وهذه الكتب الواصلة بذلك قد سيرت ولاستنجاب الولاية طرق أما السبق إلى التقليد فللخادم السبق
وأما العدالة والعدل فلو وقع الفرق لوقع الحق
وأما بالآثار بالطاعة فله فيها ما لولا معونة الخالق فيه لقصرت عنه أيدي الخلق ومتى استمرت المشاركة في الشام أفضت إلى ضعف التوحيد وقوة الإشراك وترامت إلى أخطار تعجز عنها خواطر الاستدراك وأحوجت قابض الأعنة إلى أن يعليها الجدد ويرسلها العراك
وطريق الصلاح والمصالحات الأيمان والمشار إليهم لا يلتزمون ربقتها ولا يوجبون صفقتها فكفى بالتجريب ناهيا عن الغرة ولا يلدغ المؤمن إلا مرة وإذا اجتمعت في الشام أيد ثلاث يد عادلة ويد ملحدة ويد كافرة نهض الكفر بتثليثه وقصرت عن 87 الإسلام يد مغيثه ولم ينفع الخادم حينئذ تصحيح حسابه وتصديق حديثه وما يريد الخادم إلا من تكون يد الله عليه وهي الجماعة ولا يؤثر إلا ما يتقرب به إليه وهو الطاعة ولا يتوخى إلا ما تقوم به الحجة اليوم ويوم تقوم الساعة
ومن كتاب آخر قد أحاط العلم بما طالع به أولا عند وفاة ولد نور الدين رحمه الله أن التقليد الشريف المستضيء لما وصله بالبلاد وكان قد فتح أكثرها قلاعا وأمصارا وحصونا وديارا ولم يبق إلا قصبة حلب وهو على أخذها عدل ولد نور الدين عن القتال إلى النوال وعن النزال إلى الإستنزال وقصد القصد الذي ما أوجبت المحافظة أن يتلقى بالرد فأقره على الولاية فرعا لا أصلا ونائبا لا مستقلا وسلم إليه البلاد ويده الغالبة لا المغلوبة وسيوفه السالبة لا المسلوبة ومشى الأمر معه مستقيما ومائلا وجائرا وعادلا إلى أن قضى نحبه ولقي ربه فبدا من المواصلة نقض الأيمان والابتداء بالعدوان والتعرض للبلاد والتصرف فيها بغير حجة يكون عليها الاعتماد
فطالع الديوان بالقضية واستشهد بدلالات قوانينه الجلية في هذا التقليد الذي تهادته المحاضر وأشاعته المنابر وسيرت إلى الشرق والغرب نسخه وغلت الأيدي التي تحدث أنفسها أنها تفسخه
فصل
قال العماد وتوجه السلطان بعد شهر رمضان إلى الإسكندرية على 88 طريق البحيرة وخيم عند السواري وشاهد الأسوار التي جددها والعمارات التي مهدها وأمر بالإتمام والاهتمام
وقال السلطان نغتنم حياة الشيخ الإمام أبي طاهر بن عوف
فحضرنا عنده وسمعنا عليه موطأ مالك رضي الله عنه بروايته عن الطرطوشي في العشر الأخير من شوال وتم له ولأولاده ولنا به السماع والوالي يومئذ بها فخر الدين قراجا
قلت ووجدت للقاضي الفاضل كتابا كتبه إلى السلطان تهنئة بهذا السماع يقول فيه أدام الله دولة المولى الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين محيي دولة أمير المؤمنين وأسعده برحلته للعلم وأثابه عليها وأوصل ذخائر الخير إليه وأوصله إليها وأوزع الخلق شكرا لنعمته فيه فإنها نعمة لا يوصل إلى شكرها إلا بإيزاعه وأودع قلبه نور اليقين فإنه مستقر لا يودع فيه إلا ما كان مستندا إلى إيداعه ولله 89 في الله رحلتاه وفي سبيل الله يوماه وما منهما إلا أغر محجل والحمد لله الذي جعله ذا يومين يوم يسفك دم المحابر تحت قلمه ويوم يسفك دم الكافر تحت علمه ففي الأول يطلب حديث المصطفى فيجعل أثره عينا لا تستر وفي الثاني يجعل لنصره شريعته هداه على الضلال فيجعل عينه أثرا لا يظهر وقد استغرب الناس همم العلماء في رحلتهم لنقل الحديث وسماعه والموالاة في طلب ثقته وانتجاعه وصنفوا في ذلك تصانيف قصدوا بها التحريض للهمم والتنبيه والرفع من أقدار أهله والتنويه فقالوا رحل فلان لسماع مسند فلان وسار زيد إلى عمرو على بعد المكان هذا وصاحب الرحلة قد نصب نفسه للعلم وشغل به دهره ووقف عليه فكره فلا تتجاذب عنان همته الكبائر فما القول في ملك خواطره كأبوابه مطروقة وأمور خلق الله كأمور دينه به معذوقة إذ هاجر إلى بقية الخير في أضيق أوقاته وترك للعلم أشد ضروراته ووهب له أياما مع أنه في الغزاة يحاسب لها نفسه على لحظاته وساعاته وما يحسب المملوك أن كاتب اليمين كتب لملك قط رحلة في طلب العلم إلا للرشيد هارون رحمة الله عليه على أنه خلط زيارة نبوية بطلب ورحل بولديه إلى مالك رحمة الله عليه لسماع هذا الموطأ الذي اتفقت الهمتان الرشيدية والناصرية على الرغبة في سماعه والرحلة لانتجاعه
وقد كان الرشيد سام مالكا رحمه الله أن يجعل له ولولديه الأمين والمأمون مجلسا خاصا لإسماع مصنفه فقال له ما معناه إنها سنة ابن عمك وغيرك من سترها ومثلك من نشرها
فهذه رحلة ثانية في الزمان وأولى في الإيمان يكتبها الله للمولى بقلم كاتب اليمين 90 ويقوم فيها مقام الرشيد ويقوم عليه وعثمانه مقام ولديه المأمون والأمين
وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد على مالك رحمة الله عليه في خزانة الكتب المصرية فإن كان قد حصل بالخزانة الناصرية فهو بركة عظيمة ومنقبة كريمة وذخيرة قديمة وإلا فليلتمس وكذلك خط موسى بن جعفر في فتيا المأمون رحمهما الله كان أيضا فيها وهو مما يتبرك بمثله ويعلم به فضل العلم لا خلا المولى أبقاه الله من فضله
وقف المملوك على ما بشر به من صنع المولى وتوفيقه وصحة مزاجه في طريقه وانقطاع ما كان من دم واسترواح القلب من كل هم وقد استفتحت هذه الطريق بكل فأل مباركة البكر والفأل مأثورة عن سيد البشر فمن ذلك صحة جسمه فلتهنه الصحة وفسحة قلبه دامت له الفسحة وانقطاع الدم وطريقه إلى الشام ينقطع بها الدم ويتصل النصر له وينتظم السلم
وأخرى أنه رحل إلى الموطأ رحم الله مالكه ويرحل فيما يطلب من الشام إلى الموطأ أسعد الله به ممالكه الله تعالى يحقق الخير ويصرف الضير ويبارك لمولانا في المقام والسير إن شاء الله
قلت هكذا يقع في كتب الفاضل رحمه الله كثيرا وهو أنه يختمها بالأدعية متصلة بقوله إن شاء الله
والتعليق بالمشيئة غير لائق بالأدعية ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال 91 رسول الله ( لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت اللهم ارزقني إن شئت ليعزم مسألته فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له )
فصل في أمور تتعلق بولاة اليمن في هذه السنة
قال العماد كان الأمير مجد الدين سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ نائبا لشمس الدولة أخي السلطان بزبيد وحصل له من أموالها الطريف والتليد
ثم ابتاع من السلطان الناحية المعروفة بالعدوية بمصر لما عاد إليها 92 وبقي أخوه حطان بزبيد واليا عليها فصنع دعوة عظيمة بها ذكر العماد أنه حضرها هو وغيره من الفضلاء الأعيان فبينما هم عنده في أسر حال إذ أحدق بهم الأمير بهاء الدين قراقوش فقبض على سيف الدولة واعتقل بالقصر
وكان سببه أن أقارب السلطان وخواصه كثروا عليه عنده أنه استوعب مال زبيد وأن له كنوزا لا تبيد وأشاروا عليه بقبضه وهو يدافع عنه إلى أن أكثروا وقيل فيه إن لم تدركه فات
فأمر به فاعتقل فسمح للسلطان خاصة من النقد المصري بثمانين ألف دينار لم يظهر فيها بيع دار ولا متاع ولا استدانة من تجار
وغرم لأخوي السلطان العادل وتاج الملوك ما حافظ به على نهج الكرم المسلوك وخرج مشرفا مكرما مصرفا محترما وزاد السلطان في تكرمته ونفذ إليه بما قبضه منه خط يده بأن المبلغ دين في ذمته ثم باعه أملاكا بمصر بتقدير ثلاثين ألف دينار وبذل له كل ما طلب عن إيثار واختيار وزاد في إقطاعه وبارك الله له في أشيائه وأشياعه 93
قال العماد وكان هذا الأمير من رجاحة عقله وحصافة فضله ما سمعت منه شكوى ولا حكاية في بلوى وقتل أخوه حطان بزبيد وأخذ ماله فلم يظهر منه للسلطان كراهة وكل شيمته نزاهة ونباهة
قال وكان لما توفي الملك المعظم شمس الدولة أشفق السلطان من نوابه باليمن وذكر ما بين ولاتها من الإحن ووصل الخبر بما يجري بين الأمير عثمان بن الزنجيلي والي عدن وبين الأمير حطان والي زبيد من الفتن فندب إلى زبيد عدة من الأمراء لحفظ البلاد وإصلاح الأمور التي يخشى عليها الفساد ومن جملتهم والي مصر صارم الدين خطلبا وبقيت الولاية له بها في غيبته يقوم بها نوابه ويرجع إلى رأي أهله أصحابه فشرعت زوجته في عمارة دار عظيمة سنية
وذكر العماد أنه حصل له ولغيره من الأعيان بها ضيافة جليلة اتفاقية
وقال ابن أبي طي كانت نفس سيف الإسلام طغتكين أخي السلطان تشرئب إلى اليمن من حيث مات أخوه شمس الدولة ويشتهي أن يصير إليها فأمر ابن سعدان الحلبي أن يعمل له قصيدة يعرض فيها بإنفاذ سيف الإسلام إلى اليمن فعمل القصيدة التي يقول فيها 94
( جرد لها السيف الصقيل فتنة
فالسيف لا يذخر إلا للفتن )
( شد به أزر العلا فإنه
نعم فتى من شرع الجود وسن )
( القائل المسمع في مقاله
والصادق الندب الأمين المؤتمن )
( بادي الفؤاد كيفما سيرته
حن إلى دار الوغى ثمت أن )
وفيها يقول
( يا ابن الكرام النجباء والذي
تلقف العلياء فيها ولقن )
( لا تعد عيناك عن الملك فما
يخاطب العلياء إلا من ومن )
( قد فسد الملك وقد طال العدى
واقتسموا بعدك أموال اليمن )
قال فلما سمع السلطان هذه القصيدة أذن لسيف الإسلام في المسير إلى اليمن
وقال العماد وفي هذه السنة تقرر مع سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب أن يمضي إلى بلاد اليمن وزبيد وعدن وأن يقطع بها الفتن ويتولاها ويولي ويعزل ويحسن ويعدل
فسار بعد مسيرنا إلى الشام وجرت مملكته فيها على أحسن نظام وذلك في سنة ثمان
ووصل إلى زبيد وحط حطان عن رتبته وأمنه وطمنه ثم أذن له في الانفصال إلى الشام فجمع حطان كل ماله من سبد ولبد ومطرف 95 ومتلد ولجين وعسجد وياقوت وزبرجد وآلات وعدد وحصن وحجور عراب ومال اعتقده من اليمن بغير حساب
ثم أناخ جماله ورحل عليها أحماله وقدم قدامه أثقاله وظن أنه نجا وفاز وركب الأوفاز فزده إليه ليودعه ثم يشيعه ويركب معه فلما دخل عليه اعتقله وسير وراء ماله من أقفله وإلى خزانته نقله ثم أنفذه إلى بعض معاقله فحبسه ثم قتله
وفيما ذكر للسلطان من خبر ذهبه وماله الذاهب ما يعيي بحصر تفاصيل جمله أنمل الحاسب أن نيفا وسبعين غلافا من غلف الزرد كانت مملوءة بالذهب الأحمر المنتقد وقوم المأخوذ بقيمة ألف ألف دينار
وأما صاحب عدن الأمير عز الدين عثمان بن الزنجيلي فإنه لما 96 سمع بسيف الإسلام توجه إلى الشام
قلت ولهذا الأمير أوقاف وصدقات بمكة واليمن ودمشق فإليه تنسب المدرسة والرباط المتقابلات بباب العمرة بمكة والمدرسة التي خارج باب توما بدمشق رحمه الله
ومن كتاب فاضلي عن السلطان إليه البلاد لك فيها عدة سنين وأنت فيها مؤتمن على مال الله فأده إلى من يجاهد به أعداء الله ويقيم به كلمة الله ويحفظ به البيضة ويذب به عن الملة ويقاتل به أعداء القبلة ويضرب بالأسداد بين الكفر والإسلام وينصب وجهه بين الهجير والزمهرير عاما في إثر عام وما نطلب منك الباطل الذي لا يجوز لنا أن 97 نطلبه ولا لك أن تدفعه ولا نريد إلا الحق الذي لا يحل لنا أن نتركه ولا لك أن تمنعه
فصل في باقي حوادث هذه السنة
قال العماد وفي هذه السنة وصل إلى السلطان من دمشق العلم خطيب المزة وكان قد زور على السلطان مثالا يتضمن له منالا ورفعه إلى عز الدين فرخشاه فما خفي تزويره عليه وهم بالإيقاع به فقصد السلطان بمصر وأطلعه على حاله فما اكترث به وقال نحقق ما زورت
وأمر أن يكتب له توقيع بضعف ذلك الإدرار
قال وكان له إمام يصلي به وهو يكتب مثل خطه فأطلق به أموالا وأصلح وأنجح بتزويره لأصدقائه أحوالا وما يشك صاحب ديوان ولا متولي خزانة في أنه صحيح فلما دام سنين انكشف وشارف التلف وجلس إخوة السلطان وأمراؤه عنده يغرونه به فقلت له بالعجمية سرا تهبه للقرآن
فقال نعم
فنفس من خناقه وأمر بإطلاقه وأبقى عليه خيره حين استبدل به غيره وصار بعده للعادل إماما وبقي شغله معه مستداما 98
قال وفيها غدر الفرنج ونقضوا عهدهم واستولوا على تجار في البحر وغيرهم وسهل الله تعالى بطسة لهم عظيمة من المراكب الفرنجية مقلعة من بلد لهم يقال له بوليه تحتوي على ألفين وخمس مئة نفس من رجال القوم وأبطالهم وأتباعهم وهم على قصد زيارة القدس في الساحل وتكثير حزب الباطل فألقتهم الريح إلى ثغر دمياط فغرق منهم الشطر وشمل الباقين الأسر فحصل في الأسر منهم زهاء ألف وست مئة وست وسبعين نفسا واتفق ذلك أمام الاهتمام بالمسير إلى الشام
قال ابن أبي طي وفيها ولد للسلطان الملك المعظم تورانشاه والملك المحسن أحمد بينهما سبعة أيام واتصل الفرح بهما أربعة عشر يوما
وفيها سار قراقوش إلى إفريقية فأوغل في بلادها وانتهب ما قدر عليه وحارب عسكر ابن عبد المؤمن بالقيروان ثم بلغه أن إبراهيم السلاح دار احتوى على أهل قراقوش وبلده فرجع إليه فهرب إبراهيم 99 وسار إلى خدمة ابن عبد المؤمن وملك قراقوش ما كان بيد إبراهيم
قال ابن القادسي وفيها عشية الخميس ثامن شعبان توفي الإمام كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي السعادات الأنباري النحوي وكان فقيها نحويا زاهدا عابدا خشن العيش صبورا على الفقر وكان يسرد الصوم ولا يقبل من أحد شيئا وكان يحضر في نوبة الصوفية بدار الخلافة المعظمة في الوقت فينفذ إليه بالتشريف والذهب فيعيده ولا يقبله وكان يجتهد به الوزير ابن رئيس الرؤساء أن يقبل لولده شيئا فما كان يفعل
وكان يفطر على الخبز الخشكار ويبتاع برغيف أرزا وما شاء
وكان بابه مفتوحا لطالبي العلم يعلمهم لوجه الله تعالى وكان إذا أحضر أحدهم في الصيف مروحة يتروح بها فإذا خرج يقول له خذ مروحتك معك
فيجتهد به ذلك أن يجعلها عنده إلى غد فما يفعل
وصنف تصانيف كثيرة ودفن في تربة أبي إسحاق الشيرازي 100 رضي الله عنه
قلت وفيها توفي بمصر الشاعر ابن الذروي وهو أبو الحسن علي بن يحيى المصري وسنه حول الأربعين وقد تقدم من شعره في حج الفاضل وفي مدح ابن منقذ وغيرهما
ومن ظريف شعره قوله في أحدب
( يا أخي كيف غيرتنا الليالي
كيف حالت ما بيننا بالمحال ) 101
( حاش لله أن أصافي خلا
فيراني في وده ذا اختلال )
( زعموا أنني أتيت بهجو
فيك نمقته بسم خلال )
( كذبوا إنما وصفت الذي حزت
من النبل والسنا والكمال )
( لا تظنن حدبة الظهر عيبا
فهي للحسن من صفات الهلال )
( وكذاك القسي محدودبات
وهي أنكى من الظبى والعوالي )
( ودناني القضاة وهي كما تعلم
كانت موسومة بالجمال )
( وإذا ما علا السنام ففيه
لقروم الجمال أي جمال )
( وأرى الإنحناء في منسر الكاسر
يلفى ومخلب الرئبال )
( وأبو الغصن أنت لا شك فيه
وهو رب القوام والإعتدال )
( قد تحليت بانحناء فأنت الراكع
المستمر في كل حال )
( وتعجلت حمل وزرك في الظهر
فأمنا في موقف من الأهوال )
( إن حمل الذنوب أهون في الدنيا
على أنه من الأثقال )
( كون الله حدبة فيك إن شئت
من الفضل أو من الإفضال )
( فأتت ربوة على طود حلم
منك أو موجة ببحر نوال ) 102
( ما رأتها النساء إلا تمنت
لو غدت حلية لكل الرجال )
( عد إلى ودنا القديم ولا تصغ
لقيل من الوشاة وقال )
فصل في عود السلطان من الديار المصرية إلى الشام
قال العماد وعدنا من الإسكندرية إلى القاهرة في ذي القعدة وشرع السلطان في الاستعداد لسفر الشام فجمع العساكر والسلاح واستصحب نصف العسكر وأبقى النصف الآخر لحفظ ثغور مصر وأمر قراقوش بإتمام الأسوار الدائرة على مصر والقاهرة
قال وكان السلطان عشية توديعه لأهل مصر جالسا في سرادقه 103 وكل ينشده بيتا في الوداع فأخرج أحد مؤدبي أولاده رأسه وأنشد مظهرا له فضله ورافعا به محله
( تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار )
فلما سمعه خمد نشاطه وتبدل بالانقباض انبساطه ونحن ما بين مغضب ومغض ينظر بعضنا إلى بعض ولا نقضي العجب من مؤدب ترك الأدب فكأنه نطق بما هو كائن في الغيب فإنه ما عاد بعدها إلى الديار المصرية حتى اتصل بنجح المنى في المنية
قال ومن جملة تسمح المعلمين في القول ما حكاه لنا شيخنا أبو محمد بن الخشاب قال وصلت إلى تبريز فأحضرني يوما رئيسها في داره وأجلس ولده بين يدي ليقرا بعض ما تلقنه علي فقلت فرخ 104 البط سابح
فقال معلمه وكان حاضرا نعم وجرو الكلب نابح
فخجلت من خطاء خطابه وإذا به على دأبه في سوء آدابه ومقصوده أن يذكر قرينة ولا يبالي بعينه قريرة أم سخينة ودأب أدباء أولاد الملوك لاجترائهم علىأعزة أولادهم الاجتراء على الآباء ويحتمل ما يصدر منهم لعزة الأبناء وإنما يصلح لمجالسة الملوك من يتحفظ في كلامه ويتيقظ حتى في منامه
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمس مئة
قال العماد وفي خامس المحرم منها رحل السلطان من البركة قاصدا إلى الشام ولم يعد بعدها إلى مصر حتى أدركه الحمام
وأخذ على طريق صدر وأيلة في المفاوز فبات بالبويب ثم كانت منازله على الجسر ووادي موسى وحثا وصدر وبعد خمس ليال وصل عقبة أيلة وهناك سمع باجتماع الكفار بالكرك لقصد قطع الطريق فاحترز بحفظ الأطراف وجاز بحسمى ثم عقبة شتار ثم القريتين وأغار في تلك الأيام على أطراف بلاد العدو ثم تجرد السلطان في كماته وسلك بهم سمت الكرك 105 إلى الحسا وأمر أخاه تاج الملوك بوري على الناس وأمره أن يسير بهم يمنة منه ثم اجتمعوا بالسلطان بالأزرق بعد أسبوع
ووصل الخبر بظفر الملك المنصور عز الدين فرخشاه قال العماد ويلقب أيضا معز الدين بما غنمه أيضا من بلاد العدو وذلك أن الفرنج لما سمعوا بمسير السلطان من مصر ومعه خلق من التجار اجتمعوا بالكرك للقرب من الطريق لعلهم ينتهزون فرصة فيقتطعون من القافلة قطعة
فخرج فرخشاه من دمشق واغتنم خلو ديارهم فأغار على بلاد طبرية وعكا وفتح دبورية وجاء إلى حبيس جلدك بالسواد وهو شقيف يشرف على بلاد المسلمين ففتحه وأسكنه المسلمين فبقي عينا على الكفار بعدما كان لهم ورجع بالغنائم والأسرى مظفرا منصورا ومعه ألف أسير وعشرون ألف رأس من الأنعام
ثم وصل السلطان بصرى ودخل دمشق سابع عشر صفر
قال وفي العشر الأول من ربيع الأول خرج السلطان وأغار على بلاد طبرية وبيسان والتحم بينهم القتال تحت حصن كوكب واستشهد جماعة 106 من المسلمين ولكن كانت الدائرة على الكافرين ورجع السلطان بحمد الله ظافرا
وكتب بالمثال الفاضلي إلى الديوان كان الخادم طالع بخروجه من مصر طالبا للغزاة المفروضة والمسافة بين مصر والشام لمن يرفق في المسير لا تقصر عن ثلاثين يوما فحشد الفرنج ونزلوا بالكرك على إرجاف بالمصاف ولم يزل الخادم على مداومة الإعمال إلى أوساط الأعمال فحل بها وشن الغارة فأبعد وأذكى النار فأوقد وطلب الماء المحمي أزرقه بأزرقهم فأورد وسفك دم الخصب بالنار وأخذ فيها عدل السيف الجار بالجار وعلم أن الفرنج قد تسللوا لواذا وتعللوا بالحصون احتجازا ولياذا وأنهم لا يقاتلون إلا في قرى محصنة ولا يقاتلون إلا على نجاة متيقنة وسرح الخادم إلى تلك الذراري واستنفر لها من كل فرقة منهم طائفة وساروا في طريق على العدو غير خافية ومنهم غير خائفة وركب هو وحمية الإسلام الحامية التي تستنهض أرواح الكفر إلى نار الله الحامية 107 وسلك البلاد المؤدية أوديتها إلى سيول الشرك الطامية وسيوف الضلال الدامية فجثموا جثوم الكسير وجدعوا أنوف الأنف جدعا قصر فيه رأي قصير
وجاز الخادم المسافة المقابلة لهم التي كانت تجاز في يوم واحد في أيام وأورد عليهم طيف الخوف غير لابس ثياب الأحلام ويسر الله الوصول ورقاب عصبة الكفر تكاد تتوثب عليها رقاقها وعيون الأعيان منهم قد قيدها للذل إطراقها
وتوجه يوم الاثنين سابع شهر ربيع الأول ونزل أمام طبرية ليلة الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول فجاءه الخبر بأن الفرنج رحلوا في ليل ركبوه جملا ولبسوه سترا دون اللقاء مسبلا وأصبحت الأطلاب الإسلامية طالبة الأردن وأشرف عليهم المملوك فرخشاه وكان على ميسرة الإسلام فما خرج منهم من أخرج كفا ولا تطرف منهم من أجال طرفا ولا من ركض طرفا ولم يزل الخادم مقيما ينادي للخروج الصم الذين لا يسمعون الدعاء إلى أن طوى النهار ملاءته ومد عليهم كلاءته فإنه رعى ما بينه 108 وبين مناسبة وجوههم وصحائفهم بسواده ولأن الليل يدعى كافرا فهداهم وخبأهم في فؤاده وانبرى لهم من المماليك ذوو سهام كل رمية منها طعنة وكل أنة من قوسها تجاوبها للحين أنة فاستخرجوا ضمائر كنائنهم وقصدوا بها ضمائر ضغائنهم فمرت كأن التوفيق يقودها إلى حيث أمت فأماتت وطارت جرادا ترعى زرع الحياة فبتت وما أباتت ولم يروا مضاجع ذوات حسك كمضاجع حسكها السهام ولا ليلة هم ذات أحلام كليلة حلمها يقظة الحمام وأصابت خيولهم صوائبها وتعلقت نصالهم بدهمها فكأنهم في ظلماتها كواكبها فلما انشق الصبح غيظا من شقاق كفرهم شوهدوا نازلين من حصنهم الذي كانوا إليه آوين وطالبي التباعد عنه إلى حصن الطور الذي كانوا إليه ناوين فساقت إليهم أطلاب الميسرة صحبة المملوك فرخشاه
وساق المملوك عمر من الميمنة طالبا لحومة القتال فرأوا الخطة عليهم متضايقة وشهادات البلاء إلى فئتهم متناسقة وأنزل الله النصر من سمائه على مطيعه في أرضه ومنح نافلة الموهبة لمن قام في الجهاد بفرضه
وتوالت من الفرنج حملات ألجأهم إليها الاضطرار لا الاختيار وثبت من دنا منهم من المسلمين من الأطلاب ولقوهم وهم الأعداء لقاء الأحباب وتعانقت لغير الوداد فصارت أيديها أوشحة وطارت إلى أقرانها فصارت أرجل الخيل لها أجنحة وصرعت للفرنج أبطال وخيالة وتمت الحملة الإسلامية على من كان وراءهم من الرجالة فأخذ القتل كثيرا وقليلا ترك وفر روح الكافر من الجسد وعلمت النار أنه سلك وألجأهم 109 البلاء إلى حصن يعرف بعفربلا وسع الخوف منه ما هو ضيق وتعلق بالحياة منهم من هو به متعلق ولم تنصرف صدور الخيل دون أن اعتقلتهم في سجنه وألزمتهم به فصاروا قرطا في أذنه وكان اليوم من الأيام التي اضطرمت فيها نيران الجحيم ارتياحا لمن قدمها من أرواح الكفار
وكان قائم الظهيرة في الغور قد منع من استتمام عودة المغار ومورد الماء بعيد من غريمه والري ولو أنه من حميم أحب إلى المرء من حميمه فمالت الجنود إلى المناهل متفرقة عليها ومنصرفة إليها وحافة بها من حواليها وأذعن الكفار بالحصر والتفادي من الإصحار والاعتماد على المطاولة والأضجار والاستعصام بما لا يطاق من أنفاس الهجير الحرار
وبات الخادم والمسلمون على الحصن المذكور الذي يأتوا به نازلين قد حققوا من أحوال اللقاء ما كانوا به جاهلين وفعل الله سبحانه وتعالى في هذه النوبة ما عواقبه مسفرة عن المراد ودلائله محققة لقوله تعالى (
لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ) وأن الكفر مذ قام قائمه والشام مذ حله ظالمه لم يعبر أحد من ولاة الأمر هذا الحد إلا على حين غفلة من أهله ولم يواجه الكفر وهو مجتمع في خيله فضلا عن رجله ولم يهدد العدو بضرب مصاف إلا واستكانت العزائم لتهديده ولم يجمع أمره على اللقاء إلا صرفه عنه الآمر بصرفه بذهبه لا بحديده فأما الآن فقد أنس المسلمون بحزبه وتمرنوا بحربه 110
فصل في مسير السلطان إلى بلاد المشرق مرة ثانية
قال العماد ثم إن السلطان عزم على المسير إلى حلب وبلغه أن المواصلة كاتبوا الفرنج ورغبوهم في الخروج إلى الثغور ليشغلوا السلطان عن قصدهم
فتوجه على سمت بعلبك وخيم بالبقاع وكان قد واعد أسطول مصر أن يتجهز إلى بلاد الساحل فبلغه الخبر أنه وصل إلى بيروت فبادره السلطان بعسكره جريدة قبل أن يفوت فلما وصل رأى أن أمر بيروت يطول وكان قد سبى الأسطول منها وسلب وظفر من غنيمتها بما طلب فأغار السلطان على تلك البلاد ورجع وأعاد فرخشاه إلى دمشق ورحل بعلبك ومنها إلى حمص فخرج الفقيه المهذب عبد الله بن أسعد بن الدهان وله في السلطان مدائح منها قصيدة أولها
( أعلمت بعدك وقفتي بالأجرع
ورضى طلولك عن دموعي الهمع )
( مطرت غضى في منزليك فذاويا
في أربع ومؤججا في أضلع ) 111
( هل يعلم المتحملون لنجعة
أن المنازل أخصبت من أدمعي )
( دعني وما شاء التلذذ والأسى
وأقصد بلومك من يطيعك أو يعي )
( لا قلب لي فأعي الملام فإنني
أودعته بالأمس عند مودعي )
( قل للبخيلة بالسلام تورعا
كيف استبحت دمي ولم تتورعي )
( وبديعة الحسن التي في وجهها
دون الوجوه عناية للمبدع )
( ما بال معتمر بربعك دائبا
يقضي زيارته بغير تمتع )
ومنها
( ووعدتني إن عدت عود وصالنا
هيهات ما أبقى إلى أن ترجعي )
( هل تسمحين ببذل أيسر نائل
أن اشتكي وجدي إليك وتسمعي )
( فتيقني أني بحبك مغرم
ثم اصنعي ما شئت بي أن تصنعي )
ومنها
( فسقى الربيع الجون ربعا طالما
أبصرت فيه البدر ليلة أربع )
( ولو استطعت سقيته سبل الغنى
من كف يوسف بالأدر الأنقع )
( بيدي فتى لو أن جود يمينه
للغيث لم يك ممسكا عن موضع )
( فإذا اتبسم قال يا جودا ندفق
فيضا ويا سحب الندى لا تقلعي ) 112
( وإذا تنمر قال يا أرض أرجفي
بالصاهلات ويا جبال تزعزعي )
( وإذا علا في المجد أعلى غاية
قالت له الهمم الجسام ترفع )
( كم وقفة لك في الوغى محمودة
أبدا وكم جود حميد الموقع )
( والناس بعدك في المكارم والندى
رجلان إما سارق أو مدعي )
قال ثم رحل السلطان إلى حماة واستصحب معه ابن أخيه تقي الدين فلما قرب من حلب أقبل مظفر الدين كوكبري بن علي كوجك صاحب حران حينئذ فاجتمع بالسلطان وصار في خدمته من جملة الأعوان وأشار عليه أن يعبر الفرات ويجوز ما وراءها ويترك حلب إلى ما بعد ذلك لئلا تشغله عن غيرها
فاستصوب السلطان رأيه وعبر الفرات
وقال القاضي ابن شداد نزل السلطان على حلب في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين فأقام ثلاثة أيام ورحل في الحادي والعشرين منه يطلب الفرات واستقر الحال بينه وبين مظفر الدين بن زين 113 الدين وكان صاحب حران وكان قد استوحش من جانب الموصل وخاف من مجاهد الدين فالتجأ إلى السلطان وعبر إليه إلى قاطع الفرات وقوى عزمه على البلاد وسهل أمرها عنده فعبر الفرات وأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج ثم شحن على الخابور وأقطعه
وقال ابن أبي طي في أول السنة أراد مظفر الدين بن زين الدين وكان إليه شحنكية حلب الاستيلاء على قلعة حلب بأن يهجمها فلم يتمكن وظهر أمره وبعد هذه الوقعة اجتمع الأخوان عز الدين وعماد الدين على الرقة وتحالفا على بساط واحد وسلم عماد الدين ما كان بيده من سنجار وغيرها إلى عز الدين وسلَّم عز الدين إليه حلب فسار إليها ودخلها فخرج مظفر الدين عنها وصار إلى الفرات فلما اتصل به قصد السلطان حلب سار إلى خدمته واجتمع به على جباب التركمان وأشار على السلطان بعبور الفرات والاستيلاء على بلاد الشرق وتأخير أمر حلب ففعل
ورحل عن حلب بعد أن أقام عليها ستة أيام وأقام على تل خالد ثلاثة أيام ثم رحل إلى البيرة وفيها شهاب الدين محمد بن الياس الأرتقي فنزل إليه وقبل الأرض بين يديه وسأله الصعود إلى قلعة البيرة فأجابه وقدم له مفاتيح القلعة فردها إليه ووعده باستخلاص ما كان صاحب ماردين غلبه عليه 114
ورحل السلطان إلى سروج فنزل إليه صاحبها ابن مالك مستأمنا فأعاده إلى بلده وراسل صاحب ماردين في رد كان تغلب عليه من أعمال البيرة ففعل
ثم أخذ الرها ثم الرقة ثم سلم الرها إلى ابن زين الدين والرقة إلى صاحب الرها لأنه سأل أن يكون في خدمة السلطان
ومن كتاب فاضلي عن السلطان إلى عز الدين فرخشاه يعلمه بالحال وفي آخره ولتعجل بحمل ما هناك من الأموال فكلما فتحت البلاد أبوابها قد فتحت المطامع أفواهها واستوعبت الخزائن إخراجا وإنفاقا واستنفدت الحواصل إعطاء وإطلاقا وقدمنا على بحر لا يسده إلا بحر وعلى أيد إن كان بها الغنى ففي أنفسها الفقر
ومن كتاب آخر إلى العادل يعلم مقدار الحاجة إلى الأنفاق وكثرة الخرج الذي اشترك فيه أهل الآفاق وأنه متى نضبت المواد وقفت الأمور التي قد شارفت نهاياتها وتفرقت الجموع التي تناذرت الأعداء نكاياتها وما دون تملك البلاد إلا الوصول إليها والنزول عليها
قال العماد وقال مظفر الدين للسلطان مازلت شوقا إليك في حران حران وإلى الري من ورد خدمتك ظمآن وهي لك مبذولة وبأوليائك 115 من أهل الدين والدنيا مأهولة والرها لا يعسر أمرها والرقة لرقك وبعض حقك والخابور في انتظار خبرك ودارا دارك ونصيبين نصيبك وملك الموصل موصلك إلى الملك وما هذا أوان الونى فادن إلينا وكل بعيد قد دنا
قال ووصل البحر إلى الفرات وخيم عليها من غربي البيرة ومد الجسر وكانت البيرة قد طمع فيها صاحب ماردين واستولى على مواضع من أعمالها فلما سمع بالسلطان تخلى عنها فأعاد إليها صاحبها شهاب الدين محمد بن إلياس الأرتقي
وكتب السلطان بالمثال الفاضلي إلى الديوان عند عبور الفرات كتابا فائقا طويلا يقول فيه خدم الخادم متوالية إلى الأبواب الشريفة خلد الله سلطانها شارحا لأحواله ومعتدا بها من صالح أعماله ومتوقعا من الأجوبة عنها ما يهيئ له من أمره رشدا ويفرق الأعداء إذ كادوا يكونون عليه لبدا فإن الآراء الشريفة لو لم تفصح عنها الإنشاءات وتتضمنها الإجابات والابتداءات لأفصحت عنها موالاة الخادم التي استفتحت الدولة بعقائل الفتوح قبل خطبتها وردت الأسماء الشريفة إلى أوطانها من المنابر 116 بعد طول غربتها فتلك الأعمال كالهجرة ولكل امرئ ما هاجر إليه ونية المرء ثوبه فلا يلبس إلا ما خلعته النية عليه
وكتاب الخادم الآن من البيرة بعدما قطع الفرات وكان من لا تقرب عليه العزائم ما هو بعيد ولا يلقي السمع وهو شهيد يظن أن ساكن النيل يحول الفرات بينه وبين قصده وأنه ينسى عزيمة رأيه إذا ذكر طول مدته وهول مده وكيفما كان هذا المخرج المحرج فقد أحسنت إلى الخادم إساءته إليه وقربه من محل دار السلام بل الإسلام فما أكثر ما قال السلام عليه واستشرف جنانه من جنابه أمنا وذعرا أوجبتهما الموالاة والمهابة و طالعت عينه أنواء وأنوارا تنسب إلى بركاتها كل سحابة وكاد ينزل عن السروج والأكوار ويقبل الثرى لأجل شرف الجوار وتستنفد غلته ماء الفرات لأنه يمر بتلك الديار ويقرأ من صفائه صفاء تلك الخواطر العظيمة الأخطار ومن عذوبته ذلك الإنعام الذي هو أعم وأغمر للأقطار من القطار وتنور دار الإسلام من منزلته فأدناه النظر العالي وأسفلته آماله حوز الفوز بما قربه نجيا من قربها والآمال أمالي والله تعالى 117 يشرف أرضا هو واطئها ويرعى سروجا هو كالئها ويسعد به أمة هو بارها طاعة لمن هو بارئها
ولما تحقق الخادم أن المواصلة قد واصلوا الفرنج مواصلة أخلصوا فيها الضمائر ولم يستطيعوا فيها كتمان السرائر وخصمتهم خطوط الأيدي المتمسكة بعصم الكوافر وعقدوا معهم عقدا شهده من هو حاضره ونقله إلى من سمعه من هو ناظره وكان عقدهم إحدى عشرة سنة والمستقر لهم في كل سنة عشرة آلاف دينار على أن تسلم ثغور المسلمين إلى الكفار منها بانياس وشقيف تيرون وحبيس جلدك وأسارى الفرنج في كل بلدة بأيديهم وفي كل بلد يسترجعونه من الخادم بمساعدة الفرنج
ولما تم لهم هذا العقد وحملوا إلى الفرنج ذلك النقد ظنوا أن الحق يجادله الباطل فيدحضه وأن يد الكفر تنبسط إلى الإسلام فتقبضه وأن الخادم لا يمكنه أن يتوجه إليهم إلا بأن تكون الفرنج سلما ولا يستطيع أن يقسم العساكر فيجعل بإزاء الفرنج قسما وبإزائهم قسما وعملوا على هذا الوهم وبنوا على هذا الحكم واستنهضوا الفرنج على تثاقل الخطوة واستخرجوهم على ما بهم من كلوم الغزوة بعد الغزوة فتحاملت أرجل الكفر على ظلعها وخرجت على طمعها إلى قرعها وأنفقت في رجالها مالا حملوه إليهم 118 جما وجرت إلى الإسلام جيشا جهزه من يدعي الإسلام لفظا ويفارقه حكما وتواعد المواصلة مع الفرنج ليطلبوا ولاية الخادم من جانب ويطلبها الفرنج من جانب ونظروا فيما يوصل المساءة إلى الخادم ولم ينظروا للإسلام في العواقب فوصل المواصلة إلى نصيبين مجدين محفلين وحركوا الفرنج للخروج إلى الشام متطرفين ومتوغلين فلا جرم أن أ مراء جانبهم وخواص صاحبهم لم يسعهم المروق من ولا الخروج عن زمرة الموحدين فأرضوا الله بإسخاطهم وأشفقوا على دينهم إشفاقا دل على تحرزهم له واحتياطهم فاتبعوا الحق وسلكوا سبيله ورفع لهم الهدى مناره فاقتفوا دليله (
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) فاستعان الخادم عليهم بالله الذي استعانوا على دينه بأعدائه ولما رأى أنهم قد أملوا النصر من أرضهم أمله من سمائه فرتب الخادم في رأس الماء بدمشق بإزاء الفرنج المملوك فرخشاه ابن أخيه وأبقى عسكر الشام وحاميته فيه واستنهض أخاه من مصر إلى ما يليه من بلاد الكفر فنهض وقام للخادم بما أقامه له عز وجل بما فرض وسار الخادم بالعسكر المصري إلى هذا الجانب الذي هو الآن فيه وكان أيسره يكفيه وتثاقل في الطريق انتظارا لأن يأتوا البيوت من أبوابها 119 ويفرجوا عن الولاية أيدي اغتصابها وتعتذر إلى السيف ألسنة تشفق على رقابها فأبوا إلا الإباء ورأوا الملك إرثا ما ادعوا فيه تقليد الخلفاء بل الآباء
ولما قرب الخادم من الفرات وصل إليه صاحب حران ابن زين الدين علي كوجك مقدم عسكرهم وابن أمير معشرهم وكذلك صاحب سروج وصاحب البيرة وكل بيده مفاتيح بلده وأمامه أمان الخادم له قد استبدله من مقلده ووراءه عسكره على كمال عدده وعدده وتوالت كتب أمرائهم الذين يأخذون إقطاعاتهم خدما ومصانعات ورعاياهم الذين يأخذون أموالهم جنايات ومقاطعات ومكوسا وعشورا واحتكارات يرغبون إلى الخادم في الإنفاذ ويحثونه في المسير على الأغذاذ ويشكون أنهم مع جوار دار الخلافة المعظمة لا يسلك فيهم سننها ولا يقتفى فيهم شرائعها وسننها ونمي إلى الخادم من تفاصيل المغارم التي تلزم الفريقين ويعدل بها عن أقصد الطريقين ما يروع السامع ويسمع الرائع ويسجل عليهم بالخلاف ويشهد لهم بالانحراف لأنهم إن ادعوا تقليدا فقد نقضه كونهم ابتدعوا وما اتبعوا ونقضوا وما افترضوا ومثلوا بالحق وما امتثلوا وأمروا بكف الأيدي وقد بسطوها وبأخذ الأموال من حلها وقد خلطوها وبرعاية أمة النبي وقد أسخطوه فيها وأسخطوها
وابن الدعوة العباسية من رعاها لا من ادعاها والعهود وصايا وما الأولى بها من سمعها بل من وعاها وأي عهد لمن لا عهد له بالطاعة وأي ولاية 120 لمأمور بأن يجمع أهل الفرقة ففرق أهل الجماعة فالجندي تؤكل الأرض باسمه ولا شيء بيديه والعامي يرفع إلى السماء استغاثة ما لا يمهل الله عليه ولقد تعجب الخادم من إسفاف الأنفس الغنية إلا أنها الفقيرة والارتفاق بتلك الطعم الجليلة وهي على الحقيقة الحقيرة (
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) الآية
هذا إلى طامة أخرى لا تقر عليها الجنوب ولا تدر عليها الحلوب ولا ينام على سهر بارقها وإن كان الخلوب وهو أن الخادم بلغه أنهم كاتبوا جهة من الجهات التي الدولة منحرفة عنها وبذلوا الطاعة لها وقد أمروا بالامتناع منها وهذا نص في الخلاف لا يدخله التأويل وقول قد أحاط به العلم فلا يختلجه التقويل وكل صغيرة من هذه الكبائر وكل واحد من هذا الجمع المتكاثر ينقض الولاية ويجرح العدالة ويسلب الرشد ويثبت الضلالة ويمضي نية الولي فيما هو له ماض ويبعث عزمه فيقضي ما هو قاض ويسخطه وكيف لا يسخط والمولى غير راض ويغيظه بما لا عذر له لمغتاظ منغاض
وما أنهى الخادم مما اتصل به الأوائل والأطراف وما عول إلا على ما صححته النفس دون ما خيله الإرجاف وإذ قد ساق الله إلى هذه الولاية حظها من معدلة كان الزمان بها طويلا مطله وأنشأها 121 سحاب إحسان كان بعيدا عليها هطله فقد كفيت الخواطر الشريفة ما كانت به على اهتمامها كما يجب للأمة على إمامها وإليه بتفويض الله يرجع أمرها وبيده يجلب نفعها ويجلى ضرها وقد تجددت للدولة الشريفة قوة واستظهار وبسطة واقتدار وسيف به يناضل من يسيء الجوار ولسان يجادل به من يريد الدار
وكان الخادم طالع بوصول الأسطول المصري إلى الشام الفرنجي وما فعله في موانيه وسواحله وما غنمه من مراكبه وقوافله وورد كتاب من مصر بأنه كسب بطسة فرنجية خرج من فيها هاربا من القسطنطينية لفتنة وقعت فيها بين رومها وفرنجها فقتل منهم خمسون ألف فرنجي وأفلتت منهم بطس منها هذه البطسة وفيها رجال أكابر ومقدمون لهم فيها ذكر سائر وغنم المجاهدون منهم ما ملأ أيديهم من سبي وذخائر وانقلبوا بنعمة من الله وفضل وحازت القبضة من الأسارى ما يزيد على أربع مئة بعد من درج بالقتل
فصل
قال العماد ثم كاتب السلطان الملوك بالوفود للاتفاق فمن جاء مستسلما سلمت بلاده على أن يكون من أجناد السلطان وأتباعه في جهاد الكفار فجاء رسول صاحب حصن كيفا بالإذعان وهو نور الدين 122 محمد بن قرا أرسلان
ثم رحل السلطان من البيرة ونزل على الرها وكان فيها فخر الدين مسعود بن الزعفراني فأذعن وانقاد وتسلمها مظفر الدين مضافة له إلى حران
ثم وصل السلطان إلى حران فرتبها وانفصل منها إلى الرقة وفيها الأمير قطب الدين ينال بن حسان فأذعن أيضا وسلم ولم يوافق مراعاة لصاحبه فأصلحها السلطان
ورحل منها إلى مشهد الرمان ثم إلى عرابان فتسلمها وأصلح من شأنها
وتواصلت أخبار وصول السلطان الخابور وما نشر من العدل في البلاد التي فتحها ففتحت رأس العين ودورين وماكسين والشمسانية والفدين والمجدل والحصين
قال وقطعنا نهر الخابور على قنطرة التنينير إلى نصيبين فاستعصت قلعتها أياما ثم فتحت استسلاما وولاها السلطان حسام الدين أبا الهيجاء السمين وولى الخابور جمال الدين خوشترين
ثم سرنا إلى الموصل وقطعنا أعمال بين النهرين ثم أعمال البقعة ثم سرنا إلى بلد وأشرفنا على دجلة وكنا أوردنا خيلنا في أشهر من تلك السنة نيل 123 مصر والفرات ودجلة ثم صممنا على قصد الموصل فلما قربنا من الوصول كبرنا تكبير من ظفر بالسول وتقدم السلطان في الأمراء ذوي الآراء ودار حول السور وعين لكل مقدم مقاما فنزل هو وراء البلد وتقي الدين من شرقيه وأخوه تاج الملوك بوري عند باب العمادية فحصلت المحاصرة والمضايقة وتولى مجاهد الدين قايماز حفظ البلد بأحسن تدبير وكاتب الديوان العزيز في أن يشفع لهم إلى السلطان فقدم في ذلك صدر الدين شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير في الشفاعة فرحل السلطان عنها في شعبان وقصد سنجار وقدم أمامه تقي الدين
وقال القاضي ابن شداد كان نزول السلطان على الموصل في هذه الدفعة يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ثمان وسبعين وكنت إذ ذاك بالموصل فسيرت رسولا إلى بغداد قبيل نزوله بأيام قلائل فسرت مسرعا في دجلة وأتيت بغداد في يومين وساعتين من اليوم الثالث مستنجدا بهم فلم يحصل منهم سوى الإنفاذ إلى شيخ الشيوخ وكان في صحبته رسولا من جانبهم يأمرونه بالحديث معه وتلطف الحال معه وسير إلى بهلوان رسول من الموصل يستنجده فلم يحصل من جانبه 124 سوى تشرط كان الدخول تحته أخطر من حرب السلطان
ثم أقام السلطان على الموصل أياما وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل منه شيء بالمحاصرة على هذا الوجه ورأى أن طريق أخذه أخذ قلاعه وما حوله من البلاد وإضعافه بطول الزمان فرحل عنه ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان فأقام يحاصرها وفيها شرف الدين بن قطب الدين وجماعة واشتد عليه الأمر حتى كان ثاني شهر رمضان فأخذها عنوة وخرج شرف الدين وجماعته محترمين محفوظين إلى الموصل وأعطاها السلطان ابن أخيه تقي الدين ورحل عنها إلى نصيبين
وقال العماد لما قصد السلطان سنجار نزل بارنجان فوجد بها عسكرا من الموصل سائرا إليها فأحاط به وأخذ خيلهم وعددهم وردهم إلى الموصل رجالة ووصل إلى سنجار ومعه رسل دار الخلافة ونور الدين صاحب حصن كيفا وكان في سنجار شرف الدين أخو صاحب الموصل فامتنع من تسليمها فحوصر ورميت القلعة بالمنجنيق فانهدم منها ثلمة من فوكل بها من يحفظها ودخل شهر رمضان فكف السلطان عن القتال ثم جاءه الخبر ليلة أن الموكلين بحفظ تلك الثلمة نيام فأرسل إليهم من أوثقهم وحملهم إليه وكان فيهم جماعة من المقدمين والأعيان فلما أصبح صاحب سنجار أذعن وسلم ورحل بأهله وماله ودخل السلطان 125 القلعة ورتبها وأمر بعمارتها وولاها الأمير سعد الدين مسعود بن أنر وكان السلطان يعتمد عليه وأخته ابنة معين الدين كانت في حبالة السلطان وكان رؤساء سنجار بني يعقوب فتركت الرياسة فيهم وولى القضاء منهم نظام الدين نصر بن المظفر بن محمد بن يعقوب
ثم رحل السلطان إلى نصيبين فأقام بها لأن الأيام كانت باردة ومنها ودع رسل دار الخلافة وشكا أهل نصيبين من أميرها أبي الهيجاء السمين فاستصحبه السلطان معه وسار إلى دارا وأميرها صمصام الدين بهرام الأرتقي فتلقى السلطان بأحسن ملقى فأكرمه وسار إلى حران وأقام بها للاستراحة وعاد كل إلى بلده وسار تقي الدين إلى حماة
هذا والمواصلة في جد من جمع الجموع وبغاء الغوائل للسلطان
فصل في وفاة فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب
قال وفي هذه السنة في جمادى الأولى توفي بدمشق الملك المنصور عز الدين فرخشاه ووصل خبره إلى السلطان عند عبوره 126 الفرات فأقر السلطان ولده الملك الأمجد بهرامشاه على بعلبك وأعمالها مكان أبيه ونفذ شمس الدين بن المقدم واليا مكانه على دمشق وأعمالها
قال ابن أبي طي كان فرخشاه من أكرم الناس يدا وأطهرهم أخلاقا وأسدهم رأيا وأشجعهم قلبا ومما يحكى من كرمه أنه دخل الحمام يوما فرأى رجلا قد قعد به الزمان وكان يعرفه من أهل اليسار وشاهد عليه ثيابا رثة يبين منها بعض جسده فاستدعى بجميع ما يحتاج الرجل إلى لبسه
وببغلة مسرجة وبألف دينار وقال لبعض غلمانه اجعل هذا كله في موضع ثياب الرجل وخذ ثيابه واجعل هذا الغلام والبغلة له
ففعل
فلما تغسل الرجل وخرج رأى موضع ثيابه تلك الثياب فسأل الحمامي عن ثيابه فقال انبدلت بهذه الثياب
فتقدم إليه الغلام وأخبره بجميع ما صنعه عز الدين وأخبره بأنه قد أجرى عليه معيشة عشرين دينارا في كل شهر فلبس الثياب وخرج من الحمام وهو من أغنى الناس
قال وكان فرخشاه ممدحا مدحه ابن سعدان بعدة قصائد من جملتها التي يقول فيها
( تخذ السابري لبدا وعود الزمان
نابا والهندواني ظفرا ) 127
( أعجمي الأنساب قصرت الأعراب
عنه سجعا ونظما ونثرا )
( هزمت كتبه الكتائب جفلا
وأعادت دجى الحوادث فجرا )
( فهو كالمازني علما وكالأحنف
حلما وكالفرزدق شعرا )
قال وكان فرخشاه مضافا إلى شجاعته عالما متفننا كثير الأدب مطبوع النظم والنثر فمن شعره قوله
( أنا في أسر السقام
من هوى هذا الغلام )
( رشأ ترشق عيناه
فؤادي بسهام )
( كلما أرشفني فاه
على حر الأوام )
( ذقت منه الثلج في الشهد
المصفى في المدام )
قلت ونبغ ابنه الأمجد أيضا شاعرا وكان السلطان كثير الاعتماد على فرخشاه 128 وفي بعض الكتب الفاضلية عن السلطان إليه وصل كتابه يتضمن خروج الفرنج وما دبره من الأحوال وأعده من مكايد القتال ولسنا نستبعد أن يدني الله به كل بعيد من المراد وأن يقابل بتدبيره تقلب الذين كفروا في البلاد وأن يجري على يده أول النحل الذي توعد به آخر صاد وأن يصب به على المشركين سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد
وقال العماد وكان عز الدين فرخشاه من أهل الفضل ويفضل على أهله ويغني الكرام عن الابتذال بكرم بذله
ومن أخص خواصه وذوي اصطفائه واستخلاصه الصدر الكبير العالم تاج الدين أبو اليمن الكندي أوحد عصره ونسيج وحده وقريع دهره وعلامة زمانه وحسان إحسانه ووزير دسته ومشير وقته وجليس أنسه ورفيق درسه وشعاع شمسه وحبيب نفسه ولي في هذا الملك قصائد منها قصيدة هائية موسومة مدحته بها في أول سنة صحبت فيها السلطان إلى مصر وهي سنة اثنتين وسبعين وعارضها تاج الدين أبو اليمن بكلمة بديعة في وزنها ورويها وحسن زيها فأما كلمتي فهي 129
( بين أمر حلاوة العيش الشهي
وهوى أحال غضارة الزمن البهي )
( وصبابة لا أستقل بشرحها
عن حصرها حصر البليغ المدره )
( أأحبتي إن غبت عنكم فالهوى
دان لقلب بالغرام موله )
( أنهي إليكم أن صبري منتىء
بل منته والشوق ليس بمنته )
( أما عقود مدامعي فلقد وهت
وأبت عقود الود مني أن تهي )
( ولقد دهيت ببينكم فاشتقتكم
يا من لمشتاق ببينكم دهي )
( في شوقكم أبد الزمان تفكري
وبذكركم عند الكرام تفكهي )
( لو قيل لي ما تشتهي من هذه الدنيا
لقلت سواكم لا اشتهي )
( ما كان أرفه عيشتي وألذها
من ذا الذي يبقى بعيش أرفه )
( ومن السفاهة أنني فارقتكم
من أين ذو الحلم الذي لم يسفه )
ومنها
( وعقاب أيلة لا يفارق جلقا
أحد إليها غير غر أبله )
( مالي ومصر وللمطامع إنما
ملكت قيادي حيث لم أتنزه )
( لا تنهني يا عاذلي فأنا الذي
تبع الهوى وأتى بما عنه نهي )
( قد قلت للحادي وقد ناديته
في مهمه أقصر وصلت مه مه )
( حتام جذبك للزمام فأرخه
فلقد أنخت إلى ذرى فرخشه )
( متكرم بالطبع لا متكره
شتان بين تكرم وتكره )
( إحسان ذي مجد وهمة محسن
مجد وتقوى عابد متأله ) 130
وهي ثلاثة وثمانون بيتا والقصيدة التاجية تسعة وأربعون بيتا أولها
( هل أنت راحم عبرة وتوله
ومجير صب عند مأمنه دهي )
( هيهات يرحم قاتل مقتوله
وسنانه في القلب غير منهنه )
( من بل من داء الغرام فإنني
مذ حل بي مرض الهوى لم أنقه )
( إني بليت بحب أغيد ساحر
بلحاظه رخص البنان برهره )
( أبغي شفاء تدلهي من دله
ومتى يرق مدلل لمدله )
( يا مفردا بالحسن إنك منته
فيه كما أنا في الصبابة منتهي )
( قد لام فيك معاشر أفأنتهي
باللوم عن حب الحياة وأنت هي )
( أبكي لديه فإن أحس بلوعة
وتشهق أوما بطرف مقهقه )
( أنا من محاسنه وحالي عنده
حيران بين تفكه وتفكه )
( ضدان قد جمعا بلفظ واحد
لي في هواه بمعنيين موجه )
قلت يقال تفكهت بالشيء أي تمتعت به وتفكهت أي تعجبت ويقال تندمت ومنه قوله تعالى ( ثم قال>
فظلتم تفكهون ) فهو في تفكه أي تمتع بالمحاسن وفي تعجب من حاله وتندم عليها
ثم قال
( أنا عبد من شهد الزمان بعجزه
عن أن يجيء له بند مشبه )
( عبد لعز الدين ذي الشرف الذي
ذل الملوك لعزه فرخشه ) 131
( طابت موارده فغص فناؤه
وشدا الحداة بذكره في المهمه )
( يفديك كل مملك متتايه
أبدا بألسنة الرعاع ممده )
( لا يفقه النجوى إذا حدثته
وإذا بدا بحديثه لم يفقه )
قلت وذكر العماد في ديوانه أبياتا حسنة في مدح الشيخ تاج الدين أبي اليمن رحمهما الله
( تذاكر من وراد مصر عصابة
حديث فتى طاب الندي بذكره )
( وقالوا رأينا فاضلا ذا نباهة
أديبا يفوق الفاضلين بفخره )
( يدين حبيب والوليد لنظمه
ويحمده عبد الحميد لنثره )
( ولو عاش قس في زمان بيانه
لكان مشيدا في البيان بشكره )
( فضائله كالشمس نورا ولم تزل
مناقبه في الدهر أعداد زهره )
( بيان هو السحر الحلال وإننا
نرى معجزا من فضله حل سحره )
( ذوو الفضل هم عند الحقيقة أبحر
ولكنهم أضحوا جداول بحره ) 132
( يضوع مهب الحمد من عرف عرفه
وتأرج أرجاء الرجاء بنشره )
( فقلت لهم هذا الذي تصفونه
أبو اليمن تاج الدين أوحد عصره )
قلت وبلغني أن أول معرفة فرخشاه به أنه كان في مجلس القاضي الفاضل بالقاهرة فجاء فرخشاه إلى الفاضل فجرى ذكر بيت من شعر أبي الطيب المتنبي فتكلم فيه تاج الدين بما يليق به فأعجب فرخشاه وسأل القاضي الفاضل عنه فقال هذا فلان
وعرفه بفضله فلما قام فرخشاه من مجلس الفاضل أخذ بيد الشيخ تاج الدين وخرج به ولزمه إلى أن توفي رحمهم الله أجمعين
فصل في أخذ السالكين البحر لقصد الحجاز
قال وفي شوال سنة ثمان وسبعين كانت نصرة الأسطول المتوجه إلى بحر القلزم والمقدم فيه الحاجب حسام الدين لؤلؤ 133 لطلب الفرنج السالكين بحر الحجاز وذلك أن الإبرنس صاحب الكرك لما صعب عليه ما توالى عليه من نكاية أصحابنا المقيمين بقلعة أيلة وهي في وسط البحر لا سبيل عليها لأهل الكفر أفكر في أسباب احتياله وفتح أبواب اغتياله فبنى سفنا ونقل أخشابها على الجمال إلى الساحل ثم ركب المراكب وشحنها بالرجال وآلات القتال ووقف منها مركبين على جزيرة القلعة فمنع أهلها من استقاء الماء ومضى الباقون في مراكب نحو عيذاب فقطعوا طريق التجار وشرعوا في القتل والنهب والإسار ثم توجهوا إلى أرض الحجاز فتعذر على الناس وجه الاحتراز فعظم البلاء وأعضل الداء وأشرف أهل المدينة النبوية منهم على خطر ووصل الخبر إلى مصر وبها العادل أخو السلطان فأمر الحاجب حسام الدين لؤلؤ فعمر في بحر القلزم مراكب بالرجال البحرية ذوي التجربة من أهل النخوة للدين والحمية وسار إلى أيلة فظفر بالمركب الفرنجي عندها فخرق السفينة وأخذ جندها ثم عدى إلى عيذاب وشاهد بأهلها العذاب ودل على مراكب العدو فتبعها فوقع بها بعد أيام فأوقع بها وواقعها وأطلق المأسورين من التجار ورد عليهم كل ما أخذ لهم ثم صعد إلى البر فوجد أعرابا قد نزلوا منه شعابا فركب خيلهم وراء الهاربين وكانوا في أرض تلك الطرق ضاربين فحصرهم في شعب لا ماء فيه فأسرهم بأسرهم وكان ذلك في أشهر الحج فساق منهم أسيرين إلى منى 134 كما يساق الهدي وعاد إلى القاهرة ومعه الأسارى فكتب السلطان إليه بضرب رقابهم وقطع أسبابهم بحيث لا تبقى منهم عين تطرف ولا أحد يخبر طريق ذلك البحر أو يعرف
قلت ولأبي الحسن بن الذروي في الحاجب لؤلؤ بسبب هذه الوقعة أشعار منها
( مر يوم من الزمان عجيب
كاد يبدي فيه السرور الجماد )
( إذا أتى الحاجب الأجل بأسرى
قرنتهم في طيها الأصفاد )
( بجمال كأنهن جبال
وعلوج كأنهم أطواد )
( قلت بعد التكبير لما تبدى
هكذا هكذا يكون الجهاد )
( حبذا لؤلؤ يصيد الأعادي
وسواه من اللآلي يصاد )
ومنها
( قلت وقد سافرت يا من غدا
جهاده يعضد من حجه )
( إذ قيل سار الحاجب المرتجى
في البحر يا رب السما نجه ) 135
( البحر لا يعدو على لؤلؤ
لأنه كون من لجه )
ومنها
( يا حاجب المجد الذي ماله
ليس عليه في الندى حجبه )
( ومن دعوه لؤلؤا عندما
صحت من البحر له نسبه )
( لله ما تعمل من صالح
فيه وما تظهر من حسبه )
( كفيت أهل الحرمين العدى
وذدت عن أحمد والكعبة )
ومنها
( لئن كنت من ذا البحر يا لؤلؤ العلا
نتجت فإن الجود فيك وفيه )
( وإن لم تكن منه لأجل مذاقه
فإنك من بحر السماح أخيه )
ومنها
( إنما أنت لؤلؤ للمعالي
جاء من أبحر السماح العذاب )
وكتب السلطان إلى العادل من كلام الفاضل وصل كتابه المؤرخ بخامس ذي القعدة المسفر عن المسفر من الأخبار المتبسم عن المتبسم من الآثار وهي نعمة تضمنت نعما ونصرة جعلت الحرم حرما وكفاية ما كان الله ليؤخر معجزة نبيه بتأخيرها وعجيبة من عجائب البحر التي تحدث عن تسييرها وتسخيرها وما كان الحاجب لؤلؤ فيها إلا سهما أصاب وحمد مسدده وسيفا قطع وشكر مجرده ورسولا عليه البلاغ وإن لم يجهل ما أثرته يده وقد غبطناه بأجر جهاده ونجح اجتهاده
ركب السبيلين برا 136 وبحرا وامتطى السابقين مركبا وظهرا وخطا فأوسع الخطو وغزا فأنجح الغزو وحبذا العنان الذي في هذه الغزوة أطلق والمال الذي في هذه الكرة أنفق وهؤلاء الأسارى فقد ظهروا على عورة الإسلام وكشفوها وتطرقوا بلاد القبلة وتطوفوها ولو جرى في ذلك سبب والعياذ بالله لضاقت الأعذار إلى الله والخلق وانطلقت الألسن بالمذمة في الغرب والشرق ولا بد من تطهير الأرض من أرجاسهم والهواء من أنفاسهم بحيث لا يعود منهم مخبر يدل الكفار على عورات المسلمين وإن هذا العدد القليل قد نال ذلك المنال الجليل وهذا مقام إن روعي فيه حراسة الظاهر والوفاء للكافر حدث الفتق الذي لا يمكن في كل الأوقات سده ورتقه ولدغ المؤمن مرتين والأولى تكفي لمن له في النظر تفقه
وفي كتاب آخر إلى العادل أيضا ونحن نهنىء المجلس السامي بظفره ولم لا نكمله وبنصره ولم لا نشكره شكرا نعجله وليس في قتل هؤلاء الكفار مراجعة وللشرع في إبقائهم فسحة ولا في استبقاء واحد منهم مصلحة ولا في التغاضي عنهم عند الله عذر مقبول ولا حكم الله في أمثالهم عند أهل العلم بمشكل ولا مجهول فليمض العزم في قتلهم ليتناهى أمثالهم عن فعلهم وقد كانت عظيمة ما طرق الإسلام بمثلها وقد أتى الله بعدها بلطيفة أجراها على يد من رآه من أهلها
وفي كتاب آخر إلى العادل وقد تكرر القول في معنى أسارى بحر الحجاز فلا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ولا توردهم بعد 137 ماء البحر إلا نارا فأقلهم إذا بقي جنى الأمر الأصعب ومتى لم تعجل الراحة منهم وعدت العاقبة بالأشق الأتعب
ومن كتاب آخر إلى بغداد وسارت المراكب الإسلامية طالبة شوكة المراكب الحربية المتعرضة للمراكب الحجازية واليمنية
