فهرست عناوين فهرست اشعار
أمالي السيد المرتضى — الجزء الثالث

1

أمالي السيد المرتضى — الجزء الثالث

تأليف:

الشريف أبى القاسم على بن الطاهر أبى أحمد الحسين

المتوفى سنة 436 رضي الله عنه

في التفسير والحديث والادب

فهرست عناوين
(مجلس آخر 41)1
     ( تأويل آية )1
(مجلس آخر 42)13
     ( تأويل آية )13
(مجلس آخر 43)25
     ( تأويل آية )25
(مجلس آخر 44)34
     ( تأويل آية )34
(مجلس آخر 45)46
     ( تأويل آية )46
(مجلس آخر 46)59
     ( تأويل آية )59
(مجلس آخر 47)70
     ( تأويل آية )70
(مجلس آخر 48)80
     ( تأويل آية )80
(مجلس آخر 49)91
     ( تأويل آية )91
(مجلس آخر 50)100
     ( تأويل آية )100
(مجلس آخر 51)114
     ( تأويل آية )114
(مجلس آخر 52)124
     ( تأويل آية )124
(مجلس آخر 53)134
     ( تأويل آية اخرى )134
(مجلس آخر 54)142
     ( تأويل آية )142
(مجلس آخر 55)155
     ( تأويل آية )155
(مجلس آخر 56)165
     ( تأويل آية )165

2
(مجلس آخر 41)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين) إلى آخر الآية. فقال ما تأويل هذه الاية أو ليس ظاهرها يقتضى أنا لانشاء شيئا الا والله تعالى شاء‌ه وله ولم يخص إيمانا من كفر ولا طاعة من معصية.

الجواب قلنا الوجه المذكور في هذه الاية ان الكلام متعلق بما تقدمه من ذكر الاستقامة لانه تعالى قال (لمن شاء منكم أن يستقيم) ثم قال (وما تشاء‌ون إلا أن يشاء الله رب العالمين) أي ما تشاء‌ون الاستقامة إلا والله تعالى مريد لها ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات وانما أنكرنا ارادته المعاصي وليس لهم أن يقولوا تقدم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها ولا يمنع من عمومه كما ان السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعداه وذلك ان الذي ذكروه انما يجب فيما يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقل.

وقوله تعالى (وما تشاء‌ون إلا أن يشاء‌الله) لا ذكر للمراد فيه فهو غير مستقل بنفسه واذا علق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقل على انه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه وليس لها ذلك لوجب الانصراف عنه بالادلة الثابتة على انه تعالى لا يريد المعاصي ولاالقبائح على ان مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم لان العباد قد يشاؤن عندهم مالا يشاء‌ه الله تعالى بان يريدوا الشئ ويعزموا عليه فلا يقع مانع ممتنع او غيره وكذلك قد يريد النبي عليه الصلاة والسلام من الكفار الايمان وقد وتعبدنا بان يريد من المقدم على القبيح تركه وان كان تعالى عندهم لا يريد ذلك اذا كان المعلوم انه لا يقع فلابد لهم من تخصيص الآية فاذا جاز لهم ذلك بالشبهة


3

جاز لنا مثله بالحجة وتجرى هذه الآية مجري قوله تعالى (ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وقوله تعالى (وما يذكرون إلا أن يشاء الله) في تعلق الكلام بما قبله.

فان قالوا فالآية تدل على مذهبنا وبطلان مذهبكم من وجه آخر وهو انه عزوجل قال (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وذلك يقتضي انه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها لان أن الخفيفة اذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال وهذا يوجب انه يشاء أفعال العباد في كل حال ويبطل ما تذهبون اليه من انه انما يريد الطاعات في حال الامر. قلنا ليس في ظاهر الآية إنا لا نشاء إلا ماشاء‌ه الله تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم وانما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا تأخر ويجري ذلك مجري قول القائل ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو ونحن نعلم انه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حالة واحدة بل لا يمتنع أن يتقدم دخول عمر ويتلوه دخول زيد وان الخفيفة وان كانت للاستقبال على ما ذكروه فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها لان تقدير الكلام وما تشاؤن الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال وقد ذهب أبوعلى الجبائى إلى انه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال وان كان قد أرادها في حال الامر كما يصح أن يأمر بها أمرا بعد أمر قال لانه قد يصح أن يتعلق بارادته ذلك منا بعد الامر وفي حال الفعل مصلحة ويعلم تعالى انا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب وعلى هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه.

والجواب الاول واضح اذا لم نذهب إلى مذهب أبي على في هذا الباب على ان اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم لان الكلام اذا اقتضى حدوث المشيئة وأبطل استقبالها بطل قول من قال منهم انه مريد لنفسه أو مريد بارادة قديمة وصح ما نقوله من ان ارادته محدثة مجددة.

ويمكن في تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم من غير أن نخصها بما تقدم ذكره من الاستقامة ويكون المعني وما تشاؤن شيئا من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم واقداركم عليها والتخلية بينكم وبينها وتكون الفائدة في ذلك الاخبار عن الافتقار إلى الله تعالى وانه لا قدرة


4

للعبد على مالم يقدره الله تعالى عزوجل وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه لان ما تتعلق به المشيئة في الآية محذوف غير مذكور وليس لهم أن يعلقوا قوله تعالى (إلا أن يشاء الله) بالافعال دون تعلقه بالقدرة لان كل واحد من الامرين غير مذكور وكل هذا واضح بحمد الله.

ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان فمما يختار قوله من قصيدة أولها

طرقتك زائرة فحي خيالها
بيضاء تخلط بالحياء دلالها

يقول فيها

مالت بقلبك فاستقاد ومثلها
قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
فكأنما طرقت بنفحة روضة
سحت بها ديم الربيع طلالها
باتت تسائل في المنام معرسا
بالبيد أشعث لا يمل سؤالها
في فتية هجعوا غرارا بعدما
سئموا مراعشة السرى ومطالها

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه - المراعشة - هي تحريك الرأس في السير من النوم فكأن حشو ثيابهم هندية * نحلت وأغفلت العيون صقالها أما ذكره في أول القصيدة طروق الطيف فانه لم يأت فيه بمعنى غريب ولا لفظ مستعذب(1) وقد قال الناس في طيف الخيال فأكثروا.

وقد سبق في ذلك قيس بن الخطيم إلى معني كل الناس فيه عيال عليه وهو قوله

(1) قوله فانه لم يأت فيه بمعنى غريب ولا لفظ مستعذب الخ. قلت أما العلماء المتقدمون فانهم استحسنوها روى ان مروان بن أبى حفصة جاء إلى حلقة يونس فسلم ثم قال أيكم يونس فأومؤا له اليه فقال له أصلحك الله إني أرى قوما يقولون الشعر لان يكشف أحدهم سوأته ثم يمشى كذلك في الطريق أحسن له من أن يظهر مثل ذلك الشعر وقد قلت شعرا أعرضه عليك فان كان جيد أظهرته وان كان رديئا سترته (*)


5
أني سربت وكنت غير سروب
وتقرب الاحلام غير قريب(1)
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه
في النوم غير مصرد محسوب
كان المنى بلقائها فلقيتها
فلهوت من لهو امرئ مكذوب

وقد أحسن جرير في قوله

أتنسى اذ تودعنا سليمى
بفرع بشامة سقي البشام
بنفسي من تجنبه عزيز
علي ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه
ويطرقني اذا هجع النيام

وهذه الابيات وان خلت من معنى في ذكر الطيف غريب فلم تخل من لفظ مستعذب.

ولابي عبادة البحتري في وصف الخيال الفضل على كل متقدم ومتأخر فانه تغلغل

فأنشده * طرقتك زائرة فحي خيالها * الخ فقال له يونس يا هذا اذهب فاظهر هذا الشعر فأنت والله فيه أشعر من الاعشى في قوله * رحلت سمية غدوة أجمالها * فقال له مروان سررتني وسؤتني فأما الذي سررتني به فارتضاؤك الشعر وأما الذي ساء‌ني فتقديمك إياى على الاعشى وأنت تعرف محله فقال انما قدمتك عليه في تلك القصيدة لا في شعره كله لانه قال فيها * فأصاب حبة قلبه وطحالها * والطحال لا يدخل في شى إلا أفسده وقصيدتك سليمة من هذا وشبهه.

وقصيدة مروان هذه مدح بها المهدي ولما أنشده إياها زحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع ثم قال كم هي قال مائة بيت فأمر له بمائة ألف درهم فكانت أول مائة ألف درهم اعطيها شاعر في أيام بني العباس وهذا دليل على حسنتها

(1) قوله سربت - السارب - الذاهب على وجهه في الارض ورواه ابن دريد سربت بباء موحدة لقوله وكنت غير سروب ومن رواه سريت بالياء باثنتين فمعناه كيف سريت ليلا وأنت لا تسربين نهارا (*)


6

في أوصافه واهتدي من معانيه الي ما لايوجد لغيره وكان مشغوفا بتكرار القول فيه لهجا بابدائه وإعادته وان لابي تمام في ذلك مواضع لا يجهل فضلها ومحاسن لا يبلغ شأوها فمما لابي تمام قوله

زار الخيال لها لا بل أزاركه
فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبي تقنصته لما نصبت له
من آخر الليل أشراكا من الحلم
ثم اغتدى وبنا من ذكره سقم
باق وإن كان مشغولا من السقم

وقوله

عادك الزور ليلة الرمل من رملة
بين الحمى وبين المطال
ثم ما زارك الخيال ولكنك
بالفكر زرت طيف الخيال

وقوله

الليالي أحفي بقلبي إذا ما
جرحته النوى من الايام
يا لها ليلة تنزهت الار
واح فيها سرا من الاجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيب
غير أنا في دعوة الاحلام

فأما البحترى فقوله في هذا المعنى أكثر من أن يذكر جميعه ههنا غير أنا نشير إلى نادره فمن ذلك قوله

فلا وصل إلا أن يطيف خيالها
بنا تحت جؤشوش من الليل أسفع
ألمت بنا بعد الهدو فسامحت
بوصل متى نطلبه في الجد تمنع
وما برحت حتى مضى الليل وانقضى
وأعجلها داعى الصباح الملمع
فولت كأن البين يخلج شخصها
أوان تولت من حشاى واضلعى
ورب لقاء لم يؤمل وفرقة
لاسماء لم تحذر ولم تتوقع

7
أراني لا أنفك في كل ليلة
تعاود فيها المالكية مضجعي
اسر بقرب من ملم مسلم
وأشجى ببين من حبيب مودع
فكان لنا بعد النوى من تفرق
ترجيه أحلام الكرى باتجمع

وكقوله

وإني وإن ضنت علي بودها
لارتاح منها للخيال المؤرق
يعز على الواشين لو يعلمونها
ليال لنا نزدار فيها ونلتقى
فكم غلة للشوق أطفأت حرها
بطيف متى ما يطرق الليل يطرق
أضم عليه جفن عينى تعلقا
به عند اجلاء النعاس المرنق

وقوله

بلى وخيال من أثيلة كلما
تأوهت من وجد تعرض يطمع
اذا زورة منه تقضت مع الكرى
تنبهت من وجد له أتفزع
ترى مقلتى مالا ترى في لقائه
وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع
ويكفيك من حق تخيل باطل
ترد به نفس اللهيف فترجع

وقوله

اذا ما الكرى أهدى إلي خياله
شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعته من يدى انتباهة
عددت حبيبا راح مني واعتدا
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا
تعذب أيقاظا وتنعم هجدا

وقوله

فما نلتقي الا على حلم هاجد
يحل لنا جدواك وهي حرام

8
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا
من الجد أيقاظا ونحن نيام

وقوله

وليلة هو منا على العيس أرسلت
بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي
بعطفى غزال بت وهنا أغازله

وقوله

أمنك تأوب الطيف الطروب
حبيب جاء يهدى من حبيب
تخطي رقبة الواشين كرها
وبعد مسافة الخرق المجوب
يكاذبني وأصدقه رداء
ومن كلف مصادقة الكذوب

وقوله

ما تقضى لبانة عند لبنى
والمعني بالغانيات معني
هجرتنا يقظى وكادت على مذ
هبها في الصدود تهجر وسني
بعد لاى وقد تعرض منها
طائف عرجت على الركب وهنا

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ووجدت أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدى مع ميله إلى البحترى وانحطاطه في شعبه واجتهاده في تأويل ما أخذ عليه من خطأ وزلل يزعم ان البحتري أخطأ في قوله

هجرتنا يقظى وكادت على مذ
هبها في الصدود تهجر وسني

قال لان خيالها يتمثل له في كل أحوالها يقظي كانت أو وسني قال ولكن الجيد في هذا المعني قوله

ارد دونك يقظانا ويأذن لي
عليك سكر الهوى إن جئت وسنانا

قال والذي أوقع البحتري في هذا الغلط قول قيس بن الخطيم


9
ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه
في النوم غير مصرد محسوب

وكان الاجود أن يقول ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي حتى يكون النوم واليقظة منسوبين اليه لان خيال المحبوب يتمثل في حال نومه ويقظته جميعا قال إلا أنه يتسع من التأويل في هذا لقيس مالا يتسع للبحتري لان قيسا قال فقد تؤتينه في النوم ولم يقل نائمة وقد يجوز أن يحمل على انه أراد ما تمنعي يقظي وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم أي في نومي ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري لانه قال وسنى ولم يقل في الوسن.

[ قال الشريف ] رضى الله عنه وقد يمكن من التأويل للبحتري ما أمكن مثله لقيس لكن الامدى قد ذهب عن ذلك لان البحتري لما قال وسني دل على حال الوسن والحال المعهودة للوسن حال يشترك الناس فيها في النوم بالعادة كما ان الحال المعهودة لليقظة حال مشتركة بالعادة فقوله وسنى ينبى عن كونه هو أيضا نائما وانما أراد المقابلة في زنة اللفظ بين يقظي ووسنى.

وقوله يقظي متى لم تحمل أيضا على هذا المعنى لم يصح لانه لا بد أن يريد بذلك هجرتنا في أحوال اليقظة ويكون معنى يقظي يتعدي اليه ألا ترى ان الآمدي حمل قول قيس يقظي على معنى وأنا يقظان وان لم يبين الوجه فيه فكيف ذهب عليه مثل ذلك في قول البحتري. وقوله وسنى ويقظى مثل قول قيس يقظي ولو أمكن قيسا وزن الشعر من أن يقول وسنى في مقابلة يقظي لقاله وما عدل عنه إلى النوم لانه لم يكن عليه في وسنى إلا ما عليه في يقظي وما يتأول له في أحد الامرين يتأول له في الآخر.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ولى في الخيال وطروقه معنى ما علمت انه سبق اليه من جملة قصيدة

وزور تخطي جنوب الملا
فناديت أهلا بذا الزائر
أتاني هدوا وعين الرقيب
مطروفة بالكرى العامر
فأعجب به يسعف الهاجعين
وتحرمه مقلة الساهر
وعهدي بتمويه عين المحب
ينم على قلبه الطائر

(2 - أمالى لث)


10
فما التقينا برغم الرقا
د موه قلبي على ناظري

ومعني البيت الآخر أن الاحلام انما هي اعتقادات تخيل في القلب لا حقيقة لاكثرها لان الانسان يعتقد أنه رأى لما لا يراه على الحقيقة ويدرك لما ليس مدركه على الحقيقة فالقلب يخيل في النوم للعين مالا قيقة له كما ان العين تخيل في كثير من الاحوال للقلب مالا حقيقة له.

فأما قول مروان * فكأنما طرقت بنفحة روضة * البيت فيشبه أن يكون مأخوذا من قول نهشل بن جرى قال

طرقت أسيماء الرحال ودونها
بيتان من ليل التمام الاسود
ومفاوز وصل الفلاة جنوبها
بجنوب أخرى غير أن لم تعقد
رمل إذا أيدى الركاب قطعنه
قرعت منا سمها بقف قردد
فكأن ريح لطيمة هندية
وذكى جادي بنصع مجسد
وندى خزامى الجو جو سويقة
طرق الخيال به بعيد المرقد

أو من قول الآخر

طرقتك زينب والمزار بعيد
بمنى ونحن معرسون هجود
فكأنما طرقت بريا روضة
انف يسحسح مزنها ويجود

وهذا المعنى كثير في الشعر المتقدم والمتأخر جدا. فأما قوله - باتت تسائل في المنام معرسا - البيت والبيتان اللذان بعده فقد قال الناس في وصف قلة النوم ومواصلة السري والادلاج وشعث السارين فأكثروا.

فمن أحسن ما قيل في ذلك قول لبيد

ومجود من صبابات الكرى
عاطف النمرق صدق المبتذل(1)

(1) قوله - ومجود من صبابات الكرى - الخ الواو واورب والمجود الذى جاده النعاس وألح عليه حتى أخذ فنام من الجود بالفتح وهو المطر الغزير يقال أرض مجودة أي مغيثة وجيدت الارض اذا أمطرت جودا. وقال اعرابى المجود الذى قد جاده العطش أى (*)


11
قال هجدنا فقد طال السري
قدرنا إن خنى الدهر غفل(1)
قلما عرس حتى هجته
بالتباشير من الصبح الاول(2)

غلبه كذا في شرح أبى الحسن الطوسي وهذا لا يناسب لقوله صبابات الكرى فان الكرى النوم وصبابته بقيته كذا في شرح الشواهد للبغدادى. وقال في اللسان ويقال للذي غلبه النوم مجود كأن النوم جاده أى مطره قال والمجود الذى يجهد من النعاس وغيره عن اللحيانى وبه فسر قول لبيد وأنشد البيت قال أي هو صابر على الفراش الممهد وعن الوطء يعني انه عطف نمرقة ووضعها تحت رأسه وقيل معنى قوله ومجود من صبابات الكرى قيل معناه شيق وقال الاصمعى معناه صب عليه من جود المطر وهو الكثير منه والجود النعاس وجاده النعاس غلبه. وقوله - عاطف النمرق - صفة مجود والاضافة لفظية والنمرقة مثلثة النون الوسادة والطنفة فوق الرحل وهي المراد هنا. وقوله - صدق المتبذل - بفتح الصاد أى جلد قوي لا يغير عند ابتذاله نفسه ولا يسقط ولا يجوز أن يقال صدق المبتذل الا اذا امتهن ووجد صادق المهنة يوجد عنده ما يحب ويراد

(1) - قوله - هجدنا - الخ هو متعلق رب والتهجيد من الاضداد يقال هجده اذا نومه أى دعنا ننام وهو المراد هنا وجده اذا أيقضه والفاء للتعليل - والسرى - بالضم سير عامة الليل. وقوله - وقدرنا - أي قدرنا على ورود الماء وذلك اذ ا قربوا منه وفى القاموس وبتنا ليلة قادرة هينة السير لا تعب فيها - والخنى - بفتح المعجمة والقصر الآفة والفساد أى ان غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا وقيل قدرنا أي على التهجيد ويقيل على السير.

(2) قوله - قلما عرس - الخ ما المتصلة بقل كافة لها عن طلب الفاعل وجاعلة إياها بمنزلة ما النافية في الاغلب وهنا لاثبات القلة وما تتصل بأفعال ثلاثة فتكفها عن طلب الفاعل وهي قلما وطالما وكثرما وينبغي ان تتصل بالاولين كتابة والتعريس النزول في آخر الليل للاستراحة والنوم ومثله الاعراس - وهجته - أيقظته من النوم وهاج يهيج يجئ لازما ومتعديا يقال هاج اذا ثار وهجته اذا أثرته - وحتى - هنا حرف جر بمعنى الا الاستثنائية أي ما عرس إلا أيقظته أي نام قليلا ثم أيقظته وأكثر دخولها على (*)


12
يلمس الاحلاس في منزله
بيديه كاليهودي المصل(1)
يتمارى في الذي قلت له
ولقد يسمع قولي حيهل(2)

أو من قول ذي الرمة

المضارع كقوله

ليس العطاء من الفضول سماحة
حتى تجود وما لديك قليل

وقوله - بالتباشير - أى بظهورها والتباشير أوائل الصبح وهو جمع تبشير ولا يستعمل الا جمعا كذا عبر البغدادي ولفظ شارح القاموس لا واحد له - والاول - صفة التباشير وهو بضم الهمزة وفتح الواو جمع أولى مؤنث الاول كالكبر جمع كبري وقد جاء هذا المصراع الثاني في شعر النابغة الجعدي وهو

وشمول قهوه باكرتها
في التباشير من الصبح الاول

(1) - قوله - يلمس الاحلاس - فاعل يلمس ضمير المجود واللمس الطلب وفعله من بابى قتل وضرب والاحلاس جمع حلس بالكسر وهو كساء رقيق يكون على ظاهر البعير تحت رحله أى يطلبها بيديه وهو لا يعقل من غلبة النعاس. وقوله - كاليهودي المصل - أى كأنه يهودى يصلي في جانب يسجد على جبينه واليهودى يسجد على شق وجهه وأصل ذلك انهم لما نتق الجبل فوقهم قيل لهم إما أن تسجدوا وإما ان يلقى عليكم فسجدوا على شق واحد مخافة أن يسقط عليهم الجبل فصار عندهم سنة إلى اليوم.

(2) قوله - يتمارى في الذى قلت له - الخ التمارى في الشئ والامتراء فيه المجادلة والشك فيه يقال ما ريت الرجل أماريه مراء ومماراة اذا جادلته والمرية الشك.

قال الطوسى يقول قال له الصبح النجاء النجاء قد أصبحت ونحو هذا من الكلام - وحيهل - أى أسرع وأعجل وحيهل اسم فعل قال زكريا الاحمر في حيهل ثلاث لغات يقال حيهل بفلان بجزم اللام وحيهل بفلان بحركة اللام وحيهلا بفلان بالتنوين وقد يقولون من غير هل من ذلك حى على الصلاة وقال ابن عصفور ان حيهلا مركبة من حى وهلا الا ان ألف هلا تحذف في بعض اللغات تخفيفا (*)


13
وليل كأثناء الزويزي جبته
بأربعة والشخص في العين واحد

- والزويزي - هو الطيلسان.

وقد روى أيضا كجلباب العروس أدرعته وكل ذلك وصف له بالسواد لان الطيلسان أسود. وجلبات العروس أخضر والعرب تجمع بين الخضرة والسواد

أحم علافي وأبيض صارم
وأعيس مهري وأشعث ماجد
أخو شقة جاب الفلاة بنفسه
على الهول حتى طوحته المطارد
وأشعث مثل السيف قد لاح جسمه
وجيف المهارى والهموم الاباعد
سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه
لدين الكرى من آخر الليل ساجد
أقمت له صدر المطي فما درى
أجائرة أعناقها أم قواصد
ترى الناشئ الغرير يضحى كأنه
على الرحل مما منه السير عاصد

ومن ذلك قول أبي حية النميرى

وأغيد من طول السرى برحت به
أفانين نهاض على الاين مرجم
سريت به حتى إذا ما تمزقت
توالى الدجى عن واضح اللون معلم
أنخنا فلما أن جرت في دماغه
وعينيه كأس النوم قلت له قم
فما قام إلا بين أيد تقيمه
كما عطفت ريح الصبا خوط سأسم
خطا الكره مغلوبا كأن لسانه
لما رد من رجع لسان المبلسم
وود بوسطي الخمس منه لواننا
رحلنا وقلنا في المناخ له نم

(مجلس آخر 42)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (أولئك لم يكونوا معجزين في الارض) إلى آخر الآية. فقال ما معنى اختصاص الارض بالذكر وهم لا يفوتون الله ولا يعجزونه ولا يخرجون عن قبضته على كل حال وفي كل مكان ولم نفى الاولياء عنهم وقد نجد أهل الكفر يتولى بعضهم بعضا وينصرونهم ويحمونهم من المكاره وكيف نفى استطاعتهم للسمع والابصار وأكثرهم قد كان يسمع باذنه ويرى بعينه.

الجواب قلنا أما الوجه في اختصاص الارض بالذكر فلان عادة العرب جارية بقولهم للمتوعد لامهرب لك منى ولا وزر ولا نفق والوزر الجبل والنفق السرب وكل ذلك مما يلجأ اليه الخائف المطلوب فكأنه تعالى نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه ومانع من عذابه وان جبال الارض وسهولها لاتحجز بينهم وبين ما يريد إيقاعه بهم كما انها تحجز عن كثير من أحوال البشر من المكاره لان معاقل الارض هى التي يهرب اليها البشر من المكاره ويلجؤن بها إلى الاعتصام بها عند المخاوف فاذا نفى تعالى أن يكون لهم في الارض معقل فقد نفى المعقل من كل وجه.

وأما قوله تعالى (وما كان لهم من دون الله من أولياء) فمعناه انه لا ولي لهم ولا ناصر من عذاب الله تعالى وعقابه لهم في الآخرة ولا مما يريد أيضا إيقاعه بهم في الدنيا وان كان لهم من يحميهم من مكروه البشر وينصرهم ممن أرادهم بسوء وقد يجوز أن يكون ذلك أيضا بمعنى الامر وان كان مخرجه مخرج الخبر ويكون التقدير وليس لهم أن يتخذوا أولياء من دون الله بل الواجب أن يرجعوا اليه في معونتهم ونصرهم ولا يعولوا على غيره.

فأما قوله عزوجل (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) ففيه وجوه.

أحدها أن يكون المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون وبما كانوا يستطيعون الابصار فلا يبصرون عنادا للحق وذهابا عن سبيله فأسقط الباء من كلامه وذلك جائز كما جاز في قولهم لاجزينك بما عملت ولاجزينك بما عملت ولاحدثنك بما عملت ولاحدثنك ما عملت وكما قال الشاعر


15
نغالى اللحم للاضياف نيا
ونبذله إذا نضج القدور

أراد نغالي باللحم.

والوجه الثاني انهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى وكراهيتهم تذكرها وتفهمها جرى مجرى من لا يستطيع السمع كما يقول القائل ما يستطيع فلان أن ينظر لشد عداوته إلى فلان وما يقدر على أن يكلمه وكما نقول لمن عهدنا منه للعناد والاستثقال لاستماع الحجج والبينات ما تستطيع أن يسمع الحق وما يطيق أن يذكر له ذلك وكما قال الاعشى

ودع هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعا أيها الرجل

ونحن نعلم انه قادر على الوداع وانما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة والاستثقال. ومعني (وما كانوا يبصرون) أي ان إبصارهم لم يكن نافعا لهم ولا مجديا عليهم مع الاعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها فلما انتفعت عنهم منفعة الابصار جاز أن ينفي عنهم الابصار نفسه كما يقال للمعرض عن الحق العادل عن تأمله مالك لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل وما أشبه ذلك.

والوجه الثالث أن يكون معنى نفى السمع والبصر راجعا إلى آلهتهم لا اليهم وتقدير الكلام أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الارض يضاعف لهم العذاب ثم قال مخبرا عن الآلهة (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) وهذا الوجه مروي عن ابن عباس رضى الله عنه وفيه أدنى بعد.

ويمكن في الآية وجه رابع وهو أن يكون ما في قوله (ما كانوا يستطيعون السمع) ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم لاواصلنك ما لاح نجم ولاقيمن على مودتك ما طلعت شمس ويكون المعنى ان العذاب يضاعف لهم في الآخرة ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أي انهم معذبون ما كانوا أحياء.

فان قيل كيف يعبر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع والابصار وقد يكون حيا من لا يكون كذلك. قلنا للعرف في مثل هذا عادة لانهم يقولون والله لا كلمت فلانا ما نظرت عيني ومشت قدمي وهم يريدون مابقيت وحييت لان الاغلب من أحوال الحى أن تنظر عينه وتمشي قدمه فجعلوا الاغلب كالواجب ومن ذلك قول الشاعر


16
وما أنس من شئ تقادم عهده
فلست بناس ما هدت قدمي نعلى
عشية قالت والدموع بعينها
هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلي

وانما أراد أني لا أنسي ذلك ما حييت وكذلك لا يمتنع أن يعلق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعن للسمع والابصار ويعود المعني إلى تعلقه ببقائهم وكونهم أحياء والمرجع في ذلك إلى التأييد لانه اذا علق العذاب ببقائهم واحيائهم علمنا ان الآخرة لا موت فيها ولا خروج عن الحياة وعلمنا تأييد العذاب.

ونعود إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام على شعر مروان فمما يختار له قوله من القصيدة التي قد مضى أولها وتكلمنا عليها

وضعوا الخدود لدى سواهم جنح
تشكو كلوم صفاحها وكلالها
طلبت أميرالمؤمنين فواصلت
بعد السرى بغدوها آصالها
نزعت اليك صواديا فتقاذفت
تطوى الفلاة حزونها ورمالها
يتبعن ناجية تهز مراحها
بعد النحول تليلها وقذالها
هوجاء تدرع الربا وتشقها
شق الشموس إذا تراع جلالها
تنجو إذا رفع القطيع كما نجت
خرجاء بادرت الظلام رئالها
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى
كالبرج تملا رحلها وحبالها

هذه الابيات في وصف الرواحل بالسرعة والتحول جيدة الالفاظ مطردة النسج وقد سبق الناس في هذا المعنى إلى ضروب من الاحسان فمن ذلك قول الاخطل

بخوص كإعطال القسي تقلقلت
أجنتها من شقة ودؤب

(1) - اعطال القسى - التي لا أوتار عليها - وتقلقلت - تحركت في بطونها من الدأب والسير - وأجنتها - جمع جنين (*)


17
إذا معجل غادرنه عند منزل
اتيح لجواب الفلاة كسوب(1)
وهن بنا عوج كأن عيونها
بقايا قلات قلصت لنضوب(2)
مسانيف يطويها مع القيظ والسرى
تكاليف طلاع النجاد ركوب
قديم ترى الاصواء فيه كأنها
رجال قيام عصبوا بسبوب(3)
يعمن بنا عوم السفين إذا انجلت
سحابة وضاح السراب خبوب

وقال مسلم بن الوليد الانصاري

إلى الامام تهادانا بأرحلنا
خلق من الريح في أشباح ظلمان
كأن أفلاتها والفجر يأخذها
إفلات صادرة عن قوس حسان

وقال بشار

واذا المطي سبحن في أعطافه
فات المطي بكاهل وتليل
فكأنه والناعجات يردنه
قدح يطلع من قداح مجيل

ولبعض الحارثيين

نهش الهجائر والظهائر لحمها
حتى تخدد لحمها المتضاهر

(1) - المعجل - الجنين الذي يولد لغير تمام - وأتيح - قدر - وجواب - الفلاة - الذئب.

يقول ذا مت بالمعجل صادفه الذئب

(2) - القلاة - جمع قلت وهى النقرة في الجبل تمسك الماء - وقلصت - أي غارت - والنضوب - ذهاب الماء. شبه عظم العين بالصخرة في الصلابة وبقية العين بما بقى من الماء في القلت

(3) - الاصواء - جمع صوى وصوى جمع صوة وهي حجارة تنصب ليهتدي بها. شبه الصوى وقد جللها السراب برجال قيام عصبوا بالسبوب جمع سب وهي شقة كتان رقيقة (*)(3 - أمالى لث)


18
حرف تناهبها النجاء قلائص
مما تنجل شدقم أو ذاعر
صبر اذا عطفت سوالفها البرى
سمعت لهن كشاكش وجراجر
ويخلن من عز النفوس وجدها
جنا وهن إذا اختبرن أباعر
أما إذا ما قبلت فكأنها
ذعر تهادتها الفلاة نوافر
أما إذا ما أعرضت فكأنها
كذر توردن النطاف صوادر
إما إذا ما أبركت فكأنها
صرح مشيدة وهن ضوامر

[ قال الشريف ] رضى الله عنه. وإني لاستحسن قول بشامة بن الغدير في وصف الناقة بالسرعة

كأن يديها إذا أرقلت
وقد جرن ثم اهتدين السبيلا
يدا سابح خر في غمرة
وقد شارف الموت إلا قليلا(1)
إذا أقبلت قلت مشحونة
أطاعت لها الريح قلعا جفولا(2)
وإن أدبرت قلت مذعورة
من الربد تتبع هيقا ذمولا(3)

(1) قوله - يدا سابح - الخ يروى

يدا عائم خر في غمرة
قد ادركه الموت إلا قليلا

يقول كأن يدي هذه الناقة وقت كلال غيرها من الابل ولزومهن المحجة يدا سابح فهو أشد لتحريكه يديه مخافة على نفسه

(2) المشحونة - المملوأة -. شبهها بسفينة مملوأة لانه أقوم لسيرها وأعدل - والقلع - الشراع - والجفول - التى تجفل أي تسرع

(3) قوله وان أدبرت الخ يروي

اذا أقبلت قلت مذعورة
من الرمد تلحق هيقا ذمولا (*)

19

ومعني قوله - وقد جرن ثم اهتدين السبيلا - يعني المطايا يقول كن نشيطات يمرحن فلا يلزمن لقم الطريق بل يأخذن يمينا وشمالا فلما عضهن الكلال استقمن على المحجة فكأنه وصف ناقته ببقاء النشاط مع كلال المطي وكني عن الكلال بلزوم جادة الطريق حتى تنكبها. وهذه كناية فصيحة مليحة ومثله قول الآخر

كأن يديها حين جد نجاؤها
يدا سابح في غمرة يتذرع

ومما يشاكل هذا المعنى ويقار به قول الشماخ

كأن ذراعيها ذراعا مدلة
بعيد السباب حاولت أن تعذرا
ممجدة الاعراق قال ابن ضرة
عليها كلاما جار فيه وأهجرا

ويروي من الربد كما في الاصل وهو جمع ربداء وجعلها مذعورة لانه أشد لسيرها - والرمد - النعام وهى الربد أيضا - والهيق - ذكر النعام وهي المنكسفة اللون تعلو سوادها كدرة والربدة سواد يكسف الوجه ويغيره يقال لاربدن وجه والهيق الطويل والانثي هيقة وهذه الرواية التى في الاصل منكسة فقدم آخرها على أولها وحذف من بينها أربعة أبيات وهي من قصيدة مشهورة أولها

هجرت امامة هجرا طويلا
وحملك النأى عبا ثقيلا

إلى ان قال

اذا أقبلت قلت مذعورة
من الرمد تلحق هيقا ذمولا
وان أدبرت قلت مشحونة
أطاع لها الريح قلعا جفولا
وان أعرضت حار فيها البصير
ما لا يكلفة أن يقيلا
يدا سرحا مائرا ضبعها
تسوم وتقدم رجلا زجولا
وعوجا تناطحن تحت المطا
وتهدى بهن مشاشا كهولا
تعز المطى جماع الطريق
اذا أدلج القوم ليلا طويلا
كأن يديها اذا أرقلت
وقد جرن ثم اهتدين السبيلا
يدا عائم خر في غمرة
الي آخر القصيدة (*)

20

شبه ذراعيها وهي شبه ذراعيها وهي تتذرع في سيرها بذراعي امرأة مدلة على أهلها ببراء‌ة ساحتها وقد حكى عنها ابن ضرتها كلاما أهجر فيه أي أفحش فهي ترفع يديها وتضعهما تعتذر وتحلف وتنضح عن نفسها. وقد قيل ان معنى مدلة انها تدل بحسن ذراعيها فهى تدمن اظهارهما لترى حسنهما. وقوله - بعيد السباب - أي في عقب المسابة قامت تعتذر إلى الناس وقوم يروونه بعيد الشباب ومعنى هذه الرواية انها نصف من النساء فهي أقومبحجتها من الحدثة الغرة ويشهد لهذه الرواية قول الآخر

كأن يديها حين يقلق ضفرها
يدا نصف غيرى تعذر من جرم

وقوله - حين يقلق ضفرها - فيه سر وفائدة لان الضفر هو الاتساع وانما تقلق اذا جهدها السير فضمرت فكأنه وصفها بالتذرع والنشاط مع الجهد والكلال.

ومثله

كأن ذراعيها ذراعا بدية
مفجعة لاقت ضرائر عن عفر
سمعن لها واستعجلت بكلامها
فلا شئ يفرى باليدين كما تفرى

ويقاربه قول الآخر

ألا هل تبلغنيهم
على اللاواء والظنه
وآة الحصى المعزا
في أخفافها رنه
إذا ما عسفت قلت
حماة فاضحت كنه

وممن شبه سرعة أيدي الابل بأيدي النوائح كعب بن زهير فقال

كأن أوب ذراعيها إذا عرقت
وقد تلفع بالقور العساقيل
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت
ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا
شد النهار ذراعا عيطل نصف
قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها
لما نعي بكرها الناعون معقول

- العساقيل - أول السراب ولا واحد لها من لفظها.

وأخبر ان ناقته في شدة الحر واتقاد


21

الظهيرة تمرح في سيرها وتذرع بيديها وشبه ذراعيها بذراعي امرأة نصف تنوح على ابنها وقد نعي اليها فهي تشير بيديها وتوالي تحريكهما - والعيطل - الطويلة العنق وجعلها نصفا لانها قد كادت تيأس من الولد فهي أشد لحزنها على ابنها وتفجعها عليه - والقور - جمع قارة وهي ما ارتفع واستدار من الرمل وأراد أن يقول كما تلفعت القور بالعساقيل فلم يمكنه فقلب.

ومثله

وكأنما رفعت يدى نواحة
شمطاء قامت غير ذات خمار

وانما خص الشمطاء لما ذكرناه من اليأس من الولد كما قال عمرو بن كلثوم

ولا شمطاء لم يترك شقاها
لها من تسعة إلا جننا

وقد قيل في بيت عمرو بانه شبه الناقة بشمطاء لما على رأسها من اللغام.

ومثل ماتقدم من المعاني قول الشاعر

يا ليت شعري والمني لا تنفع
هل أغدون يوما وأمرى مجمع
وتحت رحلى زفيان ميلع
كأنها نائحة تفجع

تبكي لميت وسواها الموجع - الزفيان - الناقة الخفيفة - والميلع - السريعة. وشبه رجع يديها في السير ونشاطها بيدي نائحة تنوح لقوم على ميتهم بأجرة فهي تزيد في الاشارة بيديها ليري مكانها.

ومثله بعينه قول ذي الرمة

مجانيق تضحي وهي عوج كأنها
بجوز الفلا مستاجرات نوائح

- المجانيق - اللواتي ضمرن بعد سمن وخص المستأجرات من النوائح للمعنى الذي ذكرناه.

وقال الشماخ فيما يقارب هذا المعنى

كأن أوب يديها حين أعجلها
أوب المراح وقد نادوا بترحال
مقط الكرين على منكوسة زلق
في ظهر حنانة النيرين مغوال

22

معنى - أوب ذراعيها - أي رجعهما - وأوب المراح - اذا راح القوم عازب أموالهم ليرحلوا. وقد روى أوب المراح بالكسر ومعناه رجع المراح - والنشاط. والمقط - اللعب بالكرة - والكرين - جمع كرة - والمنكوسة - الارض البراح التي لا شئ فيها - والزلق - المستوية من الارض - والحنانة - الريح - والنيران - جانبا هذه الارض - ومغوال - قيل انه من صفات الريح وقيل من صفات الارض وان كان من صفات الريح فمعناه ان الريح تغول الارض بأسرها أي يملاها واذا كان للارض فالمعنى انها تغول من سلكها أي تهلكه.

وتلخيص معني البيت انه شبه يدي ناقته بيدي ضارب بكرة في الارض الواسعة في يوم ريح عاصف وهذا من دقيق المعاني وحسن التشبيه والمبالغة.

ومثل بيتي الشماخ قول المسيب بن علس

مرحت يداها للنجاء كأنما
تكرو بكفي مأقط في قاع(1)

(1) قوله - تكرو بكفى مأقط - الخ.

رواية المفضل

مرحت يداها للنجاء كأنما
تكروا بكفى لاعب في صاع

قال ابن الانباري - النجاء - السرعة يمد ويقصر - وتكرو - كأنما تلعب بالكرة يقال قد كري يكرو اذا ضرب بالكرة - والصاع - منهبط من الارض له ما يحفه كهيئة الجفنة. ويروى - بكفى مأقط في صاع - الصاع موضع تكلسه وتلعب فيه بالكرة - والمأقط - الذي يكرو بالكرة يضرب بها الارض ترتفع اليه. قال أحمد قوله في صاع أراد بصاع وهو الصولجان الذى يلعب به الغلمان أراد بصاع صائع لانه يعطف للضرب به لتصاع الكرة به فكان الصولجان هو يصوعها.

وهذان البيتان من قصيدة مفضلية روى ان أبا جعفر المنصور مر بالمهدى ابنه وهو ينشد المفضل هذه القصيدة فلم يزل واقفا من حيث لا يشعر به حتى استوفى سماعها ثم صار وأمر باحضارهما فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها وقال له لو عمردت إلى أشعار الشعراء المقلين واخترت لفتاك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابا ففعل المفضل وعدد القصيدة 26 بيتا وأولها

أرحلت من سلمى بغير متاع
قبل العطاس ورعتها بوداع
عن غير مقلية وإن حبالها
ليس بأرمام ولا أقطاع

(*)


23
فعل السريعة بادرت جدادها
قبل المساء تهم بالاسراع

معنى - تكرو - أي كأنها لاعب بكرة - والسريعة - يعني نساجة - والجداد - الغزل الضعيف(1) فأراد انها تسرع الضرب بالحف والنسج قبل المساء وما دامت تبصر فشبه يدى ناقته في تذرعها بيدى هذه النساجة. وقال الاصمعي الجداد هدب الثوب فيعني ان هذه النساجة قد قاربت الفراغ من الثوب وبلغت إلى هدبه فهى تبادر لتفرغ منه قبل المساء.

وقريب منه قول الآخر

كأن أيديهن بالقاع الفرق
أيدي جوار يتعاطين الورق

فالفرق الخشن الذي فيه الحصى وشبه خذف مناسمهن له بحذف جوار يلعبن بدراهم وخص الجواري لانهن أخف يدا من النساء. وقال آخرون الفرق ههنا المستوي من الارض الواسع وانما خص بالوصف لان أيدى الابل اذا أسرعت في المستوى فهو أحمد لها واذا أبطأت في غيره فهو أجهد لها. ومن أحسن ما قيل في الاسراع قول المرار بن سعيد

فتناولوا شعب الرحال فقلصت
سود البطون كفضلة المتنمس
اذ تستبيك باصلتي ناعم
قامت لتفتله بغير قناع
ومهي يرف كأنه إذ ذقته
عانية شجت بماء يراع
أو صوب سارية أدرته الصبا
ببزيل أزهر مدمج بسياع
فرأيت ان الحلم مجتنب الصبا
فصحوت بعد تشوق ورواع
فتسل حاجتها اذا هي أعرضت
بخميصة سرح اليدين وساع
صكاء ذعلبة اذا استدبرتها
حرج اذا استقبلتها هلواع
وكأن قنطرة بموضع كورها
ملساء بين غوامض الانساع
واذا تعاورت الحصى أخفافها
دوت نواديه بظهر القاع
(1) وقيل الجداد ما بقى من خيوط الثوب وقيل هي خيوط الثوب اذا قطعه (*)

24

ذكر قوما سفرا هبوا من رقدتهم إلى رحالهم ليسروا. ويعني بسود البطون الابل - والمتنمس - الصائد الذي اخذ ناموسا وهو ما يستتر به ليختل الصيد فشبه المطايا في سرعتها بقطا قد صاد الصائد بعضها وأفلت بعضها فهن يطرن طيرانا شديدا. ومثل هذا وان كان في صفة الخيل قول النابغة كالطير تنجو الشؤبوب ذي الرد(1) فأما قول مروان يهز مراحها بعد النحول تليلها وقذالها فقد مضي من وصف المطايا بالنشاط بعد السآمة والجهد ما مضى.

وأحسن من قول مروان وأشد فصاحا بالمعني وإعرابا عنه قول الهذلي

ومن سيرها العنق المسبط
ر والعجرفية بعد الكلال

وانما كان هذا أحسن لانه صريح بنشاطها بعد كلالها وقول مروان بعد النحول لا يجري هذا المجرى لان النحول قد يكون عن جهد السفر والتعب ويكون عن غيره. وأما قوله - كالقوس ساهمة أتتك - البيت فقد أكثرت العرب في وصف المطايا بالنحول وتشبيهها بالقسى.

وغيرها وقد أحسن كثير في قوله

نفى السير عنها كل داء إقامة
فهن رذايا بالطريق ترائك
وحملت الحاجات خوصا كأنها
وقد ضمرت صفر القسى العواتك

وقال سلم بن عمر الخاسر

وكأنهن من الكلال أهلة
أو مثلهن عطائف الاقواس
قود طواها ما طوت من مهمه
نائى الصوى ومناهج أدراس

(1) وصدر البيت * والخيل تمزع غربا في أعنتها * وهو من قصيدته التى أولها

يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها اسالف الابد (*)


25

وقال أبوتمام يصف ناقة

أتينا القادسية وهى ترنو
إلي بعين شيطان رجيم
فما بلغت بنا عسفان حتى
رنت بلحاظ لقمان الحكيم
وبدلها السرى بالجهل حلما
وقد أديمها قد الاديم
أذاب سنامها قطع الفيافي
ففلق جلدها نضح العصيم
بدت كالبدر وافي ليل سعد
وآبت مثل عرجون قديم

وقال البحتري

وخدان القلاص حولا إذا قا
بلن حولا من أنجم الاسحار
يترقرقن كالسراب وقد خضن
غمارا من السراب الجاري
كالقسى المعطلات بل الاسهم
مبرية بل الاوتار

وله أيضا

وهى العيس دهرها في ارتحال
من حلول أو فرقة من جميع
رب مرت مرت تجاذب قطريه
سرابا كالمنهل المشروع
وسرى تنتحيه بالوخد حتى
تصدع الليل عن بياض الصديع
كالبرى في البرى ويحسبن أحيا
نا نسوعا مجدولة في نسوع

(مجلس آخر 43)
( تأويل آية )

إن سال سائل عن قوله تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى) الآية. فقال كيف أضاف إلى نفسه اليد وهو ممن يتعالى عن الجوارح. الجواب قلنا (4 - أمالى)


26

في هذه الآية وجوة.

أولها أن يكون قوله تعالى (لما خلقت بيدى) جاريا مجري قوله لما خلقت أنا وذلك مشهور في لغة العرب يقول أحدهم هذا ما كسبت يداك وما جرت عليك يداك فاذا أرادوا نفى الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون فلان لا تمشي قدمه ولا ينطق لسانه ولا تكتب يده وكذلك في الاثبات ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفى عن الفاعل.

وثانيها أن يكون معنى اليد هاهنا النعمة ولا إشكال في ان أحد محتملات لفظة اليد النعمة. فأما الوجه في تثنيتها فقد قيل فيه ان المراد نعمة الدنيا ونعمة الآخرة فكأنه تعالى قال ما منعك أن تسجد لما خلقت لنعمتي وأراد بالباء اللام.

وثالثها أن يكون معنى اليد ههنا القدرة وذلك أيضا معروف من محتملات هذه اللفظة بقول القائل مالي بهذا الامر من يد ولا يدان وما يجري مجرى ذلك والمعنى إنني لا أقدر عليه ولا أطيقه وليس المراد بذلك اثبات قدرة على الحقيقة بل اثبات كون القادر قادر ونفى كونه قادر فكأنه تعالى قال ما منعك أن تسجد لما خلقت وأنا قادر على خلقه فعبر عن كونه قادر بلفظ اليد الذي هو عبارة عن القدرة وكل ذلك واضح في تأويل الآية ونعود إلى ما كنا ابتدأنا به من الكلام على شعر مروان.

فمن قصيدته التي تقدم بعضها ووقع الكلام عليه مما يختار قوله

أحيا أميرالمؤمنين محمد
سنن النبي حرامها وحلالها
ملك تفرع نبعة من هاشم
مد الاله على الانام ظلالها
جبل لامته تلوذ بركنه
رادى جبال عدوها فازالها
لم يغشها مما يخاف عظيمه
الا أجال لها الامور مجالها
حتى يفرجها أغر مهذب
ألفى أباه مفرجا أمثالها
ثبت على زلل الحوادث راكب
من صرفهن لكل حال حالها
كلتا يديك جعلت فضل نوالها
للمسلمين وفي العدو وبالها
وقعت مواقعها بعفوك أنفس
أذهبت بعد مخافة أو جالها

27
أمنت غير معاقب طرادها
وفككت عن اسرائها أغلالها
ونصبت نفسك خير نفس دونها
وجعلت مالك واقيا أموالها

أما قوله

أحيا أميرالمؤمنين محمد
سنن النبي حرامها وحلالها

فقد طعن عليه وعابه من لا معرفة له بنقد الشعر فقال كيف يكون في سنن النبي عليه الصلاة والسلام حرام وما ذلك بعيب لانه أراد بقوله حلالها وحرامها التحريم والتحليل ومن سنن النبي عليه الصلاة والسلام تحريم الحرام وتحليل الحلال.

وانما المعيب من هذا المعنى قول ابن الرقاع العاملى

ولقد أراد الله إذ ولاكها
من أمة إصلاحها وفسادها(1)

ومثل قول مروان قول سلم الخاسر * ولما وليت ذكرت النبي بتحليله وبتحريمه * فأما قوله - حتى يفرجها أغر مهذب - البيت فكثير جدا للمتقدمين والمحدثين والاصل فيه قول زهير

وما كان من خير أتوه فإنما
توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي الا وشيجه
وتغرس إلا في منابتها النخل

ومثله قول الآخر

وحمزة والعباس منهم ومنهم
عقيل وماء العود من حيث يعصر

ومثله للربيع بن أبي الحقيق اليهودي

إذ مات منا سيد قام بعده
له خلف يكفى السيادة بارع

(1) البيت من قصيدة يمدح بها الوليد بن عبدالملك. ومطلعها

عرف الديار توهما فاعتادها
من بعد ما شمل البلى أبلادها
إلا رواسى كلهن قد اصطلى
حمراء أشعل أهلها إيقادها
كانت رواحل للقدور فعريت
منهن واستلب الزمان رمادها

(*)


28
من أبنائه والعرق ينصر فرعه
على أصله والعرق للعرق نازع

ومثله له

ترجو الغلام وقد أعياك والده
وفي أرومته ما ينبت العود

وأخذ هذا المعنى وبعض اللفظ الكميت فقال

تجري أصاغرهم مجرى أكابرهم
وفي أرومته با ينبت الشجر

ومن هذا المعنى قول عبيدالله بن قيس الرقيات

يخلفك البيض من بنيك كما
يخلف عود النضار في شعبه

ومنه قول نهشل بن جرى

أرى كل عود نابتا في أرومة
أبى منبت العيدان أن يتغيرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن
لوالد سوء يلقة حيث سيرا(1)

ومثله لمسلم بن الوليد الانصاري

ألح على الايام يفري خطوبها
على منهج ألفى أباه به قبل

ولبشار على أعراقها تجري الجياد وللبحترى

(1) هذا البيت الثانى من جملة ثلاثة أبيات في الحماسة منسوبة الي جميل بن عبد الله بن معمر وقبله

أبوك حباب سارق الضيف برده
وجدي يا حجاج فارس شمرا
بنو الصالحين الصالحون
ومن يكن لوالد صدق يلقه حيث سيرا
فان تغضبوا من قسمة الله حظكم
فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا

(*)


29
وما بى من خير وشر فإنها
سجية آبائي وفعل جدودي
هم القوم فزعى منهم متفرع
وعودهم عند الحوادث

وللبحتري أيضا

واذا أبوالفضل استعار سجية
للمكرمات فمن أبي يعقوب
شرف تتابع كابرا عن كابر
كالرمح أنبوب على أنبوب
وأرى النجابة لا يكون تمامها
لنجيب قوم ليس بابن نجيب

وله أيضا

ما سعوا يخلفون غير أبيهم
كل ساع منا يريد نصابه

وله

وما تابع في المجد نهج عدوه
كمتبع في المجد نهج أبيه

وفي هذه القصيدة يقول مروان

هل تعلمون خليفة من قبله
أجرى لغايته التي أجرى لها
طلع الدروب مشمرا عن ساقه
بالخيل منصلتا يجد نعالها
قودا تريع إلى أغر لوجهه
نور يضئ أمامها وخلالها
قصرت حمائله عليه فقلصت
ولقد تحفظ قينها فأطالها
حتى اذا وردت أوائل خيله
جيحان بث على العدو رعالها
أحمى بلاد المسلمين عليهم
وأباح سهل بلادهم وجبالها
أدمت دوابر خيله وشكيمها
غاراتهن والحقت آطالها
لم يبق بعد مقادها وطرادها
الا نحائزها وإلا آلها

30
رفع الخليفة ناظرى وأراشني
بيد مباركة شكرت نوالها
وحسدت حتى قيل أصبح باغيا
في المشي مترف شيمة مختالها
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى
نعلا ورثت عن النبي مثالها

أما قوله - قصرت حمائله - البيت.

