فهرست عناوين فهرست اشعار
أمالي السيد المرتضى — الجزء الثاني

1

أمالي السيد المرتضى — الجزء الثاني

تأليف:

الشريف أبى القاسم على بن طاهر أبي احمد الحسين

المتوفي سنة 436 رضي الله عنه

في التفسير والحديث والادب

فهرست عناوين
     (تأويل خبر)2
(مجلس آخر 23)6
     (تأويل آية)6
(مجلس آخر 24)9
     (تأويل آية)9
(مجلس آخر 25)15
     (تأويل آية)15
(مجلس آخر 26)23
     (تأويل آية)23
(مجلس آخر 27)24
     (تأويل آية)24
(مجلس آخر 27)42
     (تأويل آية)42
(مجلس آخر 28)44
     (تأويل آية)44
(مجلس آخر 29)53
     (تأويل آية)53
(مجلس آخر 30)56
     (تأويل آية)56
     (تأويل خبر)58
(مجلس آخر 31)63
     (تأويل آية)63
(مجلس آخر 32)76
     (تأويل آية)76
(مجلس آخر 33)94
     (تأويل آية)94
(مجلس آخر 34)105
     (تأويل آية)105
(مجلس آخر 35)115
     (تأويل آية)115
(مجلس آخر 36)125
     (تأويل آية)125
(مجلس آخر 37)133
     (تأويل آية)133
(مجلس آخر 38)144
     (تأويل آية)144
(مجلس آخر 39)152
     (تأويل آية)152
(مجلس آخر 40)164
     (تأويل آية)164

2

بسم الله الرحمن الرحيم

(تأويل خبر)

ان سأل سائل عن الخبر المروي عن عبدالله بن عمر أنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان قلوب بنى آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء ثم يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.

وعما يرويه أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من قلب آدمي إلا وهو بين أصبعين من أصابع الله تعالى فاذا شاء أن يثبته ثبته وان شاء أن يقلبه قلبه. وعما يرويه ابن حوشب قال قلت لام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان أكثر دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقالت قلت يا رسول الله ما أكثر دعاء‌ك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقال يا أم سلمة ليس من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله عزوجل ما شاء أقام وما شاء أزاغ. فقال ما تأويل هذه الاخبار على ما يطابق التوحيد وينفى التشبيه أو ليس من مذهبكم أن الاخبار التي يخالف ظاهرها الاصول ولا تطابق العقول لا يجب ردها والقطع على كذب راويها إلا بعد أن لا يكون لها في اللغة مخرج ولا تأويل وان كان لها ذلك فباستكراه أو تعسف ولستم ممن يقول ذلك في مثل هذه الاخبار فما تأويلها.

الجواب ان الذي يعول عليه من تكلم في تأويل هذه الاخبار هو أن يقول ان الاصبع في كلام العرب وان كانت الجارحة المخصوصة فهي أيضا الاثر الحسن يقال لفلان على ماله وإبله أصبع حسنة أي قيام وأثر حسن.

قال الراعي يصف راعيا حسن القيام على إبله

ضعيف العصا بادي العروق ترى له
عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا.

وقال طفيل الغنوي يصف فحلا


3
كميت كركن الباب أحيى بناته
مقاليتها فاستحشمتهن إصبع.

وقال لبيد بن بن ربيعة

من يبسط الله عليه إصبعا
بالخير والشر بأي أولعا

يملا له منه ذنوبا مترعا.

وقال حميد بن ثور

أغر كلون البدر في كل منكب
من الناس نعمى يحتذيها وإصبع.

وقال آخر

وأرزنات ليس فيهن ابن
ذو اصبع في مسها وذو فطن.

وقال آخر

أكرم نزارا واسقه المشعشعا
فإن فيه خصلات أربعا

حدا وجودا وندى وأصبعا والاصبع في كل ما أوردناه المراد بها الاثر الحسن والنعمة فيكون المعنى ما من آدمى إلا وقلبه بين نعمتين لله جليلتين حسنتين.

فان قيل هذا قد ذكر كما حكيتم إلا انه لم يفصل ما النعمتان وما وجه التثنية ههنا ونعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى. قلنا يحتمل أن يكون الوجه في ذلك نعم الدينا ونعم الآخرة وثناهما لانهما كالجنسين أو كالنوعين وان كان كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير لان الله تعالى قد أنعم على عباده بان عرفهم بأدلته وبراهينه ما أنعم به عليهم من نعم الدنيا والآخرة وعرفهم مالهم في الاعتراف بذلك والشكر عليه والثناء به من الثواب الجزيل والبقاء في النعيم الطويل. ويمكن أن يكون الوجه في تسميتهم للاثر الحسن بالاصبع هو من حيث يشار اليه

(1) أنشده في اللسان في مادة ص ب ع

من يجعل الله عليه إصبعا
في الخير أو في الشر يلقاه معا (*)

4

بالاصبع اعجابا به وتنبيها عليه وهذه عادتهم في تسمية الشئ بما يقع عنده وبما له به علقة وقد قال قوم في بيتى طفيل والراعي أنهما أرادا أن يقولا يدا في مكان الاصبع لان اليد النعمة فلم يمكنهما فعدلا عن اليد إلى الاصبع لانها من اليد وفي الاصبع التى هى الجارحة ثمان لغات. أصبع بفتح الالف والباء. وأصبع بفتح الالف وكسر الباء واصبع بضم الالف والباء. واصبع بضم الالف وفتح الباء.

وأصبوع بضم الالف مع الواو. وإصبع بكسر الالف والباء. وإصبع بكسر الالف وفتح الباء. وإصبع بكسر الالف وضم الباء.

وفي هذه الاخبار وجه آخر وهو أوضح مما ذكر وأشبه بمذاهب العرب في ملاحن كلامها وتصرف كناياتها وهو أن يكون المعنى في ذكر الاصابع الاخبار عن تيسر تصريف القلوب وتقليبها والفعل فيها عليه جلت عظمته ودخول ذلك تحت قدرته ألا ترى انهم يقولون هذا الشئ في خنصري وأصبعي وفي يدي وقبضتي كل ذلك اذا أرادوا تسهله وتيسره وارتفاع المشقة فيه والمؤنة وعلى هذا المعنى يتأول المحققون قوله تعالى (والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) فكأنه صلى الله عليه وسلم لما أراد المبالغة في وصفه بالقدرة على تقليب القلوب وتصريفها بغير مشقة ولا كلفة وان كان غيره تعالى يعجز عن ذلك ولا يتمكن منه فقال انها بين أصبعين من أصابعه كناية عن هذا المعنى واختصارا للفظ الطويل وجريا على مذهب العرب في إخبارهم عن مثل هذا المعنى بمثل هذا اللفظ وهذا الوجه يجب أن يكون مقدما على الوجه الاول ومعتمدا عليه لانه واضح جلي.

ويمكن أن يكون(1) في الخبر وجه آخر على تسليم ما يقترحه المخالفون من ان الاصبعين هما المخلوقتان من اللحم

(1) لا يخفى ان هذه الاجوبة لا مدخلية لها في السؤال ولو كانت فليس ذلك محلا له لان البحث والسؤال ومحلهما في معني تصريفها كيف شاء واذا شاء أن يثبته ثبته وان شاء أن يقلبه قلبه وما شاء أقام وما شاء أزاغ وأمثالها في أمثال معنى هذا الحديث الشريف مماهو صريح في الجبر ورفع التكليف فان هذا هو الداء العضال وموضع انفصام العقول لافي معنى الاصبع وجواز قراء‌ة الاصبوع مما لا يسمن ولا يغنى من جوع اه‍ من هامش الاصل (*)


5

والدم استظهارا في الحجة واقامة لها على كل وجه وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الاصبعين يحركه الله تعالى بهما ويقلبه بالفعل فيهما ويكون وجه تسميتهما بالاصابع من حيث كانا على شكلهما والوجه في اضافتهما إلى الله تعالى وان كانت جميع أفعاله تضاف اليه بمعنى الملك والقدرة لانه لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما جاورهما غيره تعالى فقيل انهما أصبعان له من حيث اختص بالفعل فيهما على هذا الوجه لان غيره إنما يقدر على تحريك القلب وما هو مجاور للقلب من الاعضاء بتحريك جملة الجسم ولا يقدر على تحريكه وتصريفه منفردا مما يجاوره غيره تعالى فمن أين للمبطلين المتأولين هذه الاخبار بأهوائهم وضعف آرائهم ان الاصابع ههنا اذا كانت لحما ودما فهي جوارح لله تعالى وما هذا الوجه الذي ذكرناه ببعيد.

وعلى المتأول أن يورد كلما يحتمله الكلام مما لا تدفعه حجة وان ترتب بعضه على بعض في القوة والوضوح ونحن نعود إلى تفسير ما لعله أن يشتبه من الابيات التي استشهدنا بها.

أما قوله - حدا وجودا وندى وأصبعا - فمعنى الحد المضاء والنفاذ وقول آخر - وأرزنات ليس فيهن أبن - فالارزنات العصى والابن العقد. فأما قول حميد بن ثور - في كل منكب من الناس - فالمنكب الجماعة والمنكب الناحية. وأما معنى أبيات لبيد فانه أراد من يسق الله اليه خيرا أو يصرف عنه شرا فعل ذلك به وأسبغ له حتى ينتهي منتهاه. فأما بيت طفيل الغنوي فمعناه ان هذا الفحل الذي وصفه بانه كميت وانه كركن الباب لتمامه وشدته لما ضرب في الابل التى وصفها عاشت أولادها التي هي بناته بعد ان كن مقاليت والمقاليت والمقلاة التي لا يعيش لها ولد فكان هذا منه أثراجميلا عليها.

فأما بيت الراعي فمعنى قوله - ضعيف العصا - يريد انه قليل الضرب لها أما لانهن لا يحوجنه سدادا وتأودا أو لشفقته عليهن وهذه كناية في نهاية الحسن واختصار شديد لانه قد يجوز أن يكون ضعيف العصا على الحقيقة من حيث لا يحتاج إلى استعمالها في الضرب فيختارها قوية ويجوز أن يكون حذف وأراد ضعيف فعل العصا. وقوله - بادي العروق - يعني عروق رجله لفاسدها من السعي في أثر هذا الابل وأراد - بالاصبع - ان له عليها في جدب الناس أثرا جميلا لحسن قيامه وتعهده. وقد قيل انه انما سمى الراعي لبيت قاله في


6

هذه القصيدة بعد بيتين من البيت الذي أنشدناه وهو

لها امرها حتى إذا ما تبوأت
بأحقافها مأوى تبوأ مضجعا

وهذا قول الاصمعي.

وقال السكري سمى بذلك لقوله في هذه القصيدة أيضا

هدان أخو وطب وصاحب علبة
يرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا

وروى عن بعض بني نمير انه قال انما سمي بذلك لقوله

تبيت مرافقهن فوق مزلة
لا يستطيع بها القراد مقيلا

فقال بعض بني نمير لما سمع هذا البيت والله ما هو إلا راعي إبل فبقيت عليه.

وقال محمد بن سلام انما سمي الراعي لكثرة وصفه الابل وحسن نعته لها واسمه عبيد بن حصين بن جندل وكنيته أبوجندل وقيل أبونوح

(مجلس آخر 23)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ما المراد بالنفس في هذه الآية وهل المعنى فيها كالمعنى في قوله (ويحذركم الله نفسه) أو يخالفه أو يطابق معنى الآيتين والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يقول الله عزوجل اذا أحب العبد لقائي أحببت لقاء‌ه واذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي واذا ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه واذا تقرب إلى شبرا تقربت اليه ذراعا واذا تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا أو لا يطابقه.

الجواب قلنا ان النفس في اللغة لها معان مختلفة ووجوه في التصرف متباينة. فالنفس نفس الانسان وغيره من الحيوان وهي التي اذا فقدها خرج عن كونه حيا ومنه قوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت). والنفس ذات الشئ الذي يخبر عنه كقولهم فعل ذلك فلان نفسه اذا تولى فعله. والنفس الانفة من قولهم ليس لفلان نفس أي لا أنفة له. والنفس الارادة من قولهم نفس فلان في كذا أي ارادته.

قال الشاعر


7
فنفساي نفس قالت انت ابن بحدل
تجد فرجا من كل غم تهابها
ونفس تقول اجهد نجاك فلا تكن
كخاضبة لم يغن شيئا خضابها

ومنه أن رجلا قال للحسن البصري يا أبا سعيد لم أحجج قط فنفس تقول لي حج ونفس تقول لي تزوج فقال الحسن أما النفس فواحدة ولكن لك هم يقول حج وهم يقول تزوج وأمره بالحج.

وقال الممزق العبدي ويروى لمعقر بن حمار البارقي

ألا من لعين قد نآها حميمها
وأرقني بعد المنام همومها
فباتت لها نفسان شتى همومها
فنفس تعزيها ونفس تلومها.

وقال النمر بن تولب العكلي

أما خليلي فإني لست معجله
حتى يؤامر نفسيه كما زعما
نفس له من نفوس القوم صالحة
تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما

أراد أنه بين نفسين نفس تأمره بالجود واخرى تأمره بالبخل وكنى برضاع الغنم عن البخل لان البخيل يرضع اللبن من الشاة ولا يحلبها لئلا يسمع الضيف صوت الشخب فيهتدي اليه ومنه قيل لئيم راضع.

وقال كثير

فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة
من الناس ما ينفك هم يعودها
ونفس ترجي وصلها بعد صرمها
تجمل كي يزداد غيظا حسودها

والنفس العين التي تصيب الانسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين.

وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي فيقول بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك وداء هو فيك من عين عائن ونفس نافس وحسد حاسد.

وقال ابن الاعرابي النفوس الذي يصيب الناس بالنفس وذكر رجلا فقال كان والله حسودا نفوسا كذوبا.

وقال عبيدالله بن قيس الرقيات وهو قرشى

يتقي أهلها النفوس عليها
فعلى نحرها الرقي والتميم

8

وقال مضرس الفقعسي

وإذا نموا صعدا فليس عليهم
منا الخيال ولا نفوس الحسد

وقال ابن هرمة يمدح عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك

فاسلم سلمت من المكاره والردى
وعثارها ووقيت نفس الحسد

والنفس أيضا من الدباغ بمقدار الدبغة يقول اعطني نفسا من دباغ أي قدر ما أدبغ به مرة. والنفس الغيب يقول القال إني لا أعلم نفس فلان أي غيبه وعلى هذا تأويل قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي تعلم غيبي وما عندي ولا أعلم غيبك. وقيل ان النفس أيضا العقوبة من قولهم أحذرك نفسي أي عقوبتي وبعض المفسرين يحمل قوله تعالى (ويحذركم الله نفسه) على هذا المعنى كأنه يحذركم عقوبته. وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرين قالوا معنى الآية ويحذركم الله إياه.

وقد وروى عن الحسن ومجاهد في قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ما ذكرناه من التأويل بعينه.

فان قيل ما وجه تسمية الغيب بانه نفس قلنا لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك ان نفس الانسان لما كانت خفية الموضع نزل ما يكتمه ويجتهد في ستره منزلتها وسمي باسمها فقيل فيه انه نفسه مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء وانما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه عليه الصلاة والسلام ولا أعلم ما في نفسك من حيث تقدم قوله (تعلم ما في نفسي) ليزدوج الكلام ولهذا لا يحسن ابتداء أن يقول أنا لا أعلم ما في نفس الله تعالى وان حسن على الوجه الاول ولهذا نظائر في الاستعمال مشهورة مذكورة.

فأما الخبر الذي يرويه السائل فتأويله ظاهر وهو خارج على مذهب العرب في مثل هذا الباب معروف ومعناه ان من ذكرني في نفسه جازيته على ذكره لي واذا تقرب الي شبرا جازيته على تقربه الي وكذلك الخبر إلى آخره فسمى المجازاة على الشئ باسمه اتساعا كما قال تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها. ويمكرون ويمكر الله. الله يستهزئ بهم).

وكما قال الشاعر

ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهله الجاهلينا

9

ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب ولما أراد تعالى المبالغة في وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقربه بالكثرة والزيادة كنى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال باعا وذراعا اشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها

(مجلس آخر 24)
(تأويل آية)

ان سأل سائل فقال ما تأويل قوله تعالى (إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء ومعلوم ان القلب اذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه وعن أي شئ زاغت الابصار وبأي شئ تعلقت ظنونهم بالله تعالى. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه.

منها أن يكون المراد بذلك أنهم جبنوا وفزع أكثرهم لما أشرف المشكرون عليهم وخافوا من بوائقهم وبوادرهم ومن شأن الجبان عند العرب اذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته ولهذا يقولون للجبان انتفخ سجره أى رئته وليس يمتنع أن تكون الرئة اذا انتفخت رفعت القلب ونهضت به إلى نحو الحنجرة وهذا التأويل قد ذكره الفراء وغيره ورواه الكلبى عن أبي صالح ابن عباس.

ومنها قيل ان القلوب توصف بالوجيب والاضطراب في أحوال الجزع والهلع.

قال الشاعر

كأن قلوب أدلائها
معلقة بقرون الظباء.

وقال امرؤ القيس

ولا مثل يوم في قدران ظلته
كأني وأصحابي على قرن أعفرا

ويروى في قدار ظللته أراد المبالغة في وصف نفسه وأصحابه بالقلق والاضطراب ومفارقة السكون والاستقرار وانما خص الظبي لان قرنه أكثر تحركا ونشاطه واضطرابا لنشاطه ومرحه وسرعته. وقد قال بعض الناس ان امرأ القيس لم يصف شدة أصابته في(2 - أمالى ثانى)


10

هذا البيت فيليق قوله على قرن أعفرا بالتأويل المذكور بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعما ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت بلا فصل

ألا رب يوم صالح قد شهدته
بناذق ذات التل من فوق طرطرا

فيكون معنى قوله على قرن أعفرا على هذا الوجه انه كان على مكان عال مشرف شبهه لارتفاعه وطوله بقرن الظبي وهذا القول لابن الاعرابى والاول للاصمعي.

فأما قول الآخر

ألا قل خير الشان كيف تغيرا
فأصبح يرمي الناس عن قرن أعفرا

فلا يشتمل الا الشدة والحال المذموم ويجوز أن يريد ان الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون كأنهم على قرن ظبي ويحتمل انه يطعنهم بقرن ظبي كقولك رماه بداهية ويكون معنى عن ههنا معنى الباء فقال عن قرن أعفرا وهو يريد بقرن أعفرا وقد ذكر في هذا البيت الوجهان معا فيكون معنى الآية على هذا التأويل ان القلوب لما اتصل وجيبها واضطرابت بلغت الحناجر لشدة القلق.

ومنها أن يكون المعنى كادت القلوب من شدة الرعب والخوف تبلغ الحناجر وان لم تبلغ في الحقيقة فألقى ذكر كادت لوضوح الامر فيها ولفظة كادت ههنا للمقاربة مثل قول قيس بن الحطيم

أتعرف رسما كالطراز المذهب
لعمرة وحشا غير موقف راكب
ديارا التي كادت ونحن على مني
تحل بنا لو لا نجاء الركائب

معناه قاربت أن تحل بنا وان لم تحلل في الحقيقة. وقوله - غير موقف راكب - فيه وجهان أحدهما انه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوه من الناس ووحشته والآخر أن يكون انه أراد وحش إلا أن راكبا وقف به يعني نفسه.

وقال نصيب

وقد كدت يوم الحزن لما ترنمت
هتوف الضحى محزونة بالترنم
أموت لمبكاها أسى إن لوعتى
ووجدي بسعدى شجوه غير منجم

معنى - المنجم - المقلع.

وقال ذو الرمة


11
وقفت علي ربع لمية ناقتي
فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه
تكلمني أحجاره وملاعبه

وكل هذا معنى كاد فيه المقاربة ومتى أدخلت العرب على كاد جحدا فقالوا ما كاد عبد الله يقوم ولم يكد عبدالله يقوم كان فيه وجهان أجودهما قام عبدالله بعد ابطاء ولاي ومثله قوله تعالى (فذبحوها وما كادوا يفعلون) أي بعد ابطاء وتأخر لان وجد ان البقرة عسر عليهم. وروى أنهم أصابوها ليتيم لا مال له غيرها فاشتروها من وليه بمل‌ء جلدها ذهبا فقال تعالى (وما كادوا يفعلون) إما لانهم لم يقفوا عليها أو لغلائها وكثرة ثمنها.

والوجه الآخر في قولهم ما يكاد عبدالله يقوم أي ما يقوم عبدالله وتكون لفظة يكاد على هذا المعنى مطرحة لا حكم لها وعلى هذا يحمل أكثر المفسرين قوله تعالى (إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي لم يرها أصلا لانه عزوجل لما قال (أو كظلمات في بحر لجئ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) كان بعض هذه الظلمات يحول بين العيون وبين النظر إلى اليد وسائر المناظر فيكد على هذا التأويل زيدت للتوكيد والمعنى اذا أخرج يده لم يرها.

وقال قوم معنى الآية اذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وعسر لتكاثف الظلمة وترادف الموانع من الرؤية فيكد على هذا الجواب ليست بزائدة. وقال آخرون معنى الآية اذا أخرج يده لم يرد أن يراها لان ما شاهده من تكاثف الظلمات آيسه من تأمل يده وقرر في نفسه انه لا يدركها ببصره. وحكى عن العرب أولئك أصحابي الذين أكاد أنزل عليهم أي أريد أن أنزل عليهم.

وقال الشاعر

كادت وكدت وتلك خير إرادة
لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

أي أرادت وأردت.

وقال الافوه

لاودى فإن تجمع أوتاد وأعمدة
وساكن بلغوا الامر الذي كادوا أي أرادوا.

وقال بعضهم معنى قوله تعالى (كذلك كدنا ليوسف) أي أردنا ليوسف. وقال الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس معناه كذلك صنعنا ليوسف. ومما يشهد


12

لمن جعل لفظة يكد زائدة في الآية.

قول الشاعر

سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه
فما أن يكاد قرنه يتنفس

أي فما ان يتنفس قرنه ويكاد مزيدة للتوكيد.

وقال حسان

وتكاد تكسل أن تجئ فراشها
في جسم خرعبة وحسن قوام

معناه وتكسل أن تجئ فراشها.

وقال الآخر

وإلا ألوم النفس فيما أصابني
وإلا أكاد بالذي نلت أنجح

أى لا أنجح بالذي نلت ولو لم يكن الامر على هذا لم يكن البيت مدحا.

وروى عبد الصمد بن المعدل بن غيلان عن أبيه عن جده غيلان قال قدم علينا ذو الرمة الكوفة فأنشدنا بالكناسة وهو على راحتله قصيدته الحائية التي يقول فيها

إذا غير النأي المحبين لم يكد
رسيس الهوى من حب مية يبرح

فقال له عبدالله بن شبرمة قد برح يا ذا الرمة ففكر ساعة ثم قال

إذا غير النأي المحبين لم أجد
رسيس الهوى من حب مية يبرح

قال فأخبرت أبي بما كان من قول ذي الرمة واعتراض ابن شبرمة عليه فقال أخطأ ذو الرمة في رجوعه عن قوله الاول وأخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه هذا كقوله عزوجل (اذا أخرج يده لم يكد يراها) أي لم يرها.

فأما قوله عزوجل (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس) فيحتمل أن يكون المعنى أريد إخفاء‌ها لكي تجزى كل نفس بما تسعى ويجوز أن تكون زائده ويكون المعنى ان الساعة آتية أخفيها لتجزي كل نفس. وقد قيل فيه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى (إن الساعة آتية أكاد) ويكون المعنى أكاد آتي بها ويقع الابتداء بقوله تعالى (أخفيها لتجزى كل نفس).

ومما يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجمي

هممت ولم أفعل وكدت وليتني
تركت علي عثمان تبكي حلائله

أراد وكدت أقتله فحذف الفعل لبيان معناه.

وروى عن سعيد بن جبير انه كان يقرأ


13

أكاد أخفيها فمعنى أخفيها على هذا الوجه أظهرها.

قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا

يخفى التراب بأظلاف ثمانية
في أربع مسهن الارض تحليل

أراد انه يظهر التراب ويستخرجه بأظلافه.

وقال امرؤ القيس

فإن تدفنوا الداء لا نخفه
وإن تبعثوا الحرب لا نقعد

أي لا نظهره.

وقال النابغة

تخفى بأظلافها حتى إذا بلغت
يبس الكثيب تداعي الترب فانهدما

وقد روى أهل العربية أخفيت الشئ يعني سترته وأخفيته بمعنى أظهرته وكأن القراء‌ة بالضم تحتمل الامرين الاظهار والستر والقراء‌ة بالفتح لا تحتمل غير الاظهار واذا كانت بمعنى الاظهار كان الكلام في كاد واحتمالها للوجوه الثلاثة التي ذكرناها كالكلام فيها اذا كانت بمعنى الستر والتغطية.

فان قيل فأي معنى لقوله إني أسترها لتجزى كل نفس بما تسعى وأظهرها على الوجهين جميعا وأي فائدة في ذلك.

قلنا الوجه في هذا ظاهر لانه تعالى اذا ستر عنا وقت الساعة كانت دواعينا إلى فعل الحسن والقبيح مترددة واذا عرفنا وقتها بعينه كنا ملجئين إلى التوبة بعد مقارفة الذنوب ونقض ذلك الغرض بالتكليف واستحقاق الثواب به فصار ما أريد به من المجازاة للمكلفين بسعيهم واتصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم فأما اذا كانت لفظة أخفيها بمعنى الاظهار فوجهه أيضا واضح لانه تعالى انما يقيم القيامة ويقطع التكليف ليجازي كلا باستحقاقه ويوفي مستحق الثواب ثوابه ويعاقب المسئ باستحقاقه فوضح وجه قوله تعالى (أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى) على المعنيين جميعا [ قال المرتضى رضى الله عنه ] وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الانباري يطعن على جواب من أجاب في قوله تعالى (وبلغت القبول الحناجر) بأن معناه كادت تبلغ الجناجر ويقول كاد لا تضمر ولا بد من أن يكون منطوقا بها ولو جاز ضميرها لجاز أن يقال قام عبدالله بمعنى كاد عبدالله يقوم فيكون تأويل قام عبدالله لم يقم عبدالله لان معنى كاد عبدالله يقوم لم يقم وهذا الذي ذكره غير صحيح ونظن ان الذي حمله على الطعن في هذا الوجه


14

حكايته له عن ابن قتيبة لان من شأنه أن يرد كل ما يأتي به ابن قتيبة وأن تعسف في الطعن عليه والذي استبعده غير بعيد لان كاد قد تضمر في مواضع يقتضيها بعض الكلام وان لم تكن في صريحه ألا ترى أنهم يقولون أوردت على فلان من العتاب والتوبيخ والتقريع ما مات عنده وخرجت نفسه ولما رأى فلان فلانا لم يبق فيه روحه وما أشبه ذلك ومعنى جميع ما ذكرناه المقاربة ولا بد من اضمار كاد فيه. وقال جرير

إن العيون التي في طرفها مرض
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وانما المعنى انهن كدن يقتلننا فهذا أكثر في الشعر والكلام من أن نذكره وليس يمتنع فأما قوله - يحيين قتلانا - فالاظهر في معناه انهن لم يزلن يفعلن ما قاربنا عنده الموت والقتل من الصدود والهجر وما أشبه ذلك وسمى هذه الامور حياة كما سمى أضدادها قتلا وقد قيل ان معنى يحيين قتلانا أنهن لم يدين قتلانا من الدية لان دية القتيل عند العرب كالحياة له وقد روى ثم لم يحيين قتلانا وهذه رواية شاذة لم تسمع من عالم ولا محصل ومعناها ضعيف ركيك واذا كان الامر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال قام فلان بمعنى كاد يقوم اذا دلت الحال على ذلك كما يقال مات بمعنى كاد يموت.

فأما قوله فيكون تأويل قوله قام عبدالله لم يقم عبدالله فخطأ لانه ليس معنى كاد يقوم انه لم يقم كما ظن بل معناه انه قارب القيام ودنا منه فمن قال قام عبدالله وأراد كاد يقوم فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.

وأما قوله تعالى (زاغت الابصار) فمعناه زاغت عن النظر إلى كل شئ فلم تلتفت إلا إلى عدوها ويجوز أن يكون المراد بزاغت أي جارت ومالت عن القصد في النظر دهشا وتحيرا.

فأما قوله تعالى (وتظنون بالله الظنونا) معناه انكم تظنون مرة انكم تنصرون وتظهرون على عدوكم ومرة انكم تبتلون وتمتحنون بالتخلية بينكم وبينهم ويجوز أيضا أن يريد الله تعالى ان ظنونكم اختلفت فظن المنافقون منكم خلاف ما وعدكم الله تعالى به من النصرة وشكوا في خبره عزوجل كما قال تعالى حكاية عنهم (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) وظن المؤمنون ما طابق وعد الله تعالى لهم كما حكى عزوجل عنهم في قوله (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) وكلما ذكرناه واضح في تأويل الآية وما تعلق بها


15

(مجلس آخر 25)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (وجعلنا نومكم سباتا) فقال اذا كان السبات هو النوم فكأنه قال وجعلنا نومكم نوما وهذا مما لا فائدة فيه. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه.

منها أن يكون المراد بالسبات الراحة والدعة. وقد قال قوم ان اجتماع الخلق كلهم كان في يوم الجمعة والفراغ منه في يوم السبت فسمى اليوم بالسبت للفراغ الذي كان فيه ولان الله تعالى أمر بنى اسرائيل فيه بالاستراحة من الاعمال قيل وأصل السبات التمدد يقال سبتت المرأة شعرها اذا حلته من العقص وأرستله. قال الشاعر

وإن سبتته مال جثلا كأنه
سدى واهلات من نواسج خثعما

أراد إن أرسلته.

ومنها أن يكون المراد بذلك القطع لان السبت القطع والسبت أيضا الحلق يقال سبت شعره سبتا اذا حلقه وهو يرجع إلى معنى القطع والنعال السبتية التي لا شعر عليها.

قال عنترة

بطل كأن ثيابه في سرحه
يحذي نعال السبت ليس بتوأم

ويقال لكل أرض مرتفعة منقطعة مما حولها سبتاء وجمعها سباتي فيكون المعنى على هذا الجواب جعلنا نومكم سباتا أي قطعا لاعمالكم وتصرفكم. ومن أجاب بهذا الجواب يقول انما سمى يوم السبت بذلك لان بدء الخلق كان يوم الاحد وجمع يوم الجمعة وقطع يوم السبت فترجع التسمية إلى معنى القطع. وقد اختلف الناس في ابتداء الخلق فقال أهل التوراة ان الله ابتدأه في يوم الاحد وكان الخلق في يوم الاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة ثم فرغ في يوم السبت وهذا قول أهل التوراة. وقال آخرون ان الابتداء كان في يوم الاثنين إلى السبت وفرغ في يوم الاحد وهذا قول أهل الانجيل. فأما قول أهل الاسلام فهو أن ابتداء الخلق كان يوم السبت واتصل إلى يوم الخميس وجعلت الجمعة عيدا فعلى هذا القول الآخر يمكن


16

أن يسمى اليوم بالسبت من حيث قطع فيه بعض خلق الارض. فقد روى أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال ان الله تعالى خلق البرية يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الاحد.

ومنها أن يكون المراد بذلك إنا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت لان النائم قد يفقد من علومه وقصوده وأحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت فأراد تعالى أن يمتن علينا بأن جعل نومنا الذي يضاهى فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة ولا بمخرج لنا عن الحياة والادراك فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفي الموت وسادا مسد قوله تعالى وجعلنا نومكم ليس بموت.

ويمكن أن يكون في الآية وجه آخر لم يذكر فيها وهو أن السبات ليس هو كل نوم وانما هو من صفات النوم اذا وقع على بعض الوجوه والسبات هو النوم الممتد الطويل السكون ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم انه مسبوت وبه سبات ولا يقال ذلك في كل نائم واذا كان الامر على هذا لم يجر قوله (وجعلنا نومكم سباتا) مجرى أن يقول وجعلنا نومكم نوما.

والوجه في الامتنان علينا بان جعل نومنا ممتدا طويلا ظاهر وهو لما في ذلك لنا من المنفعة والراحة لان التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة بل يصحبهما في الاكثر القلق والانزعاج والهموم وهي التي تقلل النوم وتنزره وفراغ القلب ورخاء البال يكون معهما غزارة النوم وامتداده وهذا واضح. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم الانباري يطعن على الجواب الذي ذكرناه أولا ويقول إن ابن قتيبة أخطأ في اعتماده لان الراحة لا يقال لها سبات ولا يقال سبت الرجل بمعنى استراح وأراح ويعتمد على الجواب الذي ثنينا بذكره ويقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها ان معناه أيضا القطع لان ذلك انما يكون بازالة الشداد الذي كان مجموعا به وقطعه. والمقدار الذي ذكره أبن الانباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة لانه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة والدعة اذا كانتا عن نوم وان لم توصف كل راحة بأنها سبات ويكون هذا الاسم يختص الراحة اذا كانت على هذه الوجه ولهذا نظائر كثيرة في الاسماء واذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم سبت الرجل بمعنى استراح في كل موضع دلالة على أن السبات لا يكون اسما للراحة عند النوم


17

والذي يبقى على ابن قتيبة أن يبين أن السبات هو الراحة والدعة ويستشهد على ذلك بشعر أو لغة فان البيت الذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدد والاسترسال.

فان قيل فما الفرق بين جواب ابن قتيبة وجوابكم الذي ذكرتموه أخيرا قلنا الفرق بينهما بين لان ابن قتيبة جعل السبات نفسه راحة وجعله عبارة عنها وأخذ يستشهد على ذلك بالتمدد وغيره ونحن جعلنا السبات من صفات النوم والراحة واقعة عنده للامتداد وطول السكون فيه فلا يلزمنا أن يقال سبت الرجل بمعنى استراح لان الشئ لا يسمى بما يقع عليه حقيقة والاستراحة تقع على جوابنا عند السبات وليس السبات إياها بعينها على ان في الجواب الذي اختاره ابن الانباري ضربا من الكلام لان السبت وان كان القطع على ما ذكره فلم يسمع فيه البناء الذي ذكره وهو السبات ويحتاج في اثبات مثل هذا البناء إلى سمع عن أهل اللغة وقد كان يجب أن يورد من أي وجه اذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى ولم نره فعل ذلك (تأويل خبر).

ان قال قائل ما تأويل الخبر الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الميت ليعذب ببكاء الحي عليه. وفي رواية اخرى ان الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه. وقد روى هذا المعنى المغيرة بن شعبة أيضا فقال سمعت النبي صلى آله عليه وسلم يقول من نيح عليه فانه يعذب بما نيح عليه.

الجواب انا اذا كنا قد علمنا بأدلة العقل التي لا يدخلها الاحتمال ولا الاتساع والمجاز قبح من أخذه أحد بذنب غيره وعلمنا أيضا ذلك بأدلة السمع مثل قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر اخرى) فلا بد أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الادلة إلى ما يطابقها.

والمعنى في الاخبار التي سئلنا عنها ان صحت روايتها انه اذا أوصى موص بأن يناح عليه ففعل ذلك بأمره وعن إذنه فانه يعذب بالنياحة عليه وليس معنى يعذب بها انه يؤاخذ بفعل النواح وانما معناه أن يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها وانما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لان الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح فيأمرون به ويؤكدون الوصية بفعله وهذا مشهور عنهم.

قال طرفة بن العبد(3 - أمالي ثاني)


18
فإن مت فانعيني بما أنا أهله
وشقي علي الجيب يا أم معبد.

وقال بشر بن أبي خازم لابنته عميرة

فمن يك سائلا عن بيت بشر
فإن له بجنب الردم بابا
ثوى في ملحد لا بد منه
كفى بالموت نأيا واغترابا
رهين بلى وكل فتى سيبلى
فأذرى الدمع وانتحبى انتحابا

وقد روي عن ابن عباس في هذا الخبر انه قال وهل ابن عمر انما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودى فقال انكم لتبكون عليه وانه ليعذب في قبره. وقد روى ابن بكار هذا الخبر أيضا عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلت لما أخبرت بروايته وهل أبوعبدالرحمن كما وهل يوم قليب بدر إنما قال عليه الصلاة والسلام ان أهل الميت ليبكون عليه وانه ليعذب بجرمه.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه يعنى - وهل - أي ذهب وهمه إلى غير الصواب يقال وهلت إلى الشئ فأنا أهل وهلا اذا ذهب وهمك اليه ووهلت عنه أهل وهلا أي نسبته وغلطت فيه ووهل الرجل يوهل وهلا اذا فزع والوهل الفزع. فأما - القليب - فهي البئر والجمع القلب.

قال حسان بن ثابت يذكر قتلى بدر من المشركين

يناديهم رسول الله لما
قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا حديثي كان حقا
وأمر الله يأخذ بالقلوب

وقال آخر يبكي على قتلى بدر من المشركين

فماذا بالقليب قليب بدر
من الفتيان والشرب الكرام
وماذا بالقليب قليب بدر
من الشيزى يكلل بالسنام

وموضع وهله في ذكر القليب أنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال انهم ليسمعون ما أقول فأنكر ذلك عليه وقيل انما قال عليه الصلاة والسلام انهم الآن ليعلمون ان الذي كنت أقوله لهم هو


19

الحق واستشهد بقول الله عزوجل (إنك لا تسمع الموتى) وأهل القليب جماعة من قريش منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم.

وروى عن عبدالله ابن مسعود أنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قائما يصلي بمكة واناس من قريش في حلقة فيهم أبوجهل بن هشام فقال ما يمنع أحدكم أن يأتي الجزور التي نحرها آل فلان فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى اذا سجد وضعه على ظهره قال عبدالله فانبعث أشقى القوم وأنا أنظر اليه فجاء به حتى وضعه على ظهره قال عبدالله لو كانت لي يومئذ منعة لمنعته وجاء‌ت فاطمة رضوان الله عليها عليه وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر أبيها ثم جاء‌ت حتى قامت على رؤسهم فأوسعتهم شتما قال فوالله لقد رأيت بعضهم يضحك حتى انه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على القوم فقال اللهم عليك بفلان وفلان فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا عليهم أسقط في أيديهم قال فوالله الذي لا إله غيره ما سمى النبى صلى الله عليه وسلم أحدا إلا وقدر رأيته يوم بدر وقد أخذ برجله يجر إلى القليب مقتولا وقوله - فيأخذ سلاها - أي جلدتها التي فيها ولدها ما دام في بطنها والجمع الاسلاء. وقال ابن حبيب الاسلاء التي فيها الاولاد.

قال الاخطل

ويطرحن بالثغر السخال كأنما
يشققن بالاسلاء أردية العصب

وقال الشماخ

والعيس دامية المناسم ضمر
يقذفن بالاسلاء تحت الاركب

قال الفراء سقط في أيديهم من الندامة وأسقط لغتان وهو بغير ألف أكثر وأجود.

ويمكن أن يكون في قوله يعذب ببكاء أهله وجه آخر وهو أن يكون المعنى ان الله تعالى اذا أعلمه ببكاء أهله وأعزته عليه وما لحقهم بعده من الحزن والهم تألم بذلك فكان عذابا له والعذاب ليس بجار مجري العقاب الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم بل قد يستعمل كثيرا بحيث يستعمل الالم والضرر ألا ترى ان القائل قد يقول لمن ابتدأه بالضرر والالم قد عذبتني بكذا وكذا كما يقول أضررت بي وآلمتني وانما لم يستعمل


20

العقاب حقيقة في الايلام المتبدأ من حيث كان اشتقاق لفظه من المعاقبة التي لا بد من تقدم سبب لها وليس هذا في العذاب (تأويل خبر).

ان سأل سائل عن الخبر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أحد يدخله عمله الجنة وينجيه من النار قيل ولا أنت يارسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل يقولها ثلاثا. فقال أليس في هذا دلالة على أن الله تعالى يتفضل بالثواب وأنه غير مستحق عليه ومذهبكم بخلاف ذلك.

الجواب قلنا فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلفين إلى الله تعالى وحاجتهم إلى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته وأن العبد لو أخرج إلى نفسه وقطع الله تعالى مواد المعونة واللطف عنه لم يدخل بعمله الجنة ولا نجا من النار فكأنه عليه الصلاة والسلام أراد ان أحدا لا يدخل الجنة بعمله الذي لم يعنه الله تعالى عليه ولا لطف له فيه ولا أرشده اليه وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه. فأما الثواب فما نأبى القول بأنه تفضل بمعنى أن الله تعالى تفضل بسببه الذي هو التكليف ولهذا نقول انه لا يجب على الله تعالى شئ ابتداء وانما يجب عليه ما أوجبه على نفسه فالثواب مما كان أوجبه على نفسه بالتكليف وكذلك التمكين والالطاف وكل ما يجلبه ويوجبه التكليف ولولا إيجابه له على نفسه بالتكليف لما وجب. فان قيل فقد سمى الرسول عليه الصلاة والسلام ما يفعل به فضلا فقال إلا أن يتغمدني الله برحمة منه. وفضل قلنا هذا يطابق ما ذكرناه لان الرحمة النعمة والثواب نعمة وهو تفضل من الوجه الذي ذكرناه وان حملنا قوله عليه الصلاة والسلام برحمة منه وفضل على ما يفعل به من الالطاف والمعونات فهي أيضا فضل وتفضل لان سببها غير واجب.

فأما قوله عليه الصلاة والسلام يتغمدني الله فمعناه يسترني يقال غمدت السيف في غمده اذا سترته قال الشاعر

نصبنا رمحا فوقها جد عامر
كظل السماء كل أرض تغمدا

- فالجد - هنا البخت والحظ وشبه ما قسم لعامر من الغلبة والظفر بظل السماء الذي يستر كل شي ء ويظهر عليه.

أخبرنا أبوالقاسم عبيدالله بن عثمان بن يحيى بن حنيفاء قال أخبرنا أبوعبدالله محمد بن أحمد الحكيمي قراء‌ة عليه قال أملى علينا أبوالعباس أحمد


21

ابن يحيى ثعلب النحوي قال أخبرنا ابن الاعرابي قال يقال للقوم اذا دعوت عليهم بهرهم الله والمبهور هو المكروب وأنشدنا

أبرزوها مثل المهاة تهادى
بين خمس كواعب أتراب
ثم قالوا تحبها قلت بهرا
عدد الرمل والحصى والتراب

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وقد قيل في معنى قوله بهرا غير هذا الوجه.

أخبرنا أبوعبيدالله محمد بن عمران المرزباني قال أخبرني أحمد بن يحيى الصولي قال حدثنا القاسم بن اسماعيل قال حدثنا الثوري عن أبي عمر الاسدي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول عمر ابن ابي ربيعة حجة في العربية وما أخذ عليه شئ الا قوله - ثم قالوا تحبها قلت بهرا - وله فيه عذر ان أراد الخبر لا الاستفهام كأنهم قالوا أنت تحبها على جهة الاخبار منهم لا الاستفهمام فوكد هو اخبارهم بجوابه فهذا حسن وبهرا يجوز أن يكون أراد نعم حبا بهرني بهرا ويكون أيضا بمعنى عقرا وتعسا ودعا عليهم اذ جهلوا من حبه لها ما لا يجهل مثله.

وأنشد أبوعمرو بن العلاء

لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي
بجارية بهرا لهم بعدها بهرا

قال أبوعمرو يكون بهرا بمعنى ظاهرا يريد حبا ظاهرا من قولهم قمر باهر.

وقد روي بعض الرواة انه قال - قيل لي هل تحبها قلت بهرا - والرواية الاولى هي المشهورة ولعل من روى ذلك فر بهذه الرواية من اللحن وهذان البيتان لعمر بن عبدالله بن أبى ريبعة المخزومي من جملة أبيات منها

من رسولي إلى الثريا بأني
ضقت ضرعا بهجرها والكتاب

وهي مكنونة تحير منها
في أديم الخدين ماء الشباب
سلبتني عجاجة المسك عقلي
فسلوها بما يحل اغتصابي
أزهقت أم نوفل اذ رعتها
مهجتي ما لقاتلي من متاب

22
حين قالت لها أجيبي فقالت
من دعاني قالت أبوالخطاب
أبرزوها مثل المهاة تهادي
بين خمس كواعب أتراب
ثم قالوا تحبها قلت بهرا
عدد القطر والحصى والتراب

والثريا هي التي عناها عمر أموية وقد اختلف في نسبها فقيل انها الثريا بنت عبدالله بن الحارث بن أمية الاصغر أبوعبد شمس وقيل انها الثريا بنت علي بن عبدالله بن الحارث ابن أمية الاصغر وذكر الزبير بن بكار ان الثريا هي بنت عبدالله بن محمد بن عبدالله ابن الحارث بن أمية الاصغر وأنها أخت محمد بن عبدالله المعروف بأبي جراب العبلي الذي قتله داود بن علي.

وأخبرنا أبوعبدالله المرزبانى قال حدثني محمد بن ابراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن عمر بن الافلح قال خبرني بلال بن أبي عتيق في حديث طويل لعمر بن أبي ربيعة مع الثريا اختصرناه وأوردنا بعضه قال لما سمع ابن أبي عتيق قول عمر - من رسولي إلى الثريا باني - قال إياي أراد وبي نوة لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص اليه لاصلح بينهما فنهض ونهضت معه فجاء قوما من بني الدئل بن أبى بكر لم تكن النجائب تفارقهم يكرونها فاكترى منهم راحتلين وأغلى لهم بهما فقلت له استوضعهم شيئا أو دعنى أماكسهم فقد استطولوا فقال لي ويحك أما علمت أن المكاس ليس من خلق الله الكرام وركب إحداهما وركبت الاخرى فسار سيرا شديدا فقلت له ارفق على نفسك فان ما تريد لا يفوتك فقال ويحك - أبادر حبل الود أن يتقضبا - ومن لح الدنيا أن يلتم الصدع بين عمر والثريا فقدمنا مكة ليلا غير محرمين فدق على عمر بابه فخرج اليه فسلم عليه فما نزل ابن أبي عتيق عن راحلته وقال لعمر اركب أصلح بينك وبين الثريا فانى رسولك الذي سألت عنه فركب معه فقدمنا الطائف فقال ابن أبي عتيق للثريا هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة اليك فجئتك به معترفا بذنب لم يجنه معتذرا من اساء‌تك اليه فدعيني من التعداد والترداد فانه من الشعراء الذين يقولون مالا يفعلون فصالحته أحسن صلح وكررنا راجعين إلى المدينة ولم يقم ابن أبي عتيق بمكة ساعة واحدة.

وفي الثريا يقول عمر


23

ابن أبى ربيعة أيضا لما تزوجها سهيل بن عبدالرحمن بن عوف المكنى بأبي الابيض وقيل بل تزوجها سهيل بن عبدالعزيز بن مروان

أيها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت
وسهيل إذا استقل يماني

(مجلس آخر 26)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (فغشيهم من اليم ما غشيهم) فقال ما الفائدة في قوله تعالى ما غشيهم وقوله غشيهم يدل عليه ويستغني به عنه لان غشيتهم لا يكون إلا الذي غشيهم وما الوجه في ذلك.

الجواب قد ذكر في هذا أجوبة.

أحدها أن يكون المعنى فغشيهم من اليم البعض الذي غشيهم لانه لم يغشهم جميع مائة بل غشيهم بعضه فقال ما غشيهم ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء وأنهم لم يغرقوا بجميعه وهذا الوجه حكي عن الفراء وذكره أبوبكر الانباري واعتمده وغيره أوضح منه - واليم - هو البحر.

قال الشاعر

وبني تبع على اليم قصرا
عاليا مشرفا على البنيان.

وثانيها أن يكون المعني فغشيهم من اليم ما غشى موسى وأصحابه وذلك ان موسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه وفرعون وأصحابه سلكوا جميعا البحر وغشيهم كلهم إلا أن فرعون وقومه لما غشيهم غرقهم وموسى عليه الصلاة والسلام وقومه جعل لهم في البحر طريق يبس فقال تعالى فغشى فرعون وقومه من ماء اليم ما غشى موسى وقومه فنجا هؤلاء وهلك هؤلاء وعلى هذا الوجه والتأويل تكون الهاء في قوله ما غشيهم كناية عن غير من كني عنه بقوله فغشيهم لان الاولى كناية عن فرعون وقومه والثانية كناية عن موسى وقومه.

وثالثها أنه غشيهم من عذاب اليم وإهلاكه لهم ما غشى الامم السالفة من العذاب والهلاك عند تكذيبهم أنبياء‌هم وإقامتهم على رد أقوالهم


24

والعدول عن ارشادهم والامم السالفة وان لم يغشهم الهلاك والعذاب من قبل البحر فقد غشيهم عذاب واهلاك استحقوهما بكفرهم وتكذيبهم أنبيائهم فشبه بينه وبين هؤلاء من حيث اشتمال العذاب على جميعهم عقوبة على التكذيب.

ورابعها أن يكون المعنى فغشيهم من قبل اليم ما غشيهم من العطب والهلاك فتكون لفظة غشيهم الاولى للبحر والثانية للهلاك والعطب اللذين لحقاهم من قبل البحر.

ويمكن في الآية وجه آخر لم يذكر فيها وهو واضح يليق بمذاهب العرب في استعمال مثل هذا اللفظ وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى (ما غشيهم) تعظيم الامر وتفخيمه كما يقول القائل فعل فلان ما فعل وأقدم على ما أقدم اذا أراد التفخيم وكما قال تعالى (وفعلت فعلتك التي فعلت) وما يجري هذا المجرى ويدخل في هذا الباب قولهم للرجل هذا هذا وأنت أنت وفي القوم هم هم.

قال الهذلي

رقوني وقالوا يا خويلد لا ترع
فقلت وأنكرت الوجوه هم هم.

وقال أبوالنجم أنا أبوالنجم وشعري شعري كل ذلك أرادوا تعظيم الامر وتكبيره

(مجلس آخر 27)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (فخر عليهم السقف من فوقهم) فقال ما الفائدة في قوله من فوقهم يفيده قوله فخر عليهم السقف لان مع الاقتصار على القول الاول لا يذهب وهم أحد إلى أن السقف يخر من تحتهم. الجواب قيل له في ذلك أجوبة.

أولها أن يكون من بمعنى عن فيكون المعنى فخر عنهم السقف من فوقهم أي خر عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته كما يقول القائل اشتكى فلان عن دواء شربه فيكون من وعن بمعني واحد أى من أجل الدواء وكذلك يكون معنى الآية


25

فخر من أجل كفرهم السقف من فوقهم.

قال الشاعر

أرمي عليها وهي فرع أجمع
وهي ثلاث أذرع وإصبع

أراد أرمي عنها لان كلام العرب رميت عن القوس فأقام على مقام عن ولو أنه قال تعالى على هذا المعنى فخر عليهم السقف ولم يقل من فوقهم جاز أن يتوهم متوهم أن السقف خر وليس هم تحته.

وثانيها أن يكون على بمعنى اللام والمراد فخر لهم السقف فان على قد تقام مقام اللام. وحكي عن العرب ما أغيظك علي وما أغمك علي يريدون ما أغيظك لى وما أغمك لي.

قال الطرماح يصف ناقة

كأن مجراها على ثفناتها
معرس خمس وقعت للجناجن(1)

أراد وقعت على الجناجن وهي عظام الصدر فأقام اللام مقام على.

وقد يقول القائل أيضا تداعت على فلان داره واستهدم عليه حائطه ولا يريد أنه كان تحته فأخبر تعالى بقوله (من فوقهم) عن فائدة لولاه ما فهمت ولجاز أن يتوهم متوهم في قوله فخر عليهم السقف ما يتوهمه من قوله خرب عليه ربعه ووقعت عليه دابته وأشباه ذلك.

وللعرب في هذا مذهب طريف لطيف لانهم لا يستعملون لفظه على في مثل هذا الموضع إلا في الشر والامر المكروه الضار ويستعملون اللام وغيرها في خلاف ذلك ألا تري أنهم لا يقولون عمرت على فلان ضيعته بدلا من قولهم خربت عليه ضيعته ولا ولدت عليه

(1) - الثفنات - جمع ثفنة بفتح فكسر وهو من البعير ركبته وما مس الارض من كركرته وسعداناته وأصول أفخاذه - والمعرس - محل التعريس وهو النزول آخر الليل يريد محل مبيتها وبعده

وقعن اثنتين واثنتين وفردة
يبادرون تغليسا سمال المداهن

- السمال - جمع سملة وهي بقية الماء في الحوض - والمداهن - جمع مدهن وهي نقر في رؤس الجبال يستنقع فيها الماء وقد سبق إلى هذا المعنى ذو الرمة فقال

كان مجراها على ثفناتها
معرس خمس من قطا متجاور
وقعن اثنتين واثنتين وفردة
جريدا هي الوسطى بصحراء حائر

(*)(4 - أمالى ثاني)


26

جاريته بل يقولون عمرت له ضيعته وولدت له جاريته وهكذا من شأنهم اذا قالوا قال علي وروى علي فانه يقال في الشر والكذب وفي الخير والحق يقولون قال عني وروي عني ومثل ذلك قوله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) لانهم لما أضافوا الشر والكفر إلى ملك سليمان حسن أن يقال نتلو عليه ولو كان خيرا لقيل عنه ومثله (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) وقوله (أتقولون على الله مالا تعملون).

وقال الشاعر

عرضت نصيحة مني ليحيى
فقال غششتني والنصح مر
وما بي أن أكون أعيب يحيى
ويحيى طاهر الاخلاق بر
ولكن قد أتاني أن يحيى
يقال عليه في نفعاء شر
فقلت له تجنب كل شئ
يعاب عليك إن الحر حر

ومثله قول الفرزدق في عنبسة بن سعدان المعروف بعنبسة الفيل وقد كان يتبع شعره وبخطئه ويلحنه(1)

(1) - قلت - كان عنبسة يعيب على الفرزدق مثل قوله

وعض زمان يابن مروان لم يدع
من المال الا مسحتا أو مجلف

- المسحت - المبدد - والمجلف - الذي ذهبت به السنون وكان الفرزدق لحانة على جودة شعره وكان فحاشا لا يعترض عليه أحد الا هجاه وقد سأله بعضهم عن رفع مجلف في البيت فغضب وقال على أن أقول وعليكم أن تحتجوا وأنكر عليه عبدالله بن أبى اسحاق الحضرمى قوله

مستقبلين شمال الشام تضربنا
بحاصب من نديف القطن منثور
على عمائمنا نلقى وأرحلنا
على زواحف نزجى مخها رير

فقال الا قلت (على زواحف نزجيها محاسير) فغضب وقال

فلو كان عبدالله مولى هجوته
ولكن عبدالله مولي مواليا (*)

27
لقد كان في معدان والفيل زاجر
لعنبسة الراوي على القصائدا

فقال علي ولم يقل عني للمعنى الذي ذكرناه.