وكانت مراكب العدو قد أوغلت في البحر ودلها على عورات الساحلين من العرب من أشبه ركابها في الكفر فوصلت إلى عيذاب فلم تنل منها مرادا غير أن ما وجدته في طريقها أو في فرضة عيذاب نالت منه وشعثت وأفسدت فيه وعتت وتمادت في الساحل الحجازي إلى رابغ إلى سواحل الحوراء وهناك وقع عليها أصحابنا وأوقعوا بها أشد إيقاع وأخذوا المراكب الفرنجية على حكم البدار والإسراع وفر فرنجها إلى الساحل فركب أصحابنا وراءهم خيول العربان التي وجدوها وأخذوا الكفار من شعاب وجبال اعتصموا بها وقصدوها وكفي المسلمون أشد فساد في أرضهم وأقطع قاطع لفرضهم وانبسطت أمالهم بقبضهم وعميت على الكفار هذه الطريق التي لو كشف لهم غطاؤها قدما ولو أحاطوا بها علما لاشتطت نكايتهم واشتدت جنايتهم وعز على قدماء ملوك مصر أن يصرعوا هذه الأقران ويطفؤوا هذه النيران ويركبوا غوارب اللجج 138 ويرخصوا غوالي المهج ويقتنصوا هذا الطائر من جوه الذي لا يدركه لوحه ويدركوا هذا العدو الذي لا يدرك إلا أن ينجد عليه ملائكة الله وروحه
وفي كتاب آخر إلى بغداد كان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا وافتضوا من البحر بكرا وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز وأثختوا وأوغلوا في البلاد واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب بل أهل القبلة لما أومض إليهم من خلل العواقب وما ظن المسلمون إلا أنها الساعة وقد نشر مطوي أشراطها والدنيا قد طوي منشور بساطها وانتظر غضب الله لفناء بيته المحرم ومقام خليله الأكرم وتراث أنبيائه الأقدم وضريح نبيه الأعظم ورجوا أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت إذ قصده أصحاب الفيل ووكلوا إلى الله الأمر وكان حسبهم ونعم الوكيل
وكان للفرنج مقصدان أحدهما قلعة أيلة التي هي على فوهة بحر الحجاز ومداخله والآخر الخوض في هذا البحر الذي تجاوره بلادهم من ساحله وانقسموا فريقين وسلكوا طريقين فأما الفريق الذي قصد قلعة أيلة فإنه قدر أن يمنع أهلها من مورد الماء الذي به قوام الحياة ويقاتلهم بنار العطش المشبوب الشباة وأما الفريق القاصد سواحل الحجاز واليمن فقدر أن يمنع طريق الحاج عن حجه ويحول بينه وبين فجه ويأخذ تجار اليمن وأكارم عدن ويلم بسواحل الحجاز فيستبيح والعياذ بالله 139 المحارم ويهيج جزيرة العرب بعظيمة دونها العظائم
وكان الأخ سيف الدين بمصر قد عمر مراكب وفرقها على الفريقين وأمرها بأن تطوي وراءهم الشقتين فأما السائرة إلى قلعة أيلة فإنها انقضت على مرابطي الماء انقضاض الجوارح على بنات الماء وقذفتها قذف شهب السماء مسترقي سمع الظلماء فأخذت مراكب العدو برمتها وقتلت أكثر مقاتلتها إلا من تعلق بهضبة وما كاد أو دخل في شعب وما عاد فإن العربان اقتصوا آثارهم والتزموا إحضارهم فلم ينج منهم إلا من ينهى عن المعاودة ومن قد علم أن أمر الساعة واحدة
وأما السائرة إلى بحر الحجاز فتمادت في الساحل الحجازي إلى رابغ إلى سواحل الحوراء فأخذت تجارا وأخافت رفاقا ودلها على عورات البلاد من الأعراب من هو أشد كفرا ونفاقا وهناك وقع عليها أصحابنا وأخذت المراكب بأسرها وفر فرنجها بعد إسلام المراكب وسلكوا في الجبال مهاوي المهالك ومعاطن المعاطب وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب يشلونهم شلا ويقتنصونهم أسرا وقتلا وما زالوا يتبعونهم خمسة أيام خيلا ورجلا ونهارا وليلا حتى لم يتركوا عنهم مخبرا ولم يبقوا لهم أثرا (
وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ) وقيد 140 منهم إلى مصر مئة وسبعون أسرا
ومن كتاب آخر ومن جملة البشائر الواصلة من مصر عود الأسطول مرة ثانية كاسرا كاسبا غانما غالبا بعد نكايته في أهل الجزائر وإخراب ما وجده فيها من الأعمال والعمائر ومن جملة ما ظفر به في طريقه بطسة من مراكب الفرنج تحمل أخشابا منجورة إلى عكا ومعها نجارون ليبنوا منها شواني فأسر النجارون ومن معهم وهم نيف وسبعون
وأما الأخشاب فقد انتفع بها المجاهدون وكفي شرها المؤمنون وللخادم في المغرب عسكر قد بلغت أقصى أفريقية فتوحه وعاود به شخص الدين في تلك البلاد روحه
فصل في باقي حوادث هذه السنة
قال العماد وفي هذه السنة وهي سنة ثمان وسبعين أنعم السلطان على نور الدين محمد بن قرا أرسلان بأعمال الهيثم وكانت جارية في عمل الموصل فلما تسلمها جعلها من نصيبه
وقد كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله حين توجه إلى الموصل في أوائل سنة ست وستين عند وفاة أخيه مودود وعد ابن قرأ أرسلان بقلعة الهيثم ثم 141 سلمها إليه دون أعمالها تحلة ليمينه ووفاء بوعده الكريم ودينه ولما جاء لمساعدتنا في هذا العام خصه السلطان عاجلا بهذا الإنعام ثم وهب له قلعة الجديدة وهي قريبة من نصيبين ووعده بفتح آمد له فوفى بوعده كما سيأتي
قال وكان شاه أرمن صاحب خلاط ظهير الدين سكمان وهو خال صاحب ماردين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش وصاحب ماردين هذا هو ابن خال صاحب الموصل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي فنفذ شاه أرمن يشفع إلى السلطان في الموصل وسنجار وهو على سنجار وأرسل إليه سيف الدين بكتمر وهو من أعز أصحابه عليه فلم يسمع السلطان شفاعته فاجتمع هو وصاحب ماردين وصاحب الموصل وصاحب أرزن وبدليس وغيرهم من عسكر حلب وجمعوا جموعا وعزموا على لقاء السلطان ونزلوا ضيعة من أعمال ماردين يقال لها حرزم فجمع السلطان عساكره وجاءه تقي الدين من حماة إلى حران في خمس ليال فساروا إليهم بعد العيد الأكبر فلما وصل السلطان رأس عين وسمعوا بمجيئه تفرقوا وافترقوا وعاد الخلاطي إلى خلاطه 142 باختلاطه ورجع الموصلي إلى موصله لمواصلة احتياطه واعتصم الماردي بحصنه المارد وهتكوا حرز حرزم للصادر والوارد وهاب عسكر حلب العود إليها ونحن على طريقه فآذن جمعه بتفريقه ومضى معظمهم إلى الموصل فعبر الفرات عند عانة ولم يجدوا إعانة ونسفتهم ريحنا وهم جبال وذهبوا بقلوب النساء وقد جاؤوا وهم رجال ثم نزل السلطان منزلة القوم بحرزم وفيها قصر لصاحب ماردين كان يتنزه فيه فأقام فيه تاج الملوك أخو السلطان
قال ابن أبي طي وفي هذه السنة نزل قراقوش على بلد زالوت وقاتله إلى أن ملكه وانهزم منه أهله ودخل المدينة ليقضي بها أيام الشتاء فأصبح يوما فإذا حول المدينة عسكر مقداره خمسة آلاف رجل فقام وافتقد أصحابه فلم يجد إلا جماعة من البوابين والركابدارية وباقي الناس سكارى ورأى أحد البوقيه فأمره أن يضرب بالبوق وفتح الباب وخرج فظن العسكر أن قراقوش وعسكره قد شعروا بهم فانهزموا
قال ثم إنه قصد طرابلس فحاصرها وضيق عليها وكان شيخها عبد المجيد بن مطروح قد راسل قراقوش وطلب منه الأمان وسأله أن ينفذ إليه قوما يقرر معهم أمر التسليم
فأنفذ إليه وزيره وثلاثة من وجوه أصحابه فأخذهم عبد المجيد وأنزلهم في دار أخلاها لهم وأمر لهم بجميع ما 143 يحتاجون إليه فلما خلا لهم الليل أخذوا المخاد وتصافعوا بها حتى قطعوها وقام بعضهم إلى صهريج مملوء ماء للشرب فأحدث فيه فأخبرت الرقباء عبد المجيد بما كان منهم فأحضر وجوه البلد وقص عليهم ما كان منهم وقال إذا كان هؤلاء خيارهم فما ظنكم بشرارهم وكان أهل البلد قد أشاروا على عبد المجيد بتسليم البلد فامتنعوا حينئذ
وحضر ابن مطروح من الغد إليهم إلى الدار ومعه وجوه البلد فقال لصاحب ضيافته لم أحضرت لهؤلاء السادة مخاد مقطعة فقال ما أحضرت لهم إلا مخاد جددا ولكن القوم أكلوا طعام الصوفية الذي لا نعرفه في بلادنا
فاستحيا القوم وعلموا أنهم قد فطنوا بحالهم ونزل رجل إلى الصهريج فرأى العذرة على وجه الماء فقال من فعل هذا فلم يرد واحد منهم جوابا فقال ابن مطروح يا قوم ما أدخلناكم إلينا إلا عازمين على تسليم البلد إليكم وأن نكون لكم رعايا وقد شاهدنا منكم أفعالا ما نرضاها فإن قلتم إن هذه الفعلة من غلماننا وعبيدنا فما أقبح هذه الأحدوثة عن خيار أصحاب هذا الرجل وإن كان عنده من هو خير منكم فلم بعثكم إلينا هذا طعن في عقله
ثم أمر بإخراجهم فأخرجوا من المدينة فلما صاروا إلى قراقوش وعلم القصة عظم عليه الأمر وأراد الفتك بهم وعلم أنهم قد فتقوا عليه فتقا لا يمكنه رتقه أبدا وتيقن أنه لا يملك البلد أبدا
وأنفذ عبد المجيد إلى قراقوش إنك لست بقادر على أخذ هذا البلد لأجل ما نفر به أصحابك قلوب أهله فإن رأيت أن نجعل 144 لك جعالة نحملها إليك في كل سنة وترحل عنا فعلنا فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم بعد أن احتوى عليهم
قال وتوافت إليه الفرسان من مصر حتى صار في ثماني مئة فارس من الأتراك وسار من جبل نفوسة إلى قابس في يومين ثم إلى قصر الروم وغيره من المواضع والقلاع فهجم ونهب وغنم وغلب وخافه أهل تلك النواحي
فصل في فتح آمد
قال العماد ثم سار السلطان إلى آمد ونزل عليها يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة بعد أن استأذن الخليفة في ذلك فأذن له فنصب السلطان عليها المجانيق وضايقهم وطال حصارهم ثم أخذها في السنة الآتية كما سيأتي
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمس مئة
قال ابن أبي طي والسلطان منازل لآمد واشتد قتال العامة بها فأمر السلطان بكتب رقاع فيها إبراق وإرعاد ووعد وإيعاد إن داموا على القتال ليستأصلن شأفتهم وإن اعتزلوا وسلموا البلد ليحسنن إليهم وليضعن ما عليهم من الكلف والضرائب
وأمر أن تعلق تلك الرقاع على السهام 145 وترمى إلى آمد فرمي من ذلك شيء كثير فكفوا عن القتال وأشاروا على أبن نيسان بطلب الأمان فأومن على أن يخرج بجميع أمواله دون الذخائر والسلاح وأمهل ثلاثة أيام فلما عول على نقل أمواله قعد به أصحابه فأرسل إلى السلطان فأنفذ إليه غلمانا ودواب وضربت له خيمة بظاهر آمد وجعل ينقل ما يقدر على نقله من المال والقماش وآلات الذهب والفضة مدة ثلاثة أيام بعالم عظيم كانوا يزيدون على ثلاث مئة إنسان ولم ينقل عشر ما كان له وسرق من أمواله أكثر مما حصل له لأنه ما أخرج أحد شيئا إلا وأخذ نصفه أو أكثر
وكان ابن نيسان قد حصل في آمد أشياء كثيرة لا يمكن وصفها من الأسلحة والأموال والغلال والكتب ولما انقضى الأجل أخذ ما حصل وسار قاصدا بلاد الروم وتسلم السلطان مدينة آمد بأموالها وذخائرها ونصب أعلامه على سورها وذلك في رابع عشر محرم ووجد فيها من الغلال والسلاح وآلات الحصار من المناجيق واللعب والعرادات أشياء كثيرة لا يمكن أن توجد في يلد مثلها ووجد فيها برج من أبراجها فيه مئة ألف شمعة وبرج مملوء نصول النشاب وأشياء يطول شرحها
وكان فيها خزانة كتب كان فيها ألف ألف وأربعون ألف كتاب فوهب السلطان الكتب للقاضي الفاضل فانتخب منها حمل سبعين جمازة ويقال إن ابن قرا أرسلان باع من ذخائر آمد وخزائنها مما لا حاجة له به مدة سبع سنين حتى 146 امتلأت الأرض من ذخائرها
وكان السلطان لما تسلم آمد وهبها لنور الدين محمد بن قرا أرسلان بما فيها وكتب له بها وبأعمالها توقيعا ووفى له بما وعده به
وقيل للسلطان إنك وعدته بآمد وما وعدته بما فيها من الأموال والذخائر وفيها من الذخائر ما يساوي ثلاثة آلاف ألف دينار
فقال لا أضن عليه بما فيها من الأموال فإنه قد صار من أتباعنا وأصحابنا
قال وفي فتح آمد يقول سعيد الحلبي من قصيدة في السلطان
( رمى آمدا بالصافنات فأذعنت
له طاعة آكامها ووعورها )
( فما عز ناديها ولا اعتاص ثغرها
ولا جاش طاميها ولا رد سورها )
( وأنزلت بالكره ابن نيسان محرجا
كما أنزل الزباء كرها قصيرها )
( نهدت لها حتى إذا انقاد صعبها
وقر على طول الشماس نفورها )
( سمحت بها جودا لمن ظل برهة
يغاورها طورا وطورا يغيرها )
( وملكت ما ملكت منها تخولا
وكان قليلا في نداك كثيرها )
( وإن بلادا تجتديك ملوكها
لأجدر أن يرجو نداك فقيرها )
وقال ابن سعدان الحلبي يذكر فتح آمد يقول 147
( فيا ساكني الرعناء من سفح آمد
أرى عارضا ينهل بالموت هاطله )
( لئن غضبت يوما عليكم عروشها
فهذا ابن أيوب وهذي معاقله )
( ولو رامها يوما سواه لقطعت
أباهره من دونها وأباجله )
قلت وقال آخر
( لو عرفت آمد من جاءها
يخطب في الإسلام تسليمها )
( لصيرت أعلى شراريفها
لمن على الأرض سلاليمها )
قال العماد وأما آمد فحصل فتحها يوم الأحد في العشر الأول من المحرم وكان مدبر آمد ابن نيسان فهو رئيسها والقائم بأمرها وكان لآمد أمير قديم يقال له إيكلدي من أيام السلاطين القدماء وولده محمود شيخ كبير عنده يطعمه ويسقيه ويدعي أنه من غلمانه ومصطنعيه وأنه يحفظ البلد له وأنه لا يغدر به ولا يؤثر بدله وإذا جاء رسول يحضره عند أميره ويسند ما يدبره إلى تدبيره ويقول إنه غلام وما معه كلام
وحافظ على سر هذه السريرة وأمن باحتياطه من جور الجيرة بل ما منهم إلا من يخاف مكره ويحفظ منه وكره وينكر عرفه ويعرف نكره
ولم يزل الحصار عليهم إلى أن أذعنوا للانقياد وخرجت نساؤهم سحرا إلى المخيم الفاضلي يطلبن الأمان فأمنهم السلطان على أنهم 148 يخرجون بعد ثلاث ويحملون ما قدروا عليه من المال والأثاث وأعانهم السلطان على نقل الأموال بالدواب والرجال
فلما انقضت مدة الأمان تسلمها السلطان وسلمها إلى نور الدين بن قرا أرسلان وأعمالها وما فيها
وكان السلطان وعده بها قبل ذلك فأنجز له الوعد وقد كان أبوه عاناها مدة وتمناها فما قدر عليها
ثم وصف العماد ما كان في قلعة آمد من الذخائر والأموال والحواصل والأمتعة وأن أصحابها لم يقدروا في تلك الأيام الثلاثة إلا على تحويل ما خف منها واستغنى المساعدون لهم في تحويلها إليهم
وكتب الفاضل عن السلطان إلى الديوان ببغداد ورد إلى الخادم التقليد الشريف بولاية آمد فلما رآه مستقرا عنده قال هذا مفتاحها
وسمع الوصايا فاستضاء بها في ظلمات القصد وقال هذا مصباحها
وتناوله فما ظنه إلا كتابا أنزل عليه من السماء في قرطاس وما تيقنه إلا نورا يمشي به في الناس فسار به ولولا العادة ما استصحب جنديا وعول عليه ولولا الزينة ما تقلد هنديا وطرق بابه بإقليده ولولاه ما اسطاع الأولياء أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا وناشد المقيم بتقليده ثلاثة أيام بثلاث رسائل فلو كان ذا سمع أصغى ولو كان ذا لب لبى
فلما انقضت ضيافة أيام النذارة واحتقر من بآمد نار الحرب جاهلا أن وقودها الناس 149 والحجارة عمد لها في اليوم الرابع فزلزل عمدها وقاتلها فأزال جلدها وزيل جلمدها ثم رأى أن الشوكة ربما أصابت غير ذات الشوكة من جندها وأن المسلم قد آمنه الله من عذاب الحريق ولا يأمن أن تحرقه القسي من السهام بشرار زندها فعدل إلى منجنيقه الذي أمل صاحبها منه منجى نيقه ورأى أنه سوط سطوته يضرب الحجر ويضرب عن أن يباشر البشر وتلك الأبرجة قد شمخت بأنفها ونأت بعطفها وتاهت على وامقها وغضت عين رامقها فهي في عقاب لوح الجو كالطائر إلا أن المنجنيق أغرى بها عقابيه وضغمها بمخلبيه وجثم أمامها يخاصمها وقام إلى الغير يحاكمها ويضرب بعصاه الحجر فتنبجس من النقوب أعين لا ترسل الماء ولكن تروي العطاش إلى منهل المدينة وتنهل الظماء كذلك أياما حتى محا من الشرفات شنب ثغرها وتناوبها كأس فتك تبين بهز أبراجها آثار سكرها وعلت الأيدي الرامية لها وغلت الأيدي المحامية عنها فلم يبق على سورها من يفتح جفنا وشن المنجنيق عليها غارته إلى أن صارت شنا وفضت صناديق الحجارة المقفلة وفصلت منها أعضاء السور المتصلة ووجب القتال لئلا يظن بالخادم ألا جند له إلا جندله فأوعز بالتقدم إليها ودخول النقابين فيها فأثخنت جراحا بالنقوب وهتك الحجاب من أ ضالع البلد فكاد يوصل إلى ما وراءها من القلوب وخشيت معرة الجيش في 150 وقت هجمه وروسل صاحبها بأنه كشف له الخذلان حتى بصر على شكه بعلمه فأعاد الرسول مستكنفا بحجب النجاة بإرسال ذوات الحجاب وإبرازهن ومستكفا ليد القتل بمن لم يكن جوابه غير إحرازه وإحرازهن ولم يعارض في نفسه ولا في قومه ولا في أمواله وهي ما هي ذخائر موفرة ومكاسب من أرباح مخسرة كانت الحقوق عنها مذودة والآمال دونها مطرودة
وغض الخادم كل عين عن عينه وورقه وصانه في مخيمه من الفقر صيانته في ذات سوره وخندقه واستوفى شرط الوفاء بما أعطاه من موثقه
وهذه آمد فهي مدينة ذكرها بين العالم متعالم وطالما صادم جانبها من تقادم فرجع مقدوعا أنفه وإن كان فحلا وقرعها فريد الهمة واستصحب حفلا ورأى حجرها فقدر أنه لا يفك له حجر وسوادها فحسب أنه لا ينسخه فجر وحمية أنف أنفها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر من ملوك كلهم طوى صدره على الغليل إلى موردها ووقف بها وقوف المحب المسائل فلم يفز بما أمل من جواب معهدها
ثم ذكر تسليمها إلى ابن قرا أرسلان ثم قال ولما رأى صاحب ميافارقين أن أخت صاحبته قد ابتني بها خاف أن يجمع له بين الأختين 151 فراسل ببذل الخدمة التي يكون فيها لنور الدين ثاني اثنين
ثم ذكر اجتماع المواصلة وشاه أرمن وصاحب ماردين وصاحب أرزن وبدليس وغيرهم على قصد الخادم ونزلوا تحت الجبل فلما صح عندهم قصده ظنوا أنه واقع بهم فأخذوا أعنة الفرار بقوة وذكروا ما في لقائه من عوائد كانت عندهم مخوفة وعنده مرجوة وسار كل فريق على طريق بنية عدو وفعل صديق والخادم يقول مهما أرادت فيه الآراء الشريفة أتاه ومهما نوت فيه من إحسان قرب عليه ما نواه فهذه آمد لما أرسل إليه مفتاحها وهو التقليد فتحها وهذه الموصل لما تأخر عنه المفتاح منعها وما منحها ولو أعين به لعظمت على الإسلام عائدته وظهرت في رفع مناره فائدته لأن اليد كانت تكون به على عدو الحق واحدة والهمة لآلات النصر واجدة
فإن رأى أمير المؤمنين أن يميز بين أوليائه وينظر أيهم أبر بأوليائه وأشد على أعدائه وأقوم بحقه وحق آبائه وأثبت رأيا وروية في مواقف راياته ومجالس آرائه وأعظم إقداما على ملحدين كلهم كان ينازعه رداء علائه وكان السابق من ولاة الدولة العباسية قاصر السيف عن أن نسيغ الغصة بمائه وأيهم أترك للفراش الممهد وأهتك للطراف الممدد وأهجر في سبيل الله لراحه وأصبر في جهاد عدو الله على مضض جراحه وأسلى عن ريحانة فؤاد وأكثر ممارسة لحية واد فيختار لهذه الأمة التي جعله الله لها إماما وأميرا أسعد من أجرى في طاعته ضامرا وملأ بولائه ضميرا فمن عدله أن يولي عليها العدل الذي يقر عينها ومن فضله أن 152 لا ينسى الفضل بينها
وقد ورد ذلك المنشور بآمد فأورد الميسور بأن ورده المنشور المشار إليه بالجزيرة وما وسقت فإنه نور على نور وما يحسب الخادم أن كيدا للعدو الكافر أكيد ولا جهدا لأهل الضلال أجهد ولا عائدة بغيظ رؤساء أهل الإلحاد أعود من تفخيم أمر الخادم بمزيد الاستخدام وإلا فلينظر هل يشق على الكفار مزيد أحد سواه من ولاة الإسلام فكل ذي سلطان هو الطاعم الكاسي المحمي بالمناصل لا الحامي المكفي لا الكافي يقضي عمره وهو لا يشهد الطعن إلا في الميدان ولا يتمثل الهام طائرا لولا الكرة في الصولجان ولا يشقى بسهمه إلا قرطاسه ولا يحظى برفده إلا أكياسه فأعاد الله بأمير المؤمنين هذا الدين إلى معالم حقه الأولى وأطال يد سلطانه الطولى إلى أن تأخذ الأمور مآخذها عدلا واعتدالا وسلما وقتالا فتعود إلى الإسلام عوائد ارتياحه وأيام منصوره وسفاحه
ومن كتاب آخر فاضلي عن السلطان إلى وزير بغداد أصدر هذه الوسيلة إلى المجلس السامي معولا على كرمه فيما حملته من اللبانة مستغنيا بشهرة الحال المتجددة عن الإبانة فإن آمد قصر الأمد في الظفر بها وإنقاذها من المظالم التي كانت تلبس نهارها نقبة غيهبها وسار إليها ببقية العساكر يعد الذين ساروا إلى الشام وأقاموا قبالة الكفار بعدة اقتصر عليها أكثرها من عساكر الديار المصرية على بعد تلك الديار ليظهر 153 لمن نوى المناواة ويتبين لمن كان على منافاة الملاقاة أن رجالا من مصر فتحوا آمد بعد سنة من البيكار وبعد غزوتين قد طولع بهما في تواريخهما إلى الكفار ففي ذلك ما يغص الحاسد ويغض الحاقد ويعلم أن في أولياء الدولة ما رد كل مارد
فلما حل بعقوتها أراد أن يجري الأمر على صوابه ويلج الأمر من بابه وأن ينذر المغتر ويوقظه ويعظه بالقول الذي رأى من الرفق ألا يغلظه فبعث إليه أن يهب من كراه ويعد لضيف التقليد قراه وينجو بنفسه منجى الذباب ولا يتعرض لأن يكون منتجى للذباب فإذا عريكته لا تلين إلا بالعراك وطريدته لا تصاد إلا بالأشراك فهناك رأى عاجلا ما هناك وقوتل حق القتال في يوم واحد عرف ما بعده من الأيام ووقع الإشفاق من روعة الحريم وسفك الدم الحرام ونصب المنجنيقات فأرسل عارضها مطره وفطر السور بقدرة الذي فطره وخطب أمامها خطيب خطبه وأغمد الصارم اكتفاء بضربه وترفه أهل الحرب لحسن المناب منه عن حربه فصار في أقرب الأوقات جبلها كثيبا مهيلا وعفرت الأبرجة وجها تربا ونظرت القلعة نظرا كليلا حتى إذا أمكنت النقوب أن تؤخذ وكبد السور أن تفلذ رأى الذي لا يصبر 154 على بعضه واعتذر إليه البناء الذي بناء الأمر إن لم يقضه فلا بد من نقضه وسأل فأجيب إلى الأمان على نفسه وخرج منها وإنما أخرجه الظلم وسلم وهو يرى السلامة إما من الحلم وإما من الحلم
ثم قال ولولا تقليد أمير المؤمنين لما فتح له الباب الذي قرعه ولا أنزل عليه النصر الذي أنزل معه ولا ساعد سيفا ساعد ولا نالت يد مدت من مصر فأخذت آمد ومن بآمد ولو قبلت مسألته في تقليد الموصل لكان ولجها ولو بدلجة ادلجها وأخذها ولو بحصاة نبذها وهو يتوقع في جواب هذا الفتح أن يمد بجيش هو الكلام ورماح هي الأقلام ونصر هو وافد الأمر وترشيد هو فك الحجر وليس ذلك لوسائل تقدمت من دولة أقامها بعد ميل عروشها ولا لدعوة قام فيها بما تصاغرت دونه همم جيوشها ولكن لأن هذه الجزيرة الصغيرة منها تنبعث الجريرة الكبيرة وهي دار الفرقة ومدار الشقة ولو انتظمت في السلك لانتظم جميع عسكر الإسلام في قتال الشرك ولكان الكفر يلقي بيديه وينقلب على عقبيه ويغشاه الإسلام من خلفه ومن بين يديه ويغزى من مصر برا وبحرا ومن الشام سرا وجهرا ومن مدا وجزرا ويكون خادمه قد وجب أن يتمثل بقوله تعالى ( ومن كتاب آخر كتابنا هذا والمدينة قد فتحت أبوابها وعذقت بدولتنا أسبابها وتكلم لسان علمنا في فم قلعتها>
ولقد مننا عليك مرة أخرى )
ومن كتاب آخر كتابنا هذا والمدينة قد فتحت أبوابها وعذقت بدولتنا أسبابها وتكلم لسان علمنا في فم قلعتها
وبعد أن لبستها دولتنا وفينا بموعد خلعتها فالحمد لله الذي تتم النعمة بحمده وينجح الأمل 155 بقصده (
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده )
قال العماد ثم دخل السلطان مدينة آمد وجلس في دار الإمارة وحلف نور الدين بن قرا أرسلان على أنه يظهر بها العدل ويقمع الجور ويكون سامعا مطيعا للسلطان من معاداة الأعداء ومصافاة الخلان في كل وقت وزمان وأنه متى استمده من آمد لقتال الفرنج وجده لذلك يقظان وإليه عطشان
قال وكان هذا نور الدين في خدمة السلطان بنفسه وعسكره منذ عبر الفرات ثم إن رسل ملوك الأطراف اجتمعت عند السلطان كل يطلب لصاحبه الأمان وأن يتخذه من جملة الأعوان منهم صاحب ماردين وصاحب ميافارقين وهما قريبا ابن قرا أرسلان فرد السلطان كل رسول بسوله وأجاب إقباله بقبوله
ثم رحل السلطان من آمد وعبر الفرات لقصد حلب وولاياتها فتسلم في طريقه تل خالد بالرعب ولم يكن منهم بالقرب فأقر أهلها فيها ثم نزل على عين تاب فبادر صاحبها ناصح الدين محمد بن خمارتكين إلى خدمة السلطان فأعاده إلى مكانه بالإحسان
وقال ابن أبي طي تسلم السلطان تل خالد في رابع عشر محرم 156 وسلمها إلى بدر الدين دلدرم
ومن كتاب فاضلي نزلنا تل خالد يوم الثلاثاء ثاني عشر محرم وكان قد تقدمنا الأجل تاج الملوك إليها وأناخ عليها و قابلها وقاتلها وعالجها ولو شاء لعاجلها ولما أطلت عليها راياتنا ألقى من فيها بيده وأنجز النصر صادق موعده وأرسلتها حلب مقدمة لفتحها وقد أنعم الله علينا بنعم لا نحصيها تعدادا ولا نستقصيها اعتدادا ولا نستوعبها ولو كان النهار طرسا والبحر مدادا ورايتنا المنصورة قد صارت مغناطيس البلاد تجذبها بطبعها وسيوفنا قد صارت مفاتح الأمصار تفتحها بنصر الله لا بحدها ولا بقطعها
قلت وما أحسن ما قال التلعفري من قصيدة له في السلطان
( قل للملوك تنحوا عن ممالككم
فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها )
فصل في فتح حلب
قال القاضي ابن شداد لما عاد السلطان بدأ بتل خالد فنزل عليها وقاتلها وأخذها في ثاني عشر محرم سنة تسع وسبعين ثم سار إلى حلب 157 فنزل عليها في سادس عشري المحرم وكان أول نزوله بالميدان الأخضر وسير المقاتلة يقاتلون ويباسطون عسكر حلب ببانقوسا وباب الجنان غدوة وعشية
وفي يوم نزوله جرح أخوه تاج الملوك
وكان عماد الدين زنكي قبل ذلك قد خرج وخرب قلعة عزاز في تاسع جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وخرب حصن كفرلاثا وأخذها من بكمش فإنه كان قد صار مع السلطان وقاتل تل باشر فلم يقدر عليها وجرت غارات من الفرنج على البلاد بحكم اختلاف العساكر
قال ولما نزل السلطان على حلب استدعى العساكر من الجوانب فاجتمع خلق كثير وقاتلها قتالا شديدا وتحقق عماد الدين زنكي أنه ليس له به قبل وكان قد ضرس من اقتراح الأمراء عليه وجبههم فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفر له مع السلطان في إعادة بلاده وتسليم حلب إليه واستقرت القاعدة ولم يشعر أحد من الرعية ولا من العسكر حتى تم الأمر ثم أعلمهم وأذن لهم في تدبير أنفسهم فأنفذوا عنه وعن الرعية عز الدين جرديك وزين الدين بلك فبقوا عنده إلى الليل واستحلفوه على العسكر وعلى أهل البلد وذلك في سابع عشر صفر وخرجت العساكر إلى خدمته إلى الميدان الأخضر ومقدمو حلب وخلع عليهم وطيب قلوبهم وأقام عماد الدين بالقلعة يقضي أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه إلى يوم الخميس ثالث عشري صفر 158
وفيه توفي تاج الملوك أخو السلطان من الجرح الذي كان أصابه وشق عليه أمر موته وجلس للعزاء
قلت وكان أصغر أولاد أيوب ذكر ابن القادسي أن مولده سنة ست وخمسين في ذي الحجة فيكون عمره اثنتين وعشرين سنة وشيئا وأنشد له شعرا
وقال العماد الكاتب في كتاب الخريدة إنه لم يبلغ العشرين سنة وله نظم لطيف وفهم شريف
ثم قال القاضي أبو المحاسن وفي ذلك اليوم نزل عماد الدين إلى خدمته وعزاه وسار معه بالميدان الأخضر وتقررت بينهما قواعد وأنزله عنده بالخيمة وقدم له تقدمة سنية وخيلا جميلة وخلع على جماعة من أصحابه
وسار عماد الدين من يومه إلى قرا حصار سائرا إلى سنجار وأقام السلطان بالمخيم بعد مسير عماد الدين غير مكترث بأمر حلب ولا مستعظم لشأنها إلى يوم الاثنين سابع عشري صفر ثم صعد في ذلك اليوم قلعة حلب مسرورا منصورا وعمل له حسام الدين طمان دعوة سنية وكان قد تخلف لأخذ ما تخلف لعماد الدين من قماش وغيره
وقال العماد وصل السلطان إلى حلب وفيها عماد الدين زنكي بن 159 مودود الذي كان صاحب سنجار وقد تحصن بكثرة الأجناد والعدد وأراد مقابلة السلطان ومقاتلته وأراد السلطان أن يظفر بها بدون ذلك من القتال وعداوة الرجال لكن الشباب وجهال الأصحاب راموا القتال وأحبوا النزال وتقدموا وأقدموا والسلطان ينهاهم فلا ينتهون وكان فيهم تاج الملوك بوري أخو السلطان فطعن في فخذه ثم مات بعد ذلك بأيام بعد فتح البلد
وكان السلطان ذلك اليوم قد صنع وليمة لعماد الدين زنكي وكان السلطان أول ما نزل على حلب نزل في صدر الميدان الأخضر وذلك في زمن الربيع الأنضر ثم رحل ونزل على جبل جوشن ونهى عن القتال وقال نحن هاهنا نستغل البلاد وما علينا من الحصن الذي بلغ منه هذا العناد
ونفذ رسل الترهيب إليهم ففكر عماد الدين زنكي في أمره ورأى أن الصواب مصالحة السلطان فنفذ سرا إليه حسام الدين طمان وصالحه وحلفه على أن يسلم إليه حلب ويرد عليه بلدة سنجار
ففعل وزاده الخابور ونصيبين والرقة وسروج واشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة للغزاة
ومن كتب فاضلية تسلمنا مدينة حلب وقلعتها بسلم وضعت به الحرب أوزارها وبلغت بها الهمم أوطارها وعوض صاحبها بما لم يخرج عن اليد لأنه مشترط عليه به الخدمة بنفسه وعسكره ومختلط بالجملة فهو أحد الأولياء في مغيبه ومحضره عوض عماد الدين عنها من بلاد الجزيرة 160 سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فهو صرف بالحقيقة أخذنا فيه الدينار وأعطينا الدراهم ونزلنا عن المبيحات وأحرزنا العواصم وسرنا أنها انجلت والكافر المحارب والمسلم المسالم
واشترطنا على عماد الدين الخدمة والمظاهرة والحضور في مواقف الغزو والمصابرة فانتظم الشمل الذي كان نثيرا وأصبح المؤمن بأخيه كثيرا وزال الشغب وأخمد اللهب واتصل السبب وأخذت للغزاة الأهب ووصلت إلى غايتها همة الطلب والألفة واقعة والمصلحة جامعة وأشعة أنوار الاتفاق شائعة
فتحنا مدينة حلب بسلم ما كشفت لحرمتها قناعا وتسلمنا قلعتها التي ضمنت أن نتسلم بعدها بمشيئة الله قلاعا وعوض صاحبها من بلاد الجزيرة ما اشترط عليه به الخدمة في الجهاد بالعدة الموفورة فهي بيدنا بالحقيقة لأن مرادنا من البلاد رجالها لا أموالها وشوكتها لا زهرتها ومناظرتها للعدو لا نضرتها وأن تعظم في العدو الكافر نكايتها لا أن تعذق بالولي المسلم ولايتها
والأوامر بحلب نافذة والرايات بأطراف قلعتها آخذة
وجاء أهل المدينة يستبشرون وقد بلغوا ما كانوا يؤملون وأمنوا ما كانوا يحذرون وعوض صاحبها ببلاد من الجزيرة على أن تكون 161 العساكر مجتمعة على الأعداء مرصدة للاستدعاء فالبلاد بأيدينا لنا مغنمها ولغيرنا مغرمها وفي خدمتنا ما لا نسمح به وهو عسكرها وفي يده ما لا نضن به وهو درهمها
شرطنا على عماد الدين النجدة في أوقاتها والمظاهرة على عند ملاقاتها فلم يخرج منا بلد إلا إلينا عاد عسكره وإنما استنبنا فيه من يحمل عنا مؤنته ويدبره ويكون عساكره إلى عساكرنا مضافة ونتمثل قوله سبحانه وتعالى ( ونشعر الأمير بما من الله به من فتح مدينة حلب التي هي مفتاح البلاد وتسلم قلعتها التي هي أحد ما رست به الأرض من الأوتاد فلله الحمد وأين يقع الحمد من هذه المنة ونسأل الله الغاية المطلوبة بعد هذه الغاية وهي الجنة>
وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة )
ونشعر الأمير بما من الله به من فتح مدينة حلب التي هي مفتاح البلاد وتسلم قلعتها التي هي أحد ما رست به الأرض من الأوتاد فلله الحمد وأين يقع الحمد من هذه المنة ونسأل الله الغاية المطلوبة بعد هذه الغاية وهي الجنة
وصدرت هذه البشرى والموارد قد أ فضت إلى مصادرها والأحكام في مدينة حلب نافذة في باديها وحاضرها وقلعتها قد أناف لواؤنا على أنفها وقبضت على عقبه بكفها واعتذرت من لقائه أمس برشفها ورأينا أن نتشاغل بما بورك لنا فيه من الجهاد وأن نوسع المجال فيما يضيق به تقلب الذين كفروا في البلاد
قلت ولأبي الحسن بن الساعاتي في مدح السلطان عند إرادة فتح حلب قصيدة منها 162
( ما بعد لقياك للعافين من أمل
ملك الملوك وهذي دولة الدول )
( فانهض إلى حلب في كل سابقة
سروجها قلل تغني عن القلل )
( ما فتحها غير إقليد الممالك والداعي
إليه جميع الخلق والملل )
( وما عصت منعة لكنه غضب
علام أهملتها إهمال مبتذل )
( غارت وحقك من جاراتها فشكت
ما باله باقتضاضي غير محتفل )
قلت وهذا معنى حسن يشير إلى أنها كانت من آخر البلاد الإسلامية فتحا على يديه فلهذا غضبت إذ كان من حقها لجلالة قدرها أن تخطب أولا
وللقاضي السعيد ابن سناء الملك من قصيدة
( بدولة الترك عزت ملة العرب
وبابن أيوب ذلت بيعة الصلب ) 163
( إن العواصم كانت أي عاصمة
معصومة بتعاليها عن الرتب )
( جليسة النجم في أعلى مراتبه
وطالما غاب عنها وهي لم تغب )
( وما نعته كمعشوق تمنعه
أحلى من الشهد أو أشهى من الضرب )
( فمر عنها بلا غيظ ولا حنق
وسار عنها بلا حقد ولا غضب )
( تطوي البلاد وأهليها كتائبه
طيا كما طوت الكتاب للكتب )
( أرض الجزيرة لم تظفر ممالكها
بمالك فطن أو سائس درب )
( ممالك لم يدبرها مدبرها
إلا برأي خصي أو بعقل صبي )
( حتى أتاها صلاح الدين فانصلحت
من الفساد كما صحت من الوصب )
( وقد حواها وأعطى بعضها هبة
فهو الذي يهب الدنيا ولم يهب )
( ومذ رأت صده عن ربعها حلب
ووصله لبلاد حلوة الخلب )
( غارت عليه ومدت كف مفتقر
منها إليه وأبدت وجه مكتئب )
( واستعطفته فوافتها عواطفه
وأكثب الصلح إذ نادته عن كثب )
( وحل منها بأفق غير منخفض
للصاعدين وبرج غير منقلب )
( فتح الفتوح بلامين وصاحبه
ملك الملوك ومولاها بلا كذب )
وقال ابن أبي طي وكان كثير من الشعراء يحرضون السلطان على فتح حلب منهم أبو الفضل بن حميد الحلبي له من قصيدة
( يا ابن أيوب لا برحت مدى الدهر
رفيع المكان والسلطان )
( حلب الشام نحو مرآك ولهى
وله الصب ريع بالهجران ) 164
وقال ابن سعدان الحلبي في قصيدة
( دونك والحسناء من أم القرى
وبازها الأشهب والطود الأشم )
( واركب إلى العلياء كل صعبة
أبيت لعنا وخلاك كل ذم )
( وارم فكل الصيد في جوف الفرا
لا صارد السهم ولا نابي الحكم )
( مد إلى أخت السهاء زورة
لا فرق يعقبها ولا ندم )
( فيا لها شماء مشمخرة
تطارح البرق وساحات الديم )
( ايه صلاح الدين شد أزرها
واعزم عليها فالزمان قد عزم )
( ودونك المنعة من قبابها
وبابها المغلق في وجه الأمم )
قال وفي آخر يوم السبت ثامن عشر صفر نشر سنجق السلطان الأصفر على سور قلعة حلب وضربت له البشائر وفي ذلك الوقت تخفى عماد الدين وخرج من القلعة ليلا إلى الخيم وأخذ في إخراج ما كان له في القلعة من مال وسلاح وأثاث
وكان استناب الأمير حسام الدين طمان في القلعة حتى توافي رسله بتسليم سنجار ونصيبين والخابور إلى نوابه وأعطى السلطان طمان الرقة لوساطته في أمر عماد الدين
وكان السلطان 165 شرط أنه ما يريد من حلب إلا الحجر فقط وأذن لعماد الدين في أخذ جميع ما في القلعة وما يمكنه حمله فلم يترك عماد الدين فيها شيئا وباع في السوق كل ما لم يتمكن من حمله وأطلق له السلطان بغالا وجمالا وخيلا برسم حمل ما يحتاج إلى حمله وعمل له يوم الأحد تاسع عشر صفر دعوة عظيمة في الميدان الأخضر وأحضرها جميع الأمراء ومقدمي حلب
قال وبينما السلطان على لذته بالدعوة والأخذ والعطاء والإنعام والحباء إذ حضر إليه من عرفة وفاة أخيه تاج الملوك بسبب الضربة التي أصابته على حلب فلم يتغير لذلك ولا اضطراب ولا انقطع عما كان عليه من البشاشة والفرح وبذل الإحسان وأمر بستر ذلك وتوعد عليه إن ظهر وكظم حزنه وأخفى رزيته وصبر على مصيبته ولم يزل على طلاقته وبشاشته إلى وقت العصر وفي ذلك الوقت انقضت الدعوة وتفرق الناس فحينئذ قام رحمه الله واسترجع وبكى على أخيه ثم أمر به فغسل وكفن وصلى عليه وأمر به فدفن في مقام إبراهيم بظاهر حلب ثم حمله بعد ذلك إلى دمشق ودفنه بها
قال وكان تاج الملوك شابا حسن الشباب مليح الأعطاف عذب العبارة حلو الفكاهة مليح الرمي بالقوس والطعن بالرمح وكان شجاعا باسلا مقداما على الأهوال وكان قد جمع إلى ذلك الكرم والتفنن في الأدب وله ديوان شعر حسن متوسط فمنه
( يا هذه وأماني النفس قربكم
يا ليتها بلغت منكم أمانيها )
( إن كانت العين مذ فارقتكم نظرت
إلى سواكم فخانتني أماقيها ) 166
قال ولما انقضت تعزية السلطان بأخيه خلع على الناس في اليوم الرابع وفرق في وجوه الحلبيين الأموال
وفي سادس عشر صفر ورد أصحاب عماد الدين وأحضروا إليه العلائم بتسلم سنجار ونصيبين والخابور ففي ذلك اليوم سلم قلعة حلب وأنزل منها الأمير طمان وأصحابه ولما سلمها إلى نواب السلطان ركب عماد الدين في وجوه أصحابه وأمرائه وخرج إلى خدمة السلطان ظاهرا وركب السلطان إلى لقائه فاجتمعا عند مشهد الدعاء الذي بظاهر حلب من جهة الشمال فتسالما ولم يترجل أحد منهما لصاحبه
ثم جاء بعد عماد الدين ولده قطب الدين فترجل للسلطان وترجل السلطان له وأعتنقه وعادا فركبا وسار هو وأبوه في خدمة السلطان إلى المخيم بالميدان الأخضر فأجلس السلطان عماد الدين معه على طراحته وقدم له تقدمة حسنة عشرين بقجة صفراء فيها مئة ثوب من العتابي والأطلس والمعتق والممرش وغير ذلك وعشرة جلود قندس وخمس خلع خاص برسمه ورسم ولده ومئة قباء ومئة كمة وحجرتين عربيتين بأداتهما وبغلتين مسروجتين وعشرة أكاديش وخمس قطر بغال وثلاث قطر جمال عربيات وقطار بخت
ولما فرغ السلطان من عرض الهدية قدم الطعام فلما أصاب منه عماد الدين نهض للركوب وخرج السلطان معه وركب لوداعه وسار معه إلى قريب من بأبلى وودعه وعاد وسار عماد الدين إلى بلاده 167
قال وفي يوم الاثنين سابع عشر صفر ركب السلطان وصعد إلى قلعة حلب وكان صعوده إليها من باب الجبل وسمع وهو صاعد إلى قلعة حلب يقرأ (
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ) الآية وقال والله ما سررت بفتح مدينة كسروري بفتح هذه المدينة والآن قد تبينت أنني أملك البلاد وعلمت أن ملكي قد استقر وثبت
وقال صعدت يوما مع نور الدين رحمه تعالى إلى هذه القلعة فسمعته يقرأ (
قل اللهم مالك الملك ) الآية
قال ولما بلغ السلطان باب دار عماد الدين قرأ (
وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها ) ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين ثم سجد فأطال السجود ثم خرج ودار في جميع القلعة ثم عاد إلى المخيم وأطلق المكوس والضرائب وسامح بأموال عظيمة وجلس للهناء بفتح حلب وأنشده جماعة من منهم يوسف البزاعي له من قصيدة
( شرفت بسامي مجدك الشهباء
وتجللتها بهجة وضياء )
( ألقت إليك قيادها وبها على
كل الملوك ترفع وإباء ) 168
ومنهم سعيد بن محمد الحريري له من قصيدة تقدم بعضها
( وصبحت شهباء العواصم مصلتا
قواضب عزم لا يفل شهيرها )
( فأمطتك منها غازيا فيك راغبا
وعاد يسيرا في يديك عسيرها )
( وأوطأت منها أخمصيك تنوفة
يعز على الشعرى العبور عبورها )
( ورد إليها روح عدلك روحها
وكانت رميما لا يرجى نشورها )
قال وقال والدي أبو طي النجار من قصيدة
( حلب شامة الشآم وقد زيدت
جلالا بيوسف وجمالا )
( هي آس الفخار من نال أعلاها
تعالى فخامة وتغالا )
( ومحل العلاء من حل فيها
تاه كبرا وعزة وجلالا )
( من حواها مملكا ملك الأرض
اقتسارا سهولة وجبالا )
( فافترعها مهنأ بمحل
سمق الأنجم الوضاء وطالا )
قال وحدثني جماعة من الحلبيين منهم الركن ابن جهبل العدل
قال كان الفقيه مجد الدين بن جهبل الشافعي الحلبي قد وقع إليه تفسير 169 القرآن لأبي الحكم المغربي فوجد فيه عند قوله تعالى (
آلم غلبت الروم ) الآية أن أبا الحكم قال إن الروم يغلبون في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة ويفتح البيت المقدس ويصير دارا للإسلام إلى آخر الأبد
واستدل على ذلك بأشياء ذكرها في كتابه
فلما فتح السلطان حلب كتب إليه المجد بن جهبل ورقة تبشره بفتح البيت المقدس على يديه ويعين فيه الزمان الذي يفتحه فيه وأعطى الورقة للفقيه عيسى فلما وقف الفقيه عيسى عليها لم يتجاسر على عرضها على السلطان وحدث بما في الورقة لمحيي الدين بن زكي الدين القاضي الدمشقي وكان ابن زكي الدين واثقا بعقل ابن جهبل وأنه لا يقدم على هذا القول حتى يحققه ويثق به فعمل قصيدة مدح السلطان بها حين فتح حلب في صفر وقال فيها
( وفتحكم حلبا بالسيف في صفر
قضى لكم بافتتاح القدس في رجب ) 170
ولما سمع السلطان ذلك تعجب من مقالته ثم حين فتح السلطان البيت المقدس خرج إليه المجد بن جهبل مهنئا له بفتحه وحدثه حديث الورقة فتعجب السلطان من قوله وقال قد سبق إلى ذلك محيي الدين بن زكي الدين غير أني أجعل لك حظا لا يزاحمك فيه أحد
ثم جمع له من في العسكر من الفقهاء وأهل الدين ثم أدخله إلى القدس والفرنج بعد ما خرجوا منه وأمره أن يذكر درسا من الفقه على الصخرة
فدخل وذكر درسا هناك وحظي بما لم يحظ به غيره
قلت وسيأتي في فتح بيت المقدس في فصل المنبر ذكر ما قاله أبو الحكم في تفسيره وغيره مما يناسبه وبالله التوفيق
وقال العماد تم فتح حلب في صفر من هذه السنة ومدح القاضي محيي الدين بن الزكي السلطان بأبيات منها
( وفتحكم حلبا بالسيف في صفر
مبشر بفتوح القدس في رجب )
فوافق فتح القدس كما ذكره فكأنه من الغيب ابتكره
قال ويشبه هذا أنني في سنة اثنتين وسبعين طلبت من السلطان جارية من سبي الأسطول المنصور في الأبيات وهي
( يؤمل المملوك مملوكة
تبدل الوحشة بالأنس )
( تخرجه من ليل وسواسه
بطلعة تشرق كالشمس )
( فوحدة العزبة قد حركت
سواكن البلبال والمس ) 171
( فلا تدع يهدم شيطانه
ما أحكم التقوى من الأس )
( فوقع اليوم بمطلوبه
مما سبى الأسطول بالأمس )
( لا زلت وهابا لما حازه
سيفك من حور ومن لعس )
( وإنني آمل من بعدها
كرائم السبي من القدس )
قال فجاء الأمر على وفق الأمل فوهب لي عام القدس ما أملت
فصل فيما جرى بعد فتح حلب
قال ابن أبي طي كاتب الوالي بحارم الفرنج واستدعاهم إليه مطمعا لهم في الاستيلاء على حارم بشرط أن يعصموه من الملك الناصر وعلم الأجناد بقلعة حارم بما عزم عليه فتآمروا بينهم في القبض عليه
وكان هذا الوالي ينزل من القلعة ويصعد إليها في أموره ولذاته فاتفق أنه نزل منها لبعض شأنه فوثب أهل القلعة لما خرج وأغلقوا بابها ونادوا بشعار السلطان
وكان السلطان راسل والي حارم وبذل له في تسليم حارم إليه أشياء كثيرة منها ولاية بصرى وضيعة في دمشق يملكه إياها ودار العقيقي التي كان نجم الدين أيوب والد السلطان يسكنها وحمام العقيقي بدمشق وثلاثون ألف دينار عينا ولأخيه عشرة آلاف دينار
فاشتط في السوم وتغالى في العوض فأنفذ إليه السلطان وتوعده وتهدده فكاتب الفرنج يطلب نجدتهم وقيل إن نقيب القلعة أراد أن تنفق سوقه عند السلطان ويحصل منه شيئا فكاتب السلطان بالعمل على فكتب 172 إليه السلطان بتتميم ذلك ووعده بأشياء سكن إليها وجرى الأمر على ما ذكرناه من إغلاق الباب في وجه الوالي
وقيل إن النقيب وأهل القلعة لما أغلقوا الباب في وجهه شنعوا عليه بمكاتبة الفرنج ولم يكن فعل ذلك إقامة لعذرهم وقذفوه بالحجارة ونادوا بشعار السلطان
ولما اتصل بالسلطان هذه الأحوال أنفد تقي الدين إلى حارم ليتسلمها فامتنع النقيب وأهل القلعة من تسليمها إليه فرحل السلطان إليها بنفسه جريدة فلما أشرف عليها نزل إليه النقيب ووجوه القلعيين وسلموها إليه في تاسع عشر صفر
ولما حضروا عند السلطان حدثوه بكيفية الحال وكان بدر الدين حسن ابن الداية حاضرا فقال للسلطان يا مولانا لا تلتفت إلى هؤلاء فإنهم آذوا هذا الوالي وكذبوا عليه حتى فوتوه ما كان السلطان وعده به وما قلت هذا إلا عن تجربة فإنني لما كنت متوليا لهذه القلعة جرى علي من كذبهم في حقي وتخرصهم علي أمورا كدت بها أهلك مع نور الدين وهم كانوا سبب خروجي من هذه القلعة و أنا أرى أن السلطان يقرهم في القلعة على هذه التجربة فضحك السلطان وأمر لهم بما كان وعدهم به وأفضل عليهم وولى القلعة غيرهم وقال لابن الداية إن بين أيدينا أمكنة نريد أخذها ومتى لم نف بما نعد ونجزل العطاء لم يثق بنا أحد
وبات السلطان بقلعة حارم ليلتين وعاد إلى حلب في ثالث ربيع الأول فرتبها وقرر ولده الظاهر سلطانا بها وقرر له في كل شهر أربعة آلاف درهم وعشرين كمة وقباء وما يحتاج إليه من الطعام وغيره وجعل 173 معه واليا سيف الدين أزكش الأسدي وولى حسام الدين تميرك الخليفتي شحنة حلب وولى الديوان ناصح الدين إسماعيل بن العميد الدمشقي ودار الضرب فضرب الدرهم الناصري الذي سكته خاتم سليمان ونقل الخطابة من بني العديم إلى أبي البركات بن الخطيب هاشم بسفارة القاضي الفاضل وولى القضاء لمحيي الدين بن زكي الدين الدمشقي فاستناب فيه ابن عمته أبا البيان نبأ بن البانياسي وولى الجامع والوقوف لأبي علي بن العجمي
وقال العماد كان في قلعة صارم مملوك من مماليك نور الدين رحمه الله فعصى وتأبى عن تسليمها فأخرجه منها أهلها لما اتهموه بمكاتبة الفرنج وأرسلوا إلى السلطان فتسلمها ودبر أمرها وأحكمها
وقال ابن شداد أنفذ إلى حازم من يتسلمها ودافعهم الوالي فأنفذ الأجناد الذين بها يستحلفونه فوصل خبرهم إليه يوم الثلاثاء ثامن عشري صفر فحلف لهم وسار من وقته إلى حارم فوصلها تاسع عشري صفر فتسلمها وبات بها ليلتين وقرر قواعدها وولى فيها إبراهيم بن شروه وعاد إلى حلب فدخلها ثالث ربيع الأول
ثم أعطى العساكر دستورا فسار 174 كل منهم إلى بلده وأقام يقرر قواعد حلب ويدبر أمورها
قال العماد ورجفت أنطاكية بعد ذلك رعبا فأرسل صاحبها جماعة من أسارى المسلمين وانقاد وسارع إلى أمان السلطان
وولى السلطان القضاء بحلب محيي الدين بن الزكي فاستناب فيها زين الدين نبأ بن الفضل بن سليمان المعروف بابن البانياسي وكشف السلطان عن حلب المظالم وأزال المكوس وولى قلعتها سيف الدين يازكوج وولى الديوان ناصح الدين إسماعيل بن العميد وجعل حلب باسم ولده الملك الظاهر غازي وكان استصحبه من مصر عند وصوله إلى الشام وأقر عين تاب على صاحبها وأعطى تل خالد وتل باشر بدر الدين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق وأعطى قلعة عزاز علم الدين سليمان بن جندر
قلت وفي توقيع إسقاط المكوس عن حلب من كلام الفاضل عن السلطان وانتهى إلينا أن بمدينة حلب رسوما استمرت الأيدي على تناولها والألسنة على تداولها وفيها بالرعاة إرفاق وبالرعايا إضرار ولها مقدار إلا عند من كل شيء عنده بمقدار منها ما هو على الأثواب المجلوبة ومنها ما هو على الدواب المركوبة ومنها ما هو في المعايش المطلوبة
وقد رأينا بنعمة الله علينا أن نبطلها ونضعها ونعطلها وندعها ونضرب عنها في أيامنا ونضرب عليها بأقلامنا ونسلك ما هو 175 أهدى سبلا ونقول ما هو أقوم قيلا ونكره ما كرهه الله ونحظر ما حظره الله ونتاجره سبحانه فإنه من ترك لله شيئا عوضه الله أمثاله وأربح متجره في الرعية اليوم بما يوضع عنهم من إصرها ولنا غدا بمشيئة الله بما يرفع من أجرها
فعلى كافة أوليائنا وولاتنا وأمرائنا والمتصرفين من قبلنا ألا يهووا إليها يدا ولا يردوا ولو بلغ الظمأ منها موردا ولا يثقلوا بها ميزان المال فيخف ميزان الأعمال ولا يرغبوا في كثير الحرام فإن الله يغني عنه بقليل الحلال وليعلم أن ذلك من الأمر المحكم والقضاء المبرم والعزم المتمم
وفي منشور أهل الرقة بمثل ذلك أشقى الأمراء من سمن كيسه وأهزل الخلق وأبعدهم من من أخذ الباطل من الناس وسماه الحق ومن ترك شيئا عوضه الله ومن أقرض الله قرضا حسنا وفاه ما أقرضه
ولما انتهى أمرنا إلى فتح الرقة أشرفنا منها على سحت يؤكل وظلم مما أمر الله به أن يقطع وأمر الظالمون أن يوصل فأوجبنا على أنفسنا وعلى كافة الولاة من قبلنا أن يضعوا هذه الرسوم بأسرها ويلقوا الرعايا من بشائر أيام ملكنا بأسرها ونعتق بلد الرقة من رقها ونثبت أحكام المعدلة فيها بمحو هذه الرسوم ومحقها
وقد أمرنا بأن تسد هذه الأبواب وتعطل وتنسخ هذه الأسباب وتبطل وتستمطر سحائب الخصب بالعدل وتستنزل ويعفى خبر هذه الضرائب من الدواوين ويسامح بها جميعها جميع الأغنياء والمساكين مسامحة ماضية الأحكام مستمرة الأيام دائمة الخلود خالدة 176 الدوام تامة البلاغ بالغة التمام موصولة على الأحقاب مسنونة في الأعقاب ملعونا من يطمح إليها ناظره وتتناولها يده أو يمسك عنها اليوم على طمع لا يوصله إليه غده
قال العماد وورد على السلطان وهو نازل على حلب بشارتان إحدهما أن الأسطول المصري غزا في خامس عشر محرم ورجع بعد تسعة أيام وقد ظفر ببطسة مقلعة من الشام فيها ثلاث مئة وخمسة وسبعون علجا من خيالة وتجار والثانية أن فرنج الداروم نهضوا فنذر بهم والي الشرقية فخرج إليهم فالتقوا على ماء يعرف بالعسيلة فاستولى عليهم المسلمون بعد أن كادوا يهلكون عطشا لأن الفرنج كانوا قد ملكوا الماء فأرواهم الله بماء السماء
قلت وكتب الفاضل عن السلطان إلى بغداد بهاتين البشارتين بفتح حلب وحارم كتابا شافيا أوله أدام الله أيام الديوان العزيز ولا زالت منازل مملكته منازل التقديس والتطهير والوقوف بأقصى المطارح من أبوابه موجبا للتقديم والتقدير والأمة مجموعة الشمل بإمامته جمع السلامة لا جمع التكسير
الخادم ينهي أن الذي يفتتحه من البلاد ويتسلمه إما بسكون التغمد أو بحركة ما في الأغماد إنما يعده طريقا إلى الاستنفار إلى بلاد الكفار ويحسبه جناحا يمكنه به المطار إلى ما يلابسه الكفار من
وعلى هذه المقدمة فهو يستفتح بذكر ظفرين للإسلام بري وبحري
شامي ومصري أحدهما وهو البحري عود أحد الأسطولين اللذين أغزاهما أخو الخادم 177 أبو بكر بمصر وكانت مدة غيبته من حين خروجه إلى وقت عوده إلى دمياط تسعة أيام فظفر ببطسة مقلعة من الشام فيها ثلاث مئة وخمسة وسبعون علجا منهم خيالة ذوو شكة وازعة وتجار ذوو ثروة واسعة
والثاني وهو البري نهوض فرنج الداروم إلى أطراف بعيدة فنذر بهم والي الشرقية فركب إليهم الليل فرسا كما ركبوه جملا وسروا ثقيلا وسرى رملا فتوافى الفريقان إلى ماء يعرف بالعسيلة سبق الفرنج إلى موردته والسابق إلى الماء محاصر للمسبوق ووردوا أزرقه فتغضب لأزرقهم فظن المؤمن أن الكافر مرزوق
واشتد بالمسلمين العطش ثم ثابوا إلى الفرنج بقوة إنجاد السماء بالماء فلم ينج من الفرنج إلا رجلان أحدهما الدليل والثاني الذليل وعاد المسلمون برؤوس عدوهم في رؤوس القنا وقد اجتنوا ثمراتها وبأرواحهم في رؤوس الظبى وقد أطفؤوا بمائها جمراتها
ثم قال ويثني الخادم بذكر ما امتثله من الأوامر العلية في إغماد سيف مجرده من استدعى تجريده ومورده من عرض له وريده ثم ذكر تسلمه حلب وأنه لا يؤثر إلا أن تكون كلمة الله هي العليا لا غير وثغور المسلمين لها الرعايا ولا ضير ولا يختار إلا أن تغدوا جيوش المسلمين متحاشدة على عدوها لا متحاسدة بعتوها
ولو أن أمور الحرب تصلحها الشركة لما عز عليه أن يكون كثير المشاركين ولا ساءه أن تكون الدنيا كثيرة 178 المالكين وإنما أمور الحرب لا تحتمل في التدبير إلا الوحدة فإذا صح التدبير لم يحتمل في اللقاء إلا العدة فعوض عماد الدين من بلاد الجزيرة سنجار وخابورها ونصيبين والرقة وسروج على أن المظالم تموت فلا ينشر مقبورها والعساكر تنشر راية غزوها فلا يطوى منشورها
وأجاب الخادم عماد الدين إلى ما سأل فيه من أن يصالح المواصلة مهما استقاموا لعماد الدين لأنه لم يثق بهم وإن كان لهم أخا ولم يطمئن إلى مجاورتهم إلى أن يضرب بينه وبينهم من عنايته برزخا فليلح الآن عذر الأجنبي إذا لم يثق ولتكن هذه مصحية من عوتب في سكره حسن الظن فلم يفق ومن شرطه على المواصلة المعونة بعسكرهم في غزواته والخروج عن المظالم فما زاد على أن قال سالموا مسلما وحاربوا كافرا واسكنوا لتكون الرعية ساكنة وأظهروا ليكون حزب الله ظاهرا
وهذه المقاصد الثلاثة الجهاد في سبيل الله والكف عن مظالم عباد الله والطاعة لخليفة الله هي مراد الخادم من البلاد إذا فتحها ومغنمه من الدنيا إذا منحها والله العالم أنه لا يقاتل لعيش ألين من عيش ولا لغضب يملأ العنان من نزق وطيش ولا يريد إلا هذه الأمور التي قد توسم أنها تلزم ولا ينوي إلا هذه النية التي هي خير ما يسطر في الصحيفة ويرقم
وكتب الخادم هذه الخدمة بعد أن بات بحلب ليلة وخرج منها إلى حارم وكانت استحفظت مملوكا لا يملكه دين ولا عقل غرا ما هذبته نفس ولا أهل فاعتقد أن يسلمها إلى صاحب أنطاكية يسر الله فتحها اعتقادا صرح بفعله وشهره بكتبه ورسله وواطأ على ذلك نفرا من رجال يعرفون بالشمسية لا يعرفون خالقا إلا من عرفوه رازقا ولا يسجدون إلا لمن يرونه في نهر النهار سابحا وفي بحر الظلام غارقا فشعر به من فيها 179 من الأجناد المسلمين فشردوه ومن تابعه على فعله وظفر به المملوك عمر ابن أخيه في ضواحي البلد فأخذه وأرسله إلى قلعة حلب وسار الخادم إليها فتسلمها ورتب بها حامية ورابطة ولم يعمل على أنها للعمل طرف بل أنها للعقد واسطة والخادم كما طالع بماضيه الذي حازه الأمس المذكور يطالع بمستقبله الذي ينجزه بمشيئة الله الغد المشكور فهو متأهب للخروج نحو الكفار لا تسأم رايته النصب ولا جهة سيره الرفع و لا جيشه الجر ولا يصغي إلى قول خاطر الراحة المفند لا تنفروا في الحر ولا يجيب دعوة الفراش الممهد ولا يعرج على الظن الممدود ولا دمية الطراف الممدد ولا يعطف على ريحانة فؤاد يفارقه حولا ويلقاه يوما ولا يقيم على زهرة ولد استهل فمتى ذكره الفطر على راحته قال (
إني نذرت للرحمن صوما )
ومن كتاب آخر أنفذه من نصيبين سنة ثمان وسبعين إلى بغداد سبيل الخادم أن يبنى ولا يهدم ويوفر جانبه ولا يثلم وأن يفرق بينه وبين من يمسكون أعنة الجياد المسومة ولا يطلقونها ويكنزون الذهب والفضة 180 ولا ينفقونها فقد علم أن الخادم بيوت أمواله في بيوت رجاله وأن مواطن نزوله في مواقف نزاله ومضارب خيامه لا أكنة ظلاله
