فهرست عناوين فهرست اشعار
أمالي السيد المرتضى — الجزء الرابع

1

أمالي السيد المرتضى — الجزء الرابع

الشريف أبي القاسم على بن الطاهر أبي أحمد الحسين

المتوفى سنة 436 رضى الله عنه

في التفسير والحديث والادب

فهرست عناوين
     ( تأويل خبر )2
(مجلس آخر 57)5
     ( تأويل آية )5
(مجلس آخر 58)15
(مجلس آخر 59)23
     ( تأويل آية )23
(مجلس آخر 60)33
     ( تأويل آية )33
(مجلس آخر 61)43
     ( تأويل آية )43
(مجلس آخر 62)54
     ( تأويل آية )54
(مجلس آخر 63)62
     ( تأويل آية )62
(مجلس آخر 64)71
(مجلس آخر 65)76
     ( تأويل آية )76
(مجلس آخر 66)86
     ( تأويل آية )86
(مجلس آخر 67)96
     ( تأويل آية )96
(مجلس آخر 68)105
     ( تأويل آية )105
(مجلس آخر 69)115
     ( تأويل آية )115
(مجلس آخر 70)123
     ( تأويل آية )123
(مجلس آخر 71)129
     ( تأويل آية )129
(مجلس آخر 72)137
     ( تأويل آية )137
(مجلس آخر 73)143
     ( تأويل آية )143
(مجلس آخر 74)153
     ( تأويل آية )153
(مجلس آخر 75)160
     ( تأويل آية )160
(مجلس آخر 76)168
     ( تأويل آية )168
(مجلس آخر 77)173
     ( تأويل آية )173
(مجلس آخر 78)182
(مجلس آخر 79)188
     ( تأويل آية )188
(مجلس آخر 80)196
     ( تأويل آية )196

2

بسم الله الرحمن الرحيم

( تأويل خبر )

إن سأل سائل عن معنى مارواه أبوهريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم من قوله كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه.

الجواب أما أبوعبيد القاسم بن سلام فإنه قال في تأويل هذا الخبر سألت محمد بن الحسن عن تفسيره فقال كان هذا في أول الاسلام قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر المسلمون بالجهاد قال أبوعبيد كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل أن ينصره أبواه ويهوداه ورثاه وكذلك لو ماتا قبله ماورثهما لانه مسلم وهما كافران وماكان أيضا يجوز أن يسبى فلما نزلت الفرائض وجرت السنن بخلاف ذلك علم أنه يولد على دين أبويه.

قال أبوعبيد وأما عبدالله بن المبارك فإنه قال هذا بمنزلة الحديث الآخر الذى يتضمن أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين يذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون من إسلام أو كفر فمن كان في علمه أنه يصير ملسما فإنه يولد على الفطرة ومن كان في علمه أنه يموت كافرا ولد على ذلك.

قال أبوعبيد ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر أنه قال يقول الله عزوجل إنى خلقت عبادى جميعا فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وجعلت ما أحللت لهم حراما.

قال أبوعبيدة يريد بذلك النحائر والسوائب وغير ذلك مما أحله الله تعالى فجعلوه حراما.

وأما ابن قتيبة فانه قال وقد حكى ما ذكرناه عن أبى عبيد لست أرى ماحكاه أبوعبيد عن عبدالله ابن المبارك ومحمد بن الحسن مقنعا لمن أراد أن يعرف معنى الحديث لانهما لم يزيدا على أن ردا على من قال به من أهل القدر وتفسير محمد بن الحسن يدل على أن الحديث منسوخ والمنسوخ لايكون في الاخبار وإنما يكون في الامر والنهى قال ولايجوز أن يراد به على تأويل ابن المبارك بعض المولودين دون بعض لان مخرجه مخرج العموم


3

وقال ولا أرى معنى الحديث إلا ماذهب إليه حماد بن سلمة فإنه قال فيه هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب أبائهم يريد حين مسح الله تعالى ظهر آدم فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على ألست بربكم قالوا بلى فأراد عليه الصلاة والسلام أن كل مولود يولد في العالم على ذلك العهد وعلى ذلك الاقرارالاول وهو الفطرة.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وهذا كله خبط وتخليط وبعد عن الجواب الصحيح والصحيح في تأويله أن قوله عليه الصلاة والسلام يولد على الفطرة يحتمل أمرين.

أحدهما أن تكون الفطرة ههناالدين وتكون على بمعنى اللام فكأنه عليه الصلاة والسلام قال كل مولود يولد للدين ومن أجل الدين لان الله تعالى لم يخلق من يبلغ مبلغ المكلفين إلا ليعبده فيتنفع بعبادته ويشهد بذلك قوله تعالى (وماخلقت الجن والانس إلا ليعبدون) والدليل على أن على تقوم مقام اللام ماحكاه ابن السكيت عن أبى زيد عن العرب أنهم يقولون صف على كذا وكذا حتى أعرفه بمعنى صف لى ويقولون ما أغيظك على يريدون ما أغيظك لى والعرب تقيم بعض حروف الصفات مقام بعض فيقولون سقط الرجل لوجهه يريدون على وجهه.

وقال الطرماح

كأن مخواها على ثفناتها
معرس خمس وقعت للجناجن(1)

وقال عنتره:

شربت بماء الدحرضين فأصبحت
زوراء تنفر عن حياض الديلم

معناه شربت الناقة من ماء الدحرضين وهما مآن يقال لاحدهما وشيع والآخر دحرض فغلب الاشهر وهو الد حرض وإنما ساغ أن يريد عليه الصلاة والسلام بالفطرة التى هو الخلقة

(1) - مخواها - تجافيها في يروكها - وثفناتها - جمع ثفنة بكسر الفاء وهي ركبتها وما مس الارض من كركرتها وسعدانتها وأصول أفخاذها - ومعرس خمس - موضع تعريسها أي نزولها آخر الليل للاستراحة وخمس أى خمس من القطا - ووقعت - بركت - والجناجن - عظام الصدر وقيل رؤس الاضلاع وقيل أطراف الاضلاع مما يلى قص الصدر وعظم الصلب الواحد جنجن وجنجنة بكسرهما ويفتحان وقيل واحدهما جنجون (*)


4

في اللغة الدين من حيث كان هو المقصود بها وقد يجرى على الشئ اسم ماله به هذا الضرب من التعلق والاختصاص وعلى هذا يتأول قوله تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى) الآية أراد دين الله الذى خلق الخلق له وقوله (لاتبديل لخلق الله) المراد به أن ماخلق العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير ويختلف حتى يخلق تعالى قوما للطاعة وآخرين للمعصية ويجوز أن يريد بذلك الامر وإن كان ظاهره الخبر فكأنه تعالى قال ولاتبدلوا ماخلقكم الله له من الدين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا.

والوجه الآخر في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة وتكون لفظة على على ظاهرها لم يرد به غيرها ويكون المعنى كل مولود يولد على الخلقة الدالة عى وحدانيته تعالى وعبادته والايمان به لانه عزوجل قد صور الخلق وخلقهم على وجه يقتضى النظر فيه معرفته والايمان به وان لم ينظروا ولم يعرفوا فكأنه قال كل مخلوق ومولود فهو يدل بخلقه وصورته على عبادة الله تعالى وإن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصرانيا وهذا الوجه يحتمله أيضا قوله تعالى (فطرة الله التى فطر الناس عليها) وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى الفطرة فقوله عليه الصلاة والسلام حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه يحتمل وجهين أحدهما أن من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتى ودينى فإنما جعله كذلك أبواه ومن جرا مجراهما ممن يوقع له الشبهة ويقلده الضلال عن الدين وإنما خص عليه الصلاة والسلام الابوين لان الاولاد في الاكثر ينشؤن على مذهب آبائهم ويألفون أديانهم ونحلهم ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله عن ضلالة العباد وكفرهم وأنه إنما خلقهم للايمان فصدهم عنه آباؤهم ومن يجرى مجراهم.

والوجه الآخر أن يكون معنى يهودانه وينصرانه أى يلحقانه بأحكامهما لان أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم فكأنه قال عليه الصلاة والسلام لاتتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم أنهم خلقوا لدينهم بل لم يخلقوا إلا للايمان والدين الصحيح لكن آباؤهم هم الذين أدخلوهم في أحكاهم وعبر عليه الصلاة والسلام عن إدخالهم في أحكامهم بقولهم يهودانه وينصرانه وهذا واضح.

فأما جواب أبى عبيد الله الذى حكاه عن محمد بن الحسن فإنا إذا تمكنا من حمل الخبر على وجه نسلم


5

معه من النسخ لم نحتج إلى غيره وإنما توهم النسخ لاعتقاده أن خلقهم على الفطرة يمنع من إلحاقهم بحكم آبائهم وذلك غير ممتنع. وأما الجواب الذى حكاه عن ابن المبارك ففاسد لان الله تعالى لايجوز أن يخلق أحدا للكفر فكيف يخلقه له وهو يأمره بالايمان ويريده منه ويعاقبه ويذمه على خلافه.

فأما ماروى عنه عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين فانه يحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام سئل عمن لم يبلغ من أطفال المشركين كيف صورته وإلى أى شئ تنتهى عاقبته فقال عليه الصلاة والسلام الله اعلم بما كانوا يعملون فأراد أن ذلك مستور عنى ولو كانت المسألة عمن اخترم طفلا لم يجز أن يكون الجواب ذلك وأما ابن قتيبة فانه رد على أبى عبيد من غير وجه يقتضى الرد واعتراض جواب ابن المبارك باعتبار العموم والخصوص وكيف ننبه على فساده من هذه الجهة وقد اختار في تأويل الخبر ما بجرى في الفساد والاختلال مجرى تأويل ابن المبارك.

فأما النسخ في الاخبار فجائز إذا تضمنت معنى الامر والنهى ويكون ما دل على جواز النسخ في الامر دالا على جواز ذلك فيها وهذا مثل أن يقول عليه الصلاة والسلام الصلاة واجبة عليكم ثم يقول بعد زمان ليست بواجبة فيستدل بالثانى على نسخ الحكم الاول كما لو قال عليه الصلاة والسلام صلوا ثم قال لاتصلوا كان النهى الثانى ناسخا للاول.

فأما الجواب الذى ذكره ابن قتيبة فقد بينا فساده فيما تقدم من الامالى عن تأويلنا قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم) وأفسدنا قول من اعتقد أنه مسح ظهر آدم واستخرج منه الذرية وأشهدها على نفوسها وأخذ إقرارها بمعرفته بوجوه من الكلام ولاطائل في إعادة ذلك

(مجلس آخر 57)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها) الآية


6

إلى قوله تعالى (إلا ماشاء ربك عطاء غير مجذوذ) فقال مامعنى الاستثاء ههنا والمراد الدوام والتأبيد ثم مامعنى التمثيل بمدة السموات والارض التى تفنى وتنقطع. الجواب قلنا قد ذكرفى هذه الآية وجوه.

أولها أن تكون إلا وإن كان ظاهرها الاستثناء فالمراد بها الزيادة فكأنه تعالى قال (خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ماشاء ربك) من الزيادة لهم على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لى عليك ألف دينار إلا الفين الذين أقرضتكهما وقت كذا وكذا فالالفان زيادة على الالف بغير شك لان الكثير لايستثنى من القليل وهذا الجواب يختاره الفراء وغيره من المفسرين.

والوجه الثانى أن يكون المعنى إلا ماشاء ربك من كونهم قبل دخول الجنة والنار في الدنيا وفى البرزخ الذى هو ما بين الحياة والموت وأحوال المحاسبة والعرض وغير ذلك لانه تعالى لو قال خالدين فيها أبدا ولم يستثن لتوهم متوهم أنهم يكونون في الجنة والنار من لدن نزول الآية أو من بعد انقطاع التكليف فصار للاستثناء وجه وفائدة معقولة.

والوجه الثالث أن تكون إلا بمعنى الواو والتأويل فيها مادامت السموات والارض وماشاء ربك من الزيادة واستشهد على ذلك بقول الشاعر

وكل أخ مفارقة أخوه
لعمر أبيك إلا الفرقدان(1)

(1) البيت من شواهد سيبويه والمغنى على أن إلا صفة لكل مع صحة جعلها اداة استثناء ونصب الفرقدين على الاستثناء كما هو الشرط في وصفية إلا.

قال ابن هشام في المغنى والوصف هنا مخصص فان ما بعد الا مطابق لما قبلها لان المعنى كل أخوين غير هذين الكوكبين متفارقان وليست الا استثنائية والا لقال الا الفرقدين بالنصب لانه بعد كلام تام موجب كما هو الظاهر مع كونه لمستغرق وهو كل أخ كما نصب الشاعر في هذا البيت وهو من أبيات مذكورة في مختار أشعار القبائل لابي تمام صاحب الحماسة لاسعد الذهلى وهو

وكل أخ مفارقة أخوه
لشحط الدار الا ابنى شمام

وابنا شمام جبلان وهما بفتح الشين المعجمة وكسر الميم كحذام وقيل هما جبلان في دار (*)


7

معناه والفرقدان ويقول الآخر

وأرى لها دار بأغدرة السيد
ان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا دفعت
عنه الرياح خوالد سحم

والمراد بالا ههنا الواو وإلا كان الكلام متناقضا.

والوجه الرابع أن يكون الاستثناء الاول متصلا بقوله تعالى (لهم فيها زفير وشهيق) وتقدير الكلام لهم في النار زفير وشهيق إلا ماشاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ولايتعلق الاستثناء بالخلود فإن قيل فهبوا أن هذا أمكن في الاستثناء الاول كيف يمكن في الثانى

بني تميم مما يلى دار عمرو بن كلاب وقيل شمام هو جبل وابناء رأساه وعند ابن الحاجب في البيت الشاهد شذوذ من ثلاثة أوجه أحدها انه اشترط في وقوع الا صفة تعذر الاستثناء وهنا يصح لو نصبه وثانيها وصف المضاف والمشهور وصف المضاف اليه وثالثها الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر وهو قليل والبيت جاء في شعرين لصحابيين أحدهما عمرو بن معد يكرب أنشده الجاحظ في البيان والتبيين له وكذا نسبه اليه المبرد في الكامل وصاحب جمهرة الاشعار وغيرهم والثانى حضرمى بن عامر الاسدى وهو القائل

ألا عجبت عميرة أمس لما
رأت شيب الذؤابة قد علانى
تقول أري أبي قد شاب بعدى
وأقصر عن مطالبة الغوانى

إلى أن قال

وذي فجع عزفت النفس عنه
حذار الشامتين وقد شجانى
أخي ثقة اذا ما الليل أفضى
إلى بمؤيد جلى كفانى
قطعت قرينتى عنه فأغنى
غناه فلن أراه ولن يرانى
وكل قرينة قرنت بأخرى
ولو ضنت بها سنقر قان
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمر أبيك الا الفرقدان
فكان اجابتى إياه أبى
عطفت عليه خوار العنان

وهذا البيت الاخير يروى لعنترة بن شداد العبسى (*)


8

قلنا يحمل الثانى على استثناء المكث في المحاسبة والموقف أو غير ذلك مما تقدم ذكره.

والوجه الخامس أن يكون الاستثناء غير مؤثر في النقصان من الخلود وإنما الغرض فيه أنه لو شاء أن يخرجهم وألا يخلدهم لفعل في أن التخليد إنما يكون بمشيئته وإرادته كما يقول القائل لغيره والله لاضربنك إلا أن أرى غير ذلك وهو لاينوى إلا ضربه ومعنا الاستثناء ههنا أنى لو شئت أن لا أضربك لفعلت وتمكنت غير أنى مجمع على ضربك.

والوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود والتبعيد للخروج لان الله تعالى لايشاء إلا تخليدهم على ماحكم به ودل عليه ويجرى ذلك مجرى قول العرب والله لاهجرنك إلا أن يشيب الغراب ويبيض القار ومعنى ذلك أنى أهجرك أبدا من حيث علق بشرط معلوم أنه لايحصل وكذلك معنى الآيتين والمراد بهما أنهم خالدون أبدا لان الله تعالى لايشاء أن يقطع خلودهم.

والوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الايمان الذين ضموا إلى إيمانهم وطاعتهم المعاصى فقال الله تعالى إنهم معاقبون في النار إلا ماشاء ربك من إخراجهم إلى الجنة وأيصال ثواب طاعاتهم إليهم.

ويجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء ههنا جميع الداخلين إلى جنهم ثم استثنى تعالى بقوله إلا ما شاء ربك أهل الطاعات منهم ومن يستحق ثوابا لابد أنه يصل إليه فقال تعالى إلا ما شاء ربك من إخراج بعضهم وهم أهل الثواب وأما الذين سعدوا فإنما استثنى من خلودهم أيضا لما ذكرناه لان من نقل من النار إلى الجنة وخلد فيها لابد من الاخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدم فكأنه تعالى قال إنهم خالدون في الجنة مادامت السموات والارض إلا ما شاء ربك من الوقت الذى أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم إلى الجنة والذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا وإنما أجرى عليهم كل لفظ في الحال التى تليق بهم إذا أدخلوا النار وعوقبوا فيها من أهل الشقاء وإذا نقلوا إلى الجنة من أهل الجنة والسعادة وقد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم وروى بشربن عمارة عن أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس قال الذين شقوا ليس فيهم كافر وإنما هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم ثم يتفضل الله تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة فيكونون أشقياء في حال


9

سعداء في حال أخرى وأما تعليق الخلود بدوام السموات والارض فقد قيل فيه إن ذلك لم يجعل شرطا في الدوام وإنما علق به على طريق التبعيد وتأكيد الدوام لان للعرب في مثل هذا عادة معروفة خاطبهم الله تعالى عليها لانهم يقولون لا أفعل كذا مالاح كوكب وما أضاء الفجر ومااختلف الليل والنهار ومابل بحر صوفة وماتغنت حمامة ونحو ذلك ومرادهم التأبيد والدوام ويجرى كل ماذكرناه مجرى قولهم لا أفعل كذا أبدا لانهم يعتقدون في جميع ماذكرناه أنه لايزول ولايتغير وعباراتهم إنما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم لابحسب ما عليه الشئ في نفسه ألا ترى أن بعضهم لما اعتقدوا في الاصنام أن العبادة تحق لها سموها آلهة بحسب اعتقاداتهم وإن لم تكن في الحقيقة كذلك ومما يشهد لمذهبهم الذى حكيناه قول أبى الجويرية العبدى

ذهب الجود والجنيد جميعا
فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحا ثاويين في قعر مرت
ما تغنت على الغصون الحمام

وقال الاعشى

ألست منتهيا عن نحت أثلتنا
ولست ضائرها ماأطت الابل(1)

وقال الآخر

لا أفتأ الدهر أبكيهم بأربعة
مااجترت النيب أو حنت إلى بلد

وقال زهير مبينا عن اعتقاده دوام الجبال وأنها لاتفنى ولاتتغير

ألا لا أرى على الحوادث باقيا
ولا خالد إلا الجبال الرواسيا

(1) - النحت - البرى - والاثل - بالفتح شجر معروف قيل هو الطرفاء وقيل السمر وأحدته أثلة وجمعه أثلاث محركة وأثول بالضم - وأطت - من أطيط الابل وهو نقيض جلودها عند الحكة والنقيض بفتح النون وكسر القاف وفي آخره ضاد معجمة وهو صوت اللسع والرحل والمفاصل والاضلاع(2 - رابع آمالى)


10

فهذا وجه وقيل أيضا في ذلك أنه أراد تعالى به الشرط وعنى بالآية دوام السموات والارض المبدلتين لانه تعالى قال (يوم تبدل الارض غير الارض والسموات) فأعلمنا تعالى أنهما تبدلان وقد يجوز أن يديمهما بعد التغيير أبدا بلاانقطاع وإنما المنقطع هو دوام السموات والارض قبل التبديل والفناء ويمكن أيضا أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدة السموات والارض التى يعلم الله تعالى انقطاعها ثم يزيدها الله تعالى على ذلك ويخلدهم ويؤيد مقامهم وهذا الوجه يليق بالاجوبة التى تتضمن أن الاستثناء أريد به الزيادة على المقدار المقدم لاالنقصان.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وجدت أبا القاسم الآمدى قد ظلم البحترى في تفسير بيت له مضاف إليه مع ظلمه له في أشياء كثيرة تأولها على خلاف مراد البحترى وحكى قوله

كالبدر إلا أنها لا تجتلى
والشمس إلا أنها لا تغرب

ثم قال وهذا فيه سؤال لانه لما قال - كالبدر إلا أنها لاتجتلى - فالمعنى أن عيون الناس كلهم ترى البدر وتجتليه وهى لاتراها العيون ولاتجتلى ثم قال - والشمس إلا أنها لاتغرب - وإنما قال لاتجتلى لانها محجوبة فإذا كانت في حجاب فهى في غروب لان الشمس إذا غربت إنما تدخل تحت حجاب فظاهر المعنى كالبدر إلا أن العيون لاتراها والشمس إلا أن العيون لاتفقدها قال وهذا القول متناقض كما ترى قال وأظنه أراد أنها وإن كانت في حجاب فإنه لايقال لها غربت تغرب كما لايقال للشمس وإنما يقال لها إذا سافرت بعدت وغربت إذا توجهت نحو الغرب وقد يقال للرجل اغرب عنا أى ابعد ولو استعارلها اسم الغروب عن الارض التى تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى كان ذلك حسنا جدا ولاسيما وقد جعلها شمسا كما قال ابراهيم بن العباس الصولى

وزالت زوال الشمس عن مستقرها
فمن مخبرى في أى أرض غروبها

قال وقديجوز أن يقول قائل إنه أراد لاتغرب تحت الارض كما تغرب الشمس وهذه معاذير ضيقة لابى عبادة فإن لم يكن قد أخطأ فقد أساء. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وما المخطئ غير الآمدى ومراد البحترى بقوله أوضح من أن يذهب على متأمل


11

لانه أراد بقوله - والشمس إلا أنها لاتغرب - أى أنها لاتصير حيث يتعذر رؤيتها ويمتنع كما يتعذر رؤية الشمس على من غربت عن أفق بلده والمرأه وإن احتجبت باختيارها فإن ذلك ليس بغروب كغروب الشمس لانها إذا شاء‌ت ظهرت وبرزت للعيون والشمس إذا غربت فرؤيتها غير ممكنة ولهذا لايصح أن يقال فيمن استظل بدار أو جدار عن الشمس أنها غربت عنه وإن كان غير راه لها لان رؤيتها ممكنة بزوال ذلك المانع وكذلك القول في احتجاب المرأة فلا تناقض في بيت البحترى على ماظنه الآمدى.

ولبعضهم في هذا المعنى

قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا
مافيك يابدر لى من وجهها خلف
تبدى لنا كلما شئنا محاسنها
وأنت تنقض أحيانا وتنكسف

فمعنى قوله - فأنت تنقض وتنكسف - جار مجرى غروب الشمس لانه فضلها على البدر من حيث كان بروزها لمبصرها موقوفا على اختيارها والبدر ينقض وينكسف على وجه لاتمكن رؤيته كما فضلها البحترى بأنها لاتغرب حتى تصير رؤيتها مستحيلة والشمس كذلك.

وقد ظلم الآمدى البحترى في قوله

لا العذل يردعه ولا التعنيف
عن كرم يصده

قال الآمدى وهذا عندى من أهجى ما مدح به خليفة وأقبحه ومن ذا يعنف الخليفة على الكرم أويصده إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وللبحترى في هذا عذر من وجهين. أحدهما أن يكون الكلام خرج مخرج التقدير فكأنه قال لو عنف وعذل لما صده ذلك عن الكرم وإن كان من حق العذل والتعنيف أن يصد أو يحجز عن الشئ وهذاله نظائر في القرآن وفى كلام العرب كثير مشهور وقد مضى فيما أمليناه شئ من ذلك. والوجه الآخر أن العذل والتعنيف وإن لم يتوجها إليه في نفسه فهما موجودان في الجملة على الاسراف في البذل والجود بنفائس الاموال ولم يقل البحترى إن عذله يردعه أو تعنيفه يصده وإنما قال لا العذل يردعه ولا التعنيف يصده فكأنه أخبر أن مايسمعه من عذل العذال على الكرم


12

وتعنيفهم على الجود وإن كان متوجها إلى غيره فهو غير صادله لقوة عزيمته وشدة بصيرته. ومما خطأ الآمدى البحترى فيه وإن كان له فيه عذر صحيح لم يهتد إليه قوله

ذنب كما سحب الرداء يذب عن
عرف وعرف كالقناع المسبل

قال الآمدى وهذا خطأ من الوصف لان ذنب الفرس إذا مس الارض كان عيبا فكيف إذا سحبه وإنما الممدوح من الاذناب ما قرب من الارض ولم يمسها كما قال امرؤ القيس بضاف فويق الارض ليس بأعزل(1) قال وقد عيب امرؤ القيس بقوله

لها ذنب مثل ذيل العروس
تسد به فرجها من دبر

قال وما أرى العيب يلحق امرأ القيس لان العروس وإن كانت تسحب أذيالها وكان ذنب الفرس إذا مس الارض عيبا فليس بمنكر أن يشبه به الذنب وإن لم يبلغ إلى أن يمس الارض لان الشئ إنما يشبه الشئ إذا قاربه أودنا من معناه فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه ولاق به وامرؤا القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط وإنما أراد السبوغ والكثرة والكثافة ألا ترى أنه قال - تسد به فرجها من دبر - وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الارض ولايكون كثيفا ولايسد فرج الفرس فلما قال تسد به فرجها علمنا أنه أراد الكثافة والسبوغ مع الطول فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان في الطول قريبا منه فالتشبيه صحيح وليس ذلك بموجب للعيب وإنما العيب في قول البحترى

ذنب كما سحب الرداء
فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه

ومثل قول امرئ القيس قو خداش بن زهير

لها ذنب مثل ذيل الهدى
إلى جؤجوء أيد الزافر

- والهدى - العروس التى تهدى إلى زوجها - والايد - الشديد - والزافر - الصدر لانها تزفر منه

(1) وصدره * كميت إذا استقبلته سد فرجه * الخ - والاعزل - من الخيل الذى يقع ذنبه في جانب وهو عادة لاخلقة وهو عيب


13

قال فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدى وإن لم يبلغ في الطول إلى أن يمس الارض.

[ قال الشريف ] رضى الله عنه وللبحترى وجه في العذر يقرب من عذر امرئ القيس في قوله مثل ذيل العروس غير أن الآمدى لم يفطن له وأول ما أقوله إن الشاعر لايجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد فان ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه وكلام القوم مبنى على التجوز والتوسع والاشارات الخفية والايماء على المعانى تارة من بعد وتارة من قرب لانهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم وإنماأراد البحترى بقوله - ذنب كما سحب الرداء المبالغة في وصفه بالطول والسبوغ وأنه قد قارب أن ينسحب وكاد يمس الارض ومن شأن العرب أن تجرى على الشئ الوصف الذى قد كان يستحقه وقرب منه القرب شديد فيقولون قتل فلانا هوى فلانة ووله عقله وزال تمييزه وأخرج نفسه وكل ذلك لم يقع وإنما أراد والمبالغة وإفادة المقاربة والمشارفة ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى ومن شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا فيشبهون الكفل بالكثيب وبالدعص وبالتل ويشبهون الخصر بوسط الزنبور وبمقدار حلقة الخاتم ويعدون هذا غاية المدح وأحسن الوصف ونحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور وكفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه واستهجنا صورته لنكارتها وقبحها وإنما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة وتأنقا لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا بل ليفهم منها الغاية المحمودة والنهاية المستحسنة ويترك ماوراء ذلك فإنا نفهم من قولهم خصرها كخصر الزنبور أنه في غاية الدقة المستحسنة في البشر ومن قولهم كفلها كالكثيب أنه في نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة لا أنه كالتل على التحقيق فهكذا لا ننكر أن يريد البحترى بقوله كما سحب الرداء أنه في غاية الطول الممدوح المحمود لا أنه ينجر في الارض الحقيقة ووكلنا في تخليص معناه وتفصيله إلى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء في استعمال مثل اللفظ الذى استعمله.

قال بعضهم في ثقل العجيزة

تمشى فتثقلها روادفها
فكأنها تمشى إلى خلف

14

وقال المؤمل

من رأى مثل حبتى
تشبه البدر إذا بدا
تدخل اليوم ثم تد
خل أرادفها غدا

وقال ذوالرمة

ورمل كأوراك العذارى قطعته
وفد جللته المظلمات الحنادس(2)

وكل هذا الكلام لو حمل على ظاهره وحقيقته لكان الموصوف به في نهاية القبح لان من يمشى إلى خلف ومن يدخل كفله بعده لايكون مستحسنا.

وقال بكر بن النطاح

فزعاء تسحب من قيام فزعها
وتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنها فيه نهار مشرق
وكأنه ليل عليها مظلم

فوصف شعرها بأنه ينسحب مع قيامها ونحن نعلم أن طول الشعر وإن كان مستحسنا فليس إلى هذا الحد وإنما أراد بقوله تسحب شعرها ما أراده البحترى بقوله كما سحب

(1) هذا البيت أورده ابن جنى في الخصائص في باب غلبة الفروع للاصول فقال هذا فصل من العربية طريف تجده في معاني العرب كما تجده في معانى الاعراب ولا تكاد تجد شيئا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة فمما جاء فيه ذلك للعرب قول ذى الرمة

ورمل كاوراك العذارى قطعته
إذا ألبسته المظلمات الحنادس

(2) أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الاصل فرعا والفرع أصلا وذلك ان العادة والعرف في نحو هذا ان تشبه أعجاز لنساء بكثبان الانقاء إلى أن قال فغلب ذوالرمة العادة والعرف في هذا فشبه كثبان الانقاء باعجاز النساء وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة أى قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لاعجاز النساء فصار كأنه الاصل فيه حتى شبه به كثبان الانقاء إلى أن قال وآخر ما جاء به شاعرنا يعنى المتلبي

نحن ركب ملجن في زى ناس
فوق طير على شخوص الجمال

فجعل كونهم جنا أصلا وجعل كونهم ناسا فرعا وجعل كون مطاياه طيرا أصلا وكونها جمالا فرعا فشبه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي منه أفاد المجاز من الحقيقة ما أفاد (*)


15

الرداء من المبالغة في الوصف بالطول المحمود دون المذموم

(مجلس آخر 58)

( تأويل الآية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (أسمع بهم وأبصر(1) يوم يأتوننا) الآية. فقال ما تأويل هذه الآية فإن كان المراد بها التعجب من قوة أسماعهم ونفاذ أبصارهم فكيف يطابق ما خبر به عنهم في مواضع كثيرة من الكتاب بأنهم لايبصرون ولايسمعون وأن على أسماعهم وأبصارهم غشاوة ومامعنى قوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) أى يوم هو اليوم المشار إليه وماالمراد بالضلال المذكور.

الجواب قلنا أما قوله تعالى (أسمع بهم وأبصرهم) فهو على مذهب العرب في التعجب ويجرى مجرى قولهم ماأسمعه وما أبصرهم والمراد بذلك الاخبار عن قوة علومهم بالله تعالى في تلك الحال وانهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه وهذا يدل على أن أهل الآخرة عارفون بالله تعالى ضرورة ولاتنافى بين هذه الآية وبين الآيات التى أخبر تعالى

(1) قوله اسمع بهم وأبصر أى بهم وحذف المتعجب منه هنا لدلالة بهم السابقة مع كونه فاعلا لان لزومه الجر كساه صورة الفضلة خلافا للفارسى وجماعة فانهم ذهبوا إلى أنه لم يحذف ولكنه استتر في الفعل حين حذفت الباء كما في قولك زيد كفى به كاتبا ورده ابن مالك بوجهين. أحدهما لزوم ابرازه حينئذ في التثنية والجمع. والثانى ان من الضمائر ما لايقبل الاستتار كنا من أكرم بنا فان لم يدل عليه دليل لم يجز حذفه أما في ما أفعله فلعروه إذ ذاك عن الفائدة فانك لو قلت ما أحسن أو ما أجمل لم يكن كلاما لان معناه ان شيئا صير الحسن واقعا على مجهول وهذا مما لاينكر وجوده ولايفيد التحدث به وأما نحو افعل به فلا يحذف منه المتعجب لغير دليل لانه فاعل وأما قول عروة بن الورد

فذلك ان يلق المنية يلقها
حميدا وان يستغن يوما فاجدر

فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله فشاذ (*)


16

عنهم فيها بأنهم لايسمعون ولايبصرون وبأن على أبصارهم غشاوة لان تلك الآيات تناولت أحوال التكليف وهى الاحوال التى كان الكفار فيها ضلالا عن الدين جاهلين بالله تعالى وصفاته وهذه الآية تتناول يوم القيامة وهو المعنى بقوله تعالى يوم يأتوننا وأحوال القيامة لابد فيها من المعرفة الضرورية وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاء‌ك فبصرك اليوم حديد).

فأما قوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) فيحتمل أن يريد تعالى بقوله اليوم الدنيا وأحوال التكليف ويكون الضلال المذكور إنما هو الذهاب عن الدين والعدول عن الطريق فأراد تعالى انهم في الدنيا جاهلون وفى الآخرة عارفون بحيث لاتنفعهم المعرفة ويحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة ويعنى تعالى بالضلال المعدول عن طريق الجنة ودار الثواب إلى دار العقاب فكأنه قال أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا غير أنهم مع معرفتهم هذه وعلمهم يصيرون في هذا اليوم إلى العقاب ويعدل بهم عن طريق الثواب وقد روى معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسرين فروى عن الحسن في قوله تعالى [ أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ] قال يقول تعالى هم يوم القيامة سمعاء بصراء لكن الظالمون في الدينا سمعاء وبصراء ولكنهم في ضلال عن الدين مبين.

وقال قتادة وابن زيد ذلك والله يوم القيامة سمعوا حين لم ينفعهم السمع وأبصروا حين لم ينفعهم البصر. وقال أبومسلم بن بحر في تأويل هذه الآية كلاما جيدا قال معنى أسمع بهم وأبصر ما أسمعهم وأبصرهم وهذا على طريق المبالغة في الوصف يقول فهم يوم يأتوننا يوم القيامة سمعاء بصراء أى عالمون وهم اليوم في دار الدنيا في ضلال مبين أى جهل واضح قال وهذه الآية تدل على أن قوله (صم بكم عمى فهم لايعقلون) ليس معناه الآفة في الاذن والعين والجوارح بل هو أنهم لايسمعون عن قدرة ولا يتدبرون مايسمعون ولا يعتبرون بما يرون بل هم عن ذلك غافلون فقد نرى أن الله تعالى جعل قوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال) مقابلا لقوله تعالى أسمع بهم وأبصريوم يأتوننا أى ما أسمعهم وما أبصرهم فأقام تعالى السمع والبصر مقام الهدى إذ جعله بإزاء الضلال المبين.

فأما أبوعلى بن عبدالوهاب فإنه اختار في تأويل هذه الآية غير هذا الوجه


17

ونحن نحكى كلامه على وجهه قال وعنى بقوله أسمع بهم وأبصر أى أسمعهم وابصرهم وبين لهم أنهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون في ضلال عن الجنة وعن الثواب الذى يناله المؤمنون. والظالمون الذين ذكرهم الله تعالى هم هؤلاء توعدهم بالعذاب في ذلك اليوم.

ويجوز أيضا أن يكون عنى بقوله أسمع بهم وأبصر أى أسمع الناس بهؤلاء الانبياء وأبصرهم بهم ليعرفوهم ويعرفوا خبرهم فيؤمنوا بهم ويقتدوا باعمالهم وأراد بقوله تعالى لكن الظالمون لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم وهو يعنى يوم القيامة في ضلال عن الجنة وعن نيل الثواب مبين وهذا الموضع من جملة المواضع التى استدركت على أبى على وينسب فيها إلى الزلل لان الكلام وإن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد فإن الاولى والاظهر في معنى ماتقدم ذكره من المبالغة في وصفهم وقوله تعالى (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) بعد ما تقدم لايليق إلا بالمعنى الذى ذكرناه لاسيما إذا حمل اليوم على أن المراد به يوم القيامة على أن أبا على جعل قوله تعالى لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين من صلة قوله تعالى أسمعهم وأبصرهم وتأوله على أن المعنى به أعلمهم وابصرهم بأنهم يوم القيامة في ضلال عن الجنة والكلام يشهد بأن ذلك لايكون من صلة الاول وأن قوله تعالى لكن استئناف لكلام ثان ومايحتاج أبوعلى إلى هذا بل لو قال على ما اختاره من التأويل أنه أراد تعالى أسمعهم وأبصرهم يوم يأتوننا أى ذكرهم بأهواله وأعلمهم بما فيه ثم قال مستأنفا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين لم يحتج إلى ذكره وكان هذا أشبه بالصواب.

فأما الوجه الثانى الذى ذكره فباطل لان قوله تعالى أسمع بهم وأبصر إذا تعلق بالانبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقى قوله عزوجل يوم يأتوننا بلا عامل ومحال أن يكون ظرف لاعامل له فالاقرب والاولى أن يكون على الوجه الاول مفعولا. ووجدت بعض من اعتراض على أبى على يقول رادا عليه لو كان الامر على ما ذهب إليه أبوعلى لوجب أن يقول تعالى أسمعهم وأبصرهم بغير باء وهذا الرد غير صحيح لان الباء في مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها وذلك موجود كثير في القرآن والشعر وغيره قال الله تعالى (اقرأ باسم ربك الذى. وعينا يشرب بها عبادالله. وهزى إليك بجذع النخلة(3 - امالى رابع)


18

تلقون إليهم بالمودة وقال الاعشى ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وقال امرؤالقيس هصرت بغصن ذى شماريخ ميال(1) وأظن أبا على أنما شبهته بهذا الجواب لانه وجد تاليا للآية لفظ أمر وهو قوله تعالى (وأنذرهم يوم الحسرة) فحمل الاول على الثانى والكلام لاتشتبه معانيه من حيث المجاورة بل الواجب أن يوضع كل منه حيث يقتضيه معناه.

[ قال المرتضى ] رضى الله عنه وجدت جماعة من أهل الادب يستبعدون ان يرتج على انسان في خطبة وكلام قصد له فينبعث منه في تلك الحال كلام هو أحسن مما قصد إليه وأبلغ مما أرتج عليه دونه ويقولون ان النسيان لايكون إلا عن حيرة وضلالة فيكف تجتمع معهما البراعة الثاقبة والبلاغة المأثوره مع حاجتهما إلى اجتماع الفكرة وحضور الذكر وينسبون جميع مايحكى من كلام مستحسن ولفظ مستعذب عمن حصر في خطبة أو في منطق إلى أنه موضوع مصنوع وليس الذى استبعدوه وأنكروه ببعيد ولامنكر لان النسيان قد يخص شيئا دون شئ ويتعلق بجهة دون جهة وهذا أمر متعارف فلاينكر أن ينسى الانسان شيئا قصده وعزم على الكلام فيه ويكون مع ذلك ذاكرا لغيره متكلما فيه بابلغ الكلام وأحسنه بل ربما كان الحصر والذهاب عن القصد يحميان القريحة ويوقدان الفكرة فيبعثان على أحسن الكلام وأبرعه ليكون ذلك هربا من العى وانتفاء من اللكنة.

ومن أحسن ماروى من الكلام وأبرعه في حال الحصر والانقطاع عن المقصود من الكلام ماأخبرنا به أبوعبيدالله محمد المرزبانى قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبوحاتم قال المرزبانى وأخبرنا ابن دريد مرة أخرى وقال حدثنا السكن ابن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبى قالا صعد خالد بن عبدالله القسرى

(1) وصدره * فلما تنازعنا الحديث واسمحت * فمعنى - اسمحت - سهلت ولانت - وهصرت بغصن - ثنيت غصناوالباء زائدة (*)


19

يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه فقال أيها الناس إن الكلام وقال أبوحاتم إن هذا القول يجيئ أحيانا ويذهب أحيانا فيتسبب عند مجيئة سببه ويعز عند عزوبه طلبه وربما كوبر فأبى وعولج فأبطى وقال ابن الكلبى ربما طلب فأبى وعولج فقسا والتأنى لمجيئه أصوب من التعاطى لابيه ثم نزل فما رؤى حصرا أبلغ منه وقال أبوحاتم والترك لابيه أفضل من التعاطى لمجيئه وتجاوزه عند تعذره أولى من طلبه عند تنكره وقد يختلج من الجرئ جنانه ويرتج على البليغ لسانه ثم نزل.

وأخبرنا بهذا الخبر أبوعبيدالله المرزبانى على وجه آخر قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطى قال كان خالد بن عبد الله القسرى حين ولاه هشام بن عبدالملك يكثر الخطب والتباليغ فقدم واسطا فصعد المنبر فحاول الخطبة فارتج عليه فقال أيهاالناس إن هذا الكلام يجئ أحيانا ويعزب أحيانا فيعز عند عزوبه طلبه ويتسبب عند مجيئه سببه وربما كوبر فأبى وعوسر فقسا والتأتى لمجيئه أسهل من التعاطى لابيه وتركه عند تعذره أحمد من طلبه عند تنكره وقد يرتج على اللسن لسانه ولاينظره القول إذا اتسع ولا يتيسر إذا امتنع ومن لم تمكن له الخطوة فخليق أن تعن له النبوة(1) وأخبرنا المرزبانى قال أخبرنا أبو عبدالله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبوالعباس المنصورى قال صعد أبو العباس السفاح المنبر فأرتج عليه فقال أيهاالناس إن اللسان بضعة من الانسان يكل إذا كل وينفسح بانفساحه إذا فسح ونحن أمراء الكلام منا تفرعت فروعه وعلينا تهدلت غصونه ألا وإنا لانتكلم هذرا ولانسكت إلا معتبرين ثم نزل فبلغ ذلك أبا جعفر فقال لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس وهذا الكلام يروى لداود ابن على.

وبهذا الاسناد عن محمد بن الصباح عن فثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه قال أراد أبوالعباس السفاح يوما أن يتكلم بأمر من الامور بعد ما أفضت الخلافة إليه

(1) وروى ابن على القالى قال حدثنا ابوبكر رحمه الله قال اخبرنا السكن بن سعيد عن العباس بن هشام الكلبى قال صعد خالد بن عبدالله القسرى يوما المنبر بالبصرة ليخطب فارتج عليه فقال ايها الناس ان الكلام ليجئ احيانا فيتسبب سببه ويعزب احيانا فيعز مطلبه فربما طولب فابى وكوبر فعصي فالتأني لمجيئه أصوب من التعاطى لابيه (*)


20

وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه فقال داود بن على بعد أن حمدالله وأثنى عليه ايها الناس إن أمير المؤمنين الذى قلده الله سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهد من بيانه ولكل مرتق بهر حتى تنفسه العادات فأبشروا بنعمة الله في صلاح دينكم ورغد عيشكم.

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى عبدالله بن إسحاق بن سلام قال صعد عثمان بن عفان رضى الله عنه المنبر فأرتج عليه فقال أيهاالناس سيجعل الله بعد عسر يسرا وبعد عى نطقا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال.

وروى محمد بن يزيد النحوى هذا الكلام بعينه عن يزيد بن أبى سفيان وقد خطب على بعض منابر الشام وإن عمروبن العاص لمابلغه كلامه قال عن مخرجاتى من الشام استحسانا لكلامه.

وروى محمدبن يزيد النحوى قال بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد وكان واليا على قوم فقال لهم أيهاالناس إنى إن لم أكن فارسا طبا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه وما أساء القائل أخو البراجم حيث قال

وما عاجلات الطير يذنين للفتى
رشادا ولامن ريثهن يخيب(1)
ورب أمور لاتضيرك ضيرة
وللقلب من مخشاتهن وجيب
ولاخير فيمن لايوطن نفسه
على نائبات الدهر حين تنوب

(1) يقول اذا لم تعجل له طير سانحة فليس ذلك بمبعد خيرا له عنه ولا اذا ابطأت خاب فعاجلها لايأتيه بخير واجلها لايدفع عنه انما له ما قدر له. والعرب تزجر على السانح وتتبرك به وتكره البارح وتتشاء‌م به وبعضهم يعكس والسانح ما ولاك مياسره فامكنك رميه والبارح ما ولاك ميامنه فلا يمكنك رميه الا ان تنحرف له. وعاجلات الطير هي ان يخرج الانسان من منزله اذا اراد ان يزجر الطير فما مر به في اول ما يبصر فهو عاجلات الطير وان ابطأت عنه وانتظرها فقد راثت اى ابطأت والاول عندهم محمود والثانى مذموم يقول ليس النجح بان يعجل الطائر الطيران كما يقول الذين يزجرون الطير ولا الخيبة في ابطائها وهذا رد علي مذهب الاعراب والابيات لضابئ بن الحارث (*)


21
وفى الشك تفريط وفى الحزم قوة
ويخطى الفتى في حدسه ويصيب

فقال رجل من كلب إن هذا المنبر لم ينصب للعشر بل ليحمد الله تعالى ويصلى على النبى وآله عليهم الصلاة والسلام وللقرآن فقال أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسركم فكتب إلى يزيد بذلك فعزله وقال قد كنت أراك جاهلا ولم أحسب أن الحمق بلغ بك إلى هذا المبلغ فقال له أحمق منى من ولانى. وكان يزيد بن المهلب ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان فلما صعد المنبر حصر فنزل وهويقول فإلا أكن فيكم خطيبا فإننى * بسيفى إذا جد لوغى لخطيب فقيل له لوقلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس فبلغ ذلك حاجب الفيل فقال

أباالعلاء لقد لاقيت معضلة
يوم العروبة من كرب وتحنيق
أما القرآن فلاتهدى لمحكمه
ولم تسدد من الدنيا بتوفيق

لمارمتك عيون الناس هبتهم
وكدت تشرق لما قمت بالريق
تلوى اللسان إذرمت الكلام به
كماهوى زلق من جانب النيق(1)

(1) - وكان سبب هجو حاجب الفيل والفيل لقب لقبه به ثابت قطنة واسم أبيه ذبيان المازنى وقيل معدان وقيل انه الملقب الفيل لانه كان يروض فيلا للحجاج ان حاجبا دخل على يزيد بن المهلب فلما مثل بين يديه أنشده

اليك امتطيت العيس تسعين ليلة
أرجي ندا كفيك يابن المهلب
وأنت امرؤ جادت سماء يمينه
على كل حى بين شرق ومغرب
فجد لى بطرف أعوجى مشهر
سليم الشظي عبل القوائم سلهب
سبوح طموح الطرف يستن مرجم
أمر كامرار الرشاء المشذب
طوي الضمر منه البطن حتى كأنه
عقاب تدلت من شماريخ كبكب
تبادر جنح الليل فرخين أقويا
من الزاد من قفر من الارض مجدب
فلما رأت صيدا تدلت كأنها
دلاء تهاوى مرقبا بعد مرقب

22

وروى أن بعض خلفاء بنى العباس وأظنه الرشيد صعد المنبر ليخطب فسقطت على وجهه ذبابة فطردها فرجعت فحصر وأرتج عليه فقال أعوذ بالله السميع العليم ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعو له الآية إلى قوله ضعف الطالب والمطلوب ثم نزل فاستحسن ذلك منه.

ومما يشاكل هذه الحكاية ماحكاه عمروبن بحر الجاحظ قال كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبدالله بن سوار لم ير الناس حاكما قط ولازمينا ولاركينا ولا وقورا ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذى ضبط وملك وكان يصلى الغداة في منزله وهو قريب الدار من مسجده فيأتى مجلسه فيحتبى ولايزال منتصبا لايتحرك له عضو ولايلتفت ولايحل حبوته ولايحرك رجلا عن رجل ولايعتمد على على أحد شقيه حتى كأنه بناء مبنى أو صخرة منصوبة فلايزال كذلك حتى يقوم لصلاة الظهر ثم يعود إلى مجلسه فلايزال كذلك حتى يقوم لصلاة العصر ثم يرجع إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى المغرب ثم ربما عاد إلى مجلسه بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراء‌ة العهد والشروط والوثائق ثم يصلى العشاء وينصرف لم يقم

فشكت سواد القلب من ذئب قفرة
طويل القري عارى العظام معصب
وسابغة قد أتقن القين صنعها
وأسمر خطي طويل مجرب
وأبيض من ماء الحديد كأنه
شهاب متى يلق الضريبة يقضب
وقل لى اذا ما شئت في حومة الوغى
تقدم أو اركب حومة الموت اركب
فانى امرؤ من عصبة مازنية
نمانى أب ضخم كريم المركب

فأمر له يزيد بدرع وسيف ورمح وفرس وقال له قد عرفت ما شرطت لنا علي نفسك فقال اصلح الله الامير حجتى بينة وهي قول الله عزوجل (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لايفعلون) فقال ثابت قطنة ما أعجب ما وفدت به من بلدك في تسعين ليلة مدحت الامير بيتين وسألته حوائجك في عشرة أبيات وختمت شعرك في بيت تفخر عليه فيه حتى اذا أعطاك ما أردت حدت عما شرطت له على نفسك فأكذبتها حتي كأنك كنت تخدعه فقال له يزيده يا ثابت فانا لانخدع ولكن نتخادع وسوغه ما اعطاء وأمر له بالفى درهم ولج حاجب يجهو ثابتا (*)


23

طول تلك الولاية مرة واحدة إلى الوضوء ولا احتاج إليه ولاشرب ماء ولاغيره من الشراب وكذلك كان شأنه في طوال الايام وفى قصارها وفى صيفها وشتائها وكان مع ذلك لايحرك يدا ولايشير برأسه وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز ويبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة فبينما هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه وفى السماطين بين يديه إذ قسط على أنفه ذباب فأطال السكوت والمكث ثم تحول إلى موق عينه فرام الصبر في سقوطه على الموق وعلى عضته ونفاذ خرطومه كما رام الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك أرنبته أو يغضى وجهه أو يذب بأصبعه فلما طال ذلك من الذباب وأوجعه وأحرقه وقصد إلى مكان لايحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الاعلى على جفنة الاسفل فلم ينهض فدعاه ذلك إلى أو والى بين الاطباق والفتح فتنحى ريثما سكن ثم عاد إلى موقه ثانيا أشد من مرته الاولى فغمس خرطومه في مكان قد كان أوهاه قبل ذلك وكان احتماله له أضعف وعجزه عن الصبر في الثانية أقوى فحرك أجفانه وزاد في شدة الحركة في تتابع الفتح والاطباق فتنحى عنه بقدر ماسكنت حركته ثم عاد إلى موضعه فمازال ملحا عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده فلم يجد بدا من أن يذب عن عينه بيده ففعل وعيون القوم إليه يرمقونه كأنهم لايرونه فتنحى عنه بمقدار مارديده وسكنت حركته ثم عاد إلى موضعه فألجأه إلى أن ذب عن وجهه بطرف كمه ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك وعلم أن ذلك كله بعين من حضر من أمنائه وجلسائه فلما نظروا إليه قال أشهد أن الذباب ألج من الخنفساء وأزهى من الغراب وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد الله أن يعرفه من ضعفه ما كان عنه مستورا وقد علمت أنى كنت عند الناس من أرصن الناس وقد غلبنى وفضحنى أضعف خلق الله ثم تلا قول الله تعالى (ضعف الطالب والمطلوب)

(مجلس آخر 59)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذ نجيناكم من آل فرعون


24

يسومونكم سوم العذاب - إلى قوله تعالى - بلاء من ربكم عظيم) فقال ماتنكرون أن يكون في هذه الآية دلالة على إضافة الافعال التى تظهرمن العباد إلى الله تعالى من وجهين. أحدهما أنه قال تعالى بعد ماتقدم ذكره من أفعالهم ومعاصيهم وفى ذلك بلاء من ربكم عظيم فأضافها إلى نفسه. والثانى أنه أضاف نجاتهم من آل فرعون إليه فقال وإذ نجيناكم ومعلوم أنهم هم الذين سارواحتى نجوا فيجب أن يكون ذلك السير من فعله على الحقيقة حتى تصح الاضافة جينئذ. الجواب قلنا أما قوله تعالى وفي ذلكم فهو إشارة إلى ماتقدم ذكره من إنجائه لهم من المكروه والعذاب وقد قال قوم إنه معطوف على ما تقدم من قوله تعالى (يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى) الآية والبلاء ههنا الاحسان والنعمة ولاشك في أن تخليصه لهم من ضروب المكاره التى عددها الله نعمة عليهم وإحسان إليهم.

والبلاء عند العرب قد يكون حسنا وقد يكون شيئا قال الله تعالى (وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا) ويقول الناس في الرجل إذا أحسن القتال والثبات في الحرب قد أبلى فلان ولفلان بلاء والبلوى أيضا قد يستعمل في الخير والشر إلا أن أكثر مايستعملون البلاء الممدود في الجميل والخير والبلوى المقصورة في السوء والشر فقال قوم أصل البلاء في كلام العرب الاختبار والامتحان ثم يستعمل في الخير والشر لان الاختبار والامتحان قد يكون في الخير والشر جميعا كما قال تعالى (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) يعنى اختبرناهم وكما قال تعالى (ونبلونكم وبالخير والشر فتنة) فالخير يسمى بلاء والشر يسمى بلاء غير إن الاكثر في الشر أن يقال بلوته أبلوه بلا وفى الخير أبلوته أبليته إبلاء وبلاء.

وقال زهير في البلاء الذى هو الخير

جزى الله بالاحسان ما فعلابكم
أبلاهما خير البلاد الذى يبلو

فجمع بين اللغتين لانه أراد أنعم الله عليهما خير النعمة التى يختبر بها عباده وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الابناء وغيره إلى نفسه وهو قد ذمهم عليه ووبخهم وكيف يكون ذلك من فعله وهو قد عد تخليصهم منه نعمة عليهم وكان يجب على هذا أن يكون إنما نجاهم من فعله تعالى بفعله وهذا مستحيل لايعقل


25

ولايحصل على أنه يمكن يرد قوله ذلكم إلى ما حكاه عن آل فرعون من الافعال القبيحة ويكون المعنى في تخليته بين هؤلاء وبينكم وتركه منعهم من ايقاع هذه الافعال بكم بلاء من ربكم عظيم أى محنة واختبار لكم والوجه الاول أقوى وأولى وعليه جماعة من المفسرين.

وروى أبوبكر الهذلى عن الحسن في قوله تعالى (وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم) قال نعمة عظيمة إذ أنجاكم من ذلك وقد روى مثل ذلك عن ابن عباس والسدى ومجاهد وغيرهم. فأما إضافة النجاة إليه وإن كانت واقعة بسيرهم وفعلهم فلو دل على ما ظنوه لوجب إذا قلنا إن الرسول عليه الصلاة والسلام أنقدنا من الشك وأخرجنا من الضلالة إلى الهدى ونجانا من الكفر أن يكون فاعلا لافعالنا وكذلك قد يقول أحدنا لغيره أنا نجيتك من كذا وكذا واستنقذتك وخلصتك ولايريد أنه فعل بنفسه فعله والمعنى في ذلك ظاهر لان ماوقع بتوفيق الله تعالى ودلالته وهدايته ومعونته وألطافه قد يصح إضافته إليه فعلى هذا صحت إضافة النجاة إليه تعالى. ويمكن أيضا أن يكون مضيفا لها اليه تعالى من حيث ثبط عنهم الاعداء وشغلهم عن طلبهم وكل هذا يرجع إلى المعونة فتارة تكون بأمر يرجع إليهم وتارة بأمر يرجع إلى أعدائهم.

فإن قيل كيف يصح أن يقول (وإذ أنجيناكم من آل فرعون) فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون ولانجا من شره. قلنا ذلك معروف مشهور في كلام العرب وله نظائر لان العربى قد يقول مفتخرا على غيره قتلناكم يوم عكاظ وهزمناكم وإنما يريد أن قومى فعلوا ذلك بقومك.

قال الاخطل يهجو جرير بن عطية

ولقد سمالكم الهذيل فنالكم
بإراب حيث نقسم الانفالا
في فيلق يدعو الاراقم لم تكن
فرسانه عزلا ولا أكفالا

ولم يلحق جرير الهذيل ولا أدرك اليوم الذى ذكره غير أنه لما كان يوم من أيام قوم الاخطل على قوم جرير أضاف الخطاب إليه وإلى قومه فكذلك خطاب الله تعالى بالآية إنما توجهت إلى أبناء من نجى من آل فرفون وأحلافهم والمعنى وإذ نجينا آباء‌كم وأسلافكم والنعمة على السلف نعمة على الخلف.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله(4 - امالى رابع)


26

عنه ومن أحسن الشعر في تعود الضيافة والانس بها والاستمرار عليها قول حاتم بن عبدالله الطائى

إذا مابخيل الناس هرت كلابه
وشق على الضيف الغريب عقورها
فإنى جبان الكلب بيتى موطا
جواد إذا ما النفس شح ضميرها
وإن كلابى مذاقرت وعودت
قليل على من يعترينا هريرها

أراد بقوله - على من يعترينا هريرها - أنها لاتهر جملة ولذلك نظائر كثيرة(1) ومثله قوله تعالى (فقليلا مايؤمنون) ومثل قوله فإنى جبان الكلب معنا ولفظا قول الشاعر

ومايك في من عيب فإنى
جبان الكلب مهزول الفصيل

وإنما أراد أنى أوثر الضيف بالالبان ففصالى مهازيل.

ومثل اللفظ والمعنى قول أبى وجرة

(1) قوله ولذلك نظائر. يريد ان قليلا وقليلة يردان للنفى وهما في ذلك تابعان لقل وأقل يقال قل رجل يقول ذلك الا زيد بالضم وأقل رجل يقول ذلك الا زيد معناهما ما رجل يقوله الا هو فالقلة فيه للنفى المحض. وقال ابن جنى لما ضارع المبتدأ حرف النفى بقوا المبتدا بلا خبر.

وقد عقد ابن مالك فصلا في التسهيل لهذه الكلمات ونصه فصل قد يقوم ما يفعل أحد أقل ملازما للابتداء والاضافة إلى نكرة موصوفة بصفة مغنية عن الخبر لازم كونها فعلا أو ظرفا وقد تجعل خبرا ولابد من مطابقة فاعلها للنكرة المضاف اليها ويساوى أقل المذكور قل رافعا مثل المجرور ويتصل بقل ما كافة عن طلب الفاعل فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الافعال وقد يراد بها حينئذ التقليل حقيقة وقد يدل على النفى بقليل وقليلة فقوله ملازما للابتداء أي فلا تقول كان أقل رجل يقول ذلك لانه لما ناب مناب النفي كان له الصدر كالنفى وشمل قوله نكرة ما يقبل أل كرجل وما لايقبلها نحو أقل من يقول ذلك والجملة الواقعة بعد هذه النكرة صفة لها في موضع جر والخبر محذوف أي كائن وليست خبر لمطابقتها النكرة نحو أقل امرأة تقول ذلك (*)


27
وآل الزبير بنو حرة
مروا بالسيوف الصدور الجنافا
يموتون والقتل من دأبهم
ويغشون يوم السيوف السيافا
وأجبن من صافر كلبهم
وإن قذفته حصاة أضافا

يقول أدركوا بسيوفهم ثاراتهم فكأنهم شفوا وغر قلوبهم وأزالوا ما كان فيها من الاحقاد ومعنى - مروا - استخرجوا كما تمرى الناقة إذا أردت أن تحلبها لتدر - والجانف - المائل.

ثم قال وإن مات بعضهم على فراشه فإن أكثرهم يموت مقتولا لشجاعتهم وإقدامهم فلذلك قال والقتل من دأبهم وجعل كلبهم جبانا لكثرة من يغشاهم ويطرقهم من النزال والاضياف فقد ألفتهم كلابهم وأنست بهم فهى لاتنبحهم وقيل أيضا إنها لاتهر عليهم لانها تصيب مما ينحر لهم وتشاركهم فيه. ومعنى - وإن قذفته حصاة أضافا أى أشفق وهذا تأكيد لجبنه ويقال أضاف الرجل من الامر إذا أشفق منه. ومعنى - أجبن من صافر كلبهم - قد تقدم ذكره في الامالى. ومثله في المعنى

يغشون حتى ماتهر كلابهم
لايسألون عن السواد المقبل(1)

(1) هذا البيت من قصيدة لحسان بن ثابت رضى الله عنه يمدح بها جبلة بن الايهم الغسانى وقيل عمرو بن الحارث الاعرج ولكل من الروايتين قصة وعلى أنه عمرو قيل ان حسان لما قدم عليه اعتاص وصوله اليه ثم دخل عليه فوجد عنده النابغة الذبيانى وعلقمة الفحل فقال له عمرو يابن الفريعة قد عرفت عيصك ونسبك في غسان فارجع فاني باعث اليك بصلة سلية ولا أحتاج الي الشعر فانى أخاف عليك هذين السبعين أن يفضحاك وفضيحتك فضيحتى وأنت والله لاتحسن أن تقول

دقاق النعال طيب حجراتهم
يحيون بالريحان يوم السباسب

فلما أنشده حسان لم يزل يزحل عن موضعه سرورا وهو يقول هذا وأبيك الشعر لا ما يعللاني به منذ اليوم هذه والله البتارة التى بترت المدائح هات له يا غلام ألف دينار مرجوحة وهي التى في كل دينار منها عشرة دنانير ثم قال لك على في كل سنة مثلها.

ومطلع القصيدة (*)


28

وقالوا المرار بن المنقذ العدوى

أعرف الحق ولا أنكره
وكلابي أنس غير عقر
لاترى كلبي إلا آنسا
إن أتى خابط ليل لم يهر
كثر الناس فما ينكرهم
من أسيف يبتغى الخير وحر

- الاسيف - العبد ههنا.

وقال آخر

إلى ماجد لاينبح الكلب ضيفه
ولا يتأداه احتمال المغارم

معنى - يتأداه - يثقله وأراد أن يقول يتأوده فقلب.

وقال ابن هرمة

وإذا أتانا طارق متنور
نبحت فدلته على كلابى
وفرحن إذ أبصرنه فلقينه
يضربنه بشرا شر الاذناب(1)

وإنما تفرح به لانها قد تعودت إذا نزلت الضيوف أن ينحر لهم فتصيب من قراهم ومثله له

ومستنبح تستكشط الريح ثوبه
ليسقط عنه وهو بالثوب معصم
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه
لينبح كلب أو ليفزع نوم
فجاوبه مستمسمع الصوت للقرى
له مع إتيان المهبين مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا
يكلمه من حبه وهو أعجم

أراد بقوله - فجاوبه مستسمع الصوت - أنه جاوبه كلب - والمهبون - الموقظون له ولاهله وهم الاضياف وإنما كان له معهم مطعم لانه ينحر لهم مايصيب منه. وأراد بقوله -

أسألت رسم الدار أم لم تسأل
بين الجوابي فالبضيع فحومل
ومنها لله در عصابة ناد منهم
دهرا بجلق في الزمان الاول
بيض الوجوه كريمة أحسابهم
شر الانوف من الطراز الاول
(1) شر شر الكلب اذا ضرب بذنبه وحركه للانس (*)

29

يكلمه من حبه وهو أعجم - بصبصته وتحريكه ذنبه. وأما قوله - ليفزع نوم - فإنما أراد ليغيث نوم يقال فزعت لفلان إذا أعثته. ومعنى - عوى في سواد الليل - أن العرب تزعم أن سائر الليل إذا أظلم عليه واد لهم فلم يستبن محجة ولم يدر أين الحى وضع وجهه على الارض وعوى عواء الكلب ليسمع ذلك الصوت الكلاب إن كان الحى قريبا منه فتجيبه فيقصد الابيات وهذا معنى قوله أيضا ومستنبح أى ينبح نبح الكلاب.

وقال الفرزدق

وداع بلحن الكلب يدعو ودونه
من الليل سجفا ظلمة وغيومها
دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا
فتى كابن ليلى حين غارت نجومها

- ابن ليلى - يعنى أباه غالبا

بعثت له دهماء ليست بلقحة
تدر إذا ماهب نحسا عقيمها

معنى - بعثت له دهماء - أى رفعتها على أثافيها ويعنى بالدهماء القدر - واللحقة - الناقة وأراد أن قدره تدر إذا هبت الريح عقيما لامطر فيها

كأن المحال الغر في حجراتها
عذارى بدت لما أصيب حميمها

أراد أن قطع اللحم فيها لاتستتر بشئ منها كما لاتستتر العذارى اللواتى أصيب حميمهن وظهرن حواسر

غضوبا كحيزوم النعامة أحمشت
بأجواز خشب زال عنها هشيمها

- الاجواز - الاوساط وأوسط الخشب أصلبه وأبقى نارا

محضرة لايجعل الستر دونها
إذا المرضع العوجاء جال بريمها

- البريم - الحقاب، وإنما يجول من الهزال والجهد والطوى - والعوجاء - التى قد اعوجت من الطوى.

وقال الاخطل في الضيف

دعانى بصوت واحد فأجابه
مناد بلاصوت وآخر صيت

ذكر ضيفا عوى بالليل والصدى من الجبل يجيبه فذلك معنى قوله - بصوت واحد -


30

وقوله - فأجابه مناد - يعنى نارا رفعها له فرأى سناها فقصدها - والآخر الصيت - الكلب لانه أجاب دعواه.

ومثله

وسارى ظلام مفقعل وهبوة
دعوت بضوء ساطع فاهتدى ليا

يعنى نارارفعها ليقصده طراق الليل - والمفقعل - المتنقض من شدة البرد.

وأنشد محمد ابن يزيد

ومستنبح تهوى مساقط رأسه
إلى كل شخص فهو للصوت أصور
جيب إلى كلب الكرام مناخه
بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر
دعته بغير اسم هلم إلى القرى
فأسرى يبوع الارض شقراء تزهر(1)

معنى - أصور - مائل أراد أنه يميل رأسه إلى كل شخص يتخيل له يظنه إنسانا.

(1) الابيات من قطعة في غاية الحسن أردنا الاتيان بها مرتبة وهي

ومستنبح تهوي مساقط رأسه
إلى كل شخص فهو للسمع أصور
يصفقه أنف من الريح بارد
ونكباء ليل من جمادي وصرصر
حبيب إلى كلب الكريم مناخه
بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر
حضأت له نارى فابصر ضوء‌ها
وما كان لولا حضأة النار يبصر
دعته بغير اسم هلم الي القرى
فأسرى يبوع الارض والنار تزهر
فلما أضاء‌ت شخصه قلت مرحبا
هلم وللصالين بالنار أبشروا
فجاء ومحمود القري يستفزه
اليها وداعى الليل بالصبح يصفر
تأخرت حتى كدت لم تصطفى القرى
على أهله والحق لايتأخر
وقمت بنصل السيف والبرك هاجد
بهازره والموت بالسيف ينظر
فأعضضته الطولي سناما وخيرها
بلاء وخير الخير مايتخير
فأوفضن عنها وهي ترغو حشاشة
بذى نفسها والسيف عريان أحمر
فباتت رحاب جونه من لحامها
وفوها بما في جوفها يتغرغر (*)

31

ومعنى - حبيب إلى كلب الكرام - المعنى الذى تقدم. ومعنى - بغيض إلى الكوماء - إلى الناقة لانها تنحرله. وقوله - دعته شقراء - بغير اسم يعنى نارأ ضوء‌ها فقصدها فكأنها دعته.

وقال ابن هرمة وقد نزل به ضيف

فقلت لقينى ارفعاها وحرقا
لعل سنا نارى بآخر تهتف

وفى معنى قوله بغيض إلى الكوماء.

قول بعض الشعراء يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله

وأبيك خيرا إن إبل محمد
عزل تناوح أن تهب شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبة
ذرفت لهن من الدموع سجال
وترى لها زمن الشتاء على الثرى
رخما وما بحيا لهن فصال

أراد أبيك الخير فلما الالف واللام نصب - والعزل - التى لاسلاح معها وسلاح إلابل سمنها وأولادها وإنما جعلوا ذلك كالسلاح لها من حيث كان صاحبها إذا رأى سمنها وحسن حسانها ورأى أولادها تتبعها نفس بها على الاضياف فامتنع من نحرها فلما كان ذلك صادا عن الذبح ومانعا منه جرى مجرى السلاح لها فكأنه يقول هذه الابل وإن كانت ذوات سلاح من حيث كانت سخيمة سمينة فهى كالعزل إذ كان سلاحها لايغنى عنها شيئا ولايمنع من عقرها.