وثالث الوجوه في الآية أن يكون من فوقهم تأكيد للكلام وزيادة في البيان كما قال تعالى (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) والقلب لا يكون إلا في الصدر ونظائر ذلك في الكتاب كثير وفى كلام الادب أيضا والله أعلم [ تأويل خبر آخر أيضا ].

إن سأل سائل عن الخبر الذي يرويه نافع عن أبي اسحاق الهجري عن أبي الاحوص عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان هذا القرآن مأدبة لله تعالى فتعمدوا مأدبته ما استطعتم وان أصفر البيوت لبيتا أصفر من كتاب الله فقال ما تأويله وكيف بيان غريبه.

الجواب قلنا - المأدبة - في كلام العرب هي الطعام يصنعه الرجل ويدعو اليه الناس فشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما يكتسبه الانسان من خير القرآن ونفعه وعائدته اذا قرأه وحفظه بما يناله المدعو من طعام الداعي وانتفاعه به يقال قد أدب الرجل يأدب فهو آدب اذا دعا الناس إلى طعامه وشرابه ويقال للمأدبة المدعاة وذكر خلف الاحمر انه يقال فيه أيضا مأدبة بفتح الدال.

قال طرفة العبدى

نحن في المشتاة ندعو الجفلى
لا ترى الآدب فينا ينتقر

ومعنى - الجفلى - أنه عم بدعوته ولم يخص بها قوما دون قوم والنقرى أذا خص بها بعضا دون بعض ومعنى - ينتقر - من النقرى.

قال بعض هذيل

وليلة يصطلى بالفرث جازرها
يختص بالنقرى المثرين داعيها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة
عند الصباح ولا تسري أفاعيها

معنى - يصطلى بالفرث جازرها - أن الجازر اذا شق فيها الكرش أدخل يده لشدة البرد في الفرث مستدفئا به ومعنى - يختص - بالنقرى المثرين داعيها - أنه يخص بدعائه إلى طعامه الاغنياء الذين يطمع من جهتهم في المكافأة.

قال الآخر


28
قالوا ثلاثاؤه خصب ومأدبة
وكل أيامه يوم الثلاثاء.

وقال الهذلي يصف عقابا

كأن قلوب الطير في جوف وكرها
نوى القسب ملقى عند بعض المآدب(1)

أراد جمع مأدبة.

وقد روى هذا الحديث بفتح المأدبة. وقال الاحمر المراد بهذه اللفظة مع الفتح هو المراد بها مع الضم. وقال غيره المأدبة بفتح الدال مفعلة من الادب معناه ان الله تعالى أنزل القرآن أدبا للخلق وتقويما لهم وانما دخلت الهاء في مأدبة ومأدبة والقرآن مذكر لمعنى المبالغة كما قالوا هذا شراب مطيبة للنفس.

وكما قال عنترة والكفر مخبثة لنفس المنعم وجرى ذلك مجرى قولهم رجل علامة ونسابة في باب المدح على جهة التشبيه بالهداية ورجل هلباجة في باب الذم على جهة التشبيه بالبهيمة. ويقال لطعام الاملاك ولمية ولطعام الختان العذيرة ولطعام الزفاف العرس ولطعام بناء الدار الوكيرة ولطعام حلق الشعر العقيقة ولطعام القادم من السفر النقيعة ولطعام النفاس الخرس والذي تطعمه النفساء نفسها الخرسة.

قال الشاعر

اذا النفساء لم تخرس ببكرها
غلاما ولم تسكت بحتر فطيمها

- الحتر - الشئ القليل وقال آخر

كل الطعام تشتهي ربيعه
العرس والاعذار والنقيعه

ويروي الخرس.

وينشد أيضا في النقيعة قول الشاعر

إنا لنضرب بالسيوف رؤسهم
ضرب القدار نقيعة القدام

- القدار - الجزار - والقدام - جمع قادم.

وقال أبوزيد يقال لطعام الاملاك النقيعه ولطعام بناء الدار الوكيرة ولطعام الختان الاعذار والعذيرة.

وقال الفراء

(1) - القسب - بفتح فسكون اليابس من التمر (*)


29

الشيدخي طعام الاملاك والوليمة طعام العرس. وقال أبوزيد يقال من النقيعة نقعت. وقال الفراء منها أنقعت. وقال ابن السكيت يقال للطعام الذي يتعلل به قدام الغداء السلفة واللهنة لهنوا ضيفكم أي أطعموه اللهنة.

قال الشاعر

عجيز عارضها منفل
طعامها اللهنة أو أقل.

وقال ابن السكيت يقال فلان يأكل الوجبة اذا كان يأكل في اليوم والليلة أكلة.

قال بشار

فاستغن بالوجبات عن ذهب
لم يبق فيه لامرئ ذهبة

وقال ابن السكيت قال الاصمعي لرجل أسرع في سيره كيف كان سيرك قال كنت آكل الوجبة وأنجو الوقعة وأعرس اذا فجرت وأرتحل اذا أسفرت وأسير الوضع وأجتنب اللمع فجئتكم لمسى سبع.

قوله - أنجو الوقعة - معناه أقضي حاجتي مرة في اليوم وهو من النجو. وقوله - أسير الوضع - فالوضع سير فيه بعض الاسراع واللمع سير أشد منه وأراد انه يجتنب الشديد من السير كراهة أن يقف ظهره قبل أن يبلغ الارض التي يقصدها ويقال شر السير الحقحقة أي السير الشديد الذي يقطع صاحبه عن بلوغ بغيته.

قال الشاعر

اذا ما أردت الارض ثم تباعدت
عليك فضع رحل المطى وأنزل

أي استرح حتى تقوى على السير فان جهدت نفسك لم تقطع أرضا ولم تبق ظهرا وهذا من أبيات المعاني التي يسأل عنها والذي قيل فيه ما ذكرناه. ويمكن أن يكون معنى البيت اذا بعدت عليك الارض فدعها واسل عنها كما يقال دواء ما عز مطلبه الصبر وما جرى مجرى ذلك من ألفاظ التسلية والامر بالعدول عن تتبع ما صعب من الامور.

وقال الآخر في معنى البيت الاول

يقطع بالنزول الارض عنها
وبعد الارض يقطعه النزول

وقوله - لمسي سبع - أى لمساء سبع ليال ويقال للذي يحضر طعام القوم من غير أن يدعا اليه الوارش والوروش وقوله العامة طفيلي مولد لا يوجد في العتيق من كلام


30

العرب وأصل ذلك أن رجلا يقال له طفيل كان بالكوفة لا يفقد وليمة من غير أن يدعى اليها فقيل للوارش طفيلي تشبيها بطفيل هذا في وقته. ويقال للذي يحضر الشراب من غير أن يدعى اليه واغل.

قال امرؤ القيس

فاليوم فاشرب غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل

ويقال لما يشربه الوغل.

قال الشاعر

إن أك سكيرا فلا أشرب الوغل
ولا يسلم مني البعير إن نشزا

وقوله صلى الله عليه وسلم ان أصفر البيوت لبيت صفر من كتاب الله معناه أخلى البيوت - والصفر - عند العرب الخالي من الآنية وغيرها.

ويمكن في قوله مأدبة وجه آخر وهو أن يكون وجه التشبيه للقرآن بالمأدبة وتسميته بها من حيث دعاء الخلق اليه وأمرهم بالاجتماع عليه فسماه عليه الصلاة والسلام مأدبة لهذا الوجه لان المأدبة هي التي يدعي الناس اليها ويجتمعون عليها وهذا الوجه يخالف الاول لان الاول تضمن أن وجه التشبيه من حيث النفع العائد على الحافظ للقرآن كما ينتفع المدعو إلى المأدبة بما يصيبه من الطعام وهذا الوجه الآخر تضمن أن التشبيه وقع لاجتماع الناس في الدعاء اليه والارشاد إلى اصابته وليس يبعد أن يريد عليه الصلاة والسلام بالخبر المعنيين معا فلا تنافي بينهما.

أخبرنا أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبوحاتم قال كنا في مجلس الاصمعي أذ أقبل اعرابي فقال أين عهدتكم فأشرنا إلى الاصمعي فقال له ما معنى قول الشاعر

لا مال إلا العطاف تؤزره
أم ثلاثين وابنة الجبل
لا يرتقى النز في ذلاذله
ولا يعدى نعليه من بلل

فقال الاصمعي

عصرته نطفة تضمنها
لصب تلقى مواضع السبل
أو وجبة من جناة أشكلة
إن لم يرعها بالقوس لم تنل

31

قال فأدبر الاعرابي وهو يقول لم أر كاليوم رجلا.

قال ابن دريد انما وصف رجلا خائفا في رأس جبل يقول لا مال له إلا العطاف وهو السيف تؤزره أم ثلاثين يعني كنانة فيها ثلاثون سهما وابنة الجبل يعني القوس لانها تعمل من شجر الجبال مثل النبع وغيره.

وقوله - لا يرتقى النز في ذلاذله - لانه في رأس جبل فلا نزهناك يتعلق بما يفضل من ثيابه ولا بلل يعدى نعليه عنهما - والعصرة - الملجأ - والنطفة - الماء - المجتمع في صخر أو غيره من بقية ماء المطر - واللصب - الشق في الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الثقب - والسبل - المطر - والوجبة - أن يأكل كل يوم مرة - والاشكل - السدر الجبلي واحده أشكلة. يقول فهذه النطفة والوجبة من الاشكلة عصرتاه. وقوله - ان لم يرعها بالقوس - يعني أنها لا تنال باليد حتى تحرك بالقوس.

[ قال المرتضي ] رضى الله عنه وانما جعل الاصمعي انشاد باقي الابيات دلالة على معرفة معناه لانه يبعد أن يعرفها ولا يعرف معناها والاعرابي انما سأل عن المعنى فأقام انشاده لها مقام تفسيرها واستغنى الاعرابي بذلك وعلم بتمامه للابيات معرفته بمعناها وكان الاصمعي كثيرا اذا أنشد شيئا من الشعر ينشد في معناه في الحال.

فمن ذلك أن اسحاق بن ابراهيم الموصلي أنشده يوما لنفسه

إذا كانت الاحرار أصلي ومنصبي
وقام بنصري حازم وابن حازم
عطست بأنف شامخ وتناولت
يداي الثريا قاعدا غير قائم

قال فلما فرغت من انشادهما أنشدنى بعقب ذلك

ألا أيها السائلي جاهلا
لتعرفني أنا أنف الكرم
نمت في الكرام بني عامر
فروعي وأصلي قريش العجم

قال فجاء والله بالشعر الذي نحوته عملت بيتي عليه.

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا اسحاق بن ابراهيم قال ما أنشدت الاصمعي شيئا قط إلا أنشدني مثله كأنه أعده لي فأنشدته يوما للاعشى


32
علقتها عرضا وعلقت رجلا
غيري وعلق أخرى غيرها الرجل

فأنشدني من وقته

قتلتك أخت بني لؤي إذ رمت
وأصاب نبلك إذ رميت سواها
وأعارها الحدثان منك مودة
وأعار غيرك ودها وهواها

وذكر أبوالعيناء قال كان الاصمعي اذا سمع انسانا ينشد شعرا في معنى أنشد في ذلك المعنى من غير أن يريه أنه أراده فأنشده رجل قول القطامي

والناس من يلق خيرا قائلون له
ما يشتهي ولام المخطئ الهبل

فأنشد هو قول قعنب الفزاري

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما(1)

وروى ميمون بن هارون قال سمعت اسحاق بن ابراهيم يقول أنشدت الاصمعي قول الاعشى طلبا أن ينشدني مثله وكان مع بخله بالعلم لا يضن بمثل هذا

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا
أو تنزلون فإنا معشر نزل

فأنشدني لربيعة بن مقروم الضبي

ولقد شهدت الخيل يوم طرادها
بسليم أو ظفة القوائم هيكل(2)
فدعوا نزال فكنت أول نازل
وعلام أركبه اذا لم أنزل

وروى عن اسحاق بن ابراهيم أيضا أنه قال دخل على يوما الاصمعي وعندي أخ للعماني الراجز حافظ رواية فلما دخل عبث به أخو العماني فقال له من هذا قال هو

(1) نسبه هنا إلى قعنب الفزاري ونسبة غيره من أهل الادب إلى المرقش الاصفر وهو عمرو بن حرملة أو ربيعة بن سفيان على اختلاف فيه.

(2) - أوظفة - جمع وظيف ككريم وهو مستدق الذراع والساق من الخيل والابل - والهيكل - الضخم المشرف - ونزال - اسم فعل أمر بمعنى أنزل (*)


33

الباهلي الذي يقول

فما صحفة مأدومة بإهالة
بأطيب من فيها ولا أقط رطب(1)

فقال له قبل أن يستتم الكلام هو على كل حال أصلح من قول أخيك العماني

يا رب جارية حوراء ناعمة
كأنها عومة في جوف راقود(2)

قال اسحاق فقلت له أكنت أعددت هذا الجواب قال لا ولكن ما مر بي شئ إلا وأنا أعرف منه طرفا

[ تأويل آية أخرى ].

ان سأل سائل عن قوله تعالى (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) ومعلوم أن القول لا يكون إلا بالافواه.

الجواب قلنا القول يحتمل معنيين في لغة العرب.

أحدهما القول باللسان. والآخر بالقلب فالقول الذي يضاف إلى القلب هو الظن والاعتقاد ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظن فقالوا أتقول عبدالله خارجا ومتى تقول محمدا منطلقا يريدون متى تظن.

قال الشاعر

أما الرحيل فدون بعد غد
فمتى تقول الدار تجمعنا

أراد فمتى تظن الدار.

وقال الآخر

أجهالا تقول بني لؤي
لعمر أبيك أم متجاهلينا

(1) - الصحفة - قصعة دون الجفنة وفوق المثقلة - والاهالة - الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت أو كل ما أئتدم به - والاقط - بفتح فكسر وقد يسكن شئ يتخذ من المخيض الغنمى. يريد بهذا التعريض ببنى باهلة قوم الاصمعي وانهم اذا استحسنوا شيئا شبهوه بشئ من المأكولات

(2) - العومة - دويبة - والراقود - دن كبير أو طويل الاسفل مطلى داخله بالقار. يريد به ان رهط العمانى يستطيبون حتى الخبائث والحشرات ويشبهون بها ما يستحسن (*)


34

أراد تظن بني لؤي.

وقال توبة بن الحمير

ألا يا صفي النفس كيف تقولها
لو أن طريدا خائفا يستجيرها
تخبر إن شطت بها غربة النوى
ستنعم ليلى أن يفك أسيرها(1)

أراد كيف تظنها فلما كان القول يستعمل في الامرين معا أفاد قوله تعالى (بأفواههم) قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب ولو أطلق القول ولم يأت بذكر الافواه لجاز أن يتوهم المعنى الآخر.

ومما يشهد لذلك قوله تعالى (اذا جاء‌ك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) فلم يكذب تعالى قول ألسنتهم لانهم لم يخبروا بأفواههم إلا بالحق بل كذب ما يرجع إلى قلوبهم من الاعتقادات.

ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى بأفواههم ان القول لا برهان عليه وانه باطل كذب لا يرجع فيه إلا إلى مجرد القول باللسان لان الانسان قد يقول بلسانه الحق والباطل وانما يكون قوله حقا اذا كان راجعا إلى برهان فيكون اضافة القول إلى اللسان تقتضي ما ذكرناه من الفائدة وهذا كما يقول القائل لمن يشك في قوله أو يكذبه هكذا تقول وليس الشأن فيما تقوله وتتفوه به وتقلب به لسانك فكأنهم أرادوا أن يقولوا هذا قول لا برهان عليه فأقاموا قولهم هكذا تقول بلسانك وانما يقولون كذا بأفواههم مقام ذلك والمعنى انه قول لا تعضده حجة ولا برهان ولا يرجع فيه إلا إلى اللسان.

ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة في

(1) هكذا أنشد البيت هنا وفى غيره من كتب الادب

أطن به اخيرا وأعلم أنها
ستنعم يوما أو يفك أسيرها

وهذه الرواية أنسب وأقرب إلى المعنى ومنها يعلم ان قوله في البيت الذى قبله - الا يا صفى النفس - انما هو خطاب لنفسه على سبيل التجريد وتلك عادة لهم مشهورة في لظمهم ونثرهم - والبيتان من قصيدة له طويلة حسنة أولها

نأتك بليلى دارها لا تزورها
وشطت نواها واستمر مريرها
يقول رجال لا يضرك نأيها
بلى كل ما شف النفوس يضيرها (*)

35

ذلك التأكيد فقد جرت به عادة العرب في كلامها وما تقدم من الوجهين أولى لان حمل كلامه تعالى على الفائدة أولى من حمله لى ما تسقطه معه الفائدة [ تأويل آية أخرى ].

ان سأل سائل عن قوله تعالى (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاء‌تهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم) فقال أي معنى لرد الايدي في الافواه وأي مدخل لذلك في التكذيب بالرسل عليهم السلام.

الجواب قلنا في ذلك وجوه.

أولها أن يكون إخبارا عن القوم بانهم ردوا أيديهم في أفواههم عاضين عليها غيظا وحنقا على الانبياء عليهم السلام كما يفعل المتوعد لغيره المبالغ في معاندته ومكايدته وهذه عادة معروفة في المغيظ المحنق أنه يعض على أصابعه ويفرك أنامله ويضرب باحدى يديه على الاخرى وما شاكل ذلك من الافعال.

وثانيها أن تكون الهاء في الايدي للكفار المكذبين والهاء التي في الافواه للرسل عليهم السلام فكأنهم لما سمعوا وعظ الرسل ودعاء‌هم وإنذارهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتونهم ويقطعوا كلامهم.

وثالثها أن تكون الهاآن جميعا يرجعان إلى الكفار لا إلى الرسل فيكون المعنى أنهم اذا سمعوا وعظهم وأنذارهم وضعوا أيدى أنفسهم على أفهواههم مشيرين اليهم بذلك إلى الكف عن الكلام والامساك عنه كما يفعل من يريد منا أن يسكت غيره ويمنعه عن الكلام من وضع اصبعه على في نفسه.

ورابعها أن يكون المعنى فردوا القول بأيدي أنفسهم إلى أفواه الرسل أي انهم كذبوهم ولم يصغوا إلى أقوالهم فالهاء الاولى للقوم والثانية للرسل والايدي انما ذكرت مثل وتأكيدا كما يقول القائل أهلك فلان نفسه بيده أي وقع الهلاك به من جهته لا من جهة غيره.

وخامسها أن المراد بالايدي النعم والهاء الثانية للقوم المكذبين والتي قبلها للرسل والتقدير فردوا بأفهواههم نعم الرسل أي ردوا وعظهم وأنذارهم وتنبيههم على مصالحهم الذي لو قبلوه كان نعما عليهم.

ويجوز أيضا أن تكون الهاء التي في الايدي للقوم الكفار لانها نعم من الله تعالى عليهم فيجوز اضافتها اليهم وحمل لفظة في على معنى الباء جائز لقيام بعض الصفات مقام بعض يقولون رضيت عنك ورضيت عليك. وحكى في لغة طئ أدخلك الله بالجنة يريدون في


36

الجنة فيعبرون بالباء عن معنى في كذلك أيضا يصح أن يعبروا بفى عن الباء.

قال الشاعر

وأرغب فيها عن لقيط ورهطه
ولكنني عن سنبس لست أرغب

أراد وارغب بها فحمل في على الباء.

وسادسها وهو جواب اختاره أبومسلم بن بحر وزعم انه أولى من غيره قال المضمرون في قوله أيديهم الرسل وكذلك المضمرون في أفواههم والمراد باليد ههنا ما نطق به الرسل من الحجج والبينات التي ذكر الله تعالى انهم جاء‌وا بها قومهم واليد في كلام العرب قد تقع على النعمة وعلى السلطان أيضا وعلى الملك وعلى العهد والعقد ولكل ذلك شاهد من كلامهم والذي أتى به الانبياء قومهم هو الحجة والسلطان وهو النعمة وهو العهد وكل ذلك يقع على اسم اليد ولما كان ما تعظ به الانبياء قومهم وينذرونهم به انما يخرج من أفواههم فردوه وكذبوه قيل انهم ردوا أيديهم في أفواههم أي انهم ردوا القول من حيث جاء قال ولا يجوز أن يكون الضمير في ذلك للرسل اليهم كما تأوله بعض المفسرين وذكر أن معناه أنهم عضوا عليهم أناملهم غيظا لان رافع يده إلى فيه والعاض عليها لا يسمى رادا ليده الي فيه الا اذا كانت يده في فيه فيخرجها ثم يردها.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وليس ما استنكره أبومسلم من رد الايدي إلى الافواه بمستنكر ولا بعيد لانه قد يقال رد يده إلى فيه والى وجهه وعاد فلان يقول كذا ورجع يفعل كذا وان لم يتقدم ذلك الفعل منه ولو لم يسغ هذا القول تحقيقا لساغ تجوزا واتساعا وليس يجب أن تؤخذ العرب بالتحقيق في كلامها فان تجوزها واستعاراتها أكثر على انه يمكن أن يكون المراد بذلك انهم فعلوا ذلك الفعل شيئا بعد شئ وتكرر منهم فلهذا جاز أن يقول ردوا أيديهم في أفواههم لانه قد تقدم منهم مثل هذا الفعل فلما تكرر جازت العبارة عنه بالرد وهذا يبطل استضعافه للجواب اذا صرنا إلى مراده (تأويل خبر).

روى أن مسلما الخزاعي ثم المصطلقي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقي

لا تأمنن وإن أمسيت في حرم
إن المنايا توافي كل إنسان

37
واسلك طريقك فيها غير مختشع
حتى تبين ما يمنى لك الماني(1)
فكل ذي صاحب يوما يفارقه
وكل زاد وإن أبقيته فان
والخير والشر مقرونان في قرن
بكل ذلك يأتيك الجديدان

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أدركته لاسلم فبكى مسلم فقال ابنه يا أبة ما يبكيك من مشرك مات في الجاهلية فقال يا بني لا تفعل فما رأيت مشركة تلقفت من مشرك خيرا من سويد. قوله - ما يمنى لك الماني معناه ما يقدر لك القادر. قال الفراء يقال منى الله عليه الموت أي قدر الله عليه الموت. وقال يعقوب مناك الله بما يسرك أي قدر الله لك ما يسرك وأنشد

لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى
إلى جدث يوزي له بالاهاضب(2)

قال ابن الاعرابي ساقه المنى أي ساقه القدر.

وأنشد ابن الاعرابى

منت لك أن تلاقيني المنايا
أحاد أحاد في الشهر الحلال(3)

معناه قدرت لك.

وقال أبوعبيدة في قوله تعالى (من نطفة اذا تمنى) معناه اذا تخلق وتقدر. وقال بعض أهل اللغة انما سمى منى لما يمنى من ثواب الله أي يقدر فيه وقيل أيضا لما يمنى من الدم. وقيل إنما سمى بذلك لان ابراهيم عليه الصلاة والسلام لما انتهى قال له الملك تمن قال أتمنى الجنة فسمى مني لذلك ومني يذكر ويؤنث والتذكير أجود.

قال الشاعر في التذكير

سقي منى ثم رواه وساكنه
ومن ثوي فيه واهي الوذق معتبق

(1) - مختشع - من الخشوع وهو الذل والمسكنة يقول إن من سلك طريقه الذى يليق به سلوكه ولم يتجاوزه إلى مالا يليق به قضى عمره في عز ورفعة حتى يوافى أجله.

(2) - الجدث - القبر - ويوزى يحتفر ويعمل من أوزى داره اذا جعل حول حيطانها الطين - والاهاضب - جمع هضبة وهي المشرف من الارض.

(3) - أحاد أحاد - يعنى واحدا واحدا وهما ممنوعان من الصرف للعدل (*)


38

وقال آخر في التأنيث

ليومنا بمني إذ نحن ننزلها
أسر من يومنا بالعرج أو ملل

فأما قوله - فالخير والشر مقرونان في قرن - فالقرن الحبل وأراد انهما مجموعان لا يفترقان من حيث لا يكاد يصيب الانسان في الدنيا خيرا صرفا لا شر فيه فلهذا قال انهما مقرونان في قرن ويجوز أيضا أن يريد أن لسرعة تقلب الدنيا وأبدالها الخير بالشر كأن الخير والشر مقرونان مجتمعان معا لتقارب ما بينهما.

فأما - الجديدان - فهما الليل والنهار وهما أيضا الاجدان والملوان والفتيان والردفان والعصران.

قال الشاعر

إن الجديدين في طول اختلافهما
لا يفسدان ولكن تفسد الناس

وقال آخر

وأمطله العصرين حتى يملني
ويرضى بنصف الدين والانف راغم(1)

وقال أبوعبيدة ويقال الليل والنهار إبنا سبات.

وأنشد ابن الاعرابي

وكنا وهم كابني سبات تفرقا
سوى ثم كانا منجدا وتهاميا

ويقال للغداة والعشي القرنان والبركان والصرعان.

أخبرنا أبوالقاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى قال أخبرنا أبوعبدالله محمد بن أحمد الحكيمي قال أملى علينا أبوالعباس أحمد بن يحيى النحوي قال أنشدنا ابن الاعرابي لرفيع الوالبى

كذبتك ما وعدتك أمس صلاح
وعسى يكون لما وعدت نجاح
برء من السقم الطويل ضمانه
لا يستوي سقم بكم وصحاح
أصلاح إنك قد رميت نوافذا
وجوائفا ليست لهن جراح

(1) - أنطله - بالنون أى أمطله وقد روى بالميم أيضا والمعني انه لا يزال يسوفه من يوم إلى يوم ومن وقت إلى آخر حتى يرضى بنصف ماله عليه من الدين وأنفه راغم (*)


39
ولقد رأيتك بالقوادم لمحة
وعلى من سدف العشي رياح

معنى رياح ههنا أي على وقت من العشي ومثله رواح وقوم يروونه بالكسر وليس بشئ

ما كان أبصرني بغرات الصبا
واليوم قد شفعت لي الاشباح
ومشى بجنب الشخص شخص مثله
والارض نائية الشخوص براح
حلق الحوادث لمتي فتركن لي
رأسا يصل كأنه جماح
وذكا بأصداغى وقرن ذؤابتي
قبس المشيب كأنه مصباح

قال كأنه جماح من املاسه - وجماح - سهم أو قصبة يجعل عليه طين ثم يرمى به الطير وبهذا الاسناد لبعضهم

أرى الناس للصعلوك حزبا ولا أرى
لذي نشب إلا خليلا مصافيا
أرى المال يغشي ذا الوصوم فلا يرى
ويدعى من الاشراف من كان غابيا

- الصعلوك - الفقير وهو أيضا القرضوب والسبروت - والصوم - العيوب.

وبهذا الاسناد لعقيل بن علفة

إني ليحمدني الخليل إذا اجتدى
مالي ويكرهني ذوو الاضغان
وأبيت تحلجني الهموم كأنني
دلو السقاة تمد بالاشطان(1)
وأعيش بالبلل القليل وقد أرى
أن الرموس مصارع الفتيان

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني علي بن منصور قال أخبرني محمد بن موسى عن دعبل بن علي قال قال عقيل بن علفة وذكر الابيات الثلاثة وزاد فيها

(1) - تحلجني - من حلجت القطن اذا ميزت حبه عن شعره ورواه ابن الاعرابى بالخاء من خلجه الهم شغله - وتمد - ترفع - والاشطان - جمع شطن وهو حبل البئر - والرموس - جمع رمس وهو القبر يقول إن الموت كائن لا محالة فالقليل من العيش والكثير سيان (*)


40
ولقد علمت لئن هلكت ليذكرن
قومي إذا علن النجي مكاني

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وكان عقيل بن علفة مع قوة شعره جيد الكلام حكيم الالفاظ.

وروى المدائني قال قال عبدالملك بن مروان لعقيل بن علفة المري ما أحسن أموالكم فقال ما ناله أحدنا عن أصحابه تفضلا قال ثم أيها قال مواريثنا قال فأيها أشرف قال ما استفدناه بوقعة خولت نعما وأفادت عزا قال فما مبلغ عزكم قال مالم يطمع فينا ولم نؤمن قال فما مبلغ جودكم قال ما عقدنا به مننا وأبقينا به ذكرا قال فما مبلغ حفاظكم قال يدفع كل رجل منا عن المستجير به كدفاعه عن نفسه قال عبدالملك هكذا فليصف الرجل قومه.

وروي أنه قيل لعقيل بن علفة قد عنست بناتك أفما تخشى عليهن الفساد قال كلا إني خلفت عندهن الحافظين قيل وما هما قال الجوع والعرى أجيعهن فلا يأشرن وأعريهن فلا يظهرن. وقال له عبدالملك يوما مالك تهجو قومك قال لانهم أشباه الغنم اذا صيح بها رفعت واذا سكت عنها رتعت قال انما تقول البيت والبيتين قال حسبي من القلادة ما أحاط بالعنق. فأما معنى - علفة - اسم أبيه.

قال ابن الاعرابي قال العلفة مثل الباقلاء الرطبة تكون تحت الرهز من البقل وغيره. وقال أبوسعيد السكري العلفة ضرب من أوعية بزر بعض النبات مثل قشرة الباقلاء واللوبيا وهو الغلاف الذي يجمع عدة حب. وقيل ان عقيلا كان يكنى بأبي الوليد وكان عقيل غيورا موصوفا بشدة الغيرة. وروى أبوعمرو بن العلاء أنه حمل يوما ابنة له وأنشأ يقول

إني وإن سيق إلي المهر
ألف وعبدان وذود عشر

أحب أصهاري إلى القبر وذكر الاصمعي ان عقيلا كان لغيرته اذا رأى الرجل يتحدث إلى النساء أخذه ودهن أرفاغه ومغابنه بزبد وربطه وطرحه في قرية النمل فلا يعود إلى محادثتهن.

وروى الاصمعي قال كان عقيل بن علفة في بعض سفره ومعه ابنه العلمس وابنته الجرباء فأنشأ يقول


41
قضت وطرا من دير سعد وربما
علي عجل ناطحنه بالجماجم(1)

ثم أقبل على ابنه فقال أجز يا علمس فقال

وأصبحن بالموماة يحملن فتية
نشاوي من إلادلاج ميل العمائم

ثم أقبل على ابنته فقال أجيزى يا جرباء فقالت

(1) - دير سعد - بين بلاد غطفان والشام وقد أخرج الضحاك هذه الحكاية بابسط مما ذكر هنا ونحن نذكرها تتميما للفائدة.

قال خرج عقيل بن علفة وجثامة وابنته الجرباء حتي أتوا بنتا له ناكحا في بني مروان بالشامات ثم انهم قفلوا حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل بن علفة

قضت وطردا من دير سعد وطالما
على عرض ناطحنه بالحجاجم
اذا هبطت أرضا يموت غرابها
بها عطشا أعطينهم بالخزائم

ثم قال أنفذ يا جثامة فقال جثامة

فأصبحن بالمواماة يحملن فتية
نشاوى من الادلاج ميل العمائم
اذا عم غادرنه بتنوفة
تذارعن بالايدي لآخر طاسم

ثم قال أنفذى يا جرباء فقالت

كأن الكرى سقاهم صرخدية
عقارا تمطى في المطا والقوائم

فقال عقيل شربتيها ورب الكعبة لولا الامان لضربت بالسيف تحت قرطك أما وجدت من الكلام غير هذا فقال جثامة وهل اساء‌ت انما أجادت وليس غيري وغيرك فرماه عقيل بسهم فاصاب ساقه وأنفذ السهم ساقه والرجل ثم شد على الجرباء فعقر ناقتها ثم حملها على ناقة جثامة وتركه عقيرا مع ناقة الجرباء ثم قال لولا أن تسبنى بنو مرة لما عشت ثم خرج متوجها إلى أهله وقال لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة أو قلت لهم انه اصابه غيرالطاعون لاقتلتك فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على فعله بجثامة فقال لهم هل لكم في جزور انكسرت قالوا نعم قال فالزموا أثر هذه الراحلة حتى تجدوا الجزور فخرج القوم حتى انتهوا إلى جثامة فوجدوه قد أنزفه الدم فاحتملوه وتقسموا الجزور وأنزلوه (*)(6 - أمالى)


42
كان الكرى سقاهم صرخدية
عقارا تمشت في المطا والقوائم

قال فأقبل على ابنته يضربها ويقول والله ما وصفتيها بهذه الصفة حتى شربتها فوثب عليه إخوتها فقاتلوه دونها ثم رماه أحدهم بسهم فانتظم فخذه.

فقال عقيل

إن بني زملوني بالدم
من يلق أبطال الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوم
شنشنة أعرافها من أخزم

- الشنشنة - الطبيعة والسجية وقيل الشبه وهذا مثل اجتلبه عقيل وقد قيل قبله ولعقيل

وللدهر أثواب فكن في لباسه
كلبسته يوما أجد وأخلقا
وكن أكيس الكيسي اذا كنت فيهم
وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا

عليهم وعالجوه حتى برئ والحقوه بقومه فلما كان قريبا منهم تغني

أيعذر لا حينا ويلحين في الصبا
وما هن والفتيان الاشقائق

فقال له القوم انما أفلت من الجراحة التى جرحك أبوك آنفا وقد عاودت ما يكرهه فامسك عن هذا ونحوه اذا لقيته لا يلحقك منه شر وعر فقال انما هي خطرة خطرت والراكب اذا سار تغنى (*)

(مجلس آخر 27)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (والى الله ترجع الامور) فقال كيف يصح القول بانها رجعت وهي لم تخرج عن يده. الجواب قلنا قد ذكر في ذلك وجوه.

أولها أن الناس في دار المحنة والتكليف قد يغتر بعضهم ببعض ويعتقدون فيهم أنهم يملكون جر المنافع اليهم وصرف المضار عنهم وقد يدخل عليهم الشبه لتقصيرهم في النظر وعدولهم عن وجهه وطريقه فيعبد قوم الاصنام وغيرها من


43

المعبودات الجامدة الهامدة التي لا تسمع ولا تبصر ويعبد آخرون البشر ويجعلونهم شركاء لله تعالى في استحقاق العبادة ويضيف كل هؤلاء أفعال الله عزوجل فيهم إلى غيره فاذا جاء‌ت الآخرة وانكشف الغطاء واضطروا إلى المعارف زال ما كانوا عليه في الدنيا من الضلال واعتقاد الباطل وأيقن الكل أنه لا خالق ولا رزاق ولا ضار ولا نافع غير الله فردوا اليه أمورهم وانقطعت آمالهم من غيره وعلموا ان الذي كانوا عليه من عبادة غيره وتأميله للضر والنفع غرور وزور فقال الله تعالى (والى الله ترجع الامور) لهذا المعنى.

والوجه الثاني أن يكون معنى الآية في الامور أن الامور كلها لله تعالى وفي يده وقبضته من غير خروج وروجوع حقيقي وقد تقول العرب قد رجع على من فلان مكروه بمعنى صار الي منه ولم يكن سبق الي قبل هذا الوقت وكذلك يقولون قد عاد على من زيد كذا وكذا وان وقع منه على سبيل الابتداء.

قال الشاعر

وإن تكن الايام أحسن مرة
إلي فقد عادت لهن ذنوب

أي صارت لها ذنوب لم تكن من قبل بل كان قبلها إحسان فحمل الآية على هذا المعنى شائع جائز تشهد له اللغة.

والوجه الثالث إنا قد علمنا أن الله تعالى قد ملك العباد في دار التكليف أمورا تنقطع بانقطاع التكليف وإفضاء الامر إلى الدار الآخرة مثل ما ملكه الموالي من العبيد وما ملكه الحكام من الحكم وغير ذلك فيجوز أن يريد الله تعالى برجوع الامر اليه انتهاء ما ذكرناه من الامور التي يملكها غيره بتمليكه إلى أن يكون هو وحده مالكها ومدبرها.

ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بها أن الامر ينتهي إلى ألا يكون موجود قادر غيره ويفضي الامر في الانتهاء إلى ما كان عليه في الابتداء لان قبل انشاء الخلق هكذا كانت الصورة وبعد إفنائهم هكذا يصير وتكون الكناية برجوع الامر اليه عن هذا المعنى وهو رجوع حقيقي لانه عاد إلى ما كان عليه متقدما. ويحتمل أيضا أن المراد بذلك أن إلى قدرته تعود المقدورات لان ما أفناه من مقدوراته الباقية كالجواهر والاعراض ترجع إلى قدرته ويصح منه تعالى إيجاده لعوده إلى ما كان عليه وان كان ذلك لا يصح في مقدورات البشر وان كانت


44

باقية لما دل عليه الدليل من اختصاص مقدور القدر باستحالة العود اليها من حيث لم يجر فيها التقديم والتأخير وهذا أيضا حكمه تعالى المتفرد به دون غيره من سائر القادرين والله أعلم بما أراد

(مجلس آخر 28)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها) فقال أي معنى لذكر البيوت وظهورها وأبوابها وهل المراد بذلك البيوت المسكونة على الحقيقة أو كنى بهذه اللفظة عن غيرها فان كان الاول فما الفائدة في إتيانها من أبوابها دون ظهورها وان كانت كناية فبينوا وجهها ومعناها. الجواب قيل له في الآية وجوه.

أولها ما ذكر من أن الرجل من العرب كان اذا قصد حاجة فلم تقض له ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخر البيت ولم يدخل من بابه تطيرا فدلهم الله تعالى على أن هذا من فعلهم لا بر فيه وأمرهم من التقى بما ينفعهم ويقربهم اليه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطير وقال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر أي لا يعدى شئ شيئا. وقال عليه الصلاة والسلام لا يورد ذو عاهة على مصح ومعنى هذا الكلام أن من لحقت إبله آفة أو مرض فلا ينبغي أن يوردها على إبل لغيره صحاح لانه متى يلحق الصحاح مثل هذه العاهة اتفاقا لا لاجل العدوى ولم يؤمن من صاحب الصحاح أن يقول انما لحق إبلى هذه الآفة من تلك الابل وهي أعدت إبلي فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ليزول المأثم بين الفريقين والظن القبيح.

وثانيها أن العرب(1) إلا قريشا ومن ولدته

(1) قوله ان العرب الا قريشا الخ قلت ليس كذلك وانما الذين كانوا يتحامون دخول البيوت من أبوابها وهم محرمون الاحامس وهم قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية وانما سموا بذلك لتحمسهم في دينهم أي تشددهم وقد صح ان النبى صلى الله عليه وسلم أقبل ليدخل بيت بعض نسائه وهو محرم ومعه بعض أصحابه فلما دخل النبى صلى (*)


45

قريش كانوا اذا أحرموا في غير الاشهر الحرم لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ودخلوها من ظهورها اذا كانوا من أهل الوبر واذا كانوا من أهل المدر نقبوا في بيوتهم ما يدخلون ويخرجون منه ولم يدخلوا ولم يخرجوا من أبواب البيوت فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأعلمهم انه لا معنى له وانه ليس من البر وان البر غيره.

وثالثها وهو جواب أبي عبيدة معمر بن المثنى ان المعنى ليس البر بان تطلبوا الخير من غير أهله وتلتمسوه من غير بابه وأتوا البيوت من أبوابها معناه اطلبوا الخير من وجهه ومن عند أهله.

ورابعها وهو جواب أبى على الجبائي أن يكون الفائدة في هذا الكلام ضرب المثل وأراد ليس البر أن ياتي الرجل الشئ من خلاف جهته لان إتيانه من خلاف جهته يخرج الفعل عن حد الصواب والبر إلى الاثم والخطأ وبين البر والتقوى وأمر باتيان الامور من وجوهها وان تفعل على الوجوه التي لها وجبت وحسنت وجعل تعالى ذكر البيوت وظهورها وأبوابها مثلا لان العادل عن الامر عن وجهه كالعادل في البيت عن بابه.

وخامسها أن تكون البيوت كناية عن النساء ويكون المعنى وأتو النساء من حيث أمركم الله والعرب تسمي المرأة بيتا.

قال الشاعر

مالي إذا أنزعها صأيت
أكبر غيرني أم بيت

أراد بالبيت المرأة.

ومما يمكن أن يكون شاهدا للجواب الذي حكيناه عن أبي على الجبائي والجواب عن أبي عبيدة أيضا ما أخبرنا به أبوالقاسم أحمد بن يحيى النحوي قال أنشدنا ابن الاعرابي

إني عجبت لام العمر إذ هربت
من شيب رأسي وما بالشيب من عار
ما شقوة المرء بالاقتار يقتره
ولا سعادته يوما بإكثار
إن الشقى الذي في النار منزله
والفوز فوز الذي ينجو من النار

الله عليه وسلم تأخر الرجل فقاله له عليه الصلاة والسلام مالك لا تدخل فقال أنا أحمسى فقال وأنا كذلك فنسخ بفعله وقوله ما كانت عليه قريش ومن أخذ مأخذها (*)


46
أعوذ بالله من أمر يزين لي
شتم العشيرة أو يدني من العار
وخير دنيا ينسى المرء آخرة
وسوف تبدو الي الجبار أسراري
لا أدخل البيت أحبو من مؤخره
ولا أكسر في ابن العم أظفاري

فقوله - لا أدخل البيت أحبو من مؤخره - يحتمل أن يريد به إنني لا آتى الامور من غير وجهها على أحد الاجوبة في الآية. ويحتمل أيضا إني لا أطلب الخير إلا من أهله على جواب أبي عبيدة.

ويحتمل وجها آخر وهو أن يريد إنني لا أقصد البيت للريبة والفساد لان من شأن من يسعى إلى أفساد الحرم ويقصد البيوت للريبة أن يعدل عن أبوابها طلبا لاخفاء أمره فكأنه نفى عن نفسه بهذا القول القبيح وتنزه عنه كما تنزه بقوله - ولا أكسر في ابن العم أظفارى - عن مثله وأراد انه لا يبدأ ابن العم مني السوء ولا يتألم بشئ من جهتي فأكون كأنني قد جرحته بأظفاري وكسرتها في لحمه وهذه كنايات بليغة مشهورة للعرب. ويجري مجرى هذه الابيات ويقاربها في المعنى وحسن الكناية قول هلال بن خثعم

وإني لعف عن زيارة جارتي
وإني لمشنوء الي اغتيابها
اذا غاب عنها بعلها لم أكن لها
زؤرا ولم تنبح علي كلابها
وما أنا بالداري أحاديث بيتها
ولا عالم من أي حوك ثيابها
وأن قراب البطن يكفيك ملؤه
ويكفيك عورات الامور اجتنابها

[ قال المرتضي ] رضى الله عنه وقد جمعت هذه الابيات فقرا عجيبة وكنايات بليغة لانه نفى عن نفسه زيارة جارته عند غيبة بعلها وخص حال الغيبة لانها أدنى إلى الريبة وأخص بالتهمة فقال - ولم تنبح علي كلابها - أراد انى لا أطرقها ليلامستخفيا متنكرا فتنكرني كلابها وتنبحني وهذه الكناية تجري مجري قول الشاعر المتقدم. لا أدخل البيت أحبو من مؤخره وقد روى ولم تأنس الي كلابها وهذا معنى آخر كأنه أراد انه ليس يكثر الطروق لها والغشيان لمنزلها فتأنس به كلابها لان الانس لا يكون إلا


47

مع المواصلة والمواترة.

وقوله - وما أنا بالداري أحاديث بيتها - أراد به أيضا التأكيد في نفى زيارتها وطروقها عن نفسه لانه اذا أدمن الزيارة عرف أحاديث بيتها فاذا لم يزرها وصارمها لم يعرف. ويحتمل أن يريد إنني لا أسأل عن أحوالها وأحاديثها كما يفعل أهل الفضول فنزه نفسه عن ذلك. وقوله - ولا عالم من أي حوك ثيابها - كناية مليحة عن أنه لا يجتمع معها ولا يقرب منها فيعرف صفة ثيابها.

وبالاسناد المتقدم لحارثة بن بدر الغداني

إذا الهم أمسي وهو داء فأمضه
ولست بممضيه وأنت تعادله
ولا تنزلن أمر الشديدة بأمرئ
إذا هم أمرا عوقته عواذله
فما كل ما حاولته الموت دونه
ولا دونه أرصاده وحبائله
ولا الفتك ما آمرت فيه ولا الذي
تحدث من لاقيت أنك فاعله
وما الفتك إلا لامرئ ذي حفيظة
اذا مال لم ترعد اليه خصائله
ولا تجعلن سرا الي غير أهله
فتقعد إن أفشى عليك تجادله
ولا تسأل المال البخيل ترى له
غنى بعد ضر أورثته أوائله
أرى المال أفياء الظلال فتارة
يئوب وأخرى يختل المال خاتله

معنى - آمرت - شاورت - والخصائل - كل لحم مجتمع وقد روينا في هذه الابيات زيادة على القدر الذي ذكرناه.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثني الفضل بن محمد عن أبي المنهال المهلبي قال من الابيات السائرة قول حارثة ابن بدر الغداني

لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ
حفي ولا ذي خلة لي أواصله
ولا من خليل ليس فيه غوائل
فشر الاخلاء الكثير غوائله

48
وقل لفؤاد إن نزا بك نزوة
من الروع أفرخ أكثر الروع باطله

معنى - أفرخ - أي أسكن يقال أفرخ روعه اذا سكن وما كل ما حاولته الموت دونه وذكر البيتين اللذين بعده وزاد

وكن أنت ترعى سر نفسك واعلمن
بأن أقل الناس للسر حامله
إذا ما قتلت الشئ علما فبح به
ولا تقل الشئ الذي أنت جاهله

ومما يستحسن لحارثة بن بدر الغدانى قوله

لنا نبعة كانت تقينا فروعها
وقد بلغت إلا قليلا عروقها
وإنا لتستحلى المنايا نفوسنا
ونترك أخرى مرة لا نذوقها
وشيب رأسي قبل حين مشيبه
رعود المنايا بيننا وبروقها

قوله - لنا نبعة كانت تقينا فروعها - مثل ضربه وانما أراد عشيرته وأهل بيته.

وقد روى هذه الابيات علي بن سليمان الاخفش عن أبي العباس ثعلب وزاد فيها

رأيت المنايا باديات وعودا
إلى دارنا سهلا الينا طريقها
وقد قسمت نفسي فريقين منهما
فريق مع الموتى وعندي فريقها
وبينا نرجى النفس ما هو نازح
من الامر لاقت دونها ما يعوقها

وروى أبوالعيناء قال أنشد الشعبي عبدالله بن جعفر الابيات الثلاثة الاول فقال عبدالله لمن هذا يا شعبي قال لحارثة بن بدر فقال نحن أحق بهذا ثم أمر للعشبي بأربعمائة دينار.

ومن مستحسن قول حارثة

ولقد وليت إمارة فرجعتها
في المال سالمة ولم أتمول
ولقد منعت النصح من متقبل
ولقد رفدت النصح من لم يقبل

49
فبأي لمسة لامس لم ألتمس
وبأي حيلة حائل لم أحتل
يا طالب الحاجات يرجو نجحها
ليس النجاح مع الاخف الاعجل
فاصدق إذا حدثت تكتب صادقا
وإذا حلفت مماريا فتحلل

معنى - تكتب صادقا - أي تكون عند الله صادقا. وقوله - فتحلل - أي استثن

واذا رايت الباهشين إلى العلا
غبرا أكفهم بريث فاعجل

معنى - الباهشين - المادين أيديهم إلى الشئ المهتشين له

واحذر مكان السوء لاتحلل به
واذا نبا بك منزل فتحول
واذا ابن عمك لج بعض لجاجة
فانظر به عدة ولا تستعجل(1)
واذا افتقرت فلا تكن متخشعا
ترجو الفواضل عند غير المفضل
واستغن ما أغناك ربك بالغنى
واذا تكون خصاصة فتجمل

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال أخبرنا محمد بن أبي الازهر قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال كان حارثة بن بدر الغداني رجل تميم في وقته وكان قد غلب على زياد وكان الشراب قد غلب عليه فقيل لزياد ان هذا قد غلب عليك وهو مشتهتر بالشراب فقال زياد كيف لى باطراح رجل هو يسايرني مذ دخلت العراق لم تصطك ركابي ركاباه ولا تقدمني فنظرت الي قفاه ولا تأخر عني فلويت عنقي اليه ولا أخذ علي الشمس في شتاء قط ولا الروح في صيف قط ولا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره فلما مات زياد جفاه عبيدالله ابنه فقال له حارثه أيها الامير ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة فقال له عبيدالله ان أبا المغيرة قد كان برع بروعا لا يلحقه معه عيب

(1) - اللجاجة - الخصومة - وانظر - انتظر - يقول إذا خاصمك قريبك ولج في خصومتك فانتظر رجوعه اليك وإقلاعه عن خصومتك ولا تستعجل عليه في مقابلته بمثل ما بدأك به أو فانتظر به نازلة تشغلهعنك وتكف عنك غائلته (*) (7 - أمالى)


50

وأنا حدث وانما أنسب إلى من يغلب علي وأنت رجل تديم الشراب فمتى قربتك وظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظن بى فدع الشراب وكن اول داخل علي وآخر خارج فقال له حارثة أنا لا أدعه لمن يملك ضرى ونفعي أفأدعه للحال عندك قال فاختر من عملي ما شئت قال توليني رام هرمز فانها أرض عدات وشرف فان بها شرابا وصف لي فولاه إياها فلما شيعه الناس.

قال أنس بن أبي نيس وقيل ابن أبي اياس الدئلى

أحار بن بدر قد وليت إمارة
فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرون يا حار شيئا وجدته
فحظك من ملك العراقين سرق(1)
وباه تميما بالغنى إن للغني
لسانا به العي الهيوبة ينطق
فإن جميع الناس إما مكذب
يقول بما تهوى وإما مصدق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها
فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا

وهذه الابيات تروى لابي الاسود الدئلي وأنه كتب بها إلى حارثة لما ردت اليه سرق ويزاد فيها

وكن حازما في اليوم إن الذي به
يجئ غد يوم على الناس مطبق
ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب
وما كل من يدعو إلى الخير يرزق
إذا ما دعاك القوم عدوك آكلا
وكل حار أوجع لست ممن يحمق

ويقال ان حارثة بن بدر أجاب عن هذه الابيات بقوله

جزاك إله العرش خير جزائه
فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا

(1) - سرق - بضم أوله وتشديد ثانيه كورة من كور الاهواز ومدينتها دورق (*)


51
أشرت بأمر لو أشرت بغيره
لالفيتني فيه لامرك عاصيا(1)

ويقال ان حارثة بن بدر والاحنف بن قيس قد دخلا على ابن زياد فقال لحارثة أى الشراب أطيب وكان يتهم فقال برة طاساريه واقطة عنوية وسمنة عنزية وسكرة سوسية ونطفة مسرقانية فقال للاحنف يا أبا بحر ما أطيب الشراب قال الخمر قال وما يدريك ولست من أهلها قال رأيت فيها خصلتين عرفت انها أطيب الشراب. ولحارثة بن بدر

يخاطب عبيدالله بن زياد لما تغير عليه بعد اختصاصه كان بأبيه

أهان وأقصى ثم تنتصحونني
وأي إمرئ يعطي نصيحته قسرا
رأيت الاكف المصلتين عليكم
ملاء وكفي من عطاياكم صفرا
وإني مع الساعي اليكم بسيفه
اذا أحدث الايام في عظمكم كسرا
متي تسألوني ما على وتمنعوا الذي
لي لم أسطع كم صبرا

وقال يعاتبه

وكم من أمير قد تجبر بعدما
مريت له الدنيا بسيفي فدرت
اذا زبنته عن فواق أتت به
دعاني ولم أدع اذا ما أقرت
اذا ما هى احلوت محاحق مقسمي
ويقسم لي منها اذا ما أمرت

- زبنته - أي دفعته عن ان يحلبها - والفواق - اجتماع اللبن في الضرع بين الحلبتين.

ومعني - أقرت - تركته يحلبها.

ويشبه أبيات حارثة هذه قول عبدالله بن الزبير يعاتب معاوية ومروان وأهل بيته من جملة قصيدة وهي أبيات قوية جدا

(1) - قلت - أورد هذه الحكاية ياقوت الحموى في كتابه معجم البلدان وذكر بيتى بدر المذكورين هنا وزاد بعدهما بيتا واحدا وهو

ستلقى أخا يصفيك بالود حاضرا
ويوليك حفظ الغيب ما كان نائيا (*)

52
عطاؤكم للظاربين رقابكم
وندعي اذا ما كان جز الكراكر(1)
أنحن أخوكم في المضيق وسهمنا
اذا ما قسمتم في الخطاء الاصاغر الخطاء - سهام صغار -
وثديكم الادني اذا ما قسمتم
ونلقي بثدي حين نسأل باسر(2)
وإن كان فينا الذنب للناس مثله
أخذنا به من قبل ناه وآمر

أى من قبل أن ننهي عنه أو نؤمر باجتنابه

وإن جاء‌كم منا غريب بأرضكم
لويتم له يوما جنوب المناخر
فهل يفعل الاعداء إلا كفعلكم
هوان السراة وابتغاء العواثر
وغير نفسي عنكم ما فعلتم
وذكر هوان منكم متظاهر
جفاء‌كم من عالج الحرب عنكم
وأعداؤكم من بين جاب وعاشر
فلا تسألوني عن هواى وودكم
وقل في فؤاد قد توجه نافر

ولحارث يرثي زيادا

لهفي عليك للهفة من خائف
يبغي جوارك حين ليس مجير
أما القبور فإنهن أوانس
بجوار قبرك والديار قبور
عمت فواضله فعم مصابه
فالناس فيه كلهم مأجور
ردت صنائعه اليه حياته
فكأنه من نشرها منشور

(1) - جز - قطع - والكراكر - جمع كركرة بالكسر وهي رحى زور البعير أو صدر كل ذي خف أو الجماعة من الناس كنى بذلك عن الحرب.

(2) - باسر - أي جاف لا لبن فيه. ومنه بسر الحاجة أي طلبها قبل أوانها (*)


53

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وأظن أبا تمام الطائى نظر إلى قول حارثة بن بدر * ردت صنائعه اليه حياته * في قوله

ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن
فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه

وأخبرنا علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبدالرحمن يعني ابن أخي الاصمعي عن عمه قال مر حارثة بن بدر الغداني ومعه كعب مولاه فجعل لايمر بمجلس من مجالس تميم إلا قالوا مرحبا بسيدنا فقال كعب ما سمعت كلاما قط هو أقر لعيني وألذ في سمعي مما سمعته اليوم فقال حارثة ولكني ما سمعت كلاما قط هو أكره الي منه ثم قال

ذهب الرجال فسدت غير مسود
ومن الشقاء تفردي بالسؤدد

وهذا البيت يقال انه لحارثة لا انه تمثل به.

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني عبدالله بن جعفر قال حدثنا محمد بن يزيد قال قال الكناني مر حارثة بن بدر بالاحنف ابن قيس فقال لولا انك مستعجل لشاورتك قال له أجل كانوا يكرهون أن يشاور الجائع حتى يشبع والظمآن حتى ينقع والمضل حتى يجد والغضبان حتى يرضى والمحزون حتى يفيق

(مجلس آخر 29)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) فقال أي تمدح في سرعة الحساب وليس بظاهر وجه المدحة فيه. الجواب قلنا في ذلك وجوه.