وأنه لا يدخر من الدنيا إلا شكته ولا ينال من العيش إلا مسكته وعدو الإسلام شديد على الإسلام كلبه مضطرم على أهله لهبه زجل إذا أصغت أسماع التأمل لجبه
ولو أن أحد من يدعي الملك ميراثا ويعد البلاد له تراثا دفع إلى مدافعة هذا العدو الكافر وإلى منافرة هذا الفريق النافر لعرفته الأيام ما هو جاهله ولقلدته الحرب ما هو قاتله ولحملته الأهوال ما تخور تحته محامله
وفي كتاب آخر وإذا ولاه أمير المؤمنين ثغرا لم يبت في وسطه وأصبح في طرفه وإذا سوغه بلدا هجر في ظل خيمه ولم يقم في ظل غرفه وإذا بات بات السيف له ضجيعا وإذا أصبح أصبح ومعترك القتال له ربيعا لا كالذين يغبون أبواب الخلافة إغباب الاستبداد ولا يؤامرونها في تصرفاتهم مؤامرة الاستعباد وكأن الدنيا لهم إقطاع لا إيداع وكأن الإمارة لهم تخليد لا تقليد وكأن السلاح عندهم زينة لحامله ولابسه وكأن مال الخلق عندهم وديعة فلا عذر عندهم لمانعه ولا لحابسه وكأنهم في البيوت دمى مصورة في لزوم جدرها لا في مستحسنات صورها راضين من 181 الدين بالغزوة اللقبية ومن إعلاء كلمته بما يسمعونه على الدرجات الخشبية ومن جهاد الخارجين على الدولة باستحسان الأخبار المهلبية ومن قتال الكفار بأنه فرض كفاية تقوم به طائفة فيسقط عن الأخرى في أخراها ومن طاعة الخلافة بذكر اسمها والخروج عن سيماها فلا يقنعون بأنهم لا يجاهدون إلى أن يمنعوا من يجاهد عنهم ويثاغر وبأنهم لا يساعدون المسلمين إلى أن يساعدوا عليهم عدوهم الكافر فقد توالوا الشيطان تليدا وطريفا ووطئوا الإسلام وأهله وطأ عنيفا فإذا جاء وعد الآخرة جاء الله بهم في زمرة الشيطان لفيفا
وقال في هذا الكتاب إن المواصلة ما فزعوا إلى دار الخلافة إلا بعد أن فزعوا وإلا فطالما طمع أولهم كما طمعوا وقديما دعوا إلى طاعتها فما سمعوا وسمعوا فما اتبعوا حتى إن الأولين منهم علموا أولياء الدولة من الأتراك ضد ما جبلت أخلاقهم عليه من عقوقها وسنوا لهم إضاعة حقوق الله بإضاعة حقوقها فأين كان التعلق بالدار العزيزة وهم يحاصرون دار السلام بأحزابهم ويرامون التاج الشريف بنشابهم ويمدون محاصريها بالأسلحة والمنجنيقات والأزواد والإقامات ويصافون الخلفاء مصافة المواقف ويكاشفونهم مكاشفة المخالف ويغرون دزدار تكريت وهي من أهون بلاد الله بجور الجوار ويجعلونها سجنا 182 لمماليك الخلافة ذوي الأقدار ولو تحرك اليوم متحرك لكانوا له كنانة ولكانت بلادهم له خزانة ويرجو الخادم بالموصل أن تكون الموصل إلى القدس وسواحله ومستقر الكفر في القسطنطينية على بعد مراحله وبلاد الكرج فلو أن لهم من الإسلام جارا لاستباح الدار وبلاد أولاد عبد المؤمن فلو أن لها ماء سيف لأطفأ ما فيها من النار إلى أن تعلو كلمة الله العليا وتملأ الولاية العباسية الدنيا وتعود الكنائس مساجد والمذابح المستعبدة معابد والصليب المرفوع حطبا في المواقد والناقوس الصهل أخرس اللهجة في المشاهد
ويضيف إلى الديوان بمشيئة الله ما يجاوز أكنافه ويمد أطرافه مثل تكريت ودقوقا والبوازيج وخوزستان وكيش وعمان والذي وقع أعظم من الذي يتوقع والذي طلع أكثر من الذي يتطلع والذي رئي أمس أكبر من الذي يسمع
قلت يعني أن ما فتحه من البلاد أعظم من هذه التي يرجوها
وأشار بفعل أول المواصلة إلى ما سبق من فعل زنكي في حصار بغداد ومساعدته للسلجوقية على العادة في ذلك الزمان والله أعلم
وفي آخر كتاب فاضلي إلى حطان بن منقذ باليمن عن السلطان فتح الله علينا ممالك وأضافها وبلادا آمنها بنا مما أخافها وبلغنا غرائب صنع لا نبلغ أوصافها منها بلاد الشام بأسرها ومملكة حلب بجملتها والمدينة بقلعتها وبلاد الجزيرة إلى دجلتها
فمنها ما أعيد على من اشترط عليه استخدام عسكره في بيكارنا ومنها ما استمر في اليد وولاته من 183 أوليائنا وأنصارنا
ولما لم يبق في البلاد الإسلامية إلا ما هو في يدنا أو في يد مطيع لنا كان من شكر هذه النعمة أن نصرف القوة ونثني العزمة ونحد الشوكة ونلبس الشكة للفرنج الملاعين فتنازلهم ونقارعهم ونخاصمهم إلى الله وننازعهم فنطهر الأرض المقدسة من رجسهم بدمائهم إلى أن ترق السيوف للصخرة الشريفة لما مر بها من قسوة كفرهم واعتدائهم
فنحن نرجو أن نكون عين الطائفة من الأمة التي أخبر نبينا صلوات الله عليه أنها لا تزال على الحق ظاهرة وبثواب الله وعدوه ظافرة والله تعالى يعيننا على ما يعنينا ويلهمنا الاستجابة لدعوته إلى ما يحيينا
فصل في رجوع السلطان إلى دمشق وخروجه منها للغزاة بمخاضة الأردن
رحل السلطان من حلب فمر على حماة ثم حمص ثم بعلبك ثم دمشق
قال القاضي ابن شداد لم يقم السلطان في حلب إلا إلى يوم السبت الثاني والعشرين من ربيع الآخر وأنشأ عزما على الغزاة فخرج في ذلك اليوم إلى الوضيحي مبرزا نحو دمشق واستنهض العساكر فخرجوا يتبعونه
ثم رحل في الرابع والعشرين منه إلى حماة فوصلها ثم رحل في بقية يومه ولم يزل يواصل بين المنازل حتى دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى فأقام بها متأهبا إلى السابع والعشرين منه
ثم برز في ذلك اليوم ونزل على جسر الخشب وتبعته العساكر مبرزة وأقام به تسعة أيام ثم رحل في ثامن جمادى الآخرة حتى أتى الفوار وتعبى فيه للحرب وسار 184 حتى نزل القصير فبات به وأصبح على المخاض وعبر وسار حتى أتى بيسان فوجد أهلها قد نزحوا عنها وتركوا ما كان من ثقيل الأقمشة والغلال والأمتعة بها فنهبها العسكر وغنموا وأحرقوا ما لم يمكن أخذه
وسار حتى أتى الجالوت وهي قرية عامرة وعندها عين جارية فخيم بها
وكان قد قدم عز الدين جرديك وجماعة من المماليك النورية وجاولي مملوك أسد الدين حتى يكشفوا خبر الفرنج فاتفق أنهم صادفوا عسكر الكرك والشوبك سائرين نجدة للفرنج فوقع أصحابنا عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة و أسروا منهم زهاء مئة نفر وعادوا ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد يدعى بهرام الشاووش فوصل إليه في بقية يوم الكسرة وهو العاشر من جمادى الآخرة
وفي حادي عشرة وصل الخبر إلى السلطان أن الفرنج قد اجتمعوا في صفورية ورحلوا إلى الفولة وهي قرية معروفة وكان غرضه المصاف فلما سمع بذلك تعبى للقتال و سار للقاء العدو فالتقوا وجرى قتال عظيم وقتل من العدو جماعة وجرح جماعة وهم ينضم بعضهم إلى بعض يحمي راجلهم فارسهم ولم يخرجوا للمصاف ولم يزالوا سائرين حتى أتوا العين فنزلوا عليها ونزل السلطان حولهم والقتل والجرح يعمل فيهم ليخرجوا إلى المصاف وهم لا يخرجون لخوفهم من المسلمين فإنهم كانوا في كثرة عظيمة فرأى السلطان الانتزاح عنهم لعلهم 185 يرحلون فيضرب معهم مصاف فرحل نحو الطور سابع عشر جمادى الآخرة فنزل تحت الجبل مترقبا رحيلهم ليأخذ منهم فرصة فأصبح الفرنج راجعين على أعقابهم ناكصين فرحل رحمه الله نحوهم وجرى من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة فلم يخرجوا ولم يزل السلطان حولهم حتى نزلوا الفولة راجعين إلى بلادهم وعاد السلطان منصورا وقد نال منهم قتلا وأسرا وخرب عفربلا وبيسان وزرعين وقرى عدة فنزل الفوار وأعطى الناس دستورا فسار من آثر المسير وأتى هو دمشق يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة
قال فانظر إلى هذه الهمة التي لم يشغلها عن الغزاة أخذ حلب ولا الظفر بها بل كان غرضه رحمة الله عليه الاستعانة بالبلاد على الجهاد فالله يحسن جزاءه في الآخرة كما وفقه للأعمال المرضية في الدنيا
وقال العماد خرج السلطان إلى الغزو ورابط العدو بعين الجالوت وعبر المخاضة الحسينية تاسع جمادى الآخرة فوصل إلى بيسان وقد أخلاها أهلها فأطلق الناس فيها النيران ونهبوا ما فيها وكذلك فعلوا بأبراج وقلاع غيرها
وصادفت مقدمة العساكر خيلا ورجلا للفرنج عابرين من نابلس ومقدمهم ابن هنفري فقتل منهم وأسر وتوقل الباقون في الجبال ووصل الخبر بأن الفرنج قد أقبلوا في ألف وخمس مئة رمح ومثله تركبلي وخمسة عشر ألف راجل فأتاهم المسلمون وذلك على عين 186 الجالوت فأخذهم الرعب وخاموا عن الإقدام عليهم فخندقوا حولهم وأسندوا ظهورهم إلى الجبل وأقاموا كذلك خمسة أيام
فلما رأى المسلمون منهم ذلك رجعوا عنهم فتنفس خناقهم ونكصوا على أعقابهم إلى الناصرة وعاد المسلمون بالغنائم والأسارى لم يخلص العدو منها شيئا وذلك يوم الخميس سادس عشر جمادى الآخرة
وقد كانوا مدة مقامهم يتخطفهم المسلمون من كل جانب ويرمونهم بالنبل وينتظرون أن يحملوا أولا كما هو عادتهم فما فعلوا
وفي كتاب فاضلي عن السلطان إلى بغداد لما كان بتاريخ الثامن من جمادى الآخرة سار الخادم من أدنى المنازل من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر وقد تكاملت جنود الإسلام وتعينت ميامنه ومياسره وأخذت أهبه وشحذت قضبه وباعوا الله ما اشتراه ومثل لأعينهم ثوابه فكأنها تراه وساروا تحت ليل عجاج ستر السائر تحته سراه وأصبح الخادم وإياهم بعين الله في سبيله على ماء الأردن وهو النهر الفاصل بين الإسلام والكفر والمخاضة المضروب منها بسور على ذلك القطر فخاض ذلك البحر وذلك النهر وأمدته نطف الحديد فإذا الماء يرمي بالشرر ويقذف بالجمر وذلك يوم الخميس ثاني يوم المسير وهو تاسع الشهر
ولما جاز المخاضة أخذ البلاد ضرب المخاض وزلزلت أرضها فهي بالقوم ترض أو للقيامة تراض وأخذت رجال المسلمين تنقص الأرض من أطرافها وتقلع قلاع الجبال وتطير رؤوسها من أكتافها فإذا البلاد قد انهزم أهلها فألحقها المسلمون 187 مساكنها في الهزيمة وعولوا فيها على سيوف المعاول فإذا هي راحلة وكأنها مقيمة وهذه البلاد مدن ما كان غرم قبل منها مدنيا وعمارات ما كان أمل إليها مفضيا بل طالما كان عنها مغضيا مثل بيسان وعفربلا وزرعين وجينين كلها بلاد مشاهير لها قرى مغلة وبساتين مظلة وأنهار مقلة وقلاع مطلة وأسوار قد ضربت على جهاتها وأحاطت بجنباتها واتخذتها المدن سياجا على قصباتها فغنم المسلمون ما فيها من أقوات مختزنة وشفوا منها حزازات القلوب المضطغنة وأحرقوا أوعية كفرها بالنار وعذبوها عذاب أهلها من الكفار وقتلوها وكان الضرام لها دما وكتبوا عليها الخراب وكان السيف فيها قلما فأجلوا عن حماها حمما وتساقطت جدرها فكأنما أسارت فيها النوى لمما
ولما كان يوم السبت الحادي عشر ورد الخبر بأن عسكر الكافرين قد ركب من مكان مجتمعه وزحف بلابسه ومدرعه فركب الخادم يبوىء المؤمنين مواقف القتال ومنازل النزال فمن متسرع يطوف عليهم بصفاح ليطاف عليه بصحاف ومن متثبت يمشي إلى الموت مشي العروس ساعة الزفاف وهنالك منظر ود المؤمنون لو أن أميرهم له ناظر كما هو به أمر ولا غرو أن يصفه الخادم ليسر المخدوم لا ليوصف الخادم ومن وصف ضربة السيف فإنما وصف الضارب ولم يصف الصارم ونزل العدو إلى الأرض منحطا عن سرجه ومنحازا عن فجه وسالكا نهجا غير نهجه وأحدق به راجله وهو زهاء عشرين ألف راجل وركز صليب صلبوته فاستوى في العجز المحمول والحامل ونزل محصورا وخندق فكأنما 188 أصبح الكافر في حفر ذلك الخندق مقبورا وأقام بإزائه خمسة أيام تماسيه الوقائع وتصاحبه وتماشيه الروائع وتصافحه ويفزع فيه إلى الحفير ويتكرر إليه في اليوم الواحد النفير ويبعث إليه السهم وهو في الحرب السفير فيقبل تحية الضرب مترددة ولا يردها وتتبسم إليه صفيحة النصل متوددة فلا يودها ويجتهد في استخراجه وقد رأى العزائم ولم يخرج لدعوتها والمكارم ولم يرحل لبغيتها
ومن كتاب آخر إلى وزير بغداد أثاروا على يوم الكفر ليلة عجاج جعلت ليل من وراءهم من الإسلام سكنا وصبروا وصابروا فكأنما كان السيف لهم أليفا وكان المعترك لهم وطنا وأخذت في البلاد النار مأخذها ونفذت فيها الغير منافذها وثلت عروشها وثلت غروسها وجليت في مصبغات النيران عروسها وأصبحت تناجي العيون ثواكلها وتصف النوازل منازلها دمنا على الأطلال مطلولة وصرعى بسيوف البلاء مقتولة
وجاء العدو فأحدقت به الأبطال وتنجزت عادة حملته فمطلت وما كان خلقها المطال فلما كثر الله المسلمين في عيونهم ورأوا بها ما لم يكونوا يرونه قبلها بظنوهم واستمدوا مغاني الشكوى لتبوح بها ألسنتهم إذا خلوا إلى شياطينهم فأخلدوا إلى الأرض نازلين وقعدوا عن الحملة ناكلين واتقى فارسهم براجله ورامحهم بنابله ولاذ سيفهم بجفنه ولا خير في حامله ولاذ جفنه بأطراقه خوفا من كحله بسهم قاتله
وأقاموا محصورين لا يستطيعون وردا ولا صدرا ولا يجدون متقدما ولا متأخرا فما كان للكفر فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا وعزف النصل في لحن 189 السيف أن الشجاعة والنكول أمران يقذفهما الله في القلوب فلا يقل الناس كيف
فصل في ولاية الملك العادل حلب وولاية تقي الدين مصر وغير ذلك
قال العماد وقد كان العادل نائبا بمصر فلما فتح السلطان حلب كتب العادل إليه يطلبها منه مع أعمالها ويدع الديار المصرية فكتب السلطان إليه أن يوافيه إلى الكرك فإنه سائر إلى فتحه فأشار القاضي الفاضل على السلطان أن يستنيب في الديار المصرية موضع أخيه العادل ابن أخيه تقي الدين فاستصحبه السلطان معه إلى الكرك في رجب من هذه السنة وحاز في طريقه قبل وصوله إليها غنائم وخيم على الربة ثم حصر الكرك ورماه بالمجانيق صباحا ومساء وتناوب عليه الأمراء حتى خرج شهر رجب وما حصل منه الطلب لكن عظمت النكاية في الكفار بأخذ أموالهم وتخريب الديار
ووصل الخبر أن الفرنج قد استجمعوا وتجمعوا بالموضع المعروف بالواله على قصد المسلمين وخلاص الكرك من أيديهم ورأى السلطان أن أمر حصره يطول فعول على الرحيل إلى دمشق ووصل العادل إلى السلطان وهو بعد على الكرك فجهز تقي الدين إلى 190 الديار المصرية واليا عليها وقوى عضده بصحبة القاضي الفاضل له وتولى العادل حلب وأعمالها ومنبج وجميع قلاعها وسار إليها في رمضان ورجع منها إلى دمشق الملك الظاهر ونواب السلطان
قلت وكتب العادل إلى الفاضل يستشيره في التعوض عن مصر بحلب
فكتب إليه الفاضل كتابا فيه
( إنما أنت كغيث ماطر
حيثما صرفه الله انصرف )
والمولى أعلم وبسياسة الدنيا أقوم وقد تكرر الكتاب الناصري إليه بما نص عليه وكشف له الغطاء وسنى له العطاء وقالت له المخطوبة هيت لك
وأدى إليه مالك الأمر ما قد ملك فلا زالت سعادته أنور من شمس وأدور من فلك ولا زال رابحا على الدهر إن امرؤ خسر وباقيا إن امرؤ هلك
ومن كتاب آخر إليه أدام الله دولة حامي الحمى وثبت الدولة الناصرية التي يقوم بها ملكان همامان هما هذا صلاح يمنع فسادا وهذا سيف يحقن دما
قال ابن أبي طي كان السلطان يعظم الملك العادل ويعمل برأيه في 191 جميع أموره ويتيمن بمشورته ولا يعلم بأنه أشار على السلطان بأمر فخالفه
حدثني قاضي اليمن جمال الدين قال كان السلطان يجمع الأمراء للمشورة فإن كان العادل حاضرا سمع من رأيه وإن لم يكن حاضرا لم يقطع أمرا في المهمات حتى يكاتبه بجلية الأحوال ثم يسمع رأيه فيها
قال وحدثني أبي قال حدثني جماعة قالوا كان السلطان ليس له غناء عن العادل ولا عن رأيه فلما حصل العادل بمصر وبعد عن السلطان هناك صار السلطان يتكلف في مكاتبته بالأخبار ويؤخر الأمور إلى أن يرد عليه جوابه فيفوته بذلك كثير من المنافع الحاصلة للدولة وللجهاد
فلما حصر الكرك في هذه السنة كاتبه بالحضور إليه بعياله وأمواله وجميع أصحابه وولى مصر تقي الدين ولما حصل العادل عند السلطان وقع في نفسه أن يعوضه عن ولاية مصر ثم حار في أي ولاية يوليه
قال وحدثني علم الدين قيصر الصلاحي قال إنما أقدم السلطان العادل من مصر لأجل ولاية حلب وبذلك كاتبه ولأجل هذا خرج العادل بأمواله وعياله وأثقاله
قال وحدثني غيره قال لما حصل العادل عند السلطان بأمواله وأثقاله كانت الأموال قد قلت على السلطان وقد حصلت عنده عساكر عظيمة فأحضر العادل ليلا وقال أريد أن تقرضني مئة وخمسين ألف دينار إلى الميسور فقال السمع والطاعة
ثم قام وخرج من عنده وكتب إليه يقول أموالي جميعها بين يديك وأنا مملوكك وأشتهي أن أحمل هذا 192 المال إلى خدمة السلطان ويكون عوضا عنه مدينة حلب وقلعتها
فأجابه السلطان إنني والله ما أقدمتك إلا لأوليك حلب وإذ قد اقترحت ذلك فقد وافق ما عندي
فلما أصبح العادل أنفذ وسأل السلطان أن يكتب له بمدينة حلب كتابا ويجعله ككتاب البيع والشرى
فامتنع السلطان وقال إنما تكون حلب إقطاعا والمال علي له
فاعتذر العادل إلى السلطان ولما اجتمعا قال له السلطان أظننت أن البلاد تباع أو ما علمت أن البلاد لأهلها المرابطين بها ونحن خزنة للمسلمين ورعاة للدين وحراس لأموالهم أو ما علمت أن السلطان ملكشاه السلجوقي لما وقف طبرية على جامع خراسان لم يحكم به أحد من القضاة ولا من الفقهاء ثم قرر السلطان ولاية العادل بحلب وأعمالها إلى رعبان إلى الفرات إلى حماة وكتب له التوقيع وقرر عليه مالا يحمله برسم الزردخاناه وخزانة الجهاد ورجالة من
ورحل السلطان إلى دمشق واستدعى ولده الظاهر من حلب فلما حضر أمره بالعود إلى حلب وتسليمها إلى عمه العادل ففعل وعاد إلى دمشق وسار العادل إلى حلب فالتقيا بالرستن وباتا فيه
فكانت مدة ولاية الظاهر بحلب في هذه النوبة نحو ستة أشهر ولما وصل الظاهر إلى دمشق أقبل على خدمة والده والتقرب إليه إلا أن الانكسار 193 لخروج حلب من يده ظاهر عليه وهو مع ذلك لا يظهر شيئا إلا الطاعة لوالده والانقياد لمرضاته
حدثني أبي عن مجد الدين بن الخشاب قال حدثني الملك الظاهر قال لما بلغني أن السلطان أعطى حلب للملك العادل جرى علي ما قدم وما حدث وأصابني من الهم ما لم أقدر على النهوض به ووددت أني لم أكن رأيتها ولا دخلت إليها لأن قلبي أحبها وقبلها وطاب لي هواؤها ولما فارقتها كنت أحن إليها واشتاقها
قال ودخل العادل حلب في رمضان وخلع على المقدمين والأعيان وكان قد قدم بين يديه كاتبه المعروف بالصنيعة ليسلم حلب وقلعتها من الملك الظاهر وولى القلعة صارم الدين بزغش وولى الديوان والإقطاعات شجاع الدين بن البيضاوي صباغ دقنه وولى الإنشاء وما يتعلق بأمور السر للصنيعة ابن النحال وكان نصرانيا ثم أسلم على يد العادل فولى ابن النحال الوظائف لجماعة من النصارى
وفي ذلك يقول الشاعر
( فاق دين المسيح في دولة العادل
حتى علا على الأديان )
( ذا أمير وذا وزير وذا وال
وذا مشرف على الديوان )
قال ولم يزل العادل يهذب أمور حلب إلى سادس عشر ذي القعدة ثم خرج متوجها إلى دمشق بسبب أن السلطان اجتمع عنده في ذي القعدة 194 عدة رسل منهم رسل الخليفة ورسل طغرل بن البهلوان ورسل قزل أخي البهلوان ورسل شاه آرمن صاحب خلاط ورسل المواصلة ورسل عماد الدين صاحب سنجار ورسل قليج أرسلان صاحب الشمال فأراد السلطان إحضار العادل لسماع الرسائل ولحضور الأجوبة عنها ولتقرير أمور الفرنج ويوم وصل العادل إلى دمشق أحضره السلطان لسماع الرسائل وسمع ما عنده من الأجوبة ولما قضى أجوبة الرسل ودع السلطان وعاد إلى حلب
قال ولما بلغ سيف الإسلام أن السلطان كتب لتقي الدين عهدا بولاية مصر عتب لأجل ذلك فكتب السلطان له عهدا ببلاد اليمن جميعها
قال وأقطع السلطان تقي الدين الإسكندرية ودمياط وجعل لخاصته البحيرة والفيوم وبوش ثم عوضه عن بوش سمنود وحوف رمسيس وذكر غير ذلك
قال العماد أنعم السلطان على تقي الدين بالأعمال الفيومية وسائر نواحيها بجميع جهاتها وجواليها وزاده القايات وبوش وأبقى عليه بالبلاد الشامية مدينة حماة وقلعتها وجميع أعمالها
ولما وصل تقي الدين إلى مصر اقتدى بالتدبير الفاضلي وكان السلطان لا يؤثر مفارقته فلما لم يجد من توجيه تقي الدين إلى مصر بدا وكانت فيه حدة لم تكن في العادل احتاج في تقويمه إلى تدبير الأجل الفاضل 195
قال القاضي ابن شداد وقتل على الكرك في هذه الكرة شرف الدين بزغش النوري شهيدا رحمه الله ثم رحل السلطان عنها مستصحبا أخاه العادل إلى دمشق فدخل دمشق في رابع عشري شعبان وأعطى العادل حلب في ثاني شهر رمضان فسار في ذلك اليوم نحوها فوصلها وصعد القلعة في يوم الجمعة الثاني والعشرين من رمضان وكان بها ولد السلطان الملك الظاهر ومعه سيف الدين يازكوج يدبر أمره وأبن العميد في البلد وكان الظاهر أحب أولاده إلى قلبه لما قد خصه الله به من الشهامة والفطنة والعقل وحسن السمت والشغف بالملك وظهور ذلك عليه وكان من أبر الناس بوالده وأطوعهم له ولكن أخذ منه حلب لمصلحة رآها فخرج من حلب لما دخلها عمه العادل هو ويازكوج سائرين إلى خدمة السلطان فدخل دمشق يوم الاثنين ثامن عشري شوال فأقام في خدمة والده لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن نظر والده
قال وفي ذلك الشهر وردنا على السلطان رسلا من جانب الموصل وكنا قد ترسلنا إلى الخليفة الناصر لدين الله في إنفاذ شيخ الشيوخ صدر الدين رسولا وشفيعا إلى السلطان فسيره معنا من بغداد وكان غزير المروءة عظيم الحرمة في دولة الخلافة وفي سائر البلاد وكانت 196 مكانته عند السلطان بحيث يتردد إليه إذا كان عنده في معظم الأيام
قال وكان الشيخ قد وصل إلى الموصل وسار منها بعد أن سار في صحبته القاضي محيي الدين بن كمال الدين وكان بينهما صحبة من الصبا وكنت مع القوم وسرنا حتى أتينا دمشق وخرج السلطان إلى لقاء الشيخ ونحن في خدمته وأقمنا أياما نراجع في فصل حال فلم يتفق صلح في تلك الدفعة وخرجنا راجعين إلى الموصل وخرج السلطان إلى وداع الشيخ إلى القصير واجتهدوا في ذلك اليوم أن ينقضي شغل فلم يتفق
وكان الوقوف من جانب محيي الدين فإن السلطان اشترط أن يكون صاحب إربل والجزيرة على خيرتهما في الانتماء إليه أو إلى صاحب الموصل فقال محيي الدين لا بد من ذكرهما في النسخة
فوقف الحال
وكان مسيرنا يوم الخميس سابع ذي الحجة
قال وفي تلك الدفعة عرض علي السلطان مواضع البهاء الدمشقي بمصر على لسان الشيخ فاعتذرت ولم أفعل خوفا من أن يحال توقف الحال علي ومن تلك الدفعة ثبت في نفسه الشريفة مني أمر لم أعرفه إلا بعد خدمتي له
وأقام السلطان بدمشق ترد عليه الرسل من الجوانب فوصله رسول سنجر شاه صاحب الجزيرة فاستحلفه لنفسه وانتمى إليه ورسل 197 إربل وحلف لهم وساروا ووصل إليه أخوه العادل يوم الاثنين رابع ذي الحجة فأقام عنده
وعيد وعاد إلى حلب
قال العماد ووصلت رسل صاحب الجزيرة معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي ورسل صاحب إربل زين الدين يوسف بن علي كوجك بن بكتكين ورسل صاحبي الحديثة وتكريت يشكون من صاحب الموصل ويطلبون أن يكونوا من أولياء السلطان المنتمين إليه ففعل السلطان ذلك
وكان أبو سنجر شاه سيف الدين غازي هو صاحب الموصل بعد والده مودود كما تقدم ذكره فعهد إلى ابنه سنجرشاه بها فغلبه عليها عمه عز الدين مسعود بن مودود فبقيت الجزيرة بيد سنجرشاه وهو تحت يد عمه وفي قلبه منه ما فيه وكانت إربل وأعمالها وما يليها كلها مضافة إلى الموصل وصاحب الموصل هو الحاكم على جميعها فمن ثم طلب هؤلاء الانحياز إلى خدمة السلطان فأجابهم وسمع بذلك صاحب الموصل فاستشفع بدار الخلافة إلى أن أرسل منها شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير إلى السلطان أن يجدد لصاحب الموصل الأيمان ويكون له من جملة الأعوان حربا لمن حاربه سلما لمن سالمه
وجاء رسول صاحب الموصل قاضي القضاة محيي الدين أبو 198 حامد محمد بن قاضي القضاة كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري وترفع في أداء الرسالة وأغلظ في الكلام فألان له السلطان وقال أنا أقضي حاجته على ما أراد ولكن قد سبق مني يمين لأولئك السلاطين فأنا أستثنيهم وأردهم إلى اختيارهم لي أو له
فأبى ذلك وأراد أن تكون الصداقة له دون سائر ذوي الممالك وأشار إلى أن لهم من ينصرهم من جهة البهلوان ملك العجم
فعظم ذلك على السلطان وكان ذلك محركا له إلى أن يعود إلى الموصل ورجعت الرسل على ذلك غير ظافرين بطائل
وكان منزل شيخ الشيوخ بالرباط على المنيبع ومنزل القاضي محيي الدين في جوسق بستان الخلخال وشهاب الدين بشير بجوسق الميدان وتوفي ولد شيخ الشيوخ بدمشق وكان في صحبته فدفنه في المقبرة المحاذية للرباط وحضر عنده السلطان وجماعة الأمراء للعزاء
فصل في باقي حوادث هذه السنة
قال العماد وكانت شتوة هذه السنة كثيرة الأمطار
وكثرت مكاتبات العماد للفاضل وأورد في بعضها أبياتا منها
( عذر الزمان بأي وجه يقبل
ومحبكم بالصد فيه يقتل ) 199
( ما لي سوى إنسان عيني مسعدا
بالدمع إنسان عليه أعول )
( الدهر ليل كله في ناظري
لا صبح إلا وجهك المتهلل )
( خيرتم بين المنية والمنى
لا تهجروا فالموت عندي أسهل )
( يا غائبين وهم بفكري حضر
يا راحلين وهم بقلبي نزل )
( ما للسلو إلى فؤادي منهج
ما للصبابة غير قلبي منهل )
( لا تعدلوا عني فمالي معدل
عنكم وليس سواكم لي موئل )
( كل الخطوب دفعته بتجلدي
إلا التفرق فهو خطب معضل )
( إن لم يجدني طيفكم في زورة
فلأنني منه أدق وأنحل )
( لا صبر لي لا قلب لي لا غمض لي
لا علم لي بالبين ماذا أفعل )
قال ابن الأثير وفي جمادى الأولى من سنة تسع وسبعين قبض عز الدين اتابك على مجاهد الدين قايماز وهو حينئذ نائبه في بلاده وابتع في ذلك هوى من أراد المصلحة لنفسه ولم ينظر في مضرة صاحبه
وكان الذي أشار به عز الدين محمود زلفندار وشرف الدين أحمد بن أبي الخير الذي كان أبوه صاحب بلد الغراف وهما من أكابر الأمراء فلما قبضه كان بيده إربل وشهرزور ودقوقا وجزيرة ابن عمر وكان بها معز الدين سنجرشاه بن سيف الدين صغيرا والحكم فيها إلى مجاهد 200 ولهم أيضا قلعة العقر فحين قبض امتنع زين الدين يوسف بن زين الدين علي بإربل وكان فيها لا حكم له مع مجاهد الدين وامتنع معز الدين بالجزيرة وأرسل الخليفة الناصر لدين الله عسكرا حصر دقوقا فملكها ولم يحصل لعز الدين من جميع ما كان لمجاهد الدين إلا شهرزور وصارت هذه البلاد التي كانت بيده أضر شيء على الموصل وبقي مقبوضا نحو عشرة أشهر وندم أتابك على قبضه فأخرجه وأعاده إلى ولاية قلعة الموصل إلا أن الذي أخذ من البلاد لم يعد إلى طاعته وقبض عز الدين على من كان أشار عليه بقبض مجاهد الدين
قال ابن الأثير وعلى الحقيقة فليس على الدول شيء أضر من إزالة مدبر لها وإقامة غيره فإن الأول يكون كالطبيب الحاذق العارف بمزاج الإنسان ومرضه وعلاجه وما يوافقه ويؤذيه ويكون الثاني وإن كان كافيا بمنزلة الطبيب الذي لا يعرف مزاج الإنسان وما يوافقه ويؤذيه فإلى أن يعرف حاله ينفسد أكثر مما ينصلح
قال ابن القادسي وفي هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الأبله 201 الشاعر وهو من أسماء الأضداد واسمه أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله وكان فصيحا هجاء وله أشعار رقيقة منها
( زار من أحيا بزورته
والدجى في لون طرته )
( يا لها من زورة قصرت
فأماتت طول جفوته )
ثم دخلت سنة ثمانين وخمس مئة
قال العماد وقد تقوض البرد فلما طاب الزمان تجهز السلطان بالعساكر المنصورة إلى الكرك مرة أخرى وأرسل إلى تقي الدين فجاء بالعساكر المصرية والأجل الفاضل وتتابعت العساكر المشرقية والملك العادل وجاء نور الدين بن قرا أرسلان صاحب الحصن وآمد وصاحب 202 دارا وأخو صاحب سنجار وعسكر ماردين فاجتمعت العساكر برأس الماء وأشفق السلطان على ابن قرا أرسلان من اقتحام المشاق فأقامه برأس الماء بحوران إلى حين العود وأمر العادل بالإقامة معه
وقال القاضي ابن شداد سير السلطان إلى العساكر يطلبها فوصل ابن قرا أرسلان نور الدين إلى حلب ثامن عشر صفر فأكرمه العادل إكراما عظيما وأصعده القلعة وباسطه ورحل معه طالبا دمشق
وكان السلطان قد مرض أياما ثم شفاه الله تعالى ولما بلغه وصول ابن قرا أرسلان خرج إلى لقائه وكان رحمه الله يكارم الناس مكارمة عظيمة فالتقاه على الجسر بالبقاع في تاسع ربيع الأول ثم عاد إلى دمشق وخلف نور الدين واصلا مع العادل فتأهب للغزاة وخرج مبرزا إلى جسر الخشب ووصل العادل وابن قرا أرسلان دمشق فأقاموا بها أياما ثم رحلوا يلتحقون بالسلطان ورحل السلطان من رأس الماء ثاني ربيع الآخر طالبا للكرك فأقام قريبا منها أياما ينتظر وصول الملك المظفر من مصر إلى تاسع عشر الشهر فوصل تقي الدين واجتمع به ومعه بيت العادل وخزائنه فسيرهم إليه وتقدم إليه وإلى بقية العساكر بالوصول إليه إلى الكرك فتتابعت العساكر إلى خدمته حتى أحدقوا بالكرك في رابع عشر جمادى الأولى وركب المجانيق عليه وقد التقت العساكر المصرية والشامية والجزرية
ولما بلغ الفرنج ذلك خرجوا براجلهم وفارسهم إلى الذب عن الكرك وكان على المسلمين فيه ضرر عظيم فإنه كان يقطع عن قصد مصر بحيث كانت القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة فاهتم السلطان بأمره 203 لتكون الطريق سابلة ويسر الله ذلك وله الحمد والمنة ولكن كان فتحها بعد ذلك ولما بلغ السلطان خبر خروج الفرنج تعبى للقتال وأمر العساكر أن تخرج إلى ظهر الكرك وسير الثقل نحو البلاد وبقي العسكر جريدة ثم سار السلطان يقصد العدو
وكان الفرنج قد نزلوا بموضع يقال له الواله وسار حتى نزل بالبلقاء على قرية يقال لها حسبان قبالة الفرنج في طريقهم ورحل منها إلى موضع يقال له ماعين والفرنج مقيمون بالواله إلى السادس والعشرين من جمادى الآخرة ثم رحلوا قاصدين الكرك فسار بعض العساكر وراءهم فقاتلوهم إلى آخر النهار
ولما رأى رحمه الله تصميم الفرنج على الكرك أمر العسكر أن يدخل الساحل لخلوه عن العساكر فهجموا نابلس ونهبوها وغنموا ما فيها ولم يبق فيها إلا حصناها وأخذوا جينين والتحقوا بالسلطان برأس الماء
قلت وقد وصف القاضي الفاضل حصن الكرك في بعض كتبه فقال هو شجا في الحناجر وقذى في المحاجر قد أخذ من الآمال بمخنقها وقعد بأرصاد العزائم وطرقها وصار ذئبا للدهر في ذلك الفج وعذرا لتارك فريضة الله من الحج وهو وحصن الشوبك يسر الله الآخر كبيت الواصف للأسدين
( ما مر يوم إلا وعندهما
لحم رجال أو يولغان دما ) 204
وفي كتاب آخر وأما الكرك فكفات المنجنيقات عليه متضافرة وحجارتها على من فيه حاجرة وقد جدعت أنوف الأبرجة وأسبلت قناع الستائر وجوهها المتبرجة وكل جوانبها وعرة المرتقى صعبة المختطى والسلطان يستعذب المشقات التي تتفادى منها الهمم ويباشر جمرات الشتاء الكالح بوجهه المبتسم
ومن كتاب آخر وقد جمعت الحجارة في الإسقاط بين رؤوس الأبراج ورؤوس الأعلاج فرمت الشراريف والواقفين عليها لحمايتها وأرت الفرنج باهتدائها إلى أردائها غاية غوايتها فما أخرج أحد منهم رأسا إلا دخل في عينه نصل وما هجر قراب الإسلام إلا سيف وله مع رقاب الكفر عند قطعها وصل وما على الحجر في الإسراف والتبذير حجر ولكل ليلة من نقع الحوافر من سنا الأسنة فجر ولقد أخذنا من العدو بالمخنق وشرعنا في طم الخندق والحائط واقع والواقعة بهم محيطة والمدرع بالسيوف مفصلة وبالجروخ مخيطة
ومن كتاب آخر عذاب الله بالحصن وأهله واقع ما له من دافع وإن دليل النصر قد ظهر وما دونه من مانع وأما المنجنيقات فقد نكأت في الأبراج بالهدم وفي الأعلاج بالهتك فلم تبق لها الحجارة الطائرة إليها حجارة قائمة وإن لها من إمطارها عليها ليلا ونهارا ديمة دائمة وأطفنا عليها بالزرجون حتى وقعت الأسوار من سكرها وضربنا دونها 205 الستائر حتى ترنمت لصخرها وعاطتها كفة المنجنيق عقار عقرها فالسور المقابل للمنجنيقات قد انهدمت أبراجه وأبدانه وانهدت قواعده وأركانه ولولا الخندق الذي هو واد من الأودية واسع عميق لما تعذر إلى الزحف إليهم والهجم عليهم طريق
ومن كتاب آخر الحصن الذي نحن حاضروه وحاصروه في حصانة الحصانة قد هدت الحجارة منه ما أحكموه بالحجارة وغدا عليه بالتخريب ما أعدوه للعمارة فقسي المنجنيقات ترمي ولا ترنم سهامها ويستديم من أعداء الله ومعقلهم بالقتل والهدم انتقامها فما قابل المنجنيقات من والأبدان قد أتى التخريب على ما فيه من العمران فلم يبق إلا طم الخندق والأخذ بعد ذلك من العدو بالمخنق والقلوب واثقة بحصول الفتح وقد علم كل واحد منا أن متجره قد فاز بالربح فما يسمع منا بحمد الله من أحد ملل ولا ضجر ولا تسفر هذه النوبة إن شاء الله تعالى إلا عن نصر وظفر
قال العماد ورحل السلطان من رأس الماء على طريق الظليل والزرقاء وعمان والبلقاء ثم الرقيم وزيزاء والنقوب واللجون ثم أدر ثم الربة وذلك في بلد مآب فلما تلاحقت العساكر نزل على وادي الكرك ونصب عليها تسعة مجانيق صفا قدام الباب فهدمت السور المقابل لها ولم يبق مانع إلا الخندق الواسع العميق وهو من الأودية الهائلة والمهاوي الحائلة والمهالك الغائرة الغائلة ولم يكن في الرأي إلا طمه وملؤه بكل ممكن وردمه فعد ذلك من الأمور الصعاب وتعذر لحزونة 206 الأرض وتحجرها حفر الأسراب فأمر السلطان بضرب اللبن وجمع الأخشاب وبناء الحيطان المقابلة من الربض إلى الخندق وتسقيفها وتلفيق ستائرها وتأليفها فتمت دروبا واسعة لا يزحم فيها الجائي الذاهب وتوافدت رجال العسكر وأتباعه وغلمانه وأشياعه على نقل ما يرمى في الخندق وهان طم الخندق بالدبابات التي قدمت والأسراب التي بنيت وأحكمت فوجد الناس إلى الخندق طريقا مهيعا فهم يزدحمون آمنين من الجراح عاملين بانشراح والناس تحت القلعة على شفير الخندق لا يستشعرون حذرا ولا يخشون سهما ولا حجرا وقد امتلأ الخندق حتى إن أسيرا مقيدا رمى بنفسه إليه ونجا بعدما توالى من الفرنج رمي الحجارة عليه
وفي بعض الكتب العمادية ولولا الخندق المانع من الإرادة وأنه ليس من الخنادق المعتادة بل هو واد من الأودية واسع الأفنية لسهل المشرع وهجم الموضع فلم يبق إلا تدبير طم الخندق والأخذ بعد ذلك من العدو بالمخنق فعملنا دبابات قدمناها وبنينا إلى شفير الخندق ثلاثة أسراب باللبن سقفناها وأحكمناها فصارت منها إلى طرف الخندق طرق آمنة وشرع الناس في طم الخندق منها ونفوسهم مطمئنة وقلوبهم ساكنة
وكان الشروع فيه يوم الخميس سابع جمادى الأولى وقد تسنى طمه وتهيأ ردمه وتسارع الناس إليه وازدحموا عليه و لم يبق صغير ولا كبير 207 إلا وهو مستبشر بالعمل منتظر لبشرى نجح الأمل وقد تجاسروا حتى ازدحموا تحت القلعة نهارا كازدحامهم في المصلى يوم العيد وليلا كحضورهم في جامع دمشق ليلة النصف السعيد وهم بحمد الله من الجراح سالمون وبنصر الله موقنون عالمون وإن أبطأ العدو عن النجدة فالنصر سريع والحصن ومن فيه صريع وقد خرقت الحجارة حجابه وقطعت بهم أسبابه وناولته من الأجل كتابه وحسرت لثام سوره وحلت نقابه فآناف الأبرجة مجدوعة وثنايا الشرفات مقلوعة ورؤوس الأبدان محزوزة وحروف العوامل مهموزة وبطون السقوف مبقورة وأعضاء الأساقف معقورة ووجوه الجدر مسلوخة وجلود البواشير منشورة
( والنصر أشهر من نار على علم
والحرب أقوم من ساق على قدم )
قال وأشرف السلطان على أخذها فوصل الخبر أن الفرنج قد تجمعوا وجاؤوا منجدين لأهل الكرك ليزحزحوه عن حصارها فثنى السلطان عنان العزم إليهم وكانوا في منزلة الواله وتلك المواضع ضيقة صعبة المسلك فانتظر السلطان أن يخرجوا إلى أرض البلقاء وتقدم عنهم بأميال فرجعوا وتفرقوا ولم يقدموا وعلى قصد الكرك عزموا ولما رأى السلطان أن الفرصة من الفئتين فاتت مر على نابلس فأغار وغنم وفي طريق عوده نزل على سبسطية وفيها مشهد زكريا عليه السلام وقد اتخذه الفرنج كنيسة وأودعوها أمتعة نفيسة وبها من الفرنج سكان وأقساء 208 ورهبان فقدوها بأسارى المسلمين ولاذوا بالأمان معتصمين ثم أناخ على جينين فأهبط أوجها وهدم برجها وآب بالنهاب والسبايا والمرباع والصفايا واجتمع بأصحابه على الفوار وتحدث بالإنجاد لحوادث الغور في الغوار
فصل
ثم رحل السلطان إلى دمشق للاجتماع برسل الخلافة شيخ الشيوخ وبشير وكانوا وصلوا والسلطان محاصر الكرك فاجتمع بهم وأكرمهم وكانوا قد مرضوا ومات جماعة من أصحابهم وعاد السلطان شيخ الشيوخ كل يوم وليلة في الرباط بالمنيبع واستأذنوا في العود قبل الشفاء فضاقت الصدور بصدر ذلك الصدر على تلك الحالة وعجزت تلك العثرة كما شاء الله عن الإقالة ثم استقل مودعا وداع الأبد
وكان حسام الدين طمان مقدم عسكر سنجار مع السلطان حاضرا في الجهاد فأذن له في العود وأمره بمرافقة صدر الدين والرسل معه والرفق بهم في مسيرهم فساروا على سمت الرحبة فاغتنم الأمير طمان بركة تلك الصحبة فأدركت المنية شهاب الدين بشيرا بالسخنة ووصلوا بشيخ الشيوخ إلى الرحبة وهناك لقي ربه
قال ولقد توفاه الله على الوفاء بعهده والوفاق لعقده مشيم الكرم كريم الشيم صالح العمل ناجح الأمل مفارقا للدنيا في حياته مقبلا على الآخرة قبل وفاته فهو ممن رفعت سريره الملائك ووضعت له في عليين 209 الأرائك وكانت وفاته في شعبان بوأه الله الجنان
قلت كان صدر الدين هذا أحد السادة وأبوه وجده من أكابر الأعيان وشيوخ مشايخ الزمان وهو عبد الرحيم بن إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد النيسابوري وقد ذكرت ترجمة والده في تاريخ دمشق وألحقتها من أخبار جده مما ذكره أبو سعد السمعاني في تاريخه
وقال ابن القادسي توفي صدر الدين في رجب برحبة مالك بن طوق ودفن في قبة إلى جانب قبر الشيخ موفق الدين محمد بن المتقنة الرحبي وكان مولده في ذي الحجة سنة ثمان وخمس مئة وكان شيخا ماثلا في العلم والدين والسداد ثابت الجنان في الحوادث المزعجة والوقائع الباغتة المجلجلة سديد البديهة صافي الفكرة وجمع بين نظم الشعر ونثر الترسل وكان يرسل إلى الأطراف ورتب في مشيخة الشيوخ منذ توفي والده في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وخمس مئة ولم يزل على ذلك إلى أن توفي وتولى بعده مشيخة الرباط صفي الدين إسماعيل
ومن شعره يعني صدر الدين
( ولم أخضب مشيبي وهو زين
لإيثاري جهالات التصابي ) 210
( ولكن كي يراني من أعادي
فأرهبه بوثبات الشباب )
قلت ووقفت على كتاب فاضلي إليه جوابا عن كتاب عتب فيه وقف على التحية الطيبة والكرامة الصيبة والألفاظ العذاب إلا أنها الغضاب والنعيم إلا أنه العذاب والمسامحة إلا أنها الحساب والمتشابهات اللواتي تأولها أحسن تأويلها والمحكمات اللواتي هن أمهات الكتاب ويكفي أنه مزج الصاب بعسله وأرعف قلمه بما لا يرعفه الشجاع من أنوف أسله
وهذا باب قد آن سده وسبيل قد وجب صده وعين دهر أصابت هذه المودة وقد آن لها أن تنطرف وتنصرف وبادرة هم قد حان أن تنكشف وتنكشف فلا نظر بعدها للعين التي أصابت ولا خطرات في أثرها للخطرة التي رابت ولا كان للأيام في فضل سيدنا على عبده نصيب ولا عدا أبدا على شباب الرضى عنه مشيب ولا تمكن من حبيب وده إلى القلب رقيب ولا ملك رقه غير تلك اليد الكريمة ولا سمعت حديث الحوادث تلك المودة القديمة
قال العماد وخرجنا من دمشق في شعبان وخيمنا على سعسع ودعا تقي الدين فأمره أن يرجع بالعسكر إلى مصر فسار في منتصف الشهر ثم رجعنا من فرض الجهاد إلى فرض الصيام بدمشق ورجع كل عسكر إلى مركزه 211
ومدح العماد تقي الدين في هذه المرة بقصيدة ثائية نحو خمسة وثمانين بيتا أولها
( إذا شئتما عن غير قلبي تحدثا
فما حل فيه الهم إلا ليلبثا )
( خذا شاهدي صدق على صحة الهوى
ضنى ساكتا مني ودمعا محدثا )
( مريضكما أشفى على اليأس سقمه
فلا تعجلا في أمره وتريثا )
( رثى لي عدوي من جفاء أحبتي
وناهيك من حال عدوي لها رثى )
ومنها
( عهودكم بعد النوى ما تشعثت
وحاشى لذاك العهد أن يتشعثا )
( وأملك بالملك المظفر ظافرا
من الجد والجدوى قديما ومحدثا )
( مخوف السطا صعب الإبا حسن الثنا
مرجى الندى سهل الرضى طيب النثا )
( صفا آخر العمرين من عمر الذي
به العمران اليوم في العدل ثلثا )
( هم أحدثوا قمع الضلالة بالهدى
فمذ ملكوا لم تلق في الدين محدثا )
( غثائي وغثي أنت حامل نقصه
بفضلك إن البحر يحتمل الغثا )
ومنها في وصف القصيدة
( وقد سهلت والثاء أوعر مرتقى
فلا فرق عندي بين راء وبين ثا ) 212
فصل يحتوي على ذكر المفاضلة بين مصر والشام والتعريف بحال زين الدين الواعظ
الذي كان صلاح الدين يكاتبه بوقائعه وهو الذي نم على عمارة وأصحابه بما كانوا عزموا عليه من قلب الدولة مصرية كما سبق
وسبب ذكره هنا أنه هو الذي شرع في تفضيل مصر بكتاب كتبه إلى السلطان في هذا العام وقد تقدم للقاضي الفاضل كلام في تفضيل مصر وذم الشام في أوائل أخبار سنة أربع وسبعين
وله من كتاب آخر فدعونا من بعلبك البلد الأعسر ومن رأس عينها الضيقة المحجر ومن ثلجها الذي تنفش الجبال بعهنه ومن بردها الذي لا يشفع الجمر عنده إلا بإذنه وعودوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم فإنها قد علتها وحشة لقطينها فسألت مطالع دسوتها عن أقمار سلاطينها واذكروا النيل الذي وفى لكم في هذه السنة بنقصه وأبى أن يكون ماؤه ذخيرة لغير جودكم الذي أحصاه الله ولم نحصه واذكروا قرطها وماء طوبتها فقد كاد يقيم الحجة على ثلج الشام ووخمه ويتغلغل برده فيسري إلى قلب الغليل وكأنه جار على غير طريق فمه واذكروا صحة هوائها وتعصبه لأيامكم حتى أنعم الله عليكم قبل صحة أجسامنا بصحة أجسامكم 213 ومن كتاب آخر وأما أحوالي فإنني لم أزل ملتاثا منذ دخلت دمشق لتغير مائها وهوائها وأبنيتها وأبنائها وأوديتها وأودائها وقراها وقرنائها
ومن لي بمصر فإني أقنع بما تنبته أرضها من بقلها وقثائها وأبيع بردى وما عساه بشربة من مائها وأمتطي متن السيف في هجر سوادها وسودائها فالطلل هائل ولا طائل و ما كنا نسمع به من تلك الفضائل متضائل حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فهي بلاد تستجدي ولا تجدي وفعل المال بها لازم للتعدي
وقال العماد هذا زين الدين علي بن نجا الواعظ من أهل دمشق ومن ساكني مصر وهو ذو لهجة في الوعظ فصيحة وبهجة في الفضل صبيحة وقبول من القلوب وفصول في فصل الخطاب للخطوب وقد تأثث وتأثل وقبل وأقبل وأحسن السلطان إليه بالأعطيات والإقطاعات وأجمل وأعطاه وأجزل وأتم له مراده وأكمل
وكان السلطان يستشيره ويروقه تدبيره ويميل إليه لقديم معرفته وكريم سجيته
ووصل منه في هذه السنة كتاب يشوق إلى مصر ونيلها ونعيمها وسلسبيلها ودار ملكها ودارة فلكها وبحرها وخليجها ونشرها وأريجها ومقسمها ومقياسها وإيناس ناسها وقصور معزها ومنازل عزها وجيزتها وجزيرتها وخيرتها وجيرتها وبركتها وبركتها وعدوتها وعدويتها وتعلق القلوب بقليوبها واستلاب نفائس النفوس بأسلوبها وملتقى البحرين ومرتقى الهرمين وروضة جنانها وجنة رضوانها ومساجدها وجوامعها ومشاهدها ومرابعها ونواظر بساتينها ومناظر ميادينها وساحات سواحلها وآيات فضائلها 214 ورحاب شوارعها وحلاب مشارعها وشروق غربيتها وغروب شرقيتها وطيب طوبتها ومسار مسراها ومجرى فلكها ومرساها وعجائب بناها وغرائب مناها وبيان عيانها بلسان بلسانها وكياسة أخلاقها ونفاسة أعلاقها وشتاؤها في الفصل ربيع نضير وغبارها عبير وماؤها كوثري وترابها عنبري
ثم وصف العماد غير ذلك ثم قال وذكر زين الدين الواعظ في كتابه ما دل به على فضيلة تلك الديار من الآيات والأخبار والآداب والآثار ولو ظفرت به لأوردته بلفظه وجلوته بوعظه لكنني فقدته فعرمت معانيه وأحكمت مبانيه
قال فكتبت إلى زين الدين الواعظ في جوابه عن السلطان عرفنا طيب الديار المصرية ورقة هوائها ونحن نسلم له المسألة في طيبها وتوفر نصيبها ورقة نسيمها ورائق نسيبها لكن لا ريب أن الشام أفضل وأن أجر ساكنه أجزل وأن القلوب إلى قبله أميل وأن الزلال البارد به أعل وأنهل وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل وان الزهر به أشب والنبت به أكهل وأن الجمال فيه أكمل والكمال فيه أجمل وأن القلب به أروح والروح به أقبل ودمشق عقيلته الممشوطة وعقلته المنشوطة وحديقته الناضرة وحدقته الناظرة وهي عين إنسانه بل إنسان عينه 215 وصيرفي نقوده في عين نضاره ولجينه فمستامها مستهام وما على محبها ملام وما في ربوتها ريبة وفي كل حبوة منها جنيبة ولكل شائب من نورها شبيبه وعلى كل ورقة ورقا وعلى كل معانقة من قدود البانات عنقا وشادياتها على الأعواد تطري وتطرب وساجعاتها بالأوراد تعجم وتعرب وكم فيها من جوار ساقيات وسواق جاريات وأثمار بلا أثمان وروح وريحان وفاكهة ورمان وخيرات حسان وجميع ما في سورة الرحمن ونحن نتلو عليها آلاءها إلى أن يرجع إلينا فنتلو على منكرها (
فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وقد تمسكنا بالآية والسنة والإجماع وغنينا بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع أما أقسم الله تعالى بدمشق في قوله تعالى (
والتين والزيتون ) والقسم من الله لها أدل دليل على فضلها المصون أما قاول رسول الله ( الشام خيرة الله من أرضه يسوق الله إليها خيرته من عباده )
وهذا أوضح برهان قاطع على انه خير بلاده
أما الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على اختيار السكنى بالشام أما فتح دمشق بكر الإسلام وما ننكر أن الله تعالى ذكر مصر وسماها أرضا فما الذكر والتسمية في فضيلة القسم ولا الإخبار عنها دليلا على الكرم وإنما اكتسبت الفضيلة من الشام بنقل يوسف الصديق إليها عليه أفضل الصلاة والسلام ثم المقام بالشام أقرب للرباط وأوجب للنشاط وأجمع للعساكر 216 السائرة من سائر الجهات للجهاد وأين قطوب المقطب من سناء سنير وأين ذرى منف المشرف من ذروة الشرف المنيف المنير وأين الهرم الهرم من الحرم المحترم وبينهما فرق ما بين الفرق والقدم وهل للنيل مع طول نيله وطول ذيله واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل ونفع العليل وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل وسيل هذا السلسبيل وإذا فاخرنا بالجامع وقبة النسر ظهر عند ذلك قصر القصر على أن باب الفراديس في الحقيقة باب النصر وما رأس الطابية كباب الجابية ولو كان لناسها باناس لم يحتاجوا إلى قياس المقياس ونحن لا نجفوا الوطن كما جفاه ولا نأبى فضله كما أباه وحب الوطن من الإيمان ومع هذا فلا ننكر أن مصر إقليم عظيم الشان وأن مغلها كثير وماءها غزير وأن عدها نمير وأن ساكنها ملك أو أمير ولكن نقول كما قال المجلس السامي الأجلي الفاضلي أسماه الله أن دمشق تصلح أن تكون بستانا لمصر
ولا شك أن أحسن ما في البلاد البستان
وزين الدين وفقه الله قد تعرض للشام فلم يرض أن يكون المساوي حتى شرع وعد المساوي ولعله 217 يرجع إلى الحق ويعيد سعد إسعاده ووفاقه إلى الأفق إن شاء الله
قلت وقد قيل في وصف دمشق شيء كثير من النظم والنثر واشتمل ما جمعته في أول تاريخ دمشق على قطعة حسنة كبيرة من ذلك وصنف شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي رحمه الله مقامة تشتمل على المفاخرة بين دمشق ومصر ووصف كلا من البلدين بما يليق به وكان أول ما قدم دمشق يذمها في مكاتباته إلى مصر نظما ونثرا حبا للوطن
ثم لما استقر فيها قرت عينه وفضلها في بعض مكاتباته وقد ذكرت كل ذلك في جزء مستقل به
وأما القاضي الفاضل رحمه الله فقد قال في بعض مكاتباته إلى مصر و مما أسر به قلبه الكريم أنني وصلت إلى دمشق المحروسة حين شرد بردها وورد وردها واخضل نبتها و حسن نعتها وصفا ماؤها وضفا رداؤها وتغنت أطيارها وتبسمت أزهارها وافتر زهر أقحوانها فحكى ثغور غزلانها ومالت قضب بانها فانثنت تثني ولدانها فلما قربت من بساتينها ولاح لي فيح ميادينها وتوسطت جنة واديها ورأيت ما أبدعه الله فيها سمعت عند ذاك حماما يغرد وهزارا يشدو ويردد وقمريا ينوح 218 وبلبلا بأشجانه يبوح فوقفت أثني على باريها وأكاد بالدمع أباريها أسفا على أيام خلت بعدما حلت منها وفيها فعند ذلك عاينت روحي وزال أنيني ولوحي
( وكانت النفس قد ماتت بغصتها
فعند ذلك عادت روحها فيها )
قلت ووصف أيضا دمشق من أهل مصر من يرجع إلى قوله ويرضى بحكمه لفضله وفصله وهو الوزير العادلي صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر في كتاب البصائر له فقال دمشق نزهة الأبصار وعروس الأمصار ومجرى الأنهار ومغرس الأشجار ومعرس السفار ومعبد الأبرار المستغفرين بالأسحار ظلها الممدود ومقامها المحمود وماؤها المسكوب وعيبها المسلوب ومحاسنها المجموعة وفضائلها المروية المسموعة ودرجتها المرفوعة وفاكهتها الكثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ونسيمها العليل وهجيرها الأصيل وماؤها السلسبيل
وقد شرفها الله تعالى بالذكر في كتابه وآوى إليها من اختار من أنبيائه وأحبابه فقال تعالى في كتابه المبين (
وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) ولم تزل مقر البركات ومعدن النبوات
ومنزل الرسالات ومسكن أرباب الكرامات وورد في تفضيل بقعتها من الأخبار ما لا يشك في 219 صحة إسناده قال رسول الله ( الشام صفوة الله من بلاده فيها خيرة الله من عباده )
ونبه في خبر آخر على عظم فضله فقال ( إن الله تكفل لي بالشام وأهله ) وركب في سكناها أهل الإسلام بقوله عليه السلام البركة في الشام
وذهب بعض المفسرين من أهل الاجتهاد إلى أنها (
إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد )
قال ولما أنعم الله تعالى علي بإسكاني في فنائها وتخيري لبنائها ونزهني في أفنائها وآنسني بإنسانها مضيت إلى جامعها الجامع وشفعت بإدراك البصر منها إدراك المسامع فلما وصلت إليه وحللت الحبى لديه رأيت مرأى صغر الرواية ورونقا حصل من الحسن على النهاية ونورا يجلو الأبصار وجمعا يفضل على جموع الأمصار وعبادة موصولة على الاستمرار وقرآنا يتلى في آناء الليل وأطراف النهار ومنقطعين إليه قد في الاعتكاف به نفائس الأعمار
والبركات تحف بجوانبه والعلوم تنشر في زواياه ومحاربه والأحاديث عن رسول الله تسند وتروى والمصاحف بين أيدي التالين تنشر ولا تطوى وأعلام البر فيه ظاهرة 220 فلا تخفى ولا تزوى والخلق منقسمون إلى حلق قد نبذ أهلها ما وراءهم من العلق
والإسلام فيه فاش والجهل به متلاش وهو مما بناه الأولون لعبادتهم وجعلوه ذخرا لآخرتهم وما برح معبدا لكل ملة اتخذته المجوس واليهود والنصارى قبل الإسلام هيكلا وقبلة وهو بيت المتقين وسوق المتصدقين ليله للمتهجدين ونهاره للعلماء المجتهدين
قال وعاشرت أهلها وباشرتهم ثم كاشرتهم وكاشفتهم فرأيت سادة أدباء وعلماء نجباء ورأيتهم يتناظرون في الفقه مناظرة الوالد مع ولده ويقفون عند كتاب الله فلا يعدلون عن واضح جدده ويفسرونه عن علم واستبصار ويحتاطون في علمهم بصحيح الأخبار ويتبعون ما وردت به ثقات الآثار
وعامتهم مشغولون بالمعاش آخذون من زينتهم عند كل مسجد أفضل الرياش لا يخوضون في لغط ولا إكثار ولا يجتمعون على فساد نية في مقيم ولا بعيد الدار
قال فأقمت منها في أشرف البلدان التي هي أنموذج الجنان وعنوان الدار التي خازنها رضوان والقلوب فيها عند ذكر الله حاضرة والنفوس بالخير دون الشر آمرة
فصل في باقي حوادث هذه السنة
قال العماد كانت إربل وما يجري معها من البلاد والقلاع من 221 ولايات الموصل معدودة فأراد صاحب إربل أن ينفرد عنه ويستبد بالبلاد فاعتزى إلى السلطان وكاتبه وطلب منه منشورا ببلاده فكتبه له وفيه إن الله لما مكن لنا في الأرض ووفقنا في إعزاز الحق وإظهاره لأداء الفرض رأينا أن نقدم فرض الجهاد في سبيل الله فنوضح سبيله ونقبل على إعلاء الدين وننصر قبيله وندعو أولياء الله من بلاد الإسلام إلى غزو أعدائه ونجمع كلمتهم في رفع كلمته العليا في أرضه على استنزال نصره من سمائه فمن ساعدنا على أداء هذه الفريضة واقتناء هذه الفضيلة يحظى من عوارفنا الجزيلة بحسن الصنيعة ونجح الوسيلة ومن أخلد إلى الأرض واتبع هواه وأعرض عن حق دينه بالإقبال على باطل دنياه فإن أناب قبلناه وإن أصر على غوايته أزلنا يده وعزلناه
تفصيل ما كتب في منشوره إربل وقلعتها وأعمالها جميع ما قطعه الزابي الكبير شهرزور وأعمالها معايش بيت قفجاق معايش بيت القرابلي الدشت والزرزارية
قال العماد وفي مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة توفي صاحب ماردين وهو قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق والأمراء الأرتقية هم الذين رتقوا فتوق الإسلام أولا وكانوا يتولون بيت المقدس وحموه من الفرنج قبل المصريين وإنما أخذه الفرنج سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة من المصريين فبقي الساحل كله مع أهل الشرك فحمت الأرتقية ديار بكر وما والاها وحلب وأعمالها وتوارثوا ديار بكر كابرا عن كابر إلى أن انتهى إلى هذا قطب الدين أعمال ميافارقين 222 وماردين فلما مات بقيت على ولده وله عشر سنين وانتهى إلى ابن عمه نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق حصن كيفا وخرتبرت والبلاد التي تناسبها وأضاف السلطان إليه آمد