ومعنى - تناوح - تقابل بعضها بعضعا أى هن مدفآت باسنتها وأوبارها لاتبالى بهبوب الشمال ولايدخل بعضها في بعض من البرد. وقوله - وإذا رأين لدى الفناء غريبة - أى إذا نزل ضيف فعقل ناقته التي جاء عليها وفى الغريبة علمن أنه سينحر بعضهن لا محالة فلذلك تذرف دموعهن. وقوله - وترى لها زمن الشتاء على الثرى رخما - فقد قيل فيه إنه أراد به أن يهب فصالهن فتبقى ألبانهن على الارض كهيئة الرخم.

وحكى عن ابن عباس أنه قال الرخم قطع العلق من الدم وعندى أن المعنى غير هذين جميعا وإنما أراد أنها تنحر وتعقر فتسقط الرخم على موضع عقرها وبقايا دمائها وأسلائها فهذا معنى قوله لا ما تقدم.

وقال آخر في معنى سلاح الابل يمدح بنى عوذ بن غالب من عبس


32
جزى الله عنى غالبا خير ما جزى
إذا حدثان الدهر نابت نوائبه(1)
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها
تجرد فيها متلف المال كاسبه

أراد أن سمنها وحسنها وتمامها لايمنعه من عقرها للاضياف.

ومثله

إذا البقل في أصلاب شول ابن مسهر
نما لم يزده البقل إلا تكرما
إذا أخذت شول البخيل رماحها
وحى برماح الشول حتى تحطما

وقوله - أخذت رماحها - من المعنى المتقدم.

وقال مسكين الدارمى

فقمت ولم تأخذ إلى رماحها
عشارى، ولم أرجب عراقبها عقرا

- أرجب - أكبر ذلك ولم يعظم على وسمى رجب رجبا من ذلك لانه شهر معظم.

وقالت ليلى الاخيلية

ولاتأخذ الكوم الجلاد سلاحها
لتوبة في قر الشتاء الصنابر

ومثله

لا أخون الصديق ماحفظ العهد
ولا تأخذ السلاح لقاحى

وقال النمر بن تولب

أزمان لم تأخذ إلى سلاحها
إبلى بجلتها ولا أبكارها
أبتزها ألبانها ولحومها
فأهين ذاك لضيفها ولجارها

وقال المضرس بن ربعى الاسدى

ومانلعن الاضياف إن نزلوا بنا
ولايمنع الكوماء منا نصيرها

(1) ويروى * جزي الله خيرا لبا من عشيرة الخ وبين البيتين بيتان وهما

فكم دافعو من كربة قد تلاحت
على وموج قد علتنى غواربه
اذا قلت عودوا عاد كل شمر دل
أشم من الفيتان جزل مواهبه

33

ومعنى - لانلعنهم - أى لانبعدهم واللعين البعيد - ونصيرها - ههنا مايمنع من عقرها من حسن وتمام وولد وماجرى ذلك المجرى والنصير والسلاح في المعنى واحد

(مجلس آخر 60)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ولاتقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله). فقال ماتنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضى أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه ويريده لانه تعالى لم يخص شيئا من شئ وهذا بخلاف مذهبكم وليس لكم أن تقولوا إنه خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام خاصة وهو لايفعل إلا مايشاء الله تعالى لانه قد يفعل المباح بلا خلاف ويفعل الصغائر عند أكثركم فلابد من أن يكون في أفعاله تعالى مالايشاؤه عندكم ولانه أيضا تأديب لنا كما أنه تعليم له عليه الصلاة والسلام ولذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله. الجواب قلنا تأويل هذه الآية مبنى على وجهين.

أحدهما أن يجعل حرف الشرط الذى هو إن متعلقا بمايليه وبما هو متعلق به في الظاهر من غير تقدير محذوف ويكون التقدير ولاتقولن إنك تفعل إلا مايريدالله تعالى وهذا الجواب ذكره الفراء ومارأيته إلا له ومن العجب تغلغله إلى مثل هذا مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل وعلى هذا الجواب لاشبهة في الآية ولاسؤال للقوم عليه وفى هذا الوجه ترجيح على غيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر ولم نقدر محذوفا وعلى كل جواب مطابق الظاهر ولم يبن على محذوف كان أولى.

والجواب الآخر أن نجعل أن متعلقة بمحذوف ويكون التقدير ولاتقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن يشاء الله لان من عاداتهم إضمار القول في مثل هذا الموضع واختصار الكلام إذا طال وكان في الموجود منه دلالة على المفقود وعلى هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه فنقول هذا تأديب من الله تعالى لعباده وتعليم لهم أن يعلقوا مايخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج من حد القطع ولاشبهة في أن ذلك مختص بالطاعات وأن الافعال(5 - امالى رابع)


34

القبيحة خارجة عنه لان أحدا من المسلمين لايستحسن أن يقول إنى أزنى غدا إن شاء‌الله أو أقتل مؤمنا وكلهم يمنع من ذلك أشد المنع فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامة في جميع الافعال.

وأما أبوعلى محمد بن عبدالوهاب فإنه ذكر في تأويل هذه الآية مانحن ذاكروه بعينه قال إنما عنى بذلك أن من كان لم يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول إنى سأفعل غدا وكذا وكذا فيطلق الخبر بذلك وهو لايدرى لعله سيموت ولايفعل ما أخبر به لان هذا الخبر إذا لم يوجد مخبره على ما أخبر به فهو كذب وإذا كان المخبر لا يأمن أن لايوجد مخبره لحدوث أمر من فعل الله نحو الموت أو العجز أو بعض الامراض أو لايوجد ذلك بأن يبدو له في ذلك فلا يأمن من أن يكون خبره كذبا في معلوم الله عزوجل وإذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به ولايسلم خبره هذا من الكذب إلا بالاستثناء الذى ذكره الله تعالى فإذا قال إنى صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله فاستثنى في مصيره بمشيئة الله تعالى أمن أن يكون خبره في هذا كذبا لان الله تعالى إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأ إلى ذلك وكان المصير منه لا محالة وإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا وإن لم يوجد منه المصير إلى المسجد لانه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشيئة الله تعالى.

قال وينبغى أن لايستثنى مشيئة دون مشيئة لانه إن استثنى في ذلك مشيئة الله بمصيره إلى المسجد على وجه التعبد فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا لان الانسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه الله تعالى منه ويتعبده به ولو كان استثناء مشيئة الله لان يبقيه ويقدره ويرفع عنه الموانع كان أيضا لايأمن أن يكون خبره كذبا لانه قد يجوز أن لا يصير إلى المسجد مع تبقية الله تعالى له قادرا مختارا فلايأمن من الكذب في هذا الخبر دون أن يستثنى المشيئة العامة التى ذكرناها فإذا دخلت هذه المشيئة في الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لامحالة قال وبمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال والله لاصيرن غدا إلى المسجد إن شاء الله تعالى لانه ان استثنى على سبيل مابينا لم يجز أن يحنث في يمينه ولو خص استثناء‌ه يمشيئة بعينها ثم كانت ولم يدخل معها إلى المسجد حنث في يمينه. وقال غير أبى على إن المشيئة المستثناة ههنا هى مشيئة المنع والحيلولة


35

فكأنه قال إن شاء الله يخلينى ولايمنعنى وفى الناس من قال القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع وإن لم يلزم به ما كان يلزم لولا الاستثناء ولاينوى في ذلك الجاء ولاغيره وهذا الوجه يحكى عن الحسن البصرى.

واعلم إن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل على الايمان والطلاق والعتاق وسائر العقود ومايجرى مجراها من الاخبار فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم مايلزم به وإزالته عن الوجه الذى وضع له ولذلك يصير ماتكلم به كأنه لاحكم له ولذلك يصح على هذاالوجه أن يستثنى في الماضى فيقول قد دخلت الدار إن شاء الله ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم وإنما لم يصح دخوله في المعاصى على هذا الوجه لان فيه إظهارا للانقطاع إلى الله تعالى والمعاصى لايصح ذلك فيها وهذا الوجه أحد مايحتمله تأويل الآية وقد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به اللطف والتسهيل.

وهذا الوجه يخص بالطاعات ولهذا الوجه جرى قول القائل لاقضين غدا ما على من الدين ولاصلين غدا إن شاء الله مجرى أن يقول إنى أفعل ذلك إن لطف الله تعالى فيه وسهله فعلم أن المقصد واحد وأنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب اذا لم يقع منه هذا الفعل أن يكون حانثا وكاذبا لانه إن لم يقع علمنا أنه لم يلطف له فيه لانه لالطف له وليس لاحد أن يعترض هذا بأن يقول الطاعات لابد فيها من لطف وذلك لان فيها مالالطف فيه جملة فارتفاع ماهذه سبيله يكشف عنه أنه لالطف فيه وهذا الوجه لايصح أن يقال في الآية أنه يخص الطاعات والآية تتناول كلما لم يكن قبيحا بدلالة إجماع المسلمين على حسن الاستثناء ماتضمنه في كل فعل لم يكن قبيحا وقد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به التسهيل والاقدار والتخلية والبقاء على ماهى عليه من الاحوال وهذا هو المراد به إذا دخل في المباحات وهذا الوجه يمكن في الآية إلا أنه يعترضه ماذكره أبوعلى مما حكيناه من كلامه وقد يذكر استثناء المشيئة أيضا في الكلام وإن لم يردبه في شئ مما تقدم بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى الله تعالى من غير أن يقصد إلى شئ من الوجوه المتقدمة وقد يكون هذا الاستثناء غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا لانه في الحكم كأنه قال لافعلن كذا إذا وصلت إلى مرادى مع انقطاعى إلى الله تعالى وإظهارى


36

الحاجة إليه وهذا الوجه أيضا مما يمكن في تأويل الآية.

ومتى تؤمل جملة ماذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التى لايزال يسأل عنها المخالفون من قولهم لو كان الله تعالى إنما يريد العبادات من الافعال دون المعاصى لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به والله لاعطينك حقك غدا إن شاء الله أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل لان الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم وإن كان لم يقع فكان يجب أن تلزمه الكفارة وأن لايؤثر هذا الاستثناء في يمينه ولا يخرجه عن كونه حانثا كما أنه لوقال والله لاعطينك حقك غدا إن قدم زيد فقدم ولم يعطه يكون حانثا وفى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية وللجواب عن هذه المسألة ونظائرها من المسائل والحمدالله وحده.

[ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه تأملت ما اشتملت عليه تشبيهات الشعراء فوجدا أكثر ماشبهوا فيه الشئ بالشئ الواحد أو الشيئين بالشيئين وقد تجاوزوا ذلك إلى تشبيه ثلاثة بثلاثة وأربعة بأربعة وهو قليل ولم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرت بى لابن المعتز فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء.

فأما تشبيه الواحد بالواحد قول عنترة في وصف الذباب

هزجا يحك ذراعه بذراعه
قدح المكب على الزناد الاجذم(1)

(1) - الهزج - تراكب الصوت ومعني - يحك ذراعه بذراعه - يمر احداهما على الاخرى - والاجذم - بالمعجمتين صفة المكب وهو المقطوع اليد شبه الذباب اذا سن احدى ذراعيه بالاخري بأجذم يقدح نارا بذراعيه وهذا من عجيب التشبيه يقال انه لم يقل احد في معناه مثله وقد عده أرباب الادب من التشبيهات العقم وهي التى لم يسبق اليها ولايقدر أحد عليها مشتق من الريح العقيم وهي التى لاتلقح شجرة ولاتنتج ثمرة وقد شبه بعضهم من يفرك يديه ندامة بفعل الذباب وزاد اللطم فقل

فعل الاديب اذا خلا بهمومه
فعل الذباب يزن عند فراغه
فتراه يفرك راحتيه ندامة
منها ويتبعها بلطم دماغه

وتعرض حازم في مقصورته لتشبيه عنترة بقوله (*)


37

أي الاسرع.

ومثله قول عدى بن الرقاع

تزجى أغن كأن إبرة روقه
قلم أصاب من الدواة مدادها

ومثله قول امرئ القيس

كأن عيون الوحش حول قبابنا
وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب(1)

وقوله

إذا ما الثريا في السماء تعرضت
تعرض أثناه الوشاح المفصل

ولذى الرمة

ألقى ذراعا فوق أخرى وحكى
تكلف الاجذم في قطع السنا
كأنما النور الذي يفرعه
مقتدحا لزنده سقط ورى

فقصر عنه التقصير البين وأخل بذكر الاكباب والحك

(1) الرواية المعلومة خبائنا بدل قبابنا والمعنى متقارب. قال الاصمعي الظبي والبقرة اذا كانا حيين فعيونهما كلها سود فاذا ماتا بدا بياضهما وانما شبههما بالجزع وفيه سواد وبياض بعد ما موتت والمراد كثرة الصيد يعنى مما أكلناه كثرت العيون عندنا وبه يتبين بطلان ما قيل ان المراد انها قد أطالت مسايرتهم حتى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم. وقوله - الجزع - هو بفتح الجيم وتكسر الخرز اليمانى الصينى فيه سواد وبياض تشبه به عيون الوحش لكنه اتى بقوله لم يثقب ايغالا وتحقيقا للتشبيه لان الجزع اذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون.

والبيت من قصيدته المشهورة التى قالها في معارضته لقصيدة علقمة الفحل ومطلعها

خليلى مرابي على أم جندب
نقضى لبانات الفؤاد المعذب

ومطلع قصيدة علقمة

ذهبت من الهجران في غير مذهب
ولم يك حقا كل هذا التجنب

وتحكيمهما لام جندب امرأة امرئ القيس وحكمها لعلقمة وطلاق امرئ القيس اياها وتزويج علقمة لها كله مشهور فلا نطيل به (*)


38
وردت اعتسافا والثريا كأنها
على قمة الرأس ابن ماء محلق

وهذا الباب أكثر من أن يحصى.

فأما تشبيه شيئين بشيئين فمثل قو امرئ القيس يصف عقابا

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
لدى وكرها العناب والحشف البالى(1)

وقوله

وكشح لطيف كالجديل مخصر
وساق كأنبوب السقى المذلل

ولبشار

كأن مثار النقع فوق رؤسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه(2)

(1) البيت من شواهد التلخيص والشاهد فيه التشبيه المكفوف وهو أن يؤتي على طريق العطف أو غيره بالمشبهات أو لاثم بالمشبه بها فهنا شبه الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب واليابس العتيق منها بالحشف البالى إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها ولذا قال الشيخ عبدالقاهر انه انما يتضمن الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه لا إن للجمع فائدة في عين التشبيه. والبيت من قصيدته المشهورة التي مطلعها

ألاعم صباحا أيها الطلل البالى
وهل يعمن من كان في العصر الخالى

(2) - النقع - الغبار. ومعنى - تهاوى كواكبه - يتساقط بعضها في أثر بعض والاصل تتهاوى فحذفت احدي التاء‌ين والبيت من شواهد البيان والشاهد فيه المركب الحسى في التشبيه الذي طرفاه مركبان الحاصل من الهيئة الحاصلة من هوى أجرام مشرقة مستطيعة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شئ مظلم فوجه التشبيه مركب كما ترى وكذا طرفاه كما في أسرار البلاغة يروى انه قيل لبشار وقد أنشد هذا البيت ما قيل أحسن من هذا التشبيه فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولاشئ منها فقال ان عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر اليه من الاشياء فيتوفر حسه وتذكو قرعيته وأنشدهم قوله (*)


39

ولآخر

كأن سمو النقع والبيض حوله
سماوة ليل أسفرت عن كواكب

وقول أبى نواس

كأن صغرى وكبرى من فقاقعها
حصباء در على أرض من الذهب(1)

ولآخر

عميت جنينا والذكاء من العمى
فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للعلم رافدا
لقلب اذا ما ضيع الناس حصلا
وشعر كنور الروض لاء‌مت بينه
بقول اذا ما أحزن الشعر أسهلا

ويحكى أنه قال لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
لدى وكرها العناب والحشف البالى

اعمل نفسى في تشبيه شيئين بشيئين حتى قلت كأن مثار النقع البيت وهو من قصيدة يمدح بها ابن هبيرة وأولها

جفاوده فازرأ ومل صاحبه
وأزري به أن لا يزال يعاتبه
ومنها اذا كنت في كل الامور معاتبا
صديقك لم تلق الذى لاتعاتبه
فعش واحدا أوصل أخاك فانه
مقارب ذنب مرة ومجانبه

وهي طويلة فوصله ابن هبيرة بعشرة آلاف درهم وكانت أول عطية سنية أعطيها بشار بالشعر ورفعت من ذكره

(1) قوله كأن صغرى وكبرى الخ. قد قيل انه لحن لان اسم التفضيل اذا كان مجردا من أل والاضافة يجب أن يكون مفردا مذكرا دائما فتأنيثه لحن كما في البيت المذكور وقد اعتذروا عن هذا بأن أفعل العارى اذا كان مجردا عن معنى التفضيل جاز جمعه فاذا جاز جمعه جاز تأنيثه. والفقاقيع هي النفاخات التى تعلوا الماء أو الخمر وقال يس المحفوظ في البيت من فواقعها بالواو قلت وفي ديوانه فواقعها

40
إن الشمول هى التى
جمعت لاهل الود شملا
شبهتها وحبابها
بشقائق يحملن طلا ولآخر
أبصرته والكأس بين فم
منه وبين أنامل خمس
فكأنها وكأن شاربها
قمر يقبل عارض الشمس

ولآخر

حتى إذا خليت في الكأس خلت بها
عقيقة جليت في قشر بلور
تعلى إذا مزجت في كأسها حببا
كأنه عرق في خد مخمور

وقال البحترى

شقائق يحملن الندى فكأنه
دموع التصابى في خدود الخرائد

وقال آخر

فكأن الربيع يجلو عروسا
وكأنا من قطرة في نثار

ولابى العباس الناشئ

كأن الدموع على خدها
بقية طل علي جلنار

وقال ابن الرومى وأحسن

لو كنت يوم الفراق حاضرنا
وهن يطفئن غلة الوجد
لم تر إلا الدموع سافحة
تسفح من مقلة على خد
كأن تلك الدموع قطر ندى
يقطر من نرجس على ورد

وقال جران العود

أبيت كأن الليل أفنان سدرة
عليها سقيط من ندى الطل ينطف

41
أراقب لمحا من سهيل كأنه
إذا مابدا في آخر الليل يطرف

ولابن المعتز

سقتنى في ليل شبيه بثعرها
شبيهة خديها بغير رقيب
فامسيت في ليلين بالشعر والدجى
وشمسين من خمر ووجه حبيب

وقال المتنبى

نشرت ثلاث ذوائب من شعرها
في ليلة فأرت ليالى أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها
فأرتنى القمرين في وقت معا

فأما تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.

فمثل قول مانى الموسوس

نشرت غدائر شعرها لتظلنى
خوف العيون من الوشاة الرمق
فكأنه وكأنها وكأننى
صبحان باتا تحت ليل مطبق

ولبعضهم

روض ورد خلاله نرجس
غض يحفان أقحوانا نضيرا
ذا يباهى لنا خدودا وذا يحكى
عيونا وذا يضاهى ثغورا

ولآخر في النرجس

مداهن تبر بين أوراق فضة
لها عمد مخروطة من زبرجد

وللبحترى في وصف ضمر المطايا ونحو لها

كالقسى المعطفات بل الاسهم
مبرية بل الاوتار

(1) البيت من شواهد التلخيص والشاهد فيه مراعاة النظير وسمى التناسب والتوافق والائتلاف والمؤاخاة وهو جمع أمر ومايناسبه من الغاء التضاد لتخرج المطابقة فهو هنا قصد المناسبة بالاسهم والاوتار لما تقدم من ذكر القسى وهذه المناسبة هنا معنوية لالفظية (6 - امالي رابع)


42

ولبعض الطالبيين

وأنا ابن معتلج البطاح إذا غدا
غيرى وراح على متون ظواهر
يفتر عنى ركنها وحطيمها
كالجفن يفتح عن سواد الناظر
كجبالها شرفى ومثل سهولها
خلقى ومثل ظبائهن مجاورى

وأما تشبيه أربعة بأربعة.

فمثل قول امرئ القيس

له أيطلا ظبى وساقا نعامة
وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

ولآخر

كف تناول راحها بزجاجة
خضراء تقذف بالحباب وتزبد
فالكف عاج والحباب لآلي
والراح تبر والاناء زبرجد

ولبعضهم وقد أهدى إليه نرجس وأقحوان وشقائق وآس فكتب إلى المهدى

لله ما أظرف أخلاقك
يابدرالكرم
أهديت ما ناسبتها
حسنا وظرفا وشيم
فمارأينا مهديا
قبلك في كل الامم
أهدى العيون والثغور
والخدود واللمم

ولآخر

(1) - معتلج البطاح - بطن مكة يقول أنا من قريش البطاح اذا غدا غيري وراح على متون ظواهرها. وقريش ثلاثة أقسام قسم ينزل بطاح مكة وهم أشرفهم منهم بنو هاشم وبنو أمية وغيرهم من سادات قريش وهم صميم قريش والقسم الثانى قريش الظواهر وهم الذين لم تسعهم الاباطح وقسم ثالث ليسوا من أهل الظواهر ولا الاباطح والكل قبائل (*)


43
أفدى حبيبا له بدائع أو
صا ف تعالت عن كل ما أصف
كالبدر يعلو والشمس تشرق والغزال
يعطو والغصن ينعطف

والمتنبى

بدت قمرا ومالت خوط بان
وفاحت عنبرا ورنت غزالا

ولآخر

سفرن بدورا وانتقبن أهلة
ومسن غصونا والتفتن جآ ذرا(1)

وأما تشبيه خمسة بخمسة.

فقول الواوا الدمشقى، وهو أبوالفرج

وأسبلت لؤلوء من نرجس وسقت
وردا وعضت على العناب بالبرد

وأما تشبيه ستة بستة فلم أجده إلا لابن المعتز في قوله

بذر وليل وغصن
وجه وشعر وقد
خمر ودر ووزد
ريق وثغر وخد

(1) وقبله

وملتفتات في النقاب كأنما
هززن سيوفا وانتضين خناجرا (*)
(مجلس آخر 61)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). فقال كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدعاء بذلك وعندكم أن النسيان من فعله تعالى فلا تكليف على الناسى في حال نسيانه وهذا يقتضى أحد أمرين إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس أو تكون متعبدين بمسئلته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل لان مؤاخذة الناسى مأمونة منه تعالى والقول في الخطأ إذ أريد به ماوقع سهوا أو من غير عمد يجرى هذا المجرى.

الجواب قلنا قد قيل في هذه الآية المراد


44

تنسياننا تركنا قال أبوعلى قطرب بن المستنير معنى النسيان ههنا الترك كما قال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى) أى ترك ولولا ذلك لم يكن فعله معصية وكقوله تعالى (نسوالله فنسيهم) أى تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته وقد يقول الرجل لصاحبه لاتنسنى من عطيتك أى لاتتركنى منها وأنشد ابن عرفة ولم أك عند الجود للجود قاليا * ولاكنت يوم الروع للطعن ناسيا أى تاركا. ومما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) أى تتركون أنفسكم.

ويمكن في الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السهو وفقد المعلوم ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الامالى من أنه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى وإظهار الفقر إلى مسألته والاستعانة به وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله ويجرى مجرى قوله تعالى في تعليمنا وتأديبنا (لاتحملنا ما لا طاقة لنا به) ومجرى قوله تعالى (قل رب احكم بالحق. ولاتخزنى يوم يبعثون) وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة (فاغفر للذين تابوا) الآية وهذا الوجه يمكن أيضا في قوله تعالى أو أخطأنا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو غير عمد فأما على مايطابق الوجه الاول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطأ مايفعل من المعاصى بالتأويل السيئ وعن الجهل بأنها معاص لان من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة فوقع ماهو بخلاف معتقده يقال قد أخطأ فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولاتأويل ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين.

ويمكن إيضا أن يريد بأخطأنا ههنا أذنبنا أو فعلنا قبيحا وإن كنا له متعمدين وبه عالمين لان جميع معاصينا لله تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب وإن كان فاعلها متعمدا فكأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات وممافعلوه من المقبحات ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب والله أعلم بمراده.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال أخبرنا محمد بن العباس قال قال رجل يوما لابى العباس محمد ابن يزيد النحوى ما أعرف ضادية أحسن من ضادية أبى الشيص فقال له كم ضادية حسنة لاتعرفها ثم أنشده لبشار


45
غمض الحديد بصاحبيك فغمضا
وبقيت تطلب في الحبالة منهضا
وكأن قلبى عند كل مصيبة
عظم تكرر صدعه فتهيضا
وأخ سلوت له فأذكره أخ
فمضى وتذكرك الحوادث مامضى
فاشرب على تلف الاحبة إننا
جزر المنية ظاعنين وحفضا
ولقد جريت مع الصبا طلق الصبا
ثم ارعويت فلم أجد لى مركضا
وعلمت ماعلم امرؤ في دهره
فأطعت عذالى وأعطيت الرضا
وصحوت من سكر وكنت موكلا
أرعى الحمامة والغراب الابيضا

- الحمامة - المرآة - والغراب الابيض - الشعر الشائب. فيقول كنت كثيرا أتعهد نفسى بالنظر في المرآة وترجيل الشعر. وقوله - والغراب الابيض - لان الشعر كان غريبا أسود من حيث كان شابا ثم ابيض بالشيب

ما كل بارقة تجود بمائها
ولربما صدق الربيع فروضا

هكذا أنشده المبرد ويحيى بن على وأنشده ابن الاعرابى

ما كل بارقة تجود بمائها
وكذاك صدق الربيع لروضا
قد ذقت الفته وذقت فراقه
فوجدت ذاعسلا وذاجمر الغضا
ياليت شعرى فيم كان صدوده
ء‌أسأت أم رعد السحاب وأومضا

وغير من ذكرنا يرويه - أم أجم الخلال فأحمضا -

ويلى عليه وويلتى من بينه
ما كان الا كالخضاب فقد نضا
سبحان من كتب الشقاء لذى الهوى
كان الذى قد كان حكما فانقضا

قال المبرد وهى طويلة.

وذكريوسف بن على بن يحيى عن أبيه أن أبا نواس أخذ قوله


46

جريت مع الصبا طلق الجموح(1) من قول بشار ولقد جريت مع الصبا طلق الصبا [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ولابى تمام والبحترى على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان إن لم يزيدا على ضادية بشار التى استحسنها المبرد لم يقصرا عنها وأول قصيدة أبى تمام

أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا
ومزمما يصف النوى ومعرضا
إن يدج ليلك أنهم أموااللوى
فيما إضاؤهم على ذات الاضا
بدلت من برق الثغور وبردها
برقا إذا ظعن الاحبة أومضا

يقول فيها

ما أنصف الشرخ الذى بعث الهوى
فقضى عليك بلوعة ثم انقضى
عندى من الايام مالو أنه
أضحى بشارب مرقد ما غمضا
(1) هو أول أبيات وتمامه
وهان على مأثور القبيح *
وبعده وجدت الذعارية الليالى
قران النغم بالوتر الفصيح
ومسمعة اذا ما شئت غنت
متى كالن الخيام بذى طلوح
تمتع من شباب ليس يبقى
وصل بعري الغبوق عرى الصبوح
وخذها من معتقة كميت
تنزل درة الرجل الشحيح
تخيرها لكسرى رائدوه
لها حظان من طعم وريح
ألم ترنى أبحت الراح عرضى
وعض مراشف الظبي المليح
واني عالم أن سوف تنأى
مسافة بين جثماني وروحي

وقال أبوالعتاهية لقد جمع بين هذين البيتين يعني قوله جريت مع الصبا الخ وقوله واني عالم الخ خلاعة ومجونا واحسانا وعظة وكان أبوالعتاهية أنشدهما دون غيرهما (*)


47
لاتطلبن الرزق بعد شماسه
فترومه سبعا إذا ماغيضا
ما عوض الصبر امرو إلا رأى
مافاته دون الذى قد عوضا
ياأحمد بن أبى دؤاد دعوة
ذلت بذكرك لى وكانت ريضا
لما انتضيتك للخطوب كفيتها
والسيف لايرضيك حتى ينتضى
قد كان صوح نبت كل قرارة
حتى تروح في نداك فروضا
أوردتنى العد الخسيف وقد أرى
أتبرض الثمد البكى تبرضا

وأما قصيدة البحترى فأولها

ترك السواد للابسية وبيضا
ونضا من الستين عنه مانضا
وسباه أغيد في تصرف لحظة
مرض أعل به القلوب وأمرضا
وكأنه وجد الصبا وجديدة
دينا دنا ميقاته أن يقتضى
أسيان أثرى من جوى وصبابة
وأساف من وصل الحسان وأنفضا(1)
كلف يكفكف عبرة مهراقة
أسفا على عهد الشباب وماانقضى
عدد تكامل للشباب مجيئة
وإذا مضى الشئ حان فقد مضي

يقول فيها

قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم
ونذيره من فاضل أن ينتضى

(1) - الجوى - والحزن الصبابة والشوق - وأساف - ذهب غرامه مأخوذ من قولهم أساف الرجل ذهب ماله والاسم السواف بالضم وقال أبوعمرو انه بالفتح ولم يقع ذلك لغيره والصواب الاول لان فعال بالضم مطرد فيما يدل على الداء كالرعاف والزكام - وانفض - خلا وهذا من عطف الشئ على مرادفه. المعنى يستوى ان كثر غرامه وأخلا منه (*)


48
وكفاك من حنش الصريم تهددا
أن مد فضل لسانه أو نضنضا

وفيها

لاتنكرن من جار بيتك أن طوى
أطناب جانب بيته أو قوضا
فالارض واسعة لنقلة راغب
عمن تنقل وده وتنقضا
لاتهتبل إغضاى إما كنت قد
أغضيت مشتملا على جمر الغضا
لست الذى إن عارضته ملمة
أصغى إلى حكم الزمان وفوضا
لايستقر ني الطفيف ولاأرى
تبعا لبارق خلب إن أومضا
أنا من أحب تجاريا وكأننى
فيما أعاين منك ممن أبغضا
أغببت سيبك كى يجم وإنما
غمد الحسام المشرفى لينتضى
وسكت إلا أن أعرض قائلا
نزرا وصرح جهده من عرضا

وأخبرنا أبوعبيدالله المرزبانى قال حدثنى يوسف بن يحيى بن على عن أبيه قال من مختار شعر بشار قوله في وصف الزمان

عتبت على الزمان وأى حى
من الاحياء أعتبه الزمان
وآمنة من الحدثان تزرى
على وليس من حدث أمان
وليس بزائل يرمى ويرمى
معان مرة أو مستعان
متى تأب الكرامة من كريم
فمالك عنده إلا الهوان

وله في نحوه

ياخليلى أصيبا إو ذرا
ليس كل البرق يهدى المطرا
لاتكونا كامرئ صاحبته
يترك العين ويبغى الاثرا

49
ذهب المعروف إلا ذكره
ربما أبكى الفتى ما ذكرا
وبقينا في زمان معضل
يشرب الصفو ويبقى الكدرا

قال وله

قد أدرك الحاجة ممنوعة
وتولع النفس بما لاتنال
والهم ماامسكته في الحشا
داء وبعض الداء لايستقال
فاحتمل الهم على عاتق
إن لم تساعفك العلندى الجلال

قال يحيى قوله - عاتق - يعنى الخمر وهذا مثل قوله

لما رأيت الحظ حظ الجاهل
ولم أر المغبون غير العاقل
رحلت عنسا من شراب بابل
فبت من عقلى على مراحل

[ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه هذا الذى ذكره يحتمله البيت على استكراه ويحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو ويكون المعنى إن لم تجد من يحمل عنك همومك ويقوم بأثقالك ويخفف عنك فتحمل ذلك أنت بنفسك واصبر عليه فكأنه يأمر نفسه بالتجلد والتصبر على البأس وهذا البيت له نظائر كثيرة في الشعر.

وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا على بن هارون قال حدثني أبى قال من بارع شعر بشار قوله يصف جارية مغنية قال على ومافى الدنيا شئ لقديم ولامحدث من منثور ولامنظوم في صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الابيات

ورائحة للعين فيها مخيلة
إذا برقت لم تسق بطن صعيد
من المستهلات الهموم على الفتى
خفا برقها في عصفر وعقود
حسدت عليها كل شئ يمسها
وماكنت لولا حبها بحسود
وأصفر مثل الزعفران شربته
على صوت صفراء الترائب رود
كأن أميرا جالسا في ثيابها
تؤمل رؤياه عيون وفود

50
من البيض لم تسرح على أهل ثلة
سواما ولم ترفع حداج قعود
تميت به ألبابنا وقلوبنا
مرارا وتحييهن بعد همود(1)
إذا انطقت صحنا وصاح لنا الصدى
صياح جنود وجهت لجنود
ظلنا بذاك الديدن اليوم كله
كأنا من الفردوس تحت خلود
ولابأس إلا أننا عند أهلنا
شهود وما ألبابنا بشهود

قال وأنشدنى أبى له في وصف مغنية

لعمر أبى زوارها الصيد إنهم
لفى منظر منها وحسن سماع
تصلى لها آذاننا وعيوننا
إذا ماالتقينا القلوب دواعى
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش
ببؤس ولم تركب مطية راعى
إذا اقلدت أطرافها العود زلزلت
قلوبا دعاها للوساوس داع
كأنهم في جنة قد تلاحقت
محاسنها من روضة وبقاع
يروحون من تغريدها وحديثها
نشاوى وماتسقيهم بصواع
لعوب بالباب الرجال وإن دنت
أطيع التقى والغي غير مطاع

قال على بن هارون - الصواع - المكيال يقول إذا غنت شربوا جزافا بلاكيل ولا وزن منحسن مايسمعون. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه هذا خطأ منه وإنما أراد أنما غناؤها لفرط حسنه وشدة إطرابه ينسيان شرة الخمر وإن لم يكن هناك شرب

(1) قوله - تميت به ألبابنا وقلوبنا - إلى آخره ظاهر القاموس ان مضارع مات مثلث وليس كذلك والضم انما هو في الواوي كقال يقول والكسر انما هو في اليائى كيبيع في باع وهي لغة مرجوحة آثرها جماعة والفتح انما هو في المكسور الماضى كعلم يعلم ونظيره من المعتل خاف يخاف خوفا (*)


51

بصواع وهذا يجرى مجرى قول الشاعر

ويوم ظللنا عند أم محلم
نشاوى ولم نشرب طلاء ولا خمرا

وماكان عندى أن أحد يتوهم في معنى هذاالبيت ماظنه هذا الرجل. وأما قوله في القطعة الاولى وأصفر مثل الزعفران شربته البيت فيحتمل وجوها ثلاثة أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيبها وتضمخها وأن ترائبها صفر لذلك كما قال الاعشى

بيضاء ضحوتها وصفراء
العشية كالعرار

- والعرار - بهار البر وإنما أراد أنها تتضمخ بالعشى بالطيب فيصفرها ومثله لذى الرمة

بيضاء في دعج كحلاء في برج
كأنها فضة قد مسها ذهب

وقيل في بيت قيس بن الخطيم

فرأيت مثل الشمس عند طلوعها
في الحسن أو كدنوها لغروب
صفراء أعجلها الشباب لداتها
موسومة بالحسن غير قطوب

أي انها سبقت أقرانها.

ومثله قول ابن الرقيات لم تلتفت للداتها
فمضت على غلوائها(1)

(1) - البيت من جملة أبيات يقولها في أم البنين بنت عبدالعزيز بن مروان زوج الوليد بن عبدالملك وهي أصحوت عن أم البنين وذكرها وعنائها

وهجرتها هجر امرئ
لم يقل صفو صفائها
من خيفة الاعداء أن
يوهوا أديم صفائها
قرشية كالشمس أشرق
نورها ببهائها (*)

52

وجهان. أحدهما انه أراد انها تتطيب بالعنبر فتصفر لان الشمس تغيب صفراء الوجه. والآخر أراد المبالغة في الحسن لان الشمس أحسن ما تكون في وقتيها هذين ومن ذلك قول قيس بن الخطيم صفراء أعجلها الشباب لداتها ومثله للاعشى

إذا جردت يوما حسبت خميصة
عليها وجريال النضير الدلا مصا

- الخميصة - ثوب ناعم لين ناعم شبه به نعومة جسمها - والنضير - الذهب - والجريال - كل صبغ أحمر وإنما يعنى لون الطيب عليها - والدلامص - البراق فهذا وجه. والوجه الثانى أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقة لونها فعندهم أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشى إلى الصفرة.

قال على بن مهدى الاصفهانى قال لى أبى قال لى الجاحظ زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض وبالعشى إلى الصفرة واحتج في ذلك بقول الراجز قد علمت بيضاء صفراء الاصل

زادت على البيض الحسا
ن بحسنها ونقائها
لما أسبكرت للشبا
ب وقنعت بردائها
لم تلتفت للداتها
ومضت على غلوائها
لولا هوي أم البنين
وحاجتي للقائها
قد قربت لى بغلة
محبوسة لنجائها

ومعنى - مضت على غلوائها - أى مضت على أول شبابها يقال فعل ذلك في غلواء شبابه أي في أوله. قال الاعشى

إلا كنا شرة الذى ضيعتم
كالغصن في غلوائه المتنبت

وقيل الغلواء سرعة الشباب وحقيقته من الغلو وهو الارتفاع والتحدد ويقال مضي الرجل على غلوائه اذا ركب أمره وبلغ فيه غايته (*)


53

وزعم أن بيت ذى الرمة الذى أنشدناه من هذا المعنى وكذلك بيت الاعشى الذى أنشدناه والابيات محتملة للامرين فأما البيت الذى لايحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر

وقد خنقتها عبرة فدموعها
على خدها حمر وفى نحرها صفر

فأنها لاتكون صفرا في نحرها إلا لاجل الطيب. فأما قوله - على خدها حمر - فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدها.

والوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة فإن بشارا كثيرا مايشبب بامرأة صفراء كقوله

أصفراء لا أنسى هواك ولاودى
ولامامضى بينى وبينك من عهد
لقد كان مابينى زمانا وبينها
كما كان بين المسك والعنبر الورد

أى كما كان بين طيب المسك والعنبر وكقوله

أصفراء كان الود منك مباحا
ليالى كان الهجر منك مزاحا
وكان جوارى الحى إذ كنت فيهم
قباحا فلما غبت صرن ملاحا

وقد روى - ملاحا فلما غبت صرن قباحا - وقوله قباحا فلما غبت يشبه قول السيد بن محمد الحميرى

وإذا حضرن مع الملاح بمجلس
أبصرتهن وماقبحن قباحا

فأما قوله - من البيض لم تسرح سواما - فانه لايكون مناقضا لقوله صفراء وإن أراد بالصفرة لونها لان البياض ههنا ليس بعبارة عن اللون وإنما هو عبارة عن نقاء العرض وسلامته من الادناس والعرب لاتكاد تستعمل بيضاء إلا في هذا المعنى دون اللون لان البياض عندهم البرص ويقولون في الابيض الاحمر ومنه قول الشاعر

جاء‌ت به بيضاء تحمله
من عبد شمس صلتة الخد

ومثله بيض الوجوه.

فأما قول بشار في القطعة الثانية - وصفراء مثل الخيزرانة - فإنه يحتمل ما تقدم من الوجوه، وإن كان اللون الحقيقى خص بقوله كالخيزرانة لان الخيزران يضرب إلى الصفرة ويحتمل أيضا أن يريد بصفراء غير اللون الثابت ويكون قوله كالخيزرانة


54

أنها مثلها في التثنى والتعطف.

ولقد أحسن جران العود في قوله في المعنى الذى تقدم

كأن سبيكه صفراء صبت
عليها ثم ليث بهاالازار
برود العارضين كأن فاها
بعيد النوم مسك مستثار

(مجلس آخر 62)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون). فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى وهو مما لا يجوز في الحقيقة عليه وكيف خبر بأنه يمدهم في الطغيان والعمه وذلك بخلاف مذهبكم. الجواب قلنا في قوله تعالى (الله يستهزئ بهم) وجوه.

أولها أن يكون معنى الاستهزاء الذى أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئته إياهم في إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال وسمى الله تعالى ذلك استهزاء مجازا واتساعا كمايقول القائل إن فلانا ليستهزأ به منذ اليوم إذا فعل فعلا عابه الناس به وخطؤوه فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل وازراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به وإنما أقيم مقامه لتقارب مابينهما في المعنى لان الاستهزاء الحقيقى هو مايقصد به إلى عيب المستهزأ به والازراء عليه وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى اسم الاستهزاء عليه ويشهد بذلك قوله تعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمتعم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) ونحن نعلم أن الآيات لايصح عليها الاستهزاء ولاالسخرية في الحقيقة وإنما المعنى إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويزرى عليها والعرب قد تقيم الشئ مقام ماقاربه في معناه فتجرى عليه اسمه.

قال الشاعر

كم من أناس في نعيم عمروا
في ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدهر زمانا عنهم
ثم أبكاهم دما حين نطق

والسكوت والنطق على الحقيقة لايجوزان على الدهر وإنما شبه تركه الحال على ماهى عليه بالسكوت وشبه تغييره لها بالنطق وأنشد الفراء


55
إن دهرا يلف شملى بجمل
لزمان يهم بالاحسان

ومثل ذلك في الاستعارة لتقارب المعنى

سألتنى عن أناس هلكوا
شرب الدهر عليهم وأكل

وإنما أراد بالاكل والشرب الافساد لهم والتغيير لاحوالهم.

ومثله

يقر بعينى أن أرى باب دارها
وإن كان باب الدار يحسبنى جلدا

والجواب الثانى أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه تعالى أن يستدرجهم ويهلكهم من حيث لايعلمون ولايشعرون.

ويروى عن ابن عباس أنه قال في معنى استدراجه إياهم إنهم كانوا كلما أحدثوا خطيئة جدد لهم نعمة وإنما سمى هذا الفعل استهزاء من حيث غيب تعالى عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم كما أن المستهزئ منا المخادع لغيره يظهر أمرا ويظهر غيره.

فإن قيل على هذا الجواب فالمسألة قائمة وأى وجه لان يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك. قلنا ليس الهلاك ههنا هو الكفر وما أشبهه من المعاصى التى يستحق بها العقاب وإنما استدرجهم إلى الضرر والعقاب الذى استحقوه بماتقدم من كفرهم ولله تعالى أن يعاقب المستحق بما شاء أي وقت شاء فكأنه تعالى قال كفروا وبدلوا نعمة الله وعاندوا رسله لم يغير نعمه عليهم في الدنيا بل أبقاها لتكون متى نزعها عنهم وأبدلهم بها نقما تكون الحسرة منهم أعظم والضرر عليهم أكثر.

فإن قيل فهذا يؤدى إلى تجويز أن يكون بعض ماظاهرها ظاهر النعمة على الكفار مما لايستحق الله به الشكر عليهم. قلنا ليس يمتنع هذا فيمن استحق العقاب وإنما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على مايلزم مخالفينا ألا ترى أن الحياة وماجرى مجراها من حفظ التركيب والصحة لايعد على أهل النار نعمة وإن كان على أهل الجنة نعمة من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم.

والجواب الثالث أن يكون معنى استهزائه تعالى بهم أن جعل لهم بما أظهروه من موافقة أهل الايمان ظاهرا أحكامهم من نظره ومناكحة ومواريثه وموافقة وغيرذلك من الاحكام وإن كان تعالى معدا لهم في الآخرة أليم العقاب لماأبطنوه من النفاق واستهزؤا به من الكفر فكأنه تعالى قال إن كنتم أيها


56

المنافقون بماتظهرونه للمؤمنين من المتابعة والموافقة وتبطنونه من النفاق وتطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتهم بهم تظنون أنكم مستهزؤن فالله تعالى هو المستهزئ بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا حتى ظننتم أن لكم مالهم ثم ميز تعالى بينكم في الآخرة ودار الجزاء من حيث أناب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم وعاقب المنافقين وهذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثانى وإن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه.

والجواب الرابع أن يكون معنى ذلك أن الله هو الذى يرد استهزاء كم ومكركم عليكم وأن ضرر مافعلتموه لم يتعدكم ولم يحط بسواكم ونظير ذلك قول القائل إن فلانا أراد أن يخدعنى فخدعته وقصد إلى أن يمكر بى فمكرت به والمعنى أن ضرر خداعه ومكره عائد إليه ولم يضرنى به.

والجواب الخامس أن يكون المعنى أنه يجازبهم على استهزائهم فسما الجزاء على الذنب باسم الذنب والعرب تسمى الجزاء على الفعل باسمه قال الله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) الآية وقال (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به) والمبتدأ ليس بعقوبة.

وقال الشاعر

إلا لايجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا(1)

ومن شأن العرب أن تسمى الشئ باسم ما يقاربه ويشتد اختصاصه به وتعلقه به إذا انكشف المعنى وأمن الابهام وربما غلبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوة التعلق بينهما وشدة الاختصاص فيهم فمثال الاول قولهم للبعير الذى يحمل المزادة راوية وللمزادة المحمولة على البعير رواية فسموا البعير باسم مايحمل عليه.

قال الشاعر مشى الروايا بالمزاد الاثقل أراد الروايا الابل ومن ذلك قولهم صرعته الكأس فاستلبت عقله. قال الشاعر

ومازالت الكاس تغتالنا
وتذهب بالاول فالاول

والكأس هى ظرف الشراب والفعل الذى أضافوه إليها إنما هو مضاف إلى الشراب الذى يحل فيها لان العرب لاتقول الكأس إلا بما فيه من الشراب فكان الاناء الفارغ لايسمى

(1) - البيت من معلقة عمرو بن كلثوم (*)


57

كأسا وعلى هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل والتصريع وماجرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة لان الكأس على هذا القول اسم للاناء وما حله فيه من الشراب.

ومثال الوجه الثانى ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس قال الشاعر

أخذنا بافاق السماء عليكم
لنا قمراها والنجوم الطوالع

أراد لنا شمسها وقمرها فغلب.

ومنه قول الآخر

فقولا لاهل المكتين تحاشدوا
وسيروا إلى آطام يثرب والنخل

أراد - بمكتين - مكة والمدينة(1) وقال الآخر

فبصرة الازد منا والعراق لنا
والموصلان ومنا مصر والحرم

أراد - بالموصلين - الموصل والجزيرة.

وقال الآخر

نحن سبينا أمكم مقربا
يوم صبحنا الحيرتين المنون

أراد - الحيرة والكوفة - وقال آخر

إذا اجتمع العمران عمرو بن عامر
وبدر بن عمرو خلت ذبيان جوعا(2)

(1) ويقال القريتان لمكة والطائف وفسر به قوله تعالى (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ويقال أيضا الحرمان لمكة والمدينة والحيرتان للبصرة والكوفة

(2) قوله - اذا اجتمع العمران - الخ هما عمرو بن جابر بن هلال بن عقيل بن سمى ابن مازن بن فزارة وبدر بن عمرو بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة وهما روقا فزارة. والبيتان لفراد بن حنش الصاردى من بني الصارد بن مرة. قلت ومن هذا النوع قولهم سيرة العمرين لابى بكر وعمر رضى الله عنهما وقيل هما عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز رضى الله عنهما وهذا غلط قال معاذ الهراء لقد قيل سيرة العمرين قبل خلافة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى قال سيبويه أما قولهم أعطيكم سنة العمرين فانما أدخلوا الالف واللام عليهما وهما نكرة وكأنهما جعلا من أمة كل (8 - امالى رابع)


58
وألقوا مقاليد الامور إليهما
جميعا وكانوا كارهين وطوعا

أراد - بالعمرين - رجلين يقال لاحدهما عمرو وللآخر بدر وقد فسره الشاعر في البيت.

ومثله

جزانى الزهدمان جزاء سوء
وكنت المرء يجزى بالكرامة(1)

أراد - بالزهدمين - رجلين يقال لاحدهما زهدم وللآخر كردم فغلب وكل الذى ذكرناه يقوى هذا الجواب من جواز تسمية الجزاء على الذنب باسمه وتغليبه عليه للمقاربة والاختصاص التام بين الذنب والجزاء عليه.

والجواب السادس ماروى عن ابن عباس أنه قال يفتح لهم وهم في النار باب من الجنة فيقبلون إليه مسرعين حتى إذا انتهوا إليه سد عليهم فيضحك المؤمنون منهم إذا رأوا الابواب قد أغلقت عليهم ولذلك قال تعالى (فاليوم الذين آمنوامن الكفار يضحكون على الارائك ينظرون).

فإن قيل فأى فائدة في هذا الوجه وما وجه الحكمة فيه. قلنا وجه الحكمة فيه ظاهر لان ذلك أغلظ في نفوسهم وأعظم في مكروهم وهو ضرب من العقاب الذى يستحقونه بأفعالهم القبيحة

واحد منهما عمر واختصا كما اختص النجم بهذا الاسم فصار بمنزلة النسرين اذا كنت تعنى النجمين وبمنزلة الغريين المشهورين بالكوفة اه

‍(1) وبعده
وقد دافعت قد علمت معد
بنى قرظ وعمهما قدامه
ركبت بهم طريق الحق حتى
أتيتهم بها مائة ظلامة

والابيات لقيس بن زهير والزهدمان هما زهدم وكردم أبنا حزن العبسيان. ومعنى جزائهما لقيس بن زهير انهما يوم شعب جبلة لما أنهزم حاجب بن زرارة تبعاه فجعلا يطردانه ويقولون له استأسر فيقول من أنتما فيقولان الزهدمان فيقول لا أستأسر لموليين فاستأسر لمالك ذى الرقبية فاستغاثا بقيس بن زهير فنازع ذال الرقيبة فحكموا حاجبا فقال أما من ردني عن قصدى الفزهدمان واما الذى استأسرت له فمالك فحكموني في نفسى فحكموه فقال أما مالك فله ألف ناقة وللزهدمين مائه ثم وقعت بين قيس والزهدمين مغاضبة فقال الابيات (*)


59

لان من طمع في النجاة والخلاص من المكروه واشتد حرصه على ذلك ثم حيل بينه وبين الفرج ورد إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب ما لاطريق للطمع عليه.

فإن قيل فعلى هذا الجواب ماالفعل الذى هو الاستهزاء. قلنا في ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء من حيث كان أظهار لما المراد خلافه وإن لم يكن من معنى الاستهزاء ما يقتضى قبحه من اللهو واللعب وما جرى مجرى ذلك.

والجواب السابع أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة لكنه سماه بذلك ليزدوج اللفظ ويخف على اللسان وللعرب في ذلك عادة معروفة في كلامها والشواهد عليه مذكورة مشهورة وهذه الوجوه التى ذكرناها في الآية يمكن أن تذكر في قوله تعالى (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وفى قوله (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) فليتأمل ذلك.

وأما قوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) فيحتمل وجهين. أحدهما أن يريد أنى أملى لهم في العمر وأملهم ليؤمنوا ويطيعوا وهم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم وعمههم. والوجه الآخر أن يريد بيمدهم أن يتركهم من فوائده ومنحه التى يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم ويمنعها من الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم وتنويره لقلوبهم وكل هذا واضح بحمدالله. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وإني لاستحسن لبعض الاعراب قوله

خليلى هل يشفي من الشوق والجوى
يد وذرى الاوطان لابل يشوقها
ويزداد في قرب إليها صبابة
ويبعد من فرط اشتياق طريقها
وماينفع الحران ذا اللوح أن يرى
حياض القرى مملوء‌ة لايذوقها

ولآخر في تذكرالاوطان والحنين إليها

ألا قل لدار بين أكثبة الحمى
وذات الغضا جادت عليك الهواضب
أجدك لا آتيك إلا تقلبت
دموع أضاعت ما حفظت سواكب
ديار تناسمت الهواء بجوها
وطاوعنى فيها الهوى والحبائب

60
ليالى لا الهجران محتكم بها
على وصل من أهوى ولاالظن كاذب

وأنشد أبونصر صاحب الاصمعى لاعرابى

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة
باكناف نجد وهى خضر متونها
وهل أشربن الدهر من ماء مزنة
بحرة ليلى حيث فاض معينها
بلاد بها كنا نحل فأصبحت
خلاء وترعاها مع الادم عينها
تفيأت فيها بالشباب وبالصبي
تميل بما أهوى على غصونها

وأنشد الاصمعى لصدقة بن نافع الغنوى

ألا ليت شعرى هل تحنن ناقتى
ببيضاء نجد حيث كان مسيرها
فتلك بلاد حبب الله أهلها
إلي وإن لم يعط نصفا أميرها
بلاد بها أنصبت راحلة الصبى
ولانت لنا أيامها وشهورها
فقدنا بها الهم المكدر شربه
ودار علينا بالنعيم سرورها

وأنشد أبومحلم لسوار بن المضرب

سقى الله اليمامة من بلاد
نوافحها كأرواح الغوانى
وجو زاهر للريح فيه
نسيم لايروع الترب واني
بها سقت الشباب إلى مشيب
يقبح عندنا حسن الزمان

وأنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلى

إلا يا حبذا جنبات سلمى
وجاد رياضها جون السحاب
خلعت بها العذار ونلت فيها
مناى بطاعة أو باغتصاب
أسوم بباطلى طلبات لهوى
ويعذرنى بها عصر الشباب

61

فكل هؤلاء على ماترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى إلاوطان مالبسوه فيها من ثياب الشباب واستظلوه من ظله وأنضوه من رواحله وأنه كان يعذرهم ويحسن قبأئحهم فعلى أى شئ يغلوا الناس في قول ابن الرومى

وحبب أوطان الرجال إليهم
مآرب قضاها الشباب هنا لكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا

ويزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه وكشف عن هذا المعنى مستورا ووسم غفلا وقوله وإن كان جيد المعنى سليم اللفظ فلم يزد فيه على من تقدم ولا أبدع بل اتبع ولكن الجيد إذا ورد ممن يعهد منه الردئ كثر استحسانه وزاد استطرافه.

ولقد أحسن البحترى في قوله في هذا المعنى

فسقى الغضى والنازليه وإن هم
شبوه بين جوانح وقلوب(1)
وقصار أيام به سرقت لنا
حسناتها من كاشح ورقيب
خضر تساقطها الصبا فكأنها
ورق يساقطه إهتزاز قضيب
كانت فنون بطالة فتقطعت
عن هجر غايته ووصل مشيب

وأحسن في قوله

سقى الله أخلافا من الدهر رطبة
سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق
ليال سرقناها من الدهر بعد ما
إضاء باصباح من الشيب مفرق

(1) - الغضا - شجر معروف واحدته غضاة وأرض غضيانة كثيرته. وفي البيت استخدام فانه أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنيه المكان وهو أرض لبنى كلاب وواد بنجد وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار أي أوقدوا في جوانحه نار الغضا يعنى نار الهوى التى تشبه نار الغضا وخص الغضا دون غيره لان جمره بطئ الانطفاء وفى بعض الروايات وضلوعي بدل وقلوب وهي غلط (*)


62
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى
بماء الربي من بات بالريق يشرق

ولابى تمام في هذاالمعنى مالايقصر عن إحسان وهو

سلام ترجف الاحشاء منه
على الحسن ابن وهب والعراق
على البلد الحبيب إلى غورا
ونجدا والاخ العذب المذاق
ليالى نحن في وسنات عيش
كأن الدهر عنا في وثاق
وأيام له ولنا لدان
غفينا في حواشيها الرفاق(1)
كأن العهد عن عفر لدينا
وإن كان التلاقى عن تلاق

(1) وفي نسخة غنينا في حواشيها الرقاق وفي ديوانه عربنا من حواشيها الرقاق (*)

(مجلس آخر 63)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو) الآية. فقال كيف خاطب آدم وحواء عليهما السلام بخطاب الجمع وهما اثنان وكيف نسب بينهما العداوة وأى عداوة كانت بينهما. الجواب قلنا قد ذكر في هذ الآية وجوه.

أولها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء وذريتهما لان الوالدين يدلان على الذرية ويتعلق بهما ويقوى ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم وإسماعيل عليهم السلام (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك).

وثانيها أن يكون الخطاب لآدم وحواء عليهما السلام ولابليس اللعين وأن يكون الجميع مشتركين في الامر بالهبوط وليس لاحد أن يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لابليس ذكر في قوله تعالى (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) لانه وإن لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره في قوله تعالى (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) فجائز أن يعود


63

الخطاب على الجميع.

وثالثها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء عليهما السلام والحية التى كانت معهما على ما روى عن كثير من المفسرين ففى هذا الوجه بعد من قبل أن خطاب من لايفهم الخطاب لايحسن فلابد من أن يكون قبيحا اللهم إلا أن يقال إنه لم يكن هناك قول في الحقيقة ولا خطاب وإنما كنى تعالى عن إهباطه لهم بالقول كما يقول أحدنا قلت فلقيت الامير وقلت فضربت زيدا وإنما يخبر عن الفعل دون القول وهذا خلاف الظاهر وإن كان مستعملا وفى هذا الوجه بعد من وجه آخر وهو أن لم يتقدم للحية ذكر في نص القرآن والكناية عن غير مذكور لاتحسن إلا بحيث لايقع لبس ولايسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنى عنه حتى يكون ذكره كترك ذكره في البيان عن المعنى المقصود مثل قوله تعالى (حتى توارت بالحجاب. وكل من عليها فان) ومثل قول الشاعر

أماوى مايغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر(1)

فأما بحيث لايكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.

ورابعها أن يكون الخطاب يخص آدم وحواء عليهما السلام وخاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب في ذلك

(1) - قوله - اذا حشرجت - الخ فاعل حشرجت ضمير يعود على النفس ولم يتقدم ذكرها وذلك جائز لعلم المعنى من السياق ومثله قوله تعالى (كلا اذا بلغت التراقى) فان النفس لم يتقدم لها ذكر ولكن المعنى واضح. والبيت من قصيدة لحاتم الطائي يخاطب إمرأته ماوية ومطلعها

أماوي قد طال التجنب والهجر
وقد عذرتنى في طلابكم الهجر
أماوى ان المال غاد ورائح
ويبقى من المال الاحاديث والذكر
ومنها أماوى إن يصبح صداي بقفرة
من الارض لاماء لدي ولاخمر
ترى ان ما أنفقت لم يك ضائرى
وان يدي مما بخلت به صفر
أماوى انى رب واحد أمه
أخذت فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الاقوام لو أن حاتما
أراد ثراء المال كان له وفر (*)

64

لان التثنية أول الجمع قال الله تعالى (إذانفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) أراد تعالى وكنا لحكم داود وسليما عليهما السلام وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى (فإن كان له إخوة) على معنى فان كان له أخوان.

قال الراعى

أخليد إن أباك ضاف وساده
همان باتا جنبة ودخيلا

أى داخلا في القلب

طرقا فتلك هما همى أقريهما
قلصا لواقح كالقسى وحولا

فعبر بالهماهم وهى بمعنى الهموم وهما اثنان.

فإن قيل فما معنى الهبوط الذى أمروا به. قلنا أكثر المفسرين على أن الهبوط هو النزول من السماء إلى الارض وليس في ظاهر القرآن مايوجب ذلك لان الهبوط كمايكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول في المكان والنزول به قال الله تعالى (اهبطوا مصر فان لكم ماسألتم) ويقول القائل من العرب هبطنا بلد كذا وكذا يريد حللنا.

قال زهير

مازلت أزمقهم إذا هبطت
أيدى المطى بهم من راكس فلقا

فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط الخروج من المكان وحلول غيره ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط معنى المسافة بل الانحطاط من منزلة إلى دونها كما يقولون قد هبط عن منزلته ونزل عن مكانه اذا كان على رتبة فانحط إلى دونها.

فإن قيل فما معنى قوله (بعضكم لبعض عدو). قلنا أما عداوة إبليس لآدم وذريته فمعروفة مشهورة وأما عداوة آدم عليه السلام والمؤمنين من ذريته لابليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار أى المارقين عن طاعة الله تعالى المستحقين لمقته وعداوته وعداوة الحية على الوجه الذى تضمن إدخالها في الخطاب لبنى آدم معروفة ولذلك يحذرهم منها ويجنبهم فأما على الوجه الذى يتضمن أن الخطاب اختص آدم وحواء دون غيرهما فيجب أن يحمل قوله تعالى (بعضكم لبعض عدو) على أن المراد به الذرية كأنه قال تعالى (اهبطوا) وقد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا وعلق الخطاب بهما


65

للاختصاص بين الذرية وبين أصلها.

فإن قيل أليس ظاهر القرآن إهبطوا يقتضى الامر بالمعاداة كما أنه أمر بالهبوط وهذا يوجب أن يكون تعالى أمرا بالقبيح على وجه لان معاداة إبليس لآدم عليه السلام قبيحة ومعاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك. قلنا ليس يقتضى الظاهر ما ظننتموه وإنما يقتضى أنه أمرهم بالهبوط في حال عداوة بعضهم بعضا فالامر مختص بالهبوط والعداوة تجرى مجرى الحال وهذا له نظائر كثيرة في كلام العرب ويجرى مجرى هذه الآية في أن المراد بها الحال قوله (إنما يريدالله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهو كافرون) وليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم وإزهاق نفوسهم بل أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم وكذلك القول في الامر بالهبوط وهذابين.

[ قال الشريف ] المرتضى رضي الله عنه ومن مستحسن تمدح السادات الكرام قول الشاعر

ويل ام قوم غدوا عنكم لطيتهم
لايكتنون غداة العل والنهل
صدأ السرابيل لاتوكى مقانبهم
عجر البطون ولاتطوى على الفضل

قوله - ويل أم قوم - من الزجر المحمود الذى لا يقصد به الشر مثل قولهم قاتل الله فلانا ما أشجعه وأبرحه ما أسمحه.

وقد قيل في قول جميل

رمى الله في عينى بثينة بالقذى
وفى الغر من أنيابها بالقوادح(1)

(1) قوله - رمى الله في عينى بثينة بالقذى - الخ. قيل معناه سبحان الله ما أحسن عينيها ومن ذلك قولهم قاتل الله فلانا ما أشجعه - وأنياب القوم - ساداتهم أى رمي الله الفساد والهلاك في سادات قومها لانهم حالوا بينها وبين زيارتي واستحسن بعضهم أن يقال أراد بالعينين رقيبيها وبالغر من أنيابها كرام ذويها وعشرتها والمعنى أفناهم الله وأراهم المنكرات فهو في الظاهر يشتمها وفي النية يشتم من يتأذى به فيها ويقال هم أنياب الخلافة للمدافعين عنها. وقيل أراد بلغها الله أقصى غايات العمر حتى تبطل عواملها وحواسها فالدعاء على هذا لها لاعليها. وقوله - بالقذى - الباء زائدة والقذي كل ماوقع في العينين من (9 - امالى رابع) (*)


66

إنه أراد هذا المعنى بعينه وقيل إنه دعا لها بالهرم وعلو السن لان الكبير يكثر قذى عينيه وتتهتم أسنانه. وقيل إنه أراد بعينيها رقيبيها وبغر أنيابها سادات قومها ووجوههم والاول أشبه بطريقة القوم وإن كان القول محتملا للكل. فأما قوله - لايكتنون غداة العل والنهل - فاراد أنهم ليسوا برعاة يسقون الابل بل لهم من يخدمهم ويكفيهم ويرعى إبلهم وإنما يكتنى ويرتجز على الدلو السقاة والرعاة فيه وجه آخر قيل إنهم يسامحون شريبهم ويؤثرونه بالسقى قبل أموالهم ولايضنون عليه ولايكتنون وهذا من الكرم والتفضل لامن الضعف. وقيل أيضا بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه لانها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء والتعريف وقال قوم في قوله يكتنون إنه اراد كنت يده تكتن إذا خشنت من العمل فيقول ليسوا أهل مهنة فتكنن أيديهم فتخشن من العمل بل لهم عبيد يكفونهم ذلك. وقوله - صدأ

شئ يؤذيها كالتراب والعود ونحوهما. وقوله - وفي الغر - الخ معطوف علي قوله في عينى وهو جمع أغر وغراء أراد رمي الله في أنيابها الحسان النقية البياض القوادح فالباء زائدة أيضا وانياب جمع ناب وهى السن - والقوادح - جمع قادح وهو السواد الذي يظهر في الاسنان فالاسنان تتأكل منه.

ويدفع في صدر ما تقدم ما روى ان جميلا لقى بثينة بعد تهاجر بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا فقالت له ويحك يا جميل أتزعم انك تهواني وأنت الذى تقول رمي الله في عينى بثينة بالقذى البيت فأطرق طويلا يبكي ثم قال

ألا ليتنى أعمى أصم تقودني
بثينة لايخفى على كلامها

وروى أيضا ان كثيرا قال وقفت على جماعة يفيضون في وفي جميل أينا أصدق عشقا ولم يكونوا يعرفوني ففضلوا جميلا فقلت لهم ظلمتم كثيرا كيف يكون جميل أصدق منه وحين أتاه من بثينة ما يكره قال رمى الله في عينى بثينة بالقذى البيت وكثير حين أتاه من عزة ما يكره قال

هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما استحلت

فما انصرفوا الا على تفضيلى وهذا يدل على أن جميلا دعا عليها حقيقة اه‍ (*)


67

السرابيل - فإنما أراد بهم طول حملهم للسلاح ولبسهم له - والمقانب - هى الاوعية التى يكون فيها الزاد فكأنه يقول إذا سافروا لم يشدوا الاوعية على مافيها وأطعموا أهل الرفقة وهذه كناية عن الاطعام وبذل الزاد مليحة - وعجز البطون - من صفات المقانب أراد أنها لاتوكى عجر البطون ولاتطوى على فضل الزاد.

ولبعض شعراء بنى أسد وأحسن غاية الاحسان

رأت صرمة لابنى عبيد تمنعت
من الحق لم توزل بحق إفالها
فقالت ألا تغذو فصالك هكذا
فقلت أبت ضيفانها وعيالها
فما حلبت إلا الثلاثة والثنى
ولا قيلت إلا قريبا مقالها
حدابير من كل العيال كأنها
أناضى شقر حل عنها جلالها

شكى هذا الشاعر من امرأته وحكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط في حمالة ولم تعقر في حق ولم تحلب لضيف ولاجار فهى سمان. وقوله - لم توزل إفالها - فالافال الصغار وتوزل من الازل وهو الضيق في العيش والشدة فيقول فصال هؤلاء سمان لم تلق بؤسا لان ألبان أمهاتها موفورة عليها.

وحكى عن امرأته أنها تقول أغذ أنت فصالك هكذا فقال لها تأبى ذلك الحقوق وعيالها وهم الجيران والضيفان ثم أخبر أنه لم يلتفت إلى لومها وأن الابلماحلبت بعد مقالتها إلا مرتين أو ثلاث ولاقيلت من القائلة إلا بقرب البيوت حتى نحرها ووهبها - والحدابير - المهازيل وإنما يعنى فصاله وهزالها من أجل أنها لاتسقى الالبان وتعقر أمهاتها - وأناضى - جمع نضو فشبه فصاله من هزالها بانضاء خيل شقر.

وقوله - حدابير من كل العيال - فيه معنى حسن لانه أراد أنها من بين جميع العيال مهازيل وهذا تأكيد لان سبب هزالها هو الايثار بألبانها واختصت بالهزال من بين كل العيال والعيال ههنا هم الجيران والضيفان وإنما جعلهم عيالا لان كرمه وجوده قد ألزمه مودتهم فصاروا كأخص عياله.