أولها أن يكون المعني أنه سريع الحساب للعباد على أعمالهم وان وقت الجزاء قريب وان تأخر ويجرى مجرى قوله تعالى (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وإنما جاز أن يعبر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب لان


54

ما يجازي به العبد هو كفؤ لفعله وبمقداره فهو حساب له اذا كان مماثلا مكافئا. ومما يشهد بان في الحساب معنى المكافأة قوله تعالى (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي عطاء كافيا ويقال أحسبني الطعام يحسبني إحسابا إذا كفاني.

قال الشاعر

وإذ لا ترى في الناس حسنا يفوتها
وفي الناس حسنا لوتأملت محسب

معناه كاف.

وثانيها أن يكون المراد أنه عزوجل يحاسب الخلق جمعيا في أوقات يسيرة ويقال ان مقدار ذلك حلب شاة لانه تعالى لايشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره بل يكلمهم جميعا ويحاسب كلهم على أعمالهم في وقت واحد وهذا أحد ما يدل على انه تعالى ليس بجسم وانه لايحتاج في فعل الكلام إلى آلة لانه لو كان بهذه الصفات تعالى عنها لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة كما ان جميع ذلك واجب في المحدثين الذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات.

وثالثها ماذكره بعضهم من ان المراد بالآية أنه سريع العلم بكل محسوب وانه لما كانت عادة بنى الدنيا أن يستعملوا الحساب والاحصاء في أكثر أمورهم أعلمهم الله تعالى انه يعلم ما يحسبون بغير حساب وانما سمى العلم حسابا لان الحساب انما يراد به العلم وهذا جواب ضعيف لان العلم بالحساب أو المحسوب لايسمي حسابا ولو سمى بذلك لما جاز أيضا أن يقال انه سريع العلم بكذا لان علمه بالاشياء مما لايتجدد فيوصف بالسرعة.

ورابعها ان الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والاجابة لهم وذلك انه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيجزي كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته فيوصل اليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار فلو كان الامر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب فأعلمنا تعالى انه سريع الحساب أي سريع القبول للدعاء بغير احساس وبحث عن المقدار الذي يستحقه الداعي كما يبحث المخلوقون للحساب والاحصاء وهذا جواب مبني أيضا على دعوى أن قبول الدعاء لايسمي حسابا في لغة ولاعرف ولاشرع وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على


55

ذلك بما يكون حجة فيه وإلا فلا طائل فيما ذكره.

ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة لخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها وتكون الفائدة في الاخبار بسرعته الاخبار عن قرب الساعة كما قال تعالى (سريع العقاب) وليس لاحد أن يقول فهذا هو الجواب الاول الذي حكيتموه وذلك ان بينهما فرقا لان الاول مبني على أن الحساب في الآية هو الجزاء والمكافأة على الاعمال وفي هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معني المحاسبة المعروفة والمقابلة بالاعمال وترجيحها وذلك غير الجزاء الذي يفضي الحساب اليه.

وقد طعن بعضهم في الجواب الثاني معترضا على أبي علي الجبائى في اعتماده إياه بان قال مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد وليس في خفة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضي زجرا ولاهو مما يتوعد بمثله فيجب أن يكون المراد الاخبار عن قرب أمر الآخرة والمجازات على الاعمال.

وهذا الجواب ليس أبوعلي هو المبتدي به بل قد حكى عن الحسن لبصري واعتمده أيضا قطرب ابن المستنير النحوي وذكره المفضل بن سلمة وليس الطعن الذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له لانه اعتمد على أن مخرج الآية مخرج الوعيد وليس كذلك لانه قال تعالى (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) فالاشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب وراجعا إلى الذين يقولون (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) أو يكون راجعا إلى الجميع فيكون المعني ان للجميع نصيبا مما كسبوا فلا يكون وعيدا خالصا بل إما أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا على أنه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى (والله سريع الحساب) على تأويل من أراد قصر الزمان وسرعة الموافقة وجه وتعلق بالوعد والوعيد لان الكلام على كل حال متضمن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد والاحاطة بخيرها وشرها وان وصف الحساب مع ذلك بالسرعة وفي هذا ترغيب وترهيب لامحالة لان من علم انه يحاسب بأعماله ويوقف على جميلها وقبيحها الزجر عن القبيح وعمل ورغب في فعل الواجب


56

فهذا ينصر الجواب وان كنا لاندفع ان في حمل الحساب على قرب المجازاة وقرب المحاسبة على الاعمال ترغيبا في الطاعات وزجرا عن المقبحات فالتأويل الاول أشبه بالظاهر ونسق الآية إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولامردود

(مجلس آخر 30)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى (والله يرزق من يشاء بغير حساب) فقال أي تمدح في الاعطاء بغير حساب وقد يكون المعطي بحساب أجزل عطية من المعطى بغير حساب. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه.

أولها أن تكون الفائدة انه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق ولا احتساب منه فالحساب ههنا راجع إلى المرزوق لا إليه تعالى كما يقول القائل ما كان كذا وكذا في حسابى أي لم أؤمله ولم أقدر انه يكون وهذا وصف للرزق بأحسن الاوصاف لان الرزق اذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له وأحلى. وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه في تفسير هذه الآية انه قال عني بها أموال بني قريظة والنضير فانها تصير اليكم بغير حساب ولا قتال على أسهل الامور وأقربها وأيسرها.

وثانيها انه تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيق ولامقتر بل يزيد في السعة والكثرة على كل عطاء للمخلوقين فيكون نفي الحساب فيه نفيا للتضييق ومبالغة في وصفه بالسعة والعرب تسمي العطاء القليل محسوبا.

قال قيس بن الخطيم

أني سريت وكنت غير سروب
وتقرب الاحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه
في النوم غير مصرد محسوب

وثالثها أن يكون المعني انه يرزق من يشاء من غير حساب أي من غير طلب للمكافأة أو اراغة فائدة تعود اليه أو منفعة ترجع عليه لان من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليتكافئوا ولينتفعوا ولهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الامور فلان حاسب الناس


57

فيما يعطيهم ويناقشهم فيما يوصله اليهم وما أشبه ذلك فلما انتفت هذه الامور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول انه يرزق بغير حساب.

ورابعها ماأجاب به قطرب قال معني الآية يعطي العدد الكثير لاما يضبطه الحساب أو يأتي عليه العدد لان مقدروه تعالى لايتناهي وخزائنه لاتنحصر ولا يصح عليه النفاد وليس كالمعطي منا الالف من الالفين والعشرة من المائة لان مقدار ما يتسع له ويتمكن منه محدود متناه ولا تناهي ولا انقطاع لما يقدر سبحانه عليه.

وخامسها أن يعطي عباده في الجنة من النعيم واللذات أكثر مما استحقوا وأزيد مما وجب لهم بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) وكما قال عزوجل (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم) وكما قال تعالى (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله).

وسادسها أن يكون المعطي منا غيره شيئا والرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك فيكون فعله حسنا لايسأل عنه ولا يؤاخذ به ولا يحاسب عليه وربما لم يكن له ذلك فيكون فعله قبيحا يؤاخذ به ويحاسب عليه فنفي الله تعالى عن نفسه أن يفعل من الرزق القبيح وما ليس له أن يفعله بنفى الحساب عنه وأنبأ أنه لايرزق ولا يعطي إلا على أفضل الوجوه وأحسنها وأبعدها من الذم وتجري الآية مجري قوله تعالى (لايسأل عما يفعل وهم يسألون) وانما أراد انه تعالى من حيث وقعت أفعاله كلها حسنة غير قبيحة لم يجز أن يسأل عنها وان سئل العباد عن أفعالهم لانهم يفعلون الحسن والقبيح معا.

وسابعها ان الله تعالى اذا رزق العبد واعطاه من فضله كان الحساب عن العبد ساقطا من جهة الناس فليس لاحد أن يقول له لم رزقت ولا يقول لربه لم رزقته ولا يسأله ربه عن الرزق وانما يسأله عن انفاقه في الوجوه التي ينفقه فيها فسقط الحساب من هذه الوجوه عما يرزقه الله تعالى ولذلك قال تعالى (بغير حساب).

وثامنها أن يكون المراد بمن يشاء أن يرزقه من أهل الجنة لانه يرزقهم رزقا لايصح أن يتناول جميعه الحساب ولاالعدد والاحصاء من حيث لا نهاية له ولا انقطاع للمستحق منه ويطابق هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (8 - أمالى)


58
(تأويل خبر)

ان سأل سائل عن الخبر الذي يروى عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال توضؤا مما غيرت النار. فقال ما المراد بالوضوء ههنا ومذهبكم ان مس ما غيرته النار لايوجب الوضوء.

الجواب ان معني توضؤا أي نظفوا أيديكم من الزهومة لانه روى ان جماعة من الاعراب كانوا لايغسلون أيديهم من الزهومة ويقولون فقدها أشد علينا من ريحها فأمر عليه الصلاة السلام بتنظيف الايدي.

فان قيل كيف يصح أن تحملوا الخبر على اللفظ اللغوى مع انتقاله بالعرف الشرعى إلى الافعال المخصومة بدلالة ان من غسل يده أو وجهه لايقول بالاطلاق توضأت ومتى سلم لكم أن الوضوء أصله من النظافة لم ينفعكم مع الانتقال الذي ذكرناه وكلامه عليه الصلاة والسلام خص بالعرف الشرعى وحمله عليه أولي من حمله على اللغة. قلنا ليس ننكر أن يكون اطلاق الوضوء هو المنتقل من اللغة إلى عرف الشرع والمختص بالافعال المعينة وكذلك المضاف منه إلى الحدث أو الصلاة وما أشبههما.

فأما المضاف إلى الطعام وما جرى مجراه فباق على أصله ألا ترى انهم لو قالوا توضأت من الطعام ومن الغمرة أو توضأت للطعام لا يفهم منه إلا الغسل والتنظيف واذا قولوا توضأت اطلاقا او توضأت من الحدث أو للصلاة فهم منه الافعال الشرعية فليس ينكر ما ذكرناه من اختصاص النقل لانه كما يجوز انتقال اللفظة من فائدة في اللغة الي فائدة في الشرع على كل وجه كذلك يجوز أن ينتقل على وجه دون وجه ويبقى من الوجه الذي لم ينتقل منه على ما كان عليه في اللغة وقد ذهب كثير من الناس إلى أن اطلاق لفظة مؤمن منتقل من اللغة إلى عرف الدين ومختص باستحقاق الثواب وان كان مقيدها باقيا على ما كان عليه في اللغة.

ويبين ذلك أيضا ما روى عن الحسن انه قال الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر وبعده ينفى اللمم وانما أراد غسل اليدين بغير شك. وروى عن قتادة أنه قال غسل اليد وضوء. وروى عكرش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل وغسل يده ومسح ببلل يده وجهه وذراعيه ورأسه وقال هكذا الوضوء مما مست النار على أنه لو كانت هذه اللفظة منتقلة على كل حال إلى الافعال الشرعية المخصوصة لصح أن نحملها في الخبر على خلاف ذلك ونردها إلى أصلها بالادلة وان كان الاولى لولا الادلة أن تحمل على


59

مقتضي الشرع فمن الادله على ماذكرناه ما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة وقام فصلي ولم يتوضأ. وروى عطاء عن أم سلمة قالت قربت جنبا مشويا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأكل منه وصلى ولم يتوضأ.

وروى محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار وكل هذه الاخبار توجب العدول عن ظاهر الخبر الاول(1) لو كان له ظاهر فيكف وقد بينا انه لاظاهر له. فأما اشتقاق الوضوء فهو من الوضاء‌ة التي هى الحسن فلما كان من غسل يده ونظفها قد حسنها قيل وضأها ويقال فلان وضئ الوجه وقوم وضاء.

قال الشاعر

مساميح الفعال ذوو أناة
مراجيح وأوجههم وضاء(2)

والوضوء بضم الواو المصدر وكذلك أيضا التوضأ. والوضوء بفتح الواو اسم ما يتوضأ به وكذلك الوقود اسم لما توقد به النار والوقود بالضم المصدر ومثله التوقد وقد يجوز أن يكون الوقود بفتح الواو المصدر وكذلك الوضوء بفتح الواو كما قالوا حسن القبول فجعلوا القبول مصدرا وهو مفتوح الاول ولا يجوز في الوقود والوضوء بالضم إلا معنى

(1) - قلت - الخبر الاخير وهو ما رواه جابر انه كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار يدل دلالة صريحة على ان المراد بالوضوء في الحديث السابق وهو توضؤا مما غيرت النار الوضوء الشرعى الذى هو عبارة عن غسل الاعضاء المعلومة وان الوضوء مما مست النار كان مشروعا ثم نسخ وكل ما ذكر من كونه صلى الله عليه وسلم أكل مما نالته النار ولم يتوضأ محمول على ما بعد النسخ وهذا هو الصحيح ولا حاجة لنمحل السيد رحمه الله ولا يناقض هذا مذهب أحد ممن يقول بعدم مشروعية الوضوء مما مست النار.

(2) - الفعال - بكسر الفاء جمع فعل خيرا كان أو شرا فان فتحوا الفاء أرادوا ما هو من أفعال الخير فقط - والاناة - السكينة والتؤدة - ومراجيح - ثقال يريد أنهم لا يطيشون في كل ما ينزل بهم (*)


60

المصدر وحده.

قال جرير

أهوى أراك برامتين وقودا
أم بالجنينة من مدافع أودا(1)

وقال آخر

اذا سهيل لاح كالوقود
فردا كشاة البقر المطرود

وقال آخر

وأججنا بكل يفاع أرض
وقود النار للمتنورينا

أخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني محمد بن ابراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا ابراهيم بن المنذر قال حدثني ابراهيم بن محمد عن عبد العزيز بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن شهاب قال أتيت عبيدالله ابن عبدالله بن عتبة بن مسعود يوما في منزله فاذا هو مغيظ ينفخ فقلت له ما لى أراك هكذا قال دخلت على عاملكم هذا يعني عمر بن عبدالعزيز ومعه عبدالله بن عمرو ابن عثمان فسملت فلم يردا على السلام فقلت

ألا فابلغنا عني عراك بن مالك
فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبابكر
فقد جعلت تبدو شواكل منكما
فإنكما بي موقران من الصخر
وطاوعتما بى غادرا ذا معاكة
لعمري لقد أورى وما مثله يورى

يقال - معك - به وسدل به اذا تعرض به لشر

فلولا اتقا الله اتقائى فيكما
للمتكما لوما أحر من الجمر
فمسا تراب الارض منها خلقتما
وفيها المعاد والمقام الي الحشر
ولا تأنفا أن تغشيا فتكلما
فما حشى الاقوام شرا من الكبر

(1) - الجنينة - تصغير جنة وهي البستان روضة نجدية - وأود - بضم فسكون أحد منازل تميم بنجد - ومدافع - جمع مدفع وهو مسيل الماء إلى الوادى (*)


61
ولو شئت أدلي فيكما غير واحد
علانية أو قال عندى في السر(1)

معناه لو شئت اغتابكما عندي غير واحد

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما
ضحكت له حتى يلج ويستشري(2)
وكيف تريدان ابن سبعين حجة
على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر
لقد علقت دلوا كما دلو حول
من القوم لارخو المراس ولانزر(3)

قال ابن شهاب فقلت له مثلك يرحمك الله مع نسكك وفضلك وفهمك يقول الشعر فقال ان المصدور اذا نفث برى وانما ذكر عراك بن مالك وأبا بكر بن عمرو بن جرم وكانا صديقيه كناية بذكرهما عن ذكر غيرهما.

وقد جاء‌ت رواية اخرى ان أبا بكر بن عمر بن جرم وعراك بن مالك كانا يجتازان على عبيدالله فلا يسلمان عليه فقال الابيات يخاطبهما بها.

وروى محمد بن سلام لعبيد الله بن عبدالله بن عتبة

إذا كان لي سر فحدثته العدى
وضاق به صدرى فللناس أعذر
هو السر ما استودعته وكتمته
وليس بسر حين يفشو ويظهر

وأنشد مصعب الزبيرى لعبيد الله بن عتبة بن مسعود

أواخي رجالا لست مطلع بعضهم
على سر بعض إن صدرى واسعه
اذا هى حلت وسط عود ابن غالب
فذلك واد نازح لا اطالعه

(1) - أدلى - يقال أدلى فلان في فلان اذا قال فيه قولا قبيحا.

يقول لو شئت لسلطت عليكما الناس فسبوكما سرا وعلانية ولكنى امسك عنكما اتقاء لله فيكما

(2) - يستشرى - بمعنى يلج أى يتوغل في الامر ويغرق فيه. ومنه قيل للخوارج الشراة لتوغلهم في المروق من الطاعة ومخالفة الجماعة

(3) - حول - شديد الاحتيال ومثله حول كصرد وحوله كهمزة وحوالى بفتح الحاء وضمها.

يقول انكما وقعتما مع من لا تطيقان دفعه عن أنفسكما (*)


62
تلاقت حيازيمي على قلب حازم
كتوم لما ضمت عليه أضالعه
بني لي عبدالله في سورة العلا
وعتبة مجدا لاتنال مصانعه

والبيت الاول يشبه قول مسكين الدارمي

وفتيان صدق لست مطلع بعضهم
علي سر بعض غير أني جماعها

ومما يستحسن لعبيد الله بن عبدالله بن عتبة قوله

تغلغل حب عتمة في فؤادي
فباديه مع الخافي يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شراب
ولا حزن ولم يبلغ سرور
شققت القلب ثم ذررت فيه
هواك فليم فألتام الفطور
أكاد اذا ذركت العهد منها
أطير لو ان إنسانا يطير
غني النفس أن أزاداد حبا
ولكني إلى وصل فقير

وأخذ هذا المعنى أبونواس فقال

أحللت في قلبي هواك محلة
ماحلها المأكول والمشروب

وأخذه المتنبي في قوله

وللسر مني موضع لايناله
نديم ولا يفضي اليه شراب

وكأن العباس بن الاحنف ألم به في قوله

لو شق قلبي لرأى وسطه
اسمك والتوحيد في سطر

وقال الصاحب اسماعيل بن عباد

لو شق قلبي لرأوا وسطه
سطرين قد خطا بلا كاتب
العدل والتوحيد في جانب
وحب اهل البيت في جانب

وقول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أحسن من الجميع وبعده بيت المتنبي.

ولعبيد


63

الله بن عبدالله بن عتبة

لعمر أبي المحصين أيام نلتقي
لما لانلاقيها من الدهر أكثر
يعدون يوما واحدا إن أتيتها
وينسون ما كانت على الدهر تهجر
فإن يكن الواشون أغروا بهجرها
فإنا بتجديد المودة أجدر

ومن مستحسن قوله من غزله

لعمري لئن شطت بعتمة دارها
لقد كنت من وشك الفراق أليح(1)
أروح بهم ثم أغدوا بمثله
ويحسب أنى في الثياب صحيح

أخذ هذا المعنى بشار فقصر عنه في قوله

ويصبح محزونا ويمسي به
وليس يدري ماله عندك

(1) - شطت - بعدت - ووشك - قرب - وأليح - أخاف وأحذر. يقول ان ارتحلت عنا وفارقتنا فقد كنت أنتظر ذلك وأتوقعه وأتخوف منه قبل أن يقع

(مجلس آخر 31)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيب عليه الصلاة والسلام (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا).

فقال(2) أليس هذا صريحا منه بأن الله تعالى يجوز أن

(2) - قلت - أصل الاشكال في الآية ينبنى على مذهب المعتزلة ان الله جل شأنه لا يريد الا الحسن وان غير الحسن لا يشاؤه ولا يريده ومذهب أهل السنة ان كل ما يقع في السكون من خير او شر فهو مراد لله تعالى وعلى هذا المذهب فلا اشكال في الآية بل هى شاهدة له (*)


64

يفعل الكفر والقبيح لان ملة قومه كانت كفرا وضلالا وقد أخبر انه لا يعود فيها إلا أن يشاء الله. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه.

أو لها أن يكون الملة التي عناها الله انما هي العبادات الشرعيات التي كان قوم شعيب متمسكين بها وهى منسوخة عنهم ولم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات في الله وصفاته مما لا يجوز أن تختلف العبادة فيه والشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة من حيث تبعت المصالح والالطاف والمعلوم من أحوال المكلفين فكأنه قال ان ملتكم لانعود فيها مع علمنا بان الله قد نسخها وأزال حكمها إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا بمثلها فنعود اليها وتلك الافعال التي كانوا متمسكين بها مع نسخها عنهم ونهيهم عنها وان كانت ضلالا وكفرا فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون إيمانا وهدى بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك وليس تجرى هذه الافعال مجرى الجهل بالله تعالى الذي لايجوز أن يكون إلا قبيحا.

وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال كيف يجوز أن يتعبدهم الله تعالى بتلك الملة مع قوله (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها). فيقال له لم ينف عودهم اليها على كل حال وانما نفى العود اليها مع كونها منسوخة منهيا عنها والذي علقه بمشيئة الله تعالى من العود اليها هو بشرط أن يأمر بها ويتعبد بمثلها والجواب مستقيم لاخلل فيه.

وثانيها أنه أراد ان ذلك لايكون أبدا من حيث علقه بمشيئة الله تعالى لما كان معلوما أنه لا يشاؤه وكل أمر علق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه وتجري الآية مجرى قوله تعالى (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) وكما يقول القائل أنا لا أفعل كذا حتى يبيض القار أو يشيب الغراب.

وكما قال الشاعر

وحتى يئوب القارظان كلاهما
وينشر في القتلى كليب لوائل(1)

(1) - القارظان - يذكر بن عنزة وعامر بن رهم وكلاهما من عنزة خرجا في طلب القرظ وهو ثمر السنط فلم يرجعا فضربت العرب بغيبتهما المثل ويقال انهما مرا بواد عميق فيه عسل فقال أحدهما لصاحبه لو نزلت فأتيتنا منه بشئ فربط نفسه بحبل وتدلى حتى بلغ اسفل الوادي فلما اخذ من العسل حاجته قال لصاحبه ارفعنى فقال له لا ارفعك (*)


65

والقارظان لايؤوبان أبدا وكليب لا ينشر أبدا فكأنه قال ان هذا لا يكون أبدا.

وثالثها ما ذكره قطرب بن المستنير من أن في الكلام تقديما وتأخيرا وأن الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا إلا أن يشاء الله أن تعود في ملتنا) ثم قال حاكيا عن شعيب عليه الصلاة والسلام (وما يكون لنا أن نعود فيها) على كل حال.

ورابعها أن تكون الهاء التي في قوله فيها إلى القرية لا إلى الملة لان ذكر القرية قد تقدم كما تقدم ذكر الملة ويكون تلخيص الكلام إنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الاظهار عليكم والظفر بكم فنعود اليها.

وخامسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة غير مختلفة لانه لما قال تعالى حاكيا عنهم أو لتعودن في ملتنا كان معناه أو لنكونن على ملة واحدة غير مختلفة فحسن أن يكون من بعد إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة.

فإن قيل الاستثناء بالمشيئة انما كان بعد قوله (وما يكون لنا أن نعود فيها) فكأنه قال ليس نعود فيها إلا أن يشاء الله فكيف يصح هذا الجواب. قلنا هو كذلك إلا أنه لما كان معنى أن نعود فيها هو أن تصير ملتنا واحدة غير مختلفة جاز أن يوقع لاستثناء على المعنى فيقول إلا أن يشاء الله أن نتفق في الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق.

فان قيل فكان الله تعالى ما شاء أن ترجع الكفار إلى الحق. قلنا بلى قد شاء ذلك إلا أنه ما شاء‌ه على كل حال بل من وجه دون وجه وهو أن يؤمنوا ويصيروا إلى الحق مختارين ليستحقوا الثواب الذي أجرى بالتكليف اليه ولو شاء‌ه على كل حال لما جاز أن لا يقع منهم فكان شعيبا عليه الصلاة والسلام قال ان ملتنا لا تكون واحدة أبدا الا أن يشاء الله أن يلجئكم إلى الاجتماع معنا على ديننا وموافقتنا في ملتنا والفائدة في ذلك واضحة لانه لو أطاق

أو تزوجنى أختك وكان له أخت يهواها فقال له ليس هذا وقته فتركه ومضى ثم هلك في منصرفه إلى أهله ولم يوقف لهما على خبر - وكليب - هو الذى قتله جساس فهاجت بمقتله الحرب التي تسمى حرب البسوس (*) (9 - أمالى نى)


66

أنا لا نتفق أبدا ولا تصير ملتنا واحدة لتوهم متوهم ان ذلك مما لايمكن على حال من الاحوال فأفاد بتعليقه له بالمشيئة هذا الوجه ويجري قوله تعالى (إلا أن يشاء الله) مجرى قوله تعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا).

وسادسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود إلى إظهارها مكرهين ويقوى هذا الوجه قوله تعالى (أو لو كنا كارهين).

وسابعها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا باظهار ملتكم مع الاكراه لان اظهار كلمة الكفر قد تحسن في بعض الاحوال اذا تعبد الله تعالى باظهارها وقوله (أو لو كنا كارهين) يقوي هذا الوجه أيضا.

فان قيل فكيف يجوز من نبي من أنبياء الله أن يتعبد باظهار الكفر وخلاف ما جاء به من الشرع. قلنا يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه فكأنه قال وما يكون لي ولا لامتي أن نعود فيها إلا أن يشاء الله أن يتعبد أمتي باظهار ملتكم على سبيل الاكراه وهو جائز غير ممتنع (تأويل خبر).

روى أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول. الجواب قد قيل في قوله خير الصدقة ما أبقت غنى قولان.

أحدهما ان خير ما تصدقت به مافضل عن قوت عيالك وكفايتهم فاذا خرجت صدقتك عنك إلى من أعطيت خرجت عن استغناء منك ومن عيالك عنها ومثله في الحديث الآخر انما الصدقة عن ظهر غنى. وقال ابن عباس في قوله تعالى (ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو) قال ما فضل عن أهلك.

والجواب الآخر أن يكون أراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة أي تجزل له في العطية فيستغنى بها ويكف عن المسألة وذلك مثل أن يريد الرجل أن يتصدق بمائة درهم فيدفعها إلى رجل واحد محتاج فيستغني بها ويكف عن المسألة فذلك أفضل من أن يدفعها إلى مائة رجل لاتبين عليهم.

والتأويل الاول يشهد له آخر الخبر وهو قوله وابدأ بمن تعول ويشهد له الحديث الآخر أيضا انما الصدقة عن ظهر غني. وقوله اليد العليا خير من اليد السفلى. قال قوم يريد ان اليد المعطية خير من الاخذة وقال آخرون ان العليا هى الآخذة والسفلى هى المعطية. قال ابن قتيبة ولا أرى


67

هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناء‌ة ولو كان هذا يجوز لقيل ان المولى من فوق هو الذي أعتق والمولى من أسفل هو الذي أعتق والناس انما يعلون بالعطايا لا بالسؤال. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وعندى(1) ان معنى قوله عليه الصلاة والسلام اليد العليا خير من اليد السفلى غير ما ذكر من الوجهين جميعا وهو أن تكون اليد ههنا هي العطية والنعمة لان النعمة قد تسمى يدا في مذهب أهل اللسان بغير شك فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد ان العطية الجزيلة خير من العطية القليلة وهذا حث منه صلى الله عليه وسلم على المكارم وتحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام وأحسنه مخرجا.

ويشهد لهذا التأويل أحد التأويلين المتقدمين في قوله ما أبقت غنى وهذا أشبه وأولى من أن تحمل اليد على الجارحة لان من ذهب إلى ذلك وجعل المعطية خيرا من الآخذه لايستمر قوله لان فيمن يأخذ من هو خير عند الله تعالى ممن يعطي ولفظة خير لا تحمل إلا على الفضل في الدين واستحقاق الثواب. وأما من جعل الآخذة خيرا من المعطية فيدخل عليه هذا الطعن أيضا مع انه قد قال قولا شنيعا وعكس الامر على ما قال ابن قتيبة. فان قيل كيف يصح تأويلكم مع قوله عليه الصلاة والسلام خير الصدقة ما أبقت غنى وهي لاتبقى غنى إلا بعد أن تنقص من غيرها واذا كانت العطية التي هي أجزل أفضل فتلك لا تبقى غنى والتي تبقى غني ليست

(1) - قوله وعندي أن معني قوله عليه الصلاة والسلام الخ هذا التأويل بعيد جدا فان قوله في الحديث العليا خير من السفلي لا يدل على أن المراد باليد النعمة ولو كان المراد هذا لوصفها بكونها حقيرة وجليلة أو كبيرة وصغيرة والظاهر أن المراد باليد الجارحة وأما قوله بعد في دفع هذا ان هذا لا يستمر لان فيمن يأخذ من هو خير عند الله ممن يعطى فبعد تسليم صحته لا يسلم على عمومه وليس المراد في الحديث بكون اليد العليا خيرا من السفلى انها كذلك من جميع الوجوه حتى يلزم ما قال وانما المراد أفضليتها من حيث كونها معطية ومفضولية الآخذة من حيث كونها آخذة فلا ينافي هذا أن تكون الآخذة خيرا من المعطية من وجه آخر (*)


68

الجزيلة وهذا تناقض.

قلنا أما تأويلنا فمطابق للوجهين المذكورين في قوله ما أبقت غنى لان من تأول ذلك على أن المراد بها المعطي وان خير العطية ما أغنته عن المسألة فالمطابقة ظاهرة ومن تأوله على الوجه الآخر وحمل ما أبقى الغنى على المعطي وأهله وأقاربه فتأويلنا أيضا مطابق له لانه قد يكون في العطايا التي تبقى بعدها الغنى على الاهل والاقارب جزيل وغير جزيل فقال عليه الصلاة والسلام خير الصدقة ما أبقت غنى بعد إخراجها والعطية الجزيلة التي يبقى بعدها غني خير من القليلة فمدح عليه الصلاة والسلام بعد ابقاء الغنى جزيل العطية وحث على الكرم والفضل.

أخبرنا أبوالقاسم عبيدالله بن عثمان بن يحيى قال أخبرنا أبوعبيدالله الحكيمي قال أملى علينا أبوالعباس أحمد بن يحيى النحوي قال أنشدنا ابن الاعرابي لثابت قطنة العتكي

يا هند كيف بنصب بات يبكيني
وعائر في سواد العين يؤذيني(1)
كأن ليلى والاضداء هاجدة
ليل السليم وأعيى من يداويني
لما حنى الدهر من قوسي وعذرني
شيبي وقاسيت أمر الغلظ واللين
اذا ذكرت أبا غسان أرقني
هم اذا عرس السارون يشجيني
كان المفضل عزا في ذوي يمن
وعصمة وثمالا للمساكين
غيثا لذي أزمة غبراء شاتية
من السنين ومأوى كل مسكين
إني تذكرت قتلى لو شهدتهم
في حومة الحرب لم يصلوا بها دونى
لاخير في العيش اذ لم يجن بعدهم
حربا تنئ بهم قتلي فتشفينى

(1) - النصب - الهم والتعب وانما سكنه لضرورة الشعر - والعائر كل ما أعل العين من رمد أو قذي (*)


69
لاخير في طمع يدني إلى طبع
وعفة من قوام العيش تكفيني(1)
وأنظر الامر يعنيني الجواب به
ولست أنظر فيما ليس يعنيني
لا أركب الامر تزرى بي عواقبه
ولا يعاب به عرضي ولا ديني
لا يغلب الجهل حلمي بعد مقدرة
ولا العضيهة من ذي الضغن تكبيني
كم من عدو رماني لو قصدت له
لم يأخذ النصف مني حين يرميني

[ قال المرتضى ] أدام الله علوه وهذه الابيات يروي بعضها لعروة بن أذينة ويداخل أبياتا له على هذا الوزن وهى التي يقول فيها

لقد علمت وما الاشراف من خلقي
إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى اليه فيعنينى تطلبه
ولو قعدت أتاني لا يعنينى(2)
كم قد أفدت وكم أتلفت من نشب
ومن معاريض رزق غير ممنون

(1) - الطبع - الذل وفي الحديث أعوذ بالله من طمع يفضي إلى طبع - والعفة - بالضم بقية اللبن في الضرع بعدما امتص أكثره. يقول ان القليل يغني عن الكثير فلا خير في طمع يفضي إلى ذل

(2) يقول ان الرزق مقسوم لن يفوت الانسان منه ما قسم له - ويحكى أن عروة هذا وفد على عبدالملك بن مروان مسترفدا فلما دخل عليه قال له من أنت فتسمي له فقال عبدالملك ألست القائل (لقد علمت وما الاشراف من خلقى) الابيات فأطرق مليا ثم خرج من فوره ذلك فركب ناقته وخرج إلى الحجاز ثم ان عبدالملك سال عنه فقيل انه سافر فندم على ما كان منه وقال انه شاعر ولسانا من أن ينالنا من لسانه شئ فأرسل اليه بصلة جزيلة فوافاه الرسول بها حين وافى منزله بالمدينة فقال للرسول قل لامير المؤمنين كيف رأيت صدقه في قوله (*)


70
فما أشرت علي يسر وما ضرعت
نفسي لخلة عسر جاء يبلونى(1)
خيمي كريم ونفسي لا تحدثني
أن الاله بلا رزق يخلينى
وما اشتريت بمالى قط مكرمة
إلا تيقنت أني غير مغبون
ولا دعيت إلى مجد ومحمدة
إلا أجبت اليه من يناديني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي
ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
إني سيعرفني من لست أعرفه
ولو كرهت وأبدو حين يخفيني
فغطني جاهدا واجهد علي اذا
لاقيت قومك فانظر هل تغطيني(2)

وقوم يخطبون فيروون قوله - لقد علمت وما الاشراف من خلقي - بالسين غير المعجمة وذلك خطأ وانما أراد بالاشراف أني لا أستشرف وأتطلع على ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها ولا تتبعها نفسى.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه ولي أبيات في معنى بعض أبيات لقطنة وعروة بن اذينة التي تقدمت وهى من جملة قصيدة طويلة خرجت عني منذ اثنتي عشرة سنة والابيات

تعاقبني بؤس الزمان وخفضه
وأدبني حرب الزمان وسلمه
وقد علم المغرور بالدهر أنه
وراء سرور المرء في الدهر غمه

(1) - أشرت - من الاشر وهو البطر - وضرعت - من الضراعة وهي الذل.

(2) وذكر الاصفهاني في الاغانى لعروة زيادة عما ذكره السيد رحمه الله في هذه الابيات وهى

كم من فقير غنى النفس تعرفه
وكم غنى فقير النفس مسكين
وكم أخ لي طوي كشحا فقلت له
ان الطواء‌ك عني سوف يطويني
اني لابصر فيما كان من أربى
وأكثر الصمت فيما ليس يعنينى (*)

71
وما المرء إلا نهب يوم وليلة
تخب به شهب الفناء ودهمه
يعلله برد الحياة يمسه
ويغتره روح النسيم يشمه
وكان بعيدا عن منازعة الردى
فألقته في كف المنية أمه
ألا إن خير الزاد ماسد فاقة
وخير تلادى الذي لا أجمه(1)
وإن الطوي بالعز أحسن بالفتى
اذا كان من كسب المذلة طعمه
وإني لانهى النفس عن كل لذة
اذا ما ارتقي منها إلى العرض وصمه
وأعرض عن نيل الثريا اذا بدا
وفي نيله سوء المقال وذمه
أعف وما الفحشاء عني بعيدة
وحسبي في صد عن الامر إثمه
وما العف من ولى عن الضرب سيفه
ولكن من ولى عن السوء حزم

ولي في معنى قوله وما الاشراف من خلقي

ما خامر الرزق قلبي قبل فجأته
ولا بسطت له في النائبات يدي
كم قد ترادف لم أحفل زيادته
ولو تجاوزني مافت من عضدي
إن أسخط الامر أدرك عنه مضطربا
وإن أرد بدلا من مذهب أجد

ومعنى ما خامر الرزق قلبي - أي لم أتمنه ولا تطلعت إلى حضوره ولا خطر لي ببال

(1) - الفاقة - الحاجة - والتليدان - التالد من المال وهو ما ورثه الانسان من آبائه والطارف وهو ما اكتسبه واستحدثه بسعيه غلب أحدهما على الاخر فثناهما به يقول خير المال ماسد الفاقة وما زاد على ذلك فهو فضل وزيادة وهذا كقولهم خير الزاد ما بلغك المحل وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق وقوله وخير تلادي يريد به ان خير مال الانسان ما أنفق منه وأعطي لا ماادخر وجمع (*)


72

تنزها وتقنعا والوجه في تخصيص نفي بسط اليد بالنوائب لانها يضرع عندها في الاكثر المتنزه ويطلب المتعفف فمن لزم النزاهة مع الحاجة وشدة الضرورة فهو الكامل المروة ومعنى البيت الثاني ظاهر.

فأما الثالث فالمراد به إنني ممن اذا كره شيئا تمكن من مفارقته والنزوع عنه ولست ممن تضيق حيلته وتقصر قدرته عن استدراك ما يحب بما يكره. وفيه فائدة أخرى وهي أنني ممن لاتملكه العادات وتقتاده الاهواء بل متى أردت مفارقة خلق إلى غيره وعادة إلى سواها لم يكن ذلك على متعذرا من حيث كان لرأيي على هواي السلطان والرجحان.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني محمد بن ابراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوى قال أخبرنا الزبير بن بكار قال حدثني عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير قال كان عروة ابن اذينة نازلا مع أبي في قصر عروة بالعقيق فسمعته ينشد لنفسه

إن التي زعمت فؤادك ملها
خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فيك الذي زعمت بها فكلاكما
أبدى لصاحبه الصبابة كلها
ولعمرها لو كان حبك فوقها
يوما وقد ضحيت إذا لاظلها(1)
واذا وجدت لها وساوس سلوة
شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة فأدقها وأجلها(2)

(1) هكذا هو هنا وقد نسب هذه الابيات بعض أهل الادب إلى المجنون وأنشد البيت هكذا

اني لا كتم في الحشا من حبها
وجدا لو أصبح فوقها لا ظلها

وأنشد بعده

وببيت نحت جوانحي حب لها
لو كان تحت فراشها لاقلها

(2) - اللبقة - الحسنة الدل - وادقها - أى أدق خصرها - وأجلها - أى أجل عجيزتها أى جعلها عظيمة فالكلام على التوزيع وارجاع كل شئ إلى ما يناسبه (*)


73
لما عرضت مسلما لي حاجة
أخشى صعوبتها وأرجو ذلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبى
ما كان أكثرها لنا وأقلها
فدنا فقال لعلها معذورة
في بعض رقبتنا فقلت لعلها

قال عروة بن عبيدالله فجاء‌ني أبوالسائب المخزومي يوما فسلم وجلس إلى فقلت له بعد الرحب به ألك حاجة يا أبا السائب فقال أو كما تكون الحاجة أبيات لعروة ابن اذينة بلغني أنك سمعتها منه قلت أي أبيات قال وهل يخفي القمر * ان التي زعمت فؤادك ملها * فأنشدته فقال ما يروى هذا إلا أهل المعرفة والفضل هذا والله الصادق الود الدائم العهد لا الهذلى الذي يقول

إن كان أهلك يمنعونك رغبة
عني فأهلى بي اضن وأرغب

لقد عدا الاعرابى طوره وإني لارجو أن يغفر الله لابن اذينة في حسن الظن بها وطلب العذر لها فدعوت له بطعام فقال لا والله حتى أروى هذه الابيات فلما رواها وثب فقلت له كما أنت يغفر الله لك حتى تأكل فقال والله ما كنت لاخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها وانصرف. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه والهذلى الذي عابه وأنشد له هذا البيت هو عبدالله بن مسلم بن جندب الهذلى. وقول عروة - باكرها النعيم - أراد انها لم تعش إلا في النعيم ولم تعرف الا الخفض وانها لم تلاق بؤسا فتخشع وتضرع ويؤثر ذلك في جمالها وتمامها والبكور هو التقديم في كل وقت. وكان عروة بن اذينة مع تغزله يوصف بالعفاف والنزاهة.

وروى أن سكينة بنت الحسين عليهما السلام مرت به فقالت يا أبا عامر أنت الذى تقول

اذا وجدت اوار الحب في كبدى
أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره
فمن لنار علي الاحشاء تتقد.

وأنت القائل

قالت وابثثتها وجدي فبحت به
قد كنت عندى تحب الستر فاستتر

(10 - أمالى ني)


74
ألست تبصر من حولى فقلت لها
غطى هواك وما ألقى علي بصرى

قال نعم قالت هن حرائر وأشارت إلى جواريها ان كان هذا خرج من قلب سليم.

وأنشد أبوالحسن أحمد بن يحيى لعروة

كأن خزامي طلة صابها الندى
وفارة مسك ضمنتها ثيابها
اذا اقتربت سعدى لهجت بحبها
وإن تغترب يوما يرعك اغترابها
وكدت لذكراها أطير صبابة
وغالبت نفسا زاد شوقا غلابها
ففي أي هذا راحة لك عندها
سواء لعمرى نأيها واقترابها

وعاد الهوى منها كظل سحابة * ألاحت ببرق ثم مر سحابها [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وهيهات هذا البيت الاخير من قول كثير

وإني وتهيامي بعزة بعدما
تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما
تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحائب ممحل
رجاها فلما جاوزته استهلت

وروى يحيى بن على قال حدثنا أبوهفان قال أشعر أبيات قيلت في الحسدة والدعاء لهم بالكثرة أربعة.

فأولها قول الكميت بن زيد

إن يحسدوني فإني لا ألومهم
قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لى ولهم ما مابي وما بهم
ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذي يجدوني في حلوقهم
لا أرتقي صدرا عنها ولا أرد
لاينقص الله حسادى فإنهم
أسر عندي من اللائي له الودد

وقال عروة بن اذينة

لا يبعد الله حسادي وزادهم
حتى يموتوا بداء في مكنون

75
إني رأيتهم في كل منزلة
أجل قدرا من اللائي يحبوني

وقال نصر بن سيار

إن يحسدوني على ما بي وما بهم
فمثل ما بي لعمري جر لي الحسدا

وقال معن بن زائدة

إني حسدت فزاد الله في حسدي
لاعاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرء إلا من فضائله
بالعلم والظرف أو بالبأس والجود

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وقد لحظ البحتري هذا المعني في قوله

محسد بخلال فيه فاضلة
وليس يفترق النعماء والحسد

وأظن أبا العتاهية أخذ قوله

كم عائب لك لم أسمع مقالته
ولم يزدك لدينا غير تزيين
كأن عائبكم يبدى محاسنكم
وصفا فيمدحكم عندي ويغريني
ما فوق حبك حبا لست اعلمه
فلا يضرك أن لا تستزيديني

من قول عروة بن اذينة

لابعد سعدى مريحى من جوى سقم
يوما ولا قربها إن حم يشفيني
اذا الوشاة لحوا فيها عصيتهم
وخلت أن بسعدي اليوم يغريني

وقد أخذ أبونواس هذا المعني في قوله

ما حطك الواشون من رتبة
عندي ولا ضرك مغتاب
كأنهم اثنوا ولم يعلموا
عليك عندي بالذي عابوا

ولعروة بن أذينة

تروعنا الجنائز مقبلات
ونسهو حين تخفى ذاهبات

76
كروعة الالمغار ذئب
فلما غاب عادت راتعات

- الثلة - القطعة من الضأن.

وهذا المعنى قد سبق اليه بعض الاعراب فقال

ونحدث روعات لدي كل فزعة
ونسرع نسيانا وما جاء‌نا أمن
وإنا ولا كفران لله ربنا
لكالبدن لاتدرى متى يومها البدن

أخذه أبوالعتاهية في قوله

إذا ما رأيتم ميتين فزعتم
وإن غيبوا ملتم إلي صبواتها

وأخذ عروة بن أذينة قوله

إن الفتى مثل الهلال له
نور ليالى ثم يمتحق
يبلى وتفنيه الدهور كما
يبلى وينضى الجدة الخلق

من قول بعض شعراء طيئ

مهما يكن ريب الزمان فإنني
أرى قمر الليل المعذب كالفتى
يهل صغيرا ثم يعظم ضوء‌ه
وصورته حتى اذا ما هوى استوى
تقارب يخبو ضوء‌ه وشعاعه
ويمصح حتى يستسر فلا يرى
كذلك زيد المرء عند انتقاصه
يعود إلى مثل الذي كان قد بدا

أخذه محمد بن يزيد الكاتب فقال

المرء مثل هلال عند مطلعه
يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق
يزداد حتى اذا ما تم أعقبه
كر الجديدين نقصانا فيمتحق

(مجلس آخر 32)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك


77

سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئسما ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون). فقال كيف ينزل الله تعالى السحر على الملائكة أم كيف تعلم الملائكة الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى انه باذنه وهو تعالى قد نهى عنه وحذر من فعله وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم بقوله (ولقد علموا لمن اشتراه) ثم قوله (لو كانوا يعلمون). الجواب قلنا في الآية وجوه كل منها يزيل الشبهة الداخلة على من لاينعم النظر فيها.

أولها أن يكون ما في قوله (وما أنزل على الملكين) بمعنى الذي فكأنه تعالى اخبر عن طائفة من أهل الكتاب بانهم اتبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان وتضيفه اليه من السحر فبرأه الله تعالى من قذفهم وأكذبهم في قولهم فقال وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا باستعمال السحر والتمويه على الناس ثم قال يعلمون الناس السحر وما أنزل عل الملكين وأراد انهم يعلمونهم السحر والذي أنزل على الملكين وما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك ويعرفاه للناس فيجتنبوه ويحذروا منه كما انه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ووصف لنا أعمال القبائح لنجتنها لا لنوقعها لان الشياطين كانوا اذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه واقدموا على فعله وان كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحاذره وانتفع باطلاعه على كيفيته ثم قال وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة يعني الملكين ومعنى يعلمان يعلمان والعرب تستعمل لفظة علمه بمعني أعلمه.

قال القطامي

تعلم أن بعد الغي رشدا
وأن لشابك الغير انقشاعا

وقال كعب بن زهير

تعلم رسول الله أنك مدركى
وأن وعيدا منك كالاخذ باليد

78

ومعني تعلم في البيتين معنى اعلم والذي يدل على ان المراد ههنا الاعلام لا التعليم قوله وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر أي أنهما لا يعرفانه صفات السحر وكيفيته إلا بعد أن يقولا انما نحن محنة لان الفتنة بمعنى المحنة وانما كانا محنة بحيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه وليمتنعوا من مواقعته وهم اذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه فقالا لمن يطلعانه على ذلك لاتكفر باستعماله ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا اليك فانه انما ألقى اليك واطلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله ثم قال فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب وان كان الملكان ما ألقياه اليهم لذلك ولهذا قال ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لانهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.

وثانيها أن يكون ما أنزل موضعه موضع جر فيكون معطوفا بالواو على ملك سليمان والمعني واتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين ومعنى (ما أنزل على الملكين أي معهما وعلى ألسنتهما كما قال تعالى (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أي على ألسنتهم ومعهم وليس بمنكر أن يكون ما أنزل معطوفا علي ملك سليمان وان اعترض بينهما من الكلام ما اعترض لان رد الشئ إلى نظيره وعطفه على ما هو أولى هو الواجب وان اعترض بينهما ماليس منهما ولهذا نظائر من القرآن وكلام العرب كثيرة قال الله تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) وقيم من صفات الكتاب حال منه لا من صفة عوج وان تباعد ما بينهما ومثله (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام) فالحرام ههنا معطوف على الشهر أي يسئلونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.

وحكي عن بعض علماء أهل اللغة انه قال العرب تلف الحرفين المختلفين ثم ترمي بتفسيرهما جملة ثقة بان السامع يرد إلى كل خبره كقوله تعالى (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) وهذا واضح في مذهب العرب كثير التطابق ثم قال (وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة) والمعنى انهما لايعلمان أحدا بل ينهيان عنه ويبلغ من نهيهما وصدهما عن فعله واستعماله


79

أن يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال السحر والاقدام على فعله وهذا كما يقول الرجل ما أمرت فلانا بكذا ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له انك ان فعلت أصابك كذا وكذا وهذا هو نهاية البلاغة في الكلام والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة لانه استغنى بقوله (وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة) عن بسط الكلام الذي ذكرناه ولذلك نظائر في القرآن قال الله تعالى (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) فلولا الاختصار لكان شرح الكلام بقوله ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ولو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق ومثله قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب) أي فيقال للذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم وأمثاله أكثر من أن تورد.

ثم قال تعالى (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وليس يجوز أن يرجع الضمير في هذا الجواب إلى الملكين وكيف يرجع اليهما وقد نفى عنها التعليم بل يرجع إلى الكفر والسحر وقد تقدم ذكر السحر وتقدم أيضا ذكر ما يدل على الكفر ويقتضيه في قوله ولكن الشياطين كفروا فدل كفروا على الكفر والعطف عليه مع السحر جائز وان كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه ومثل ذلك قوله تعالى (سيذكر من يخشى ويتجنبها الاشقى) أي يتجنب الذكري الاشقى ولم يتقدم تصريح بالذكرى لكن دل عليها قوله سيذكر.

ويجوز أيضا أن يكون المعنى فيتعلمون منهما أي بدلا مما علمهم الملكان ويكون المعنى انهم يعدلون عما علمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلمه واستعماله كما يقول القائل ليت لنا من كذا كذا وكذا أي بدلا منه.

وكما قال الشاعر

جمعت من الخيرات وطبا وعلبة
وصرا لاخلاف المزهمة البزل(1)

(1) - الصر - شد خلف الناقة بالخيط لئلا تحلب والناقة صرورة - والاخلاف - جمع خلف وهو للناقة كالثدى للمرأة - والمزهمة - السمان الكثيرة الشحم ومثله الزهم.

قال زهير

القائد الخيل منكوبا دوابرها
منه الشنون ومنها الزاهق الزهم

- والبزل - جمع بازل وهو البعير اذا انشق نابه وذلك إنما يكون في السنة التاسعة (*)


80
ومن كل أخلاق الكرام نميمة
وسعيا على الجار المجاور بالمحل

يريد جمعت مكان الخيرات ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.

وقوله (ما يفروقون به بين المرء وزوجه) فيه وجهان. أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه فيفارق بينهما اختلاف النحلة والملة. والوجه الآخر أن يسعون بين الزوجين بالنميمة والوشاية والاغراء والتمويه بالباطل حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة والمباينة.

وثالث الوجوه أن تحمل ما في قوله وما أنزل على الجحد والنفى فكأنه تعالى قال واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ويكون قوله ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه التقديم ويكون على هذا لتأويل هاروت وماروت رجلين من جملة الناس هذان أسماؤهما وانما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا وتبيينا ويكون الملكان المذكوران اللذان نفى عنهما السحر جبرائيل وميكائيل عليهما السلام إلى سليمان بن داود عليه السلام فأكذبهما الله تعالى بذلك ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين كأنه قال ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله تعالى (وكنا لحكمهم شاهدين) يعنى حكم داود وسليمان ويكون قوله على هذا التأويل وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين أو من الانس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به ومعنى قولهما انما نحن فتنة فلا تكفر يكون على طريق الاستهزاء والنماجن والتخالع كما يقول الماجن من الناس اذا فعل قبيحا أو قال باطلا هذا فعل من لايفلح وقول من لاينجب والله لاحصلت إلا على الخسران وليس ذلك منه على سبيل النصح للناس وتحذيرهم من مثل فعله بل على جهة المجون والتهالك ويجوز أيضا على هذا التأويل الذى يتضمن النفي والجحد أن يكون هاروت وماروت اسمين لملكين ونفى عنهما انزال السحر بقوله وما أنزل على الملكين ويكون قوله وما يعلمان من أحد يرجع


81

إلى قبيلتين من الجن أو إلى شياطين الجن والانس فتحسن التثنية لهذا. وقد روى هذا التأويل الاخير في حمل ما على النفى عن ابن عباس وغيره من المفسرين.

وروى عنه أيضا انه كان يقرأ وما أنزل على الملكين بكسر اللام ويقول متى كان العلجان ملكين بل كانا ملكين. وعلى هذه القراء‌ة في الآية وجه آخر وان لم يحمل قوله وماأنزل على الملكين على الجحد والنفى وهو أن يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ماتتلو الشياطين وتدعيه على ملك سليمان واتبعوا ماأنزل على هذين الملكين من السحر ولا يكون الانزال مضافا إلى الله تعالى وان أطلق لانه عزوجل لاينزل السحر بل يكون منزله اليهما بعض الضلال العصاة ويكون معنى أنزل وان كان من الارض حمل اليهما لامن السماء انه أتي به من نجود البلاد وأعاليها فان من هبط من نجد البلاد إلى غورها يقال نزل وهبط وما جرى هذا المجرى.

فأما قوله تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله) فيحتمل وجوها.

منها أن يريد بالاذن العلم من قولهم أذنت فلانا بكذا اذا أعلمته وأذنت لكذا اذا سمعته وعلمته.

قال الشاعر

في سماع يأذن الشيخ له
وحديث مثل ماذي مشار(1)

ومنها أن تكون إلا زائدة فيكون المعنى وما هم بضارين به من أحد باذن الله ويجرى مجرى قول أحدنا لقيت زيدا إلا أني أكرمته أى لقيت زيدا فأكرمته.

ومنها أن يكون أراد بالاذن التخلية وترك المنع فكأنه أفاد بذلك ان العباد لن يعجزوه وما هم بضارين أحدا إلا بأن يخلي الله تعالى بينهم وبينه ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر زائدا على منعهم بالزجر والنهي.

ومنها أن يكون الضرر الذى عنى انه لايكون إلا باذنه وأضافه اليه هو مايلحق المسحور من الادوية والاغذية التي تطعمه إياها السحرة ويدعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الامور ومعلوم ان الضرر الحاصل عن ذلك من فعل

(1) - الماذي - العسل الابيض - ومشار - مجني. يقول ان غناء‌ها لطيبه وحسنه يستمع الشيخ الهرم له ويصغى اليه وحديثها لطلاوته ورقته كأنه العسل الجيد والاصمعى يروى هذا البيت مثل ماذى مشار بالاضافة وفتح الميم قال والمشار الخلية (*)(11 - أمالى ني)


82

الله تعالى بالعادة لان الاغذية لاتوجب ضررا ولا نفعا وان كان المعرض للضرر من حيث كان الفاعل له هو المستحق للذم وعليه يجب العوض.

ومنها أن يكون الضرر المذكور انما هو يحصل عن التفريق بين الازواج لانه أقرب اليه في ترتيب الكلام والمعنى انهم اذا أغووا أحد الزوجين فكفر فبانت منه زوجته فاستضر بذلك كانوا ضارين له بما حسنوه له من الكفر لان الفرقة لم تكن إلا باذن الله وحكمه لانه تعالى هو الذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفى الاديان فلهذا قال وماهم بضارين به من أحد إلا باذن الله والمعنى انه لولا حكم الله وإذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملة لم يكونوا ضارين له هذا الضرب من الضرر الحاصل عند الفرقة ويقوى هذا الوجه ماروي انه كان من دين سليمان عليه السلام انه من سحر بانت امرأته.