وقد كان قطب الدين أولا على مصافاة صاحب الموصل لما بينهما من القرابة ثم أذعن للسلطان ودخل تحت طاعته
قلت وفي هذه السنة أيضا توفي خليفة المغرب يوسف بن عبد المؤمن بن علي وولي ابنه يعقوب
قال القاضي ابن شداد وبعد عود السلطان من حصار الكرك وصل رسل الخليفة ومعهم الخلع فلبسها السلطان وألبس أخاه العادل وابن أسد الدين خلعا جاءت لهما ثم خلع السلطان خلعة الخليفة على نور الدين بن قرا أرسلان وأعطاه دستورا فسار إلى بلاده ووصلت رسل زين الدين بن زين الدين مستصرخا إلى السلطان يخبر أن عسكر الموصل وعسكر قزل نزلوا على إربل مع مجاهد الدين قايماز وأنهم نهبوا وأحرقوا وأنه نصر عليهم وكسرهم
فلما سمع ذلك سار من دمشق يطلب البلاد وتقدم إلى العساكر فتبعته وسار على طريق المغار ويبوس البقاع إلى بعلبك ومرض العماد 223 فانقطع بها وسار السلطان إلى حمص ثم إلى حماة فأقام بها إلى أن شفي العماد ولحقه بها
وكان الأجل الفاضل بدمشق فأرسل الحكيم الموفق بن المطران واسمه أسعد بن إلياس إلى العماد ببعلبك لما سمع بمرضه فسار من دمشق إلى بعلبك في يوم وليلة وعمل معه عمل من طب لمن حب فبرىء بعون الله تعالى فرجع إلى دمشق فلما استقام مزاجه رحل إلى السلطان فوافقه بحماة
ودخلت سنة إحدى وثمانين وخمس مئة
قال العماد والسلطان مخيم بظاهر حماة فسار إلى حلب وتلقاه أخوه العادل واجتمعت له بها العساكر فخرج منها في صفر لقصد الموصل فسار وقطع الفرات وأقام العسكر ثلاثة أيام للعبور بها وكان السلطان قد سير إلى معاقل الفرات وقلاعه ونواحيه وضياعه وأمر أهلها بعمارة كل سفينة في الفرات وزورق ومركب وجمعها من كل مشرق ومغرب
ثم وصل إلى حران وفيها مظفر الدين بن زين الدين وهو أخو زين الدين يوسف صاحب إربل وقد كان أ ول من دخل في خدمة السلطان أول ما قصد تلك البلاد في المرة الأولى واقتدى به أخوه وغيره من أصحاب الأطراف في الانتماء إلى السلطان وحضر معه حصار عدة بلاد كالموصل وسنجار وآمد وحلب وأظهر من المودة فوق ما كان في 224 الحساب وهو كان كثير الحث للسلطان على المسير إلى الموصل هذه المرة برسوله وكتابه وقال رسوله للسلطان إن مظفر الدين إذا عبرتم الفرات يستدرك كل ما فات ويقوم بكل ما تحتاج إليه في تلك البلاد من النفقات والغرامات والأزواد ويقدم يوم الوصول إلى حران خمسين ألف دينار وكتب خطه بذلك
فلما وصل السلطان إلى حران لم ير منه ما التزمه الرسول فارتاب به وظن أنه مال مع المواصلة ووشت الأعداء فيه بذلك وأن نيته قد تغيرت فحلف للسلطان أنه لم يتغير وأن ما التزمه الرسول لم يكن بأمره وهو ابن ماهان فانعزل عنده عن مرتبته وهان فقبض السلطان على مظفر الدين ليتبين أمره وشاور فيه أصحابه فأشار بعضهم بإتلافه وبعضهم باستبقائه واستئلافه فعفا السلطان عنه على أن يسلم قلعتي الرها وحران ففعل ذلك وهو مسرور ببقاء نفسه ثم أعيدت إليه القلعتان في آخر السنة لما رأى السلطان من حركاته المستحسنة
قال القاضي ابن شداد وسار السلطان حتى أتى حران على طريق البيرة والتقاه مظفر الدين بالبيرة في ثاني عشر المحرم وكان قد وصل إليه عز الدين بن عبد السلام يعني الموصلي رسولا واسمه إبراهيم بن علي بن عبد السلام ويكنى بأبي الخليل فلقيه بحماة يعتذر مما جرى فأعطاه دستورا بعد أن أكرمه وسار من غير غرض 225
قلت وصحب ابن عبد السلام في هذه السفرة من الموصل عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة فمدح السلطان بقصيدة أولها
( سلام مشوق قد براه التشوق
على الحي من وادي الغضا إذ تفرقوا )
فلما بلغ من مديحها إلى قوله
( وقالت لي الآمال إن كنت لاحقا
بأبناء أيوب فأنت الموفق )
قال له السلطان لقد وفقت
وأجازه جائزة سنية
ثم قال القاضي وتقدم السلطان إلى سيف الدين المشطوب أن يسير في مقدمة العسكر إلى رأس عين ووصل السلطان حران في الثاني والعشرين من صفر
وفي السادس والعشرين منه قبض على مظفر الدين لشيء كان جرى منه وحديث بلغه عنه رسوله ولم يقف عليه وأنكره وأخذ منه حران والرها ثم أقام في الاعتقال تأديبا إلى مستهل ربيع الأول ثم خلع عليه وطيب قلبه وأعاد عليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده وأعاده إلى قانونه في الاحترام والإكرام ولم يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده السلطان بها 226
ثم رحل السلطان ثاني ربيع الأول من حران إلى رأس عين ووصله في ذلك اليوم رسول قليج أرسلان يخبره أن ملوك الشرق بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصد السلطان إن لم يعد عن الموصل وماردين وأنهم على عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك فرحل السلطان يطلب دنيسر فوصله ثامن ربيع الأول عماد الدين بن قرا أرسلان ومعه عسكر نور الدين فالتقاهم السلطان واحترمهم ثم رحل من دنيسر نحو الموصل حتى نزل بموضع يعرف بالإسماعيليات قريب الموصل بحيث يصل من العسكر كل يوم نوبة جريدة تحاصر الموصل فبلغ عماد الدين بن قرا أرسلان موت أخيه نور الدين فطلب من السلطان دستورا طمعا في ملك أخيه فأعطاه دستورا
وقال العماد خرج السلطان من حران في ربيع الأول فمر على رأس عين ودارا فخرج أميرها بأصحابه في الخدمة وقدم عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان بعساكر ديار بكر وآمد نيابة عن أخيه نور الدين فإنه كان مريضا ثم رحل إلى نصيبين وقدم صاحب الجزيرة سنجر شاه بن أخي صاحب الموصل فأكرمه السلطان ثم سار من أقرب الطرق من دجلة وتنكب طريق الدولعية فنزل على بلد آخر ربيع الأول ثم توجه إلى الموصل وخيم على الإسماعيليات
وقدم على السلطان زين الدين صاحب إربل وأول ما بدأ به السلطان يوم نزوله على بلد قبل الإسماعيليات إرسال ضياء الدين أبي الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله بن الشهرزوري إلى الخليفة بما عزم عليه من حصر الموصل فإن 227 أهلها يواصلون الأعاجم وخاطبون لسلطانهم القائم وناقشو اسمه في الدنانير والدراهم وأنهم يتعززون بالبهلوان ويعجزون إلا عن الطاعة له والإذعان وأنهم يرسلون إلى الفرنج ويقوون نفوسهم على قصد الثغور وتفريق الجمهور وأنه ما جاء طمعا في استضافة ملك ولا استزادة سلك ولا قلع بيت قديم ولا قطع أصل كريم وإنما مقصوده الأصلي ومطلوبه الكلي ردهم إلى طاعة الإمام ونصرة الإسلام وكشف ما اعتادوه واعتوروه من الظلم والظلام وفطمهم عن استحلال الحرام وقطعهم عن مواصلة الأعجام وإلزامهم بما يجب عليهم من حفظ الجار وصلة الأرحام فهذا صاحب الجزيرة وهو ابن أخي صاحب الموصل ولي عهد أبيه لم يرع فيه ذمة أخيه وأبعده عما استحقه بالإرث والتولية وحرمه ما يستوجبه من التربية والتلبية وأخاف حرمه وقطع رحمه ولو تمكن منه لأطاح دمه ولولا خوفه من جانبه وتوقيه من دبيب عقاربه لما التجأ إلى هذا الجانب ولما اختار الأجانب على الأقارب
وهذا صاحب إربل جار الموصل أبوه زين الدين علي هو الذي حفظ بيتهم وخلف في إحيائهم ميتهم وهذا ولده في جوارهم يشكو جورهم وحديث صاحب الحديثة في حادثة لا تخفى وعين من بتكريت من مخافتهم وآفتهم لا تكرى
قلت وفي بعض الكتب الفاضلية عن السلطان إلى الديوان وكان قد تحيز إلى الخادم في وقت حركته صاحب تكريت والحديثة وهو يستأذن في استتباعهما بحكم التقليد الذي تناول هذا وغيره ولم يستأذن في ذلك استئذانا مخصصا إلا لمحلهم من جوار دار الخلافة ولأنهما مما يرى الخادم إضافته إلى ما يجري في خاص الديوان العزيز مع غيرهما مما يجري 228 مجراهما في القرب من الجوار والدخول في ذمام شرف تلك الدار فإن أذن له استثناهما في صلح إن تم معهم أو حماهما مع مباينته إن اختار المشار إليهم البقاء عليها وهذا برد شرف قد أعوزه علمه وتاج إذا أسلمه الخط الشريف نظم الفخار منتظمه
ومن كتاب آخر وما كنا بشهادة الله في قتال المذكورين إلا كقاطع كفه ليسلم سائر جسمه وكراكب حد السنان مضطرا في حكمه
وأصحب العماد الرسول قصيدة مدح بها الصاحب مجد الدين أبا الفضائل أولها
( قضى الوجد لي أن لا أفيق من الوجد
فيا ضلة اللاحي إذا ظن أن يهدي )
( محبكم جلد على كل حادث
ولكن على هجرانكم ليس بالجلد )
( ببغداد حطوا رحلكم ليخصكم
أبو الفضل مجد الدين بالفضل والمجد )
( رآه الإمام الناصر الدين ناصرا
فحاول تعويلا على مجده المجدي )
ومنها
( إليك صلاح الدين ألجأ أمره
فحط ركنه والعقد بالشد والشد )
( مليك على حرب العدو مصمم
وما زال فيه غالب الجد والجند )
( تساور أفواه الجراح رماحه
مساورة الأميال للأعين الرمد )
( يحل المنايا الحمر بالكفر مجريا
دم الأصفر الرومي بالأبيض الهندي ) 229
( وما لأمير المؤمنين كيوسف
فتى في مراضيه بمهجته يفدي )
قال وشرع السلطان في إقطاع البلاد والتوقيع بها على الأجناد وسير الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري ومعه الأمراء من قبيلته والأكراد من شيعته إلى بلد الهكارية وجماعة من الأمراء الحميدية إلى العقر وأعمالها لاستفتاح قلاعها واستغلال ضياعها
ونصب الجسر وملك الأمر وعبر مظفر الدين صاحب حران وغيره من الأمراء وخيموا بالجانب الغربي وكان الحر إذ ذاك شديدا فأمر السلطان بالصبر عن القتال إلى أن يطيب الزمان
وأهل الموصل في الحصار وأشير عليه بتحويل دجلة وكان ماؤها قد قل بطريق ذكره خبير بها زعم أنه يمكن سد دجلة وسكرها وبثق فرضة أخرى وكسرها ونقلها وتحويلها إلى دجلة نينوى وتعطش الموصل إذا الماء عنها انزوى وعرض ذلك على رأي الفقيه العالم فخر الدين أبي شجاع ابن الدهان البغدادي وكان مهندس زمانه وإنسان عين الفضل وعين إنسانه وكان منذ عهد قديم سكن الموصل في ظل كبير من أصحاب زين الدين علي ولما سمع بكرم السلطان تفيأ بظله وتعرف إلى فضله فصدق المشير بذلك وقال هذا ممكن ولا يتعذر ويتيسر ولا يتعسر
ومن كتاب عمادي إلى بغداد وذكر المهندسون أهل الخبرة أنه يسهل تحويل دجلة الموصل عنها بحيث يبعد مستقى الماء منها وحينئذ يضطر أهلها إلى تسليمها بغير قتال ولا حصول ضرر في تضييق ولا نزال 230
فصل فيما فعل السلطان في أمر خلاط وميافارقين وغيرهما من البلاد
قال العماد ثم وصل خبر وفاة شاه أرمن صاحب خلاط فتحول إليها العزم وترجح بها الحزم
وكان ورود موته في العشرين من ربيع الآخر وكان موته في التاسع منه ولم يخلف ولدا ولاذا قرابة يكون خلفا له فيها ووردت كتب الأولياء من أهل بدليس وغيرها إلى السلطان يخطبونه لها وهم خائفون من العجم أن يتولوها فاختلف الناس على السلطان فمن مشير بالإقامة إلى انفصال أمر الموصل ومن مشير بالمسير إلى بلاد الأرمن فإن الموصل غير فائتة ومن قائل بانقسام العسكر في الجهتين فترجح رأي السلطان على المسير إليها فكتب إلى الخليفة يطلب منه كتاب تقليد ببلاد الأرمن وديار بكر والموصل فجاءه بعد فتح ميافارقين مثال شريف بتقليده النظر في أمر ديار بكر والنظر في مصالح أيتام ملوكها
ثم رحل السلطان عن الموصل في أواخر شهر ربيع الآخر وقدم في مقدمته ناصر الدين محمد بن شيركوه ابن عمه ومظفر الدين صاحب حران وأمرهما أن يسيرا إلى خلاط من أقرب الطرق فلما وصلا وجدا سيف الدين بكتمر من مماليك شاه أرمن قد دخلها وحماها وتغلب عليها وجاء بهلوان في عساكر الشرق وهو شمس الدين أبو جعفر محمد بن إيلدكز متولي تلك البلاد فنزل من الجانب الآخر وكان وزير خلاط مجد الدين بن الموفق بن رشيق يظهر للسلطان المودة والمناصحة وهو على خلاف ذلك وكتب إلى ناصر الدين أن يقيم على القرب فهو أشد للإرهاب والرعب ففعل ولو خلاه لسبق إليها 231
وقيل إن هذا الوزير أنفذ إلى بهلوان وأمره بالإتيان وأظهر له المودة والإحسان ولما تمادى الزمان وقرب منها البهلوان راسله بكتمر وحمل إليه مع ابنته زوجة شاه أرمن من التي أودعت المخزن وندب السلطان إليها الفقيه ضياء الدين عيسى فدخلها وتخللها وتأملها وتكلم مع الوزير وشاوره فأحال الحال على البهلوان وأنه جاء ليتملك المكان ولو استعجلتم لسهل الأمر ما صعب الآن وهان
ثم جرت مراسلة بين السلطان والبهلوان وانفصل الأمر كأنه ما كان
وقال القاضي ابن شداد وفي ربيع الآخر توفي صاحب خلاط وولي بعده غلام له يدعى بكتمر وهو الذي كان وصل رسولا إلى خدمة السلطان بسنجار فعدل وأحسن إلى أهل خلاط وكان متصونا في طريقته فأطاعه الناس ومالوا إليه
ولما ملك خلاط امتدت نحوه الأطماع فسار نحوه البهلوان بن الدكز فلما بلغه ذلك سير إلى خدمة السلطان من يقرر معه تسليم خلاط إليه واندراجه في جملته فطمع السلطان بخلاط وارتحل عن الموصل متوجها نحوها وسير إليه الفقيه عيسى وغرس الدين قليج لتقرير القاعدة وتحريرها فوصلت الرسل وبهلوان وقد قارب البلاد جدا فخوف بهلوان من السلطان وأشعره أنه إن قصده سلم البلاد إلى السلطان
فطلب بهلوان إصلاحه وزوجه ببنت لهم وولاه وأعاد البلاد إليه واعتذر إلى رسل السلطان و عادوا من غير زبدة
وكان السلطان قد 232 نزل على ميافارقين فحاصرها وقاتلها قتالا عظيما ونصب عليها مجانيق وملكها في آخر جمادى الأولى
قال العماد واستشعر ملوك ديار بكر من حركة السلطان وكان قد مات صاحب ماردين كما تقدم وبقيت الولاية لولده الكبير وله عشر سنين وكان القائم بتدبير ملكه نظام الدين بن البقش
ومات أيضا صاحب آمد نور الدين محمد بن قرا أرسلان رابع عشر ربيع الأول من هذه السنة وتولى ابنه قطب الدين سكمان فاحترزوا من السلطان وخافوا أن يسترد بلاد آمد منهم فنفذ السلطان إليهم شمس الدين بن الفراش ليختبر حالهم في المحاربة والمسالمة فوجدهم على الطاعة مقيمين وإليه راغبين ومنه راهبين
ووصل السلطان في جمادى الأولى إلى ميافارقين وكان قد دخلها من أمراء صاحب ماردين أسد الدين يرنقش واستعصى فيها على السلطان فحاصره وقاتله ثم رأى أن القتال يطول فراسل أميرها الأسد ورغبه في الموادعة ونهاه عن المقاطعة وكان في المدينة خاتون ابنة قرا أرسلان وهي زوجة قطب الدين صاحب ماردين الذي توفي فأحال الأسد الأمر على الخاتون فراسلها السلطان ورغبها وضمن لها كل ما تطلبه منه ووعدها أن يصاهر إليها فما زال بها وبالأسد حتى لانا فقرر السلطان لها كل ما كان باسمها واسم خدامها وطلبت حصن الهتاخ 233 ليكون لها عشا للأفراخ وزوج السلطان ابنه معز الدين إسحاق بإحدى كرائمها وأبرم العهد وأحكم العقد وسارع السلطان إلى بذل كل ما اقترحوه وفتحت ميافارقين
وأقبل صاحب آمد قطب الدين سكمان بن نور الدين على صغر سنه إلى خدمة السلطان فأكرمه وأعاده إلى منصبه وكان معه وزيره قوام الدين أبو محمد عبد الله بن سماقة وقتل غيلة في رمضان من هذه السنة كما سيأتي
ثم سار السلطان لقصد الموصل وولى تلك الديار مملوكه حسام الدين سنقر الخلاطي فنزل السلطان على دجلة بكفر زمار بقرب الموصل في شعبان وعزم على أن يشتي في ذلك المكان فخرجت من الموصل نساء أتابكيات معرضات للشفاعة فأكرمهن السلطان ووعدهن بالإحسان وقال قد قبلت شفاعتكن لكن لا بد من مصلحة تتم ومصالحة نفعها يعم
واستقر الأمر على أن يكون عماد الدين زنكي صاحب سنجار أخو صاحب الموصل وسيطا في البين وحكما فيما يعود بمصلحة الجانبين فإنه كانت شفاعته سابقة ورأى بهذا الرأي قضاء الحقين وتعطف وتلطف لأجلهن وإجلالهن وأتى من الكرامة بما يليق بأمثالهن
وكن ظنن أنه لا يقيم لحرمة قصدهن ويصدق ظنونهن وأنه يعرف حقوقهن ويقضي بمكارمه ديونهن ولا يشتغل بأمر لا يؤذن بمرادهن دونهن
فدخلن البلد متلومات متذممات وبلطف الله لائذات معتصمات 234
فصل في انتظام الصلح مع أهل الموصل ومرض السلطان المرضة المشهورة بحران
قال العماد وكان السلطان لما دخل شهر رمضان داوم قراءة القرآن وحفظه واشتغل بالصيام والتقليل من الطعام فظهر انزعاجه وتغير مزاجه وتعذر علاجه وطال مرضه وندم على رد الشوافع وسير إلى عماد الدين صاحب سنجار في إنفاذ رسله ليوعز بكل ما يعود بسؤله
فوصل وزيره شمس الدين بن الكافي وكان من قبل قد سبق القول في تسليم بلاد شهرزور وقلاعها وحصونها وضياعها وكذلك ما وراء الزابين من البوازيج والرستاق وبلد القرابلية وبني قفجاق فدخل شمس الدين بن الكافي وشمس الدين قاضي العسكر من جانبنا إلى الموصل لأخذ العهد على هذا الملتزم ورحل السلطان قبل عيد الفطر بيوم وهو من بحر بحرانه في عوم وخيمنا على نصيبين في شوال ولم نترقب عود الرسول بنجاز الاشغال بل كان الارتحال على الارتجال ثم استمر الصلح وصلح الأمر وخطب في جميع بلاد الموصل للسلطان بعد قطع خطبة السلجوقية وفي ديار بكر أيضا والولايات الأرتقية وضرب باسمه الدينار والدرهم وانحل الإشكال وانكشف المبهم 235
وكتب العماد عن السلطان كتابا إلى أخيه سيف الإسلام باليمن بشرح الحال وفيه ونزل لنا صاحب الموصل عن جميع ما وراء الزاب من البلاد والقلاع والحصون والضياع وشهرزور ومعاقلها وأعمالها وولاية بني قفجاق وولاية القرابلي والبوازيج وعانة وقررنا عليه الموصل وأعمالها على أنه يكون بحكمنا وينفذ عسكره إلى خدمتنا وتكون الخطبة والسكة باسمنا وأن يطلق المظالم ولا يرتكب المآثم وقد حصل لنا من صاحب الموصل ومن جميع من بالجزيرة وديار بكر الطاعة والسكة والخطبة وعمت الهيبة والرهبة والعزائم إلى الجهاد في سبيل الله نوازع وقد زالت العوائق وارتفعت الموانع
قال ونفذ السلطان إلى شهرزور مملوكه مجاهد الدين أياز سربك فتملا بها وتملك ونال المقاصد وأدرك وكان التركمان الإيوانية مستولية بها فشتت شملها وندب للنظر في تلك الأعمال القاضي شمس الدين بن الفراش وأقطع البوازيج لبعض خواصه المماليك وسير إلى البلاد نوابه ورتب فيها لإقامة سنن العدل والإحسان أصحابه ووقف ضيعة بالبوازيج تعرف ببافيلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد
وقال القاضي ابن شداد لما أيس السلطان من أمر خلاط وعاد إلى الموصل فنزل بعيدا عنها وهي الدفعة الثالثة بموضع يقال له كفر زمار وكان الحر شديدا فأقام مدة وفي هذه المنزلة أتاه سنجر شاه من الجزيرة واجتمع به وأعاده إلى بلده ومرض السلطان بكفر زمار مرضا 236 شديدا خاف من غائلته فرحل طالب حران وهو مريض وكان يتجلد ولم يركب في محفة ووصل حران شديد المرض وبلغ إلى غاية الضعف وأيس منه وأرجف بموته ووصل إليه أخوه العادل من حلب ومعه الأطباء
قال وكان سبب صلحه مع المواصلة أن عز الدين صاحب الموصل سيرني إلى الخليفة يستنجد به فلم يحصل منه زبدة وسير إلى العجم فلم يحصل منهم زبدة فلما وصلت من بغداد وأديت جواب الرسالة أيس من نجدة فلما بلغهم مرض السلطان رأوا ذلك فرصة وعلموا رقة قلبه وسرعة انقياده في ذلك الوقت فندبوني لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب وفوض إلي أمر النسخة وقالوا أمض ما يصل جهدكم وطاقتكم إليه
فسرنا حتى أتينا العسكر والناس كلهم آيسون من السلطان وكان وصولنا في أوائل ذي الحجة فاحترمنا احتراما عظيما وجلس لنا وكان أول جلوسه من مرضه وحلف في يوم عرفة وأخذنا منه بين النهرين أخذها من سنجر شاه وأعطاها المواصلة وحلفته يمينا تامة وحلفت أخاه العادل ومات قدس الله روحه وهو على ذلك الصلح لم يتغير عنه وسرنا عنه وهو بحران قد تماثل ووصله خبر موت ابن أسد الدين صاحب حمص وكانت وفاته يوم عرفة ونحن في العسكر وجلس العادل في العزاء
وفي تلك الأيام كانت وقعة التركمان والأكراد وقتل بينهم خلق عظيم
وفي هذا الشهر وصل خبر وفاة بهلوان بن الدكز وكانت وفاته في 237 سلخ ذي الحجة
قال العماد وأقام السلطان على نصيبين أياما قلائل ثم رحل إلى حران فألقينا بها عصا النوى والقلوب بمرض السلطان متخاذلة القوى متواصلة الجوى والفضل خائف من كساده آسف على عتاده مشفق من انخفاض قدره وانقراض عصره والسماح يقول هذا أوان كسوف سمائي ونضوب مائي والدين يندب والملك يصخب والأيدي إلى الله تعالى مرفوعة والنيات بالإخلاص مشفوعة والكفر في أراجيف والقدر في تصاريف والسلطان كلما زاد ألمه زاد في لطف الله أمله وكلما بان ضعفه قوي على الله توكله وأنا ملازمه ليلا ونهارا سرا وجهارا وهو يملي علي في كل وقت وصاياه ويفرق بقلمي على عفاته عطاياه ومن جملة ذلك أنه اشتدت به الحال ليلة أيس بها منه الأطباء وغلب القنوط وعدم الرجاء فلما أصبح اجتمع المعتفون والوافدون إلى بابه والقاصدون المرتجون جنى جنابه وضجوا ضجة ارتجت منها الدهماء ولانت لسماعها الصخرة الصماء فسأل عن ذلك فقيل هؤلاء وفدك قد اجتمعوا على بابك متأسفين على مابك
فدعاني وأمرني بكتب اسمائهم وتفريق ما اجتمع في خزائنه من الأموال عليهم وأمسينا وما على الباب سائل وكنا نظن أن ما به من الألم شغل شاغل فوجد بتلك السماحة راحة واستمر مدة استمرار مرضه على بذل جوهر ماله وعرضه
وكان خلقه أحسن ما كان في حال الصحة يخاطبنا بسجاياه السهلة السمحة ولا يخلو مجلسه من أولي فضل وذوي نباهة ونبل يتجاذبون بحضرته أطراف الفوائد ويهزون لمكارمه أعطاف المحامد فتارة في أحكام شرعية ومسائل فقهية وآونة في صناعات 238 شعرية وألفاظ عربية ومعان أدبية ومرة في أحاديث الأجواد وشيم الأمجاد ودفعة في ذكر فضائل الجهاد وفرائض التأهب له والاستعداد وينذر أنه إن خلصه الله من نبوة هذه النوبة وأعفاه من كدر هذه المرضة ومرارتها بالعافية الصافية الحلوة اشتغل بفتح البيت المقدس ولو ببذل نفائس الأموال والأنفس وأنه لا يصرف بقية عمره إلا في قتال أعداء الله والجهاد في سبيله وإنجاد أهل الإسلام والإقبال على قبيله وأنه لا يترك شيمة الجود والسماحة بالموجود والوفاء بالعقود والمحافظة على العهود وإنجاز الموعود
قال وربما استروح في بعض ساعات الليل أو النهار إلى السماع لإشارة الأطباء به لأجل التفريج والإمتاع ولقد كان ذلك المرض تمحيصا من الله للذنوب وتنزيها وتذكرة موقظة من سنة الغفلة وتنبيها
قال ولما سمع العادل في حلب بمرض أخيه السلطان ووصوله إلى حران بادر بالوصول وصادف وقت القبول وقام بضبط الأمور وسياسة الجمهور والجلوس في كل يوم في النوبتية السلطانية لتولي مصالح الرعية وإقامة وظيفة السماط والعمل في كل يوم بالاحتياط والتصدي لكشف المظالم وبث المكارم وتنفيذ ما يخرج من المراسم ورقع كل خرق ورتق كل فتق وحفظ المهابة والقيام عن السلطان في كل مهم بحسن النيابة ولقد نفعنا حضوره ورفعنا تدبيره فقد كنا على خوف من إرجاف يقوى وانتشار خبر سوء لا يطوى لا سيما إذا خرج الأطباء وقالوا ما فيه أمل ولكل عمر أجل
فهناك ترى الناس يستشعرون وبإبعاد ما يعز 239 عليهم من أعلاقهم ودوابهم يستظهرون فزال بحضور العادل كل مخافة وسلم الله برأفته من كل آفة
وكان الملك العزيز عثمان ولد السلطان مع أبيه مقتد بمعاليه مقتف لمراضيه وكان من جملة وصاياه عند إشفائه وإرجاء ترجي شفائه إن أدركني المحتوم ودنا اليوم المعلوم فقد خلفت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وكلهم أراه بمرادي في إقامة الجهاد مليا فعنى بأبي بكر سيف الدين أخاه وبعمر تقي الدين ابن أخيه وبعثمان وعلي ولديه الملكين العزيز والأفضل ورأى عليهما بكفالة سيف الدين وتقي الدين في الشام ومصر المعول
وأقام العادل إلى أن وضح المنهاج وصح المزاج وطابت القلوب وغابت الكروب ثم وصل مع أخيه إلى حلب وتم معه إلى حمص ودمشق وهب له نسيم مصر فاستجد إلى نشره النشق
وسيأتي ذكر مضيه إلى مصر مع الملك العزيز في سنة اثنتين وثمانين ووصول الملك الأفضل من مصر وبعده الملك المظفر تقي الدين
قال العماد وكانت صدقاته الراتبة دارة وبالأبرار بارة على أن جوده مستوعب الموجود ولا يترك فضلا للوفود ولما مرض وعرض له من الألم ما عرض قال لي اكتب إلى الولاة والنواب بالديار المصرية والشامية أن يتصدقوا على الفقراء والمساكين من المال المعد للحمل بما نص على قدره في التعيين
فلم يبق في الممالك إلا من وصل إليه نصيب ودعا بالصالحات من الله لدعائه مجيب
فدفع بالصدقة البلاء ورفع للصدق 240 الولاء ونظر الله إلى النيات وأسنى سناء مننه السنيات ومن جملة تلك الصدقات أنه أمرني أن أكتب إلى نائبه بدمشق الصفي بن القابض أن يتصدق بخمسة آلاف دينار صورية فقلت ما عنده غير دنانير مصرية فقال يتصدق بها مصرية خمسة آلاف لنفوز من الثواب بأضعاف
قال ولما امتد زمان مرضه أمر ببناء دار عند سرادقه وحمام فبنيت في أربعة خمسة أيام وكان قد استحضر من دمشق ولديه الصغيرين تورانشاه وملكشاه وأمهما وأسكنهم فيها مدة مقامه وسماها دار العافية للبرء فيها من سقامه ثم خلاها لمن ينزل بها ضيفا وجعلها للآوين إليها وقفا
وبعدها اتصلت المواصلة بين السلطان والمواصلة وأهدى السلطان لهم هدايا عظيمة لصاحب الموصل ولوالدته ولصاحبته ولابنة نور الدين رحمه الله وقوم ما سيره إليهم بما يربي على عشرة آلاف دينار سوى الخيل والطيب والشيء البديع والغريب وجرى أمر المواصلة على السداد وتجهزوا في النصرة الناصرية على ما سيأتي شرحه إلى الجهاد وأول بركات الاتفاق فتح البيت المقدس وسائر البلاد وتجددت الفتوح وأنجدت الملائكة والروح وامتحت باليسر العسرة وصحت بحطين الكسرة وخص الله السلطان بفضيلة فتح القدس وقضى حاجاته التي كانت في النفس وسيأتي إن شاء الله شرح كل فتح في موضعه و كيف أشرق سنا النصر في مطلعه
وكتب الفاضل من دمشق إلى تقي الدين بمصر إن العافية الناصرية قد 241 استفاضت أخبارها وفاضت أنوارها وآثارها وولت العلة ولله الحمد وأطفئت نارها وانجلى غبارها وخمد شرارها وما كانت إلا فلتة وقى الله شرها وعظيمة كفي الإسلام أمرها ونوبة امتحن الله بها نفوسنا فرأى أقل ما عندنا صبرها وما كان الله ليضيع الدعاء وقد أخلصته القلوب ولا ليوقف الإجابة وإن سدت طريقها الذنوب ولا ليخلف وعد فرج وقد أيس الصاحب والمصحوب
( نعي زاد فيه الدهر ميما
فأصبح بعد بؤساه نعيما )
( وما صدق النذير به لأني
رأيت الشمس تطلع والنجوما )
وقد استقبل مولانا السلطان الملك الناصر العافية غضة جديدة والعزمة ماضية حديدة والنشاط إلى الجهاد والجنة مبسوطة البساط وقد انقضى الحساب وجزنا الصراط وعرضنا نحن على الأهوال التي من خوفها كاد الجمل يلج في سم الخياط
ومن كتاب آخر الأحوال بالحضرة مستقيمة والنعمة بالعافية عظيمة عظيمة والبقية الموهوبة من العمر الناصري كريمة القيمة عرف وعرف الناس قدرها ولزم ولزموا شكرها فسيوف الجهاد قد كادت تهتز في أغمادها وخيل الله قد كادت تنادي أهلها اركبي لميعاد طرادها 242 والمسجد الأقصى مبشر تأنيسه بما استوحش منه من القرآن وتطهيره مما استولى عليه من رجس الصلبان
فصل في باقي حوادث هذه السنة ومن توفي فيها من الأعيان
قال العماد في هذه السنة توفيت الخاتون العصمية بدمشق في ذي القعدة وهي عصمة الدين ابنة معين الدين أنر وكانت في عصمة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله فلما توفي وخلفه السلطان بالشام في حفظ البلاد ونصرة الإسلام تزوج بها في سنة اثنتين وسبعين وهي من أعف النساء وأعصمهن وأجلهن في الصيانة وأحزمهن مستمسكة من الدين بالعروة الوثقى و لها أمر نافذ ومعروف وصدقات ورواتب للفقراء وإدرارات وبنت للفقهاء والصوفية بدمشق مدرسة ورباطا
قلت وكلاهما ينسب إليها فالمدرسة داخل دمشق بمحلة حجر الذهب قريب الحمام الشركسي والرباط خارج باب النصر راكب على نهر باناس في أول الشرف القبلي
وأما مسجد خاتون في آخر الشرف القبلي من الغرب فهو منسوب إلى خاتون أخرى قديمة تقدم ذكرها 243 وهي زمرد بنت جاولي أخت الملك دقاق لأمه وزوج زنكي والد نور الدين رحمهم الله
قال العماد وذلك سوى وقوفها على معتقيها وعوارفها وأياديها وكان السلطان حينئذ بحران في بحر المرض وبحرانه وعنف الألم وعنفوانه فما أخبرناه بوفاتها خوفا من تزايد علته وتوقد غلته وهو يستدعي في كل يوم درجا ويكتب إليها كتابا طويلا ويلقي على ضعفه من تعب الكتابة والفكر حملا ثقيلا حتى سمع نعي ناصر الدين محمد بن شيركوه ابن عمه فنعيت إليه الخاتون وقد تعدت عنه إليهما المنون وكانت وفاة ناصر الدين بحمص في تاسع ذي الحجة فجأة من غير مرض وأجرى السلطان أسد الدين شيركوه ولده على ما كان لوالده ومقابلته بأحسن عوائده
قلت وقبر الخاتون المذكورة في التربة المنسوبة إليها بسفح جبل قاسيون قبلي المقبرة الشركسية
وأما ناصر الدين فنقلته زوجته ابنة عمه ست الشام بنت أيوب فدفنته في مقبرتها بمدرستها بالعوينة فهو القبر الأوسط بين قبرها وقبر أخيها رحمهم الله
وكانت ست الشام كثيرة المعروف والبر والصدقات
وكتب الفاضل إلى تقي الدين ورد الخبر عشية يوم الأربعاء الحادي 244 عشر من ذي الحجة من حمص بأنه لما كان عشية يوم الأحد وقت الوقفة انتقل إلى رحمة الله ورضوانه المولى الأجل ناصر الدين محمد بن المولى أسد الدين رحمهما الله بمرض حاد أعجل من لمح البصر ومرد النظر فإنا لله وإنا إليه راجعون وشاهد المملوك كتابا من ولده أسد الدين شيركوه أحياه الله إلى كاتب أبيه رحمه الله يقول في وكتبته وقد صار في حفرته واستقر في قبره
فنسأل الله حسن المرجع وكفاية هول المطلع والمعونة على ساعة هذا المصرع ونشكر الله ثم نشكره ونذكره بأحسن ما يذكره به من يذكره إذ وقى النفس الكريمة العالية الشريفة الناصرية وقدم قبلها من لا يسره التقدم بين يديه وجعل الله أنفسنا فداها فإن تلك نعمة علينا كما هي نعمة عليه ولا فرق الله لهذا البيت شملا ولا قضب له حبلا وأعظم الله أجر الملك المظفر في ابن عمه وأمتعه ببقاء عمه وأعاذه من مقابلة مقدور الله بهمه وهمه فليس إلا التسليم لما لا يستطيع الخلق له دفعا وتفويض أمر هذه الأنفس إليه تعالى فإنا لا نملك لها ضرا ولا نفعا ولخوف المملوك أن يلتبس الخبر في مطالعه ويحرف الكلم عن مواضعه عجل بالإنهاء والإشعار وسبق بما لا يسره السبق به من هذه الأخبار
قال العماد وفيها في جمادى الآخرة توفي أخو الخاتون المذكورة سعد الدين مسعود بن أنر ونحن قد فتحنا ميافارقين بها ولقد كان من الأكارم الأكابر ومن ذوي المآثر والمفاخر وما رأيت أحسن منه خلقا وأزكى عرقا ولم يزل في الدولتين النورية والصلاحية أميرا مقدما وعظيما مكرما ولسفور فضائله ووفور فواضله وجد شهامته وحد صرامته رغب 245 السلطان وهو زوج أخته أن يكون هو أيضا زوج أخته فزوجه بالتي تزوجها مظفر الدين كوكبري بعده
قلت وهي ربيعة خاتون بنت أيوب عمرت إلى أن توفيت بدمشق بدار أبيها وهي دار العقيقي في شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وست مئة وهي آخر أولاد أيوب لصلبه موتا وكان يحترمها الملوك من أولاد أخوتها وأولادهم ويزورونها في دارها
قال وفيها توفي الأمير عز الدين جاولي وهو من أكابر الأمراء وله مواقف حميدة في الهيجاء ومقامات في الغزاة حقيقة بالثناء وهو أكبر أمير للأسدية ولم يزل في الهيجاء يحسن بلاؤه ويصدق غناؤه
ولما عدنا بعد فتح ميافارقين إلى الموصل طرقه البلاء في طريقه قفز بحصانه بعض السواقي فعثر به وانكسرت رجله ثم عملت عليه قدمه واشتد ألمه وطال به سقمه وانتقل إلى دمشق وتوفي بها في آخر هذه السنة أو في سنة اثنتين وثمانين ولقد فجع الإسلام منه بذمر مشيح لذمار الكفر مبيح
قال وفيها يوم الأربعاء ثامن رمضان قتل بآمد وزير ابن قرا أرسلان وهو قوام الدين أبو محمد عبد الله بن سماقة قتلته مماليك مخدومه غيلة وتمحلوا له في مباغتته بالقتل حيلة وذلك أنه كان جالسا في ديوانه 246 وإيوانه متصدرا بمكانته في مكانه وعنده الأكابر والأماثل فدخل عليه واحد منهم وقال له الملك يدعوك وحدك
فقام فدخل الدهليز وقد أغلق الباب الذي يصل منه إلى الأمير وأغلق وراءه الباب الآخر وقتلوه ثم أخرجوا الصلاح من حبسه وهو أحد الأمراء الأكابر فقتل أولئك القاتلين وكانوا به واثقين
قال وفيها توفي الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي بحمص وكان المدرس بها وكان علامة زمانه في علمه ونسيج وحده في نظمه وقد أوردت من شعره في صدر الكتاب ما يستدل به على فضله وأنه ممن عقم الدهر بمثله واشتريت كتبه بأغلى الأثمان ولكم أخرج بحره قلائد اللؤلؤ والمرجان
قال وفي هذه السنة رد السلطان قلعتي الرها وحران إلى مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين لتوفره في الخدمة على حفظ القوانين وظهر منه كل ما حقق به الاستظهار وأوجب لأمره الإمرار ورغب في مصاهرة السلطان وقلده طوق الامتنان
قال وكان السلطان قد سكنت نفسه بالمقام وأراد أن تكون حركته بعد استكمال السكون وعنده أولاده الأصاغر والملك العزيز والملك 247 الظاهر بدمشق والأفضل بمصر فلما ورد نعي الخاتون وناصر الدين وخلا شبله أسد الدين بعده في العرين وخيف على بلاده لصغر أولاده واحتيج أيضا إلى الاحتياط على ما في خزائنه واستخراج دفائنه وكذلك الخاتون خلفت أملاكا وتراثا وأوقافا وأمتعة وأثاثا لم يكن من الحركة بد وقدم الكتب إلى البلاد بما صمم عليه عزمه وأجرى به حكمه وأمر بالاستعداد لترقب الاستدعاء ووصاهم في سائر المقاصد والأنحاء
وكتب إلى ولد ناصر الدين قد عرفنا المصاب بوالده رحمه الله وأعظم أجرنا وأجره فيه وإن مضى لسبيله فولدنا أسد الدين أحياه الله نعم الخلف الصالح وإن انتقل والده إلى دار البقاء فهو في مكانه المستقر من المجد والعلاء والولايات والبلاد والمعاقل باقية عليه مسلمة إليه مقررة في يديه وما مضى من و الده رحمه الله إلا عينه وولدنا قرة العيون وبه استقرار السكون والحمد لله الذي جبر به كسر المصاب وألبسنا وإياه ثوب الثواب فليشرح ولدنا صدره ولا يشغل سره ويعرف خواصه وأصحابه وولاته ونوابه بحمص والرحبة وغيرهما أنهم باقون على عادتهم
وكان المندوب إليه القاضي نجم الدين أبو البركات بن الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون ولم يفارق الخدمة السلطانية في هذه السنة
قال وفي هذه السنة لما كنا على ميافارقين وقد فتحناها ورد للسلطان مثال شريف إمامي ناصري بتفويض ولاية ماردين والحصن وهو 248 حصن كيفا والعلامة الشريفة الناصرية في ثاني سطره بالقلم الشريف الناصر الله
قلت وفيها في جمادى الأولى توفي الحافظ أبو موسى محمد بن عمر بن أحمد المديني الأصبهاني محدث مشهور له تصانيف كثيرة
وفي هذه السنة توفي بمصر في شعبان الشيخ جمال الدين أبو الفتح أبو الثناء أبو محمد محمود بن أحمد بن علي بن أحمد بن المحمودي المعروف بابن الصابوني ودفن بسارية من القرافة ومولده ببغداد سنة خمس مئة وجد أبيه لأمه شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني فيه عرف بابن الصابوني وكان جده صحب السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه ونسبته بالمحمودي إليه
ودخل ابن الصابوني هذا دمشق زمن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله واجتمع به ونزل إلى زيارته وسأله الإقامة بدمشق فذكر له أن قصده زيارة الإمام الشافعي رضي الله عنه بمصر فجهزه وسيره صحبة الأمير نجم الدين أيوب والد صلاح الدين سنة سار إلى ولده بمصر وصار بينه وبينه صحبة أكيدة ومحبة عظيمة بحيث أنه ما كان يصبر عنه ساعة واحدة 249 وأقبل عليه
ولما ملك ولده الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله مصر لم يمكنه من العود إلى الشام ووقف عليه وقفا بالديار المصرية وعلى عقبه وهو باق بأيديهم إلى الآن
وقرأت بخط صلاح الدين رحمه ما كتبه في حقه إلى أخيه الملك العادل لما كان نائبه بمصر الأخ الأجل الملك العادل أدام الله دولته غير خاف عنه قضية الوقف الذي أوقفه الوالد نجم الدين تغمده الله برحمته ورضوانه على الشيخ الفقيه ابن الصابوني وأنه لما جرى له من المخاصمة مع الشيخ الفقيه نجم الدين يعني الخبوشاني ما جرى اقتضت المصلحة لتسكين الفتنة وقطع الكلام انتقاله إلى موضع غيره لنقطع الفتنة والخصومة بينهم بأمرنا إليه مع بقاء الوقف في تصرفه وتصرف من عنده من الفقهاء
والأخ الأجل الملك العادل يتقدم بمراعاته وحفظ جانبه وتمكينه من التصرف في الوقف المشار إليه ومنع من يعترضه فيه بوجه من وجوه التأويلات وحسم مادة الشكوى منه ممن يتعدى عليه إن شاء الله تعالى
وقرأت بخط الشيخ عمر الملاء الموصلي رحمه الله كتابا كتبه إلى ابن الصابوني هذا بشيراز يطلب منه فيه الدعاء ويصف حاله أوله أخوه عمر بن محمد الملاء يقول فيه وبعد فالذي يتطلع إليه من معرفة أحوالي فجملتها خير وسلامة غارق في بحار النعماء ومغمور في هواطل الآلاء 250 غير أن أيدي البلوى بالنعم ترفعني تارة إلى مقام الصديقين وتضعني تارة أخرى إلى مقامات المتخلفين ومع هذا فطلب النجاة لا يفتر والحركة في طلب الفوز لا تسكن والعمر ينقضي بالعنا والمنى وما أشبه حالي بحال القائل
( آمل في يومي إدراك المنى
حتى إذا ولى تمنيت غدا )
( لا وطرا أقضي من الدنيا ولا
أفعل للأخرى فعال السعدا )
( والعمر يمضي بين هاتين فلا
ضلالة خالصة ولا هدى )
يا أخي ما أخبرتك بأحوالي هذه إلا رجاء أن تتحرك همتك لي بالشفقة والرأفة فتدعو الله لي بقلب حاضر منور بنور الشفقة والرحمة ويؤمن على دعائك من حضر من السادة الأخوان وتقول اللهم عبدك الضعيف عمر بن محمد الملاء يدعوك ويقول
( لا تهني بعد إكرامك لي
فشديد عادة منقطعه )
وقد توسل بنا إليك نسألك أن تبلغه آماله وأن تحييه حياة السعداء وأن تميته موت السعداء وتحشره في زمرة السعداء وأن تجعل خير عمره آخره وخير أعماله خواتيمها وخير أيامه يوما يلقاك فيه 251
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة
قال العماد فرحل السلطان إلى الشام وودع مظفر الدين صاحب حران من الفرات ورحل صوب حلب والعادل صاحبها على المقدمة وقد هيأ أسباب التكرمة فوصل حلب في العشر الأوسط من المحرم ثم رتب العادل في حلب نوابه وصحب السلطان فوصلوا حماة وفيها نائب تقي الدين ناصر الدين منكورس بن ناصح الدين خمارتكين وهو صاحب بوقبيس وقد جمع النهضة والأمانة
ثم وصل السلطان إلى حمص وقرر أمر المجاهد أسد الدين أبي الحارث شيركوه بن ناصر الدين وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة سماه أبوه باسم جده ولقبه بلقبه وكتب له منشورا بما قرر عليه من البلاد وذلك حمص وسلمية وتدمر ووادي بني حصين والرحبة وزلبيا
وكتب منشورا آخر بإسقاط المكوس بالرحبة وفيه وهذا دأب السلطان في جميع البلاد اقتصر منها على الرسوم التي يبيحها الشرع وهي الخراج والأجور والزرع
واعتمد على الأمير الحاجب بدر الدين إبراهيم بن شروه الهكاري في ولاية قلعة حمص ثم نقله إلى قلعة حلب فبقي واليا بها ست سنين ورتبه العزيز في آخر عهد السلطان بقوص
قال ورتب السلطان مع أسد الدين بحمص أميرا من الأسدية يعرف بأرسلان بوغا فقدمه على أصحابه بتولي مصالح بابه حتى تفرد الأسد 252 بالأمر لسداده وبلغ مدى رشاده ونعت بالملك المجاهد ونهض بمحامل المحامد
قال وأقمنا بحمص حتى استعرضنا خزائن ناصر الدين وقسمنا ميراثه وكانت أخت السلطان الحسامية زوجة ناصر الدين وهي مستحقة الثمن والباقي بين البنت والابن وخلف عينا وورقا مجتمعا ومفترقا ومبلغ التراث في الملك والعين والأثاث عظم أن يقدر بمقدار وأناف على ألف ألف دينار فما أعاره السلطان طرفه بل تركه على أهل التركة
قال ولما شاع بدمشق خبر دنونا احتفل أهلها واجتمع بالمسار شملها وطلعت أعيانها ونبعت عيونها ووافت أبكارها وعونها وظهر مكنونها ومخزونها وترامت إلينا ثمراتها ومكرماتها سهولها وحزونها ودخلنا المدينة وزينة الدنيا خارجة وسكينة النعمى فارجة ودمشق كالهدي مزفوفة وبالهدى محفوفة وبالحسن موصوفة
وكان الناس قد ساءهم خبر المرض فسرهم عيان السلامة وأسهرهم الهم للإشفاق فراجعوا للشفاء كرى الكرامة وما ألذ الرجاء بعد الإبلاس والثراء غب الإفلاس والأمل عقيب الياس وأنهم ظفروا في حالة الإيحاش بالإيناس وأمنوا بمشاهدة الأنوار السلطانية حنادس الوسواس
واجتمع السلطان في القلعة بأهله وأقلع المرجف عن جهله وحسنت الأحوال وأمنت الأهوال وشاهدنا الفضل و الكرم بالمشاهدة الفاضلية الكريمة وعدنا إلى 253 عادة السعادة القديمة واجتمع السلطان به فبثه أسراره واستزال بصفو رأيه أكداره ودخل جنته وجنى ثماره وزاره مرة واستزاره وراجعه في مصالح دولته واستشاره وجلس السلطان في دار العدل لكشف المظالم وبث المكارم وإحياء المعالم وإقامة مواسم المراسم
وقال القاضي ابن شداد ولما وجد السلطان نشاطا من مرضه رحل يطلب جهة حلب وكان وصوله إليها يوم الأحد رابع عشر المحرم وكان يوما مشهودا لشدة فرح الناس بعافيته ولقائه فأقام بها أربعة أيام ثم رحل في ثامن عشره نحو دمشق فلقيه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بتل السلطان ومعه أخته وقد صحبه خدمة عظيمة وقرب زائدة ومن عليه بحمص وأقام أياما يعتبر تركة أبيه ثم سار يطلب جهة دمشق وكان دخوله إليها في ثاني ربيع الأول وكان يوما لم ير مثله فرحا وسرورا
فصل في ذكر ما استأنفه السلطان بمصر والشام من نقل الولايات بين أولاده
قال العماد وكان السلطان لملازمة أخيه العادل له قد مال إلى رأيه 254 وكان الملك الأفضل نور الدين علي بمصر وهو ولده الأكبر وقد بدأ يظهر وعلى تجويد الخط والأدب وسماع الأحاديث النبوية يتوفر وقد مالت إليه بمصر جماعة وله منهم طاعة وربما نقم تقي الدين النائب هناك من أحد أمرا فوقعت منه فيه شفاعة فكتب يشكو من اختلال أمره واشتغال سره وكان في نفس السلطان أن ينقل ولده الملك العزيز عثمان إلى مصر ليكون عزيزها وليحرز مملكتها ويحوزها وهو مفكر في طريق تدبيره ووجه تقريره حتى بدا له نقل الأفضل إلى الشام فكتب إليه يتشوقه ويستدعيه بجميع أهله وجماعته ووالدته وحشمه وأصحابه فخرج ووصل دمشق يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الأولى وخرج السلطان لاستقباله وأنزله بالقلعة في دار رضوان وكتب إلى تقي الدين أنه قد استقل أمره وزال عذره
فابتهج بتفرده وخفي عنه أنه كان في ذمة ولد السلطان وعصمته وأن تمام حرمته بحرمته
قال ولما وصلنا إلى دمشق كان بها من أولاد السلطان الملك الظاهر غازي غياث الدين فزاره عمه العادل وهو صهره وقد اشتد بمصاهرته ظهره فقال له قد نزلت عن حلب لك وأنا قانع من أخي بإقطاع أين كان وألزم الخدمة ولا أفارق السلطان فاطلبها من أبيك إن كانت ترضيك
وجاء إلى السلطان وقال هذه حلب مع رغبتي فيها ومحبتي لتوليها أرى أن أحد أولادك بها أحق وهذا ولدنا الملك الظاهر أحب أن أوثره بها
فقال السلطان المهم الآن تدبير أمر ولدي الملك العزيز فإن مصر لا بد أن يكون لي بها ولد أعتمد عليه وأسند ملكها إليه
ورحل إلى الزرقاء 255 ومعه ولداه العزيز والظاهر وأخوه العادل فالتمس العادل عوض حلب بلادا عينها ونواحي بمصر بينها
وكان قد مال الملك العزيز إليه لإشفاقه عليه فسأل أباه أن يسير معه العادل فإنه نعم الكافي الكافل فأعطاه السلطان بمصر البلاد المعروفة بالشرقية واعتمد عليه في نيابته في سائر الممالك المصرية
ولما سمع تقي الدين هذا الخبر نبا ونفر وذم الغير واستبدل من الصفو الكدر وغار من تغير الرأي فيه وإذا تولى أبو بكر فلا عمر
فعبر إلى الجيزة مظهرا أنه يمضي إلى بلاد المغرب ليملكها وكتب وسأل السلطان أن لا يمنعه من سلوك مسلكها وسمت همته إلى مملكة جديدة وأقاليم ذات ظلال مديدة وبلاد واسعة ومدن شاسعة
وقد كان أحد مماليكه المعروف بقراقوش قد جمع من قبل الجيوش وسار إلى بلاد برقة فملكها وهدته الأمنية إلى النفائس من بلاد نفوسة فأدركها وتجاوز إلى إفريقية وهو يكتب أبدا إلى مالكه الملك المظفر يرغبه في تلك المملكة ويقول إن البلاد سائبة
فلما تجدد لتقي الدين ما تجدد وتمهد لعمه العادل ما تمهد عاد له ذكر المغرب فعبر بعسكره ومالت إليه عساكر مصر لبذله وقدم مملوكه يوزبا في المقدمة
فلما انتهى إلى السلطان خبر عزمه قال لعمري إن فتح المغرب مهم لكن فتح البيت المقدس أهم والفائدة به أتم والمصلحة منه أخص وأعم وإذا توجه تقي الدين واستصحب معه رجالنا المعروفة ذهب العمر 256 في اقتناء الرجال وإذا فتحنا القدس والساحل طوينا إلى تلك الممالك المراحل
وعلم لجاج تقي الدين في ركوب تلك اللجة فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه وجهز ولده العزيز إلى مصر وقرر له قوص وأعمالها وسار ومعه عمه العادل فدخلا القاهرة في خامس شهر رمضان
وأما الملك الظاهر فسيره السلطان إلى حلب وأنعم عليه بها وبسائر قلاعها وأقاليمها وندب معه الحاجب شجاع الدين عيسى بن بلاشو وعاد السلطان ومعه الأفضل
وقدم تقي الدين في آخر شعبان وتلقاه السلطان وخيم على المصري فوق قصر أم حكيم فلما قرب ركب إلى موكبه ورحب به ودخل دمشق وعاد إلى ما كان له من البلاد حماة ومنبج والمعرة وسائر أعمالها ثم أضاف إليه ميافارقين وجميع ما في ذلك الإقليم من المعاقل وكتب إلى مصر باستدعاء رجاله وإعلامهم بتأخير عزم المغرب بل إبطاله
فامتثلوا الأمر وفارقوا إلى الشام مصر سوى مملوكه زين الدين يوزبا فإنه رتب له عسكرا إلى المغرب فمضى واستصحبه وغلب على بلاد إفريقية ثم قصده صاحب المغرب فأخذه مأسورا ثم أغزاه مع الغز في ثغر من الثغور فألفاه مشهورا مشكورا فقدمه عليهم 257
قلت وكتب الفاضل إلى تقي الدين سبب هذه الخدمة ما اتصل بالمملوك من تردد رسائل مولانا في التماس السفر إلى المغرب والدستور إليه
( يكفي الزمان فمالنا نستعجل
)
يا مولانا ما هذا الواقع الذي وقع وما هذا الغريم من الهم الذي ما اندفع بالأمس ما كان لكم من الدنيا إلا البلغة واليوم قد وهب الله هذه النعمة وقد كان الشمل مجموعا والهم مقطوعا ممنوعا أفتصبح الآن الدنيا ضيقة علينا وقد وسعت والأسباب بنا مقطوعة ولا والله ما انقطعت يا مولانا إلى أين وما الغاية وهل نحن في ضائقة من عيش أو في قلة من عدد أو في عدم من بلاد أو في شكوى من عدم كيف نختار على الله وقد اختار لنا وكيف ندبر لأنفسنا وهو دبر لنا وكيف ننتجع الجدب ونحن في دار الخصب وكيف نعدل إلى حرب الإسلام المنهي عنها ونحن في المدعو إليها من حزب أهل الحرب معاشر الخدام والجلساء وأرباب العقول والآراء ( ( تعقب الرأي وانظر في أواخره
فطالما اتهمت قدما أوائله )>
أليس منكم رجل رشيد )
( تعقب الرأي وانظر في أواخره
فطالما اتهمت قدما أوائله )
لا زال مولانا يمضي الآراء صائبة ويلحظها بادية وعاقبة ولا خلت منه دار إن خلت فهيهات أن تعمر ولا عدمته أيام إن لم تطلع فيها شمس وجهه دخلت في عداد الليالي فلم تذكر 258
وقال القاضي ابن شداد وفي سابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وصل الملك الأفضل إلى دمشق ولم يكن رأى الشام قبل ذلك وكان السلطان رأى رواح الملك العادل إلى مصر فإنه كان آنس بأحوالها من الملك المظفر فما زال يفاوضه في ذلك وهو على حران مريض وحصل ذلك في نفس العادل فإنه كان يحب الديار المصرية
فلما عاد السلطان إلى دمشق ومن الله بعافيته سير يطلب العادل إلى دمشق فخرج من حلب جريدة وأقام بدمشق في خدمة السلطان يجري بينهما أحاديث ومراجعات في قواعد تقرر إلى جمادى الآخرة فاستقر عود العادل إلى مصر ويسلم بلاد حلب إلى الملك الظاهر وسلم السلطان إليه ولده الملك العزيز وجعله أتابكه
قال ولقد قال لي الملك العادل لما استقرت هذه القاعدة اجتمعت بخدمة الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما وقلت للعزيز اعلم يا مولاي أن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر وأنا أعلم أن المفسدين كثير وغدا فما يخلو ممن يقول عني ما لا يجوز ويخوفك مني فإن كان لك عزم تسمع فقل لي حتى لا أجيء
فقال لا أسمع وكيف يكون ذلك ثم التفت وقلت للملك الظاهر أنا أعرف أن أخاك ربما سمع في أقوال المفسدين وأنا فمالي إلا أنت وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدري من جانبه
فقال مبارك
وذكر كل خير
ثم إن السلطان سير ولده الظاهر إلى حلب وأعادها إليه وكان رحمه الله يعلم أن حلب هي أصل الملك وجرثومته وقاعدته ولهذا داب 259 في طلبها ذلك الدأب ولما حصلت أعرض عما عداها من بلاد الشرق وقنع منهم بالطاعة والمعونة على الجهاد فسلمها إليه علما منه بحذاقته وحزمه وحفظه فسار إليها حتى أتى العين المباركة وسير في خدمته شحنة حسام الدين بشارة وواليا شجاع الدين عيسى بن بلاشو ونزل يوم الجمعة بالعين المباركة وخرج الناس إلى لقائه بكرة يوم السبت تاسع جمادى الآخرة وصعد القلعة ضاحي نهاره وفرح الناس به فرحا شديدا ومد على الناس جناح عدله وأفاض عليهم وابل فضله
وأما الملك العزيز والعادل فإن السلطان قرر حالهما وكتب إلى الملك المظفر يخبره بمسيرهما إلى مصر ويأمره بالوصول إلى الشام
فشق ذلك عليه حتى ظهر للناس وعزم على المسير إلى ديار الغرب إلى برقة فقبح ذلك عليه جماعة من أكابر الدولة وعرفوه أن عمه السلطان يخرج من يده في الحال والله يعلم ما يكون منه بعد ذلك فرأى الحق يعين البصيرة وأجاب بالسمع والطاعة وسلم البلاد ورحل واصلا إلى خدمة السلطان فسار السلطان إلى لقائه فلقيه بمرج الصفر وفرح بوصوله فرحا شديدا وذلك في الثالث والعشرين من شعبان وأعطاه حماة وسار إليها و كان عقد بين الظاهر وبعض بنات العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان ودخل الملك الأفضل على زوجته بنت ناصر الدين محمد بن شيركوه في شوال من هذه السنة
ومن كتاب فاضلي إلى السلطان الملك العادل والملك المظفر 260 المذكوران ما هما أخ ولا ابن أخ بل هما ولدان لا يعرفان إلا المولى والدا ومنعما وكل واحد منهما له عش كثير الفراخ وبيت كرقعة الشطرنج فيه صغار وكبار كالبياذق والرخاخ فلا يقنع كل واحد منهما إلا طرف يملكه وإقليم ينفرد به فيدبر مولانا في ذلك بما يقتضيه صدره الواسع وجوده الذي ما نظر مثله الناظر ولا سمع السامع ولا ينس قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرو القرابة أن يتزاوروا ولا يتجاوروا
وما على مولانا عجلة في تدبير يدبره ولا في أمر يبته
وستبدي لك الأيام ما كنت عارفا وفي غد ما ليس في اليوم ولله أقدار ولها أمد وقد رزق الله مولانا ذرية تود لو قدمت أنفسها بين يديه ولو اكتحلت أجفانها بغبار قدميه ما فيها من يشتكى منه إلا التزيد في الطلب وهو من باب الثقة بكرم المنعم ولهم أولاد والمولى مد الآمال لهم كما قال مولى الأمة لها تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم طالما قال لهم المولى لدوا وعلي تجهيز الإناث وغنى الذكور وسواء على أفق هذا البيت طلوع الشموس والبدور
قال العماد ومدحت تقي الدين بقصيدة سينية سنية قطوفها دانية جنية تشتمل على مئة وأربعين بيتا أنشدته إياها في ثالث شهر رمضان من هذه السنة بدمشق وأوردت بعضها ومطلعها 261
( عفا الله عن ذوي الشوق نفسوا
فقد تلفت منا قلوب وأنفس )
ومنها
( ألم تعلموا أني من الشوق موسر
ألم تعلموا أني من الصبر مفلس )
( ظننتم بعيني أنها تألف الكرى
فهلا بعثتم طيفكم يتجسس )
( وليس لقلبي في السرور تصرف
فقلبي على الأحزان وقف محبس ) ومنها
( لفتك محبيه تيقظ طرفه
وتحسبه من سقم عينيه ينعس )
( له ناظر عند الخلاف مناظر
يقول دليل الدل عندي أقيس )
( إذا درست ألحاظه السحر أصبحت
رسوم اصطباري حين تدرس تدرس )
( ولم أنس أنسي بالحمى رعي الحمى
عشية لي مجنى ومجلى ومجلس )
( لحا الله أبناء الزمان فكلهم
صحيفته أودى بها المتلمس )
( ولولا ابتسامات المظفر بالندى
لما راق نفسي صبحه المتنفس )
( جلت شمس لقياه الحنادس بعدما
عرتنا وهل يبقى مع الشمس حندس )
( وصار به هذا الزمان جميعه
نهارا فما للناس ليل معسعس )
( إذا صال فالمغلول ألف مدرع
وإن جاد فالمبذول ألف مكيس )
( وليس بمغبون على فضل رأيه
ويغبن في الأموال منه ويبخس )
( إذا أطلق الملك المظفر في الوغى
أعنته فالشمس بالنقع تحبس )
( فداك ملوك لا يلبون داعيا
وكلهم عن دعوة الحق يخنس ) 262
( تشكى إليك الغرب جور ملوكه
فأشكيته والجور بالعدل يعكس )
( سيهدى إلى المهدية النصر والهدى
بهديكم فيها وتونس تؤنس )
( رددت كراديس الفرنج وكلهم
لدى الأسر في غل الصغار مكردس )
( وبيضت وجه الدين يوم لقيتهم
وأبيضكم من أسود القصر أشوس )
( أفاد دم الأنجاس طهر سيوفكم
وما تستفيد الطهر لولا التنجس )
( شموس ظبى تغدو لها الهام سجدا
فلله نصرانية تتمجس )
( وكم كفي الإسلام سوءا بملككم
كفيتم على رغم المعادين كل سو )
( ولا يفتح البيت المقدس غيركم
