السيرة النبوية، الإصدار 2.01

لابن هشام

وهو عبدالملك بن هشام الحميري المعافري أبو محمد المتوفى سنة 213

ترقيم صفحات الملف موافق لطبعة دار الجيل، الطبعة الأولى، بيروت، عام 1411 هـ

أهدي هذا الملف إلى مشروع "المحدث"، وتم تدقيقه (مع ترقيم الصفحات) من قبل مركز الدراسات الإسلامية التابع لمجمع أبي النور الإسلامي بدمشق في 12 صفر، 1420 هـ، الموافق 27 مايس 1999

1 المجلد الأول

2 ذكر سرد النسب الزكي من محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى آدم عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

(1 90) وبه نستعين

الحمد لله رب العالمين ، وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين .

قال أبو محمد عبدالملك بن هشام النحوي : هذا كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال : محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، واسم عبدالمطلب: شيبة بن هاشم (1 93) واسم هاشم : عمرو بن عبد (1 97) مناف ، واسم عبد مناف : المغيرة بن قصي (1 98) واسم قصي :زيد بن كلاب (1 99) ابن مرة بن كعب بن لؤي (1 100) ابن غالب بن فهر (1 101) ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ، واسم مدركة: (1 102) عامر بن إلياس بن مضر (1 103) ابن نزار بن معد بن عدنان بن أد (1 104) ويقال: أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - بن تارح ، وهو آزر بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن (1 105) نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس النبي - فيما يزعمون ، والله أعلم ، وكان أول بني آدم أعطى النبوة ،وخط بالقلم - ابن يرد بن مهليل بن قينن بن يأنس بن (1 106) شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم .

قال أبو محمد عبدالملك بن هشام : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب محمد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى آدم عليه السلام ، وما فيه من حديث إدريس وغيره .

قال ابن هشام : وحدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي ، عن شيبان بن زهير بن شقيق بن ثور عن قتادة بن دعامة ، أنه قال :

إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - ابن تارح ، وهو آزر بن ناحور بن أسرغ بن أرغو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن (1 107) سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قاين ابن أنوش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم .(1 108)

2 منهج ابن هشام في عرضه للسيرة

قال ابن هشام : وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ولده ، وأولادهم لأصلابهم، الأول فالأول ، من إسماعيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما يعرض من حديثهم ، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل ، على هذه الجهة للاختصار ، إلى حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب ، مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء ، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب ، ولا تفسيرا له، ولا شاهدا عليه ، لما ذكرت من الاختصار ، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها ، وأشياء بعضها يشنع الحديث به ، وبعض يسوء بعض الناس ذكره ، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته ؛ ومستقص إن شاء الله تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له ، والعلم به. (1 110)

2 سياقة النسب من ولد إسماعيل عليه السلام

3 أولاد إسماعيل عليه السلام و نسب أمهم

قال ابن هشام : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال:

ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام اثني عشر رجلا : نابتا ، وكان أكبرهم ، وقيذر ، وأذبل ، ومبشا،ومسمعا، وماشى، ودما ،وأذر،وطيما، ويطور، ونبش ، وقيذما . وأمهم رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي - (1 111) قال ابن هشام : ويقال : مضاض . وجرهم بن قحطان ، وقحطان أبو اليمن كلها ، وإليه يجتمع نسبها - ابن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح .

قال ابن إسحاق : جرهم بن يقطن بن عيبربن شالخ . ويقطن هو قحطان ابن عيبر بن شالخ .

3 عمر إسماعيل عليه السلام وموطن أمه ووفاته

قال ابن إسحاق : : وكان عمر إسماعيل فيما يذكرون مائة سنة وثلاثين سنة ، ثم مات رحمة الله وبركاته عليه ، ودفن في الحجر مع أمه هاجر، رحمهم الله تعالى .

3 موطن هاجر

قال ابن هشام : تقول العرب : هاجر وآجر فيبدلون الألف من الهاء كما قالوا : هراق الماء ، وأراق الماء وغيره . وهاجر من أهل مصر. (1 112)

3 حديث الوصاة بأهل مصر وسببها

قال ابن هشام : حدثنا عبدالله بن وهب عن عبدالله بن لهيعة تعالى عمر مولى غفرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،قال :الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد ، فإن لهم نسبا وصهرا .

قال عمر مولى غفرة : نسبهم ، أن أم إسماعيل النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم . وصهرهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسرر فيهم .

قال ابن لهيعة : أم إسماعيل : هاجر من أم العرب ، قرية كانت أمام الفرما من مصر. (1 113) وأم إبراهيم : مارية سرية النبي ، صلى الله عليه وسلم ، التي أهداها له المقوقس من حفن من كورة أنصنا .
قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري أن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك الأنصاري ، ثم السلمي حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما . فقلت لمحمد بن مسلم الزهري : ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ؟ فقال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم (1 114)

3 أصل العرب

قال ابن هشام : فالعرب كلها من ولد إسماعيل وقحطان . وبعض أهل اليمن يقول : قحطان من ولد إسماعيل . ويقول : إسماعيل أبو العرب كلها.

قال ابن إسحاق : عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح ، وطسم وعملاق وأميم بنو لاوذ بن سام بن نوح ، عرب كلهم . فولد نابت بن إسماعيل : يشجب بن نابت ، فولد يشجب: يعرب بن يشجب ، فولد يعرب : تيرح بن يعرب ، فولد تيرح : ناحور بن تيرح ، فولد ناحور : مقوم بن ناحور، فولد مقوم : أدد بن مقوم ، فولد أدد : عدنان بن أدد.قال ابن هشام: ويقال : عدنان بن أد. ( 1 115)

3 أولاد عدنان

قال ابن إسحاق : فمن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، فولد عدنان رجلين : معد بن عدنان ، وعك بن عدنان .

3 موطن عك

قال ابن هشام : فصارت عك في دار اليمن ، وذلك أن عكا تزوج في الأشعريين فأقام فيهم ، فصارت الدار واللغة واحدة ، والأشعريون بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ويقال: (1 116) أشعر : نبت بن أدد ؛ ويقال : أشعر : ابن مالك . ومالك: مذحج بن أدد بن زيد بن هميسع . ويقال : أشعر : ابن سبأ بن يشجب .

وأنشدني أبو محرز خلف الأحمر وأبو عبيدة ، لعباس بن مرداس ،أحد بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، يفخر بعك :

وعك بن عدنان الذين تقلبوا بغسان حتى طردوا كل مطرد

وهذا البيت في قصيدة له . وغسان : ماء بسد مأرب باليمن،كان شربا لولد مازن بن الأسد بن الغوث فسموا به ؛ ويقال : غسان : ماء بالمشلل قريب من الجحفة ، والذين شربوا منه تحزبوا فسموا به قبائل من ولد مازن ابن الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. (1 117)

3 ذكر نسب الأنصار

قال حسان بن ثابت الأنصاري - والأنصار بنو الأوس والخزرج - ، ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث :

إما سألت فإنا معشر نجب الأسد نسبتنا والماء غسان وهذا البيت في أبيات له.( 1 118 )

فقالت اليمن : وبعض عك ، وهم الذين بخراسان منهم ، عك بن عدنان بن عبدالله بن الأسد بن الغوث؛ ويقال : عدثان بن الديث بن عبدالله بن الأسد بن الغوث .

3 أولاد معد

قال ابن إسحاق : فولد معد بن عدنان أربعة نفر : نزار بن معد ، وقضاعة بن معد ، وكان قضاعة بكر معد الذي به يكنى فيما يزعمون، وقنص بن معد ، وإياد بن معد .

فأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ - وكان اسم سبأ عبد شمس ، وإنما سمي سبأ ، لأنه أول من سبى في العرب - ابن يشجب بن يعرب بن قحطان .

3 قضاعة

قال ابن هشام : فقالت اليمن : وقضاعة : قضاعة بن مالك بن حمير. وقال عمرو بن مرة الجهني ، وجهينة بن زيد بن ليث بن سود بن (1 119) أسلم بن الحاف بن قضاعة :

نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر قضاعة بن مالك بن حمير

النسب المعروف غير المنكر في الحجر المنقوش تحت المنبر

3 قنص بن معد ،ونسب النعمان بن المنذر

قال ابن إسحاق : : وأما قنص بن معد فهلكت بقيتهم - فيما يزعم نساب معد - وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة .

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن عبدالله بن شهاب الزهري: أن النعمان بن المنذر كان من ولد قُنُص بن معد .

قال ابن هشام : ويقال : قَنَص .

قال ابن إسحاق : : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن (شيخ من الأنصار من بني زريق أنه حدثه : أن عمر بن الخطاب (1 120) رضي الله عنه حين أُتي بسيف النعمان بن المنذر ، دعا جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي - وكان جبير من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة ، وكان يقول : إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق رضى الله عنه ، وكان أبو بكر الصديق أنسب العرب - فسلحه إياه ، ثم قال : ممن كان يا جبير ، النعمان بن المنذر ؟ فقال : كان من أشلاء قنص بن معد .

قال ابن إسحاق : فأما سائر العرب فيزعمون أنه كان رجلا من لخم ، من ولد ربيعة بن نصر ، فالله أعلم أي ذلك كان .

3 نسب لخم بن عدي

قال ابن هشام : لخم:ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال: لخم:ابن عدي بن عمرو بن سبأ ؛ ويقال: (1 121) ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر ، وكان تخلف باليمن بعد خروج عمرو بن عامر من اليمن .

2 أمر عمرو بن عامر في خروجه من اليمن وقصة سد مأرب

وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن - فيما حدثني أبو زيد الأنصاري - أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب ، الذي كان يحبس عليهم الماء ، فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم ، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك ، فاعتزم على النقلة من اليمن ، فكادَ قومَه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ، ففعل ابنه ما أمره به ؛ فقال عمرو : لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله . فقال أشراف من أشراف اليمن : اغتنموا غضبة عمرو ، فاشتروا منه أمواله. وانتقل في ولده وولد ولده . وقالت الأزد : لا نتخلف عن عمرو بن عامر ، فباعوا أموالهم ، وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان ، فحاربتهم عك ، فكانت حربهم سجالا . ففي ذلك قال عباس بن مرداس (1 122) البيت الذي كتبنا . ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان . فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ، ونزلت الأوس والخزرج يثرب ، ونزلت خزاعة مَرّا، ونزلت أزد السراة السراة ، ونزلت أزد عمان عمان ، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه ، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية ، جنتان عن يمين وشمال ، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ، فأعرضوا ، فأرسلنا عليهم سيل العرم) . والعرم : السد ، واحدته : عرمة ، فيما حدثني أبو عبيدة .

قال الأعشى : أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد .

قال ابن هشام : ويقال أفصى بن دعمي بن جديلة ؛ واسم الأعشى ،ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة : وفي ذاك للمؤتسي أسوة ومأرب عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير إذا جاء مواره لم يرم فأروى الزروع وأعنابها على سعة ماؤهم إذ قسم فصاروا أيادي ما يقدرو ن منه على شرب طفل فطم وهذه الأبيات في قصيدة له .

وقال أمية بن أبي الصلت الثقفي - واسم ثقيف قسي بن منبه بن (1 123) بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان: من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما (1 124) وهذا البيت في قصيدة له . وتروى للنابغة الجعدي ، واسمه قيس بن عبدالله أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وهو حديث طويل ، منعني من استقصائه ما ذكرت من الاختصار .

2 حديث ربيعة بن نصر ملك اليمن ورؤياه ، وخبر شِقّ وسَطيح الكاهنين معه

3 رؤيا ربيعة بن نصر

قال ابن إسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة ، فرأى رؤيا هالته ، وفظع بها فلم يدع كاهنا ، ولا ساحرا ؛ ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه ، فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبروني بها وبتأويلها ؛ قالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها ؛ قال : إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها . فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق ، فإنه ليس أحد أعلم منهما ، فهما يخبرانه بما سأل عنه. (1 125)

3 نسب سطيح وشق

واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان . وشق : ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار بن نزار ، وأنمار أبو بجيلة وخثعم .

3 نسب بجيلة

قال ابن هشام : وقالت : اليمن وبجيلة بنو أنمار : بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال: إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث . ودار بجيلة وخثعم يمانية .

3 ربيعة بن نصر و سطيح

قال ابن إسحاق : فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق ، فقال له: إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها ، فأخبرني بها ، فإنك إن أصبتها أصب تأويلها .

قال : أفعل ، رأيت حممه خرجت من ظلمه ، فوقعت بأرض تهمه، فأكلت منها كل ذات جمجمه؛ (1 126) فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرتين من حنش ، لتهبطن أرضكم الحبش ، فلتملكن ما بين أبين إلى جرش ؛ فقال له الملك : وأبيك يا سطيح ، إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني هذا ، أم بعده ؟ قال : لا ، بل بعده بحين، أكثر من ستين أوسبعين ، يمضين من السنين ، قال : أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال : لا ، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين؛(1 127) قال ، ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال : يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن ؛ قال : أفيدوم ذلك من سلطانه ، أم ينقطع ؟ قال : لا، بل ينقطع ؛ قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي ؛ قال : وممن هذا النبي ؟ قال : رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى أخر الدهر ؛ قال : وهل للدهر من أخر ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون ؛ قال : أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم، والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق ، إن ما أنبأتك به لحق .

3 ربيعة بن نصر و شق

ثم قدم عليه شق ، فقال له كقوله لسطيح ، وكتمه ما قال سطيح ، لينظر أيتفقان أم يختلفان ؛ فقال : نعم ، رأيت حممه، خرجت من ظلمه، فوقعت بين روضة وأكمه، فأكلت منها كل ذات نسمه 0 قال : فلما قال له ذلك ،وعرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد(1 128) إلا أن سطيحا قال : (وقعت بأرض تهمه، فأكلت منها كل ذات جمجمه). وقال شق : ( وقعت بين روضة وأكمه، فأكلت منها كل ذات نسمه ).

فقال له الملك : ما أخطأت يا شق منها شيئا ، فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، لينزلن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران .

فقال له الملك : وأبيك يا شق ، إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن؟ أفي زماني ، أم بعده ؟ قال : لا ، بل بعده بزمان ، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن ، ويذيقهم أشد الهوان ؛ قال : ومن هذا العظيم الشان ؟ قال : غلام ليس بِدَنيِّ، ولا مُدَنِّ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن، فلا يترك أحدا منهم باليمن ؛ قال : أفيدوم سلطانه ، أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل ، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ؛ قال : وما يوم الفصل ؟ قال : يوم تجزى فيه الولاة ، ويدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع منها الأحياء والأموات ، وُيجمع فيه بين الناس للميقات ، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات ؛(1 129) قال : أحق ما تقول ؟ قال : إي ورب السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض.

قال ابن هشام : أمض : يعني شكَّا ، هذا بلغة حمير ، وقال أبو عمرو: أمض أي باطل .

3 هجرة ربيعة بن نصر إلى العراق

فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا ، فجهز بنيه وأهل (1 130) بيته إلى العراق بما يصلحهم ، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خُرَّزاذ ، فأسكنهم الحيرة .

3 رأي أخر في نسب النعمان بن المنذر

فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر ، فهو في نسب اليمن وعلمهم النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ، ذلك الملك .

قال ابن هشام : النعمان بن المنذر بن المنذر ، فيما أخبرني خلف الأحمر. (1 131)

2 استيلاء أبي كرب تبان أسعد على ملك اليمن وغزوه إلى يثرب

قال ابن إسحاق : فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب وتبان أسعد هو تبع الآخر ابن كلي كرب بن زيد ، وزيد هو تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الريش - (1 132) قال ابن هشام :ويقال الرائش - قال ابن إسحاق : ابن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب ، كهف الظلم ، بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج ، والعرنجج : حمير بن سبأ الأكبر ابن يعرب بن يشجب بن قحطان .

قال ابن هشام : يشجب : ابن يعرب بن قحطان .

3 شئ من سيرة تبان

قال ابن إسحاق : وتبان أسعد أبو كرب الذي قدم المدينة ، وساق الحبرين من يهود المدينة إلى اليمن ، وعمر البيت الحرام وكساه ، وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر .

قال ابن هشام :وهو الذي يقال له :

ليت حظي من أبي كرب أن يسد خيره خبله

3 تبان يغضب على أهل المدينة و سبب ذلك

قال ابن إسحاق : وكان قد جعل طريقه - حين أقبل من المشرق - على المدينة ، وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها ، وخلف بين أظهرهم ابنا له ، فقتل غيلة . فقدمها (1 133) وهو مجمع لإخرابها ، واستئصال أهلها ، وقطع نخلها ؛ فجمع له هذا الحي من الأنصار ، ورئيسهم عمرو ابن طلة أخو بني النجار ، ثم أحد بني عمرو بن مبذول ، واسم مبذول: عامر بن مالك بن النجار ، واسم النجار : تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر .

3 عمرو بن طلة ونسبه

قال ابن هشام :عمرو بن طلة : عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار : وطلة أمه ، وهي بنت عامر بن زريق بن عامر بن زريق بن عبدالحارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج .

3 قصة مقاتلة تبان لأهل المدينة

قال ابن إسحاق : وقد كان رجل من بني عدي بن النجار ، يقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله ، وذلك أنه وجده في عذق له يجُدُّهُ فضربه بمنجله فقتله ، وقال : إنما التمر لمن أبره. فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم ، قال : فاقتتلوا . فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ، ويقرونه بالليل ، فيعجبه ذلك منهم ، ويقول : والله إن قومنا لكرام .

3 انصراف تبان عن إهلاك المدينة ، و شعر خالد في ذلك

فبينا تبع على ذلك من قتالهم ، إذ جاءه حبران من أحبار اليهود ، من (1 134) بني قريظة - وقريظة والنضير والنجَّام وعمرو ، وهو هدل ، بنو الخزرج بن الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النجام بن تنحوم بن عازر بن عزرى بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ، وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ، صلى الله عليهم - عالمان راسخان في العلم ، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها . فقالا له : أيها الملك ، لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة ؛ فقال لهما : ولم ذلك ؟ فقالا : هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في أخر الزمان ، تكون داره وقراره ؛ فتناهى عن ذلك. ورأى أن لهما علما ، وأعجبه ما سمع منهما ، فانصرف عن المدينة، واتبعهما على دينهما ، فقال خالد بن عبدالعزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار يفخر بعمرو بن طلة :
أصحا أم قد نهى ذكره أم قضى من لذة وطرهْ (1 135)

أم تذكرت الشباب وما ذكرك الشباب أو عصره

إنها حرب رباعية مثلها أتي الفتى عبره

فاسألا عمران أو أسدا إذ أتت عدوا مع الزهرهْ

فيلق فيها أبو كرب سبغ أبدانها ذفره

ثم قالوا : من نؤم بها أبني عوف أم النجرهْ

بل بني النجار إن لنا فيهم قتلى وإن تره (1 136)

فتلقتهم مسايفة مدها كالغيبة النثره

فيهم عمرو بن طلة ملى الإله قومه عمره

سيد سامى الملوك ومن رام عمرا لا يكن قدره

وهذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم ، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه ، حتى انصرف عنهم ، ولذلك قال في شعره :

حنقا على سبطين حلا يثربا أولى لهم بعقاب يوم مفسد

قال ابن هشام :الشعر الذي فيه هذا البيت مصنوع ، فذلك الذي منعنا من إثباته . (1 137)

3 تبع يذهب إلى مكة ويطوف بالكعبة

قال ابن إسحاق : وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، فتوجه إلى مكة ، وهي طريقه إلى اليمن ، حتى إذا كان بين عسفان ، وأمج ، أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ، فقالوا له: أيها الملك ، ألا ندلك على بيت مال دائر أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال : بلى ؛ قالوا : بيت بمكة يعبده أهله ، ويصلون عنده . وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك ، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده . فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين ، فسألهما عن ذلك ، فقالا له : ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ، ما نعلم بيتا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره ، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا ؛ قال : فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه ؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله : تطوف به وتعظمه وتكرمه ، وتحلق رأسك عنده ، وتذل له ، حتى تخرج من عنده؛ قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قال : أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله ، وبالدماء التي يهرقون عنده ، وهم نجس أهل شرك - أو كما قالا له - فعرف نصحهما وصدق حديثهما فقرب النفر من هذيل ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم مضى حتى قدم مكة ، فطاف بالبيت ، ونحر عنده، وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام - فيما يذكرون - ينحر بها للناس ، ويطعم أهلها ويسقيهم العسل ، ثم أري في المنام أن يكسو البيت أحسن من ذلك ، فكساه الخصف ؛ ثم أري أن يكسوه (1 138) أحسن من ذلك ، فكساه المعافر ؛ ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه الملاء والوصائل ، فكان تبع - فيما يزعمون - أول من كسا البيت ، وأوصى به ولاته من جرهم ، وأمرهم بتطهيره وألا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة، وهي المحايض ، وجعل له بأبا ومفتاحا ، وقالت سبيعة بنت الأحب بن زبينة بن جذيمة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن (1 139) قيس بن عيلان ، وكانت عند عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، لابن لها منه يقال له خالد ، تعظم عليه حرمة مكة ، وتنهاه عن البغي فيها ، وتذكر تبعا وتذللـه لها ، وما صنع بها :

أبني لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبيرْ

واحفظ محارمها بني ولا يغرنك الغرور

أبني من يظلم بمكة يلق أطراف الشرور

أبني يضرب وجهه ويلح بخديه السعير

أبني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور

الله أمنها وما بنيت بعرصتها قصور

والله آمن طيرها والعصم تأمن في ثبير

ولقد غزاها تبع فكسا بنيتها الحبير

وأذل ربي ملكه فيها فأوفى بالنذور

يمشي إليها حافيا بفنائها ألفا بعير

ويظل يطعم أهلها لحم المهاري والجزور

يسقيهم العسل المصفى والرحيض من الشعير

والفيل أُهلك جيشه يرمون فيها بالصخور

والملك في أقصى البلا د وفي الأعاجم والخزير

فاسمع إذا حُدّثت وافهم كيف عاقبة الأمور (1 140)

قال ابن هشام :يوقف على قوافيها لا تعرب .

3 أصل اليهودية باليمن

ثم خرج منها متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين ، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه ، فأبوا عليه ، حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن .

قال ابن إسحاق : حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث :

أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك ، وقالوا : لا تدخلها علينا ، وقد فارقت ديننا ، فدعاهم إلى دينه وقال : إنه خير من دينكم ؛ فقالوا : فحاكمنا إلى النار ؛ قال : نعم . قال وكانت باليمن - فيما يزعم أهل اليمن - نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه ، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم ، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها ، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه ، فخرجت النار إليهم ، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها ، فذمرهم من حضرهم من الناس ، وأمروهم بالصبر لها ، فصبروا حتى غشيتهم ، فأكلت الأوثان وما قربوا معها ، ومن حمل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما فأصفقت عند ذلك حمير على دينه ؛ فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني محدث أن الحبرين ، ومن خرج من حمير، إنما اتبعوا النار ليردوها ، وقالوا : من ردها فهو أولى بالحق ؛ فدنا(1 141) منها رجال من حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها ، ودنا منها الحبران بعد ذلك ، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص عنهما ، حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما ، والله أعلم أي ذلك كان .

3 هدم البيت المسمى رئام

قال ابن إسحاق : وكان رئام بيتا لهم يعظمونه ، وينحرون عنده ، ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم . فقال الحبران لتبع : إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه ؛ فاستخرجا منه - فيما يزعم أهل اليمن - كلبا أسود فذبحاه ، ثم هدما ذلك البيت ، فبقاياه اليوم - كما ذكر لي - بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه .

2 ملك حسان بن تبان وقتله على يد أخيه عمرو

3 سبب قتله

فلما ملك ابنه حسان بن تبان أسعد أبي كرب سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الأعاجم ، حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق - قال ابن هشام :بالبحرين فيما ذكر لي بعض أهل العلم - (1 142) كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهلهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو ، وكان معه في جيشه ، فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا ، وترجع بنا إلى بلادنا ، فأجابهم . فاجتمعوا على ذلك إلا ذا رعين الحميري ، فإنه نهاه عن ذلك فلم يقبل منه، فقال ذو رعين :

ألا من يشتري سهرا بنوم سعيد من يبيت قرير عين

فإما حمير غدرت وخانت فمعذرة الإله لذي رعين

ثم كتبهما في رقعة ، وختم عليها ، ثم أتى بها عَمْرا ، فقال له : ضع لي هذا الكتاب عندك ، ففعل ، ثم قتل عمرو أخاه حسان ، ورجع بمن معه إلى اليمن ؛ فقال رجل من حمير :

لاه عينا الذي رأى مثل حسا ن قتيلا في سالف الأحقاب (1 143)

قتلته مقأول خشية الحبس غداة قالوا : لباب لباب

ميتكم خيرنا وحيكم رب علينا وكلكم أربابي

قال ابن إسحاق : وقوله لباب لباب : لا بأس لا بأس ، بلغة حمير .

قال ابن هشام :ويروى : لباب لباب .

3 هلاك عمرو وتفرق حمير

قال ابن إسحاق : فلما نزل عمرو بن تبان اليمن منع منه النوم ، وسلط عليه السهر ، فلما جهده ذلك سأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به ؛ فقال له قائل منهم : إنه والله ما قتل رجل قط أخاه ، أو ذا رَحمه بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه ، إلا ذهب نومه ، وسلط عليه السهر. فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن ، حتى خلص إلى ذي رعين ، فقال له ذو رعين : إن لي عندك براءة؛ فقال : وما هي ؟ قال : الكتاب الذي دفعت إليك ؛ فأخرجه فإذا البيتان ، فتركه ورأى أنه قد نصحه . وهلك عمرو ، فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا . (1 144)

2 خبر لخنيعة وذي نواس

3 تولية الملك ، و شئ من سيرته ، ثم قتله

فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة ، يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر ، فقتل خيارهم ، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم ؛ فقال قائل من حمير للخنيعة :

تقتل أبناها وتنفي سراتها وتبني بأيديها لها الذل حمير

تدمر دنياها بطيش حلومها وما ضيعت من دينها فهو أكثر

كذاك القرون قبل ذاك بظلمها وإسرافها تأتي الشرور فتخسر

3 فسوق لخنيعة

وكان لخنيعة امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط ، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك ، فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك ، لئلا يملك بعد ذلك ، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده ، قد أخذ مسواكا فجعله في فيه ، أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه . حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان ، وكان صبيا صغيرا حين قتل حسان ، ثم شب غلاما جميلا وسيما ، ذا هيئة وعقل ؛ فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه ، فأخذ سكينا حديدا لطيفا ، فخبأه بين قدمه ونعله ، ثم أتاه ؛ فلما خلا معه وثب إليه ، فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ، ثم حز رأسه ، فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ، ووضع مسواكه في فيه ، ثم خرج على الناس ، فقالوا له : ذا نواس ، (1 145) أرطب أم يباس ، فقال : سل نخماس استرطبان ذو نواس . استرطبان لا باس - قال ابن هشام :هذا كلام حمير . ونخماس : الرأس - فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع ، فخرجوا في إثر ذي نواس حتى أدركوه ، فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرك : إذ أرحتنا من هذا الخبيث .

2 ملك ذي نواس

فملكوه ، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن ، فكان آخر ملوك حمير ، وهو صاحب الأخدود ، وتسمى يوسف ، فأقام في ملكه زمانا .

3 سبب وجود النصرانية بنجران

وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل ، أهل فضل ، واستقامة من أهل دينهم ، لهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر ، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران ، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان ، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ، وذلك أن (1 146) رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له فيميون - وقع بين أظهرهم، فحملهم عليه ، فدانوا به .

2 ابتداء وقوع النصرانية بنجران

3 فيميون و صالح و نشر النصرانية بنجران

قال ابن إسحاق : حدثني المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم : أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له فيميون ، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا ، مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل بين القرى ، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها ، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه ، وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد ، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا ، وخرج إلى فلاة من الأرض يصلي بها حتى يمسي .

قال : وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا ، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح ، فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله ، فكان يتبعه حيث ذهب ، ولا يفطن له فيميون : حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض ، كما كان يصنع ، وقد اتبعه صالح ، وفيميون لا يدري ، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه ، لا يحب أن يعلم بمكانه ، وقام فيميون يصلى ، فبينما هو يصلي إذ أقبل نحوه التنين - الحية ذات الرءوس السبعة - فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها ، فخافها عليه ، فَعِيلَ عَوْلُهُ ، فصرخ يا فيميون ، التنين قد أقبل (1 147) نحوك ؛ فلم يلتفت إليه ، وأقبل على صلاته حتى فرغ منها ، وأمسى فانصرف . وعَرف أنه قد عُرف ، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه ؛ فقال له : يا فيميون : تعلم والله أني ما أحببت شيئا قط حبك ، وقد أردت صحبتك ، والكينونة معك حيث كنت ، فقال : ما شئت ، أمرى كما ترى ، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم، فلزمه صالح . وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه ، وكان إذا فاجأه العبد به الضر دعا له فشفي ، وإذا دعي إلى أحد به ضر لم يأته ؛ وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير ، فسأل عن شأن فيميون فقيل له : إنه لا يأتي أحدا دعاه ، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر .

فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا ، ثم جاءه فقال له : يا فيميون ، إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا ، فانطلق معي إليه حتى تنظر إليه ، فأشارطك عليه . فانطلق معه ، حتى دخل حجرته ، ثم قال له : ما تريد أن تعمل في بيتك هذا ؟ قال : كذا وكذا ؛ ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي ، ثم قال له : يا فيميون ، عبد من عباد الله أصابه ما ترى ، فادع الله له . فدعا له فيميون ، فقام الصبي ليس به بأس .

وعرف فيميون أنه قد عرف ، فخرج من القرية واتبعه صالح ، فبينما هو يمشي في بعض الشام إذ مر بشجرة عظيمة ، فناداه منها رجل ، فقال : يا فيميون ؛ قال : نعم ؛ قال : ما زلت أنظرك وأقول متى هو جاء ، حتى سمعت صوتك ، فعرفت أنك هو ، لا تبرح حتى تقوم علي ، فإني ميت الآن ؛ قال : فمات وقام عليه حتى واراه ، ثم انصرف ، وتبعه صالح ، حتى وطئا بعض أرض العرب ، فعدوا عليهما .

فاختطفتهما سيارة من بعض العرب ، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على (1 148) دين العرب ، يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم ، لها عيد في كل سنة ، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه ، وحليّ النساء ، ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوما .

فابتاع فيميون رجل من أشرافهم ، وابتاع صالحا آخر .

فكان فيميون إذا قام من الليل يتهجد في بيت له - أسكنه إياه سيده - يصلي ، استسرج له البيتُ نورا حتى يصبح من غير مصباح ؛ فرأى ذلك سيده ، فأعجبه ما يرى منه ، فسأله عن دينه ، فأخبره به ، وقال له فيميون : إنما أنتم في باطل ، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع ، ولو دعوت عليها إلهي الذي أعبده لأهلكها ، وهو الله وحده لا شريك له .

قال : فقال له سيده : فافعل ، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك ، وتركنا ما نحن عليه . قال : فقام فيميون ، فتطهر وصلى ركعتين ، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله عليها ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها ، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه ، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم عليه السلام ، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض ، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب .

قال ابن إسحاق : فهذا حديث وهب بن منبه عن أهل نجران . (1 149)

2 خبر عبدالله بن الثامر ، و قصة أصحاب الأخدود

3 فيميون و عبدالله بن الثامر واسم الله الأعظم

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها :

أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان ، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران : القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر ، فلما نزلها فيميون - ولم يسموه لي باسمه الذي سماه به وهب بن منبه ، قالوا : رجل نزلها - ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر ، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث إليه الثامر ابنه عبدالله بن الثامر ، مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى منه من صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ، ويسمع منه ، حتى أسلم ، فوحد الله وعبده ، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام ، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم ، وكان يعلمه ، فكتمه إياه ، وقال له: يا ابن أخي ، إنك لن تحمله ، أخشى عليك ضعفك عنه ، والثامر أبو عبدالله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان ، فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ضن به عنه ، وتخوف ضعفه فيه ، عمد إلى قداح فجمعها ، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح ، و لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا ، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره بأنه قد علم الاسم الذي كتمه ؛ فقال : وما هو ؟ قال : هو كذا وكذا ؛ قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع ؛ قال : أَيِ ابنَ (1 150) أخي ، قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل .

3 عبدالله بن الثامر يدعو إلى التوحيد

فجعل عبدالله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال يا عبدالله ، أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول : نعم ؛ فيوحد الله ويسلم ، ويدعو له فيشفى . حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه الله فاتبعه على أمره ، ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران ، فدعاه فقال له : أفسدت علي أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين أبائي ، لأمثلن بك ؛ قال : لا تقدر على ذلك .

قال : فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس ؛ وجعل يبعث به إلى مياه بنجران ، بحُور لا يقع فيها شيء إلا هلك ، فيلقى فيها (1 151) فيخرج ليس به بأس .

فلما غلبه قال له عبدالله بن الثامر : إنك والله لن تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به ، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني . قال : فوحد الله تعالى ذلك الملك ، وشهد شهادة عبدالله بن الثامر ، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة ، فقتله ، ثم هلك الملك مكانه؛ واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر ، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ، ثم أصابهم مثل ما أصاب أهل دينهم من الأحداث ، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران ، والله أعلم بذلك.

قال ابن إسحاق : فهذا حديث محمد بن كعب القرظي ، وبعض أهل نجران عن عبدالله بن الثامر ، والله أعلم أي ذلك كان .

3 ذو نواس يدعو أهل نجران إلى اليهودية

فسار إليهم ذو نواس بجنوده ، فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بين ذلك والقتل ، فاختاروا القتل ، فخد لهم الأخدود ، فحرق من حرق بالنار ، وقتل من قتل بالسيف ومثل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا ، ففي ذي نواس وجنده تلك أنزل الله تعالى على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : ( قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) .

3 تفسير الأخدود

قال ابن هشام :الأخدود : الحفر المستطيل في الأرض ، كالخندق والجدول ونحوه ، وجمعه أخاديد .

قال ذو الرمة ، واسمه غيلان بن عقبة ، أحد بني عدي بن عبد مناف بن أد بن (1 152) طابخة بن إلياس بن مضر :

من العراقية اللاتي يحيل لها بين الفلاة وبين النخل أخدود

يعني جدولا . وهذا البيت في قصيدة له . قال : ويقال لأثر السيف والسكين في الجلد وأثر السوط ونحوه : أخدود ، وجمعه أخاديد .

3 نهاية عبدالله بن الثامر

قال ابن إسحاق : ويقال : كان فيمن قتل ذو نواس عبدالله بن الثامر ، رأسهم وإمامهم .

3 ما يروى عن ابن الثامر في قبره

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث :

أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته ، فوجدوا عبدالله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا ، واضعا يده على ضربة في رأسه ، ممسكا عليها بيده ، فإن أخرت يده عنها تنبعث دما ، وإذا أرسلت يده ردها عليها ، فأمسكت دمها ، وفي يده خاتم مكتوب فيه : ( ربي الله ) فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبر بأمره ، فكتب إليهم عمر رضي الله عنه : أن أقروه على حاله ، وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ، ففعلوا . (1 153)

2 أمر دوس ذي ثعلبان ، و ابتداء ملك الحبشة ، و ذكر أرياط المستولي على اليمن

3 فرار دوس ذي ثعلبان من ذي نواس واستنجاده بقيصر

قال ابن إسحاق : وأفلت منهم رجل من سبأ ، يقال له : دوس ذو ثعلبان ، على فرس له ، فسلك الرمل فأعجزهم ؛ فمضى على وجهه ذلك، حتى أتى قيصر ملك الروم ، فاستنصره على ذي نواس وجنوده ، وأخبره بما بلغ منهم ؛ فقال له : بعدت بلادك منا ، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين ، وهو أقرب إلى بلادك ، وكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره .

3 النجاشي ينصر دوسا

فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر ، فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة ، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط ، ومعه في جنده أبرهة الأشرم ؛ فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ، ومعه دوس ذو ثعلبان .

3 نهاية ذي نواس

وسار إليه ذو نواس في حمير ، ومن أطاعه من قبائل اليمن ؛ فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه . فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ، ثم ضربه فدخل به ، فخاض به ضحضاح البحر ، حتى أفضى به إلى غمره ، فأدخله فيه ، وكان آخر العهد به . ودخل أرياط اليمن ، فملكها . (1 154)

3 شعر في دوس و ما كان منه

فقال رجل من أهل اليمن - وهو يذكر ما ساق إليهم دوس من أمر الحبشة :

لا كدوس ولا كأعلاق رحله

فهي مثل باليمن إلى هذا اليوم .

3 قول ذي جدن الحميري في هذه القصة

وقال ذو جدن الحميري :

هونكِ ليس يرد الدمع ما فاتا لا تهلكي أسفا في إثر من ماتا

أبعد بينون لا عين ولا أثر وبعد سلحين يبني الناس أبياتا

بينون وسلحين وغمدان : من حصون اليمن التي هدمها أرياط . ولم يكن في الناس مثلها .

وقال ذو جدن أيضا : (1 155)

دعيني لا أبا لك لن تُطيقي لحاك الله قد أنزفت ريقي

لدى عزف القيان إذ انتشينا وإذ نُسقى من الخمر الرحيق

وشرب الخمر ليس علي عارا إذا لم يشكني فيها رفيقي

فإن الموت لا ينهاه ناه ولو شرب الشفاء مع النشوق

ولا مترهب في أسطوان يناطح جُدْره بيض الأنوق

وغمدان الذي حدثت عنه بنوه مُسَمَّكا في رأس نِيق

ِبمَنْهَمَةٍ وأسفله جرون وحر الموحل اللثق الزليق (1 156)

مصابيح السليط تلوح فيه إذا يمسي كتوماض البروق

ونخلته التي غُرست إليه يكاد البسر يهصر بالعذوق

فأصبح بعد جدته رمادا وغيرَّ حسنه لهب الحريق

وأسلم ذو نواس مستكينا وحذر قومه ضنك المضيق

3 قول ربيعة ابن الذئبة الثقفي في هذه القصة

وقال عبدالله ابن الذئبة الثقفي في ذلك . قال ابن هشام :الذئبة أمه ، واسمه ربيعة بن عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي: لعمرك ما للفتى من مفر مع الموت يلحقه والكبرْ

لعمرك ما للفتى صُحرة لعمرك ما إنْ له من وزرْ

أبعد قبائل من حمير أُبيدوا صباحا بذات العبر (1 157)

بألفِ ألوفٍ وحُرَّابة كمثل السماء قبيل المطر

يُصم صياحهم المقربات وينفون من قاتلوا بالذفر

سَعَاِليَ مثل عديد الترا ب تيبس منهم رطاب الشجر

3 قول عمرو بن معدي كرب الزبيدي في هذه القصة

وقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي في شيء كان بينه وبين قيس بن مكشوح المرادي ، فبلغه أنه يتوعده ، فقال يذكر حمير وعزها ، وما زال من ملكها عنها :

أتوعدني كأنك ذو رعين بأفضل عيشة ، أو ذو نُواسِ

وكائن كان قبلك من نعيم وملك ثابت في الناس راسي (1 158)

قديم عهده من عهد عاد عظيم قاهر الجبروت قاسي

فأمسى أهله بادوا وأمسى يحول من أناس في أناس

3 نسب زبيد ومراد

قال ابن هشام :زبيد بن سلمة بن مازن بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج ، ويقال : زبيد بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة ، ويقال : زبيد بن صعب بن سعد . ومراد : يحابر بن مذحج .

3 لماذا قال عمرو بن معدي كرب هذا الشعر ؟

قال ابن هشام :وحدثني أبو عبيدة ، قال :

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سلمان بن ربيعة الباهلي ، و باهلةبن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان ، وهو بأرمينية يأمره أن يفضل أصحاب الخيل العراب على أصحاب الخيل المقارف في العطاء ؛ فعرض الخيل ، فمر به فرس عمرو بن معدي كرب ؛ فقال له سلمان : فرسك هذا مقرف ؛ فغضب عمرو ، وقال : هجين عرف هجينا مثله ؛ فوثب إليه قيس فتوعده ؛ فقال عمرو هذه الأبيات .

3 تصديق قول شق وسطيح

قال ابن هشام :فهذا الذي عنى سطيح الكاهن بقوله : ( ليهبطن أرضكم الحبش ، فليملكن ما بين أبين إلى جرش ) . والذي عنى شق الكاهن بقوله: ( لينزلن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل طفلة البنان ، و ليملكن ما بين أبين إلى نجران ) . (1 159)

2 غلب أبرهة الأشرم على أمر اليمن ، و قتل أرياط

3 ما كان بين أرياط و أبرهة

قال ابن إسحاق : فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك ، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي - و كان في جنده - حتى تفرقت الحبشة عليهما .

فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم ، ثم سار أحدهما إلى الآخر ، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط : إنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا فابرز إلي وأبرز إليك ، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده .

فأرسل إليه أرياط : أنصفت فخرج إليه أبرهة ، وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا وكان ذا دين في النصرانية ؛ وخرج إليه أرياط ، وكان رجلا جميلا عظيما طويلا ، وفي يده حربة له . وخلف أبرهة غلام له ، يقال له عتودة، يمنع ظهره . فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة ، يريد يافوخه ، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته ، فبذلك سمي أبرهة الأشرم ، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله ، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة ، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن ، و وَدَى أبرهة أرياط .

3 غضب النجاشي على أبرهة لقتله أرياط ثم رضاؤه عنه

فلما بلغ النجاشي غضب غضبا شديدا وقال : عدا على أميري فقتله بغير أمري ، ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ، ويجز ناصيته . فحلق أبرهة رأسه وملأ جرأبا من تراب اليمن ، ثم بعث به إلى النجاشي ، ثم كتب إليه :

أيها الملك : إنما كان أرياط عبدك ، وأنا عبدك ، فاختلفنا في أمرك ، (1 160) وكلٌّ طاعته لك ، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه ؛ وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك ، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ، ليضعه تحت قدميه ، فيبر قسمه فيّ .

فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه ، وكتب إليه : أنِ اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري . فأقام أبرهة باليمن .

2 أمر الفيل ، و قصة النسأة

3 بناء القليس أو كنيسة أبرهة

ثم إن أبرهة بنى القُلَّيْس بصنعاء ، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ، ثم كتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي ، غضب رجل من النسأة ، أحد بني فُقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر . (1 161)

3 معنى النسأة

والنسأة : الذين كانوا ينسئون الشهور على العرب في الجاهلية ، فيحلون الشهر من الأشهر الحرم ، ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ، ليواطئوا عدة ما حرم الله ، ويؤخرون ذلك الشهر ففيه أنزل الله تبارك وتعالى : ( إنما النسيء زيادة في الكفر يُضل به الذين كفروا ، يحلونه عاما ، ويحرمونه عاما ، ليواطئوا عدة ما حرم الله ) .

3 المواطأة لغة

قال ابن هشام : ليواطئوا : ليوافقوا : والمواطأة : الموافقة ، تقول العرب : واطأتك على هذا الأمر ، أي وافقتك عليه . والإيطاء في الشعر الموافقة ، وهو اتفاق القافيتين من لفظ واحد ، وجنس واحد ، نحو قول العجَّاج - واسم العجاج عبدالله بن رؤبة أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار - :

في أُثعبان المَنْجَنونَ المرسلِ

ثم قال :

مد الخليج في الخليج المرسل

وهذان البيتان في أرجوزة له .

3 أول من ابتدع النسيء

قال ابن إسحاق : وكان أول من نسأ الشهور علىالعرب ، فأحلت منها ما أحل ، وحرمت منها ما حرم القَلَمَّس ، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة .

ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد (1 162) بن حذيفة ، ثم قام بعد عباد : قلع بن عباد ، ثم قام بعد قلع : أمية بن قلع ، ثم قام بعد أمية : عوف بن أمية ، ثم قام بعد عوف أبو ثمامة جنادة بن عوف ، وكان آخرهم ، وعليه قام الإسلام ، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه ، فحرم الأشهر الحرم الأربعة : رجبا ، وذا القعدة ، وذا الحجة ، والمحرم .

فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه ، وحرم مكانه صفر فحرموه ، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم . فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال : اللهم إني قد أحللت لك أحد الصفرين ، الصفر الأول ، ونسأت الآخر للعام المقبل ، فقال في ذلك عمير بن قيس جذل الطعان أحد بني فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ، يفخر بالنسأة على العرب :

(1 163) لقد علمت معد أن قومي كرام الناس أن لهم كراما

فأي الناس فاتونا بوتر وأي الناس لم نعلك لجاما

ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما ؟

قال ابن هشام : أول الأشهر الحرم المحرم .

3 الكناني يحدث في القليس ، و حملة أبرهة على الكعبة

قال ابن إسحاق : فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيها - قال ابن هشام :يعني أحدث فيها - قال ابن إسحاق : ثم خرج فلحق بأرضه ، فأخبر بذلك أبرهة فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع قولك : ( أصرف إليها حج العرب ) غضب فجاء فقعد فيها ، أي أنها ليست لذلك بأهل .

3 خروج أبرهة لهدم الكعب

فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ، ثم سار (1 164) وخرج معه بالفيل ؛ وسمعت بذلك العرب ، فأعظموه وفظعوا به ، ورأوا جهاده حقا عليهم ، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة ، بيت الله الحرام .

3 أشراف اليمن يدافعون عن البيت

فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له : ذو نفر ، فدعا قومه ، ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة ، وجهاده عن بيت الله الحرام ، وما يريد من هدمه وإخرابه ؛ فأجابه إلى ذلك من أجابه ، ثم عرض له فقاتله ، فهزم ذو نفر وأصحابه ، وأخذ له ذو نفر فأتي به أسيرا ، فلما أراد قتله قال له ذو نفر : أيها الملك ، لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي ؛ فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق ، وكان أبرهة رجلا حليما .

3 خثعم تجاهد أبرهة

ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قَبِيْلَيْ خثعم : شهران وناهس ، ومن تبعه من قبائل العرب ، فقاتله فهزمه أبرهة ، وأخذ له نفيل أسيرا ، فأتي به ، فلما هم بقتله قال له نفيل : أيها الملك ، لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلَيْ خثعم : شهران وناهس بالسمع والطاعة ، فخلى سبيله .

3 ابن معتب و أبرهة

وخرج به معه يدله ، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف .

3 نسب ثقيف و شعر ابن الصلت في ذلك

واسم ثقيف : قسي بن النبيت بن منبه بن منصور (1 165) بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان .

قال أمية بن أبي الصلت الثقفي :

قومي إياد لو أنهم أمم أو لو أقاموا فتهزل النعم

قوم لهم ساحة العراق إذا ساروا جميعا والقط والقلم

وقال أمية بن أبي الصلت أيضا :

فإما تسألي عني لُبينى وعن نسبي أخبرك اليقينا

فإنا للنبيت أبي قسي لمنصور بن يقدم الأقدمينا

قال ابن هشام : ثقيف : قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . والبيتان الأولان والآخران في قصيدتين لأمية .

3 ثقيف تهادن أبرهة

قال ابن إسحاق : فقالوا له : أيها الملك ، إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ، ليس عندنا لك خلاف ، وليس (1 166) بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة ، ونحن نبعث معك من يدلك عليه ، فتجاوز عنهم .

3 اللات

واللات : بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة .

قال ابن هشام : أنشدني أبو عبيدة النحوي لضرار بن الخطاب الفهري : وفرت ثقيف إلى لاتها بمنقلب الخائب الخاسر

وهذا البيت في أبيات له .

3 أبو رغال ورجم قبره

قال ابن إسحاق : فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة ، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس ؛ فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك ، فرجمت قبره العرب ، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس .

3 (1 167) الأسود بن مقصود يهاجم مكة

فلما نزل أبرهة المغمس ، بعث رجلا من الحبشة يقال له : الأسود بن مقصود على خيل له ، حتى انتهى إلى مكة ، فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم ، وأصاب فيها مائتي بعير لعبدالمطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ، فهمت قريش وكنانة وهذيل ، ومن كان بذلك الحرم من سائر الناس بقتاله ، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به ، فتركوا ذلك .

3 رسول أبرهة إلى مكة

وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وقال له : سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها ، ثم قال له : إن الملك يقول لك : إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن هو لم يرد حربي فأتني به .

فلما دخل حناطة مكة ، سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل له : عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ؛ فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة ؛ فقال له عبدالمطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإنْ يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا دفع عنه ؛ فقال له حناطة : فانطلق معي إليه ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك .

3 أنيس يشفع لعبدالمطلب

فانطلق معه عبدالمطلب ، ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نفر ، وكان له صديقا ، حتى دخل عليه وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر : وما غناء رجل أسير بِيدَيْ ملك ينتظر أن يقتله (1 168) غدوا أو عشيا ما عندنا غناء في شيء مما نزل بك إلا أنّ أُنيسا سائس الفيل صديق لي ، وسأرسل إليه فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما بدا لك و يشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك ؛ فقال : حسبي .

فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فقال له : إن عبدالمطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت ؛ فقال : أفعل .

فكلم أنيس أبرهة ، فقال له : أيها الملك ، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة ، وهو يطعم الناس في السهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، فأذن له عليك ، فيكلمك في حاجته ، و أحسن إليه ، قال : فأذن له أبرهة .

3 الإبل لي والبيت له رب يحميه

قال : وكان عبدالمطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم ، فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان ؛فقال : (1 169) حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ؛ فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ، لا تكلمني فيه ! قال له عبدالمطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه ؛ قال : ما كان ليمتنع مني ؛ قال : أنت وذاك .

3 الوفد المرافق لعبدالمطلب

وكان فيما يزعم بعض أهل العلم ، قد ذهب مع عبدالمطلب إلى أبرهة ، حين بعث إليه حناطة ، يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن مناة بن كنانة ، وهو يومئذ سيد بني بكر ، وخويلد بن واثلة الهذلي ، وهو يومئذ سيد هذيل ؛ فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم . والله أعلم أكان ذلك أم لا . فرد أبرهة على عبدالمطلب الإبل التي أصاب له .

3 قريش تستنصر الله على أبرهة

فلما انصرفوا عنه ، انصرف عبدالمطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرز في شعف الجبال والشعاب : تخوفا عليهم من معرة الجيش ، ثم قام عبدالمطلب ، فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ، ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : (1 170)

لاهُمَّ إن العبد يمنع رحله فامنع حلالكْ

لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم غدوا محالك

زاد الواقدي :

إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لكْ

قال ابن هشام : هذا ما صح له منها .

3 شعر عكرمة بن عامر يدعو على الأسود بن مقصود

قال ابن إسحاق : وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي :

لاهُمَّ أخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة فيها التقليدْ

بين حراء وثبير فالبيد يحبسها وهي أولات التطريد

فضمها إلى طماطم سود أخفره يا رب وأنت محمود (1 171)

قال ابن هشام :هذا ما صح له منها ؛ والطماطم : الأعلاج .

قال ابن إسحاق : ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة ، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها .

3 أبرهة يهاجم الكعبة

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ، وهيأ فيله وعبىَّ جيشه ، وكان اسم الفيل محمودا ؛ وأبرهة مجمع لهدم البيت ، ثم الانصراف إلى اليمن . فلما وجهوا الفيل إلى مكة ، أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنب الفيل ، ثم أخذه بأذنه ، فقال : ابرك محمود ، أو ارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام ، ثم أرسل أذنه .

فبرك الفيل ، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل ، وضربوا الفيل ليقوم فأبى . فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى ، فأدخلوا محاجن لهم في مراقِّه فبزغوه بها ليقوم فأبى ، (1 172) فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى مكة فبرك .

3 عقاب الله لأبرهة وجنده

فأرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص والعدس ،لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت .وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن ، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته :

أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب

قال ابن هشام : قوله : ( ليس الغالب ) عن غير ابن إسحاق .

قال ابن إسحاق : وقال نفيل أيضا :

ألا حييت عنا يا ردينا نعمناكم مع الإصباح عينا

أتانا قابس منكم عشاء فلم يقدر لقابسكم لدينا

ردينة لو رأيت - ولا تريه لدى جنب المحصب ما رأينا

إذا لعذرتني وحمدت أمري ولم تأسي على ما فات بينا (1 173) حمدت الله إذ أبصرت طيرا وخفت حجارة تُلقى علينا

و كل القوم يسأل عن نفيل كأن علي للحبشان دينا

فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أُنمْلة أنملة ، كلما سقطت أنملة أتبعتها منه مدة تمثُّ قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، فيما يزعمون .

قال ابن إسحاق : حدثني يعقوب بن عتبة أنه حُدث : أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعُشر ذلك العام .

3 الله جل جلاله يذكر حادثة الفيل ويمتن على قريش

قال ابن إسحاق : فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم ، فقال الله تبارك وتعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . ألم يجعل كيدهم في تضليل . و أرسل عليهم طيرا أبابيل . ترميهم بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصف مأكول ) . وقال : ( لإيلاف قريش . إيلافهم رحلة الشتاء والصيف . فليعبدوا رب هذا (1 174) البيت . الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) . أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها ، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه .

3 تفسير مفردات سورتي الفيل وقريش

قال ابن هشام : الأبابيل : الجماعات ، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه . وأما السجيل : فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب : الشديد الصلب .

قال رؤبة بن العجاج :

ومسهم ما مس أصحاب الفيلْ ترميهم حجارة من سجيلْ

و لعبت طير بهم أبابيلْ

وهذه الأبيات في أرجوزة له .

ذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية ، جعلتهما العرب كلمة واحدة ، وإنما هو سَنْج و جِلّ ، يعني بالسنج : الحجر ؛ وبالجل : الطين . يعني : الحجارة من هذين الجنسين : الحجر والطين . والعصف : ورق الزرع الذي لم يقصب ، وواحدته عصفة . قال : وأخبرني أبو عبيدة النحوي أنه يقال له : العصافة والعصيفة .

وأنشدني لعلقمة بن عبدة أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم : تسقي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتيّ الماء مطموم

وهذا البيت في قصيدة له . وقال الراجز :

فصُيرِّوا مثل كعصف مأكول

( 1 175 ) قال ابن هشام : ولهذا البيت تفسير في النحو .

وإيلاف قريش : إلفهم الخروج إلى الشام في تجارتهم ، وكانت لهم خرجتان : خرجة في الشتاء ، وخرجة في الصيف . أخبرني أبو زيد الأنصاري ، أن العرب تقول : ألفت الشيء إلفا ، وآلفته إيلافا ، في معنى واحد . وأنشدني لذي الرمة :

من المؤلفات الرمل أدماء حرة شعاع الضحى في لونها يتوضح

وهذ البيت في قصيدة له . وقال مطرود بن كعب الخزاعي :

المنعمين إذا النجوم تغيرت والظاعنين لرحلة الإيلاف

وهذا البيت في أبيات له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى . والإيلاف أيضا : أن يكون للإنسان ألف من الإبل ، أو البقر ، أو الغنم ، أو غير ذلك . يقال : آلف فلان إيلافا . قال الكميت بن زيد ، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد :

(1 176) بعام يقول له المؤلفو ن هذا المعيم لنا المرجل

وهذا البيت في قصيدة له . والإيلاف أيضا : أن يصير القوم ألفا ، يقال : آلف القوم إيلافا . قال الكميت بن زيد ،أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد :

وآل مزيقياء غداة لاقوا بني سعد بن ضبة مؤلفينا

وهذا البيت في قصيدة له . والإيلاف أيضا : أن تؤلف الشيء إلى الشيء فيألفه و يلزمه ؛ يقال : آلفته إياه إيلافا . والإيلاف أيضا : أن تصيرِّ ما دون الألف ألفا ، يقال : آلفته إيلافا .

3 مصير قائد الفيل وسائسه

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن ، بن سعد بن زرارة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس .

2 ما قيل في قصة الفيل من الشعر

3 إعظام العرب قريشا بعد حادثة الفيل

قال ابن إسحاق : فلما رد الله الحبشة عن مكة ، وأصابهم بما أصابهم به من النقمة ، أعظمت العرب قريشا ، وقالوا : هم أهل الله ، قاتل الله عنهم وكفاهم مئونة عدوهم . فقالوا في ذلك أشعارا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة ، وما رد عن قريش من كيدهم .

3 شعر عبدالله بن الزبعرى في وقعة الفيل

فقال عبدالله بن الزبعرى بن عدي بن (1 177) قيس بن عدي بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر :

تنكلوا عن بطن مكة إنها كانت قديما لا يرام حريمها

لم تخلق الشعرى ليالي حرمت إذ لا عزيز من الأنام يرومها

سائل أمير الجيش عنها ما رأى ولسوف يُنبي الجاهلين عليمها

ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم ولم يعش بعد الإياب سقيمها

كانت بها عاد وجرهم قبلهم والله من فوق العباد يقيمها

قال ابن إسحاق : يعني ابن الزبعرى بقوله :

. . . بعد الإياب سقيهما أبرهةَ ، إذ حملوه معهم حين أصابه ما أصابه ، حتى مات بصنعاء .

3 شعر ابن الأسلت في وقعة الفيل

وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري ثم الخطمي ، واسمه صيفي .

قال ابن هشام : أبو قيس : صيفي بن الأسلت (1 178) بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامرة بن مرة بن مالك بن الأوس :

ومن صنعه يوم فيل الحبُو ش إذ كلما بعثوه رزمْ

محاجنهم تحت أقرابه وقد شرموا أنفه فانخرم

وقد جعلوا سوطه مغولا إذا يمموه قفاه كلم

فولى وأدبر أدراجه وقد باء بالظلم من كان ثم

فأرسل من فوقهم حاصبا فلفهم مثل لف القزم

تحض على الصبر أحبارهم وقد ثأجوا كثؤاج الغنم

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له . والقصيدة أيضا تروى لأمية بن أبي الصلت .

قال ابن إسحاق : وقال أبو قيس بن الأسلت :

فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا بأركان هذا البيت بين الأخاشب

فعندكم منه بلاء مصدق غداة أبى يكسوم هادى الكتائب

كتيبته بالسهل تمسي ورجله على القاذفات في رءوس المناقب (1 179)

فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم جنود المليك بين ساف وحاصب

فولوا سراعا هاربين ولم يؤب إلى أهله ملحبش غير عصائب

قال ابن هشام :أنشدني أبو زيد الأنصاري قوله :

على القاذفات في رءوس المناقب

وهذه الأبيات في قصيدة لأبي قيس ، سأذكرها في موضعها إن شاء الله . وقوله : غداة أبي يكسوم : يعني أبرهة ، كان يكنى أبا يكسوم .

3 شعر طالب بن أبي طالب في وقعة الفيل

قال ابن إسحاق : وقال طالب بن أبي طالب بن عبدالمطلب :

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس وجيش أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا

فلولا دفاع الله لا شيء غيره لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا

قال ابن هشام : وهذان البيتان في قصيدة له في يوم بدر ، سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .

3 شعر أبي الصلت الثقفي في وقعة الفيل

قال ابن إسحاق : وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي في شأن الفيل ، ويذكر الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام . (1 180)

قال ابن هشام : تروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي :

إن آيات ربنا ثاقبات لا يماري فيهن إلا الكفورُ

خلق الليل والنهار فكل مستبين حسابه مقدور

ثم يجلو النهار رب رحيم بمهاة شعاعها منشور

حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور

لازما حلقة الجران كما قطر من صخر كبكب محدور

حوله من ملوك كندة أبطا ل ملاويث في الحروب صقور

خلفوه ثم ابذعرُّوا جميعا كلهم عظم ساقه مكسور

كل دين يوم القيامة عندالله إلا دين الحنيفة بور

3 شعر الفرزدق في وقعة الفيل

قال ابن هشام : وقال الفرزدق - واسمه همام بن أحد بني مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - يمدح سليمان بن عبدالملك بن مروان ، ويهجو الحجاج بن يوسف ، ويذكر الفيل وجيشه :

فلما طغى الحجاج حين طغى به غنى قال إني مرتق في السلالم (1 181)

فكان كما قال ابن نوح سأرتقي إلى جبل من خشية الماء عاصم

رمى الله في جثمانه مثل ما رمى عن القبلة البيضاء ذات المحارم

جنودا تسوق الفيل حتى أعادهم هباء وكانوا مطرخمي الطراخم

نصرت كنصر البيت إذ ساق فيله إليه عظيم المشركين الأعاجم

وهذه الأبيات في قصيدة له .

3 شعر ابن قيس الرقيات في وقعة الفيل

قال ابن هشام : وقال عبدالله بن قيس الرقيات : أحد بني عامر بن لؤي بن غالب يذكر أبرهة - وهو الأشرم - والفيلَ :

كاده الأشرم الذي جاء بالفيل فولى وجيشه مهزوم

واستهلت عليهم الطير بالجندل حتى كأنه مرجوم

ذاك من يغزه من الناس يرجع وهو فل من الجيوش ذميم (1 182)

وهذه الأبيات في قصيدة له .

3 ملك يكسوم ثم مسروق ولدَيْ أبرهة على اليمن

قال ابن إسحاق : فلما هلك أبرهة ، ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة ، وبه كان يكنى ؛ فلما هلك يكسوم بن أبرهة ، ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة .

2 خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن

3 سيف بن ذي يزن يشكو لقيصر

فلما طال البلاء على أهل اليمن ، خرج سيف بن ذي يزن الحميري ، وكان يكنى بأبي مرة ، حتى قدم على قيصر ملك الروم ، فشكا إليه ما هم فيه ، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو ، ويبعث إليهم من شاء من الروم ، فيكون له ملك اليمن فلم يشكه و لم يجد عنده شيئا مما يريد .

3 النعمان يتشفع لسيف بن ذي يزن عند كسرى

فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر ، وهو عامل كسرى على الحيرة ، وما يليها من أرض العراق ، فشكا إليه أمر الحبشة ، فقال له النعمان : إن لي على كسرى وفادة في كل عام ، فأقم حتى يكون ذلك ،ففعل ، ثم خرج معه ، فأدخله على كسرى .

وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه ، وكان (1 183) تاجه مثل القنقل العظيم - فيما يزعمون - يضرب فيه الياقوت واللؤلؤ والزبرجد بالذهب والفضة ، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك ، وكانت عنقه لا تحمل تاجه ، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ، ثم يدخل رأسه في تاجه ، فإذا استوى في مجلسه كشفت عنه الثياب ، فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك ، إلا برك هيبة له ؛ فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك .

3 ابن ذي يزن بين يدي كسرى ،ومعاونة كسرى له

قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة : أن سيفا لما دخل عليه طأطأ رأسه ، فقال الملك : إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ، ثم يطأطئ رأسه ؟ فقيل ذلك لسيف ؛ فقال : إنما فعلت هذا لهمي ، لأنه يضيق عنه كل شيء .

قال ابن إسحاق : ثم قال له : أيها الملك ، غلبتنا على بلادنا الأغربة ؛ فقال له كسرى : أي الأغربة : الحبشة أم السند فقال : بل الحبشة ، فجئتك لتنصرني ، ويكون ملك بلادي لك ؛ قال : بعدت بلادك مع قلة خيرها ، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك ، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف ، وكساه كسوة حسنة . فلما ( 1 184 ) قبض ذلك منه سيف خرج ، فجعل ينثر ذلك الورق للناس ، فبلغ ذلك الملك ، فقال : إن لهذا لشأنا ، ثم بعث إليه ، فقال : عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس ؛ فقال : وما أصنع بهذا ؟ ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة : يرغبه فيها . فجمع كسرى مرازبته ، فقال لهم : ماذا ترون في أمر هذا الرجل ، وما جاء له ؟ فقال قائل : أيها الملك ، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل ، فلو أنك بعثتهم معه ، فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم ، وإن ظفروا كان ملكا ازددته . فبعث معه كسرى من كان في سجونه ، وكانوا ثمانمائة رجل .

3 وهرز و سيف بن ذي يزن و انتصارهما على مسروق ، و ما قيل في ذلك من الشعر

واستعمل عليهم رجلا يقال له وهرز ، وكان ذا سن فيهم ، وأفضلهم حسبا وبيتا . فخرجوا في ثمان سفائن ، فغرقت سفينتان ، ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن . فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه ، وقال له : رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا .

قال له وهرز : أنصفت ، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن ، وجمع إليه جنده . فأرسل إليهم وهرز ابنا له ، ليقاتلهم فيختبر قتالهم : فقتل ابن وهرز ، فزاده ذلك حنقا عليهم .

فلما تواقف الناس على مصافهم ، قال وهرز : أروني ملكهم ؛ فقالوا له : أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه ، بين عينيه ياقوته حمراء ؟ قال : نعم ، قالوا : ذاك ملكهم ؛ فقال : اتركوه .

قال : فوقفوا طويلا ، ثم قال : علام هو ؟ قالوا : قد تحول على الفرس ؛ قال : اتركوه . فوقفوا طويلا ، ثم قال : علام هو ؟ قالوا : قد تحول على البغلة . قال وهرز : بنتُ الحمار ذل وذل ملكه ، إني سأرميه ، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى (1 185) أوذنكم ، فإني قد أخطأت الرجل ، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به ، فقد أصبت الرجل ، فاحملوا عليهم .

ثم وتر قوسه ، وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها ، وأمر بحاجبيه فعصبا له ، ثم رماه ، فصك الياقوتة التي بين عينيه ، فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ، ونكس عن دابته ، واستدارت الحبشة ولاثت به ، وحملت عليهم الفرس ، وانهزموا ، فقتلوا وهربوا في كل وجه ؛ وأقبل وهرز ليدخل صنعاء ، حتى إذا أتى بابها ، قال : لا تدخل رايتي منكسة أبدا ، اهدموا الباب ، فهدم ؛ ثم دخلها ناصبا رايته .

3 شعر سيف بن ذي يزن في هذه القصة

فقال سيف بن ذي يزن الحميري : (1 186)

يظن الناس بالملكين أنهما قد التأما

ومن يسمع بلأمهما فإن الخطب قد فقما

قتلنا القيل مسروقا وروينا الكثيب دما

وإن القيل قيل النا س وهرز مقسم قسما

يذوق مشعشعا حتى يفىء السبي والنعما

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في أبيات له . وأنشدني خلاد بن قرة السدوسي آخرها بيتا لأعشى بني قيس بن ثعلبة في قصيدة له ، وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له .

3 شعر أبي الصلت

قال ابن إسحاق : وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي - قال ابن هشام : وتروى لأمية بن أبي الصلت - :

ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ريمَّ في البحر للأعداء أحوالا (1 187)

يمم قيصر لما حان رحلته فلم يجد عنده بعض الذي سالا

ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة من السنين يهين النفس والمالا

حتى أتى ببني الأحرار يحملهم إنك عَمري لقد أسرعت قلقالا

لله درهم من عصبة خرجوا ما إن أرى لهم في الناس أمثالا

بيضا مرازبة غلبا أساورة أُسدا تربب في الغيضات أشبالا

يرمون عن شدف كأنها غبط بزمخر يعجل المرمى إعجالا

أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد أضحى شريدهم في الأرض فلالا

فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلالا

واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم وأسبل اليوم في برديك إسبالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا (1 188)

قال ابن هشام : هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها ، إلا آخرها بيتا قوله :

تلك المكارم لا قعبان من لبن

فإنه للنابغة الجعدي . واسمه حبان بن عبدالله بن قيس ، أحد بني جعدة ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، في قصيدة له .

3 شعر عدي بن زيد

قال ابن إسحاق : وقال عدي بن زيد الحيري ، وكان أحد بني تميم .

قال ابن هشام : ثم أحد بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم ، ويقال : عدي من العباد من أهل الحيرة :

ما بعد صنعاء كان يعمرها ولاة ملك جزل مواهبها

رفعها من بني لدى قزع المزن وتندى مسكا محاربها ( 1 189 )

محفوفة بالجبال دون عرى الكائد ما ترتقى غواربها

يأنس فيها صوت النهام إذا جاوبها بالعشي قاصبها

ساقت إليها الأسباب جند بني الأحرار فرسانها مواكبها

وفوزت بالبغال توسق بالحتف وتسعى بها توالبها

حتى رآها الأقوال من طرف ال مَنْقَل مخضرة كتائبها

يوم ينادون آل بربر واليكسوم لا يفلحن هاربها

وكان يوم باقي الحديث وزا لت إمة ثابت مراتبها

وبدل الفيج بالزرافة والأيا م جون جم عجائبها

بعد بني تبع نخاورة قد اطمأنت بها مرزابها (1 190)

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له . وأنشدني أبو زيد الأنصاري ورواه لي عن المفضل الضبي ، قوله :

يوم ينادون آل بربر واليكسوم . . .الخ

3 هزيمة الأحباش ، و نبوءة سطيح و شق

وهذا الذي عنى سطيح بقوله : ( يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن ) .

والذي عنى شق بقوله : ( غلام ليس بدني ولا مدنّ ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن ) .

2 ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن

3 مدة ملك الحبشة باليمن و ملوكهم

قال ابن إسحاق : فأقام وهرز والفرس باليمن ، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم . وكان ملك الحبشة باليمن ، فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأُخرجت الحبشة ، اثنتين وسبعين سنة ، توارث ذلك منهم أربعة : أرياط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم بن أبرهة ، ثم مسروق بن أبرهة .

3 أمراء الفرس باليمن

قال ابن هشام : ثم مات وهرز ، فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ، ثم مات المرزبان ، فأمَّر (1 191) كسرى ابنه التينجان بن المرزبان على اليمن ، ثم مات التينجان ، فأمر كسرى ابن التينجان على اليمن ، ثم عزله وأمَّر باذان ؛ فلم يزل باذان عليها حتى بعث الله محمدا النبي صلى الله عليه وسلم .

3 محمد صلى الله عليه وسلم يتنبأ بموت كسرى

فبلغني عن الزهري أنه قال :

كتب كسرى إلى باذان : أنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة ، يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستنبه ، فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه . فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا . فلما أتى باذانَ الكتابُ توقف لينظر ، وقال : إن كان نبيا فسيكون ما قال . فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن هشام : قُتل على يدي ابنه شيرويه ، وقال خالد بن حق الشيباني :

وكسرى إذ تقسمه بنوه بأسياف كما اقتسم اللحام (1 192)

تمخضت المنون له بيوم أني و لكل حاملة تمام

3 إسلام باذان

قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت الرسل من الفرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال : أنتم منا وإلينا أهل البيت .

قال ابن هشام : فبلغني عن الزهري أنه قال : فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت .

3 بعثة النبي ، و نبوءة سطيح و شق

قال ابن هشام : فهوالذي عنى سطيح بقوله : ( نبى زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي ) . والذي عني شق بقوله : ( بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ) .

3 كتاب الحجر الذي وجد في اليمن

قال ابن إسحاق : وكان في حَجَر باليمن - فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول (1 193) : ( لمن ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ؛ لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الأشرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لقريش التجار ) .

وذمار : اليمن أو صنعاء .

قال ابن هشام : ذمار : بالفتح ، فيما أخبرني يونس .

3 شعر الأعشى يذكر نبوءة شق وسطيح

قال ابن إسحاق : وقال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة في وقوع ما قال سطيح وصاحبه :

ما نظرت ذات أشفار كنظرتها حقا كما صدق الذئبي إذْ سجعا

(1 194) وكانت العرب تقول لسطيح : الذئبي ، لأنه سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب .

قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له .

2 قصة ملك الحضر

قال ابن هشام : وحدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي عن جناد : أو عن بعض علماء أهل الكوفة بالنسب : أنه يقال : إن النعمان بن المنذر من ولد ساطرون ملك الحضر . والحضر : حصن عظيم كالمدينة ، كان على شاطئ الفرات ، وهو الذي ذكر عدي بن زيد في قوله :

وأخو الحضر إذ بناه وإذ د جلة تجبى إليه والخابور

شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور

لم يهبه ريب المنون فبان ال ملك عنه فبابه مهجور

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له .

والذي ذكره أبو دواد الإيادي في قوله :

وأرى الموت قد تدلى من الحضر على رب أهله الساطرون (1 195)

وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : إنها لخلف الأحمر ، ويقال : لحماد الراوية .

2 سابور يستولي على الحضر ، وزواجه بنت ساطرون ، و ما وقع بينهما

وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطرون ملك الحضر ، فحصره سنتين ، فأشرفت بنت ساطرون يوما ، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج ، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ ، وكان جميلا ، فدست إليه : أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال : نعم ؛ فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر ، وكان لا يبيت إلا سكران . فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه ، فبعثت بها مع مولى لها ، ففتح الباب ، فدخل سابور ، فقتل ساطرون ، واستياح الحضر وخربه ، وسار بها معه فتزوجها . فبينا هي (1 196) نائمة على فراشها ليلا إذْ جعلت تتململ لا تنام ، فدعا لها بشمع ، ففتش فراشها ، فوجد عليه ورقة آس ؛ فقال لها سابور : أهذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم ، قال : فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت : كان يفرش لي الديباج ، ويلبسني الحرير ، ويطعمني المخ ، ويسقين الخمر ؛ قال : أفكان جزاء أبيك ما صنعت به ؟ أنت إلي بذلك أسرع ؛ ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس ، ثم ركض الفرس حتى قتلها .

2 قول أعشى قيس في قصة الحضر

ففيه يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :

ألم تر للحضر إذ أهله بنعمى وهل خالد من نعم

أقام به شاهبور الجنو د حولين تضرب فيه القدم

فلما دعا ربه دعوة أناب إليه فلم ينتقم

وهذه الأبيات في قصيدة له .

2 قول عدي بن زيد

وقال عدي بن زيد في ذلك :

والحضر صابت عليه داهية من فوقه أيد مناكبها

ربية لم توق والدها لحينها إذ أضاع راقبها (1 197)

إذ غبقته صهباء صافية والخمر وهل يهيم شاربها

فأسلمت أهلها بليلتها تظن أن الرئيس خاطبها

فكان حظ العروس إذ جشر الصبح دماء تجري سبائبها

وخرب الحضر واستبيح وقد أُحرق في خدرها مشاجبها

وهذه الأبيات في قصيدة له . (1 198)

2 ذكر ولد نزار بن معد

3 أولاده في رأي ابن إسحاق و ابن هشام

قال ابن إسحاق : فولد نزار بن معد ثلاثة نفر : مضر بن نزار ، وربيعة ابن نزار ، وأنمار بن نزار .

قال ابن هشام : وإياد بن نزار . قال الحارس بن دوس الإيادي ، ويروى لأبي داود الإيادي ، واسمه جارية بن الحجاج :

وفتوّ حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد

وهذا البيت في أبيات له .

فأم مضر وإياد : سودة بنت عك بن عدنان . وأم ربيعة وأنمار : شُقيقة بنت عك بن عدنان ، ويقال : جمعة بنت عك بن عدنان .

3 أولاد أنمار

قال ابن إسحاق : فأنمار : أبو خثعم وبجيلة . قال (1 199) جرير بن عبدالله البجلي وكان سيد بجيلة ، وهو الذي يقول له القائل :

لولا جرير هلكت بجيله نعم الفتى وبئست القبيلهْ

وهو ينافر الفرافصة الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي بن عقال بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة :

يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن تصرع أخاك تصرع

و قال :

ابْنيَ نزار انصرا أخاكما إن أبي وجدته أباكما

قال ابن هشام : فهوالذي عنى سطيح بقوله : ( نبى زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي ) . والذي عني شق بقوله : ( بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ) .

لن يُغلب اليوم أخ والأكما

قال ابن إسحاق : وكان في حَجَر باليمن - فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول (1 193) : ( لمن ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ؛ لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الأشرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لفارس الأحرار ؛ لمن ملك ذمار ؟ لقريش التجار ) .

وقد تيامنت فلحقت باليمن .

قال ابن هشام : قالت اليمن : وبجيلة : أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث . ودار بجيلة وخثعم : يمانية .

3 ولدا مضر

قال ابن إسحاق : فولد مضر بن نزار رجلين : إلياس (1 200) بن مضر ، وعيلان بن مضر.

قال ابن هشام : وأمهما جرهمية .

3 أولاد إلياس

قال ابن إسحاق : فولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر : مدركة بن إلياس ، وطابخة بن إلياس ، وقمعة بن إلياس ، وأمهم خندف ، امرأة من اليمن .

3 شئ عن خندف و أولادها

قال ابن هشام : خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة .

قال ابن إسحاق : وكان اسم مدركة عامرا ، واسم طابخة عمرا ؛ وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها ، فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه ، وعدت عادية على إبلهما ، فقال عامر لعمرو : أتدرك الإبل أم تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو : بل أطبخ ، فلحق عامر بالإبل فجاء بها ، فلما راحا على أبيهما حدثاه بشأنهما ، فقال لعامر : أنت مدركة ؛ وقال لعمرو : وأنت طابخة (1 201) و خرجت أمهم لما بلغها الخبر ، و هي مسرعة ، فقال لها : تخندفين ، فسميت : خندف ) .

شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور

وأما قمعة فيزعم نساب مضر : أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس .

2 حديث عمرو بن لحي وذكر أصنام العرب

3 عمرو بن لحي يجر قصبه في النار

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال :

حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، فسألته عمن بيني وبينه من الناس ، فقال : هلكوا .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة - قال ابن هشام : واسم أبي هريرة : عبدالله بن عامر ، ويقال اسمه عبدالرحمن بن صخر - يقول :

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي : يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ، ولا بك منه ، فقال أكثم : عسى أن يضرني (1 202) شبهه يا رسول الله ؟ قال : لا ، إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان أول من غير دين إسماعيل ، فنصب الأوثان ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، ووصل الوصيلة ، وحمى الحامي .

3 أصل عبادة الأصنام في أرض العرب

قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم :

أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق . ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فُتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ؛ فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما ، فأسير به إلى أرض العرب ، فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له هُبَل ، فقدم به مكة ، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه . (1 203)

3 سبب عبادة الأصنام

قال ابن إسحاق : ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل ، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم ، حين ضاقت عليهم ، والتمسوا الفسح في البلاد ، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم ، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة ، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة ، وأعجبهم ؛ حتى خلف الخلوف ، ونسوا ما كانوا عليه ، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره ، فعبدوا الأوثان ، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات ؛ وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها ، من تعظيم البيت ، والطواف به ، والحج والعمرة ، والوقوف على عرفة والمزدلفة ، وهدي البدن ، والإهلال بالحج والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه .

فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك ) .فيوحدونه بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ، ويجعلون ملكها بيده .

يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) .أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي .

3 أصنام قوم نوح

وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها ، قص الله تبارك وتعالى خبرها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ، ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ، وقد أضلوا كثيرا ) . (1 204)

3 القبائل العربية وأصنامها ، و شئ عنها

فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم وسموا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل : هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ، اتخذوا سواعا ، فكان لهم بُرهاط . وكلب بن وبرة من قضاعة ، اتخذوا ودا بدومة الجندل .

قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك الأنصاري :

وننسى اللات والعزى ونسلبها القلائد والشنوفا

قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله . (1 205)

3 رأي ابن هشام في نسب كلب بن وبرة

قال ابن هشام : وكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .

3 عباد يغوث

قال ابن إسحاق : وأنعم من طيىء ، وأهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث بجرش .

3 رأي ابن هشام في أنعم ، و في نسب طيئ

قال ابن هشام : ويقال : أنعم . وطيىء : ابن أدد بن مالك ، ومالك : مذحج بن أدد ، ويقال : طيىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ .

3 عباد يعوق

قال ابن إسحاق : وخَيوان بطن من همدان ، اتخذوا يعوق بأرض همدان من أرض اليمن .

قال ابن هشام : وقال مالك بن نمط الهمداني :

يريش الله في الدنيا ويبرى ولا يبري يعوق ولا يريش

وهذا البيت في أبيات له .

3 همدان و نسبه

قال ابن هشام : اسم همدان : أوسلة بن مالك بن زيد بن ربيعة بن أوسلة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : أوسلة بن (1 206) زيد بن أوسلة بن الخيار . ويقال : همدان بن أوسلة بن ربيعة بن مالك بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ .

3 عباد نسر

قال ابن إسحاق : وذو الكلاع من حمير ، اتخذوا نسرا بأرض حمير .

3 عباد عميانس

وكان لخولان صنم يقال له عميانس بأرض خولان ، يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم ، فما دخل في حق عميانس من حق الله تعالى الذي سموه له تركوه له ، وما دخل في حق الله تعالى من حق عميانس ردوه عليه .

وهم بطن من خولان ، يقال لهم الأديم ، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى فيما يذكرون : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فقالوا هذا لله بزعمهم ، وهذا لشركائنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ، ساء ما يحكمون ) .

3 نسب خولان

قال ابن هشام :خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ؛ ويقال : خولان بن عمرو بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : خولان بن عمرو بن سعد العشيرة بن مذحج .

3 عباد سعد

قال ابن إسحاق : وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر صنم ، يقال له سعد ، صخرة (1 207) بفلاة من أرضهم طويلة . فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه ، التماس بركته ، فيما يزعم ؛ فلما رأته الإبل ، وكانت مرعية لا تركب ، وكان يُهراق عليه الدماء ، نفرت منه ، فذهبت في كل وجه ، وغضب ربها الملكاني ، فأخذ حجرا فرماه به ، ثم قال : لا بارك الله فيك ، نفرت علي إبلي ، ثم خرج في طلبها حتى جمعها ، فلما اجتمعت له قال :

أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد

وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد

3 دوس وصنمهم

وكان في دوس صنم لعمرو بن حمُمة الدوسي .

قال ابن هشام : سأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله .

3 نسب دوس

و دوس : ابن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأسد بن الغوث . ويقال : دوس ابن عبدالله بن زهران بن الأسد بن الغوث .

3 عباد هبل

قال ابن إسحاق : وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له : هبل . (1 208)

قال ابن هشام : سأذكر حديثه إن شاء الله في موضعه .

3 إساف ونائلة

قال ابن إسحاق : واتخذوا إسافا ونائلة ، على موضع زمزم ينحرون عندهما . وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم - هو إساف بن بغي ، ونائلة بنت ديك - فوقع إساف على نائلة في الكعبة ، فمسخهما الله حجرين .

3 حديث عائشة عن إساف ونائلة

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة أنها قالت : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : ما زلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم ، أحدثا في الكعبة ، فمسخمها الله تعالى حجرين . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : وقال أبو طالب :

وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إساف ونائل

قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى . (1 209)

3 فعل العرب مع أصنامهم

قال ابن إسحاق : واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه ، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب ، فكان ذلك أخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره ، وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله .

فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ، قالت قريش : أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب .

3 الطواغيت

وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاب ، وتهُدى لها كما تهدى للكعبة ، وتطوف بها كطوافها بها ، وتنحر عندها . وهي تعرف فضل الكعبة عليها ، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده .

3 العزى وسدنتها وحجابها

فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة ، وكان سدنتها وحجابها بنو شيبان ، من سليم ، حلفاء بني هاشم .

قال ابن هشام : حلفاء بني أبي طالب خاصة ؛ وسليم : سليم بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان .

قال ابن إسحاق : فقال شاعر من العرب :

لقد أُنكحت أسماء رأس بقيرة من الأدم أهداها امرؤ من بني غنمِ

رأى قدعا في عينها إذ يسوقها إلى غبغب العزى فوسَّع في القسم

(1 210) وكذلك كانوا يصنعون إذا نحروا هديا قسموه فيمن حضرهم . والغبغب : المنحر ومهراق الدماء .

قال ابن هشام : وهذان البيتان لأبي خراش الهذلي ، واسمه : خويلد بن مرة في أبيات له .

3 من هم السدنة

والسدنة : الذين يقومون بأمر الكعبة . قال رؤبة بن العجاج :

فلا ورب الآمنات القطن يعمرن أمنا بالحرام المأمن

بمحبس الهدي وبيت المسدن

وهذا البيتان في أرجوزة له ، وسأذكرها حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه .

3 اللات وسدنتها

قال ابن إسحاق : وكانت اللات لثقيف بالطائف ، وكان سدنتها وحجاجها بنو معتب من ثقيف .

قال ابن هشام : وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه .

3 مناة وسدنتها

قال ابن إسحاق : وكانت مناة للأوس والخزرج ، ومن دان بدينهم من أهل يثرب ، على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد .

قال ابن هشام : وقال الكميت بن زيد أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة :

وقد آلت قبائل لا تولي مناة ظهورها متحرفينا

وهذا البيت في قصيدة له .

3 هدم مناة

قال ابن هشام : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أبا سفيان بن حرب فهدمها . ويقال : علي بن أبي طالب . (1 211)

3 ذو الخلصة وسدنته وهدمه

قال ابن إسحاق : وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة .

قال ابن هشام :ويقال : ذو الخلصة . قال رجل من العرب :

لو كنت يا ذا الخلص الموتورا مثلي وكان شيخك المقبورا

لم تنه عن قتل العداة زورا

قال : وكان أبوه قتل ، فأراد الطلب بثأره ، فأتى ذا الخلصة ، فاستقسم عنده بالأزلام ، فخرج السهم بنهيه عن ذلك ، فقال هذه الأبيات .ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي . فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبدالله البجلي فهدمه .

3 فلس و سدنته و هدمه

قال ابن إسحاق : وكانت فلس لطيىء ومن يليها بجبلَيْ طيىء ، يعني سلمى وأجأ .

قال ابن هشام : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها علي بن أبي طالب فهدمها ، فوجد فيها سيفين ، يقال لأحدهما : الرسوب ، وللآخر : المخذم . فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبهما له ، فهما سيفا علي رضي الله عنه . (1 212)

3 رئام

قال ابن إسحاق : وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له : رئام .

قال ابن هشام : قد ذكرت حديثه فيما مضى .

3 رضاء وسدنته وهدمه

قال ابن إسحاق : وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام :

ولقد شددت على رضاء شدة فتركتها قفرا بقاع أسحما

قال ابن هشام : قوله :

فتركتها قفرا بقاع أسحما

عن رجل من بني سعد .

3 عُمُر المستوغر

ويقال : إن المتسوغر عُمِّر ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة ، وكان أطول مضر كلها عمرا ، وهو الذي يقول :

ولقد سئمت من الحياة وطولها وعمرت من عدد السنين مئينا

مائة حدتها بعدها مئتان لي وازددت من عدد الشهور سنينا

هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يوم يمر و ليلة تحدونا

وبعض الناس يروي هذه الأبيات لزهير بن جناب الكلبي . (1 213)

3 ذو الكعبات وسدنته

قال ابن إسحاق : وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد ، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة :

بين الخورنق والسدير وبارق والبيت ذي الكعبات من سنداد

قال ابن هشام : وهذا البيت للأسود بن يعفر النهشلي . نهشل بن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، في قصيدة له . وأنشدنيه أبو محرز خلف الأحمر :

أهل الخورنق والسدير وبارق والبيت ذي الشرفات من سنداد (1 214)

2 أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي

3 رأي ابن إسحاق فيها

قال ابن إسحاق : فأما البحيرة فهي بنت السائبة ، والسائبة : الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر ، سِيْبَت فلم يُركب ظهرها ، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف ؛ فما نُتجت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أذنها ، ثم خلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ، ولم يجز وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها ، فهي البحيرة بنت السائبة .

والوصيلة : الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ، ليس بينهن ذكر ، جعلت وصيلة . قالوا : قد وصلت ، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم ، إلا أن أن يموت منها شيء فيشتركوا في أكله ، ذكورهم وإناثهم .

قال ابن هشام : ويروى : فكان ما ولدت بعد ذلك لذكور بنيهم دون بناتهم .

قال ابن إسحاق : والحامي : الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر ، حمي ظهره فلم يركب ، ولم يجز وبره ، وخلي في إبله يضرب فيها ، لا ينتفع منه بغير ذلك .

3 ابن هشام يخالف ابن إسحاق

قال ابن هشام : وهذا كله عند العرب على غير هذا إلا الحامي ، فإنه عندهم على ما قال ابن إسحاق . فالبحيرة عندهم : الناقة تشق إذنها فلا يركب ظهرها ، ولا يجز وبرها ، ولا يشرب لبنها إلا ضيف . أو يُتصدق به ، وتهُمل لآلهتهم .

والسائبة : التي ينذر الرجل أن يُسيبها إن برىء من مرضه ، أو إن أصاب أمرا يطلبه . فإذا كان أساب ناقة من إبله أو جملا لبعض آلهتهم ، فسابت فرعت لا (1 215) يُنتفع بها .

والوصيلة : التي تلد أمها اثنين في كل بطن ، فيجعل صاحبهما لآلهته الإناث منها ولنفسه الذكور منها ، فتلدها أمها ومعها ذكر في بطن ، فيقولون : وصلت أخاها . فيسيب أخوها معها فلا ينتفع به .

قال ابن هشام : حدثني به يونس بن حبيب النحوي وغيره ، وروى بعض ما لم يرو بعض :

قال ابن إسحاق : فلما بعث الله تبارك وتعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنزل عليه : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ، وأكثرهم لا يعقلون ) .

وأنزل الله تعالى : ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا ، وإن يكن ميتة فهم فيها شركاء ، سيجزيهم وصفهم ، إنه حكيم عليم ) .

وأنزل الله تعالى عليه : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) .

وأنزل عليه : ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ، قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ، قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم (1 216) كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا لِيُضل الناس بغير علم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) .

3 البحيرة والسائبة و الوصيلة والحامي لغة

قال ابن هشام :قال الشاعر :

حول الوصائل في شُريف حِقَّة والحاميات ظهورها والسيب

وقال تميم بن أبي بن مقبل أحد بني عامر بن صعصعة :

فيه من الأخرج المرباع قرقرة هدر الديافي وسط الهجمة البحر

وهذا البيت في قصيدة له . وجمع بحيرة : بحائر وبحر . وجمع وصيلة : وصائل ووصل . وجمع سائبة الأكثر : سوائب وسيَّب . وجمع حام الأكثر : حوم . (1 217)

2 عود إلى سياقة النسب

3 نسب خزاعة

قال ابن إسحاق : وخزاعة تقول : نحن بنو عمرو بن عامر ، من اليمن .

قال ابن هشام : وتقول خزاعة : نحن بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ؛ وخندف أمها ، فيما حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم . ويقال خزاعة :بنو حارثة بن عمرو بن عامر ، وإنما سميت خزاعة لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر ، حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام ، فنزلوا بمر الظهران فأقاموا بها .

قال عون بن أيوب الأنصاري أحد بني عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة من الخزرج في الإسلام :

فلما هبطنا بطن مر تخزعت خزاعة منا في خيول كراكر

حمت كل واد من تهامة واحتمت بصم القنا والمرهفات البواتر

وهذان البيتان في قصيدة له .

وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الأنصاري ، أحد بني حارثة بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس . (1 218)

فلما هبطنا بطن مكة أحمدت خزاعة دار الآكل المتحامل

فحلت أكاريسا وشتت قنابلا على كل حي بين نجد وساحل

نفوا جرهما عن بطن مكة واحتبوا بعز خزاعي شديد الكواهل

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له ، وأنا إن شاء الله أذكر نفيها جرهما في موضعه .

3 أولاد مدركة وخزيمة

قال ابن إسحاق : فولد مدركة بن إلياس رجلين : خزيمة بن مدركة ، وهُذيل بن مدركة ؛ وأمهما امرأة من قضاعة . فولد خزيمة بن مدركة أربعة نفر : كنانة بن خزيمة ، وأسد بن خزيمة ، وأسدة بن خزيمة ، والهُون بن خزيمة ، فأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس عيلان بن مضر .

قال ابن هشام : ويقال الهَون بن خزيمة .

3 أولاد كنانة وأمهاتهم

قال ابن إسحاق : فولد كنانة بن خزيمة أربعة نفر : النضر بن كنانة ، ومالك بن كنانة ، وعبد مناة بن كنانة ، وملكان بن كنانة . فأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وسائر بنيه لامرأة أخرى .

قال ابن هشام : أم النضر ومالك وملكان : برة بنت مر ؛ وأم عبد مناة : هالة بنت سويد بن الغطريف من أزد شنوءة . وشنوءة : عبدالله بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نضر بن الأسد بن الغوث ، وإنما سموا شنوءة ، لشنآن كان بينهم . والشنآن : البغض . (1 219)

3 من يطلق عليه لقب قرشي

قال ابن هشام : النضر : قريش ، فمن كان من ولده فهو قرشي ، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي . قال جرير بن عطية أحد بني كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم يمدح هشام بن عبدالملك بن مروان :

فما الأم التي ولدت قريشا بمقرفة النجار ولا عقيم

وما قرم بأنجب من أبيكم وما خال بأكرم من تميم

يعني برة بنت مر أخت تميم بن مر ، أم النضر . وهذان البيتان في قصيدة له .

3 لماذا سميت قريش باسمها

ويقال فهر بن مالك : قريش فمن كان من ولده فهو قرشي ، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي . وإنما سميت قريش قريشا من التقرش ، والتقرش : التجارة والاكتساب . قال رؤبة بن العجاج :

قد كان يغنيهم عن الشغوش والخشل من تساقط القروش

شحم ومحض ليس بالمغشوش

قال ابن هشام : والشغوش : قمح ، يسمى الشغوش . والخشل : رءوس الخلأخيل والأسورة ونحوه . والقروش : التجارة والاكتساب . يقول : قد كان يغنيهم عن هذا شحم ومحض ، والمحض : اللبن الحليب الخالص

(1 220) وهذه الأبيات في أرجوزة له . وقال أبو جلدة اليشكري ، ويشكر بن بكر بن وائل :

إخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من عمرنا وقديم

وهذا البيت في أبيات له .

قال ابن إسحاق : ويقال : إنما سميت قريش قريشا لتجمعها من بعد تفرقها ، ويقال للتجمع : التقرش .

3 أولاد النضر وأمهاتهم

فولد النضر بن كنانة رجلين : مالك بن النضر ، ويخلد بن النضر ؛ فأم مالك : عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان ، ولا أدري أهي أم يخلد أم لا .

قال ابن هشام : والصلت بن النضر - فيما قال أبو عمرو المدني - وأمهم جميعا بنت سعد بن ظرب العداوني . وعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان .

قال كثير بن عبدالرحمن ، وهو كثير عزة أحد بني مليح بن عمرو ، من خزاعة :

أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتي لكل هجان من بني النضر أزهرا

رأيت ثياب العصب مختلط السدى بنا وبهم والحضرمي المخصرا (1 221)

فإن لم تكونوا من بني النضر فاتركوا أراكا بأذناب الفوائج أخضرا

قال : وهذه الأبيات في قصيدة له .

والذين يُعْزَوْن إلى الصلت بن النضر من خزاعة ، بنو مُلَيْح بن عمرو ، رهط كثير عزة .

3 أولاد مالك بن النضر وأمهاتهم

قال ابن إسحاق : فولد مالك بن النضر فهر بن مالك ، وأمه جندلة بنت الحارث بن مُضاض الجرهمي .

قال ابن هشام : وليس بابن مضاض الأكبر .

3 أولاد فهر و أمهاتهم

قال ابن إسحاق : فولد فهر بن مالك أربعة نفر : غالب بن فهر ، ومحارب بن فهر ، والحارث بن فهر ، وأسد بن فهر ، وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة .

قال ابن هشام : وجندلة بنت فهر ، وهي أم يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وأمها ليلى بنت سعد . قال جرير بن عطية بن الخطفي - واسم الخطفي حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة - :

وإذا غضبت رمى ورائي بالحصى أبناء جندلة كخير الجندل

وهذا البيت في قصيدة له .

3 أولاد غالب وأمهاتهم

قال ابن إسحاق : فولد غالب بن فهر (1 222) رجلين : لؤي بن غالب ، وتيم بن غالب ؛ وأمهما سلمى بنت عمرو الخزاعي . وتيم بن غالب : الذين يقال لهم بنو الأدرم .

قال ابن هشام : وقيس بن غالب ، وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعي ، وهي أم لؤي وتيم ابني غالب .

3 أولاد لؤي وأمهاتهم

قال ابن إسحاق : فولد لؤي بن غالب أربعة نفر : كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي ، وسامة بن لؤي ، وعوف بن لؤي ؛ فأم كعب وعامر وسامة : ماوية بنت كعب بن القين بن جسر ، من قضاعة .

قال ابن هشام : ويقال : والحارث بن لؤي : وهم جشم بن الحارث ، في هزان من ربيعة .

قال جرير : (1 223)

بني جشم لستم لهزان فانتموا لأعلى الروابي من لؤي بن غالب

ولا تنكحوا في آل ضور نساءكم ولا في شكيس بئس مثوى الغرائب

وسعد بن لؤي ، وهم بنانة : في شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، من ربيعة .

وبنانة : حاضنة لهم من بني القين بن جسر بن شيع الله ، ويقال سيع الله ، ابن الأسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة . ويقال : بنت النمر بن قاسط ، من ربيعة . ويقال : بنت جرم بن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .

وخزيمة بن لؤي بن غالب ، وهم عائذة في شيبان بن ثعلبة . وعائذة : امرأة من اليمن ، وهي أم بني عبيد بن خزيمة بن لؤي .

وأم بني لؤي كلهم إلا عامر بن لؤي : ماوية بنت كعب بن القين بن جسر . وأم عامر بن لؤي : مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر ؛ ويقال : ليلى بنت شيبان بن محارب بن فهر . (1 224)

2 أمر سامة بن لؤي

3 هروبه من أخيه وموته

قال ابن إسحاق : فأما سامة بن لؤي فخرج إلى عمان ، وكان بها . ويزعمون أن عامر بن لؤي أخرجه ، وذلك أنه كان بينهما شيء ففقأ سامة عين عامر ، فأخافه عامر ، فخرج إلى عمان .

فيزعمون أن سامة بن لؤي بينا هو يسير على ناقته ، إذ وضعت رأسها ترتع ، فأخذت حية بمشفرها فهصرتها حتى وقعت الناقة لشقها ، ثم نهشت سامة فقتلته . فقال سامة حين أحس بالموت فيما يزعمون :

عين فابكي لسامة بن لؤي علقت ساق سامة العلاقه

لا أرى مثل سامة بن لؤي يوم حلوا به قتيلا لناقه

بلغا عامرا وكعبا رسولا أن نفسي إليهما مشتاقه

إن تكن في عمان داري فإني غالبي ، خرجت من غير فاقه

رب كأس هرقت يا ابن لؤي حذر الموت لم تكن مهراقه

رمت دفع الحتوف يا ابن لؤي ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه (1 225)

وخروس السرى تركت رديا بعد جد وجدة ورشاقه

قال ابن هشام : وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى سامة بن لؤي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آلشاعر ؟ فقال له بعض أصحابه : كأنك يا رسول الله أردت قوله :

رب كأس هرقت يا ابن لؤي حذر الموت لم تكن مهراقه

قال : أجل .

2 أمر عوف بن لؤي ونقلته

3 سبب انتمائه إلى غطفان

قال ابن إسحاق : وأما عوف بن لؤي فإنه خرج - فيما يزعمون - في ركب من قريش ، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ، أُبطىء به ، فانطلق من كان معه من قومه ، فأتاه ثعلبة بن سعد ، وهو أخوه في نسب بني ذبيان - ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان . وعوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان - فحبسه . وزوجه والتاطه وأخاه . فشاع نسبه في بن ذبيان . وثعلبة - فيما يزعمون - الذي يقول لعوف حين أبطىء به فتركه قومه : (1 226)

احبس علي ابن لؤي جملكْ تركك القوم ولا منزل لكْ

3 مكانة مرة

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، أو محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين :

أن عمر بن الخطاب قال : لو كنت مدعيا حيا من العرب ، أو ملحقهم بنا لادعيت بني مرة بن عوف ، إنا لنعرف فيهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع ، يعني عوف بن لؤي .

3 نسب مرة

قال ابن إسحاق : فهو في نسب غطفان : مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان . وهم يقولون إذا ذكر لهم هذا النسب : ما ننكره وما نجحده ، وإنه لأحب النسب إلينا .

وقال الحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع - قال ابن هشام : أحد بني مرة بن عوف - حين هرب من النعمان بن المنذر فلحق بقريش :

فما قومي بثعلبة بن سعد ولا بفزراة الشعر الرقابا

وقومي ، إن سألت ، بنو لؤي بمكة علموا مضر الضرابا

سفهنا باتباع بني بغيض وترك الأقربين لنا انتسابا

سفاهة مخلف لما تروى هراق الماء واتبع السرابا

فلو طووعت عمرك كنت فيهم وما ألفيت أنتجع السحابا

وخش رواحة القرشي رحلي بناجية ولم يطلب ثوابا (1 227)

قال ابن هشام : هذا ما أنشدني أبو عبيد منها .

قال ابن إسحاق : فقال الحصين بن الحمام المري ، ثم أحد بني سهم بن مرة ، يرد على الحارث بن ظالم ، وينتمي إلى غطفان :

ألا لستم منا ولسنا إليكم برئنا إليكم من لؤي بن غالب

أقمنا على عز الحجاز وأنتم بمعتلج البطحاء بين الأخاشب

يعني قريشا . ثم ندم الحصين على ما قال ، وعرف ما قال الحارث بن ظالم فانتمى إلى قريش وأكذب نفسه ، فقال :

ندمت على قول مضى كنت قلته تبينت فيه أنه قول كاذب

فليت لساني كان نصفين منهما بكيم ونصف عند مجرى الكواكب

أبونا كناني بمكة قبره بمعتلج البطحاء بين الأخاشب

لنا الربع من بيت الحرام وراثة وربع البطاح عند دار ابن حاطب

أي أن بني لؤي كانوا أربعة : كعبا ، وعامرا ،وسامة ،وعوفا .

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم :

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجال من بني مرة : إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا اليه .

3 أشراف مرة

قال ابن إسحاق : وكان القوم أشرافا في غطفان ، (1 228) هم سادتهم وقادتهم . منهم : هرم بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة ، وخارجة بن سنان بن أبي حارثة ، والحارث بن عوف ، والحصين بن الحمام ، وهاشم بن حرملة الذي يقول له القائل :

أحيا أباه هاشم بن حرملهْ يوم الهباآت ويوم اليعملهْ

ترى الملوك عنده مغربله يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له

3 هاشم بن حرملة ، و عامر الخصفي

قال ابن هشام : أنشدني أبو عبيدة هذه الأبيات لعامر الخصفي ، خصفة بن قيس بن عيلان :

أحيا أباه هاشم بن حرمله يوم الهباآت ويوم اليعمله

ترى الملوك عنده مغربله يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له

ورمحه للوالدات مثكلهْ

قال ابن هشام : وحدثني أن هاشما قال لعامر : قل في بيتا جيدا (1 229) أثبك عليه ؛ فقال عامر البيت الأول ، فلم يعجب هاشما : ثم قال الثاني ، فلم يعجبه ،؛ ثم قال الثالث ، فلم يعجبه ؛ فلما قال الرابع :

يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له

أعجبه ، فأثابه عليه .