فالاصل فيه قول عنترة

بطل كأن ثيابه في سرحة
يحذى نعال السبت ليس بتوأم

أو قول الاعشي

إلى ماجد كهلال السما
ء أزكى وفاء ومجدا وخيرا
طويل النجاد رفيع العما
د يحمى المضاف ويغني الفقيرا

ومثله

طويل نجاد السيف عار جبينه
كنصل اليماني أخلصته صياقله
إذا هم بالمعروف لم تجر طيره
نحوسا ولم تسبق نداه عواذله

ومثله قول طريح بن اسمعيل الثقفي

وأشعث طلاع الثنايا مبارك
يطول نجاد السيف وهو طويل

ولابي جويرية العبدي

يمد نجاد السيف حتى كأنه
بأعلى سنامى فالج يتطوح
إذا اعتم في البرد اليماني خلته
هلالا بدا في جانب الافق يلمح

ولابي عطاء السندي

وأزهر من بني عمروبن عمرو
حمائله وإن طالت قصار

ولبعضهم في آل المهلب

رأيتكم أعز الناس جارا
وامنعهم إذا عدوا ذمارا

31
حمائلكم وإن كانت طوالا
نراها عن شمائلكم قصارا

ولبعض بنى العنبر في معنى الطول

فجاء‌ت به عبل العظام كأنما
عمامته بين الرحال لواء(1)

ولآخر

أشم طويل الساعدين كأنما
تناط إلى جذع طويل حمائله

ولابن هرمة

تناط حمائل الهندى منه
بعاتق لا ألف ولا ضئيل
ولكن يستقل به قواه
على ماض بقائمه ثقيل

ولسلم الخاسر

يقوم مع الرمح الرديني قائما
ويقصر عنه طول كل نجاد

وللخثعمي

يوازى الرديني في طوله
ويقصر عنه نجاد الحسام

وللوالبي

طول وطول فترى كفه
ينهل بالطول انهلال الغمام
وطوله يغتال يوم الوغى
وغيره فضل نجاد الحسام

فأما قوله - ولقد حذوت لمن أطاع - البيت. فقد ردد معناه مروان في مواضع من شعره فقال

(1) وقبله

فلا تعذلي في حندج ان حندجا
وليث عفرين لدي سواء
حميت عن العهار أطهار أمه
وبعض الرجال المدعين جفاء (*)

32
شبيه أبيه منظرا وخليقة
كما حذيت يوما على أختها النعل

وقال في موضع آخر

أحيا لنا سنن النبي محمد
قد الشراك به قرنت شراكا

وقال أيضا

صحيح الضمير سره مثل جهره
قياس الشراك بالشراك تقابله

وقال أيضا

تشابهتما حلما وعدلا ونائلا
وحزما إذا أمر أقام وأقعدا
تنازعتما نفسين هذي كهذه
على أصل عرق كان أفخر متلدا
كما قاس نعلا حضرمي فقدها
على أختها لم يأل أن يتجردا

وأخذ هذا المعنى أبونواس فقال

تنازع الاحمدان الشبه فاتفقا
خلقا وخلقا كما قد الشراكان

والاصل في هذا قول ابن أبي ربيعة

فلما تواقفنا اعترفت الذي بها
كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل(1)

(1) البيت من قصيدة مطلعها

جرى ناصح بالود بينى وبينها
فقربني يوم الحصاب الي القتل
فما أنس ملا شياء لا أنس موقفى
وموقفها يوما بقارعة النخل
فلما تواقفنا اعترفت الذى بها
كمثل الذي بى حذوك النعل بالنعل

روي ان ابن أبى ربيعة اجتمع هو وجميل بالابطح فأنشده جميل لاميته التى أولها

لقد فرح الواشوان أن صرمت حبلى
بثينة أو أبدت لنا جانب البخل

فأنشده عمر لامينه فقال جميل هيهات يا أبا الخطاب لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي وما خاطب النساء مخاطبتك أحد وقام مشمرا (*)


33

ومثله للسيد الحميري رحمه الله تعالى

يتلون أخلاق النبي وفعله
فالنعل تشبه في المثال طراقها

وقد تقدم إلى هذا المعنى يزيد بن المكسر بن ثعلبة بن سيار العجلى بقوله في يوم ذي قار يحرض قومه على القتال

من فر منكم فر عن حريمه
وجاره وفر عن نديمه
أنا ابن سيار على شكيمه
مثل الشراك قد من أديمه

* وكلهم يجري على قديمه * فأما قوله * وحسدت حتى قيل أصبح باغيا * البيت ففى معناه قول البحتري

ألنت لي الايام من بعد قسوة
وعاتبت لي دهري المسئ فاعتبا
والبستني النعمي التي غيرت أخي
على فامسى نازح الود أجنبا

ومما يختار لمروان قوله

موفق لسبيل الرشد متبع
يزينه كل ما يأتي ويجتنب
تسمو العيون إليه كلما انفرجت
للناس عن وجهه الابواب والحجب
له خلائق بيض لا يغيرها
صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب

ووجدت بعض من ينقد الشعر يقول ليس في شعر مروان بيت يتمثل به غير هذا البيت الاخير من الثلاثة. وكأن ابن مناذر إياه أراد بقوله وقد سأل وهو مجاور بمكة عمن ببغداد من الشعراء فقيل له العباس بن الاحنف فقال أنشدوني له فأنشدوه

لو كنت عاتبة لسكن عبرتي
أملى رضاك وزرت غير مراقب
لكن صددت فلم تكن لي حيلة
صد الملول خلاف صد العاتب

فقال ابن مناذر أخلقبمن أدام بحث التراب أن يصيب خرزة.

[ قال الشريف (5 - امالى)


34

المرتضى ] رضى الله عنه ولا شك في قلة الامثال في شعر مروان ولكن ليس إلى هذا الحد وهذا المعني الذي قد تضمنه البيت قد سبق اليه ايضا.

قال طريح بن اسماعيل

جواد اذا جئته راجيا
كفاك السؤال وان عدت عادا
خلائقه كسبيك النضا
ر لا يعمل الدهر فيها فسادا

ومثله قول الخريمى

رأيتك يازيد زيد الندى
وزيد الفخار وزيد الكرم
تزيد على نائبات الخطو
ب بذلا وفي سابغات النعم
كذا الخمر والذهب المعدني
يجود هذا وذاك القدم

وفي قوله - الذهب المعدني - فائدة لانه اذا خلص الذهب وصفا لم يفسد واذا امتزج بغيره لم يكن هذا حكمه. وللاموى

نأوى إلى خلق لم يصده طبع
كان جوهره من جوهر الذهب

ولبعضهم

ملك له خلق خليق بالعلا
كسبيكة الذهب التي لا تكلف

وقد أخذ الخبزارزى هذا المعنى في قوله

فلا تعن لتحريف تكلمه
لصورة حسنها الاصلي يكفيها
إن الدنانير لاتجلى وإن عتقت
ولا تزاد على النقش الذي فيها

ولجحظة

صديق لي له أدب
صداقة مثله حسب
رعى لي فوق ما يرعى
وأوجب فوق ما يجب
ولو نقدت خلائقه
لبهرج عندها الذهب

(مجلس آخر 44)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون اليك وإذ هم نجوى) الآية.

فقال لم وحد نجوى وهو خبر عن جمع ما معنى مسحورا وما جرت عادة مشركي العرب بوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك بل عادتهم جارية بقرفه بانه ساحر.

الجواب أما قوله تعالى (وإذ هم نجوى) فان نجوى مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث وهو مقر على لفظه ويجرى ذلك مجرى قولهم الرجال صوم والمناهل حمد يعني بصوم صائمون وبحمد محمودون. وقد قال قوم ان معناه وإذ هم أصحاب نجوى فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه ويقال القوم نجي والقوم أنجية فمن وحد بنى على مذهب المصدر ومن جمع جعله منقولا عن المصادر ملحقا برغيف وأرغفة وما أشبه ذلك.

قال الشاعر في التوحيد

أتانى نجيي بعد هدء ورقدة
ولم أك فيما قد بلوت بكاذب(1)

(1) قوله - أتاني نجي - الخ. هو لسواد بن قارب الدوسي رضى الله عنه وقيل انه سدوسي وهو صحابي وبعده

ثلاث ليال قوله كل ليلة
اتاك رسول من لؤي بن غالب
فرفعت أذيال الازرار وشمرت
بي العرمس الوجناء هول السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره
وانك مأمون على كل غائب
وانك أدنى المرسلين وسيلة
إلى الله يابن الاكرمين الاطايب
فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا
وان كان فيما جئت شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة
بمغن فتيلا عن سواد بن قارب

روى ان سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له وهو خليفة كيف كهانتك اليوم فغضب سواد وقال يا أميرالمؤمنين ما قالها لي أحد قبلك فاستحيى عمر ثم قال له يا سواد ما كنا عليه من الشرك أعظم من كهانتك ثم سأله عن حديثه في بدء الاسلام وما أتاه (*)


36

وأنشد الفراء في الجمع

ظلت نساؤهم والقوم انجية
يعدي عليها كما يعدى على الغنم

فأما قوله تعالى (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) ففيه وجوه.

أولها أن يكون المراد ان تتبعون إلا رجلا متغير العقل لان المشركين كان من مذهبهم عيب النبي صلى الله عليه وسلم وتضعيف أمره وتوهين رأيه وكانوا في وقت ينسبونه إلى أنه ساحر وفي آخر يرمونه بالجنون وانه مسحور متغير العقل وربما قذفوه بانه شاعر حوشى من ذلك كله وقد جرت عادة الناس بان يصفوا من يضيفونه إلى البله والغفلة وقلة التحصيل بانه محسور.

وثانيها أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلل لان ذلك أحد مايستعمل فيه هذه اللفظة.

قال امرؤ القيس

أرانا موضعين لحتم غيب
ونسحر بالطعام وبالشراب(1)

به رئيه من ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره انه أتاه رئيه ثلاث ليلال متواليات وهو فيها كلها بين النائم واليقظان فقال له قم يا سواد فاسمع مقالتي واعقل ان كنت تعقل قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله والى عبادته وأنشد في كل ليلة من الثلاث ليال ثلاثة أبيات معناها واحد وقافيتها مختلفة أولها

عجبت للجن وتطلابها
وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغى الهدى
ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم
ليس قداماها كأذنابها

وذكر تمام الخبر وانه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأنشده الابيات السابقة(1) وبعده

عصافير وذبان ودود * وأجرأ من مجلحة الذئاب

ويروى وأجر. وبعده

وكل مكارم الاخلاق صارت
اليه همتى وبه اكتسابى
فبعض اللوم عاذلتى فإنى
ستكفينى التجارب وانتسابى (*)

37

وقال أمية بن أبي الصلت

فإن تسألينا فيم نحن فإننا
عصافير من هذا الانام المسحر

وثالثها أن السحر في اللغة العربية الرئة وما تعلق بها وفيه ثلاث لغات سحر وسحر وسحر. وقيل السحر مالصق بالحلقوم والمرئ من أعلى الجوف وقيل انه الكبد فكان المعنى على هذا إن يتبعون إلا رجلا مسحورا ذا سحر خلقه الله بشرا كخلقتكم.

ورابعها أن يكون معنى مسحور أي ساحرا وقد جاء لفظ مفعول بمعنى فاعل قال الله تعالى (واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) أي ساترا والعرب تقول للمعسر ملقح(1) ومعناه ملقح لان ماضيه ألقح فجاؤا بلفظ المفعول وهو للفاعل ومن ذلك قولهم فلان مشئوم على فلان وميمون ويريدون شائم ويامن لانه من شامهم ويمنهم.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ورأيت بعض العلماء يطعن على هذا الاستشهاد الاخير فيقول العرب لا تعرف فلان مشئوم على فلان وانما هذا من كلام أهل الامصار وانما تسمي العرب من لحقه الشؤم مشؤما.

قال علقمة بن عبدة

ومن تعرض للغربان يزجرها
على سلامته لابد مشؤم(2)
إلى عرق الثرى وشجت عروقى
وهذا الموت يسلبنى شبابى

إلى آخر الابيات

(1) قوله ملقح هكذافي الاصل ووردت كذلك في بعض الكتب. والصحيح ملفج بالفاء والجيم وهو من الاوصاف التى وردت على أفعل فهو مفعل أي استغنى بصيغة اسم الفعول فيها عن اسم الفاعل وهي الفج الرجل فهو ملفج أى ذهب ماله وأسهب فهو مسهب أى كثر كلامه وأحصن فهو محصن وأهتر فهو مهتر وزاد بعضهم اجرأشت الابل فمى مجرأشة

(2) قال الضبى هذا لايمانه بالطيرة يقول من يزجر الطير وان سلم فلابد أن يصيبه شؤم وألحد (*)


38

والوجوه الثلاثة الاول أوضح وأشبه.

ومما يختار لمروان بن أبي حفصة قوله من قصيدة يمدح بها معن بن زائدة الشيباني أولها

أرى القلب أمسى بالاوانس مولعا
وإن كان من عهد الصبا قد تمتعا

يقول فيها

ولما سرى الهم الغريب قريته
قرى من أزال الشك عنه وأزمعا
عزمت فعجلت الرحيل ولم أكن
كذى لوثة لايطلع الهم مطلعا
فأمت ركابي أرض معن ولم تزل
إلى أرض معن حيث ما كان نزعا
نجائب لولا أنها سخرت لنا
أبت عزة من جهلها أن تورعا
كسونا رحال الميس منها غواربا
تدارك فيها الني صيفا ومربعا
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت
ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا

يقول فيها

وما الغيث إذ عم البلاد بصوبه
على الناس من معروف معن باوسعا
تدارك معن قبة الدين بعدما
خشينا على أوتادها أن تنزعا
أقام على الثغر المخوف وهاشم
تساقي سماما بالاسنة منقعا
إمام كان لقمان بن عاد
أشار له بحكمته مشير
تعلم انه لا طير إلا
على متطير وهو الثبور
بلى شئ يوافق بعض شئ
أحايينا وباطله كثير

قال الرستمى يقول الغربان يتشاء‌م بها فمن تعرض لها يزجرها ويطردها خوفا أن يصيبه الشؤم فلابد أن يقع بما خاف ويحذر وبيت علقمة من قصيدته المشهورة التى مطلعها

هل ما علمت وما استودعت مكتوم
أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم (*)

39
مقام امرئ يأبى سوى الخطة التي
تكون لدى غب الاحاديث أنفعا
وما أحجم الاعداء عنك بقية
عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا
رأوا مخدرا قد جربوه وعاينوا
لدى غيله منهم مجرا ومصرعا
وليس بثانيه إذا شد أن يرى
لدى نحره زرق الاسنة شرعا
له راحتان الحتف والغيث فيهما
أبى الله إلا إن تضرا وتنفعا
لقد دوخ الاعداء معن فاصبحوا
وامنعهم لايدفع الذل مدفعا
نجيب مناجيب وسيد سادة
ذرا المجد من فزعى نزار تفرعا
لبانت خصال الخير فيه وأكملت
وما كملت خمس سنوه وأربعا
لقد أصبحت في كل شرق ومغرب
بسيفك أعناق المريبين خضعا
وطئت خدود الحضرميين وطأة
لها هد ركن منهم فتضعضعا
فأقعوا على الاذناب إقعاء معشر
يرون لزوم السلم ابقى وأودعا
فلو مدت الايدى إلى الحرب كلها
لكفوا وما مدوا إلى الحرب إصبعا

أما قوله - فما بلغت صنعاء حتى تواضعت - البيت.

فقد ردده في موضع آخر فقال

فما بلغت حتى حماها كلالها
إذا عريت أصلابها أن تقيدا

وهذا كثير في الشعر القديم والمحدث.

فمنه قول جرير

إذا بلغوا المنازل لم تقيد
وفي طول الكلال لها قيود

وروى انه قيل لنصيب لك بيت نازعك فيه جرير أيكما فيه أشعر فقال ما هو فقيل قولك

أضر بها التهجير حتى كأنها
بقايا سلال لم يدعها سلالها

وأنشد بيت جرير الذي تقدم فقال قاتل الله ابن الخطفى فقيل له قد فضلته عليك فقال


40

هو ذاك. وأخذ هذا المعنى المؤمل بن أميل المحاربي فقال

كانت تقيد حين تنزل منزلا
فاليوم صار لها الكلال قيودا

ولابي نخلية

قيدها الجهد ولم يقيد
فهى سوام كالقنا المسند
وما لها معلل من مزود
منها ولا من شاحط مستبعد

ومعنى قوله - سوام - أي هى رافعة رؤسها وشبهها بالقنا لان القنا اذا ركز مال قليلا مع الريح فيقول في أعناقها ميل من الضعف كما قال الشماخ

فأضحت تفالى بالستار كأنها
رماح نحاها وجهة الريح راكز

وكما قال حميد بن ثور الهلالي

بمثوى حرام والمطى كأنها
قنا مسند هبت لهن خريق

- الخريق - ريح شديدة تنخرق من كل جهة.

ومعنى قول أبي نخيلة - من مزود - أي من ثميلة تجترها من الاجترار انه لاشئ في أجوافها تتعلل به - والمستبعد - ما بعد من المرعى.

وأنشد أبوالعباس ثعلب

إذا بلغوا المنازل لم تقيد
ولم تشدد ركائبهم بعقل
فهن مقيدات مطلقات
تقضم ما تشذب في المحل

والاصل في هذا قول امرئ القيس

مطوت بهم حتى تكل مطيهم
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان

ولعباد بن أنف الكلبى الصيداوى

فتمسى لا أقيدها بحبل
بها طول الضراوة والكلال

ومن جيد هذا المعنى قول الفرزدق يصف الابل

بدأنا بها من سيف رمل كهيلة
وفيها نشاط من مراح وعجرف

41
فما بلغت حتى تقارب خطوها
وبادت ذراها والمناسم رعف
وحتى قتلنا الجهل عنها وغودرت
إذا ما أنيخت والمدامع ذرف
وحتى مشى الحادى البطئ يسوقها
لها بخص دام ودئي مجلف

- البخص - لحم الخف الذي(1) يطأ عليه - والدئي - فقار الظهر - والمجلف - المنشور

وحتى تخشاها وما في يد لها
اذا حل عنها رمة وهي رشف

- الرمة - الحبل. وأراد انها تزيف كما يزيف المقيد وان لم يكن في يدها قيد

إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورها
حراجيج أمثال الاهلة شسف

- الحراجيج - الطوال من الابل - والشسف - اليابسة من الجهد والكلال.

ومعنى قتالها للغربان انها اذا عريت ظهورها تقع الغربان عليها لتأكل دبرها فالابل تدفع الغربان بأفواهها عن ظهورها فذلك قتالها

اذا ما أريناها الازمة أقبلت
الينا بحرات الخدود تصدف
فأفني مراح الداهرية خوضها
بنا الليل إذ نام الدثور الملفف

ويروى أرقلة.

ومن أحسن ما قيل في وصف الابل بالنحول من الكلال والجهد بعد السمن قول الشاعر

وذات مائين قد غيضت جمتها
بحيث يستمسك الارواح بالحجر
ردت عوارى غيطان الفلا ونحت
بمثل إيبالة من حائل العشر

قوله - ذات مائين - يعني سمنا على سمن وقيل بل عنى أنها رعت كلا عامين. وقوله

(1) وقيل البخص ما ولى الارض من تحت أصابع الرجلين وتحت مناسم البعير والنعام وقيل هو لحم يخالطه بياض من فساد يحل فيه والدئى بكسر الدال والهمزة جمع دأيه وهى فقر الكاهل والظهر أو غيرضيف الصدر أو ضلوعه في ملتقاه وملتقى الجنب (*)(6 - أمالى)


42

- قد غيضت جمتها - يعنى انه اتعبها بالسير حتى ردها هزلا بعد سمن فكأنه غيض بذلك ماء‌ها.

ومعنى - بحيث تستمك الارواح بالحجر - يعني الفلاة حيث لايكون فيها الماء فيقتسم الركب الماء الذي يكون معهم بالحجر الذي يقال له المقلة فتمسك أرماقهم. وقوله - ردت عوارى غيطان الفلا - أي مارعت من كلا هذه الاماكن وسمنت عنه كان كعارية عندها فردته حيث جهدها السير وأهزلها - والايبالة - الحزمة من الحطب اليابس.

واخذ هذا المعني بعينه أبوتمام فقال

رعته الفيافي بعد ما أن كان حقبة
رعاها وماء المزن ينهل ساكبه(1)
فكم جزع وادجب ذروة غارب
ومن قبل كانت أنهكته مذاهبه

فأما قوله - فما أحجم الاعداء عنك بقية - البيت فمأخوذ من قول الاول

فما بقيا على تركتماني
ولكن خفتما صرد النبالى(2)

(1) هذان البتان من قصيدته المشهورة التي مدح بها عبدالله بن طاهر لما قدم خراسان حكى انهما أنشده إياها وبلغ إلى قوله

وقلقل نأي من خراسان جأشها
فقلت أطمأنى انضر الروض عازبه
وركب كأطراف الاسنة عرجوا
على مثلها والليل تسطو غياهبه
لامر عليهم أن تتم صدوره
وليس عليهم أن تتم عواقبه

صاح الشعرات بالامير ما يستحق هذا الشعر غير الامير أعزه الله.

وقال شاعر منهم يعرف بالرياحى لي عند الامير أعزه الله جائزة وعدني بها وقد جعلتها لهذا الرجل جزاء عن قوله للامير فقال له بل نضعفها لك ونقوم له بمايجب له علينا فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئا فوجد عليه عبدالله وقال يترفع عن برى ويتهاون بما أكرمته به فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك.

(2) قوله - فما بقيا على - الخ. البقيا بالضم الرحمة والشفقة - وصرد - السهم من باب فرح من الاضداد اذا نفذ واذا نكل فيكون المعنى على النفوذ انكما خفتما نفوذ سهامي فيكما أي هجائى وعلى معنى النكول أى خفتما أن لا تنفذ سهامكما في فعجزتما عني وهو (*)


43

وقريب منه قول الآخر

لعمرك ما الناس أثنوا عليك
ولا قرظوك ولا عظموا
ولو أنهم وجدوا مطعنا
إلى أن يعيبوك ما أحجموا
فانت بفضلك الجأتهم
إلى أن يجلوا وأن يعظموا

ومثله

أما لو رأى فيك العدو نقيصة
لخب بتصريف العيوب وأوضعا
ولكنه لما رء‌اك مبرء‌ا
من العيب غطى رأسه وتقنعا

ومثله

قد طلب العاذل عيبا فما
أصاب عيبا فانثنى عاذرا
وللبحترى في معني قول مروان
فما أحجم الاعداء عنك بقية * من قصيدة يمدح بها الفتح بن
خاقان ويصف لقاء‌ه الاسد
غداة لقيت الليث والليث خادر
يحددنا باللقاء ومخلبا
شهدت لقد أنصفته يوم تنبرى
له مصلتا عضبا من البيض مغضبا

أول أبيات للعين المنقري يهجو بهما جريرا والفرزدق وبعده

فدونكما انظر أهجوت أم لا
فذوقا في المواطن من تبالي
وما كان الفرزدق غير قين
لئيم خاله للؤم تالي
ويترك جده الخطفى جرير
ويندب حاجبا وبني عقال

وكان اللعين تعرض لجرير والفرزدق فقال

سأقضى بين كلب بني كليب
وبين القين قين بني عقال
بأن الكلب مرتعه وخيم
وأن القين يعمل في سفال

فلم يجبه أحد منهما فقال الابيات المتقدمة (*)


44
فلم أرى ضرغامين أصدق منكما
عراكا إذا الهيابة النكس كذبا
هزبر مشي يبغي هزبرا وأغلب
من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
أدل بشغب ثم هالته صوله
رآك لها امضى جنانا وأشغبا
فاحجم لما لم يجد فيك مطمعا
واقدم لما لم يجد عنك مهربا
فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا
ولم ينجه أن حاد عنك منكبا
حملت عليه السيف لاعزمك انثنى
ولا يدك ارتدت ولا حده نبا
وكنت متى تجمع يمينيك تهتك الضريبة
أو لا تبق للسيف مضربا

ومن صافي كلام مروان ورائقه ومما اجتمع له فيه جودة المعنى واللفظ واطراد النسج قوله

بنو مطر يوم اللقاء كأنهم
أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما
لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الاسلام سادوا ولم يكن
كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا اصابوا وإن دعوا
اجابوا وإن اعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم
وإن احسنوا في النائبات واجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم
وأحلامهم منها لدى الوزن اثقل

ومن جيد قوله من قصيدة يمدح بها معنا

ما من عدو يرى معنا بساحته
إلا يظن المنايا تسبق القدرا
يلقى اذا الخيل لم تقدم فوارسها
كالليث يزداد إقداما إذا زجرا
أغر يحسب يوم الروع ذا لبد
وردا ويحسب فوق المنبر القمرا

وله من قصيدة يصف يوما حارا


45
ويوم عسول الآل حام كأنما
لظى شمسه مشبوب نار تلهب
نصبنا له منا الوجوه وكنها
عصائب أسمال بها يتعصب

ويشبه أن يكون أخذ ذلك من قول الشنفرى

ويوم من الشعرى يذوب لعابه
أفاعيه في رمضائه تتململ(1)
نصبت له وجهى ولكن دونه
ولا ستر الا الا تحمى المرعبل(2)

ولمروان من أبيات يصف فيها حديقة وهبها له المهدى ويذكر نخلها وشجرها أجاد فيها

نواضر غليا قد تدانت رؤسها
من النبت حتى ما يطير غرابها
ترى الباسقات العم فيها كأنها
ظعائن مضروب عليها قبابها
ترى بابها سهلا لكل مدفع
اذا أينعت نخل فاغلق بابها
يكون لنا ما نجتنى من ثمارها
ربيعا إذا الآفاق قل سحابها

(1) البيتان من قصيدته المشهورة المسماة الشنفرية ولامية العرب - الشعرى - هي الكوكب الذى يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر - وذاب - الشئ نقيض جمد - ولعابه - ولوابه واحد.

ولعابه هنا ما تراه من شدة الحر مثل نسج العنكبوت - والافاعى - جمع أفعى وهي الحية - والرمض - شدة وقع الشمس على الرمل وغيره والارض رمضاء أى أصابها الرمض - والتململ - التحرك على الفراش ادا لم تستقر عليه من الوجع كأنه على ملة والملة الرماد الحار. والواو في ويوم واو رب ومن لبيان الجنس والتقدير ويوم من الايام التى تطلع فيها الشعرى ومن الشعرى صفة يوم ويذوب نعت ليوم أيضا أى ذائب لعابه وأفاعيه مبتدا وتململ خبره وفى رمضائه متعلق بتململ

(2) - النصب - الاقامة تقول نصبت وجهي للحر أقمته - والكن - الستر والجمع أكنان - والانحمي - برد معروف - والمرعبل - الممزق فقوله نصبت هو جواب رب (*)


46
حظائر لم يخلط باثمانها الربا
ولم يك من أخذ الديات اكتسابها
ولكن عطاء الله من كل مدحة
جزيل من المستخلفين ثوابها
ومن ركضنا بالخيل في كل غارة
حلال بأرض المشركين نهابها
حوت غنمها آباؤنا وجدودنا
بصم العوالى والدماء خضابها

فأما قوله

حظائر لم يخلط بأثمانها الربا
ولم يك من أخذ الديات اكتسابها

فكأن ابن المعتز نظر اليه في قوله

لنا إبل ما وفرتها دياتنا
ولا ذعرتها في الصباح الصوائح

وفي ضد هذا قول أبي تمام

كثرت فيهم المسارح إلا
أنها من مناكح وديات

ومثل الاول قول حسان يهجو قوما من قريش

وما لكم لامن طراد فوارس
ولكن من الترقيح يا شر مالك

(مجلس آخر 45)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن معني قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه). وقوله تعالى (إنما نطعمكم لوجه الله). وقوله (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) وما شاكل ذلك من آي القرآن المتضمنة لذكر الوجه.

الجواب قلنا الوجه ينقسم في اللغة العربية إلى أقسام. فالوجه المعروف المركب فيه العينان من كل حيوان. والوجه أيضا أول الشئ وصدره ومن ذلك قوله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره) أي


47

أول النهار.

ومنه قول الربيع بن زياد

من كان مسرورا بمقتل مالك
فليأت نسوتنا بوجه نهار

أي غداة كل يوم.

وقال قوم وجه نهار اسم موضع. والوجه القصد بالفعل من ذلك قوله تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله). وقال الفرزدق

واسملت وجهي حين شدت ركائبى
إلي آل مروان بناة المكارم

أي جعلت قصدي وإرادتي لهم.

وأنشد الفراء

أستغفر الله ذنبا لست محصيه
رب العباد اليه الوجه والعمل

أي القصد.

ومنه قولهم في الصلاة وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض أي قصدت قصدي بصلاتى وعملي وكذلك قوله تعالى (فأقم وجهك للدين القيم).

والوجه الاحتيال في الامرين من قولهم كيف الوجه لهذا الامر وما الوجه فيه أي ما الحيلة. والوجه الذهاب والجهة والناحية.

قال حمزة بن بيض الحنفي

أي الوجوه انتجعت قلت لهم
لاي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل صاحبا سرادقه
هذا ابن بيض بالباب يبتسم

والوجه القدر والمنزلة ومنه قولهم لفلان وجه عريض وفلان أوجه من فلان أي أعظم قدرا وجاها ويقال أوجهه السلطان اذا جعل له جاها.

قال امرؤ القيس

ونادمت قيصر في ملكه
فأوجهني وركبت البريدا(1)

(1) وقبله

أأذكرت نفسك مالن يعودا
لهاج التذكر قلبا عميدا
تذكرت هند وأترابها
فأصبحت أزمعت منها صدودا
ونادمت قيصر في ملكه
فأوجهنى وركبت البريدا
اذا ما ازدحمنا على سكة
سبقت الفرانق سبقا شديدا (*)

48

يقال حمل فلان فلانا على البريد اذا هيأ له في كل مرحلة مركوبا ليركبه فاذا وصل إلى المرحلة الاخرى نزل عن المعيي وركب المرفه وهكذا إلى ان يصل إلى مقعده.

والوجه الرئيس المنظور اليه يقال فلان وجه القوم وهو وجه عشيرته ووجه الشئ نفسه وذاته.

قال أحمد بن جندل

ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة
فأفلت منها وجهه عتد نهد(1)

(1) هكذا بالاصل وفسرهها بهامش النسخة أي ضخم. وقوله قال أحمد بن جندل الخ المعروف ان البيت لسوار بن حبان المنقري قاله يوم جدود والرواية المشهورة

ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة
سقته نجيعا من دم الجوف اشكلا

وروى

ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة
تمج نجيعا من الجوف أشكلا

وبعده

وحمران أدته الينا رماحنا
ينازع غلا في ذراعيه مقفلا

ونسب ابن قتيبة البيتين لجرير وسمي الحوفزان حوفزانا لان قيس بن عاصم التميمي حفزه.

قال الجوهري وأما قول من قال انما حفزه بسطام بن قيس فغلط لانه شيبانى فكيف يفتخر به فكيف يفتخر به جرير وأما قول الآخر

ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة
سقته نجيعا من دم الجوف آنيا

فهو الاهتم بن مسى المنقري وأول الشعر

لما دعتنى للسيادة منقر
لدى موطن أضحى له النجم باديا
شددت لها أزري وقد كنت قبلها
أشد لاحناء الامور إزاريا

ولنعد إلى حديث يوم جدود روى عن أبي عبيدة قال قيس بن عاصم هو الذى حفز الحوفزان بن شريك الشيبانى طعنه في استه يوم جدود وكان من حديث ذلك اليوم ان الحارث بن شريك بن عمرو الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام كانت بينه وبين بنى يروبوع موادعة ثم هم بالغدر بهم فجمع بنى شيبان وبنى ذهل واللهازم وقيس بن ثعلبة وتيم الله بن ثعلبة وغيرهم ثم غزا بنى يربوع فنذر به عتيبة بن الحارث ابن شهاب بن شريك فنادى في قومه بنى جعفر بن ثعلبة من بنى يربوع فوادعه وأغار الحارث بن شريك على بنى مقاعس واخوتهم بنى ربيع فلم يجيبوهم فاستصرخوا بنى منقر فركبوا حتى لحقوا بالحارث بن شريك وبكر بن وائل وهم قائلون في يوم شديد (*)


49

أراد أفلته ونجاه ومنه قولهم انما أفعل ذلك لوجهك. ويدل أيضا على ان الوجه يعبر به عن الذات قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة).

وقوله تعالى (وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية) لان جميع ما اضيف إلى الوجوه في ظاهر الآي من النظر والظن والرضا لا يصح اضافته على الحقيقة اليها وانما يضاف إلى الجملة فمعنى قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه) أي كل شئ هالك إلا إياه وكذلك قوله تعالى (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل ذي الجلال كما قال (تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام) لما كان اسمه غيره. ويمكن في قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه)

الحر فما شعر الحوفزان إلا بالاهتم بن سمى بن سنان بن خالد بن منقر واسم الاهتم سنان وهو واقف على رأسه فوثب الحوفزان إلى فرسه فركبه وقال للاهتم من أنت فانتسب له وقال هذه منقر قد أتتك فقال الحوفزان فأنا الحارث بن شريك فنادى الاهتم يا آل سعد ونادى الحوفزان يا آل وائل وحمل كل منها على صاحبه ولحقت بنو منقر فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه ونادت نساء بنى ربيع يا آل سعد فاشتد قتال بنى منقر لصياحهن فهزمت بكر بن وائل وخلوا ما كان في أيديهم من بنى مقاعس وما كان في أيديهم من أموال وتبعتهم بنو منقر بين قتل وأسر فأسر الاهتم حمران بن عمرو وقصد قيس بن عاصم الحوفزان ولم يكن له همة غيره والحارث على فرس له قارح يدعى الزبد وقيس على مهر فخاف قيس أن يسبقه الحارث فحفزه بالرمح في استه فتحفز به الفرس فنجا فسمى الحوفزان وأطلق قيس أموال بنى مقاعس وبنى ربيع وسباياهم وأخذ أموال بكر بن وائل وأساراهم وانتقضت طعنة قيس على الحوافزان بعد سنة فمات وفى هذا اليوم يقول قيس بن عاصم

جزا الله يربوعا بأسوء فعلها
اذا ذكرت في النائبات امورها
ويوم جدود قد فضحتم ذماركم
وسالمتموا والخيل تدمى نحورها
ستخطم سعد والرباب أنوفكم
كما حز في أنف القضيب جريرها (*)

(7 - أمالى)


50

وجه آخر وقد روى عن بعض المتقدمين وهو أن يكون المراد بالوجه ما يقصد به إلى الله تعالى ويوجه نحو القربة اليه جلت عظمته فيقول لا تشرك بالله ولا تدع إلها غيره فان كل فعل يتقرب به إلى غيره ويقصد به سواه فهو هالك باطل وكيف يسوغ للمشبهة أن يحملوا هذه الآية والتى قبلها على الظاهر أوليس ذلك يوجب انه تعالى يفني ويبقى وجهه وهذا كفر وجهل من قائله.

فأما قوله تعالى (انما نطعمكم لوجه الله) وقوله (إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى) وقوله (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) فمحمول على ان هذه الافعال مفعولة له ومقصود بها ثوابه والقربة اليه والزلفة عنده فأما قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) فيحتمل أن يراد به فثم الله لا على معنى الحلول ولكن على معنى التدبير.

والعلم ويحتمل أن يراد به فثم رضا الله وثوابه والقربة اليه ويحتمل أن يراد المراد بالوجه الجهة وتكون الاضافة بمعنى الملك والخلق والانشاء والاحداث لانه عزوجل قال (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) أي ان الجهات كلها لله تعالى وتحت ملكه وكل هذا واضح بين بحمد الله.

أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال انحدرنا مع المكتفى بالله في آخر سفرة سافرها للصيد من الموضع المعروف بجبة إلى تكريت في خراقه(1) فكانت تجنح كثيرا فيشتد فزع من معه من الجلساء لذلك وكنت أشدهم فزعا وكان في الخراقة سواي من الجلساء يحيى بن على المنجم ومتوج بن محمد بن مروان والقاسم المعروف بابن حبابة وكان يضحك لفزعنا ويقول لقد قسم الله لكم حظا من الشجاعة جزيلا فقلت له ان البحتري يقول شعرا يصف فيه مثل حالنا ويمدح به أحمد بن دينار بن عبدالله وقد غزا الروم في مراكب أوله

ألم تر تغليس الربيع المبكر
وما حاك من وشى الرياض المنشر

فقال له أنشدني الموضع الذي قال هذا فيه منها وكان جيد العلم بالاشعار حافظا للاخبار

(1) - الخراقة - سفينة صغيرة فيها الشموع والنار. وقيل انها من الخرق لانها تخرق الماء. كذا بهامش الاصل (*)


51

فأنشده

غدوت على الميمون صبحا وإنما
غدا المركب الميمون تحت المظفر
إذا زمجر النوبي فوق علاته
رأيت خطيبا في ذؤابة منبر
يغضون دون الاشتيام عيونهم
وفوق السماط للعظيم المؤمر
إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له
جناحا عقاب في السماء مهجر
إذا ما انكفا في هبوة الماء خلته
تلفع في اثناء برد محبر
وحولك ركابون للهول عاقروا
كؤوس الردى من دار عين وحسر
تميل المنايا حيث مالت اكفهم
إذا اصلتوا حد الحديد المذكر
اذا أرشقوا بالنار لم يك رشقهم
ليقلع إلا عن شواء مقتر
صدمت بهم صهب العثانين دونهم
ضراب كإيقاد اللظي المتسعر
يسوقون إسطولا كأن سفينه
سحائب صيف من جهام وممطر
كأن ضجيج البحر بين رماحهم
إذا إختلفت ترجيع عود مجرجر
تقارب من زحفيهم فكأنما
تألف من أعنان وحش منفر
على حين لانقع تطوحه الصبا
ولا أرض تلقى للصريع المقطر(1)
فما رمت حتى اجلت الحرب على طلى
مقصصة فيهم وهام مطير
وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده
مليا بان توهي صفاة ابن قيصر
جدحت له الموت الذعاف فعافه
وطار على الواح شطب مسمر

(1) - المقطر - الملقى على أحد جانبيه. كذا في هامش الاصل (*)


52
سعى وهو مولى الريح يشكر فضلها
عليه ومن يولي الصنيعة يشكر

قال فاستجاد المكتفى بالله قوله - على حين لانقع تطوحه الصبا فقال له يحيى بن علي أنشدني ابن الرومي شعرا له في هذا المعنى

ولم أتنعلم قط من ذي سباحة
سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
ولم لا ولو ألقيت فيها وصخرة
لوافيت منها القعر أول راسب
وأيسر إشفاقي من الماء أنني
أمر به في الكوز مرالاجانب
وأخشى الردى منه على كل شارب
فكيف بأمنية على نفس راكب

فقلت له انما أخذ ابن الرومي بيته الثالث من قول أبي نواس فقال المكتفي بالله فما قال قلت حدثني على بن سراج المصرى قال حدثني أبووائل اللخمي قال حدثني ابراهيم بن الخصيب قال وقف أبونواس بمصر على النيل فرأى رجلا قد أخذه التمساح فقال

أضمرت للنيل هجرانا ومقلية
مذ قيل لي إنما التمساح في النيل
فمن رأي النيل رأى العين من كثب
- فما أرى النيل إلا في البواقيل

قال الصولي - والبواقيل - سفن صغار.

ثم أجرى المكتفي بعد ذلك ذكر الشيب فقال العرب تقول أظلم من شيب وقد شبت وظلمني المشيب وشبت يا صولى فقلت جواب عبدك في هذا جواب معن بن زائدة الشيباني لجدك المنصور وقد قال له كبرت يا معن فقال في طاعتك يا أميرالمؤمنين قال وانك لتتجلد قال على أعدائك قال وفيك بحمد الله بقية قال لخدمتك فنزع المكتفي عمامته فاذا شيبتان في مقدم رأسه فقال لقد غمني لطوع هاتين الشيبتين فقلت له انما يعيش الناس في الشيب فأما السواد فلا يصحب الناس خالصا أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين وقد يعاش في البياض الذي لاسواد فيه ثمانون سنة فأنشده يحيى بن على في معني طول العمر مع المشيب قول امرئ القيس


53
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة
وبعد المشيب طول عمر وملبسا(1)

وأنشدته أنا أيضا أبياتا أنشدها اسحاق بن ابراهيم الموصلي لبعض القيسيين

لم ينتقص مني المشيب قلامة
الآن حين أبدا لب واكيس
والشيب إن يظهر فإن وراء‌ه
عمرا يكون خلاله متنفس

[ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه أما قول البحترى - مضى وهو مولى الريح - فقد كرر معناه في قوله من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثغري

أشلى على منويل أطراف القنا
فنجا عتيق عتيقة جرداء
فلو انه ابطا لهن هنية
لصدرن عنه وهن غير ظماء
فلئن تبقاه القضاء لوقته
فلقد عممت جنوده بفناء

(1) هو من قطعته التى أولها

تأوبني دائى القديم فغلسا
أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا

ومنها

فإما تريني لا أغمض ساعة
من الليل إلاأن أكب فأنعسا
فيارب مكروب كررت وراء‌ه
وطاعنت عنه الخيل حتي تنفسا
وما خفت تبريح الحياة كما أرى
تضيق ذراعى أن أقوم فألبسا
فلو أنها نفس تموت جميعة
ولكنها نفس تساقط أنفسا
وبدلت قرحا داميا بعد صحة
لعل منايانا تحولن أبؤسا
لقد طمح الطماح من بعد أرضه
ليلبسنى من دائه ما تلبسا

وسبب هذه القطعة ان امرأ القيس استنجد قيصر ملك الروم في حربه لبنى أسد المشهورة فأمده بجيش عظيم فلما انفصل عنه وشى به رجل من بني أسد يقال له الطماح إلى قيصر فبعث اليه بحلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب فلما وصلت اليه لبسها واشتد سروره بها فأسرع فيه السم وسقط جلده فلذلك سمي ذا القروح فقال هذه القطعة (*)


54

وأظنه أخذ هذا المعني من قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها المعتصم ويذكر فتح الحرمية

لولا الظلام وقلة علقوا بها
باتت رقابهم بغير قلال
فليشكروا جنح الظلام ودروزا
فهم لدروز والظلام موالى

وقد أخطأ الصولى في تفسير بيت أبي نواس بأن البواقيل سفن صغار لان البواقيل جمع بوقال وهو آلة على هيئة الكوز معروفة تعمل من الزجاج وغيره.

وهذا مثل قول ابن الرومي أمربه في الكوز مر المجانب وانما أراد أنني لاأمر بماء النيل إلا اذا أردت شربه في كوز أو بوقال وما أشبه ذلك واظن الصولى استمر عليه الوهم من جهة قوله فما أرى النيل وصرف ذلك إلى أنه أراد النيل على الحقيقة وانما أراد ماء النيل وما علمت ان السفن الصغار يقال لها بواقيل إلا من قول الصولي هذا ولو كان ما ذكره صحيحا من ان ذلك اسم لصغار السفن لكان بيت أبي نواس بما ذكرناه أشبه وأليق وأدخل في معني الشعر وكيف يدخل الشبهة في ذلك مع قوله - فمن رأى النيل رأى العين من كثب - ومن رأى النيل في السفن فقد رآه من كثب ومن رأى ماء‌ه في الآنية على بعد فلايكون رائيا له من كثب.

فأما مدح الشيب وتفضيله على الشباب فقد قال فيه الناس فأكثروا فمما تقدم من ذلك قول رؤبة بن العجاج ويقال ان رؤبة لم يقل من القصيدة إلا هذين البيتين

أيها الشامت المعير بالشيب
أقلن بالشباب افتخارا
قد لبست الشباب غضا جديدا
فوجدت الشباب ثوبا معارا

ولعلي بن جبلة

جفا طرب الفتيان وهو طروب
واعقبه قرب الشباب مشيب
تجافت عيون البيض عنه وربما
مددن اليه الوصل وهو حبيب

55
لعمري لنعم الصاحب الشيب واعظا
وإن كان منه للعيون نكوب
خليط نهى منباة حلم وإنه
على ذاك مكروه الخلاط مريب

ولآخر

وتنكرت شيبى فقلت لها
ليس الشباب بناقص عمري
سيان شيبي والشباب إذا
ما كنت من عمري على قدر

ولآخر

إن أكن قد رزئت أسود كالفحم
واعقبت مثل لون النعامه
فلقد اسعف الكريم واحبو
أهله بالندي وآبى الظلامه
غير أن الشباب كان رداء
خاننا فيؤه كفئ الغمامه

ولآخر

إن المشيب رداء الحلم والادب
كما الشباب رداء اللهو واللعب
تعجبت أن رأت شيبي فقلت لها
لاتعجبي من يطل عمر به يشب

ولابن الجهم

حسرت عني القناع ظلوم
وتولت ودمعها مسجوم
أنكرت ما رأت براسي فقالت
أمشيب أم لؤلؤ منظوم
قلت شيب وليس عيبا فأنت
أنة يستثيرها المهموم
شد ما أنكرت تصرم عهد
لم يدم لى وأى شئ يدوم

ولابي هفان

تعجبت در من شيبي فقلت لها
لاتعجبي فطلوع الشيب في السدف

56
وزادها عجبا لما رأت سملي
وما درت دران الدر في الصدف(1)

وقد أحسن أبوتمام غاية الاحسان في قوله

أبدت أسى إذ رأتنى مخلس القصب
فآل ما كان من عجب إلى عجب
ست وعشرون تدعوني فاتبها
إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب
فلا يؤرقك إيماض القتير به
فإن ذاك أبتسام الرأي والادب

وللبحترى

عيرتني المشيب وهى بدته
في عذارى بالصد والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بالشب
ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي اصدق حسنا
إن تأملت من سواد الغراب(2)

(1) - السمل - محركة الثوب الخلق ويقال أيضا ثوب أسمال فمن النحويين من جعل أسمالا مفردا لانه صفة ثوب والصحيح انه على التأويل بالجمع أى أنواع الثوب اسمال ومثل ذلك برمة أعشار لان أفعالا لم يثبت في المفرد وانما هو جمع

(2) الابيات من قصيدة يمدح بها اسماعيل بن شهاب مطلعها

ما على الركب من وقوف الركاب
في مغاني الصبا ورسم التصابى
أين أهل القباب بالاجرع الفر
د تولوا لا أين أهل القباب
سقم دون أعين ذات سقم
وعذاب دون الثنايا العذاب
وكمثل الاحباب لو يعلم العا
ذل عندي منازل الاحباب
فاذا ما السحاب كان ركاما
فسقى بالرباب دار الرباب
واذا هبت الجنوب بسقيا
فعلى رسم دارها والجناب

عيرتنى المشيب. الابيات الثلاثة.

وبعده

عذلتنى في قومه اواسترابت
جيئتى في سواهم وذهابي
ورأت عند غيرهم من مديحى
مثل ما كان عندهم من عتابي (*)

57

وله

ها هو الشيب لائما فأفيقى
واتركيه إن كان غير مفيق
فلقد كف من عناء المعنى
وتلافي من اشتياق المشوق
عذلتنا في عشقها أم عمرو
هل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمة ألم بها الشيب
فريعت من ظلمة في شروق
ولعمرى لولا الاقاحى لابصر
ت أنيق الرياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يكمل
ببياض ما كان بالموموق
ومزاج الصهباء بالماء أولى
بصبوح مستحسن وغبوق
أى ليل يبهى بغير نجوم
أو سماء تندى بغير بروق

ويشبه ان يكون أخذ قوله - أي ليل يبهى بغير نجوم - من قول الشاعر

أشيب ولم أقض الشباب حقوقه
ولم يمض من عهد الشباب قديم

رأت وضحا في مفرق الرأس راعها
وشتان مبيض به وبهيم
ليس من غضبة عليهم ولكن
هو نجم يعلو مع الكتاب
شيعة السؤدد القريب واخوا
ن التصافي واخوة الآداب
هم أولو المجد إن سالت فان كا
ثرت كانوا هم أولى الالباب
ومتي كنت صاحبا لذوى السؤد
د يوما فانهم أصحابي
وكفاني إذ الحوادث أظلمن
شهابا بغرة بن شهاب
سبب أول على جود اسما
عيل أغنى عن سائر الاتباب
لاستهلت سماؤه فمطرنا
ذهبا في انهلال ذاك الذهاب
لا يزور الوفاء غبا ولا يعشق
غدر الفعال عشق الكعاب
مستعيد على اختلاف الليالى
نسقا من خلائق أتراب (*)

(8 - أمالى ثالث)


58
تفاريق شيب في الشباب لوامع
وما حسن ليل ليس فيه نجوم

ولمحمود الوراق في مثل هذه المعني قوله

ما الدر منظوما بأحسن من
شيب يخلل هامة الكهل
وكأنه فيها النجوم إذا
جد المسير بها على مهل
لاتبكين على الشباب إذا
بكى الجهول عليه للجهل
واشكر لشيبك حسن صحبته
فلقد كساك جلالة الفضل

ولآخر في مدح الشيب

لايرعك المشيب يا ابنة عبدالله
فالشيب حلية ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ما
ضحكت في خلالها الانوار

[ قال الشريف رحمه الله ] ولي في هذا المعني من قصيدة

جزعت لو خطات المشيب وإنما
بلغ الشباب مدي الكمال فنورا
والشيب إن فكرت فيه مورد
لابد يورده الفتى إن عمرا
يبيض بعد سواده الشعر الذي
إن لم يزره الشيب واراه الثرى

وممن عدل بين الشيب والشباب ومدح كل واحد منهما طريح بن اسمعيل الثقفى فقال

والشيب للحكماء من سفه الصبا
بدل يكون لذي الفضيلة مقنع
والشيب غاية من تأخر حينه
لا يستطيع دفاعه من يجزع
إن الشباب له لذادة جدة
والشيب منه في المغبة أنفع
لايبعد الله الشباب فمرحبا
بالشيب حين أوى اليه المضجع

ومثله لآخر

وكان الشباب الغض لى فيه لذة
فزحزحني عنه المشيب وأدبا

59
فسقيا ورعيا للشباب الذي مضى
وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا

(مجلس آخر 46)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (واذا سألك عبادى عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي اذا دعاني) الآية. فقال كيف ضمن الاجابة وتكفل بها وقد نرى من يدعو فلا يجاب. الجواب قلنا في ذلك وجوه.

أولها أن يكون المراد بقوله تعالى (أجيب دعوة الداعي) أي أسمع دعوته ولهذا يقال للرجل دعوت من لايجيب أي لايسمع وقد يكون أيضا يسمع بمعني يجيب كما كان يجيب بمعني يسمع يقال سمع الله لمن حمده يراد به أجاب الله من حمده.

وأنشد ابن الاعرابي

دعوت الله حتى خفت أن لا
يكون الله يسمع ما أقول

أراد يجيب ما أقول.

وثانيها أنه تعالى لم يرد بقوله تعالى قريب من قرب المسافة بل أراد انني قريب باجابتي ومعونتي ونعمتي أو لعلمي بما يأتي العبد ويذر وما يسر ويجهر تشبيها بقرب المسافة لان من قرب من غيره عرف أحواله ولم يخفف عليه ويكون قوله تعالى أجيب على هذا تأكيد للقرب فكأنه أراد إنني قريب قربا شديد وإنني بحيث لايخفى على أحوال العباد كما يقول القائل اذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله أنا بحيث أسمع كلامك وأجيب نداء‌ك أو ما جرى هذا المجري وقد روى أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا له ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وثالثها أن يكون معنى هذه الآية أنني أجيب دعوة الداعي اذا دعاني على الوجه الصحيح وبالشرط الذي يجب أن يقارن الدعاء وهو أن يدعو باشتراط المصلحة ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال لانه ان كان صلاحا فعل ما دعا به وان لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه فهو أيضا مجاب إلى دعائه.

ورابعها أن يكون معنى دعاني أي عبدني وتكون


60

الاجابة هى الثواب والجزاء على ذلك فكأنه قال إنني أثيب العباد على دعائهم لي وهذا مما لااختصاص فيه.

وخامسها ما قاله قوم من أن معني الآية أن العبد اذا سأل الله تعالى شيئا في إعطائه صلاح فعل به وأجابه اليه وان لم يكن في إعطائه إياه في الدنيا صلاح وخيرة لم يعطه ذلك في الدنيا وأعطاه إياه في الآخرة فهو مجيب لدعائه على كل حال.

وسادسها انه تعالى اذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين إما أن يجاب دعاؤه وإما أن يخاب له بصرفه عما سأل ودعا فحسن اختيار الله له يقوم مقام الاجابة فكأنه يجاب على كل حال وهذا الجواب يضعف لان العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له في الدنيا وان كان فيه فساد في الدين لغيره فلا يعطي ذلك لامر يرجع اليه لكن لما فيه من فساد غيره فكيف يكون مجابا مع المنع الذي لايرجع اليه منه شئ من الصلاح اللهم إلا أن يقال انه دعا مشروط بأن يكون صلاحا ولا يكون فسادا وهذا مما تقدم ومعنى قول تعالى (فليستجيبوا لي) أي فليجيبوني وليصدقوا رسلي.

قال الشاعر

وداع دعا يامن يجيب إلى الندى
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع اخرى وارفع الصوت ثانيا
لعل أبي المغوار منك قريب(1)

قوله - لعل أبى المغوار - بجرابى على لغة عقيل فان لعل عندهم تجرفى أربع لغات من لغاتها أي ثابتة الاول ومحذوفته مفتوحة الآخر ومكسورته وأما بقية لغات لعل فلا يجر بها عندهم وأبوالمغوار بكسر الميم وسكون الغين المعجمة اسمه شبيب وروى * فقلت ادع اخرى وارفع الصوت دعوة * بالنصب على التعليل وروى أبوالمغوار بالنصب على أصله وهذان البيتان من قصيدة لكعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه شبيبا أولها

تقول سليمي ما لجسمك شاحبا
كأنك يحميك الطعام طبيب
فقلت ولم أعى الجواب لقولها
وللدهر في صم السلام نصيب
تتابع احداث تخر من اخوتى
وشيبن رأسي والخطوب تشيب
لعمري لئن كانت أصابت مصيبة
أخى والمنايا للرجال شعوب
لقد كان أما حمله فمروح
علينا وأما جهله فعزيب (*)

61

أي لم يجبه.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وإذ كنا قد ذكرنا في المجالس المتقدمة لهذا المجلس طرفا من الشعر في تفضيل الشيب وتقديمه والتعزى عنه والتسلى عن نزوله فنحن متبعوه بطرف مما قيل في ذمه والتألم به والجزع منه.