وبيتكم من كل عاب مقدس )
( لهم كل يوم في جهاد مثلث
إذا نصروا التوحيد فيء مخمس )
( إذا ما تقي الدين صال تساقطت
لأقدامه من عصبة الشرك أرؤس )
( وما عمر إلا شبيه سميه
شديد على اللأواء ثبت عمرس )
فصل في باقي حوادث هذه السنة
قال العماد كان المنجمون في جميع البلاد يحكمون بخراب العالم في هذه السنة في شعبان عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلدان وخوفوا من ذلك من لا وثوق له باليقين ولا إحكام له في الدين من ملوك الأعاجم والروم وأشعروهم من تأثيرات النجوم فشرعوا في حفر مغارات في التخوم وتعميق بيوت في الأسراب 263 وتوثيقها وسد منافسها على الريح وقطع طريقها ونقلوا إليها الماء والأزواد وانتقلوا إليها وانتظروا الميعاد وكلما سمعنا بأخبارهم استغربنا في الضحك من عقولهم وسلطاننا متنمر من أباطيل المنجمين موقن أن قولهم مبني على الكذب والتخمين فلما كانت الليلة التي عينها المنجمون لمثل ريح عاد وقد شارفنا الميعاد ونحن جلوس عند السلطان في فضاء واسع وناد للشموع الزاهرات جامع وما يتحرك لنا نسيم ولا لسرح الهواء في رعي منابت الأنوار مسيم وما رأينا ليلة مثلها في ركودها وركونها وهدوها وهدونها
قال ابن القادسي وحكم أصحاب النجوم أن في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة تقترن الكواكب السيارة الخمسة والشمس والقمر في برج الميزان ويؤثر ذلك هواء عظيما وخيما سموميا
وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين تهلك البلاد ويحمل الرمل ونسبوا ذلك إلى الخازمي وقالوا يكون أشد ذلك من ليلة الثلاثاء إلى نصف ليلة الأربعاء فاستعد لذلك أقوام في البلاد وجمعوا الكعك وحفروا السراديب فأهل رجب وما جرى مما قالوا شيء فخزي أهل التنجيم لذلك ولم يهب في ذلك اليوم هواء البتة وكان الزمان حارا واشتد الحر 264 في ذلك اليوم وبعده ولم يظهر مما قالوا شيء
وعمل الشعراء في ذلك شعرا يزرون عليهم في حكمهم منهم أبو الغنائم محمد بن علي بن المعلم الهرثي وفخر الدين عيسى بن مودود دزدار قلعة تكريت وأبو الفتح سبط ابن التعاويذي
قال أبو الغنائم بن المعلم
( قل لأبي الفضل قول معترف
مضى جمادى وجاءنا رجب )
( وما جرت زعزعا كما حكموا
ولا بدا كوكب له ذنب )
( كلا ولا أظلمت ذكاء ولا
أبدت أذى في قرانها الشهب )
( يقضي عليها من ليس يعلم ما
يقضى عليه هذا هو العجب )
( فارم بتقويمك الفرات والإصطرلاب
خير من صفره الخشب )
( قد بان كذب المنجمين وفي
أي مقال قالوا فما كذبوا )
( مدبر الأمر واحد ليس للسبعة
في كل حادث سبب )
( لا المشتري سالم ولا زحل
باق ولا زهرة ولا قطب )
( تبارك الله حصحص الحق وانجاب
التمادي وزالت الريب ) 265
( فليبطل المدعون ما وضعوا
في كتبهم ولتخرق الكتب )
وقال عيسى بن مودود
( مزق التقويم والزيج
فقد بان الخفاء )
( إنما التقويم والزيج
هباء وهواء )
( قلت للسبعة إبرام
ومنع وعطاء )
( ومتى ينزلن في الميزان
يستولي الهواء )
( وتثير الرمل حتى
يمتلي منه الفضاء )
( ويعم الأرض خسف
وخراب وبلاء )
( ويصير القاع كالقف
وكالطود العراء )
( وحكمتم فأبى الحاكم
إلا ما يشاء )
( ما أتى الشرع ولا جاءت
بهذا الأنبياء )
( فبقيتم ضحكة تضحك
منها العلماء )
( حسبكم خزيا وعارا
ما يقول الشعراء )
( ثم ما أطمعكم في الحكم
إلا الأمراء )
( ليت إذ لم يحسنوا في الدين
ظنا ما أساؤوا )
( فعلى اصطرلاب بطليموس
والزيج العفاء )
( وعليه الخزي ما جادت
على الأرض السماء )
ولم يذكر شعر سبط ابن التعاويذي 266
قال وفي السابع والعشرين من شوال توفي أبو محمد عبد الله بن بري بن عبد الجبار النحوي وكان آية في النحو ثقة عالما صالحا وكان مبلدا في أمر دنياه حدث عن ابن الحطاب ومرشد أبي صادق وغيرهما 267
قال العماد وفي هذه السنة جاء نعي أتابك شمس الدين محمد بن أتابك الدكز المعروف بالبهلوان وهو الذي كان نزل على خلاط في العام الماضي وكانت حياته متصلة الجد والجدا واضطربت من بعده تلك الممالك واحتربت أصفهان وإلى اليوم من سنة أربع وتسعين ما وضعت أوزارها وتولى بعده أخوه قزل أرسلان فأزال مهابة الملك السلجقي وسلك السعيد نهج الشقي إلى أن ذهب فاتضع الملك وانقطع السلك واتسع الهلك وطمعت خراسان في العراق وعدمت الإفاقة من الآفاق وأظلمت مطالع الإشراق
قال واشتغل السلطان في بقية سنة اثنتين وثمانين بدمشق بالصيد والقنص والانتهاز فيه لبوادر الفرص وكان يركب إلى تل راهط للصيد بالبزاة والشواهين مع مماليكه الخواص الميامين وله شاهين بحري كأنه بحر إذا حلق فشرار وإن أحرق فجمر فكم صاد ليوسف يعقوبا وعقر بإنجاز وعد صيده عرقوبا فطلبته من السلطان فقال أنت للقلم والدواوين فما لك وللبزاة والشواهين فقلت يكون في ملكي وكل ما يقنصه يأمر لي 268 به المولى وهذا أربح لي وأنفع وأولى
فقال نعم
فلما أصبح سير لي سبع عشرة قطعة من طير وحجل وقال هذا صيد شاهينك في طلق واحد على عجل
فملكت ذلك الشاهين خمس ست سنين والسلطان يصطاد به ولي قنصه له مطلعه ولي مخلصه فما زال لي على هذا الحق محافظا ولهذه النكتة ملاحظا إلى أن أودى الجارح وانقطعت تلك المنايح فيالله دره من سلطان لم ينس ذكر هذه القضية التي أعاد مزحها جدا واعتده لي حقا معدا فدون حقه على مثله أن يؤسف و من حقنا بعده أن نتلو (
يا أسفى على يوسف )
قال ولما دخل شهر رمضان نوع أقسام الإنعام واتفق أن بعض التجار كانت بضاعته بقايير رفيعة وما لها نفاق وهي أكثر من مئة قطعة فحملها إلى الخزانة السلطانية في بضاعات وقال خذوها واكتبوا لي بأثمانها في مصر على بعض الجهات
فاشتريت منه بما كان يرجوه من الربح
وكان من كرم شيم السلطان إذا عرف في خزانته موجودا أنه لا يستطيب تلك الليلة حتى يفرقه جودا
فقال لي قد اجتمعت لنا بقايير وعمائم وقد تقاضتني بخلعها على أهل الفضل المكارم فنبدأ بأهل الدين والتقوى ونجعل لهم أوفر حظ من الجدوى
وكان في الوافدين ومن أهل البلد وعاظ وعلماء وحفاظ فيكون كل يوم بكرة نوبة لمن يتكلم 269 على المنبر ويذكرنا بالحلال والحرام والبعث والمحشر ثم يخلع عليهم وعلى القراء
فاشتغل مدة أسبوعين بالمواعظ ووضع المنبر في إيوان القلعة فقلت بقي إحضار الفقهاء في المدة الباقية من الشهر فقال إنهم يفضي بهم الخلاف إلى التشاحن والتضاغن
فقلت أنا أضمنهم ولا يحضر إلا أوقرهم وأوزنهم
فاستدل أول يوم برهان الدين مسعود مدرس الحنفية في المدرسة المعمورة النورية واعترض عليه العماد الكاتب وفي اليوم الثاني استدل أكبر مشايخ الحنفية بدر الدين عسكر واعترض عليه قاضي القضاة محيي الدين بن الزكي فكان السلطان يجلس في كل يوم لطائفة فلما دنا العيد أمر بابتياع العمائم وغيرها وصرفها إليهم
قال القاضي ابن شداد وفي شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين وقعت وقعات كثيرة بين التركمان والأكراد بأرض نصيبين وغيرها وقتل من الفئتين خلق عظيم
وبلغ السلطان أن معين الدين بن معين الدين قد عصى بالراوندان فكتب إلى عسكر حلب أن حاصروه
وكان نزولهم عليه في العشر الأول من سنة اثنتين وثمانين وأعطى برج الرصاص لتميرك في 270 بقية ذلك الشهر وفي ثامن جمادى الأولى وصل معين الدين من الراوندان وقد سلمها إلى علم الدين سليمان ثم مضى إلى خدمة السلطان
قال ابن القادسي وقدم الحاج في عاشر صفر فأخبروا أن سيف الإسلام أخا صلاح الدين ملك مكة وضرب الدنانير فيها باسم أخيه ومنع من قولهم حي على خير العمل وشرط على العبيد أن لا يؤذوا الحاج
وأخبر الحاج أن قفل باب الكعبة تعسر حتى فتح ولما فتح مات في الدوسة أربعة وثلاثون شخصا من بين رجل وامرأة
قال ووصل الخبر أن ريحا هبت بالبصرة فكسرت نخيلا كثيرا وماتت بهائم كثيرة ووصل الخبر إلى بغداد بقتل البهلوان وأن القتال وقع هناك وأحرقت المحال ونهبت الأموال واقتتل أهل المذاهب واحترقت مدارس وبقي الأمر على ذلك من سابع محرم إلى ربيع الآخر فأحصوا من القتلى أربعة آلاف رجل وسبع عشرة امرأة بعد أن أحترق أطفال في المهود بالليل وقام قزل أخو البهلوان فكف الناس وكان قزل قد رتب شحنة في أصفهان بعد الفتنة التي وقعت بها ومعه ألف فارس فما زال يهذب البلد والرساتيق بالقتل والصلب وصادرهم وأشير على قزل بأن يلزم أهل البلد سبعين ألف دينار فقال له الشحنة أهل البلد فقراء
فقال بعض المصالحة لقزل ما نأخذ إلا من الأغنياء
فوثب عيار فقتل المصلحي وكان العيار متعلقا على قاضي البلد فوكل الشحنة بدار القاضي فجاء ابن الخجندي إلى دار القاضي فحسن له إخراج الموكلين بها وتحالفا على إخراج الشحنة من البلد وأن يقطعوا خطبة السلطان الذي نصبه قزل
ففعل ذلك 271 في سابع شوال ثم كثر القتل في البلد فكل من في قلبه على أحد شر وثب عليه فقتله من رجل أو امرأة وكان القتل الكثير في أصحاب ابن الخجندي وكان الحريق والنهب وإحراق الدور في أصحاب القاضي وجرى القتال يوم عرفة ويوم العيد ودام وبطل الناس من المعايش وخربت الأسواق ووقع الغلاء ومات الناس من الجوع وبقي أهل أصفهان على قدم الخوف وأخذت ثياب الناس فلا يتجاسر أحد أن يلبس ثوبا جديدا والعيارون يأخذون أموال الناس مقاواة وهرب الناس من أصفهان
فصل
قال العماد مما قدره الله تعالى من أسباب نصرة الإسلام ووهن الكفر أن قومص طرابلس رغب في مصافاة السلطان والالتجاء إليه والمساعدة له على أهل ملته بسبب أنه كان تزوج بالقومصية صاحبة طبرية وكان أخوها الملك المجذوم لما هلك أوصى بالملك لابن أخته هذه وهو صغير فتزوج القومص أمه ورباه فمات الصغير وانتقل الملك إلى 272
أمه ثم إنها مدت عينها إلى بعض المقدمين من الغرب فتزوجته وفوضت الملك إليه فشرع يطلب حساب البلاد من القومص فوقع الاختلاف بينهم لذلك فالتجأ القومص إلى ظل السلطان فصار له من جملة الأتباع فقبله السلطان وقواه وشد عضده بإطلاق من كان في الأسر من أصحابه فقويت مناصحته للمسلمين حتى كاد لولا خوف أهل ملته يسلم وصار بدولة السلطان وملكه يقسم ومال إليه من الفرنج جماعة وظهرت له منهم للطماعية طاعة و دخلت إلى بلادهم من جانبه السرايا وخرجت بالغنائم والسبايا وأعطى الدنية في دينه بما استدناه من العطايا فصار الفرنج يدفعون شره ويحذرون مكره فتارة يدارونه وآونة يمارونه وللقومص قوم صدق يساعدونه في كل حق وباطل فبلي منهم أهل الساحل بشغل شاغل وهذا الملك المجذوم هو ابن الملك أماري بن فلك وهو مري الذي تقدم ذكره وتوفي أماري في آخر سنة تسع وستين سنة مات نور الدين رحمه الله تعالى وخلف الملعون هذا الولد المجذوم فبقي 273 بينهم زهاء عشر سنين ملكا مطاعا فلما حضره الموت أوصى لابن أخته بالملك
قال وكان إبرنس الكرك أرناط أغدر الفرنجية وأخبثها وأفحصها عن الردى والرداءة وأبحثها وأنقضها للمواثيق المحكمة والأيمان المبرمة وأنكثها وأحنثها ومعه شرذمة لها شر ذمة وهي من شر أمة وهم على طريق الحجاز ومن نهج الحج على المجاز وكنا في كل سنة نغزوه وبالبوائق نعروه ويصيبه منا المكروه فأظهر أنه على الهدنة وجنح للسلم وأخذ الأمان لبلده وأهله وقومه وروحه وبقي الأمن له شاملا والقفل من مصر في طريق بلده متواصلا وهو يمكس الجائي والذاهب حتى لاحت له فرصة في الغدر فقطع الطريق وأخاف السبيل ووقع في قافلة ثقيلة معها نعم جليلة فأخذها بأسرها وكان معها جماعة من الأجناد فأوقعهم في الشرك وحملهم إلى الكرك وأخذ خيلهم والعدة وسامهم الشد والشدة فأرسلنا إليه وذممنا فعاله وقبحنا احتياله واغتياله فأبى إلا الإصرار والإضرار فنذر السلطان دمه ووفى في إراقة دمه بما التزمه وذلك في السنة الآتية كما سيأتي إن شاء الله تعالى وأقام السلطان بدمشق بقية هذه السنة وهو في الاستعداد للجهاد وقد أرسل في طلب العساكر من البلاد المشرقية والمصرية فانتظمت أموره على أحسن قضية 274
ومن كتاب فاضلي إلى بعض إخوانه كتبت هذه المكاتبة من جسر الخشب ظاهر دمشق وقد ورد السلطان أعز الله أنصاره للغزاة إلى بلاد الكفر في عسكر فيه عساكر وفي جمع البادي فيه كأنه حاضر وفي حشد يتجاوز أن يحصله الناظر إلى أن لا يحصله الخاطر وقد نهضت به همة لا يرجى غير الله لإنهاضها ونجحت به عزمة الله المسؤول في حسم عوارض اعتراضها وباع الله نفسا يستمتع أهل الإسلام بهيئتها ويذهب الله الشرك بهيبتها وأرجو أن يتمخض عن زبدة تستريح الأيدي بعدها عن المخض وأن يكون الله قد بعث سفتجة نصرة الإسلام وسلطانه قد نهض للقبض
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة
وهي سنة كسرة حطين وفتح الساحل والأرض المقدسة للمسلمين
قال العماد في كتاب البرق وهي السنة الحسنة المحسنة والزمان الذي تقضت على انتظار إحسانه الأزمنة وطهر فيه المكان المقدس الذي سلمت بسلامته الأمكنة وخلصت بمنحة الله من المحنة الأرض المقدسة الممتحنة وكفى الله شر الشرك وحكم على دماء الكفرة بالسفك ونصرت الدولة الناصرية وخذلت الملة النصرانية وانتقم التوحيد من التثليث وشاع في الدنيا بمحاسن الأيام الصلاحية حسن الأحاديث 275
ثم ذكر في كتابي الفتح والبرق ما جملته أن قال فبرز السلطان من دمشق يوم السبت أول المحرم في العسكر العرمرم ومضى بأهل الجنة لجهاد أهل جهنم فلما وصل إلى رأس الماء أمر ولده الملك الأفضل بالإقامة هناك ليستدني إليه الأمراء الواصلين والأملاك ويجمع الأعراب والأعاجم والأتراك وسار السلطان إلى بصرى وخيم على قصر السلامة وأقام على ارتقاب اقتراب الحجاج وكان فيهم حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين ووالدته أخت السلطان مع جماعة من الخواص وقد تقدم ذكر غدر إبرنس الكرك وهو على طريقي العسكر المصري والحجاج
ووصل الحاج في آخر صفر وخلا سر السلطان من شغلهم ثم سار ونزل على الكرك وأخاف أهله وأخذ ما كان حوله ورعى زرعهم وقطع أشجارهم وكرمهم ثم سار إلى الشوبك وفعل به مثل ذلك ووصل عسكر مصر فتلقاه بالقريتين وفرقه على أعمال القلعتين وأقام على هذه الحالة في ذلك الجانب شهرين والملك الأفضل ولده مقيم برأس الماء في جمع عظيم من العظماء وعنده الجحافل الحافلة والحواصل الحاصلة والعساكر الكاسرة والقساور القاسرة وهو ينتظر أمرا من أبيه ويكتب إليه ويقتضيه وانقضى من السنة شهران وطال بهم انتظار السلطان فأنهض منهم سرية سرية وأمرها بالغارة على أعمال طبرية ورتب على خيل الجزيرة ومن جاء من الشرق وديار بكر مظفر الدين كوكبري صاحب حران وعلى عسكر حلب والبلاد الشامية بدر الدين دلدرم بن ياروق وعلى عسكر 276 دمشق وبلادها صارم الدين قايماز النجمي فساروا مدججين وسروا مدلجين وصبحوا صفورية وساء صباح المنذرين فخرج إليهم الفرنج في حشدهم فآتاهم الله النصر الهني والظفر السني وشفوا منهم حنين الحنايا وأدركوا فيهم منى المنايا وفازوا وظفروا وقتلوا وأسروا وهلك مقدم الإسبتار وحصل جماعة من فرسانهم في قبضة الإسار وأفلت مقدم الداوية وله حصاص ووقع الباقون ولم يكن لهم من الهلاك خلاص وعادوا سالمين سالبين غانمين غالبين فكانت هذه النوبة باكورة البركات ومقدمة ما بعدها من ميامن الحركات
وجاءتنا البشرى ونحن في نواحي الكرك والشوبك فسار السلطان ووصل السير بالسرى وخيم بعشترا والقدر يقول له تعيش وترى
وقد غصت بخيل الله الوهاد والذرى وامتد العسكر فراسخ عرضا وطولا وملأ بالملأ حزونا وسهولا وما رأيت عسكرا أبرك منه ولا أكبر ولا أكرث للكفر ولا أكثر وكان يوم عرضه مذكرا بيوم العرض وما شاهده إلا من تلا (
ولله جنود السموات والأرض ) وعرض العسكر في اثني عشر ألف مدجج في ليل العجاج مدلج ولما تم العرض وحم الفرض وسالت بأفلاك السماء الأرض وتعين الجهاد وتبين الاجتهاد ثم رتب السلطان العسكر أطلابا وحزبه أحزابا وسار يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر عازما على دخول الساحل فأناخ ليلة السبت على خسفين ثم سار في الأردن إلى ثغر الأقحوانة وأقام هناك 277 خمسة أيام وقد عين مواقف الأمراء وشعارهم وأحاط ببحيرة طبرية بحره المحيط وضاق ببسائط خيامه ذلك البسيط
ولما سمع الفرنج باجتماع كلمة الإسلام عليهم وسير تلك العساكر إليهم علموا أنه قد جاءهم ما لا عهد لهم بمثله وأن الإيمان كله قد برز إلى الشرك كله فاجتمعوا واصطلحوا وحشدوا وجمعوا وانتخوا ودخل القومص معهم بعد أن دخل عليه الملك ورمى بنفسه عليه وصفوا راياتهم بصفورية ولووا الألوية وحشدوا الفارس والراجل والرامح والنابل ورفعوا صليب الصلبوت فاجتمع إليه عباد الطاغوت وضلال الناسوت واللاهوت ونادوا في نوادي أهل أقاليم أهل الأقانيم وصلبوا للصليب الأعظم بالتعظيم وما عصاهم من له عصا وخرجوا عن العد والإحصا وكانوا عدد الحصى وصاروا في زهاء خمسين ألفا ويزيدون ويكيدون ما يكيدون قد توافوا على صعيد ووافوا من قريب وبعيد وهم هناك مقيمون لا يريمون والسلطان في كل صباح يسير إليهم ويشرف عليهم ويراميهم وينكي فيهم ويتعرض لهم ليتعرضوا له ويردوا عن رقابهم سيوفه وعن شعابهم سيوله فربضوا ما نبضوا وقعدوا وما نهضوا فلو برزوا للمصاف لطالت عليهم يد الانتصاف
فلما رأى السلطان أنهم لا يبرحون ومن قرب صفورية ولا ينزحون أمر أمراءه أن يقيموا في مقابلتهم ويدوموا على عزم مقاتلتهم ونزل هو في خواصه العبسية على 278 مدينة طبرية وعلم أنهم إذا علموا بنزوله عليها بادروا للوصول إليها فحينئذ يتمكن من قتالهم ويجهد في استئصالهم ثم أحضر الجاندارية والنقابين والخراسانية والحجارين وأطاف بسورها وشرع في تخريب معمورها وأخذ النقابون النقب في برج فهدوه وهدموه وتسلقوا فيه وتسلموه ودخل الليل وصباح الفتح مسفر وليل الويل على العدو معتكر وامتنعت القلعة بمن فيها من القومصية صاحبة طبرية وبنيها
ولما سمع القومص بفتح طبرية وأخذ بلده سقط في يده وخرج عن جلد جلده وسمح للفرنج بسبده ولبده وقال لهم لا قعود بعد اليوم ولا بد لنا من لقاء القوم وإذا أخذت طبرية أخذت البلاد وذهبت الطراف والتلاد وما بقي لي صبر وما بعد هذا الكسر من جبر
وكان الملك قد حالفه فما خالفه ووافقه فما نافقه ورحل بجمعه وأتباعه وشياطينه وأشياعه فمادت الأرض بحركته وغامت السماء من غبرته ووصل الخبر بأن الفرنج ركبوا ووثبوا ففرح السلطان وقال جاءنا ما نريد ونحن أولوا بأس شديد وإذا صحت كسرتهم فطبرية وجميع الساحل ما دونه مانع ولا عن فتحه وازع 279
واستخار الله تعالى وسار وعدم القرار وذلك يوم الخميس ثالث عشري ربيع الآخر والفرنج سائرون إلى طبرية بقضهم وقضيضهم وهم كالجبال السائرة والبحار الزاخرة أمواجها ملتطمة وأفواجها مزدحمة فرتب السلطان في مقابلتهم أطلابه وحصل بعسكره قدامهم وحجز بينهم وبين الماء واليوم قيظ وللقوم غيظ وحجز الليل بين الفريقين وحجرت الخيل على الطريقين وهيئت دركات النيران وهنئت درجات الجنان وانتظر مالك واستبشر رضوان فهي ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل فيها الملائكة والروح وفي سحرها نشر الظفر يفوح وفي صباحها الفتوح فما أبهجنا بتلك الليلة الفاخرة فقد كنا ممن قال الله تعالى فيهم (
فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) وبتنا والجنة معروضة والسنة مفروضة والكوثر واقفة سقاته والخلد قاطفة جناته والسلسبيل واضح سبيله والإقبال ظاهر قبيله والظهور قائم دليله والله ناصر الإسلام ومديله
وسهر السلطان تلك الليلة حتى عين الجاليشية من كل طلب وملأ جعابها وكنائنها بالنبال وكان ما فرقه من النشاب أربع مئة حمل ووقف سبعين جمازة في حومة الوغى يأخذ منها من خلت جعابه وفرغ نشابه حتى إذا أسفر الصباح خرج الجاليشية تحرق بنيران النصال أهل النار ورنت القسي وغنت الأوتار ذاك واليوم ذاك والجيش شاك وللقيظ عليهم فيض وما للغيظ منهم غيض وقد وقد الحر واستشرى الشر ووقع 280 الكر والفر والسراب طافح والظمأ لافح والجو محرق والجوى مقلق ولأولئك الكلاب من اللهب لهث وبالغيث عبث وفي ظنهم أنهم يردون الماء فاستقبلتهم جهنم بشرارها واستظهرت عليهم الظهيرة بنارها وذلك في يوم الجمعة بجموع أهلها المجتمعة ووراء عسكرنا بحيرة طبرية والورد عد وما منه بعد
وقد قطعت على الفرنج طريق الورود وبلوا من العطش بالنار ذات الوقود فوقفوا صابرين مصابرين مكابرين مضابرين فكلبوا على ضراوتهم وشربوا ما في إداوتهم وشفهوا ما حولهم من موارد المصانع واستنزفوا حتى ماء المدامع وأشرفوا على المصير إلى المصارع ودخل الليل وسكن السيل وباتوا حيارى ومن العطش سكارى وهم على شعف البحيرة بحيرة وقووا أنفسهم على الشدة واستعدوا بالعزائم المحتدة وقالوا غدا نصب عليهم ماء المواضي ونقاضيهم إلى القواضب القواضي فأحدوا عزم البلاء وطلبوا البقاء بالتورط في الفناء
وأما عسكرنا فإنها اجترأت ومن كل ما يعوقها برئت فهذا لسنانه شاحذ وهذا لعنانه آخذ وهذا سهم مفوق وهذا شهم موفق وهذا مكثر للتكبير ومنتظر للتبكير وهذا ناج للسعادة وهذا راج للشهادة فيالله تلك من ليلة حراسها الملائكة ومن سحرة أنفاسها ألطاف الله المتداركة 281 والسلطان رحمه الله قد وثق بنصر الله فهو يمضي بنفسه على الصفوف ويحضهم ويعدهم من الله بنصره المألوف ويغري المئين بالألوف وهم بمشاهدته إياهم يجيدون ويجدون ويصدون العدو ويردون
وكان للسلطان مملوك اسمه منكورس حمل في أول الناس وكان حصانه قوي الراس فأبعد عن إخوانه ولم يتابعه أحد من أقرانه فانفرد به الفرنج فأثبت في مستنقع الموت رجله وقاتل إلى أن بلغوا قتله فلما أخذوا رأسه ظنوا أنه أحد أولاد السلطان وانتقل الشهيد إلى جوار الرحمن
ولما شاهد المسلمون استشهاده وجلده وجلاده حميت حميتهم وخلصت لله نيتهم وأصبح الجيش على تعبئته والنصر على تلبيته وذلك يوم السبت الخامس والعشرين من ربيع الآخر وهو يوم النصرة ووقوع الكسرة وبرح بالفرنج العطش وأبت عثرتها تنتعش وكان النسيم من أمامها والحشيش تحت أقدامها فرمى بعض مطوعة المجاهدين النار في الحشيش فتأجج عليهم استعارها وتوهج أوارها فبلوا وهم أهل التثليث من الدنيا بثلاثة الأقسام في الاصطلاء والاصطلام نار الضرام ونار الأوام ونار السهام فرجا الفرنج فرجا وطلب طلبهم المحرج مخرجا فكلما خرجوا جرحوا وبرح بهم حر الحرب فما برحوا وهم ظماء وما لهم ماء سوى ما بأيديهم من ماء الفرند ماء فشوتهم نار السهام وأشوتهم وصممت عليهم قلوب القسي القاسية وأصمتهم وأعجزوا وأزعجوا وأحرجوا وأخرجوا وكلما حملوا ردوا وأردوا وكلما ساروا وشدوا أسروا 282 وشدوا وما ذبت منهم نملة ولا ذبت عنهم حملة واضطرموا واضطربوا والتهفوا والتهبوا وناشبهم النشاب فعادت أسودهم قنافذ وضايقتهم السهام فوسعت فيهم الخرق النافذ فآووا إلى جبل حطين يعصمهم من طوفان الدمار فأحاطت بحطين بوارق البوار ورشفتهم الظبى وفرشتهم على الربى ورشقتهم الحنايا وقشرتهم المنايا وقرشتهم البلايا ورقشتهم الرزايا
ولما أحس القومص بالكسرة حسر عن ذراع الحسرة واقتال من العزيمة واحتال في الهزيمة وكان ذلك قبل اضطراب الجمع واضطرام الجمر فخرج بطلبه يطلب الخروج واعوج إلى الوادي وما ود أن يعوج ومضى كومض البرق ووسع خطى خرقه قبل اتساع الخرق وأفلت في عدة معدودة ولم يلتفت إلى ردة مردودة وكان قال لأصحابه أنا أسبق بالحملة وأفصلهم من الجملة
فاجتمع هو ومؤازروه وجماعة من المقدمين هم مضافروه وصحبه صاحب صيدا وباليان بن بارزان وتآمروا على أنهم يحملون ويبلغون الطعان
فحمل القومص ومن معه على الجانب الذي فيه الملك المظفر تقي الدين وهو مؤيد من الله بالتوفيق والتمكين ففتح لهم طريقا ورمى من أتباعهم فريقا فمضوا على رؤوسهم ونجوا بنفوسهم
ولما عرف الفرنج أن القومص أخذ بالعزيمة ونفذ في الهزيمة وهنوا وهانوا ثم اشتدوا وما لانوا وثبتوا على ما كانوا واستقبلوا واستقتلوا واستلحموا وحملوا ووقعنا عليهم وقوع النار في 283 الحلفاء وصببنا ماء الحديد للإطفاء فزاد في الإذكاء فحطوا خيامهم على غارب حطين حين رأونا بهم محيطين فأعجلناهم عن ضرب الخيام بضرب الهام ثم استحرت الحرب واشتجر الطعن والضرب وأحيط بالفرنج من حواليهم ودارت الدوائر عليهم وترجوا خيرا فترجلوا عن الخيل وجرفهم السيف جرف السيل وملك عليهم الصليب الأعظم وذاك مصابهم الأعظم
ولما شاهدوا الصليب سليبا ورقيب الردى قريبا أيقنوا بالهلاك وأثخنوا بالضرب الدراك فما برحوا يؤسرون ويقتلون ويخمدون ويخملون وللوثوب يخفون وبالجراح يثقلون ومن مصارع القتل إلى معاصر الأسر ينقلون
ووصلنا إلى مقدمهم وملكهم وإبرنسهم فتم أسر الملك وإبرنس الكرك وأخي الملك جفري وأوك صاحب جبيل وهنفري بن هنفري وابن صاحب إسكندرونة وصاحب مرقية وأسر من نجا من القتل من الداوية ومقدمها ومن الإسبتارية ومعظمها ومن البارونية ومن أخطأه البوار فأصابه وسآءه الإسار وأسر الشيطان وجنوده وملك الملك وكنوده وجبر الإسلام بكسرتهم وقتلوا وأسروا بأسرهم فمن شاهد القتلى قال ما هناك أسير ومن عاين الأسرى قال ما هناك قتيل ومذ استولى الفرنج على ساحل الشام ما شفي للمسلمين كيوم حطين غليل
فالله عز وجل سلط السلطان وأقدره على ما أعجز عنه الملوك وهداه من التوفيق لامتثال أمره وإقامة فرضه النهج المسلوك ونظم له في حتوف أعدائه والفتوح لأوليائه السلوك وخصه بهذا اليوم الأغر والنصر الأبر واليمن الأسر والنجح الأدر ولو لم يكن له إلا فضيلة هذا اليوم لكان 284 متفردا على الملوك السالفة فكيف العصر في السمو والسوم غير أن هذه النوبة المباركة كانت للفتح القدسي مقدمة ولمعاقد النصر وقواعده مبرمة محكمة
ومن عجائب هذه الوقعة وغرائب هذه الدفعة أن فارسهم ما دام فرسه سالما لم يدل للصرعة فإنه من لبسه الزردي من قرنه إلى قدمه كأنه قطعة حديد ودراك الضرب والرمي إليه غير مفيد لكن فرسه إذا هلك فرس وملك فلم يغنم من خيلهم ودوابهم وكانت ألوفا ما هو سالم وما ترجل فارس إلا والطعن والرمي لمركوبه كالم وغنمنا ما لا يحصر من بيض مكنون وزغف موضون وبلاد وحصون وسهول وحزون وابتذلنا منهم بهذا الفتح كل إقليم مصون وذلك سوى ما استبيح من مال مخزون واستخرج من كنز مدفون
وصحت هذه الكسرة وتمت هذه النصرة يوم السبت وضربت ذلة أهل السبت على أهل الأحد وكانوا أسودا فعادوا من النقد فما أفلت من تلك الآلاف إلا آحاد وما نجا من أولئك الأعداء إلا أعداد وامتلأ الملا بالأسرى والقتلى وانجلى الغبار عنهم بالنصر الذي تجلى وقيدت الأسارى في الحبال واجبة القلوب وفرشت القتلى في الوهاد والجبال واجبة الجنوب وحطت حطين تلك الجيف عن 285 متنها وطاب نشر النصر بنتنها وعبرت بها فألفيتها محل الاعتبار وشاهدت ما فعل أهل الإقبال بأهل الإدبار وعاينت أعيانهم خبرا من الأخبار ورأيت الرؤوس طائرة والنفوس بائرة والعيون غائرة والجسوم رمستها السوافي والرسوم درستها العوافي وأشلاء المشلولين في الملتقى ملقاة بالعراء عراة ممزقة بالمآزق مفصلة المفاصل مفرقة المرافق مفلقة المفارق محذوفة الرقاب مقصوفة الأصلاب مقطعة الهام موزعة الأقدام مجدوعة الآناف منزوعة الأطراف مفقوءة العيون مبعوجة البطون منصفة الأجساد مقصفة الأعضاد مقلصة الشفاه مخلصة الجباه سائلة مائلة الأعناق عديمة الأرواح هشيمة الأشباح كالأحجار بين الأحجار عبرة لأولي الأبصار
ولما أبصرت خدودهم ملصقة بالتراب وقد قطعوا آرابا تلوث قول الله تعالى (
ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) فما أطيب نفحات الظفر من ذلك الخبث وما ألهب عذبات العذاب في تلك الجثث وما أحسن عمارات القلوب بقبح ذلك الشعث وما أجزأ صلوات البشائر بوقوع ذلك الحدث هذا حساب من قتل فقد حصرت ألسنة الأمم عن حصره وعده وأما من أسر فلم تكف أطناب الخيم لقيده وشده ولقد رأيت في حبل واحد ثلاثين وأربعين يقودهم فارس وفي بقعة واحدة مئة ومئتين يحميهم حارس وهنالك العتاة عناة والعداة عراة وذوو الأسرة أسرى وأولوا الأثرة عثرى والقوامص قنائص والفوارس فرائس وغوالي الأرواح رخائص ووجوه الداوية عوابس والرؤوس تحت الأخامص فكم أصيد صيد 286 وقائد قيد وقيد وملك مملوك وهاتك مهتوك وحر في الرق ومبطل في يد المحق ولم يؤسر الملك حتى أخذ صليب الصلبوت وأهلك دونه الطاغوت وهو الذي إذا نصب وأقيم ورفع سجد له كل نصراني وركع وهم يزعمون أنه من الخشبة التي يزعمون أنه صلب عليها معبودهم وقد غلفوه بالذهب الأحمر وكللوه بالدر والجوهر وأعدوه ليوم الروع المشهود ولموسم عليهم الموعود فإذا أخرجته القسوس وحملته الرؤوس تبادروا إليه وانثالوا عليه ولا يسع أحدهم عنه التخلف ولا يسوغ للمتخلف عن اتباعه في نفسه التصرف وأخذه عندهم أعظم من أسر الملك وهو أشد مصاب لهم في ذلك المعترك فإن الصليب السليب ما له عوض ولا لهم في سواه غرض والتأله له عليهم مفترض فهو إلههم وتعفر له جباههم وتسبح له أفواههم يتغاشون عند أحضاره ويتعاشون لإبصاره ويتلاشون لإظهاره ويتغاضون إذا شاهدوه ويتواجدون إذا وجدوه ويبذلون دونه المهج ويطلبون به الفرج بل صاغوا على مثله صلبانا يعبدونها ويخشعون لها في بيوتهم ويشهدونها
فلما أخذ هذا الصليب عظم مصابهم ووهت أصلابهم وكان الجمع المكسور عظيما والموقف المنصور كريما فكأنهم لما عرفوا إخراج هذا الصليب لم يتخلف أحد عن يومهم العصيب فهلكوا قتلا وأسرا وملكوا قهرا وقسرا
ولما صح الكسر وقضي الأمر وتمكن النصر وسكن البحر ضرب السلطان في تلك الحومة دهليز السرادق وتوافت إليه حماة الحقائق ونزل السلطان وصلى للشكر وسجد وجدد الاستبشار بما وجد وأحضر 287 عنده من الأسارى الملك والبرنس وأجلس الملك بجنبه
وقال في كتاب الفتح وجلس السلطان لعرض أكابر الأسارى وهم يتهادون في القيود تهادي السكارى فقدم بداية مقدم الداوية وعدة كثيرة منهم ومن الاسبتارية وأحضر الملك كي وأخوه جفري وأوك صاحب جبيل وهنفري والإبرنس أرناط صاحب الكرك وهو أول من وقع في الشرك وكان السلطان نذر دمه وقال لأعجلن عند وجدانه عدمه
فلما حضر بين يديه أجلسه إلى جنب الملك والملك بجنبه وقرعه على غدره وذكره بذنبه وقال له كم تحلف وتحنث وتعهد وتنكث وتبرم الميثاق وتنقض وتقبل على الوفاق ثم تعرض فقال الترجمان عنه إنه يقول قد جرت بذلك عادة الملوك وما سلكت غير السنن المسلوك
وكان الملك يلهث ظمأ ويميل من سكرة الرعب منتشيا فآنسه السلطان وحاوره وفثأ سورة الوجل الذي ساوره وسكن رعبه وأمن قلبه وأمر له بماء مثلوج فشربه وأطفأ به لهبه ثم ناول الملك الإبرنس القدح فاستشفه وبرد به لهفه فقال السلطان للملك لم تأخذ في سقيه مني إذنا فلا يوجب ذلك له مني أمنا
ثم ركب وخلاهما وبنار الوهل أصلاهما ولم ينزل إلى أن ضرب سرادقه وركزت أعلامه وبيارقه وعادت إلى الحمى عن الحومة فيالقه
فلما دخل سرادقه استحضر الإبرنس فقام إليه وتلقاه بالسيف فحل عاتقه وحين صرع أمر برأسه فقطع وجر برجله قدام حين أخرج 288 فارتاع الملك وانزعج فعرف السلطان أنه خامره الفزع وساوره الهلع وسامره الجزع فاستدعاه واستدناه وأمنه وطمنه ومكنه من قربه وسكنه وقال له وذاك رداءته أردته وغدرته كما تراه غادرته وقد هلك بغيه وبغيه
ونبا زند حياته ووردها عن ريه ووريه
ثم جمع الأسارى المعروفين وسلمهم إلى والي قلعة دمشق الناصح الغيدي فقال لهم أنتم تحت قيدي
وسلمهم إلى أصحابه فتسلمتهم الأيدي وأمرهم أن يأخذوا خط الصفي بن القابض في دمشق بوصولهم ويحتاط عليهم في أغلالهم وكبولهم
فتفرق العسكر بمن ضمته أيدي السبي أيدي سبا وهادتهم الوهاد والربى
قال ولما أصبح السلطان يوم الأحد استقام على الجدد وخيم على طبرية وراسل القومصية وأخرجها من حصنها بالأمان ووفى لها وللفرسان بنيها بشروط الأمان فخرجت بمالها ورحالها ونسائها ورجالها وسارت إلى طرابلس بلد زوجها القومص بمالها وحالها
وولى طبرية قايماز النجمي
وكانت طبرية في عهد الفرنج تقاسم على نصف مغل البلاد من الصلت والبلقاء وجبل عوف والحيانية والسواد وتناصف الجولان وما يقربها إلى بلد حوران فخلصت المناصفات وصفت الصفاة وأمنت الآفات هذا والسلطان نازل ظاهر طبرية وقد طب البرية وعسكره قد طبق البرية 289
فلما أصبح يوم الاثنين بعد الفتح بيومين طلب الأسارى من الداوية والاستبارية وقال أنا أطهر الأرض من هذه الجنسين النجسين فما جرت عادتهما بالمفاداة ولا يقلعان عن المعاداة ولا يخدمان في الأسر وهما أخبث أهل الكفر
فتقدم بإحضار كل أسير داوي واسبتاري ليمضي فيه حكم السيف ورأى البقيا عليهم عين الحيف ثم علم أن كل من عنده أسير لا يسمح به وأنه يضن بعطبه فجعل لكل من يأتيه بأسير منهما من الدنانير الحمر خمسين فأتوه في الحال بمئين فأمر بإعطابهم وضرب رقابهم ومحو حسابهم وكان بحضرته جماعة من المتطوعة المتورعة والمتصونة المتصوفة والمتعممة المتصرفة ومن يمت بالزهد والمعرفة فسأل كل واحد في قتل واحد وسل سيفه وحسر عن ساعد والسلطان جالس ووجهه باشر والكفر عابس والعساكر صفوف والأمراء في السماطين وقوف فمنهم من فرى وبرى وشكر ومنهم من أبى ونبا وعذر ومنهم من يضحك منه وينوب سواه عنه وشاهدت هناك الضحوك القتال ورأيت منه القوال الفعال فكم وعد أنجزه وحمد أحرزه وأجر استدامه بدم أجراه وبر أعنق إليه بعنق براه
وسير ملك الفرنج وأخاه وهنفري وصاحب جبيل ومقدم الداوية وجميع أكابرهم المأسورين إلى دمشق ليودعوا السجون وتستبدل حركاتهم السكون وتفرقت العساكر بما حوت أيديهم من السبي وسبق بهم إلى البلاد الناس ولم يقع على عددهم القياس فكتب إلى الصفي بن القابض نائبه بدمشق أن يضرب عنق من يجد من الداوية والاسبتارية فامتثل الأمر في إزهاقهم وضرب أعناقهم فما قتل إلا من عرض عليه الإسلام 290 فأبى أن يسلم وما أسلم إلا آحاد حسن إسلامهم وتأكد بالدين غرامهم
قال العماد وما زلت أبحث عن سبب نذر السلطان إراقة دم الإبرنس حتى حدثني الأمير العزيز عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس وهو ذو البيت الكبير والحسب الجليل وكان جده صاحب إفريقية والقيروان وكانوا يتوارثون ملكه إلى قريب من هذا الزمان ذكر أن الأجل الفاضل حدثه أن السلطان لما عاد إلى دمشق من حران بعد المرضة التي صار بها كل قلب عليه حران وذلك في سنة اثنتين وثمانين وهو من عقابيل سقمه لا يفارق الأنين فقلت له ما معناه قد أيقظك الله وما يعيذك من هذا السوء سواه فانذر أنك إذا أبللت من هذا المرض تقوم بكل مالله من المفترض وأنك لا تقاتل من المسلمين أحدا أبدا وتكون في جهاد أعداء الله مجتهدا وأنك إذا نصرك الله في المعترك و ظفرت بالقومص وإبرنس الكرك تتقرب إلى الله بإراقة دمهما فما يتم وجود النصر إلا بعدمهما
فأعطاه يده على هذا النذر ونجاه الله ببركة هذا العذر من وخلصه إخلاصه في مرضاة الله فأبل من مرضته واستقل بنهضته واستقبل السنة القابلة بسنة الغزو وفريضته ثم جرى من مقدمات الجهاد ونتائجها ما جرى وخيم السلطان في جموع الإسلام بعشترا وركب يوما في عسكره وعزم على نشر القساطل وطي المراحل ودخول الساحل والقذف بالحق على الباطل فبدأ بلقاء الطلعة المباركة من الأجل الفاضل فقال له ليكن نذرك على ذكرك واستزد نعمة الله عنده بمزيد شكرك ولا تخطر غير قمع أهل الكفر بفكرك فما أنقذك الله من تلك الورطة ونعشك من تلك 291 السقطة إلا ليوفر حظك من هذه الغبطة
فتوكل على الله عازما وجاز الأردن حازما وأرعب جأش الكفر وكسر جيوشه وثل عروشه ووقع في الشرك إبرنس الكرك فوفى بضرب عنقه نذره
وأما القومص فإنه أخذ في الملتقى بالهزيمة حذره ولما وصل إلى طرابلس أخافه في مأمنه القدر وفجأة في صفوه الكدر وتسلمه مالك إلى سقر
فصل
هذا الذي تقدم من وصف كسرة حطين هو عين ما ذكره عماد الدين رحمه الله في كتابيه الفتح والبرق اختصرته منهما وهو مطول فيهما وقد وقفت على كلام لغيره في ذلك فأحببت إيراده على وجهه لما فيه من شرح ما تقدم وتقويته وربما اشتمل على زيادات من فوائد تتعلق بذلك لم يتعرض لها أو مخالفة لبعض ما ذكره
قال القاضي أبو المحاسن بن شداد لما كان المحرم سنة ثلاث وثمانين عزم السلطان على قصد الكرك فسير إلى حلب من يستحضر العسكر وبرز من دمشق في منتصف المحرم فسار حتى نزل بأرض الكرك منتظرا لاجتماع العساكر المصرية والشامية وأمر العساكر المتواصلة إليه بشن الغارة على ما في طريقهم من الساحلية ففعلوا ذلك وأقام رحمه الله بأرض الكرك حتى وصل الحاج الشامي إلى الشام وأمنوا 292 غائلة العدو
ووصل قفل مصر ومعه بنت الملك المظفر وما كان له بالديار المصرية وتأخرت عنه العساكر الحلبية بسبب اشتغالها بالفرنج بأرض أنطاكية وبلاد ابن لاون وذلك أنه كان قد مات ووصى لابن أخيه لاون بالملك وكان الملك المظفر بحماة وبلغ الخبر السلطان فأمره بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد نائرته
فوصل تقي الدين حلب ونزل في دار العفيف ابن زريق وانتقل إلى دار طمان وفي تاسع صفر خرج بعسكر حلب إلى حارم ليعلم العدو أن هذا الجانب ليس بمهمل
وعاد السلطان فوصل إلى السواد ونزل بعشترا سابع عشر ربيع الأول ولقيه ولده الأفضل ومظفر الدين وجميع العساكر وكان تقدم إلى الملك المظفر بمصالحة الجانب الحلبي مع الفرنج ليتفرغ البال مع العدو في جانب واحد فصالحهم وتوجه إلى حماة يطلب خدمة السلطان للغزاة فسارت العساكر الشرقية في خدمته وهم عسكر الموصل مقدمهم مسعود بن الزعفراني وعسكر ماردين إلى أن أتوا عشترا فلقيهم السلطان وأكرمهم
ثم عرض السلطان العساكر منتصف ربيع الآخر على تل يعرف بتل تسيل ورتبهم واندفع قاصدا إلى بلاد العدو في وسط نهار الجمعة وكان أبدا يقصد بوقعاته الجمع لا سيما أوقات صلاة الجمعة تبركا بدعاء الخطباء على المنابر فربما كانت أقرب إلى الإجابة
وبلغه أن الفرنج اجتمعوا في مرج صفورية بأرض عكا فقصد 293 نحوهم للمصاف معهم فسار ونزل على بحيرة طبرية عند قرية تسمى الصنبرة ورحل من هناك ونزل على غربي طبرية على سطح الجبل لتعبئة الحرب منتظرا أن الفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه فلم يتحركوا من منزلتهم فنزل جريدة على طبرية وترك الأطلاب على حالها قبالة وجه العدو ونازل طبرية وزحف عليها فهجمها وأخذها في ساعة من نهار وامتدت الأيدي إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل واحتمت القلعة وحدها
فرحل الفرنج وقصدوا طبرية للدفع عنها فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الفرنج فسيروا إلى السلطان من عرفه ذلك فترك على طبرية من يحفظ قلعتها ولحق العسكر هو ومن معه فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها وحال الليل بين الفئتين فباتتا على مصاف شاكين في السلاح إلى صبيحة الجمعة فركب العسكران وتصادما وذلك بأرض قرية تسمى اللوبيا ولم تزل الحرب إلى أن حال بينهم الظلام
وجرى في ذلك اليوم من الوقائع العظيمة والأمور الجسيمة ما لم يحك عمن تقدم وبات كل فريق في سلاحه ينتظر خصمه في كل ساعة وقد أقعده التعب عن النهوض حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه فطلب كل من الفريقين مقامه وعلمت كل طائفة أن المكسورة منها مدحورة الجنس معدومة النفس وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد القوم ولا ينجيهم إلا الله
وكان الله قد قدر نصره للمسلمين فيسره وأجراه على وفق ما قدره 294 فحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة الرجل الواحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين (
وكان حقا علينا نصر المؤمنين )
وكان القومص ذكي القوم وألمعيهم فرأى أمارات الخذلان قد نزلت بأهل دينه ولم يشغله ظن محاسنة جنسه عن يقينه فهرب في أوائل الأمر قبل اشتداده وأخذ طريقه نحو صور وتبعه جماعة من المسلمين فنجا وحده وأمن الإسلام كيده واحتاط أهل الإسلام بأهل والطغيان من كل جانب وانهزمت منهم طائفة فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها واحد واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين وهي قرية عنده وعندها قبر النبي شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون على التل وأشعلوا حولهم النيران وقتلهم العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من القتل فأسر مقدموهم وقتل الباقون وأسروا وكان الواحد منهم العظيم يخلد إلى الأسر خوفا على نفسه ولقد حكى لي من أثق بقوله أنه لقي بحوران شخصا واحدا ومعه طنب خيمة وفيه نيف وثلاثون أسيرا يجرهم وحده لخذلان وقع عليهم
وأما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابه ذات الجنب فأهلكه الله بها
وأما مقدمو الإسبتارية والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم 295
وأما البرنز أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إن ظفر به قتله وذلك انه كان عبر به بالشوبك قفل من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي وقال قولوا لمحمدكم يخلصكم
وبلغ ذلك السلطان فحمله الدين والحمية على أنه نذر إن ظفر به قتله فلما فتح الله عليه بالنصر والظفر جلس في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسارى وبمن وجدوه من المقدمين ونصبت الخيمة وجلس فرحا مسرورا شاكرا لما أنعم الله به عليه ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنز أرناط وناول الملك شربة من جلاب بثلج فشرب منها وكان على أشد حال من العطش ثم ناول بعضها البرنز أرناط فقال السلطان للترجمان قل للملك أنت الذي تسقيه وإلا أنا ماسقيته وكان على جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن فقصد بذلك الجري على مكارم الأخلاق ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم فمضوا وأكلوا شيئا ثم عاد واستحضرهم ولم يبق عنده أحد سوى بعض الخدم فأقعد الملك في الدهليز واستحضر البرنز أرناط وأوقفه على ما قال وقال له ها أنا أنتصر لمحمد ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل ثم سل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر وعجل الله بروحه إلى النار فأخذ ورمي على باب الخيمة فلما رآه الملك قد أخرج على تلك الصورة لم 296 يشك في أنه يثني به فاستحضره وطيب قلبه وقال لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا فإنه جاوز حده فجرى ما جرى
وبات الناس تلك الليلة على أتم سرور وأكمل حبور ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد فنزل رحمه الله على طبرية وتسلم في بقية ذلك اليوم قلعتها وأقام بها إلى يوم الثلاثاء
قلت وذكر محمد بن القادسي في تاريخه أنه ورد في هذه السنة كتب إلى بغداد في وصف هذه الوقعة منها كتاب من عبد الله بن أحمد المقدسي يقول فيه كتبت هذا الكتاب من عسقلان يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة وفيه
ولو حمدنا الله عز وجل طول أعمارنا ما وفينا بعشر معشار نعمته التي أنعم بها علينا من هذا الفتح العظيم فإنا خرجنا إلى عسكر صلاح الدين وتلاحق الأجناد حتى جاء الناس من الموصل وديار بكر وإربل فجمع صلاح الدين الأمراء وقال هذا اليوم الذي كنت أنتظره وقد جمع الله لنا العساكر وأنا رجل قد كبرت وما أدري متى أجلي فاغتنموا هذا اليوم وقاتلوا لله تعالى لا من أجلي
فاختلفوا في الجواب وكان رأي أكثرهم لقاء الكفار فعرض جنده ورتبهم وجعل تقي الدين في الميمنة ومظفر الدين في الميسرة وكان هو في القلب وجعل بقية العسكر في الجناحين ثم 297 ساروا على مراتبهم حتى نزلوا الأقحوانة فتركوا بها أثقالهم وساروا حتى نزلوا بكفر سبت فأقاموا يومين ينتظرون أن يبرز لهم الكفار وكان عسكر الكفار على صفورية فلم يبرزوا فعاد صلاح الدين حتى نزل على طبرية فتقدم فرسانه وحماته ورماته والنقابون فدخلوا حتى الحصن فلما تمكن النقب منه انهار من غير وقود نار ودخل المسلمون فانتهبوا يوم الخميس وأصبحوا في يوم الجمعة فشرعوا في نقب القلعة فلما كان وقت الصلاة جاء الخبر أن الكفار قد توجهوا إلينا فارتحل صلاح الدين على صفوفه فلقيهم ثم لم يزالوا يتقدمون حتى صار المسلمون محيطين بهم وصار قلب المسلمين خلفهم فتراموا ساعة وبات كل فريق على مصافهم ثم أصبحوا فسار الكفار يقصدون طبرية والمسلمون حولهم يلحون عليهم بالرمي فاقتلع المسلمون منهم فوارس وقتلوا خيالة ورجالة فانحاز المشركون إلى تل حطين فنزلوا عنده ونصبوا الخيام وأقام الناس حولهم إلى أن انتصف النهار وهبت الرياح فهجم المسلمون عليهم فانهزموا لا يلوون على شيء ولم يفلت منهم إلا نحو من مئتين وكانوا كما قيل اثنين وثلاثين ألفا وقيل ثلاثة وعشرين ألفا لم يتركوا في بلادهم من يقدر على القتال إلا قليلا
وكان الذي أسر الملك درباس الكردي وغلام الأمير إبراهيم المهراني أسر الإبرنس وقتل صلاح الدين الإبرنس بيده لأنه كان قد غدر وأخذ قافلة من طريق مصر
ثم عاد صلاح الدين إلى طبرية فأخذ قلعتها بالأمان ثم ضرب أعناق الأسرى الذين كانوا في العسكر وأرسل إلى دمشق فضربت أعناق الذين بها منهم 298
قال وورد كتاب آخر فيه هذه الفتوح التي ما سمع بها قط وهذا ذكر بعضها مختصرا مع أنه لا يقدر أحد يصف ذلك لأن الأمر أكبر من ذلك الذي يبشر به المسلمون أن مدينة طبرية فتحت بالسيف وأخذت قلعتها بالأمان واجتمع عسكر الفرنج جميعهم والتقوا بالمسلمين عند قبر شعيب النبي وقتل من الإفرنج ثلاثون ألفا
وكان عدد الإفرنج ثلاثة وستين ألفا بين فارس وراجل وأسر منهم ثلاثون ألفا وبلغ ثمن الأسير بدمشق ثلاثة دنانير واستغنى عسكر الإسلام من الأسرى والأموال والغنائم بحيث لا يقدر أحد يصف ذلك وما سلم من عسكر الفرنج سوى قومص إطرابلس مع أربعة نفر وهو مجروح ثلاث جراحات
وأخذ جميع أمراء الفرنج وكم قد سبي من النساء والأطفال يباع الرجل وزوجته وأولاده في المناداة بيعة واحدة ولقد بيع بحضوري رجل وامرأة وخمسة أولاد ثلاث بنين وابنتان بثمانين دينارا وأخذ صليب الصلبوت فعلق على قنطارية منكسا ودخل به القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق وكل يوم يرى من رؤوس الفرنج مثل البطيخ وأخذ من البقر والغنم والخيل والبغال ما لم يجيء من يشتريها من كثرة السبي والغنائم
قال وفي كتاب آخر وكان الفرنج خمسة وأربعين ألفا فلم يسلم منهم سوى ألف وقتل الباقون واستأسروهم وكذلك الملوك
قلت وبلغني أن بعض فقراء العسكر وقع بيده أسير وكان محتاجا إلى نعل فباعه بها فقيل له في ذلك فقال أردت أن يذكر ذلك ويقال بلغ من هوان أسرى الفرنج وكثرتهم أن بيع واحد منهم بنعل ولله الحمد 299
وما أحسن ما قال أبو الحسن بن الذروي المصري من قصيدة
( شرحت صلاح الدين بالسمر والظبى
من المجد معنى كان من قبل يغمض )
( وما كاد جيش الروم يبرم كيده
إلى أن سرت منك المهابة تنقض )
( حميت ثغور المسلمين فأصبحت
ثغورا بأمواه الحديد تمضمض )
( أسرت ملوك الكفر حتى تركته
وما فيه عرق عن قوى النفس ينبض )
وكان القاضي الفاضل غائبا عن هذه الكسرة بدمشق فلما بلغته كتب إلى السلطان ليهن المولى أن الله قد أقام به الدين القيم وأنه كما قيل أصبحت مولاي ومولى كل مسلم وأنه قد أسبغ عليه النعمتين الباطنة والظاهرة وأورثه الملكين ملك الدنيا وملك الآخرة
كتب المملوك هذه الخدمة والرؤوس إلى الآن لم ترفع من سجودها والدموع لم تمسح من خدودها وكلما فكر المملوك أن البيع تعود وهي مساجد والمكان الذي كان يقال فيه إن الله ثالث ثلاثة يقال اليوم فيه إنه واحد جدد لله شكرا تارة يفيض من لسانه وتارة يفيض من جفنه وجزى يوسف خيرا عن إخراجه من سجنه والمماليك ينتظرون أمر المولى فكل من أراد أن يدخل الحمام بدمشق قد عول على دخول حمام طبرية
( تلك المكارم لا قعبان من لبن
وذلك الفتح لا عمان واليمن )
( وذلك السيف لا سيف ابن ذي يزن
) 300
وللألسنة بعد في هذا الفتح سيح طويل وقول جليل
وللعماد رحمه الله قصائد يذكر فيها وقعة حطين لم يذكر منها شيئا هنا بل ذكر بعضها عند ذكر فتح نابلس وبعضها عند ذكر فتح القدس فنقلت منها إلى هذا المكان ما يتعلق به والباقي يذكر في مكانه إن شاء الله قال
( يا يوم حطين والأبطال عابسة
وبالمعجاجة وجه الشمس قد عبسا )
( رأيت فيه عظيم الكفر محتقرا
معفرا خده والأنف قد تعسا )
( يا طهر سيف برى رأس البرنس فقد
أصاب اعظم من بالشرك قد نجسا )
( وغاص إذ طار ذاك الرأس في دمه
كأنه ضفدع في الماء قد غطسا )
( ما زال يعطس مزكوما بغدرته
والقتل تسميت من بالغدر قد عطسا )
( عرى ظباه من الأغماد مهرقة
دما من الشرك رداها به وكسا )
( من سيفه في دماء القوم منغمس
من كل من لم يزل في الكفر منغمسا )
( أفناهم قتلهم والأسر فانتكسوا
وبيت كفرهم من خبثهم كنسا )
وقال أيضا يخاطب صلاح الدين رحمه الله
( سحبت على الأردن ردنا من القنا
ردينية ملدا وخطية ملسا )
( حططت على حطين قدر ملوكهم
ولم تبق من أجناس كفرهم جنسا ) 301
( ونعم مجال الخيل حطين لم تكن
معاركها للجرد ضرسا ولا دهسا )
( غداة أسود الحرب تعتقل القنا
أساود تبغي من نحور العدى نهسا )
( أتواشكس الأخلاق خشنا فلينت
حدود الرقاق الخشن أخلاقها الشكسا )
( طردتهم في الملتقى وعكستهم
مجيدا بحكم العزم طردك والعكسا )
( فكيف مكست المشركين رؤوسهم
ودأبك في الإحسان أن تطلق المكسا )
( كسرتهم إذ صح عزمك فيهم
ونكستهم إذ صار سهمهم نكسا )
( بواقعة رجت بها الأرض تحتهم
دمارا كما بست جبالهم بسا )
( بطون ذئاب الأرض صارت قبورهم
ولم ترض أرض أن تكون لهم رمسا )
( وطارت على نار المواضي فراشهم
ضلالا فزادت من خمودهم قبسا )
( وقد خشعت أصوات أبطالها فما
يعي السمع إلا من صليل الظبى همسا )
( تقاد بدأ ماء الدماء ملوكهم
أسارى كسفن اليم نطت بها القلسا )
( سبايا بلاد الله مملوءة بها
وقد شريت بخسا وقد عرضت نخسا )
( يطاف بها الأسواق لا راغب لها
لكثرتها كم كثرة توجب الوكسا ) 302
( شكا يبسا رأس البرنس الذي به
تندى حسام حاسم ذلك اليبسا )
( حسا دمه ماضي الغرار لغدره
وما كان لولا غدره دمه يحسى )
( فلله ما أهدى يدا فتكت به
وأطهر سيفا معدما رجسه النجسا )
( نسفت به رأس البرنس بضربة
فأشبه رأسي رأسه العهن والبرسا )
( تبوغ في أوداجه دم بغيه
فصال عليه السيف يلحسه لحسا )
( بعثت أمام أمة النار نحوها
إمامهم أرناطها ذلك الجبسا )
( ولله نص النصر جاء لنصله
فلا قونسا أبقى لرأس ولا قنسا )
( حكى عنق الداوي صل بضربة
طرير الشبا عودا بمضرابه حسا )
( أيوم وغى يدعوه أم يوم نائل
وأنت وهبت الغانمين به الخمسا )
( وقد طاب ريانا على طبرية
فيا طيبها ريا ويا حسنها مرسى )
وللشهاب فتيان الشاغوري من قصيدة سيأتي بعضها في مدح صلاح الدين رحمه الله 303
( جاشت جيوش الشرك يوم لقيتهم
يتدامرون على متون الضمر )
( أوردت أطراف الرماح صدورهم
فولغن في علق النجيع الأحمر )
( فهناك لم ير غير نجم مقبل
في إثر عفريت رجيم مدبر )
( فمن الذي من جيشهم لم يخترم
ومن الذي من جميعهم لم يؤسر )
( حتى لقد بيعت عقائل أرهقت
بالسبي بالثمن الأخس الأحقر )
( سقت المماليك الكرام ملوكهم
كأسا به سقت اللئيم الهنفري )
( وعجمت عود صليبهم فكسرته
وسواك ألفاه صليب المكسر )
( أغلى الأداهم من أسرت وأرخصت
بيض الصوارم من نهاب العسكر )
( وجعلت شرق الأرض يحسد غربها
بك فهو داع دعوة المستنصر )
( لا يعدمنك المسلمون فكم يد
أوليتهم معروفها لم ينكر )
( أمنت سربهم وصنت حريمهم
ودرأت عنهم قاصمات الأظهر )
( ما إن رآك الله إلا آمرا
فيهم بمعروف ومنكر منكر )
( متواضعا لله جل جلاله
وبك اضمحلت سطوة المتكبر )
( لم تخل سمعا من هناء مهنىء
للمسلمين ومن سماع مبشر )
( واستعظم الأخبار عنك معاشر
فاستصغروا ما استعظموا بالمخبر )
( مضت الملوك ولم تنل عشر الذي
أوتيته من منجح أو مفخر )
وقال أبو الحسن علي بن الساعاتي في فتح طبرية 304
( جلت عزماتك الفتح المبينا
فقد قرت عيون المؤمنينا )
( رددت أخيذة الإسلام لما
غدا صرف القضاء بها ضمينا )
( وهان بك الصليب وكان قدما
يعز على العوالي أن يهونا )
( يقاتل كل ذي ملك رياء
وأنت تقاتل الأعداء دينا )
( غدت في وجنة الأيام خالا
وفي جيد العلا عقدا ثمينا )
( فيالله كم سرت قلوبا
ويالله كم أبكت عيونا )
( وما طبرية إلا هدي
ترفع عن أكف اللامسينا )
( حصان الذيل لم تقذف بسوء
وسل عنها الليالي والسنينا )
( فضضت ختامها قسرا ومن ذا
يصد الليث أن يلج العرينا )
( لقد أنكحتها صم العوالي
فكان نتاجها الحرب الزبونا )
( منال بذ أهل الأرض طرا
سواك ومعقل أعيا القرونا )
( قست حتى رأت كفؤا فلانت