قال ابن هشام : وذلك الذي أراد الكميت بن زيد في قوله :

وهاشم مرة المفني ملوكا بلا ذنب إليه ومذنبينا

وهذا البيت في قصيدة له . وقول عامر يوم الهباآت عن غير أبي عبيدة .

3 مرة و البسل

قال ابن إسحاق : قوم لهم صيت وذكر في غطفان وقيس كلها ، فأقاموا على نسبهم ، وفيهم كان البَسْل .

2 أمر البسل

3 تعريف البسل

والبسل - فيما يزعمون - نسيئهم ثمانية أشهر حرم ، لهم من كل سنة من بين العرب قد عرفت ذلك لهم العرب لا ينكرونه ولا يدفعونه ، يسيرون به إلى أي بلاد العرب شاءوا ، لا يخافون (1 230) منهم شيئا .

قال زهير بن أبي سلمى ، يعني بني مرة :

3 نسب زهير بن أبي سلمى

- قال ابن هشام : زهير أحد بني مزينة بن أد بن طابخة بن اليا س بن مضر ، ويقال زهير بن أبي سلمى من غطفان ، ويقال : حليف في غطفان -

تأمل فإن تقو المروراة منهم وداراتها لا تقو منهم إذا نخل

بلاد بها نادمتهم وألفتهم فإن تقويا منهم فإنهم بسل

أي حرام ، يقول : ساروا في حرمهم .

قال ابن هشام : وهذان البيتان في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : وقال أعشى بن قيس بن ثعلبة :

أجارتكم بسل علينا محرم وجارتنا حل لكم وحليلها

قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له .

3 أولاد كعب وأمهم

قال ابن إسحاق : فولد كعب بن لؤي ثلاثة نفر : مرة بن كعب ، وعدي بن كعب ، وهصيص بن كعب . وأمهم وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر . (1 231)

3 أولاد مرة وأمهاتهم

فولد مرة بن كعب ثلاثة نفر : كلاب بن مرة ، وتيم بن مرة ، ويقظة بن مرة .

فأم كلاب : هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة . وأم يقظة : البارقية ، امرأة من بارق ، من الأسد من اليمن . ويقال : هي أم تيم . ويقال : تيم لهند بنت سرير أم كلاب .

3 نسب بارق

قال ابن هشام : بارق : بنو عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة ابن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ، وهم في شنوءة . قال الكميت بن زيد :

وأزد شتوءة اندرءوا علينا بجم يحسبون لها قرونا

فما قلنا لبارق قد أسأتم وما قلنا لبارق أعتبونا

قال : وهذان البيتان في قصيدة له . وإنما سموا ببارق ، لأنهم تبعوا البرق .

3 ولدا كلاب وأمهما

قال ابن إسحاق : فولدكلاب بن مرة رجلين : قصي بن كلاب ، وزهرة بن كلاب . وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل أحد بنى الجدرة ، من جعثمة الأزد ، من اليمن ، حلفاء في بنى (1 232) الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة .

3 نسب جعثمة

قال ابن هشام : ويقال : جعثمة الأسد ،وجعثمة الأزد ؛ وهو جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأسد بن الغوث ، ويقال : جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن نصر بن زهران بن الأسد بن الغوث .

وإنما سموا الجدرة ، لأن عامر بن عمرو بن جعثمة تزوج بنت الحارث بن مضاض الجرهمي ، وكانت جرهم أصحاب الكعبة . فبنى للكعبة جدارا ، فسمى عامر بذلك الجادر ؛ فقيل لولده : الجدرة لذلك .

قال ابن إسحاق : ولسعد بن سَيَل يقول الشاعر :

ما نرى في الناس شخصا واحدا من علمناه كسعد بن سيلْ (1 233)

فارسا أضبط فيه عسرة وإذا ما واقف القرن نزل

فارسا يستدرج الخيل كما استدرج الحر القطامي الحجل

قال ابن إسحاق : قوله : ( كما استدرج الحر ) عن بعض أهل العلم بالشعر .

3 نعم بنت كلاب وأمها ووالداها

قال ابن هشام : ونعم بنت كلاب ، وهي أم سعد وسُعيد ابني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ، وأمها فاطمة بنت سعد بن سيل .

3 أولاد قصي وأمهم

قال ابن إسحاق : فولد قصي بن كلاب أربعة نفر وامرأتين : عبد مناف بن قصي ، وعبدالدار بن قصي ، وعبدالعزى بن قصي ، وعبد قصي بن قصي ، وتخمر بنت قصي ، وبرة بنت قصي ، وأمهم : حُبيّ بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي .

قال ابن هشام : ويقال : حبشية بن سلول .

3 أولاد عبد مناف وأمهاتهم

قال ابن إسحاق : فولد عبد مناف - واسمه المغيرة بن قصي - أربعة نفر : هاشم بن عبد مناف ، (1 234) وعبد شمس بن عبد مناف ، والمطلب بن عبد مناف ، وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة ، ونوفل بن عبد مناف ، وأمه واقدة بنت عمرو المازنية ، مازن بن منصور بن عكرمة .

3 نسب عتبة بن غزوان

قال ابن هشام : فبهذا النسب خالفهم عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب ابن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة .

3 عود إلى أولاد عبد مناف

قال ابن هشام : وأبو عمرو ، وتماضر ، وقلابة ، وحية ، وريطة ، وأم الأخثم ، وأم سفيان : بنو عبد مناف .

فأم أبي عمرو : ريطة ، امرأة من ثقيف ؛ وأم سائر النساء : عاتكة بنت مرة بن هلال ، أم هاشم بن عبد مناف ؛ وأمها صفية بنت حوزة بن عمرو بن سلول بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ؛ وأم صفية : بنت عائذ الله بن سعد العشيرة بن مذحج .

3 أولاد هاشم وأمهاتهم

قال ابن هشام : فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر ، وخمسة نسوة : عبدالمطلب بن هاشم ، وأسد بن (1 235) هاشم ، وأبا صيفي بن هاشم ، ونضلة بن هاشم ، والشفاء ، وخالدة ، وضعيفة ، ورقية ، وحية . فأم عبدالمطلب ورقية : سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار . واسم النجار : تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر .

وأمها : عميرة بنت صخر بن حبيب بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار . وأم عميرة : سلمى بنت عبدالأشهل النجارية .

وأم أسد : قيلة بنت عامر بن مالك الخزاعي .

وأم أبي صيفي وحية : هند بنت عمرو بن ثعلبة الخزرجية .

وأم نضلة والشفاء : امرأة من قضاعة .

وأم خالدة وضعيفة : واقدة بنت أبي عدي المازنية . (1 236)

2 أولاد عبدالمطلب بن هاشم

3 أولاد عبدالمطلب وامهاتهم

قال ابن هشام : فولد عبدالمطلب بن هاشم عشرة نفر وست نسوة : العباس ، وحمزة ، وعبدالله ، وأبا طالب - واسمه عبد مناف - والزبير ، والحارث ، وحجلا ، والمقوم ، وضرارا ، وأبا لهب - واسمه عبدالعزى - وصفية ، وأم حكيم البيضاء ، وعاتكة ، وأميمة ، وأروى ، و برة . (1 237)

فأم العباس وضرار : نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر - وهو الضحيان - بن سعد بن الخزرج بن تيم اللات بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار . ويقال : أفصى بن دعمي بن جديلة .

وأم حمزة والمقوم وحجل ، وكان يلقب بالغيداق لكثرة خيره ، وسعة ماله ، وصفية : هالة بنت وهيب بن عبد مناة بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي .

وأم عبدالله ، وأبي طالب ، والزبير ، وجميع النساء غير صفية : فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

وأمها : صخرة بنت عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

وأم صخرة : تخمر بنت عبد بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

وأم الحارث بن عبدالمطلب : سمراء بنت جندب بن جحير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة .

وأم أبي لهب : لُبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي .

3 أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهاتها

قال ابن هشام : فولد عبدالله بن عبدالمطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم ، محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ، صلوات الله وسلامة ورحمته وبركاته عليه وعلى آله . (1 238)

وأمه : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

وأمها : برة بنت عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

وأم برة : أم حبيب بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

وأم أم حبيب : برة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

قال ابن هشام : فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف ولد آدم حسبا ، وأفضلهم نسبا من قبل أبيه وأمه صلى الله عليه وسلم . (1 239)

2 حديث مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

3 احتفار زمزم

قال : حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام قال : وكان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثنا به زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي : بينما عبدالمطلب بن هاشم نائم في الحجر ، إذ أتي فأمر بحفر زمزم ، وهي دفن بين صنمي قريش : إساف ونائلة ، عند منحر قريش . وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة ، وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، التي سقاه الله حين ظمىء وهو صغير ، فالتمست له أمه ماء فلم تجده ، فقامت إلى الصفا تدعو الله وتستغيثه لإسماعيل ، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك .

وبعث الله تعالى جبريل عليه السلام ، فهمز له بعقبه في الأرض ، فظهر الماء ، وسمعت أمه أصوات السباع فخافتها عليه ، فجاءت تشتد نحوه ، فوجدته يفحص بيده عن الماء من تحت خده ويشرب ، فجعلته حِسْيا . (1 240)

2 أمر جرهم ودفن زمزم

3 ولاة البيت من ولد إسماعيل

قال ابن هشام : وكان من حديث جرهم ، ودفنها زمزم ، وخروجها من مكة ، ومن ولي أمر مكة بعدها إلى أن حفر عبدالمطلب زمزم ، ما حدثنا به زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال :

لما توفي إسماعيل بن إبراهيم ولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله أن يليه ، ثم ولي البيت بعده مُضاض بن عمرو الجرهمي .

قال ابن هشام : ويقال : مِضاض بن عمرو الجرهمي .

3 بغي جرهم و قطوراء ، و ما كان بينهما

قال ابن إسحاق : وبنو إسماعيل وبنو نابت مع جدهم مضاض بن عمرو وأخوالهم من جرهم . وجرهم وقطوراء يومئذ أهل مكة ، وهما ابنا عم ، وكانا ظعنا من اليمن ، فأقبلا سيارة ، وعلى جرهم مضاض بن عمرو ، وعلى قطوراء السميدع ، (1 241) رجل منهم . وكانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجوا إلا ولهم ملك يقيم أمرهم .

فلما نزلا مكة رأيا بلدا ذا ماء وشجر ، فأعجبهما فنزلا به . فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم بأعلى مكة بقعيقعان فما حاز . ونزل السميدع بقطوراء ، أسفل مكة بأجياد فما حاز . فكان مضاض يعشر من دخل مكة من أعلاها ، وكان السميدع يعشر من دخل مكة من أسفلها ، وكل في قومه لا يدخل واحد منهما على صاحبه . ثم إن جرهم وقطوراء ، بغى بعضهم على بعض ، وتنافسوا الملك بها ، ومع مضاض يومئذ بنو إسماعيل وبنو نابت ، وإليه ولاية البيت دون السميدع ، فصار بعضهم إلى بعض ، فخرج مضاض بن عمرو بن قعيقعان في كتيبته سائرا إلى السميدع ، ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب ، يُقعقع بذلك معه ، فيقال : ما سمي قُعَيْقعان بقعيقعان إلا لذلك .

وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال ، فيقال : ما سمي أجياد أجيادا إلا لخروج الجياد من الخيل مع السميدع منه . فالتقوا بفاضح ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فقُتل السميدع ، وفضحت قطوراء . فيقال : (1 242) ما سمي فاضح فاضحا إلا لذلك .

ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح ، فساورا حتى نزلوا المطابخ : شعبا بأعلى مكة ، واصطلحوا به ، وأسلموا الأمر إلى مضاض . فلما جمع إليه أمر مكة فصار ملكها له ، نحر للناس فأطعمهم ، فاطَّبخ الناس وأكلوا ، فيقال : ما سميت المطابخ المطابخ إلا لذلك . وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت المطابخ ، لما كان تُبَّع نحر بها وأطعم ، وكان منزله . فكان الذي كان بين مضاض والسميدع أول بغي كان بمكة فيما يزعمون .

3 انتشار ولد إسماعيل و جرهم بمكة

ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة ، وأخوالهم من جرهم ، ولاة البيت والحكام بمكة ، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم وقرابتهم ، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال . فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد ، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم . (1 243)

2 استيلاء قوم كنانة و خزاعة على البيت و بغي جرهم ونفيهم عن مكة

3 بنو بكر وغبشان يطردون جرهما

ثم إن جرهما بغوا بمكة ، واستحلوا خلالا من الحرمة ، فظلموا من دخلها من غير أهلها ، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها ، وفرق أمرهم . فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وغبشان من خزاعة ذلك ، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة . فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا ، فغلبتهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة .

وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا ، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته ، فكانت تسمى الناسَّة ، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه ، فقال : إنها ما سميت ببكة إلا أنها كانت تبكّ أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا .

3 معنى بكة لغة

قال ابن هشام : أخبرني أبو عبيدة : أن بكة اسم لبطن مكة ، لأنهم يتباكون فيها ، أي يزدحمون . وأنشدني :

إذا الشريب أخذته أكَّه فخله حتى يبكّ بكَّه (1 244)

أي فدعه حتى يبك إبله ، أي يخليها إلى الماء فتزدحم عليه . وهو موضع البيت والمسجد . وهذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم .

قال ابن إسحاق : فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن ، فدفنها في زمزم ، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن ، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا . فقال عمرو بن الحارث بن عمرو بن مضاض في ذلك ، وليس بمضاض الأكبر :

وقائلة والدمع سكب مبادر وقد شرقت بالدمع منها المحاجر

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر

فقلت لها والقلب مني كأنما يلجلجه بن الجناحين طائر

بلى نحن كنا أهلها فأزالنا صروف الليالي والجدود العواثر

وكنا ولاة البيت من بعد نابت نطوف بذاك البيت والخير ظاهر

ونحن ولينا البيت من بعد نابت بعز فما يحظى لدينا المكاثر

ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا فليس لحي غيرنا ثم فاخر

ألم تنكحوا من خير شخص علمته فأبناؤه منا ونحن الأصاهر

فإن تنثن الدنيا علينا بحالها فإن لها حالا وفيها التشاجر

فأخرجنا منها المليك بقدرة كذلك يا للناس تجري المقادر (1 245)

أقول إذا نام الخلي ولم أنم أذا العرش : لا يبعد سهيل وعامر

وبدلت منها أوجها لا أحبها قبائل منها حمير ويحابر

وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة بذلك عضتنا السنون الغوابر

فسحت دموع العين تبكي لبلدة بها حرم أمن وفيها المشاعر

وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه يظل به أمنا وفيه العصافر

وفيه وحوش لا ترام أنيسة إذا خرجت منه فليست تغادر

قال ابن هشام : ( فأبناؤه منا ) ، عن غير ابن إسحاق .

قال ابن إسحاق : وقال عمرو بن الحارث أيضا يذكر بكرا وغبشان ، وساكني مكة الذين خلفوا فيها بعدهم :

يا أيها الناس سيروا إن قصركم أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

حثوا المطي وأرخوا من أزمتها قبل الممات وقضوا ما تقضونا

كنا أناسا كما كنتم فغيرنا دهر فأنتم كما كنا تكونونا

قال ابن هشام : هذا ما يصح له منها . وحدثني بعض أهل العلم (1 246) بالشعر : أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب ، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ، ولم يسم لي قائلها . (1 247)

2 استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت

قال ابن إسحاق : ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة ، وكان الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني ، وقريش إذ ذاك حلول وصرم ، وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة ، فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر ، حتى كان آخرهم حليل بن حَبَشِيّة بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي .

قال ابن هشام : يقال حُبْشِية بن سلول .

2 تزوج قصي بن كلاب حُبىَّ بنت حليل

3 أولاد قصي وحبي

قال ابن إسحاق : ثم إن قصي بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبى ، فرغب فيه حُليل فزوجه ، فولدت له عبدالدار ، وعبد مناف ، وعبدالعزى ، وعبدا . فلما انتشر ولد قصي ، وكثر ماله ، وعظم شرفه ، هلك حليل . (1 248)

3 مساعدة رزاح لقصي في تولي أمر البيت

فرأى قصي أنه أولى بالكعبة ، وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر ، وأن قريشا قُرعة إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده ؛ فكلم رجالا من قريش ، وبني كنانة ، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة ، فأجابوه .

وكان ربيعة بن حرام من عذرة بن سعد بن زيد قد قدم مكة بعدما هلك كلاب ، فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل ، وزهرة يومئذ رجل ، وقصي فطيم ، فاحتملها إلى بلاده ، فحملت قصيا معها ، وأقام زهرة ، فولدت لربيعة رزاحا . فلما بلغ (1 249) قصي وصار رجلا أتى مكة ، فأقام بها ، فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه ، كتب إلى أخيه من أمه ، رزاح بن ربيعة ، يدعوه إلى نصرته ، والقيام معه .

فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته : حن بن ربيعة ، ومحمود بن ربيعة ، وجلهمة بن ربيعة ، وهم لغير أمه فاطمة ، فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب ، وهم مجمعون لنصرة قصي .

وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر . وقال : أنت أولى بالكعبة ، وبالقيام عليها ، وبأمر مكة من خزاعة ؛ فعند ذلك طلب قصي ما طلب . ولم نسمع ذلك من غيرهم ، فالله أعلم أي ذلك كان .

2 ما كان يليه الغوث بن مر من الإجازة للناس بالحج

وكان الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة ، وولده من بعده ؛ وكان يقال له ولولده صُوفة . (1 250)

وإنما ولي ذلك الغوث بن مر ، لأن أمه كانت امرأة من جرهم ، وكانت لا تلد ، فنذرت لله إن هي ولدت رجلا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ، ويقوم عليها . فولدت الغوث ، فكان يقوم على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جرهم ، فولي الإجازة بالناس من عرفة ، لمكانه الذي كان به من الكعبة ، وولده من بعده حتى انقرضوا .

فقال مر بن أد لوفاء نذر أمه :

إني جعلت رب من بَنيَّه ربيطة بمكة العليَّه

فباركن لي بها أليَّه واجعله لي من صالح البريَّه

وكان الغوث بن مر - فيما زعموا - إذا دفع بالناس قال :

لاهُمَّ إني تابع تَباعه إن كان إثم فعلى قُضاعه

3 صوفة ورمي بالجمار

قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد قال :

كانت صوفة بالناس من عرفة ، وتجيز بهم إذا نفروا من منى ، فإذا (1 251) كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ، ورجل من صوفة يرمي للناس ، لا يرمون حتى يرمي . فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه ، فيقولون له : قم فارم حتى نرمي معك ؛ فيقول : لا والله ، حتى تميل الشمس . فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجل يرمونه بالحجارة ، ويستعجلونه بذلك ، ويقولون له : ويلك ! قم فارم ؛ فيأبى عليهم . حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه .

3 تولي بني سعد أمر البيت بعد صوفة

قال ابن إسحاق : فإذا فرغوا من رمي الجمار وأرادوا النفر من منى ، أخذت صوفة بجانبي العقبة ، فحبسوا الناس وقالوا : أجيزي صوفة ، فلم يجز أحد من الناس حتى يمروا ، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فكانوا كذلك حتى انقرضوا ، فورثهم ذلك من بعدهم بالقُعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم ، وكانت من بني سعد في آل صفوان بن الحارث بن شجنة .

3 نسب صفوان بن جناب

قال ابن هشام : صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .

3 صفوان وبنوه وإجازتهم للناس بالحج

قال ابن إسحاق : وكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة ، ثم بنوه من بعده ، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام ، كرب بن صفوان ، وقال أوس ابن تميم بن مغراء السعدي :

لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم حتى يقال أجيزوا آل صفوانا

قال ابن هشام : هذا البيت في قصيدة لأوس بن مغراء . (1 252)

2 ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة

3 ذو الإصبع يذكر هذه الإفاضة

وأما قول ذي الإصبع العدواني ، واسمه حرثان ( من عدوان ) ابن عمرو ؛ وإنما سمي ذا الإصبع لأنه كان له إصبع فقطعها :

عذير الحي من عدوا ن كانوا حية الأرضِ

بغي بعضهم ظلما فلم يرع على بعض

ومنهم كانت السادا ت والموفون بالقرض

ومنهم من يجيز النا س بالسنة والفرض

ومنهم حكم يقضي فلا ينقض ما يقضي

3 أبو سيارة يفيض بالناس

- وهذه الأبيات في قصيدة له - فلأن الإفاضة من المزدلفة كانت في عداون - فيما حدثني زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق - يتوارثون ذلك كابرا عن كابر . حتى (1 253) كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو سيارة ، عميلة بن الأعزل .

ففيه يقول شاعر من العرب :

نحن دفعنا عن أبي سيارهْ وعن مواليه بني فزاره

حتى أجاز سالما حماره مستقبل القبلة يدعو جاره

قال : وكان أبو سيارة يدفع بالناس على أتان له ، فلذلك يقول : ( سالما حماره ) .

2 أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان

3 ابن الظرب حاكم العرب

قال ابن إسحاق : وقوله ( حكم يقضي ) يعني عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان (1 254) العدواني . وكانت العرب لا يكون بينها نائرة ولا عضلة في قضاء إلا أسندوا ذلك إليه ثم رضوا بما قضى فيه .

فاختصم إليه في بعض ما كانوا يختلفون فيه ، في رجل خنثى ، له ما للرجل وله ما للمرأة ، فقالوا : أتجعله رجلا أو امرأة ؟ ولم يأتوه بأمر كان أعضل منه . فقال : حتى أنظر في أمركم ، فوالله ما نزل بي مثل هذه منكم يا معشر العرب ! فاستأخروا عنه .

فبات ليلته ساهرا ، يقلب أمره ، وينظر في شأنه ، لا يتوجه له منه وجه . وكانت له جارية يقال لها سخيلة ترعى عليه غنمه ، وكان يعاتبها إذا سرحت فيقول : صبحت والله يا سخيل ! وإذا أراحت عليه قال : مسيت والله يا سخيل ! وذلك أنها كانت تؤخر السرح حتى يسبقها بعض الناس ، وتؤخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس .

فلما رأت سهره وقلة قراره على فراشه قالت : ما لك لا أبا لك ! ما عراك في ليلتك هذه ؟ قال : ويلك ! دعيني ، أمر ليس من شأنك ؛ ثم عادت له بمثل قولها .

فقال في نفسه : عسى أن تأتي مما أنا فيه بفرج ؛ فقال : ويحك ! اختصم إلي في ميراث خنثى ، أأجلعه رجلا أو امرأة ؟ فوالله ما أدرى ما أصنع ، وما يتوجه لي فيه وجه . قال : فقالت : سبحان الله ! لا أبا لك ! أتبع القضاء المبال ، أقعده ، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل ، وإن بال من حيث تبول المرأة ، فهي امرأة . قال : مسِّي سخيل بعدها أو صبِّحي ، فرجتها والله . ثم خرج على الناس حين أصبح ، فقضى بالذي أشارت عليه به . (1 255)

2 غلب قصي بن كلاب على أمر مكة وجمعه أمر قريش ومعونة قضاعة له

3 قصي يتغلب على صوفة

قال ابن إسحاق : فلما كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل ، وقد عرفت ذلك لها العرب ، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم . فأتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة ، فقال : لنحن أولى بهذا منكم ، فقاتلوه ، فاقتتل الناس قتالا شديدا ، ثم انهزمت صوفة ، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك .

3 قصي يقاتل خزاعة وبني بكر و تحكيم يعمر بن عوف

وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي ، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة ، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة . فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم ، و ثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة .

وخرجت له خزاعة وبنو بكر فالتقوا ، فاقتتلوا قتالا شديدا بالأبطح ، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا ، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب ، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ؛ فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة ، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر ، موضوع يشدخه تحت قدميه ، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة ، وأن يخلَّى بين قصي وبين الكعبة ومكة . (1 256)

3 سبب تسمية يعمر بالشداخ

فسمي يعمر بن عوف يومئذ : الشداخ ، لما شدخ من الدماء ووضع منها . قال ابن هشام : و يقال : الشُّداخ .

3 قصي يتولى أمر مكة ، و سبب تسميته مجمعا

قال ابن إسحاق : فولى قصي البيت وأمر مكة ، وجمع قومه في منازلهم إلى مكة ، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه . إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه ، وذلك أنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره .

فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه ، حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله . فكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه ، فكانت إليه الحجابة ،والسقاية ،والرفادة ، والندوة ، واللواء ، فحاز شرف مكة كله . (1 257) وقطع مكة رباعا بين قومه ، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها ، ويزعم الناس أن قريشا هابوا قطع شجر الحرم في منازلهم فقطعها قصي بيده وأعوانه ، فسمته قريش مجمعا لما جمع من أمرها ،ة وتيمنت بأمره ، فما تنكح امرأة ، ولا يتزوج رجل من قريش ، وما يتشاورون في أمر نزل بهم ، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره ، يعقده لهم بعض ولده ، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره ، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه ، ثم ينطلق بها إلى أهلها .

فكان أمره في قومه من قريش في حياته ، ومن بعد موته ، كالدين المتبع لا يعمل بغيره . واتخذ لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ، ففيها كانت قريش تقضي أمورها .

قال ابن هشام : وقال الشاعر :

قصي لعمري كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالملك بن راشد عن أبيه قال : سمعت السائب بن خبَّاب صاحب المقصورة يحدث ، أنه سمع رجلا (1 258) يحدث عمر بن الخطاب ، وهو خليفة ، حديث قصي بن كلاب ، وما جمع من أمر قومه ، وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة ، وولايته البيت وأمر مكة ، فلم يرد ذلك عليه ولم ينكره .

3 شعر رزاح بن ربيعة في هذه القصة

قال ابن إسحاق : فلما فرغ قصي من حربه، انصرف أخوه رزاح بن ربيعة إلى بلاده بمن معه من قومه ، وقال رزاح في إجابته قصيا :

لما أتى من قصي رسول فقال الرسول أجيبوا الخليلا

نهضنا إليه نقود الجياد ونطرح عنا الملول الثقيلا

نسير بها الليل حتى الصباح ونكمي النهار لئلا تزولا

فهن سراع كورد القطا يجبن بنا من قصي رسولا

جمعنا من السر من أشمذين ومن كل حي جمعنا قبيلا

فيا لك حلبة ما ليلة تزيد على الألف سيبا رسيلا

فلما مررن على عسجد وأسهلن من مستناخ سبيلا

وجاوزن بالركن من ورقان وجاوزن بالعرج حيا حلولا

مررن على الحلِّ ما ذقنه وعالجن من مر ليلا طويلا (1 259)

ندنى من العوذ أفلاءها إرادة أن يسترقن الصهيلا

فلما انتهينا إلى مكة أبحنا الرجال قبيلا قبيلا

نعاورهم ثم حد السيوف و في كل أوب خلسنا العقولا

نخبزهم بصلاب النسو ر خبز القوي العزيز الذليلا

قتلنا خزاعة في دارها وبكرا قتلنا وجيلا فجيلا

نفيناهم من بلاد المليك كما لا يحلون أرضا سهولا

فأصبح سبيهم في الحديد ومن كل حي شفينا الغليلا

3 شعر ثعلبة القضاعي في هذه القصة

وقال ثعلبة بن عبدالله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم القضاعي في ذلك من أمر قصي حين دعاهم فأجابوه :

جلبنا الخيل مضمرة تغالى من الأعراف أعراف الجناب

إلى غورى تهامة فالتقينا من الفيفاء في قاع يباب

فأما صوفة الخنثى فخلوا منازلهم محاذرة الضراب

وقام بنو علي إذ رأونا إلى الأسياف كالإبل الطراب (1 260)

3 شعر قصي

وقال قصي بن كلاب :

أنا ابن العاصمين بني لؤي بمكة منزلي وبها ربيت

إلى البطحاء قد علمت معد ومروتها رضيت بها رضيت

فلست لغالب إن لم تأثل بها أولاد قيذر والنبيت

رزاخ ناضري وبه أسامى فلست أخاف ضيما ما حييت

3 ما كان بين رزاح و بين نهد و حوتكة ، وشعر قصي في ذلك

فلما استقر رزاح بن ربيعة في بلاده ، نشره الله ونشر حُنَّا ، فهما قبيلا عذرة اليوم . وقد كان بين رزاح بن ربيعة ، حين قدم بلاده ، وبين نهد ابن زيد وحوتكة بن أسلم ، وهما بطنان من قضاعة ، شيء ؛ فأخافهم حتى لحقوا باليمن وأجلوا من بلاد قضاعة ، فهم اليوم باليمن .

فقال قصي بن كلاب ، وكان يحب قضاعة ونماءها واجتماعها ببلادها ، لما بينه وبين رزاح من الرحم ، ولبلائهم عنده إذال أجابوه إذ دعاهم إلى نصرته ، وكره ما صنع بهم رزاح :

ألا من مبلغ عنى رزاحا فإني قد لحيتك في اثنتين

لحيتك في بني نهد بن زيد كما فرقت بينهم وبيني

وحوتكة بن أسلم إن قوما عنوهم بالمساءة قد عنوني

قال ابن هشام : وتروى هذه الأبيات لزهير بن جناب الكلبي . (1 261)

3 قصي يفضل عبدالدار على سائر ولده

قال ابن إسحاق : فلما كبر قصي ورق عظمه ، وكان عبدالدار بكره ، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب ، وعبدالعزى وعبد .

قال قصي لعبدالدار : أما والله يا بني لأُلحْقنَّك بالقوم ، وإن كانوا قد شرفوا عليك : لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له ، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك ، ولا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك ، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك ، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك . فأعطاه داره دار الندوة ، التى لا تقضي قريش أمرا من أمورها إلا فيها ، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة .

3 الرفادة

وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب ، فيصنع به طعاما للحاج ، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد . وذلك أن قصيا فرضه على قريش ، فقال لهم حين أمرهم به : ( يا معشر قريش ، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم ، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته ، وهم أحق الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج ، حتى يصدروا عنكم ففعلوا . فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه ، فيصنعه طعاما للناس أيام منى . فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام ، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا ، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج ) .

قال ابن إسحاق : حدثني بهذا من أمر قصي بن كلاب ، وما قال لعبدالدار فيما دفع إليه مما كان بيده ، أبو إسحاق بن يسار ، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال : سمعته يقول (1 262) ذلك لرجل من بني عبدالدار ، يقال له : نبيه بن وهب بن عمر بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي .

قال الحسن : فيجعل إليه قصي كل ما كان بيده من أمر قومه ، وكان قصي لا يخالف ، ولا يرد عليه شيء صنعه .

2 ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد قصي ، وحلف المطيبين

3 النزاع بين بني عبدالدار وبني أعمامهم

قال ابن إسحاق : ثم إن قصي بن كلاب هلك ، فأقام أمره في قومه وفي غيرهم بنوه من بعده ، فاختطوا مكة رباعا - بعد الذي كان قطع لقومه بها - فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ويبيعونها ؛ فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع ، ثم إن بني عبد مناف بن قصي عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبدالدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبدالدار ، من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم ؛ فتفرقت عند ذلك قريش ، فكانت طائفة مع بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم حق به من بني عبدالدار لمكانهم في قومهم ، وكانت طائفة مع بني عبدالدار ، يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم .

3 من ناصروا بني عبدالدار ، و من ناصروا بني أعمامهم

فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف ، وذلك أنه كان أسن بني عبد مناف ، (1 263) وكان صاحب أمر بني عبدالدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار .

3 حلفاء بني عبدالدار وحلفاء بني أعمامهم

فكان بنو أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ، مع بني عبد مناف .

وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة ، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو عدي بن كعب ، مع بني عبدالدار ، وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر ، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين .

فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ، ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة .

3 من دخلوا في حلف المطيبين

فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا . فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف ، أخرجتها لهم ، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها ، فتعاقدوا وتعهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم ، فسموا المطيبين .

3 من دخلوا في حلف الأحلاف

وتعاقد بنو عبدالدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا ، على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ، فسموا الأحلاف . (1 264)

3 تقسيم القبائل في هذه الحرب

ثم سوند بين القبائل ، ولُزّ بعضها ببعض ؛ فعبيت بنو عبد مناف لبني سهم ، وعبِّيت بنو أسد لبني عبدالدار ، وعبيت زهرة لبني جمح ، وعبيت بنو تيم لبني مخزوم ، وعبيت بنو الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب . ثم قالوا : لتُفن كل قبيلة من أُسند إليها .

3 تصالح القبائل

فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح ، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة ، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبدالدار كما كانت . ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك ، وتحاجز الناس عن الحرب ، وثبت كل قوم مع من حالفوا ، فلم يزالوا على ذلك ، حتى جاء الله تعالى بالإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ) .

2 حلف الفضول

3 سبب تسميته كذلك

قال ابن هشام : وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق قال : تداعت قبائل من قريش إلى حلف ، فاجتمعوا له في دار عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، لشرفه وسنه ، فكان (1 265) حلفهم عنده : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وأسد بن عبدالعزى ، وزهرة بن كلاب ، وتيم بن مرة .
فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه ، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول . (1 266)

3 حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت .

3 الحسين يهدد الوليد بالدعوة إلى إحياء الحلف

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه :

أنه كان بين الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة . فكان الوليد تحامل على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطانه ، فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني (1 267) من حقي أو لآخذن سيفي ، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول .

قال : فقال عبدالله بن الزبير ، وهو عند الوليد حين قال الحسين رضي الله عنه ما قال : وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا .

قال : فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري ، فقال مثل ذلك وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك . فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي .

3 سأل عبدالملك محمد بن جبير عن عبد شمس و بني نوفل و دخولهما في حلف الفضول ، فأخبره بخروج بني عبد شمس وبني نوفل من الحلف

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي الليثي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال :

قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف - وكان محمد بن جبير أعلم قريش - فدخل على عبدالملك بن مروان بن الحكم حين قتل ابن الزبير ، واجتمع الناس على عبدالملك ، فلما دخل عليه قال له : يا أبا سعيد ، ألم نكن نحن وأنتم ، يعني بني عبد شمس بن عبد مناف ، وبني نوفل بن عبد مناف في حلف الفضول ؟ قال : أنت أعلم ؛ قال عبدالملك : لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك ؛ فقال : لا والله ، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ! قال : صدقت .

تم خبر حلف الفضول

3 هاشم يتولى الرفادة والسقاية و ما كان يصنع إذا قدم الحاج

قال ابن إسحاق : فولى الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف ، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة ، وكان مقلا ذا ولد ، وكان هاشم موسرا فكان - فيما يزعمون - إذا حضر الحاج قام في قريش فقال : ( يا معشر قريش ، إنكم جيران الله وأهل بيته ، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته ، وهم ضيف الله ، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه ، فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها ، (1 268) فإنه والله لو كان مالي يسع لذلك ما كلفتكموه ) . فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم ، كل امرئ يقدر ما عنده ، فيصنع به للحجاج طعاما حتى يصدروا منها .

3 أفضال هاشم على قومه

وكان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش : رحلتي الشتاء والصيف . وأول من أطعم الثريد للحجاج بمكة ، وإنما كان اسمه عمرا ؛ فما سمي هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه .

فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب :

عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجافِ

سُنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الإيلاف

قال ابن هشام : أنشدني بعض أهل العلم بالشعر من أهل الحجاز :

قوم بمكة مسنتين عجاف (1 269)

3 المطلب يلي الرفادة والسقاية

قال ابن إسحاق : ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا ، فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف ، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم ، وكان ذا شرف في قومه وفضل ، وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله .

3 زواج هاشم بن عبد مناف

وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار ، وكانت قبله عند أحيحه بن الجلاح بن الحريش .

قال ابن هشام : ويقال : الحريس - ابن جَحْجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس .

فولدت له عمرو بن أحيحة ، وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها ، إذا كرهت رجلا فارقته .

3 ميلاد عبدالمطلب و سبب تسميته باسمه

فولدت لهاشم عبدالمطلب ، فسمته شيبة . فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك ، ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه ؛ فقالت له (1 270) سلمى : لست بمرسلته معك ؛ فقال لها المطلب : إني غير منصرف حتى أخرج به معي ، إن ابن أخي قد بلغ ، وهو غريب في غير قومه ، ونحن أهل بيت شرف في قومنا ، نلي كثير من أمورهم ، وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة في غيرهم ، أو كما قال .

وقال شيبة لعمه المطلب - فيما يزعمون - : لست بمفارقها إلا أن تأذن لي ، فأذنت له ، ودفعته إليه ؛ فاحتمله فدخل به مكة مردفه معه على بعيره ، فقالت قريش : عبدالمطلب ابتاعه ، فبها سمي شيبة عبدالمطلب . فقال المطلب : ويحكم ! إنما هو ابن أخي هاشم ، قدمت به من المدينة .

3 وفاة المطلب و مما قيل فيه من الشعر

ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن ، فقال رجل من العرب يبكيه :

قد ظمئ الحجيج بعد المطلبْ بعد الجفان والشراب المنثغب

ليت قريشا بعده على نصب

3 مطرود يبكي المطلب وبني عبد مناف

وقال مطرود بن كعب الخزاعي ، يبكي المطلب وبني عبد مناف جميعا حين أتاه نعى نوفل بن عبد مناف ، وكان نوفل آخرهم هُلكا :

يا ليلة هيجت ليلاتي إحدى ليالي القسيات

وما أقاسي من هموم وما عالجت من رزء المنيات

إذا تذكرت أخي نوفلا ذكَّرني بالأوليات

ذكرني بالأُزُر الحمر والْ أردية الصفر القشيبات

أربعة كلهمُ سيد أبناء سادات لسادات (1 271)

ميْت بردمان وميت بسلمان وميت عند غزات

وميت أسكن لحدا لدى الْ محجوب شرقي البنيات

أخلصهم عبد مناف فهم من لوم من لام بمنجاة

إن المغيرات وأبناءها من خير أحياء وأموت

3 اسم عبد مناف وترتيب أولاده موتا

وكان اسم عبد مناف المغيرة ، وكان أول بني عبد مناف هلكا هاشم ، بغزة من أرض الشام ، ثم عبد شمس بمكة ؛ ثم المطلب بردمان من أرض اليمن ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق .

3 شعر آخر لمطرود

فقيل لمطرود - فيما يزعمون - : لقد قلت فأحسنت ،ولو كان أفحل مما قلت كان أحسن ؛ فقال : أنظروني ليالي ، فمكث أياما ، ثم قال :

يا عين جودي وأذري الدمع وانهمري وابكي على السر من كعب المغيرات

يا عين واسحنفري بالدمع واحتفلي وابكي خبيئة نفسي في الملمات (1 272)

وابكي على كل فياض أخي ثقة ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات

محض الضريبة عالي الهم مختلق جلد النجيزة ناء بالعظيمات

صعب البديهة لا نكس ولا وكل ماضي العزيمة متلاف الكريمات

صقر توسط من كعب إذا نسبوا بحبوحة المجد والشم الرفيعات

ثم اندبي الفيض والفياض مطلبا واستخرطي بعد فيضات بجمات

أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا يا لهف نفسي عليه بين أموات

وابكي لك الويل ، إما كنت باكية لعبد شمس بشرقي البنيات

وهاشم في ضريح وسط بلقعة تسفي الرياح عليه بين غزات (1 273)

ونوفل كان دون القوم خالصتي أمسى بسلمان في رمس بموماة

لم ألق مثلهم عجما ولا عربا إذا استقلت بهم أدم المطيات

أمست ديارهم منهم معطلة وقد يكونون زينا في السريات

أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم أم كل من عاش أزواد المنيات

أصبحت أرضى من الأقوام بعدهم بسط الوجوه وإلقاء التحيات

يا عين فابكي أبا الشعث الشجيات يبكينه حسرا مثل البليات (1 274)

يبكين أكرم من يمشي على قدم يعولنه بدموع بعد عبرات

يبكين شخصا طويل الباع ذا فجر آبي الهضيمة فراج الجليلات

يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه سمح السجية بسام العشيات

يبكينه مستكينات على حزن يا طول ذلك من حزن وعولات

يبكين لما جلاهن الزمان له خضر الخدود كأمثال الحميات (1 275)

محتزمات على أوساطهن لما جر الزمان من أحداث المصيبات

أبيت ليلي أراعي النجم من ألم أبكي وتبكي معي شجوي بنياتي

ما في القروم لهم عدل ولا خطر ولا لمن تركوا شروى بقبات

أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم خير النفوس لدى جهد الأليات

كم وهبوا من طمر سابح أرن ومن طمرة نهب في طمرات

ومن سيوف من الهندي مخلصة ومن رماح كأشطان الركيات

ومن توابع مما يفضلون بها عند المسائل من بذل العطيات

فلو حسبت وأحصى الحاسبون معي لم أقض أفعالهم تلك الهنيات

هم المدلون إما معشر فخروا عند الفخار بأنساب نقيات

زين البيوت التي خلوا مساكنها فأصبحت منهم وحشا خليات

أقول والعين لا ترقا مدامعها لا يبعد الله أصحاب الرزيات (1 276)

قال ابن هشام : الفجر : العطاء . قال أبو خراش الهذلي :

عجَّف أضيافي جميل بن معمر بذي فجر تأوي إليه الأرامل

قال ابن إسحاق : أبو الشعث الشجيات : هاشم بن عبد مناف .

3 عبدالمطلب يلي السقاة والرفادة

قال : ثم ولي عبدالمطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب ، فأقامها للناس ، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم ، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه ، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم .

2 ذكر حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها

3 سبب حفر زمزم

ثم إن عبدالمطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتي فأمر بحفر زمزم .

قال ابن إسحاق : وكان أول ما ابتدىء به عبدالمطلب من حفرها ، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبدالله اليزني عن عبدالله بن زرير الغافقي : أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبدالمطلب بحفرها ، قال :

قال عبدالمطلب : إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال : احفر طيبة ، قال :قلت : وما طيبة ؟ قال : ثم ذهب عني . فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر برة . قال :فقلت : وما برة ؟ قال : ثم ذهب عني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي (1 277) فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر المضنونة . فقال : فقلت : وما المضنونة ؟ قال : ثم ذهب عني .
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر زمزم . قال : قلت : وما زمزم ؟ قال : لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل . (1 278)

3 قريش تنازع عبدالمطلب في زمزم

قال ابن إسحاق : فلما بين له شأنها ، ودل على موضعها ، وعرف أنه قد صدق ، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبدالمطلب ، ليس له يومئذ ولد غيره ، فحفر فيها . فلما بدا لعبدالمطلب الطي كبر .

3 التحاكم في بئر زمزم

فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا : يا عبدالمطلب ، إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها ؛ قال : ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم ، وأعطيته من بينكم ؛ فقالوا له : فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى (1 279) نخاصمك فيها ؛قال : فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه ؛ قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم ؛ قال : نعم ؛ قال : وكانت بأشراف الشام .

فركب عبدالمطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر . قال : والأرض إذ ذاك مفاوز . قال : فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ، فني ماء عبدالمطلب وأصحابه ، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش ، فأبوا عليهم ، وقالوا : إنا بمفازة ، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم .

فلما رأى عبدالمطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه ، قال : ماذا ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فمرنا بما شئت ؛ قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة ، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه ، حتى يكون آخركم رجلا واحدا ، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا ؛ قالوا : نعم ما أمرت به .

فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ؛ ثم إن عبدالمطلب قال لأصحابه : والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت ، لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا ، لعجز ، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ، ارتحلوا ، فارتحلوا . حتى إذا فرغوا ، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون ، تقدم عبدالمطلب إلى راحلته فركبها .

فلما انبعثت به ، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبر عبدالمطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش ، فقال : هلم إلى الماء ، فقد سقانا الله ، فاشربوا واستقوا . ثم قالوا : قد والله قضى لك علينا يا عبدالمطلب ، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا ، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا . فرجع ورجعوا معه ، ولم يصلوا إلى الكاهنة ، وخلوا بينه وبينها . (1 280)

قال ابن إسحاق : فهذا الذي بلغني من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم ، وقد سمعت من يحدث عن عبدالمطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم :

ثم ادع بالماء الروي غير الكدر يسقي حجيج الله في كل مبرْ

ليس يخاف منه شيء ما عمر

فخرج عبدالمطلب ، حين قيل له ذلك ، إلى قريش ، فقال : تعلموا أني قد أمرت أن أحفر لكم زمزم ؛ فقالوا : فهل بين بي لك أين هي ؟ قال : لا ؛ قالوا : فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت ، فإن يك حقا من الله يبين لك ، وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك . فرجع عبدالمطلب إلى مضجعه فنام فيه ، فأتي فقيل له : احفر زمزم ، إنك إن حفرتها لم تندم ، وهي تراث من أبيك الأعظم ، لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، مثل نعام حافل لم يقسم ، ينذر فيها ناذر لمنعم ، تكون ميراثا وعقدا محكم ، ليست كبعض ما قد تعلم ، وهي بين الفرث والدم . (1 281)

قال ابن هشام : هذا الكلام والكلام الذي قبله ، من حديث علي - رضوان الله عليه - في حفر زمزم من قوله : ( لا تنزف أبدا ولا تذم ) إلى قوله : ( عند قرية النمل ) عندنا سجع وليس شعرا .

قال ابن إسحاق : فزعموا أنه حين قيل له ذلك ، قال : وأين هي ؟ قيل له : عند قرية النمل ، حيث ينقر الغراب غدا . والله أعلم أي ذلك كان .

3 عبدالمطلب يحفر زمزم

فغدا عبدالمطلب ومعه ابنه الحارث ، وليس له يومئذ ولد غيره ، فوجد قرية النمل ، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين : إساف ونائلة ، اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها . فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر ، فقامت إليه قريش حين رأوا جده ، فقالوا : والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما ؛ فقال عبدالمطلب لابنه الحارث : ذد عني حتى أحفر ، فوالله لأمضين لما أمرت به .

فلما عرفوا أنه غير نازع ، خلوا بينه وبين الحفر ، وكفوا عنه ، فلم يحفر إلا يسيرا ، حتى بدا له الطي ، فكبر وعرفوا أنه قد صدق . فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب ، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا ؛ فقالت له قريش : يا عبدالمطلب ، لنا معك في هذا شرك وحق ؛ قال : لا ، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم : نضرب عليها بالقداح ؛ قالوا : وكيف تصنع ؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج له قدحاه على شيء كان له ، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له ؛ قالوا : أنصفت .

فجعل قدحين أصفرين للكعبة ، وقدحين أسودين لعبدالمطلب ، وقدحين أبيضين لقريش ؛ ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل ( وهبل : صنم في جوف الكعبة ، وهو أعظم أصنامهم ، وهو الذي يعني أبو سفيان بن حرب يوم أحد حين قال : أعل هبل : أي أظهر دينك ) وقام عبدالمطلب يدعو الله عز وجل ، فضرب صاحب (1 282) القداح القداح ، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة ، وخرج الأسودان على الأسياف ، والأدراع لعبدالمطلب ، وتخلف قدحا قريش .

فضرب عبدالمطلب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في الباب الغزالين من ذهب . فكان أول ذهب حليته الكعبة ، فيما يزعمون . ثم إن عبدالمطلب أقام سقاية زمزم للحجاج .

2 ذكر بئار قبائل قريش بمكة

3 الطَّوِيّ و من حفرها

قال ابن هشام : وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة ، فيما حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق ، قال :

3 عبد شمس يحفر الطوي

حفر عبد شمس بن عبد مناف الطوي ، وهي البئر التي بأعلى مكة عند البيضاء ، دار محمد بن يوسف الثقفي .

3 هاشم يحفر بذر

وحفر هاشم بن عبد مناف بذر ، وهي البئر (1 283) التي عند المستنذر ، خطم الخندمة على فم شعب أبي طالب . وزعموا أنه قال حين حفرها : لأجعلنها بلاغا للناس .

قال ابن هشام :وقال الشاعر :

سقى الله أمواها عرفت مكانها جرابا وملكوما وبذر والغمرا

3 سجلة والاختلاف فيمن حفرها

قال ابن إسحاق : وحفر سجلة ، وهي بئر المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف التي يسقون عليها اليوم . ويزعم بنو نوفل أن المطعم ابتاعها من أسد بن هاشم ، ويزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم ، فاستغنوا بها عن تلك الآبار .

3 أمية بن عبد شمس يحفر الحفر

وحفر أمية بن عبد شمس الحفر لنفسه .

3 بنو أسد تحفر سقية

وحفرت بنو أسد بن عبدالعزى سقية ، وهي بئر بني أسد .

3 بنو عبدالدار تحفر أم أحراد

وحفرت بنو عبدالدار أم أحراد . (1 284)

3 بنو جمح تحفر السنبلة

وحفرت بنو جمح السنبلة ، وهي بئر خلف بن وهب .

3 بنو سهم تحفر الغمر

وحفرت بنو سهم الغمر ، وهي بئر بني سهم .

3 أصحاب رم وخم والحفر

وكانت آبار حفائر خارجا من مكة قديمة من عهد مرة بن كعب ، وكلاب بن مرة ، وكبراء قريش الأوائل منها يشربون ، وهي رم ، ورم : بئر مرة بن كعب بن لؤي . وخم ، (1 285) وخم : بئر بني كلاب بن مرة ؛ والحفر . قال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي : قال ابن هشام :وهو أبو أبي جهم بن حذيفة :

وقدما غنينا قبل ذلك حقبة ولا نستقي إلا بخم أو الحفر

قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له ، وسأذكرها إن شاء الله في موضعها .

3 فضل زمزم على سائر المياه

قال ابن إسحاق : فعفت زمزم على البئار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج ، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ، ولفضلها على ما سواها من المياه ، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

3 بنو عبد مناف يفتخرون بزمزم

وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها ، وعلى سائر العرب ، فقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وهو يفخر على قريش بما ولوا عليهم من السقاية والرفادة ، وما أقاموا للناس من ذلك ، وبزمزم حين ظهرت لهم ، وإنما كان بنو عبد مناف أهل بيت واحد ، شرف بعضهم لبعض شرف ، وفضل بعضهم لبعض فضل :

ورثنا المجد من آبا ئنا فنمى بنا صعدا (1 286)

ألم نسق الحجيج وننحر الدلافة الرفدا

ونُلقى عند تصريف الْ منايا شُدَّدا رفدا

فإن نهلك فلم نملك ومن ذا خالد أبدا

وزمزم في أرومتنا ونفقأ عين من حسدا

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي :

وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم وعبد مناف ذلك السيد الفهري

طوى زمزما عند المقام فأصبحت سقايته فخرا على كل ذي فخر

قال ابن هشام : يعني عبدالمطلب بن هاشم . وهذان البيتان في قصيدة لحذيفة بن غانم سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .

2 ذكر نذر عبدالمطلب ذبح ولده

قال ابن إسحاق : وكان عبدالمطلب بن هاشم - فيما يزعمون والله أعلم - قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم ، لئن ولد له عشرة نفر ، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة . فلما توافى بنوه عشرة ، وعرف أنهم سيمنعونه ، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك ، فأطاعوه وقالوا : كيف نصنع ؟ قال : ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ، ثم (1 287) ائتوني . ففعلوا ، ثم أتوه ، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة ، وكان هبل على بئر في جوف الكعبة ، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدي للكعبة .

3 قداح هبل السبعة

وكان عند هبل قداح سبعة ، كل قدح منها فيه كتاب . قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ، ضربوا بالقداح السبعة ، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله ؛ وقدح فيه ( نعم ) للأمر إذ أرادوه يضرب به في القداح ، فإن خرج قدح ( نعم ) عملوا به ؛ وقدح فيه ( لا ) إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح ، فإن خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر ؛ وقدح فيه ( منكم ) ؛ وقدح فيه ( ملصق ) ، وقدح فيه ( من غيركم ) ؛ وقدح فيه ( المياه ) إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح ، وفيها ذلك القدح ، فحيثما خرج عملوا به .

وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما ، أو ينكحوا منكحا ، أو يدفنوا ميتا ، أو شكوا في نسب أحدهم ، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور ، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها ، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا لصاحب القداح : اضرب ، يا إلهنا ، هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا و كذا ، فأخرج الحق فيه . ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب ، فإن خرج عليه ( منكم ) كان منهم وسيطا ، وإن خرج عليه ( من غيركم ) كان حليفا ؛ وإن خرج عليه ( ملصق ) كان على منزلته فيهم ، لا نسب له ولا حلف ؛ وإن خرج فيه شيء ، مما سوى هذا مما يعملون به ( نعم ) عملوا به ؛ وإن خرج ( لا ) أخروه عامه ذلك حتى يأتوه به مرة أخرى ، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح .

3 عبدالمطلب يحتكم إلى القداح

فقال عبدالمطلب لصاحب القداح : اضرب على بَنيَّ هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر ، (1 288) فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه ، وكان عبدالله بن عبدالمطلب أصغر بني أبيه ، كان هو والزبير وأبو طالب لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .

قال ابن هشام :عائذ بن عمران بن مخزوم .

3 خروج القداح على عبدالله

قال ابن إسحاق : وكان عبدالله - فيما يزعمون - أحب ولد عبدالمطلب إليه ، فكان عبدالمطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى . وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها ، قام عبدالمطلب عند هبل يدعو الله ، ثم ضرب صاحب القداح ، فخرج القدح على عبدالله .

3 عبدالمطلب يحاول ذبح ابنه ، ومنع قريش له

فأخذه (1 289) عبدالمطلب بيده وأخذ الشفرة ، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه ، فقامت إليه قريش من أنديتها ، فقالوا : ماذا تريد يا عبدالمطلب ؟ قال : أذبحه ؛ فقالت له قريش وبنوه : والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه . لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه ، فما بقاء الناس على هذا !

وقال له المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة ، وكان عبدالله ابن أخت القوم : والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه ، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه .

وقالت له قريش وبنوه : لا تفعل ، وانطلق به إلى الحجاز ، فإن به عرافة لها تابع ، فسلها ، ثم أنت على رأس أمرك ، إن أمرتك بذبحه ذبحته ، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته .

3 ما أشارت به عرافة الحجاز على عبدالمطلب

فانطلقوا حتى قدموا المدينة ، فوجدوها - فيما يزعمون - بخيبر . فركبوا حتى جاءوها ، فسألوها ، وقص عليها عبدالمطلب خبره وخبر ابنه ، وما أراد به ونذره فيه ؛ فقالت لهم : ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله . فرجعوا من عندها ، فلما خرجوا عنها ، قام عبدالمطلب يدعو الله ، ثم غدوا عليها ، فقالت لهم : قد جاءني الخبر ، كم الدية فيكم ؟ قالوا : عشر من الإبل ، وكانت كذلك . قالت : فارجعوا إلى بلادكم ، ثم قربوا صاحبكم ، وقربوا عشرا من الإبل ، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح ، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم ، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه ، فقد رضي ربكم ، ونجا صاحبكم . (1 290)

3 تنفيذ وصية العرافة ونجاة عبدالله من الذبح

فخرجوا حتى قدموا مكة ، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر ، قام عبدالمطلب يدعو الله ؛ ثم قربوا عبدالله وعشرا من الإبل ، وعبدالمطلب قائم عند هبل يدعو الله عز وجل ، ثم ضربوا فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل عشرين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله عز وجل ، ثم ضربوا فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل ثلاثين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل أربعين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل خمسين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله عز وجل ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل ستين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل سبعين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل ثمانين ، وقام عبدالمطلب يدعو الله عز وجل ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل تسعين ، وقام عبدالمطلب يدعوا الله ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على عبدالله ؛ فزادوا عشرا من الإبل ، فبلغت الإبل مائة ، وقام عبدالمطلب يدعوا الله ، ثم ضربوا ، فخرج القدح على الإبل ؛ فقالت قريش ومن حضر : قد انتهى رضا ربك يا عبدالمطلب . فزعموا أن عبدالمطلب قال : لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات ؛ فضربوا على عبدالله وعلى الإبل ، وقام عبدالمطلب يدعو الله ، فخرج القدح على الإبل ، ثم عادوا الثانية ، وعبدالمطلب قائم يدعو الله ، فضربوا ، فخرج القدح على الإبل ، ثم عادوا الثالثة ، وعبدالمطلب قائم يدعو الله ، فضربوا ، فخرج القدح على الإبل ، فنحرت ، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع . (1 291)

قال ابن هشام : ويقال : إنسان ولا سبع .

قال ابن هشام : وبين أضعاف هذا الحديث رجز لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر .

2 ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبدالله بن عبدالمطلب

3 عبدالله يرفضها

قال ابن إسحاق : ثم انصرف عبدالمطلب آخذا بيد عبدالله ، فمر به - فيما يزعمون - على امرأة من بني أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب (1 292) بن فهر ، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى ، وهي عند الكعبة ؛ فقالت له حين نظرت إلى وجهه : أين تذهب يا عبدالله ؟ قال : مع أبي ، قالت : لك مثل الإبل التي نحرت عنك ، وقع علي الآن ، قال : أنا مع أبي ، ولا أستطيع خلافه ، ولا فراقه .

3 عبدالله يتزوج آمنة بنت وهب

فخرج به عبدالمطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا ، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب ، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا .

3 أمهات آمنة بنت وهب

وهي لبرة بنت عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر . وبرة : لأم حبيب بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر . وأم حبيب : لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .

3 سبب زهد المرأة المعترضة لعبدالله فيه

فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه ، فوقع عليها ، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ثم خرج من عندها ، فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت ، فقال لها : ما لك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس ؟ قالت له : فارقك النور الذي كان معك بالأمس ، فليس لي بك اليوم حاجة . وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل - وكان قد تنصر واتبع الكتب - : أنه سيكون في هذه الأمة نبي .

3 قصة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار أنه حدث :

أن عبدالله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب ، وقد عمل في طين له ، وبه آثار من الطين ، (1 293) فدعاها إلى نفسه ، فأبطأت عليه لما رات به أثر الطين ، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك الطين ، ثم خرج عامدا إلى آمنة ، فمر بها ، فدعته إلى نفسها ، فأبى عليها ، وعمد إلى آمنة ، فدخل عليها فأصابها ، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم . ثم مر بامرأته تلك ، فقال لها : هل لك ؟ قالت : لا ، مررت بي وبين عينيك غرة بيضاء ، فدعوتك فأبيت علي ، ودخلت على آمنة فذهبت بها .

قال ابن إسحاق : فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث : أنه مر بها وبين عينيه غرة مثل غرة الفرس ؛ قالت : فدعوته رجاء أن تكون تلك بي ، فأبى علي ، ودخل على آمنة ، فأصابها ، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط قومه نسبا ، وأعظمهم شرفا من قبل أبيه وأمه ، صلى الله عليه وسلم .

2 ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم

3 رؤيا آمنة

ويزعمون - فيما يتحدث الناس والله أعلم - أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث :

أنها أُتيت ، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي : أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه محمدا . ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى ، من أرض الشام . (1 294)

3 وفاة عبدالله

ثم لم يلبث عبدالله بن عبدالمطلب ، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن هلك ، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به .

2 ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم

3 ابن إسحاق يحدد الميلاد

قال : حدثنا أبو محمد عبدالملك ابن هشام قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي محمد بن إسحاق قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، عام الفيل . (1 295)

3 رواية قيس بن مخرمة عن مولده صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : حدثني المطلب بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة ، قال :

ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، فنحن لدتان .

3 رواية حسان بن ثابت ، عن مولده صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري . قال : حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت ، قال : والله إني لغلام يفعة ، ابن سبع سنين أو ثمان ، أعقل كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب : يا معشر يهود ، حتى إذا اجتمعوا إليه ، قالوا له : ويلك ما لك ؟ قال : طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به .

قال محمد بن إسحاق : فسألت سعيد بن عبدالرحمن بن حسان بن ثابت ، فقلت : ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1 296) المدينة ؟ فقال : ابن ستين سنة ، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين .

3 إعلام أمه جده بولادته صلى الله عليه و سلم وما فعله به

قال ابن إسحاق : فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إلى جده عبدالمطلب : أنه قد ولد لك غلام ، فأته فانظر إليه ؛ فأتاه فنظر إليه ، وحدثته بما رأت حين حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت به أن تسميه .

3 فرح جده به صلى الله عليه و سلم ، و التماسه له المراضع

فيزعمون أن عبدالمطلب أخذه ، فدخل به الكعبة ؛ فقام يدعو الله ، ويشكر له ما أعطاه ، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها . والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء . (1 297)

قال ابن هشام : المراضع . وفي كتاب الله تبارك وتعالى في قصه موسى عليه السلام : ( وحرمنا عليه المراضع ) .

3 مرضعته حليمة و نسب أبيها

قال ابن إسحاق : فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر ، يقال لها : حليمة ابنة أبي ذؤيب .

3 نسب مرضعته

وأبو ذؤيب : عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان .

3 زوج حليمة ونسبه

واسم أبيه الذي أرضعه صلى الله عليه وسلم : الحارث بن عبدالعزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن . (1 298)

قال ابن هشام : ويقال : هلال بن ناصرة .

3 أولاد حليمة

قال ابن إسحاق : وإخوته من الرضاعة : عبدالله بن الحارث ، وأنيسة بنت الحارث ، وحذافة بنت الحارث ، وهي الشيماء ، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به . وهم لحليمة بنت أبي ذؤيب ، عبدالله بن الحارث ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ويذكرون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذا كان عندهم .

3 حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وحدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي ، عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، أو عمن حدثه عنه قال :

كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته ، تحدث : أنها خرجت من بلدها مع زوجها ، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر ، تلتمس الرضعاء ، قالت : وذلك في سنة شهباء ، لم تبق لنا شيئا . قالت : فخرجت على أتان لي قمراء ، معنا شارف لنا ، والله ما تبض بقطرة ، وما (1 299) ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا ، من بكائه من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغديه - قال ابن هشام : ويقال : يغذيه - ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك ، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا ، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه ، إذا قيل لها إنه يتيم ، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول : يتيم ! وما (1 300) عسى أن تصنع أمه وجده ! فكنا نكرهه لذلك ، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما أجمعنا الانطلاق ، قلت لصاحبي : والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم أخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلأخذنه ؛ قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة . قالت : فذهبت إليه فأخذته ، وما حملني علي أخذه إلا أني لم أجد غيره .

3 الخير الذي أصاب حليمة

قالت : فلما أخذته ، رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه حتى روي ، ثم ناما ، وما كنا ننام معه قبل ذلك ، وقام زوجي إلى شارفنا تلك ، فإذا إنها لحافل ، فحلب منها ما شرب ، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا ، فبتنا بخير ليلة .

قالت : يقول صاحبي حين أصبحنا : تعلمي والله يا حليمة ، لقد أخذت نسمة مباركة ؛ قالت : فقلت : والله إني لأرجو ذلك ، قالت : ثم خرجنا وركبت أنا أتاني ، وحملته عليها معي ، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم ، حتى إن صواحبي ليقلن لي : يا ابنة أبي ذؤيب ، ويحك ! اربعي علينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن : بلى والله ، إنها لهي هي ؛ فيقلن : والله إن لها لشأنا .

قالت : ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها ، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لُبَّنَا ، فنحلب ونشرب ، وما يحلب إنسان قطرة لبن ، ولا يجدها في ضرع ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم : ويلكم سرحوا حيث (1 301) يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن ، وتروح غنمي شباعا لبنا .

فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته ، وكان يشبّ شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا .

3 رجوع حليمة به إلى مكة أول مرة

قالت : فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا ، لما كنا نرى من بركته . فكلمنا أمه وقلت لها : لو تركت بُنيَّ عندي حتى يغلظ ، فإني أخشى عليه وبأ مكة ، قالت : فلم نزل بها حتى ردته معنا .

3 حديث الملكين اللذين شقا بطنه صلى الله عليه و سلم

قال : فرجعنا به ، فوالله إنه بعد مقدمنا به بشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا ، إذ أتانا أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه : ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاه ، فشقا بطنه ، فهما يسوطانه . قالت : فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما مُنتَقَعا وجهه . قالت : فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا له : ما لك يا بني ؛ قال : جاءني رجلان عليها ثياب بيض ، فأضجعاني وشقا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو . قالت : فرجعنا به إلى خبائنا .

3 حليمة ترد محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أمه

قالت : وقال لي أبوه : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن (1 302) يظهر ذلك به ، قالت : فاحتملناه ، فقدمنا به على أمه ، فقالت : ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه ، وعلى مكثه عندك ؟ قالت : فقلت : قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي ، وتخوفت الأحداث عليه ، فأديته إليك كما تحبين ؛ قالت : ما هذا شأنك ، فاصدقيني خبرك . قالت : فلم تدعني حتى أخبرتها . قالت : أفتخوفت عليه الشيطان ؟ قالت : قلت : نعم ؛ قالت : كلا ، والله ما للشيطان عليه من سبيل ، وإن لبنيَّ لشأنا ، أفلا أخبرك خبره ، قالت : قلت : بلى ؛ قالت : رأيت حين حملت به ، أنه خرج مني نور أضاء قصور بصرى من أرض الشام ، ثم حملت به ، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف عليَّ ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض ، رافع رأسه إلى السماء ، دعيه عنك وانطلقي راشدة .

3 الرسول يُسأل عن نفسه وإجابته صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني ثور بن يزيد ، عن بعض أهل العلم ، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي :

أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له : يا رسول الله ، أخبرنا عن نفسك ؟ قال : نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا ، ثم أخذاني فشقا بطني ، واستخرجا قلبي فشقاه ، (1 303) فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه : زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بمائة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بألف من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال : دعه عنك ، فوالله لو وزنه بأمته لوزنها .

3 رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم وافتخاره بقرشيته

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ؛ قيل : وأنت يا رسول الله ؟ قال : وأنا ) . (1 304)

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه : أنا أعربكم ، أنا قرشي ، واسترضعت في بني سعد بن بكر .

3 افتقاد حليمة له صلى الله عليه وسلم حين رجوعها به

قال ابن إسحاق : وزعم الناس فيما يتحدثون ، والله أعلم : أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهي مقبلة به نحو أهله ، فالتمسته فلم تجده ، فأتت عبدالمطلب ، فقالت له : إني قد قدمت بمحمد هذه الليلة . فلما كنت بأعلى مكة أضلني ، فوالله ما أدرى أين هو ؛ فقام عبدالمطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده ؛ فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل بن أسد ، ورجل آخر من قريش ، فأتيا به عبدالمطلب ، فقالا له : هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة ، فأخذه عبدالمطلب ، فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له ، ثم أرسل به إلى أمه آمنة .

3 سبب آخر لرجوع حليمة به صلى الله عليه وسلم إلى مكة

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم :

أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه ، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه ، أن نفرا من الحبشة نصارى ، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه ، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ، ثم قالوا لها : لنأخذن هذا الغلام ، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا ، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره ، فزعم الذي حدثني أنها لم تكد تنفلت به منهم . (1 305)

2 وفاة آمنة ، وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبدالمطلب بعدها

3 وفاة أمه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب ، وجده عبدالمطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه ، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته ؛ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين ، توفيت أمة آمنه بنت وهب .

3 عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفاة أمه

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم :

أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالأبواء ، بين مكة والمدينة ، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار ، تزيره إياهم ، فماتت وهي راجعة به إلى مكة . (1 306)

3 سبب خؤولة بني عدي بن النجار لرسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن هشام : أم عبدالمطلب بن هاشم : سلمى بنت عمرو النجارية . فهذه الخؤولة التي ذكرها ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم .

3 إجلال عبدالمطلب له صلى الله عليه وسلم و هو صغير

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبدالمطلب بن هاشم ، وكان يوضع لعبدالمطلب فراش في ظل الكعبة ، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ؛ قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر ، حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبدالمطلب ، إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني ، فوالله إن له لشأنا ؛ ثم يجلسه معه على الفراش ، ويمسح ظهره بيده ، ويسره ما يراه يصنع . (1 307)

2 وفاة عبدالمطلب وما رثي به من الشعر

3 وفاة عبدالمطلب ، و ما قيل فيه من الشعر

فلما بلغ روس الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبدالمطلب بن هاشم . وذلك بعد الفيل بثماني سنين .

قال ابن إسحاق : وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد بن العباس ، عن بعض أهله :

أن عبدالمطلب توفي ورسوله الله صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين .

3 عبدالمطلب يطلب من بناته أن يرثينه

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن سعيد بن المسيب

أن عبدالمطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته ، وكن ست نسوة : صفية ، وبرة ، وعاتكة ، وأم حكيم البيضاء ، وأميمة ، وأروى ، فقال لهن : ابكين علي حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت .

قال ابن هشام : ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر ، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه .

3 رثاء صفية بنت عبدالمطلب لأبيها

فقالت صفية بنت عبدالمطلب تبكي أباها :

أرقت لصوت نائحة بليل على رجل بقارعة الصعيدِ

ففاضت عند ذلكم دموعي على خدي كمنحدر الفريد

على رجل كريم غير وغل له الفضل المبين على العبيد (1 308)

على الفياض شيبة ذي المعالي أبيك الخير وارث كل جود

صدوق في المواطن غير نكس ولا شخت المقام ولا سنيد

طويل الباع أروع شيظميّ مطاع في عشيرته حميد

رفيع البيت أبلج ذي فضول وغيث الناس في الزمن الحرود

كريم الجد ليس بذي وصوم يروق على المسود والمسود

عظيم الحلم من نفر كرام خضارمة ملاوثة أسود

فلو خلد امرؤ لقديم مجد ولكن لا سبيل إلى الخلود

لكان مخلدا أخرى الليالي لفضل المجد والحسب التليد

3 رثاء برة بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت برة بنت عبدالمطلب تبكي أباها :

أعيني جودا بدمع دررْ على طيب الخيم والمعتصرْ

على ماجد الجد واري الزناد جميل المحيا عظيم الخطر

على شيبة الحمد ذي المكرمات وذي المجد والعز والمفتخر

وذي الحلم والفصل في النائبات كثير المكارم جم الفجر (1 309)

له فضل مجد على قومه منير يلوح كضوء القمر

أتته المنايا فلم تشوه بصرف الليالي وريب القدر

3 رثاء عاتكة بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت عاتكة بنت عبدالمطلب تبكي أباها :

أعيني جودا ولا تبخلا بدمعكما بعد نوم النيامْ

أعيني واسحنفرا واسكبا وشوبا بكاءكما بالْتِدَام

أعيني واستخرطا واسجما على رجل غير نكس كهام

على الجحفل الغمر في النائبات كريم المساعي وفي الذمام

على شيبة الحمد واري الزناد وذي مصدق بعد ثبت المقام

وسيف لدى الحرب صمصامة ومردي المخاصم عند الخصام

وسهل الخليقة طلق اليدين وفي عُدْمُلِّيّ صميم لهُام (1 310)

تَبَنَّك في باذخ بيته رفيع الذؤابة صعب المرام

3 رثاء أم حكيم بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبدالمطلب تبكي أباها :

ألا يا عين جودي واستهلي وبكي ذا الندى والمكرمات

ألا يا عين ويحك أسعفيني بدمع من دموع هاطلات

وبكِّي خير من ركب المطايا أباك الخير تيار الفرات

طويل الباع شيبة ذا المعالي كريم الخيم محمود الهبات

وصولا للقرابة هبرزيا وغيثا في السنين الممحلات

وليثا حين تشتجر العوالي تروق له عيون الناظرات

عقيل بني كنانة والمرجى إذا ما الدهر أقبل بالهنات

ومفزعها إذا ما هاج هيج بداهية وخصم المعضلات

فبكيه ولا تسمي بحزن وبكي ، مابقيت ، الباكيات

3 رثاء أميمة بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت أميمة بنت عبدالمطلب تبكي أباها :

ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقدِ وساقي الحجيج والمحامي عن المجد

ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد

كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى فلم تنفكك تزداد ياشيبة الحمد (1 311)

أبو الحارث الفياض خلاَّ مكانه فلا تبعدن فكل حي إلى بعد

فإني لباك ما بقيت وموجع وكان له أهلا لما كان من وجدي

سقاك ولي الناس في القبر ممطرا فسوف أبكيه وإن كان في اللحد

فقد كان زينا للعشيرة كلها وكان حميدا حيث ما كان من حمد

3 رثاء أروى بنت عبدالمطلب لأبيها

وقال أروى بنت عبدالمطلب تبكي أباها :

بكت عيني وحق لها البكاء على سمح سجيته الحياءُ

على سهل الخليقة أبطحي كريم الخيم نيته العلاء

على الفياض شيبة ذي المعالي أبيك الخير ليس له كفاء

طويل الباع أملس شيظمي أغر كأن غرته ضياء

أقب الكشح أروع ذي فضول له المجد المقدم والسناء

أبيِّ الضيم أبلج هبرزي قديم المجد ليس له خفاء

ومعقل مالك وربيع فهر وفاصلها إذا التمس القضاء

وكان هو الفتى كرما وجودا وبأسا حين تنسكب الدماء

إذا هاب الكماة الموت حتى كأن قلوب أكثرهم هواء

مضى قدما بذي ربد خشيب عليه حين تبصره البهاء (1 312)

3 إعجاب عبدالمطلب بالرثاء

قال ابن إسحاق : فزعم لي محمد بن سعيد بن المسيب أنه أشار برأسه وقد أصمت : أن هكذا فابكينني .

3 نسب المسيب بن حزن

قال ابن هشام : و المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم .

3 رثاء حذيفة بن غانم لعبدالمطلب

قال ابن إسحاق : وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي يبكي عبدالمطلب بن هاشم بن بن عبد مناف ، ويذكر فضله وفضل قصي على قريش ، وفضل ولده من بعده عليهم ، وذلك أنه أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة ، فوقف بها فمر به أبو لهب عبدالعزى بن عبدالمطلب فافتكه :

أعيني جودا بالدموع على الصدر ولا تسأما أُسقيتما سبل القطر

وجودا بدمع واسفحا كل شارق بكاء امرىء لم يشوه نائب الدهر

وسحا وجما واسجما ما بقيتما على ذي حياء من قريش وذي ستر (1 313)

على رجل جلد القوى ذي حفيظه جميل المحيا غير نكس ولا هذر

على الماجد البهلول ذي الباع والندى ربيع لؤي في القحوط وفي العسر

على خير حاف من معد وناعل كريم المساعي طيب الخيم والنجر

وخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر

وأولاهم بالمجد والحلم والنهى وبالفضل عند المجحفات من الغبر

على شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء سواد الليل كالقمر البدر

وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم وعبد مناف ذلك السيد الفهري

طوى زمزما عند المقام فأصبحت سقايته فخرا على كل ذي فخر

ليبك عليه كل عان بكربة وآل قصي من مقل وذي وفر

بنوه سراة كهلهم وشبابهم تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر

قصي الذي عادى كنانة كلها ورابط بيت الله في العسر واليسر (1 314)

فإن تك غالته المنايا وصرفها فقد عاش ميمون النقيبة والأمر

وأبقى رجالا سادة غير عزل مصاليت أمثال الردينية السمر

أبو عتبة الملقى إليَّ حباؤه أغر هجان اللون من نفر غر

وحمزة مثل البدر يهتز للندى نقي الثياب والذمام من الغدر

وعبد مناف ماجد ذو حفيظة وصول لذي القربي رحيم بذي الصهر

كهولهم خير الكهول ونسلهم كنسل الملوك لا تبور ولا تحري

متى ما تلاقي منهم الدهر ناشئا تجده بإجْرِيَّا أوائله يجري

هم ملئوا البطحاء مجدا وعزة إذا استبق الخيرات في سالف العصر (1 315)

وفيهم بناة للعلا وعمارة وعبد مناف جدهم جابر الكسر

بإنكاح عوف بنته ليجيرنا من أعدائنا إذ أسلمتنا بنو فهر

فسرنا تهامي البلاد ونجدها بأمنه حتى خاضت العير في البحر

وهم حضروا والناس باد فريقهم وليس بها إلا شيوخ بنو عمرو

بنوها ديارا جمة وطووا بها بئارا تسح الماء من ثبج البحر

لكي يشرب الحجاج منها وغيرهم إذا ابتدروها صبح تابعة النحر

ثلاثة أيام تظل ركابهم مخيسة بين الأخاشب والحجر

وقدما غنينا قبل ذلك حقبة ولا نستقي إلا بخُمَّ أو الحفر

وهم يغفرون الذنب ينقم دونه ويعفون عن قول السفاهة والهجر (1 316)

وهم جمعوا حلف الأحابيش كلها وهم نكلوا عنا غواة بني بكر

فخارج ، إما أهلكنّ فلا تزل لهم شاكرا حتى تغيب في القبر

ولا تنس ما أسدى ابن لُبنى فإنه قد أسدى يدا محقوقة منك بالشكر

وأنت ابن لبنى من قصي إذا انتموا بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر

وأنت تناولت العلا فجمعتها إلى محتد للمجد ذي ثبج جسر

سبقت وفت القوم بذلا ونائلا وسدت وليدا كل ذي سؤدد غمر

وأمك سر من خزاعة جوهر إذا حصل الأنساب يوما ذوو الخبر

إلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمي فأكرم بها منسوبة في ذرا الزهر

أبو شمر منهم وعمرو بن مالك وذو جدن من قومها وأبو الجبر (1 317)

وأسعد قاد الناس عشرين حجة يؤيد في تلك المواطن بالنصر

قال ابن هشام : ( أمك سر من خزاعة ) ، يعني أبا لهب ، أمه لبنى بنت هاجر الخزاعي . وقوله : ( بإجريا أوائله ) عن غير ابن إسحاق .

3 رثاء مطرود الخزاعي لعبدالمطلب و بني عبد مناف

قال ابن إسحاق : وقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكي عبدالمطلب وبني عبد مناف :

يا أيها الرجل المحول رحله هلا سألت عن آل عبد مناف

هبلتك أمك لو حللت بدارهم ضمنوك من جرم ومن إقراف

الخالطين غنيهم بفقيرهم حتى يعود فقيرهم كالكافي

المنعمين إذا النجوم تغيرت والظاعنين لرحلة الإيلاف

والمطعمين إذا الرياح تناوحت حتى تغيب الشمس في الرَّجَّاف

إما هلكت أبا الفعال فما جرى من فوق مثلك عقد ذات نطاف (1 318)

إلا أبيك أحي المكارم وحده والفيض مُطَّلب أبي الأضياف

3 ولاية العباس على سقاية زمزم

قال ابن إسحاق : فلما هلك عبدالمطلب بن هاشم ولي زمزم والسقاية عليها بعده العباس بن عبدالمطلب ، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا ؛ فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهي بيده . فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ما مضى من ولايته ، فهي إلى آل العباس ، بولاية العباس إياها ، إلى هذا اليوم .

2 كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبدالمطلب مع عمه أبي طالب ، وكان عبدالمطلب - فيما يزعمون - يوصي به عمه أبا طالب ، وذلك لأن عبدالله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا طالب أخوان لأب وأم ، أمهما فاطمة (1 319) بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم .

قال ابن هشام : عائذ بن عمران بن مخزوم

3 ولاية أبي طالب لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده ، فكان إليه ومعه .

3 اللهبي العائف

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، أن أباه حدثه : أن رجلا من لهب - قال ابن هشام : ولهب : من أزد شنوءة - كان عائفا ، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم .

قال : فأتى به أبو طالب وهو غلام ، مع من يأتيه ، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم شغله عنه شيء ، فلما فرغ قال : الغلام علي به ، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيَّبه عنه ، فجعل يقول : ويلكم ، ردوا علي الغلام الذي رأيت آنفا ، فوالله ليكونن له شأن . قال : فانطلق أبو طالب .

2 قصة بحيرى

3 محمد صلى الله عليه وسلم يخرج مع عمه إلى الشام

قال ابن إسحاق : ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام ، فلما تهيأ للرحيل ، وأجمع المسير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون - فرق له أبو طالب وقال : (1 320) والله لأخرجن به معي ، ولا يفارقني ، ولا أفارقه أبدا ، أو كما قال .

فخرج به معه .

3 بحيرى يحتفي بتجار قريش

فلما نزل الركب بُصرى من أرض الشام ، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعه له ، وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب ، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون ، يتوارثونه كابرا عن كابر .

فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام . فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا ، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه و هو في صومعته ، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في صومعته ، في الركب حين أقبلوا ، وغمامة تظله من بين القوم .

قال : ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه . فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة ، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها ؛ فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام ، فصنع ثم أرسل إليهم ، فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، فأنا أحب أن (1 321) تحضروا كلكم ، صغيركم وكبيركم ، وعبدكم وحركم : فقال له رجل منهم : والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم ، فما كنت تصنع هذا بنا ، وقد كنا نمر بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرى : صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم .

فاجتمعوا إليه ، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم ، لحداثة سنه ، في رحال القوم تحت الشجرة ؛ فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده ، فقال : يا معشر قريش ، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ؛ قالوا له : يا بحيرى ، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحدث القوم سنا ، فتخلف في رحالهم ؛ فقال : لا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم . قال : فقال رجل من قريش مع القوم : واللات والعزى ، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا ، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم .

3 بحيرى يتثبت من محمد صلى الله عليه وسلم

فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده ، قد كان يجدها عنده من صفته ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا ، قام إليه بحيرى ، فقال له : يا غلام ، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؛ وإنما قال له بحيرى ذلك ، لأنه سمع قومه يحلفون بهما . فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : لا تسألني باللات والعزى شيئا ، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما ؛ فقال له بحيرى : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؛ فقال له : سلني عما بدا لك .

فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره ؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته ، ثم نظر إلى ظهره ، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده . (1 322)

قال ابن هشام : وكان مثل أثر المحجم .

3 بحيرى يوصي أبا طالب بمحمد صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فلما فرغ ، أقبل على عمه أبي طالب ، فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . قال له بحيرى : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ؛ قال : فإنه ابن أخي ؛ قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات وأمه حبلى به ؛ قال : صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه يهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فأسرع به إلى بلاده .

3 بعض من أهل الكتاب يريدون بمحمد صلى الله عليه وسلم الشر

فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام ؛ فزعموا فيما روى الناس : أن زريرا وتماما ودريسا ، وهم نفر من أهل الكتاب ، قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رآه بحيرى في ذلك السفر ، الذي كان فيه مع عمه أبي طالب ، فأرادوه فردهم عنه بحيرى ، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته ، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم ، وصدقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا عنه : (1 323)

3 محمد صلى الله عليه وسلم يشب على مكارم الأخلاق

فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ، لما يريد به من كرامته ورسالته ، حتى بلغ أن كان رجلا ، وأفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم حسبا ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال ، تنـزها وتكرما ، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين ، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة .

3 رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن حفظ الله له

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته ، أنه قال :

لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان ، كلنا قد تعرى ، وأخذ إزاره فجعله على رقبته ، يحمل عليه الحجارة ؛ فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر ، إذ لكمني لاكم ما أراه ، لكمة وجيعة ، ثم قال : شد عليك إزارك ؛ قال : فأخذته وشددته علي ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي . (1 324)

2 حرب الفجار

3 سببها

قال ابن هشام : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة ، فيما حدثني أبو عبيدة النحوي ، عن أبي عمرو بن العلاء ، هاجت حرب الفجار بين قريش ، ومن معها من كنانة ، وبين قيس عيلان .

وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، أجار لطيمة للنعمان بن المنذر ؛ فقال له البراض بن قيس ، أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة : أتجيرها على كنانة ؟ قال : نعم ، وعلى الخلق كله . فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته ، حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية ، غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام ، فلذلك سمي الفجار .

وقال البراض في ذلك :

وداهية تهم الناس قبلي شددت لها بني بكر ضلوعي (1 325)

هدمت بها بيوت بني كلاب وأرضعت الموالي بالضروع

رفعت له بذي طلال كفي فخر يميد كالجذع الصريع

وقال لبيد بن مالك بن جعفر بن كلاب :

أبلغ ، إن عرضت ، بني كلاب وعامر والخطوب لها موالي

وبلغ ، إن عرضت ، بني نمير وأخوال القتيل بني هلال

بأن الوافد الرحال أمسى مقيما عند تيمن ذي طلال (1 326)

وهذه الأبيات في أبيات له فيما ذكر ابن هشام .

3 قتال هوازن لقريش

قال ابن هشام : فأتى آت قريشا ، فقال : إن البراض قد قتل عروة ، وهم في الشهر الحرام بعكاظ ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم ، ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم ، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم ، فاقتتلوا حتى جاء الليل ، ودخلوا الحرم ، فأمسكت عنهم هوازن ، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما ، والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم ، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد القتال وهو صغير

وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم ، أخرجه أعمامه معهم . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنت أُنَبِّل على أعمامي : أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها .

3 سن رسول الله صلى الله عليه و سلم عند حرب الفجار

قال ابن إسحاق : هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة .

3 سبب تسمية هذا اليوم بالفجار

وإنما سمي يوم الفجار ، بما استحل هذان الحيان ، كنانة وقيس عيلان ، فيه من المحارم بينهم .

1 المجلد الثاني

2 [تابع: حرب الفجار]

3 قائد قريش وكنانة

وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن (2 4) عبد شمس ، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة ، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس .
قال ابن هشام : وحديث الفجار أطول مما ذكرت ، وإنما منعني من استقصائه قطعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2 5)

2 حديث تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

3 سنه صلى الله عليه وسلم حين زواجه

قال ابن هشام : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة ، تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم عن أبي عمرو المدني .

3 خروجه صلى الله عليه وسلم إلى التجارة بمال خديجة

قال ابن إسحاق : وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه ، بشيء تجعله لهم ، وكانت قريش (2 6) قوما تجارا ؛ فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها ، من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه ، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له ميسرة ، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وخرج في مالها ذلك ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام .

3 حديثه صلى الله عليه وسلم مع الراهب

فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان ، فاطلع الراهب إلى ميسرة ، فقال له : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ قال له ميسرة : هذا رجل من قريش من أهل الحرم ؛ فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي .

ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد أن يشتري ، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة . فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر ، يرى ملكين يظلانه من الشمس - وهو يسير على بعيره - فلما قدم مكة على خديجة بمالها ، باعت ما جاء به ، فأضعف أو قريبا . وحدثها ميسرة عن قول الراهب ، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه . (2 7)

3 خديجة ترغب في الزواج منه صلى الله عليه وسلم

وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة ، مع ما أراد الله بها من كرامته ، فلما أخبرها ميسرة مما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له - فيما يزعمون - : يا ابن عم ، إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك ، وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه نفسها . (2 8)

وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهن شرفا ، وأكثرهن مالا ؛ كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه .

3 نسب خديجة رضي الله عنها

وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .

وأمها : فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر .

وأم فاطمة : هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عمر بن لؤي بن غالب بن فهر .

وأم هالة : قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يتزوج من خديجة بعد استشارة أعمامه

فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه عمه حمزة بن عبدالمطلب ، رحمه الله ، حتى دخل على خويلد ابن أسد ، فخطبها إليه ، فتزوجها . (2 9)

3 صداق خديجة

قال ابن هشام : وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة ، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت ، رضي الله عنها .

3 أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة

قال ابن إسحاق : فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم - إلا إبراهيم - القاسمَ ، وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم ، والطاهر ، والطيب ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة ، عليهم السلام .

3 ترتيب ولادتهم

قال ابن هشام : أكبر بنيه القاسم ، ثم الطيب ، ثم الطاهر ؛ وأكبر بناته رقية ، ثم زينب ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة .

قال ابن إسحاق : فأما القاسم ، والطيب ، والطاهر ، فهلكوا في الجاهلية ؛ وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام ، فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم .

3 إبراهيم وأمه

قال ابن هشام : وأما إبراهيم فأمه مارية القبطية .

حدثنا عبدالله بن وهب عن ابن لهيعة ، قال : أم إبراهيم : مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصنا . (2 10)

3 ورقة يتنبأ له صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل ابن أسد بن عبدالعزى - وكان ابن عمها ، وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب ، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه ؛ فقال ورقة : لئن كان هذا حقا يا خديجة ، إن محمدا لنبي هذه الأمة ، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر ، هذا زمانه ، أو كما قال .

3 شعر لورقة

فجعل ورقة يستبطىء الأمر ويقول : حتى متى ؟ فقال ورقة في ذلك :

لججت وكنت في الذكرى لجوجا لهمّ طالما بعث النشيجا

ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجا (2 11)

بما خبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يهوجا

بأن محمدا سيسود فينا ويخصم من يكون له حجيجا

ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن تموجا (2 12)

فيلقى من يحاربه خسارا ويلقى من يسالمه فلوجا

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم شهدت فكنت أولهم ولوجا

ولوجا في الذي كرهت قريش ولو عجت بمكتها عجيجا

أرجي بالذي كرهوا جميعا إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا

وهل أمر السفالة غير كفر بمن يختار من سمك البروجا

فإن يبقوا وأبق تكن أمور يضج الكافرون لها ضجيجا

وإن أهلك فكل فتى سيلقى من الأقدار متلفة حروجا (2 13)

2 حديث بنيان الكعبة وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر

3 سبب هذا البنيان

قال ابن إسحاق : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة ، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ، وكانوا يهمون (2 14) بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها ، وإنما كانت رضما فوق القامة ، فأرادوا رفعها وتسقيفها ، وذلك أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة ، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة ، وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة .

قال ابن هشام : فقطعت قريش يده .

وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك .

وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم ، فتحطمت ، فأخذوا خشبها ، فأعدوه لتسقيفها ، وكان بمكة رجل قبطي نجار ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحه . وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم ، فتتشرق على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها ، وكانوا يهابونها .

فبينا هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة ، كما كانت تصنع ، بعث الله إليها طائرا (2 15) فاختطفها ، فذهب بها ؛ فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا ، عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وقد كفانا الله الحية .

3 أبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حدث له عند بناء الكعبة

فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها ، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام : عائذ بن عمران بن مخزوم - فتناول من الكعبة حجرا ، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا ، لا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس .

والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني عبدالله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي :

أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو يطوف بالبيت ، فسأل عنه ، فقيل : هذا ابن لجعدة بن هبيرة ؛ فقال عبدالله بن صفوان عند ذلك : جد هذا ، يعني أبا وهب ، الذي أخذ حجرا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها فوثب من يده ، حتى رجع إلى موضعه ، فقال عند ذلك : يا معشر قريش ، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا ، (2 16) لا تدخلوا فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد ، من الناس .

3 شعر في أبي وهب

قال ابن إسحاق : وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شريفا ، وله يقول شاعر من العرب :

ولو بأبي وهب أنخت مطيتي غدت من نداه رحلها غير خائب

بأبيض من فرعَيْ لؤي بن غالب إذا حصلت أنسابها في الذوائب

أبيّ لأخذ الضيم يرتاح للندى توسط جداه فروع الأطايب

عظيم رماد القدر يملا جفانه من الخبز يعلوهن مثل السبائب

3 نصيب قبائل قريش في تجزئة الكعبة

ثم إن قريشا جزأت الكعبة ، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة ، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم ، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم ، ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ، وكان شق الحجر لبني عبدالدار بن قصي ، ولبني أسد بن عبدالعزى بن قصي ، ولبني عدي بن كعب بن لؤي ، وهو الحطيم .

3 الوليد بن المغيرة يبدأ بهدم الكعبة

ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه ، فقال الوليد بن المغيرة : أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ، ثم قام عليها ، وهو يقول : اللهم لم ترع - قال ابن (2 17) هشام : ويقال : لم نزغ - اللهم إنا لا نريد إلا الخير . ثم هدم من ناحية الركنين ، فتربص الناس تلك الليلة ، وقالوا : ننظر ، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه شيء ، فقد رضي الله صنعنا ، فهدمنا .

فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله ، فهدم وهدم الناس معه ، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس ، أساس إبراهيم عليه السلام ، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها بعضا .

3 امتناع قريش عن هدم الأساس وسببه

قال ابن إسحاق : فحدثني بعض من يروي : الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها ، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما ، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها ، فانتهوا عن ذلك الأساس .

3 الكتاب الذي وجد في الركن

قال ابن إسحاق : وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية ، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود ، فإذا هو : أنا الله ذو بكة ، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض ، وصورت الشمس والقمر ، وحففتها بسبعة (2 18) أملاك حنفاء ، لا تزول حتى يزول أخشباها ، مبارك لأهلها في الماء واللبن .

قال ابن هشام : أخشباها : جبلاها .

3 الكتاب الذي وجد في المقام

قال ابن إسحاق : وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه : مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل ، لا يحلها أول من أهلها .

3 حجر الكعبة المكتوب عليه العظة

قال ابن إسحاق : وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجرا في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة ، إن كان ما ذكر حقا ، مكتوبا فيه : من يزرع خيرا يحصد غبطة ، ومن يرزع شرا يحصد ندامة . تعملون السيئات ، وتجزون الحسنات ! أجل ، كما لا يجتنى من الشوك العنب .

3 الاختلاف بين قريش في وضع الحجر

قال ابن إسحاق : ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع (2 19) على حدة ، ثم بنوها ، حتى بلغ البنيان موضع الركن ، فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، حتى تحاوزوا وتحالفوا ، وأعدوا للقتال .

3 لعقة الدم

فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسموا لعقة الدم .

فمكث قريش أربع ليال أو خمسا ، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، وتشاوروا وتناصفوا .

3 أبو أمية بن المغيرة يجد حلا

فزعم بعض أهل الرواية : أن أبا أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وكان عامئذ أسن قريش كلها ؛ قال : يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يضع الحجر

فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، رضينا ، هذا محمد ؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر ، قال صلى الله عليه وسلم : هلم إلي ثوبا ، فأتى به ، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا : حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه هو بيده ، ثم بني عليه . (2 20)

وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أن ينزل عليه الوحي : الأمين .

3 شعر الزبير في الحية التي كانت تمنع قريش من بنيان الكعبة

فلما فرغوا من البنيان ، وبنوها على ما أرادوا ، قال الزبير بن عبدالمطلب ، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها :

عجبت لما تصوبت العقاب إلى الثعبان وهي لها اضطراب

وقد كانت يكون لها كشيش وأحيانا يكون لها وثاب

إذا قمنا إلى التأسيس شدت تهيبنا البناء وقد تهاب

فلما أن خشينا الرجز جاءت عقاب تتلئب لها انصباب

فضمتها إليها ثم خلت لنا البنينان ليس له حجاب

فقمنا حاشدين إلى بناء لنا منه القواعد والتراب

غداة نرفع التأسيس منه وليس على مسوينا ثياب

أعز به المليك بني لؤي فليس لأصله منهم ذهاب

وقد حشدت هناك بنو عدي ومرة قد تقدمها كلاب

فبوأنا المليك بذاك عزا وعند الله يلتمس الثواب (2 21)

قال ابن هشام : ويروي :

وليس على مساوينا ثياب

3 ارتفاع الكعبة وكسوتها

وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا ، وكانت تكسى القباطي ، ثم كسيت البرود ، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف .

2 حديث الحمس

3 قريش تبتدع الحمس

قال ابن إسحاق : وقد كانت قريش - لا أدري أقبل الفيل أم بعده - ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه وأداروه ؛ فقالوا : نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة ، وولاة البيت ، وقطان مكة وساكنها ، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ، ولا مثل منزلتنا ، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا ، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم ، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم ، وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم .

فتركوا الوقوف على عرفة ، والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها ، و أن يفيضوا منها ، إلا أنهم قالوا : نحن أهل الحرم ، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا (2 22) نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس ، والحمس أهل الحرم ، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم ، بولادتهم إياهم ، يحل لهم ما يحل لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم .

3 القبائل التي آمنت مع قريش بالحمس

وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك .

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيد النحوى : أن بني عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك ، وأنشدني لعمرو بن معد يكرب :

أعباس لو كانت شيارا جيادنا بتثليث ما ناصيت بعدي الأحامسا

قال ابن هشام : تثليث : موضع من بلادهم . والشيار : السمان الحسان . يعني بالأحامس : بني عامر بن صعصعة . وبعباس : عباس بن مرداس السلمي ، وكان أغار على بن زبيد بتثليت . وهذا البيت من قصيدة لعمرو .

وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة :

أجذم إليك إنها بنو عبس المعشر الجلة في القوم الحمس

لأن بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة .

3 يوم جبلة

ويوم جبلة : يوم كان بين بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وبين بني عامر بن صعصعة ، فكان الظفر فيه لبني عامر بن صعصعة على بني حنظلة ، وقتل يومئذ لقيط بن زرارة بن (2 23) عدس ، وأسر حاجب بن زرارة بن عدس ، وانهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبدالله ابن دارم بن مالك بن حنظلة . ففيه يقول جرير للفرزدق :

كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا وعمرو بن عمرو إذ دعوا يالدارمِ

وهذا البيت في قصدية له .

3 يوم ذي نجب

ثم التقوا يوم ذي نجب ، فكان الظفر لحنظلة على بني عامر ، وقتل يومئذ حسان بن معاوية الكندي ، وهو ابن كبشة . وأُسر يزيد بن الصعق الكلابي وانهزم الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب ، أبو عمر بن الطفيل . ففيه يقول الفرزدق :

ومنهن إذ نجى طفيل بن مالك على قرزل رجلا ركوض الهزائم

ونحن ضربنا هامة ابن خويلد نزيد على أم الفراخ الجواثم

وهذان البيتان في قصيدة له . (2 24)

فقال جرير :

ونحن خضبنا لابن كبشة تاجه ولاقى امرأ في ضمة الخيل مصقعا

وهذا البيت في قصيدة له .

وحديث يوم جبلة ويوم ذي نجب أطول مما ذكرنا . وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت في حديث يوم الفجار .

3 ما زادته قريش في الحمس

قال ابن إسحاق : ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم ، حتى قالوا : لا ينبغي للحمس ان يأتقطوا الأقط ، ولا يسئلوا السمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيت من شعر ، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما ، ثم رفعوا في ذلك ، فقالوا : لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم ، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا ، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة .

3 اللقى عند الحمس

فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ، ولم يجدوا ثياب الحمس ، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ، ألقاها إذا فرغ من طوافه ، ثم لم ينتفع بها ، ولم يمسها هو ، ولا أحد غيره أبدا .

وكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى . فحملوا على ذلك العرب ، (2 25) فدانت به . ووقفوا على عرفات ، وأفاضوا منها ، وطافوا بالبيت عراة : أما الرجال فيطوفون عراة ، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها ، ثم تطوف فيه .

فقالت امرأة من العرب ، وهي كذلك تطوف بالبيت :

اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها ، فلم ينتفع بها هو ولا غيره .

فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه ، وهو يحبه :

كفى حزنا كري عليها كأنها لقى بين أيدي الطائفين حريم

يقول : لا تمس . (2 26)

3 الإسلام يبطل عادات الحمس

فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل عليه حين أحكم له دينه ، وشرع له سنن حجه : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم ) يعني قريشا . والناس : العرب . فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها .

وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت ، حين طافوا عراة ، وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين . قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق . قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) . (2 27)

فوضع الله تعالى أمر الحمس ، وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس بالإسلام ، حين بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يخالف الحمس قبل الرسالة

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم ، عن عمه نافع بن جبير ، عن أبيه جبير بن مطعم ، قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أن ينزل عليه الوحي ، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له ، صلى الله عليه و آله وسلم تسليما كثيرا .

2 إخبار الكهان من العرب ، والأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ببعثته صلى الله عليه وسلم

3 الكهان والأحبار والرهبان يتحدثون بمبعثه

قال ابن إسحاق : وكانت الأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ، والكهان من العرب ، قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، لما تقارب من زمانه .

أما الأحبار من يهود ، والرهبان من النصارى ، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه ، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه .

وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من (2 28) السمع ، إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم . وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره ، لا تلقي العرب لذلك فيه بالا ، حتى بعثه الله تعالى ، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون ، فعرفوها .

3 قذف الجن بالشهب دلالة على مبعثه صلى الله عليه وسلم

فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه ، حجبت الشيطان عن السمع ، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها ، فرموا بالنجوم ، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد .

يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه ، وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع ، فعرفوا ما عرفوا ، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا : ( قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن ، فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . يهدي إلى الرشد ، فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا . وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا . وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا . وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا . وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ، (2 29) فزادوهم رهقا ) ... إلى قوله : ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ) .

فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك ، لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه ، لوقوع الحجة ، وقطع الشبهة . فآمنوا وصدقوا ، ثم ( ولوا إلى قومهم منذرين . قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ، يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ) ... الآيات

وكان قول الجن : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ، فزادوهم رهقا ) . أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه ، قال : إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه .

قال ابن هشام : الرهق : الطغيان والسفه . قال رؤبة بن العجاج :

إذ تستبي الهيامة المرهقا (2 30)

وهذا البيت في أرجوزة له . والرهق أيضا : طلبك الشيء حق تدنو منه ، أو لا تأخذه . قال رؤبة بن العجاج يصف حمير وحش :

بصبصن واقشعررن من خوف الرهق

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيد النحوى : أن بني عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك ، وأنشدني لعمرو بن معد يكرب :

وهذا البيت في أرجوزة له . والرهق أيضا : مصدر لقول الرجل للرجل : رهقت الإثم أو العسر ، الذي أرهقتني رهقا شديدا ، أي حملت الإثم أو العسر الذي حملتني حملا شديدا ، وفي كتاب الله تعالى : ( فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) .

وقوله : ( ولا ترهقني من أمري عسرا ) .

3 ثقيف أول من فزعت برمى الجن

قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها ، هذا الحي من ثقيف ، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية ، أحد بني علاج - قال : وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا - فقالوا له : يا عمرو : ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ؟ قال : بلى ، فانظروا ، فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البر والبحر ، وتُعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء ، لما يُصلح الناس في معايشهم ، هي التي يرمى بها ، فهو والله طي الدنيا ، وهلاك هذا الخلق الذي فيها ؛ وإن كانت نجوما غيرها ، وهي ثابتة على حالها ، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق ، فما هو ؟ . (2 31)

3 الرسول يسأل الأنصار عن قولهم في رجم الجن بالشهب وتوضيحه للأمر

قال ابن إسحاق : وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن عبدالله بن العباس ، عن نفر من الأنصار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم : ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به ؟ قالوا : يا نبى الله كنا نقول حين رأيناها يرمى بها : مات مَلِك مُلِّك ملك ، ولد مولود مات مولود ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس ذلك كذلك ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حمله العرش ، فسبحوا ، فسبح من تحتهم ، فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك ، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض مم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم ؛ فيقولون : ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا ؟ فيقولون مثل ذلك ، حتى ينتهوا إلى حملة العرش ، فيقال لهم : مم سبحتم ؟ فيقولون : قضى الله في خلقه كذا وكذا ، للأمر الذي كان ؛ فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء (2 32) حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فيتحدثوا به ، فتسترقه الشياطين بالسمع ، على توهم واختلاف ، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به فيخطئون ويصيبون فيتحدث به الكهان ، فيصيبون بعضا ويخُطئون بعضا .

ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يُقذفون بها ، فانقطعت الكهانة اليوم ، فلا كهانة .

قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن أبي جعفر ، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي لبيبة ، عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه بمثل حديث ابن شهاب عنه .

3 الغيطلة وصاحبها

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم : أن امرأة من بني سهم ، يقال لها الغيطلة ، كانت كاهنة في الجاهلية ، فلما جاءها صاحبها في ليلة من الليالي ، فانقض تحتها ، ثم قال : أدر ما أدر ، يوم عقر ونحر ؛ فقالت قريش حين بلغها ذلك : ما يريد ؟ ثم جاءها ليلة أخرى ، فانقض تحتها ، ثم قال : شعوب ما شعوب ، تُصرع فيه كعب لجنوب . فلما بلغ ذلك قريشا ، قالوا : ماذا يريد ، إن هذا لأمر هو كائن ، فانظروا ما هو ؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر واحد بالشعب ، فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته . (2 33)

3 نسب الغيطلة

قال ابن هشام : الغيطلة : من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة ، إخوة مدلج ابن مرة ؛ وهي أم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله :

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا والغياطل

فقيل لولدها : الغياطل ؛ وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص . وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .

3 كاهن جنب يذكر خبر الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني علي بن نافع الجرشي : أن جنبا : بطنا من اليمن ، كان لهم كاهن في الجاهلية ، فلما ذُكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب ، قالت له جنب : انظر لنا في أمر هذا الرجل ، واجتمعوا له في أسفل (2 34) جبله ؛ فنزل عليهم حين طلعت الشمس ، فوقف لهم قائما متكئا على قوس له ، فرفع رأسه إلى السماء طويلا ، ثم جعل ينـزو ، ثم قال : أيها الناس ، إن الله أكرم محمدا واصطفاه ، وطهر قلبه وحشاه ، ومكثه فيكم أيها الناس قليل ، ثم أسند في جبله راجعا من حيث جاء .

3 سواد بن قارب يحدث عمر بن الخطاب عن صاحبه من الجن

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عبدالله بن كعب ، مولى عثمان بن عفان ، أنه حدث : أن عمر بن الخطاب ، بينا هو جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أقبل رجل من العرب داخلا المسجد ، يريد عمر بن الخطاب ؛ فلما نظر إليه عمر رضي الله عنه ، قال : إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد ، ولقد كان كاهنا في الجاهلية . فسلم عليه الرجل ، ثم جلس ، فقال له عمر رضي الله عنه : هل أسلمت ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال له : فهل كنت كاهنا في الجاهلية ؟ فقال الرجل : سبحان الله يا أمر المؤمنين ! لقد خلت فيّ ، واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما (2 35) وليت ؛ فقال عمر : اللهم غفرا ، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا ، نعبد الأصنام ، ونعتنق الأوثان ، حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام ؛ قال : نعم ، والله يا أمير المؤمنين ، لقد كنت كاهنا في الجاهلية ؛ قال : فأخبرني ما جاءك به صاحبك ؛ قال : جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه ، فقال : ألم تر إلى الجن وإبلاسها ، وإياسها من دينها ، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها .

قال ابن هشام : هذا الكلام سجع ، وليس بشعر .

قال عبدالله بن كعب : فقال عمر بن الخطاب عند ذلك يحدث الناس : والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش ، قد ذبح له رجل من العرب عجلا ، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه ، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه ، وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه ، يقول : يا ذريح ، أمر نجيح ، رجل يصيح ، يقول : لا إله إلا الله .

قال ابن هشام : ويقال : رجل يصيح ، بلسان فصيح ، يقول : لا إله إلا الله .

وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر : (2 36)

عجبت للجن وإبلاسها وشدها العيس بأحلاسها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنو الجن كأنجاسها

قال ابن إسحاق : فهذا ما بلغنا من الكهان من العرب . (2 37)

2 إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم

3 اليهود لعنهم الله يعرفونه ويكفرون به

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن رجال من قومه ، قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام ، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا ، لما كنا نسمع من رجال يهود ، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس لنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون ، قالوا لنا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم .

فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه ، حين دعانا إلى الله تعالى ، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به ، فبادرناهم إليه ، فآمنا به ، وكفروا به ، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ) .

قال ابن هشام : يستفتحون : يستنصرون ، ويستفتحون أيضا : يتحاكمون ، وفي كتاب الله تعالى : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) . (2 38)

3 سلمة يذكر حديث اليهودي الذي أنذر بالرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبدالأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش ، وكان سلمة من أصحاب بدر ، قال : كان لنا جار من يهود في بني عبدالأشهل ، قال : فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبدالأشهل - قال سلمة : وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنا ، علي بردة لي ، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار ؛ قال : فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان ، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت ؛ فقالوا له : ويحك يا فلان أوترى هذا كائنا ، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال : نعم ، والذي يحلف به ، ولودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار ، يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه ، بأن ينجو من تلك النار غدا ؛ فقالوا له : ويحك يا فلان ! فما آية ذلك ؟ قال : نبى مبعوث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده إلى مكة واليمن ؛ فقالوا : ومتى تراه ؟ قال : فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا ، فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه .

قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو حي بين أظهرنا ، فآمنا به ، وكفر به بغيا وحسدا ، قال : فقلنا له : ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال : بلى ، ولكن ليس به .

3 ابن الهيبان اليهودي يتسبب في إسلام ثعلبة وأسيد ابني سعية ، وأسد بن عبيد

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال : قال لي : هل تدري عم كان (2 39) إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ، نفر من بني هدل ، إخوة من بني قريظة ، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام . قال : قلت : لا و الله ، قال : فإن رجلا من يهود من أهل الشام ، يقال له : ابن الهيبان ، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين ، فحل بين أظهرنا ، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه ، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له : اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا ؛ فيقول : لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة ؛ فنقول له : كم ؟ فيقول : صاعا من تمر ، أو مدين من شعير . قال : فنخرجها (2 40) ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا . فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى ، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث .

قال : ثم حضرته الوفاة عندنا . فلما عرف أنه ميت ، قال : يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال : قلنا : إنك أعلم ؛ قال : فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه ؛ وهذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه ، وقد أظلكم زمانه ، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود ، فإنه يبعث بسفك الدماء ، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعكم ذلك منه .

فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة ، قال هؤلاء الفتية ، وكانوا شبابا أحداثا : يا بني قريظة ، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان ؛ قالوا : ليس به ؛ قالوا : بلى والله ، إنه لهو بصفته ، فنزلوا وأسلموا ، وأحرزوا دماءهم و أموالهم وأهليهم .

قال ابن إسحاق : فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود . (2 41)

2 حديث إسلام سلمان رضي الله عنه

3 سلمان رضي الله عنه يتشوف إلى النصرانية بعد المجوسية

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبدالله بن عباس ، قال : حدثني سلمان الفارسي ، و أنا أسمع من فيه ، قال : كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ ، وكان أبي دهقان قريته ، وكنت أحب خلق الله إليه ، لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقودها ، لا يتركها تخبو ساعة .

قال : وكانت لأبي ضيعة عظيمة ، قال : فشغل في بنيان له يوما ، فقال لي : يا بني ، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطلعها . وأمرني فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي : ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل شيء من أمرى .

قال : فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس ، لحبس أبي إياي في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت : هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه ، فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ؛ ثم قلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام .

فرجعت إلى أبي ، وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال : أي بني أين كنت ؟ أولم أكن عهدت (2 42) إليك ما عهدت ؟ قال : قلت له : يا أبت ، مررت بأناس يصلون في كنسية لهم ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس ؛ قال : أي بني ، ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه ؛ قال : قلت له : كلا والله ، إنه لخير من ديننا . قال : فخافني ، فجعل في رجلي قيدا ، ثم حبسني في بيته .

3 سلمان يهرب إلى الشام

قال : وبعثت إلى النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم . قال : فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى ، فأخبروني بهم . فقلت لهم : إذا قضوا حوائجهم ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم ، فآذنوني بهم . قال : فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم ، فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام . فلما قدمتها ، قلت : من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا : الأسقفّ في الكنيسة .

3 سلمان مع أسقف النصارى السيىء

قال : فجئته فقلت له : إني قد رغبت في هذا الدين ، فأحببت أن أكون معك ، وأخدمك في كنيستك ، فأتعلم منك ، وأصلي معك ؛ قال : ادخل ، فدخلت معه . قال : وكان رجل سوء ، يأمرهم بالصدقة ، ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنـزه لنفسه ، ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق .

قال : فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ؛ ثم مات ، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه ، فقلت لهم : إن هذا كان رجل سوء ، يأمركم بالصدقة ، ويرغبكم فيها ، فإذا جئتموه بها ، اكتنـزها لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئا . قال : فقالوا لى : وما علمك بذلك ؟ قال : فقلت لهم : أنا أدلكم على كنزه ؛ قالوا : فدلنا عليه ؛ قال : فأريتهم موضعه ، فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا .

قال : فلما (2 43) رأوها قالوا : والله لا ندفنه أبدا . قال : فصلبوه ، ورجموه بالحجارة ، وجاءوا برجل آخر ، فجعلوه مكانه .

3 سلمان مع أسقف النصارى الصالح

قال : يقول سلمان : فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس ، أرى أنه كان أفضل منه وأزهد في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه . قال : فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله مثله . قال : فأقمت معه زمانا طويلا ، ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : يا فلان ، إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أي بني ، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه ، فقد هلك الناس ، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه ، إلا رجلا بالموصل ، وهو فلان ، و هو على ما كنت عليه فالحق به .

3 سلمان يلحق بأسقف الموصل

قال : فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل ، فقلت له : يافلان ، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ، وأخبرني أنك على أمره ؛ قال : فقال لي : أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجوته خير رجل على أمر صاحبه ، فلم يلبث أن مات .

فلما حضرته الوفاة ، قلت له : يا فلان ، إن فلانا أوصي بي إليك ، وأمرني باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني ، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه ، إلا رجلا بنصيبين ، وهو فلان ، فالحق به .

3 سلمان يلحق بأسقف نصيبين

فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين ، فأخبرته خبرى ، وما أمرني به صاحبه ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجدته على أمر صاحبيه . فأقمت مع خير رجل ، فوالله ما لبث أن نزل به الموت ، فلما حُضر قلت له : يا فلان ، إن فلانا (2 44) كان أوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إليك ؛ فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني ، والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم ، فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فأته ، فإنه على أمرنا .

3 سلمان يلحق بصاحب عمورية

فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري ؛ فقال : أقم عندي ، فأقمت عند خير رجل ، علي هدي أصحابه وأمرهم . قال : واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة . قال : ثم نزل به أمر الله تعالى ، فلما حُضر قلت له : يا فلان ، إني كنت مع فلان ، فأوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إلى فلان ، ثم أوصى بي فلان إليك ، فإلى من توصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أي بني ، والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ، ولكنه قد أظل زمان نبي ، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب ، مُهاجَره إلى أرض بين حرتين ، بينهما نخل به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل .

3 سلمان يذهب إلى وادي القرى

قال : ثم مات وغيب ، ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجار ، فقلت لهم : احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ؛ قالوا : نعم . فأعطيتهموها وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني ، فباعوني من رجل يهودي عبدا ، فكنت عنده ، ورأيت النخل ، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يحقّ في نفسي .

3 سلمان يذهب إلى المدينة

فبينا أنا عنده ، إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فاحتملني إلى المدينة ، (2 45) فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها ، وبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقام بمكة ما أقام ، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ، ثم هاجر إلى المدينة .

3 سلمان يسمع بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

فوالله إني لفى رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض العمل ، وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه ، فقال : يا فلان ، قاتل الله بني قيلة ، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم ، يزعمون أنه نبي .

3 نسب قيلة

قال ابن هشام : قيلة : بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، أم الأوس والخزرج .

قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج :

بهاليل من أولاد قيلة لم يجد عليهم خليط في مخالطة عتبا

مساميح أبطال يراحون للندى يرون عليهم فعل آبائهم نحبا

وهذان البيتان في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن عبدالله بن عباس ، قال : قال سلمان : فلما سمعتها أخذتني العُرَوْراء .

قال ابن هشام : و العروراء : الرعدة من البرد والانتفاض ، فإن كان مع ذلك عرق فهي الرُّحَضاء ، وكلاهما ممدود - حتى ظننت أني سأسقط على سيدي ، فنزلت عن النخلة ، فجعلت أقول لابن عمه ذلك : ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ فغضب سيدي ، فلكمني لكمة شديدة ، ثم قال : ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك . قال : قلت : لا شيء ، إنما أردت أن أستثبته عما قال . (2 46)

3 سلمان يستوثق من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

قال : وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء ، فدخلت عليه ، فقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء قد كان عندي للصدقة ، فرأيتكم أحق به من غيركم ، قال : فقربته إليه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا ، وأمسك يده فلم يأكل . قال : فقلت في نفسي : هذه واحدة . قال : ثم انصرفت عنه ، فجمعت شيئا ، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ثم جئته به فقلت له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، فهذه هدية أكرمتك بها . قال : فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وأمر أصحابه فأكلوا معه . قال : فقلت في نفسي : هاتان ثنتان ؛ قال : ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد ، قد تبع جنازة رجل من أصحابه ، و علي شملتان لي ، وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ، ثم استدرت أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ؛ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبله وأبكي ؛ فقال لي رسول الله (2 47) صلى الله عليه وسلم : تحول ، فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلمان الرقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد .

3 سلمان يفتك نفسه من الرق بأمر رسول الله ومساعدته صلى الله عليه وسلم

قال سلمان : ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب يا سلمان ؛ فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أحييها له بالفقير ، وأربعين أوقية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم ، فأعانوني بالنخل ، الرجل بثلاثين وَدِيَّة ، والرجل بعشرين ودية ، والرجل بخمس عشرة ودية ، والرجل بعشر ، يعين الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية ؛ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب يا سلمان ففقِّر لها ، فإذا فرغت فأتني أكنْ أنا أضعها بيدي .

قال : ففقَّرت وأعانني أصحابي ، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها ، فجعلنا نقرب إليه الودي ، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، حتى فرغنا . فوالذي (2 48) نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة .

قال : فأديت النخل وبقي عليّ المال . فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب ، من بعض المعادن ، فقال : ما فعل الفارسي المكاتب ؟ قال : فدعيت له ، فقال : ( خذ هذه ، فأدها مما عليك يا سلمان ) قال : قلت : وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟ فقال : خذها فإن الله سيؤدي بها عنك .

قال : فأخذتها فوزنت لهم منها ، والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية ، فأوفيتهم حقهم منها ، وعتق سلمان . فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق حرا ، ثم لم يفتني معه مشهد .

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن رجل من عبدالقيس عن سلمان : أنه قال : لما قلت : وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ، ثم قال : خذها فأوفهم منها ، فأخذتها ، فأوفيتهم منها حقهم كله ، أربعين أوقية .

3 حديث سلمان مع الرجل الذي بعمورية

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة ، قال : حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبدالعزيز بن مروان ، قال : حُدثت عن سلمان الفارسي : أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين أخبره خبره : إن صاحب عمورية قال له : ائت (2 49) كذا وكذا من أرض الشام ، فإن بها رجلا بين غيضتين ، يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا ، يعترضه ذوو الأسقام ، فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي ، فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي ، فهو يخبرك عنه . قال سلمان : فخرجت حتى أتيت حيث وصف لي ، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك ، حتى خرج لهم تلك الليلة ، مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى ، فغشيه الناس بمرضاهم ، لا يدعو لمريض إلا شفي ، وغلبوني عليه ، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل ، إلا منكبه .

قال : فتناولته ، فقال : من هذا ؟ والتفت إلي ، فقلت : يرحمك الله ، أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم . قال : إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم ، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم ، فأته فهو يحملك عليه . قال : ثم دخل .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان : لئن كنت صدقتني يا سلمان ، لقد لقيت عيسى بن مريم ، على نبينا وعليه السلام . (2 50)

2 ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل

3 تشككهم في الوثنية

قال ابن إسحاق : واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم ، كانوا يعظمونه وينحرون له ، ويعكفون عنده ، ويديرون به ، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما ، فخلص منهم أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض : تصادقوا وَلْيَكْتُم بعضكم على بعض ؛ قالوا : أجل . وهم : ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي ؛ وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب ، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ؛ وزيد بن (2 51) عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ؛ فقال بعضهم لبعض : تعلموا والله ما قومكم على شيء ! لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ! ما حجر نُطيف به ، لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا ، فإنكم والله ما أنتم على شيء . فتفرقوا في البلدان يلتسمون الحنيفية ، دين إبراهيم .

3 تنصر ورقة وابن جحش

فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ، واتبع الكتب من أهلها ، حتى علم علما من أهل الكتاب .

وأما عبيد الله بن جحش ، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة ؛ فلما قدمها تنصر ، وفارق الإسلام ، حتى هلك هنالك نصرانيا .

3 ابن جحش يغري مهاجري الحبشة على التنصر

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : كان عبيد الله (2 52) بن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم هنالك من أرض الحبشة ، فيقول : فقَّحْنا وصأصأتم ، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ، ولم تبصروا بعد . وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر ، صأصأ لينظر . وقوله : فقح : فتح عينيه .

3 رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلف على زوجة ابن جحش بعد وفاته

قال ابن إسحاق : وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن علي بن حسين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري ، فخطبها عليه النجاشي ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار .

فقال محمد بن علي : ما نرى عبدالملك بن مروان وقف صداق النساء على أربعمائة دينار إلا عن ذلك . وكان الذي أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص .

3 تنصر ابن الحويرث ، وقدومه على قيصر

قال ابن إسحاق : وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم ، فتنصَّر وحسنت منزلته عنده . (2 53)

قال ابن هشام : ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث ، منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار .

3 زيد بن عمرو يتوقف عن جميع الأديان

قال ابن إسحاق : وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية ، وفارق دين قومه ، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان (2 54) ونهى عن قتل الموءودة ، وقال : أعبد رب إبراهيم ؛ وبادى قومه بعيب ما هم عليه .
قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه ، عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت : لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة ، وهو يقول : يا معشر قريش ، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ، ولكني لا أعلمه ، ثم يسجد على راحلته . (2 55)

قال ابن إسحاق : وحدثت أن ابنه ، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وعمر بن الخطاب ، وهو ابن عمه ، قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتستغفر لزيد بن عمرو ؟ قال : نعم ، فإنه يُبعث أمة وحده .

3 شعر زيد في فراق الوثنية

وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه ، وما كان لقي منهم في ذلك :

أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تُقسمت الأمورُ

عزلت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الجلد الصبور

فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمَيْ بن عمرو أزور

ولا هبلا أدين وكان ربا لنا في الدهر إذ حلمي يسير

عجبت وفي الليالي مُعجبات وفي الأيام يعرفها البصير

بأن الله قد أفنى رجالا كثيرا كان شأنهم الفجور

وأبقى آخرين ببر قوم فيربِل منهم الطفل الصغير (2 56)

وبينا المرء يفتر ثاب يوما كما يتروّح الغصن المطير

ولكن أعبدالرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور

فتقوى الله ربكم احفظوها متى ما تحفظوها لا تبوروا

ترى الأبرار دارهمُ جنان وللكفار حامية سعير

وخزي في الحياة وإن يموتوا يلاقوا ما تضيق به الصدور

وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا - قال ابن هشام : هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له ، إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتا . وعجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق - :

إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا وقولا رصينا لا يـَني الدهر باقيا

إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه إله ولا رب يكون مدانيا

ألا أيها الإنسان إياك والردى فإنك لا تخفي من الله خافيا

وإياك لا تجعل مع الله غيره فإن سبيل الرشد أصبح باديا

حنانيك إن الحن كانت رجاءهم وأنت إلهي ربنا ورجائيا

رضيت بك اللهم ربَّا فلن أرى أدين إلها غيرك الله ثانيا (2 57)

أدين لرب يُستجاب و لا أرى أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا

وأنت الذي من فضل منّ ورحمة بعثت إلى موسى رسولا مناديا

فقلت له يا اذهب وهارون فادعوا إلى الله فرعون الذي كان طاغيا

وقولا له : أأنت سويت هذه بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا

وقولا له : أأنت رفعت هذه بلا عمد أرفقْ إذا بك بانيا

وقولا له : أأنت سويت وسطها منيرا إذا ما جنه الليل هاديا

وقولا له : من يرسل الشمس غدوة فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا (2 58)

وقولا له : من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه البقل يهتز رابيا

ويخرج منه حبه في رءوسه وفي ذاك آيات لمن كان واعيا

وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا

وإني ولو سبحت باسمك ربنا لأكثر ، إلا ما غفرت ، خطائيا

فرب العباد ألقِ سيبا ورحمة علي وبارك في بَنيَّ وماليا

وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرمي -

3 نسب الحضرمي

قال ابن هشام : واسم الحضرمي : عبدالله بن عماد بن أكبر أحد الصدف ، واسم الصدف : عمرو بن مالك أحد السكون بن أشرس بن كندي ؛ ويقال : كندة بن ثور بن مرتع بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ؛ ويقال : مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ .

3 زيد يعاتب زوجته لمنعها له عن البحث في الحنيفية

قال ابن إسحاق : وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل ، وكان (2 59) الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لأمه ، وكان يعاتبه على فراق دين قومه ، وكان الخطاب قد وكَّل صفية به ، وقال : إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به - فقال زيد :

لا تحبسيني في الهوا ن صفيَّ ما دأبي ودابُهْ

إني إذا خفت الهوا ن مشيع ذُلُل ركابه

دعموص أبواب الملو ك وجائب للخرق نابه

قطاع أسباب تذ لّ بغير أقران صعابه

وإنما أخذ الهوا ن العير إذ يوهي إهابه

ويقول إني لا أذ لّ بصك جنبيه صلابه

وأخي ابن أمي ثم عمّي لا يُواتيني خطابه

وإذا يعاتبني بسو ء قلت أعياني جوابه

ولو أشاء لقلت ما عندي مفاتحه وبابه

3 قول زيد حين يستقبل الكعبة

قال ابن إسحاق : وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل ، أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد ، قال : لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا .

عذت بما عاذ به إبراهيمْ مستقبل القبلة وهو قائم (2 60)

إذ قال :

أنفي لك اللهم عان راغمْ مهما تجشمني فإني جاشم

البرَّ أبغي لا الخال ، ليس مُهجِّر كمن قال .

قال ابن هشام : ويقال : البر أبقى لا الخال ، ليس مهجر كمن قال .

قال : وقوله ( مستقبل الكعبة ) عن بعض أهل العلم .

قال ابن إسحاق : وقال زيد بن عمرو بن نفيل :

وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا

دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا

إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا

3 الخطاب يؤذي زيدا ويحاصره

وكان الخطاب قد آذى زيدا ، حتى أخرجه إلى أعلى مكة ، فنزل حراء مقابل مكة ، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائها ، فقال لهم : لا تتركوه يدخل مكة ؛ فكان لا يدخلها إلا سرا منهم ، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم ، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه .

فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه : (2 61)

لاهُمَّ إني محرم لا حِلَّهْ وإن بيتي أوسط المحلَّهْ

عند الصفا ليس بذي مَضلَّهْ

3 زيد يرحل إلى الشام وموته

ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ، ويسأل الرهبان والأحبار ، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل فجال الشام كله ، حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون ، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم ؛ فقال : إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها ، يُبعث بدين إبراهيم الحنيفية ، فالحق بها ، فإنه مبعوث الآن ، هذا زمانه .

وقد كان شامَّ اليهودية والنصرانية ، فلم يرض شيئا منهما ، فخرج سريعا ، حين قال له ذلك الراهب ما قال ، يريد مكة ، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه .

3 ورقة يرثي زيدا

فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه :

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا (2 62)

بدينك ربا ليس رب كمثله وتركك أوثان الطواغي كما هيا

وإدراكك الدين الذي قد طلبته ولم تك عن توحيد ربك ساهيا

فأصبحت في دار كريم مقامها تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيا

تلاقي خليل الله فيها ولم تكن من الناس جبارا إلى النار هاويا

وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ولو كان تحت الأرض سبعين واديا

قال ابن هشام : يروى لأمية بن أبي الصلت البيتان الأولان منها ، وآخرها بيتا في قصيدة له ، وقوله : ( أوثان الطواغي ) عن غير ابن إسحاق . (2 63)

2 صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنجيل

3 يحنس الحواري يثبت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم من الإنجيل

قال ابن إسحاق : وقد كان ، فيما بلغني عما كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما أثبتت يحُنَّس الحواري لهم ، حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى بن مريم عليه السلام في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال : من أبغضني فقد أبغض الرب ، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ، ما كانت لهم خطيئة ، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني ، وأيضا للرب ، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس : أنهم أبغضوني مجَّانا ، أي باطلا . فلو قد (2 64) جاء اُلمنْحَمَنَّا هذا الذي يُرسله الله إليكم من عند الرب ، وروح القدس ، هذا الذي من عند الرب خرج ، فهو شهيد علي وأنتم أيضا ، لأنكم قديما كنتم معي في هذا قلت لكم : لكيما لا تشكوا .

والمنحمنا بالسريانية : محمد ، وهو بالرومية : البرَقْلِيطس ، صلى الله عليه و آله و سلم .

2 مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

3 أخذ الله الميثاق على الرسل الإيمان به صلى الله عليه وسلم

قال حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال : فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم (2 65) أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيرا ، وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به ، والتصديق له ، والنصر له على من خالفه ، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم ، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه .
يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( وإذ أخذ الله ميثاق النيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ، لتؤمنن به ولتنصرنه ، قال : أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) : أي ثقل ما حملتكم من عهدي ( قالوا أقررنا ، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) . فأخذ الله ميثاق النبيين (2 66) جميعا بالتصديق له ، والنصر له ممن خالفه ، وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابـين .

3 الرؤيا الصادقة أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فذكر الزهري عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته : أن أول ما بُدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة ، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به ، الرؤيا الصادقة ، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح . قالت : وحبب الله تعالى إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده .

3 سلام الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالملك بن عبيد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي ، وكان واعية ، عن بعض أهل العلم :

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته ، وابتدأه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها ، فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله .

قال : فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم (2 67) حوله وعن يمينه وشماله وخلفه ، فلا يرى إلا الشجر والحجارة . فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ، ما شاء الله أن يمكث ، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله ، وهو بحراء في شهر رمضان . (2 68)

3 نزول جبريل عليه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني وهب بن كيسان ، مولى آل الزبير ، قال : سمعت عبدالله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي : حدثنا يا عبيد ، كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة ، حين جاءه جبريل عليه السلام ؟ قال : فقال : عبيد - وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس - : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا ، وكان ذلك مما تحنَّث به قريش في الجاهلية . والتحنث التبرر .

قال ابن إسحاق : وقال أبو طالب :

وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه وراق ليرقى في حراء ونازلِ

3 التحنث والتحنف

قال ابن هشام : تقول العرب : التحنث والتحنف ، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء ، كما قالوا : جدف ، وجدث ، يريدون القبر . قال رؤبة بن العجاج : (2 69)

لو كان أحجاري مع الأجداف

يريد : الأجداث . وهذا البيت في أرجوزة له . وبيت أبي طالب في قصيدة له ، سأذكرها إن شاء الله في موضعها .

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول : فم ، في موضع ثم ، يبدلون الفاء من الثاء .

قال ابن إسحاق : و حدثني وهب بن كيسان قال : قال عبيد : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك يجاور الشهر من كل سنة ، يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك ، كان أول ما يبدأ به ، إذا انصرف من جواره ، الكعبة ، قبل أن يدخل بيته ، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته ، (2 70) حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته ، من السنة التي بعثه الله تعالى فيها ؛ وذلك الشهر شهر رمضان ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء ، كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ، ورحم العباد بها ، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فجاءني جبريل ، وأنا نائم ، بنمط من (2 71) ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ ؛ قال : قلت : ما أقرأ ؟ قال : فغتَّني (2 72) به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ قال : قلت : ما أقرأ ؟ قال : فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ؛ قال : قلت : ماذا أقرأ ؟ قال : فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ؛ قال : فقلت : ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي ؛ فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ) . قال : فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتابا . قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ؛ قال : فرفعت رأسي إلى السماء أنظر ، فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول : يا (2 73) محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ؛ قال : فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال : فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ؛ ثم انصرف عني .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر خديجة رضي الله عنها بنـزول جبريل عليه

وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها : فقالت : يا أبا القاسم ، أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا ابن عم واثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة .

3 خديجة رضي الله عنها تخبر ورقة بن نوفل حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم

ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وهو ابن عمها ، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب ، وسمع من أهل التوراة والإنجيل ، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى وسمع ؛ فقال ورقة بن نوفل : قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر (2 74) الذي كان يأتي موسى ، وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له : فليثبت .

فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف ، صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها ، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال : يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له ورقة : والذي نفسي بيده ، إنك لنبي هذه الأمة ، وقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه ، فقبل يافوخه ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله .

3 تثبت خديجة رضي الله عنها من الوحي

قال ابن إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير : أنه حُدث عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ابن عم ، أتستطيع (2 75) أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال : نعم ؛ قالت : فإذا جاءك فأخبرني به .

فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة : يا خديجة ، هذا جبريل قد جاءني ؛ قالت : قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى ؛ قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها ؛ قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ؛ قالت : فتحولْ فاجلس على فخذي اليمنى ؛ قال : فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى ؛ فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحول فاجلس في حجري ؛ قالت : فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها ؛ قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ؛ قال : فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ، ثم قالت له : هل تراه ؟ قال : لا ؛ قالت : يا ابن عم ، اُُثبت وأبشر ، فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان .

قال ابن إسحاق : وقد حدثت عبدالله بن حسن هذا الحديث ، فقال : قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة ، إلا أني سمعتها تقول : أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها ، فذهب عند ذلك جبريل ، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا لملك وما هو بشيطان . (2 76)

2 ابتداء تنـزيل القرآن

3 متى نزل القرآن

قال ابن إسحاق : فابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنـزيل في شهر رمضان ، بقول الله عز وجل : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) . وقال الله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر .وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر . تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر . سلام هي حتى مطلع الفجر ) . وقال الله تعالى : ( حم والكتاب المبين . إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم . أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ) . وقال تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) . وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر .

3 تاريخ وقعة بدر

قال ابن إسحاق : وحدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة ، صبيحة سبع عشرة من رمضان .

قال ابن إسحاق : ثم تتامّ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه ، قد قبله بقبوله ، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم ، والنبوة أثقال ومؤنة ، لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه ، لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه وتعالى .

قال : فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله ، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى . (2 77)

2 إسلام خديجة بنت خويلد

3 وقوفها بجانبه صلى الله عليه وسلم

وآمنت به خديجة بنت خويلد ، وصدقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله ، وصدق بما جاء منه . فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه ، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس ، رحمها الله تعالى .

3 تبشير الرسول لخديجة ببيت من قصب

قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أُبشِّر خديجة ببيت من قصب ، لا صخب فيه ولانصب . (2 78) (2 79) قال ابن هشام : القصب ههنا : اللؤلؤ المجوف .

3 جبريل يقرىء خديجة السلام من ربها

قال ابن هشام : وحدثني من أثق به ، أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : أقرىء خديجة السلام من ربها ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا خديجة ، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك ، فقالت خديجة : الله السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام . (2 80)

3 فترة الوحي ونزول سورة الضحى

قال ابن إسحاق : ثم فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك ، حتى شق ذلك عليه فأحزنه ، فجاءه جبريل بسورة الضحى ، يقسم له ربه ، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به ، ما ودعه وما قلاه ، فقال تعالى : ( والضحى والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى ) . يقول : ما صرمك فتركك ، وما أبغضك منذ أحبك . ( وللآخرة خير لك من الأولى ) : أي لما عندي من مرجعك إلي ، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا . ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) من الفُلْج في الدنيا ، والثواب في الآخرة . ( ألم يجدك يتيما فآوى . ووجدك ضالا فهدى . ووجدك عائلا فأغنى ) يعرفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره ، ومنِّه عليه في يتمه وعيلته وضلالته ، واستنقاذه من ذلك كله برحمته .

3 تفسير ابن هشام لمفردات سورة الضحى

قال ابن هشام : سجى : سكن . قال أمية بن أبي الصلت الثقفي :

إذ أتى موهنا وقد نام صحبي وسجا الليل بالظلام البهيم

وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال للعين إذا سكن طرفها : ساجية ، وسجا طرفها .

قال جرير بن الخطفى :

ولقد رمينك حين رحن بأعين يقتلن من خلل الستور سواجي (2 81)

وهذا البيت في قصيدة له . والعائل : الفقير . قال أبو خراش الهذلي :

إلى بيته يأوي الضريك إذا شتا ومستنبح بالي الدريسين عائل

وجمعه : عالة وعيل . وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله . والعائل أيضا : الذي يعول العيال . والعائل أيضا : الخائف . وفي كتاب الله تعالى : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) . وقال أبو طالب :

بميزان قسط لا يخس شعيرة له شاهد من نفسه غيرُ عائل

وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها أن شاء الله في موضعها . والعائل أيضا : الشيء المثقل المعيي . يقول الرجل : قد عالني هذا الأمر : أي أثقلني وأعياني ، قال الفرزدق :

ترى الغر الجحاجح من قريش إذا ما الأمر في الحدثان عالا

وهذا البيت في قصيدة له .

( فأما اليتيم فلا تقهر . وأما السائل فلا تنهر ) : أي لا تكن جبارا ولا متكبرا ، ولا فحاشا فظا على الضعفاء من عباد الله . ( وأما بنعمة ربك فحدث ) : أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته (2 82) من النبوة فحدث ، أي اذكرها وادع إليها ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله .

2 ابتداء ما افترض الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة وأوقاتها

وافتُرضت الصلاة عليه ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته .

3 افترضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيدت

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت عليه ركعتين ركعتين ، كل صلاة ؛ ثم إن الله تعالى أتمها في الحضر أربعا ، وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين . (2 83)

3 جبريل يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم : أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتاه جبريل وهو بأعلى مكة ، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريل عليه السلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ، ليريه كيف الطهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ ، ثم قام به جبريل فصلى به ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ، ثم انصرف جبريل عليه السلام .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم خديجة الوضوء والصلاة

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل ، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ثم صلى بها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما صلى به جبريل فصلت بصلاته . (2 84)

3 جبريل يعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة

قال ابن إسحاق : وحدثني عتبة بن مسلم ، مولى بني تميم ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، وكان نافع كثير الرواية ، عن ابن عباس قال : لما افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام ، فصلى به الظهر حين مالت الشمس ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس ، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق ، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر ، ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس ، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول ، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق ، ثم قال : يا محمد ، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس .

2 ذكر أن علي بن أبي طالب رضي لله عنه أول ذكر أسلم

قال ابن إسحاق : ثم كان أول ذَكَر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب (2 85) ابن عبدالمطلب بن هاشم ، رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين .

3 نعمة الله على علي بنشأته في كنف الرسول

وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام .

3 سبب هذه النشأة

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج ، قال : كان من نعمة الله علي علي بن أبي طالب ، ومما صنع الله له ، وأراده به من الخير ، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه ، وكان من أيسر بني هاشم ، يا عباس : إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه ، فلنخفف عنه من عياله ، آخذ من بنيه رجلا ، وتأخذ أنت رجلا ، فنكلهما عنه ؛ فقال العباس : نعم .

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب ، فقالا له : إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ؛ فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما - قال ابن هشام : ويقال : عقيلا وطالبا - .

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ، فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ؛ فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى (2 86) نبيا ، فاتبعه علي رضي الله عنه ، وآمن به وصدقه ؛ ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي يخرجان إلى الصلاة في شعب مكة واكتشاف أبي طالب لهما

قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ، ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا . فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا . ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي ! ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ قال : أي عم ، هذا دين الله ، ودين ملائكته ، ودين رسله ، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - بعثني الله به رسولا إلى العباد ، وأنت أي عم ، أحق من بذلت له النصيحة ، ودعوته إلى الهدى ، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه ، أو كما قال ؛ فقال أبو طالب : أي ابن أخي ، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت .

وذكروا أنه قال لعلي : أي بني ، ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ فقال : يا أبت ، آمنت بالله وبرسول الله ، وصدقته بما جاء به ، وصليت معه لله واتبعته . فزعموا أنه قال له : أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه . (2 87)

2 إسلام زيد بن حارثة ثانيا

قال ابن إسحاق : ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبدالعزى ابن امرئ القيس الكلبي ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أول ذكر أسلم ، وصلى بعد علي بن أبي طالب .

3 نسب زيد

قال ابن هشام : زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبدالعزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة .

وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق ، فيهم زيد بن حارثة وصيف ، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد ، وهي يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها : اختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك ؛ فاختارت زيدا فأخذته ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ، فاستوهبه منها ، فوهبته له ، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه ، وذلك قبل أن يوحى إليه .

3 شعر حارثة أبي زيد عندما فقده

وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا ، وبكى عليه حين فقده ، فقال :

بكيت على زيد ولم أدر ما فعلْ أحيّ فيرُجى أم أتى دونه الأجلْ

فوالله ما أدرى وإني لسائل أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل

ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل (2 88)

تذكَّرْنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل

وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجل

سأُعمل نص العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

حياتي أو تأتي علي منيتي فكل امرىء فان وإن غره الأمل

ثم قدم عليه وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شئت فأقم عندي ، وإن شئت فانطلق مع أبيك ، فقال : بل أقيم عندك . فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فصدقه وأسلم ، وصلى معه ؛ فلما أنزل الله عز وجل : ( أُدعوهم لآبائهم ) . قال : أنا زيد بن حارثة .

2 إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه وشأنه

3 نسبه

قال ابن إسحاق : ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة ، واسمه عتيق ، واسم أبي قحافة : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر . (2 89)

3 اسمه ولقبه

قال ابن هشام : واسم أبي بكر : عبدالله ، وعتيق : لقب لحسن وجهه وعتقه .

3 إسلامه

قال ابن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه : أظهر إسلامه ، ودعا إلى الله وإلى رسوله .

3 إيلاف قريش له ودعوته للإسلام

وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه ، محببا سهلا ، وكان أنسب قريش لقريش ، وأعلم قريش بها ، وبما كان فيها من خير وشر ؛ وكان رجلا تاجرا ، ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته ، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه ، ممن يغشاه ويجلس إليه . (2 90)

2 ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر رضي الله عنه

3 إسلام عثمان ، و الزبير و عبدالرحمن و سعد و طلحة

قال فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب .

والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي .

وعبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .

وسعد بن أبي وقاص ، واسم أبي وقاص : مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن مرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي . (2 91)

وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فيما بلغني : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ، ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ، ما عكم عنه حين ذكرته له ، وما تردد فيه .

قال ابن هشام : قوله : ( بدعائه ) عن غير ابن إسحاق .

قال ابن هشام : قوله : عكم : تلبث . قال رؤبة بن العجاج :

وانصاع وثَّاب بها وما عكم

قال ابن إسحاق : فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام ، فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاءه من الله .

3 إسلام أبي عبيدة

ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح ، واسمه عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال ابن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر .

3 إسلام أبي سلمة

وأبو سلمة ، واسمه عبدالله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي .

3 إسلام الأرقم

والأرقم بن أبي الأرقم . واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد - وكان أسد يكنى أبا جندب - بن عبدالله بن (2 92) عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي .

3 إسلام عثمان بن مظعون وأخويه

وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . وأخواه قدامة وعبدالله ابنا مظعون بن حبيب .

3 إسلام عبيدة بن الحارث

وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي .

3 إسلام سعيد بن زيد وامرأته

وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته فاطمة بنت الخطاب ابن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي ، أخت عمر بن الخطاب .

3 إسلام أسماء وعائشة ابنتي أبي بكر ، وخباب بن الأرت

وأسماء بنت أبي بكر . وعائشة بنت أبي بكر ، وهي يومئذ صغيرة . وخباب بن الأرت ، حليف بني زهرة .

قال ابن هشام : خباب بن الأرت من بني تميم ، ويقال : هو من خزاعة . (2 93)

3 إسلام عمير وابن مسعود وابن القاري

قال ابن إسحاق : وعمير بن أبي وقاص ، أخو سعد بن أبي وقاص . وعبدالله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد بن هذيل . ومسعود بن القاري ، وهو مسعود ابن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبدالعزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن عائذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة من القارة .

3 شئ عن القارة

قال ابن هشام : والقارة : لقب لهم ولهم يقال :

قد أنصف القارة من راماها

وكانوا قوما رماة .

3 إسلام سليط وأخيه ، وعياش وامرأته ، وخنيس ، وعامر

قال ابن إسحاق : وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ؛ وأخوه حاطب بن عمرو . وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية . وخنيس بن حذافة بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . وعامر بن ربيعة ، من عنـز بن وائل ، حليف آل الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى . (2 94)

قال ابن هشام : عنـز بن وائل أخو بكر بن وائل ، من ربيعة بن نزار .

3 إسلام ابني جحش ، وجعفر وامرأته ، وحاطب وإخوته ونسائهم ، والسائب ، والمطلب وامرأته

قال ابن إسحاق : وعبدالله ابن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة . وأخوه أبو أحمد بن جحش ، حليفا بني أمية بن عبد شمس .

وجعفر بن أبي طالب ؛ وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة ، من خثعم ، وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبدالله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ، وأخوه حطاب بن الحارث ؛ وامرأته فكيهة بنت يسار .

ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي .

والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب .

والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي ، وامرأته : رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي .

3 إسلام نعيم والنحام

و النحام ، واسمه نُعيم بن عبدالله بن أسيد ، أخو بني عدي بن كعب بن لؤي .

3 نسب نعيم

قال ابن هشام : هو نعيم بن عبدالله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي ، وإنما سمي النحام ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لقد سمعت نحْمه في الجنة .

قال ابن هشام : نحمه : صوته . و نحمه : حسه . (2 95)

3 إسلام عامر بن فهيرة

قال ابن إسحاق : وعامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه .

3 نسبه

قال ابن هشام : عامر بن فُهيرة مولَّد من مولدي الأسد ، أسود اشتراه أبو بكر رضي الله عنه منهم .

3 إسلام خالد بن سعيد ونسبه وإسلام امرأته أمينة

قال ابن إسحاق : وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته أُمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو ، من خزاعة .

قال ابن هشام : ويقال : همُينة بنت خلف .

3 إسلام حاطب وأبي حذيفة

قال ابن إسحاق : وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر .

وأبو حذيفة ، واسمه مهشم - فيما قال ابن هشام - بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .

3 إسلام واقد وشيء من خبره

وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، حليف بني عدي بن كعب .

قال ابن هشام : جاءت به باهلة ، فباعوه من الخطاب بن نفيل ، (2 96) فتبناه ، فلما أنزل الله تعالى : ( ادعوهم لآبائهم ) قال : أنا واقد بن عبدالله ، فيما قال أبو عمرو المدني .

3 إسلام بني البكير

قال ابن إسحاق : وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بني عدي بن كعب .

3 إسلام عمار بن ياسر حليف بني مخزوم بن يقظة

و عمار بن ياسر ، حليف بني مخزوم بن يقظة .

قال ابن هشام : عمار بن ياسر عنسي من مذحج .

3 إسلام صهيب

قال ابن إسحاق : و صهيب بن سنان ، أحد النمر بن قاسط ، حليف بني تميم بن مرة .

3 نسب صهيب

قال ابن هشام : النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، ويقال : أفصى بن دُعْميّ بن جديلة بن أسد ؛ ويقال : صهيب : مولى عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، ويقال : إنه رومي .

فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط ، إنما كان أسيرا في أرض الروم ، فاشتُري منهم . وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم : صهيب سابق الروم . (2 97)

2 مباداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ، وما كان منهم

3 أمر الله له صلى الله عليه وسلم بمباداة قومه

قال ابن إسحاق : ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء ، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة ، وتحدث به . ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادي الناس بأمره ، وأن يدعو إليه ؛ وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه ؛ ثم قال الله تعالى له : ( فاصدع بما تؤمر ، وأعرض عن المشركين ) . وقال تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين . واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين . وقل إني أنا النذير المبين ) .

3 معنى اصدع بما تؤمر

قال ابن هشام : اصدع : افرق بين الحق والباطل .

قال أبو ذؤيب الهذلي ، واسمه خويلد بن خالد ، يصف أُتن وحش وفحلها :

وكأنهن ربابة وكأنه يَسَر يُفيض على القداح ويصدعُ (2 98)

أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها . وهذا البيت في قصيدة له .

وقال رؤبة بن العجاج :

أنت الحليم والأمير المنتقم تصدع بالحق وتنفي من ظلمْ

وهذان البيتان في أرجوزة له .

3 خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه للصلاة في الشعب

قال ابن إسحاق : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ، ذهبوا في الشعاب ، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم ، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بِلَحْي بعير ، فشجه ، فكان أول دم هُريق في الإسلام .

3 عداوة قومه له صلى الله عليه و سلم ، ومساندة أبي طالب له

قال ابن إسحاق : فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله ، لم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها ؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته ، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام ، وهم قليل مستخفون ، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه أبو طالب ، ومنعه وقام دونه ، (2 99) ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله ، مظهرا لأمره ، لا يرده عنه شيء .

فلما رأت قريش ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه ، من فراقهم وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه ، وقام دونه ، فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب . وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .

قال ابن هشام : واسم أبي سفيان : صخر .

قال ابن إسحاق : وأبو البختري ، و اسمه العاص بن هشام بن الحارث ابن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .

قال ابن هشام : أبو البختري : العاص بن هاشم .

قال ابن إسحاق : والأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي . وأبو جهل - واسمه عمرو ، وكان يكنى أبا الحكم - بن هشام بن المغيرة بن (2 100) عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي . والوليد بن المغيرة بن عبدالله ابن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي . و نُبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . والعاص بن وائل .

قال ابن هشام : العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي .

3 وفد قريش يعاتب أبا طالب في شأن الرسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : أو من مشى منهم . فقالوا : يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ؛ فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه ؛ فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه .

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يستمر في دعوته

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هو عليه ، يظهر دين الله ، ويدعو إليه ، ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها ، فتذامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه .

3 رجوع الوفد إلى أبي طالب مرة ثانية

ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ، فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنـزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى (2 101) تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، أوكما قالوا له . ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه .

3 ما دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي طالب

قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدث : أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له ، فأبقِ علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ؛ قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته . قال : ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى ثم قام ؛ فلما ولى ناداه أبو طالب ، فقال : أقبل يا ابن أخي ؛ قال : فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .

3 قريش تعرض عمارة بن الوليد المخزومي على أبي طالب

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول (2 102) الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعُمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له - فيما بلغني - : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل ؛ فقال : والله لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون ابدا .

قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي : و الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ؛ فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظارهة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك ، أو كما قال . قال : فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم بعضا .

3 شعر أبي طالب في التعريض بالمطعم ومن خذله من عبد مناف

فقال أبو طالب عند ذلك ، يعرض بالمطعم بن عدي ، ويُعم من خذله من بني عبد مناف ، ومن عاداه من قبائل قريش ، ويذكر ما سألوه ، وما تباعد من أمرهم :

ألا قل لعمرو والوليد ومطعم ألا ليت حظي من حياطتكم بكْرُ (2 103)

من الخور حبحاب كثير رُغاؤه يُرش على الساقين من بوله قطر

تخلف خلف الوِرْد ليس بلاحق إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر

أرى أخوينا من أبينا وأمنا إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمر ولكن تجرجما كما جُرجمت من رأس ذي علق الصخر

أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا هما نبذانا مثل ما يُنبذ الجمر

هما أغمزا للقوم في أخويهما فقد أصبحا منهم أكفهما صِفْرُ

هما أشركا في المجد من لا أبا له من الناس إلا أن يُرس له ذكر

وتيم ومخزوم وزُهرة منهمُ وكانوا لنا مولى إذا بُغي النصر

فوالله لا تنفك منا عداوة ولا منهمُ ما كان من نسلنا شفر

فقد سفهت أحلامهم وعقولهم وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر

قال ابن هشام : تركنا منها بيتين أقذع فيهما .

3 قريش تظهر عداوتها للمسلمين

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين (2 104) أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ، ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب ، وقد قام أبو طالب ، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه ، من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقيام دونه ؛ فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أبي لهب ، عدو الله الملعون .

3 شعر أبي طالب في مدح قومه لنصرته

فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه ، وحدبهم عليه ، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، ومكانه منهم ، ليشد لهم رأيهم ، وليحدبوا معه على أمره ، فقال :

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حُصّلت أشراف عبد منافها ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدا هو المصطفى من سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وسمينها علينا فلم تظفر وطاشت حلومها

وكنا قديما لا نقر ظُلامة إذا ما ثنوا صُعْر الخدود نُقيمها

ونحمي حماها كل يوم كريهة ونضرب عن أجحارها من يرومها

بنا انتعش العود الذَّوَاء وإنما بأكنافنا تندى وتنمى أرومها (2 105)

2 الوليد بن المغيرة و كيده للرسول ، وموقفه من القرآن

3 اجتماعه بنفر من قريش ليبيتوا ضد النبي صلى الله عليه و سلم

و اتفاق قريش أن يصفوا الرسول صلى الله عليه و سلم بالساحر ، و ما أنزل الله فيهم

ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ؛ قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقلْ وأقمْ لنا رأيا نقول به ؛ قال : بل أنتم فقولوا أسمعْ ؛ قالوا : نقول كاهن ؛ قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ؛ قالوا : فنقول : مجنون ؛ قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ، ولا تخالجه ، ولا وسوسته ؛ قالوا : فنقول : شاعر ؛ قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ؛ قالوا : فنقول : ساحر ؛ قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ؛ قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام : (2 106) ويقال لغَدَق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته .

فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره .

فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة و في ذلك من قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ، ومهَّدت له تمهيدا . ثم يطمع أن أزيد . كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ) : أي خصيما . (2 107)

قال ابن هشام : عنيد : معاند مخالف . قال رؤبة بن العجاج :

ونحن ضرابون رأس العُنَّدِ

وهذا البيت في أرجوزة له .

( سأرهقه صعودا ، إنه فكر وقدر ، فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر ، ثم عبس وبسر ) .

قال ابن هشام : بسر : كره وجهه . قال العجاج :

مضبر اللحيين بسرا منهسا

يصف كراهية وجهه . وهذا البيت في أرجوزة له .

( ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ، إن هذا إلا قول البشر ) .

3 رد القرآن على صحب الوليد

قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى : في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيما جاء به من الله تعالى : ( كما أنزلنا على المقتسمين . الذين جعلوا القرآن عضين . فوربك لنسئلنهم أجمعين . عما كانوا يعملون ) .

قال ابن هشام : واحدة العضين : عضة ، يقول : عضوه : فرقوه . قال رؤبة بن العجاج :

وليس دين الله بالمُعَضَّى

وهذا البيت في أرجوزة له . (2 108)

3 تفرق النفر في قريش يشوهون رسالة الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس ، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .

3 شعر أبي طالب في معاداة خصومه

فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه ، قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه ، فقال :

ولما رأيت القوم لا ود فيهمُ وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

وقد حالفوا قوما علينا أظنّة يعضون غيظا خلفنا بالأنامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول

وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي وأمسكت من أثوابه بالوصائل

قياما معا مستقبلين رتاجه لدي حيث يقضي حلفه كل نافل

وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم بمفضَى السيول من إساف ونائل (2 109)

موسمَّة الأعضاد أو قصراتها مخُيَّسة بين السَّديس وبازل

ترى الودع فيها والرخام وزينة بأعناقها معقودة كالعثاكل

أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو مُلحّ بباطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ومن ملحق في الدين ما لم نحاول

وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه وراق ليرقى في حراء ونازل

وبالبيت ، حق البيت ، من بطن مكة وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل (2 110)

وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتماثل

ومن حج بيت الله من كل راكب ومن كل ذي نذر ومن كل راجل

وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له إلالٌ إلى مُفضَى الشراج القوابل

وتوقافهم فوق الجبال عشية يقيمون بالأيدي صدور الرواحل

وليلة جمع والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل

وجمع إذا ما المقربات أجزنه سراعا كما يخرجن من وقع وابل

وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها يؤمون قذفا رأسها بالجنادل

وكندة إذ هم بالحصاب عشية تجيز بهم حُجَّاج بكر بن وائل

حليفان شدا عقد ما احتلفا له وردَّا عليه عاطفات الوسائل

وحطمهمُ سمُر الصفاح وسرحه وشبرقة وَخْدَ النعام الجوافل (2 111)

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ وهل من معيذ يتقى الله عاذل

يُطاع بنا أمر العدَّى وودّوا لو اننا تُسد بنا أبواب ترك وكابل

كذبتم وبيت الله نترك مكة ونظعن إلا أمركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نُبزَى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله و نذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قوم في الحديد إليكمُ نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وحتى ترى ذا الضغن يركب رَدْعه من الطعن فعل الأنكب المتحامل

وإنا لعمر الله إنْ جدَّ ما أرى لَتلتبسنْ أسيافنا بالأماثل

بِكفَّيْ فتى مثل الشهاب سميدع أخي ثقة حامي الحقيقة باسل

شهورا وأياما وحولا مجَرَّما علينا وتأتي حِجة بعد قابل

وما ترك قوم ، لا أبا لك ، سيدا يحوط الذمار غير ذرب مواكل

وأبيض يستقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهُلاّف من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل (2 112)

لعمري لقد أجرى أسيد وبكره إلى بغضنا وجزّآنا لآكل

وعثمان لم يربع علينا وقنفذ ولكن أطاعا أمر تلك القبائل

أطاعا أُبيّا وابن عبد يغوثهم ولم يرقبا فينا مقالة قائل

كما قد لقينا من سُبيع ونوفل وكلٌّ تولى معرضا لم يجُامل

فإن يُلْقيا أو يمُكن الله منهما نكلْ لهما صاعا بصاع المُكايل

وذاك أبو عمرو أبي غير بُغضنا ليُظعننا في أهل شاء وجامل

يناجي بنا في كل ممسى ومصبح فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل

ويُؤْلى لنا بالله ما إن يغشُّنا بلى قد نراه جهرة غير حائل

أضاق عليه بغضنا كل تلعة من الأرض بين أخشب فمجادل

وسائلْ أبا الوليد ماذا حبوتنا بسعيك فينا معرضا كالمخاتل

وكنت امرأ ممن يُعاش برأيه ورحمته فينا ولست بجاهل

فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح حسود كذوب مبغض ذي دغاول

ومر أبو سفيان عني معرضا كما مر قَيْلٌ من عظام المقاول (2 113)

يفر إلى نجد وبرد مياهه ويزعم أني لست عنكم بغافل

ويخبرنا فعل المناصح أنه شفيق ويخفي عارمات الدواخل

أمطعمُ لم أخذلك في يوم نجدة ولا معظم عند الأمور الجلائل

ولا يوم خصم إذا أتوك ألدّة أُولي جدل من الخصوم المساجل

أمطعم إن القوم ساموك خطة وإني متى أُوكلْ فلست بوائل

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجلا غير آجل

بميزان قسط لا يخُسّ شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا والغياطل

ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصي في الخطوب الأوائل

وسهم ومخزوم تمالوا وألَّبوا علينا العدا من كل طمل وخامل (2 114)

فعبد مناف أنتم خير قومكم فلا تشركوا في أمركم كل واغل

لعمري لقد وهنتمُ وعجزتمُ وجئتم بأمر مخطىء للمفاصل

وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم الْ آن حطاب أَقدُر ومراجل

ليهنىء بني عبد مناف عقوقنا وخذلاننا وتركنا في المعاقل

فإن نك قوما نتَّئر ما صنعتمُ وتحتلبوها لقحة غير باهل

وسائط كانت في لؤي بن غالب نفاهم إلينا كل صقر حُلاحل

ورهط نفيل شر من وطىء الحصى وألأم حاف من معد وناعل

فأبلغ قصيا أن سيُنشر أمرنا وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل

ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم لكنا أٌسى عند النساء المطافل

فكل صديق وابن أخت نعده لعمري وجدنا غِبَّه غير طائل

سوى أن رهطا من كلاب بن مرة براء إلينا من معقَّة خاذل (2 115)

وهنَّا لهم حتى تبدد جمعهم ويحسر عنا كل باغ وجاهل

وكان لنا حوض السقاية فيهم ونحن الكُدى من غالب والكواهل

شباب من المطيِّبين وهاشم كبيض السيوف بين أيدي الصياقل

فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما ولا حالفوا إلا شرار القبائل

بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم ضواري أسود فوق لحم خرادل

بني أمة محبوبة هندكية بني جمح عُبيد قيس بن عاقل

ولكننا نسل كرام لسادة بهم نُعي الأقوام عند البواطل

ونعم ابن أخت القوم غير مكذَّب زهير حساما مفردا من حمائل

أشمُّ من الشم البهاليل ينتمي إلى حسب في حومة المجد فاضل

لعمري لقد كُلِّفت وجدا بأحمد وإخوته دأب المحب المواصل

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها وزينا لمن والاه رب المشاكل

فمن مثله في الناس أي مُؤمَّل إذا قاسه الحكام عند التفاضل

حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إلاها ليس عنه بغافل

فوالله لولا أن أجيء بسنة تجُر على أشياخنا في المحافل

لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جِدّا غير قول التهازل

لقد علموا أن ابننا لا مكذَّب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل (2 116)

فأصبح فينا أحمد في أرومة تُقصِّر عنه سورة المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته ودافعت عنه بالذرا والكلاكل

فأيده ربُّ العباد بنصره وأظهر دينا حقه غير باطل

رجال كرام غير مِيل نماهم إلى الخير آباء كرام المحاصل

فإن تك كعب من لؤي صُقيبة فلا بد يوما مرة من تزايل

قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها .

3 الرسول عليه الصلاة والسلام يستقي لأهل المدينة حين أقحطوا ، فنـزل المطر ، وود لو أن أبا طالب حي ، ليرى ذلك

قال ابن هشام : وحدثني من أثق به ، قال : أقحط أهل المدينة ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشكوا ذلك إليه ، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستسقى ، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانجاب السحاب عن المدبنة فصار (2 117) حوليها كالإكليل ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أردك أبو طالب هذا اليوم لسره ، فقال له بعض أصحابه : كأنك يا رسول الله أردت قوله :

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

قال : أجل .

قال ابن هشام : وقوله ( وشبرقة ) عن غير ابن إسحاق .

3 ذكر الأسماء التى وردت في قصيدة أبي طالب

قال ابن إسحاق : والغياطل : من بني سهم بن عمرو بن هصيص ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية . ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف . وزهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، و أمه عاتكة بنت عبدالمطلب .

قال ابن إسحاق : وأسيد ، وبكره : عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي . وعثمان بن عبيد الله ، أخو طلحة بن عبيد الله التيمي . وقنفذ بن عمير بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . وأبو الوليد عتبة بن ربيعة . وأُبيّ الأخنس بن شريق الثقفي ، حليف بني زهرة بن كلاب .

قال ابن هشام : وإنما سمي الأخنس ، لأنه خنس بالقوم يوم بدر ، وإنما اسمه أُبي ، وهو من بني علاج ، وهو علاج بن أبي سلمة بن عوف بن عقبة . والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب . وسبيع بن خالد ، أخو بلحارث بن فهر . ونوفل بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وهو ابن العدوية . وكان من شياطين قريش ، وهو الذي قرن بين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما في حبل حين أسلما ، فبذلك كانا يُسميان (2 118) القرينين ؛ قتله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم بدر . وأبو عمرو قُرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف .

( وقوم علينا أظنَّة ) : بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة ، فهؤلاء الذين عدد أبو طالب في شعره من العرب .

3 انتشار ذكر الرسول في القبائل خارج مكة ، و لاسيما في الأوس و الخزرج

فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب ، وبلغ البلدان ، ذكر بالمدينة ، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر ، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج ، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود ، وكانوا لهم حلفاء ، ومعهم في بلادهم . فلما وقع ذكره بالمدينة ، وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف . قال أبو قيس بن الأسلت . أخو بني واقف .

3 نسب أبي قيس بن الأسلت

قال ابن هشام : نسب ابن إسحاق أبا قيس هذا هاهنا إلى بني واقف ، ونسبه في حديث الفيل إلى خطمة ، لأن العرب قد تنسب الرجل إلى أخي جده الذي هو أشهر منه . (2 119)

قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة : أن الحكم بن عمرو الغفاري من ولد نُعيلة أخي غفار . وهو غفار بن مليل ، ونعيلة بن مليل بن ضمرة بن بكر ابن عبد مناة ، وقد قالوا عتبة بن غزوان السلمي ، وهو من ولد مازن بن منصور وسُليم بن منصور .

قال ابن هشام : فأبو قيس بن الأسلت : من بني وائل ؛ ووائل ، وواقف ، وخطمة إخوة من الأوس .

3 شعر ابن الأسلت في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فقال أبو قيس بن الأسلت - وكان يحب قريشا ، وكان لهم صهرا ، كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وكان يقيم عندهم السنين بامرأته - قصيدة يعظم فيها الحرمة ، وينهى قريشا فيها عن الحرب ، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض ، ويذكر فضلهم وأحلامهم ، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذكرهم بلاء الله عندهم ، ودَفْعَه عنهم الفيل وكيده عنهم ، فقال :

يا راكبا إما عرضت فبلغن مغلغلة عني لؤي بن غالب

رسول امرئ قد راعه ذات بينكم على النأي محزون بذلك ناصب

وقد كان عندي للهموم معرَّس فلم أقض منها حاجتي ومآربي

نُبيِّتكم شرجين كل قبيلة لها أزمل من بين مُذْك وحاطب (2 120)

أعيذكم بالله من شر صنعكم وشر تباغيكم ودس العقارب

وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة كوخز الأشافي وقعها حق صائب

فذكِّرهم بالله أول وهلة وإحلال أحرام الظباء الشوازب

وقل لهم والله يحكم حكمه ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة هي الغُول للأقصَين أو للأقارب

تُقطِّع أرحاما وتهلك أمة وتَبرْي السديف من سنام وغارب

وتستبدلوا بالأتحمية بعدها شليلا وأصداء ثياب المحارب

وبالمسك والكافور غُبرْا سوابغا كأن قتيرَيْها عيون الجنادب

فإياكمُ والحرب لا تعلقنَّكم و حوضا وخِيم الماء مر المشارب (2 121)

تزين للأقوام ثم يرونها بعاقبة إذ بيَّنت ، أم صاحب

تحرق لا تُشوي ضعيفا وتنتحي ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس فتعتبروا أو كان في حرب حاطب

وكم قد أصابت من شريف مسوَّد طويل العماد ضيفُه غير خائب

عظيم رماد النار يحُمد أمره وذي شيمة محض كريم المضارب

وماء هُريق في الضلال كأنما أذاعت به ريح الصبا والجنائب

يخبركم عنها امرؤ حق عالم بأيامها والعلم علم التجارب

فبيعوا الحراب مِلْمُحارب واذكروا حسابكم والله خير محاسب (2 122)

وليّ امرىء فاختار دينا فلا يكن عليكم رقيبا غير رب الثواقب

أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم لنا غاية قد يهتدى بالذوائب

وأنتم لهذا الناس نور وعصمة تُؤَمُّون ، والأحلام غير عوازب

وأنتم ، إذا ما حصل الناس ، جوهر لكم سرة البطحاء شم الأرانب

تصونون أجسادا كراما عتيقة مهذبة الأنساب غير أشائب

ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم عصائب هلكى تهتدي بعصائب

لقد علم الأقوام أن سراتكم على كل حال خير أهل الجباجب

وأفضله رأيا وأعلاه سنة وأَقولُه للحق وسط المواكب

فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا بأركان هذا البيت بين الأخاشب

فعندكم منه بلاء ومصدق غداة أبي يكسوم هادي الكتائب

كتيبته بالسهل تمُسي ورَجْلُه على القاذفات في رءوس المناقب

فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم جنود المليك بين ساف وحاصب (2 123)

فولوا سراعا هاربين ولم يؤب إلى أهله مِلْحُبْش غير عصائب

فإن تهلكوا نهلكْ وتهلكْ مواسم يُعاش بها ، قول امرئ غير كاذب

قال ابن هشام : أنشدني بيته : ( وماء هريق ) ، وبيته : ( فبيعوا الحراب ) ، وقوله : ( ولي امرىء فاختار ) ، وقوله :

على القاذفات في رءوس المناقب

أبو زيد الأنصاري وغيره .

3 حرب داحس والغبراء

قال ابن هشام : وأما قوله :

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس

فحدثني أبو عبيدة النحوي : أن داحسا فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قُطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان ؛ أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، يقال لها : الغبراء .

فدس حذيفة قوما وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقا ، فجاء داحس سابقا فضربوا وجهه ، وجاءت الغبراء . فلما جاء فارس داحس أخبر قيسا الخبر ، فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء ، فقام حمَل بن بدر فلطم مالكا . ثم إن أبا الجُنَيْدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله ، فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر : (2 124)

قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا

وهذا البيت في أبيات له . وقال الربيع بن زياد العبسي :

أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو النساء عواقب الأطهار

وهذا البيت في قصيدة له .

فوقعت الحرب بين عبس وفزارة ، فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر ، فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي حذيفة ، وجزع عليه :

كم فارس يُدعى وليس بفارس وعلى الهباءة فارس ذو مَصْدَقِ (2 125)

فابكوا حذيفة لن تُرَثُّوا مثله حتى تبيد قبائل لم تخلق

وهذان البيتان في أبيات له . وقال قيس بن زهير :

على أن الفتى حمل بن بدر بغى والظلم مرتعه وخيم

وهذا البيت في أبيات له . وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:

تركت على الهباءة غير فخر حذيفة عنده قصد العوالي

وهذا البيت في أبيات له .

قال ابن هشام : ويقال : أرسل قيس داحسا والغبراء ، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء ، والأول أصح الحديثين . وهو حديث طويل منعني من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 حرب حاطب

قال ابن هشام : وأما قوله : ( حرب حاطب ) . فيعني حاطب بن الحارث ابن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، كان قتل يهوديا جارا للخزرج ، فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج - وهو الذي يقال له : ابن فُسحم ، وفسحم أمه ، وهي امرأة من القين بن جسر - ليلا في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه ، فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا ، فكان الظفر للخزرج على الأوس ، وقتل يومئذ سويد بن صامت بن خالد بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، قتله المجذَّر بن ذياد البلوي ، واسمه عبدالله ، حليف بني عوف بن الخزرج .

فلما كان يوم أحد خرج المجذر بن ذياد (2 126) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج معه الحارث بن سويد بن صامت ، فوجد الحارث بن سويد غِرَّة من المجذر فقتله بأبيه . وسأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله تعالى . ثم كانت بينهم حروب منعني من ذكرها واستقصاء هذا الحديث ما ذكرت في حديث حرب داحس .

3 شعر حكيم بن أمية في نهي قومه عن عداوة الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وقال حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي ، حليف بني أمية وقد أسلم ، يورّع قومه عما أجمعوا عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان فيهم شريفا مطاعا :

هل قائل قولا هو الحق قاعد عليه وهل غضبان للرشد سامعُ

وهل سيد ترجو العشيرةُ نفعه لأقصى الموالي والأقارب جامع

تبرأت إلا وجه من يملك الصبا وأهجركم ما دام مُدْل ونازع

وأُسلم وجهي للإله ومنطقي ولو راعني من الصديق روائع

2 ذكر ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه

3 سفهاء قريش يأذونه ، و رميه صلى الله عليه و سلم بالسحر و الجنون

قال ابن إسحاق : ثم إن قريش اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم ، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم : سفهاءهم ، فكذبوه وآذوه ، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به ، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم ، واعتزال أوثانهم ، وفراقه إياهم كفرهم . (2 127)

3 أشد ما أوذي به الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ، قال : قلت له : ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته ؟ قال : حضرتهم ، وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا : فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول . قال : فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : ثم مضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ، ثم قال : أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بالذبح . قال : فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفَؤُه بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، فوالله ما كنت جهولا .

قال : فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ؛ فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه . فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم ؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، أنا الذي (2 128) أقول ذلك . قال : فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه .

قال : فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه ، وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط .

3 بعض ما نال أبا بكر في سبيل الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر ، أنها قالت : لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه ، مما جبذوه بلحيته وكان كثير الشعر .

3 أشد ما أوذي به رسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم : أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه ، لا حر ولا عبد ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله ، فتدثر من شدة ما أصابه ، فأنزل الله تعالى عليه : ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ) .

2 إسلام حمزة رضي الله عنه

3 سبب إسلامه

قال ابن إسحاق : حدثني رجل من أسلم ، كان واعية : أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه وشتمه ، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه ، والتضعيف لأمره ؛ فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومولاة لعبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن (2 129) سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ، ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة ، فجلس معهم .

فلم يلبث حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه أن أقبل متوشحا قوسه ، راجعا من قنص له ، و كان صاحب قنص يرميه ويخرج له ، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة ، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم ، وكان أعز فتى في قريش ، وأشد شكيمة .

فلما مر بالمولاة ، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، قالت له : يا أبا عُمارة ، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام : وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه ، وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم .

3 إيقاع حمزة بأبي جهل و إسلامه

فاحتمل حمزةَ الغضبُ لما أراد الله به من كرامته ، فخرج يسعى ولم يقف على أحد ، مُعِدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به ؛ فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم ، فأقبل نحوه ، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ، ثم قال : أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فرد ذلك علي إن استطعت . فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل ؛ فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا ، وتم حمزة رضي الله عنه على إسلامه ، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله . فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع ، وأن حمزة سيمنعه ، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه . (2 130)

2 قول عتبة بن ربيعة في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم

3 عتبة بن ربيعة يفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيدا ، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون ؛ فقال : بلى يا أبا الوليد ، قم إليه فكلمه ؛ فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت (2 131) به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها .

: قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد ، أسمعْ ؛ قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيِّا تراه لا تستيطع رده عن نفسك ، طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه ، أو كما قال له .

حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه ، قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني ؛ قال : أفعل ؛

فقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنـزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا ، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه . فلما سمعها منه عتبة ، أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ؛ ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها ، فسجد ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك .

3 رأي عتبة

فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني قد سمعت قولا (2 132) والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ؛ قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ؛ قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم .

2 ما دار بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين رؤساء قريش ، و تفسير لسورة الكهف

3 قريش تفتن المسلمين ، و تستمر على تعذيب من أسلم

قال ابن إسحاق : ثم ان الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، وقريش تحبس من قدرت على حبسه ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ، ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة ، كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير ، وعن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال :

3 زعماء قريش تفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم

اجتمع عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والنضر ابن الحارث بن كلدة ، أخو بني عبدالدار ، وأبو البختري بن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام وعبدالله بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان ، وأمية بن خلف ، أو من اجتمع منهم . قال : اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه ، فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فأتهم ؛ فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا ، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء ، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، (2 133) حتى جلس إليهم ؛ فقالوا له : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة ، وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك ، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أونُعذر فيك ؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
قالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ، ولا أقل ماء ، ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به ، فَلْيُسيـِّرْ عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل ، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ، وعرفنا به منزلتك من الله ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . (2 134) فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه : ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من الله بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أُرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى ، حتى يحكم الله بيني وبينكم .

قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا ، فخذ لنفسك ، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم ، وتلتمس المعاش منا كما تلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بُعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم .

قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك إلى الله ، إن شاء أن يفعله بكم فعل .

قالوا : يا محمد ، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا ، إذ لم نقبل منك ما جئتنا به ! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له : الرحمن ، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك ، أو تهلكنا . وقال قائلهم : (2 135) نحن نبعد الملائكة ، وهي بنات الله . وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا . (2 136)

3 حديث عبدالله بن أبي أمية مع رسول الله صلى الله عليه و سلم

فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام عنهم ، وقام معه عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته ، فهو لعاتكة بنت عبدالمطلب - فقال له : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ، ومنزلتك من الله ، فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب ، فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم الله ، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ، ولما رأى من مباعدتهم إياه .

3 أبو جهل يتوعد الرسول صلى الله عليه وسلم

فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أُطيق حمله - أو كما قال - فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ؛ قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبدا ، فامض لما تريد .

3 ما حدث لأبي جهل حين هم بإلقاء الحجر على الرسول صلى الله عليه و سلم

فلما أصبح أبو جهل ، أخذ حجرا كما وصف ، ثم جلس لرسول (2 137) الله صلى الله عليه وسلم ينتظره ، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام ، فكان إذا صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يـبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده ، وقامت إليه رجال قريش ، فقالوا له : ما لك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، لا والله ما رأيت مثل هامته ، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط ، فهمَّ بي أن يأكلني .

قال ابن إسحاق : فذُكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ذلك جبريل عليه السلام ، لو دنا لأخذه .

3 النضر بن الحارث ينصح قريشا بالتدبر فيما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم

فلما قال لهم ذلك أبو جهل ، قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي .

قال ابن هشام : ويقال النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف .

قال ابن إسحاق : فقال : يا معشر قريش ، إنه والله قد نزل بكم (2 138) أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم ساحر ، لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ؛ وقلتم كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم ؛ وقلتم شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها : هزجه ورجزه ؛ وقلتم مجنون ، لا والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه ، يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم .

3 أذى النضر بن الحارث للرسول صلى الله عليه وسلم

وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينصب له العداوة ، وكان قد قدم الحيرة ، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس ، وأحاديث رستم واسبنديار ، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكَّر فيه بالله ، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش ، أحسن حديثا منه ، فهلم إلي ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثا مني ؟ .

قال ابن هشام : وهو الذي قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله .

قال ابن إسحاق : وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول - فيما بلغني - : نزل فيه ثمان آيات من القرآن : قول الله عز وجل : ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) . وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن . (2 139)

3 قريش تسأل أحبار اليهود في شأنه عليه الصلاة والسلام

فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه ، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا .

فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ، وسلوه ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه ، فإنه نبي ، وإن لم يفعل ، فهو رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم .

فأقبل النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي حتى قدما مكة على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبي ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فرَوْا فيه رأيكم . (2 140)

3 قريش تسأل والرسول يجيب

فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب ؛ وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ؛ وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبركم بما سألتم عنه غدا ، ولم يستثن ، فانصرفوا عنه .

فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحُدث الله إليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وقالوا : وعدنا محمدا غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة : ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ، والرجل الطواف ، والروح .

3 الرد على قريش فيما سألوه

قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه : لقد احتبست عني يا جبريل حتى سُؤت ظنا ؛ فقال له جبريل : ( وما نتنـزَّل إلا بأمر ربك ، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ، وما كان ربك نسيا ) . فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله ، لما أنكروه عليه من ذلك ، فقال : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنك رسول مني : أي تحقيق لما سألوه عنه من (2 141) نبوتك . ( ولم يجعل له عوجا قيما ) أي معتدلا ، لا اختلاف فيه . ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ) : أي عاجل عقوبته في الدنيا . وعذابا أليما في الآخرة : أي من عند ربك الذي بعث رسولا . ( ويـبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ، ماكثين فيه أبدا ) : أي دار الخلد . ( لا يموتون فيها ) الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال . ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) يعني قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة ، وهي بنات الله . ( ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم . ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) : أي لقولهم : إن الملائكة بنات الله . ( إن يقولون إلا كذبا ، فلعلك باخع نفسك ) يا محمد ( على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) : أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم : أي لا تفعل .
قال ابن هشام : باخع نفسك ، أي مهلك نفسك ، فيما حدثني أبو عبيدة . قال ذو الرمة : (2 142)

ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحَتْه عن يديه المقادرُ

وجمعه : باخعون وبخعة . وهذا البيت في قصيدة له . وتقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي ، أي جهدت له . ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) .

قال ابن إسحاق : أي أيهم أتبع لأمري ، وأعمل بطاعتي . ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) : أي الأرض ، وإن ما عليها لفان وزائل ، وإن المرجع إلي ، فأجزي كلا بعمله ، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها .

قال ابن هشام : الصعيد : الأرض ، وجمعه : صعد . قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا :

كأنه بالضحى ترمي الصعيد به دبَّابة في عظام الرأس خرطومُ

وهذا البيت في قصيدة له . والصعيد أيضا : الطريق . وقد جاء في الحديث : إياكم والقعود على الصعدات . يريد الطرق . والجرز : الأرض التي لا تنبت شيئا ، وجمعها : أجراز . ويقال : سنة جرز ، وسنون أجراز ، وهي التي لا يكون فيها مطر ، وتكون فيها جُدوبة ويُبْس وشدة . قال ذو الرمة يصف إبلا :

طوى النحز والأجراز ما في بطونها فما بقيت إلا الضلوع الجراشع (2 143)

وهذا البيت في قصيدة له .

3 ما أنزله الله في قصة أهل الكهف

قال ابن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية ، فقال : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) : أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعجب من ذلك .

قال ابن هشام : والرقيم : الكتاب الذي رُقم فيه بخبرهم ، وجمعه : رُقُم . قال العجاج :

ومستقر المصحف المرقَّمِ

وهذا البيت في أرجوزة له .

قال ابن إسحاق : ثم قال تعالى : ( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا . فضربنا (2 144) على آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) . ثم قال تعالى : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) : أي بصدق الخبر عنهم ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ، لقد قلنا إذا شططا ) : أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم .

قال ابن هشام : والشطط : الغلو ومجاوزة الحق . قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

لا ينتهون ولا ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتلُ

وهذا البيت في قصيدة له .

( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين ) .

قال ابن إسحاق : أي بحجة بالغة .

( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقا . وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ، وهم في فجوة منه ) . (2 145)

قال ابن هشام : تزاور : تميل ، وهو من الزور . وقال امرؤ القيس بن حجر :

وإني زعيم إن رجعت مملكا بسير ترى منه الفُرانق أزورا (2 146)

وهذا البيت في قصيدة له . وقال أبو الزحف الكليبـي يصف بلدا :

جأب المندَّى عن هوانا أزورُ يُنضي المطايا خمسه العَشَنـْزَرُ

وهذان البيتان في أرجوزة له . و ( تقرضهم ذات الشمال ) : تجاوزهم وتتركهم عن شمالها . قال ذو الرمة :

إلى ظُعْن يقرضن أقواز مشرف شمالا وعن أيمانهنّ الفوارسُ

وهذا البيت في قصيدة له . والفجوة : السعة ، وجمعها : الفجاء . قال الشاعر :

ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أُبيحوا وخلوا فجوة الدارِ

( ذلك من آيات الله ) أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ، ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم .

( من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) .

قال ابن هشام : الوصيد : الباب . قال العبسي ، واسمه عُبيد بن وهب :

بأرض فلاة لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكر

وهذا البيت في أبيات له . والوصيد أيضا : الفناء ، وجمعه : وصائد ، ووصد ، ووصدان ، وأصد ، وأصدان .

( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ، ولملئت منهم رعبا ) ...(2 147) إلى قوله : ( قال الذين غلبوا على أمرهم ) أهل السلطان والملك منهم : ( لنتخذن عليهم مسجدا ، سيقولون ) يعني أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم : ( ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ، رجما بالغيب ) : أي لا علم لهم . ( ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ، قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ، فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ) : أي لا تكابرهم . ( ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) فإنهم لا علم لهم بهم .
( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ، واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) : أي ولا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا : إني مخبركم غدا . واستثن شِيْئَة الله ، واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لخير مما سألتموني عنه رشدا ، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك . ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا ) : أي (2 148) سيقولون ذلك . ( قل الله أعلم بما لبثوا ، له غيب السماوات والأرض ، أبصر به وأسمعْ ما لهم من دونه من ولي ، ولا يشرك في حكمه أحدا ) أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه .

3 ما أنزل الله تعالى في خبر الرجل الطواف ذي القرنين

وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطواف : ( ويسئلونك عن ذي القرنين ، قل سأتلو عليكم منه ذكرا . إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا . فأتبع سببا ) حتى انتهى إلى آخر قصة خبره .

3 خبر ذي القرنين

وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتى ما لم يؤت أحد غيره ، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها ، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها ، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق .

قال ابن إسحاق : فحدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما (2 149) توارثوا من علمه : أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر ، اسمه مرزُبان بن مرذبة اليوناني ، من ولد يونان بن يافث بن نوح .

قال ابن هشام : واسمه الإسكندر ، وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي ، وكان رجلا قد أدرك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال : ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب .

وقال خالد : سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقول : يا ذا القرنين ؛ فقال عمر : اللهم غفرا ، أما رضيتم أن تسمَّوْا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة .

قال ابن إسحاق : الله أعلم أي ذلك كان ، أقال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم لا ؟ فإن كان قاله ، فالحق ما قال .

3 ما أنزل الله تعالى في أمر الروح

وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح : ( ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .

3 سؤال يهود المدينة للرسول صلى الله عليه و سلم عن المراد من قوله تعالى : ( و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .

قال ابن إسحاق : وحُدثت عن ابن عباس ، أنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، قالت أحبار يهود : يا محمد ، أرأيت قولك : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) إيانا تريد ، أم قومك ؟ قال : كلا ؛ قالوا : فإنك تتلو فيما جاءك : أنا (2 150) قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها في علم الله قليل ، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه . قال : فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ، إن الله عزيز حكيم ) : أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل .

3 ما أنزل الله تعالى بشأن طلبهم تسيير الجبال وبعث الموتى

قال : وأنزل الله تعالى عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال ، وتقطيع الأرض ، وبعث من مضى من آبائهم من الموتى : ( ولوأن قرآنا سُيرِّت به الجبال ، أو قُطعت به الأرض ، أو كُلم به الموتى ، بل لله الأمر جميعا ) : أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت .

3 ما أنزل الله تعالى رداً على قولهم للرسول صلى الله عليه وسلم : خذ لنفسك

وأُنزل عليه في قولهم : خذ لنفسك ، ما سألوه أن يأخذ لنفسه ، أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا ، ويبعث معه ملكا يصدقه بما يقول ، ويرد عنه : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق لولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، أو يُلقى إليه كنـز ، أو تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا . اُنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ، تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) : أي من أن تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش ( جنات تجري من تحتها الأنهار ، ويجعلْ لك قصورا ) .

3 لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي لفعلت

وأُنزل عليه في ذلك من قولهم : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون (2 151) وكان ربك بصيرا ) : أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخُالَفوا لفعلت .

3 القرآن يرد على ابن أبي أمية

وأنزل الله عليه فيما قال عبدالله بن أبي أمية : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ، ولن نؤمن لرقيك حتى تنـزل علينا كتابا نقرؤه ، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) .

قال ابن هشام : الينبوع : ما نبع من الماء من الأرض وغيرها ، وجمعه : ينابيع . قال ابن هَرْمة ، واسمه إبراهيم بن علي الفهري .

وإذا هرقت بكل دار عبرة نُزف الشئون ودمعك الينبوع

وهذا البيت في قصيدة له . والكسف : القطع من العذاب ، وواحدته : كسفة ، مثل سدرة وسدر . وهي أيضا : واحدة الكسف . والقبيل : يكون مقابلة ومعاينة ، وهو كقوله تعالى : ( أو يأتيهم العذاب قبلا ) : أي عيانا . وأنشدني أبو عبيدة لأعشى بني قيس بن ثعلبة :

أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها كصرخة حُبْلى يسَّرتها قبيلُها (2 152) يعني القابلة ، لأنها تقابلها وتقبل ولدها . وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : القبيل : جمعه قُبُل ، وهي الجماعات ، وفي كتاب الله تعالى : ( وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) فقُبل : جمع قبيل ، مثل سبل : جمع سبيل ، وسرر : جمع سرير ، و قمص : جمع قميص . والقبيل أيضا : في مثل من الأمثال ، وهو قولهم : ما يعرف قبيلا من دبير : أي لا يعرف ما أقبل مما أدبر ؛ قال الكميت بن زيد :

تفرقت الأمور بوجهتيهم فما عرفوا الدَّبـيـر من القَبيلِ

وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال : إنما أريد بهذا القبيل : الفتل ، فما فتل إلى الذارع فهو القبيل ، وما فتل إلى أطراف الأصابع فهو الدبير ، وهو من الإقبال والإدبار الذي ذكرت . ويقال : فتل المغزل . فإذا فُتل المغزل إلى الركبة فهو القبيل ، وإذا فتل إلى الورك فهو الدبير . والقبيل أيضا : قوم الرجل . والزخرف : الذهب . والمزخرف : المزين بالذهب . قال العجاج :

من طلل أمسى تخال المصحفا رسومه والمذهب المزخرفا

وهذان البيتان في أرجوزة له ، ويقال أيضا لكل مزيَّن : مزخرف .

3 نفي القرآن أن رجلا من اليمامة يعلمه

قال ابن إسحاق : وأُنزل في قولهم : إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة ، يقال له الرحمن ، ولن نؤمن به أبدا : ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن ، قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ، وإليه متاب ) . (2 153)

3 ما أنزله الله تعالى في أبي جهل و ما هم به

وأُنزل عليه فيما قال أبو جهل بن هشام ، وما هم به : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ، أرأيت إن كذب وتولى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة ، فليدع ناديه ، سندع الزبانية ، كلا لا تطعه واسجد واقترب ) .

قال ابن هشام : لنسفعا : لنجذبن ولنأخذن . قال الشاعر :

قوم إذا سمعوا الصراخ رأيتهم من بين ملجم مُهْره أو سافع

والنادي : المجلس الذي يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم ، وفي كتاب الله تعالى : ( وتأتون في ناديكم المنكر ) وهو الندي . قال عبيد بن الأبرص :

اذهب إليك فإن من بني أسد أهل الندي وأهل الجود والنادي

وفي كتاب الله تعالى : ( وأحسن نديا ) . وجمعه : أندية . فليدع أهل ناديه . كما قال تعالى : ( واسأل القرية ) يريد أهل القرية . قال سلامة ابن جندل ، أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم :

يومان يومُ مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويبِ

وهذا البيت في قصيدة له . وقال الكميت بن زيد :

لا مهاذير في النديّ مكاثيرَ ولا مصمتين بالإفحامِ

وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : النادي : الجلساء . والزبانية : الغلاظ (2 154) الشداد ، وهم في هذا الموضع : خزنة النار . والزبانية أيضا في الدنيا : أعوان الرجل الذين يخدمونه ويعينونه ، والواحد : زِبْنِية . قال ابن الزبعرى في ذلك :

مطاعيمُ في المقرى مَطاعين في الوغى زبانية غلب عظام حلومها

يقول : شداد . وهذا البيت في أبيات له . وقال صخر بن عبدالله الهذلي ، وهو صخر الغي :

ومن كبير نفر زبانية

وهذا البيت في أبيات له .

3 ما أنزله تعالى فيما عرضوه عليه ، عليه الصلاة و السلام من أموالهم

قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم : ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ، إن أجري إلا على الله ، وهو على كل شيء شهيد ) .

3 استكبار قريش عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم

فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث ، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه ، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتِّباعه وتصديقه ، فعتوا على الله وتركوا (2 155) أمره عيانا ، ولجوا فيما هم عليه من الكفر ، فقال قائلهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ، أي اجعلوه لغوا وباطلا ، واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك ، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم .

3 تهكم أبي جهل بالرسول صلى الله عليه و سلم و تنفير الناس عنه

فقال أبو جهل يوما و هو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق : يا معشر قريش ، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار و يحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا ، وكثرة ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) إلى آخر القصة ، فلما قال ذلك بعضهم لبعض ، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي ، يتفرقون عنه ، ويأبون أن يستمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي ، استرق السمع دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوته ، فظن الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئا من قراءته ، وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه .

3 سبب نزول آية : ( و لا تجهر ... الخ )

قال ابن إسحاق : حدثني داود بن الحصين ، مولى عمرو بن عثمان ، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثهم أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حدثهم : إنما أنزلت هذه الآية : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ، وابتغ بين ذلك سبيلا ) من أجل أولئك النفر . يقول : لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به . (2 156)

2 أول من جهر بالقرآن

3 عبدالله بن مسعود و ما ناله من قريش في سبيل جهره بالقرآن

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، قال : كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجُهر لها به قط ، فمن رجل يُسمعهموه ؟ فقال عبدالله بن مسعود : أنا ؛ قالوا : إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ؛ قال : دعوني فإن الله سيمنعني .

قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها ، حتى قام عند المقام ثم قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) رافعا بها صوته ( الرحمن علم القرآن ) قال : ثم استقبلها يقرؤها . قال : فتأملوه فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أم عبد ؟ قال : ثم قالوا : إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد ، فقاموا إليه ، فجعلوا يضربون في وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ .

ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك ؛ فقال : ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن ، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا ؛ قالوا : لا ، حسبك ، قد أسمعتهم ما يكرهون .

2 قصة استماع قريش إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم

3 أبو سفيان و أبو جهل و الأخنس ، و حديث استماعهم للرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث : أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي من الليل في (2 157) بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود : فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا .

3 ذهاب الأخنس إلى أبي سفيان يستفهم عما سمعه

فلما اصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ، ولا ما يراد بها ؛ قال الأخنس : وأنا والذي حلفتَ به كذلك .

3 ذهاب الأخنس إلى أبي جهل يسأله عن معنى ما سمع

قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته ، فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسَيْ رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ؛ فمتى ندرك مثل هذه ، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه . قال : فقام عنه الأخنس وتركه . (2 158)

3 تعنت قريش عند سماعهم القرآن وما نزل فيهم

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عله وسلم إذا تلا عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، قالوا يهزءون به : ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) لا نفقه ما تقول ( وفي آذاننا وقر ) لا نسمع ما تقول ( ومن بيننا وبينك حجاب ) قد حال بيننا وبينك ( فاعمل ) بما أنت عليه ( إننا عاملون ) بما نحن عليه ، إنا لا نفقه عنك شيئا ، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) ... إلى قوله ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) : أي كيف فهموا توحيدك ربك إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة ، و في آذانهم وقرا ، وبينك وبينهم حجابا بزعمهم ؛ أي إني لم أفعل ذلك . ( نحن أعلم بما يستعمون به ، إذ يستمعون إليك ، وإذ هم نجوى ، إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) : أي ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثتك به إليهم . ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) : أي أخطئوا المثل الذي ضربوا لك ، فلا يصيبون به هدى ، ولا يعتدل لهم فيه قول ( وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) : أي قد جئت تخبرنا أنا سنُبعث بعد موتنا إذا كنا عظاما ورفاتا ، وذلك ما لا يكون . ( قل كونوا حجارة أو حديدا ، أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا ، قل الذي فطركم أول مرة ) : أي الذي خلقكم مما تعرفون ، فليس خَلْقكم من تراب بأعز من ذلك عليه . (2 159)

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : سألته عن قول الله تعالى : ( أو خلقا مما يكبر في صدوركم ) ما الذي أراد الله به ؟ فقال : الموت .

2 ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة

3 قسوة قريش على من أسلم

قال ابن إسحاق : ثم إنهم عدوا على من أسلم ، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر ، من استضعفوا منهم ، يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يصلب لهم ، ويعصمه الله منهم .

3 ما لقيه بلال بعد إسلامه ، وتخليص أبي بكر له

وكان بلال ، مولى أبي بكر رضي الله عنهما ، لبعض بني جمح ، مولَّدا من مولديهم ، وهو بلال بن رباح ، وكان اسم أمه حمامة ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب ، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخُرجه إذا حميت (2 160) الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا و الله لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى ؛ فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد أحد .

قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه ، قال : كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك ، وهو يقول : أحد أحد ؛ فيقول : أحد أحد والله يا بلال ، ثم يقبل على أمية بن خلف ، ومن يصنع ذلك به من بني جمح ، فيقول : أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا ، حتى مر به أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة رضي الله عنه يوما ، وهم يصنعون ذلك به ، وكانت دار أبي بكر في بني جمح ، فقال لأمية بن خلف : ألا تتقي الله في هذا المسكين ؟ حتى متى ؟ قال : أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى ؛ فقال أبو بكر : أفعل ، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، على دينك ، أعطيكه به ؛ قال : قد قبلت ، فقال : هو لك . فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه ذلك ، وأخذه فأعتقه .

3 من أعتقهم أبو بكر مع بلال

ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب ، بلال سابعهم عامر بن فهيرة ، شهد بدرا وأُحدا ، وقتل يوم بئر معونة شهيدا ؛ وأم عُبيس وزِنِّيرة ، وأصيب (2 161) بصرها حين أعتقها ، فقالت قريش : ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى ؛ فقالت : كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان ، فرد الله بصرها .

وأعتق النهدية وبنتها ، وكانتا لامرأة من بني عبدالدار ، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها ، وهي تقول : والله لا أعتقكما أبدا ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : حل يا أم فلان ؛ فقالت : حل ، أنت أفسدتهما فأعتقهما ؛ قال : فبكم هما ؟ قال : بكذا وكذا ؛ قال : قد أخذتهما وهما حرتان ، أرجعا إليها طحينها ، قالتا : أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها ؟ قال : وذلك إن شئتما .

ومر بجارية بني مؤمل ، حي من بني كعب ، وكانت مسلمة ، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام ، وهو يومئذ مشرك وهو يضربها ، حتى إذا مل قال : إني أعتذر إليك ، إني لم أتركك إلا ملالة ؛ فتقول : كذلك فعل الله بك . فابتاعها أبو بكر ، فأعتقها .

3 أبو قحافة يلوم أبا بكر لعتقه من أعتق فرد عليه

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عبدالله بن أبي عتيق ، عن عامر بن عبدالله بن الزبيـر ، عن بعض أهله ، قال :

قال أبو قحافة لأبي بكر : يا بني ، إني أراك تعتق رقابا ضعافا ، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا أبت ، إني إنما أريد ما أريد ، لله (2 162) عز وجل . قال : فيُتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه ، وفيما قال له أبوه : ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ) ... إلى قوله تعالى : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) .

3 تعذيب قريش لآل ياسر ، و تصبير رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم

قال ابن إسحاق : وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر ، وبأبيه وأمه ، وكانوا أهل بيت إسلام ، إذا حميت الظهيرة ، يعذبونهم برمضاء مكة ، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ، فيما بلغني : صبرا آل ياسر ، موعدكم الجنة . فأما أمه فقتلوها ، وهي تأبى إلا الإسلام .

3 ما كان يعذب به أبو جهل من أسلم

وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغري بهم في رجال من قريش ، إذا سمع بالرجل قد أسلم ، له شرف ومنعة ، أنَّبه وأخزاه . وقال : تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، ولَنُفيِّلَنّ رأيك ، ولنضعن شرفك ؛ وإن كان تاجرا قال : والله لنُكسدنّ تجارتك ، ولنهلكن مالك ؛ وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به .

3 فتنة المسلمين

قال ابن إسحاق : وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لعبدالله بن عباس : أكان المشركون يبلغون (2 163) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم والله ، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجُيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له ؛ آللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، حتى إن الجُعَل ليمر بهم ، فيقولون له : أهذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده .

3 هشام يرفض تسليم أخيه الوليد إلى قريش ليقتلوه على إسلامه ، و شعره في ذلك

قال ابن إسحاق : وحدثني الزبير بن عكاشة بن عبدالله بن أبي أحمد أنه حُدث أن رجالا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد ، حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد بن المغيرة ، وكانوا قد أجمعوا على أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا ، منهم : سلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة . قال : فقالوا له وخشوا شرهم : إنا قدا أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي أحدثوا ، فإنا نأمن بذلك في غيرهم . قال : هذا ، فعليكم به ، فعاتبوه وإياكم ونفسه ، وأنشأ يقول :

ألا لا يُقتلنّ أخي عُيـيس فيبقى بيننا أبدا تلاحي

احذروا على نفسه ، فأُقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلا . قال : فقالوا : اللهم العنه ، من يُغرّر بهذا الخبيث ، فوالله لو أصيب في أيدينا لقُتل أشرفنا رجلا . قال : فتركوه ونزعوا عنه . قال : وكان ذلك مما دفع الله به عنهم . (2 164)

2 ذكر الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة

3 إشارة رسول الله صلى الله عليه و سلم على أصحابه بالهجرة

قال ابن إسحاق : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُصيب أصحابه من البلاء ، وما هو فيه من العافية ، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب ، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه .

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة ، وفرارا إلى الله بدينهم ، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام .

3 أوائل المهاجرين إلى الحبشة

وكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر : عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، معه امرأته : سهلة بنت سهيل بن عمرو ، أحد بني عامر بن لؤي ، ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة .

ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد .

ومن بني عبدالدار بن قصي : مصعب بن عمير بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار .

ومن بني زهرة بن كلاب : عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة .

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن (2 165) عبدالله بن عمر بن مخزوم ، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم .

ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب : عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح .

ومن بني عدي بن كعب : عامر بن ربيعة ، حليف آل الخطاب ، من عنـز بن وائل - قال ابن هشام : و يقال : من عنـزة بن أسد بن ربيعة - معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب .

ومن بني عامر بن لؤي : أبو سبرة بن أبي رُهْم بن عبدالعزى بن أبي قيس ابن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ ويقال : بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ؛ ويقال : هو أول من قدمها .

ومن بني الحارث بن فهر : سهيل بن بيضاء ، و هو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أُهيب بن ضبة بن الحارث .

فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة ، فيما بلغني .

قال ابن هشام : وكان عليهم عثمان بن مظعون ، فيما ذكر لي بعض أهل العلم .

قال ابن إسحاق : ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة ، فكانوا بها ، منهم من خرج بأهله معه ، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه .

3 المهاجرون من بني هاشم إلى أرض الحبشة

و من بني هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر : جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم ، معه امرأته أسماء بنت عُميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم ، ولدت له بأرض الحبشة عبدالله بن جعفر ، رجل . (2 166)

3 المهاجرون من بني أمية إلى أرض الحبشة

ومن بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف : عثمان بن عفان بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس ، معه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ، معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن خُمْل بن شقّ بن رقبة بن مخُدج الكناني ، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص بن أمية ، معه امرأته أُمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جُعْثمة بن سعد بن مُليح بن عمرو ، من خزاعة .

قال ابن هشام : ويقال : همُينة بنت خلف .

قال ابن إسحاق : ولدت له بأرض الحبشة سعيد بن خالد ، وأمه بنت خالد ، فتزوج أمة بعد ذلك الزبير بن العوام ، فولدت له عمرو بن الزبير ، وخالد بن الزبير .

3 المهاجرون من بني أسد إلى أرض الحبشة

ومن حلفائهم ، من بني أسد بن خزيمة : عبدالله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد ؛ وأخوه عبيد الله بن جحش ، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية ؛ وقيس بن عبدالله ، رجل من بني أسد بن خزيمة ، معه امرأته بركة بنت يسار ، مولاة أبي سفيان بن حرب بن أمية ؛ ومعيقيب بن أبي فاطمة . وهؤلاء آل سعيد بن العاص ، سبعة نفر .

قال ابن هشام : ومُعيقيب من دوس .

3 المهاجرون من بني عبد شمس إلى الحبشة

قال ابن إسحاق : ومن بني عبد شمس بن عبد مناف ، أبو حذيفة بن عتبة ابن ربيعة بن عبد (2 167) شمس ؛ وأبو موسى الأشعري ، واسمه عبدالله بن قيس ، حليف آل عتبة بن ربيعة ، رجلان .

3 المهاجرون من بني نوفل إلى الحبشة

ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ، حليف لهم ، رجل .

3 المهاجرون من بني أسد إلى الحبشة

ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ، والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد ، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد ، أربعة نفر .

3 المهاجرون من بني عبد بن قصي إلى الحبشة

ومن بني عبد بن قصي : طُليب بن عمير بن وهب بن أبي كبير بن عبد بن قصي ، رجل .

3 المهاجرون من بني عبدالدار بن قصي إلى الحبشة

ومن بني عبدالدار بن قصي : مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار ؛ وسويبط بن سعد بن حرملة بن مالك بن عُميلة بن السباق ابن عبدالدار ؛ وجهم بن قيس بن عبد شُرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عبدالدار ، معه امرأته أم حرملة بنت عبدالأسود بن جذيمة بن أقيش ابن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مُليح بن عمرو ، (2 168) من خزاعة ؛ وابناه : عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم ؛ وأبو الروم ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار ؛ وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبدالدار ، خمسة نفر .

3 المهاجرون من بني زهرة إلى الحبشة

ومن بني زهرة بن كلاب : عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد ابن الحارث بن زهرة ؛ وعامر بن أبي وقاص وأبو وقاص ، مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة ؛ والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ، معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن ضُبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم ، ولدت له بأرض الحبشة عبدالله بن المطلب .

3 المهاجرون من بني هذيل إلى الحبشة

ومن حلفائهم من هذيل : عبدالله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم ابن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل ، وأخوه : عتبة بن مسعود .

3 المهاجرون من بهراء إلى الحبشة

ومن بهراء : المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن زهير بن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشريد ابن أبي أهوز بن أبي فائش بن دُريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة .

قال ابن هشام : ويقال : هزل بن فاس بن ذر ، ودَهير بن ثور .

قال ابن إسحاق : وكان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث (2 169) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وذلك أنه تبناه في الجاهلية ، وحالفه ستة نفر .

3 المهاجرون من بني تيم إلى الحبشة

ومن بني تيم بن مرة : الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة بن عامر ابن كعب بن سعد بن تيم ، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث ، وعائشة بنت الحارث ، وزينب بنت الحارث ، وفاطمة بنت الحارث ، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، رجلان .

3 المهاجرون من بني مخزوم إلى الحبشة

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، ولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبي سلمة ، واسم أبي سلمة : عبدالله ، واسم أم سلمة : هند ، وشماس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هَرْمي بن عامر بن مخزوم .

3 خبر الشماس

قال ابن هشام : واسم شماس : عثمان ، وإنما سمي شماسا ، لأن شماسا من الشمامسة ، قدم مكة في الجاهلية ، وكان جميلا فعجب الناس من جماله ، فقال عتبة بن ربيعة ، وكان خال شماس : أنا آتيكم بشماس أحسن منه ، فجاء بابن أخته عثمان بن عثمان ، فسمي شماسا . فيما ذكر ابن شهاب وغيره .

قال ابن إسحاق : وهبار بن سفيان بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله ابن عمر بن مخزوم ؛ وأخوه عبدالله بن سفيان ؛ وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبدالله بن مخزوم ؛ وسلمة بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ؛ وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم . (2 170)

3 المهاجرون من حلفاء بني مخزوم إلى الحبشة

ومن حلفائهم : معتب بن عوف بن عمر بن الفضل بن عفيف بن كليب ابن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو ، من خزاعة ، وهو الذي يقال له : عَيْهامة ، ثمانية نفر .