فمن ذلك قول أبي حية النميرى

ترحل بالشباب الشيب عنا
فليت الشيب كان به الرحيل
وقد كان الشباب لنا خليلا
فقد قضى مآربه الخليل
لعمر أبي الشباب لقد تولى
حميدا ما يراد به بديل
إذ الايام مقبلة علينا
وظل أراكة الدنيا ظليل

قال الفرزدق

أرى الدهر أيام المشيب أمره
علينا وأيام الشباب أطايبه
وفي الشيب لذات وقرة أعين
ومن قبله عيش تعلل جاذبه
إذا نازل الشيب الشباب فاصلتا
بسيفيهما فالشيب لاشك غالبه

ومنها

فان تكن الايام أحسن مرة
إلى فقد عادت لهن ذنوب

إلى ان قال

وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع اخرى وارفع الصوت جهرة
لعل أبى المغوار منك قريب
يجبك كما قد كان يفعل إنه
نجيب لابواب العلاء طلوب

قال أبوعلى القالي في الامالى بعض الناس يروى هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي هو من قومه وليس بأخيه والمرثى بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار واسمه هرم وبعضهم يقول اسمه شبيب ويحتج ببيت روى في هذه القصيده * أقام وخلى الظاعنين شبيب * (*)


62
فيا خير مهزوم وياشر هازم
إذا الشيب وافت للشباب كتائبه
وليس شباب بعد شيب براجع
مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه
وما المرء منفوعا بتجريب واعظ
إذا لم تعظه نفسه وتجاربه

وأنشد اسحاق الموصلى

لعمرى لئن حلئت عن منهل الصبا
لقد كنت ورادا لمشربه العذب
ليالى أمشى بين بردى لاهيا
أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص مع الركب
ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرئ لم تبق منه بقية
سوى نظر العينين أو شهوة القلب

ولمنصور النمرى

ما تنقضى حسرة مني ولا جزع
اذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب ففاتتني بشرته
صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أو في شبابي كنه عرته
حتى مضى فاذا الدنيا له تبع(1)

(1) هذه الابيات من قصيدة يمدح بها الرشيد روى انه دخل عليه وكان عنده الكسائي فقال له الرشيد أنشدني فأنشده قوله * ما تنقضي حسرة * البيت فتحرك الرشيد ثم أنشده حتى اتنهي إلى قوله

ما كنت أوفي شبابي كنه غرته
حتى انقضى فاذا الدنيا له تبع

فطرب الرشيد وقال أحسنت والله وصدقت لا والله لا يتهنى أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب وأمر له بجائزة سنية ومن أبياتها الحسان قوله

أى امرئ بات من هارون في سخط
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
ان المكارم والمعروف أودية
أحلك الله منها حيث يتسع (*)

63

ولمحمد بن أبي حازم

عهد الشباب لقد أبقيت لي حزنا
ماجد ذكرك الا جد لي ثكل
سقيا ورعيا لايام الشباب وإن
لم يبق منك له رسم ولا طلل
جر الزمان ذيولا في مفارقه
وللزمان على إحسانه علل
وربما جر اذيال الصبا مرحا
وبين برديه غصن ناعم خضل
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها
من الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشيب عيبا عند غانية
وبالشباب شفيعا أيها الرجل
اذا رفعت امرأ فالله يرفعه
ومن وضعت من الاقوام متضع
نفسى فداؤك والابطال معلمة
يوم الوغى والمنايا صابها فزع

روى ان البيدق دخل على الرشيد وعنده الفضل بن الربيع ويزيد بن مزيد وبين يديه خوان لطيف عليه جرمان ورغيفان سميد ودجاجتان فقال لى أنشدني قال البيدق فأنشدته قصيدة النميرى العيلية فلما بلغت إلى قوله * أي امرئ بابت من هارون سخط * الابيات الاربعة قال فرمي بالخوان بين يديه وصاح وقال هذا والله أطيب من كل طعام وكل شئ وبعث اليه بسبعة آلاف دينار قال البيدق فلم يعطنى منها ما يرضينى وشخص إلى رأس العين فأغضبنى وأحفظنى فأنشدت هرون قوله

ساد من الناس راتع هامل
يعللون النفوس بالباطل

فلما بلغت إلى قوله

ألا مساعير يغضبون لها
بسلة البيض والقنا الزابل

قال أراه يحرض علي ابعثوا اليه من يجئ برأسه فكلمه فيه الفضل بن الربيع فلم يغن كلامه شيئا وتوجه اليه الرسول فوافاه في اليوم الذى مات فيه ودفن وروى من غير هذا الوجه ان العابي سئل عن سبب غضب الرشيد عليه فقال استقبلت منصور (*)


64

ولابي نواس

كان الشباب مطية الجهل
ومحسن الضحكات والهزل
كان الجميل إذا ارتديت به
ومشيت اخطر صيت النعل
كان البليغ إذا نطقت به
وأصاخت الآذان للملى
كان المشفع في مآربه
عند الحسان ومدرك التبل
والباعثي والناس قد هجعوا
حتى أتيت حيلة البعل

النمرى يوما من الايام فرأيته مغموما واجما كئيبا فقلت له ما خبرك فقال تركت امرأتي تطلق وقد عسر عليها ولادها وهي يدى ورجلى والقيمة بأمرى وأمر منزلى فقلت له لم لا تكتب على فرجها هرون الرشيد قال ليكون ماذا قال لتلد على المكان قال وكيف ذاك قلت لقولك

ان أخلف الغيث لم تخلف مخائله
أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع

فقال لى يا كشخان والله لئن تخلصت امرأتي لاذكر قولك هذا للرشيد فلما ولدت امرأته خبر الرشيد بما كان بينى وبينه فغضب لذلك وأمر بطلبى فاستترت عند الفضل بن الربيع فلم يزل يسئل في حتى أذن لى في الظهور فلما خلت عليه قال لي قد بلغنى ما قلته للنمرى فاعتذرت اليه حتى قبل ثم قلت والله يا أمير المؤمنين ما حمله على التكذب على إلا وقوفى على ميله للعلوية فان أراد أمير المؤمنين ان أنشده شعره في مديحهم فعلت فقال أنشدنى فأنشدته قوله

ساد من الناس راتع هامل
يعللون النفوس بالباطل

حتى بلغت إلى قوله

الا مساعير يغضبون لهم
بسلة البيض والقنا الزابل

فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال للفضل بن الربيع احضره الساعة فبعث الفضل في دلك فوجده قد توفى فأمر بنبشه ليحرقه فلم يزل الفضل يلطف له حتى كف عنه (*)


65
والآمرى حتى اذا عزمت
نفسي أعان على بالفعل
فالآن صرت إلى مقاربة
وحططت عن ظهر الصبا رحلى

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وعلى هذا الكلام حسن طلاوة ومسحة من اعرابى ليستا لغيره. ولبشار

الشيب كره وكره أن يفارقني
أعجب بشئ على البغضاء مودود
يمضى الشباب ويأتى بعده خلف
والشيب يذهب مفقودا بمفقود

وهذا البيت الاخير يروى لمسلم بن الوليد الانصارى ومما أحسن فيه مسلم في هذا المعني قوله

طرفت عيون الغانياتوربما
أملن إلي الطرف كل مميل
وما الشيب إلا شعرة غير أنه
قليل قذاة العين غير قليل

ولآخره وله

أهلا بوافدة للشيب واحدة
وإن تراء‌ت بشخص غير مودود
لاأجمع الحلم والصهباء قد سكنت
نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد
لم ينهني كبر عنها ولا فند
لكن صحوت بغصن غير ممدود
أو في بي الحلم واقتاد النهي طلقا
شأوى وعفت الصبا من غير تفنيد

ولقد أحسن دعبل في قوله يصف الشباب والشيب

كان كحلا لمآقيها فقد
صار بالشيب لعينيها قذى

ولغيره

رأت طالعا للشيب أغفلت أمره
فلم تتعهده أكف الخواضب
فقالت أشيب ما أرى قلت شامة
فقالت لقد شامتك عند الحبائب

(9 - امالى ثالث)


66

ولمحمود الوراق ويروي لمحمد بن حازم

أليس عجيبا بأن الفتى
يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع
وبين معز مغز اليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب
فليس يعزيه خلق عليه

ولابي دلف

في كل يوم أرى بيضاء طالعة
كأنما طلعت في أسود البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصرى
- لما قصصتك عن همي وعن فكرى

وليحيى بن خالد بن برمك ويروى لغيره

الليل شيب والنهار كلاهما
رأسي بكثرة ما تدور رحاهما
يتناهبان نفوسنا ودماء‌نا
ولحومنا عمدا ونحن نراهما
والشيب إحدى الميتتين تقدمت
أولاهما وتأخرت أخراهما

وقد أتى الفحلان المبرزان أبوتمام وأبوعبادة في هذا المعنى بكل غريب عجيب.

فمن ذلك قول أبي تمام

لئن جزع الوحشى منها لرؤيتي
لانسيها من شيب رأسي أجزع
غدا العمر مختطا بفودى خطة
طريق الردى منها إلى الموت مهيع
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى
وذو الالف يقلى والجديد يرقع
له منظر في العين أبيض ناصع
ولكنه في القلب أسود اسفع
ونحن نرجيه على السخط والرضا
وأنف الفتي من وجهه وهو أجدع

وله


67
أصبحت روضة الوصال هشيما
وغدت ريحه البليل سموما
شعلة في المفارق استودعتني
في صميم الفؤاد ثكلا صميما
تستثير الهموم ما اكتن منها
صعدا وهى تستثير الهموما
غرة غرة ألا إنما كنت
أغرا أيام كنت بهيما
دقة في الحياة تدعى جلالا
مثل ما سمي اللديغ سليما
حلمتني زعمتم وأراني
قبل هذا التحلم كنت حليما

وله

لعب الشيب بالمفارق بل جد
فأبكى تماضرا ولعوبا
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد
دما أن رأت شواتي خضيبا
كل داء يرجى الدواء له الا
الافظيعين ميتة ومشيبا
با نسيب الثغام ذنبك أبقى
حسناتي عند الحسان ذنوبا
ولئن عبن ما رأين لقد أنكرن
مستنكرا وعبن معيبا
أو تصدعن عن قلي لكفي بالشيب
بينى وبينهن حسيبا
لو رأى الله أن في الشيب فضلا
جاورته الابرار في الخلد شيبا

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. وجدت الآمدى يذكر أن قوما ادعوا المناقضة على أبي تمام في هذه الابيات بقوله * فأبكى تماضرا ولعوبا * وقوله

خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد
دما أن رأت شواتى خضيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى
حسناتي عند الحسان ذنوبا

وقوله * ولئن عبن ما رأين لقد * قالوا كيف يبكين دما على شيبه ثم يعبنه.

قال الآمدى وليس ههنا تناقض لان الشيب انما أبكى تماضر ولعوب أسفا على شبابه والحسان


68

اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى كما قال الاخطل

لما رأت بدل الشباب بكت له
إن المشيب لارذل الابدال

ولم يكن هذه حال من عابه قال وهذا مستقيم صحيح.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وليس يحتاج في العذر لابي تمام إلى ما تكلفه الآمدى بل المناقضة زائلة عنه على كل حال. وان كان من قد بكى شبابه وتلهف عليه من النساء هن اللواتي أنكرن مشيبه وعبنه به وما المنكر من ذلك وكيف يتناقض أن يبكي على شبابه ونزول شيبه منهن من رأى الشيب ذنبا وعيبا منكرا وفي هذا غاية المطابقة لانه لايبكى الشيب ويجزع من حلوله وفراق الشباب إلا من رآه منكرا ومعيبا.

وقال أبوتمام

راحت غواني الحي عنك غوانيا
يلبسن نأيا تارة وصدودا
من كل سابغة الشباب إذا بدت
تركت عميد القريتين عميدا
أربين بالمرد الغظارف بدنا
غيدا الفنهم لدانا غيدا
أحلى الرجال من النساء مواقعا
من كان أشبههم بهن خدودا

او قوله - أربين بالمرد - من أرب بالشئ اذا لزمه وأقام عليه يقال أرب وألب بالمكان إذا أقام فيه ولزمه يريد انهن لزمن هوى المرد وأقمن عليه. ورواه قوم أربين بالمرد من الربا الذي معناه الزيادة يقال قد أربى الرجل اذا ازداد فيقول أربين بالمرد أي ازددن علينا بهم وجعلن للمرد زيادة اخترنها علينا. ويقال انه أخذ قوله - أحلى الرجال من النساء - البيت من قول الاعشى

وأرى الغواني لايواصلن امرأ
فقد الشباب وقد يصلن الامردا(1)

وقبله

أثوى وقصر ليله ليزودا
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا

(*)


69

ولمنصور النمرى قوله

كرهن من الشيب الذي لو رأينه
بهن رأيت الطرف عنهن أزورا

وقول الآخر

أرى شيب الرجال من الغواني
كموقع شيبهن من الرجال

وقال أبوتمام

شاب رأسي وما رأيت مشيب الر
أس إلا من فضل شيب الفؤاد
وكذاك القلوب في كل بؤس
ونعيم طلائع الاجساد
طال إنكارى البياض وإن عمرت
شيبا أنكرت لون السواد
زادني شخصه بطلعة ضيم
عمرت مجلسى من العواد
نال رأسى من ثغرة الهم داء
لم ينله من ثغرة الميلاد

ومعنى هذا البيت الاخير ان - الثغرة - هى الفرجة والثلمة تكون في الشئ ولذلك سمى كل بلد جاور عدوا ثغرا كأن معناه مكشوف للعدو ويجوز أن يكون أصله من ثغر الانسان لانه أول ما يقابلك من اسنانه وأول ما يظهر عند الكلام وأول ما يسقط فيرى مثلوما فيشبه الثغر الذي هو البلدة به ويقال اثغر الصبي واتغر وتسمي تلك الفرجة في موضع

يجحدن ديني بالنهار واقتضى
دينى اذا وقذ النعاس الرقدا وأرى الغواني الخ.

روي عن اسحاق الموصلي قال حدثنى أبي قال غنيت بين يدى الرشيد وستارته منصوبة

وأرى الغوانى لا يواصلن امرأ
فقد الشباب وقد يصلن الامردا

فطرب واستعاده وأمر لي بممال فلما أردت ان أنصرف قال لي يا عياض كذا وكذا أتغنى بهذا الصوت وجواري من وراء ستارة يسمعنه لولا حرمتك لضربت عنقك فتركته والله حتى نسيته (*)


70

السن ثغرة وفي كل موضع منفرج ومنه ثغرة النحر وأراد بقوله * نال رأسى من ثغرة الهم * أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسى منها لان الهم يشيب لامحالة.

وقوله * مالم ينله من ثغرة الميلاد * أراد بثغرة الميلاد الوقت الذي يهجم عليه فيه الشيب من عمره لانه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه فجعله ثغرة من هذا الوجه فأراد ان الشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه ما لم يبلغ السن التي توجب حلوله به من حيث كبره.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ورأيت الآمدى يطعن على قوله * عمرت مجلسى من العواد * ويقول لاحقيقة لهذا ولا معنى لانا مارأينا ولا سمعنا أحدا جاء‌ه عواده يعودونه من المشيب ولا أن أحدا أمرضه الشيب ولا عزاه المعزون عن الشباب وهذا من الآمدى قلة بصر في نقد الشعر وضعف بصره بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء ولم يرد أبوتمام بقوله * عمرت مجلسى من العواد * العيادة الحقيقة التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى وذوى الاوجاع وانما هذه استعارة وتشبيه واشارة إلى الغرض خفية فكأنه أراد أن شخص الشيب لما زارني كثر المتوجعون لي والمتأسفون على شبابى والمتفجعون من مفارقته فكأنهم في مجلسي عواد لي لان من شأن العائد للمريض أن يتوجع ويتفجع وكنى بقوله * عمرت مجلسى من العواد * عن كثرة من تفجع وتوجع من مشيبه وهذا من أبي تمام كلام في نهاية البلاغة والحسن وما المعيب إلا من عابه وطعن عليه ونحن نذكر في المجلس الآتى ما للبحترى في هذا المعنى بمشيئة الله وعونه إن شاء الله

(مجلس آخر 47)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (هوالذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون). فقال اذا كان الشجر ليس ببعض للماء كان كما الشراب بعضا له فكيف جاز أن يقول تعالى ومنه شجر بعد قوله منه شراب وما معني تسيمون وهل الفائدة في هذه اللفظة هى الفائدة في قوله (والخيل المسومة)


71

وقوله تعالى (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك).

الجواب قلنا في قوله تعالى (منه شجر) وجهان. أحدهما أن يكون المراد منه سقى شجر وشرب شجر فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه وذلك كثير في لغة العرب ومثله قوله تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي حب العجل. والوجه الآخر أن يكون المراد ومن جهة الماء شجر ومن سقيه وإنباته شجر فحذف الاول وخلفه الثاني كما قال عوف بن الخرع

أمن آل ليلى عرفت الديارا
بجنب الشقيق خلاء قفارا

أى من ناحية آل ليلى.

وقال زهير

أمن ام أوفي دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم

أراد من ناحية أم أوفى.

وقال أبوذؤيب

أمنك البرق أرقته فهاجا
فبت إخاله دهما خلاجا

وقال أيضا

أمنك برق أبيت الليل أرقبه
كأنه في اعراص الشام مصباح

وقال الجعدى

لمن الديار عفون بالتهطال
بقيت على حجج خلون طوال

أراد بقيت على مر حجج وتكرار حجج.

فأما قوله تعالى (فيه تسيمون) فمعناه ترعون وترسلون أنعامكم يقال أسام الابل يسيمها اسامة اذا أرعاها وأطلقها فرعت منصرفة حيث شاء‌ت وسومها أيضا يسومها من ذلك وسامت هى اذا رعت فهى تسوم وهى ابل سائمة ويقال سمتها اذا قصرتها على مرعى بعينه وسمتها الخسف اذا تركتها على غير مرعى ومنه قيل لمن أذل وأضيم واهتضم سيم فلان الخسف وسيم خطة الضيم.

قال الكميت بن زيد في الاسامة التي هى الاطلاق في الرعى

راعيا كان مسجحا ففقدنا
ه وفقد المسيم هلك السوام

72

وقال آخر

وأسكن ما سكنت ببطن واد
وأظعن ما ظعنت فلا أسيم

وذهب قوم إلى ان السوم في البيع من هذا لان كل واحد من المتبايعين يذهب فيما يبيعه من زياد ثمن أو نقصانه إلى ما يهواه كما تذهب سوام الابل من المواشى حيث شاء‌ت. وقد جاء في الحديث لاسوم قبل طلوع الشمس فحمله قوم على ان الابل وغيرهاإإإ لاتسام قبل طلوع الشمس لئلا تنتشر وتفوت الراعي ويخفي عليه مقاصدها وحمله آخرون على ان السوم قبل طلوع الشمس في البيوع مكروه لان السلعة المبيعة تستتر عيوبها أو بعضها فيدخل ذلك في بيوع الغرر المنهي عنها. وأما الخيل المسومة فقد قيل انها المعلمة بعلامات مأخوذ من السيماء وهى العلامة.

وروى عن الحسن البصرى في قوله تعالى (والخيل المسومة) قال سومت نواصيها وأذنابها بالصوف. وقيل أيضا ان المسومة هى الحسان وروى عن مجاهد في قوله تعالى (والخيل المسومة) قال هى المطهمة الحسان.

وقال آخرون بل هى الراعية وقد روى ذلك عن سعيد بن جبير وكل يرجع إلى أصل واحد وهو معنى العلامة لان تحسين الخيل يجرى مجري العلامة فيها التي تعرف بها وتتميز لمكانها وقد قيل ان السوم من الراعى يرجع إلى هذا المعني أيضا لان الراعى يجعل في المواضع التي يرعاها علامات أو كالعلامات بما يزيله من نباتها ويمحوه من آثارها فكأن الاصل في الكل متفق غير مختلف.

وقال لبيد في التوسيم الذي هو التعليم

وغداة قاع القريتين أتيتهم
رهوا يلوح خلالها التسويم

أراد التعليم.

وأما قوله في الملائكة (مسومين) فالمراد به المعلمين.

وكذلك قوله تعالى (حجارة من سجيل منضود مسومة) أي معلمة وقيل انها كان عليها كأمثال الخواتيم وقال في الملائكة مسومين أى معلمين.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه ونعود إلى ما كنا وعدنا به من ذكرنا للبحترى في ذم الشيب والتألم من فقد الشباب فمن ذلك قوله

وكنت أرجى في الشباب شفاعة
فكيف لباغي حاجة بشفيعه

73
مشيب كنت السر أعيي بحمله
محدثه أو ضاق صدر مذيعه
تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه
لحث الليالي قبل آتي سريعه

وما أحسن هذا من كلام وأبلغه وأطبعه.

وقال أيضا

ردى على الصبا إن كنت فاعلة
إن الصبا ليس من شأني ولا أربى
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا
إلى بنات الصبا يركضن في طلبى
والشيب مهرب من جارى منيته
ولا نجاء له من ذلك الهرب
والمرء لو كانت الشعرى له وطنا
- صبت عليه صروف الدهر من صبب(1)

(1) الابيات من قصيدة له يمدح بها اسماعيل بن يليل مطلعها

اليك ما أنا من لهو ولا طرب
منيت منى بقلب غير منقلب
ردى على اصبا إن كنت فاعلة
ان الهوى ليس من شأني ولا أربى
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا
إلى بنات الصبا يركضن في طلبي
والشيب مهرب من جارى منيته
ولا نجاء له من ذلك الهرب
والمرء لو كانت الشعرى له وطنا
حطت عليه صروف الدهر من صبب
قد أقذف العيس من ليل كأن له
وشيا من النور أو أرضا من العشب
حتى اذا ما انجلت اخراه عن افق
مضمح بالصباح الورد مختضب
أوردت صادية الآمال فانصرفت
بريها وأخذت النجح من كثب
هاتيك أخلاق اسماعيل في تعب
من العلى والعلى منهن في تعب
أتعبت شكري فأضحى منك في نصب
فاذهب فمالى في جدواك من أرب
لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم به
شكرى ولو كان مسديه الي ابي

لما سألتك وافانى نداك على * أضعاف ظنى فلم أخفق ولم أخب (*)(10 - امالى ثالث)


74

ويروى - حطت عليه صروف -.

وقال البحترى

لابس من شبيبة أم ناض
ومليح من شيبة أم راضى
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب
برأسى لم يثن ذاك امتعاضي
ليس يرضى عن الزمان مرو
فيه إلا عن غفلة أو تغاض
والبواقي من الليالي وإن خا
لفن شيئا فمشبهات المواضى
ناكرت لمتى وناكرت منها
سوء هذي الابدال والاعواض
شعرات أقصهن ويرجعن
رجوع السهام في الاغراض
وأبت تركى الغديات والا
صال حتى خضبت بالمقراض
غير نفع إلا التعلل من شخص
عدو لم يعده إبغاضي
ورواء المشيب كالبحص في عيني
فقل فيه في العيون المراض
طبت نفسا عن الشباب وما سو
د من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يا بن عويف
تاركاتي ولبس هذا البياض

وقال أيضا

تعيب الغانيات على شيبى
ومن لي أن أمتع بالمعيب

__________________________________

لم يخط مأبض خلسات تعمدها
فشك ذا الشعبة الطولي فلم يصب
لاشكرنك إن الشكر نائله
أبقى على حاله من نائل النشب
بكل شاهدة اللقوم غائبة
عنهم جميعا ولم تشهد ولم تغب
مرصوفة باللآلى من نوادرها
مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب
ولم أحابك في مدح تكذبه
بالفعل منك وبعض المدح من كذب (*)

75
ووجدى بالشباب وإن تولى
حميدا دون وجدى بالمشيب

وقال أيضا

أرئيته من بعد جثل فاحم
جون المفارق بالنهار خضيبا
فعجبت من حالين خالف فيهما
صرف الزمان وما رأيت عجيبا
إن الزمان إذا تتابع خطوه
سبق الطلوب وأدرك المطلوبا

وقال أيضا

رأت فلتات الشيب فابتسمت لها
وقالت نجوم لو طلعن بأسعد
أعاتك ما كان الشباب مقربي
إليك فألحى الشيب إذ كان مبعدى

وقال أيضا

غشت كبدى قسوة منك ما إن
تزال تجدد فيها ندوبا
وحملت عنك ذنب المشيب
حتى كأني ابتدعت المشيبا
ومن يطلع شرف الاربعين
يحى من الشيب شخصا غريبا

[ قال الشريف المرتضى ] رحمه الله.

ولي في هذا المعنى

قلن لما رأين وخطا من الشيب
برأسي أعيا على مجهودى
كسنا بارق تعرض وهنا
في حواشي بعض الليالي السود
أبياض مجدد من سواد
كان قدما لامرحبا بالجديد
يالحاكن من رما كن بالحسن
لتقهرننا بغير جنود
ليس بيض مني فأجرى عليهن
صدودا أو ليس فيكن سودى
قل ماضركن من شعرات
كن يوما على الوقار شهودى

76

وقال البحترى أيضا

خلياه وجدة اللهو مادا
م رداء الشباب غضا جديدا
إن أيامه من البيض بيض
مارأين المفارق السود سودا

وقال أيضا

ترك السواد للابسيه وبيضا
ونضا من الستين عنه ما نضا
وسباه أغيد في تصرف لحظه
مرض أعل به القلوب وأمرضا
فكأنه وجد الصبا وجديده
دينا دنا ميقاته أن يقتضى
أسيان أثرى من جوى وصبابة
وأساف من وصل الحسان وأنقضا(1)

ويروى - اسوان - .

وقال أيضا

هل أنت صارف شيبة إن غلست
في الوقت أو عجلت عن الميعاد
جاء‌ت مقدمة أمام طوالع
هذي تراوحني وتلك تغادي
وأخو الغبينة تاجر في لمة
يشرى جديد بياضها بسواد
لاتكذبن فما الصبا بمخلف
لهوا ولا زمن الصبا بمعاد
وأرى الشباب على غضارة حسنه
وجماله عددا من الاعداد

وقال أيضا

أيثني الشباب أم ما تولى
منه في الدهر دولة ما تعود
لاأرى اليعش والمفارق بيض
إسوة العيش والمفارق سود
وأعد الشقي جد ولو أعطي
غنما حتى يقال سعيد

(1) - أساف - الرجل اذا هلكت ابله (*)


77
من عدته العيون وانصرفت عنه
إلتفاتا إلى سواه الخدود

وقال أيضا

قد منى فما جرى السقم إلا
في ضلوع على جوى الحب تحني
لو رأت حادث الخضاب لانت
وأرنت من احمرار اليرنى
كلف البيض بالمعر قدرا
حين يكلفن والمصغر سنا
يتشاغفن بالغرير المسمي
من تصاب دون الجليل المكني

وقال أيضا

أخي إن الصبا استمر به
سير الليالى فأنهجت برده
تصد عني الحسان مبعدة
إذ أنا لاقربه ولا صدده
شيب على المفرقين يارضه
يكثرني أن أبينه عدده
تطلب عندي الشباب ظالمة
بعيد خمسين حين لاتجده
لاعجب إن ملك خلتنا
فافتقد الوصل منك مفتقده
من يتطاول على مطاولة العيش
تقعقع من ملة عمده

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. ورأيت الآمدى وقد أخطأ في معني البيت الاخير لانه قال معني يتقعقع من ملة عمده أي عظامه يجئ لها صوت اذا قام وقعد من كبره وضعفه قال وقوله - من ملة - أي من تملى العيش يريد طوله ودوامه ومنه تمليت حبيبك والامر بخلاف ما توهمه ومعني - تقعقع من ملة عمده - أى من تطاول عمره تعجل ترحله وانتقاله من الدنيا وكنى عن ذلك بتقعقع العمد وهذا مثل معروف للعرب يقولون من يتجمع يتقعقع عمده يريدون أن التجمع داعى التفرق وان الاجتماع يعقب ويورث مايدعو إلى الانتقال الذي يتقعقع معه العمد.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه والآمدي مع كثرة ما يدعيه من التنقيب والتنقير على علوم العرب ان كان لم


78

يعرف هذا المثل ومعناه فهو طريف وان كان قد سمعه وجهل ان معني بيت البحترى يطابقه فهو أطرف.

فأما قوله - من ملة - فانما أراد به من ملل وملة فعلة من الملل وكيف يكون من تملى العيش ولم يسمع في تمليت ملة وهذا خطأ على خطأ.

وقال البحترى

ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا
دمعي بأول دمع في الهوى سفحا
ولمة كنت مشغوفا بجدتها
فما عفا الشيب عنها لا ولا صفحا

وقال أيضا

وما أنس لاأنس عهد الشباب
وعلوة إذ عيرتني الكبر
كواكب شيب علقن الصبا
فقللن من حسنه ما كثر
وإني وجدت ولا يكذبن
سواد الهوي في بياض الشعر
ولابد من ترك إحد اثنتين
إما الشباب وإما العمر

قال الآمدي وعليه في قوله - ولابد من ترك إحدى اثنتين - معارضة وهو أن يقال له ان من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر فهو تارك لهما معا ومن شاب فقد فارق الشباب وهو مفارق للعمر لامحالة فهو أيضا تارك لهما جميعا.

وقوله إما وإما لاتوجب الا أحداهما قال والعذر للبحترى أن يقال ان من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر وحده لانه لا يعمر فيكون مفارقا للعمر ألا ترى أنهم يقولون عمر فلان اذا اسن وفلان لم يعمر اذا مات شابا ومن شاب وعمر ثم مات لم يكن مفارقا للشباب في حال موته لانه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له وانما يكون في حال موته مفارقا للعمر وحده الى هذا ذهب البحترى وهو صحيح ولم يرد بالعمر المدة القصيرة التي يعمرها الانسان وانما أراد بالعمر ههنا الكبر كما قال زهير

رأيت المنايا خبط عشوى فمن تصب
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه.

وما رأيت أشد تهافتا في الخطأ منه فيما يفسره ويتكلم عليه من شعر هذين الرجلين ومعنى البيت غير ما توهمه وهو أظهر من


79

أن يخفي حتى يحتاج فيه إلى هذا التغلغل والتعسف وانما أراد البحترى ان الانسان بين حالين إماأن يفارق الشباب بالشيب أو العمر بالموت فمن مات شابا وان كان قد خرج من العمر وخرج بخروجه عن سائر احوال الحياة من شباب وشيب وغيرهما فانه لم يفارق الشباب وحده وانما فارق العمر الذي فارق بمفارفته الشباب وغيره وقسمة الرجل تناولت أحد الامرين إما مفارقة الشباب وحده بلا واسطة ولا يكون ذلك إلا بالشيب أو مفارقة العمر بالموت وتلخيص كلامه إنه لابد للحى من شيب أو موت فكأن الشيب والموت متعاقبان والبحترى انما جعل قوله العمر مقام الحياة والبقاء وانما قال العمر لاجل القافية مع انه منبي عن مراده ولو قال ولابد من ترك الحياة أو ترك الشباب لقام مقام قوله العمر.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني علي بن محمد الكاتب قال حدثنا احمد بن عبيدالله قال من معاني ابن الرومي التي فتقها قوله يذم من جعل مصيبة غيره مصيبته له وعاب من تعلل بالتأسى بما نال غيره وهو يرثي شبابه وأحسن

يا شبابي وأين مني شبابى
آذنتني أيامه بانقضاب
لهف نفسي على نعيمي ولهوى
تحت أفنانه اللدان الرطاب
ومعز عن الشباب مؤس
بمشيب اللدات والاصحاب
قلت لما انتحى بعيد أساة
من مصاب شبابه كمصاب
ليس تأسو كلوم غيرى كلومي
مابه مابه ومابي مابي

ولابن الرومي

لهفي على الدنيا وهل لهفة
تنصف منها إن تلهفتها
قبحا لها قبحا على أنها
أقبح شئ حين كشفتها
وقد يعزيني شباب مضى
ولذة للعيش أسلفتها
فكرت في خمسين عاما مضت
كانت أمامي ثم خلفتها

80
جهلتها إذ هي موفورة
ثم مضت عني فعرفتها
ففرحة الموهوب أعدمتها
وترحة المسلوب ألحفتها
لو أن عمرى مائة هدني
تذكرى أني تنصفتها

وله في هذا المعني وقد تقدمت هذه الابيات في الامالي السالفة وقد أحسن فيها كل الاحسان

كفى بسراج الشيب في للرأس هاديا
لمن قد أضلته المنايا لياليا
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلى
لرامي المنايا تحسبني ناجيا
غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه
لشخصي أخلق أن يصبن سواديا
وكان كرامى الليل يرمى ولا يرى
فلما أضاء الشيب شخصى رمانيا

(مجلس آخر 48)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون).

فقال كيف جاء‌ت أو بعد مالا يجوز أن يعطف عليه وما الناصب لقوله تعالى (أو يتوب عليهم) وليس في ظاهر الكلام ما يقتضى نصبه. الجواب قلنا قد ذكر في ذلك وجوه.

أولها أن يكون قوله (أو يتوب عليهم) معطوفا على قوله (ليقطع طرفا) والمعنى أنه تعالى عجل لكم هذا النصر ومنحكم به ليقطع طرفا من الذين كفروا أي قطعة منهم وطائفة من جمعهم أو يكبتهم ويغلبهم ويهزمهم فيخيب سعيهم وتكذب فيكم ظنونهم أو يغلبهم مايرون من تظاهر آيات الله تعالى الموجبة لتصديق نبيه عليه الصلاة والسلام فيتوبوا ويؤمنوا فيقبل الله تعالى ذلك منهم ويتوب عليهم أو يكفروا بعد قيام الحجج وتأكيد البينات والدلائل فيموتوا أو يقتلوا كافرين فيعذبهم الله تعالى باستحقاقهم في النار ويكون على هذا الجواب قوله


81

تعالى (ليس لك من الامر شئ) معطوفا على قوله تعالى (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) أي ليس لك ولا لغيرك من هذا الامر شئ وانما هو من الله عزوجل.

والجواب الثاني أن يكون أو بمعني حتى وإلا أن والتقدير ليس لك من الامر شئ حتى يتوب عليهم وإلا أن يتوب عليهم كما قال امرؤ القيس

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا(1)
فقلت له لاتبك عينك إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

أراد إلا أن نموت فنعذرا وهذا الجواب يضعف في طريق المعنى لان لقائل أن يقول ان أمر الخلق ليس إلى أحد سوى الله تعالى قبل توبة العباد وعقابهم وبعد ذلك فكيف يصح أن يقول ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم حتى كأنه اذا كان أحد الامرين كان اليه من الامر شئ. ويمكن أن ينصر ذلك بأن يقال قد يصح الكلام اذا حمل على المعني وذلك ان قوله (ليس لك من الامر شئ) معناه ليس يقع ما تريده وتؤثره من ايمانهم وتوبتهم أو ما تريده من استئصالهم وعذابهم على اختلاف الرواية في معني الآية وسبب نزولها إلا بأن يلطف الله لهم في التوبة فيتوب عليهم أو يعذبهم وتقدير الآية ليس يكون ما تريده من توبتهم أو عذابهم بك إنما يكون ذلك الله تعالى.

والجواب الثالث أن يكون المعنى ليس لك من الامر شئ أو من أن يتوب الله عليهم فأضمر من اكتفاء بالاول وأضمر أن بعدها لدلالة الكلام عليها أو اقتضائه لها وهى مع الفعل الذي بعدها بمنزلة المصدر وتقدير الكلام ليس لك من الامر شئ ومن توبتهم وعذابهم. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم

(1) قوله بكى صاحبى الخ.

هو من قصيدته المشهورة ومطلعها

سما لك شوق بعدما كان أبصرا
وحلت سليمى بطن قو فعرعرا

قالها لما ذهب إلى قيصر يستنجده على بنى أسد بعد قتلهم أباه وعنى بقوله - صاحبي - عمرو ابن قميئة من قيس بن ثعلبة بن مالك رهط طرفة وهو قديم جاهلى كان مع حجر أبى امرئ القيس فلما خرج امرؤ القيس إلى الروم صحبه (*)(11 - أمالى ثالث)


82

يطعن على هذا الجواب ويستبعده قال لان الفعل لا يكون محمولا على اعراب الاسم الجامد الذي لاتصرف له على إضمار أن مع الفعل لانه ليس من كلام العرب عجبت من اخيك ويقوم على معني عجبت من أخيك ومن أن يقوم لان أخاك اسم جامد محض لا يعطف عليه الا ما شاكله قال هذا انما يستقيم ويصلح في رد الفعل إلى المصدر كقولهم كرهت غضبك ويغضب أبوك على معني كرهت غضبك وأن يغضب أبوك فيطرد هذا في المصادر لانها تؤل بأن فيقول النحويون يعجبني قيامك وتأويله يعجبني أن تقوم قال والاسم الجامد لايمكن مثل هذا فيه.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وليس ماذكره مستبعدا وان لم يضعف هذا الجواب إلا من حيث ذكر فليس بضعيف وذلك ان فيما امتنع منه مثل الذي أجازه لانه قد أجاز ذلك في المصادر وان لم يجزه في غيرها وقوله تعالى (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم) فيه دلالة الفعل لان الامر مصدر أمرت أمرا فكأنه تعالى قال ليس لك من أمرهم أو تأمرهم شئ ولا من أن يتوبوا وجرى ذلك مجري قولهم كرهت غضبك ويغضب أبوك في رد الفعل إلى المصدر والوجه الاول أقوى الوجوه والله أعلم بما اراد [ تأويل خبر ].

إن سأل سائل عن الخبر الذي يرويه أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لاتناجشوا ولا تدبروا وكل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه. الجواب قيل له أما النجش فهو المدح والاطراء.

قال نابغة بني شيبيان يذكر الخمر

وترخى بال من يشربها
ونفدى كرمها عند النجش(1)

(1) هو من قصيدة له مشهورة روى ان أبا كامل مولي الوليد بن يزيد غنى يوما بحضرته

أمدح الكأس ومن أعملها * واهج قوما قتلونا بالعطش

فسأل الوليد عن قائل هذا الشعر فقيل نابغة بنى شيبان فأمر باحضاره فاستنشده القصيدة فأنشده إياها وظن ان فيها مدحا له فاذا هو يفتخر بقومه ويمدحهم فقال له الوليد لو سعد جدك لكانت مديحا فينا لا في بنى شيبان ولسنا نخليك على ذلك من حظ ووصله (*)


83

أي عند مدحها ومنه النجش في البيع وهو مدح السلعة والزيادة في ثمنها من غير إرادة لشرائها بل ليقتدي بالزائد في زيادته غيره وأصل النجش استخراج الشئ والتسعير.

عنه قال بعض الفقعسيين

أجرش لها يابن أبي كباش
فما لها الليلة من إنفاش
غير السرى وسائق نجاش
أسمر مثل الحية الخشخاش

ويروى الحشحاش - والنجاش - هو المستثير لسيرها والمستخرج لما عندها منه ومعني - أجرش لها - أي احد لها لتسمع الحداء فتسير وهو مأخوذ من الجرش وهو الصوت ومعنى

وانصرف. وأول هذه القصيدة قوله

حل قلبي من سليمى نبلها
إذ رمتنى بسهام لم تطش
طفلة الاعطاف رؤد دمية
وشواها بختري لم يحش
وكأن الدر في أخراصها
بيض كحلاء أقرته بعش
ولها عينا مهاة في مهي
ترتعي نبت حزامي وتقش
حرة الوجه رخيم صوتها
رطب تجنيه كف المنتقش
وهي من الليل اذا ما عونقت
منية البعل وهم الفترس

ومنها

أيها الساقي سقته مزنة
من ربيع ذى أهاضيب وطش
أمدح الكاس ومن أعملها
وأهج قوما قتلونا بالعطش
انما الكاس ربيع باكر
فاذا ماغاب عنالم نعش
وكأن الشرب قوم موتوا
من يقم منهم لامر يرتعش
خرس الالسن مما نالهم
بين مصروع وصاح منتعش
من حميا قرقف حصية
قهوة حولية لم تمتحش
ينفع المزكوم منها ريحها
ثم تنفي داء‌ه إن لم تنش
كل من يشربها يألفها
ينفق الاموال فيها كل هش

(*)


84

- الانفاش - أراد انها لاتترك ترعي ليلا والنفش أن ترعى الابل ليلا وقد أنفشتها اذا أرسلتها ليلا ترعى - والخشخاش - الخفيف الحركة السريع التقلب.

والنجش في البيوع يرجع معناه إلى هذا أيضا من الزيادة لان الناجش يستثير بزيادته في الثمن ومدحه السلعة الزيادة في ثمنها فيكون معني الخبر على هذا لاتناجشوا أي لا يمدح أحدكم السلعة فيزيد في ثمنها وهو لايريد شراء‌ها ليسمعه غيره فيزيده وقد يجوز أيضا أن يريد بذلك لايمدح أحدكم صاحبه من غير استحقاق ليستدعى منفعته ويستثير فائدته وهذا المعني أشبه بأن يكون مراده عليه الصلاة والسلام لان قوله ولا تدابروا اشد مطابقة له.

ومعني - لا تدابروا - أي لاتهاجروا ويولى كل واحد صاحبه دبر وجهه. قال الشاعر وأوصى أبوقيس بأن تتواصلوا وأوصى أبوكم ويحكم أن تدابروا فكأنه قال عليه الصلاة السلام لاتتمادحوا وتتواصلوا بالمدح الذي ليس بمستحق ولاتهاجروا وتتقاطعوا.

فأما قوله عليه الصلاة والسلام - كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه - فقد ذهب قوم إلى أن عرض الرجل انما هو سلفه من آبائه وأمهاته وما جرى مجراهم وذهب ابن قتيبة إلى أن عرض الرجل عرض نفسه واحتج حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أهل الجنة فقال لا يبولون ولا يتغوطون انما هو عرق يجري من اعراضهم مثل المسك أي من ابدانهم قال ومنه قول أبي الدرداء أقرض من عرضك اليوم من قدفك أراد من شتمك فلا تشتمه ومن ذكرك بسوء فلا تذكره به ودع ذلك قرضا لك عليه ليوم الجزاء والقصاص.

واحتج أيضا بحديث الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أيعجز حدكم أن يكون كأبي ضمضم كان اذا خرج من منزله قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك قال فمعناه قد تصدقت بنفسي وأحللت من يغتابني فلو كان العرض الاسلاف ماجاز أن يحل من سب الموتي لان ذلك اليهم لا اليه. قال ويدل على ذلك أيضا حديث سفيان بن عيينة لو أن رجلا أصاب من عرض رجل شتما ثم تورع من بعده فجاء إلى ورثته بعد موته فأحلوه له لم يكن ذلك


85

كفارة له ولو أصاب من ماله شيئا ثم دفعه إلى ورثته لكنا نرى ان ذلك كفارة له قال ويدل على ان عرض الرجل نفسه قول حسان

هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء(1)
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكف‌ء
فشركما لخيركما الفداء

أراد فان أبي وجدى ونفسي وقاء لنفس محمد صلى الله عليه وسلم وقال آخرون وهو الصحيح لعرض موضع المدح والذم من الرجل فاذا قيل ذكر عرض فلان فمعناه ذكرما يرتفع به أو مايسقط بذكره ويمدح أو يذم به وقد يدخل في ذلك ذكر الرجل نفسه وذكر آبائه وأسلافه لان كل ذلك مما يمدح به ويذم والذي يدل على هذا ان أهل اللغة لايفرقون في قولهم شتم فلان عرض فلان بين أن يكون ذكره في نفسه بقبيح الافعال أو شتم سلفه واباء‌ه ويدل عليه قول المسكين الدرامي

رب مهزول سمين عرضه
وسمين الجسم مهزول الحسب(2)

(1) روي انه لما انتهى إلى هذا البيت قال له النبى صلى الله عليه وسلم جزاؤك على الله الجنة يا حسان ولما انتهى إلى قوله * فان أبى ووالده وعرضى * الخ قال صلى الله عليه وسلم وقاك الله يا حسان حر النار ولما انتهى إلى قوله * أتهجوه ولست له بكف‌ء * الخ قال من حضر هذا أنصف بيت قالته العرب. وقوله - فشركما لخيركما الفداء - قال السهيلى في ظاهر هذا اللفظ شناعة لان المعروف أن لا يقال هو شرهما إلا وفي كلاهما شر وكذلك خير مثله ولكن سيبويه قال تقول مررت برجل شر منك اذا نقص عن أن يكون مثله وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الاول ونحو منه قوله عليه الصلاة والسلام شر صفوف الرجال آخرها يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الاول كما قال سيبويه ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشر والله أعلم

(2) ذكر أبوعلى القالي العرض بأنواعه فتركنا كل ما لا يتعلق له بموضع البحث (*)


86

فلو كان العرض نفس الانسان لكان الكلام متناقضا لان السمن والهزل يرجعان إلى

فقال والعرض أيضا ما ذم من الانسان أو مدح يقال فلان نقى العرض أى هو برئ من أن يشتم أو يعاب واختلف فيه فقال أبوعبيدة عرضه آباؤه وأسلافه وخالفه ابن قتيبة فقال عرضه جسده واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صفة أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون انما هو عرق يجرى من اعراضهم مثل المسك يعنى من أبدانهم ونصر شيخنا أبوبكر بن الانباري أبا عبيدة فقال ليس هذاالحديث حجة له لان الاعراض عند العرب المواضع التى تعرق من الجسد قال والدليل على غلط ابن قتيبة في هذا التأويل وصحة تأويل أبي عبيدة قول مسكين للدارمى

رب مهزول سمين عرضه
وسمين الجسم مهزول الحسب

فمعناه رب مهزول البدن والجسم كريم الآباء قال وأما احتجاجه بيت حسان بن ثابت

فان أبى ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء

في أن العرض الجسم فليس كما ذكر لان معناه فان أبي ووالده وآبائي فأتى بالعموم بعد الخصوص ذكر الاب ثم جمع الآباء كما قال الله عزوجل (ولقد آتيناك سبعا من الثانى والقرآن العظيم) فخص السبع ثم أتي بالقرآن العام بعد ذكره إياها والذي قاله ابن قتيبة قد قاله غيره ويمكن أن ينصر ابن قتيبة بيت مسكين ومعناه رب مهزول الجسم سمين الحسب أي عظيم الشرف وسمين الجسم مهزول الحسب أى ضعيف الشرف اه‍ قلت وبعد بيت مسكين المتقدم

أكسبته الورق البيض أبا
ولقد كان لا يدعي لاب

- الورق - بفتح الواو وكسر الراء وهي الدراهم المضروبة وكذلك الرقة والهاء عوض عن الواو وقوله - ولا يدعى لاب - أى ولا ينتسب من الدعوة بكسر الدال. المعنى انه كان مجهول النسب ولم يكن له أب يدعى اليه فلما أعطي ما لا ظهر له نسب واشتهر له أب يدعى اليه.

وقوله - ولقد كان - الواو للحاء واللام للتأكيد وقد للتحقيق وكان تامة فلا تحتاج إلى خبر. وقوله - ولايدعى لاب - جملة وقعت حالا أيضا وهى مضارع منفى جاء بالواو وهو قليل والاكثر مجيئه بلا واو (*)


87

شئ واحد وانما أرادت مهزول كريمة أفعاله أو كريم آباؤه وأسلافه وقد قال ابن عبدل الاسدى

وإني لاستغني فما أبطر الغني
وأبذل ميسوري لمن يبتغي قرضي
واعسر أحيانا فتشتد عسرتي
وادرك ميسور الغني ومعي عرضي

ولايليق ذلك إلا بما ذكرناه.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وجدت أبا بكر ابن الانباري قد رد على ابن قتيبة قوله هذا وطعن على ما احتج به فقال في الحديث المروى عنه عليه الصلاة والسلام في وصف أهل الجنة ان المراد بالاعراض مغابن الجسد.

وحكى عن الاموي أنه قال الاعراض المغابن التي تعرق من الجسد نحو الابطين وغيرهما وقال في حديث أبي الدرداء معناه من عابك وذكر أسلافك فلا تجازه ليكون الله تعالى هوالمثيب لك. وقال في قول أبي ضمضم معناه انه أحل من أوصل اليه أذى بذكره وذكر آبائه فلا يحل إلا من أمره اليه. وقال في قول حسان المراد بعرضه أيضا أسلافه فكأنه قال ان أبي ووالده وجميع أسلافي الذين أمدح وأذم من جهتهم وقاء له عليه الصلاة والسلام فأتي بالعموم بعد الخصوص كما قال الله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) فأتي بالعموم بعد الخصوص ولم أجده ذكر في خبر سفيان بن عيينة شيئا وتأويله يقرب من تأويل خبر أبي ضمضم لان من آذى رجلا بسبه في نفسه أو سب سلفه وأدخل عليه بذلك وضعا ونقصا لم يكن إلى ورثته بعد موته الاحلال من ذلك لان الاذي لم يدخل عليهم ولو كان داخلا عليهم أيضا مع دخوله على المسبوب لكان إحلالهم مما يرجع إلى غيرهم لم يصح على ان في الاحلال من الضرر وسقوط العوض المستحق عليه وهل يسقط باسقاط مستحقه أم لا فيه كلام ليس هذا موضعه وقد ذكرناه في مواضع.

وبعد فلو سلم لابن قتيبة ان المراد بالعرض في كل المواضع التي ذكرناها النفس دون السلف أو سلم له ذلك في بيت حسان خاصة فانه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه لانا لم نقل ان العرض مقصور على سلف الاسلام بل ذكرنا انه موضع الذم والمدح من الانسان ولافرق


88

بين سلفه ونفسه فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا وانما ينفع ابن قتيبة أن يأتي بما يدل على ان العرض لايستعمل إلا في النفس دون السلف وكل شئ ورد مما المراد بالعرض فيه النفس أو المراد به السلف فهو مؤكد لقولنا في ان هذه اللفظة مستعملة في موضع الذم والمدح من الانسان وانما يكون ما استشهدنا به وما جرى مجراه مما يدل على استعمال لفظة العرض في السلف حجة على ابن قتيبة لانه قصر معناها على النفس والذات دون السلف وهذا واضح بين بحمد الله.

أخبرنا أبوعبيد الله المرزبانى قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبوحاتم قال كان أبوعبيدة معمر بن المثنى صفريا وكان يكتم ذلك فأنشد لعمران بن حطان(1)

أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه
ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إما تكن ذقت كأسا دار أولها
على القرون فذاقوا نهلة الكاس
قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئست
نفسي فما رد عني عبرتي ياسى

وأخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا الاسناباذاني قال قال الثوري كنت اذا أردت أن أبسط أبا عبيدة ذكرته بأخبار الخوارج فباعج منه ثبج بحر فجئته يوما وهو مطرق ينكث الارض في صحن المسجد وقد قربت منه الشمس

(1) وهو أحد بني ذهل بن ثعلبة وكان رأس القعدة من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم وهذه الابيات يرثى بها أبا بلال وهو مرداس بن اية وهي جدته وأبوه حدير وهو أحد بنى ربيعة بن حنظلة ورواية أبى العباس

يا عين بكي لمرداس ومصرعه
يا رب مرداس اجعلنى كمرادس
تركتني هائما أبكى لمرزأتي
في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه
ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إما شربت بكأس دار أولها
على القرون قذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلا
منها بأنفاس ورد بعد أنفاس (*)

89

فسلمت عليه فلم يردد فتمثلت

وما للمرء خير في حياة
إذا ماعد من سقط المتاع

والبيت لقطرى بن الفجاء‌ة فنظر إلى ثم وقال ويحك أتدرى من يقوله قلت قطرى فقال اسكت فض الله فاك فإلا قلت أميرالمؤمنين أبونعامة ثم انتبه فقال اكتمها على ياثورى فقلت هى ابنة الارض فأنشدني

أقول لها وقد جاشت حياء
من الابطال ويحك لا تراعي
فإنك لو طلبت حياة يوم
على الاجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا
فما نيل الخلود بمستطاع
وما طول الحياة بثوب مجد
فيطوى عن أخى الخنع اليراع
سبيل الموت منهج كل حى
وداعيه لاهل الارض داع
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم
ويفض به القضاء إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة
إذا ماعد من سقط المتاع(1)

(1) رواية الحماسة

أقول لها وقد طارت شعاعا
من الابطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم
على الاجل الذى لك لم تطاعى
فصبرا في مجال الموت صبرا
فما انيل الخلود بمستطاع
وما ثوب الحياة بثوب عز
فيطوى عن أخى الخنع اليراعى
سبيل الموت غاية كل حى
فداعيه لاهل الارض داعى
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم
وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة
اذا ما عد من سقط المتاع

(*)(12 - أمالى ثالث)


90

فكتبتها وقمت لانصرف فقال اقعد ثم أنشدني

إلى كم تغازيني السيوف ولا أرى
مغازاتها تدعو إلى حماميا
أقارع عن دار الخلود ولا أرى
بقاء على حال لمن ليس باقيا
ولو قرب الموت القراع لقد أني
لموتى أن يدنو لطول قراعيا
اغادى جلاد العالمين كأنني
على العسل الماذى اصبح غاديا
وادعو الكماة للنزال إذا القنا
تحطم فيما بيننا من طعانيا
ولست أرى نفسا تموت وإن دنت
من الموت حتى يبعث الله داعيا

فقال ابن دريد وهذا الشعر أيضا لقطرى.

أخبرنا أبوالحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبوحاتم قال جئت أبا عبيدة يوما ومعي شعر عروة بن الورد فقال فارغ حمل شعر فقير ليقرأ على فقير فقلت ما معني غيره فأنشدني أنت ماشئت فأنشدني

يارب ظل عقاب قد وقيت به
مهرى من الشمس والابطال تجتلد
ورب يوم حمى أرعى عقوته
خيلى اقتسارا وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لاهل الخفض ظل به
لهوى اصطلاء الوغا إذ ناره تقد
مشهرا موقفي والحرب كاشفة
عنها القناع وبحر الموت يطرد
ورب هاجرة تغلى مراجلها
صخرتها بمطايا غارة تخد
تجتاب أودية الافراع آمنة
كأنها أسد يقتادها أسد
فإن أمت حتف نفسي لاأمت كمدا
- على الطعان وقصر العاجز الكمد

ولم أقل لم أساق القتل شاربه
في كأسه والمنايا ترع ورد

91

ثم قال لي هذا الشعر لا ما تعللون به نفوسكم من أشعار المخانثين والشعر لقطرى.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال حدثنا محمد ابن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبوحاتم قال كان أبوعبيدة يأنس إلى في أول ما اختلفت اليه ويسألني عن خوارج سجستان لانه كان يظنني على رأيهم وكنت أوهمه أنني منهم فنالتني منه لذلك عناية خاصة فكان كثيرا ينشدني أشعارهم ثم يتمثل

أولئك قوم إن بنوا أحسنو البني
وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

قال وأنشدني يوما لرجل من طيئ من الخوارج

لا كابن ملحان من شار أخي ثقة
أو كابن علقمة المستشهد الشارى
من صادق كنت أصفيه مخالصتي
فباع دارى بأغلى صفقة الدار
إخوان صدق أرجيهم وأحذرهم
أشكو إلى الله إخواني وإحذارى
فصرت صاحب دنيا لست أملكها
وصار صاحب جنات وأنهار

(مجلس آخر 49)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وقالت اليهود يدالله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان). فقال ما اليد التى أضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادعوا أنها مغلوة فما نرى ان عاقلا من اليهود ولاغيرهم يزعم أن لربه يدا مغلولة واليهود تتبرأ من أن يكون منها قائل بذلك ومامعنى الدعاء عليهم بغلت أيديهم وهو تعالى ممن لايصح أن يدعو على غيره لانه تعالى قادر على أن يفعل مايشاء وإنما يدعو الداعى بما لايتمكن من فعله طلبا له.

الجواب قلنا يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا الله تعالى بما يقتضى تناهى مقدوره فجرى ذلك مجرى أن يقولوا ان يده مغلولة لان عادة الناس جارية بأن يعبرو بهذه العبارة عن هذا المعنى فيقولون يد فلان منقبضة


92

عن كذا، وكذا يده لاتنبسط إلى كذا إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور ويشهد بذلك قوله تعالى في موضع آخر (لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء) ثم قال تعالى مكذبا لهم (بل يداه مبسوطتان) أى أنه لا يعجزه شئ وثنى اليدين تأكيدا للامر، وتفحيما له ولان ذلك أبلغ في المعنى المقصود من أن يقول بل يده مبسوطة.