فأما قوله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) ثم قوله (لو كانوا يعلمون) ففيه وجوه.

أولها أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا ويكون الذين علموا الشياطين أوالذين خبر عنهم بانهم نبذوا كتاب الله وراء ظهوره كأنهم لايعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان والذين لم يعلموا هم الذين تعلموا السحر وشروا به أنفسهم.

وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا إلا انهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لانصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة ولم يعلمه كنه ما يصير اليه من عقاب الله الذي لا نفاد له ولا انقطاع.

وثالثها أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد اثباته انهم لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا وهذا كما يقول احدنا لغيره ماأدعوك اليه خير لك وأعود عليك ولو كنت تعقل وتنظر في العواقب وهو يعقل وينظر في العواقب إلا انه لايعمل بموجب علمه فحسن أن يقال له مثل هذا القول.

قال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابا تبعاه ليصيبا من زاده

اذا حضراني قلت لو تعلمانه
ألم تعلما أني من الزاد مرمل

فنفى عنهما العلم ثم أثبته بقوله ألم تعلما وانما المعني في نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علماه


83

فكأنهما لم يعلماه.

ورابعها أن يكون المعني أن هؤلاء القوم الذين قد علموا ان الآخرة لاحظ لهم فيها مع عملهم القبيح إلا أنهم ارتكبوه طمعا في حطام الدنيا وزخرفها فقال تعالى (ولبئس ماشروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) ان الذي آثروه وجعلوه عوضا من الآخرة لايتم لهم ولا يبقى عليهم وانه منقطع زائل ومضمحل باطل وانما الملك إلى المستحق في الآخرة وكل ذلك واضح بحمد الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (تأويل خبر).

روى عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار وقد ذكر متأولو حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر وجوها كثيرة كلمها غيرصحيح ولا شاف وأنا أذكر ما اعتمدوه وأبين ما فيه ثم أذكر الوجه الصحيح قال ابن قتيبة ذهب الاصمعي إلى أن من تعلم القرآن من المسلمين لو ألقى في النار لم تحرقه وكني بالاهاب وهو الجلد عن الشخص والجسم واحتج على تأويله هذا الحديث عن سليمان بن محمد قال سمعت أبا امامة يقول اقرؤا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة فان الله لا يعذب قلبا وعي القرآن.

قال ابن قتيبة وفي الحديث تأويل آخر وهو ان القرآن لو كتب في جلد ثم ألقى في النار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحرقه النار على جه لدلالة على صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم انقطع ذلك بعده قال وجرى هذا مجري كلام الذئب وشكاية البعير وغير ذلك من آياته صلى الله عليه وسلم.

قال وفيه تأويل ثالث وهو أن يكون الاحراق انما نفى عن القرآن لاعن الاهاب ويكون معنى الحديث لوجعل القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق القرآن فكأن النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن لان الله ينسخه ويرفعه من الجلد صيانة له عن الاحراق. وقال أبوبكر محمد بن القاسم الانبارى رادا على ابن قتيبة معترضا عليه اعتبرت ما قاله ابن قتيبة من ذلك كله فما وجدت فيه شيئا صحيحا.

أما قوله الاول فيرده ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله يخرج من النار قوم بعد مايحرقون فيها فيقال هؤلاء الجهنميون طلقاء الله عزوجل. قال وقد روى أبوسعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا دخل أهل الجنة


84

الجنة وأهل النار النار قال الله عز وجل انظروا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه منها. قال أبوبكر وكيف يصح قول ابن قتيبة في زعمه أن النار لاتحرق من قرأ القرآن ولا خلاف بين المسلمين ان الخوارج وغيرهم ممن يلحد في دين الله ويقرأ القرآن أن تحرقهم النار بغير شك واحتجاجه بخبر أبي امامة ان الله لا يعذب قلبا وعي القرآن معناه قرأ القرآن وعمل به فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فانه غير واع له. قال فأما قوله انه من دلائل النبوة التي انقطعت بعده فما روى هذا الحديث أحد انه كان في دلائله عليه الصلاة والسلام ولو أراد ذلك دليلا لكان صلى الله عليه وسلم يجعل القرآن في إهاب ثم يلقيه في النار فلا يحترق. قال وقول ابن قتيبة الثالث لاحترق الجلد والمداد ولم يحترق القرآن غير صحيح لان الذي يصحح هذا القول يوجب أن القرآن غير المكتوب وهذا محال لان المكتوب في المصحف هو القرآن والدليل على هذا قوله تعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون) ومنه الحديث لاتسافروا بالقرآن إلى أرض العدو وانما يريد المصحف. قال أبوبكر والقول عندنا في تأويل هذا الحديث انه أراد لو كان القرآن في جلد ثم ألقى في النار ما أبطلته لانها وان أحرقته فانها لاتدرسه اذ كان الله قد ضمنه قلوب الاخيار من عباده والدليل على هذا قول الله عزوجل للنبي صلى الله عليه وسلم فيما روى إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان فلم يرد تعالى ان القرآن لو كتب في شئ ثم غسل بالماء لم ينغسل وانما أراد ان الماء لايبطله ولا يدرسه اذ كانت القلوب تعيه وتحفظه. قال ومثل هذا كثير في كتاب الله وفي لغة العرب قال الله تعالى (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) فهم قد كتموا الله تعالى لما قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وانما أراد تعالى ولا يكتمون الله حديثا في حقيقة الامر لانهم وان كتموه في الظاهر فالذي كتموه غير مستتر عنه.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه والوجه الصحيح في تأويل الخبر غير ما توهمه ابن قتيبة وابن الانباري جميعا وهو ان هذامن كلام النبي صلى الله عليه وسلم على طريق المثل والمبالغة في تعظيم شأن القرآن والاخبار عن جلالة قدره وعظم


85

خطره والمعنى انه لو كتب في إهاب وألقى في النار وكانت النار مما لاتحرق شيئا لعلو شأنه وجلالة قدره لم تحرقه النار.

ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب وأمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم وتصرف كلامهم فمن ذلك قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) ومعنى الكلام إننا لو أنزلنا القرآن على جبل وكان الجبل مما يتصدع إشفاقا من شئ أو خشية لامر لتصدع مع صلابته وقوته فكيف بكم معاشر المكلفين مع ضعفكم وقلتكم فأنتم أولى بالخشية والاشفاق وقد صرح الله تعالى بأن الكلام خرج مخرج المثل بقوله تعالى (وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) ومثله قوله تعالى (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا).

ومثله قول الشاعر

أما وجلال الله لو تذكرينني
كذكراك ما نهنهت للعين مدمعا
فقالت بلى والله ذكرا لو انه
تضمنه صم الصفا لتصدعا

ومثله

فلو أن مابي بالحصى فلق الحصى
وبالريح لم يسمع لهن هبوب

ومثله

وقفت علي ربع لمية ناقتي
فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه
تكلمني أحجاره وملاعبه

وهذه طريقة للعرب مشهورة في المبالغة يقولون هذا كلام يفلق الصخر ويهد الجبال ويصرع الطير ويستنزل الوعول وليس ذلك بكذب منهم بل المعنى انه لحسنه وحلاوته وبلاغته يفعل مثل هذه الامور لو تأتت ولو كانت مما يسهل ويتيسر لشئ من الاشياء لتسهلت به من أجله.

فأما الجواب الاول المحكى عن ابن قتيبة فالذي يفسده زائدا على مارده ابن الانبارى انه لو كان الامر على ما ذكره ابن قتيبة وحكاه عن الاصمعي


86

لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أغرانا بالذنوب لانه اذا أمن حافظ القرآن ومتعلمه من النار والعذاب فيها ركن المكلفون إلى تعلم القرآن والاقدام على القبائح آمنين غير خائفين وهذا لايجوز عليه صلى الله عليه وسلم والمعني في قول أبي امامة ان الله عزوجل لايعذب قلبا وعي القرآن على نحوماذكره ابن الانباري.

فأما جواب ابن قتيبة الثاني فمن أين له ان ذلك مختص بزمانه صلى الله عليه وسلم وليس في اللفظ ولا غيره دلالة عليه وأقوى مايبطله انه لو كان كما ذكر لما جاز أن يخفى على جماعة المسلمين الذين رووا جميع معجزاته وضبطوها وفي وجداننا من روى ذلك وجمعه وعنى به غيرعارف بهذه الدلالة آية إبطال ما توهمه.

فأما جوابه الثالث فباطل لان القرآن في الحقيقة ليس يحل الجلد ولا يكون فيه حتى ينسب الاحتراق إلى الجلد دونه واذا كان الامر على هذا لم يكن في قوله ان الاهاب هو المحترق دون القرآن فائدة لان هذه سبيل كل كلام كتب في اهاب أو غيره اذا احترق الاهاب لم يضف الاحتراق إلى الكلام لاستحالة هذه الصفة عليه.

ومن اعجب الامور قول ابن الانبارى وهذا يوجب أن القرآن غير المكتوب لان كلام ابن قتيبة ليس يوجب ما ظنه بل يوجب ضده من ان لفظ المكتوب هو القرآن ولهذا علق الاحتراق بالكتابة والجلد دون المكتوب الذي هو القرآن فاذا كان المكتوب في المصحف هو القرآن على مااقترح ابن الانباري فما المانع من قول ابن قتيبة ان الجلد يحترق دونه لان أحدا لا يقول ان الجلد هو القرآن وانما يقول قوم انه مكتوب فيه واذا كان غيره لم يمتنع اضافة الاحتراق إلى أحدهما دون الاخر وهذا كله تخليط من الرجلين لان القرآن غير حال في الجلد على الحقيقة وليست الكتابة عين المكتوب وانما الكتابة امارة للحروف فأما أن تكون هى الكلام على الحقيقة أو يوجد معها الكلام مكتوبا فيحال.

فأما استشهاده على ذلك بالآية وبقوله لاتسافروا بالقرآن فذلك تجوز وتوسع وليس يجب أن يجعل اطلاق الالفاظ المحتملة دليلا على اثبات الاحكام والمعاني ومعترضة على أدلة العقول وقد تجوز القوم بأكثر من هذا فقالوا في هذا الكتاب شعر امرئ القيس وعلم الشافعي وفقه فلان فلم يقتض ذلك أن يكون العلم والكلام على الحقيقة موجودين في الدفتر وقد بين الكلام في هذا


87

الباب في مواضع هى أولى به.

فأما جواب ابن الانباري الذي ارتضاه لنفسه فلا طائل أيضا فيه لانه لا مزية للقرآن فيما ذكره على كلام وشعر في العالم لانا نعلم ان الشعر والكلام المحفوظ في صدور الرجال اذا كتب في جلد ثم أحرق أو غسل لم يذهب ما في الصدور ومنه بل يكون ثابتا بحاله فأي مزية للقرآن في هذا على غيره وأي فضيلة. فان قال وجه المزية ان غير القرآن من الشعر وغيره يمكن أن يندرس ويبطل باحراق النار والقرآن اذا كان تعالى هو المتولى لايداعه الصدور لايتم ذلك فيه. قلنا الكل سواء لان غير القرآن انما يبطل باحتراق الاهاب المكتوب فيه متى لم يكن محفوظا مودعا للصدور ومتى كان بهذا الصفة لم يبطل باحتراق الجلد وهكذا القرآن لو لم يحفظ في الصدور لبطل بالاحتراق ولكنه لا يبطل بهذا الشرط فصار الشرط في بطلان غير القرآن وثباته كالشرط في بطلان القرآن وثباته فلا مزية على هذا الجواب للقرآن فيما خص به من ان النار لا تمسه وهذا يبين انه لا وجه غير ما ذكرناه في الخبر وهو أشبه بمذاهب العرب وأولى بتفضيل القرآن وتعظيمه.

أخبرنا أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أنشدنا أبوحاتم قال ابن دريد وأنشدنا عبدالرحمن يعني ابن أخي الاصمعي عن عمه للحسين بن مطير الاسدى وقال عبدالرحمن قال عمي لو كان شعر العرب هكذا ما اتم منشده

ألا حبذا البيت الذي أنت هاجره
وأنت بتلماح من الطرف ناظره
لانك من بيت لعيني معجب
وأملح في عيني من البيت عامره
أصد حياء أن يلم بي الهوى
وفيك المنى لولا عدو أحاذره
وفيك حبيب النفس لو تستطيعه
لمات الهوى والشوق حين تجاوره
فإن آته لم أنج إلا بظنة
وإن يأته غيري تنط بي جرائره(1)

(1) - تنط - تربط وتعلق أي تسند - والجرائر - جمع جريرة وهي الذنب. يقول ان آت هذا البيت رماني الناس بظنونهم وان أتاه غيرى أضيف الي أى قال (*)


88
وكان حبيب النفس للقلب واترا
وكيف يحب القلب من هو واتره
فإن تكن الاعداء أحموا كلامه
علينا فلن تحمى علينا مناظره
أحبك يا سلمى على غير ريبة
ولا بأس في حب تعف سرائره(1)
ويا عاذلي لولا نفاسة حبها
عليك لما باليت أنك خائره
بنفسي من لابد أني هاجره
ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره
ومن قد لحاه الناس حتى اتقاهم
ببغضي إلا ما تجن ضمائره(2)
أحبك حبا لن أعنف بعده
محبا ولكني اذا ليم عاذره
لقد مات قبلي أول الحب فانقضى
ولو مت أضحى الحب قد مات آخره(3)
كلامك يا سلمى وإن قل نافعي
ولا تحسبي أني وإن قل حاقره
ألا لا أبالي أي حي تحملوا
اذا إثمد البرقاء لم يخل حاضره(4)

الناس إنه مرسل من قبلي لمراسلة من فيه.

(1) - الريبة - الظنة والتهمة. يقول أحبك حبا لا يخالطه سوء ولا يظن فيه شر. وقوله - ولا بأس في حب تعف سرائره - أى تعف سرائر صاحبه فاضاف السرائر للحب توسيعا وانما هي للمحب ومثله في القرآن الكريم عيشة راضية أى راض صاحبها

(2) - لحاه - لامه واللاحي اللائم في الشئ المعنف عليه. وقوله - الا ماتجن ضمائره - يريد به أنه يظهر للناس كراهتي وبغضي لكف ألسنتهم عنه وليس في قلبه الا محبتي

(3) يريد أن محبته لها ذهبت بسيرة من تقدمه من المحبين وانه لن يأتى بعده من يذكر بالمحبة وان حبه لن يضارعه حب من تقدمه ومن يأتى بعده

(4) - تحملوا - يروى بدله تفرقوا - والبرقاء - اسم موضع في بادية الجزيرة. يقول انه لا يبالى رحيل من رحل من الناس اذا كان هذا الموضع عامر بأهله لم يرحلوا (*)


89

وأنشد ابن الاعرابي لابن مطير

لعمرك بالبيت الذي لا نطوره
أحب إلينا من بلاد نطورها(1)
تقلبت في الاخوان حتى عرفتهم
ولا يعرف الاخوان إلا خبيرها
فلا أصرم الخلان حتى يصارموا
وحتى يسيروا سيرة لا أسيرها
فإنك بعد الشر ما أنت واجد
خليلا مديما سيرة لا يديرها

معني - يديرها - يقلبها مرة ههنا ومرة ههنا

وإنك في عين الاخلاء عالم
بأن الذي يخفي عليك ضميرها
فلا تك مغرورا بمسحة صاحب
من الود لاتدري علام مصيرها
وما الجود عن فقر الرجال ولا الغني
ولكنه خيم الرجال وخيرها
وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيها
فقيرا ويغني بعد بؤس فقيرها
وكائن ترى من حال دنيا تغيرت
وحال صفا بعد اكدرار غديرها
ومن طامع في حاجة لن ينالها
ومن يائس منها أتاه يسيرها

لانهم هم الذين يحبهم ويشفق من رحيلهم. وفى بعض كتب الادب بعد هذه الابيات

وبالبرق أطلال كأن رسومها
قراطيس خط الحبر فيهن ساطره
أبت سرحة الاثماد الا ملاحة
وطيبا اذا مانبتها اهتز ناضره

(1) - لطوره - نحوم حوله. يقول ان البيت الذى نتجنبه ونتحاماه خوف الوشاة أحب الينا من البلاد التى نأتيها اذا لم يكن من نهوى فيها. ومثل هذا قول الاحوص

يابيت عاتكة الذى اتعزل
حذر العدا وبه الفؤاد موكل
انى لامنحك الصدود وإننى
قسما اليك مع الصدود لاميل

(*)(12 - أمالى نى)


90
ومن يتبع ما يعجب النفس لم يزل
مطيعا لها في فعل شئ يضيرها
فنفسك أكرم عن امور كثيرة
فمالك نفس بعدها تستعيرها(1)

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه ولى في معني قول ابن مطير - وقد تغدر الدنيا - والبيت الذي بعده من جملة قصيدة

وكيف آنس بالدنيا ولست أرى
إلا امرأ قد تعرى من عواريها
نصبو اليها بآمال مخيبة
كأننا ما نرى عقبى أمانيها
في وحشة الدار ممن كان يسكنها
كل اعتبار لمن قد ظل يأويها
لا تكذبن فما قلبي لها وطنا
وقد رأيت طلولا من مغانيها

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال أنشدنا علي بن سليمان الاخفش قال أنشدنا أحمد ابن يحيى ثعلب للحسين بن مطير

لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى
علي كبدي نارا بطيئا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتصرمت
ولكن شوقا كل يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي
اذا قدمت أحزانها وعهودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشا
عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
بمرتجة الارداف هيف خصورها
عذاب ثناياها عجاف قيودها(2)

(1) - يقول ان النفس لا تميل بطبعها الا إلى الشرور فمن اطاع نفسه وانالها مشتهاها وقع في شرور كثيرة وقادته إلى ما يضره

(2) - مرتجة الارداف - يريدان أردافها ضحمة فهي اذا تحركت اضطربت اردافها - وهيف - جمع هيفاء وهي الدقيقة الخصر الضامرة البطن - وعجاف - جمع عجفاء وهي النحيفة وهذا الجمع شاذ فان افعل وفعلاء لا يجمع على فعال الا انهم بنوه على سمان (*)


91

يعني انها عجاف اللثات وأصول الاسنان وهى قيودها.

قال أبوالعباس ثعلب عجاف بالخفض لحن لانه ليس من صفة النساء وسبيله أن يكون نصبا لانه حال من الثنايا

مخصرة الاوساط زانت عهودها
بأحسن مما زينتها عقودها
وصفر تراقيها وحمر أكفها
وسود نواصيها وبيض خدودها

وصف التراقى بالصفرة من الطيب

وحمرة أكفها من الخضاب يمنيننا حتى ترف قلوبنا
رفيف الخزامي بات طل يجودها

أخذ قوله مخصرة الاوساط البيت من قول مالك بن أسماء بن خارجة

وتزيدين طيب الطيب طيبا
إن تمسيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه
كان للدر حسن وجهك زينا

وروى أبوتمام الطائي في الحماسة بعض الابيات الذي ذكرناها للحسين بن مطير وروى له أيضا ويشبه أن يكون الجميع من قصيدة واحدة

وكنت اذود العين أن ترد البكا
فقد وردت ما كنت عنه أذودها
هل الله عاف عن ذنوب تسلفت
أم الله إن لم يعف عنها معيدها

وأنشد أبومحكم لابن مطير

قضى الله يا أسماء أن لست بارحا
أحبك حتى يغمض العين مغمض
وحبك بلوى غير أن لا يسرني
وإن كان بلوى أنني لك مبغض
اذا أنا رضت النفس في حب غيرها
أتي حبها من دونها يتعرض
فيا ليتني أقرضت جلدا صبابتي
وأقرضني صبر على الشوق مقرض

لانهم قد يبنون الشئ على ضده كقولهم عدوة بالهاء لمكان صديقة وعجاف لا مانع من جعله صفة للمرأة وان انكره ثعلب (*)


92

ويشبه أن يكون أخذ قوله اذا أنا رضت النفس في حب غيرها من قول رجل من فزارة

وأعرض حتي يحسب الناس أنما
بي الهجر لا والله ما بي لك الهجر
ولكن أروض النفس أنظر هل لها
اذا فارقت يوما أحبتها صبر

أو من قول نصيب

وإني لاستحيى كثيرا وأتقي
عدونا وأستبقي المودة بالهجر
وأنذر بالهجران نفسي أروضها
ليعلم عند الهجر هل لي من صبر

ويشبه أن يكون أخذ قوله فياليتني أقرضت جلدا صبابتي البيت من قول بعض العرب

رمى قلبه البرق الملالى رمية
بجنب الحمى وهنا فكاد يهيم
فهل من معين طرف عين خلية
فإنسان عين العامري كليم(1)

وللحسين في هذا المعنى ما رواه المبرد

ولى كبد مقروحة من يبيعني
بها كبدا ليست بذات قروح
أبى الناس ويب الناس لا يشترونها
ومن يشتري ذاعلة بصحيح

وأخذ العباس بن الاحنف هذا المعنى فقال

من ذا يعيرك عينه تبكى بها
أرأيت عينا للبكاء تعار

وأخبرنا المرزباني قال حدثنا أبوعبدالله الحكيمي قال حدثني يموت بن المزرع قال حدثنا محمد بن حميد قال كنا عند الاصمعي فأنشده رجل أبيات دعبل

أين الشباب وأية سلكا
لا أين يطلب طل بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى

(1) - يقول انه يريد عينا غير عاشقة لينظر بها إلى ديار أحبته فان طرفه مجروح مقيم من العشق لا يستطيع أن ينظر به (*)


93
أسلم ما بالشيب منقصة
لا سوقة تبقي ولا ملكا

قصر الغواية عن هوى قمر
وجد السبيل اليك مشتركا
يا ليت شعرى كيف يومكما
يا صاحبي اذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحدا
قلبي وطرفي في دمي اشتركا

قال فاستحسنها كل من في المجلس وأكثر التعجب من قوله - ضحك المشيب برأسه فبكى - فقال الاصمعي انما أخذ قوله هذا من ابن مطير في قوله

أين أهل القباب بالدهناء
أين جيراننا على الاحساء
جاورونا والارض ملبسة
نور الاقاحى تجاد بالانواء(1)
كل يوم بأقحوان جديد
تضحك الارض من بكاء السماء

وقد أخذه أيضا مسلم صريع الغوانى في قوله

مستعبر يبكى علي دمنة
ورأسه يضحك في الشيب

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه ولابي الحجناء نصيب الاصغر مثل هذا المعني وهو قوله

فبكى الغمام به فأصبح روضه
جذلان يضحك بالحميم ويزهر

ولابن المعتز مثله

ألحت عليه كل طحياء ديمة
اذا ما بكت أجفانها ضحك الزهر

ولابن دريد مثله

تبسم المزن وانهلت مدامعه
فأضحك الروض جفن الضاحك الباكي

(1) - الدهناء - أرض من منازل تميم بنجد متسعة اذا أخصبت ربعت العرب جميعا لسعتها - والاحساء - ماء لغنى ويروى البيت الاول

أين جيراننا على الاحساء
أين جيراننا على الاطواء (*)

94
وغازل الشمس نور ظل يلحظها
بعين مستعبر بالدمع ضحاك

وروى عن أبي العباس المبرد انه قال أخذ ابن مطير قوله تضحك الارض من بكاء السماء من قول دكين الزاجر

جن النبات في ذراها وزكا
وضحك المزن به حتى بكى

(مجلس آخر 33)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب).

الجواب قلنا قد ذكر وجهان مطابقان للحق أحدهما أن يكون الراسخون في العلم معطوف على اسم الله تعالى فكأنه قال وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم وانهم مع علمهم به يقولون آمنا به فوقع قوله يقوقون آمنا به في موقع الحال والمعنى أنهم يعلمونه قائلين آمنا به كل من عند ربنا وهذا في غاية المدح لهم لانهم اذا علموا ذلك بقلوبهم وأظهروا التصديق به على ألسنتهم فقد تكاملت مدحتهم ووصفهم بأداء الواجب عليهم.

والحجة لمن ذهب إلى ما بيناه والرد على ن استبعد عطفه على الاول وتقديره أن يكون قوله يقولون آمنا بالله على هذا التأويل لا ابتداء له مثل قوله (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) إلى قوله (شديد العقاب) فذكر ملة ثم تلاها بالتفصيل وتسمية من يستحق هذ الفئ فقال (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا) إلى قوله الصادقون وقال فما الذين تبوء‌وا الدار والايمان فهم الانصار يحبون من هاجر اليهم ويؤثرون على أنفسهم وقال فيمن جاء بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان فهذه الآيات تدل على أنه لاينكر في آية الراسخون في العلم أن يكون قوله يقولون آمنا به حالا مع العلم بتأويل


95

المتشابه فلو أشكل شئ من ذلك لما أشكل قوله والذين هاجروا من بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولاخواننا في انه موافق لقوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به فأن الصورتين واحدة.

ومما يستشهد به على ذلك من الشعر قول يزيد بن مفرغ في عبد له كان يسمي بردا باعه(1) ثم ندم عليه

(1) قلت كان من حديث يزيد في بيعه غلامه بردا انه كان صحب زياد بن أبى سفيان فلم يحمده وأتى ابنه عبادا فرأى منه ما يكره وكان عباد طويل اللحية عريضها فركب ذات يوم وابن مفرغ معه في موكبه فهبت ريح فنفشت لحيته فقال ابن مفرغ

ألا ليت اللحي كانت حشيشا
فترعاها خيول المسلمينا

فبلغ ذلك عبادا فحقد عليه وجفاه فقال ابن مفرغ

ان تركى ندى سعيد بن عثما
ن فتى الجود ناصري وعديدي
واتباعي اخا الرضاعة واللؤ
م لنقص وفوت شأو بعيد
قلت والليل مطبق بعراه
ليتنى مت قبل ترك سعيد

يريد سعيد بن عثمان بن عفان فانه استصحب يزيدا هذا حين ولى خراسان فلم يصحبه وعدل عنه إلى زياد فلما قال ذلك أخذه عبيدالله بن زياد فحبسه وعذبه وسقاء الزبد في النبيذ وحمله على بعير وقرن به خنزيرة وأمشاه بطنه مشيا شديدا فكان يسيل ما يخرج منه على الخنزيرة فتصى فكلما صاء‌ت قال ابن مفرغ

ضجت سمية لما مسها القرن
لا تجزعي إن شر الشيمة الجزع

وسمية أم زياد.

ثم ان عبيدالله بن زياد دس اليه قوما يقتضونه ويستعدون عليه فأمر ببيع ما وجد له في اعطاء غرمائه فكان فيما بيع له غلام يقال له برد يعدل عنده ولده وجارية يقال لها الاراكة فقال في برد الابيات التى ذكرها صاحب الكتاب وقال في الاراكة وفيه

يابرد ما مسنا دهر أضربنا
من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أما الاراك فكانت من محارمنا
عيشا لذيذا وكانت جنة رغدا
لولا الدعى ولولا ما تعرض لى
من الحوادث ما فارقتها أبدا (*)

96
وشريت بردا ليتني
من بعد برد كنت هامه
أو بومة تدعو صدى
بين المشقر فاليمامه
الريح تبكى شجوه
والبرق يلمع في الغمامه

فعطف البرق على الريح ثم أتبعه بقوله يلمع فكأنه قال والبرق أيضا يبكيه لامعا في غمامه أي في حال لمعانه ولو لم يكن البرق معطوفا على الريح في البكاء لم يكن لكلام معني ولا فائدة.

ويمكن أيضا على هذا الوجه مع عطف الراسخين على ما تقدم واثبات العلم بالمتشابه لهم ان قوله يكون يقولون آمنا به استئناف جملة استغنى فيها عن حرف العطف كما استغنى في قوله يقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ونحو ذلك مما للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الاولى فيستغنى به عن حرف العطف ولو عطف بحرف العطف كان حسنا ينزل الملتبس منزلة غير الملتبس.

والوجه الثاني في الآية أن يكون قوله والراسخون في العلم مستأنفا غير معطوف على ما تقدم ثم أخبر عنهم بانهم يقولون آمنا ويكون المراد بالتأويل على هذا الجواب المتأول لانه قد يسمى تأولا قال تعالى (هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله) المراد بذلك لا محالة المتأول والمتأول الذي لا تعلمه العلماء وان كان تعالى عالما به كنحو وقت قيام الساعة ومقادير الثواب والعقاب وصفة الحساب وتعيين الصغائر إلى غير ذلك فكأنه قال وما يعلم تأويل جمعه على المعنى الذي ذكرناه إلا الله والعلماء يقولون آمنا به وقد اختار أبوعلى الجبائى هذا الوجه وقواه وضعف الاول بان قال قول الراسخين في العلم آمنا به كل من عند ربنا دلالة على استسلامهم لانهم لا يعرفون تأويل المتشابه كما يعرفون تأويل المحكم ولان ما ذكره من وقت القيامة ومن التمييز بين الصغائر والكبائر هو من تأويل القرآن اذ كان داخلا في خبر الله والراسخون في العلم لا يعلمون ذلك.

وليس الذي ذكره بشئ لانه لا يمتنع أن يقول العلماء مع علمهم بالمتشابه آمنا به على الوجه الذي قدمنا ذكره فكيف يظن انهم لا يقولون ذلك إلا مع فقد العلم به وما المنكر من أن يظهر الانسان بلسانه الايمان بما يعلمه ويتحققه فأما قوله ولان ما ذكرناه من تأويل القرآن فذلك انما يكون تأويلا للقرأن اذا حملت هذا اللفظة على المتأول


97

لا على الفائدة والمعنى وأما اذا حملت على انه وما يعلم معنى المتشابه وفائدته إلا الله فلابد من دخول العلماء فيه وليس يمكنه أن يقول ان حمل التأويل على المتأول أظهر من حمله على المعنى والفائدة لان الامر بالعكس من ذلك بل حمله على المعنى أظهر وأكثر في الاستعمال وأشبه بالحقيقة على أنه لو قيل ان الجواب الاول أقوى من الثاني لكان أولى من قوله من قبل انه لو كان المراد بالتأويل المتأول لا الفائدة والمعنى لم يكن لتخصيص المتشابه بذلك دون المحكم معنى لان في متأول المحكم كاخباره عن الثواب والعقاب والحساب مما لا شبهة في كونه محكما مالا يعرف تفصيله وكنهه الا الله تعالى فأى معنى لتخصيص المتشابه والكلام يقتضى توجهه نحو المتشابه ألا ترى إلى قوله (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) فخص المتشابه بالذكر والاولى أيضا أن يكون المراد بلفظة تأويله الثانية هو المراد بلفظة تأويله الاولى وقد علمنا ان الذين في قلوبهم زيغ انما اتبعوا تأويله على خلاف معناه ولم يطلبوا لتأويله الذى هي متأوله والوجه الاول أقوى وأرجح.

ويمكن في الآية وجه ثالث لم نجدهم ذكروه على أن يكون قوله والراسخون في العلم مستأنفا غير معطوف ويكون المعنى وما يعلم تأويل المتشابه بعينه وعلى سبيل التفصيل الا الله وهذا صحيح لان أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق الموافقة لادلة العقول فيذكر المتأول جميعا ولا يقطع على مراد الله منها بعينه لان الذى يلزم مثل ذلك أن يعلم في الجملة أن لا يرد من المعني ما يخالف الادلة وان قد أراد بعض الوجوه المذكورة المتساوية في الجواز والموافقة للحق وليس في تكليفنا أن نعلم المراد بعينه وهذا مثل الضلال والهدى الذين تبين احتمالهما لوجوه كثيرة منها ما يخالف الحق فنقطع على أنه تعالى لم يرده ومنها وجوه تطابق الحق فنعلم في الجملة انه قد أراد أحدها ولا نعلم المراد منها بعينه وغير هذا من الآى المتشابه فان أكثرها يحتمل وجوها والقليل منها يختص بوجه واحد صحيح ولا يحتمل سواه ويكون قوله تعالى من بعد والراسخون في العلم يقولون آمنا به أى صدقنا بما نعلمه مجملا ومفصلا من المحكم والمتشابه وان الكل من عند ربنا وهذا وجه واضح.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال أخبرنا محمد بن أبى الازهر قال(13 - أمالى نى)


98

أنشدنا محمد بن يزيد لابى حية النميرى وهى أبيات مختارة

وخبرك الواشون أن لا أحبكم
بلى وستور الله ذات المحارم
أصد وما الصد الذي تعرفينه
عزاء بنا إلا اجتراع العلاقم
حياء وبغيا أن تشيع نميمة
بنا وبكم أف لاهل النمائم
وإن دما لو تعلمين جنيته
على الحي جاني مثله غير سالم
أما إنه لو كان غيرك أرفلت
صعاد القنا بالراعفات اللهاذم
ولكنه والله ماطل مسلما
كبيض الثنايا واضحات الملاغم

قال ثعلب - الملاغم - ماحول الفم. وقال المبرد واضحات الملاغم يريد العوارض. وقوله - ما طل مسلما - أي أبطل دمه

اذا هن ساقطن الحديث حسبته
سقوط حصى المرجان من سلك ناظم

ويروي ساقطن الاحاديث للفتى. ويروي أيضا ساقطن الحديث كأنه

رمين فأقصدن القلوب فلا ترى
دما مائرا إلا جوى في الحيازم

[ قال سيدنا رضى الله عنه ]. ومن مستحسن ما مضى في هذه القصيدة قوله

كأن لم ابرح بالعيون وأقتتل
بتفتير أبصار الصحاح السقائم(1)
ولم أله بالحدث الالف الذي له
غدائر لم يحرمن فار اللطائم(2)

(1) - أبرح - من برح به الامر اذا لقى منه شدة والبرح الشدة - وتفتير - من الفتور وهو انكسار العين - والسقائم - جمع سقيمة وهي المريضة ولم يرد انها سقيمة من مرض وانما أراد ان بها من الضعف والفتور ما بالمريض وان لم تكن مريضة

(2) - الحدث - الصغير السن - والالف - العظيم الفخذين - والغدائر - جمع غديرة وهي الخصلة من الشعر - والفار - جمع فأرة يريد فأرة المسك - واللطائم - جمع لطيمة وهي المسك (*)


99
اذا اللهو يطبيني وإذ أستميله
بمحلولك الفودين وحف المقادم(1)
وإذ أنا منقاد لكل مقود
إلى اللهو حلاف البطالات آثم

وروي أبن حبيب مفود ومعنى - حلاف البطالات - أى حلاف في البطالات

مهين المطايا متلف غير أنني
على هلك ما أتلفته غير نادم
أرى خير يومي الخسيس وإن علا
بي اللوم لم أحفل ملامة لائم

- خير يومي الخسيس - أي أحب يومي إلى الذي هو أخس عند أهل الرأي والعقل. وأنشد أبو اسحاق ابراهيم بن سيف بن الزيادي لابي حية واسمه هيثم(2) بن الربيع

ترحل بالشباب الشيب عنا
فليت الشيب كان به الرحيل
وقد كان الشباب لنا خليلا
فقد قضى مآربه الخليل
لعمر أبي الشباب لقد تولى
حميدا ما يراد به بديل

(1) - يطبينى - يستميلنى - والمحلولك - الحالك اللون أى الذى لونه أسود - والفودان - تثنية فود وهو معظم شعر الرأس مما يلى الاذن وناحية الرأس - والوحف - الشعر الكثير الاسود - والمقادم - جمع قادمة وهو الناصية

(2) قلت ذكره بعض الادباء فقال كان أبوحية يروي عن الفرزدق وكان كذابا قال يوما رميت ظبية فلما خرج السهم ذكرت بالظبية حبيبة لى فشددت خلف السهم حتى أخذت بقذذه. وكان جبانا قال جار له اطلعت عليه يوما وبيده سيف له قد انتضاه يسمى لعاب المنية ليس بينه وبين الخشب فرق وهو واقف على باب داره يقول إيها أيها المغتر بنا والمجترئ علينا بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل وسيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به ضربته لا تخاف نبوتها أخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك اني والله ان أدع قيما تملا الارض خيلا ورجلا يا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها ثم فتح الباب فاذا كلب قد خرج فقال الحمد لله الذى مسخك كلبا وكفانا حربا (*)


100
إذا الايام مقبلة علينا
وظل أراكة الدنيا ظليل

وأنشد المبرد قال أنشدنا أبوعثمان المازني لابي حية

زمان الصبا ليت أيامنا
رجعن لنا الصالحات القصارا
زمان على غراب غداف
فطيره الدهر عني فطارا
فلا يبعد الله ذاك الغراب
وإن هو لم يبق إلا ادكارا
كأن الشباب ولذاته
وريق الصبا كان ثوبا معارا
وهازئة أن رأت لمتى
تلفع شيب بها فاستدارا
وقلدني منه بعد الخطام
عذارا فما أستطيع اعتذارا
أجارتنا إن ريب الزمان
قبلي نال الرجال الخيارا
فإما ترى لمتي هكذا
فأسرعت فيها لشيبي النفارا
فقد ارتدى وحفة طلة
وقد أبرز والفتيات الخفارا

أما قوله - على غراب غداف - فأراد به الشباب والشعر الاسود.

ويشبه أن يكون مأخوذا من قول الاعشى

وما طلابك شيئا لست تدركه
إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا
ولابي حية من قصيدة أولها
ألا يا اسلمي أطلال خنساء وانعمي *
وخنساء مخماص الوشاحين مشيها
إلى الدوح أتقار خطى المتجشم(1)

(1) قوله - مخماص الوشاحين - أي هيفاء والوشاح تثنية وشاح وهو أديم عريض ترصعه المرأة بالجواهر فتشده بين عاتقيها وكشحيها فاذا قالوا مخماص الوشاح أو غرثى الوشاح أرادوا أنها (*)


101
ألما بسلمي قبل أن ترمي النوى
بنافذة نبض الفؤاد المتيم
يقف عاشقا لم يبق من روح نفسه
ولا عقله المسلوب غير التوهم
فقلن لها سرا فديناك لا يرح
صحيحا فإن لم تقتليه فألممي
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت
بأحسن موصولين كف ومعصم

وهذا البيت الاخير مأخوذ من قول النابغة

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتناولته واتقتنا باليد(1)

ولقوله - وقلن لها سرا فديناك لا يرح - خبر وهو ما أخبرنا به أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الباقطاني قال أتصل بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر على بن العباس الرومي وكثرة مجالسته لابى الحسين القاسم ابنه وسمع شيئا من أهاجيه فقال لابي الحسين قد أحببت ان أرى ابن روميك هذا فدخل يوما عبيدالله إلى أبي الحسين وابن الرومي عنده فاستنشده من شعره فأنشده وخاطبه فرآه مضطرب العقل جاهلا فقال لابي الحسين بينه وبينه ان لسان هذا أطول من عقله ومن هذه صورته لا تؤمن عقاربه عند أول عتب ولا يفكر في عاقبة فأخرجه عنك فقال أخاف حينئذ أن يعلن ما يكتمه في دولتنا ويذيعه في تمكننا فقال يا بني إنى لم أرد باخراجك له طرده فاستعمل فيه بيت أبي حية النميري

هيفاء محل الوشاح - وأقتار - من أقتر في النفقة اذا ضيق فيها - والمتجشم - المتكلف للشئ.

يقول انها تمشي مشى إدلال كما يمشى من لا يستطيع المشى.

(1) - النصيف - المئزر - واتقتنا باليد - أى حالت بيننا وبين النظر اليها بوضعها معصمها على وجهها يصف بذلك المتجردة امرأة النعمان بن المنذر وكان النابغة يجلس إلى النعمان وينادمه فدخلت المتجردة يوما على النعمان وعنده النابغة وهى لا تعلم بمكانه فلما وقع بصرها عليه اضطربت واستحيت وسقط مئزرها فتناولته بيدها وسترت وجهها باليد الاخرى ويقال انها وضعت معصمها على وجهها فستره فلم يستبن منه شئ (*)


102
فقلنا لها سرا فديناك لا يرح
سليما وإن لم تقتليه فألممي

فحدث القاسم ابن فراس بما جرى وكان أعدى الناس لابن الرومي وقد هجاه بأهاج قبيحة فقال له الوزير أعزه الله أشار بأن يغتال حتى يستراح منه وأنا أكفيك ذلك فسمه في الخشكنانج فمات. قال الباقطاني والناس يقولون ما قتله ابن فراس وانما قتله عبيدالله. قال ابن الرومى لما رجع إلى داره وقد دب السم في أعضائه شعرا

أشرب الماء إذا ما تلتهب
نار أحشائي لاطفاء اللهب
فأراه زائدا في حرقتى
فكان الماء للنار حطب

وذكر محمد بن يزيد المبرد قال مما يفضل لتخلصه من التكليف وسلامته من التزيد وبعده من الاستعانة قول أبي حية

رمتنى وستر الله بيني وبينها
عشية آرام الكناس رميم
ألارب يوم لو رمتني رميتها
ولكن عهدي بالنضال قديم

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وقد روي هذان البيتان لنصيب ففي غير رواية المبرد قال المبرد يقول رمتني وأصابتني بمحاسنها ولو كنت شابا لرميت كما رمت وفتنت كما فتنت ولكن عهدي قد تطاول بالشباب وهذا كلام واضح. وأما الاستعانة فهي أن يدخل في الكلام مالا حاجة بالمستمع اليه ليصحح وزنا أو نظاما.

قال ومما يختار من قول أبي حية أيضا

ألا حي من أجل الحبيب المغانيا
لبسن البلى مما لبسن اللياليا(1)
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة
تقاضاه شئ لا يمل التقاضيا

(1) قوله - من أجل الحبيب - روى بدله من بعد الحبيب - والمغانى - جمع مغنى وهو المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا عنه وقوله - لبسن البلى - يريد ان طول العهد واختلاف العصرين عليها أخلق جدتها وطمس رسومها (*)


103

ويقال إن أحسن ما وصف به المسواك قول أبي حية

لقد طالما عنيت راحلة الصبا
وعللت شيطان الغوى المشوق
وداويت قرح القلب منهن بالمنى
وباللحظ لو يبذلنه المتسرق
وساقينني كأس الهوى وسقيتها
رقاق الثنايا عذبة المتريق
وخمصانة تفتر عن متنضد
كنور الاقاحي طيب المتذوق

ويروي عن متنسق يعني ثغرا على نسق واحد لا اختلاف فيه

إذا مضغت بعد امتتاع من الضحى
أنا بيب من عود الاراك المخلق
سقت شعث المسواك ماء غمامة
فضيضا بخرطوم المدام المروق

- الامتتاع - الارتفاع يقال متع النهار وأمتع إذا طال - والمخلق - الذي علق به الخلوق والطيب من يدها. وقال بعضهم عني بالمخلق المملس - والفضيض - الذي سال من الغمامة أي كما - فض والخرطوم - سلاف الخمر وهو أول ما يخرج من غير عصر ولا دوس

وإن ذقت فاها بعد ما سقط الندى
بعطفي بخنداة رداح المنطق

- البخندة - الضخمة - والرداح - العظيمة الارداف

شممت العرار الطل غب هميمة
ونور الخزامي في الندى المترقرق

- العرار - بهار البر - والطل - الغض الطري - والهميمة - مطر لين.

وأخبرنا المرزباني قال حدثني علي بن هارون بن علي قال سمعت أبي وقد ذكر قول أبي حية

نظرت كأني من وراء زجاجة
إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
بعينين طورا يغرقان من البكا
فأعشى وطورا يحسران فأبصر

فقال لو اعترضني ملك تجب طاعته ويلزم الانقياد لامره فقال أي شعر أجود وأولى بان يستحسن ولم يفسح لي في أن أميز المدح من الفخر والهجاء من التشبيب وسائر أصناف الشعر ومذاهب الشعراء فيه لما عدلت عن هذين البيتين. ويقال إن أبا أحمد عبيد


104

الله بن عبدالله بن طاهر أجاز بيتي أبي حية هذين بقوله

فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي
ولا دمعتي من مكمد الوجد تقطر

ولابي حية

من المبكيات الجلد حتى كأنما
يسح بعينيه الدموع شعيب

- الشعيب - مزادة من أدمين شعب أحدهما بالآخر

ليالي أهلانا جميعا وحولنا
سوائم منها رائح وغريب
وإذ يتجنين الذنوب ومالنا
إليهن لولا ودهن ذنوب

ولابي حية

أصد عن البيت الحبيب وإنني
لاصغى إلى البيت الذي أتجنب
أزور بيوتا غيره ولاهله
علي ما عدا عنهم أعز وأقرب
وقطع أسباب المودة معشر
غضابي وهل في أحسن القول مغضب
وأن لاثنى يا أم عمرو نميمة
يدب بها بيني وبينك عقرب
وما بيننا لو أنه كان عالما
بذلك الالي يولون ما يترتب
حديث إذا لم يخش عيبا كأنه
إذا ساقطته الشهد بل هو أطيب
لو أنك تستشفي به بعد سكرة
من الموت كادت سكرة الموت تذهب
وقلت لها ما تأمرين فإنني
أرى البين أدنى روعة يترقب

قال محمد بن يحيى الصولي ولا أحسبه في قوله لو انك تستشفي به بعد سكرة إلا تبع قوله توبة بن الحمير

ولو أن ليلى الاخيلية سلمت
علي ودوني جندل وصفائح
لسمت تسليم البشاشة أو زقى
اليها صدى من جانب القبر صائح

105

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وأول من سبق إلى هذا المعنى فأحسن الاعشى في قوله

عهدي بها في الحي قد درعت
صفراء مثل المهرة الضامر
لو أسندت ميتا إلى نحرها
عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا
واعجبا للميت الناشر

ومعنى - الناشر - المنشور يقال أنشر الله الميت فنشر وهو ناشر بمعنى منشور مثل ماء دافق فهو مدفوق.

وقال بعض أصحاب المعاني ان الجارية التي وصفها أيضا هي ميتة بمعنى أنها ستموت فيكون المعنى ان الناس عجبوا من أن يكون من يموت كيف ينشر الموتى ومن قال هذا أجاز نشر الله الموتى بمعنى أنشر والقول الاول أظهر وما نظن الاعشى عني غيره

(مجلس آخر 34)
(تأويل آية)

ان سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). فقال لم خص اليوم بالقول وانما أراد العفو عنهم في جميع مستقبل أوقاتهم. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه أربعة.

أولها انه لما كان هذا الوقت الذي أشار اليه هو أول أوقاته التي كشف فيها نفسه لهم وأطلعهم على ما كان يستره عنهم من أمره أشار إلى الوقت الذي لو أراد الانتقام لابتدأ به فيه والذي عفا فيه عنهم لم يراجع الانتقام.

وثانيها أن يوسف عليه السلام لما قدم توبيخهم وعدد عليهم قبيح ما فعلوه وعظيم ما ارتكبوه وهو مع ذلك يستر عنهم نفسه ولا يفصح لهم بحاله قال لهم عند تبين أمرهم (لا تثريب عليك اليوم) أي قد انقطع عنكم توبيخي ومضى عذلي ولائمتي عند اعترافكم بالذنب وكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع المعاقبة والتوبيخ وعلى أن الاوقات المتصلة باليوم تجري مجراه في زوال الغضب وتمام(14 - امالى نى)


106

العفو وسقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم.

وثالثها(1) ان ذكر اليوم المراد به الزمان والحين فوضع اليوم موضع الزمان كله المشتمل على الليالي والايام والشهور والسنين كما يقول العربي لغيره قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم وفقت لتركها ومقتها يريد في هذا الزمان ولا يريد يوما واحدا بعينه ومثله قد كنت تقصر في الجواب عن فنون العلم فاليوم ما يعجزك مسألة ولا تتوقف عن جواب بريد باليوم باقي الزمان كله.

وقال امرؤ القيس

حلت لي الخمر وكنت امرأ
عن شربها في شغل شاغل
فاليوم فاشرب غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل(2)

لم يقصد يوما بعينه.

ومثله

اليوم يرحمنا من كان يغبطنا
واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

(1) - قلت هذا هو الجواب الصحيح وايضاح ذلك ان العرب اذا أطلقت الليل فانما يريدون به سواد الليل من حين تغرب الشمس إلى طلوع الفجر الثانى واذا أطلقت اليوم فقد تريد به بياض النهار كما اذا قالوا جالست فلانا يوما وقد تريد به مطلق الوقت أى ساعة من ليل أو نهار كما قى قوله صلى الله عليه وسلم تلك أيام الهرج أى وقته وفرقان ما بين ذلك انهم اذا قرنوا به من الافعال ماله استمرار أرادوا منه بياض النهار كالمجالسة والمحادثة ونحوهما مما يستوعب وقتا طويلا واذا قرنوا به من الافعال ما ليس له استمرار بل هو من الافعال الآنية أراودا به مطلق الوقت وعلى هذا الآية وما استشهد به المصنف من الشواهد الشعرية

(2) - الواغل - الذي يدخل على القوم وهم يشربون فيشرب معهم من غير دعوة فأما الذى يأتى الولائم من غير دعوة ليأكل فيسمى وارشا والناس يسمونه طفيليا نسبة إلى طفيل وهو رجل من أهل الكوفة من بني عبدالله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير ان يدعى اليها وكان يقول وددت ان الكوفة كلها بركة مصهرجة فلا يخفى علي منها شئ (*)


107

وقال لبيد

وما الناس إلا كالديار وأهلها
بها يوم حلوها وغدوا بلاقع

كل ذلك لا يراد بذكر اليوم والغد فيه إلا جميع الاوقات المستقبلة.

ورابعها أن يكون المراد لا تثريب عليكم البتة ثم قال اليوم يغفر الله لكم فتعلق اليوم بالغفران وكان المعنى غفر الله لكم اليوم. وقد ضعف قوم هذا الجواب من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله.

فأما معنى التثريب فان أبا عبيدة قال معناه لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد.

وقال الشاعر

فعفوت عنهم عفو غير مثرب
وتركتهم لعقاب يوم سرمد

وقال أبوالعباس ثعلب يقال ثرب فلان على فلان اذا عدد عليه ذنوبه. وقال بعضهم وهو ابن مسلم التثريب مأخوذ من لفظ الثرب وهو شحم الجوف فكأنه موضوع للمبالغة في اللوم والتعنيف والتقصى إلى ابعد غاياتها (تأويل خبر).

روى أبوعبيد القاسم بن سلام عن حجاج عن حماد بن سلمة عن هشام بن حسان وحبيب بن الشهيد عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الرمازة. وقال أبوعبيد قال حجاج الزمارة الزانية وقال مثل هذا مثل حديثه الآخر انه نهى عن كسب البغي. وقال أبوعبيد وقال غير حجاج هي الرمازة بتقديم الراء قال وقول حجاج أثبت عندنا لانهم كانوا يكرهون إماء‌هم على البغاء فأنزل الله (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) قال فالعرض هو كسب البغي الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. قال أبوعبيد ولا أعلم مم أخذت الرمازة غير أني وجدتها مفسرة في الحديث. وقال ابن قتيبة الامر على ما ذكر أبوعبيد إلا ما أنكره على من زعم انها الرمازة لان الرمازة هي الفاجرة سميت بذلك لانها ترمز أي تومئ بعينيها وحاجبيها وشفتيها.قال الفراء وأكثر الرمز بالشفتين ومنه قوله تعالى (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) فالرمازة صفة من صفات الفاجرة ثم صار إسما لها أو كالاسم ولذلك قيل لها


108

هلوك لانها تتهالك على الفراش أو على الرجل ثم صار إسما لها دون غيرها من النساء وإن تهالكت على زوجها وقيل لها خرنع للينها وتثنيها ثم صار ذلك إسما لها دون غيرها من النساء وان لانت وتثنت ونحوه قولهم للبعير أعلم لشق في مشفرة الاعلى ثم صار كالاسم له وكذلك قولهم للذئب أزل للرسخ ثم صار كالاسم له والمرمزة لا تكاد تعلن بالكلام انما تومض أو ترمز أو تصفر.

قال الشاعر

رمزت إلي مخافة من بعلها
من غير أن يبدو هناك كلامها

وقال الاخطل

أحاديث سداها ابن حدراء فرقد
ورمازة مالت لمن يستميلها

وقال الراجز

يومئن بالاعين والحواجب
إيماض برق في عماء ناضب(1)

- والعماء - السحاب - والناضب - البعيد.

وقال بعضهم انما قيل للفاجرة قحبة من القحاب وهو السعال قال وأحسبه أراد أنها تتنحنح أو تسعل ترمز بذلك. قال وبلغني عن المفضل أنه كان يقول في قول الناس أجبن من صافرأنه الرجل يصفر للفاجرة فهو يخاف كل شئ. وأما الاصمعي فانه كان يقول الصافر ما يصفر من الطير وانما وصف بالجبن لانه ليس من الجوارح. وقال ابن قتيبة ولاأرى القول الا قول المفضل والدليل على ذلك قول الكميت بن زيد الاسدي

أرجو لكم أن تكونوا في إخائكم
كلبا كورهاء تقلي كل صفار(2)
لما أجابت صفيرا كان آيتها
من قابس شيط الوجعاء بالنار

(1) أنشده في اللسان في مادة زم ر يومضن بالاعين والحواجب - والمعنى واحد -

(2) - الورهاء - المرأة الحمقاء - وتقلى - تكره وتبغض - وآيتها - أي علامتها يريد ان ذلك كان علامة بينها وبين خليلها اذا جاء يريدها - والوجعاء - الاست - - وشيط - يقولون شيط فلان اللحم اذا دخنه بالنار ولم ينضجه وشيط الطاهي الرأس والكراع (*)


109

وهذه امرأه كان يصفر لها رجل فتجيبه فتمثل زوجها به وصفر لها فأتته فشيطها بميسم فلما أعاد الصفر قالت قد قلينا كل صفار تريد انا قد عففنا وأطرحنا كل فاجر.

قال أبو بكر بن القاسم لانبارى والاختيار عندى الزمارة معجمة الزاى على ما قال أبو عبيد لحجج ثلاث. احداهن اجماع أصحاب الحديث على الزمارة. والحجة الثانية أن الفاجرة سميت زمارة لانها تحسن نفسها وكلامها والزمر عند العرب الحسن.

قال عمرو بن أحمر الباهلي يصف شرابا وغناء

دنان حنانان بينهما
رجل أجش غناؤه زمر

قال الاصمعي معناه غناؤه حسن كأنه مزامير داود.

والحجة الثالثة أنهم سموا الفاجرة زمارة لمهانتها وقلة ما فيها من الخير من قولهم نعجة زمرة اذا كانت قليلة الصوف ويقال رجل زمر المروء‌ة اذا كان قليلها.

قال ابن أحمر

مطلنفئا لون الحصى لونه
يحجر عنه الذر ريش زمر

- المطلنفئ - اللصوق بالارض - والذر - النمل - والزمر - القليل.

فسمي البغي زمارة على وجه الذم لها والتصغير لشأنها كما قيل لها فاجرة لميلها عن القصد يقال فجر الرجل اذا مال.