قال ابن هشام : ويقال : حُبشية بن سلول ، وهو الذي يقال له معتب بن حمراء .

3 المهاجرون من بني جمح إلى الحبشة

ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب : عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ؛ وابنه السائب بن عثمان ؛ وأخواه قدامة بن مظعون ، وعبدالله بن مظعون ؛ وحاطب بن الحارث بن معمر ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، معه امرأته فاطمة بنت المجلَّل بن عبدالله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ وابناه : محمد بن حاطب ، والحارث بن حاطب ، وهما لبنت المجلل ؛ وأخوه حطاب بن الحارث ، معه امرأته فكيهة بنت يسار ؛ وسفيان بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، معه ابناه : جابر بن سفيان ، وجنادة بن سفيان ، ومعه امرأته حسنة ، وهي أمهما ، وأخوهما من أمهما شرحبيل بن حسنة ، أحد الغوث .

قال ابن هشام : شرحبيل بن عبدالله أحدُ الغوث بن مر ، أخي تميم بن مر .

قال ابن إسحاق : وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح ، أحد عشر رجلا .

3 من هاجر إلى الحبشة من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ، خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ (2 171) وعبدالله بن الحارث بن قيس ابن عدي بن سعد بن سهل ، وهشام بن العاص بن وائل بن سعد بن سهم .

قال ابن هشام : العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم .

قال ابن إسحاق : وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ وعبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ والحارث بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ ومَعْمَر بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ وبشر بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ وأخ له من أمه من بني تميم ، يقال له : سعيد بن عمرو ؛ وسعيد بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ؛ وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعد بن سهم . ومحَمية بن الجزاء ، حليف لهم ، من بني زبيد ، أربعة عشر رجلا .

3 المهاجرون من بني عدي إلى الحبشة

ومن بني عدي بن كعب : معمر بن عبدالله بن نضلة بن عبدالعزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي ؛ وعروة بن عبدالعزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي ؛ وعدي بن نضلة بن عبدالعزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي ؛ وابنه النعمان بن عدي ؛ وعامر بن ربيعة ، حليف لآل الخطاب ، من عنـز بن وائل ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم . خمسة نفر .

3 المهاجرون من بني عامر إلى الحبشة

ومن بني عامر بن لؤي : أبو سبرة ابن أبي رهم بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو (2 172) بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ وعبدالله بن مخرمة بن عبدالعزى بن أبي قيس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ، وعبدالله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن مالك بن حسل بن عامر ؛ وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ وأخوه السكران بن عمرو ، معه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ ومالك بن زمعة ابن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ، معه امرأته عمرة بنت السعدي بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ؛ وسعد بن خولة ، حليف لهم . ثمانية نفر .

قال ابن هشام : سعد بن خولة من اليمن .

3 المهاجرون من بني الحارث إلى الحبشة

قال ابن إسحاق : ومن بني الحارث بن فهر : أبو عبيدة بن الجراح ، وهو عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال بن أُهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر ؛ وسهيل بن بيضاء ، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ، ولكن أمه غلبت على نسبه ، فهو ينسب إليها ، وهي دعد بنت جحدم بن أمية من ظرب بن الحارث بن فهر ، وكانت تدعى بيضاء ؛ وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ؛ وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ، ويقال : بل ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث ؛ وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث ؛ وعثمان بن عبد غنم بن زهير بن أبي شداد بن (2 173) ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث ؛ وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر ؛ والحارث بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر . ثمانية نفر .

3 عدد مهاجري الحبشة

فكان جميع من لحق بأرض الحبشة ، وهاجر إليها من المسلمين ، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها ، ثلاثة وثمانين رجلا ، إن كان عمار بن ياسر فيهم ، وهو يشك فيه .

3 شعر عبدالله بن الحارث في الهجرة إلى الحبشة

وكان مما قيل من الشعر في الحبشة ، أن عبدالله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ، حين أمنوا بأرض الحبشة ، وحمدوا جوار النجاشي ، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا ، وقد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به ، قال :

يا راكبا بلغن عني مغلغلة من كان يرجو بلاغ الله والدينِ

كل امرىء من عباد الله مضطهد ببطن مكة مقهور ومفتون

أنا وجدنا بلاد الله واسعة تنجي من الذل والمخزاة والهون

فلا تقيموا على ذل الحياة وخز ي في الممات وعيب غير مأمون

إنا تبعنا رسول الله واطَّرحوا قول النبي وعالوا في الموازين (2 174)

فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا وعائذا بك ان يعلوا فيُطغوني

وقال عبدالله بن الحارث أيضا ، يذكر نفي قريش إياهم من بلادهم ، ويعاتب بعض قومه في ذلك :

أبت كبدي ، لا أكذبنك ، قتالهم علي وتأباه علي أناملي

وكيف قتالي معشرا أدبوكم على الحق أن لا تأشبوه بباطل

نفتهم عباد الجن من حر أرضهم فأضحوا على أمر شديد البلابل

فإن تك كانت في عدي أمانة عدي بن سعد عن تُقى أو تواصل

فقد كنت أرجو أن ذلك فيكم بحمد الذي لا يُطَّـبى بالجعائل

وبُدلت شبلا شبل كل خبيثة بذي فجر مأوى الضعاف الأرامل

وقال عبدالله بن الحارث أيضا :

وتلك قريش تجحد الله حقه كما جحدت عاد ومدين والحِجْرُ

فإن أنا لم أبرق فلا يسعنَّني من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر

بأرض بها عبد الإله محمد أُبـين ما في النفس إذ بُلغ النقر (2 175)

فَسُمِّي عبدالله بن الحارث - يرحمه الله - لبيته الذي قال : ( المبرق ) .

3 شعر عثمان بن مظعون في ذلك

وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، وهو ابن عمه ، وكان يؤذيه في إسلامه ، وكان أمية شريفا في قومه في زمان ذلك :

أتيمَ بن عمرو للذي جاء بِغضة ومن دونه الشرمان والبرك أكتعُ

أأخرجتني من بطن مكة آمنا وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع

تريش نبالا لا يُواتيك ريشُها وتبري نبالا ريشها لك أجمع

وحاربتَ أقواما كراما أعزة و أهلكت أقواما بهم كنت تفزع

ستعلم إن نابتك يوما ملمة وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع

وتيم بن عمرو ، الذي يدعو عثمان ، جمح ، كان اسمه تيما . (2 176)

2 إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها

3 من أرسلتهما قريش في طلب المهاجرين

قال ابن إسحاق : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة ، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا ، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي ، فيردهم عليهم ، ليفتنوهم في دينهم ، ويخرجوهم من دارهم ، التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها ؛ فبعثوا عبدالله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص بن وائل ، وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته ، ثم بعثوهما إليه فيهم .

3 شعر أبي طالب للنجاشي يحضه على الدفع عن المهاجرين

فقال أبو طالب ، حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه ، أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم :

ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر وعمرو وأعداء العدو الأقارب

وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا وأصحابه أو عاق ذلك شاغب (2 177)

تعلم ، أبيت اللعن ، أنك ماجد كريم فلا يشقى لديك المجانب

تعلم بأن الله زادك بسطة وأسباب خير كلها بك لازب

وأنك فيض ذو سجال غزيرة ينال الأعادي نفعها والأقارب

3 حديث أم سلمة عن الرسولين اللذين أرسلتهما قريش للنجاشي

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : لما نزلنا أرض الحبشة ، جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمِنَّا على ديننا ، وعبدنا الله تعالى لا نُؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه ؛ فلما بلغ ذلك قريشا ، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين ، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم ، فجمعوا له أدما كثيرا ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك عبدالله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وأمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ، ثم قدما إلى النجاشي هداياه ، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم .

قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشي ، ونحن عنده بخير دار ، عند خير جار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل (2 178) أن يكلما النجاشي ، وقالا لكل بطريق منهم : إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع ، لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم ، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم ؛ فقالوا لهما : نعم .

ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ، ثم كلماه فقالا له : أيها الملك ، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم و عشائرهم لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي . قالت : فقالت بطارقته حوله : صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .

قالت : فغضب النجاشي ، ثم قال : لاها الله ، إذن لا أسلمهم إليهما ، ولا يكاد قوم جاوروني ، ونزلوا بلادي ، واختاروني على من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني . (2 179)

3 الحوار الذي دار بين المهاجرين والنجاشي

قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول : والله ما علمنا ، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن .

فلما جاءوا ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ، ولا في دين أحد من هذه الملل ؟

قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه ، فقال له : أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ؛ فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ؛ وأمرنا أن نعبدالله وحده ، لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت : فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ؛ ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك . (2 180)

قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت : فقال له جعفر : نعم ؛ فقال له النجاشي : فاقرأه علي ؛ قالت : فقرأ عليه صدرا من : ( كهيعص ) . قالت : فبكى والله النجاشي حتى اخضلَّت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ، حين سمعوا ما تلا عليهم .

ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يُكادون .

3 رأي المهاجرين في عيسى عليه السلام أمام النجاشي

قالت : فلما خرجا من عنده ، قال عمرو بن العاص : والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم . قالت : فقال له عبدالله بن أبي ربيعة ، وكان أتقى الرجلين فينا : لاتفعل ، فإن لهم أرحاما ، وإن كانوا قد خالفونا ، قال : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد .

قالت : ثم غدا عليه من الغد فقال له : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه . قالت : فأرسل إليهم ليسألهم عنه .

قالت : ولم ينـزل بنا مثلها قط . فاجتمع القوم ، ثم قال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول والله ما قال الله ، وما جاءنا به نبينا ، كائنا في ذلك ما هو كائن .

قالت : فلما دخلوا عليه ، قال لهم : ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالت : فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ، يقول : هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم (2 181) العذارء البتول . قالت : فضرب النجاشي بيده إلى الأرض ، فأخذ منها عودا ، ثم قال : والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود ، قالت : فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال ؛ فقال : وإن نخرتم والله ، اذهبوا فأنتم شُيوم بأرضي - والشيوم : الآمنون - مَن سبَّكم غرم ، ثم قال : من سبكم غرم ، ثم قال : من سبكم غرم . ما أحب أن لي دبرا من ذهب ، وأني آذيت رجلا منكم - قال ابن هشام : ويقال دبرا من ذهب ، ويقال : فأنتم سيوم ، والدبر : بلسان الحبشة : الجبل - ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه .
قالت : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار ، مع خير جار . (2 182)

3 المهاجرون يفرحون بانتصار النجاشي على عدوه

قالت : فوالله إنا لعلي ذلك ، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه . قالت : فوالله ما علمتُنا حزنَّا حزنا قطُّ كان أشد علينا من حزن حزنَّاه عند ذلك ، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي ، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه .

قالت : وسار إليه النجاشي ، وبينهما عرض النيل ، قالت : فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ قالت : فقال الزبـير بن العوام : أنا ، قالوا : فأنت . وكان من أحدث القوم سنا . قالت : فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم . قالت : فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه ، والتمكين له في بلاده .

قالت : فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن ، إذ طلع الزبير وهو يسعى ، فلمع بثوبه وهو يقول : ألا أبشروا ، فقد ظفر النجاشي ، وأهلك الله عدوه ، ومكن له في بلاده . قالت : فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها .

قالت : ورجع النجاشي ، وقد أهلك الله عدوه ، ومكن له في بلاده ، واستوسق عليه أمر الحبشة ، فكنا عنده في خير مـنـزل ، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة . (2 183)

2 قصة تملك النجاشي على الحبشة

3 قتل أبي النجاشي ، وتملك عمه

قال ابن إسحاق : قال الزهري : فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر ابن عبدالرحمن ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هل تدري ما قوله : ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناسَ فيّ فأطيع الناس فيه ؟ قال : قلت : لا ؛ قال : فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه ، ولم يكن له ولد إلا النجاشي ، وكان للنجاشي عم ، له من صلبه اثنا عشر رجلا ، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة ، فقالت الحبشة بينها : لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملَّكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام ، وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلا ، فتوارثوا ملكه من بعده ، بقيت الحبشة بعده دهرا ؛ فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه ، وملَّكوا أخاه ، فمكثوا على ذلك حينا .

3 الحبشة تبيع النحاشي

ونشأ النجاشي مع عمه ، وكان لبيبا حازما من الرجال ، فغلب على أمر عمه ، ونزل منه بكل منـزلة ؛ فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها : والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه ، وإنا لنتخوف أن يملِّكه علينا ، وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين ، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه .

فمشوا إلى عمه فقالوا : إما أن تقتل هذا الفتى ، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا ، فإنا قد خفناه على أنفسنا ؛ قال : ويلكم ! قتلت أباه بالأمس ، وأقتله اليوم ! بل أخرجه من بلادكم .

قالت : فخرجوا به إلى السوق ، فباعوه من رجل من التجار بست مئة درهم ؛ فقذفه في سفينة فانطلق به ، حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم ، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها ، فأصابته صاعقة فقتلته . قالت : ففزعت الحبشة إلى ولده ، فإذا (2 184) هو محمَّق ، ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشة أمرهم .

3 تولية النجاشي الملك برضا الحبشة

فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك ، قال بعضهم لبعض : تعلموا والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن .

قالت : فخرجوا في طلبه ، وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه ، فأخذوه منه ؛ ثم جاءوا به ، فعقدوا عليه التاج ، وأقعدوه على سرير الملك ، فملكوه .

3 حديث التاجر الذي ابتاع النجاشي

فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه ، فقال : إما أن تعطوني مالي ، وإما أن أكلمه في ذلك ؟ قالوا : لا نعطيك شيئا ، قال : إذن والله أكلمه ؛ قالوا : فدونك وإياه .

قالت : فجاءه فجلس بين يديه ، فقال : أيها الملك ، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بست مئة درهم ، فأسلموا إلي غلامي وأخذوا دراهمي ، حتى إذا سرت بغلامي أدركوني ، فأخذوا غلامي ، ومنعوني دراهمي . قالت : فقال لهم النجاشي : لتُعطنَّه دراهمه ، أو ليضعن غلامه يده في يده ، فليذهبن به حيث شاء ؛ قالوا : بل نعطيه دراهمه . قالت : فلذلك يقول : ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيّ فأُطيع الناس فيه . قالت : وكان ذلك أول ما خُبر من صلابته في دينه ، وعدله في حكمه .

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : لما مات النجاشي ، كان يُتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور . (2 185)

2 إسلام النجاشي والصلاة عليه وخروج الحبشة عليه

قال ابن إسحاق : وحدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي : إنك قد فارقت ديننا ، وخرجوا عليه . فأرسل إلى جعفر وأصحابه ، فهيأ لهم سفنا ، وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم ، فإن هزمتُ فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم ، وإن ظفرت فاثبتوا .

ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم ؛ ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن ، وخرج إلى الحبشة ، وصفُّوا له ، فقال : يا معشر الحبشة ، ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا : بلى ؛ قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ؛ قال : فما بالكم ؟ قالوا : فارقت ديننا ، وزعمت أن عيسى عبد ؛ قال : فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول هو ابن الله ؛ فقال النجاشي ، ووضع يده على صدره على قبائه : هو يشهد أن عيسى بن مريم ، لم يزد على هذا شيئا ، وإنما يعني ما كتب ، فرضوا وانصرفوا عنه . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلما مات النجاشي صلى عليه ، واستغفر له . (2 186)

2 إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

3 اعتزاز المسلمين بإسلام عمر

قال ابن إسحاق : ولما قدم عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة على قريش ، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردَّهما النجاشي بما يكرهون ، وأسلم عمر بن الخطاب ، وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره ، امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازُّوا قريشا ، وكان عبدالله بن مسعود يقول : ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة ، حتى أسلم عمر بن الخطاب ، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة ، وصلينا معه ،وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة .

قال البكائي ، قال : حدثني مسعر بن كدام ، عن سعد بن إبراهيم ، قال : قال عبدالله بن مسعود : إن إسلام عمر كان فتحا ، وإن هجرته كانت نصرا ، وإن إمارته كانت رحمة ، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة ، وصلينا معه .

3 حديث أم عبدالله بنت أبي حثمة عن إسلام عمر

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالرحمن بن الحارث بن عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عبدالعزيز بن عبدالله بن عامر بن ربيعة ، عن أمه أم عبدالله بنت أبي حثمة ، قالت : (2 187)

و الله إنا لنترحَّل إلى أرض الحبشة ، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه - قالت : وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا - قالت : فقال : إنه للانطلاق يا أم عبدالله .

قالت : فقلت : نعم والله ، لنخرجن في أرض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله مخرجا . قالت : فقال : صحبكم الله ، ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا .

قالت : فجاء عامر بحاجته تلك ، فقلت له : يا أبا عبدالله ، لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا . قال : أطمعتِ في إسلامه ؟ قالت : قلت : نعم ؛ قال : فلا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم حمار الخطاب ؛ قالت : يأسا منه ، لما كان يُرى من غلظته وقسوته عن الإسلام .

3 سبب إسلام عمر

قال ابن إسحاق : وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب ، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وكانت قد أسلمت وأسلم بعلها سعيد بن زيد ، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر ، وكان نُعيم بن عبدالله النحَّام من مكة ، رجل من قومه ، من بني عدي ابن كعب قد أسلم ، وكان أيضا يستخفي بإسلامه فرقا من قومه ، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة (2 188) بنت الخطاب يُقرئها القرآن ، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذُكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا ، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبدالمطلب ، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، في رجال من المسلمين رضي الله عنهم ، ممن كان أقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة .

فلقيه نعيم بن عبدالله ، فقال له : أين تريد يا عمر ؟ فقال : أريد محمدا هذا الصابئ ، الذي فرَّق أمر قريش ، وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها ، فأقتله ؛ فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال : وأي أهل بيتي ؟ قال : خَتَنُكَ وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو ، وأختك فاطمة بنت الخطاب ، فقد والله أسلما ، وتابعا محمدا على دينه ، فعليك بهما .

قال : فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه ، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة ، فيها : ( طه ) يقرئهما إياها ، فلما سمعوا حس عمر ، تغيب خباب في مخدع لهم ، أو في بعض البيت ، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما ، فلما دخل قال : ما هذه الهَيْنَمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئا ؛ قال : بلى والله ، لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه ، وبطش بختنه سعيد بن زيد ؛ فقامت إليه أخته فاطمة (2 189) بنت الخطاب لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها ؛ فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك .
فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع ، فارعوى ، وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ، وكان عمر كاتبا ؛ فلما قال ذلك ، قالت له أخته : إنا نخشاك عليها ؛ قال : لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها ؛ فلما قال ذلك ، طمعت في إسلامه ، فقالت له : يا أخي ، إنك نجس ، على شركك ، وإنه لا يمسها إلا الطاهر ، فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة ، وفيها : ( طه ) . فقرأها ؛ فلما قرأ منها صدرا ، قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب خرج عليه ، فقال له : يا عمر ، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ، فإني سمعته أمس وهو يقول : اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام ، أو بعمر بن الخطاب ، فالله الله يا عمر . فقال له عند ذلك عمر : فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأُسلم ؛ فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه ، (2 190) فأخذ عمر سيفه فتوشحه ، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فضرب عليهم الباب ؛ فلما سمعوا صوته ، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر من خَلل الباب فرآه متوشحا السيف ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع ، فقال : يا رسول الله ، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف ؛ فقال حمزة بن عبدالمطلب : فأذنْ له ، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له ، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له ، فأذن له الرجل ، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة ، فأخذ حُجْزته ، أو بمجمع ردائه ، ثم جَبَذه به جبذة شديدة ، وقال : ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينـزل الله بك قارعة ، فقال عمر : يا رسول الله ، جئتك لأومن بالله وبرسوله ، وبما جاء من عند الله ؛ قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم .
فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم ، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينتصفون بهما من عدوهم . فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم . (2 191)

3 ما رواه عطاء ومجاهد عن إسلام عمر

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح المكي ، عن أصحابه : عطاء ، ومجاهد ، أو عمن روى ذلك : أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه ، أنه كان يقول : كنت للإسلام مباعدا ، وكنت صاحب خمر في الجاهلية ، أحبها وأسر بها ، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحَزْوَرة ، عند دور آل عمر بن عبد بن عمران المخزومي ، قال : فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك ، قال : فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا . قال : فقلت : لو أني جئت فلانا الخمَّار ، وكان بمكة يبيع الخمر ، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها .

قال : فخرجت فجئته فلم أجده . قال : فقلت : فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين . قال : فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ، وكان إذا صلى استقبل الشام ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان مصلاه بين الركنين : الركن الأسود ، والركن اليماني . قال : فقلت حين رأيته ، والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول ! قال : فقلت : لئن دنوت منه أستمع منه لأروِّعنه ؛ فجئت من قبل الحجر ، فدخلت تحت ثيابها ، فجعلت أمشي رويدا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن ، حتى قمت في قبلته مستقبله ، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة .

قال : فلما سمعت القرآن رق له قلبي ، فبكيت ودخلني الإسلام ، فلم أزل قائما في مكاني ذلك ، حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ، ثم انصرف ، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين ، وكانت طريقه ، حتى يجزع المسعى ، ثم يسلك بين دار عباس بن عبدالمطلب ، وبين دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري ، ثم على دار الأخنس بن شريق ، حتى يدخل بيته . وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في (2 192) الدار الرقطاء ، التي كانت بيدي معاوية بن أبي سفيان .

قال عمر رضي الله عنه : فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ، ودار ابن أزهر ، أدركته ؛ فلما سمع رسول اله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني ، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما تبعته لأوذيه فنهمني ، ثم قال : ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال : قلت : جئت لأومن بالله وبرسوله ، وبما جاء من عند الله ؛ قال : فحمد اللهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : قد هداك الله يا عمر ، ثم مسح صدري ، ودعا لي بالثبات ، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته .

قال ابن إسحاق : والله أعلم أي ذلك كان .

3 ذكر ثبات عمر في إسلامه و جلده

قال ابن إسحاق : وحدثني نافع مولى عبدالله بن عمر ، عن ابن عمر ، قال : لما أسلم أبي عمر قال : أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له : جميل بن معمر الجمحي . قال : (2 193) فغدا عليه . قال عبدالله بن عمر : فغدوت أتبع أثره ، وأنظر ما يفعل ، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت ، حتى جاءه ، فقال له : أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ، ودخلت في دين محمد ؟ قال : فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر ، واتبعت أبي ، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، وهم في أنديتهم حول الكعبة ، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبا .
قال : و يقول عمر من خلفه : كذب ، ولكني قد أسلمت ، وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . وثاروا إليه ، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم . قال : وطَلِحَ ، فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم ، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم ، أو تركتموها لنا ؛ قال : فبينما هم على ذلك ، إذ أقبل شيخ من قريش ، عليه حلة حِبْـرَة ، وقميص موشى ، حتى وقف عليهم ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : صبا عمر ؛ فقال : فمه ، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يُسلمون لكم صاحبكم هكذا ! خلوا عن الرجل . قال : فوالله لكأنما كانوا ثوبا كُشط عنه . قال : فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة : يا أبت ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت ، وهم يقاتلونك ؟ فقال : ذاك ، أي بُنيّ ، العاص بن وائل السهمي . (2 194)

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أنه قال : يا أبت ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت ، وهم يقاتلونك ، جزاه الله خيرا . قال : يا بني ، ذلك العاص بن وائل ، لا جزاه الله خيرا .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر ، أو بعض أهله ، قال : قال عمر : لما أسلمت تلك الليلة ، تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت ؛ قال : قلت : أبو جهل - وكان عمر لحنتمة بنت هشام بن المغيرة - قال : فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه . قال : فخرج إلي أبو جهل ، فقال : مرحبا وأهلا بابن أختي ، ما جاء بك ؟ قلت : جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ، وصدقت بما جاء به ؛ قال : فضرب الباب في وجهي وقال : قبحك الله ، وقبح ما جئت به . (2 195)

2 خبر الصحيفة

3 ائتمار قريش بالرسول

قال ابن إسحاق : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا ، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم ، وأن عمر قد أسلم ، فكان هو وحمزة بن عبدالمطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجعل الإسلام يفشو في القبائل ، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم ، و بني المطلب ، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئا ، ولا يبتاعوا منهم ؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم ، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي - قال ابن هشام : ويقال : النضر بن الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشُلّ بعض أصابعه .

3 من انحاز إلى أبي طالب ومن خرج عنه

قال ابن إسحاق : فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبدالمطلب ، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه ، وخرج من (2 196) بني هاشم أبو لهب ، عبدالعزى بن عبدالمطلب ، إلى قريش ، فظاهرهم .

3 تهكم أبي لهب بالرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما نزل فيه من القرآن

قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبدالله : أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة ، حين فارق قومه ، وظاهر عليهم قريشا ، فقال : يا بنت عتبة ؛ هل نصرت اللات والعزى ، وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما ؟ قالت : نعم ، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة .

قال ابن إسحاق : وحُدثت أنه كان يقول بعض ما يقول : يعدني محمد أشياء لا أراها ، يزعم أنها كائنة بعد الموت ، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك ؟ ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ، ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد . فأنزل الله تعالى فيه : ( تبت يدا أبي لهب وتبَّ ) . (2 197)

قال ابن هشام : تَـَّبت : خسرت . والتباب : الخسران . قال حبيب بن خُدْرة الخارجي : أحد بني هلال بن عامر بن صعصعة :

يا طيب إنا في معشر ذهبت مسعاتهم في التبار والتببِ

وهذا البيت في قصيدة له .

3 شعر أبي طالب في تظاهر قريش على الرسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : فلما اجتمعت على ذلك قريش ، وصنعوا فيه الذي صنعوا . قال أبو طالب :

ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤيا وخُصَّا من لؤي بني كعبِ

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا نبيا كموسى خُط في أول الكتب

وأن عليه في العباد محبة ولا خير ممن خصه الله بالحب

وأن الذي ألصقتمُ من كتابكم لكم كائن نحسا كراغيه السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن يحُفر الثرى ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب

ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا أواصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حربا عوانا وربما أمرّ على من ذاقه جلب الحرب (2 198)

فلسنا ورب البيت نُسلم أحمدا لعزَّاء من عض الزمان ولا كرب

ولما تبنْ منا ومنكم سوالف وأيد أُترّت بالقُساسية الشهب

بمعترك ضيق ترى كسر القنا به والنسور الطُخم يعكفن كالشَّرب

كأن مجُال الخيل في حَجَراته ومعمعة الأبطال معركة الحرب

أليس أبونا هاشم شد أزره وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب

ولكننا أهل الحفائظ والنهى إذا طار أرواح الكماة من الرعب

فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا ، حتى جُهدوا لا يصل إليهم شيء ، إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش .

3 أبو جهل يحكم الحصار على المسلمين

وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد ، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه في الشعب ، فتعلق به وقال : أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة .

فجاءه أبو البَخْتري بن هشام بن الحارث بن أسد ، فقال : ما لك وله ؟ فقال : يحمل الطعام إلى بني هاشم ؛ فقال له أبو البختري : طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه ، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ! خلّ سبيل الرجل ؛ فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه ، فأخذ له أبو البختري لَـحْي (2 199) بعير فضربه به فشجه ، ووطئه وطأ شديدا ، وحمزة بن عبدالمطلب قريب يرى ذلك ، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فيشمتوا بهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا ، و سرا وجهارا ، مباديا بأمر الله لا يتقي فيه أحدا من الناس .

2 ذكر ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه من الأذى

3 ما نزل من القرآن في أبي لهب وامرأته حمالة الحطب

فجعلت قريش حين منعه الله منها ، وقام عمه وقومه من بني هاشم ، وبني المطلب دونه ، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به ، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه ، وجعل القرآن ينـزل في قريش بأحداثهم ، وفيمن نصب لعداوته منهم ، ومنهم من سمّى لنا ، ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار ، فكان ممن سمّي لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب بن عبدالمطلب وامرأته أم جميل بنت حرب ابن أمية ، حمالة الحطب ، وإنما سماها الله تعالى حمالة الحطب ، لأنها كانت - فيما بلغني - تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يمر ، فأنزل الله تعالى فيهما (2 200)

: ( تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالةَ الحطب ، في جيدها حبل من مسد ) .

قال ابن هشام : الجيد : العنق . قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

يوم تُبدي لنا قُتيلة عن جيد أسيل تزينه الأطواقُ

وهذا البيت في قصيدة له . وجمعه : أجياد . والمسد : شجر يدق كما يدق الكتان فتفتل منه حبال . قال النابغة الذبياني ، واسمه زياد بن عمرو ابن معاوية :

مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسدِ

وهذا البيت في قصيدة له . وواحدته : مسدة .

3 أم جميل امرأة أبي لهب و رد الله كيدها عن الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : فذُكر لي : أن أم جميل : حمالة الحطب ، حين سمعت ما نزل فيها ، وفي زوجها من القرآن ، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق ، وفي يدها فِهْر من حجارة ، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا ترى إلا أبا بكر ، فقالت : يا أبا بكر ، أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنه يهجوني ، والله لو (2 201) وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، أما والله إني لشاعرة ، ثم قالت :

مذمما عصينا وأمره أبَيْنا

ودينه قَلَيْنا

ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تُراها رأتك ؟ فقال : ما رأتني ، لقد أخذ الله ببصرها عني .

قال ابن هشام : قولها ( ودينه قلينا ) عن غير ابن إسحاق .

قال ابن إسحاق : وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما ، ثم يسبونه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش ، يسبون و يهجون مذمما ، وأنا محمد .

3 إيذاء أمية بن خلف للرسول صلى الله عليه و سلم

وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه ، فأنزل الله تعالى فيه : ( ويل لك همزة لمزة ، الذي جمع مالا وعدده . يحسب أن ماله أخلده . كلا لينبذن في الحطمة ، وما أدراك ما الحطمة ، نار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة . إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ) .

قال ابن هشام : الهمزة : الذي يشتم الرجل علانية ، ويكسر عينيه (2 202) عليه ، ويغمز به . قال حسان بن ثابت :

همزتك فاخْتضعْتُ لذل نفس بقافية تأجج كالشُواظِ

وهذا البيت في قصيدة له . وجمعه : همزات . واللمزة : الذي يعيب الناس سرا ويؤذيهم .

قال رؤبة بن العجاج :

في ظل عَصْريْ باطلي ولمزي

وهذا البيت في أرجوزة له ، وجمعه : لمزات .

3 إيذاء العاص الرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل فيه من قرآن

قال ابن إسحاق : والعاص بن وائل السهمي ، كان خباب بن الأرت ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قينا بمكة يعمل السيوف ، وكان قد باع من العاص ابن وائل سيوفا عملها له حتى كان له عليه مال ، فجاءه يتقاضاه ، فقال له : يا خباب ، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلُها من ذهب ، أو فضة ، أو ثياب ، أو خدم ! قال خباب : بلى . قال : فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك ، فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني ، ولا أعظم حظا في ذلك . فأنزل الله تعالى فيه : ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ، أطلع الغيب ) ... إلى قوله تعالى : ( ونرثه ما يقول ، ويأتينا فردا ) .

3 إيذاء أبي جهل الرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما نـزل فيه

ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - فقال له : والله يا محمد ، لتتركن سب آلهتنا ، (2 203) أو لنسبن إلهك الذي تعبد . فأنزل الله تعالى فيه : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ، فيسبوا الله عدوا بغير علم ) . فذُكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم ، وجعل يدعوهم إلى الله .

3 إيذاء النضر الرسول صلى الله عليه و سلم ، و ما نـزل فيه

والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي ، كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا ، فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن ، وحذر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية ، خلفه في مجلسه إذا قام ، فحدثهم عن رستم السنديد ، وعن أسفنديار ، وملوك فارس ، ثم يقول : والله ما محمد بأحسن حديثا مني ، وما حديثه إلا أساطير الأولين ، اكتتبها كما اكتتبتها . فأنزل الله فيه : ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، إنه كان غفورا رحيما ) . ونزل فيه ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) . ونزل فيه : ( ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تُتلى عليه ثم يُصرّ مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ، فبشره بعذاب أليم ) .

قال ابن هشام : الأفاك : الكذاب . وفي كتاب الله تعالى : ( ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ، وإنهم لكاذبون ) . (2 204)

وقال رؤبة بن العجاج :

3 ما لامرىء أفَّك قولا إفكا

وهذا البيت في أرجوزة له .

قال ابن إسحاق : وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما - فيما بلغني - مع الوليد بن المغيرة في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم في المجلس ، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرض له النضر بن الحارث ، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليه وعليهم : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ، لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ، وكل فيها خالدون ، لهم فيها زفير ، وهم فيها لا يسمعون ) .

قال ابن هشام : حصب جهنم : كل ما أوقدت به . قال أبو ذؤيب الهذلي ، واسمه خويلد بن خالد:

فأطفىء ولا توقد ولا تك محضأ لنار العداة أن تطير شكاتها

وهذا البيت في أبيات له . ويُروى ( ولا تك محضأ ) . قال الشاعر :

حضأت له ناري فأبصر ضوءها وما كان لولا حضأة النار يهتدي

3 مقالة ابن الزبعرى ، وما أنـزل الله فيه

قال ابن إسحاق : ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عبدالله بن الزبعرى السهمي حتى جلس ، فقال الوليد بن المغيرة لعبدالله بن الزبعرى : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبدالمطلب آنفا وما قعد ، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم ؛ فقال عبدالله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته (2 205) لخصمته ، فسلوا محمدا : أكلّ ما يُعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد عيسى بن مريم عليهما السلام ؛ فعجب الوليد ، ومن كان معه في المجلس من قول عبدالله بن الزبعرى ، ورأوا أنه قد احتج وخاصم . فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ابن الزبعرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده ، إنهم إنما يعبدون الشياطين ، ومن أمرتهم بعبادته . فأنزل الله تعالى عليه في ذلك : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ، أولئك عنها مبعدون ، لا يسمعون حسيسها ، وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) : أي عيسى بن مريم ، وعزيرا ، ومن عُبدوا من الأحبار والرهبان الذي مضوا على طاعة الله ، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله .
ونزَّل فيما يذكرون ، أنهم يعبدون الملائكة ، وأنها بنات الله : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ، بل عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ) ... إلى قوله : ( ومن يقل منهم إني إله من دونه ، فذلك نجزيه جهنم ، كذلك نجزي الظالمين ) . (2 206)

ونزّل فيما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنه يُعبد من دون الله ، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته : ( ولما ضُرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) : أي يصدون عن أمرك بذلك من قولهم .

ثم ذكر عيسى بن مريم فقال : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ، ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ، وإنه لعلم للساعة فلا تمترُنَّ بها واتبعون هذا صراط مستقيم ) : أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى ، وإبراء الأسقام ، فكفى به دليلا على علم الساعة ، يقول : ( فلا تمترن بها واتبعون ، هذا صراط مستقيم ) .

3 الأخنس بن شريق ، وما أنزل الله فيه

قال ابن إسحاق : والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، حليف بني زهرة ، وكان من أشراف القوم وممن يُستمع منه ، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرد عليه ؛ فأنزل الله تعالى فيه : ( ولا تطع كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم ) ... إلى قوله تعالى : ( زنيم ) ، ولم يقل : ( زنيم ) لعيب في نسبه ، لأن الله لا يعيب أحدا بنسب ، ولكنه حقق بذلك نعته ليُعرف . والزنيم : العديد للقوم . وقد قال الخطيم التميمي في الجاهلية :

زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارعُ (2 207)

3 الوليد بن المغيرة ، وما أنزل الله تعالى فيه

والوليد بن المغيرة ، قال : أيُنـزَّل على محمد وأُترك وأنا كبير قريش وسيدها ، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ، ونحن عظيما القريتين ، فأنزل الله تعالى فيه ، فيما بلغني : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) ... إلى قوله تعالى : ( مما يجمعون ) .

3 أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط وما أنزل الله فيهما

وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، وعقبة بن أبي معيط ، وكانا متصافيين ، حَسَنا ما بينهما . فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه ، فبلغ ذلك أبيا ، فأتى عقبة فقال له : ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه ، قال : وجهي من وجهك حرام أن أكلمك - واستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه ، أو لم تأته فتتفل في وجهه . ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط لعنه الله . فأنزل الله تعالى فيهما : ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) ... إلى قوله تعالى : ( للإنسان خذولا ) .

ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد ارْفتَّ ، فقال : يا محمد ، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ ، ثم فتَّه في يده ، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، أنا أقول ذلك ، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ، ثم يدخلك الله النار . فأنزل الله تعالى فيه : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال : من يحيي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي أنشأها (2 208) أول مرة وهو بكل خلق عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ، فإذا أنتم منه توقدون ) .

3 سورة ( قل يا أيها الكافرون ) وسبب نزولها

واعترض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل السهمي ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه . فأنزل الله تعالى فيهم : ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم . ولا أنتم عابدون ما أعبد . لكم دينكم ولي دينِ ) أي إن كنتم لا تعبدون الله ، إلا أن أعبد ما تعبدون ، فلا حاجة لي بذلك منكم ، لكم دينكم جميعا ، ولي ديني .

3 أبو جهل ، وما أنزل الله فيه

وأبو جهل بن هشام ، لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفا بها لهم ، قال : يا معشر قريش ، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا : لا ؛ قال : (2 209) عجوة يثرب بالزبد ، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنَّها تزقما . فأنزل الله تعالى فيه : ( إن شجرة الزقوم ، طعام الأثيم ، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم ) : أي ليس كما يقول .

3 تفسير لفظ ( المهل )

قال ابن هشام : المهل : كل شيء أذبته ، من نحاس أو رصاص أو ما أشبه ذلك فيما أخبرني أبو عبيدة .

وبلغنا عن الحسن البصري أنه قال : كان عبدالله بن مسعود واليا لعمر ابن الخطاب على بيت مال الكوفة ، وأنه أمر يوما بفضة فأُذيبت ، فجعلت تلون ألوانا ، فقال : هل بالباب من أحد ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فأدخلوهم ، فأدخلوا ، فقال : إن أدنى ما أنتم راءون شبها بالمهل ، لهذا . وقال الشاعر :

يسقيه ربي حميم المهل يجرعه يشوي الوجوه فهو في بطنه صهر

ويقال : إن المهل : صديد الجسد .

وقال عبدالله بن الزبير الأسدي :

فمن عاش منهم عاش عبدا وإن يمت ففي النار يُسقى مهلها وصديدها

وهذا البيت في قصيدة له . (2 210)

3 استشهاد في تفسير ( المهل ) بكلام لأبي بكر

بلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما حُضِر أمر بثوبين لَبِيْسين يُغسلان فيكفن فيهما ، فقالت له عائشة : قد أغناك الله يا أبت عنهما ، فاشترِ كفنا ، فقال : إنما هي ساعة حتى يصير إلى المهل . قال الشاعر :

شاب بالماء منه مُهلا كريها ثم علّ المتون بعد النهالِ

قال ابن إسحاق : فأنزل الله تعالى فيه : ( والشجرة الملعونة في القرآن ، وُنخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) .

3 ابن أم مكتوم ، والوليد ، و نزول سورة ( عبس )

ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و رسول الله عليه و سلم يكلمه ، وقد طمع في إسلامه ، فبينا هو في ذلك ، إذ مر به ابن أم مكتوم الأعمى ، فكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يستقرئه القرآن ، فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره ، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد ، وما طمع فيه من إسلامه . فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه . فأنزل الله تعالى فيه : ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) ... إلى قوله تعالى : ( في صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة ) أي إنما بعثتك بشيرا ونذيرا ، لم أخص بك أحدا دون أحد ، فلا تمنعه ممن ابتغاه ، ولا تتصدينّ به لمن لا يريده . (2 211)

قال ابن هشام : ابن أم مكتوم ، أحد بني عامر بن لؤي ، و اسمه عبدالله ، و يقال : عمرو .

2 ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة

3 سبب رجوع مهاجرة الحبشة

قال ابن إسحاق : وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين خرجوا إلى أرض الحبشة ، إسلام أهل مكة ، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك ، حتى إذا دنوا من مكة ، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا ، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا .

3 من عاد من بني عبد شمس و حلفائهم

فكان ممن قدم عليه مكة منهم ، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة ، فشهد معه بدرا و أحدا ، و من حُبس عنه حتى فاته بدر وغيره ، ومن مات بمكة منهم من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي : عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، و معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، و امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو .

ومن حلفائهم : عبدالله بن جحش بن رئاب .

3 من عاد من بني نوفل

ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان ، حليف لهم ، من قيس ابن عيلان .

3 من عاد من بني أسد

ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد .

3 من عاد من بني عبدالدار

ومن بني عبدالدار بن قصي : مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ؛ بن عبدالدار . وسُويـبط بن سعد بن حرملة . (2 212)

3 من عاد من بني عبد بن قصي

ومن بني عبد بن قصي : طُليب بن عمير بن وهب بن عبد .

3 من عاد من بني زهرة

ومن بني زهرة بن كلاب : عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد ابن الحارث بن زهرة ؛ والمقداد بن عمرو . حليف لهم ؛ وعبدالله بن مسعود ، حليف لهم .

3 من عاد من بني مخزوم و حلفائهم

ومن بني مخزوم بن يقظة : أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله ابن عمرو بن مخزوم ، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ؛ وشماس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم . وسلمة بن هشام بن المغيرة ، حبسه عمه بمكة ، فلم يقدم إلا بعد بدر وأحد والخندق ، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة ، هاجر معه إلى المدينة ، ولحق به أخواه لأمه : أبو جهل بن هشام ، والحارث بن هشام ، فرجعا به إلى مكة فحبساه بها حتى مضى بدر وأحد والخندق .

ومن حلفائهم : عمار بن ياسر ، يُشك فيه ، أكان خرج إلى الحبشة أم لا ؟ ومعتب بن عوف بن عامر من خزاعة .

3 من عاد من بني جمح

ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب : عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح . وابنه السائب بن عثمان ؛ وقدامة بن مظعون ؛ وعبدالله بن مظعون .

3 من عاد من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب : خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي ؛ وهشام بن العاص بن وائل ، حبس بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى قدم بعد بدر وأحد والخندق . (2 213)

3 من عاد من بني عدي

ومن بني عدي بن كعب : عامر بن ربيعة ، حليف لهم ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن حذافة بن غانم .

3 من عاد من بني عامر و حلفائهم

ومن بني عامر بن لؤي : عبدالله بن مخرمة بن عبدالعزى بن أبي قيس : وعبدالله بن سهيل بن عمرو ، وكان حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة ، حتى كان يوم بدر ، فانحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معه بدرا ؛ وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى ، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو ؛ والسكران بن عمرو بن عبد شمس ، معه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس ، مات بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته سودة بنت زمعة .

ومن حلفائهم : سعد بن خولة .

3 من عاد من بني الحارث

ومن بني الحارث بن فهر : أبو عبيدة بن الجراح ، وهو عامر بن عبدالله ابن الجراح ؛ وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد ؛ وسهيل بن بيضاء ، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال ؛ وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال .

فجميع من قدم عليه مكة من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلا .

3 من دخل مكة بجوار من مهاجري الحبشة

فكان من دخل منهم بجوار ، فيمن سمُي لنا : عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحي ، دخل بجوار من الوليد بن المغيرة ، وأبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، دخل بجوار من أبي طالب بن عبدالمطلب وكان خاله . وأم أبي سلمة : برة بنت عبدالمطلب . (2 214)

2 قصة عثمان بن مظعون في رد جوار الوليد

3 تألممه لما يصيب إخوانه في الله ، و ما حدث له في مجلس لبيد

قال ابن إسحاق : فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عن عثمان ، قال : لما رأى عثمان ابن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء ، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة ، قال : والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني ، لنقص كبير في نفسي .

فمشى إلى الوليد بن المغيرة ، فقال له : يا أبا عبد شمس ، وفت ذمتك ، قد رددت إليك جوارك ؛ فقال له : لم يا ابن أخي ؟ لعله آذاك أحد من قومي ؛ قال : لا ، ولكني أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره ؟ قال : فانطلق إلى المسجد ، فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية .

قال : فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد ، فقال الوليد : هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري ؛ قال : صدق ، قد وجدته وفيا كريم الجوار ، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره ؛ ثم انصرف عثمان ، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل (2 215)

قال عثمان : صدقت . قال لبيد:

وكل نعيم لا محالة زائل

قال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول . قال لبيد بن ربيعة : يا معشر قريش ، والله ما كان يُؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم : إن هذا سفيه في سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا ، فلا تجدن في نفسك من قوله ؛ فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضَّرها ، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان ، فقال : أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة . قال : يقول عثمان : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس ؛ فقال (2 216) له الوليد : هلم يا ابن أخي ، إن شئت فعد إلى جوارك ؛ فقال : لا .

2 قصة أبي سلمة رضي الله عنه في جوار أبي طالب

3 ضجر المشركين بأبي طالب لإجارته ، و دفاع أبي لهب ، و شعر أبي طالب في ذلك

قال ابن إسحاق : وأما أبو سلمة بن عبدالأسد ، فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبدالله بن عمر بن أبي سلمة أنه حدثه : أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب ، مشى إليه رجال من بني مخزوم ، فقالوا له : يا أبا طالب ، لقد منعت منا ابن أخيك محمدا ، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ قال : إنه استجار بي ، وهو ابن أختي ، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي ؛ فقام أبو لهب فقال : يا معشر قريش ، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ، ما تزالون توثَّبون عليه في جواره من بين قومه ، والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه ، حتى يبلغ ما أراد . قال : فقالوا : بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة ، وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبقوا على ذلك . فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وإن امرأ أبو عتيبة عمه لفي روضة ما إن يُسام المظالما

أقول له ، وأين منه نصيحتي أبا معتب ثبتْ سوادك قائما

ولا تقبلنّ الدهر ما عشت خطة تُسبّ بها إما هبطت المواسما

وولّ سبيل العجز غيرك منهمُ فإنك لم تخُلق على العجر لازما

وحارب فإن الحرب نُصْف ولن ترى أخا الحرب يُعطىالخسف حتى يُسالما

وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ولم يخذلوك غانما أو مغارما

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما

بتفريقهم من بعد ود وألفة جماعتنا كيما ينالوا المحارما (2 217)

كذبتم وبيت الله نُبزى محمدا ولما تروا يوما لدى الشعب قائما

قال ابن هشام : نبزى : نسلب .

قال ابن هشام : وبقي منها بيت تركناه .

2 دخول أبي بكر في جوار ابن الدغنة ثم رد جواره عليه

3 سبب جوار ابن الدغنة لأبي بكر

قال ابن إسحاق : وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، كما حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنهما ، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى ، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى ، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له ، فخرج أبو بكر مهاجرا ، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين ، لقيه ابن الدغنة ، أخو بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وهو يومئذ سيد الأحابيش .

3 الأحابيش

قال ابن إسحاق : والأحابيش : بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، والهون بن خزيمة بن مدركة ، وبنو المصطلق من خزاعة .

قال ابن هشام : تحالفوا جميعا ، فسموا الأحابيش - لأنهم تحالفوا بواد يقال له الأحبش بأسفل مكة - للحلف .

ويقال : ابن الدغينة .

قال ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : فقال ابن الدغنة : أين يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي وآذوني ، وضيقوا علي ؛ قال : ولم ؟ فوالله إنك لتزين العشيرة ، وتعين على النوائب ، وتفعل المعروف ، وتكسب المعدوم ، ارجع فأنت في (2 218) جواري . فرجع معه ، حتى إذا دخل مكة ، قام ابن الدغنة فقال : يا معشر قريش ، إني قد أجرت ابن أبي قحافة ، فلا يعرضن له أحد إلا بخير . قالت : فكفوا عنه .

3 سبب خروج أبي بكر من جوار ابن الدغنة

قالت : وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح ، فكان يصلي فيه ، وكان رجلا رقيقا ، إذا قرأ القرآن استبكى . قالت : فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء ، يعجبون لما يرون من هيئته . قالت : فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة ، فقالوا له : يا ابن الدغنة ، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا ، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي ، وكانت له هيئة ونحو ، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم ، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء .

قالت : فمشى ابن الدغنة إليه ، فقال له : يا أبا بكر ، إني لم أجرك لتؤذي قومك ، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه ، وتأذوا بذلك منك ، فادخل بيتك ، فاصنع فيه ما أحببت ؛ قال : أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ؟ قال : فاردد علي جواري ؛ قال : قد رددته عليك . قالت : فقام ابن الدغنة ، فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم ابن محمد ، قال : لقيه سفيه من سفهاء قريش ، وهو عامد إلى الكعبة ، فحثا على رأسه ترابا . قال : فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة ، أو العاص بن وائل ، قال : فقال أبو بكر : ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه ؟ قال : أنت فعلت ذلك بنفسك . قال : وهو يقول : أي رب ، ما أحلمك ، أي رب ، ما أحلمك ، أي رب ، ما أحلمك . (2 219)

2 حديث نقض الصحيفة

3 هشام بن عمرو يسعى في نقض الصحيفة

قال ابن إسحاق : وبنو هاشم وبنو المطلب في منـزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها ، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش ، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حُبيب بن نصر بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه ، فكان هشام لبني هاشم واصلا ، وكان ذا شرف في قومه ، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير ، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا ، قد أوقره طعاما ، حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ، ثم ضرب على جنبه ، فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا ، فيفعل به مثل ذلك .

3 سعي هشام في ضم زهير بن أبي أمية له

قال ابن إسحاق : ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وكانت أمه عاتكة بنت عبدالمطلب ، فقال : يا زهير ، أقد رضيت أن تأكل الطعام ، وتلبس الثياب ، وتنكح النساء ، وأخوالك حيث قد علمت ، لا يباعون ولا يبتاع منهم ، ولا ينكحون ولا يُنكح إليهم ؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ، ما أجابك إليه أبدا ؛ قال : ويحك يا هشام ، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها ؛ (2 220) قال : قد وجدت رجلا ، قال : فمن هو ؟ قال : أنا ، قال له زهير : أبغنا رجلا ثالثا .

3 سعي هشام في ضم المطعم بن عدي له

فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، فقال له : يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف ، وأنت شاهد على ذلك ، موافق لقريش فيه ، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدُنهَّم إليها منكم سراعا ؛ قال : ويحك ، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ؛ قال : قد وجدت ثانيا ؛ قال : من هو ؟ قال : أنا ؛ فقال : أبغنا ثالثا ؛ قال : قد فعلت ؛ قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية ، قال : أبغنا رابعا .

3 سعي هشام في ضم أبي البختري إليه

فذهب إلى البختري بن هشام ، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي ، فقال : وهل من أحد يُعين على هذا ؟ قال : نعم ؛ قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية ، والمطعم بن عدي ، وأنا معك ؛ قال : أبغنا خامسا .

3 سعي هشام في ضم زمعة له

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، فكلمه ، وذكر له قرابتهم وحقهم ، فقال له : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال : نعم ، ثم سمى له القوم .

3 ما حدث بين هشام و زملائه ، وبين أبي جهل ، حين اعتزموا تمزيق الصحيفة

فاتعدوا خَطْم الحجون ليلا بأعلى مكة ، فاجتمعوا هنالك . فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها ، وقال زهير : أنا أبدؤكم ، فأكون أول من يتكلم .

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة ، فطاف بالبيت سبعا ؛ ثم أقبل على الناس فقال : يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى لا يُباع ولا يُبتاع منهم ، والله لا أقعد حتى تُشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . (2 221)

قال أبو جهل : وكان في ناحية المسجد : كذبت والله ولا تشق ؛ قال زمعة بن الأسود : أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابها حيث كتبت ؛ قال أبو البختري : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقر به ؛ قال المطعم بن عدي : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ، ومما كتب فيها ؛ قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك .

فقال أبو جهل : هذا أمر قُضي بليل ، تُشُوْوِرَ فيه بغير هذا المكان . وأبو طالب جالس في ناحية المسجد ، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها ، فوجد الأرضة قد أكلتها ، إلا ( باسمك اللهم ) .

3 شلت يد من كتب الصحيفة

وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة . فشُلّت يده فيما يزعمون .

3 إخباره عليه الصلاة والسلام بأكل الأرضة الصحيفة ، و ما كان من القوم بعد ذلك

قال ابن هشام : وذكر بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب : يا عم ، إن ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ، ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان ؛ فقال : أربك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم ؛ قال : فوالله ما يدخل عليك أحد ، ثم خرج إلى قريش ، فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا ، فهلم صحيفتكم ، فإن كان كما قال ابن أخي ، فانتهوا عن قطيعتنا ، وانزلوا عما فيها ، وإن يكن كاذبا دفعت إليكم ابن أخي ، فقال القوم : رضينا ، فتعاقدوا على ذلك ، ثم نظروا ، فإذا هي كما (2 222) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزادهم ذلك شرا . فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا .

3 شعر أبي طالب في مدح النفر الذين نقضوا الصحيفة

قال ابن إسحاق : فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها ، قال أبو طالب ، فيما كان من أمر أولئك النفر الذين قاموا في نقضها يمدحهم :

ألا هل أتى بحريِّنا صنع ربنا على نأيهم والله بالناس أرودُ

فيخبرهم أن الصحيفة مزقت وأنْ كل ما لم يرضه الله مفسد

تراوحها إفك وسحر مجمع ولم يُلف سحر آخر الدهر يصعد

تداعى لها من ليس فيها بقرقر فطائرها في رأسها يتردد (2 223)

وكانت كفاء رقعة بأثيمة ليُقطع منها ساعد ومقلَّد

ويظعن أهل المكتين فيهربوا فرائصهم من خشية الشر ترعد

ويُترك حرّاث يقلب أمره أيُتهم فيهم عند ذاك ويُنجد

وتصعد بين الأخشبين كتيبة لها حدج سهم وقوس ومِرهد

فمن يَنْشَ من حضّار مكة عزه فعزتنا في بطن مكة أتلد

نشأنا بها والناس فيها قلائل فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد

ونُطعم حتى يترك الناس فضلهم إذا جعلت أيدي المفيضين تُرعد

جزى الله رهطا بالحجون تبابعوا على ملأ يهدي لحزم ويرشد

قعودا لدى خطم الحجون كأنهم مقاولة بل هم أعز وأمجد

أعان عليها كل صقر كأنه إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد

جريّ على جُلَّى الخطوب كأنه شهاب بكفَّيْ قابس يتوقَّد

من الأكرمين من لؤي بن غالب إذا سيم خسفا وجهه يتربد

طويل النجاد خارج نصفُ ساقه على وجهه يُسقى الغمام ويسعد

عظيم الرماد سيد وابن سيد يحض على مَقْرَى الضيوف ويحشد

ويبني لأبناء العشيرة صالحا إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد (2 224)

ألظَّ بهذا الصلح كل مبرَّأ عظيم اللواء أمره ثم يحُمد

قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا عل مهل وسائر الناس رُقَّدُ

همُ رجعوا سهل بن بيضاء راضيا وسُرّ أبو بكر بها ومحمد

متى شُرّك الأقوام في جل أمرنا وكنا قديما قبلها نُتودد

وكنا قديما لا نُقرّ ظُلامة وندرك ما شئنا ولا نتشدد

فيا لقصي هل لكم في نفوسكم وهل لكم فيما يجىء به غد

فإني وإياكم كما قال قائل لديك البيان لو تكلمت أسود

3 ما رثى به حسان المطعم بن عدي ، وذكره نقضه الصحيفة

وقال حسان بن ثابت : يبكي المطعم بن عدي حين مات ، ويذكر قيامه في نقض الصحيفة :

أيا عين فابكي سيد القوم واسفحي بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما

وبكِّي عظيم المشعرين كليهما على الناس معروفا له ما تكلما

فلو كان مجد يخلد الدهر واحدا من الناس ، أبقى مجده اليوم مُطعما

أجرت رسول الله منهم فأصبحوا عبيدك ما لبى مُهِلّ وأحرما

فلو سئلت عنه معد بأسرها وقحطان أو باقي بقية جرهما

لقالوا هو الموفى بخُفرة جاره وذمته يوما إذا ما تذمما

فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم على مثله فيهم أعز وأعظما

وآبى إذا يأبي وألين شيمة وأنوم عن جار إذا الليل أظلما (2 225)

فذهب إلى البختري بن هشام ، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي ، فقال : وهل من أحد يُعين على هذا ؟ قال : نعم ؛ قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية ، والمطعم بن عدي ، وأنا معك ؛ قال : أبغنا خامسا .

قال ابن هشام : قوله ( كليهما ) عن غير ابن إسحاق .

قال ابن هشام : وأما قوله : ( أجرت رسول الله منهم ) ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، من تصديقه ونصرته ، صار إلى حراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف ، والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال : إن بني عامر لا تجير على بني كعب . فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ، ثم تسلح المطعم وأهل بيته ، وخرجوا حتى أتوا المسجد ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت وصلى عنده ، ثم انصرف إلى منـزله . فذلك الذي يعني حسان بن ثابت .

3 حسان يمدح هشام بن عمرو لقيامه في نقض الصحيفة

قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت الأنصاري أيضا : يمدح هشام بن عمرو لقيامه في الصحيفة :

هل يُوفينّ بنو أمية ذمة عقدا كما أوفى جوار هشام

من معشر لا يغدرون بجارهم للحارث بن حُبيِّب بن سخام

وإذا بنو حسل أجاروا ذمة اوفوا وأدَّوْا جارهم بسلام

وكان هشام أحد سُحام بالضم

قال ابن هشام : ويقال سخام . (2 226)

2 قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي

3 قريش تحذره من استماعه للرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما يرى من قومه ، يبذل لهم النصيحة ، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه . وجعلت قريش ، حين منعه الله منهم ، يحذّرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب .

وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث : أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا له : يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنَّه ولا تسمعنّ منه شيئا .

3 استماعه لقول قريش ، ثم عدوله و سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم

قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فَرقا من أن يبلغني شيء من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه .

قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة . قال : فقمت منه قريبا ، فأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله . قال : فسمعت كلاما حسنا . قال : فقلت في نفسي : واثُكْل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته . (2 227)

3 إسلام الطفيل

قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا ، للذي قالوا ، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يُسمعني قولك ، فسمعته قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك . قال : فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا علي القرآن ، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه .

قال : فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وقلت : يا نبي الله ، إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم ، وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه ، فقال : اللهم اجعل له آية .

3 آية للطفيل ليصدقه قومه

قال : فخرجت إلى قومي ، حتى إذا كنت بِثنيَّة تطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيّ مثل المصباح ؛ فقلت : اللهم في غير وجهي ، إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم .

قال : فتحول فوقع في رأس سوطي . قال : فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أهبط إليهم من الثنية ، قال : حتى جئتهم فأصبحت فيهم .

3 إسلام والد الطفيل

قال : فلما نزلت أتاني أبي ، وكان شيخا كبيرا ، قال : فقلت : إليك عني يا أبت ، فلست منك ولست مني ؛ قال : ولم يابني ؟ قال : قلت : أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قال : أي بني ، فديني دينك ؛ قال : فقلت : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك ما عُلِّمت . قال : فذهب فاغتسل ، وطهر ثيابه . قال : ثم جاء فعرضت عليه الإسلام ، فأسلم . (2 228)

3 دعوته زوجه إلى الإسلام

قال : ثم أتتني صاحبتي ، فقلت : إليك عني ، فلست منك ولست مني ؛ قالت : لم ؟ بأبي أنت وأمي ؛ قال : قلت : قد فرق بيني وبينك الإسلام ، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قالت : فديني دينك ؛ قال : قلت : فاذهبي إلى حِنا ذي الشَّرى - قال ابن هشام : ويقال : حمى ذي الشرى - فتطهري منه .

قال : وكان ذو الشرى صنما لدوس ، وكان الحمى حمى حموه له ، وبه وَشَل من ماء يهبط من جبل .

قال : فقالت : بأبي أنت وأمي ، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا ؛ قال : قلت : لا ، أنا ضامن لذلك ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام ، فأسلمت .

3 دعوته قومه إلى الإسلام ، و ما كان منهم ، و لحاقهم بالرسول صلى الله عليه و سلم

ثم دعوت دوسا إلى الإسلام ، فأبطئوا علي ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فقلت له : يا نبي الله ، إنه قد غلبني على دوس الزنا ، فادع الله عليهم ؛ فقال : اللهم اهد دوسا ، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم .

قال : فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بدر وأحد والخندق ، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فأَسْهم لنا مع المسلمين . (2 229)

ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا فتح الله عليه مكة ، قال : قلت : يا رسول الله ، ابعثني إلى ذي الكفين ، صنم عمرو بن حممة حتى أُحرقه .

3 إحراق صنم ذي الكفين

قال ابن إسحاق : فخرج إليه ، فجعل طفيل يوقد عليه النار ويقول :

يا ذا الكفين لست من عُبَّادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا

إني حشوتُ النار في فؤادكا

3 جهاده معه صلى الله عليه وسلم وموته

قال : ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم . فلما ارتدت العرب ، خرج مع المسلمين ، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ، ومن أرض نجد كلها . ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل ، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة ، فقال لأصحابه : إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي ، رأيت أن رأسي حُلق ، وأنه خرج من فمي طائر ، وأنه لقيتْني امرأة فأدخلتني في فرجها ، وأرى ابني يطلبني حثيثا ، ثم رأيته حُبس عني ؛ قالوا : خيرا ؛ قال : أما أنا والله فقد أولتها ؛ قالوا : ماذا ؟ قال : أما حَلْق رأسي فوضعه ؛ وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي ؛ وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تحفر لي ، فأُغيَّب فيها ؛ وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني ، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني . فقُتل رحمه الله شهيدا باليمامة ، وجُرح ابنه جراحة شديدة ، ثم استبل منها ، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيدا . (2 230)

2 قصة أعشى بني قيس بن ثعلبة

3 قدومه على الرسول ومدحه

قال ابن هشام :حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم : أن أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام ، فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبتَّ كما بات السليم مُسهَّدا

وما ذاك من عشق النساء وإنما تناسيت قبل اليوم صُحبة مهددا

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا

كهولا وشُبَّانا فقدت وثروة فلله هذا الدهر كيف ترددا

وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

وأبتذل العيس المراقيل تغتلي مسافة ما بين النُّجير فصرخدا (2 231)

ألا أيهذا السائلي أين يممتْ فإن لها في أهل يثرب موعدا

فإن تسألي عني فيا رُب سائل حفيّ عن الأعشى به حيث أصعدا

أجدَّت برجليها النجاء وراجعت يداها خنافا لينا غير أحردا

وفيها إذا ما هجرت عجرفية إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا

و آليت لا آوي لها من كلالة ولا من حفى حتى تلاقي محمدا

متى ما تناخي عند باب ابن هاشم تراحي وتلقى من فواضله ندى

نبيا يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا

له صدقات ما تغب ونائل وليس عطاء اليوم مانعه غدا (2 232)

أجدك لم تسمع وصاة محمد نبى الإله حيث أوصى وأشهدا

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله فترصد للموت الذي كان أرصدا

فإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذنْ سهما حديدا لتفصدا

وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا

ولا تقربن حرة كان سرها عليك حراما فانكحن أو تأبدا

وذا الرحم القربى فلا تقطعنه لعاقبة ولا الأسير المقيدا

وسبح على حين العشيات والضحى ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا

ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ولا تحسبن المال للمرء مخلدا

3 نهاية الأعشى

فلما كان بمكة أو قريبا منها ، اعترضه بعض المشركين من قريش ، فسأله عن أمره ، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم ؛ فقال له : يا أبا بصير ، إنه يحرم الزنا ؛ فقال الأعشى : والله إن ذلك الأمر ما لي فيه من أرب ؛ فقال له : يا أبا بصير ، فإنه يحرم الخمر ؛ فقال الأعشى : أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ، ثم آتيه فأسلم .

فانصرف فمات في عامه ذلك ، ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2 233)

3 أبو جهل يَذِلُّ للرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وقد كان عدو الله أبو جهل بن هشام مع عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضه إياه ، وشدته عليه ، يذله الله له إذا رآه .

2 أبو جهل وأمر الإراشي الذي باعه الإبل

3 مماطلة أبي جهل الإراشي ، و استنجاده بقريش ، و استخفافهم بالرسول

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالملك بن عبدالله بن أبي سفيان الثقفي ، وكان واعية ، قال : قدم رجل من إراش - قال ابن هشام : ويقال : إراشة - بإبل له مكة ، فابتاعها منه أبو جهل ، فمطله بأثمانها . فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس ، فقال : يا معشر قريش ، من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام ، فإني (2 234) رجل غريب ، ابن سبيل ، وقد غلبني على حقي ؟ قال : فقال له أهل ذلك المجلس : أترى ذلك الرجل الجالس - لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يهزءون به لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة - اذهب إليه فإنه يؤديك عليه .

3 الرسول ينصف الإراشي من أبي جهل

فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا عبدالله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله ، وأنا رجل غريب ابن سبيل ، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه ، يأخذ لي حقي منه ، فأشاروا لي إليك ، فخذ لي حقي منه ، يرحمك الله ؛ قال : انطلق إليه ، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قام معه . قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه ، فانظر ماذا يصنع .

قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه ، فقال : من هذا ؟ قال : محمد ، فاخرج إلي ، فخرج إليه ، وما في وجهه من رائحة ، قد انتقع لونه ، فقال : أعط هذا الرجل حقه ؛ قال : نعم ، لا تبرح حتى أعطيه الذي له ، قال : فدخل ، فخرج إليه بحقه ، فدفعه إليه .

قال : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال للإراشي : الحق بشأنك ، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس ، فقال : جزاه الله خيرا ، فقد والله أخذ لي حقي .

3 ما خافه أبو جهل من رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال : وجاء الرجل الذي بعثوا معه ، فقالوا : ويحك ! ماذا رأيت ؟ قال : عجبا من العجب ، (2 235) والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه ، فخرج إليه وما معه روحه ، فقال له : أعط هذا حقه ، فقال : نعم ، لا تبرح حتى أخرج إليه حقه ، فدخل فخرج إليه بحقه ، فأعطاه إياه .

قال : ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء ، فقالوا له : ويلك ! ما لك ؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط ! قال : ويحكم ، والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي ، وسمعت صوته ، فملئت رعبا ، ثم خرجت إليه ، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ، ما رأيت مثل هامته ، ولا قصرته ، ولا أنيابه لفحل قط ، والله لو أبيت لأكلني .

2 أمر ركانة المطلبي ومصارعته للنبي صلى الله عليه وسلم

3 من معجزاته صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، قال : كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبدالمطلب بن عبد مناف أشد قريش ، فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ركانة ، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه ؟ قال : إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرأيت إن صرعتك ، أتعلم أن ما أقول حق ؟ قال : نعم ؛ قال : فقم حتى أصارعك .

قال : فقام إليه ركانة يصارعه ؛ فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه ، وهو لا يملك من نفسه شيئا ، ثم قال : عد يا محمد ، فعاد فصرعه ، فقال : يا محمد ، والله إن هذا للعجب ، أتصرعني ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأعجب من ذلك (2 236) إن شئت أن أريكه ، إن اتقيت الله واتبعت أمري ؛ قال : ما هو ؟ قال : أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ؛ قال : ادعها ، فدعاها ، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فقال لها : ارجعي إلى مكانك . قال : فرجعت إلى مكانها .

قال : فذهب ركانة إلى قومه ، فقال : يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض ، فوالله ما رأيت أسحر منه قط ، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع .

2 قدوم وفد النصارى الذين أسلموا من الحبشة

3 أبو جهل يحاول ردهم عن الإسلام ، و إخفاقه

قال ابن إسحاق : ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بمكة ، عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى ، حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ؛ فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا ، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن .

فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا لله ، وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده ، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ، ما نعلم ركبا أحمق منكم . أو كما قالوا .فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، لم نَأْلُ أنفسنا خيرا . (2 237)

3 مواطنهم و ما نزل فيهم من القرآن

ويقال : إن النفر من النصارى من أهل نجران ، فالله أعلم أي ذلك كان . فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ، إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين ) ... إلى قوله ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) .

قال ابن إسحاق : وقد سألت ابن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن ، فقال لي : ما أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه . والآية من سورة المائدة من قوله : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ، وأنهم لا يستكبرون ) ... إلى قوله : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) .

3 تهكم المشركين بالمستضعفين ، وما نزل في ذلك

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد ، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه : خباب ، وعمار ، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث ، وصهيب ، وأشباههم من المسلمين ، هزئت بهم قريش ، وقال بعضهم لبعض : هؤلاء أصحابه كما ترون ، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق ! لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه ، وما خصهم الله به دوننا .

فأنزل الله تعالى فيهم : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ، أليس الله بأعلم بالشاكرين . وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ، فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه (2 238) الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) .

3 ادعاء المشركين على النبي أنه يعلمه بشر ، ورد القرآن عليهم

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مَبْيَعة غلام نصراني ، يقال له : جبر ، عبد لبني الحضرمي ، فكانوا يقولون : والله ما يُعلِّم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني ، غلام بنى الحضرمي .

فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين ) .

قال ابن هشام : يلحدون إليه : يميلون إليه . والإلحاد : الميل عن الحق .

قال رؤبة بن العجاج :

إذا تبع الضحاك كل ملحد

قال ابن هشام : يعني الضحاك الخارجي ، وهذا البيت في أرجوزة له . (2 239)

2 سبب نزول سورة الكوثر

3 نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل

قال ابن إسحاق : وكان العاص بن وائل السهمي - فيما بلغني - إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : دعوه ، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له ، لو مات لانقطع ذكره واسترحتم منه ، فأنزل الله في ذلك : ( إنا أعطيناك الكوثر ) ما هو خير لك من الدنيا وما فيها . والكوثر : العظيم .

3 معنى الكوثر

قال ابن إسحاق : قال لبيد بن ربيعة الكلابي :

وصاحب ملحوب فجعنا بيومه وعند الرداع بيت آخر كوثر

يقول : عظيم .

قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له . وصاحب ملحوب : عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، مات بملحوب . وقوله : ( وعند الرداع بيت آخر كوثر ) : يعني شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، مات بالرداع . وكوثر : أراد الكثير . ولفظه مشتق من لفظ الكثير . قال الكميت بن زيد يمدح هشام بن عبدالملك بن مروان :

وأنت كثير ياابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرا

وهذا البيت في قصيدة له . وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي يصف حمار وحش : (2 240)

يحامي الحقيق إذا ما احتدمن وحمحمن في كوثر كالجلال

يعني بالكوثر : الغبار الكثير ، شبهه لكثرته عليه بالجلال . وهذا البيت في قصيدة له .

3 سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكوثر ما هو ؟ فأجاب

قال ابن إسحاق : حدثني جعفر بن عمرو - قال ابن هشام : هو جعفر ابن عمرو بن أمية الضمري - عن عبدالله بن مسلم أخي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن أنس بن مالك ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل له : يا رسول الله ، ما الكوثر الذي أعطاك الله ؟ قال : نهر كما بين صنعاء إلى أيلة ، آنيته كعدد نجوم السماء ، ترده طيور لها أعناق كأعناق الإبل .

قال : يقول عمر بن الخطاب : إنها يا رسول الله لناعمة ؛ قال : آكلها أنعم منها .

قال ابن إسحاق : وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم : من شرب منه لا يظمأ أبدا . (2 241)

2 نزول ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك )

3 مقالة زمعة و صحبه ، و نزول هذه الآية

قال ابن إسحاق : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام ، وكلمهم فأبلغ إليهم ، فقال له زمعة بن الأسود ، والنضر بن الحارث ، والأسود بن عبد يغوث ، وأبي بن خلف ، والعاص بن وائل : لو جُعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويُرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ، ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ، وللبسنا عليهم ما يلبسون ) .

2 نزول ( ولقد استهزىء برسل من قبلك )

3 مقالة الوليد و صحبه ، و نزول هذه الآية

قال ابن إسحاق : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وبأبي جهل بن هشام ، فهمزوه واستهزءوا به ، فغاظه ذلك . فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم : ( ولقد استهزىء برسل من قبلك ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ) . (2 242)

2 ذكر الإسراء والمعراج

قال ابن هشام : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال : ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وهو بيت المقدس من إيلياء ، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش ، وفي القبائل كلها .

قال ابن إسحاق : كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم ، عن عبدالله بن مسعود ، وأبي سعيد الخدري ، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والحسن بن أبي الحسن البصري ، وابن شهاب الزهري ، وقتادة وغيرهم من أهل العلم ، وأم هانئ بنت أبي طالب ، ما اجتمع في هذا الحديث ، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أُسري به صلى الله عليه وسلم ، وكان في مسراه ، وما ذكر عنه بلاء وتمحيص ، وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه ، فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق ، وكان من أمر الله سبحانه (2 243) وتعالى على يقين ، فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ، ليريه من آياته ما أراد ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد .

3 رواية عبدالله بن مسعود عن الإسراء

فكان عبدالله بن مسعود - فيما بلغني عنه - يقول :

أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحُمل عليها الأنبياء قبله ، تضع حافرها في منتهى طرفها - فحُمل عليها ، ثم خرج به صاحبه ، يرى الآيات فيما بين السماء والأرض ، حتى انتهى إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمُعوا له ، فصلى بهم . ثم أُتي بثلاثة آنية ، إناء فيه لبن ، وإناء فيه خمر ، وإناء فيه ماء . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فسمعت قائلا يقول حين عُرضت علي : إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته ، وإن أخذ الخمر غوى وغوت أمته ، وإن أخذ اللبن هُدي وهديت أمته . قال : فأخذت إناء اللبن ، فشربت منه ، فقال لي جبريل عليه السلام : هُديت وهديت أمتك يا محمد .

3 رواية الحسن عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وحُدثت عن الحسن أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أنا نائم في الحجر ، إذ جاءني جبريل ، فهمزني بقدمه ، فجلست فلم أر شيئا ، فعدت إلى مضجعي ، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه ، فجلست ولم أر شيئا ، فعدت إلى مضجعي ، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه ، فجلست ، فأخذ بعضدي ، فقمت معه ، فخرج بي إلى باب المسجد ، فإذا دابة أبيض ، بين البغل والحمار ، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه ، يضع يده في منتهى طرفه ، (2 244) فحملني عليه ، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته .

3 رواية قتادة عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وحُدثت عن قتادة أنه قال : حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما دنوت منه لأركبه شَـمَس ، فوضع جبريل يده على مَعرفته ، ثم قال : ألا تستحي يا براق مما تصنع ، فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه . قال : فاستحيا حتى ارفضّ عرقا ، ثم قر حتى ركبته .

3 عودة إلى رواية الحسن

قال الحسن في حديثه : فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومضى جبريل عليه السلام معه ، حتى انتهى به إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء ، فأمَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ، ثم أُتي بإناءين ، في أحدهما خمر ، وفي الآخر لبن .

قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن ، فشرب منه ، وترك إناء الخمر . قال : فقال له جبريل : هديت للفطرة ، وهديت أمتك يا محمد ، وحرمت عليكم الخمر . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر . فقال أكثر الناس : هذا والله الإمْر البين ، والله إن العير لتطرد ، شهرا من مكة إلى الشام مدبرة ، وشهرا مقبلة ، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ، ويرجع إلى مكة ! قال : فارتد كثير ممن كان أسلم ، وذهب الناس إلى أبي بكر ، فقالوا له : هل لك يا أبا بكر في صاحبك ، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة . قال : فقال لهم (2 245) أبو بكر : إنكم تكذبون عليه ؛ فقالوا : بلى ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس ؛ فقال أبو بكر : والله لئن كان قاله لقد صدق ، فما يُعجبكم من ذلك ! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه ، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟ قال : نعم ؛ قال : يا نبي الله ، فصفه لي ، فإني قد جئته - قال الحسن : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرُفع لي حتى نظرت إليه - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ، ويقول أبو بكر : صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، كلما وصف له منه شيئا ، قال : صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، حتى إذا انتهى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : وأنت يا أبا بكر الصديق ؛ فيومئذ سماه الصديق .

قال الحسن : وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ، ونخوفهم ، فما يزيد إلا طغيانا كبيرا ) .

فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وما دخل فيه من حديث قتادة .

3 رواية عائشة عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : حدثني بعض آل أبي بكر : أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول : ما فُقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله أسرى بروحه .

3 رواية معاوية عن مسراه صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس : أن معاوية بن أبي سفيان ، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كانت رؤيا من الله تعالى صادقة . (2 246)

3 جواز أن يكون الإسراء رؤيا

فلم يُنكر ذلك من قولهما ، لقول الحسن : إن هذه الآية نزلت في ذلك ، قول الله تبارك وتعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) ، ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لابنه : ( يا بُنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك ) ثم مضى على ذلك . فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظا ونياما .

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول : تنام عيناي وقلبي يقظان . والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه ، وعاين فيه ما عاين ، من أمر الله ، على أي حاليه كان : نائما ، أو يقظان ، كل ذلك حق وصدق . (2 247)

3 وصفه صلى الله عليه وسلم لإبراهيم وموسى وعيسى

قال ابن إسحاق : وزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة ، فقال : أما إبراهيم ، فلم أر رجلا أشبه قط بصاحبكم ، ولا صاحبكم أشبه به منه ؛ وأما موسى ، فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة ؛ وأما عيسى بن مريم ، فرجل أحمر ، بين القصير والطويل ، سبط الشعر ، كثير خِيلان الوجه ، كأنه خرج من ديماس ، تخال رأسه يقطر ماء ، وليس به ماء ، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفي .

3 علي يصف الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن هشام : وكانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عمر مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب ، قال : كان علي بن أبي طالب عليه السلام ، إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لم يكن بالطويل الممغَّط ، ولا القصير المتردد . وكان ربعة من القوم ، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط ، كان جعدا رجلا ، ولم يكن بالمطهَّم ولا المكلثم ، وكان أبيض (2 248) مشربا ، أدعج العينين ، أهدب الأشفار ، جليل المشاش والكتد ، دقيق المسربة ، أجرد شَثْن الكفين والقدمين ، إذا مشى تقلع ، كأنما يمشي في صبب ، وإذا التفت التفت معا ، بين كتفيه خاتم النبوة ، وهو صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين ، أجود الناس كفا ، وأجرأ الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفى الناس ذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وسلم .

3 رواية أم هانئ عن الإسراء

قال محمد بن إسحاق : وكان فيما بلغني عن أمر هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها ، واسمها هند ، في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنها كانت تقول : ما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي ، نام عندي تلك الليلة في بيتي ، فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا ، فلما كان قبيل الفجر أهبَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما صلى الصبح وصلينا معه ، قال : يا أم هانىء ، لقد (2 249) صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين ، ثم قام ليخرج ، فأخذت بطرف ردائه ، فتكشَّف عن بطنه كأنه قُبطية مطوية ، فقلت له : يا نبي الله ، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك ؛ قال : والله لأحدثنهموه .

قالت : فقلت لجارية لي حبشية : ويحك اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول للناس ، وما يقولون له . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم ، فعجبوا وقالوا : ما آية ذلك يا محمد ؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط ؛ قال : آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا ، فأنفرهم حس الدابة ، فندَّ لهم بعير ، فدللتهم عليه ، وأنا موجَّه إلى الشام .

ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان ، فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء ، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ، ثم غطيت عليه كما كان ؛ وآية ذلك أن عيرهم الآن يصوب من البيضاء ، ثنية التنعيم ، يقدمها جمل أورق ، عليه غرارتان ، إحداهما سوداء ، والآخرى برقاء . قالت : فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أولُ من الجمل كما وصف لهم ، وسألوهم عن الإناء ، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه ، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ، ولم يجدوا فيه ماء . وسألوا الآخرين وهم بمكة ، فقالوا : صدق والله ، لقد أُنْفرنا في الوادي الذي ذكر ، وندّ لنا بعير ، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه ، حتى أخذناه . (2 250)

2 قصة المعراج

3 الرسول صلى الله عليه وسلم يصعد إلى السماء الأولى ( حديث الخدري عن المعراج )

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لما فرغت مما كان في بيت المقدس ، أُتي بالمعراج ، ولم أر شيئا قط أحسن منه ، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضر ، فأصعدني صاحبي فيه ، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء ، يقال له : باب الحفظة ، عليه ملك من الملائكة ، يقال له : إسماعيل ، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك ، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك - قال : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث : وما يعلم جنود ربك إلا هو - فلما دُخل بي ، قال : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا محمد . قال : أوقد بعث ؟ قال : نعم . قال : فدعا لي بخير ، وقاله .

3 صفة مالك خازن النار

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : تلقتني الملائكة حين دخلت السماء الدنيا ، فلم يلقني ملك إلا ضاحكا مستبشرا ، يقول (2 251) خيرا ويدعو به ، حتى لقيني ملك من الملائكة ، فقال مثل ما قالوا ، ودعا بمثل ما دعوا به ، إلا أنه لم يضحك ، ولم أر منه من البشر مثل ما رأيت من غيره ، فقلت لجبريل : يا جبريل من هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة ولم يضحك إلي ، ولم أر منه من البشر مثل الذي رأيت منهم ؟ قال : فقال لي جبريل : أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك ، أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك ، لضحك إليك ، ولكنه لا يضحك ، هذا مالك صاحب النار .

3 من صفات جهنم أعاذنا الله منها

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقلت لجبريل ، وهو من الله تعالى بالمكان الذي وصف لكم ( مطاع ثم أمين ) : ألا تأمره أن يُريني النار ؟ فقال : بلى ، يا مالك ، أرِ محمدا النار . قال : فكشف عنها غطاءها ، فقال : ففارت وارتفعت ، حتى ظننت لتأخذن ما أرى . قال : فقلت لجبريل : يا جبريل ، مُرْه فليردها إلى مكانها . قال : فأمره ، فقال لها : اخبي ، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه . فما شبَّهت رجوعها إلا وقوع الظل . حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها .

3 عرض الأرواح على آدم عليه السلام ، ( و عود إلى حديث الخدري عن المعراج )

و قال أبو سعيد الخدري في حديثه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما دخلت السماء الدنيا ، رأيت بها رجلا جالسا تُعرض عليه أرواح بني آدم ، فيقول لبعضها إذا عُرضت عليه خيرا ويُسّر به ، ويقول : روح طيبة خرجت من جسد طيب ؛ ويقول لبعضها إذا عُرضت عليه : أف ، ويعبس بوجهه ويقول : روح (2 252) خبيثة خرجت من جسد خبيث . قال : قلت : من هذا جبريل ؟ قال : هذا أبوك آدم ، تعرض عليه أرواح ذريته ، فإذا مرت به روح المؤمن منهم سر بها . وقال : روح طيبة خرجت من جسد طيب . وإذا مرت به روح الكافر منهم أفَّف منها وكرهها ، وساءه ذلك ، وقال : روح خبيثة خرجت من جسد خبيث .

3 صفة أكلة أموال اليتامى ظلما

قال : ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل ، في أيديهم قطع من نار كالأفهار ، يقذفونها في أفواههم ، فتخرج من أدبارهم . فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة أمول اليتامى ظلما .

3 صفة أكلة الربا

قال : ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون ، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يُعرضون على النار ، يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك . قال : قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا .

3 صفة الزناة من بني آدم

قال : ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم ثـمين طيب ، إلى جنبه لحم غث منتن ، يأكلون من الغث المنتن ، ويتركون السمين الطيب . قال : قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن . (2 253)

3 من نسبت ابنا لزوجها من غيره

قال : ثم رأيت نساء معلقات بثديهنّ ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم .

قال ابن إسحاق : وحدثني جعفر بن عمرو ، عن القاسم بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ، فأكل حرائبهم ، واطلع على عوراتهم .

3 صعوده صلى الله عليه وسلم إلى السماوات الآخرة ، وما رأى منها

ثم رجع إلى حديث أبي سعيد الخدري ، قال : ثم أصعدني إلى السماء الثانية ، فإذا فيها ابنا الخالة : عيسى بن مريم ، ويحيى بن زكريا ، قال : ثم أصعدني إلى السماء الثالثة ، فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر ؛ قال : قلت : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أخوك يوسف ابن يعقوب . قال : ثم أصعدني إلى السماء الرابعة ، فإذا فيها رجل فسألته : (2 254) من هو ؟ قال : هذا إدريس - قال : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ورفعناه مكانا عليا - قال : ثم أصعدني إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية ، عظيم العثنون ، لم أر كهلا أجمل منه ؛ قالت : قلت : من هذا يا جبريل ؟ قال هذا المحبَّب في قومه هارون بن عمران . قال : ثم أصعدني إلى السماء السادسة ، فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى ، كأنه من رجال شنوءة ؛ فقلت له : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أخوك موسى بن عمران . ثم أصعدني إلى السماء السابعة ، فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة . لم أر رجلا أشبه بصاحبكم ، ولا صاحبكم أشبه به منه ؛ قال : قلت : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أبوك إبراهيم . قال : ثم دخل بي الجنة ، فرأيت فيها جارية لعساء ، فسألتها : لمن أنت ؟ وقد أعجبتني حين رأيتها ؛ فقالت : لزيد بن حارثة ، فبشَّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة . (2 255)

3 فرض الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : ومن حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني : أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السماوات إلا قالوا له حين يستأذن في دخولها : من هذا يا جبريل ؟ فيقول : محمد ؛ فيقولون : أوقد بعث إليه ؟ فيقول : نعم ؛ فيقولون : حياه الله من أخ وصاحب ! حتى انتهى به إلى السماء السابعة ، ثم انتهى به إلى ربه ، ففرض عليه خمسين صلاة في كل يوم .

3 موسى بن عمران عليه السلام يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام سؤال ربه التخفيف عن أمته في أمر الصلاة

قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأقبلت راجعا ، فلما مررت بموسى بن عمران ، ونعم الصاحب كان لكم ، سألني كم فُرض عليك من الصلاة ؟ فقلت : خمسين صلاة كل يوم ؛ فقال : إن الصلاة ثقيلة ، وإن أمتك ضعيفة ، فارجع إلى ربك ، فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي ، فوضع عني عشرا . ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك ؛ فرجعت فسألت ربي ، أن يخفف عني وعن أمتي ، فوضع عني عشرا . ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك ؛ فرجعت فسألت ربي ، فوضع عني عشرا . ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك ، كلما رجعت إليه ، قال : فارجع فاسأل ربك ، حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني ، إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة . ثم رجعت إلى موسى ، فقال لي مثل ذلك ، فقلت : قد راجعت ربي وسألته ، حتى استحييت منه ، فما أنا بفاعل .

فمن أَدَّاهنّ منكم إيمانا بهن ، واحتسابا لهن ، كان له أجر خمسين صلاة مكتوبة . (2 256)

2 المستهزئون بالرسول ، وكفاية الله أمرهم

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله تعالى صابرا محتسبا ، مؤديا إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى و الاستهزاء . وكان عظماء المستهزئين ، كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، خمسة نفر من قومهم ، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم .

3 أسماء المستهزئين بالرسول من بني أسد

من بني أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب : الأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه به ، فقال : اللهم أَعمِ بصره ، وأثكله ولده .

3 المستهزئون بالرسول من بني زهرة

ومن بني زهرة بن كلاب : الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة .

3 المستهزئون بالرسول من بني مخزوم

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم .

3 المستهزئون بالرسول من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب : العاص بن وائل بن هشام .

قال ابن هشام : العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سهم . (2 257)

3 المستهزئون بالرسول من خزاعة

ومن بني خزاعة : الحارث بن الطُّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن لؤي بن ملكان .

فلما تمادوا في الشر ، وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء ، أنزل الله تعالى عليه : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ، إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ) .

ما فعل الله بالمستهزئين

قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، أو غيره من العلماء : أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يطوفون بالبيت ، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، فمر به الأسود بن المطلب ، فرمى في وجهه بورقة خضراء ، فعمي .

ومر به الأسود بن عبد يغوث ، فأشار إلى بطنه ، فاستستقى بطنه فمات منه حبنا .

ومر به الوليد بن المغيرة ، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله ، كان أصابه قبل ذلك بسنين ، وهو يجر سبله ، وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له ، فتعلق سهم من نبله بإزاره ، فخدش في رجله ذلك الخدش ، وليس بشيء ، فانتقض به فقتله .

ومر به العاص بن وائل ، فأشار إلى أخمص رجله وخرج على حمار له يريد الطائف ، فربض به على شُبارقة ، فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته .

ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه ، فامتخض قيحا ، فقتله . (2 258)

2 قصة أبي أزيهر الدوسي

3 وصية الوليد لأولاده

قال ابن إسحاق : فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه ، وكانوا ثلاثة : هشام بن الوليد ، والوليد بن الوليد ، وخالد بن الوليد ، فقال لهم : أي بني ، أوصيكم بثلاث ، فلا تضيعوا فيهن دمي في خزاعة فلا تَطُلُّنَّه ، والله إني لأعلم أنهم منه برآء ، ولكني أخشى أن تُسبوا به بعد اليوم ؛ ورباي في ثقيف ، فلا تدعوه حتى تأخذوه ؛ وعُقري عند أبي أُزيهر ، فلا يفوتنكم به . وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا ، ثم أمسكها عنه ، فلم يُدخلها عليه حتى مات .

3 عقل الوليد عند خزاعة

فلما هلك الوليد بن المغيرة ، وثب بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عَقْل الوليد ، وقالوا : إنما قتله سهم صاحبكم - وكان لبني كعب حلف من بني عبدالمطلب بن هاشم - فأبت عليهم خزاعة ذلك ، حتى تقاولوا أشعارا ، وغلظ بينهم الأمر - وكان الذي أصاب الوليد سهمه رجلا من بني كعب بن عمرو ، من خزاعة - فقال عبدالله بن أبي أمية ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم :

3 ما قيل من الأشعار في مقتل الوليد

إني زعيم أن تسيروا فتهربوا وأن تتركوا الظهران تعوي ثعالبه

وأن تتركوا ماء بجزعة أطرقا وأن تسألوا : أي الأراك أطايبه ؟ (2 259)

فإنا أناس لا تُطلّ دماؤنا ولا يتعالى صاعدا من نحاربه

وكانت الظهران والأراك منازل بني كعب ، من خزاعة .

فأجابه الجون بن أبي الجون ، أخو بني كعب بن عمرو الخزاعي ، فقال :

والله لا نؤتي الوليد ظُلامة ولما تروا يوما تزول كواكبه

ويُصرع منكم مُسْمن بعد مسمن وتُفتح بعد الموت قسرا مشاربه

إذا ما أكلتم خبزكم و خزيركم فكلكم باكي الوليد ونادبه

ثم إن الناس ترادوا وعرفوا أنما يخشى القوم السُّبة ، فأعطتهم خزاعة بعض العقل ، وانصرفوا عن بعض .

فلما اصطلح القوم قال الجون بن أبي الجون :

وقائلة لما اصطلحنا تعجبا لما قد حملنا للوليد وقائل

ألم تُقسموا تُؤتوا الوليد ظُلامة ولما تروا يوما كثير البلابل

فنحن خلطنا الحرب بالسلم فاستوت فأمَّ هواه آمنا كلُّ راحل

ثم لم ينته الجون بن أبي الجون حتى افتخر بقتل الوليد ، وذكر أنهم أصابوه ، وكان ذلك باطلا . فلحق بالوليد وبولده وقومه من ذلك (2 260) ما حذره ، فقال الجون بن أبي الجون :

ألا زعم المغيرة أن كعبا بمكة منهمُ قدر كثيرُ

فلا تفخر مغيرة أن تراها بها يمشي المُعَلْهَج والمهير

بها آباؤنا وبها وُلدنا كما أرسى بمثبته ثبير

وما قال المغيرة ذاك إلا ليعلم شأننا أو يستثير

فإن دم الوليد يُطل إنا نطل دماء أنت بها خبير

كساه الفاتك الميمون سهما زُعافا وهو ممتلىء بهير

فخرّ ببطن مكة مسلحبَّا كأنه عند وجبته بعير

سيكفيني مِطالَ أبي هشام صغار جعدة الأوبار خُور

قال ابن هشام : تركنا منها بيتا واحدا أُقذع فيه .

3 مقتل أبي أزيهر و ثورة بني عبد مناف لذلك

قال ابن إسحاق : ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر ، وهو بسوق ذي المجاز ، وكانت عند أبي سفيان بن حرب عاتكة بنت أبي أزيهر - وكان أبو أزيهر رجلا شريفا في قومه - فقتله بعُقر الوليد الذي كان عنده ، لوصية أبيه إياه ، وذلك بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر ، وأُصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين ؛ فخرج يزيد بن أبي سفيان ، فجمع بني عبد مناف ، وأبو سفيان بذي المجاز ، فقال الناس : أُخفر أبو سفيان في صهره ، فهو ثائر به .

فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع ابنه يزيد - وكان أبو سفيان رجلا حليما منكرا ، يحب قومه حبا (2 261) شديدا - انحط سريعا إلى مكة ، وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر ، فأتى ابنه وهو في الحديد ، في قومه من بني عبد مناف والمطيبين ، فأخذ الرمح من يده ، ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها ، ثم قال له : قبحك الله ! أتريد أن تضرب قريشا بعضهم ببعض في رجل من دوس . سنؤتيهم العقل إن قبلوه ، وأطفأ ذلك الأمر .

فانبعث حسان بن ثابت يحرض في دم أبي أزيهر ، ويعير أبا سفيان خُفْرَته ويجُبنه ، فقال :

غدا أهل ضوجَىْ ذي المجاز كليهما وجار ابن حرب بالمغمس ما يغدو

ولم يمنع العَير الضروط ذماره وما منعت مخزاة والدها هند

كساك هشام بن الوليد ثيابه فأبْلِ وأخلفْ مثلها جددا بعد

قضى وطرا منه فأصبح ماجدا وأصبحت رخوا ما تخُب وما تعدو

فلو أن أشياخا ببدر تشاهدوا لَبلَّ نعال القوم مُعتبط وَرْدُ

فلما بلغ أبا سفيان قول حسان قال : يريد حسان أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس ! بئس والله ما ظن !

3 مطالبة خالد بربا أبيه ، و ما نزل في ذلك من القرآن

ولما أسلم أهل الطائف كلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد ، الذي كان في ثقيف ، لما كان أبوه أوصاه به . (2 262)

قال ابن إسحاق : فذكر لي بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس نزلن في ذلك من طلب خالد الربا : ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) .إلى آخر القصة فيها .

3 ثورة دوس للأخذ بثأر أبي أزيهر ، و حديث أم غيلان

ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه ، حتى حجز الإسلام بين الناس ؛ إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرادس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس ، فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان ، مولاة لدوس ، وكانت تمشط النساء ، وتجهز العرائس ، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر ، فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معها ، حتى منعتهم ، فقال ضرار بن الخطاب في ذلك :

جزى الله عنا أم غيلان صالحا ونسوتها إذ هنَّ شُعث عواطلُ

فهن دفعن الموت بعد اقترابه وقد برزت للثائرين المقاتل

دعت دعوة دوسا فسالت شعابها بعز وأدَّتها الشَّراج القوابل

وعمرا جزاه الله خيرا فما وَنى وما بردت منه لدي المفاصل

فجرّدت سيفي ثم قمت بنصله وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل

قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة : أن التي قامت دون ضرار أم جميل ، ويقال أم غيلان ؛ قال : ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه .

3 أم جميل و عمر بن الخطاب

فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل ، وهي ترى أنه أخوه : فلما انتسبت له عرف القصة ، فقال : إني لست بأخيه إلا في الإسلام ، (2 263) وهو غاز ، وقد عرفت مِنَّتك عليه ، فأعطاها على أنها ابنة سبيل .

3 ضرار و عمر بن الخطاب

قال الراوي : قال ابن هشام : وكان ضرار لحق عمر بن الخطاب يوم أحد ، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول : انج يا بن الخطاب لا أقتلك ؛ فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه .

3 وفاة أبي طالب وخديجة ، وما عاناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهما

من كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وكان النفر الذن يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته : أبا لهب ، والحكم بن العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن الأصداء الهذلي ؛ وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص ، فكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلي ، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته إذا نُصبت له ، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى ، كما حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العود ، فيقف به على بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ، أي جوار هذا ! ثم يُلقيه في الطريق .

3 طمع المشركين في الرسول صلى الله عليه و سلم بعد وفاة أبي طالب و خديجة

قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا (2 264) في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة ، وكانت له وزير صدق على الإسلام ، يشكو إليها ؛ وبهلك عمه أبي طالب ، وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين .

فلما هلك أبو طالب ، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا .

قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال :

لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : لا تبكي يا بُنيِّة ، فإن الله مانع أباك . قال : و يقول بين ذلك : ما نالت مني قريش شيئا أكرهه ، حتى مات أبو طالب .

3 المشركون يطلبون عهدا بينهم وبين الرسول عند أبي طالب لما ثقل به المرض

قال ابن إسحاق : ولما اشتكى أبو طالب ، وبلغ قريشا ثقله ، قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب ، فيأخذ لنا على ابن أخيه ، وليعطه منا ، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا .

قال ابن إسحاق : فحدثني العباس بن عبدالله بن معبد بن عباس (2 265) عن بعض أهله ، عن ابن عباس ، قال : مشوا إلى أبي طالب فكلموه ؛ وهم أشراف قومه : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في رجال من أشرافهم ، فقالوا : يا أبا طالب ، إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك ما ترى ، وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه ، فخذ له منا ، وخذ لنا منه ، ليكف عنا ، ونكف عنه ، وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه ؛ فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه ، فقال : يا ابن أخي : هؤلاء أشراف قومك ، قد اجتمعوا لك ، ليعطوك ، وليأخذوا منك .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم . قال : فقال أبو جهل : نعم وأبيك ، وعشر كلمات ؛ قال : تقولون : لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه .

قال : فصفقوا بأيديهم ، ثم قالوا : أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ، إن أمرك لعجب ! قال : ثم قال بعضهم لبعض : إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون ، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم وبينه . قال : ثم تفرقوا .

3 رجاء الرسول إسلام أبي طالب ، و حديث ذلك

فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا ؛ قال : فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسلامه ، فجعل يقول له : أي عم ، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة . قال : فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ، قال : يا ابن أخي ، والله لولا مخافة السبة عليك وعلي بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها ، لا أقولها إلا لأسرك بها .

قال : فلما تقارب من أبي طالب الموت قال : نظر العباس إليه يحرك شفتيه ، قال : فأصغى إليه بأذنه ، قال : فقال : يا ابن أخي ، والله لقد قال أخي (2 266) الكلمة التي أمرته أن يقولها ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أسمع .

3 ما نزل فيمن طلبوا العهد على الرسول عند أبي طالب

قال : وأنزل الله تعالى في الرهط الذين كانوا قد اجتمعوا إليه ، وقال لهم ما قال ، وردوا عليه ما ردوا : ( ص والقرآن ذي الذكر ، بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) ... إلى قوله تعالى : ( أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ، إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) . يعنون النصارى ، لقولهم : ( إن الله ثالث ثلاثة ) - ( إن هذا إلا اختلاق ) .ثم هلك أبو طالب .

2 سعي الرسول إلى الطائف يطلب النصرة ، وموقف ثقيف منه

قال ابن إسحاق : ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، يلتمس النصرة من ثقيف ، والمنعة بهم من قومه ، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل ، فخرج إليهم وحده . (2 267)

3 الثلاثة الذين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشرافهم ، و تحريضهم عليه

قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، عمد إلى نفر من ثقيف ، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم ، وهم إخوة ثلاثة : عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، ومسعود بن عمرو بن عمير ، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف ، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح ، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه ؛ فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ! وقال الثالث : والله لا أكلمك أبدا . لئن كنت رسولا من الله كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ، ما ينبغي لي أن أكلمك . فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - : إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه ، فيُذْئِرهم ذلك عليه .

قال ابن هشام : قال عبيد بن الأبرص :

ولقد أتاني عن تميم أنهم ذَئِروا لقتلى عامر وتعصبوا

فلم يفعلوا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، يسبونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس ، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وهما فيه ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد (2 268) إلى ظل حَبَلة من عنب ، فجلس فيه . وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح ، فقال لها : ماذا لقينا من أحمائك ؟

3 شكواه صلى الله عليه وسلم إليه تعالى

فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي - اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنـزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .

3 قصته صلى الله عليه وسلم مع عداس النصراني

قال : فلما رآه ابنا ربيعة ، عتبة وشيبة ، وما لقي ، تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا ، يقال له عداس ، فقالا له : خذ قطفا من هذا العنب ، فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه .

ففعل عداس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال له : كل ، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده ، قال : باسم الله ، ثم أكل ، فنظر عداس في وجهه ، ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ، وما دينك ؟ قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؛ فقال له عداس : (2 269) وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي ، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه .

قال : يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك . فلما جاءهما عداس ، قالا له : ويلك يا عداس ! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال : يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا ، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ؛ قالا له : ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه .

3 وفد جن نصيبين الذين استمعوا له و آمنوا به

قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى ، وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين ، فاستمعوا له ؛ فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا .

فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم ، قال الله عز وجل : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) ... إلى قوله تعالى : ( ويجركم من عذاب أليم ) . وقال تبارك وتعالى : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) ... إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة . (2 270)

2 عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل

3 عرض الرسول صلى الله عليه و سلم نفسه على العرب في مواسمهم

قال ابن إسحاق : ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه ، إلا قليلا مستضعفين ، ممن آمن به .

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم ، إذا كانت ، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ، ويخبرهم أنه نبي مرسل ، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به .

قال ابن إسحاق : فحدثني من أصحابنا ، من لا أتهم ، عن زيد بن أسلم ، عن ربيعة بن عباد الديلي ، - أو من حدثه أبو الزناد عنه - قال ابن هشام : ربيعة بن عباد .

3 أبو لهب يفرق الناس من حوله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس ، قال : سمعت ربيعة بن عباد ، يحدثه أبي ، قال : إني لغلام شاب مع أبي بمنى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب ، فيقول : يا بني فلان ، إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني ، حتى أُبين عن الله ما بعثني به .

قال : وخلفه رجل أحول وضيء ، له غديرتان ، عليه حلة عدنية . فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه ، قال ذلك الرجل : يا بني فلان ، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم ، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ، ولا تسمعوا منه . (2 271)

قال : فقلت لأبي : يا أبت ، من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال : هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب ، أبو لهب .

قال ابن هشام : قال النابغة :

كأنك من جمال بني أقيش يُقعقع خلف رجليه بشنّ

3 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على كندة

قال ابن إسحاق : حدثنا ابن شهاب الزهري : أنه أتى كندة في منازلهم ، وفيهم سيد لهم يقال له : مُليح ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فأبوا عليه .