ومثل ذلك قول الشاعر

تعيرني الحظلان أم محلم
فقلت لها لم تقذ فينى بدائيا

68
فإنى رأيت الصامرين متاعهم
يذم ويفنى فارضخى من وعائيا(1)
فلم تجدينى في المعيشة عاجزا
ولاحصر ما خبا شديدا وكائيا

- الحظلان - الممسكون البخلاء والحظل الامساك - وأم محلم - امرأته. ومعنى قوله تعيرنى الحظلان أى بالحظلان تقول مالك لاتكون مثل هؤلاء الذين يحفظون أموالهم - والصامرون - أيضا البخلاء فقال لها رأيت البخلاء يضنون بما عندهم وهو يفنى ويبقى الذم فارضخى من وعائى وهذا مثل أى أعطى الناس مما عندى وهو من قولك وضخ له بشئ من عطيته - والحصرم - الممسك تقول العرب حصرم قوسك أى شدد وترها. وقوله - فلم تجدينى في المعيشة عاجزا - أى أنا صاحب غارات أفيد واستفيد وأتلف وأخلف فلا تخافى الفقر.

وقال مسكين الدارمى

أصبحت عاذلتى معتلة
قرما أم هى وحمى للصخب
أصبحت تتفل في شحم الذرى
وتظن اللوم درا ينتهب
لاتلمها إنها من نسوة
ملحها موضوعة فوق الركب

يقول إنها تكثر لومى وكأنها قرمة إلى اللوم كقرم الانسان إلى اللحم وهى وحمى تشتهى الصخب - والوحم - شدة شهوة الطعام عند الحمل - وشحم الذرى - الاسنمة وأراد تتفل فيها أنها تعوذ ابلى لتزينها في عينى ولتعظم قدرها فلا أهب منها ولا أنحر ثم أخبر أن أصلها من الزنج - والملح - الشحم وشحم الزنج(2) يكون على أوراكهم.

وأكفالهم وأنشد أبوالعباس محمدبن يزيد

(1) قوله - فاني رأيت الصامرين - الخ الصامرون الباخلون أراد الصامرون بمناعهم. وروى يموت بدل يذم أي يموتون وهذا من اعادة ضمير المفرد على الجمع. وقال يعقوب الحظلان مشي الغضبان

(2) قوله - وشحم الزنج - الخ هذا تفسير الاصمعى. وقال أبوعمرو الشيباني (*)


69
أيا أبنة عبدالله وابنة مالك
ويا أبنة ذى البردين والفرس النهد(1)
إذا ما صنعت الزاد فالتمسى له
أكيلا فإنى لست آكله وحدى
قصيا كريما أو قريبا فإننى
أخاف مذمات الاحاديث من بعدى(2)

ملحها موضوعة فوق الركب * أي انها بخيلة تضع ملحها فوق ركبتيها فهي تأمرني بذلك.

وقال غيرهما من اللغويين. قوله ملحها موضوعة فوق الركب أي انها سريعة الغضب يقال للسريع الغضب ملحه فوق ركبتيه وكذا غضبه على طرف أنفه

(1) - غنى بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة وانما لقب ذا البردين لان وفود العرب اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء فاخرج بردى محرق وقال ليقم أعز العرب فبيلة فاليلبسهما فقام عامر المذكور فأتزر بأحدهما وتردى بالآخر فقال له النعمان أنت أعز العرب قبيلة قال العز والعدد في معد ثم في نزار ثم في مضر ثم في خندف ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة فمن أنكر هذا في العرب فلينافرني فسكت الناس فقال النعمان هذه عشيرتك فكيف أنت كما تزعم في نفسك وأهل بيتك فقال أنا أبوعشرة وعم عشرة وخال عشرة وأما أنا في نفسي فهذا شاهدى ثم وضع قدمه في الارض وقال من أزالها عن مكانها فله مائة من الابل. وقوله - والفرس - النهد ويروي الورد والورد هو بين الكميت والاشقر.

والمراد بابنة عبدالله نفوسة بنت زيد الفوارس الضبى وكان قيس بن عاصم المنقري رضى الله عنه تزوجها فأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام فقال أين أكيلى فلم تعلم ما يقول حتي قال الابيات فارسلت جارية لها تطلب له أكيلا - الاكيل - المؤاكل كالنديم المنادم والشريب المشارب والجليس المجالس ولا يطلق الا على من تكرر منه ذلك لا من وقع ذلك منه مرة وانما نكره ولم يقل أكيلى لانه عرف بمؤاكلته عدة فأراد واحدا منهم قاله التبريزى والمرزوقى.

(2) قوله - قصيا كريما - الخ روى بدلهما. أخا طارقا أو جار بيت فانني.. الخ. وقوله أخا بدل من أكيلا - والمذمة - بالفتح الذم وروى بعد (*)


70
وإنى لعبد الضيف مادام نازلا
وما من صفاتى غير هاشيم العبد

قال أبوالعباس استثنى الكرم من القصى البعيد ولم يستثنه في القريب لان أهله جميعا عنده كرام وأراد بقوله - عبد الضيف - أنه يخدم الضيف هوبنفسه لايرضى له بخدمة عبده.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ويشبه ذلك القول المقنع الكندى وإنى لعبد الضيف مادام نازلا * وما لى سواها خلة تشبه العبدا(1)

هذا البيت بيتان وهما

وكيف يسيغ المرء زادا وجاره
خفيف المعا بادى الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل
يلاحظ أطراف الاكيل على عمد

وقيل ان هذه الابيات لحاتم الطائي والصحيح انها لقيس بن عاصم كما تقدم

(1) - أول القطعة التى منها هذا البيت.
يعاتبنى في الدين قومى وانما
ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
ألم ير قومي كيف أوسر مرة
وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادنى إلا سناء ورفعة
وما زادني فضل الغنى منهم بعدا
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا
ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفى جفنة ما يغلق الباب دونها
مكللة لحما مدفقة ثردا
وفى فرس نهد عتيق جعلته
حجبا لبيتى ثم أخدمته عبدا
وان الذى بينى وبين بني أبى
وبين بني عمى لمختلف جدا
أراهم إلى نصرى بظاء وإن هم
دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
اذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم
وإن يهدموا مجدى بنيت لهم مجدا
وان ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
وان هم هووا غيبي هويت لهم رشدا
وان ترجروا طيرا بنحس تمربي
زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالى ان تتابع لى غنى
وان قل مالي لا أكلفهم رفدا
وانى لعبد الضيف مادام نازلا
وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا (*)

71

وإنما اشترط في كونه عبدا للضيف في البيت الاول والثانى ثواء‌ه ونزوله مؤثرا له ليعلم أن الخدمة لم تكن لضعة وصغر قدر بل انما يوجبه الكرام من حق الاضياف وانه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا ولوقال وإنى لعبد الضيف ولم يشرط لم يحصل هذا المعنى الجليل

(مجلس آخر 64)

( تأويله آية )

إن سأل سائل فقال بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة وزعم أن المكلف يؤمر بما لايقدر عليه ولايستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى (أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلايستطعيون سبيلا) وان الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للامر الذى هم غير فاعلين له وأن القدرة مع الفعل وإذا تعلق بقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام (إنك لن تستطيع معى صبرا) وأنه نفى كونه قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر وهذا يوجب أن القدرة مع الفعل وبقوله تعالى (ماكانوا يستطيعون السمع وماكانوا يبصرون).

الجواب يقال له أول مانقوله إن المخالف لنا في هذا الباب في الاستطاعة لايصح له فيه التعلق بالسمع لان مذهبه لايسلم معه صحة السمع ولايتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته وإنما قلنا ذلك لان من جوز تكليف الله تعالى الكافر الايمان وهو لايقدر عليه لايمكنه العلم نفى القبائح عن الله عز وجل وإذا لم يمكنه ذلك فلابد من أن يلزمه تجويز القبائح في أفعاله تعالى وأخباره ولايأمن أن يرسل كذابا وأن يخبر وهو بالكذب تعالى عن ذلك فالسمع إن كان كلامه قدح في حجته تجويز الكذب عليه وإن كان كلام رسوله عليه السلام قدح فيه مايلزمه من تجويز تصديق الكذاب وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه وليس لهم أن يقولوا إن أمره تعالى الكافر بالايمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر


72

فيه من قبل نفسه لانه تشاغل بالكفر وترك الايمان وإنما كان يبطل تعلقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه على وجه يقبح وذلك لانما قالوه إذا لم يؤثر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لايطاق لم يؤثر في نفى ما ألزمناه عنهم ولانه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لايقبح منه وليس قولهم إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشئ يعتمد بل يجرى مجرى قول من جوز عليه تعالى أن يكذب ويكون الكذب منه تعالى حسنا ويدعى من ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول إننى لم أضف إليه تعالى قبيحا فيلزمنى إفساد طريقة السمع فلما كان من ذكرناه لاعذر في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.

ونعود إلى تأويل الآى أما قوله تعالى (انظر كيف ضربوا) الآية فليس فيه ذكر للشئ الذى يقدرون عليه ولابيان له وإنما كان يصح ماقالوه لو بين أنهم لايستطيعون سبيلا إلى أمر معين فأما اذا لم يكن ذلك كذلك فلا متعلق لهم.

فإن قيل فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم فيجب أن يكون المراد بقوله (فلا يستطيعون سبيلا) إلى مفارقة الضلال. قلنا إنه تعالى كما ذكرالضلال فقد ذكر ضرب المثل فيجوز أن يريد أنهم لايستطيعون سبيلا إلى تحقيق ماضربوه من الامثال اذ ذلك غير مقدور على الحقيقة ولامستطاع والظاهر أن هذا الوجه أولى لانه عزوجل حكى أنهم ضربوا له الامثال وجعل ضلالهم وأنهم لايستطيعون السبيل متعلقا بما تقدم ذكره وظاهر ذلك يوجب رجوع الامرين جميعا إليه وأنهم ضلوا بضرب المثل وأنهم لايستطيعون سبيلا إلى تحقيق ماضربوه من المثل على أنه تعالى أخبرنا بأنهم ضلوا وظاهر ذلك الاخبار عن ماضى فعلهم فان كان قوله تعالى (فلايستطيعون سبيلا) يرجع إليه فيجب أن يدل على أنهم لايقدرون على ترك الماضى وهذا مما لاتخالف فيه وليس فيه ما نأباه من أنهم لايقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه وتعذر تركه بعد فإذا لم يكن للآية ظاهر فلم صاروا بأن يحملوا نفى الاستطاعة على أمر كلفوه باولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلفوه أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم ولو جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا إنه لا يستطيعه ولايقدر عليه ولايتمكن منه ألا ترى


73

أنهم يقولون ان فلانا لايستطيع أن يكلم فلانا ولاينظر إليه وما أشبه ذلك وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.

فإن قيل فإذا كان لاظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم. قلنا قد ذكر أبوعلى أن المراد أنهم لايستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا لانهم ضربوا الامثال ظنا منهم بأن ذلك يبين كذبه فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع لانه تكذيب صادق وإبطال حق مما لايتعلق به قدرة ولاتتناوله استطاعة وقد ذكر أبوهاشم أن المراد بالآية أنهم لاجل ضلالهم بضرب الامثال وكفرهم لايستطيعون سبيلا إلى الخير الذى هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب. وليس يمكن على هذا أن يقال كيف لايستطيعون سبيلا إلي الخير الهدى وهم عندكم قادرون على الايمان والتوبة ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب لان المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لاسبيل لهم إلى خير وهدى وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بان يفارقوا ماهم عليه. وقد يمكن أيضا في معنى الآية ماتقدم ذكره من أن المراد بنفى الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للايمان وقد يخبر عمن استثقل شيئا بأنه لايستطيعه على ماتقدم ذكره.

فأما قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام (إنك لن تستطيع معى صبرا) فظاهره يقتضى أنك لاتستطيع ذلك في المستقبل ولايدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال وأن يفعله في الثانى وقد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ماهو في الحال مستطيع له غير أن الآية تقتضى خلاف ذلك لانه قد صبر على المسألة أوقاتا ولم يصبر عنها في جميع الاحوال فلم ينتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الاوقات المستقبلة على أن المراد بذلك واضح وأنه خبر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف ولا يقف عليه لان مثل ذلك يصعب على النفس ولهذا يجد أحدنا إذا وجد بين يديه ماينكره ويستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه والبحث عن حقيقة ويثقل عليه الكف عن الفحص عن أمره فلما حدث من صاحب موسى عليه السلام مايستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك ويشهد بهذا الوجه قوله تعالى (وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا) فبين تعالى أن العلة في قلة صبره ماذكرناه دون غيره ولو كان على ماظنوه لوجب أن يقول وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر.

فأما قوله(10 - امالى رابع)


74

تعالى (ماكانوا يستطيعون السمع) فلاتعلق لهم بظاهره لان السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا لان الادراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى ولوثبت أنه معنى على مايقوله أبوعلى لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختص اختص تعالى بالقدرة عليه هذا إن أريد السمع الادراك وإن أريد به نفس الحاسة فهى أيضا غير مقدورة للعباد لان الجواهر وماتختص به الحواس من البنية والمعانى لايصح بها الادراك فانه مما ينفرد به القديم تعالى في القدرة عليه فالظاهر لاحجة لهم فيه.

فإن قالوا فلعل المراد بالسمع كونهم سامعين كأنه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا. قلنا: هذا خلاف الظاهر ولوثبت أن المراد ذلك لحملنا نفى الاستطاعة على ماتقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة كما يقول القائل فلان لايستطيع أن يرانى ولايقدر على أن يكلمنى وما أشبه ذلك وهذا بين لمن تأمله [ تأويل خبر ].

إن سأل سائل فقال ماتأويل مارواه بشار عن معاوية بن الحكم قال قلت يارسول الله كانت لى جارية ترعي غنما لى قبل أحد فذهب الذئب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني غضبت فصككتها صكة قال فعظم ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم قال قلت يارسول الله أفلا أعتقها قال ائتنى بها فأتيته بها فقال عليه الصلاة والسلام أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام أعتقها فإنها مؤمنة. الجواب أما قوله - أنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون - فمعناه أغضب كمايغضبون.

قال محمد بن الحبيب وأنشد للراعي

فما لحقتنى العيس حتى وجدتنى
أسيفا على حاديهم المتجرد

والاسف أيضا الحزن.

قال ابن الاعرابى الاسف الحزن والغضب قال كعب في كل يوم أرى فيه منيتة * تكاد تسقط منى منة أسفا وقوله - ولكنى غضبت فصككتها - أراد لطمتها يقال صك جبهته إذا لطمها بيده قال الله تعالى (فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها).

وقال بشربن أبى خازم يصف حمار وحش وأتانا

فيصك محجره إذا ماسافها
وجبينه بحوافر لم تنكب

75

- سافها - أى شمها. وقولها - في السماء - فالسماء هى الارتفاع والعلو فمعنى ذلك أنه تعالى عال في قدرته وعزيز في سلطانه لايبلغ ولايدرك ويقال سما فلان يسموا سموا إذا ارتفع شأنه علا أمره وقال تعالى (أء‌منتم من في السماء أن يخسف بكم الارض) الآية فأخبر تعالى بقدرته وسلطانه وعلو شأنه ونفاذ أمره. وقد قبل في قوله تعالى (أء‌منتم من في السماء) غير هذا وأن المراد أء‌منتم من في السماء أى أمره وآياته وقدرته ورزقه وماجرى مجرى ذلك.

وقال أمية بن أبى الصلت شاهدا لما تقدم

وأشهد أن الله لاشئ فوقه
عليا وأمسى ذكره متعاليا

وقال سليمان بن يزيد العدوى

لك الحمد ياذا الطول والملك والغنى
تعاليت محمودا كريما وجازيا
علوت على قرب بعز وقدرة
وكنت قريبا في دنوك عاليا

والسماء أيضا سقف البيت ومنه قوله تعالى (من كان يظن أن لن ينصره الله) الآية وقال ابن الاعرابى يقال لاعلى البيت سماء البيت وسماواته وسراته وصهوته والسماء إيضا المطر قال الله تعالى (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) ومنه الحديث الذى رواه أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل عليه الصلاة والسلام يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ماهذا ياصاحب البر قال أصابته السماء يارسول الله قال صلى الله عليه وسلم أولا جعلته فوق الطعام يراه الناس من غش فليس منا.

وقال مثقب العبدى

فلما أتانى والسماء تبله
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا

ويقال أيضا لظهر الفرس سماء كما يقال في لحوافره أرض. ولبعضهم في فرس وأحمر كالدينار أما سماؤه * فخصب وأما أرضه فمحول(1) وإنما أراد أنه سمين الاعلى عريان القوائم ممشوقها وكل معانى السماء التى تتصرف وتتنوع

(1) - البيت لطفيل الغنوي. وقال الراغب كل سماء بالاضافة إلى مادونها فسماء وبالاضافة إلى مافوقها فارض الا السماء الدنيا فانها سماء بلا أرض (*)


76

ترجع إلى معنى الارتفاع والعلو والسمو وإن اختلفت المواضع التى أجريت هذه اللفضة فيها وأولى المعانى بالخبر الذى سئلنا عنه ما تقدم من معنى العزة وعلو الشأن والسلطان وما عدا ذلك من المعانى لايليق به تعالى وأن العلو بالمسافة لايجوز على القديم تعالى الذى ليس بجسم ولاجوهر ولاحال فيهما ولان الخبر والآية التى تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدح ولامدح في العلو بالمسافة وإنما التمدح بالعلو في الشأن والسلطان ونفاذ الامر ولهذا لاتجد أحدا من العرب مدح غيره في شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة وأراد بها علو المسافة بل لايريد إلا ما ذكرناه من معنى العلو في الشأن وإنما يظن في هذه المواضع خلاف هذا من لافطنة عنده ولابصيرة له

(مجلس آخر 65)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) الآية. الجواب قلنا أما التنور فقد ذكر في معناه وجوه.

أولها أنه تعالى أراد بالتنور وجه الارض وأن الماء نبع وظهر على وجه الارض وفار هذا قول عكرمة وقال بن عباس رضى الله عنهما مثله والعرب تسمى وجه الارض تنورا.

وثانيها أن يكون المراد أن الماء نبع من أعالى الارض وفار من الاماكن المرتفعة منها وهذا قول قتادة وروى عنه في قوله تعالى (وفار التنور) قال ذكرلنا أنه أرفع الارض وأشرفها.

وثالثها أن يكون المراد بفارالتنور أى برز النور وظهر الضوء وتكاثف حرارة دخول النهار وتقتضى الليل وهذا القول يروى عن أمير المؤمنين على رضى الله عنه.

ورابعها أن يكون المراد بالتنور الذى يختبز فيه على الحقيقة وأنه تنور كان لآدم عليه السلام أبي البشر وقال قوم إن التنور كان في دار نوح عليه السلام بعين وردة من أرض الشام. وقال آخرون بل كان التنور في ناحية الكوفة والذى روى عنه أن التنور هو تنور الخبز الحقيقى ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم.

وخامسها أن يكون معنى ذلك اشتد غضب الله تعالى عليهم وحل وقوع نقمته بهم وذكر تعالى التنور مثلا لحضور


77

العذاب كما تقول العرب قد فارت قدر القوم إذا اشتد الحرب وعظم الخطب والوطيس هو التنور وتقول العرب أيضا قد حمى الوطيس اذا اشتد بالقوم حربهم.

قال الشاعر

تفور علينا قدرهم فنديمها
ونفثؤها عنا إذا حميها غلا(1)

أراد - بقدرهم - حربهم ومعنى - نديمها - نسكنها ومن ذلك الحديث المروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن البول في الماء الدائم يعنى الساكن ويقال قد دوم الطائر في الهواء إذا بسط جناحيه وسكنهما ولايخفق بهما - ونفثؤها - معناه نسكنها يقال فثأت غضبه عنى وفثأت الحار بالبارد إذا كسرته به.

وسادسها أن يكون التنور الباب الذى يجتمع فيه ماء السفينة فجعل فوران الماء منه والسفينة على الارض علما على ما أنذر به من اهلاك قومه وهذا القول يروي عن الحسن وأولى الاقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنور الحقيقى لانه الحقيقة وما سواه مجاز ولان الروايات الظاهرة تشهد له وأضعفها وأبعدها من شهادة الاثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب واحتداد الامر تمثيلا وتشبيها لان حمل الكلام على الحقيقة التى تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز والتوسع مع فقد الرواية وأى المعانى أريد بالتنور فإن الله تعالى جعل فوران الماء علما لنبيه عليه السلام وانه يدل على نزول العذاب بقومه لينجو بنفسه وبالمؤمنين.

فأما قوله تعالى (من كل زوجين اثنين) فقد قيل ان المراد به إحمل من كل ذكر وأثني اثنين وإنه يقال لكل واحد من الذكر والانثى زوج. وقال آخرون الزوجان ههنا الضربان وقال آخرون الزوج اللون وإن كل ضرب يسمى زوجا واستشهدوا ببيت الاعشى

في كل زوج من الديباج يلبسه
أبوقدامة محبورا بذاك معا

ومعنى (من سبق عليه القول) أى من أخبرالله تعالى بعذابه وحلول الهلاك به والله أعلم بمراده [ تأويل خبر ].

إن سأل سائل عن الخبر الذى يرويه شريك عن عمار الذهبى عن أبى صالح الحنفى عن أمير المؤمنين على رضى الله عنه قال رأيت النبى صلى الله عليه وسلم

(1) البيت للنعابغة الجعدي أبي ليلى رضى الله عنه وبعده

بطعن كتشهاق الجحاش شهيقه
وضرب له ما كان من ساعد خلا (*)

78

في المنام وأنا أشكو إليه مالقيت من الاود واللدد. الجواب يقال له أما - الاود فهو الميل تقول العرب لاقيمن ميلك وحنفك وأودك وذراك وضلعك وصعرك وصدغك وظلعك بالظاء وصعوك وصعدك كل هذا المعنى واحد.

وقال ثعلب الاود اذا كان من الانسان في كلامه ورأيه فهو عوج وإذا كان في الشئ المنتصب مثل عصا وما أشبهها فهو عوج وهذا قول الناس كلهم إلا أبا عمرو الشيبانى فانه قال العوج بالكسر الاسم والعوج بالفتح المصدر وقال ثعلب كأنه مصدر عوج يعوج عوجا ويقال عصا معوجة وعود معوج وليس في كلامهم معوج. وأما - اللدد - فقيل هو الخصومات وقال ثعلب يقال رجل ألد وقوم لد اذا كانوا شديدى الخصومة ومنه قول الله تعالى (وهوألد الخصام).

وقال الاموى اللدد الاعوجاج والالد في الخصومة الذى ليس بمستقيم أى هو أعوج الخصومة يميل فلايقوى عليه ولايتمكن منه ومن ذلك قولهم لد الصبى وإنما يلد في شق فيه وليس يلد مستقيما يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج وقال فسر لنا الحكم بن ظهير فقال ألد الخصام أى أعوج الخصام وأنشد أبوالسمح لابن مقبل

لقد طال عن دهماء لدى وعذرتى
وكتمانها أكنى بأم فلان
جعلت لجهال الرجال مخاضة
ولو شئت قد بينتها بلسانى

- اللدد - الجدال والخصومة. وقال أبوعمرو الالد الذى لايقبل الحق ويطلب الظلم وقوله - مخاضة - يقول إنهم يخوضون في شعرى ويطلبون معانيه فلايقفون عليها.

وأنشد أبوالسمح

لاتفتر الكذب القبيح فإنه
للمرء معتبة وباب ملام
واصدق بقولك حين تنطق إنه
للصدق فضل فوق كل كلام
وإذا صدقت على الرجال خصمتهم
والصدق مقطعة على الظلام
وإذا رماك غشوم قوم فارمه
باللد مشتغر المدى غشام

79
لاتعرضن على العدو وسيلة
واحذر عدوك عند كل مقام
واعلم بأنه قد ليس يوما نافعا
عند الليم وسائل الارحام
مالم يخفك ويلق عندك جانبا
خشنا وتصبحه بكأس سمام
وإذا حللت بمأزق فاكرم به
حتى تفرج حلبة الظلام
فاصبر على كرب البلاء فإنه
ليس البلاء على الفتى بلزام
واعلم بأنك ميت ومحدث
عما فعلت معاشر الاقوام

معنى قوله - مشتغر المدى - أى بعيد المدى. ومعنى قوله - لاتعرضن على العدو وسيلة - أى لاتقاربه ولاتصانعه ولايكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.

وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم

ياوهب أشبه باطلى وجدى
أشبهت أخلاقى فأشبه مجدى

* وجد لى عند الخصوم اللد.

[ قال الشريف المرتضي ] رضي الله عنه ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة ابن وكيع البكرى

تبسم عن حم اللثات كأنها
حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد علمت به
من اليانع الغورى فرع قضيب
قضيب نجاه الركب أيام عرفوا
لها من ذرى مال للنبات خضيب

يعنى من يانع الاراك. ومعنى نجاه أى قطعه ومثله استنجاه أيضا وما للنبات - أى ناعمه وحسنه يقال غشب مال وماد سواء أى مياد ناعم. ومعنى - أيام عرفوا - أى اجتنوه من عرفات وذكر أنه خضيب بالطيب الذى بيديها لادمانها لاستعماله.

وقال الاخطل يصف ثغرا


80
شتيتا يرتوى الظمآن منه
إذا الجوزاء أحجبت الضبابا(1)

- الشتيت - هو المتفرق المفلج الذى ليس بمتراكب. ومعنى قوله - إذا الجوزاء أحجبت الضبابا - فيه وجهان. أحدهما أنه أراد سقوط الجوزاء وذلك في شدة البرد وطول الليل إذا انجحرت الضباب من البرد وتغيرت الافواه لطول ليل الشتاء يقول فثغرها حينئذ عذب غير متغير. والوجه الثانى أنه أراد عند طلوع الجوزاء في شدة الحر إذا انجحرت الضباب من شدة الحر والقيظ فالظلمآن حينئذ أشد عطشا وأحر غلة فريقها يرويه ويبرد غلته.

وقال آخر

فويل بها لمن تكون ضجيعه
إذا ما الثريا ذبذبت كل كوكب

قوله - فويل بها - من الزجر المحمود مثل قولهم ويل أمه ما أشجعه فكأنه يقول نعم الضجيع هى عند السحر إذا تحادرت النجوم للمغيب كما قال ذوالرمة

(1) - وفي رواية شنيبا بدل شنيبا والروايتان متقاربتا المعنى فان الشنيب كثير الشنب وهو ماء ورقه وبرد وعذوبة في الاسنان وقيل حد فيها أو هو نقط بيض فيها أوحدة الانياب كالغرب تراها كالمنشار.

والشتيت المفلج والبيت من قصيدة يمدح بها عبدالله بن سعيد بن العاص ومطلعها

ألم تعرض فتسأل آل لهو
وأروى والمدلة والربابا
بأيام خوال صالحات
ولذات تذكرنى الشبابا
نزلت بهن فاستذكيت نارا
قليلا ثم أسرعن الذهابا
وكن إذا بدون بقبل صيف
ضربن بجانب الجفر القبابا
نواعم لم يقظن بجد مقل
ولم يقذفن عن حفض غرابا

- الجد - البئر - ومقل - أرض - والحفض - البعير يحمل متاع القوم اذا انتقلوا. وقوله لم يقذفن عن حفض غرابا أي لم يعالجن أنفسهن وكأنه وصفهن بالخفر والستر ومنها

ونفس المرء ترصدها المنايا
وتحذر صولة حتي يصابا
اذا مرت به ألقت عليه
أحد سلاحها ظفرا ونابا (*)

81

وأيدى الثريا جنح في المغارب وقال الآخر نعم شعار الفتى إذابرد الليل سحيرا وقفقف الصرد(1) وإنما يعنى أنها في ذلك الوقت الذى تتغير فيه الافواه طيبة الريق عذبته.

وأنشد أبوالعباس ثعلب لام الهيثم

وعارض كجانب العراق
أنبت براقا من البراق

يذاق مثل العسل المذاق قال أبوالعباس في هذا قولان.

أحدهما أنه وصفت ثغرا - وعارضاه - جانباه - والعراق - مايثنى ثم يخرز كعراق القربة فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج ولاتراكب ولانقص.

وقولها - أنبت براقا من البراق - أى ما تنبته الارض إذا مطرت من النور.

قال المبرد والقول الاول عندنا أصح لذكرها العسل.

وأنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا

وشعب كشك الثوب شكس طريقة
مجامع ضوجيه نطاف مخاصر
تعسفته بالليل لم يهدنى له
دليل ولم يحسن له النعت خابر(2)

قال يعنى - بالشعب - فم جارية - كشك الثوب - يعنى كف الثوب إذا خاطه الخياط - والشكس - الضيق يصفها بصغر الفم وحسنه ورقة الشفتين - وضوجاه - جانباه وضوج الوادى جانبه - والمخاضر - البادرة من الخصر ويعنى - بالنطاف - الريق.

وقوله - لم يهدنى له دليل - أى لم يصل إليه غيرى كما قال جرير ألا رب يوم قد شربت بمشرب * شفا الغيم لم يشرب به أحد قبلى

(1) - وبعده. زينها الله في الفؤاد كما زين في عين والد ولد.

(2) وفسر ابن سيدة هذين البيتين بما نصه. قال فانه عنى بالشعب ههنا الفم وجعله كشك الثوب لاصطفاف نبته وتناسق بعضه في اثر بعض كالخياطة في الثوب وجعل جانبي الفم ضوجين(11 - امالى رابع)


82

- الغيم - والغين العطش وانما يعنى ريق جارية.

قال أبوالعباس وقال آخرون بل يعنى شعبا من الشعاب مخنوقا ضيقا سلكه وحده قال أبوالعباس إنما كنى بالشعب عن فم جارية ثم أخذ في وصف الشعب ليكون الامر أشد التباسا.

[ قال الشريف المرتضى ] رضي الله عنه والاشبه أراد أن يكون أراد شعبا حقيقيا لان تأبط شرا لصاوصافا للاهوال التى يمضى بها ويعاينها في تلصصه وكان كثيرا مايصف تدليه من الجبال وتخلصه من المضايق وقطعه المفاوز وأشباه ذلك والقطعة التى فيها البيتان كأنها تشهد بأن الوصف لشعب لالفم جارية لانه يقول بعد قوله كشك الثوب

لدن مطلع الشعرى قليل أنيسه
كأن الطخا في جانبيه معاجر
به من نجاء الدلو بيض أقرها
خبار لصم الصخر فيه قراقر
وقررن حتى كن للماء منتهى
وغادرهن السيل فيما يغادر
به نطف زرق قليل ترابها
جلا الماء عن أرجائها فهو حائر

وهذه الاوصاف كلها لاتليق إلا بالشعب دون غيره وتأول ذلك على الفم تأول بعيد وقد أحسن كثير في قوله يصف ثغرا

ويوم الخيل قد سفرت وكفت
رداء العصب عن رتل براد
وعن نجلاء تدمع في بياض
إذا دمعت وتنظر في سواد
وعن متكاوس في العقص جثل
أثيث النبت ذى غدر جعاد(1)

(1) - العصب - ضرب من البرود اليمنية - والرتل - بالفتح حسن التنضيد مستوالنبات وقيل مفلج وربما قالوا رجل رتل الاسنان مثل تعب اذا كان مفلجها - وبراد - كغراب بارد. وقوله - عن متكاوس - المتكاوس هنا شعر رأسها أى كثيف مأخوذ من تكاوس النبت وهو التفافة وسقوط بعضه على بعض - وجثل - كثير ملتف أيضا. والبيت من (*)


83

وقال أبوتمام في هذا المعنى

وعلى العيس خرد يتبسمن
عن الاشنب الشتيت البراد

قصيدة مشهورة له يتغزل بها في غاضرة جارية أم البنين بنت عبدالعزيز بن مروان ثم رثي فيها صاحبه خندق الاسدي وخندق هذا هو الذي أدخل كثيرا في مذهب الخشبية وأول القصيدة

شجا أظعان غاضرة الغوادى
بغير مثيبة غرضا فؤادى
أغاضر لو شهدت غداة بنتم
حنو المرضعات على وسادى
أويت لعاشق لم تشكميه
نوافذه تلذع بالزناد *

ويوم الخيل.

الابيات الثلاثة

وغاضرة الغداة وان نأتنا
وأصبح دونها قطر البلاد
أحب ظعينة وبنات نفسى
اليها لو بللن بها صوادى
ومن دون الذى أملت ودا
ولو طالبتها خرط القتاد
وقال الناصحون تحل منها
ببذل قبل شميتها الجماد
وقد وعدتك لو أقبلت ودا
فلج بك التدلل في تعادى
فأسررت الندامة يوم نادى
برد جمال غاضرة المنادى
تمادى البعد دونهم فامست
دموع العين لج بها التمادى
لقد منع الرقاد فبت ليلى
تجافينى الهموم عن الوساد
عدانى أن أزورك غير بغض
مقامك بين مصفحة شداد
وانى قائل ان لم أزره
سقت ديم السواري والغوادى
محل أخى بنى أسد قنونا
فما والى إلى برك الغماد
مقيم بالمجازة من قنونا
وأهلك بالاجيفر والثماد

فلا تبعد فكل فتى سيأتي
عليه الموت يطرق أو يغادى
وكل ذخيرة لابد يوما
ولو بقيت تصير الي نفاد
فلو فوديت من حدث المنايا
وقيتك بالطريف وبالتلاد (*)

84
كان شوك السيال حسنا فأضحى
دونه للفراق شوك القتاد(1)

وقال البحترى

(1) - البيتان من قصيدة يمدح بها أبا عبدالله أحمد بن أبى دؤاد ومطلعها

سعدت غربة النوى بسعاد
فهى طوع الاتهام والانجاد
* فارقتنا فللمدامع أنوا
ء‌سوار على الخدود غوادى
كل يوم يسفحن دمعا طريفا
يمترى مزنه بشوق تلاد
واقع بالخدود والحر منه
واقع بالقلوب والاكباد

وعلى العيس البيتين. وخمسة أبيات تقدمت ثم قال

يا أبا عبدالله أوريت زندا
في يدى كان دائم الاصلاد

أنت جبت الظلام عن سنن الآمال اذ ضل كل هاد وحادى

فكأن المغذ فيها مقيم
وكأن السارى عليهن غادى
وضياء الآمال أفتح في الطرف
وفي القلب من ضياء البلاد
ومنها بعد ما أصلت الوشاة سيوفا
قطعت في وهي غير حداد
من أحاديث حين دوختها بالرأي
كانت ضعيفة الاسناد
فنفى عنك زخرف القول سمع
لم يكن فرصة لغير السداد
ضرب الحلم والوقار عليه
دون عور الكلام بالاسداد
وحوان أبت عليها المعالي
ان تسمى مطية الاحقاد
ولعمرى ان لو أصخت لاقدمت
بحتفى صينية الحساد *
حمل العب‌ء كاهل لك أمسى
لخطوب الزمان بالمرصاد
عاتق معتق من الهون الا
من مقاساة مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيه
كلحوب الموارد الاعداد
ملينك الاحساب أى حياة
وحيا أزمة وحية وادى *
لو تراخت يداك عنها فواقا
أكلتها الايام أكل الجراد (*)

85
وأرتنا خدا يراح له الور
دويشتمه جنى التفاح
وشنيبا يغض من لؤلؤ النظ
- م ويزرى على شتيت الاقاحى
فأضاء‌ت تحت الدجنة للشر
ب وكادت تضئ للمصباح(1)
أنت ناضلت دونها بعطايا
عائدات على العفاة بوادى
فاذا هلهل النوال أتتنا
ذات نيرين مطبقات الايادى

كل شئ غث اذا عاد والمعروف غث ما كان غير معاد

كادت المكرمات تنهد لولا
انها أيدت بحي إياد

عندهم فرجة اللهيف وتصديق ظنون الرواد والوراد

باحاظي الجدود لا بل بوشك
الجد لابل بسؤدد الاجداد
وكأن الاعناق يوم الوغى أو
لى باسيافهم من الاغماد
فاذا ضلت السيوف غداة الرو
ع كانت هواديا للهوادى

قد بثثتم غرس المودة والشحناء في قلب كل قار وبادى

أبغضوا عزكم وودوا نداكم
فقراكم من بغضة وودادى
لاعدمتم غريب مجد ربقتم
في عراه نوافر الاضداد

(1) والابيات من قصيدة يقولها في أبى مسلم البصري ومطلعها

هين ما يقول فيك اللاحى
بعد اطفاء غلتى والتياحى

كنت أشكو شكوى المصرخ فالآن ألاقى النوي بدمع صراح

هل إلى ذى تجنب من سبيل
أم على ذي صبابة من جناح
فسقى جانب المناظر فالقصر
هزيم المجلجل السحاح
حين جاء‌ت فوت الرياح فقلنا
أى شمس تجئ فوت الرياح
هزمنا شرخ الشباب فجالت
فوق خصر كثير جول الوشاح
وأرتنا خدا يراح له الور
دو يشتمه جنى التفاح *

وشتيتا يغض من لؤلؤ النظم ويزرى على شتيت الاقاحى (*)


86

وقال أيضا

سفرت كما سفر الربيع الطلق عن
ورد يرقرقه الضحى مصقول
وتبسمت عن لؤلؤ في رصفه
برد يرد حشاشة المتبول

وقد جمع كلما وصف به الثغر في قوله

كأنما تبسم عن لؤلؤ
منضد أوبرد أو أقاح
فاضاء‌ت تحت الدجنة للشر
ب وكادت تضئ للمصباح
وأشارت على الغناء بالحا
ظ مراض من التصابي صحاح
فطربنا لهن قبل المثاني
وسكرنا منهن قبل الراح
قد تدير الجفون من عدم الا
لباب ما لايدور في الاقداح
يا أبا مسلم تلفت الي الشر
ق وأشرف للبارق اللماح
مستطيرا يقوم في جانب الليل
على عرضه مقام الصباح
ومنيفا يريك منبج نصا
وهي خضراء من جميع النواحي
ورياضا بين العبيدى فالقصر
فاعلى سمعان فالمستراح
عرصات قد أبرحت حرق الشوق
اليهن أيما ابراح
فاذا شئت فارفع العيس ينحتن
بحر الوجيف تحت القداح
لتعين السحاب ثم على إسقاء
أرض غرب الفرات براح
لاتتم السقيا بساحة قوم
لم يبيتوا في نائل وسماح
ولعمري لئن دعيتك للجو
د لقدما لبيتنى بالنجاح
خلق كالغمام ليس له بر
ق سوى بشر وجهك الوضاح
ارتياحا للطالبين وبذ
لا للمعالي للباذل المرتاح
أى جديك لم يفت وهو ثان
من مساعيه السن المداح
وكلا جانبيك سبط الخوافى
حين تسموا أثبت ريش الجناح
شرف بين مسلم مسلم الجو
د وعبدالعزيز والصباح (*)

(مجلس آخر 66)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله) الي آخر الآية. فقال ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه جعل الكافر كافرا لانه أخبر بانه جعل منهم من عبد الطاغوت كما جعل القردة والخنازير وليس يجعله كافرا إلا بأن يخلق كفره.

الجواب يقال له قبل أن يتكلم في تأويل الآية بما تحتمله من المعانى كيف يجوز أن يخبرنا تعالى بأنه يجعلهم كفارا وخلق كفرهم والكلام خرج مخرج الذم لهم والتوبيخ على كفرهم والمبالغة في الازراء عليهم وأى مدخل لكونه خالقا لكفرهم في باب ذمهم وأى نسبة بينه وبينهم وبين ذلك بل لاشئ أبلغ في عذرهم وبراء‌تهم من أن يكون خالقا لما ذمهم من أجله وهذا يقتضى أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى ونحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذم غيره وتوبيخه وتهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول ألا أخبركم بشر الناس وأحقهم بالذم واللوم من فعل كذا وصنع كذا وكان على كذا وكذا فيعدد من الاحوال والافعال قبائحها ولايجوز أن يدخل في جملتها ماليس بقبيح ولاماهو من فعل الذام أو من جهته حتى يقول في جملة ذلك ومن شاغل بالصنعة الفلانية التى أسلمها اليه وحمله عليها وإن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.

فإن قيل أليس قد ذمهم في الكلام بأن جعل منهم القردة والخنازير ولاصنع لهم في ذلك فكذلك يجوز أن يذمهم ويجعلهم عابدين للطاغوت وإن كان من فعله. قلنا إنما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم وباستحقاقهم فجرى ذلك مجرى أفعالهم كما ذمهم بأن لعنهم وغضب عليهم من حيث استحقو ذلك منه تعالى بأفعالهم وعبادتهم للطاغوت فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها لان ذلك مما لايستحقونه بفعل متقدم كاللعن والمسخ.

ثم نعود إلى تاريل الآية فنقول لاظاهر للآية يقتضى ماظنوه وأكثر ما تضمنته الاخبار بأنه جعل وخلق من يعبد الطاغوت كما جعل منهم القردة والخنازير ولاشبهة في أنه تعالى هو خالق الكافر وأنه لاخالق له سواه غير أن ذلك لايوجب أنه خلق كفره وجعله كافرا وليس لهم أن يقولوا كما نستفيد من قوله


88

تعالى جعل منهم القردة والخنازير أنه جعل ما به كانوا كذلك هكذا نستفيد من قوله جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق مابه كان عابدا للطاغوت وذلك إنما استفدنا ماذكروه من الاول لان الدليل قد دل على أنما به يكون القرد قردا والخنزير خنزيرا لايكون إلا من فعله تعالى وليس مابه يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى بل قد دل الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك وخلقه فافترق الامران.

وفى الآية وجه آخر وهو أن لا يكون قوله تعالى وعبد الطاغوت معطوفا على القردة والخنازير بل معطوفا على من لعنه الله وغضب عليه وتقدير الكلام من لعنه الله ومن غضب عليه ومن عبد الطاغوت ومن جعل الله منهم القردة والخنازير وهذا هو الواجب لان عبد فعل والفعل لايعطف على الاسم فلو عطفناه على القردة والخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم فالاولى عطفه على ماتقدم من الافعال. وقال قوم يجوز أن يعطف عبدالطاغوت على الهاء والميم في منهم فكأنه تعالى جعل منهم ومن عبد الطاغوت القردة والخنازير وقد يحذف من في الكلام قال الشاعر

أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء(1)

أراد ومن يمدحه وينصره.

فإن قيل فهبوا هذا التأويل ساغ في قراء‌ة من قرأ بالفتح أين أنتم عن قراء‌ة من قرأ وعبد بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت ومن قرأ عبد الطاغوت بضم العين والباء ومن قرأ وعبد الطاغوت بضم العين والتشديد

(1) قوله - فمن يهجو رسول الله منكم - الخ قيل ان فيه ثلاثة عشر مرفوعا. فمنها قوله فمن يهجو فيها ثلاث مرفوعات المبتدأ والفعل المضارع والضمير المستكن. ومنها المبتدأ المقدر في قوله ويمدحه والمعنى ومن يمدحه فيكون هنا على حسب المثال الاول ثلاث مرفوعات أيضا. ومنها المرفوعان في قوله وينصره أحدهما الفعل المضارع والثانى الضمير المستكن فيه ومنها المرفوعات الاربعة في قوله سواء اثنان من حيث انه في مقام الخبرين للمبتدأين واثنان آخران من حيث ان في كل واحد ضميرا راجعا إلى المبتد والباقى المبتدأ المحذوف المعطوف على قوله من في الاول في قوله فمن يجهو أى ومن يمدحه ومن ينصره (*)


89

ومن قرأ وعباد الطاغوت. قلنا المختار من هذه القراء‌ة عند أهل العربية كلهم القراء‌ة بالفتح وعليها جميع القراء السبعة إلا حمزة فإنه قرأ عبد بفتح العين وضم الباء وباقى القراآت شاذة غير مأخوذ بها.

قال أبواسحاق الزجاج في كتابه في معانى القرآن عبد الطاغوت نسق على من لعنه الله قال وقد قرئت عبد الطاغوت والذى أختاره وعبد الطاغوت.

وروى عن ابن مسعود رحمه الله وعبدوا الطاغوت فهذا يقوى وعبد الطاغوت قال ومن قرأ وعبد الطاغوت بضم الباء وخض الطاغوت فإنه عند بعض أهل العربية ليس بالوجه من جهتين إحدهما أن عبد على وزن فعل وليس هذا من أمثلة الجمع لانهم فسروه بخدم الطاغوت والثانى أن يكون محمولا على وجعل منهم عبد الطاغوت ثم خرج إلى من قرأ عبد وجها فقال إن الاسم بنى على فعل كما يقال رجل حذر أى مبالغ في الحذر فتأويل أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان وهذا كلام الزجاج.

وقال أبوعلى الحسن بن بدالغفار الفارسى محتجا لقراء‌ة حمزة ليس عبد لفظ جمع ألا ترى أنه ليس في أبنية الجموع شئ على هذا البناء ولكنه واحد يراد به الكثرة ألا ترى أن في الاسماء المفردة المضافة إلى المعارف مالفظه لفظ الافراد ومعناه الجمع كقوله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها) وكذلك قوله وعبد الطاغوت جاء على فعل فان هذا البناء يراد به الكثرة والمبالغة وذلك نحو يقظ وندس فهذا كله تقديره أنه قد ذهب في عبادة الشيطان والتذلل له كل مذهب قال وجاء على هذا لان عبد في الاصل صفة وإن كان قد استعمل استعمال الاسماء واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة ألا ترى أن الابرق والابطح وإن كانا قد استعملا استعمال الاسماء حتى كسرا أهل النحو عندهم من التكسير في قولهم في أبارق وأباطح فلم يزل عنه حكم الصفة يدلك على ذلك تركهم صرفه كتركهم صرف أحمر ولم يجعلوا ذلك كأفكل وأيدع فكذلك عبد فإن كان قد استعمل استعمال الاسماء فلم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على فعل وهذا كلام مفيد في الاحتجاج لحمزة فإذا صحت قراء‌ة حمزة وعادلت قراء‌ة الباقين المختارة وصح أيضا سائر ماروى من القراآت التى حكاها السائل كان الوجه الاول الذى ذكرناه في الآية يزيل الشبهة فيها. ويمكن(12 - امالى رابع)


90

في الآية وجه آخر على جميع القراآت المختلفة في عبد الطاغوت وهو أن يكون المراد أن يجعل منهم عبد الطاغوت أى نسبه إليهم وشهد عليه بكونه من جملته ويجعل في مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل كقوله (وجعل الظلمات والنور) وكقوله تعالى (وجعل لكم من الجبال أكنانا) وهى ههنا تتعدى إلى مفعول واحد وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة كقوله تعالى (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا وكقول القائل جعلت البصرة بغداد وجعلتنى كافرا وجعلت حسنى قبيحا وما أشبه ذلك فهى ههنا تتعدى إلى مفعولين ولجعل مواضع أخر لاحاجة بنا إلى ذكرها فكأنه تعالى نسب عبد الطاغوت إليهم وشهد أنهم من جملتهم.

فإن قيل لو كانت جعل ههنا على ماذكرتم لوجب أن يكون متعدية إلى مفعولين لانها إذا لم تتعد إلا إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق. قلنا هذا غلط من متوهمه لان جعل ههنا متعدية إلى مفعولين وقوله تعالى منهم يقوم مقام المفعول الثانى عند جميع أهل العربية لان كل جملة تقع في موضع خبر المبتدا فهى تحسن أن تقع في موضع المفعول الثانى كجعلت وظننت وما أشبههما.

وقال الشاعر

أبا لاراجيز يابن اللوم توعدنى
وفى الاراجيز خلت اللؤم والخور(1)

(1) - الاراجيز - جمع أرجوزة بمعنى الرجز وهواسم بحر من بحور الشعر ولكن أراد بها القصائد المرجزة الجارية على هذا البحر. وقوله - توعدنى - من الايعاد لامن الوعد - واللؤم - بضم اللام وسكون الهمزة وهو أن يجتمع في الانسان الشح ومهانة النفس ودناء‌ة الآباء فهو من أذم ما يهجى به وقد بالغ يجعل المهجو ابنا له اشارة إلى أن ذلك غريزة فيه. وأما اللوم بفتح اللام وسكون الواو فهو العذل يقال لامه على كذا لوماولومة فهو ملوم. وقوله - الخور - بفتح الخاء المعجمة وفتح الواو أيضا وفي آخره راء وهو الضعف يقال رجل خوار ورمح خوار وأرض خوارة يقول انك راجز لاتحسن القصائد والتصرف في أنواع الشعر فجعل ذلك دلالة على لؤم طبعه وضعفه. فقوله ابا الاراجيز الهمزة للتوبيخ والانكار والباء تتعلق بقوله توعدنى وقوله يابن اللؤم منادى مضاف (*)


91

وقد فسر هذا على وجهين أحدهما على الغاء خلت من حيث توسطت الكلام فيكون في الاراجيز على هذا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ.

والوجه الثانى(1) على إعمال خلت

منصوب معترض بينهما وقوله اللؤم مرفوع بالابتداء والخور عطف عليه وخبره قوله في الاراجيز وقوله خلت بينهم اعتراض ولو نصبهما علي المفعولية لجاز وكان الظرف حينئذ في محل النصب مفعولا ثانيا وخلت بمعنى علمت. والبيت للعين المنقرى واسمه منازل بن زمعة من بني منقر بن عبيد بن الحارث بن تميم يهجو به رؤبة بن العجاج كذا قال بعضهم. وقالا النحاس يهجو العجاج وقال أبوالحجاج وبيت اللعين من كلمة رويها لام وقبله

اني أنا ابن جلا ان كنت تعرفنى
يا رؤب والحية الصماء في الجبل
مافي الدواوين في رجلى من عقل
عند الرهان ولا أكوى من العقل
أبا لا راجيز يابن اللؤم توعدنى
وفى الاراجيز خلت اللؤم والفشل

هكذا رواه الجاحظ في كتاب الحيوان على أن الاقواء في البيت الثالث وأثبت الابيات الثلاثة في كتاب الوحشي وليس فيها إقواء لانه روى فيها وفي الاراجيز رأس القول والفشل

(1) قوله - والوجه الثاني على أعمال خلت فيكون في الاراجيز في موضع نصب - الخ لم نر هذا التوجيه لغيره ونص سيبويه في كتابه ومن قال عبدالله ضربته نصب فقال عبد الله أظنه ذاهبا وتقول أظن عمرا منطلقا وبكرا أظنه خارجا كما قلت ضربت زيدا وعمرا كلمته وان شئت رفعت على الرفع في هذا فان الغيت قلت عبدالله أظن ذاهب وهذا إخال أخوك وفيها أرى أبوك وكلما أردت الالغاء فالتأخير أقوى وكل عربي جيد قال الشاعر وهو اللعين * أبا لاراجيز يابن اللؤم الخ * أنشده يونس مرفوعا وانما كان التأخير أقوي لانه انما يجئ بالشك بعد ما يمضى كلامه على اليقين أو بعد ما يبتدئ وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك. وقال في التوضيح فصل لهذه الافعال ثلاثة أحكام أحدها الاعمال وهو الاصل وهو واقع في الجميع والثاني الالغاء وهو ابطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه أو تأخره كزيد ظننت قائم وزيد قائم ظننت. قال منازل بن ربيعه. أبا لاراجيز الخ. قال يس قوله خلت اللؤم والخور قال المصنف في الحواشي قال (*)


92

فيكون في الاراجيز في موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثانى وهذا بين لمن تدبره.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه.

أنشد ثعلب ابن الاعرابى

أما وأبى للصبر في كل موطن
أقر لعينى من غنى رهن ذلتي

ويروى - من عنى رهن ذلتى

وإنى لاختار الظما في مواطن
على بارد عذب وأعيا بغلتى
وأستر ذنب الدهر حتى كأنه
صديق ولا أغتابه عند زلتى
ولست كمن كان ابن أمى مقترا
فلما أفاد المال عاد ابن علة
فدابرته حتى انقضى الود بيننا
ولم أتمطق من نداه ببلة
وكنت له عند الملمات عدة
أسد بمالى عنده كل خلة

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه الاولى في هذه القطعة إطلاقها - الخلة - الحاجة والخلة أيضا الخصلة والخلة بالضم المودة والخلة أيضا بالضم من كان خلوا من المرعى والخلة بالكسر مايخرج من الاسنان بالخلال والخليل الحبيب من المودة والمحبة والخليل أيضا الفقير وكلاالوجهين قد ذكر في قوله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلا) ومنه حديث ابن مسعود تعلمو القرآن فإنه لايدرى أحدكم متى يختل إليه.

قال أبوالعباس ثعلب يكون من شيئين أحدهما من الخلة التى هى الحاجة أى متى يحتاج إليه ويكون من الخلة وهى الثبات الخلود ويكون معناه متى تشتهى ماعنده يشبهه بالابل لانها ترعى الخلة فإذا ملتها عدلوا بها إلى الحمض فإذا ملت الحمض اشتهت الخلة ومن أمثالهم جاؤا مخلين فلاقوا حمضا أى جاؤا مشتهين لقتالنا فلاقوا ما كرهوا والخلة أيضا بنت المخاض والذكر الخل ويقال جسم خل إذا كان مهزولا.

قال الشاعر

أبوالفتح فيما نقل عنه عبدالمنعم الوجه الرفع لان الواو ليست للعطف لاختلاف الجملتين طلبا وخبرا والعطف نظير التثنية وواو الحال تطلب الابتداء فالظرف خبر واللؤم مبتدا ولايمنع النصب على أن يقدر مبتدأ (*)


93
فاسقنيها ياسواد ابن عمرو
إن جسمى بعد خالى لخل(1)

(1) - فاسقنيها - الخ البيت من قصيدة مشهورة من مختار أشعار القبائل لابى تمام قيل إنها للشنفري يرثي خاله تأبط شرا وذلك غلط لان تأبط شرا ليس خالا له ولان الشنفري مات قبله وقيل انها لابن أخت تأبط شرا يرثيه وقيل انها من أوضاع خلف الاحمر وأولها

ان بالشعب الذى دون سلع
لقتيلا دمه ما يطل *
* قذف العب‌ء على وولي
أنا بالعب‌ء له مستقل *
ووراء الثار منه ابن أخت
مصع عقدته ماتحل *
مطرق يرشح سما كما
أطرق أفعي ينفث السم صل
خبر ما نابنا مصمئل
جل حتي دق فيه الاجل
بزنى الدهر وكان غشوما
بأبي جاره مايذل *
شامس في القر حتى اذا ما
ذكت الشعرى فبرد وظل
يابس الجنبين من غير بؤس
وندى الكفين شهم مدل
ظاعن بالحزم حتى اذا ما
حل حل الحزم حيث يحل
غيث مزن غامر حيث يجدي
واذا يسطو فليث أبل
مسبل في الحى أحوى رفل
واذا يغزو فسمع أزل
وله طعمان أري وشري
وكلا الطعمين قد زاق كل
يركب الهول وحيدا ولا يصحبه
الا اليماني الافل
وفتو هجروا ثم أسروا
ليلهم حتى اذا أنجاب حلوا
كل ماض قد تردي بماض
كسنا البرق اذا ما يسل
فادركنا الثأر منهم ولما
ينج ملحيين الا الاقل
فاختسوا أنفاس ثوم فلما
هوموا رعتهم فاشمعلوا
فلئن فلت هذيل شباه
لبما كان هذيلا يفل (*)

94

ويقال فصيل مخلول إذاشد لسانه حتى لايرضع ويقال خللته فهو خليل ومخلول ومثله أجررته.

قال الشاعر

فلو أن قومى أنطقتنى رماحهم
نطقت ولكن الرماح أجرت(1)
وبما أبركها في مناخ
جعجع ينقب فيه الاظل
وبما صبحها في ذراها
منه بعد القتل نهب وشل
صليت منى هذيل بخرق
لايمل الشر حتى يملوا
ينهل الصعدة حتي اذا ما
نهلت كان لها منه عل
حلت الخمر وكانت حراما
وبلاي ما ألمت تحل *
فاسقنيها ياسواد بن عمرو
ان جسمى بعد خالى لخل
تضحك الضبع لقتلى هذيل
وتري الذئب لها يستهل
وعتاق الطير تمشى بطانا
تتخطاهم فما تستقل *

(1) قوله - فلو أن قومي - الخ يقول لو صبروا وطعنوا برماحهم أعدائهم لامكننى مدحهم ولكن فرارهم صيرنى كالمشقوق اللسان لانى ان مدحتهم بما لم يفعلوا كذبت ورد على يقال أجررت الفصيل اذا شققت لسانه لئلا يرضع أمه.

قال أبوالقاسم الزجاجي في أماليه الوسطي أخبرنا ابن شقير قال حضرت المبرد وقد سأله رجل عن معنى قول الشاعر - فلو أن قومي أنطفتنى رماحهم - البيت فقال هذا كقول الآخر

وقافية قيلت فلم أستطع لها
دفاعا اذا لم تضربوا بالمناصل
فادفع عن حق بحق ولم يكن
ليدفع عنكم قالة الحق باطلى

قال أبوالقاسم معنى هذا ان الفصيل إذا لهج بالرضاع جعلوا في أنفه خلالة محدودة فاذا جاء يرضع أمه نخسته تلك الخلالة فمنعته من الرضاع فان كف والا أجروه والاجرار أن يشق لسان الفصيل أو يقطع طرفه فيمتنع حينئذ من الرضاع ضرورة فقال قائل البيت الاول ان قومي لم يقاتلوا فانا مجر عن مدحهم كما يجر الفصيل عن الرضاع ففسره أبوالعباس بالبيتين اللذين مضيا وللاجرار موضع آخر وهو أن يطعن الفارس الفارس (*)


95

أى لم يعملوا في الحرب شيئا فكنت أفتخر بهم وقوله أقر لعينى من غنى رهن ذلتي يقول أختار الصيانة مع الفقر أحب إلى من الغنى مع الذل ومثله

إذا كان باب الذل من جانب الغنى
سموت إلى العلياء من جانب الفقر
صبرت وكان الصبر منى سجية
وحسبك أن الله أثنى على الصبر

وقوله

- وأستر ذنب الدهر حتى كأنه صديق –
أراد أنى لا أشكو ما يمسنى به الدهر

فيمكن الرمح فيه ثم يتركه منهزما يجر الرمح فذلك قاتل لامحالة ومنه قول الشاعر

وآخر منهم أجررت رمحى
وفي البجلى معبلة وقيع
وقوله ونقى بأفضل ما لنا أحسابنا
ونجر في الهيجا الرماح وندعى

قوله - وندعى - أى ننتسب في الحرب كما ينتسب الشجاع في الحرب فيقول أنا فلان بن فلان.

والبيت من أبيات لعمرو بن معدى كرب الزبيدى رضى الله الله عنه وأولها

ولما رأيت الخيل زورا كأنها
جداول زرع أرسلت فاسبطرت
فجاشت إلى النفس أول مرة
فردت على مكروهها فاستقرت
على م تقول الرمح يثقل عاتقى
اذا أنا لم أطعن اذا الخيل كرت
لحا الله جرما كلما ذر شارق
وجوه كلاب هارشت فاز بأرت
فلم تغن جرم نهدها اذ تلاقيا
ولكن جرما في اللقاء ابذعرت
ظللت كأني للرماح دريئة
أقاتل عن أبناء جرم وفرت
فلو أن قومي أنطقتنى رماحهم
نطقت ولكن الرماح أجرت

وسبب هذه الابيات ان جرما ونهدا وهما قبيلتان من قضاعة كانتا من بني الحارث بن كعب فقتلت جرم رجلا من أشراف بني الحارث فارتحلت عنهم وتحولت في بني زبيد فخرجت بنو الحارث يطلبون بدم أخيهم فالتقوا فعى عمرو جرما لنهد وتعبي هو وقومه لبنى الحارث ففرت جرم واعتلت بانها كرهت دماء نهد فهزمت يومئذ بنو زبيد فقال عمرو هذه الابيات يلومها ثم غزاهم بعد فانتصف منهم (*)


96

من خصاصة بل أستر ذلك وأظهر التجمل حتى لاأسوء الصديق وأسر العدو وهذا المعنى أراد بقوله - ولا أغتابه عند زلتى - وقوله - فلما أفاد المال عاد ابن علة - والعرب تقول هم بنو أعيان إذا كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة فإذا كان أبوهم واحدا وأمهاتهم شتى قيل أولاد علات ومنه الحديث المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال الانبياء أولاد علات أى أمهاتهم شتى وأبوهم واحد وكنى الشاعر بذلك عن التباعد والتقاطع والتقالى لان الاكثر من بنى العلات ماذكرناه.

وقوله - ودابرته - أى قاطعته. وقوله - ولم أتمطق من نداه ببلة - فالتمطق يكون بالشفتين والتلمظ يكون باللسان وكنى بذلك عن أنه لم يصب من خيره شيئا فصان نفسه عنه

(مجلس آخر 67)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (الذى جعل لكم الارض فراشا) إلى قوله (فلاتجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون). فقال ما الذى أثبت لهم العلم به وكيف يطابق وصفهم بالعلم ههنا لوصفهم بالجهل في قوله تعالى (قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون).

الجواب قلنا هذه الآية معناها متعلق بما قبلها لانه تعالى أمرهم بعبادته والاعتراف بنعمته ثم عدد عليهم صنوف النعم التي ليست إلا من جهته ليستدلوا بذلك على وجوب عبادته وإن العبادة إنما تجب لاجل النعم المخصوصة فقال جل من قائل (ياأيها الناس اعبدو ربكم الذى خلقكم) إلى آخر الآية ونبه في آخرها على وجوب توحيده والاخلاص له وأن لايشرك به شيئا بقوله تعالى (فلاتجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) ومعنى قوله تعالى (جعل لكم الارض فراشا) أى يمكن أن تستقروا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها وذلك لايمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون وقد استدل أبوعلى بذلك وبقوله تعالى (وجعل لكم الارض بساطا) على بطلان ماتقوله له المنجمون من أن الارض كرية الشكل وهذا القدر لايدرك لانه يكفى في النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرف عليها وليس يجب أن يكون


97

جميعها كذلك ومعلوم ضرورة أن جميع الارض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان مواضع التصرف منها بهذه الصفة والمنجمون لايدفعون أن يكون في الارض بسائط وسطوح يتصرف عليها ويستقر فيها وإنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة وليس له أن يقول قوله (وجعل لكم الارض فراشا) يقتضى الاشارة إلى جميع الارض وجملتها لا إلى مواضع منها لان ذلك تدفعة الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أن فيها ماليس ببساط ولافراش ولاشبهة في أن جعله تعالى السماء على ماهى عليه من الصفة مما له تعلق بمنافعنا ومصالحنا وكذلك إنزاله تعالى منها الماء الذى هو المطر الذى تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها والاغتذاء بها. فأماقوله تعالى (فلا تجعلوا الله أندادا) فإن الند هو المثل(1) والعدل.

قال حسان بن ثابت

أتهجوا ولست له بند
فشركما لخير كما الفداء(2)

(1) قوله - فان الند هو المثل والعدل - قلت يكون الند للضد أيضا وفسر الناس قول الله عزوجل (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) علي جهتين.

قال الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس معناه فلا تجعلوالله أعدالا فالاعدال جمع عدل والعدل المثل وقال أبوالعباس عن الاثرم عن أبي عبيدة (فلا تجعلوالله أندادا) أضدادا ويقال فلا ندي ونديدي نديدتى فالثلاث اللغات بمعنى واحد وانما دخلت الهاء في نديدة للمبالغة كما قالوا رجل علامة ونسابة وجاء‌نى كريمة القوم يراد به البالغ في الكرم المشبه بالداهية ويقال في تثنية الندندان وفى جمعه أنداد ومن العرب من لايثنيه ولايجمعه ولا يؤنثه فيقول الرجلان ندى والرجال ندي والمرأة ندي والنساء ندى.

(2) البيت من قصيدته المشهورة التى يقال انه قال بعضها في الجاهلية وبعضها في الاسلام.

ومطلعها

عفت ذات الاصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بنى الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء
وكانت لايزال بها أنيس
خلال مروجها نعم وشاء

(13 - امالى رابع) (*)


98

وأماقوله تعالى (وأنتم تعلمون) فيحتمل وجوها.

أولها أن يريد أنكم تعلمون أن الانداد التى هى الاصنام وماجرى مجراها التى تعبدونها من دون الله تعالى لم تنعم عليكم بهذه النعم لتى عددها ولابأمثالها وأنها لاتضر ولاتنفع ولاتبصر ولا تعتقدون أن الاصنام خلقت السماء والارض من دون الله ولامعه تعالى فالوصف لهم ههنا بالعلم إنما هو لتأكد الحجة عليهم ويصح لزومها لهم لانهم من العلم بما ذكرناه ويكونون أضيق عذرا.

والوجه الثانى أن يكون المراد بقوله تعالى (وأنتم تعلمون) أى تعقلون وتميزون وتعلمون ماتقولون وتفعلون وتأتون وتذرون لان من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف ولزمته الحجة وضاق عذره في التخلف عن النظر وإصابة الحق ونظير ذلك قوله تعالى (إنما يتذكر أولو الالباب. وإنما يخشى الله من عباده العلماء).

والوجه الثالث ماقاله بعض المفسرين كمجاهد وغيره أن المراد بذلك أهل الكتابين

لشعثاء التي قد تيمته
فليس لقلبه منها شفاء
كأن سبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء
* نوليها الملامة إن ألمنا
اذا ما كان مغث أو لحاء
ونشر بها فتتركنا ملوكا
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء *
عدمنا خيلنا ان لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الاعنة مصيغات
على اكتافها الاسل الظماء
فاما تعرضوا عنا ائتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء
والا فاصبروا لجلاد يوم
يعزالله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد يسرت جندا
هم الانصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد
سباء أو قتال أو هجاء *
ونحكم بالقوافي من هجانا
ونضرب حين تختلط الدماء
ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغة فقد برح الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبدا
وعبد الدار سادتها الاماء (*)

99

التوارة والانجيل خاصة ومعنى تعلمون أى أنكم تعلمون أنه إله واحد في التوارة والانجيل فعلى الوجهين الاولين لاتنافى بين هذه الآية وبين قوله تعالى (قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون) لان علمهم تعلق بشئ وجهلهم تعلق بغيره وعلى الوجه الثالث إذا جعلت الآية التى سألنا عنها مختصة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التى وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء ممن لم يكن ذاكتاب يجد فيه التوحيد وكل هذا واضح بحمدالله.

[ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه ومما يفسر من الشعر تفاسير مختلفة والقول محتمل للكل قول امرئ القيس

وقد أغتدى ومعى القانصان
وكل بمربأة مقتفر
فيدركنا فغم داجن
سميع بصير طلوب نكر
ألص الضروس حبى الضلوع
تبوع أريب نشيط أشر
فأنشب أظفاره في النسا
فقلت هبلت ألا تنتصر
فكر إليه بمبراته
كما خل ظهر اللسان المجر
فظل يرنح في غيطل
كما يستدير الحمار النعر(1)

قال ابن السكيت - القانصان - الصائدان - والمربأة - الموضع المرتفع ير بأفيه - والمقتفر -

(1) وروى سميع بصير - في البيت - الثالث بدل تبوع أريب وتمام الابيات

وأركب في الروع خيفانة
كما وجهها سعف منتشر
لها حافر مثل قعب الوليد
ركب فيه وظيف عجر
وساقان كعباهما أصمعا
ن لحم حماتيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسيل
أبرز عنها حجاف مضر
لها متلتان خظاتا كما
أكب على ساعديه النمر
وسالفة كسحوق اللبا
ن أضرم فيها الغوي السعر
لها عذر كقرون النسا
ء ركبن في يوم ربح وصر (*)

100

الذى يقتفر آثار الوحش ويتبعها. وقال غيره - القانصان - البازى والصقر - والفغم - الكلب الحريص على الصيد يقال ما أشد فغمه أى ما أشد حرصه.