قال لبيد

فإن تتقدم تغش منها مقدما
غليظا وإن أخرت فالكفل فاجر(1)
ي مائل - والكفل - كساء يوضع على ظهر البعير يوقى من العرق. [ قال المرتضى

اذا أشعل فيهما النار حتى يتشيط ما عليهما من الشعر والصوف ومنهم من يقول شوط

(1) قلت قال لبيد ذلك يخاطب عمه أبا مالك وكان وقع بينهما ما يوجب العتب وقبل هذا البيت

فقلت ازدجر أحناء طيرك واعلمن
بانك إن قدمت رجلك عاثر
فاصبحت أنى تأتها تلتبس بها
كلا مركبيها تحت رجليك شاجر

- ازدجر - أزجر - وأحناء طيرك - أى جوانب طيشك - والشاجر - المختلف (*)


110

رضى الله عنه ولا أرى لاحدى الروايتين على الاخرى رجحانا لان كل واحدة منهما قد أتت من جهة من يسكن إلى مثله ولكل منهما مخرج في اللغة وتأويل يرجع إلى معنى واحد لان الرمازة بالراء غير معجمة يرجع معناها على ما ذكر ابن قتيبة إلى معني الفجور ومن رواها بالزاي المعجمة فالمرجع في معناها إلى ذلك ايضا على الوجهين اللذين ذكرهما ابن الانباري فالاولي أن يثبتا متساويين ويكون الراوي مخيرا بينهما.

أخبرنا أبوعبيدالله محمد بن عمران المرزباني قال أنشدني محمد بن حمد الكاتب قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الاعرابي للمضرب وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبى سلمى

وما زلت أرجو نفع سلمى وودها
وتبعد حتى ابيض من المسائح
وحتى رأيت الشخص يزداد مثله
اليه وحتى نصف رأسي واضح
علا حاجبي الشيب حتى كأنه
ظباء جرت منها سنيح وبارح(1)

(1) يقول ان الشيب انتشر في حواجبه فكأنه الظباء البيض انتشرت في الصحراء في كل صوب - والسانح - ما ولاك ميامنه - والبارح - ما ولاك مياسره. قال ابن برى والعرب تختلف في العيافة يعنى في التيمن بالسانح والتشائم بالبارح فأهل نجد يتيمنون بالسانح قال ذو الرمة

خليلى لا لا قيتما ما حييتما
من الطير الا السانحات وأسعدا

وقال النابغة

زعم البوارح ان رحلتنا غدا
وبذاك تنعاب الغراب الاسود

وقال كثير وهو حجازى يتشاء‌م بالسانح

أقول اذا ما الطير مرت مخيفة
سوانحها تجرى ولا أستثيرها

هذا هو الاصل ثم قد يستعمل النجدى لغة الحجازي فمن ذلك قول عمرو بن قميئة وهو نجدى

فبين على طير سنيح نحوسه
واشأم طير الزاجرين سنيحها (*)

111
وهزة أظعان عليهن بهجة
طلبت وريعان الصبا بي جامح
فلما قضينا من منى كل حاجة
ومسح بالاركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الاحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطي الاباطح
وشدت على حدب المهارى رحالنا
ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
قفلنا على الخوص المراسيل وارتمت
بهن الصحاري والصفاح الصحاصح

وأنشد ابن الاعرابي

قصدت بعيني شادن وتبسمت
بحماء عن غر لهن غروب
جرى الاسحل الاحوى عليهن أو جرى
عليهن من فرع الاراك قضيب

أخبرنا أبوالحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولى قال حدثنا محمد بن الحسن البلغى قال حدثنا أبوحاتم قال سمعت الاصمعى يقول سمعت الرشيد يقول قلب العاشق عليه مع معشوقه فقلت له هذا والله يا أميرالمؤمنين قول عروة بن حزام العذرى لعفراء

وإني ليعرونى لذكراك روعة
لها بين جلدى والعظام دبيب
وما هو إلا أن أراها فجاء‌ة
فأبهت حتى لا أكاد أجيب
وأصرف عن دارى الذي كنت عارفا
ويعزب عني علمه ويغيب
ويضمر قلبي غدرها ويعينها
علي فما لي في الفؤاد نصيب

فقال الرشيد من قال هذا وهما فاني أقوله علما ولله درك يا أصمعي فاني أجد عندك ما تضل عنه العلماء. قال الصولى فأخذه العباس ابن الاحنف فقال

يهيم بحران الجزيرة قلبه
وفيها غزال فاتر الطرف ساحر
يؤازره قلبي علي وليس لي
يدان بمن قلبي علي يوازره

112

وأشار اليه أيضا في قوله

قلبى إلى ما ضرني داعى
بكثر أحزاني وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوي اذا
كان عدوي بين أضلاعي

وأخذه سهل بن هرون الكاتب فقال

أعان طرفى على جسمي وأعضائي
بنظرة وقفت جسمي على دائي
وكنت غرا بما تجني على يدي
لا علم لي أن بعضي بعض أعدائى

وقال البحتري

ولست أعجب من عصيان قلبك لي
يوما اذا كان قلبي فيك يعصيني

وروى أبوعكرمة الضبي عن مسعود بن بشر المازني قال قال لنا الاصمعي يوما ما أحسن ما قيل في صفة امرأة عجزاء خمصانة فأنشده قول الاعشى

صفر الوشاحين مل‌ء الدرع بهكنة
اذا تاتت يكاد الخصر ينخزل

وأنشد قول علقمة بن عبدة

صفر الوشاحين مل‌ء الدرع خربعة
كأنها رشأ في البيت ملزوم

وأنشد قول ذي الرمة

ترى خلفها نصفا قناة قويمة
ونصفا نقا يرتج أو يترمرم

فقال أحسن ما قيل فيه قول أبى وجزة السعدي

أدماء عيطلة يكاد رداؤها
يقوي ويشبع ما أخب إزارها

قال عكرمة ومثله قول الحارث بن خالد المخزومي

غرثان سمط وشاحها قلق
ريان من أردافها المرط

وأخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن ابراهيم قال حدثنا أبوالعيناء قال حدثني الاصمعي قال لما مات محمد بن سليمان بن على الهاشمي دخلت على أخيه جعفر بن سليمان وقد حزن


113

عليه حزنا شديدا ولم يطعم ثلاثا فأنشدته لابن اراكة الثقفي

لعمري لئن أتبعت طرفك ما مضى
من الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤن بأسره
وإن كنت تمريهن من ثبج البحر
فقلت لعبد الله إذ حن باكيا
تعز وماء العين منهمر يجري
تبين فإن كان البكا رد هالكا
على أحد فاجهد بكاك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه
علي وعباس وآل أبي بكر

قال فأمر فجئ بالطعام فأكل من ساعته. قوله - حن باكيا - معناه رفع صوته بالبكاء وقال قوم الخنين بالخاء معجمة من الانف والحنين من الصدر وهو صوت يخرج من كل واحد منهما.

وأخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوى قال سمعت الثوري يقول دخلنا مع الاصمعي إلى اسماعيل بن جعفر ليلة في حاجة فأنشده الاصمعي أبيات ابن هرمة

أتيناك نرجو حاجة ووسيلة
لديك وقد تحظى لديك الوسائل
ونذكر ودا شده الله بيننا
على الدهر لم تدبب اليه الغوائل
فاقسم ما أكبا زنادك قادح
ولا أكذبت فيك الرجاء القوابل
ولا أرجعت ذا حاجة عنك علة
ولا عاق حرا عاجلا منك آجل
ولا لام فيك الباذل الوجه نفسه
ولا احتكمت في الجود منك المباخل

لم يزد على هذه الابيات فقضى حاجته وأجاب مسألته.

[ قال المرتضى ] رضى اله عنه ويشبه أن يكون ابن هرمة أخذ قوله * ولا كذبت فيك الرجاء القوابل

من قول الحزين الكناني في زيد بن على بن الحسين عليه السلام

فلما تردى بالحمائل وانثني
يصول بأطراف القني والذوابل

(15 - أمالي نى)


114
تبينت الاعداء أن سنانه
يطيل حنين الامهات الثواكل
تبين فيه ميسم العز والتقى
وليدا يفدى بين أيدى القوابل

وأخبرنا على بن محمد الكاتب قال حدثنا محمد بن يحيى الصولى قال حدثني محمد بن الحسن البلغي قال حدثني أبوحاتم عن الاصمعي قال قال الرشيد يوما يا أصمعي أتعرف للعرب اعتذارا وندما ودع النابغة فانه يحتج ويعتذر فقلت ما أعرف ذلك إلا بشر بن أبي خازم الاسدي فانه هجا أوس بن حارثة بن لام فأسره بعد ذلك فأراد قتله فقالت له أمه وكانت ذات رأى والله لا محا هجاء‌ه لك إلا مدحه إياك فعفا عنه. فقال بشر

وإني علي ما كان مني لنادم
وإني إلى أوس بن لام لتائب
فهب لي حياتي والحياة لقائم
يسرك فيها حين ما أنت واهب
وإنى إلى أوس ليقبل توبتى
ويعرف ودى ما حييت لراغب
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق
كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب

فقال الرشيد للاصمعي ان دولتى لتحسن ببقائك فيها.

وأخبرنا على بن محمد الكاتب قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا عبدالرحمن بن أخي الاصمعي عن عمه قال سعمت بيتين لم أحفل بهما ثم قال قلت هما على كل حال خير من موضعهما من الكتاب قال فاني عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر فأقبل على مسرور الكبير فقال يا مسرور كم في بيت مال السرور فقال ما فيه شئ قال عيسى هذا بيت مال الحزن فاغتم لذلك الرشيد وأقبل على عيسى وقال والله لتعطين الاصمعى سلفا على بيت ما السرور ألف دينار فوجم عيسي وأنكر فقلت في نفسي جاء موضع البيتين وأنشدت الرشيد

اذا شئت أن تلقى أخاك معبسا
وجداه في الماضين كعب وحاتم
فكشفه عما في يديه فإنما
يكشف أخبار الرجال الدراهم

قال فتجلى عن الرشيد وقال لمسرور أعطه على بيت مال السرور ألفي دينار فأخذت


115

بالبيتين ألفي دينار وما كانا يساويان عندي درهمين

(مجلس آخر 35)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى (خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون). الجواب قيل له قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها ونرجح الارجح منها.

أولها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة وانه شديد الاستعجال لما يؤثره من الامور لهج باستدناء ما يجلب اليه نفعا أو يدفع عنه ضررا ولهم عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم ما خلقت إلا من نوم وما خلق فلان إلا من شر أرادوا كثرة وقوع الشر منه وربما قالوا ما أنت إلا أكل وشرب وما أشبه ذلك.

قالت الخنساء تصف بقرة

ترتع ما غفلت حتى اذا ادكرت
فإنما هي إقبال وإدبار

وانما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الاقبال والادبار منها ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى في موضع آخر (وكان الانسان عجولا) ويطابقه أيضا قوله تعالى (فلا تستعجلون) لانه وصفهم بكثرة العجلة وان من شأنهم فعلها توبيخا لهم وتقريعا ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال وقادرين على التثبت والتأيد.

وثانيها ما أجاب به أبوعبيدة وقطرب بن المستنير وغيرهما من ان في الكلام قلبا والمعني خلق العجل من الانسان واستشهد على ذلك بقوله تعالى (وقد بلغني الكبر) أي قد بلغت الكبر وبقوله تعالى (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة) والمعني ان العصبة تنوء بها وتقول العرب عرضت الناقة على الحوض وانما هو عرضت الحوض على الناقة وقولهم اذا طلعت الشعرى استوى العود على الحرباء يريدون استوى الحرباء على العود وبقول الاعشى

لمحقوقة أن تستجيبي لصوته
وأن تعلمي أن المعان موفق

116

يريد أن الموفق لمعان.

وبقول الآخر

على العباآت هداجون قد بلغت
نجران أو بلغت سوء‌اتهم هجر

والمعنى أن السوء‌ات هى التي بلغت هجر.

وبقول خداش بن زهير

وتركب خيلا لا هوادة بينها
وتشقي الرماح بالظياطرة الحمر(1)

يريد تشفى الضياطرة بالرماح.

وبقول الآخر

يمشى به عوذ النعاج كأنها
عذارى ملوك في بياض ثياب(2)

يريد في ثياب بيض.

وبقول الآخر

حسرت كفي عن السرابل آخذه
فردا يحز على أيدي المفيدينا

يريد حسرت السربال عن كفي.

وبقول الآخر وهو ابن أحمر

وجرد طار باطلها نسيلا
وأحدث قومها شعرا قصارا

أراد نسيلها باطلا.

وبقول الآخر

وقسورة أكتافهم في قسيهم
اذا ما مشوا لا يعمرون من النسا

أراد قسيهم في أكتافهم.

وبقول الآخر وهن من الاخلاف والولعان(3) أي الاخلاف والولعان منهن.

ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التقاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له وما المعنى والفائدة في قوله تعالى (خلق العجل من

(1) - الهوادة - اللين وما يرجي به صلاح الامر - والضياطرة - جمع ضيطر وضوطر وهو الضخم العظيم

(2) - عوذ - جمع عائذ وهي الحديثة النتاج من الظباء وكل أنثى - والنعاج - جمع نعجة وهي البقرة الوحشية

(3) صدره * لخلابة العينين كذابة المنى * - والاخلاف - خلف الوعد - والولعان - الكذب يقال ولع يلع ولعا وولعانا اذا كذب (*)


117

الانسان) أتريدون بذلك أن الله تعالى خلق في الانسان العجلة وهذا لا يجوز لان العجلة فعل من أفعال الانسان فكيف يكون مخلوقة فيه لغيره ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) لانه لا ينهاهم عما خلقه فيهم.

فان قالوا لم يرد أنه تعالى خلقها لكنه أراد كثرة فعل الانسان لها وانه لا يزال يستعملها. قيل لهم هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير واذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا اليه. وقد ذكر أبوالقاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقواه وسأل نفسه عليه فقال كيف جاز أن يقول فلا تستعجلون وهو خلق العجلة فيهم وأجاب بانه قد اعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم وكفها وقد يكون الانسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة وذلك كخلقه في البشر لشهوة النكاح وأمره في كثير من الاوقات بالامتناع منه وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بان المراد بالعجل غيره وهو الطبع الداعي اليه والشهوة المتناولة له ويجب أيضا أن يكون المراد بمن ههنا في لان شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الانسان وانما تكون مخولوقه فيه وهذا تجوز على تجوز وتوسع على توسع لان القلب أولا مجاز ثم هو من بعيد المجاز وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر واقامة من قام في كذلك على انه تعالى اذا نهاهم عن العجلة بقوله عزوجل (فلا تستعجلون) أي معني لتقديم قوله خلقت شهوة العجلة فيهم أو الطبع الداعي اليها فيهم على ما عبر به البلخي وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليم وأيسر الاحوال ألا يكون عذرا ولا احتجاجا فلا يكون لتقديمه معنى وفي الجواب الاول حسن تقديم ذلك على طريق الذم والتوبيخ والتقريع من غير اضافة اليه عزوجل فالجواب الاول أوضح وأصح.

وثالثها جواب روى عن الحسن قال يعني بقوله من عجل أي من ضعف وهي النطفة المهينة الضعيفة وهذا قريب ان كان في اللغة شاهد على ان العجل عبارة عن الضعف أو معناه.

ورابعها ما حكى أن أبا الحسن الاخفش أجاب به وهو أن يكون المراد ان الانسان خلق من تعجيل الامر لانه تعالى قال (إنما أمرنا لشئ اذا أرادناه أن نقول له كن فيكون)


118

فان قيل كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد فلا تستعجلون. قلنا يمكن أن يكون وجه المطابقة أنهم لما استعجلوا بالآيات واستبطؤها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شئ اذا أراده ولا يمتنع عليه وان من خلق الانسان بلا كلفة ولا مئونة بأن قال له كن فكان مع ما فيه من بدائع الصنعة وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر ويحار فيها كل ناظر لا يعجزه اظهار ما استعجلوه من الآيات.

وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين فكأنه تعالى قال خلق الانسان من طين كما قال تعالى في موضع آخر (وبدأ خلق الانسان من طين) واستشهد بقول الشاعر

والنبع ينبت بين الصخر ضاحية
والنخل ينبت بين الماء والعجل

ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب ويقولون ليس بمعروف ان العجل هو الطين وقد حكي صاحب كتاب العين عن بعضهم ان العجل الحمأة ولم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أوردناه يمكن أن يكون شاهدا له وقد رواه ثعلب عن ابن الاعرابي وخالف في شئ من ألفاظه فرواه

والنبع في الصخرة الصماء منبته
والنخل ينبت بين الماء والعجل

واذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى (فلا تستعجلون) على نحو ما ذكرناه وهو ان من خلق الانسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات أو يكون المعنى انه لا يجب لمن خلق من الطين المهين وكان أصله هذا الاصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله وآياته وشرائعه لانه تعالى قال قبل هذه الآية (واذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم).

وسادسها أن يكون المراد بالانسان آدم عليه السلام ومعنى من عجل أي من سرعة من خلقه لانه لم يخلقه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة كما خلق غيره وانما ابتدأه الله تعالى ابتداء وأنشأه انشاء فكأنه تعالى نبه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له وأنه عزوجل يرى عباده من آياته وبيناته أولا أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم.

وسابعها ما روي عن مجاهد وغيره أن الله تعالى خلق آدم


119

بعد خلق كل شئ آخر نهار يوم الجمعة على سرعة معاجلا به غروب الشمس. وروى ان آدم عليه السلام لما نفخت فيه الروح وبلغت إلى أعالي جسده ولم يبلغ أسافله قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.

وثامنها ما روى عن ابن عباس والسدي ان آدم عليه السلام لما خلق وجعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى أثمار الجنة. وقال قوم بل هم بالوثوب فهذا معنى قوله تعالى (خلق الانسان عجولا) وهذه الاجوبة الثلاثة مبنية على ان المراد بالانسان فيها آدم عليه السلام دون غيره.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه واني لاستحسن لمسكين الدرامي قوله

رب أمور قد بريت لحاء‌ها
وقومت من أصلابها ثم رعتها
أقيم بدار الحزم ما لم أهن بها
فإن خفت من دار هوانا تركتها
واصلح جل المال حتي تخالني
شحيحا وإن حق عراني أهنتها
ولست بولاج البيوت لفاقة
ولكن إذا استغنيت عنها ولجتها
أبيت عن الادلاج في الحي نائما
وأرض بإدلاج وهم قطعتها
ألا أيها الجاري سنيحا وبارحا
تعرض نفسا لو أشاء قتلتها
تعارض فخر الفاخرين بعصبة
ولو وضعت لي في إناء أكلتها
وإن لنا ربعية المجد كلها
موارث آباء كرام ورثتها
اذا قصرت أيدي الرجال عن العلا
مددت لها باعا عليها فنلتها
داع دعاني للعلا فأجبته
ودعوة داع للصديق خذلتها
ومكرمة كانت رعاية والدي
فعلمنيها والدي ففعلتها
وعوراء من قيل امرئ ذي قرابة
تصاممت عنها بعد ما قد سمعتها
رجاء غد أن يعطف الرحم بيننا
ومظلمة منه بجنبي عركتها

120
اذا ما أمور الناس رثت وضيعت
وجدت أموري كلها قد زممتها
وإني سألقي الله لم أرم حرة
ولم تأتمنى يوم سر فخنتها
ولا قاذف نفسي ونفسي بريئة
وكيف اعتذاري بعد ما قد قذفتها

أخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال أخبرنا أبوذر القراطيسي قال حدثنا عبيد الله بن محمد ابن أبي الدنيا قال حدثنا عبدالرحمن بن صالح الازدي ان رجلا من الانصار حدثه قال قال مسكين الدرامي

ولست اذا ما سرني الدهر ضاحكا
ولا خاشعا ما عشت من حادث الدهر
ولا جاعلا عرضي لمالي وقاية
ولكن أقي عرضي فيحرزه وفري
أعف لدى عسري وأبدي تجملا
ولا خير فيمن لا يعف لدى العسر
وإني لاستحيي اذا كنت معسرا
صديقي واخواني بأن يعلموا فقري
وأقطع إخواني وما حال عهدهم
حياء وإعراضا وما بي من كبر
فإن يك عارا ما أتيت فربما
أتى المرء يوم السوء من حيث لا يدري
ومن يفتقر يعلم مكان صديقه
ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر

ومن مستحسن قوله

إن ادع مسكينا فما قصرت
قدري بيوت الحي والخدر

قيل ان مسكينا ليس باسمه وانما اسمه ربيعة وانما سمي بذلك لقوله

وسميت مسكينا وكانت لجاجة
وإني لمسكين إلى الله راغب(1)

(1) سماه في كتاب الشعراء ربيعة بن عامر بن أنيف من بني دارم وقال كان في زمن معاوية رضى الله عنه وهو القائل فيه

اليك أميرالمؤمنين رحلتها
تثير القطا ليلا وهن هجود (*)

121

ومعنى - قصرت قدري - أي سترت يريد انها بارزة لا تحجبها السواتر والحيطان

ما مس رحلي العنكبوت ولا
جدياته من وضعه غبر

وهذه كناية مليحة عن مواصلة السير وهجر الوطن لان العنكبوت انما تنسج على ما لا تناله الايدي ولا يكثر استعماله - والجديات - جمع جدية وهى باطن دفة الرحل

لا آخذ الصبيان ألثمهم
والامر قد يغري به الامر

يقول لا أقبل الصبي وأنا أريد التعرض بأمه ومثله لغيره

ولا ألقي لذي الودعات صوتي
لالهيه وريبته أريد(1)

وأنشد ابن الاعرابي مثله

اذا رأيت صبي القوم يلثمه
ضخم المناكب لا عم ولا خال
على الطائر الميمون والجد صاعد
لكل اناس طائر وجدود
إذا المنبر الغربى خلى مكانه
فان أميرالمؤمنين يزيد

وأنشد له

واذا الفاحش لاقي فاحشا
فهنا كم وافق الشن الطبق
انما الفحش ومن يعتاده
كغراب السوء ماشاء نعق
أو حمار السوء ان أشبعته
رمح الناس وان جاع نهق
أو غلام السوء ان جوعته
سرق الجار وان يشبع فسق
أو كغيرى رفعت من ذيلها
ثم أرخته ضرارا فانمزق
أيها السائل عما قد مضى
هل جديد مثل ملبوس خلق

(1) قوله لذي الودعات الخ: ذو الودعات الطفل لانهم يعلقون عليه الودع: ومعنى وريبته أريد أي لا أريد ريبة أمه فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه ومثل هذا يحفظ ولايقاس عليه لتخلف الشرط: والبيت من جملة أبيات لعقيل بن علفة المرى الجافي المشهور (*)(16 - أمالى ثانى)


122
فاحفظ صبيك منه أن يدنسه
ولا يغرنك يوما كثرة المال

رجع إلى تمام القصيدة

ولرب يوم قد تركت وما
بيني وبين لقائه ستر
ومخاصم قاومت في كبد
مثل الدهان فكان لي العذر
وأعابنى قومي بنو عدس
وهم الملوك وخالي البشر(1)
عمي زرارة غير منتحل
وأبي الذي حدثته عمرو
في المجد غرتنا مبينة
للناظرين كأنها البدر
لا يرهب الجيران غدرتنا
حتي يواري ذكرنا القبر
لسنا كأقوام إذا كحلت
إحدى السنين فجارهم تمر

أي يستحلي الغدر به كما يستحلي التمر

مولاهم لحم على وضم
تنتابه العقبان والنسر
نارى ونار الجار واحدة
واليه قبلى ينزل القدر

يقال كان له امرأة تماظه فلما قال ذلك قالت له أجل انما نارك وناره واحدة لانه أوقد ولم توقد والقدر ينزل اليه قبلك لانه طبخ ولم تطبخ وأنت تستطعمه(2)

(1) قوله قومى بنو عدس: كل عدس في العرب بضم العين وفتح الدال إلاعدس ابن زيد هذا فانه مضموم العين والدال

(2) ويروى من غير هذا الوجه انه كانت لمسكين امرأة وكانت فاركا كثيرة الخصومة والمماظة له فوقفت عليه وهو ينشد حتى اذا بلغ نارى ونار الجار البيت: قالت له صدقت والله يجلس جارك فيطبخ قدره فتصطلى بناره ثم ينزلها فيجلس يأكل وأنت بحذائه كالكلب فاذا شبع أطعمك أجل والله ان القدر لتنزل اليه قبلك فاعرض عنها فلما بلغ (*)


123
ما ضر جاري إذ أجاوره
أن لا يكون لبيته ستر

قال ويقال انها قالت له في هذا البيت أيضا أجل ان كان له ستر هتكته

أعمى إذا ما جارتي خرجت
حتي يواري جارتي الخدر
ويصم عما كان بينهما
سمعي وما بي غيره وقر

وأنشد عمر بن شبة لمسكين أيضا

لا تجعلني كأقوام علمتهم
لا يظلموا لبة يوما ولا ودجا
اني لاغلاهم باللحم قد علموا
نيئا وأرخصهم باللحم إذ نضجا
أنا ابن قاتل جوع القوم قد علموا
اذا السماء كست آفاقها رهجا
يا رب أمرين قد فرجت بينهما
إذا هما نشبا في الصدر واعتلجا
أديم خلقي لمن دامت خليقته
فأمزج الحلو أحيانا لمن مزجا
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية
اذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
ما أنزل الله من أمر فأكرهه
إلا سيجعل لي من بعده فرجا
ما مد قوم بأيديهم إلي شرف
إلا رأونا قياما فوقهم درجا

وأنشد أبوالعباس ثعلب له

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله
ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للاضياف أن يكثر القرى
ولكنما وجه الكريم خصيب

إلى قوله: ماضر جارى الخ البيت فلما قالت له هتكته وثب اليها يضربها وجعل قومه يضحكون منهما: المماظة شدة الخلق وفظاظته (*)


124

وروي ثعلب أيضا

لحافي لحاف الضيف والبيت بيته
ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحدثه أن الحديث من القرى
وتعلم نفسى أنه سوف يهجع

ومعني - أحدثه ان الحديث من القرى - أي اصبر على حديثه واعلم انه سوف ينام ولا أعرض بمحادثته فأكون قد محقت قراى والحديث الحسن من تمام القرى.

وقال الاصمعي أحسن ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي

ألا أيها الغائر المستشيط
علام تغار اذا لم تغر
فما خير عرس اذا خفتها
وما خير بيت اذا لم يزر
تغار على الناس أن ينظروا
وهل يفتن الصالحات النظر
فإني سأخلي لها بيتها
فتحفظ لي نفسها أو تذر
اذا الله لم يعطه ودها
فلن يعطي الود سوط ممر
ومن ذا يراعي له عرسه
اذا ضمه والمطي السفر

[ قال رضى الله عنه ] وكان مسكين كثير اللهج بالقول في هذ المعنى فمن ذلك قوله

وإني امرؤ لا آلف البيت قاعدا
إلى جنب عرسي لا أفرطها شبرا
ولا مقسم لا أبرح الدهر بيتها
لاجعله قبل الممات لها قبرا
اذا هي لم تحصن أمام قبابها
فليس بمنجيها بنائي لها قصرا
ولا حاملي ظني ولا قيل قائل
على حائط حتى أحيط بها خبرا
فهبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا
فكيف اذا ما سرت من بيتها شهرا

وأنشد أبوالعيناء عن أبي العالية لمسكين


125
ما أحسن الغيرة في حينها
وأقبح الغيرة في غير حين
من لم يزل متهما عرسه
مناصبا فيها لوهم الظنون
يوشك أن يغريها بالذي
يخاف أو ينصبها للعيون
حسبك من تحصينها ضمها
منك إلى خلق كريم ودين
لا تظهرن منك على عورة
فيتبع المقرون حبل القرين

(مجلس آخر 36)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام (ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) فقال هل يسوغ ما تأول بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف عليه السلام عزم على المعصية وأرادها وانه جلس مجلس الرجل من المرأة ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه متوعدا له على مواقعة المعصية أو بأن نودى له بالنهي والزجر في الحال على ما ورد به الحديث.

الجواب قلنا إذا ثبت بأدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات ان المعاصي لا تجوز على الانبياء عليهم السلام صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة إلى ما يطابق الادلة ويوافقها كما يفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى وما يجوز عليه أو لا يجوز ولهذه الآية وجوه من التأويل كل واحد منها يقتضي براء‌ة نبي الله من العزم على فاحشة وارادة المعصية.

أولها ان الهم في ظاهر الآية متعلق بما لا يصح أن يعلق به العزم أو الارادة على الحقيقة لانه تعالى قال (ولقد همت به وهم بها) فعلق الهم بهما وذاتا هما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما لان الموجود الباقي لا يصح ذلك فيه فلا بد من تقدير محذوف يتعلق العزم به وقد يمكن أن يكون ما تعلق به همه عليه السلام


126

انما هو ضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول القائل كنت هممت بفلان وقد هم فلان بفلان أي بان يوقع به ضربا أو مكروها.

فان قيل فأى معنى لقوله تعالى (لو لا أن رأى برهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها. قلنا يمكن أن يكون الوجه في ذلك انه لما هم بدفعها وضربها أراه الله برهانا على انه ان أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أي قتلوه أو انها تدعي عليه المراودة عن القبيح وتقذفه بانه دعاها إليه وان ضربه لها كان لامتناعها فيظن به ذلك من لا تأمل له ولا علم بان مثله لا يجوز عليه فأخبر الله تعالى بانه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء يعني بذلك القتل والمكروه الذين كانا يوقعان به لانهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح أو يعني بالسوء والفحشاء ظنهم بذلك.

فان قيل هذا الجواب يقتضي ان جواب لو لا يتقدمها ويكون التقدير لو لا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ودفعها وتقديم جواب لو لا قبيح غير مستعمل أو يقتضي أن تكون لو لا بغير جواب. قلنا أما تقدم جواب لو لا فجائز وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك غير أنا لا نحتاج اليه في هذا الجواب لان العزم على الضرب والهم بالضرب قد وقع إلاأنه انصرف عنه بالبرهان والتقدير ولقد همت به وهم بدفعها لو لا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك فالجواب في الحقيقة محذوف والكلام يقتضيه كما حذف الجوا ب في قوله تعالى (ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم) معناه لو لا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم ومثله (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم) معناه لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا وتتفاخروا بها.

وقال امرؤ القيس

فلو أنها نفس تموت سوية
ولكنها نفس تساقط أنفسا

أراد فلو أنها نفس تموت سوية لانقضت وفنيت فحذف الجواب على ان من تأول هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله وأضاف العزم على المعصية إليه لا بد له من تقدير جواب محذوف ويكون التقدير عنده ولقد همت بالزنا وهم به لو لا أن رأى برهان ربه لفعله.

فان قيل قوله هم بها كقوله همت به فلم جعلتم همها متعلقا بالقبيح وهمه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره. قلنا أما الظاهر فلا يدل على ما تعلق الهم به


127

والعزم فيهما جميعا وانما أثبتنا همها به بأن يكون متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب والآثار به وهي ممن يجوز عليها فعل القبيح ولم يؤثر دليل في امتناعه عليها كما أثر ذلك فيه عليه السلام والموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه إلى قوله في ضلال مبين) قوله تعالى (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب) وقوله (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) وفي موضع آخر (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) وفى موضع آخر (فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فأستعصم) والآثار واردة باطباق مفسري القرآن ومتأوليه على انها همت بالفاحشة والمعصية.

والوجه الثاني في تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون تلخيصه ولقد همت به ولو لا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجري ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لو لا أني تداركتك وقتلت لو لا أنى خلصتك والمعنى لو لا تداركي لهلكت ولو لا تخليصي لقتلت وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل.

قال الشاعر

فلا تدعني قومي صريحا لحرة
لئن كنت مقتولا ويسلم عامر

وقال آخر

فلا تدعني قومي ليوم كريهة
لئن لم أعجل ضربة أو أعجل

فقدم جواب الشرط في البيتين جميعا(1) وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك) والهم لم يقع لمكان فضل الله ورحمته ومما يشهد لهذا التأويل أن في الكلام شرطا وهو قوله تعالى (لو لا أن رأى برهان ربه) فكيف يحمل على الاطلاق مع حصول الشرط وليس لهم أن يجعلوا جواب لو لا محذوفا

(1) هذا الذي اعتمده يخالف مذهب جمهور البصريين فان جواب الشرط عندهم لايتقدم فاذا تقدم ماهو جواب في المعنى فهو دال عليه وليس إياه وهو محذوف: وذهب الكوفيين والمبرد وأبوزيد الي جواز تقديمه ولاحذف عندهم في مثل ذلك (*)


128

مقدرا لان جعل جوابها موجودا أولا: وقد استبعد قوم تقديم جواب لو لا عليها قالوا ولو جاز ذلك لجاز قام زيد لو لا عمرو وقصدتك لو لا بكر وقد بينا بما أوردناه من الامثلة والشواهد جواز تقديم جواب لو لا والذي ذكروه لا يشبه بما أجزناه وقد يجوز أن يقول القائل قد كان زيد قام لو لا كذا وكذا وقد كنت قصدتك لو لا أن صدني فلان وان لم يقع قيام ولا قصد وهذا الذي يشبه الآية وليس تقديم جواب لو لا بأبعد من حذف جواب لو لا جملة من الكلام واذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزمهم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف.

والجواب الثالث ما اختاره أبوعلى الجبائي وان كان غيره قد تقدمه إلى معناه وهو أن يكون معنى هم بها اشتهاها ومال طبعه إلى ما دعته اليه وقد يجوز أن يسمي الشهوة في مجاز اللغة هما كما يقول القائل فيما لا يشتهيه ليس هذا من همي وهذا أهم الاشياء الي ولا قبح في الشهوة لانها من فعل الله تعالى فيه وانما يتعلق القبيح بتناول المشتهى. وقد روي هذا الجواب عن الحسن البصرى قال أما همها فكان أخبث الهم وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى (لو لا أن رأى برهان ربه) متعلق بمحذوف كأنه قال لو لا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل.

والجواب الرابع أن من عادة العرب أن يسموا الشئ باسم ما يقع فيه في الاكثر وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد بهم بها خطر بباله أمرها ووسوس اليه الشيطان بالدعاء اليها من غير أن يكون هناك هم أو عزم فسمي الخطور بالبال هما من حيث كان الهم يقع في الاكثر عنده والعزم في الاغلب يتبعه وانما أنكرنا ما ادعاه جهلة المفسرين ومحرفوا القصاص وقذفوا به نبي الله عليه السلام لما ثبت في العقول من الادلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الانبياء عليهم السلام من حيث كان منفرا عنهم وقادحا في الغرض المجري اليه بارسالهم والقصة تشهد بذلك لانه تعالى قال (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا ثم الاخذ فيه والشروع في مقدماته وقوله تعالى أيضا (انه من عبادنا المخلصين) يقتضي تنزيهه عن الهم بالزنا والعزم عليه وحكايته عن النسوة قولهن (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) يدل أيضا على أنه برئ من القبحين


129

فأما البرهان الذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها اختار عنده الانصراف عن المعاصي والتنزه عنها ويحتمل أيضا ما ذكره أبوعلى وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك وعلى أن من فعله يستحق العقاب وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنه الجهال من رؤية صورة أبيه يعقوب عليه السلام متوعدا له أو النداء له بالزجر والتخويف لان ذلك ينافي المحنة وينقض الغرض بالتكليف ويقتضي أن لا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا وهذا سوء ثناء على الانبياء واقدام على قرفهم بما لم يكن منهم والحمد الله على حسن التوفيق.

روى أحمد ابن عبدالله بن العباس الصولى الملقب بطماس قال كنت يوما عند عمي ابراهيم بن العباس فدخل اليه رجل فقربه حتى جلس إلى جانبه أو قريبا منه ثم حادثه إلى ان قال له عمي يا أبا تمام ومن بقى ممن يعتصم به ويلجأ اليه فقال أنت لا عدمت وكان ابراهيم طويلا أنت والله كما قيل

يمد نجاد السيف حتى كأنه
بأعلى سنامي فالج يتطوح
يندلج في حاجات من هو نائم
ويورى كريمات الندى حين يقدح
اذا اعتم بالبرد اليماني خلته
هلالا بدا في جانب الافق يلمح
يزيد على فضل الرجال فضيلة
ويقصر عنه مدح من يتمدح

فقال له ابراهيم أنت تحسن قائلا وراويا ومتمثلا فلما خرج تبعته وقلت له أكتبني الابيات فقال هي لابي الجويرية العبدي فاخذها من شعره.

وروى عن يحيى بن البحتري قال رأيت أبي يذاكر جماعة من أمراء أهل الشام بمعان من الشعر فمر فيها ذكر قلة نوم العاشق وما قيل فيه فأنشدوا انشادات كثيرة فقال لهم أبي قد فرغ من هذا كاتب كان بالعراق فقال

أحسب النوم حكاكا
إذ رأى منك جفاكا
مني الصبر ومنك
الهجر فابلغ بي مداكا

(17 - أمالى ني)


130
بعدت همة عين
طمعت في أن تراكا
أو ما خط لعيني
أن ترى من قد رآكا
ليت حظي منك أن
تعلم ما بي من هواكا

قال أبي انه تصرف في معان من الشعر في هذه الابيات قال فكتبها عنه جماعة من حضروا والابيات لابراهيم بن العباس الصولي.

وأخبرنا على بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولى قال لما بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليهما السلام بالعهد وأمر الناس بلبس الخضرة صار اليه دعبل بن على الخزاعى وابراهيم بن العباس الصولي وكانا صديقين لا يفترقان فأنشده دعبل

مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات

وأنشده ابراهيم بن العباس الصولى على مذهبهما قصيدة أولها

أزالت عراء القلب بعد التجلد
مصارع أولاد النبي محمد

قال فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه وكان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت فأما دعبل بن على فصار بالشطر منها إلى قم فاشترى أهلها منه كل درهم بعشرة فباع حصته بمائة ألف درهم وأما ابراهيم بن العباس فلم يزل عنده بعضها إلى ان مات قال الصولي ولم أقف من قصيدة إبراهيم على أكثر من هذا البيت.

قال وكان السبب في ذهاب هذا الفن من شعره ما حدثني أبوالعباس أحمد ابن محمد بن الفرات والحسين بن على الباقطاني قالا كان ابراهيم بن العباس صديقا لاسحاق بن ابراهيم أخي زيدان الكاتب المعروف بالزمن فأنسخه شعره في علي بن موسى الرضا عليهما السلام وقد انصرف من خراسان ودفع اليه شيئا بخطه منه وكانت النسخة عنده إلى ان ولى المتوكل وولى ابراهيم بن العباس ديوان الضياع وقد كان تباعد ما بينه وبين أخي زيدان فعزله عن ضياع كانت في يده بحلوان وغيرها وطالبه بمال وألح عليه وأساء مطالبته فدعا اسحاق بعض من يثق به من اخوانه وقال له امض


131

إلى ابراهيم بن العباس فاعلمه ان شعره في على بن موسى بخطه عندي وبغير خطه والله لئن استمر على ظلمي ولم يزل عني المطالبة لاوصلن الشعر إلى المتوكل قال فصار الرجل إلى ابراهيم بن العباس فأخبره بذلك فاضطرب اضطرابا شديدا وجعل الامر إلى الواسطة في ذلك حتى أسقط جميع ما كان طالبه به وأخذ الشعر منه وأحلفه انه لم يبق عنده منه شي ء فلما حصل عنده أحرقه بحضرته وذكر أبوأحمد بن يحيى بن على المنجم ان أباه على بن يحيى كان الواسطة بينهما. قال الصولى وما عرفت من شعر ابراهيم في هذا المعنى شيئا إلا أبياتا وجدتها بخط أبي قال أنشدني أخي لعمه في على ابن موسى الرضا عليهما السلام من قصيدة

كفى بفعال امرئ عالم
على أهله عادلا شاهدا
أرى لهم طارفا مونقا
ولا يشبه الطارف التالدا
يمن عليكم بأموالكم
ويعطون من مئة واحدا
فلا حمد الله مستبصرا
يكون لاعدائكم حامدا
فضلت قسيمك في قعدد
كما فضل الوالد الوالدا

قال الصولي فنظرت فوجدت علي بن موسى الرضا عليهما السلام والمأمون متساويين في قعدد النسب وهاشم التاسع من آبائهما جميعا. وروى الصولي أن منشدا أنشد ابراهيم بن العباس وهو في مجلسه في ديوان الضياع

ربما تكره النفوس من الامر
له فرجة كحل العقال

قال فنكت بقلمه ساعة ثم قال

ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها مخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج

فعجب من جودة بديهته.

وأخبرنا أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني القاسم بن اسمعيل أبوذكوان الرواية قال كنت


132

بالاهواز أيام الواثق وابراهيم بن العباس يلى معونتها وخراجها فوصفت له بالادب فامر باحضاري فلما دخلت عليه قرب مجلسي وقال تسلف أنس المطاولة فان الاستمتاع لا يتم إلا به فأنبسطت وتساء‌لنا عن الاشعار فما رأيت أحدا قط أعلم بالشعر منه فقال لي ما عندك في قول النابغة

ألم تر أن الله اعطاك سورة
ترى كل ملك دونها يتذبذب
فانك شمس والملوك كواكب
اذا طلعت لم يبد منهن كوكب

فقلت أراد تفضيله على الملوك فقال صدقت ولكن في الشعر خب وهو أنه اعتذر إلى النعمان من ذهابه إلى آل جفنة إلى الشام ومدحه لهم وقال انما فعلت هذا لجفائك بي فاذا صلحت لي لم أرد غيرك كما ان من أضاء‌ت له الشمس لم يحتج إلى ضوء الكواكب فأتى بمعنيين بهذا وبتفضيله قال فاستحسنت ذلك منه. وكان ابراهيم بن العباس من أصدق الناس لاحمد بن أبي داود فعتب على ابنه أبي الوليد من شئ قدمه ومدح أباه وأحسن في التخلص كل الاحسان فقال

عفت مساو تبدت منك واضحة
على محاسن بقاها أبوك لكا
لئن تقدم أبناء الكرام به
لقد تقدم أبناء اللئام بكا

ولابراهيم

تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا
ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما
هوى كل نفس حيث كان حبيبها
تطلع من نفسي اليك نوازع
عوارف أن اليأس منك نصيبها

وأخذ هذا من قول ذي الرمة

اذا هبت الارواح من كل جانب
به آل مي هاج شوقي هبوبها
هوي تذرف العينان منه وإنما
هوى كل نفس حيث كان حبيبها

133

ولابراهيم

دنت باناس عن تناء زيارة
وشط بليلي عن دنو مزارها
وإن مقيمات بمنقطع اللوى
لاقرب من ليلى وهاتيك دارها

وأخذ ذلك من قول النظار الفقعسي

يقولون هذي أم عمرو قريبة
دنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنما بعد الحبيب وقربه
إذا هو لم يوصل اليه سواء

ووجدت بعض أهل الادب يظن ان ابراهيم بن العباس سبق إلى هذا المعنى في قوله

كن كيف شئت وأني تشا
وأبرق يمينا وأرعد شمالا
نجابك لؤمك منجي الذباب
حمته مقاذيره أن ينالا

حتى رأيت مسلم بن الوليد قد سبق إلى هذا المعنى فأحسن غاية الاحسان فقال

أما الهجاء فدق عرضك دونه
والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه
عرض عززت به وأنت ذليل

(مجلس آخر 37)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام (قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني اليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين). فقال اذا كانت المحبة عندكم هي الارادة فهذا تصريح من يوسف عليه السلام بارادة المعصية لان حبسه في السجن وقطعه عن التصرف معصية من فاعله وقبيح من المقدم عليه وهو في القبح يجري مجري ما دعى اليه من الزنا وقوله من بعد (وإلا تصرف عني كيدهن) يدل على أن امتناعه من القبيح مشروط بمنعهن وصرفهن عن كيده وهذا بخلاف مذهبكم لانكم تذهبون إلى ان ذلك لا يقع منه صرف النسوة


134

عن كيدهن أو لم يصرفهن.

الجواب قلنا أما قوله عليه السلام (رب السجن أحب الي) ففيه وجهان من التأويل.

أولهما ان المحبة متعلقة في ظاهر الكلام بما لا يصح على الحقيقة أن يكون محبوبا مرادا لان السجن انما هو الجسم والاجسام لا يجوز أن يريدها وانما يريد الفعل فيها والمتعلق بها والسجن نفسه ليس بطاعة ولا معصية وانما الافعال فيه قد تكون طاعات ومعاصي بحسب الوجوه التي يقع عليها فادخال القوم يوسف عليه السلام الحبس أو اكراههم له على دخوله معصية منهم وكونه فيه وصبره على ملازمته والمشاق التي تناله باستيطانه كان طاعة منه وقربة وقد علمنا ان ظالما لو أكره مؤمنا على ملازمة بعض المواضع وترك التصرف في غيره لكان فعل المكره حسنا وان كان فعل المكوره قبيحا وهذه الجملة تبين أن لا ظاهر في الآية يقتضي ما ظنوه وأنه لابد من تقدير محذوف يتعلق بالسجن وليس لهم أن يقدروا ما يرجع إلى الحابس من الافعال إلا ولنا أن نقدر ما يرجع إلى المحبوس واذا احتمل الكلام الامرين ودل الدليل على أن النبي لا يجوز أن يريد المعاصي والقبائح اختص المحذوف المقدر بما يرجع اليه مما ذكرناه وذلك طاعة لا لوم على مريده ومحبه.

فان قيل كيف يجوز أن يقول السجن أحب الي وهو لا يحب ما دعوه اليه ومن شأن مثل هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع فيه اشتراك في معناها وان فضل البعض على البعض. قلنا قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا الموضع وان لم يكن في معناها اشتراك على الحقيقة ألا ترى ان من خير بين ما يحبه وما يكرهه جائز أن يقول هذا أحب الي من هذا وان لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخير هذا أحب الي من هذا اذا كان لا يحب أحدهما جملة وانما سوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر من حيث كان المخير بين الشيئين لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له ومما يصح أن يريدهما فموضوع التخيير يقتضي ذلك وان حصل فيما ليس هذه صورته والمجيب على هذا متى قال كذا أحب الي من كذا كان مجيبا على ما يقتضيه موضوع التخيير وان لم يكن الامران على الحقيقة يشتركان في تناول محبته ومما يقارب ذلك قوله تعالى (قل أذلك خير أم جنة الخلد) ونحن نعلم أن لا خير في العقاب وانما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار


135

المعاصي على الطاعات وانهم ما ركبوا المعاصي وآثروها على الطاعات إلا لاعتقادهم أن فيها خيرا ونفعا فقيل أذلك خير على ما تظنونه وتعتقدونه أم كذا وكذا وقد قال قوم في قوله تعالى (أذلك خير أم جنة الخلد) انما حسن ذلك لاشتراك الحالين في باب المنزلة وان لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى (خير مستقرا وأحسن مقيلا) ومثل هذا يأتي في قوله تعالى (رب السجن أحب الي) لان الامرين يعني المعصية ودخول السجن مشتركان في ان لكل منهما داعيا وعليه باعثا وان لم يشتركا في تناول المحبة فجعل اشتراكهما في داعي المحبة اشتراكا في المحبة نفسها وأجرى اللفظ على ذلك ومن قرأ هذه الآية بفتح السين فالتأويل أيضا ما ذكرناه لان السجن المصدر فيحتمل أن يريد ان سجني لهم نفسي وصبري على حبسهم أحب الي من مواقعة المعصية ولا يرجع بالسجن إلى فعلهم بل إلى فعله.

والوجه الثاني أن يكون معنى أحب الي أي أهون عندي وأسهل علي وهذا كما يقال لاحدنا في الامرين يكرههما معا ان فعلت كذا وإلا فعل بك كذا وكذا فيقول بل كذا أحب الي أي اهون عندى بمعنى أسهل وأخف وان كان لا يريد واحدا منهما وعلى هذا الجواب لا يمتنع أن يكون انما عنى فعلهم به دون فعله لانه لم يخبر عن نفسه بالمحبة التي هي الارادة وانما وضع أحب موضع أخف والمعصية قد تكون أهون وأخف من أخرى.

وأما قوله تعالى (وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن) فليس المعنى فيه على ما ظنه السائل بل المراد متى لم تلطف لي بما يدعوني الي مجانبة المعصية وثبتني إلى تركها ومفارقتها صبوت وهذا منه عليه السلام على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والتسليم لاموره وأنه لولا معونته ولطفه ما نجا من كيدهن ولا شبهة في أن النبي انما يكون معصوما عن القبائح بعصمة الله تعالى ولطفه وتوفيقه.

فان قيل الظاهر خلاف ذلك لانه قال (وإلا تصرف عنى كيدهن) فيجب أن يكون المراد ما يمنعهم من الكيد ويدفعه والذي ذكرتموه من انصرافه عن المعصية لا يقتضي ارتفاع الكيد والانصراف عنه. قلنا معني الكلام وإلا تصرف عني ضرر كيدهن والغرض به لانهن إنما أجرين بكيدهن إلى مساعدته لهن على المعصية فاذا عصم منها ولطف له في الانصراف عنها فكأن الكيد قد انصرف


136

عنه ولم يقع به من حيث لم يقع ضرره وما أجرى به اليه ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت شيئا ولمن فعل ما لا تأثير له ما فعل شيئا وهذا بين بحمد الله ومنه (تأويل خبر).

إن سأل سائل عن تأويل الخبر الذي يرويه عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة طويلة خطبها من يتبع المشمعة يشمع به. الجواب ان المشمعة هي الضحك والمزاح واللعب يقال شمع الرجل يشمع شموعا وامرأة شموع اذا كانت كثيرة المزاح والضحك.

قال أبوذؤيب يصف الحمير

بقرار قيعان سقاها وابل
واه فأثجم برهة لا يقلع(1)
فلبثن حينا يعتلجن بروضة
فيجد حينا في العلاج ويشمع

أراد أن هذا الحمار الذي وصف حاله مع الاتن وأنه معهن في بعض القيعان يعارك هذه الاتن ومعنى - يعتلجن - يعاض بعضها بعضا ويترامحن من النشاط فيجد الفحل معهن مرة واخرى يأخذ معهن في اللعب فيشمع وفي جد لغتان يجد ويجد والمفتوح لغة هذيل ويقال فلان جاد مجد على اللغتين معا. وقيل ان معنى يشمع في الحمار انه يتشم ثم يرفع رأسه فيكشر عن أضراسه فجعل ذلك بمنزلة الضحك.

قال الشماخ

ولو أني أشاء كننت نفسي
إلى لبات بهكنة شموع(2)

(1) - القرار - جمع قرارة وهو حيث يستقر الماء - والقيعان - جمع قاع وهو القطعة من الارض الصلبة الطيبة - والوابل - المطر العظيم القطر. ويروى سقاها صيف وهو مطر الصيف - والواهي - كأنه منشق من شدة انصبابه وكثرة مائه - وانجم - أقام وثبت - والبرهة - الحين والزمان - والروضة - البقعة يجتمع فيها الماء ينبت فيها البقل والعشب ولاتسمى روضة الا اذا كان بها شجر وماء

(2) يروى هيكلة مكان بهكنة والهيكلة من النساء العظيمة وتهيكلها اختيالها - والشموع - المزاحة - والبهكنة - التارة الغضة وقيل هي الجارية الخفيفة الطيبة الرائحة المليحة الحلوة (*)


137

وقال المتنخل الهذلي

ولا والله نادى الحي ضيفي
هدؤا بالمساء‌ة والعلاط
سأبدأهم بمشمعة وأثني
بجهدي من طعام أو بساط

أراد بقوله - نادى الحي ضيفى - أي لا ينادونه من النداء بالسوء والمكروه ولا يتلقونه بما يؤثر - والعلاط - من علطه واعتلط به اذا خاصمه وشاغبه ووسمه بالشر وأصله من علاط البعير وهو وسم في عنقه. وقيل ان معنى نادى الحي يضفى من النادي أي لا يجالسونه بالمكروه والسوء. ومعنى - سأبدأهم بشمعة - أي بلعب وضحك لان ذلك من علامات الكرم والسرور بالضيف والقصد إلى إيناسه وبسطه.

ومنه قول الآخر

ورب ضيف طرق الحي سرى
صادف زادا وحديثا ما اشتهى(1)

إن الحديث طرف من القري وروى الاصمعي عن خلف الاحمر قال سنة الاعراب انهم اذا حدثوا الرجل الغريب وهشوا اليه ومازحوه أيقن بالقري واذا أعرضوا عنه عرف الحرمان. ومعنى - أثني بجهد من طعام أو بساط - أي اتبع ذلك بهذا.

ومعنى الخبر على هذا أن من كان من شأنه العبث بالناس والاستهزاء بهم والضحك منهم أصاره الله تعالى إلى حالة يعبث به فيها ويستهزأ منه. ويقارب هذا الحديث من وجه حديث آخر وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من يشمع الناس بعمله يشمع الله به والمعنى من يرائى بأعماله ويظهرها تقربا إلى الناس واتخاذا للمنازل عندهم يشهره الله بالرياء ويفضحه ويهتكه. ويمكن أيضا في الخبر الاول وجه آخر لم يذكر فيه وهو ان من عادة العرب أن يسموا الجزاء على الشئ

(1) قوله ورب ضيف الخ. البيتان للشماخ يمدح بهما عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما وقبلهما

انك يابن جعفر نعم الفتى
ونعم مأوى طارق إذا أتي

ورب ضيف الخ (*)(18 - أمالى ني)


138

باسمه ولذلك نظائر في القرآن وأشعار العرب كثيرة مشهورة فلا ينكر أن يكون المعنى من يتبع اللهو بالناس والاستهزاء بهم يعاقبه الله تعالى على ذلك ويجازيه فسمى الجزاء على الفعل باسمه وهذا الوجه أيضا ممكن في الخبر الثاني.