وقد قيل أيضا إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل واستبطئوا فضله ورزقه وقيل انهم قالوا على سبيل الاستهزاء ان إله محمد الذى أرسله، يداه إلى عنقه إذ ليس يوسع عليه وعلى أصحابه فرد الله قولهم وكذبهم بقوله: (بل يداه مبسوطتان) واليد ههنا الفضل والنعمة وذلك معروف في اللغة متظاهر في كلام العرب وأشعارهم ويشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى (ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) ولامعنى لذلك إلا الامر بترك إمساك اليد عن النفقة في الحقوق وترك الاسراف إلى القصد والتوسط ويمكن أن يكون الوجه في تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة لان الكل وإن كانت نعما لله فمن حيث اختص كل واحد من الامرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان وقبيلان ويمكن أيضا أن يكون تثنية النعمة أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة.

فأما قوله تعالى (غلت أيديهم) ففيه وجوه.

أولها أن لايكون ذلك على سبيل الدعاء بل على وجه الاخبار منه عزوجل عن نزول ذلك بهم، وفى الكلام ضمير وقد قيل قوله (غلت أيديهم) وموضع غلت نصب على الحال كأنه تعالى قال وقالت اليهود كذا وكذا في حال ماغل الله تعالى أيديهم ولعنهم أو حكم بذلك فيهم ويسوغ إضمار قد ههنا كما ساغ في قوله عزوجل (إن كان قمصيه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قيمصه قد من دبر فكذبت) والمعنى فقد صدقت وقد كذبت.

وثانيها أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يدالله مغلولة فغلت أيديهم أو وغلت أيديهم فأضمر تعالى الفاء والواو لان كلامهم ثم واستؤلف بعده كلام آخر ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجرى مجرى هذا الموضع من ذلك قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) أراد فقالوا أتتخذنا هزوا، فأضمر تعالى الفاء لتمام كلام موسى عليه الصلاة والسلام


93

ومنه قول الشاعر

لما رأيت نبطا أنصارا
شمرت عن ركبتى الازارا

* كنت لها من النصارى جارا أراد وكنت فأضمر الواو.

وثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء إلا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب فكأنه تعالى وقفنا على الدعاء عليهم وعلمنا ماينبغى أن نقول فيهم كما علمنا الاستثناء في غير هذا الموضع بقوله (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وكل ذلك واضح والمنة لله [ تأويل خبر ].

إن سأل سائل عن الخبر الذى روى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال لعن الله السارق يسرق البيضه فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده.

الجواب قلنا قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس فالخوارج تتعلق به وتدعى ان القطع يجب في القليل والكثير ويستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ويتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة والشكاك ويدعون انه مناقض للرواية المتضمنة انتفاء القطع إلا في ربع دينار ونحن نذكر ما فيه. فأول مانقوله إن الخبر مطعون فيه عند أصحاب الحديث على اسناده أيضا طعن وقد حكى ابن قتيبة في تأويله وجها عن يحيى بن أكثم طعن عليه وضعفه وذكر عن نفسه وجها آخر نحن نذكرهما ومافيهما ونتبعهما بما نختاره.

قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة فرأيته يذهب إلى أن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس في الحرب وأن الحبل من حبال السفن قال وكل واحد من هذين يبلغ ثمنه دنابير كثيرة. قال ورأيته يعجب بهذا التأويل ويبدى فيه ويعيد ويرى أنه قطع به حجة الخصم.

قال ابن قتيبة وهذا إنما يجوز على من لا معرفة باللغة ومخارج الكلام وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنابير وحبل لايقدر السارق على حمله ولامن عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا عرض نفسه للضرر في عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول في جراب مسك وإنما العادة جارية


94

بان يقال لعنة الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو إداوة خلق أو كبة شعر فكل ماكان من ذلك حقير كان أبلغ.

قال والوجه في الحديث ان الله تعالى لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم (والسارق والسارقة) الاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده على ظاهر ما أنزل عليه في ذلك الوقت ثم أعلمه الله تعالى بعد أن القطع لايكون إلا في ربع دينار فما فوقه ولم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم من حكم الله تعالى إلا ما أعلمه الله تعالى ولا كان الله يعرفه ذلك بل يبين له شيئا بعد شئ.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه ووجدت أبابكر الانبارى يقول ليس الذى ذكر ابن قتيبة على تأويل الخبر بشئ قال لان البيضة من السلاح ليست علما في كثرة الثمن ونهاية علو القيمة فتجرى مجرى العقد من الجوهر والجراب من المسك الذين يساويا الالوف من الدنابير والبيضة من السلاح ربما اشتريت بأقل مما يجب فيه القطع وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أنه يكتسب قطع يده بما لاغناء له به لان البيضة من السلاح لايستغنى بها أحد والجوهر والمسك في اليسير منهما غناء.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه والذى نقوله ان ماطعن به ابن الانبارى على كلام ابن قتيبة متوجه وليس في ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظن فيشبه العقد والجراب من المسك غير انه يبقى في ذلك أن يقال أى وجه لتخصيص البيضة والحبل بالذكر وليس هماالنهاية في التقليل وان كان كما ذكره ابن الانبارى من أن المعنى انه ليسرق مالايستغنى به فليس ذكر ذلك بأولى من غيره فلابد من ذكر وجه في ذلك.

وأما تأويل ابن قتيبة فباطل لان النبى عليه الصلاة والسلام لايجوز أن يقول ماحكاه عند سماع قوله تعالى (والسارق والسارقة) لان الآية مجملة مفتقرة إلى بيان ولايجوز أن يحملها أو يصرفها إلى بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة على ان أكثر من قال ان الآية مجملة وان ظاهر القول يقتضى العموم ويذهب إلى ان تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها فكيف يصح ماقاله ابن الانبارى ان الآية تقدمت ثم تأخر تخصيص السارق ولو كان ذلك كما ظن لكان المتأخر ناسخا للاول وعلى تأويله هذا يقتضى أن يكون كل الخبر منسوخا وإذا أمكن تأويل أخباره عليه الصلاة والسلام على مالايقتضى


95

رفع أحكامها ونسخها كان أولى.

والاشبه أن يكون المراد بهذا الخبر ان السارق يسرق الكثير الجليل قتقطع يده ويسرق الحقير القليل فتقطع يده فكأنه تعجيز له وتضعيف لاختياره من حيث باع يده بقليل الثمن كما باعها بكثيره.

وقدحكى أهل اللغة ان بيضة القوم وسطهم وبيضة الدار وسطها وبيضة السنام شحمته وبيضة الصيف معظمة وبيضة البلد الذى لانظير له وان كان قد يستعمل ذلك في المدح والذم على سبيل الاضداد واذا استعمل في الذم فمعناه ان الموصوف بذلك حقير مهين كالبيضة التى تفسدها النعامة فتتركها ملقاة لاتلتفت إليها فمما جاء من ذلك في المدح قول أخت عمرو بن عبدود ترثيه(1) وتذكرقتل أميرالمؤمنين عليه السلام إياه وقيل إن الابيات لامرأة من العرب غير أخته

لوكان قاتل عمرو غيرقاتله
لكنت أبكى عليه آخر الابد
لكن قاتله من لايعاب به
قد كان يدعى قديما بيضة البلد

(1) عمرو بن عبدود هذا من بني عامربن لؤى خرج في فرسان من قريش منهم عكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبدالله وضرار بن الخطاب في غزوة الخندق فتيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجعلت؟؟؟ بهم في السبخة بين سلع والخندق وخرج على بن أبي طالب رضى الله عنه في نفر من المسلمين حتي أخذ عليهم الثغرة التى اقتحموا منها خيلهم فقال لعمرو بن عبدود يا عمرو إنك كنت تعاهد الله أن لايدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه احداهما قال أجل قال له على فإنى أدعوك إلى الله عزوجل والى رسوله والي الاسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإنى أدعوك إلى النزال قال ولم يابن أخى فوالله ما أحب أن أقتلك قال علي ولكنى والله أحب أن أقتلك فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا فقتله على عليه السلام وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان الدارى ونوفل بن عبدالله بن المغيرة (*)


96

وقال آخر في المدح

كانت قريشا بيضة فتفلقت
فالمخ خالصة لعبد مناف

وقال آخر الذم

تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا
وابنا نزار فأنتم بيضة البلد

أراد أن تعرف فأسكن.

وقال آخر في ذلك

لكنه حوض من أودى بإخوته
ريب الزمان فأمسى بيضة البلد(1)

فقد صار معنى البيضة كله يعود إلى التفخيم والتعظيم.

وأما الحبل فيذكر على السبيل المثل والمراد المبالغة في التحقير والتقليل كما يقول القائل ما أعطانى فلان إلا عقالا وما ذهب من فلان عقال ولاتساوى كذا نقيرا كل ذلك على سبيل المثل والتقليل وليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة واذا كان على هذا تأويل الخبر زال عنه المناقضة التى ظنت وبطلت شبهة الخوارج في ان القطع يجب في القليل والكثير...

أخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال حدثنى أبوعبيدالله الحكيمى قال حدثنى يموت بن المزرع قال حدثنى أبووهب على بن ثابث قال قال الاصمعى تصرفت بالاسباب على باب الرشيد مؤملا بالظفر به والوصول اليه حتى إنى صرت لبعض حرسه خدينا فإنى في ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الارق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال أما بالحضرة أحد يحسن الشعر فقلت الله أكبر رب قيد مضيقه قد حله التيسير فقال لى الخادم ادخل فلعلها أن تكون ليلة تغرس في صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عنده

(1) وقبله

لو كان حوض حمار ما شربت به
إلا باذن حمار آخر الابد

لكنه حوض من أودى باخوته ريب الزمان فأمسى بيضة البلد

لو كان يشكي إلى الاموات ما لقى الاحياء
بعدهم من شدة الكمد (*)

97

فدخلت فواجهت الرشيد في بهوة والفضل بن يحيى إلى جانبه فوقف بي الخادم بى بحيث يسمع التسليم فسلمت فرد السلام ثم قال يا غلام أرجه قليلا ليفرخ روعه ان كان قد وجد للروعة حسا فدنيت قليلا ثم قلت يا أميرالمؤمنين إضاء‌ة مجدك وبهاء كرمك مجيران لمن نظر إليك من اعتراض أذية فقال ادن فدنوت فقال أشاعر أم رواية فقلت رواية لكل ذى جد وهزل بعد أن يكون محسنا فقال تالله مارأيت ادعاء أعم فقلت أنا على الميدان فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين فقال قد أنصف القارة من راماها ثم قال مامعنى هذه الكلمة بديا قال قلت فيها قولان القارة هى الحرة من الارض وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة والملك إذ أبوحسان فواقف عسكره عسكرا للسعد فخرج فارس من السعد قد وضع سهمه في كبد قوسه فقال أين رماة العرب فقالت العرب أنصف القارة من راماها(1) فقال لى الرشيد أصبت ثم قال

(1) القارة قبيلة وهم عضل والديش أبناء الهون بن خزيمة وانما سموا قارة لالتفاقهم واجتماعهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة وقريش قال شاعرهم دعونا قارة لاتنفرونا فنجفل مثل إجفال الظليم وهم رماة الحدق في الجاهلية وهم اليوم في اليمن ويزعمون ان رجلين إلتقيا أحدهما قاري والآخر أسدي فقال القاري ان شئت صارعتك وان شئت سابقتك وان شئت راميتك فقال الاخر قد اخترت المراماة فقال الاسدي قد اخترت المراماة فقال القاري قد أنصفتني وأنشد

قد أنصفت الفارة من راماها
إنا اذا ما فئة نلفاها
* نرد أولاها على أخراها
ثم انتزع له سهما وشك فؤاده.

وانما قيل أنصف القارة من راماها في حرب كانت بين قريش وبين بكر بن عبد مناف بن كنانة وكانت كنانة مع قريش وهم قوم رماة فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون فقيل قد أنصفهم هؤلاء اذ ساووهم في العمل الذى هو شأنهم وصناعتهم(13 - أمالى ثالث) (*)


98

أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا فقلت هما شاهدان لك بالقوافي وان غيبا عن بصرك بالاشخاص فأخرج من ثنى فرشه رقعة ثم قال أنشدني * أرقنى طارق هم طرقا * فمضيت فيها مضى الجواد في متن ميدانه تهدر بها أشداقى فلما صرت إلى مديحه لبنى أمية ثنيت لسانى إلى امتداحه للمنصور في قوله * قلت لزير لم تصله مزيمه * فلما أراني قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال أعن حيرة أم عن عمد قلت عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيها وصف به المنصور من مجد فقال الفضل أحسنت بارك الله عليك مثلك يؤهل لهذا المجلس فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد أتروى كلمة عدى بن الرقاع * عرف الديار توهما فاعتادها قلت نعم قال هات فمضيت فيها حتى صرت إلى وصف الجمل قال لى الفضل ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به السهر من ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب فقال له الرشيد اسكت فالابل هي التي أخرجتك من دارك واستلبت تاج ملكك ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ثم ضربت بها أنت وقومك فقال الفضل لقد عوقبت على غير ذنب الحمد لله فقال الرشيد أخطأت الحمدالله على النعم ولو قلت أستغفرالله كنت مصيبا ثم قال لى امض في أمرك فأنشدته حتى اذا بلغت إلى قوله

تزجى أغن كأن إبرة روقه * قلم أصاب من الدواة مدادها

استوى جالسا ثم قال لي أتحفظ في هذا ذكرا قلت نعم ذكرت الرواة ان الفرزدق قال كنت في المجلس وجرير إلى جانبى فلما ابتدأ عدي في قصيدته قلت لجرير مسرا إليه هلم نسخر من هذا الشامى فلما ذقنا كلامه يئسنا منه فلما قال تزجى أغن كأن إبرة روقة


99

وعدى كالمستريح فقال جرير اذا تراه يستلب بها مثلا قال الفرزدق يالكع انه يقول قلم أصاب من الدواة مدادها فقال جرير كان سمعك مخبو في صدره فقال لي اسكت شغلنى سبك عن جيد الكلام(1) فلما بلغ إلى قوله

ولقد أراد الله إذ ولا كها
من أمة إصلاحها ورشادها

قال الاصمعى قال لى الرشيد ماتراه قال حين أنشده الشاعر هذا البيت فقلت قال كذاك أراد الله فقال الرشيد ماكان في جلالته يقول هذا أحسبه قال ماشاء الله قال وكذا جاء‌ت الرواية فلما أتيت على آخرها قال لى أتروى لذى الرمة شيئا قلت الاكثر قال فما ذا أراد بقوله

ممر أمرت فتله أسدية
ذراعية حلالة بالمصانع

قلت وصف حمار وحش أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله وتشابكت فروعه عن مطر سحابة كانت بنوء الاسد في الذراع فقال الرشيد أرخ فقد وجدناك ممتعا وعرفناك محسنا ثم قال إنى لاجد ملالة ونهض فأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله وكانت عربية فقال الرشيد عقرتنى يا غلام فقال الفضل قاتل الله الاعاجم أما إنها لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة فقال الرشيد هذه نعلى ونعل آبائى كم تعارض فلاتترك من جواب ممض ثم قال يا غلام تأمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم

(1) وقال أبوالعباس يروي ان جريرا دخل إلى الوليد وابن الرقاع العاملي عنده ينشده القصيدة التى يقول فيها

غلب المساميح الوليد سماحة
وكفى قريش المعضلات وسادها

قال جرير فحسدته على أبيات منها حتى أنشد في صفة الظبية * تزجي أغن كأن إبرة روقه * الخ قال فقلت في نفسى وقع والله ما يقدر أن يقول أو شبه به قال فقال * قلم أصاب من الدواة مدادها * قال فما قدرت حسدا له أن أقيم حتى الصرفت (*)


100

على هذا الرجل في ليلته هذه ولا يحجب في المستأنف فقال الفضل لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولايأمر فيه غيره لامرت لك بمثل ما أمر لك به وقد أمرت به إلا ألف درهم فتلقى الخادم صباحا. قال الاصمعى فما صليت من غد إلا وفى منزلى تسعة وخمسون ألف درهم

(مجلس آخر 50)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ألله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور). فقال أليس ظاهر هذه الآية يقتضى أنه هو الفاعل للايمان فيهم لان النور ههنا كناية عن الايمان والطاعات والظلمة كناية عن الكفر والمعاصى ولا معنى لذلك غير ماذكرناه وإذا كان مضيف الاخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين وهذا خلاف مذهبكم.

الجواب قلنا أن النور والظلمة المذكوران في الآية جائز أن يكون المراد بهما الايمان والكفر وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار والثواب والعقاب فقد تصح الكناية عن الثواب والنعيم في الجنة بانه نور وعن العقاب في النار بأنه ظلمة فاذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغت اضافة اخراجهم من الظلمات إلى النور اليه تعالى لانه لاشبهة في أنه عزوجل هو المدخل للمؤمن الجنة والعادل به عن طريق النار والظاهر بما ذكرناه أشبه لانه يقتضى أن المؤمن الذى ثبت كونه مؤمنا يخرج من الظلمة إلى النور ولو حمل على الايمان والكفر لتناقض المعنى ولصار تقدير الكلام أنه يخرج المؤمن الذى قد تقدم كونه مؤمنا من الكفر إلى الايمان وذلك لايصح وإذا كان الكلام يقتضى الاستقبال في إخراج من ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر على أنا لو حملنا الكلام على الايمان والكفر لصح ولم يكن مقتضيا لما توهموه ويكون وجه اضافة الاخراج إليه تعالى وإن لم يكن الايمان من فعله من حيث بين ودل وأرشد ولطف وسهل وقد علمنا أنه لولا هذه الامور لم يخرج المكلف من الكفر إلى الايمان فيصح اضافة الاخراج إليه تعالى لكون ماعددناه من


101

سجهته وعلى هذا يصح من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغبه في ذلك وعرفه مافيه من الصلاح والنفع أو بمجانبة فعل من الافعال أن يقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلانى وأنا أخرجته من كذا وأنتشته منه ويكون وجه الاضافة ماذكرناه من الترغيب وتقوية الدواعى ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات ومن الايمان إلى الطاغوت وإن لم يدل ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر في الكفار بل وجه الاضافة ماتقدم لان الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر ويزينون فعله فتصح إضافته إليهم من هذا الوجه والطاغوت هو الشيطان وحزبه وكل عدوالله تعالى صد عن طاعته وأغرى بمعصيته يصح إجراء هذ التسمية عليه فكيف اقتضت الاضافة الاولى أن الايمان من فعل الله تعالى في المؤمن ولم تقتض الاضافة الثانية أن الكفر من فعل الشياطين في الكفار لولا بله المخالفين وغفلتهم.

وبعد فلوكان الامر على ماظنوه لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين وناصرا لهم على ما اقتضته الآية والايمان من فعله تعالى لا من فعلهم ولما كان خاذلا للكافرين ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله تعالى فيهم ولما فصل بين الكافر والمؤمن في باب الولاية وهو المتولى لفعل الامرين فيهما ومثل هذا لايذهب على أحد ولايعرض عنه إلا معاند مغالط لنفسه.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال قال أبوبكر محمد بن القاسم الانبارى حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبوعبدالله بن البطاح قال أخبرنا أبوعبيدة قال قال عبد الملك بن مسلم كتب عبدالملك بن مروان إلى الحجاج إنه لم يبق شئ من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه ولم يبق لى من لذة الدنيا إلا مناقلة الاخوان الاحاديث وقبلك عامر الشعبى فابعث به إلى يحدثنى فدعا الحجاج بالشعبى وجهزه وبعث به إليه وأطراه في كتابه فخرج الشعبى حتى إذا كان بباب عبدالملك قال للحاجب استأذن لى قال ومن أنت قال عامر الشعبى قال حياك الله ثم نهض وأجلسه على كرسيه فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال ادخل قال فدخلت فإذا عبدالملك جالس على كرسى وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية على كرسى فسلمت فرد السلام ثم أومأ إلى بقضيبه فقعدت عن يساره ثم أقبل على الذى بين يديه فقال ويحك من أشعر الناس قال أنا يا أميرالمؤمنين


102

فأظلم على مابينى وبين عبدالملك ولم أصبر أن قلت ومن هذا يا أمير المؤمنين الذى يزعم أنه أشعر الناس فعجب عبدالملك من عجلتي قبل أن يسألنى عن حالى ثم قال هذا الاخطل قلت يا أخطل أشعر منك الذى يقول

هذا غلام حسن وجهه
مقتبل الخير سريع التمام

للحارث الاكبر والحارث الاصغر والحارث خير الانام

خمسة آباء هم ماهم هم
خير من يشرب صوب الغمام(1)

فقال عبدالملك ردها على فرددتها حتى حفظها فقال الاخطل من هذا يا أمير المؤمنين فقال هذا الشعبى قال صدق والله النابغة أشعر منى. قال الشعبى ثم أقبل على عبد الملك فقال كيف أنت ياشعبى قلت بخير لازلت به ثم ذهبت لاصنع معاذيرى لما كان من خلافى على الحجاج مع عبدالرحمن بن محمد الاشعث فقال مه فإنا لانحتاج إلى هذا المنطق ولاتراه منا في قول ولافعل حتى تفارقنا ثم أقبل على فقال في النابغة قلت يا أميرالمؤمنين قد فضله عمر بن الخطاب في غير موطن على جميع الشعراء وذاك أنه خرج يوما وببابه وفد غطفان فقال يامعاشر غطفان أى شعرائكم الذى يقول

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
وليس وراء الله للمرء مذهب
ألم تر أن الله أعطاك سورة
ترى كل ملك دونها يتذبذب
لانك شمس والملوك كواكب
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
لئن كنت قد بلغت عنى خيانة
لمبلغك الواشى أغش وأكذب
ولست بمستبق أخا لا تلمه
على شعث أى الرجال المهذب

(1) وروى ان الشعبي لما أنشد هذه الابيات قال الخطل ان أمير المؤمنين انما سألنى عن أشعر أهل زمانه ولو سألنى عن أشعر أهل الجاهلية لكنت حريا أن أقول كما قلت (*)


103

قالوا النابغة قال فأيكم الذى يقول

فإنك كالليل الذى هو مدركى
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف جحن في حبال متينة
تمد بها أيد اليك نوازع

قالوا النابغة قال أيكم الذى يقول

إلى ابن مخرق أعملت رحلى
وراحلتي وقد هدت العيون
أتيتك عاريا خلق ثيابى
على خوف تظن بى الظنون
فألفيت الامانة لم تخنها
كذلك كان نوح لايخون

قالوا النابغة قال هذا أشعر شعرائكم.

ثم أقبل عبدالملك على الاخطل فقال أتحب أن لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب أو تحب أنك قلته فقال لاوالله إلا أنى وددت أنى كنت قلت أبياتا قالها رجل منا كان والله مغدف القناع قليل السماع قصير الذراع قال وما قال فأنشده

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل
وإن بليت وإن طالت بك الطيل
ليس الجديد به تبقى بشاشته
إلا قليلا ولا ذو خلة يصل
والعيش لاعيش إلا ماتقربه
عين ولا حال إلا سوف ينتقل
إن ترجعى عن أبى عثمان منجحة
فقد يهون على المستنجح العمل(1)

(1) أبوعثمان هو عبدالواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاصي بن عبد شمس بن عبد مناف.

وقال مصعب الزبيرى هو عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك وكان عبدالواحد واليا في المدينة لمروان بن محمد هكذا في خزانة الادب وهذا الاخير لايخفى انه غلط لان القصة وقعت مع عبدالملك بن مروان بنفسه فكيف يكون عبد الواحد واليا لابن ابنه ومروان بن محمد أيضا هو آخر ملوك بني أمية ومن القصيدة

أهل المدينة لايحزنك شأنهم
اذا تخطأ عبدالواحد الاجل (*)

104
والناس من يلق خيرا قائلون له
مايشتهى ولام المخطل الهبل
قد يدرك المتأنى بعض حاجته
وقد يكون مع المستعجل الزلل

قال الشعبى فقلت قد قال القطامى أفضل من هذا قال وماقال قلت قال

طرقت جنوب رحالنا من مطرق
ماكنت أحسبه قريب المعنق(1)
أما قريش فلن تلقاهم أبدا
إلا وهم خير من يحفى وينتعل

ألا وهم جبل الله الذي قصرت
عنه الجبال فما سوى به جبل
قوم هم ثبتوا الاسلام وامتنعوا
رهط الرسول الذى ما بعده رسل
من صالحوه رأى في عيشه سعة
ولايرى من أرادوا ضره يئل
كم نالنى منهم فضلا على عدم
إذ لا أكاد من الاقنار أحتمل
وكم من الدهر ما قد ثبتوا قدمي
إذ لايزال مع الاعداء ينتضل
فما هم صالحوا من ينتقى عنتي
ولاهم كدروا الخير الذي فعلوا
هم الملوك وأبناء الملوك لهم
والآخذون به والساسة الاول
(1) وبعده
قطعت اليك بمثل جيد جداية
حسن معلق تومتيه مطوق
ومصر عين من الكلال كأنما
سمر والغبوق من الرحيق المغبق
متوسدين ذراع كل نجيبة
ومفرج عرق المقد منوق
وجئت على ركب تهديدها الصفا
وعلى كلا كل كالنقيل المطرق
واذا سمعن إلى هماهم رففة
ومن النجوم غوائر لم تلحق
جعلت تميل خدودها آذانها
طربا بهن إلى حداء السوق
كالمنصتات إلى الغناء سمعنه
من رائع لقلوبهن مشوق
واذا نظرن إلى الطريق رأينه
كهفا كشاكلة الحصان الابلق
واذا تخلف بعدهن لحاجة
حاد يشعشع نعله لم يلحق
واذا يصيبك والحوادث جمة
حدث حداك إلى أخيك الاوثق
ليت الهموم عن الفؤاد تفرقت
وخلى التكلم للسان المطلق

105

حتى أتيت إلى آخرها فقال عبدالملك بن مروان ثكلت القطامى أمه هذا والله الشعر قال فالتفت إلي الاخطل فقال ياشعبى إن لك فنونا في الاحاديث وإن لنا فنا واحد فإن رأيت أن لا تحملنى على أكتاف قومك فادعهم حرضا قلت لا أعرض لك في شئ من الشعر أبدا فأقلنى هذه المرة فقال من يكفل بك قلت أمير المؤمنين فقال عبدالملك هو على أن لايعرض لك أبدا. ثم قال ياشعبى أى شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء قلت خلساء قال ولم فضلتها على غيرها قلت لقولها

وقائلة والنعش قذفات خطوها
لتذركه يا لهف نفس على صخر
ألا ثكلت أم الذين غدوا به
إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر

فقال عبدالملك أشعر منها والله ليلى الاخيلية حيث تقول

مهفهف الكشح والسربال منخرق
عنه القميص لسير الليل محتقر
لايأمن الناس ممساه ومصبحه
في كل حي وإن لم يغز ينتظر

ثم قال ياشعبى لعله شق عليك ماسمعته فقلت أى والله يا أمير المؤمنين أشد المشقة إنى لمحدثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام ثم قال يا شعبى إنما أعلمناك هذا لانه بلغنى أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون إن كانوا غلبونا على الدولة فلن يغلبونا على العلم والرواية وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق ثم ردد على أبيات ليلى حتى حفظتها وإذن لى فانصرفت فكنت أول داخل وآخر خارج. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه والصحيح في الرواية أنالبيتين اللذين رواهما عبدالملك ونسبهما إلى ليلى الاخيلية لاعشى باهلة يرثى المنتشر بن وهب الباهلى وهذه القصيدة من المراثى المفضلة المشهورة بالبلاغة والبراعة وهى:

إنى أتتنى لسان لا أسر بها
من علو لاعجب منها ولاسخر(1)

(1) رواية ثعلب

إني أتيت بشئ لا أسر به
من عل ولاعجب فيه ولاسخر

(14 - أمالى ثالث) (*)


106
فظلت مكتبئا حران أندبه
وكنت أحذره لو ينفع الحذر
فجاشت النفس لما جاء جمعهم
وراكب جاء من تثليث معتمر(1)
يأتى على الناس لايلوى على أحد
حتى التقينا وكانت بيننا مضر(2)
إن الذى جئت من ثثليث تندبه
منه السماح ومنه النهى والغير(3)

وروى أبوزيد في نوادره

إني أتاني شئ لا أسر به
من عل لاعجب فيه ولاسخر

وروى المبرد في الكامل

إنى أتتنى لسان لا أسر بها
من عل لاعجب منها ولاسخر

- اللسان - هنا بمعنى الرسالة وأراد بها نعي المنتشر ولهذا أنت الفعل فانه اذا أريد به الكلمة أو الرسالة يؤنث ويجمع على ألسن واذا كان بمعنى جارحة الكلام فهو مذكر ويجمع على ألسنة أى أتاني خبر من أعلى نجد وقيل أراد العالية وقيل من أعالي البلاد ويقال من علو بتثليث الواو ومن عل بكسر اللام وضمها ومن علا ومن أعلى ومن معال. وقوله - لاعجب - الخ أي لاعجب منها وان كانت عظيمة لان مصائب الدنيا كثيرة ولا سخر بالموت وقيل معناه لا أقول ذلك سخرية وهو بفتحتين وبضمتين مصدر سخر منه.

(1) قوله - فجاشت النفس - الخ أي غثت ويقال دارت للغثيان فان أردت انها ارتفعت من جزن أو فزع قلت جشأت بالهمز وروى بدل جمعهم فلهم أي اللذين شهدوا مقتله فلهم بفتح الفاء وتشديد اللام يقال جاء فل القوم أي منهزموهم يستوى فيه الواحد والجمع وربما قالوا فلول وفلال - وتثليث - بكسر اللام وياء ساكنة وثاء اخرى مثلثة موضع بالحجاز قرب مكة - - ومعتمر - صفة راكب بمعنى زائر ويقال من عمرة الحج.

(2) قوله - يأتى على الناس - الخ فاعل يأتي ضمير الراكب - ويلوي - مضارع لوى بمعنى توقف وعرج أى يمر هذا الراكب على الناس ولم يعرج على أحد حتى أتانى لانى كنت صديقه. ويروي دوننا بمعنى قدام بدل بيننا.

(3) قوله - ان الذى جئت - الخ أى فقلت لهذا الراكب ان الذى جئت الخ


107
تنعى امرأ لاتغب الحى جفنته
إذا الكواكب أخطى نوء‌ها المطر
وراحت الشول مغبرا مناكبها
شعثا تغير منها النى والوبر(2)
وألجأ الكلب موقوع الصقيع به
وألجا الحي من تنفاحها الحجر(3)

- والندب - مصدر ندب الميت من باب نصر بكى عليه وعدد محاسنه.

وجملة منه السماح خبر - والنهي - خلاف الامر - والغير - بكسر المعجمة وفتح المثناة التحتية اسم من غير الشئ فتغير أقامه مقام الغير

(1) قوله - تنعي امرأ - الخ رواية أبى العباس ينعي بالياء المثناة والنعي خبر الموت يقال نعاه ينعاه.

قال الاصمعي كانت العرب اذا مات ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير في الناس ويقول نعاء فلانا أى أنعه وأظهر خبر وفاته وهي مبنية على الكسر - ولا تغب - هو من قولهم فلان لايغبنا عطاؤه أى لايأتينا يوم دون يوم بل يأتينا كل يوم - والجفنة - القصعة - وأخطاه - كتخطاه تجاوزه - والنوء - سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل يوم إلى ثلاثة عشر يوما وهكذا كل نجم إلى انقضاء السنة وكانت العرب تضيف الامطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. يريد ان جفانه لاتنقطع في القحط والشدة

(2) قوله - وراحت - هو معطوف على مدخول اذا - والشول - كما في القاموس الشائلة من الابل وهي ما أتي عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها والجمع شول على غير قياس. وفى النهاية الشول مصدر شال لبن الناقة أى ارتفع وتسمي الناقة الشول أي ذات شول لانه لم يبق في ضرعها إلا شول من لبن أى بقية ويكون ذلك بعد سبعة أشهر من حملها.

وروى - مباء‌تها - أى مراحها بدل منهاكبها - ومغبر - يعنى من الرياح والعجاج - والتي - بفتح النون الشحم ومصدر نوت الناقة تنوي نواية ونيا اذا سمنت يريد ان الجدب وقلة المرعى خشن لحمها وغيره.

(3) قوله - وألجأ - معطوف أيضا على مدخول اذا وألجأ اضطر ويروي أحجر يقال أحجرته أي ألجائة إلى ان دخل حجره - والصقيع - الجليد - وتنفاحه - ضربه


108
عليه أول زاد القوم قد علموا
ثم المطى إذا ماأرملوا جزر(1)
قد تكظم البزل منه حين تبصره
حتى تقطع في أعناقها الجرر(2)
أخور غائب يعطيها ويسألها
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر(3)
لم ترء أرضا ولم تسمع بساكنها
إلا بها من نوادى وقعه أثر(4)

وهو مصدر نفحت الريح اذا هبت باردة والضمير للصقيع والباء في به بمعنى على والضمير للكلب - والحجر - بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة بالضم الغرفة وحظيرة الابل من شجر.

يقول هو في مثل هذه الايام الشديدة يطعم الناس الطعام

(1) قوله - عليه أول - الخ يعنى انه يرتب على نفسه زاد أصحابه أولا واذا نفد الزاد نحر لهم - وأرمل - الرجل نفد زاده - والمطي - جمع مطية وهي الناقة - والجزر - بضمتين جمع جزور وهي الناقة التى تنحر وروى بفتحتين جمع جزرة وهي الناقة والشاة تذبح

(2) يروي * وتفزع الشول منه حين يفجأها * - والكظم - من كظم البعير بالفتح يكظم بالكسر كظوما اذا أمسك عن الجرة وقيل الكظم أن لاتجتر لشدة الفزع اذا رأت السيف - والبزل - جمع بازل وهو الداخل في السنة التاسعة - والجرر - جمع جرة بكسر الجيم فيهما وهى مايخرجه البعير للاجترار. يقول تعودت الابل انه يعقر منها فاذا رأته كظمت على جرتها - وتقطع - فعل مضارع منصوب بان

(3) - الرغائب - الاشياء التى يرغب فيها يريد يعطى ما يرغب الرجال في ادخاره ويحرصون على التمسك به لنفاسته - وأخو - خبر مبتدإ محذوف أي هو أخو رغائب وجملة يعطيها ويسألها مفسرة لوجه الملابسة في قوله أخو رغائب - ويسألها - بالبناء للمجهول من السؤال ويروى موضعه ويسلبها بالبناء للمعلوم من السلب - والظلامة - بالضم ومثله الظليمة والمظلمة بكسر اللام وضمها وهو ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك - والنوفل - البحر والكثير العطاء. وقال ثعلب النوفل العزيز الذى ينفل عنه الضيم أى يدفعه - والزفر - الكثير الناصر والاهل والعدة

(4) - نوادى - كل شئ بالنون أوائله وما ندر منه واحده نادية ومنه قولهم لاينداك


109
وليس فيه إذا استنظرته عجل
وليس فيه إذا ياسرته عسر
فإن يصبك عدو في مناوء‌ة
يوما فقد كنت تستعلى وتنتصر(1)
من ليس في خيره من يكدره
على الصديق ولافى صفوه كدر(2)
أخوشروب ومكساب إذا عدموا
وفى المخافة منه الجد والحذر(3)
مزدى حروب ونور يستضاء به
كما أضاء سواد الظلمة القمر(4)
مهفهف أهضم الكشحين منخرق
عنه القميص لسيرالليل محتقر(5)

منى سوء أبدا أى لايندر اليك - والوقع - النزول

(1) ويروى - فقد كان يستعلى وينتصر - والمناوأة - المعاداة يقال ناوأت الرجل مناوأة وقيل هي المحاربة ناوأته أى حاربته.

قال الشاعر

اذا أنت ناوأت القرون فلم تنوء
بقرنين عزتك القرون الكوامل

(2) قوله - من ليس في خيره من - الخ رواية المبرد من ليس في خيره شر يكدره - كدره - جعله كدرا يقال تكدر الماء نقيض صفا وكدره غيره جعله كدرا

(3) - الشروب - جمع شرب وهو جمع شارب كصحب جمع صاحب. ويروى أخو حروب - والمكساب - مبالغة كاسب - والعدم - الفقر وفعله من باب فرح

(4) - المردى - بكسر الميم حجر يرمى به ومنه قيل للشجاع انه لمردى حروب ومعناه انه يقذف في الحروب ويرجم فيها ويروي * كما أضاء سواد الطخية القمر * الطخية بضم المهملة وسكون المعجمة الظلمة والطخياء بالمد الليلة المظلمة يريد انه كامل شجاعة وعقلا فشجاعته كونه يرمى في الحروب وعقله كون رأيه نورا يستضاء به وهما وصفان متضادان غالبا

(5) - المهفهف - الخميص البطن الدقيق الخصر - والاهضم - المنضم الجنبين - والكشح - مابين الخاصرة إلى الضلع الخلف وهذا مدح عند العرب فانها تمدح الهزال والضمر وتذم السمن. وفى العباب ورجل منخرق السربال اذا طال سفره


110
طاوى المصير على العزاء منجرد
بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر(1)
لايصعب الامر إلا ريث يركبه
وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر

معنى - لايصعب الامر - أى لايجده صعبا

لايتأرى لما في القدر يرقبه
ولايعض على شرسوفه الصفر(2)

فشققت ثيابه - ولسير الليل - متعلق بما بعده وهذا يدل على الجلادة وتحمل الشدائد.

(1) - الطوى - الجوع وفعله من باب فرح وطوى بالفتح يطوى بالكسر طيا اذا تعمد الجوع - والمصير - المعا الرقيق وجمعه مصران كرغيف ورغفان وجمع هذا مصارين أراد طاوى البطن - والعزاء - بفتح العين المهملة وتشديد الزاى المعجمة الشدة والجهد وقال في الصحاح هي السنة الشديدة - والمتجرد - المتشمر. وقوله - ليلة لاماء ولا شجر - أي يرعى وزاد عبدالقادر البغدادى هنا بيتا وهو
لايهتك الستر عن أنثي يطالعها
ولايشد إلى جاراته النظر

ومعناه انه لاينظر إلى جارته ولايشد اليهن النظر من غيره احتراما له والله أعلم.

(2) - يتأرى - لايتحبس ويتلبث يقال تأري بالمكان اذا أقام فيه أى لايتلبث لادراك طعام القدر وجملة - يرقبه - حال من المستتر في يتأري.

يمدحه بأن همته ليست في المطعم والمشرب وانما همته في طلب المعالى فليس يرقب نضج ما في القدر اذا هم بأمر له شرف بل يتركها ويمضى - والشرسوف - طرف الضلع - والصفر - دويبة مثل الحية تكون في البطن تعترى من به شدة الجوع.

قال في النهاية في حديث لاعدوى ولاهامة ولا صفر لان العرب كانت تزعم ان في البطن حية يقال لها الصفر تصيب الانسان اذا جاع وتؤذيه فابطل الاسلام ذلك وقيل أراد به النبي صلى الله عليه وسلم النسئ الذى كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلون صفرا هو الشهر الحرام انتهى ولم يرد الشاعر ان في جوفه صفرا لا يعض على شراسيفه وانما أراد انه لاصفر في جوفه فيعضه يصفه بشدة الخلق وصحة البلية


111
لايغمز الساق من أين ولا وصب
ولايزالأمام القوم يقتفر(1)
لايأمن الناس ممساه ومصبحه
في كل فج وإن لم يغز ينتظر(2)
تكفيه حزة فلذان ألم بها
من الشواء ويروى شربه الغمر(3)
لا تأمن البازل الكوماء عدوته
ولا الامون إذا ما اخروط السفر(4)
كأنه بعد صدق القوم أنفسهم
باليأس تلمع من قدامه البشر(5)

(1) - لايغمز الساق - لايجيبها يصف جلده وتحمله للمشاق - والاين - الاعياء - والوصب - الوجع - والاقتفار - بتقديم القاف على الفاء اتباع الآثار. في الصحاح وقفرت أثره أقفره بالضم أي قفوته واقتفرت مثله واأنشد هذا البيت ورواه أبوالعباس في شرح نوادر أبى زيد يقتفر بالبناء للمجهول ومعناه انه يفوت الناس فيتبع ولايلحق

(2) قوله - لايأمن الناس - أى لايأمنه الناس على كل حال سواء كان غازيا أم لا فان كان غازيا يخافون أن يغير عليهم وان لم يكن غازيا فانهم في قلق أيضا لانهم يترقبون غزوه وينتظرونه

(3) - الحزة - بضم الحاء المهملة وتشديد الزاى المعجمة قطعة من اللحم قطعت طولا - والفلذان - جمع فلذة بكسر الفاء فيهما - وألم بها - أصابها يعنى أكلها - والغمر - بضم الغين المعجمة وفتح الميم قدح صغير لايروى

(4) - البازل - البعير الذى فطرنا به بدخوله في السنة التاسعة ويقال للناقة بازل أيضا يستوي فيه الذكر والانثى - والكوماء - بالفتح الناقة العظيمة السنام - والعدوة - التعدى فانه ينحرها لمن معه سواء كانت المطية مسنة كالبازل أو شابة كالامون وهي الناقة الموثقة الخلق يؤمن عثارها وضعفها - واخروط - امتد وطال ورواية المبرد

لاتنكر البازل الكوماء ضربته
بالمشر في اذا ما اجلوذ السفر

ومعنى اجلوذ امتد

(5) - لمع - أضاء - والبشر - بضمتين جمع بشير يقول اذا فزع القوم وأيقنوا بالهلاك


112

قال المبرد لانعلم بيتا في يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع من هذا البيت

لايعجل القوم أن تغلى مراجلهم
ويدلج الليل حتى يفسح البصر(1)
عشنا به حقبة حبا ففارقنا
كذلك الرمح ذوالنصلين ينكسر(2)
أصبت في حرم منا أخا ثقة
هند ابن أسماء لايهنى الظفر(3)

عند الحروب أو الشدائد فكأنه من ثقته بنفسه قدامه بشير يبشره بالظفر والنجاح فهو منطلق الوجه نشيط غير كسلان

(1) يريد انه رابط الجاش عند الفزع لايستخفه الفزع فيعجل أصحابه عن الاطباخ. وقوله - حتى يفسح البصر - أى يجد متسعا من الصبح وقيل معناه ليس هو شرها يتعجل بما يؤكل - والمراجل - القدور جمع مرجل

(2) وروى * عشنا بذلك دهرا ثم ودعنا * و - النصلان - هما السنان وهي الحديدة العليا من الرمح والزج وهي الحديدة السفلى ويقال لهما الزجان أيضا وهذا مثل أى كل شئ يهلك ويذهب

(3) خاطب المنتشر هند بن أسماء وأراد بالحرم ذا الخلصة ثم دعا عليه والتهنئة خلاف التعزية وكانت قصة هند بن أسماء ان المنتشر بن وهب الباهلي خرج يريد حج ذي الخلصة ومعه غلمة من قومه والاقيصربن جابر أخو بني فراص وكان بنو نفيل ابن عمرو بن كلاب أعداء له فلما رأوا مخرجه وعورته وما يطلبه به بنو الحارث بن كعب وطريقه عليهم كان من حج ذا الخلصة أهدى له هديا يتحرم به ممن لقيه فلم يكن مع المنتشر هدي فسار حتي اذا كان بهضب النباع انكسر له بعض غلمته الذين كانوا معه فصعدوا في شعب من النباع فقالوا في غار فيه وكان الاقيصر يتكهن وأنذر بنو نفيل بالمنتشر بني الحارث بن كعب فقال الاقيصر النجاء يا منتشر فقد أتيت فقال لا أبرح حتى أبرد فمضضى الاقيصر فأقام المنتشر وأتاه غلمته بسلاحه وأراد قتالهم فأمنوه وكان قد أسر هند بن أسماء المتقدم فسأله أن يفدى نفسه فأبطأ عليه فقطع أنملة ثم أبطأ فقطع منه اخرى وقد أمنه القوم ووضع سلاحه فقال أتؤمنون مقطعا وإلهي لا أأمنه ثم قتله (*)


113
لو لم تخنه نفيل وهى خائنة
لصبع القوم ورد ماله صدر(1)
وأقبل الخيل من تثليث مصغية
وضم أعينها رغوان أو حضر(2)
إما سلكت سبيلا كنت سالكها
فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر

[ قال الشريف ] رضى الله عنه وقد رويت هذه القصيدة للدعجاء أخت المنتشر وقيل لليلى أخته ولعل الشبهة الواقعة في نسبهما إلى ليلى الاخيلية من ههنا والصحيح ما ذكرناه.

أخبرنا أبوالقاسم على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبوحاتم عن أبى عبيدة قال وفد الاخطل على معاوية فقال إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها فقال ان كنت شبهتني بالحية أو الاسد أو الصقر فلا حاجة لى فيها وإن كنت قلت في كما قالت الخنساء

ومابلغت كف امرء متطاول
به المجد إلا حيث مانلت أطول
ومابلغ المهدون في القول مدحة
وإن صدقوا إلا الذى فيك أفضل

فهات فقال الاخطل والله لقد أحسنت وقد قات فيك بيتين ماهما بدون ماسمعته فأنشد

إذا مت مات العرف وانقطع الغنى
فلم يبق إلا من قليل مصرد

وقتل غلمته انتهي وزاد عبدالقادر البغدادى بين البيتين بيتا وهو

فان جزعنا فقد هدت مصابتنا
وإن صبرنا فإنا معشر صبر

- المصابة - بضم الميم بمعنى المصيبة يقال جبر الله مصابه وهو فاعل والمفعول محذوف أي قوانا والصبر بضمتين جمع صبور مبالغة صابر وروي مصيبتنا

(1) - صبحه - سقاه الصبوح وهو الشرب بالغداة أراد انه كان يقتلهم

(2) - أقبل الخيل - جعلها مقبلة ومقبلة مائلة نحوكم - ورغوان وحضر - موضعان أى كانت تأتي خيله عليكم في هذين الموضعين وما كانت تنام في منزل إلا فيهما(15 - أمالى ثالث)


114
وردت أكف الراغبين وأمسكوا
عن الدين والدنيا بخلف مجدد

فأحسن صلته.

وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا إبراهيم بن محمد النحوى قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى أن ابن الاعرابى أنشدهم

مررنا عليه وهو يكعم كلبه
دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح

قال قوله - يكعم كلبه - أى يشد فاه خوفا أن ينبح فيدل عليه.

وقال آخر

وتكعم كلب الحى من خشية القرى
ونارك كالغذراء من دونها ستر

وقد قال الاخطل

قوم إذا استنبح الاضياف كلبهم
قالوا لامهم بولى على النار

قال أبوعبدالله وسمعت محمد بن يزيد الازدى يقول هذا من أهجى ماهجى به جرير لانه جعل نارهم تطفيها البولة وجعلهم يأمرون أمهم بالبول استخفافا بها

(مجلس آخر 51)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذهديتنا) الاية. فقال أو ليس ظاهر الآية يقتضى أنه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الايمان حتى تصح مسألته تعالى ألا يزيغها ويكون هذا الدعاء مفيدا. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه.

أولها أن يكون المراد بالآية ربنا لاتشدد علينا المحنة في التكليف ولاتشق علينا فيه فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منا بعدالهداية وليس يمتنع أن يضيفوا مايقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة اليه كما قال عزوجل في السورة (إنها زأدتهم رجسا إلى رجسهم) وكما قال مخبرا عن نوح عليه السلام (فلم يزدهم دعائى إلا فرارا). فإن قيل كيف يشدد المحنة عليهم. قلنا بأن يقوى


115

شهواتهم لما قبحه في عقولهم ونفورهم عن الواجب عليهم فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا والثواب المستحق عليهم عظيما متضاعفا وإنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة.

وثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية وإمدادهم بالالطاف التى معها يستمرون على الايمان فإن قيل وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بان لايفعل اللطف. قلنا من حيث المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرافوا عن الايمان ويجرى هذا مجرى قولهم اللهم لاتسلط علينا من لايرحمنا معناه لاتخل بيننا وبين من لايرحمنا فيتسلط علينا ومثله قول لفرزدق

أتانى ورحلى بالمدينة وقعة
لآل تميم أقعدت كل قائم

أراد قعد لها كل قائم فكأنهم قالوا لاتخل بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك فنزيغ ونضل.

وثالثها ماأجاب به أبوعلى الجبائى محمد بن على لانه قال المراد بالآية ربنا لاتزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك ومعنى هذا السؤال أنهم سألوا الله تعالى أن يلطف لهم في فعل الايمان حتى يقيموا عليه ولايتركوه في مستقبل عمرهم فيستحقوا بترك الايمان أن يزيغ قلوبهم عن الثواب وأن يفعل تعالى بهم بدلا منه العقاب. قال فإن قال قائل فما هذا الثواب الذى هو في قلوب المؤمنين حتى زعمتم أنهم سألوا الله أن لايزيغ قلوبهم عنه وأجاب بأن من الثواب الذى في قلوب المؤمنين ماذكره الله تعالى من الشرح والسعة بقوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) وقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك) وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحزن اللذان يفعلان بالكفار عقوبة قال ومن ذلك أيضا التطهير الذى يفعله في قلوب المؤمنين وهو الذى منعه الكافرين فقال تعالى (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) قال ومن ذلك أيضا كتابته الايمان في قلوب المؤمنين كما قال تعالى (أولئك كتب في قلوبهم الايمان) وضد هذه الكتابة هى سمات الكفر التى في قلوب الكافرين فكأنهم سألوالله تعالى أن لايزيغ قلوبهم عن هذا الثواب لي ضده من العقاب.

ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بأن لايزيغ القلوب


116

عن اليقين والايمان ولا يقتضى ذلك انه تعالى سئل ما كان لايجب أن يفعله وما لولا المسألة لجاز فعله لانه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع اليه والافتقار إلى ما عنده بأن يفعل تعالى ما نعلم انه لابد من أن يفعله وبأن لايفعل مانعلم أنه واجب أن لايفعله تعالى إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام (ولاتحزنى يوم يبعثون) وكما قال في تعليمنا ما ندعوه به (قال رب احكم بالحق) وكقوله تعالى (ربنا ولاتحملنا ما لاطاقة لنا به) على أحد الاجوبة وكل ماذكرناه واضح بحمدالله.

[ قال الشريف ] رضى الله عنه وإنى لاستحسن قول الراعى في وصف الاثافى والرماد فلقد طبق وصفه المفصل مع جزالة الكلام وقوته واستوائه واطراده

وأورق من عهد ابن عفان حوله
حواضن ألاف على غير مشرب
وراد الاعالى أقبلت بنحورها
على راشح ذى شامة متقوب
كأن بقايا لونه في متونها
بقايا هناء في قلائص مجرب

- الاورق - الرماد جعل الاثافى له كالحواضن لاحتضانها له واستدراتها حوله. وأراد - بوراد الاعالى - أن ألوانها تضرب إلى الحمرة وخص الاعالى لانها مواضع القدر فلا تكاد تسود - والراشح - هوالراضع وإنما شبه الرماد بينهن بفصيل بين أظآر - المتقوب - الذى قد انحسر أعلاه وشبه ما سودت النار منهن بأثر قطران على قلائص جربى - والمجرب - الذى قد جربت إبله.

ونظير هذا المعنى بعينه أعنى تشبيه تسويد النار بالهناء قول ذى الرمة

عفا الزرق من أطلال مية فالدحل
فأجماد حوضى حيث زاحمها الحبل(1)

(1) - الزرق - رمال بالدهناء وقيل هي قرية بين النباج وسمينة وهي صعبة المسالك - والدحل - بالفتح ماء نجدي الغطفان - والاطلال - جمع طلل محركة وهو الشاخص من آثار الدار - والاجماد - جمع جمد بالتحريك وهو ما ارتفع من الارض - وحوضى -


117
سوى أن يرى سودا من غير خلقه
تخاطأها وارتث جاراتها النقل
من الرضمات البيض غير لونها
نبات فراض المرخ واليابس الجزل
كجزباء دست بالهناء فأصبحت
بأرض خلاء أن تقاربها الابل

قوله - سوداء من غير خلقه - يعنى أثفية لان السواد ليس بخلقه بها وإنما سودتها النار. وقوله - تخطأها النقل - أى تجاوزها فلم تحمل من مكان إلى مكان بل بقيت منفردة - وارتث جاراتها - بمعنى بجاراتها أى نقلن عنها الاثافى اللواتي كن معها - والمرتث - هو المنقول من مكان إلى مكان وأصل ذلك في الجريح والعليل يقال ارتث الرجل ارتثاثا إذا حمل من المعركة وبه رمق.

قال النضر بن شميل معنى ارتث صرع. وقال أبوزيد مأخوذ من قولهم ارتثينا رثة القوم إذا جمعوا ردى متاعهم بعد أن يتحملوا من موضعهم وكلا المعنيين يليق ببيت ذى الرمة لانه يجوز أن يريد صرعن وبقيت ثانية قائمة - والرضمات - حجارة بيض بعضها على بعض - والفراض - جمع فرض وهو الحز يكون في الزند. وعنى ببنات فراض المرخ شرر النار الخارجة من ذلك الفرض - والمرخ - شجر تتخذ منه الرندة. ومن أمثالهم في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار وهذا المثل يضرب للرجل الكريم الذى يفضل على القوم ويزيد عليهم فكأن المعنى كل القوم كرام وأكرمهم فلان(1). ومعنى - كجرباء دست بالهناء - انه

بالفتح ثم السكون مقصور بوزن سكرى اسم ماء لبنى طهمان بن عمرو بن سلمة إلى جنب جبل في ناحية الرمل - وزاحمها - ضايقها - والحبل - الرمل المستطيل

(1) وقال الميدانى في تفسيره له يقال مجدت الابل تمجد مجودا اذا نالت من الخلي قريبا من الشبع واستمجد المرخ والعفار أى استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما شبها بمن يكثر العطاء طلبا للمجد لانهما يسرعان الورى يضرب في تفضيل بعض الشئ على بعض.

قال أبوزياد ليس في الشجر كله أورى زنادا من المرخ قال وربما كان المرخ مجتمعا ملتفا وهبت الريح فحك بعضه بعضا فأورى فاحترق الوادي كله ولم نر


118

شبه الاثفية المفردة بناقة جرباء قد أفردت وأبعدت عن الابل حتى لاتجربها ولا تعديها ومعنى دست بالهناء أي طليت به.

وفى معني القول الراعى وراد الاعالى شبه من قول الشماخ بن ضرار

أقامت عى ربعيهما جارتا صفا
كميتا الاعالى جونتا مصطلاهما(1)

ذلك في سائر الشجر.

قال الاعشى

زنادك خير زناد الملوك
خالط فيهن مرخ عفارا
ولو بت تقدح في ظلمة
حصاة بنبع لا وريت نارا

والزند الاعلى يكون من العفار والاسفل من المرخ.