قال الاعشى

يأم ديار بنى عامر
وأنت بآل عقيل فغم

أى مولع والداجن - الذى يألف الصيد - والسميع - الذى إذا سمع حسا لم يفته - والبصير - الذى إذا رأى شيئا من بعد لم يكذبه بصره - والتبوع - الذى إذا تبع الصيد أدركه ولم يعجز عن لحوقه - والنكر - المنكر الحاذق بالصيد - ويروى نكر بالضم. وقال ابن السكيت وغيره في قوله - فانشب اظفاره في النسا - أى أنشب الكلب اظفاره في نسا الثور والنسا عرق في الفخذ معروف - فقلت هبلت - أى فقلت للثور هبلت - ألا تنتصر - من الكلب قالوا وهذا تهكم منه بالثور واستهزاء به والاصل في التهكم الوقوع على الشئ يقال تهكم البيت إذا وقع بعضه على بعض.

ومعنى - فكر إليه بمبراته -. قال ابن السكيت وغيره معناه فكر الثور إلى الكلب بمبراته أى بقرنه.

ومعنى - كما خل ظهر اللسان المجر - أى طعنه كما يجر الرجل لسان الفصيل وهو أن يقطع طرف لسانه أو يشقه حتى لايقدر على الشرب من خلف أمه وذلك إذا كبر

لها جبهة كسراة المجن
حذقه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار الضباع
فمنه تريح اذا تنبهر *
لها ثنن كخوافى العقاب
سود يفين اذا تزبئر *
وعين لها حدرة بدرة
شقت مآقيهما من أخر
اذا أقبلت قلت دباء‌ة
من الخضر مغموسة في الغدر
وان أدبرت قلت أثفية
ململمة ليس فيها أثر *
وان أعرضت قلت سرعوفة
لها ذنب خلفها مسبطر
وللسوط فيها مجال كما
تنزل ذو برد منهمر *
وتعدو كعدو نجاة الظباء
أخطأها الحاذف المقتدر
لها وثبات كصوب السحاب
فواد خطا؟؟ وواد مطر (*)

101

واستغنى عن الشرب.

ومعنى - فظل يرنح في غيطل - أى ظل الكلب يرنح أى يميل ويميد كالسكران - والغيطل - الشجر الملتف ويكون أيضا الجلبة والصياح. وقوله - كما يستدير الحمار النعر - والنعر الذى يدخل في رأسه ذباب أزرق أو أخضر(1) فيطمح برأسه وينزو فشبه الكلب في اضطرابه ونزوه بالحمار النعر.

قال ابن مقبل

ترى النعرات الزرق تحت لبانه
أحاد ومثنى أصعقتها صواهله

وقال أحمد بن عبيد - القانصان - الفرس وصاحبه والحجة أن الفرس تسمى قانصا.

قول عدى بن زيد يقنصك الخيل ويصطادك الطير ولايبلغ لهو القنيص أى لا يمنع منه قال وقوله - فأنشب أظفاره في النسا - معناه فأنشب الكلب أظفاره في نساء الثور فقلت لصاحب الفرس أو لغلامى الممسك للفرس هبلت ألا تدنو إلى الثور فتطعنه فقد أمسكه عليك الكلب قال ومحال أن يكون امرؤ القيس أغرى الثور بقتل كلبه لان امرأ القيس يفخر بالصيد ويصفه في أكثر شعره بأنه مرزوق منه مظفر كقوله

إذا ماخرجنا قال ولدان أهلنا
تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب

وكقوله

(1) قوله - ذباب أخضر وأزرق - الخ قال ابن سيدة النعرة ذبابة تسقط على الدواب فتؤذيها حمار نعر وحكى سيبويه نعر إلى اخواته من اللغات التى تطرد فيما كان ثانيه حرفا من حروف الحلق تقدمت له نظائر قال أبوحنيفة هو ذباب أربد ومنه أخضر والجمع نعر قال ولايضير هذا النعر الا الحمير فانه يأتى الحمار فيدخل في منخره فيربض ويعلك بجحفلته الارض وان سمعت الحمير بطنينه ربضت ودسسن أنوفهن في الارض حذاره واذا اعتري الحمار قيل حمار نعر.

وقال مرة قد تعرض النعر للخيل وأنشد أبوعلى في تصديق ذلك لابن مقبل يصف فرسا

تري النعرات الخضر تحت كبانه
أحاد ومثنى أصعقتها صواهله (*)

102
مطعم للصيد ليس له
غيره كسب على كبره

فمحال على هذا أن يغرى الثور بقتل كلبه. قال وتأويل - ألا تنتصر - ألا تدنو من الثور والدليل على أن تنتصر بمعنى تدنو قول الراعى

وأفرغن في وادى جلاميد بعدما
علا البيد سا في القيظة المتناصر

أى المتدانى. وقال مضرس بن ربعى بن أبى الفقعسي

فإنك لا تعطى امرأ حظ غيره
ولاتملك الشق الذى الغيث ناصره

أى دان منه.

ومعنى - ألص الضروس - أى بعض أسنانه تلتصق ببعض - وحبي الضلوع - أى مشرف الضلوع عاليها ويروى حنى الضلوع بالنون أى منحنيها ويقال ان الضلوع إذا تقوست كان أوسع لجوفه وأقوى له ويروى أيضا خفى الضلوع أى ضلوعه خفية داخلة في جنبه. ومعنى - فظل يرنح في غيطل - فظل الثور يرنح غيطل لما طعنه صاحب الفرس وقد يجوز أيضا أن يكون ترنح الثور لظفر الكلب به ولانه أنشب أظفاره فيه وكل ذلك محتمل.

ومما يحتمل أيضا على وجوه مختلفة قول امرئ القيس

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وشمال(1)

(1) - توضح - كثيب أبيض من كثبان حمر بالدهناء قرب اليمامة عن نصر. وقيل توضح من قرى قرقرى باليمامة وهي زروع ليس لها نخل.

وقال العسكرى سئل شيخ قديم عن مياه العرب فقيل له هل وجدت توضح التى ذكرها امرؤ القيس فقال أما والله لقد جئت في ليلة مظلمة فوقفت على فم طويها فلم توجد إلى اليوم - والمقراة - بالكسر ثم السكون وهو في اللغة شبه حوض ضخم يقرأ فيه من البئرأي يحبي اليه وجمعها المقاري والمقارى أيضا الجفان التي تقرى فيها الاضياف. قال ياقوت والمقراة وتوضح في قول امرئ القيس قريتان من نواحي اليمامة. وقال السكري في شرحه لبيت امرئ القيس الدخول وحومل وتوضح والمقراة مواضع بين امرة وأسود العين والبيت من معلقته المشهورة ومطلعها

قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل (*)

103

قال قوم معناه لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط بل لتتابع الرياح والامطار والدليل على ذلك قوله في البيت الاخير فهل عند رسم دارس من معول(1) وقال آخرون ومعنى لم يعطف رسمها لم يدرس فالرسم على هذا القول باق غير دارس. ومعنى قوله في البيت الاخير - رسم دارس - أي فهل عند رسم يندرس في المستقبل وإن كان الساعة موجودا غير دارس.

وقال آخرون في معنى قوله لم يعف مثل الوجه الثانى أي أنه لم يدرس أثرها لما نسجتها بل هى بواق ثوابت فنحن نحزن لها ونجزع عند رؤيتها ولو عفت وامحت لاسترحنا وهذا مثل قول ابن أحمر

ألا ليت المنازل فد بلينا
فلايبكين ذا حزن شجينا

ومثل قول الآخر

ليت الديارالتى تبقى لتحزننا
كانت تبين إذا ما أهلها بانوا

وليس قوله فهل عند رسم دارس من معول نقضا لهذا إنما هو كقولك درس كتابك

(1) قوله - فهل عند رسم دارس - الخ صدره. وإن شفائى عبرة مهراقة. ومعنى - من معول - من مبكي وقيل من مستغاث وقيل من محمل ومعتمد وقيل في قوله * فهل عند رسم دارس من معول * مذهبان أحدهما انه مصدر عولت عليه أن اتكلت فلما قال ان شفائي عبرة مهراقة صار كأنه قال انما راحتى في البكاء فما معنى اتكالي في شفاء غليلى في رسم دارس لاغناء عنده عنى فسبيلى أن أقبل على بكائى ولا أعول في برد غليلى على ما لاغناء عنده وأدخل الفاء في قوله فهل عند لتربط آخر الكلام بأوله فكأنه قال اذا كان شفائى انما هو في فيض دمعى فسبيلى أن لا أعول على رسم دارس في دفع حزني وينبغي أن آخذ في البكاء الذي هو سبب الشفاء وللذهب الآخر أن يكون معول مصدر عولت بمعنى أعولت أي بكيت فيكون معناه فهل عند رسم دارس من إعوال وبكاء وعلى أي الامرين حملت المعول فدخول الفاء على هل حسن جميل (*)


104

أى ذهب بعضه وبقى بعض. وقال أبوبكر العبدى معناه لم يعف رسمها من قلبى وهو دارس من الموضع فلم يتناول قوله ولم يعف رسمها ما تناوله قوله فهل عند رسم دارس من جميع وجوهه فيتناقض الكلام. وقال آخرون أراد بقوله لم يعف أي لم يدرس ثم أكذب نفسه بقوله فهل عند رسم دارس من معول كما قال زهير

قف بالديار التى لم يعفها القدم
بلى وغيرها الارواح والديم(1)

وكما قال آخر

فلاتبعدن ياخير عمرو بن مالك
بلى إن من زار القبور ليبعدا

أراد ليبعدن فأبدل الالف من النون الخفيفه وهذا وجه ضعيف وبيت زهير لايجب فيه ما توهم من المناقضة والتكذيب لانه يمكن أن يحمل على ماذكرناه من أحد الوجوه المتقدمة من أنه أراد رسمها لم يعف ولم يبطل كله وإن كان قد غيرته الديم والارواح

(1) البيت مطلع قصيدة يمدح بها هرم بن سنان وهي احدى حولياته وبعده

لا الدار غيرها بعدي الانيس وما
بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم
دار لاسماء بالغمرين ماثلة
كالوحى ليس بها من أهلها أرم
وقد أراها حديثا غير مقوية
السر منها فوادي الجفر فالهدم
فلا لكان إلى وادي الغمار فلا
شرقى سلمى فلا فيد فلا رهم
شطت بهم قرقرى برك بايمنهم
والعاريات وعن أيسارهم خيم
عوم السفين فلما حال دونهم
فند القريات فلعتكان فالكرم
كأن عينى وقد سال السليل بهم
وعبرة ما هم لو انهم أمم
غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق
في السلك خان به رباته النظم
عهدى بهم يوم باب القريتين وقد
زال الهماليج بالفرسان فاللجم
افستبدلت بعدنا دارا يمانية
ترعى الخريف فادنى دارها ظلم
ان البخيل ملوم حيث كان ول‍
- كن الجواد على علاته هرم
القائد الخيل منكوبا دوابرها
منها الشنون ومنها الزاهق الزهم (*)

105

بعضه وأثرت في بعض فأما البيت الثانى فلاحجة في خمله لانه لم يتضمن إثباتا ونفيا وإنما دعاله بان لا يبعد ثم رجع إلى قوله بلى إنه ليبعد من زار القبور ومايدعى به غير واجب عليه ولا ثابت فيكف به في البيت الثانى.

وقد يمكن في البيت وجه آخر وهو أن يكون معنى لم يعف رسمها أى لم يزد فيكثر فيظهر حتى يعرفه المترسم ويتنبه المتأمل بل هو خاف غير لائح ولا ظاهر ثم قال من بعد فهل عند رسم دارس من معول فلم يتناقض الاول لانه قد أثبت الدروس له في كلا الموضعين ولاشبهة في أن عفا من حروف الاضداد التى تستعمل تارة في الدروس وتارة في الزيادة والكثرة قال الله تعالى (حتى عفوا) أى كثروا قد عفا الشعر أى كثر وقال الشاعر

ولكنا نعض السيف منها
بأسوق عافيات اللحم كوم

أراد كثيرات اللحم يقال قد عفا وبر البعير إذا زاد ويقال أعفيت الشعر وعفوته إذا كثرته وزدت فيه وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تحفى الشوارب وتعفى اللحي أي توفر وهذا الوجه عندي أشبه مما تقدم

(مجلس آخر 68)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) الآية فقال من هارون الذى نسبت مريم عليها السلام إلى أنها أخته. ومعلوم أنها لم تكن أختا لهارون أخى موسى عليهما السلام ومامعنى (من كان في المهد صبيا) ولفظة كان تدل على مامضى من الزمان وعيسى عليه السلام في حال قولهم ذلك كان في المهد.

الجواب قلنا أما هارون الذى نسبت إليه مريم عليها السلام فقد قيل فيه أقوال منها أن هارون المذكور في الآية كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والشر وفساد الطريقة فلما أنكروا ماجاء‌ت به من الولد وظنوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها وتمثيلا وكان تقدير الكلام ياشبيهة هارون في فسقه وقبح فعله وهذا القول يروى عن سعيد بن جبير.

ومنها أن هارون هذا كان أخاها لابيها دون أمها (14 - امالى رابع)


106

وقيل إنه كان أخاها لابيها وأمها وكان رجلا معروفا بالصلاح وحسن الطريقة والعبادة والتأله. وقيل إنه لم يكن أخاها على الحقيقة بل كان رجلا صالحا من قومها وإنه لما مات شيع جنازته أربعون ألف رجل كلهم يسمون هارون من بنى إسرائيل فلما أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها يا أخت هارون أى بالشبهة بالصلاح ما كان هذا معروفا منك ولا كان والدك ممن يفعل القبيح ولايتطرق عليه الريب. وعلى قول من قال إنه كان أخاها يكون معنى قولهم إنك من أهل بيت الصلاح والسداد لان أباك لم يكن امرأ سوء ولا كانت أمك بغيا وأنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح والسداد والعفة فكيف أتيت بما لايشبه نسبك ولايعرف من مثلك.

ويقوى هذا القول مارواه المغيرة بن شعبة. قال لما أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران قال لى أهلها أليس نبيكم يزعم أن هارون أخو موسى وقد علم الله تعالى ما كان بين موسى وعيسى من النبيين فلم أدر ما أورد عليهم حتى رجعت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال لى فهلا قلت إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم. ومنها أن يكون معنى يا أخت هارون يا من هي من نسل هارون أخى موسى كما يقال للرجل يا أخا تميم ويا أخا بنى فلان.

وذكر مقاتل بن سليمان في قوله تعالى يا أخت هارون قال روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال هارون الذى ذكروه هو هارون أخو موسى عليهما السلام. قال مقاتل تأويل ياأخت هارون يامن هى من نسل هارون كما قال تعالى (وإلى عاد أخاهم هودا. وإلى ثمود أخاهم صالحا) يعنى بأخيهم أنه من نسلهم وجنسهم وكل قول من هذه الاقوال قد اختاره قوم من المفسرين.

فأما قوله تعالى (من كان في المهد صبيا) فهو كلام مبنى على الشرط والجزاء مقصود به إليهما والمعنى من يكن في المهد صبيا فيكيف نكلمه ووضع في ظاهر اللفظ الماضى موضع المستقبل لان الشارط لايشرط إلا فيما يستقبل فيقول القائل إن زرتنى زرتك يريد إن تزرنى أزرك قال الله تعالى (إن شاء جعل لك خيرا) يعنى إن يشاء يجعل وقال قطرب معنى كان ههنا معنى صار فكأن المعنى وكيف نلكم من صار في المهد صبيا ويشهد بذلك قول زهير

أجزت إليه حرة أرحبية
وقد كان لون الليل مثل الارندج

107

وقال غيره كان ههنا بمعنى خلق ووجد كما قالت العرب كان الحر وكان البرد أى وجدا وحدثا. وقال قوم لفظة كان وإن أريد بها الماضى فقد يراد بها الحال والاستقبال كقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) أى أنتم كذلك وكذلك قوله تعالى (هل كنت إلا بشر رسولا) وقول الله تعالى (وكان الله عليما حكيما) وإن كان قد قيل في هذه الآية الاخيرة غير هذا. قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه وحكمته تعالى ما شاهدوا فاخبرهم تعالى أنه لم يزل عليما حكيما أى فلا تظنوا انه استفاد علما وحكمة لم يكن عليهما.

ومما يقوى مذهب من وضع لفظة الماضى في موضع الحال والاستقبال قوله تعالى (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم) وقوله تعالى (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) وقولهم في الدعاء غفر الله لك وأطال بقاك وما جرى مجرى ذلك ومعنى الكل يفعل الله ذلك بك الا أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضى في موضع المستقبل قال الشاعر

فأدركت من قد كان قبلى ولم أدع
لمن كان بعدى في الفضائل مقعدا

أراد لمن يكون بعدى.

ومما جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضى قول الصلتان العبدى يرثى المغيرة بن المهلب

قل للقوافل والغزاة إذا غزوا
والباكرين وللمجد الرائح(1)
إن الشجاعة والسماحة ضمنا
قبرا بمرو على الطريق الواضح(2)

(1) قوله - قل للقوافل - الخ القوافل جمع قافلة وهي الرفقة الراجعة من سفرها إلى وطنها - والغزاة - جمع غاز - والباكرين - جمع باكر يقال بكر بكورا من باب قعد أسرع في الذهاب من أول النهار - وأجد - في الامر اجتهد - والرائح - الراجع

(2) قوله - ان الشجاعة والسماحة - الخ هذا مقول القول. وروى أيضا ان السماحة والمروء‌ة - والسماحة - الجود والعطاء - المروء‌ة - آداب نفسانية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الاخلاق وجميل العادات يقال مرؤ الانسان وهو مري كقرب فهو قريب أى ذو مروء‌ة.

قال الجوهري وقد تشدد فيقل مروة - وضمنا - (*)


108
فإذا مررت بقبره فاعقر به
كوم المطى وكل طرف سابح(1)
وانضح جوانب قبره بدمائها
فلقد يكون أخادم وذبائح(2)

بالبناء للمفعول متعد لمفعولين. أحدهما نائب الفاعل وهو ضمير التثنية. والثانى قبرا وهو مقلوب لانه يقال ضمنت الشئ كذا أى جعلته محتويا عليه وفي القلب هنا نكتة كأنهما لكثرتهما لايسعهما القبر فهما اشتملا على القبر وأحاطا بجوانبه - ومرو - هنا مرو الشاهجان لامرو الروذ وكلاهما في إقليم خراسان.

قال ابن خلكان ومن سراة أولاد المهلب أبوفراس المغيرة وكان أبوه يقدمه في قتال الخوارج وله معهم وقائع مشهورة أبان فيها عن نجدة وصرامة وكان مع أبيه في خراسان واستنابه بمرو الشاهجان وتوفى في حياة أبيه سنة اثنين وثمانين في رجب وهذا البيت استشهد به النحويون على أنه أعاد الضمير إلى المؤنثين بضمير المذكرين وكان القياس أن يقول ضمنتا وعده ابن عصفور من قبيل الضرورة

(1) قوله - فاذا مررت بقبره - الخ - عقر البعير بالسيف من باب ضرب اذا ضرب قوائمه به لايطلق العقر في غير القوائم وربما قيل عقره اذا نحره كذا في المصباح - والكوم - بالضم جمع كوماء بالفتح والمد وهي الناقة السمينة للطى - ويروى - بدله؟؟ الجلاد بكسر الجيم جمع جلدة بفتحها وهي أدسم الابل لبنا - والطرف - بالكسر الاصيل من الخيل - والسابح - بالموحدة من سبح الفرس اذا جرى يقال فرس سابح اذا جرى بقوة

(2) قوله - وأنضح جوانب قبره - النضح بالحاء المهملة الرش القليل وبالخاء المعجمة البل يقال نضخ ثوبه اذا بله فهو أبلغ من الاول. واختلف في سبب عقرهم الابل على القبور فقال قوم انما كانوا يفعلون ذلك مكافأة للميت على ما كان يعقره من الابل في حياته وينحره للاضياف واحتجوا بقول الشاعر وانضح جوانب قبره الخ. وقال قوم انما كانوا يفعلون ذلك إعظاما للميت كما كانوا يذبحون للاصنام وقيل انما كانوا يفعلونه لان الابل كانت تأكل عظام الموتى اذا بليت فكأنهم كانوا يتأرون لهم فيه وقيل إن الابل أنفس أموالهم فكانوا يريدون بذلك انها قد هانت عليهم لعظم المصيبة. والبيت (*)


109

معناه فلقد كان

يستشهد به النحويون على أن المضارع وهو يكون مؤول بالماضى أى ولقد كان لانه في مرثية ميت وهو إخبار عن شئ وقع ومضى لا إخبار عما سيقع لانه غير ممكن.

قال ابن الشجرى في أماليه قال أبوالفتح عثمان بن جنى قال لى أبوعلى سألت يوما أبابكر بن السراج عن الافعال فقال يقع بعضها موقع بعض فقال كان ينبغي للافعال كلها أن تكون مثالا واحدا لانها لمعنى واحد ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان فاذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها موقع بعض.

قال أبوالفتح وهذا الكلام من أبى بكر عال سديد. وهذه الابيات الصحيح انها لزياد الاعجم يرثى بها المغيرة بن المهلب وقيل المغيرة بن أبي صفرة أخا المهلب وهي من قصيدة أولها قل للقوافل الخ الابيات الاربعة وبعدها

واظهر ببزته وعقد لوائه
واهتف بدعوة مصلتين شرامح
آب الجنود معقلا أو قافلا
وأقام رهن حفيرة وضرائح
وأرى المكارم يوم زيل بنعشه
زالت بفضل فواضل ومدائح
رجفت لمصرعه البلاد وأصبحت
منا القلوب لذاك غير صحائح
ألآن لما كنت أكمل من مشى
وافترنابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروء‌ة كلها
وأعنت ذلك بالفعال الصالح
فكفي لنا حزنا ببيت حله
إحدي المنون فليس عنه ببارح
فعفت منابره وحط سروجه
عن كل طامحة وطرف طامح
واذا يناح على امرئ فتعلمى
ان المغرية فوق نوح النائح
تبكى المغيرة خيلنا ورماحنا
والباكيات برنة وتصايح
مات المغيرة بعد طول تعرض
للموت بين أسنة وصفائح
والقتل ليس الي القتال ولا أرى
سببا يؤخر للشفيق الناصح
* لله در منية فاتت به
فلقد أراه يرد غرب الجامح

110

[ تأويل خبر ]. إن سأل سائل فقال كيف يطابق ماروى عن النبى صلى عليه وسلم أنه قال لاعدوى ولاطيرة ولاهامة وأنه قيل له عليه الصلاة والسلام إن النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الابل فقال عليه الصلاة والسلام فمن أعدى الاول لما روى عنه عليه الصلاة والسلام من قوله لايوردن ذو عاهة على مصح وقوله

ولقد أراه مجنبا أفراسه
يغشى الاسنة فوق نهد قارح
في جحفل لجب ترى أبطاله
منه تعضل بالفضاء الفاسخ
يقص الحزونة والسهولة اذ غدى
بزهاء أرعن مثل ليل جانح
ولقد أراه مقدما أفراسه
يدنى مراجح في الوغى لمراجح
فتيان عادية لدي مرسى الوغى
سنوا بسنة معلمين جحاجح
لبسوا السوابغ في الحروب كانها
غدر تحيز في بطون أباطخ
واذا الضراب عن الطعان بدالهم
ضربوا بمرهفة الصدور جوارح
لو عند ذلك قارعته منية
قرع الحواء وضم سرح السارح
كنت الغياث لارضنا فتركتنا
فاليوم نصبر للزمان الكالح
فانع المغيرة للمغيرة اذ غدت
شعواء مشعرة لنبح النابح
صفان مختلفان حين تلاقيا
آبوا بوجه مطلق أو ناكح
ومدجج كره الكماة نزاله
شاكى السلاح مسايف أو رامح
قد زار كبش كتيبة بكتيبة
يؤدي لكوكبها برأس طامح
غيرن دون نسائه وبناته
حامي الحقيقة للحروب مكاوح
سبقت يداك له بعاجل طعنة
شهقت لمنفذها أصول جوانح
والخيل تضبح بالكماة وقد جرت
فوق النحور دماؤها بسرائح
يالهفتا يا لهفتا لك كلما
خيف المغير على المدر الماسخ
تشفى بحلمك لابن عمك جهله
وتذب عنه كفاح كل مكافح
واذا يصول بك ابن عمك لم يصل
بمواكل وكل غداة تجالح
صل يموت سليمه بل الرقى
ومخاتل لعدوه بتصافح (*)

111

فر من الاجذم فرارك من الاسد. وأن رجلا مجذوما أتاه ليبايعه بيعة الاسلام فأرسل إليه بالبيعة وأمره بالانصراف ولم يأذن عليه الصلاة والسلام. وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال الشؤم في المرأة والدار والدابة وظواهر هذه الاخبار متناقضة متنافية فبينوا وجه الجمع بينها. الجواب قلنا إن ابن قتيبة قد سأل نفسه عن اختلاف هذه الاخبار وأجاب عن ذلك بما نذكره على وجهه ونذكر ماعندنا فيه فإنه خلط وأتى بما ليس بمرضى.

قال إن لكل من هذه الاخبار معنى وموضعا فإذا وضع موضعه زال الاختلاف قال وللعدوى معنيان.

أحدهما عدوي الجذام فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم في الحال مجالسيه ومواكليه وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الاذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكثير إليه وكذلك من كان به سل ودق والاطباء تأمر بأن لايجالس المسلول والمجذوم ولايريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون بذلك تغير الرائحة وأنها قد يسقم في الحال اشتمامها والاطباء أبعد الناس من الايمان بيمن أو شؤم. وكذلك

واذا الامور على الرجال تشابهت
وتنوزعت بمغالق ومفاتح
فتل السحيل بمبرم ذي مرة
دون الرجال بفضل عقل راجح
وأرى الصعالك للمغيرة أصبحت
تبكي على طلق اليدين مسامح
كان الربيع لهم اذا انتجعوا الندى
وخبت لوامع كل برق لامح
كان المهلب بالمغيرة كالذى
ألقى الدلاء إلى قليب المائح
فاصاب جمة ما استقى فسقى له
في حوضه بنوازع ومواتح
أيام لو يحتل وسط مفارة
فاضت معاطشها بشرب سائح
إن المهلب لن يزال لها فتى
يمرى قوادم كل حرب لاقح
بالمقربات لواقحا آطالها
تجتاب سهل سباسب وصحاصح
متلببا تهفو الكتائب حوله
ملح المنون من النضيح الراشح
ملك أغر متوج يسمو له
طرف الصديق بغض طرف الكاشح
رفاع ألوية الحروب إلى العدى
بسعود طير سانح وبوارح (*)

112

النقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب فإذا خالط الابل وحاكها وصل إليها بالماء الذى يسيل منه وتجرب بمائه فهذا هو المعنى الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لايوردن ذوعاهة على مصح قال وقد ذهب قوم إلى أنه أراد عليه الصلاة والسلام بذلك أن لا يظن أن الذى نال إبله من ذوات العاهة فيأثم قال وليس هذا عندى وجه لانا نجد الذى خبرتك به عيانا. قال وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من الطاعون.

وحكى عن الاصمعى عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون فركب حمارا ومضي بأهله نحو سفوان فسمع حاديا يحدو خلفه فيقول

لن يسبق الله على حمار
ولاعلى ذى ميعة مطار
أو يأتى الحتف على مقدار
قد يصبح الله أمام السارى

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان بالبلد الذى أنتم فيه فلاتخرجوا منه وقال عليه الصلاة والسلام أيضا إذا كان ببلد فلا تدخلوه يريد بقوله عليه الصلاة والسلام لاتخرجوا من البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم ويريد بقوله عليه الصلاة والسلام إذا كان ببلد فلاتدخلوه إن مقامكم بالموضع الذى لاطاعون فيه أسكن لانفسكم وأطيب لعيشكم قال ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم والدار فينال الرجل مكروها أو جائحة فيقول أعدتنى بشؤمها قال فهذا هو الذى قال فيه عليه الصلاة والسلام لاعدوى.

فأما الحديث الذى رواه أبوهريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال الشؤم في المرأة والدار والدابة فإن هذا يتوهم فيه الغلط على أبى هريرة وأنه سمع من النبى صلى الله عليه وسلم شيئا فلم يعه. وروى ابن قتيبة خبرا ورفعه إلى أبى حسان الاعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا إن أباهريرة يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا فقالت كذب والذى أنزل القرآن على أبى القاسم من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قال عليه الصلاة والسلام كان أهل الجاهية يقولون إن الطيرة في المرأة والدار والدابة ثم قرأت (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم) إلآية.

وروى خبرا يرفعه إلى أنس بن مالك قال جاء


113

رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثر بها أموالنا ثم تحولنا منها إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وقل عددنا فقال عليه الصلاة والسلام ذروها فهى ذميمة قال ابن قتيبة وهذا ليس ينقض الحديث الاول وإنما أمرهم بالتحول منها لانهم كانوا مقيمين فيها على استثقال ظلها واستيحاش لما نالهم فيها وأمرهم عليه الصلاة والسلام بالتحول منها وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ماينالهم السؤ فيه وإن كان لاسبب له في ذلك وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ماوجدنا ابن قتيبة عمل شيئا أكثر من أنه لما أعجزه تأويل الاخبار التى سأل نفسه عنها والمطابقة بينها وبين قوله عليه الصلاة والسلام لاعدوى ولاطيرة ادعى الخصوص فيما ظاهره العموم وخص العدوى بشئ دون آخر وكلاهما سواء وأورد تأويلا يدفعه نص قوله عليه الصلاة والسلام لانه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الابل قال عليه الصلاة والسلام فما أعدى الاول تكذيبا بعدوى هذه النقبة وتأثيرها فاطرح ابن قتيبة ذلك وزعم أن الجرب يعدى ويؤثر في المخالط والمؤاكل وعول في ذلك على قول الاطباء وترك قول الرسول عليه الصلاة والسلام.

ومن ظريف أمره أنه قال إن الاطباء ينهون عن مجالسة المسلول والمجذوم ولايريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون تغير الرائحة وأنها تسقم من أدمن اشتمامها وهذا غلط منه لان الاطباء إنما تنهى عن ذلك خوفا من العدوى وسبب العدوي عندهم هو اشتمام الرائحة وانفصال أجزاء من السقيم إلى الصحيح وليس إذا كان غير هذا عدوي عند قوم مايوجب أن لا يكون هذا أيضا عدوى. ولما حكى عن غيره تأويلا صحيحا في قوله عليه الصلاة والسلام لايوردن ذوعامة على مصح ادعى أن العيان يدفع وأى عيان معه ونحن نجد كثيرا ممن يخالط الجربي فلايجرب ونجد إبلا صحاحا تخالط ذوات العاهات فلايصيبها شئ من أدوائها فكأنه إنما يدعى أن العيان يدفع قول النبى صلى الله عليه وسلم فما أعدى الاول.

والوجه عندنا في قول النبى عليه الصلاة والسلام لايوردن ذوعاهة على مصح أنه عليه الصلاة والسلام إنما نهى (15 امالى رابع)


114

عن ذلك وإن لم يكن مؤثرا على الحقيقة لان فاعله كالمدخل الضرر على غيره لان من اعتقد أن ذلك يعدى ويؤثر فأورد على إبله فلابد من أن يلحقه لما تقدم من اعتقاده ضرر وغم ولابد من أن يذم من عامله بذلك فكأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن أذى الناس والتعرض لذمهم وقد يجوز أيضا فيه ماحكاه ابن قتيبة عن غيره مما لم يرتضه من أنهم متى ظنوا ذلك أثموا فنهى عليه الصلاة والسلام عن التعرض لما يؤثم.

ولو نقل ابن قتيبة ماقاله عليه الصلاة والسلام في الطاعون إذا كان ببلد فلاتدخلوه وأمره لمن شكى إليه بالتحول عنها إلى ههنا لكان قد أصاب لانه حمل ذلك على أن تجنب البلد أسكن للنفس وأطيب للعيش وكذلك الدار فهذا يمكن في قوله عليه الصلاة والسلام لايوردن ذوعاهة على مصح بعينه.

فأما قوله عليه الصلاة والسلام فر من المجذوم فرارك من الاسد فليس فيه أن ذلك لاجل العدوى وقد يمكن أن يكون لاجل نتن ريحه واستقذاره ونفور النفس منه وأن ذلك ربما دعى إلى تعييره والازراء عليه وامتناعه عليه الصلاة والسلام من إدخال المجذوم عليه ليبايعه يجوز أن يكون الغرض فيه غير العدوى بل بعض الاسباب المانعة التى ذكرنا بعضها.

وأما حديث الطاعون والقول فيه على ماقاله فقد كان سبيله لما عول في عدوى الجذام والجرب على قول الاطباء إن يرجع أيضا إلى أقوالهم في الطاعون لانهم يزعمون أن الطاعون الذى يعرض من تغير الاهوية وماجرى مجراها يعدى كعدوى الجرب والجذام والعيان الذى ادعاه ليس هو أكثر من وجوده من يجرب أن يجذم لمخالطة من ان بهذه الصفة وهذاالعيان موجود في الطاعون فإنا نرى عمومه لمن يسكن البلد الذى يكون فيه ويطرأ إليه.

فأما الخبر الذى يتضمن أن الشؤم في المرأة والدار والدابة فألذى ذكره من الرواية في معناه يزيل الشبهة به على أنه لو لم يكن ههنا رواية في تأويله جاز أن يحمل على أن الذى يتطير به المتطيرون ويدعون الشؤم فيه هو المرأة والدار والدابة ولايكون ذلك إثباتا للطيرة والشؤم في هذه الاشياء بل على طريق الاخبار بأن الطيرة الثابتة إنما هى فيها لقوة أمرها عند أصحاب الطيرة. وماذكره بعد ذلك في الدار وأمره عليه الصلاة والسلام بانتقاله عنها تأويل قريب وقد كان يجب أن يهتدى إليه مما تقدم


115

وما التوفيق إلا من عندالله العزيز الحكيم

(مجلس آخر 69)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى (ماكان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) الآية. فقال أو ليس ظاهر هذا الكلام يقتضى جواز الحجاب عليه تعالى وأنتم تمنعون من ذلك.

الجواب قلنا ليس في الآية أكثر من ذكر الحجاب وليس فيها أنه حجاب له تعالى ولمحل كلامه أو لمن يكلمه وإذا لم يكن في الظاهر شئ من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره عزوجل مما يجوز أن يكون محجوبا فقد يجوز إن يريد تعالى بقوله أو من وراء حجاب أنه يفعل كلاما في جسم محتجب عن المتكلم غير معلوم له على سبيل التفصيل فيسمع المخاطب الكلام ولايعرف محله على طريق التفصيل فيقال على هذا هو متكلم من وراء حجاب.

وروى عن مجاهد في قوله تعالى (وماكان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) قال هو داود عليه السلام أوحى في صدره فزبر الزبور أو من وراء حجاب وهو موسى عليه السلام أو ترسل رسولا وهو جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

فأما أبوعلى الجبائي فإنه ذكر أن المراد بالآية (وما كان لبشر أن يكلمه الله) إلا مثل مايكلم به عباده من الامر بطاعته والنهى لهم عم معاصيه وتنبيهه إياهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام أو ما أشبه ذلك على سبيل الوحى. قال وإنما سمي الله ذلك وحيا لانه خاطر وتنبيه وليس هو كلاما لهم على سبيل الافصاح كما يفصح الرجل منا لصاحبه إذا خاطبه والوحى في اللغة إنما هو ماجرى مجرى الايماء والتنبيه على شئ من غير أن يفصح به فهذا هو معنى ماذكره الله تعالى في الآية. قال وعنى بقوله (أو من وراء حجاب) أى يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه إلا من يريد أن يكلمه به نحو كلامه لموسى عليه السلام لانه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا موسى وحده في كلامه إياه أولا فأما كلامه إياه في المرة الثانية فإنه إنما أسمع ذلك موسى عليه السلام والسبعين الذين كانوا معه


116

وحجبه عن جميع الخلق سواهم فهذا هو معنى قوله عزوجل (أو من وراء حجاب) لان الكلا هو الذى كان محجوبا عن الناس. وقد يقال أنه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الذى أقام الكلام فيه فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه لان الكلام عرض لايقوم إلا في جسم ولايجوز أن يكون أراد تعالى بقوله (أو من وراء حجاب) أن الله تعالى كان (من وراء حجاب) يكلم عباده لان الحجاب لايجوز إلا على الاجسام المحدودة.

قال وعنى بقوله (أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء) إرساله ملائكة بكتبه وكلامه إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ليبلغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وإنزاله سائر الكتب على أنبيائه عليه الصلاة والسلام فهذا ضرب من الكلام الذى يكلم الله تعالى عباده ويأمرهم بطاعته وينهاهم عن معاصيه من غير أن يكلمهم على سبيل ما كلم به موسى عليه السلام وهذا الكلام هو خلاف الوحي الذى ذكره الله تعالي في أول الآية لانه قد أفصح تعالى لهم في هذا الكلام بما أمرهم به ونهاهم عنه والوحى الذى ذكره تعالى في أول الآية إنما هو تنبيه وخاطر وليس إفصاح وهذا الذى ذكره أبوعلى أيضا سديد والكلام محتمل لما ذكره.

ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بالحجاب البعد والخفاء ونفى الظهور وقد تستعمل العرب لفظ الحجاب فيما ذكرناه يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه واستبطأ فطنته بينى وبينك حجاب وتقول للامر الذى تستبعده وتستصعب طريقة بينى وبين هذا الامر حجاب وموانع وسواتر وماجرى مجرى ذلك فيكون معنى الآية أنه تعالى لايكلم البشر إلا وحيا بإن يخطرفى قلوبهم أو بأن ينصب لهم أدلة تدلهم على مايريده أو يكرهه منهم فيكون من حيث نصبه للدلالة على ذلك والارشاد إليه مخاطبا ومكلما للعباد بما يدل عليه وجعل تعالى هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا كما يسمع الخاطر وقول الرسول ولا ظاهرا معلوما لكل من أدركه كما أن أقوال الرسل المؤدين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة فصار الحجاب هناك كناية عن الخفاء وغيره مما يدل عليه الدلالة وليس لاحد أن يقول إن الذى يدل عليه الاجسام هو من صفاته تعالى وأحواله ومراده ولايقال أنه تعالى متكلم لذاته وذلك أن غير ممتنع


117

على سبيل التجوز أن يقال انه تعالى فيما يدل عليه الدليل الذى نصبه الله تعالى ليدل على مراره ويرشد إليه إنه مكلم لنا ومخاطب ولهذا لايمتنع المسلمون من أن يقولوا إنه تعالى خاطبنا بما دلت عليه الادلة العقلية وأمرنا بعبادته واجتناب ما كرهه منا وفعل ما أراده وهكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الامور قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا بكذا وكذا وقال لنا وأمرنا وزجرنا وما أشبه ذلك من الالفاظ التى يجرونها على الكلام الحقيقى وهذا الاستعمال أكثر وأظهر من أن نورد أمثاله ونظائره [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ومن مستحسن ماقيل في الذئب قول أسماء بن خارجة بن حصن الفزارى

ولقد ألم بنا لنقريه
بادى الشقاء محارف الكسب
يدعو الغنا أن نال علقته
من مطعم غبا إلى غب
وطوى ثميلته وألحقها
بالصلب بعد لدونة الصلب
ياضل سعيك ما صنعت بها
جمعت من شب إلى دب
لو كنت ذالب تعيش به
لفعلت فعل المرء ذى اللب
وجمعت صالح ما احترفت وما
جمعت من نهب إلى نهب
وأظنه شغبا تدل به
فلقد منيت بغاية الشغب
أو كان غير مناصل تعصى بها
مشحوذة وركائب الركب
فاغمذ إلى أهل الوقير فما
يخشاك غير مقرمص الذرب
أحسبتنا ممن تطيف به
فاختر بها للامن والخصب
وبغير معرفة ولاسبب
أنى وشعبك ليس من شعبي
لما رأى أن ليس نافعه
جد تهاون صادق الارب

118
وألح إلحاحا لحاجته
شكوى الضرير ومزجر الكلب
بادى التكلح يشتكى سغبا
وأنا ابن قاتل شدة السغب
فرأيت أن قد نلته بأذى
من بعد مثلبة ومن سب
ورأيت حقا أن أضيفه
إذا أم سلمى واتقى حربى
فوقفت معتاما أزاولها
بمهند ذى رونق عضب
فعرضته في ساق أسمنها
فاجتاز بين الحاذ والكعب
فتركتها لعياله جزرا
عمدا وعلق رحلها صحبى

ذكر ذئبا طرقه ليلا.

وقوله - محارف الكسب - مثل ضربه أى لايبقى له نشب إلا شئ يكتسبه. وقوله - يدعوا الغنا أن نال علقته - أى إن وجد ما يتعلق به من مطعم - غبا إلى غب - أى من يومين فذلك عنده الغنا - والثميلة ما يبقى في البطن من طعام أو علف. ومعنى طوى ثميلة ذهب بها وأراد أنه لم يبق في بطنه ما يمسكه - واللدونة - اللين فأراد أنه ألحق بقية طعامه بصلبه بعد أن لان ماصلب منها ثم أقبل على الذئب كالعاذل له فقال ماصنعت بما جمعت من شب إلى دب وهذان اسمان للشباب والهرم لايفردان ولايلفظ بهما إلا هكذا. والمعنى فيهما هو مذ كنت شابا إلى أن دببت على العصا ثم قال له لو كنت ذالب لجمعت ما تصيبه. ومعنى - احترفت - اكتسبت. ومعنى - من نهب إلى نهب - أى من عدوتك على الغنم إلى العدوة الاخرى.

ثم قال إن كان تعرضك شغبا علينا فقد منيت بغاية الشغب أى اننا ننافرك ونقاتلك وليس ههنا ماتغير عليه وإنما معنا - مناصل - أى سيوف مشحوذة وركائبنا التى نمتطيها فاعمد إلى أهل الوقير - والوقير - القطيع من الغنم ولايسمى وقيرا إلا إذا كان فيه حمار يقول فعليك بمواضع الغنم فإنما يخشاك الراعى - المقرمص - الذى يتخذ القرموصة وأصله المكان الضيق وهو ههنا حفيرة يحتفرها الراعى في الرمل في شدة الحر للشاة الكريمة الصفية حتى إذا بركت كان ضرعها في القرموصة. ومعنى - شعبك ليس من شعبى - أى لست من جنسى ولا


119

شكلى - والارب - الخديعة عند الحاجة - وشكوى - الضرير الذى قد مسه الضر - ومزجر الكلب - أى هو منا قريب المكان بقدر مزجر الكلب إذا زجرته أى إذا خسأته لدى جناية - والسغب - الجوع. وأراد بقوله - وأنا ابن قاتل شدة السغب - أى أنا ابن من كان يقرى ويطعم.

ثم رجع فقال رأيت بعد ما سببته وعضضته بالاذى والعدم أن أضيفه وأقريه لانه ضيف وإن كان ذيئا فوقفت أنظرفى ركائبى وأختار أسمنها والاعتيام الاختيار وأزاولها ألابسها - والحاذان - حدالفخذين اللذين يليان الذئب وخبر أن رحل المطية التى عقرها علقه بعض أصحابه على مطية أخرى.

وقال النجاشى يذكر ذئبا

وماء كلون الغسل قد عادا آجنا
قليل به الاصوات في بلد محل(1)
وجدت عليه الذئب يعوى كأنه
خليع خلامن كل مال ومن أهل(2)
فقلت له ياذئب هل لك في فتى
يواسى بلا من عليك ولابخل(3)
فقال هداك الله للرشد إنما
دعوت لما لم يأته سبع قبلى(4)

(1) قوله - وماء كلون الغسل - الخ الواو في وماء واو رب والغسل بكسر الغين المعجمة ما يغسل به الرأس من سدر وخطمى ونحو ذلك. يريد أن ذلك الماء كان متغير اللون من طول المكث مخضرا ومصفرا ونحوهما - والآجن - بالمد وكسر الجيم الماء المتغير الطعم واللون.

وقوله - قليل به الاصوات - يريد انه قفر لاحيوان فيه - والبلد - الارض والمكان - والمحل - الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الارض من الكلا

(2) قوله - كأنه خليع - الخليع الذى خلعه أهله لجناياته وتبرؤا منه

(3) قوله - فقلت له يا ذئب هل لك - الخ يقول هل لك في أخ يعنى نفسه يواسيك من طعامه بغير من ولابخل

(4) قوله - فقال هداك الله - أي فقال له الذئب قد دعوتني إلى شئ لم يفعله السباع قبلى من مؤاكلة بنى آدم وهذا لايمكننى فعله ولست بأتيه ولا أستطيعه ولكن ان كان في مائك الذى معك لنسل؟؟؟ عما تحتاج اليه فاسقنى منه وهذا الكلام وضعه النجاشى على (*)


120
فلست بآتيه ولا أستطيعه
ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذافضل(1)
فقلت عليك الحوض إنى تركته
وفى صغوه فضل القلوص من السجل(2)
فطرب يستعوى ذئابا كثيرة
وعذت وكل من هواه على شغل

وروى أن الفرزدق نزل بالغرييين فعراه بأعلى ناره ذئب فأبصره مقيعا يصئ ومع الفرزدق مسلوخة فرمي إليه بيد فاكلها فرمى إليه بمابقى فأكله فلما شبع ولى عنه فقال

وليلة بتنا بالغريين ضافنا
على الزاد موشى الذراعين أطلس
تلمسنا حتى أتانا ولم يزل
لدن فطمته أمه يتلمس
فلو أنه إذا جاء‌نا كان دانيا
لالبسته لو أنه كان يلبس
ولكن تنحا جنبة بعد ما دنا
فكان كقاب القوس أو هو أنفس

لسان الذئب كأنه اعتقد فيه انه لو كان ممن يعقل أو يتكلم لقال هذا القول وأشار بهذا إلى تعسفه للفلوات التى لاماء فيهافيهتدى الذئب إلى مظانه فيها لاعتياده لها

(1) قوله - فلست بأتيه - الخ البيت يستشهد به النحويون على أن حذف النون من لكن لالتقاء الساكنين ضرورة تشبيها بالتنوين أو بحرف المد واللين من حيث كانت ساكنة وفيها غنة وهي فضل صوت في الحرف كما ان حرف المد واللين ساكن والمد فضل صوت وكذا أورده سيبويه في باب ضرورة الشعر من أول كتابه قال الاعلم حذف النون لالتقاء الساكنين ضرورة لاقامة الوزن وكان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين شبهها في الحذف بحرف المدى واللين اذا سكنت وسكن ما بعدها نحو يغزو والعدو ويقضي الحق ويخشى الله

(2) قوله - فقلت عليك الحوض - الخ عليك اسم فعل بمعنى الزم والحوض مفعوله - والصغو - بفتح الصاد المهملة وكسرها وسكون الغين المعجمة الجانب المائل - والسجل - بفتح السين المهملة وسكون الجيم الدلو العظيمة - وطرب - في صوته بالتشديد رجعه ومده (*)


121
فقاسمته نصفين بينى وبينه
بقية زادى والركائب نعس
وكان ابن ليلى إذ قرى الذئب زاده
على طارق الظلماء لايتعبس

ولابن عنقاء الفزارى واسمه قيس بن نجرة وقيل نجرة بالضم الابيات الشمهورة في الذئب وهي

وأعوج من آل الصريح كأنه
بذى الشبت سيد آخر الليل جائع
بغى كسبه أطراف ليل كأنه
وليس به ضلع من الخمس ظالع
فلما أتاه الرزق من كل وجهة
جنوب الملا وآيسته المطامع
طوى نفسه طى الجرير كأنه
حوى حية في ربوة فهو هاجع
فلما أصابت متنه الشمس حكه
بأعصل في أنيابه السم ناقع
وفكك لحييه فلما تعاديا
صأى ثم أقعى والبلاد بلاقع
وهم بأمر ثم أزمع غيره
وإن ضاق رزق مرة فهو واسع
وعارض أطراف الصبا فكأنه
رجاع غدير هزه الريح رائع

ولآخر في الذئب

فقلت تعلم أننى غير نائم
إلى مستقل بالحباية أنيبا
بعيد المطاف لايفيد على الغنا
ولايأتلى ما اسطاع إلا تكسبا

معنى - أنيب - غليظ الناب - لا أنام إليه - أى لا أثق به من ذلك استنمت إلى فلان أذا اطمأننت إليه. ومعنى - لايفيد على الغنا - أى لايلتمس مطعما وهو شبعان.

ولحميد بن ثور في الذئب

فظل يراعى الجيش حتى تغيبت
خباش وحالت دونهن الاجارع
إذا ماغدا يوما رأيت غياية
من الطير ينظرن إلى هو صانع(1)

(1) قوله - رأيت غياية - الخ. الغياية بفتح الغين المعجمة وبيائين آخر الحروف (16 - امالى رابع)


122
خفيف المعا إلا مصيرا يبله
دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
هو البعل الدانى من الناس كالذى
له صحبة وهو العدو المنازع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقى
بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع(1)

مخففتين وهي كل شئ أظل الانسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك

(1) قوله - ينام باحدى مقلتيه - الخ ينام خبر مبتدأ محذوف أي هو ينام والباء في باحدى يتعلق به. وقوله يتقى عطف على قوله ينام وباخرى يتعلق به والمنايا مفعول يتقى ويروى ويتقى باخري الاعادي. وقوله فهو مبتدأ وقوله يقظان خبره وهاجع خبر بعد خبر ويروى يقظان نائم لكنه يخالف أبيات القصيدة فالمعنى هو حذر أو هو هاجع بين اليقظة والهجوع.

والابيات من قصيدة أولها

إذا نال من بهم النخيلة غرة
على غفلة فيما يري وهو طالع
تلوم ولو كان ابنها أفرحت به
اذا هب أرواح الشتاء الزعازع
فقامت تعشى ساعة ما تطيقها
من الدهر قامتها الكلاب الظوالع
رأته فشكت وهو أطحل مائل
إلى الارض مثنى اليه الاكارع
طوي البطن الا من مصير ببله
دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
ترى طرفيه يعسلان كلاهما
كما اهتز عود الشيحة المتتابع
اذا خاف جورا من عدورمت به
قصائبه والجانب المتواسع
وان بات وحشا ليلة لم يضق بها
ذراعا ولم يصبح بها وهو خاشع
ويسرى لساعات من الليل قرة
يهاب السرى فيها المخاض النوازع
وان حددت أرض عليه فانه
بعزة أخرى طيب النفس قانع
ينام باحدى مقنتيه ويتقى
باخرى المنايا فهو يقظان هاجع
اذا قام ألقى بوعه قدر طوله
ومدد منه صلبه وهو تابع
وفكك لحيه فلما تعاديا
صأى ثم أقعي والبلاد بلاقع
اذا ما غدي يوما رأيت غياية
من الطير ينظرن الذى هو صانع

هكذا أورد بعض الرواة هذه القصيدة وبعضها مدرج في قصيدة ابن عنقاء الفزاوي وابن عنقاء متأخر عن حميد بن ثور رضى الله عنه (*)


123

وصف ذئبا يتبع الجيش طمعا في أن يتخلف رجل يثب عليه لانه من بين السباع لايرغب في القتلى ولايكاد يأكل إلا مافرسه - وخباش - اسم هضبة(1). وقال بعضهم وليس بمعروف أن خباش اسم من أسماء الشمس وأخبر أن الطير تتبعه لتصيب مما يقتل - والمصير - المعا(2) - والبعل - الدهش

(1) قوله - وخباش اسم هضبة وليس بمعروف ان خباش اسم من أسماء الشمس. قلت لم نقف على أحد هذين التفسيرين لغيره وذكر ياقوت في المعجم ان حباشة بالحاء المهملة سوق من أسواق العرب في الجاهلية وفيه أيضا في باب الخاء المعجمة خباش تخل لبنى يشكر باليمامة.

(2) قوله - والمصير المعا - ووزنه فعيل والجمع مصران مثل رغيف ورغفان والمصارين جمع الجمع وميمه أصلية. وقال بعضهم مصير انما هو مفعل من صار اليه الطعام وانما قالوا مصران كما قالوا في مسيل الماء مسلان شبهوا مفعلا بفعيل. وقوله - ناقع - بالنون من نقع الماء العطش نقوعا أى سكنه (*)

(مجلس آخر 70)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) إلى قوله (وأنا أول المؤمنين). وقال ما تنكرون من أن تكون هذه الآية دالة على جواز الرؤية عليه جل وعلا لانها لو لم تجز لم يسألها موسى عليه السلام كما لايجوز أن يسأل اتخاذ الصاحبة والولد ولوكانت الرؤية أيضا مستحيلة لم يعلقها بأمر يصح إن يقع وهو استقرار الجبل وإذا علمنا صحة استقرار الجبل في موضعه فوجب أن تكون الروية أيضا صحيحة في حكم ماعلقت به. وقوله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل) يقتضى جواز الحجاب عليه تعالى لان التجلى هوالظهور وهما لايكونان إلا بعد احتجاب واستتار.

الجواب قلنا أول ما نقوله إنه ليس في مسألة الشئ دلالة على صحة وقوعه ولاجوازه لان السائل قد يسأل عن الصحيح والمحال مع العلم وفقد العلم


124

والاغراض مختلفة فلا دلالة في ظاهر مسألة الرؤية على جوازها ولاصحابنا عن هذه المسألة أجوبة.

منها وهو الاولى والاقوى أن يكون موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه وإنما سألها لقومه فقد روى أنهم طلبوا ذلك منه والتمسوه فأجابهم بأنها لاتجوز عليه تعالى فلم يقتعوا بجوابه وآثروا أن يرد الجواب من قبل ربه تعالى فوعدهم ذلك وغلب في ظنه أن الجواب إذ ورد من جهته عزوجل كان أحسم للشبهة وأبلغ في دفعها عنهم فاختار السبعين الذين حضروا الميقات ليكون سؤاله بمحضر منهم فيعرفوا مايرد من الجواب فسأل وأجيب بمايدل على أن الرؤية لاتجوز عليه تعالى ويقوى هذا الجواب أشياء. منها قوله تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء) الآية. ومنها قوله تعالى (وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) الآية. ومنها قوله تعالى (فلما أخذتهم الرجفة قال رب) الآية لان إضافة ذلك إلى السفهاء تدل على أنه كان بسببهم ومن أجلهم ولانهم سألوا مالايجوز عليه تعالى. ومنها ذكر الجهرة في الرؤية وهى لاتليق إلا برؤية البصر دون العلم وهذا يقوى أن الطلب لم يكن للعلم الضرورى على ماسنذكره في الجواب الثانى. ومنها قوله (أنظر إليك) لانا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن إن يحمل قوله (أنظر إليك) على حقيقته وإذا حملت الآية على طلب العلم الضرورى احتيج إلى حذف في الكلام ويصير تقديره أرنى أنظر إلى الآيات التى عندها أعرفك ضرورة. ويمكن في هذا الوجه الاخير خاصة أن يقال إذا كان المذهب الصحيح عندكم هو أن النظر في الحقيقة غير الرؤية فكيف يكون قوله تعالى أنظر إليك حقيقة في جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه.

فإن قلتم لايمتنع أن يكونوا التمسوا الرؤية التى معها النظر والتحديق إلى الجهة فسأل عليه الصلاة والسلام على حسب ما طلبوا. قيل لكم هذا ينقض فرقكم في هذا الجواب بين سؤال الرؤية وبين سؤال جيمع مايستحيل عليه من الصاحبة والولد وما يقتضى الجسمية بأن تقولوا الشك في الرؤية لايمنع من معرفة السمع والشك في جميع ما ذكر يمنع من ذلك لان الشك الذى لايمنع من معرفة صحة السمع إنما هو في الرؤية التى لايكون معها نظر فلايقتضى التشبيه.

فإن قلتم الذى يمنع من معرف السمع انما يحمل ذكر النظر


125

فيه على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز لان من عادة العرب أن يسموا الشئ باسم الطريق إليه وما قاربه وداناه. قلنا فكأنكم عدلتم من مجاز إلى مجاز فلاقوة في هذا الوجه والوجه التي ذكرناها في تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى وليس لاحد أن يقول لو كان عليه الصلاة والسلام إنما سأل الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول أرنى أنظر إليك ولاكان الجواب مختصا به وهو قوله تعالى (لن ترانى) وذلك لانه غير ممتنع وقوع الاضافة على هذا الوجه مع أن المسألة كانت من أجل الغير إذ كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس وتزيل الشبهة. فلهذا يقول أحدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع اليه أسئلك أن تفعل بى كذا وكذا وتجيبنى إلى كذا وكذا ويحسن أن يقول المشفوع إليه قد أجبتك وشفعتك وماجرى مجرى ذلك وإنما حسن هذا لان للسائل في المسألة اغراضا وإن رجعت إلى الغير فتحققه بها وتكلفه كتكلفه إذا اختصه ولم يبعده.

فإن قيل كيف يجوز منه عليه الصلاة والسلام مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى أن يسأل فيها لقومه ولئن جاز ذلك ليجوزن أن يسأل لقومه سائر مايستحيل عليه تعالى من كونه جسما وما أشبهه متى شكوا فيه. قلنا إنما صح ماذكرناه في الرؤية ولم يصح فيما سألت عنه لان مع الشك في جواز الرؤية التى لايقتضى كونه جسما يمكن معرفة السمع وأنه تعالى حكيم صادق في أخباره فيصح أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكوا في صحته وجوازه ومع الشك في كونه جمسا لايصح معرفة السمع فلا يقع بجوابه انتفاع ولاعلم.

وقد قال بعض من تكلم في هذه الآية قد كان جائزا أن يسأل موسى عليه السلام لقومه مايعلم استحالته وإن كانت دلالة السمع لاتثبت قبل معرفته متى كان المعلوم أن في ذلك صلاحا للمكلفين في الدين وإن ورود الجواب يكون لطفا لهم في النظر في الادلة وإصابة الحق منها غير أن من أجاب بذلك شرط أن يتبين في مسألة علمه باستحالة ماسأل عنه وأن غرضه في السؤال ورود الجواب ليكون لطفا.

والجواب الثانى في الآية أن يكون موسى عليه السلام إنما سأل ربه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة التى تضطره إلى المعرفة فتزول عنه الدواعى والشكوك والشبهات ويستغنى عن الاستدلال فتخف المحنة عليه بذلك كما سأل


126

إبراهيم عليه السلام ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى طلبا للتخفيف عليه بذلك وإن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه والسؤال إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الادراك بالبصر وذلك أظهر من أن يستدل عليه أو يستشهد به فقال له جل وعز (لن ترانى) أى لن تعلمنى على هذا الوجه الذى التمسته منى ثم أكد تعالى ذلك بأن أظهر في الجبل من آيآته وعجائبه مادل به على أن إظهار ماتقوم به المعرفة الضرورية في الدنيا مع التكليف وبيانه لايجوز وأن الحكمة تمنع منه.

والوجه الاول أولى لما ذكرناه من الوجوه ولانه لايخلو موسى عليه السلام من أن يكون شاكا في أن المعرفة ضرورية لايصح حصولها في الدنيا إو عالما بذلك فإن كان شاكا فهذا مما لايجوز على النبى صلى الله عليه وسلم لان الشك فيما يرجع إلى أصول الديانات وقواعد التكليف لايجوز عليهم سلام الله عليهم لاسيما وقد يجوز أن يعلم ذلك على الحقيقة بعض أمتهم فيزيد عليهم في المعرفة وهذا أبلغ في التنفير عنهم من كل شئ يمنع منه فيهم وإن كان عالما فلا وجه لسؤاله إلا أن يقال إنه سال لقومه فيعود إلى معنى الجواب الاول.

والجواب الثالث في الآية ماحكى عن بعض من تكلم في هذه الآية من أهل التوحيد وهو أن قال يجوز أن يكون موسى عليه السلام في وقت مسئلته ذلك كان شاكا في جواز الرؤية على الله تعالى فسأل ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا قال وليس شكه في ذلك بمانع من أن يعرف الله تعالى بصفاته بل يجرى مجرى شكه في جواز الرؤية على بعض مالا يرى من الاعراض في أنه غير مخل بما يحتاج إليه في معرفته تعالى. قال ولايمتنع أن يكون غلطه في ذلك ذنبا صغيرا وتكون التوبة الواقعة منه لاجل ذلك وهذا الجواب يبعد من قبل أن الشك في جواز الرؤية التى لاتقتضى تشبيها وإن كان لايمنع من معرفته تعالى بصفاته فإن الشك في ذلك لايجوز على الانبياء عليهم السلام من حيث يجوز من بعض من بعثوا إليه أن يعرف ذلك على الحقيقة فيكون النبى صلى الله عليه وسلم شاكا فيه وغيره عارفا به مع رجوعه إلى المعرفة بالله تعالى ومايجوز عليه وما لايجوز عليه وهذا أقوى في التنفير وأزيد على كل ما وجب أن يجنبه الانبياء عليهم السلام.

فإن قيل فعن أى شئ كانت توبة موسى عليه السلام على الجوابين المتقدمين. قلنا أما من ذهب إلى أن


127

المسألة كانت لقومه فإنه يقول إنما تاب لانه أقدم على أن سأل على لسان قومه مالم يؤذن له فيه وليس للانبياء ذلك لانه لايؤمن أن يكون الصلاح في المنع منه فيكون ترك إجابتهم إليه منفرا عنهم ومن ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول إنه تاب من حيث سأل معرفة لايقتضيها التكليف وعلى جميع الاحوال تكون التوبة من ذنب صغير لايستحق عليه العقاب ولا الذم والاولى أن يقال في توبته عليه الصلاة والسلام إنه ليس في الآية ما يقتضى أن تكون التوبة وقعت من المسألة أو من أمر يرجع إليها وقد يجوز أن يكون ذلك منه إما لذنب صغير تقدم تلك الحال أو تقدم النبوة فلا يرجع إلى سؤال الله تعالى الرؤيا أو ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى وإظهار الانقطاع إليه والتقرب منه وإن لم يكن هناك ذنب صغير وقد يجوز أيضا أن يكون الغرض في ذلك مضافا إلى إلى ما قلناه تعليما وتوقيفا على ما نستعمله وندعوه به عند الشدائد ونزول الاهوال وتنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه تعالى فإن الانبياء عليهم السلام وإن لم يقع منهم القبيح عندنا فقد يقع من غيرهم ويحتاج من رفع ذلك عنه إلى التوبة من الاستقالة.

فأما قوله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل) فإن التجلى ههنا هو التعريف والاعلام والاظهار لما يقتضى المعرفة كقولهم هذا كلام جلى أى واضح ظاهر وكقول الشاعر

تجلى لنا بالمشرفية والقنا
وقد كان عن وقع الاسنة نائيا

أراد أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبر له وإن كان نائيا وقع الاسنة فأقام ما أظهره من دلالة فعله على مقام مشاهدته وعبر عنه بأنه تجلى منه.

وفى قوله تعالى للجبل وجهان. أحدهما أن يكون المراد لاهل الجبل ومن كان عند الجبل فحذف كما قال تعالى (واسأل القرية. وما بكت عليهم السماء والارض) وقد علمنا أنه بما أظهره من الآيات إنما دل من كان عند الجبل على أن رؤيته تعالى غير جائزة. والوجه الآخر أن يكون المعنى للجبل أى بالجبل فأقام اللام مقام الباء كما قال تعالى (آمنتم له قبل أن آذن لكم) أى به وكما يقول أخذتك لجرمك أى بجرمك ولما كانت الآية الدالة على منع ماسئل إنما حلت الجبل وظهرت فيه جاز أن يضاف التجلى إليه وقد استدل


128

بهذه الآية كثير من العلماء الموحدين على أنه تعالى لايرى بالابصار من حيث نفي الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى (لنترانى) ثم أكد ذلك لان علق الرؤية باستقرار الجبل الذى علمنا أنه لم يستقر وهذه طريقة للعرب معروفة في تبعيد الشئ لانهم يعلقونه بما يعلم أنه لايكون كقولهم لاكلمتك ما أضاء الفجر وطلعت الشمس وكقول الشاعر

إذا شاب الغراب رجوت أهلى
وصار القير كاللبن الحليب

ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى (ولايدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) وليس لاحد أن يقول إذا علق الرؤية باستقرار الجبل وكان ذلك في مقدوره تعالى فيجب أن تكون الرؤية معلقة به أيضا في مقدوره تعالى بأنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلقه بأمر يستحيل كما علق دخولهم الجنة بأمر يستحيل من ولوج الجمل في سم الخياط وذلك أن تشبيه الشئ بغيره لايجب أن يكون من جميع الوجوه ولما علق وقوع الرؤية باستقرار الجبل وقد علم أنه لايستقر علم نفى الرؤية وما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة وغيرمقدورة واستقرار الجبل بخلافها يخرج عن ماهو الغرض في التشبيه على أنه إنما علق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل في تلك الحال التى جعله فيها دكا وذلك محال لما فيه من اجتماع الضدين فجرى مجرى جواز الرؤية في الاستحالة وليس يجب في كل ماعلق بغيره أن يجرى مجراه في سائر وجوهه حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته مستحيلا لان تعليق دخول الكفار الجنة إنما علق بولوج الجمل في سم الخياط ودخول الكفار الجنة لم يكن مستحيلا بل معلوم أن الاول في المقدور وإن كان لايحسن والثانى ليس فيه المقدور وهذه الجملة كافية في تأويل هذه الآية وبيان مافيها والحمد لله وحده [ قال الشريف المرتضى ] رضي الله عنه وإنى لاستجيد قول أبى العاص بن خزام ابن عبدالله بن قتادة المازنى

وكم من صاحب قد بان عنى
رميت بفقده وهو الحبيب
فلم أبد الذى تحنو ضلوعى
عليه وإننى لانا الكثيب

129
مخافة أن يرانى مستكينا
عدو أو يشابهه قريب
فيشمت كاشح ويظن أنى
جزوع عند نائبه تنوب
فبعدك شدت الاعداء طرفا
إلى ورابنى دهر مريب

معنى - شدت الاعداء طرفا - أى نظرت إلى نظرا شديدا فظهرالغضب من عيونها

وأنكرت الزمان وكل أهلى
وهرتنى لغيبتك الكليب

يقال كلب وكليب مثل عبد وعبيد

وكنت تقطع الابصار دونى
وإن وغرت من الغيظ القلوب
ويمنعنى من الاعداء أنى
وإن رغموا لمخشى مهيب
فلم أر مثل يومك كان يوما
بدت فيه النجوم فما تغيب
وليل ما أنام به طويل
كأنى للنجوم به رقيب
ومايك جائيا لابد منه
إليك فسوف تجلبه الجلوب

(مجلس آخر 71)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها) إلى قوله (تعقلون) فقال كيف ذكر تعالى هذا بعد ذكر البقرة والامر بذبحها وقد كان ينبغى أن يتقدمه لانه إنما أمر الله تعالى بذبح البقرة لينكشف أمر القاتل فكيف أخر تعالى ذكر السبب عن المسبب وبنى الكلام بناء يقتضى أنه كان بعده ولم قال تعالى (وإذ قتلتم نفسا) والرواية وردت بأن القاتل كان واحدا فكيف يجوز أن يخاطب الجماعة بالقتل والقاتل بينها واحد وإلى أى شئ وقعت الاشارة بقوله تعالى (كذلك يحيى الله الموتى). الجواب قيل له أما قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسا) ففيه وجهان.

أولهما أن تكون هذه الآية وإن تأخرت فهى مقدمة في المعنى على الآية التى ذكرت فيها البقرة ويكون التأويل وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فسألتم موسى عليه السلام فقال لكم إن الله (17 - امالى رابع)


130

يأمركم أن تذبحوا بقرة فأخر المقدم وقدم المؤخر. ومثل هذا في القرآن وكلام العرب كثير. ومثله (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما).

وقال الشاعر

إن الفرزدق صخرة ملمومة
طالت فليس تنالها الاوعالا(1)

أراد طالت الاوعال فليس تنالها. ومثله

طاف الخيال وأين منك لما ما
فارجع لزورك بالسلام سلاما

أراد طاف الخيال لما ما وأينه هو منك.