أخبرنا عبيدالله المرزباني قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبدالرحمن بن أخي الاصمعي عن عمه قال إني لفي سوق ضرية وقد نزلت على رجل من بني كلاب كان متزوجا بالبصرة وكان له ابن فضرية إذ أقبلت عجوز على ناقة لها حسنة البزة فيها باقي جمال فأناخت وعقلت ناقتها وأقبلت تتوكأ على محجن لها فجلست قريبا منا وقالت هل من منشد فقلت للكالابي أيحضرك شئ قال لا قال فأنشدتها شعر للبشر بن عبدالرحمن الانصاري

وقصيرة الايام ود جليسها
لو باع مجلسها بفقد حميم
من محذيات أخي الهوى غصص الجوى
بدلال غانية ومقلة ريم
صفراء من بقر الجواء كأنما
خفر الحياء بها وردع سقيم

قال فجثت على ركبتيها وأقبلت تحرش الارض بمحجنها وأنشأت تقول

قفي يا أميم القلب نقرأ تحية
ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك
فلو قلت طأ في النار أعلم أنه
هوى لك أو مدن لنا من وصالك
لقدمت رجلي نحوها فوطئتها
هدى منك لي أو ضلة من ضلالك
سلى البانة العليا بالاجرع الذي
به البان هل حييت أطلال دارك
وهل قمت في أطلالهن عشية
مقام أخي البأساء واخترت ذالك
ليهنئك إمساكي بكفي على الحشا
ورقراق عيني خشية من زيالك

قال الاصمعي فأظلمت والله على الدنيا بحلاوة منطقها وفصاحة لهجتها فدنوت منها فقلت أنشدتك الله لما زدتيني من هذا فرأيت الضحك في عينها وأنشدت


139
ومستخفيات ليس يخفين زرننا
يسحبن أذيال الصبابة والشكل
جمعن الهوى حتى إذا ما ملكنه
نزعن وقد أكثرن فينا من القتل
مريضات رجع الطرف خرس عن الخنا
تألفن أهواء القلوب بلا بذل
موارق من ختل المحب عواطف
بختل ذوي الالباب بالجد والهزل
يعنفني العذال فيهن والهوى
يحذرني من أن أطيع ذوي العذل

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه أما قول الانصارى - وقصيرة الايام - فأراد بذلك ان السرور يتكامل بحضورها لحسنها وطيب حديثها فتقصر أيام جليسها لان أيام السرور موصوفة بالقصر. ويمكن أن يريد بقصيرة الايام أيضا حداثة سنها وقرب عهد مولدها وان كان الاول أشبه بما أتى في آخر البيت. ومعنى - لو باع مجلسها بفقد حميم - أي ابتاعه وهذا اللفظ من الاضداد لانه يستعمل في البائع والمشتري معا.

قال الفراء سمعت أعرابيا يقول بع لي تمرا بدرهم أي اشتر لي تمرا بدرهم وقال الشاعر

فيا عز ليت النأى إذ حال بيننا
وبينك باع الود لي منك تاجر(1)

أي ابتاع. وقوله - من محذيات أخي الهوى - أي معطيات يقال أحذيت الرجل من

(1) وقبله

بليلى وجارات لليلي كأنها
نعاج الملا تحدى بهن الاباعر
أمنقطع ياعز ماكان بيننا
وشاجرنى ياعز فيك الشواجر
إذا قيل هذا بيت عزة قادنى
اليه الهوى واستعجلتنى البوادر
أصد وبى مثل الجنون لكى يرى
رواة الخنا أنى لبيتك هاجر
ألا ليت حظي منك ياعز انني
إذا بنت باع الصبر لى عنك تاجر

وهذه الرواية في البيت الاخير أشهر من تلك (*)


140

الغنيمة أحذيه إحذاء اعطيته والاسم الحذوة والحذيا والحذية كل ذلك العطية. وقوله - كأنما خفر الحياء بها رداع سقيم - فالرداع هو الوجع في الجسد فكأنه أراد انها منقبضة منكسرة من الحياء كمايتغير لون السقيم او يريد تغير لونها وصفرته من الحياء كما يتغير لون السقيم ويجري مجرى قول ليلى الاخيلية

ومخرق عنه القميص تخاله
بين البيوت من الحياء سقيما
حتى اذا خفق اللواء رأيته
تحت اللواء علي الخميس زعيما

أخبرنا المرزباني قال حدثنا أبوعبدالله الحكيمي قال حدثني ميمون بن هارون الكاتب قال حدثنا ابن أخي الاصمعي عن عمه قال لقيت اعرابيا بالبادية فاسترشدته إلى مكان فأرشدني وأنشدني ليس العمى طول السؤال وإنما * تمام العمى طول السكوت على الجهل(1) فرجعت إلى البصرة فمكثت بها حينا ثم قدمت البادية فاذا بالاعرابي جالسا بين ظهراني قوم وهو يقضي بينهم فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من أقضيته فجلست اليه فقلت يرحمك الله أما من رشوة أما من هدية أما من صلة فقال لا اذا جاء هذا ذهب التوفيق فشكوت اليه ما ألقى من عذل حليلة لي إياي في طلب المعيشة فقال لست فيها بأوحد وإني لشريكك ولقد قلت في ذلك شعرا فقلت أنشدنيه فأنشدني

باتت تعيرني الاقتار والعدما
لما رأت لاخيها المال والخدما
عنف لرأيك ما الارزاق من جلد
ولا من العجز بل مقسومة قسما

(1) وروي

شفاء العمي حسن السؤال وإنما
يطيل العمى طول السكوت على الجهل

فكن سائلا عما عناك فانما * خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل

وهما للرياشى النحوى (*)


141
يا أمة الله إني لم أدع طلبا
للرزق قد تعلمين الشرق والشأما
فكل ذلك بالاجمال في طلب
لم ارز عرضا ولم أسفك لذاك دما
لو كان من جلد ذا المال أو أدب
لكنت أكثر من نمل القرى نعما
إرضى من العيش مالم تحوجي معه
أن تفتحي لسؤال الاغنياء فما
واستشعري الصبر عل الله خالقنا
يوما سيكشف عنا الضر والعدما
لا تحوجيني إلى ما لو بذلت له
نفسي لاعقبك التهمام والندما
بالله سرك أن الله خولني
ما كان خوله الاعراب والعجما
ما سرني أنني خولت ذاك ولا
أن لا أقول لباغي حاجة نعما
وأنني لم أفد عقلا ولا أدبا
ولا أرث والدي مجدا ولا كرما
فعسرة المرء أحرى في معاشك من
أمر يجر عليك الهم والالما

قال فوالله ما أنشدتها حتى حلفت أن لا تعذلني أبدا.

أخبرنا علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبدالرحمن بن أخي الاصمعي عن عمه قال رأيت بقباء شابا من بني عامر ما رأيت بدويا أفصح منه ولا أظرف فوالله كأنه شواظ يتلظي فاستنشدته فأنشدني

فلم أنسكم يوم اللوى إذ تعرضت
لنا أم طفل خاذل قد تجلت
وقالت سأنسيك العشية ما مضى
وأصرف منك النفس عما أبت
فما فعلت لا والذي أنا عبده
على ما بدا من حسنها إذ أدلت
أبت سابقات الحب إلا مقرها
إليك وما يثني إذا ما استقرت
هواك الذي في النفس أمسى دخيلها
عليه انطوت احشاؤها واستمرت

142

وأنشدني أيضا

ديار التي طرقتك وهنا
بريا روضة وذكاء رند
تسائلني وأصحابي هجود
وتثني عطفها من غير صد
فلما أن شكوت الحب قالت
فإني فوق وجدك كان وجدي
ولكن حال دونك ذو شذاة
أسر بفقده يهر فقدى

معنى - يهر - يكره.

وبهذا الاسناد عن قال الاصمعي قعدت إلى أعرابي يقال له اسماعيل ابن عمار واذا هو يفتل أصابعه ويتلهف فقلت له علام تتلهف فأنشأ يقول

عيناي مشئومتان ويحهما
والقلب حران مبتلى بهما
عرفتانى الهوى بظلمهما
يا ليتني قبله عدمتهما
هما إلى الحين قادتا وهما
دل على ما أجن دمعهما
سأعذر القلب في هواه فما
سبب هذا البلاء غيرهما

وبهذا الاسناد عن الاصمعي قال نزلت ليلة في وادي بني العنبر وهو إذ ذاك غان بأهله أي آهل فاذا فتية يريدون البصرة فأحببت صحبتهم فأقمت ليلتي تلك عليهم وإني لو صب محموم أخاف أن لا أستمسك على راحلتي فلما أقاموا ليرحلوا أيقظوني فلما رأوا حالي رحلوا لى وحملوني وركب أحدهم ورائي يمسكني فلما أمعنوا السير تنادوا ألا فتى يحدو بنا أو ينشدنا فاذا منشد في سواد الليل بصوت ند حزين ينشد

لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت
خفاتا على آثارهم لصبور
غداة المنقى اذ رميت بنظرة
ونحن على متن الطريق نسير
فقلت لقلبي حين خف به الهوى
وكاد من الوجد المبر يطير
فهذا ولما تمض للبين ليلة
فكيف إذا مرت عليك شهور

143
وأصبح أعلام الاحبة دونها
من الارض غول نازح ومسير
وأصبحت نجدي الهوى متهم الثوى
أزيد اشتياقا أن يحن بعير
عسى الله بعد النأي أن يسعف النوى
ويجمع شمل بعدها وسرور

قال فسكنت والله الحمى عني حتى ما أحس بها فقلت لرفيقي انزل يرحمك الله إلى راحلتك فاني متماسك وجزاك الله عن حسن الصبحة خيرا.

أخبرنا المرزباني قال أخبرنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال حدثني بعض أصحابنا عن الاصمعي قال كان بالبصرة اعرابي من بني تميم يتطفل على الناس فعاتبته على ذلك فقال والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل ولا وضع الطعام إلا ليؤكل وما قدمت هدية فأتوقع رسولا وما أكره أن أكون ثقلا ثقيلا على من أراه شحيحا بخيلا أتقحم عليه مستأنسا وأضحك اذا رأيته عابسا فآكل برغمه وأدعه بهمه وما اخترق اللهوات طعام أطيب من طعام لم ينفق فيه درهم ولا يعنى اليه خادم(1) وأنشأ يقول

كل يوم أدور في عرصة الحي
أشم القتار شم الذباب

(1) وروى من غير هذا الوجه عن المبرد قال كان بالبصرة طفيلى مشهور وكان ذا أدب وظرف فمر بسكة النخع بالبصرة على قوم عندهم وليمة فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعى فانكره صاحب المنزل فقالوا له لو تأنيت أو صبرت يا هذا قبل الدخول حتى يؤذن لك كان أحسن لادبك وأعظم لقدرك وأجمل لمروء‌تك فقال إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها ووضعت الموائد ليؤكل عليها والحشمة قطيعة واطراحها صلة وجاء في الآثار صل من قطعك واعط من منعك وأحسن الي من أساء اليك (*)


144
فاذا ما رأيت آثار عرس
أو ختان أو مجمع الاصحاب
لا أروع دون التقحم لا أر
هب دفعا ولكزة البواب
مستهينا مما هجمت عليه
غير مستأذن ولا هياب
فتارني ألف ماقدم القو
م علي رغمهم كلف العقاب
ذاك أدنى من التكلف والغر
م وغيظ البقال والقصاب

(مجلس آخر 38)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي) إلى قوله (أن تكون من الجاهلين). فقال ظاهر قوله تعالى (إنه ليس من أهلك) يقتضي تكذيب قوله عليه السلام انه من أهلى فالنبي لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك وكيف يصح أن يخبر عن ابنه انه عمل غير صالح وما المراد به. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه.

أحدها أن نفيه لان يكون من أهله لم يتناول نفي النسب وانما نفى أن يكون من أهله الذين وعد بنجاتهم لانه عزوجل كان وعد نوحا عليه السلام بان ينجي أهله ألا ترى إلى قوله تعالى (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلامن سبق عليه القول) فاستثنى تعالى من أهله من أراد اهلاكه بالغرق ويدل عليه أيضا قول نوح عليه السلام (ان ابني من أهلي وان وعدك الحق) وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان وقد روى هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.

والجواب الثاني أن يكون المراد بقوله تعالى (ليس من أهلك) اي انه ليس على دينك وأراد انه تعالى انه كان كافرا مخالفا لابيه وكأن كفره أخرجه من أن يكون له أحكام أهله ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى على طريق التعليل انه عمل


145

غير صالح فبين تعالى انه انما خرج عن أحكام أهله لكفره وسوء عمله وقد روي هذا التأويل أيضا عن جماعة من المفسرين وحكى عن ابن جريج انه سئل عن ابن نوح فسبح طويلا ثم قال لا اله الا الله يقول الله ونادى نوح ابنه ويقول ليس منه ولكنه خالفه في العمل فليس منه من لم يؤمن. وروى عن عكرمة انه قال كان ابنه ولكنه كان مخالفا له في النية والعمل فمن ثم قيل انه ليس من أهلك.

والوجه الثالث انه لم يكن ابنه على الحقيقة وانما ولد على فراشه فقال عليه السلام ان ابني على ظاهر الامر فأعلمه الله تعالى ان الامر بخلاف الظاهر ونبه على خيانة امرأته وليس في ذلك تكذيب خبره لانه انما خبر عن ظنه وعما يقتضيه الحكم الشرعي فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره وقد روى هذا الوجه عن الحسن وغيره.

وروى قتادة عن الحسن قال كنت عنده فقال ونادى نوح ابنه فقال لعمر الله ما هو ابنه قال فقلت يا أبا سعيد يقول الله تعالى ونادى نوح ابنه وتقول ليس بابنه قال أفرأيت قوله ليس من أهلك قال قلت معناه انه ليس من أهلك الذين وعدتك ان أنجيهم معك ولا يختلف أهل الكتاب انه ابنه فقال أهل الكتاب يكذبون. وروى عن مجاهد وابن جريج مثل ذلك.

وهذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن لانه قال تعالى (ونادى نوح ابنه) فأطلق عليه اسم البنوة ولانه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى (وأهلك إلا من سبق عليه القول) ولان الانبياء عليهم الصلاة والسلام يجب أن ينزهوا عن مثل هذه الحال لانها تعر وتشين وتغض من القدر وقد جنب الله تعالى أنبياء‌ه عليهم الصلاة والسلام ما هو دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم وقد حمل ابن عباس ظهور ما ذكرناه من الدلالة على ان تأول قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما على ان الخيانة لم تكن منهما بالزنا بل كانت احداهما تخبر الناس بانه مجنون والاخرى تدل على الاضياف والمعتمد في تأويل الآية هو الوجهان المتقدمان.

فأما قوله تعالى (انه عمل غير صالح) فالقراء‌ه المشهورة بالرفع. وقد روى عن جماعة من المتقدمين انهم قرء‌وا انه عمل غير صالح بنصب اللام وكسر الميم ونصب غير ولكل وجه. فأما الوجه في الرفع فيكون على تقدير ان ابنك ذو عمل غير صالح وما يستعمل غير صالح فحذف(19 - أمالى)


146

المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وقد استشهد على ذلك بقول الخنساء

ما أم سقب علي بو تطيف به
قد ساعدتها على التحنان أظآر
ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت
فإنما هي إقبال وإدبار

أرادت انما هي ذات اقبال وادبار. وقال قوم ان المعنى أصل ابنك هذا الذي ولد على فراشك وليس بابنك على الحقيقة والذى اخترناه خلاف ذلك. وقال آخرون الهاء في قوله تعالى (انه عمل غير صالح) راجعة إلى السؤال والمعنى ان سؤالك إياى ما ليس لك به علم عمل انه غير صالح لانه قد وقع من نوح ذلك السؤال والرغبة في قوله عليه الصلاة والسلام (رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق) ومعنى ذلك نجه كما نجيتهم ومن يجيب بهذا الجواب يقول ان ذلك صغيرة من النبي لان الصغيره جائزه عليهم ومن يمنع أن يقع من الانبياء عليهم الصلاة والسلام شئ من القبائح يدفع هذا الجواب ولا يجعل الهاء راجعة إلى السؤال بل إلى الابن ويكون تقدير الكلام ما تقدم.

فاذا قيل له لم قال تعالى (لا تسألنى ما ليس لك به علم) فكيف قال نوح عليه الصلاة والسلام من بعد (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين). قال لا يمتنع أن يكون نهيه عن سؤال ما ليس له به علم وان لم يقع منه لم يكن يعوذ عليه الصلاة والسلام من ذلك وان لم يواقعه الا ترى ان الله تعالى قد نهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن الشرك والكفر وان لم يكن ذلك وقع منه فقال تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) وكذلك لا يمتنع أن يكون نهاه في هذا الموضع عما لم يقع ويكون عليه السلام انما سأل نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع وهكذا يجب في مثل هذا الدعاء.

فأما القراء‌ة بلنصب فقد ضعفها قوم وقالوا كان يجب أن يقال انه عمل عملا غير صالح لان العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن حتى تقول عمل عملا غير حسن وليس وجهها بضعيف في العربية لان من مذهبهم الظاهر اقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس فيقول القائل قد فعلت صوابا وقلت حسنا بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا.

وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي


147
أيها القائل غير الصواب
أخر النصح وأقللن عتابي

وقال أيضا

وكم من قتيل ما يباء به دم
ومن غلق رهن إذا ظمه مني
ومن مالئ عينيه من شئ غيره
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمي(1)

وأنشدنا أبو عبدالله لرجل من بجيله

كم من ضعيف العقل منتكث القوى
ما إن له نقض ولا إبرام
مالت له الدنيا عليه بأسرها
فعليه من رزق الاله ركام
ومشيع جلد أمين حازم
مرس له فيما يروم مرام
أعمى عليه سبيله فكأنه
فيما يحاوله عليه حرام

أخبرنا أبوعبيد الله المرزباني قال أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا ميمون بن

(1) وقبل البيتين

فلم أر كالتجمير منظر ناظر
ولا كليال الحج أفتن ذا هوى

وبعدهما

يسحبن اذيال المروط بأسؤق
خدال وأعجاز مآكمها روي

وسبب هذه الابيات ان أم عمرو بنت مروان حجت فلما قضت نسكها أتت عمر ابن أبى ربيعة وقد أخفت نفسها في نساء فحادثته ثم انصرفت وعادت اليه منصرفها من عرفات وقد أثبتها فقالت له لاتذكرني في شعرك وبعثت اليه بألف دينار فقبلها واشتري بها ثيابا من ثياب اليمن وطيبا فأهداه اليها فردته فقال إذا والله انهبه الناس فيكون مشهورا فقبلته (*)


148

هرون قال حدثنا اسحق بن ابراهيم الموصلي قال كان محمد بن منصور بن زياد الملقب بفتى العسكر يميل إلى الاصمعي ويفضله ويقوم بأمره قال فجئته يوما بعد موت محمد وعنده عبد كان لمحمد أسود وقد ترك الناس وأقبل عليه وسائله وتحفى به وحادثه فلما خرج لمته على ذلك وقلت من هذا حتى أفنيت عمر يومك به فقال هذا غلام ابن منصور ثم أنشدني وقالوا يا جميل أتى أخوها * فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب احبك والقريب بنا بعيد * لان ناسبت بثنة من قريب فقلت له وكنت أفعل هذا كثيرا به لاستجر كلامه وعلمه يا أبا سعيد ذلك أخوها وهذا غلامها فضحك وقال أنشد أبوعمرو أو قال غيره

أري كل ارض أوطنتها وإن خلت
لها حجج تندى بمسك ترابها
حلفت بأني لو أرى تبعا لها
ذئاب الفضى حنت إلي ذئابها

قال فجعلت أعجب من قرب لسانه من قلبه واجادة حفظه له متى أراده.

وبهذا الاسناد عن اسحاق الموصلي قال قرأت على الاصمعي شعر امرئ القيس فلمابلغت إلى هذا البيت

أمن أجل أعرابية حل أهلها
بروض الشري عيناك تبتدران

فقال لي أتعرف في هذا البيت خبئا باطنا غير ظاهر قلت لا فسكت عني فقلت ان كان فيه شئ فأفدينه قال نعم أما يدلك البيت على انه لفظ ملك مستهين ذي قدرة على ما يريد قال اسحاق وما رأيت قط مثل الاصمعي في العلم بالشعر. وروى عن اسحاق أيضا انه قال قال لي الاصمعي ما يعني امرؤ القيس بقوله

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
فألهيتها عن ذي تمائم محول

فقلت تخبرني فقال كان مفركا فيقول ألهيت هؤلاء عن كراهتهن للرجال فيكف انا عند المحبات لهم.

وروى ان السبب الذي هاج التنافر بين الاصمعي وابن الاعرابي ان


149

الاصمعي دخل يوما على سعيد بن سلم وابن الاعرابي حينئذ يؤدب ولده فقال لبعضهم أنشد أبا سعيد فأنشد الغلام أبياتا لرجل من بني كلاب رواه إياها ابن الاعرابي

رأت نضو أسفار أميمة شاحبا
على نضو أسفار فجن جنونها
فقالت من اي الناس أنت ومن تكن
فإنك راعي صرمة لا يزينها
فقلت لها ليس الشحوب على الفتى
بعار ولا خير الرجال سمينها
عليك براعي ثلة مسلحبة
يروح عليها مخضها وحقينها
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة
وأنعم أبكار الهموم وعونها

ورفع ليلة فقال له الاصمعي من رواك هذا فقال مؤدبي فأحضره فاستنشده فأنشده ورفع ليلة فأخذ ذلك عليه وفسر البيت فقال انما أراد انه لم تؤرقه ليلة أبكار الهموم وعونها وأنعم أي زاد على هذه الصفة.

وقوله - سمين الضواحي - أي ما ظهر منه وبدا سمين ثم قال الاصمعي لابن سلم من لم يحسن هذا المقدار فليس بموضع لتأديب ولد الملوك.

وأخبرنا المرزباني قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا أبوالعيناء قال حدثنا الاصمعي قال ولد بشار بن برد أكمه لم ينظر إلى الدنيا قط وكان ذا فطنة وذكاء فقلت له يوما من أين لك هذاالذكاء قال من قدم العمى وعدم المناظر يمنع من كثير من الخواطر المذهلة فيكسب فراغ الذهن وصحة الذكاء وأنشد لنفسه يفخر بالعمى

عميت جنينا والذكاء من العمى
فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للعقل رافدا
بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا
وشعر كنور الروض لا أمت بينه
* بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا

وأخبرنا المرزباني قال أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أبوالعيناء قال حدثنا


150

الاصمعي قال أنشد رجل وأنا حاضر بشارا قول الشاعر

وقد جعل الاعداء ينتقصوننا
وتطمع فينا ألسن وعيون
ألا إنما ليلي عصي خيزرانة
إذا غمزوها بالاكف تلين

فقال بشار والله لو جعلها عصا مخ أو زبد لما كان إلا مخطئا مع ذكر العصا ألا قال كما قلت

وحوراء المدامع من معد
كأن حديثها قطع الجمان
إذا قامت لسبحتها تثنت
كأن قوامها من خيزران
ينسيك المنى نظر إليها
ويصرف وجهها وجه الزمان

وأخبرنا المرزباني قال حدثنا علي بن أبي عبدالله الفارسي قال حدثني أبي عن عمر بن شبة قال قال لي أبوعبيدة رحل بشار إلى الشام فمدح سليمان بن هشام بن عبدالملك وكان مقيما بحران فقال فيه قصيدة طويلة أولها

نأتك على طول التجاور زينب
وما علمت ان النوى سوف يشعب

وكان سليمان بخيلا فأعطاه خمسة آلاف درهم ولم يصب غيرها بعد ان طال مقامه فقال

إن أمس منشنج اليدين عن الندى
وعن العدو محبس الشيطان
فلقد أروح علي اللئام مسلطا
ثلج المقام منعم الندمان
في ظل عيش عشيرة محمودة
تندى يدى ويخاف فرط لساني
أزمان سربال الشباب مذيل
وإذ الامير علي من حراني
رئم بأحوية العراق إذا بدا
برقت عليه أكلة المرجان
فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى
وبوشك رؤيتها من الهملان

151
فلقرب من تهوى وأنت متيم
اشفى لدائك من بني مروان

فلما رجع إلى العراق بره ابن هبيرة ووصله وكان ابن هبيرة يقدمه ويؤثره لمدحه قيسا وافتخاره بها فلما جاء‌ت دولة أهل خراسان عظم شأنه.

وأخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال قال الاصمعي ما وصف أحد الثغر إلا احتاج إلى قول بشر بن أبي خازم

يفلجن الشفاه عن اقحوان
جلاه غب سارية قطار

ولا وصف أحد اللون بأحسن من قول عمر بن أبي ربيعة

وهى مكنونة تحير منها
في أديم الخدين ماء الشباب
شف منها محقق جندبى
فهي كالشمس من خلال السحاب

ولا وصف أحد عيني امرأة إلا احتاج إلى قول ابن الرقاع

لولا الحياء وأن رأسي قد بدا
فيه المشيب لزرت أم القاسم
فكأنها وسط النساء اعارها
عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان اقصده النعاس فرنقت
في عينه سنه وليس بنائم

ولا وصف أحد نجيبا إلا احتاج إلى قول حميد بن ثور

محلى باطواق عتاق يبينها
على الضر راعي الضأن لو يتقوف

ولا وصف أحد ظليما إلا احتاج إلى قول علقمة بن عبدة

هيق كأن جناحيه وجؤجؤه
بيت أطافت به خرقاء مهجوم

ولا اعتذر أحد إلا احتاج إلى قول النابغة

فانك كالليل الذي هو مدركي
وإن خلت ان المنتأى عنك واسع

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. أما قول حميد - محلى بأطواق عتاق - فانه يريد أن عليه نجار الكرم والعتق فصارت دلالتهما وسماتهما حلية من حيث كان موسوما


152

بهما. ومعنى - يبينها على الضراء - يتبينها ويعرفها هذا الراعي فيعلم انه كريم - والتقوف - من القيافة. فأما قول علقمة هيق - فالهيق - ذكرالنعام. ومعنى - أطافت به خرقاء - أي عملته وابتنته وقيل ان خرقاء ههنا هي الحاذقة وان هذه اللفظة تستعمل على طريق الاضداد في الحاذقة وغير الحاذقه. ومعنى - مهجوم - أي مهدوم.

وقال الاصمعي معنى أطافت به عملته فخرقت في عمله يقول قد أرسل جناحيه كأنه خباء امرأة خرقاء كلما رفعت ناحية استرخت ناحية اخرى والوجه الثاني أشبه وأملح. فأما قول بشر بن أبى خازم في وصف الثغر فأحسن منه أكشف وأشد استيفاء للمعنى قول النابغة

كالاقحوان غداة غب سمائه
جفت أعاليه وأسفله ند

فانما وصف أعاليه بالجفوف ليكون متفرقا متنضدا غير متلبد ولا مجتمع فيشبه حينئذ الثغور.

ثم قال وأسفله ند حتى لا يكون قحلا يابسا بل يكون فيه الغضاضة والصقالة فيشبه غروب الاسنان التي تلمع وتبرق.

وروى الرياشي قال سمعت الاصمعي يقول أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ذي الرمة

وتجلو بفرع من أراك كأنه
من العنبر الهندي والمسك ينضح
ذرا أقحوان واجه الليل وارتقى
اليه الندى من رامة المتروح
هجان الثنايا مغربا لو تبسمت
لاخرس عنه كاد بالقول يفصح

(مجلس آخر 39)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون). فقال كيف يعذبهم بالاموال والاولاد ومعلوم أن لهم فيها سرورا ولذة وأما تأويل قوله تعالى (وهم كافرون) فظاهره يقتضي انه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في


153

حال كفرهم لان القائل اذا قال أريد أن يلقاني فلان وهو لابس أو على صفة كذا وكذا فالظاهر انه اراد كونه على تلك الصفة. الجواب قلنا أما التعذيب بالاموال والاولاد ففيه وجوه.

أولها ما روى عن ابن عباس وقتادة وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير ويكون التقدير فلا تعجبك يا محمد ولا يعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار والمنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا انما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها واستشهد على ذلك بقوله تعالى (اذهب بكتابي هذا فألقه اليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون).

وأنشد في ذلك قول الشاعر

عشية أبدت جيد أدماء مغزل
وطرفا يريك الاثمد الجون أحورا

يريد وطرفا أحور يريك الاثمد الجون وقد اعتمد هذا الوجه أيضا أبو علي قطرب وذكره أبوالقاسم البلخي والزجاج.

وثانيها أن يكون معنى التعذيب بالاموال والاولاد في الدنيا هو ما يجعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبى أولادهم واسترقاقهم وفي ذلك لا محالة إيلام لهم واستخفاف بهم وانما أراد الله تعالى بذلك اعلام نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين انه لم يرزق الكفار الاموال والاولاد ولم يبقها في أيديهم كرامة لهم ورضا عنهم بل للمصلحة الداعية إلى ذلك وانهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذي ذكرناه فلا يجب أن يغبطوا بها ويحسدوا عليها اذ كانت هذه عاجلتهم والعقاب الاليم في النار آجلتهم وهذاجواب أبي علي الجبائي وقد طعن عليه بعض من لا تأمل له فقال كيف يصح هذا التأويل مع انا نجد كثيرا من الكفار لا تنالهم أيدى المسلمين ولا يقدرون على غنيمة أموالهم ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذمة والعهد وليس هذا الاعتراض بشئ لانه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد ممن أوجب الله تعالى محاربته فأما الذين هم بحيث لا تنالهم الايدي أو هم من القوة على حد لا يتم معه غنيمة أموالهم فلا يقدح الاعتراض بهم في هذاالجواب لانهم ممن أراد الله تعالى أن يسبى ويغنم ويجاهد ويغلب وان لم يقع ذلك وليس في ارتفاعه بالتعذر دلالة على انه غير مراد.

وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم (20 - أمالى ني)


154

بذلك كلما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي لهؤلاء الكفار المنافقين عقاب وجزاء وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض والنفع ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته وعند احتضاره وانقطاع التكليف عنه مع انه حي من العذاب الدائم الذي قد أعد له واعلامه انه صائر اليه او منتقل إلى قراره وهذا الجواب قد روى معنى أكثره عن قوم من متقدمي المفسرين وذكره أبوعلي الجبائي أيضا.

ورابعها جواب يحكى عن الحسن واختاره الطبري وقدمه على غيره وهو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق في أموالهم لان ذلك يؤخذ منهم على كره وهم اذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نية ولا عزيمة فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا.

[ قال الشريف المرتضي ] رحمه الله وهذا وجه غير صحيح لان الوجه في تكليف الكافر اخراج الحقوق من ماله كالوجه في تكليف المؤمن ذلك ومحال أن يكون انما كلف اخراج هذه الحقوق على سبيل العذاب والجزاء لان ذلك لا يقتضي وجوبه عليه والوجه في تكليف الجميع هذه الامور هو المصلحة واللطف في التكليف ولا يجري ذلك مجرى ما قلناه في الجواب الذي قبل هذا من ان المصائب والغموم تكون للمؤمنين محنة وللكافرين عقوبة لان تلك الامور مما يجوز أن يكون وجه حسنها للعقوبة والمحنة جميعا ولا يجوز في هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلف إلا وجه واحد وهو المصلحة في الدين فاقترن الامران وليس لهم أن يقولوا ليس التعذيب في ايجاب الفرائض عليهم وانما هو لاخراجهم لاموالهم على وجه التكره والاستثقال وذلك انه اذا كان الامر على ما ذكروه وخرج الامر من أن يكون مراد لله تعالى لانه عزوجل ما أراد منهم اخراج المال على هذاالوجه بل على الوجه الذي هو طاعة وقربة فاذا أخرجوها متكرهين مستثقلين لم يرد ذلك فكيف يقول انما يريد الله ليعذبهم بها ويجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصح أن يريده الله تعالى.

[ قال الشريف ] رحمه الله وجميع هذه الوجوه التي حكيناها في الآية إلا جواب التقديم والتأخير مبنية على ان الحياة الدنيا طوق للعذاب فيحمل كل متأول من القوم ضربا من التأويل ويطابق ذلك وما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلفوه ولا إلى التقديم والتأخير اذا لم يجعل الحياة ظرفا للعذاب بل جعلناها ظرفا للفعل


155

الواقع بالاموال والاولاد المتعلق بهما لانا قد علمنا أولا ان قوله ليعذبهم بها لابد من الانصراف عن ظاهره لان الاموال والاولاد نفسها لا تكون عذابا والمراد على سائر وجوه التأويل المتعلق بها والمضاف اليها سواء كان انفاقها والمصيبة بها والغم عليها أو اباحة غنيمتها واخراجها عن أيدى مالكيها فكان تقدير الآية انما يريد الله ليعذبهم بكذا وكذا مما يتعلق بأموالهم وأولادهم ويتصل بها فاذا صح هذا جاز ان تكون الحياة الدنيا لافعالهم القبيحة في أموالهم وأولادهم التي تغضب الله تعالى وتسخطه كانفاقهم الاموال في وجوه المعاصي وحملهم الاولاد على الكفر وإلزامهم الموافقة لهم في النحلة ويكون تقدير الكلام انما يريد الله ليعذبهم بفعلهم في أموالهم وأولادهم الواقع ذلك منهم في الحياة الدنيا وهذا وجه ظاهر يغني عن التقديم والتأخير وسائر ما ذكروه من الوجوه.

فأما قوله تعالى (وتزهق أنفسهم) فمعناه تبطل وتخرج أي انهم يموتون على الكفر وليس يجب اذا كان مريدا لان تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يكون مريدا للحال نفسها على ما ظنوه لان الواحد منا قد يأمر غيره ويريد منه أن يقاتل أهل البغي وهم محاربون ولا يقاتلهم وهم منهزمون ولا يكون مريدا لحرب أهل البغي للمؤمنين وان أراد قتلهم على هذه الحالة وكذلك قد يقول لغلامه أريد أن تواظب على المصير الي في السجن وأنا محبوس وللطبيب صر إلى ولازمني وأنا مريض وهو لا يريد المرض ولا الحبس وان كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.

وقد ذكر في ذلك وجه آخر على أن لا يكون قوله (وهم كافرون) حالا لزهوق أنفسهم بل يكون ذلك كأنه كلام مستأنف والتقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كافرون صائرون إلى النار وتكون الفائدة انهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة ويكون معنى تزهق أنفسهم على هذا الجواب غير الموت وخروج النفس على الحقيقة بل المشقة الشديدة والكلف الصعبة كما يقال ضربت فلانا حتى مات وتلفت نفسه وأخرجت روحه وما أشبه ذلك [ قال الشريف ] رضى الله عنه ذاكرني قوم من أهل الادب بأشعار المحدثين وطبقاتهم وانتهوا إلى مروان بن يحيى بن أبي حفصة فأفرط بعضهم في وصفه وتقريظه


156

وتفضيله وآخرون في ذمه وتهجينه والازراء على شعره وطريقته واستخبروا عما اعتقده فيه فقلت لهم كان مروان متساوي الكلام متشابه الالفاظ غير متصرف في المعاني ولا غواص عليها ولا مدقق فيها فلذلك قلت النظائر في شعره ومدائحه مكررة الالفاظ والمعاني وهو غزير الشعر قليل المعنى الا انه مع ذلك شاعر له تجويد وحذق وهو أشعر من كثير من أهل زمانه وأشعر شعراء أهله ويجب أن يكون دون مسلم بن الوليد في تنقيح الالفاظ وتدقيق المعاني وحسن الالفاظ ووقوع التشبيهات ودون بشار بن برد في الابيات النادرة السائرة فكأنه طبقة بينهما وليس بمقصر دونهما شديدا ولا منحط عنهما بعيدا وكان اسحق بن ابراهيم الموصلي يقدمه على بشار ومسلم وكذلك أبوعمرو الشيباني وكان الاصمعي يقول مروان مولد وليس له علم باللغة واختلاف الناس في اختيار الشعر بحسب اختلافهم في التنبيه على معانيه وبحسب ما يستنبطونه من مذاهبه وطرائقه فسئلت عند ذلك أن أذكر مختار ما وقع الي من شعره وأنبه على سرقاته ونظائر شعره وان أملي ذلك في خلال المجالس وأثنائها.

فمما يختار من شعره قوله من قصيدة يمدح بها المهدي أولها

أعادك من ذكر الاحبة عائد
أجل واستخفتك الرسوم البوائد

يقول فيها

تذكرت من تهوى فأبكاك ذكره
- فلا الذكر منسي ولا الدمع جامد
تحن ويأبي أن يساعدك الهوى
وللموت خير من هوى لا يساعد
ألا طالما أنهبت دمعك طائعا
وجارت عليك الآنسات النواهد
تذكرنا أبصارها مقل المها
واعناقها أدم الظباء العواقد
تساقط منهن الاحاديث غضة
تساقط در اسلمته المعاقد

157
إليك أمير المؤمنين تجاذبت
بنا الليل خوص كالقسى شوارد
يمانية ينأى القريب محلة
بهن ويدنو الشاحط المتباعد
تجلى السرى عنها وللعيس أعين
سوام وأعناق إليك قواصد
إلى ملك يندى إذا يبس الثرى
بنائل كفيه الاكف الجوامد
له فوق مجد الناس مجدان منهما
طريف وعادي الجراثيم تالد
واحواض عز حومة الموت دونها
وأحواض عرف ليس عنهن ذائد
ياد بني العباس بيض سوابغ
على كل قوم ناديات عوائد
وهم يعدلون السمك من قبة الهدى
كما تعدل البيت الحرام القواعد
سواعد عز المسلمين وإنما
تنوء بصولات الاكف السواعد
يكون غرار نومه من حذاره
على قبة الاسلام والخلق راقد
كأن أمير المؤمنين محمدا
لرأفته بالناس للناس والد

[ قال الشريف ] رضى الله عنه.

أما قوله

تساقط منهن الاحاديث غضة
تساقط در أسلمته المعاقد

فيكثر في الشعر وأظن أن الاصل فيه أبوحية النميرى في قوله

إذا هن ساقطن الاحاديث للفتى
سقوط حصى المرجان من سلك ناظم(1)

(1) وهو من أبيات أولها

وخبرك الواشون أن لن أحبكم
بلى وستور الله ذات المحارم
أصد وما الصد الذى تعلمينه
عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم
حياء وبقيا أن تشيع نميمة
بنا وبكم اف لاهل النمائم
فان دما لو تعلمين جنينه
على الحي جاني مثله غير سالم
أما إنه لو كان غيرك أرقلت
اليه القني بالراعفات اللهاذم

(*)


158

وانما عنى بالمرجان صغار اللؤلؤ وعلى هذا يتأول قوله تعالى (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان).

ومثله قول الآخر

هي الدر منثورا إذا ما تكلمت
وكالدر مجموعا إذا لم تكلم

ومثله

من ثغرها الدر النظيم
ولفظها الدر النثير

ونظيره قول البحتري وأحسن غاية الاحسان

ولما التقينا والنقا موعد لنا
تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها
ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

ومثله قول الاخطل

خلوت بها وسجف الليل ملقي
وقد اصغت إلى الغرب النجوم
كأن كلامه در نثير
ورونق ثغرها در نظيم

ولغيره

تبسمت فرأيت الدر منتظما
وحدثت فرأيت الدر منتثرا

ولآخر

وتحفظ لا من ريبة يحذرونها
ولكنها من أعين الناس تحفظ
وتلفظ درا في الحديث إذا جرى
ولم نر درا قبل ذلك يلفظ

ولبعض من تأخر زمانه من الشعرء وقرب من عصرنا هذا

اظهرن وصلا إذ رحمن متيما
وارين هجرا اذ خشين مراقبا
ولكنه والله ماطل مسلما
كغر الثنايا واضحات الملاغم
اذا هن ساقطن الاحاديث للفتى
سقوط حصى المرجان من سلك ناظم
رمين فأقصدن القلوب ولا ترى
دما مائرا الاجوى في الحيازم

(*)


159
فنظمن من در المباسم جامدا
ونثرن من در المدامع ذائبا

[ قال الشريف ] رضى الله عنه وليس قول أبي هذيل في صفة الحديث

كتساقط الرطب الجني
من الاقناء لا نثرا ولا نزرا

من هذا الباب في شئ لان جميع ما تقدم هو في وصف الثغر وهذا في وصف حسن الحديث وانه متوسط في القلة والكثرة لازم للقصد كانتثار الرطب من الاقناء ويشبه أن يكون أراد أيضا مع ذلك وصفه بالحلاوة والغضاضة لتشبيهه له بالرطب ثم انه غض طري غير مكرر ولا معاد لقوله الرطب الجني فيجتمع له أغراض الوصف له بالفصاحة والاقتصاد في القلة والكثرة ثم وصفه بالحلاوة ثم الغضاضة. ونظير قول أبي الهذيل قول ذي الرمة

لها بشر مثل الحرير ومنطق
رخيم الحواشي لاهراء ولا نزر(1)

فأما قول مروان

إلى ملك تندي اذا يبس الثرى
بنائل كفيه الاكف الجوامد

فمثل قول أبي حنش النميري في يحيي بن خالد البرمكي

لا تراني مصافحا كف يحيى
إنني إن فعلت اتلفت مالي

(1) وبعده

وعينان قال الله كونا فكانتا
فعولان بالالباب ما تفعل الخمر

- رخيم الحواشي - لينها - والهراء - كغراب المنطق الكثير أو الفاسد الذي لا نظام له.

وروى ان الفرزدق حضر مجلس عبدالله بن أبى اسحاق فقال له كيف تنشد هذا البيت وعينان قال الله كونا الخ فأنشده فعولان فقال له عبدالله ما كان عليك لو قلت فعولين فقال له الفرزدق لو شئت ان أسبح لسبحت ونهض فلم يعروفوا مراده فقال عبدالله لو قال فعولين لاخبر ان الله خلقهما وأمرهما ولكنه أراد انهما تفعلان ما تفعل الخمر ام وكان هنا تامة لا خبر لها (*)


160
لو يمس البخيل راحة يحيي
لسخت نفسه ببدل النوالي

ومثله قول ابن الخياط المدني في المهدي

لمست بكفي كفه أبتغي الغنى
ولم أدر أن الجود من كفه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغني
أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي

وقد قيل ان هذا الشاعر كأنه مصرح بالهجاء لانه زعم ان الذي لمس كفه لم يفده شيئا بل أعداه جوده فأتلف ماله ولم يرد الشاعر إلا المدح ولقوله وجه وهو ان ذوى الغنى هم الذين تستقر الاموال في أيديهم وتلبث تحت أيمانهم ومن أخرج مايملكه حالا بحال لا يوصف بانه ذو غنى فأراد الشاعر انني لم أفد منه ما بقى في يدي واستقر تحت ملكى فلهذا قال لم يفد ما افاد ذوو الغنى.

ومن هذا المعنى قول مسلم

إلى ملك لو صافح الناس كلهم
لما كان حي في البرية يبخل

ومثله قول أبي العكوك

لو لمس الناس راحتيه
ما بخل الناس بالعطاء

وأحسن من هذا كله وأشبه بالمدح وأدخل في طريقته قول البحتري

من شاكر عنى الخليفة بالذي
أولاه من طول ومن إحسان
ملات يداه يدي وشرد جوده
بخلى فأفقرني كما أغناني
حتى لقد أفضلت من إفضاله
ورأيت نهج الجود حيث أراني
ووثقت بالخلف الجميل معجلا
منه فأعطيت الذي أعطاني

ومن هذا المعنى قول الآخر

رأيت الندى في آل عوف خليقة
إذا كان في قوم سواهم تخلقا
ولو جزت في أبياتهم لتعلمت
يداك الندى منهم فأصبحت مملقا

ولابن الرومي


161
يجود البخيل إذا ما رآ
ك ويسطو الجبان إذا عاينك

وأما قوله

وأحواض عز حومة الموت دونها
وأحواض عرف ليس عنهن زائد

فيشبه أن يكون ابراهيم بن العباس الصولي أخذه في قوله

لنا إبل كوم يضيق بها الفضا
وتفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا
ومن دوننا أن نستذم دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها
وأيسر خطب عند حق فناؤها(1)

وقد أحسن ابراهيم بن العباس في أبياته كل الاحسان فأما قوله

يكون غرارا نومه من حذاره
على قبة الاسلام والخلق راقد

فكثير متداول.

ومن أحسنه قول محمد بن عبدالملك الزيات

نعم الخليفة للرعية من إذا
رقدت وطاب لها الكرى لم يرقد

ومثله

ويظل يحفظنا ونحن بغفلة
ويبيت يكلؤنا ونحن نيام

ومثله للبحتري

أربيعة الفرس اشكرى يد منعم
وهب الاساء‌ة للمسئ الجاني
روعتموا جاراته فبعثتموا
منه حمية آنف غيران
لم تكر عن قاصي الرعية عينه
فتنام عن وتر القريب الداني

فأما قوله

(1) كان ثعلب يقول كان ابراهيم بن العباس أشعر المحدثين وينشد هذه الابيات ويقول لو كان هذا لبعض الاوائل لا ستجيد له ولم يرو ثعلب قط شعر كاتب غيره (*) (21 - أمالى نى)


162
كأن أمير المؤمنين محمدا
لرأفته بالناس للناس والد

فنظير قول بعض الشعراء في يحيى بن خالد

أحيي لنا يحيى فعال خالد
فأصبح اليوم كثير الحامد
يسخو بكل طارف وتالد
على بعيد غائب وشاهد
الناس في إحسانه كواحد
وهو لهم أجمعهم كالوالد

ومن جيد قول مروان من قصيدة أولها

خلت بعدنا من آل ليلى المصانع
وهاجت لنا الشوق الديار البلاقع

يقول فيها

ومالي إلى المهدي لو كنت مذنبا
سوى حلمه الضافي على الناس شافع
ولا هو عند السخط منه ولا الرضى
بغير الذي يرضى به الله واقع
تغض له الطرف العيون وطرفه
على غيره من خشية الله خاشع

أما قوله - ولا هو عند السخط منه ولا الرضى - البيت.

فمثل قول أشجع

ولست بخائف لابى علي
ومن خاف الاله فلن يخافا

ومثله

أمننى منه ومن خوفه
خيفته من خشية الباري

ولابي نواس

قد كنت خفتك ثم أمنني
من أن أخافك خوفك الله

ويشبه هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله دعا غلاما مرارا فلم يجبه فخرج فوجده على باب البيت فقال له ما حملك على ترك اجابتي قال كسلت عن اجابتك وأمنت عقوبتك فقال عليه السلام الحمد لله الذي جعلني ممن يأمنه خلقه.


163

فأما قوله - تغض له الطرف العيون - فيشبه أن يكون مأخوذا من قول الفرزدق أو ممن تنسب(1) اليه هذه الابيات

يغضي حياء ويغضى من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم

(1) قوله أو ممن تنسب اليه يشير بهذا إلى ان القصيدة المشهورة التى تنسب للفرزدق في سيدنا زين العابدين بن الحسين بن على رضى الله عنهم التى قالها لما قال هشام حين سأله رجل من أهل الشام من هذا الذى هابه الناس هذه الهيبة وذلك ان هشاما حج في خلافة أبيه فطاف ولم يستطع استلام الحجر لشدة الزحام فلما جاء زين العابدين رضى الله عنه تنحى الناس له فقال هشام للشامي لا أعرفه فقال الفرزدق أنا أعرفه وأنشأ يقول

هذا سليل حسين نجل فاطمة
بنت الرسول الذى انجابت به الظلم

فحبسه هشام بين مكة والمدينة فقال الفرزدق أبياته التي منها

يقلب رأسا لم يكن رأس سيد
وعينا له حولاء باد عيوبها

ففكه ثم بعث اليه زين العابدين رضى الله عنه اثني عشر ألف درهم فردها وقال مدحتك لله تعالى لا للعطاء فقال زين العابدين إنا أهل بيت اذا وهبنا شيئا لا نستعيده فقبلها ولم يثبت للفرزدق منها غير سبعة أبيات ونسب بعضها إلى أبي دهبل الجمحي.

وأما قوله يغضى حياء الخ وقوله

في كفه خيزران ريحا عبق
في كف أروع في عرنينه شمم

فقيل انهما لداود بن سلم يمدح بهما قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وبعدهما

هاتف بك من اوج ورابية
يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم

وروى من غير هذا الوجه ان عبدالله بن عبد الملك حج فقال له أبوه سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة وهو ذرب اللسان فإياك أن تحتجب عنه وأرضه وصفته انه أشعر ذو بطن عظيم الانف فلما قدم عبدالله المدينة وصفه لحاجبه وقال له إياك أن ترده فلم يأت الحزين حتى قام لينام فقال له الحاجب قد ارتفع فلما ولى ذكر فلحقه فقال ارجع (*)


164

فاستأذن له فأدخله فلما صار بين يديه ورأى جماله وبهاء‌ه وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتا فأمهله عبدالله حتي ظن انه قد أراح ثم قال له السلام عليك رحمك الله أولا فقال عليك السلام وحيا الله وجهك أيها الامير انى قد كنت مدحتك بشعر فلما دخلت عليك ورأيت جمالك وبهاء‌ك أذهلنى عنه فأنسيت ما كنت قلته وقد قلت في مقامي هذا بيتين فقال ما هما فقال

في كفه خيزران ريحها عبق
من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم

بتقديم الاول على الثانى في هذه الرواية فأجازه فقال اخدمنى أصلحك الله فانه لا خادم لي فقال اختر أحد هذين الغلامين فأخذ أحدهما فقال له عبدالله أعلينا ترذل خذ الاكبر والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التى يمدح بها على بن الحسين رضى الله عنهما وهو غلط ممن رواه فيها وليس هذان البيتان مما يمدح به مثله وله من الفضل المتعالم ما ليس لاحد (*)

(مجلس آخر 40)
(تأويل آية)

إن سأل سائل عن قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه). وقال ما معنى الحول بين المرء وقلبه وهل يصح ما تأوله قوم من انه يحول بين الكافر والايمان وما معنى قوله لما يحييكم وكيف تكون الحياة في اجابته. الجواب قلنا أما قوله تعالى (يحول بين المرء وقلبه) ففيه وجوه.

أولها أن يريد بذلك تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت وهذا حث من الله عزوجل على الطاعات والمبادرة بها قبل الفوت وانقطاع التكليف وتعذر ما يستوفى به المكلف نفسه من التوبة والاقلاع فكأنه تعالى قال بادروا إلى الاستجابة لله وللرسول من قبل أن يأتيكم الموت فيحول بينكم وبين الانتفاع بنفوسكم وقلوبكم ويتعذر عليكم ما تسوفون به نفوسكم من التوبة


165

بقلوبكم ويقوى ذلك قوله تعالى (وأنه اليه تحشرون).

وثانيها أن يحول بين المرء وقلبه بازالة عقله وإبطال تمييزه وان كان حيا وقد يقال لمن فقد عقله وسلب تمييزه انه بغير عقل قال الله تعالى (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب).

قال الشاعر

ولي ألف وجه قد عرفت مكانه
ولكن بلا قلب إلى أين اذهب

وهذا الوجه يقرب من الاول لانه تعالى أخرج هذا الكلام مخرج الانذار لهم والحث لهم على الطاعات قبل فوتها لانه لا فرق بين تعذر التوبة بانقطاع التكليف بالموت وبين تعذرها بازالة العقل.

وثالثها أن يكون المعنى المبالغة في الاخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون وان الضمائر المكتومة له ظاهرة والخفايا المستورة لعلمه بادية ويجري ذلك مجرى قوله تعالى (ونحن أقرب اليه من حبل الوريد) ونحن نعلم انه تعالى لم يرد قرب المسافة بل المعنى الذي ذكرناه واذا كان عزوجل هو أعلم بما في قلوبنا منا وكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه ونسهو عنه ونضل عن علمه وكل ذلك لا يجوز عليه جاز أن يقول انه يحول بيننا وبين قلوبنا لانه معلوم في الشاهد ان كل شئ يحول بين شيئين فهو أقرب اليهما. ولما أراد الله تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف ونألف وان كان القرب الذي عناه جلت عظمته لم يرد به المسافة والعرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة فيقولون فلان أقرب إلى قلبى من فلان وزيد مني قريب وعمرو مني بعيد ولا يريدون قرب المسافة.

ورابعها ما أجاب به بعضهم من ان المؤمنين كانوا يفكرون في كثرة عدوهم وقلة عددهم فيدخل قلوبهم الخوف فأعلمهم تعالى انه يحول بين المرء وقلبه بانه يبدله بالخوف امنا ويبدل عدوهم بظنهم انهم قادرون عليهم وغالبون لهم الجبن والخور.

ويمكن في الآية وجه خامس وهو أن يكون المراد انه تعالى يحول بين المرء وبين ما يدعوه اليه قلبه من القبائح بالامر والنهي والوعد والوعيد لانا نعلم انه تعالى لو لم يكلف العاقل مع ما فيه من الشهوات والنفار لم يكن له عن القبيح مانع ولا عن مواقعته رادع فكان التكليف حائل بينه وبينه من حيث زجر عن فعله وصرف عن مواقعته وليس يجب في الحائل أن يكون في كل موضع مما يمتنع معه الفعل لانا نعلم ان المشير منا على غيره في أمر كان قد هم به


166

وعزم على فعله أن يجتنبه والمنبه له على ان الحظ في الانصراف عنه يصح أن يقال منعه منه وحال بينه وبين فعله. قال عبيدالله بن قيس الرقيات

حال دون الهوى ودو
ن سرى الليل مصعب
وسياط على أكف
رجال تقلب

ونحن نعلم انه لم يحل إلا بالتخويف والترهيب دون غيرهما.

فان قيل كيف يطابق هذا الوجه صدر الآية. قلنا وجه المطابقة ظاهر لانه تعالى أمرهم بالاستجابة لله تعالى ولرسوله فيما يدعون اليه من فعل الطاعات والامتناع من المقبحات فاعلمهم انه بهذا الدعاء والانذار وما يجري مجراهما يحول بين المرء وبين ما تدعوه اليه نفسه من المعاصي ثم ان المآب بعد هذا كله والمنقلب إلى ما عنده فيجازي كلا باستحقاقه.

فأما قوله تعالى (اذا دعاكم لما يحييكم) ففيه وجوه. أولها أن يريد بذلك الحياة في النعيم والثواب لان تلك هي الحياة الدائمة الطيبة التي يؤمن من تغيرها ولا يخاف انتقالها فكأنه تعالى حث على اجابته التي تكسب هذه الحال.

وثانيها انه يختص ذلك بالدعاء إلى الجهاد وقتال العدو فكأنه تعالى أمرهم بالاستجابة للرسول عليه الصلاة والسلام فيما يأمرهم به من قتال عدوهم ودفعهم عن حوزة الاسلام وأعلمهم ان ذلك يحيهم من حيث كان فيه قهر للمشركين وتقليل لعددهم وفل لجهدهم وحسم لاطماعهم لانهم متى كثروا وقووا استلانوا جانب المؤمنين وأقدموا عليهم بالقتل وصنوف المكاره فمن ههنا كانت الاستجابة له عليه الصلاة والسلام تقتضي الحياة والبقاء ويجري ذلك مجرى قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة).

وثالثها ما قاله قوم من ان كل طاعة حياة ويوصف فاعلها بأنه حي كما ان المعاصي يوصف فاعلها بانه ميت والوجه في ذلك ان المؤمن الطائع لما كان منتفعا بحياته وكانت تؤديه إلى الثواب الدائم قيل ان الطاعة حياة ولما كان الكافر العاصي لا ينتفع بحياته من حيث كان مصيره إلى العقاب الدائم كان في حكم الميت ولهذا يقال لمن كان منغص الحياة غير منتفع بها فلان بلا عيش ولا حياة وما جرى مجرى ذلك من حيث لا ينتفع بحياته.

ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بالكلام الحياة في الحكم لا في


167

الفعل لانا قد علمنا انه عليه الصلاة والسلام كان مكلفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملته وقتلهم وان كان فيما بعد كلف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شروطها فكأنه تعالى قال فاستجيبوا للرسول ولا تخالفوه فانكم اذا خالفتم كنتم في الحكم غير أحياء من حيث تعبد عليه الصلاة والسلام بقتالكم وقتلكم فاذا أطعتم كنتم في الحكم أحياء ويجري ذلك مجرى قوله تعالى (ومن دخله كان آمنا) وانما أراد تعالى إنما يجب أن يكون آمنا وهذا حكمه ولم يخبر بان ذلك لا محالة واقع.