3 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على بني كلب

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين : أنه أتى كلبا في منازلهم ، إلى بطن منهم يقال لهم : بنو عبدالله ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول لهم : يا بني عبدالله ، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم .

3 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على بني حنيفة

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم ردا منهم . (2 272)

3 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على بني عامر

قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم - يقال له : بَيْحرة بن فراس . قال ابن هشام : فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - : والله ، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب ، ثم قال : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ؛ قال : فقال له : أفتُهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك ؛ فأبوا عليه .

فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كانت أدركته السن ، حتى لا يقدر أن يُوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا اليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم ؛ فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم ، فقالوا : جاءنا فتى من قريش ، ثم أحد بني عبدالمطلب ، يزعم أنه نبي ، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ، ونخرج به إلى بلادنا .

قال : فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال : يا بني عامر ، هل لها من تلاف ، هل لذُناباها من مطلب ، والذي نفس فلان بيده ، ما تقولها إسماعيلي قط ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم . (2 273)

3 عرضه الرسول نفسه على العرب في المواسم

قال ابن إسحاق : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره ، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ، ويعرض عليهم نفسه ، وما جاء به من الله من الهدى والرحمة ، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب ، له اسم وشرف ، إلا تصدى له ، فدعا إلى الله ، وعرض عليه ما عنده .

3 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على سويد بن صامت

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، ثم الظفري عن أشياخ من قومه ، قالوا :

قدم سويد بن صامت ، أخو بني عمرو بن عوف ، مكة حاجا أو معتمرا ، وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم : الكامل ، لجلده وشعره وشرفه ونسبه ، وهو الذي يقول :

ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى مقالته بالغيب ساءك ما يفري

مقالته كالشهد ما كان شاهدا وبالغيب مأثور على ثُغْرة النحر

يسرك باديه وتحت أديمه نميمة غش تبتري عقب الظهر

تُبين لك العينان ما هو كاتم من الغل والبغضاء بالنظر الشزر

فَرِشْني بخير طالما قد بريتني فخير الموالي من يريش ولا يبري

وهو الذي يقول : ونافر رجلا من بني سليم ، ثم أحد بني زِعب بن مالك على مائة ناقة ، إلى كاهنة من كهان العرب ، فقضت له . (2 274) فانصرف عنها هو والسلمي ، ليس معهما غيرها ، فلما فرقت بينهما الطريق ، قال : مالي ، يا أخا بني سليم ، قال : أبعث إليك به ؛ قال : فمن لي بذلك إذا فُتَّني به ؟ قال : كلا ، والذي نفس سويد بيده ، لا تفارقنـِّي حتى أُوتَى بمالي ، فاتخذا فضرب به الأرض ، ثم أوثقه رباطا ، ثم انطلق به إلى دار بني عمرو بن عوف ، فلم يزل عنده حتى بعثت إليه سليم بالذي له ، فقال في ذلك :

لا تحسبنـِّي يا ابن زغب بن مالك كمن كنت تُردي بالغيوب وتختلُ

تحولت قِرنا إذ صُرعت بعزة كذلك إن الحازم المتحول

ضربت به إبط الشمال فلم يزل على كل حال خده هو أسفل

في أشعار كثيرة كان يقولها .

فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به ، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام ، فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما الذي معك ؟ قال : مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعرضها علي ، فعرضها عليه ؛ فقال له : إن هذا لكلام حسن ، والذي معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله تعالى علي ، هو هدى ونور .

فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، ودعاه إلى الإسلام ، فلم يبعد منه ، وقال : إن هذا لقول حسن . (2 275) ثم انصرف عنه ، فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج ، فإن كان رجال من قومه ليقولون : إنا لنراه قد قُتل وهو مسلم . وكان قتله قبل يوم بعاث .

2 إسلام إياس بن معاذ وقصة أبي الحيسر

قال ابن إسحاق : وحدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن محمود بن لبيد ، قال : لما قدم أبو الحَيْسر ، أنس بن رافع ، مكة ومعه فتية من بني عبدالأشهل ، فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم فجلس إليهم ، فقال لهم : هل لكم في خير مما جئتم له ؟ فقالوا له : وما ذاك ؟ قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد ، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل علي الكتاب .

قال : ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن . قال : فقال إياس بن معاذ ، وكان غلاما حدثا : أي قوم ، وهذا والله خير مما جئتم له . قال : فيأخذ أبو الحيسر ، أنس بن رافع ، حفنة من تراب البطحاء ، فضرب بها وجه إياس بن معاذ ، وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا . قال : فصمت إياس ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج .

قال : ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك . قال محمود بن لبيد : فأخبرني من حضره من قومه عند موته : أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل (2 276) الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات ، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس ، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع .

2 بدء إسلام الأنصار

3 اجتماعه صلى الله عليه وسلم بوفد من الخزرج عند العقبة

قال ابن إسحاق : فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه ، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإنجاز موعده له ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار ، فعرض نفسه على قبائل العرب ، كما كان يصنع في كل موسم . فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا .

قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أشياخ من قومه ، قالوا : لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم ؛ قال : أفلا (2 277) تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى .

فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن . قال : وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام ، أن يهود كانوا معهم في بلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا قد غزوهم ببلادهم ، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم : إن نبيا مبعوث الآن ، قد أظل زمانه ، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم .

فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ، ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض : يا قوم ، تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه . فأجابوه فيما دعاهم إليه ، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك .

ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم ، وقد آمنوا وصدقوا .

3 أسماء من التقوا به صلى الله عليه وسلم من الخزرج عند العقبة

قال ابن إسحاق : وهم - فيما ذكر لي - : ستة نفر من الخزرج ، منهم من بني النجار - وهو تيم الله - ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن عمرو بن عامر : أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو أبو أمامة ؛ وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو ابن عفراء . (2 278)

قال ابن هشام : وعفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار .

قال ابن إسحاق : ومن بني زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج : رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق .

قال ابن هشام : ويقال : عامر بن الأزرق .

قال ابن إسحاق : ومن بني سَلِمة بن سعد بن علي بن ساردة بن تزيد ابن جشم بن الخزرج ، ثم من بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة : قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد .

قال ابن هشام : عمرو بن سواد ، وليس لسواد ابن يقال له : غنم .

قال ابن إسحاق : ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة : عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام .

ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة : جابر بن عبدالله ابن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد .

فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2 279)

2 بيعة العقبة الأولى ، و مصعب بن عمير

حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا ، فلقوه بالعقبة . قال : وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب .

3 رجال البيعة الأولى من بني النجار

منهم من بني النجار ، ثم من بني مالك بن النجار : أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو أبو أمامة ؛ وعوف ، ومعاذ ، ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار ، وهما ابنا عفراء .

3 رجال العقبة الأولى من بني زريق

ومن بني زريق بن عامر : رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن (2 280) عامر بن زريق ؛ وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد ابن عامر بن زريق .

قال ابن هشام : ذكوان ، مهاجري أنصاري .

3 رجال العقبة الأولى من بني عوف

ومن بني عوف بن الخزرج ، ثم من بني غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج ، وهم القواقل : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم ؛ وأبو عبدالرحمن ، وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة ، من بني غُصينة ، من بلي ، حليف لهم .

3 مقالة ابن هشام في اسم القواقل

قال ابن هشام : وإنما قيل لهم القواقل ، لأنهم كانوا إذا استجار بهم الرجل دفعوا له سهما ، وقالوا له : قوقل به بيثرب حيث شئت .

قال ابن هشام : القوقلة : ضرب من المشي .

3 رجال العقبة من بني سالم

قال ابن إسحاق : ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن الخزرج ، ثم من بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم : العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان .

3 رجال العقبة من بني سَلِمة ، بلام مكسورة

ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ، ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن سلمة : عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام .

3 رجال العقبة من بني سواد

ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة : قطبة بن عامر بن حديدة ابن عمرو بن غنم بن سواد .

3 رجال العقبة من الأوس

وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ثم من بني عبدالأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس : أبو الهيثم بن التَّيَّهان ، واسمه مالك . (2 281)

قال ابن هشام : التَّيهان : يخفف ويثقل ، كقوله مَيْت وميِّت .

3 رجال العقبة من بني عمرو

ومن بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس : عويم بن ساعدة .

3 عهد رسول الله على مبايعي العقبة ، و نص البيعة

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرثد بن عبدالله اليزني ، عن عبدالرحمن بن عسيلة الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت ، قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثنى عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفترض الحرب ، على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف . فإن وفَّيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر .

قال ابن إسحاق : وذكر ابن شهاب الزهري ، عن عائذ الله بن عبدالله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ؛ فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأُخذتم بحده في الدنيا ، فهو كفارة له ، وإن سُترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجل ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر .

3 إرسال الرسول مصعب بن عمير مع وفد العقبة

قال ابن إسحاق : فلما انصرف عنه القوم ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي ، وأمره أن يُقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، ويفقههم في الدين ، فكان يُسمَّى المقرِىء (2 282) بالمدينة : مصعب . وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس ، أبي أمامة .

قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أنه كان يصلي بهم ، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضُهم أن يؤمه بعض .

2 أول جمعة أقيمت بالمدينة

3 أسعد بن زرارة و إقامة أول جمعة بالمدينة

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه أبي أمامة ، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك ، قال : كنت قائد أبي ، كعب بن مالك ، حين ذهب بصره ، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة ، فسمع الأذان بها صلى على أبي أمامة ، أسعد بن زرارة .

قال : فمكث حينا على ذلك : لا يسمع الأذان للجمعة إلا (2 283) صلى عليه واستغفر له . قال : فقلت في نفسي : والله إن هذا بي لعجز ، ألا أسأله ما له إذا سمع الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة ؟ قال : فخرجت به في يوم جمعة كما كنت أخرج ؛ فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه واستغفر له . قال : فقلت له : يا أبت ، ما لك إذا سمعت الأذان للجمعة صليت على أبي أمامة ؟ قال : فقال : أي بني ، كان أول من جـمَّع بنا بالمدينة في هزم النبيت ، من حرة بني بياضة ، يقال له : نقيع الخضمات ، قال : قلت : وكم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلا .

3 أسعد بن زرارة ، و مصعب بن عمير ، و إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وبني عبدالأشهل

قال ابن إسحاق : وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب ، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبدالأشهل ، ودار بني ظفر ، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبدالأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة ، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر .

- قال ابن هشام : واسم ظفر : كعب بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس - قالا : على بئر يقال لها : بئر مرق ، فجلسا في الحائط ، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، وسعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل ، وكلاهما مشرك على دين قومه ، فلما سمعا به ، قال سعد بن معاذ لأسيد بن (2 284) حضير : لا أبا لك ، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا ، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك ، هو ابن خالتي ، ولا أجد عليه مقدما .

قال : فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما ؛ فلما رآه أسعد بن زرارة ، قال لمصعب بن عمير : هذا سيد قومه قد جاءك ، فاصدق الله فيه ؛ قال مصعب : إن يجلس أكلمه . قال : فوقف عليهما متشتِّما فقال : ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة .

فقال له مصعب : أوتجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟

قال : أنصفت ، ثم ركز حربته وجلس إليهما ، فكلمه مصعب بالإسلام ، وقرأ عليه القرآن ؛ فقالا : فيما يذكر عنهما : والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل فتطهَّر وتُطهِّر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي . (2 285) فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ، وتشهد شهادة الحق ، ثم قام فركع ركعتين ، ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه ، وسأرسله إليكما الآن ، سعد بن معاذ ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم ؛ فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا ، قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ؛ فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين ، فوالله ما رأيت بهما بأسا ، وقد نهيتهما ، فقالا : نفعل ما أحببت ، وقد حُدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ، ليخفروك .
قال : فقام سعد مغضبا مبادرا ، تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة ، فأخذ الحربة من يده ، ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئا ، ثم خرج إليهما ؛ فلما رآهما سعد مطمئنين ، عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما ، فوقف عليهما متشتما ، ثم قال لأسعد بن زرارة : يا أبا أمامة ، أما والله ، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، أتغشانا في دارينا بما نكره - وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير : أي مصعب ، جاءك والله سيد من وراءه من قومه ، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان - قال : فقال له مصعب : أوتقعد فتسمع ، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ؟ قال سعد : أنصفت . ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، قالا : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، لإشراقه وتسهله ؛ ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا : تغتسل فتطهَّر و تطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين . (2 286)

قال : فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ، وشهد شهادة الحق ، ثم ركع ركعتين ، ثم أخذ حربته ، فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير .

قال : فلما رآه قومه مقبلا ، قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ؛ فلما وقف عليهم قال : يا بني عبدالأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا و أوصلنا وأفضلنا رأيا ، وأيمننا نقيبة ؛ قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله .

قالا : فوالله ما أمسى في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة ، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة ، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد ، وخطمة ووائل وواقف ، وتلك أوس الله ، وهم من الأوس بن حارثة ؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت ، وهو صيفي ، وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه ، فوقف بهم عن الإسلام ، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بدر وأحد والخندق ، وقال فيما رأى من الإسلام ، وما اختلف الناس فيه من أمره :

أربَّ الناس أشياء ألمت يُلف الصعب منها بالذَّلولِ

أرب الناس أما إذ ضللنا فيسرنا لمعروف السبيل

فلولا ربنا كنا يهودا وما دين اليهود بذي شُكول (2 287)

ولولا ربنا كنا نصارى مع الرهبان في جبل الجليل

ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفا دينُنا عن كل جيل

نسوق الهَدْي ترسف مذعنات مكشفة المناكب في الجلول

قال ابن هشام : أنشدني قوله : فلولا ربنا ، وقوله : لولا ربنا ، وقوله : مكشفة المناكب في الجلول ، رجل من الأنصار ، أو من خزاعة .

2 أمر العقبة الثانية

3 مصعب بن عمير و العقبة الثانية

قال ابن إسحاق : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة ، وخرج من خرج الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك ، حتى قدموا مكة ، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة ، من أوسط أيام التشريق ، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته ، والنصر لنبيه ، وإعزاز الإسلام وأهله ، وإذلال الشرك وأهله .

3 البراء بن معرور يصلي إلى الكعبة

قال ابن إسحاق : حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين ، أخو بني سلمة ، أن أخاه عبدالله بن كعب ، وكان من أعلم الأنصار ، حدثه أن أباه كعبا حدثه ، وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، قال : خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ، وقد صلينا وفقهنا ، (2 288) ومعنا البراء بن معرور ، سيدنا وكبيرنا .

فلما وجهنا لسفرنا ، وخرجنا من المدينة ، قال البراء لنا : يا هؤلاء ، إني قد رأيت رأيا ، فوالله ما أدري ، أتوافقونني عليه ، أم لا ؟ قال : قلنا : وما ذاك ؟ قال : قد رأيت أن لا أدع هذه البَنيِّة مني بظهر ، يعني الكعبة ، وأن أصلي إليها . قال : فقلنا : والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه . قال : فقال : إني لمصل إليها . قال : فقلنا له : لكنا لا نفعل .

قال : فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام ، وصلى إلى الكعبة ، حتى قدمنا مكة . قال : وقد كنا عبنا عليه ما صنع ، وأبى إلا الإقامة على ذلك . فلما قدمنا مكة قال لي : يا ابن أخي ، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا ، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء ، لما رأيت من خلافكم إياي فيه .

قال : فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنا لا نعرفه ، ولم نره قبل ذلك ، فلقينا رجلا من أهل مكة ، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هل تعرفانه ؟ فقلنا : لا ؛ قال : فهل تعرفان العباس بن عبدالمطلب عمه ؟ قال : قلنا : نعم - قال : و قد كنا نعرف العباس ، وكان لا يزال يقدم علينا تاجرا - قال : فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس .

قال : فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه ، فسلمنا ثم جلسنا إليه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ قال : نعم ، هذا البراء بن معرور ، سيد قومه ؛ وهذا كعب بن مالك .

قال : فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشاعر ؟ قال : نعم . قال : فقال له البراء بن معرور : يا نبي الله ، إني خرجت في سفري هذا ، وقد هداني الله للإسلام ، فرأيت أن لا (2 289) أجعل هذه البَنِيَّة مني بظهر ، فصليت إليها ، وقد خالفني أصحابي في ذلك ، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء ، فماذا ترى يا رسول الله ؟ قال : قد كنت على قبلة لو صبرت عليها . قال : فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى معنا إلى الشام . قال : وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أعلم به منهم .

قال ابن هشام : وقال عون بن أيوب الأنصاري :

ومنا المُصلي أول الناس مُقبلا على كعبة الرحمن بين المشاعر

يعني البراء بن معرور . وهذا البيت في قصيدة له .

3 إسلام عبدالله بن عمرو بن حرام

قال ابن إسحاق : حدثني معبد بن كعب ، أن أخاه عبدالله بن كعب حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه ، قال كعب : ثم خرجنا إلى الحج ، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق . قال : فلما فرغنا من الحج ، وكانت (2 290) الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر ، سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا ، أخذناه معنا ، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ، فكلمناه وقلنا له : يا أبا جابر ، إنك سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ؛ ثم دعوناه إلى الإسلام ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة . قال : فأسلم وشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا .

3 امرأتان في البيعة

قال : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نتسلل تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : نُسيبة بنت كعب ، أم عمارة ، إحدى نساء بني مازن بن النجار ؛ وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي ، إحدى نساء بني سلمة ، وهي أم منيع .

3 العباس يستوثق من الأنصار

قال : فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبدالمطلب ، وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له . فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبدالمطلب ، فقال : يا معشر الخزرج - قال : وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار : الخزرج ، خزرجها وأوسها - : إن محمدا منا حيث قد علمتم (2 291) وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم ، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ؛ وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ، فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده . قال : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت .

3 عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على الأنصار

قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلا القرآن ، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام ، ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم . قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ، ثم قال : نعم ، والذي بعثك بالحق نبيا ، لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا ، فبايِعْنا يا رسول الله ، فنحن والله أبناء الحروب ، وأهل الحلقة ، ورثناها كابرا عن كابر .

قال : فاعترض القول ، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، (2 292) أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم .

قال ابن هشام : ويقال : الهدم الهدم : يعني الحرمة . أي ذمتي ذمتكم ، وحرمتي حرمتكم .

قال كعب بن مالك : وقد كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا ، ليكونوا على قومهم بما فيهم . فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس .

2 أسماء النقباء الاثني عشر و تمام خبر العقبة

3 نقباء الخزرج

قال ابن هشام : من الخزرج - فيما حدثنا زياد ابن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي - : أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عُدَس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ؛ وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ؛ وعبدالله بن رواحة بن (2 293) ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ؛ ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ؛ والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة ابن تزيد بن جشم بن الخزرج ؛ وعبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة ابن حرام بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ؛ وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج .

قال ابن هشام : هو غنم بن عوف ، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج .

قال ابن إسحاق : وسعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج ؛ والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج - قال ابن هشام : ويقال : ابن خنيس - .

3 نقباء الأوس

ومن الأوس : أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبدالأشهل ؛ وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك ابن كعب بن النحَّاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس ؛ ورفاعة بن عبدالمنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس . (2 294)

3 شعر كعب بن مالك في حصر النقباء

قال ابن هشام : وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ، ولا يعدون رفاعة . وقال كعب بن مالك يذكرهم ، فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري :

أبلغ أُبيا أنه فال رأيه وحان غداة الشعب والحين واقعُ

أبى الله ما منتك نفسك إنه بمرصاد أمر الناس راءٍ وسامع

وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا بأحمد نور من هدى الله ساطع

فلا ترغبنْ في حشد أمر تريده وألِّب وجمِّع كل ما أنت جامع

ودونك فاعلم أن نقض عهودنا أباه عليك الرهط حين تبايعوا

أباه البراء وابن عمرو كلاهما وأسعد يأباه عليك ورافع

وسعد أباه الساعدي ومنذر لأنفك إن حاولت ذلك جادع

وما ابن ربيع إن تناولت عهده بمسلمه لا يطمعنْ ثم طامع

وأيضا فلا يُعطيكه ابن رواحة وإخفاره من دونه السم ناقع

وفاء به والقوقلي بن صامت بمندوحة عما تحاول يافع

أبو هيثم أيضا وفيّ بمثلها وفاء بما أعطى من العهد خانع

وما ابن حضير إن أردت بمطمع فهل أنت عن أُحموقة الغي نازع

وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ضَروح لما حاولت مِـْلأمر مانع

أولاك نجوم لا يغبك منهمُ عليك بنحس في دجى الليل طالع

فذكر كعب فيهم ( أبا الهيثم بن التيهان ) ولم يذكر ( رفاعة ) .

قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن رسول الله (2 295) صلى الله عليه وسلم قال للنقباء : أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا : نعم .

3 ما قاله العباس بن عبادة للخزرج قبل المبايعة

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري ، أخو بني سالم بن عوف : يا معشر الخزرج ، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم ؛ قال : إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة ، وأشرافكم قتلا أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأمول ، وقتل الأشراف ، فخذوه ، فهو والله خير الدنيا والآخرة ؛ قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف ؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا بذلك ؟ قال : الجنة . قالوا : ابسط يدك ؛ فبسط يده فبايعوه .

وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال : والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد لعقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم .

وأما عبدالله بن أبي بكر فقال : ما قال ذلك العباس إلا ليؤخر القوم تلك الليلة ، رجاء أن يحضرها عبدالله بن أبي ابن سلول ، فيكون أقوى لأمر القوم . فالله أعلم أي ذلك كان .

3 نسب سلول

قال ابن هشام : سلول : امرأة من خزاعة ، وهي أم أبيّ بن مالك بن الحارث . (2 296)

3 أول من ضرب على يد الرسول في بيعة العقبة الثانية

قال ابن إسحاق : فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة ، أسعد بن زرارة ، كان أول من ضرب على يده ؛ وبنو عبدالأشهل يقولون : بل أبو الهيثم بن التيهان .

قال ابن إسحاق : فأما معبد بن كعب بن مالك فحدثني في حديثه ، عن أخيه عبدالله بن كعب ، عن أبيه كعب بن مالك ، قال : كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ، ثم بايع بعدُ القوم .

3 الشيطان يصرخ بعد بيعة العقبة الثانية

فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط : يا أهل الجباجب - والجباجب : المنازل - هل لكم في مذمَّم والصُّباة معه ، قد اجتمعوا على حربكم . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أزبّ العقبة ، هذا ابن أزيب - قال ابن هشام : ويقال ابن أُزيب - أتسمع أي عدو الله ، أما والله لأفرغنّ لك . (2 297)

3 الأنصار تستعجل الإذن بالحرب

قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفضُّوا إلى رحالكم . قال : فقال له العباس بن عبادة بن نضلة : والله الذي بعثك بالحق : إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم . قال : فرجعنا إلى مضاجعنا ، فنمنا عليها حتى أصبحنا .

3 قريش تجادل الأنصار في شأن البيعة

قال : فلما أصبحنا غدت علينا جِلَّة قريش ، حتى جاءونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا ، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم ، منكم .

قال : فانبعث مَنْ هناك مِنْ مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء ، وما علمناه . قال : وقد صدقوا ، لم يعلموه . قال : وبعضنا ينظر إلى بعض . قال : ثم قام القوم ، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي ، وعليه نعلان له جديدان . قال : فقلت له كلمة - كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا - : يا أبا جابر ، أما تستيطع أن تتخذ ، وأنت سيد من ساداتنا ، مثل نعلَيْ هذا الفتى من قريش ؟ قال : فسمعها الحارث ، فخلعهما من رجليه ثم رمي بهما إلي ، وقال : والله لتنتعلنَّهما . قال : يقول أبو جابر : مه ، أحفظت والله الفتى ، فاردد إليه نعليه . قال : قلت : والله لا أردهما ، فأل والله صالح ، لئن صدق الفأل لأسلُبنَّه .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر : أنهم أتوا عبدالله بن أبي ابن سلول ، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول ؛ فقال لهم : و الله إن هذا الأمر جسيم ، ما كان قومي ليتفوَّتوا علي بمثل هذا ، وما علمته كان . قال : فانصرفوا عنه . (2 298)

3 قريش تأسر سعد بن عبادة

قال : ونفر الناس من منى ، فتنطَّس القوم الخبر ، فوجوده قد كان ، وخرجوا في طلب القوم ، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر ، والمنذر بن عمرو ، أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ، وكلاهما كان نقيبا . فأما المنذر فأعجز القوم ؛ وأما سعد فأخذوه ، فربطوا يديه إلى عنقه بِنِسْع رحله ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ، ويجذبونه بجُمَّته ، وكان ذا شعر كثير .

3 خلاص سعد بن عبادة من أسر قريش

قال سعد : فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش ، فيهم رجل وضيء أبيض ، شعشاع ، حلو من الرجال .

قال ابن هشام : الشعشاع : الطويل الحسن . قال رؤبة :

يمطوه من شعشاع غير مودن

يعني عنق البعير غير قصير . يقول : مودن اليد : أي ناقص اليد .

قال : فقلت في نفسي : إن يك عند أحد من القوم خير ، فعند هذا ؛ قال : فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة . قال : فقلت في نفسي : لا والله ما عندهم بعد هذا من خير . قال : فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن كان معهم ، فقال : ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ قال : قلت : بلى والله ، لقد كنت أُجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن (2 299) عبد مناف تجارة ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي ، وللحارث بن حرب ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ؛ قال : ويحك ! فاهتف باسم الرجلين ، واذكر ما بينك وبينهما . قال : ففعلت ، وخرج ذلك الرجل إليهما ، فوجدهما في المسجد عند الكعبة ، فقال لهما : إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما ، ويذكر أن بينه وبينكما جوارا ؛ قالا : ومن هو ؟ قال : سعد بن عبادة ؛ قالا : صدق والله ، إن كان ليجير لنا تجارنا ، ويمنعهم أن يُظلموا ببلده . قال : فجاءا فخلَّصا سعدا من أيديهم ، فانطلق . وكان الذي لكم سعدا ، سهيل بن عمرو ، أخو بني عامر بن لؤي .

قال ابن هشام : وكان الرجل الذي أوى إليه ، أبا البختري بن هشام .

3 أول ما قيل في الهجرة من الشعر

قال ابن إسحاق : وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين ، قالهما ضرار بن الخطاب بن مرداس ، أخو بني محارب بن فهر فقال :

تداركتَ سعدا عنوة فأخذته وكان شفاء لو تداركت منذرا

لو نلتُه طُلَّت هناك جراحه وكانت حريَّا أن يُهان ويُهدرا

قال ابن هشام : ويروى :

وكان حقيقا أن يهان ويهدرا

قال ابن إسحاق : فأجابه حسان بن ثابت فيهما فقال : (2 300)

لست إلى سعد ولا المرء منذر إذا ما مطايا القوم أصبحن ضُمَّرا

فلولا أبو وهب لمرت قصائد على شرف البرقاء يهوين حُسَّرا

أتفخر بالكتان لما لبسته وقد تلبس الأنباط ريطا مقصرا

فلا تك كالوسنان يحلم أنه بقرية كسرى أو بقرية قيصرا

ولاتك كالثكلى وكانت بمعزل عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا

ولا تك كالشاة التي كان حتفها بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا

ولا تك كالعاوي فأقبل نحره ولم يخشه ، سهما من النبل مضمرا

فإنا ومن يُهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا

2 قصة صنم عمرو بن الجموح

3 عدوان قوم عمرو على صنمه

فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام بها ، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك ، منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ، وكان ابنه معاذ بن عمرو شهد العقبة ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة ، وشريفا من أشرافهم ، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب ، يقال له : مناة ، كما كانت الأشراف (2 301) يصنعون ، تتخذه إلها تعظمه وتطهره ، فلما أسلم فتيان بني سلمة : معاذ بن جبل ، وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح ، في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة ، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك ، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة ، وفيها عِذَر الناس ، مُنكَّسا على رأسه ؛ فإذا أصبح عمرو ، قال : ويلكم ! من عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟ قال : ثم يغدو يلتمسه ، حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ، ثم قال : أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأُخزينَّه . فإذا أمسى ونام عمرو ، عدوا عليه ، ففعلوا به مثل ذلك ؛ فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى ، فيغسله ويطهره ويطيبه ؛ ثم يعدون عليه إذا أمسى ، فيفعلون به مثل ذلك .

فلما أكثروا عليه ، استخرجه من حيث ألقوه يوما ، فغسله وطهره وطيبه ، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ، ثم قال : إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى ، فإن كان فيك خير فامتنع ، فهذا السيف معك . فلما أمسى ونام عمرو ، عدوا عليه ، فأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة ، فيها عذر من عذر الناس ، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به .

3 إسلام عمرو ، وما قاله من الشعر

فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت ، فلما رآه وأبصر شأنه ، وكلمه من أسلم من رجال قومه ، فأسلم برحمة الله ، وحسن إسلامه . فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف ، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ، ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة : (2 302)

والله لو كنتَ إلها لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قَرَنْ

أُفٍّ لملقاك إلها مستدن الآن فتشناك عن سوء الغبن

الحمد لله العلي ذي المنن الواهب الرزاق ديان الدين

هو الذي أنقذني من قبل أن أكون في ظلمة قبر مرتهن

بأحمد المهدي النبي المرتهن

2 شروط البيعة في العقبة الأخيرة

قال ابن إسحاق : وكانت بيعة الحرب ، حين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال شروطا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى ، كانت الأولى على بيعة النساء ، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في الحرب ، فلما أذن الله له فيها ، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود ، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه ، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة .

قال ابن إسحاق : فحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، (2 303) عن أبيه الوليد ، عن جده عبادة بن الصامت ، وكان أحد النقباء ، قال :

بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعه الحرب - وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء - على السمع والطاعة ، في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول بالحق أينما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم .

2 أسماء من شهد العقبة الأخيرة

3 عدد من شهدها

قال ابن إسحاق : وهذا تسمية من شهد العقبة ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها من الأوس والخزرج ، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين .

3 من شهدها من الأوس بن حارثة و بني عبدالأشهل

شهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ؛ ثم من بني عبدالأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن الأوس : أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبدالأشهل ، نقيب لم يشهد بدرا . وأبو الهيثم بن التيهان ، واسمه مالك ، شهد بدرا . وسلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعُوراء بن عبدالأشهل ، شهد بدرا ، ثلاثة نفر .

قال ابن هشام : ويقال : ابن زعَوراء ( بفتح العين )

3 من شهدها من بني حارثة بن الحارث

قال ابن إسحاق : ومن بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس : ظُهير بن رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة . وأبو بردة بن نيار ، واسمه هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذيبان بن (2 304) هميم بن كامل بن ذهل بن هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، حليف لهم ، شهد بدرا . ونهُير بن الهيثم ، من بني نابي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الأوس ؛ ثم من آل السوّاف بن قيس بن عامر بن نابي بن مجدعة بن حارثة . ثلاثة نفر .

3 من شهدها من بني عمرو بن عوف

ومن بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس : سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحَّاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس ، نقيب ، شهد بدرا ، فقُتل به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا .

قال ابن هشام : ونسبه ابنُ إسحاق في بني عمرو بن عوف ؛ وهو من بني غنم بن السلم ، لأنه ربما كانت دعوة الرجل في القوم ، ويكون فيهم فيُنسب إليهم .

قال ابن إسحاق : ورفاعة بن عبدالمنذر بن زنبر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو ، نقيب ، شهد بدرا . وعبدالله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البُـرَك - واسم البرك : امرؤ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس - شهدا بدرا ، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة ؛ ويقال : أمية بن البَـرْك ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : ومعن بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة ، حليف لهم من بلي ، شهد بدرا وأحدا والخندق ، ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ، قتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وعُويم بن ساعدة ، شهد بدرا وأحدا والخندق . خمسة نفر . (2 305) فجميع من شهد العقبة من الأوس أحد عشر رجلا .

3 من شهدها من الخزرج بن حارثة

وشهدها من الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ثم من بني النجار ، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج : أبو أيوب ، وهو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار شهد بدرا وأحدا والخندق ، والمشاهد كلها ؛ مات بأرض الروم غازيا في زمن معاوية بن أبي سفيان . ومعاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار ، شهد بدرا وأحدا والخندق ، والمشاهد كلها ، وهو ابن عفراء . وأخوه عوف بن الحارث ، شهد بدرا وقتل به شهيدا ، وهو لعفراء . وأخوه معوّذ بن الحارث ، شهد بدرا وقتل به شهيدا ، وهو الذي قتل أبا جهل بن هشام بن المغيرة ، وهو لعفراء - ويقال : رفاعة بن الحارث بن سواد ، فيما قال ابن هشام - وعمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار ، شهد بدرا وأحدا والخندق ، والمشاهد كلها ، قتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وأسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، نقيب ، مات قبل بدر ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبنى ، وهو أبو أمامة . ستة نفر .

3 من شهدها من بني عمرو بن مبذول

ومن بني عمرو بن مبذول - ومبذول : عامر بن مالك بن النجار - : سهل بن عتيك بن نعمان بن عمرو بن عتيك بن عمرو ، شهد بدرا . رجل .

3 من شهدها من بني عمرو بن مالك

ومن بني عمرو بن مالك بن النجار ، وهم بنو حديلة - قال ابن هشام : حديلة : بنت مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج - (2 306) أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، شهد بدرا . وأبو طلحة ، وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، شهدا بدرا . رجلان .

3 من شهدها من بني مازن بن النجار

ومن بني مازن بن النجار ، قيس بن أبي صعصعة ، واسم أبي صعصعة : عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ، شهد بدرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على الساقة يومئذ . وعمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن . رجلان .

فجميع من شهد العقبة من بني النجار أحد عشر رجلا .

3 تصويب نسب عمرو بن غزية

قال ابن هشام : عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء ، هذا الذي ذكره ابن إسحاق ، إنما هو غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء .

3 من شهدها من بلحارث بن الخزرج

قال ابن إسحاق : ومن بَلْحارث بن الخزرج : سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة ابن كعب بن الخزرج بن الحارث ، نقيب ، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا . وخارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث ، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا . وعبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة ين كعب بن الخزرج بن الحارث ، نقيب ، شهد بدرا وأحدا والخندق ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ، إلا الفتح وما بعده ، وقتل يوم مؤتة شهيدا أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وبشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث ، أبو النعمان بن بشير ، شهد بدرا . وعبدالله بن زيد بن ثعلبة ابن عبدالله بن زيد مناة بن (2 307) الحارث بن الخزرج ، شهد بدرا ، وهو الذي أُري النداء للصلاة ، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به . وخلاّد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج ، شهد بدرا وأحدا والخندق ، وقتل يوم بني قريظة شهيدا ، طُرحت عليه رحى من أُطم من أطامها فشدخته شدخا شديدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - : إن له لأجر شهيدين . وعقبة بن عمرو ابن ثعلبة بن أُسيرة بن عُسيرة بن جِدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج ، وهو أبو مسعود ، وكان أحدث من شهد العقبة سنا ، مات في أيام معاوية ، لم يشهد بدرا . سبعة نفر .

3 من شهدها من بني بياضة بن عامر

ومن بني بياضة بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج : زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي ابن أمية بن بياضة ، شهد بدرا . وفروة بن عمرو بن وذفة بن عبيد بن عامر بن بياضة ، شهد بدرا.

قال ابن هشام : ويقال : وُدْفة .

قال ابن إسحاق : وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان بن عامر بن بياضة ، شهد بدرا . ثلاثة نفر .

3 من شهدها من بني زريق

ومن بنى زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج : رافع بن مالك بن العجلان بن (2 308) عمرو بن عامر بن زريق ، نقيب . وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلَّد بن عامر بن زريق ، وكان خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان معه بمكة وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، فكان يقال له : مهاجري أنصاري ؛ شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا . وعباد بن قيس بن عامر بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق ، شهد بدرا . والحارث بن قيس بن خالد بن مخلد بن عامر بن زريق ، وهو أبو خالد ، شهد بدرا . أربعة نفر .

3 من شهدها من بني سلمة بن سعد

ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم ابن الخزرج ؛ ثم من بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة : البراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم ، نقيب ، وهو الذي تزعم بنو سلمة أنه كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط له ، واشترط عليه ، ثم توفي قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . وابنه بشر بن البراء بن معرور ، شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر من أكله أكلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الشاة التي سُمّ فيها - وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين سأل بني سلمة : من سيدكم يا بني سلمة ؟ فقالوا : الجدُّ بن قيس ، على بخله ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأي داء أكبر من البخل ! سيد بني سلمة الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور - وسنان بن صيفي بن صخر ابن خنساء بن سنان بن عبيد ، شهد بدرا ، وقتل يوم الخندق شهيدا . والطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان بن عبيد ، شهد بدرا ، وقتل يوم الخندق شهيدا . ومعقل بن المنذر بن سرح بن خناس بن سنان بن عبيد ، شهدا بدرا . و أخوه يزيد بن المنذر ، شهد بدرا . ومسعود بن يزيد بن سبيع بن خنساء بن سنان بن عبيد . والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عبيد ، شهد (2 309) بدرا . ويزيد بن حرام بن سبيع بن خنساء بن سنان بن عبيد . وجُبار بن صخر بن أمية بن خنساء ابن سنان بن عبيد ، شهد بدرا .

قال ابن هشام : ويقال : جَبَّار بن صخر بن أمية بن خناس .

قال ابن إسحاق : والطفيل بن مالك بن خنساء بن سنان بن عبيد ، شهد بدرا . أحد عشر رجلا .

3 من شهدها من بني سواد بن غنم

ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ، ثم من بني كعب بن سواد : كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب . رجل .

3 من شهدها من بني غنم بن سواد

ومن بني غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة : سليم بن عمرو بن حديدة بن عمرو بن غنم ، شهد بدرا . وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم ، شهد بدرا . وأخوه يزيد بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم ، وهو أبو المنذر ، شهد بدرا . وأبو اليسر ، واسمه كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غنم ، شهد بدرا . وصيفي بن سواد بن عباد بن عمرو بن غنم . خمسة نفر .

3 تصويب اسم صيفي

قال ابن هشام : صيفي بن أسود بن عباد بن عمرو بن غنم بن سواد ، وليس لسواد ابن يقال له : غنم .

3 من شهدها من بني نابي بن عمرو

قال ابن إسحاق : ومن بني نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة : ثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي ، شهد بدرا ، وقتل بالخندق شهيدا . وعمرو بن غنمة بن عدي بن نابي ، وعبس بن عامر بن عدي بن نابي ، شهد بدرا . وعبدالله بن أُنيس ، حليف لهم من قضاعة . وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي . خمسة نفر . (2 310)

3 من شهدها من بني حرام بن كعب

قال ابن إسحاق : ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة : عبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام ، نقيب ، شهد بدرا ، وقتل يوم أحد شهيدا ، وابنه جابر بن عبدالله . ومعاذ بن عمرو بن الجموح بن يزيد بن حرام ، شهد بدرا . وثابت بن الجذع - والجِذع : ثعلبة بن زيد بن الحارث بن حرام - شهد بدرا ، وقتل بالطائف شهيدا . وعمير بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن حرام ، شهد بدرا .

قال ابن هشام : عمير بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : وخَديج بن سلامة بن أوس بن عمرو بن الفرافر ، حليف لهم من بلي . ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد ؛ ويقال : أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ؛ وكان في بني سلمة ، شهد بدرا ، والمشاهد كلها ومات بعمواس ، عام الطاعون بالشام ، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإنما ادعته بنو سلمة أنه كان أخا سهل بن محمد بن الجد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي ابن غنم بن كعب بن سلمة لأمه . سبعة نفر .

3 تصويب نسب خديج بن سلامة

قال ابن هشام : أوس : ابن عباد بن عدي بن كعب بن عمرو بن أُذَن ابن سعد .

3 من شهدها من بنى عوف بن الخزرج

قال ابن إسحاق : ومن بنى عوف بن الخزرج ؛ ثم من بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف ، نقيب ، شهد بدرا والمشاهد كلها . (2 311)

قال ابن هشام : هو غنم بن عوف ، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج .

قال ابن إسحاق : والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف ، وكان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، فأقام معه بها ، فكان يقال له : مهاجري أنصاري ، وقتل يوم أحد شهيدا . وأبو عبدالرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمّارة ، حليف لهم من بني غصينة من بلي . وعمرو بن الحارث بن لبدة بن عمرو بن ثعلبة . أربعة نفر ، وهم القواقل .

3 من شهدها من بنى سالم بن غنم

ومن بني سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج ، وهم بنو الحُبُلِيّ - قال ابن هشام : الحُبُلِيّ : سالم بن غنم بن عوف ، وإنما سُـمِّي ( الحبلي ) لعظم بطنه - : رفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن سالم بن غنم ، شهد بدرا ، وهو أبو الوليد .

قال ابن هشام : ويقال : رفاعة : ابن مالك ، ومالك : ابن الوليد بن عبدالله بن مالك بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم .

قال ابن إسحاق : وعقبة بن وهب بن كلَّدة بن الجعد بن هلال بن الحارث بن عمرو بن عدي بن جشم بن عوف بن بهثة بن عبدالله بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ، حليف لهم ، شهد بدرا ، وكان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا من المدينة إلى مكة ، فكان يقال له : مهاجري أنصاري .

قال ابن هشام : رجلان . (2 312)

3 من شهدها من بني ساعدة بن كعب

قال ابن إسحاق : ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج : سعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة ، نقيب . والمنذر بن عمرو بن خَنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن جشم بن الخزرج بن ساعدة ، نقيب ، شهد بدرا وأحدا ، وقتل يوم بئر معونة أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي كان يقال له : أعنق ليموت . رجلان .

قال ابن هشام : ويقال : المنذر : ابن عمرو بن خنش .

قال ابن إسحاق : فجميع من شهد العقبة من الأوس والخزرج ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان منهم ، يزعمون أنهما قد بايعتا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء ، إنما كان يأخذ عليهن ، فإذا أقررن ، قال : اذهبن فقد بايعتكن .

3 من شهدها من بني مازن بن النجار

ومن بنى مازن بن النجار : نُسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ، وهي أم عمارة ، كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهدت معها أختها . وزوجها زيد بن عاصم بن كعب . وابناها : حبيب بن زيد ، وعبدالله بن زيد ، وابنها حبيب الذي أخذه مسيلمة الكذاب الحنفي ، صاحب اليمامة ، فجعل يقول له : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول : نعم ؛ فيقول : أفتشهد أني رسول الله ؟ فيقول : لا أسمع ، فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يده ، لا يزيده على ذلك ، إذا ذُكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به وصلى عليه ، وإذا ذكر له مسيلمة قال : لا أسمع ، فخرجت إلى اليمامة مع المسلمين ، فباشرت الحرب بنفسها . حتى قتل الله مسيلمة ، ورجعت وبها اثنا عشر جرحا ، من بين طعنة وضربة . (2 313)

قال ابن إسحاق : حدثني هذ الحديث عنها محمد بن يحيى بن حبان ، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة .

3 من شهدها من بني سلمة

ومن بني سلمة : أم منيع ؛ واسمها : أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن غنم بن كعب بن سلمة .

2 نزول الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال

بسم الله الرحمن الرحيم

قال : حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء ، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى ، والصفح عن الجاهل ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم ، فهم من بين مفتون في دينه ، ومن بين معذب في أيديهم ، ومن بين هارب في البلاد فرارا منهم ، منهم من بأرض الحبشة ، ومنهم من بالمدينة ، وفي كل وجه ؛ فلما عتت قريش على الله عز وجل ، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة ، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعذبوا ونفوا من عبده ووحَّده وصدق نبيه ، واعتصم بدينه ، أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم . (2 314)

فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب ، وإحلاله له الدماء والقتال ، لمن بغى عليهم ، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء ، قول الله تبارك وتعالى : ( أذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن اللهُ من ينصره ، إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور ) . أي : أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظُلموا ، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس ، إلا أن يعبدوا الله ، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجميعن ، ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) . أي : حتى لا يُفتن مؤمن عن دينه : ( ويكون الدين لله ) . أي : حتى يُعبدالله ، لا يعبد معه غيره .

3 إذنه صلى الله عليه و سلم لمسلمي مكة بالهجرة إلى المدينة

قال ابن إسحاق : فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب ، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه ، وأوى إليهم من المسلمين ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ، ومن معه بمكة من المسلمين ، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها ، واللحوق بإخوانهم من الأنصار ، وقال : إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها .

فخرجوا أرسالا ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة ، والهجرة إلى المدينة . (2 315)

2 ذكر المهاجرين إلى المدينة

3 هجرة أبي سلمة وامرأته ، و حديثه عما لقياه

فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش ، من بني مخزوم : أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، واسمه : عبدالله ، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة ، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أرض الحبشة ، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار ، خرج إلى المدينة مهاجرا .

قال ابن إسحاق : فحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن سلمة بن عبدالله ابن عمر بن أبي سلمة ، عن جدته أم سلمة ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه ، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ، ثم خرج بي يقود بي بعيره ، فلما رأته رجال بنى المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه ، فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتك هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت : فنـزعوا خطام البعير من يده ، فأخذوني منه .

قالت : وغضب عند ذلك بنو عبدالأسد ، رهط أبي سلمة ، فقالوا : لا والله ، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا . قالت : فتجاذبوا بُنيَّ سلمة بينهم حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبدالأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة . قالت : ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني .

قالت : فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي ، حتى أمسى سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي ، أحد بني المغيرة ، فرأى ما بي فرحمنى فقال لبني المغيرة : ألا تخُرجون هذه المسكينة ، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ! قالت : فقالوا (2 316) لي : الحقي بزوجك إن شئت . قالت : و ردَّ بنو عبدالأسد إلي عند ذلك ابني .

قالت : فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة . قالت : وما معي أحد من خلق الله . قالت : فقلت : أتبلَّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي ؛ حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، أخا بني عبدالدار ، فقال لي : إلى أين يا بنت أبي أمية ؟ قالت : فقلت : أريد زوجي بالمدينة . قال : أوما معك أحد ؟ قالت : فقلت : لا والله ، إلا الله وبُني هذا ، قال : والله ما لك من مترك ، فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يهوي بي ، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط ، أرى أنه كان أكرم منه ، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ، ثم استأخر عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ، فحط عنه ، ثم قيده في الشجرة ، ثم تنحى عني إلى شجرة ، فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح ، قام إلى بعيري فقدمه فرحله ، ثم استأخر عني ، وقال : اركبي . فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذه بخطامه ، فقاده ، حتى ينزل بي . فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء ، قال : زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعا إلى مكة .

قال : فكانت تقول : والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة . (2 317)

3 هجرة عامر بن ربيعة و زوجه ، وهجرة بني جحش

قال ابن إسحاق : ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة : عامر بن ربيعة ، حليف بني عدي بن كعب ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عدي بن كعب . ثم عبدالله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة ، حليف بني أمية بن عبد شمس ، احتمل بأهله وبأخيه عبد بن جحش ، وهو أبو أحمد - وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر ، وكان يطوف مكة ، أعلاها وأسفلها ، بغير قائد ، وكان شاعرا ، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيان بن حرب ، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب بن هاشم - فغُلِّقت دار بني جحش (2 318) هجرة ، فمر بها عتبة بن ربيعة ، والعباس بن عبدالمطلب ، وأبو جهل ابن هشام بن المغيرة ، وهي دار أبان بن عثمان اليوم التي بالردم ، وهم مصعدون إلى أعلى مكة ، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها يبابا ، ليس فيها ساكن ، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء ، ثم قال :

وكل دار وإن طالت سلامتها يوما ستدركها النكباء والحُوب

قال ابن هشام : وهذا البيت لأبي دؤاد الإيادي في قصيدة له . والحوب : التوجع ، و هو في موضع آخر : الحاجة ؛ و يقال : الحوب : الإثم .

قال ابن إسحاق : ثم قال عتبة بن ربيعة : أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها ! فقال أبو جهل : وما تبكي عليه من قُلّ بن قُلّ .

قال ابن هشام : القل : الواحد . قال لبيد بن ربيعة :

كل بني حرة مصيرهم قُلّ وإن أكثرت من العددِ (2 319)

قال ابن إسحاق : ثم قال : هذا عمل ابن أخي هذا ، فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وقطع بيننا . فكان منزل أبي سلمة بن عبدالأسد ، وعامر بن ربيعة ، وعبدالله بن جحش ، وأخيه أبي أحمد بن جحش ، على مبشر بن عبدالمنذر بن زنبر بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، ثم قدم المهاجرون أرسالا ، وكان بنو غنم بن دوادن أهل إسلام ، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساؤهم : عبدالله بن جحش ، وأخوه أبو أحمد بن جحش ، وعُكَّاشة بن محصن ، وشجاع ، وعقبة ، ابنا وهب ، وأربد بن حُمَيِّرة .

قال ابن هشام : ويقال : ابن حُمَيْرَة .

3 هجرة بعض الرجال ونسائهم

قال ابن إسحاق : ومنقذ بن نباتة ، وسعيد بن رقيش ، ومحرز بن نضلة ، ويزيد بن رقيش ، وقيس بن جابر ، وعمرو بن محصن ، ومالك بن عمرو ، وصفوان بن عمرو ، وثقف بن عمرو ، وربيعة بن أكثم ، والزبير بن عبيد ، وتمام بن عبيدة ، وسخبرة بن عبيدة ، ومحمد بن عبدالله بن جحش .

3 هجرة نسائهم

ومن نسائهم : زينب بنت جحش ، وأم حبيب بنت جحش ، وجذامة بنت جندل ، وأم قيس بنت محصن ، وأم حبيب بنت ثمامة ، وآمنة بنت رقيش ، وسخبرة بنت تميم ، وحمنة بنت جحش . (2 320)

3 شعر أبي أحمد بن جحش في هجرة بني أسد

وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب ، وهو يذكر هجرة بني أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإيعابهم في ذلك حين دُعوا إلى الهجرة :

ولو حلفت بين الصفا أم أحمد ومروتها بالله برت يمينها

لنحن الأُلى كنا بها ثم لم نزل بمكة حتى عاد غثا سمينها

بها خيمت غنم بن دودان وابتنت وما إن غدت غنم وخفّ قطينها

إلى الله تغدو بين مثنى وواحد ودين رسول الله بالحق دينها

وقال أبو أحمد بن جحش أيضا :

لما رأتني أم أحمد غاديا بذمة من أخشى بغيب وأرهبُ

تقول : فإما كنت لا بد فاعلا فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب

فقلت لها : بل يثرب اليوم وجهنا وما يشإِ الرحمن فالعبد يركب

إلى الله وجهي والرسول ومن يُقم إلى الله يوما وجهه لا يخُيَّب

فكم قد تركنا من حميم مناصح وناصحة تبكي بدمع وتندب

ترى أن وترا نأينا عن بلادنا ونحن نرى أن الرغائب تطلب

دعوت بني غنم لحقن دمائهم وللحق لما لاح للناس ملحب (2 321)

أجابوا بحمد لله لما دعاهم إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا

وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا

كَفوجَيْن : أما منهما فموفَّق على الحق مهدي ، وفوج معذب

طغوا وتمنوا كذبة وأزلهَّم عن الحق إبليس فخابوا وخُيِّبوا

ورِعْنا إلى قول النبي محمد فطاب ولاة الحق منا وطُيبوا

نَمُتُّ بأرحام إليهم قريبة ولا قرب بالأرحام إذ لا نُقرَّب

فأي ابن أخت بعدنا يأمنَّنكم وأية صهر بعد صهريَ تُرقبُ

ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا وزُيِّل أمر الناس للحق أصوب

قال ابن هشام : قوله : ( ولتنأ يثرب ) ، وقوله : ( إذ لا نقرب ) ، عن غير ابن إسحاق .

قال ابن هشام : يريد بقوله : ( إذ ) إذا ، كقول الله عز وجل : ( إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) . قال أبو النجم العجلي :

ثم جزاه الله عنا إذ جزى جنات عدن في العلاليِّ والعُلا

2 هجرة عمر وقصة عياش وهشام معه

قال ابن إسحاق : ثم خرج عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة المخزومي ، حتى قدما المدينة . فحدثني نافع مولى عبدالله بن عمر ، عن عبدالله بن عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب ، قال : اتعدت ، لما أردنا الهجرة إلى المدينة ، أنا وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام (2 322) بن العاصي بن وائل السهمي التَّناضِبَ من أضاة بني غفار ، فوق سَرِف ، وقلنا : أينا لم يصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه . قال : فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب ، وحبس عنا هشام ، وفُتن فافتتن .

3 أبو جهل و الحارث يغرران بعياش بن أبي ربيعة

فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء ، وخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة ، وكان ابنَ عمهما وأخاهما لأمهما ، حتى قدما علينا المدينة ، ورسول الله صلى عليه وسلم بمكة ، فكلماه وقالا : إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فرق لها ، فقلت له : يا عياش ، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت ، قال : فقال : أبر قسم أمي ، و لي هنالك مال فآخذه . قال : فقلت : والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما . قال : فأبى علي إلا أن يخرج معهما ؛ فلما أبى إلا ذلك ؛ قال : قلت له : أما إذ قد فعلت ما فعلت ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقة نجيبة ذلول ، فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب ، فانج عليها .

فخرج عليه معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل : يا ابن أخي ، والله لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تُعْقبني على (2 323) ناقتك هذه ؟ قال : بلى . قال : فأناخ ، وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه ، فأوثقاه وربطاه ، ثم دخلا به مكة ، وفتناه فافتتن .

قال ابن إسحاق : فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة : أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارا موثقا ، ثم قالا : يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا بسفهائكم ، كما فعلنا بسفيهنا هذا .

3 كتاب عمر إلى هشام بن العاصي

قال ابن إسحاق : وحدثني نافع ، عن عبدالله بن عمر ، عن عمر في حديثه ، قال : فكنا نقول : ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ، قوم عرفوا الله ، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم ! قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم .

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أنزل الله تعالى فيهم ، وفي قولنا وقولهم لأنفسهم : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) .

قال عمر بن الخطاب : فكتبتها بيدي في صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاصي ، قال : فقال هشام بن العاصي : فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طُوى ، أُصعِّد بها فيه وأصوب ولا أفهمها ، حتى قلت : (2 324) اللهم فهمنيها . قال : فألقى الله تعالى في قلبي إنما أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا . قال : فرجعت إلى بعيري ، فجلست عليه ، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة .

3 خروج الوليد بن الوليد إلى مكة في أمر عياش وهشام

قال ابن هشام : فحدثني من أثق به : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وهو بالمدينة : من لي بعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاصي ؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة : أنا لك يا رسول الله بهما ، فخرج إلى مكة ، فقدمها مستخفيا ، فلقي امرأة تحمل طعاما ، فقال لها : أين تريدين يا أمة الله ؟ قالت : أريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى عرف موضعهما ، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له ؛ فلما أمسى تسور عليهما ، ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما ، فكان يقال لسيفه : ( ذو المروة ) لذلك ، ثم حملهما على بعيره ، وساق بهما ، فعثر فدميت أصبعه ، فقال :

هل أنت إلا أصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ

ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . (2 325)

2 منازل المهاجرين بالمدينة

3 منزل عمر وأخيه ، وعمرو وعبدالله ابني سراقة ، وخنيس بن حذافة ، وبني البكير

قال ابن اسحاق : ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه ، وأخوه زيد بن الخطاب ؛ وعمرو وعبدالله ابنا سراقة ابن المعتمر وخنيس بن حذافة السهمي - وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر ، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده - وسعيد بن زيد عمرو بن نفيل ؛ وواقد بن عبدالله التميمي ، حليف لهم ؛ وخولي بن أبي خولي ؛ ومالك بن أبي خولي ، حليفان لهم .

قال ابن هشام : أبو خولي : من بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل .

قال ابن إسحاق : وبنو البكير أربعتهم : إياس بن البكير ، وعاقل بن البكير ، وعامر بن البكير ، وخالد بن البكير ، وحلفاؤهم من بني سعد ابن ليث ، على رفاعة بن عبدالمنذر بن زنبر ، في بني عمرو بن عوف بقباء ، وقد كان منزل عياش بن أبي ربيعة معه عليه حين قدما المدينة .

3 منزل طلحة وصهيب

ثم تتابع المهاجرون ، فنزل طلحة بن عبيد الله بن عثمان ، وصهيب بن سنان ، على خبيب بن إساف ، أخي بلحارث (2 326) بن الخزرج بالسُّنْح . ويقال : بل نزل طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة ، أخي بني النجار .

قال ابن هشام : وذُكر لي عن أبي عثمان النهدي ، أنه قال : بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكا حقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ، والله لا يكون ذلك ؛ فقال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ؟ قالوا : نعم . قال : فإني جعلت لكم مالي . قال : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ربح صهيب ، ربح صهيب .

3 منزل حمزة وزيد وأبي مرثد وابنه وأنسة وأبي كبشة

قال ابن إسحاق : ونزل حمزة بن عبدالمطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو مرثد كنَّاز بن حصن .

- قال ابن هشام : ويقال : ابن حصين - وابنه مرثد الغنويان ، حليفا حمزة بن عبدالمطلب ، وأنسة ، وأبو كبشة ، موليا رسول الله (2 327) صلى الله عليه وسلم ، على كلثوم بن هدم ، أخي بني عمرو بن عوف بقباء ، ويقال : بل نزلوا على سعد بن خيثمة ؛ ويقال : بل نزل حمزة بن عبدالمطلب على أسعد بن زرارة ، أخي بني النجار . كل ذلك يقال .

3 منزل عبيدة وأخيه الطفيل والحصين وغيرهم

ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب ، وأخوه الطفيل بن الحارث ، والحصين بن الحارث ، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، وسويبط بن سعد بن حريملة ، أخو بني عبدالدار ، وطليب بن عمير ، أخو بني عبد بن قصي ، وخباب ، مولى عتبة بن غزوان ، على عبدالله بن سلمة ، أخي بَلْعجلان بقباء .

3 منزل عبدالرحمن بن عوف

ونزل عبدالرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخي بلحارث بن الخزرج ، في دار بلحارث بن الخزرج .

3 منزل الزبير وأبي سبرة

ونزل الزبير بن العوام ، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى ، على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة ، دار بني جحجبى .

1 المجلد الثالث

2 [تابع: منازل المهاجرين بالمدينة]

3 منزل مصعب بن عمير

ونزل مصعب بن عمير بن هاشم ، أخو بني عبدالدار على سعد بن معاذ بن النعمان ، أخي بني عبدالأشهل ، في دار بني عبدالأشهل . (3 4)

3 منزل أبي حذيفة

ونزل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وسالم مولى أبي حذيفة -

قال ابن هشام : سالم مولى أبي حذيفة سائبة ، لِثُبَيتَة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، سَيَّبَتْه فانقطع إلى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة فتبناه ، فقيل : سالم مولى أبي حذيفة . ويقال : كانت ثُبيتة بنت يعار تحت أبي حذيفة بن عتبة ، فأعتقت سالما سائبة . فقيل : سالم مولى أبي حذيفة -

3 منزل عتبة بن غزوان

قال ابن إسحاق : ونزل عتبة بن غزوان بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخي بني عبدالأشهل ، في دار عبدالأشهل .

3 منزل عثمان بن عفان

ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر ، أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار ، فلذلك كان حسان يحب عثمان ويبكيه حين قتل .

وكان يقال : نزل الأعزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة ، وذلك أنه كان عزبا ، فالله أعلم أي ذلك كان . (3 5)

2 هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم

3 سبب تأخر أبي بكر وعلي في الهجرة

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤذن له في الهجرة ، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاحرين إلا من حُبس أو فتن ، إلا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنهما ، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا ، فيطمع أبو بكر أن يكونه .

3 قريش تتشاور في أمره عليه الصلاة و السلام

قال ابن إسحاق : ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا ، وأصابوا منهم منعة ، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، وعرفوا أنهم قد أجمع لحربهم . فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين خافوه . (3 6)
قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم من أصحابنا ، عن عبدالله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج ، وغيره ممن لا أتهم ، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : لما أجمعوا لذلك ، واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة ، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل ، عليه بتلة ، فوقف على باب الدار ، فلما رأوه واقفا على بابها ، قالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له ، فحضر معكم ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يُعدمكم منه رأيا ونصحا ، قالوا : أجل ، فادخل ، فدخل معهم ، وقد اجتمع فيها أشراف قريش ؛ من بني عبد شمس : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب . ومن بني نوفل بن عبد مناف : طعيمة بن عدي ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عامر بن نوفل . ومن بني عبدالدار بن قصي : النضر بن الحارث بن كلدة . ومن بني أسد بن عبدالعزى : أبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود بن المطلب ، وحكيم بن حزام . ومن بني مخزوم : أبو جهل بن هشام . ومن بني سهم : نُبيه ومنبَّه ابنا الحجاج ، ومن بني جمح : أمية بن (3 7) خلف ، ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش .

فقال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأيا . قال : فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم : احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه بابا ، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله ، زهيرا والنابغة ، ومن مضى منهم ، من هذا الموت ، حتى يصيبه ما أصابهم .

فقال الشيخ النجدي : لا والله ، ما هذا لكم برأي . والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم ، فينزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به ، حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي ، فانظروا في غيره .

فتشاوروا . ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا ، فننفيه من بلادنا ، فإذا أُخرج عنا ، فوالله ما نبالي أين ذهب ، ولا حيث وقع ، إذا غاب عنا وفرغنا منه ، فأصلحنا أمرنا وأُلْفتنا كما كانت .

فقال الشيخ النجدي : لا والله ، ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حُسْن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم ، فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ، دبروا فيه رأيا غير هذا .

قال : فقال أبو جهل بن هشام : والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ؛ قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ، ثم نعطي كل فتى (3 8) منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه ، فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه ، فنستريح منه . فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، فرضوا منا بالعَقْل ، فعقلناه لهم .

قال : فقال الشيخ النجدي : القول ما قال الرجل ، هذا الرأي الذي لا رأي غيره ، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له .

3 خروج النبي صلى الله عليه وسلم و استخلافه عليا على فراشه

فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه . قال : فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام ، فيثبون عليه ؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم ، قال لعلي بن أبي طالب : نم على فراشي وتسجّ بِبُردي هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام .

قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال : لما اجتمعوا له ، وفيهم أبو جهل بن هشام ، فقال وهم على بابه : إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره ، كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بُعثتم من بعد موتكم ، فجُعلت لكم جنان كجنان الأردن ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ، ثم بُعثتم من بعد موتكم ، ثم جعلت لكم نار تحُرقون فيها .

قال : وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : أنا أقول ذلك ، أنت أحدهم . وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس : ( يس والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين . على (3 9) صراط مستقيم . تنزيل العزيز الرحيم ) ... إلى قوله : ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) . حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ، ولم يبق منهم رجل إلا و قد وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا : محمدا ؛ قال : خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يده على رأسه ، فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا بِبُرْد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي رضي الله عنه عن الفراش ، فقالوا : والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا .

3 ما نزل من القرآن في تربص المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وكان مما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك اليوم ، وما كانوا أجمعوا له : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا لِيُثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين ) . وقول الله (3 10) عز وجل : ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون . قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ) .

قال ابن هشام : المنون : الموت . وريب المنون : ما يريب ويعرض منها . قال أبو ذؤيب الهذلي :

أمن المنون وريبها تتوجَّع والدهر ليس بمعتب من يجزع

وهذا البيت في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : وأذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك في الهجرة .

3 أبو بكر يطمع في مصاحبة النبي في الهجرة ، و ما أعد لذلك

قال ابن إسحاق : وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلا ذا مال ، فكان حين استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تعجل ، لعل الله يجد لك صاحبا ، قد طمع بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما يعني نفسه ، حين قال له ذلك ، فابتاع راحلتين ، فاحتبسهما في داره ، يعلفهما إعدادا لذلك .

3 حديث الهجرة إلى المدينة

قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، إما بكرة ، وإما عشية ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، والخروج من مكة من بين ظهري قومه ، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، في ساعة كان لا يأتي فيها .

قالت : فلما رآه أبوبكر ، قال : ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث .

قالت : فلما دخل ، تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر ، (3 11) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج عني من عندك ؛ فقال : يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي ! فقال : إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة . قالت : فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ؛ قال : الصحبة .

قالت : فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح ، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ، ثم قال : يا نبي الله ، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا .

فاستأجرا عبدالله بن أرقط - رجلا من بني الدئل بن بكر ، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركا - يدلهما على الطريق ، فدفعا إليه راحلتيهما ، فكانتا عنده يرعاهم لميعادهما .

3 من علم بأمر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : ولم يعلم فيما بلغني ، بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد ، حين خرج ، إلا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر الصديق ، وآل أبي بكر .

أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - أخبره بخروجه ، وأمره أن يتخلف بعده بمكة ، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع ، التي كانت عنده للناس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يُعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم . (3 12)

3 قصة الرسول صلى الله عليه و سلم مع أبي بكر في الغار

قال ابن إسحاق : فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج ، أتى أبا بكر بن أبي قحافة ، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ، ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه ، وأمر أبو بكر ابنه عبدالله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر ؛ وأمر عامر بن فُهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ، ثم يُريحها عليهما ، يأتيهما إذا أمسى في الغار . وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يُصلحهما .

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال : انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا ، فدخل أبو بكر رضي الله عنه قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمس الغار ، لينظر أفيه سبع أو حية ، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه .

3 من قام بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر ، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة ، لمن يرده عليهم . وكان عبدالله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم ، يسمع ما يأتمرون به ، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر .

وكان عامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر رضي الله عنه ، يرعى في رُعْيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر ، فاحتلبا وذبحا ، فإذا عبدالله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة ، اتبع عامر (3 13) بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفِّي عليه ، حتى إذا مضت الثلاث ، وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرَيْهما وبعير له ، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسفرتهما ، ونسيت أن تجعل لها عصاما ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة ، فإذا ليس لها عصام ، فتحلّ نطاقها فتجعله عصاما ، ثم علقتها به .

3 سبب تسمية أسماء بذات النطاق

فكان يقال لاسماء بنت أبي بكر : ذات النطاق ، لذلك .

قال ابن هشام : وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول : ذات النطاقين . وتفسيره : أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين ، فعلقت السفرة بواحد ، وانتطقت بالآخر .

3 أبو بكر يقدم راحلة للرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : فلما قرب أبو بكر ، رضي الله عنه ، الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدم له أفضلهما ، ثم قال : اركب ، فداك أبي وأمي ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لا أركب بعيرا ليس لي ؛ قال : فهي لك يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ؛ قال : لا ، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به ؟ قال : كذا وكذا ؛ قال : قد أخذتها به ؛ قال : هي لك يا رسول الله . فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر الصديق رضي الله عنه عامر بن فهيرة مولاه خلفه ، ليخدمهما في الطريق . (3 14)

3 أبو جهل يضرب أسماء

قال ابن إسحاق : فحُدثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ، أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجت إليهم ؛ فقالوا : أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟ قالت : قلت : لا أدري والله أين أبي ؟ قالت : فرفع أبو جهل يده ، وكان فاحشا خبيثا ، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي .

3 خبر الهاتف من الجني الذي تغنى بمقدمه صلى الله عليه وسلم

قالت : ثم انصرفوا . فمكثنا ثلاث ليال . وما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة ، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب ، وإن الناس ليتبعونه ، يسمعون صوته وما يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول :

جزى الله ربُّ الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتَيْ أم معبدِ

هما نزلا بالبر ثم تروَّحا فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهنِ بنو كعب مكانُ فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد

3 نسب أم معبد

قال ابن هشام : أم معبد بنت كعب ، امرأة (3 15) من بني كعب ، من خزاعة . وقوله ( حلا خيمتي ) و ( هما نزلا بالبر ثم تروحا ) عن غير ابن إسحاق .

قال ابن إسحاق : قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : فلما سمعنا قوله ، عرفنا حيث وَجْه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن وجهه إلى المدينة وكانوا أربعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، وعبدالله بن أرقط دليلهما .

قال ابن هشام : ويقال : عبدالله بن أُرَيْقط .

3 موقف آل أبي بكر بعد الهجرة

قال ابن إسحاق : فحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير أن أباه عبادا حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر ، قالت : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر ماله كله ، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف ، فانطلق بها معه .

قالت : فدخل علينا جدي أبو قحافة ، وقد ذهب بصره ، فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قالت : قلت : كلا يا أبت ! إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا . قالت : فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده ، فقلت : يا أبت ، ضع يدك على هذا المال . قالت : فوضع يده عليه ، فقال : لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم . ولا والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك .

3 سراقة بن مالك و ركوبه في أثر الرسول صلى الله و سلم

قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري أن عبدالرحمن بن مالك بن جعشم حدثه ، عن أبيه ، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم ، قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى (3 16) المدينة ، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم .

قال : فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا ، حتى وقف علينا ، فقال : والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفا ، إني لأراهم محمدا وأصحابه ، قال : فأومأت إليه بعيني : أن اسكت ، ثم قلت : إنما هم بنو فلان ، يبتغون ضالة لهم ؛ قال : لعله ، ثم سكت . قال : ثم مكثت قليلا ، ثم قمت فدخلت بيتي ، ثم أمرت بفرسي ، فقيد لي إلى بطن الوادي ، وأمرت بسلاحي ، فأُخرج لي من دبر حجرتي ، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها ، ثم انطلقت ، فلبست لأمتي ، ثم أخرجت قداحي ، فاستقسمت بها ؛ فخرج السهم الذي أكره ( لا يضره ) . قال : وكنت أرجو أن أرده على قريش ، فآخذ المائة الناقة . قال : فركبت على أثره ، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي ، فسقطت عنه . قال : فقلت : ما هذا ؟ قال : ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها ، فخرج السهم الذي أكره ( لا يضره ) قال : فأبيت إلا أن أتبعه . قال : فركبت في أثره ، فبينا فرسي يشتد بي ، عثر بي ، فسقطت عنه . قال : فقلت : ما هذا ؟ قال : ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها ، فخرج السهم الذي أكره ( لا يضره ) قال : فأبيت إلا أن أتبعه ، فركبت في أثره . فلما بدا لي القوم ورأيتهم ، عثر بي فرسي ، فذهبت يداه في الأرض ، وسقطت عنه ، ثم انتزع يديه من الأرض ، وتبعهما دخان كالإعصار .

قال : فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع مني ، وأنه ظاهر.

قال : فناديت القوم : فقلت : أنا سراقة بن جعشم : انظروني أكلمكم ، فوالله لا أريبكم ، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : قل له : وما تبتغي منا ؟ قال : فقال ذلك أبو بكر ، (3 17) قال : قلت : تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك .

قال : اكتب له يا أبا بكر .

3 إسلام سراقة بن جعشم

قال : فكتب لي كتابا في عظم ، أو في رقعة ، أو في خزفة ، ثم ألقاه إلي ، فأخذته ، فجعلته في كنانتي ، ثم رجعت ، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان ، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرغ من حنين والطائف ، خرجت ومعي الكتاب لألقاه ، فلقيته بالجعرانة . قال : فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار . قال : فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون : إليك إليك ، ماذا تريد ؟ قال : فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة .

قال : فرفعت يدي بالكتاب ، ثم قلت : يا رسول الله ، هذا كتابك لي ، أنا سراقة بن جعشم ؛ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم وفاء وبر ، ادنُهْ . قال : فدنوت منه ، فأسلمت . ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره ، إلا أني قلت : يا رسول الله ، الضالة من الإبل تغشى حياضي ، وقد ملأتها لإبلي ، هل لي من أجر في أن أسقيها ؟ قال : نعم ، في كل ذات كبد حرّى أجر . قال : ثم رجعت إلى قومي ، فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي .

3 تصويب نسب عبدالرحمن الجعشمي

قال ابن هشام : عبدالرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم .

3 طريق الهجرة

قال ابن إسحاق : فلما خرج بهما دليلهما عبدالله بن أرقط ، سلك بهما أسفل مكة ، ثم مضى بهما على الساحل ، حتى عارض الطريق أسفل من عسفان ، ثم سلك بهما على أسفل (3 18) أمج ، ثم استجاز بهما ، حتى عارض بهما الطريق ، بعد أن أجاز قديدا ، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك ، فسلك بهما الخرار ، ثم سلك بهما ثنية المرة ، ثم سلك بهما لقفا .

قال ابن هشام : ويقال : لفتا . قال معقل بن خويلد الهذلي :

نزيعا محلبا من أهل لفت لحي بين أثلة والنحام

قال ابن إسحاق : ثم أجاز بهم مدلجة لِقْف ثم استبطن بهما مدلجة محاج - ويقال : مجاج ، فيما قال ابن هشام - ثم سلك بهما مرجح محاج ، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين - قال ابن هشام : ويقال : العَضَوين - ثم بطن ذي كشر ، ثم أخذ بهما على الجداجد ، ثم على (3 19) الأجرد ، ثم سلك بهما ذا سلم ، من بطن أعداء مدلجة تعهن ، ثم على العبابيد .

قال ابن هشام : ويقال : العبابيب ؛ ويقال : العثيانة . يريد : العبابيب .

قال ابن إسحاق : ثم أجاز الفاجَّة ؛ ويقال : القاحة ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن هشام : ثم هبط بهما العرج ، وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهم ، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم ، يقال له : أوس بن حجر ، على جمل له - يقال له : ابن الرداء - إلى المدينة ، وبعث معه غلاما له ، يقال له : مسعود بن هنيدة ، ثم خرج بهما دليلهما من العرج ، فسلك بهما ثنية العائر ، عن يمين ركوبة - ويقال : ثنية الغائر ، فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم بهما قباء ، على بني عمرو بن عوف ، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين ، حين اشتد الضَّحاء ، وكادت الشمس تعتدل .

3 قدومه صلى الله عليه وسلم قباء

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عبدالرحمن بن عويمر بن ساعدة ، قال : حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، وتوكفنا قدومه ، كنا (3 20) نخرج إذا صلينا الصبح ، إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا ، وذلك في أيام حارة . حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جلسنا كما كنا نجلس ، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت ، فكان أول من رآه رجل من اليهود ، و قد رأى ما كنا نصنع ، وأنَّا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ، فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا جدكم قد جاء . قال : فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في ظل نخلة ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه في مثل سنه ، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر ، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام أبو بكر فأظله بردائه ، فعرفناه عند ذلك .

3 منزله عليه الصلاة و السلام بقباء

قال ابن إسحاق : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - على كلثوم بن هدم ، أخي بني عمرو بن عوف ، ثم أحد بني عبيد : ويقال : بل نزل على سعد بن خيثمة . ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم : إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس الناس في بيت سعد بن خيثمة . وذلك أنه كان عزبا لا أهل له ، وكان منزل (3 21) الأعزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ، فمن هنالك يقال : نزل على سعد بن خيثمة ، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة : بيت الأعزاب . فالله أعلم أي ذلك كان ، كلا قد سمعنا .

3 منزل أبي بكر بقباء

ونزل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على خبيب بن إساف ، أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح . ويقول قائل : كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير ، أخي بني الحارث بن الخزرج .

3 منزل علي بن أبي طالب بقباء

وأقام علي بن أبي طالب عليه السلام بمكة ثلاث ليال وأيامها ، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها ، لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل معه على كلثوم بن هدم .

3 من فضائل سهل بن حنيف

فكان علي بن أبي طالب ، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول : كانت بقباء امرأة لا زوج لها ، مسلمة . قال : فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل ، فيضرب عليها بابها ، فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه . قال : فاستربت بشأنه ، فقلت لها : يا أمة الله ، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة ، فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو ، وأنت امرأة (3 22) مسلمة لا زوج لك ؟ قالت : هذا سهل بن حنيف بن واهب ، قد عرف أني امرأة لا أحد لي ، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ، ثم جاءني بها ، فقال : احتطبي بهذا ، فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف ، حتى هلك عنده بالعراق .

قال ابن إسحاق : وحدثني هذا ، من حديث علي رضي الله عنه ، هند بن سعد بن سهل بن حنيف ، رضي الله عنه .

3 بناء مسجد قباء

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس ، وأسس مسجده .

3 خروج الرسول صلى الله و سلم من قباء وذهابه إلى المدينة

ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة . وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك ، فالله أعلم أي ذلك كان . فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف ، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، وادي رانُوناء ، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة .

3 اعتراض القبائل له صلىالله عليه وسلم تبغي نزوله عندها

فأتاه عتبان بن مالك ، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم ابن عوف ، فقالوا : يا (3 23) رسول الله . أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة ؛ قالوا : خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، لناقته : فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة ، تلقاه زياد بن لبيد ، وفروة بن عمرو ، في رجال من بني بياضة ، فقالوا : يا رسول الله : هلم إلينا ، إلى العدد والعدة والمنعة ؛ قال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها . فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني ساعدة ، اعترضه سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، في رجال من بني ساعدة ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ؛ قال : خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها ، فانطلقت ، حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج ، اعترضه سعد بن الربيع ، وخارجة بن زيد ، وعبدالله بن رواحة ، في رجال من بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة قال : خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها . فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار ، وهم أخواله دنيا - أم عبدالمطلب ، سلمى بنت عمرو ، إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس ، وأبو سليط ، أُسيرة بن أبي خارجة ، في رجال من بني عدي بن النجار ، فقالوا : يا رسول الله ، هلم إلى أخوالك ، إلى العدد والعدة والمنعة ؛ قال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها ، فانطلقت .

3 مبرك الناقة بدار بني مالك بن النجار

حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار ، بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ مِرْبد لغلامين يتيمين من بني النجار ، ثم من بني مالك بن النجار ، وهما في حجر معاذ بن عفراء ، سهل وسهيل ابني عمرو .

فلما بركت ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل ، وثبت فسارت غير بعيد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت إلى خلفها ، فرجعت إلى مبركها أول مرة ، (3 24) فبركت فيه ، ثم تحلحلت وزمَّت وألقت بجرانها ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله ، فوضعه في بيته ، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء : هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو ، وهما يتيمان لي ، وسأرضيهما منه ، فاتخذه مسجدا .

3 بناء مسجد المدينة و مساكنه صلى الله عليه و سلم

قال : فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبنى مسجدا ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه ، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ، ودأبوا فيه ، فقال قائل من المسلمين : (3 25)

لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلِّل

وارتجز المسلمون وهو يبنونه يقولون :

لا عيش إلا عيش الآخره اللهم ارحم الأنصار والمهاجره

قال ابن هشام : هذا كلام وليس برجز .

قال ابن إسحاق : فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار .

3 عمار والفئة الباغية

قال : فدخل عمار بن ياسر ، وقد أثقلوه باللبن ، فقال : يا رسول الله ، قتلوني ، يحملون علي ما لا يحملون . قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده ، وكان رجلا جعدا ، وهو يقول : ويح ابن سمية ، ليسوا بالذين يقتلونك ، إنما تقتلك الفئة الباغية .

3 ارتجاز علي بن أبي طالب في بناء المسجد

وارتجز علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ :

لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيه قائما وقاعدا

و من يُرى عن الغبار حائدا

قال ابن هشام : سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر ، عن هذا الرجز ، فقالوا : بلغنا أن علي بن أبي طالب ارتجز به ، فلا يُدرى : أهو قائله أم غيره .

3 ما كان بين عمار و أحد الصحابة من مشادة

قال ابن إسحاق : فأخذها عمار بن ياسر ، فجعل يرتجز بها .

قال ابن هشام : فلما أكثر ، ظن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (3 26) أنه إنما يعرض به ، فيما حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن ابن إسحاق ، وقد سمَّى ابن إسحاق الرجل .

3 وصاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعمار

قال ابن إسحاق : فقال : قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية ، والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك . قال : وفي يده عصا . قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ما لهم ولعمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه .

3 من بنى أول مسجد

قال ابن هشام : وذكر سفيان بن عيينة عن زكريا ، عن الشعبي ، قال : إن أول من بنى مسجدا عمار بن ياسر .

3 الرسول ينزل في بيت أبي أيوب

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب ، حتى بُني له مسجده ومساكنه ، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب ، رحمة الله عليه ورضوانه . (3 27)

3 من أدب أبي أيوب

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبدالله اليزني ، عن أبي رهم السماعي ، قال : حدثني أبو أيوب ، قال : لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، نزل في السفل ، وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فاظهرْ أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل ؛ فقال : يا أبا أيوب ، إنّ أرفق بنا وبمن يغشانا ، أن نكون في سفل البيت .

قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله ، وكنا فوقه في المسكن ؛ فلقد انكسر حُبّ لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ، ما لنا لحاف غيرها ، ننشف بها الماء ، تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه .

قال : وكنا نصنع له العشاء ، ثم نبعث به إليه ، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده ، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة ، (3 28) حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلا أو ثوما ، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم أر ليده فيه أثرا .

قال : فجئته فزعا ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، رددت عشاءك ، و لم أر فيه موضع يدك ، وكنت إذا رددته علينا ، تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك ، نبتغي بذلك البركة ؛ قال : إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة ، وأنا رجل أُناجَى ، فأما أنتم فكلوه . قال : فأكلناه ، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد .

3 تلاحق المهاجرين إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بالمدينة

قال ابن إسحاق : وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يبق بمكة منهم أحد ، إلا مفتون أو محبوس ، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهل دور مُسمَّون : بنو مظعون من بني جمح ؛ وبنو جحش بن رئاب ، حلفاء بني أمية ؛ وبنو البكير ، من بني سعد بن ليث ، حلفاء بني عدي بن كعب ، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة ، ليس فيها ساكن .

3 أبو سفيان يعتدي على دار بني جحش ، و القصة في ذلك

ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم ، عدا عليها أبو سفيان بن حرب ، فباعها من عمرو بن علقمة ، أخي بني عامر بن لؤي ؛ فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ، ذكر ذلك عبدالله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ترضى يا عبدالله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة ؟ قال : بلى ؛ قال : فذلك لك . (3 29)

فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، كلمه أبو أحمد في دارهم ، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال الناس لأبي أحمد : يا أبا أحمد ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أُصيب منكم في الله عز وجل ، فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لأبي سفيان :

أبلغ أبا سفيان عن أمر عواقبه ندامه

دار ابن عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامه

وحليفكم بالله رب الناس مجتهد القسامه

اذهب بها ، اذهب بها طُوّقتها طوق الحمامه

3 انتشار الإسلام و من بقي على شركه من أهل المدينة

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول ، إلى صفر من السنة الداخلة ، حتى بُني له فيها مسجده ومساكنه ، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها ، إلا ما كان من خطمة ، وواقف ، ووائل ، وأمية ، وتلك أوس الله ، وهم حي من الأوس ، فإنهم أقاموا على شركهم . (3 30)

3 أول خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبدالرحمن - نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال :

أما بعد ، أيها الناس ، فقدموا لأنفسكم . تَعْلَّمُنَّ والله لَيُصعقن أحدكم ، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلغك ، وآتيتك مالا وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم . فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن بها تجُزى الحسنة عشر أمثالها ، إلى سبع مئة ضعف ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

3 خطبته الثانية صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى ، فقال :

إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه ، أحبوا ما أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، ولا تملوا (3 31) كلام الله وذكره ، ولا تقس عنه قلوبكم ، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي ، وقد سماه الله خيرته من الأعمال ، ومصطفاه من العباد ، والصالح من الحديث ؛ ومن كل ما أوتي الناس الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، إن الله يغضب أن يُنكث عهده ، والسلام عليكم .

3 الرسول صلى الله عليه و سلم يوادع اليهود وكتابه بين المسلمين من المهاجرين و الأنصار

قال ابن إسحاق : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم ، واشترط عليهم :

بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين (3 32) المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف (3 33) والقسط بين المؤمنين ؛ وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل .

قال ابن هشام : المُفْرح : المثقل بالدين والكثير العيال . قال الشاعر :

إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى أفرحتك الودائع

وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ؛ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظُلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين ؛ وإن أيديهم عليه جميعا ، ولو كان ولد أحدهم ؛ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن ؛ وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ؛ وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ؛ وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ؛ وإن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم ؛ وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا ؛ وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ؛ وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه ؛ وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن ؛ وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول ، وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه ؛ وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه ؛ وأنه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف (3 34) ولا عدل ؛ وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ؛ وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه ، وأهل بيته ، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ؛ إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته ؛ وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم ؛ وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف ، وإن البر دون الإثم ؛ وإن موالي ثعلبة كأنفسهم ؛ وإن بطانة يهود كأنفسهم ؛ وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وإنه لا ينحجز على نار جرح ؛ وإنه من فتك فبنفسه فتك ، وأهل بيته ، إلا من ظلم ؛ وإن الله على أبر هذا ؛ وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ؛ وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ؛ وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ؛ وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه ؛ وإن النصر للمظلوم ؛ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ؛ وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ؛ وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم ؛ وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها ؛ وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، (3 35) وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره ؛ وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها ؛ وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه ؛ وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم ؛ وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة . مع البر المحض ؟ من أهل هذه الصحيفة .

قال ابن هشام : ويقال : مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة .

قال ابن إسحاق : وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ؛ وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ؛ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم ، وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم ؛ وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . (3 36)

2 المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

3 من آخى بينهم صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فقال - فيما بلغنا ، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - : تآخَوْا في الله أخوين أخوين ؛ ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أخي . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، ورسول رب العالمين ، الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أخوين ؛ وكان حمزة بن عبدالمطلب ، أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزيد بن حارثة ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخوين ، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت ؛ وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين ، الطيار في الجنة ، ومعاذ بن جبل ، أخو بني سلمة ، أخوين . (3 37)

قال ابن هشام : وكان جعفر بن أبي طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة .

قال ابن إسحاق : وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ابن أبي قحافة ، وخارجة بن زهير ، أخو بلحارث بن الخزرج ، أخوين ؛ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعتبان بن مالك ، أخو بني سالم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج ، أخوين ؛ وأبو عبيدة بن عبدالله بن الجراح ، واسمه عامر بن عبدالله ، وسعد بن معاذ بن النعمان ، أخو بني عبدالأشهل ، أخوين . وعبدالرحمن بن عوف ، وسعد بن الربيع ، أخو بلحارث بن الخزرج ، أخوين . والزبير بن العوام ، وسلامة بن سلامة ابن وقش ، أخو بني عبدالأشهل ، أخوين . ويقال : بل الزبير وعبدالله بن مسعود ، حليف بني زهرة ، أخوين . وعثمان بن عفان ، وأوس بن ثابت بن المنذر ، أخو بني النجار ، أخوين . وطلحة بن عبيد الله ، وكعب بن مالك ، أخو بني سلمة ، أخوين . وسعد بن زيد بن عمرو ابن نفيل ، وأُبي بن كعب ، أخو بني النجار : أخوين . ومصعب بن عمير بن هاشم ، وأبو أيوب خالد بن زيد ، أخو بني النجار : أخوين ؛ وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وعباد بن بشر بن وقش ، أخو بني عبدالأشهل : أخوين . وعمار بن ياسر ، حليف بني مخزوم ، وحذيفة بن اليمان ، أخو بني عبد عبس ، حليف بني عبدالأشهل : أخوين . ويقال : ثابت بن قيس بن الشماس ، أخو بلحارث بن الخزرج ، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمار بن ياسر : أخوين . وأبو ذر ، وهو بُرير بن جنادة الغفاري ، والمنذر بن عمرو ، المُعْنِق ليموت ، أخو بني ساعدة بن كعب بن الخزرج : أخوين . (3 38)

قال ابن هشام : وسمعت غير واحد من العلماء يقول : أبو ذر ، جُنْدَب ابن جنادة .

قال ابن إسحاق : وكان حاطب بن أبي بلتعة ، حليف بني أسد بن عبدالعزى ، وعويم بن ساعدة ، أخو بني عمرو بن عوف ، أخوين ؛ وسلمان الفارسي ، وأبو الدرداء ، عويمر بن ثعلبة ، أخو بلحارث بن الخزرج ، أخوين .

قال ابن هشام : عويمر بن عامر ؛ ويقال : عويمر بن زيد .

قال ابن إسحاق : وبلال ، مولى أبي بكر رضي الله عنهما ، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو رُوَيحة ، عبدالله بن عبدالرحمن الخثعمي ، ثم أحد الفزع ، أخوين . فهؤلاء من سُمِّي لنا ، ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه .

3 بلال يوصي بديوانه لأبي رُويحة

فلما دوّن عمر بن الخطاب الدواوين بالشام ، وكان بلال قد خرج إلى الشام ، فأقام بها مجاهدا ، فقال عمر لبلال : إلى من تجعل ديوانك يا بلال ؟ قال : مع أبي رويحة ، لا أفارقه أبدا ، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بينه وبيني ، فضم إليه ، وضُم ديوان الحبشة إلى (3 39) خثعم ، لمكان بلال منهم ، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام .

2 أبو أمامة

قال ابن إسحاق : وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة ، أسعد بن زرارة ، والمسجد يُبنى ، أخذته الذبحة أو الشهقة .

3 موته و ما قاله اليهود في ذلك

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بئس الميت أبو أمامة ، ليهود ومنافقي العرب يقولون : لو كان نبيا لم يمت صاحبه ، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا .

3 نقابته عليه الصلاة و السلام لبني النجار

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري : أنه لما مات أبو أمامة ، أسعد بن زرارة ، اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو أمامة نقيبهم ، فقالوا له : يا رسول الله ، إن هذا قد كان منا حيث قد علمت ، فاجعل منا رجلا مكانه يُقيم من أمرنا ما كان يقيم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم : أنتم أخوالي ، وأنا بما فيكم ، وأنا نقيبكم ؛ وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض . فكان من فضل بني النجار الذي يَعُدّون على قومهم ، أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم . (3 40)

2 خبر الأذان

3 التفكير في اتخاذ بوق أو ناقوس علامة لحلول وقت الصلاة

قال ابن إسحاق : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين ، واجتمع أمر الأنصار ، استحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة ، وفُرضت الزكاة والصيام ، وقامت الحدود ، وفرض الحلال والحرام ، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم ، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والإيمان . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة مواقيتها ، بغير دعوة ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق يهود الذين يدعون به لصلاتهم ، ثم كرهه ؛ ثم أمر بالناقوس ، فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة .

3 رؤيا عبدالله بن زيد في الأذان

فبينما هم على ذلك ، إذ رأى عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ، أخو بلحارث بن الخزرج ، (3 41) النداء ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا رسول الله ، إنه طاف بي هذه الليلة طائف : مر بي رجل عليه ثوبان أخضران ، يحمل ناقوسا في يده ، فقلت له : يا عبدالله ، أتبيع هذا الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ قال : قلت : ندعو به إلى الصلاة ، قال : أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ قال : قلت : وما هو ؟ قال : تقول : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله .

3 أمره بلالا بالأذان

فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إنها لرؤيا حق ، إن شاء الله ، فقم مع بلال فألقها عليه ، فليؤذن بها ، فإنه أندى صوتا منك .

فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب ، وهو في بيته ، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يجر رداءه ، وهو يقول : يا نبي الله ، والذي بعثك بالحق ، لقد رأيت مثل الذي رأى ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلله الحمد على ذلك .

3 رؤيا عمر في الأذان ، و سبق الوحي إليه

قال ابن إسحاق : حدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن محمد بن عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ، عن أبيه . (3 42)

قال ابن هشام : وذكر ابن جريج ، قال لي عطاء : سمعت عبيد بن عمير الليثي يقول : ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة ، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس ، إذ رأى عمر بن الخطاب في المنام : لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنوا للصلاة .

فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك ، فما راع عمر إلا بلال يؤذن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك : قد سبقك بذلك الوحي .

3 ما كان يدعو به بلال قبل أذان الفجر

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن امرأة من بني النجار ، قالت : كان بيتي من أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة ، فيأتي بسحر ، فيجلس على البيت ينتظر الفجر ، فإذا رآه تمطى ، ثم قال : اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يُقيموا على دينك . قالت : والله ما علمته كان يتركها ليلة واحدة . (3 43)

2 أمر أبي قيس بن أبي أنس

قال ابن إسحاق : فلما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره ، وأظهر الله بها دينه ، وسره بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته ، قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس ، أخو بني عدي بن النجار .

3 نسبه

- قال ابن هشام : أبو قيس ، صرمة بن أبي أنس بن صرمة بن مالك ابن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار .

3 إسلامه و شيء من شعره

قال ابن إسحاق : وكان رجلا قد ترهب في الجاهلية ، ولبس المسوح ، وفارق الأوثان ، واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء ، وهمّ بالنصرانية ، ثم أمسك عنها ، ودخل بيتا له ، فاتخذه مسجدا لا تدخله عليه فيه طامث و لا جنب ، وقال : أعبد رب إبراهيم ، حين فارق الأوثان وكرهها ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأسلم وحسن إسلامه ، وهو شيخ كبير ، وكان قوالا بالحق ، معظما لله عز وجل في جاهليته ، يقول أشعارا في ذلك حسانا - وهو الذي يقول :

يقول أبو قيس وأصبح غاديا : ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا

فأوصيكم بالله والبر والتقى وأعراضكم ، والبر بالله أول

وإنْ قومكم سادوا فلا تحسدنهم وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا

وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا

وإن ناب غرم فادح فارفقوهم وما حمَّلوكم في الملمات فاحملوا

وإن أنتم أمعرتمُ فتعففوا وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا (3 44)

قال ابن هشام : ويُروى :

وإن ناب أمر فادح فارفدوهمُ

قال ابن إسحاق : وقال أبو قيس صرمة أيضا :

سبِّحوا الله شرق كل صباح طلعت شمسه وكل هلالِ

عالم السر والبيان لدينا ليس ما قال ربنا بضلال

وله الطير تستريد وتأوي في وكور من آمنات الجبال

وله الوحش بالفلاة تراها في حقاف وفي ظلال الرمال

وله هوّدت يهود ودانت كل دين إذا ذكرتَ عُضال

وله شمّس النصارى وقاموا كل عيد لربهم واحتفال

وله الراهب الحبيس تراه رهن بُؤس وكان ناعم بال

يا بَنيَّ الأرحامَ لا تقطعوها وصِلُوها قصيرة من طوال

واتقوا الله في ضعاف اليتامى ربما يُستحل غيرُ الحلال

واعلموا أن لليتيم وليا عالما يهتدي بغير السؤال

ثم مالَ اليتيم لا تأكلوه إن مال اليتيم يرعاه والي

يا بَنيّ ، التخوم لا تخزلوها إن خزل التخوم ذو عُقَّال

يا بني الأيام لا تأمنوها واحذروا مكرها ومر الليالي

واعلموا أن مَرّها لنفاد الْ خلق ما كان من جديد وبالي

واجمعوا أمركم على البر والتَّقْ وى وترك الخنا وأخذ الحلال (3 45)

وقال أبو قيس صرمة أيضا ، يذكر ما أكرمهم الله تبارك وتعالى به من الإسلام ، وما خصهم الله به من نزول رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم :

ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكِّر لو يلقى صديقا مُواتيا

ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يُؤوي ولم ير داعيا

فلما أتانا أظهر الله دينه فأصبح مسرورا بطيبة راضيا

وألفى صديقا واطمأنت به النوى وكان له عونا من الله باديا

يقص لنا ما قال نوح لقومه وما قال موسى إذ أجاب المناديا

فأصبح لا يخشى من الناس واحدا قريبا ولا يخشى من الناس نائيا

بذلنا له الأموال من حلّ مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا

ونعلم أن الله لا شيء غيره ونعلم أن الله أفضل هاديا

نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا

أقول إذا أدعوك في كل بيعة : تباركت قد أكثرتُ لاسمك داعيا

أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة : حنانيك لا تُظهر علي الأعاديا

فطأْ معرضا إن الحتوف كثيرة وإنك لا تُبقي لنفسك باقيا

فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيا

ولا تحفِلُ النخل المُعيمة ربها إذا أصبحت ريّا وأصبح ثاويا

قال ابن هشام : البيت الذي أوله :

فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة

والبيت الذي يليه :

فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي

لأفنون التغلبي ، وهو صُريم بن معشر ، في أبيات له . (3 46)

2 عداوة اليهود

3 قبائلهم واسماؤهم

قال ابن إسحاق : ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ، بغيا وحسدا وضغنا ، لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم ، وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج ، ممن كان عسى على جاهليته ، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث ، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه ، فظهروا بالإسلام ، واتخذوه جُنَّة من القتل ، ونافقوا في السر ، وكان هواهم مع يهود ، لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وجحودهم الإسلام .

وكانت أحبار يهود هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنَّتونه ، ويأتونه باللَّبس ، ليلبسوا الحق بالباطل ، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه ، إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها .

3 الأعداء من بني النضير

منهم : حيي بن أخطب ، وأخواه أبو ياسر بن أخطب ، وجُدَيّ بن أخطب ، وسلاَّم بن مشكم ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وسلاَّم بن أبي الحقيق ، وأبو رافع الأعور ، - وهو الذي قتله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر - والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وعمرو بن جحَّاش ، وكعب بن الأشرف ، وهو من طيئ ، ثم أحد بني نبهان ، وأمه من بني النضير ، والحجاج بن عمرو ، حليف كعب بن الأشرف ، وكردم بن قيس ، حليف كعب بن الأشرف ، فهؤلاء من بني النضير . (3 47)

3 من بني ثعلبة

ومن بني ثعلبة بن الفِطْيَوْن : عبدالله بن صُوريا الأعور ، ولم يكن بالحجاز في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه ؛ وابن صلوبا ، ومخيريق ، وكان حبرهم ، أسلم .

3 من بني قينقاع

ومن بني قينقاع : زيد بن اللَّصيت - ويقال : ابن اللُّصيت - فيما قال ابن هشام - وسعد بن حنيف ، ومحمود بن سيحان ، وعُزيز بن أبي عزيز ، وعبدالله بن صيف .

قال ابن هشام : ويقال : ابن ضيف .

قال ابن إسحاق : وسويد بن الحارث ، ورفاعة بن قيس ، وفِنحاص ، وأشيع ، ونعمان بن أضا ، وبحري بن عمرو ، وشأس بن عدي ، وشأس بن قيس ، وزيد بن الحارث ، ونعمان بن عمرو ، وسُكين بن أبي سكين ، وعدي بن زيد ، ونعمان بن أبي أوفى ، أبو أنس ، ومحمود بن دحية ، ومالك بن صيف .

قال ابن هشام : ويقال : ابن ضيف .

قال ابن إسحاق : وكعب بن راشد ، وعازر ، ورافع بن أبي رافع ، وخالد وأزار بن أبي أزار .

قال ابن هشام : ويقال : آزر بن آزر .

قال ابن إسحاق : ورافع بن حارثة ، ورافع بن حريملة ، ورافع (3 48) بن خارجة ، ومالك بن عوف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، وعبدالله بن سلام بن الحارث ، وكان حَبرْهم وأعلمهم ، وكان اسمه الحصين ، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله . فهؤلاء من بني قينقاع .

3 من بني قريظة

ومن بني قريظة : الزبير بن باطا بن وهب ، وعزّال بن شمويل ، وكعب بن أسد ، وهو صاحب عَقد بني قريظة الذي نُقض عام الأحزاب ، وشمويل بن زيد ، وجبل بن عمرو بن سكينة ، والنحام بن زيد ، وقردم بن كعب ، ووهب بن زيد ، ونافع بن أبي نافع ، وأبو نافع ، و عدي بن زيد ، والحارث بن عوف ، وكَرْدم بن زيد ، وأسامة بن حبيب ، ورافع بن رميلة ، وجبل بن أبي قشير ، ووهب بن يهوذا ، فهؤلاء من بني قريظة .

3 من بني زريق

ومن يهود بني زريق : لبيد بن أعصم ، وهو الذي أخَّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه . (3 49)

3 من بني حارثة

ومن يهود بني حارثة : كنانة بن صُوريا .

3 من بني عمرو

ومن يهود بني عمرو بن عوف : قردم بن عمرو .

3 من بني النجار

ومن يهود بني النجار : سلسلة بن برهام .

فهؤلاء أحبار اليهود ، أهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأصحاب المسألة ، والنصب لأمر الإسلام الشرور ليطفئوه ، إلا ما كان من عبدالله بن سلام ، ومخيريق .

2 إسلام عبدالله بن سلام

3 كيف أسلم

قال ابن إسحاق : وكان من حديث عبدالله بن سلام ، كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم ، وكان حبرا عالما ، قال : لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له ، فكنت مسرا لذلك ، صامتا عليه ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلما نزل بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها ، وعمتي خالدة (3 50) بنت الحارث تحتي جالسة ، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت ؛ فقالت لي عمتي ، حين سمعت تكبيري : خيبك الله ، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت ، قال : فقلت لها : أي عمة ، هو والله أخو موسى بن عمران ، وعلى دينه ، بعث بما بعث به .

قال : فقالت : أي ابن أخي ، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة ؟ قال : فقلت لها : نعم . قال : فقالت : فذاك إذا .

قال : ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلمت ، ثم رجعت إلى أهل بيتي ، فأمرتهم فأسلموا .

3 تكذيب قومه له

قال : وكتمت إسلامي من يهود ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : يا رسول الله ، إن يهود قوم بهت ، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك ، وتغيبني عنهم ، ثم تسألهم عني ، حتى يخبروك كيف أنا فيهم ، قبل أن يعلموا بإسلامي ، فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني .

قال : فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته ، ودخلوا عليه ، فكلموه وساءلوه ، ثم قال لهم : أي رجل الحصين بن سلام فيكم ؟ قالوا : سيدنا وابن سيدنا ، وحبرنا وعالمنا . قال : فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم ، فقلت لهم : يا معشر يهود ، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به ، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله ، تجدونه مكتوبا عندكم في (3 51) التوراة باسمه وصفته ، فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأومن به وأصدقه وأعرفه ، فقالوا : كذبت ثم وقعوا بي .

قال : فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت ، أهل غدر وكذب وفجور ! قال : فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث ، فحسن إسلامها .

2 من حديث مخيريق

قال ابن إسحاق : وكان من حديث مخيريق ، وكان حبرا عالما ، وكان رجلا غنيا كثير الأموال من النخل ، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته ، وما يجد في علمه ، وغلب عليه إلف دينه ، فلم يزل على ذلك ، حتى إذا كان يوم أحد ، وكان يوم أحد يوم السبت ، قال : يا معشر يهود ، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق . قالوا : إن اليوم يوم السبت ؛ قال : لا سبت لكم .

ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ، وعهد إليه من وراءه من قومه : إن قتلت هذا اليوم ، فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله . فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل .

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول : مخيريق خير يهود . وقبض (3 52) رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله ، فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها .

2 حديث صفية بنت حيي

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت : كنت أحب ولد أبي إليه ، وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه . قالت : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ونزل قباء ، في بني عمرو بن عوف ، غدا عليه أبي ، حيي بن أخطب ، وعمي أبو ياسر بن أخطب ، مغلسين . قالت : فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس .

قالت : فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى . قالت : فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إلي واحد منهما ، مع ما بهما من الغم . قالت : وسمعت عمي أبا ياسر ، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب : أهو هو ؟ قال : نعم والله ؛ قال : أتعرفه وتثبته ؟ قال : نعم ؛ قال : فما في نفسك منه ؟ قال : عداوته والله ما بقيت .

2 من اجتمع إلى يهود من منافقي الأنصار بالمدينة

3 من بني عمرو

قال ابن إسحاق : وكان ممن انضاف إلى يهود ، ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج ، والله أعلم . من الأوس ، ثم من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، ثم من بني لوذان بن عمرو بن عوف : زُوَيّ بن الحارث .

3 من بني حبيب

ومن بني حُبيب بن عمرو بن عوف : جُلاس بن سويد بن الصامت ، وأخوه الحارث بن سويد .

3 شيء عن جلاس

وجلاس الذي قال - وكان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3 53) في غزوة تبوك - لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر . فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد ، أحدهم ، وكان في حجر جلاس ، خَلَف جلاس على أمه بعد أبيه ، فقال له عمير بن سعد : والله يا جلاس ، إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي يدا ، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن رفعتُها عليك لأفضحنك ، ولئن صمتُّ عليها ليهلكن ديني ، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى . ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ما قال جلاس ، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد كذب علي عمير ، وما قلت ما قال عمير بن سعد .

فأنزل الله عز وجل فيه : ( يحلفون بالله ما قالوا ، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ، وهموا بما لم ينالوا ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ، فإن يتوبوا يك خيرا لهم ، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) .

قال ابن هشام :الأليم : الموجع . قال ذو الرمة يصف إبلا :

وترفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليمُ

وهذا البيت في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : فزعموا أنه تاب فحسنت توبته ، حتى عرف منه الخير والإسلام .

3 شيء عن الحارث بن سويد

وأخوه الحارث بن سويد ، الذي قتل المجذر بن زياد البلوي ، وقيس بن زيد ، أحد بني ضبيعة ، يوم أحد . خرج مع المسلمين ، وكان منافقا ، فلما التقى الناس عدا عليهما ، فقتلهما ثم لحق بقريش . (3 54)

قال ابن هشام :وكان المجذر بن زياد قتل سويد بن صامت في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج ، فلما كان يوم أحد طلب الحارث بن سويد غرة المجذر بن زياد ، ليقتله بأبيه ، فقتله وحده ، وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول : والدليل على أنه لم يقتل قيس بن زيد ، أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد .

قال ابن إسحاق : قتل سويد بن صامت معاذ بن عفراء غيلة ، في غير حرب ، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث .

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به ، ففاته ، فكان بمكة ، ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ، ليرجع إلى قومه . فأنزل الله تبارك وتعالى فيه - فيما بلغني عن ابن عباس - : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات ، والله لا يهدي القوم الظالمين ) . إلى آخر القصة .

3 من بني ضبيعة

ومن بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف : بجَاد ابن عثمان بن عامر . (3 55)

3 من بني لوذان

ومن بني لوذان بن عمرو بن عوف : نبتل بن الحارث ، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - : من أحب أن ينظر إلى الشيطان ، فلينظر إلى نبتل بن الحارث ، وكان رجلا جسيما أذلم ، ثائر شعر الرأس ، أحمر العينين ، أسفع الخدين ، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث إليه فيسمع منه ، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ؛ وهو الذي قال : إنما محمد أُذُن ، من حدثه شيئا صدقه . فأنزل الله عز وجل فيه : ( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) .

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض رجال بلعجلان أنه حدث : أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : إنه يجلس إليك رجل أذلم ، ثائر شعر الرأس ، أسفع الخدين أحمر العينين ، كأنهما قدران من صفر ، كبده أغلظ من كبد الحمار ، ينقل حديثك إلى المنافقين ، فاحذره . وكانت تلك صفة نبتل بن الحارث ، فيما يذكرون .

3 من بني ضبيعة

ومن بني ضبيعة : أبو حبيبة بن الأزعر ، وكان ممن بنى مسجد الضرار ، وثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ، إلخ القصة . ومعتب الذي قال يوم أحد : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) . إلى آخر القصة ، وهو الذي قال يوم الأحزاب : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمن (3 56) أن يذهب إلى الغائط .

فأنزل الله تعالى عز وجل فيه : ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) . والحارث بن حاطب .

3 معتب و ابنا حاطب بدريون و ليسوا منافقين

قال ابن هشام : معتب بن قشير ، وثعلبة والحارث ابنا حاطب ، وهم من بني أمية بن زيد من أهل بدر وليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم ، وقد نسب ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد في أسماء أهل بدر .

قال ابن إسحاق : وعباد بن حنيف ، أخو سهل بن حنيف ؛ وبحزج ، وهم ممن كان بنى مسجد الضرار ، وعمرو بن خذام ، وعبدالله بن نبتل .

3 من بني ثعلبة

ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف : جارية بن عامر بن العطاف ، وابناه : زيد ومجمِّع ، ابنا جارية ، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار . وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع من القرآن أكثره ، وكان يصلي بهم فيه ، ثم إنه لما أخرب المسجد ، وذهب رجال من بني عمرو بن عوف ، كانوا يصلون ببني عمرو بن عوف في مسجدهم ، وكان زمان عمر بن الخطاب ، كُلِّم في مجمع ليصلي بهم ؛ فقال : لا ، أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار ؟ فقال لعمر : يا أمير المؤمنين ، والله الذي لا إله إلا هو ، ما علمت بشيء من أمرهم ، ولكني كنت غلاما قارئا للقرآن ، وكانوا لا قرآن معهم ، فقدموني أصلي بهم ، وما أرى أمرهم ، إلا على أحسن ما ذكروا . فزعموا أن عمر تركه فصلى بقومه .

3 من بني أمية

ومن بني أمية بن زيد بن مالك : وديعة بن ثابت ، وهوممن بنى مسجد الضرار ، وهو الذي قال : إنما كنا نخوض ونلعب . فأنزل الله تبارك وتعالى : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ) ... إلى آخر القصة . (3 57)

3 من بني عبيد

ومن بني عبيد بن زيد بن مالك : خذام بن خالد ، وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره ؛ وبشر ورافع ، ابنا زيد .

3 من بني النبيت

ومن بني النبيت - قال ابن هشام : النبيت : عمرو بن مالك بن الأوس - قال ابن إسحاق : ثم من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس : مربع بن قيظي ، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز في حائطه ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامد إلى أحد : لا أحل لك يا محمد ، إن كنت نبيا ، أن تمر في حائطي ، وأخذ في يده حفنة من تراب ، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به ، فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه ، فهذا الأعمى ، أعمى القلب ، أعمى البصيرة .

فضربه سعد بن زيد ، أخو بني عبدالأشهل بالقوس فشجه ؛ وأخوه أوس بن قيظي ، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق : يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة ، فأذن لنا فلنرجع إليها . فأنزل الله تعالى فيه : ( يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) .

قال ابن هشام : عورة ، أي مُعْورة للعدو وضائعة ؛ وجمعها : عورات . قال النابغة الذبياني :

متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ولا الجار محروما ولا الأمر ضائعا

وهذا البيت في أبيات له . والعورة أيضا : عورة الرجل ، وهي حرمته . والعورة أيضا : السوءة .

3 من بني ظفر

قال ابن إسحاق : ومن بني ظفر ، واسم ظفر : كعب بن الحارث (3 58) بن الخزرج : حاطب بن أمية بن رافع ، وكان شيخا جسيما قد عسا في جاهليته ، وكان له ابن من خيار المسلمين . يقال له : يزيد بن حاطب أُصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات ، فحمل إلى دار بني ظفر .

قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو بالموت ، فجعلوا يقولون : أبشر يا ابن حاطب بالجنة . قال : فنجم نفاقه حينئذ ، فجعل يقول أبوه : أجل جنة الله من حرمل ، غررتم والله هذا المسكين من نفسه .

قال ابن إسحاق : وبُشير بن أبيرق ، وهو أبو طعمة ، سارق الدرعين ، الذي أنزل الله تعالى فيه : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ) ؛ وقزمان : حليف لهم .

قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : إنه لمن أهل النار . فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا حتى قتل بضعة نفر من المشركين . فأثبتته الجراحات ، فحمل إلى دار بني ظفر ، فقال له رجال من المسلمين : أبشر يا قزمان ، فقد أبليت اليوم ، وقد أصابك ما ترى في الله . قال : بماذا أُبشر ، فوالله ما قاتلت إلا حمية عن قومي ؛ فلما اشتدت به جراحاته وآذته أخذ سهما من كنانته ، فقطع به رواهش يده ، فقتل نفسه .

3 من بني عبدالأشهل

قال ابن إسحاق : ولم يكن في بني عبدالأشهل منافق ولا منافقة يعلم ، إلا أن الضحاك بن ثابت ، أحد بني كعب ، رهط سعد بن (3 59) زيد ، وقد كان يُتَّهم بالنفاق وحب يهود .

قال حسان بن ثابت :

من مبلغ الضحاك أن عروقه أعيت على الإسلام أن تتمجدا

أتحب يُهْدَان الحجاز ودينهم كبد الحمار ، ولا تحب محمدا

دينا لعمري لا يوافق ديننا ما استنَّ آل في الفضاء وخودا

وكان جلاس بن سويد بن صامت قبل توبته - فيما بلغني - ومعتب بن قشير ، ورافع بن زيد ، وبشر ، وكانوا يُدعون بالإسلام ، فدعاهم رجال من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعوهم إلى الكهان ، حكام أهل الجاهلية ، فأنزل الله عز وجل فيهم : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) ... إلى آخر القصة .

3 من الخزرج

ومن الخزرج ، ثم من بني النجار : رافع بن وديعة ، وزيد بن عمرو ، وعمرو بن قيس ، وقيس بن عمرو بن سهل .

3 من بني جشم

ومن بني جشم بن الخزرج ، ثم من بني سلمة : الجد بن قيس ، وهو الذي يقول : يا محمد ، ائذن لي ، ولا تفتني . فأنزل الله تعالى فيه : ( ومنهم من يقول ائذن لي ، ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) ... إلى آخر القصة .

3 من بني عوف

ومن بني عوف بن الخزرج : عبدالله بن أبي بن سلول ، وكان رأس المنافقين وإليه يجتمعون ، وهو الذي قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل في غزوة بني المصطلق . وفي قوله ذلك ، نزلت سورة المنافقين بأسرها . وفيه وفي وديعة - رجل من بني عوف - ومالك بن أبي قوقل ، وسويد ، وداعس ، وهم من رهط عبدالله بن أبي بن سلول ؛ وعبدالله بن أبي بن سلول . فهؤلاء (3 60) النفر من قومه الذين كانوا يدسُّون إلى بني النضير حين حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن اثبتوا ، فوالله لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ، وإن قوتلتم لننصرنكم . فأنزل الله تعالى فيهم : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ، وإن قوتلتم لننصرنكم ، والله يشهد إنهم لكاذبون ) ، ثم القصة من السورة حتى انتهى إلى قوله : ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) .

2 المنافقون من أحبار اليهود

قال ابن إسحاق : وكان ممن تعوذ بالإسلام ، ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق ، من أحبار يهود .

3 من بني قينقاع

ومن بني قينقاع : سعد بن حنيف ، وزيد بن اللُّصيت ، ونعمان بن أوفى ابن عمرو ، وعثمان بن أوفى ، وزيد بن اللصيت ، الذي قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسوق بني قينقاع ، وهو الذي قال ، حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاءه الخبر بما قال عدو الله في رحله ، ودل الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ناقته : إن قائلا قال : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ، ولا يدري أين ناقته ؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلني الله عليها ، فهي في هذا الشعب ، قد حبستها شجرة بزمامها ، فذهب رجال من المسلمين ، فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما وصف . ورافع بن حريملة ، وهو الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - (3 61) حين مات : قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين ؛ ورفاعة بن زيد بن التابوت ، و هو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هبت عليه الريح ، وهو قافل من غزوة بني المصطلق ، فاشتدت عليه حتى أشفق المسلمون منها ؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخافوا ، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار .

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وجد رفاعة بن زيد ابن التابوت مات ذلك اليوم الذي هبت فيه الريح . وسلسلة بن برهام . وكنانة بن صُوريا .

3 طرد المنافقين من مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم

وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ، ويسخرون ويستهزئون بدينهم ، فاجتمع يوما في المسجد منهم ناس ، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم ، خافضي أصواتهم ، قد لصق بعضهم ببعض ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا ، فقام أبو أيوب ، خالد بن زيد بن كليب ، إلى عمر بن قيس ، أحد بني غنم بن مالك بن النجار - كان صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله فسحبه ، حتى أخرجه من المسجد ، وهو يقول : أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة ، ثم أقبل أبو أيوب أيضا إلى رافع بن وديعة ، أحد بني النجار فلبَّبه بردائه ثم نتره نترا شديدا ، ولطم وجهه ، ثم أخرجه من المسجد ، وأبو أيوب يقول له : أف لك منافقا خبيثا : أدراجَك يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن هشام : أي ارجع من الطريق التي جئت منها . قال الشاعر :

فولى وأدبر أدراجه وقد باء بالظلم من كان ثَمّ

وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو ، وكان رجلا طويل اللحية ، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد ، ثم جمع عمارة يديه فلدمه بهما في صدره لدمة خر منها . يقول : خدشتني (3 62) يا عمارة ؛ قال : أبعدك الله يا منافق ، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك ، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن هشام : اللدم : الضرم ببطن الكف . قال تميم بن أبي بن مقبل :

وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الوليد وراء الغيب بالحجرِ

قال ابن هشام : الغيب : ما انخفض من الأرض . والأبهر : عرق القلب .

قال ابن إسحاق : وقام أبو محمد ، رجل من بني النجار ، كان بدريا ، وأبو محمد ، مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم ابن مالك بن النجار إلى قيس بن عمرو بن سهل ، وكان قيس غلاما شابا ، وكان لا يعلم في المنافقين شاب غيره ، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه من المسجد .

وقام رجل من بَلْخُدرة بن الخزرج ، رهط أبي سعيد الخدري ، يقال له : عبدالله بن الحارث ، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج المنافقين من المسجد إلى رجل يقال له : الحارث بن عمرو ، وكان ذا جمة ، فأخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا ، على ما مر به من (3 63) الأرض ، حتى أخرجه من المسجد .

قال : يقول المنافق : لقد أغلظت يا ابن الحارث ؛ فقال : إنك أهل لذلك ، أي عدو الله لما أنزل الله فيك ، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنك نجس .

وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زُوَيّ بن الحارث ، فأخرجه من المسجد إخراجا عنيفا ، وأفَّف منه ، و قال : غلب عليك الشيطان و أمره .

فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم .

2 ما نزل من البقرة في يهود والمنافقين

3 ما نزل في الأحبار

ففي هؤلاء من أحبار يهود ، والمنافقين من الأوس والخزرج ، نزل صدر سورة البقرة إلى المئة منها - فيما بلغني - والله أعلم .

يقول الله سبحانه وبحمده : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ، أي لا شك فيه .

قال ابن هشام : قال ساعدة بن جؤية الهذلي :

فقالوا عهدنا القوم قد حصروا به فلا ريب أن قد كان ثم لحَيمُ

وهذا البيت في قصيدة له ، والريب أيضا : الريبة . قال خالد بن زهير الهذلي :

كأنني أربِبُه بريب (3 64)

قال ابن هشام : ومنهم من يرويه :

كأنني أرَيْتُه بريب

وهذا البيت في أبيات له . وهو ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي .

( هدى للمتقين ) ، أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاءهم منه . ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) أي يقيمون الصلاة بفرضها ، ويؤتون الزكاة احتسابا لها . ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) ، أي يصدقونك بما جئت به (3 65) من الله عز وجل ، وما جاء به من قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم . ( وبالآخرة هم يوقنون ) ، أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان ، أي هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان من قبلك ، وبما جاءك من ربك ( أولئك على هدى من ربهم ) ، أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم ( وأولئك هم المفلحون ) ، أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا . ( إن الذين كفروا ) ، أي بما أنزل إليك ، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) أي أنهم كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أُخذ عليهم الميثاق لك ، فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم ، مما جاءهم به غيرك ، فكيف يستمعون منك إنذارا أو تحذيرا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك . ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) ، أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا ، يعني بما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به ، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك ، ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم .

فهذا في الأحبار من يهود ، فيما كذّبوا به من الحق بعد معرفته .

3 ما نزل في منافقي الأوس و الخزرج

( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) يعني المنافقين من الأوس والخزرج ، ومن كان على أمرهم . ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض ) أي شك ( فزادهم الله مرضا ) ، أي شكا ( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ، قالوا إنما نحن مصلحون ) ، أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين (3 66) من المؤمنين وأهل الكتاب . يقول الله تعالى : ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ، ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم ) . من يهود ، الذين يأمرونهم بالتكذيب بالحق ، وخلاف ما جاء به الرسول ( قالوا إنا معكم ) ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه . ( إنما نحن مستهزؤون ) : أي إنما نستهزئ بالقوم ، ونلعب بهم . يقول الله عز وجل : ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طعيانهم يعمهون ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : يعمهون : يحارون . تقول العرب : رجل عمه وعامه : أي حيران . قال رؤبة بن العجاج يصف بلدا :

أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّه

وهذا البيت في أرجوزة له . فالعُمَّه : جمع عامه ؛ وأما عَمِه ، فجمعه : عمهون . والمرأة : عمهة وعمهاء .

( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) : أي الكفر بالإيمان ( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) .

قال ابن إسحاق : ثم ضرب لهم مثلا ، فقال تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) . أي لا يبصرون الحق ويقولون به حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم به ونفاقهم فيه ، فتركهم (3 67) الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق . ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) : أي لا يرجعون إلى الهدى ، صم بكم عمي عن الخير ، لا يرجعون إلى خير و لا يصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ، والله محيط بالكافرين ) .

قال ابن هشام : الصيب : المطر ، وهو من صاب يصوب ، مثل قولهم : السيد ، من ساد يسود ، والميت : من مات يموت ؛ وجمعه : صيائب . قال علقمة بن عبدة ، أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم :

كأنهم صابت عليه سحابة صواعقها لطيرهن دبيبُ

وفيها :

فلا تعدلي بيني وبين مُغمَّر سقتك روايا المزن حيث تصوب

وهذان البيتان في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل ، من الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم ، على مثل ما وصف ، من الذي هو في ظلمة الصيب ، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت . يقول : والله منزل ذلك بهم من النقمة ، أي هو محيط بالكافرين ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) : أي لشدة ضوء الحق ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا ) ، أي يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا (3 68) ارتكسوا منه في الكفر قاموا متحيرين . ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) ، أي لما تركوا من الحق بعد معرفته ( إن الله على كل شيء قدير ) .

ثم قال : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) ، للفريقين جميعا ، من الكفار والمنافقين ، أي وحدوا ربكم ( الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشا ، والسماء بناء ، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الأنداد : الأمثال ، واحدهم : ند . قال لبيد بن ربيعة :

أحمد الله فلا ندَّ له بيديه الخير ما شاء فعلْ

وهذا البيت في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره ، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه . ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) أي في شك مما جاءكم به ، ( فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله ) ، أي من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه ( إن كنتم صادقين ، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) فقد تبين لكم الحق ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) ، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر .

ثم رغبهم وحذرهم نقض الميثاق الذي أخذ عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم ، وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم ، وشأن أبيهم آدم عليه (3 69) السلام وأمره ، وكيف صُنع به حين خالف عن طاعته ، ثم قال : ( يا بني إسرائيل ) للأحبار من يهود ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) . أي بلائي عندكم وعند آبائكم ، لما كان نجاهم به من فرعون وقومه ( وأوفوا بعهدي ) الذي أخذت في أعناقكم لنبِيِّي أحمد إذا جاءكم ( أوف بعهدكم ) أنجز لكم ما وعدتكم على تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم ( وإياي فارهبون ) أي أن أُنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من النقمات التي قد عرفتم ، من المسخ وغيره . ( وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ، ولا تكونوا أول كافر به ) وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم ( وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل ، وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) ، (3 70) أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي ومما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) ، أي أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم ، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون من كتابي .

ثم عدد عليهم أحداثهم ، فذكر لهم العجل وما صنعوا فيه ، وتوبته عليهم ، وإقالته إياهم ، ثم قولهم : ( أرنا الله جهرة ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : جهرة ، أي ظاهرا لنا لا شيء يستره عنا . قال أبو الأخزر الحماني ، واسمه قتيبة :

يجهر أجواف المياه السَّدم

وهذا البيت في أرجوزة له .

يجهر : يقول : يُظهر الماء ، ويكشف عنه ما يستره من الرمل وغيره .

قال ابن إسحاق : وأخذ الصاعقة إياهم عند ذلك لغرتهم ، ثم إحياءه إياهم بعد موتهم ، وتظليله عليهم الغمام ، وإنزاله عليهم المن والسلوى ، وقوله لهم : ( ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) ، أي قولوا ما آمركم به أحط به ذنوبكم عنكم ؛ وتبديلهم ذلك من قوله استهزاء بأمره ، وإقالته إياهم ذلك بعد هزئهم . (3 71)

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : المن : شيء كان يسقط في السحر على شجرهم ، فيجتنونه حلوا مثل العسل ، فيشربونه ويأكلونه . قال أعشى بني قيس ابن ثعلبة :

لو أُطعموا المن والسلوى مكانهمُ ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا

وهذا البيت في قصيدة له . والسلوى : طير ؛ واحدتها : سلواة ؛ ويقال : إنها السماني ؛ ويقال للعسل أيضا : السلوى . وقال خالد بن زهير الهذلي :

وقاسمها بالله حقا لأنتمُ ألذ من السلوى إذا ما نَشُورها

وهذا البيت في قصيدة له . وحِطَّة : أي حُطَّ عنا ذنوبنا .

قال ابن إسحاق : وكان من تبديلهم ذلك ، كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التَّوْءَمة بنت أمية بن خلف ، عن أبي هريرة ومن لا أتهم ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : دخلوا الباب الذي أُمروا أن يدخلوا منه سجدا يزحفون ، وهم يقولون : حنط في شعير .

قال ابن هشام : ويروى : حنظة في شعيرة .

قال ابن إسحاق : واستسقاء موسى لقومه ، وأمره إياه أن يضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت لهم منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط عين يشربون منها ، قد علم كل سبط عينه التي منها يشرب ؛ وقولهم لموسى عليه السلام : ( لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخُرجْ لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ) . (3 72)

قال ابن هشام : الفُوم : الحنطة . قال أمية بن أبي الصلت الثقفي :

فوق شيزى مثل الجوابي عليها قِطَع كالوذيل في نِقْي فُومِ

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الوذيل : قطع الفضة . والفوم : القمح ؛ واحدته : فومة . وهذا البيت في قصيدة له .

( وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير . اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) .

قال ابن إسحاق : فلم يفعلوا ، ورَفْعه الطور فوقهم ليأخذوا ما أوتوا ؛ والمسخ الذي كان فيهم ، إذ جعلهم قردة بأحداثهم ، والبقرة التي أراهم الله عز وجل بها العبرة في القتيل الذي اختلفوا فيه ، حتى بين الله لهم أمره ، بعد التردد على موسى عليه السلام في صفة البقرة ؛ وقسوة قلوبهم بعد ذلك حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة . ثم قال تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن منها لما يهبط من خشية الله ) ، أي وإن من الحجارة لَأَلين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق ( وما الله بغافل عما تعملون ) .

ثم قال لمحمد عليه الصلاة والسلام ولمن معه من المؤمنين يُؤْيسهم منهم ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) ، وليس قوله ( يسمعون التوراة ) ، أن كلهم قد سمعها ، ولكنه فريق منهم ، أي خاصة .

قال ابن إسحاق ، فيما بلغني عن بعض أهل العلم : قالوا لموسى : (3 73) يا موسى ، قد حيل بيننا وبين رؤية الله ، فأسمعنا كلامه حين يكلمك ، فطلب ذلك موسى عليه السلام من ربه ، فقال له : نعم ، مرهم فليطهروا ، أو ليطهروا ثيابهم ، وليصوموا ، ففعلوا .

ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطور ؛ فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجدا ، وكلمه ربه ، فسمعوا كلامه تبارك وتعالى ، يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا عنه ما سمعوا ، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل ، فلما جاءهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا ، حين قال موسى لبني إسرائيل : إن الله قد أمركم بكذا وكذا ، قال ذلك الفريق الذي ذكر الله عز وجل : إنما قال كذا وكذا ، خلافا لما قال الله لهم ، فهم الذين عنىالله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم .

ثم قال تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) ، أي بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم خاصة . ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ) : لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فكان فيهم . فأنزل الله عز وجل فيهم : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ) ، أي تُقرون بأنه نبي ، وقد عرفتم أنه قد أُخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبركم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا ؛ اجحدوه ولا تقروا لهم به . يقول الله عز وجل : ( أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ، عن أبي عبيدة : إلا أماني : إلا قراءة ، لأن الأمي : الذي يقرأ ولا يكتب . يقول : لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يقرءونه .

قال ابن هشام : عن أبي عبيدة ويونس أنهما تأولا ذلك عن العرب في قول الله عز وجل ، حدثني أبو عبيدة بذلك . (3 74)

قال ابن هشام : وحدثني يونس بن حبيب النحوي وأبو عبيدة : أن العرب تقول : تمنى ، في معنى قرأ . وفي كتاب الله تبارك وتعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) . قال : وأنشدني أبو عبيدة النحوي :

تمنى كتاب الله أول ليله وآخره وافى حِمام المقادرِ

وأنشدني أيضا :

تمنى كتاب الله في الليل خاليا تمنى داودَ الزبورَ على رِسْلِ

وواحدة الأماني : أمنية . والأماني أيضا : أن يتمنى الرجل المال أو غيره .

قال ابن إسحاق : ( وإن هم إلا يظنون ) : أي لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه ، وهم يجحدون نبوتك بالظن . ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) .

3 دعوى يهود قلة العذاب في الآخرة ، و رد الله عليهم

قال ابن إسحاق : وحدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، واليهود تقول : إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما يُعذب الله الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة ، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب .

فأنزل الله في ذلك من قولهم : ( وقالو لن تمسنا النار الا أياما معدودة . قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون . بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) . أي من عمل بمثل أعمالكم ، وكفر بمثل (3 75) ما كفرتم به ، يحيط كفره بما له عند الله من حسنة ، ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) أي خلد أبدا . ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) : أي من آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه ، فلهم الجنة خالدين فيها ، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا ، لا انقطاع له .

قال ابن إسحاق : ثم قال الله عز وجل يؤنبهم : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) ، أي ميثاقكم ( لا تعبدون إلا الله ، وبالوالدين إحسانا ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، وقولوا للناس حسنا ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ) ، أي تركتم ذلك كله ليس بالتنقص . ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : تسفكون : تصبون . تقول العرب : سفك دمه ، أي صبه ؛ وسفك الزق ، أي هراقه . قال الشاعر :

وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا سفكنا دماء البُدْن في تربة الحالِ

قال ابن هشام : يعني ( بالحال ) : الطين الذي يخالطه الرمل ، وهو الذي تقول له العرب : السهلة . وقد جاء في الحديث : أن جبريل لما قال فرعون : ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) أخذ من حال البحر وحمأته ، فضرب به وجه فرعون . والحال : مثل الحمأة .

قال ابن إسحاق : ( ولا تخُرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) .على أن هذا حق من ميثاقي عليكم ، ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) ، أي أهل الشرك ، حتى يسفكوا دماءهم معهم ، (3 76) ويخرجوهم من ديارهم معهم . ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ) وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ( وهو محرم عليكم ) : في كتابكم ( إخراجهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، أي أتفادونهم مؤمنين بذلك ، وتخرجونهم كفارا بذلك . ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يُردّون إلى أشد العذاب ، وما الله بغافل عما تعملون . أولئك الذين اشترَوُا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب ، ولا هم ينصرون ) .فأنبهم الله عز وجل بذلك من فعلهم ، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم ، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم .
فكانوا فريقين ، منهم بنو قينقاع ولَفُّهم ، حلفاء الخزرج ؛ والنضير وقريظة ولَفُّهم ، حلفاء الأوس . فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب ، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يُظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم ، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان : لا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا بعثا ولا قيامة ، ولا كتابا ، ولا حلالا ولا حراما ، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أُساراهم تصديقا لما في التوراة ، وأخذ به بعضهم من بعض ، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم في أيدي الأوس ، وتفتدي النضير وقريظة ما في أيدي الخزرج منهم . ويُطِلُّون ما أصابوا من الدماء ، وقتلى من قُتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك عليهم . يقول الله تعالى لهم حين أنَّبهم بذلك : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، أي تُفاديه بحكم التوراة وتقتله ، وفي حكم التوراة (3 77) أن لا تفعل ، تقتله وتخرجه من داره وتظاهر عليه من يشرك بالله ، ويعبد الأوثان من دونه ، ابتغاء عرض الدنيا . ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما يلغني - نزلت هذه القصة .

ثم قال تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ، وآتينا عيسى بن مريم البينات ) ، أي الآيات التي وضعت على يديه ، من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليم من التوراة مع الإنجيل ، الذي أحدث الله إليه . ثم ذكر كفرهم بذلك كله ، فقال : ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) ، ثم قال تعالى : ( وقالوا قلوبنا غلف ) : في أكنة . يقول الله عز وجل : ( بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون . ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) .

قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه ، قال : قالوا : فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة ، كنا قد علوناهم ظهرا في الجاهلية ونحن أهل الشرك وهم أهل كتاب ، فكانوا يقولون لنا : إن نبيا يبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم من قريش فاتبعناه كفروا به . يقول الله : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن يُنَزِّل الله من فضله على من يشاء من عباده ) ، أي أن جعله في غيرهم ( فباءوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين ) . (3 78)

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : فباءوا بغضب : أي اعترفوا به واحتملوه . قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

أُصالحكم حتى تبوءوا بمثلها كصرخة حُبْلى يسَّرتها قَبيلُها

قال ابن هشام : يسرتها : أجلستها للولادة . وهذا البيت في قصيدة له .

قال ابن إسحاق : فالغضب على الغضب لغضبه عليهم فيما كانوا ضيَّعوا من التوراة ، وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحدث الله إليهم .

ثم أنَّبهم برفع الطور عليهم ، واتخاذهم العجل إلها دون ربهم ؛ يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) ، أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب عند الله ، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول الله جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) ، أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك ، والكفر بذلك ؛ فيقال : لو تمنَّوه يوم قال ذلك لهم مابقي على وجه الأرض يهودي إلا مات . ثم ذكر رغبتهم في الحياة الدنيا وطول العمر ، فقال تعالى : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) اليهود ( ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يُعَمَّرُ ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) ، أي ما هو بمنجيه من العذاب ، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت ، فهو يحب طول الحياة ، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما ضيع مما عنده من العلم . ثم قال الله تعالى : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) . (3 79)

3 سؤال اليهود الرسول ، وإجابته لهم عليه الصلاة و السلام

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي ، عن شهر بن حوشب الأشعري : أن نفرا من أحبار يهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن ، فإن فعلت ذلك اتبعناك وصدقناك ، وآمنا بك .

قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقُنَّني ؛ قالوا : نعم ؛ قال : فاسئلوا عما بدا لكم .

قالوا : فأخبرْنا كيف يشبه الولد أمه ، وإنما النطفة من الرجل ؟ قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ، ونطفة المرأة صفراء رقيقة ، فأيَّتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ؟ قالوا : اللهم نعم .

قالوا : فأخبرنا كيف نومك ؟ فقال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان ؟ فقالوا : اللهم نعم ؛ قال : فكذلك نومي ، تنام عيني وقلبي يقظان .

قالوا : فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها ، وأنه اشتكى شكوى ، فعافاه الله منها ، فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله ، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم .

قالوا : فأخبرنا عن الروح ؟ قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمونه جبريل ، وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللهم نعم ، ولكنه يا محمد لنا عدو ، وهو ملك ، إنما يأتي بالشدة وبسفك الدماء ، (3 80) ولولا ذلك لاتبعناك ؛ قال : فأنزل الله عز وجل فيهم : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ) ... إلى قوله تعالى : ( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ، بل أكثرهم لا يؤمنون . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون . واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) ، أي السحر ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) .

3 اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ، ورد الله عليهم

قال ابن إسحاق : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين ، قال بعض أحبارهم : ألا تعجبون من محمد ، يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا ، والله ما كان إلا ساحرا . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) ، أي باتباعهم السحر وعملهم به . ( وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد ) .

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان يقول : الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد والكليتان والشحم ، إلا ما كان على الظهر ، فإن ذلك كان يُقرَّب للقربان ، فتأكله النار .

3 كتابه صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر

قال ابن إسحاق : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر ، فيما حدثني مولى لآل زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس :

بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صاحب (3 81) موسى وأخيه ، والمصدق لما جاء به موسى : ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة ، وإنكم لتجدون ذلك في كتابكم : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوارة ، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ، يعجب الزُرَّاع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) .

وإني أنشدكم بالله ، وأنشدكم بما أنزل عليكم ، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى ، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله ، إلا أخبرتموني : هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد ؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كُرْه عليكم . ( قد تبين الرشد من الغي ) فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : شطؤه : فراخه ؛ وواحدته : شطأة . تقول العرب : قد أشطأ الزرع ، إذا أخرج فراخه . وآزره : عاونه ، فصار الذي قبله مثل الأمهات . قال امرؤ القيس بن حجر الكندي :

بمحنية قد آزر الضال نبتُها مجرَّ جيوش غانمين وخُيَّبِ

وهذا البيت في قصيدة له . وقال حميد بن مالك الأرقط ، أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة :

زرعا وقضبا مُؤْزَرَ النباتِ (3 82)

وهذا البيت في أرجوزة له ، وسوقه ( غير مهموز ) : جمع ساق ، لساق الشجرة .

3 ما نزل في أبي ياسر وأخيه

قال ابن إسحاق : وكان ممن نزل فيه القرآن ، بخاصة من الأحبار وكفار يهود ، الذي كانوا يسألونه ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل - فيما ذكر لي عن عبدالله بن عباس وجابر بن عبدالله بن رئاب - أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة البقرة : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ، فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من يهود ، فقال : تعلَّموا والله ، لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه : ( الم ذلك الكتاب ) ؛ فقالوا : أنت سمعته ؟ فقال : نعم ، فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالوا له : يا محمد ، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك : ( الم ذلك الكتاب ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى ؛ قالوا : أجاءك بها جبريل من عند الله ؟ فقال : نعم ؛ قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ، ما نعلمه بين لنبي منهم مامدة ملكه ، وما أكل أمته غيرك ؛ فقال حيي بن أخطب ، وأقبل على من معه ، فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ؛ أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة ؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم ؛ قال : ماذا ؟ قال : ( المص ) . قال : هذه والله أثقل وأطول ، الألف واحدة واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه إحدى وستون ومئة سنة ، هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : نعم ( الر ) . قال : هذه والله (3 83) أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مئتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومئتان ، هل مع هذا غيره يا محمد ؟ قال : نعم ( المر ) . قال : هذه والله أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مئتان ، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة ، ثم قال : لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أُعطيت أم كثيرا ؟ ثم قاموا عنه ؛ فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد ، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومئة ، وإحدى وثلاثون ومئتان ، وإحدى وسبعون ومئتان ، فذلك سبع مئة وأربع وثلاثون سنة ؛ فقالوا : لقد تشابه علينا أمره . فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وأُخَر متشابهات ) .

قال ابن إسحاق : وقد سمعت من لا أتهم من أهل العلم يذكر : أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في أهل نجران ، حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى بن مريم عليه السلام .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، أنه قد سمع : أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في نفر من يهود ، ولم يفسر ذلك لي . فالله أعلم أي ذلك كان .

3 كفر اليهود بالإسلام وما نزل في ذلك

قال ابن إسحاق : وكان فيما بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه . فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن (3 84) معرور ، أخو بني سلمة : يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته ؛ فقال سلام بن مشكم ، أحد بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكره لكم ، فأنزل الله في ذلك من قولهم : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ) .

3 ما نزل في نكران مالك بن الصيف العهد إليهم بالنبي

قال ابن إسحاق : وقال مالك بن الصيف ، - حين بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق ، وما عهد الله إليهم فيه - : والله ما عُهد إلينا في محمد عهد ، وما أُخذ له علينا من ميثاق . فأنزل الله فيه : ( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ، بل أكثرهم لا يؤمنون ) .

3 ما نزل في قول أبي صلوبا : ( ما جئتنا بشيء نعرفه ) .

وقال أبو صَلُوبا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية فنتبعك لها . فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ) .

3 ما نزل في قول ابن حريملة و وهب

وقال رافع بن حريملة ، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، ائتنا بكتاب تُنَزِّله علينا من السماء نقرؤه ، وفجِّر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما : ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : سواء السبيل : وسط السبيل . قال حسان بن ثابت : (3 85)

يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيَّب في سواء المُلْحدِ

وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى .

3 ما نزل في صد حيي و أخيه الناس عن الإسلام

قال ابن إسحاق : وكان حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب ، من أشد يهود للعرب حسدا ، إذ خصهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم ، وكانا جاهدين في رد الناس بما استطاعا .

فأنزل الله تعالى فيهما : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ، إن الله على كل شيء قدير ) .

3 تنازع اليهود والنصارى عند الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى وبالإنجيل ؛ فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شيء ، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ، وهم يتلون الكتاب ، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) ، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به ، أي يكفر اليهود بعيسى ، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى عليه السلام بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام ، من تصديق موسى عليه السلام ، وما جاء به من التوراة من عند الله ، وكل يكفر بما في يد صاحبه . (3 86)

3 مانزل في طلب ابن حريملة أن يكلمه الله

قال ابن إسحاق : وقال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، إن كنت رسولا من الله كما تقول ، فقل لله فَلْيُكلِّمنا حتى نسمع كلامه . فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله : ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ، أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ، قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) .

3 ما نزل في سؤال ابن صوريا للنبي عليه الصلاة و السلام بأن يتهود

وقال عبدالله بن صوريا الأعور الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتد ؛ وقالت النصارى مثل ذلك . فأنزل الله تعالى في ذلك من قول عبدالله بن صوريا وما قالت النصارى : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) . ثم القصة إلى قول الله تعالى : ( تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تُسئلون عما كانوا يعملون ) .

3 ما قالته اليهود عند صرف القبلة إلى الكعبة

قال ابن إسحاق : ولما صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة ، وصُرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس ، وقردم بن عمرو ، وكعب بن الأشرف ، ورافع بن أبي رافع ، والحجاج بن عمرو ، حليف كعب بن الأشرف ، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فقالوا : يا محمد ، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم (3 87) أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك ، وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه . فأنزل الله تعالى فيهم : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، قل لله المشرق والمغرب ، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا . وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) ، أي ابتلاء واختبارا ( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) ، أي من الفتن : أي الذين ثبَّت الله ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) ، أي إيمانكم بالقبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم ، واتباعكم إياه إلى القبلة الآخرة ، وطاعتكم نبيكم فيها : أي ليُعطينكم أجرهما جميعا ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) .

ثم قال تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

ابن هشام : شطره : نحوه وقصده . قال عمرو بن أحمر الباهلي - وباهلة بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان - يصف ناقة له :

تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة قد كارب العقد من إيفادها الحقبا

وهذا البيت في قصيدة له . (3 88)

وقال قيس بن خويلد الهذلي يصف ناقته :

إن النَّعوس بها داء مخامرها فشطرها نظر العينين محسورُ

وهذا البيت في أبيات له .

قال ابن هشام : والنعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير ، من قوله : وهو حسير .

( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ، وما الله بغافل عما يعملون . ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ، وما أنت بتابع قبلتهم ، وما بعضهم بتابع قبلة بعض ، ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم ، إنك إذا لمن الظالمين ) .

قال ابن إسحاق : إلى قوله تعالى : ( وإنه للحق من ربك ، فلا تكونن من الممترين ) .

3 كتمانهم ما في التوراة من الحق

وسأل معاذ بن جبل ، أخو بني سلمة ، وسعد بن معاذ ، أخو بني عبدالأشهل ؛ وخارجة بن زيد ، أخو بلحارث بن الخزرج ، نفرا من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة ، فكتموهم إياه ، وأبوا أن يخبروهم عنه . فأنزل الله تعالى فيهم : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) . (3 89)

3 جوابهم للنبي عليه الصلاة و السلام حين دعاهم إلى الإسلام

قال : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغبهم فيه ، وحذرهم عذاب الله ونقمته ؛ فقال له رافع بن خارجة ، ومالك بن عوف : بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا أعلم وخيرا منا .

فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليك آباءنا ، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) .

3 جمعهم في سوق بني قينقاع

ولما أصاب الله عز وجل قريشا يوم بدر جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع ، حين قدم المدينة ، فقال : يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشا ، فقالوا له : يا محمد ، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش ، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنَّا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين ، والله يؤيد بنصره من يشاء ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) . (3 90)

3 دخوله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس

قال : ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود ، فدعاهم إلى الله ؛ فقال له النعمان بن عمرو ، والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ قال : على ملة إبراهيم ودينه ؛ قالا : فإن إبراهيم كان يهوديا ؛ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلم إلى التوراة ، فهي بيننا وبينكم ، فأبيا عليه . فأنزل الله تعالى فيهما : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون . ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ) .

3 تنازع اليهود والنصارى في إبراهيم عليه السلام

وقال أحبار يهود ونصارى نجران ، حين اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا ، فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا ، وقالت النصارى من أهل نجران : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا . فأنزل الله عز وجل فيهم : ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ، (3 91) فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ، ولكن كان حنيفا مسلما ، وما كان من المشركين . إن أولى الناس بإبراهيم لَلَّذين اتبعوه ، وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) .

3 ما نزل في إيمانهم غدوة وكفرهم عشيا

وقال عبدالله بن صيف ، وعدي بن زيد ، والحارث بن عوف ، بعضهم لبعض : تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ، ونكفر به عشية ، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع ، ويرجعون عن دينه .

فأنزل الله تعالى فيهم : ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ، وتكتمون الحق وأنتم تعلمون . وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون . ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، قل إن الهدى هدى الله أن يُؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ، قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله واسع عليم ) .

3 ما نزل في قول أبي رافع و النجراني ( أتريد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى )

وقال أبو رافع القرظي ، حين اجتمعت الأحبار من يهود ، والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعاهم إلى الإسلام : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني ، يقال له : الرّبيِّس ، - ويروى : الريس ، والرئيس - : أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا ؟ أو كما قال .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ، فما بذلك بعثني الله ، ولا أمرني ؛ أو كما قال . (3 92)

فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقولَ للناس كونوا عبادا لي من دون الله ، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ، وبما كنتم تدرسون ) . .. إلى قوله تعالى : ( بعد إذ أنتم مسلمون ) .

قال ابن هشام : الربانيون : العلماء الفقهاء السادة ؛ واحدهم : رباني .

قال الشاعر :

لو كنت مرتهنا في القوس أفتنني منها الكلام وربَّانيَّ أحبارِ

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : القوس : صومعة الراهب . وأفتنني ، لغة تميم . وفتنني ، لغة قيس .

قال جرير :

لا وصل إذ صرمت هند ولو وقفت لاستنزلتني وذا المسحين في القوس

أي صومعة الراهب . والربّاني : مشتق من الرب ، وهو السيد . وفي كتاب الله : ( فيسقي ربه خمرا ) ، أي سيده .

قال ابن إسحاق : ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) .

3 ما نزل في أخذ الميثاق عليهم

قال ابن إسحاق : ثم ذكر ما أخذ الله عليهم ، وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه إذ هو جاءهم ، وإقرارهم ، فقال : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ، قالوا أقررنا ، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) ... إلى آخر القصة . (3 93)

3 سعيهم في الوقيعة بين الأنصار

قال ابن إسحاق : ومر شأس بن قيس ، وكان شيخا قد عسا ، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخرزج ، في مجلس قد جمعهم ، يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية .

فقال : قد اجتمع ملأ بن قيلة بهذه البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار . فأمر فتى شابا من يهود كان معهم ، فقال : اعمد إليهم ، فاجلس معهم ، ثم اذكر يوم بُعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار .

3 شيء عن يوم بعاث

وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج ، وكان على الأوس يومئذ حُضير بن سماك الأشهلي ، أبو أسيد بن حضير ؛ وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي ، فقتلا جميعا .

قال ابن هشام : قال أبو قيس بن الأسلت :

على أن قد فُجعت بذي حفاظ فعاودني له حزن رصين

فإما تقتلوه فإن عمرا أعضَّ برأسه عَضْبٌ سَنينُ

وهذا البيتان في قصيدة له . وحديث يوم بعاث أطول مما ذكرت ، وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت من القطع . (3 94)

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : سنين : مسنون ، من سنَّه ، إذا شحذه .

قال ابن إسحاق : ففعل . فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب ، أوس بن قيظي ، أحد بني حارثة بن الحارث ، من الأوس ، وجبار بن صخر ، أحد بني سلمة من الخزرج ، فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددناها الآن جذعة ، فغضب الفريقان جميعا ، وقالوا : قد فعلنا ، موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - السلاح السلاح . فخرجوا إليها .

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم ، فقال : يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بين قلوبكم ؛ فعرف أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس . فأنزل الله تعالى في شأس بن قيس وما صنع : ( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ، والله شهيد على ما تعلمون . قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ، وأنتم شهداء ، وما الله بغافل عما تعملون ) .

وأنزل الله في أوس بن قيظي ، وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأسُ من أمر الجاهلية : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم . (3 95) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون ) ... إلى قوله تعالى : ( وأولئك لهم عذاب عظيم ) .

3 ما نزل في قولهم : ( ما اتبع محمدا إلا شرارنا ) .

قال ابن إسحاق : ولما أسلم عبدالله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، ومن أسلم من يهود معهم ، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ، ورسخوا فيه ، قال أحبار يهود ، أهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا ، ولو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : آناء الليل : ساعات الليل : وواحدها : إِنْي . قال المتنخل الهذلي ، واسمه مالك بن عويمر ، يرثي أُثيلة ابنه :

حلو ومر كعطف القِدح شيمته في كل إِني قضاه الليل ينتعل

وهذا البيت في قصيدة له . وقال لبيد بن ربيعة ، يصف حمار وحش :

يُطرِّب آناء النهار كأنه غوي سقاه في التجار نديمُ

وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال : إنى ( مقصور ) ، فيما أخبرني يونس . ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويسارعون في الخيرات ، وأولئك من الصالحين ) .

3 ما نزل في نهي المسلمين عن مباطنة اليهود

قال ابن إسحاق : وكان رجال من المسلمين يُواصلون رجالا من اليهود ، لما (3 96) كان بينهم من الجوار والحلف ، فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ، لا يألونكم خبالا ، ودُّوا ما عنتُّم ، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . ها أنتم أُولاء تحبونهم ولا يحبونكم ، وتؤمنون بالكتاب كله ) ، أي تؤمنون بكتابكم ، وبما مضى من الكتب قبل ذلك وهم يكفرون بكتابكم ، فأنتم كنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم ( و إذا لقوكم قالوا آمنا ، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ، قل موتوا بغيظكم ) إلى آخر القصة .

3 دخول أبي بكر بيت المدراس ، و ما كان بينه و بين فنحاص

ودخل أبو بكر الصديق بيت المدراس على يهود ، فوجد منهم ناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم ، يقال له فنحاص ، وكان من علمائهم وأحبارهم ، ومعه حبر من أحبارهم ، يقال له : أشيع ؛ فقال أبو بكر لفنحاص : ويحك يا فنحاص ! اتق الله وأسلم ، فوالله إنك لتعلم أن محمدا لرسول الله ، وقد جاءكم بالحق من عنده ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوارة والإنجيل ؛ فقال فنحاص لأبي بكر : والله يا أبا بكر ، ما بنا إلى الله من فقر ، وإنه إلينا لفقير ، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ، وإنا عنه لأغنياء ، وما هو عنا بغنيّ ، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا ، كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن الربا ويُعطيناه ، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا .

قال : فغضب أبو بكر ، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا ، وقال : والذي نفسي بيده ، لولا العهد الذي بيننا وبينكم ، لضربت رأسك ، أي عدو الله .

قال : فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، انظر ما صنع بي صاحبك ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن عدو الله قال (3 97) قولا عظيما ، إنه زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء ، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال ، وضربت وجهه . فجحد ذلك فنحاص ، وقال : ما قلت ذلك .

فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردا عليه ، وتصديقا لأبي بكر : ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، سنكتب ما قالوا ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) . ونزل في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وما بلغه في ذلك من الغضب : ( ولتسمعنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا . وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) .

ثم قال فيما قال فنحاص والأحبار معه من يهود : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَتُبينُّنه للناس ولا تكتمونه ، فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون . لا تحسبن الذين يفرحون بما أَتَوْا ، ويحبون أن يحُمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ، ولهم عذاب أليم ) يعني فنحاص ، وأشيع وأشباههما من الأحبار ، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة ، ويحبون أن يحُمدوا بما لم يفعلوا ؛ أن يقول الناس : علماء ، وليسوا بأهل علم ، لم يحملوهم على هدى ولا حق ، ويحُبون أن يقول الناس : قد فعلوا .

3 أمر اليهود المؤمنين بالبخل

قال ابن إسحاق : وكان كردم بن قيس ، حليف كعب بن الأشرف ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبي نافع ، وبحري بن عمرو ، وحيي بن أخطب ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، يأتون رجالا من الأنصار كانوا يخالطونهم ، ينتصحون لهم ، (3 98) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فييقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون علام يكون .

فأنزل الله فيهم : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) ، أي من التوراة ، التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا . والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) ... إلى قوله : ( وكان الله بهم عليما ) .

3 اليهود لعنهم الله يجحدون الحق

قال ابن إسحاق : وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود ، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه ، وقال : أرعنا سمعك يا محمد ، حتى نُفهمك ، ثم طعن في الإسلام وعابه . فأنزل الله فيه : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل . والله أعلم بأعدائكم ، وكفى بالله وليا ، وكفى بالله نصيرا . من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويقولون سمعنا وعصينا ، واسمع غير مُسمَع ، وراعنا ) ، أي راعنا سمعك ( لَيَّاً بألسنتهم ، وطعنا في الدين ، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ، لكان خيرا لهم وأقوم ، ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) .

وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود ، منهم عبدالله بن صوريا الأعور ، وكعب بن أسد ، فقال لهم : يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق ، قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد : فجحدوا ما عرفوا ، وأصروا على الكفر . (3 99)

فأنزل الله تعالى فيهم : ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ، وكان أمر الله مفعولا ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : نطمس : نمسحها فنسويها ، فلا يُرى فيها عين ولا أنف ولا فم ، ولا شيء بما يرى في الوجه ؛ وكذلك ( فطمسنا أعينهم ) . المطموس العين : الذي ليس بين جفنيه شق . ويقال : طمست الكتاب والأثر ، فلا يُرى منه شيء . قال الأخطل ، واسمه الغوث بن هبيرة بن الصلت التغلبي ، يصف إبلا كلفها ما ذكر :

وتكلِيفُناها كل طامسة الصُّوى شَطون ترى حِرباءها يتململُ

وهذا البيت في قصيدة له .

قال ابن هشام : واحدة الصُّوى : صُوّة . والصُوى : الأعلام التي يُستدل بها على الطرق والمياه .

قال ابن هشام : يقول : مُسحت فاستوت بالأرض ، فليس فيها شيء ناتىء .

3 من حزب الأحزاب

قال ابن إسحاق : وكان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة : حيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق ، أبو رافع ، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وأبو عمار ، ووَحْوح بن عامر ، وهوذة بن قيس . فأما وحوح ، وأبو عمار ، وهوذة ، فمن بني وائل ، وكان سائرهم من بني النضير . فلما قدموا (3 100) على قريش قالوا : هؤلاء أحبار يهود ، وأهل العلم بالكتاب الأول ، فسلوهم : دينُكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم ، فقالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله تعالى فيهم : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الجبت عند العرب : ما عبد من دون الله تبارك وتعالى . و الطاغوت : كل ما أضل عن الحق . وجمع الجبت : جبوت ؛ وجمع الطاغوت : طواغيت .

قال ابن هشام : وبلغنا عن ابن أبي نجيح أنه قال : الجبت : السحر ؛ والطاغوت : الشيطان .

( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) .

قال ابن إسحاق : إلى قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ، وآتيناهم ملكا عظيما ) .

3 إنكار اليهود التنزيل

قال ابن إسحاق : وقال سُكين وعدي بن زيد : يا محمد ، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، وأوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ، وآتينا داود زبورا . ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ، ورسلا لم نقصصهم عليك ، وكلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، وكان الله عزيزا حكيما ) . (3 101)

ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم ، فقال لهم : أما والله إنكم لتعلمون أني رسول من الله إليكم ؛ قالوا : ما نعلمه ، وما نشهد عليه . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : ( لكنِ الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ، وكفى بالله شهيدا ) .

3 اتفاقهم على طرح الصخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية العامريَّيْن اللَّذَيْن قتل عمرو بن أمية الضمري . فلما خلا بعضهم ببعض قالوا : لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن ، فمن رجل يظهر على هذا البيت ، فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب : أنا ؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، فانصرف عنهم . فأنزل الله تعالى فيه ، وفيما أراد هو وقومه : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ، فكف أيديهم عنكم ، واتقوا الله ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) .

3 ادعاؤهم أنهم أحباء الله

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء ، وبحري بن عمرو ، وشأس بن عدي ، فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعاهم إلى الله ، وحذرهم نقمته ؛ فقالوا : ما تخُوفنا يا محمد ، نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى . فأنزل الله تعالى فيهم : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ، قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ، يغفر لمن يشاء ، ويعذب من يشاء ، ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) .

3 إنكارهم نزول كتاب بعد موسى عليه و السلام

قال ابن إسحاق : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام ورغبهم فيه ، وحذرهم غير الله وعقوبته ، فأبوا عليه ، وكفروا بما جاءهم به ، فقال لهم معاذ بن (3 102) جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب : يا معشر يهود ، اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، و لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته ؛ فقال رافع بن حريملة ، ووهب بن يهوذا : ما قلنا لكم هذا قط ، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يُبَيِّن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم بشير ونذير ، والله على كل شيء قدير ) .

ثم قص عليهم خبر موسى وما لقي منهم ، وانتقاضهم عليه ، وما ردوا عليه من أمر الله حتى تاهوا في الأرض أربعين سنة عقوبة .

3 رجوعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الرجم

قال ابن إسحاق : وحدثني ابن شهاب الزهري أنه سمع رجلا من مزينة ، من أهل العلم ، يحدث سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة حدثهم : أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس ، حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت ، فقالوا : ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد ، فسلوه كيف الحكم فيهما ، وولوه الحكم عليهما ، فإن عمل فيهما بعملكم من التَّجْبِية - والتجبية : الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم تسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ، وتجُعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه ، فإنما هو ملك ، وصدقوه ؛ وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبي ، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه .

فأتوه ، فقالوا : يا محمد ، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما ، فقد وليناك الحكم فيهما . فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى (3 103) أحبارهم في بيت المدراس فقال : يا معشر يهود ، أخرجوا إلي علماءكم ، فأخرج له عبدالله بن صوريا .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض بني قريظة : أنهم قد أخرجوا إليه يومئذ ، مع ابن صوريا ، أبا ياسر بن أخطب ، ووهب بن يهوذا ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا . فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى حصّل أمرهم ، إلى أن قالوا لعبدالله بن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة .

قال ابن هشام : من قوله : ( وحدثني بعض بني قريظة ) . إلى : ( أعلم من بقي بالتوراة ) . من قول ابن إسحاق ، وما بعده من الحديث الذي قبله .

فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا ، فألظّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة ، يقول له : يابن صوريا ، أنشدك الله وأُذكِّرك بأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ قال : اللهم نعم ، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك لنبي مرسل ولكنهم يحسدونك .

قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهما فَرُجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار . ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا ، وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق : فأنزل الله تعالى فيهم : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) . أي الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا ، وأمروهم (3 104) بما أمروهم به من تحريف الحكم عن مواضعه . ثم قال : ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه ) ، أي الرجم ( فاحذروا ) إلى آخر القصة .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن عباس ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما ، فرجما بباب مسجده ، فلما وجد اليهودي مسَّ الحجارة قام إلى صاحبته فجنأ عليها ، يقيها مس الحجارة ، حتى قتلا جميعا .

قال : وكان ذلك مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في تحقيق الزنا منهما .

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كيسان ، عن نافع مولى عبدالله ابن عمر ، عن عبدالله بن عمر ، قال : لما حكَّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما ، دعاهم بالتوراة ، وجلس حبر منهم يتلوها ، وقد وضع يده على آية الرجم ، قال : فضرب عبدالله بن سلام يد الحبر ، ثم قال : هذه يا نبي الله آية الرجم ، يأبى أن يتلوها عليك . (3 105)

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحكم يا معشر يهود ! ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم ؟ قال : فقالوا : أما والله إنه قد كان فينا يُعمل به ، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه ، من بيوت الملوك وأهل الشرف ، فمنعه الملك من الرجم ، ثم زنى رجل بعده ، فأراد أن يرجمه ، فقالوا : لا والله ، حتى ترجم فلانا ، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية ، وأماتوا ذكر الرجم والعمل به .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به ، ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده . قال عبدالله بن عمر : فكنت فيمن رجمهما .

3 ظلمهم في الدية

قال ابن إسحاق : وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، إن الله يحب المقسطين ) . إنما أنزلت في الدية بين بني النضير وبين بني قريظة ، وذلك أن قتلى بني النضير ، وكان لهم شرف ، يؤدون الدية كاملة ، وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك ، فجعل الدية سواء .

قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان .

3 رغبتهم في فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وقال كعب بن أسد ، وابن صلوبا ، وعبدالله بن صوريا ، وشأس بن قيس ، بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد ، لعلنا نفتنه عن دينه ، فإنما هو بشر ، فأتوه ، فقالوا له : يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم (3 106) وسادتهم ، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود ، ولم يخالفونا ، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة ، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم . فأنزل الله فيهم : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثير من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) .

3 إنكارهم نبوة عيسى عليه السلام

قال ابن إسحاق : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر منهم : أبو ياسر بن أخطب ، ونافع بن أبي نافع ، وعازر بن أبي عازر ، وخالد ، وزيد ، وإزار بن أبي إزار ، وأشيع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نؤمن بالله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أُوتي موسى وعيسى ، وما أوتي النبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون ) . فلما ذكر عيسى بن مريم جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى بن مريم ولا بمن آمن به . فأنزل الله تعالى فيهم : ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ، وأن أكثركم فاسقون ) .

3 ادعاؤهم أنهم على الحق

وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الصيف ، ورافع بن حريملة ، فقالوا : يا محمد ، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من الله حق ؟ قال : بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها ، وكتمتم منها ما أُمرتم أن تبينوه للناس ، فبرئتُ من إحداثكم ؛ قالوا : فإنا نأخذ بما في أيدينا ، فإنا على الهدى والحق ، ولا نؤمن بك ، ولا نتبعك . (3 107) فأنزل الله تعالى فيهم : ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ، وما أنزل إليكم من ربكم ، وليزيدنّ كثيرا منهم ما أُنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ، فلا تأس على القوم الكافرين ) .

3 إشراكهم بالله

قال ابن إسحاق : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم النحام بن زيد ، وقردم بن كعب ، وبحري بن عمرو ، فقالوا له : يا محمد ، أما تعلم مع الله إلها غيره ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله لا إله إلا هو ، بذلك بُعثت ، وإلى ذلك أدعو . فأنزل الله فيهم وفي قولهم : ( قل أي شيء أكبر شهادة ، قل الله شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ، أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ، قل لا أشهد ، قل إنما هو إله واحد ، وإنني برىء مما تشركون . الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ؛ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) .

3 نهي الله تعالى المؤمنين عن موادتهم

وكان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث ، قد أظهرا الإسلام ونافقا ، فكان رجال من المسلمين يوادّونهم . فأنزل الله تعالى فيهما : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) ... إلى قوله : ( وإذا جاءوكم قالوا آمنا ، وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ، والله أعلم بما كانوا يكتمون ) .

3 سؤالهم عن قيام الساعة

وقال جبل بن أبي قشير ، وشمويل بن زيد ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، أخبرنا ، متى تقوم الساعة إن (3 108) كنت نبيا كما تقول ؟ فأنزل الله تعالى فيهما : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربي ، لا يجلِّيها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة ، يسأونك كأنك حفي عنها ، قل إنما علمها عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : أيان مرساها : متى مرساها . قال قيس بن الحُدادية الخزاعي :

فجئت ومُخْفَى السر بيني وبينها لأسألها أيان من سار راجع ؟

وهذا البيت في قصيدة له . ومرساها : منتهاها ، وجمعه : مراس . قال الكميت بن زيد الأسدي :

والمصيبين باب ما أخطا النا سُ ومرسى قواعد الإسلام

وهذا البيت في قصيدة له . ومُرسَى السفينة : حيث تنتهي . وحَفِيّ عنها ( على التقديم والتأخير ) يقول : يسألونك عنها كأنك حفي بهم فتخبرهم بما لا تخبر به غيرهم . والحفيّ : البَرّ المتعهد . وفي كتاب الله : ( إنه كان بي حفيا ) . وجمعه : أحفياء . وقال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

فإن تسألي عني فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا

وهذا البيت في قصيدة له . والحفي أيضا : المستحفي عن علم الشيء ، المبالغ في طلبه .

3 ادعاؤهم أن عزيرا ابن الله

قال ابن إسحاق : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاّم بن مشكم ، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس ، ومحمود بن دحية ، وشأس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، فقالوا له : كيف (3 109) نتبعك وقد تركت قِبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله ؟ فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم : ( وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله ، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ) إلى آخر القصة .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : يضاهئون : أي يشاكل قولهم قول الذين كفروا ، نحو أن تحدث بحديث ، فيحدث آخر بمثله ، فهو يضاهيك .

3 طلبهم كتابا من السماء

قال ابن إسحاق : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان ، ونعمان بن أضاء ، وبحري بن عمرو ، وعزير بن أبي عزير ، وسلام بن مشكم ، فقالوا : احق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله ، فإنا لا نراه متسقا كما تتسق التوارة ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله . تجدونه مكتوبا عندكم في التوارة ، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به ؛ فقالوا عند ذلك ، وهم جميع : فنحاص ، وعبدالله بن صوريا ، وابن صلوبا ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وأشيع ، وكعب بن أسد ، وشمويل بن زيد ، وجبل بن عمرو بن سكينة : يا محمد ، أما يعلمك هذا إنس ولا جن ؟ قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله ، و إني لرسول الله : تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة ؛ فقالوا : يا محمد ، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد ، فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه ، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به . فأنزل الله تعالى فيهم وفيما قالوا : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الظهير : العون . ومنه قول العرب : تظاهروا عليه ، (3 110) أي تعاونوا عليه . قال الشاعر :

يا سَميّ النبي أصبحت للدّيـــن قواما وللإمام ظهيرا

أي عونا ؛ وجمعه : ظهراء .

3 سؤالهم له صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين

قال ابن إسحاق : وقال حيي بن أخطب ، وكعب بن أسد ، وأبو رافع ، وأشيع ، وشمويل بن زيد ، لعبدالله بن سلام حين أسلم : ما تكون النبوة في العرب ولكن صاحبك ملك ، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذي القرنين فقص عليهم ما جاءه من الله تعالى فيه ، مما كان قص على قريش ، وهم كانوا ممن أمر قريشا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، حين بعثوا إليهم النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط .

3 تهجمهم على ذات الله ، و غضب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك

قال ابن إسحاق : وحُدثت عن سعيد بن جبير أنه قال : أتى رهط من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، هذا الله خلَق الخلق ، فمن خلق الله ؟ قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتُقع لونه ، ثم ساورهم غضبا لربه . قال : فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه ، فقال : خفِّض عليك يا محمد ، وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه : ( قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد ) .

قال : فلما تلاها عليهم ، قالوا : فصف لنا يا محمد كيف خَلْقه ؟ كيف ذراعه ؟ كيف عضده ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول ، وساورهم . فأتاه جبريل عليه السلام ، فقال له مثل ما قال له أول مرة ، وجاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه . يقول الله تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره ، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ) . (3 111)

قال ابن إسحاق : وحدثني عتبة بن مسلم ، مولى بني تيم ، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يُوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم : هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا : ( قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد ) . ثم ليتفل الرجل عن يساره ثلاثا ، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الصمد : الذي يُصمد إليه ، ويفزع إليه ، قالت هند بنت معبد بن نضلة تبكي عمرو بن مسعود ، وخالد بن نضلة ، عَمَّيْها الأسديين ، وهما اللذان قتل النعمان بن المنذر اللخمي ، وبنى الغريَّيْنِ اللذين بالكوفة عليها :

ألا بكر الناعي بخيري بني أسدْ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمدْ (3 112)

2 ذكر نصارى نجران وما أنزل الله فيهم

3 معنى العاقب والسيد والأسقف

قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ، ستون راكبا ، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وفي الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم : العاقب ، أمير القوم وذو رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، والذي لا يُصدرون إلا عن رأيه ، واسمه عبدالمسيح ؛ والسيد ، لهم ثمالهم ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، واسمه الأيهم ؛ وأبو حارثة بن علقمة ، أحد بني بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم ، وصاحب مدراسهم .

3 منزل أبي حارثة عند ملوك الروم

وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ، ودرس كتبهم ، حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم . (3 113)

3 سبب إسلام كوز بن علقمة

فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلة له موجِّها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى جنبه أخ له ، يقال له : كوز بن علقمة - قال ابن هشام : ويقال : كرز - فعثرت بغلة أبي حارثة ، فقال كوز : تعس الأبعد : يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست ! فقال : ولم يا أخي ؟ قال : والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر ؛ فقال له كوز : ما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شرفونا وموّلونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلا خلافه ، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى . فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة ، حتى أسلم بعد ذلك . فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني .

3 رؤساء نجران وإسلام ابن رئيس

قال ابن هشام : وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتابا عندهم . فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره ، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي كانت قبله ولم يكسرها ، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشي فعثر ، فقال له ابنه : تعس الأبعد ! يريد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له أبوه : لا تفعل ، فإنه نبي ، واسمه في الوضائع ، يعني الكتب .

فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم ، فوجد فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسلم فحسن إسلامه وحج ، وهو الذي يقول :

إليك تعدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها

مخالفا دين النصارى دينها

قال ابن هشام : الوضين : الحزام ، حزام الناقة . وقال هشام بن عروة : وزاد فيه أهل العراق :

معترضا في بطنها جنينها (3 114)

فأما أبو عبيدة فأنشدناه فيه .

3 صلاتهم إلى جهة المشرق

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات ، جبب وأردية ، في جمال رجال بني الحارث بن كعب . قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ : ما رأينا وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم ، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم ؛ فصلوا إلى المشرق .

3 أسماؤهم ومعتقداتهم ، و مناقشتهم الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فكانت تسمية الأربعة عشر ، الذين يئول إليهم أمرهم : العاقب ، وهو عبدالمسيح ؛ والسيد وهو الأيهم ، وأبو حارثة ابن علقمة أخو بني بكر بن وائل ، وأوس ، والحارث ، وزيد ، وقيس ، ويزيد ، ونبيه ، وخويلد ، وعمرو ، وخالد ، وعبدالله ، ويحنَّس ، في ستين راكبا .

فكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم منهم : أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب عبدالمسيح ، والأيهم السيد - وهم من النصرانية على دين الملك ، مع اختلاف من أمرهم ، يقولون : هو الله ، ويقولون : هو ولد الله ، ويقولون : هو ثالث ثلاثة ، وكذلك قول النصرانية .

فهم يحتجون في قولهم : ( هو الله ) بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا ، وذلك كله بأمر الله تبارك وتعالى : ( ولنجعله آية للناس ) . (3 115)

ويحتجون في قولهم : ( إنه ولد الله ) بأنهم يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد ، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله .

ويحتجون في قولهم : ( إنه ثالث ثلاثة ) بقول الله : فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، فيقولون : لو كان واحدا ما قال إلا فعلت ، وقضيت ، وأمرت ، وخلقت ؛ ولكنه هو وعيسى ومريم . ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن - فلما كلمه الحبران ، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلما ؛ قالا : قد أسلمنا ؛ قال : إنكما لم تسلما فأسلما ؛ قالا : بلى ، قد أسلمنا قبلك ، قال : كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ؛ قالا : فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهما .

3 ما نزل فيهم من القرآن في آل عمران

فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ، واختلاف أمرهم كله ، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ، فقال جل وعز : ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا ، وتوحيده إياه بالخلق والأمر ، لا شريك له فيه ، ردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر ، وجعلوا معه من الأنداد ، (3 116) واحتجاجا بقولهم عليهم في صاحبهم ، ليعرفهم بذلك ضلالتهم ؛ فقال : ( الم الله لا إله إلا هو ) ليس معه غيره شريك في أمره ( الحي القيوم ) الحي الذي لا يموت ، وقد مات عيسى وصُلب في قولهم . والقيوم : القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول ، وقد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذي كان به ، وذهب عنه إلى غيره .

( نزَّل عليك الكتاب بالحق ) ، أي بالصدق فيما اختلفوا فيه ( وأنزل التوراة و الإنجيل ) : التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى ، كما أنزل الكتب على من كان قبله ( وأنزل الفرقان ) ، أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره .

( إن الذين كفرو بآيات الله ، لهم عذاب شديد ، والله عزيز ذو انتقام ) ، أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته ، بعد علمه بها ، ومعرفته بما جاء منه فيها .

( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) ، أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى ، إذ جعلوه إلها وربا ، وعندهم من علمه غير ذلك ، غِرَّة بالله ، وكفرا به .

( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) ، أي قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام ، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه ، كما صُوِّر غيره من ولد آدم ، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل .

ثم قال تعالى إنزاها لنفسه ، وتوحيدا لها مما جعلوا معه : ( لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) ، العزيز في انتصاره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في حجته وعذره إلى عباده . (3 117)

( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) فيهن حجة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وُضعن عليه ( وأخر متشابهات ) لهن تصريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، ألاّ يُصرفن إلى الباطل ، ولا يحُرَّفن عن الحق .

يقول عز وجل : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) ، أي ميل عن الهدى ( فيتَّبعون ما تشابه منه ) ، أي ما تصرف منه ، ليصدقوا به (3 118) ما ابتدعوا وأحدثوا ، لتكون لهم حجة ، ولهم على ما قالوا شبهة ( ابتغاء الفتنة ) ، أي اللبس ( وابتغاء تأويله ) . ذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم : خلقنا وقضينا . يقول : ( وما يعلم تأويله ) ، أي الذي به أرادوا ما أرادوا ( إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) فكيف يختلف وهو قول واحد ، من رب واحد . ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، واتسق بقولهم الكتاب ، وصدق بعضه بعضا ، فنفذت به الحجة ، وظهر به العذر ، وزاح به الباطل ، ودمغ به الكفر .

يقول الله تعالى في مثل هذا : ( وما يذكَّر ) في مثل هذا ( إلا أولوا الألباب . ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) : أي لا تمل قلوبنا ، وإن مِلْنا بأحداثنا . ( وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) .

ثم قال : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولوا العلم ) بخلاف ما قالوا ( قائما بالقسط ) ، أي بالعدل فيما يريد ( لا إله إلا هو العزيز الحكيم . إن الدين عند الله الإسلام ) ، أي ما أنت عليه يا محمد : التوحيد للرب ، والتصديق للرسل . ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلامن بعد ما جاءهم العلم ) ، أي الذي جاءك ، أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك ( بغيا بينهم ، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب . فإن حاجوك ) ، أي بما يأتون به من (3 119) الباطل من قولهم : خلقنا وفعلنا وأمرنا ، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق ( فقل أسلمت وجهي لله ) ، أي وحده ( ومن اتبعنِ ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ) الذين لا كتاب لهم ( أأسلمتم ، فإن أسلموا فقد اهتدوا ، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ، والله بصير بالعباد ) .

3 ما نزل من القرآن فيما اتبعه اليهود والنصارى

ثم جمع أهل الكتابين جميعا ، وذكر ما أحدثوا وما ابتدعوا ، من اليهود والنصارى ، فقال : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) ، إلى قوله : ( قل اللهم مالك الملك ) ، أي رب العباد ، والملك الذي لا يقضي فيهم غيره ( تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير ) ، أي لا إله غيرك ( إنك على كل شيء قدير ) ، أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك . ( تولج الليل في النهار ، وتولج النهار في الليل ، وتخرج الحي من الميت ، وتخرج الميت من الحي ) بتلك القدرة ( وترزق من تشاء بغير حساب ) لا يقدر على ذلك غيرك ، ولا يصنعه إلا أنت ، أي فإن كنتُ سلطت عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأسقام ، والخلق للطير من الطين ، والإخبار عن الغيوب ، لأجعله به آية للناس ، وتصديقا له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه ، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه تمليك الملوك بأمر النبوة ، ووضعها حيث شئت ، وإيلاج الليل في النهار ، والنهار في الليل ، وإخراج الحي من الميت ، وإخراج الميت من الحي ، ورزق من شئت من بر أو فاجر بغير حساب ؛ فكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ، ولم أملكه إياه ، أفلم تكن لهم في ذلك عبرة وبينة ! أن لو كان إلها كان ذلك (3 120) كله إليه ، وهو في علمهم يهرب من الملوك ، وينتقل منهم في البلاد ، من بلد إلى بلد .

3 ما نزل من القرآن في وعظ المؤمنن وتحذيرهم

ثم وعظ المؤمنين وحذرهم ، ثم قال : ( قل إن كنتم تحبون الله ) ، أي إن كان هذا من قولكم حقا ، حبا لله وتعظيما له ( فاتبعوني يحببكم الله ، ويغفر لكم ذنوبكم ) ، أي ما مضى من كفركم ( والله غفور رحيم . قل أطيعوا الله والرسول ) فأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم ( فإن تولوا ) ، أي على كفرهم ( فإن الله لا يحب الكافرين ) .

3 ما نزل من القرآن في خلق عيسى

ثم استقبل لهم أمر عيسى عليه السلام ، وكيف كان في بدء ما أراد الله به ، فقال : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ، و آل عمران على العالمين . ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم ) . ثم ذكر أمر امرأة عمران ، وقولها : ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ) ، أي نذرته فجعلته عتيقا ، تعبده لله ، لا ينتفع به لشيء من الدنيا ( فتقبل مني إنك أنت السميع العليم . فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ، والله أعلم بما وضعت ، وليس الذكر كالأنثى ) ، أي ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها محررا لك نذيرة ( وإني سميتها مريم ، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) . يقول الله تبارك وتعالى : ( فتقبلها بها بقبول حسن ، وأنبتها نباتا حسنا ، وكفلها زكريا ) بعد أبيها وأمها . (3 121)

قال ابن هشام : كفلها : ضمها .

3 خبر زكريا ومريم عليهما السلام

قال ابن إسحاق : فذكرها باليتم ، ثم قص خبرها وخبر زكريا ، وما دعا به ، وما أعطاه إذ وهب له يحيى . ثم ذكر مريم ، وقول الملائكة لها : ( يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين . يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الركعين ) . يقول الله عز وجل : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت لديهم ) ، أي ما كنت معهم ( إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : أقلامهم : سهامهم ، يعني قداحهم التي استهموا بها عليها ، فخرج قدح زكريا فضمها ، فيما قال الحسن بن أبي الحسن البصري .

3 كفالة جريج الراهب لمريم

قال ابن إسحاق : كفلها هاهنا جريج الراهب ، رجل من بني إسرائيل نجار ، خرج السهم عليه بحملها ، فحملها ، وكان زكريا قد كفلها قبل ذلك ، فأصابت بني إسرائيل أزمة شديدة ، فعجز زكريا عن حملها ، فاستهموا عليها أيهم يكفلها ، فخرج السهم على جريج الراهب بكفولها فكفلها . ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) ، أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها . يخبره بخفي ما كتموا عنه من العلم عندهم ، لتحقيق نبوته والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه .

ثم قال : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم ) ، أي هكذا كان أمره ، لا كما تقولون فيه ( وجيها في الدنيا والآخرة ) أي عند الله ( ومن المقربين . ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ) يخبرهم بحالاته (3 122) التي يتقلب فيها في عمره ، كتقلب بني آدم في أعمارهم ، صغارا وكبارا ، إلا أن الله خصه بالكلام في مهده آية لنبوته ، وتعريفا للعباد بمواقع قدرته . ( قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ قال كذلكِ الله يخلق ما يشاء ) ، أي يصنع ما أراد ، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر ( إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ) مما يشاء وكيف شاء ، ( فيكون ) كما أراد .

3 ما نزل من القرآن في بيان آيات عيسى عليه السلام

ثم أخبرها بما يريد به ، فقال : ( ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ) التي كانت فيهم من عهد موسى قبله ( والإنجيل ) ، كتابا آخر أحدثه الله عز وجل إليه لم يكن عندهم إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء بعده ( ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم ) ، أي يحقق بها نبوتي ، أني رسول منه إليكم ( أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) الذي بعثني إليكم ، وهو ربي و ربكم ( وأُبرىء الأكمه والأبرص ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الأكمه : الذي يولد أعمى . قال رؤبة بن العجاج:

هرَّجتُ فارتدّ ارتداد الأكمه

وجمعه : كمه .

قال ابن هشام : هرجت : صحت بالأسد ، وجلبت عليه . وهذا البيت في أرجوزة له .

( وأحيي الموتى بإذن الله ، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ، إن في ذلك لآية لكم ) أني رسول الله من الله إليكم ( إن كنتم مؤمنين ، ومصدقا لما بين يدي من التوراة ) ، أي لما سبقني عنها ( و لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) ، أي أخبركم (3 123) به أنه كان عليكم حراما فتركتموه ، ثم أُحله لكم تخفيفا عنكم ، فتصيبون يسره وتخرجون من تباعاته ( وجئتكم بآية من ربكم ، فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم ) ، أي تبريَّا من الذي يقولون فيه ، واحتجاجا لربه عليهم ، ( فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) ، أي هذا الذي قد حملتكم عليه وجئتكم به . ( فلما أحس عيسى منهم الكفر ) والعداون عليه ، ( قال من أنصاري إلى الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله ) هذا قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم ( واشهد بأنا مسلمون ) لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ، فاكتبنا مع الشاهدين ) ، أي هكذا كان قولهم وإيمانهم .

3 رفع عيسى عليه السلام

ثم ذكر سبحانه وتعالى رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله ، فقال : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .

ثم أخبرهم ورد عليهم فيما أقروا لليهود بصلبه ، كيف رفعه وطهره منهم ، فقال : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ، ومطهرك من الذين كفروا ) ، إذ هموا منك بما هموا ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) . ثم القصة ، حتى انتهى إلى قوله : ( ذلك نتلوه عليك ) يا محمد ( من الآيات والذكر الحكيم ) القاطع الفاصل الحق ، الذي لا يخالطه الباطل ، من الخبر عن عيسى ، وعما اختلفوا فيه من أمره ، فلا تقبلن خبرا غيره . (3 124)

( إن مثل عيسى عند الله ) فاستمع ( كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون . الحق من ربك ) ، أي ما جاءك من الخبر عن عيسى ( فلا تكن من الممترين ) ، أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمترينّ فيه ، وإن قالوا : خلق عيسى من غير ذكَر فقد خلقت آدم من تراب ، بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر ، فكان كما كان عيسى لحما ودما ، وشعرا وبشرا ، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا . ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) ، أي من بعد ما قصصت عليك من خبره ، وكيف كان أمره ، ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهلْ فنجعلْ لعنة الله على الكاذبين ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : قال أبو عبيدة : نبتهل : ندعو باللعنة ، قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

لا تقعدن وقد أكَّلْتها حطبا نعوذ من شرها يوما ونبتهل

وهذا البيت في قصيدة له . يقول : ندعو باللعنة . وتقول العرب : (3 125) بهل الله فلانا ، أي لعنه ، وعليه بهلة الله .

قال ابن هشام : ويقال : بهُلة الله ، أي لعنة الله ؛ ونبتهل أيضا : نجتهد ، في الدعاء .

قال ابن إسحاق : ( إن هذا ) الذي جئت به من الخبر عن عيسى ( لهو القصص الحق ) من أمره ( وما من إله إلا الله ، وإن الله لهو العزيز الحكيم . فإن تولوا ، فإن الله عليم بالمفسدين . قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، فإن تولوا ، فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) . فدعاهم إلى النَّصَف ، وقطع عنهم الحجة .

3 إباؤهم الملاعنة

فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأُمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى ذلك ؛ فقالوا له : يا أبا القاسم ، دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه . فانصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب ، وكان ذا رأيهم ، فقالوا : يا عبدالمسيح ، ماذا ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم ، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل ، ثم انصرفوا إلى بلادكم . فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا ألا نلاعنك ، وأن نتركك علىدينك ونرجع على ديننا ، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا ، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا . (3 126)

3 أبو عبيدة يتولى أمورهم

قال محمد بن جعفر : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتوني العشية أبعثْ معكم القوي الأمين . قال : فكان عمر بن الخطاب يقول : ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ ، رجاء أن أكون صاحبها ، فرحت إلى الظهر مُهجِّرا ، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ، ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، فجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه فقال : اخرج معهم ، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه . قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة .

2 أخبار عن المنافقين

3 شقاء عبدالله بن أبي ، وأبي عامر بن صيفي

قال ابن إسحاق : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة - وسيد أهلها عبدالله بن أبي بن سلول العوفي ، ثم أحد بن الحبلى ، لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان ، لم تجتمع (3 127) الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين ، حتى جاء الإسلام ، غيره ، ومعه في الأوس رجل ، هو في قومه من الأوس شريف مطاع ، أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان ، أحد بني ضبيعة بن زيد ، وهو أبو حنظلة ، الغسيل يوم أحد ، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، وكان يقال له : الراهب . فشقيا بشرفهما وضرَّهما .

3 نفاق ابن أبي

فأما عبدالله بن أُبي فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم ، فجاءهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم ، (3 128) وهم على ذلك . فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ، ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكا . فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق وضغن .

3 كفر أبي عامر بن صيفي

وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام ، فخرج منهم إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثني محمد بن أبي أمامة عن بعض آل حنظلة بن أبي عامر - : لا تقولوا : الراهب ، ولكن قولوا : الفاسق .

3 جزاء بن صيفي لتعريضه به صلى الله عليه وسلم

قال ابن اسحاق : وحدثني جعفر بن عبدالله بن أبي الحكم ، وكان قد أدرك وسمع ، وكان راوية : أن أبا عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ، قبل أن يخرج إلى مكة ، فقال : ما هذا الدين الذي حئت به ؟ فقال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، قال : فأنا عليها ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لست عليها ؛ قال : بلى ، قال : إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها ، قال : ما فعلت ، ولكني جئت بها بيضاء نقية ؛ قال : الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا - يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم - أي أنك جئت بها كذلك .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل ، فمن كذب ففعل الله تعالى ذلك به . فكان هو ذلك عدو الله ، خرج إلى مكة ، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف . فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام . فمات بها طريدا غريبا وحيدا .

3 الاختصام في ميراثه إلى قيصر

وكان قد خرج معه علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، وكنانة بن (3 129) عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي ، فلما مات اختصما في ميراثه إلى قيصر ، صاحب الروم . فقال قيصر : يرث أهل المدر أهل المدر ، ويرث أهل الوبر أهل الوبر ، فورثه كنانة ابن عبد ياليل بالمدر دون علقمة .

فقال كعب بن مالك لأبي عامر فيما صنع :

معاذ الله من عمل خبيث كسعيك في العشيرة عبد عمرو

فإما قلت لي شرف ونخل فقد ما بعتَ إيمانا بكفر

قال ابن هشام : ويروى :

فإما قلت لي شرف ومال

قال ابن إسحاق : وأما عبدالله بن أُبي فأقام على شرفه في قومه مترددا ، حتى غلبه الإسلام ، فدخل فيه كارها .

3 تعرض ابن أبي له صلى الله عليه وسلم ، وغضب قومه منه

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أسامة بن زيد بن حارثة ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه على حمار عليه إكاف ، فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف ، وأردفني (3 130) رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه . قال : فمر بعبدالله بن أبي ، وهو في ظل مزاحم أُطُمِه .

قال ابن هشام : مزاحم : اسم الأطم .

قال ابن إسحاق : وحوله رجال من قومه ، فلما رآه رسول الله تذمم من أن يجاوزه حتى ينزل ، فنزل فسلم ثم جلس قليلا فتلا القرآن ودعا إلى الله عز وجل ، وذكر بالله وحذر ، وبشر وأنذر قال : وهو زام لا يتكلم ، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالته ، قال : يا هذا ، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه ، ومن لم يأتك فلا تغُتَّه به ، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه .

قال : فقال عبدالله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين : بلى ، فاغشنا به ، وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا ، فهو والله مما نحب ، ومما أكرمنا الله به وهدانا له ، فقال عبدالله بن أبي حين رأى من (3 131) خلاف قومه ما رأى :

متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل تذل ويصرعْك الذين تُصارع

وهل ينهض البازي بغير جناحه وإن جُذ يوما ريشه فهو واقع

قال ابن هشام : البيت الثاني عن غير ابن إسحاق .

3 غضبه صلى الله عليه وسلم من قول ابن أبي

قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أسامة ، قال : وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل على سعد بن عبادة ، وفي وجهه ما قال عدو الله ابن أبي ، فقال : والله يا رسول الله إني لأرى في وجهك شيئا ، لكأنك سمعت شيئا تكرهه ؛ قال : أجل ، ثم أخبره بما قال ابن أبي ، فقال سعد : يا رسول الله ، ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك ، وإنا لننظم له الخرز لنتوِّجه ، فوالله إنه ليرى أن قد سلبته ملكا . (3 132)

2 ذكر من اعتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة

3 مرض أبي بكر وبلال وعامر بن فهيرة ، و حديث عائشة عنهم

قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة ، وعمر بن عبدالله بن عروة ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم ، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم .

قالت : فكان أبو بكر ، وعمر بن فهيرة ، وبلال ، مَوْليا أبي بكر ، مع أبي بكر في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فدخلت عليهم أعودهم ، وذلك قبل أن يُضرب علينا الحجاب ، وبهم ما لا يعلمه إلا االله من شدة الوعك ، فدنوت من أبي بكر ، فقلت له : كيف تجدك يا أبت ؟ فقال :

كل امرىء مُصبَّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

قالت : فقلت : والله ما يدري أبي ما يقول . قالت : ثم دنوت إلى عامر ابن فهيرة ، فقلت له : كيف تجدك يا عامر ؟ فقال :

لقد وجدتُ الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرىء مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده برَوْقه

بطوقه يريد : بطاقته ، فيما قال ابن هشام : قالت : فقلت : والله ما يدري عامر ما يقول ! قالت : وكان بلال إذا تركته الحمَّى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال : (3 133)

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بفخّ وحَوْلي إذخر وجليل

وهل أردنْ يوما مياه مَجِنَّة وهل يبدون لي شامة وطفيل

قال ابن هشام : شامة وطفيل : جبلان بمكة .

3 دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بنقل وباء المدينة إلى مهيعة

قالت عائشة رضي الله عنها : فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم ، فقلت : إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى . قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، أو أشد ، وبارك لنا في مُدّها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة ، ومهيعة : الجحفة .

3 ما جهد المسلمين من الوباء

قال ابن إسحاق : وذكر ابن شهاب الزهري ، عن عبدالله بن عمرو ابن العاصي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة ، حتى جهدوا مرضا ، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، حتى كانوا ما يصلُّون إلا وهُم قعود ، قال : فخرج عليهم رسول الله صلى الله عيه وسلم وهم يصلون كذلك ، فقال لهم : اعلموا أن (3 134) صلاة القاعد على النِّصْف من صلاة القائم . قال : فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل .

3 بدء قتال المشركين

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه ، قام فيما أمره الله به من جهاد عدوه ، وقتال من أمره الله به ممن يليه من المشركن ، مشركي العرب ، وذلك بعد أن بعثه الله تعلى بثلاث عشرة سنة . (3 135)

2 تاريخ الهجرة

بالإسناد المتقدم عن عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الإثنين ، حين اشتد الضحاء ، وكادت الشمس تعتدل ، لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، وهو التاريخ ، فيما قال ابن هشام .

3 عمره صلى الله عليه وسلم حين الهجرة

قال ابن إسحاق : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة ، وذلك بعد أن بعثه الله عز وجل بثلاث عشرة سنة ، فأقام بها بقية شهر ربيع الأول ، وشهر ربيع الآخر ، وجماديين ، ورجبا ، وشعبان ، وشهر رمضان ، وشوالا ، وذا القعدة ، وذا الحجة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرم ، ثم خرج غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة .

قال ابن هشام : واستعمل على المدينة سعد بن عبادة .

2 غزوة ودان ، وهي أول غزواته عليه الصلاة والسلام

3 موادعة بني ضمرة و الرجوع من غير حرب

قال ابن إسحاق : حتى بلغ وَدّان ، وهي غزوة الأبواء ، يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، فوادعته فيها بنو ضمرة ، وكان الذي وادعه منهم عليهم مخَشيّ بن عمرو الضمري ، وكان سيدهم في زمانه ذلك .

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ولم يلق كيدا ، فأقام بها بقية صفر ، وصدرا من شهر ربيع الأول . قال ابن هشام : وهي أول غزوة غزاها . (3 136)

2 سرية عبيدة بن الحارث ، وهي أول راية عقدها عليه الصلاة والسلام

3 أول سهم رمي به في الإسلام

قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في مُقامه ذاك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز ، بأسفل ثنيِّة المرة ، فلقي بها جمعا عظيما من قريش ، فلم يكن بينهم قتال ، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمي يومئذ بسهم ، فكان أول سهم رمي به في الإسلام .

3 من فر من المشركين إلى المسلمين في هذه السرية

ثم انصرف القوم عن القوم ، وللمسلمين حامية . وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني ، حليف بني زهرة ، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني ، حليف بني نوفل بن عبد مناف ، وكانا مسلمين ، ولكنهما خرجا ليتوصَّلا بالكفار . وكان على القوم عكرمة ابن أبي جهل .

قال ابن هشام : حدثني ابن أبي عمرو بن العلاء ، عن أبي عمرو المدني : أنه كان عليهم مِكْرز بن حفص بن الأخيف ، أحد بني معيص بن عامر ابن لؤي بن غالب بن فهر . (3 137)

3 شعر أبي بكر في هذه السرية

قال ابن إسحاق : فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، في غزوة عبيدة بن الحارث - قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لأبي بكر رضي الله عنه - :

أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث أرقت وأمر في العشيرة حادث

ترى من لؤي فرقة لا يصدها عن الكفر تذكير ولا بعث باعث

رسول أتاهم صادق فتكذبوا عليه وقالوا : لست فينا بماكث

إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا وهروا هرير المجحرات اللواهث

فكم قد متتنا فيهم بقرابة وترك التُّقى شيء لهم غيرُ كارث

فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم فما طيبات الحل مثل الخبائث

وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم فليس عذاب الله عنهم بلابث

ونحن أناس من ذؤابة غالب لنا العز منها في الفروع الأثائث

فأولي برب الراقصات عشية حراجيج تحدى في السريح الرثائث

كأدم ظباء حول مكة عكف يردن حياض البئر ذات النبائث

لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم ولست إذا آليت قولا بحانث (3 138)

لتبتدرنهَّم غارة ذات مصدق تحرم أطهار النساء الطوامث

تغادر قتلى تعصب الطير حولهم ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث

فأبلغ بني سهم لديك رسالة وكل كفور يبتغي الشر باحث

فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم فإني من أعراضكم غير شاعث

3 شعر ابن الزبعرى يرد على أبي بكر

فأجابه عبدالله بن الزبعرى السهمي ، فقال :

أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث بكيت بعين دمعها غير لابث

ومن عجب الأيام والدهر كله له عجب من سابقات وحادث

لجيش أتانا ذي عرام يقوده عبيدة يُدعى في الهياج ابن حارث

لنترك أصناما بمكة عكفا مواريث موروث كريم لوراث

فلما لقيناهم بسمر ردينة وجرد عتاق في العجاج لواهث

وبيض كأن الملح فوق متونها بأيدي كماة كالليوث العوائث

نقيم بها إصعار من كان مائلا ونشقي الذحول عاجلا غير لابث

فكفوا على خوف شديد وهيبة وأعجبهم أمر لهم أمر رائث

ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة أيامى لهم ، من بين نسء وطامث (3 139)

وقد غودرت قتلى يخبر عنهمُ حفي بهم أو غافل غير باحث

فأبلغ أبا بكر لديك رسالة فما أنت عن أعراض فهر بماكث

ولما تجب مني يمين غليظة تجدد حربا حلفة غير حانث

قال ابن هشام : تركنا منها بيتا واحدا ، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لابن الزبعرى .

3 شعر سعد بن أبي وقاص يذكر رميته في هذه السرية

قال ابن إسحاق : وقال سعد بن أبي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون :

ألا هل أتى رسول الله أني حميت صحابتي بصدور نبلي

أذود بها أوائلهم ذيادا بكل حُزُونة وبكل سَهْلِ

فما يعتدُّ رام في عدو بسهم يا رسول الله قبلي

وذلك أن دينك دين صدق وذو حق أتيت به وعدل

ينجَّى المؤمنون به ، ويجُزى به الكفار عند مقام مَهْل

فمهلا قد غويت فلا تَعِبْني غويَّ الحي ويحك يا ابن جهل

قال ابن هشام : وأكثر أهل العم بالشعر ينكرها لسعد .

3 أول راية في الإسلام كانت لعبيدة

قال ابن إسحاق : فكانت راية عبيدة بن الحارث - فيما بلغني - أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، لأحد من المسلمين . وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء ، قبل أن يصل إلى المدينة . (3 140)

2 سرية حمزة إلى سيف البحر

3 ما فعلته هذه السرية

وبعث في مقامه ذلك ، حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم ، إلى سيف البحر ، من ناحية العيص ، في ثلاثين راكبا من المهاجرين ، وليس فيهم من الأنصار أحد . فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاث مئة راكب من أهل مكة . فحجز بينهم مجديُّ بن عمرو الجهني . وكان موادعا للفريقين جميعا ، فانصرف بعض القوم عن بعض ، ولم يكن بينهم قتال .

3 من قال أن أول راية في الإسلام كانت لحمزة رضي الله عنه ، و شعر حمزة في ذلك

وبعض الناس يقول : كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين . وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا ، فشُبِّه ذلك على الناس . وقد زعموا أن حمزة قد قال في ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان حمزة قد قال ذلك ، فقد صدق إن شاء الله ، لم يكن يقول إلا حقا ، فالله أعلم أي ذلك كان .

فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا ، فعبيدة بن الحارث أول من عقد له . فقال حمزة في ذلك ، فيما يزعمون :

قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لحمزة رضي الله عنه :

ألا يا لقومي للتحلم والجهل وللنقص من رأي الرجال وللعقل

وللراكبينا بالمظالم لم نطأ لهم حرمات من سوام ولا أهل

كأنا تَبلْناهم ولا تبل عندنا لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل (3 141)

وأمر بإسلام فلا يقبلونه وينزل منهم مثل منزلة الهزل

فما برحوا حتى انتدبت لغارة لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضل

بأمر رسول الله ، أول خافق عليه لواء لم يكن لاح من قبلي

لواء لديه النصر من ذي كرامة إله عزيز فعله أفضل الفعل

عشية ساروا حاشدين وكلنا مراجله من غيظ أصحابه تغلي

فلما تراءينا أناخوا فعقَّلوا مطايا وعقَّلنا مدى غرض النبل

فقلنا لهم : حبل الإله نصيرنا وما لكم إلا الضلالة من حبل

فثار أبو جهل هنالك باغيا فخاب وردَّ الله كيد أبي جهل

وما نحن إلا في ثلاثين راكبا وهم مئتان بعد واحدة فضل

فيا للؤي لا تطيعوا غواتكم وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل

فإني أخاف أن يُصبَّ عليكم عذاب فتدعوا بالندامة والثكل

3 شعر أبو جهل يرد على حمزة

فأجابه أبو جهل بن هشام ، فقال :

عجبت لأسباب الحفيظة والجهل وللشاغبين بالخلاف وبالبطل

وللتاركين ما وجدنا جدودنا عليه ذوي الأحساب والسؤدد الجزل

أتونا بإفك كي يضلوا عقولنا وليس مضلا إفكهم عقل ذي عقل

فقلنا لهم : يا قومنا لا تخالفوا على قومكم إن الخلاف مدى الجهل

فإنكم إن تفعلوا تدع نسوة لهن بواك بالرزية والثكل

وإن ترجعوا عما فعلتم فإننا بنو عمكم أهل الحفائظ والفضل

فقالوا لنا : إنا وجدنا محمدا رضا لذوي الأحلام منا وذي العقل

فلما أبوا إلا الخلاف وزينوا جماع الأمور بالقبيح من الفعل

تيممتهم بالساحلين بغارة لأتركهم كالعصف ليس بذي أصل (3 142)

فورَّعني مجديّ عنهم وصحبتي وقد وازروني بالسيوف وبالنبل

لإلٍّ علينا واجب لا نضيعه أمين قواه غير منتكث الحبل

فلولا ابن عمرو كنت غادرت منهم ملاحم للطير العكوف بلا تبل

ولكنه آلى بإلٍّ فقلَّصت بأيماننا حد السيوف عن القتل

فإن تُبقني الأيام أرجعْ عليهم ببيض رقاق الحد محدثة الصقل

بأيدي حماة من لؤي بن غالب كرام المساعي في الجدوبة والمحل

قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لأبي جهل .

2 غزوة بواط

3 يومها

قال ابن إسحاق : ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول يريد قريشا .

3 ابن مظعون في المدينة

قال ابن هشام : واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون .

3 العودة إلى المدينة

قال ابن إسحاق : حتى بلغ بواط ، من ناحية رضوى ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا ، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى . (3 143)

2 غزوة العشيرة

3 من استعمله صلى الله عليه وسلم على المدينة

ثم غزا قريشا ، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبدالأسد ، فيما قال ابن هشام .

3 الطريق الذي سلكه صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة

قال ابن إسحاق : فسلك على نقب بني دينار ، ثم على فيفاء الخبار ، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر ، يقال لها : ذات الساق ، فصلى عندها . فثمَّ مسجده صلى الاله عليه وسلم ، وصُنع له عندها طعام ، فأكل منه ، وأكل الناس معه ، فموضع أثافي البرمة معلوم هنالك ، واستُقي له من ماء به ، يقال له : المشترب ، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك الخلائق بيسار ، وسلك شعبة يقال لها : شعبة عبدالله ، وذلك اسمها اليوم ، ثم صب لليسار حتى هبط يليل ، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة ، واستقى من بئر بالضبوعة ، ثم سلك الفرش : فرش ملل ، حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام ، ثم اعتدل به الطريق ، حتى نزل العشيرة من بطن ينبع . فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة ، وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق كيدا . (3 144)

3 تكنيته صلى الله عليه وسلم عليا أبا تراب

وفي تلك الغزوة قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما قال .

قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن محمد بن خيثم أبي يزيد ، عن عمار بن ياسر ، قال : كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة ؛ فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بها ؛ رأينا أناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم وفي نخل ؛ فقال لي علي بن أبي طالب : يا أبا اليقظان ، هل لك في أن تأتي هؤلاء القوم ، فننظر كيف يعملون ؟ قال : قلت : إن شئت ؛ قال : فجئناهم ، فنظرنا إلى عملهم ساعة ، ثم غشينا النوم . فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور من النخل ، وفي دقعاء من التراب فنمنا ، فوالله ما أهبَّنا إلا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله . وقد تترَّبْنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها ، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : ما لك يا أبا تراب ؟ لما يرى عليه من التراب .

3 أشقى رجلين

ثم قال : ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا : بلى ، يا رسول الله ؛ قال : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذه - و وضع يده على قرنه - حتى يَبُلَّ منها هذه . وأخذ بلحيته .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سمَّى عليا أبا تراب ، أنه كان إذا عتب على فاطمة في (3 145) شيء لم يكلمها ، ولم يقل لها شيئا تكرهه ، إلا أنه يأخذ ترابا فيضعه على رأسه . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة ، فيقول : ما لك يا أبا تراب ؟ فالله أعلم أي ذلك كان .

2 سرية سعد بن أبي وقاص

3 ذهابه إلى الخرار و رجوعه من غير حرب

قال ابن إسحاق : وقد كان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبي وقاص ، في ثمانية رهط من المهاجرين ، فخرج حتى بلغ الخرَّار من أرض الحجاز ، ثم رجع ولم يلق كيدا .

قال ابن هشام : ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة .

2 غزوة سفوان ، وهي غزوة بدر الأولى

3 إغارة كرز و الخروج في طلبه

قال ابن إسحاق : ولم يُقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر ، حتى أغار كرز ابن جابر الفهري على سرح المدينة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه ، (3 146) واستعمل على المدينة زيد بن حارثة ، فيما قال ابن هشام .

3 فوات كرز و الرجوع من غير حرب

قال ابن إسحاق : حتى بلغ واديا ، يقال له : سفوان ، من ناحية بدر ، و فاته كرز بن جابر ، فلم يدركه ، وهي غزوة بدر الأولى . ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان .

2 سرية عبدالله بن جحش ونزول : ( يسئلونك عن الشهر الحرام ) .

3 بعثه و الكتاب الذي حمله من الرسول صلى الله عليه و سلم

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب ، مقفله من بدر الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ، فيمضي لما أمره به ، ولا يستكره من أصحابه أحدا .

3 أصحاب ابن جحش في هذه السرية

وكان أصحاب عبدالله بن جحش من المهاجرين ، ثم من بني عبد شمس ابن عبد مناف : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ؛ ومن حلفائهم : عبدالله بن جحش ، وهو أمير القوم ، وعكاشة بن محصن ابن حرثان ، أحد بني أسد بن خزيمة ، حليف لهم .

ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان بن جابر ، حليف لهم .

ومن بني زهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص .

ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة ، حليف لهم من عنز (3 147) ابن وائل ، وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة ابن يربوع ، أحد بني تميم ، حليف لهم ، وخالد بن البكير ، أحد بني سعد بن ليث ، حليف لهم .

ومن بني الحارث بن فهر : سهيل بن بيضاء .

3 ابن جحش يفتح الكتاب

فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب ، فنظر فيه فإذا فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة ، بين مكة والطائف ، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم . فلما نظر عبدالله بن جحش في الكتاب ، قال : سمعا وطاعة ؛ ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة ، أرصد بها قريشا ، حتى آتيه منهم بخبر ؛ وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم . فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ؛ فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمضى ومضى معه أصحابه ، لم يتخلف عنه منهم أحد .