قال الكميت

اذا المرخ لم يور تحت العفار
وضن بقدر فلم تعقب
(1) وقبله
أمن دمنتين عرج الركب فيهما
بحقل الرخامي قد أني لبلاهما
أقامت على ربعيهما جارتا صفا
كميتا الاعالي جونتا مصطلاهما
وإرث رماد كالحمامة ماثل
ونؤيان من مظلومتين كداهما
أقاما لليلى والرباب وزالتا
بذات السلام قد عفا طللاهما
ففاضت دموعي في الرداء كأنها
عزالي شعيب مخلف وكلاهما
ليالي ليلى لم يشب عذب مائها
بملح وحبلانا متين قواهما
ولو دين للبيض الهجان وحالك
من اللون غربيب بهيم علاهما

اذا اجتهدا الترويح مدا عجاجة أعاصير مما يستثير خطاهما

وسر بين كدر بين قدرعت غدوة
على الماء معروف الي لغاهما
اذا غادرا منه قطاتين ظلتا
أديم النهار تطلبان قطاهما
وإنى عداني عنكم غير ماقت
نواران مكتوب على بغاهما
وعنس كألواح الاران نسأتها
اذا قيل للمشبوبتين هماهما
تغالى برجليها اليك ابن مربع
فيانعم نعم المغتلي مغتلاهما

119

يعنى - بربعيهما - منزلى المرأتين اللتين ذكرهما ويعنى - بجارتا صفا - الاثفيتين لانهما مقطوعتان من الصفا الذى هو الصخر. ويمكن في قوله جارتا وجه آخر هو أحسن من هذا وهو أن الاثفيتين توضعان قريبا من الجبل لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما وممسكة للقدر معهما ولهذا تقول العرب رماه بثالثة الاثافى أى بالصخرة أو الجبل وشبه أعلاهما بلون الكميت وهو لون الحجر نفسه لان النار لم تصل اليه فتسوده - ومصطلاهما جون - أي اسود لان النار قد سفعته سودته.

وقال الراعى في وصف الاثافى إيضا

أذاع بأعلاه، وأبقى شريده
ذرى مجنحات بينهن فروج
كأن بجزع الدار لما تحملوا
سلائب ورقا بينهن خديج

- أذاع بأعلاه - يعنى الرماد لان السافى طير ظاهره وماعلامنه - وأبقى شريده - يريد به الذى أبقى لما شرد على السافي فلم يطيره - وذرى مجنحات - يعنى الاثافى وذرى كل شئ جانبه وما استذريت به منه - والمجنحات - المسبلات منه - والسلائب - جمع سلوب وهى الناقة التى قد سلبت ولدها بموت أونحر فقد عطفت على حوار آخر - والخديج - الذى قد سقط لغير تمام - والورق - اللواتى ألوانهن كلون الرماد. وفى معنى قول الراعي وأبقى شريده ذرى قول المخبل السعدى

اذا ما حصيرا زورها لم يعلقا
لها الضفر إلا من امام رحاهما
كست عضديها زورها وانتحت بها
ذراعا لجوج عوهج ملتقا هما
فباتت بأبلى ليلة ثم ليلة
بحاذة واجتابت نوي عن نواهما
وراحت على الافواه أفواه غيقة
نجاه تفتلاوين ماض سراهما
أجدت هبابا عن هباب وسامحت
قوى نسعتيها بعد طول اذاهما
ولولا فتى الانصار ماسك سمعها
ضمير ولا حورانه فقراهما
وإني لارجو من يزيد بن مربع
حذيته من خيرتين اصطفاهما
حذيته من نائل وكرامة
سعى في بغاء المجد حتى احتواهما

120

وأرى لها دارا بأغدرة السيدان لم يدرس لها رسم(1)

إلا رمادا هامدا دفعت
عنه الرياح خوالد سحم(2)

- لا - ههنا بمعنى الواو فكأنه قال وأرى رمادا هامدا ولولا ان إلا ههنا بمعنى الواو لفسد الكلام ونقض آخره أوله لانه يقول في آخر البيت ان الخوالد السحم دفعت عنه الرياح فكيف خبر بأنه قد درس وإنما أراد أنه باق ثابت لان الاثافي دفعت عنه الرياح فلم تستنه إذ هو من جملة مالم يدرس بل هو داخل في جملته وللراعى أيضا في لاثافى

أنحن وهن أغفال عليها
فقد ترك الصلاء بهن نارا

شبه الاثافى بنوق أنخن أغفالا لست عليهن سمة ثم أخبر ان الوقود قد أثر فيهن أثرا كالسمة فالنار السمة تقول العرب ما ناربعيرك أى ماسمته وفى أمثالهم نجارها نارها أى

(1) - الاغذرة - جمع غدير وهو القطعة من الماء يغادرها السيل أى يتركها وهو فعيل في معنى مفعول على اطراح الزائد وقد قيل انه من الغدر لانه يخون وراده فينضب عنهم ويغدر بأهله فينقطع عند شدة الحاجة اليه. وقال اللحياني الغدير اسم ولايقال هذا ماء غدير وقال الليث الغدير مستنقع الماء ماء المطر صغيرا كان أو كبيرا غير انه لايبقى إلى القيظ إلا مايتخذه الناس من عد ووجذ ووقط أو صهريج أو حائر قال أبومنصور العد الماء الدائم الذي لا انقطاع له ولايسمي الماء الذى يجمع في غدير أو صهريج أو صنع عدا لان العد ما يدوم مثل ماء العين والركية

(2) - الرماد - دقاق الفحم من حراقة النار وما هبا من الجمر فصار دقاقا والطائفة منه ومادة. وفي حديث أم زرع زوجي عظيم الرماد أى كثير الاضياف لان الرماد بكثرة الطبخ - وهامدا. طافئا.

قال الاصمغي طفئت النار اذا سكن لهبها وهمدت همودا اذا طفئت البتة فاذا صارت رمادا قيل هبا يهبو وهو هاب - والخوالد - الصخور. قال الجوهرى قيل لاثافى الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الاطلال - وسحم - جمع سحماء أي سوداء وهو صفة لخوالد


121

سمتها تدل على كرمها يضرب ذلك للرجل ترى له ظاهرا حسنا يدل على باطن خبره.

وقال عدي بن الرقاع العاملى

إلا رواكد كلهن قد اصطلى
حمراء أشعل أهلها إيقادها
كانت رواحل للقدور فعريت
منهن واستلب الزمان رمادها

وقال مالك الجعفى

إلا رواكد بينهن خصاصة
سفع المناكب كلهن قد اصطلى

وقال حميد بن ثور

فتغيرت إلا ملاعبها
ومعرسا من جونة ظهر
عرش الثقاب لها بدار مقامة
للحى بين نظائر وتر

- الجونة - للقدر ويقال قدر ظهر وقدور ظهور اذا كانت قديمة - وعرش - أى جعل مثل العريش يعنى الوقود - والثقاب - ما أثقبت به النار من الوقود - والنظائر - هي الاثافى - والوتر - الفرد وأراد انها ثلاث.

وقال الكميت بن زيد

ولن تحييك أظار معطفة
بالقاع لاتمك فيها ولاميل
ليست بعوذ ولم تعطف على ربع
ولايهيب بها ذوالنية الابل

يعنى الاثافى فشبه عطفها على الرماد بنوق أظآر قد عطفت على فصيل - والتمك - انتصاب السنام - والميل - من صفة السنام أيضا - والعائذ - من النوق التى يتبعها ولدها - والربع - الذى نتج في الربيع - والاهابة - الدعاء أهاب بابله إذا دعاها - وذوالنية - الذى قد نوى الرحيل - الابل - صاحب الابل.

وقال ذوالرمة

فلم يبق إلا أن ترى في محله
رمادا نحت عنه الخيول جنادله
كأن الحمام الوزق في الدار وقعت
على خرق بين الظوور جواز له

شبه الاثافى بالحمام الورق وجعلها ظؤورا لتعطفها على الرماد وشبه الرماد بفرخ خرق(16 - أمالى لث)


122

قد سقط ريشه - والجوازل - الفراخ واحدها جوزل.

وقال البعيث

ألا حييا الربع القواء وسلما
ورسما كجثمان الحمامة أدهما

قيل إن الحمام هاهنا القطاة وإنه شبه ألوان الرسوم من الرماد ومو قد نار، ودمنة ومجر طنب وماأشبه الاشياء بألوان ريش القطاة.

ومثله لجرير

كأن رسوم الدار ريش حمامة
محاها البلى واستعجمت إن تكلما

ولقد أحسن كله الاحسان كثير في قوله

أمن ال قيلة بالدخول رسوم
وبحومل طلل يلوح قدوم
لعب الرياح برسمه فأجده
جون عواكف في الرماد جثوم
سفع الخدود كأنهن وقد مضت
حجج عوائد بينهن سقيم

وقيل في قوله - فأجده جون عواكف - يعنى الاثافى لان الريح لما كشفت عنها وظهرت صارت كأنها أجدت الرسم.

ويحتمل وجه آخر وهو أن يكون معنى أجدت انها حملت الرماد الذى أحاطت به من لعب الرياح فبقى بحالة يستدل به المترسم فكأن الرياح درست الربع ومحته إلا ما أجدته هذه الاثافي من الرماد ومنعت الريح عنه ويجرى ذلك مجرى قول المخبل * إلا رمادا هامدا * البيت.

وقال المرار الفقعسى في الاثافى

أثر الوقود على جوانبها
بخدودهن كأنه لطم

ويقال ان أباتمام الطائى أخذ ذلك في قوله

قفوا نعط المنازل من عيون
لها في الشوق أحشاء غزار
عفت آياتهن وأى ربع
يكون له على الزمن الخيار
اثاف كالخدود لطمن حزنا
ونؤي مثل ماانفصم السوار

وقد عاب عليه قوله لطمن حزنا بعض من لامعرفة له وقال لا فائدة في قوله حزبا ولذلك فائدة وذلك أن لطم الحزن أوجع فتأثيره أبلغ وأظهر وأبين وقد يكون اللطم


123
لغير الحزن فأما قوله
ونؤى مثل ما انفصم السوار

فمأخوذ من قول الشاعر

نؤى كما انقض الهلال مخافة
أو مثلما فصم السوار المعصم

وقد شبه الناس النؤى بالسوار والخلخال كثيرا أو بغير ذلك.

قال كثير

عرفت لسعدى بعد عشرين حجة
بها درس نؤي في المحلة منحن(1)
قديم كوقف العاج ثبت حواؤه
مغادر أوتاد برضم موضن

- الوقف - السوار من الذبل ومن العاج - والرضم - صخور عظام - والموضن - الذى بعضه فوق بعض.

وقال بشار

ونؤي كخلخال الفتاة وصائم
أشج على ريب الزمان رقوب

- الصائم الاشج - يعنى الوتد وانما وصفه بأنه صائم لقيامة وثباته وجعله رقوبا لانفراده والمرأة الرقوب والشيخ الرقوب الذى لايعيش له ولد.

ومن مستحسن ماوصف به النؤى قول أبى تمام

والنؤى أهمد شطره فكأنه
تحت الحوادث حاجب مقرون(2)

(1) - درس - بسكون الراء أصله درس بفتحها وسكنت وكل ذلك جائز في كل فعل ثلاثي فان كانت عينه حلقية فهو مقيس وإلا فحكمه الضرورة يقال درس الرسم عفا ودرسته الريح محته لازم متعد - ومنحن - دارس

(2) البيت من قصيدة يمدح بها الواثق بالله أولها

وأبي المنازل إنها لشجون
وعلى العجومة انه لتبين
فاعقل بنضوالدار نضوك يقتسم
فرط الصبابة مسعد وحزين
لاتمنعني وقفة أشفى بها
داء الفؤاد فانها ماعون
واسق الاثافي من شؤونك ريها
ان الضنين بدمعه لضنين
والنؤى أهمد شطره فكأنه
تحت الحوادث حاجب مقرون
حزن غداة الحزن هاج غليله
في أبرق الحنان منك حنين

124

وقال المتنبى في ذلك قف على الدمنتين بالدومن ريا كخال في وجنة جنب خال

بطلول كأنهن نجوم
في عراص كأنهن ليالى
ونؤي كأنهن عليهن
خدام خرس بسوق خدال(1)

- الخدام - جمع خدمة وهى الخلخال وجعلها خرس لانها غير قلقة وشبه ما أحدق به النؤى من الارض وامتلائها بامتلاء الخلخال من الساق الخدلة وهي الممتلئة

سمة الصبابة زفرة أو عبرة
متكفل بهما حشا وشؤون
لولا التفجع لادعى هضب الحمى
وصفى المشقر انه محزون

(1) الابيات من قصيدة يمدح بها عبدالرحمن بن المبارك الانطاكى ومطلعها
صلة الهجر لي وهجر الوصال
نكسانى في السقم نكس الهلال
فغدا الجسم ناقصا والذى ينقص
منه يزيد في بلبال

قف على الدمنتين. الابيات الثلاثة.

ومنها ما تريد النوى من الحية الذؤاق حر الفلا وبرد الظلال فهو أمضى في الروع من ملك الموت وأسرى في ظلمة من خيال

ولحتف في العز يدنو محب
ولعمر يطول في الذل قال
نحن ركب ملجن في زى ناس
فوق طير لها شخوص الجمال
من بنات الجديل تمشى بنا في البيد
مشى الايام في الآجال
كل هو جاء للدياميم فيها
أثر النار في سليط الذبال
عامدات للبدر والبحر والضرغامة
ابن المبارك المفضال
من يزره يزر سليمان في الملك
جلالا ويوسفا في الجمال
وربيع يضاحك الغيث فيه
زهر الشكر من رياض المعالي
نفحتنا منه الصبا بنسيم
ورواحا في ميت الآمال
هم عبدالرحمن نفع الموالي
وبوار الاعداء والاموال
(مجلس آخر 52)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوابقرة) إلى قوله (الآن جئت بالحق فذبحوها وماكادو يفعلون). فقال ما تأويل هذه الآيات وهل البقرة التى نعتت بجميع النعوت هى البقرة المرادة باللفظ الاول والتكليف واحد والمراد مختلف أوالتكليف متغاير.

الجواب قلنا أهل العلم في تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم فمن جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد وأن الاوصاف المتأخرة هى للبقرة المتقدمة وإنما تأخر البيان عن وقت الخطاب ولما سئل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شئ ومن لم يجوز تأخير البيان يقول إن التكليف متغاير وإنهم لماقيل لهم اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أى بقرة شاء‌وا من غير تعيين بصفة ولو أنهم ذبحوا أى بقرة اتفقت كانوا قد امتثلوا الامر فلما لم يفعلوا كلفوا ذبح بقرة لافارض ولابكر ولوذبحوا مااختص بهذه الصفة من أى لون كان لاجزأ عنهم فلما لم يفعلوا كلفوا ذبح بقرة صفراء فلما لم يفعلوا كلفوا ذبح ما اختص بالصفات الاخيرة.

ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فمنهم من قال في التكليف الاخير إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الارض ولاتسقى الحرث مسلمة لاشية فيها صفراء فاقع لونها ولافارض ولابكر فمنهم من قال إنما يجب أن يكون بالصفة الاخيرة فقط دون ماتقدم فظاهرها ما تقدم الكتاب بالقول الاول أشبه وهو المبنى على جواز تأخير البيان وذلك أنه تعالى لما كلفهم ذبح بقرة قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام (ادع لنا ربك يبين لنا ماهي) فلايخلوا قولهم ماهي من أين يكون كناية عن البقرة المتقدم ذكرها أو عن التي أمروابها ثانيا على قول من يدعى ذلك وليس يجوز أن يكونوا سألوا عن الصفة التى تقدم ذكرها لان الظاهر من قولهم ماهى بعد قوله لهم اذبحوا بقرة يقتضى أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها ولانهم لاعلم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها وإذا صح أن السؤال انما كان عن صفة البقرة المنكرة التى أمروا في الابتداء بذبحها فليس يخلو قوله إنها بقرة


126

لافارض ولا بكر من أن يكون كناية عن البقرة الاولى أو عن غيرها وليس بجوز أن يكون ذلك عن بقرة ثانية لان ظاهر قوله تعالى (انها بقرة لا فارض ولابكر) من أن يكون كناية عن البقرة الاولى أو عن غيرها وليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية لان ظاهر قوله تعالى (إنها بقرة) من صفتها كذا وكذا بعد قولهم ما هي يقتضى أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم وان الامر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شئ فأجابهم عن غيره وهذا لايليق بالنبى عليه الصلاة والسلام على أنه لما أراد أن يكلفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم في الاول على مايدعيه من يذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم وينكرعليهم الاستفهام في غير موضعه وتفريطهم فما أمروا به لاحاجة بهم إلى الاستفهام عنه فيقول في جواب قولهم ماهى إنما كلفهم أى بقرة شئتم ومايستحق اسم بقرة وقد فرطتم في ترك الامتثال وأخطأتم في الاستفهام مع وضوح الكلام إلا أنكم قد كلفتم ثانيا كذا وكذا لان هذا مما يجب عليه بيانه لازالة الشك والابهام واللبس فلما لم يفعل ذلك وأجاب بالجواب الذى ظاهره يقتضى التعلق بالسؤال علم ان الامر على ماذكرناه وهب انه لم يفعل ذلك في أول سؤال كيف لم يفعله مع تكرار الاسئلة والاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها ومع تكرر المعصية والتفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلقة بسؤالاتهم لانهم يسألونه عن صفة شئ فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلق الجواب بالسؤال لان قول القائل في جواب من سأله ماكذاوكذا إنه بالصفة الفلانية صريح في أن الهاء كناية عن ما وقع السؤال عنه هذا مع قولهم إن البقر تشابه علينا لانهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين فلم لم يقل أى تشابه عليكم وإنما أمرهم في الابتداء بأى بقرة كانت وفى الثانى بما اختص باللون المخصوص من أى البقر كان.

فإن قيل كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام ولايبين ذلك لهم وهذا تكليف مالايطاق. قلنا لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة في الثانى من حال الخطاب ولو كانت حال الحاجة إلى الفعل حاضرة لما


127

جاز أن يتأخر البيان لان تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الذى لاشبهة في قبحه وإنما أراد أن يذبحوها في المستقبل فلو لم يستفهموا ويطلبوا البيان لكان قد رود عليهم عند الحاجة إليه.

فإن قيل إذا كان الخطاب غير متضمن لصفة ما أمروا بذبحه فوجوده كعدمعه وهذا يخرجه من باب الفائدة ويوجب كونه عبثا. فلنا ليس يجب ما ظننتم لان القول وان كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة ولولم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب فصار مفيدا من حيث ذكرناه وخرج من أن يكون وجوده كعدمه وفوائد الكلام لايجب أن يدخلها الاقتراح وليس يخرج الخطاب من تعلقه ببعض الفوائد كونه غير متعلق بغيرها وبما هو زيادة عليها.

فإن قيل ظاهر قوله تعالى (فذبحوها وما كادويفعلون) يدل على استبطائهم وذمهم على التقصير في امتثال الامر. قلنا ليس ذلك صريح ذم لان كادوا للمقاربة وقد يجوز أن يكون التكليف صعب عليهم لغلاء ثمن البقرة التى تكاملت لها تلك الصفات فقد روى أنهم ابتاعوها بمل‌ء جلدها ذهبا على أن الذم يقتضى ظاهره أن يصرف إلى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الامر بعد البيان التام لان قوله تعالى (وماكادو يفعلون) إنما ورد بعد تقدم البيان التام المتكرر ولا يقتضى ذمهم على ترك المبادرة في الاول إلى ذبح بقرة فليس فيه دلالة على مايخالف ماذكرناه.

فإن قيل لو ثبت تقديرا أن التكليف في البقرة متغاير أى القولين اللذين حكيتموهما عن أهل هذا المذهب أصح وأشبه. قلنا قول من ذهب إلى أن البقرة إنما يجب أن تكون بالصفة الاخيرة فقط لان الظاهر به أشبه من حيث انه إذا ثبت تغاير التكليف وليس في قوله إنها بقرة لاذلول تثير الارض إلى آخر الاوصاف ذكر لماتقدم من الصفات وهذا التكليف غير الاول فالواجب اعتبار ماتضمنه لفظه والاقتصار عليه.

فأما - الفارض - فهى المسنة وقيل هى العظيمة الضخمة يقال غرب فارض أى ضخم والغرب الدلو ويقال أيضا لحية فارضة إذا كانت عظيمة والاشبه بالكلام أن يكون المراد المسنة. فأما - البكر - فهى الصغيرة التى لم تلد فكأنه تعالى قال غير مسنة ولا صغيرة - والعوان - دون المسنة وفوق الصغيرة وهى النصف التى قد ولدت بطنا أو بطنين يقال حرب عوان إذا لم تكن أول حرب وكانت ثانية وإنما


128

جاز أن يقول بين ذلك وبين لايكون إلا مع اثنين أو أكثر لان لفظة ذلك تنوب عن الجمل تقول ظننت زيدا قائما ويقول القائل قد ظننت ذلك وقد ظن ذاك. ومعنى - فاقع لونها - أي خالصة الصفرة وقيل إن كل ناصع اللون بياضا كان أو غيره فهو فاقع وقيل أنه أراد بصفراء ههناسوداء. ومعنى قوله تعالى (لاذلول تثير الارض) أى تكون صبعة لايذللها العمل في إثارتها الارض وسقى الزرع. ومعنى - مسلمة - مفعلة، من السلامة من العيوب. وقال قوم مسلمة من الشية أى لاشية فيها تخالف لونها. وقوله - لاشية فيها - أى لاعيب فيها وقيل لاوضح وقيل لالون يخالف لون جلدها والله أعلم بما أراد وإياه نسأل التوفيق.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. كنت أظن أن المتنبى قد سبق إلى معنى قوله في مرثية أخت سيف الدولة

طوى الجزيرة حتى جاء‌نى خبر
فزعت فيه بآمالى إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

حتى رأيت هذا المعنى لمسلم بن الوليد الانصارى وللبحترى.

أما الذى لمسلم فقوله في قصيدة يرثي بها سهل بن الصباح

وقف العفاة عليك من متحير
وله الرجاء، وذى غنى يسترجع
ومخادع السمع النعي ودونه
خطب ألم بصادق لايخدع

وقال البحترى يرثى وصيفا التركى

إذا جد نادعية توهمت أنه
يكرر من أخباره قول مازح

وكنت أظن المتنبى سبق إلى قوله

تحل القنا يوم الطعان بعقوتى
فأحرمه عرضى وأطعمه جلدى(1)

(1) - القنا - جمع قناة وهي الرمح - وعقوتى - ساحتي - والعرض - موضع الذم والمدح من الانسان. والمعنى ان الطعن يقع في ساحته فيجعل جلده طعما له ولاينهزم خوفا من الطعن في عرضه وهو من قصيدة يودع بها ابن العميد عند مسيره قاصدا سيف (*)


129

حتى رأيت هذا المعنى بعينه واللفظ لحميم بن شبل الكلابى من أهل اليمامة في قوله

ثنى قومه عن خذرجان وقدحنا
إلى الموت دامى الصفحتين كليم
أخو الحزب أما جلده فمجرح
كليم وأما عزضه فسليم

وكنت أظن البحترى سبق إلى معنى قوله في الفتح بن خاقان

حملت إليه السيف لاعزمك أنثنى
ولا يدك ارتدت ولاحده نبا

حتى وجدت لشاعر متقدم

طعنت ابن دهمان بنجران طعنة
شققت بها عنه مضاعفة السرد

لدولة ثم قتله فاتك الاسدى ومطلعها

نسيت وما أنسى عتابا على الصد
ولاخفرا زادت به حمرة الخد
ولا ليلة قصرتها بقصيرة
أطالت يدى في جيدها صحبة العقد
ومن لي بيوم مثل يوم كرهته
قربت به عند الوداع من البعد
وإلا يخص الفقد شيئا لانني
فقدت فلم أفقد دموعى ولا وجدى
تمن يلذ المستهام بذكره
وان كان لايغنى فتيلا ولايجدى
وغيظ على الايام كالنار في الحشى
ولكنه غيظ الاسير على القد
فإما ترينى لا أقيم ببلدة
فأفة غمدي في دلوقى وفى حدى
يحل القنا يوم الطعان بعقوتي
فأحرمه عرضى وأطعمه جلدي
تبدل أيامي وعيشى ومنزلي
نجائب لايفكرن في النحسن والسعد
وأوجه فتيان حياء تلثموا
عليهن لاخوفا من الحر والبرد
وليس حياء الوجه في الذئب شيمة
ولكنه من شيمة الاسد الورد
اذا لم تجزهم دار قوم مودة
أجاز القنا والخوف خير من الود
يحيدون عن هزل الملوك إلى الذى
توفر من بين الملوك على الجد

(17 - امالى لث) (*)


130
فلاالكف أوهت بى ولاالرمح خاننى
ولاالادهم المنعوت حاد عن القصد

قال محمد بن يحيى الصولي وصف الناس صفرة اللون في العلل فكل حكى ذلك وقال بلا فضيلة إلا البحترى فانه أغرق من أبيات قال أعرابى من أينات(1)

جعلت وماعاينت عطرا كأنما
جرى بين جلدى والعظام خلوق

وقال أبوتمام

لم يشن وجهه المليح ولكن
جعلت ورد وجنتيه بهارا

وقال غيره

ولم تشن شيئاولكنها
بدلت التفاح بالياسمين

وقال أبوبكر عيسى الزلفى

علة زعفرت مورد خد
كاد من رقة ورى يفيض

ولاحمد بن يزيد المهلبى

وقالوا غزت غراء حى شديدة
فوجنتها منه شديد صفارها
فقلت لهم هيهات هاتيك روضة
مضى وزدها عنا وجاء بهارها

ولابى العتاهية

وكأننى مما تطاول بى
منك السقام طليت بالورس

وقال ابن المعتز

وصفرت علته وجهه
فصار كالدينار من حق

وقال البحتري

بدت صفرة في لونه إن حمدهم
من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد

(1) هكذا فيما وقفنا عليه من النسخ على انه لم يظهر لنا استقامة المعنى فليحرر (*)


131
وجرت على الايدى مجسة كفه
كذلك موج البحر ملتهب الوقد
وماالكلب محموما وإن طال عمره
ألا إنما الحمى على الاسد الورد(1)

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. أما تشبيه صفرة اللون بصفرة الدر فهو تشبيه مليح موافق لغرضع إلا أنه أخطأ في قوله ان حمدهم * من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد لان ذلك ليس بمحمود بل مذموم ولو شبه وترك التعليل لكان أجود.

وروى أبوالعباس أحمد بن فارس المنيجى قال حدثنا أبوأحمد عبيدالله بن يحيى البحترى قال حدثنى أبى قال حدثنى جدى البحترى قال كنت عند أبى العباس المبرد يوما فتذاكرنا شعر عمارة بن عقيل فقال أبوالعباس لقد أحسن عمارة في قوله لخالد بن يزيد لما وجه إليه بهذين البيتين

لم أستطع سيرا لمدحة خالد
فجعلت مدحيه إليه رسولا
فليرحلن إلى نائل خالد
وليكفين رواحلى الترحيلا

قال البحترى فقلت له لمروان بن أبى حفصة في عبدالله بن طاهر وقد أتاه نائلة من الجزيرة ماهو أحسن من هذا وأنشدته

لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا
بغداد من أرض الجزيرة وابله
فكنا كحى صبح الغيث أهله
ولم يرتحل أظعانه ورواحله

(1) هى من أبيات يمدح بها ابراهيم بن المدبر ويذكر علة نالته ومطلعها

بأنفسنا لابالطوارف والنلد
نقيك الذى تخفى من الشكو أو تبدى
بنا معشر العافين ما بك من أذى
فان أشفقوا مما أقول فبي وحدي
ظللنا نعود المجد من وعكك الذي
وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد
ولم ننصف الليث اقتسمنا نواله
ولم نقتسم حماه إذ أقبلت تردى

بدت صفرة من لونه الابيات الثلاثة. وبعدها

ولست ترى عود القتادة خائفا
سموم الرياح الآخذات من الرند (*)

132

فقال نعم هذا أحسن فقلت له ان لى في بنى السمط وقد أتانى برهم من حمص ما لايتضع عن الجميع وأنشدته

جزى الله خيرا والجزاء بكفه
بنى السمط أخدان السماحة والمجد
هم وصلونى والمهامه بيننا
كما ارفض غيث من تهامة في نجد

فقال هذا والله أرق مما قالا وأحسن.

وروى أحمد بن فارس المنيحي عن عبيدالله ابن يحيى بن البحترى قال حدثنا أبى عن جماعة من أهل العلم والادب منهم يموت بن المزرع قال قلت لابى عثمان الجاحظ من أنسب العرب فقال الذى يقول

عجلت إلى فضل الخمار فأثرت
عذباته بمواضع التقبيل

وقال هذا للبحترى في القصيدة التى أولها صب يخاطب مفحمات طلول(1)

(1) هو مطلع قصيدة يمدح بها الفضل بن اسماعيل الهاشمي

صب يخاطب مفحمات طلول
من سائل باك ومن مسؤول
حملت معالمهن أعباء البلى
حتى كأن نحولهن نحولى
يا وهب هب لاخيك وقفة مسعد
يعطى الاسى من دمعه المبذول
أو ماترى الدمن المحيلة تشتكى
غدرات عهد للزمان محيل
إن كنت تنكرها فقد عرف الهوى
قدما معارف رسمها المجهول
تلك التي لم يعدها قصد الهوى
مالت مع الواشين كل مميل
عجلت إلى فضل الخمار فأثرت
عذباته بمواضع التقليل
وتبسمت عند الوداع فأشرقت
إشراقه عن عارض مصقول
أأخيب عندك والصبا لى شافع
وأرد دونك والشباب رسولى
ولقد تأملت الفراق فلم أجد
يوم الفراق على امرء بطويل
قصرت مسافته على متزود
منه لدهر صبابة وعويل (*)

133

[ وقال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه. وفى نسيب هذه القصيدة بيت ليس يقصر في الملاحة الرشاقة وأخذه بمجامع القلوب عن البيت الذى فضله به الجاحظ وهو

أأخيب عندك والصبا لى شافع
وأرد دونك والشباب رسولى

وفى مديح هذه القصيدة بيت معروف بفرط الحسن وهو

لاتطلبن له الشبيه فإنه
قمر التأمل مزنة التأميل

وبهذا الاسناد عن يحيى بن البحترى قال انصرفت يوما من مجلس أبى العباس محمد بن يزيد المبرد فقال لى أبي البحترى ما الذى أفدت يومك هذا من أبى العباس قلت أملى على أخبارا حسنة وأنشدنى أبياتا للحسين بن الضحاك فقال أبى أنشدنى الابيات فأنشدته

كأنى إذا فارقت شخصك ساعة
لفقدك بين العالمين غريب
وقد رمت أسباب السلو فخاننى
ضمير عليه من هواك رقيب
أغرك صفحى عن ذنوب كثيرة
وغضى على أشياء منك تريب
كأن لم يكن في الناس قبل متيم
ولم يك في الدنيا سواك حبيب
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن
لشكواى من عطف الحبيب نصيب
واذا الكرام تنازعواأ كرومة
فالفضل للفضل بن اسماعيل
قسموا على أخلاقهم فتفاوتوا
فيهن قسمة غرة وحجول
في كل مكرمة يد مبسوطة
من فاضل منهم به مفضول
لا تطلبن له الشبيه فانه
قمر التأمل مزنة التأميل
جاز المدى فرمي بغير مناضل
في سودد وجرى بغير رسيل
فمتى سمت عين الحسود لفخره
طرفت بطرف من علاه كليل (*)

134

فقال ما أحسن هذا الكلام وأنشدنى لنفسه

حبيبى حبيب يكتم الناس إنه
لنا حين تلقانا العيون حبيب
يباعدنى في الملتقى وفؤاده
وإن هو أبدى لى البعاد قريب
ويعرض عين الهوى منه مقبل
إذا خاف عينا أو أشار رقيب
فتنطق منا أعين حين نلتقى
وتخرس منا ألسن وقلوب

ثم قال يابنى ارو هذين فإنهما من أحسن الشعر وطريقه.

روى إحمدبن فارس المنيحى عن أبى نصر محمد بن إسحاق النحوى قال سمعت بعض أهل الادب يقول للزجاج قد كنت تعرف أباالعباس المبرد وكبره وأنه ما كان يقوم لاحد ولايتطاول له وينشد إذا أشرف عليه الرجل ثهلان ذوالهضبات لايتحلحل(1) ولقد رأيته يوما وقد دخل عليه رجل متدرع فقام إليه أبوالعباس فاعتنقه وتنحى عن موضعه وأجلسه فجعل الرجل يكفه ويستعفيه من ذلك فلما أكثر من ذلك عليه أنشده أبوالعباس

أتنكر أن أقوم وقد بدالى
لاكرمه وأعظمه هشام
فلاتنكر مبادرتى إليه
فإن لمثله خلق القيام

فلما انصرف الرجل سألت عنه فقيل لى هذا البحترى

(1) صدر البيت
فارفع بكفك ان أردت بقاء‌نا *.
(مجلس آخر 53)
( تأويل آية اخرى )

إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة قابيل وهابيل حاكيا عن هابيل (لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لاقتلك إنى أخاف


135

الله رب العالمين إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك الاية). فقال كيف يجوز أن يخبر تعالى عن هابيل وقد وصفه بالتقوى والطاعة بانه يريد أن يبوء أخوه بالاثم وذلك إرادة القبيح وإرادة القبيح قبيحة عندكم على كل حال ووجه قبحها كونها إرادة لقبيح وليس قبحها مما يتغير وكيف يصح أن يبوء القاتل بإثمه وإثم غيره وهل هذا إلا ما يأبونه من أخذ البرئ بجرم السقيم.

الجواب قلنا جواب أهل الحق عن هذه الآية معروف وهو ان هابيل لم يرد من أخيه قبيحا ولا أراد أن يقتله وانما أراد ما خبر الله تعالى به عنه من قوله (إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك) أى تبوء بجزاء ما قدمت عليه من القبيح وعقابه وليس بقبيح أن يريد نزول العقاب المستحق بمستحقه ونظير قوله إثمى مع أن المراد به عقوبة إثمى الذى هو قتلى قول القائل لمن يعاقب على ذنب جناه هذا ما كسبت يداك والمعنى هذا جزاء ما كسبته يداك وكذلك قولهم لمن يدعون عليه لقاك الله عملك وستلقى علمك يوم القيامة معناه ماذكرناه.

فإن قيل كيف يجوز أن يحسن إرادة عقاب غير مستحق لم يقع سببه لان القتل على هذا القول لم يكن واقعا. قلنا ذلك جائز بشرط وقوع الامر الذى يستحق به العقاب فهابيل لمارأى من أخيه التصميم على قتله والاضمار والعزم على إمضاء القبيح فيه وغلب على ظنه وقوع ذلك جاز أن يريد عقابه بشرط أن يفعل ما هم به وعزم عليه. فأما قوله إثمى وإثمك فالمعنى فيه واضح لانه أراد بإثمى عقاب قتلك لى وبإثمك إى عقاب المعصية التى أقدمت عليها من قبلى فلم يتقبل قربانك لسببها لان الله تعالى أخبر عنهما بأنهما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر وأن العلة في أن قربان أحدهما لم يتقبل أنه غير متق وليس يمتنع أن يريد بإثمى ماذكرناه لان الاثم مصدر والمصادر قد تضاف إلى الفاعل والمعفول جميعا وذلك مستعمل مطرد في القرآن والشعر والكلام فمثال ما أضيف إلى الفاعل. قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) ومن إضافته إلى المفعول. قوله تعالى (لايسأم الانسان من دعاء الخير وإن مسه الشر). وقوله تعالى (لقد ظلمك بسؤال نعجتك


136

إلى نعاجه).

ومما جاء في الشعر من إضافته إلى المفعول ومعه الفاعل قول الشاعر

أمن رسم دار مربع ومصيف
لعينيك من ماء الشؤون وكيف(1)

(1) قوله * أمن رسم دار الخ * هو مطلع قصيدة للحطيئة عدتها ثمانية عشر بيتا مدح بها سعيد بن العاص الاموي لما كان واليا بالكوفة لعثمان بن عفان رضى الله عنه قوله * أمن رسم دار الخ * الهمزة للاستفهام التقريري ومن تعليلية متعلقة بوكيف وهو مصدر وكف وكوفا ووكيفا سال شيئا فشيئا وتأويله أمن رسم دارا مربع أى أر فيها آثارا والرسم الاثر بلا شخص - والشؤون - مجاري الدمع من الرأس إلى العين واحدها شأن.

وقوله - لعينيك - جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم على المبتدا وهو وكيف يروى بالتثنية ويروى بالافراد - ومربع - فاعل المصدر وهو رسم وهو على حذف مضاف والتقدير مطره ونحوه وهو وما بعده اسمان لزمن الربيع والصيف ويأتيان اسمى مكان ومصدرين أيضا وهذه الصيغة تشترك فيها هذه المعانى وهى صيغة قياسية يذكرها الصرفيون والمذكور في كتب اللغة انما هو المربع بمعنى منزل القوم في الربيع خاصة وبعد البيت

رشاش كغربى هاجري كلاهما
له داجن بالكسرتين عليف
اذا كر غربا بعد غرب أعاده
على رغمه وافى السبال عنيف
تذكرت فيها الجهل حتي تبادرت
دموعي وأصحابى على وقوف
يقولون هل يبكى من الشوق مسلم
تخلى إلى وجه الا له حنيف
فلايا أزاحت علتي ذات ملسم
نكيب تغالى في الزمام خنوف
مقذفة باللحم وجناء عدوها
على الاين إرقال معا ووجيف
اليك سعيد الخير جبت مهامها
يقابلنى آل بها وتنوف
ولولا الذي العاصي أبوه تعلقت
بحوران مجذام العشى عصوف
ولولا أصيل اللب غض شبابه
كريم الايام المنون عروف
اذا هم بالاعداء لم يثن همه
كعاب عليها لؤلؤ وشنوف
حصان لها في البيت زى وبهجة
ومشي كما تمشي القطاة قطوف

137

في الكلام يقول القائل أعجبنى ضرب عمرو خالدا إذا كان عمرو فاعلا وضرب عمرو خالد إذا كان عمرو معفولا.

وقد ذكر قوم في الآية وجها آخر وهو أن يكون المراد إنى أريد زوال أن تبوء بإثمى وإثمك لانه لم يرد له إلا الخير والرشد فحذف الزوال وأقام أن وما اتصل بها مقامه كما قال تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل) أراد حب العجل فحذف الحب وأقام العجل مقامه وكما قال تعالى (واسأل القرية) وهذا قول بعيد لانه لا دلالة في الكلام على محذوف وإنما تستحسن العرب الحذف في بعض المواضع لاقتضاء الكلام المحذوف ودلالته عليه.

وذكر أيضا وجه آخر وهو أن يكون المعنى إنى أريد أن لاتبوء بإثمى وإثمك أى أريد أن لاتقتلنى ولا أقتلك فحذف لا واكتفى بما في الكلام كما قال تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) معناه أن تضلوا وكقوله تعالى (وألقى في الارض رواسى أن تميد بكم) معناه أن لاتميد بكم وكقول الخنساء فأقسمت آسى على هالك * وأسأل نائحة مالها أرادت لاآسى ولا أسأل.

وقال امرؤالقيس

فقلت يمين الله أبرح قاعدا
ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى

أراد لا أبرح.

وقال عمروبن كلثوم

نزلتم منزل الاضياف منا
فعجلنا القرى أن تشتمونا

أراد أن لا تشتمونا والشواهد في هذا كثيرة جدا وهذا الجواب يضعفه كثير من أهل

ولو شاء وارى الشمس من دون وجهه
حجاب ومطوي السراة منيف
ولكن إدلاجا بشهباء فخمة
لها لقح في الاعجمين كشوف
اذا قادها للموت يوما تتابعت
الوف على آثارهن الوف
فصفوا وما ذي الحديد عليهم
وبيض كأولاد النعام كثيف
أنابت إلى جنات عدن نفوسهم
ومابعدها للصالحين حنوف
خفيف المعي لايملا الهم صدره
اذا سمته الزاد الخبيث عيوف

(18 - أمالى لث)


138

العربية لانهم لايستحسنون إضمار لا في مثل هذا الموضوع.

فأما قوله تعالى حاكيا عنه (لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لاقتلك). فقال قوم من المفسرين إن القتل على سبيل الانتصار والمدافعة لم يكن مباحا في ذلك الوقت وإن الله تعالى أمره بالصبر عليه وامتحنه بذلك ليكون هو المتولى للانتصاف. وقال آخرون بل المعنى ان بسطت إلى يدك مبتدئا ظالما لتقتلني ما أنا بباسط يدى اليك على وجه الظلم والابتداء فكأنه نفى عن نفسه القتل القبيح وهو الواقع على سبيل الظلم. والظاهر من الكلام بغير ما ذكر من الوجهين أشبه لانه تعالى خبر عنه انه وان بسط أخوه اليه يده ليقتله لايبسط يده ليقتله أي وهو مريد لقتله ومجر إليه لان هذه اللام بمعنى كى وهى منبئة عن الارادة والغرض ولاشبهة في حظر ذلك وقبحه ولان المدافع إنما تحسن منه المدافعة للظالم أو طلب التخلص منه من غير أن يقصد إلى قتله والاضرار به ومتى قصد ذلك كان في حكم المبتدى بالقتل في انه فاعل القبيح والعقل شاهد بوجوب التخلص من المضرة بأى وجه تمكن منه بعد أن يكن غير قبيح.

فإن قيل فكأنكم تمنعون من حسن امتحان الله تعالى بالصبر على ترك الانتصار والمدافعة ووجوبهما على كل حال. قلنا لايمتنع من ذلك وإنما بينا أن الآية غير مقتضية لتحريم المدافعة والانتصاف على ماذهب إليه قوم لان قوله لاقتلنك يقتضى أن يكون البسط لهذا الغرض والمدافعة لايقتضى ذلك ولايحسن من المدافع أن يجرى بها إلى ضرب فلا دلالة في الآية على تحريم المدافعة ووجب أن يكون ماذكرناه أولى بشهادة الظاهر.

[ تأويل خبر ].إن سأل عن معنى الخبر الذى رواه أبوهريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم من أنه قال لايموت لمؤمن ثلاثة من الاولاد فتسمه النار الا تحلة القسم. الجواب قلنا أما أبوعبيد القاسم بن سلام فإنه قال يعنى بتحلة القسم قوله تعالى (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لايرد النار إلا بقدر مايبر الله قسمه.

وأما ابن قتيبة فإنه قال في تأويل أبى عبيد هذا مذهب حسن من الاستخراج إن كان هذا قسما. قال وفيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب ومعانيهم وهو أن العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشئ وتقصير مدته شبهوه بتحلة


139

القسم وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه إن شاء الله فيقولون مايقيم فلان عندنا إلا تحلة القسم وماينام العليل إلا كتحليل الالية وهو كثير مشهور.

قال مزاحم بن أحمر وذكر الريح

إذاعصفت رسما فليس بدائم
به وتد إلا تحلة مقسم

يقول لايثبت الوتد إلا قليل كتحلة القسم لان هبوب الريح يقلعه.

وقال آخر يذكر ثورا

يخفى التراب بأظلاف ثمانية
في أربع مسهن الارض تحليل(1)

يقول هو سريع خفيف فقوائمه لاتثبت في الارض إلا كتحليل اليمين. وقال ذو الرمه كأنه يصف صاحب سفر أغفى غفاة ثم انتبه سريعا

(1) - يخفى التراب - يستخرجها لشدة عدوه ويقال خفيت الشئ اذا استخرجته وقرأ بعضهم (ان الساعة آتية أكاد أخفيها) أى أظهرها ومن قرأ أخفيها أراد أسرها ومنه الحديث ليس على مختف قطع ومنه قول امرئ القيس

خفاهن من أنفاقهن كأنما
خفاهن ودق من عشى محلب

ويروى مجلب أى يجلب الماء ومجلبة من الجلبة جلبة الريح والرعد. وقوله - باظلاف ثمانية في أربع - يريد ثمانية اظلاف في أربع قوائم في كل قائمة ظلفان. وقوله - مسهن الارض تحليل - أى كتحلة اليمين وأهل الحجاز يسمون النباش المختفى وقال مسهن الارض تحليل قدر تحلة اليمين كأنه أقسم ليمسن الارض كما قال الراعى

حدت السراب وألحقت أعجازها
روح يكون وقوعها تحليلا

والبيت من قصيدة لعبدة بن الطبيب وهى مفضلية ومطلعها

هل حبل خولة بعد الهجر موصول
أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
حلت خويلة في دار مجاورة
أهل المدائن فيها الديك والفيل
يقارعون رؤوس العجم ضاحية
منهم فوارس لاعزل ولاميل
فخامر القلب من ترجيع ذكرتها
رس لطيف ورهن منك مكبول

140
طوى طيه فوق الكرا جفن عينه
على رهبات من جنان المخادر
قليلا كتحليل الالى ثم قلصت
به شيمة روعاء تقليص طائر

- والالى - جمع ألوة وهى اليمين قال ومعنى الخبر على هذا التأويل أن النار لاتمسه إلا قليلا كتحليل اليمين ثم ينجيه الله منها.

وقال أبوبكر محمد بن القاسم الانبارى الصواب قول أبى عبيد لحجج ثلاث. ومنها أن جماعة من كبار أهل العلم فسروه على تفسير أبى عبيد. ومنها أنه ادعى أن النار تمس الذى وقعت منزلته عندالله جليلة لكن مسا قليلا والقليل من النار لايقع به الالم العظيم وليس صفة الابرار في الآخرة صفة من تمسه النار لاقليلا ولاكثيرا. ومنها أن أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمس وإنما حكم عليه بالورود والورود لايوجب أن يكون من الابرار لان إلا معناه الاستثناء المنقطع فكأنه قال فتمسه النار لا كن تحلة اليمين أى لا كن ورود النار لابد منه فجرى مجرى قول العرب سار الناس إلا الاثقالا وارتحل العسكر إلا الخياما وأنشد الفراء

وسمحة المشى شملال قطعت بها
أرضا يحار الهادون ديموما(1)
مهامها وحزونا لاأنيس بها
إلا الصوائح والاصداء والبوما(2)

وأنشد الفراء

(1) - الديموم - والديمومة الفلاة الواسعة يدوم السير فيها لبعدها وقيل هى المفازة لا ماء بها وأنشد ابن برى لذى الرمة * اذا انتخ الدياميم * وقيل الديمومة الارض المستوية التى لا أعلام بها ولا طريق ولاماء ولا أنيس. وقال أبوعمرو الدياميم الصحارى الملس؟؟؟ المتباعدة الاطراف

(2) - الصوائح - جمع صائح وهو مايصيح أى يصوت والمراد به الاصوات التي تسمع في الخلاء ولا حقيقة لها - والاصداء - جمع صدى وهو ما يرده الجبل على المصوت فيه - والبوم - طائر معروف


141
ليس عليك عطش ولاجوع
إلا الرقاد والرقاد ممنوع

فمعنى الحديث لايموت لمسلم ثلاثة من الاولاد فتمسه النار البتة لا كن تحلة اليمين لابد منها وتحلة اليمين الورود والورود لايقع فيه مس.

قال أبوبكر وقد سنح لى فيه قول آخر وهو أن تكون إلا زائدة دخلت للتوكيد وتحلة اليمين منصوب على الوقت والزمان ومعنى الخبر فتسمه النار وقت تحلة القسم وإلا زائدة.

قال الفرزدق شاهدا لهذا

هم القوم إلا حيث سلوا سيوفهم
وضحوا بلحم من محل ومحرم

معناه هم القوم حيث سلوا سيوفهم وإلا مؤكدة.

وقال الاخطل

ويقطعن إلا من فروع يردنها
بمدحة محمود نثاه ونائله(1)

معناه يقطعون الابل من فروع يردنها والفروع الواسعة من الارض.

[ قال الشريف

(1) وفي ديوانه

اليكم من الاغوار حتى يزرنكم
بمدحة محمود نثاه ونائله

- الاغوار - جمع غور بالفتح وهو القعر من كل شئ وهى هنا الامكنة المطمئنة - والنثا - بالفتح والقصر الخبر.

والبيت من قصيدة يمدح بها بشر بن مروان ومطلعها

صحا القلب عن أروى وأقصر باطله
وعاد له من حب أروى أخابله
أجدك ما نلقاك إلا مريضة
تداوين قلبا ماتنام بلابله
عفا واسط منها فالجام حامر
فروض القطا صحراؤه وحمائله

ومنها

ومستقبل لفح الحرور بحاجة
اليكم أبا مروان شدت رواحله
اليكم من الاغوار حتى يزرنكم
بمدحة محمود نثاه ونائله
جزاء وشكرا لامرئ لايغبنى
اذا جئته نعماؤه وفواضله
أخو الحرب ماينفك يدعي لعصبة
حرورية أو أعجمى يقاتله

142

المرتضى ] رضى الله عنه والوجوه المذكورة في تأويل الخبر كالمتقاربة لان الوجه الذى اختص به ابن الانبارى فيه أدنى تعسف وبعد من حيث جعل إلا زائدة وذلك كالمستضعف عند جماعة من أهل العلم بالعربية وقدتبقى في الخبر مسألة التشاغل بالجواب عنها أولى مما تكلفه القوم وهى متوجهة على كل الوجوه التى ذكروها في تأويله. وهو أن يقال كيف يجوز أن يخبر عليه الصلاة والسلام بأن من مات له ثلاثة أولاد لاتسمه النار إما جملة أو مقدار تحلة القسم وهوالنهاية في القلة أو ليس ذلك يوجب أن يكون إغراء بالذنوب لمن هذه حاله وإذا كان من يموت له بهذا العدد من الاولاد غير خارج عن التكليف فكيف يصح أن يؤمن من العقاب.

والجواب ن ذلك أذا قد علمت أولا خروج هذا الخبر مخرج المدحة لمن كانت هذه صفته للتمييز ولامدحة في مجرد موت الاولاد لان ذلك لايرجع إلى فعله ولابد من أن يكون تقدير الكلام إن النار لاتمس المسلم الذى يموت له ثلاثة من الاولاد إذا حسن صبره واحتسابه وعزاؤه ورضاه بما جرى به القضاء عليه لانه بذلك يستحق الثواب والمدح وإذا كان إضمار الصبر والاحتساب لابد منه لم يكن في القول إغراء لان كيفية وقوع الصبر والوجه الذى إذا وقع عليه تفضل الله تعالى بغفران مالعله أن يستحقه من العقاب في المستقبل غير معلوم وإذا لم يكن معلوما متميزا فلا وجه للاغراء وأكثر ما في هذا الكلام أن يكون القول مرغبا في حسن الصبر وحاثا عليه رغبة في الثواب ورجاء لغفران ما لعله أن يستحق في المستقبل من العقاب وهذا واضح لمن تأمله

(مجلس آخر 54)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة). فقال: ما معنى أو ههنا وظاهرها يفيد الشك الذى لايجوز عليه تعالى. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه.

أولها أن تكون أو ههنا للاباحة كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين والق الفقهاء أو المحدثين ولم يريدوا الشك بل


143

كأنهم قالوا هذان الرجلان أهل للمجالسة وهذا القبيلان من العلماء أهل للقاء فان جالست الحسن فأنت مصيب وإن جالست ابن سيرين فأنت مصيب وإن جمعت بينهما فكذلك فيكون معنى الآية على هذا إن قلوب هولاء قاسية متجافية عن الرشد والخير فان شبهتم قسوتها بالحجارة أصبتم وإن شبهتموها بما هو أشد أصبتم وإن شبهتموها بالجميع فكذلك وعلى هذا يتأول قوله تعالى (أو كصيب من السماء) لان أو) لم يرد بها الشك بل على نحو الذى ذكرناه من أنكم إن شبهتموهم بالذى استوقد نارا فجائز وإن شبهتموهم بأصحاب فجائز وإن شبهتموهم بالجميع فكذلك.

وثانيها أن تكون أو دخلت للتفصيل والتمييز ويكون معنى الآية ان قلوبهم قست فبعضها ماهو كالحجارة في القسوة وبعضها ما هو أشد قسوة منها ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) ومعناه وقال بعضهم كونوا هودا وهم اليهود وقال بعضم كونوا نصارى وهم النصارى فدخلت أو للتفصيل وكذلك قوله تعالى (وكم من قرية أهلكناها فجاء‌ها بأسنا بياتا أو هم قائلون) معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا وجاء بعض أهلها بأسنا في وقت القيلولة وقد يحتمل قوله تعالى (أو كصيب من السماء) هذا الوجه إيضا ويكون المعنى أن بعضهم يشبه الذى استوقد نارا وبعضهم يشبه أصحاب الصيب.

وثالثها أن يكون أو دخلت على سبيل الابهام فيما يرجع إلى المخاطب وإن كان الله تعالى عالما بذلك غير شاك فيه لانه تعالى لم يقصد في إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل بل علم عزوجل أن خطابهم بالاجمال أبلغ في مصلحتهم فأخبر تعالى أن قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمهم كالحجارة أو أشد قسوة والمعنى أنها كانت كأحد هذين لايخرج عنهما ويجرى ذلك مجرى قولهم ماأطعمتك إلا حلوا حامضا فيبهمون على المخاطب مايعلمون أنه لافائدة في تفصيله والمعنى ما أطعمتك إلا أحد هذين الضربين وكذلك يقول أحدهم أكلت بسرة أو ثمرة وهو قد علم ما أكل على التفصيل إلا أنه أبهمه على المخاطب.

قال لبيد


144
تمنى ابنتاى أن يعيش أبوهما
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر(1)

أراد هل أنا إلا من أحد هذين الحيين فسبيلى أن أفنى كما فينا وانما حسن ذلك لان قصده الذى أجرى إليه وغرضه الذى نحاه وهو أن يخبر بكونه ممن يموت ويفنى ولا يخل به إجمال ما أجمل من كلامه فأضرب عن التفصيل لانه لافائدة فيه ولانه سواء كان من ربيعة أو مضر فموته واجب وكذلك الآية لان الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدة قسوة قلوبهم وأنها مما لاتنثنى لوعظ ولاتصغى إلى حق فسواء كانت في القسوة كالحجارة أو أشد منها فقد تم ما أجرى إليه من الغرض في وصفها وذمها وصار تفصيل تشبيهها بالحجارة وبما هو أشد قسوة منها كتفصيل كونه من ربيعة أو مضر في أنه غير محتاج إليه ولايقتضيه الغرض في الكلام.