فأما المجبرة فلا شبهة لهم في الآية ولا متعلق بها لانه تعالى لم يقل انه يحول بين المرء وبين الايمان بل ظاهر الآية لايقتضي أن يحول بينه وبين أفعاله وانما يقتضي ظاهرها انه يحول بينه وبين قلبه وليس للايمان ولا للكفر ذكر ولو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه وليس لها ذلك ولا يضر قناعته بأدلة العقل الموجبة انه تعالى لايحول بين المرء وبين ما أمر به وأراده منه وكلفه فعله لان ذلك قبيح والقبائح عنه منفية.

أخبرنا أبوعبيدالله محمد بن عمران المرزباني قال حدثني احمد بن محمد الجوهري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن اسمعيل بن عبدالعزيز بن عمرو بن عبدالرحمن بن عوف قال حدثني عمرو بن خالد بن عبدالله عن الحجاج السلمي قال لما اشتد بحصن بن حذيفة بن بدر وجعه من طعنة كرز بن عامر إياه يوم بني عقيل دعا ولده فقال ان الموت أهون مما أجد فأيكم يطيعني قالوا كلنا نطيعك فبدأ بأكبرهم فقال قم فخذ سيفي واطعن به حيث آمرك ولا تعجل قال يا أبتاه أيقتل المرء أباه فأتي على القوم كلهم فأجابوه بجواب الاول حتى انتهى إلى عيينة فقال يا أبتاه ليس لك فيما تأمرني به راحة ولي بذلك طاعة وهو هواك قال بلى قال فأمرني كيف أصنع قال الق السيف انما أردت ان أعلم أيكم أمضى لما آمر به فأنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي فقال القوم انه سيقول في ذلك ابياتا فاحضروه فلما أمسى قال

ولوا عيينة من بعدي أموركم
واستيقنوا انه بعدي لكم حام
إما هلكت فإني قد بنيت لكم
عز الحياة بما قدمت قدامي

168
واستوسقوا للتي فيها مروء‌تكم
قود الجياد وضرب القوم في الهام
والقرب من قومكم والقرب ينفعكم
والبعد إن باعدوا والرمي للرامي
ولى حذيفة إذ ولى وخلفني
يوم الهباة يتيما وسط أيتام
لا أرفع الطرف ذلا عند مهلكة
ألقي العدو بوجه خده دامي
حتى اعتقدت لوا قومي فقمت به
ثم ارتحلت إلى الجفني بالشام
لما قضي ما قضى من حق زائره
عجت المطي إلى النعمان من عامي
اسمو لما كانت الاباء تطلبه
عند الملوك فطرفي عندهم سامي
والدهر آخره شبه لاوله
قوم كقوم وأيام كأيام
فابنوا ولا تهدمو فالناس كلهم
من بين بان إلي العليا وهدام

قال ثم أصبح ودعا بني بدر فقال لوائي ورياستي لعيينة واسمعوا مني ما أوصيكم به لا يتكل آخركم على أولكم فانما يدرك الآخر ما أدركه الاول وانكحوا الكف‌ء الغريب فانه عز حادث واذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا فان كل مورد معروف واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه فان الخلاف يزرى بالرئيس المطاع واذا وحادثتم فاربعو ثم قولوا الصدق فانه لا خير في الكذب وصونوا الخيل فانها حصون الرجال وأطيلوا الرماح فانها قرون الخيل وأعزوا الكبير بالكبر فإني بذلك كنت أغلب الناس ولا تغزوا الا بالعيون ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح واعطوا على حسب المال واعجلوا الضيف بالقرى فان خيره أعجله واتقوا فضيحات البغى وفلتات المزاح ولا تجيروا على الملوك فان أيديهم أطول من أيديكم واقتلوا كرز بن عامر ومات حصن فأخذ عيينة الرياسة. وقال

أطعت أبا عيينة في هواه
ولم تخلج صريمتي الظنون

169
وقد عرض الرئيس على بنيه
فقال القوم هذا لا يكون
ستحيا أو تموت فطالوه
وقتل المرء والده جنون
فلم أقتل بحمد الله حصنا
وكل فتى سيدركه المنون
ولم أنكل عليه وكل امر
اذا هونته يوما يهون
فإن يك بدء هذا الامر غثا
فآخره بنى بدر سمين

وحكي عمر بن بحر الجاحظ أن اسم عيينة بن حصن حذيفة وانما أصابته اللقوة فجحظت عينه وزال فكه فسمي لذلك عيينة واذا عظمت عين الانسان لقبوه ابا عيينة وأبا العيناء. وروى قيس بن أبي حازم أن عيينة بن حصن بن حذيفة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا أحمق مطاع. وروى أيضا أنه كان يدلع لسانه للحسين بن على عليهما السلام وهو صبي فيرى لسانه فيهش له فقال له عيينة أراك تضع هذا بهذا فو الله انه ليكون لي الابن رجلا قد خرج وجهه ما قبلته قط فقال رسول رسول الله صلى الله وسلم انه لا يرحم من لا يرحم.

ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان فمما يختار من شعره قوله من قصيدة أولها

صحا بعد جهل فاستراحت عواذله
وأقصر عنه حين أقصر باطله
ومن مد في أيامه فتأخرت
منيته فالشيب لاشك شامله
هو المرء إما دينه فهو مانع
صؤن وإما ماله فهو باذله
أمر وأحلى ما بلى الناس طعمه
عقاب أميرالمؤمنين ونائله
أبي لما يأبي ذوو الحزم والتقى
فعول إذا ما جد بالامر فاعله
تروك الهوى لا السخط منه ولا الرضا
- لدى موطن إلا علي الحق حامله

170

(22 - أمالى نى)

يرى أن مر الحق أحلى مغبة
وأنجى ولو كانت زعافا مناهله
فإن طليق الله من هو مطلق
وإن قتيل الله من هو قاتله
وإنك بعد الله للحكم الذي
تصاب به من كل حق مفاصله

أما قوله -

ومن مد في أيامه فتأخرت
منيته فالشيب لا شك شامله

فمأخوذ من قول طريح بن اسمعيل الثقفي

والشيب غاية من تأخر حينه
لا يستطيع دفاعه من يجزع

والاصل في هذا قول امية بن أبي الصلت

من لم يمت عبطة يمت هرما
والموت كأس والمرء ذائقها

ويشبه ذلك قول الآخر

قل لعرسى ليس شيبي بعجب
من يعش يا أم عمار يشب

ومثله قول أبي العتاهية

من يعش يكبر ومن يكبر يمت
والمنايا لا تبالى من أتت

ويشبه قول البحتري

ولا بد من ترك إحدى اثنتين
فإما الشباب واما العمر

وقوله

والشيب مهرب من جارى مشيته
ولا نجاء له من ذلك الهرب

وقريب منه قول ابن المعتز

قالت كبرت وانتفيت من الصبا
فقلت لها ما عشت إلا لاكبرا

ولبعضهم

ولا بد من موت فإما شبية
وإما مشيب والشبية أصلح

معنى قوله - والشبيبة أصلح - إن الانسان اذا مات شابا كان أكثر للحزن عليه


171

والاسف على مفارقته فاذا أسن برم به أهله وهان عندهم فقده.

فأما قوله

هو المرء إما دينه فهو مانع
صؤن وأما ماله فهو باذله

فمعناه متكرر في الشعر كثير جدا. وأحسن شعر جمع بين وصف الممدوح بمنع ما يجب منعه وبذل مايجب بذله قول مسلم بن الوليد الانصاري

يذكر نيك الجود والبخل والنهى
وقول الخنا والحلم والعلم والجهل
فالقاك عن مذمومها متنزها
والقاك في محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنه
بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل

وقد أحسن البحتري في قوله

بلونا ضرائب من قد نرى
فما إن وجدنا لفتح ضريبا
تنقل في خلقي سؤدد
سماحا مرجى وباسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا
وكالبحر إن جئته مستثيبا

فأما قوله - تروك الهوي لا السخط منه ولا الرضى - البيت. فمعنى متداول مطروق في الشعر وقد ذكره هو في قوله

إذا هن القين الرحال ببابه
حططن به ثقلا وأدركن مغنما
إلى طاهر الاثواب ما نال في رضى
ولا غضب مالا حراما ولا دما

وأحسن من هذا قول أبي تمام في محمد بن عبدالملك الزيات

ثبت الجنان إذا اصطكت بمظلمة
في رحله السن الاقوام والركب
لا المنطق اللغو يزكو في مقاومه
يوما ولا حجة الملهوف تستلب
كأنما هو في نادى قبيلته
لا القلب يغفو ولا الاحشاء تضطرب
وتحت ذاك قضاء حز شفرته
كما يعض بظهر الغارب القتب

172
لا سورة تتقى منه ولا بله
ولا يخاف رضى منه ولا غضب

ومثله قول البحترى في ابن الزيات أيضا

وجه الحق بين أخذ وإعطا
ء وقصد في الجمع والتبديد
واستوى الناس فالقريب قريب
عنده والبعيد غير بعيد
لا يميل الهوى به حين يمضى الامر
بين المقلي وبين الودود
وسواء لديه أبناء إبرا
هيم في حكمه وأنباء هود
مستريح الاحشاء من كل ضغن
بارد الصدر من غليل الحقود

فأما قوله - وان قتيل الله من هو قاتله - فيشبه أن يكون مأخوذا من قول يزيد بن مفرغ في عبيدالله بن زياد لعنهما الله

إن الذي عاش ختارا بذمته
ومات عبدا قتيل الله بالزاب

- أما قوله وانك بعد الله للحكم الذي تصاب به من كل حق مفاصله -. فيشبه قول أبي تمام في وصف القلم من قصيدة يمدح بها ابن الزيات. وأجمع العلماء أن هذه الابيات أحسن أفخم من جميع ما قيل في القلم

لك القلم الاعلى الذي بشباته
تصاب من الامر الكلى والمفاصل(1)
له الخلوات اللاء لولا نجيها
لما احتفلت للملك تلك المحافل(2)

(1) - الشباة - حد القلم وغيره ومثلها الشبا بالفتح والقصر. وقوله - تصاب من الامر - روى أيضا ينال من الامر - والكلي - جمع كلية وكلوة جاء بالياء والواو - والمفاصل - جمع مفصل وهو ملتقى كل عظمين. أراد ان القلم يطبق المفصل ويصادف المحز وبه ينال مقاصد الامور فانه ينال بالاقلام ما يعجز عنه مجالدة الحسام

(2) قوله - له الخلوات - يعنى ان أصحاب القلم هم أهل المشورة وموضع السر يخلم (*)


173
لعاب الافاعي القاتلات لعابه
وأري الجني اشتارته أيد عواسل(1)

لهم الملوك المجالس للمشورة وبهم يحصل نظام الملك - والنجى - المسارر والتناجي المسارة. وأراد به المشير فان المشورة تكون سرا غالبا - والاحتفال - حسن القيام بالامور - والمحافل - جمع محفل كمجلس ومقعد وهو المجتمع

(1) قوله - لعاب الافاعى - الخ اللعاب مايسيل من الفم - والقاتلات - صفة كاشفة للافاعى ذكرها تهويلا - والاري - بفتح الهمزة وسكون الراء مالزق من العسل في جوف الخلية - والجنى - بفتح الجيم والقصر العسل والاضافة للتخصيص فان الارى يأتى أيضا بمعنى مالزق بأسفل القدر من الطبيخ وان جعلت الارى بمعنى العسل والجنى بمعني كل مايجتنى من ثمرة ونحوها يلزم اضافة الموضوف إلى للصفة - واشتارته - استخرجته يقال شار فلان العسل شورا وشيارا وشيارا وشيارة اذا استخرجه وكذلك أشاره واشتاره - وأيد - جمع يد - والعواسل - جمع عاسله أى مستخرجة العسل والعاسل مستخرج العسل من موضعه والمصراع الاول بالنسبة إلى الاعداء والثانى بالنسبة إلى الاولياء. يعنى ان لعاب قلمه بالنسبة الي الاعداء سم قاتل وبالنسبة إلى الاولياء شفاء عاجل.

فقوله لعاب مبتدأ مؤخر لعاب الافاعى خبر مقدم وأرى معطوف على الخبر وجاز هذا مع تعريف الطرفين لان المعني دال عليه لان اللعاب القاتل انما هو لعاب الافاعى فلعاب القلم مشبه به في التأثير وعلم من هذا انه ليس من التشبيه المقلوب فان لعاب القلم قد شبه بشيئين وهو السم والعسل باعتبارين وان جعلته من التشبيه المقلوب كان من عطف الجمل والخبر في المعطوف محذوف وفيه تكلف اه‍ من شرح الشواهد الكبرى. فقوله السابق وان جعلت الارى بمعنى العسل والجنى بمعنى كل مايجتنى من ثمرة ونحوها يلزم اضافة الموصوف إلى الصفة. قلت ان لزم ذلك فلا محذور فيه فان ابن مالك نص في التسهيل على جواز اضافة الصفة إلى الموصوف والموصوف إلى قائم مقام الوصف وعلى كل حال فهي مسألة خلافية فذهب البصريون إلى منع ذلك مطلقا وتأولوا ماورد منه وذهب الكوفيون إلى الجواز اذا اختلف اللفظان من غير تأويل (*)


174
له ريقة طل ولكن وقعها
بآثاره في الشرق والغرب وابل (1)
فصيح إذا استنطقته وهو راكب
واعجم إن خاطبته وهو راجل
اذا ما امتطي الخمس اللطاف وافرغت
- عليه شعاب الفكر وهي حوافل(2)
أطاعته أطراف القنا وتقوضت
لنجواه تقويض الخيام الجحافل(3)
إذا استغزر الذهن الذكى وأقبلت
أعاليه في القرطاس وهى أسافل(4)
وقد رفدته الخنصران وسددت
ثلاث نواحيه الثلاث الانامل (5)

محتجين بنحو تعالى (حق اليقين. ولدار الآخرة. بجانب الغربى) وغير ذلك

(1) قوله - له ريقة طل - ريقة مبتدا وطل وصفة والظرف قبلة خبره والطل المطر الضعيف - والوابل - وكذا الوبل المطر الشديد الضخم القطر. يقول إن مايجرى من القلم حقير تافه في ظاهر الامر لكن له أثر خير عم المشارق والمغارب

(2) قوله - اذا ماامتطى الخمس اللطاف - الخ. أراد بالخمس اللطاف الاصابع الخمس - والشعاب - جمع شعب بكسرهما الطريق في الجبل - والحوافل - جمع حافله يقال حفل اللبن وغيره حفلا وحفولا اجتمع واحتفل الوادي امتلا وسال

(3) قوله - أطاعته أطراف القنى - الخ. هو جواب اذا وروى أطاعته أطراف الرماح - وتقوضت - يقال تقوضت الصفوف اذا انتقضت وأصله من تقويض البناء وهو نقضه من غير هدم - والنجوى - السر وتقويض أى كتويض الخيام - والجحافل - فاعل قوضت وهو جمع جحفل بتقديم الجيم على المهملة كجعفر الجيش

(4) قوله - اذا استغزر الذهن - استغزره وجده غزيرا وفاعله ضمير القلم - والذكى - المتوقد وروى الخلى بدله والخلى الخالي وانما تكون أعالي القلم أسافل حين الكتابة

(5) قوله - وقد رفدته الخنصران - الخ رفدته أعانته - وسددت - قومت - (*)


175
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف
ضني وسمينا خطبه وهو ناحل(1)

تم ولله الحمد الجزء الثانى من كتاب أمالى السيد المرتضى. وقد صحح هذا الجزء من أوله الي نهاية الملزمة الخامسة عشر منه بتصحيح السيد محمد بدر الدين النعساني ومن ثم إلى آخره بتصحيح حضرة الشيخ احمد بن الامين الشنقيطي نزيل القاهرة حالا وقد بذلا غاية جهدهما فيه تصحيحا وضبطا وتفسير ما يحتاج إلى إيضاح غامضه أحسن الله اليهما وشكر مسعاهما. وقد تم ولله الحمد طبعه في آوائل جمادي الثانية سنة 1325 هجريه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

(1) قوله - رأيت جليلا شأنه - الخ. رأيت جواب اذا وشأنه فاعل جليلا وجملة - وهو مرهف - حال وهو اسم مفعول من أرهفت السيف ونحوه اذا رققت شفرته ويقال أيضا رهفته رهفا فهو رهيف ومرهوف - وضنى - تمييز وهو مصدر ضنى من باب تعب اذا مرض مرضا ملازما - وسمينا - معطوف على جليلا - وناحل - من نحل الجسم ينحل بفتحهما نحو لا سقم ومن باب تعب (*)