والوجه الثانى أن يكون وجه تأخير قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسا) أنه معلق بما هو متأخر في الحقيقة وواقع بعد ذبح البقرة وهو قوله

(1) قوله - طالت فليس تنالها الاوعالا - أى طالت الاوعال بمعني فاقتها في الطول يقال طال فلان فهو طويل وفعله على وزن فعل بضم العين لمجيئ الوصف منه على فعيل وهو لازم.

وأما قولهم إن بشرا قد طلع اليمن ورحبكم الدخول فانهما ضمنا معنى بلغ اليمن ووسعكم الدخول وأما طاله ففعل بالفتح ولايكون بالضم لان فعل لايتعدي كما تقدم والبيت من هذا النوع قال سيبويه انما صحت الواو في طويل لانه لم يجئ على الفعل لانك لو بنيته على الفعل قلت طائل وانما هو كفعيل يعنى به مفعول وقد جاء على الاصل فاعتل فعله نحو مخيوط فهذا أجدر. قال وانما صحت الواو في طوال لصحتها في الواحد فطوال من طويل كحوار من حاورت والبيت لسبيح بن رياح الزنجى ويقال رباح بن سبيح قاله حين غضب لما قال جرير في الفرزدق

لاتطلبن خؤولة من تغلب
فالزنج أكرم منهم أخوالا

فقال سبيح أو رياح

الزنج لولا قيهم في صفهم
لاقيت ثم جحاجحا أبطالا
ما بال كلب بنى كليب سبنا
أن لم يوازن حاجبا وعقالا
ان الفرزدق صخرة عادية الخ

وبعض الرواة ينسبه للاخطل ويدخله في قصيدته التى يهجو بهاجريرا ومطلعها

كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلى الظلام من الرباب خيالا

وذلك غلط (*)


131

البقرة إنما هو بعد الذبح فكأنه تعالى قال (فذبحوها وماكادوا يفعلون) لانكم (قتلتم نفسا فادارأتم فيها) فأمرناكم بأن تضربوه ببعضها لينكشف أمره فأما إخراج الخطاب تعالى (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى) لان الامر بضرب المقتول ببعض مخرج مايتوجه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب في خطاب الابناء بخطاب الآباء والاجداد وخطاب العشيرة بما يكون من أحدها فيقول أحدهم فعلت بنو تميم كذا وقتل بنوفلان فلانا وإن كان القاتل والفاعل واحدا من بين الجماعة ومنه قراء‌ة من قرأ (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) بتقديم المفعولين على الفاعلين وهو اختيار الكسائى وأبى العباس ثعلب فيقتل بعضهم ويقتلون وهو أبلغ في وصفهم وأمدح لهم إذا قاتلوا وقتلوا بعد أن يقتل بعضهم كان ذلك أدل على شجاعتهم وقلة جزعهم وحسن صبرهم. وقد قيل إنه كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما فإن الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع كما قال تعالى (وكنا لحكمهم شاهدين يريد داود وسليمان عليهما السلام والوجه الاول أولى وأقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له ولان أكثر أهل العلم أجمعوا على أن القاتل كان واحدا.

ومعنى (فادارأتم) فتدارأتم أى تدافعتم وألقى بعضكم القتل على بعض يقال دارأت فلانا إذا دافعته وداريته إذا لاينته ودريته ختلته ويقال ادرأ القوم إذا تدافعوا والهاء في قوله فادارأتم فيها تعود إلى النفس. وقيل إنها تعود على القتلة أى اختلفتم في القتلة لان قتلتم تدل على المصدر والقتلة من المصادر تدل عليها الافعال ورجوع الهاء إلى النفس أولى وأشبه بالظاهر.

فأما قوله تعالى (كذلك يحيى الله الموتى) فالاشارة وقعت به إلى قيام المقتول عند ضربه ببعض أعضاء البقرة لانه روى أنه قام حيا وأوداجه تشخب دما فقال قتلنى فلان ونبه الله تعالى بهذا الكلام وبذكر هذه القصة على جواز ما أنكره مشركو قريش واستبعدوه من البعث وقيام الاموات لانهم قالوا اذا كنا عظاما ورفاتا الآية فأخبرهم الله تعالى بان الذى أنكروه واستبعدوه هين عليه غير متعذر في اتساع قدرته وكان مما ضرب تعالى لهم من الامثال ونبههم عليه من الادلة ذكر المقتول الذى ضرب ببعض البقرة فقام حيا وأراد تعالى أننى إذا كنت قد أحييت هذا المقتول بعد خروجه عن الحياة ويأس قومه من عوده وانطواء خبر كيفية قتله عنهم ورددته حيا مخاطبا


132

باسم قاتله فكذلك فاعلموا أن إحياء جميع الاموات عند البعث لايعجزنى ولايتعذر على وهذا بين لمن تأمله. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ومن الشعر المشهور بالجودة في ذم الدنيا والتذكير بمصائبها قول نهشل بن جرى يرثى أخاه مالكا

ذكرت أخى المخول بعد يأس
فهاج على ذكراه اشتياقى
فلا أنسى أخى مادمت حيا
وإخوانى بأقربة العتاق
يجرون الفصال على الندامى
بروق الحزن من كنفى إباق
ويغلون السباء إذا أتوه
بضمر الخيل والشول الخقاق
إذا اتصلوا وقالوا يا آل غوث
وراحوا في المحبرة الرقاق
أجابك كل أورع شمرى
رخى البال منطلق الخناق
أناس صالحون نشأت فيهم
فآدوا بعد إلف واتساق
مضوا لسبيلهم ولبثت عنهم
ولكن لامحالة من لحاق
كذا الالف الذى أدلجن عنه
فجن ولا يتوق إلى متاق
أرى الدنيا ونحن نعيث فيها
مولية تهيأ لانطلاق
أعاذل قد بقيت بقاء قيس
وما حي على الدنيا بباقي
كأن الشيب والاحداث تجرى
إلى نفس الفتى فرسا سباق
فإما الشيب يدركه وإما
يلاقى حتفه فيما يلاقى
فإن تك لمتى بالشيب أمست
شميط اللون واضحة المساق
فقد أغدو بداجية أرايي
بها المتطلعات من الرواق
إلي كأنهن ظباء قفر
برهبي أو بباعجتى فتاق(1)

(1) - رهبي - بفتح أوله وسكون ثانيه وبعد الهاء باء موحدة خبراء في الصمان في ديار بنى تميم (*)


133
يرامقن الخبال بغير وصل
وليس حبال وصلى بالرماق
وعهد الغانيات كعهد قين
وفت عنه الجعائل مستداق
كجلب السوء يعجب من رآه
ولايشفى الحوائم من لماق
فلايبعد مصابي في الموامى
وإشراف العلاية وانصفاق
وغبراء القتام جلوت عنى
بعجلى الطرف سالمة المآق
وقد طوفت في الآفاق حتى
سئمت النص بالقلص العتاق
وكم قاسيت من سنة جماد
تعض اللحم مادون العراق
إذا أفنيتها بدلت أخرى
أعد شهورها عد الاواقى
وأفنتنى الشهور وليس تفنى
وتعداد الاهلة والمحاق
وماسبق الحوادث ليث غاب
يجر لعرسه جزر الرفاق
ولابطل تعادى الخيل منه
فرار الطير من برد يعاق

وأحسن حارثه بن بدر الغدانى في قوله

يا بكر ماراح من قوم ولا ابتكروا
إلا وللموت في آثارهم حادى
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت
إلا تقرب آجالا لميعاد

ولابى العتاهية في هذا المعنى

إذا انقطعت عنى من العيش مدتى
فإن بكاء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتى
ويحدث بعدى للخليل خليل
أجلك قوم حين صرت إلى الغنا
وكل غنى في العيون جليل

134
وليس الغنا إلا غنى زين الفتى
عشية يقرى أو غداة ينيل
ولم يفتقر يوما وإن كان معدا
جواد ولم يستغن قط بخيل
إذا مالت الدنيا إلى المرء‌رغبت
إليه ومال الناس حيث يميل
أرى علل الدنيا على كثيرة
وصاحبها حتى الممات عليل
وإنى وإن أصبحت بالموت موقنا
فلى أمل دون اليقين طويل

وقد أحسن البحترى في قوله في هذا المعنى

أخى متى خاصمت نفسك فاحتشد
لها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الاشياء شتى ولا أرى ال‍
تجمع إلا علة للتفرق
أرى العيش ظلا توشك نقله
فكس في ابتغاء العيش كيسك أومق
أرى الدهر غولا للنفوس وإنما
يقى الله في بعض المواطن من يقى
فلاتتبع الماضى سؤالك لم مضى
وعرج على الباقى فسائله لم بقى
ولم أر كالدنيا خليلة صاحب
محب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عنايا وهى صنعة واحد
فتحسبها صنعا لطيف وأخرق

وقد قيل إن السبب في خروج البحترى عن بغداد في آخر أيامه كان هذه الابيات لان بعض أعدائه شنع عليه بأنه ثنوى من حيث قال - فتحسبها صنعا لطيف وأخرق - وكانت العامة حينئذ غالبة على البلد فخاف على نفسه فقال لابنه أبى الغوث قم يابني حتى نطفى عنا هذه الثائرة بخرجة نلم فيها ببلدنا فخرج ولم يعد.

وأحسن أيضا غاية الاحسان في قوله

أغشى الخطوب فإما جئن مأربتى
فيما أسير أو أحكمن تأديبى

135
إن تلتمس أخلاف الخطوب وإن
تلبث مع الدهر تسمع بالاعاحيب(1)

(1) الابيات من قصيدة يمدح بها أحمد بن محمد الطائي ومطلعها

أتاركى أنت أم مغرى بتعذيبى
ولائمى في الهوي إن كان يزرى بي
عمر الغوائى لقدبين من كثب
هضيمة في محب غير محبوب
إذا مددنا إلى أعراضه سببا
وقين من كرهه الشبان بالشيب
أمفلت بك من زهد المهاهرب
من مرحق ببوادى الشيب مقروب
يحنوبه من أعاليه على أود
حنوا الثقاف جرى فوق الانابيب
أم هل مع الحب حلم لاتسفهه
صبابة أو عزاء غير مغلوب
قضيت من طلبي للغانيات وقد
شأونني حاجة في نفس يعقوب
لم أر كالنفر الاغفال سائمة
من الحبلق لم تحفظ من الذيب
وأربد القطر يلقاك السراب به
بعد التربض مبيض الجلابيب

أغشي الخطوب. البيتان وبعدهما ومنها إلى أبى جعفر خاضت ركائبنا خطار كل مهول الخرق مرهوب

ننوط آمالنا منه على ملك
مردد في صريح المجد منسوب
محتضر الباب اما آذن النقرى
أو فائت لعيون الوفد محجوب
ومنها خلائق كسوار المزن موفية
على البلاد بتصبيح وتأويب
ينهضن بالثقل لايعطى النهوض به
أعناق مجفرة الهوج الهراجيب
في كل أرض وقوم من سحائبه
أسكوب عارفة من بعد أسكوب
كم بث في حاضر النهرين من نفل
ملقى على حاضر النهرين مصبوب
يملا أفواه مداحيه من حسب
على السماكين والنسرين مسحوب
تلقى اليه المعالي قصد أوجهها
كالبيت يقصد أما بالمحاريب
معطي من المجد مزدادا برغبته
يجرى علي سنن منه وأسلوب

136

وفى قوله

متى تستزد فضلا من العمر تغترف
بسجليك من شهد الخطوب وصابها
تشد بنا الدنيا بأخفض سعيها
وغول الافاعى بلة من لعابها
يسر بعمران الديار مضلل
وعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتض الدنيا أو ان مجيئها
وكيف ارتضائيها أوان ذهابها
أقول لمكذوب عن الدهر زاغ عن
تخير آراء الحجى وانتخابها
سيرديك أو يثويك أنك مجلس
إلي شقة بيكيك بعد مآبها
وهل أنت في مرموسة طال أخذها
من الارض إلا حفنة من ترابها(1)
كالعين منهومة بالحسن تتبعه
والانف يتبع أعلى منتهى الطيب
ما انفك منتضيا سيفى قرى ووغى
على الكواهل تدمي والعراقيب
قد سرني برعجل من عداوته
بعد الذى اختبطت من سخطه الموب
ساروا مع الناس حيث الناس أزفلة
في جوده بين مرؤوس ومربوب
ولو تناهت بنو شيبان عنه اذا
لم يجشموا وقع ذى حدين مذروب
مازادها النفر عنه غير تعرية
وبعدها من رضاه غير تتبيب
(1) الابيات من قصيدة يمدح بها صاعدا ومطلعها معاد من الايام تعذيبنا بها * وابعادها بالالف بعد اقترابها
وما تملا الآفاق من فيض عبرة
وليس الهوى البادى لفيض انسكابها
غوى رأى نفس لاترى أن وجدها
بتلك الغواني شقة من عذابها
وحظك من ليلي ولاحظ عندها
سوى صدها من غادة واجتنابها
يفاوت من تأليف شعبى وشعبها
تناهى شبابي وابتداء شبابها
هي الشمس الا ان أن شمسا تكشفت
لبصرها وانها في ثيابها (*)

137

وجدت الآمدى يروى هذا البيت أنك محبس بالباء.

وتفسير ذلك أن المعنى أنك موقوف إلى أن تصير إلى هذا من قولك أحبست فرسا في سبيل الله وأحبست دارى إى وقفتها والرواية المشهورة أنك محلس باللام(1). والمعنى أنك متهي للرحيل ومتخذ حلسا يوضع تحت الرحل وهذا أشبه بالمعنى الذى قصده البحترى وأولى بأن يختاره مع دقة طبعه وسلامة ألفاظه

(1) - قلت والبيت في دوان شعره

سيرديك أو يثيوك أنك مخلس
الي شقة يبليك بعد مآبها

(18 - امالى رابع) (*)

(مجلس آخر 72)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) إلى قوله (تعالى الله عما يشركون). فقال أليس ظاهر هذه الآية يقتضى جواز الشرك بالله على الانبياء عليهم السلام لانه لم يتقدم إلا ذكر آدم وحواء عليهما السلام فيجب أن يكون قوله تعالى (جعلا له شركاء فيما آتاهما) يرجع إليهما.

الجواب قلنا كما أن ذكر آدم وحواء عليهما السلام قد تقدم فقد تقدم أيضا ذكر غيرهما في قوله تعالى (هو الذى خلقكم) ومعلوم أن المراد بذلك جميع ولد آدم عليه السلام في قوله (فلما آتاهما صالحا) وأراد بالصلاح الاستواء في الاعضاء والمعنى فلما آتاهما ولدا صالحا والمراد بهذا الجنس دون الواحد وإن كان اللفظ لفظ وحدة والمعنى فلما آتاهما جنسا من الاولاد صالحين. وإذا كان الامر على ما ذكرناه جاز أن يرجع قوله تعالى (جعلا له شركاء) إلى ولدهما وقد تقدم ذكرهم.

فإن قيل إنما وجب رده إلى آدم وحواء عليهما السلام لاجل التثنية في الكلام ولم يتقدم ذكر اثنين إلا ذكرهما عليهما السلام. قلنا إن جعل هذا ترجيحا في رجوعه إليهما جاز أيضا إن يجعل قوله تعالى في آخر الآية (تعالى الله عما يشركون)


138

وجها مقربا لرجوع الكلام إلى جملة الاولاد ويجوز أيضا أن يكون أشار في التثنية إلى الذكور والاناث من ولد آدم عليه السلام وإلى جنسين منهم فحسنت التثنية لذلك على أنه إذا تقدم في الكلام أمران ثم تلاهما حكم من الاحكام وعلى بالدليل استحالة تعلقه بأحد الامرين وجب رده إلى الآخر. وإذا علمنا أن آدم عليه السلام لايجوز عليه الشرك لم يجز عود الكلام إليه فوجب عوده إلى المذكورين من ولد آدم عليه السلام.

وذكر أبوعلى الجبائى في هذا مانحن نورده على وجهه. قال إنما عنى بهذا أن الله تعالى خلق بنى آدم من نفس واحدة لان الاضمار في قوله تعالى خلكقم إنما عنى به بنى آدم عليه السلام والنفس الواحدة التى خلقهم منها هى آدم لانه خلق حواء من آدم ويقال إنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاعه ويقال من طينته فرجعوا جميعا إلى أنهم خلقوامن آدم عليه السلام. وبين ذلك بقوله تعالى (وخلق منها زوجها) لانه عنى به أنه خلق من هذا النفس زوجها وزوجها هو حواء عليهما السلام. وعنى بقوله تعالى (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا) وحملها هو حبلها منه في ابتداء الحمل لانه في ذلك الوقت خفيف عليها.

ومعنى قوله تعالى (فمرت به) أن مرورها بهذا الحمل في ذل الوقت وتصرفها به كان عليها سهلا لخفته فلما كبر الولد في بطنها ثقل ذلك عليها فهو معنى قوله تعالى (أثقلت) فثقل عليها عند ذلك المشئ والحركة. وعنى بقوله تعالى (دعوا الله ربهما) أنهما دعوا عند كبرالولد في بطنها فقالا لئن آتيتنا يارب نسلا صلاحا لنكونن من الشاكرين لنعمتك علينا لانهما أراد أن يكون لهما أولاد تؤنسهما في الموضع الذى كانا فيه لانهما كانا فردين مستوحشين إذا غاب أحدهما بقى الآخر مستوحشا بلا مؤنس فلما آتاهما نسلا صالحا معافى وهم الاولاد الذين كانوا يولدون لهما لان حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى فقال إنها ولدت في خمسمائة بطن ألف ولد.

وعنى بقوله تعالى (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) أى أن هذا النسل الصالح الذى هم ذكر وأنثى جعلا له شركاء فيما آتاهما من نعمة وأضاف بعد تلك النعم إلى الذين اتخذوهم آلهة مع الله تعالى من الاصنام والاوثان ولم يعن بقوله تعالى جعلا آدم وحواء عليهما السلام لان آدم لايجوز عليه


139

الشرك لانه نبى من أنبيائه ولو جاز الشرك والكفر على الانبياء لما جاز أن يثق أحدنا بما يؤديه النبى عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى عزوجل لان من جاز عليه الكفر جاز عليه الكذب ومن جاز عليه الكذب لم يؤخذ بأخباره فصح بهذا أن الاضمار في قوله تعالى (جعلا له شركاء) إنما يعنى به النسل وإنما ذكر ذلك على سبيل التثنية لانهم كانوا ذكروا وأنثى فلما كانوا صنفين جاز أن يجعل تعالى اخبار عنهما كالاخبار عن الاثنين إذ كانا صنفين. وقد دل على صحة تأويلنا هذا قوله تعالى في آخر الآية (تعالى الله عما يشركون) فبين عزوجل أن الذين جعلوالله شركاء هم جماعة فلهذا جعل إضمارهم إضمار الجماعة فقال تعالى يشركون مضى كلام أبى على.

وقد قيل في قوله تعالى (فلما آتاهما صالحا) مضافا إلى الوجه المتقدم الذى هو أنه أراد بالصلاح الاستواء في الخلقة والاعتدال في الاعضاء وجه آخر وهو أنه لو أراد الصلاح في الدين لكان الكلام أيضا مستقيما لان الصالح في الدين قد يجوز أن يكفر بعد صلاحه فيكون في حال صالحا وفى آخري مشركا وهذا لايتنافى. وقد استشهد في جواز الانتقال من خطاب إلى غيره ومن كناية من مذكور إلى مذكور سواه ليصح ماقلناه من الانتقال من الكناية عن آدم عليه السلام وحواء عليها السلام إلى ولدهما بقوله تعالى (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله) فانصرف عن مخاطبة الرسول إلى مخاطبة المرسل إليهم ثم قال (وتعزروه وتوقروه) يعنى الرسول عليه الصلاة والسلام ثم قال (وتسبحوه) وهو يعنى مرسل الرسول فالكلام واحد متصل بعضه ببعض والخطاب منتقل من واحد إلى غيره ويقول الهذلى

يالهف نفسى كان جدة خالد
وبياض وجهك للتراب الاعفر

ولم يقل وبياض وجهه.

وقال كثير

أسيئى بناء أو أحسنى لاملومة
لدينا ولا مقلية إن تقلت(1)

(1) قوله - أسيئ بنا أو أحسنى - أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم) على تساوى الانفاقين في عدم القبول كما (*)


140

فخاطب ثم ترك الخطاب.

وقال آخر

فدى لك يافتى وجيمع أهلى
وما لى إنه منه أتانى

ساوى كثير بين الاحسان والاساء‌ة في عدم اللوم والنكتة في مثل ذلك اظهار نفى تفاوت الحال بتفاوت فعل المخاطب كأنه يأمرها بذلك لتحقيق أنه على العهد - ومقلية - بمعنى مبغضة من القلى وهو البغض. والبيت من قصيدته المشهورة.

روي أن عبدالملك سأله عن أعجب خبر له مع عزة فقال يا أميرالمؤمنين حججت سنة وحج زوج عزة معها ولم يعلم أحدنا بصاحبه فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعاما لرفقته فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة حتي دخلت إلى وهي لاتعلم أنها خيمتي وكنت أبرى سهما فلما رأيتها جعلت أبري لحمى وأنظر اليها حتى بريت ذراعى وأنا لا أعلم به والدم يجرى فلما علمت ذلك دخلت الي فامسكت يدى وجعلت تمسح الدم بثوبها وكان عندى نحى سمن فحلفت لتأخذه فأخذته وجاء زوجها فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته حتي حلف عليها لتصدقته فصدقته نضربها وحلف عليها لتشتمنى في وجهى فوقفت على وقالت لى وهى تبكى يابن الزانية ومطلع القصيدة

خليلى هذا ربع عزة فاعقلا
قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ومساترابا كان قد مس جلدها
وبيتا وظلا حيث باتت وظلت
ولا تيأسا أن يمحوالله عنكما
ذنوبا اذا صليتما حيث صلت
وما كنت أدري قبل عزة ماالبكي
ولا موجعات القلب حتى تولت
وقد حلفت جهدا بما نحرت له
قريش غداة المأزمين وصلت
أناديك ماحج الحجيج وكبرت
بفيفا غزال رفقة وأهلت
وكانت لقطع العهد بينى وبينها
كناذرة نذرا فأوفت وحلت
فقلت لها ياعز كل مصيبة
اذا وطنت يوما لها النفس ذلت
ولم يلق انسان من الحب ميعة
لغم ولا عمياء الا تجلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت
من الصم لو تمشي بها العصم زلت (*)

141

ولم يقل منك أتانى.

ووجدت أبا مسلم محمد بن بحر يحمل هذه الآية على أن الخطاب في جميعها غير متعلق بحواء وآدم ويجعل الهاء في تغشاها والكناية في دعوا

صفوحا فما تلقاك الا بخيلة
فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها
وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة قيدت
بحبل ضعيف غر منها فضلت
وغودر في الحى المقيمين رحلها
وكان لها باغ سواي فبلت
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة
ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت
على ظلعها بعد العثار استقلت
أريد الثواء عندها وأظنها
اذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت
الينا وأما بالنوال فضنت
يكلفها الغيران شتمى وما بها
هو اني ولكن للمليك استذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما استحلت
ووالله ما قاربت الا تباعدت
بصرم ولا أكثرت الا أقلت
فان تكن العتبي فاهلا ومرحبا
وحقت لها العتبي لدينا وقلت
وان تكن الاخري فان وراء‌نا
مناوح لو تسرى بها العيس كلت
خليلى ان الحاجبية لمحت
قلوصيكما وناقتى قد أكلت
فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت
بعاقبة أسبابه قد تولت
أسيئ بنا أو أحسنى لاملومة
لدينا ولا مقلية ان ثقلت
ولكن أميلى واذكري من مودة
لنا خلة كانت لديك فضلت
واني وان صدت لمثن وصادق
عليها بما كانت الينا أزلت
فما أنا بالداعى لعزة بالجوى
ولا شامت ان نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون ان صبابتى
بعزة كانت غمرة فتجلت
فاسبحت قد أبللت من دنف بها
كما أدنفت هيماء ثم استبلت
ووالله ثم الله ما حل قبلها
ولا بعدها من خلة حيث حلت (*)

142

الله ربهما وآتاهما صالحا راجعتين إلى من أشرك ولم يتعلق بآدم وحواء عليهما السلام من الخطاب إلا قوله (خلقكم من نفس واحدة) لان الاشارة في قوله (خلقكم من نفس واحدة) إلى الخلق عامة. وكذلك قوله تعالى (وجعل منها زوجها). ثم خص منها بعضهم كما قال تعالى (هو الذى يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فخاطب الجماعة بالتسيير في البر والبحر ثم خص راكب البحر بقوله تعالى (وجرين بهم بريح طيبة) كذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر فأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها آدم وحواء عليهما السلام. ثم دعى الذكر اي الذى سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه ادعى الشركاء في عطيته.

وقال جائز أن يكون عنى بقوله هو الذى خلقكم من نفس واحدة المشركين خصوصا إذ كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة. ويجوز أن يكون المعنى في قوله تعالى (خلقكم من نفس واحدة) خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وهذا يجيئ كثيرا في القرآن وفى كلام العرب قال الله تعالى (والذين يرمونالمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) والمعنى فاجلدوا كل واحد ثمانين جلدة وقال (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) فلكل نفس زوج وهو منها أى من جنسها فلما تغشي كل نفس زوجها حملت حملا خفيفا وهو ماء الفحل فمرت به أى مارت والمور التردد والمراد تردد هذا الماء في رحم هذه الحامل فلما أثقلت

وما مر من يوم على كيومها
وان عظمت أيام أخرى وجلت
فاضحت بأعلى شاهق من فؤاده
فلا القلب يسلاها والا العين ملت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه
وللنفس لما وطنت كيف ذلت
واني وتهيامي بعزة بعدما
تخليت عما بيننا وتخلت
لكا لمرتجى ظل الغمامة كلما
تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني واياها سحابة ممحل
رجاها فلما جاوزته استهلت
فان سأل الواشون فيما هجرتها
فقل نفس حر سليت فتسلت (*)

143

أى ثقل حملها أى بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما دعواالله أى الرجل والمرأة لما استبان حمل المرأة فقالا لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما أى أعطاهما ما سألا من الولد الصالح نسبا ذلك إلى شركاء معه فتعالى الله عمايشركون.

وقال قوم معنى جعلا له شركاء أى طلبا من الله أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطلبتين وتكون الهاء في قوله تعالى له راجعة إلى الصالح لا إلى الله تعالى ويجرى مجرى قول القائل طلبت منى درهما فلما أعطيتك أشركته بآخر أى طلبت آخر مضافا إليه وعلى هذا الوجه لايمتنع أن يكون قوله تعالى جعلا والخطاب كله متوجها إلى آدم وحواء عليهما السلام

(مجلس آخر 73)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون). فقال أليس ظاهر هذا القول يقتضى أنه خالق لاعمال العباد لان ما ههنا بمعنى الذى فكأنه قال خلقكم وخلق أعمالكم. الجواب قلنا قد حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله تعالى وماتعملون أى وماتعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما مما كانوا يتخذونه أصناما ويعبدونها.

قالوا وغير منكر أن يريد بقوله تعالى وماتعلمون ذلك كما أنه قد أراد ماذكرناه بقوله تعالى وتعبدون ماتنحتون لانه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الذى هو فعلكم بل أراد ماتفعلون فيه النحت وكما قال تعالى في عصى موسى عليه السلام تلقف ما يأفكون تلقف ما صنعوا وإنما أراد تعالى أن العصى تلقف الحبال التى أظهروا سحرهم فيها وهى التى حلتها صنعتهم وإفكهم فقال تعالى ما صنعوا وما يأفكون وأراد تعالى ما صنعوا فيه وما يأفكون فيه ومثله قوله تعالى (يعملون له مايشاء من محاريب) وإنما أراد المعمول فيه دون العمل وهذا الاستعمال أيضا سائغ شائع لانهم يقولون هذا الباب عمل النجار وفى الخلخال هذا من عمل الصائغ وإن كانت الاجسام التى أشير إليها ليست أعمالا لهم وإنما عملوا فيها فحسن إجراء هذه العبارة.

فإن قيل كل الذى ذكرتموه وإن استعمل فعلى وجه المجاز والاتساع لان العمل في الحقيقة لايجرى إلا على فعل الفاعل


144

دون مايفعل فيه وإن استعير في بعض المواضع. قلنا ليس نسلم لكم أن الاستعمال الذى ذكرناه على سبيل المجاز بل تقول هو المفهوم الذى لايستفاد سواه لان القائل إذا قال هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنه عمل فيه ومارأينا أحد قط يقول في الثوب بدلا من قوله هذا من علم فلان هذا مما حله عمل فلان فالاول أولى بأن يكون حقيقة وليس ينكر أن يكون الاصل في الحقيقة ماذكروه ثم انتقل ذلك بعرف الاستعمال إلى ماذكرناه وصار أخص به ومما لايستفاد من الكلام سواه كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحد والاعتبار في المفهوم من الالفاظ إلا ما يستقر عليه استعمالها دون ماكانت عليه في الاصل فوجب أن يكون المفهوم.

والظاهر من الآية ماذكرناه على أنا لو سلمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه. منها مايشهد به ظاهر الآية ويقتضيه ولايسوغ سواه. ومنها ما تقتضيه الادلة القاطعة الخارجة عن الآية. فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم والتوبيخ لافعالهم والازراء على مذاهبهم. فقال (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وماتعملون) ومتى لم يكن قوله تعالى (وماتعملون) المراد به ما يعملون فيه ليصير تقدير الكلام أتعبدون الاصنام التى تنحتونها والله خلقكم وخلق هذه الاصنام التى تفعلون بها التخطيط والتصوير لم يكن للكلام معنى ولامدخل في باب التوبيخ ويصير على مايذكره المخالف كأنه قال أتعبدون ما تنحتون والله خلكقم وخلق عبادتكم فأى وجه للتقريع وهذا إلى أن يكون عذرا أقرب من يكون لوما وتوبيخا إذا خلق عبادتهم للاصنام فأى وجه للمومهم عليها وتقريعهم بها على أن قوله تعالى (خلقكم وماتعملون) بعد قوله تعالى (أتعبدون ماتنحتون) انما خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره فلا أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله (أتعبدون ما تنحتون) ومؤثرا في المنع من عبادة غيره فلو أفاد غير قوله ماتعملون نفس العمل الذى هو النحت دون المعمول فيه كان له فائدة في الكلام لان القوم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما كانوا يعبدون محل النحت ولانه كان لاحظ في الكلام للمنع من عبادة الاصنام فكذلك لو حمل قوله تعالى ماتعملون من أعمال أخر ليست نحتهم ولاهى ما عملوافيه لكان أظهر في باب اللغو والعبث والبعد عن التعلق بما تقدم فلم يبق إلا أنه أراد تعالى به خلقكم


145

وماتعملون فيه النحت فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم.

فإن قيل لهم زعمتم أنه لو كان الامر على ماذكرناه لم يكن للقول الثانى حظ في باب المنع من عبادة الاصنام وماتنكرون أن يكون لماذكرناه وجه في المنع من ذلك وان كان ماذكرتموه أيضا لو أريد لكان وجها وهو أن من خلقنا وخلق الافعال فينا لايكون إلا الاله القديم الذى يحق له العبادة وغير القديم تعالى كما يستحيل أن يخلقنا يستحيل أن يخلق فينا الافعال على الوجه الذى يخلقها القديم عليه تعالى فصار لماذكرناه تأثير. قلنا معلوم أن الثانى إذا كان كالتعليل للاول والمؤثر في المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقون وماتعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ماذكرتموه مما لايقتضى أكثر من خلقهم دون خلق ماعبدوه فأنه لاشئ أدل على المنع من عبادة الاصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى في موضع آخر (أيشركون مالايخلق شيئا وهم يخلقون ولايستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون) فاحتج تعالى عليهم في المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا ولاتدفع عن أنفسها ضرا ولا عنهم وهذا واضح على أنه لو ساوى ماذكروه ماذكرناه في التعلق بالاول لم يسغ حمله على ماادعوه لان فيه عذرا لهم في الفعل الذى عنفوا وقرعوا من أجله وقبيح أن يوبخهم بمايعذرهم ويذمهم مما يبرئهم على ما تقدم على أنا لانسلم أن من يفعل أفعال العباد ويخلقها يستحق العبادة لان من جملة أفعالهم القبائح ومن فعل القبائح لايكون إلها ولاتحق له العبادة فخرج ماذكروه من أن يكون مؤثرا بانفراده في العبادة على أن إضافة العمل إليهم لقوله تعالى يبطل تأويلهم هذه الآية لانه لو كان تعالى خالقا لهما لم يكن عملا لهم لان العمل إنما يكون لمن يحدثه ويوجده فكيف يكون عملا لهم والله خلقهم وهذه مناقضة فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا على أن قوله تعالى (وماتعملون) يقتضى الاستقبال وكل فعل لم يوجده فهو معدوم ومحال أن يقول تعالى إنى خالق للمعدوم.

فإن قالوا اللفظ وإن كان للاستقبال فالمراد به الماضى كأنه تعالى قال والله خلقكم وما عملتم. قلنا هذا عدول منكم عن الظاهر الذى ادعيتم أنكم متمسكون به وليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا بل نحن أحق لانا نعدل عنه بدلالة وأنتم تعدلون بغير حجة. فإن قيل فأنتم (19 - امالى رابع)


146

أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم وتحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضى. قلنا لانحتاج نحن في تأويلنا إلى ذلك لانا إذا حملنا قوله تعالى (وماتعلمون) على الاصنام المعمول فيها. ومعلوم أن الاصنام موجودة قبل عملهم فيها فجاز أن يقول تعالى إنى خلقتها ولا يجوز أن يقول أنى خلقت ماسيقع من العمل في المستقبل على أنه تعالى لو أراد بذلك أعمالهم لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن في الظاهر حجة على ما يريدون لان الخلق هو التقدير والتدبير وليس يمتنع في اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدره ودبره ألاترى أنهم يقولون خلقت الاديم وإن لم الاديم فعلا لمن يقول ذلك فيه ويكون معنى خلقه لافعال العباد أنه مقدر لها ومعرف لنا مقاديرها ومراتبها وما به نستحق عليها من الجزاء وليس يمتنع أن يقال إنه خالق للاعمال على هذا المعنى اذا ارتفع الابهام وفهم المراد فهذا كله تقتضيه الآية ولولم يكن في الآية شئ مما ذكرناه مما يوجب العدول عن حمل قوله تعالى (وماتعملون) على خلق نفس الاعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك ونحملها على ماذكرناه بالادلة العقلية الدالة على أنه تعالى لايجوز أن يكون خالقا لاعمالنا وإن تصرفنا محدث منا ولا فاعل له سوانا وكل هذا واضح والحمدلله تعالى والمنة. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وإنى لاستحسن لبعض نساء بنى أسد قولها

ألم ترنا غبنا ماؤنا
زمانا فظلنا نكد البئارا
فلما عدا الماء أوطانه
وجف الثماد فصارت حرارا
وضجت إلى ربها في السماء
رؤس العصاه تناجى السرارا
وفتحت الارض أفواهها
عجيج الجمال وردن الجفارا
لبسنا لدى عطن ليلة
على اليأس أثيابنا والخمارا
وقلنا أعيروا الندى حقه
وسيروا الحفاظ وموتوا حرارا

147
فإن الندى لعسى مرة
يرد إلى أهله ما استعارا
فبتنا نوطن أحشاء‌نا
أضاء لنا عارض فاستطارا
وأقبل يزحف زحف الكسير
سياق الرعاء البطاء العشارا
تغتى وتضحك حافاته
خلال الغمام وتبكى مرارا
كأنا تضى لنا حرة
تشد إزارا وتلقى إزارا
فلما خشينا بأن لانجئ
وأن لا يكون فرارا فرارا
أشار إليه امروا فوقه
هلم فأم إلى ما أشارا

وأنشد أبوهفان لولادة الهرمية

لولا اتقاء الله قمت بمفخر
لايبلغ الثقلان فيه مقامى
بأبوة في الجاهلية سادة
بذوا العلا إمراء في الاسلام
جادوا فسادوا مانعين أذاهم
لنداهم فضل على الاقوام
قد أنجبوا في السؤددين وأنجبوا
بنجابة الاخوال والاعمام
قوم إذا سكتوا تكلم مجدهم
عنهم فأخرس دون كل كلام

وقالت امرأة من بنى سعد بن بكر

أياأخوى الملزمى ملامة
أعيذ كما بالله من مثل مابيا
سألتكما بالله إلا جعلتما
مكان الاذى واللوم أن تأوياليا
أيا أمتا حب الهلالى قاتلى
شطون النوى يحتل عرضا يمانيا
أشم كغصن البان جعد مرجل
شغفت به لو كان شيئا مدانيا
فإن لم أوسد ساعدى بعد هجعة
غلاما هلاليا فشل بنانيا

148
ثكلت أبى إن كنت ذقت كريقه
سلافا ولا ماء الغمامة غاديا
ألم كثيرا لمة ثم شمرت
به خلة يطلبن برقا يمانيا

ولصاحبة الهلالية أيضا

وإنى لاهوى القصد ثم يردنى
عن القصد ميلاة الهوى فأمبل
فماوجد مسجون بصنعاء موثق
بساقيه من حبس الامير كبول
وماليل مولى مسلم بجريرة
له بعد ما نام العيون عويل
بأكثر منى لوعة يوم راعنى
فريق حبيب ماإليه سبيل

ولعمرة بنت(1) العجلان أخت عمرو ذى الكلب بن عجلان الكاهلى ترثى أخاها عمرا وقد كان في بعض غزواته نائما فوثب اليه نمران فأكلاه فوجدت قبيلة فهم سلاحه فادعت قتله هى

سألت بعمر أخى صحبه
فأفظعنى حين ردوا السؤالا(2)
وقالوا أتيح له نائما
أعر السباع عليه أحالا(3)

(1) قوله - ولعمرة بنت العجلان الخ. قلت نسبها غيره لاخته جنوب. وقوله فوثب اليه نمران فاكلاه.

قال صاحب زهر الآداب قال عمر بن شبة كان عمرو هذا يغزو فهما فيصيب منهم فوضعوا له رصدا على الماء فأخذوه فقتلوه ثم مروا باخته جنوب فقالوا طلبنا أخاك فقالت لئن طلبتموه لتجدنه منيعا ولئن وصفتموه لتجدنه مريعا ولئن دعوتموه لتجدنه سريعا والله لئن سلبتموه لاتجدون ثنيته دامية ولاحجزته حامية ولرب ثدى منكم قد افترشه ونهب قد احتوشه وضب قد احترشه. ثم قالت هذه الابيات انتهي

(2) قولها - سألت بعمرو - الباء بمعنى عن وأخي عطف بيان - وصحبه - مفعول سألت وهو مضاف إلى ضمير عمرو وصحب جمع صاحب - وأفظعنى - هدني قبحه وشدته. يقال أفظع الامر افظاعا وفظع فظاعة اذا جاوز الحد في القبح

(3) قولها - أتيح له الخ - أتيح مجهول أتاح الله له بالمثناة والحاء المهملة بمعنى (*)


149
أتيح له نمرا أجبل
فنالا لعمرك منه منالا(1)
فأقسمت ياعمروا لونبهاك
إذا نبها منك أمرا عضالا(2)
إذا نبها ليث عريسة
مفيتا مفيدا نفوسا ومالا(2)
هزبرا فروسا لاعدائه
هصورا إذا لقى القرن صالا(4)
هما مع تصرف ريب المنون
من الارض ركنا ثبيتا أمالا(5)

قضى وقدر والهاء في له لعمرو - ونائما حال منها - وأعر السباع - نائب فاعل أتيح وهو من العرارة بالعين والراء المهملتين وهو سوء الخلق - وأحال - بالحاء المهملة. قال السكري أى ركب عليه فقتله وأكله

(1) قولها - أتيح له نمرا أجبل - أى قدر له ونمرا مثني نمر مضاف إلى أجبل جمع جبل وتصحفت هذه الكلمة على العينى فقال قولها نمرا جيئل - أى نمران من جيئل أى سبعان من جيئل والنمر السبع والجيئل بفتح الجيم وسكون الياء وفتح الهمزة وهو الضبع هذا كلامه وهو تحريف قطعا

(2) قولها - فاقسمت يا عمرو الخ - هذا التفات من الغيبة إلى الحضور وضمير المثنى في نبهاك للنمرين. وروى - داء عضالا - أي شديدا أعيا الاطباء

(3) قولها - ليث عريسة - قال الجوهري العريس والعريسة مأوى الاسد - والمفيد - معناه معطى الفائدة كذا ورد بالمعنيين - ومفيت - بالفاء. قال السكرى أى مهلك النفوس والمال وتصحفت هذه الكلمة على العينى فرواها بالقاف. وقال مقيتا أي مقتدرا كالذى يعطى كل رجل قوته. ويقال المقيت الحافظ للشئ والشاهد له والنفوس يرجع إلى المقيت والمال يرجع إلى المفيد هذا كلامه

(4) وقولها - هزبرا فروسا الخ - الهزبر الاسد الضخم الشديد - الفروس - الكثير الافتراس للمصيد - وهصورا - من الهصر وهو الجذب والاخذ بقوة - والقرن - بالكسر كفؤك في الشجاعة أو عام - وصال على قرنه سطا

(5) قولها - هما مع تصرف ريب المنون الخ - ريب المنون حوادث الدهر. قال (*)


150
هما يوم حم له يومه
وقال أخوفهم بطلا وقالا(1)
وقالوا قتلناه في غارة
بآية ما إن ورثتا النبالا(2)
فهلا ومن قبل ريب المنون
فقد كان رجلا وكنتم رجالا
وقد علمت فهم يوم اللقاء
بأنهم لك كانوا نفالا
كأنهم لم يحسوا به
فيخلوا النساء له والحجالا(3)

ولم ينزلوا بمحول السنين
به فيكونوا عليه عيالا
وقد علم الضيف والمجتدون
إذا اغبر أفق وهبت شمالا(4)

السكرى ثبيت ثابت. وروي غيره بدله شديدا

(1) قولها - هما يوم حم له يومه - الخ. قال السكري هما تعنى النمرين - وحم - قضى وقدر - وفال - بالفاء أى أخطأ رجل فائل الرأى وفيل أى ضعيف الرأى - وفهم - قبيلة ولهذا منعه الصرف كذا قال عبدالقادر. والبيت لايخفى أنه مكسور وهو ساقط من العيني

(2) قولها - وقالوا قتلناه - روى نحن بدل قالوا. قال السكرى تهزأ بهم - والآية - العلامة - والنبال - السهام - ورجل - قال السكرى هو الرجل يقال رجل ورجل أى بسكون الجيم وضمها. وروى غيره فذا يدل رجلا - والفذ - بالفاء والذال المعجمة هو الفرد - والنفال - الغنائم جمع نفل بفتحتين وهي الغنيمة

(3) وقولها - كأنهم لم يحسوا به - الخ من حسست بالخبر من باب تعب أى علمته وشعرت به - ويخلوا - من أخليته أى جعلته خاليا - والحجال - جمع خجلة بالتحريك وهو بيت يزين بالثياب والاسرة والستور

(4) قولها - وقد علم الضيف والمجتدون - الخ المجتدون - هم الطالبون الجدا وهى العطية. وروي المرملون بدل قولها المجتدون - المرملون - من أرمل القوم اذا نفد زادهم وفاعل هبت ضمير الريح وان لم يجر له أنه؟؟؟ كر لفهمها من قولها اذا اغبر أفق فان (*)


151
وخلت عن اولادها المرضعات
ولم تر عين لمزن بلالا(1)
بأنك كنت الربيع المغيث
لمن يعتريك وكنت الثمالا(2)

اغبراره انما يكون في الشتاء لكثرة الامطار واختلاف الرياح - والشمال - بالفتح ويكسر ربح تهب من ناحية القطب وهو حال وانما خصت هذا الوقت بالذكر لانه وقت ثقل فيه الارزاق وتنقطع السبل ويثقل فيه الضيف فالجود فيه غاية لاتدرك

(1) قولها - وخلت عن أولادها المرضعات الخ. قال أبوحنيفة انما خلت أولادها من الاعواز لم يجدن قوتا واغبرار الافق من الجدب وأراد هبت الربح شمالا وهي تضمر وان لم تذكر لكثرة ماتذكر انتهي - والمزن - السحاب - والبلال - بالكسر البلل

(2) قولها - بأنك كنت الربيع - الخ الربيع هنا ربيع الزمان.

قال ابن قتيبة في باب ما يضعه الناس غير موضعه وهو أول كتابه أدب الكاتب ومن ذلك الربيع يذهب الناس الي أنه الفصل الذي يتبع الشتاء ويأتي فيه الورد والنور ولايعرفون الربيع غيره والعرب تختلف في ذلك فمنهم من يجعل الربيع الفصل الذى تدرك فيه الثمار وهو الخريف وفصل الشتاء بعده ثم فصل الصيف بعد الشتاء وهو الوقت الذي تدعوه العامة الربيع ثم فصل القيظ الذي بعده وهو الذى تدعوه العامة الصيف ومن العرب من يسمى الفصل الذى تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الاول.

ويسمى الفصل الذى يتلو الشتاء ويأتى فيه الكمأة والنور الربيع الثانى وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع اه‍.

قال شارحه ابن السيد مذهب العامة في الربيع هو مذهب المتقدمين لانهم كانوا يجعلون حلول الشمس برأس الحمل أول الزمان وشبابه وأما العرب فانهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الاربعة وسموه الربيع. وأما حلول الشمس برأس الحمل فكان منهم من يجعله ربيعا ثانيا فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان وكان منهم من لايجعله ربيعا ثانيا فيكون في السنة على مذهبهم ربيع واحد وأما الربيعان من الشهور فلا خلاف بينهم انهما اثنان ربيع الاول وربيع الآخر انتهى؟؟ - والغيث - المطر والكلا ينبت بماء السماء والمراد به هذا لوصفه بالمريع وهو الخطيب بفتح (*)


152
وخرق تجاوزت مجهولة
بوجناء حرف تشكى الكلالا(1)
فكنت النهار به شمسه
وكنت دجى الليل فيه الهلالا
وخيل سمت لك فرسانها
فولوا ولم يستقلوا قبالا
وكل قبيل وإن لم تكن
أردتهم، منك باتواوجالا(2)

الميم وضمها في القاموس مرع الوادى مثلثة الراء مراعة أكلا كأمرع - والثمال - بكسر المثلثة.

قال الدينوري هو الذخر وقال غيره هو الغياث - والمغيث - من الاغاثة - ومن يعتريك - أي من يقصدك.

وروى

بانك ربيع وغيث مرئ
وأنك هناك تكون الثمالا

والبيت يستشهد به النحويون في باب أن المخففة من الثقيلة وهو من الضرورة لان اسم ان المخففة شرطه أن يكون ضميرا محذوفا.

قال ابن هشام وربما ثبت وانشد البيت وهو مختص بالضرورة علي الاصح وشرط خبرها أن يكون جملة ولايجوز افراده الا اذا ذكر الاسم فيجوز الامران وقد اجتمعا في البيت. وقال في التصريح ان البيت ضرورة من وجهين عند ابن الحاجب كونه غير ضمير الشأن وكونه مذكورا وعند ابن مالك من وجه واحد وهو كونه مذكورا اه‍. قلت وروى عن ابن مالك أنه قال اذا أمكن جعل الضمير المحذوف ضمير حاضر أو غائب غير الشأن فهو أولي. وعن ابى حيان أنه قال لايلزم أن يكون ضمير الشأن كما زعم بعض أصحابنا بل اذا أمكن تقديره بغيره قدر

(1) قولها - وخرق - الواو فيه واو رب وهو بفتح الخاء المعجمة الفلاة الواسعة تنخرق فيها الرياح وهو مجرور رب المضمرة أو الواو المعوضة منها - ومجهوله - الذى لايسلك - والوجناء - بالجيم الناقة الشديدة - والحرف - الضامرة الصلبة - وتشكى - مضارع أصله تتشكى بتاء‌ين - والكلال - الاعياء

(2) قولها - وكل قبيل وان لم تكن الخ. روى كم بدل كل والقبيل هنا جمع قبيلة - والوجل - جمع وجل بفتح فكسر وهو الخائف من الوجل بفتحتين وهو الخوف (*)


153

(مجلس آخر 74)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ولاينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم)(1). فقال أو ليس ظاهر

(1) قوله - تعالى (ولا ينفعكم نصحى ان أردت أن أنصح لكم) الآية.

في هذه الآية خلاف فمن النحويين من جعل الشرط الثانى معترضا بين الشرط الاول وجوابه المقدر ومنهم من قال ليست من هذا الباب. قالوا وحجتنا على ذلك انا نقدر جواب الشرط الاول تاليا له مدلولا عليه بما تقدم عليه وجواب الثانى كذلك مدلولا عليه بالشرط الاول وجوابه المتقدمين عليه فيكون التقدير ان أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحى ان كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحى.

واعلم ان الشرط اذا دخل على شرط فتارة يكون بعطف وتارة يكون بغيره فاذا كان بعطف فاطلق ابن مالك ان الجواب لاولهما لسبقه وفصل غيره فقال ان كان العطف بالواو فالجواب لهما لان الواو للجمع نحو ان تأتني وان تحسن إلى أحسن اليك وان كان العطف بأو فالجواب لاحدهما لان أو لاحد الشيئين نحو ان جاء زيد أو إن جاء‌ت هند فاكرمه أو فاكرمها وان كان العطف بالفاء فالجواب للثاني والثاني وجوابه جواب للاول وان كان بغير عطف فالجواب لاولهما والشرط الثاني مقيد للاول كتقييده بحال واقعة موقعه كقوله

ان تستغيثوا بنا ان تذعروا تجدوا
منا معا قل عز زانها كرم

فتجدوا جواب بان تستغيثوا وان تذعروا بالبناء للمفعول مقيد للاول على معنى ان تستغيثوا بنا مذعورين تجدوا.

ومن فروع المسألة وهي اعتراض شرط في شرط ما اذا قال لامرأته ان أكلت إن شربت فأنت طالق فلا تطلق على الاصح الا اذا شربت ثم أكلت لان التقدير عليه ان شربت فان أكلت فأنت طالق فالثاني أول والاول ثان وعلى مقابله لاتطلق الا اذا أكلت ثم شربت لان التقدير عليه ان أكلت فان شربت فأنت طالق فالاول أول والثانى ثان. واعلم ان تصحيح الاول هو على مذهب (20 - امالى رابع) (*)


154

هذه الآية يقتضى أن نصح النبى صلى الله عليه وسلم لم ينفع الكفار الذين أراد الله تعالى بهم الكفر والغواية وهذا بخلاف مذهبكم. قلنا ليس في ظاهرالآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا لانه تعالى انه لم يقل إنه فعل الغواية وأرادها وإنما أخبر أن نصح النبى عليه الصلاة والسلام لاينفع إن كان الله يريد غوايتهم ووقوع الارادة لذلك إو جواز وقوعها لادلالة عليه في الظاهر على أن الغواية ههنا الخيبة وحرمان الثواب ويشهد بصحة ماذكرناه في هذه اللفظة قول الشاعر

فمن يلق خيرا يحمدالناس أمره
ومن يغو لايعدم على الغى لائما(1)

لشافعية والحنفية ووجهه ابن الحاجب بانه لايصح أن يكون الجواب للشرطين معا والاتوارد معمولان على معمول واحد ولا لغيرهما والا لزم ذكر ما لا دخل له في ربط الجزاء وترك ماله دخل ولا للثانى لانه يلزم حينئذ أن يكون الثاني وجوابه جوابا للاول فتجب الفاء ولا فاء وحذفها شاذ أو ضرورة فتعين أن يكون جوابا للاول والاول وجوابه دليل جواب الثاني.

قال الدمامينى ومذهب مالك الطلاق سواء أتت بالشرطين مرتبين كما هما في اللفظ أو عكست الترتيب. قال وبعض أصحابنا يوجه ذلك بأنه على حذف واو العطف كما في قول الشاعر

كيف أصبحت كيف أمسيت مما
يغرس الود في فؤاد اللبيب

ثم قال والا أدرى وجه اشتراط أهل المذهبين يعنى مذهبي الشافعية والمالكية في وقوع الطلاق فعلها لمجموع الامرين مع أنه يمكن أن يكون جواب الاول محذوفا لدلالة جواب الثاني ولا محذور في حذف الجواب بل هو أسهل من تقديرهم لما فيه من الحذف والفصل بين الشرط الاول وجوابه بالشرط الثانى

(1) البيت - من قصيدة للمرقش الاصغر واسمه ربيعة بن سفيان والمرقش الاكبر عمه وهو عم طرفة بن العبد وهذه القصيدة يقولها في قصة جرت له مع معشوقته فاطمة بنت المنذر ووليدتها بنت العجلان ومطلعها

ألا يا سلمي لاصبر لى عنك فاطما
ولا أبدا ما دام وصلك دائما (*)

155

فكأنه تعالى قال إن كان الله يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم وكفركم ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحى مادمتم مقيمين على ما أنتم عليه إلا أن تطيعوا وتتوبوا وقدسمى الله تعالى العقاب غيا.

فقال تعالى (فسوف يلقون غيا) وما قبل هذه الآية يشهد

رمتك ابنة البكري عن فرع ضالة
وهن بنا خوص يخلن نعائما
تراء‌ت لنا يوم الرحيل بوارد
وعذب الثنايا لم يكن متراكما
سقاه حبى المزن من متهلل
من الشمس رواه رباباب سواجما
أرتك بذات الضال منها معاصما
وخذا أسيلا كالو ذيلة ناعما
صحا قلبه عنها على أن ذكرة
إذا خطرت دارت به الارض قائما
تبصر خليلى هل ترى من ظعائن
خرجن سراعا واقتعدن المقائما
تحملن من جو الوريعة بعد ما
تعالى النهار واجتزعن الصرائما
تحلين ياقوتا وشذرا وصيغة
وجزعا ظفاريا ودرا توائما
سلكن القرى والجزع تحدى جمالهم
ووركن قوا واجتزعن المخارما
ألا حبذا وجها ترينا بياضه
ومنسدلات كالمثانى فواحما
واني لاستحيي فطيمة جائعا
خميصا وأستحي فطيمة طاعما
وانى لاستحييك والخرق بيننا
مخافة أن تلقي أخالي صارما
واني وان كلت قلوصي لراجم
بها وبنفسى يا فطيم المراجما
ألا يا سلمى بالكوكب الطلق فاطما
وان لم يكن صرف النوى متلائما
ألا يا أسلمي ثم اسملى إن حاجتى
اليك فردى من نوالك فاطما
أفاطم لو أن النساء ببلدة
وأنت باخرى لاتبعتك هائما
متى ما يشأذوا الود يصرم خليله
ويعبد عليه لامحالة ظالما
وآلي جناب حلفة فأطعته
فنفسك ول اللوم ان كنت لائما
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
ومن يغو لايعدم على الغي لائما
ألم تر أن المرء يجذم كفه
ويجشم من لوم الصديق المجاشما
أمن حلم أصبحت تنكت واجما
وقد تعتري الاحلام من كان نائما (*)

156

بماذكرناه وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى (قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) إلى قوله (ولا ينفعكم نصحى) فأخبر أن نصحه لاينفع من يريدالله تعالى أن ينزل به العذاب ولايغنى عنه شيئا.

وقال جعفر بن حرب إن الآية تتعلق بأنه كان في قوم نوح عليه السلام طائفة تقول بالجبر فنبههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذهبهم وقال لهم على طريق الانكار والتجعب من قولهم إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد فماينفعكم نصحى فلا تطلبوا منى نصحا وأنتم على ذلك لاتنتفعون به وهذا جيد.

وروى عن الحسن البصرى في هذه الآية وجه صالح وهو أنه قال المعنى فيها إن الله يريد أن يعذبكم فليس ينفعكم نصحى عند نزول العذاب بكم وإن قبلتموه وآمنتم به لان من حكم الله تعالى أن لا يقبل الايمان عند نزول العذاب وهذا كله واضح في زوال الشبهة بالآية.

[ قال الشريف المرتضى ] رضي الله عنه ومن مستحسن ماقيل في صفة المصلوب قول أبى تمام في قصيدة يمدح بهاالمعتصم ويذكر قتل الافشين وحرقه وصلبه

مازال سرالكفر بين ضلوعه
حتى اصطلى سرالزناد الوارى
نارا يساور جمسه من حرها
لهب كما عصفرت شق إزار
طارت لها شعل يهدم لفحها
أركانه هدما بغير غبار
فصلن منه كل مجمع مفصل
وفعلن فاقرة بكل فقار
مشبوبة رفعت لاعظم مشرك
ماكان يرفع ضوء‌ها للسارى
صلى لها حيا وكان وقودها
ميتا ويدخلها مع الكفار
وكذاك أهل النار في الدنياهم
يوم القيامة جل أهل النار
يا مشهدا صدرت بفرحته إلى
أمصارها القصوى بنو الامصار
رمقوا أعالى جذعه فكأنما
رمقوا الهلال عشية الافطار

157
واستنشقوا منه قتارا نشره
من عنبر دفر ومسك دارى
وتحدثوا عن هلكه كحديث من
بالبدو عن متتابع الامطار
قدكان بوأه الخليفة جانبا
من قلبه حرما على الاقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصرد
وأنامه في الامن غيرغرار
ولقد شفى الاحشاء من ترحائها
أن صار بابك جارمازيار
ثانيه في كبد السماء ولم يكن
كاثنين ثان إذ هما في الغار(1)
فكأنما انتبذا لكيما يطويا
عن باطس خبرا من الاخبار
سود اللباس كأنما نسجت لهم
أيدى السموم مدارعا من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامر
فبدت لهم من مربط النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم
أبدا علي سفر من الاسفار
كادوا النبوة والهدى فتقطعت
أعناقهم في ذلك المضمار

(1) قوله - ولم يكن كاثنين ثان الخ. قد غلط بعض الفضلاء أبا تمام في هذا التركيب قال لانه انما يقال ثانى اثنين وثالث ثلاثة ورابع أربعة ولايقال أثنين ثان ولا ثلاثة ثالث ولا أربعة رابع. وأجاب بعضهم بأن في الكلام تقديما وتأخيرا وتقليبا للتركيب وتغييرا وهو ان التقدير ولم يكن كإثنين إذا هما في الغار ثان والمراد انه لم يكن كهذه القضية قضية أخري.

وقال بعضهم إن ثانيه خبر ثان لصار ولكن جعل من قبعل اعط القوس باريها في ترك النصب اذ هو خبر لمبتدأ محذوف ولم يكن بمعنى لم يصر لقرينة سياق ان صار وثان اسمه وتنوينه عوض عن الضمير المضاف اليه وكاثنين خبره وفيه مضاف محذوف والمآل ولم يصر ثانيه كثاني أثنين إذهما في الغار لانهما تجاوزا في العلو لا في الغور والغرض ان يصف مصلوبه بالارتفاع لكن في الصلب وهو من التهكم المليح (*)


158

وله يذكر صلب بابك

لما قضى رمضان منه قضاء‌ه
شالت به الايام في شوال
مازال مغلول العزيمة سادرا
حتى غدا في القيد والاغلال
مستبسلا للموت طوقا من دم
لما استبان فظاظة الخلخال
أهدى لمتن الجذع متنيه كذا
من عاف متن الاسمر العسال
لاكعب أسفل موضعا من كعبه
مع أنه من كل كعب عال
سام كأن العز يجذب ضبعه
وسموه من ذلة وسفال
متفرغ أبدا وليس بفارغ
من لاسبيل له إلى الاشغال

[ قال الشريف المرتضى ] رضي الله عنه. ومن عجيب الامور أن أباالعباس أحمد بن عبدالله بن عمار ينشد هذه الابيات المفرطة في الحسن في جملة مقابح أبى تمام وما خرجه بزعمه من سقطه وغلطه ويقول في عقبها ولم نسمع في شعر وصف فيه مصلوب بأغث من هذا الوصف وأين كان عن مثل إبراهيم بن المهدى يصف صلب بابك في قصيدة يمدح بهاالمعتصم

مازال يعنف بالنعمى فنفرها
عنه الغموط ووافته الاراصيد
حتى على حيث لاينحط مجتمعا
كما علاأبدا ماأورق العود
يابقعة ضربت فيها علاوته
وعنقه وذوت أغصانه الميد
بوركت أرضا وأوطانا مباركة
ماعنك في الارض للتقديس تعميد
لوتقدر الارض حجتك البلاد فلا
يبقى على الارض إلا حج جلمود
لم يبك إبليس إلا حين أبصره
في زيه وهوفوق الفيل مصفود
كناقة النحر تزهى تحت زينتها
وحد شفرتها للنحر محدود

159
ماكان أحسن قول الناس يومئذ
أيوم بابك هذا أم هو العيد
صيرت جثته جيدا لباسقة
جرداء والرأس منه ماله جيد
فآض يلعب هوج العاصفات به
على الطريق صليبا طرفه عود

كأنه شلوكبش والهواء له تنور شاوية والجذع سفود.

وكان ينبغى أن يطعن على أبيات أبى تمام من يستجيد هذه الابيات ويفرط في تقريظها وليت من جهل شيئا عدل عن الخوض فيه والكلام عليه فكان ذلك أستر عليه وأولى به وأبيات أبى تمام في نهاية القوة وجودة المعانى والالفاظ وسلامة السبك واطراد النسج.

وأبيات ابن المهدى مضطربة الالفاظ مختلفة النسج متفاوته الكلام ومافيها شئ يجوز أن يوضع اليد عليه إلا قوله

حتى علاحيث لاينحط مجتمعا
كما علاأبدا ماأورق العود

وبعد البيت الاخير وإن كان بارد الالفاظ فقد أحسن مسلم بن الوليد في قوله

مازال يعنف بالنعمى ويغمطها
حتى استقل به عود على عود
نصبته حيث ترتاب الظنون به
ويحسد الطير فيه أضبع البيد

وللبحترى في هذا المعنى من قصيدة يمدح بها أبا سعيد أولها

لادمنة بلوى خبت ولاطلل
يرد قولا على ذى لوعة يسل
إن عزدمعك في آى الرسوم فلم
يصب عليها فعندى أدمع بلل
هل أنت يوما معيرى نظرة فترى
في رمل يبرين عيرا سيرها رمل
حثوال النوى بحداة مالها وطن
غير النوى وجمال مالها عقل

يقول فيها

أمسى يرد حريق الشمس جانبه
عن بابك وهي في الباقين تشتعل

160
بجملة البرد من أقصى الثغور إلى
أدنى العراق سراعا بثها عجل
بسر من راء منكوسا تجاذبه
أيدى الشمال فضولا كلها فضل
تفاوتوا بين مرفوع ومنخفض
على مراتب ماقالوا وما فعلوا
رد الهجير لحاهم بعد شعلتها
سودا فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا
سما له حابل الآساد في لمه
من المنايا فأمسى وهو محتبل
حالى الذراعين والساقين لو صدقت
له المنى لتمنى أنها عطل
من تحت مطبق أرض الشام في نفر
أسرى يودون ودا أنهم قتلوا
غابوا عن الارض أنأي غيبة وهم
فيها فلافصل إلا الكتب والرسل

وله في هذا المعنى

مازلت تقرع باب بابك بالقنى
وتزوره في غارة شعواء
حتى أخذت بنصل سيفك عنوة
منه الذى أعيى على الامراء
أخليت منه الند وهى قراره
ونصبته علما بسامراء
لم يبق فيه خوف بأسك مطمعا
للطير في عود ولا إبداء

فتراه مطردا على أعواده مثل اطراد كواكب الجوزاء

مستشرفا للشمس منتصبا لها
في أخريات الجذع كالحرباء

(مجلس آخر 75)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن) الآية. فقال كيف أخبر تعالى بأنه أنزل فيه القرآن وقد أنزله في غيره من الشهور على ماجاء‌ت به الرواية. والظاهر يقتضى أنه أنزل الجميع فيه وماالمعنى في قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهل أراد الاقامة والحضور الذين هما ضد الغيبة أو أراد المشاهدة والادراك.

الجواب أما قوله تعالى (أنزل فيه القرآن) فقد قال قوم المراد به أنه تعالى أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان ثم فرق انزاله على نبيه عليه الصلاة والسلام بحسب ماتدعوا الحاجة إليه. وقال آخرون المراد بقوله تعالى (أنزل فيه القرآن) أنه أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن فيكون فيه بمعنى في فرضه كما يقول القائل أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في فرضها وأنزل الله في الخمر كذا وكذا يريد في تحريمها. وهذا الجواب إنما هرب متكلفه من شئ وظن أنه قد اعتصم بجوابه عنه وهو بعد ثابت على ماكان عليه لان قوله تعالى القرآن إذا كان يقتضى ظاهره إنزال جميع القرآن فيجب على هذا الجواب أن يكون قد أنزل في فرض الصيام جميع القرآن ونحن نعلم أن قليلا من القرآن يخص إيجاب الصوم لشهر رمضان وأن أكثره خال من ذلك.

فإن قيل المراد بذلك أنه أنزل في فرضه شيئا من القرآن وبعضامنه. قيل فهلا اقتصر على هذا وحمل الكلام على أنه تعالى أنزل شئ من القرآن في شهر رمضان ولم يحتج إلى أن يجعل لفظة في بمعنى في فرضه وإيجاب صومه.

والجواب الصحيح أن قوله تعالى القرآن في هذا الموضع لايفيد العموم والاستغراق وإنما يفيد الجنس من غيرمعنى الاستغراق فكأنه قال تعالى (شهر رمضان الذى أنزل فيه) هذا الجنس من الكلام فأى شئ نزل منه في الشهر فقد طابق الظاهر وليس لاحد أن يقول إن الالف واللام ههنا لايكونان إلا للعموم والاستغراق لانا لوسلمنا أن الالف واللام صيغة العموم والصورة المعينة لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون ههنا بهذا الصفة لان هذه اللفظة قد تستعمل في مواضع كثيرة (21 - امالى رابع)


162

من الكلام ولايراد بها أكثر من الاشارة إلى الجنس والطبقة من غير استغراق وعموم حتى يكون حمل كلام المتكلم بها على خصوص أو عموم كالمناقض لغرضه والمنافى لمراده ألا ترى أن القائل إذا قال فلان يأكل اللحم ويشرب الخمر وضرب الامير اليوم اللصوص وخاطب الجند لم يفهم من كلامه إلا محض الجنس والطبقة من غير خصوص ولاعموم حتى لو قيل له فلان يأكل جميع اللحم ويشرب جميع الخمر أو بعضها لكان جوابه إننى لم أرد عموما ولا خصوصا وإنما أريد أنه يأكل هذا الجنس من الطعام ويشرب هذا الجنس من الشراب فمن فهم من كلامى العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادى.

وأرى كثيرا من الناس يغلطون في هذا الموضع فيظنون أن الاشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم والاستغراق ليست مفهومة حتى يحملوا قول من قال أردت الجنس في كل موضع وهذا بعيد ممن يظنه لانه كما أن العموم والخصوص مفهومان في بعض بهذه الالفاظ فكذلك الاشارة إلى الجنس والطبقة من غير إرادة عموم ولا خصوص مفهومة مميزة وقد ذكرنا أمثلة ذلك.