وغاية كل قاس أن يلينا )
( قضيت فريضة الإسلام منها
وصدقت الأماني والظنونا )
( تهز معاطف القدس ابتهاجا
وترضي عنك مكة والحجونا )
( فلو أن الجماد يطيق نطقا
لنادتك ادخلوها آمنينا )
( جعلت صباح أهليها ظلاما
وأبدلت الزئير بها أنينا )
( تخال حماة حوزتها نساء
بموضون الحديد مقنعينا )
( لبيضك في جماجمهم غناء
لذيذ علم الطير الحنينا )
( تميل إلى المثقفة العوالي
فهل أمست رماحا أم غصونا )
( يكاد النقع يذهلها فلولا
بروق القاضبات لما هدينا ) 305
( فكم حازت قدود قناك منها
قدودا كالقنا لونا ولينا )
( وغيدا كالجآذر آنسات
كغيد نداك أبكارا وعونا )
( ولما باكرتها منك نعمى
بنان تفضج الغيث الهتونا )
( أعدت بها الليالي وهي بيض
وقد كانت بها الأيام جونا )
( فليس بعادم مرعى خصيبا
أخو سغب ولا ماء معينا )
( فلا عدم الشام وساكنوه
ظبى تشفي بها الداء الدفينا )
( سهاد جفونها في كل فتح
سهاد يمنح الغمض الجفونا )
( فألمم بالسواحل فهي صور
إليك وألحق الهام المتونا )
( فقلب القدس مسرور ولولا
سطاك لكان مكتئبا حزينا )
( أدرت على الفرنج وقد تلاقت
جموعهم عليك رحى طحونا )
( ففي بيسان ذاقوا منك بؤسا
وفي صفد أتوك مصفدينا )
( لقد جاءتهم الأحداث جمعا
كأن صروفها كانت كمينا )
( وخانهم الزمان ولا ملام
فلست بمبغض زمنا خؤونا )
( لقد جردت عزما ناصريا
يحدث عن سناه طور سينا )
( فكنت كيوسف الصديق حقا
له هوت الكواكب ساجدينا )
( لقد أتعبت من طلب المعالي
وحاول أن يسوس المسلمينا ) 306
( وإن تك آخرا وخلاك ذم
فإن محمد في الآخرينا )
قال ابن أبي طي حدثني والدي حميد النجار قال كنت بالموصل في سنة خمس وخمسين وخمس مئة فزرت الشيخ عمر الملاء فدخل إليه رجل فقال أيها الشيخ رأيت البارحة في النوم كأني بأرض غريبة لا أعرفها وكأنها مملوءة بالخنازير وكأن رجلا بيده سيف وهو يقتل الخنازير والناس ينظرون إليه
فقلت لرجل هذا عيسى ابن مريم هذا المهدي قال لا
فقلت من هذا قال هذا يوسف ما زادني على ذلك
قال فتعجبت الجماعة من هذه الرؤيا وقالوا إنه سيقتل النصارى رجل يقال له يوسف
وحدست الجماعة أنه يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب وكان المستنجد بالله قد ولي الخلافة تلك السنة فحدس بعض الجماعة عليه قال وأنسيت أنا هذه الواقعة فلما كانت سنة كسرة حطين ذكرتها وكان يوسف الملك الناصر رحمه الله
قال وحدثني ظئر لي من نساء الحلبيين كانت تداخل أخت السلطان الملك الناصر قالت كانت والدة السلطان تخبر أنها أتيت في نومها وهي حامل بالسلطان فقيل لها إن في بطنك سيفا من سيوف الله تعالى 307
فصل في فتح عكا وغيرها
وهي بالألف الممدودة ويدل على ذلك أنه يقال في النسبة إليها عكاوي وقد وجدت ذلك في شعر قديم ومنهم من يقول عكه بالهاء ومثل ذلك حصن عرقه وبعضهم يقول عرقا بالألف ونهر ثورا وبعضهم يقول نهر ثوره بالهاء
قال القاضي ابن شداد ثم رحل السلطان طالبا عكا وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر وقاتلها بكرة الخميس مستهل جمادى الأولى فأخذها واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر فإنها كانت مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلو الرجال بالقتل و الأسر
قال العماد ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء والتوحيد ظاهر على التثليث والطيب قد امتاز من الخبيث ونزل بأرض لوبية عشية وأعادها بأزهار بنوده وأنوار جنوده روضة موشية
ثم أصبح سائرا إلى عكا سارا سره وبارا بأهل الدين بره وكان أمير المدينة النبوية صلوات الله على ساكنها في موكبه فكأن رسول الله سير للفقير إلى نصرته من يثرى به 308 من يثربه وهذا الأمير عز الدين أبو فليتة القاسم بن المهنا الحسيني قد وفد في تلك السنة أوان عود الحاج وهو ذو شيبة تقد كالسراج وما برح مع السلطان ماثور المآثر ميمون الصحبة مأمون المحبة مبارك الطلعة مشاركا في الوقعة فما تم فتح في تلك السنين إلا بحضوره ولا أشرق مطلع من النصر إلا بنوره فرأيته في ذلك اليوم للسلطان مسايرا ورأيت السلطان له مشاورا محاورا وأنا أسير معهما وقد دنوت منهما ليسمعاني وأسمعهما ولاحت أعلام عكا وكأن بيارق الفرنج المركوزة عليها ألسنة من الخوف تتشكى وكأن عذبات النيران تصاعدت لعذاب أهلها وقد توافرت عساكر الإسلام إليها من وعرها وسهلها
ولما أشرفنا عليها مستبشرين أيقنا بفتحها مسبشرين فما كان فيها من يحميها فما صدقنا كيف نملكها ونحويها
وظهر على السور أهلها لأجل الممانعة والثبات على المدافعة وخفقان ألويتها يشعر بقلوبها الخافقة وأرواح جلدهم الزاهقة
ووقفنا نتأمل طلولها ونؤمل حصولها وخيم السلطان بقربها وراء التل وانبثت عساكره في الوعث والسهل
وبتنا تلك الليلة وقد هزتنا الأطراب ونقول متى يجتمع الصباح والأصحاب فما هجدنا ولا غرارا ولا وجدنا من الفرح قرارا والسلطان جالس ونحن عنده وهو يحض جنده ويقدح معهم في اقتباس الآراء زنده ومنا من يستنجز وعده ومنا من يستميح رفده ومنا من يواصله بالدعاء ومنا من يشافهه بالهناء
وأصبح يوم الخميس وركب في خميسه ووقف كالأسد في عريسه ووقفنا بإزاء 309 البلد صفوفا وأطللنا على أطلاله وقوفا فخرج أهل البلد يطلبون الأمان ويبذلون الإذعان فآمنهم وخيرهم بين المقام والإنتقال ووهب لهم عصمة الأنفس والأموال وكان في ظنهم أنه يستبيح دماءهم ويسبي ذريتهم ونساءهم وأمهلهم أياما حتى ينتقل من يختار النقلة فاغتنموا تلك المهلة وفتح الباب للخاصة واستغنى بالدخول إلى البلد جماعة من ذوي الخصاصة فإن القوم ما صدقوا من الخوف المزعج والفرق المحرج كيف يتركون دورهم بما فيها ويسلمون وعندهم أنهم إذا نجوا بأنفسهم أنهم يغنمون
فلما دخل الجند ركز كل على دار رمحه وأسام فيها سرحه فحصلوا على دور أخلاها أربابها وأموال خلاها أصحابها وكنا لأجل الأمان نهابها فطاب لاولئك نهابها
وجعل السلطان للفقيه عيسى الهكاري كل ما كان للداوية من منازل وضياع ومواضع ورباع فأخذها بما فيها من غلال ومتاع واستخرجوا الدفائن وولجوا المخازن وداروا الأماكن وكذلك مماليك الملك الأفضل وأصحابه وولاته ونوابه نبشوا المحارز وفتشوا المراكز واستباحوا الأهراء واجتاحوا الأشياء
وكان السلطان قد فوض عكا وضياعها ومعاقلها وقلاعها إلى ولده الأكبر الملك الأفضل نور الدين علي
ثم ذكر العماد أنواع ما استولوا عليه من الأموال ثم قال ومن جملة ذلك أنهم احتاطوا بغير علمي على دار باسمي فباعوا منها متاعا بسبع مئة دينار وأخلوها مما كان فيها من آلات وأدخار وقلدوني المنة في تحصيل 310 تلك الدار فإنها كانت من أنفس العقار وسلموها إلى غلام صديق لي ليصونها ويقوم بحفظها والذب عنها والدفاع دونها
فذكر أن الغلام انتفع من آلاتها بعد خلوها بما قيمته سبعون دينارا وأن الأولين نقلوا منها من الذخر أوقارا
قال وإنما وصفت هذا ليعلم ما غنموه والتهبوا على حيازته والتهموه وتصرف الملك المظفر تقي الدين في دار السكر فأفنى قنودها واستوعب موجودها ونقل قدورها وأنقادها وحوى جواهرها وأعراضها
وقال في كتاب الفتح وخلى سكان البلد دورهم ومخزونهم ومذخورهم وتركوها لمن أخذها ونبذوا ما حووه لمن حواها وما نبذها وافتقر من الفرنج أغنياء واستغنى من أجنادنا فقراء ولو ذخرت تلك الحواصل وحصلت تلك الذخائر وجمع لبيت المال ذلك المال المجموع الوافر لكان عدة ليوم الشدائد وعمدة لنجح المقاصد
فرتعت في خضرائها بل صفرائها وبيضائها سروح الأطماع وطال لمستحليها ومستجليها الإمتاع بذلك المتاع
قال في البرق وقرىء على السلطان ليلة من كتاب الفتح ونحن 311 بالقدس نعني هذا المكان وذلك سنة ثمان وثمانين فقال السلطان هذه رفيعة على ثلاثة اثنان منهم في جوار الرحمة والآخر باق في مقر العصمة
يعني بالاثنين الفقيه عيسى وتقي الدين وبالآخر الباقي ولده نور الدين
قال ولعمري هو كما ذكره لكن الأفضل ما حصل له لخاصه بل لذوي اختصاصه واستخلاصه
وفتحوا البلد يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى فجئنا إلى كنيستها العظمى فأزحنا عنها البؤسى بالنعمى وحضر الأجل الفاضل فرتب بها المنبر والقبلة وهي أول جمعة أقيمت بالساحل بعد يوم الفتح وكان الخطيب والإمام فيها الفقيه جمال الدين عبد اللطيف بن الشيخ أبي النجيب السهروردي وولاه السلطان مناصب الشريعة بعكا تولى الخطابة والقضاء والحسبة والوقف
ومن كتاب فاضلي إلى بغداد بعد فتح عكا يصف كسرة حطين 312 صبح الخادم طبرية فاقتض عذرتها بالسيف وهجم عليها هجوم الطيف وتفرق أهلها بين الأسر والقتل وعاجلهم الأمر فلم يقدروا على الخداع والختل وجاء الملك ومن معه من كفاره ولم يشعر أن ليل الكفر قد آن وقت إسفاره فأضرم الخادم عليهم نارا ذات شرار أذكرت بما أعد الله لهم في دار القرار فترجل هو ومن معه عن صهوات الجياد وتسنموا هضبة رجاء أن تنجيهم من حر السيوف الحداد ونصبوا للملك خيمة حمراء وضعوا على الشرك عمادها وتولت الرجال حفظ أطنابها فكانوا أوتادها فأخذ الملك أسيرا (
وكان يوما على الكافرين عسيرا ) وأسر الإبرنس لعنه الله فحصد بذره وقتله الخادم بيده ووفى بذلك نذره وأسر جماعة من مقدمي دولته وكبراء ضلالته وكان القتلى تزيد على أربعين ألفا ولم يبق أحد من الداوية فلله . هو من يوم تصاحب فيه الذئب والنسر وتداول فيه القتل والأسر
أصدر الخادم هذه الخدمة من ثغر عكا والإسلام قد اتسع مجاله وتصرف أنصاره ورجاله والكفر قد ثبتت أوجاله ودنت آجاله
قال العماد ومن جملة البشائر بكسرة حطين ولما أحيط بالقوم آوى ملكهم إلى جبل يعصمه من العوم فأسمعه السيف لا عاصم اليوم واستولى الخذلان عليهم بأسرهم وبردت أيدي المؤمنين بحر قتلهم وأسرهم ولم يبق لهم باقية وغصت بقتلاهم في الدنيا والآخرة أرض الله الواسعة ونار الله الحامية فما يطأ من يصل إلى خيمنا إلا على رممهم البالية 313 وأسر الملك وأخوه وبارونيته ومقدموه ولم يفلت منهم إلا القومص وهو مسلوب ولا بد ان ندركه فهو مطلوب
وقد كنا نذرنا ضرب رقبة الإبرنس صاحب الكرك الغدار كافر الكفار ونشيدة النار فلما رأيناه ضربنا عنقه سريعا وسرنا إلى عكا وهي بيضة ملكهم وواسطة سلكهم ومركز دائرة كفرهم ومجمع جمع برهم وبحرهم فتسلمناها بالأمان والصخرة المقدسة الآن بنا تصرخ وتستغيث وعباد الله الصالحون قد وصلت إليهم بوعد الله الصادق المواريث والبشارة بفتح القدس لا تتأخر والهمم بعد هذا الفتح السني على ذلك تتوفر والحمد لله الذي تتم الصالحات بحمده (
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده )
فصل في فتح نابلس وجملة من البلاد الساحلية بعد فتح عكا وطبرية وذكر بعض كتب البشائر الشاهدة لذلك
قال العماد أقام السلطان أياما بباب عكا بعد فتح عكا على التل مخيما وعلى فتح سائر بلاد الساحل مصمما
وكان قد كتب إلى أخيه العادل بمصر بما فتحه الله عليه فوصل بعسكره وفتح في طريقه حصن 314 مجدل يابا ومدينة يافا عنوة فقصده من عسكرنا القصاد ووفد إليه الوفاد وأمره السلطان أن يقيم في ذلك الجانب جامعا للكتائب ليجتمع به الواصلون من مصر الآملون معه النصر
قال وتوجه عدة من الأمراء والعسكرية إلى الناصرة وقيسارية والبلاد المجاورة لعكا وطبرية ومضى كل فريق في صوب وآبوا بالغنيمة والسبي خير أوب
قال فأما الفولة فهي قلعة للداوية حصينة وفيها ذخائرهم فلما خرج الداوية منها وقتلوا لم يبق فيها إلا أتباع وغلمان فسلموها وجميع ما يجاورها كدبورية وجينين وزرعين والطور
وزاد في كتاب الفتح واللجون وبيسان والقيمون وجميع ما لعكا وطبرية من الولايات والزيب ومعليا والبعنة وإسكندرونة ومنواث
قال وتوجه مظفر الدين كوكبري إلى الناصرة فاستباحها وصفرت صفورية من سكانها و توجه بدر الدين دلدرم وغرس الدين قليج وجماعة من الأمراء إلى قيسارية فافتتحوها بالسيف وتسلمت بعدها حيفا وأرسوف واستولى على تلك الشموس والأقمار الكسوف والخسوف وحيفا بين عكا وقيسارية على البحر
قال وأما نابلس فإن أهل ضياعها ومعظم أهلها كانوا مسلمين وفي سلك الرعية مع الفرنج منتظمين وهم يجبون كل عام منهم قرارا 315 ولا يغيرون لهم شرعا ولا شعارا فلما عرفوا كسرتهم وأنهم لا يرجون جبرهم خافوا من مساكنة المسلمين فتفرقوا وكبسهم أهل الضياع في الدور والرباع وغنموا ما وجدوه من الذخائر والمتاع وأوقعوا بضعفائهم وضايقوا الحصون على أقويائهم وطلبها من السلطان ابن أخته حسام الدين عمر بن محمد بن لاجين وهو عزيز عند خاله مليء بفضله وأفضاله فأقطعة السلطان نابلس وأعمالها وضياعها ونواحيها وقلاعها فتوجه إليها بعسكره فأول ما أناخ على سبسطية وبها مشهد زكريا عليه السلام قد اتخذه الأقساء كنيسة منذ فارقه الإسلام وهو متعبدهم المعظم والمشهد المكرم وقد حجبوه بالأستار وحلوه بالفضة والنضار وعينوا له مواسم الزوار وقومته من الرهابين فيه مقيمة ولا يؤذن في الزيارة إلا لمن معه هدية لها قيمة فدخله و حوى ما فيه وأبقى ما لا يحسن أن يخلو من مثله المسجد وفتح للمسلمين أبوابه وأظهر للمصلين محرابه
ثم سار إلى نابلس ففتحها بالأمان واستمال من سكانها من صرف عليه الجزية بعد زمان وأجراهم على مالهم من العمارة والبنيان وبقيت بيده إلى آخر عهده وعمرت بعدله ورفده
قال العماد وأنشدته يوم فتح القدس قصيدة أولها
( استوحش القلب مذ غبتم فما أنسا
وأظلم اليوم مذ بنتم فما شمسا )
( ما طبت نفسا ولا استحسنت بعدكم
شيئا نفيسا ولا استعذبت لي نفسا )
( قلبي وصبري وغمضي والشباب وما
ألفتم من نشاطي كله خلسا )
( وكيف يصبح أو يمسي محبكم
وشوقكم يتولاه صباح مسا )
( عادت معاهدكم بالجزع دارسة
وإن معهدكم في القلب ما درسا )
( وكنت أحدس منكم كل داهية
وما دهانا من الهجران ما حدسا ) 316
( لما هدت نار شوقي ضيف طيفكم
قريته بالكرى إذ زار مقتبسا )
( ورمت تأنيسه حتى وهبت له
إنسان عيني أفديه فما أنسا )
( أنا الخيال نحولا فالخيال إذا
ما زارني كيف يلقى من به التبسا )
( لهفي على زمن قضيته طربا
إذ لم أكن من صروف الدهر محترسا )
( عسى يعود شبابي ناضرا ومتى
أرجو نضارة عود للشباب عسى )
( وشادن يفرس الآساد ناظره
فديته شادنا للأسد مفترسا )
( في العطف لين وفي أخلاقه شوس
يا لين عطفيه جنب خلقه الشوسا )
ومنها
( إن ناب لبس مضينا لاجئين إلى الفتى
الحسام ابن لاجين بنابلسا )
( يميت أعداءه بأسا ونائله
يحيي رجاء الذي من نجحه أيسا )
( ممزق المازق المنسوج عثيره
وقد محا اليوم ليل النقع فانطمسا )
( لا زلت مستويا فوق الحصان وفي
حصن الحفاظ ومن عاداك منتكسا )
وهي طويلة وقد تقدمت منها أبيات في وصف كسرة حطين وسيأتي منها أيضا أبيات عند فتح القدس في مدح السلطان صلاح الدين رحمه الله
ومن كتاب عن السلطان إلى سيف الإسلام أخيه كاتبنا أخانا العادل 317 أن يدخل بالعسكر المصري من ذلك الجانب فلما بشر بكسر الفرنج وفتح عكا وطبرية كان قد وصل إلى السواد فجاز العريش وزار الداروم وأجفلت قدامه البلاد ووصل إلى يافا ففتحها عنوة ثم حصر مجدل يابا فطلبت منه الأمان
وقد اشتمل الفتح على البلاد المعينة وهي طبرية عكا الزيب معليا إسكندرونه تبنين هونين الناصرة الطور صفورية الفولة جينين زرعين دبورية عفربلا بيسان سبسطية نابلس اللجون أريحا سنجل البيرة يافا أرسوف قيسارية حيفا وصرفند صيدا بيروت قلعة أبي الحسن جبيل مجدل يابا جبل الجليل مجد حباب الداروم غزة عسقلان تل الصافية التل الأحمر الأطرون بيت جبريل جبل الخليل بيت لحم لد الرملة قرتيا القدس صوبا هرمز سلع عفرى الشقيف
قال ولم نذكر ما تخللها من القرى والضياع والأبراج الحصينة الجارية مجرى الحصون والقلاع ولكل واحدة من البلاد التي ذكرناها أعمال وقرى ومزارع وأماكن ومواضع قد جاس المسلمون خلالها واستوعبوا ثمارها وغلالها
قال العماد ومما أنشأته في هذا التاريخ من شرح الفتوح وكتبت به إلى الديوان وبدأت بقوله تعالى (
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) الحمد لله على ما أنجز من هذا 318 الوعد وعلى نصرته لهذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد وجعل بعد عسر يسرا وقد أحدث الله بعد ذلك أمرا وهون الأمر الذي ما كان الإسلام يستطيع عليه صبرا وخوطب الدين بقوله (
ولقد مننا عليك مرة أخرى ) فالأولى في عصر النبي صلى اله عليه وسلم والصحابة والأخرى هذه التي عتق فيها من رق الكآبة فهو قد أصبح حرا ريان الكبد الحرى والزمان كهيئته استدار والحق ببهجته قد استنار والكفر قد رد ما كان عنده من المستعار فالحمد لله الذي أعاد الإسلام جديدا ثوبه بعد أن كان جذيذا حبله مبيضا نصره مخضرا نصله متسعا فضله مجتمعا شمله
والخادم يشرح من نبأ هذا الفتح العظيم والنصر الكريم ما يشرح صدور المؤمنين ويمنح الحبور لكافة المسلمين ويورد البشرى بما أنعم الله به من يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر إلى يوم الخميس منسلخه وتلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما سخرها الله على الكفار (
فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) وإذا رأيت ثم رأيت البلاد على عروشها خاوية ورأيتها إلى الإسلام ضاحكة كما كانت من الكفر باكية فيوم الخميس الأول فتحت طبرية ويوم الجمعة والسبت نوزل الفرنج فكسروا الكسرة التي ما لهم بعدها قائمة وأخذ الله 319 أعدائه بأيدي أوليائه أخذ القرى وهي ظالمة
وفي يوم الخميس منسلخ الشهر فتحت عكا بالأمان ورفعت بها أعلام الإيمان وهي أم البلاد وأخت إرم ذات العماد
وقد اصدر هذه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور وقلب ملك الكفر الأسير بجيشه المكسور مكسور والحديد الكافر الذي كان في يد الكفر يضرب وجه الإسلام قد صار حديدا مسلما يعوق خطوات الكفر عن الإقدام وأنصار الصليب وكباره وكل من المعمودية عمدته والدير داره قد أحاطت به يد القبضة وغلق رهنه فلا يقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وطبرية قد رفعت أعلام الإسلام عليها ونكصت من عكا ملة الكفر على عقبيها وعمرت إلى أن شهدت يوم الإسلام وهو خير يوميها
وقد صارت البيع مساجد يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر وصارت المذابح مواقف لخطباء المنابر واهتزت أرضها لموقف المسلم فيها وطالما ارتجت لموقف الكافر
فأما القتلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفا وأما فرسان الداوية والاسبتار فقد أمضى حكم الله فيهم وقطع بهم سوق نار الجحيم ورحل الراحل منهم إلى الشقاء المقيم وقتل الإبرنس الكفار و نشيدة النار من يده في الإسلام كما كانت يد الكليم
والبلاد والمعاقل التي فتحت طبرية عكا الناصرة صفورية قيسارية نابلس حيفا معليا الفولة الطور الشقيف وقلاع بين هذه كثيرة
والملك المظفر تقي الدين ظفره الله مضايق لصور 320 وحصن تبنين والأخ العادل سيف الدين نصره الله قد كوتب بالوصول بمن عنده من العساكر وينزل في طريقه على غزة وعسقلان ويجهز مراكب الأسطول المنصورة إلى عكا وما يتأخر النهوض إلى القدس فهذا هو أوان فتحه ولقد دام عليه ليل الضلال وقد آن أن يسفر فيه الهدى عن صبحه
فصل في فتح تبنين وصيدا وبيروت وجبيل وغيرها ومجيء المركيس إلى صور
قال العماد أرسل السلطان إلى تبنين ابن أخيه تقي الدين فضايقها وكتب إلى السلطان أن يأتيه بنفسه فوصل إليها في ثلاث مراحل ونزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى فراسلوا السلطان وسألوا الأمان واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم فأمهلوا وبذلوا رهائن من مقدميهم ووفوا بما بذلوا وتقربوا بإطلاق الأسارى من المسلمين فخرج الأسارى مسرورين فسر بهم السلطان وسربهم وأقرهم وقربهم وكساهم وحباهم وآتاهم بعد ردهم إلى مغانيهم غناهم وهذا دأبه في كل بلد يفتحه وملك يربحه أنه يبدأ بالأسارى فيفك قيودها و يعيد بعد عدمها وجودها فخلص تلك السنة من الأسر أكثر من عشرين ألف أسير ووقع في أسره من الكفار مئة ألف ولما خلوا القلعة وأخلو البقعة سيرهم ومعهم 321 من العسكر المنصور من أوصلهم إلى صور وتسلمها يوم الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى وكان شرط عليهم تسليم العدد والدواب والخزائن
وقال القاضي ابن شداد فتحها السلطان عنوة وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة شديدة ونصره الله عليهم وأسر من بقي بها بعد القتل ثم رحل منها إلى مدينة صيدا فنزل عليها ومن الغد تسلمها وهو يوم الأربعاء الحادي والعشرون
قال العماد سنحت له صيدا فتصدى لصيدها وكانت همته في قيدها وبادرها إشفاقا من مكر العداة وكيدها
ووصلنا في يومين إلى صيدا إلى منهل فتحها صادين وعن حمى الحق دونها لأهل الباطل صادين ولما نزلنا من الوعر إلى السهل سهل ما توعر وصفا من الأمر ما ظن أنه تكدر فصرفنا الأعنة إلى صرفند وهي مدينة لطيفة على الساحل مورودة المناهل ذات بساتين وأشجار ورياحين وأزهار فأخذناها وخيمنا على صيدا وقد جاءت رسل صاحبها بمفاتيحها وقد طلعت الراية الصفراء على أسوارها وأقيمت بها الجمعة والجماعة واستديمت بها بدل العصيان لله الطاعة
ثم سار في يومه على سمت بيروت فنزل عليها يوم الخميس وضايقها وحاصرها ثمانية أيام ثم طلبوا الأمان فأمنهم 322 وتسلمها يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى
ومرض العماد فأملى كتاب صلح بيروت ورجع إلى دمشق للمداواة ثم وجد الشفاء وعاد إلى السلطان يوم فتح القدس كما سيأتي
قال وسلمت بيروت بحضوري فكان من سبب إبلالي سروري بفتحها وحبوري وخرج منها ومن قلعتها الفرنج وامتلأ بهم إلى صور النهج وعاد الإسلام الغريب فيها إلى وطنه وتوطن الدين بها في مأمنه وسكن في مسكنه
وأما جبيل فإن صاحبها أوك كان في جملة من نقل إلى دمشق مع الملك الأسير فضاق ذرعا بسجنه الذي تعجل له فيه عذاب السعير فتحدث مع الصفي بن القابض في أمره وباح إليه بسره وقال مالكم في اسري فائدة ولا غنيمة على فتح جبيل زائدة وانا أسلمها بشرط سلامتي فخذوها ولا تقعدوني فقد قامت قيامتي
فأنهى الصفي حاله واستصوب ما قاله فأمر بإحضاره في قيده والاحتراز من كيده فوصل به ونحن على بيروت فسلم جبيل وسلم وربح نجاته وغنم ومضى إليها من تولاها وانسل منها صاحبها وسلاها وتبعها فتح بيروت وتلاها فانتظمت هذه البلاد المتناسقة بالساحل في سلك من الفتوح متسق وأمر من الاستقامة متفق
وكان معظم أهل صيدا وبيروت وجبيل مسلمين مساكين لمساكنة الفرنج مستسلمين فذاقوا العزة بعد الذلة وفاقوا الكثرة بعد القلة وصدقت البشائر وصدحت المنابر وظهر عيب البيع وشهر جمع الجمع وقرىء 323 القرآن واستشاط الشيطان وخرست النواقيس وبطلت النواميس ورفع المسلمون رؤوسهم وعرفوا نفوسهم
وكان كل من استأمن من الكفار يمضي إلى صور محمي الذمار فصارت صور عش غشهم ووكر مكرهم وملجأ طريدهم ومنجى شريدهم وهي التي فر القومص إليها يوم كسرتهم بل يوم حسرتهم ولما عرف القومص قرب السلطان منها أخلاها وخلاها وآوى إلى طرابلس وثواها فما متع بما ملك وكان كما قيل
( راح يبغي نجوة
من هلاك فهلك )
وتعوضت صور عن القومص بالمركيس كما يتعوض عن الشيطان بإبليس فأدرك ذماء الكفر بعدما أشفى وأيقظ روع الروع بعدما أغفى وضبط صور بمن فيها من مهزومي الفرنج ومنفيها
وكان المركيس من أكبر طواغيت الكفر وأغوى شياطينه وأضرى سراحينه وأخبث ذئابه وانجس كلابه وهو الطاغية الداهية الذي خلقت له ولأمثاله الهاوية ولم يكن وصل إلى الساحل قبل هذا العام واتفق وصوله إلى ميناء عكا وهو بفتحها جاهل و عمن فيها من المسلمين ذاهل فعزم على إرساء الشيني بالمينا ثم تعجب وقال ما نرى أحدا من أهلها يلتقينا ورأى زي الناس غير الذي يعرفه فارتاب وارتاع وحدث عن الدخول توقفه وبان تندمه وتأخر تقدمه وسأل عن الحال فأخبر 324 بها ففكر في النجاة والهواء راكد والقضاء عنه راقد فإنه لو خرج إليه مركب لأخذه ولو وقف له قاصد لوقذه فاحتال كيف يخرج بسفينته ولا يدخل مع فقد سكينته فسأل عن متولي البلد وقال خذوا لي منه أمانا حتى أدخل وأرفع ما معي من المتاع و أنقل
فجيء إليه من الأفضل بالأمان فقال ما أثق إلا بخط يده ولا أنزل إلا بعهده إلى بلده وهو ينتظر هبوب الريح الموافقة فما زال يردد الرسل ويدبر الحيل حتى وافقته الريح فأقلع وأفلت من الشرك بعدما وقع وصار في صور فزم الأمور وجرأ الكفر بعد خوره وبصر الشيطان بعد عماه وعوره وأرسل رسله إلى الجزائر وذوي الجرائر يستعدي ويستدعى ويستودع ملة الصليب عباده ويسترعي ويستثير ويستزير ويستنفر ويستنصر وثبت في صور ونبت وجمع إليه من الفرنج من تشتت وما فتح بلد بالأمان إلا سار أهله في حفظ السلطان حتى يصيروا بصور ويأمنوا المحذور فاجتمع إليها أهل البلاد المفتوحة بالقلوب المقفلة المغلقة المقروحة فامتلأت وكانت خاليه وانتشأت وكانت بالية وتعللت وكانت معتلة وتعقدت وكانت منحلة ولم يحتفل بها فأخر فتحها فاستجدت رمقا بالمهلة وتصعبت بعد مقادتها السهلة وألهى عن طلبها طلب ما هو أشرف وهو البيت المقدس فإن فتحه من كل فتح أنفس والمركيس في أثناء ذلك يحفر الخندق ويحكمه ويعقد الموثق ويبرمه ويجمع المتفرق وينظمه 325
فصل في فتح عسقلان وغزة والداروم وغيرها
قال العماد لما فرغ السلطان من فتح بيروت وجبيل ثنى عنانه عائدا على صيدا وصرفند وجاء إلى صور ناظرا إليها وعابرا عليها غير مكترث بأمرها ولا متحدث في حصرها ودلته الفراسة على أن محاولتها تصعب ومزاولتها تتعب وليس بالساحل بلد منها أحصن فعطف الأعنة إلى ما هو منها أهون
وكان قد استحضر ملك الفرنج ومقدم الداوية في قيودهما وشرط معهما واستوثق منهما أن يطلقهما من الأسر والبلية متى تمكن بإعانتهما من البلاد البقية وعبر والعيون صور إلى صور وما شك المركيس أنه بها محسور محصور فلما أرخى من وثاقه واتسع ضيق خناقه حلق في مطار أوطاره وحرك لغواته أوتار أوتاره
السلطان بأخيه العادل واتفقا على طي المراحل ونشر القساطل فنزل على عسقلان يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة وشديدها قد لان فتجلد من بها على الحصار وتربصوا وتصبروا فنصب السلطان عليها مجانيق ورماهم بها وجسر النقاب فحسر الثقاب وباشر الباشورة فرفع الحجاب واشتد القتال واحتد المصال
وراسلهم عند ذلك الملك المأسور وقال قد بان عذركم حين نقب السور
وجرت حالات وتكررت حوالالت وترددت رسالات وقال لهم الملك الأسير لا تخالفوا ما به أشير واحفظوا رأسي فهو رأس مالكم ولا تخطروا غيري ببالكم فإني إذا تخلصت خلصت وإذا استنقذت استنقذت وخرج مقدمون وشاوروا الملك ونهجوا في التسليم نهجا سلك وسلموا عسقلان على خروجهم بأموالهم سالمين واستوفوا بذلك الميثاق واليمين وذلك يوم السبت 326 لانسلاخ جمادى الآخرة وخرجوا بنسائهم وأموالهم
وممن استشهد على عسقلان من الأمراء الكبراء حسام الدين إبراهيم بن حسين المهراني وهو أول أمير افتتح بالشهادة واختتم بالسعادة
وكان السلطان قد أخذ في طريقه إليها الرملة ويبنى وبيت لحم والخليل و أقام بها حتى تسلم حصون الداوية غزة والنطرون وبيت جبريل وكان قد استصحب معه مقدم الداوية وشرط معه أنه متى سلم معاقلهم أطلقه فسلم هذه المواضع الوثيقة لما اخذ موثقه كذا قال العماد في كتاب الفتح
وقال في كتاب البرق وما برح السلطان مقيما بظاهر عسقلان حتى تسلم المعاقل المجاورة لها والبلاد
فذكر الداروم وغزة والرملة ويبنى وبيت لحم ومشهد الخليل عليه السلام ولد وبيت جبريل والنطرون
قال ابن شداد ولما فرغ بال السلطان من هذا الجانب يعني ناحية بيروت رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب وكان قد اجتمع في صور يسر الله فتحها كل فرنجي بقي في الساحل فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة ويبنى 327 والداروم فأقام عليها المنجنيقات وقاتلها قتالا شديدا وتسلمها سلخ جمادى الآخرة وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بعد قتال
قال وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة فإن العدو ملكها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمس مئة
وذكر ابن القادسي نسخة كتاب كتبه السلطان إلى بعض أهله وفيه انتقلنا إلى الجانب الذي فيه القدس وعسقلان ففتحنا قلاعه كلها وحصونه جميعها ومعاقله بجملتها ومدنه بأسرها حيفا وقيسارية وأرسوف ويافا والرملة ولد وتل الصافية وبيت جبريل والدير والخليل ونازلنا عسقلان وهي المعقل المنيع والحصن الحصين والتل الرفيع وفيهم من القوة والعدة والعدد ما تتقاصر الآمال عن نيل مثلها فافتتحناها سلما لتمام أربعة عشر يوما من يوم نزولنا عليها ونصبت أعلام التوحيد على أبراجها وأسوارها وعمرت بالمسلمين وخلت من مشركيها وكفارها وكبر المؤذنون في أقطارها ولم يبق في الساحل من جبيل إلى أوائل حدود مصر سوى القدس وصور والعزم مصمم على قصد القدس فالله يسهله ويعجله فإذا يسر الله تعالى فتح القدس ملنا إلى صور والسلام
وفي كتاب آخر تقدم ذكر بعضه قال وقد تفرق العسكر قوم إلى 328 القدس وابن زين الدين وتقي الدين نازلان على صور وفتحت هونين بالسيف وتبنين بالسيف وإسكندرونة بالسيف
وفي كتاب آخر ونزلوا على صور وكاتبهم ملك بيت المقدس يطلب الأمان فقال له صلاح الدين أنا أجيء إليكم فقال له المنجمون على نجمك أن تدخل بيت المقدس وتذهب عين واحدة منك فقال قد رضيت بأن أعمى وآخذ البلد
قال ولم يمنعه من ذلك إلا فتح صور وما هي شيء يقف عليه
وقد خطب لأمير المؤمنين الناصر لدين الله على ثلاثين منبرا من بلاد الفرنج
قال العماد وفوض السلطان القضاء والحكم والخطابة وجميع الأمور الدينية بمدينة عسقلان وأعمالها إلى جمال الدين أبي محمد عبد الله بن عمر الدمشقي المعروف بقاضي اليمن
قال ووصل إلى السلطان من مصر ولده الملك العزيز عثمان واجتمع به على عسقلان فقرت عينه بولده واعتضد بعضده ووضع يده بتأييد الله في يده
وكان قد استدعى بالأساطيل المنصورة فوافت كالفتخ الكواسر بالفلك المواخر وجاءت كأنها أمواج تلاطم أمواجا وأفواج 329 تزاحم أفواجا تدب على البحر عقاربها وتخب كقطع الليل سحائبها والحاجب لؤلؤ مقدمها ومقدامها وضرغام غابها وهمامها فطفق يكسر ويكسب ويسل ويسلب ويقطع الطريق على سفن العدو ومراكبه ويقف له في جزائر البحر على مذاهبه وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى
فتح البيت المقدس شرفه الله تعالى
قال القاضي ابن شداد لما تسلم السلطان عسقلان والأماكن التي هي محيطة بالقدس شمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصده واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل بعد قضاء لبانتها من النهب والغارة فسار نحوه معتمدا على الله مفوضا أمره إلى الله منتهزا فرصة فتح باب الخير الذي حث على انتهازه إذا فتح بقوله عليه السلام من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق دونه وكان نزوله عليه قدس الله روحه يوم الأحد الخامس عشر من رجب فنزل بالجانب الغربي وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة ولقد تحازر أهل الخبرة عدة من كان فيه من المقاتلة بما يزيد على ستين ألفا ما عدا النساء والصبيان
ثم انتقل رحمه الله لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي وكان انتقاله يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب عليه المنجنيقات وضايقه بالزحف والقتال 330 وكثرة الرماة حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم في قرنة شمالية
ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع وظهرت لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان الله قد ألقى في قلوبهم الرعب بما جرى على أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون وبالسيف الذي قتل به إخوانهم يقتلون فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان واستقرت القاعدة بالمراسلة بين الطائفتين وكان تسلمه له يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى
قلت هذا أحد الأقوال في ليلة المعراج وفي ذلك اختلاف كثير ذكرناه في مواضع غير هذا والله أعلم
ثم قال القاضي وكان فتوحا عظيما شهده من أهل العلم خلق عظيم ومن أرباب الخرق والحرق وذلك أن الناس لما بلغهم ما من الله به 331 على يده من فتوح الساحل شاع قصده للقدس فقصده العلماء من مصر والشام بحيث لم يتخلف معروف عن الحضور وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير وخطب فيه وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وحط الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما ونصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر
وكان قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير وعن كل صغير ذكر او أنثى دينارا واحدا
قلت كذا قال وسيأتي في كتاب العماد أن على كل صغير دينارين وكذا قال أن الجمعة صليت ببيت المقدس يوم فتحه وسيأتي في كتاب العماد التصريح بأن يوم الفتح ضاق عن ذلك فصليت في يوم الجمعة الآتي
ثم قال القاضي فمن أحضر القطيعة سلم بنفسه وإلا أخذ أسيرا وفرج الله عمن كان فيه من أسرى المسلمين وكانوا خلقا عظيما زهاء ثلاثة آلاف أسير وأقام عليه رحمة الله يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والعلماء ويوصل من دفع قطيعته منهم إلى مأمنه وهو صور
قال ولقد بلغني انه رحمه الله رحل عنه ولم يبق معه من ذلك المال شيء وكان مئتي الف دينار وعشرين ألفا وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة 332 كما سيأتي
فصل
هذا الذي ذكره القاضي في أمر فتح بيت المقدس مختصر مجمل وقد بسطه العماد فقال رحل السلطان من عسقلان للقدس طالبا وبالعزم غالبا وللنصر مصاحبا ولذيل العز ساحبا والإسلام يخطب من القدس عروسا ويبذل لها في المهر نفوسا ويحمل إليها نعمى ليحمل عنها بوسى ويهدي بشرا ليذهب عبوسا ويسمع صرخة الصخرة المستدعية المستعدية لإعدائها على أعدائها وإجابة دعائها وتلبية ندائها وإطلاع زهر المصابيح في سمائها وإعادة الإيمان الغريب منها إلى وطنه ورده إلى سكونه وسكنه وإقصاء الذين أقصاهم الله تعالى بلعنته من الأقصى وجذب قياد فتحه الذي استعصى وإسكات الناقوس منه بإنطاق الأذان وكف كف الكفر عنه بأيمان الإيمان وتطهيره من أنجاس تلك الأجناس وأدناس أدنى الناس
وطار الخبر إلى القدس فطارت قلوب من به رعبا وطاشت وخفقت أفئدتهم خوفا من جيش الإسلام وجاشت وتمنت الفرنج لما شاعت الأخبار أنها ما عاشت وكان به من مقدمي الفرنج باليان بن بارزان وهو وملكهم في التسلط سيان والبطرك الأعظم وهو الشاني العظيم الشان والذين أغفلتهم حياطة حطين من الفرسان الداوية والاسبتارية والبارونية من ذوي الكفر والشنان وقد حشروا وحشدوا ونشروا ونشدوا وحميت 333 حميتهم وأبت الضيم أبيتهم وحارت غيرتهم وغارت خيرتهم وتبلدوا وتلددوا وقاموا وقعدوا وصوبوا وصعدوا فاشتغل بال باليان واشتعل بالنيران وخمدت نار بطر البطرك وضاقت بالقوم منازلهم فكأن كل دار منها شرك للمشرك وقاموا للتدبير في مقام الأدبار وتقسمت أفكار الكفار وأيس الفرنج من الفرج وأجمعوا على بذل المهج وقالوا هاهنا نطرح الرؤوس ونسبك النفوس ونسفك الدماء ونهلك الدهماء ونصبر على اقتراح القروح واجتراح الجروح ونسمح بالأرواح شحا بمحل الروح فهذه قمامتنا فيها مقامتنا ومنها تقوم قيامتنا وتصيح هامتنا وتصح ندامتنا وتسيح علامتنا وتسح غمامتنا وبها غرامنا وعليها غرامتنا وبإكرامها كرامتنا وبسلامتها سلامتنا وباستقامتها استقامتنا وفي استدامتها استدامتنا وإن تخلينا عنها لزمت لآمتنا ووجبت ملامتنا ففيها المصلب والمطلب والمذبح والمقرب والمجمع والمعبد والمهبط والمصعد والمرقى والمرقب والمشرب والملعب والمموه والمذهب والمطلع والمقطع والمربى والمربع والمرخم والمخرم والمحلل والمحرم والصور والأشكال والأنظار والأمثال والأشباه والأشباح والأعمدة والألواح والأجسام والأرواح وفيها صور الحواريين في حوارهم والأحبار في أخبارهم والرهابين في صوامعهم والأقساء في مجامعهم والسحرة وحبالها والكهنة وخيالها ومثال السيدة والسيد والهيكل والمولد والمائدة والحوت والمنعوت والمنحوت والتلميذ 334 والمعلم والمهد والصبي المتكلم وصورة الكبش والحمار والجنة والنار والنواقيس والنواميس
قالوا وفيها صلب المسيح وقرب الذبيح وتجسد اللاهوت وتأله الناسوت واستقام التركيب وقام الصليب ونزل النور وزال الديجور وازدوجت الطبيعة بالأقنوم وامتزج الموجود بالمعدوم وعمدت معمودية المعبود ومخضت البتول بالمولود وأضافوا إلى متعبدهم من هذه الضلالات ما ضلوا فيه بالشبه عن نهج الدلالات وقالوا دون مقبرة ربنا نموت وعلى خوف فوتها منا نفوت وعنها ندافع وعليها نقارع ومالنا ألا نقاتل وكيف لا ننازع ولا ننازل ولأي معنى نتركهم حتى يأخذوا وندعهم حتى يستخلصوا ما استخلصناه منهم ويستنقذوا وتأهبوا وتباهوا وما انتهوا بل تناهوا ونصبوا المجانيق على الأسوار وستروا بظلمات الستائر وجوه الأنوار واستشاطت شياطينهم وسرحت سراحينهم وطغت طواغيتهم وأصليت مصاليتهم وهاج هائجهم وماج مائجهم وحضتهم قسوسهم وحرضتهم رؤوسهم وحركتهم نفوسهم وجاءتهم بجوى السوء جواسيسهم
ونصبوا على كل نيق منجنيقا وحفروا في الخندق حفرا عميقا وشادوا في كل جانب ركنا وثيقا وفرقوا على كل برج فريقا وجعلوا إلى كل طارق بالردى للرد طريقا وأعادوا كل نهج واسع بما وعروه وعوروه به مضيقا وتحمل كل منهم ما لم يكن له من قبل مطيقا وخرج جماعة منهم 335 على سبيل اليزك فأدلجوا ليلا واعترضوا عدة من أصحابنا غارة على طريق السلامة مارة وكان قد شذ من المقدمة المنصورة أمير تقدم وما تحرز ولا تحزم وما ظن أن قدامه من له جرأة الإقدام ومن يعتقد أن ربح كفره خسارة الإسلام وهو الأمير جمال الدين شروين بن حسن الزرزاري فوقعوا عليه في موضع يعرف بالقبيبات فاستشهد رحمه الله
ولما بلغ السلطان خبره ساءه وغمه
ثم أقبل بإقبال سلطانه وأبطال شجعانه وأقيال أولاده وإخوانه وأشبال مماليكه وغلمانه وكبار أمرائه وعظام أوليائه وأصبح يسأل عن الأقصى وطريقه الأدنى وفريقه الأسنى ويذكر ما يفتح الله عليه بحسن فتحه من الحسنى وقال إن أسعدنا من الله على إخراج أعدائه من بيته المقدس فما أسعدنا وأي يد له عندنا إذا أيدنا وإنه مكث في أيدي الكفر إحدى وتسعين سنة لم يتقبل الله فيه من عابد حسنة ودامت همم الملوك دونه متوسنة وخلت القرون عنه متخلية وخلت الفرنج به متولية فما ادخر الله فضيلة فتحه إلا لآل أيوب ليجمع لهم بالقبول القلوب
وكيف لا يهتم بافتتاح البيت المقدس والمسجد الاقصى المؤسس على التقوى وهو مقام الأنبياء وموقف الأولياء ومعبد الأتقياء ومزار أبدال الأرض وملائكة السماء ومنه المحشر والمنشر ويتوافد إليه من أولياء الله بعد المعشر المعشر وفيه الصخرة التي صينت جدة أبهاجها من 336 الإنهاج ومنها منهاج المعراج ولها القبة الشماء التي هي على رأسها كالتاج وفيه ومض البارق ومضى البراق وأضاءت ليلة الإسراء بحلول السراج المنير فيه الآفاق
ومن أبوابه باب الرحمة الذي يستوجب داخله إلى الجنة بالدخول الخلود وفيه كرسي سليمان ومحراب داود وفيه عين سلوان التي تمثل لواردها من الكوثر الحوض المورود وهو أول القبلتين وثاني البنيتين وثالث الحرمين وهو أحد المساجد الثلاثة التي جاء في الخبر النبوي انها تشد إليها الرحال وتعقد الرجاء بها الرجال
ولعل الله يعيده بنا إلى أحسن صورة كما شرفه بذكره مع أشرف خلقه في أول سورة فقال عز من قائل (
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) وله فضائل ومناقب لا تحصى ومنه كان الإسراء ولأرضه فتحت السماء وعنه تؤثر أنباء الأنبياء وآلاء الأولياء ومشاهد الشهداء وكرامات الكرماء وعلامات العلماء وفيه مبارك المبار ومسارح المسار وصخرتها الطولى القبلة الأولى ومنها تعالت القدم النبوية وتوالت البركة العلوية وعندها صلى نبينا بالنبيين وصحب الروح الأمين وصعد منها إلى أعلى عليين وفيه محراب مريم عليها السلام الذي قال الله فيه (
كلما دخل عليها زكريا المحراب ) ولنهاره التعبد ولليله المحيا وهو 337 الذي أسسه داود وأوصى ببنائه سليمان ولأجل إجلاله أنزل الله سبحانه (
سبحان ) وهو الذي افتتحه الفاروق وافتتحت به سورة من الفرقان
فما أجله وأعظمه وأشرفه وأفخمه وأعلاه وأجلاه وأسماه وأسناه وأيمن بركاته وأبرك ميامنه وأحسن حالاته وأحلى محاسنه وأزين مباهجه وأبهج مزاينه وقد أظهر الله طوله وطوله بقوله ( فصل في نزول السلطان على البيت المقدس وحصره وما كان من أمره>
الذي باركنا حوله ) وكم فيه من الآيات التي أراها الله نبيه وجعل مسموعنا من فضائله مرئية ووصف للسلطان من خصائصه ومزاياه ما وثق على استعادة آلائه مواثيقه وألاياه وأقسم لا يبرح حتى يبر قسمه ويرفع بأعلاه علمه وتخطو إلى زيارة موضع القدم النبوية قدمه ويصغي إلى صرخة الصخرة وسار واثقا بكمال النصرة
فصل في نزول السلطان على البيت المقدس وحصره وما كان من أمره
قال العماد نزل السلطان على غربي القدس يوم الأحد خامس عشر 338 رجب وكان في القدس حينئذ من الفرنج ستون ألف مقاتل من فارس وراجل وسائف ونابل فاستهدفوا للسهام واستوقفوا للحمام وقالوا كل واحد منا بعشرين وكل عشرة بمئتين ودون القيامة تقوم القيامة ولحب سلامتها تقلى السلامة
وأقام السلطان خمسة أيام يدور حول البلد ويقسم على حصاره أهل الجلد وأبصر في شماليه أرضا رضيها للحصار متسعة لمجال الأسماع والأبصار ممكنة للدنو من النقب إن صار من حيز الأنصار
فانتقل إلى المنزل الشمالي يوم الجمعة العشرين من شهر رجب فما أصبح يوم السبت إلا على منجنيقات قد نصبت بلا نصب فدام القتال والنزال وفرسانهم في كل يوم يباشرون دون الباشورة أمام جموعهم المحصورة المحسورة المحشورة ويبرزون ويبارزون ويطاعنون ويحاجزون والمطيعون لله عليهم يحملون ومن دمائهم ينهلون وينهلون كما قال الله تعالى فيهم (
يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) وممن استشهد مبارزا ولم يشهد بينه وبين الجنة حاجزا الأمير عز الدين عيسى بن مالك كان أبوه صاحب قلعة جعبر فإنه حاز بشهادته في المحشر المفخر وأكثر ورود الموت إلى أن ورد الكوثر وكان في كل يوم يفرس فوارس ويلقى ببشر وجهه وجوه المنون العوابس فاغتم المسلمون من صرعته وهان عليهم إتلاف المهج بعد تلاف مهجته فركبوا أكتاف الرهج حتى وصلوا إلى 339
الخندق فخرقوه وبددوا جمعه وفرقوه والتصقوا بالسور فنقبوه وعلقوه وحشوه وأحرقوه وصدقوا وعد الله في القتال لأعدائه فصدقوه ولما عضتهم الحرب وقع السور واتسع النقب فصعب عليهم الهين وهان لنا الصعب عقدوا ما بينهم مشورة وقعدوا ما بينهم ضرورة وقالوا مالنا إلا الاستئمان فقد أخذ لنا بخطه الخذلان والحرمان
وأخرجوا كبراءهم ليؤخذ لهم الأمان فأبى السلطان إلا قتالهم وتدميرهم واستئصالهم وقال ما آخذ القدس إلا كما أخذوه من المسلمين منذ إحدى وتسعين سنة فإنهم استباحوا القتل ولم يتركوا طرفا يستزير سنة فأنا أفني رجالهم قتلا وأحوي نسائهم سبيا فبرز ابن بارزان ليأمن من السلطان بموثقه وطلب الأمان لقومه وتمنع السلطان وتسامى في سومه وقال لا أمن لكم ولا أمان وما هوانا إلا أن نديم لكم الهوان وغدا نملككم قسرا ونوسعكم قتلا وأسرا ونسفك من الرجال الدماء ونسلط على الذرية والنساء السباء
وأبى في تأمينهم إلا الإباء فتعرضوا للتضرع وخوفوا عاقبة التسرع وقالوا إذا أيسنا من أمانكم وخفنا من سلطانكم وخبنا من إحسانكم وأيقنا أنه لا نجاة ولا نجاح ولا صلح ولا صلاح ولا سلم ولا سلامة ولا نعمة ولا كرامة فإنا نستقتل فنقاتل قتال الدم والندم ونقابل الوجود بالعدم ونلقي أنفسنا على النار ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة والعار ولا يجرح منا واحد حتى يجرح عشرة وإنا نحرق الدور ونخرب القبة وونترك عليكم في سبينا السبة ونقلع الصخرة ونوجدكم عليها الحسرة وقبة الصخرة نرميها وعين سلوان نعميها والمصانع نخسفها والمطالع نكسفها وعندنا من المسلمين خمسة آلاف أسير ما بين غني وفقير وكبير وصغير فنبدأ 340 بقتلهم وشت شملهم وأما الأموال فأنا نعطبها ولا نعطيها وأما الذراري فإنا نسارع إلى إعدامها ولا نستبطيها فلا يحصل لكم سبي ولا يقبل لكم سعي ولا يسلم عمر ولا عمارة ولا نضار ولا نضارة ولا نساء ولا صبيان ولا جماد ولا حيوان فأي فائدة لكم في هذا الشح وكل خسر لكم في هذا الربح ورب خيبة جاءت من رجاء النجح ولا يصلح السوء سوى الصلح فشاور السلطان أصحابه فقيل له الصواب أن نحسبهم أسارانا فنبيعهم نفوسهم ونعمم بصغار الجزية رؤوسهم ويدخل في القطيعة مرؤوسهم ورئيسهم
واستقر بعد مراودات ومعاودات ومفاوضات وتفويضات وضراعات من القوم وشفاعات على قطيعة تكمل بها الغبطة ويحصل منها الحوطة اشتروا بها منا أنفسهم وأموالهم وخلصوا بها رجالهم ونسائهم وأطفالهم على أنه من عجز بعد أربعين يوما عما لزمه أو امتنع منه وما سلمه ضرب عليه الرق وثبت في تملكه لنا الحق وهو عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير وعن كل صغيرة أو صغير ديناران الذكر والأنثى في ذلك سيان ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتار في هذا الضمان وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وقام بالأداء ولم ينكل عن الوفاء فمن سلم خرج من بيته أمنا ولم يعد إليه ساكنا وسلموا البلد يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب على هذه القطيعة وردوه بالرغم رد الغصب لا الوديعة وكان فيه أكثر من مئة ألف إنسان من 341 رجال ونساء وصبيان فأغلقت دونهم الأبواب ورتب لعرضهم واستخراج ما يلزمهم النواب ووكل بكل باب أمير ومقدم كبير يحصر الخارجين ويحصي الوالجين فمن استخرج منه خرج ومن لم يقم بما عليه قعد في الحبس وعدم الفرج ولو حفظ ذلك المال حق حفظه لفاز منه بيت المال بأوفر حظه لكنما تم التفريط وعم التخليط فكل من رشا مشى وتنكب الأمناء نهج الرشد بالرشا فمنهم من أدلي من السور بالحبال ومنهم من حمل مخفيا في الرحال ومنهم من غيرت لبسته فخرج مخفيا في زي الجند ومنهم من وقعت فيه شفاعة مطاعة لم تقابل بالرد والثقات الأكابر استنابوا أصاغر فأقاموا في تقصيرهم المعاذر وقنوا لأنفسهم الذخائر وأدعى مظفر الدين كوكبوري أن منهم جماعة من أرمن الرها وعددها ألف نسمة فجعل إليه أمرها وكذلك صاحب البيرة ادعى بالعدة الكثيرة زهاء خمس مئة أرمني ذكر أنهم من بلده وأن الواصل منهم إلى القدس لأجل متعبده وكذلك كل من استوهب عدة استطلقها وحصل له مرفقها ثم تولى الملك العادل استخراجهم وقوم على الأداء منهاجهم وسهل على السلطان لفرط جوده الاستخراج والإخراج وتوفر لعامة الناس وخاصتهم ببهجة سماحه الابتهاج وما فينا إلا من فاز بأوفى نصيب ورعى منه في مرعى خصيب
وكان السلطان قد رتب عدة دواوين في كل ديوان منها عدة من النواب المصريين وفيهم من الشاميين فمن أخذ من أحد الدواوين خطا بالأداء انطلق مع الطلقاء بعد عرض خطه على من بالباب من الأمناء 342 والوكلاء فذكر لي من لا أشك في مقاله أنه كان يحضر في الديوان ويطلع على حاله فربما كتبوا خطا لمن نقده في كيسهم وتلبس أمر تلبيهم فكانوا شركاء بيت المال لا أمناءه وخانوه على ما حصل لكل من الغنى والنفع وما أضر غناءه ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مئة ألف دينار وبقي من بقي تحت رق وإسار ينتظر به انقضاء المدة المضروبة والعجز عن الوفاء بالقطيعة المطلوبة
وكانت بالقدس ملكة رومية متعبدة مترهبة في عبادة الصليب متصلبة وعلى مصابها متلهبة وفي التمسك بملتها متعصبة متعصبة أنفاسها متصاعدة للحزن وعبراتها متحدرة تحدر القطرات من المزن ولها حال ومال ومتاع وأشياء وأشياع وأتباع فعاذت بالسلطان فأعاذها ومن عليها وعلى كل من معها بالإفراج وأذن في إخراج كل ما لها في الأكياس والإخراج وأبقى عليها من مصوغات صلبانها الذهبية المجوهرة ونفائسها وكرائم خزائنها فخرجت بجميع مالها وحالها ونسائها ورجالها وأسفاطها وأعدالها والصناديق بأقفالها وتبعها من لم يكن من أتباعها فراحت فرحى وإن كانت من شجنها قرحى
وكذلك خرجت زوجة الملك المأسور كي وهي ابنة الملك أماري وكانت مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخول والخدم والجواري فاستأذنت في الإلمام بزوجها وكان بقيده مقيما في برج نابلس موكلا به ليوم وعد تسريحه فأذن لها فخلصت هي ومن تبعها وأقامت عند زوجها 343 وكذلك خرجت الإبرنساسة أم هنفري وهي ابنة فليب وزوجة الإبرنس الذي سفك دمه يوم حطين وهي صاحبة الكرك والشوبك وهي بنوابها محوطة وبرأيها منوطة فجاءت سائلة في ولدها العاني فوعدت أنها إن سمحت بحصنها سمح لها بابنها ثم أعفيت وأطلقت وعصمت واستحضر ابنها هنفري بن هنفري من دمشق إليها وأقر برؤيته عينيها وسار معها من الأمراء والأمناء من يتسلم منهم تلك المعاقل فخرجت فمضت إلى حصونها لتسلمها فمانعها أهلها ودافعوها وردوها ذليلة خائبة فسكنت صور واستودعت السلطان ابنها المأسور ووعدها بإطلاقه إذا تسلم تلك الحصون
فصل في ذكر يوم الفتح وبعض كتب البشائر إلى البلاد
قال العماد تسلم المسلمون البلد يوم الجمعة أوان وجوب صلاتها وطلعت الرايات الناصرية على شرفاتها وأغلقت أبوابها لحفظ ناسها في طلب القطيعة والتماسها وضاق وقت الفريضة وتعذر أداؤها وللجمعة مقدمات وشروط لم يمكن استيفاؤها وكان الأقصى لا سيما محرابه مشغولا بالخنازير والخنا مملوءا بما أحدثوا من البنا مسكونا ممن كفر وغوى وضل وظلم وجنى مغمورا بالنجاسات التي حرم علينا في تطهيره منها الونى فوقع الإشتغال بالأهم الأنفع والأتم الأنجح الأنجع وهو حفظهم وضبطهم إلى أن يوجد شرطهم ويؤخذ قسطهم 344
واتفق فتح البيت المقدس في يوم كان في مثل ليلته منه المعراج وتم بما وضح من منهاج النصر الابتهاج وجلس السلطان بالمخيم ظاهر القدس للهناء وللقاء الأكابر والأمراء والمتصوفة والعلماء وهو جالس على هيئة التواضع وهيبة الوقار بين الفقهاء وأهل العلم جلسائه الأبرار ووجهه بنور البشر سافر وأمله بعز النجح ظافر وبابه مفتوح ورفده ممنوح وحجابه مرفوع وخطابه مسموع ونشاطه مقبل وبساطه مقبل ومحياه يلوح ورياه يفوح وقد جلت له حالة الظفر وكأن دسته به هالة القمر والقراء جلوس يقرؤون ويرشدون والشعراء وقوف ينشدون وينشدون والأعلام تبرز لتنشر والاقلام تزبر لتبشر والعيون من فرط المسرة تدمع والقلوب للفرح بالنصرة تخشع والألسنة بالابتهال إلى الله تضرع وبشر المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى وتلي ( وتسامع الناس بهذا النصر الكريم والفتح العظيم فوفدوا للزيارة من كل فج عميق وسلكوا إليه في كل طريق وأحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق وتنزهوا من زهر كراماته في الروض الأنيق>
شرع لكم من الدين ما وصى ) وهنئ الحجر الأسود بالصخرة البيضاء ومنزل الوحي بمحل الإسراء ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء ومقام إبراهيم بموضع قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وأدام أهل الإسلام بشرف بنيته مستمتعين
وتسامع الناس بهذا النصر الكريم والفتح العظيم فوفدوا للزيارة من كل فج عميق وسلكوا إليه في كل طريق وأحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق وتنزهوا من زهر كراماته في الروض الأنيق
وقد سبق أن العماد كان توجه إلى دمشق والسلطان على بيروت 345 للألم الذي ألم به فلما سمع بنزول السلطان على القدس أبل من مرضه وتوجه إليه فوصل يوم السبت ثاني يوم الفتح قال وطلعت عليه صبحا عند طلوع الصبح فاستبشر بقدومي وخلع على البشير قبل رؤيتي وكان أصحابه يطالبونه بكتب البشائر ليغربوا بها ويشرقوا وهو يقول لهذه القوس بار ولهذه المأدبة قار
قال فكتبت في ذلك اليوم سبعين كتاب بشارة كل كتاب بمعنى بديع وعبارة فمنها الكتاب إلى الديوان العزيز ببغداد أفتتحه بهذه الآية (
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا )
الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف وخص سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة ومكن دينه المرتضى وبدل الأمن من المخافة وذخر هذا الفتح الأسنى والنصر الأهنى للعصر الإمامي النبوي الناصري على يد الخادم أخلص أوليائه وأخص من اعتزازه باعتزائه إليه وانتمائه
وهذا الفتح العظيم والنجح الكريم قد انقرض من الملوك الماضية والقرون الخالية على حسرة تمنيه وحيرة ترجيه ووحشة اليأس من تسنيه وتقاصرت عنه طوال الهمم وتخاذلت عن الانتصار له أملاك الأمم فالحمد لله الذي أعاد القدس 346 إلى القدس وأعاذه من الرجس وحقق من فتحه ما كان في النفس وبدل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس وجعل عز يومه ماحيا ذل الأمس وأسكنه الفقهاء والعلماء بعد الجهال والضلال من البطرك والقس وعبدة الصليب ومستقبلي الشمس وقد أظهر الله على المشركين الضالين جنوده المؤمنين العالمين وقطع دابر القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين فكأن الله شرف هذه الأمة وقال لهم اعزموا على اقتناء هذه الفضيلة التي بها فضلكم وحقق في حقهم امتثال أمره في قوله الكريم (
ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم )
وهذا الفتح قد أقدره الله على افتضاضه بالحرب العوان وجعل ملائكته المسومة له من أعز الأنصار وأظهر الأعوان وأخرج يوم الجمعة من بيته المقدس أهل الأحد وقمع من كان يقول إن الله ثالث ثلاثة بمن يقول هو الله أحد
وأعان الله بإنزال الملائكة والروح وأتى بهذا النصر الممنوح الذي هو فتح الفتوح وقد تعالى أن يحيط به وصف البليغ نظما ونثرا وعبد الله في البيت المقدس سرا وجهرا وملكت بلاد الأردن وفلسطين غورا ونجدا وبرا وبحرا وملئت إسلاما وكانت قد ملئت كفرا وتقاضى الخادم دين الدين الذي غلق رهنه دهرا والحمد لله شكرا حمدا يجدد للإسلام كل يوم نصرا ويزيد وجوه أهله ببشرى فتوحه بشرا وأبى الخادم إلا استباحة أموالهم وأرواحهم وحسم داء اجتراحهم باجتياحهم وأنه لا بد من تطهير الأرض المقدسة برجس دمائهم وقتل رجالهم وسبي 347 ذراريهم ونسائهم ولما أيسوا من النجاة وفتح أبوابها المرتجة من أسبابها المرتجاة خوفوا بقتل الأسارى المسلمين وهم أكثر من ثلاثة آلاف وأنهم يفسدون جميع ما في البلد من مال وبناء بهدم وإحراق وإتلاف وعرف أن جهلهم على كل نكر شنيع وأنهم تدعوهم فظاظتهم إلى كل ضر فظيع وبذلوا إطلاق الأسرى وشرطوا حمل مال الفدا وما زالوا يبتهلون ويضرعون ويذلون ويخشعون حتى استقر الأمر أنهم يفادون وأجيبت الصخرة المقدسة عند استصراخها و بركت البركة الناهضة إليها في مناخها وغسلت من أوضارها وأوزارها بعبرات العيون ورجع اضطرابها إلى السكون وفديت بنواظر أهل الإيمان وصوفحت للوفاء بعهدها المجدد بالأيمان وذكرت في يوم خلاصها من رجب بليلة المعراج وتجلى إظلامها بإنارة سنا السراج وأعيدت الكنائس مدارس وأضحت بإحياء رميم التوحيد رسوم الكفر عافية دوارس وزالت ضجرة الصخرة ونعشها الله من العثرة وبدل بالأنس فيها ما كان من الوحشة والحسرة فالحمد لله على هذه النصرة والمنة له على هذه المبرة
وقد تسلمنا مع بيت المقدس جميع المعاقل من حد الداروم إلى حد طرابلس وكل ما كان جاريا في مملكة ملك القدس ونابلس ولم يبق إلا صور فإنها قد تأخر انتزاعها وتقدم امتناعها والفرنج فيها قد ضريت بآمالها أطماعها وهي بتأييد الله مستفتحة والقلوب بتذليل جامحها منشرحة
ومن كتب أخر فتح بيت الله المقدس الذي عجز الملوك عن تمنيه فكيف تسنيه وماتت الأطماع دونه فلم تطمع فيه فمن الله علينا بتذليل صعبه وإعذاب شربه وتسهيل وعره وتحصيل فخره وقضى الملوك في 348 ليله وجئنا نحن عند إسفار فجره وقد كانت الصخرة مستصرخة ومطايا الكفر بكلاكلها عليها منوخة فأجيبت دعوتها وأصينت حظوتها وتناثرت على حجرها يواقيت الشفاه وقوبلت قبلتها بقبل الأفواه ودنا المسجد الأقصى للقاصي والداني وزال رين العائن وقرت عين الراني
هذا فتح عظيم قدره جسيم فخره فاضل عصره كامل نصره غير منسي إلى يوم الحشر ذكره وقد اقتض بنا بكره واقتضي بسيفنا وتره وزهر زهره وظهر قهره وهلك الكافر وكفره وجاء من نعم الله ما لزم على الأبد شكره
أبينا إلا إحراقهم بنيران الصوارم وإغراقهم في أمواه الطلى والجماجم وتسلمنا القدس في يوم كانت في مثل ليلته ليلة المعراج وحنت الصخرة حنين جذع المعجزة الأولى في ظلمة ليلها إلى ذلك السراج الوهاج والحمد لله على سلوك ما وضح من المنهاج ونضوب ما كان نبع من الأجاج وخلا بيت الله لقصد الحاج وصدق الحاج
مبشرة بما فضل الله به عصرنا وعجل به نصرنا ونظم به سلكنا وطرز به ملكنا وهو فتح بيت الله المقدس الذي غلق رهنه دهرا واغتصبت من الإسلام قهرا وارتد كفرا وامتدت به الأيام عمرا فعمرا وتقاصرت الهمم عن استفتاحه وأصلد زند الملوك فيه فعجزوا عن اقتداحه ونزلوا بالرغم على التماس الكفر واقتراحه واحتملوا لحفظ 349 مواضعهم نكاية اجترامه واجتراحه فلا جرم أعده الله لأيامنا وذخره لمواسم اعتزامنا وفتحه بنا إظهارا لفضيله هذه الأيام وإيثارا لما نحن نؤثره من إعلاء كلمة الإسلام فأصرخنا الصخرة وأهدينا إليها النصرة ومكنا من قلبها وإن كان من الحجر المسرة
وتسلمنا القدس يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وقضينا من حق هذا البيت ما وجب وجاء القدس إلى القدس وزال الرجس وذهب وتولى فيه الإسلام وتولى عنه الكفر وعظم الأجر وفخم الفخر وطاب النشر وزاد البشر ومحي الرجس وثبت الطهر وهلك المشرك وذل البطرك وأقصي من المسجد الأقصى الساجد إلى الشمس وتجلى الحق بنوره الكاشف للبس
عاد بيت الله المقدس إلى طهارته ونطق منه لسان التقديس بعبارته وتهلل وجه السعد بنضارته وخصنا القدر في إتمام أمره بخطابه وإشارته وزادت الوجوه بشرا ببشارته وقد أعاد الله إلى الإسلام المسجد الأقصى وملكنا أدناه وأقصاه وأسنى دولتنا بما سناه من فتحه وهناه وعلموا أنهم هالكون وأنا لهم بالقهر مالكون وفي سبيل القتل والأسر والسبي سالكون فخرجوا يطلبون الأمان ويبذلون الإذعان حتى يسلموا المكان فقيل لهم الآن وقد عصيتم ورضيتم بما فيه هلاكهم وأبيتم فروعوا بقتل أسارى المسلمين وهم ألوف وعرفنا أنهم لا يقصرون عن شر فإن جهلهم معروف فتضرعوا وتشفعوا وتعفروا في تراب الذل ووقعوا وتقرر 350 عليهم مال اشتروا به أنفسهم فنزعوا به من الخوف ملبسهم وسلموا القدس فأعدناه إلى القدس وطهرناه من الرجس وأجبنا دعوة الصخرة وغسلنا عنها وضر الكفر بعبرات العبرة
فتح بيت الله المقدس الذي غلق رهنه وطال في يد الكفر أسره وسجنه واستهل بغر أيامنا مزنه وأنار يمنه وعاد بإحساننا حسنه وزال بنا خوفه وزاد أمنه وبقي قريب مئة سنة في يد الكفر مسجونا وبرجس الشرك مشحونا حتى أعاد الله بنا رونقه وأذهب قلقه وأعدم فرقه وهذا فتح لم يكن منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم له نظير وأفق الدين به منيف منير وشرف أيامنا به كبير وهو إمام فتوحنا المدخرة لنا وما لها بتأييد الله تأخير
فتح البيت المقدس الذي لم يخطر تمنيه بخاطر الملوك وتوعر على عزائمهم نهج طريقه المسلوك وحالت دونه قنطاريات الفرنج وطوارقها وجنت على الإسلام فيه حوادث الليالي وطوارقها حتى دعانا الله لفتحه فأجبناه ووعدنا بالفوز فأصبناه وأوردنا مشرع صفائه فاستعذبناه وعرفنا طيب عرفه فاستطبناه وذخر لعصرنا هذا الفتح فاستقبلناه
رأوا أحجار المنجنيقات قد أنزلت الأسوار بالأسوار وغارت الصخور للصخرة المباركة فجدت في إنقاذها من الأسار وهتمت ثنايا الأبراج وأعضل بها في علاج داء العلاج فعاينوا الحمام وشاهدوا الموت الزؤام 351 أقامت المنجنيقات على حصانته جد الرجم وواقعت ثنايا شرفاته بالهتم وتطايرت الصخور من نصرة الصخرة المباركة وحجرت على حكم السور بسفه الأحجار المتداركة وحسرت النقوب عن عروس البلد نقب الأسوار وانكشفت للعيون انكشاف الأسرار
نهضت لإصراخ الصخرة المقدسة الصخور وطارت من أوكار المجانيق كأنها الصقور ما أسر البيت الحرام بفكاك أخيه من الأسر وإجراء ماء الإسلام فيه لغسل أوضار الكفر وإنقاذ الصخرة المباركة ممن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة وإلحافها من البهاء والرونق والعز الإسلامي كسوة ولقد غسلت من أدران الكفر وأدناسه وطهرت من أرجاس أنجاسه بمياه العيون التي بها قذفت وصقلت بشفاه المؤمنين وطالما بأيدي الكفر صديت وأعيد إليها ذكر الله تعالى بعد طول الغربة وتذكرت بصحبة الاولياء ما سلف لها في عهد الصحابة رضي الله عنهم من حسن الصحبة ودنا المسجد الأقصى فأقصي منه الساجد للشمس وسكن العلماء والفقهاء في مواطن البطرك والقس وأبدل الناقوس بالأذان بل الكفر بالإيمان وصلى محراب الإسلام في المحراب الذي أسلم وقد سنى الله تعالى هذا الفتح الأعظم والنجح الأفخم
وقد ندب فلان في الرسالة القدسية والبشارة العرسية التي تم بها ماتم الكفر وعرس الإسلام وعاد بها المسجد الأقصى إلى مداناة المسجد الحرام وتجلت عروس الصخرة لعيون الناظرين وفاضت عليها مياه أحداق 352 الأولياء فرحضت عنها أوضار الكافرين وكان الإسلام منه غريبا فرجع إلى وطنه وسكن منه إلى التوطن في مسكنه وزالت مخاوفه وعاد إلى مأمنه وفاض العرف من منبعه وأنار التوحيد من مطلعه وعلا سنا السنة وحلا جنى الجنة وخلصت مواضع المخلصين من أولياء الأمة وخرج البطاركة والقسيسون من مساجد الأئمة وعادت الكنائس مدارس وآيات التثليث بها دوارس ووجوه الإيمان باشرة ووجوه أهل الصليب عوابس ومحت أيامن هذه الأيام تلك الليالي الدوامس وقد أقيمت الجمع والجماعات ونظفت بل طهرت تلك الساحات وصلى في محرابه المحرب ودرس فيه الخلاف والمذهب فالحمد لله الذي تسنى بفضله هذا المطلب وتيسر بتأييده الأمر الأصعب
فصل
قال العماد وكان المولى الأجل الفاضل متأخرا بدمشق لعارض من الله بشفائه فمن جملة ما كتب السلطان إليه أما الفتح فمن جملة بركات همته وآثار جذبات عزمته فأن الله تعالى سهل ما سجل أهل الدهر بأنه صعب وأهب نسيم النصر إبان يقال ليس له مهب وخصنا بهذا الشرف وألحقنا في هذه الفضيلة بصالحي السلف وقد بدل الكفر بالإيمان والناقوس بالأذان وجلس العلماء والفقهاء في مجالس الرهبان وفتحت بهذا الفتح من بيت الله المقدس أبواب الجنان وتزاحم الخارجون من البلد 353 من الفرنج والنصارى في دخول أبواب النيران وصلى محارب الدين في المحراب ورفع الملائكة ما كان تكاثف بأنفاس الكفر من الحجاب وغسلت الصخرة المباركة من أوضارها بماء العيون الفائض الفائق غزارة الأمواه وقبلت بالشفاه وبوشرت بالأفواه وطهرت بأهل العلم والحلم من أدناس أهل الجهل والسفاه
والحمد لله ثم الحمد لله وما كان يعوزنا ويعوزه إلا حضور المجلس السامي أسماه الله فما لهذا الأمر رواء إلا بروائه ولا للأنس لقاء إلا بأنس لقائه وكاد يصحف الفتح لولا صالح دعائه وحسن آلائه
والحمد لله الذي خصنا بهذه الخاصية وفضلنا بالنصرة القدسية وذخر لنا هذا البر الذي عجز بل قصر عنه ملوك البرية
والحمد لله على هذه النعمة السنية فما أشوقنا وأشوق القدس إلى قدومه وما أظمأنا وأظمأه إلى خصوص الري به وعمومه ويا حظ هذا البيت الذي هو أخو البيت الحرام من زيارته وما آنق روضه وأوفق رضاه إذا فاز بنظره ونضارته ونحن نعرف أن همته العالية تحدوه وأن دينه إلى إجابة دعوته تدعوه ونسأل الله تعالى أن يكمل صحته وينعش نهضته ويقوي قوته وما أقمنا بهذا البلد إلا لتطهيره وترتيب أمره وتدبيره
ومن كتب أخر نصرنا الله بملائكته المسومين وأوليائه المؤمنين واستخلصنا بتأييده البلاد وانتزعناها واقتضضناها بالبيض الذكور من الحرب 354 العوان أبكار الفتوح وافترعناها وهذه موهبة مذهبة ومنقبة لا تبلغ إلى وصفها بلاغة موجزة ولا مسهبة ونوبة ما للإسلام بعدها نبوة وحظوة في مذاق أهل التقوى والمغفرة حلوة وبشرى تجلو الوجوه ببشرها وتضوع مهاب المحاب بنشرها ويغرق أهل الشرق والغرب سجال غربها وتقر عين المؤمنين في البعد والقرب بأنوار قربها
عاد التقديس إلى الأرض التي به وصفت وأحاطت البركة بالبقعة التي بقوله تعالى (
باركنا حوله ) عرفت وظهرت الصخرة المقدسة وطهرت وزهيت أيامن هذه الأيام وزهرت وقمعت الطائفة الباغية من أهل التثليث بأهل التوحيد وقهرت واستبشر المحراب والمنبر بخطبته وإمامه وافتخر الزمان بعصر مولانا أمير المؤمنين وأيامه وقد تملكنا البلاد الساحلية وتسلمناها حصنا حصنا ونقضنا من الكفر ركنا ركنا وأجلينا الكفار منها فاجتلينا بها من الحسنى حسنا
فتح شرف الله به هذه الأمة وجلا به الغمة وكشف الملمة بل شرفنا بفخره وأعدنا لذخره وخصنا بفضيلته في عصره وأجرى لنا ما كان قد أبطأ من عادة نصره وقمع بأهل دينه من عساكرنا أهل كفره وقامت بواترنا بوتره وغرق البلاد الساحلية من دم الكفر ببحره وأصرخت الصخرة وحفت بها النصرة وزالت عنها المضرة وعادت إليها المبرة ونعشت منها العثرة وفاضت لها من عين المؤمنين العبرة وزفت عروسها البكر محصنة 355 لم تقتض منها العذرة وحالت العرة ولاحت الغرة وظهرت من صدف قبتها الدرة وصوفحت آثار القدم النبوية بالإيمان وجددت بعهدها صفقة الإيمان وبطل الناقوس بحق الأذان وفتحت أبواب الجنان لأهلها وأخرج منها أهل النيران والحمد لله على هذا الإحسان حمدا مستمرا على مر الزمان
ومن كتاب إلى سيف الإسلام باليمن فتح بيت الله المقدس الذي غلق نيفا وتسعين سنة مع الكفر رهنه وطال في أسره سجنه واستحكم وهنه وقوي نكره وضعف ركنه وزاد حزنه وزال حسنه وأجدبت من الهدى أرضه وأخلف مزنه وواصله خوفه وفارقه أمنه واشتغل خاطر الإسلام بسببه وساء ظنه وذكر فيه الواحد الأحد الذي تعالى عن الولد أن المسيح ابنه وربع فيه التثليث فعز صليبه وصلبه وأفرد عنه التوحيد فكاد يهي متنه ودرج الملوك المتقدمون على تمني استنقاذه فأبى الشيطان غير استيلائه واستحواذه وكان في الغيب الإلهي أن معاده في الآخرة إلى معاذه وطنت أوطانه وبقراءة القرآن ورواية الحديث وذكر الدروس وجليت الصخرة المقدسة جلوة العروس وزارها شهر رمضان مضيفا لها نهار صومها بالتسبيح وليل فطرها بالتراويح
ومن كتب أخر البيت المقدس صار مقدسا وأصبح للإسلام معرسا ورجع أهل التقوى إليه فقد كان بها مؤسسا وخرس الجرس وذهب الدنس وبطل الناقوس وخرج القسوس وزال الأذى بالأذان وصوفحت الصخرة المقدسة بأيمان أهل الإيمان وما صلت في محراب البيت المقدس 356 التقاة حتى صلت في محاريب رقاب الكفر المشرفيات وما تم الرضى بفتح المسجد الأقصى حتى أقصي منه من أقصاه الله عن رضاه وما تبوأ المسلم المصلي فيه مثواه من الجنة حتى تبوأ الكافر المصلى بالنار مثواه
صوفح موضع القدم المباركة ليلة المعراج بالأيدي وقال لأولياء الله أهل الإخلاص أهلا بكم فما أحسن الخلاص من ولاية أهل التعدي وعاد المسجد الأقصى للمصلين المقربين جنة ومنارا بعد أن كان للمقصين المضلين نارا ودارا وتسلم محرب الإسلام محرابه وأصبحت لألافه لما ألفى أصحابه وترنح المنبر لترنم الخطيب وانجبر الدين بانكسار صلب عابد الصليب السليب
خلا باله من أمر القدس بإعادته إلى قدسه وإخلائه من رجز الشرك ورجسه وإجلاء داويه و اسيتاره وبطركه وقسه وتعويضه من وحشة الضلالة من الهدى بأنسه ورد الإسلام الغريب إلى بيته المقدس ونفي الكافر منه كاسف البال راغم المعطس ونصب المنبر بالمسجد الأقصى لإقامة الخطبة الإمامية ورفع ما رفع قدره من الأعلام العباسية والإفراج عن محرابه بهدم ما بني دونه من مباني الشرك وكشف أستار الكفرة التي حجبت بالهتك والفتك وإقامة الجمع فيه والجماعات وإدامة أوراد العبادات به ووظائف الطاعات وغسل الصخرة المقدسة بدم الكافر ودمع المؤمن ونزع لباس بأس المسيء عنها بإفاضة ثوب ثواب المحسن وتنزيه تلك الجنة من دنس أهل النار وإعلاء ما كان درس من معالم الأبرار ومطالع الأنوار 357
وقد رجع الإسلام الغريب منه إلى داره وخرج قمر الهدى به من سراره وذهبت ظلم الضلالة بأنواره وعادت الأرض المقدسة إلى ما كانت موصوفة به من التقديس وأمنت المخاوف فيها وبها فصارت صباح السرى ومناخ التعريس وقد اقصي عن المسجد الأقصى الأقصون من الله الأبعدون وتوافى إليه المصطفون الأقربون والملائكة المقربون وخرس الناقوس بزجل المسبحين وخرج المفسدون بدخول المصلحين وقال المحراب لأهله مرحبا وأهلا وشمل جماعة المسلمين من إقامة الجمعة والجماعة ما جمع للإسلام فيه شملا ورفعت الأعلام العباسية على منبره فأخذت من بره أوفى نصيب وتلت بألسنة عذبها (
نصر من الله وفتح قريب ) وغسلت الصخرة المباركة بدموع المتقين من دنس المشركين وبعد أهل الأحد من قربها بقرب الموحدين فذكر بها ما كاد ينسى من عهد المعراج النبوي وأقامت بدلائلها براهين الإعجاز المحمدي
عاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه ورجع بنيانه من التقوى إلى تأسيسة وزال ناموس ناقوسه وبطل بنص النصر قياس قسيسه وفتح باب الرحمة لأهلها ودخلت فيه الصخرة لفضلها وباشرت الحياة بها مواضع سجودها وصافحت أيدي الأولياء آثار القدم النبوية بتجديد عهودها وشهد مقام المعراج وموطئ براقه ورؤيء نور الإسلام ومطلع إشراقه ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد وامتلأ ذلك الفضاء بالأتقياء الأماجد 358
ومن كتاب فاضلي إلى بغداد تقلص ظل الكافر المبسوط وصدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط وجاء أمر الله وأنوف أهل الشرك راغمة وأدلجت السيوف والآجال نائمة واسترد المسلمون تراثا كان عنهم آبقا وظفروا يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفا على النأي طارقا
ومنه في وصف نقب السور فأخلي السور من السيارة والحرب من النظارة وأمكن النقاب أن يسفر للحرب النقاب وأن يعيد الحجر إلى سيرته من التراب فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله وأسمع الصخرة الشريفة حنينه فاستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله وتبرأ بعض الحجارة من بعض وأخذ الخراب عليها موثقا فلن يبرح الأرض
ثم قال واستقرت على الأعلى أقدامهم وخفقت على الأقصى أعلامهم وتلاقت على الصخرة قبلهم وشفيت بها وإن كانت صخرة كما يشفى بالماء غللهم وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان لا جرم أن الله أخرجهم منها وأهبطهم وأرضى أهل الحق وأسخطهم وأوعز الخادم برد الأقصى إلى عهده المعهود وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شعبان فكادت السموات للسجوم يتفطرن والكواكب منها للطرب ينتثرن ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة وطهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة وأقيمت الخمس وكان 359 التثليث يقعدها وجهرت الألسن بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر فرحب به ترحيب من بر بمن بر وخفق علماه في حفافيه فلو طار سرورا لطار بجناحيه
وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى ولا يقاسي تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى ولا يحارب من يستظلمه إلا لتكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله هي العليا وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا وكانت الألسن ربما سلقته فأنضج قلوبها بالأحتقار وكانت الخواطر ربما ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار ومن طلب خطيرا خاطر ومن رام صفقة رابحة جاسر ومن سما لأن يجلي غمرة غامر
ووصف فيه يوم حطين فقال وكان اليوم مشهودا وكانت الملائكة له شهودا وكان الصليب صارخا وكان الإسلام مولودا وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه وآكد وصله بالدين وعلائقه وهو صليب الصلبوت وقائد أهل الجبروت ما دهموا قط بأمر إلا وقام بين دهمائهم يحرضهم يبسط لهم باعه وكان مد اليدين في هذه الدفعة وداعه لا جرم أنه يتهافت على ناره فراشهم ويجتمع في ظل ظلامه خشاشهم ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشد عقد وأوثقه ويعدونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه ولم يفلت منهم معروف إلا القومص وكان لعنه الله مليا يوم الظفر بالقتال ومليا يوم الخذلان بالاحتيال فنجا ولكن كيف وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح وجناح 360 السيف ثم أخذه الله بعد أيام بيده وأهلكه لموعده وكان لعدتهم فذلك وانتقل من ملك الموت إلى مالك وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية السوداء صبغا البيضاء صنعا الخافقة هي وقلوب أعدائها العالية هي وعزائم أوليائها
فصل
قال العماد ومن قصائدي التي هنأت بها السلطان بفتح القدس وهو مخيم عليه
( أطيب بأنفاس تطيب لكم نفسا
وتعتاض من ذكراكم وحشتي أنسا )
( وأسأل عنكم عافيات دوارس
غدت بلسان الحال ناطقة خرسا )
( معاهدكم ما بالها كعهودكم
وقد كررت من درس آثارها درسا )
( وقد كان في حدسي لكم كل طارق
وما جئتم من هجركم خالف الحدسا )
( أرى حدثان الدهر ينسى حديثه
وأما حديث الغدر منكم فلا ينسى )
( تزول الجبال الراسيات وثابت
رسيس غرام في فؤادي لكم أرسى )
( حسبت حبيبي قاسي القلب وحده
وقلب الذي يهوى بحمل الهوى أقسى )
( أما لكم يا مالكي الرق رقة
يطيب بها مملوككم منكم نفسا )
( وإن سروري كنت أسمع حسه
فمذ سرت عنكم ما سمعت له حسا ) 361
( وأن نهاري صار ليلا لبعدكم
فما أبصرت عيني صباحا ولا شمسا )
( بكيت على مستودعات قلوبكم
كما قد بكت قدما على صخرها الخنسا )
( فلا تحبسوا عني الجميل فإنني
جعلت على حبي لكم مهجتي حبسا )
( رأيت صلاح الدين أشرف من غدا
وأفضل من أضحى واكرم من أمسى )
( وقيل لنا في الأرض سبعة أبحر
ولسنا نرى إلا أنامله الخمسا )
( سجيته الحسنى وشيمته الرضا
وبطشته الكبرى وعزته القعسا )
( فلا عدمت أيامنا منه مشرقا
ينير بما يولي ليالينا الدمسا )
( جنودك أملاك السماء وظنهم
عداتك جن الأرض في الفتك لا الإنسا )
( فلا يستحق القدس غيرك في الورى
فأنت الذي من دونهم فتح القدسا )
( ومن قبل فتح القدس كنت مقدسا
فلا عدمت أخلاقك الطهر والقدسا )
( وطهرته من رجسهم بدمائهم
فأذهبت بالرجس الذي ذهب الرجسا )
( نزعت لباس الكفر عن قدس أرضها
وألبستها الدين الذي كشف اللبسا )
( وعادت ببيت الله أحكام دينه
فلا بطركا أبقيت فيها ولا قسا )
( وقد شاع في الآفاق عنك بشارة
بأن أذان القدس قد بطل النقسا )
( جرى بالذي تهوى القضاء وظاهرت
ملائكة الرحمن أجنادك الحمسا )
( وكم لبني أيوب عبد كعنتر
فإن ذكروا بالبأس لا يذكروا عبسا )
( وقد طاب ريانا على طبرية
فياطيبها مغنى ويا حسنها مرسى ) 362
( وعكا وما عكا فقد كان فتحها
لإجلائهم عن مدن ساحله كنسا )
( وصيدا وبيروت وتبنين كلها
بسيفك ألفى أنفه الرغم والتعسا )
( ويافا وأرسوف ويبنى وغزة
تخذت بها بين الطلى والظبى عرسا )
( وفي عسقلان الكفر ذل بملككم
فمنظره بل أمره أربد وأرجسا )
( وصار بصور عصبة يرقبونكم
فلا تبطئوا عنها وحسوهم حسا )
( توكل على الله الذي لك أصبحت
كلاءته درعا وعصمته ترسا )
( ودمر على الباقين واجتث أصلهم
فإنك قد صيرت دينارهم فلسا )
( ولا ينس شرك الشرق غربك مرويا
بماء الطلى من صاديات الظبى الخمسا )
( وإن بلاد الشرق مظلمة فخذ
خراسان والنهرين والترك والفرسا )
( وبعد الفرنج الكرج فاقصد بلادهم
بعزمك واملأ من دمائهم الرسا )
( أقامت بغاب الساحلين أسودكم
وقد طردت عنه ذئابهم الطلسا )
وهي طويلة وقد تقدم بعضها في ذكر كسرة حطين
وللعماد أيضا من جملة القصيدة التي مدح بها حسام الدين بن لاجين وقد تقدم بعضها
( قل للمليك صلاح الدين أكرم من
يمشي على الأرض أو من يركب الفرسا )
( من بعد فتحك بيت القدس ليس سوى
صور فإن فتحت فاقصد طرابلسا ) 363
( أثر على يوم أنطرسوس ذا لجب
وأبعث إلى ليل أنطاكية العسسا )
( وأخل ساحل هذا الشام أجمعه
من العداة ومن في دينه وكسا )
( ولا تدع منهم نفسا ولا نفسا
فإنهم يأخذون النفس والنفسا )
( نزلت بالقدس فاستفتحته ومتى
تقصد طرابلسا فانزل على قدسا )
ومن قصيدة أخرى له نفذها إلى الخليفة الناصر
( أبشر بفتح أمير المؤمنين أتى
وصيته في جميع الأرض جواب )
( ما كان يخطر في بال تصوره
واستصعب الفتح لما أغلق الباب )
( وخام عنه الملوك الأقدمون وقد
مضت على الناس أحقاب وأحقاب )
( وجاء عصرك والأيام مقبلة
فكان فيه لفيض الكفر إنضاب )
( نصر أعاد صلاح الدين رونقه
إيجازه ببليغ القول إسهاب )
( قرع الظبى بالظبى في الحرب يطربه
لا قينة صنع باللحن مطراب )
( أحيا الهدى وأمات الشرك صارمه
لقد تجلى الهدى والشرك منجاب )
( بفتحه القدس للإسلام قد فتحت
في قمع طاغية الإشراك أبواب )
( ففي موافقة البيت المقدس للبيت
الحرام لنا تيه وإعجاب )
( والصخرة الحجر الملثوم جانبه
كلاهما لاعتمار الخلق محراب )
( نفى من القدس صلبانا كما نفيت
من بيت مكة أزلام وأنصاب )
وكثر مدح الفضلاء للسلطان عند فتح القدس وقد ذكر العماد من ذلك جملة في أواخر كتاب البرق فرأيت تقديم ما اخترته منها هنا وزدت عليه ما لم يذكره فمن ذلك قصيدة الحكيم أبي الفضل 364 عبد المنعم بن عمر بن حسان الأندلسي الجلياني منها
( أبا المظفر أنت المجتنى لهدى
أخرى الزمان على خبر بخبرته )
( فلو رآك وقد حزت العلا عمر
في قلة التل قضى كنه عبرته )
( ولو رآك وأهل القدس في وله
أبو عبيدة فدى من مسرته )
( غداة جزوا النواصي في قمامته
وأعولوا بالتباكي حول صخرته )
( دارت بك الملة الحسنى فنحن على
عهد الصحابة في استمرار مرته )
( وأنت كأسمك صديق وصاحبه الملك
المظفر سام في مبرته )
( وفي السلالة عثمان يؤيده
علا علي على إيثار نصرته )
( وكم لديك ذوي قربى رقوا شرفا
وكم بعيد رأى الزلفى بهجرته )
( يشبه القبج ما بين البزاة لقى
ملك الفرنج أخيذا بين عترته )
( أما رأيت معالي يوسف نسقت
حتى رمت كل ذي ملك بحسرته )
( أضحى لنشر الهدى في فتح منهجه
وبات يطوي العدى في سد ثغرته )
( واستقبح الرجس ممنوا بمشهده
فاستفتح القدس محشوا بزمرته )
( لكن بأس صلاح الدين أذهلهم
بوقعة التل واستشرى بسورته )
( تعيا الجوارح والفرسان وهو على
بدء النشاط عشيا مثل بكرته )
( يا فاتح المسجد الأقصى على بهم
وقانص الجيش لا يحصى بقفزته ) 365
( أبشر بملك كظهر الشمس مطلع
على البسيطة فتاح بنشرته )
( حتى يكون لهذا الدين ملحمة
تحكي النبوة في أيام فترته )
قال ونفذ من مصر نجم الدين يوسف بن الحسين ابن المجاور الوزير العزيزي قصيدة وعرضتها على السلطان بالقدس وفيها ذكر الإنكليز وفتح يافا وذكر الهدنة التي يأتي ذكرها في آخر الكتاب فمنها وسيأتي الباقي المختار أيضا
( الوقت أضيق من سماع قصيدة
موسومة بصفات أغيد أهيف )
( الجد في هذا الزمان مبين
والهزل فيه مع الغواية مختف )
( بالناصر المهدي والهادي إلى
سبل الجهاد أبي المظفر يوسف )
( المستعين بربه والواثق المنصور
والمستظهر البر الوفي )
( شدت قوى أركان ملة أحمد
وتجملت بجهاده في الموقف )
( ملك إذا أم الملوك جنابه
لاذوا بأكرم من يؤم وأشرف )
( وإذا أتوا أسرى إلى أبوابه
وقفوا بأعظم من يصول وأرأف )
( مولى غدا للدين أكرم والد
حدب على أبنائه مترفرف )
( عزل الفرنجة ثم ولى جيشه
أعظم به من صارف ومصرف )
( قد أنصف التوحيد من تثليثهم
وأقام في الإنجيل حد المصحف )
( مغرى بتجريح الرجال لانه
يروي أحاديث العوالي الرعف )
( ملك له في الحرب تفقه
وله غداة السلم زهد تصوف ) 366
( وعليه أنزل في الجهاد مفصل
فلذاك يقرؤه بسبعة أحرف )
( عزم وحلم أنسيا ما كان من
عزم ابن مرداس وحلم الأحنف )
( يا أيها الملك الذي لطباعه
وسيوفه خلقا رضى وتعسف )
( لله يوم عروبة إذ أعربت
ساعاته عن نصرك المتعرف )
( سنت سيوفك في الرؤوس ختانة
ذهبت بمهجة كل علج أقلف )
( آفاتهم وآفت يأخذك منهم
يافا فكم من حسرة وتاسف )
( أو ما رأى الأعلاج حين دعوتها
بلسان سيف في الكريهة ملحف )
( لم تستطع عصيان أمرك بل أتت
منقادة طوعا ولم تتخلف )
( فاستدع جارتها وثن بأختها
وكذاك حتى الأربعين ونيف )
( ما للسواحل غير بحرك حافظ
بشبا سنان أو بصفحة مرهف )
( هذا الطراز الأخضر استفتحته
فزها بثوب من علاك مسجف )
( أحييت دين محمد وأقمته
وسترته من بعد طول تكشف )
( وضبطت ديوان الجهاد بعامل
من عامل وبمشرف من مشرفي )
( وبجهبذ العزم الذي لا ينثني
وبناظر الرأي الذي لم يطرف ) 367
( فخذ الخراج من البسيطة كلها
واستأد فرضي جزية وموظف )
( واقبض على الدنيا بكف زهادة
وابسط لرحمتها جناح تعطف )
( جاءت جنود الله تطلب ثأرها
وصدورها بك عن قليل تشتفي )
( فانهض بها وتقاض حقك موقنا
أن الإله بما تؤمله حفي )
( هم فتية الأتراك كل مجفجف
يغشى الكريهة فوق كل مجفجف )
( قوم يخوضون الحمام شجاعة
لا ينظرون إليه من طرف خفي )
( إن صبحوا الأعداء في أوطانهم
تركوا ديارهم كقاع صفصف )
( أنت اصطفيتهم لنصرة ديننا
لله در المصطفى والمصطفي )
قلت وذكرت بقوله هذا الطراز الأخضر استفتحته حكاية حسنة لائقة بالحال حدثني بها شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي قال قرأت بخط شيخنا أبي الفضائل بن رشيق بمصر عقيب موته في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة قال رأى إنسان كأن شخصا ذا جهامة واقف على حائط بجامع دمشق يسمى النسر وهو يقول
( ملك الصياصي والنواصي ناصر
للدين بعد إياسه أن ينصرا )
( وسيفتح البيت المقدس بعدما
يطوى الطراز له ويقتل قيصرا )
قلت وهذا قبل أن يفتح صلاح الدين البلاد بعشر سنين وقرأت بخط بعض أصحابنا قال وجدت على حاشية كتاب يروى عن خطيب كان بالرقة 368 أنه رأى من ينشده هذا الشعر في النوم سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة فذكر البيتين وهذا قبل الفتح باثنتين وخمسين سنة وقبل مولد صلاح الدين بسنة والمعنى بالطراز بلاد الساحل المصطفة على بلاد البحر من الداروم وغزة وعسقلان وعكا وصيدا وبيروت وجبيل وغير ذلك ولم يبق من الطراز في أثناء ذلك سوى صور بين صيدا وعكا وهكذا كان الأمر على ما سبق بيانه فتح هذا الطراز أولا ثم فتح البيت المقدس وكنى بقيصر عن الإبرنس الذي قتله بيده لأنه كان من رؤوس الكفر وملوكهم وغلاتهم في معاداة الإسلام والله أعلم
قال العماد وكان فخر الكتاب أبو علي الحسن بن علي الجويني المقيم بمصر من أهل بغداد ينفذ إلي قصائده لأعرضها فرأيت أن أثبت له هذه القصيدة في الفتح وهي مشتملة على ذكر ملوك الإسلام وإهمالهم له تسعين عاما حتى تجرد له سلطاننا فذكر منها
( جند السماء لهذا الملك أعوان
من شك فيهم فهذا الفتح برهان )
( متى رأى الناس ما نحكيه في زمن
وقد مضت قبل أزمان وأزمان )
( هذي الفتوح فتوح الأنبياء وما
لها سوى الشكر بالأفعال أثمان ) 369
( أضحت ملوك الفرنج الصيد في يده
صيدا وما ضعفوا يوما وما هانوا )
( كم من فحول ملوك غودروا وهم
خوف الفرنجة ولدان ونسوان )
( استصرخت بملكشاة طرابلس
فخام عنها وصمت منه آذان )
( هذا وكم ملك من بعده نظر
الإسلام يطوى ويحوى وهو سكران )
( تسعون عاما بلاد الله تصرخ
والإسلام نصاره صم وعميان )
( فالآن لبى صلاح الدين دعوتهم
بأمر من هو للمعوان معوان )
( للناصر ادخرت هذي الفتوح وما
سمت لها همم الأملاك مذ كانوا )
( حباه ذو العرش بالنصر العزيز فقال
الناس داود هذا أم سليمان )
( في نصف شهر غدا للشرك مصطلما
فطهرت منه أقطار وبلدان )
( فاين مسلمة عنها وإخوته
بل أين والدهم بل أين مروان )
( وعد عما سواه فالفرنجة لم
يبذهم من ملوك الأرض إنسان )
( لو أن ذا الفتح في عصر النبي لقد
تنزلت فيه آيات وقرآن )
( يا قبح أوجه عباد الصليب وقد
غدا يبرقعها شؤم وخذلان )
( خزنت عند إله العرش سائر ما
ملكته وملوك الأرض خزان )
( فالله يبقيك للإسلام تحرسه
من أن يضام ويلفى وهو حيران )
( وهذه سنة أكرم بها سنة
فالكفر في سنة والنصر يقظان )
( يا جامعا كلمة الإيمان قامع من
معبوده دون رب العرش صلبان )
( إذا طوى الله ديوان العباد فما
يطوى لأجر صلاح الدين ديوان )
وللشريف النسابة المصري محمد بن أسعد بن علي بن معمر الحسيني 370 المعروف بالجواني نقيب الأشراف بالديار المصرية من قصيدة
( أترى مناما ما بعيني أبصر
القدس يفتح والفرنجة تكسر )
( وقمامة قمت من الرجس الذي
بزواله وزوالها يتطهر )
( ومليكهم في القيد مصفود ولم
ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر )
( قد جاء نصر الله والفتح الذي
وعد الرسول فسبحوا واستغفروا )
( فتح الشآم وطهر القدس الذي
هو في القيامة للأنام المحشر )
( من كان هذا فتحه لمحمد
ماذا يقال له وماذا يذكر )
( يا يوسف الصديق أنت لفتحها
فاروقها عمر الإمام الأطهر )
( ولأنت عثمان الشريعة بعده
ولأنت في نصر النبوة حيدر )
( ملك غدا الإسلام من عجب به
يختال والدنيا به تتبختر )
( نثر ونظم طعنه وضرابه
فالرمح ينظم والمهند ينثر )
( حيث الرقاب خواضع حيث العيون
خواشع حيث الجباه تعفر )
( غاراته جمع فإن خطبت له
فيها السيوف فكل هام منبر )
( إذ لا ترى إلا طلى بسنابك
تحذى نعالا أو دماء تهدر ) 371
( وصوافنا تختار أن تطأ الثرى
فيصدها عنه طلى وسنور )
( تمشي على جثث العدى عرجا ولا
عرج بها لكنها تتعثر )
وقال أبو الحسين بن جبير الأندلسي
( أطلت على أفقك الزاهر
سعود من الفلك الدائر )
( فأبشر فإن رقاب العدى
تمد إلى سيفك الباتر )
( وعما قريب يحل الردى
بكندهم الناكث الغادر )
( وخصب الورى يوم تسقي الثرى
سحائب من دمها الهامر )
( وكم لك من فتكة فيهم
حكت فتكة الأسد الخادر )
( كسرت صليبهم عنوة
فلله درك من كاسر )
( وغيرت آثارهم كلها
فليس لها الدهر من جابر )
( وأمضيت جدك في غزوهم
فتعسا لجدهم العاثر )
( وأدبر ملكهم بالشآم
وولى كأمسهم الدابر )
( جنودك بالرعب منصورة
فناجز متى شئت أو صابر )
( فكلهم غرق هالك
بتيار عسكرك الذاخر )
( ثأرت لدين الهدى في العدى
فآثرك الله من ثائر )
( وقمت بنصر إله الورى
فسماك بالملك الناصر )
( وجاهدت مجتهدا صابرا
فلله أجرك من صابر )
( تبيت الملوك على فرشهم
وترفل في الزرد السابري )
( وتؤثر جاهد عيش الجهاد
على طيب عيشهم الناضر )
( وتسهر ليلك في حق من
سيرضيك في جفنك الساهر ) 372
( فتحت المقدس من أرضه
فعادت إلى وصفها الطاهر )
( وجئت إلى قدسه المرتضى
فخلصته من يد الكافر )
( وأعليت فيه منار الهدى
وأحييت من رسمه الداثر )
( لكم ذخر الله هذي الفتوح
من الزمن الأول الغابر )
( وخصك من بعد فاروقه
بها لاصطناعك في الآخر )
( محبتكم ألقيت في النفوس
بذكر لكم في الورى طائر )
( فكم لهم عند ذكر الملوك
لمثلك من مثل سائر )
وباقي القصيدة تقدم في أخبار سنة أربع وسبعين
وقال أبو الحسن علي بن محمد الساعاتي
( أعيا وقد عاينتم الآية العظمى
لأية حال تذخروا النثر والنظما )
( وقد ساغ فتح القدس في كل منطق
وشاع إلى أن أسمع الأسل الصما )
( حبا مكة الحسنى وثنى بيثرب
وأطرب ذياك الضريح وما ضما )
( فليت فتى الخطاب شاهد فتحها
فيشهد أن السيف من يوسف أصمى )
( وما كان إلا الداء أعيا دواؤه
وغير الحسام العضب لا يحسن الحسما )
( وأصبح ثغر الدين جذلان باسما
وألسنة الأغماد توسعه لثما )
( سلو الساحل المغشي عن سطواته
فما كان إلا ساحلا صادف اليما )
وله من قصيدة أخرى في السلطان
( عصفت به ريح الخطوب زعارعا
فلقين طودا لا تخف أناته ) 373
( هو منقذ البيت المقدس بعدما
طالت فما وجد الشفا شكاته )
( بيت تأسس بالسكون وإنما
عند الزحاف تحركت سكناته )
( أمشتت الأعداء وهي جحافل
عن شمل دين جمعت أشتاته )
( أوتيت عزما في الحروب مسددا
لا زيغه يخشى ولا هفواته )
( أحسنت بالبيت العتيق ويثرب
ولك الفعال كثيرة حسناته )
( هذي سيوفك محرمات دونه
لبكائهن تبسمت حجراته )
وله من قصيدة أخرى
( هو الفاتح البيت المقدس بعدما
تحامته سادات الدنا ومسودها )
( فضيلة فتح كان ثاني خليفة
من القوم مبديها وأنت معيدها )
وله من قصيدة في بعض أقارب السلطان
( ألست من القوم الألى بسيوفهم
ثنوا صخرة البيت المقدس مسجدا )
وللعماد الكاتب من قصيدة مدت بها الملك الأفضل
( والقدس أعضل داؤه من قبلكم
فوفيتم بشفاء ذاك المعضل )
( درج الملوك على تمني فتحه
زمنا وغلتهم به لم تبلل )
( وأتى زمانكم فأمكن آخرا
ما قد تعذر في الزمان الأول )
( ما كان قط ولا يكون كفتحكم
للقدس في الماضي ولا المستقبل )
( أوجدتم منه الذي عدم الورى
وفعلتم في الفتح ما لم يفعل ) 374
( أيدي الملوك تقاصرت عن مفخر
طلتم به فبلوا بعض الأنمل )
( أحييتم شرع الكرام ولم يزل
نصر المحق بكم وقهر المبطل )
وله من قصيدة في مدح الملك المؤيد مسعود بن صلاح الدين
( وكم لبني صلاح الدين فينا
على الإسلام من حق تأكد )
( وإن لهم على الأملاك طرا
بفتح القدس فضلا ليس يجحد )
وله من أخرى في مدح الملك الظاهر غازي
( هم الملوك ذوو بأس ومكرمة
إن سالموا أمنوا أو حاربوا خيفوا )
( أغناهم القدس عن قول الورى فتحت
عكا وصيدا وبيروت وأرسوف )
( جيش الفرنج إذا لاقى سوابقهم
كانه جبل بالريح منسوف )
وقرأت على شيخنا أبي الحسن علي بن محمد السخاوي رحمه الله من جملة قصيدة مدح بها بعض ولد السلطان أظنه الملك المحسن ظهير الدين أحمد بن صلاح الدين رحمهما الله
( ملك به وأبيه يفتخر العلا
ويفوق فخرهما السها والفرقدا )
( ما يوسف ممن يقاس بحاتم
أنى وقد وهب الحصون وأصفدا )
( أو أن يقال كأنه يوم الوغى
والروع كالأسد الهصور إذا عدا ) 375
( أو من يشبه جوده بغمامة
أو من يقال لمثله غمر الردا )
( بل مالك الدنيا ومالىء رحبها
خيلا ورجلا ناصرا دين الهدى )
( ومخلص البيت المقدس بعدما
رفع الصليب على ذراه ومجدا )
( ومن الملوك الصيد تلقاهم إذا
رفع السرادق راكعين وسجدا )
( وبه أتى البيت الحرام وفوده
من كل فج آمنين المردا )
( من بعد ما درست معالم سبله
دهرا وعز لخوفها أن يقصدا )
فصل في صفة إقامة الجمعة بالأقصى شرفه الله تعالى في رابع شعبان ثامن يوم الفتح
وقد وهم محمد بن القادسي في تاريخه فيما قرأته بخطه فإنه قال فتح صلاح الدين بيت المقدس وخطب على المنبر فيه بنفسه وصلى فيه ولبس خلعة سوداء
ولم يكن السلطان هو الذي باشر الخطبة على ما سنذكره وقد تقدم أن يوم الفتح وإن كان يوم الجمعة إلا أن الوقت ضاق عن إقامة فرض صلاة الجمعة فيه
قال العماد لما تسلم السلطان القدس أمر بإظهار المحراب وكان الداوية قد بنوا في وجهه جدارا وتركوه للغلة هريا وقيل كانوا 376 اتخذوه مستراحا عدوانا وبغيا وكانوا قد بنوا من غربي القبلة دارا وسيعة وكنيسة رفيعة فأوعز برفع ذلك الحجاب وكشف النقاب عن عروس المحراب وهدم ما قدامه من الأبنية وتنظيف ما حوله من الأفنية بحيث يجتمع الناس للجمعة في العرصة المتسعة
ونصب المنبر وأظهر المحراب المطهر ونقض ما أحدثوه بين السواري وفرشوا تلك البسيطة بالبسط الرفيعة عوض الحصر والبواري وعلقت القناديل وتلي التنزيل وحق الحق وبطلت الأباطيل وتولى الفرقان وعزل الإنجيل وصفت السجادات وصفت العبادات وأقيمت الصلوات وأديمت الدعوات وتجلت البركات وانجلت الكربات وانجابت الغيابات وانثابت الهدايات وتليت الآيات وأعليت الرايات
ونطق الأذان وخرس الناقوس وحضر المؤذنون وغاب القسوس وزال العبوس والبوس وطابت الأنفاس والنفوس وأقبلت السعود وأدبرت النحوس وعاد الإيمان الغريب منه إلى موطنه وطلب الفضل من معدنه وورد القراء وقرىء الأوراد واجتمع الزهاد والعباد والأبدال والأوتاد وعبد الواحد ووحد العابد وتوافد الراكع والساجد والخاشع والواجد والزاهي والزاهد والحاكم والشاهد والجاهد والمجاهد والقائم والقاعد والمتهجد والساهد والزائر والوافد
وصدح المنبر وصدع المذكر وانبعث المعشر وذكر البعث 377 والمحشر وأملى الحفاظ وابكى الوعاظ وتذاكر العلماء وتناظر الفقهاء وتحدثت الرواة وروى المحدثون وتحنف الهداة وهدى المتحنفون وأخلص الداعون ودعا المخلصون وأخذ بالعزيمة المترخصون ولخص المفسرون وفسر الملخصون وانتدى الفضلاء وانتدب الخطباء وكثر المتوحشون للخطابة المتوشحون بالإصابة المعروفون بالفصاحة الموصوفون بالحصافة فما فيهم إلا من خطب الرتبة ورتب الخطبة وأنشأ معنى شائقا ووشى لفظا رائقا وسوى كلاما بالموضع لائقا وروى مبتكرا من البلاغة فائقا وفيهم من عرض علي خطبته وطلب مني نصبته وتمنى أن ترجح فضيلته وتنجح وسيلته وتسبق منيته فيها أمنيتهم وكلهم طال إلى الالتهاء بها عنقه وسال من الالتهاب عليها عرقه
وما منهم إلا من يتأهب ويترقب ويتوسل ويتقرب وفيهم من يتعرض ويتضرع ويتشوف ويتشفع وكل قد لبس وقاره ووقر لباسه وضرب في أخماسه أسداسه ورفع لهذه الرياسة راسه والسلطان لا يعين ولا يبين ولا يخص ولا ينص ومنهم من يقول ليتني خطبت في الجمعة الأولى وفزت باليد الطولى وإذا ظفرت بطالع سعدي فما أبالي بمن خطب بعدي
فلما دخل يوم الجمعة رابع شعبان أصبح الناس يسألون في تعيين الخطيب السلطان وامتلأ الجامع واحتفلت المجامع وتوجست الأبصار والمسامع وفاضت لرقة القلوب المدامع وراعت لحلية تلك الحالة وبهاء 378 تلك البهجة الروائع وغصت بالسابقين إليها المواضع وتوسمت العيون وتقسمت الظنون وقال الناس هذا يوم كريم وفضل عميم وموسم عظيم هذا يوم تجاب فيه الدعوات وتصب البركات وتسال العبرات وتقال العثرات ويتيقظ الغافلون ويتعظ العاملون وطوبى لمن عاش حتى حضر هذا اليوم الذي فيه انتعش الإسلام وارتاش وما أفضل هذه الطائفة الحاضرة والعصبة الطاهرة والأمة الظاهرة وما أكرم هذه النصرة الناصرية والأسرة الإمامية والدولة العباسية والمملكة الأيوبية والدولة الصلاحية وهل في بلد الإسلام أشرف من هذه الجماعة التي شرفها الله بالتوفيق لهذه الطاعة
وتكلموا فيمن يخطب ولمن يكون المنصب وتفاوضوا في التفويض وتحدثوا بالتصريح والتعريض
والأعلام تعلى والمنبر يكسى ويجلى والأصوات ترتفع والجماعات تجتمع والأفواج تزدحم والأمواج تلتطم وللعارفين من الضجيج ما في عرفات للحجيج حتى حان الزوال وزال الاعتدال وحيعل الداعي وأعجل الساعي نصب السلطان الخطيب بنصه وأبان عن اختياره بعد فحصه وأوعز إلى القاضي محيي الدين أبي المعالي محمد بن زكي الدين علي القرشي بأن يرقى ذلك المرقى وترك جباه الباقين بتقديمه عرقى فأعرته من عندي أهبه سوداء من تشريف الخلافة حتى يكمل له شرف الإفاضة والإضافة فرقي العود ولقي السعود واهتزت أعطاف المنبر واعتزت أطراف المعشر 379 وخطب وأنصتوا ونطق وسكتوا وأفصح وأعرب وأبدع وأغرب وأعجز وأعجب وأوجز وأسهب ووعظ في خطبتيه وخطب بموعظتيه وأبان عن فضل البيت المقدس وتقديسه والمسجد الأقصى من أول تأسيسه وتطهيره بعد تنجيسه وإخراس ناقوسه وإخراج قسيسه ودعا للخليفة والسلطان وختم بقوله تعالى (
إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ونزل وصلى في المحراب وافتتح ببسم الله الرحمن الرحيم من أم الكتاب فأم بتلك الأمة وتم نزول الرحمة وكمل وصول النعمة
ولما قضيت الصلاة انتشر الناس واشتهر الإيناس وانعقد الإجماع واطرد القياس وكان قد نصب للوعظ تجاه القبلة سرير ليفرعه كبير فجلس عليه زين الدين أبو الحسن علي بن نجا فذكر من خاف ومن رجا ومن سعد ومن شقي ومن هلك ومن نجا وخوف بذي الحجة ذوي الحجا وجلا بنور عظاته من ظلم الشبهات ما دجا وأتى بكل عظة للراقدين موقظة وللظالمين محفظة ولأولياء الله مرققة ولأعداء الله مغلظة
وضج المتباكون وعج المتشاكون ورقت القلوب وحقت الكروب وتصاعدت النعرات وتحدرت العبرات وتاب المذنبون وأناب المتحوبون وصاح التوابون وناح الأوابون وجرت حالات جلت وجلوات حلت ودعوات علت وضراعات قبلت وفرص من الولاية الإلهية انتهزت وحصص من العناية الربانية أحرزت 380
وصلى السلطان في قبة الصخرة والصفوف على سعة الصحن بها متصلة والأمة إلى الله بدوام نصره مبتهلة والوجوه الموجهة إلى القبلة عليه مقبلة والأيدي إلى الله مرفوعة والدعوات له مسموعة ثم رتب في المسجد الأقصى خطيبا استمرت خطبته واستقرت نصبته
قلت هذه ألفاظ العماد في هذا الفصل من كتاب الفتح وذكره في كتاب البرق بعبارة أخرى تشتمل على فوائد زائدة وفي تكرار ما تقدم أيضا بغير تلك العبارة فائدة فإنها معان جليلة كلما كررت حلت
فصل
قال العماد في كتاب البرق لما كان يوم الجمعة التالية لجمعة الفتح تقدم السلطان في المسجد الأقصى ببسط العراص وإخلائها لأهل الإخلاص وتنظيفها من الأدناس وكنس ما في أرجائها من الأرجاس
وقد كان سبق أمره من مبدأ الأمر بهدم ما هناك من أبنية الكفر وإبراز المحراب القديم وإعادة موضعه إلى الوضع الكريم فقد كان الداوية بنوا غربية دارا وادخلوه فيها وخلطوه بمبانيها واتخذوا منه جانبا مستراحا للأعلال وجانبا هريا للغلال فأمر في العاجل بكشف قناعه ورفع الوضيع من أوضاعه ونقل ما وقع من أنقاضه ونقض ما اعتور ذلك الجوهر النفيس من أعراضه حتى طهر موضع المنبر والمحراب واستظهر بإزالة ما قدامه من الحجاب واجتمع الخلق في ذلك الأسبوع على تفريق ذلك الهدم 381 المجموع وتعاونوا حتى كشفوه ونظفوه ورشوه وفرشوه وكان قد أمر باتخاذ منبر في تلك الأيام فنجزوه وركبوه
ولما أصبحنا يوم الجمعة وجدنا العلل مزاحة والهمم مراحة والخواطر إلى وردها ملتاحة مرتاحة وهناك فضلاء بلغاء وعلماء أتقياء وكل منهم قد سبق بخطبة الخطبة وأمل الفوز بفضيلة تلك الرتبة وأعد لذلك المقام مقالا ونشط بشقشقة فصاحته من قرم حصافته عقالا حتى إذا حيعل الداعي وتعين الفرض على الساعي حضر السلطان للصلاة قبة الصخرة بادية على أساريره أسرار سروره بالأسرة وامتلأت تلك العراص والصحون واستعبرت للفرح بما يسره الله العيون وآن لدين الله أن تقضى له الديون وتفك الرهون ووجلت القلوب وخشعت الأصوات وحسنت الظنون وعين السلطان القاضي محيي الدين أبا المعالي محمد بن علي القرشي الزكي بن الزكي للصلاة والخطبة وفرع تلك الرتبة فصعد وسعد وحمد وأحمد وأدت المعاني الشريفة ألفاظه ونبه الأقاصي والأداني إيقاظه وجلا المسامع وجلت المدامع وأتى بالخطبتين المفروضتين على الوجه المشروع والمنهج المتبوع والشرط الموضوع وذكر في الفتح البكر ما اقتض به أبكار الأستعارات بأبدع البراعات وأبرع العبارات وصدح بالصدق ونطق بالحق وفاز بالسبق وحاز الفضيلة على فضلاء الغرب والشرق فهو لنشر المعاني أضم خطيب له بنشر المعالي أضمخ طيب فأين قس في عكاظة من قياس ألفاظه وأين سحبان من سجعاته وابن نباته من نباته ولو عاشا لافتقرا إلى فقره واحتقرا أعراضهما عند 382 جوهره ودعا لأمير المؤمنين ثم لسلطان المسلمين ونزل وقام إماما أكمل بصلاته الفرض وأرضى بسمت دعواته والطمأنينة في ركعاته وسجداته أهل السماء والأرض وسر السلطان بنصبه ورفعه وامتلأ صدره حبورا منه بجلاء بصره وسمعه فقد أخذت بالأبصار أشعة أنوار الخطبة في سواد الأهبة وعظمت أخطار المهابة في خواطر المحبة وكرمت سرائر الزلفى إلى الله والقربة
ثم رتب السلطان بعده خطيبا تستمر إقامته للجمع والجماعات وتستقر ملازمته لأداء الصلوات
ولما قضيت الصلاة تلك الجمعة نصب سرير للوعظ أبقى تلك الأمة المجتمعة وتقدم السلطان إلى زين الدين الواعظ ليفرع السرير وينفع بعظاته الصغير والكبير وحضر المجلس بمرأى منه ومسمع فكان أنور مجلس ومجلى وأشرف جمع ومجمع فحقق ورقق وأشهد وأشهق وحلب بعباراته الحلوة العبرات وشار العسل بمعسول الإشارات وبشر البشر بشارة البشارات وذكر الفتح وبكارته والقدس وطهارته والدين وجسارته والكفر وخسارته والقدر وإعانته والظفر وإبانته والصخرة وإصراخها والروعة وإفراخها والنار وصراطها والقيامة وأشراطها والرحمة وبابها من باب الرحمة والجنة وجناها لهذه الزحمة وما أعده الله لهذه الطائفة وما أنزله من الأمن على القلوب الخائفة ووصف ببلاغته ما لا يبلغ إليه نطق الألسنة الواصفة ووصف الجهاد وفرائضه وفضائله والخير ودلائله والنجح ووسائله والشرع ومسائله والذنب وغوائله وإحسان السلطان وفواضله والبحر وساحله والدين وحقه والكفر وباطله وكان يوما راجحا وسوما رابحا 383
فصل في إيراد ما خطب به القاضي محيي الدين رحمه الله
قال العماد وخطب القاضي محيي الدين بن زكي الدين أربع خطب في أربع جمع كلها من إنشائه وأودعها سر بلاغة عنيت بإفشائه وذكرت الخطبة الأولى ويد الفصاحة فيها طولى افتتاحها بهذه الآيات (
فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) (
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) (
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ) (
وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) الآية (
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) (
قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) (
الحمد لله الذي له ما في السموات و ما في الأرض (
الحمد لله فاطر السموات والأرض )
والخطبة الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره ومستدرج الكافرين بمكره 384 الذي قدر الأيام دولا بعدله وجعل العاقبة للمتقين بفضله وأفاء على عباده من ظله وأظهر دينه على الدين كله القاهر فوق عباده فلا يمانع والظاهر على خليقته فلا ينازع والأمر بما يشاء فلا يراجع والحاكم بما يريد فلا يدافع
أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره وتطهيره بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشك وداحض الشرك وراحض الإفك الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى وعرج به منه إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ما زاع البصر وما طغى>
لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) شهادة من طهر بالتوحيد قلبه وأرضى به ربه
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشك وداحض الشرك وراحض الإفك الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى وعرج به منه إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ما زاع البصر وما طغى
صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار 385 الصلبان وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان
أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مئة عام وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع وأن يذكر فيه أسمه وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن أمتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه ورفع قواعده بالتوحيد فإنه بني عليه وبالتقوى فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم محمد عليه السلام وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام وهو مقر الأنبياء ومقصد الأولياء ومفر الرسل ومهبط الوحي ومنزل تنزل الأمر والنهي وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله بالملائكة المقربين وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى الذي شرفه الله برسالته وكرمه بنبوته ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته فقال تعالى (
لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ) وقال (
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) 386 وهو أول القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده واصطفاه من سكان بلاده لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار ولا يباريكم في شرفها مبار فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدرية والعزمات الصديقية والفتوح العمرية والجيوش العثمانية والفتكات العلوية جددتم للإسلام أيام القادسية والوقعات اليرموكية والمنازلات الخيبرية والهجمات الخالدية فجزاكم الله عن نبيه محمد أفضل الجزاء وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من مهراق الدماء وأثابكم الجنة فهي دار السعداء فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها وقوموا لله تعالى بواجب شكرها فله النعمة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة وترشيحكم لهذه الخدمة فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء وابتهج به الملائكة المقربون وقر به عينا الأنبياء والمرسلون فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح عليه البيت المقدس في آخر الزمان والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان فيوشك أن تكون التهاني به بين أهل الخضراء أكثر من التهاني به بين أهل الغبراء أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه ونص عليه في خطابه فقال تعالى (