فهرست اشعار
ضعيف العصا بادي العروق ترى له    =    عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا. 2
كميت كركن الباب أحيى بناته    =    مقاليتها فاستحشمتهن إصبع. 3
من يبسط الله عليه إصبعا    =    بالخير والشر بأي أولعا 3
أغر كلون البدر في كل منكب    =    من الناس نعمى يحتذيها وإصبع. 3
وأرزنات ليس فيهن ابن    =    ذو اصبع في مسها وذو فطن. 3
أكرم نزارا واسقه المشعشعا    =    فإن فيه خصلات أربعا 3
لها امرها حتى إذا ما تبوأت    =    بأحقافها مأوى تبوأ مضجعا 6
هدان أخو وطب وصاحب علبة    =    يرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا 6
تبيت مرافقهن فوق مزلة    =    لا يستطيع بها القراد مقيلا 6
فنفساي نفس قالت انت ابن بحدل    =    تجد فرجا من كل غم تهابها 7
ونفس تقول اجهد نجاك فلا تكن    =    كخاضبة لم يغن شيئا خضابها 7
ألا من لعين قد نآها حميمها    =    وأرقني بعد المنام همومها 7
فباتت لها نفسان شتى همومها    =    فنفس تعزيها ونفس تلومها. 7
أما خليلي فإني لست معجله    =    حتى يؤامر نفسيه كما زعما 7
نفس له من نفوس القوم صالحة    =    تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما 7
فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة    =    من الناس ما ينفك هم يعودها 7
ونفس ترجي وصلها بعد صرمها    =    تجمل كي يزداد غيظا حسودها 7
يتقي أهلها النفوس عليها    =    فعلى نحرها الرقي والتميم 7
وإذا نموا صعدا فليس عليهم    =    منا الخيال ولا نفوس الحسد 8
فاسلم سلمت من المكاره والردى    =    وعثارها ووقيت نفس الحسد 8
ألا لا يجهلن أحد علينا    =    فنجهل فوق جهله الجاهلينا 8
كأن قلوب أدلائها    =    معلقة بقرون الظباء. 9
ولا مثل يوم في قدران ظلته    =    كأني وأصحابي على قرن أعفرا 9
ألا رب يوم صالح قد شهدته    =    بناذق ذات التل من فوق طرطرا 10
ألا قل خير الشان كيف تغيرا    =    فأصبح يرمي الناس عن قرن أعفرا 10
أتعرف رسما كالطراز المذهب    =    لعمرة وحشا غير موقف راكب 10
ديارا التي كادت ونحن على مني    =    تحل بنا لو لا نجاء الركائب 10
وقد كدت يوم الحزن لما ترنمت    =    هتوف الضحى محزونة بالترنم 10
أموت لمبكاها أسى إن لوعتى    =    ووجدي بسعدى شجوه غير منجم 10
وقفت علي ربع لمية ناقتي    =    فما زلت أبكي عنده وأخاطبه 11
وأسقيه حتى كاد مما أبثه    =    تكلمني أحجاره وملاعبه 11
كادت وكدت وتلك خير إرادة    =    لو عاد من لهو الصبابة ما مضى 11
لاودى فإن تجمع أوتاد وأعمدة    =    وساكن بلغوا الامر الذي كادوا أي أرادوا. 11
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه    =    فما أن يكاد قرنه يتنفس 12
وتكاد تكسل أن تجئ فراشها    =    في جسم خرعبة وحسن قوام 12
وإلا ألوم النفس فيما أصابني    =    وإلا أكاد بالذي نلت أنجح 12
إذا غير النأي المحبين لم يكد    =    رسيس الهوى من حب مية يبرح 12
إذا غير النأي المحبين لم أجد    =    رسيس الهوى من حب مية يبرح 12
هممت ولم أفعل وكدت وليتني    =    تركت علي عثمان تبكي حلائله 12
يخفى التراب بأظلاف ثمانية    =    في أربع مسهن الارض تحليل 13
فإن تدفنوا الداء لا نخفه    =    وإن تبعثوا الحرب لا نقعد 13
تخفى بأظلافها حتى إذا بلغت    =    يبس الكثيب تداعي الترب فانهدما 13
إن العيون التي في طرفها مرض    =    قتلننا ثم لم يحيين قتلانا 14
وإن سبتته مال جثلا كأنه    =    سدى واهلات من نواسج خثعما 15
بطل كأن ثيابه في سرحه    =    يحذي نعال السبت ليس بتوأم 15
فإن مت فانعيني بما أنا أهله    =    وشقي علي الجيب يا أم معبد. 18
فمن يك سائلا عن بيت بشر    =    فإن له بجنب الردم بابا 18
ثوى في ملحد لا بد منه    =    كفى بالموت نأيا واغترابا 18
رهين بلى وكل فتى سيبلى    =    فأذرى الدمع وانتحبى انتحابا 18
يناديهم رسول الله لما    =    قذفناهم كباكب في القليب 18
ألم تجدوا حديثي كان حقا    =    وأمر الله يأخذ بالقلوب 18
فماذا بالقليب قليب بدر    =    من الفتيان والشرب الكرام 18
وماذا بالقليب قليب بدر    =    من الشيزى يكلل بالسنام 18
ويطرحن بالثغر السخال كأنما    =    يشققن بالاسلاء أردية العصب 19
والعيس دامية المناسم ضمر    =    يقذفن بالاسلاء تحت الاركب 19
نصبنا رمحا فوقها جد عامر    =    كظل السماء كل أرض تغمدا 20
أبرزوها مثل المهاة تهادى    =    بين خمس كواعب أتراب 21
ثم قالوا تحبها قلت بهرا    =    عدد الرمل والحصى والتراب 21
لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي    =    بجارية بهرا لهم بعدها بهرا 21
من رسولي إلى الثريا بأني    =    ضقت ضرعا بهجرها والكتاب 21
وهي مكنونة تحير منها    =    في أديم الخدين ماء الشباب 21
سلبتني عجاجة المسك عقلي    =    فسلوها بما يحل اغتصابي 21
أزهقت أم نوفل اذ رعتها    =    مهجتي ما لقاتلي من متاب 21
حين قالت لها أجيبي فقالت    =    من دعاني قالت أبوالخطاب 22
أبرزوها مثل المهاة تهادي    =    بين خمس كواعب أتراب 22
ثم قالوا تحبها قلت بهرا    =    عدد القطر والحصى والتراب 22
أيها المنكح الثريا سهيلا    =    عمرك الله كيف يلتقيان 23
هي شامية إذا ما استقلت    =    وسهيل إذا استقل يماني 23
وبني تبع على اليم قصرا    =    عاليا مشرفا على البنيان. 23
رقوني وقالوا يا خويلد لا ترع    =    فقلت وأنكرت الوجوه هم هم. 24
أرمي عليها وهي فرع أجمع    =    وهي ثلاث أذرع وإصبع 25
كأن مجراها على ثفناتها    =    معرس خمس وقعت للجناجن(1) 25
وقعن اثنتين واثنتين وفردة    =    يبادرون تغليسا سمال المداهن 25
كان مجراها على ثفناتها    =    معرس خمس من قطا متجاور 25
وقعن اثنتين واثنتين وفردة    =    جريدا هي الوسطى بصحراء حائر 25
عرضت نصيحة مني ليحيى    =    فقال غششتني والنصح مر 26
وما بي أن أكون أعيب يحيى    =    ويحيى طاهر الاخلاق بر 26
ولكن قد أتاني أن يحيى    =    يقال عليه في نفعاء شر 26
فقلت له تجنب كل شئ    =    يعاب عليك إن الحر حر 26
وعض زمان يابن مروان لم يدع    =    من المال الا مسحتا أو مجلف 26
مستقبلين شمال الشام تضربنا    =    بحاصب من نديف القطن منثور 26
على عمائمنا نلقى وأرحلنا    =    على زواحف نزجى مخها رير 26
لقد كان في معدان والفيل زاجر    =    لعنبسة الراوي على القصائدا 27
نحن في المشتاة ندعو الجفلى    =    لا ترى الآدب فينا ينتقر 27
وليلة يصطلى بالفرث جازرها    =    يختص بالنقرى المثرين داعيها 27
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة    =    عند الصباح ولا تسري أفاعيها 27
قالوا ثلاثاؤه خصب ومأدبة    =    وكل أيامه يوم الثلاثاء. 28
كأن قلوب الطير في جوف وكرها    =    نوى القسب ملقى عند بعض المآدب(1) 28
اذا النفساء لم تخرس ببكرها    =    غلاما ولم تسكت بحتر فطيمها 28
كل الطعام تشتهي ربيعه    =    العرس والاعذار والنقيعه 28
إنا لنضرب بالسيوف رؤسهم    =    ضرب القدار نقيعة القدام 28
عجيز عارضها منفل    =    طعامها اللهنة أو أقل. 29
فاستغن بالوجبات عن ذهب    =    لم يبق فيه لامرئ ذهبة 29
اذا ما أردت الارض ثم تباعدت    =    عليك فضع رحل المطى وأنزل 29
يقطع بالنزول الارض عنها    =    وبعد الارض يقطعه النزول 29
فاليوم فاشرب غير مستحقب    =    إثما من الله ولا واغل 30
إن أك سكيرا فلا أشرب الوغل    =    ولا يسلم مني البعير إن نشزا 30
لا مال إلا العطاف تؤزره    =    أم ثلاثين وابنة الجبل 30
لا يرتقى النز في ذلاذله    =    ولا يعدى نعليه من بلل 30
عصرته نطفة تضمنها    =    لصب تلقى مواضع السبل 30
أو وجبة من جناة أشكلة    =    إن لم يرعها بالقوس لم تنل 30
إذا كانت الاحرار أصلي ومنصبي    =    وقام بنصري حازم وابن حازم 31
عطست بأنف شامخ وتناولت    =    يداي الثريا قاعدا غير قائم 31
ألا أيها السائلي جاهلا    =    لتعرفني أنا أنف الكرم 31
نمت في الكرام بني عامر    =    فروعي وأصلي قريش العجم 31
علقتها عرضا وعلقت رجلا    =    غيري وعلق أخرى غيرها الرجل 32
قتلتك أخت بني لؤي إذ رمت    =    وأصاب نبلك إذ رميت سواها 32
وأعارها الحدثان منك مودة    =    وأعار غيرك ودها وهواها 32
والناس من يلق خيرا قائلون له    =    ما يشتهي ولام المخطئ الهبل 32
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره    =    ومن يغو لا يعدم على الغي لائما(1) 32
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا    =    أو تنزلون فإنا معشر نزل 32
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها    =    بسليم أو ظفة القوائم هيكل(2) 32
فدعوا نزال فكنت أول نازل    =    وعلام أركبه اذا لم أنزل 32
فما صحفة مأدومة بإهالة    =    بأطيب من فيها ولا أقط رطب(1) 33
يا رب جارية حوراء ناعمة    =    كأنها عومة في جوف راقود(2) 33
أما الرحيل فدون بعد غد    =    فمتى تقول الدار تجمعنا 33
أجهالا تقول بني لؤي    =    لعمر أبيك أم متجاهلينا 33
ألا يا صفي النفس كيف تقولها    =    لو أن طريدا خائفا يستجيرها 34
تخبر إن شطت بها غربة النوى    =    ستنعم ليلى أن يفك أسيرها(1) 34
أطن به اخيرا وأعلم أنها    =    ستنعم يوما أو يفك أسيرها 34
نأتك بليلى دارها لا تزورها    =    وشطت نواها واستمر مريرها 34
وأرغب فيها عن لقيط ورهطه    =    ولكنني عن سنبس لست أرغب 36
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم    =    إن المنايا توافي كل إنسان 36
واسلك طريقك فيها غير مختشع    =    حتى تبين ما يمنى لك الماني(1) 37
فكل ذي صاحب يوما يفارقه    =    وكل زاد وإن أبقيته فان 37
والخير والشر مقرونان في قرن    =    بكل ذلك يأتيك الجديدان 37
لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى    =    إلى جدث يوزي له بالاهاضب(2) 37
منت لك أن تلاقيني المنايا    =    أحاد أحاد في الشهر الحلال(3) 37
سقي منى ثم رواه وساكنه    =    ومن ثوي فيه واهي الوذق معتبق 37
ليومنا بمني إذ نحن ننزلها    =    أسر من يومنا بالعرج أو ملل 38
إن الجديدين في طول اختلافهما    =    لا يفسدان ولكن تفسد الناس 38
وأمطله العصرين حتى يملني    =    ويرضى بنصف الدين والانف راغم(1) 38
وكنا وهم كابني سبات تفرقا    =    سوى ثم كانا منجدا وتهاميا 38
كذبتك ما وعدتك أمس صلاح    =    وعسى يكون لما وعدت نجاح 38
برء من السقم الطويل ضمانه    =    لا يستوي سقم بكم وصحاح 38
أصلاح إنك قد رميت نوافذا    =    وجوائفا ليست لهن جراح 38
ولقد رأيتك بالقوادم لمحة    =    وعلى من سدف العشي رياح 39
ما كان أبصرني بغرات الصبا    =    واليوم قد شفعت لي الاشباح 39
ومشى بجنب الشخص شخص مثله    =    والارض نائية الشخوص براح 39
حلق الحوادث لمتي فتركن لي    =    رأسا يصل كأنه جماح 39
وذكا بأصداغى وقرن ذؤابتي    =    قبس المشيب كأنه مصباح 39
أرى الناس للصعلوك حزبا ولا أرى    =    لذي نشب إلا خليلا مصافيا 39
أرى المال يغشي ذا الوصوم فلا يرى    =    ويدعى من الاشراف من كان غابيا 39
إني ليحمدني الخليل إذا اجتدى    =    مالي ويكرهني ذوو الاضغان 39
وأبيت تحلجني الهموم كأنني    =    دلو السقاة تمد بالاشطان(1) 39
وأعيش بالبلل القليل وقد أرى    =    أن الرموس مصارع الفتيان 39
ولقد علمت لئن هلكت ليذكرن    =    قومي إذا علن النجي مكاني 40
إني وإن سيق إلي المهر    =    ألف وعبدان وذود عشر 40
قضت وطرا من دير سعد وربما    =    علي عجل ناطحنه بالجماجم(1) 41
وأصبحن بالموماة يحملن فتية    =    نشاوي من إلادلاج ميل العمائم 41
قضت وطردا من دير سعد وطالما    =    على عرض ناطحنه بالحجاجم 41
اذا هبطت أرضا يموت غرابها    =    بها عطشا أعطينهم بالخزائم 41
فأصبحن بالمواماة يحملن فتية    =    نشاوى من الادلاج ميل العمائم 41
اذا عم غادرنه بتنوفة    =    تذارعن بالايدي لآخر طاسم 41
كأن الكرى سقاهم صرخدية    =    عقارا تمطى في المطا والقوائم 41
كان الكرى سقاهم صرخدية    =    عقارا تمشت في المطا والقوائم 42
إن بني زملوني بالدم    =    من يلق أبطال الرجال يكلم 42
ومن يكن ذا أود يقوم    =    شنشنة أعرافها من أخزم 42
وللدهر أثواب فكن في لباسه    =    كلبسته يوما أجد وأخلقا 42
وكن أكيس الكيسي اذا كنت فيهم    =    وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا 42
أيعذر لا حينا ويلحين في الصبا    =    وما هن والفتيان الاشقائق 42
وإن تكن الايام أحسن مرة    =    إلي فقد عادت لهن ذنوب 43
مالي إذا أنزعها صأيت    =    أكبر غيرني أم بيت 45
إني عجبت لام العمر إذ هربت    =    من شيب رأسي وما بالشيب من عار 45
ما شقوة المرء بالاقتار يقتره    =    ولا سعادته يوما بإكثار 45
إن الشقى الذي في النار منزله    =    والفوز فوز الذي ينجو من النار 45
أعوذ بالله من أمر يزين لي    =    شتم العشيرة أو يدني من العار 46
وخير دنيا ينسى المرء آخرة    =    وسوف تبدو الي الجبار أسراري 46
لا أدخل البيت أحبو من مؤخره    =    ولا أكسر في ابن العم أظفاري 46
وإني لعف عن زيارة جارتي    =    وإني لمشنوء الي اغتيابها 46
اذا غاب عنها بعلها لم أكن لها    =    زؤرا ولم تنبح علي كلابها 46
وما أنا بالداري أحاديث بيتها    =    ولا عالم من أي حوك ثيابها 46
وأن قراب البطن يكفيك ملؤه    =    ويكفيك عورات الامور اجتنابها 46
إذا الهم أمسي وهو داء فأمضه    =    ولست بممضيه وأنت تعادله 47
ولا تنزلن أمر الشديدة بأمرئ    =    إذا هم أمرا عوقته عواذله 47
فما كل ما حاولته الموت دونه    =    ولا دونه أرصاده وحبائله 47
ولا الفتك ما آمرت فيه ولا الذي    =    تحدث من لاقيت أنك فاعله 47
وما الفتك إلا لامرئ ذي حفيظة    =    اذا مال لم ترعد اليه خصائله 47
ولا تجعلن سرا الي غير أهله    =    فتقعد إن أفشى عليك تجادله 47
ولا تسأل المال البخيل ترى له    =    غنى بعد ضر أورثته أوائله 47
أرى المال أفياء الظلال فتارة    =    يئوب وأخرى يختل المال خاتله 47
لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ    =    حفي ولا ذي خلة لي أواصله 47
ولا من خليل ليس فيه غوائل    =    فشر الاخلاء الكثير غوائله 47
وقل لفؤاد إن نزا بك نزوة    =    من الروع أفرخ أكثر الروع باطله 48
وكن أنت ترعى سر نفسك واعلمن    =    بأن أقل الناس للسر حامله 48
إذا ما قتلت الشئ علما فبح به    =    ولا تقل الشئ الذي أنت جاهله 48
لنا نبعة كانت تقينا فروعها    =    وقد بلغت إلا قليلا عروقها 48
وإنا لتستحلى المنايا نفوسنا    =    ونترك أخرى مرة لا نذوقها 48
وشيب رأسي قبل حين مشيبه    =    رعود المنايا بيننا وبروقها 48
رأيت المنايا باديات وعودا    =    إلى دارنا سهلا الينا طريقها 48
وقد قسمت نفسي فريقين منهما    =    فريق مع الموتى وعندي فريقها 48
وبينا نرجى النفس ما هو نازح    =    من الامر لاقت دونها ما يعوقها 48
ولقد وليت إمارة فرجعتها    =    في المال سالمة ولم أتمول 48
ولقد منعت النصح من متقبل    =    ولقد رفدت النصح من لم يقبل 48
فبأي لمسة لامس لم ألتمس    =    وبأي حيلة حائل لم أحتل 49
يا طالب الحاجات يرجو نجحها    =    ليس النجاح مع الاخف الاعجل 49
فاصدق إذا حدثت تكتب صادقا    =    وإذا حلفت مماريا فتحلل 49
واذا رايت الباهشين إلى العلا    =    غبرا أكفهم بريث فاعجل 49
واحذر مكان السوء لاتحلل به    =    واذا نبا بك منزل فتحول 49
واذا ابن عمك لج بعض لجاجة    =    فانظر به عدة ولا تستعجل(1) 49
واذا افتقرت فلا تكن متخشعا    =    ترجو الفواضل عند غير المفضل 49
واستغن ما أغناك ربك بالغنى    =    واذا تكون خصاصة فتجمل 49
أحار بن بدر قد وليت إمارة    =    فكن جرذا فيها تخون وتسرق 50
ولا تحقرون يا حار شيئا وجدته    =    فحظك من ملك العراقين سرق(1) 50
وباه تميما بالغنى إن للغني    =    لسانا به العي الهيوبة ينطق 50
فإن جميع الناس إما مكذب    =    يقول بما تهوى وإما مصدق 50
يقولون أقوالا ولا يعلمونها    =    فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا 50
وكن حازما في اليوم إن الذي به    =    يجئ غد يوم على الناس مطبق 50
ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب    =    وما كل من يدعو إلى الخير يرزق 50
إذا ما دعاك القوم عدوك آكلا    =    وكل حار أوجع لست ممن يحمق 50
جزاك إله العرش خير جزائه    =    فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا 50
أشرت بأمر لو أشرت بغيره    =    لالفيتني فيه لامرك عاصيا(1) 51
أهان وأقصى ثم تنتصحونني    =    وأي إمرئ يعطي نصيحته قسرا 51
رأيت الاكف المصلتين عليكم    =    ملاء وكفي من عطاياكم صفرا 51
وإني مع الساعي اليكم بسيفه    =    اذا أحدث الايام في عظمكم كسرا 51
متي تسألوني ما على وتمنعوا الذي    =    لي لم أسطع كم صبرا 51
وكم من أمير قد تجبر بعدما    =    مريت له الدنيا بسيفي فدرت 51
اذا زبنته عن فواق أتت به    =    دعاني ولم أدع اذا ما أقرت 51
اذا ما هى احلوت محاحق مقسمي    =    ويقسم لي منها اذا ما أمرت 51
عطاؤكم للظاربين رقابكم    =    وندعي اذا ما كان جز الكراكر(1) 52
أنحن أخوكم في المضيق وسهمنا    =    اذا ما قسمتم في الخطاء الاصاغر الخطاء - سهام صغار - 52
وثديكم الادني اذا ما قسمتم    =    ونلقي بثدي حين نسأل باسر(2) 52
وإن كان فينا الذنب للناس مثله    =    أخذنا به من قبل ناه وآمر 52
وإن جاء‌كم منا غريب بأرضكم    =    لويتم له يوما جنوب المناخر 52
فهل يفعل الاعداء إلا كفعلكم    =    هوان السراة وابتغاء العواثر 52
وغير نفسي عنكم ما فعلتم    =    وذكر هوان منكم متظاهر 52
جفاء‌كم من عالج الحرب عنكم    =    وأعداؤكم من بين جاب وعاشر 52
فلا تسألوني عن هواى وودكم    =    وقل في فؤاد قد توجه نافر 52
لهفي عليك للهفة من خائف    =    يبغي جوارك حين ليس مجير 52
أما القبور فإنهن أوانس    =    بجوار قبرك والديار قبور 52
عمت فواضله فعم مصابه    =    فالناس فيه كلهم مأجور 52
ردت صنائعه اليه حياته    =    فكأنه من نشرها منشور 52
ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن    =    فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه 53
ذهب الرجال فسدت غير مسود    =    ومن الشقاء تفردي بالسؤدد 53
وإذ لا ترى في الناس حسنا يفوتها    =    وفي الناس حسنا لوتأملت محسب 54
أني سريت وكنت غير سروب    =    وتقرب الاحلام غير قريب 56
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه    =    في النوم غير مصرد محسوب 56
مساميح الفعال ذوو أناة    =    مراجيح وأوجههم وضاء(2) 59
أهوى أراك برامتين وقودا    =    أم بالجنينة من مدافع أودا(1) 60
اذا سهيل لاح كالوقود    =    فردا كشاة البقر المطرود 60
وأججنا بكل يفاع أرض    =    وقود النار للمتنورينا 60
ألا فابلغنا عني عراك بن مالك    =    فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبابكر 60
فقد جعلت تبدو شواكل منكما    =    فإنكما بي موقران من الصخر 60
وطاوعتما بى غادرا ذا معاكة    =    لعمري لقد أورى وما مثله يورى 60
فلولا اتقا الله اتقائى فيكما    =    للمتكما لوما أحر من الجمر 60
فمسا تراب الارض منها خلقتما    =    وفيها المعاد والمقام الي الحشر 60
ولا تأنفا أن تغشيا فتكلما    =    فما حشى الاقوام شرا من الكبر 60
ولو شئت أدلي فيكما غير واحد    =    علانية أو قال عندى في السر(1) 61
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما    =    ضحكت له حتى يلج ويستشري(2) 61
وكيف تريدان ابن سبعين حجة    =    على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر 61
لقد علقت دلوا كما دلو حول    =    من القوم لارخو المراس ولانزر(3) 61
إذا كان لي سر فحدثته العدى    =    وضاق به صدرى فللناس أعذر 61
هو السر ما استودعته وكتمته    =    وليس بسر حين يفشو ويظهر 61
أواخي رجالا لست مطلع بعضهم    =    على سر بعض إن صدرى واسعه 61
اذا هى حلت وسط عود ابن غالب    =    فذلك واد نازح لا اطالعه 61
تلاقت حيازيمي على قلب حازم    =    كتوم لما ضمت عليه أضالعه 62
بني لي عبدالله في سورة العلا    =    وعتبة مجدا لاتنال مصانعه 62
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم    =    علي سر بعض غير أني جماعها 62
تغلغل حب عتمة في فؤادي    =    فباديه مع الخافي يسير 62
تغلغل حيث لم يبلغ شراب    =    ولا حزن ولم يبلغ سرور 62
شققت القلب ثم ذررت فيه    =    هواك فليم فألتام الفطور 62
أكاد اذا ذركت العهد منها    =    أطير لو ان إنسانا يطير 62
غني النفس أن أزاداد حبا    =    ولكني إلى وصل فقير 62
أحللت في قلبي هواك محلة    =    ماحلها المأكول والمشروب 62
وللسر مني موضع لايناله    =    نديم ولا يفضي اليه شراب 62
لو شق قلبي لرأى وسطه    =    اسمك والتوحيد في سطر 62
لو شق قلبي لرأوا وسطه    =    سطرين قد خطا بلا كاتب 62
العدل والتوحيد في جانب    =    وحب اهل البيت في جانب 62
لعمر أبي المحصين أيام نلتقي    =    لما لانلاقيها من الدهر أكثر 63
يعدون يوما واحدا إن أتيتها    =    وينسون ما كانت على الدهر تهجر 63
فإن يكن الواشون أغروا بهجرها    =    فإنا بتجديد المودة أجدر 63
لعمري لئن شطت بعتمة دارها    =    لقد كنت من وشك الفراق أليح(1) 63
أروح بهم ثم أغدوا بمثله    =    ويحسب أنى في الثياب صحيح 63
ويصبح محزونا ويمسي به    =    وليس يدري ماله عندك 63
وحتى يئوب القارظان كلاهما    =    وينشر في القتلى كليب لوائل(1) 64
يا هند كيف بنصب بات يبكيني    =    وعائر في سواد العين يؤذيني(1) 68
كأن ليلى والاضداء هاجدة    =    ليل السليم وأعيى من يداويني 68
لما حنى الدهر من قوسي وعذرني    =    شيبي وقاسيت أمر الغلظ واللين 68
اذا ذكرت أبا غسان أرقني    =    هم اذا عرس السارون يشجيني 68
كان المفضل عزا في ذوي يمن    =    وعصمة وثمالا للمساكين 68
غيثا لذي أزمة غبراء شاتية    =    من السنين ومأوى كل مسكين 68
إني تذكرت قتلى لو شهدتهم    =    في حومة الحرب لم يصلوا بها دونى 68
لاخير في العيش اذ لم يجن بعدهم    =    حربا تنئ بهم قتلي فتشفينى 68
لاخير في طمع يدني إلى طبع    =    وعفة من قوام العيش تكفيني(1) 69
وأنظر الامر يعنيني الجواب به    =    ولست أنظر فيما ليس يعنيني 69
لا أركب الامر تزرى بي عواقبه    =    ولا يعاب به عرضي ولا ديني 69
لا يغلب الجهل حلمي بعد مقدرة    =    ولا العضيهة من ذي الضغن تكبيني 69
كم من عدو رماني لو قصدت له    =    لم يأخذ النصف مني حين يرميني 69
لقد علمت وما الاشراف من خلقي    =    إن الذي هو رزقي سوف يأتيني 69
أسعى اليه فيعنينى تطلبه    =    ولو قعدت أتاني لا يعنينى(2) 69
كم قد أفدت وكم أتلفت من نشب    =    ومن معاريض رزق غير ممنون 69
فما أشرت علي يسر وما ضرعت    =    نفسي لخلة عسر جاء يبلونى(1) 70
خيمي كريم ونفسي لا تحدثني    =    أن الاله بلا رزق يخلينى 70
وما اشتريت بمالى قط مكرمة    =    إلا تيقنت أني غير مغبون 70
ولا دعيت إلى مجد ومحمدة    =    إلا أجبت اليه من يناديني 70
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي    =    ولا ألين لمن لا يبتغي ليني 70
إني سيعرفني من لست أعرفه    =    ولو كرهت وأبدو حين يخفيني 70
فغطني جاهدا واجهد علي اذا    =    لاقيت قومك فانظر هل تغطيني(2) 70
تعاقبني بؤس الزمان وخفضه    =    وأدبني حرب الزمان وسلمه 70
وقد علم المغرور بالدهر أنه    =    وراء سرور المرء في الدهر غمه 70
كم من فقير غنى النفس تعرفه    =    وكم غنى فقير النفس مسكين 70
وكم أخ لي طوي كشحا فقلت له    =    ان الطواء‌ك عني سوف يطويني 70
وما المرء إلا نهب يوم وليلة    =    تخب به شهب الفناء ودهمه 71
يعلله برد الحياة يمسه    =    ويغتره روح النسيم يشمه 71
وكان بعيدا عن منازعة الردى    =    فألقته في كف المنية أمه 71
ألا إن خير الزاد ماسد فاقة    =    وخير تلادى الذي لا أجمه(1) 71
وإن الطوي بالعز أحسن بالفتى    =    اذا كان من كسب المذلة طعمه 71
وإني لانهى النفس عن كل لذة    =    اذا ما ارتقي منها إلى العرض وصمه 71
وأعرض عن نيل الثريا اذا بدا    =    وفي نيله سوء المقال وذمه 71
أعف وما الفحشاء عني بعيدة    =    وحسبي في صد عن الامر إثمه 71
وما العف من ولى عن الضرب سيفه    =    ولكن من ولى عن السوء حزم 71
ما خامر الرزق قلبي قبل فجأته    =    ولا بسطت له في النائبات يدي 71
كم قد ترادف لم أحفل زيادته    =    ولو تجاوزني مافت من عضدي 71
إن أسخط الامر أدرك عنه مضطربا    =    وإن أرد بدلا من مذهب أجد 71
إن التي زعمت فؤادك ملها    =    خلقت هواك كما خلقت هوى لها 72
فيك الذي زعمت بها فكلاكما    =    أبدى لصاحبه الصبابة كلها 72
ولعمرها لو كان حبك فوقها    =    يوما وقد ضحيت إذا لاظلها(1) 72
واذا وجدت لها وساوس سلوة    =    شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها 72
بيضاء باكرها النعيم فصاغها    =    بلباقة فأدقها وأجلها(2) 72
اني لا كتم في الحشا من حبها    =    وجدا لو أصبح فوقها لا ظلها 72
وببيت نحت جوانحي حب لها    =    لو كان تحت فراشها لاقلها 72
لما عرضت مسلما لي حاجة    =    أخشى صعوبتها وأرجو ذلها 73
منعت تحيتها فقلت لصاحبى    =    ما كان أكثرها لنا وأقلها 73
فدنا فقال لعلها معذورة    =    في بعض رقبتنا فقلت لعلها 73
إن كان أهلك يمنعونك رغبة    =    عني فأهلى بي اضن وأرغب 73
اذا وجدت اوار الحب في كبدى    =    أقبلت نحو سقاء القوم أبترد 73
هبني بردت ببرد الماء ظاهره    =    فمن لنار علي الاحشاء تتقد. 73
قالت وابثثتها وجدي فبحت به    =    قد كنت عندى تحب الستر فاستتر 73
ألست تبصر من حولى فقلت لها    =    غطى هواك وما ألقى علي بصرى 74
كأن خزامي طلة صابها الندى    =    وفارة مسك ضمنتها ثيابها 74
اذا اقتربت سعدى لهجت بحبها    =    وإن تغترب يوما يرعك اغترابها 74
وكدت لذكراها أطير صبابة    =    وغالبت نفسا زاد شوقا غلابها 74
ففي أي هذا راحة لك عندها    =    سواء لعمرى نأيها واقترابها 74
وإني وتهيامي بعزة بعدما    =    تخليت مما بيننا وتخلت 74
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما    =    تبوأ منها للمقيل اضمحلت 74
كأني وإياها سحائب ممحل    =    رجاها فلما جاوزته استهلت 74
إن يحسدوني فإني لا ألومهم    =    قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا 74
فدام لى ولهم ما مابي وما بهم    =    ومات أكثرنا غيظا بما يجد 74
أنا الذي يجدوني في حلوقهم    =    لا أرتقي صدرا عنها ولا أرد 74
لاينقص الله حسادى فإنهم    =    أسر عندي من اللائي له الودد 74
لا يبعد الله حسادي وزادهم    =    حتى يموتوا بداء في مكنون 74
إني رأيتهم في كل منزلة    =    أجل قدرا من اللائي يحبوني 75
إن يحسدوني على ما بي وما بهم    =    فمثل ما بي لعمري جر لي الحسدا 75
إني حسدت فزاد الله في حسدي    =    لاعاش من عاش يوما غير محسود 75
ما يحسد المرء إلا من فضائله    =    بالعلم والظرف أو بالبأس والجود 75
محسد بخلال فيه فاضلة    =    وليس يفترق النعماء والحسد 75
كم عائب لك لم أسمع مقالته    =    ولم يزدك لدينا غير تزيين 75
كأن عائبكم يبدى محاسنكم    =    وصفا فيمدحكم عندي ويغريني 75
ما فوق حبك حبا لست اعلمه    =    فلا يضرك أن لا تستزيديني 75
لابعد سعدى مريحى من جوى سقم    =    يوما ولا قربها إن حم يشفيني 75
اذا الوشاة لحوا فيها عصيتهم    =    وخلت أن بسعدي اليوم يغريني 75
ما حطك الواشون من رتبة    =    عندي ولا ضرك مغتاب 75
كأنهم اثنوا ولم يعلموا    =    عليك عندي بالذي عابوا 75
تروعنا الجنائز مقبلات    =    ونسهو حين تخفى ذاهبات 75
كروعة الالمغار ذئب    =    فلما غاب عادت راتعات 76
ونحدث روعات لدي كل فزعة    =    ونسرع نسيانا وما جاء‌نا أمن 76
وإنا ولا كفران لله ربنا    =    لكالبدن لاتدرى متى يومها البدن 76
إذا ما رأيتم ميتين فزعتم    =    وإن غيبوا ملتم إلي صبواتها 76
إن الفتى مثل الهلال له    =    نور ليالى ثم يمتحق 76
يبلى وتفنيه الدهور كما    =    يبلى وينضى الجدة الخلق 76
مهما يكن ريب الزمان فإنني    =    أرى قمر الليل المعذب كالفتى 76
يهل صغيرا ثم يعظم ضوء‌ه    =    وصورته حتى اذا ما هوى استوى 76
تقارب يخبو ضوء‌ه وشعاعه    =    ويمصح حتى يستسر فلا يرى 76
كذلك زيد المرء عند انتقاصه    =    يعود إلى مثل الذي كان قد بدا 76
المرء مثل هلال عند مطلعه    =    يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق 76
يزداد حتى اذا ما تم أعقبه    =    كر الجديدين نقصانا فيمتحق 76
تعلم أن بعد الغي رشدا    =    وأن لشابك الغير انقشاعا 77
تعلم رسول الله أنك مدركى    =    وأن وعيدا منك كالاخذ باليد 77
جمعت من الخيرات وطبا وعلبة    =    وصرا لاخلاف المزهمة البزل(1) 79
القائد الخيل منكوبا دوابرها    =    منه الشنون ومنها الزاهق الزهم 79
ومن كل أخلاق الكرام نميمة    =    وسعيا على الجار المجاور بالمحل 80
في سماع يأذن الشيخ له    =    وحديث مثل ماذي مشار(1) 81
اذا حضراني قلت لو تعلمانه    =    ألم تعلما أني من الزاد مرمل 82
أما وجلال الله لو تذكرينني    =    كذكراك ما نهنهت للعين مدمعا 85
فقالت بلى والله ذكرا لو انه    =    تضمنه صم الصفا لتصدعا 85
فلو أن مابي بالحصى فلق الحصى    =    وبالريح لم يسمع لهن هبوب 85
وقفت علي ربع لمية ناقتي    =    فما زلت أبكي عنده وأخاطبه 85
وأسقيه حتى كاد مما أبثه    =    تكلمني أحجاره وملاعبه 85
ألا حبذا البيت الذي أنت هاجره    =    وأنت بتلماح من الطرف ناظره 87
لانك من بيت لعيني معجب    =    وأملح في عيني من البيت عامره 87
أصد حياء أن يلم بي الهوى    =    وفيك المنى لولا عدو أحاذره 87
وفيك حبيب النفس لو تستطيعه    =    لمات الهوى والشوق حين تجاوره 87
فإن آته لم أنج إلا بظنة    =    وإن يأته غيري تنط بي جرائره(1) 87
وكان حبيب النفس للقلب واترا    =    وكيف يحب القلب من هو واتره 88
فإن تكن الاعداء أحموا كلامه    =    علينا فلن تحمى علينا مناظره 88
أحبك يا سلمى على غير ريبة    =    ولا بأس في حب تعف سرائره(1) 88
ويا عاذلي لولا نفاسة حبها    =    عليك لما باليت أنك خائره 88
بنفسي من لابد أني هاجره    =    ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره 88
ومن قد لحاه الناس حتى اتقاهم    =    ببغضي إلا ما تجن ضمائره(2) 88
أحبك حبا لن أعنف بعده    =    محبا ولكني اذا ليم عاذره 88
لقد مات قبلي أول الحب فانقضى    =    ولو مت أضحى الحب قد مات آخره(3) 88
كلامك يا سلمى وإن قل نافعي    =    ولا تحسبي أني وإن قل حاقره 88
ألا لا أبالي أي حي تحملوا    =    اذا إثمد البرقاء لم يخل حاضره(4) 88
لعمرك بالبيت الذي لا نطوره    =    أحب إلينا من بلاد نطورها(1) 89
تقلبت في الاخوان حتى عرفتهم    =    ولا يعرف الاخوان إلا خبيرها 89
فلا أصرم الخلان حتى يصارموا    =    وحتى يسيروا سيرة لا أسيرها 89
فإنك بعد الشر ما أنت واجد    =    خليلا مديما سيرة لا يديرها 89
وإنك في عين الاخلاء عالم    =    بأن الذي يخفي عليك ضميرها 89
فلا تك مغرورا بمسحة صاحب    =    من الود لاتدري علام مصيرها 89
وما الجود عن فقر الرجال ولا الغني    =    ولكنه خيم الرجال وخيرها 89
وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيها    =    فقيرا ويغني بعد بؤس فقيرها 89
وكائن ترى من حال دنيا تغيرت    =    وحال صفا بعد اكدرار غديرها 89
ومن طامع في حاجة لن ينالها    =    ومن يائس منها أتاه يسيرها 89
وبالبرق أطلال كأن رسومها    =    قراطيس خط الحبر فيهن ساطره 89
أبت سرحة الاثماد الا ملاحة    =    وطيبا اذا مانبتها اهتز ناضره 89
يابيت عاتكة الذى اتعزل    =    حذر العدا وبه الفؤاد موكل 89
انى لامنحك الصدود وإننى    =    قسما اليك مع الصدود لاميل 89
ومن يتبع ما يعجب النفس لم يزل    =    مطيعا لها في فعل شئ يضيرها 90
فنفسك أكرم عن امور كثيرة    =    فمالك نفس بعدها تستعيرها(1) 90
وكيف آنس بالدنيا ولست أرى    =    إلا امرأ قد تعرى من عواريها 90
نصبو اليها بآمال مخيبة    =    كأننا ما نرى عقبى أمانيها 90
في وحشة الدار ممن كان يسكنها    =    كل اعتبار لمن قد ظل يأويها 90
لا تكذبن فما قلبي لها وطنا    =    وقد رأيت طلولا من مغانيها 90
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى    =    علي كبدي نارا بطيئا خمودها 90
ولو تركت نار الهوى لتصرمت    =    ولكن شوقا كل يوم يزيدها 90
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي    =    اذا قدمت أحزانها وعهودها 90
فقد جعلت في حبة القلب والحشا    =    عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها 90
بمرتجة الارداف هيف خصورها    =    عذاب ثناياها عجاف قيودها(2) 90
مخصرة الاوساط زانت عهودها    =    بأحسن مما زينتها عقودها 91
وصفر تراقيها وحمر أكفها    =    وسود نواصيها وبيض خدودها 91
وحمرة أكفها من الخضاب يمنيننا حتى ترف قلوبنا    =    رفيف الخزامي بات طل يجودها 91
وتزيدين طيب الطيب طيبا    =    إن تمسيه أين مثلك أينا 91
وإذا الدر زان حسن وجوه    =    كان للدر حسن وجهك زينا 91
وكنت اذود العين أن ترد البكا    =    فقد وردت ما كنت عنه أذودها 91
هل الله عاف عن ذنوب تسلفت    =    أم الله إن لم يعف عنها معيدها 91
قضى الله يا أسماء أن لست بارحا    =    أحبك حتى يغمض العين مغمض 91
وحبك بلوى غير أن لا يسرني    =    وإن كان بلوى أنني لك مبغض 91
اذا أنا رضت النفس في حب غيرها    =    أتي حبها من دونها يتعرض 91
فيا ليتني أقرضت جلدا صبابتي    =    وأقرضني صبر على الشوق مقرض 91
وأعرض حتي يحسب الناس أنما    =    بي الهجر لا والله ما بي لك الهجر 92
ولكن أروض النفس أنظر هل لها    =    اذا فارقت يوما أحبتها صبر 92
وإني لاستحيى كثيرا وأتقي    =    عدونا وأستبقي المودة بالهجر 92
وأنذر بالهجران نفسي أروضها    =    ليعلم عند الهجر هل لي من صبر 92
رمى قلبه البرق الملالى رمية    =    بجنب الحمى وهنا فكاد يهيم 92
فهل من معين طرف عين خلية    =    فإنسان عين العامري كليم(1) 92
ولى كبد مقروحة من يبيعني    =    بها كبدا ليست بذات قروح 92
أبى الناس ويب الناس لا يشترونها    =    ومن يشتري ذاعلة بصحيح 92
من ذا يعيرك عينه تبكى بها    =    أرأيت عينا للبكاء تعار 92
أين الشباب وأية سلكا    =    لا أين يطلب طل بل هلكا 92
لا تعجبي يا سلم من رجل    =    ضحك المشيب برأسه فبكى 92
أسلم ما بالشيب منقصة    =    لا سوقة تبقي ولا ملكا 93
قصر الغواية عن هوى قمر    =    وجد السبيل اليك مشتركا 93
يا ليت شعرى كيف يومكما    =    يا صاحبي اذا دمي سفكا 93
لا تأخذا بظلامتي أحدا    =    قلبي وطرفي في دمي اشتركا 93
أين أهل القباب بالدهناء    =    أين جيراننا على الاحساء 93
جاورونا والارض ملبسة    =    نور الاقاحى تجاد بالانواء(1) 93
كل يوم بأقحوان جديد    =    تضحك الارض من بكاء السماء 93
مستعبر يبكى علي دمنة    =    ورأسه يضحك في الشيب 93
فبكى الغمام به فأصبح روضه    =    جذلان يضحك بالحميم ويزهر 93
ألحت عليه كل طحياء ديمة    =    اذا ما بكت أجفانها ضحك الزهر 93
تبسم المزن وانهلت مدامعه    =    فأضحك الروض جفن الضاحك الباكي 93
وغازل الشمس نور ظل يلحظها    =    بعين مستعبر بالدمع ضحاك 94
جن النبات في ذراها وزكا    =    وضحك المزن به حتى بكى 94
ألا ليت اللحي كانت حشيشا    =    فترعاها خيول المسلمينا 95
ان تركى ندى سعيد بن عثما    =    ن فتى الجود ناصري وعديدي 95
واتباعي اخا الرضاعة واللؤ    =    م لنقص وفوت شأو بعيد 95
قلت والليل مطبق بعراه    =    ليتنى مت قبل ترك سعيد 95
ضجت سمية لما مسها القرن    =    لا تجزعي إن شر الشيمة الجزع 95
يابرد ما مسنا دهر أضربنا    =    من قبل هذا ولا بعنا له ولدا 95
أما الاراك فكانت من محارمنا    =    عيشا لذيذا وكانت جنة رغدا 95
وشريت بردا ليتني    =    من بعد برد كنت هامه 96
أو بومة تدعو صدى    =    بين المشقر فاليمامه 96
الريح تبكى شجوه    =    والبرق يلمع في الغمامه 96
وخبرك الواشون أن لا أحبكم    =    بلى وستور الله ذات المحارم 98
أصد وما الصد الذي تعرفينه    =    عزاء بنا إلا اجتراع العلاقم 98
حياء وبغيا أن تشيع نميمة    =    بنا وبكم أف لاهل النمائم 98
وإن دما لو تعلمين جنيته    =    على الحي جاني مثله غير سالم 98
أما إنه لو كان غيرك أرفلت    =    صعاد القنا بالراعفات اللهاذم 98
ولكنه والله ماطل مسلما    =    كبيض الثنايا واضحات الملاغم 98
اذا هن ساقطن الحديث حسبته    =    سقوط حصى المرجان من سلك ناظم 98
رمين فأقصدن القلوب فلا ترى    =    دما مائرا إلا جوى في الحيازم 98
كأن لم ابرح بالعيون وأقتتل    =    بتفتير أبصار الصحاح السقائم(1) 98
ولم أله بالحدث الالف الذي له    =    غدائر لم يحرمن فار اللطائم(2) 98
اذا اللهو يطبيني وإذ أستميله    =    بمحلولك الفودين وحف المقادم(1) 99
وإذ أنا منقاد لكل مقود    =    إلى اللهو حلاف البطالات آثم 99
مهين المطايا متلف غير أنني    =    على هلك ما أتلفته غير نادم 99
أرى خير يومي الخسيس وإن علا    =    بي اللوم لم أحفل ملامة لائم 99
ترحل بالشباب الشيب عنا    =    فليت الشيب كان به الرحيل 99
وقد كان الشباب لنا خليلا    =    فقد قضى مآربه الخليل 99
لعمر أبي الشباب لقد تولى    =    حميدا ما يراد به بديل 99
إذا الايام مقبلة علينا    =    وظل أراكة الدنيا ظليل 100
زمان الصبا ليت أيامنا    =    رجعن لنا الصالحات القصارا 100
زمان على غراب غداف    =    فطيره الدهر عني فطارا 100
فلا يبعد الله ذاك الغراب    =    وإن هو لم يبق إلا ادكارا 100
كأن الشباب ولذاته    =    وريق الصبا كان ثوبا معارا 100
وهازئة أن رأت لمتى    =    تلفع شيب بها فاستدارا 100
وقلدني منه بعد الخطام    =    عذارا فما أستطيع اعتذارا 100
أجارتنا إن ريب الزمان    =    قبلي نال الرجال الخيارا 100
فإما ترى لمتي هكذا    =    فأسرعت فيها لشيبي النفارا 100
فقد ارتدى وحفة طلة    =    وقد أبرز والفتيات الخفارا 100
وما طلابك شيئا لست تدركه    =    إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا 100
وخنساء مخماص الوشاحين مشيها    =    إلى الدوح أتقار خطى المتجشم(1) 100
ألما بسلمي قبل أن ترمي النوى    =    بنافذة نبض الفؤاد المتيم 101
يقف عاشقا لم يبق من روح نفسه    =    ولا عقله المسلوب غير التوهم 101
فقلن لها سرا فديناك لا يرح    =    صحيحا فإن لم تقتليه فألممي 101
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت    =    بأحسن موصولين كف ومعصم 101
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه    =    فتناولته واتقتنا باليد(1) 101
فقلنا لها سرا فديناك لا يرح    =    سليما وإن لم تقتليه فألممي 102
أشرب الماء إذا ما تلتهب    =    نار أحشائي لاطفاء اللهب 102
فأراه زائدا في حرقتى    =    فكان الماء للنار حطب 102
رمتنى وستر الله بيني وبينها    =    عشية آرام الكناس رميم 102
ألارب يوم لو رمتني رميتها    =    ولكن عهدي بالنضال قديم 102
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا    =    لبسن البلى مما لبسن اللياليا(1) 102
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة    =    تقاضاه شئ لا يمل التقاضيا 102
لقد طالما عنيت راحلة الصبا    =    وعللت شيطان الغوى المشوق 103
وداويت قرح القلب منهن بالمنى    =    وباللحظ لو يبذلنه المتسرق 103
وساقينني كأس الهوى وسقيتها    =    رقاق الثنايا عذبة المتريق 103
وخمصانة تفتر عن متنضد    =    كنور الاقاحي طيب المتذوق 103
إذا مضغت بعد امتتاع من الضحى    =    أنا بيب من عود الاراك المخلق 103
سقت شعث المسواك ماء غمامة    =    فضيضا بخرطوم المدام المروق 103
وإن ذقت فاها بعد ما سقط الندى    =    بعطفي بخنداة رداح المنطق 103
شممت العرار الطل غب هميمة    =    ونور الخزامي في الندى المترقرق 103
نظرت كأني من وراء زجاجة    =    إلى الدار من فرط الصبابة أنظر 103
بعينين طورا يغرقان من البكا    =    فأعشى وطورا يحسران فأبصر 103
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي    =    ولا دمعتي من مكمد الوجد تقطر 104
من المبكيات الجلد حتى كأنما    =    يسح بعينيه الدموع شعيب 104
ليالي أهلانا جميعا وحولنا    =    سوائم منها رائح وغريب 104
وإذ يتجنين الذنوب ومالنا    =    إليهن لولا ودهن ذنوب 104
أصد عن البيت الحبيب وإنني    =    لاصغى إلى البيت الذي أتجنب 104
أزور بيوتا غيره ولاهله    =    علي ما عدا عنهم أعز وأقرب 104
وقطع أسباب المودة معشر    =    غضابي وهل في أحسن القول مغضب 104
وأن لاثنى يا أم عمرو نميمة    =    يدب بها بيني وبينك عقرب 104
وما بيننا لو أنه كان عالما    =    بذلك الالي يولون ما يترتب 104
حديث إذا لم يخش عيبا كأنه    =    إذا ساقطته الشهد بل هو أطيب 104
لو أنك تستشفي به بعد سكرة    =    من الموت كادت سكرة الموت تذهب 104
وقلت لها ما تأمرين فإنني    =    أرى البين أدنى روعة يترقب 104
ولو أن ليلى الاخيلية سلمت    =    علي ودوني جندل وصفائح 104
لسمت تسليم البشاشة أو زقى    =    اليها صدى من جانب القبر صائح 104
عهدي بها في الحي قد درعت    =    صفراء مثل المهرة الضامر 105
لو أسندت ميتا إلى نحرها    =    عاش ولم ينقل إلى قابر 105
حتى يقول الناس مما رأوا    =    واعجبا للميت الناشر 105
حلت لي الخمر وكنت امرأ    =    عن شربها في شغل شاغل 106
فاليوم فاشرب غير مستحقب    =    إثما من الله ولا واغل(2) 106
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا    =    واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا 106
وما الناس إلا كالديار وأهلها    =    بها يوم حلوها وغدوا بلاقع 107
فعفوت عنهم عفو غير مثرب    =    وتركتهم لعقاب يوم سرمد 107
رمزت إلي مخافة من بعلها    =    من غير أن يبدو هناك كلامها 108
أحاديث سداها ابن حدراء فرقد    =    ورمازة مالت لمن يستميلها 108
يومئن بالاعين والحواجب    =    إيماض برق في عماء ناضب(1) 108
أرجو لكم أن تكونوا في إخائكم    =    كلبا كورهاء تقلي كل صفار(2) 108
لما أجابت صفيرا كان آيتها    =    من قابس شيط الوجعاء بالنار 108
دنان حنانان بينهما    =    رجل أجش غناؤه زمر 109
مطلنفئا لون الحصى لونه    =    يحجر عنه الذر ريش زمر 109
فإن تتقدم تغش منها مقدما    =    غليظا وإن أخرت فالكفل فاجر(1) 109
فقلت ازدجر أحناء طيرك واعلمن    =    بانك إن قدمت رجلك عاثر 109
فاصبحت أنى تأتها تلتبس بها    =    كلا مركبيها تحت رجليك شاجر 109
وما زلت أرجو نفع سلمى وودها    =    وتبعد حتى ابيض من المسائح 110
وحتى رأيت الشخص يزداد مثله    =    اليه وحتى نصف رأسي واضح 110
علا حاجبي الشيب حتى كأنه    =    ظباء جرت منها سنيح وبارح(1) 110
خليلى لا لا قيتما ما حييتما    =    من الطير الا السانحات وأسعدا 110
زعم البوارح ان رحلتنا غدا    =    وبذاك تنعاب الغراب الاسود 110
أقول اذا ما الطير مرت مخيفة    =    سوانحها تجرى ولا أستثيرها 110
وهزة أظعان عليهن بهجة    =    طلبت وريعان الصبا بي جامح 111
فلما قضينا من منى كل حاجة    =    ومسح بالاركان من هو ماسح 111
أخذنا بأطراف الاحاديث بيننا    =    وسالت بأعناق المطي الاباطح 111
وشدت على حدب المهارى رحالنا    =    ولا ينظر الغادي الذي هو رائح 111
قفلنا على الخوص المراسيل وارتمت    =    بهن الصحاري والصفاح الصحاصح 111
قصدت بعيني شادن وتبسمت    =    بحماء عن غر لهن غروب 111
جرى الاسحل الاحوى عليهن أو جرى    =    عليهن من فرع الاراك قضيب 111
وإني ليعرونى لذكراك روعة    =    لها بين جلدى والعظام دبيب 111
وما هو إلا أن أراها فجاء‌ة    =    فأبهت حتى لا أكاد أجيب 111
وأصرف عن دارى الذي كنت عارفا    =    ويعزب عني علمه ويغيب 111
ويضمر قلبي غدرها ويعينها    =    علي فما لي في الفؤاد نصيب 111
يهيم بحران الجزيرة قلبه    =    وفيها غزال فاتر الطرف ساحر 111
يؤازره قلبي علي وليس لي    =    يدان بمن قلبي علي يوازره 111
قلبى إلى ما ضرني داعى    =    بكثر أحزاني وأوجاعي 112
كيف احتراسي من عدوي اذا    =    كان عدوي بين أضلاعي 112
أعان طرفى على جسمي وأعضائي    =    بنظرة وقفت جسمي على دائي 112
وكنت غرا بما تجني على يدي    =    لا علم لي أن بعضي بعض أعدائى 112
ولست أعجب من عصيان قلبك لي    =    يوما اذا كان قلبي فيك يعصيني 112
صفر الوشاحين مل‌ء الدرع بهكنة    =    اذا تاتت يكاد الخصر ينخزل 112
صفر الوشاحين مل‌ء الدرع خربعة    =    كأنها رشأ في البيت ملزوم 112
ترى خلفها نصفا قناة قويمة    =    ونصفا نقا يرتج أو يترمرم 112
أدماء عيطلة يكاد رداؤها    =    يقوي ويشبع ما أخب إزارها 112
غرثان سمط وشاحها قلق    =    ريان من أردافها المرط 112
لعمري لئن أتبعت طرفك ما مضى    =    من الدهر أو ساق الحمام إلى القبر 113
لتستنفدن ماء الشؤن بأسره    =    وإن كنت تمريهن من ثبج البحر 113
فقلت لعبد الله إذ حن باكيا    =    تعز وماء العين منهمر يجري 113
تبين فإن كان البكا رد هالكا    =    على أحد فاجهد بكاك على عمرو 113
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه    =    علي وعباس وآل أبي بكر 113
أتيناك نرجو حاجة ووسيلة    =    لديك وقد تحظى لديك الوسائل 113
ونذكر ودا شده الله بيننا    =    على الدهر لم تدبب اليه الغوائل 113
فاقسم ما أكبا زنادك قادح    =    ولا أكذبت فيك الرجاء القوابل 113
ولا أرجعت ذا حاجة عنك علة    =    ولا عاق حرا عاجلا منك آجل 113
ولا لام فيك الباذل الوجه نفسه    =    ولا احتكمت في الجود منك المباخل 113
فلما تردى بالحمائل وانثني    =    يصول بأطراف القني والذوابل 113
تبينت الاعداء أن سنانه    =    يطيل حنين الامهات الثواكل 114
تبين فيه ميسم العز والتقى    =    وليدا يفدى بين أيدى القوابل 114
وإني علي ما كان مني لنادم    =    وإني إلى أوس بن لام لتائب 114
فهب لي حياتي والحياة لقائم    =    يسرك فيها حين ما أنت واهب 114
وإنى إلى أوس ليقبل توبتى    =    ويعرف ودى ما حييت لراغب 114
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق    =    كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب 114
اذا شئت أن تلقى أخاك معبسا    =    وجداه في الماضين كعب وحاتم 114
فكشفه عما في يديه فإنما    =    يكشف أخبار الرجال الدراهم 114
ترتع ما غفلت حتى اذا ادكرت    =    فإنما هي إقبال وإدبار 115
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته    =    وأن تعلمي أن المعان موفق 115
على العباآت هداجون قد بلغت    =    نجران أو بلغت سوء‌اتهم هجر 116
وتركب خيلا لا هوادة بينها    =    وتشقي الرماح بالظياطرة الحمر(1) 116
يمشى به عوذ النعاج كأنها    =    عذارى ملوك في بياض ثياب(2) 116
حسرت كفي عن السرابل آخذه    =    فردا يحز على أيدي المفيدينا 116
وجرد طار باطلها نسيلا    =    وأحدث قومها شعرا قصارا 116
وقسورة أكتافهم في قسيهم    =    اذا ما مشوا لا يعمرون من النسا 116
والنبع ينبت بين الصخر ضاحية    =    والنخل ينبت بين الماء والعجل 118
والنبع في الصخرة الصماء منبته    =    والنخل ينبت بين الماء والعجل 118
رب أمور قد بريت لحاء‌ها    =    وقومت من أصلابها ثم رعتها 119
أقيم بدار الحزم ما لم أهن بها    =    فإن خفت من دار هوانا تركتها 119
واصلح جل المال حتي تخالني    =    شحيحا وإن حق عراني أهنتها 119
ولست بولاج البيوت لفاقة    =    ولكن إذا استغنيت عنها ولجتها 119
أبيت عن الادلاج في الحي نائما    =    وأرض بإدلاج وهم قطعتها 119
ألا أيها الجاري سنيحا وبارحا    =    تعرض نفسا لو أشاء قتلتها 119
تعارض فخر الفاخرين بعصبة    =    ولو وضعت لي في إناء أكلتها 119
وإن لنا ربعية المجد كلها    =    موارث آباء كرام ورثتها 119
اذا قصرت أيدي الرجال عن العلا    =    مددت لها باعا عليها فنلتها 119
داع دعاني للعلا فأجبته    =    ودعوة داع للصديق خذلتها 119
ومكرمة كانت رعاية والدي    =    فعلمنيها والدي ففعلتها 119
وعوراء من قيل امرئ ذي قرابة    =    تصاممت عنها بعد ما قد سمعتها 119
رجاء غد أن يعطف الرحم بيننا    =    ومظلمة منه بجنبي عركتها 119
اذا ما أمور الناس رثت وضيعت    =    وجدت أموري كلها قد زممتها 120
وإني سألقي الله لم أرم حرة    =    ولم تأتمنى يوم سر فخنتها 120
ولا قاذف نفسي ونفسي بريئة    =    وكيف اعتذاري بعد ما قد قذفتها 120
ولست اذا ما سرني الدهر ضاحكا    =    ولا خاشعا ما عشت من حادث الدهر 120
ولا جاعلا عرضي لمالي وقاية    =    ولكن أقي عرضي فيحرزه وفري 120
أعف لدى عسري وأبدي تجملا    =    ولا خير فيمن لا يعف لدى العسر 120
وإني لاستحيي اذا كنت معسرا    =    صديقي واخواني بأن يعلموا فقري 120
وأقطع إخواني وما حال عهدهم    =    حياء وإعراضا وما بي من كبر 120
فإن يك عارا ما أتيت فربما    =    أتى المرء يوم السوء من حيث لا يدري 120
ومن يفتقر يعلم مكان صديقه    =    ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر 120
إن ادع مسكينا فما قصرت    =    قدري بيوت الحي والخدر 120
وسميت مسكينا وكانت لجاجة    =    وإني لمسكين إلى الله راغب(1) 120
ما مس رحلي العنكبوت ولا    =    جدياته من وضعه غبر 121
لا آخذ الصبيان ألثمهم    =    والامر قد يغري به الامر 121
ولا ألقي لذي الودعات صوتي    =    لالهيه وريبته أريد(1) 121
اذا رأيت صبي القوم يلثمه    =    ضخم المناكب لا عم ولا خال 121
على الطائر الميمون والجد صاعد    =    لكل اناس طائر وجدود 121
إذا المنبر الغربى خلى مكانه    =    فان أميرالمؤمنين يزيد 121
واذا الفاحش لاقي فاحشا    =    فهنا كم وافق الشن الطبق 121
انما الفحش ومن يعتاده    =    كغراب السوء ماشاء نعق 121
أو حمار السوء ان أشبعته    =    رمح الناس وان جاع نهق 121
أو غلام السوء ان جوعته    =    سرق الجار وان يشبع فسق 121
أو كغيرى رفعت من ذيلها    =    ثم أرخته ضرارا فانمزق 121
أيها السائل عما قد مضى    =    هل جديد مثل ملبوس خلق 121
فاحفظ صبيك منه أن يدنسه    =    ولا يغرنك يوما كثرة المال 122
ولرب يوم قد تركت وما    =    بيني وبين لقائه ستر 122
ومخاصم قاومت في كبد    =    مثل الدهان فكان لي العذر 122
وأعابنى قومي بنو عدس    =    وهم الملوك وخالي البشر(1) 122
عمي زرارة غير منتحل    =    وأبي الذي حدثته عمرو 122
في المجد غرتنا مبينة    =    للناظرين كأنها البدر 122
لا يرهب الجيران غدرتنا    =    حتي يواري ذكرنا القبر 122
لسنا كأقوام إذا كحلت    =    إحدى السنين فجارهم تمر 122
مولاهم لحم على وضم    =    تنتابه العقبان والنسر 122
نارى ونار الجار واحدة    =    واليه قبلى ينزل القدر 122
ما ضر جاري إذ أجاوره    =    أن لا يكون لبيته ستر 123
أعمى إذا ما جارتي خرجت    =    حتي يواري جارتي الخدر 123
ويصم عما كان بينهما    =    سمعي وما بي غيره وقر 123
لا تجعلني كأقوام علمتهم    =    لا يظلموا لبة يوما ولا ودجا 123
اني لاغلاهم باللحم قد علموا    =    نيئا وأرخصهم باللحم إذ نضجا 123
أنا ابن قاتل جوع القوم قد علموا    =    اذا السماء كست آفاقها رهجا 123
يا رب أمرين قد فرجت بينهما    =    إذا هما نشبا في الصدر واعتلجا 123
أديم خلقي لمن دامت خليقته    =    فأمزج الحلو أحيانا لمن مزجا 123
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية    =    اذا الكواكب كانت في الدجى سرجا 123
ما أنزل الله من أمر فأكرهه    =    إلا سيجعل لي من بعده فرجا 123
ما مد قوم بأيديهم إلي شرف    =    إلا رأونا قياما فوقهم درجا 123
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله    =    ويخصب عندي والمكان جديب 123
وما الخصب للاضياف أن يكثر القرى    =    ولكنما وجه الكريم خصيب 123
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته    =    ولم يلهني عنه غزال مقنع 124
أحدثه أن الحديث من القرى    =    وتعلم نفسى أنه سوف يهجع 124
ألا أيها الغائر المستشيط    =    علام تغار اذا لم تغر 124
فما خير عرس اذا خفتها    =    وما خير بيت اذا لم يزر 124
تغار على الناس أن ينظروا    =    وهل يفتن الصالحات النظر 124
فإني سأخلي لها بيتها    =    فتحفظ لي نفسها أو تذر 124
اذا الله لم يعطه ودها    =    فلن يعطي الود سوط ممر 124
ومن ذا يراعي له عرسه    =    اذا ضمه والمطي السفر 124
وإني امرؤ لا آلف البيت قاعدا    =    إلى جنب عرسي لا أفرطها شبرا 124
ولا مقسم لا أبرح الدهر بيتها    =    لاجعله قبل الممات لها قبرا 124
اذا هي لم تحصن أمام قبابها    =    فليس بمنجيها بنائي لها قصرا 124
ولا حاملي ظني ولا قيل قائل    =    على حائط حتى أحيط بها خبرا 124
فهبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا    =    فكيف اذا ما سرت من بيتها شهرا 124
ما أحسن الغيرة في حينها    =    وأقبح الغيرة في غير حين 125
من لم يزل متهما عرسه    =    مناصبا فيها لوهم الظنون 125
يوشك أن يغريها بالذي    =    يخاف أو ينصبها للعيون 125
حسبك من تحصينها ضمها    =    منك إلى خلق كريم ودين 125
لا تظهرن منك على عورة    =    فيتبع المقرون حبل القرين 125
فلو أنها نفس تموت سوية    =    ولكنها نفس تساقط أنفسا 126
فلا تدعني قومي صريحا لحرة    =    لئن كنت مقتولا ويسلم عامر 127
فلا تدعني قومي ليوم كريهة    =    لئن لم أعجل ضربة أو أعجل 127
يمد نجاد السيف حتى كأنه    =    بأعلى سنامي فالج يتطوح 129
يندلج في حاجات من هو نائم    =    ويورى كريمات الندى حين يقدح 129
اذا اعتم بالبرد اليماني خلته    =    هلالا بدا في جانب الافق يلمح 129
يزيد على فضل الرجال فضيلة    =    ويقصر عنه مدح من يتمدح 129
أحسب النوم حكاكا    =    إذ رأى منك جفاكا 129
مني الصبر ومنك    =    الهجر فابلغ بي مداكا 129
بعدت همة عين    =    طمعت في أن تراكا 130
أو ما خط لعيني    =    أن ترى من قد رآكا 130
ليت حظي منك أن    =    تعلم ما بي من هواكا 130
مدارس آيات خلت من تلاوة    =    ومنزل وحي مقفر العرصات 130
أزالت عراء القلب بعد التجلد    =    مصارع أولاد النبي محمد 130
كفى بفعال امرئ عالم    =    على أهله عادلا شاهدا 131
أرى لهم طارفا مونقا    =    ولا يشبه الطارف التالدا 131
يمن عليكم بأموالكم    =    ويعطون من مئة واحدا 131
فلا حمد الله مستبصرا    =    يكون لاعدائكم حامدا 131
فضلت قسيمك في قعدد    =    كما فضل الوالد الوالدا 131
ربما تكره النفوس من الامر    =    له فرجة كحل العقال 131
ولرب نازلة يضيق بها الفتى    =    ذرعا وعند الله منها مخرج 131
كملت فلما استحكمت حلقاتها    =    فرجت وكان يظنها لا تفرج 131
ألم تر أن الله اعطاك سورة    =    ترى كل ملك دونها يتذبذب 132
فانك شمس والملوك كواكب    =    اذا طلعت لم يبد منهن كوكب 132
عفت مساو تبدت منك واضحة    =    على محاسن بقاها أبوك لكا 132
لئن تقدم أبناء الكرام به    =    لقد تقدم أبناء اللئام بكا 132
تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا    =    ويصدع قلبي أن يهب هبوبها 132
قريبة عهد بالحبيب وإنما    =    هوى كل نفس حيث كان حبيبها 132
تطلع من نفسي اليك نوازع    =    عوارف أن اليأس منك نصيبها 132
اذا هبت الارواح من كل جانب    =    به آل مي هاج شوقي هبوبها 132
هوي تذرف العينان منه وإنما    =    هوى كل نفس حيث كان حبيبها 132
دنت باناس عن تناء زيارة    =    وشط بليلي عن دنو مزارها 133
وإن مقيمات بمنقطع اللوى    =    لاقرب من ليلى وهاتيك دارها 133
يقولون هذي أم عمرو قريبة    =    دنت بك أرض نحوها وسماء 133
ألا إنما بعد الحبيب وقربه    =    إذا هو لم يوصل اليه سواء 133
كن كيف شئت وأني تشا    =    وأبرق يمينا وأرعد شمالا 133
نجابك لؤمك منجي الذباب    =    حمته مقاذيره أن ينالا 133
أما الهجاء فدق عرضك دونه    =    والمدح عنك كما علمت جليل 133
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه    =    عرض عززت به وأنت ذليل 133
بقرار قيعان سقاها وابل    =    واه فأثجم برهة لا يقلع(1) 136
فلبثن حينا يعتلجن بروضة    =    فيجد حينا في العلاج ويشمع 136
ولو أني أشاء كننت نفسي    =    إلى لبات بهكنة شموع(2) 136
ولا والله نادى الحي ضيفي    =    هدؤا بالمساء‌ة والعلاط 137
سأبدأهم بمشمعة وأثني    =    بجهدي من طعام أو بساط 137
ورب ضيف طرق الحي سرى    =    صادف زادا وحديثا ما اشتهى(1) 137
انك يابن جعفر نعم الفتى    =    ونعم مأوى طارق إذا أتي 137
وقصيرة الايام ود جليسها    =    لو باع مجلسها بفقد حميم 138
من محذيات أخي الهوى غصص الجوى    =    بدلال غانية ومقلة ريم 138
صفراء من بقر الجواء كأنما    =    خفر الحياء بها وردع سقيم 138
قفي يا أميم القلب نقرأ تحية    =    ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك 138
فلو قلت طأ في النار أعلم أنه    =    هوى لك أو مدن لنا من وصالك 138
لقدمت رجلي نحوها فوطئتها    =    هدى منك لي أو ضلة من ضلالك 138
سلى البانة العليا بالاجرع الذي    =    به البان هل حييت أطلال دارك 138
وهل قمت في أطلالهن عشية    =    مقام أخي البأساء واخترت ذالك 138
ليهنئك إمساكي بكفي على الحشا    =    ورقراق عيني خشية من زيالك 138
ومستخفيات ليس يخفين زرننا    =    يسحبن أذيال الصبابة والشكل 139
جمعن الهوى حتى إذا ما ملكنه    =    نزعن وقد أكثرن فينا من القتل 139
مريضات رجع الطرف خرس عن الخنا    =    تألفن أهواء القلوب بلا بذل 139
موارق من ختل المحب عواطف    =    بختل ذوي الالباب بالجد والهزل 139
يعنفني العذال فيهن والهوى    =    يحذرني من أن أطيع ذوي العذل 139
فيا عز ليت النأى إذ حال بيننا    =    وبينك باع الود لي منك تاجر(1) 139
بليلى وجارات لليلي كأنها    =    نعاج الملا تحدى بهن الاباعر 139
أمنقطع ياعز ماكان بيننا    =    وشاجرنى ياعز فيك الشواجر 139
إذا قيل هذا بيت عزة قادنى    =    اليه الهوى واستعجلتنى البوادر 139
أصد وبى مثل الجنون لكى يرى    =    رواة الخنا أنى لبيتك هاجر 139
ألا ليت حظي منك ياعز انني    =    إذا بنت باع الصبر لى عنك تاجر 139
ومخرق عنه القميص تخاله    =    بين البيوت من الحياء سقيما 140
حتى اذا خفق اللواء رأيته    =    تحت اللواء علي الخميس زعيما 140
باتت تعيرني الاقتار والعدما    =    لما رأت لاخيها المال والخدما 140
عنف لرأيك ما الارزاق من جلد    =    ولا من العجز بل مقسومة قسما 140
شفاء العمي حسن السؤال وإنما    =    يطيل العمى طول السكوت على الجهل 140
يا أمة الله إني لم أدع طلبا    =    للرزق قد تعلمين الشرق والشأما 141
فكل ذلك بالاجمال في طلب    =    لم ارز عرضا ولم أسفك لذاك دما 141
لو كان من جلد ذا المال أو أدب    =    لكنت أكثر من نمل القرى نعما 141
إرضى من العيش مالم تحوجي معه    =    أن تفتحي لسؤال الاغنياء فما 141
واستشعري الصبر عل الله خالقنا    =    يوما سيكشف عنا الضر والعدما 141
لا تحوجيني إلى ما لو بذلت له    =    نفسي لاعقبك التهمام والندما 141
بالله سرك أن الله خولني    =    ما كان خوله الاعراب والعجما 141
ما سرني أنني خولت ذاك ولا    =    أن لا أقول لباغي حاجة نعما 141
وأنني لم أفد عقلا ولا أدبا    =    ولا أرث والدي مجدا ولا كرما 141
فعسرة المرء أحرى في معاشك من    =    أمر يجر عليك الهم والالما 141
فلم أنسكم يوم اللوى إذ تعرضت    =    لنا أم طفل خاذل قد تجلت 141
وقالت سأنسيك العشية ما مضى    =    وأصرف منك النفس عما أبت 141
فما فعلت لا والذي أنا عبده    =    على ما بدا من حسنها إذ أدلت 141
أبت سابقات الحب إلا مقرها    =    إليك وما يثني إذا ما استقرت 141
هواك الذي في النفس أمسى دخيلها    =    عليه انطوت احشاؤها واستمرت 141
ديار التي طرقتك وهنا    =    بريا روضة وذكاء رند 142
تسائلني وأصحابي هجود    =    وتثني عطفها من غير صد 142
فلما أن شكوت الحب قالت    =    فإني فوق وجدك كان وجدي 142
ولكن حال دونك ذو شذاة    =    أسر بفقده يهر فقدى 142
عيناي مشئومتان ويحهما    =    والقلب حران مبتلى بهما 142
عرفتانى الهوى بظلمهما    =    يا ليتني قبله عدمتهما 142
هما إلى الحين قادتا وهما    =    دل على ما أجن دمعهما 142
سأعذر القلب في هواه فما    =    سبب هذا البلاء غيرهما 142
لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت    =    خفاتا على آثارهم لصبور 142
غداة المنقى اذ رميت بنظرة    =    ونحن على متن الطريق نسير 142
فقلت لقلبي حين خف به الهوى    =    وكاد من الوجد المبر يطير 142
فهذا ولما تمض للبين ليلة    =    فكيف إذا مرت عليك شهور 142
وأصبح أعلام الاحبة دونها    =    من الارض غول نازح ومسير 143
وأصبحت نجدي الهوى متهم الثوى    =    أزيد اشتياقا أن يحن بعير 143
عسى الله بعد النأي أن يسعف النوى    =    ويجمع شمل بعدها وسرور 143
كل يوم أدور في عرصة الحي    =    أشم القتار شم الذباب 143
فاذا ما رأيت آثار عرس    =    أو ختان أو مجمع الاصحاب 144
لا أروع دون التقحم لا أر    =    هب دفعا ولكزة البواب 144
مستهينا مما هجمت عليه    =    غير مستأذن ولا هياب 144
فتارني ألف ماقدم القو    =    م علي رغمهم كلف العقاب 144
ذاك أدنى من التكلف والغر    =    م وغيظ البقال والقصاب 144
ما أم سقب علي بو تطيف به    =    قد ساعدتها على التحنان أظآر 146
ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت    =    فإنما هي إقبال وإدبار 146
أيها القائل غير الصواب    =    أخر النصح وأقللن عتابي 147
وكم من قتيل ما يباء به دم    =    ومن غلق رهن إذا ظمه مني 147
ومن مالئ عينيه من شئ غيره    =    إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمي(1) 147
كم من ضعيف العقل منتكث القوى    =    ما إن له نقض ولا إبرام 147
مالت له الدنيا عليه بأسرها    =    فعليه من رزق الاله ركام 147
ومشيع جلد أمين حازم    =    مرس له فيما يروم مرام 147
أعمى عليه سبيله فكأنه    =    فيما يحاوله عليه حرام 147
فلم أر كالتجمير منظر ناظر    =    ولا كليال الحج أفتن ذا هوى 147
يسحبن اذيال المروط بأسؤق    =    خدال وأعجاز مآكمها روي 147
أري كل ارض أوطنتها وإن خلت    =    لها حجج تندى بمسك ترابها 148
حلفت بأني لو أرى تبعا لها    =    ذئاب الفضى حنت إلي ذئابها 148
أمن أجل أعرابية حل أهلها    =    بروض الشري عيناك تبتدران 148
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع    =    فألهيتها عن ذي تمائم محول 148
رأت نضو أسفار أميمة شاحبا    =    على نضو أسفار فجن جنونها 149
فقالت من اي الناس أنت ومن تكن    =    فإنك راعي صرمة لا يزينها 149
فقلت لها ليس الشحوب على الفتى    =    بعار ولا خير الرجال سمينها 149
عليك براعي ثلة مسلحبة    =    يروح عليها مخضها وحقينها 149
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة    =    وأنعم أبكار الهموم وعونها 149
عميت جنينا والذكاء من العمى    =    فجئت عجيب الظن للعلم موئلا 149
وغاض ضياء العين للعقل رافدا    =    بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا 149
وقد جعل الاعداء ينتقصوننا    =    وتطمع فينا ألسن وعيون 150
ألا إنما ليلي عصي خيزرانة    =    إذا غمزوها بالاكف تلين 150
وحوراء المدامع من معد    =    كأن حديثها قطع الجمان 150
إذا قامت لسبحتها تثنت    =    كأن قوامها من خيزران 150
ينسيك المنى نظر إليها    =    ويصرف وجهها وجه الزمان 150
نأتك على طول التجاور زينب    =    وما علمت ان النوى سوف يشعب 150
إن أمس منشنج اليدين عن الندى    =    وعن العدو محبس الشيطان 150
فلقد أروح علي اللئام مسلطا    =    ثلج المقام منعم الندمان 150
في ظل عيش عشيرة محمودة    =    تندى يدى ويخاف فرط لساني 150
أزمان سربال الشباب مذيل    =    وإذ الامير علي من حراني 150
رئم بأحوية العراق إذا بدا    =    برقت عليه أكلة المرجان 150
فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى    =    وبوشك رؤيتها من الهملان 150
فلقرب من تهوى وأنت متيم    =    اشفى لدائك من بني مروان 151
يفلجن الشفاه عن اقحوان    =    جلاه غب سارية قطار 151
وهى مكنونة تحير منها    =    في أديم الخدين ماء الشباب 151
شف منها محقق جندبى    =    فهي كالشمس من خلال السحاب 151
لولا الحياء وأن رأسي قد بدا    =    فيه المشيب لزرت أم القاسم 151
فكأنها وسط النساء اعارها    =    عينيه أحور من جآذر جاسم 151
وسنان اقصده النعاس فرنقت    =    في عينه سنه وليس بنائم 151
محلى باطواق عتاق يبينها    =    على الضر راعي الضأن لو يتقوف 151
هيق كأن جناحيه وجؤجؤه    =    بيت أطافت به خرقاء مهجوم 151
فانك كالليل الذي هو مدركي    =    وإن خلت ان المنتأى عنك واسع 151
كالاقحوان غداة غب سمائه    =    جفت أعاليه وأسفله ند 152
وتجلو بفرع من أراك كأنه    =    من العنبر الهندي والمسك ينضح 152
ذرا أقحوان واجه الليل وارتقى    =    اليه الندى من رامة المتروح 152
هجان الثنايا مغربا لو تبسمت    =    لاخرس عنه كاد بالقول يفصح 152
عشية أبدت جيد أدماء مغزل    =    وطرفا يريك الاثمد الجون أحورا 153
أعادك من ذكر الاحبة عائد    =    أجل واستخفتك الرسوم البوائد 156
تذكرت من تهوى فأبكاك ذكره    =    - فلا الذكر منسي ولا الدمع جامد 156
تحن ويأبي أن يساعدك الهوى    =    وللموت خير من هوى لا يساعد 156
ألا طالما أنهبت دمعك طائعا    =    وجارت عليك الآنسات النواهد 156
تذكرنا أبصارها مقل المها    =    واعناقها أدم الظباء العواقد 156
تساقط منهن الاحاديث غضة    =    تساقط در اسلمته المعاقد 156
إليك أمير المؤمنين تجاذبت    =    بنا الليل خوص كالقسى شوارد 157
يمانية ينأى القريب محلة    =    بهن ويدنو الشاحط المتباعد 157
تجلى السرى عنها وللعيس أعين    =    سوام وأعناق إليك قواصد 157
إلى ملك يندى إذا يبس الثرى    =    بنائل كفيه الاكف الجوامد 157
له فوق مجد الناس مجدان منهما    =    طريف وعادي الجراثيم تالد 157
واحواض عز حومة الموت دونها    =    وأحواض عرف ليس عنهن ذائد 157
ياد بني العباس بيض سوابغ    =    على كل قوم ناديات عوائد 157
وهم يعدلون السمك من قبة الهدى    =    كما تعدل البيت الحرام القواعد 157
سواعد عز المسلمين وإنما    =    تنوء بصولات الاكف السواعد 157
يكون غرار نومه من حذاره    =    على قبة الاسلام والخلق راقد 157
كأن أمير المؤمنين محمدا    =    لرأفته بالناس للناس والد 157
تساقط منهن الاحاديث غضة    =    تساقط در أسلمته المعاقد 157
إذا هن ساقطن الاحاديث للفتى    =    سقوط حصى المرجان من سلك ناظم(1) 157
وخبرك الواشون أن لن أحبكم    =    بلى وستور الله ذات المحارم 157
أصد وما الصد الذى تعلمينه    =    عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم 157
حياء وبقيا أن تشيع نميمة    =    بنا وبكم اف لاهل النمائم 157
فان دما لو تعلمين جنينه    =    على الحي جاني مثله غير سالم 157
أما إنه لو كان غيرك أرقلت    =    اليه القني بالراعفات اللهاذم 157
هي الدر منثورا إذا ما تكلمت    =    وكالدر مجموعا إذا لم تكلم 158
من ثغرها الدر النظيم    =    ولفظها الدر النثير 158
ولما التقينا والنقا موعد لنا    =    تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه 158
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها    =    ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه 158
خلوت بها وسجف الليل ملقي    =    وقد اصغت إلى الغرب النجوم 158
كأن كلامه در نثير    =    ورونق ثغرها در نظيم 158
تبسمت فرأيت الدر منتظما    =    وحدثت فرأيت الدر منتثرا 158
وتحفظ لا من ريبة يحذرونها    =    ولكنها من أعين الناس تحفظ 158
وتلفظ درا في الحديث إذا جرى    =    ولم نر درا قبل ذلك يلفظ 158
اظهرن وصلا إذ رحمن متيما    =    وارين هجرا اذ خشين مراقبا 158
ولكنه والله ماطل مسلما    =    كغر الثنايا واضحات الملاغم 158
اذا هن ساقطن الاحاديث للفتى    =    سقوط حصى المرجان من سلك ناظم 158
رمين فأقصدن القلوب ولا ترى    =    دما مائرا الاجوى في الحيازم 158
فنظمن من در المباسم جامدا    =    ونثرن من در المدامع ذائبا 159
كتساقط الرطب الجني    =    من الاقناء لا نثرا ولا نزرا 159
لها بشر مثل الحرير ومنطق    =    رخيم الحواشي لاهراء ولا نزر(1) 159
إلى ملك تندي اذا يبس الثرى    =    بنائل كفيه الاكف الجوامد 159
لا تراني مصافحا كف يحيى    =    إنني إن فعلت اتلفت مالي 159
وعينان قال الله كونا فكانتا    =    فعولان بالالباب ما تفعل الخمر 159
لو يمس البخيل راحة يحيي    =    لسخت نفسه ببدل النوالي 160
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى    =    ولم أدر أن الجود من كفه يعدى 160
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغني    =    أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي 160
إلى ملك لو صافح الناس كلهم    =    لما كان حي في البرية يبخل 160
لو لمس الناس راحتيه    =    ما بخل الناس بالعطاء 160
من شاكر عنى الخليفة بالذي    =    أولاه من طول ومن إحسان 160
ملات يداه يدي وشرد جوده    =    بخلى فأفقرني كما أغناني 160
حتى لقد أفضلت من إفضاله    =    ورأيت نهج الجود حيث أراني 160
ووثقت بالخلف الجميل معجلا    =    منه فأعطيت الذي أعطاني 160
رأيت الندى في آل عوف خليقة    =    إذا كان في قوم سواهم تخلقا 160
ولو جزت في أبياتهم لتعلمت    =    يداك الندى منهم فأصبحت مملقا 160
يجود البخيل إذا ما رآ    =    ك ويسطو الجبان إذا عاينك 161
وأحواض عز حومة الموت دونها    =    وأحواض عرف ليس عنهن زائد 161
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا    =    وتفتر عنها أرضها وسماؤها 161
فمن دونها أن تستباح دماؤنا    =    ومن دوننا أن نستذم دماؤها 161
حمى وقرى فالموت دون مرامها    =    وأيسر خطب عند حق فناؤها(1) 161
يكون غرارا نومه من حذاره    =    على قبة الاسلام والخلق راقد 161
نعم الخليفة للرعية من إذا    =    رقدت وطاب لها الكرى لم يرقد 161
ويظل يحفظنا ونحن بغفلة    =    ويبيت يكلؤنا ونحن نيام 161
أربيعة الفرس اشكرى يد منعم    =    وهب الاساء‌ة للمسئ الجاني 161
روعتموا جاراته فبعثتموا    =    منه حمية آنف غيران 161
لم تكر عن قاصي الرعية عينه    =    فتنام عن وتر القريب الداني 161
كأن أمير المؤمنين محمدا    =    لرأفته بالناس للناس والد 162
أحيي لنا يحيى فعال خالد    =    فأصبح اليوم كثير الحامد 162
يسخو بكل طارف وتالد    =    على بعيد غائب وشاهد 162
الناس في إحسانه كواحد    =    وهو لهم أجمعهم كالوالد 162
خلت بعدنا من آل ليلى المصانع    =    وهاجت لنا الشوق الديار البلاقع 162
ومالي إلى المهدي لو كنت مذنبا    =    سوى حلمه الضافي على الناس شافع 162
ولا هو عند السخط منه ولا الرضى    =    بغير الذي يرضى به الله واقع 162
تغض له الطرف العيون وطرفه    =    على غيره من خشية الله خاشع 162
ولست بخائف لابى علي    =    ومن خاف الاله فلن يخافا 162
أمننى منه ومن خوفه    =    خيفته من خشية الباري 162
قد كنت خفتك ثم أمنني    =    من أن أخافك خوفك الله 162
يغضي حياء ويغضى من مهابته    =    فما يكلم إلا حين يبتسم 163
هذا سليل حسين نجل فاطمة    =    بنت الرسول الذى انجابت به الظلم 163
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد    =    وعينا له حولاء باد عيوبها 163
في كفه خيزران ريحا عبق    =    في كف أروع في عرنينه شمم 163
هاتف بك من اوج ورابية    =    يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم 163
في كفه خيزران ريحها عبق    =    من كف أروع في عرنينه شمم 164
يغضي حياء ويغضى من مهابته    =    فما يكلم إلا حين يبتسم 164
ولي ألف وجه قد عرفت مكانه    =    ولكن بلا قلب إلى أين اذهب 165
حال دون الهوى ودو    =    ن سرى الليل مصعب 166
وسياط على أكف    =    رجال تقلب 166
ولوا عيينة من بعدي أموركم    =    واستيقنوا انه بعدي لكم حام 167
إما هلكت فإني قد بنيت لكم    =    عز الحياة بما قدمت قدامي 167
واستوسقوا للتي فيها مروء‌تكم    =    قود الجياد وضرب القوم في الهام 168
والقرب من قومكم والقرب ينفعكم    =    والبعد إن باعدوا والرمي للرامي 168
ولى حذيفة إذ ولى وخلفني    =    يوم الهباة يتيما وسط أيتام 168
لا أرفع الطرف ذلا عند مهلكة    =    ألقي العدو بوجه خده دامي 168
حتى اعتقدت لوا قومي فقمت به    =    ثم ارتحلت إلى الجفني بالشام 168
لما قضي ما قضى من حق زائره    =    عجت المطي إلى النعمان من عامي 168
اسمو لما كانت الاباء تطلبه    =    عند الملوك فطرفي عندهم سامي 168
والدهر آخره شبه لاوله    =    قوم كقوم وأيام كأيام 168
فابنوا ولا تهدمو فالناس كلهم    =    من بين بان إلي العليا وهدام 168
أطعت أبا عيينة في هواه    =    ولم تخلج صريمتي الظنون 168
وقد عرض الرئيس على بنيه    =    فقال القوم هذا لا يكون 169
ستحيا أو تموت فطالوه    =    وقتل المرء والده جنون 169
فلم أقتل بحمد الله حصنا    =    وكل فتى سيدركه المنون 169
ولم أنكل عليه وكل امر    =    اذا هونته يوما يهون 169
فإن يك بدء هذا الامر غثا    =    فآخره بنى بدر سمين 169
صحا بعد جهل فاستراحت عواذله    =    وأقصر عنه حين أقصر باطله 169
ومن مد في أيامه فتأخرت    =    منيته فالشيب لاشك شامله 169
هو المرء إما دينه فهو مانع    =    صؤن وإما ماله فهو باذله 169
أمر وأحلى ما بلى الناس طعمه    =    عقاب أميرالمؤمنين ونائله 169
أبي لما يأبي ذوو الحزم والتقى    =    فعول إذا ما جد بالامر فاعله 169
تروك الهوى لا السخط منه ولا الرضا    =    - لدى موطن إلا علي الحق حامله 169
يرى أن مر الحق أحلى مغبة    =    وأنجى ولو كانت زعافا مناهله 170
فإن طليق الله من هو مطلق    =    وإن قتيل الله من هو قاتله 170
وإنك بعد الله للحكم الذي    =    تصاب به من كل حق مفاصله 170
ومن مد في أيامه فتأخرت    =    منيته فالشيب لا شك شامله 170
والشيب غاية من تأخر حينه    =    لا يستطيع دفاعه من يجزع 170
من لم يمت عبطة يمت هرما    =    والموت كأس والمرء ذائقها 170
قل لعرسى ليس شيبي بعجب    =    من يعش يا أم عمار يشب 170
من يعش يكبر ومن يكبر يمت    =    والمنايا لا تبالى من أتت 170
ولا بد من ترك إحدى اثنتين    =    فإما الشباب واما العمر 170
والشيب مهرب من جارى مشيته    =    ولا نجاء له من ذلك الهرب 170
قالت كبرت وانتفيت من الصبا    =    فقلت لها ما عشت إلا لاكبرا 170
ولا بد من موت فإما شبية    =    وإما مشيب والشبية أصلح 170
هو المرء إما دينه فهو مانع    =    صؤن وأما ماله فهو باذله 171
يذكر نيك الجود والبخل والنهى    =    وقول الخنا والحلم والعلم والجهل 171
فالقاك عن مذمومها متنزها    =    والقاك في محمودها ولك الفضل 171
وأحمد من أخلاقك البخل إنه    =    بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل 171
بلونا ضرائب من قد نرى    =    فما إن وجدنا لفتح ضريبا 171
تنقل في خلقي سؤدد    =    سماحا مرجى وباسا مهيبا 171
فكالسيف إن جئته صارخا    =    وكالبحر إن جئته مستثيبا 171
إذا هن القين الرحال ببابه    =    حططن به ثقلا وأدركن مغنما 171
إلى طاهر الاثواب ما نال في رضى    =    ولا غضب مالا حراما ولا دما 171
ثبت الجنان إذا اصطكت بمظلمة    =    في رحله السن الاقوام والركب 171
لا المنطق اللغو يزكو في مقاومه    =    يوما ولا حجة الملهوف تستلب 171
كأنما هو في نادى قبيلته    =    لا القلب يغفو ولا الاحشاء تضطرب 171
وتحت ذاك قضاء حز شفرته    =    كما يعض بظهر الغارب القتب 171
لا سورة تتقى منه ولا بله    =    ولا يخاف رضى منه ولا غضب 172
وجه الحق بين أخذ وإعطا    =    ء وقصد في الجمع والتبديد 172
واستوى الناس فالقريب قريب    =    عنده والبعيد غير بعيد 172
لا يميل الهوى به حين يمضى الامر    =    بين المقلي وبين الودود 172
وسواء لديه أبناء إبرا    =    هيم في حكمه وأنباء هود 172
مستريح الاحشاء من كل ضغن    =    بارد الصدر من غليل الحقود 172
إن الذي عاش ختارا بذمته    =    ومات عبدا قتيل الله بالزاب 172
لك القلم الاعلى الذي بشباته    =    تصاب من الامر الكلى والمفاصل(1) 172
له الخلوات اللاء لولا نجيها    =    لما احتفلت للملك تلك المحافل(2) 172
لعاب الافاعي القاتلات لعابه    =    وأري الجني اشتارته أيد عواسل(1) 173
له ريقة طل ولكن وقعها    =    بآثاره في الشرق والغرب وابل (1) 174
فصيح إذا استنطقته وهو راكب    =    واعجم إن خاطبته وهو راجل 174
اذا ما امتطي الخمس اللطاف وافرغت    =    - عليه شعاب الفكر وهي حوافل(2) 174
أطاعته أطراف القنا وتقوضت    =    لنجواه تقويض الخيام الجحافل(3) 174
إذا استغزر الذهن الذكى وأقبلت    =    أعاليه في القرطاس وهى أسافل(4) 174
وقد رفدته الخنصران وسددت    =    ثلاث نواحيه الثلاث الانامل (5) 174
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف    =    ضني وسمينا خطبه وهو ناحل(1) 175