ورابعها أن تكون أو بمعنى بل كقوله تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) معناه بل يزيدون وروى عن ابن عباس في قوله تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) قال كانوا مائة ألف وبضعا وأربعين

(1) وبعده

فقوما وقولا بالذى تعلمانه
ولاتخمشا وجهاولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لاصديقه
أضاع ولاخان الصديق ولاغدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

والبيت الاخير يورده بعض النحاة على ان لفظ اسم مقحم.

قال ابن جنى هذا قول أبي عبيدة وكذلك قال في بسم الله ونحن نحمل الكلام على ان فيه محذوفا قال أبوعلى وانما هو حد حذف المضاف أى ثم اسم معنى السلام عليكما واسم معنى السلام هو السلام وكأنه قال ثم السلام عليكما فالمعنى لعمرى ما قاله أبوعبيدة لكنه من غير الطريق التي أتاه هو منها ألا تراه هو اعتقد زيادة شئ واعتقدنا نحن نقصان شئ اه‍.

روى ان لبيد رضى الله عنه لما حضرته الوفاة قال لابنتيه هذه الابيات فكانتا بعد وفاته تلبسان ثيابهما في كل يوم وتأتيان مجلس جعفر بن كلاب قبيلته فترثيانه ولا تعولان فأقامتا على ذلك حولا كاملا ثم انصرفتا


145

ألفا.

وأنشد الفراء

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
وصورتها أو أنت في العين أملح

وقد تكون أم في الاستفهام أيضا بمعنى بل كقول القائل أضربت عبدالله أم أنت رجل متعنت؟ معناه بل أنت رجل متعنت.

وقال الشاعر

فوالله ما أدرى أسلمى تغولت
أم النوم أم كل إلى حبيب

معناه بل كل.

وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال وكيف يجوز أن يخاطبنا تعالى بلفظة بل وهى تقتضى الاستدراك والنقض للكلام الماضى والاضراب عنه وليس ذلك بشئ أما الاستدارك فان أريد به الاستفادة أو التذكر لما لم يكن معلوما فليس بصحيح لان أحدنا يقول أعطيته ألفا بل ألفين وقصدته دفعة بل دفعتين وهوعالم في ابتداء كلامه بما أخبر به في الثانى ولم يتجدد به علم وان أراد به الاخذ في كلام غير الماضى واستئناف زيادة عليه فهو صحيح ومثله جائز عليه تعالى فأما النقض للكلام الماضى فليس بواجب في كل موضع تستعمل فيه لفظة بل لان القائل إذا قال إعطيته ألفا بل ألفين لم ينقض الاول وكيف ينقضه والاول داخل في الثانى وإنما زاد عليه وإنما يكون ناقضا للماضى إذا قال لقيت رجلا بل حمارا وأعطيته درهما بل ثوبا لان الاول لم يدخل في الثانى على وجه وقوله تعالى (أو أشد قسوة) غير ناقض للاول لانها لاتزيد في القسوة على الحجارة إلا بعد أن تساويها وانما تزيد عليها بعد المساواة.

وخامسها أن تكون أو بمعنى الواو كقوله (أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) معناه وبيوت آبائكم.

قال جرير

نال الخلافة أو كانت له قدرا
كما أتى ربه موسي على قدر(1)

(1) قوله نال الخلافة الخ. هو من قصيدة يمدح بها عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى. ويروى جاء الخلافة وأتى الخلافة وفى ديوانه نا الخلافة. والبيت من شواهد النحاة في باب الفاعل على توسط المفعول بين الفعل والفاعل جوازا ومطلع القصيدة(19 - امالى لث)


146

وقال توبة بن الحمير

وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسى تقاها أو عليها فجورها(1)
لجت امامة في لومي وما علمت
عرض السماوة روحاتي ولابكري

وقال العيني وأولها قوله

كم باليمامة من شعثاء أرملة
ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر

وهذا غلط لان البيت قبله اثنا عشر بيتا ومنها

إنا لنرجوا اذا ما الغيث أخلفنا
من الخليفة ما نرجو من المطر

ومنها

أصبحت للمنبر المعمور مجلسه
زينا وزين قباب الملك والحجر
(1) هو من قطعة أولها
حمامة بطن الواديين ترنمي
سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبينى لنا لا زال ويشك ناعما
ولا زلت في خضراء غض نضيرها
وكنت اذا ما زرت ليلى تبرقعت
وقد رابنى منها الغداة سفورها
وقد رابنى منها صدود رأيته
واعراضها عن حاجتى وبسورها
وأشرف بالقور اليفاع لعلنى
أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
يقول رجال لايضيرك نأيها
بلى كل ماشف النفوس يضيرها
بلى قد يضير العين أن تكثر البكى
ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسى تقاها أو عليها فجورها

يروي ان ليلى الاخيلية لما أنشدت الحجاج هذه الابيات قال لها ما الذى رابه من سفورك فقالت أيها الامير كان يلم بي كثيرا فأرسل إلى يوما إنى آتيك وفطن الحي فأرصدوا له فلما أتانى سفرت عن وجهى فعلم ان ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع فقال لله درك فهل رأيت منه شيئا تكرهينه فقالت لا والذي أسأله أن يصلحك غير انه قال مرة قولا ظننت انه قد خضع لبعض الامر فأنشأت أقول


147

وقال جرير أيضا

أثعلبة الفوارس أم رياحا
عدلت بهم طهية والخشابا(1)

أراد أو رياحا.

وقال آخر

فلو كان البكاء يرد ميئا
بكيت على بجير أو عفاق
على المر أين إذهلكا جميعا
لشأنهما بشجو واشتياق

أراد على بجير وعفاق.

وقد حكى المفضل بن سلمة هذا الوجه عن قطرب وطعن عليه بأن قال ليس شئ يعلم أشد قسوة عند المخاطبين من الحجارة فيشبه قلوبهم الزيادة عليها وإنما يصح ذلك في قولهم أطعمتك تمرا أو أحلا منه لان أحلا منه معلوم واختار

وذى حاجة قلنا له لاتبح بها
فليس اليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لاينبغى أن نخونه
وأنت لاخرى فارغ وخليل

فلا والله الذى أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتي فرق الموت بينى وبينه

(1) قوله - أثعلبة - أراد بها القبيلة وهي ثعلبة بن سعيد بن ذبيان بن بغيض بن ريث ابن غطفان. وفي أسد بن خزيمة ثعلبة أيضا وهى ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة. وقوله - أم رياحا - بكسر الراء وبالياء آخر الحروف وهى أيضا قبيلة وهى رياح بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وفي قضاعة أيضا رياح بطن وهو ابن عوف ابن عميرة بن الهون بن أعجب بن قدامة بن حزم بن أبان بن حلوان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وفي سليم أيضا وهى رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف ابن امرئ القيس بن بهثة بن سليم.

وقوله - طهية - بضم الطاء وفتح الهاء وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره هاء وهي حى من بنى تميم يقال لهم بنو طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقوله - والخشابا - بكسر الخاء المعجمة وبالشين المعجمة وبعد الالف باء موحدة وهى أيضا قبيلة. وقال الجوهري وبنو رزام بن مالك بن حنظلة يقال لهم الخشاب ثم أنشد البيت المذكور


148

المفضل الوجه الذى يتضمن أن أو بمعنى بل وهذا الذى طعن به المفضل ليس بشئ لانهم وإن لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشد قسوة من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم ويصح أن يتصوروا ماهو أشد قسوة منها وما له عليها فضل لان قدرا ما إذا عرف جاز أن يعرف ما هو أزيد منه أو انقص لان الزيادة والنقصان إنما يضافان إلى معلوم معروف على أن الآية خرجت مخرج المثل وأراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة في القسوة على الحجارة أنها قد انتهت إلى حد لاتلين معه للخير على وجه من الوجوه وإن كانت الحجارة ربما لانت وانتفع بها فصارت من هذا الوجه كأنها أشد قسوة منها تمثيلا وتشبيها وقول المفضل ليس يعرفون ماهو أقسى من الحجارة لامعنى له إذا كان القول على طريق المثل.

وبعد فإن الذى طعن به على هذا الجواب يعرض على الوجه الذى اختاره لانه إذا اختار أن أو في الآية بمعنى بل فكيف جاز بأن يخبرهم بأن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة وهم لايعرفون ماهو أقسى من الحجارة وإذا جاز أن يقول لهم بل قلوبهم أقسى مما يعرفون من الحجارة جاز أن يخبر عن مثل ذلك بالواو فيقول قلوبهم كالحجارة التى يعرفون في القوة وهى مع ذلك تزيد عليها.

فإن قيل كيف يكون أو في الآية بمعنى الواو والواو للجمع وليس يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة أو أشد من الحجارة في حالة واحدة لان الشئ إذا كان على صفة لم يجز أن يكون على خلافها. قلنا قد أجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بأن قال ليس يمتنع أن تكون قلوبهم كالحجارة في حال وأشد من الحجارة في حال أخرى فيصح المعنى ولايتنافى وهذا قريب ويكون فائدة هذا الجواب أن قلوب هؤلاء في بعض الاحوال مع القسوة والعدول عن تصور الحق والفكرة فيه ربما لانت بعض اللين وفى حال اخرى تكون في نهاية البعد عن الحق وكادت تصغى إلى الحق فتكون في هذا الحال كالحجارة التى ربما لانت وفى حال أخرى ربما تكون في نهاية البعد عن الحق والنفور عنه فتكون في هذا الحال أشد قسوة من الحجارة على أن يمكن في الجواب عن هذا الاعتراض وجه آخر وقد تقدم معناه في بعض كلامنا وهو أن قلوبهم لاتكون أشد من الحجارة إلا بعد أن يكون فيها قسوة الحجارة لان القائل إذا قال فلان أعلم من فلان فقد أخبر أنه زائد عليه في العلم


149

الذى اشتركا فيه فلابد من الاشتراك ثم الزيادة فليس ههنا تناف على ماظن المعترض ولاإثبات لصفة ونفيها فكل هذا بين بحمدالله تعالى. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وإنى لاستحسن من الشعر قول الاحوص بن محمد الانصاري

ومولى سخيف الراى رخو تزيده
أناتى وعفوى جهله عنده ذما(1)
وصلت ولو عيرته لاصبته
بشنعاء باق عارها يفرأ العظما
طوى حسدا ضغنا على كأنما
أداوى به في كل مجمعة كلما
ويجهل أحيانا فلايستخفنى
ولا أجهل العتبى إذا راجع الحلما
يصد وينأى في الرخاء بوده
ويدعو ويدعونى إذا خشى الهضما
فيفرج عنه أربة الخصم مشهدى
وأدفع عنه عند عثرته الظلما

- الاربة - الدهاء والاربة العقدة وكلا المعنيين يحتمل لفظ البيت

وكنت امرأ عود الفعال تهزنى
مآثر مجد تالد لم يكن زعما
وكنت وشتمى في أرومة مالك
بسبى له كالكلب إذ ينبح النجما
ولست بلاق سيدا ساد مالكا
فتنسبه إلا أبا لى أو عما
ستعلم إن عاديتنى فقع قرقر
أمالا أفدت لا أبا لك أو عدما(2)

(1) - المولى - القريب كابن العم ونحوه والواو فيه واو رب أى رب مولى سخيف الرأى أي ضعيفه - والاناة - الحلم والوقار. المعنى أن اناتي وعفوى يزيد انه من ذمى عنده

(2) - الفقع - البيضاء من الكمأة وهي منصوبة على الذم - والقرقر - الارض المطمئنة. وهذا مأخوذ من قولهم أذل من فقع بقرقر لانه لايمتنع على من اجتناه ويقال بل لانه (*)


150
لقد أبقت الايام منها وجرسها
لاعدائنا ثكلا وحسادنا رغما
وكانت عروق السوء أودت وقصرت
به أن ينال الحمد فالتمس الذما

ومن مختار شعره

إنى إذا خفى رجال رأيتنى
كالشمس لاتخفى بكل مكان
ما من مصيبة نكبة أمنى بها
إلا تشرفنى وتعظم شاني
وتزول حين تزول عن متخمط
تخشى بوادره على الاقران

ومن جيد شعره

خليلان باحا بالهوى فتشاحنت
أقاربها في وصلها وأقاربه
ألا إن أهوى الناس قربا ورؤية
وريحا إذا ما الليل غارت كواكبه
ضجيع دنا منى جذلت بقربه
فبات يمنينى وبت أعاتبه
وأخبره بالسر بينى وبينه
بأن ليس شئ عند نفسى يقاربه

وقد غبر في وجه كل من وصف المضاجعة امرؤ القيس حيث يقول

يوطأ بالارجل والجمع فقعة مثل جب‌ء وجبأة ويقال حمام فقيع اذا كان - أبيض ويشبه الرجل الذليل بالفقع فيقال هو فقع قرقر لان الدواب تنجله بأرجلها.

قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر حدثونى بني الشقيقة ما يمنع فقعا بقرقر أن يزولا لان الفقعة لا أصول لها ولا أغصان ويقال فلان فقعة لقاع كما يقال في مولد الامثال لمن كان كذلك هو كشوت الشجر لان الكشوت نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الارض قال الشاعر

هو الكشوث فلا أصل ولا ورق
ولا نسيم ولاظل ولاثمر (*)

151
تقول وقد جردتها من ثيابها
كما رعت مكحولا من العين أتلعا
وجدك لو شئ أتانا رسوله
سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا
قتيلان لم تعلم لنا الناس مصرعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت
بمنكب مقدام على الهول أروعا

وقال على بن الجهم في وصفه شدة الالتزام

سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة
وأدنى فؤادا من فؤاد معذب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة
من الراح فيما بيننا لم تسرب

ولعبد الصمد بن المعدل في هذا المعنى

كأننى عانقت ريحانة
تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجا
حسبتنا في جسد واحد

ولبشار إننى أشتهى لقاء‌ك والله فماذا عليك أن تلقانى قد تلف الرياح غصنا من البان إلى مثله فيلتقيان ومثله للبحترى ولم أنس ليلتنا في العناق لف الصبا بقضيب قضيبا

كما اقبلت الريح في مرها
فطورا خفوتا وطورا هبوبا

ولآخر في مثل هذا بعينه ولسنا ندرى هل سبق البحترى أو تأخر عنه

وضم لاينهنهه اعتناق
كما لف القضيب على القضيب

ولعلى بن الجهم

وبتنا على رغم الحسود كأننا
خليطان من ماء الغمامة والخمر

152

وهذا وإن جعله في العناق فهو مأخوذ من قول بشار

وإن نلتقى خلف العيون كأننا
سلاف عقار بالنقاخ مشوب

والاصل في هذا قول الاخطل والناس من بعده على أثره

من الجاريات الحور مطلب سرها
كبيض الانوق المستكنة في الوكر
وإنى وإياها إذا مالقيتها
لكالماء من صوب الغمامة والخمر

وقد أخذه أيضا ابن أبى عيينة فقال

ماأنس لا أنس يمناها معطفة
على فؤادى ويسراها على راسى
وقولها ليته ثوب على جسدى
أوليتنى كنت سربالا لعباس
أوليته كان لى خمرا وكنت له
من ماء مزن فكنا الدهر في كاس

ومثل هذا للبحترى

وجدت نفسك من نفسى بمنزلة
هى المصافاة بين الماء والراح

ولقد أحسن بشار في قوله

لقد كان مابينى زمانا وبينها
كما كان بين المسك والعنبر الورد

أخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال حدثنا أحمد بن محمد المكى قال حدثنا أبوالعيناء قال حدثنى القتيبى عن أبيه قال سير الوليد بن عبدالملك(1) الاحوص إلى دهلك فكتب

(1) قوله سير الوليد بن عبدالملك الاحوص الخ. المشهور ان الذي نفاه سليمان ابن عبدالملك وسبب ذلك ان الاحوص كان ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة ويتغنى في شعره معبد ومالك ويشيع ذلك في الناس فنهي فلم ينته فشكي إلى عامل سليمان بن عبدالملك على المدينة وسألوه الكتاب فيه اليه ففعل ذلك فكتب سليمان الي عامله يأمره أن يضربه مائة سوط وبقيمه على البلس للناس ثم يصيره إلى دهلك ففعل ذلك به فتوى هناك سلطان سليمان بن عبدالملك ثم ولى عمر بن عبدالعزيز فكتب (*)


153

الاحوص إلى عمر بن عبدالعزيز حين استخلف

وكيف ترى للنوم طعما ولذة
وخالك أمسى موثقا في الحبائل
فمن يك أمسى سائلا عن شماتة
ليشمت بى أو شامتا غير سائل
فقد عجمت منى الحوادث ماجدا
صبورا على غماء تلك البلابل
إذا سر لم يفرح وليس لكنبة
ألمت به بالخاشع المتضائل

فبعث عمربن عبدالعزيز إلى عراك بن مالك الذى كان شهد عليه فقال ماترى في هذا

اليه يستأذنه في القدوم ويمدحه فأبى أن يأذن له وكتب فيما كتب اليه به

أيارا كبا إما عرضت فبلغن
هديت أميرالمؤمنين رسائلى
وقل لابى حفص اذا مالقيته
لقد كنت نفاعا قليل الغوائل
وكيف ترى للعيش طيبا ولذة
وخالك أمسى موثقا في الحبائل

ثم ان رجالا من الانصار كلموا فيه عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه فقال لهم فمن الذى يقول

فما هو ألا أن رآها فجاء‌ة
فأبهت حتى ما أكاد يجيب

قالوا الاحوص والصحيح ان هذا البيت لعروة بن حزام.

قال فمن الذى يقول

أدور ولولا ان أرى أم جعفر
بأبياتكم مادرت حيث أدور
وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى
اذا لم يزر لابد أن سيزور

قالوا الاحوص.

قال فمن الذي يقول

كأن لبنى صبير غادية
أو دمية زينت بها البيع
الله بينى وبين قيمها
يفر منى بها وأتبع

قال بل الله بين قيمها وبينه.

فمن الذى يقول

ستبقى لها في مضمر القلب والحشى
سريرة حب يوم تبلي السرائر

قالوا الاحوص قال ان الفاسق عنها يومئذ لمشغول والله لا أرده ما كان لى سلطان(20 - أمالى - لث) (*)


154

البائس فقال عراك مكانه خير له فتركه في موضعه فلما ولى يزيد بن عبدالملك جلب الاحوص وسير عراكا. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وإنما كان الاحوص خال عمربن عبدالعزيز من جهة أن أم عمرهى أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وأمها أنصارية.

فأما قوله - إذا سر لم يفرح - فمأخوذ من قول لقيط من زرارة

لامترفا إن رخاء العيش ساعده
وليس إن عض مكروه به خشعا(1)

وللاحوص

وببطن مكة لا أبوح به
قرشية غلبت على قلبى
لو أنها إذ مر مركبها
يوم الكديد أطاعنى صحبى
قلنا لها حييت من شجن
ولركبها حييت من ركب

(1) البيت من قصيدته المشهورة التى أنذر بها قومه غزو كسرى إياهم وكان لقيط كاتبا في ديوان كسرى فلما رآه مجمعا على غزو إياه كتب اليهم بهذا الشعر فوقع الكتاب في يد كسرى فقطع لسان لقيط وغزا إيادا ومطلعها

يادار عمرة من محتلها الجرعا
هاجت لى الهم والاحزان والوجعا
تامت فؤادى بذات الجزع خرعبة
مرت تريد بذات العذبة البيعا
بمقلتي خاذل أدماء طاع لها
نبت الرياض تزجي وسطه ذرعا

ومنها

وقلدوا أمركم لله دركم
رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا
لامترفا ان رخاء العيش ساعده
ولا اذا عض مكروه به خشعا
لايطعم النوم إلا ريث يبعثه
هم يكاد سناه يقصم الضلعا
مسهد النوم تعنيه أموركم
يروم منها إلى الاعداء مطلعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره
يكون متبعا طورا ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته
مستحكم الرأى لاقحما ولاضرعا (*)

155
والشوق أقتله برؤيتها
قتل الظما بالبارد العذب
والناس إن حلوا جميعهم
شعبا سلام وكنت في شعب
لحللت شعبك دون شعبهم
ولكان قربك منهم حسبى

قوله - والشوق أقتله - نظير قول جرير

فلما التقى الحيان ألقيت العصا
ومات الهوى لما أصيب مقاتله

(مجلس آخر 55)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين). فقال كيف يأمرهم تعالى بأن يخبروا بما لايعلمون وليس أقبح من تكليف ما لايطاق الذى تأبونة والذى لايجوز أن يكلف تعالى مع ارتفاع القدرة لايجوزه. الجواب قلنا قد ذكر في هذه الآية وجهان.

أولهما أن ظاهر هذه الآية إن كان أمرا يقتضى التعلق بشرط وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا فكأنه قال تعالى خبروا بذلك إن علمتموه ومتى رجعوا إلى نفوسهم فلم يعلموا فلاتكليف عليهم وهذا بمنزلة أن يقول القائل لغيره خبرنى بكذا وكذا إن كنت تعلمه وإن كنت تعلم أنك صادق فيما تخبر به عنه.

فإن قيل أو ليس قد قال المفسرون في قوله تعالى (إن كنتم صادقين) إن المراد به إن كنتم تعلمون بالعلة من أجلها جعلت في الارض خليفة أو إن كنتم صادقين في اعتقادكم أنكم تقومون بما أنصب الخليفة له وتضطلعون به وتصلحون به. قلنا قد قيل كل ذلك وقيل أيضا ماذكرناه وإذا كان القول محتملا للامرين جاز أن يبنى الكلام على كل واحد منهما وهذا الجواب لايتم لمن يذهب إلى أن الله تعالى لايصح أن يأمر العبد بشرط قد علم أنه لايحصل ولايحسن أن يريد منه الفعل على هذا الوجه ومن ذهب إلى جواز ذلك صح منه أن يعتمد على هذا الجواب. فإن


156

قيل فأى فائدة في أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين وهو عالم بأنهم لايتمكنون من ذلك لفقد علمهم به. قلنا لمن ذهب إلى الاصل الذى ذكرناه أن يقول لايمتنع أن يكون الغرض في ذلك هو أن يكشف بإقرارهم وامتناعهم من الاخبار بالاسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب وانفراده بالاطلاع على وجوه المصالح في الدين.

فإن قيل فهذا يرجع إلى الجواب الذى تذكرونه من بعد. قلنا هو وإن رجع إلى هذا المعنى فبينهما فرق من حيث كان هذا الجواب على تسليم أن الآية تضمنت الامر والتكليف الحقيقيين والجواب الثانى لانسلم فيه أن القول أمر على الحقيقة فمن ههنا افترقا.

والوجه الثانى أن يكون الامر وإن كان ظاهره أمر فغير أمر على الحقيقة بل المراد به التقرير والتنبيه على مكان الحجة وقد يرد بصورة الامر ماليس بأمر والقرآن والشعر وكلام العرب مملوء بذلك وتلخيص هذا الجواب أن الله تعالى قال للملائكة (إنى جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال إنى أعلم مالاتعلمون) أى إنى مطلع من مصالحكم وماهو أنفع لكم في دينكم على مالاتطلعون عليه ثم أراد التنبيه على أنه لايمتنع أن يكون غير الملائكة مع أنها تسبح وتقدس وتطيع ولاتعصى أولى بالاستخلاف في الارض وإن كان في ذريته من يفسد ويفسك الدماء.

فعلم تعالى آدم عليه الصلاة والسلام أسماء جميع الاجناس أو أكثرها وقيل أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله والائمة من ولده وسلم وفيه أحاديث مروية ثم قال تعالى للملائكة أنبؤونى بأسماء هؤلاء مقررا لهم ومنبها على ما ذكرناه ودالا على اختصاص آدم عليه الصلاة والسلام بمالم يخصوا به فلما أجابوه بالاعتراف والتسليم إليه علم الغيب الذى لايعلمونه فقال تعالى (ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والارض وأعلم ماتبدون وماكنتم تكتمون) منبها على أنه تعالى هو المتفرد بعلم المصالح في الدين وأن الواجب على كل مكلف أن يسلم لامره تعالى ويعلم أنه لايختار لعباده إلا ماهوأصلح لهم في دينهم علموا وجه ذلك أم جهلوه وعلى هذا الجواب يكون قوله تعالى (إن كنتم صادقين) محمولا على كونهم صادقين في العلم بوجه المصلحة في نصب الخليفة أو في ظنهم أنهم يقومون بمايقوم به هذا


157

الخليفة ويكملون له ولولا أن الامر على ماذكرناه وأن القول لايقتضى التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم وإقرارهم (ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السموات والارض وأعلم ماتبدون وماكنتم تكتمون) معنى لان التكليف الاول يايتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه الصلاة والسلام بالاسماء ولايكون قوله تعالى (إنى أعلم غيب السموات) إلى آخر الآية إلا مطابقا لماذكرناه من المعنى دون معنى التكليف فكأنه تعالى قال إذا كنتم تعلمون هذه الاسماء فأنتم عن علم الغيب أعجز وبأن تسلموا الامر لمن يعلمه ويدبر أمركم بحسبه أولى.

فإن قيل كيف علمت الملائكة بأن في ذرية آدم من يفسد في الارض ويسفك الدماء وماطريق علمها بذلك وإن كانت غير عالمة فكيف يجوز أن تخبر عنه بغير علم. قلنا قد قيل إنها لم تخبر وإنما استفهمت فكأنها قالت متعرفة أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا وقيل أيضا إن الله تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرية هذا المستخلف من يعصى ويفسد في الارض فقالت على وجه التعرف لما في هذا التدبير من المصلحة والاستفادة لوجه الحكمة فيه أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا وهذا الجواب الاخير يقتضى أن يكون في أول الكلام حذف ويكون التقدير (وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة) وإنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها ويسفك الدماء فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى (قالواأتجعل فيها من يفسد فيها) لان ذلك دلالة على الاول وإنما حذفه اختصارا وفى جملة جميع الكلام اختصارشديد لانه تعالى لما حكى عنهم قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) الآية كان في ضمن هذا الكلام فنحن على مانظنه ويظهر لنا من الامر أولى بذلك لانا نطيع وغيرنا يعصى وقوله تعالى (إنى أعلم مالاتعلمون) يتضمن إننى أعلم من مصالح المكلفين مالاتعلمونه ومايكون مخالفا تظنونه على ظواهر الامور وفى القرآن من الحذوف العجيبة والاختصارات الفصيحة مالايوجد في شئ من الكلام فمن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام والناجى من صاحبيه في السجن رؤيا الملك البقر السمان والعجاف أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيهاالصديق افتنا ولوبسط الكلام فأورد محذوفة لقال أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ففعلوا فأتى يوسف فقال له


158

يايوسف أيهاالصديق ومثله قوله في الانعام (قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولاتكونن من المشركين) أى وقيل لى وتكونن من المشركين وكذلك قوله تعالى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام (ولسليمان الريح غدوها شهر وراوحها شهر) إلى قوله تعالى (اعملوا آل داود شكرا) أى وقيل لهم (اعملوا آل داودشكرا).

وقال جرير

وردتم على قيس بخور مجاشع
فنؤتم على ساق بطئ جبورها

أراد فنؤتم على ساق مكسورة بطئ جبورها كأنه لما كان في قوله بطئ جبورها دليل على الكسر اقتصر عليه.

وقال عنترة

هل تبلغنى دارها شدنية
لعنت بمحروم الشراب مصرم

يعنى ناقته.

ومعنى - لغت - دعاء عليها بانقطاع لبنها وجفاف ضرعها فصارت كذلك والناقة اذا كانت لاتنتج كان أقوى لها على السير.

قال تأبط شرا ويروى للشنفرى

فلاتدفنونى إن دفنى محرم
عليكم ولكن خامرى أم عامرى(1)

(1) - خامرى أم عامر - مثل وأم عامر وأم عمرو وأم عويمر الضبع يشبه بها الاحمق ويروي عن على رضى الله عنه انه قال لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم فتبرز طمعا في الحية حتى تصاد وهي كما زعموا من أحمق الدواب لانهم اذا أرادوا صيدها رموا في جحرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك ويقال لها ابشرى بجراد عظال وكمر رجال فلا يزال يقال لها حتي يدخل عليها رجل فيربط يديها ورجليها ثم يجرها والجراد العظال الذى ركب بعضها بعضا كثرة وأصل العظال سفاد السباع. وقوله وكمر رجال يزعمون ان الضبع اذا وجدت قتيلا قد انتفخ جردانه ألقته على قفاه ثم ركبته.

قال العباس بن مرداس

ولو مات منهم من جر حنا لاصبحت
ضباع بأعلى الرقمتين عرائسا

وبعد البيت (*)


159

لانه أراد فلا تدفنونى بل دعونى تأكلنى التى يقال لها خامرى أم عامر وهى الضبع.

وقال أوس بن حجر

حتى إذا الكلاب قال لها
كاليوم مطلوب ولاطلبا

أراد لم أراك اليوم فحذف.

وقال أبوداود الايادى

إن من شيمتى لبذل تلادى
دون عرضى فإن رضيت فكونى

أراد فكونى معى على ما أنا عليه وإن سخطت فبينى فحذف هذا كله.

والآخر

إذا قيل سيروا إن ليلى لعلهنا
جرى دون ليلى مائل القرن أعضب

أراد لعلها قربت وهذا يتسع وهو أكثر من أن يحيط به قول.

والحذف غير الاختصار وقوم يظنون أنهما واحد وليس كذلك لان الحذف يتعلق بالالفاظ وهو أن يأتى بلفظ يقتضى غيره ويتعلق به ولايستقل بنفسه ويكون في الموجود دلالة على المحذوف فتقتصر عليه طلبا للاختصار والاختصار يرجع إلى المعانى وهو أن يأتى بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ فلا حذف إلا وهواختصار وليس كل اختصار حذفا. فمثال الحذف قوله - ولكن خامرى أم عامر - ونظائره مما أنشدناه لان القول غير مستغن بنفسه بل يقتضى كلاما آخر غير أنه لما كان فيه دلالة على ما حذف حسن استعماله.

ومثال الاختصار الذى ليس بحذف قول الشاعر

أولاد جفنة حول قبر أبيهم
قبر ابن مارية الكريم المفضل(1)
اذا احتملت رأسى وفي الرأس أكثرى
وغودر عند الملتقى ثم سائرى
هنا لك لا أرجو حياة تسرني
سجيس الليالي مبسلا بالجرائر
(1) قوله - قبر ابن مارية - الخ.

قال أبوعبيدة هى مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة وقال ابن الكلبى مثل قول أبى عبيدة ثم قال وقالت كندة جمعاء هى مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة وقال القعنبي بنت ظالم ابن وهب بن الحارث وقال ابن السكيت هى مارية بنت أرقم بن ثعلبة. والبيت من قصيدة (*)


160

أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم لا ينتجعون كالاعراب فاختصر هذا المبسوط كله في قوله حول قبر أبيهم. ومثله قول عدى بن زيد عالم بالذى يريد نقى الصدر عف على حثاه نحور(1) وفى معنى الاختصار قول أوس بن حجر

وفتيان صدق لاتخم لحامهم
إذا شبه النجم الصوار النوافرا

فقوله - لاتخم لحامهم - لفظ مختصر ولو بسط لقال إنهم لا يدخرون اللحم ولا يستبقونه فيخم بل يطعمونه الاضياف والطراق. ومعنى قوله - إذا شبه النجم الصوار النوافرا - يعنى في شدة البرد كلب الشتاء لان الثريا تطلع في هذا الزمان عشاء كأنها صوار متفرق وهذا أيضا أكثر من أن يحصى وإنما فضل الكلام الفصيح بعضه على بعض لقوة حظه من إفادة المعانى الكثيرة بالالفاظ المختصرة.

فأما قوله تعالى (ثم عرضهم على الملائكة) بعد ذكر الاسماء التى لاتليق بها هذا الكناية فالمراد به عرض المسميات لان الكناية لاتليق بالاسماء ولابد من أن تكون تلك المسميات أو فيها مايجوز أن يكنى عنه بهذه

حسان رضى الله عنه المشهورة التي مدح بها آل جفنة ومطلعها

أسألت رسم الدار أم لم تسأل
بين الجوابي فالبضيع فحومل
ومنها لله در عصابة نادمتهم
يوما يجلق في الزمان الاول
ومنها يغشون حتي ما تهر كلابهم
لايسألون عن السواد المقبل
يسقون من ورد البريص عليهم
بردى يصفق بالرحيق السلسل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم
شم الانوف من الطراز الاول
ومنها ولقد شربت الخمر في حانوتها
صهباء صافية كطعم الفلفل
يسعي على بكأسها متنطف
فيعلنى منها ولو لم أنهل
إن التى ناولتني فرددتها
قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطنى
بزجاجة أرخاهما للمفصل
(1) - هكذا في الاصول التي بايدينا ولم نقف عليه (*)

161

الكناية لانها لاتستعمل إلا في العقلاء ومايجرى مجراهم. وقيل إن في قراء‌ة أبى ثم عرضها وفى قراء‌ة عبدالله بن مسعود ثم عرضهن وعلى هاتين القراء‌تين يصلح أن تكون عبارة عن الاسماء.

وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في متشابهه ومشكله تعرض له وهو من مهم مايسأل عنه. وذلك أن يقال من أين علمت الملائكة عليها السلام لما أخبرها آدم عليه الصلاة والسلام بتلك الاسماء صحة قوله ومطابقة الاسماء للمسميات وهى لم تكن عالمة بذلك من قبل إذ لو كانت عالمة لاخبرت بالاسماء ولم تعترف بفقد العلم والكلام يقتضيه لانهم لما أنبأهم آدم عليه الصلاة والسلام علموا صحتها ومطابقتها للمسميات ولولا ذلك لم يكن لقوله تعالى (ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والارض) معنى ولاكانوا مستفيدين بذلك نبوته وتمييزه واختصاصه بما ليس لهم لان كل ذلك إنما يتم مع العلم دون غيره.

والجواب أنه غير ممتنع أن تكون الملائكة عليها السلام في الاول غير عارفين بتلك الاسماء فلما أنبأهم أدم عليه السلام بها فعل الله في الحال العلم الضرورى بصحتها ومطابقتها للمسميات لها إما عن طريق أو ابتداء بلاطريق فعلموا بذلك تميزه واختصاصه وليس لاحد أن يقول إن ذلك يؤدى إلى أنهم علموا نبوته اضطرارا وفى هذا منافاة لطريق التكليف وذلك أنه ليس في علمهم بصحة ما أخبر به ضرورة مايقتضى العلم بالنبوة ضرورة بل بعده درجات ومراتب لابد من الاستدلال عليها ويجرى هذا مجرى أن يخبر أحدنا نبى بما فعل على سبيل التفصيل على وجه تجرى به العادة وهو إن كان عالما بصدق خبره ضرورة لابد له من الاستدلال فيما بعد على نبوته لان علمه بصدق خبره ليس هو العلم بنبوته لكنه طريق يوصل إليها على ترتيب.

ووجه آخر وهو أنه لايمتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة فكل قبيل منهم يعرف أسماء الاجناس في لغته دون لغة غيره إلا أن يكون إحاطة عالم واحد بأسماء الاجناس في جميع لغاتهم خارقة للعادة فلما أراد تعالى التنبيه على نبوة آدم عليه السلام علمه جميع تلك الاسماء فلما أخبرهم بها علم كل فريق مطابقة ما خبر به من الاسماء للغته وهذا لايحتاج فيه إلى الرجوع إلى غيره وعلم مطابقته ذلك لباقى اللغات يخبر كل قبيل ولاشك في أن كل قبيل إذا كانوا كثيرة وخبروا بشئ(21 - امالى لث)


162

يجرى هذا المجرى علم صحة مخبرهم وإذا أخبر كل قبيل صاحبه علم من ذلك في لغة غيره ما علمته من لغته وهذا الجواب يقتضى أن يكون قوله تعالى (أنبؤنى بأسماء هؤلاء) أى ليخبرنى كل قبيل منكم بجميع الاسماء وهذان الجوابان جميعا مبنيان على أن آدم عليه السلام لم يتقدم لهم العلم بنبوته وأن إخباره بالاسماء كان افتتاح معجزاته لانه لو كان نبيا قبل ذلك وكانوا قد علموا بقدم ظهور معجزات على يده لم يحتج إلى هذين الجوابين معا لانهم يعلمون إذا كان الحال هذه مطابقة الاسماء للمسميات بعد أن لم يعلموا ذلك بقوله الذى قد أمنوا به فيه غير الصدق وهذا لمن تأمله بين بحمدالله.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه رأيت قوما ممن تكلم على معانى الشعر يذكرون في بيت حسان بن ثابت

لم تفتها شمس النهار بشئ
غير أن الشباب ليس يدوم(1)

أن المراد به الاعتذار من كبرها وعلو سنها فكأنه قال - لم تفتها شمس النهار بشئ - أنها كبيرة طاعنة في السن وعذرها في ذلك أن الشباب ليس يدوم لامثالها وهذا الذى

(1) البيت من قصيدته التى قالها بعد وقعة احد يروي انه دعا قومه ليلا فقال لهم خشيت أن يدركنى أجلى قبل ان أصبح فلا ترووها عنى ومطلعها

منع النوم بالعشاء الهموم
وخيال اذا تغور النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه
سقم فهو داخل مكتوم
يال قومي هل يقتل المرء مثلي
واهن البطش والعظام سؤوم
همها العطر والفراش ويعلوها
لجين وحالك منظوم
لو يدب الحولي من ولد الذ
ر عليها لاندبتها الكلوم
لم تفتها شمس النهار بشئ
غير أن الشباب ليس يدوم
ان خالي خطيب جابية الجو
لان عند النعمان حين يقوم
وأبى في سميحة القائل الفا
صل يوم التفت عليه الخصوم
وأنا الصقر عند باب اين سلمي
يوم نعمان في الكبول مقيم (*)

163

ذكروه ليس بشئ والاشبه والاولى أن يكون مراد حسان أن شمس النهار لم تفتها بشئ غير أن شبابها مما لايدوم ولابد من أن يلحقها الهرم الذى لايلحق الشمس ولم يرد أنها في الحال كذلك وكيف يريد ما توهموه مع قوله يالقومى هل يقتل المرء مثلى * واهن البطش والعظام سؤوم

شأنها العطر والفراش ويعلوها
لجين ولؤلؤ منظوم
لويدب الحولى من ولد الذ
ر عليها لاندبتها الكلوم(1)

وهذه الاوصاف لاتليق لمن طعن في السن من النساء ولايوصف بملثها إلا الصبيان والاحداث.

ومن العجائب أن هذه الاستخراج على ركاكته مسند إلى الاصمعى وما أولى من يكون نتيجة تغلغله وثمرة توصل مثل هذه الثمرة بالاضراب عن استخراج المعانى والبحث عنها. ومما فسره أصحاب المعانى على وجه وهو بغيره أشبه وأقل الاحوال أن يكون محتملا للامرين ولايقتصر على أحدهما قول الخنساء

ياصخر وراد ماء قد تناذره
أهل الموارد ما في ورده عار

وأبي

وواقد أطلقا لى
حين رحنا وكبلهم محطوم
ورهنت اليدين عنهم جمعيا
كل كف فيها جز مقسوم
وسطت نسبتي الذوائب منهم
كل دار فيها أب لي عظيم
رب حلم أضاعه عدم الما
ل وجهل غطا عليه النعيم
ما أبالى أنب بالحزن تيس
أم لحانى بظهر غيب لئيم
تلك أفعالنا وفعل الز بعرى
خامل في صديقه مذموم
ولى البأس منهم إذ حضرتم
أسرة من ذرى قصي صميم
تسعة تحمل اللواء وطارت
في رعاع من القنا مخزوم
(1) يقول لو يدب الصغير من ولد الذر على جلدها لاثر فيه وجرحه ولم يرد بالحولى ما أتى عليه حول ولكن جعله في صغره كالحولي من ولد الحافر والخف (*)

164

لانهم يقولون مرادها بالبيت ما في ترك ورده عار ويظنون أنه متى لم يحمل على ذلك لم يكن له فائدة ولا فيه مدح ويجرونه مجرى قول المرقش

ليس على طول الحياة ندم
ومن وراء المرء مايعلم(1)

وليس الامر كما ظنوه لانه يحتمل أن يريد أنه لا عار في ورده على ظاهر الكلام والفائدة فيه ظاهرة لان البيت وإن تضمن ذكر ورود الماء فهو كناية عن ركوب الامور العظيمة الصعاب التى من جملتها إيراد الماء غلبة وقهرا فكأنها قالت إنك تورد ماء قد تناذره الناس وتركب أمرا صعبا قد نكل عنه الخلق ولك بذلك حظ الشجاعة والبسالة ومع ذلك فلا عار عليك في ركوبه لانه ربما فعل الانسان فعلا يجوز به أكثر الحظ من الشجاعة وإن لحقه بعض العار من قطيعة رحم أو نكث عهد أو ماجرى ذلك المجرى

(1) قوله - ليس على طول الحياة - الخ. قال الاصمعي أراد ليس على فوت طول الحياة ندم.

وقوله - ومن وراء الرء؟؟ ما يعلم - يقول من عمل شيئا وجده ووراء هنا امام من الاضداد قال الله جل ذكره (ومن ورائه عذاب غليظ) وقال الشاعر

أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتى
وقومى تميم والفلاة ورائيا

أي امامى.

قال أبوعبيدة ومنه قول الله عزوجل (وكان وراء‌هم ملك) أي امامهم هذا قول أبى عكرمة. وقال غيره ومن وراء المرء ما يعلم أى الهرم والكبر والضعف وكثرة العلل. والبيت للمرقش الاكبر واسمه عوف بن سعد وهو عم الاصغر والاصغر عم طرفة بن العبد وهو من قصيدة مطلعها

هل بالديار أن تجيب صمم
لو كان رسم ناطقا كلم
الدار قفر والرسوم كما
رقش في ظهر الاديم قلم
ديار أسماء التى تبلت
قلبى فعينى ماؤها يسجم
أضحت خلاء نبتها ثئد
نور فيها زهوها فاعتم
بل هل شجتك الظعن باكرة
كأنهن النخل من ملهم
النشر مسلك والوجوه دنا
نير وأطراف البنان عنم (*)

165

فكأنها نفت عن فعله وجوه العار وليس يجرى هذا مجرى قول المرقش - ليس على طول الحياة ندم - لان البيت متى لم يحمل على أن المراد به ليس على فوت طول الحياة ندم لم يفد شيئا وقد بينا فائدة قول الخنساء إذا كان المراد ما ذكرناه

(مجلس آخر 56)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن) الآية. الجواب قد ذكر في هذه الآية وجوه.

أولها أن يكون المعنى واسأل أتباع من أرسلنا قبلك من رسلنا ويجرى ذلك مجرى قولهم السخاء حاتم والشعر زهير يريدون السخاء حاتم والشعر شعر زهير وأقامو حاتما مقام السخاء المضاف إليه وقوله تعالى (ولكن البر من آمن بالله) ومثله قول الشاعر

لهم مجلس صهب السبال أذلة
سواسية أحرارها وعبيدها(1)

والمأمور بالسؤال في ظاهر الكلام النبى عليه الصلاة والسلام وهو في المعنى لامنه لانه عليه الصلاة والسلام لايحتاج إلى السؤال لكنه خوطب خطاب أمته كما قال تعالى (آلمص كتاب أنزل إليك فلايكن في صدرك حرج منه) فأفرده الله تعالى بالمخاطبة ثم رجع إلى خطاب أمته فقال (اتبعوا ما أنزل إليكم) (فلا يكن في صدرك حرج) وفى موضع آخر (يا أيها النبى اتق الله) الآية فخاطبه عليه الصلاة والسلام والمعنى لامته لانه بين بقوله تعالى (إن الله كان بما تعملون خبيرا).

وقال تعالى (يا أيها النبى إذا طلقتم النساء) فوحد وجمع في موضع واحد وذلك للمعنى الذى ذكرناه

(1) أى لهم أهل مجلس - وصهب - جمع أصهب أى في سبالهم صهبة وهى حمرة أو شقرة في الشعر - والسبال - بالكسر جمع سبلة بالتحريك وهى الدائرة في وسط الشفة العليا أو ما على الشارب من الشعر أو طرفه أو مجتمع الشاربين أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها أو مقدمها خاصة ويقال للاعلماء صهب السهبال - وأذلة - جمع ذليل - وسواسية - مستوون


166

وقال الكميت

إلى السراج المنير أحمد لا
تعدلنى رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولورفع النا
س إلى العيون وارتقبوا
لوقيل أفرطت بل قصدت ولو
عنفى القائلون أو ثلبوا
لج بتفضيلك اللسان ولو
أكثر فيك الضجاج واللجب

أنت المصطفى المحض المندب في التشبيه إن نص قومك النسب فظاهر الخطاب للنبى عليه الصلاة والسلام والمقصود به أهل بيته عليهم الصلاة والسلام لان أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله عليه الصلاة والسلام والاطناب في وصف فضائله ومناقبه ولايعنف في ذلك أحد وإنما أراد الكميت وإن أكثر في أهل بيته وذريته عليهم الصلاة والسلام الضجاج واللجب والتقريع والتعنيف فوجه القول إليه عليه الصلاة والسلام والمراد غيره وبه لذلك وجه صحيح وهو ان المراد بموالاتهم الانحياز إليهم والانقطاع إلى حبهم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقصود بجميع ذلك جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج ويضعه هذا الموضع.

وقد قيل إن المراد باتباع الانبياء عليهم الصلاة والسلام الذين أمر بمسألتهم أهل الكتاب كعبدالله ابن سلام ونظرائه ولايمتنع على هذا الجواب أن يكون هو عليه الصلاة والسلام المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب وإن لم يكن شاكا في ذلك ولا مرتابا به ويكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به وإقامة الحجة عليهم باعترافهم أو لان بعض مشركى العرب أنكر أن تكون كتب الله المتقدمة وأنبياؤه الآتون بها دعوا إلى التوحيد فأمر عليه الصلاة والسلام بتقرير أهل الكتاب بذلك لنزول الشبهة عمن اعترضته الشبهة.

والجواب الثانى أن يكون السؤال متوجها إليه عليه الصلاة والسلام خاصة دون أمته والمعنى إذا لقيت النبيين في السماء فاسألهم عن ذلك لان الرواية قد وردت بأنه عليه الصلاة والسلام لقى النبيين في السماء فسلم عليهم وأمهم ولايكون أمره بالسؤال لانه كان


167

شاكا لان مثل ذلك لايجوز عليه الشك فيه لكن لبعض المصالح الراجعة إلى الدين إما لشئ يخصه عليه الصلاة والسلام أو يتعلق ببعض الملائكة الذين يستمعون مايجرى بينه وبين النبيين من سؤال وجواب.

والجواب الثالث ما أجاب به ابن قتيبة وهو أن المعنى واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا يعنى أهل الكتاب وهذا الجواب وإن كان يوافق في المعنى الجواب الاول فبينهما خلاف في تقدير الكلام وكيفية تأويله فلهذا صارا مفترقين وقد رد على ابن قتيبة هذا الجواب وقيل إنه أخطأ في الاعراب لان لفظه إليه لايصح إضمارها في مثل هذا الموضوع لانهم لايجوزون الذى جلست عبدالله على معنى الذى جلست إليه عبدالله لان إليه حرف منفصل عن الفعل والمنفصل لايضمر فلما كان القائل إذا قال الذى أكرمت إياه عبدالله ولم يجز إن يضمر إياه لانفصاله من الفعل كانت لفظة إليه بمنزلته وكذلك لايجوز الذى رغبت محمد بمعنى الذى رغبت فيه محمد لان الاضمار إنما يحسن في الهاء المتعلقة بالفعل كقولهم الذى أكلت طعامك والذى لقيت صديقك معناهما الذى أكلته ولقيته(1) وقال الفراء إنما حذفت الهاء لدلالة الذى عليها

(1) هذا الكلام يحتاج إلى تبيين لعدم إيضاح ما تضمنه والحاصل أن العائد المنصوب يجوز حذفه ان كان متصلا وناصبه فعل أو وصف غير صلة الالف واللام فالفعل نحو يعلم ما يسرون وما يعلنون ويجوز في ماهنا أن تكون موصولا حرفيا قيل وشرط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متعينا للربط كما مثل فلو كان غير متعين لم يجز حذفه نحو جاء الذى أكرمته في داره فان العائد أحدهما لابعينه وفيه نظر عند صاحب التوضيح وشرط الفعل أن يكون تاما فلا يجوز جاء الذي كانه زيد على الاصح ومثال الوصف قوله

ما الله موليك فضل فاحمدنه به
فما لدى غيره نفع ولاضرر

بخلاف جاء الذي إياه أكرمت لانه منفصل وحذفه يوقع في إلباسه بالمتصل ومفوت لما قصد به من التخصيص وانما حذف منفصلا من قوله سبحانه وتعالى (ومما رزقناهم ينفقون) والاصل رزقناهم إياه لان تقديره متصلا يلزم منه اتحاد الضميرين المتحدي


168

وقال غيره في حذفها غير ذلك وكل هذا ليس مما تقدم في شئ فصح أن جواب ابن قتيبة مستضعف والمعتمد ماتقدم

الرتبة في ضميري الغيبة وهو قليل وبخلاف جاء الذى انه فاضل أو كأنه أسد لان اسم ان وكأن المشددتين لايحذف الا شذوذا وبخلاف جاء‌نى الضاربه زيد لان الوصف صلة الالف واللام واسمية أل خفية والضمير اذا كان مذكورا يدل على اسميتها نصا فاذا حذف فات هذا المعنى وهم بصدد التنصيص على اسميتها آخر الجزء الثالث من كتاب أمالي السيد المرتضى ويليه الجزء الرابع وأوله تأويل خبر والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فهرست اشعار
طرقتك زائرة فحي خيالها    =    بيضاء تخلط بالحياء دلالها 4
مالت بقلبك فاستقاد ومثلها    =    قاد القلوب إلى الصبا فأمالها 4
فكأنما طرقت بنفحة روضة    =    سحت بها ديم الربيع طلالها 4
باتت تسائل في المنام معرسا    =    بالبيد أشعث لا يمل سؤالها 4
في فتية هجعوا غرارا بعدما    =    سئموا مراعشة السرى ومطالها 4
أني سربت وكنت غير سروب    =    وتقرب الاحلام غير قريب(1) 5
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه    =    في النوم غير مصرد محسوب 5
كان المنى بلقائها فلقيتها    =    فلهوت من لهو امرئ مكذوب 5
أتنسى اذ تودعنا سليمى    =    بفرع بشامة سقي البشام 5
بنفسي من تجنبه عزيز    =    علي ومن زيارته لمام 5
ومن أمسى وأصبح لا أراه    =    ويطرقني اذا هجع النيام 5
زار الخيال لها لا بل أزاركه    =    فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم 6
ظبي تقنصته لما نصبت له    =    من آخر الليل أشراكا من الحلم 6
ثم اغتدى وبنا من ذكره سقم    =    باق وإن كان مشغولا من السقم 6
عادك الزور ليلة الرمل من رملة    =    بين الحمى وبين المطال 6
ثم ما زارك الخيال ولكنك    =    بالفكر زرت طيف الخيال 6
الليالي أحفي بقلبي إذا ما    =    جرحته النوى من الايام 6
يا لها ليلة تنزهت الار    =    واح فيها سرا من الاجسام 6
مجلس لم يكن لنا فيه عيب    =    غير أنا في دعوة الاحلام 6
فلا وصل إلا أن يطيف خيالها    =    بنا تحت جؤشوش من الليل أسفع 6
ألمت بنا بعد الهدو فسامحت    =    بوصل متى نطلبه في الجد تمنع 6
وما برحت حتى مضى الليل وانقضى    =    وأعجلها داعى الصباح الملمع 6
فولت كأن البين يخلج شخصها    =    أوان تولت من حشاى واضلعى 6
ورب لقاء لم يؤمل وفرقة    =    لاسماء لم تحذر ولم تتوقع 6
أراني لا أنفك في كل ليلة    =    تعاود فيها المالكية مضجعي 7
اسر بقرب من ملم مسلم    =    وأشجى ببين من حبيب مودع 7
فكان لنا بعد النوى من تفرق    =    ترجيه أحلام الكرى باتجمع 7
وإني وإن ضنت علي بودها    =    لارتاح منها للخيال المؤرق 7
يعز على الواشين لو يعلمونها    =    ليال لنا نزدار فيها ونلتقى 7
فكم غلة للشوق أطفأت حرها    =    بطيف متى ما يطرق الليل يطرق 7
أضم عليه جفن عينى تعلقا    =    به عند اجلاء النعاس المرنق 7
بلى وخيال من أثيلة كلما    =    تأوهت من وجد تعرض يطمع 7
اذا زورة منه تقضت مع الكرى    =    تنبهت من وجد له أتفزع 7
ترى مقلتى مالا ترى في لقائه    =    وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع 7
ويكفيك من حق تخيل باطل    =    ترد به نفس اللهيف فترجع 7
اذا ما الكرى أهدى إلي خياله    =    شفى قربه التبريح أو نقع الصدى 7
إذا انتزعته من يدى انتباهة    =    عددت حبيبا راح مني واعتدا 7
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا    =    تعذب أيقاظا وتنعم هجدا 7
فما نلتقي الا على حلم هاجد    =    يحل لنا جدواك وهي حرام 7
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا    =    من الجد أيقاظا ونحن نيام 8
وليلة هو منا على العيس أرسلت    =    بطيف خيال يشبه الحق باطله 8
فلولا بياض الصبح طال تشبثي    =    بعطفى غزال بت وهنا أغازله 8
أمنك تأوب الطيف الطروب    =    حبيب جاء يهدى من حبيب 8
تخطي رقبة الواشين كرها    =    وبعد مسافة الخرق المجوب 8
يكاذبني وأصدقه رداء    =    ومن كلف مصادقة الكذوب 8
ما تقضى لبانة عند لبنى    =    والمعني بالغانيات معني 8
هجرتنا يقظى وكادت على مذ    =    هبها في الصدود تهجر وسني 8
بعد لاى وقد تعرض منها    =    طائف عرجت على الركب وهنا 8
هجرتنا يقظى وكادت على مذ    =    هبها في الصدود تهجر وسني 8
ارد دونك يقظانا ويأذن لي    =    عليك سكر الهوى إن جئت وسنانا 8
ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه    =    في النوم غير مصرد محسوب 9
وزور تخطي جنوب الملا    =    فناديت أهلا بذا الزائر 9
أتاني هدوا وعين الرقيب    =    مطروفة بالكرى العامر 9
فأعجب به يسعف الهاجعين    =    وتحرمه مقلة الساهر 9
وعهدي بتمويه عين المحب    =    ينم على قلبه الطائر 9
فما التقينا برغم الرقا    =    د موه قلبي على ناظري 10
طرقت أسيماء الرحال ودونها    =    بيتان من ليل التمام الاسود 10
ومفاوز وصل الفلاة جنوبها    =    بجنوب أخرى غير أن لم تعقد 10
رمل إذا أيدى الركاب قطعنه    =    قرعت منا سمها بقف قردد 10
فكأن ريح لطيمة هندية    =    وذكى جادي بنصع مجسد 10
وندى خزامى الجو جو سويقة    =    طرق الخيال به بعيد المرقد 10
طرقتك زينب والمزار بعيد    =    بمنى ونحن معرسون هجود 10
فكأنما طرقت بريا روضة    =    انف يسحسح مزنها ويجود 10
ومجود من صبابات الكرى    =    عاطف النمرق صدق المبتذل(1) 10
قال هجدنا فقد طال السري    =    قدرنا إن خنى الدهر غفل(1) 11
قلما عرس حتى هجته    =    بالتباشير من الصبح الاول(2) 11
يلمس الاحلاس في منزله    =    بيديه كاليهودي المصل(1) 12
يتمارى في الذي قلت له    =    ولقد يسمع قولي حيهل(2) 12
ليس العطاء من الفضول سماحة    =    حتى تجود وما لديك قليل 12
وشمول قهوه باكرتها    =    في التباشير من الصبح الاول 12
وليل كأثناء الزويزي جبته    =    بأربعة والشخص في العين واحد 13
أحم علافي وأبيض صارم    =    وأعيس مهري وأشعث ماجد 13
أخو شقة جاب الفلاة بنفسه    =    على الهول حتى طوحته المطارد 13
وأشعث مثل السيف قد لاح جسمه    =    وجيف المهارى والهموم الاباعد 13
سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه    =    لدين الكرى من آخر الليل ساجد 13
أقمت له صدر المطي فما درى    =    أجائرة أعناقها أم قواصد 13
ترى الناشئ الغرير يضحى كأنه    =    على الرحل مما منه السير عاصد 13
وأغيد من طول السرى برحت به    =    أفانين نهاض على الاين مرجم 13
سريت به حتى إذا ما تمزقت    =    توالى الدجى عن واضح اللون معلم 13
أنخنا فلما أن جرت في دماغه    =    وعينيه كأس النوم قلت له قم 13
فما قام إلا بين أيد تقيمه    =    كما عطفت ريح الصبا خوط سأسم 13
خطا الكره مغلوبا كأن لسانه    =    لما رد من رجع لسان المبلسم 13
وود بوسطي الخمس منه لواننا    =    رحلنا وقلنا في المناخ له نم 13
نغالى اللحم للاضياف نيا    =    ونبذله إذا نضج القدور 15
ودع هريرة إن الركب مرتحل    =    وهل تطيق وداعا أيها الرجل 15
وما أنس من شئ تقادم عهده    =    فلست بناس ما هدت قدمي نعلى 16
عشية قالت والدموع بعينها    =    هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلي 16
وضعوا الخدود لدى سواهم جنح    =    تشكو كلوم صفاحها وكلالها 16
طلبت أميرالمؤمنين فواصلت    =    بعد السرى بغدوها آصالها 16
نزعت اليك صواديا فتقاذفت    =    تطوى الفلاة حزونها ورمالها 16
يتبعن ناجية تهز مراحها    =    بعد النحول تليلها وقذالها 16
هوجاء تدرع الربا وتشقها    =    شق الشموس إذا تراع جلالها 16
تنجو إذا رفع القطيع كما نجت    =    خرجاء بادرت الظلام رئالها 16
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى    =    كالبرج تملا رحلها وحبالها 16
بخوص كإعطال القسي تقلقلت    =    أجنتها من شقة ودؤب 16
إذا معجل غادرنه عند منزل    =    اتيح لجواب الفلاة كسوب(1) 17
وهن بنا عوج كأن عيونها    =    بقايا قلات قلصت لنضوب(2) 17
مسانيف يطويها مع القيظ والسرى    =    تكاليف طلاع النجاد ركوب 17
قديم ترى الاصواء فيه كأنها    =    رجال قيام عصبوا بسبوب(3) 17
يعمن بنا عوم السفين إذا انجلت    =    سحابة وضاح السراب خبوب 17
إلى الامام تهادانا بأرحلنا    =    خلق من الريح في أشباح ظلمان 17
كأن أفلاتها والفجر يأخذها    =    إفلات صادرة عن قوس حسان 17
واذا المطي سبحن في أعطافه    =    فات المطي بكاهل وتليل 17
فكأنه والناعجات يردنه    =    قدح يطلع من قداح مجيل 17
نهش الهجائر والظهائر لحمها    =    حتى تخدد لحمها المتضاهر 17
حرف تناهبها النجاء قلائص    =    مما تنجل شدقم أو ذاعر 18
صبر اذا عطفت سوالفها البرى    =    سمعت لهن كشاكش وجراجر 18
ويخلن من عز النفوس وجدها    =    جنا وهن إذا اختبرن أباعر 18
أما إذا ما قبلت فكأنها    =    ذعر تهادتها الفلاة نوافر 18
أما إذا ما أعرضت فكأنها    =    كذر توردن النطاف صوادر 18
إما إذا ما أبركت فكأنها    =    صرح مشيدة وهن ضوامر 18
كأن يديها إذا أرقلت    =    وقد جرن ثم اهتدين السبيلا 18
يدا سابح خر في غمرة    =    وقد شارف الموت إلا قليلا(1) 18
إذا أقبلت قلت مشحونة    =    أطاعت لها الريح قلعا جفولا(2) 18
وإن أدبرت قلت مذعورة    =    من الربد تتبع هيقا ذمولا(3) 18
يدا عائم خر في غمرة    =    قد ادركه الموت إلا قليلا 18
كأن يديها حين جد نجاؤها    =    يدا سابح في غمرة يتذرع 19
كأن ذراعيها ذراعا مدلة    =    بعيد السباب حاولت أن تعذرا 19
ممجدة الاعراق قال ابن ضرة    =    عليها كلاما جار فيه وأهجرا 19
هجرت امامة هجرا طويلا    =    وحملك النأى عبا ثقيلا 19
اذا أقبلت قلت مذعورة    =    من الرمد تلحق هيقا ذمولا 19
وان أدبرت قلت مشحونة    =    أطاع لها الريح قلعا جفولا 19
وان أعرضت حار فيها البصير    =    ما لا يكلفة أن يقيلا 19
يدا سرحا مائرا ضبعها    =    تسوم وتقدم رجلا زجولا 19
وعوجا تناطحن تحت المطا    =    وتهدى بهن مشاشا كهولا 19
تعز المطى جماع الطريق    =    اذا أدلج القوم ليلا طويلا 19
كأن يديها اذا أرقلت    =    وقد جرن ثم اهتدين السبيلا 19
كأن يديها حين يقلق ضفرها    =    يدا نصف غيرى تعذر من جرم 20
كأن ذراعيها ذراعا بدية    =    مفجعة لاقت ضرائر عن عفر 20
سمعن لها واستعجلت بكلامها    =    فلا شئ يفرى باليدين كما تفرى 20
ألا هل تبلغنيهم    =    على اللاواء والظنه 20
وآة الحصى المعزا    =    في أخفافها رنه 20
إذا ما عسفت قلت    =    حماة فاضحت كنه 20
كأن أوب ذراعيها إذا عرقت    =    وقد تلفع بالقور العساقيل 20
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت    =    ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا 20
شد النهار ذراعا عيطل نصف    =    قامت فجاوبها نكد مثاكيل 20
نواحة رخوة الضبعين ليس لها    =    لما نعي بكرها الناعون معقول 20
وكأنما رفعت يدى نواحة    =    شمطاء قامت غير ذات خمار 21
ولا شمطاء لم يترك شقاها    =    لها من تسعة إلا جننا 21
يا ليت شعري والمني لا تنفع    =    هل أغدون يوما وأمرى مجمع 21
وتحت رحلى زفيان ميلع    =    كأنها نائحة تفجع 21
مجانيق تضحي وهي عوج كأنها    =    بجوز الفلا مستاجرات نوائح 21
كأن أوب يديها حين أعجلها    =    أوب المراح وقد نادوا بترحال 21
مقط الكرين على منكوسة زلق    =    في ظهر حنانة النيرين مغوال 21
مرحت يداها للنجاء كأنما    =    تكرو بكفي مأقط في قاع(1) 22
مرحت يداها للنجاء كأنما    =    تكروا بكفى لاعب في صاع 22
أرحلت من سلمى بغير متاع    =    قبل العطاس ورعتها بوداع 22
عن غير مقلية وإن حبالها    =    ليس بأرمام ولا أقطاع 22
فعل السريعة بادرت جدادها    =    قبل المساء تهم بالاسراع 23
كأن أيديهن بالقاع الفرق    =    أيدي جوار يتعاطين الورق 23
فتناولوا شعب الرحال فقلصت    =    سود البطون كفضلة المتنمس 23
اذ تستبيك باصلتي ناعم    =    قامت لتفتله بغير قناع 23
ومهي يرف كأنه إذ ذقته    =    عانية شجت بماء يراع 23
أو صوب سارية أدرته الصبا    =    ببزيل أزهر مدمج بسياع 23
فرأيت ان الحلم مجتنب الصبا    =    فصحوت بعد تشوق ورواع 23
فتسل حاجتها اذا هي أعرضت    =    بخميصة سرح اليدين وساع 23
صكاء ذعلبة اذا استدبرتها    =    حرج اذا استقبلتها هلواع 23
وكأن قنطرة بموضع كورها    =    ملساء بين غوامض الانساع 23
واذا تعاورت الحصى أخفافها    =    دوت نواديه بظهر القاع 23
ومن سيرها العنق المسبط    =    ر والعجرفية بعد الكلال 24
نفى السير عنها كل داء إقامة    =    فهن رذايا بالطريق ترائك 24
وحملت الحاجات خوصا كأنها    =    وقد ضمرت صفر القسى العواتك 24
وكأنهن من الكلال أهلة    =    أو مثلهن عطائف الاقواس 24
قود طواها ما طوت من مهمه    =    نائى الصوى ومناهج أدراس 24
أتينا القادسية وهى ترنو    =    إلي بعين شيطان رجيم 25
فما بلغت بنا عسفان حتى    =    رنت بلحاظ لقمان الحكيم 25
وبدلها السرى بالجهل حلما    =    وقد أديمها قد الاديم 25
أذاب سنامها قطع الفيافي    =    ففلق جلدها نضح العصيم 25
بدت كالبدر وافي ليل سعد    =    وآبت مثل عرجون قديم 25
وخدان القلاص حولا إذا قا    =    بلن حولا من أنجم الاسحار 25
يترقرقن كالسراب وقد خضن    =    غمارا من السراب الجاري 25
كالقسى المعطلات بل الاسهم    =    مبرية بل الاوتار 25
وهى العيس دهرها في ارتحال    =    من حلول أو فرقة من جميع 25
رب مرت مرت تجاذب قطريه    =    سرابا كالمنهل المشروع 25
وسرى تنتحيه بالوخد حتى    =    تصدع الليل عن بياض الصديع 25
كالبرى في البرى ويحسبن أحيا    =    نا نسوعا مجدولة في نسوع 25
أحيا أميرالمؤمنين محمد    =    سنن النبي حرامها وحلالها 26
ملك تفرع نبعة من هاشم    =    مد الاله على الانام ظلالها 26
جبل لامته تلوذ بركنه    =    رادى جبال عدوها فازالها 26
لم يغشها مما يخاف عظيمه    =    الا أجال لها الامور مجالها 26
حتى يفرجها أغر مهذب    =    ألفى أباه مفرجا أمثالها 26
ثبت على زلل الحوادث راكب    =    من صرفهن لكل حال حالها 26
كلتا يديك جعلت فضل نوالها    =    للمسلمين وفي العدو وبالها 26
وقعت مواقعها بعفوك أنفس    =    أذهبت بعد مخافة أو جالها 26
أمنت غير معاقب طرادها    =    وفككت عن اسرائها أغلالها 27
ونصبت نفسك خير نفس دونها    =    وجعلت مالك واقيا أموالها 27
أحيا أميرالمؤمنين محمد    =    سنن النبي حرامها وحلالها 27
ولقد أراد الله إذ ولاكها    =    من أمة إصلاحها وفسادها(1) 27
وما كان من خير أتوه فإنما    =    توارثه آباء آبائهم قبل 27
وهل ينبت الخطي الا وشيجه    =    وتغرس إلا في منابتها النخل 27
وحمزة والعباس منهم ومنهم    =    عقيل وماء العود من حيث يعصر 27
إذ مات منا سيد قام بعده    =    له خلف يكفى السيادة بارع 27
عرف الديار توهما فاعتادها    =    من بعد ما شمل البلى أبلادها 27
إلا رواسى كلهن قد اصطلى    =    حمراء أشعل أهلها إيقادها 27
كانت رواحل للقدور فعريت    =    منهن واستلب الزمان رمادها 27
من أبنائه والعرق ينصر فرعه    =    على أصله والعرق للعرق نازع 28
ترجو الغلام وقد أعياك والده    =    وفي أرومته ما ينبت العود 28
تجري أصاغرهم مجرى أكابرهم    =    وفي أرومته با ينبت الشجر 28
يخلفك البيض من بنيك كما    =    يخلف عود النضار في شعبه 28
أرى كل عود نابتا في أرومة    =    أبى منبت العيدان أن يتغيرا 28
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن    =    لوالد سوء يلقة حيث سيرا(1) 28
ألح على الايام يفري خطوبها    =    على منهج ألفى أباه به قبل 28
أبوك حباب سارق الضيف برده    =    وجدي يا حجاج فارس شمرا 28
بنو الصالحين الصالحون    =    ومن يكن لوالد صدق يلقه حيث سيرا 28
فان تغضبوا من قسمة الله حظكم    =    فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا 28
وما بى من خير وشر فإنها    =    سجية آبائي وفعل جدودي 29
هم القوم فزعى منهم متفرع    =    وعودهم عند الحوادث 29
واذا أبوالفضل استعار سجية    =    للمكرمات فمن أبي يعقوب 29
شرف تتابع كابرا عن كابر    =    كالرمح أنبوب على أنبوب 29
وأرى النجابة لا يكون تمامها    =    لنجيب قوم ليس بابن نجيب 29
ما سعوا يخلفون غير أبيهم    =    كل ساع منا يريد نصابه 29
وما تابع في المجد نهج عدوه    =    كمتبع في المجد نهج أبيه 29
هل تعلمون خليفة من قبله    =    أجرى لغايته التي أجرى لها 29
طلع الدروب مشمرا عن ساقه    =    بالخيل منصلتا يجد نعالها 29
قودا تريع إلى أغر لوجهه    =    نور يضئ أمامها وخلالها 29
قصرت حمائله عليه فقلصت    =    ولقد تحفظ قينها فأطالها 29
حتى اذا وردت أوائل خيله    =    جيحان بث على العدو رعالها 29
أحمى بلاد المسلمين عليهم    =    وأباح سهل بلادهم وجبالها 29
أدمت دوابر خيله وشكيمها    =    غاراتهن والحقت آطالها 29
لم يبق بعد مقادها وطرادها    =    الا نحائزها وإلا آلها 29
رفع الخليفة ناظرى وأراشني    =    بيد مباركة شكرت نوالها 30
وحسدت حتى قيل أصبح باغيا    =    في المشي مترف شيمة مختالها 30
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى    =    نعلا ورثت عن النبي مثالها 30
بطل كأن ثيابه في سرحة    =    يحذى نعال السبت ليس بتوأم 30
إلى ماجد كهلال السما    =    ء أزكى وفاء ومجدا وخيرا 30
طويل النجاد رفيع العما    =    د يحمى المضاف ويغني الفقيرا 30
طويل نجاد السيف عار جبينه    =    كنصل اليماني أخلصته صياقله 30
إذا هم بالمعروف لم تجر طيره    =    نحوسا ولم تسبق نداه عواذله 30
وأشعث طلاع الثنايا مبارك    =    يطول نجاد السيف وهو طويل 30
يمد نجاد السيف حتى كأنه    =    بأعلى سنامى فالج يتطوح 30
إذا اعتم في البرد اليماني خلته    =    هلالا بدا في جانب الافق يلمح 30
وأزهر من بني عمروبن عمرو    =    حمائله وإن طالت قصار 30
رأيتكم أعز الناس جارا    =    وامنعهم إذا عدوا ذمارا 30
حمائلكم وإن كانت طوالا    =    نراها عن شمائلكم قصارا 31
فجاء‌ت به عبل العظام كأنما    =    عمامته بين الرحال لواء(1) 31
أشم طويل الساعدين كأنما    =    تناط إلى جذع طويل حمائله 31
تناط حمائل الهندى منه    =    بعاتق لا ألف ولا ضئيل 31
ولكن يستقل به قواه    =    على ماض بقائمه ثقيل 31
يقوم مع الرمح الرديني قائما    =    ويقصر عنه طول كل نجاد 31
يوازى الرديني في طوله    =    ويقصر عنه نجاد الحسام 31
طول وطول فترى كفه    =    ينهل بالطول انهلال الغمام 31
وطوله يغتال يوم الوغى    =    وغيره فضل نجاد الحسام 31
فلا تعذلي في حندج ان حندجا    =    وليث عفرين لدي سواء 31
شبيه أبيه منظرا وخليقة    =    كما حذيت يوما على أختها النعل 32
أحيا لنا سنن النبي محمد    =    قد الشراك به قرنت شراكا 32
صحيح الضمير سره مثل جهره    =    قياس الشراك بالشراك تقابله 32
تشابهتما حلما وعدلا ونائلا    =    وحزما إذا أمر أقام وأقعدا 32
تنازعتما نفسين هذي كهذه    =    على أصل عرق كان أفخر متلدا 32
كما قاس نعلا حضرمي فقدها    =    على أختها لم يأل أن يتجردا 32
تنازع الاحمدان الشبه فاتفقا    =    خلقا وخلقا كما قد الشراكان 32
فلما تواقفنا اعترفت الذي بها    =    كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل(1) 32
جرى ناصح بالود بينى وبينها    =    فقربني يوم الحصاب الي القتل 32
فما أنس ملا شياء لا أنس موقفى    =    وموقفها يوما بقارعة النخل 32
فلما تواقفنا اعترفت الذى بها    =    كمثل الذي بى حذوك النعل بالنعل 32
لقد فرح الواشوان أن صرمت حبلى    =    بثينة أو أبدت لنا جانب البخل 32
يتلون أخلاق النبي وفعله    =    فالنعل تشبه في المثال طراقها 33
من فر منكم فر عن حريمه    =    وجاره وفر عن نديمه 33
أنا ابن سيار على شكيمه    =    مثل الشراك قد من أديمه 33
ألنت لي الايام من بعد قسوة    =    وعاتبت لي دهري المسئ فاعتبا 33
والبستني النعمي التي غيرت أخي    =    على فامسى نازح الود أجنبا 33
موفق لسبيل الرشد متبع    =    يزينه كل ما يأتي ويجتنب 33
تسمو العيون إليه كلما انفرجت    =    للناس عن وجهه الابواب والحجب 33
له خلائق بيض لا يغيرها    =    صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب 33
لو كنت عاتبة لسكن عبرتي    =    أملى رضاك وزرت غير مراقب 33
لكن صددت فلم تكن لي حيلة    =    صد الملول خلاف صد العاتب 33
جواد اذا جئته راجيا    =    كفاك السؤال وان عدت عادا 34
خلائقه كسبيك النضا    =    ر لا يعمل الدهر فيها فسادا 34
رأيتك يازيد زيد الندى    =    وزيد الفخار وزيد الكرم 34
تزيد على نائبات الخطو    =    ب بذلا وفي سابغات النعم 34
كذا الخمر والذهب المعدني    =    يجود هذا وذاك القدم 34
نأوى إلى خلق لم يصده طبع    =    كان جوهره من جوهر الذهب 34
ملك له خلق خليق بالعلا    =    كسبيكة الذهب التي لا تكلف 34
فلا تعن لتحريف تكلمه    =    لصورة حسنها الاصلي يكفيها 34
إن الدنانير لاتجلى وإن عتقت    =    ولا تزاد على النقش الذي فيها 34
صديق لي له أدب    =    صداقة مثله حسب 34
رعى لي فوق ما يرعى    =    وأوجب فوق ما يجب 34
ولو نقدت خلائقه    =    لبهرج عندها الذهب 34
أتانى نجيي بعد هدء ورقدة    =    ولم أك فيما قد بلوت بكاذب(1) 34
ثلاث ليال قوله كل ليلة    =    اتاك رسول من لؤي بن غالب 34
فرفعت أذيال الازرار وشمرت    =    بي العرمس الوجناء هول السباسب 34
فأشهد أن الله لا رب غيره    =    وانك مأمون على كل غائب 34
وانك أدنى المرسلين وسيلة    =    إلى الله يابن الاكرمين الاطايب 34
فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا    =    وان كان فيما جئت شيب الذوائب 34
وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة    =    بمغن فتيلا عن سواد بن قارب 34
ظلت نساؤهم والقوم انجية    =    يعدي عليها كما يعدى على الغنم 36
أرانا موضعين لحتم غيب    =    ونسحر بالطعام وبالشراب(1) 36
عجبت للجن وتطلابها    =    وشدها العيس بأقتابها 36
تهوي إلى مكة تبغى الهدى    =    ما صادق الجن ككذابها 36
فارحل إلى الصفوة من هاشم    =    ليس قداماها كأذنابها 36
وكل مكارم الاخلاق صارت    =    اليه همتى وبه اكتسابى 36
فإن تسألينا فيم نحن فإننا    =    عصافير من هذا الانام المسحر 37
ومن تعرض للغربان يزجرها    =    على سلامته لابد مشؤم(2) 37
إلى عرق الثرى وشجت عروقى    =    وهذا الموت يسلبنى شبابى 37
أرى القلب أمسى بالاوانس مولعا    =    وإن كان من عهد الصبا قد تمتعا 38
ولما سرى الهم الغريب قريته    =    قرى من أزال الشك عنه وأزمعا 38
عزمت فعجلت الرحيل ولم أكن    =    كذى لوثة لايطلع الهم مطلعا 38
فأمت ركابي أرض معن ولم تزل    =    إلى أرض معن حيث ما كان نزعا 38
نجائب لولا أنها سخرت لنا    =    أبت عزة من جهلها أن تورعا 38
كسونا رحال الميس منها غواربا    =    تدارك فيها الني صيفا ومربعا 38
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت    =    ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا 38
وما الغيث إذ عم البلاد بصوبه    =    على الناس من معروف معن باوسعا 38
تدارك معن قبة الدين بعدما    =    خشينا على أوتادها أن تنزعا 38
أقام على الثغر المخوف وهاشم    =    تساقي سماما بالاسنة منقعا 38
إمام كان لقمان بن عاد    =    أشار له بحكمته مشير 38
تعلم انه لا طير إلا    =    على متطير وهو الثبور 38
بلى شئ يوافق بعض شئ    =    أحايينا وباطله كثير 38
مقام امرئ يأبى سوى الخطة التي    =    تكون لدى غب الاحاديث أنفعا 39
وما أحجم الاعداء عنك بقية    =    عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا 39
رأوا مخدرا قد جربوه وعاينوا    =    لدى غيله منهم مجرا ومصرعا 39
وليس بثانيه إذا شد أن يرى    =    لدى نحره زرق الاسنة شرعا 39
له راحتان الحتف والغيث فيهما    =    أبى الله إلا إن تضرا وتنفعا 39
لقد دوخ الاعداء معن فاصبحوا    =    وامنعهم لايدفع الذل مدفعا 39
نجيب مناجيب وسيد سادة    =    ذرا المجد من فزعى نزار تفرعا 39
لبانت خصال الخير فيه وأكملت    =    وما كملت خمس سنوه وأربعا 39
لقد أصبحت في كل شرق ومغرب    =    بسيفك أعناق المريبين خضعا 39
وطئت خدود الحضرميين وطأة    =    لها هد ركن منهم فتضعضعا 39
فأقعوا على الاذناب إقعاء معشر    =    يرون لزوم السلم ابقى وأودعا 39
فلو مدت الايدى إلى الحرب كلها    =    لكفوا وما مدوا إلى الحرب إصبعا 39
فما بلغت حتى حماها كلالها    =    إذا عريت أصلابها أن تقيدا 39
إذا بلغوا المنازل لم تقيد    =    وفي طول الكلال لها قيود 39
أضر بها التهجير حتى كأنها    =    بقايا سلال لم يدعها سلالها 39
كانت تقيد حين تنزل منزلا    =    فاليوم صار لها الكلال قيودا 40
قيدها الجهد ولم يقيد    =    فهى سوام كالقنا المسند 40
وما لها معلل من مزود    =    منها ولا من شاحط مستبعد 40
فأضحت تفالى بالستار كأنها    =    رماح نحاها وجهة الريح راكز 40
بمثوى حرام والمطى كأنها    =    قنا مسند هبت لهن خريق 40
إذا بلغوا المنازل لم تقيد    =    ولم تشدد ركائبهم بعقل 40
فهن مقيدات مطلقات    =    تقضم ما تشذب في المحل 40
مطوت بهم حتى تكل مطيهم    =    وحتى الجياد ما يقدن بأرسان 40
فتمسى لا أقيدها بحبل    =    بها طول الضراوة والكلال 40
بدأنا بها من سيف رمل كهيلة    =    وفيها نشاط من مراح وعجرف 40
فما بلغت حتى تقارب خطوها    =    وبادت ذراها والمناسم رعف 41
وحتى قتلنا الجهل عنها وغودرت    =    إذا ما أنيخت والمدامع ذرف 41
وحتى مشى الحادى البطئ يسوقها    =    لها بخص دام ودئي مجلف 41
وحتى تخشاها وما في يد لها    =    اذا حل عنها رمة وهي رشف 41
إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورها    =    حراجيج أمثال الاهلة شسف 41
اذا ما أريناها الازمة أقبلت    =    الينا بحرات الخدود تصدف 41
فأفني مراح الداهرية خوضها    =    بنا الليل إذ نام الدثور الملفف 41
وذات مائين قد غيضت جمتها    =    بحيث يستمسك الارواح بالحجر 41
ردت عوارى غيطان الفلا ونحت    =    بمثل إيبالة من حائل العشر 41
رعته الفيافي بعد ما أن كان حقبة    =    رعاها وماء المزن ينهل ساكبه(1) 42
فكم جزع وادجب ذروة غارب    =    ومن قبل كانت أنهكته مذاهبه 42
فما بقيا على تركتماني    =    ولكن خفتما صرد النبالى(2) 42
وقلقل نأي من خراسان جأشها    =    فقلت أطمأنى انضر الروض عازبه 42
وركب كأطراف الاسنة عرجوا    =    على مثلها والليل تسطو غياهبه 42
لامر عليهم أن تتم صدوره    =    وليس عليهم أن تتم عواقبه 42
لعمرك ما الناس أثنوا عليك    =    ولا قرظوك ولا عظموا 43
ولو أنهم وجدوا مطعنا    =    إلى أن يعيبوك ما أحجموا 43
فانت بفضلك الجأتهم    =    إلى أن يجلوا وأن يعظموا 43
أما لو رأى فيك العدو نقيصة    =    لخب بتصريف العيوب وأوضعا 43
ولكنه لما رء‌اك مبرء‌ا    =    من العيب غطى رأسه وتقنعا 43
قد طلب العاذل عيبا فما    =    أصاب عيبا فانثنى عاذرا 43
غداة لقيت الليث والليث خادر    =    يحددنا باللقاء ومخلبا 43
شهدت لقد أنصفته يوم تنبرى    =    له مصلتا عضبا من البيض مغضبا 43
فدونكما انظر أهجوت أم لا    =    فذوقا في المواطن من تبالي 43
وما كان الفرزدق غير قين    =    لئيم خاله للؤم تالي 43
ويترك جده الخطفى جرير    =    ويندب حاجبا وبني عقال 43
سأقضى بين كلب بني كليب    =    وبين القين قين بني عقال 43
بأن الكلب مرتعه وخيم    =    وأن القين يعمل في سفال 43
فلم أرى ضرغامين أصدق منكما    =    عراكا إذا الهيابة النكس كذبا 44
هزبر مشي يبغي هزبرا وأغلب    =    من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا 44
أدل بشغب ثم هالته صوله    =    رآك لها امضى جنانا وأشغبا 44
فاحجم لما لم يجد فيك مطمعا    =    واقدم لما لم يجد عنك مهربا 44
فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا    =    ولم ينجه أن حاد عنك منكبا 44
حملت عليه السيف لاعزمك انثنى    =    ولا يدك ارتدت ولا حده نبا 44
وكنت متى تجمع يمينيك تهتك الضريبة    =    أو لا تبق للسيف مضربا 44
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم    =    أسود لها في غيل خفان أشبل 44
هم يمنعون الجار حتى كأنما    =    لجارهم بين السماكين منزل 44
لهاميم في الاسلام سادوا ولم يكن    =    كأولهم في الجاهلية أول 44
هم القوم إن قالوا اصابوا وإن دعوا    =    اجابوا وإن اعطوا أطابوا وأجزلوا 44
وما يستطيع الفاعلون فعالهم    =    وإن احسنوا في النائبات واجملوا 44
ثلاث بأمثال الجبال حباهم    =    وأحلامهم منها لدى الوزن اثقل 44
ما من عدو يرى معنا بساحته    =    إلا يظن المنايا تسبق القدرا 44
يلقى اذا الخيل لم تقدم فوارسها    =    كالليث يزداد إقداما إذا زجرا 44
أغر يحسب يوم الروع ذا لبد    =    وردا ويحسب فوق المنبر القمرا 44
ويوم عسول الآل حام كأنما    =    لظى شمسه مشبوب نار تلهب 45
نصبنا له منا الوجوه وكنها    =    عصائب أسمال بها يتعصب 45
ويوم من الشعرى يذوب لعابه    =    أفاعيه في رمضائه تتململ(1) 45
نصبت له وجهى ولكن دونه    =    ولا ستر الا الا تحمى المرعبل(2) 45
نواضر غليا قد تدانت رؤسها    =    من النبت حتى ما يطير غرابها 45
ترى الباسقات العم فيها كأنها    =    ظعائن مضروب عليها قبابها 45
ترى بابها سهلا لكل مدفع    =    اذا أينعت نخل فاغلق بابها 45
يكون لنا ما نجتنى من ثمارها    =    ربيعا إذا الآفاق قل سحابها 45
حظائر لم يخلط باثمانها الربا    =    ولم يك من أخذ الديات اكتسابها 46
ولكن عطاء الله من كل مدحة    =    جزيل من المستخلفين ثوابها 46
ومن ركضنا بالخيل في كل غارة    =    حلال بأرض المشركين نهابها 46
حوت غنمها آباؤنا وجدودنا    =    بصم العوالى والدماء خضابها 46
حظائر لم يخلط بأثمانها الربا    =    ولم يك من أخذ الديات اكتسابها 46
لنا إبل ما وفرتها دياتنا    =    ولا ذعرتها في الصباح الصوائح 46
كثرت فيهم المسارح إلا    =    أنها من مناكح وديات 46
وما لكم لامن طراد فوارس    =    ولكن من الترقيح يا شر مالك 46
من كان مسرورا بمقتل مالك    =    فليأت نسوتنا بوجه نهار 47
واسملت وجهي حين شدت ركائبى    =    إلي آل مروان بناة المكارم 47
أستغفر الله ذنبا لست محصيه    =    رب العباد اليه الوجه والعمل 47
أي الوجوه انتجعت قلت لهم    =    لاي وجه إلا إلى الحكم 47
متى يقل صاحبا سرادقه    =    هذا ابن بيض بالباب يبتسم 47
ونادمت قيصر في ملكه    =    فأوجهني وركبت البريدا(1) 47
أأذكرت نفسك مالن يعودا    =    لهاج التذكر قلبا عميدا 47
تذكرت هند وأترابها    =    فأصبحت أزمعت منها صدودا 47
ونادمت قيصر في ملكه    =    فأوجهنى وركبت البريدا 47
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة    =    فأفلت منها وجهه عتد نهد(1) 48
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة    =    سقته نجيعا من دم الجوف اشكلا 48
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة    =    تمج نجيعا من الجوف أشكلا 48
وحمران أدته الينا رماحنا    =    ينازع غلا في ذراعيه مقفلا 48
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة    =    سقته نجيعا من دم الجوف آنيا 48
لما دعتنى للسيادة منقر    =    لدى موطن أضحى له النجم باديا 48
شددت لها أزري وقد كنت قبلها    =    أشد لاحناء الامور إزاريا 48
جزا الله يربوعا بأسوء فعلها    =    اذا ذكرت في النائبات امورها 49
ويوم جدود قد فضحتم ذماركم    =    وسالمتموا والخيل تدمى نحورها 49
ألم تر تغليس الربيع المبكر    =    وما حاك من وشى الرياض المنشر 50
غدوت على الميمون صبحا وإنما    =    غدا المركب الميمون تحت المظفر 51
إذا زمجر النوبي فوق علاته    =    رأيت خطيبا في ذؤابة منبر 51
يغضون دون الاشتيام عيونهم    =    وفوق السماط للعظيم المؤمر 51
إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له    =    جناحا عقاب في السماء مهجر 51
إذا ما انكفا في هبوة الماء خلته    =    تلفع في اثناء برد محبر 51
وحولك ركابون للهول عاقروا    =    كؤوس الردى من دار عين وحسر 51
تميل المنايا حيث مالت اكفهم    =    إذا اصلتوا حد الحديد المذكر 51
اذا أرشقوا بالنار لم يك رشقهم    =    ليقلع إلا عن شواء مقتر 51
صدمت بهم صهب العثانين دونهم    =    ضراب كإيقاد اللظي المتسعر 51
يسوقون إسطولا كأن سفينه    =    سحائب صيف من جهام وممطر 51
كأن ضجيج البحر بين رماحهم    =    إذا إختلفت ترجيع عود مجرجر 51
تقارب من زحفيهم فكأنما    =    تألف من أعنان وحش منفر 51
على حين لانقع تطوحه الصبا    =    ولا أرض تلقى للصريع المقطر(1) 51
فما رمت حتى اجلت الحرب على طلى    =    مقصصة فيهم وهام مطير 51
وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده    =    مليا بان توهي صفاة ابن قيصر 51
جدحت له الموت الذعاف فعافه    =    وطار على الواح شطب مسمر 51
سعى وهو مولى الريح يشكر فضلها    =    عليه ومن يولي الصنيعة يشكر 52
ولم أتنعلم قط من ذي سباحة    =    سوى الغوص والمضعوف غير مغالب 52
ولم لا ولو ألقيت فيها وصخرة    =    لوافيت منها القعر أول راسب 52
وأيسر إشفاقي من الماء أنني    =    أمر به في الكوز مرالاجانب 52
وأخشى الردى منه على كل شارب    =    فكيف بأمنية على نفس راكب 52
أضمرت للنيل هجرانا ومقلية    =    مذ قيل لي إنما التمساح في النيل 52
فمن رأي النيل رأى العين من كثب    =    - فما أرى النيل إلا في البواقيل 52
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة    =    وبعد المشيب طول عمر وملبسا(1) 53
لم ينتقص مني المشيب قلامة    =    الآن حين أبدا لب واكيس 53
والشيب إن يظهر فإن وراء‌ه    =    عمرا يكون خلاله متنفس 53
أشلى على منويل أطراف القنا    =    فنجا عتيق عتيقة جرداء 53
فلو انه ابطا لهن هنية    =    لصدرن عنه وهن غير ظماء 53
فلئن تبقاه القضاء لوقته    =    فلقد عممت جنوده بفناء 53
تأوبني دائى القديم فغلسا    =    أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا 53
فإما تريني لا أغمض ساعة    =    من الليل إلاأن أكب فأنعسا 53
فيارب مكروب كررت وراء‌ه    =    وطاعنت عنه الخيل حتي تنفسا 53
وما خفت تبريح الحياة كما أرى    =    تضيق ذراعى أن أقوم فألبسا 53
فلو أنها نفس تموت جميعة    =    ولكنها نفس تساقط أنفسا 53
وبدلت قرحا داميا بعد صحة    =    لعل منايانا تحولن أبؤسا 53
لقد طمح الطماح من بعد أرضه    =    ليلبسنى من دائه ما تلبسا 53
لولا الظلام وقلة علقوا بها    =    باتت رقابهم بغير قلال 54
فليشكروا جنح الظلام ودروزا    =    فهم لدروز والظلام موالى 54
أيها الشامت المعير بالشيب    =    أقلن بالشباب افتخارا 54
قد لبست الشباب غضا جديدا    =    فوجدت الشباب ثوبا معارا 54
جفا طرب الفتيان وهو طروب    =    واعقبه قرب الشباب مشيب 54
تجافت عيون البيض عنه وربما    =    مددن اليه الوصل وهو حبيب 54
لعمري لنعم الصاحب الشيب واعظا    =    وإن كان منه للعيون نكوب 55
خليط نهى منباة حلم وإنه    =    على ذاك مكروه الخلاط مريب 55
وتنكرت شيبى فقلت لها    =    ليس الشباب بناقص عمري 55
سيان شيبي والشباب إذا    =    ما كنت من عمري على قدر 55
إن أكن قد رزئت أسود كالفحم    =    واعقبت مثل لون النعامه 55
فلقد اسعف الكريم واحبو    =    أهله بالندي وآبى الظلامه 55
غير أن الشباب كان رداء    =    خاننا فيؤه كفئ الغمامه 55
إن المشيب رداء الحلم والادب    =    كما الشباب رداء اللهو واللعب 55
تعجبت أن رأت شيبي فقلت لها    =    لاتعجبي من يطل عمر به يشب 55
حسرت عني القناع ظلوم    =    وتولت ودمعها مسجوم 55
أنكرت ما رأت براسي فقالت    =    أمشيب أم لؤلؤ منظوم 55
قلت شيب وليس عيبا فأنت    =    أنة يستثيرها المهموم 55
شد ما أنكرت تصرم عهد    =    لم يدم لى وأى شئ يدوم 55
تعجبت در من شيبي فقلت لها    =    لاتعجبي فطلوع الشيب في السدف 55
وزادها عجبا لما رأت سملي    =    وما درت دران الدر في الصدف(1) 56
أبدت أسى إذ رأتنى مخلس القصب    =    فآل ما كان من عجب إلى عجب 56
ست وعشرون تدعوني فاتبها    =    إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب 56
فلا يؤرقك إيماض القتير به    =    فإن ذاك أبتسام الرأي والادب 56
عيرتني المشيب وهى بدته    =    في عذارى بالصد والاجتناب 56
لا تريه عارا فما هو بالشب    =    ولكنه جلاء الشباب 56
وبياض البازي اصدق حسنا    =    إن تأملت من سواد الغراب(2) 56
ما على الركب من وقوف الركاب    =    في مغاني الصبا ورسم التصابى 56
أين أهل القباب بالاجرع الفر    =    د تولوا لا أين أهل القباب 56
سقم دون أعين ذات سقم    =    وعذاب دون الثنايا العذاب 56
وكمثل الاحباب لو يعلم العا    =    ذل عندي منازل الاحباب 56
فاذا ما السحاب كان ركاما    =    فسقى بالرباب دار الرباب 56
واذا هبت الجنوب بسقيا    =    فعلى رسم دارها والجناب 56
عذلتنى في قومه اواسترابت    =    جيئتى في سواهم وذهابي 56
ها هو الشيب لائما فأفيقى    =    واتركيه إن كان غير مفيق 57
فلقد كف من عناء المعنى    =    وتلافي من اشتياق المشوق 57
عذلتنا في عشقها أم عمرو    =    هل سمعتم بالعاذل المعشوق 57
ورأت لمة ألم بها الشيب    =    فريعت من ظلمة في شروق 57
ولعمرى لولا الاقاحى لابصر    =    ت أنيق الرياض غير أنيق 57
وسواد العيون لو لم يكمل    =    ببياض ما كان بالموموق 57
ومزاج الصهباء بالماء أولى    =    بصبوح مستحسن وغبوق 57
أى ليل يبهى بغير نجوم    =    أو سماء تندى بغير بروق 57
أشيب ولم أقض الشباب حقوقه    =    ولم يمض من عهد الشباب قديم 57
رأت وضحا في مفرق الرأس راعها    =    وشتان مبيض به وبهيم 57
ليس من غضبة عليهم ولكن    =    هو نجم يعلو مع الكتاب 57
شيعة السؤدد القريب واخوا    =    ن التصافي واخوة الآداب 57
هم أولو المجد إن سالت فان كا    =    ثرت كانوا هم أولى الالباب 57
ومتي كنت صاحبا لذوى السؤد    =    د يوما فانهم أصحابي 57
وكفاني إذ الحوادث أظلمن    =    شهابا بغرة بن شهاب 57
سبب أول على جود اسما    =    عيل أغنى عن سائر الاتباب 57
لاستهلت سماؤه فمطرنا    =    ذهبا في انهلال ذاك الذهاب 57
لا يزور الوفاء غبا ولا يعشق    =    غدر الفعال عشق الكعاب 57
تفاريق شيب في الشباب لوامع    =    وما حسن ليل ليس فيه نجوم 58
ما الدر منظوما بأحسن من    =    شيب يخلل هامة الكهل 58
وكأنه فيها النجوم إذا    =    جد المسير بها على مهل 58
لاتبكين على الشباب إذا    =    بكى الجهول عليه للجهل 58
واشكر لشيبك حسن صحبته    =    فلقد كساك جلالة الفضل 58
لايرعك المشيب يا ابنة عبدالله    =    فالشيب حلية ووقار 58
إنما تحسن الرياض إذا ما    =    ضحكت في خلالها الانوار 58
جزعت لو خطات المشيب وإنما    =    بلغ الشباب مدي الكمال فنورا 58
والشيب إن فكرت فيه مورد    =    لابد يورده الفتى إن عمرا 58
يبيض بعد سواده الشعر الذي    =    إن لم يزره الشيب واراه الثرى 58
والشيب للحكماء من سفه الصبا    =    بدل يكون لذي الفضيلة مقنع 58
والشيب غاية من تأخر حينه    =    لا يستطيع دفاعه من يجزع 58
إن الشباب له لذادة جدة    =    والشيب منه في المغبة أنفع 58
لايبعد الله الشباب فمرحبا    =    بالشيب حين أوى اليه المضجع 58
وكان الشباب الغض لى فيه لذة    =    فزحزحني عنه المشيب وأدبا 58
فسقيا ورعيا للشباب الذي مضى    =    وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا 59
دعوت الله حتى خفت أن لا    =    يكون الله يسمع ما أقول 59
وداع دعا يامن يجيب إلى الندى    =    فلم يستجبه عند ذاك مجيب 60
فقلت ادع اخرى وارفع الصوت ثانيا    =    لعل أبي المغوار منك قريب(1) 60
تقول سليمي ما لجسمك شاحبا    =    كأنك يحميك الطعام طبيب 60
فقلت ولم أعى الجواب لقولها    =    وللدهر في صم السلام نصيب 60
تتابع احداث تخر من اخوتى    =    وشيبن رأسي والخطوب تشيب 60
لعمري لئن كانت أصابت مصيبة    =    أخى والمنايا للرجال شعوب 60
ترحل بالشباب الشيب عنا    =    فليت الشيب كان به الرحيل 61
وقد كان الشباب لنا خليلا    =    فقد قضى مآربه الخليل 61
لعمر أبي الشباب لقد تولى    =    حميدا ما يراد به بديل 61
إذ الايام مقبلة علينا    =    وظل أراكة الدنيا ظليل 61
أرى الدهر أيام المشيب أمره    =    علينا وأيام الشباب أطايبه 61
وفي الشيب لذات وقرة أعين    =    ومن قبله عيش تعلل جاذبه 61
إذا نازل الشيب الشباب فاصلتا    =    بسيفيهما فالشيب لاشك غالبه 61
فان تكن الايام أحسن مرة    =    إلى فقد عادت لهن ذنوب 61
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى    =    فلم يستجبه عند ذاك مجيب 61
فقلت ادع اخرى وارفع الصوت جهرة    =    لعل أبى المغوار منك قريب 61
يجبك كما قد كان يفعل إنه    =    نجيب لابواب العلاء طلوب 61
فيا خير مهزوم وياشر هازم    =    إذا الشيب وافت للشباب كتائبه 62
وليس شباب بعد شيب براجع    =    مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه 62
وما المرء منفوعا بتجريب واعظ    =    إذا لم تعظه نفسه وتجاربه 62
لعمرى لئن حلئت عن منهل الصبا    =    لقد كنت ورادا لمشربه العذب 62
ليالى أمشى بين بردى لاهيا    =    أميس كغصن البانة الناعم الرطب 62
سلام على سير القلاص مع الركب    =    ووصل الغواني والمدامة والشرب 62
سلام امرئ لم تبق منه بقية    =    سوى نظر العينين أو شهوة القلب 62
ما تنقضى حسرة مني ولا جزع    =    اذا ذكرت شبابا ليس يرتجع 62
بان الشباب ففاتتني بشرته    =    صروف دهر وأيام لها خدع 62
ما كنت أو في شبابي كنه عرته    =    حتى مضى فاذا الدنيا له تبع(1) 62
ما كنت أوفي شبابي كنه غرته    =    حتى انقضى فاذا الدنيا له تبع 62
أى امرئ بات من هارون في سخط    =    فليس بالصلوات الخمس ينتفع 62
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزنا    =    ماجد ذكرك الا جد لي ثكل 63
سقيا ورعيا لايام الشباب وإن    =    لم يبق منك له رسم ولا طلل 63
جر الزمان ذيولا في مفارقه    =    وللزمان على إحسانه علل 63
وربما جر اذيال الصبا مرحا    =    وبين برديه غصن ناعم خضل 63
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها    =    من الشباب بيوم واحد بدل 63
كفاك بالشيب عيبا عند غانية    =    وبالشباب شفيعا أيها الرجل 63
اذا رفعت امرأ فالله يرفعه    =    ومن وضعت من الاقوام متضع 63
نفسى فداؤك والابطال معلمة    =    يوم الوغى والمنايا صابها فزع 63
ساد من الناس راتع هامل    =    يعللون النفوس بالباطل 63
ألا مساعير يغضبون لها    =    بسلة البيض والقنا الزابل 63
كان الشباب مطية الجهل    =    ومحسن الضحكات والهزل 64
كان الجميل إذا ارتديت به    =    ومشيت اخطر صيت النعل 64
كان البليغ إذا نطقت به    =    وأصاخت الآذان للملى 64
كان المشفع في مآربه    =    عند الحسان ومدرك التبل 64
والباعثي والناس قد هجعوا    =    حتى أتيت حيلة البعل 64
ان أخلف الغيث لم تخلف مخائله    =    أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع 64
ساد من الناس راتع هامل    =    يعللون النفوس بالباطل 64
الا مساعير يغضبون لهم    =    بسلة البيض والقنا الزابل 64
والآمرى حتى اذا عزمت    =    نفسي أعان على بالفعل 65
فالآن صرت إلى مقاربة    =    وحططت عن ظهر الصبا رحلى 65
الشيب كره وكره أن يفارقني    =    أعجب بشئ على البغضاء مودود 65
يمضى الشباب ويأتى بعده خلف    =    والشيب يذهب مفقودا بمفقود 65
طرفت عيون الغانياتوربما    =    أملن إلي الطرف كل مميل 65
وما الشيب إلا شعرة غير أنه    =    قليل قذاة العين غير قليل 65
أهلا بوافدة للشيب واحدة    =    وإن تراء‌ت بشخص غير مودود 65
لاأجمع الحلم والصهباء قد سكنت    =    نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد 65
لم ينهني كبر عنها ولا فند    =    لكن صحوت بغصن غير ممدود 65
أو في بي الحلم واقتاد النهي طلقا    =    شأوى وعفت الصبا من غير تفنيد 65
كان كحلا لمآقيها فقد    =    صار بالشيب لعينيها قذى 65
رأت طالعا للشيب أغفلت أمره    =    فلم تتعهده أكف الخواضب 65
فقالت أشيب ما أرى قلت شامة    =    فقالت لقد شامتك عند الحبائب 65
أليس عجيبا بأن الفتى    =    يصاب ببعض الذي في يديه 66
فمن بين باك له موجع    =    وبين معز مغز اليه 66
ويسلبه الشيب شرخ الشباب    =    فليس يعزيه خلق عليه 66
في كل يوم أرى بيضاء طالعة    =    كأنما طلعت في أسود البصر 66
لئن قصصتك بالمقراض عن بصرى    =    - لما قصصتك عن همي وعن فكرى 66
الليل شيب والنهار كلاهما    =    رأسي بكثرة ما تدور رحاهما 66
يتناهبان نفوسنا ودماء‌نا    =    ولحومنا عمدا ونحن نراهما 66
والشيب إحدى الميتتين تقدمت    =    أولاهما وتأخرت أخراهما 66
لئن جزع الوحشى منها لرؤيتي    =    لانسيها من شيب رأسي أجزع 66
غدا العمر مختطا بفودى خطة    =    طريق الردى منها إلى الموت مهيع 66
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى    =    وذو الالف يقلى والجديد يرقع 66
له منظر في العين أبيض ناصع    =    ولكنه في القلب أسود اسفع 66
ونحن نرجيه على السخط والرضا    =    وأنف الفتي من وجهه وهو أجدع 66
أصبحت روضة الوصال هشيما    =    وغدت ريحه البليل سموما 67
شعلة في المفارق استودعتني    =    في صميم الفؤاد ثكلا صميما 67
تستثير الهموم ما اكتن منها    =    صعدا وهى تستثير الهموما 67
غرة غرة ألا إنما كنت    =    أغرا أيام كنت بهيما 67
دقة في الحياة تدعى جلالا    =    مثل ما سمي اللديغ سليما 67
حلمتني زعمتم وأراني    =    قبل هذا التحلم كنت حليما 67
لعب الشيب بالمفارق بل جد    =    فأبكى تماضرا ولعوبا 67
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد    =    دما أن رأت شواتي خضيبا 67
كل داء يرجى الدواء له الا    =    الافظيعين ميتة ومشيبا 67
با نسيب الثغام ذنبك أبقى    =    حسناتي عند الحسان ذنوبا 67
ولئن عبن ما رأين لقد أنكرن    =    مستنكرا وعبن معيبا 67
أو تصدعن عن قلي لكفي بالشيب    =    بينى وبينهن حسيبا 67
لو رأى الله أن في الشيب فضلا    =    جاورته الابرار في الخلد شيبا 67
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد    =    دما أن رأت شواتى خضيبا 67
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى    =    حسناتي عند الحسان ذنوبا 67
لما رأت بدل الشباب بكت له    =    إن المشيب لارذل الابدال 68
راحت غواني الحي عنك غوانيا    =    يلبسن نأيا تارة وصدودا 68
من كل سابغة الشباب إذا بدت    =    تركت عميد القريتين عميدا 68
أربين بالمرد الغظارف بدنا    =    غيدا الفنهم لدانا غيدا 68
أحلى الرجال من النساء مواقعا    =    من كان أشبههم بهن خدودا 68
وأرى الغواني لايواصلن امرأ    =    فقد الشباب وقد يصلن الامردا(1) 68
أثوى وقصر ليله ليزودا    =    فمضى وأخلف من قتيلة موعدا 68
كرهن من الشيب الذي لو رأينه    =    بهن رأيت الطرف عنهن أزورا 69
أرى شيب الرجال من الغواني    =    كموقع شيبهن من الرجال 69
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر    =    أس إلا من فضل شيب الفؤاد 69
وكذاك القلوب في كل بؤس    =    ونعيم طلائع الاجساد 69
طال إنكارى البياض وإن عمرت    =    شيبا أنكرت لون السواد 69
زادني شخصه بطلعة ضيم    =    عمرت مجلسى من العواد 69
نال رأسى من ثغرة الهم داء    =    لم ينله من ثغرة الميلاد 69
يجحدن ديني بالنهار واقتضى    =    دينى اذا وقذ النعاس الرقدا وأرى الغواني الخ. 69
وأرى الغوانى لا يواصلن امرأ    =    فقد الشباب وقد يصلن الامردا 69
أمن آل ليلى عرفت الديارا    =    بجنب الشقيق خلاء قفارا 71
أمن ام أوفي دمنة لم تكلم    =    بحومانة الدراج فالمتثلم 71
أمنك البرق أرقته فهاجا    =    فبت إخاله دهما خلاجا 71
أمنك برق أبيت الليل أرقبه    =    كأنه في اعراص الشام مصباح 71
لمن الديار عفون بالتهطال    =    بقيت على حجج خلون طوال 71
راعيا كان مسجحا ففقدنا    =    ه وفقد المسيم هلك السوام 71
وأسكن ما سكنت ببطن واد    =    وأظعن ما ظعنت فلا أسيم 72
وغداة قاع القريتين أتيتهم    =    رهوا يلوح خلالها التسويم 72
وكنت أرجى في الشباب شفاعة    =    فكيف لباغي حاجة بشفيعه 72
مشيب كنت السر أعيي بحمله    =    محدثه أو ضاق صدر مذيعه 73
تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه    =    لحث الليالي قبل آتي سريعه 73
ردى على الصبا إن كنت فاعلة    =    إن الصبا ليس من شأني ولا أربى 73
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا    =    إلى بنات الصبا يركضن في طلبى 73
والشيب مهرب من جارى منيته    =    ولا نجاء له من ذلك الهرب 73
والمرء لو كانت الشعرى له وطنا    =    - صبت عليه صروف الدهر من صبب(1) 73
اليك ما أنا من لهو ولا طرب    =    منيت منى بقلب غير منقلب 73
ردى على اصبا إن كنت فاعلة    =    ان الهوى ليس من شأني ولا أربى 73
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا    =    إلى بنات الصبا يركضن في طلبي 73
والشيب مهرب من جارى منيته    =    ولا نجاء له من ذلك الهرب 73
والمرء لو كانت الشعرى له وطنا    =    حطت عليه صروف الدهر من صبب 73
قد أقذف العيس من ليل كأن له    =    وشيا من النور أو أرضا من العشب 73
حتى اذا ما انجلت اخراه عن افق    =    مضمح بالصباح الورد مختضب 73
أوردت صادية الآمال فانصرفت    =    بريها وأخذت النجح من كثب 73
هاتيك أخلاق اسماعيل في تعب    =    من العلى والعلى منهن في تعب 73
أتعبت شكري فأضحى منك في نصب    =    فاذهب فمالى في جدواك من أرب 73
لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم به    =    شكرى ولو كان مسديه الي ابي 73
لابس من شبيبة أم ناض    =    ومليح من شيبة أم راضى 74
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب    =    برأسى لم يثن ذاك امتعاضي 74
ليس يرضى عن الزمان مرو    =    فيه إلا عن غفلة أو تغاض 74
والبواقي من الليالي وإن خا    =    لفن شيئا فمشبهات المواضى 74
ناكرت لمتى وناكرت منها    =    سوء هذي الابدال والاعواض 74
شعرات أقصهن ويرجعن    =    رجوع السهام في الاغراض 74
وأبت تركى الغديات والا    =    صال حتى خضبت بالمقراض 74
غير نفع إلا التعلل من شخص    =    عدو لم يعده إبغاضي 74
ورواء المشيب كالبحص في عيني    =    فقل فيه في العيون المراض 74
طبت نفسا عن الشباب وما سو    =    د من صبغ برده الفضفاض 74
فهل الحادثات يا بن عويف    =    تاركاتي ولبس هذا البياض 74
تعيب الغانيات على شيبى    =    ومن لي أن أمتع بالمعيب 74
لم يخط مأبض خلسات تعمدها    =    فشك ذا الشعبة الطولي فلم يصب 74
لاشكرنك إن الشكر نائله    =    أبقى على حاله من نائل النشب 74
بكل شاهدة اللقوم غائبة    =    عنهم جميعا ولم تشهد ولم تغب 74
مرصوفة باللآلى من نوادرها    =    مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب 74
ووجدى بالشباب وإن تولى    =    حميدا دون وجدى بالمشيب 75
أرئيته من بعد جثل فاحم    =    جون المفارق بالنهار خضيبا 75
فعجبت من حالين خالف فيهما    =    صرف الزمان وما رأيت عجيبا 75
إن الزمان إذا تتابع خطوه    =    سبق الطلوب وأدرك المطلوبا 75
رأت فلتات الشيب فابتسمت لها    =    وقالت نجوم لو طلعن بأسعد 75
أعاتك ما كان الشباب مقربي    =    إليك فألحى الشيب إذ كان مبعدى 75
غشت كبدى قسوة منك ما إن    =    تزال تجدد فيها ندوبا 75
وحملت عنك ذنب المشيب    =    حتى كأني ابتدعت المشيبا 75
ومن يطلع شرف الاربعين    =    يحى من الشيب شخصا غريبا 75
قلن لما رأين وخطا من الشيب    =    برأسي أعيا على مجهودى 75
كسنا بارق تعرض وهنا    =    في حواشي بعض الليالي السود 75
أبياض مجدد من سواد    =    كان قدما لامرحبا بالجديد 75
يالحاكن من رما كن بالحسن    =    لتقهرننا بغير جنود 75
ليس بيض مني فأجرى عليهن    =    صدودا أو ليس فيكن سودى 75
قل ماضركن من شعرات    =    كن يوما على الوقار شهودى 75
خلياه وجدة اللهو مادا    =    م رداء الشباب غضا جديدا 76
إن أيامه من البيض بيض    =    مارأين المفارق السود سودا 76
ترك السواد للابسيه وبيضا    =    ونضا من الستين عنه ما نضا 76
وسباه أغيد في تصرف لحظه    =    مرض أعل به القلوب وأمرضا 76
فكأنه وجد الصبا وجديده    =    دينا دنا ميقاته أن يقتضى 76
أسيان أثرى من جوى وصبابة    =    وأساف من وصل الحسان وأنقضا(1) 76
هل أنت صارف شيبة إن غلست    =    في الوقت أو عجلت عن الميعاد 76
جاء‌ت مقدمة أمام طوالع    =    هذي تراوحني وتلك تغادي 76
وأخو الغبينة تاجر في لمة    =    يشرى جديد بياضها بسواد 76
لاتكذبن فما الصبا بمخلف    =    لهوا ولا زمن الصبا بمعاد 76
وأرى الشباب على غضارة حسنه    =    وجماله عددا من الاعداد 76
أيثني الشباب أم ما تولى    =    منه في الدهر دولة ما تعود 76
لاأرى اليعش والمفارق بيض    =    إسوة العيش والمفارق سود 76
وأعد الشقي جد ولو أعطي    =    غنما حتى يقال سعيد 76
من عدته العيون وانصرفت عنه    =    إلتفاتا إلى سواه الخدود 77
قد منى فما جرى السقم إلا    =    في ضلوع على جوى الحب تحني 77
لو رأت حادث الخضاب لانت    =    وأرنت من احمرار اليرنى 77
كلف البيض بالمعر قدرا    =    حين يكلفن والمصغر سنا 77
يتشاغفن بالغرير المسمي    =    من تصاب دون الجليل المكني 77
أخي إن الصبا استمر به    =    سير الليالى فأنهجت برده 77
تصد عني الحسان مبعدة    =    إذ أنا لاقربه ولا صدده 77
شيب على المفرقين يارضه    =    يكثرني أن أبينه عدده 77
تطلب عندي الشباب ظالمة    =    بعيد خمسين حين لاتجده 77
لاعجب إن ملك خلتنا    =    فافتقد الوصل منك مفتقده 77
من يتطاول على مطاولة العيش    =    تقعقع من ملة عمده 77
ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا    =    دمعي بأول دمع في الهوى سفحا 78
ولمة كنت مشغوفا بجدتها    =    فما عفا الشيب عنها لا ولا صفحا 78
وما أنس لاأنس عهد الشباب    =    وعلوة إذ عيرتني الكبر 78
كواكب شيب علقن الصبا    =    فقللن من حسنه ما كثر 78
وإني وجدت ولا يكذبن    =    سواد الهوي في بياض الشعر 78
ولابد من ترك إحد اثنتين    =    إما الشباب وإما العمر 78
رأيت المنايا خبط عشوى فمن تصب    =    تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم 78
يا شبابي وأين مني شبابى    =    آذنتني أيامه بانقضاب 79
لهف نفسي على نعيمي ولهوى    =    تحت أفنانه اللدان الرطاب 79
ومعز عن الشباب مؤس    =    بمشيب اللدات والاصحاب 79
قلت لما انتحى بعيد أساة    =    من مصاب شبابه كمصاب 79
ليس تأسو كلوم غيرى كلومي    =    مابه مابه ومابي مابي 79
لهفي على الدنيا وهل لهفة    =    تنصف منها إن تلهفتها 79
قبحا لها قبحا على أنها    =    أقبح شئ حين كشفتها 79
وقد يعزيني شباب مضى    =    ولذة للعيش أسلفتها 79
فكرت في خمسين عاما مضت    =    كانت أمامي ثم خلفتها 79
جهلتها إذ هي موفورة    =    ثم مضت عني فعرفتها 80
ففرحة الموهوب أعدمتها    =    وترحة المسلوب ألحفتها 80
لو أن عمرى مائة هدني    =    تذكرى أني تنصفتها 80
كفى بسراج الشيب في للرأس هاديا    =    لمن قد أضلته المنايا لياليا 80
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلى    =    لرامي المنايا تحسبني ناجيا 80
غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه    =    لشخصي أخلق أن يصبن سواديا 80
وكان كرامى الليل يرمى ولا يرى    =    فلما أضاء الشيب شخصى رمانيا 80
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه    =    وأيقن أنا لاحقان بقيصرا(1) 81
فقلت له لاتبك عينك إنما    =    نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 81
سما لك شوق بعدما كان أبصرا    =    وحلت سليمى بطن قو فعرعرا 81
وترخى بال من يشربها    =    ونفدى كرمها عند النجش(1) 82
أجرش لها يابن أبي كباش    =    فما لها الليلة من إنفاش 83
غير السرى وسائق نجاش    =    أسمر مثل الحية الخشخاش 83
حل قلبي من سليمى نبلها    =    إذ رمتنى بسهام لم تطش 83
طفلة الاعطاف رؤد دمية    =    وشواها بختري لم يحش 83
وكأن الدر في أخراصها    =    بيض كحلاء أقرته بعش 83
ولها عينا مهاة في مهي    =    ترتعي نبت حزامي وتقش 83
حرة الوجه رخيم صوتها    =    رطب تجنيه كف المنتقش 83
وهي من الليل اذا ما عونقت    =    منية البعل وهم الفترس 83
أيها الساقي سقته مزنة    =    من ربيع ذى أهاضيب وطش 83
أمدح الكاس ومن أعملها    =    وأهج قوما قتلونا بالعطش 83
انما الكاس ربيع باكر    =    فاذا ماغاب عنالم نعش 83
وكأن الشرب قوم موتوا    =    من يقم منهم لامر يرتعش 83
خرس الالسن مما نالهم    =    بين مصروع وصاح منتعش 83
من حميا قرقف حصية    =    قهوة حولية لم تمتحش 83
ينفع المزكوم منها ريحها    =    ثم تنفي داء‌ه إن لم تنش 83
كل من يشربها يألفها    =    ينفق الاموال فيها كل هش 83
هجوت محمدا فأجبت عنه    =    وعند الله في ذاك الجزاء(1) 85
فإن أبي ووالده وعرضي    =    لعرض محمد منكم وقاء 85
أتهجوه ولست له بكف‌ء    =    فشركما لخيركما الفداء 85
رب مهزول سمين عرضه    =    وسمين الجسم مهزول الحسب(2) 85
رب مهزول سمين عرضه    =    وسمين الجسم مهزول الحسب 86
فان أبى ووالده وعرضي    =    لعرض محمد منكم وقاء 86
أكسبته الورق البيض أبا    =    ولقد كان لا يدعي لاب 86
وإني لاستغني فما أبطر الغني    =    وأبذل ميسوري لمن يبتغي قرضي 87
واعسر أحيانا فتشتد عسرتي    =    وادرك ميسور الغني ومعي عرضي 87
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه    =    ما الناس بعدك يا مرداس بالناس 88
إما تكن ذقت كأسا دار أولها    =    على القرون فذاقوا نهلة الكاس 88
قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئست    =    نفسي فما رد عني عبرتي ياسى 88
يا عين بكي لمرداس ومصرعه    =    يا رب مرداس اجعلنى كمرادس 88
تركتني هائما أبكى لمرزأتي    =    في منزل موحش من بعد إيناس 88
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه    =    ما الناس بعدك يا مرداس بالناس 88
إما شربت بكأس دار أولها    =    على القرون قذاقوا جرعة الكاس 88
وما للمرء خير في حياة    =    إذا ماعد من سقط المتاع 89
أقول لها وقد جاشت حياء    =    من الابطال ويحك لا تراعي 89
فإنك لو طلبت حياة يوم    =    على الاجل الذي لك لم تطاعي 89
فصبرا في مجال الموت صبرا    =    فما نيل الخلود بمستطاع 89
وما طول الحياة بثوب مجد    =    فيطوى عن أخى الخنع اليراع 89
سبيل الموت منهج كل حى    =    وداعيه لاهل الارض داع 89
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم    =    ويفض به القضاء إلى انقطاع 89
وما للمرء خير في حياة    =    إذا ماعد من سقط المتاع(1) 89
أقول لها وقد طارت شعاعا    =    من الابطال ويحك لن تراعي 89
فإنك لو سألت بقاء يوم    =    على الاجل الذى لك لم تطاعى 89
فصبرا في مجال الموت صبرا    =    فما انيل الخلود بمستطاع 89
وما ثوب الحياة بثوب عز    =    فيطوى عن أخى الخنع اليراعى 89
سبيل الموت غاية كل حى    =    فداعيه لاهل الارض داعى 89
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم    =    وتسلمه المنون إلى انقطاع 89
وما للمرء خير في حياة    =    اذا ما عد من سقط المتاع 89
إلى كم تغازيني السيوف ولا أرى    =    مغازاتها تدعو إلى حماميا 90
أقارع عن دار الخلود ولا أرى    =    بقاء على حال لمن ليس باقيا 90
ولو قرب الموت القراع لقد أني    =    لموتى أن يدنو لطول قراعيا 90
اغادى جلاد العالمين كأنني    =    على العسل الماذى اصبح غاديا 90
وادعو الكماة للنزال إذا القنا    =    تحطم فيما بيننا من طعانيا 90
ولست أرى نفسا تموت وإن دنت    =    من الموت حتى يبعث الله داعيا 90
يارب ظل عقاب قد وقيت به    =    مهرى من الشمس والابطال تجتلد 90
ورب يوم حمى أرعى عقوته    =    خيلى اقتسارا وأطراف القنا قصد 90
ويوم لهو لاهل الخفض ظل به    =    لهوى اصطلاء الوغا إذ ناره تقد 90
مشهرا موقفي والحرب كاشفة    =    عنها القناع وبحر الموت يطرد 90
ورب هاجرة تغلى مراجلها    =    صخرتها بمطايا غارة تخد 90
تجتاب أودية الافراع آمنة    =    كأنها أسد يقتادها أسد 90
فإن أمت حتف نفسي لاأمت كمدا    =    - على الطعان وقصر العاجز الكمد 90
ولم أقل لم أساق القتل شاربه    =    في كأسه والمنايا ترع ورد 90
أولئك قوم إن بنوا أحسنو البني    =    وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا 91
لا كابن ملحان من شار أخي ثقة    =    أو كابن علقمة المستشهد الشارى 91
من صادق كنت أصفيه مخالصتي    =    فباع دارى بأغلى صفقة الدار 91
إخوان صدق أرجيهم وأحذرهم    =    أشكو إلى الله إخواني وإحذارى 91
فصرت صاحب دنيا لست أملكها    =    وصار صاحب جنات وأنهار 91
لما رأيت نبطا أنصارا    =    شمرت عن ركبتى الازارا 93
لوكان قاتل عمرو غيرقاتله    =    لكنت أبكى عليه آخر الابد 95
لكن قاتله من لايعاب به    =    قد كان يدعى قديما بيضة البلد 95
كانت قريشا بيضة فتفلقت    =    فالمخ خالصة لعبد مناف 96
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا    =    وابنا نزار فأنتم بيضة البلد 96
لكنه حوض من أودى بإخوته    =    ريب الزمان فأمسى بيضة البلد(1) 96
لو كان حوض حمار ما شربت به    =    إلا باذن حمار آخر الابد 96
قد أنصفت الفارة من راماها    =    إنا اذا ما فئة نلفاها 97
ولقد أراد الله إذ ولا كها    =    من أمة إصلاحها ورشادها 99
ممر أمرت فتله أسدية    =    ذراعية حلالة بالمصانع 99
غلب المساميح الوليد سماحة    =    وكفى قريش المعضلات وسادها 99
هذا غلام حسن وجهه    =    مقتبل الخير سريع التمام 102
خمسة آباء هم ماهم هم    =    خير من يشرب صوب الغمام(1) 102
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة    =    وليس وراء الله للمرء مذهب 102
ألم تر أن الله أعطاك سورة    =    ترى كل ملك دونها يتذبذب 102
لانك شمس والملوك كواكب    =    إذا طلعت لم يبد منهن كوكب 102
لئن كنت قد بلغت عنى خيانة    =    لمبلغك الواشى أغش وأكذب 102
ولست بمستبق أخا لا تلمه    =    على شعث أى الرجال المهذب 102
فإنك كالليل الذى هو مدركى    =    وإن خلت أن المنتأى عنك واسع 103
خطاطيف جحن في حبال متينة    =    تمد بها أيد اليك نوازع 103
إلى ابن مخرق أعملت رحلى    =    وراحلتي وقد هدت العيون 103
أتيتك عاريا خلق ثيابى    =    على خوف تظن بى الظنون 103
فألفيت الامانة لم تخنها    =    كذلك كان نوح لايخون 103
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل    =    وإن بليت وإن طالت بك الطيل 103
ليس الجديد به تبقى بشاشته    =    إلا قليلا ولا ذو خلة يصل 103
والعيش لاعيش إلا ماتقربه    =    عين ولا حال إلا سوف ينتقل 103
إن ترجعى عن أبى عثمان منجحة    =    فقد يهون على المستنجح العمل(1) 103
والناس من يلق خيرا قائلون له    =    مايشتهى ولام المخطل الهبل 104
قد يدرك المتأنى بعض حاجته    =    وقد يكون مع المستعجل الزلل 104
طرقت جنوب رحالنا من مطرق    =    ماكنت أحسبه قريب المعنق(1) 104
أما قريش فلن تلقاهم أبدا    =    إلا وهم خير من يحفى وينتعل 104
ألا وهم جبل الله الذي قصرت    =    عنه الجبال فما سوى به جبل 104
قوم هم ثبتوا الاسلام وامتنعوا    =    رهط الرسول الذى ما بعده رسل 104
من صالحوه رأى في عيشه سعة    =    ولايرى من أرادوا ضره يئل 104
كم نالنى منهم فضلا على عدم    =    إذ لا أكاد من الاقنار أحتمل 104
وكم من الدهر ما قد ثبتوا قدمي    =    إذ لايزال مع الاعداء ينتضل 104
فما هم صالحوا من ينتقى عنتي    =    ولاهم كدروا الخير الذي فعلوا 104
هم الملوك وأبناء الملوك لهم    =    والآخذون به والساسة الاول 104
قطعت اليك بمثل جيد جداية    =    حسن معلق تومتيه مطوق 104
ومصر عين من الكلال كأنما    =    سمر والغبوق من الرحيق المغبق 104
متوسدين ذراع كل نجيبة    =    ومفرج عرق المقد منوق 104
وجئت على ركب تهديدها الصفا    =    وعلى كلا كل كالنقيل المطرق 104
واذا سمعن إلى هماهم رففة    =    ومن النجوم غوائر لم تلحق 104
جعلت تميل خدودها آذانها    =    طربا بهن إلى حداء السوق 104
كالمنصتات إلى الغناء سمعنه    =    من رائع لقلوبهن مشوق 104
واذا نظرن إلى الطريق رأينه    =    كهفا كشاكلة الحصان الابلق 104
واذا تخلف بعدهن لحاجة    =    حاد يشعشع نعله لم يلحق 104
واذا يصيبك والحوادث جمة    =    حدث حداك إلى أخيك الاوثق 104
ليت الهموم عن الفؤاد تفرقت    =    وخلى التكلم للسان المطلق 104
وقائلة والنعش قذفات خطوها    =    لتذركه يا لهف نفس على صخر 105
ألا ثكلت أم الذين غدوا به    =    إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر 105
مهفهف الكشح والسربال منخرق    =    عنه القميص لسير الليل محتقر 105
لايأمن الناس ممساه ومصبحه    =    في كل حي وإن لم يغز ينتظر 105
إنى أتتنى لسان لا أسر بها    =    من علو لاعجب منها ولاسخر(1) 105
إني أتيت بشئ لا أسر به    =    من عل ولاعجب فيه ولاسخر 105
فظلت مكتبئا حران أندبه    =    وكنت أحذره لو ينفع الحذر 106
فجاشت النفس لما جاء جمعهم    =    وراكب جاء من تثليث معتمر(1) 106
يأتى على الناس لايلوى على أحد    =    حتى التقينا وكانت بيننا مضر(2) 106
إن الذى جئت من ثثليث تندبه    =    منه السماح ومنه النهى والغير(3) 106
إني أتاني شئ لا أسر به    =    من عل لاعجب فيه ولاسخر 106
إنى أتتنى لسان لا أسر بها    =    من عل لاعجب منها ولاسخر 106
تنعى امرأ لاتغب الحى جفنته    =    إذا الكواكب أخطى نوء‌ها المطر 107
وراحت الشول مغبرا مناكبها    =    شعثا تغير منها النى والوبر(2) 107
وألجأ الكلب موقوع الصقيع به    =    وألجا الحي من تنفاحها الحجر(3) 107
عليه أول زاد القوم قد علموا    =    ثم المطى إذا ماأرملوا جزر(1) 108
قد تكظم البزل منه حين تبصره    =    حتى تقطع في أعناقها الجرر(2) 108
أخور غائب يعطيها ويسألها    =    يأبى الظلامة منه النوفل الزفر(3) 108
لم ترء أرضا ولم تسمع بساكنها    =    إلا بها من نوادى وقعه أثر(4) 108
وليس فيه إذا استنظرته عجل    =    وليس فيه إذا ياسرته عسر 109
فإن يصبك عدو في مناوء‌ة    =    يوما فقد كنت تستعلى وتنتصر(1) 109
من ليس في خيره من يكدره    =    على الصديق ولافى صفوه كدر(2) 109
أخوشروب ومكساب إذا عدموا    =    وفى المخافة منه الجد والحذر(3) 109
مزدى حروب ونور يستضاء به    =    كما أضاء سواد الظلمة القمر(4) 109
مهفهف أهضم الكشحين منخرق    =    عنه القميص لسيرالليل محتقر(5) 109
اذا أنت ناوأت القرون فلم تنوء    =    بقرنين عزتك القرون الكوامل 109
طاوى المصير على العزاء منجرد    =    بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر(1) 110
لايصعب الامر إلا ريث يركبه    =    وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر 110
لايتأرى لما في القدر يرقبه    =    ولايعض على شرسوفه الصفر(2) 110
لايهتك الستر عن أنثي يطالعها    =    ولايشد إلى جاراته النظر 110
لايغمز الساق من أين ولا وصب    =    ولايزالأمام القوم يقتفر(1) 111
لايأمن الناس ممساه ومصبحه    =    في كل فج وإن لم يغز ينتظر(2) 111
تكفيه حزة فلذان ألم بها    =    من الشواء ويروى شربه الغمر(3) 111
لا تأمن البازل الكوماء عدوته    =    ولا الامون إذا ما اخروط السفر(4) 111
كأنه بعد صدق القوم أنفسهم    =    باليأس تلمع من قدامه البشر(5) 111
لاتنكر البازل الكوماء ضربته    =    بالمشر في اذا ما اجلوذ السفر 111
لايعجل القوم أن تغلى مراجلهم    =    ويدلج الليل حتى يفسح البصر(1) 112
عشنا به حقبة حبا ففارقنا    =    كذلك الرمح ذوالنصلين ينكسر(2) 112
أصبت في حرم منا أخا ثقة    =    هند ابن أسماء لايهنى الظفر(3) 112
لو لم تخنه نفيل وهى خائنة    =    لصبع القوم ورد ماله صدر(1) 113
وأقبل الخيل من تثليث مصغية    =    وضم أعينها رغوان أو حضر(2) 113
إما سلكت سبيلا كنت سالكها    =    فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر 113
ومابلغت كف امرء متطاول    =    به المجد إلا حيث مانلت أطول 113
ومابلغ المهدون في القول مدحة    =    وإن صدقوا إلا الذى فيك أفضل 113
إذا مت مات العرف وانقطع الغنى    =    فلم يبق إلا من قليل مصرد 113
فان جزعنا فقد هدت مصابتنا    =    وإن صبرنا فإنا معشر صبر 113
وردت أكف الراغبين وأمسكوا    =    عن الدين والدنيا بخلف مجدد 114
مررنا عليه وهو يكعم كلبه    =    دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح 114
وتكعم كلب الحى من خشية القرى    =    ونارك كالغذراء من دونها ستر 114
قوم إذا استنبح الاضياف كلبهم    =    قالوا لامهم بولى على النار 114
أتانى ورحلى بالمدينة وقعة    =    لآل تميم أقعدت كل قائم 115
وأورق من عهد ابن عفان حوله    =    حواضن ألاف على غير مشرب 116
وراد الاعالى أقبلت بنحورها    =    على راشح ذى شامة متقوب 116
كأن بقايا لونه في متونها    =    بقايا هناء في قلائص مجرب 116
عفا الزرق من أطلال مية فالدحل    =    فأجماد حوضى حيث زاحمها الحبل(1) 116
سوى أن يرى سودا من غير خلقه    =    تخاطأها وارتث جاراتها النقل 117
من الرضمات البيض غير لونها    =    نبات فراض المرخ واليابس الجزل 117
كجزباء دست بالهناء فأصبحت    =    بأرض خلاء أن تقاربها الابل 117
أقامت عى ربعيهما جارتا صفا    =    كميتا الاعالى جونتا مصطلاهما(1) 118
زنادك خير زناد الملوك    =    خالط فيهن مرخ عفارا 118
ولو بت تقدح في ظلمة    =    حصاة بنبع لا وريت نارا 118
اذا المرخ لم يور تحت العفار    =    وضن بقدر فلم تعقب 118
أمن دمنتين عرج الركب فيهما    =    بحقل الرخامي قد أني لبلاهما 118
أقامت على ربعيهما جارتا صفا    =    كميتا الاعالي جونتا مصطلاهما 118
وإرث رماد كالحمامة ماثل    =    ونؤيان من مظلومتين كداهما 118
أقاما لليلى والرباب وزالتا    =    بذات السلام قد عفا طللاهما 118
ففاضت دموعي في الرداء كأنها    =    عزالي شعيب مخلف وكلاهما 118
ليالي ليلى لم يشب عذب مائها    =    بملح وحبلانا متين قواهما 118
ولو دين للبيض الهجان وحالك    =    من اللون غربيب بهيم علاهما 118
وسر بين كدر بين قدرعت غدوة    =    على الماء معروف الي لغاهما 118
اذا غادرا منه قطاتين ظلتا    =    أديم النهار تطلبان قطاهما 118
وإنى عداني عنكم غير ماقت    =    نواران مكتوب على بغاهما 118
وعنس كألواح الاران نسأتها    =    اذا قيل للمشبوبتين هماهما 118
تغالى برجليها اليك ابن مربع    =    فيانعم نعم المغتلي مغتلاهما 118
أذاع بأعلاه، وأبقى شريده    =    ذرى مجنحات بينهن فروج 119
كأن بجزع الدار لما تحملوا    =    سلائب ورقا بينهن خديج 119
اذا ما حصيرا زورها لم يعلقا    =    لها الضفر إلا من امام رحاهما 119
كست عضديها زورها وانتحت بها    =    ذراعا لجوج عوهج ملتقا هما 119
فباتت بأبلى ليلة ثم ليلة    =    بحاذة واجتابت نوي عن نواهما 119
وراحت على الافواه أفواه غيقة    =    نجاه تفتلاوين ماض سراهما 119
أجدت هبابا عن هباب وسامحت    =    قوى نسعتيها بعد طول اذاهما 119
ولولا فتى الانصار ماسك سمعها    =    ضمير ولا حورانه فقراهما 119
وإني لارجو من يزيد بن مربع    =    حذيته من خيرتين اصطفاهما 119
حذيته من نائل وكرامة    =    سعى في بغاء المجد حتى احتواهما 119
إلا رمادا هامدا دفعت    =    عنه الرياح خوالد سحم(2) 120
أنحن وهن أغفال عليها    =    فقد ترك الصلاء بهن نارا 120
إلا رواكد كلهن قد اصطلى    =    حمراء أشعل أهلها إيقادها 121
كانت رواحل للقدور فعريت    =    منهن واستلب الزمان رمادها 121
إلا رواكد بينهن خصاصة    =    سفع المناكب كلهن قد اصطلى 121
فتغيرت إلا ملاعبها    =    ومعرسا من جونة ظهر 121
عرش الثقاب لها بدار مقامة    =    للحى بين نظائر وتر 121
ولن تحييك أظار معطفة    =    بالقاع لاتمك فيها ولاميل 121
ليست بعوذ ولم تعطف على ربع    =    ولايهيب بها ذوالنية الابل 121
فلم يبق إلا أن ترى في محله    =    رمادا نحت عنه الخيول جنادله 121
كأن الحمام الوزق في الدار وقعت    =    على خرق بين الظوور جواز له 121
ألا حييا الربع القواء وسلما    =    ورسما كجثمان الحمامة أدهما 122
كأن رسوم الدار ريش حمامة    =    محاها البلى واستعجمت إن تكلما 122
أمن ال قيلة بالدخول رسوم    =    وبحومل طلل يلوح قدوم 122
لعب الرياح برسمه فأجده    =    جون عواكف في الرماد جثوم 122
سفع الخدود كأنهن وقد مضت    =    حجج عوائد بينهن سقيم 122
أثر الوقود على جوانبها    =    بخدودهن كأنه لطم 122
قفوا نعط المنازل من عيون    =    لها في الشوق أحشاء غزار 122
عفت آياتهن وأى ربع    =    يكون له على الزمن الخيار 122
اثاف كالخدود لطمن حزنا    =    ونؤي مثل ماانفصم السوار 122
لغير الحزن فأما قوله    =    ونؤى مثل ما انفصم السوار 123
نؤى كما انقض الهلال مخافة    =    أو مثلما فصم السوار المعصم 123
عرفت لسعدى بعد عشرين حجة    =    بها درس نؤي في المحلة منحن(1) 123
قديم كوقف العاج ثبت حواؤه    =    مغادر أوتاد برضم موضن 123
ونؤي كخلخال الفتاة وصائم    =    أشج على ريب الزمان رقوب 123
والنؤى أهمد شطره فكأنه    =    تحت الحوادث حاجب مقرون(2) 123
وأبي المنازل إنها لشجون    =    وعلى العجومة انه لتبين 123
فاعقل بنضوالدار نضوك يقتسم    =    فرط الصبابة مسعد وحزين 123
لاتمنعني وقفة أشفى بها    =    داء الفؤاد فانها ماعون 123
واسق الاثافي من شؤونك ريها    =    ان الضنين بدمعه لضنين 123
والنؤى أهمد شطره فكأنه    =    تحت الحوادث حاجب مقرون 123
حزن غداة الحزن هاج غليله    =    في أبرق الحنان منك حنين 123
بطلول كأنهن نجوم    =    في عراص كأنهن ليالى 124
ونؤي كأنهن عليهن    =    خدام خرس بسوق خدال(1) 124
سمة الصبابة زفرة أو عبرة    =    متكفل بهما حشا وشؤون 124
لولا التفجع لادعى هضب الحمى    =    وصفى المشقر انه محزون 124
صلة الهجر لي وهجر الوصال    =    نكسانى في السقم نكس الهلال 124
فغدا الجسم ناقصا والذى ينقص    =    منه يزيد في بلبال 124
ولحتف في العز يدنو محب    =    ولعمر يطول في الذل قال 124
نحن ركب ملجن في زى ناس    =    فوق طير لها شخوص الجمال 124
من بنات الجديل تمشى بنا في البيد    =    مشى الايام في الآجال 124
كل هو جاء للدياميم فيها    =    أثر النار في سليط الذبال 124
عامدات للبدر والبحر والضرغامة    =    ابن المبارك المفضال 124
من يزره يزر سليمان في الملك    =    جلالا ويوسفا في الجمال 124
وربيع يضاحك الغيث فيه    =    زهر الشكر من رياض المعالي 124
نفحتنا منه الصبا بنسيم    =    ورواحا في ميت الآمال 124
هم عبدالرحمن نفع الموالي    =    وبوار الاعداء والاموال$ 124
طوى الجزيرة حتى جاء‌نى خبر    =    فزعت فيه بآمالى إلى الكذب 128
حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا    =    شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي 128
وقف العفاة عليك من متحير    =    وله الرجاء، وذى غنى يسترجع 128
ومخادع السمع النعي ودونه    =    خطب ألم بصادق لايخدع 128
إذا جد نادعية توهمت أنه    =    يكرر من أخباره قول مازح 128
تحل القنا يوم الطعان بعقوتى    =    فأحرمه عرضى وأطعمه جلدى(1) 128
ثنى قومه عن خذرجان وقدحنا    =    إلى الموت دامى الصفحتين كليم 129
أخو الحزب أما جلده فمجرح    =    كليم وأما عزضه فسليم 129
حملت إليه السيف لاعزمك أنثنى    =    ولا يدك ارتدت ولاحده نبا 129
طعنت ابن دهمان بنجران طعنة    =    شققت بها عنه مضاعفة السرد 129
نسيت وما أنسى عتابا على الصد    =    ولاخفرا زادت به حمرة الخد 129
ولا ليلة قصرتها بقصيرة    =    أطالت يدى في جيدها صحبة العقد 129
ومن لي بيوم مثل يوم كرهته    =    قربت به عند الوداع من البعد 129
وإلا يخص الفقد شيئا لانني    =    فقدت فلم أفقد دموعى ولا وجدى 129
تمن يلذ المستهام بذكره    =    وان كان لايغنى فتيلا ولايجدى 129
وغيظ على الايام كالنار في الحشى    =    ولكنه غيظ الاسير على القد 129
فإما ترينى لا أقيم ببلدة    =    فأفة غمدي في دلوقى وفى حدى 129
يحل القنا يوم الطعان بعقوتي    =    فأحرمه عرضى وأطعمه جلدي 129
تبدل أيامي وعيشى ومنزلي    =    نجائب لايفكرن في النحسن والسعد 129
وأوجه فتيان حياء تلثموا    =    عليهن لاخوفا من الحر والبرد 129
وليس حياء الوجه في الذئب شيمة    =    ولكنه من شيمة الاسد الورد 129
اذا لم تجزهم دار قوم مودة    =    أجاز القنا والخوف خير من الود 129
يحيدون عن هزل الملوك إلى الذى    =    توفر من بين الملوك على الجد 129
فلاالكف أوهت بى ولاالرمح خاننى    =    ولاالادهم المنعوت حاد عن القصد 130
جعلت وماعاينت عطرا كأنما    =    جرى بين جلدى والعظام خلوق 130
لم يشن وجهه المليح ولكن    =    جعلت ورد وجنتيه بهارا 130
ولم تشن شيئاولكنها    =    بدلت التفاح بالياسمين 130
علة زعفرت مورد خد    =    كاد من رقة ورى يفيض 130
وقالوا غزت غراء حى شديدة    =    فوجنتها منه شديد صفارها 130
فقلت لهم هيهات هاتيك روضة    =    مضى وزدها عنا وجاء بهارها 130
وكأننى مما تطاول بى    =    منك السقام طليت بالورس 130
وصفرت علته وجهه    =    فصار كالدينار من حق 130
بدت صفرة في لونه إن حمدهم    =    من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد 130
وجرت على الايدى مجسة كفه    =    كذلك موج البحر ملتهب الوقد 131
وماالكلب محموما وإن طال عمره    =    ألا إنما الحمى على الاسد الورد(1) 131
لم أستطع سيرا لمدحة خالد    =    فجعلت مدحيه إليه رسولا 131
فليرحلن إلى نائل خالد    =    وليكفين رواحلى الترحيلا 131
لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا    =    بغداد من أرض الجزيرة وابله 131
فكنا كحى صبح الغيث أهله    =    ولم يرتحل أظعانه ورواحله 131
بأنفسنا لابالطوارف والنلد    =    نقيك الذى تخفى من الشكو أو تبدى 131
بنا معشر العافين ما بك من أذى    =    فان أشفقوا مما أقول فبي وحدي 131
ظللنا نعود المجد من وعكك الذي    =    وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد 131
ولم ننصف الليث اقتسمنا نواله    =    ولم نقتسم حماه إذ أقبلت تردى 131
جزى الله خيرا والجزاء بكفه    =    بنى السمط أخدان السماحة والمجد 132
هم وصلونى والمهامه بيننا    =    كما ارفض غيث من تهامة في نجد 132
عجلت إلى فضل الخمار فأثرت    =    عذباته بمواضع التقبيل 132
صب يخاطب مفحمات طلول    =    من سائل باك ومن مسؤول 132
حملت معالمهن أعباء البلى    =    حتى كأن نحولهن نحولى 132
يا وهب هب لاخيك وقفة مسعد    =    يعطى الاسى من دمعه المبذول 132
أو ماترى الدمن المحيلة تشتكى    =    غدرات عهد للزمان محيل 132
إن كنت تنكرها فقد عرف الهوى    =    قدما معارف رسمها المجهول 132
تلك التي لم يعدها قصد الهوى    =    مالت مع الواشين كل مميل 132
عجلت إلى فضل الخمار فأثرت    =    عذباته بمواضع التقليل 132
وتبسمت عند الوداع فأشرقت    =    إشراقه عن عارض مصقول 132
أأخيب عندك والصبا لى شافع    =    وأرد دونك والشباب رسولى 132
ولقد تأملت الفراق فلم أجد    =    يوم الفراق على امرء بطويل 132
أأخيب عندك والصبا لى شافع    =    وأرد دونك والشباب رسولى 133
لاتطلبن له الشبيه فإنه    =    قمر التأمل مزنة التأميل 133
كأنى إذا فارقت شخصك ساعة    =    لفقدك بين العالمين غريب 133
وقد رمت أسباب السلو فخاننى    =    ضمير عليه من هواك رقيب 133
أغرك صفحى عن ذنوب كثيرة    =    وغضى على أشياء منك تريب 133
كأن لم يكن في الناس قبل متيم    =    ولم يك في الدنيا سواك حبيب 133
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن    =    لشكواى من عطف الحبيب نصيب 133
واذا الكرام تنازعواأ كرومة    =    فالفضل للفضل بن اسماعيل 133
قسموا على أخلاقهم فتفاوتوا    =    فيهن قسمة غرة وحجول 133
في كل مكرمة يد مبسوطة    =    من فاضل منهم به مفضول 133
لا تطلبن له الشبيه فانه    =    قمر التأمل مزنة التأميل 133
جاز المدى فرمي بغير مناضل    =    في سودد وجرى بغير رسيل 133
حبيبى حبيب يكتم الناس إنه    =    لنا حين تلقانا العيون حبيب 134
يباعدنى في الملتقى وفؤاده    =    وإن هو أبدى لى البعاد قريب 134
ويعرض عين الهوى منه مقبل    =    إذا خاف عينا أو أشار رقيب 134
فتنطق منا أعين حين نلتقى    =    وتخرس منا ألسن وقلوب 134
أتنكر أن أقوم وقد بدالى    =    لاكرمه وأعظمه هشام 134
فلاتنكر مبادرتى إليه    =    فإن لمثله خلق القيام 134
أمن رسم دار مربع ومصيف    =    لعينيك من ماء الشؤون وكيف(1) 136
رشاش كغربى هاجري كلاهما    =    له داجن بالكسرتين عليف 136
اذا كر غربا بعد غرب أعاده    =    على رغمه وافى السبال عنيف 136
تذكرت فيها الجهل حتي تبادرت    =    دموعي وأصحابى على وقوف 136
يقولون هل يبكى من الشوق مسلم    =    تخلى إلى وجه الا له حنيف 136
فلايا أزاحت علتي ذات ملسم    =    نكيب تغالى في الزمام خنوف 136
مقذفة باللحم وجناء عدوها    =    على الاين إرقال معا ووجيف 136
اليك سعيد الخير جبت مهامها    =    يقابلنى آل بها وتنوف 136
ولولا الذي العاصي أبوه تعلقت    =    بحوران مجذام العشى عصوف 136
ولولا أصيل اللب غض شبابه    =    كريم الايام المنون عروف 136
اذا هم بالاعداء لم يثن همه    =    كعاب عليها لؤلؤ وشنوف 136
حصان لها في البيت زى وبهجة    =    ومشي كما تمشي القطاة قطوف 136
فقلت يمين الله أبرح قاعدا    =    ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى 137
نزلتم منزل الاضياف منا    =    فعجلنا القرى أن تشتمونا 137
ولو شاء وارى الشمس من دون وجهه    =    حجاب ومطوي السراة منيف 137
ولكن إدلاجا بشهباء فخمة    =    لها لقح في الاعجمين كشوف 137
اذا قادها للموت يوما تتابعت    =    الوف على آثارهن الوف 137
فصفوا وما ذي الحديد عليهم    =    وبيض كأولاد النعام كثيف 137
أنابت إلى جنات عدن نفوسهم    =    ومابعدها للصالحين حنوف 137
خفيف المعي لايملا الهم صدره    =    اذا سمته الزاد الخبيث عيوف 137
إذاعصفت رسما فليس بدائم    =    به وتد إلا تحلة مقسم 139
يخفى التراب بأظلاف ثمانية    =    في أربع مسهن الارض تحليل(1) 139
خفاهن من أنفاقهن كأنما    =    خفاهن ودق من عشى محلب 139
حدت السراب وألحقت أعجازها    =    روح يكون وقوعها تحليلا 139
هل حبل خولة بعد الهجر موصول    =    أم أنت عنها بعيد الدار مشغول 139
حلت خويلة في دار مجاورة    =    أهل المدائن فيها الديك والفيل 139
يقارعون رؤوس العجم ضاحية    =    منهم فوارس لاعزل ولاميل 139
فخامر القلب من ترجيع ذكرتها    =    رس لطيف ورهن منك مكبول 139
طوى طيه فوق الكرا جفن عينه    =    على رهبات من جنان المخادر 140
قليلا كتحليل الالى ثم قلصت    =    به شيمة روعاء تقليص طائر 140
وسمحة المشى شملال قطعت بها    =    أرضا يحار الهادون ديموما(1) 140
مهامها وحزونا لاأنيس بها    =    إلا الصوائح والاصداء والبوما(2) 140
ليس عليك عطش ولاجوع    =    إلا الرقاد والرقاد ممنوع 141
هم القوم إلا حيث سلوا سيوفهم    =    وضحوا بلحم من محل ومحرم 141
ويقطعن إلا من فروع يردنها    =    بمدحة محمود نثاه ونائله(1) 141
اليكم من الاغوار حتى يزرنكم    =    بمدحة محمود نثاه ونائله 141
صحا القلب عن أروى وأقصر باطله    =    وعاد له من حب أروى أخابله 141
أجدك ما نلقاك إلا مريضة    =    تداوين قلبا ماتنام بلابله 141
عفا واسط منها فالجام حامر    =    فروض القطا صحراؤه وحمائله 141
ومستقبل لفح الحرور بحاجة    =    اليكم أبا مروان شدت رواحله 141
اليكم من الاغوار حتى يزرنكم    =    بمدحة محمود نثاه ونائله 141
جزاء وشكرا لامرئ لايغبنى    =    اذا جئته نعماؤه وفواضله 141
أخو الحرب ماينفك يدعي لعصبة    =    حرورية أو أعجمى يقاتله 141
تمنى ابنتاى أن يعيش أبوهما    =    وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر(1) 144
فقوما وقولا بالذى تعلمانه    =    ولاتخمشا وجهاولا تحلقا شعر 144
وقولا هو المرء الذي لاصديقه    =    أضاع ولاخان الصديق ولاغدر 144
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما    =    ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر 144
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى    =    وصورتها أو أنت في العين أملح 145
فوالله ما أدرى أسلمى تغولت    =    أم النوم أم كل إلى حبيب 145
نال الخلافة أو كانت له قدرا    =    كما أتى ربه موسي على قدر(1) 145
وقد زعمت ليلى بأني فاجر    =    لنفسى تقاها أو عليها فجورها(1) 146
لجت امامة في لومي وما علمت    =    عرض السماوة روحاتي ولابكري 146
كم باليمامة من شعثاء أرملة    =    ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر 146
إنا لنرجوا اذا ما الغيث أخلفنا    =    من الخليفة ما نرجو من المطر 146
أصبحت للمنبر المعمور مجلسه    =    زينا وزين قباب الملك والحجر 146
حمامة بطن الواديين ترنمي    =    سقاك من الغر الغوادي مطيرها 146
أبينى لنا لا زال ويشك ناعما    =    ولا زلت في خضراء غض نضيرها 146
وكنت اذا ما زرت ليلى تبرقعت    =    وقد رابنى منها الغداة سفورها 146
وقد رابنى منها صدود رأيته    =    واعراضها عن حاجتى وبسورها 146
وأشرف بالقور اليفاع لعلنى    =    أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها 146
يقول رجال لايضيرك نأيها    =    بلى كل ماشف النفوس يضيرها 146
بلى قد يضير العين أن تكثر البكى    =    ويمنع منها نومها وسرورها 146
وقد زعمت ليلى بأني فاجر    =    لنفسى تقاها أو عليها فجورها 146
أثعلبة الفوارس أم رياحا    =    عدلت بهم طهية والخشابا(1) 147
فلو كان البكاء يرد ميئا    =    بكيت على بجير أو عفاق 147
على المر أين إذهلكا جميعا    =    لشأنهما بشجو واشتياق 147
وذى حاجة قلنا له لاتبح بها    =    فليس اليها ما حييت سبيل 147
لنا صاحب لاينبغى أن نخونه    =    وأنت لاخرى فارغ وخليل 147
ومولى سخيف الراى رخو تزيده    =    أناتى وعفوى جهله عنده ذما(1) 149
وصلت ولو عيرته لاصبته    =    بشنعاء باق عارها يفرأ العظما 149
طوى حسدا ضغنا على كأنما    =    أداوى به في كل مجمعة كلما 149
ويجهل أحيانا فلايستخفنى    =    ولا أجهل العتبى إذا راجع الحلما 149
يصد وينأى في الرخاء بوده    =    ويدعو ويدعونى إذا خشى الهضما 149
فيفرج عنه أربة الخصم مشهدى    =    وأدفع عنه عند عثرته الظلما 149
وكنت امرأ عود الفعال تهزنى    =    مآثر مجد تالد لم يكن زعما 149
وكنت وشتمى في أرومة مالك    =    بسبى له كالكلب إذ ينبح النجما 149
ولست بلاق سيدا ساد مالكا    =    فتنسبه إلا أبا لى أو عما 149
ستعلم إن عاديتنى فقع قرقر    =    أمالا أفدت لا أبا لك أو عدما(2) 149
لقد أبقت الايام منها وجرسها    =    لاعدائنا ثكلا وحسادنا رغما 150
وكانت عروق السوء أودت وقصرت    =    به أن ينال الحمد فالتمس الذما 150
إنى إذا خفى رجال رأيتنى    =    كالشمس لاتخفى بكل مكان 150
ما من مصيبة نكبة أمنى بها    =    إلا تشرفنى وتعظم شاني 150
وتزول حين تزول عن متخمط    =    تخشى بوادره على الاقران 150
خليلان باحا بالهوى فتشاحنت    =    أقاربها في وصلها وأقاربه 150
ألا إن أهوى الناس قربا ورؤية    =    وريحا إذا ما الليل غارت كواكبه 150
ضجيع دنا منى جذلت بقربه    =    فبات يمنينى وبت أعاتبه 150
وأخبره بالسر بينى وبينه    =    بأن ليس شئ عند نفسى يقاربه 150
تقول وقد جردتها من ثيابها    =    كما رعت مكحولا من العين أتلعا 151
وجدك لو شئ أتانا رسوله    =    سواك ولكن لم نجد لك مدفعا 151
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا    =    قتيلان لم تعلم لنا الناس مصرعا 151
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت    =    بمنكب مقدام على الهول أروعا 151
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة    =    وأدنى فؤادا من فؤاد معذب 151
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة    =    من الراح فيما بيننا لم تسرب 151
كأننى عانقت ريحانة    =    تنفست في ليلها البارد 151
فلو ترانا في قميص الدجا    =    حسبتنا في جسد واحد 151
كما اقبلت الريح في مرها    =    فطورا خفوتا وطورا هبوبا 151
وضم لاينهنهه اعتناق    =    كما لف القضيب على القضيب 151
وبتنا على رغم الحسود كأننا    =    خليطان من ماء الغمامة والخمر 151
وإن نلتقى خلف العيون كأننا    =    سلاف عقار بالنقاخ مشوب 152
من الجاريات الحور مطلب سرها    =    كبيض الانوق المستكنة في الوكر 152
وإنى وإياها إذا مالقيتها    =    لكالماء من صوب الغمامة والخمر 152
ماأنس لا أنس يمناها معطفة    =    على فؤادى ويسراها على راسى 152
وقولها ليته ثوب على جسدى    =    أوليتنى كنت سربالا لعباس 152
أوليته كان لى خمرا وكنت له    =    من ماء مزن فكنا الدهر في كاس 152
وجدت نفسك من نفسى بمنزلة    =    هى المصافاة بين الماء والراح 152
لقد كان مابينى زمانا وبينها    =    كما كان بين المسك والعنبر الورد 152
وكيف ترى للنوم طعما ولذة    =    وخالك أمسى موثقا في الحبائل 153
فمن يك أمسى سائلا عن شماتة    =    ليشمت بى أو شامتا غير سائل 153
فقد عجمت منى الحوادث ماجدا    =    صبورا على غماء تلك البلابل 153
إذا سر لم يفرح وليس لكنبة    =    ألمت به بالخاشع المتضائل 153
أيارا كبا إما عرضت فبلغن    =    هديت أميرالمؤمنين رسائلى 153
وقل لابى حفص اذا مالقيته    =    لقد كنت نفاعا قليل الغوائل 153
وكيف ترى للعيش طيبا ولذة    =    وخالك أمسى موثقا في الحبائل 153
فما هو ألا أن رآها فجاء‌ة    =    فأبهت حتى ما أكاد يجيب 153
أدور ولولا ان أرى أم جعفر    =    بأبياتكم مادرت حيث أدور 153
وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى    =    اذا لم يزر لابد أن سيزور 153
كأن لبنى صبير غادية    =    أو دمية زينت بها البيع 153
الله بينى وبين قيمها    =    يفر منى بها وأتبع 153
ستبقى لها في مضمر القلب والحشى    =    سريرة حب يوم تبلي السرائر 153
لامترفا إن رخاء العيش ساعده    =    وليس إن عض مكروه به خشعا(1) 154
وببطن مكة لا أبوح به    =    قرشية غلبت على قلبى 154
لو أنها إذ مر مركبها    =    يوم الكديد أطاعنى صحبى 154
قلنا لها حييت من شجن    =    ولركبها حييت من ركب 154
يادار عمرة من محتلها الجرعا    =    هاجت لى الهم والاحزان والوجعا 154
تامت فؤادى بذات الجزع خرعبة    =    مرت تريد بذات العذبة البيعا 154
بمقلتي خاذل أدماء طاع لها    =    نبت الرياض تزجي وسطه ذرعا 154
وقلدوا أمركم لله دركم    =    رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا 154
لامترفا ان رخاء العيش ساعده    =    ولا اذا عض مكروه به خشعا 154
لايطعم النوم إلا ريث يبعثه    =    هم يكاد سناه يقصم الضلعا 154
مسهد النوم تعنيه أموركم    =    يروم منها إلى الاعداء مطلعا 154
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره    =    يكون متبعا طورا ومتبعا 154
والشوق أقتله برؤيتها    =    قتل الظما بالبارد العذب 155
والناس إن حلوا جميعهم    =    شعبا سلام وكنت في شعب 155
لحللت شعبك دون شعبهم    =    ولكان قربك منهم حسبى 155
فلما التقى الحيان ألقيت العصا    =    ومات الهوى لما أصيب مقاتله 155
وردتم على قيس بخور مجاشع    =    فنؤتم على ساق بطئ جبورها 158
هل تبلغنى دارها شدنية    =    لعنت بمحروم الشراب مصرم 158
فلاتدفنونى إن دفنى محرم    =    عليكم ولكن خامرى أم عامرى(1) 158
ولو مات منهم من جر حنا لاصبحت    =    ضباع بأعلى الرقمتين عرائسا 158
حتى إذا الكلاب قال لها    =    كاليوم مطلوب ولاطلبا 159
إن من شيمتى لبذل تلادى    =    دون عرضى فإن رضيت فكونى 159
إذا قيل سيروا إن ليلى لعلهنا    =    جرى دون ليلى مائل القرن أعضب 159
أولاد جفنة حول قبر أبيهم    =    قبر ابن مارية الكريم المفضل(1) 159
اذا احتملت رأسى وفي الرأس أكثرى    =    وغودر عند الملتقى ثم سائرى 159
هنا لك لا أرجو حياة تسرني    =    سجيس الليالي مبسلا بالجرائر 159
وفتيان صدق لاتخم لحامهم    =    إذا شبه النجم الصوار النوافرا 160
أسألت رسم الدار أم لم تسأل    =    بين الجوابي فالبضيع فحومل 160
ومنها لله در عصابة نادمتهم    =    يوما يجلق في الزمان الاول 160
ومنها يغشون حتي ما تهر كلابهم    =    لايسألون عن السواد المقبل 160
يسقون من ورد البريص عليهم    =    بردى يصفق بالرحيق السلسل 160
بيض الوجوه كريمة أحسابهم    =    شم الانوف من الطراز الاول 160
ومنها ولقد شربت الخمر في حانوتها    =    صهباء صافية كطعم الفلفل 160
يسعي على بكأسها متنطف    =    فيعلنى منها ولو لم أنهل 160
إن التى ناولتني فرددتها    =    قتلت قتلت فهاتها لم تقتل 160
كلتاهما حلب العصير فعاطنى    =    بزجاجة أرخاهما للمفصل 160
لم تفتها شمس النهار بشئ    =    غير أن الشباب ليس يدوم(1) 162
منع النوم بالعشاء الهموم    =    وخيال اذا تغور النجوم 162
من حبيب أصاب قلبك منه    =    سقم فهو داخل مكتوم 162
يال قومي هل يقتل المرء مثلي    =    واهن البطش والعظام سؤوم 162
همها العطر والفراش ويعلوها    =    لجين وحالك منظوم 162
لو يدب الحولي من ولد الذ    =    ر عليها لاندبتها الكلوم 162
لم تفتها شمس النهار بشئ    =    غير أن الشباب ليس يدوم 162
ان خالي خطيب جابية الجو    =    لان عند النعمان حين يقوم 162
وأبى في سميحة القائل الفا    =    صل يوم التفت عليه الخصوم 162
شأنها العطر والفراش ويعلوها    =    لجين ولؤلؤ منظوم 163
لويدب الحولى من ولد الذ    =    ر عليها لاندبتها الكلوم(1) 163
ياصخر وراد ماء قد تناذره    =    أهل الموارد ما في ورده عار 163
وواقد أطلقا لى    =    حين رحنا وكبلهم محطوم 163
ورهنت اليدين عنهم جمعيا    =    كل كف فيها جز مقسوم 163
وسطت نسبتي الذوائب منهم    =    كل دار فيها أب لي عظيم 163
رب حلم أضاعه عدم الما    =    ل وجهل غطا عليه النعيم 163
ما أبالى أنب بالحزن تيس    =    أم لحانى بظهر غيب لئيم 163
تلك أفعالنا وفعل الز بعرى    =    خامل في صديقه مذموم 163
ولى البأس منهم إذ حضرتم    =    أسرة من ذرى قصي صميم 163
تسعة تحمل اللواء وطارت    =    في رعاع من القنا مخزوم 163
ليس على طول الحياة ندم    =    ومن وراء المرء مايعلم(1) 164
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتى    =    وقومى تميم والفلاة ورائيا 164
هل بالديار أن تجيب صمم    =    لو كان رسم ناطقا كلم 164
الدار قفر والرسوم كما    =    رقش في ظهر الاديم قلم 164
ديار أسماء التى تبلت    =    قلبى فعينى ماؤها يسجم 164
أضحت خلاء نبتها ثئد    =    نور فيها زهوها فاعتم 164
بل هل شجتك الظعن باكرة    =    كأنهن النخل من ملهم 164
لهم مجلس صهب السبال أذلة    =    سواسية أحرارها وعبيدها(1) 165
إلى السراج المنير أحمد لا    =    تعدلنى رغبة ولا رهب 166
عنه إلى غيره ولورفع النا    =    س إلى العيون وارتقبوا 166
لوقيل أفرطت بل قصدت ولو    =    عنفى القائلون أو ثلبوا 166
لج بتفضيلك اللسان ولو    =    أكثر فيك الضجاج واللجب 166
ما الله موليك فضل فاحمدنه به    =    فما لدى غيره نفع ولاضرر 167