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من 387 المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) الآية أليس هو البيت الذي عظمته الملوك وأثنت عليه الرسل وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من إلهكم عز وجل أليس هو البيت الذي أمسك الله عز وجل الشمس على يوشع لأجله أن تغرب وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان وغضب عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل وقد فضلهم على العالمين ووفقكم لما خذل فيه من كان قبلكم من الأمم الماضين وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم جنده وشكركم الملائكة المنزلون على ما أهديتم إلى هذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتحميد وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث والاعتقاد الفاجر الخبيث فالآن يستغفر لكم أملاك السموات وتصلي عليكم الصلوات المباركات
فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها سلم ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم وإحذروا من اتباع الهوى وموافقة الردى ورجوع القهقرى والنكول عن العدى وخذوا في انتهاز الفرصة وإزالة ما بقي من الغصة وجاهدوا في الله حق جهاده وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من 388 عباده وإياكم أن يستزلكم الشيطان وأن يتداخلكم الطغيان فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد وبخيولكم الجياد وبجلادكم في مواطن الجلاد لا والله ( واحذروا عباد الله بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل وخصكم بهذا الفتح المبين وأعلق أيديكم بحبله المتين أن تقترفوا كبيرا من مناهيه وأن تأتوا عظيما من معاصيه فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا والذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين والجهاد الجهاد فهو من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم انصروا الله ينصركم اذكروا الله يذكركم اشكروا الله يزدكم ويشكركم جدوا في حسم الداء وقطع شأفه الأعداء وتطهير بقية الأرض التي أغضبت الله ورسوله واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله فقد نادت الأيام بالثارات الإسلامية والملة المحمدية>
ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم )
واحذروا عباد الله بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل وخصكم بهذا الفتح المبين وأعلق أيديكم بحبله المتين أن تقترفوا كبيرا من مناهيه وأن تأتوا عظيما من معاصيه فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا والذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين والجهاد الجهاد فهو من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم انصروا الله ينصركم اذكروا الله يذكركم اشكروا الله يزدكم ويشكركم جدوا في حسم الداء وقطع شأفه الأعداء وتطهير بقية الأرض التي أغضبت الله ورسوله واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله فقد نادت الأيام بالثارات الإسلامية والملة المحمدية
الله أكبر فتح الله ونصر غلب الله وقهر أذل الله من كفر
واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها وفريسة فناجزوها ومهمة فأخرجوا لها هممكم وبرزوها وسيروا إليها سرايا عزماتكم 389 وجهزوها فالأمور بأواخرها والمكاسب بذخائرها فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول وهم مثلكم أو يزيدون فكيف وقد أضحى في قبالة الواحد منهم منكم عشرون وقد قال الله تعالى (
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ) أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره والازدجار بزواجره وأيدنا معشر المسلمين بنصر من عنده (
إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) وتمام الخطبة والخطبة الثانية قريب مما جرت به العادة وقال بعد الدعاء للخليفة اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك المعترف بموهبتك سيفك القاطع وشهابك اللامع والمحامي عن دينك المدافع والذاب عن حرمك الممانع السيد الأجل الملك الناصر جامع كلمة الإيمان وقامع عبدة الصلبان صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين مطهر البيت المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين
اللهم عم بدولته البسيطة واجعل ملائكتك براياته محيطة وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه
اللهم أبق للإسلام مهجته ووق للإيمان حوزته وانشر في المشارق والمغارب دعوته
اللهم كما فتحت على يده البيت المقدس بعد أن ظنت الظنون وابتلي 390 المؤمنون فافتح على يده أداني الأرض وأقاصيها وملكه صياصي الكفرة ونواصيها فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها ولا جماعة إلا فرقها ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها بمن سبقها
اللهم اشكر عن محمد سعيه وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها وأرجاء الممالك وأكنافها
اللهم ذلل به معاطس الكفار وأرغم به أنوف الفجار وانشر ذوائب ملكه على الأمصار وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار
اللهم ثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك الميامين واشدد عضده ببقائهم واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم
اللهم كما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقى على الأيام وتتخلد على مر الشهور والأعوام فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفد في دار المتقين وأجب دعاءه في قوله ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين )
ثم دعا بما جرت به العادة 391
فصل في المنبر
قال العماد لما فتحنا القدس أمر بتعمير المحراب وترخيمه وتكميل حسنه وتتميمه ووضع منبر رسمي في أول يوم قضى به الفرض واحتيج بعد ذلك إلى منبر حسن رائق بحسنه لائق وبجماله شائق وبكماله فائق فذكر السلطان المنبر الذي أنشأه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله لبيت المقدس قبل فتحه بنيف وعشرين سنة وأودعه له من ذخائره عند الله حسنة فأمر أن يكتب إلى حلب ويطلب فحمل وعمل على ما أمر به وامتثل فجاء كالروض النضير والوشي الحبير عديم النظير
وكان من حديث إحداثه ما ألهم الله نور الدين رحمه الله لا رتياح خاطره إليه وانبعاثه وقد أوقع في روعه من النور الفائض من ينبوع ضلوعه أن البيت المقدس بعده سيفتح وأن صدور المسلمين الحرجة لأجله ستشرح وهو من أولياء الله الملهمين وعباده المحدثين المكرمين وكان بحلب نجار يعرف بالأختريني من ضيعة تعرف بأخترين لم يلف له في براعته وصنعته قرين فأمره نور الدين بعمل منبر لبيت الله المقدس وقال له اجتهد أن تأتي به على النعت المهندم والنحت المهندس
فجمع الصناع وأحسن الإبداع وأتمه في سنين واستحق بحسن إحسانه التحسين والناس يقولون هذا أمر مستحيل وحكم ماله دليل وذكر جميل وأجر جزيل لو كان إليه سبيل وهيهات أن يعود القدس إلى الإسلام ويقضي الإصباح فيه على الإظلام فإن الفرنج مستولون مستعلون ويكثرون على الأيام ولا يقلون أما ناصفونا على أكثر أعمال حوران وقابلوا بالكفر الإيمان وقد أعجزوا ملوك الإسلام إلى اليوم فما 392 أصعب وأتعب وقم القوم
ويقول من له قوة اليقين وعرف أن الله كافل بنصره الدين اصبروا فلسر هذه الأمة نبأ وهو كما قال الله تعالى (
ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ )
ولم يزل لنور الدين في قلبه من الدين نور وأثر تقواه للمتقين مأثور أزهد العباد وأعبد الزهاد ومن الأولياء الأبرار والأتقياء الأخيار وقد نظر بنور الفراسة أن الفتح قريب وأن الله لدعائه ولو بعد وفاته مجيب ويزيده قوة عزمه جدا وتمده بحياء الحياة الربانية مدا قد طهره الله من العيب وأطلعه على سر الغيب ونزهه من الريب لنقاء الجيب وشملت الإسلام بعده بركته وختمت بافتتاح ملك صلاح الدين مملكته وهو الذي رباه ولياه وأحبه وحباه وهو الذي سن الفتح وسنى النجح
واتفق أن جامع حلب في الأيام النورية احترق فاحتيج إلى منبر ينصب فنصب ذلك المنبر وحسن المنظر وتولى حينئذ النجار عمل المحراب على الرقم وشابه المحراب المنبر في الرسم ومن رأى حلب الآن شاهد منه على مثال المنبر القدسي الإحسان
ولما فتح السلطان القدس تقدم بحمله وصح به في المحراب الأقصى اجتماع شمله وظهر سر الكرامة في فوز الإسلام بالسلامة وتناصرت الألسن بالدعاء لنور الدين بالرحمة ولصلاح الدين بالنصرة والنعمة
وقال العماد في موضع آخر من كتاب البرق وكان الملك العادل 393 نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله في عهده عرف بنور فراسته فتح البيت المقدس من بعده فأمر في حلب باتخاذ منبر للقدس تعب النجارون والصناع والمهندسون فيه سنين وأبدعوا في تركيبه الإحكام والتزيين وأنفق في إبداع محاسنه وإبداء مزاينه ألوفا وكان لترديد النظر فيه على الأيام ألوفا وبقي ذلك المنبر بجامع حلب منصوبا سيفا في صوان الحفظ مقروبا حتى أمر السلطان في هذا الوقت بالوفاء بالنذر النوري ونقل المنبر إلى موضعه القدسي فعرفت بذلك كرامات نور الدين التي أشرق نورها بعده بسنين وكان من المحسنين الذين قال الله فيهم (
والله يحب المحسنين )
قلت وهذا الذي نسبه إلى نور الدين رحمه الله من أنه كرامة من كراماته لائق بمحله ومنزلته من الدين وليس بالبعيد من مثل ذلك
وكان رحمه الله قد بدت له مخايل ذلك بما تسنى له من فتح البلاد الشامية والمصرية وقهر العدو بين يديه مرارا وكان فتح القدس في همته من اول ملكه فإن لم يكن حصل له مباشرة فقد حصل له تسببا فإن الفاتحين له رحمهم الله بنوا على ما أسسه لهم من الملك والتدبير وهم أمراؤه وأتباعه وأجناده وأشياعه
ثم يحتمل أن يكون رحمه الله وقف على ما ذكره أبو الحكم بن برجان الأندلسي في تفسيره فإنه أخبر عن فتح القدس في السنة التي فتح فيها وعمر نور الدين إذ ذاك إحدى عشرة سنة وقد رأيت أنا ذلك في 394 كتابه ذكر في تفسير أول سورة الروم أن البيت المقدس استولت عليه الروم عام سبع وثمانين وأربع مئة وأشار إلى أنه يبقى بأيديهم إلى تمام خمس مئة وثلاث وثمانين سنة قال ونحن في عام اثنتين وعشرين وخمس مئة فلم يستبعد نور الدين رحمه الله لما وقف عليه أن يمتد عمره إليه فهيأ أسبابه حتى منبر الخطابة فيه تقربا إلى الله تعالى بما يبديه من طاعته ويخفيه
وهذا الذي ذكره أبو الحكم الأندلسي في تفسيره من عجائب ما اتفق لهذه الأمة المرحومة وقد تكلم عليه شيخنا أبو الحسن علي بن محمد في تفسيره الأول فقال وقد وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي في أول سورة الروم إخبار عن فتح البيت المقدس وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة
قال وقال لي بعض الفقهاء إنه استخرج ذلك من فاتحة السورة قال فأخذت السورة وكشفت عن ذلك فلم أره أخذ ذلك من الحروف وإنما أخذه فيما زعم من قوله تعالى (
غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون ثم ذكر انهم يغلبون في سنة كذا ويغلبون في سنة كذا على ما تقتضيه دوائر التقدير
قال وهذه نجامة وافقت إصابة إن صح أنه قال ذلك قبل وقوعه 395 وكان في كتابه قبل حدوثه وليس ذلك بمأخوذ من الحروف ولا هو من قبيل الكرامات أيضا فإن الكرامة لا تكتسب بحساب ولا تفتقر إلى تاريخ ولذلك لم يوافق الصواب لما أدار الحساب على القراءة الأخرى الشاذة التي هي بفتح الغين من ( فصل>
غلبت الروم ) ويوضح ذلك أنه قال في سورة القدر لو علم الوقت الذي أنزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه
فصل
قال العماد وأما الصخرة المقدسة فإن الفرنج كانوا بنوا عليها كنيسة وأعادوا رسومها القديمة دريسة وستروها بالأبنية وعوجوا أوضاعها بزعم التسوية وكسوها صورا هي أشنع من التعرية وملؤوها بتصاريف التصاوير ونبتوا في ترخيمها أشباه الخنازير وجعلوا المذبح لها مذبحا ولم يتركوا فيها للأيدي المتبركة ولا للعيون المدركة ملمسا ولا مطمحا وقد زينوها بالصور والتماثيل وعينوا بها مواضع الرهبان ومحط الإنجيل وكملوا بها 396 أسباب التعظيم والتبجيل وأفردوا فيها لموضع القدم قبة صغيرة مذهبة بأعمدة الرخام منصبة وقالوا محل قدم المسيح وهو مقام التقديس والتسبيح وكان فيها صور الأنعام منبتة في الرخام والصخرة المقصودة المزورة بما عليها من الأبنية مستورة وبتلك الكنيسة المعمورة مغمورة
فأمر السلطان بكشف نقابها ورفع حجابها وحسر لثامها وقشر رخامها ومحي صورها ورحض وضرها ونقض أبنيتها ونقل حجرها وإبرازها للزائرين وإظهارها للناظرين فبانت من الشين وبانت للعين وحبيت بالقبل وفديت بالمقل فعادت كما كانت في الزمن القديم وشهدت حين شوهدت بحسبها الكريم وما كان يظهر منها قبل الفتح إلا قطعة من تحتها وقد أساء الكفر في نحتها وظهرت الآن احسن ظهور وسفرت أيمن سفور وأشرقت القناديل من فوقها نورا على نور وعملت عليها حظيرة من شبابيك حديد والاعتناء بها إلى كل يوم في مزيد
قال وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعا وحملوا منها إلى قسطنطينية ونقلوا منها إلى صقلية وقيل باعوها بوزنها ذهبا واتخذوا ذلك مكسبا
ولما طهرت ظهرت مواضعها وقطعت القلوب لما بانت مقاطعها فهي الآن مبرزة للعيون بحزها باقية على الأيام بعزها مصونة للإسلام في خدرها وحرزها
وقال في البرق ولما ظهرت الصخرة وجدناها وقد أبقت لها 397 النوائب حزوزا وأودعت ضميرها من شر أهل الشرك سرا مرموزا فإن الفرنج نقلوا إلى بلادهم قطعا وأبدعوا فيها بدعا حتى قيل إنها بيعت بوزنها ذهبا وأفضى الأمر بها أن يكون حجرها منتهبا فغطاها بعض ملوكهم إشفاقا عليها لئلا تمتد يد ضيم إليها فأبقت حزوزها في القلب حزازات وسار حديث حادثها في الآفاق بروايات وإجازات وتولاها بعد ذلك الفقيه ضياء الدين عيسى فصانها بشبابيك من حديد وثبت أركانها بكل تسديد
وقال في الفتح ورتب السلطان في قبة الصخرة إماما حسنا ووقف عليه دارا وأرضا وبستانا وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات معظمات لا تزال بين أيدي الزائرين على كراسيها مرفوعة وعلى أسرتها موضوعة ورتب لهذه القبة خاصة وللبيت المقدس عامة قومه من العارفين العاكفين القائمين بالعبادة الواقفين فما أبهج ليلها وقد حضرت الجموع وزهرت الشموع وبان الخشوع ودان الخضوع ودرت من المتقين الدموع واقشعرت من العارفين الضلوع
فهناك كل ولي يعبد ربه ويؤمل بره وكل أشعث اغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وهناك كل من يحيي الليل ويقومه ويسمو بالحق ويسومه وهناك كل من يختم القرآن ويرتله ويطرد الشيطان ويبطله ومن عرفته لمعرفته الأسحار ومن ألفته لتهجده الأوراد والأذكار وما أسعد نهارها 398 حين تستقبل الملائكة زوارها وتلحق الشمس أنوارها وتحمل القلوب إليها أسرارها
قال وتنافس ملوك بني أيوب فيما يؤثرونه فيها من الآثار الحسنة وفيما يجمع لهم ود القلوب وشكر الألسنة فما منهم إلا من أجمل وأحسن وفعل ما أمكن وجلى وبين وحلى وزين وأتى العادل أبو بكر بكل صنع بكر وتقي الدين عمر بكل ما عم وغمر ومن جملة أفعاله المشكورة ومكرماته المشهورة أنه حضر يوما في قبة الصخرة ومعه من ماء الورد أحمال ولأجل الصدقة والرفد مال فانتهز فرصة هذه الفضيلة التي ابتكرها وتولى بيده كنس تلك الساحات والعراص ثم غسلها بالماء مرارا حتى تطهرت ثم أتبع الماء بماء الورد صبا حتى تعطرت وكذلك طهر حيطانها وغسل جدرانها ثم أتى بمجامر الطيب فتبخرت وتضوعت ثم فرق ذلك المال فيها على ذوي الاستحقاق وافتخر بأن فاق الكرام بالإنفاق
وجاء الملك الأفضل نور الدين علي بكل نور جلي وكرم ملي وبسط بها الصنيعة وفرش فيها البسط الرفيعة وسيأتي ذكر ذلك ما اعتمده من بناء أسوار القدس وحفر خنادقه وأعجز بما أعجب من سوابق معروفه ولواحقه
وأما الملك العزيز عثمان فإنه لما عاد إلى مصر ترك خزانة سلاحه بالقدس كلها ولم ير بعد حصولها به نقلها وكانت أحمالا بأموال وأثقالا كجبال وذخائر وافية وعددا واقية وكان من جملة ما شرط على الفرنج أن يتركوا لنا خيلهم وعدتهم فتوفر بذلك عدد البلد واستغنى به عما يصل من المدد 399
قال وأما محراب داود عليه السلام خارج المسجد الأقصى فإنه في حصن عند باب المدينة منيع وموضع عال رفيع وهو الحصن الذي يقيم به الوالي فرتب السلطان له إماما ومؤذنين وقواما وهو مثابة الصالحين ومزار الغادين والرائحين فأحياه وجدده ونهج لقاصديه جدده وأمر بعمارة جميع المساجد وصون المشاهد وإنجاح المقاصد وإصفاء الموارد للقاصد والوارد وكان موضع هذه القلعة دار داود وسليمان عليهما السلام وكان ينتابهما فيهما الأنام
وكان الملك العادل نازلا في كنيسة صهيون وأجناده على بابها مخيمون
وفاوض السلطان جلساؤه من العلماء الأبرار والأتقياء الأخيار في مدرسة للفقهاء الشافعية ورباطا للصلحاء الصوفية فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصند حنة عند باب أسباط وعين دار البطرك وهو بقرب كنيسة قمامة للرباط ووقف عليهما وقوفا وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفا وارتاد أيضا مدارس للطوائف ليضيفها إلى ما أولاه من العوارف
فصل
قال في البرق وشرع الفرنج في إخلاء البيوت وبيع ما ذخروه من الأثاث والقوت وأمهلوا حتى باعوا بأرخص الأثمان وكان خروجها شبيها بالمجان لا سيما ما تعذر لثقله نقله وصعب حمله وكان كما قال الله تعالى (
كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ) فباعوا ما تهيأ على البيع إخراجه 400 رخيصا وابقوا ما لم يجدوا من تركه محيصا وغلبوا على ما في الدور من الماعون والمذخور
وأما الصناديق والأخشاب والرخام وما يجري مجراها مما توفرت منه الأنواع والأقسام فإنها بقيت بحالها متروكة ولمن يسكن تلك الأماكن مملوكة
وكانت قمامة وهي كنيستهم العظمى ومتعبدهم التي يجتمعون بها للدين والدنيا مفروشة بالبسط الرفاع مكسوة بالستور النسيج والحرير الممزوج من سائر الأنواع والذي يذكرون أنه قبر عيسى عليه السلام محلى بصفائح الفضة والعين ومصوغات الذهب واللجين مصفح بالنضار مثقل من نفائس الحلي بالأوقار فأعاده البطرك منه عاطلا وتركه طللا ماثلا فقلت للسلطان هؤلاء إنما أخذوا الأمان على أموالهم فما بال هذا المال وهو بألوف يحملونه في أثقالهم فقال هم ما يعرفون هذا التأويل وينسبون إلينا لما حرمناه التحليل ويقولون إنهم لم يحفظوا العهد ولم يلحظوا العقد ونحن نجريهم على ظاهر الأمان ونغريهم بذكر محاسن الإيمان وكانت المهلة أنه من عجز بعد أربعين يوما عن أداء ما عليه من القطيعة ضرب عليه الرق بحكم الشريطة ووفق الشريعة فتولاهم النواب بعد خروجنا من القدس وبقي منهم ممن ضرب عليه الرق زهاء خمسة عشر ألفا في الحبس ففرقهم السلطان وتناهت بهم البلدان وحصل لي منهم سبايا نسوان وصبيان وذلك بعد أن وفى ابن بارزان بالضمان 401 وأدى ثلاثين ألف دينار وأخرج من ذكر أنه فقير بحسب الإمكان وكانوا تقدير ثمانية عشر ألفا واعتقد أنه لم يبق فقير وبقي بعد أدائه على ما ذكرناه كثير
وأما النصارى الساكنون بالقدس فإنهم بذلوا مع القطيعة الجزية ليسكنوا ولا يزعجوا ويؤمنوا ولا يخرجوا فأقروا بواسطة الفقيه وأقر من قسوس النصارى أربعة قوام لقمامة وأعفاهم ولم يكلفهم الغرامة وأقام بمدينة القدس وأعمالها منهم ألوف فشمروا وعمروا وعرشوا وغرسوا فلهم منها مجان وقطوف وكانت لأمراء الفرنج ومقدميهم مجاورة للصخرة وعند باب الرحمة مقبرة وقباب معمرة فعفينا آثارها ورحضنا أوضارها
وقال في الفتح وأمر السلطان بإغلاق كنيسة قمامة وحرم على النصارى زيارتها ولا إلمامة وتفاوض الناس عنده فيها فمنهم من أشار بهدم مبانيها وتعفية آثارها وتعمية نهج مزارها وقالوا إذا هدمت ونبشت المقبرة وعفيت وحرثت أرضها ودمر طولها وعرضها انقطعت عنها أمداد الزوار وانحسمت عن قصدها مواد أطماع أهل النار ومهما استمرت العمارة استمرت الزيارة وقال أكثر الناس لا فائدة في هدمها وهدها فإن متعبدهم موضع الصليب والقبر لا ما يشاهد من البناء ولا ينقطع عنها قصد أجناس النصرانية ولو نسفت أرضها في السماء ولما فتح أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه القدس في صدر الإسلام أقرهم على هذا المكان ولم يأمر بهدم البنيان 402
قال وأقام السلطان على القدس حتى تسلم ما بقربها من حصون واستباح كل ما للكفر بها من مصون ثم عمد إلى ما جمعه ففرقه وأخرجه في ذوي الاستحقاق وأنفقه فأكثروا عذله على بذله واستكثروا ما فضه بفضله فقال كيف أمنع الحق مستحقيه وهذا الذي أنفقه هو الذي أبقيه وإذا قبله المستحق فالمنة له علي فيه فإنه يخلصني من الأمانة ويطلقني من وثاقها فإن الذي في يدي وديعة أحفظها لذوي استحقاقها
وقيل له لو ذخرت هذا المال للمال
فقال أملي قوي من الله الكافل بنجح الآمال وجمع الأسراء المطلقين وكانوا ألوفا من المسلمين فكساهم وأساهم وواساهم وأذهب أساهم فانطلق كل منهم إلى وطنه ووطره ناجيا من ضره وضرره
وقال في البرق وسمعت الملك العادل يوما في أثناء حديثه في ناديه وهو يجري ذكر إفراط السلطان في أياديه يقول إني توليت استيفاء قطيعة القدس فأنفذت له ليلة سبعين ألف دينار فجاءني خازنه بكرة وقال نريد اليوم ما نخرجه في الإنفاق فما عندنا مما كان بالأمس باق
فنفذت له ثلاثين ألف دينار أخرى في الحال ففرقتها على رجال الرجاء يد النوال
فصل
قال العماد وللحكيم أبي الفضل قصائد قدسيات طوال كثيرة الفوائد 403 قلت قد وقفت على بعضها
وقدم قبل ذلك أن قال لم أزل من أول ما ولي الملك الناصر الأمر في مصر أعلم أنه مؤيد بعناية من الله سبحانه فامتدحته في سنة خمس وستين بقصيدة تنيف على مئة بيت منها في التباشير
( لتظفرن بما لم يحوه ملك
أبا المظفر حظا خطه الأزل )
( دليل ذلك آراء لك اقترنت
بالحزم والعزم لم يخصص بها الأول )
وفيها
( قد ساد إسكندر أهل الزمان معا
في سن عشرين وامتدت له الحيل )
( وافى الثلاثين والأقطار أجمعها
طوعا له وملوك الأرض والملل ) قال ومدحته سنة سبع وستين عند قفوله من غزاة غزة بقصيدة منها
( أبا المظفر فاهنأ حظ منتخب
أخرى الزمان لدين كاد ينبتر )
( زهدت فيما سبى الأملاك منكدرا
علما بملك نعيم ماله كدر )
( وطبت نفسا عن الدنيا وزخرفها
وجئت تقدم حيث الهول والخطر )
قال ومدحته سنة ثمان وستين بقصيدة تنيف أيضا على مئة بيت منها في التباشير
( أرى الراية الصفراء يرمي اصطفاقها
بني أصفر بالراعفات اللهاذم )
( فتسبي فلسطينا وتجبي جزائرا
وتملك من يونان أرض الأساحم )
( وتعنوا لها الأملاك شرقا ومغربا
بذا حكمت حذاق أهل الملاحم ) 404
قال وبعثت إليه في غرة سنة اثنتين وثمانين وهو على حمص بقصيدة هناته فيها بالعافية منها
( فيا ملكا لم يبق للدين غيره
وهت عمد الإسلام فاشدد لها دعما )
( فشؤم فريق الشرك في الشام طائر
فقص جناحيه بأقصى القوى قصما )
( خصصت بتمكين فعم العدى ردى
فإنهم يأجوج أفرغ بها ردما )
( إذا صفرت من آل الأصفر ساحة
المقدس ضاهت فتح أم القرى قدما )
( فذا المسجد الأقصى وهمتك العلى
وعزمتك القصوى ورميتك الأصمى )
( فما هو إلا أن تهم وقد أتت
فتوح كما فاض الخضم الذي طما )
( وإن أنت لم ترد الفرنج بوقعة
فمن ذا الذي يقوى لبنيانها هدما )
( وما كل حين تمكن المرء فرصة
ولا كل حال أمكنت تقتضي غنما )
( وليس كفتح القدس منية قادر
وما آن يلقاها سوى يوسف حزما )
قال وأنشأت قصيدة أخرى في سنة اثنتين وثمانين وحضرت بها بين يديه منها
( الله أكبر أرض القدس قد صفرت
من آل الأصفر إذ حين به حانوا )
( أسباط يوسف من مصر أتوا ولهم
من غير تيه بها سلوى وأمنان )
( لهم فلسطين إن يخرج عداتهم
عنها وإلا عدت بيض وخرصان )
( حتى بنيت رتاج القدس منفرجا
ويصعد الصخرة الغراء عثمان )
( واستقبل الناصر المحراب يعبد من
قد تم من وعده فتح وإمكان )
( وجاز بعض بنيه البحر تجفل من
غاراته الروم والصقلاب واللان )
( حتى يوحد أهل الشرك قاطبة
ويرهب القول بالثالوث رهبان )
( ولابن أيوب في الإفرنج ملحمة
دلت عليها أساطير وحسبان ) 405
( ومن أحق بملك الأرض من ملك
كأنه ملك في الخلق حنان )
ثم قال وأما القصيدة الفتحية الناصرية فأولها
( في باطن الغيب ما لا تدرك الفكر
فذو البصيرة في الأحداث يعتبر )
( مالي أرى ملك الإفرنج في قفص
أين القواضب والعسالة السمر )
( والاسبتار إلى الداوية التأموا
كأنهم سد يأجوج إذا اشتجروا )
( والنفس مولعة عجبا بسيرتها
وفي المقادير ما تسلى به السير )
( يا وقعة التل ما أبقيت من عجب
جحافل لم يفت من جمعها بشر )
( ويا ضحى السبت ما للقوم قد سبتوا
تهودوا أم بكأس الطعن قد سكروا )
( ويا ضريح شعيب مالهم جثموا
كمدين أم لقوا رجفا بما كفروا )
( حطوا بحطين ملاكا فيا عجبا
في ساعة زال ذاك الملك والقدر )
( أهوى إليهم صلاح الدين مفترسا
وهو الغضنفر أعدى ظفره الظفر )
( أملى عليهم فصاروا وسط كفته
كسرب طير حواها القانص الذكر )
( وأنجز الله للسلطان موعده
ونذره في كفور دينه البطر )
( وعاين الملك الإبرنس في دمه
فمات حيا وحيا وهو يعتذر )
( رأى مليكا ملوك الأرض تتبعه
والنجم يخدمه والشمس والقمر )
( إذا بدا تبهر الأعيان هيبته
ويختفي وهو في الأذهان مشتهر )
( تقدم الجيل في أخرى الزمان به
على صدور علا من قبلنا صدروا )
( أما رأيتم فتوح القادسية في
أكناف لوبية تجلى وذا عمر )
( والحق يعرس والطغيان منتحب
والكفر يطمس والإيمان مزدهر )
( هذا المليك الذي بشرى النبي به
في فتنة البغي للإسلام ينتصر )
( أنسى ملاحم ذي القرنين واعترفت
له الرواة بما لم ينمه أثر )
( أعين إسكندر بالخضر وهو له
عون من الله يستغني به الخضر ) 406
( وصنع ذي العرش إبداع بلا سبب
فلا تقل كيف هذا الحادث الخطر )
( بينا سباياه تجلى في دمشق إذا
ملك الفرنج مع الأتراك محتجر )
( إزاءه زعماء الساحلين معا
مصفدين بحبل القهر قد أسروا )
( يتلوهم صلبوت سيق منتكسا
وحوله كل قسيس له زبر )
( ونحن في ذا إذا طير صحيفته
بفتح عكا التي سدت بها الثغر )
( تغزو أساطيلنا منها صقلية
فيذعر الروم والصقلاب والخزر )
( من ذا يقول لعل القدس منفتح
إليك بل سبت يعقوب له السفر )
( أبو المظفر ينويها فخذ سفنا
من باب عكا إلى طرطوس تنتشر )
( يسبي فرنجة من أقطارها وله
مع المجوس حروب قدحها سعر )
( وبعض أبنائه بالقدس منتدب
وبعضهم رومة الكبرى له وطر )
( براية تخرق الأرض الكبيرة في
جمع تقول له الأجسام لا وزر )
( قالوا أطلت مديحا فيه قلت كما
بدأت فالصب للمحبوب مدكر )
وأما القصائد القدسيات التي له فمنها التائية وقد تقدم ذكرها ومنها القدسية الكبرى عددها مئة واثنان وخمسون بيتا أولها
( تصاريف دهر أعربت لمن اهتدى
وبسطة أمر أغربت من تمردا )
( لسرعة فتح القدس سر مغيب
وفي صرعة الإفرنج معتبر بدا )
( أتوا بجبال أبرمت لإسارنا
فسقناهم فيها قطينا محددا )
( وساموا تجارا تشترينا غواليا
فبعناهم بالرخص جهرا على الندا ) 407
( وجروا جيوشا كالسيول على الصوى
فاضت غثاء في البطاح مبددا )
( وقالوا ملوك الأرض طوع قيادنا
إذا الكل منهم في القيود معبدا )
( وقد أقطع الكند العراق موقعا
فأودع سجنا وسط جلق موصدا )
( وأقسم أن يسقي بدجلة خيله
فما ورد الأردن إلا مصفدا )
( فكم واثق خجلان قهقه خصمه
وكم سابق عجلان قهقر مقعدا )
( أتى الكند من بيسان يحمي قمامة
فكان تقضى ملكه قبل يبتدا )
( فما عقد الرايات إلا محللا
ولا حلل الرايات إلا معقدا )
( ووقعة يوم التل إذ قبضت به
جبابرة الإفرنج حيرى وشردا )
( عليهم من البلوى سرادق ذلة
ومن ذل ماتت نفسه فتقيدا )
( ترى المنسر الديوي يلقي سلاحه
وينساق ما بين السبايا ملهدا )
( يباعون أسرابا شرائح أحبل
كشكة عصفور من الريش جردا )
( فتلقى نصارى جلق في مآتم
يسرونها إلا شجى وتنهدا )
( ألم تر للسلطان صدق نذره
دم الغادر الإبرنس فاقتيد أربدا )
( وباشره بالقتل وسط خبائه
وعاينه الكند المليك فأرعدا )
( وضاقت بنفس القومص الأرض مهربا
فأدركه الموت المفاجىء مكمدا )
( وما طرق الأسماع من عهد آدم
كملحمة التل التي تلت العدى )
( أتوا واديا ما زال ينفي خبائثا
ويصفي بعقبى الدار طائفة الهدى )
( به جثمت أصحاب ليكة وهي في
ذراه وذا فيه شعيب تأيدا ) 408
( أرى الله فيه معجز النصر مخلصا
لأمر صلاح الدين في الناس مخلدا )
( وأعدى جنود الرعب تردى عداته
وسلم جمع المسلمين مجندا )
( ومن عجب خمسون ألف مقاتل
سبتهم جيوش ليس فيها من ارتدا )
وللرشيد بن بدر النابلسي
( هذا الذي كانت الآمال تنتظر
فليوف لله أقوام بما نذروا )
( بمثل ذا الفتح لا والله ما حكيت
في سالف الدهر أخبار ولا سير )
( حين به حان هلك المشركين فيا
لله طيب العشايا منه والبكر )
( الآن قرت جنوب في مضاجعها
ونام من لم يزل حلفا له السهر )
( يا بهجة القدس إن أضحى به علم
الإسلام من بعد طي وهو منتشر )
( يا نور مسجده الأقصى وقد رفعت
بعد الصليب به الآيات والسور )
( شتان ما بين ناقوس يدان به
وبين ذي منطق يصغي له الحجر )
( الله أكبر صوت تقشعر له
شم الذرى وتكاد الأرض تنفطر )
( يا مالك الأرض مهدها فما أحد
سواك من قائم للمهد ينتظر )
( ما اخضر هذا الطراز الساحلي ثرى
إلا لتعلو به أعلامك الصفر )
( أضحى بنو الأصفر الأنكاس موعظة
فيها لأعدائك الآيات والنذر )
( صاروا حديثا وكانوا قبل حادثة
على الورى يتقيها البدو والحضر )
( سلبتهم دولة الدنيا وعيشتها
حتى لقد ضجرت من وفدهم سقر )
( هذا الذي سلب الإفرنج دولتهم
وملكهم يا ملوك الأرض فاعتبروا ) 409
( مراكز ما اختطاها الخوف مذ مئة
عاما ولا ريع أهلوها ولا ذعروا )
( ولم أصرح بأسماء البلاد فقد
اسهبت والقائل المنطيق يختصر )
( يغنيك مجمل قولي عن مفصله
في لفظة البحر معنى تحته الدرر )
وهي طويلة وله من قصيدة أخرى
( ألمم بدار الناصر الملك الذي
في كفه للجود سبعة أبحر )
( فإذا مررت بملكه وفتوحه
فاسخر بما يروى عن الإسكندر )
( وإذا بصرت بجأشه وجيوشه
فاحث التراب على ذؤابة سنجر )
( كسرت على كسرى لعدلك دولة
قصرت مهابتها تطاول قيصر )
وللشهاب فتيان الشاغوري من قصيدة
( أهدى صلاح الدين للإسلام إذ
أردى قبيل الكفر ما لم يكفر )
( رب الملاحم لم يؤرخ مثلها
العلماء قدما في قديم الأعصر )
( خلعت عليه خلعة الملك التي
زيدت بهاء بالطراز الأخضر )
( راياته صفرا يردن وتنثني
حمرا تمج نجيع آل الأصفر )
( لم لم تدن شوس الملوك له وقد
ملك السواحل في ثلاثة أشهر )
( واستنقذ البيت المطهر عنوة
من كل ذي نجس بكل مطهر ) 410
( وأريتهم لما التقى الجمعان
بالبيت المقدس هول يوم المحشر )
( ورددت دين الله بعد قطوبه
بالمسجد الأقصى بوجه مسفر )
( وأعدت ما أبداه قبلك فاتحا
عمرو فأنت شريكه في المتجر )
( حتى جمعت لمعشر الإسلام
بين الصخرة العظمى وبين المشعر )
( فلصخرة البيت المقدس كفؤها
الحجر المفضل عند أفضل معشر )
( فكأنه إنسان عين صورة
يلقاك أسوده بمعنى أنور )
فصل في حصار صور وفتح هونين وغير ذلك
قال العماد ثم إن السلطان ما زال مقيما بظاهر القدس يحقق الآمال ويفرق الأموال حتى وردت كتب سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وكان نائب السلطان لصيدا وبيروت وهما مجاورتان لصور فكتب يحرض السلطان على حصار صور فرحل السلطان عن القدس يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان وأخذ صوب عكا وسبقه إليها الأفضل وتقي الدين وودع السلطان ولده العزيز ورده إلى مصر فكان آخر عهده به
واستصحب السلطان أخاه العادل فوصلا إلى عكا مستهل رمضان فأصلح من شأنها ثم رحل فنزل على صور يوم الجمعة تاسع رمضان وخيم بإزاء السور بعيدا منه على النهر ومعظم البلد في البحر وهي مدينة حصينة متوسطة في البحر كأنها سفينة وكان المركيس الذي في صور قد حفر لها خندقا من البحر إلى البحر وبنى بواشيره وأحكم في التعمير تدبيره واستظهر بتكثير العدد 411 والعدد واغتنم اشتغال السلطان بفتح القدس
فأقام السلطان بتلك المنزلة على صور ثلاثة عشر يوما حتى تلاحقت الأمداد وكثرت العدد وآلات الجهاد ورتبت المنجنيقات ثم حول السلطان مضاربه إلى تل قريب من السور يشرف منه ثم حاصرهم وقبل كلا من الملوك بجانب يكفيه منهم الأفضل والعادل وتقي الدين فحاصروهم وضايقوهم
ووصل في تلك الأيام من حلب الملك الظاهر غازي ولد السلطان بعسكره الحلبي فاستظهر السلطان به واستدعى الأسطول المصري وكان بعكا فجاء منه عشرة شواني وكان للفرنج في البحر مراكب وحراريق وفيها رماة الجروخ والزنبوركات يرمون من دنا من البحر فلما جاء أسطول السلطان استطال عليها وأبعدها فأحاط بهم المسلمون وقاتلوهم برا وبحرا فبينما هم في أحلى ظفر وأهنأ ورد وصدر إذ ملك الفرنج خمسة من شواني المسلمين وأسروا مقدميها ورئيسها عبد السلام المغربي ومتوليه بدران الفارس وألقى جماعة أنفسهم في البحر فمن ناج وهالك وذلك أنهم سهروا تلك الليلة بإزاء ميناء صور إلى السحر ثم غلبهم النوم فما انتبهوا إلا والفرنج قد ركبتهم ونكبتهم فأصبح المسلمون وقد وجموا وأتاهم من الأمر ما لم يعلموا ونفذ السلطان إلى المراكب الباقية أن يسيروا إلى بيروت وخاف عليها لقلتها أن يستولي عليها عبدة الطاغوت فنجا منها شيني رئيس جبيل والباقون نظروا إلى الفرنج وراءهم فألقوا أنفسهم في الماء وخرجوا إلى البر على وجوههم
ثم إن الفرنج بعد هذا طمعت فخرجت يوما وقت العصر مستعدة للقتال فالتقاهم المسلمون فكانت الدائرة على الكافرين واسر مقدم كبير 412 لهم وظن أنه المركيس فسلمه السلطان إلى ولده الظاهر ليحفظه فضرب عنقه وكان الليل قد دخل فلما أصبحوا تبين لهم ان المركيس بعد في الحياة فطال حصاره حتى ضجر كثير من أمراء المسلمين لأنهم رأوا ما لم يألفوه من تعسر الفتح عليهم فأشاروا على السلطان بالرحيل لئلا تفنى الرجال وتقل الأموال وكان البرد قد اشتد عليهم وكان رأي السلطان والأتقياء من الأمراء كالفقيه عيسى وحسام الدين طمان وعز الدين جرديك النوري الثبات إلى الفتح لئلا يضيع ما تقدم من الأعمال وإنفاق الأموال وقال السلطان قد هدمنا السور وقاربنا الأمور فاصبروا تفلحوا وصابروا تفتحوا ولا تعجلوا
فأظهروا الموافقة وفي انفسهم ما فيها فلم يصدقوا القتال وتعللوا بأن الرجال جرحى والعلوفات قد قلت فلم يسع السلطان بعد ذلك إلا الرحيل فأمر بنقل الأثقال فحمل بعضها إلى صيدا وبيروت وأحرق الباقي لئلا يناله العدو ورحل في أخر شوال وهو أول يوم من كانون الأول وسار تقي الدين إلى دمشق على طريق هونين واستصحب معه عساكر الشرق وديار بكر والموصل والجزيرة وسنجار وماردين ورحل السلطان إلى عكا فوصلها في ثلاث مراحل لأنه سلك طريق الناقورة وهي طريق ضيقة مطلة على البحر بها يضرب المثل لا يعبر بها إلا جمل جمل فعبرت بها الأثقال والأحمال في أسبوع
وكان عين يوم رحيله من صور أمراء يقيمون عليها إلى أن يعرفوا عبور الثقل
وخيم السلطان عند التل وسار العادل إلى مصر والظاهر إلى حلب وبدر الدين دلدرم الياروقي إلى بلاده
قال وفي مدة رحيل السلطان عن صور جاءه خبر سيف الدين محمود أخي عز الدين جاولي أنه استشهد في عفربلا تحت حصن كوكب كبسه 413 الفرنج فيها ليلا وذلك أنه كان قد بقي على السلطان بعدما فتح من بلاد العدو من جملة أعمال طبرية والغور حصنا صفد وكوكب وكان في صفد جمرة الداوية وفي كوكب جمرة الاسبتارية فاحتاج السلطان في فتحهما إلى المطاولة فوكل بصفد جماعة يعرفون بالناصرية مقدمهم مسعود الصلتي ووكل بكوكب هذا الأمير سيف الدين محمودا فأقام في حصن عفربلا وهو قريب من حصن كوكب ونغص على المقيمين فيه المطعم والمشرب وضيق عليهم المذهب إلى أن دخل الشتاء فاختلت الحراسة واعتلت السياسة فلما كانت ليلة آخر شوال وكانت باردة ماطرة حرس أصحاب سيف الدين حتى ضجروا فغلبهم النعاس فما استيقظوا إلا وفرنج كوكب عليهم باركة فدافعوا عن أنفسهم حتى استشهدوا واخذ الفرنج غنيمة المسلمين ودخلوا بها كوكب
وكان هذا الأمير محمود ذا دين متين ومكان من النسك مكين وهو يسهر اكثر ليله متهجدا وقد جعل منزله مسجدا فجمع بين التهجد والجهاد وكان كثير الاجتهاد فاغتم السلطان بمصابه وزاد تألما إلى مابه وتقدم إلى صارم الدين قايماز النجمي أن يرابط كوكب في خمس مئة فارس ففعل ولم يزل بها إلى ان فتحت كما سياتي
قال وفتحت هونين والسلطان محاصر صور وكان لما فتح تبنين قد امتنعت عليه هونين فوكل بها من رابطها وضايقها حتى طلبوا الأمان وجاء خبرها إلى السلطان وهو على صور فنفذ الأمير بدر الدين دلدرم ففتحها وخرج الفرنج منها سالمين آمنين
وكان قد بقي أيضا من عمل صيدا قلعة أبي الحسن و شقيف أرنون وأقام السلطان بظاهر عكا ناظرا 414 في أمور رعيته ثم دخلها وسكن بالقلعة وسكن الأفضل برج الداوية وولى عكا عز الدين جرديك ووقف دار الاسبتار نصفين نصفا على الفقهاء ونصفا على الصوفية ووقف دار الأسقف بيمارستان ووقف على كل من ذلك كفايته واظهر به عنايته وسلم جميع ذلك إلى قاضيها جمال الدين بن الشيخ أبي النجيب وهو في ذلك مصيب
فصل في ورود رسل التهاني من الآفاق وقدوم الرسول العاتب من العراق
قال العماد ووردت رسل الآفاق من الروم وخراسان والعراق وكلهم يهني السلطان بما أفرده الله به من الفضيلة وأقدره عليه من نجح الوسيلة وهو فتح القدس الذي درج على حسرته القرون الأولى وتقاصرت عنه أيديهم المتطاولة وتمكنت منه يده الطولى فما منهم إلا من يعترف بيمنه ويغترف من يمه ويقر بحكم التنزيل له وينزل على حكمه ويخطب صداقته ويتقرب بالوفاء والوفاق ويتباعد عن الشقاء والشقاق فمن جملتهم رسول صاحب الري ورسول المستولي على ممالك همذان وأذربيجان وأران فما من يوم يمضي وشهر ينقضي إلا ويصل منهم رسول ويتصل به سول
وذكر العماد في البرق انه وصل إلى السلطان وهو بعكا رسول 415 أتابك مظفر الدين قزل أرسلان وهو عثمان بن أتابك إيلدكز المستولي على بلاد العجم بعد أخيه البهلوان
ثم ذكر من خرقه في كرمه شيئا كثيرا ثم قال وهذا كله لا يكون في بحر سلطاننا جدولا كان السلطان مذهب المذهب ظاهر المحفل والموكب قد خصه الله بالصدر الأرحب والنصر الأغلب عزمه إلى الجهاد مصروف وخلقه بالمعروف معروف وهمه بالسماح مشغوف ما يفتحه بالسيف في البلاد يهبه لمن يضرب معه بالسيف في الجهاد وللخالق تقواه وللمخلوقين جدواه وإنما يريد للآخرة دنياه فلا جرم ختم الله بالحسنى عقباه
قال ولم يكن في الملوك السالفة أمضى منه عزما وأجدى فضلا واعم جدوى واكمل جهدا في الجهاد وأملك جلدا على الجلاد فإنه باشر بنفسه الحرب ومارس الصعب وقذف بالحق حين حققه على الباطل فأزهقه ولا حد ولا عد لما في سبيل الله من نفائس النفوس والأموال أنفقه ومن أول هذا العام إلى منتهاه لم يجف لورده لبد ولم ينضب من ورده عد ولم يقر له جنب بل لقي في فصلي القيظ والقر مض الحر وعض البرد بحر وجهه الكريم وقضى حق الدين موفيا بصدق غرامه حق الغريم وكل ما تم من النصر يوم حطين وفتح القدس وتسلم بلاد الساحل 416 إنما تسنى بشهر سيفه في فصل الصيف وشهوره واستظهاره بظهور الإسلام وشد طهوره
وأنشد العماد للقاضي الفاضل في وصف أسيافه
( ماضيات على الدوام دوامي
هي في النصر نجدة الإسلام )
( في يمين السلطان إن جردتها
أشبهتها صواعق في غمام )
( تنثر الهام كالحروف فما
أشبه هذي السيوف بالأقلام )
( في محاريب حربه البيض صلت
وركوع الظبى سجود الهام )
وذكر من كلامه في التوسط بين الأصدقاء ما أدخل بينكم إلا كدخول المرود في الأجفان يرد إليها ما ذهب منها من النور والغمض أو كالنسيم بين الأغصان يعطف بعضها على بعض
قال العماد ووصل أخي تاج الدين أبو بكر حامد من دار الخلافة برسالة في العتب على أحداث ثقلت وأحاديث نقلت ووشايات أثرت وسعايات في السلطان شعثت وذلك في شوال ونحن على حصار صور وسبب ذلك أنه لما تم الفتح الأكبر وخص وعم النجح الأظهر وقطع دابر المشركين وحط إقبال المسلمين أوزار أدبار الكافرين بحطين أمرني السلطان بإنشاء كتب البشائر إلى الآفاق وتقديم البشرى به إلى العراق فقلت هذا فتح كريم ومنح من الله عظيم فلا ينبغي ان يكون مبشر دار الخلافة بما أنزله الله علينا من الرحمة والرأفة إلا من هو عندنا أجل وأجلى وأعلم وأعلى وأجمع لفنون الفضائل وأعرف بأداء الرسائل فلا يرفع 417 العظيم إلا بالعظيم الرفيع فإن الشريف يتضع شرفه بمقارنة الوضيع
فقال هذه نصرة مبتكرة وموهبة مبشرة بدرت وندرت فنحن نعجل بها بشيرا ونؤخر للإجلال كما ذكرت سفيرا
وكان في الخدمة شاب بغدادي من الأجناد قد هاجر للاسترفاد وتوجه بعد وصوله ونبه بعد خموله فسأل في البشارة إلى بغداد وزعم أنه يداوم إليها الإغذاذ وشفع له جماعة من الأكابر حتى خص بأشرف البشائر فقلت هذا لا يحصل له وقع ولا يصل إليه نفع والواجب أن يسير في مثل هذا الخطير خطير وفي هذه النصرة الكبرى كبير
ثم سار المندوب وشغلت عن إرسال سواه الفتوح والحروب ولما فتح البيت المقدس أرسل ببشارته نجاب ونفذ بها كتاب ووصل البشير الجندي فحقروه وما وقروه فإنه كان عندهم بعين فنظروه بتلك العين وحبوه بما يليق من الرقة والعين ونقم على السلطان إرسال مثله وتسمح المندوب بكلام أخذ عليه وبدرت منه أحاديث نسبت إليه
وقال في سكره وحالة نكره ما نعرض عن ذكره فخيل وموه وتنكر وتكره وظن أن لكلامه أصلا ولقطعه منا وصلا وأنهيت إلى العرض الأشرف مقالاته وعلمت جهالاته وتجني على السلطان بإرساله وطرق إلى هداه ما أنكروه من مقال المذكور وضلاله ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقا وطلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقا واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل وقالوا 418 هذا يزعم أنه يقلب الدولة ويغلب الصولة وأنه ينعت بالملك الناصر نعت الإمام الناصر ويدل بماله من القوة والعساكر
فأشفق الديوان العزيز على السلطان من هذه وبرز الأمر المطاع بإرسال أخي وإنفاذه وقالوا هذا تاج الدين أخو العماد يكفل لنا في كشف سر الأمر بالمراد فإن أخاه هناك مطلع على الأسرار وهو منتظم في سلك الأولياء الأبرار
وعول عليه الديوان في السفارة ورد معه جواب البشارة وكتبت له تذكرة بموجبات مقاصد العتب ومكدرات موارد القرب والمخاطبة فيها وإن كانت حسنة خشنة والمعاتبة مع شدتها للعواطف الإمامية لينة
فسار الأخ إلى دمشق وكان قد عاد المندوب نادبا عاديا جاحدا للنعمة شاكيا وقال أخو العماد قد وصل بكل عتب وغضب ولفظ فظ ومعه الملامات المؤلمات فقلت له اسكت واصمت وقلت للسلطان سمعا وطاعة لأمر الديوان فإن إظهار سر العتب لك من غاية الإحسان فقال نعم ما قلت
ولما قرب أخي أصبحت لقدومه أنتخي فأمر السلطان الأمراء على مراتبهم باستقباله وتقدم لجلالة قدومه بإحلاله وتلقاه الملوك الحاضرون العادل والمظفر والأفضل والظاهر
ثم ركب وتلقاه بنفسه وخصه من تقريبه بأنسه ولم يزل حتى أراه مواضع الحصار ومصارع الكفار ثم نزل وأنزله بالقرب ثم حضر عنده وقد أخلى مجلسه لي وله وحده فأدى الأمانة في مشافهته ووجه مقاصده في مواجهته وأحضر التذكرة وقد جمعت المعرفة والنكرة فقرأتها عليه وكانت في الكتب غلظة عدت من الكاتب غلطة 419 وخيلت سقطه وجلبت سخطه وقال إن الإمام أجل أن يأمر بهذه الألفاظ الفظاظ والأسجاع الغلاظ فقد أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظا وأرفق وأوفى منها فضلا وأوفق ومعاذ الله أن يحبط عملي أو يهبط أملي وامتعض وارتمض ثم أعرض عما عرض ورجع إلى الاستعطاف وانتجع بأرق الاستسعاف
وقال أما ما تمحله الأعداء وعدا به المتمحلون فما عرف مني إلا الاعتراف بالعارفة
وذكر السلطان أياديه السالفة في الفتوحات وإقامة الدعوة العباسية بمصر واليمن وإزالة الأدعياء وإبادة الأعداء وفتح البيت المقدس
قال وأما النعت الذي أنكر ونبه على موضع الخطأ فيه وذكر فهذا من عهد الإمام المستضيء والآن كل ما يشرفني به أمير المؤمنين من السمة فإنه أسمي الذي هو أسمى وأشرف وأرفع وأعرف وما عزمي إلا استكمال الفتوح لأمير المؤمنين وقطع دابر المنافقين والمشركين
ثم ندب مع أخي من سار في خدمته لزيارة القدس ثم ودعه وأودعه من شفاهه كل ما في النفس وظهرت بعد ذلك بالقبول أثار الرضى ومضى ما مضى وكان جماعة من الملوك والأمراء كالعادل ومظفر الدين قد نخوه لما قيل في حقه وأرادوا أن يغضبوه فما غضب بل غاض غيظه ونضب وتلقى ذلك بصدر رحيب ولفظ مصيب 420
قلت ووقفت على كتاب كتبه الصاحب قوام الدين بن زيادة من الديوان العزيز ببغداد إلى السلطان صلاح الدين وكان قوام الدين يومئذ أستاذ الدار العزيزة يقول فيه لولا مكان صلاح الدين من الخدمة والشح به والمنافسة فيه لما جوهر بالعتاب ولا رفع دونه هذا الحجاب بل كان يترك معه الأمر على اختلاله ويدمل الجرح على اعتلاله وقد ذكرت الأسباب التي أخذها الديوان العزيز عليه واستغرب وقوعها من كماله ليرعيها سمعه الكريم ويستوري فيها رأيه الأصيل وينصف في استماعها والإجابة عنها غير عائج على الجدل ولا مؤتم بالمراء المذمومين عقلا وشرعا بل يحمل قولي هذا على سبيل المماحضة والانتصاح وصدق النية في رأب الثأي والإصلاح فإن إبجار الدواء المقر لا يتهم فيه الطبيب المجتلب للعافية
ثم ذكر من تلك الأمور ان من انتقى من العراق بسبب من الأسباب لجأ إلى صلاح الدين فوجد عنده الإقبال عليه وكان الأدب يوجب إبعاد من أبعده عنه وتقريب من قربه إليه
ثم قال وإن مما أضحك ثغر الاستعبار ما انتهى عن العوام وأشباه الأنعام وطغام الشام من الخوض في المذاهب والانتهاء في التشنيع إلى اختلاق كل قول كاذب ومنها ما جرى من سيف الإسلام بالحجاز من إزعاج الحجاج وإرهاج تلك الفجاج والإقدام على مناسك الله وشعائره وإيقاد سعير الفتنة فيها ونوائره واحتذاء السيرة القاسطة وإحياء بدع القرامطة ما 421 نفر منه كل طبع ومجه كل سمع فكيف جاز لصلاح الدين أن يرخي عنان أخيه فيما يقرض سوابقه وأواخيه ومنها ما قضى الناس منه العجب وفورق فيه الحزم والأدب وهو ما أوجب التلقب باللقب الذي استأثر به أمير المؤمنين
ثم قال وقد ساوق زمان الدولة العباسية ثبتها الله خوارج دوخوا البلاد وأسرفوا في العناد وجاسوا خلال الديار وأخافوا المسالك واستضاموا الممالك واقتحموا من الشقاق أشق المهالك فما انتهى أحدهم فيما احتقب وارتكب إلى المشاركة في اللقب ومن الحكم الذائعة في وجيز الكلام الذي يصلح للمولى على العبد حرام
ومنها مكاتبة كل طرف يتاخم أعمال الديوان من مواطن التركمان والأكراد ومراسلتهم ومهاداتهم وقرع أسماعهم بما يعود باستزلال أقدامهم وفل عزائمهم وهم لا يعرفون إلا أنهم رعية للعراق وخول للديوان يرثون الطاعة خالفا عن سالف
ثم قال في آخر الكتاب وهذا كله لا أقوله إنكارا لجلائل مقامات صلاح الدين ومشاهير مواقف جهاده في سبيل المؤمنين فإنه أدام الله علوه رجل وقته ونسيج وحده والمربي على من سلف من صنائع الدولة على من يأتي بعده وهو الولي المخلص الذي عهد فوفى واستكفي فكفى وطب فشفى فكيف يجوز له بسعادته أن يهجن مساعيه الغر المحجلة ويخرج من مكانته المكرمة المبجلة وتبطل حقوقه الثابتة المسجلة
ثم قال فقد علم كل من نظر في التواريخ والآثار ونصحته بصيرته في التبصر والاعتبار أن هذا البيت العظيم ما زال يرفع الأقدار الخاملة فينزون عليه بطرا فيغار الله له منتصرا ويعقبه عليهم إظفارا وظفرا كدأب 422 آل طولون وآل سامان وآل بويه وآل سجلوق وقرونا بين ذلك كثيرا فمن الذي زلزلوه فثبت ومن الذي حصدوه فنيت وأي نار أوقدوها فما خبت
ثم قال في آخره اللهم هل بلغت وللرأي الصلاحي علوه إن شاء الله تعالى
وذكر ابن القادسي أن الجندي الذي أرسله صلاح الدين بالبشارة يعرف بالرشيد بن البوشنجي
قال وكان صبيا كثير الإدبار مشمرا في دروب بغداد ثم توجه إلى الشام هاربا من الفقر فحين وصل إلى بغداد رسولا قامت القيامة برسالته وكتب إلى صلاح الدين بالإنكار عليه وقيل له ما كان في أصحابك أميز من هذا ترسله إلى الديوان فاعتذر صلاح الدين ووصلت كتبه بالاعتذار وقبل عذره وأما ابن البوشنجي فإنه حين وصوله إلى الشام أكثر الكلام عند صلاح الدين فأنكر ذلك عليه فلما مضى الأسبوع جاءته نشابة ذبحته
فصل في باقي حوادث سنة ثلاث وثمانين
ففيها قتل الأمير شمس الدين بن المقدم وهو محمد بن عبد الملك يوم عرفة بها 423 قال العماد وكان السلطان لما فرغ من فتح القدس ودنا موسم الحج قال الموفقون نحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ونفوز بالحج مع إدراك فضيلة فتح البيت المقدس في هذا العام فالحج والجهاد ركنا الإسلام
فاجتمع جمع جم من أهل ديار بكر والجزيرة والشام وسار بهم الأمير شمس الدين بن المقدم شيخ أمراء الإسلام الكرام فودعه السلطان على كره من مفارقته واستمهله ليحج في السنة الأخرى على مرافقته
فقال ما معناه إن العمر قد فرغ والأمد قد بلغ والشيب قد أنذر والفرض قد أعذر فأغتنم فرصة الإمكان قبل أن يتعذر
فمضى والسعادة تقوده والشهادة تروده حتى وصل إلى عرفات وما عرف الآفات وشاع وصوله وراع قبوله وضربت طبوله وسالت سيوله وجالت خيوله وضربت خيامه وخفقت أعلامه فلما أصبحوا نقرت على العادة نقاراته ونعرت بوقاته فغاظ ذلك أمير الحاج العراقي فركب إليه في أحزابه فأوقع به وبأصحابه وأبلاهم بجراحه ونهابه وجرى حكم الله الذي كان ضرب الطبل أوكد أسبابه وقتل جماعة من حاج الشام وجرحوا وهتكت أستارهم وافتضحوا
ونقل أمير الحاج طاشتكين شمس الدين بن المقدم إلى خيمته وهو مجروح وفيه روح وحمله معه إلى منى فقضى ودفن بالمعلى وتم ذلك بقضاء الله وقدره في تقلب حوادث الدهر وغيره وارتاع أمير الحاج بما اجترمه وكيف لم يراقب الله وأحل 424 حرمه وكيف عدا على الحاج العائذ بالله وسفك دمه فكتب محضرا على ما اقترحه بعذره فيما اجترحه وألزم أعيان الحاج من سائر البلاد بوضع خطوطهم على ما عينه من المراد فكتبوا مكرهين غير مشتهين
وكان عذره أنه أنكر عليه ضرب الطبل فأبى
فلما انتهت تلك الحالة إلى الخليفة أنكرها إنكارا شديدا ونسبها إلى طيش طاشتكين ولم يجد له رأيا سديدا فلا جرم اتضع عنده قدره واتضح له وزره ووهى أمره وذخرها له حتى نكبه بها بعد سنين وحبسه وأطال سجنه ثم عفا عنه بعد مدة مديدة وشدة شديدة وولاه حرب بلاد خوزستان وخراجها وولى إمارة الحاج غيره
ولما وصل إلى السلطان خبر استشهاد ابن المقدم وجماعته لامه على ترك الحزم وإضاعته فاحتسبه عند الله غازيا شهيدا ساعيا إلى الجنة بقدمه سعيدا وأقام ابنه عز الدين إبراهيم في بلاده مقامه وأقر عليه إنعامه
وقال محمد بن القادسي في تاريخه ونقلته من خطه أراد أمير الحاج بالشام وهو ابن المقدم أن يرفع علما على الجبل بالموقف فمنعه أمير الحاج طاشتكين وجرت بينهما مراجعات أفضت إلى الخصومة بين حاج العراق وحاج الشام ونهب البعض للبعض وجرت جراحات فجرح ابن المقدم ولم تغير العادة في ذلك وأفاض الناس ومات ابن المقدم بمنى في اليوم الثاني ووصلت النجابة من مكة فأخبروا بما جرى من 425 أصحاب ابن المقدم وقد شهد الشهود بذلك من الحجاج فقرىء ذلك بجامع القصر الشريف
قال وفي ثاني شوال من هذه السنة توفي أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله سبط ابن التعاويذي الشاعر وكان كاتبا بديوان المقاطعات وخدم بيت ابن رئيس الرؤساء وأضر في آخر عمره ومولده عاشر رجب سنة تسع عشرة وخمس مئة
قال وفي خامس رمضان توفي الفقيه الحنبلي أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر المعروف بابن المني وكان فقيها زاهدا صالحا عالما مولده سنة إحدى وخمس مئة وتفقه عليه جماعة من أئمة الحنابلة كالحافظ 426 عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور وأخيه إبراهيم والشيخ الموفق عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة ومحمد بن خلف بن راجح والناصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب وعبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي وغيرهم 427