3 من تخلف عن السرية بمعدن وسببه

و سلك على الحجاز ، حتى إذا كان بمعدن ، فوق الفرع ، يقال له : بحران ، أضل سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما ، كانا يعتقبانه . فتخلفا عليه في طلبه . ومضى عبدالله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة .

3 السرية تلتقي بتجارة لقريش

فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما ، وتجارة من تجارة قريش ، فيهما عمرو بن الحضرمي . (3 148)

3 اسم الحضرمي ونسبه

قال ابن هشام : واسم الحضرمي : عبدالله بن عباد ، ويقال : مالك بن عباد أحد الصدف ، واسم الصدف : عمرو بن مالك ، أحد السكون ابن أشرس بن كندة ، ويقال : كنديّ .

قال ابن إسحاق : وعثمان بن عبدالله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبدالله ، المخزوميان ، والحكم بن كيسان ، مولى هشام بن المغيرة .

3 ما جرى بين الفريقين و ما خلص به ابن جحش

فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم ، فأشرف لهم عكاشة بن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا ، وقالوا عُمَّار ، لا بأس عليكم منهم . وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم ، فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام ؛ فتردد القوم ، وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم ، وأخذ ما معهم . فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبدالله ، والحكم بن كيسان ؛ وأفلت لقومَ نوفلُ بن عبدالله فأعجزهم . وأقبل عبدالله ابن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة .

وقد ذكر بعض آل عبدالله بن جحش : أن عبدالله قال لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس - وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم - فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير ، وقسم سائرها بين أصحابه . (3 149)

3 إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم قتالهم في الأشهر الحرم

قال ابن إسحاق : فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ؛ قال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام . فوقَّف العير والأسيرين . وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا ؛ فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سُقط في أيدي القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا . وقالت قريش : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال ؛ فقال من يرد عليهم من المسلمين ، ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان .

3 توقع اليهود بالمسلمين الشر

وقالت يهود - تفاءَلُ بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبدالله ، عمرو ، عمرت الحرب ؛ والحضرمي ، حضرت الحرب ؛ وواقد بن عبدالله ، وقدت الحرب . فجعل الله ذلك عليهم لا لهم . (3 150)

3 القرآن يقر ما فعله ابن جحش

فلما أكثر الناس في ذلك ، أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قل قتال فيه كبير ، وصد عن سبيل الله وكفر به ، والمسجد الحرام ، وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به ، وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله ، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ( والفتنة أكبر من القتل ) : أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه ، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه ، فذلك أكبر عند الله من القتل ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) : أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين .

فلما نزل القرآن بهذا من الأمر ، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق ، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين ، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نُفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما ، نقتل صاحبيكم . فقدم سعد وعتبة ، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .

3 إسلام ابن كيسان و موت عثمان كافرا

فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله صلى الله عله وسلم حتى قُتل يوم بئر معونة شهيدا . وأما عثمان بن عبدالله فلحق بمكة ، فمات بها كافرا .

3 طمع ابن جحش أمير السرية في الأجر وما نزل في ذلك من القرآن

فلما تجلى عن عبدالله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ، طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله ، أنطمع أن تكون لنا غزوة نُعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عز وجل فيهم : ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون (3 151) رحمة الله ، والله عفور رحيم ) ، فوضعهم الله عز وجل من ذلك على أعظم الرجاء .

والحديث في هذا عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير .

3 إحلال الفيء وقسمه

قال ابن إسحاق : وقد ذكر بعض آل عبدالله بن جحش : أن الله عز وجل قسم الفيء حين أحله ، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه الله ، وخمسا إلى الله ورسوله ، فوقع على ما كان عبدالله بن جحش صنع في تلك العير .

3 أول غنيمة للمسلمين

قال ابن هشام : وهي أول غنيمة غنمها المسلمون . وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون ، وعثمان بن عبدالله ، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون .

3 شعر عبدالله بن جحش في هذه السرية

قال ابن إسحاق : فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبدالله بن جحش ، ويقال : بل عبدالله بن جحش قالها ، حين قالت قريش : قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال ، وأسروا فيه الرجال - قال ابن هشام : هي لعبدالله ابن جحش - :

تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشدَ راشدُ

صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهد

وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يُرى لله في البيت ساجد

فإنا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد

سقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد

دما وابنُ عبدالله عثمان بيننا ينازعه غُلّ من القدّ عاند (3 152)

2 صرف القبلة إلى الكعبة

قال ابن إسحاق : ويقال : صُرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة .

2 غزوة بدر الكبرى

3 عير أبي سفيان

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة ، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم ، وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون ، منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام .

قال ابن هشام : ويقال : عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم .

3 ندب المسلمين للعير و حذر أبي سفيان

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبدالله بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا ، عن ابن عباس ، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقته من حديث بدر ، قالوا : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ، ندب المسلمين إليهم ، وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا (3 153) إليها لعل الله يُنْفِلُكُموها .

فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا .

وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس . حتى أصاب خبرا من بعض الركبان : أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك . فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه . فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة .

2 ذكر رؤيا عاتكة بنت عبدالمطلب

3 عاتكة تقص رؤياها على أخيها العباس

قال ابن إسحاق : فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، قالا : وقد رأت عاتكة بنت عبدالمطلب ، قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال ، رؤيا أفزعتها . فبعث إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له : يا أخي ، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم عني ما أحدثك به ؛ فقال لها : وما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبا أقبل على بعير له ، حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا لَغُدُر لمصارعكم في ثلاث ، فأرى الناس اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مَثَل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها : ألا انفروا يالغدر لمصارعكم في ثلاث : ثم مثل به بعيره على رأس (3 154) أبي قبيس ، فصرخ بمثلها .

ثم أخذ صخرة فأرسلها . فأقبلت تهوي ، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ، ولا دار إلا دخلتها منها فلقة ؛ قال العباس : والله إن هذه لرؤيا ، وأنت فاكتميها ، ولا تذكريها لأحد .

3 انتشار حديث الرؤيا في قريش

ثم خرج العباس ، فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان له صديقا ، فذكرها له ، واستكتمه إياها . فذكرها الوليد لأبيه عتبة ، ففشا الحديث بمكة ، حتى تحدثت به قريش في أنديتها .

3 ما جرى بين أبي جهل و العباس بسبب الرؤيا

قال العباس : فغدوت لأطوف بالبيت ، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل ، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال لي أبو جهل : يا بني عبدالمطلب ، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ؛ قال : فقلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبدالمطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفُروا في ثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقا ما تقول فسيكون ، و إن تمض الثلاث ولم يكن من (3 155) ذلك شيء ، نكتبْ عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العباس : فوالله ما كان مني إليه كبير ، إلا أني جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون رأت شيئا . قال : ثم تفرقنا .

3 نساء عبدالمطلب يلمن العباس للينه مع أبي جهل

فلما أمسيت ، لم تبق امرأة من بني عبدالمطلب إلا أتتني ، فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم يكن عندك غِيَر لشيء مما سمعت ، قال : قلت : قد والله فعلت ، ما كان مني إليه من كبير . وأيم الله لأتعرضن له ، فإن عاد لأكفينَّكُنَّه .

3 ضمضم الغفاري يستنجد قريشا لأبي سفيان

قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مغضب أُرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه . قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ، ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان رجلا خفيفا ، حديد الوجه ، حديد اللسان ، حديد النظر . قال : إذ خرج نحو باب المسجد يشتد . قال : فقلت في نفسي : ما له لعنه الله ، أكلُّ هذا فَرَق مني أن أشاتمه ! قال : وإذا هو قد سمع ما لم أسمع : صوت ضمضم بن عمرو الغفاري ، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره ، قد جدع بعيره ، وحوّل رحله ، وشق قيمصه ، وهو يقول : يا معشر قريش ، اللطيمةَ اللطيمةَ ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوثَ الغوثَ . قال : فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر . (3 156)

3 قريش تتجهز للخروج

فتجهز الناس سراعا ، وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ، كلا والله ليعلمن غير ذلك . فكانوا بين رجلين ، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا . وأوعبت قريش ، فلم يتخلف من أشرافها أحد .

3 تخلف أبي لهب عند بدر

إلا أن أبا لهب بن عبدالمطلب تخلف ، وبعث مكانه العاصي بن هشام ابن المغيرة ، وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه ، أفلس بها ، فاستأجره بها على أن يجُزئ عنه ، بعثه فخرج عنه ، وتخلف أبو لهب .

3 أمية بن خلف يحاول التخلف

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح : أن أمية بن خلف كان أجمع القعود ، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا ، فأتاه عقبة بن أبي معيط ، وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه ، بمجمرة يحملها ، فيها نار ومجمر ، حتى وضعها بين يديه ، ثم قال : يا أبا علي ، استجمر ، فإنما أنت من النساء ؛ قال : قبحك الله وقبح ما جئت به ، قال : ثم تجهز فخرج مع الناس .

3 ما وقع بين قريش وكنانة من الحرب قبل بدر ، و تحاجزهم يوم بدر

قال ابن إسحاق : ولما فرغوا من جهازهم ، وأجمعوا المسير ، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب ، فقالوا : إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا ، وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر - كما حدثني بعض بني عامر بن لؤي ، عن محمد (3 157) ابن سعيد بن المسيَّب - في ابنٍ لحفص بن الأخيف ، أحد بني مَعيص بن عامر بن لؤي ، خرج يبتغي ضالة له بضجنان ، وهو غلام حدث في رأسه ذؤابة ، وعليه حلة له ، وكان غلاما وضيئا نظيفا ، فمر بعامر بن يزيد بن عامر بن الملوح ، أحد بني يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وهو بضجنان ، وهو سيد بني بكر يومئذ ، فرآه فأعجبه ؛ فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : أنا ابنٌ لحفص ابن الأخيف القرشي .

فلما ولىَّ الغلام ، قال عامر بن زيد : يا بني بكر ، ما لكم في قريش من دم ؟ قالوا : بلى والله ، إن لنا فيهم لدماء ؛ قال : ما كان رجل ليقتل هذا الغلام برَجُله إلا كان قد استوفى دمه .

قال : فتبعه رجل من بني بكر ، فقتله بدم كان له في قريش ؛ فتكلمت فيه قريش ، فقال عامر بن يزيد : يا معشر قريش ، قد كانت لنا فيكم دماء ، فما شئتم . إن شئتم فأدوا علينا ما لنا قبلكم ، ونؤدي ما لكم قبلنا ، وإن شئتم فإنما هي الدماء : رجل برجل ، فتجافوا عما لكم قِبَلَنا ، ونتجافى عما لنا قبلكم ، فهان ذلك الغلام على هذا الحي من قريش ، وقالوا : صدق ، رجل برجل . فلهوا عنه ، فلم يطلبوا به .

3 قتل مكرز عامر بن الملوح

قال : فبينما أخوه مكرز بن حفص بن الأخيف يسير بِمرِّ الظهران ، إذ نظر إلى عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح على جمل له ، فلما رآه أقبل إليه حتى أناخ به ، وعامر متوشح سيفه ، فعلاه مكرز بسيفه حتى قتله ، ثم خاض بطنه بسيفه ، ثم أتى به مكة ، فعلَّقه من الليل بأستار الكعبة .

فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر بن يزيد بن عامر معلقا بأستار الكعبة ، فعرفوه ؛ فقالوا : إن هذا لسيف عامر بن يزيد ، عدا عليه مكرز بن حفص فقتله ، فكان ذلك من أمرهم . (3 158)

فبينما هم في ذلك من حربهم ، حجز الإسلام بين الناس ؛ فتشاغلوا به ، حتى أجمعت قريش المسير إلى بدر ، فذكروا الذي بينهم وبين بني بكر فخافوهم .

3 ما قاله مكرز شعرا في قتله عامر

وقال مكرز بن حفص في قتله عامرا :

لما رأيت أنه هو عامر تذكرت أشلاء الحبيب الملحَّب

وقلت لنفسي : إنه هو عامر فلا ترهبيه ، وانظري أي مركب

وأيقنت أني إن أجلله ضربة متى ما أُصبه بالفُرافر يعطب

خفضت له جأشي وألقيت كلكلي على بطل شاكي السلاح مجرب

ولم أك لما التف روعي وروعه عصارة هجن من نساء ولا أب

حللت به وِتْرِي ولم أنس ذحله إذا ما تناسى ذحله كل عيهب

قال ابن هشام : الفَرار ( في غير هذا الموضع ) : الرجل الأضبط ، ( وفي هذا الموضع ) : السيف ، والعيهب : الذي لا عقل له ، ويقال لتيس الظباء وفحل النعام : العيهب . قال الخليل : العيهب : الرجل الضعيف عن إدراك وتره .

3 إبليس يغري قريشا بالخروج

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر ، فكاد ذلك يثنيهم ، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن (3 159) جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بني كنانة ، فقال لهم : أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه ، فخرجوا سراعا .

3 خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه - قال ابن هشام : خرج يوم الأثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان - واستعمل عمرو بن أم مكتوم - ويقال : اسمه : عبدالله بن أم مكتوم - ، أخا بني عامر بن لؤي ، على الصلاة بالناس ، ثم رد أبا لبابة من الروحاء ، واستعمله على المدينة .

3 صاحب اللواء

قال ابن إسحاق : ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار .

قال ابن هشام : وكان أبيض .

3 رايتا الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان ، إحداهما مع علي بن أبي طالب ، يقال لها : العقاب ، والأخرى مع بعص الأنصار .

3 عدد إبل المسلمين

قال ابن إسحاق : وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا ، فاعتقبوها ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي بن أبي طالب ، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا ، وكان حمزة بن عبدالمطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو كبشة ، وأنسة ، موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا ، وكان أبو بكر ، وعمر ، وعبدالرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا .

قال ابن إسحاق : وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار . وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ ، فيما قال ابن هشام . (3 160)

3 طريق المسلمين إلى بدر

قال ابن إسحاق : فسلك طريقه من المدينة إلى مكة ، على نَقْب المدينة ، ثم على العقيق ، ثم على ذي الحُليفة ، ثم على أولات الجيش .

قال ابن هشام : ذات الجيش .

3 الرجل الذي اعترض الرسول و جواب سلمة له

قال ابن إسحاق : ثم مر على تُرْبان ، ثم على ملل ، ثم غَميس الحمام من مريين ، ثم على صخيرات اليمام ، ثم على السيَّالة ، ثم على فج الروحاء ، ثم على شنوكة ، وهي الطريق المعتدلة ؛ حتى إذا كان بعرق الظبية - قال ابن هشام : الظبية : عن غير ابن إسحاق - لقوا رجلا من الأعراب ، فسألوه عن الناس ، فلم يجدوا عنده خبرا ؛ فقال له الناس : سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : أوفيكم رسول الله ؟ قالوا : نعم ، فسلم عليه ؛ ثم قال : إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه . قال له سلمة بن سلامة بن وقش : لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك . نزوت عليها ، ففي بطنها منك سخلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه ، أفحشت على الرجل ؛ ثم أعرض عن سلمة .

3 بقية الطريق إلى بدر

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسج ، وهي بئر الروحاء ، ثم ارتحل (3 161) منها ، حتى إذا كان بالمنصرف ، ترك طريق مكة بيسار ، وسلك ذات اليمين على النازية ، يريد بدرا ، فسلك في ناحية منها ، حتى جزع واديا ، يقال له : رُحْقان ، بين النازية وبين مضيق الصفراء ، ثم على المضيق ، ثم انصب منه ، حتى إذا كان قريبا من الصفراء ، بعث بسبس بن الجهني ، حليف بني ساعدة ، وعدي بن أبي الزغباء الجهني ، حليف بني النجار ، إلى بدر يتحسسان له الأخبار ، عن أبي سفيان بن حرب وغيره .

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قدمها . فلما استقبل الصفراء ، وهي قرية بين جبلين ، سأل عن جبليهما ما اسماهما ؟ فقالوا : يقال لأحدهما ، هذا مسلح ، وللآخر : هذا مخرىء ؛ وسأل عن أهلهما ، فقيل : بنو النار وبنو حراق ، بطنان من بني غفار ، فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما ، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما . فتركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفراء بيسار ، وسلك ذات اليمين على واد يقال له : ذَفِران ، فجزع فيه ، ثم نزل .

3 ما قاله أبو بكر وعمر و المقداد تشجيعا للجهاد

وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ؛ فاستشار الناس ، وأخبرهم عن قريش ؛ فقام أبو بكر الصديق ، فقال وأحسن .

ثم قام عمر بن الخطاب ، فقال وأحسن .

ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت (3 162) بنو إسرائيل لموسى : ( اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون ) . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه ، حتى تبلغه ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ودعا له به .

3 استشارة الأنصار

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي أيها الناس ، وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة ، قالوا : يا رسول الله ، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا ، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا .

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم .

فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ؛ قال : فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدُق في اللقاء . لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله . فسُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ، ونشَّطه ذلك ؛ ثم قال : سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم .

3 التعرف على أخبار قريش

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران ، فسلك على ثنايا . يقال لها : الأصافر ؛ ثم انحط منها إلى بلد (3 163) يقال له : الدَّبَّة ، وترك الحنَّان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ؛ ثم نزل قريبا من بدر ، فركب هو ورجل من أصحابه .

قال ابن هشام : الرجل هو أبو بكر الصديق .

قال ابن إسحاق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان : حتى وقف على شيخ من العرب ، فسأله عن قريش ، وعن محمد وأصحابه ، وما بلغه عنهم ؛ فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك . قال : أذاك بذاك ؟ قال : نعم ؛ قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرني صدقني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي فيه قريش .

فلما فرغ من خبره ، قال : ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء ، ثم انصرف عنه . قال : يقول الشيخ : ما من ماء ، أمن ماء العراق ؟

قال ابن هشام : يقال : ذلك الشيخ : سفيان الضمري .

3 ظفر المسلمين برجلين من قريش يقفانهم على أخبارهم

قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ؛ فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، في نفر من أصحابه ، إلى ماء بدر ، يلتمسون الخبر له عليه - كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير - فأصابوا رواية لقريش فيها أسلم ، غلام بني الحجاج ، وعريض أبو يسار ، غلام بني العاص بن سعيد ، فأتوا بهما فسألوهما ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم (3 164) قائم يصلي ، فقالا : نحن سقاة قريش ، بعثونا نسقيهم من الماء .

فكره القوم خبرهما ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ، فضربوهما . فلما أذلقوهما قالا : نحن لأبي سفيان ، فتركوهما . وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ، ثم سلم ، وقال : إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ، صدقا ، والله إنهما لقريش ، أخبراني عن قريش ؟ قالا : هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب : العقنقل - فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم القوم ؟ قالا : كثير ؛ قال : ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ؛ قال : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوما تسعا ، ويوما عشرا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القوم فيما بين التسع مئة والألف .

ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل ، والنضر بن الحارث ، و زمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ، ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، وعمرو بن عبد ود .

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ، فقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .

3 بسبس و عدي يتجسسان الأخبار

قال ابن إسحاق : وكان بسبس بن عمرو ، وعدي بن أبي الزغباء ، قد مضيا حتى نزلا بدرا ، فأناخا إلى تل قريب من الماء ، ثم أخذا شنَّا لهما يستقيان فيه ، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء . فسمع عدي (3 165) وبسبس جاريتين من جواري الحاضر ، وهما يتلازمان على الماء ، والملزومة تقول لصاحبتها : إنما تأتي العير غدا أو بعد غد ، فأعمل لهم ، ثم أقضيك الذي لك . قال مجدي : صدقتِ ، ثم خلَّص بينهما . وسمع ذلك عدي وبسبس ، فجلسا على بعيريهما ، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه بما سمعا .

3 نجاة أبي سفيان بالعير

و أقبل أبو سفيان بن حرب ، حتى تقدم العير حذرا ، حتى ورد الماء ؛ فقال لمجدي بن عمرو : هل أحسست أحدا ؟ فقال : ما رأيت أحدا أنكره ، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن لهما ، ثم انطلقا .

فأتى أبو سفيان مُناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ، ففتَّه ، فإذا فيه النوى ؛ فقال : هذه والله علائف يثرب . فرجع إلى أصحابه سريعا ، فضرب وجه عيره عن الطريق ، فساحل بها ، وترك بدرا بيسار ، وانطلق حتى أسرع .

3 رؤيا جهيم بن الصلت في مصارع قريش

قال : وأقبلت قريش ، فلما نزلوا الجحفة ، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبدالمطلب بن عبد مناف رؤيا ، فقال : إني رأيت فيما يرى النائم ، وإني لبين النائم واليقظان . إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ، ومعه بعير له ؛ ثم قال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ، وفلان وفلان ، فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر ، من أشراف قريش ، ثم رأيته ضرب في لَبَّة بعيره ، ثم (3 166) أرسله في العسكر ، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه .

قال : فبلغت أبا جهل ؛ فقال : وهذا أيضا نبي آخر من بني المطلب ، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا .

3 أبو سفيان يرسل إلى قريش يطلب منهم الرجوع

قال ابن إسحاق : ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره ، أرسل إلى قريش : إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها الله ، فارجعوا ؛ فقال أبو جهل بن هشام : والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب ، يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثا ، فننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونُسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها ، فامضوا .

3 الأخنس يرجع ببني زهرة

وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، وكان حليفا لبني زهرة و هم بالجحفة : يا بني زهرة ، قد نجَّى الله لكم أموالكم ، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل ، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله ، فاجعلوا لي جُبْنها وارجعوا ، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة ، لا ما يقول هذا ، يعني أبا جهل .

فرجعوا ، فلم يشهدها زُهري واحد ، أطاعوه وكان فيهم مطاعا .

ولم يكن بقي من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس ، إلا بني عدي بن كعب ، لم يخرج منهم رجل واحد ، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق ، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد ، ومشى القوم .

وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة ، فقالوا : والله لقد عرفنا يا بني هاشم ، وإن خرجتم (3 167) معنا ، أن هواكم لمع محمد . فرجع طالب إلى مكة مع من رجع . وقال طالب بن أبي طالب :

لاهُمّ إما يغزونّ طالبْ في عصبة محالف محاربْ

في مِقنب من هذه المقانب فليكن المسلوبَ غير السالب

وليكن المغلوب غير الغالب

قال ابن هشام : قوله : ( فليكن المسلوب ) ، وقوله ( وليكن المغلوب ) عن غير واحد من الرواة للشعر .

3 قريش تنزل بالعدوة والمسلمون ببدر

قال ابن إسحاق : ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي ، خلف العقنقل وبطن الوادي ، وهو يَلْيَل ، بين بدر و بين العقنقل ، الكثيب الذي خلفه قريش ، والقُلُب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة .

وبعث الله السماء ، وكان الوادي دهسا ، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبَّد لهم الأرض ، ولم يمنعهم عن السير ، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبادرهم إلى الماء ، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به .

3 الحُباب يشير على الرسول صلى الله عليه وسلم بمكان النزول

قال ابن إسحاق : فحُدثت عن رجال من بني سلمة ، أنهم ذكروا : أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ (3 168) قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي .

فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس ، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ، و بنى حوضا على القَليب الذي نزل عليه ، فمُلىء ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية .

3 بناء العريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث : أن سعد بن معاذ قال : يا نبي الله ، ألا نبني لك عريشا تكون فيه ، ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا ، كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى ، جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا ، فقد تخلف عنك أقوام ، يا نبي الله ، ما نحن بأشد لك حبا منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك الله بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك . فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ، ودعا له بخير . ثم بُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش ، فكان فيه .

3 ارتحال قريش ودعاء الرسول عليهم

قال ابن إسحاق : وقد ارتحلت قريش حين أصبحت ، فأقبلت ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تَصَوَّب من العقنقل - و هو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي - قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة . (3 169)

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر - إن يكن في أحد القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا .

وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري ، أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري ، بعث إلى قريش ، حين مروا به ، ابنا له بجزائره أهداها لهم ، وقال : إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا . قال : فأرسلوا إليه مع ابنه : أن وصلتك رحم ، قد قضيت الذي عليك ، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتل الله ، كما يزعم محمد ، فما لأحد بالله من طاقة .

3 إسلام ابن حزام

فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم . فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل ، إلا ما كان من حكيم بن حزام ، فإنه لم يقتل ، ثم أسلم بعد ذلك ، فحسن إسلامه . فكان إذا اجتهد في يمينه ، قال : لا والذي نجاني من يوم بدر .

3 محاولة قريش الرجوع عن القتال

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار ، قالوا : لما اطمأن القوم ، بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا : احزروا لنا أصحاب محمد ، قال : فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاث مائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد ؟ قال : فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئا ، فرجع إليهم فقال : ما وجدت شيئا ، ولكن (3 170) قد رأيت ، يا معشر قريش ، البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم ، حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم .

فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال : يا أبا الوليد ، إنك كبير قريش وسيدها ، والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ؛ قال : قد فعلت ، أنت علي بذلك ، إنما هو حليفي ، فعلي عقله وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظلية .

3 الحنظلية ونسبها

قال ابن هشام : والحنظلية أم أبي جهل ، وهي أسماء بنت مخُرِّبة ، أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره ، يعني أبا جهل بن هشام .

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا ، فقال : يا معشر قريش ، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله ، أو رجلا من عشيرته ، فارجعوا و خلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون . (3 171)

قال حكيم : فانطلقت حتى جئت أبا جهل ، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها ، فهو يهنئها . - قال ابن هشام : يهيئها - فقلت له : يا أبا الحكم ، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، للذي قال ؛ فقال : انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه ، فقد تخوفكم عليه . ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي ، فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فانشد خفرتك ، ومقتل أخيك . فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ : واعمراه ، واعمراه ، فحميت الحرب ، وحَقِب الناس ، واستوسقوا على ما هم عليه من الشر ، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة .

فلما بلغ عتبة قول أبي جهل ( انتفخ والله سحره ) ، قال : سيعلم مُصَفِّر استه من انتفخ سحره ، أنا أم هو ؟ .

قال ابن هشام : السَحْر : الرئة وما حولها مما يعلق بالحلقوم من فوق السرة . وما كان تحت السرة ، فهو القُصْب ، ومنه قوله : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار : قال ابن هشام : حدثني بذلك أبو عبيدة . (3 172)

ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته ؛ فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له .

3 مقتل الأسود بن عبدالأسد المخزومي

قال ابن إسحاق : وقد خرج الأسود بن عبدالأسد المخزومي ، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق ، فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه ؛ فلما خرج ، خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد - زعم - أن يبر يمينه ، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض .

3 دعاء عتبة إلى المبارزة

قال ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة ، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة ، وهم : عوف ، ومعوذ ، ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر ، يقال : هو عبدالله بن رواحة ؛ فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : رهط من الأنصار ؛ قالوا : ما لنا بكم من حاجة .

ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي ، فلما قاموا ودنوا منهم ، قالوا : من أنتم ؟ قال عبيدة : عبيدة ، وقال حمزة : حمزة ، وقال علي : علي ؛ قالوا : نعم ، أكفاء كرام .

فبارز عبيدة ، وكان أسن القوم ، عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ؛ وبارز علي الوليد بن عتبة .

فأما حمزة (3 173) فلم يمهل شيبة أن قتله ؛ وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله ؛ واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه ؛ وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه ، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه .

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار ، حين انتسبوا : أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا .

3 التقاء الفريقين

قال ابن إسحاق : ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم ، وقال : إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، معه أبو بكر الصديق .

3 تاريخ وقعة بدر

فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان .

قال ابن إسحاق : كما حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين .

3 ضرب الرسول ابن غزية

قال ابن إسحاق : وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزية ، حليف بن عدي بن النجار - قال ابن هشام : يقال : سوَّاد ؛ مثقلة ؛ وسواد في الأنصار غير هذا ، مخفف - وهو (3 174) مستنتل من الصف - قال ابن هشام : ويقال : مستنصل من الصف - فطعن في بطنه بالقدح وقال : استو يا سواد ، فقال : يا رسول الله ، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل ؛ قال : فأقدني .

فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، وقال : استقد ؛ قال : فاعتنقه فقبل بطنه ؛ فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يا رسول الله ، حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، وقاله له .

3 الرسول يناشد ربه النصر

قال ابن إسحاق : ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ، ورجع إلى العريش فدخله ، ومعه فيه أبو بكر الصديق ، ليس معه فيه غيره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ، وأبو بكر يقول : يا نبي الله : بعض مناشدتك ربك ، فإن الله منجز لك ما وعدك .

وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه فقال : أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله . هذا جبريل أخذ (3 175) بعنان فرس يقوده ، على ثناياه النقع .

3 أول شهيد من المسلمين

قال ابن إسحاق : وقد رمى مهجع ، مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل من المسلمين ؛ ثم رمى حارثة بن سراقة ، أحد بني عدي بن النجار ، وهو يشرب من الحوض ، بسهم فأصاب نحره ، فقتل .

3 الرسول يحرض على القتال

قال : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرصهم ، وقال : والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة . فقال عمير بن الحُمام أخو بني سلمة ، وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه ، فقاتل القوم حتى قتل .

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عوف ابن الحارث ، وهو ابن عفراء قال : يا رسول الله ، ما يضحك الرب (3 176) من عبده ؟ قال : غمسه يده في العدو حاسرا . فنـزع درعا كانت عليه فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل .

3 ما استفتح به أبو جهل

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبدالله بن ثعلبة بن صُعَير العذري ، حليف بني زهرة ، أنه حدثه : لما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قال أبو جهل بن هشام : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة . فكان هو المستفتح .

3 الرسول يرمي المشركين بالحصباء

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ، ثم قال : شاهت الوجوه ، ثم نضحهم بها ، وأمر أصحابه ، فقال : شدوا ؛ فكانت الهزيمة ، فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر من أشرافهم . فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، وسعد بن معاد قائم على باب العريش ، الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متوشح السيف ، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يخافون عليه كَرَّة العدو ، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم ؛ قال : أجل والله يا رسول الله ، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك احب إلي من استبقاء الرجال. (3 177)

3 نهى النبي عن قتل البعض وسببه

قال ابن إسحاق : وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد ، عن بعض أهله ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ : إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ، ولا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البَخْتَري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ، فإنه إنما أخرج مستكرها . قال : فقال أبوحذيفة : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا . ونترك العباس ، والله لئن لقيته لأُلْحِمنَّه السيف - قال ابن هشام : ويقال لأُلْجِمَنه السيف - قال : فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص - قال عمر : والله إنه لأول يوم كنَّاني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص - أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟ فقال عمر : يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف ، فوالله لقد نافق ، فكان أبو حذيفة يقول : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ، ولا أزال منها خائفا ، إلا أن تكفرها عني الشهادة ، فقتل يوم اليمامة شهيدا .

قال ابن إسحاق : وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، وكان لا يؤذيه ، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه ، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على وبني هاشم وبني المطلب ، فلقيه المجذر بن زياد البلوي ، حليف الأنصار ، ثم من بني سالم بن عوف ، فقال المجذر لأبي البختري : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك - ومع أبي البختري زميل له ، قد خرج معه من مكة ، وهو جنادة بن مُلَيحة (3 178) بنت زهير بن الحارث بن أسد ؛ وجنادة رجل من بني ليث . واسم أبي البختري : العاص - قال : وزميلي ؟ فقال له المجذر : لا والله ما ، نحن بتاركي زميلك ، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك ، فقال : لا والله ، إذن لأموتن أنا وهو جميعا ، لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة . فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبي إلا القتال ، يرتجز :

لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله

فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد . وقال المجذر بن زياد في قتله أبا البختري :

إما جهلت أو نسيت نسبي فأثبت النسبة أني من بَلي

الطاعنين برماح اليزني والضاربين الكبش حتى ينحني

بشر بيتم من أبوه البختري أو بشون بمثلها من بَني

أنا الذي يقال أصلي من بلى أطعن بالصعدة حتى تنثني

وأعبط القرن بعضب مشرفي أرزم للموت كإرزام المري

فلا ترى مجذرا يفري فري

قال ابن هشام : " المري " عن غير ابن إسحاق . والمري : الناقة التي يستنـزل لبنها على عسر . (3 179)

قال ابن إسحاق : ثم إن المجذر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به ، فأبى إلا أن يقاتلني ، فقاتلته فقتلته .

قال ابن هشام : أبو البختري : العاص بن هشام بن الحارث بن أسد .

3 مقتل أمية بن خلف

قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه ، قال ابن إسحاق : وحدثنيه أيضاً عبدالله بن أبي بكر وغيرهما ، عن عبدالرحمن بن عوف قال : كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة ، وكان اسمي عبد عمرو ، فتسميت حين أسلمت عبدالرحمن ونحن بمكة ، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول : يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبواك ؟ فأقول : نعم ؛ فيقول : فإني لا أعرف الرحمن ، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به ، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول ، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف ، قال : فكان إذا دعاني : يا عبد عمرو لم أجبه ، قال : فقلت له : يا أبا علي ، اجعل ما شئت ، قال : فأنت عبد الإله ، قال : فقلت : نعم ، قال : فكنت إذا مررت به ، قال : يا عبد الإله فأجيبه ، فأتحدث معه .

حتى إذا كان يوم بدر ، مررت به وهو واقف مع ابنه علي ابن أمية ، آخذ بيده ، ومعي أدراع قد استلبتها فأنا أحملها . فلما رآني قال لي : يا عبد عمرو فلم أجبه ، فقال : يا عبد الإله ، فقلت نعم ، هل لك فيّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك . قال قلت : نعم . ها الله ذا ! . قال فطرحت الأدراع من يدي ، وأخذت (3 180) بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما رأيت كاليوم قط ، أما لكم حاجة في اللبن ؟ قال ثم خرجت أمشي بهما.

قال ابن هشام : يريد باللبن ، أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن .

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالواحد بن أبي عون ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه عبدالرحمن بن عوف ، قال : قال لي أمية بن خلف ، وأنا بينه وبين ابنه ، آخذ بأيديهما : يا عبد الإله ، من الرجل منكم المُعْلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال : قلت : ذاك حمزة بن عبدالمطلب ؛ قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل .

قال عبدالرحمن : فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على ترك الإسلام ، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت ، فيضجعه على ظهره ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول : لا تزال هكذا أو تفارقَ دين محمد ؛ فيقول بلال : أحد أحد - قال : فلما رآه ؛ قال : رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا . قال : قلت : أي بلال ، أبأسيري ، قال : لا نجوت إن نجا . قال : قلت : أتسمع يا ابن السوداء ، قال : لا نجوت إن نجا . قال : ثم صرخ بأعلى صوته : يا أنصار الله ، رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا .

قال : فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المُسكة وأنا أذب عنه ، قال : فأخلف رجل السيف ، فضرب رجل ابنه فوقع ، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط . قال : فقلت : انج بنفسك ، ولا نجاء بك فوالله ما أغني عنك شيئا ، قال : فهبروهما (3 181) بأسيافهم ، حتى فرغوا منهما . قال : فكان عبدالرحمن يقول : يرحم الله بلالا ، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري .

3 الملائكة تشهد وقعة بدر

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله ابن أبي بكر أنه حُدث عن ابن عباس قال : حدثني رجل من بني غفار ، قال : أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ، ونحن مشركان ، ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة ، فننتهب مع من ينتهب ، قال : فبينا نحن في الجبل ، إذ دنت منا سحابة ، فسمعنا فيها حمحمة الخيل ، فسمعت قائلا يقول : أقدم حيزوم ؛ فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه ، فمات مكانه ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم تماسكت .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر ، عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة ، وكان شهد بدرا ، قال ، بعد أن ذهب بصره : لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك فيه ولا أتمارى .

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن رجال من بني مازن بن النجار ، عن أبي داود المازني ، وكان شهد بدرا ، قال : إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه ، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري . (3 182)

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مِقسم ، مولى عبدالله ابن الحارث ، عن عبدالله بن عباس ، قال : كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم ، ويوم حنين عمائم حمرا .

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم : أن علي بن أبي طالب قال : العمائم : تيجان العرب ، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا وقد أرخوها على ظهورهم ، إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء .

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام ، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون .

3 مقتل أبي جهل

قال ابن إسحاق : وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ، وهو يقاتل ويقول :

ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سني

لمثل هذا ولدتني أمي

3 شعار المسلمين ببدر

قال ابن هشام : وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : أحد أحد .

3 عود إلى مقتل أبي جهل

قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه ، أمر بأبي جهل أن يُلتمس في القتلى .

وكان أول من لقي أبا جهل ، كما حدثني ثور بن يزيد ، عن عكرمة ، (3 183) عن ابن عباس ، وعبدالله بن أبي بكر أيضاً قد حدثني ذلك ، قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح ، أخو بني سلمة : سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة - قال ابن هشام : الحرجة : الشجر الملتف . وفي الحديث عن عمر بن الخطاب : أنه سأل أعرابيا عن الحرجة ؛ فقال : هي شجرة من الأشجار لا يوصل إليها ، وهم يقولون : أبو الحكم لا يخُلص إليه .

قال : فلما سمعتها جعلته من شأني ، فصمدت نحوه ، فلما أمكنني حملت عليه ، فضربته ضربة أطنَّت قدمه بنصف ساقه ، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يُضرب بها .

قال : وضربني ابنه عكرمة على عاتقي ، فطرح يدي ، فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأسحبها خلفي ، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها .

قال ابن إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان .

ثم مر بأبي جهل وهو عقير ، معوذ بن عفراء ، فضربه حتى أثبته ، فتركه و به رمق . وقاتل معوذ حتى قتل ، فمر عبدالله بن مسعود بأبي جهل ، حين أمر رسول الله صلى الله عليه سلم أن يُلتمس في القتلى ، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - انظروا ، إن خفي عليكم في القتلى ، إلى أثر جرح في ركبته ، فإني ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبدالله بن جدعان ، ونحن غلامان ، وكنت أشف منه (3 184) بيسير ، فدفعته فوقع على ركبتيه ، فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به .

قال عبدالله بن مسعود : فوجدته بآخر رمق فعرفته ، فوضعت رجلي على عنقه - قال : وقد كان ضبث بي مرة بمكة ، فآذاني ولكزني ، ثم قلت له : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : وبماذا أخزاني ، أعمد من رجل قتلتموه ، أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال : قلت : لله ولرسوله .

قال ابن هشام : ضبث : قبض عليه ولزمه . قال ضابىء بن الحارث البرجمي :

فأصبت مما كان بيني وبينكم من الود مثل الضابث الماءَ باليدِ .

قال ابن هشام : ويقال : أعار على رجل قتلتموه ، أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟

3 رأس عدو الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وزعم رجال من بني مخزوم ، أن ابن مسعود كان يقول : قال لي : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رُوَيْعِيَّ الغنم ؛ قال : ثم احتززت رأسه (3 185) ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، هذا رأس عدو الله أبي جهل ؛ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آللهِ الذي لا إله غيره - قال : وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : فقلت : نعم ، والله الذي لا إله غيره ، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله .

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي : أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ، ومر به : إني أراك كأن في نفسك شيئا ، أراك تظن أني قتلت أباك ؛ إني لو قتله لم أعتذر إليك من قتله ، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة ، فأما أبوك فإني مررت به ، وهو يبحث بحث الثور برَوْقه فحُدْتُ عنه ، وقصد له ابن عمه علي فقتله .

3 حديث سيف عكاشة بن محصن

قال ابن إسحاق : وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي ، حليف بني عبد شمس بن عبد مناف ، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب ، فقال : قاتل بهذا يا عُكَّاشة ، فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه ، فعاد سيفا في يده طويل القامة ، شديد المتن ، أبيض الحديدة ، فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى : العون .

ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة ، وهو عنده ، قتله طليحة بن خويلد الأسدي ، فقال طليحة في ذلك : (3 186)

فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم أليسوا و إن لم يسلموا برجال

فإن تك أذاود أصبن ونسوة فلن تذهبوا فِرْغا بقتل حبال

نصبت لهم صدر الحِمالة إنها معاودة قِيلَ الكماة نزال

فيوما تراها في الجلال مصونة ويوما تراها غير ذات جلال

عشية غادرت ابن أقرم ثاويا وعكاشة الغنمي عند حجال

قال ابن هشام : حبال : ابن طليحة بن خويلد . وابن أقرم : ثابت بن أقرم الأنصاري .

قال ابن إسحاق : وعكاشة بن محصن الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ، قال : يارسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم ؛ قال : إنك منهم ، أو اللهم اجعله منهم ؛ فقام رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم ؛ فقال : سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغنا عن أهله : منا خير فارس في العرب ؛ قالوا : ومن هو يا رسول الله ؟ قال : عكاشة بن محصن ، فقال (3 187) ضرار بن الأزور الأسدي : ذلك رجل منا يا رسول الله ؛ قال : ليس منكم و لكنه منا للحلف .

3 حديث بين أبي بكر و ابنه عبدالرحمن يوم بدر

قال ابن هشام : ونادى أبو بكر الصديق ابنه عبدالرحمن ، وهو يومئذ مع المشركين ، فقال : أين مالي يا خبيث ؟ فقال عبدالرحمن :

لم يبق غير شِكَّة ويعبوبْ وصارم يقتل ضُلاَّل الشيبْ

فيما ذكر لي عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي .

3 طرح المشركين في القليب

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة ، قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، طرحوا فيه ، إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليحركوه ، فتزابل لحمه ، فأقروه ، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة .

فلما ألقاهم في القليب ، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا . قالت : فقال له أصحابه : يا رسول الله ، أتكلم قوما موتى ؟ فقال لهم : لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا .

قالت عائشة : والناس يقولون : لقد سمعوا ما قلت لهم ، وإنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد علموا .

قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل وهو يقول : يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، (3 188) ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام ، فعدد من كان منهم في القليب : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؛ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ؟ فقال المسلمون : يا رسول الله ، أتنادي قوما قد جيَّفوا ؟ قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني .

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هذه المقالة : يا أهل القليب ، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ؛ ثم قال : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ للمقالة التي قال .

3 شعر حسَّان في ذلك

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت :

عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحي في الورق القشيب (3 189)

تداولها الرياح وكل جون من الوسمي منهمر سكوب

فأمسى رسمها خلقا وأمست يبابا بعد ساكنها الحبيب

فدع عنك التذكر كل يوم ورُدَّ حرارة الصدر الكئيب

وخبر بالذي لا عيب فيه بصدق غير إخبار الكذوب

بما صنع المليك غداة بدر لنا في المشركين من النصيب

غداة كأن جمعهم حراء بدت أركانه جنح الغروب

فلاقيناهم منا بجمع كأُسْد الغاب مردان وشيب

أمام محمد قد وازروه على الأعداء في لفح الحروب

بأيديهم صورام مرهفات وكل مجرَّب خاظي الكعوب

بنو الأوس الغطارف وازرتها بنو النجار في الدين الصليب

فغادرنا أبا جهل صريعا وعتبة قد تركنا بالجبوب

وشيبة قد تركنا في رجال ذوي حسب إذا نسبوا حسيب

يناديهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القليب (3 190)

ألم تجدوا كلامي كان حقا وأمر الله يأخذ بالقلوب ؟

فما نطقوا ، ولو نطقوا لقالوا : صدقت وكنت ذا رأي مصيب !

قال ابن إسحاق : ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب ، أخذ عتبة بن ربيعة ، فسحب إلى القليب ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة ، فإذا هو كئيب قد تغير لونه ، فقال : يا أبا حذيفة ، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : لا ، والله يا رسول الله ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر ، بعد الذي كنت أرجو له ، أحزنني ذلك ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، وقال له خيرا .

3 ذكر الفتية الذين نزل فيهم : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) .

وكان الفتية الذين قتلوا ببدر ، فنزل فيهم من القرآن ، فيما ذكر لنا : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) . فتية مُسمَّين .

من بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : الحارث بن زمعة بن الأسود بن عبدالمطلب بن أسد .

ومن بني مخزوم : أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم .

ومن بني جمح : علي بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح . (3 191)

ومن بني سهم : العاص بن منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم .

وذلك أنهم كانوا أسلموا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا ، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا .

3 ذكر الفيء ببدر ، واختلاف المسلمين فيه

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر ، مما جمع الناس ، فجمع ، فاختلف المسلمون فيه ، فقال من جمعه : هو لنا ؛ وقال الذين كانوا يقاتلون العدو و يطلبونه : والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم ؛ وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو : والله ما أنتم بأحق به منا ، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله تعالى أكتافه ، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ، ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو ، فقمنا دونه ، فما أنتم بأحق به منا .

قال ابن اسحاق : وحدثني عبدالرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي - واسمه صدي بن عجلان فيما قال ابن هشام - قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال ؛ فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله ، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء . يقول : على السواء . (3 192)

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر ، قال : حدثني بعض بني ساعدة ، عن أبي أسيد الساعدي مالك بن ربيعة ، قال : أصبت سيف بني عائذ المخزوميين الذين يُسمَّى المرزبان يوم بدر ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل ، أقبلت حتى ألقيته في النفل . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئا سُئِلَه ، فعرفه الأرقم بن أبي الأرقم ، فسأله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاه إياه .

3 بشرى الفتح

قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبدالله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية ، بما فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة .

قال أسامة بن زيد : فأتانا الخبر - حين سوينا التراب على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي كانت عند عثمان بن عفان . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلَّفني عليها مع عثمان - أن زيد بن حارثة قد قدم . قال : فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس ، وهو يقول : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البختري العاص بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج . قال : قلت : يا أبت ، أحق هذا ؟ قال : نعم ، والله يا بني .

3 الرجوع إلى المدينة

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ، ومعه الأسارى من المشركين ، وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النَّفَل الذي أصيب من المشركين ، وجعل على النفل عبدالله بن كعب بن عمرو ابن عوف بن مبذول (3 193) بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ؛ فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام : يقال : إنه عدي بن أبي الزغباء :

أقم لها صدروها يا بسبسُ ليس بذي الطلح لها مُعرَّسُ

ولا بصحراء غُمير محبس إن مطايا لقوم لا تُخَيَّسُ

فحملها على الطريق أكيس قد نصر الله و فرّ الأخنس

3 تهنئة المسلمين الرسول صلى الله عليه وسلم بالفتح

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية - يقال له : سير - إلى سرحة به . فقسّم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء ، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين ، فقال لهم سلمة بن سلامة - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن رومان - : ما الذي تهنئوننا به ؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة ، فنحرناها ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أي ابن أخي ، أولئك الملأ .

قال ابن هشام : الملأ : الأشراف والرؤساء .

3 مقتل النضر وعقبة

قال ابن إسحاق : حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث ، قتله علي بن أبي طالب ، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة .

قال ابن إسحاق : ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قُتل عقبة بن أبي معيط .

قال ابن هشام : عرق الظبية عن غير ابن إسحاق . (3 194)

قال ابن إسحاق : والذي أسر عقبة : عبدالله بن سلمة أحد بني العجلان .

قال ابن إسحاق : فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله : فمن للصبية يا محمد ؟ قال : النار . فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ، أخو بني عمرو بن عوف ، كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر .

قال ابن هشام : ويقال قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم .

قال ابن إسحاق : ولقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك الموضع أبو هند ، مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا .

قال ابن هشام : الحميت : الزق ، وكان قد تخلف عن بدر ، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هو أبو هند امرؤ من الأنصار فأنكحوه ، وأنكحوا إليه ، ففعلوا .

قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر أن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة ، قال : قُدم بالأسارى حين قُدم بهم ، وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء ، في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء ، وذلك قبل أن يُضرب عليهن الحجاب . (3 195)

قال : تقول سودة : والله إني لعندهم إذ أُتينا ، فقيل : هؤلاء الأسارى ، قد أتى بهم . قالت : فرجعت إلى بيتي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، قالت : فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت : أي أبا يزيد : أعطيتم بأيديكم ، ألا متم كراما ، فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت : يا سودة ، أعلى الله ورسوله تحرضين ؟ قالت : قلت : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت .

3 الإيصاء بالأسارى

قال ابن إسحاق : وحدثني نبيه بن وهب ، أخو بني عبدالدار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه ، وقال : استوصوا بالأسارى خيرا . قال : وكان أبو عزيز ابن عمير بن هاشم ، أخو مصعب بن عمر لأبيه وأمه في الأسارى .

قال : فقال أبو عزيز : مرّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني ، فقال : شد يديك به ، فإن أمه ذات متاع ، لعلها تفديه منك ، قال : وكنت في رهط من الأنصار حين أقبوا بي من بدر ، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز ، وأكلوا التمر ، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها . قال : فأستحيي فأردها على أحدهم ، فيردها علي ما يمسها . (3 196)

3 بلوغ مصاب قريش في رجالها إلى مكة

قال ابن هشام : وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر النضر بن الحارث ، فلما قال أخوه مصعب بن عمير لأبي اليسر ، وهو الذي أسره ، ما قال ، قال له أبو عزيز : يا أخي ، هذه وصاتك بي ، فقال له مصعب : إنه أخي دونك . فسألت أمه عن أغلى ما فُدي به قرشي ، فقيل لها : أربعة آلاف درهم ، فبعثت بأربعة آلاف درهم ، ففدته بها .

قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان ابن عبدالله الخزاعي ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام ، فلما جعل يُعدد أشراف قريش ؛ قال صفوان بن أمية ، وهو قاعد في الحجر : والله إن يعقل هذا فاسئلوه عني ؛ فقالوا : و ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال : ها هو ذاك جالسا في الحجر ، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا .

قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، قال : قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنت غلاما للعباس بن عبدالمطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمتُ ، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه ، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة ، وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا ، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش ، كبته الله وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا .

قال : وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أعمل الأقداح ، أنحتها في حجرة (3 197) زمزم ، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجرة ، فكان ظهره إلى ظهري ؛ فبينما هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب - قال ابن هشام : واسم أبي سفيان المغيرة - قد قدم .

قال : فقال أبو لهب : هلم إلي ، فعندك لعمري الخبر ، قال : فجلس إليه والناس قيام عليه ، فقال : يا ابن أخي ، أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاءوا ، ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم الله مع ذلك ما لمتُ الناس ، لقينا رجالا بيضا ، على خيل بلق ، بين السماء والأرض ، والله ما تُليق شيئا ، ولا يقوم لها شيء .

قال أبو رافع : فرفعت طُنُب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك والله الملائكة ؛ قال : فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة . قال : وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ، ثم برك علي يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة ، وقالت : استضعفته (3 198) أن غاب عنه سيده ؛ فقام موليا ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعَدَسة فقتله .

3 قريش تنوح على قتلاها وشعر الأسود في رثاء أولاده

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : ناحت قريش على قتلاهم ، ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلغ محمد و أصحابه فيشمتوا بكم ؛ ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء .

قال : وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده ، زمعة بن الأسود ، وعقيل بن الأسود ، والحارث بن زمعة ، وكان يحب أن يبكي على بنيه ، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل ، فقال لغلام له ، وقد ذهب بصره : انظر هل أُحلّ النَّحْب ؛ هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة ، يعني زمعة ، فإن جوفي قد احترق .

قال : فلما رجع اليه الغلام قال : إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته . قال : فذاك حين يقول الأسود :

أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهودُ

فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود

على بدر سراة بني هصيص ومخزوم ورهط أبي الوليد

وبكّي إن بكيت على عقيل وبكّي حارثا أسد الأسود (3 199)

وبكيهم ولا تسمي جميعا وما لأبي حكيمة من نديد

ألا قد ساد بعدهم رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا

قال ابن هشام : هذا إقواء ، وهي مشهورة من أشعارهم ، وهي عندنا إكفاء . وقد سقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا .

3 فداء أسرى قريش وفداء أبي وداعة

قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن له بمكة ابنا كيِّسا تاجرا ذا مال ، وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه ؛ فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسرائكم ، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه ، قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى - : صدقتم ، لا تعجلوا ، وانسل من الليل فقدم المدينة ، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ، فانطلق به .

3 فداء سهيل بن عمرو

قال : ثم بعثت قريش في فداء الأسارى ، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو ، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم ، أخو بني سالم بن عوف ، فقال :

أسرتُ سهيلا فلا أبتغي أسيرا به من جميع الأممْ

وخندف تعلم أن الفتى فتاها سهيل إذا يظلم

ضربت بذي الشفر حتى انثنى وأكرهت نفسي على ذي العلم (3 200)

وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى .

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك بن الدخشم .

3 النهي عن التمثيل بالعدو

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء ، أخو بني عامر ابن لؤي : أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، دعني أنزعْ ثَنِيَّتَيْ سهيل بن عمرو ، ويدلع لسانه ، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا ؛ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا .

قال ابن إسحاق : وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث : إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه .

قال ابن هشام : وسأذكر حديث ذلك المقام في موضعه إن شاء الله تعالى .

قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم ، قالوا : هات الذي لنا ، قال : اجعلوا رجلي مكان رجله ، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه . فخلوا سبيل سهيل ، وحبسوا مكرزا مكانه عندهم ، فقال مكرز :

فديت بأذواد ثمان سبا فتى ينال الصميم غُرْمها لا المواليا

رهنت يدي والمال أيسر من يدي علي ولكني خشيت المخازيا (3 201)

وقلت سهيل خيرنا فاذهبوا به لأبنائنا حتى ندير الأمانيا

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا لمكرز .

3 أسر عمرو بن أبي سفيان و إطلاقه

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر ، قال : كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب ، وكان لبنت عقبة بن أبي معيط - قال ابن هشام : أم عمرو بن أبي سفيان بنت أبي عمرو ، وأخت أبي معيط بن أبي عمرو - أسيرا في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أسرى بدر .

قال ابن هشام : أسره علي بن أبي طالب .

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر ، قال : فقيل لأبي سفيان : افْدِ عمرا ابنك ؛ قال : أيجمع علي دمي ومالي ! قتلوا حنظلة ، وأفدي عمرا ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم .

قال : فبينما هو كذلك ، محبوس بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ خرج سعد بن النعمان بن أكَّال ، أخو بني عمرو بن عوف ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مُرَيَّة له ، وكان شيخا مسلما ، في غنم له بالنقيع ، فخرج من هنالك معتمرا ، ولا يخشى الذي صُنع به ، لم يظن أنه يحُبس بمكة ، إنما جاء معتمرا .

وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا ، أو معتمرا إلا بخير ؛ فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو ، ثم قال أبو سفيان :

أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا

فإن بني عمرو لئام أذلة لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا (3 202)

فأجابه حسَّان بن ثابت فقال :

لو كان سعد يوم مكة مطلقا لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا

بعضب حسام أبو بصفراء نبعة تحن إذا ما أُنبضتْ تحفز النبلا

ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره ، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبعثوا به إلى أبي سفيان ، فخلى سبيل سعد .

3 قصة زينب بنت الرسول وزوجها أبي العاص

قال ابن إسحاق : وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس ، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوج ابنته زينب .

قال ابن هشام : أسره خراش بن الصمة ، أحد بني حرام .

3 سبب زواج أبي العاص من زينب

قال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين : مالا ، وأمانة ، وتجارة ، وكان لهالة بنت خويلد ، وكانت خديحة خالته . فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها ، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي ، فزوجه ، وكانت تعده بمنزلة ولدها .

فلما أكرم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبوته آمنت به خديجة وبناته ، فصدقنه ، وشهدن أن ما جاء به الحق ، و دِنَّ بدينه ، وثبت أبو العاص على شركه .

3 قريش تشغل الرسول عليه الصلاة والسلام بطلاق بناته من أزواجهن

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوّج عتبة بن أبي لهب رقية ، أو أم كلثوم . فلما (3 203) بادى قريشا بأمر الله تعالى وبالعداوة ، قالوا : إنكم قد فرَّغتم محمدا من همه ، فردوا عليه بناته ، فاشغلوه بهن .

فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له : فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت ؛ قال : لا والله ، إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيرا ، فيما بلغني . ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب ، فقالوا له : طلق بنت محمد ونحن نُنكحك أي امرأة من قريش شئت ؛ فقال : إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص ، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها .

فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها ، ولم يكن دخل بها ، فأخرجها الله من يده كرامة لها ، وهوانا له ، وخلف عليها عثمان بن عفان بعده .

تحريم زينب على أبي العاص بن الربيع

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحُل بمكة ولا يحرم ، مغلوبا على أمره ؛ وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق بينهما ، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صارت قريش إلى بدر ، سار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارى يوم بدر ، فكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 رد المسلمين فدية زينب لأبي العاص

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد ، عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أُسَرَائهم ، بعثت زينب بنت (3 204) رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها ؛ قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : إن رأيتم أن تُطْلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها ، فافعلوا ؛ فقالوا : نعم يارسول الله . فأطلقوه ، وردوا عليها الذي لها .

2 خروج زينب إلى المدينة وما أصابها عند خروجها

3 تأهبها و إرسال الرسول رجلين ليصحباها

قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه ، أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، أن يخلي سبيل زينب إليه ، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه ، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو ، إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخُلِّي سبيله ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب ، فتصحباها حتى تأتياني بها .

فخرجا مكانهما ، وذلك بعد بدر بشهر أو شَيْعِه ، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فخرجت تجهز .

3 هند تحاول تعرف أمر زينب

قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر ، قال : حُدثت عن زينب أنها قالت : بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت : يا بنت محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق (3 205) بأبيك ؟ قالت : فقلت : ما أردت ذلك ؛ فقالت : أي ابنة عمي ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك ، أو بمال تتبلَّغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك ، فلا تضطني مني ، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال .

قالت : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ، قالت : ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك ، وتجهزت .

3 كنانة يرجع بزينب حتى تهدأ الأصوات ضدها

فلما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا ، فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقود بها ، وهي في هودج لها .

وتحدث بذلك رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طُوى ، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى ، والفهري ؛ فروّعها هبار بالرمح وهي في هودجها ، وكانت المرأة حاملا - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها ، وبرك حموها كنانة ، ونثر كنانته ، ثم قال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فتكركر الناس عنه .

وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال : أيها الرجل ، كف عنا نبلك حتى نكلمك ، فكف ؛ فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ، فقال : إنك لم تصب ، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس (3 206) إذا خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا ، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت ، وأن ذلك منا ضعف ووهن ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا في ذلك من ثُوْرة ، ولكن ارجع بالمرأة ، حتى إذا هدأت الأصوات ، وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسُلَّها سرا ، وألحقها بأبيها ؛ قال : ففعل .

فأقامت ليالي ، حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 شعر لأبي خيثمة في شأن زينب

قال ابن إسحاق : فقال عبدالله بن رواحة ، أو أبو خيثمة ، أخو بني سالم بن عوف ، في الذي كان من أمر زينب - قال ابن هشام : هي لأبي خيثمة - :

أتاني الذي لا يُقدر الناس قدره لزينب فيهم من عقوق ومأثم

وإخراجها لم يخُز فيها محمد على مأقط وبيننا عطر منشم

وأمسى أبوسفيان من حلف ضمضم ومن حربنا في رغم أنف ومندم

قرنَّا ابنه عمرا ومولى يمينه بذي حَلَق جلد الصلاصل محُكم (3 207)

فأقسمت لا تنفك منا كتائب سراة خميس في لهُام مُسوَّمِ

نزوع قريش الكفر حتى نعلَّها بخاطمة فوق الأنوف بميسم

ننزّلهم أكناف نجد ونخلة وإن يُتهموا بالخيل والرجل نتهم

يد الدهر حتى لا يعوَّج سِرْبُنا و نلحقهم آثار عاد وجرهم

ويندم قوم لم يطيعوا محمدا على أمرهم وأي حين تندُّم

فأبلغ أبا سفيان إما لقيته لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم

فأبشر بخزي في الحياة معجَّل وسربال قار خالدا في جهنم

قال ابن هشام : ويروى : وسربال نار .

3 الخلاف بين ابن إسحاق و ابن هشام في مولى يمين أبي سفيان

قال ابن إسحاق : ومولى يمين أبي سفيان ، الذي يعني : عامر بن الحضرمي : كان في الأسارى ، وكان حِلْف الحضرمي إلى حرب بن أمية .

قال ابن هشام : مولى يمين أبي سفيان ، الذي يعني : عقبة بن عبدالحارث بن الحضرمي ، فأما عامر بن الحضرمي فقتل يوم بدر .

3 شعر هند وكنانة في هجرة زينب

ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة ، فقالت لهم :

أفي السلم أعيار جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء العواركِ (3 208)

وقال كنانة بن الربيع في أمر زينب ، حين دفعها إلى الرجلين :

عجبت لهبار وأوباش قومه يريدون إخفاري ببنت محمد

ولست أبالي ما حييت عديدهم وما استجمعت قبضا يدي بالمهند

3 الرسول يستبيح دم هبار الذي روع ابنته زينب

قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبدالله بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي إسحاق الدوسي ، عن أبي هريرة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها ، فقال لنا : إن ظفرتم بهبار بن الأسود ، أو الرجل الآخر الذي سبق معه إلى زينب - قال ابن هشام : وقد سمى ابن إسحاق الرجل في حديثه ، وقال : هو نافع بن عبد قيس - فحرقوهما بالنار .

قال : فلما كان الغد بعث إلينا ، فقال : إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما .

2 إسلام أبي العاص بن الربيع

3 المسلمون يستولون على مال لأبي العاص ، وقدومه لاسترداده ، و إجارة زينب له

قال ابن إسحاق : وأقام أبو العاص بمكة ، وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، حين فرق بينهما الإسلام ، حتى إذا كان قبيل الفتح ، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام ، وكان رجلا مأمونا ، بمال له وأموال لرجال من قريش ، أبضعوها معه ، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا ، لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هاربا ، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله ، أقبل أبوالعاص تحت (3 209) الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستجار بها ، فأجارته ، وجاء في طلب ماله ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح - كما حدثني يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس معه ، صرخت زينب من صُفَّة النساء : أيها الناس ، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع

قال : فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس ، فقال : أيها الناس ، هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا : نعم ؛ قال : أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم ، إنه يجير على المسلمين أدناهم

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل على ابنته ، فقال : أي بُنيَّة ، أكرمي مثواه ، ولا يخلصن إليك ، فإنك لا تحلين له

3 المسلمون يردون على أبي العاص ماله ، وإسلامه بعد ذلك

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص ، فقال لهم : إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، و قد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له ، فإنا نحب ذلك ، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم ، فأنتم أحق به ؛ فقالوا : يا رسول الله ، بل نرده عليه ، فردوه عليه ، حتى إن الرجل ليأتي بالدلو ، ويأتي الرجل بالشَّنَّة وبالإداوة ، حتى إن أحدهم ليأتي بالشِّظاظ ، حتى ردوا عليه ماله بأسره ، لا (3 210) يفقد منه شيئا

ثم احتمله إلى مكة ، فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ، ومن كان أبضع معه ، ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؛ قالوا : لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما ، قال : فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 الرسول يرد زينب إلى أبي العاص

قال ابن إسحاق : وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول لم يحُدث شيئا بعد ست سنين .

3 مثل من أمانة أبي العاص زوج زينب ابنة الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة : أن أبا العاص بن الربيع لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين ، قيل له : هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال ، فإنها أموال المشركين ؟ فقال أبو العاص : بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي .

قال ابن هشام : وحدثني عبدالوارث بن سعيد التنوري ، عن داود (3 211) ابن أبي هند ، عن عامر الشعبي ، بنحو من حديث أبي عبيدة ، عن أبي العاص .

3 الذين أطلقوا من غير فداء

قال ابن إسحاق : فكان ممن سُمِّي لنا من الأسارى ممن مُنَّ عليه بغير فداء ، من بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس ، منَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفدائه .

ومن بني مخزوم بن يقظة : المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيدة بن عمر بن مخزوم ، كان لبعض بني الحارث بن الخزرج ، فَتُرك في أيديهم حتى خلوا سبيله . فلحق بقومه .

قال ابن هشام : أسره خالد بن زيد ، أبو أيوب الأنصاري ، أخو بني النجار .

قال ابن إسحاق : وصيفي بن أبي رفاعة بن عابد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، تُرك في أيدي أصحابه ، فلما لم يأت أحد في فدائه أخذوا عليه ليبعثن إليهم بفدائه ، فخلوا سبيله ، فلم يف لهم بشئ ؛ فقال حسَّان بن ثابت في ذلك :

وما كان صيفي لِيُوفي ذمة قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد

قال ابن هشام : وهذا البيت في أبيات له .

قال ابن إسحاق : وأبو عزة ، عمرو بن عبدالله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح ، كان محتاجا ذا بنات ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، لقد عرفت ما لي من مال ، وإني لذو حاجة ، وذو عيال ، فامنن علي ؛ فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عليه ألا يظاهر أحدا . (3 212) .

3 ما مدح به أبو عزة الرسول عندما أطلقه بغير فداء

فقال أبو عزة في ذلك ، يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذكر فضله في قومه :

من مبلغ عني الرسول محمدا بأنك حق والمليك حميدُ

وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى عليك من الله العظيم شهيد

وأنت امرؤ بُوِّئْتَ فينا مَباءة له درجات سهلة وصعود

فإنك من حاربته لمحارب شقي ومن سالمته لسعيد

ولكن إذا ذُكِّرتُ بدرا وأهله تأوَّب ما بي : حسرة وقعود

3 مقدار الفداء للأسير

قال ابن هشام : كان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل ، إلى ألف ردهم ، إلا من لا شيء له ، فمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه .

2 إسلام عمير بن وهب بعد تحريض صفوان له على قتل الرسول

3 صفوان يحرضه على قتل الرسول

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، قال : جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش في الحجر بيسير ، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويلقون منه عناء وهو بمكة ، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر .

قال ابن هشام : أسره رفاعة بن رافع أحد بني زريق . (3 213)

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، قال : فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان : والله إن في العيش بعدهم خير ؛ قال له عمير : صدقت والله ، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإن لي قبلهم علة : ابني أسير في أيديهم ؛ قال : فاغتنمها صفوان وقال : علي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أُواسيهم ما بقوا ، لا يسعني شيء ويعجز عنهم ؛ فقال له عمير : فاكتم شأني وشأنك ؛ قال : أفعل .

3 رؤية عمر له و إخباره الرسول بأمره

قال : ثم أمر عمير بسيفه ، فشُحذ له و سُمَّ ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ؛ فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، وما أراهم من عدوهم ، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف ، فقال : هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ، والله ما جاء إلا لشر ، وهو الذي حرش بيننا ، وحَزَرنا للقوم يوم بدر .

ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه ؛ قال : فأدخله علي ، قال : فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبَّبه بها ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار : ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده ، واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون ؛ ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم

فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ، قال : أرسله يا عمر ، ادن يا عمير ؛ فدنا ثم (3 214) قال : إنعموا صباحا ، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام : تحية أهل الجنة ، فقال : أما والله يا محمد ، إن كنت بها لحديث عهد ؛ قال : فما جاء بك يا عمير ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه ؛ قال : فما بال السيف في عنقك ؟ قال : قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنا شيئا ؟ قال : اصدقني ، ما الذي جئت له ؟ قال : ما جئت إلا لذلك .

قال : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بدَيْنك وعيالك ، على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك ؛ قال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق ، ثم شهد شهادة الحق .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقهوا أخاكم في دينه ، وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا له أسيره ، ففعلوا .

3 عمير يدعو إلى الإسلام في مكة

ثم قال : يا رسول الله ، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل ، وأنا أحب أن تأذن لي ، فأقدم مكة ، فأدعوهم إلى الله تعالى ، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، و إلى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ؟ قال : فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلحق بمكة .

وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب ، يقول : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر ، وكان صفوان (3 215) يسأل عنه الركبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبدا .

قال ابن إسحاق : فلما قدم عمير مكة ، أقام بها يدعو إلى الإسلام ، ويؤذي من خالفه أذى شديدا ، فأسلم على يديه ناس كثير .

3 من رأى إبليس عندما نكص على عقبيه يوم بدر ، و ما نزل في ذلك

قال ابن إسحاق : وعمير بن وهب ، أو الحارث بن هشام ، قد ذُكر لي أحدهما ، الذي رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر ، فقيل : أين ، أي سُراق ؟ ومثَلَ عدو الله فذهب ، فأنزل الله تعالى فيه : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ، وإني جار لكم ) . فذكر استدراج إبليس إياهم ، وتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم ، حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة في الحرب التي كانت بينهم .

يقول الله تعالى : ( فلما تراءت الفئتان ) . ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة ، قد أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على عدوهم ، ( نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) .

وصدق عدو (3 216) الله ، رأى ما لم يروا ، وقال : ( إني أخاف الله ، والله شديد العقاب ) . فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه ، حتى إذا كان يوم بدر ، والتقى الجمعان نكص على عقبيه ، فأوردهم ثم أسلمهم .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : نكص : رجع . قال أوس بن حجر ، أحد بني أسيد ابن عمرو بن تميم :

نكصتم على أعقابكم يوم جئتم تُزَجُّون أنفال الخميس العرمرم وهذا البيت في قصيدة له .

3 شعر حسَّان بن ثابت يفخر بقومه ويذكر خداع إبليس قريشا

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت :

قومي الذين هم آووا نبيهم وصدقوه وأهل الأرض كفارُ

إلا خصائص أقوام هم سلف للصالحين مع الأنصار أنصار

مستبشرين بقَسْم الله قولهم لما أتاهم كريم الأصل مختار

أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة نعم النبي ونعم القسم والجار

فأنزلوه بدار لا يخاف بها من كان جارهم دارا هي الدار

وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين وقسم الجاحد النار

سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا (3 217)

دلاَّهمُ بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن والاه غرّار

وقال إني لكم جار فأوردهم شر الموارد فيه الخزي والعار

ثم التقينا فولوا عن سَراتِهمُ من منجدين ومنهم فرقة غاروا

قال ابن هشام : أنشدني قوله ( لما أتاهم كريم الأصل مختار ) أبو زيد الأنصاري .

2 المطعمون من قريش

3 من بني هاشم

قال ابن إسحاق : وكان المطعمون من قريش ، ثم من بني هاشم بن عبد مناف : العباس بن عبدالمطلب بن هاشم .

3 من بني عبد شمس

ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .

3 من بني نوفل

ومن بني نوفل بن عبد مناف : الحارث بن عامر بن نوفل ، وطُعيمة ابن عدي بن نوفل ، يعتقبان ذلك .

3 من بني أسد

ومن بني أسد بن عبدالعزى : أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد . وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد : يعتقبان ذلك .

3 من بني عبدالدار

ومن بني عبدالدار بن قصي : النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف بن عبدالدار .

3 نسب النضر

قال ابن هشام : ويقال : النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار .

3 من بني مخزوم

قال ابن إسحاق : ومن بني مخزوم بن يقظة : أبا جهل بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم . (3 218)

3 من بني جمح

ومن بني جمح : أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح .

3 من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو : نُبَيْها و مُنَبِّها ابني الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم ، يعتقبان ذلك .

3 من بني عامر

ومن بني عامر بن لؤي : سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر .

2 أسماء خيل المسلمين يوم بدر

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم : أنه كان مع المسلمين يوم بدر من الخيل ، فرس مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، وكان يقال له : السبل ؛ وفرس المقداد بن عمرو البهراني ، وكان يقال له : بَعْزجة ، ويقال : سبحة ؛ وفرس الزبير بن العوام ، وكان يقال له : اليعسوب .

2 خيل المشركين

قال ابن هشام : ومع المشركين مائة فرس .

2 نزول سورة الأنفال تصف أحداث بدر

3 ما نزل في تقسيم الفيء بعد اختلاف المسلمين فيه

قال ابن إسحاق : فلما انقضى أمر بدر ، أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الأنفال بأسرها ، فكان مما نزل منها في اختلافهم في النفل حين اختلفوا فيه : ( يسئلونك عن الأنفال ، قل الأنفال لله والرسول ، فاتقوا الله (3 219) وأصلحوا ذات بينكم ، وأطيعوا الله رسوله إن كنتم مؤمنين ) .

فكان عبادة بن الصامت - فيما بلغني - إذا سئل عن الأنفال ، قال : فينا معشر أهل بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل يوم بدر ، فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا ؛ فرده على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمه بيننا عن بَوَاء - يقول : على السواء - وكان في ذلك تقوى الله وطاعته ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وصلاح ذات البين .

3 ما نزل في خروج المسلمين لملاقاة قريش

ثم ذكر القوم ومسيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف القوم أن قريشا قد ساروا إليهم ، وإنما خرجوا يريدون العير طمعا في الغنيمة ، فقال : ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) : أي كراهية للقاء القوم ، وإنكارا لمسير قريش ، حين ذُكروا لهم ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) : أي الغنيمة دون الحرب ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ، ويقطع دابر الكافرين ) : أي بالوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر ( إذ تستغيثون ربكم ) : أي لدعائهم حين نظروا إلى كثرة عدوهم ، وقلة عددهم ( فاستجاب لكم ) بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين . إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) : أي أنزلت عليكم الأمنة (3 220) حين نمتم لا تخافون ( وينزل عليكم من السماء ماء ) للمطر الذي أصابهم تلك الليلة ، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء ، وخلى سبيل المسلمين إليه ( ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) : أي ليذهب عنكم شك الشيطان ، لتخويفه إياهم عدوهم ، واستجلاد الأرض لهم ، حتى انتهوا إلى منزلهم الذي سبقوا اليه عدوهم .

3 ما نزل في تبشير المسلمين وتحريضهم على القتال

ثم قال تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) : أي آزروا الذين آمنوا . ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق ، واضربوا منهم كل بنان . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) ، ثم قال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا (3 221) زحفا فلا تولوهم الأدبار . ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، فقد باء بغضب من الله ، ومأواه جهنم وبئس المصير ) : أي تحريضا لهم على عدوهم لئلا ينكلوا عنهم إذا لقوهم ، وقد وعدهم فيهم ما وعدهم .

3 ما نزل في رمي الرسول المشركين بالحصباء

ثم قال تعالى في رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالحصباء من يده ، حين رماهم : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) : أي لم يكن ذلك برميتك ، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك ، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) : أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم ، وقلة عددهم ، ليعرفوا بذلك حقه ، ويشكروا بذلك نعمته . (3 222)

3 ما نزل في الاستفتاح

ثم قال : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) : أي لقول أبي جهل : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة . والاستفتاح : الإنصاف في الدعاء .

يقول الله جل ثناؤه : ( وإن تنتهوا ) : أي لقريش ( فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ) : أي بمثل الوقعة التي أصبناكم بها يوم بدر ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) : أي عددكم وكثرتكم في أنفسكم لن تغني عنكم شيئا ، وإني مع المؤمنين ، أنصرهم على من خالفهم .

3 القرآن يحض المسلمين على طاعة الرسول

ثم قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ، ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ) : أي لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله ، وتزعمون أنكم منه ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) : أي كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة ، ويسرون له المعصية ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) : أي المنافقين الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم ، بكم عن الخير ، صم عن الحق ، لا يعقلون : لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتباعة ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) : أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم ، ولو خرجوا معكم ( لتولوا وهم معرضون ) ، ما وفوا لكم بشيء مما خرجوا عليه . ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) : أي للحرب التي (3 223) أعزكم الله بها بعد الذل ، وقواكم بها بعد الضعف ، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم ، ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ، فآواكم وأيدكم بنصره ، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون . يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) : أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ، ثم تخالفوه في السر إلى غيره ، فإن ذلك هلاك لأماناتكم ، وخيانة لأنفسكم . ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ، ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم ، والله ذو الفضل العظيم ) : أي فصلا بين الحق والباطل ، ليظهر الله به حقكم ، ويطفىء به باطل من خالفكم .

3 تذكير الرسول بنعمة الله عليه

ثم ذكَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعمته عليه ، حين مكر به القوم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه ( ويمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين ) : أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم .

3 ما نزل في غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم

ثم ذكر غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم ، إذ قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك ) : أي ما جاء به محمد ( فأمطرْ علينا حجارة من السماء ) كما أمطرتها على قوم لوط ( أو ائتنا بعذاب أليم ) : أي بعض ما عذبت به الأمم قبلنا ، وكانوا يقولون : إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره ، ولم يعذب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها . وذلك من قولهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم ، حين نعى سوء أعمالهم : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) : أي لقولهم : إنا نستغفر ومحمد بين (3 224) أظهرنا ، ثم قال : ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) وإن كنت بين أظهرهم ، وإن كانوا يستغفرون كما يقولون ( وهم يصدون عن المسجد الحرام ) : أي من آمن بالله وعبده : أي أنت ومن اتبعك ، ( وما كانوا أولياءَه ، إنْ أولياؤه إلا المتقون ) الذين يحرمون حرمته ويقيمون الصلاة عنده : أي أنت ومن آمن بك ( ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما كان صلاتهم عند البيت ) التي يزعمون أنه يدفع بها عنهم ( إلا مكاء وتصدية ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : المكاء : الصفير . والتصدية : التصفيق . قال عنترة ابن عمرو بن شداد العبسي :

ولرب قرن قد تركت مجدلا تمكو فريصته كشدق الأعلم

يعني : خروج الدم من الطعنة ، كأنه الصفير . وهذا البيت في قصيدة له . وقال الطرماح بن حكيم الطائي :

لها كلما ريعت صداة وركدة بمصدان أعلى ابني شمام البوائن

وهذا البيت في قصيدة له . يعني الأروية ، يقول : إذا فزعت قرعت بيدها الصفاة ثم ركدت تسمع صدى قرعها بيدها الصفاة مثل التصفيق . والمصدان : الحرز . وابنا شمام : جبلان .

قال ابن إسحاق : وذلك ما لا يرضي الله عز وجل ولا يحبه ، (3 225) ولا ما افترض عليهم ، ولا ما أمرهم به ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) : أي لما أوقع بهم يوم بدر من القتل .

3 المدة بين ( يا أيها المزمل ) و بدر

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، عن عائشة قالت : ما كان بين نزول : ( يا أيها المزمل ) ، وقول الله تعالى فيها : ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا . إن لدينا أنكالا وجحيما . وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ) إلا يسير ، حتى أصاب الله قريشا بالوقعة يوم بدر .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : الأنكال : القيود ؛ واحدها : نِكْل . قال رؤبة بن العجاج :

يكفيك نِكْلِي بغي كل نكل

وهذا البيت في أرجوزة له .

3 ما نزل في معاوني أبي سفيان

قال ابن إسحاق : ثم قال الله عز وجل : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان ، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة ، فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففعلوا .

ثم قال : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وإن يعودوا ) لحربك ( فقد مضت سنة الأولين ) : أي من قتل منهم يوم بدر .

3 ما نزل من الأمر بقتال الكفار

ثم قال تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) : أي حتى لا يفتن (3 226) مؤمن عن دينه ، ويكون التوحيد لله خالصا ليس له فيه شريك ، ويخلع ما دونه من الأنداد ( فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير . وإن تولوا ) عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم ( فاعلموا أن الله مولاكم ) . الذي أعزكم ونصركم عليهم يوم بدر في كثرة عددهم وقلة عددكم ( نعم المولى ونعم النصير )

3 ما نزل في تقسيم الفيء واسباب النصر

ثم أعلمهم مقاسم الفيء وحكمه فيه ، حين أحله لهم ، فقال : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ) : أي يوم فرقت فيه بين الحق والباطل بقدرتي يوم التقتى الجمعان منكم ومنهم ( إذ أنتم بالعدوة الدينا ) من الوادي ( وهم بالعدوة القصوى ) من الوادي (3 227) إلى مكة ( والركب أسفل منكم ) أي عير أبي سفيان التي خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليمنعوها عن غير ميعاد منكم ولا منهم ( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) : أي ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ثم بلغكم كثر عددهم ، وقلة عددكم ما لقيتموهم ( ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا ) : أي ليقضي ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الكفر وأهله عن غير بلاء منكم ففعل ما أراد من ذلك بلطفه ، ثم قال : ( ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، وإن الله لسميع عليم ) . أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك .

3 ما نزل في لطفه تعالى به صلى الله عليه وسلم

ثم ذكر لطفه به وكيده له ، ثم قال : ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم ، إنه عليم بذات الصدور ) ، فكان ما أراك من ذلك نعمة من نعمه عليهم ، شجعهم بها على عدوهم ، وكف بها عنهم ما تخوف عليهم من ضعفهم ، لعلمه بما فيهم .

- قال ابن هشام : تُخوف : مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحاق ولم أذكرها .

( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) : أي ليؤلف بينهم على الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه ، والإنعام على من أراد إتمام النعمة عليه ، من أهل ولايته . (3 228)

3 ما نزل في وعظ المسلمين وتعليمهم فنون الحرب

ثم وعظهم وفهمهم وأعلمهم الذي ينبغي لهم أن يسيروا به في حربهم ، فقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ) تقاتلونهم في سبيل الله عز وجل ( فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) الذي له بذلتم أنفسكم ، والوفاء له بما أعطيتموه من بيعتكم ( لعلكم تفلحون . وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ) : أي لا تختلفوا فيتفرق أمركم ( وتذهب ريحكم ) : أي وتذهب حدتكم ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) : أي إني معكم إذا فعلتم ذلك ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ) : أي لا تكونوا كأبي جهل وأصحابه الذين قالوا : لا نرجع حتى نأتي بدرا فننحر به الجزر ونسقى بها الخمر ، وتعزف علينا فيها القيان ، وتسمع العرب أي : لا يكون أمركم رياء ، ولا سمعة ، ولا التماس ما عند الناس ، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم ، ومؤازرة نبيكم ، لا تعملوا إلا لذلك ولا تطلبوا غيره .

ثم قال تعالى : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ، وإني جار لكم ) .

قال ابن هشام : وقد مضى تفسير هذه الآية .

قال ابن إسحاق : ثم ذكر الله تعالى أهل الكفر ، وما يلقون عند موتهم ، ووصفهم بصفتهم ، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عنهم ، حتى انتهى إلى أن قال : ( فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ) : أي فنكل بهم من ورائهم لعلهم يعقلون ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) . . . إلى قوله تعالى : ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفَّ إليكم ، وأنتم لا تظلمون ) : أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة ، (3 229) وعاجل خلفه في الدنيا ، ثم قال تعالى : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) : أي إن دعوك إلى السلم على الإسلام فصالحهم عليه ( وتوكل على الله ) إن الله كافيك ( إنه هو السميع العليم ) .

3 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام : جنحوا للسلم : مالوا إليك للسلم . الجنوح : الميل .

قال لبيد بن ربيعة :

جنوح الهالكيَّ على يديه مكبا يجتلي نُقَب النصال

وهذا البيت في قصيدة له . يريد : الصيقل المكب على عمله . النقب : صدأ السيف . يجتلي : يجلو السيف .

والسلم أيضاً : الصلح ، وفي كتاب الله عز وجل : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ) ، ويقرأ : ( إلى السِّلم ) ، وهو ذلك المعنى .

قال زهير بن أبي سلمى :

وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا بمال ومعروف من القوم نسلم وهذا البيت في قصيدة له .

قال ابن هشام : وبلغني عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، أنه كان يقول : ( وإن جنحوا للسلم ) للإسلام . وفي كتاب الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) ويقرأ ( في السَّلم ) ، وهو الإسلام . قال أمية بن أبي الصلت :

فما أنابوا لسَلْم حين تنذرهم رسل الإله وما كانوا له عضدا

وهذا البيت في قصيدة له . وتقول العرب لدلو تعمل مستطيلة : السلم . قال طرفة بن العبد ، أحد بني قيس بن ثعلبة ، يصف ناقة له : (3 230)

لها مرفقان أفتلان كأنما تمر بسلمَيْ دالح متشدد

ويروى : دالج . وهذا البيت في قصيدة له .

( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ) هو من وراء ذلك . ( هو الذي أيدك بنصره ) بعد الضعف ( وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم ) على الهدى الذي بعثك الله به إليهم ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم ) بدينه الذي جمعهم عليه ( إنه عزيز حكيم ) .

ثم قال تعالى : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين . يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ، وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) : أي لا يقاتلون على نية ولا حق ولا معرفة بخير ولا شر .

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبدالله بن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ، اشتد على المسلمين ، وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين ، ومئة ألفا ، فخفف الله عنهم ، فنسختها الآية الآخرى ، فقال : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ، والله مع الصابرين ) . قال : فكانوا (3 231)إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم ، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم .

3 ما نزل في المغانم والأسارى

قال ابن إسحاق : ثم عاتبه الله تعالى في الأسارى ، وأخذ المغانم ، ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنما من عدو له .

قال ابن إسحاق : حدثني محمد أبو جعفر بن علي بن الحسين ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت جوامع الكلم ، وأحلت لي المغانم ولم تحلل لنبي كان قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، خمس لم يؤتهن نبي قبلي .

قال ابن إسحاق : فقال : ( ما كان لنبي ) : أي قبلك ( أن يكون له أسرى ) من عدوه ( حتى يثخن في الأرض ) ؛ أي يثخن عدوه ، حتى ينفيه من الأرض ( تريدون عرض الدنيا ) : أي المتاع ، الفداء بأخذ الرجال ( والله يريد الآخرة ) : أي قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره ، والذي تدرك به الآخرة ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ) : أي من الأسارى والمغانم ( عذاب عظيم ) أي لولا أنه سبق مني أني لا أعذب إلا بعد النهي ولم يك نهاهم ، لعذبتكم فيما صنعتم ، ثم أحلها له ولهم رحمة (3 232) منه ، وعائدة من الرحمن الرحيم ، فقال : ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ) . ثم قال : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم ، والله غفور رحيم ) .

3 الحض على التواصل والتواد والولاية بين المسلمين ، و ردّ المواريث إلى أهلها

وحض المسلمين على التواصل ، وجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية الدين دون من سواهم ، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض ، ثم قال : ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) : أي إلا يوال المؤمن المؤمن من دون الكافر ، وإن كان ذا رحم به : ( تكن فتنة في الأرض ) : أي شبهة في الحق والباطل ، وظهور الفساد في الأرض بتولي المؤمن الكافر دون المؤمن .

ثم رد المواريث إلى الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونهم إلى الأرحام التي بينهم ، فقال : ( والذين آمنوا من بعدُ وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) : أي بالميراث ( إن الله بكل شيء عليم ) .

2 من حضر بدرا من المسلمين

3 من شهدها من بني هاشم و المطلب

قال ابن إسحاق : وهذه تسمية من شهد بدرا من المسلمين ، ثم من قريش ، ثم من بني هاشم بن عبد مناف وبني المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة . (3 233)

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ، ابن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم ؛ وحمزة بن عبدالمطلب بن هاشم ، أسد الله ، وأسد رسوله ، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وعلي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم ؛ وزيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبدالعزى بن امرىء القيس الكلبي ، أنعم الله عليه ورسوله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن هشام : زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبدالعزى ابن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة .

قال ابن إسحاق : و أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأبو كبشة ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن هشام : أنسة : حبشي ، وأبو كبشة : فارسي .

قال ابن إسحاق : وأبو مرثد : كنَّاز بن حصن بن يربوع بن عمرو ابن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن جِلاَّن بن غنم بن غني بن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان .

قال ابن هشام : كناز بن حصين .

قال ابن إسحاق : وابنه مرثد بن أبي مرثد ، حليفا حمزة بن عبدالمطلب ؛ وعبيدة بن الحارث بن المطلب ؛ وأخواه الطفيل بن الحارث ، والحصين بن الحارث ؛ ومسطح ، واسمه : عوف بن أثاثة بن عباد ابن المطلب . اثنا عشر رجلا .

3 من بني عبد شمس

ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، تخلف على امرأته رقية بنت رسول (3 234) الله صلى الله عليه وسلم ، فضرب له رسول الله صلى الله عيه وسلم بسهمه ، قال : و أجري يا رسول الله ؟ قال : وأجرك ؛ وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ؛ وسالم ، مولى أبي حذيفة .

قال ابن هشام : واسم أبي حذيفة : مهشم .

3 نسب سالم

قال ابن هشام : وسالم ، سائبة لثبيتة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، سيبته فانقطع إلى أبي حذيفة فتبناه ؛ ويقال : كانت ثبيتة بنت يعار تحت أبي حذيفة بن عتبة ، فأعتقت سالما سائبة ، فقيل : سالم مولى أبي حذيفة .

قال ابن إسحاق : وزعموا أن صبيحا مولى أبي العاص بن أمية بن عبد شمس تجهز للخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مرض ، فحمل على بعيره أبا سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ؛ ثم شهد صُبيح بعد ذلك المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 من حلفاء بني عبد شمس

وشهد بدرا من حلفاء بني عبد شمس ، ثم من بني أسد بن خزيمة : عبدالله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد ؛ وعكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد ؛ وشجاع بن وهب بن ربيعة ابن أسد بن صهيب بن مالك بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد ؛ وأخوه عقبة بن وهب ؛ ويزيد بن رقيش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد ؛ وأبو سنان بن محصن بن حرثان بن قيس ، أخو عكاشة بن محصن ؛ وابنه سنان بن أبي سنان ؛ ومحرز بن نضلة بن عبدالله بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد ، وربيعة بن أكثم بن سخبرة بن (3 235) عمرو بن لكيز بن عامر ابن غنم بن دودان بن أسد .

3 من حلفاء بني كبير

ومن حلفاء بني كبير بن غنم بن دودان بن أسد : ثَقْفُ بن عمرو ، وأخواه : مالك بن عمرو ، ومدلج بن عمرو .

قال ابن هشام : مدلاج بن عمرو .

قال ابن إسحاق : وهم من بني حجر ، آل بني سليم . وأبو مخشي ، حليف لهم . ستة عشر رجلا .

قال ابن هشام : أبو مخشي : طائي ، واسمه : سويد بن مخشي .

3 من بني نوفل

قال ابن إسحاق : ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ؛ وخباب ؛ مولى عتبة بن غزوان - رجلان .

3 من بني أسد

ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ؛ وحاطب بن أبي بلتعة ؛ وسعد مولى حاطب . ثلاثة نفر .

قال ابن هشام : حاطب بن أبي بلتعة ، واسم أبي بلتعة : عمرو ، لخمي ، وسعد مولى حاطب ، كلبي .

3 من بني عبدالدار

قال ابن إسحاق : ومن بني عبدالدار بن قصي : مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي ؛ وسويبط بن سعد بن حريملة بن مالك بن عميلة بن السبَّاق بن عبدالدار بن قصي . رجلان .

3 من بني زهرة

ومن بني زهرة بن كلاب : عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ؛ وسعد بن أبي وقاص - وأبو وقاص (3 236) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة . وأخوه عمير بن أبي وقاص .

ومن حلفائهم : المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن زهير بن ثور بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن هزل بن قائش بن دُريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة .

قال ابن هشام : ويقال : هزل بن قاس بن ذر - ودهير بن ثور .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل ؛ ومسعود ابن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبدالعزى بن حمالة بن غالب بن مُحَلِّم بن عائذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة ، من القارة .

قال ابن هشام : القارة : لقب لهم . ويقال :

قد أنصف القارة من راماها

وكانوا رماة .

قال ابن إسحاق : وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان ابن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ، من خزاعة .

قال ابن هشام : وإنما قيل له : ذو الشمالين ، لأنه كان أعسر ، واسمه عمير .

قال ابن إسحاق : وخباب بن الأرت ؛ ثمانية نفر .

قال ابن هشام : خباب بن الأرت ، من بني تميم ، وله عقب ، وهم بالكوفة ؛ ويقال : خباب من خزاعة . (3 237)

3 من بني تيم

قال ابن إسحاق : ومن بني تيم بن مرة ؛ أبو بكر الصديق ، و اسمه عتيق بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم .

قال ابن هشام : اسم أبي بكر : عبدالله ، وعتيق : لقب ، لحسن وجهه وعتقه .

قال ابن إسحاق : وبلال ، مولى أبي بكر - وبلال مولد من مولدي بني جمح ، اشتراه أبو بكر من أمية بن خلف ، وهو بلال بن رباح ، لا عقب له - وعامر بن فهيرة .

قال ابن هشام : عامر بن فهيرة ، مولد من مولدي الأسد ، أسود ، اشتراه أبو بكر منهم .

قال ابن إسحاق : وصهيب بن سنان ، من النمر بن قاسط .

3 نسب النمر

قال ابن هشام : النمر : ابن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ؛ ويقال : أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار ، ويقال : صهيب ، مولى عبدالله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ؛ ويقال : إنه رومي . فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط : إنما كان أسيرا في الروم فاشتري منهم . وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : صهيب سابق الروم .

قال ابن إسحاق : وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، كان بالشأم ، فقدم بعد أن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر ، فكلمه ، فضرب له بسهمه ، فقال : وأجري يا رسول الله ؟ قال : وأجرك . خمسة نفر .

3 من بني مخزوم

قال ابن إسحاق : ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : أبو سلمة بن الأسد ، واسم أبي سلمة : عبدالله بن عبدالأسد بن هلال (3 238) بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ؛ وشماس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم .

3 سبب تسمية الشماس

قال ابن هشام : واسم شماس : عثمان ، وإنما سمي شماسا ، لأن شماسا من الشمامسة قدم مكة في الجاهلية ، وكان جميلا ، فعجب الناس من جماله . فقال عتبة بن ربيعة ، وكان خال شماس : ها أنا آتيكم بشماس أحسن منه ، فأتى بابن أخته عثمان بن عثمان فسمي شماسا ، فيما ذكر ابن شهاب الزهري وغيره .

قال ابن إسحاق : والأرقم بن أبي الأرقم ، واسم أبي الأرقم : عبد مناف بن أسد ، وكان يكنى : أبا جندب بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ؛ وعمار بن ياسر .

قال ابن هشام : عمار بن ياسر ، عنسي ، من مذحج .

قال ابن إسحاق : ومعتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو ، حليف لهم من خزاعة ، وهو الذي يدعى : عيهامة . خمسة نفر .

3 من بني عدي و حلفائهم

ومن بني عدي بن كعب : عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى ابن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي ؛ وأخوه زيد بن الخطاب ؛ ومهجع ، مولى عمر بن الخطاب ، من أهل اليمن ، وكان أول قتيل من المسلمين بين الصفين يوم بدر ، رمي بسهم .

قال ابن هشام : مهجع : من عك بن عدنان .

قال ابن إسحاق : وعمرو بن سراقة بن المعتمر بن أنس بن أذاة بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب ؛ وأخوه عبدالله بن سراقة ؛ وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن (3 239) ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، حليف لهم ؛ وخولي بن أبي خولي ؛ ومالك بن أبي خولي ، حليفان لهم .

قال ابن هشام : أبو خولي : من بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل .

قال ابن إسحاق : وعامر بن ربيعة ، حليف آل الخطاب ، من عنز بن وائل .

قال ابن هشام : عنز بن وائل : ابن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ؛ ويقال : أفصى : ابن دعمي بن جديلة .

قال ابن إسحاق : وعامر بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة، من بني سعد بن ليث ؛ وعاقل بن البكير ؛ وخالد بن البكير ، وإياس بن البكير ، حلفاء بني عدي بن كعب ؛ وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب ، قدم من الشأم بعد ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر ، فكلمه ، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه ؛ قال : وأجري يا رسول الله ؟ قال : وأجرك . أربعة عشر رجلا .

3 من بني جمح و حلفائهم

ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب : عثمان بن مظعون ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ؛ وابنه السائب بن عثمان ؛ وأخواه قدامة بن مظعون ؛ وعبدالله بن مظعون ؛ ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح . خمسة نفر .

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن خنيس بن حذافة ابن قيس بن عدي سعد بن سهم . رجل . (3 240)

3 من بني عامر

قال ابن إسحاق : من بني عامر بن لؤي ، ثم من بني مالك بن حسل ابن عامر : أبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ؛ وعبدالله بن مخرمة بن عبدالعزى بن قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك ؛ وعبدالله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل - كان خرج مع أبيه سهيل بن عمرو ، فلما نزل الناس بدرا فر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشهدها معه - وعمير بن عوف ، مولى سهيل بن عمرو ؛ وسعد بن خولة ، حليف لهم . خمسة نفر .

قال ابن هشام : سعد بن خولة ، من اليمن .

3 من بني الحارث

قال ابن إسحاق : ومن بني الحارث بن فهر : أبو عبيدة بن الجراح ، وهو عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ؛ وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ؛ وسهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أبي أهيب بن ضبة بن الحارث ؛ وأخوه صفوان بن وهب ، وهما ابنا بيضاء ؛ وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث . خمسة نفر .

3 عدد من شهد بدرا من المهاجرين

فجميع من شهد بدرا من المهاجرين ، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، ثلاثة وثمانون رجلا . (3 241)

قال ابن هشام : كثير من أهل العلم ، غير ابن إسحاق ، يذكرون في المهاجرين ببدر ، في بني عامر بن لؤي : وهب بن سعد بن أبي سرح ، وحاطب بن عمرو ؛ وفي بني الحارث بن فهر : عياض بن زهير .

2 من شهد بدرا من الأنصار

3 من بني عبدالأشهل

قال ابن إسحاق : وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ، ثم من الأنصار ، ثم من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ثم من بني عبدالأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس : سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن زيد بن عبدالأشهل ؛ وعمرو بن معاذ بن النعمان ؛ و الحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان ؛ والحارث بن أنس بن رافع بن امرىء القيس .

3 من بني عبيد بن كعب و حلفائهم

ومن بني عبيد بن كعب بن عبدالأشهل : سعد بن زيد بن مالك بن عبيد .

ومن بني زَعُورا بن عبدالأشهل - قال ابن هشام : ويقال : زَعْورا - سلمة بن سلامة بن وقش بن زُغْبة ؛ وعباد بن بشر بن وقش بن زغبة ابن زعورا ؛ وسلمة بن ثابت بن وقش ؛ ورافع بن يزيد بن كرز بن سكن بن زعورا ؛ والحارث بن خزمة بن عدي بن أبي بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج ، حليف لهم من بني عوف بن الخزرج ؛ ومحمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ، حليف لهم من بني حارثة بن الحارث ؛ وسلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ، حليف لهم من بني حارثة بن الحارث . (3 242)

قال ابن هشام : أسلم : ابن حَرِيس بن عدي .

قال ابن إسحاق : وأبو الهيثم بن التيهان ، وعبيد بن التيهان .

قال ابن هشام : ويقال : عتيك بن التيهان .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن سهل . خمسة عشر رجلا .

قال ابن هشام : عبدالله بن سهل : أخو بني زعورا ؛ ويقال : من غسان .

قال ابن إسحاق : ومن بني ظفر ، ثم من بني سواد بن كعب ، وكعب : هو ظفر - قال ابن هشام : ظفر : ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس - : قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد ؛ وعبيد بن أوس بن مالك بن سواد . رجلان .

3 سبب تسمية عبيد بمقرن

قال ابن هشام : عبيد بن أوس الذي يقال له : مقرن ، لأنه قرن أربعة أسرى في يوم بدر . وهو الذي أسر عقيل بن أبي طالب يومئذ .

3 من بني عبد بن رزاح و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني عبد بن رزاح بن كعب : نصر بن الحارث بن عبد ؛ ومعتب بن عبد .

ومن حلفائهم ، من بلي : عبدالله بن طارق . ثلاثة نفر .

3 من بني حارثة

ومن بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس : مسعود بن سعد بن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة .

قال ابن هشام : ويقال : مسعود بن عبد سعد .

قال ابن إسحاق : وأبو عبس بن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة بن حارثة . (3 243)

ومن حلفائهم ، ثم من بلي : أبو بردة بن نيار ، واسمه : هانىء بن نيار ابن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذيبان بن هميم بن كاهل بن ذهل بن هُنيّ بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة . ثلاثة نفر .

3 من بني عمرو

قال ابن إسحاق : ومن بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، ثم من بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف : عاصم ابن ثابت بن قيس ، - وقيس : أبو الأقلح بن عصمة بن مالك بن أمة ابن ضبيعة - ومعتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة ؛ وأبو مليل بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة ؛ وعمرو بن معبد بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة .

قال ابن هشام : عمير بن معبد .

قال ابن إسحاق : وسهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث : ابن عمرو ، وعمرو الذي يقال له : بحزج بن حنس بن عوف بن عمرو بن عوف . خمسة نفر .

3 من بني أمية

ومن بني أمية بن زيد بن مالك : مبشر بن عبدالمنذر بن زنبر بن زيد ابن أمية ؛ ورفاعة بن عبدالمنذر بن زنبر ؛ وسعد بن عبيد بن النعمان ابن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية ؛ وعويم بن ساعدة ؛ ورافع بن عُنْجدة - وعنجدة أمه ، فيما قال ابن هشام - وعبيد بن أبي عبيد ؛ وثعلبة بن حاطب .

وزعموا أن أبا لبابة بن عبدالمنذر ؛ والحارث بن حاطب خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعهما ، وأمَّر أبا لبابة على المدينة ، فضرب لهما بسهمين مع أصحاب بدر . تسعة نفر . (3 244)

قال ابن هشام : ردّهما من الروحاء .

قال ابن هشام : وحاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية ، واسم أبي لبابة : بشير .

3 من بني عبيد و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني عبيد بن زيد بن مالك : أُنيس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث بن عبيد .

ومن حلفائهم من بلي : معن بن عدي بن الجد بن العجلان بن ضبيعة ؛ وثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان ؛ وعبدالله بن سلمة ابن مالك بن الحارث بن عدي بن العجلان ؛ وزيد بن أسلم بن ثعلبة ابن عدي بن العجلان ؛ ورِبْعي بن رافع بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلان .

وخرج عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان ، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضرب له بسهمه مع أصحاب بدر . سبعة نفر .

3 من بني ثعلبة

ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف : عبدالله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك - واسم البرك : امرؤ القيس بن ثعلبة - وعاصم بن قيس .

قال ابن هشام : عاصم بن قيس : ابن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : وأبو ضيَّاح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة ؛ وأبو حنة . (3 245)

قال ابن هشام : وهو أخو أبي ضياح ؛ ويقال : أبو حبَّة . ويقال لامرئ القيس : البُرك بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : وسالم بن عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة .

قال ابن هشام : ويقال : ثابت : ابن عمرو بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : والحارث بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة ، وخوَّات بن جبير بن النعمان ، ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم مع أصحاب بدر . سبعة نفر .

3 من بني جحجبى و حلفائهم

ومن بني جحجبى بن كُلْفة بن عوف بن عمرو بن عوف : منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة .

قال ابن هشام : ويقال : الحريس بن جحجبى .

قال ابن إسحاق : ومن حلفائهم من بني أُنيف : أبو عقيل بن عبدالله ابن ثعلبة بن بَيْحان بن عامر بن الحارث بن مالك بن عامر بن أنيف ابن جشم بن عبدالله بن تيم بن إراش بن عامر بن عميلة بن قَسْميل ابن فَران بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة . رجلان .

قال ابن هشام : ويقال : تميم بن إراشة ، وقِسْميل بن فاران .