فأما قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأكثر المفسرين حملوه على أن المراد بمن شهد منكم الشهر من كان مقيما في بلد غير مسافر وأبوعلى حمله على أن المراد به فمن أدرك الشهر وشاهده وبلغ إليه وهو متكامل الشروط فليصمه ذهب في معنى شهد إلى معنى الادراك والمشاهدة. وقد طعن قوم على تأويل أبى على وقالوا ليس يحتمل الكلام إلا الوجه الاول وليس الامر على ماظنوه لان الكلام يحتمل الوجهين معا فان كان للقول الاول ترجيح ومزية على الثانى من حيث يحتاج في الثانى من الاضمار إلى أكثر مما يحتاج إليه في الاول لان قول الاول لايحتاج إلى إضمار الاقامة وارتفاع السفر لان قوله تعالى شهد يقتضى الاقامة وإنما يحتاج إلى إضمار باقى الشروط من الامكان والبلوغ وغير ذلك. وفى القول الثانى يحتاح مع كل ما أضمرناه في القول الاول إلى إضمار الاقامة ويكون التقدير فمن شهد الشهر وهو مقيم مطيق بالغ إلى سائر الشروط فمن هذا الوجه كان الاول أقوى وليس لاحد أن يقول أن شهد بنفسه من غير محذوف لايدل على إقامة وذلك أن الظاهر من قولهم في اللغة فلان شاهد إذا أطلق ولم يضف أفاد الاقامة في البلد وهو عندهم ضد الغائب


163

والمسافر وإن كانوا ربما أضافوا فقالوا شاهد لكذا وشهد فلان كذا ولايريدون هذا المعنى ففى إطلاق شهد دلالة على الاقامة من غير تقدير محذوف وهذه جملة كافية بحمدالله.

[ قال الشريف المرتضى ] رضي الله عنه وجدت أباالعباس بن عمار يعيب على أبى تمام في قوله لما استحر الوداع المحض وانصرمت * أواخر الصبر ولي كاظما وجما رأيت أحسن مرئى وأقبحه * مستجمعين لى التوديع والعنما(1) قال أبوالعباس وهذا قد ذم مثله على شاعر متقدم وهو أن جمع بين كلمتين احداهما لاتناسب الاخرى وهو قول الكميت

وقد رأينا بها حورا منعمة
رودا تكامل فيها الدل والشنب

(1) الابيات من قصيدة له يمدح بها اسحاق بن ابراهيم المصعبي ومطلعها

أصغى إلى البين مغترا فلا جرما
إن النوي أسأرت في عقله لمما
أصمنى سرهم أيام فرقتهم
هل كنت تعرف سرا يورث الصمما
نأوا فظلت لو شك البين مقلته
تندي تجبعا ويندي جسمه سقما
أظله البين حتي انه رجل
لومات من شغله بالبين ما علما
أما وقد كتمتهن الخدور ضحي
فابعد الله دمعا بعدها أكتتما

لما استحر الوداع البيتين.

ومنها

لم يطغ قوم وان كانوا ذوى رحم
إلا رأى السيف أدنى منهم رحما
مشت قلوب أناس في صدورهم
لما رأوك تمشى نحوهم قدما
أمطرتهم عزمات لو رميت بها
يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما
اذا هم نكصوا كانت لهم عقلا
وان هم جمحوا كانت لهم لجما
حتى انتهكت بحد السيف أنفسهم
جزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما
زالت جبال شرورى من كتائبهم
خوفا وما زلت اقداما ولاقدما
لما محضت الامانى التى احتلبوا
عادت هموما وكانت قبلهم همما (*)

164

فقيل له أخطأت وباعدت بقولك - الدل والشنب - ألاقلت كقول ذى الرمة

بيضاء في شفتيها حوة لعس
وفى اللثات وفى أنيابها شنب(1)

قال فقال الطائى * مستجمعين لى التوديع والعنمافجعل المنظر القبيح للتوديع والتوديع لايستقبح وإنما يستقبح عاقبته وهى الفراق وجعل المنظر الحسن أصابعه عند الاشارة وشبهه بالعنم ولم يذكر الانامل المختضبة قال وانما سمع قول المجنون

ويبدى الحصى منها إذا قذفت به
من البرد أطراف البنان المخضب(2)

(1) قوله - بيضاء يروي لمياء في شفتيها الخ - ولمياء فعلاء من اللمى وهو سمرة في باطن الشفة وهو مستحسن يقال امرأة لمياء وظل المى كثيف أسود. وقوله - حوة - بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وهي أيضا حمرة في الشفتين تضرب إلى السواد. وقوله - لعس - بفتح اللام والعين المهملة وفى آخره سين مهملة وهو أيضا سمرة في باطن الشفة يقال امرأة لعساء. وقوله - وفى اللثات - بكسر اللام وتخفيف الثاء المثلثة جمع لثة وهي معروفة. وقوله - شنب - بفتح الشين المعجمة والنون.

قال الاصمعي الشنب برد وعذوبة في الاسنان ويقال هو تحديد الاسنان ودقتها والبيت يستشهد به النحويون على أن لعسا بدل غلط من حوة وهو حجة على المبرد حيث يدعي أنه لايوجد في كلام العرب بدل الغلط لا في النظم ولا في النثر وانما يقع في لفظ الغلاط.

وأجاب بعضهم عن هذا بأن قوله لعس مصدر وصفت به الحوة تقديره حوة لعساء كما يقال حكم عدل وقول فصل أى عادل وفاصل ويقال ان في البيت تقديما وتأخيرا التقدير لمياء في شفتيها حوة وفى اللثات لعس وفي أنيابها شنب.

والبيت من قصيدته المشهورة التى أولها

ما بال عينك منها الماء ينسكب
كأنه من كلى مفرية سرب

وقد استنشده هشام بن عبدالملك فانشده اياها فأمر بسحبه لانه كان بعينه رمص.

(2) قوله - ويبدى الحصي منها الخ. وقبله (*)


165

قال وهذا الاصل استعاره الناس من بعد.

قال الشاعر

النشر مسك والوجوه دنا
نير وأطراف الا كف عنم(1)
ولم أر ليلى غير موقف ساعة
بخيف منى ترمي جمار المحصب

وبعده.

ألا ان ما ترمين يا أم مالك
صدى أينما تذهب به الريح يذهب
(1) قوله - النشر مسك الخ.

البيت من قصيدة للمرقش الاكبر وتقدمت منها أبيات. ومنها

يهلك والد ويخلف مو
لود وكل ذى أب يتيم
والوالدات يستفدن غنى
ثم على المقدار من تعقم
ما ذنبنا في أن غزا ملك
من آل جفنة حازم مرغم
مقابل بين العواتك
والغلف لانكس ولا توأم
حارب واستعوى قراضبة
ليس لهم مما يحاز نعم
بيض مصاليت وجوههم
ليست مياه بحارهم بعمم
فانقض مثل الصقر يقدمه
جيش كغلان الشريف لهم
إن يغضبوا يغضب لذاك كما
ينسل من خرشائه الارقم
فنحن أخوالك عمرك والخا
ل له معاظم وحرم
لسنا كأقوام مطاعمهم
كسب الخنا ونهكة المحرم
إن يخصبوا يغيوا بخصبهم
أو يجدبوا فهم به ألام
عام ترى الطير دواخل في
بيوتهم معهم ترتم

ويخرج الدخان من خلل الستر كلون الكودن الاصحم

حتى إذا ما الارض زينها النبت
وجن روضها وأكم
ذاقوا ندامة فلو أكلوا الخطبان
لم يوجد له علقم
لكننا قوم أهاب بنا
في قومنا عفافة وكرم
أموالنا نقى النفوس بها
من كل ما يدنى اليه الذم (*)

166

وقال وأغرب أبونواس في قوله

تبكى فتذرى الدر من طرفها
وتلطم الورد بعناب

قال فلم يحسن هذا العلج أن يستعير شيئا من محاسن القائلين.

[ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه وهذا غلط من ابن عمار وسفه على أبى تمام لان الكميت جمع بين شيئين متباعدين وهما الدل وهو الشكل والحلاوة وحسن الهيئة والشنب وهو برد الاسنان فيطلق عليه بذلك بعض العيب وأبوتمام جمع بين شيئين غير متفرقين لان التوديع إنما أشار به إلى ما أشارت إليه بإصبغها من وداعه عند الفراق وشبه مع ذلك أصابعها بالعنم والعنم نبت أغصانه غضة دقاق شبه الاصابع.

وقيل إن العنم واحدته عنمة وهى العصابة الصغيرة البيضاء وهى أشبه شئ بالاصابع البيضاء الغضة وهذا حكاه صاحب كتاب العين. وقيل إن العنم نبت له نور أحمر تشبه به الاصابع المخضوبة فوجه حسن قوله التوديع والعنم أن التوديع كان بالاصابع التى تشبه العنم فجمع بينهما بذلك ولاحاجة به إلى ذكر الانامل المخضبة على ماظن أبوالعباس بل ذكر المشبه به أحسن وأفصح من أن يقول التوديع والانامل التى تشبه العنم.

فأما قوله إن التوديع لايستقبح وإنما يستقبح عاقبته فخطأ ومطالبة الشاعر بما لايطالب بمثله الشعراء لان التوديع إذا كان منذرا بالفراق وبعد الدار وغيبة المحبوب لامحالة إنه مكروه مستقبح. وقوله مستقبح عاقبته صحيح إلا أن مايعقبه ويثمره لما كان عند حضوره متيقنا مذكورا عاد الا كراه والاستقباح إليه ونحن نعلم أن الناس يتكرهون ويستقبحون تناول الاشياء الملذة من الاغذية وغيرها إذا علموا ما في عواقبها من المكروه فان من قدم اليه طعام مسموم وأعلم بذلك يتكرهه ويستقبح تناوله لما يتوقعه من سوء عاقبته وإن كان ملذا في الحال ولم تزل الشعراء تذكر كراهتها للوداع وهربها منه لما يتصور فيه من ألم الفرقة وغصص الوحشة وهذا

لايبعدالله التلبب والغا
رات إذ قال الخميس نعم
والعدو بين المجلسين إذا
ولى العشى وقد تنادى العم
يأتي الشباب الاقورين ولا
تغبط أخاك أن يقال حكم (*)

167

معروف مشهور.

وقد قال فيه أبوتمام

ء‌آلفة النحيب كم افتراق
أظل فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الاوبات إلا
لموقوف على ترح الوداع

فجعل للوداع ترحا يقابل فرح الاياب وهذا صحيح.

فأما قول جرير

أتنسى إذ تودعنا سليمى
بفرع بشامة سقى البشام(1)

وإنه دعا للبشام وهو شجر بالسقى لانها ودعته عنده فسر بتوديعها.

وقول الشاعر

من يكن يكره الوداع فإنى
أشتهيه لموضع التسليم
إن فيه اعتناقة لوداع
وانتظار اعتناقة لقدوم

فمن شأن الشعراء أن يتصرفوا في المعاني بحسب أغراضهم وقصودهم اذا رأى أحدهم

(1) قوله - أتنسي الخ. هو من قصيدة طويلة يذم فيها تغلب ويهجو الاخطل.

وأولها قوله

متى كان الخيام بذى طلوح
سقيت الغيث أيتها الخيام
ومنها بنفسى من تجنبه عزيز
على ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه
ويطرقنى إذا هجع النيام
ومنها عوي الشعراء بعضهم لبعض
على فقد أصابهم انتقام
كأنهم الثعالب حين تلقى
هزبرا في العرين له انتحام
إذا أقلعت صاعقة عليهم
رأوا أخري تحرق فاستهاموا
فمصطلم المسامع أو خصى
وآخر عظم هامته حطام
إذا شاؤا مددت لهم حضارا
وتقريبا مخالطه عذام
ومنها قضى لى أن أصلى خندفى
وعضب في عواقبه السمام
إذا ما خندف زحرت وقيس
فان جبال عزى لاترام
هم حديوا على ومكنوني
بأقيح لايزال به المقام (*)

168

مدح شئ قصد إلى أحسن أوصافه فذكرها وأشار بها حتى كأنه لاوصف له الا ذلك الوصف الحسن وإذا أراد ذمه قصد إلى أقبح أحواله فذكرها حتى كأنه لاشئ فيه غير ذلك وكل مصيب بحسب قصده ولهذا ترى أحدهم يقصد إلى مدح الشيب فيذكر مافيه من قار وخشوع وأن العمر منه أطول وما أشبه ذلك ويقصد إلى ذمه فيصف مافيه من الادناء إلى الاجل وأنه آخمل الالوان وأبغضها إلى النساء وماأشبه ذلك وهذه سبيلهم في كل شئ وصفوه ولمدحهم موضعه ولذمهم موضعه فمن ذم الوداع لمافيه من الانذار بالفراق وبعد الدار قد ذهب مذهبا صحيحا كما إن من مدحه لما فيه من القرب من المحبوب والسرور بالنظر إليه وإن كان يسيرا قد ذهب أيضا مذهبا صحيحا.

ومن غلط ابن عمار القبيح قوله بعد أن أنشد شعر المجنون وهذا هو الاصل ثم استعاره الناس من بعد. فقال الشاعر

النشر مسك والوجوه دنا
نير وأطراف الاكف عنم

وهذا الشعر للمرقش الاكبر وهو والمرقش الاصغر كانا جميعا على عهد ربيعة وشهدا حرب بكربن وائل فكيف يكون قول المرقش الاكبر بعد قول المجنون لولا الغفلة

(مجلس آخر 76)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان) الآية. فقال كيف يكون ذلك والفرقان هو القرآن ولم يؤت موسى القرآن وإنما اختص به محمد عليه الصلاة والسلام. الجواب قلنا قد ذكر في ذلك وجوه.

أولها أن يكون الفرقان بمعنى الكتاب المتقدم ذكره وهو التوراة ولايكون اسما ههنا للقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ويحسن نسقه على الكتاب لمخالفته للفظه كما قال تعالى (الكتاب والحكمة) وإن كانت الحكمة مما يتضمنها الكتاب وكتب الله تعالى كلها فرقان تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. ويستشهد على هذا


169

الوجه بقول طرفة

فما لي أرانى وابن عمى مالكا
متى أدن منه ينأ عنى ويبعد

فنسق يبعد على ينأ وهو بعينه وحسن ذلك اختلاف اللفظين.

وقال عدى بن زيد

وقدمت الاديم لراهشيه
وألفا قولها كذبا ومينا

والمين الكذب.

وثانيها أن يراد بالفرقان الفرق بين الحلال والحرام والفرق بين موسى عليه السلام واصحابه المؤمنين وبين فرعون وأصحابه الكافرين لان الله تعالي قد فرق بينهم في أمور كثيرة منها أنه نجى هؤلاء وغرق أولئك.

وثالثها أن يكون الكتاب عبارة عن التوراة والانجيل والفرقان انفراق البحر الذى أوتيه موسى عليه السلام.

ورابعها أن يكون الفرقان القرآن المنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام ويكون المعنى في ذلك وآتينا موسى التوارة والتصديق والايمان بالفرقان الذى هو القرآن لان موسى عليه السلام كان مؤمنا بحمد صلى الله عليه وسلم وماجاء به ومبشرا ببعثته وساغ حذف التوراة والايمان والتصديق وماجرى مجراه وإقامة الفرقان مقامه كماساغ في قوله تعالى (واسأل القرية) وهويريد أهل القرية.

وخامسها أن يكون المراد الفرقان ويكون تقدير الكلام (وإذ آتينا موسى الكتاب) الذى هو التوراة وآتينا محمد صلى الله عليه وسلم الفرقان فحذف ما يقتضيه الكلام كماحذف الشاعر في قوله

تراه كأن الله يجدع أنفه
وعينيه إن مولاه كان له وفر(1)

(1) قوله - تراه كأن الله يجدع أنفه الخ - يجدع أنفه - أى يقطعه - والمولى - هنا المراد به الجار أو الصاحب - وكان - يروي بدله وثاب بالمثلثة أي رجع من بعد ذهابه - والوفر - بفتح الواو وسكون الفاء وفي آخره راء مهملة وهو المال الكثير. ويروى دثر وهو بالمعنى الاول وهذا في ذم شخص حاسد يحسد جاره اذا رجع من سفره بمال كثير فيصير من شدة حسده كأن الله يجدع أنفه ويقلع عينيه. والبيت يستشهد به النحاة على حذف العامل المعطوف وابقاء معموله إذ التقدير ويفقأ عينيه كما في قوله تعالى (والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم) أي واعتقدوا الايمان والبيت للزبرقان بن بدر (22 - امالى رابع) (*)


170

أراد ويفقأ عينيه لان الجدع لايكون بالعين واكتفى بجدع عن يفقأ.

وقال الشاعر

تسمع للاحشاء منه لغطا
ولليدين حشأة وبددا

أى وترى لليدين لان الحشأة والبدد لايسمعان وإنما يريان.

وقال الآخر

علفتها تبنا وماء‌ا باردا
حتى شتت همالة عيناها(1)

أراد وسقيتها ماء باردا فدل علفت على سقيت.

وقال الآخر

ياليت بعلك قد غدا
متقلدا سيفا ورمحا

أراد حاملا رمحا.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وجدت أبابكر بن الانبارى يقول إن الاستشهاد بهذه الابيات لايجوز على هذا الوجه لان الابيات اكتفى فيها بذكر فعل عن ذكر فعل غيره والآية اكتفى فيها باسم دون اسم. والامر وإن كان على ماقاله

رضى الله عنه ونسبه الجاحظ لخالد بن الصليقان وقبله

ومولي كمولى الزبرقان دميته
كما دملت ساق يهاض بها كسر
إذا ما أحالت والجبائر فوقها
مضى الحول لا برء مبين ولاجبر

البيت.

وبعده ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه
كضب الكدى أفنى براثنه الحفر

(1) قوله - علفتها تبنا الخ. هذا الرجز يستشهد به النحاة في باب المفعول معه ويقولون ان الماء معطوف على التبن فلا يصح أن الواو في قوله وماء للمعية والمصاحبة لانعدام معنى المصاحبة ولايشارك قوله وماء فيما قبله فتعين أن ينصب بفعل مضمر يدل عليه سياق الكلام وهو أن يقال التقدير علفتها تبنا وسقيتها ماء.

وقال ابن عصفور انهم ذهبوا إلى أن الاسم الذى بعد الواو معطوف على الاسم الذي قبلها ويكون العامل في الاسم الذى قبل الوا قد ضمن في ذلك معنى يتسلط على الاسمين فيضمن علفتها معنى أطعمتها لانه إذا علفها فقد أطعمها فكأنه قال أطعمتها تبنا وماء ويقال أطعمته ماء. قال الله تعالى (ومن لم يطعمه فانه منى). وروى

لما حططت الرحل عنها واردا
علفتها تبنا وماء باردا

ورواية الاصل أشهر ولايعرف قائله ونسبه بعضهم لذي الرمة وليس في ديوانه (*)


171

في الاسم والفعل فإن موضع الاستشهاد صحيح لان الاكتفاء في الابيات بفعل عن فعل إنما حسن من حيث دل الكلام على المحذوف والمضمر واقتضاه فحذف تعويلا على أن المراد مفهوم غير ملتبس ولامشتبه وهذا المعنى قائم في الآية وإن كان المحذوف اسما لان اللبس قد زال والشبهة قد أمنت في المراد بها بهذا الحذف فحسن لان الفرقان إذا كان اسماء للقرآن وكان من المعلوم أن القرآن إنما أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام دون موسى عليه السلام استغنى عن أن يقال وآتينا محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن كما استغنى الشاعر أن يقول ويفقأ عينيه وترى لليدين حشأة وبددا وما شاكل ذلك.

إلا أنه يمكن أن يقال فيما استشهد به في جميع الابيات مما لايمكن أن يقال مثله في الآية وهو أن يقال انه محذوف ولاتقدير لفعل مضمر بل الكلام في كل بيت منها محمول على المعنى ومعطوف عليه لانه لما قال - تراه كأن الله يجدع أنفه - وكان معنى الجدع هو الافساد للعضو والتشويه به عطف على المعنى فقال وعينيه فكأنه قال كأن الله يجدع أنفه أى يفسده ويشوهه ثم قال وعينيه وكذلك لما كان السامع للغط الاحشاء عالما به عطف على المعنى فقال ولليدين حشأة وبددا أى أنه يعلم هذا وذاك معا وكذلك لما كان في قوله علفت معنى غذيت عطف عليه الماء لانه مما يغتذى به وكذلك لما كان المتقلد للسيف حاملا له(1) جاز

(1) قوله - لما كان المتقلد للسيف حاملا له الخ. عبارة بعض العلماء لان التقلد نوع من الحمل قال ولاجل هذا الذى ذكرناه من حكم العطف بالواو قلنا في قوله تعالى (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) في قراء‌ة من خفض الارجل إذ الارجل تغسل والرؤس تمسح ولم يوجب عطفها على الرؤس أن تكون ممسوحة كمسح الرؤس لان العرب تستعمل المسح على معنيين أحدهما النضح والآخر الغسل حتى روى أبوزيد تمسحت للصلاة أي توضأت.

وقال الراجز * أشليت عنزي ومسحت قعبي * أراد انه غسله ليحلب فيه فلما كان المسح نوعين أوجبنا لكل عضو مايليق به إذ كانت واو العطف كما قلنا إنما توجب الاشتراك في نوع الفعل وجنسه لا في كميته ولا في كيفيته فالنضح والمسح جميعهما جنس الطهارة كما جمع تقلد السيف وحمل الرمح جنس التأهب للحرب والتسلح (*)


172

أن يعطف عليه الرمح المحمول وهذا أولى في الطعن على الاستشهاد بهذه الابيات مما ذكره ابن الانبارى.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه أخبرنا أبوالحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولى قال أخبرنا يحيى بن على بن يحيى المنجم قال أخبرنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى عن الهيثم بن عدى قال لما دخل خالد بن صفوان الاهيمى على هشام بن عبدالملك وذلك بعد عزله خالد بن عبدالله القسرى قال فالفيته جالسا على كرسى في بركة ماؤها إلى الكعبين فدعالي بكرسي فجلست عليه فقال يا خالد رب خالد جلس مجلسك كان الوط بقلبي وأحب إلى فقلت يا أمير المؤمنين إن حلمك لايضيق عنه فلو صفحت عن جرمه فقال ياخالد إن خالدا أدل فأمل وأوجف فأجحف ولم يدع لراجع مرجعا ولا لعودة موضعا ثم قال ألا اخبرك عنه يابن صفوان قلت نعم قال إنه ما بدأني بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الذى أبدأه بها قال خالد فذاك أحرى أن ترجع اليه.

فقال متمثلا

إذا انصرفت نفسى عن الشئ لم تكد
إليه بوجه آخر الدهر تقبل

ثم قال حاجتك يابن صفوان قلت تزيدنى في عطائي عشرة دنابير فاطرق ثم قال ولم وفيم ألعبادة أحدثتها فنعينك عليها أم لبلاء حسن أبليته عند أمير المؤمنين أم لماذا يابن صفوان إذا يكثر السؤال ولا يحتمل ذلك بيت المال قال فقلت يا أمير المؤمنين وفقك الله وسددك أنت والله كماقال أخو خزاعة

اذا المال لم يوجب عليك عطاء‌ه
قرابة قربى أو صديق توافقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة
ولم يفتلتك المال إلا حقائقه

فلما قدم خالد البصرة قيل له ماالذى حملك على تزيين الامساك له قال أحببت أن يمنع غيرى كما منعنى فيكثر من يلومه.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وكان خالد مشهورا بالبلاغة وحسن العبارة.

وبالاسناد المتقدم عن المدائنى قال قال حفص ابن معاوية بن عمروبن العلاء قلت لخالد يا أبا صفوان أنى لا كره أن تموت وأنت من أيسر أهل البصرة فلايبكيك إلا الاماء قال فابغنى امرأة قلت صفها لي أطلبها لك قال بكرا


173

كثيب أو ثيبا كبكر لاضرعا صغيرة ولامسنة كبيرة لم تقرأ فتجبن ولم تغن فتمجن قد نشأت في نعمة وأدركتها خصاصة فأد بها الغنى وأذلها الفقر حسبى من جمالها أن تكون قمحة من بعيد مليحة من قريب وحسبى من حسنها أن تكون واسطة قومها ترضى منى بالسنة إن عشت أكرمتها وإن مت ورثتها لاترفع رأسها إلى السماء نظرا ولاتضعه إلى إلى الارض سقوطا فقلت ياأباصفوان إن الناس في طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها. وكان يقول إن المرأة لوخف محملها وقلت مؤنتها ما ترك اللئام فيها للكرام بيتة ليلة ولكن ثقل محملها وعظمت مؤنتها فاجتباها الكرام وحاد عنها اللئام. وكان خالد من أشح الناس وأبخلهم كان إذا أخذ جائزة أوغيرها قال للدرهم أما والله لطالما أغرت في البلاد وأنجدت والله لاطيلن ضجعتك ولاديمن صرعتك.

قال وسأله رجل من بنى تميم فأعطاه دانقا فقال ياسبحان الله أتعطي مثلى دانقا فقال له لو أعطاك كل رجل من بنى تميم مثل ما أعطيتك لرحت بمال عظيم. وسأله رجل فأعطاه درهما فاستقله فقال يا أحمق أما علمت أن الدرهم عشر العشرة والعشرة عشر المائة والمائة عشر الالف والالف عشر دية المسلم. وكان يقول والله ماتطيب نفسى بانفاق درهم إلا درهما قرعت به باب الجنة أو درهما اشتريت به موزا. وقال لان يكون لى ابن يحب الخمر أحب إلى من أن يكون لى ابن يحب اللحم لانه متى طلب اللحم وجده والخمر يفقده أحيانا. وكان يقول من كان ماله كفافا فليس بغنى ولافقير لان النائبة إذا نزلت به أجحفت بكفافه ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غنى.

وكان يقول لان يكون لاحدكم جار يخاف ان ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار لايشاء أن يعطيه مالا ويكتب به عليه صكا إلا فعل

(مجلس آخر 77)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). فقال كيف يخبر تعالى أنهم لايكذبون


174

نبيه عليه الصلاة والسلام ومعلوم منهم إظهار التكذيب والعدول عن الاستجابة والتصديق وكيف ينفى عنهم التكذيب ثم يقول إنهم بآيات الله يجحدون وهل الجحد بآيات الله الا تكذيب نبيه عليه الصلاة والسلام. الجواب قلنا قد ذكر في هذه الآية وجوه.

أولها أن يكون إنما نفى تكذيبهم بقلوبهم تدينا واعتقادا وإن كانوا مظهرين بأفواههم التكذيب لانا نعلم أنه كان في المخالفين له عليه الصلاة والسلام من يعلم صدقه ولاينكر بقلبه حقه وهو مع ذلك معاند فيظهر بخلاف مايبطن. وقال تعالى (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون).

ومما يشهد لهذه الوجه من طريق الرواية مارواه سلام بن مسكين عن أبى يزيد المدنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى أباجهل فصافحه أبوجهل فقيل له يا أباالحكم أتصافح هذا الصابئ فقال والله إنى لاعلم أنه نبى ولكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف فأنزل الله الآية. وفى خبر آخر أن الاخنس بن شريق خلا بأبى جهل فقال له يا أباالحكم أخبرني عن محمد صلى الله عليه وسلم أصداق هوأم كاذب فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا فقال له أبوجهل ويحك والله إن محمدا لصادق وماكذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصى باللوى والحجابة والسقاية والندوة والنبوة ماذا يكون لسائر قريش.

وعلى الوجه الاول يكون معنى فإنهم لايكذبونك أى لايفعلون ذلك بحجة ولا يتمكنون من إبطال ماجئت به ببرهان وإنما يقتصرون على الدعوي الباطلة وهذا في الاستعمال معروف لان القائل يقول فلان لايستطيع أن يكذبني ولايدفع قولى وإنما يريد أنه لايتمكن من إقامة دليل على كذبه ومن حجة على دفع قوله وإن كان يتمكن من التكذيب بلسانه وقلبه فيصير مايقع من التكذيب من غير حجة ولابرهان غير معتد به.

وروى عن أمير المؤمنين على عليه السلام أنه قرأ هذه الآية بالتخفيف فإنهم لايكذبونك على أن المراد بها أنهم لايأتون بحق هو أحق من حقك. وقال محمد بن كعب القرظى معناها لايبطلون مافى يديك وكل ذلك يقوي هذا الوجه وسنبين أن معنى هذه اللفظة مشددة ترجع إلى معناها مخففة.

والوجه الثانى أن يكون معنى الآية أنهم لايصدقونك ولايلفونك متقولا كما يقولون قاتلته فما أجبنته أى لم أجده جبانا


175

وحادثته فما أكذبته أى لم ألفه كاذبا.

وقال الاعشى

أثوى وقصر ليلة ليزودا
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا

أى صادف منها خلف المواعيد.

ومثله قولهم

أصممت القوم إذا صادفتهم صما وأخليت الموضع إذا صادفته خاليا.

وقال الشاعر

أبيت مع الحداث ليلى فلم أبن
فأخليت فاستجمعت عند خلائيا

أى أصبت مكانا خاليا.

ومثله لهميان بن أبى قحافة

ليسن أنيابا له لوامجا
أوسعن من أشداقه المضارجا

يعنى - بأوسعن - أصبن منابت واسعة فنبتن فيها.

وقال عمروبن براقه

تحالف أقوام على ليسنموا
وجرواعلى الحرب إذ أناسانم(1)

(1) قوله - اذ أنا سانم - الرواية المشهورة سالم بدل سانم.

والبيت من قصيدة يقولها عمروبن براق أو براقة المذكور وكان أغار عليه رجل من مراد فأخذ خيله وابله فذهب بها فاتي عمرو سلمى وكانت بنت سيدهم وعن رأيها كانوا يصدرون فاخبرها ان حريما المرادى أغار على ابله وخيله فقالت الخفو والوميض والشفق كالاحريض والقلة والحضيض إن حريما لمنيع الحيز سيد مزيز ذو معقل حربز غير أنى أرى الجمة ستظفر منه بعثرة بطيئة الجبرة فاغر ولاتنكع فاغار عمرو واستاق كل شئ له فاتى حريم بعد ذلك يطلب إلى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه فامتنع ورجع حريم انتهى.

وروي من غير هذا الوجه ان الذى أغار عليه حريم الهمدانى وان عمرا أنى امرأة كان يتحدث اليها يقال لها سلمي فاخبرها بالقصة وانه يريد الغارة عليه فقال له ويحك لاتعرض لتلفات حريم فانى أخافه عليك فخالفها وأغار عليه وهذا القول الاخير أصوب ومطع القصيدة

تقول سليمى لاتعرض لتلفة
وليلك عن ليل الصعاليك نائم
وكيف ينام الليل من حل ماله
حسام كلون الملح أبيض صارم
غموض اذا عض الكريهة لم يدع
لها طمعا طوع اليمين ملازم (*)

176

يقال - أسمن - بنو فلان إذا رعت إبلهم فصادفوا فيها سمنا.

وقال أبوالنجم
يقلن للرائد أعشبت انزل أى أصبت مكانا معشبا.

وقال ذوالرمة

تريك بياض لبتها ووجها
كقرن الشمس أفتق ثم زالا(1)
ألم تعلمى أن الصعاليك نومهم
قليل اذا نام الخلى المسالم
إذا الليل أدجى واكفهر ظلامه
وصاح من الافراط يوم جواثم
ومال بأصحاب الكرى غالباته
فاني على أمر الغواية حازم
كذبتم وبيت الله لاتأخذونها
مراغمة مادام للسيف قائم
تحالف أقوام على ليسلموا
وجروا على الحرب اذ أنا سالم
أفا اليوم أدعى للهوادة بعدما
أجيل علي الحى المذاكى الصلادم
فان حريما إذ رجا أن أردها
ويذهب مالى يابنة القيل حالم
متى تجمع القلب الذكى وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
متى تطلب المال الممنع بالقنا
تعش ماجدا أو تخترمك المخارم
وكنت اذا قوم غزونى غزوتهم
فهل أنا في ذايال همدان ظالم
فلا صلح حتى تقدع الخيل بالقنا
وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم
ولا أمن حتى تغشم الحرب جهرة
عبيدة يوما والحروب غواشم
أمستبطئ عمرو بن نعمان غارتى
وما يشبه اليقظان من هو نائم
إذا جر مولانا علينا جريرة
صبرنا لها إنا كرام دعائم
وننصر مولانا ونعلم أنه
كما الناس مجروم عليه وجارم

(1) - أفتق قرن الشمس - أصاب فتقا من السحاب فبدامنه.

والبيت من قصيدة يمدح بها بلال بن أبى بردة وبعده

أصاب خصاصة فبدا كليلا
كلا وأنغل جانبه انغلالا
ومنها بني لك أهل بيتك يابن قيس
وأنت تزيدهم شرفا جلالا (*)

177

أى وجد فتقا من السحاب وليس لاحد أن يجعل هذا الوجه مختصا بالقراء‌ة بالتخفيف دون التشديد لان في الوجهين معا يمكن هذا الجواب لان أفعلت وفعلت يجوزان في هذا الموضع وأفعلت هو الاصل ثم شدد تأكيدا وإفادة لمعنى التكرار وهذا مثل أكرمت وكرمت وأعظمت وعظمت وأوصيت ووصيت وأبلغت وبلغت وهو كثير. وقال الله تعالى (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه لان استعمال هذه اللفظة مخففة في هذا المعنى أكثر.

والوجه الثالث ماحكى الكسائى من قوله ان المراد انهم لاينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به لانه كان أمينا صادقا لم يجربوا عليه كذبا وإنما كانوا يدفعون ما أتى به ويدعون أنه في نفسه كذب وفى الناس من يقوى هذا الوجه وأن القوم كانوا يكذبون ما أتى به وإن كانوا يصدقونه في نفسه بقوله تعالى (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) وبقوله تعالى (وكذب به قومك وهو الحق) ولم يقل وكذبك قومك وكان الكسائى يقرأ فإنهم لايكذبونك بالتخفيف ونافع من بين سائر السبعة والباقون بالتشديد ويزعم أن بين أكذبه وكذبه فرقا وأن معنى أكذب الرجل أنه جاء بكذب ومعنى كذبته أنه كذاب في حديثه وهذا غلط وليس بين فعلت وأفعلت في هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر مما ذكرناه من أن التشديد يقتضى التكرار والتأكيد ومع هذا لايجوز أن يصدقوه في نفسه ويكذبوا بما أتى به لان من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام كان يستشهد بصحة ما أتى به وصدقه وأنه الدين القيم والحق الذى لايجوز العدول عنه وكيف يجوز أن يكون صادقا في خبره

مكارم ليس يحصيهن مدح
ولا كذبا أقول ولا انتحالا
أبوموسي فحسبك نعم جدا
وشيخ الركب خالك نعم خالا
كأن الناس حين تمر حتى
عواتق لم تكن تدع الحجالا
قياما ينظرون إلى بلال
رفاق الحج أبصرت الهلالا
فقد رفع الا له بكل أفق
لضوئك يا بلال سنا طوالا
كضوء الشمس ليس به خفاء
وأعطيت المهابة والجمالا
ومنها سمعت الناس ينتجعون غيثا
فقلت لصيدح انتجعي بلالا

(23 - امالى رابع) (*)


178

وان كان الذى أتى به فاسدا بل إن كان صادقا فالذى أتى به حق صحيح وإن كان الذى أتى به فاسدا فلابد من أن يكون في شئ من ذلك وهو تأويل من لايتحقق المعانى.

والوجه الرابع أن يكون المعنى في قوله تعالى فإنهم لايكذبونك أن تكذيبك راجع إلى وعائد على ولست المختص به لانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كذبه فهو في في الحقيقة مكذب لله تعالى وراد عليه وهذا كمايقول أحدنا لرسوله امض في كذا فمن كذبك فقد كذبنى ومن دفعك فقد دفعنى وذلك من الله على سبيل التسلية لنبيه عليه الصلاة والسلام والتعظيم والتغليظ لتكذيبه.

والوجه الخامس أن يريد فإنهم لايكذبونك في الامرالذى يوافق فيه تكذيبهم وإن كذبوك في غيره.

ويمكن في الآية وجه سادس وهو أن يريد تعالى أن جميعهم لايكذبونك وإن كذبك بعضهم فهم الظالمون الذين ذكروا في آخر الآية بأنهم يجحدون بآيات الله وإنما سلى نبيه عليه الصلاة والسلام بهذا القول وعزاه فلاينكر أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام لما استوحش من تكذيبهم له وتلقيهم إياه بالرد عليه وظن أنه لامتبع له عليه الصلاة والسلام منهم ولا ناصر لدينه فيهم أخبره الله تعالى بان البعض وان كذبك فان فيهم من يصدقك ويتبعك وينتفع بارشادك وهدايتك وكل هذا واضح والمنة لله.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه من جيد الشعر قول مطرود بن كعب الخزاعى

يأيها الرجل المحول رحله
ألا نزلت بآل عبد مناف(1)
هبلتك أمك لو نزلت عليهم
ضمنوك من جوع ومن إقراف

(1) قوله - ياأيها الرجل الخ.

روى عن المطلب؟؟؟ بن أبى وداعة عن جده قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبابكر رضى الله تعالى عنه عند باب بني شيبة فمر رجل وهو يقول

يا أيها الرجل المحول رحله
ألا نزلت بآل عبدالدار
هبلتك أمك لو تزلت برحلهم
منعوك من عدم ومن إقنار

قال فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم الي ابى بكر فقال هكذا قال الشاعر قال لا والذي بعثك بالحق لكنه قال (*)


179
الآخذون العهد من آفاقها
والراحلون لرحلة الايلاف
والمطعمون إذاالرياح تناوحت
ورجال مكة مسنتون عجاف
والمفضلون إذا المحول ترادفت
والقائلون هلم للاضياف
والخالطون غنيهم بفقيرهم
حتى يكون فقيرهم كالكافى
كانت قريش بيضة فتفلقت
فالمح خالصة لعبد مناف(1)

أما قوله - والراحلون لرحلة الايلاف - فكان هاشم صاحب إيلاف قريش الرحلتين وأول من سنهما فألف والرحلتين(2) في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق وفى الصيف إلى الشام.

وفى ذلك يقول ابن الزبعرى

يا أيها الرجل المحول رحله
ألا نزلت بآل عبد مناف

الخ كما في الاصل. قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هكذا سمعت الرواة ينشدونه

(1) وقوله - فالمح خالصة لعبد مناف - المح والمحة صفرة البيض.

قال ابن سيدة انما يريدون فص البيضة لان المح جوهر والصفرة عرض ولايعبرون بالعرض عن الجوهر اللهم الا أن تكون العرب سمت مح البيضة صفرة قال وهذا ما لا أعرفه وان كانت العامة قد أولعت بذلك وقوله - خالصة - روي أيضا خالصها وخالصه ولا إشكال في الروايتين الاخيرتين. قال ابن بري من قال خالصة بالتاء فهو في الاصل مصدر كالعافية

(2) قوله - تألف الرحلتين - الخ كان هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل إخوة وأكبرهم عبد شمس وأصغرهم المطلب والثلاثة السابقون لاب وأم ونوفل أخوهم لابيهم وهم أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام الروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الاكبر فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة واخذ لهم نوفل حبلا من الاكاسرة فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن فجبر الله بهم قريشا فسموا المجبرين واختلف في قائل هذه الابيات فقيل هي لمطرود ين كعب الخزاعى وقيل لابن الزبعرى وهذا أصح ولم نر من فرقها (*)


180
عمر العلا هشم الثريد لقومه
ورجال مكة مسنتون عجاف
وهو الذي سن الرحيل لقومه
رحل الشتاء ورحلة الاضياف

فأما قوله - مسنتون - فهم الذين أصابتهم السنة المجدبة الشديدة. وقوله - والخالطون غنيهم بفقيرهم - من أحسن الكلام وأخصره إنما أراد أنهم يفضلون على الفقير حتى يعود غنيا ذا ثروة.

ولاحمد بن يوسف أبيات على هذا الوزن يمزح بها مع ولد سعيد بن مسلم الباهلى وكان لهم صديقا

أبناء سعد إنكم من معشر
لايعرفون كرامة الاضياف
قوم لباهلة بن يعصرإن هم
نسبوا حسبتهم لعبد مناف
قرنوا الغداء إلى العشاء وقربوا
زادا العمر أبيك ليس بكافي
وكأننى لما حططت إليهم
رحلى نزلت بأبرق العزاف

غير السيد المرتضى وسبب قول ابن الزبعرى لها فيما قيل ان الناس أصبحوا يوما بمكة وعلى باب الندوة مكتوب

ألهى قصيا عن المجد الاساطير
ورشوة مثل ماترشى السفاسير
وأكلها اللحم بحتا لاخليط به
وقولها رحلت عير أتت عير

فانكر الناس ذلك وقالوا ما قالها الا ابن الزبعرى وأجمع على ذلك رأيهم فمشوا الي بني سهم وكان مما تنكر قريش وتعاتب عليه أن يهجو بعضها بعضا فقالوا لبنى سهم ادفعوه الينا نحكم فيه بحكمنا قالوا وما الحكم فيه قالوا قطع لسانه قالوا فشأنكم واعلموا والله انه لايهجونا رجل منكم الا فعلنا به مثل ذلك والزبير بن عبدالمطلب يومئذ غائب نحو اليمن فانتجت بنو قصي بينهم فقالوا لانأمن الزبير اذا بلغه ما قال ابن الزبعري أن يقول شيئا فيؤتي اليه مثل مانأتى إلى هذا وكانوا أهل تناصف فاجمعوا على تخليته فخلوه وقيل إنهم أسلموه اليهم فضربوه وحلقوا شعره وربطوه إلى صخرة بالحجون فاستغاث قومه فلم يغيثوه فجعل يمدح قصيا ويسترضيهم فاطلقه بنو عبد مناف منهم وأكرموه فمدحهم بهذا الشعر (*)


181
بينا كذلك إذ أتى كبراؤهم
يلحون في التبذير والاسراف

أراد - قرنوا الغداء إلى العشاء - من بخلهم واختصارهم في المطعم.

ويقال إن هذا الشعر حفظ وصار من أكثر مايسبون به ويسب قومهم ولرب مزح جر جدا وعثرة الشعر لاتستقال والشعر يسير بحسب جودته.

ولقد أحسن دعبل بن على في قوله

نعونى ولما ينعنى غير شامت
وغير عدو قد أصيبت مقاتله
يقولون إن ذاق الردى مات شعره
وهيهات عمرالشعر طالت طوائله
سأقضى ببيت يحمد الناس أمره
ويكثر من أهل الرواية حامله

يموت ردى الشعر من قبل ربه وجيدة يبقى وإن مات قائله.

ولآخر في هذا المعنى(1)

(1) قوله - ولآخر في هذا المعنى.

لابيات من قصيدة لدعبل أيضا ومطلعها

إذا غزونا فمغزانا بأنقرة
وأهل سلمي بسيف البحر من جرت
هيهات هيهات بين المنزلين لقد
أنضيت شوقى وقد طولت ملتفي
أحببت أهلى ولم أظلم بحبهم
قالوا تعصبت جهلا قول ذي بهت
لهم لسانى بتقريظى وممتدحي
نعم وقلبي وما تحويه مقدرتي
دعني أصل رحمى إن كنت قاطعها
لابد للرحم الدنيا من الصلة
فاحفظ عشيرتك الادنين إن لهم
حقا يفرق بين الزوج والمرت
قومى بنو حمير والازد إخوتهم
وآل كندة والاحياء من علت
ثبت الحلوم فان سلت حفائظهم
سلوا السيوف فاردوا كل ذى عنت
نفسى تنافسنى في كل مكرمة
إلى المعالى ولو خالفتها أبت
وكم زحمت طريق الموت معترضا
بالسيف ضيقا فاداني إلى السعة
قال العواذل أودى المال قلت لهم
مابين أجر وفحرلي ومحمدة
أفسدت مالك قلت المال يفسدني
اذا بخلت به والجود مصلحتي (*)

182
لاتعرضن بمزح لامرئ فطن
ماراضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جارية
مشؤمة لم يرد إنماؤها نمت
إنى إذا قلت بيتا مات قائله
ومن يقال له والبيت لم يمت
لاتعرضن بمزح لامرئ طبن
ماراضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح قاتلة
مشؤمة لم يرد إنماؤها نمت
رد السلى مستتما بعد قطعته
كرد قافية من بعد ما مضت
إني اذا قلت بيتا مات قائله
ومن يقال له والبيت لم يمت (*)

(مجلس آخر 78)

( تأويل آية أخرى )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) الآية.

وعن قوله تعالى (ولوترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولانكذب) الآية. فقال كيف يقع من أهل الآخرة نفى الشرك عن أنفسهم والقسم بالله تعالى عليه وهم كاذبون في ذلك مع أنهم عندكم في تلك الحال لايقع منهم شئ من القبيح لمعرفتهم بالله تعالى ضرورة ولانهم ملجؤن هناك إلى ترك جميع القبائح وكيف قال من بعد (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) فشهد عليهم بالكذب ثم علقه بما لايصح فيه معنى الكذب وهو التمنى لانهم تمنوا ولم يخبروا.

الجواب قلنا أول مانقوله إنه ليس في ظاهر الآية مايقتضى أن قولهم (ما كنا مشركين) إنما وقع في الآخرة دون الدنيا وإذا لم يكن ذلك في الظاهر جاز أن يكون الاخبار يتناول حال الدنيا وسقطت المسألة وليس لاحد أن يتعلق في وقوع ذلك في الآخرة بقوله تعالى قبل الآية (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون) وأنه عقب ذلك بقوله تعالى (ثم لم تكن فتنتهم) فيجب أن يكون الجميع مختصا بحال الآخرة لانه لايمنع أن يكون الآية تتناول مايجرى في الآخرة ثم


183

تتلوها آية تتناول مايجرى في الدنيا لان مطابقة كل آية لما قبلها في مثل هذا غير واجبة.

وقوله تعالى (ثم لم تكن فتنتهم) لاتدل أيضا على أن ذلك يكون واقعا بعد ماخبر تعالى عنه في الآية الاولى فكأنه تعالى قال على هذا الوجه إنا نحشرهم في الآخرة ونقول أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم ما كان فتنتهم وسبب ضلالهم في الدنيا إلا قولهم (والله ربنا ما كنا مشركين). وقد قيل في الآية على تسليم أن هذا القول يقع منهم في الآخرة إن المراد به أنا ما كنا عند نفوسنا وفى اعتقادنا مشركين بل كنا نعتقد أنا على الحق والهدى.

وقوله تعالى من بعد (أنظر كيف كذبوا على أنفسهم) لم يرد هذا الخبر الذى وقع منهم في الآخرة بل إنهم كذبواعلى أنفسم في دار الدنيا باخبارهم أنهم مصيبون محقون غير مشركين وليس في الظاهر إلا أنهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت فلم يحمل على آخرة دون دنيا ولو كان للآية ظاهر يقتضى وقوع ذلك في الآخرة لحملناه على الدنيا بدلالة أن أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح. فأما قوله تعالى حاكيا عنهم (ياليتنا نرد).

وقوله تعالى (فإنهم لكاذبون) فمن الناس من حمل الكلام كله على وجه التمنى فصرف قوله تعالى وإنهم لكاذبون إلى غير الامر الذى تمنوه لان التمني لا يصح فيه الصدق والكذب لانهما إنما يدخلان في الاخبار المحضة لان قول القائل ليت الله رزقنى وكذا وليت فلانا أعطانى مالا أفعل به كذا وكذا لايكون كذبا ولاصدقا وقع ماتمناه أولم يقع فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى (وإنهم لكاذبون) مصروفا إلى حال الدنيا كأنه تعالى قال وهم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم في الدنيا من الاضافة واعتقاد الحق أو يريد أنهم كاذبون أن خبروا عن أنفسهم أنهم متى ردوا آمنوا ولم يكذبوا وإن كان ما كان مما حكى عنهم من التمني ليس بخبر وقد يجوز أن يحمل قوله تعالى (وإنهم لكاذبون) على غيرالكذب الحقيقى بل يكون المراد والمعنى انهم تمنوا ما لا سيبل إليه فكذب أملهم وتمنيهم وهذا مشهور في الكلام لانهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك كذب أملك وأكدى رجاؤك وما جرى مجرى ذلك.

وقال الشاعر

كذبتم وبيت الله لا تأخذونها
مراغمة مادام للسيف قائم

184

وقال آخر

كذبتم وبيت الله لا تنكحونها
بنى شاب قرناها تصر وتحلب

ولم يرد الكذب في الاقوال بل في التمنى والامل.

وليس لاحد أن يقول كيف يجوز من أهل الآخرة مع أن معارفهم ضرورية وأنهم عارفون ان الرجوع لا سبيل إليه أن يتمنوه وذلك أنه غير ممتنع أن يتمنى المتمني ما يعلم أنه لا يحصل ولا يقع ولهذا يتعلق التمنى بما لا يكون وبما قد كان ولقوة اختصاص التمنى بما يعلم أنه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنه لايكون تمنيا فهذا الذى ذكرناه وجه في تأويل الآية.

وفى الناس من جعل بعض الكلام تمنيا وبعضه إخبارا وعلق تكذيبهم بالخبر دون ليتنا فكان تقدير الآية ياليتنا نرد وهذا هوالتمنى ثم قال من بعده فإنا لانكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فأخبروا بماعلم الله تعالى أنهم فيه كاذبون وإن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك فلهذا كذبهم تعالى وكل هذا واضح بحمدالله.

أخبرنا أبوعبيدالله المرزباني قال حدثني أحمد بن عبدالله وعبدالله بن يحيى العسكريان قالا حدثنا الحسن بن عليل العنبرى قال حدثنا أبوبكر محمدبن عبدالله العبدى قال حدثنا أبومسعر رجل منا من بنى غنم بن عبدالقيس قال ورد منصور بن سلمة النميرى على البرامكة وهو شيخ كبير وكان مروان بن أبى حفصة صديقا لى على أنى كنت أبغضه وأمقته في الله فكشا إلى وقال دخل علينا اليوم رجل أظنه شاميا وقد تقدمته البرامكة في الذكر عندالرشيد فأذن له الرشيد فدخل فسلم وأجاد فأذن له الرشيد فجلس قال فاوجست منه خوفا فقلت يانفس أنا حجازى نجدى شافهت العرب وشافهتنى وهذا شامي أفتراه أشعر منى قال فجعلت أرقو نفسى إلى أن استنشده هارون فاذا هو والله أفصح الناس فدخلنى له حسد فأنشده قصيدة تمنيت أنها لى وأن على غرما فقلت له ماهى قال أحفظ منها أبياتا وهى

أميرالمؤمنين إليك خضنا
غمار الموت من بلد شطير
بخوص كالاهلة خافقات
حملن على السرى وعلى الهجير
حملن إليك آمالا عظاما
ومثل الصبح والبدر المنير

185
وقد وقف المديح بمنتهاه
وغايته وصار إلى المصير
إلى من لايشير إلى سواه
إذا ذكر الندى كف المشير

قال مروان فوددت أنه قد أخذ جائزتي وسكت وعجبت من تخلصه إلى تلك القوافى ثم ذكر ولد أميرالمؤمنين على عليه السلام فأحسن التخلص.

ورأيت هارون يعجب بذلك فقال

يدلك في رقاب بنى على
ومن ليس بالمن اليسير
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم
وإلا فالندامة للكفور(1)
مننت على ابن عبدالله يحيى
وكان من الحتوف على شفير
وقد سخطت لسخطتك المنايا
عليه فهى خاتمة النشور
ولو كافأت مااجترحت يداه
دلفت له بقاصمة الظهور
ولكن جل حلمك فاجتباه
على الهفوات عفو من قدير
فعاد كأنه لم يجن ذنبا
وقد كان اجتنى حسك الصدور
وإنك حين تبلغه أذاة
وإن ظلموا لمحترق الضمير

وإن الرشيد قال لما سمع هذا البيت هذا والله معنى كان في نفسى وأدخلة بيت المال وحكمه فيه.

عدنا إلى الخبر قال مروان وكان هارون يتبسم ويكاد يضحك للطف ماسمع ثم أرمأ إلى أن أنشد فأنشدته قصيدتى التى أقول فيها

(1) وزيد فيها

وإن قالوا بنو بنت فحق
وردوا ما يناسب للذكور
وما لبنى بنات من تراث
مع الاعمام في ورق الزبور
ومنها بني حسن ورهط بنى حسين
عليكم بالسداد من الامور
فقد ذقتم قراع بني أبيكم
غداة الروع بالبيض الذكور

(24 - امالى رابع) (*)


186
خلوا الطريق لمعشر عاداتهم
حطم المناكب كل يوم زحام(1)

حتى أتيت على آخرها فوالله ماعاج ذلك الرجل يعنى النميرى بشعرى ولاحفل به.

ثم وأنشده منصور يومئذ

إن لهارون إمام الهدى
كنزين من أجرومن بر
يريش ماتبرى الليالى ولا
تريش أيديهن مايبرى
كأنما البدر على رحله
ترميك منه مقلتا صقر

وأنشده أيضا

ولمن أضاع لقد عهدتك حافظا
لوصية العباس بالاخوال

قال مروان وأخلق به أن يغلبنى وأن يعلو على عنده فإنى مارأيت أحسن من تخلصه إلى ذكر الطالبين.

وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا أبوعبدالله الحكيمى قال حدثني يموت بن المزرع قال حدثنى أبوعثمان الجاحظ قال كان منصور النميرى ينافق الرشيد ويذكر هارون في شعره ويريه أنه من وجوه شيعته وباطنه ومراده بذلك على بن أبي طالب عليه السلام لقول النبي عليه الصلاة والسلام أنت منى بمنزلة هارون من موسى إذ وشى به عنده بعض أعدائه وهو العتابي فقال يا أميرالمؤمنين هو الله الذى يقول

متى يشفيك دمعك من همول
ويبرد مابقلبك من غليل

وأنشده أيضا

شاء من الناس راتع هامل
يعللون النفوس بالباطل

ومنصور يصرح في هذه القصيدة بالعجائب فوجه الرشيد برجل من فزارة وأمره أن يضرب عنق منصور حيث تقع عينه عليه فقدم الرجل ورأس عين من بعد موت منصور بأيام قلائل.

قال المرزبانى ويصدق قول الجاحظ أن النميري كان يذكر هارون في

(1) وبعده

وارضوا بما قسم الاله لكم
ودعوا وراثة كل أصيد حام
أني يكون وليس ذاك بكأن
لبنى البنات وراثة الاعمام (*)

187

شعره وهو يعنى به أمير المؤمنين عليا عليه السلام ما أنشدناه محمد بن الحسن بن دريد النمرى

آل رسول خيار الناس كلهم
وخير آل رسول الله هارون
رضيت حكمك لا أبغى به بدلا
لان حكمك بالتوفيق مقرون

وروى أن أباعتيمة الشيعى لما أوقع بأهل ديار ربيعة أوفدت ربيعة وفدا إلى الرشيد فيهم منصور النميرى فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل عليه منهم فاختاروا عددا بعد عدد إلى أن اختاروا رجلين أحدهما النميرى ليدخلا ويسألا حوائجهما وكان النميري مؤدبا لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك ولاعرف به فلما مثل هو وصاحبه بين يدي الرشيد قال لهما قولا ماتريدان فانشد النميرى ماتنقضى حسرة منى ولاجزع قال له الرشيد قل حاجتك وعد عن هذا. فقال إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع وأنشده القصيدة حتى أتى إلى قوله

ركب من النمر عاذوا بابن عمهم
من هاشم إذ ألج الازلم الجذع
متوا إليك بقربي منك تعرفها
لهم بها في سنام المجد مطلع
إن المكارم والمعروف أودية
أحلك الله منها حيث تنتجع
إذا رفعت امرأ فالله رافعه
ومن وضعت من الاقوام متضع
نفسى فداؤك والابطال معلمة
يوم الوغى والمنايا بينهم قرع

حتى أتى إلى آخرها فقال له ويحك ما حاجتك فقال يا أميرالمؤمنين أخربت الديار وأخذت الاموال وهتك الحرم فقال اكتبوا له بكل مايريد وأمر له بثلاثين ألف درهم واحتبسه عنده وشخص أصحابه بالكتب ولم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه في الانصراف فأذن له ثم اتصل بالرشيد قوله


188
شاء من الناس راتع هامل
يعللون النفوس بالباطل
تقتل ذرية النبى وترجو
ن خلود الجنان للقاتل
ما الشك عندى في كفر قاتله
لكننى قد أشك في الخاذل

فامتعض الرشيد وأنفذ من يقتله فوجده في بعض الروايات ميتا وفى أخرى عليلا لما به فسئل الرسول أن لا يأثم به وأن ينتظر موته ففعل ولم يبرح حتى توفي فعاد بخبر موته.

وللنميري

لوكنت أخشى معادى حق خشيته
لم تسم عينى إلى الدنيا ولم تنم
لكنني عن طلاب الدين محتبل
والعلم مثل الغنى والجهل كالعدم
يحاولون دخولى في سوادهم
لقد أطافوا بصدع غير ملتئم
ما يغلبون النصارى واليهود على
حب القلوب ولا العباد للصنم

(مجلس آخر 79)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذا الموء‌ودة سئلت بأى ذنب قتلت). فقال كيف يصح أن يسئل من لاذنب له ولا عقل فأى فائدة في سؤالها عن ذلك وما وجه الحكمة فيه وما الموؤدة ومن أي شئ اشتقاق هذه اللفظة. الجواب قلنا أما معنى سئلت ففيه وجهان.

أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة في قتلها وسئل عن قتله لها وبأى ذنب كان على سبيل التوبيخ والتعنيف وإقامة الحجة فالقتلة ههنا هم المسئولون على الحقيقة لاالمقتولة وإنما المقتولة مسئول عنها ويجرى هذا مجرى قولهم سألت حقى أى طالبت به ومثله قوله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) أى مطالبا به مسؤلا عنه.

والوجه الآخر أن يكون السؤال توجه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ له والتقريع له والتنبيه له على أنه لاحجة له في قتلها ويجرى هذا مجرى قوله تعالى لعيسى عليه السلام (ء‌أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون


189

الله) على طريق التوبيخ لقومه وإقامة الحجة عليهم.

فإن قيل على هذا الوجه كيف يخاطب ويسأل من لاعقل له ولافهم. فالجواب أن في الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل وتهجينه وإدخال الغم عليه في ذلك الوقت على سبيل العقاب لم يمتنع أن يقع وإن لم يكن من الموؤدة فهم له لان الخطاب وإن علق عليها وتوجه إليها فالغرض في الحقيقة به غيرها قالوا وهذا يجرى مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده فأقبل على ولده يقول له ضربت ماذنبك وبأى شئ استحل هذا منك فغرضه تبكيت الظالم لاخطاب الطفل والاولى أن يقال في هذا إن الاطفال وإن كانوا من جهة العقول لايجب في وصولهم إلى الاغراض المستحقة أن يكونوا كاملى العقول كما يجب مثل ذلك في الوصول إلى الثواب فإن الخبر متظاهرا والامة متفقة على أنهم في الآخرة وعند دخولهم الجنان يكونون على أكمل الهيئات وأفضل الاحوال وإن عقولهم تكون كاملة فعلى هذا يحسن توجه الخطاب إلى الموؤدة لانها تكون في تلك الحال ممن تفهم الخطاب وتعقله وإن كان الغرض منه التبكيت للقائل واقامة الحجة عليه.

وقد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس ويحيى بن يعمر ومجاهد ومسلم بن صبيح وأبى الضحى ومروان وأبى صالح وجابربن زيد أنهم قرؤا سئلت بفتح السين والهمزة واسكان التاء بأى ذنب قتلت. وروى باسكان اللام وضم التاء الثانية على أن الموؤدة موصوفة بالسؤال والقول بأى ذنب قتلت.

وروى القطيعي عن مسلم والاعمش عن حفص عن عاصم قتلت بكسر التاء الثانية وفى سئلت مثل قراء‌ة الجمهور بضم السين. وروى عن أبى جعفر المدنى قتلت بالتشديد وإسكان التاء الثانية. وروى عن بعضهم وإذا الموؤدة سئلت بفتح الميم والواو فأما من قرأ سئلت بفتح السين فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما من ان الله تعالى أكملها في تلك الحال وأقدرها على النطق.

والوجه الثالث أن يكون معنى سئلت أى سألها وطولب بحقها وانتصف لها من ظالمها فكأنها هي السائلة تجوزا واتساعا ومن قرأ بفتح السين وضم التاء الثانية من قتلت فعلى أنها هى المخاطبة بذلك ويجوز في هذا الوجه أيضا قتلت باسكان التاء الاخيرة كقراء‌ة الجماعة لانه اختاره عنها كما يقال سئل زيد بأى ذنب ضرب وبأى ذنب ضربت وقال يقوى هذه


190

القراء‌ة في سئلت ماروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من قوله يجئ المقتول يوم القيامة وأوداجه تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك متعلقا بقاتله يقول يا رب سل هذا فيم قتلنى فأما القراء‌ة المأثوره عن حفص عن عاصم في ضم التاء الاخيرة من قتلت ويضم السين سئلت فمعناها (وإذالموؤدة سئلت) ماتبغي فقالت (بأى ذنب قتلت) فأضمر ماسئلت عنه وأضمر قولها وقد تضمر العرب مثل هذا لدلالة الخطاب عليه وارتفاع الاشكال عنه مثل قوله تعالى (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل منا) أى ويقولان ربنا ونظائره في القرآن كثيرة جدا.

فاما قراء‌ة من قرأ بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل بالموؤدة ههنا وإن كان لفظها لفظ واحد فالمراد به الجنس واردة التكرار جائزة. فأما من قرأ (الموؤدة بفتح الميم والواو فعلى أن المراد الرحم والقرابة وأنه يسأل عن سبب قطعها وتضييعها. قال الله تعالى (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض) الآية. فأما الموؤدة فهى المقتولة صغيرة وكانت العرب في الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهن أحياء وهو قوله تعالى (أيمسكه على هون أم يدسه في التراب).

وقوله تعالى (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم) ويقال إنهم كانوا يفعلون ذلك لامرين.

أحدهما أنهم كانوا يقولون إن الاناث بنات الله فالحقوا البنات بالله فهو أحق بها منا والامر الآخر أنهم كانوا يقتلونهن خشية الاملاق قال الله تعالى (ولاتقتلوا أولادكم من إملاق) الآية.

[ قال الشريف المرتضى ] رضي الله عنه ووجدت أباعلى الجبائى وغيره يقول إنما قيل لها موؤدة لانها ثقلت بالتراب الذى طرح عليها حتي ماتت وفى هذا بعض النظر لانهم يقولون من الموؤدة وأديئد وأدا والفاعل وائد والفاعلة وائدة ومن الثقل يقولون آدنى الشئ يؤدني إذا أثقلنى أودا.

وروي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العزل فقال ذاك الوأدالخفى وقد روى عن جماعة من الصحابة كراهية ذلك فقال قوم في الخبر الذى ذكرناه انه منسوخ بماروى عنه عليه الصلاة والسلام كذبت اليهود لو أراد الله أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه وقد يجوز أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام ذاك الوأد الخفى على طريق التأكيد الترغيب


191

في طلب النسل وكراهية العزل لا على انه محظور محرم. وصعصعة بن ناجية بن عقال جد الفرزدق بن غالب وكان ممن فدى الموؤدات في الجاهلية ونهى عن قتلهن وقيل انه أحيا ألف موؤدة وقيل دون ذلك.

وقد افتخر الفرزدق بهذا في قوله

ومنا الذى منع الوائدات
وأحيا الوئيد فلم توء‌د

وفي قوله

ومنا الذى أحياالوئيد وغالب
وعمرو ومنا حاجب والاقارع

وفى ذلك يقول أيضا

أنا ابن عقال وابن ليلى وغالب
وفكاك أغلال الاسير المكفر

- ليلى - أم غالب - وعقال - هو محمد بن سفيان بن مجاشع - وفكاك الاغلال - ناجية بن عقال - والمكفر - هو الذى كفر وكبل بالحديد

وكان لنا شيخان ذوالقبر منهما
وشيخ أجار الناس من كل مقبر

- ذوالقبر - غالب وكان يستجار بقبره والذى أجارالناس من القبر وأحيى الوئيدة صعصعة

على حين لاتحيى البنات وإذهم
عكوف على الاصنام حول المدور
أنا ابن الذى رد المنية فضله
وماحسب دافعت عنه بمعور
أبى أحد الغيثين صعصعة الذى
متى تخلف الجوزاء والنجم يمطر
أجار بنات الوائدين ومن يجر
على القبر يعلم أنه غير مخفر
وفارق ليل من نساء أتت به
يعالج ريحا ليلها غير مقمر

- فارق - يعنى امرأة ماخضا شبهها بالمفارق من الابل وهي الناقة التى يضربها المخاض فتقارق الابل وتمضى على وجهها حتى تضع

فقالت أجرلي ماولدت فإننى
أتيتك من هزل الحمولة مقتر
رأى الارض منها راحة فرمى بها
إلى جدد منها وفى شرمحفر

192
فقال لها نامى فأنت بذمتى
لبنتك جار من أبيها القتور

- القتور - السيئ الخلق.

قال وأخبرنا المرزبانى قال أخبرني محمدبن يحى الصولى قال حدثنا محمدبن زكريا الغلابى عن العباس بن بكار الضبى عن أبى بكر الهذلى.

قال الصولي وحدثنى القاسم بن إسماعيل عن أبي عثمان المازنى عن أبى عبيدة بطرف منه قال وفد صعصعة بن ناجية جدالفرزدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم وكان صعصعة منع الوأد في الجاهلية فلم يدع تميما تئد وهو يقدر على ذلك فجاء الاسلام وقد فدا في بعض الروايات أربعمائة موؤدة وفى أخرى ثلاثمائة فقال للنبى صلى الله عليه وسلم بأبى أنت وأمى أوصنى فقال أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدانيك فقال زدنى فقال عليه الصلاة والسلام إحفظ مابين لحييك ورجليك ثم قال عليه الصلاة والسلام ماشئ بلغنى عنك فعلته فقال يارسول الله رأيت الناس يموجون على غير وجه ولم أدر أين الصواب غير أنى علمت أنهم ليسوا عليه فرأيتهم يئدون بناتهم فعرفت أن ربهم عزوجل لم يأمرهم بذلك فلم أتركهم ففديت ماقدرت عليه.

وفى رواية أخرى إن صعصعة لما وفد على النبى صلى الله عليه وسلم فسمع قوله تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيرايره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) قال حسبى ما أبالى أن لا أسمع من القرآن غير هذا. ويقال إنه اجتمع جرير والفرزدق يوما عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا فقال الفرزدق أنا ابن محيى الموتى فقال له سليمان أنت ابن محيى الموتى فقال إن جدى أحيا الموؤدة وقد قال الله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحياالناس جميعا) وقد أحيي جدي اثنتين وتسعين موؤدة فتبسم سليمان وقال إنك مع شعرك لفقيه [ تأويل خبر ].

إن سأل سائل عن معنى الخبر الذى يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يصلى الرجل وهو زناء. الجواب قلنا الزناء هو الحاقن الذى قد ضاق ذرعا ببوله يقال أزنأ الرجل ببوله فهو يزنيه إزناء.

قال الاخطل

فإذا دفعت إلى زناء قعرها
غبراء مظلمة من الاحفار(1)

(1) البيت من قصيدة يمدح بها عبدالله بن معاوية بن أبى سفيان وكان عبدالله هذا محمقا (*)


193

يعنى ضيق القبر. ويقال لا تأت فلانا فان منزله زناء فيجوز أن يكون ضيقا ويجوز أن يكون عسر المرتقي وكلاهما يؤل إلى المعنى ويقال موضع زناء إذا كان ضيقا صبعا. ومن

وأول القصيدة

صدع الخليط فشاقنى أجواري
ونأوك بعد تقارب ومزار
وكأنما أنا شارب جادت له
بصرى بصافية الاديم عقار
صرف تواترت الاعاجم جفنها
وحماه حائط عوسج بجدار
من مسبل درجت اليه عيونه
وسقاه عازب جدول مرار
حتى إذا ما أنضجته شمسه
وأنا فليس عصاره كعصار
وتقصدت من غير هش عوده
بال وليس بحصرم أبكار
وتجردت بعد الهجير وضرحت
صهباء تبدأ شربها بقتار
وجدا برملة يوم شرق أهلها
للغور أو لشقائق المذكار
وكأن ظعن الحى حائش قرية
دانى الجناية موانع الاثمار
واذا تكشفت الخدور بدالنا
بقر كوانس في ظلال مغار
واذا اطلعن من الخدور لحاجة
سدوا الخصاص بأوجه أحرار
ولقد حلفت برب موسى جاهدا
والبيت ذى الحرمات والاستار
وبكل مهتبل عليه مسوحه
دون السماء مسبح جآر
لاحبرن لابن الخليفة مدحة
ولاقذفن بها الي الامصار
قرم تمهل في أمية لم يكن
فيها بذى أبن ولاخوار
نبتت قناتك منهم في أسرة
بيض الوجوه مصالت أخيار
جهراء للمعروف حين تراهم
حلماء غير تنابل أشرار
قوم اذا بسط الاله ربيعهم
دارت رحاه بمسبل درار
واذا أريد بهم عقوبة فاجر
مطرت صواعقهم عليه بنار
قوم هم نالوا النمام وأزحفت
عنه مذارع آخرين قصار
وأبوك صاحب يوم أذرح اذ
أبى الحكمان غير تهايب وضرار

(25 - رابع امالى) (*)


194

ذلك قول أبى زبيد يصف أسدا

أبن عرسية عنابها أشب
ودون غايته مستورد شرع
شأسي الهبوط زناء الحاميين متى
تنشع بوادرة يحدث لها فزع(1)
لما تبعثت الضغائن بينهم
أفضى وسار بجحفل جرار
وأهل اذ غنظ العدو بفيلق
تحت الاشاء عريضة الآثار
حتى رأوه بجنب مسكن معلما
والخيل جاذية على الاقتار
ومنها تسموا العيون إلى عزيز بابه
معطي المهابة نافع ضرار
وتري عليه إذ العيون شزرنه
سيما الحليم وهيبة الجبار
ولقد أناجي النفس لما شفها
خوف الجنان ورهبة الاقتار
بأبى سليمان الذي لولا يد
منه علقت بظهر أحدب عار
واذا دفعت إلى زناء بابها
غبراء مظلمة من الاجفار
لولا فواضله غداة لقيته
بالجد شاب مسايحى وعذارى
من معشر حنقين لولا أنتم
يابن الخليفة ما شددت إزارى
والشافعون مغيبون وجوههم
رزموا المقالة ناكسوا الابصار

(1) البيتان من قصيدته التى أولها

من مبلغ قومنا النائين اذ شحطوا
أن الفؤاد اليهم شيق ولع
حمال أثقال أهل الود آونة
أعطيهم الجهد منى بله ما أسع

يروي أن سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه قال له يوما يا أخا تبع المسيح أسمعنا بعض قولك فقد أنبئت انك تجيد وكان أبوزبيد الطائى هذا نصرانيا فأنشده القصيدة ووصف الاسد فقال عثمان رضى الله عنه تالله تفتؤ تذكر الاسد ما حييت والله اني لاحسبك جبانا هرابا قال كلا يا أميرالمؤمنين ولكنى رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لايبرح ذكره يتجدد ويتردد في قلبى ومعذور أنا غير ملوم فقال له عثمان رضي الله عنه واني كان ذلك قال خرجت في صيابة أشراف من أبناء قبائل العرب ذوى هيئة وشارة حسنة ترمى (*)


195

يعنى - بزناء الحاميين - أنه ضيق جانبي الوادى. وقوله - متى تنشع بواردة - أى يضيق بجماعة ممن يرده وإنما يحدث لها فزع من الاسد - والشاس - الغليظ يقال مكان شأس إذا كان غليظا ومن ذلك قولهم زنأ فلان في الجبل إذا كابد الصعود فيه وهو يزنأ في الجبل.

وروى أبن دريد أن قيس بن عاصم المنقري أخذ صبيا له يرقصه وأم ذلك الصبى نفوسة وهى

بنا المهارى باكسائها ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغسانى ملك الشام فاخروط بنا السير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الافواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيخد وصر الجندب وأضاف العصفور الضب في وكره وجاوره في جحره قال قائل أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادى واذا واد قد بدى لنا كثير الدغل دائم الغلل أشجاره مغنه وأطياره مرنه فحططنا رحالنا باصول دوحات كنهبلات فاصبنا من فضلات الزاد وأتبعناها الماء البارد فانا لنصف حر يومنا ومماطلته اذ صر أقصي الخيل أذنيه وفحص الارض بيديه فوالله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا فتضعضعت الخيل وتكعكعت الابل وتقهقهرت البغال فمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فعلمنا أنا قد أتينا وانه السبع ففزع كل واحد منا إلى سيفه فاستله من جربانه ثم وقفنا زردقا أرسالا وأقبل أبوالحارث من أجمته يتظالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار لصدره نحيط ولبلاعمه غطيط ولطرفه وميض ولارساغه نقيض كأنما يخبط هشيما أو يطأ صريما وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن وعينان سجروان كأنهما سراجان يتقدان وقصرة ربلة ولهذمة رهلة وكتد مغبط وزور مفرط وساعد مجدول وعضد مفتول وكف شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن فضرب بيديه فارهج وكشر فافرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة وفم أشدق كالغار الاخرق ثم تمطي فأسرع بيديه وحفز وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه ثم اقعي فاقشعر ثم مثل فاكفهر ثم تجهم فازبأر فلاوذو بيته في السماء ما اتقيناه الاباخ لنا من فزاره كان ضخم الجزاره فوقصه ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه فجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابى فبعد لاى ما استقدموا فهجهجنا به فكر مقشعرا بزبره كأن به (*)


196

بنت زيد الفوارس بن ضرار الضبى فجعل قيس يقوله له

أشبه أبا أمك أو أشبه عمل
ولاتكونن كهلوف وكل

تريد عملى(1) - الوكل - الجبان - والهلوف - الهرم المسن وهو أيضا الكبير اللحية وإنما

راد به ههنا الاول
وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل * فأخذته أمه وجعلت ترقصه.

وتقول

أشبه أخى أو أشبهن أباكا
أما أبى فلن تنال ذاكا

* تقصير عن مناله يداكا

شمما حوليا فاختلج رجلا أعجر ذا حوايا فنفضه نفضة تزايلت منها مفاصله ثم همهم فقرقر ثم زفر فبربر ثم زأر فجرجر ثم لحظ فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه فارعشت الايدى واصطكت الارجل وأطت الاضلاع وارتجت الاسماع وشخصت العيون وتحققت الظنون وانخزلت المتون فقال له عثمان رضى الله عنه أسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المسلمين.

(1) قوله - يريد عملى. قال في اللسان وعمل اسم رجل وأنشد الرجز. وفي نوادر أبى زيد وزعموا أن قيس بن عاصم أخذ ابنه حكيما وأمه منفوسة بنت زيد الفوارس الضبى فرقصه وقال
أشبه أبا أمك أو أشبه عمل
ولاتكونن كهلوف وكل
يبيت في مقعده قد انجدل
وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل

أبوحاتم وأبوعثمان - عمل - وهو اسم رجل فاخذته منفوسة منه.

ثم قالت

أشبه أخى أو اشبهن أباكا
أما أبي فلن تنال ذاكا
* تقصر أن تناله يداكا
ويروي تقصر عن تناله كذا أنشده أبوزيد

(مجلس آخر 80)
( تأويل آية )

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وهديناه النجدين) الي آخر السورة. فقال ما تأويل هذه الآية ومامعنى ما تضمنته.

الجواب قلنا أما ابتداء الآية فتذكير بنعم الله تعالى عليهم وما أزاح به علتهم في تكاليفهم وما تفضل به عليهم من الآلات التى يتوصلون بها إلى منافعهم ويدفعون بها المضار عنهم لان الحاجة إلى أكثر المنافع الدينية والدنيوية ماسة فالحاجة إلى العينين للرؤية واللسان للنطق والشفتين لحبس الطعام والشراب وامساكهما في الفم والنطق أيضا.

فأما - النجد - في لغة العرب فهو الموضع المرتفع من الارض والغور الهابط منها وإنما سمى الموضع المرتفع من أرض العرب نجدا لارتفاعه. واختلف أهل التأويل في المراد بالنجدين فذهب قوم إلى أن المراد بهما طريقا الخير والشر وهذا الوجه روى عن على بن أبي طالب عليه السلام وابن مسعود والحسن وجماعة من المفسرين.

وروى أنه قيل لاميرالمؤمنين على عليه السلام إن أناسا يقولون في قوله (وهديناه النجدين) إنهما الثديان فقال عليه السلام لا إنهما الخير والشر. وروى عن الحسن أنه قال بلغنى أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال أيها الناس إنهما نجدان نجد الخير ونجد الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير. وروى عن قوم آخرين أن المراد بالنجدين ثديا الام.

فإن قيل كيف يكون طريق الشر مرتفعا كطريق الخير ومعلوم أنه لاشرف ولا رفعة في الشر قلنا. قلنا يجوز أن يكون إنما سماه نجدا لظهوره وبروزه لمن كلف اجتنابه ومعلوم أن الطريقين جميعا باديان ظاهران ويجوز أيضا أن يكون سمى طريق الشر نجدا من حيث يحصل في اجتناب سلوكه والعدول عنه الشرف والرفعة كما يحصل مثل ذلك في سلوك طريق الخير لان الثواب الحاصل في اجتناب طريق الشر كالثواب في سلوك طريق الخير.

وقال قوم إنما أراد بالنجدين إنا بصرناه وعرفناه ماله وعليه وهديناه إلى الطريق استحقاق الثواب وثنى النجدين على طريق عادة العرب في تثنية الامرين إذا اتفقا في بعض الوجوه وأجرى لفظة أحدهما على الآخر كما قيل في الشمس والقمر والقمران.

قال الفرزدق


198

* لنا قمراها والنجوم الطوالع(1) ولذلك نظائر كثيرة.

فأما قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) ففيه وجهان. أحدهما أن يكون فلا بمعنى الجحد وبمنزلة لم أى فلم يقتحم العقبة وأكثر ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ لا كما قال سبحانه (فلاصدق ولاصلى) أى لم يصدق ولم يصل.

وكما قال الحطيئة

وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها
إن أنعموالا كدروها ولاكدوا(2)

(1) صدره. أخذنا بآفاق السماء عليكم

(2) البيت من قصيدة يمدح بها آل شماس بن لاي ومطلعها

ألا طرقتنا بعد ما هجعت هند
وقد سرن خمسا واتلاب بنانجد
ألا حبذا هند وأرض بها هند
وهند أتى من دونها التأى والبعد
وهند أتى من دونها ذو غوارب
يقمص بالبوصي معروف ورد
وان التى نكبتها عن معاشر
على غضاب أن صددت كما صدوا
أتت آل شماس بن لاى وانما
أتاهم بها الاحلام والحسب العد
فان الشقى من تعادي صدورهم
وذو الجد من لانوا اليه ومن ودوا
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها
وان غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم لا أبا لابيكم
من اللوم أو سدوالمكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا
وان عاهدوا أوفوا وان عقد واشدوا
فان كانت النعمى عليهم جزوا بها
وان أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وان قال مولاهم على جل حادث
من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
وان غاب عن لاى بغيض كفتهم
نواشئ لم تطرز شواربهم بعد
وكيف ولم أعلمهم خذلوكم
على معظم وإن أديمكم قدوا
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجي
بنى لهم آباؤهم وبنى الجد
فمن مبلغ أبناء سعد فقد سعي
إلى السورة العليا لهم حازم جلد (*)

199

وقل ما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ لانهم يقولون لاجئتنى ولازرتنى يريدون ما جئتنى وان قالوا لاجئتنى صلح إلا أن في هذه الآية ماينوب مناب التكرار ويغنى عنه وهو قوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا) فكأنه قال (فلااقتحم العقبة ولا آمن فمعنى التكرار حاصل.

والوجه الآخر أن يكون لا جارية مجرى الدعاء كقولك لانجا ولاسلم ونحوذلك. وقال قوم (فلا اقتحم العقبة أى فهلا اقتحم العقبة أو أفلا اقتحم العقبة قالوا ويدل على ذلك قوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر) ولو كان أراد النفي لم يتصل الكلام وهذا الوجه ضعيف جدا لان قوله تعالى فلا خال من لفظ الاستفهام وقبح حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع.

وقد عيب على عمر بن أبى ربيعة قوله

ثم قالوا تحبها قلت بهرا
عدد القطر والحصى والتراب(1)
رأي مجد أقوام أضيع فحثهم
على مجدهم لما رأى انه الجهد
وتعذلنى أبناء سعد عليهم
وما قلت الا بالذى علمت سعد
(1) قوله - ثم قالوا تحبها - الخ. البيت يستشهد به النحويون على حذف همز الاستفهام والاصل أتحبها وقوله - بهرا - أى عجبا وجزم به ابن مالك في شرح التسهيل وأورد البيت شاهدا على نصبه بعامل لازم الاضمار. وقيل التقدير أحبها حبا بهرنى بهرا أى غلبنى غلبة وأورد الزبير بن بكار البيت بلفظ قلت ضعفى عدد الرمل الخ.

وقال ابن الاعرابي في نوادره المبهور المكروب وأنشد البيت وقيل معناه جهرا لا أكاتم من قولهم القمر الباهر أى الظاهر ضوؤه وقيل معناه تبا كأنه قال بتا لهم لما أنكروا عليه حبها لان قوله تحبها على الانكار. والبيت من قصيدة له يقولها في معشوقته الثريا بنت عبدالله بن الحارث لما صرمته ومطلعها

قال لى صاحبي ليعلم مابى
أتحب القتول أخت الرباب
قلت وجدي بها كوجدك بالعذ
ب اذا ما منعت برد الشراب
أزهقت أم نوفل إذ دعتها
مهجتى ما لقاتلى من مثاب
حين قالت لها أجبي فقالت
من دعاني قلت أبوالخطاب (*)

200

فأما الترجيح بأن الكلام لوأريد به النفى لم يتصل وقد ثبت أنه متصل مع أن المراد به النفى لان قوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا) معطوف على قوله فلااقتحم العقبة ثم كان من الذين آمنوا فالمعنى أنه مااقتحم العقبة ولا آمن على مابينا. فأما المراد بالعقبة فاختلف فيه فقال قوم هى عقبة ملساء في جهنم واقتحامها فك رقبة.

وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال أمامكم عقبة كؤود لايجوزها المثقلون وأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة. وروى عن ابن عباس أنه قال هى عقبة كؤود في جهنم وروى أيضا أنه قال العقبة هى النار نفسها فعلى الوجه الاول يكون التفسير للعقبة بقوله فك رقبة على معنى مايؤدى إلى اقتحام هذه العقبة ويكون سببا لجوازها والنجاة منها لان فك رقبة وما أتى بعد ذلك ليس هو النار نفسها ولا موضعا. وقال آخرون بل العقبة ماورد مفسرا لها من فك الرقبة والاطعام في يوم المسغبة وإنما سمى ذلك عقبة لصعوبته على النفوس ومشقته عليها وليس يليق بهذا الوجه الجواب الذى ذكرناه في معنى قوله (فلا اقتحم العقبة) وأنه على وجه الدعاء لان الدعاء لايحسن إلا بالمستحق له ولايجوز أن تدعي على أحد بأن لايقع منه ماكلف وقوعه وفك الرقبة والاطعام المذكور من الطاعات فكيف يدعى على أحد بأن لايقع منه فهذا الوجه يطابق أن يكون العقبة هى النار نفسها أو عقبة فيها.

وقد اختلف الناس في قوله فك رقبة فقرأ على عليه السلام ومجاهد وأهل مكة والحسن وأبورجاء العطاردي وأبوعمرو بن العلاء والكسائى فك رقبة بفتح الكاف ونصب الرقبة وقرأوا او أطعم على الفعل دون الاسم وقرأ أهل المدينة وأهل الشام وعاصم وحمزة ويحيى بن وثاب ويعقوب الحضرمى فك بضم الكاف وخفض رقبة واطعام على المصدر وتنوين الميم وضمها. فمن قرأ على الاسم ذهب إلى أن جواب الاسم

فاجابت عند الدعاء كما لبى
رجال يرجون حسن الثواب
أبرزوها مثل المهاة تهادي
بين خمس كواعب أتراب
فتبدت حتى اذا جن قلبى
حال دونى ولائد بالثياب
وهي مكنونة تحير منها
في أديم الخدين ماء الشباب
ومنها سلبتني مجاجة المسك عقلى
فسلوها ماذا أحل اغتصابي (*)

201

بالاسم أكثر في الكلام وأحسن من جوابه بالفعل ألا تري أن المعنى ما أدراك مااقتحام العقبة هو فك رقبة وإطعام ذلك أحسن من أن يقال هو فك رقبة أو أطعم ومال الفراء إلى القراء‌ة بلفظ الفعل ورجحها بقوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا) لانه فعل فالاولى أن يتبع فعلا وليس يمتنع أن نفس اقتحام العقبة وإن كان اسما فهو فعل يدل على الاسم مثل قول القائل ما أدراك مازيد يقول مفسرا يصنع الخير ويفعل المعروف وما أشبه ذلك فيأتى بالافعال - والسغب - الجوع وإنما أراد أنه يطعم في يوم مجاعة لان الاطعام فيه أفضل وأكرم.

فأما - مقربة - فمعناه يتيما ذاقربي من قرابة النسب والرحم وهذا حض على تقديم ذى النسب والقربى المحتاجين على الاجانب في الافضال - والمسكين - الفقير الشديد الفقر - والمتربة - مفعلة من التراب أى هو لاصق بالارض من ضره وحاجته ويجرى مجرى قولهم في الفقير مدقع وهو مأخوذ من الدقع وهو الارض التى لاشئ فيها.

وقال قوم ذامتربة أى ذاعيال والمرحمة مفعلة من الرحمة وقيل إنه من الرحم وقد يمكن في مقربة أن يكون غير مأخوذ من القرابة والقربى بل من القرب الذى هو من الخاصرة فكأن المعنى أنه يطعم من خاصرته ولصقت من شدة الجوع والضر وهذا أعم في المعنى من الاول وأشبه بقوله تعالى (ذامتربة) لان كل ذلك مبالغة في وصفه بالضر وليس من المبالغة في الوصف بالضر أن يكون قريب النسب والله أعلم بمراده.

[ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ومن طريف المدح ومليحه قول الشاعر

وكأنه من وفده عند القرا
لولا مقام المادح المتكلم
وكأنه أخذ الندا بثيابه
لولا مقالته أطب للمؤدم

ويقارب ذلك قول محمد بن خارجة

سهل الفناء إذا حللت ببابه
طلق اليدين مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه
لم تدر أيهما أخو الارحام(1)

(1) وقبلهما نعم الفتي فجعت به اخوانه يوم البقيع حوادث الايام والابيات نسبها أبوتمام في مختار شعر القبائل لمحمد بن بشير الخارجى (26 - رابع امالى)


202

ومثله لابى الهدى

نزلت على آل المهلب شاتيا
غريبا من الاوطان في زمن المحل
فما زال بى إكرامهم وافتقادهم
وإنعامهم حتى حسبتهم أهلى

ولاثالة بن القراعى يمدح عقبة بن سنان الحارثى

ألم ترنى شكرت أباسعيد
بنعماء وقد كفرالموالى
ولم أكفر سحائبه اللواتى
مطرن على واهية العزالى
فمن يك كافرا نعماه يوما
فإنى شاكر أخرى الليالى
فتى لم تطلع الشعرى بافق
ولم تعرض ليمن أو شمال
على ند له إن عد مجد
ومكرمة وإتلاف لمال
وأصبر في الحوادث إن ألمت
وأسعي للمحامد والمعالى
فتى عم البرية بالعطايا
فقد صاروا له أدنى العيال

فأما قول جرير

لم أقض من صحبة زيد أربى
فتى إذا أغضبته لم يغضب
موكل العين بحفظ الغيب
أقصى الفريقين له كالاقرب

فإنه لم يرد أن الضعيف السبب في المودة كالقوى السبب وإنما أراد أنه يرعى من غيب الرفيق البعيد الغائب حقه مايرعاه من حق الشاهد الحاضر وأنه يستوى عنده لكرمه وحسن حفاظه من بعدت داره وقربت منازله وهذا بخلاف ماعليه أكثر الناس من مراعاة الحاضر القريب وإهمال حق البعيد.

هذا آخر مجلس أملاه الشريف المرتضى علم الهدي ذو المجدين أبوالقاسم على بن الحسين الموسوى رضي الله عنه ثم تشاغل بأمور الحج

(تم الكتاب والحمدلله أولا وآخرا)

فهرست اشعار
كأن مخواها على ثفناتها    =    معرس خمس وقعت للجناجن(1) 3
شربت بماء الدحرضين فأصبحت    =    زوراء تنفر عن حياض الديلم 3
وكل أخ مفارقة أخوه    =    لعمر أبيك إلا الفرقدان(1) 6
وكل أخ مفارقة أخوه    =    لشحط الدار الا ابنى شمام 6
وأرى لها دار بأغدرة السيد    =    ان لم يدرس لها رسم 7
إلا رمادا هامدا دفعت    =    عنه الرياح خوالد سحم 7
ألا عجبت عميرة أمس لما    =    رأت شيب الذؤابة قد علانى 7
تقول أري أبي قد شاب بعدى    =    وأقصر عن مطالبة الغوانى 7
وذي فجع عزفت النفس عنه    =    حذار الشامتين وقد شجانى 7
أخي ثقة اذا ما الليل أفضى    =    إلى بمؤيد جلى كفانى 7
قطعت قرينتى عنه فأغنى    =    غناه فلن أراه ولن يرانى 7
وكل قرينة قرنت بأخرى    =    ولو ضنت بها سنقر قان 7
وكل أخ مفارقه أخوه    =    لعمر أبيك الا الفرقدان 7
فكان اجابتى إياه أبى    =    عطفت عليه خوار العنان 7
ذهب الجود والجنيد جميعا    =    فعلى الجود والجنيد السلام 9
أصبحا ثاويين في قعر مرت    =    ما تغنت على الغصون الحمام 9
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا    =    ولست ضائرها ماأطت الابل(1) 9
لا أفتأ الدهر أبكيهم بأربعة    =    مااجترت النيب أو حنت إلى بلد 9
ألا لا أرى على الحوادث باقيا    =    ولا خالد إلا الجبال الرواسيا 9
كالبدر إلا أنها لا تجتلى    =    والشمس إلا أنها لا تغرب 10
وزالت زوال الشمس عن مستقرها    =    فمن مخبرى في أى أرض غروبها 10
قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا    =    مافيك يابدر لى من وجهها خلف 11
تبدى لنا كلما شئنا محاسنها    =    وأنت تنقض أحيانا وتنكسف 11
لا العذل يردعه ولا التعنيف    =    عن كرم يصده 11
ذنب كما سحب الرداء يذب عن    =    عرف وعرف كالقناع المسبل 12
لها ذنب مثل ذيل العروس    =    تسد به فرجها من دبر 12
ذنب كما سحب الرداء    =    فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه 12
لها ذنب مثل ذيل الهدى    =    إلى جؤجوء أيد الزافر 12
تمشى فتثقلها روادفها    =    فكأنها تمشى إلى خلف 13
من رأى مثل حبتى    =    تشبه البدر إذا بدا 14
تدخل اليوم ثم تد    =    خل أرادفها غدا 14
ورمل كأوراك العذارى قطعته    =    وفد جللته المظلمات الحنادس(2) 14
فزعاء تسحب من قيام فزعها    =    وتغيب فيه وهو جثل أسحم 14
فكأنها فيه نهار مشرق    =    وكأنه ليل عليها مظلم 14
ورمل كاوراك العذارى قطعته    =    إذا ألبسته المظلمات الحنادس 14
نحن ركب ملجن في زى ناس    =    فوق طير على شخوص الجمال 14
فذلك ان يلق المنية يلقها    =    حميدا وان يستغن يوما فاجدر 15
وما عاجلات الطير يذنين للفتى    =    رشادا ولامن ريثهن يخيب(1) 20
ورب أمور لاتضيرك ضيرة    =    وللقلب من مخشاتهن وجيب 20
ولاخير فيمن لايوطن نفسه    =    على نائبات الدهر حين تنوب 20
وفى الشك تفريط وفى الحزم قوة    =    ويخطى الفتى في حدسه ويصيب 21
أباالعلاء لقد لاقيت معضلة    =    يوم العروبة من كرب وتحنيق 21
أما القرآن فلاتهدى لمحكمه    =    ولم تسدد من الدنيا بتوفيق 21
لمارمتك عيون الناس هبتهم    =    وكدت تشرق لما قمت بالريق 21
تلوى اللسان إذرمت الكلام به    =    كماهوى زلق من جانب النيق(1) 21
اليك امتطيت العيس تسعين ليلة    =    أرجي ندا كفيك يابن المهلب 21
وأنت امرؤ جادت سماء يمينه    =    على كل حى بين شرق ومغرب 21
فجد لى بطرف أعوجى مشهر    =    سليم الشظي عبل القوائم سلهب 21
سبوح طموح الطرف يستن مرجم    =    أمر كامرار الرشاء المشذب 21
طوي الضمر منه البطن حتى كأنه    =    عقاب تدلت من شماريخ كبكب 21
تبادر جنح الليل فرخين أقويا    =    من الزاد من قفر من الارض مجدب 21
فلما رأت صيدا تدلت كأنها    =    دلاء تهاوى مرقبا بعد مرقب 21
فشكت سواد القلب من ذئب قفرة    =    طويل القري عارى العظام معصب 22
وسابغة قد أتقن القين صنعها    =    وأسمر خطي طويل مجرب 22
وأبيض من ماء الحديد كأنه    =    شهاب متى يلق الضريبة يقضب 22
وقل لى اذا ما شئت في حومة الوغى    =    تقدم أو اركب حومة الموت اركب 22
فانى امرؤ من عصبة مازنية    =    نمانى أب ضخم كريم المركب 22
جزى الله بالاحسان ما فعلابكم    =    أبلاهما خير البلاد الذى يبلو 24
ولقد سمالكم الهذيل فنالكم    =    بإراب حيث نقسم الانفالا 25
في فيلق يدعو الاراقم لم تكن    =    فرسانه عزلا ولا أكفالا 25
إذا مابخيل الناس هرت كلابه    =    وشق على الضيف الغريب عقورها 26
فإنى جبان الكلب بيتى موطا    =    جواد إذا ما النفس شح ضميرها 26
وإن كلابى مذاقرت وعودت    =    قليل على من يعترينا هريرها 26
ومايك في من عيب فإنى    =    جبان الكلب مهزول الفصيل 26
وآل الزبير بنو حرة    =    مروا بالسيوف الصدور الجنافا 27
يموتون والقتل من دأبهم    =    ويغشون يوم السيوف السيافا 27
وأجبن من صافر كلبهم    =    وإن قذفته حصاة أضافا 27
يغشون حتى ماتهر كلابهم    =    لايسألون عن السواد المقبل(1) 27
دقاق النعال طيب حجراتهم    =    يحيون بالريحان يوم السباسب 27
أعرف الحق ولا أنكره    =    وكلابي أنس غير عقر 28
لاترى كلبي إلا آنسا    =    إن أتى خابط ليل لم يهر 28
كثر الناس فما ينكرهم    =    من أسيف يبتغى الخير وحر 28
إلى ماجد لاينبح الكلب ضيفه    =    ولا يتأداه احتمال المغارم 28
وإذا أتانا طارق متنور    =    نبحت فدلته على كلابى 28
وفرحن إذ أبصرنه فلقينه    =    يضربنه بشرا شر الاذناب(1) 28
ومستنبح تستكشط الريح ثوبه    =    ليسقط عنه وهو بالثوب معصم 28
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه    =    لينبح كلب أو ليفزع نوم 28
فجاوبه مستمسمع الصوت للقرى    =    له مع إتيان المهبين مطعم 28
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا    =    يكلمه من حبه وهو أعجم 28
أسألت رسم الدار أم لم تسأل    =    بين الجوابي فالبضيع فحومل 28
ومنها لله در عصابة ناد منهم    =    دهرا بجلق في الزمان الاول 28
بيض الوجوه كريمة أحسابهم    =    شر الانوف من الطراز الاول 28
وداع بلحن الكلب يدعو ودونه    =    من الليل سجفا ظلمة وغيومها 29
دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا    =    فتى كابن ليلى حين غارت نجومها 29
بعثت له دهماء ليست بلقحة    =    تدر إذا ماهب نحسا عقيمها 29
كأن المحال الغر في حجراتها    =    عذارى بدت لما أصيب حميمها 29
غضوبا كحيزوم النعامة أحمشت    =    بأجواز خشب زال عنها هشيمها 29
محضرة لايجعل الستر دونها    =    إذا المرضع العوجاء جال بريمها 29
دعانى بصوت واحد فأجابه    =    مناد بلاصوت وآخر صيت 29
وسارى ظلام مفقعل وهبوة    =    دعوت بضوء ساطع فاهتدى ليا 30
ومستنبح تهوى مساقط رأسه    =    إلى كل شخص فهو للصوت أصور 30
جيب إلى كلب الكرام مناخه    =    بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر 30
دعته بغير اسم هلم إلى القرى    =    فأسرى يبوع الارض شقراء تزهر(1) 30
ومستنبح تهوي مساقط رأسه    =    إلى كل شخص فهو للسمع أصور 30
يصفقه أنف من الريح بارد    =    ونكباء ليل من جمادي وصرصر 30
حبيب إلى كلب الكريم مناخه    =    بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر 30
حضأت له نارى فابصر ضوء‌ها    =    وما كان لولا حضأة النار يبصر 30
دعته بغير اسم هلم الي القرى    =    فأسرى يبوع الارض والنار تزهر 30
فلما أضاء‌ت شخصه قلت مرحبا    =    هلم وللصالين بالنار أبشروا 30
فجاء ومحمود القري يستفزه    =    اليها وداعى الليل بالصبح يصفر 30
تأخرت حتى كدت لم تصطفى القرى    =    على أهله والحق لايتأخر 30
وقمت بنصل السيف والبرك هاجد    =    بهازره والموت بالسيف ينظر 30
فأعضضته الطولي سناما وخيرها    =    بلاء وخير الخير مايتخير 30
فأوفضن عنها وهي ترغو حشاشة    =    بذى نفسها والسيف عريان أحمر 30
فقلت لقينى ارفعاها وحرقا    =    لعل سنا نارى بآخر تهتف 31
وأبيك خيرا إن إبل محمد    =    عزل تناوح أن تهب شمال 31
وإذا رأين لدى الفناء غريبة    =    ذرفت لهن من الدموع سجال 31
وترى لها زمن الشتاء على الثرى    =    رخما وما بحيا لهن فصال 31
جزى الله عنى غالبا خير ما جزى    =    إذا حدثان الدهر نابت نوائبه(1) 32
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها    =    تجرد فيها متلف المال كاسبه 32
إذا البقل في أصلاب شول ابن مسهر    =    نما لم يزده البقل إلا تكرما 32
إذا أخذت شول البخيل رماحها    =    وحى برماح الشول حتى تحطما 32
فقمت ولم تأخذ إلى رماحها    =    عشارى، ولم أرجب عراقبها عقرا 32
ولاتأخذ الكوم الجلاد سلاحها    =    لتوبة في قر الشتاء الصنابر 32
لا أخون الصديق ماحفظ العهد    =    ولا تأخذ السلاح لقاحى 32
أزمان لم تأخذ إلى سلاحها    =    إبلى بجلتها ولا أبكارها 32
أبتزها ألبانها ولحومها    =    فأهين ذاك لضيفها ولجارها 32
ومانلعن الاضياف إن نزلوا بنا    =    ولايمنع الكوماء منا نصيرها 32
فكم دافعو من كربة قد تلاحت    =    على وموج قد علتنى غواربه 32
اذا قلت عودوا عاد كل شمر دل    =    أشم من الفيتان جزل مواهبه 32
هزجا يحك ذراعه بذراعه    =    قدح المكب على الزناد الاجذم(1) 36
فعل الاديب اذا خلا بهمومه    =    فعل الذباب يزن عند فراغه 36
فتراه يفرك راحتيه ندامة    =    منها ويتبعها بلطم دماغه 36
تزجى أغن كأن إبرة روقه    =    قلم أصاب من الدواة مدادها 37
كأن عيون الوحش حول قبابنا    =    وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب(1) 37
إذا ما الثريا في السماء تعرضت    =    تعرض أثناه الوشاح المفصل 37
ألقى ذراعا فوق أخرى وحكى    =    تكلف الاجذم في قطع السنا 37
كأنما النور الذي يفرعه    =    مقتدحا لزنده سقط ورى 37
خليلى مرابي على أم جندب    =    نقضى لبانات الفؤاد المعذب 37
ذهبت من الهجران في غير مذهب    =    ولم يك حقا كل هذا التجنب 37
وردت اعتسافا والثريا كأنها    =    على قمة الرأس ابن ماء محلق 38
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا    =    لدى وكرها العناب والحشف البالى(1) 38
وكشح لطيف كالجديل مخصر    =    وساق كأنبوب السقى المذلل 38
كأن مثار النقع فوق رؤسنا    =    وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه(2) 38
ألاعم صباحا أيها الطلل البالى    =    وهل يعمن من كان في العصر الخالى 38
كأن سمو النقع والبيض حوله    =    سماوة ليل أسفرت عن كواكب 39
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها    =    حصباء در على أرض من الذهب(1) 39
عميت جنينا والذكاء من العمى    =    فجئت عجيب الظن للعلم موئلا 39
وغاض ضياء العين للعلم رافدا    =    لقلب اذا ما ضيع الناس حصلا 39
وشعر كنور الروض لاء‌مت بينه    =    بقول اذا ما أحزن الشعر أسهلا 39
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا    =    لدى وكرها العناب والحشف البالى 39
جفاوده فازرأ ومل صاحبه    =    وأزري به أن لا يزال يعاتبه 39
ومنها اذا كنت في كل الامور معاتبا    =    صديقك لم تلق الذى لاتعاتبه 39
فعش واحدا أوصل أخاك فانه    =    مقارب ذنب مرة ومجانبه 39
إن الشمول هى التى    =    جمعت لاهل الود شملا 40
شبهتها وحبابها    =    بشقائق يحملن طلا ولآخر 40
أبصرته والكأس بين فم    =    منه وبين أنامل خمس 40
فكأنها وكأن شاربها    =    قمر يقبل عارض الشمس 40
حتى إذا خليت في الكأس خلت بها    =    عقيقة جليت في قشر بلور 40
تعلى إذا مزجت في كأسها حببا    =    كأنه عرق في خد مخمور 40
شقائق يحملن الندى فكأنه    =    دموع التصابى في خدود الخرائد 40
فكأن الربيع يجلو عروسا    =    وكأنا من قطرة في نثار 40
كأن الدموع على خدها    =    بقية طل علي جلنار 40
لو كنت يوم الفراق حاضرنا    =    وهن يطفئن غلة الوجد 40
لم تر إلا الدموع سافحة    =    تسفح من مقلة على خد 40
كأن تلك الدموع قطر ندى    =    يقطر من نرجس على ورد 40
أبيت كأن الليل أفنان سدرة    =    عليها سقيط من ندى الطل ينطف 40
أراقب لمحا من سهيل كأنه    =    إذا مابدا في آخر الليل يطرف 41
سقتنى في ليل شبيه بثعرها    =    شبيهة خديها بغير رقيب 41
فامسيت في ليلين بالشعر والدجى    =    وشمسين من خمر ووجه حبيب 41
نشرت ثلاث ذوائب من شعرها    =    في ليلة فأرت ليالى أربعا 41
واستقبلت قمر السماء بوجهها    =    فأرتنى القمرين في وقت معا 41
نشرت غدائر شعرها لتظلنى    =    خوف العيون من الوشاة الرمق 41
فكأنه وكأنها وكأننى    =    صبحان باتا تحت ليل مطبق 41
روض ورد خلاله نرجس    =    غض يحفان أقحوانا نضيرا 41
ذا يباهى لنا خدودا وذا يحكى    =    عيونا وذا يضاهى ثغورا 41
مداهن تبر بين أوراق فضة    =    لها عمد مخروطة من زبرجد 41
كالقسى المعطفات بل الاسهم    =    مبرية بل الاوتار 41
وأنا ابن معتلج البطاح إذا غدا    =    غيرى وراح على متون ظواهر 42
يفتر عنى ركنها وحطيمها    =    كالجفن يفتح عن سواد الناظر 42
كجبالها شرفى ومثل سهولها    =    خلقى ومثل ظبائهن مجاورى 42
له أيطلا ظبى وساقا نعامة    =    وإرخاء سرحان وتقريب تتفل 42
كف تناول راحها بزجاجة    =    خضراء تقذف بالحباب وتزبد 42
فالكف عاج والحباب لآلي    =    والراح تبر والاناء زبرجد 42
لله ما أظرف أخلاقك    =    يابدرالكرم 42
أهديت ما ناسبتها    =    حسنا وظرفا وشيم 42
فمارأينا مهديا    =    قبلك في كل الامم 42
أهدى العيون والثغور    =    والخدود واللمم 42
أفدى حبيبا له بدائع أو    =    صا ف تعالت عن كل ما أصف 43
كالبدر يعلو والشمس تشرق والغزال    =    يعطو والغصن ينعطف 43
بدت قمرا ومالت خوط بان    =    وفاحت عنبرا ورنت غزالا 43
سفرن بدورا وانتقبن أهلة    =    ومسن غصونا والتفتن جآ ذرا(1) 43
وأسبلت لؤلوء من نرجس وسقت    =    وردا وعضت على العناب بالبرد 43
بذر وليل وغصن    =    وجه وشعر وقد 43
خمر ودر ووزد    =    ريق وثغر وخد 43
غمض الحديد بصاحبيك فغمضا    =    وبقيت تطلب في الحبالة منهضا 45
وكأن قلبى عند كل مصيبة    =    عظم تكرر صدعه فتهيضا 45
وأخ سلوت له فأذكره أخ    =    فمضى وتذكرك الحوادث مامضى 45
فاشرب على تلف الاحبة إننا    =    جزر المنية ظاعنين وحفضا 45
ولقد جريت مع الصبا طلق الصبا    =    ثم ارعويت فلم أجد لى مركضا 45
وعلمت ماعلم امرؤ في دهره    =    فأطعت عذالى وأعطيت الرضا 45
وصحوت من سكر وكنت موكلا    =    أرعى الحمامة والغراب الابيضا 45
ما كل بارقة تجود بمائها    =    ولربما صدق الربيع فروضا 45
ما كل بارقة تجود بمائها    =    وكذاك صدق الربيع لروضا 45
قد ذقت الفته وذقت فراقه    =    فوجدت ذاعسلا وذاجمر الغضا 45
ياليت شعرى فيم كان صدوده    =    ء‌أسأت أم رعد السحاب وأومضا 45
ويلى عليه وويلتى من بينه    =    ما كان الا كالخضاب فقد نضا 45
سبحان من كتب الشقاء لذى الهوى    =    كان الذى قد كان حكما فانقضا 45
أهلوك أضحوا شاخصا ومقوضا    =    ومزمما يصف النوى ومعرضا 46
إن يدج ليلك أنهم أموااللوى    =    فيما إضاؤهم على ذات الاضا 46
بدلت من برق الثغور وبردها    =    برقا إذا ظعن الاحبة أومضا 46
ما أنصف الشرخ الذى بعث الهوى    =    فقضى عليك بلوعة ثم انقضى 46
عندى من الايام مالو أنه    =    أضحى بشارب مرقد ما غمضا 46
وبعده وجدت الذعارية الليالى    =    قران النغم بالوتر الفصيح 46
ومسمعة اذا ما شئت غنت    =    متى كالن الخيام بذى طلوح 46
تمتع من شباب ليس يبقى    =    وصل بعري الغبوق عرى الصبوح 46
وخذها من معتقة كميت    =    تنزل درة الرجل الشحيح 46
تخيرها لكسرى رائدوه    =    لها حظان من طعم وريح 46
ألم ترنى أبحت الراح عرضى    =    وعض مراشف الظبي المليح 46
واني عالم أن سوف تنأى    =    مسافة بين جثماني وروحي 46
لاتطلبن الرزق بعد شماسه    =    فترومه سبعا إذا ماغيضا 47
ما عوض الصبر امرو إلا رأى    =    مافاته دون الذى قد عوضا 47
ياأحمد بن أبى دؤاد دعوة    =    ذلت بذكرك لى وكانت ريضا 47
لما انتضيتك للخطوب كفيتها    =    والسيف لايرضيك حتى ينتضى 47
قد كان صوح نبت كل قرارة    =    حتى تروح في نداك فروضا 47
أوردتنى العد الخسيف وقد أرى    =    أتبرض الثمد البكى تبرضا 47
ترك السواد للابسية وبيضا    =    ونضا من الستين عنه مانضا 47
وسباه أغيد في تصرف لحظة    =    مرض أعل به القلوب وأمرضا 47
وكأنه وجد الصبا وجديدة    =    دينا دنا ميقاته أن يقتضى 47
أسيان أثرى من جوى وصبابة    =    وأساف من وصل الحسان وأنفضا(1) 47
كلف يكفكف عبرة مهراقة    =    أسفا على عهد الشباب وماانقضى 47
عدد تكامل للشباب مجيئة    =    وإذا مضى الشئ حان فقد مضي 47
قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم    =    ونذيره من فاضل أن ينتضى 47
وكفاك من حنش الصريم تهددا    =    أن مد فضل لسانه أو نضنضا 48
لاتنكرن من جار بيتك أن طوى    =    أطناب جانب بيته أو قوضا 48
فالارض واسعة لنقلة راغب    =    عمن تنقل وده وتنقضا 48
لاتهتبل إغضاى إما كنت قد    =    أغضيت مشتملا على جمر الغضا 48
لست الذى إن عارضته ملمة    =    أصغى إلى حكم الزمان وفوضا 48
لايستقر ني الطفيف ولاأرى    =    تبعا لبارق خلب إن أومضا 48
أنا من أحب تجاريا وكأننى    =    فيما أعاين منك ممن أبغضا 48
أغببت سيبك كى يجم وإنما    =    غمد الحسام المشرفى لينتضى 48
وسكت إلا أن أعرض قائلا    =    نزرا وصرح جهده من عرضا 48
عتبت على الزمان وأى حى    =    من الاحياء أعتبه الزمان 48
وآمنة من الحدثان تزرى    =    على وليس من حدث أمان 48
وليس بزائل يرمى ويرمى    =    معان مرة أو مستعان 48
متى تأب الكرامة من كريم    =    فمالك عنده إلا الهوان 48
ياخليلى أصيبا إو ذرا    =    ليس كل البرق يهدى المطرا 48
لاتكونا كامرئ صاحبته    =    يترك العين ويبغى الاثرا 48
ذهب المعروف إلا ذكره    =    ربما أبكى الفتى ما ذكرا 49
وبقينا في زمان معضل    =    يشرب الصفو ويبقى الكدرا 49
قد أدرك الحاجة ممنوعة    =    وتولع النفس بما لاتنال 49
والهم ماامسكته في الحشا    =    داء وبعض الداء لايستقال 49
فاحتمل الهم على عاتق    =    إن لم تساعفك العلندى الجلال 49
لما رأيت الحظ حظ الجاهل    =    ولم أر المغبون غير العاقل 49
رحلت عنسا من شراب بابل    =    فبت من عقلى على مراحل 49
ورائحة للعين فيها مخيلة    =    إذا برقت لم تسق بطن صعيد 49
من المستهلات الهموم على الفتى    =    خفا برقها في عصفر وعقود 49
حسدت عليها كل شئ يمسها    =    وماكنت لولا حبها بحسود 49
وأصفر مثل الزعفران شربته    =    على صوت صفراء الترائب رود 49
كأن أميرا جالسا في ثيابها    =    تؤمل رؤياه عيون وفود 49
من البيض لم تسرح على أهل ثلة    =    سواما ولم ترفع حداج قعود 50
تميت به ألبابنا وقلوبنا    =    مرارا وتحييهن بعد همود(1) 50
إذا انطقت صحنا وصاح لنا الصدى    =    صياح جنود وجهت لجنود 50
ظلنا بذاك الديدن اليوم كله    =    كأنا من الفردوس تحت خلود 50
ولابأس إلا أننا عند أهلنا    =    شهود وما ألبابنا بشهود 50
لعمر أبى زوارها الصيد إنهم    =    لفى منظر منها وحسن سماع 50
تصلى لها آذاننا وعيوننا    =    إذا ماالتقينا القلوب دواعى 50
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش    =    ببؤس ولم تركب مطية راعى 50
إذا اقلدت أطرافها العود زلزلت    =    قلوبا دعاها للوساوس داع 50
كأنهم في جنة قد تلاحقت    =    محاسنها من روضة وبقاع 50
يروحون من تغريدها وحديثها    =    نشاوى وماتسقيهم بصواع 50
لعوب بالباب الرجال وإن دنت    =    أطيع التقى والغي غير مطاع 50
ويوم ظللنا عند أم محلم    =    نشاوى ولم نشرب طلاء ولا خمرا 51
بيضاء ضحوتها وصفراء    =    العشية كالعرار 51
بيضاء في دعج كحلاء في برج    =    كأنها فضة قد مسها ذهب 51
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها    =    في الحسن أو كدنوها لغروب 51
صفراء أعجلها الشباب لداتها    =    موسومة بالحسن غير قطوب 51
ومثله قول ابن الرقيات لم تلتفت للداتها    =    فمضت على غلوائها(1) 51
وهجرتها هجر امرئ    =    لم يقل صفو صفائها 51
من خيفة الاعداء أن    =    يوهوا أديم صفائها 51
إذا جردت يوما حسبت خميصة    =    عليها وجريال النضير الدلا مصا 52
زادت على البيض الحسا    =    ن بحسنها ونقائها 52
لما أسبكرت للشبا    =    ب وقنعت بردائها 52
لم تلتفت للداتها    =    ومضت على غلوائها 52
لولا هوي أم البنين    =    وحاجتي للقائها 52
قد قربت لى بغلة    =    محبوسة لنجائها 52
إلا كنا شرة الذى ضيعتم    =    كالغصن في غلوائه المتنبت 52
وقد خنقتها عبرة فدموعها    =    على خدها حمر وفى نحرها صفر 53
أصفراء لا أنسى هواك ولاودى    =    ولامامضى بينى وبينك من عهد 53
لقد كان مابينى زمانا وبينها    =    كما كان بين المسك والعنبر الورد 53
أصفراء كان الود منك مباحا    =    ليالى كان الهجر منك مزاحا 53
وكان جوارى الحى إذ كنت فيهم    =    قباحا فلما غبت صرن ملاحا 53
وإذا حضرن مع الملاح بمجلس    =    أبصرتهن وماقبحن قباحا 53
جاء‌ت به بيضاء تحمله    =    من عبد شمس صلتة الخد 53
كأن سبيكه صفراء صبت    =    عليها ثم ليث بهاالازار 54
برود العارضين كأن فاها    =    بعيد النوم مسك مستثار 54
كم من أناس في نعيم عمروا    =    في ذرى ملك تعالى فبسق 54
سكت الدهر زمانا عنهم    =    ثم أبكاهم دما حين نطق 54
إن دهرا يلف شملى بجمل    =    لزمان يهم بالاحسان 55
سألتنى عن أناس هلكوا    =    شرب الدهر عليهم وأكل 55
يقر بعينى أن أرى باب دارها    =    وإن كان باب الدار يحسبنى جلدا 55
إلا لايجهلن أحد علينا    =    فنجهل فوق جهل الجاهلينا(1) 56
ومازالت الكاس تغتالنا    =    وتذهب بالاول فالاول 56
أخذنا بافاق السماء عليكم    =    لنا قمراها والنجوم الطوالع 57
فقولا لاهل المكتين تحاشدوا    =    وسيروا إلى آطام يثرب والنخل 57
فبصرة الازد منا والعراق لنا    =    والموصلان ومنا مصر والحرم 57
نحن سبينا أمكم مقربا    =    يوم صبحنا الحيرتين المنون 57
إذا اجتمع العمران عمرو بن عامر    =    وبدر بن عمرو خلت ذبيان جوعا(2) 57
وألقوا مقاليد الامور إليهما    =    جميعا وكانوا كارهين وطوعا 58
جزانى الزهدمان جزاء سوء    =    وكنت المرء يجزى بالكرامة(1) 58
وقد دافعت قد علمت معد    =    بنى قرظ وعمهما قدامه 58
ركبت بهم طريق الحق حتى    =    أتيتهم بها مائة ظلامة 58
خليلى هل يشفي من الشوق والجوى    =    يد وذرى الاوطان لابل يشوقها 59
ويزداد في قرب إليها صبابة    =    ويبعد من فرط اشتياق طريقها 59
وماينفع الحران ذا اللوح أن يرى    =    حياض القرى مملوء‌ة لايذوقها 59
ألا قل لدار بين أكثبة الحمى    =    وذات الغضا جادت عليك الهواضب 59
أجدك لا آتيك إلا تقلبت    =    دموع أضاعت ما حفظت سواكب 59
ديار تناسمت الهواء بجوها    =    وطاوعنى فيها الهوى والحبائب 59
ليالى لا الهجران محتكم بها    =    على وصل من أهوى ولاالظن كاذب 60
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة    =    باكناف نجد وهى خضر متونها 60
وهل أشربن الدهر من ماء مزنة    =    بحرة ليلى حيث فاض معينها 60
بلاد بها كنا نحل فأصبحت    =    خلاء وترعاها مع الادم عينها 60
تفيأت فيها بالشباب وبالصبي    =    تميل بما أهوى على غصونها 60
ألا ليت شعرى هل تحنن ناقتى    =    ببيضاء نجد حيث كان مسيرها 60
فتلك بلاد حبب الله أهلها    =    إلي وإن لم يعط نصفا أميرها 60
بلاد بها أنصبت راحلة الصبى    =    ولانت لنا أيامها وشهورها 60
فقدنا بها الهم المكدر شربه    =    ودار علينا بالنعيم سرورها 60
سقى الله اليمامة من بلاد    =    نوافحها كأرواح الغوانى 60
وجو زاهر للريح فيه    =    نسيم لايروع الترب واني 60
بها سقت الشباب إلى مشيب    =    يقبح عندنا حسن الزمان 60
إلا يا حبذا جنبات سلمى    =    وجاد رياضها جون السحاب 60
خلعت بها العذار ونلت فيها    =    مناى بطاعة أو باغتصاب 60
أسوم بباطلى طلبات لهوى    =    ويعذرنى بها عصر الشباب 60
وحبب أوطان الرجال إليهم    =    مآرب قضاها الشباب هنا لكا 61
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم    =    عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا 61
فسقى الغضى والنازليه وإن هم    =    شبوه بين جوانح وقلوب(1) 61
وقصار أيام به سرقت لنا    =    حسناتها من كاشح ورقيب 61
خضر تساقطها الصبا فكأنها    =    ورق يساقطه إهتزاز قضيب 61
كانت فنون بطالة فتقطعت    =    عن هجر غايته ووصل مشيب 61
سقى الله أخلافا من الدهر رطبة    =    سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق 61
ليال سرقناها من الدهر بعد ما    =    إضاء باصباح من الشيب مفرق 61
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى    =    بماء الربي من بات بالريق يشرق 62
سلام ترجف الاحشاء منه    =    على الحسن ابن وهب والعراق 62
على البلد الحبيب إلى غورا    =    ونجدا والاخ العذب المذاق 62
ليالى نحن في وسنات عيش    =    كأن الدهر عنا في وثاق 62
وأيام له ولنا لدان    =    غفينا في حواشيها الرفاق(1) 62
كأن العهد عن عفر لدينا    =    وإن كان التلاقى عن تلاق 62
أماوي قد طال التجنب والهجر    =    وقد عذرتنى في طلابكم الهجر 63
أماوى ان المال غاد ورائح    =    ويبقى من المال الاحاديث والذكر 63
ومنها أماوى إن يصبح صداي بقفرة    =    من الارض لاماء لدي ولاخمر 63
ترى ان ما أنفقت لم يك ضائرى    =    وان يدي مما بخلت به صفر 63
أماوى انى رب واحد أمه    =    أخذت فلا قتل عليه ولا أسر 63
أخليد إن أباك ضاف وساده    =    همان باتا جنبة ودخيلا 64
طرقا فتلك هما همى أقريهما    =    قلصا لواقح كالقسى وحولا 64
مازلت أزمقهم إذا هبطت    =    أيدى المطى بهم من راكس فلقا 64
ويل ام قوم غدوا عنكم لطيتهم    =    لايكتنون غداة العل والنهل 65
صدأ السرابيل لاتوكى مقانبهم    =    عجر البطون ولاتطوى على الفضل 65
رمى الله في عينى بثينة بالقذى    =    وفى الغر من أنيابها بالقوادح(1) 65
ألا ليتنى أعمى أصم تقودني    =    بثينة لايخفى على كلامها 66
هنيئا مريئا غير داء مخامر    =    لعزة من أعراضنا ما استحلت 66
رأت صرمة لابنى عبيد تمنعت    =    من الحق لم توزل بحق إفالها 67
فقالت ألا تغذو فصالك هكذا    =    فقلت أبت ضيفانها وعيالها 67
فما حلبت إلا الثلاثة والثنى    =    ولا قيلت إلا قريبا مقالها 67
حدابير من كل العيال كأنها    =    أناضى شقر حل عنها جلالها 67
تعيرني الحظلان أم محلم    =    فقلت لها لم تقذ فينى بدائيا 67
فإنى رأيت الصامرين متاعهم    =    يذم ويفنى فارضخى من وعائيا(1) 68
فلم تجدينى في المعيشة عاجزا    =    ولاحصر ما خبا شديدا وكائيا 68
أصبحت عاذلتى معتلة    =    قرما أم هى وحمى للصخب 68
أصبحت تتفل في شحم الذرى    =    وتظن اللوم درا ينتهب 68
لاتلمها إنها من نسوة    =    ملحها موضوعة فوق الركب 68
أيا أبنة عبدالله وابنة مالك    =    ويا أبنة ذى البردين والفرس النهد(1) 69
إذا ما صنعت الزاد فالتمسى له    =    أكيلا فإنى لست آكله وحدى 69
قصيا كريما أو قريبا فإننى    =    أخاف مذمات الاحاديث من بعدى(2) 69
وإنى لعبد الضيف مادام نازلا    =    وما من صفاتى غير هاشيم العبد 70
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره    =    خفيف المعا بادى الخصاصة والجهد 70
وللموت خير من زيارة باخل    =    يلاحظ أطراف الاكيل على عمد 70
يعاتبنى في الدين قومى وانما    =    ديوني في أشياء تكسبهم حمدا 70
ألم ير قومي كيف أوسر مرة    =    وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا 70
فما زادنى إلا سناء ورفعة    =    وما زادني فضل الغنى منهم بعدا 70
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا    =    ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا 70
وفى جفنة ما يغلق الباب دونها    =    مكللة لحما مدفقة ثردا 70
وفى فرس نهد عتيق جعلته    =    حجبا لبيتى ثم أخدمته عبدا 70
وان الذى بينى وبين بني أبى    =    وبين بني عمى لمختلف جدا 70
أراهم إلى نصرى بظاء وإن هم    =    دعوني إلى نصر أتيتهم شدا 70
اذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم    =    وإن يهدموا مجدى بنيت لهم مجدا 70
وان ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم    =    وان هم هووا غيبي هويت لهم رشدا 70
وان ترجروا طيرا بنحس تمربي    =    زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا 70
ولا أحمل الحقد القديم عليهم    =    وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا 70
لهم جل مالى ان تتابع لى غنى    =    وان قل مالي لا أكلفهم رفدا 70
فما لحقتنى العيس حتى وجدتنى    =    أسيفا على حاديهم المتجرد 74
فيصك محجره إذا ماسافها    =    وجبينه بحوافر لم تنكب 74
وأشهد أن الله لاشئ فوقه    =    عليا وأمسى ذكره متعاليا 75
لك الحمد ياذا الطول والملك والغنى    =    تعاليت محمودا كريما وجازيا 75
علوت على قرب بعز وقدرة    =    وكنت قريبا في دنوك عاليا 75
فلما أتانى والسماء تبله    =    فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا 75
تفور علينا قدرهم فنديمها    =    ونفثؤها عنا إذا حميها غلا(1) 77
في كل زوج من الديباج يلبسه    =    أبوقدامة محبورا بذاك معا 77
لقد طال عن دهماء لدى وعذرتى    =    وكتمانها أكنى بأم فلان 78
جعلت لجهال الرجال مخاضة    =    ولو شئت قد بينتها بلسانى 78
لاتفتر الكذب القبيح فإنه    =    للمرء معتبة وباب ملام 78
واصدق بقولك حين تنطق إنه    =    للصدق فضل فوق كل كلام 78
وإذا صدقت على الرجال خصمتهم    =    والصدق مقطعة على الظلام 78
وإذا رماك غشوم قوم فارمه    =    باللد مشتغر المدى غشام 78
لاتعرضن على العدو وسيلة    =    واحذر عدوك عند كل مقام 79
واعلم بأنه قد ليس يوما نافعا    =    عند الليم وسائل الارحام 79
مالم يخفك ويلق عندك جانبا    =    خشنا وتصبحه بكأس سمام 79
وإذا حللت بمأزق فاكرم به    =    حتى تفرج حلبة الظلام 79
فاصبر على كرب البلاء فإنه    =    ليس البلاء على الفتى بلزام 79
واعلم بأنك ميت ومحدث    =    عما فعلت معاشر الاقوام 79
ياوهب أشبه باطلى وجدى    =    أشبهت أخلاقى فأشبه مجدى 79
تبسم عن حم اللثات كأنها    =    حصى برد أو أقحوان كثيب 79
إذا ارتفعت عن مرقد علمت به    =    من اليانع الغورى فرع قضيب 79
قضيب نجاه الركب أيام عرفوا    =    لها من ذرى مال للنبات خضيب 79
شتيتا يرتوى الظمآن منه    =    إذا الجوزاء أحجبت الضبابا(1) 80
فويل بها لمن تكون ضجيعه    =    إذا ما الثريا ذبذبت كل كوكب 80
ألم تعرض فتسأل آل لهو    =    وأروى والمدلة والربابا 80
بأيام خوال صالحات    =    ولذات تذكرنى الشبابا 80
نزلت بهن فاستذكيت نارا    =    قليلا ثم أسرعن الذهابا 80
وكن إذا بدون بقبل صيف    =    ضربن بجانب الجفر القبابا 80
نواعم لم يقظن بجد مقل    =    ولم يقذفن عن حفض غرابا 80
ونفس المرء ترصدها المنايا    =    وتحذر صولة حتي يصابا 80
وعارض كجانب العراق    =    أنبت براقا من البراق 81
وشعب كشك الثوب شكس طريقة    =    مجامع ضوجيه نطاف مخاصر 81
تعسفته بالليل لم يهدنى له    =    دليل ولم يحسن له النعت خابر(2) 81
لدن مطلع الشعرى قليل أنيسه    =    كأن الطخا في جانبيه معاجر 82
به من نجاء الدلو بيض أقرها    =    خبار لصم الصخر فيه قراقر 82
وقررن حتى كن للماء منتهى    =    وغادرهن السيل فيما يغادر 82
به نطف زرق قليل ترابها    =    جلا الماء عن أرجائها فهو حائر 82
ويوم الخيل قد سفرت وكفت    =    رداء العصب عن رتل براد 82
وعن نجلاء تدمع في بياض    =    إذا دمعت وتنظر في سواد 82
وعن متكاوس في العقص جثل    =    أثيث النبت ذى غدر جعاد(1) 82
وعلى العيس خرد يتبسمن    =    عن الاشنب الشتيت البراد 83
شجا أظعان غاضرة الغوادى    =    بغير مثيبة غرضا فؤادى 83
أغاضر لو شهدت غداة بنتم    =    حنو المرضعات على وسادى 83
وغاضرة الغداة وان نأتنا    =    وأصبح دونها قطر البلاد 83
أحب ظعينة وبنات نفسى    =    اليها لو بللن بها صوادى 83
ومن دون الذى أملت ودا    =    ولو طالبتها خرط القتاد 83
وقال الناصحون تحل منها    =    ببذل قبل شميتها الجماد 83
وقد وعدتك لو أقبلت ودا    =    فلج بك التدلل في تعادى 83
فأسررت الندامة يوم نادى    =    برد جمال غاضرة المنادى 83
تمادى البعد دونهم فامست    =    دموع العين لج بها التمادى 83
لقد منع الرقاد فبت ليلى    =    تجافينى الهموم عن الوساد 83
عدانى أن أزورك غير بغض    =    مقامك بين مصفحة شداد 83
وانى قائل ان لم أزره    =    سقت ديم السواري والغوادى 83
محل أخى بنى أسد قنونا    =    فما والى إلى برك الغماد 83
مقيم بالمجازة من قنونا    =    وأهلك بالاجيفر والثماد 83
فلا تبعد فكل فتى سيأتي    =    عليه الموت يطرق أو يغادى 83
وكل ذخيرة لابد يوما    =    ولو بقيت تصير الي نفاد 83
كان شوك السيال حسنا فأضحى    =    دونه للفراق شوك القتاد(1) 84
سعدت غربة النوى بسعاد    =    فهى طوع الاتهام والانجاد 84
كل يوم يسفحن دمعا طريفا    =    يمترى مزنه بشوق تلاد 84
واقع بالخدود والحر منه    =    واقع بالقلوب والاكباد 84
يا أبا عبدالله أوريت زندا    =    في يدى كان دائم الاصلاد 84
فكأن المغذ فيها مقيم    =    وكأن السارى عليهن غادى 84
وضياء الآمال أفتح في الطرف    =    وفي القلب من ضياء البلاد 84
ومنها بعد ما أصلت الوشاة سيوفا    =    قطعت في وهي غير حداد 84
من أحاديث حين دوختها بالرأي    =    كانت ضعيفة الاسناد 84
فنفى عنك زخرف القول سمع    =    لم يكن فرصة لغير السداد 84
ضرب الحلم والوقار عليه    =    دون عور الكلام بالاسداد 84
وحوان أبت عليها المعالي    =    ان تسمى مطية الاحقاد 84
حمل العب‌ء كاهل لك أمسى    =    لخطوب الزمان بالمرصاد 84
عاتق معتق من الهون الا    =    من مقاساة مغرم أو نجاد 84
للحمالات والحمائل فيه    =    كلحوب الموارد الاعداد 84
وأرتنا خدا يراح له الور    =    دويشتمه جنى التفاح 85
وشنيبا يغض من لؤلؤ النظ    =    - م ويزرى على شتيت الاقاحى 85
فأضاء‌ت تحت الدجنة للشر    =    ب وكادت تضئ للمصباح(1) 85
أنت ناضلت دونها بعطايا    =    عائدات على العفاة بوادى 85
فاذا هلهل النوال أتتنا    =    ذات نيرين مطبقات الايادى 85
كادت المكرمات تنهد لولا    =    انها أيدت بحي إياد 85
باحاظي الجدود لا بل بوشك    =    الجد لابل بسؤدد الاجداد 85
وكأن الاعناق يوم الوغى أو    =    لى باسيافهم من الاغماد 85
فاذا ضلت السيوف غداة الرو    =    ع كانت هواديا للهوادى 85
أبغضوا عزكم وودوا نداكم    =    فقراكم من بغضة وودادى 85
لاعدمتم غريب مجد ربقتم    =    في عراه نوافر الاضداد 85
هين ما يقول فيك اللاحى    =    بعد اطفاء غلتى والتياحى 85
هل إلى ذى تجنب من سبيل    =    أم على ذي صبابة من جناح 85
فسقى جانب المناظر فالقصر    =    هزيم المجلجل السحاح 85
حين جاء‌ت فوت الرياح فقلنا    =    أى شمس تجئ فوت الرياح 85
هزمنا شرخ الشباب فجالت    =    فوق خصر كثير جول الوشاح 85
سفرت كما سفر الربيع الطلق عن    =    ورد يرقرقه الضحى مصقول 86
وتبسمت عن لؤلؤ في رصفه    =    برد يرد حشاشة المتبول 86
كأنما تبسم عن لؤلؤ    =    منضد أوبرد أو أقاح 86
فاضاء‌ت تحت الدجنة للشر    =    ب وكادت تضئ للمصباح 86
وأشارت على الغناء بالحا    =    ظ مراض من التصابي صحاح 86
فطربنا لهن قبل المثاني    =    وسكرنا منهن قبل الراح 86
قد تدير الجفون من عدم الا    =    لباب ما لايدور في الاقداح 86
يا أبا مسلم تلفت الي الشر    =    ق وأشرف للبارق اللماح 86
مستطيرا يقوم في جانب الليل    =    على عرضه مقام الصباح 86
ومنيفا يريك منبج نصا    =    وهي خضراء من جميع النواحي 86
ورياضا بين العبيدى فالقصر    =    فاعلى سمعان فالمستراح 86
عرصات قد أبرحت حرق الشوق    =    اليهن أيما ابراح 86
فاذا شئت فارفع العيس ينحتن    =    بحر الوجيف تحت القداح 86
لتعين السحاب ثم على إسقاء    =    أرض غرب الفرات براح 86
لاتتم السقيا بساحة قوم    =    لم يبيتوا في نائل وسماح 86
ولعمري لئن دعيتك للجو    =    د لقدما لبيتنى بالنجاح 86
خلق كالغمام ليس له بر    =    ق سوى بشر وجهك الوضاح 86
ارتياحا للطالبين وبذ    =    لا للمعالي للباذل المرتاح 86
أى جديك لم يفت وهو ثان    =    من مساعيه السن المداح 86
وكلا جانبيك سبط الخوافى    =    حين تسموا أثبت ريش الجناح 86
أمن يهجو رسول الله منكم    =    ويمدحه وينصره سواء(1) 88
أبا لاراجيز يابن اللوم توعدنى    =    وفى الاراجيز خلت اللؤم والخور(1) 90
اني أنا ابن جلا ان كنت تعرفنى    =    يا رؤب والحية الصماء في الجبل 91
مافي الدواوين في رجلى من عقل    =    عند الرهان ولا أكوى من العقل 91
أبا لا راجيز يابن اللؤم توعدنى    =    وفى الاراجيز خلت اللؤم والفشل 91
أما وأبى للصبر في كل موطن    =    أقر لعينى من غنى رهن ذلتي 92
وإنى لاختار الظما في مواطن    =    على بارد عذب وأعيا بغلتى 92
وأستر ذنب الدهر حتى كأنه    =    صديق ولا أغتابه عند زلتى 92
ولست كمن كان ابن أمى مقترا    =    فلما أفاد المال عاد ابن علة 92
فدابرته حتى انقضى الود بيننا    =    ولم أتمطق من نداه ببلة 92
وكنت له عند الملمات عدة    =    أسد بمالى عنده كل خلة 92
فاسقنيها ياسواد ابن عمرو    =    إن جسمى بعد خالى لخل(1) 93
مطرق يرشح سما كما    =    أطرق أفعي ينفث السم صل 93
خبر ما نابنا مصمئل    =    جل حتي دق فيه الاجل 93
شامس في القر حتى اذا ما    =    ذكت الشعرى فبرد وظل 93
يابس الجنبين من غير بؤس    =    وندى الكفين شهم مدل 93
ظاعن بالحزم حتى اذا ما    =    حل حل الحزم حيث يحل 93
غيث مزن غامر حيث يجدي    =    واذا يسطو فليث أبل 93
مسبل في الحى أحوى رفل    =    واذا يغزو فسمع أزل 93
وله طعمان أري وشري    =    وكلا الطعمين قد زاق كل 93
يركب الهول وحيدا ولا يصحبه    =    الا اليماني الافل 93
وفتو هجروا ثم أسروا    =    ليلهم حتى اذا أنجاب حلوا 93
كل ماض قد تردي بماض    =    كسنا البرق اذا ما يسل 93
فادركنا الثأر منهم ولما    =    ينج ملحيين الا الاقل 93
فاختسوا أنفاس ثوم فلما    =    هوموا رعتهم فاشمعلوا 93
فلو أن قومى أنطقتنى رماحهم    =    نطقت ولكن الرماح أجرت(1) 94
وبما أبركها في مناخ    =    جعجع ينقب فيه الاظل 94
وبما صبحها في ذراها    =    منه بعد القتل نهب وشل 94
صليت منى هذيل بخرق    =    لايمل الشر حتى يملوا 94
ينهل الصعدة حتي اذا ما    =    نهلت كان لها منه عل 94
فاسقنيها ياسواد بن عمرو    =    ان جسمى بعد خالى لخل 94
تضحك الضبع لقتلى هذيل    =    وتري الذئب لها يستهل 94
وقافية قيلت فلم أستطع لها    =    دفاعا اذا لم تضربوا بالمناصل 94
فادفع عن حق بحق ولم يكن    =    ليدفع عنكم قالة الحق باطلى 94
إذا كان باب الذل من جانب الغنى    =    سموت إلى العلياء من جانب الفقر 95
صبرت وكان الصبر منى سجية    =    وحسبك أن الله أثنى على الصبر وقوله 95
وآخر منهم أجررت رمحى    =    وفي البجلى معبلة وقيع 95
وقوله ونقى بأفضل ما لنا أحسابنا    =    ونجر في الهيجا الرماح وندعى 95
ولما رأيت الخيل زورا كأنها    =    جداول زرع أرسلت فاسبطرت 95
فجاشت إلى النفس أول مرة    =    فردت على مكروهها فاستقرت 95
على م تقول الرمح يثقل عاتقى    =    اذا أنا لم أطعن اذا الخيل كرت 95
لحا الله جرما كلما ذر شارق    =    وجوه كلاب هارشت فاز بأرت 95
فلم تغن جرم نهدها اذ تلاقيا    =    ولكن جرما في اللقاء ابذعرت 95
ظللت كأني للرماح دريئة    =    أقاتل عن أبناء جرم وفرت 95
فلو أن قومي أنطقتنى رماحهم    =    نطقت ولكن الرماح أجرت 95
أتهجوا ولست له بند    =    فشركما لخير كما الفداء(2) 97
عفت ذات الاصابع فالجواء    =    إلى عذراء منزلها خلاء 97
ديار من بنى الحسحاس قفر    =    تعفيها الروامس والسماء 97
وكانت لايزال بها أنيس    =    خلال مروجها نعم وشاء 97
لشعثاء التي قد تيمته    =    فليس لقلبه منها شفاء 98
كأن سبيئة من بيت رأس    =    يكون مزاجها عسل وماء 98
عدمنا خيلنا ان لم تروها    =    تثير النقع موعدها كداء 98
ينازعن الاعنة مصيغات    =    على اكتافها الاسل الظماء 98
فاما تعرضوا عنا ائتمرنا    =    وكان الفتح وانكشف الغطاء 98
والا فاصبروا لجلاد يوم    =    يعزالله فيه من يشاء 98
وجبريل رسول الله فينا    =    وروح القدس ليس له كفاء 98
وقال الله قد يسرت جندا    =    هم الانصار عرضتها اللقاء 98
ونحكم بالقوافي من هجانا    =    ونضرب حين تختلط الدماء 98
ألا أبلغ أبا سفيان عني    =    مغلغة فقد برح الخفاء 98
وقد أغتدى ومعى القانصان    =    وكل بمربأة مقتفر 99
فيدركنا فغم داجن    =    سميع بصير طلوب نكر 99
ألص الضروس حبى الضلوع    =    تبوع أريب نشيط أشر 99
فأنشب أظفاره في النسا    =    فقلت هبلت ألا تنتصر 99
فكر إليه بمبراته    =    كما خل ظهر اللسان المجر 99
فظل يرنح في غيطل    =    كما يستدير الحمار النعر(1) 99
وأركب في الروع خيفانة    =    كما وجهها سعف منتشر 99
لها حافر مثل قعب الوليد    =    ركب فيه وظيف عجر 99
وساقان كعباهما أصمعا    =    ن لحم حماتيهما منبتر 99
لها عجز كصفاة المسيل    =    أبرز عنها حجاف مضر 99
لها متلتان خظاتا كما    =    أكب على ساعديه النمر 99
وسالفة كسحوق اللبا    =    ن أضرم فيها الغوي السعر 99
يأم ديار بنى عامر    =    وأنت بآل عقيل فغم 100
لها جبهة كسراة المجن    =    حذقه الصانع المقتدر 100
وعين لها حدرة بدرة    =    شقت مآقيهما من أخر 100
اذا أقبلت قلت دباء‌ة    =    من الخضر مغموسة في الغدر 100
وان أعرضت قلت سرعوفة    =    لها ذنب خلفها مسبطر 100
وتعدو كعدو نجاة الظباء    =    أخطأها الحاذف المقتدر 100
ترى النعرات الزرق تحت لبانه    =    أحاد ومثنى أصعقتها صواهله 101
إذا ماخرجنا قال ولدان أهلنا    =    تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب 101
مطعم للصيد ليس له    =    غيره كسب على كبره 102
وأفرغن في وادى جلاميد بعدما    =    علا البيد سا في القيظة المتناصر 102
فإنك لا تعطى امرأ حظ غيره    =    ولاتملك الشق الذى الغيث ناصره 102
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها    =    لما نسجتها من جنوب وشمال(1) 102
ألا ليت المنازل فد بلينا    =    فلايبكين ذا حزن شجينا 103
ليت الديارالتى تبقى لتحزننا    =    كانت تبين إذا ما أهلها بانوا 103
قف بالديار التى لم يعفها القدم    =    بلى وغيرها الارواح والديم(1) 104
فلاتبعدن ياخير عمرو بن مالك    =    بلى إن من زار القبور ليبعدا 104
لا الدار غيرها بعدي الانيس وما    =    بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم 104
دار لاسماء بالغمرين ماثلة    =    كالوحى ليس بها من أهلها أرم 104
وقد أراها حديثا غير مقوية    =    السر منها فوادي الجفر فالهدم 104
فلا لكان إلى وادي الغمار فلا    =    شرقى سلمى فلا فيد فلا رهم 104
شطت بهم قرقرى برك بايمنهم    =    والعاريات وعن أيسارهم خيم 104
عوم السفين فلما حال دونهم    =    فند القريات فلعتكان فالكرم 104
كأن عينى وقد سال السليل بهم    =    وعبرة ما هم لو انهم أمم 104
غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق    =    في السلك خان به رباته النظم 104
عهدى بهم يوم باب القريتين وقد    =    زال الهماليج بالفرسان فاللجم 104
افستبدلت بعدنا دارا يمانية    =    ترعى الخريف فادنى دارها ظلم 104
ان البخيل ملوم حيث كان ول‍    =    - كن الجواد على علاته هرم 104
ولكنا نعض السيف منها    =    بأسوق عافيات اللحم كوم 105
أجزت إليه حرة أرحبية    =    وقد كان لون الليل مثل الارندج 106
فأدركت من قد كان قبلى ولم أدع    =    لمن كان بعدى في الفضائل مقعدا 107
قل للقوافل والغزاة إذا غزوا    =    والباكرين وللمجد الرائح(1) 107
إن الشجاعة والسماحة ضمنا    =    قبرا بمرو على الطريق الواضح(2) 107
فإذا مررت بقبره فاعقر به    =    كوم المطى وكل طرف سابح(1) 108
وانضح جوانب قبره بدمائها    =    فلقد يكون أخادم وذبائح(2) 108
واظهر ببزته وعقد لوائه    =    واهتف بدعوة مصلتين شرامح 109
آب الجنود معقلا أو قافلا    =    وأقام رهن حفيرة وضرائح 109
وأرى المكارم يوم زيل بنعشه    =    زالت بفضل فواضل ومدائح 109
رجفت لمصرعه البلاد وأصبحت    =    منا القلوب لذاك غير صحائح 109
ألآن لما كنت أكمل من مشى    =    وافترنابك عن شباة القارح 109
وتكاملت فيك المروء‌ة كلها    =    وأعنت ذلك بالفعال الصالح 109
فكفي لنا حزنا ببيت حله    =    إحدي المنون فليس عنه ببارح 109
فعفت منابره وحط سروجه    =    عن كل طامحة وطرف طامح 109
واذا يناح على امرئ فتعلمى    =    ان المغرية فوق نوح النائح 109
تبكى المغيرة خيلنا ورماحنا    =    والباكيات برنة وتصايح 109
مات المغيرة بعد طول تعرض    =    للموت بين أسنة وصفائح 109
والقتل ليس الي القتال ولا أرى    =    سببا يؤخر للشفيق الناصح 109
ولقد أراه مجنبا أفراسه    =    يغشى الاسنة فوق نهد قارح 110
في جحفل لجب ترى أبطاله    =    منه تعضل بالفضاء الفاسخ 110
يقص الحزونة والسهولة اذ غدى    =    بزهاء أرعن مثل ليل جانح 110
ولقد أراه مقدما أفراسه    =    يدنى مراجح في الوغى لمراجح 110
فتيان عادية لدي مرسى الوغى    =    سنوا بسنة معلمين جحاجح 110
لبسوا السوابغ في الحروب كانها    =    غدر تحيز في بطون أباطخ 110
واذا الضراب عن الطعان بدالهم    =    ضربوا بمرهفة الصدور جوارح 110
لو عند ذلك قارعته منية    =    قرع الحواء وضم سرح السارح 110
كنت الغياث لارضنا فتركتنا    =    فاليوم نصبر للزمان الكالح 110
فانع المغيرة للمغيرة اذ غدت    =    شعواء مشعرة لنبح النابح 110
صفان مختلفان حين تلاقيا    =    آبوا بوجه مطلق أو ناكح 110
ومدجج كره الكماة نزاله    =    شاكى السلاح مسايف أو رامح 110
قد زار كبش كتيبة بكتيبة    =    يؤدي لكوكبها برأس طامح 110
غيرن دون نسائه وبناته    =    حامي الحقيقة للحروب مكاوح 110
سبقت يداك له بعاجل طعنة    =    شهقت لمنفذها أصول جوانح 110
والخيل تضبح بالكماة وقد جرت    =    فوق النحور دماؤها بسرائح 110
يالهفتا يا لهفتا لك كلما    =    خيف المغير على المدر الماسخ 110
تشفى بحلمك لابن عمك جهله    =    وتذب عنه كفاح كل مكافح 110
واذا يصول بك ابن عمك لم يصل    =    بمواكل وكل غداة تجالح 110
واذا الامور على الرجال تشابهت    =    وتنوزعت بمغالق ومفاتح 111
فتل السحيل بمبرم ذي مرة    =    دون الرجال بفضل عقل راجح 111
وأرى الصعالك للمغيرة أصبحت    =    تبكي على طلق اليدين مسامح 111
كان الربيع لهم اذا انتجعوا الندى    =    وخبت لوامع كل برق لامح 111
كان المهلب بالمغيرة كالذى    =    ألقى الدلاء إلى قليب المائح 111
فاصاب جمة ما استقى فسقى له    =    في حوضه بنوازع ومواتح 111
أيام لو يحتل وسط مفارة    =    فاضت معاطشها بشرب سائح 111
إن المهلب لن يزال لها فتى    =    يمرى قوادم كل حرب لاقح 111
بالمقربات لواقحا آطالها    =    تجتاب سهل سباسب وصحاصح 111
متلببا تهفو الكتائب حوله    =    ملح المنون من النضيح الراشح 111
ملك أغر متوج يسمو له    =    طرف الصديق بغض طرف الكاشح 111
لن يسبق الله على حمار    =    ولاعلى ذى ميعة مطار 112
أو يأتى الحتف على مقدار    =    قد يصبح الله أمام السارى 112
ولقد ألم بنا لنقريه    =    بادى الشقاء محارف الكسب 117
يدعو الغنا أن نال علقته    =    من مطعم غبا إلى غب 117
وطوى ثميلته وألحقها    =    بالصلب بعد لدونة الصلب 117
ياضل سعيك ما صنعت بها    =    جمعت من شب إلى دب 117
لو كنت ذالب تعيش به    =    لفعلت فعل المرء ذى اللب 117
وجمعت صالح ما احترفت وما    =    جمعت من نهب إلى نهب 117
وأظنه شغبا تدل به    =    فلقد منيت بغاية الشغب 117
أو كان غير مناصل تعصى بها    =    مشحوذة وركائب الركب 117
فاغمذ إلى أهل الوقير فما    =    يخشاك غير مقرمص الذرب 117
أحسبتنا ممن تطيف به    =    فاختر بها للامن والخصب 117
وبغير معرفة ولاسبب    =    أنى وشعبك ليس من شعبي 117
لما رأى أن ليس نافعه    =    جد تهاون صادق الارب 117
وألح إلحاحا لحاجته    =    شكوى الضرير ومزجر الكلب 118
بادى التكلح يشتكى سغبا    =    وأنا ابن قاتل شدة السغب 118
فرأيت أن قد نلته بأذى    =    من بعد مثلبة ومن سب 118
ورأيت حقا أن أضيفه    =    إذا أم سلمى واتقى حربى 118
فوقفت معتاما أزاولها    =    بمهند ذى رونق عضب 118
فعرضته في ساق أسمنها    =    فاجتاز بين الحاذ والكعب 118
فتركتها لعياله جزرا    =    عمدا وعلق رحلها صحبى 118
وماء كلون الغسل قد عادا آجنا    =    قليل به الاصوات في بلد محل(1) 119
وجدت عليه الذئب يعوى كأنه    =    خليع خلامن كل مال ومن أهل(2) 119
فقلت له ياذئب هل لك في فتى    =    يواسى بلا من عليك ولابخل(3) 119
فقال هداك الله للرشد إنما    =    دعوت لما لم يأته سبع قبلى(4) 119
فلست بآتيه ولا أستطيعه    =    ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذافضل(1) 120
فقلت عليك الحوض إنى تركته    =    وفى صغوه فضل القلوص من السجل(2) 120
فطرب يستعوى ذئابا كثيرة    =    وعذت وكل من هواه على شغل 120
وليلة بتنا بالغريين ضافنا    =    على الزاد موشى الذراعين أطلس 120
تلمسنا حتى أتانا ولم يزل    =    لدن فطمته أمه يتلمس 120
فلو أنه إذا جاء‌نا كان دانيا    =    لالبسته لو أنه كان يلبس 120
ولكن تنحا جنبة بعد ما دنا    =    فكان كقاب القوس أو هو أنفس 120
فقاسمته نصفين بينى وبينه    =    بقية زادى والركائب نعس 121
وكان ابن ليلى إذ قرى الذئب زاده    =    على طارق الظلماء لايتعبس 121
وأعوج من آل الصريح كأنه    =    بذى الشبت سيد آخر الليل جائع 121
بغى كسبه أطراف ليل كأنه    =    وليس به ضلع من الخمس ظالع 121
فلما أتاه الرزق من كل وجهة    =    جنوب الملا وآيسته المطامع 121
طوى نفسه طى الجرير كأنه    =    حوى حية في ربوة فهو هاجع 121
فلما أصابت متنه الشمس حكه    =    بأعصل في أنيابه السم ناقع 121
وفكك لحييه فلما تعاديا    =    صأى ثم أقعى والبلاد بلاقع 121
وهم بأمر ثم أزمع غيره    =    وإن ضاق رزق مرة فهو واسع 121
وعارض أطراف الصبا فكأنه    =    رجاع غدير هزه الريح رائع 121
فقلت تعلم أننى غير نائم    =    إلى مستقل بالحباية أنيبا 121
بعيد المطاف لايفيد على الغنا    =    ولايأتلى ما اسطاع إلا تكسبا 121
فظل يراعى الجيش حتى تغيبت    =    خباش وحالت دونهن الاجارع 121
إذا ماغدا يوما رأيت غياية    =    من الطير ينظرن إلى هو صانع(1) 121
خفيف المعا إلا مصيرا يبله    =    دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع 122
هو البعل الدانى من الناس كالذى    =    له صحبة وهو العدو المنازع 122
ينام بإحدى مقلتيه ويتقى    =    بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع(1) 122
إذا نال من بهم النخيلة غرة    =    على غفلة فيما يري وهو طالع 122
تلوم ولو كان ابنها أفرحت به    =    اذا هب أرواح الشتاء الزعازع 122
فقامت تعشى ساعة ما تطيقها    =    من الدهر قامتها الكلاب الظوالع 122
رأته فشكت وهو أطحل مائل    =    إلى الارض مثنى اليه الاكارع 122
طوي البطن الا من مصير ببله    =    دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع 122
ترى طرفيه يعسلان كلاهما    =    كما اهتز عود الشيحة المتتابع 122
اذا خاف جورا من عدورمت به    =    قصائبه والجانب المتواسع 122
وان بات وحشا ليلة لم يضق بها    =    ذراعا ولم يصبح بها وهو خاشع 122
ويسرى لساعات من الليل قرة    =    يهاب السرى فيها المخاض النوازع 122
وان حددت أرض عليه فانه    =    بعزة أخرى طيب النفس قانع 122
ينام باحدى مقنتيه ويتقى    =    باخرى المنايا فهو يقظان هاجع 122
اذا قام ألقى بوعه قدر طوله    =    ومدد منه صلبه وهو تابع 122
وفكك لحيه فلما تعاديا    =    صأى ثم أقعي والبلاد بلاقع 122
اذا ما غدي يوما رأيت غياية    =    من الطير ينظرن الذى هو صانع 122
تجلى لنا بالمشرفية والقنا    =    وقد كان عن وقع الاسنة نائيا 127
إذا شاب الغراب رجوت أهلى    =    وصار القير كاللبن الحليب 128
وكم من صاحب قد بان عنى    =    رميت بفقده وهو الحبيب 128
فلم أبد الذى تحنو ضلوعى    =    عليه وإننى لانا الكثيب 128
مخافة أن يرانى مستكينا    =    عدو أو يشابهه قريب 129
فيشمت كاشح ويظن أنى    =    جزوع عند نائبه تنوب 129
فبعدك شدت الاعداء طرفا    =    إلى ورابنى دهر مريب 129
وأنكرت الزمان وكل أهلى    =    وهرتنى لغيبتك الكليب 129
وكنت تقطع الابصار دونى    =    وإن وغرت من الغيظ القلوب 129
ويمنعنى من الاعداء أنى    =    وإن رغموا لمخشى مهيب 129
فلم أر مثل يومك كان يوما    =    بدت فيه النجوم فما تغيب 129
وليل ما أنام به طويل    =    كأنى للنجوم به رقيب 129
ومايك جائيا لابد منه    =    إليك فسوف تجلبه الجلوب 129
إن الفرزدق صخرة ملمومة    =    طالت فليس تنالها الاوعالا(1) 130
طاف الخيال وأين منك لما ما    =    فارجع لزورك بالسلام سلاما 130
لاتطلبن خؤولة من تغلب    =    فالزنج أكرم منهم أخوالا 130
الزنج لولا قيهم في صفهم    =    لاقيت ثم جحاجحا أبطالا 130
ما بال كلب بنى كليب سبنا    =    أن لم يوازن حاجبا وعقالا 130
ان الفرزدق صخرة عادية الخ130
كذبتك عينك أم رأيت بواسط    =    غلى الظلام من الرباب خيالا 130
ذكرت أخى المخول بعد يأس    =    فهاج على ذكراه اشتياقى 132
فلا أنسى أخى مادمت حيا    =    وإخوانى بأقربة العتاق 132
يجرون الفصال على الندامى    =    بروق الحزن من كنفى إباق 132
ويغلون السباء إذا أتوه    =    بضمر الخيل والشول الخقاق 132
إذا اتصلوا وقالوا يا آل غوث    =    وراحوا في المحبرة الرقاق 132
أجابك كل أورع شمرى    =    رخى البال منطلق الخناق 132
أناس صالحون نشأت فيهم    =    فآدوا بعد إلف واتساق 132
مضوا لسبيلهم ولبثت عنهم    =    ولكن لامحالة من لحاق 132
كذا الالف الذى أدلجن عنه    =    فجن ولا يتوق إلى متاق 132
أرى الدنيا ونحن نعيث فيها    =    مولية تهيأ لانطلاق 132
أعاذل قد بقيت بقاء قيس    =    وما حي على الدنيا بباقي 132
كأن الشيب والاحداث تجرى    =    إلى نفس الفتى فرسا سباق 132
فإما الشيب يدركه وإما    =    يلاقى حتفه فيما يلاقى 132
فإن تك لمتى بالشيب أمست    =    شميط اللون واضحة المساق 132
فقد أغدو بداجية أرايي    =    بها المتطلعات من الرواق 132
إلي كأنهن ظباء قفر    =    برهبي أو بباعجتى فتاق(1) 132
يرامقن الخبال بغير وصل    =    وليس حبال وصلى بالرماق 133
وعهد الغانيات كعهد قين    =    وفت عنه الجعائل مستداق 133
كجلب السوء يعجب من رآه    =    ولايشفى الحوائم من لماق 133
فلايبعد مصابي في الموامى    =    وإشراف العلاية وانصفاق 133
وغبراء القتام جلوت عنى    =    بعجلى الطرف سالمة المآق 133
وقد طوفت في الآفاق حتى    =    سئمت النص بالقلص العتاق 133
وكم قاسيت من سنة جماد    =    تعض اللحم مادون العراق 133
إذا أفنيتها بدلت أخرى    =    أعد شهورها عد الاواقى 133
وأفنتنى الشهور وليس تفنى    =    وتعداد الاهلة والمحاق 133
وماسبق الحوادث ليث غاب    =    يجر لعرسه جزر الرفاق 133
ولابطل تعادى الخيل منه    =    فرار الطير من برد يعاق 133
يا بكر ماراح من قوم ولا ابتكروا    =    إلا وللموت في آثارهم حادى 133
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت    =    إلا تقرب آجالا لميعاد 133
إذا انقطعت عنى من العيش مدتى    =    فإن بكاء الباكيات قليل 133
سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتى    =    ويحدث بعدى للخليل خليل 133
أجلك قوم حين صرت إلى الغنا    =    وكل غنى في العيون جليل 133
وليس الغنا إلا غنى زين الفتى    =    عشية يقرى أو غداة ينيل 134
ولم يفتقر يوما وإن كان معدا    =    جواد ولم يستغن قط بخيل 134
إذا مالت الدنيا إلى المرء‌رغبت    =    إليه ومال الناس حيث يميل 134
أرى علل الدنيا على كثيرة    =    وصاحبها حتى الممات عليل 134
وإنى وإن أصبحت بالموت موقنا    =    فلى أمل دون اليقين طويل 134
أخى متى خاصمت نفسك فاحتشد    =    لها ومتى حدثت نفسك فاصدق 134
أرى علل الاشياء شتى ولا أرى ال‍    =    تجمع إلا علة للتفرق 134
أرى العيش ظلا توشك نقله    =    فكس في ابتغاء العيش كيسك أومق 134
أرى الدهر غولا للنفوس وإنما    =    يقى الله في بعض المواطن من يقى 134
فلاتتبع الماضى سؤالك لم مضى    =    وعرج على الباقى فسائله لم بقى 134
ولم أر كالدنيا خليلة صاحب    =    محب متى تحسن بعينيه تطلق 134
تراها عنايا وهى صنعة واحد    =    فتحسبها صنعا لطيف وأخرق 134
أغشى الخطوب فإما جئن مأربتى    =    فيما أسير أو أحكمن تأديبى 134
إن تلتمس أخلاف الخطوب وإن    =    تلبث مع الدهر تسمع بالاعاحيب(1) 135
أتاركى أنت أم مغرى بتعذيبى    =    ولائمى في الهوي إن كان يزرى بي 135
عمر الغوائى لقدبين من كثب    =    هضيمة في محب غير محبوب 135
إذا مددنا إلى أعراضه سببا    =    وقين من كرهه الشبان بالشيب 135
أمفلت بك من زهد المهاهرب    =    من مرحق ببوادى الشيب مقروب 135
يحنوبه من أعاليه على أود    =    حنوا الثقاف جرى فوق الانابيب 135
أم هل مع الحب حلم لاتسفهه    =    صبابة أو عزاء غير مغلوب 135
قضيت من طلبي للغانيات وقد    =    شأونني حاجة في نفس يعقوب 135
لم أر كالنفر الاغفال سائمة    =    من الحبلق لم تحفظ من الذيب 135
وأربد القطر يلقاك السراب به    =    بعد التربض مبيض الجلابيب 135
ننوط آمالنا منه على ملك    =    مردد في صريح المجد منسوب 135
محتضر الباب اما آذن النقرى    =    أو فائت لعيون الوفد محجوب 135
ومنها خلائق كسوار المزن موفية    =    على البلاد بتصبيح وتأويب 135
ينهضن بالثقل لايعطى النهوض به    =    أعناق مجفرة الهوج الهراجيب 135
في كل أرض وقوم من سحائبه    =    أسكوب عارفة من بعد أسكوب 135
كم بث في حاضر النهرين من نفل    =    ملقى على حاضر النهرين مصبوب 135
يملا أفواه مداحيه من حسب    =    على السماكين والنسرين مسحوب 135
تلقى اليه المعالي قصد أوجهها    =    كالبيت يقصد أما بالمحاريب 135
معطي من المجد مزدادا برغبته    =    يجرى علي سنن منه وأسلوب 135
متى تستزد فضلا من العمر تغترف    =    بسجليك من شهد الخطوب وصابها 136
تشد بنا الدنيا بأخفض سعيها    =    وغول الافاعى بلة من لعابها 136
يسر بعمران الديار مضلل    =    وعمرانها مستأنف من خرابها 136
ولم أرتض الدنيا أو ان مجيئها    =    وكيف ارتضائيها أوان ذهابها 136
أقول لمكذوب عن الدهر زاغ عن    =    تخير آراء الحجى وانتخابها 136
سيرديك أو يثويك أنك مجلس    =    إلي شقة بيكيك بعد مآبها 136
وهل أنت في مرموسة طال أخذها    =    من الارض إلا حفنة من ترابها(1) 136
كالعين منهومة بالحسن تتبعه    =    والانف يتبع أعلى منتهى الطيب 136
ما انفك منتضيا سيفى قرى ووغى    =    على الكواهل تدمي والعراقيب 136
قد سرني برعجل من عداوته    =    بعد الذى اختبطت من سخطه الموب 136
ساروا مع الناس حيث الناس أزفلة    =    في جوده بين مرؤوس ومربوب 136
ولو تناهت بنو شيبان عنه اذا    =    لم يجشموا وقع ذى حدين مذروب 136
مازادها النفر عنه غير تعرية    =    وبعدها من رضاه غير تتبيب 136
وما تملا الآفاق من فيض عبرة    =    وليس الهوى البادى لفيض انسكابها 136
غوى رأى نفس لاترى أن وجدها    =    بتلك الغواني شقة من عذابها 136
وحظك من ليلي ولاحظ عندها    =    سوى صدها من غادة واجتنابها 136
يفاوت من تأليف شعبى وشعبها    =    تناهى شبابي وابتداء شبابها 136
سيرديك أو يثيوك أنك مخلس    =    الي شقة يبليك بعد مآبها 137
يالهف نفسى كان جدة خالد    =    وبياض وجهك للتراب الاعفر 139
أسيئى بناء أو أحسنى لاملومة    =    لدينا ولا مقلية إن تقلت(1) 139
فدى لك يافتى وجيمع أهلى    =    وما لى إنه منه أتانى 140
خليلى هذا ربع عزة فاعقلا    =    قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت 140
ومساترابا كان قد مس جلدها    =    وبيتا وظلا حيث باتت وظلت 140
ولا تيأسا أن يمحوالله عنكما    =    ذنوبا اذا صليتما حيث صلت 140
وما كنت أدري قبل عزة ماالبكي    =    ولا موجعات القلب حتى تولت 140
وقد حلفت جهدا بما نحرت له    =    قريش غداة المأزمين وصلت 140
أناديك ماحج الحجيج وكبرت    =    بفيفا غزال رفقة وأهلت 140
وكانت لقطع العهد بينى وبينها    =    كناذرة نذرا فأوفت وحلت 140
فقلت لها ياعز كل مصيبة    =    اذا وطنت يوما لها النفس ذلت 140
ولم يلق انسان من الحب ميعة    =    لغم ولا عمياء الا تجلت 140
صفوحا فما تلقاك الا بخيلة    =    فمن مل منها ذلك الوصل ملت 141
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها    =    وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت 141
فليت قلوصي عند عزة قيدت    =    بحبل ضعيف غر منها فضلت 141
وغودر في الحى المقيمين رحلها    =    وكان لها باغ سواي فبلت 141
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة    =    ورجل رمى فيها الزمان فشلت 141
وكنت كذات الظلع لما تحاملت    =    على ظلعها بعد العثار استقلت 141
أريد الثواء عندها وأظنها    =    اذا ما أطلنا عندها المكث ملت 141
فما أنصفت أما النساء فبغضت    =    الينا وأما بالنوال فضنت 141
يكلفها الغيران شتمى وما بها    =    هو اني ولكن للمليك استذلت 141
هنيئا مريئا غير داء مخامر    =    لعزة من أعراضنا ما استحلت 141
ووالله ما قاربت الا تباعدت    =    بصرم ولا أكثرت الا أقلت 141
فان تكن العتبي فاهلا ومرحبا    =    وحقت لها العتبي لدينا وقلت 141
وان تكن الاخري فان وراء‌نا    =    مناوح لو تسرى بها العيس كلت 141
خليلى ان الحاجبية لمحت    =    قلوصيكما وناقتى قد أكلت 141
فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت    =    بعاقبة أسبابه قد تولت 141
أسيئ بنا أو أحسنى لاملومة    =    لدينا ولا مقلية ان ثقلت 141
ولكن أميلى واذكري من مودة    =    لنا خلة كانت لديك فضلت 141
واني وان صدت لمثن وصادق    =    عليها بما كانت الينا أزلت 141
فما أنا بالداعى لعزة بالجوى    =    ولا شامت ان نعل عزة زلت 141
فلا يحسب الواشون ان صبابتى    =    بعزة كانت غمرة فتجلت 141
فاسبحت قد أبللت من دنف بها    =    كما أدنفت هيماء ثم استبلت 141
وما مر من يوم على كيومها    =    وان عظمت أيام أخرى وجلت 142
فاضحت بأعلى شاهق من فؤاده    =    فلا القلب يسلاها والا العين ملت 142
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه    =    وللنفس لما وطنت كيف ذلت 142
واني وتهيامي بعزة بعدما    =    تخليت عما بيننا وتخلت 142
لكا لمرتجى ظل الغمامة كلما    =    تبوأ منها للمقيل اضمحلت 142
كأني واياها سحابة ممحل    =    رجاها فلما جاوزته استهلت 142
ألم ترنا غبنا ماؤنا    =    زمانا فظلنا نكد البئارا 146
فلما عدا الماء أوطانه    =    وجف الثماد فصارت حرارا 146
وضجت إلى ربها في السماء    =    رؤس العصاه تناجى السرارا 146
وفتحت الارض أفواهها    =    عجيج الجمال وردن الجفارا 146
لبسنا لدى عطن ليلة    =    على اليأس أثيابنا والخمارا 146
وقلنا أعيروا الندى حقه    =    وسيروا الحفاظ وموتوا حرارا 146
فإن الندى لعسى مرة    =    يرد إلى أهله ما استعارا 147
فبتنا نوطن أحشاء‌نا    =    أضاء لنا عارض فاستطارا 147
وأقبل يزحف زحف الكسير    =    سياق الرعاء البطاء العشارا 147
تغتى وتضحك حافاته    =    خلال الغمام وتبكى مرارا 147
كأنا تضى لنا حرة    =    تشد إزارا وتلقى إزارا 147
فلما خشينا بأن لانجئ    =    وأن لا يكون فرارا فرارا 147
أشار إليه امروا فوقه    =    هلم فأم إلى ما أشارا 147
لولا اتقاء الله قمت بمفخر    =    لايبلغ الثقلان فيه مقامى 147
بأبوة في الجاهلية سادة    =    بذوا العلا إمراء في الاسلام 147
جادوا فسادوا مانعين أذاهم    =    لنداهم فضل على الاقوام 147
قد أنجبوا في السؤددين وأنجبوا    =    بنجابة الاخوال والاعمام 147
قوم إذا سكتوا تكلم مجدهم    =    عنهم فأخرس دون كل كلام 147
أياأخوى الملزمى ملامة    =    أعيذ كما بالله من مثل مابيا 147
سألتكما بالله إلا جعلتما    =    مكان الاذى واللوم أن تأوياليا 147
أيا أمتا حب الهلالى قاتلى    =    شطون النوى يحتل عرضا يمانيا 147
أشم كغصن البان جعد مرجل    =    شغفت به لو كان شيئا مدانيا 147
فإن لم أوسد ساعدى بعد هجعة    =    غلاما هلاليا فشل بنانيا 147
ثكلت أبى إن كنت ذقت كريقه    =    سلافا ولا ماء الغمامة غاديا 148
ألم كثيرا لمة ثم شمرت    =    به خلة يطلبن برقا يمانيا 148
وإنى لاهوى القصد ثم يردنى    =    عن القصد ميلاة الهوى فأمبل 148
فماوجد مسجون بصنعاء موثق    =    بساقيه من حبس الامير كبول 148
وماليل مولى مسلم بجريرة    =    له بعد ما نام العيون عويل 148
بأكثر منى لوعة يوم راعنى    =    فريق حبيب ماإليه سبيل 148
سألت بعمر أخى صحبه    =    فأفظعنى حين ردوا السؤالا(2) 148
وقالوا أتيح له نائما    =    أعر السباع عليه أحالا(3) 148
أتيح له نمرا أجبل    =    فنالا لعمرك منه منالا(1) 149
فأقسمت ياعمروا لونبهاك    =    إذا نبها منك أمرا عضالا(2) 149
إذا نبها ليث عريسة    =    مفيتا مفيدا نفوسا ومالا(2) 149
هزبرا فروسا لاعدائه    =    هصورا إذا لقى القرن صالا(4) 149
هما مع تصرف ريب المنون    =    من الارض ركنا ثبيتا أمالا(5) 149
هما يوم حم له يومه    =    وقال أخوفهم بطلا وقالا(1) 150
وقالوا قتلناه في غارة    =    بآية ما إن ورثتا النبالا(2) 150
فهلا ومن قبل ريب المنون    =    فقد كان رجلا وكنتم رجالا 150
وقد علمت فهم يوم اللقاء    =    بأنهم لك كانوا نفالا 150
كأنهم لم يحسوا به    =    فيخلوا النساء له والحجالا(3) 150
ولم ينزلوا بمحول السنين    =    به فيكونوا عليه عيالا 150
وقد علم الضيف والمجتدون    =    إذا اغبر أفق وهبت شمالا(4) 150
وخلت عن اولادها المرضعات    =    ولم تر عين لمزن بلالا(1) 151
بأنك كنت الربيع المغيث    =    لمن يعتريك وكنت الثمالا(2) 151
وخرق تجاوزت مجهولة    =    بوجناء حرف تشكى الكلالا(1) 152
فكنت النهار به شمسه    =    وكنت دجى الليل فيه الهلالا 152
وخيل سمت لك فرسانها    =    فولوا ولم يستقلوا قبالا 152
وكل قبيل وإن لم تكن    =    أردتهم، منك باتواوجالا(2) 152
بانك ربيع وغيث مرئ    =    وأنك هناك تكون الثمالا 152
ان تستغيثوا بنا ان تذعروا تجدوا    =    منا معا قل عز زانها كرم 153
فمن يلق خيرا يحمدالناس أمره    =    ومن يغو لايعدم على الغى لائما(1) 154
كيف أصبحت كيف أمسيت مما    =    يغرس الود في فؤاد اللبيب 154
رمتك ابنة البكري عن فرع ضالة    =    وهن بنا خوص يخلن نعائما 155
تراء‌ت لنا يوم الرحيل بوارد    =    وعذب الثنايا لم يكن متراكما 155
سقاه حبى المزن من متهلل    =    من الشمس رواه رباباب سواجما 155
أرتك بذات الضال منها معاصما    =    وخذا أسيلا كالو ذيلة ناعما 155
صحا قلبه عنها على أن ذكرة    =    إذا خطرت دارت به الارض قائما 155
تبصر خليلى هل ترى من ظعائن    =    خرجن سراعا واقتعدن المقائما 155
تحملن من جو الوريعة بعد ما    =    تعالى النهار واجتزعن الصرائما 155
تحلين ياقوتا وشذرا وصيغة    =    وجزعا ظفاريا ودرا توائما 155
سلكن القرى والجزع تحدى جمالهم    =    ووركن قوا واجتزعن المخارما 155
ألا حبذا وجها ترينا بياضه    =    ومنسدلات كالمثانى فواحما 155
واني لاستحيي فطيمة جائعا    =    خميصا وأستحي فطيمة طاعما 155
وانى لاستحييك والخرق بيننا    =    مخافة أن تلقي أخالي صارما 155
واني وان كلت قلوصي لراجم    =    بها وبنفسى يا فطيم المراجما 155
ألا يا سلمى بالكوكب الطلق فاطما    =    وان لم يكن صرف النوى متلائما 155
ألا يا أسلمي ثم اسملى إن حاجتى    =    اليك فردى من نوالك فاطما 155
أفاطم لو أن النساء ببلدة    =    وأنت باخرى لاتبعتك هائما 155
متى ما يشأذوا الود يصرم خليله    =    ويعبد عليه لامحالة ظالما 155
وآلي جناب حلفة فأطعته    =    فنفسك ول اللوم ان كنت لائما 155
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره    =    ومن يغو لايعدم على الغي لائما 155
ألم تر أن المرء يجذم كفه    =    ويجشم من لوم الصديق المجاشما 155
مازال سرالكفر بين ضلوعه    =    حتى اصطلى سرالزناد الوارى 156
نارا يساور جمسه من حرها    =    لهب كما عصفرت شق إزار 156
طارت لها شعل يهدم لفحها    =    أركانه هدما بغير غبار 156
فصلن منه كل مجمع مفصل    =    وفعلن فاقرة بكل فقار 156
مشبوبة رفعت لاعظم مشرك    =    ماكان يرفع ضوء‌ها للسارى 156
صلى لها حيا وكان وقودها    =    ميتا ويدخلها مع الكفار 156
وكذاك أهل النار في الدنياهم    =    يوم القيامة جل أهل النار 156
يا مشهدا صدرت بفرحته إلى    =    أمصارها القصوى بنو الامصار 156
رمقوا أعالى جذعه فكأنما    =    رمقوا الهلال عشية الافطار 156
واستنشقوا منه قتارا نشره    =    من عنبر دفر ومسك دارى 157
وتحدثوا عن هلكه كحديث من    =    بالبدو عن متتابع الامطار 157
قدكان بوأه الخليفة جانبا    =    من قلبه حرما على الاقدار 157
فسقاه ماء الخفض غير مصرد    =    وأنامه في الامن غيرغرار 157
ولقد شفى الاحشاء من ترحائها    =    أن صار بابك جارمازيار 157
ثانيه في كبد السماء ولم يكن    =    كاثنين ثان إذ هما في الغار(1) 157
فكأنما انتبذا لكيما يطويا    =    عن باطس خبرا من الاخبار 157
سود اللباس كأنما نسجت لهم    =    أيدى السموم مدارعا من قار 157
بكروا وأسروا في متون ضوامر    =    فبدت لهم من مربط النجار 157
لا يبرحون ومن رآهم خالهم    =    أبدا علي سفر من الاسفار 157
كادوا النبوة والهدى فتقطعت    =    أعناقهم في ذلك المضمار 157
لما قضى رمضان منه قضاء‌ه    =    شالت به الايام في شوال 158
مازال مغلول العزيمة سادرا    =    حتى غدا في القيد والاغلال 158
مستبسلا للموت طوقا من دم    =    لما استبان فظاظة الخلخال 158
أهدى لمتن الجذع متنيه كذا    =    من عاف متن الاسمر العسال 158
لاكعب أسفل موضعا من كعبه    =    مع أنه من كل كعب عال 158
سام كأن العز يجذب ضبعه    =    وسموه من ذلة وسفال 158
متفرغ أبدا وليس بفارغ    =    من لاسبيل له إلى الاشغال 158
مازال يعنف بالنعمى فنفرها    =    عنه الغموط ووافته الاراصيد 158
حتى على حيث لاينحط مجتمعا    =    كما علاأبدا ماأورق العود 158
يابقعة ضربت فيها علاوته    =    وعنقه وذوت أغصانه الميد 158
بوركت أرضا وأوطانا مباركة    =    ماعنك في الارض للتقديس تعميد 158
لوتقدر الارض حجتك البلاد فلا    =    يبقى على الارض إلا حج جلمود 158
لم يبك إبليس إلا حين أبصره    =    في زيه وهوفوق الفيل مصفود 158
كناقة النحر تزهى تحت زينتها    =    وحد شفرتها للنحر محدود 158
ماكان أحسن قول الناس يومئذ    =    أيوم بابك هذا أم هو العيد 159
صيرت جثته جيدا لباسقة    =    جرداء والرأس منه ماله جيد 159
فآض يلعب هوج العاصفات به    =    على الطريق صليبا طرفه عود 159
حتى علاحيث لاينحط مجتمعا    =    كما علاأبدا ماأورق العود 159
مازال يعنف بالنعمى ويغمطها    =    حتى استقل به عود على عود 159
نصبته حيث ترتاب الظنون به    =    ويحسد الطير فيه أضبع البيد 159
لادمنة بلوى خبت ولاطلل    =    يرد قولا على ذى لوعة يسل 159
إن عزدمعك في آى الرسوم فلم    =    يصب عليها فعندى أدمع بلل 159
هل أنت يوما معيرى نظرة فترى    =    في رمل يبرين عيرا سيرها رمل 159
حثوال النوى بحداة مالها وطن    =    غير النوى وجمال مالها عقل 159
أمسى يرد حريق الشمس جانبه    =    عن بابك وهي في الباقين تشتعل 159
بجملة البرد من أقصى الثغور إلى    =    أدنى العراق سراعا بثها عجل 160
بسر من راء منكوسا تجاذبه    =    أيدى الشمال فضولا كلها فضل 160
تفاوتوا بين مرفوع ومنخفض    =    على مراتب ماقالوا وما فعلوا 160
رد الهجير لحاهم بعد شعلتها    =    سودا فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا 160
سما له حابل الآساد في لمه    =    من المنايا فأمسى وهو محتبل 160
حالى الذراعين والساقين لو صدقت    =    له المنى لتمنى أنها عطل 160
من تحت مطبق أرض الشام في نفر    =    أسرى يودون ودا أنهم قتلوا 160
غابوا عن الارض أنأي غيبة وهم    =    فيها فلافصل إلا الكتب والرسل 160
مازلت تقرع باب بابك بالقنى    =    وتزوره في غارة شعواء 160
حتى أخذت بنصل سيفك عنوة    =    منه الذى أعيى على الامراء 160
أخليت منه الند وهى قراره    =    ونصبته علما بسامراء 160
لم يبق فيه خوف بأسك مطمعا    =    للطير في عود ولا إبداء 160
مستشرفا للشمس منتصبا لها    =    في أخريات الجذع كالحرباء 160
وقد رأينا بها حورا منعمة    =    رودا تكامل فيها الدل والشنب 163
أصغى إلى البين مغترا فلا جرما    =    إن النوي أسأرت في عقله لمما 163
أصمنى سرهم أيام فرقتهم    =    هل كنت تعرف سرا يورث الصمما 163
نأوا فظلت لو شك البين مقلته    =    تندي تجبعا ويندي جسمه سقما 163
أظله البين حتي انه رجل    =    لومات من شغله بالبين ما علما 163
أما وقد كتمتهن الخدور ضحي    =    فابعد الله دمعا بعدها أكتتما 163
لم يطغ قوم وان كانوا ذوى رحم    =    إلا رأى السيف أدنى منهم رحما 163
مشت قلوب أناس في صدورهم    =    لما رأوك تمشى نحوهم قدما 163
أمطرتهم عزمات لو رميت بها    =    يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما 163
اذا هم نكصوا كانت لهم عقلا    =    وان هم جمحوا كانت لهم لجما 163
حتى انتهكت بحد السيف أنفسهم    =    جزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما 163
زالت جبال شرورى من كتائبهم    =    خوفا وما زلت اقداما ولاقدما 163
بيضاء في شفتيها حوة لعس    =    وفى اللثات وفى أنيابها شنب(1) 164
ويبدى الحصى منها إذا قذفت به    =    من البرد أطراف البنان المخضب(2) 164
ما بال عينك منها الماء ينسكب    =    كأنه من كلى مفرية سرب 164
النشر مسك والوجوه دنا    =    نير وأطراف الا كف عنم(1) 165
ولم أر ليلى غير موقف ساعة    =    بخيف منى ترمي جمار المحصب 165
ألا ان ما ترمين يا أم مالك    =    صدى أينما تذهب به الريح يذهب 165
يهلك والد ويخلف مو    =    لود وكل ذى أب يتيم 165
والوالدات يستفدن غنى    =    ثم على المقدار من تعقم 165
ما ذنبنا في أن غزا ملك    =    من آل جفنة حازم مرغم 165
مقابل بين العواتك    =    والغلف لانكس ولا توأم 165
حارب واستعوى قراضبة    =    ليس لهم مما يحاز نعم 165
بيض مصاليت وجوههم    =    ليست مياه بحارهم بعمم 165
فانقض مثل الصقر يقدمه    =    جيش كغلان الشريف لهم 165
إن يغضبوا يغضب لذاك كما    =    ينسل من خرشائه الارقم 165
فنحن أخوالك عمرك والخا    =    ل له معاظم وحرم 165
لسنا كأقوام مطاعمهم    =    كسب الخنا ونهكة المحرم 165
إن يخصبوا يغيوا بخصبهم    =    أو يجدبوا فهم به ألام 165
عام ترى الطير دواخل في    =    بيوتهم معهم ترتم 165
حتى إذا ما الارض زينها النبت    =    وجن روضها وأكم 165
ذاقوا ندامة فلو أكلوا الخطبان    =    لم يوجد له علقم 165
لكننا قوم أهاب بنا    =    في قومنا عفافة وكرم 165
تبكى فتذرى الدر من طرفها    =    وتلطم الورد بعناب 166
لايبعدالله التلبب والغا    =    رات إذ قال الخميس نعم 166
والعدو بين المجلسين إذا    =    ولى العشى وقد تنادى العم 166
ء‌آلفة النحيب كم افتراق    =    أظل فكان داعية اجتماع 167
وليست فرحة الاوبات إلا    =    لموقوف على ترح الوداع 167
أتنسى إذ تودعنا سليمى    =    بفرع بشامة سقى البشام(1) 167
من يكن يكره الوداع فإنى    =    أشتهيه لموضع التسليم 167
إن فيه اعتناقة لوداع    =    وانتظار اعتناقة لقدوم 167
متى كان الخيام بذى طلوح    =    سقيت الغيث أيتها الخيام 167
ومنها بنفسى من تجنبه عزيز    =    على ومن زيارته لمام 167
ومن أمسى وأصبح لا أراه    =    ويطرقنى إذا هجع النيام 167
ومنها عوي الشعراء بعضهم لبعض    =    على فقد أصابهم انتقام 167
كأنهم الثعالب حين تلقى    =    هزبرا في العرين له انتحام 167
إذا أقلعت صاعقة عليهم    =    رأوا أخري تحرق فاستهاموا 167
فمصطلم المسامع أو خصى    =    وآخر عظم هامته حطام 167
إذا شاؤا مددت لهم حضارا    =    وتقريبا مخالطه عذام 167
ومنها قضى لى أن أصلى خندفى    =    وعضب في عواقبه السمام 167
إذا ما خندف زحرت وقيس    =    فان جبال عزى لاترام 167
النشر مسك والوجوه دنا    =    نير وأطراف الاكف عنم 168
فما لي أرانى وابن عمى مالكا    =    متى أدن منه ينأ عنى ويبعد 169
وقدمت الاديم لراهشيه    =    وألفا قولها كذبا ومينا 169
تراه كأن الله يجدع أنفه    =    وعينيه إن مولاه كان له وفر(1) 169
تسمع للاحشاء منه لغطا    =    ولليدين حشأة وبددا 170
علفتها تبنا وماء‌ا باردا    =    حتى شتت همالة عيناها(1) 170
ياليت بعلك قد غدا    =    متقلدا سيفا ورمحا 170
ومولي كمولى الزبرقان دميته    =    كما دملت ساق يهاض بها كسر 170
إذا ما أحالت والجبائر فوقها    =    مضى الحول لا برء مبين ولاجبر 170
وبعده ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه    =    كضب الكدى أفنى براثنه الحفر 170
لما حططت الرحل عنها واردا    =    علفتها تبنا وماء باردا 170
إذا انصرفت نفسى عن الشئ لم تكد    =    إليه بوجه آخر الدهر تقبل 172
اذا المال لم يوجب عليك عطاء‌ه    =    قرابة قربى أو صديق توافقه 172
منعت وبعض المنع حزم وقوة    =    ولم يفتلتك المال إلا حقائقه 172
أثوى وقصر ليلة ليزودا    =    فمضى وأخلف من قتيلة موعدا 175
أبيت مع الحداث ليلى فلم أبن    =    فأخليت فاستجمعت عند خلائيا 175
ليسن أنيابا له لوامجا    =    أوسعن من أشداقه المضارجا 175
تحالف أقوام على ليسنموا    =    وجرواعلى الحرب إذ أناسانم(1) 175
تقول سليمى لاتعرض لتلفة    =    وليلك عن ليل الصعاليك نائم 175
وكيف ينام الليل من حل ماله    =    حسام كلون الملح أبيض صارم 175
وقال أبوالنجم    =    يقلن للرائد أعشبت انزل أى أصبت مكانا معشبا. 176
تريك بياض لبتها ووجها    =    كقرن الشمس أفتق ثم زالا(1) 176
ألم تعلمى أن الصعاليك نومهم    =    قليل اذا نام الخلى المسالم 176
إذا الليل أدجى واكفهر ظلامه    =    وصاح من الافراط يوم جواثم 176
ومال بأصحاب الكرى غالباته    =    فاني على أمر الغواية حازم 176
كذبتم وبيت الله لاتأخذونها    =    مراغمة مادام للسيف قائم 176
تحالف أقوام على ليسلموا    =    وجروا على الحرب اذ أنا سالم 176
أفا اليوم أدعى للهوادة بعدما    =    أجيل علي الحى المذاكى الصلادم 176
فان حريما إذ رجا أن أردها    =    ويذهب مالى يابنة القيل حالم 176
متى تجمع القلب الذكى وصارما    =    وأنفا حميا تجتنبك المظالم 176
متى تطلب المال الممنع بالقنا    =    تعش ماجدا أو تخترمك المخارم 176
وكنت اذا قوم غزونى غزوتهم    =    فهل أنا في ذايال همدان ظالم 176
فلا صلح حتى تقدع الخيل بالقنا    =    وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم 176
ولا أمن حتى تغشم الحرب جهرة    =    عبيدة يوما والحروب غواشم 176
أمستبطئ عمرو بن نعمان غارتى    =    وما يشبه اليقظان من هو نائم 176
إذا جر مولانا علينا جريرة    =    صبرنا لها إنا كرام دعائم 176
وننصر مولانا ونعلم أنه    =    كما الناس مجروم عليه وجارم 176
أصاب خصاصة فبدا كليلا    =    كلا وأنغل جانبه انغلالا 176
مكارم ليس يحصيهن مدح    =    ولا كذبا أقول ولا انتحالا 177
أبوموسي فحسبك نعم جدا    =    وشيخ الركب خالك نعم خالا 177
كأن الناس حين تمر حتى    =    عواتق لم تكن تدع الحجالا 177
قياما ينظرون إلى بلال    =    رفاق الحج أبصرت الهلالا 177
فقد رفع الا له بكل أفق    =    لضوئك يا بلال سنا طوالا 177
كضوء الشمس ليس به خفاء    =    وأعطيت المهابة والجمالا 177
ومنها سمعت الناس ينتجعون غيثا    =    فقلت لصيدح انتجعي بلالا 177
يأيها الرجل المحول رحله    =    ألا نزلت بآل عبد مناف(1) 178
هبلتك أمك لو نزلت عليهم    =    ضمنوك من جوع ومن إقراف 178
يا أيها الرجل المحول رحله    =    ألا نزلت بآل عبدالدار 178
هبلتك أمك لو تزلت برحلهم    =    منعوك من عدم ومن إقنار 178
الآخذون العهد من آفاقها    =    والراحلون لرحلة الايلاف 179
والمطعمون إذاالرياح تناوحت    =    ورجال مكة مسنتون عجاف 179
والمفضلون إذا المحول ترادفت    =    والقائلون هلم للاضياف 179
والخالطون غنيهم بفقيرهم    =    حتى يكون فقيرهم كالكافى 179
كانت قريش بيضة فتفلقت    =    فالمح خالصة لعبد مناف(1) 179
يا أيها الرجل المحول رحله    =    ألا نزلت بآل عبد مناف 179
عمر العلا هشم الثريد لقومه    =    ورجال مكة مسنتون عجاف 180
وهو الذي سن الرحيل لقومه    =    رحل الشتاء ورحلة الاضياف 180
أبناء سعد إنكم من معشر    =    لايعرفون كرامة الاضياف 180
قوم لباهلة بن يعصرإن هم    =    نسبوا حسبتهم لعبد مناف 180
قرنوا الغداء إلى العشاء وقربوا    =    زادا العمر أبيك ليس بكافي 180
وكأننى لما حططت إليهم    =    رحلى نزلت بأبرق العزاف 180
ألهى قصيا عن المجد الاساطير    =    ورشوة مثل ماترشى السفاسير 180
وأكلها اللحم بحتا لاخليط به    =    وقولها رحلت عير أتت عير 180
بينا كذلك إذ أتى كبراؤهم    =    يلحون في التبذير والاسراف 181
نعونى ولما ينعنى غير شامت    =    وغير عدو قد أصيبت مقاتله 181
يقولون إن ذاق الردى مات شعره    =    وهيهات عمرالشعر طالت طوائله 181
سأقضى ببيت يحمد الناس أمره    =    ويكثر من أهل الرواية حامله 181
إذا غزونا فمغزانا بأنقرة    =    وأهل سلمي بسيف البحر من جرت 181
هيهات هيهات بين المنزلين لقد    =    أنضيت شوقى وقد طولت ملتفي 181
أحببت أهلى ولم أظلم بحبهم    =    قالوا تعصبت جهلا قول ذي بهت 181
لهم لسانى بتقريظى وممتدحي    =    نعم وقلبي وما تحويه مقدرتي 181
دعني أصل رحمى إن كنت قاطعها    =    لابد للرحم الدنيا من الصلة 181
فاحفظ عشيرتك الادنين إن لهم    =    حقا يفرق بين الزوج والمرت 181
قومى بنو حمير والازد إخوتهم    =    وآل كندة والاحياء من علت 181
ثبت الحلوم فان سلت حفائظهم    =    سلوا السيوف فاردوا كل ذى عنت 181
نفسى تنافسنى في كل مكرمة    =    إلى المعالى ولو خالفتها أبت 181
وكم زحمت طريق الموت معترضا    =    بالسيف ضيقا فاداني إلى السعة 181
قال العواذل أودى المال قلت لهم    =    مابين أجر وفحرلي ومحمدة 181
لاتعرضن بمزح لامرئ فطن    =    ماراضه قلبه أجراه في الشفة 182
فرب قافية بالمزح جارية    =    مشؤمة لم يرد إنماؤها نمت 182
إنى إذا قلت بيتا مات قائله    =    ومن يقال له والبيت لم يمت 182
لاتعرضن بمزح لامرئ طبن    =    ماراضه قلبه أجراه في الشفة 182
فرب قافية بالمزح قاتلة    =    مشؤمة لم يرد إنماؤها نمت 182
رد السلى مستتما بعد قطعته    =    كرد قافية من بعد ما مضت 182
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها    =    مراغمة مادام للسيف قائم 183
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها    =    بنى شاب قرناها تصر وتحلب 184
أميرالمؤمنين إليك خضنا    =    غمار الموت من بلد شطير 184
بخوص كالاهلة خافقات    =    حملن على السرى وعلى الهجير 184
حملن إليك آمالا عظاما    =    ومثل الصبح والبدر المنير 184
وقد وقف المديح بمنتهاه    =    وغايته وصار إلى المصير 185
إلى من لايشير إلى سواه    =    إذا ذكر الندى كف المشير 185
يدلك في رقاب بنى على    =    ومن ليس بالمن اليسير 185
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم    =    وإلا فالندامة للكفور(1) 185
مننت على ابن عبدالله يحيى    =    وكان من الحتوف على شفير 185
وقد سخطت لسخطتك المنايا    =    عليه فهى خاتمة النشور 185
ولو كافأت مااجترحت يداه    =    دلفت له بقاصمة الظهور 185
ولكن جل حلمك فاجتباه    =    على الهفوات عفو من قدير 185
فعاد كأنه لم يجن ذنبا    =    وقد كان اجتنى حسك الصدور 185
وإنك حين تبلغه أذاة    =    وإن ظلموا لمحترق الضمير 185
وإن قالوا بنو بنت فحق    =    وردوا ما يناسب للذكور 185
وما لبنى بنات من تراث    =    مع الاعمام في ورق الزبور 185
ومنها بني حسن ورهط بنى حسين    =    عليكم بالسداد من الامور 185
فقد ذقتم قراع بني أبيكم    =    غداة الروع بالبيض الذكور 185
خلوا الطريق لمعشر عاداتهم    =    حطم المناكب كل يوم زحام(1) 186
إن لهارون إمام الهدى    =    كنزين من أجرومن بر 186
يريش ماتبرى الليالى ولا    =    تريش أيديهن مايبرى 186
كأنما البدر على رحله    =    ترميك منه مقلتا صقر 186
ولمن أضاع لقد عهدتك حافظا    =    لوصية العباس بالاخوال 186
متى يشفيك دمعك من همول    =    ويبرد مابقلبك من غليل 186
شاء من الناس راتع هامل    =    يعللون النفوس بالباطل 186
وارضوا بما قسم الاله لكم    =    ودعوا وراثة كل أصيد حام 186
آل رسول خيار الناس كلهم    =    وخير آل رسول الله هارون 187
رضيت حكمك لا أبغى به بدلا    =    لان حكمك بالتوفيق مقرون 187
ركب من النمر عاذوا بابن عمهم    =    من هاشم إذ ألج الازلم الجذع 187
متوا إليك بقربي منك تعرفها    =    لهم بها في سنام المجد مطلع 187
إن المكارم والمعروف أودية    =    أحلك الله منها حيث تنتجع 187
إذا رفعت امرأ فالله رافعه    =    ومن وضعت من الاقوام متضع 187
نفسى فداؤك والابطال معلمة    =    يوم الوغى والمنايا بينهم قرع 187
شاء من الناس راتع هامل    =    يعللون النفوس بالباطل 188
تقتل ذرية النبى وترجو    =    ن خلود الجنان للقاتل 188
ما الشك عندى في كفر قاتله    =    لكننى قد أشك في الخاذل 188
لوكنت أخشى معادى حق خشيته    =    لم تسم عينى إلى الدنيا ولم تنم 188
لكنني عن طلاب الدين محتبل    =    والعلم مثل الغنى والجهل كالعدم 188
يحاولون دخولى في سوادهم    =    لقد أطافوا بصدع غير ملتئم 188
ما يغلبون النصارى واليهود على    =    حب القلوب ولا العباد للصنم 188
ومنا الذى منع الوائدات    =    وأحيا الوئيد فلم توء‌د 191
ومنا الذى أحياالوئيد وغالب    =    وعمرو ومنا حاجب والاقارع 191
أنا ابن عقال وابن ليلى وغالب    =    وفكاك أغلال الاسير المكفر 191
وكان لنا شيخان ذوالقبر منهما    =    وشيخ أجار الناس من كل مقبر 191
على حين لاتحيى البنات وإذهم    =    عكوف على الاصنام حول المدور 191
أنا ابن الذى رد المنية فضله    =    وماحسب دافعت عنه بمعور 191
أبى أحد الغيثين صعصعة الذى    =    متى تخلف الجوزاء والنجم يمطر 191
أجار بنات الوائدين ومن يجر    =    على القبر يعلم أنه غير مخفر 191
وفارق ليل من نساء أتت به    =    يعالج ريحا ليلها غير مقمر 191
فقالت أجرلي ماولدت فإننى    =    أتيتك من هزل الحمولة مقتر 191
رأى الارض منها راحة فرمى بها    =    إلى جدد منها وفى شرمحفر 191
فقال لها نامى فأنت بذمتى    =    لبنتك جار من أبيها القتور 192
فإذا دفعت إلى زناء قعرها    =    غبراء مظلمة من الاحفار(1) 192
صدع الخليط فشاقنى أجواري    =    ونأوك بعد تقارب ومزار 193
وكأنما أنا شارب جادت له    =    بصرى بصافية الاديم عقار 193
صرف تواترت الاعاجم جفنها    =    وحماه حائط عوسج بجدار 193
من مسبل درجت اليه عيونه    =    وسقاه عازب جدول مرار 193
حتى إذا ما أنضجته شمسه    =    وأنا فليس عصاره كعصار 193
وتقصدت من غير هش عوده    =    بال وليس بحصرم أبكار 193
وتجردت بعد الهجير وضرحت    =    صهباء تبدأ شربها بقتار 193
وجدا برملة يوم شرق أهلها    =    للغور أو لشقائق المذكار 193
وكأن ظعن الحى حائش قرية    =    دانى الجناية موانع الاثمار 193
واذا تكشفت الخدور بدالنا    =    بقر كوانس في ظلال مغار 193
واذا اطلعن من الخدور لحاجة    =    سدوا الخصاص بأوجه أحرار 193
ولقد حلفت برب موسى جاهدا    =    والبيت ذى الحرمات والاستار 193
وبكل مهتبل عليه مسوحه    =    دون السماء مسبح جآر 193
لاحبرن لابن الخليفة مدحة    =    ولاقذفن بها الي الامصار 193
قرم تمهل في أمية لم يكن    =    فيها بذى أبن ولاخوار 193
نبتت قناتك منهم في أسرة    =    بيض الوجوه مصالت أخيار 193
جهراء للمعروف حين تراهم    =    حلماء غير تنابل أشرار 193
قوم اذا بسط الاله ربيعهم    =    دارت رحاه بمسبل درار 193
واذا أريد بهم عقوبة فاجر    =    مطرت صواعقهم عليه بنار 193
قوم هم نالوا النمام وأزحفت    =    عنه مذارع آخرين قصار 193
وأبوك صاحب يوم أذرح اذ    =    أبى الحكمان غير تهايب وضرار 193
أبن عرسية عنابها أشب    =    ودون غايته مستورد شرع 194
شأسي الهبوط زناء الحاميين متى    =    تنشع بوادرة يحدث لها فزع(1) 194
لما تبعثت الضغائن بينهم    =    أفضى وسار بجحفل جرار 194
وأهل اذ غنظ العدو بفيلق    =    تحت الاشاء عريضة الآثار 194
حتى رأوه بجنب مسكن معلما    =    والخيل جاذية على الاقتار 194
ومنها تسموا العيون إلى عزيز بابه    =    معطي المهابة نافع ضرار 194
وتري عليه إذ العيون شزرنه    =    سيما الحليم وهيبة الجبار 194
ولقد أناجي النفس لما شفها    =    خوف الجنان ورهبة الاقتار 194
بأبى سليمان الذي لولا يد    =    منه علقت بظهر أحدب عار 194
واذا دفعت إلى زناء بابها    =    غبراء مظلمة من الاجفار 194
لولا فواضله غداة لقيته    =    بالجد شاب مسايحى وعذارى 194
من معشر حنقين لولا أنتم    =    يابن الخليفة ما شددت إزارى 194
والشافعون مغيبون وجوههم    =    رزموا المقالة ناكسوا الابصار 194
من مبلغ قومنا النائين اذ شحطوا    =    أن الفؤاد اليهم شيق ولع 194
حمال أثقال أهل الود آونة    =    أعطيهم الجهد منى بله ما أسع 194
أشبه أبا أمك أو أشبه عمل    =    ولاتكونن كهلوف وكل 196
أشبه أخى أو أشبهن أباكا    =    أما أبى فلن تنال ذاكا 196
أشبه أبا أمك أو أشبه عمل    =    ولاتكونن كهلوف وكل 196
يبيت في مقعده قد انجدل    =    وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل 196
أشبه أخى أو اشبهن أباكا    =    أما أبي فلن تنال ذاكا 196
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها    =    إن أنعموالا كدروها ولاكدوا(2) 198
ألا طرقتنا بعد ما هجعت هند    =    وقد سرن خمسا واتلاب بنانجد 198
ألا حبذا هند وأرض بها هند    =    وهند أتى من دونها التأى والبعد 198
وهند أتى من دونها ذو غوارب    =    يقمص بالبوصي معروف ورد 198
وان التى نكبتها عن معاشر    =    على غضاب أن صددت كما صدوا 198
أتت آل شماس بن لاى وانما    =    أتاهم بها الاحلام والحسب العد 198
فان الشقى من تعادي صدورهم    =    وذو الجد من لانوا اليه ومن ودوا 198
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها    =    وان غضبوا جاء الحفيظة والجد 198
أقلوا عليهم لا أبا لابيكم    =    من اللوم أو سدوالمكان الذي سدوا 198
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا    =    وان عاهدوا أوفوا وان عقد واشدوا 198
فان كانت النعمى عليهم جزوا بها    =    وان أنعموا لا كدروها ولا كدوا 198
وان قال مولاهم على جل حادث    =    من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا 198
وان غاب عن لاى بغيض كفتهم    =    نواشئ لم تطرز شواربهم بعد 198
وكيف ولم أعلمهم خذلوكم    =    على معظم وإن أديمكم قدوا 198
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجي    =    بنى لهم آباؤهم وبنى الجد 198
ثم قالوا تحبها قلت بهرا    =    عدد القطر والحصى والتراب(1) 199
رأي مجد أقوام أضيع فحثهم    =    على مجدهم لما رأى انه الجهد 199
وتعذلنى أبناء سعد عليهم    =    وما قلت الا بالذى علمت سعد 199
قال لى صاحبي ليعلم مابى    =    أتحب القتول أخت الرباب 199
قلت وجدي بها كوجدك بالعذ    =    ب اذا ما منعت برد الشراب 199
أزهقت أم نوفل إذ دعتها    =    مهجتى ما لقاتلى من مثاب 199
فاجابت عند الدعاء كما لبى    =    رجال يرجون حسن الثواب 200
أبرزوها مثل المهاة تهادي    =    بين خمس كواعب أتراب 200
فتبدت حتى اذا جن قلبى    =    حال دونى ولائد بالثياب 200
وهي مكنونة تحير منها    =    في أديم الخدين ماء الشباب 200
وكأنه من وفده عند القرا    =    لولا مقام المادح المتكلم 201
وكأنه أخذ الندا بثيابه    =    لولا مقالته أطب للمؤدم 201
سهل الفناء إذا حللت ببابه    =    طلق اليدين مؤدب الخدام 201
وإذا رأيت صديقه وشقيقه    =    لم تدر أيهما أخو الارحام(1) 201
نزلت على آل المهلب شاتيا    =    غريبا من الاوطان في زمن المحل 202
فما زال بى إكرامهم وافتقادهم    =    وإنعامهم حتى حسبتهم أهلى 202
ألم ترنى شكرت أباسعيد    =    بنعماء وقد كفرالموالى 202
ولم أكفر سحائبه اللواتى    =    مطرن على واهية العزالى 202
فمن يك كافرا نعماه يوما    =    فإنى شاكر أخرى الليالى 202
فتى لم تطلع الشعرى بافق    =    ولم تعرض ليمن أو شمال 202
على ند له إن عد مجد    =    ومكرمة وإتلاف لمال 202
وأصبر في الحوادث إن ألمت    =    وأسعي للمحامد والمعالى 202
فتى عم البرية بالعطايا    =    فقد صاروا له أدنى العيال 202
لم أقض من صحبة زيد أربى    =    فتى إذا أغضبته لم يغضب 202
موكل العين بحفظ الغيب    =    أقصى الفريقين له كالاقرب 202