3 من بني غنم

قال ابن إسحاق : ومن بني غَنْم بن السَّلْم بن امرئ القيس بن مالك ابن الأوس : سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب (3 246) ابن النحَّاط بن كعب بن حارثة بن غنم ؛ ومنذر بن قدامة بن عرفجة ؛ ومالك بن قدامة بن عرفجة .

قال ابن هشام : عرفجة : ابن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة ابن غنم .

قال ابن إسحاق : والحارث بن عرفجة ؛ وتميم ، مولى بني غنم . خمسة نفر .

قال ابن هشام : تميم : مولى سعد بن خيثمة .

3 من بني معاوية و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف : جبر بن عتيك بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية ؛ ومالك بن نميلة ، حليف لهم من مزينة ؛ والنعمان بن عصر ، حليف لهم من بلي . ثلاثة نفر .

3 عدد من شهد بدرا من الأوس

فجميع من شهد بدرا من الأوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و من ضُرب له بسهمه و أجره ، أحد وستون رجلا .

3 من بني امرئ القيس

قال ابن إسحاق : و شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم من المسلمين ، ثم من الأنصار ، ثم من الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ثم من بني الحارث بن الخزرج ، ثم من بني امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج : (3 247) خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس ؛ وسعد بن ربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس ؛ وعبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس ؛ وخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس . أربعة نفر .

3 من بني زيد

ومن بني زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج : بشير بن سعد بن ثعلبة بن خِلاس بن زيد - قال ابن هشام : ويقال : جُلاس ، وهو عندنا خطأ - وأخوه سِماك بن سعد . رجلان .

3 من بني عدي

ومن بني عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج : سبيع ابن قيس بن عيشة بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي ؛ وعباد بن قيس بن عيشة ، أخوه .

قال ابن هشام : ويقال : قيس : ابن عَبَسة بن أمية .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن عَبْس . ثلاثة نفر .

3 من بني أحمر

ومن بني أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج : يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر ، وهو الذي يقال له : ابن فُسحم . رجل .

قال ابن هشام : فُسْحُم أمه ، وهي امرأة من القين بن جسر .

3 من بني جشم

قال ابن إسحاق : ومن بني جشم بن الحارث بن الخزرج ، وزيد بن الحارث بن الخزرج ، وهما التوءمان : خُبيب بن إساف بن عِتبة بن عمرو بن خَديج بن عامر بن جشم ؛ وعبدالله بن زيد بن ثعلبة (3 248) ابن عبد ربه بن زيد ؛ وأخوه حُريث بن زيد بن ثعلبة ؛ زعموا ، وسفيان بن بشر . أربعة نفر .

قال ابن هشام : سفيان بن نَسْر بن عمرو بن الحارث بن كعب بن زيد .

3 من بني جدارة

قال ابن إسحاق : ومن بني جِدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج : تميم بن يعار بن قيس بن عدي بن أمية بن جدارة ؛ وعبدالله بن عمير من بني حارثة .

قال ابن هشام : ويقال : عبدالله بن عُمير بن عدي بن أمية بن جدارة .

قال ابن إسحاق : وزيد بن المزيَّن بن قيس بن عدي بن أمية بن جدارة .

قال ابن هشام : زيد بن المُرَيّ .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن عُرْفطة بن عدي بن أمية بن جدارة . أربعة نفر .

3 من بني الأبجر

ومن بني الأبجر ، وهم بنو خُدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج : عبدالله بن ربيع بن قيس بن عمرو بن عبَّاد بن الأبجر . رجل .

3 من بني عوف

ومن بني عوف بن الخزرج ، ثم من بني عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج ، وهو بنو الحُبْلى - قال ابن هشام : الحبلى : سالم بن غنم بن عوف ، وإنما سمي الحبلى ، لعظم بطنه - : عبدالله ابن عبدالله بن أُبي بن مالك بن الحارث بن عبيد المشهور بابن سلول ، و إنما سلول امرأة ، وهي أم أبي ؛ وأوس بن خَوْليّ بن عبدالله بن الحارث بن عبيد . رجلان . (3 249)

3 من بني جزء و حلفائهم

ومن بن جَزْء بن عدي بن مالك بن سالم بن غنم : زيد بن وديعة بن عمرو بن قيس بن جزء ؛ وعقبة بن وهب بن كلدة ، حليف لهم من بني عبدالله بن غطفان ؛ ورفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة ابن مالك بن سالم بن غنم ؛ وعامر بن سلمة بن عامر ، حليف لهم من أهل اليمن .

قال ابن هشام : ويقال : عمرو بن سلمة ، وهو من بلي ، من قضاعة .

قال ابن إسحاق : وأبو حميضة معبد بن عباد بن قشير بن المقدَّم بن سالم بن غنم .

قال ابن هشام : معبد بن عبادة بن قَشْغَر بن المقدم ؛ ويقال : عبادة ابن قيس بن القُدْم .

و قال ابن إسحاق : وعامر بن البُكير ، حليف لهم . ستة نفر .

قال ابن هشام : عامر بن العُكير ؛ ويقال : عاصم بن العُكير .

3 من بني سالم

قال ابن إسحاق : ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن الخزرج ، ثم من بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم : نوفل بن عبدالله بن نضلة بن مالك بن العجلان . رجل .

3 من بني أصرم

ومن بني أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف - قال ابن هشام : هذا غنم بن عوف ، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف ابن الخزرج ، وغنم بن سالم ، الذي قبله على ما قال ابن إسحاق - : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم ؛ وأخوه أوس بن الصامت . رجلان . (3 250)

3 من بني دعد

ومن بني دعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم : النعمان بن مالك بن ثعلبة ابن دعد ، والنعمان الذي يقال له : قوقل . رجل .

ومن بني قُريوش بن غنم بن أمية بن لوذان بن سالم - قال ابن هشام : ويقال : قُريوس بن غنم - ثابت بن هزّال بن عمرو بن قريوش . رجل .

ومن بني مَرضخة بن غنم بن سالم : مالك بن الدخشم بن مرضخة . رجل .

قال ابن هشام : مالك بن الدُّخشم : ابن مالك بن الدخشم بن مرضخة .

3 من بني لوذان و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني لوذان بن سالم : ربيع بن إياس بن عمرو ابن غنم بن أمية بن لوذان ، وأخوه ورقة بن إياس ؛ وعمرو بن إياس ، حليف لهم من أهل اليمن . ثلاثة نفر .

قال ابن هشام : ويقال : عمرو بن إياس ، أخو ربيع وورقة .

قال ابن إسحاق : ومن حلفائهم من بلي ، ثم من بني غُصينة - قال ابن هشام : غصينة ، أمهم ، وأبوهم : عمرو بن عُمارة - المجذَّر بن ذياد بن عمرو بن زُمزمة بن عمرو بن عمارة بن مالك بن غصينة بن عمرو بن بُتيرة بن مَشْنُوّ بن قَسْر بن تيم بن إراش بن عامر (3 251) ابن عُميلة بن قِسْميل بن فران بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة .

قال ابن هشام : ويقال : قَسْر بن تميم بن إراشة ؛ وقسميل بن فاران . واسم المجذر : عبدالله .

قال ابن إسحاق : وعبادة بن الخشخاش بن عمرو بن زُمزمة ، ونحَّاب ابن ثعلبة بن حَزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة .

قال ابن هشام : ويقال : بحَّاث بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن ثعلبة بن حزمة بن أصرم . وزعموا أن عُتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية - حليف لهم - من بهراء ، قد شهد بدرا ، خمسة نفر .

قال ابن هشام : عتبة بن بهز ، من بني سليم .

3 من بني ساعدة

قال ابن إسحاق : ومن بني ساعدة بم كعب بن الخزرج ، ثم من بني ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة : أبو دجانة ، سماك بن خرشة .

قال ابن هشام : أبو دجانة : سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة . رجلان .

قال ابن هشام : ويقال : المنذر : ابن عمرو بن خَنْبش .

3 من بني البديّ و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني البدي بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة : أبو أُسيد مالك بن ربيعة بن البَدِيّ ؛ ومالك بن مسعود ، وهو إلى البدي . رجلان . (3 252)

قال ابن هشام : مالك بن مسعود : ابن البدي ، فيما ذكر لي بعض أهل العلم .

3 من بني طريف و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني طريف بن الخزرج بن ساعدة : عبد ربه ابن حَقّ بن أوس بن وقش بن ثعلبة بن طريف . رجل .

ومن حلفائهم ، من جهينة : كعب بن حمار بن ثعلبة .

قال ابن هشام : ويقال : كعب : ابن جمَّاز ، وهو من غُبْشان .

قال ابن إسحاق : وضمرة وزياد وبسبس ، بنو عمرو .

قال ابن هشام : ضمرة وزياد ، ابنا بشر .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن عامر ، من بلي . خمسة نفر .

3 من بني جشم

ومن بني جشم بن الخزرج ، ثم من بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ، ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة : خراش بن الصمة بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ؛ والحُباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام ؛ وعُمير بن الحُمام بن الجموح بن زيد بن حرام ؛ وتميم مولى خراش بن الصمة ؛ وعبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام ؛ ومعاذ بن عمرو بن الجموح ؛ ومعوذ بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ؛ وخلاد بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ؛ وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام ؛ وحبيب (3 253) بن أسود ، مولى لهم ؛ وثابت بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن حرام - و ثعلبة الذي يقال له : الجذع - ؛ و عمير بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن حرام . اثنا عشر رجلا .

3 نسب الجموح

قال ابن هشام : وكل ما كان ها هنا الجموح ، فهو الجموح بن زبد ابن حرام ، إلا ما كان من جدّ الصمة بن عمرو ، فإنه الجموح بن حرام .

قال ابن هشام : عمير بن الحارث : ابن لبدة بن ثعلبة .

3 من بني عبيد و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة ، ثم من بني خنساء بن سنان بن عبيد : بشر بن البراء بن معرور بن صخر بن مالك بن خنساء ؛ والطفيل بن مالك بن خنساء ؛ والطفيل ابن النعمان بن خنساء ؛ وسنان بن صيفي بن صخر بن خنساء ؛ وعبدالله بن الجَدّ بن قيس بن صخر بن خنساء ؛ وعتبة بن عبدالله ابن صخر بن خنساء ؛ وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء ؛ وخارجة ابن حُميِّر ؛ وعبدالله بن حمير ، حليفان لهم من أشجع ، من بني دهمان . تسعة نفر .

قال ابن هشام : ويقال : جبار بن صخر بن أمية بن خُناس .

3 من بني خناس

قال ابن إسحاق : ومن بني خناس بن سنان بن عبيد : يزيد بن المنذر ابن سرح بن خناس ، ومعقل بن المنذر بن سرح بن خناس ، وعبدالله ابن النعمان بن بَلْدمة .

قال ابن هشام : ويقال : بُلْذمة وبُلْدمة .

قال ابن إسحاق : والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن عدي ؛ وسواد بن زُريق بن ثعلبة بن عبيد بن عدي . (3 254)

قال ابن هشام : ويقال : سواد : ابن رِزْن بن زيد بن ثعلبة .

قال ابن إسحاق : ومعبد بن قيس بن صخر بن حرام بن ربيعة بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة . ويقال : معبد بن قيس : ابن صيفي بن صخر بن حرام بن ربيعة ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : وعبدالله بن قيس بن صخر بن حرام بن ربيعة بن عدي بن غنم . سبعة نفر .

3 من بني النعمان

ومن بني النعمان بن سنان بن عبيد : عبدالله بن عبد مناف بن النعمان ؛ وجابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان ؛ وخليدة بن قيس ابن النعمان ؛ والنعمان بن سنان ، مولى لهم . أربعة نفر .

3 من بني سواد

ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ، ثم من بني حَديدة بن عمرو بن غنم بن سواد - قال ابن هشام : عمرو بن سواد ، ليس لسواد ابن يقال له غنم - أبو المنذر ، وهو يزيد بن عامر بن حديدة ؛ وسُليم بن عمرو بن حديدة ؛ وقطبة بن عامر بن حديدة ؛ وعنترة ، مولى سُليم بن عمرو . أربعة نفر .

قال ابن هشام : عنترة ، من بني سُليم بن منصور ، ثم من بني ذكوان .

3 من بني عدي بن نابي

قال ابن إسحاق : ومن بني عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم : عبس بن عامر بن عدي ، وثعلبة بن غنم بن عدي ؛ وأبو اليَسَر ، وهو كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غنم بن سواد ؛ وسهل بن قيس بن أبي كعب بن القين بن كعب بن سواد ، وعمرو بن طلق بن زيد ابن أمية بن سنان بن كعب بن غنم ؛ ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عدي بن أُدي بن سعد بن علي ابن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم (3 255) بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر . ستة نفر .

قال ابن هشام : أوس : ابن عباد بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد .

قال ابن هشام : وإنما نَسبَ ابن إسحاق معاذ بن جبل في بني سواد ، وليس منهم ، لأنه فيهم .

3 تسمية من كسروا آلهة بني سلمة

قال ابن إسحاق : والذين كسروا آلهة بني سلمة : معاذ بن جبل ، وعبدالله بن أنيس ، وثعلبة بن غنمة ، وهم في بني سواد بن غنم .

3 من بني زريق

قال ابن إسحاق : ومن بني زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضْب بن جشم بن الخزرج ، ثم من بن مخلد بن عامر بن زريق - قال ابن هشام : ويقال : عامر : ابن الأزرق - : قيس بن محصن بن خالد بن مخلد .

قال ابن هشام : ويقال : قيس : ابن حصن .

قال ابن إسحاق : وأبوخالد ، وهو الحارث بن قيس بن خالد بن مخلد ؛ وجبير بن إياس بن خالد بن مخلد ؛ وأبو عبادة ، وهو سعد بن عثمان بن خلدة بن مخلد ، وأخوه عقبة بن عثمان بن خلدة بن مخلد ؛ وذكوان بن عبد قيس بن خلده بن مخلد ؛ ومسعود بن خلدة بن عامر بن مخلد . سبعة نفر .

3 من بني خالد

ومن بني خالد بن عامر بن زريق : عباد بن قيس بن عامر بن خالد . رجل .

3 من بني خلدة

ومن بني خلدة بن عامر بن زريق : أسعد بن يزيد بن الفاكه ابن زيد بن خلدة ؛ والفاكه بن بشر بن الفاكه بن زيد بن خلدة . (3 256)

قال ابن هشام : بُسر بن الفاكه .

قال ابن إسحاق : ومعاذ بن ماعص بن قيس بن خلدة ؛ وأخوه : عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة ؛ ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة . خمسة نفر .

3 من بني العجلان

ومن بني العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق : رفاعة بن العجلان ؛ وأخوه خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان ؛ وعبيد بن زيد بن عامر ابن العجلان . ثلاثة نفر .

3 من بني بياضة

ومن بني بياضة بن عامر بن زريق : زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان ابن عامر بن عدي بن أمية بن بياضة ؛ وفروة بن عمرو بن وذفة بن عبيد بن عامر بن بياضة .

قال ابن هشام : ويقال : ودفة .

قال ابن إسحاق : وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان بن عامر بن بياضة ؛ ورُجيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة .

قال ابن هشام : ويقال : رخيلة .

قال ابن إسحاق : وعطية بن نويرة بن عامر بن عطية بن عامر بن بياضة ؛ وخُليفة بن عدي بن عمرو بن مالك بن عامر بن فهيرة بن بياضة . ستة نفر .

قال ابن هشام : ويقال عليفة .

3 من بني حبيب

قال ابن إسحاق : ومن بني حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضْب ابن جشم بن الخزرج : رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن عدي بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب . رجل .

3 من بني النجار

قال ابن إسحاق : ومن بني النجار ، وهو تيم الله بن ثعلبة بن (3 257) عمرو بن الخزرح ، ثم من بنى غنم بن مالك بن النجار ، ثم من بني ثعلبة بن عبد عوف بن غنم : أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب ابن ثعلبة . رجل .

3 من بني عسيرة

ومن بني عُسيرة بن عبد عوف بن غنم : ثابت بن خالد بن النعمان ابن خنساء بن عسيرة . رجل .

قال ابن هشام : ويقال : عُسير ، وعُشيرة .

3 من بني عمرو

قال ابن إسحاق : ومن بني عمرو بن عوف بن غنم : عمارة بن حزم ابن زيد بن لوذان بن عمرو ، وسراقة بن كعب بن عبدالعزى بن غزية بن عمرو . رجلان .

3 من بني عبيد بن ثعلبة

ومن بني عبيد بن ثعلبة بن غنم : حارثة بن النعمان بن زيد بن عبيد ؛ وسُليم بن قيس بن قهد : واسم قهد : خالد بن قيس بن عبيد . رجلان .

قال ابن هشام : حارثة بن النعمان : ابن نفع بن زيد .

3 من بني عائذ و حلفائهم

قال ابن إسحاق : ومن بني عائذ بن ثعلبة بن غنم - ويقال : عابد فيما قال ابن هشام - : سهيل بن رافع بن أبي عمرو بن عائذ ؛ وعدي بن الزغباء ، حليف لهم من جهينة . رجلان .

3 من بني زيد

ومن بني زيد بن ثعلبة بن غنم : مسعود بن أوس بن زيد ؛ وأبو خزيمة بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد ؛ ورافع بن الحارث بن سواد ابن زيد . ثلاثة نفر .

3 من بني سواد و حلفائهم

ومن بني سواد بن مالك بن غنم : عوف ، ومعوذ ، ومعاذ ، بنو الحارث بن رفاعة بن سواد ؛ وهم بنو عفراء . (3 258)

3 نسب عفراء

قال ابن هشام : عفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنم بن مالك ابن النجار ؛ ويقال : رفاعة : ابن الحارث بن سواد .

قال ابن إسحاق : والنعمان بن عمرو بن رفاعة بن سواد ؛ ويقال : نعيمان ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : وعامر بن مخلد بن الحارث بن سواد ؛ وعبدالله بن قيس بن خالد بن خلدة بن الحارث بن سواد ؛ وعصيمة ، حليف لهم من أشجع ؛ ووديعة بن عمرو ، حليف لهم من جهينة ؛ وثابت بن عمرو بن زيد بن عدي بن سواد . وزعموا أن أبا الحمراء ، مولى الحارث بن عفراء ، قد شهد بدرا . عشرة نفر .

قال ابن هشام : أبو الحمراء ، مولى الحارث بن رفاعة .

3 من بني عامر بن مالك

قال ابن إسحاق : ومن بني عامر بن مالك بن النجار - وعامر : مبذول - ثم من بني عتيك بن عمرو بن مبذول : ثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمرو بن عتيك ؛ وسهل بن عتيك بن عمرو بن النعمان بن عتيك ؛ والحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك ، كسر به بالروحاء فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه . ثلاثة نفر .

3 من بني عمرو بن مالك

ومن بني عمرو بن مالك بن النجار - وهم بنو حديلة - ثم من بني قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار .

3 نسب حديلة

قال ابن هشام : حُدَيلة بنت مالك بن زيد الله بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ، وهي أم معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ، فبنو معاوية ينتسبون إليها .

قال ابن إسحاق : أُبي بن كعب بن قيس ؛ وأنس بن معاذ بن أنس بن قيس . رجلان .

3 من بني عدي بن عمرو

ومن بني عدي بن عمرو بن مالك بن النجار : (3 259)

- قال ابن هشام : وهم بنو مَغالة بنت عوف بن عبد مناة بن عمرو بن مالك بن كنانة بن خزيمة ؛ ويقال : إنها من بني زريق ، وهي أم عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، فبنو عدي ينسبون إليها - :

أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي ؛ وأبو شيخ أُبيّ بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي .

قال ابن هشام : أبو شيخ أبي بن ثابت ، أخو حسَّان بن ثابت .

قال ابن إسحاق : وأبو طلحة ، وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي . ثلاثة نفر .

3 من بني عدي بن النجار

ومن بني عدي بن النجار ، ثم من بني عدي بن عامر بن غنم بن النجار : حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر ؛ وعمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر ، وهو أبو حكيم ؛ وسليط بن قيس بن عمرو بن عتيك بن مالك بن عدي بن عامر ؛ وأبو سليط ، وهو أُسَيرْة بن عمرو ؛ وعمرو : أبو خارجة بن قيس بن مالك بن عدي بن عامر ؛ وثابت ابن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر؛ وعامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس بن مالك بن عدي بن عامر ؛ ومحُرز بن عامر بن مالك بن عدي بن عامر ؛ وسواد بن غزية بن أهيب ، حليف لهم من بَلىّ. ثمانية نفر . (3 260)

قال ابن هشام : ويقال : سواد .

3 من بني حرام بن جندب

قال ابن إسحاق : ومن بني حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي ابن النجار : أبو زيد ، قيس بن سكن بن قيس بن زعوراء بن حرام ، وأبو الأعور بن الحارث بن ظالم بن عبس بن حرام .

قال ابن هشام : ويقال : أبو الأعور : الحارث بن ظالم .

قال ابن إسحاق : وسليم بن ملحان ؛ وحرام بن ملحان - واسم ملحان : مالك بن خالد بن زيد بن حرام . أربعة نفر .

3 من بني مازن بن النجار وحلفائهم

ومن بني مازن بن النجار : ثم من بني عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار : قيس بن أبي صعصعة - واسم أبي صعصعة : عمرو بن زيد بن عوف - وعبدالله بن كعب بن عمرو بن عوف ؛ وعُصيمة ، حليف لهم من بني أسد بن خزيمة . ثلاثة نفر .

3 من بني خنساء بن مبذول

ومن بني خنساء بن مبذول بن عمرو بن مازن : أبو داود : عمير بن عامر بن مالك بن خنساء ؛ وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء . رجلان .

3 من بني ثعلبة بن مازن

ومن بني ثعلبة بن مازن بن النجار : قيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب بن الحارث بن ثعلبة . رجل .

3 من بني دينار بن النجار

ومن بني دينار بن النجار ، ثم من بني مسعود بن عبدالأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار : النعمان بن عبد عمرو بن مسعود ؛ والضحاك بن عبد عمرو بن مسعود ؛ وسليم بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن حارثة بن دينار ، وهو أخو الضحاك والنعمان ابني عبد عمرو ، لأمهما ؛ وجابر بن خالد بن عبدالأشهل بن حارثة ؛ وسعد ابن سهيل بن عبدالأشهل . خمسة نفر . (3 261)

ومن بني قيس بن مالك بن كعب بن حارثة بن ديناربن النجار : كعب بن زيد بن قيس : وبجير بن أبي بجير ، حليف لهم . رجلان .

قال ابن هشام : بجير : من عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان ، ثم من بني جذيمة بن رواحة .

3 عدد من شهد بدرا من الخزرج

قال ابن إسحاق : فجميع من شهد بدرا من الخزرج مئة وسبعون رجلا .

3 أسماء الذين فات ابن إسحاق ذكرهم

قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم يذكر في الخزرج ببدر ، في بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج : عِتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان ؛ ومُلَيْل بن وبرة بن خالد بن العجلان ؛ وعصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان .

وفي بني حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ، وهم في بني زريق بن هلال بن المعلى بن لوذان بن حارثة ابن عدي بن زيد بن ثعلبة بن مالك بن زيد مناة بن حبيب .

3 عدد من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار

قال ابن إسحاق : فجميع من شهد بدرا من المسلمين ، من المهاجرين والأنصار من شهدها منهم ، ومن ضرب له بسهمه وأجره ، ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا ؛ من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا ، ومن الأوس واحد وستون رجلا ، ومن الخزرج مئة وسبعون رجلا . (3 262)

2 من استشهد من المسلمين يوم بدر

3 القرشيون من بني عبدالمطلب

واستشهد من المسلمين يوم بدر ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من قريش ؛ ثم من بني عبدالمطلب بن عبد مناف : عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب ، قتله عتبة بن ربيعة ، قطع رجله ، فمات بالصفراء . رجل .

3 من بني زهرة

ومن بني زهرة بن كلاب : عمير بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وهو أخو سعد بن أبي وقاص ، فيما قال ابن هشام ؛ وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة ، حليف لهم من خزاعة ، ثم من بني غبشان . رجلان .

3 من بني عدي

ومن بني عدي بن كعب بن لؤي : عاقل بن البكير ، حليف لهم من ابن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ؛ ومهجع ، مولى عمر بن الخطاب . رجلان .

3 من بني الحارث بن فهر

ومن بني الحارث بن فهر : صفوان بن بيضاء رجل . ستة نفر .

3 ومن الأنصار

ومن الأنصار ، ثم من بني عمرو بن عوف : سعد بن خيثمة ؛ ومبشر ابن عبدالمنذر بن زنبر . رجلان .

3 من بني الحارث بن الخزرج

ومن بني الحارث بن الخزرج : يزيد بن الحارث ، وهو الذي يقال له : ابن فسحم . رجل . (3 263)

3 من بني سلمة

ومن بن سلمة ؛ ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة : عمير بن الحمام . رجل .

3 من بني حبيب

ومن بني حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم : رافع ابن المعلى . رجل .

3 من بني النجار

ومن بني النجار : حارثة بن سراقة بن الحارث . رجل .

3 من بني غنم

ومن بن غنم بن مالك بن النجار : عوف ومعوذ ، ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد ، وهما ابنا عفراء . رجلان . ثمانية نفر .

2 من قتل ببدر من المشركين

3 من عبد شمس

وقتل من المشركين يوم بدر من قريش ، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف : حنظلة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس ، قتله زيد بن حارثة ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما قال ابن هشام ؛ ويقال : اشترك فيه حمزة وعلي وزيد ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : والحارث بن الحضرمي ، وعامر بن الحضرمي ، حليفان لهم ، قتل عامرا : عمار بن ياسر ؛ وقتل الحارث : النعمان بن عصر ، حليف للأوس ؛ فيما قال ابن هشام . وعمير بن أبي عمير ، (3 264) وابنه : موليان لهم . قتل عمير بن أبي عمير : سالم ، مولى أبي حذيفة ؛ فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : وعبيدة بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبدشمس ، قتله الزبير بن العوام ، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية ، قتله علي بن أبي طالب . وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، أخو بني عمرو بن عوف ، صبرا .

قال ابن هشام : ويقال : قتله علي بن أبي طالب .

قال ابن إسحاق : وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، قتله عبيدة بن الحارث بن المطلب . (3 265)

قال ابن هشام : اشترك فيه هو وحمزة وعلي .

قال ابن إسحاق : وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، قتله حمزة بن عبدالمطلب ؛ والوليد بن عتبة بن ربيعة ، قتله علي بن أبي طالب ؛ وعامر بن عبدالله ، حليف لهم من بني أنمار بن بغيض ، قتله علي بن أبي طالب . اثنا عشر رجلا .

3 من بني نوفل

ومن بني نوفل بن عبد مناف : الحارث بن عمر بن نوفل ، قتله - فيما يذكرون - خبيب بن إساف ، أخو بني الحارث بن الخزرج ؛ وطعيمة بن عدي بن نوفل ، قتله علي بن أبي طالب ؛ ويقال : حمزة بن عبدالمطلب . رجلان .

3 من بني أسد

ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : زمعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد .

قال ابن هشام : قتله ثابت بن الجذع ، أخو بني حرام ، فيما قال ابن هشام .

ويقال : اشترك فيه حمزة وعلي بن أبي طالب وثابت .

قال ابن إسحاق : والحارث بن زمعة ، قتله عمار بن ياسر - فيما

قال ابن هشام - وعقيل بن الأسود بن المطلب ، قتله حمزة وعلي ، اشتركا فيه - فيما قال ابن هشام - وأبو البختري ، وهو العاص بن هشام بن الحارث بن أسد ، قتله المجذر بن ذياد البلوي .

قال ابن هشام : أبو البختري : العاص بن هاشم .

قال ابن إسحاق : ونوفل بن خويلد بن أسد ، وهو ابن العدوية ، عدي بن خزاعة ، وهو الذي قرن أبا بكر الصديق ، وطلحة بن عبيد الله (3 266) حين أسلما في حبل ، فكانا يسميان : القرينين لذلك ؛ - وكان من شياطين قريش - قتله علي بن أبي طالب . خمسة نفر .

3 من بني عبدالدار

ومن بني عبدالدار بن قصي : النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف بن عبدالدار ، قتله علي بن أبي طالب صبرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء ، فيما يذكرون .

قال ابن هشام : بالأثيل .

قال ابن هشام : ويقال : النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف .

قال ابن إسحاق : وزيد بن مليص ، مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار . رجلان .

قال ابن هشام : قتل زيد بن مليص بلال بن رباح ، مولى أبي بكر ؛ وزيد حليف لبني عبدالدار ، من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم ؛ ويقال : قتله المقداد بن عمرو .

3 من بني تيم بن مرة

قال ابن إسحاق : ومن بني تيم بن مرة : عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم .

قال ابن هشام : قتله علي بن أبي طالب ؛ ويقال : عبدالرحمن بن عوف .

قال ابن إسحاق : وعثمان بن مالك بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ابن كعب ، قتله صهيب بن سنان . رجلان .

3 من بني مخزوم

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : أبو جهل بن هشام - واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بني بن مخزوم - (3 267) ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ، فقطع رجله ، وضرب ابنه عكرمة يد معاذ فطرحها ، ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته ، ثم تركه وبه رمق ؛ ثم ذفف عليه عبدالله بن مسعود ، واحتز رأسه ، - حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُلتمس في القتلى - والعاص بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، قتله عمر بن الخطاب ؛ ويزيد بن عبدالله حليف لهم من بني تميم .

قال ابن هشام : ثم أحد بني عمرو بن تميم ، وكان شجاعا ، قتله عمار بن ياسر .

قال ابن إسحاق : وأبو مسافع الأشعري ، حليف لهم ، قتله أبو دجانة الساعدي - فيما قال ابن هشام - وحرملة بن عمرو ، حليف لهم .

قال ابن هشام : قتله خارجة بن زيد بن أبي زهير ، أخو بلحارث بن الخزرج ؛ ويقال : بل علي بن أبي طالب - فيما قال ابن هشام - وحرملة ، من الأسد .

قال ابن إسحاق : ومسعود بن أبي أمية بن المغيرة ، قتله علي بن أبي طالب - فيما قال ابن هشام - وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة .

قال ابن هشام : قتله حمزة بن عبدالمطلب .

قال ابن إسحاق : وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، قتله علي بن أبي طالب ؛ ويقال : قتله عمار بن ياسر ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : ورفاعة بن أبي رفاعة بن عابد بن عبدالله (3 268) ابن عمر بن مخزوم ، قتله سعد بن الربيع ، أخو بلحارث بن الخزرج ، - فيما قال ابن هشام - والمنذر بن أبي رفاعة بن عابد ، قتله معن بن عدي بن الجد بن العجلان ، حليف بني عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف ، فيماقال ابن هشام ؛ وعبدالله بن المنذر بن أبي رفاعة بن عابد ، قتله علي بن أبي طالب ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : والسائب بن أبي السائب بن عابد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم .

قال ابن هشام : السائب بن أبي السائب شريك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الشريك السائب ، لا يشاري ولا يماري ، وكان أسلم فحسن إسلامه - فيما بلغنا - والله أعلم .

وذكر ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عتبة ، عن ابن عباس :

أن السائب بن أبي السائب بن عابد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش ، وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين .

قال ابن هشام : وذكر غير ابن إسحاق : أن الذي قتله الزبير بن العوام .

قال ابن إسحاق : والأسود بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، قتله حمزة بن عبدالمطلب ؛ وحاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال (3 269) ابن هشام : ويقال : عائذ : ابن عمران بن مخزوم ؛ ويقال : حاجز بن السائب - والذي قتل حاجب بن السائب ، علي بن أبي طالب .

قال ابن إسحاق : وعويمر بن السائب بن عويمر ، قتله النعمان بن مالك القوقلي مبارزة ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : وعمرو بن سفيان ، وجابر بن سفيان ، حليفان لهم من طيء؛ قتل عمرا يزيد بن رقيش ، وقتل جابرا أبو بردة بن نيار ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : سبعة عشر رجلا .

3 من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي : منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم ، قتله أبو اليسر ، أخو بني سلمة ؛ وابنه العاص بن منبه بن الحجاج ، قتله علي بن أبي طالب فيما قال ابن هشام ؛ ونبيه بن الحجاج بن عامر ، قتله حمزة بن عبدالمطلب ، وسعد بن أبي وقاص اشتركا فيه ، فيما قال ابن هشام ؛ وأبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم .

قال ابن هشام : قتله علي بن أبي طالب ؛ و يقال : النعمان بن مالك القوقلي ؛ و يقال : أبو دجانة .

قال ابن إسحاق : وعاصم بن عوف بن ضبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم ، قتله أبو اليسر ، أخو بني سلمة ، فيما قال ابن هشام . خمسة نفر .

3 من بني جمح

ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي : أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، قتله رجل من الأنصار ، من بني مازن .

قال ابن هشام : و يقال : بل قتله معاذ بن عفراء ، وخارجة بن زيد ، وخبيب بن إساف ، اشتركوا في قتله .

قال ابن إسحاق : وابنه علي بن أمية بن خلف ، قتله عمار بن ياسر ؛ وأوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح ، قتله علي بن (3 270) أبي طالب فيما قال ابن هشام ؛ ويقال : قتله الحصين بن الحارث بن المطلب ، وعثمان بن مظعون ، اشتركا فيه ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : ثلاثة نفر .

3 من بني عامر

ومن بني عامر بن لؤي : معاوية بن عامر ، حليف لهم من عبدالقيس ، قتله علي بن أبي طالب ؛ ويقال : قتله عكاشة بن محصن ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : ومعبد بن وهب ، حليف لهم من بني كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث ، قتل معبدا خالد وإياس ابنا البكير ؛ ويقال : أبو دجانة ، فيما قال ابن هشام . رجلان .

3 عدد من قتل من المشركين يوم بدر

قال ابن هشام : فجميع من أحصي لنا من قتلى قريش يوم بدر . خمسون رجلا .

قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة ، عن أبي عمرو : أن قتلى بدر من المشركين كانو ا سبعين رجلا ، والأسرى كذلك ، وهو قول ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وفي كتاب الله تبارك وتعالى : ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ) يقوله لأصحاب أحد - وكان من استشهد منهم سبعين رجلا - يقول : قد أصبتم يوم بدر مثلَيْ من استشهد منكم يوم أحد ، سبعين قتيلا وسبعين أسيرا . وأنشدني أبو زيد الأنصاري ، لكعب بن مالك :

فأقام بالعطن المعطن منهم سبعون ، عتبة منهم والأسود

قال ابن هشام : يعني قتلى بدر . وهذا البيت في قصيدة له في حديث يوم أحد ، سأذكرها إن شاء الله تعالى في موضعها . (3 271)

3 من فات ابن إسحاق ذكرهم

قال ابن هشام : وممن لم يذكر ابن إسحاق من هؤلاء السبعين القتلى :

3 من بني عبد شمس

من بني عبد شمس بن عبد مناف : وهب بن الحارث ، من بني أنمار بن بغيض ، حليف لهم ؛ وعامر بن زيد ، حليف لهم من اليمن . رجلان .

3 من بني أسد

ومن بني أسد بن عبدالعزى : عقبة بن زيد ، حليف لهم من اليمن ؛ وعمير مولى لهم . رجلان .

3 من بني عبدالدار

ومن بني عبدالدار بن قصي : نبيه بن زيد بن مليص ؛ وعبيد بن سليط ، حليف لهم من قيس . رجلان .

3 من بني تيم

ومن بني تيم بن مرة : مالك بن عبيد الله بن عثمان ، وهو أخو طلحة بن عبيد الله بن عثمان ، أسر فمات في الأسارى ، فعد في القتلى ؛ ويقال : وعمرو بن عبدالله بن جدعان . رجلان .

3 من بني مخزوم

ومن بني مخزوم بن يقظة : حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة ، قتله سعد ابن أبي وقاص ، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة ، قتله صهيب بن سنان ؛ وزهير بن أبي رفاعة ، قتله أبو أسيد مالك بن ربيعة ؛ والسائب بن أبي رفاعة ، قتله عبدالرحمن بن عوف ؛ وعائذ بن السائب بن عويمر ، أسر ثم افتدي فمات في الطريق من جراحة جرحه إياها حمزة بن عبدالمطلب ؛ وعمير حليف لهم من طيئ ؛ وخيار ، حليف لهم من القارة . سبعة نفر . (3 272)

3 من بني جمح

ومن بني جمح بن عمرو : سبرة بن مالك ، حليف لهم . رجل .

3 من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو : الحارث بن منبه بن الحجاج ، قتله صهيب بن سنان ؛ وعامر بن عوف بن ضبيرة ، أخو عاصم بن ضبيرة ، قتله عبدالله بن سلمة العجلاني ، ويقال : أبو دجانة . رجلان .

2 ذكر أسرى قريش يوم بدر

3 من بني هاشم

قال ابن إسحاق : وأسر من المشركين من قريش يوم بدر ، من بني هاشم بن عبد مناف : عَقِيل بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم ؛ ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم .

3 من بني المطلب

ومن بني المطلب بن عبد مناف : السائب بن عُبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ، ونُعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب . رجلان . (3 273)

3 من بني عبد شمس وحلفائهم

ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : عمرو بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس ؛ والحارث بن أبي وجزة بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس .ويقال : ابن أبي وحرة ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : وأبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن (عبد) شمس ؛وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس .

ومن حلفائهم : أبو ريشة بن أبي عمرو ؛وعمرو بن الأزرق ؛ وعقبة ابن عبدالحارث بن الحضرمي .سبعة نفر.

3 من بني نوفل وحلفائهم

ومن بني نوفل بن عبد مناف : عدي بن الخِيار بن عدي بن نوفل؛ وعثمان بن عبد شمس ابن أخي غزاون بن جابر ،حليف لهم من بني مازن بن منصور ؛وأبو ثور ،حليف لهم .ثلاثة نفر .

3 من بني عبدالدار وحلفائهم

ومن بني عبدالدار بن قصي : أبو عزيز بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبدالدار ؛والأسود بن عامر ،حليف لهم .ويقولون : نحن بنو الأسود بن عامر بن عمرو بن الحارث بن السبَّاق . رجلان .

3 من بني أسد وحلفائهم

ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي : السائب بن أبي حُبيش ابن المطلب بن أسد ؛ والحويرث بن عبَّاد بن عثمان بن أسد .

قال ابن هشام : هو الحارث بن عائذ بن عثمان بن أسد .

قال ابن إسحاق : وسالم بن شمَّاخ ، حليف لهم . ثلاثة نفر .

3 من بني مخزوم

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة : خالد بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ؛ وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة والوليد بن الوليد بن المغيرة ؛ وعثمان بن عبدالله بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ؛ وصَيفي بن أبي رِفاعة بن عابد بن (3 274) عبدالله وأبو المنذر بن أبي رفاعة بن عابد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وأبو عطاء عبدالله بن أبي السائب بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، والمطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم ؛ وخالد بن الأعلم ، حليف لهم . وهو كان - فيما يذكرون - أول من ولى فاراً منهزماً ، وهو الذي يقول :

ولسنا على الأدبار تَدمى كُلومنا ولكن على أقدامنا يَقطر الدم

تسعة نفر

قال ابن هشام : ويروى : " لسنا على الأعقاب " .

وخالد بن الأعلم ، من خزاعة ؛ ويقال : عُقيليّ .

3 من بني سهم

قال ابن إسحاق : ومن بني سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب : أبو وَداعة بن ضُبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم ، كان أول أسير أُفتدي من أسرى بدر ، افتداه ابنه المطلب بن أبي وداعة ؛ وفَروة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سعد بن سهم ، وحنظلة بن قبيصة بن حذافة بن سعد بن سهم ، والحجاج بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم . أربعة نفر .

3 من بني جُمح

ومن بني جمح بن عمرو بن هُصيص بن كعب : عبدالله بن أُبيّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ؛ وأبو عزة عمرو بن عبد بن عثمان بن وهيب بن حذافة بن جمح ؛ والفاكه ، مولى أمية بن خلف ، ادَّعاها بعد ذلك ربَاح بن المُغترف ، وهو يزعم أنه من بني شمَّاخ بن محارب بن فهر - ويقال : إن الفاكه : ابن جَرول بن حِذيم بن عوف بن غضب بن شماخ بن محارب بن فهر (3 275) ووهب بن عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ؛ وربيعة بن دراج بن العَنبس بن أُهبان بن وهب بن حذافة بن جمح .خمسة نفر .

3 من بني عامر

ومن بني عامر بن لؤي : سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسل بن عامر ، أسره مالك بن الدُخشم ، أخو بني سالم بن عوف وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وعبدالرحمن ابن مشنوء بن وقدان بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن مالك ابن حسل بن عامر . ثلاثة نفر .

3 من بني الحارث

ومن بني الحارث بن فِهر : الطفيل بن أبي قُنيع ؛ وعتبة بن عمرو بن جَحدم . رجلان .

قال ابن إسحاق : فجيمع من حُفِظ لنا من الأسارى ثلاثة وأربعون رجلا .

3 ما فات ابن إسحاق ذكرهم

قال ابن هشام : وقع من جملة العدد رجل لم نذكر اسمه ، وممن لم يذكر ابن إسحاق من الأسارى :

3 من بني هاشم

من بني هاشم بن عبد مناف : عُتبة ، حليف لهم ، من بني فِهر . رجل .

3 من بني المطلب

ومن بني المطلب بن عبد مناف : عقيل بن عمرو ، حليف لهم ؛ وأخوه تميم بن عمرو ؛ وابنه . ثلاثة نفر .

3 من بني عبد شمس

ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : خالد بن أسيد بن أبي العيص ؛ وأبو العريض يسار ، مولى العاص بن أمية . رجلان .

3 من بني نوفل

ومن بني نوفل بن عبد مناف : نبهان ، مولى لهم . رجل . (3 276)

3 من بني أسد

ومن بني أسد بن عبدالعزى : عبدالله بن حُميد بن زهير بن الحارث . رجل .

3 من بني عبدالدار

ومن بني عبدالدار بن قصي : عَقيل ، حليف لهم من اليمن .رجل .

3 من بني تَيم

ومن بني تَيم بن مرة : مُسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم ؛ وجابر بن الزبير ؛ حليف لهم . رجلان .

3 من بني مخزوم

ومن بني مخزوم بن يقظة : قيس بن السائب . رجل .

3 من بني جمح

ومن بني جمح بن عمرو : عمرو بن أُبيّ بن خلف ؛ وأبو رُهم بن عبدالله ، حليف لهم ؛ وحليف لهم ذهب عني اسمُه ؛ وموليان لأمية بن خلف ، أحدهما نِسطاس ؛ وأبو رافع ، غلام أمية بن خلف . ستة نفر .

3 من بني سهم

ومن بني سهم بن عمرو : أسلم ، مولى نُبيه بن الحجاج . رجل .

3 من بني عامر

ومن بني عامر بن لؤي : حبيب بن جابر ؛ والسائب بن مالك . رجلان .

3 من بني الحارث

ومن بني الحارث بن فهر : شافع وشفيع ، حليفان لهم من أرض اليمن . رجلان . (3 277)

2 ما قيل من الشعر في يوم بدر

3 ما قاله حمزة بن عبدالمطلب

قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الشعر في يوم بدر ، وترادَّ به القوم بينهم لما كان فيه ، قول حمزة بن عبدالمطلب يرحمه الله :

- قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها ونقيضتها - :

ألم تر أمراً كان من عجبِ الدهرِ وللحَين أسبابٌ مبَينة الأمرِ

وما ذاك إلا أن قوما أفادهم فخانوا تواصٍ بالعُقوق وبالكفرِ

عشيَّة راحوا نحو بدر بجمعهم فكانوا رهونا للرَّكيَّة من بدرِ

وكنا طلبنا العير لم نبغِ غيرها فساروا إلينا فالتقينا على قدرِ

فلما التقينا لم تكن مثنويةٌ لنا غير طعن بالمثقَّفة السمرِ

وضرب ببيض يختلي الهام حدَّها مشهَّرة الألوان بينةِ الأُثرِ

ونحن تركنا عُتبة الغي ثاويا وشيبة في القتلى تجرجم في الجفر

وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم فشُقت جيوب النائحات على عمرو

جيوب نساء من لؤي بن غالب كرامٍ تفرَّعن الذوائبَ من فِهرِ

أولئك قوم قُتِّلوا في ضلالهم وخلَّوا لواءً غير محتضِر النصرِ

(3 278)

لواء ضلال قاد إبليس أهله فخاس بهم ، إن الخبيث إلى غدر

وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا برئت إليكم ما بي اليوم من صبر

فإني أرى ما لا ترون وإنني أخاف عقاب الله والله ذو قَسرِ

فقدمهم للحَين حتى تورطوا وكان بما لم يَخبُرِ القومُ ذا خُبرِ

فكانوا غداة البئر ألفا وجمعُنا ثلاثُ مئين كالمسدمة الزُهرِ

وفينا جنود الله حين يمدنا بهم في مقام ثمَّ مستوضَح الذكر

فشدَّ بهم جبريل تحت لوائنا لدى مأزق فيه مناياهم تجري

3 رد هشام بن المغير ة على ما قاله حمزة

فأجابه الحارث ابن هشام بن المغيرة ، فقال

ألا يا لقومي للصبابة والهجر وللحزن مني والحرارة في الصدر

وللدمع من عينيَّ جوداً كأنه فريدٌ هوى من سلك ناظمه يجري

على البطل الحلو الشمائل إذ ثوى رهينَ مقام للركَّيةِ من بدر

فلا تبعدن يا عمرو من ذي قرابة ومن ذي نِدام كان ذا خلق غَمر

فإن يك قوم صادفوا منك دولة فلا بد للأيام من دول الدهر

فقد كنتَ في صرف الزمان الذي مضى تُريهم هوانا منك ذا سبل وعرِ

فإلا أمتْ يا عمرو أتركك ثائرا ولا أبق بقيا في إخاء ولا صِهر وأقطع ظهرا من رجال بمعشر كرامٍ عليهم مثل ما قطعوا ظهري أغرهم ما جمَّعوا من وشيظة ونحن الصميم في القبائل من فِهر (3 279)

فيا للؤي ذبِّبوا عن حريمكم وآلهة لا تتركوها لذي الفخر

توارثها أباؤكم وورثتم أواسيَّها والبيت ذا السقف والستر

فما لحليم قد أراد هلاككم فلا تعذروه آلَ غالبَ من عذر

وجِّدوا لمن عاديتم وتوازروا وكونوا جميعاً في التأسي وفي الصبر

لعلكم أن تثأروا بأخيكم ولا شيء إن لم تثأروا بذوي عمرو

بمَطّرِدات في الأكف كأنها وميض تُطير الهام بيَّنة الأُثر

كان مَدبَّ الذَّر فوق متونها إذا جردت يوما لأعدائها الخُزر

قال ابن هشام : أبدلنا من هذه القصيدة كلمتين مما روى ابن إسحاق ، وهما ( الفخر ) في أخر البيت و( فما لحليم ) ، في أول البيت ، لأنه نال فيهما من النبي صلى الله عليه وسلم .

3 شعر لعلي بن أبي طالب في يوم بدر

قال ابن إسحاق : وقال علي بن أبي طالب في يوم بدر :

قال ابن هشام : ولم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها ، وإنما كتبناهما لأنه يقال : إن عمرو بن عبدالله بن جدعان قتل يوم بدر ، ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى ، وذكره في هذا الشعر :

ألم تر أن الله أبلى ورسوله بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل

بما أنزل الكفار دار مذلة فلاقوا هوانا من إسارٍ ومن قتل

فأمس رسول الله قد عز نصره وكان رسول الله أرسل بالعدل

(3 280)

فجاء بفرقان من الله منزل مبينةٌ آياته لذوي العقل

فآمن أقوام بذاك وأيقنوا فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل

وأنكرأقوام فزاغت قلوبهم فزادهمُ ذو العرش خَبلاَ على خبلا

وأمكن منهم يوم بدر رسوله وقوماً غضاباً فِعلهم أحسن الفعل

بأيديهم بيض خفاف عصوا بها وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل

فكم تركوا من ناشئ ذي حميَّة صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل

تبيت عيون النائحات عليهم تجود بإسبال الرشاش وبالوبل

نوائح تنعى عُتبة الغيِّ وابنه وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل

وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم مسلِّبَةً حرَّى مبيَّنة الثُكل

ثوى منهم في بئر بدر عِصابة ذوي نجدات في الحروب وفي المحل

دعا الغي منهم من دعا فأجابه وللغيِّ أسباب مرمقة الوصل

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل عن الشَغب والعداون في أشغل الشغل

3 شعر الحارث بن هشام يرد به على علي رضي الله عنه

فأجابه الحارث بن هشام بن المغيرة ، فقال :

عجبت لأقوام تغنىَّ سفيههم بأمر سفاه ذي اعتراض وذي بطل

تغنى بقتلى يومَ بدر تتابعوا كرام المساعي من غلام ومن كهل

(3 281)

مصاليتَ بيض من لؤي بن غالب مَطاعين في الهيجا مَطاعيم في المحل

أُصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة بقوم سواهم نازحي الدار والأصل

كما أصبحت غسان فيكم بطانة لكم بدلا منا فيا لك من فعل

عقوقا وإثما بينا وقطيعة يرى جَوركم فيها ذوو الرأي والعقل

فإن يك قوم قد مضوا لسبيلهم وخير المنايا ما يكون من القتل

فلا تفرحوا أن تقتلوهم فقتلهم لكم كائن خبلا مقيما على خبل

فإنكم لن تبرحوا بعد قتلهم شتيتا هواكم غيرُ مجتمعي الشمل

بفقد ابن جدعان الحميد فعاله وعتبة والمدعو فيكم أبا جهل

وشيبة فيهم والوليد وفيهم أمية مأوى المعترين وذو الرِجل

أولئك فابك ثم لا تبك غيرهم نوائح تدعو بالرزية والثكل

وقولوا لأهل المكتين تحاشدوا وسيروا إلى آطام يثرب ذي النخل

جميعاً وحاموا آل كعب وذبِّبُوا بخالصة الألوان محدثة الصقل

وإلا فبيتوا خائفين وأصبحوا أذل لوطء الواطئين من النعل

على أنني واللات يا قوم فاعلموا بكم واثق أن لا تقيموا على تَبل

سوى جمعكم للسابغات وللقنا وللبَيْض والبيض القواطع والنبل

3 شعر ضرار بن الخطاب في يوم بدر

وقال ضرار بن الخطاب بن مرادس ، أخو بني محارب بن فهر في يوم بدر :

عجبت لفخر الأوس والحَين دائر عليهم غدا والدهر فيه بصائر

وفخر بني النجار إن كان معشر أصيبوا ببدر كُلِّهم ثمَّ صابر

(3 282)

فإن تك قتلى غودرت من رجالنا فإنا رجال بعدهم سنغادر

وتَردي بنا الجرد العناجيج وسطكم بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر

ووسط بني النجار سوف نكرُّها لها بالقنا والدارعين زوافر

فنترك صرعى تعصب الطير حولهم وليس لهم إلا الأماني ناصر

وتبكيهم من أهل يثرب نسوة لهن بها ليل عن النوم ساهر

وذلك أنا لا تزال سيوفنا بهن دم ممن يحاربن مائر

فإن تظفروا في يوم بدر فإنما بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر

وبالنفر الأخيار هم أولياؤه يحامون في اللأواء والموت حاضر

يعد أبو بكر وحمزة فيهم ويدعى علي وسط من أنت ذاكر

ويدعي أبو حفص وعثمان منهم وسعد إذا ما كان في الحرب حاضر

أولئك لا من نتَّجت في ديارها بنو الأوس والنجار حين تفاخر

ولكن أبوهم من لؤي بن غالب إذا عُدت الأنساب كعب وعامر

هم الطاعنون الخيل في كل معرك غداة الهياج الأطيبون الأكاثر

3 شعر كعب بن مالك يرد على ضرار بن الخطاب

فأجابه كعب بن مالك ، أخو بني سلمة ، فقال :

عجبت لأمر الله والله قادر على ما أراد ، ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقيَ معشرا بغوا وسبيل البغي بالناس جائر

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم من الناس حتى جمعهم متكاثر

وسارت إلينا لا تحاول غيرنا بأجمعها كعب جميعا وعامر

وفينا رسول الله والأوس حوله له معقل منهم عزيز وناصر

(3 283)

وجمع بني النجار تحت لوائه يمشُّون في الماذيِّ والنقع ثائر

فلما لقيناهم وكل مجاهد لأصحابه مستبسل النفس صابر

شهدنا بأن الله لا رب غيره وأن رسول الله بالحق ظاهر

وقد عريت بيض خفاف كأنها مقابيس يزهيها لعينيك شاهر

بهن أبدنا جمعهم فتبددوا وكان يلاقي الحين من هو فاجر

فكبَّ أبو جهل صريعا لوجهه وعتبة قد غادرنه وهو عاثر

وشيبة والتيمي غادرن في الوغى وما منهم إلا بذي العرش كافر

فأمسوا وقود النار في مستقرها وكل كفور في جهنم صائر

تلظى عليهم وهي قد شب حميها بزبُر الحديد والحجارة ساجر

وكان رسول الله قد قال أقبلوا فولوا وقالوا : إنما أنت ساحر

لأمر أراد الله أن يهلكوا به وليس لأمر حمَّه الله زاجر

3 شعر عبدالله بن الزبعرى يبكي قتلى بدر

وقال عبدالله ابن الزبعرى السهمي ، يبكي قتلى بدر :

قال ابن هشام : وتروى للأعشى بن زرارة بن النباش ، أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم ، حليف بني نوفل بن عبد مناف .

قال ابن إسحاق : حليف بني عبدالدار :

ماذا على بدر وماذا حوله من فتية بيض الوجوه كرام (3 284)

تركوا نُبيهاً خلفهم ومُنبها وابني ربيعة خير خصم فئام

والحارث الفياض يبرق وجهه كالبدر جلَّى ليلة الإظلام

والعاصي بن منبه ذا مرة رمحا تميما غير ذي أوصام

تنمى به أعراقه وجدوده ومآثر الأخوال والأعمام

وإذا بكى باك فأعول شجوه فعلى الرئيس الماجد ابن هشام

حيا الإله أبا الوليد ورهطه رب الأنام وخصهم بسلام

3 شعر حسَّان بن ثابت يرد على ابن الزبعرى

فأجابه حسَّان بن ثابت الأنصاري ، فقال : ابك بكت عيناك ثم تبادرت بدم تُعل غروبها سجام

ماذا بكيت به الذين تتابعوا هلا ذكرت مكارم الأقوام

وذكرت منا ماجدا ذا همة سمح الخلائق صادق الإقدام

أعني النبي أخا المكارم والندى وأبرَّ من يولي على الإقسام

(3 285)

فلمثله ولمثل ما يدعو له كان المُمدَّح ثمَّ غير كهام

3 شعر لحسَّان في يوم بدر أيضاً

وقال حسَّان بن ثابت الأنصاري أيضاً :

تبلتْ فؤادَك في المنام خريدة تسقي الضجيع ببارد بسام

كالمسك تخلطه بماء سحابة أو عاتق كدم الذبيح مدام

نُفُجُ الحقيبة بُوصها مُتنضّد بلهاء غير وشيكة الأقسام

بُنيت على قطن أجم كأنه فضلا إذا قعدت مداك رُخام

وتكاد تكسل أن تجيء فراشها في جسم خرعبة وحسن قوام

أما النهار فلا أُفتر ذكرها والليل توزعني بها أحلامي

أقسمت أنساها وأترك ذكرها حتى تغيب في الضريح عظامي

يا من لعاذلة تلوم سفاهة ولقد عصيت على الهوى لوامي

بكرت علي بسحرة بعد الكرى وتقارب من حادث الأيام

زعمت بأن المرء يكرب عمره عدم لمعتكر من الأصرام

إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجا الحارث بن هشام

(3 286)

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام

تذر العناجيج الجياد بقفرة مر الدموك بمحصدٍ ورجام

ملأت به الفرجين فارمَدَّت به وثوى أحبته بشر مقام

وبنو أبيه ورهطه في معرك نصر الإله به ذوي الإسلام

طحنتهم ، والله ينفذ أمره ، حرب يُشَبُّ سعيرها بضرام

لولا الإله وجريها لتركنه جزر السباع ودسنه بحوام

من بين مأسور يشد وثاقه صقر إذا لاقى الأسنة حامي

ومجدل لا يستجيب لدعوة حتى تزول شوامخ الأعلام

بالعار والذل المبيَّن إذ رأى بيض السيوف تسوق كل همام

بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه نسب القصار سمَيدع مقدام

بيض إذا لاقت حديدا صممت كالبرق تحت ظلال كل غمام

3 شعر الحارث بن هشام يرد على حسَّان

فأجابه الحارث ابن هشام فيما ذكر ابن هشام ، فقال :

الله أعلم ما تركت قتالهم حتى حبوا مهري بأشقر مزبد

وعرفت أني إن أقاتل واحدا أقتل ولا ينكى عدوي مشهدي

فصددت عنهم والأحبة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مفسد

(3 287)

قال ابن إسحاق : قالها الحارث يعتذر من فراره يوم بدر .

قال ابن هشام : تركنا من قصيدة حسَّان ثلاثة أبيات من آخرها ، لأنه أقذع فيها .

3 شعر آخر لحسَّان في يوم بدر

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت أيضاًً :

لقد علمت قريش يوم بدر غداة الأسر والقتل الشديد

بأنا حين تشتجر العَوَالىَ حماةُ الحرب يوم أبى الوليد

قتلنا ابني ربيعة يوم سارا إلينا في مضاعفة الحديد

وفر بها حكيم يوم جالت بنو النجار تخطر كالأسود

وولت عند ذاك جموع فهر وأسلمها الحويرث من بعيد

لقد لا قيتم ذلا وقتلا جهيزا نافذا تحت الوريد

وكل القوم قد ولوا جميعا ولم يلووا على الحسب التليد

3 وقال حسَّان بن ثابت أيضاً

يا حار قد عولت غير معول عند الهياج وساعة الأحساب

إذ تمتطى سرح اليدين نجيبةً مرطى الجراء طويلة الأقراب

والقوم خلفك قد تركت قتالهم ترجو النجاء وليس حين ذهاب

ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى قَعْص الأسنة ضائع الأسلاب

عجل المليك له فأهلك جمعه بشنار مخزية وسوء عذاب

(3 288)

قال ابن هشام : تركنا منها بيتا واحدا أقذع فيه .

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت أيضاً :

قال ابن هشام : ويقال : بل قالها عبدالله بن الحارث السهمي :

مستشعري حلق الماذيّ يقدمهم جلد النحيزة ماض غير رعديد

أعنى رسول إله الخلق فضَّله على البرية بالتقوى وبالجود

وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم وماء بدر زعمتم غير مورود

ثم وردنا ولم نسمع لقولكم حتى شربنا رواء غير تصريد مستعصمين بحبل غير منجذم مستحكم من حبال الله ممدود

فينا الرسول وفينا الحق نتبعه حتى الممات ونصر غير محدود

واف وماض شهاب يستضاء به بدر أنار على كل الأماجيد

قال ابن هشام : بيته : " مستعصمين بحبل غير منجذم " عن أبي زيد الأنصاري ، قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت أيضاً :

خابت بنو أسد وآب غزيهم يوم القليب بسوءة وفضوح

منهم أبو العاصي تجدل مقعصا عن ظهر صادقه النجاء سبوح حينا له من مانع بسلاحه لما ثوى بمقامه المذبوح (3 289) والمرء زمعة قد تركن ونحره يدمى بعاند معبط مسفوح

متوسدا حر الجبين معفرا قد عر مارن انفه بقبوح

ونجا ابن قيس في بقية رهطه بشفا الرماق موليا بجروح

وقال حسَّان بن ثابت أيضاً :

ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة أبارتنا الكفار في ساعة العسر

قتلنا سراة القوم عند مجالنا فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر

قتلنا أبا جهل وعتبة قبله وشيبة يكبو لليدين وللنحر

قتلنا سويدا ثم عتبة بعده وطعمة أيضاً عند ثائرة القتر

فكم قد قتلنا من كريم مرزَّءٍ له حسب في قومه نابه الذكر

تركناهم للعاويات ينبنهم ويصلون نارا بعد حامية القعر

لعمرك ماحامت فوارس مالك وأشياعهم يوم التقينا على بدر

قال ابن هشام : أنشدني أبو زيد الأنصاري بيته :

قتلنا أبا جهل وعتبة قبله وشيبة يكبو لليدين وللنحر

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت أيضاً : (3 290)

نجى حكيما يوم بدر شده كنجاء مهر من بنات الأعوج

لما رأى بدرا تسيل جلاهه بكتيبة خضراء من بلخزرج

لا ينكلون إذا لقوا أعداءهم يمشون عائدة الطريق المنهج

كم فيهم من ماجد ذي منعة بطل بمهلكة الجبان المحرج

ومسود يعطي الجزيل بكفه حمال أثقال الديات متوج

زين الندي معاود يوم الوغى ضرب الكُماة بكل أبيض سَلجج

قال ابن هشام : قوله سلجج ، عن غير ابن إسحاق .

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان أيضاً :

فما نخشى بحول الله قوما وإن كثروا وأجمعت الزحوف

إذا ما ألبو جمعا علينا كفانا حدهم رب رءوف

سمونا يوم بدر بالعوالي سراعا ما تضعضعنا الحتوف

فلم تر عصبة في الناس أنكى لمن عادوا إذا لقحت كشوف

ولكنا توكلنا وقلنا مآثرنا ومعقلنا السيوف

لقيناهم بها لما سمونا ونحن عصابة وهم ألوف

وقال حسَّان بن ثابت أيضاً ، يهجو بني جمح ومن أصيب منهم :

جمحت بنو جمح لشقوة جدهم إن الذليل موكل بذليل

قتلت بنو جمح ببدر عنوة وتخاذلوا سعيا بكل سبيل (3 291)

جحدوا الكتاب وكذبوا بمحمد والله يظهر دين كل رسول

لعن الإله أبا خزيمة وابنه والخالدين وصاعد بن عقيل

3 شعر عبيدة بن الحارث في يوم بدر ويذكر قطع رجله

قال ابن إسحاق : وقال عبيدة بن الحارث بن المطلب في يوم بدر ، وفي قطع رجله حين أصيب في مبارزته هو وحمزة وعلي حين بارزوا عدوهم - قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لعبيدة :

ستبلغ عنا أهل مكة وقعة يهب لها من كان عن ذاك نائيا

بعتبة إذ ولى وشيبة بعده وما كان فيها بكر عتبة راضي

فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم أرجي بها عيشا من الله دانيا

مع الحور امثال التماثيل أخلصت مع الجنة العليا لمن كان عاليا

وبعث بها عيشا تعرقت صفوه وعالجته حتى فقدت الأدانيا

فأكرمني الرحمن من فضل منه بثوب من الإسلام غطى المساويا

وما كان مكروها إلي قتالهم غداة دعا الأكفاء من كان داعيا

ولم يبغ إذ سالو النبي سواءنا ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا

لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا نقاتل في الرحمن من كان عاصيا

فما برحت أقدامنا من مقامنا ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا

قال ابن هشام : لما أصيبت رجل عبيدة قال : أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أني أحق منه بما قال حين يقول : (3 292)

كذبتم وبيت الله يُبزَى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرَّع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وهذان البيتان في قصيدة لأبي طالب ، وقد ذكرناها فيما مضى من هذا الكتاب .

3 رثاء كعب بن مالك لعبيدة بن الحارث

قال ابن إسحاق : فلما هلك عبيدة بن الحارث من مصاب رجله يوم بدر . قال كعب بن مالك الأنصاري يبكيه :

أيا عين جودي ولا تبخلي بدمعك حقا ولا تَنـُزِري

على سيد هدَّنا هلكه كريم المشاهد والعنصر

جريء المقدم شاكي السلام كريم النثا طيب المكسر

عبيدة أمسى ولا نرتجيه لعرف عرانا ولا منكر

وقد كان يحمي غداة القتا ل حامية الجيش بالمبتر

3 شعر لكعب بن مالك في يوم بدر

وقال كعب بن مالك أيضاً في يوم بدر :

ألا هل أتى غسان في نأي دارها فينأى داراها وأخبر شيء بالأمور عليهما

بأن قد رمتنا عن قسي عداوة معد معا جهالها وحليمها

لأنا عبدنا الله لم نرج غيره رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها

نبي له في قومه إرث عزة وأعراق صدق هذبتها أرومها

فساورا وسرنا فالتقينا كأننا أسود لقاء لا يرجى كليمها (3 293)

ضربناهم حتى هوى في مكرنا لمنحر نحر سوء من لؤي عظيمها

فولوا ودسناهم ببيض صوارم سواء علينا حلفها وصميمها

وقال كعب بن مالك أيضاً :

لعمر أبيكما يا بني لؤي على زهو لديكم وانتخاء

لما حامت فوارسكم ببدر ولا صبروا به عند اللقاء

وردناه بنور الله يجلو دجى الظلماء عنا والغطاء

رسول الله يقدمنا بأمر من أمر الله أحكم بالقضاء

فما ظفرت فوراسكم ببدر وما رجعوا إليكم بالسواء

فلا تعجل أبا سفيان وارقب جياد الخيل تطلع من كداء

بنصر الله روح القدس فيها وميكال فياطيب الملاء

3 شعر طالب في مدحه صلى الله عليه وسلم ، وبكاء أصحاب القليب

وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبكي أصحاب القليب من قريش يوم بدر

ألا إن عيني أنفدت دمعها سكبا تبكَّىعلى كعب وما إن ترى كعبا

ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا

وعامر تبكي للملمات غدوة فيا ليت شعري هل أرى لهما قربا

هما أخوايَ لن يعدَّا لغية تعد ولن يستام جارهما غصبا (3 294)

فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا

ولا تصبحوا من بعد ود وألفة أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس وجيش أبي يكسوم إذ مَلؤوا الشعبا

فلولا دفاع الله لا شيء غيره لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا

فما إن جنينا في قريش عظيمة سوى أن حمينا خير من وطىء التربا

أخا ثقة في النائبات مرزا كريما نثاه لا بخيلا ولا ذربا

يطيف به العافون يغشون بابه يؤمون بحرا لا نزورا ولا صربا

فوالله لا تنفك نفسي حزينة تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا

3 ضرار بن الخطاب يرثي أبا جهل بعد غزوة بدر

وقال ضرار بن الخطاب الفهري يرثي أبا جهل :

ألا من لعين باتت الليل لم تنم تراقب نجما في سواد من الظلم كأن قذى فيها وليس بها قذى سوى عبرة من جائل الدمع تنسجم فبلغ قريشا أن خير نديها وأكرم من يمشي بساق على قدم

ثوى يوم بدر رهن خوصاء رهنها كريم المساعي غير وغد ولا برم

فآليت لا تنفك عني بعبرة على هالك بعد الرئيس أبي الحكم

على هالك أشجى لؤي بن غالب أتته المنايا يوم بدر فلم يرم (3 295)

ترى كسر الخطي في نحر مهره لدى بائن من لحمه بينها خذم

وما كان ليث ساكن بطن بيشة لدى غلل يجري ببطحاء في أجم

بأجرأ منه حين تختلف القنا وتدعى نزال في القماقمة البهم

فلا تجزعوا آل المغيرة واصبروا عليه ومن يجزع عليه فلم يلم

وجدوا فإن الموت مكرمة لكم وما بعده في أخر العيش من ندم

وقد قلت إن الريح طيبة لكم وعز المقام غير شك لذي فهم

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار .

3 الحارث يرثي أخاه أبا جهل

قال ابن إسحاق : وقال الحارث ابن هشام يبكي أخاه أبا جهل

ألا يا لهف نفسي بعد عمر وهل يغني التلهف من قتيل

يخبرني المخبر أن عمرا أمام القوم في جفر محيل

فقدما كنت أحسب ذاك حقا وأنت لما تقدم غير فيل

وكنت بنعمة ما دمت حيا فقد خلفت في درج المسيل

كأني حين أمسي لا أراه ضعيف العقد ذو هم طويل

على عمرو إذا أمسيت يوما وطرف من تذكره كليل (3 296)

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها للحارث بن هشام ؛ وقوله : " في جفر " عن غير ابن إسحاق .

3 شعر أبي بكر بن الأسود في رثاء قتلى قريش

قال ابن إسحاق : وقال أبو بكر بن الأسود بن شعوب الليثي ، وهو شداد بن الأسود :

تحيي بالسلامة أم بكر وهل لي بعد قومي من سلام

فماذا بالقليب قليب بدر من القينات والشرب الكرام

وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى تكلل بالسنام

وكم لك بالطوي طوي بدر من الحومات والنعم المسام

وكم لك بالطوي طوي بدر من الغايات والدسع العظام

وأصحاب الكريم أبي علي أخي الكاس الكريم والندام

وإنك لو رأيت أبا عقيل واصحاب الثنية من نعام

إذا لظللت من وجد عليهم كأم السقب جائلة المرام

يخبرنا الرسول لسوف نحيا وكيف لقاء أصداء وهام (3 297)

قال ابن هشام : أنشدني أبو عبيدة النحوي :

يخبرنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام

قال : وكان قد أسلم ثم ارتد .

3 أمية بن أبي الصلت يرثي من أصيب من قريش يوم بدر

وقال ابن إسحاق : وقال أمية بن أبي الصلت ، يرثي من أصيب من قريش يوم بدر :

ألا بكيت على الكرا م بني الكرام أولي الممادح

كبكا الحمام على فرو ع الأيك في الغصن الجوانح

يبكين حرى مستكينات يرحن مع الروائح

أمثالهن الباكيات المعولات من النوائح

من يبكهم يبك على حزن ويصدق كل مادح

ماذا ببدر فالعقنل من مرازبة جحاجح

فمدافع البرقين فالحنانا من طرف الأواشح

شمط وشبان بها ليل مغاوير وحاوح

ألا ترون لما أرى وقد أبان لكل الامح

أن قد تغير بطن مكة فهي موحشة الأباطح

من كل بطريق لبطريق نقي اللون واضح (3 298)

دعموص أبواب الملوك وجائب للخرق فاتح

من السراطمة الخلاجمة الملاوثة المناجح

القائلين الفاعلين الآمرين بكل صالح

المطعمين الشحم فوق الخبز شحما كالأنافح

نقل الجفان مع الجفان إلى جفان كالمناضح

ليست بأصفار لمن يعفو ولا رح رحارح

للضيف ثم الضيف بعد الضيف والبسط السلاطح

وهب المئين من المئين إلى المئين من اللواقح

سوق المؤبل للمؤبل صادرات عن بلادح

لكرامهم فوق الكرام مزية وزن الرواجح

كتثاقل الأرطال بالقسطاس في الأيدي الموائح

خذلتهم فئة وهم يحمون عورات الفضائح

الضاربين التقدمية بالمهندة الصفائح

ولقد عناني صوتهم من بين مستسق وصائح (3 299)

لله در بني علي أيم منهم وناكح

إن لم يغيروا غارة شعواء تجحر كل نابح

بالمقربات المبعدات الطامحات من الطوامح

مردا على جرد إلى أسد مكالبة كوالح

ويلاق قرن قرنة مشي المصافح للمصافح

بزهاء ألف ثم ألف بين ذي بدن ورامح

قال ابن هشام : تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر بيته :

ويلاق قرن قرنه مشي المصافح للمصافح

وأنشدني أيضاً وهب المئين من المئين إلى المئين من اللواقح

سوق المؤبل للمؤبل صادرات عن بلادح

3 شعر أمية في رثاء زمعة وقتلى بني أسد

قال ابن إسحاق : وقال أمية بن أبي الصلت ، يبكي زمعة بن الأسود ، وقتلى بني أسد :

عين بكي بالمسجلات أبا الحارث لا تذخري على زمعة

وابكي عقيل بن أسود أسد البأس ليوم الهياج والدفعة

تلك بنو أسد إخوة الجوزاء لا خانة ولا خدعة (3 300)

هم الأسرة الوسيطة من كعب وهم ذروة السنام والقمعه

أنبتوا من معاشر شعر الرأس وهم ألحقوهم المنعة

أمسى بنو عمهم إذا حضر البأس أكبادهم عليهم وجعة

وهم المطعمون إذا قحط القطر وحالت فلا ترى قزعة

قال ابن هشام : هذه الرواية لهذا الشعر مختلطة ، ليست بصحيحة البناء ، لكن أنشدني أبو محرز خلف الأحمر وغيره ، وروى بعض ما لم يرو بعض :

عين بكي بالمسبلات أبا الحراث لا تذخري على زمعة

وعقيل بن اسود أسد البأس ليوم الهياج والدفعة

فعلى مثل هلكهم خوت الجو زاء لا خانة ولا خدعة

وهم الأسرة الوسيطة من كعب وفيهم كذروة القمعة

أنبتوا من معاشر شعر الرأس وهم ألحقوهم المنعة

فبنو عمهم إذا حضر البأس عليهم أكبادهم وجعة

وهم المطعمون إذا قحط القطر وحالت فلا ترى قزعة

3 شعر معاوية بن زهير في يوم بدر

قال ابن إسحاق : وقال أبو أسامة معاوية بن زهير بن قيس بن الحارث بن سعد بن ضبيعة بن مازن بن عدي بن جشم بن معاوية ، حليف بني مخزوم .

قال ابن هشام : وكان مشركا وكان مر بهبيرة بن أبي وهب وهم منهزمون يوم بدر ، وقد أعيا هبيرة ، فقام فألقى عنه درعه وحمله فمضى به ، قال ابن هشام : وهذه أصح أشعار أهل بدر : (3 301)

ولما أن رأيت القوم خفوا وقد زالت نعامتهم لنفر

وأن تركت سراة القوم صرعى كأن خيارهم أذباح عتر

وكانت جمة وافت حماما ولقينا المنايا يوم بدر

نصد عن الطريق وأدركونا كأن زهاءهم غطيان بحر

وقال القائلون من ابن قيس فقلت : أبو أسامة ، غير فخر

أنا الجشمي كيما تعرفوني أبين نسبتي نقرا بنقر

فإن تك في الغلاصم من قريش فإني من معاوية بن بكر

فأبلغ مالكا لما غشينا وعندك مال إن نبأت خبرى

وأبلغ إن بلغت المرء عنا هبيرة وهو ذو علم وقدر

بأني إذ دعيت إلى أفيد كررت ولم يضيق بالكر صدري

عشية لا يكر على مضاف ولا ذي نعمة منهم وصهر

فدونكم بني لأي أخاكم ودونك مالكا يا أم عمرو

فلولا مشهدي قامت عليه موقفة القوائم أم أجري

دفوع للقبور بمنكبيها كأن بوجهها تحميم قدر (3 302)

فأقسم بالذي قد كان ربي وأنصاب لدى الجمرات مغر

لسوف ترون ما حسبي إذا ما تبدلت الجلود جلود نمر

فما إن خادر من أسد ترج مدل عنبس في الغيل مجري

فقد أحمى الأباءة من كلاف فما يدنو له أحد بنقر

بخل تعجز الحلفاء عنه يواثب كل هجهجة وزجر

بأوشك سورة منا إذا ما حبوت له بقرقرة وهدر

ببيض كالأسنة مرهفات كأن ظباتهن جحيم جمر

وأكلف مجنا من جلد ثور وصفراء البراية ذات أزر

وأبيض كالغدير ثوى عليه عمير بالمداوس نصف شهر

أرفل في حمائله وأمشي كمشية خادر ليث سبطر

يقول لي الفتى سعد هديا فقلت لعله تقريب غدر (3 303)

وقلت أبا عدي لا تطرهم وذلك إن أطعت اليوم أمري

كدأبهم بفروة إذ أتاهم فظل يقاد مكتوفا بضفر

قال ابن هشام : وأنشدني أبو محرز خلف الأحمر :

نصد عن الطريق وأدركونا كأن سراعهم تيار بحر

وقوله : - مدل عنبس في الغيل مجري - عن غير ابن إسحاق

قال ابن إسحاق : وقال أبو أسامة أيضاً :

ألا من مبلغ عني رسولا مغلغلة يثبتها لطيف

ألم تعلم مردي يوم بدر وقد برقت بجنبيك الكفوف

وقد تركت سراه القوم صرعى كأن رؤوسهم حدج نقيف

وقد مالت عليك ببطن بدر خلاف القوم داهية خصيف

فنجاه من الغمرات عزمي وعون الله والأمر الحصيف

ومنقلبي من الأبواء وحدي ودونك جمع أعداء وقوف

وأنت لمن أرادك مستكين بجنب كراش مكلوم نزيف (3 304)

وكنت إذا دعاني يوم كرب من الأصحاب داع مستضيف

فأسمعني ولو أحببت نفسي أخ في مثل ذلك أو حليف

أرد فأكشف الغمى وأرمي إذا كلح المشافر والأنوف

وقرن قد تركت على يديه ينوء كأنه غصن قصيف

دلفت له إذا اختلطوا بحرَّى مسحسة لعاندها حفيف

فذلك كان صنعي يوم بدر وقبل أخو مدارة عزوف

أخوكم في السنين كما علمتم وحرب لا يزال لها صريف

ومقدام لكم لا يزدهيني جنان الليل والأنس اللفيف

أخوض الصّرة الجمّاء خوضا إذا ما الكلب ألجأه الشفيف

قال ابن هشام : تركت قصيدة لأبي أسامة على اللام ، ليس فيها ذكر بدر إلا في أول بيت منها والثاني ، كراهة الإكثار .

3 شعر لهند بنت عتبة تبكي أباها يوم بدر

قال ابن إسحاق : وقالت هند بنت عتبة بن ربيعة تبكي أباها يوم بدر

أعينيَّ جوادا بدمع سرب على خير خندف لم ينقلب

تداعى له رهطه غدوة بنو هاشم وبنو المطلب

يذيقونه حد أسيافهم يعلّونه بعد ما قد عطب (3 305)

يجرونه وعفير التراب على وجهه عاريا قد سلب

وكان لنا جبلاً راسياً جميل المرارة كثير العشب

وأما بري فلم أعنه فأوتي من خير ما يحتسب

وقالت هند أيضاً :

يريب علينا دهرنا فيسوؤنا ويأبى فما نأتي بشيء يغالبه

أبعد قتيل من لؤي بن غالب يراع امرؤ إن مات أو مات صاحبه

ألا رب يوم قد رزئت مرزأً تروح وتغدو بالجزيل مواهبه

فأبلغ أبا سفيان عني مألُكا فإن ألقه يوما فسوف أعاتبه

فقد كان حرب يسعر الحرب إنه لكل امرىء في الناس مولى يطالبه

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشهر ينكرها لهند .

قال ابن إسحاق : وقالت هند أيضاً :

لله عينا من رأى هلكا كهلك رجاليه

يا رب باك لي غدا في النائبات وباكيه

كما غادروا يوم القليب غداة تلك الواعيه

من كل غيث في السنين إذا الكواكب خاويه(3 306)

قد كنت أحذر ما أرى فاليوم حق حذاريه

قد كنت أحذر ما أرى فأنا الغداة مواميه

يا رب قائلة غدا يا ويح أم معاويه

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لهند .

قال ابن إسحاق : وقالت هند أيضاً :

يا عين بكي عتبه شيخا شديد الرقبة

يطعم يوم المسغبه يدفع يوم المغلبه

إني عليه حربة ملهوفة مستلبه

لنهبطن يثربه بغارة منثعبة

فيها الخيول مقربه كل جواد سلهبه

3 شعر صفية بنت مسافر في رثاء أهل القليب في بدر

وقالت صفية بنت مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، تبكي أهل القليب الذين أصيبوا يوم بدر من قريش : ( وتذكر مصابهم ) : (3 307)

يا من لعين قذاها عائر الرمد حد النهار وقرن الشمس لم يقد

أُخبرت أن سراة الأكرمين معا قد أحرزتهم مناياهم إلى أمد

وفر بالقوم أصحاب الركاب ولم تعطف غداتئذ أم على ولد

قومي صفيَّ ولا تنسَي قرابتهم وإن بكيت فما تبكين من بُعُد

كانوا سقوب سماء البيت فانقصفت فأصبح السُمْك منها غير ذي عمد

قال ابن هشام : قال أنشدني بيتها : " كانوا سقوب " بعض أهل العلم بالشعر .

قال ابن إسحاق : وقالت صفية بنت مسافر أيضاً :

ألا يا من لعين للتَّـبكِّي دمعها فان

كغَرْبىَ دالج يسقي خلال الغيث الدان

وما ليثُ غريف ذو أظافير وأسنان

أبو شبلين وثاب شديد البطش غرثان

كحبي إذ تولى و وجوه القوم ألوان

وبالكف حسام صا رم أبيض ذكران

وأنت الطاعن النجلا ء منها مزبدٌ آن (3 308)

قال ابن هشام : ويروون قولها : " وما ليث غريف " إلى أخرها ، مفصولا من البيتين اللذين قبله .

3 رثاء هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب لعبيدة بن الحارث

قال ابن إسحاق : وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثي عبيدة بن الحارث بن المطلب :

لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا وحلما أصيلا وافر اللب والعقل

عبيدة فابكيه لأضياف غربة وأرملة تعوي تهوى لأشعث كالجذل

وبكيه للأقوام في كل شتوة إذا احمر آفاق السماء من المحل

وبكيه للأيتام والريح زفرة وتشبيب قدر طالما أزبدت تَغْلى

فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل

لطارق ليل أو لملتمس القرى ومستنبح أضحى لديه على رسل

قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لهند .

3 شعر قتيلة بنت الحارث تبكي أخاها النضر

قال ابن إسحاق : وقالت قتيلة بن الحارث ، أخت النضر بن الحارث ، تبكيه : (3 309)

يا راكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق

أبلغ بها ميتا بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق

مني إليك وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخرى تخنق

هل يسمعني النضر إن ناديته أم كيف يسمع ميت لا ينطق

أمحمد يا خير ضنْءِ كريمة في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المغيط المحنق

أو كنت قابل فدية فلينفقن بأعز ما يلغو به ما ينفق

فالنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق

صبرا يقاد إلى المنية متعبا رسف المقيد وهُوعانٍ موثق

قال ابن هشام : فيقال ، والله أعلم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر ، قال : لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه .

3 تاريخ الفراغ من بدر

قال ابن إسحاق : وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان أو في شوال .

2 غزوة بني سليم بالكدر

قال ابن إسحاق : فلما قدم ( رسول الله صلى الله عليه وسلم )لم يقم بها إلا سبع ليال (حتى ) غزا بنفسه ، يريد بن سليم . (3 310)

قال ابن هشام : واستعمل على المدينة سباع بن عُرفطة الغفاري ، أو ابن أم مكتوم .

قال ابن إسحاق : فبلغ ماء من مياهم ، يقال له : الكدر ، فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلا المدينة ، ولم يلق كيدا ، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة ، وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش .

2 غزوة السويق

3 اعتداء أبي سفيان وخروج الرسول خلفه

قال : حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام : قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال : ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق في ذي الحجة ، وولىَّ تلك الحجة المشركون من تلك السنة ، فكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، ويزيد بن رومان ، ومن لا أتهَّم ، عن عبدالله بن كعب بن مالك ، وكان من أعلم الأنصار ، حين رجع إلى مكة ، ورجع فل قريش من بدر ، نذر أن لايمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم ، فخرج (3 311) في مئتي ركاب من قريش ، ليبر يمينه ، فسلك النجدية ، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له : ثيب ، من المدينة على بريد أو نحوه ، ثم خرج من الليل ، حتى أتى بني النضير تحت الليل ، فأتى حيي بن أخطب ، فضرب عليه بابه ، فأبى أن يفتح له بابه وخافه ، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم ، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك ، وصاحب كنزهم ، فاستأذن عليه ، فأذن له ، فقراه وسقاه ، وبطن له من خبر الناس ، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه ، فبعث رجالا من قريش إلى المدينة ، فأتوا ناحية منها ، يقال لها : العريض ، فحرقوا في أصوار من نخل بها ، ووجدوا بها رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما ، فقتلوهما ، ثم انصرفوا راجعين ، ونذر بهم الناس .فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، واستعمل على المدينة بشير بن عبدالمنذر ، وهو أبو لبابة ، فيما قال ابن هشام : حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا ، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه ، وقد رأوا أزواداً من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاء ، فقال المسلمون ، حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟ قال : نعم .

3 سبب تسمية هذه الغزوة باسمها

قال ابن هشام : وإنما سميت غزوة السويق ، فيما حدثني أبو عبيدة : أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق ، فهجم المسلمون على سويق كثير ، فسميت غزوة السويق . (3 312)

3 ما قاله أبو سفيان شعرا في هذه الغزوة

قال ابن اسحاق : وقال أبو سفيان بن حرب عند منصرفه ، لما صنع به سلام بن مشكم :

وإني تخيرت المدينة واحدا لحلف فلم أندم ولم أتلوم

سقاني فرواني كُميتا مدامة على عجل مني سلام بن مشكم

ولما تولى الجيش قلت ولم أكن لأفرحه : أبشر بعز ومغنم

تأمل فإن القوم سر وإنهم صريح لؤي لا شماطيط جرهم

وما كان إلا بعض ليلة راكب أتى ساعيا من غير خلة معدم

2 غزوة ذي أمر

فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق ، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ، ثم غزا نجدا ، يريد غطفان ، وهي غزوة ذي أمر ، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : فأقام بنجد صفْراً كله أو قريبا من ذلك ، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق كيدا . فلبث بها شهر ربيع الأول كله ، أو إلا قليلا منه . (3 313)

2 غزوة الفرع من بحران

ثم غزا ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يريد قريشا ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، فيما قال ابن هشام .

قال ابن إسحاق : حتى بلغ بحران ، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع ، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا ،

2 أمر بني قينقاع

3 ما قاله لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وردهم عليه

قال وقد كان فيما بين ذلك ، من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني قينقاع ، وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق ( بني قينقاع ) ثم قال : يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم ؛ قالوا : يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس . (3 314)

3 ما نزل فيهم من القرآن

قال ابن إسحاق : فحدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم : " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ، قد كان لكم آية في فئتين التقتا " : أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقريش " فئة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ، والله يؤيد بنصره من يشاء ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار "

3 بنو قينقاع أول من نقض عهده صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد .

3 سبب حرب المسلمين إياهم

قال ابن هشام وذكر عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة ، عن أبي عون ، قال : كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يُريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا بها ، فصاحتْ . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع . (3 315)

3 تدخل ابن أُبيّ في شأنهم معه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه ، فقام إليه عبدالله بن أبي بن سلول ، حين أمكنه الله منهم ، فقال : يامحمد ، أحسن في موالي ، وكانوا حلفاء الخزرج ، قال : فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا محمد ، أحسن في موالي ، قال : فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن هشام : وكان يقال لها ذات الفضول .

قال ابن إسحاق : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني ، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظُللا ، ثم قال : ويحك أرسلني ؛ قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ، إني والله امرؤ أخشى الدوائر ؛ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم لك .

3 مدة حصار بني قينقاع

قال ابن هشام : واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في محاصرته إياهم بشير بن عبدالمنذر ، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة .(3 316)

3 خلع ابن الصامت بني قينقاع وما نزل فيه من القرآن وفي ابن أبي

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تشبث بأمرهم عبدالله بن أبي بن سلول ، وقام دونهم . ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحد بني عوف ، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبدالله بن أبي ، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبرأ إلى الله عز وجل ، إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم ، وقال : يا رسول الله أتولى الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ، قال : ففيه وفي عبدالله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض " أي لعبدالله بن أبي ، وقوله : إني أخشى الدوائر " يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم " ، ثم القصة إلى قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا ، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم : " ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " (3 317)

2 سرية زيد بن حارثة إلى القردة

3 زيد بن حارثة يصيب العير

قال ابن إسحاق : وسرية زيد بن حارثة التي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، حين أصاب عير قريش ، وفيها أبو سفيان بن حرب على القردة ، ماء من مياه نجد . وكان من حديثها : أن قريشا خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام ، حين كان من وقعة بدر ما كان ، فسلكوا طريق العراق ، فخرج منهم تجار ، فيهم : أبو سفيان بن حرب ، ومعه فضة كثيرة ، وهي عظم تجارتهم ، واستأجروا رجلا من بني بكر بن وائل ، يقال له : فرات بن حيان يدلهم في ذلك على الطريق .

قال ابن هشام : فرات بن حيان ، من بني عجل ، حليف لبني سهم .

قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء ، فأصاب تلك العير وما فيها ، وأعجزه الرجال ، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 ما قاله حسَّان في هذه الغزوة

فقال حسَّان بن ثابت بعد أحد في غزوة بدر الآخرة يؤنب قريشا لأخذهم تلك الطريق :

دعوا فلجات الشام قد حال دونها جلاد كأفواه المخاض الأوارك

بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم وأنصاره حقا وأيدي الملائك

(3 318)

إذا سلكت للغور من بطن عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في أبيات لحسَّان بن ثابت ، نقضها عليه أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب ، وسنذكرها ونقيضتها إن شاء الله في موضعها .

2 مقتل كعب بن الأشرف

3 استنكاره ما فعله المسلمون بقريش في بدر

قال ابن إسحاق : وكان من حديث كعب بن الأشرف : أنه لما أصيب أصحاب بدر ، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة ، وعبدالله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين ، بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه ، وقتل من قتل من المشركين ، كما حدثني عبدالله بن المغيث بن أبي بردة الظفري ، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وصالح بن أبي أمامة بن سهل ، كل قد حدثني بعض حديثه ، قالوا : قال كعب بن الأشرف ، وكان رجلاً من طيىء ، ثم أحد بني نبهان ، وكانت أمه من بني النضير ، هذان حين بلغه الخبر : أحق هذا ؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان - يعني زيدا وعبدالله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس ، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم ، لبطن الأرض خير من ظهرها .(3 319)

3 ما قاله كعب تحريضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

فلما تيقن عدو الله الخبر ، خرج حتى قدم مكة ، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، فأنزلته وأكرمته ، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينشد الأشعار ، ويبكي أصحاب القليب من قريش ، الذين أصيبوا ببدر ، فقال :

طحنت رحى بدر لمهلك أهله ولمثل بدر تستهل وتدمع

قتلت سراة الناس حول حياضهم لا تبعدوا إن الملوك تصرع

كم قد أصيب به من أبيض ماجد ذي بهجة يأوي إليه الضُيَّع

طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت حمال أثقال يسود ويربع

ويقول أقوام أُسرُّ بسخطهم إن ابن الاشرف ظل كعبا يجزع

صدقوا فليت الأرض ساعة قتِّلوا ظلت تسوخ بأهلها وتصدَّع

صار الذي أثر الحديث بطعنه أو عاش أعمى مرعشا لا يسمع

نبئت أن بني المغيرة كلهم خشعوا لقتل أبي الحكيم وجُدعوا

وابنا ربيعة عنده ومنبه ما نال مثل المهلكين وتبع

نبئت أن الحارث بن هشامهم في الناس يبني الصالحات ويجمع

ليزور يثرب بالجموع وإنما يحمى على الحسب الكريم الأروع

قال ابن هشام : قوله " تبع "، "وأسر بسخطهم ". عن غير ابن إسحاق .

3 ما رد عليه حسَّان رضي الله عنه

قال ابن إسحاق : فأجابه حسَّان بن ثابت الأنصاري ، فقال :

(3 320)

أبكي لكعب ثم عل بعبرة منه وعاش مجدعا لا يسمع

ولقد رأيت ببطن بدر منهم قتلى تسح لها العيون وتدمع

فابكي فقد أبكيت عبدا راضعا شبه الكليب إلى الكليبة يتبع

ولقد شفى الرحمن منا سيدا وأهان قوما قاتلوه وصرعوا

ونجا وأفلت منهم من قبله شغف يظل لخوفه يتصدع

قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان . وقوله : "أبكى لكعب "عن غير ابن إسحاق .

3 ما ردت به امرأة من المسلمين على كعب

قال ابن إسحاق : وقالت امرأة من المسلمن من بني مُريد ، بطن من بلى ، كانوا حلفاء في بني أمية بن زيد ؛ يقال لهم الجعادرة ، تجيب كعبا - قال ابن إسحاق : اسمها ميمونة بنت عبدالله ، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه الأبيات لها ، وينكر نقيضتها لكعب بن الأشرف :

تحننَ هذا العبد كل تحنن يبكى على قتلى وليس بناصب

بكت عين من يبكي لبدر وأهله وعلَّت بمثليها لؤي بن غالب

فليت الذين ضُرِّجوا بدمائهم يرى ما بهم من كان بين الأخاشب

فيعلم حقا عن يقين ويبصروا مجرهم فوق اللحى والحواجب

3 ما أجابها به كعب بن الأشرف

فأجابها كعب بن الأشرف ، فقال : (3 321)

ألا فازجروا منكم سفيها لتسلموا عن القول يأتي منه غير مقارب

أتشتمني أن كنت أبكي بعبرة لقوم أتاني ودهم غير كاذب

فإني لباك ما بقيت وذاكر مآثر قوم مجدهم بالجباجب

لعمري لقد كانت مريد بمعزل عن الشر فاحتالت وجوه الثعالب

فحق مريد أن تجد أنوفهم بشتمهم حيي لؤي بن غالب

وهبت نصيبي من مريد لجعدر وفاء وبيت الله بين الخاشب

3 تشبيب كعب بنساء المسلمين والحيلة في قتله

ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كما حدثني عبدالله بن المغيث بن أبي بردة ، من لي بابن الأشرف ؟ فقال له محمد بن مسلمة ، أخو بني عبدالأشهل ، أنا لك به يا رسول الله ، أنا أقتله ؛ قال : فافعل إن قدرت على ذلك .

فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاه ، فقال له : لم تركت الطعام والشراب ؟ فقال : يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفين لك به أم لا ؟ فقال : إنما عليك الجهد ، فقال : يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول : قال : قولوا ما بدا لكم ،

(3 322) فأنتم في حل من ذلك . فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة ، وسلكان ابن سلامة بن وقش ، وهو أبو نائلة أحد بني عبدالأشهل ، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة ، وعباد بن بشر بن وقش ، أحد بني عبدالأشهل ، والحارث بن أوس بن معاذ ، أحد بني عبدالأشهل ، وأبو عبس بن جبر ، أحد بني حارثة .

ثم قدموا إلى عدو الله كعب بن الأشرف ، قبل أن يأتوه ، سلكان ابن سلامة ، أبا نائلة ، فجاءه ، فتحدث معه ساعة ، وتناشدوا شعرا ، وكان أبو نائلة يقول الشعر ، ثم قال : ويحك يابن الأشرف ! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك ، فاكتم عني ؛ قال : افعل ، قال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء ، عادتنا به العرب ، ورمتنا عن قوس واحدة ، وقلعت عنا السبل حتى ضاع العيال ، وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ؛

قال كعب : أنا ابن الأشرف ، أما والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة ، إن الأمر سيصير إلى ما أقول ، فقال له سلكان : إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك ، ونحسن في ذلك ؛ فقال : اترهنوني أبناءكم؟ قال : لقد أردت أن تفضحنا ، إن معي أصحابا لي على مثل رأي ، وقد أردت أن آتيك بهم ، فتبيعهم وتحسن في ذلك ، ونرهنك في الحلقة ما فيه وفاء ، وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها؛ قال : إن في الحلقة لوفاء ؛

قال فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره ، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه ، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .(3 323)

قال ابن هشام : ويقال : أترهنوني نساءكم ؟ قال : كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم ، قال : أترهنوني أبناءكم ؟

قال ابن إسحاق : فحدثني ثور بن يزيد ، عن عكرمة عن ابن عباس قال :

مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ، ثم وجههم ، فقال : انطلقوا على اسم الله ؛ اللهم أعنهم ، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، وهو في ليلة مقمرة ، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ، فهتف به أبو نائلة ، وكان حديث عهد بعرس ، فوثب في ملحفته ، فأخذته امراته بناحيتها ، وقالت : إنك امرؤ محارَب ، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة ، قال : إنه أبو نائلة ، لو وجدني نائما لما أيقظني ، فقالت : والله إني لأعرف في صوته الشر ، قال : يقول لها كعب : لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب .

فنزل فتحدث معهم ساعة ، وتحدثوا معه ، ثم قال : هل لك يا بن الأشرف أن تتماشى إلىالشعب العجور، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ؟ قال : إن شئتم . فخرجوا يتماشون ، فمشوا ساعة ، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ، ثم شم يده فقال : ما رأيت كالليلة (3 324) طيبا أعطر قط ، ثم مشى ساعة ، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ، ثم مشى ساعة ، ثم عاد لمثلها ، فأخذ بفود رأسه ، ثم قال : اضربوا عدو الله ، فضربوه فاختلف عليه أسيافهم ، فلم تغن شيئا .

قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغولا في سيفي ، حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا ، فأخذته ، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا وقد أوقدت عليه نار ، قال : فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ، فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ ، فجرح في رأسه أو في رجله ، أصابه بعض أسيافنا . قال : فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ، ثم على بني قريظة ، ثم على بعاث ، حتى أسندنا في حرة العريض ، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ، ونزَّفه الدم ، فوقفنا له ساعة ، ثم أتانا يتبع آثارنا .

قال : فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل ، وهو قائم يصلي ، فسلمنا عليه ، فخرج إلينا ، فأخبرناه بقتل عدو الله ، وتفل على جرح صاحبنا ، فرجع ورجعنا إلى أهلنا ، فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله ، فليس بها يهدوي إلا وهو يخاف على نفسه .

3 ما قاله كعب بن مالك في هذه الحادثة

قال ابن إسحاق : فقال كعب بن مالك : (3 325)

فغودر منهم كعب صريعا فذلت بعد مصرعه النضير

على الكفين ثم وقد علته بأيدينا مشهرة ذكور

بأمر محمد إذ دس ليلا إلى كعب أخا كعب يسير

فما كره فأنزله بمكر ومحمود أخو ثقة جسور

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له في يوم بني النضير ، سأذكرها إن شاءالله في حديث ذلك اليوم .

3 ما قاله حسَّان في هذه الحادثة

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبي الحقيق :

لله در عصابة لاقيتهم يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف

يسرون بالبيض الخفاف إليكم مرحا كأسد في عين مغرف

حتى أتوكم في محل بلادكم فسقوكم حتفا ببيض ذفَّف

مستنصرين لنصر دين نبيهم مستصغرين لكل أمر مجحف

قال ابن هشام : وسأذكر قتل سلاَّم بن أبي الحقيق في موضعه إن شاء الله .

وقوله : "ذفَّف "، عن غير ابن إسحاق (3 326)

2 أمر محيصة وحويصة

3 لوم حويصة لأخيه محيصة لقتله يهوديا ثم إسلامه

قال ابن إسحاق : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ) فوثب محيصة بن مسعود .

قال ابن هشام : محيصة ويقال محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرح بن عمرو بن مالك بن الأوس - على ابن شنينة -

قال ابن هشام : ويقال شنينة - رجل من تجار يهود ،كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم ، وكان أسن من محيصة ، فلما قتله جعل حويصة يضربه ، ويقول أي عدو الله ،أقتلته ؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله .

قال محيصة : فقلت : والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك ، قال : فوالله إن كان لأول الإسلام حويصة قال : آولله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني ؟ قال : نعم ، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها ! قال : والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب ، فأسلم حويصة ،

3 ما قاله محيصة في ذلك شعرا

قال ابن إسحاق : حدثني هذا الحديث مولى لبني حارثة ، عن ابنة محيصة ، عن أبيها محيصة .

قال محصية في ذلك : (3 327)

يلوم ابن امي لو أمرت بقتله لطبّقت ذفراه بأبيض قاضب

حسام كلون الملح أُخلص صقله متى ما أصوّبه فليس بكاذب

وما سرني أني قتلتك طائعا وأن لنا ما بين بصرى ومأرب

1 المجلد الرابع

2 [تابع: أمر محيصة وحويصة]

3 رواية أخرى في قتل محيصة اليهودي

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة عن أبي عمرو المدني ، قال لما ظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة أخذ منهم نحو من أربعمائة رجل من اليهود ، وكانوا حلفاء الأوس على الخزرج ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تضرب أعناقهم ، فجعلت الخزرج تضرب أعناقهم ويسرهم ذلك ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخزرج ووجوههم مستبشرة ، ونظر إلى الأوس فلم ير ذلك فيهم ، فظن أن ذلك للحلف الذي بين الأوس وبين بني قريظة ، ولم يكن بقي من بني قريظة إلا اثنا عشر رجلا فدفعهم إلى الأوس ، فدفع إلى كل رجلين من الأول رجلا من بين قريظة وقال : ليضرب فلان وليذفّف فلان فكان ممن دفع إليهم كعب بن يهوذا ، وكان عظيما في بني قريظة فدفعه إلى محيصة بن مسعود وإلى أبي بردة بن نيّار - وأبو بردة الذي رخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يذبح جذعا من المعز في الأضحى - وقال ليضربه محيصة وليذفف عليه أبو بردة ،فضربه ضربة لم تقطع ، وذفف أبو بردة فأجهز عليه ، فقال حويصة : - وكان كافراً - لأخيه محيصة : أقتلت كعب بن يهوذا ؟ قال : نعم ، فقال حويصة ، أما والله لرب شحم قد نبت في بطنك (4 4) من ماله ، إنك للئيم يا محيصة ، فقال له محيصة : لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك فعجب من قوله ثم ذهب عنه متعجباً . فذكروا أنه جعل يتيقظ من الليل ، فيعجب من قول أخيه محيصة . حتى أصبح وهو يقول : والله إن هذا لدين . ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم ،فقال محيصة في ذلك أبياتا قد كتبناها .

3 المدة بين قدوم الرسول بحران وغزوة أحد

قال ابن إسحاق : وكانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد قدومه من نجران ، جمادى الآخرة ورجبا وشعبان وشهر رمضان ، وغزته قريش غزوة أحد في شوال ، سنة ثلاث .

2 غزوة أحد

3 من حدث ابن إسحاق بغزوة أحد

وكان من حديث أحد ، كما حدثني محمد بن مسلم الزهري ، ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبدالرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ ، وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد ، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد قالوا ، أومن قال منهم :

3 قريش تجمع المال لحرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ، ورجع فلُّهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره ، مشى عبدالله بن أبي ربيعة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، في رجال من قريش ، ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم يوم بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش ، إن محمدا قد وتركم ، وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه ، فعلَّنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا ، ففعلوا. (4 6)

3 ما نزل فيهم من القرآن

قال ابن إسحاق : ففيهم ، كما ذكر لي بعض أهل العلم ، أنزل الله تعالى : " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون "

3 اجتماع قريش للحرب

فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب ، وأصحاب العير بأحأبيشها ، ومن أطاعها من قبائل كنانة ، وأهل تهامة ، وكان أبو عّزة عمرو بن عبدالله الجمحي قد منّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيرا ذا عيال وحاجة وكان في الأسارى فقال : إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن علي صلى الله عليك وسلم ، فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صفوان بن أمية يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك فأخرج معنا ،فقال : إن محمداً قد منّ علي فلا أريد أن أظاهر عليه ، قال بلى فأعنا بنفسك فلك الله علي إن رجعت أن أغنيك ، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر ، فخرج أبو عزة في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول :

أيها بني عبد مناة الرُزَّام أنتم حماة وأبوكم حام

لا تعدوني نصركم بعد العام لا تسلموني لا يحلُّ إسلام

وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول